{"ً":{"ٌ":11312,"ٍ":"عناية المسلمين بالوقف خدمة للقرآن الكريم","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: عناية المسلمين بالوقف خدمة للقرآن الكريم\nالمؤلف: عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1555,"ٕ":4,"ٖ":1770155685,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته","level":1,"page":5},{"title":"أولا: جمعه منذ نزوله","level":2,"page":5},{"title":"ثانيا: حفظ القرآن الكريم واستنباط علومه","level":2,"page":7},{"title":"ثالثا: دور المساجد في العناية بالقرآن الكريم","level":2,"page":8},{"title":"رابعا: الزوايا","level":2,"page":11},{"title":"خامسا: الكتاتيب","level":2,"page":14},{"title":"سادسا: تأسيس المدارس القرآنية في الأمصار الإسلامية","level":2,"page":16},{"title":"سابعا: تأسيس جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في العصر الحديث","level":2,"page":18},{"title":"الفصل الثاني: مشروعية الوقف خدمة للقرآن الكريم ومقاصد الواقفين","level":1,"page":21},{"title":"مدخل","level":2,"page":21},{"title":"مقاصد الواقفين على القرآن الكريم","level":1,"page":23},{"title":"أولا: الوقف على المدارس القرآنية","level":2,"page":23},{"title":"ثانيا: الوقف على القراء","level":2,"page":27},{"title":"ثالثا: الوقف على تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف أو المذاهب الفقهية","level":2,"page":31},{"title":"رابعا: الوقف على خدمة القرآن تلاوة وتأسيس مرافق اجتماعية بالمدينة المنورة","level":2,"page":34},{"title":"خامسا: الوقف على قراءة القرآن هبة للثواب لآخرين،","level":2,"page":38},{"title":"وقف الأسهم على الجمعية","level":2,"page":51},{"title":"خاتمة البحث","level":1,"page":54},{"title":"مدخل","level":2,"page":54},{"title":"ملحق المدارس القرآنية في دمشق والقاهرة والأوقاف المحبس عليها","level":1,"page":58},{"title":"دور القرآن في دمشق","level":2,"page":58},{"title":"دور القرآن الكريم في القاهرة","level":2,"page":63},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":68}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":12,"1,11":13,"1,12":15,"1,13":17,"1,14":19,"1,15":20,"1,16":21,"1,17":22,"1,18":23,"1,19":24,"1,20":25,"1,21":26,"1,22":28,"1,23":29,"1,24":30,"1,25":31,"1,26":32,"1,27":33,"1,28":35,"1,29":36,"1,30":37,"1,31":39,"1,32":40,"1,33":41,"1,34":42,"1,35":43,"1,36":44,"1,37":45,"1,38":46,"1,39":47,"1,40":48,"1,41":49,"1,42":50,"1,43":52,"1,44":53,"1,45":54,"1,46":55,"1,47":56,"1,48":57,"1,49":58,"1,50":59,"1,51":60,"1,52":61,"1,53":62,"1,54":64,"1,55":65,"1,56":66,"1,57":67,"1,58":68,"1,59":69,"1,60":70,"1,61":71},"ٜ":{"1":[1,61]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,7","1,8","1,9","1,9","1,10","1,11","1,11","1,12","1,12","1,13","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,27","1,28","1,29","1,30","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"7":[4],"8":[5],"11":[6],"14":[7],"16":[8],"18":[9],"21":[10,11],"23":[12,13],"27":[14],"31":[15],"34":[16],"38":[17],"51":[18],"54":[19,20],"58":[21,22],"63":[23],"68":[24]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:\nفإن الاهتمام بتعليم القرآن الكريم ونشره هو مفتاح التعرف على مبادئ الإسلام وشرائعه من مصدره الأول، كتاب الوحي المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين، المنقول إلى الأجيال اللاحقة بطريق التواتر، فمن ثمّ كان هاجس القادة الفاتحين والخلفاء، والملوك، والسلاطين، والأمراء المسلمين، تعليم القرآن الكريم، ونشره بين أبناء البلاد الذين كتب الله لهم الهداية، فكان الشأن المهم الذي يبادرون إليه قبل كل شيء؛ ذلك أن رسالتهم هي هداية الأمة وإنقاذ شعوبها من الضلال، وما ترسف فيه من أغلال الظلم، وتحريرها من الاستعباد، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ في تفقيه حديثي الإسلام وتعليمهم القرآن. \" روى الرقيق (١) - مؤرخ القيروان أن موسى بن نصير أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن، وأن يفقهوهم في الدين. ونقل غيره:\nأن موسى بن نصير ترك سبعين رجلًا من العرب يعلمون البربر القرآن، وشرائع الإسلام، وكان عقبة بن نافع ترك فيهم قبله بعض أصحابه يعلمونهم القرآن منهم تابعه (شاكر)، وغيرهم.\nوهنا تجدر الإشارة إلى البعثة الدينية المؤلفة من عشرة من وجوه التابعين\n_________\n(١) اسمه إبراهيم بن القاسم، المعروف بالرقيق القيرواني، كاتب، شاعر، مؤرخ، عاش في القرنين الرابع والخامس الهجري، انظر ترجمته في: تراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الغرب الإسلامي سنة ١٩٨٢م)، ج٢ ص: ٣٧٩.","vol":"1","page":1},{"text":"التي أرسلها الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى القيروان بقصد تفقيه البربر، وإرشادهم إلى شرائع الإسلام، وتعاليمه العالية، فما كان من هؤلاء المرشدين إلا أن اختطَّ كل واحد منهم دارًا لسكناه، وبنى بحذائها مسجدًا لعبادته ومجالسه، واتخذ بقربه كُتَّابًا لتحفيظ القرآن، وتلقين مبادئ العربية لصغار أطفال البلد (١) .\nوقد ظهرت في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي الحاجة إلى موارد تكفل للقائمين على تعليم القرآن ونشره، موارد رزقهم، وتكفيهم حاجاتهم، لينصرفوا بكليتهم لتعليم القرآن الكريم، فأصبح رصد الأوقاف، وتحبيس العقارات على المساجد وحلقات القرآن سنة لدى المسلمين على اختلاف حالاتهم الاجتماعية والمادية.\nيسجل التاريخ \" أن الوليد بن عبد الملك في سنة ٨٨هـ وقف بعض القرى والمزارع لمسجد أمية بالشام، ويقال: إن هذا كان أول وقف من نوعه، لأن غلة هذه القرى، والمزارع كانت تصرف للمسجد، ثمّ توسعت مجالات الأوقاف، وشملت مرافق الحياة كلها.\nوفي أيام الدولة العثمانية اتسعت مساحة الأوقاف كثيرًا، وكانت المدارس، والزوايا، والمساجد، وخدمات البلدية، والمستشفيات، وما إلى ذلك، كل هذه كانت تدار بالأوقاف، ويصرف عليها منها\" (٢) .\n_________\n(١) عبد الوهاب، حسن حسني، كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين، الطبعة الأولى، مراجعة محمد العمروسي المطوي، وبشير البكوش، (تونس: بيت الحكمة، سنة ١٩٩٠م) ج١، ص ٤٦.\n(٢) أوزاك، علي، بحث (إدارة الأوقاف الإسلامية في المجتمع المعاصر في تركيا)، (أهمية الأوقاف الإسلامية في عالم اليوم)، (الأردن: مآب مؤسسة آل البيت، سنة ١٤١٧هـ، ١٩٩٦م)، ص:٣٣٩.","vol":"1","page":2},{"text":"تركز الدراسة هنا على جانب خاص هو خدمة الأوقاف للقرآن الكريم، وهو موضوع جدير بالدراسة، فقد كان تجربة ناجحة ورفيعة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومن الصعب، بل من المستحيل الإحاطة الشاملة بهذا الموضوع عبر القرون في البلاد الإسلامية المترامية الأطراف؛ ذلك أن الاهتمام بالقرآن الكريم هو ما دأبت عليه الأمة الإسلامية حتى في أقصى الظروف وأحلكها، فمن ثمّ يكتفي البحث بتقديم نماذج منها، بقدر ما يوضح الصورة. وقد أدى الوقف خلال القرون الطويلة نتائج فاعلة في الحفاظ على القرآن، وتخريج أجيال من القراء والحفاظ، والمفسرين في شرق بلاد الإسلام وغربها، في جميع القرون منذ بدء عصر النبوة المبارك.\nوإذا كان للماضي تجاربه الناجحة في هذا المجال فمن الواجب إنصاف الحاضر الذي لم يفتقد مَنْ يعمل على هدى وبصيرة من العلماء والمخلصين من أبناء الأمة الإسلامية في النهوض بتعليم القرآن وحفظه في شتى بقاع العالم الإسلامي على مستوى العصر إدارةً، وتنظيمًا، وتخطيطًا، فمن ثمّ تخيَّر البحث من بين النماذج للعصر الحاضر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة.","vol":"1","page":3},{"text":"خطة البحث\nجاءت موضوعات البحث بعد هذه المقدمة على النسق التالي:\nالفصل الأول: تطوير العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته.\nالفصل الثاني: مشروعية الوقف على القرآن الكريم.\nمقاصد الواقفين على القرآن الكريم:\nأولًا: الوقف على المدارس القرآنية.\nثانيًا: الوقف على القراء.