{"ً":{"ٌ":11306,"ٍ":"عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل - عبد العزيز فارح","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل - فارح","files":["02-A-04_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل\nالمؤلف: عبد العزيز محمد فارح\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nعدد الصفحات: ٥٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1576,"ٕ":10,"ٖ":1770155687,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة","level":1,"page":5},{"title":"مدخل","level":2,"page":5},{"title":"الجرح والتعديل لغة واصطلاحا","level":2,"page":7},{"title":"مشروعيته","level":2,"page":10},{"title":"نشأة الجرح والتعديل وتطوره","level":2,"page":12},{"title":"بداية الكلام في الرواة","level":2,"page":14},{"title":"نماذج من عناية العلماء بالإسناد والجرح والتعديل ومناهجهم في النقد","level":1,"page":18},{"title":"شعبة ونقد الرواة","level":2,"page":18},{"title":"مكانة شعبة في علم الرجال","level":2,"page":23},{"title":"منهجه في هذا الميدان","level":2,"page":39},{"title":"قواعد الجرح والتعديل","level":1,"page":45},{"title":"*","level":2,"page":45},{"title":"آثار علم الجرح والتعديل","level":2,"page":51},{"title":"كتب علم الجرح والتعديل وكتب علم الرجال وأثرهما في حفظ السنة","level":1,"page":54},{"title":"مدخل","level":2,"page":54},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":57}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":24,"1,23":25,"1,24":26,"1,25":27,"1,26":28,"1,27":29,"1,28":30,"1,29":31,"1,30":32,"1,31":33,"1,32":34,"1,33":35,"1,34":36,"1,35":37,"1,36":38,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":49,"1,47":50,"1,48":51,"1,49":52,"1,50":53,"1,51":54,"1,52":55,"1,53":56,"1,54":57,"1,55":58,"1,56":59,"1,57":60,"1,58":61},"ٜ":{"1":[1,58]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"7":[4],"10":[5],"12":[6],"14":[7],"18":[8,9],"23":[10],"39":[11],"45":[12,13],"51":[14],"54":[15,16],"57":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nلم يختلف المسلمون منذ فجر الإسلام في أن السنة النبوية هي التطبيق العملي للإسلام والتفصيل الواقعي للقرآن، ومرجع كل مسلم في تعرُّف الأحكام، لذلك كان كل مسلم مكلفًا باحترام هذا التطبيق تكليفَه باحترام القانون نفسه، ولذلك أيضًا كانت طاعة الرسول ﷺ طاعة لله ﷿، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] . ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧] .وليس من المستغرب أن يكون إهمال السنة والذهول عنها إضاعة لصرح عظيم من الدين، فقد كان النبي ﷺ مُبَلِّغًا عن الله ﷿، وموضحا مراده ببيان المجمل وتفصيله وذكر الجزئيات والتفاصيل، وتوضيح المشكل وتقييد المطلق وتخصيص العام وإضافة أحكام جديدة، ثم إن السنة أصل دلّ عليه كتاب الله؛ ولهذا فإن أئمة المسلمين متفقون على وجوب العمل بالحديث إذا صحَّ، فقد قال النبي ﷺ: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي\" (١)، وصحّ عن الإمام الشافعي قوله: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط\" (٢)، وهو ما تبناه في الحقيقة غيره من علماء الأمة قبله وبعده. فلا\n_________\n(١) أخرجه الإمام مالك في كتاب القدر من الموطأ باب النهي عن القول بالقدر، رقم الحديث ٣ ج ٢، ص٨٩٩، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة والإمام أحمد في المسند ٦/٣٠٦.\n(٢) الوافي بالوفيات ١/١٧٣. وانظر أيضا قواعد التحديث للقاسمي ص ٨٧ وما بعدها، وكتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٥ وما بعدها.","vol":"1","page":1},{"text":"حجة إذًا إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما استند إليهما من إجماع وقياس مبني على علّة صحيحة، أو قواعدكلية مأخوذة منها. لذلك تمسك العلماء المسلمون بالسنة والعمل بها؛ لأنها دليل - إلى جانب الكتاب العزيز - من أدلة الأحكام ومصدر أساس للشريعة الإسلامية، وغيرهما من ينابيع الاستدلال محمول عليهما، ومقتبس من روحهما، ودائر في فلكهما.\nوقد قيض الله تعالى من سلف الأمة الإسلامية وخلفها من يذود عنها، ويجاهد ويصابر في صيانتها وينفي عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فنهض علماء الأمة وقادتها في عهد الخلافة الراشدة لجمع القرآن الكريم ثم كتابته في مصحف إمام، وجاء بعدهم من يخدمه كتابة ورسمًا وتفسيرًا وإقراءً.. ولم يأل هؤلاء وأولئك جهدًا في خدمة السنة النبوية المشرفة، فقام من يكتبها في صحف خاصة، وهبّ الجميع لحفظها والعمل بها ثم روايتها وتبليغها، واستمر الأمر على هذا النحو، ثم اتّسعت آفاقه خصوصًا بعد أحداث ما يسمى بـ\"فتنة الخلافة\"؛ حيث لجأ بعض ضعاف الإيمان من أهل الأهواء والبدع والفرق الكلامية والسياسية إلى تزوير بعض الأحاديث النبوية وتحريفها أو وضع أحاديث على لسان رسول الله ﷺ، فهبّ علماء المسلمين وعامتهم إلى الذود عن السنة النبوية ومقاومة الوضع والوضاعين، فكثر الكلام في الرواة تعديلًا وتجريحًا، وقبلت أحاديث وردّت أحاديث أخرى، وكان ذلك أساسًا لعلم الجرح والتعديل، علم التمحيص","vol":"1","page":2},{"text":"وتمييز الخبيث من الطيب، وقد شهد الجميع النتائج الطيبة المباركة لهذا العلم، وعلى رأسها رواية الأحاديث النبوية الشريفة غضّة نقية صافية كما صدرت عن رسول الله ﷺ، إلى أن استقرت في مصادرها بعد ازدهار حركة التصنيف المنهجي للحديث، وظهور الكتب المتعددة من موطآت ومصنفات ومسانيد وجوامع ومستدركات ومستخرجات ومعاجم وأجزاء... اختار فيها أصحابها مناهج معينة في ترتيب الأحاديث، وشروطًا في التصحيح والتضعيف والقبول والرد.\nونظرا لأهمية علم الجرح والتعديل وتوقف التصحيح والتضعيف والقبول والرد عليه فقد أحببت المشاركة في ندوة «عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية» بموضوع «عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل وأثر ذلك في حفظ السنة»؛ رجاء أن أميط اللثام عن تاريخ هذا العلم منذ بوادره الأولى، ومرورًا بعناية العلماء بالإسناد ومطالبتهم به وبيانًا لأهميته، ووصولًا عند مرحلة نشأة علم الجرح والتعديل علمًا مستقلًا بذاته، وتطوره وظهور أعلامه الكبار ونقاده المشاهير، وما ألفوه من كتب وما وضعوه من ضوابط وقواعد.\nوقد اقتضى مني ذلك وضع خطة لهذا الموضوع بدأتها بمقدمة في فضل السنة وفضل الاشتغال بها ومظاهر عناية المسلمين بها، انتقلت بعدها إلى الكلام على عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة، ثم تعريف علم الجرح والتعديل لغة واصطلاحًا، ثم نشأته وتطوره، وخلصت بعد ذلك لذكر عدد من قواعده، ثم آثاره في ميادين وعلوم أخرى، ولما كان لعلماء الجرح والتعديل مؤلفات كثيرة في هذا الشأن فقد عُنيت ببيان ذلك فذكرت","vol":"1","page":3},{"text":"الاتجاهات الكبرى التي صار فيها التأليف عند هؤلاء مع ذكر نماذج قليلة تبين ذلك. وأنهيت هذا الموضوع بخاتمة في فضل علم الجرح والتعديل، وضرورة توظيف قواعد ومناهج نقاده في مجالات أخرى غير مجال الحديث النبوي.\nوذيلت في الأخير هذا الموضوع بلائحة للمصادر والمراجع التي استعنت بها في إنجازه، ثم بفهرس للمواضيع راجيًا أن يكون ذلك وافيًا بالغرض، وألا يكون الاختصار في بعض المباحث مخلاّ، وألاَّ يكون التطويل في بعضها مملاّ، ومن الله التوفيق والسداد، وللجنة المنظمة والسادة الأفاضل القائمين عليها تحية وإكبار خالصان صادقان.\n****************","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مدخل</span>\n...\nعناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة\nالإسناد نعمة من الله أكرم بها أمة محمد ﷺ لحفظ سننه ونقلها محفوظة مصونة، وخصيصة فاضلة فضلت بها من دون سائر الأمم، ولم يشأ المحدثون أن يكونوا سالبين تلك النعمة الربانية، مفرطين فيها، وعدّوا الإسناد من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية وعمدة الكلام وطريق النقل والقبول، قال العلامة علي القارئ في شرح النخبة: «أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنّة بالغة من السنن المؤكدة بل من فروض الكفاية» (١) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «ولكون الإسناد يُعلم به الحديث الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية» (٢) .\nولذلك اتفق أهل الحديث على أن الإسناد مطلوب في رواية السنن النبوية وشرط من شروط الالتفات إلى تلك الرواية والاعتداد بها، وأن ما خلا عن السند فهو غير معتمد، قال الإمام محمد عبد الحي اللكنوي: «وقبول الحديث الذي لا أصل له أي لا سند له ليس من شأن العاقلين، فإن بين النبي ﷺ وبين هؤلاء الناقلين مفاوز تنقطع فيها مطايا السائرين.» (٣)،وقال أيضا: «لا يقبل حديث من غير إسناد ولو نقله معتمد ...» (٤) .\n_________\n(١) ص ١٩٤\n(٢) مرقاة المفاتيح للعلامة علي القارئ، ١/٢١٨.\n(٣) الأجوبة الفاضلة، هامش ص ٣٢.\n(٤) المصدر نفسه، ص ٣٣.","vol":"1","page":5},{"text":"ولم يكتفوا بذلك، بل رفعوا من شأن الإسناد وجعلوه من الدين، فقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء» (١) . وأتمّ بعض من روى هذه الكلمة المشهورة فذكرها بلفظ: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء، فإن قيل له: من حدّثك؟ بقي» أي بقي ساكتا مفحَما، أو بقي ساكتا منقطعا عن الكلام (٢) .\nوحكى ابن خير الإشبيلي في فهرسته اتفاق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ: كذا، حتى يكون هذا القول مرويا ولو على أقل وجوه الروايات.» (٣)\nفلا غرو إذًا أن يصبح الإسناد بالشأن والقدر اللذين أعطيا له، وأن يعدّ خصيصة فاضلة من خصائص الأمة الإسلامية أكرمها الله وخصّها بها، دون سائر الأمم كلها قديمها وحديثها.\n_________\n(١) مقدمة صحيح الإمام مسلم ١/١٥، وجامع الترمذي كتاب العلل ٥/٦٩٥، والمحدث الفاصل للرامهرمزي ص ٢٠٩، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ١/١٦، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص ٦، والتمهيد لابن عبد البر ١/٩٥.\n(٢) تتبع الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، ﵀، المواطن التي وقعت فيها هذه الزيادة في المصادر المذكورة أعلاه وفي غيرها، والتحريف الكبير الذي وقع فيها من قبل بعض النساخ أو المحققين، وذلك في كتابه النافع \"الإسناد من الدين\" ص ٥١ وما بعدها، وفي تحقيقه كتاب \"الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة\" للإمام محمد عبد الحي اللكنوي، حاشية ص ٣٣.\n(٣) فهرست ابن خير، ص ١٦-١٧.