\nثالثًا: الوقف على تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، أو المذاهب الفقهية.\nرابعًا: الوقف على خدمة القرآن تلاوةً، وتأسيس مرافق اجتماعية.\nخامسًا: الوقف على قراءة القرآن لهبة ثوابها للآخرين.\nأ - الوقف على قراءة الربعات بالمسجد الحرام على نظام (الخصفة) .\nب - الوقف على قراءة القرآن على الترب (المقابر) .\nسادسًا: الوقف على الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة الوقت الحاضر.\nتمام البحث: خاتمة تلخص أهم النقاط.\nكما تضمن بعض التوصيات، يليها ملحق بقائمة دور القرآن في دمشق والقاهرة، ثم قائمة المصادر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nوصلى الله وسلم على من نزل عليه الوحي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أولا: جمعه منذ نزوله</span>\n...\nالفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته\nحظي القرآن الكريم وعلومه باهتمام المسلمين وعنايتهم بما لم يحظ به كتاب سماوي، حفظًا، ودرسًا، وشرحًا وتدوينًا، ورواية بالتواتر، وقد تجلت هذه المظاهر من العناية الفائقة والإجلال والتعظيم له في مظاهر عديدة، من أهمها:\nأولًا: جمعه منذ نزوله:\nتخصص لهذا نفر كريم أمين من أصحاب رسول الله ﷺ لرصد كل ما ينزل به من الوحي. ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: \"جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فقيل له: \"مَنْ أبو زيد؟ \" قال: \"أحد عمومتي\".\nوفي لفظ للبخاري عن أنس قال: \"مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه\" (١) .\n\"وحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه قال، بعد ذكر حديث أنس بن مالك هذا،\"فقد ثبت بالطريق المتواترة أنه جمع\n(١) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، كتاب فضائل القرآن، الطبعة الأولى، تحقيق محمد إبراهيم البنا، جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية، بيروت: مؤسسة علوم القرآن، سنة ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م، ص٢٢.","vol":"1","page":5},{"text":"القرآن: عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو ابن العاص.\nفقول أنس: لم يجمعه غير أربعة يحتمل أنه لم يأخذه تلقيًا مِنْ في رسول الله ﷺ غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض.\nوقال:\"وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم\".\nقال القرطبي:\"لم يذكر القاضي ابن مسعود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن\" (١) .\nوقد عدّ العلماء أنَّ من أحسن، وأجلّ، وأعظم ما فعله أبو بكر الصديق جمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله (٢) .\nيقول العلامة ابن كثير تعليقًا على ما تقدم:\n\"فجمع الصديق الخير، وكشف الشر ﵁، ولهذا روى غير واحد من الأئمة...عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:\n\"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين\" (٣) .\n_________\n(١) ابن كثير، كتاب فضائل القرآن، ص٢٥.\n(٢) ابن كثير، كتاب فضائل القرآن، ص٢٥.\n(٣) ابن كثير، كتاب فضائل القرآن، ص٢٥.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ثانيًا: حفظ القرآن الكريم واستنباط علومه:</span>\nمنذ تلك الآونة عكف المسلمون على القرآن تعبدًا وتعلمًا، ودراسة، فاستنبط منه العلماء علومًا عديدة، واشتقوا منه فنونًا رفيعة على مدى القرون، فألفت فيه المؤلفات الواسعة، ولا يزال العلماء في المجال العلمي الشرعي يستخرجون أسراره، ويكتشفون دقائقه، دون توقف لتياره المعرفي، ومعجزاته التي لا تنتهي.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثالثًا: دور المساجد في العناية بالقرآن الكريم</span>.\nالمساجد هي ساحات الدرس والتعليم، والمكان المناسب لتعليم القرآن ودراسة علومه، ومدارسته. وقد شهدت الأمصار الإسلامية عبر العصور الإسلامية المختلفة نهضة علمية بالعلوم الإسلامية، وبخاصة القرآن وعلومه، وكان من وراء هذا بعد توفيق الله علماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم من علماء الأمة في كل عصر وجيل حتى وقتنا الحاضر.\nإن الرمز الأول الذي حقق المعنى وجَسَّده دروس حبر الأمة عبد الله بن العباس ﵄ في ساحات المسجد الحرام، فقد تخصص في العناية بالقرآن الكريم تفسيرًا، وتأويلًا، وكان المرجع لعلماء الأمة، تحقيقًا للدعوة النبوية المباركة: \"اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل\" (١)،فقد كان ﵄ يعقد حلقة درسه في التفسير والحديث، والأدب والمغازي والسير، وأيام\n(١) هو التفسير، وهو اصطلاح ابن جرير في تفسيره، حيث يقول:\" القول في تأويل قوله تعالى، ثمّ يذكر تفسير الآية.","vol":"1","page":7},{"text":"العرب وأشعارهم بالمسجد الحرام.\nوكان لحلقته بالمسجد الحرام الفضل في تأسيس مدرسة في علم التفسير لها خصائصها وأعلامها من كبار التابعين مثل عطاء بن أبي رباح الذي خلفه في حلقة العلم تفسيرًا، وفقهًا وفتيا، ثمّ صارت هذه الحلقة لابن جريج، وقد تخرج فيها كثيرون، وبرغم وفاة ابن عباس سنة ٧٨هـ ظلت مدرسة مكة قائمة يتلقى أبناؤها العلم طبقة بعد طبقة (١) .\nولئن صح هذا عن المسجد الحرام وأثر حلقات العلماء فيه على تطور النهضة العلمية بالقرآن الكريم وعلومه، وهو المحور الأساس في التعليم الإسلامي، إنه لصحيح أيضًا وصادق في حق كافة الأمصار والمدن الإسلامية التي انتشر فيها الصحابة رضوان الله عليهم، فورَّثوا القرآن وعلومه إلى أجيال التابعين وتابعي التابعين وإلى مَنْ بعدهم، حتى وصل إلينا القرآن الكريم محفوظًا من التغيير والتبديل، تقرؤه أجيالنا كيوم نزوله على نبينا محمد ﷺ.\nوتُبرز الدراسات العلمية الموثقة فيما يخص أثر المساجد في المحافظة على القرآن الكريم والعناية بعلومه، أنه لم يتوقف بنشوء المدارس وتأسيسها فيما بعد، والمسجد الحرام بحلقاته العلمية أنموذج صادق على أهمية هذه الحلقات العلمية في القرنين السابع والثامن للهجرة، بل ظل على مدى القرون الإسلامية، يزدحم برجال الحديث والقراء وأصحاب الفتيا، وظلت حلقاتهم تتدبر تفسير آيات الذكر الحكيم، وأخذ اتساع الحلقات يتضاعف في مواسم\n_________\n(١) انظر: العبيكان، طرفة عبد العزيز، الحياة العلمية الاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، (الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، سنة ١٤١٦هـ/١٩٩٦م)، ص٥٤.٥٥.","vol":"1","page":8},{"text":"الحج، ولا يخفى أن المقصود بالحلقات هنا، ذلك هو النظام التعليمي القائم على إحاطة الطلاب بشيخهم، وهو نظام يعود إلى العصر النبوي. وقد استمر هذا الشكل بعد إنشاء المدارس الإسلامية\" (١) .\nوكان إلى جانب هذا النوع من التعليم الحر في مناهجه، وأوقاته، المدارس والمؤسسات العلمية المنتشرة بمكة المكرمة، والتي كان من أعظم اهتماماتها تعليم القرآن حفظًا وتجويدًا وتفسيرًا، إذ هو القاعدة العلمية المتينة التي تكوِّن العالم الشرعي على أسس ثابتة.\n_________\n(١) العبيكان، طرفة عبد العزيز، الحياة العلمية والاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، ص٥٣ خصصت الباحثة دراستها بالقرنين السابع والثامن كما هو ظاهر من العنوان.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>رابعًا: الزوايا</span>\nجمع زاوية، وزاوية البيت ركنه، وتزوي صارفيها (١) . وأصبحت تطلق عرفًا على المسجد الصغير الذي يخلو فيه الناس للعبادة كما كان الحال في الماضي في مكة المكرمة، وكان لكل زاوية شيخ يقوم بشؤونها، وتعليم القرآن فيها (٢) .\nأما في الغرب الإسلامي بلاد المغرب والأندلس فإنه: \"يطلق على مجموعة البنايات المستخدمة لأغراض دينية، وتعليمية، واجتماعية، وذلك منذ القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد\" (٣) .\n_________\n(١) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد، لسان العرب، الطبعة الثالثة، (بيروت: دار صادر، عام ١٤١٤هـ/١٩٩٤م)،ج١٤،ص٣٦٥. (مادة زوى) .\n(٢) انظر لهذا: العجيمي، محمد حسن الصوفي، خبايا الزوايا. مصور، خاص.