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الجرح والتعديل لغة واصطلاحًا:</span>\nالجرح لغة له معنيان: أحدهما الكسب ومنه قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة الجاثية:٢١]، وسمي ذلك اجتراحا لأنه عمل بالجوارح (١) .\nوالثاني: شق الجلد.\nثم استعمل مجازا في مثل قولهم: جرحه بلسانه إذا سبّه وشتمه وعابه.\n- أما في الاصطلاح فالجرح والتجريح هو وصف الراوي بما يسقط عدالته أو يخل بحفظه وضبطه مما يترتب عليه سقوط روايته والحكم عليها بالرد فتكون ضعيفة أو موضوعة.\nويستعمل بعضهم أحيانا ألفاظا أخرى تفيد ذلك المعنى فيقال: لَيَّنَه، أو غمزه، أو رماه بكذا أو كذا.\nالمجرَّح أو المجروح هو الراوي الذي وُصف بما يسقط عدالته أو ضبطه.\nالمتكلم فيه: هو الراوي الذي تكلّم فيه بعض النقاد بجرح قد لا يكون نافذا أو مؤثرا.\nالمجرِّح: هو الناقد المشتغل بتجريح الرواة وتعديلهم أي بنقد أحوال الرواة.\nالتعديل: أصل التعديل في اللغة هو:\nعدَل يعدِل إذا حكم بالاستواء وهو المعروف عند الناس بالعدْل الذي هو\n_________\n(١) قال الزمخشري في تفسير \"اجترحوا السيئات\": والاجتراح الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم. (الكشاف ٤/٢٩٠)","vol":"1","page":7},{"text":"نقيض الجور. ومنه يوم معتدل إذا تساوى حالا حره وبرده.\nوعدَلته وعدّلته حتى اعتدل أي أقمته حتى استقام واستوى.\nوعَدَلتُ الدابة إلى طريقها: عطفتها.\nفالتعريف اللغوي يقوم على معنى الاستقامة والاستواء، وهو الذي سيكون حاضرًا في التعريف الاصطلاحي.\nأما في الاصطلاح، فالتعديل هو وصف الراوي بصفة أو صفات تزكيه وتظهر أو تثبت عدالته، ويسمى أيضًا التوثيق، والتزكية.\nوالعدالة هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى واجتناب الكبائر والابتعاد عن الصغائر أو هي حالة أو هيئة نفسانية تحمل صاحبها وتدفعه إلى ملازمة التقوى ...\nوالعدْل هو الراوي الذي وُصف بما يزكيه ويثبت عدالته.\nوهو أيضا كل من لم يَظْهر في أمر دينه ومروءته ما يُخل بهما.\nالمعدِّل: هو الناقد الذي يشتغل بنقد الرواة وتتبع أحوالهم، فيعدل رواة ويجرح آخرين.\nوبناء على ذلك فعلم الجرح والتعديل هو علم يبحث فيه عن أحوال الرواة من حيث قبول روايتهم أو ردها بألفاظ أو عبارات مخصوصة.\nينصب هذا العلم بالأساس على رواة الأحاديث النبوية وآثار الصحابة، ويقوم على ذكر أحوالهم مما له مدخل في قبول أخبارهم أو ردها، فيقتصر في بعض الأحيان على لفظة أو لفظتين تفيدان التعديل أو التجريح، أو إنه تلخيص الكلام على الراوي أي بيان حاله بخصوص الرواية بعبارة قصيرة جامعة محررة بعد تمحيص ودراسة وتتبع. وذلك أمر جَلَل، فهو نصف علم الحديث لأن الحديث سند ومتن، والسند عبارة عن الرواة ومعرفة أحوالهم","vol":"1","page":8},{"text":"نصف هذا العلم بلا ريب، ولذلك قال الإمام علي بن المديني: \"التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم\" (١) .\nوبين علم الجرح والتعديل وعلم الرجال عموم وخصوص، إذ إن علم الرجال هو العلم الذي يعنى بمعرفة الرواة من حيث أحوالهم عدالة وجرحًا، ويعنى أيضًا بما يخدم ذلك ويحققه كمعرفة أسمائهم وأنسابهم وكناهم وألقابهم ومواليدهم ووفياتهم وطبقاتهم، مما يعين على التمييز بينهم ولا سيما مع كثرتهم وتشابه أسمائهم أو أسمائهم وأنسابهم وكناهم إلى غير ذلك مما يوقع في الخلط الشنيع كتضعيف الثقة وتوثيق الضعيف، وردِّ الحديث المقبول وقبول الحديث المردود ...","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مشروعيته:</span>\nفي القرآن الكريم آيات كثيرة فيها تزكية أو تجريح كانت نبراسا للمحدثين اقتبسوا منها بعض الألفاظ المفيدة لذاك كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] ففي هذه الآية تجريح للمنافقين ورميهم بالكذب.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] وفي هذه الآية تنبيه للمؤمنين بضرورة التثبت والتريث في قبول الخبر خاصة إذا كان راويه متهما بالفسق وفيها أيضًا تنبيه على ضرورة التمييز بين نقلة الأخبار، فليسوا سواء.\n_________\n(١) كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص ٩٥-٩٦.","vol":"1","page":9},{"text":"وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وفيها تعديل عام للصحابة الكرام، فهم بشهادة هذه الآية مرضيون.\nولم تخل السنة من أحاديث كثيرة فيها تجريح أو تعديل، فقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس عندما شاورته فيمن خطبها: \"أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد ... \" (١) . وفي حديث مشهور قال النبي ﷺ لرجل استأذن للدخول عليه: \"ائذنوا له بئس أخو العشيرة\".\nولم يجد كثير من المحدثين الحرج الكبير في اتهام من يغير الحديث قصدا بالكذب بعد سماعهم الحديث المشهور عن النبي ﷺ في التحذير من الكذب عليه وهو حديث: \"من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\".\n_________\n(١) الجامع الصحيح للإمام مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا، ١٠/٩٦.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>نشأة الجرح والتعديل وتطوره</span>\n...\nنشأة علم الجرح والتعديل وتطوره:\nحظيت السنة النبوية باهتمام منذ عهد الصحابة الكرام باعتبارها مصدرا تشريعيا للأحكام في العبادات والمعاملات وغيرهما، فكان حرص هؤلاء على أن لا يفوتهم حديث رسول الله ﷺ، وسمعوا من بعضهم بعضا حينما كان يفوتهم حضور المجالس النبوية. ولم يكن الأتباع أقل حرصًا من الصحابة على سماع الحديث النبوي فرحلوا إليهم ولازموهم وسمعوا منهم.\nونظرا لما جُبل عليه الإنسان من الوهم والنسيان والخطأ، وما يعتريه من حالات التغيير من النشاط والقوة إلى الضعف وكبر السن وما ينجم عن ذلك أحيانا من الذهول والنسيان، قام الصحابة وكذا كبار التابعين بنقد بعض المرويات وباستدراكات على بعض الصحابة الرواة أو التابعين عن طريق المعارضة بين الروايات المختلفة أو عرضها على القرآن الكريم أو المطالبة بالشهود ...\nوقد بدأ ذلك في عهد مبكر جدا، ولعل أول نقل يثبت هذا الأمر هو الذي وصلنا من عهد الخليفة أبي بكر الصديق ﵁، فقد ذكر غير واحد (١) أن الجَدَّةَ جاءت إلى أبي بكر تلتمس ميراثها، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا. ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله يعطيها السدس.\n_________\n(١) انظر مثلا: الموطأ للإمام مالك في كتاب الفرائض باب ميراث الجدة. وسنن أبي داود كتاب الفرائض باب في الجدة. وجامع الترمذي كتاب الفرائض باب ميراث الجدة. وسنن ابن ماجه كتاب الفرائض ميراث الجدة. وانظر كذلك الكفاية للخطيب ص ٢٦ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢.","vol":"1","page":11},{"text":"فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة مثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر الصديق ﵁.\nوقد أشار الحاكم إلى هذه القصة وقال: «وأول من وقى الكذب عن رسول الله ﷺ الصديق ﵁» (١) وقال الذهبي: \"كان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار\" (٢)،وقال أيضًا: \"وإليه المنتهى في التحري في القول والقبول\" (٣) .\nوقد مضى على هذا النهج الخليفتان عمر بن الخطاب (٤)، وعلي بن أبي طالب (٥)، والسيدة عائشة (٦) وغيرهم ﵃ أجمعين. وقد ذكر الحاكم أن أبا بكر وعمر وعليا وزيد بن ثابت جرحوا وعدلوا، وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها ... (٧)\n_________\n(١) المدخل في أصول الحديث ص ٣٤.\n(٢) تذكرة الحفاظ ١/٢.\n(٣) المصدر نفسه ١/٥.\n(٤) احتاط عمر وتثبت في قبول عدد من الأحاديث انظر: صحيح البخاري كتاب الاستئذان باب التسليم والاستئذان ثلاثا. وصحيح مسلم كتاب القسامة الحديث ٣٩. وكتاب الآداب: الحديث ٣٦.وطبقات ابن سعد ٤/٢١. وتذكرة الحفاظ ١/٦.\n(٥) كان الإمام علي في بعض الأحيان يستحلف من يحدثه. انظر المدخل للحاكم ص ٣٤. وتذكرة الحفاظ ١/١٠.\n(٦) اشتهرت السيدة عائشة بمعرفتها الكبيرة بالأحاديث النبوية، وقد انتقدت عددا من الصحابة واستدركت عليهم وبينت أوهامهم. ومجموع ما ورد عنها في ذلك قد جمعه الإمام الزركشي في كتاب مستقل سماه \"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة\" مطبوع بتحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني وكذلك جمع أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي في هذا كتابا سماه \"استدراك أم المؤمنين عائشة على الصحابة\" ذكره ابن خير في فهرسته ص ١٧٤.\n(٧) معرفة علوم الحديث للنيسابوري بتحقيق د. السيد معظم حسين ص ٥٢.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>بداية الكلام في الرواة:</span>\nيحدث هذا وكثير من الصحابة على قيد الحياة يروون الأحاديث الصحيحة ويقومون حراسا للسنن النبوية، يذودون عنها كل خطر ناشئ، فيقوم واحد منهم وهو حبر الأمة عبد الله بن عباس بالتنبيه على وسيلة أخرى للاحتياط والتثبت في الرواية، فقد جاء بشير العدوي وأخذ يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه سلم، قال رسول الله ﷺ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: \"إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف\" (١) . هذا بداية التمييز بين من يقبل حديثه ومن يردّ حديثه، وسيكون ذلك بداية للمطالبة بالإسناد ليعرف مقبول الحديث من مردوده، قال ابن سيرين: \"لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم\" (٢) .\nوروى الخطيب في كتابه \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" عن خيثمة بن عبد الرحم؟ن قال: \"لم يكن الناس يسألون عن الإسناد حتى كان زمن المختار فاتهموا الناس\"، والمختار هو ابن أبي عبيد الثقفي ضال مضل كان\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم، ص ١٥.\n(٢) المصدر نفسه.","vol":"1","page":13},{"text":"يزعم أن جبريل ينزل عليه، أحدث فتنا بين المسلمين في العراق وغيره، قتله مصعب بن الزبير سنة ٦٧؟، ومن صنيع هؤلاء المطالبين بالإسناد وغيرهم في هذه المرحلة المبكرة سيستلهم نقاد التابعين وأتباعهم أهمية الإسناد في الرواية، وسيبينون للناس شأنه وضرورته، كما وجدنا ذلك عند الأئمة الزهري وابن المبارك ومالك وشعبة وغيرهم.\nهكذا استمرت العناية بالحديث النبوي تقيه من التحريف، فظهر نقاد بدؤوا في نقد بعض الرواة وتنبيه الناس لعدم أهليتهم للرواية، من هؤلاء النقاد الحسن البصري الذي تكلم في عطاء الخراساني وعكرمة مولى ابن عباس، ومنهم سعيد بن جبير الذي تكلم في نافع مولى ابن عمر، ومنهم عطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وعبد الرحم؟ن الأعرج وأبو صالح ذكوان بن صالح السمان وابن سيرين. قال الإمام الذهبي: \"وأول من زكّى وجرّح، عند انقراض عصر الصحابة: الشعبي وابن سيرين ونحوهما، حفظ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين\" (١) .