\n(٣) سعيدوني، ناصر الدين، مؤسسة الزوايا في الجزائر العثمانية بحث في المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني بمناسبة الذكرى السبعمائة على قيام الدولة العثمانية عام ١٩٩٩م (إستانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، ٢٠٠٠)، ص٤٨.","vol":"1","page":9},{"text":"وقد أدَّتْ الزوايا في البلاد الإسلامية وظائف تعليمية، ودينية جليلة، وأسهمت إسهامًا كبيرًا في نشر القرآن تعليمًا، وحفظًا ومدارسة، وقامت بآثار جليلة في تربية الناشئة.\nإن تخطيط هذه الزوايا ومكوناتها يعطي تصورًا كاملًا عن الوظائف التي تؤديها، وهي وإن اختلفت من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر فإنها تجتمع كلها في الأهداف التي بنيت من أجلها.\nيتحدث الأستاذ الدكتور ناصر الدين سعيدوني عن طبيعة تنظيم الزوايا ببلاد القبائل بالجزائر فيقول:\n\"وتشتمل الزوايا بالبلاد الجزائرية، وخاصة بمنطقة القبائل على مجموعة بناءات تتوزع على المرافق الضرورية للزاوية، فهناك مكان مخصص لحفظ القرآن وتلاوته (قراءة الحزب)، وأداء فريضة الصلاة، وهو بمثابة مسجد الزاوية، ومكان آخر للدراسة يعرف عادة بالعمرة، وقد تقتصر الزاوية عليه فتعرف بالعمرة، وبالإضافة إلى دار للضيافة، وغرف لإيواء الطلبة، وبناء لاستقبال الزوار والضيوف، وملحق لإقامة أهل الزاوية، أو لسكن القائمين عليها، وغير بعيد عنهم المصالح الضرورية من مطبخ وإسطبل، ومخازن لحفظ المؤونة، ورحى لطحن الحب، ومعصرة لعصر الزيت وغيرها\nإن الزاوية بهذه المواصفات أصبحت بمثابة مجمع متعدد الخدمات، فهي المسجد، والمدرسة، والملجأ، والمأوى، والمزار، الأمر الذي جعلها محور الحياة الروحية، والثقافية وحتى الاجتماعية في الوسط الريفي ببلاد القبائل\" (١) .\n_________\n(١) مؤسسة الزوايا بالجزائر العثمانية، ص ٤٩.٤٨.","vol":"1","page":10},{"text":"القرآن الكريم هو الأساس الذي يقوم عليه التعليم بالزوايا في كل حواضر الإسلام وقراه، والكثير من العلوم والمعارف الدينية (١) .\nهذه هي الصورة العامة للزوايا في معظم البلاد الإسلامية، وبخاصة في عهد الخلافة العثمانية، وهو ما لاحظه الباحثون من خلال استقراء النشاط العلمي للزوايا في عهد العثمانيين فقد \"كثر عدد الزوايا في القيروان خلال العصر العثماني، ولقي بناؤها تشجيعًا من الحكام، بل إن بعضهم ساهم في إنشاء العديد منها، ووقفوا عليها العقارات الكثيرة، وأعفوا بعضها من أداء العشر، وخصصوا لها جرايات دورية\" (٢) .\nكان للحرمين الشريفين منها نصيب كبير، ومما يؤكد هذا أن العلامة المحدث الشيخ محمد حسين العجيمي المكي المتوفى عام ١١١٣هـ خصَّها بمؤلف مستقل بعنوان (خبايا الزوايا)،وكان لها وظائفها التعليمية والدينية، والأوقاف الجليلة التي تسد احتياجاتها، وتغني القائمين عليها ليتفرغوا للوظائف التعليمية والدينية المنوطة بهم.\n_________\n(١) انظر: سعيدوني، ناصر الدين محمد، (مؤسسة الزوايا في الجزائر العثمانية، بحوث المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني)، ص٦٩.\n(٢) عثمان، نجوى، (الزوايا والمدارس العثمانية بالقيروان)، بحوث المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني، (إستانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، سنة ٢٠٠٠م)، ص١٣٧.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>خامسًا: الكتاتيب:</span>\nعادة ما تكون في زوايا وأماكن خاصة، وتلحق أحيانًا ببعض المساجد، ولهذا النوع من المؤسسات التعليمية أثر كبير في تعليم القرآن ونشره في القرى والمدن، وبين طبقات المجتمع المختلفة، يعود لها الفضل الكبير في تعليم","vol":"1","page":11},{"text":"الصبيان، وتحفيظهم للقرآن الكريم في البلاد والقرون الإسلامية كافة.\nلها أثر مشهود، ودور كبير مهم لا ينكر في تعليم الصبيان، وتلقينهم القرآن، فهي أول ما يستقبل الصبي المسلم، وهي أول ما تنقش على صفحات صدره البيضاء النقية آيات الذكر الحكيم التي تظل راسخة في ذاكرته مدى الحياة.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>سادسًا: تأسيس المدارس القرآنية في الأمصار الإسلامية:</span>\nتطورت مظاهر الاهتمام بالقرآن الكريم مع تطور الحياة في المجتمع الإسلامي، فبدأت تستقل بدورها، وأصبح للوقف الإسلامي أثر كبير في نشاطها، والقيام بما ينبغي لاستمرار أداء إرسالها، وإغناء القائمين عليها بما يكفل لهم حياة معيشية رخية، وتطوير مرافقها، وتشجيع الطلاب المنتسبين إليها.\nوقد أسهم في تأسيس هذه المدارس، ورصد الأوقاف عليها طبقات المجتمع كافة من الملوك، والسلاطين، والأمراء، والأثرياء، ومتوسطي الحال على مدى التاريخ الإسلامي حتى وقتنا الحاضر، فكان من ثمار هذا الاهتمام والإسهام إنشاء مدارس لتدريس العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن وعلومه، وأنشئت دور ومدارس للقرآن بخصوصه. يؤرخ لهذا الظاهرة العلمية الحضارية العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي قائلًا: \"والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبُنيت بها","vol":"1","page":12},{"text":"مدرسة البيهقية\nوأشهر ما بني في القديم المدرسة النظامية ببغداد، لأنها أول مدرسة قرر بها للفقهاء معاليم، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي وزير ملك شاه بن ألب أرسلان في مدينة بغداد، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وفرغت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة\" (١) .\nفمن ثم انتشرت المدارس في جميع أصقاع العالم الإسلامي متطورة في تخطيطها، وتنظيمها، ومناهجها حتى عصرنا الحاضر.\n_________\n(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، الطبعة الأولى، وضع حواشيه خليل المنصور، (بيروت: دار الكتب العلمية، سنة ١٤١٨هـ/١٩٩٨م)، ج٤، ص ١٩٩.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>سابعًا: تأسيس جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في العصر الحديث:</span>\nتطور الاهتمام بالقرآن الكريم والعناية به في العصر الحديث من النشاط المحدود الذي يقتصر على تأسيس مدرسة محدودة المكان، محدودة الإمكانات والموارد، محدودة الطلاب والأساتذة، إلى نشاط أوسع من حيث أماكن التدريس، وبإمكانات مادية، ووقفية من مصادر متعددة، وأعداد متزايدة للطلاب، والمدرسين، والمشرفين، وبأجهزة إدارية كاملة تعليمية، ومحاسبية، وإشراف، لها أنظمتها وقوانينها، وبأهداف وطموحات غير مسبوقة في مناهج المدارس القرآنية القديمة.\nهذا التطور في الكم والكيف هو الصورة السائدة التي يحظى بها القرآن","vol":"1","page":13},{"text":"الكريم في المملكة العربية السعودية التي انبثقت فكرتها من مكة المكرمة عام ١٣٨٢هـ، وإخاله كذلك في جميع البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر. \"إن فكرة إنشاء الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة كانت في شهر شعبان سنة ١٣٨٢هـ عندما وصل من الباكستان فضيلة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني ﵀، حيث طرح هذه الفكرة على أعيان مكة المكرمة وعلمائها فلقيت منهم ارتياحًا واستحسانًا ثم رفعوا هذه الفكرة إلى المسؤولين في هذه البلاد المباركة، فشجعوا العمل النبيل، والمشروع الحسن، وكان على رأسهم معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف آنذاك ﵀، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي آنذاك ﵀، ومعالي الشيخ محمد سيتي الذي كان يتحمل ثلث رواتب المدرسين بالجمعية.\nوكان من أعضائها وممن تولى رئاستها بعد وفاة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني ﵀ عدد من علماء مكة المكرمة الذين بذلوا جهودًا طيبة في العناية بالقرآن الكريم\" (١)، وللجمعية عدة فروع: فرع محافظة جدة، فرع محافظة الطائف، فرع وادي ليه، فرع محافظة رنية، فرع محافظة تربة. تتابعت بعد هذا جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية متبعة في هذا المنهج السوي الذي خطته لنفسها الجمعية الأولى الرائدة جمعية تحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة، وهي في المناطق التي سميت بها كالتالي:\nأولًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة المدينة المنورة، وتأسست\n_________\n(١) التقرير السنوي التاسع والعشرين من العام ١٤١٩هـ للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، ص ٨-٩.","vol":"1","page":14},{"text":"عام ١٣٨٣هـ ويتبع الجمعية فرعان أحدهما في العلا، والآخر في محافظة ينبع.\nثانيًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض، أسست عام ١٣٨٦هـ، ولهذه الجمعية فرعان:\n١- فرع محافظة المجمعة.\n٢- فرع تمير وتوابعها.\nثالثًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة القصيم.\nرابعًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة عسير.\nخامسًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة الشرقية.\nسادسًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة تبوك.\nسابعًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة حائل.\nثامنًا: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الحدود الشمالية.\nشملت نشاطات هذه الجمعيات الاهتمام بالبنين والبنات، سواء في بنايات مدرسية خاصة بالجمعيات، أو في المساجد بعد صلاة العصر بعد خلو المسجد من المصلين (١)، معتمدة في تمويل نفقاتها ونشاطاتها على الأوقاف والتبرعات من ولاة الأمر والمواطنين.\n_________\n(١) انظر: الكتاب الوثائقي (جهود المملكة العربية السعودية في الاعتناء بالقرآن الكريم) الطبعة الأولى إعداد لجنة برنامج تحفيظ القرآن الكريم بهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، إشراف عبد الله بن علي بصفر (جدة: الشركة الخليجية للطباعة والتغليف، عام ١٤١٩هـ/١٩٩٩م) ص٩٩-١٠٥","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الثاني: مشروعية الوقف خدمة للقرآن الكريم ومقاصد الواقفين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>مدخل</span>\n...\nالفصل الثاني:\nمشروعية الوقف خدمة للقرآن الكريم\nومقاصد الواقفين (١)\nيعد الوقف الخيري والأهلي من الصدقة الجارية التي يستمر أجر صاحبها حيًا وميتًا، بل في أوليات ما حثّ النبي ﷺ عليه في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\". رواه مسلم، وأصحاب السنن.\nيعظم الأجر والثواب بعظم المقصود وإذاعته ونشره، ويتضاعف الأجر على قدر من ينتفع به، إن تعليم أبناء المسلمين لأمور الدين، وفي مقدمة ذلك القرآن الكريم من أعظم المقاصد الشرعية، بل هو أعظمها، وتعليمه للصغار يطفئ غضب الرب ﷿ وعلا.\nيقول العلامة الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵀ في شأن تعليم الأطفال، وترسيخ المعاني الفاضلة وأثرها في نفوسهم بدءًا بالقرآن الكريم العظيم: \"اعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأوله ما عُني به الناصحون، ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين، ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة، وحدود الشريعة ليراضوا عليها، وما عليه أن تعتقده من الدين قلوبهم،\n_________\n(١) انظر أدلة مشروعية الوقف في البحوث المقدمة لندوة المكتبات الوقفية (الوقف مفهومه ومقاصده) لعبد الوهاب أبو سليمان، المنشور ضمن بحوث الندوة بعناية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربية السعودية، عام ١٤٢٠هــ.","vol":"1","page":16},{"text":"وتعمل به جوارحهم، فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الرب، وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر\" (١) .\nلتعليم الصغار العلمَ ثواب، ولتعليمهم القرآن مضاعفة الثواب بقدر الحروف المقروءة منه، فقد روي عنه ﷺ قوله: \" اتلوا هذا القرآن فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات، أما إني لا أقول (ألم) حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف\" (٢) . وغير هذا من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي فيها فضل العناية بالقرآن الكريم وقد ظلَّ هذا الحافز الأكبر للمسلمين في غابر الزمان، وحاضره، ومستقبله ليصبح الإنفاق على خدمة القرآن أعظم الأعمال أجرًا، وتقربًا إلى المولى جل وعلا.\nإن التاريخ الإسلامي يحتفظ بصفحات مشرقة من سخاء الخلفاء، والملوك، والسلاطين، وأثرياء المسلمين بما رصدوه من الأموال والعقارات على التعليم بعامة، وعلى تعليم القرآن ونشره بخاصة فـ \"منه يتشعب علم الأولين والآخرين كما يتشعب عن سواحل البحر الأحمر أنهارها، وجبولها...\" (٣) .\nفهو الأحق بالعناية والاهتمام، وأجدر أن يسخو الموسرون بأموالهم لتعليمه، ونشره بين المسلمين، خدمة له، وإذاعة لهديه وفضائله، ليستقيم أمر الأمة، ويعلو شأنها بين الأمم، هديه سبيل إسعادهم في الدنيا والآخرة، هم بهذا يحققون قول الله تعالى ﴿إنا نحن نَزَّلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾ .\n_________\n(١) الرسالة مع حاشية العلامة العدوي على شرح أبي الحسن، (مصر: مطبعة الاستقامة، عام ١٣٦٩هـ)، ج١، ص٢٩.\n(٢) ابن عطية، أبو محمد عبد الحق، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الطبعة الأولى، تحقيق المجلس العلمي، بفاس (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م)،ج١،ص٧.\n(٣) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، جواهر القرآن ودرره، الطبعة الأولى، (بيروت: درا الكتب العلمية (١٤٠٩هـ/١٩٨٨م)، ص١٠.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>مقاصد الواقفين على القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أولا: الوقف على المدارس القرآنية</span>\n...\nمقاصد الواقفين على القرآن الكريم\nأدرك المسلمون في وقت مبكر من تاريخهم أهمية الأوقاف لاستمرار أعمال البر وديمومتها، خصوصًا في المرافق التعليمية والدينية كالمدارس، والمساجد والاجتماعية كالملاجئ والمستشفيات.\nهذه الأوقاف على تلك المرافق تكفل لها الاستمرار تبعًا لرغبات الواقفين ومقاصدهم المشروعة، يقول الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله في دراسته القيمة عن (الوقف في الفكر الإسلامي) بأنه: \"أهم مورد مالي رصد لحياة المسجد ليستمر بكل ما يتعلق بالشؤون الإسلامية، ودور تحفيظ القرآن الكريم. فهذه كمؤسسة (الوقف) كانت وما تزال أهم مورد لشؤون الدين، وللتعليم الإسلامي على الإطلاق، وأكثرها دخلًا وإدرارًا، وإليها يرجع الفضل في بقائه واستمراره أحقابًا وقرونًا، وفي انتظام الحياة العلمية والدراسية في جامعات الإسلام وكلياته\" (١) ومؤسساته.\nيثبت الاستقراء التاريخي أن مقاصد الواقفين على خدمة القرآن الكريم متنوعة ومتعددة، لا تخلو أن تكون واحدًا من المقاصد التالية:\nأولًا: الوقف على المدارس القرآنية.\nثانيًا: الوقف على القراء.\nثالثًا: الوقف على مدارس تضم إلى تعليم القرآن تدريس الحديث النبوي الشريف أو المذاهب الفقهية، أو بعض العلوم الأخرى.\n_________\n(١) الوقف في الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، سنة ١٤١٦/١٩٩٦)، ج٢، ص٥٧.","vol":"1","page":18},{"text":"رابعًا: خدمة القرآن تلاوة، وتأسيس مرافق اجتماعية.\nخامسًا: الوقف على قراءة القرآن لهبة الثواب للآخرين أحياء، أو أمواتًا. (قراءة الربعات بالمسجد الحرام)، الوقف على قراءة القرآن على المقابر والحكم الشرعي في هذا.\nهذا معظم ما كان شائعًا من الأوقاف في خدمة القرآن الكريم في جميع أقطار البلاد الإسلامية.\nأما وقد تغيرت الأمور في العصر الحديث فأصبحت للعصر تنظيماته وخططه التي تتباين عما كانت عليه في الماضي، فإن الاهتمام بالأوقاف في خدمة القرآن الكريم أخذ اتجاهًا آخر في معظم البلاد الإسلامية، وهو طريق التنظيم، والتخطيط، والعمل الجماعي، وقد توجه الغُيُر من الأمة الإسلامية نحو هذا فنتج عنه:\nسادسًا: إنشاء الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم.\nوفيما يلي نماذج تفصيلية عن كل مقصد من هذه المقاصد.\nأولًا: الوقف على المدارس القرآنية\nالهدف الأساس من إنشاء المدارس القرآنية هو تعليم أبناء المسلمين للقرآن الكريم حفظًا، وتلاوة وتجويدًا، وفهمًا لمعانيه. يكاد يكون هذا المقصد الوحيد والأمل المنشود من قبل المؤسسين لهذه المدارس طمعًا في الأجر والثواب من الله عزوجل.\nانتشر هذا النوع من المدارس المتخصصة بالقرآن الكريم، وأسهم في تأسيسها القادرون من أبناء المجتمع الإسلامي، كل على قدر استطاعته","vol":"1","page":19},{"text":"وإمكاناته، وكان للعواصم العلمية الإسلامية: مكة، والمدينة، ودمشق، وبغداد، وقرطبة، والقاهرة، وفاس، وتونس وغيرها الحظ الأوفر من هذه المدارس، وقد خصصت لها أوقاف من العقارات والضياع والقرى بما يغني القائمين عليها، والدارسين فيها عن الحاجة، والانشغال بأمور المعاش.