\nلكن الأمر لم يكن كثيرا غالبا لقلة الكذب وقلة تعمد التغيير والتبديل، فلم تكن ساحة الكذب كبيرة فما زال الإيمان غالبا على النفوس متمكنا منها ومانعا الناس من الكذب على رسول الله ﷺ وتزوير شريعته. قال الإمام الذهبي: \"وأما التابعون فيكاد يُعدم فيهم من يكذب عمدا ولكن لهم غلط وأوهام، فمن ندر غلطه في جنب ما قد جَلّ احتُمل، ومن تعدّد غلطه من أوعية العلم، اغتُفِر له أيضا، ونُقل حديثه وعُمل به على تردد\n_________\n(١) معرفة من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، ص ٤٥-٤٦.","vol":"1","page":14},{"text":"بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته، كالحارث الأعور وعاصم ابن ضمرة وصالح مولى التوأمة، وعطاء بن السائب، ونحوهم، ومَنْ فحُش خطؤُه وكثر تفرده لم يُحتج بحديثه، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الأولين ويوجد ذلك في صغار التابعين فمن بعدهم\" (١) .\nمع بداية المائة الثانية، ومع ازدياد عدد طلبة الحديث النبوي واتساع روايته كثر من يتتبع رواته بالنقد ورواياتهم بالتمحيص وكان ذلك غالبا في مجالس رواية الحديث عبارة عن ملاحظات وتصويبات مزجت بالرواية ضمن خليط من المعلومات والمعارف، كتوثيق الرواة أو تضعيفهم، أو بيان وفاة، أو ضبط غريب، أو بيان مشكل، أو توضيح كنية أو نسب أو غير ذلك.\nلكن سرعان ما اتسع أفق علم الرجال وكثر النقاد المتتبعون لأحوال الرواة لكثرة الطلبة الذين أقبلوا على العلم، وكثرة الشيوخ الذين تصدروا مجالس التحديث، فظهر مَنْ يواجه الأحوال الجديدة، ويفضح الكذبة من الرواة، فهذا أيوب السختياني (١٣١؟) يذكر يوما أحد الرواة فيقول: \"لم يكن بمستقيم اللسان\". وقال يوما: \"إن لي جارا، ثم ذكر من فضله، ولو شهد عندي على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة\". وقال في عبد الكريم -يعني أبا أمية-: \"كان غير ثقة ... \"، وقال لسلام بن أبي مطيع ينصحه ليحجم عن الرواية عن أحد الضعفاء: \"أرأيت رجلا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث؟ \" (٢) .\n_________\n(١) المصدر نفسه، ص ٤٦.\n(٢) صحيح مسلم، ج ١، ص ٢٣-١٠٤.","vol":"1","page":15},{"text":"ومن أبرز النقاد في هذه الفترة الأعمش سليمان بن مهران (١٤٨؟) الذي كان يجلس في طريق الطلبة. حتى إذا مروا عليه سألهم عن الشيوخ الذين سمعوا منهم، فيوثق مَنْ كان ثقة، ويحذرهم من غير الثقات (١) .\nاتسع علم الرجال في هذا العصر أكثر فأكثر حتى ليعد المرحلة التأسيسية الناضجة له، حيث بدأت تعقد المجالس الخاصة به، واشتهر علماء ونقاد كبار متضلعون في الحديث متنًا وسندًا يُسألون عن الحديث ورجاله كهشام الدستوائي (١٥٤؟) وعبد الرحم؟ن الأوزاعي (١٥٦؟) وسفيان الثوري (١٦١؟) ومالك بن أنس (١٧٩؟)، الذي كان إلى جانب الإمام شعبة بن الحجاج (١٦٠؟) من أكثر النقاد بحثا عن المحدثين وأغزرهم تتبعا لأحوال الرواة، حيث عُدّ الإمام شعبة: \"أول من تكلم في الرجال\" (٢) . وأول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار عَلمًا يقتدى (٣) . وحتى وُصف بأنه \"كان أمة وحده في هذا الشأن، يعني في نقد الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال\" (٤) .\n_________\n(١) انظر كتاب تحذير الخواص من أحاديث القصاص، وكتاب تهذيب التهذيب ٤/٢٢٣، وبحوث في تاريخ السنة ص ٣٣.\n(٢) التهذيب ٤/٣٤٥.\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) المصدر نفسه، ٤/٣٤٤، وتاريخ بغداد ٩/٢٣٣.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>نماذج من عناية العلماء بالإسناد والجرح والتعديل ومناهجهم في النقد</span>٤\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>شعبة ونقد الرواة:</span>\nاشتغل شعبة بن الحجاج بالحديث النبوي، وجدّ في طلبه، ولم يزل طول عمره يطلبه حتى مات على غاية الحرص في جمعه لا يشتغل بشيء سواه، ويكتب حتى عمّن دونه في السن والإسناد، فكان مِنْ أشدِّ أصحاب الحديث عنايةً بما سمع، وأحسنهم إتقانًا لما حفظ، وقد سمحت له كثرة الاشتغال بالحديث باكتساب معرفة كبيرة بأحوال الرواة، ودراية فائقة بأحاديث الشيوخ، حتى عُدَّ مِنْ أعلم الناس بالرجال، (١) بل ولُقِّبَ بأمير المؤمنين في الحديث (٢) .\nلم تعد مجالس شعبة بن الحجاج تعقد قصد رواية الأحاديث فقط، بل أصبحت تعقد للبحث في أحوال الرواة تعديلا وتجريحا، حكى أبو زيد الأنصاري النحوي فقال: أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم يوم غيبة تعالوا نغتاب الكذابين (٣) .\nوقصر المجالس على نقد الرجال أمر ظهر بعد ذلك على يد الطبقة التي تلت شعبة، وعلى رأسها يحيى بن معين والإمام أحمد وابن المديني، يوجه خلالها الطلبة أسئلة تتعلق بالرواة، وردود الشيوخ هي التي يدونها تلامذتهم أو يروونها عنهم بعناوين مختلفة مثل سؤالات أحمد وسؤالات علي بن المديني وغير ذلك.\n_________\n(١) تقدمة المعرفة ١٢٧.\n(٢) شرف أصحاب الحديث ١٥.\n(٣) الكفاية ص: ٤٥.","vol":"1","page":17},{"text":"من الذي يُترك حديثه في رأي شعبة؟\nيرى شعبة أن أصنافًا أربعة من الرواة يترك حديثهم ولا يعتد به:\nأولًا: مَنْ يُتَّهَمُ بالكذب: إن الراوي المتهم بالكذب هو الذي يعرف بكذبه في حديثه العادي بين الناس، فلا يؤتمن حينئذ على حديث رسول الله ﷺ، إذ إن جرأته على الناس دليل على جرأته على الله ورسوله. ولأن العدالة لا تتجزأ، فلا يكون الراوي ثقة عدلًا في جهة، وكذابًا فاسقًا في جهة أخرى، وهذا ما تشترك فيه الرواية والشهادة. وطرح حديث المتهم بالكذب في كلامه العادي مع الناس ضرب من الاحتياط والحذر اللذين مَيَّزا منهج المحدثين في تلقي الأخبار وروايتها، وأضفيا عليه صفة الدقة والسلامة.\nثانيًا: من يكثر الغلط: إن الراوي الذي يتهم بفحش الغلط وتزايده يفقد صفة الضبط فلا يؤخذ بحديثه في معرض الاحتجاج، ولا يعتمد في أحاديث الأحكام، بل يستأنس به استئناسا. (١)\nثالثًا: من يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يتهم نفسه، ويقيم على غلطه ويصر على روايته لذلك الحديث، وإن الراوي الذي يعرف عنه هذا الأمر تسقط روايته ولا يكتب عنه بشرط أن يكون ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك.\nرابعًا: من روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. (٢)\n_________\n(١) انظر كتاب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل ص: ٣١٨ - ٣١٩.\n(٢) الكفاية ١٤٥، وفتح المغيث ١٦٠-١٦١.","vol":"1","page":18},{"text":"موقف شعبة من الرواة المدلسين:\nذكر غير واحد أن شعبة بن الحجاج كان من أصدق الناس وأثبتهم في الحديث حتى قال عبد الله بن إدريس: شعبة قبان المحدثين، (١) أي أمينهم. وقال أحمد في معرض المفاضلة بينه وبين سفيان الثوري: «... وكان شعبة أثبت منه وأتقى رجلا.» (٢)\nولذلك فقد كان له موقف صارم من التدليس والمدلسين، فكان يجعل التدليس في مرتبة أكبر من الزنى، فهو القائل -إن صحت الرواية عنه-: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، وفي رواية أخرى: التدليس في الحديث أشد من الزنى» (٣) .\nوقال أيضا مستعظما أمر التدليس مستبعدا إياه: «لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه» (٤) .\nمنهج شعبة في نقد الرواة\n١) الرجوع إلى مصدر الخبر: يعد رجوع المحدث الناقد إلى مصدر الخبر الذي استقى منه الراوي حديثه وسيلة من وسائل التثبت من صدق المخبر وعدالته وضبطه. ولقد كان هذا النهج من ديدن شعبة بن الحجاج وهو القائل في معرض التنويه بمكانة سفيان الثوري: ما حَدَّثني سفيان عن السدي بحديث فسألته عنه إلا كان كما حدثني. (٥)\n_________\n(١) التهذيب ٣٤٦.\n(٢) المصدر نفسه ٣٤٤.\n(٣) التهذيب ١/١٥-١٦ وتقدمة المعرفة ص: ١٧٣.\n(٤) التمهيد ١/١٦.\n(٥) طبقات ابن سعد ٦/٣٧٢.","vol":"1","page":19},{"text":"وفي رواية: \"ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته -يعني ذلك الشيخ- يأتي بخلاف ما حدث عنه ما خلا سفيان الثوري، فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان\" (١)\n٢) الرحلة: وذلك من أجل تتبع الحديث الواحد، والرجوع إلى مصدر الخبر للأمن من كذب الراوي أو تدليسه أو غلطه. ولعل رحلة شعبة إلى مكة ثم إلى المدينة ثم البصرة لتتبُّع حديث واحد، والتأكد من اتصال سنده (٢) وصحته، دليل واضح على عنايته الكبيرة بالحديث النبوي عن طريق التتبع الدقيق لرواته وفحص أحوالهم ومعرفة عدالتهم وضبطهم.\n٣) اختبار الراوي: وذلك بمعاودة السماع منه مرات متعددة قصد التأكد من حفظه وضبطه وثبوته على رواية نفس الحديث، وقد كان هذا النهج أيضا من المسائل التي اعتاد عليها شعبة، فسمع مرة حديثا واحدا من طلحة بن مصرف فكان كلما مر عليه يسأله عنه، فقال له: لِمَ يا أبا بسطام؟ قال: \"أردت أن أنظر إلى حفظه فإن غيّر شيئا تركته\". (٣)\nوقال أيضا: \"ما رويت عن رجل حديثًا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة، أتيته أكثر من عشر مرار\". (٤)\nولذلك لم يكن يقبل الراوي الذي يلقن، قال: كانوا يقولون لسماك:\n_________\n(١) تقدمة المعرفة ٦٧.\n(٢) انظر المحدث الفاصل، ص ١٣١-١٣٢، والتمهيد، ١/٤٨-٤٩-٥٠.\n(٣) الكفاية ١١٣.\n(٤) تهذيب التهذيب ٤/٣٤٦.","vol":"1","page":20},{"text":"عكرمة عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، فأما أنا فلم أكن ألقنه. (١)\nوقد روى قتادة عن أبي الأسود الدؤلي قال: \"إن سَرّك أن يكذب صاحبك فلقِّنه\". (٢)\nوبالإضافة إلى هذه السبل لمعرفة أحوال الرواة، كان شعبة يرد حديث من يروي ما لا يقبله العقل، قيل له: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه يكذب (٣)، بل إن شعبة -مبالغةً في الاحتياط- اشترط في الراوي أن يرى وجه محدثه وقت التلقي، فها هو يوصي أحد تلامذته بذلك قائلا: \"إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه، فلا ترو عنه\" (٤) .\n_________\n(١) ميزان الاعتدال ٢/٢٣٣.\n(٢) المصدر نفسه ٢/٢٣٣.\n(٣) المحدث الفاصل ٣١٦.\n(٤) المصدر نفسه ٥٩٩، والإلماع ص ١٣٧.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مكانة شعبة في علم الرجال:</span>\nلقد بلغ شعبة بن الحجاج شأوا كبيرا في علم الرجال بفضل هذا التفاني الكبير في تتبع أحوال الرواة، وشدة تمحيصه وتفتيشه وسلوكه مناهج متعددة لكشف صدق الرواة أو كذبهم. لقد أعطت هذه الجهود الكبيرة ثمارها الطيبة ونتائجها المرجوة حيث بلغ من علمه بالرَّاوي أن كان يعرف ما سمع -يعني الراوي- من شيخه وما لم يسمع، فقد روى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء.\nوكان من نتائج هذه المعرفة والخبرة الدقيقتين: أن قتادة نفسه كان يسأله","vol":"1","page":21},{"text":"عن حديثه يعني حديث نفسه. (١)\nوقال شعبة أيضا بنفس الروح التي تنم عن هذه المعرفة الكبيرة بالرواة وأحوالهم:\" أحاديث محمد بن سيرين عن ابن عباس إنما سمعها محمد عن عكرمة، لقيه أيام المختار وفي رواية أخرى: أحاديث محمد بن سيرين إنما سمعها من عكرمة لقيه أيام المختار ولم يسمع ابن سيرين من ابن عباس شيئا\". (٢) وقال أيضا في حق شيخه عطاء بن السائب:\"إذا حَدَّثَكَ عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع فقال: زادان وميسرة وأبو البحتري فاتَّقِهْ، كأن الشيخ قد تغير\" (٣) . وهذا كلام مَنْ خَبِرَ أحاديث عطاء بن السائب ومحصها حتى غدا عارفا بمواطن الخلل والعلة القادحة فيها.\nولا غرو بعد هذا كله أن يكثر تلاميذه وتكبر حلقات الدروس حوله لأن أصحاب الحديث كانوا يريدون -كما بين ذلك خلف المخرمي- حسن المعرفة بالرجال وبمعرفة الحديث، وهكذا كان هذا المعنى بينا في شعبة، (٤) وأن تُسَجِّل له كتب الرجال والجرح والتعديل أقواله في الرواة وتصبح عمدة من يعدل ويجرّح، فهذا ابن عون يأبى الأخذ من أحد الرواة، ولما قيل له مالك لا تحدث عن فلان قال: لأن أبا بسطام تركه. (٥)\nولا غرو أيضا أن يصفه سفيان بأنه أمير المؤمنين في الحديث، (٦) وأن\n_________\n(١) المحدث الفاصل ص: ١٢٧ وص: ١٧٥.\n(٢) العلل لابن المديني ص: ٦٠.\n(٣) طبقات ابن سعد ٦/٣٣٦.\n(٤) تقدمة المعرفة ١٧٦.\n(٥) تهذيب التهذيب ٤/٣٣٨.\n(٦) شرف أصحاب الحديث ١١٥.","vol":"1","page":22},{"text":"يصفه القطان بأنه كان أعلم الناس بالرجال (١) .\nورغم هذه المكانة العليا التي سما إليها فإنه كان متواضعا أشد ما يكون التواضع ومحبًا للحديث وطلاب الحديث، فمن تواضعه ما يحكيه وكيع أنه ذكر حديثا عن أبي إسحاق فقال رجل: إن سفيان خالفك فيه، فقال: دعوه، سفيان أحفظُ مني، وفي رواية:\"إذا خالفني سفيان في حديث فالحديث حديثه\". (٢)\nومن حبه للحديث والمحدثين قوله: \"كل مَنْ كتبت عنه حديثا فأنا له عبد\" (٣)، وقوله: \"إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه\" (٤) .\nلقد جادت طبقة شعبة بن الحجاج والطبقة التي تلتها بعدد كبير من الجهابذة النقاد الذين كرسوا حياتهم لخدمة الحديث النبوي الشريف من التحريف والتزييف. وإن مجرد عرض أسماء بعض هؤلاء الجهابذة يثبت صحة هذا الحكم ويؤكده، إذ لا يماري أحد في مكانة مالك بن أنس (١٧٩هـ)، وسفيان بن عيينة (١٩٨هـ)، وحماد بن زيد (١٧٩هـ)، ووكيع بن الجراح (١٩٩هـ)، وعبد الله بن المبارك (١٨١هـ) وأبي الوليد الطيالسي (٢٢٧هـ)، وأبي داود الطيالسي (٢٠٣هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ) ...\n_________\n(١) تقدمة المعرفة ١٢٧.\n(٢) المصدر نفسه ص: ٦٣ وص: ٦٥.\n(٣) جامع بيان العلم ١/ص: ١٢٧ وص: ١٣٣، الإلماع ص: ٢٢٧ وص: ٢٣٠.\n(٤) سير أعلام النبلاء: (٧/٢٢٥) .","vol":"1","page":23},{"text":"ثم إن أغلب هؤلاء النقاد الكبار من تلاميذ وخرّيجي مدرسة شعبة بن الحجاج، وقد ورثوا عنه أسس علم الرجال ونهلوا من معينه الفياض ليتابعوا تشييد أركان هذا العلم باجتهاداتهم ودراساتهم الخاصة التي كانت معالم وشواهد على ما بذلوه من جهود متواصلة، وقد تم بالفعل إرساء أسس هذا العلم وأركانه على يد هذه الطبقة، لينصرف اهتمام من جاء بعدهم إلى جمع آرائهم وأقوالهم وعلى التصنيف في متفرقات ما وضعوه من أسس ودعائم. وحتى تظهر لنا بعض جهود هذه الفئة في نقد الرواة وتتبع أحوالهم، يجدر بي استعراض بعض مساهماتهم في هذا المجال.\nأ - مالك بن أنس (١٧٩هـ) (١)\nلقد عاصر الإمام مالك شعبة بن الحجاج، بل لقد كان من شيوخه، وإنما ذكرته مع الطبقة التي تلت شعبة لتأخر وفاته بعده بتسع عشرة سنة، ولا شك أنها مليئة بالعطاء، غنية بالمساهمة في علم الرجال.\nمن الذي يرد حديثه عند مالك؟ يرى الإمام مالك أن الحديث النبوي «لا يؤخذ من أربعة ويؤخذ من سوى ذلك:\n- لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه.\n- ولا من سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس.\n- ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا أتهمه أن يكذب\n_________\n(١) مصادر ترجمته: تقدمة المعرفة ١٩ والانتقاء لابن عبد البر ص ٩-٦٣ والمعارف لابن قتيبة ٤٩٨ والتاريخ لابن معين ٢/٥٤٣-٥٤٦ والحلية ٦/٣١٦ وترتيب المدارك ١/١٠٢-٢٥٤ وصفوة الصفوة ٢/١٧٧ ووفيات الأعيان ٤/١٣٥ وسير أعلام النبلاء ٨/٤٨-١٣٦ وتذكرة الحفاظ ١/٢٠٧ والديباج المذهب ١/٨٢-١٣٩.","vol":"1","page":24},{"text":"على رسول الله ﷺ.\n-ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة، لا يعرف ما يحدث» (١)\nومن هذا الكلام وغيره مما ورد عن مالك وأضرابه استلهم المحدثون الذين جاؤوا من بعد القواعد ووضعوا الحدود والتعاريف بما تقتضيه صناعة الحدود والتعاريف من عبارات جامعة مانعة وباستعمال مصطلحات اتفق عليها القوم، وهي من صميم لغتهم.\n- معرفة مالك بأحوال الرواة: لقد تكلم الإمام مالك في العديد من الرواة مبينا أحوالهم، حاضا على الأخذ والرواية عن بعضهم لعدالتهم وضبطهم، ومحذرا من بعضهم الآخر لضعفهم أو كذبهم.\nفعن عبد الرحمن بن القاسم أنه سأل مالكا عن ابن سمعان فقال: كذاب. (٢) وقال بشر بن عمر: نهاني مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي يحيى، قلت: من أجل القدر تنهاني عنه؟ قال: ليس دينه بذاك. وعن هذا الراوي نفسه يسأله يحيى بن سعيد القطان قائلا: أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه (٣) .\nولقد انعكست معرفة الإمام مالك بالرواة على روايته للحديث النبوي، فكان لا يشق له غبار في ضبط ما يصح من الأخبار والآثار والأقضية ووقائع الصحابة، ومعرفة الطرق التي منها يتطرق الخلل وإمكان الزلل إلى النقلة رواة الأحاديث، وفي هذا قال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاءه للرجال\n_________\n(١) الكفاية ص: ١٦٠.\n(٢) تقدمة المعرفة ٢١.\n(٣) تقدمة المعرفة ص: ١٩.","vol":"1","page":25},{"text":"وأعلمه بشأنهم (١) . وقال ابن عبد البر: ومن اقتصر على حديث مالك ﵀ فقد كُفِي تعب التفتيش والبحث ووضع يده من ذلك على عروة وثقى لا تنفصم، لأن مالكا قد انتقد وانتقى، وخلّص ولم يرو إلا عن ثقة حجة ... (٢) . وكان الإمام أحمد قد أكد هذه المسألة فقال: \"كان مالك من أثبت الناس في الحديث، ولا تبالي ألاَّ تسأل عن رجل روى عنه مالك بن أنس ولا سيما مديني. (٣) ولهذا فقد استغرب يحيى بن معين حينما سئل عن أحد رجال مالك فقال: أتريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلا أو رجلين (٤) .\nبهذا الجواب نفسه وبهذه الثقة نفسها كان الإمام مالك ذاته قد أجاب بشر بن عمر حينما سأله عن رجل، قال مالك: هل رأيته في كتبي، قال: لا، قال: لو كان ثقة رأيته في كتبي (٥) . ولا غرابة في أن يكون مالك بهذه الدراية الكبيرة برواة الحديث النبوي، وبهذا التمحيص والمعرفة لأحوال من يبلّغون عن رسول الله ﷺ، وهو الذي أُثر عنه أنه كان يشدد في الحديث النبوي في الياء والتاء ونحو هذا.\n_________\n(١) التمهيد ١/٦٦٥، وتقدمة المعرفة ص: ٢٣.\n(٢) التمهيد ١/٦٠.\n(٣) تقدمة المعرفة ص: ١٧.\n(٤) المصدر نفسه ص: ٢٤.\n(٥) مقدمة صحيح مسلم ١/٢٦ وتقدمة المعرفة ص: ٢٤.","vol":"1","page":26},{"text":"ب- وكيع بن الجراح (١٩٩هـ) (١)\nساهم وكيع بن الجرّاح في مسيرة علم الرجال مبيّنا أحوال من ينقلون حديث النبي ﷺ بالدقة المعهودة في غيره من النقاد، من ذلك تتبعه لأحاديث الأعمش عن مجاهد فكان يقول: لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث، وفي رواية أخرى عن عمرو بن علي قال: سمعت وكيعا يقول: كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية، ثم حدَّث بها. (٢)\nوبنفس هذه الخبرة والتدقيق قال: يحيى بن الضريس من حفاظ الناس لولا أنه غلط في حديثين، فذكر حديثا لمنصور. (٣)\nوقد كان وكيع يُنَفِّر من الكذب على رسول الله ﷺ، ويبين خطورة هذا الجرم ونتائجه الوخيمة. وقد تعرض عليه أحاديث المعلّى\nابن هلال فيقول: \"قال أبو بكر الصديق: الكذب مجانب للإيمان\". (٤) وقوله هذا بمنزلة الحكم على المعلى بن هلال، وهو أيضا جواب توخى منه تذكير الناس بخطورة الكذب في الرواية، وتنفيرهم من الرواية عن الكذَّابين، وقد كان يقول: \"هذه بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق\". وكان وكيع أيضا إذا أتى على حديث حنظلة بن أبي سفيان يقول: حدثنا حنظلة وكان ثقة ثقة (٥) .\n_________\n(١) مصادر ترجمته: الطبقات لابن سعد ٦/٣٩٤، التاريخ الكبير للبخاري ٤/ القسم الثاني ١٧٩، تقدمة المعرفة ٢١٩.\n(٢) تقدمة المعرفة ٢٢٤ و٢٢٧.\n(٣) المصدر نفسه ص ٢٢٤.\n(٤) المصدر نفسه ٢٢٥-٢٢٦.\n(٥) تقدمة المعرفة ٢٢٩.","vol":"1","page":27},{"text":"ج- عبد الله بن المبارك (١٨١؟) (١)\nكان عبد الله بن المبارك من مشاهير الأئمة النقاد في هذه الفترة، فقد عني بنقد الرجال وتتبع أحوالهم من أجل سلامة السنة النبوية وهو الذي -حين قيل له: هذه الأحاديث المصنوعة؟ - قال كلمته المشهورة: \"يعيش لها الجهابذة\" (٢) . وقال أيضا: ليست جودة الحديث قرب الإسناد، جودة الحديث صحة الرجال (٣) .\nوتبعا لذلك فقد بيَّن ابن المبارك مَنْ يؤخذ حديثه ومن يُرَدُّ، بناء على أوصاف حددها فقال: (٤) \"يكتب الحديث، إلا عن أربعة:\n- غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب بدعة وهو يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدِّث مِنْ حِفْظه.\nوقال مرة مجيبا وقد سئل عمن نأخذ؟: \"من طلب العلم لله، وكان في إسناده أشد، قد تلقى الرجل ثقة وهو يحدث عن غير ثقة، وتلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة\" (٥) .\nوقد تصدَّى ابن المبارك كغيره من النقاد للتفتيش عن أحوال الرواة وكشف حقيقتهم للمسلمين عموما ولطلاب الحديث على وجه الخصوص، وهذا الإمام مسلم يذكر في مقدمة صحيحه عدة أمثلة عن نقده للرجال،\n_________\n(١) مصادر ترجمته: التاريخ الكبير ٣ القسم الأول، تاريخ بغداد ١٠/١٥٢، تقدمة المعرفة ٢٦٢، تذكرة الحفاظ ١/٢٧٤، التهذيب ٥/٣٦٢، تاريخ التراث العربي ١/٢٧٠.\n(٢) الكفاية ٣٧.\n(٣) أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني ص: ٥٧.\n(٤) الكفاية ص: ١٤٣.\n(٥) تذكرة الحفاظ ١/٢٧٧.","vol":"1","page":28},{"text":"وكلها تبرز مدى مساهمته في علم الرجال وباعه الكبير فيه، من ذلك أن أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني سأله قائلا: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء أن من البر بعد البر أن تُصَلِّي لأبويك وتصوم لهما مع صومك؟ فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عَمَّن هذا؟\nقال: هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال ثقة عمن؟، قال أبو إسحاق: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة عمن؟، قال: قال رسول الله ﷺ.\nقال ابن المبارك: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوزَ تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصَّدَقَة اختلاف (١) .\nوأخرج مسلم أيضا بسنده إلى علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يَسُبُّ السلف (٢) .\nوأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم بن حماد قال: قلت لابن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد؟ قال: إن عمرا كان يدعو، يعني إلى القدر (٣) .\nولقد أشاد العلماء بمكانة ابن المبارك وصولته على الضعفاء والوضاعين، فهذا شعبة يقول فيه -وهو شيخه-: «ما قدم علينا من ناحيته مثله» (٤)، وهذا أبو إسحاق الفزاري يقول: «ابن المبارك إمام المسلمين»، ويجلس بين يديه\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم ١/١٦ - وتقدمة المعرفة ص: ٢٧٤.\n(٢) مقدمة مسلم ١/١٦.\n(٣) تقدمة المعرفة ١٧٣.\n(٤) المصدر نفسه ص: ٢٦٥.","vol":"1","page":29},{"text":"يسأله، وهو يكبره بعشر سنين (١) . وتأتي شهادة أخرى على لسان أمير المؤمنين هارون الرشيد حينما قال له أحد الزنادقة وقد أخذه ليقتله: أين أنت من ألف حديث وضعتها. فرد عليه الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك، ينخلانها ويخرجانها حرفا بحرف؟ (٢) .\nوروى الخطيب في «تاريخ بغداد» قصة اجتماع الناس على ابن المبارك على نحو لا يتم لهارون الرشيد رغم الجند والأعوان (٣) .\nولا يستقيم حديث عن علم الرجال في هذه الفترة، وعن مدى مساهمة نقادها الجهابذة دون التعرض بالذكر لعالمين اثنين هما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن ابن مهدي إذ إنهما من أكثر طبقتهما بحثا عن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمجروحين، حتى كان هذا الشأن تخصصا لهم، لم يتعدوه إلى غيره، وكان للناس بهما وثوق فصار مَنْ وثقاه مقبولًا، ومن جَرَّحاه مجروحًا، لا يندمل جرحه.\nد - يحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) (٤):\nكان يحيى القطان خير خلف لشعبة بن الحجاج بمدينة البصرة، وهي حقيقة أكدها غير واحد (٥) حتى قال فيه الإمام أحمد: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن - يعني في معرفة الحديث ورواته - هو كان صاحب\n_________\n(١) المصدر نفسه ص: ١٦٥ وص: ١٧٦.\n(٢) تذكرة الحفاظ ١/٢٧٣.\n(٣) تاريخ بغداد ١٠/١٦٦.\n(٤) مصادر ترجمته: التاريخ لابن معين ٢/٦٤٥ وطبقات ابن سعد ٧/٢٩٣ وتاريخ خليفة ٤٦٨ وطبقاته، الترجمة: ١٩٠٩ والتاريخ الكبير ٨/٢٧٦ والمعارف ٥١٤ والجرح والتعديل ٩/١٥٠ وتقدمة المعرفة ٢٣٢ وحلية الأولياء ٨/٣٨٠ وتاريخ بغداد ١٤/١٣٥ وسير أعلام النبلاء ٩/١٧٥ وتذكرة الحفاظ ١/٢٩٨ وتهذيب التهذيب ١١/٢١٦.\n(٥) تقدمة المعرفة ٢٣٣.","vol":"1","page":30},{"text":"هذا الشأن، فقيل له: ولا هشيم؟ فقال: \"هشيم شيخ، وما رأينا مثل يحيى\"، وجَعَلَ يرفع أمره (١) .\nبل لقد بلغ من مكانته ومعرفته بأحوال الرواة أن كان شعبة بن الحجاج يرتضيه حكما بينه وبين طلبة الحديث إذا اختلف معهم في مسألة من المسائل، فقد روى ابن أبي حاتم أن طلبة الحديث اختلفوا يوما عند شعبة فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان- فلما حضر تحاكموا إليه، فقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك (٢) . وهذه غاية المنزلة كما قال ابن أبي حاتم إذ اختاره شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من ثقته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة.\nوما كان لهذا الجهبذ أن يصل إلى هذا الشأو الكبير في معرفة أحوال الرواة ومروياتهم، وكشف علل الأحاديث وخللها، دون أن يصرف الأيام والشهور، بل السنين الطوال في ملازمة العلماء والشيوخ ينهل منهم العلم والمعارف المختلفة، فقد صرح بأنه اختلف إلى شعبة سنة (٣) . وحرصًا على طلب العلم والصبر عليه، فقد كان يخرج من البيت لطلب الحديث فلا يرجع إلا بعد العتمة (٤) .\nولم تكن هذه الجهود المتواصلة لتذهب سدى، بل لقد أثمرت ثمارها\n_________\n(١) المصدر نفسه ٢٣٣.\n(٢) المصدر نفسه ٢٣٢ وانظر أيضا تذكرة الحفاظ ١/٢٩٩.\n(٣) تقدمة المعرفة ٢٤٩.\n(٤) المصدر نفسه ص: ٢٤٩-٢٥٠.","vol":"1","page":31},{"text":"الطيبة، فها هو يبيّن للمسلمين مَنْ يؤخذ حديثه ومن يرد، ويؤكد عدالة بعض الرواة وضبطهم، ويفضح آخرين ويكشف ضعفهم أو كذبهم، فيقال له: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله\n﷿، فيرد قائلا بكل ثقة واطمئنان: \"لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول لي: لِمَ لَمْ تذب الكذب عن حديثي\" (١) .\nيبيّن يحيى بن سعيد القطان مَنْ يؤخذ حديثه من الرواة ومَنْ يُرَدُّ، فيقول: (٢) ينبغي في هذا الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك.\nولذلك فإنه كان ينصح طلبة الحديث بتجنب الرواية عن المعتمر بن سليمان لأنه كان سيئ الحفظ، (٣)، وبتجنب الرواية عن حنظلة السدوسي لاختلاطه. (٤) وحذرهم من الراوي الذي يقبل التلقين فقال: \"إذا كان الشيخ إذا قبل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد فذاك ليس به بأس\". (٥)\nكما كان ينصح بتجنب أخذ الحديث عمن ينسب إلى الخير والزهد (٦)،إذلا مجال هنا إلى حسن الظن، وهو الذي كان يقول: \"آتَمِنُ\n_________\n(١) الكفاية ص: ٣٧.\n(٢) المصدر نفسه، ص: ١٦٥.\n(٣) الكفاية ص: ٢٢٣.\n(٤) المصدر نفسه ص: ١٣٥\n(٥) المصدر نفسه ص: ١٤٩.\n(٦) التمهيد ١/٥٢: وقد علق ابن عبد البر على كلام القطان فقال: هذا معناه والله أعلم أنه ينسب إلى الخير، وليس كما نسب إليه وظن به، وقد روى عن النبي ﷺ أنه قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا.\nومعنى كلام ابن عبد البر أن القول بأن من الوضاعين الزهاد لا يمكن قبوله لأنه لا يجتمع الزهد والكذب على رسول الله ﷺ، ولأن الجهابذة الذين حاربوا الوضع والوضاعين كانوا من كبار الزهاد كمالك وابن المبارك وغيرهما، ومع ذلك فإن عددا من الزهاد غلب عليهم الصلاح والزهد وغفلوا عن الحفظ والضبط والإتقان، قال ابن حبان في سلم بن ميمون الزاهد: \"كان من كبار عباد أهل الشام، غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث وإتقانه، فلا يحتج به\".\nوقال ابن يونس المصري في رشدين بن سَعْد بن مفلح المهري أبي الحجاج المصري (١٨٨ هـ): كان رجلا صالحا لا يشك في صلاحه وفضله فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث. أساء فيه يحيى بن معين القول ولم يكن النسائي يرضاه ولا يخرج له. (تهذيب التهذيب ٣/٢٧٨) . ضعفه أيضا أبو زرعة وأبو داود وابن قانع والدارقطني والجوزجاني وأبو حاتم (الجرح والتعديل وميزان الاعتدال ٢/٤٩ وتهذيب التهذيب ٣/٢٧٨) .\nعقد الخطيب في كتابه الكفاية بابا تحت عنوان: باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية وإن عرف بالصلاح والعبادة، ص ١٥٨.\nوليس من المدفوع أن يكون مَنْ نُسب إلى الزهد من الضعفاء والمجروحين، وذلك من نتائج صرامة المحدثين علماء الجرح والتعديل وعدم محاباتهم في النقد، وقد جرّحوا أحمد بن محمد بن عمرو الكندي المروزي (٣٢٣ هـ) وكان ممّن ينافحون عن السنة ويردون على المبتدعة؛ قال الدارقطني: كان حافظا عذب اللسان مجردا في السنة والرد على المبتدعة، لكنه كان يضع الأحاديث (تاريخ بغداد ٥/٧٤) وقال ابن حبان: كان ممن يضع المتون ويقلب الأسانيد (كتاب المجروحين ١/١٥٦) وقال أيضا: على أنه كان من أصلب أهل زمانه في السنة وأنصرهم لها، وأذبّهم لحريمها، وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه، فلم يمنعنا ما علمنا من صلابته في السنة ونصرته لها أن نسكت عنه، إذ الدين لا يوجب إلا إظهار مثله فيمن وجد ... (كتاب المجروحين ١/١٦١-١٦٢) .","vol":"1","page":32},{"text":"الرجل على مائة ألف ولا آتَمِنُه على حديث\" (١) .\nهـ - عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ) (٢):\n_________\n(١) الكفاية ٢٤٧.\n(٢) مصادر ترجمته في التاريخ لابن معين ٢/٣٥٩ وطبقات ابن سعد٧/٢٩٧ والتاريخ الكبير ٢/٢٨٣ والمعارف ٥١٣. تقدمة المعرفة ٢٥١ - تذكرة الحفاظ ١/٣٢٩ وسير أعلام النبلاء ٩/١٩٢.","vol":"1","page":33},{"text":"نشأ عبد الرحمن بن مهدي في البصرة أيضا، مشتركا مع يحيى بن سعيد القطان في العديد من الشيوخ وحلقات العلم وطلب الحديث، وتبوأ هو الآخر مرتبة عالية في علم الرجال إلى جانب القطان حتى قال علي بن المديني: «كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس» -قالها مرارًا- (١) بل لقد ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: \"لو أخذت فأحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله ﷿ أني لم أر أحدًا أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي\" (٢) .\nقسم عبد الرحمن بن مهدي الرواة من حيث ضبطهم أو عدمه إلى ثلاثة أصناف (٣)، وبيَّن إمكان الرواية عن كل صنف أو ردها فقال: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يُترك حديثه، وآخر يَهِمُ، والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه.\nولذلك فقد كان عبد الرحمن بن مهدي -كما يقول الخطيب البغدادي- لا يترك حديث رجل إلا رجلا متهما بالكذب أو رجلا الغالب عليه الغلط (٤) .\nوسأله نعيم بن حماد: كيف تعرف الكَذَّاب؟ قال: \"كما يعرف الطبيبُ المجنونَ\" (٥) ولا يفهمنّ من هذا الجواب أن معرفة حال الراوي تكون دائما سهلة متيسرة، فغالبا ما يعسر الوصول إليها ولا يتسنى لغير الجهبذ الخبير\n_________\n(١) تقدمة المعرفة ٢٥١.\n(٢) المصدر نفسه ص: ٢٥٢.\n(٣) الكفاية ص: ١٤٣.\n(٤) الكفاية ص: ١٤٣.\n(٥) تقدمة المعرفة ص: ٢٥٢ - تذكرة الحفاظ ١/٣٣١.","vol":"1","page":34},{"text":"بلوغها، فدونها خرط القتاد؛ إذ يستحيل ذلك على من لم يدمن الطلب والفحص، وكتب الأحاديث وحفظها، والمذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى العلماء والإتقان ... كما قال الإمام الذهبي (١) .\nويحيى بن معين إمام الجرح والتعديل:\nتلت طبقة القطان وابن مهدي طبقة أخرى بلغ علم الرجال عندها الذروة، وبدأ التصنيف في هذا العلم في عصرها، ودونت العلل، من هذه الطبقة الإمام يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) والإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) وعلي المديني (٢٣٤ هـ) ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات المتوفى سنة (٢٣٠هـ) ومحمد بن عبد الله بن نمير (١٩٩ هـ) وإسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ) وأبو خيثمة زهير بن حرب (٢٣٤ هـ) .\nإلا أنَّ ألزمهم لهذا الشأن وأكثرهم اختصاصا به الإمام أبو زفر يحيى بن معين الذي كان يروي الحديث وينتقد الرواة، فإذا روى كان حجة، وإذا تكلم في أسانيد الرجال كان كالبحر الذي لا تُعَكِّره الدلاء، وكم من عالم شهد له بأنه خلق لهذا الفن (٢) .\nسمع من مجموعة كبيرة من الشيوخ، أغلبهم صرفوا همتهم إلى نقد الرواة وتمحيص الروايات، ولاشك أن لهذا الأثر الكبير في نبوغه وبلوغه مرتبة\n_________\n(١) انظر تذكرة الحفاظ ١/٤.\n(٢) مصادر ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/٣٥٤ - التاريخ الكبير للبخاري ٤ القسم الثاني وتقدمة المعرفة ٣١٤-٣١٩ وتاريخ بغداد ١٤/١٧٧-١٧٨ وطبقات الحنابلة ١/٤٠٢ ووفيات الأعيان ٦/١٣٩ وتذكرة الحفاظ ١/٤٥٩ وسير أعلام النبلاء ١١/٧١ وميزان الاعتدال ٤/٤١٠.","vol":"1","page":35},{"text":"الإمامة في الجرح والتعديل وتقويم الرجال ومروياتهم؛ ولهذا فإن ما استفاده من شيوخه وما قام به من دراسات وأبحاث حول الروايات ونَقَلَتها كانت حصيلة أساسية استطاع بها خوض لجج هذا الميدان ومتابعة دراسات وجهود من قبله من النقاد.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>منهجه في هذا الميدان:</span>\n- الرحلة: لقد ولع ابن معين بالرحلة في طلب الحديث والسماع من الشيوخ، فرحل إلى الكوفة ثم البصرة، وزار اليمن والشام ومصر، وتردد كثيرا على بلاد الحجاز حيث وافته المنية بالمدينة المنورة. ونظرا لأهمية الرحلة عند ابن معين فإنه كان يقول: أربعة لا يؤنس منهم رشد، فذكرهم، ومنهم: رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث.\n- الإكثار من كتب الحديث: أدرك ابن معين الأهمية القصوى للإكثار من تدوين الحديث وجمعه والوقوف على أكبر عدد من طرقه، إذ من شأن ذلك التأكدُ مِنْ ثبوتِ الرواية وصحتها وصدق الراوي وضبطه عن طريق كشف ما بالحديث من علة أو خلل أو زيادة أو غير ذلك مما قد يطرأ على المتن أو الإسناد. وفي المثال التالي ما يؤكد هذه الحقيقة، قيل لابن معين: الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هو منه أو من أصحابه؟ فقال: من أصحابه. قيل له: مَنْ أَحَبُّ إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الأوزاعي وهشام الدستوائي، قيل له: فأبان بن يزيد؟ قال: وأبان بن يزيد ليس به بأس (١) .\nأدرك أهمية هذا فكان يقول: سيندم المنتخب في الحديث حين لا ينفعه الندم، وكان يقول أيضا: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه (٢) .\n_________\n(١) التاريخ ليحيى بن معين برواية الدوري رقم ٥٢٧٩.\n(٢) تذكرة الحفاظ ١/٤٣٠.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد بلغ مِنْ كثرة ما كتب من الأحاديث وطرقها المتعددة: أنه كان يرى كل حديث ليس عنده فهو كذب، أكد هذا حينما دخل عليه محمد بن نصر الطبري ووجد عنده أسفاطا (١) كثيرة فقال له: «كل حديث لا يوجد هاهنا - وأشار بيده إلى الأسفاط- فهو كذب» (٢) وأيد كثير من العلماء قوله ذلك فقال أحمد: «كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث» . وفي رواية: «فليس هو ثابتا» (٣) .\nوقال ابن المديني مؤكدًا كثرةَ كَتْبِه للحديث: \"لا نعلم أحدا من لدن آدم ﵇ كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين\" (٤) . وصرح ابن معين نفسه بذلك فقال: \"كتبت ألف ألف حديث\" (٥) .\n- الإكثار من كتب الحديث عن الكذّابين: إذ كان يكتب أيضا عن الكذّابين والوضّاعين، ورآه أمرا ضروريا للمحدث الناقد حيث قال: \"وأي صاحب حديث لا يكتب عن كذَّاب ألف حديث! \" (٦) .\nوقد بيّن ابن معين فضل ذلك فقال: \"أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده فيجعل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت لا عن أبان» (٧) .\n_________\n(١) الأسفاط مفردها سفط وهي الدفاتر، فارسي معرب، قال الأصمعي: هو بالرومية (انظر مختار الصحاح ص ٣٠١ مادة س - ف - ط) .\n(٢) تهذيب التهذيب ١١/٢٨٢.\n(٣) تاريخ بغداد ١٤/١٨٠.\n(٤) تذكرة الحفاظ ١/٤٣٠.\n(٥) المصدر نفسه ١/٤٣٠.\n(٦) تاريخ بغداد ١/٤٣.\n(٧) تهذيب التهذيب ١/١٠١.","vol":"1","page":37},{"text":"وإن كتب أحاديث الكذابين تعين النقاد على كشف من يحاول الوضع والكذب عن طريق التستر والانتحال والتلبيس، وتكسبه خبرة ودراية دقيقتين حتى إذا حاول الكذَّابون أو غيرهم رواية تلك الأحاديث سارع إلى كشف حقيقتها وبيان مصدرها.\n-اختبار الراوي: كان المحدثون النقاد يختبرون عدالة الراوي وصدقه وضبطه بوسائل مختلفة كمعاودة السماع منه مرات متعددة وطرح أسئلة لاختبار ثباته على المَرْويِّ نفسه، وفي هذا الصدد حُكِيَ قصة امتحان ابن معين بالكوفة (١) .\n-طلبه العلم وتفانيه فيه: بهذه الروح المحبة للحديث النبوي ومقاومة الوضع والوضاعين، كان ابن معين يبذل الجهود الكبيرة ويحرص الحرص الشديد على الرحلة وملاقاة الرواة والشيوخ والمذاكرة والحفظ، فيقول: \"إني لأحدث بالحديث، فأسهر له مخافة أن أكون قد اخطأت فيه\" (٢) .\n-إمامته في علم الرجال:\nلقد أثمرت جهوده المتواصلة وتضحياته الكبيرة، فبوأته مكانة عالية في علم الجرح والتعديل بعدما أكسبته قدرات عالية من اليقظة والذكاء والمقارنة والمعرفة الكبيرة والخبرة الدقيقة بالروايات وحملتها حتى قال فيه الإمام أحمد: «كان ابن معين أعلمنا بالرجال» (٣) وقال فيه أيضا: \"هاهنا رجل خلقه الله لهذا الشأن، يُظْهر كذب الكذابين (٤) .\n_________\n(١) تاريخ بغداد ١٢/٣٥٣ والمجروحين ١/٢٣.\n(٢) تاريخ بغداد ١٤/١٨٤، وانظر أيضا تقدمة المعرفة، ص ٣١٦.\n(٣) تذكرة الحفاظ ١/٤٣٠ وتهذيب التهذيب ١١/٢٨٤.\n(٤) تاريخ بغداد ١٤/١٨٠. وسير أعلام النبلاء ١١/٨٠.","vol":"1","page":38},{"text":"وسماه صاحب الرسالة المستطرفة: \"الحافظ المشهور سيد الحفاظ وملكهم وإمام الجرح والتعديل\" (١) .\nوهذه أمثلة على إمامته في علم الرجال ومعرفته الدقيقة بأحوالهم وبأسمائهم وأنسابهم فعن عباس بن محمد أن يحيى بن معين كان يقول: \"إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه، وإسماعيل بن أبان الورّاق ثقة\". (٢) فتراه يفرق بين راويين يشتركان في الاسم واسم الأب ولا يصدر هذا التفريق إلا بفضل معرفة دقيقة لأحوال الرواة وأسمائهم وأنسابهم. ومما يضاهي المثال السابق أنَّ مِنْ رواة الحديث راويين يقال لكل واحد منهما: إسماعيل بن مسلم وهما معا بصريان، وكان أحدهما ثقة، والآخر متروك الحديث، فقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: \"سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مسلم المكي - وكان قد نزل مكة ونسب إليها- فقال: ليس بشيء، قلت: فإسماعيل بن مسلم العبدي؟ فقال: ثقة\" (٣) .\n- صرامته وعدم محاباته في الجرح والتعديل:\nلقد برهن النقاد المتتبعون لأحوال الرواة عن نزاهة وتجرد كبيرين، وتخلوا عن الأهواء والشهوات والمحاباة، فهذا يحيى بن معين ينعت عبيد بن إسحاق العطار بأنه كَذَّاب. وكان صديقا له، وحين سأله عبد الخالق بن منصور عن علي بن قرين قال له: كذاب، فقال له: يا أبا زكريا إنه ليذكر أنه\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة ١٢٩.\n(٢) الكفاية ٣٧١.\n(٣) الكفاية، ٣٧٢.","vol":"1","page":39},{"text":"كثير التعاهد لكم، فرد قائلا: صدق إنه ليكثر التعاهد لنا، ولكني أستحي من الله أن أقول إلا الحق (١) .\nإن كمال معرفة ابن معين بنقد الرواة، وسعة حفظه وتبحره في هذا الشأن مع ما صاحب ذلك من صرامة في إصدار الحكم على الرواة تعديلا وتجريحا قد أثار الفزع والخوف لدى رواة الأحاديث النبوية، وأرعب قلوبهم.\nقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول مَنْ بَكَّر إليه، فسألته أن يملي علي شيئا، فأخذ الكتاب يملي، فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأُذِنَ له والشيخ على حالته، والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا بآخر، فذُكر أحمد بن الدورقي، وعبد الله بن الرومي، وزهير بن حرب، وكلهم يدخل والشيخ على حالته، فإذا بآخر يدقُّ الباب، قال الشيخ من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم يسقط الكتاب من يده (٢) .\nوعن يحيى بن معين قال: لما قدم عبد الوهاب بن عطاء أتيته فكتبت عنه، فبينما أنا عنده إذ أتاه كتاب من أهله من البصرة فقرأه وأجابهم، فرأيته كتب على ظهره: وقد قدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين والحمد لله رب العالمين (٣) .\n- مؤلفاته في علم الرجال:\nإن معظم آثار ابن معين هي في ميدان الجرح والتعديل وعلل الأحاديث\n_________\n(١) تاريخ بغداد ١٢/٥١.\n(٢) تاريخ بغداد ١٤/١٨١ والتهذيب ١١/٢٨٤.\n(٣) تاريخ بغداد ١٤/١٨١ والتهذيب ١١/١٨٤.","vol":"1","page":40},{"text":"وما يتعلق بهما، رواها تلامذته، وأتت بأسماء مختلفة منها:\n*كتاب التاريخ (١): رواية عباس الدوري عن ابن معين.\n* معرفة الرجال: رواية أحمد بن القاسم بن محرز عنه.\n* سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين في الرجال.\n* تاريخ الدارمي عن ابن معين في الرجال.\n* الضعفاء: ذكره له الذهبي في مقدمة كتابه المغني في الضعفاء (٢)، والسخاوي في الإعلان بالتوبيخ (٣) .\nوقد ذكر الدكتور فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي (٤) أن من آثار ابن معين كتاب \"المجروحين\" وذكر عدة مراكز لنسخ مخطوطة منه.\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة ١٢٩. وانظر مقدمة المحقق الأستاذ أحمد محمد نور سيف لكتاب التاريخ، ١/٦١.\n(٢) ج ١ ص ٤.\n(٣) ص ١٠٩.\n(٤) ج ١ ص ٢٩٢.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13></span><span data-type=\"title\" id=toc-12>قواعد الجرح والتعديل</span>\nإن الكلام في الرواة تعديلًا وتجريحًا ذو شأن كبير، فإن من نتائجه قبول الحديث أو رده، وقبول الحديث معناه قبول ما يفيده من تحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، وإدخال ذلك كله في دائرة الشرع، ثم إن جرح الرواة جرح لا يندمل ويبقى سبة مدى الدهر، فكان لزامًا أن يحاط التعديل والتجريح بسياج من الضوابط والقواعد والآداب تقيه من الزلل والشطط والمحاباة والمغالاة، وتمنع أن يميل صاحبه تأثرًا بالحب أو البغض كالصداقة أو القرابة بين الأفراد، أو التنافس والتباغض بين الأقوام.\nوإن لهذه القواعد والآداب آثارا كبيرة في مجالات الرواية والشهادة وتقويم الرجال، فإذا كان الكلام في الرواة أو الشهود منضبطًا بتلك القواعد ومتقيدا بها فإنه يكون مَقْبُولا، وإلا كان من قبيل الكلام المهدر الذي لا يلتفت إليه. من تلك القواعد:\n١) الجرح واجب عند الحاجة.\nأجمع العلماء على أن الجرح ليس بالغيبة المحرمة، بل هو نصيحة يُعرف بها الحق من الباطل ونوع من التدين، وأما تركه مع العلم بخطورته فإثم وخيانة للشرع وأهله. قال الإمام مسلم «وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم، أو أمر، أو نهي، أو ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي ليس لها بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه مَنْ قد عرفه، ولم يبين لغيره مِمَّنْ جَهِلَ معرفته، كان آثما","vol":"1","page":42},{"text":"بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين.» (١)\nوقال الإمام الذهبي في حديث: «من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: الذي حملها في الدنيا: علي»: وقد رواه ابن مردويه من طرق في أمثاله، وما بَيَّنَ بطلانها، إن هذه لخيانة وقلّة وَرَع. (٢) وقال أيضا: «كلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذَّبَّ عن السنة.» (٣)\nولكن العلماء لم يجوزوه مطلقا، وإنما ربطوه بالحاجة الداعية إليه، ولذلك اشترطوا فيه حسن النية وأن يكون خالصا لله تعالى، وكل ما كان بسبب عداوة أو حسد أو تفكه بأعراض الناس أو جريان مع الهوى أو غير ذلك من حظوظ النفس فإثم محرم وإن حصلت به المصلحة بعد ذلك. قال الإمام الشافعي: \"من أبغض الرجل لأنه مِنْ بني فلان، فهو متعصب مردود الشهادة\".