\nفي صدر الحديث عن هذا الجانب بالنسبة للحرمين الشريفين مكة والمدينة يتملك المرء الإعجاب والتقدير لعظم الأموال الثابتة والمنقولة والموقوفة المخصصة لهذه المدارس في بلاد الحرمين الشريفين، وخارجها في البلاد الإسلامية الأخرى.\nيقول العلامة المؤرخ الأستاذ محمد عمر رفيع المكي، وشهادته في هذا الصدد عن رؤية ومشاهدة قائلًا: \"ولنعد الآن نذكر ما وفق الله إليه المسلمين وملوكهم، وأولي الثراء منهم من بناء المدارس، والمساكن لطلبة العلم، والمجاورين بمكة، بل ولمن يَفِدُ من ممالكهم ليسكنوها زمن أدائهم للفريضة مجانًا، ولو أردنا استيعاب ذلك كله لطال بنا القول، ولكن سأذكر بعض ما شهدته قائمًا من دور شيدت لطلبة العلم، ونزلٍ للحجاج، والمجاورين، وغير ذلك من أعمال البر والرعاية، وإني لأعتقد جازمًا أن جميع ما كان ملتفًا حول المسجد من مبانٍ ودور كانت كلها أو جلها من الأوقاف التي خصصت للعناية بالعلم وطلبته\" (١) .\nوهذه الصورة من صور الاهتمام بالمدارس القرآنية في مكة المكرمة تماثلها تمامًا بقية البلاد الإسلامية، ويمكن الاستشهاد على صحة هذا بما كتبه\n(١) مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري، الطبعة الأولى، (مكة المكرمة: نادي مكة الثقافي، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م)، ص٩٩.","vol":"1","page":20},{"text":"العلامة المحقق الأستاذ محمد صلاح الدين منجد تنويهًا بسخاء الواقفين على المدارس القرآنية بدمشق، وإشادة بمكرماتهم، وتجسيدًا لعطائهم: \"وقد وقف أولئك جميعًا على هذه المدارس المتعددة المختلفة أوقافًا وافرة من الأموال، والقرى، والضياع، والبساتين، والحوانيت، والخانات، والقاعات حتى أصبحت دمشق وأرباضها أوقافًا لهذه المدارس المبثوثة في كل حي من أحيائها، بل في كل درب من دروبها، فكانت هذه الأوقاف تدرُّ المال عليها، وترغب الطلاب في التعلم بها، والشيوخ في التعليم بها، لا يشغل بالهم أمر الدنيا، وطلب المعاش\" (١) .\n_________\n(١) دور القرآن في دمشق، الطبعة الثالثة، (بيروت دار الكتاب الجديد، سنة ١٩٨٢)، ص٦.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثانيًا: الوقف على القراء:</span>\nمكة المكرمة مهبط الوحي، جديرة بأن تهتم معاهدها ومؤسساتها بالقرآن ودارسيه، لم يفت الخلفاء، والملوك، والسلاطين هذا المعنى، فكانوا يتسابقون إلى بناء المدارس القرآنية وغيرها، وتشجيع القائمين عليها من القراء، والمعلمين، والفقهاء، وفي العهد القريب لمس المسلمون \"مزيد اهتمام الخلفاء العثمانيين، وكثرة القيام بخدمة الحرمين الشريفين، والبلدين المنيفين، والاعتناء بمصالحهما، وما يتعلق بهما، ويتعبدون بذكرهما، ويبجلون أهلهما\" (١) وقد سجل التاريخ لهم من هذا مكرمات رفيعة. كان هذا شأن من قبلهم ومن\n_________\n(١) الحموي، أحمد بن محمد، فضائل سلاطين بني عثمان، الطبعة الأولى، تحقيق محسن محمد حسن سليم، (مصر: دار الكتاب الجامعي) عام ١٤١٣/١٩٩٣) ص١٢٦.","vol":"1","page":21},{"text":"بعدهم ممن كانت لهم ولاية على الحرمين الشريفين. يقدم البحث فيما يلي بعضًا من عناية السلاطين المسلمين بالقرآن الكريم نسخًا بأيديهم، وتحبيس الضياع والعقارات على القراء، وتلاوة القرآن الكريم في مكة المكرمة:\nسجل التاريخ نماذج عديدة للملوك وسلاطين المسلمين وأمرائهم صفحات مشرقة، صريحة في اعتنائهم بالقرآن الكريم، واهتمامهم به.\nمن مظاهر هذا الاهتمام نسخه بأيديهم، ومن ثم إهداؤه إلى البلاد المقدسة مكة المكرمة، والمدينة المنورة وبيت المقدس، ليس هذا فحسب بل إنهم يوقفون العقارات، ويقدمون المكافآت السخية للقراء والمدرسين، والمهتمين بتعليم القرآن وتعلمه.\n\"في سنة ٧٣٨هـ بعث السلطان أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب صاحب فاس إلى مكة مصحفًا كتبه بخطه، وأخرج من خزائنه أموالًا عينها على شراء الضياع بالمشرق لتكون وقفًا على القراء فيها.\nقال الشيخ أحمد بن خالد الناصري السلاوي في كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى:\nانتسخ السلطان أبو الحسن المصحف الكريم بيده ليوقفه بالحرم الشريف، حرم مكة؛ قربة إلى الله تعالى وابتغاء للمثوبة، وجمع الوراقين لتنميقها، وتذهيبها، والقراء لضبطها، وتهذيبها، وصنع لها وعاءً مؤلفًا من الآبنوس، والعاج، والصندل، فائق الصنعة، وغشي بصفائح الذهب، ورصع بالجوهر، والياقوت، واتخذ له أَصْوِنة (١) الجلد، ومن فوقها غلائف الحرير، والديباج،\n_________\n(١) أصْونة: ج صِوان، وأصْونة الجِلْد: أوعيتها التي تصان فيها..","vol":"1","page":22},{"text":"وأغشية الكتان، وأخرج من خزائنه أموالًا عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفًا على القراء فيها\" (١) .\n\"ثم انتسخ السلطان أبو الحسن نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول، ووقفها على القراء بالمدينة، وبعث بها من تخيره لذلك العهد من أهل دولته سنة أربعين وسبعمائة، وفعل مثل ذلك بحرم بيت المقدس.\nقال العلامة أبو العباس المقري في نفح الطيب:\nكان السلطان أبو الحسن المديني قد كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه، وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، ووقف عليها أوقافًا جليلة\" (٢) .\nومن هذه النماذج الرفيعة في العناية بالأوقاف في خدمة القرآن الكريم أوقاف السلطان مظفر شاه الكجراتي على القراء بمكة المكرمة في المدرسة شاهية المظفر يكتب المصحف الشريف بخط يده يودعه في المدرسة المظفرية:\nفي عام ٩٢٥هـ اشترى وكيل السلطان مظفر شاه الكجراتي بمكة المكرمة بيوتًا عديدة بلغت قيمة جميعها ستة آلاف ومائتين وخمسين دينارًا، وأوقفها على القراء في المدرسة شاهية المظفر.\nبعث السلطان مظفر شاه الكجراتي بنسخة المصحف الشريف التي نسخها بيده مع وفد رفيع المستوى من رجال دولته، وما إن وصل خبر وصول مراكب الهند إلى جدة وفيهم وفد السلطان حتى فرح الناس فرحًا\n_________\n(١) غازي، عبد الله، إفادة الأنام، ج٣،ص٦٣.\n(٢) غازي، عبد الله، إفادة الأنام، ج٣،ص٦٩.","vol":"1","page":23},{"text":"شديدًا، واحتفل بمقدمهم في ثاني يوم دخولهم، ونزل ناخوذة الشاهي (١) حاملًا على رأسه بالمصحف الشريف الذي وصل به معه بخط السلطان مظفر شاه صاحب الصدقة العظيمة وأمر بوضع المصحف في المسجد الحرام.\nيقول العلامة جار الله بن العز بن فهد:\n\"وأما الصدقة الواصلة صحبتهم فهي عظيمة لم يسبق صاحبها، وهي كل لك (٢) بخمسة آلاف أشرفي، فمجموعها نحو ستين ألف دينار، ومنها ستة لكوك ونصف لأهل مكة، وأربعة لكوك ونصف لأهل المدينة المشرفة، غير قماش، وبضائع وهدايا للشريف.\nوقرر في خدمة المصحف بمكة كاتب هذه الرسالة، وجعلوا له في كل عام معلوم ستين دينارًا، ويوضع في المدرسة التي أمر السلطان بعمارتها بمكة، وأرسل السلطان لَّكين تنكة غير الأحد عشر لُكًا يشترى بها بيوت، وتعمر، وتوقف على المدرسة، ويقرر فيها عشرة أنفس شيخهم إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري، وعشرة أنفس من الحنفية يدرسون بها، وشيخهم القاضي الحنفي وعشرة أنفس يقرأون القرآن، وشيخهم إمام الحنفية، ورتب لكل واحد منهم اثني عشر أشرفيًا، ولشيخهم عشرين أشرفيًا، وللداعي عشرة أشرفية\" (٣) .\n_________\n(١) الناخوذة أصله الناخُذاة، وهو المتصرف في السفينة المتولي لأمرها، سواء كان يملكها أو كان أجيرًا على النظر فيها وتيسيرها اهـ. (تاج العروس: نخذ) .\n(٢) اللّك معناه مائة ألف، وجمه لكوك. وهو تعريب (لاكه) بالهندية. والأشرفيّ: اسم عملة ذهبية.\n(٣) ابن فهد، جارالله بن السفر، نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى الطبعة الأولى، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، (لندن: مؤسسة الفرقان، عام ١٤٢٠/٢٠٠٠) القسم الأول، ص ١٣٨،١٣٩،١٤٠.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثالثًا: الوقف على تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف أو المذاهب الفقهية</span>.\nمن أشهر المؤسسات العلمية الرفيعة في العصر الحديث دار الحديث الحسنية بالمغرب، ففي عام ١٣٨٨هـ وقف الحاج إدريس بن الحاج محمد البحراوي قصره الرائع الأنيق على القرآن والحديث\" (١)، وقد جاء نص خطابه لدى إعلان الوقفية:\n\"إنني أحبس هاته الدار على القرآن والحديث، ولا أريد أن تكون في المستقبل إلا لهاته الغاية، ولا تحول إلى أية غاية أخرى، بحيث تركت الحق للورثة بالرجوع في هذا التحبيس فيما إذا أريد تحويلها عن غايتها\".