\n٢) لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة.\nإذا كان جرح الرواة جائزا دفعا للاعتزاز بهم، بل واجبا للحاجة وضرورة شرعية، فإنه مع ذلك لا يجوز إذا كان زائدا عن الحاجة فمن أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة أو بأدنى تصريح لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص بها للحاجة لا يُرتقى فيها إلى زائد على ما يحصل به الغرض\n٣) لا يجوز نقل الجرح فقط فيمن وُجِدَ فيه الجرح والتعديل.\nالتعديل والتجريح شهادة من الناقد يلزمهما الصدق والتحري والإنصاف، فلا يجوز أن يصدر تعديل أو تجريح يحكمهما الهوى أو المحاباة\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم ١/٢٨.\n(٢) ترتيب الموضوعات الكبرى ص ١٨٧.\n(٣) سير أعلام النبلاء ٣/٢٢٨.","vol":"1","page":43},{"text":"ونحو ذلك، فلا يحل للناقد أن ينقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل كلاهما فإن ذلك ظلم له: قال الإمام ابن سيرين (١١٠ هـ): \"ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ولم تذكر محاسنه\" (١) . وقال الإمام الذهبي في ترجمة أبان بن يزيد العطار: \"قد أورده العلامة ابن الجوزي في \"الضعفاء\". ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثَّقه، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق\" (٢) .\n٤) لا يقبل الجرح والتعديل ممن ليست له معرفة بأسبابهما.\nاتفق العلماء على عدم قبول الكلام في الرواة الصادر عمن يجهل أسباب الجرح والتزكية، وقال تاج الدين السبكي: \"من لا يكون عالما بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد\" (٣) .\nوقال الحافظ ابن حجر: \"وينبغي ألاَّ يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ، فلا يقبل جرح من أفرط فيه فجرح بما لا يقتضيه رد حديث المحدث، كما لا يقبل تزكية من أخذ بمجرد الظاهر فأطلق التزكية\" (٤) .\n٥) لا يعدل ويجرح إلا من كان عدلا غير مجروح.\nلا يقبل الجرح والتعديل ممن هو مجروح ساقط العدالة، ففي الحديث: \"ألا لا تجوز شهادة الخائن ولا الخائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا الموقوف على حد\". (٥)\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب كما نسبه إليه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٩/٢٧٥.\n(٢) ميزان الاعتدال ١/٩.\n(٣) انظر جمع الجوامع ٢/١١٢.\n(٤) شرح نخبة الفكر ص ٤١.\n(٥) ابن ماجه كتاب الأحكام باب من لا تجوز شهادته.","vol":"1","page":44},{"text":"٦) التعديل مقبول من غير ذكر سببه.\nهذا على المذهب الصحيح المشهور كما يقول ابن الصلاح، (١) لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يُحْوِج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا لم يرتكب كذا، فيعدد جميع ما يُفَسَّقُ بفعله أو تركه، وذلك شاق جدا.\n٧) لا يقبل الجرح إلا مفسرا مبين السبب (٢) .\nوالسبب في ذلك يرجع إلى أنه لا يصعب ذكره إذ يجرح الراوي، بالمجرح الواحد. فالراوي قد يكون عدلا، إلا أنه غير متقن مثلا بسبب سوء حفظ أو كثرة غفلة\" فيُجرّح بسبب ذلك.\nولا يقبل الجرح إلا مفسرا أيضا لاختلاف الناس فيما يجرح وما لا يجرح. فقد يتكلم بعضهم في الرواة بما لا يوجب الرد تأويلا أو جهلا، فيطلق جرحا مردودا لا يثبت اعتقادا منه أنه مجرح، أو تشددًا منه بحيث يَغْمِز الراوي بالغلطتين والثلاث. (٣) فلا بد إذًا من بيان سبب الجرح ليُنظر فيه أهو جائز مقبول أم لا؟.\n٨) لا يقبل التعديل على الإبهام.\nالتعديل على الإبهام هو أن يقول القائل: حدثني \"الثقة\"، أو: \"من لا\n_________\n(١) انظر علوم الحديث ص ١٠٦.\n(٢) هذا عند تعارض الجرح والتعديل فلابد أن يكون الجرح مفسرًا على الراجح كما ذكر الباحث، أمّا إذا خلا المجروح من التعديل، فيقبل الجرح وإن لم يفسّر انظر نزهة النظر/١٩٣ وعلوم الحديث لابن الصلاح/١٠٦-١٠٧ (اللجنة العلمية) .\n(٣) انظر تقسيم الإمام الذهبي للنقاد الذين تكلموا في الرواة وذكره لقسم متعنت في الجرح متشدد في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث.","vol":"1","page":45},{"text":"أتهم\"، من غير أن يُسَمِّيه، وقد وقع ذلك عند العديد من الأئمة كمالك في الموطأ، والشافعي. (١)\nهذا التعديل مردود إذا لم يصدر عن إمام من النقاد المجتهدين كمالك والشافعي وأحمد، لأن من أُبْهم وعُدِّل فربما لو ذكر بما يُعرف به كان مِمَّن جَرَّحه غيرُه بجرح قادح، لذلك فإن عدم تسميته سبب في إثارة الشك والريبة حوله، وقد توجب التوقف في قبول حديثه.\n٩) ليس كل من تُكُلِّم فيه بمجروح\nإن مجرد الكلام في الرجل لا يعني أنه مجروح ساقط العدالة، مردود الرواية أو الشهادة، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة، إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، وما سلم فاضل من طاعن، ولذلك خُرِّج في الصحيحين لخلق ممن تُكُلِّم فيهم منهم جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث ابن عبد الله الإيادي، وخالد بن مخلد القطواني وغيرهم.\n١٠) لا يقبل جرح الأقران إلا ببينة وحجة.\nامتنع علماء الجرح والتعديل من قبول كلام الأقران بعضهم في بعض، واحتاطوا في تقديم الجرح على التعديل فيما دار بينهم من قدح أو خلاف مذهبي أو غير ذلك.\nوقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" بابا لكلام العلماء المتعاصرين بعضهم في بعض (٢) .ورأى أن أهل العلم لا يقبل الجرح فيهم إلا ببيان واضح فإذا انضم إلى ذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول.\n_________\n(١) انظر مثلا الرسالة ص ٤٤٨-٤٥٠.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/١٥٠ وما بعدها.","vol":"1","page":46},{"text":"١١) الجرح (١) مقدم على التعديل ولو كان المعدلون أكثر.\n١٢) لا يجوز جَرْحُ مَنْ لا يُحتاج إلى جرحه.\n١٣) رواية العدل ليست تعديلا لمن روى عنه.\n١٤) عدم العمل بالحديث ليس تجريحا لمن روي عنه.\n_________\n(١) ولابد من تقييد ذلك \"بالجرح المفسّر\"،كما تقدم في التعليق على القاعدة رقم (٧) . (اللجنة العلمية) .","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>آثار علم الجرح والتعديل:</span>\n-حفظ السنة النبوية بعيدة عن التغيير والتبديل، سليمة من التزوير والتحوير، ولتكون حجة الله على خلقه ملزمة قاطعة، لا عذر لهم بتجاهلها والتنكر لها. قال الإمام يحيى بن معين: \"لولا الجهابذة لكثرت السرقة والزيوف في رواية الشريعة\" (١) . وقال الحاكم: \"فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الإسناد، فإن الأخبار إذا تَعَرَّتْ عن وجود الأسانيد فيها كانت بُترًا\" (٢) .\n- جمع أسماء رواة الأحاديث والآثار، وبيان أحوالهم، تعديلا وتجريحا رغم كثرة عددهم، وتباين أحوالهم في كتب خاصة بهم.\n- تبيين أسباب تجريح الرواة، وهي التي تسمى أسباب اختلال العدالة والضبط، وفي المقابل بُينت خصال تشترط في الراوي الثقة.\n-إمكان الاطلاع على تلبيس التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة بعد التأكد من سماع الراوي عَمَّنْ يروي عنه أو عدمه.\n-معرفة سنة اختلاط الراوي ليحتج بمروياته قبل الاختلاط، وتطرح التي كانت بعد الاختلاط.\n-معرفة تاريخ ولادة الرواة وتاريخ وفاتهم، وبذلك يستدل العلماء على\n_________\n(١) معرفة السنن والآثار ص ٥.\n(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٦.","vol":"1","page":48},{"text":"كذب الكاذب في روايته عمن لم يدركه (١) .\n- معرفة بلدانهم وأوطانهم، وفائدة ذلك الأمن من تداخل الاسمين إذا اتفقا لكن افترقا بالنسبة.\n- إحصاء ما لكل صحابي من الرواة من التابعين أو ما يرويه من الأحاديث، وما لكل تابعي من الرواة، حتى إذا ادَّعى مُدَّعٍ روايةَ حديث ما كشفوا أمره، وبيَّنوا صدقه أو كذبه.\n- وفي علم الرجال إبراز لمنهج المحدثين، وبيان أنهم لا يخبطون في دين الله خبط عشواء بل كانوا يحكمون الخطة ويحددون المنهج، ثم يخطون إلى أهدافهم بخطى ثابتة وعقل واع، فإذا بهم يدركون الغاية من وجهها الصحيح.\n- وفيه إشادة بعبقرية تلك العقول المبدعة التي عرفت كيف تضع المنهج الصحيح لإدراك غاية صحيحة؛ ولذلك فإن هذا المنهج قد تمَّ اعتماده في علم التفسير والقراءات (٢) وعلم اللغة وعلم التاريخ (٣) . وحق لمن ينادي اليوم بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتمحيصه ونفي ما وقع فيه من الأكاذيب، عنه، أن يستند إلى منهج نقاد الحديث، ويخطو خطواتهم، ويسلك سبيلهم ليثبت الحقائق والوقائع مهما كانت طبيعتها، ويبين زيف الأكاذيب والتضليلات.\n- تكوين رأي عام واع بمكانة السنة النبوية، ومدرك لخطورة تحريفها\n_________\n(١) نزهة النظر ص: ٤٠.\n(٢) التفسير ورجاله: محمد الفاضل بن عاشور ص: ٣٩ وما بعدها.\n(٣) انظر كتاب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل لشيخنا الدكتور فاروق حمادة ص ١٠٠ وما بعدها.","vol":"1","page":49},{"text":"والكذب على رسول الله ﷺ، فقد ساهم الناس إلى جانب العلماء في الذود عن السنة ومقاومة الوضع والوضّاعين.\nوبناء على ذلك فإن من ثمراته أيضا الرد على حملات التشكيك في السنّة التي تقودها الدوائر الاستشراقية، وعلى الشبهات التي يروجها الأدعياء من بني جلدتنا الذين رضعوا من ألبان أعدائنا فأصبحوا يتكلمون، بألسنتهم ويضربون بسيوفهم.\nوخلاصة القول: إنه حين نتأمل مليًّا في علم الرجال، وما بذله المحدثون النقاد من جهود طيبة من تجريح وتعديل وتتبع دقيق لأحوال الرواة، ووضع لألوان الكتب وأنواع المصنفات، نوقن إيقانا ثابتا أن الله تعالى تولى حفظ الحديث النبوي بمثل ما تولَّى به كتابه العزيز، وأن شريعة الله كما ذكر ابن الوزير في \"الروض الباسم\" لا تزال محفوظة، وسنة رسوله لا تبرح بحمد الله محروسة يقوم على ذلك رجال صادقون وَفَّوا بما عاهدوا الله، وانقطعوا لخدمة هذا الدين، إذ حققوا هدفهم المنشود: وهو معرفة أحوال الرواة تعديلا وتجريحا، وتمّ التمييز بين الثقات والضعفاء منهم، وذلك طريق إلى معرفة الصحيح والسقيم من الأحاديث؛ قال الإمام ابن حبان: \"إذ لا يتهيأ معرفة السقيم من الصحيح، ولا استخراج الدليل من الصريح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين وثقاتهم\" (١) .\n_________\n(١) كتاب المجروحين ١/٤.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>كتب علم الجرح والتعديل وكتب علم الرجال وأثرهما في حفظ السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>مدخل</span>\n...