\nقوبلت هذه الوقفية بالاستحسان، تجاوب فيها الملك الحسن ملك المغرب ﵀، \"وقد أجابه على لسانه الوزير المفضال الفقيه السيد الحاج أحمد بركاش بتأثر بالغ، وانفعال مثير، وهو يتسلم مفاتيح دار الحديث الحسنية بيد الشكر والتقدير، وقال:\nإنني جئت مرسلًا من قبل صاحب الجلالة الملك المعظم جلالة الحسن الثاني حفظه الله لأتسلم الدار، وأنه يعدكم بأن الدار ستبقى موقوفة على القرآن، والسنة، والحديث، ولا تتحول إلى أي هدف آخر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين\" (٢) .\n_________\n(١) بن عبد الله، محمد بن عبد العزيز، الوقف في الفكر الإسلامي، ج١،ص٣٥٨.\n(٢) بن عبد الله، محمد بن عبد العزيز، الوقف في الفكر الإسلامي، ج١،ص٣٥٨.","vol":"1","page":25},{"text":"الوقف على القرآن الكريم مع تدريس المذاهب الفقهية:\nمن أمثلة عناية السلاطين بتحبيس الأوقاف بمكة المكرمة خدمة للقرآن بخاصة، وللفقه بعامة، ما ذكره العلامة المؤرخ محمد بن علي بن فضل الطبري المكي أن السلطان قايتباي في سنة ٨٨٢هـ \"أمر وكيله وتاجره الخواجا شمس الدين محمد بن عمر الشهير بالزمن وشاد عمائره الأمير سُنْقُر الجمالي – إلى أن يحصل له موضعا مشرفًا على الحرم ليبني له مدرسة، ويعمر له ربوعًا، ومسقفات يحصل منها ريع كثير يقسم منه على المدرسين، وعلى الفقراء، وأن تقرأ له ربعة في كل يوم، يحضرها القضاة الأربعة، والمتصوفون، ويقرر لهم وظائف، ويعمل مكتبًا للأيتام، وغير ذلك من جهات الخير، فاستبدل له رباط السدرة ورباط المراغي، وكان إلى جانب المراغي دار للشريفة شمسية من شرائف بني حسن، اشتراها منها، وهدم ذلك جميعه، وجعل فيه اثنتين وسبعين خلوة، ومجمعًا كبيرًا مشرفًا على المسجد الحرام، وعلى المسعى الشريف، ومكتبًا ومئذنة، وصير المجمع المذكور مدرسة بناها بالرخام الملون، والسقف المذهب، وقرر فيه أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وأربعين طالبًا، وأرسل خزانة كتب وقفها على طلبة العلم، وجعل مقرها المدرسة المذكورة، وجعل لها خازنًا عيَّن له مبلغًا ...\nوجعل الوقف في ذلك المجمع للقضاة الأربعة حضروا بعد العصر مع جماعة من الفقهاء يقرؤون له ثلاثين جزءًا من القرآن العظيم\" (١) .\nلا يخفى أن الأوقاف من هذا النمط كثيرة جدًا، وقد ذكر العلامة تقي الدين الفاسي في كتابه \" شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام \" إحدى عشرة\n_________\n(١) تاريخ مكة إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بني الحسن، الطبعة الأولى، تحقيق محسن محمد حسن سليم، (مصر: دار الكتاب الجامعي، عام ١٤١٣/١٩٩٣) ج١، ص٢٧٥.","vol":"1","page":26},{"text":"مدرسة بمكة المكرمة ذاكرًا مواقعها من المسجد الحرام، والمؤسسين لها، وشروطهم، والعقارات الموقوفة عليها (١) .\nثم تتبع العلامة الأديب محمد عمر رفيع ما كان منها قائمًا في القرن الرابع عشر الهجري، وما آل إليه أمر بعضها مِنْ تملك الأفراد لها، وسكنى من لم ينطبق عليه شرط الواقف الأساس (٢) . وما استحدث بعد ذلك \" ممَّا يدل دلالة واضحة أن عناية الملوك المسلمين، وأمرائهم، وأولي الثراء منهم بالناحية العلمية ونشر الثقافة في مكة لا تقل عن عنايتهم بالجهات الأخرى من بر بالفقراء، وطلبة العلم، وحجاج بيت الله العظيم\" (٣) وما من شك أن تعليم القرآن فيها أساس بين بقية العلوم، بل هو عمدة التعليم، منه البداية وإليه منتهى العلم والطلب.\n_________\n(١) الطبعة الأولى، تحقيق لجنة من كبار العلماء والأدباء، (مكة المكرمة: مكتبة النهضة الحديثة، عام١٩٥٦) ج١، ص٣٢٨\n(٢) انظر: مكة في القرن الرابع عشر، ص١٩٦-٢٠١.\n(٣) رفيع، محمد عمر، مكة في القرن الرابع عشر، ص٢٠٢.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>رابعًا: الوقف على خدمة القرآن تلاوة وتأسيس مرافق اجتماعية بالمدينة المنورة:</span>\nمن الصور الإسلامية المشرقة عبر العصور وجود مؤسسات علمية ومرافق اجتماعية أسست مرافقها وشيدت معالمها بسبب الوقف أصالة على العناية بالقرآن وخدمته.\nمن الأمثلة لهذا النوع مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، فإن إنشاء هذه المكتبة جاء تبعًا لخدمة القرآن والعناية به، يتضح هذا المقصود","vol":"1","page":27},{"text":"من نصوص صك الوقفية. وفيما يلي تعريف بأهمية هذه المكتبة، واقتباس بعض نصوصها التي توضح كمال العناية بالقرآن الكريم، وتبرز بحق سخاء واقفها على خدمة القرآن الكريم، أولًا ثم على المكتبة تاليًا:\nمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة:\nأسس هذه المكتبة بناءً هندسيًا متميزًا، وزودها بالكتب النفيسة العلامة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت بن إبراهيم بن عصمت الحسيني عام ١٢٧٠هـ/١٨٥٣م في الجهة القبلية للمسجد النبوي الشريف، يفصلها عن المسجد النبوي شارع بمقدار ثلاثين مترًا.\nيقول الدكتور عبد الرحمن المزيني مدير مكتبة الملك عبد العزيز التي نقلت إليها المكتبات العامة بالمدينة المنورة، واصفًا لمجموعاتها بعد مضي مائة وخمسين عامًا تقريبًا على تأسيسها:\n\"وتعد هذه المكتبة من أجلِّ مآثر الشيخ عارف حكمت، ومن مفاخر المدينة المنورة في العصر الحديث فهي من أغنى المكتبات بالمخطوطات القيمة، لكونها تضم بين جنباتها عددًا من المخطوطات النادرة في شتى العلوم والفنون، وتزخر بالجمِّ من التراث الإسلامي المكتوب باللغات العربية، والفارسية والتركية، هذا بالإضافة إلى أن كثيرًا من المخطوطات زينت خير تزيين من حيث الخط والتذهيب\" (١) .\nحبس الشيخ عارف حكمت ﵀ على هذه المكتبة أموالًا عظيمة من ثابت ومنقول من عقارات ومزارع، وغيرها. للقرآن في وصيته الوقفية الذكر\n_________\n(١) مكتبة الملك عبد العزيز بين الماضي والحاضر، الطبعة الأولى، (الرياض: مكتبة العبيكان، عام١٤٢٠/١٩٩٩) ص٧٣.","vol":"1","page":28},{"text":"الأول، والأهمية الكبرى، تجلى هذا فيما ورد ذكره نصًا عن المصاحف الشريفة، وتلاوة القرآن في العبارات التالية:\n\"إني وقفت وقفًا صحيحًا شرعيًا مؤبدًا، وحبسًا صريحًا مرعيًا مخلدًا المصاحف الشريفة التي عددها ستة عشر مصحفًا، وكتبي النفيسة التي عددها (٥٠٠٠) خمسة آلاف كتاب\" (١) .\nثم تجلت عنايته بالقرآن الكريم على مدى بقاء المكتبة وإدرار الأوقاف على خدماتها ومرافقها في الشروط التي تضمنتها الوثيقة في الفقرات التالية:\n\"ومن الشروط: أن لا يخرج عن المكتبة المذكورة أي شيء من المصاحف الشريفة والكتب الشريفة\" (٢) .\n\"ومن الشروط: أن يعين أربعة أشخاص حفاظًا للكتب باعتبار الأول، والثاني، والثالث، والرابع من العلماء الصالحين الذين صاروا فارغي البال، وممدوحي الخصال\nوأن يجتمع حفاظ الكتب الأربعة المذكورة كل يوم في المكتبة حين تفتح المكتبة، ويأخذ كل واحد منهم بيد الاحترام قطعة مصحف شريف من المصاحف المحفوظة في خزانتها تعظيمًا لها، وأن يتلو كل واحد منهم جزأين على وجه المصحف الشريف، ويختم القرآن في مدة خمسة عشر يومًا، فتتم أربع ختمات في كل خمسة عشر يومًا، وأن يهدي ثوابها أولًا بالذات إلى روضة معطرة شفيع العصاة، فخر العالم ﷺ، وبعده يتم\n_________\n(١) القحطاني، راشد بن سعد بن راشد، وقفية مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، (وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ندوة المكتبات الوقفية بالمدينة المنورة، عام١٤٢٠)،ص١٧.\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب أخذوه.","vol":"1","page":29},{"text":"الدعاء على الأصول الجارية لختم القرآن.\nوفي اليوم الثاني بعد الختم الشريف حين مباشرتهم للختم الجديد يأخذون أربعة مصاحف أخرى من خزانة المصاحف، ويضعون الأربعة الأولى في محلها، ويتلون القرآن على وجه المصحف الشريف الذي أخذوها (١) في المرة الثانية، ويكملون الختم الشريف، وعليهم أن يجروا هذه القاعدة بالدور والتسلسل اعتناء بوقاية المصاحف الشريفة المذكورة من التعطيل، وأن يذكروا في الدعاء اسم الشخص المكتوب على ظهر المصحف الشريف من أقاربنا وتعلقاتنا إحياء لأرواحهم الشريفة وانسرارها\" (٢) .\n\"ومن الشروط: أن يقرأ الخليفة السيد حافظ علي قطب الدين القدسي من أهالي القدس الشريف في كل سنة على الدوام القرآن الكريم، ويختمه ويقوم بدعاء الإتمام\" (٣) .\n_________\n(١) كذا في الأصل، لعل الصواب: أخذوه.\n(٢) القحطاني، راشد بن سعد، وقفية مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، ص٢٣،٣٤.\n(٣) القحطاني، راشد بن سعد، وقفية مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، ص٢٢.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>خامسًا: الوقف على قراءة القرآن هبة للثواب لآخرين</span>، (١) منها نوعان:\nأ- الوقف على قراءة الربعات في المسجد الحرام على نظام (الخصفة):\nالربعات: جمع ربعة وهي عبارة عن صندوق يحتوي على القرآن الكريم في أجزاء مفرقة على قدر أجزاء القرآن الثلاثين، يختص بها عدد من القراء،\n_________\n(١) (ذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصول ثوابها إن كانت القراءة بدون أجر. والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها وأما القراءة بأجر فلا تجوز بلا خلاف بين العلماء) شرح الطحاوية ٢/٦٦٤ الطبعة العاشرة ١٤١٧/١٩٩٧م تحقيق د. التركي والأرناؤوط.","vol":"1","page":30},{"text":"يسمى رئيسهم شيخ (الخصفة) يكمل كل واحد منهم جزءًا، أو عددًا من أجزاء القرآن الكريم، حسب المحدد له منها (١) . .\nيسمى المكان المخصص لهم بالمسجد الحرام مكان (الخصفة)، تسمى باسم شيخها أو الواقف عليها (مكان خصفة الشيخ فلان)، أو (السلطان فلان) . الخصفة في الأصل بساط، أو فرش يصنع من سعف النخل كان يتخذ في المساجد فرشًا لها على نمط الحنابل، والبساطات المعدة للصلاة، تفرش أثناء الصلاة بالساحات الداخلية بالمسجد الحرام أو المسجد النبوي (الحصوات)، ثم تطوى بعد الصلوات.\nكانت قراءة القرآن على هذا النمط منها ما هو رسمي من قبل الملوك والحكام والولاة للبلاد المقدسة، ومنها ما هو مخصص من قبل غيرهم من الملوك والولاة والأثرياء من خارجها.\nمن هذه الأنظمة التي كانت تحكم الأوقاف المخصصة للعناية بالقرآن الكريم بهذا النمط – وهو استدامة قراءة القرآن في وقت معين من عدد معين– النظام الصادر في ١٧ ربيع الثاني ١٣٣٩هـ إذ:\n\"قرر مجلس الوكلاء (٢) الفخام أن يجعل للوظائف المشروحة أدناه قانونًا مخصصًا يكون عليه مدار العمل حسب المواد الآتية، نظرًا لتعلقها بأمراء وسلاطين المسلمين القاطنين بالبلاد الخارجية.\nالمادة (١):\nالوظائف المشروط أداؤها بالحرمين الشريفين كتلاوة القرآن، ودلائل الخيرات، ونحوها من الأذكار غبَّ انحلال الوظيفة يعتبر فيها ما سيذكر في\n_________\n(١) انظر: ابن فهد، جار الله بن العز، نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى.\n(٢) مجلس الوكلاء بمنزلة مجلس الوزراء في هذا العهد.","vol":"1","page":31},{"text":"المادة الثانية.\nالمادة (٢):\nعند انحلال الوظيفة توجه لابن المتوفى عنها متى كان حائزًا للأهلية والاقتدار الكافلين لأدائها.\nالمادة (٣):\nإذا لم يكن للمتوفى ابن، ولا أخ حائزان للأهلية كما توضح بالمادة الثانية فيكون توجه الوظيفة لمن ينتخب من ملازمي العلماء، أو القراء بحضور وكلاء أولئك الأمراء الموجودين بمكة المشرفة، أو المدينة المنورة.\nالمادة (٤):\nيشترط في أداء الوظيفة الدوام والاعتناء بواجباتها، وإذا حصل تكاسل من الموظف فليرجع أمره إلى رئيس الخصفة إلى محل اللزوم للنظر فيه.\nالمادة (٥):\nإن كافة المخصصات المتعلقة منافعها لمعاشات ومصارفات القائمين بالوظائف تقيد بدفتر نظارة الحرم الشريف، ودائرة هيئة الأوقاف الجليلة للحفظ على كيانها، ومراجعتها حين الحاجة، مع المراقبة التامة من قبلها في حسن أداء إيفاء الوظائف طبق شروط واقفيها، وعمل نظارها يكون مرعيًا أيضًا.\nالمادة (٦):\nإذا كانت المخصصات المشروطة للوظائف المذكورة لم تف بالمعاشات والمصارف فيكون دوام الموظفين بدون انقطاع إلى حين مراجعة وكلاء الأمراء، وورود مبالغ تفي باستحقاقهم، ولا يسوغ لهم تعطيل العمل بصورة","vol":"1","page":32},{"text":"قطعية.\nالمادة (٧):\nإن شيخ الخصفة له حق المراقبة، وبيان المتخلفين عن الحضور لأداء وظائفهم في أوقاتها المعينة بدون عذر شرعي، ويكون جزاؤهم على حسب ما يأتي في المادة الثامنة، ويكون مربوطًا بهيئة الأوقاف التي لها حق المراقبة العمومية كما سبق في مادة خمسة.\nالمادة (٨):\nإذا تخلف أحد الموظفين عن وظيفته بدون عذر شرعي ينبه عليه في أول مرة، وإذا تكرر منه ذلك يقطع له نصف معاشه، وإن لم يرتدع ففي المرة الثالثة يقطع معاشه شهرًا واحدًا، وفي الرابعة يعين بدله من أرباب الأهلية. كما حرر بالمادة الثالثة.\nالمادة (٩):\nيجب على رئيس الخصفة كذلك بيان كل ما يلزم من تجديد خصف وحنابل، أو شراء مصاحف ورسائل دلائل الخيرات اعتناء بهذه المهمة الخيرية العائدة أمرها لأمراء المسلمين المشار إليهم.\nالمادة (١٠):\nيجب على وكلاء الأمراء المشار إليهم رفع ما يرونه من المصالح العائدة لأوقافهم إلى نظارة الحرم الشريف، والأوقاف الجليلة للمساعدة لهم لكل اهتمام، وتأمينًا على المحافظة على واجبات الوقف اهـ\" (١) .\n_________\n(١) غازي، عبد الله، إفادة الأنام بذكر أخبار البلد الحرام، مصور خاص، ج٤ ص٢٢٤.","vol":"1","page":33},{"text":"هذا النمط من العناية بالقرآن الكريم، وسخاء الخلفاء والسلاطين والأثرياء بالإنفاق عليه، وتخصيص أوقاف على القيام به هو محل عنايتهم ورعايتهم، السابق واللاحق منهم.\nهذا مظهر من مظاهر العناية بالقرآن الكريم أولًا، يرجون من ورائه الأجر الدائم والثواب المستمر من الله ﷿، وإيجاد أعمال خيرية جليلة تبرز البرَّ والوفاء بأهل القرآن في الحرمين الشريفين.\nكانت قراءة الربعة مشهورة ومنتشرة في الحرمين الشريفين، حيث يجتمع لها مجموعة من القراء يتلو كل واحد منهم جزءًا من القرآن حتى يتموا كامل أجزائه، كل مجموعة مخصوصة وتابعة لخصفة معينة مسماة باسم الواقف على قراءة القرآن، أو شيخ الخصفة في الوقت المعين لها، والمكان المخصص. ومن الأمثلة على هذا النوع من الأوقاف الأميرية أنه:\n\"في أوائل عام ٩٢٤: تقدم الأمير مصلح الدين الرومي وقيد عشرة أنفس من الشيبيين في قراءة ربعة بعد صلاة الصبح أمام باب الكعبة المشرفة، وجعل ناظرهم، وشيخ حضورهم فاتح الكعبة، وأوقف عليه حمّام سوق الليل، المعروف بحمّام النبي ﷺ مع بيوت أخر اشتراها بألف دينار، وشرع في عمل حنفية خلف درجة الريس، وقبة السقاية القديمة المعروفة بالسلطان المؤيد شيخ، الملاصقة لفرشة زمزم بجانب الحنفية العتيقة التي غيرها الأمير جانبك، وهي حوض كبير من حجر، الماء له بزابيز من نحاس، وحجارة يجلس عليها للوضوء\" (١) .\n_________\n(١) جار الله، ابن العز بن النجم بن فهد المكي، كتاب نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى القسم الأول، ص٤٠.","vol":"1","page":34},{"text":"ومن هذا النوع من الأوقاف خدمة للقرآن:\nالمدرسة الزمامية بمكة المكرمة\nنسبة إلى الطَّواشِي خُشْقَدَم الزمام الذي أنشأها \"من المسجد الحرام، قرر بها شيخًا وغيره من الصوفية يجتمعون ويقرأون بعد صلاة العصر، ويهدون ثواب ذلك في صحيفته، وجعل بها صهريجًا يجتمع فيه الماء من سطح المسجد الحرام، وجعل بها خلاوي يسكنونها الفقراء، وأوقف عليها وقفًا جليلًا، وهو الربع الذي بالمسعى، ويعرف بربع (التوريزي) شاه بندر جدة لتوليه عمارته، وجعل الناظر عليها الشيخ شمس الدين عمر الشامي\" (١) .\nب- الأوقاف على قراءة القرآن على الترب (المقابر):\nمن جملة الأوقاف ذات العلاقة بالعناية بالقرآن الكريم أوقاف حبسها أصحابها على قراءة القرآن على المقابر والأضرحة، وقد انتشرت هذه البدعة بين الملوك والأمراء وأصحاب الثراء في القرون الإسلامية المتأخرة التي لم يكن لها وجود في زمن سلف الأمة رضوان الله عليهم. اعتاد أولئك في بعض البلاد الإسلامية تحبيس أموال طائلة على القراء الذين يتناوبون قراءة القرآن عند قبورهم، وأمثلة هذا كثيرة منها:\nما ذكره العلامة قطب الدين بن علاء الدين النهروالي المكي أن السلطان قايتباي من ملوك الجراكسة \"انتقل إلى رحمة الله في أواخر يوم الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة الحرام سنة إحدى وتسعمائة، ودفن بتربته بالصحراء التي\n_________\n(١) ابن فهد، النجم عمر بن فهد محمد بن محمد بن محمد بن محمد، إتحاف الورى بأخبار أم القرى، الطبعة الأولى، تحقيق عبد الكريم علي باز، (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، عام١٤٠٨) ج٤،ص٦٤.","vol":"1","page":35},{"text":"بناها في حياته في غاية الحسن والزينة. وبها مساكن للقراء، وأوقاف دارة عليهم إلى الآن ليس بمصر أحسن تربة منها\" (١) .