\nكتب علم الجرح والتعديل وكتب علم الرجال\nوأثرهما في حفظ السنة\nكتب الرجال ثمرة من ثمار جهود علماء الجرح والتعديل للمحافظة على السنن النبوية الشريفة، وأعظم دليل على اهتمام المسلمين بها، فهي إلى جانب القرآن الكريم أعظم مقومات الأمة وأساس وجودها الحر الكريم.\nإن المؤلفات في هذا الميدان كثيرة جدًا؛ ولذلك فإن الناظر في عناوينها فقط ليندهش أمام هذه الكثرة الوافرة. ويقف مندهشا أيضا أمام ما فيها من ضبط وتدقيق في التعريف بالرواة وبأحوالهم وغير ذلك. لقد وضعت هذه المؤلفات في تاريخ الفكر الإسلامي والإنساني مسالك للنظر وقواعد للنقد ومثالا للنقد العلمي النزيه. ولم تكن أبدا مجرد حشد لأسماء الأعلام من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ... و\"إنما هو اتجاه يؤكد أن كل فكرة إنما يحملها رجال، وأن هذه الفكرة تتكوَّن وفقا لاتجاهات الرجال الذين يحملونها. (١)\nيمكن أن نجمل كتب الرجال في قسمين كبيرين: قسم مباشر في أحوال الرواة، وقسم غير مباشر: فأما الأول ففيه أنواع ثلاثة:\nأ- كتب الثقات، وهي خاصة بأسماء الثقات من الرواة، ككتاب \"الثقات والمتثبتون\" للإمام علي بن المديني، و\"الثقات\" لأحمد بن عبد الله بن صالح البستي (٢٦١؟) و\"الثقات\" لابن شاهين، و\"الثقات\" لابن حبان.\nب- كتب الضعفاء والمتروكين، وهي خاصة بأسماء المجروحين لبيان\n_________\n(١) مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي عند العرب للدكتور شرف الدين علي الراجحي ص ٢٨٤.","vol":"1","page":51},{"text":"أحوالهم، ككتاب \"الضعفاء والمتروكين\" للإمام يحيى بن سعيد القطان (١)، وكتاب \"الضعفاء\" لأبي الحسن المدائني (٢٢٥؟)، و\"الضعفاء\" ليحيى بن معين، و\"الضعفاء\" لعلي بن المديني، و\"الضعفاء والمتروكين\" لأبي زرعة الرازي، و\"الضعفاء الكبير\" للإمام البخاري، و\"الضعفاء\" للإمام الدارقطني ...\nج- كتب جامعة بين الثقات والضعفاء، منها:\n-كتب التواريخ، أي تواريخ المحدثين، كـ\"التاريخ\" للإمام عبد الله بن المبارك، و\"التاريخ\" ليحيى بن معين، و\"التاريخ\" لابن المديني، و\"التاريخ\" لأحمد\nابن حنبل، و\"التاريخ الكبير\" للبخاري، و\"المعرفة والتاريخ\" ليعقوب الفسوي، و\"التاريخ الكبير\" لابن أبي خيثمة ...\n-كتب الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، كـ\"معرفة الرجال\" ليحيى بن معين، و\"العلل والرجال\" لأحمد بن حنبل، و\"الجرح والتعديل\" للجوزجاني، و\"الجرح والتعديل\" لأحمد بن صالح العجلي، و\"الجرح والتعديل\" للعقيلي، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم الرازي، ...\nهذا بالإضافة إلى كتب أخرى أفردت لبيان أحوال رواة مخصوصين ككتب المدلسين، وكتب المختلطين، وكتب المعمرين ...\nوأما القسم الثاني، فعبارة عن كتب مساعدة لا تعنى ببيان أحوال الرواة مباشرة، إنما تعنى بطبقات الرواة وأسمائهم وأنسابهم وكناهم وغير ذلك مما يبيّن شخص الراوي لا حاله، ومن هذه الكتب:\n-كتب الطبقات، كـ\"طبقات ابن سعد\"، و\"طبقات ابن خياط\".\n_________\n(١) ذكره له الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٩/١٨٣.","vol":"1","page":52},{"text":"-وكتب الإخوة والأخوات من الرواة والعلماء، وكتب الأقران، وكتب رواية الأكابر عن الأصاغر، وكتب رواية الآباء عن الأبناء، ورواية الأبناء عن الآباء، وكتب المبهمات، وكتب من ذكر بنعوت متعددة.\n-ومنها كتب الأسماء والكنى، والمتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، إلى غير ذلك من أنواع الدراسات والأبحاث المبينة لشخص الراوي، (١) وهو أمر ينم عن ضبط وتدقيق نقاد الحديث منذ القرن الأول، وعن شمول أبحاثهم لكل ما يتوصل به إلى معرفة شخص الراوي وتحديده من جميع النواحي الزمانية والمكانية والاسمية ...\n_________\n(١) انظر معرفة علوم الحديث ص: ١٥٢-١٨٣ ... ومقدمة ابن الصلاح والرسالة المستطرفة ص: ١١٤-١٢٠-١٢٢ ... وكتاب الحطة في ذكر الصحاح الستة للسيد حسن القنوجي ص: ٩١-٩٢-٩٣ ... وكتاب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل لشيخنا الدكتور فاروق حمادة حفظه الله.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>مصادر ومراجع</span>\n...\nالمصادر والمراجع\n١ - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للإمام بدر الدين الزركشي، تحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني.\n٢ - الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة، للشيخ محمد عبد الحي اللكنوي، تحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبي غدة، الطبعة ٣، ١٤١٤هـ /١٩٩٣م، مكتبة دار السلام، القاهرة.\n٣ - الإسناد من الدين للشيخ عبد الفتاح أبي غدة، الطبعة الأولى.\n٤ - التاريخ الكبير للإمام البخاري، الطبعة الأولى.\n٥ - التاريخ للإمام يحيى بن معين، دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف منشورات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي – جامعة الملك عبد العزيز، كلية الشريعة، مكة المكرمة.\n٦ - التفسير ورجاله لمحمد الفاضل بن عاشور. ط ٢ / ١٩٧٢م، دار الكتب الشرقية - تونس.\n٧ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق مجموعة من الأساتذة. طبعة وزارة الأوقاف المغربية.\n٨ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، ط ١ / دائرة المعارف العثمانية، ١٢٧١ هـ/١٩٥٢.\n٩- الحطة في ذكر الصحاح الستة، السيد صديق حسن القنوجي ١٢٨٤ هـ-١٣٠٧ هـ. الطبعة الأولى ١٩٠٥ هـ-١٩٨٥م، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":54},{"text":"١٠- الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، لمحمد بن جعفر الكتاني، بعناية محمد المنتصر بن محمد الزمزمي بن محمد بن جعفر الكتاني. الطبعة الثالثة ١٣٨٣-١٩٦٤، مطبعة دار الفكر - دمشق.\n١١- الكشاف للإمام جار الله الزمخشري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٢- الكفاية للخطيب البغدادي، منشورات المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.\n١٣- المحدث الفاصل للحسن بن خلاد الرامهرمزي، دراسة وتحقيق د. محمد عجاج الخطيب، ط ١ / ١٣٩١-١٩٧١ دار الفكر، بيروت.\n١٤- المدخل في أصول الحديث، للحاكم النيسابوري نشر المطبعة العلمية بعناية محمد راغب الطباخ، ١٣٥١-١٩٣٢.\n١٥- المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل، للدكتور فاروق حمادة، ط. ١/١٤٠٢-١٩٨٢، مكتبة المعارف، الرباط.\n١٦- الموطأ للإمام مالك بن أنس، تحقيق وترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ط ١، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، لبنان.\n١٧- تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، نقله إلى العربية محمد فهمي جحازي، ود. فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر.\n١٨- تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، الطبعة ١ / ١٣٤٩ هـ-١٩٣١م، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر.\n١٩- تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":55},{"text":"٢٠- ترتيب الموضوعات لابن الجوزي، تأليف الحافظ الذهبي، الجزء الأول، تحقيق د. عبد البصير خليفة حسن، الطبعة الأولى ١٤٠٦-١٩٨٦، دار الطباعة المحمدية، القاهرة - مصر.\n٢١- تقدمة المعرفة لابن أبي حاتم الرازي، ط ١ / دائرة المعارف العثمانية ١٢٧١؟/١٩٥٢.\n٢٢- تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط. ١، ١٣٢٥؟-، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد الدكن، الهند.\n٢٣- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لابن عبد البر النمري. ١٣٩٨-١٩٧٨، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n٢٤- جامع الترمذي للإمام الترمذي، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر وآخرين. دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n٢٥- ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، للإمام شمس الدين الذهبي، تحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبي غدة،\n٢٦- سنن ابن ماجه، تحقيق وترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ط ١ دار الفكر، بيروت.\n٢٧- سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، تحقيق مجموعة من الأساتذة، تقديم د. بشار عواد معروف. ط ٣ / ١٤٠٥-١٩٨٥، مؤسسة الرسالة - بيروت.\nشرح نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر. طبعة ١٣٥٢ هـ-١٩٣٤م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n٢٨- شرح نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر. طبعة ١٣٥٢هـ ــ ١٩٣٤م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.","vol":"1","page":56},{"text":"٢٩- شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، تحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي، دار إحياء السنة النبوية، منشورات كلية الإلهيات، جامعة أنقرة.\n٣٠- صحيح مسلم، تحقيق وترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٣١- طبقات ابن سعد بعناية إحسان عباس – دار صادر – بيروت.\n٣٢- علوم الحديث لابن الصلاح، حققه الدكتور نور الدين عتر، ١٤٠١هـ-١٩٨١م، المكتبة العلمية - بيروت.\n٣٣- فهرست ما رواه عن شيوخه، لابن خير الإشبيلي، تحقيق فرنسشكه قدارة زيدين وتلميذه خليان ربارة طرغوه، طبعة منقولة عن طبعة قومش بسرقسطة عام ١٨٩٣م، ط ٣، ١٤١٧؟/١٩٩٧، الناشر مكتبة الخانجي القاهرة.\n٣٤- كتاب الضعفاء والمتروكين للإمام النسائي، تحقيق الأستاذين بوران الضناوي وكمال الحوت، ط ١ / ١٤٠٥-١٩٨٥، دار الفكر، بيروت.\n٣٥- كتاب المجروحين، للإمام محمد بن حبان البستي، تحقيق محمد إبراهيم زايد، دار المعرفة - بيروت.\n٣٦- مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي عند العرب، للدكتور شرف الدين علي الراجحي.\n٣٧- معرفة علوم الحديث، لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق د. السيد معظم حسين، ط. ٣، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.","vol":"1","page":57},{"text":"٣٨- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للإمام الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي. الطبعة الأولى ١٣٨٢-١٩٦٣، الناشر دار المعرفة - بيروت.\n٣٩- نزهة النظر في شرح نخبة الفكر، للإمام ابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الكريم الفضيلي. ط ١ / ١٤١٨-١٩٩٨، المكتبة العصرية صيدا - بيروت، وطبعة ١٣٥٢-١٩٣٤ مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n٤٠- وفيات الأعيان، لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس. ١٩٧٢، دار صادر - بيروت.","vol":"1","page":58}]}