\nهذا النوع من الوقف على قراءة القرآن فيها جانبان – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالأولى: مصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته، وكون هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه.\nالثانية: مفاسد من حصول القراءة لغير الله، والتآكل بالقرآن، وقراءته على غير الوجه المشروع.\nجاء تحليل هذه القضية تحليلًا علميًا شرعيًا مفيدًا عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بما يدل على تفهم كامل وصحيح للموضوع من جميع جوانبه الشرعية، والتعليمية، والاجتماعية، وبيان المصالح والمفاسد الناجمة عنه في العبارة التالية:\n\"وأما هذه الأوقاف على الترب (المقابر) ففيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته، وكون هذه الأموال معونة على ذلك، وحاضة عليه؛ إذ قد يدرس حفظ القرآن في بعض البلاد بسبب عدم الأسباب الحاملة عليه.\nوفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله، ومن التآكل بالقرآن، وقراءته على غير الوجه المشروع، واشتغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة، فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون ذلك الفساد جاز، فالواجب النهي عن ذلك، والمنع منه وإبطاله، وإن ظن حصول مفسدة أكثر\n_________\n(١) الإعلام بأعلام بيت الله الحرام في تاريخ مكة المشرفة، شرح الكتاب وعلق عليه محمد طاهر بن عبد القادر الكردي الخطاط، (مكة المكرمة: المكتبة العلمية لصاحبها عبد الفتاح فدا)، ص٢٠٦.","vol":"1","page":36},{"text":"من ذلك لم يدفع أدنى الفسادين باحتمال أعلاهما\" (١) .\nوقد فصَّل رحمه الله تعالى وغيره القول في هذا الموضوع، فمن جملة ما قاله في ذلك:\n\"وأما القراءة الدائمة على القبور فلم تكن معروفة عند السلف، وقد تنازع الناس في القراءة على القبر، فكرهها أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في أكثر الروايات عنه، ورخص فيها في الرواية المتأخرة لما بلغه أن عبد الله بن عمر أوصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح البقرة، وخواتمها.\nوقد نقل عن بعض الأنصار أنه أوصى عند قبره بالبقرة.\nوهذا إنما كان عند الدفن، فأما بعد ذلك فلم ينقل عنهم شيء من ذلك، ولهذا فرق في القول الثالث بين القراءة حين الدفن، والقراءة الراتبة بعد الدفن فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل ... \" (٢) .\nوممن أسهب البحث في هذا الموضوع، وبيَّن اتجاه علماء السلف في هذا العلامة أبو علي الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي في كتابه (الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة) وصرح بكراهة ذلك الإمام مالك، وهو \"ما أشار إليه الشيخ أبو محمد في الرسالة بقوله:\nولم يكن ذلك عند مالك أمرًا معمولًا به\" (٣) .\n_________\n(١) البعلي، علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد، الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الطبعة الأولى، تحقيق محمد حامد الفقي، (بيروت: دار الكتب العلمية)، ص٩١.\n(٢) انتفاع الموتى بأعمال الأحياء، ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، الطبعة الأولى، جمع وتقديم مروان كجك، (الرياض: مطبعة النرجس، عام ١٤٢١/٢٠٠٠)، ص٢٠.\n(٣) الطبعة الأولى، دراسة وتحقيق إدريس العزوزي، (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، عام١٤٠٩/١٩٨٩)، ص٢٣٨.","vol":"1","page":37},{"text":"سادسًا: الوقف على الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة في الوقت الحاضر:\nبدأت الجمعية الخيرية للقرآن الكريم بمكة المكرمة بداية موفقة تضمن استمرارها فقد هيأ الله لها من العلماء وأصحاب الرأي، أصحاب البصيرة الثاقبة النيرة، فاهتموا بإيجاد دخل ثابت لها يكفل لها الوفاء باحتياجاتها من مرتبات للمدرسين والإداريين والمشرفين، لم يكن أمامهم إلا أن يسعوا إلى إنشاء أوقاف من العقار تدر على الجمعية ونشاطاتها حاجتها من المال، فاستحثت همم المواطنين، والمسؤولين، وأصحاب المال من أبناء مكة وخارجها فوجدت تجاوبًا كبيرًا منهم، جعلها تتطور وتتوسع في نشاطاتها وبرامجها، واستعانت بالموارد النقدية التي تصلها من المحسنين في إقامة منشآت وقفية تنضم إلى التبرعات الوقفية العقارية.\nلم يكن الواقفون من الرجال فقط فقد شاركهم في هذا العمل الخيري النبيل شقائقهم من النساء الفضليات.\nبهذه الصورة الجماعية المشرقة خطت وتخطو هذه الجمعية إلى نشر القرآن في مهبط الوحي مكة المكرمة وما حولها من القرى والهجر بين المواطنين والمقيمين، أصبح هذا النشاط ملحوظًا في المساجد، وليس قاصرًا على البنين بل شامل للبنات أيضًا، فأضحى - ولله الحمد – بيننا حافظون وحافظات، مجودون ومجودات لتلاوة القرآن، تحقيقًا وتأكيدًا لصدق الوعد الإلهي الكريم\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nالأوقاف المخصصة للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة:\nأدرك المسؤولون في هذه الجمعية أهمية الوقف الخيري لاستمرار هذا","vol":"1","page":38},{"text":"العمل فوجهوا كل اهتمامهم لإقامة قاعدة وقفية من شأنها أن تكفل استمرار هذا النشاط خدمة للقرآن الكريم، وقد جاء في التقرير السنوي للجمعية:\n\"رأت الجمعية أنه من الضروري إيجاد موارد ثابتة لصندوقها إضافة إلى التبرعات التي ترد إليها لما في ذلك من فوائد كبيرة ضمانًا لاستمرار هذا المشروع الجليل بإذن الله تعالى، وهذه الموارد العينية تمثل ما أمكن بناؤه، وما أوقفه، وتبرع به أهل الخير\" (١) .\nأوردت الجمعية قائمة بتملكاتها الوقفية حتى عام ١٤١٦هـ، سواء ما أقامته إدارتها بالتبرعات النقدية من مبان، أو ما قدم لها من عقارات، أو أراض تقيم عليها مشروعاتها الوقفية، فجاءت كالتالي:\n(١- أولى الخطوات التي قامت بها الجمعية هي التي أثمرت العمارة المؤلفة من ستة أدوار بالمعابدة بالأبطح أمام قصر البطحاء، حيث أقيمت على أرض ذرعها زهاء ألف متر، ويرد أجرها السنوي إلى صندوق الجمعية، وقد تقدمت الجمعية بطلب للملك الراحل خالد بن عبد العزيز طيَّب الله ثراه، وطلبت منه أن يتفضل بمنحها قطعة أرض لإقامة عمارة سكنية تكون وقفًا على هذا المشروع يدر عليها موردًا ثابتًا، وقد تفضل ﵀ بصرف مليونين وخمسمائة ألف ريال لشراء الأرض المذكورة التي تم بناء العمارة عليها بفضل الله تعالى.\nقطعتا الأرض التي تبرع بهما المحسن الكبير معالي السيد حسن عباس شربتلي رحمه الله تعالى لهذا المشروع الجليل: الأولى في شارع\n_________\n(١) التقرير السنوي للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة عام ١٤١٦، ص١٧.","vol":"1","page":39},{"text":"٢- المنصور، ومساحتها عشرة آلاف متر مربع، وتطل على أربعة شوارع: أحدها الشارع الرئيسي العام، والثانية في طريق جدة، وهي الشهيرة بالبزّم، ومساحتها (٣٩٠٠٠٠) تسعون وثلاثمائة ألف متر مربع. أحسن الله إليه وتقبل منه ومنا صالح الأعمال. أتمت الجمعية بفضل الله تعالى بناء عمارتين كل منهما مكونة من أربعة أدوار على أرض شارع المنصور، وبنيت على باقي الأرض أربع عمائر أخرى تمثل المجمع السكني الخيري لمدرسي الجمعية، وقد تبرع ببناء ذلك بعض المحسنين من المواطنين، أثابهم الله على فعلهم وأحسن إليهم.\n٣- العمارة الكائنة بمحلة الشامية التي أوقفها معالي الشيخ محمد صالح قزاز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، والتي تتكون من ستة أدوار، وقد تم توريد أجرتها لعام ١٤١٦هـ لصندوق الجمعية.\n٤- الفلتان الكائنتان بجدة الموقوفتان من قبل المصونة رحمة بنت الشيخ عبد الوهاب قزاز رحمها الله زوجة الشيخ محمد صالح قزاز، وهي تؤول للجمعية بعد وفاتها، وأجرتها السنوية حاليًا ستة وستون ألف ريال، وصكها لدى الجمعية.\n٥- الدار الكائنة بحي العزيزية، والتي تبرع بها الشيخ عبد العزيز العلي الخريجي، والمكونة من ثلاثة أدوار، وكل دور مكون من شقتين، وهي مسلمة للجمعية.\nالعمارة الكائنة بمخطط الأمير أحمد بالرصيفة بمكة المكرمة التي تبرع بأرضها للجمعية الشيخ سعيد محمد المداح، ومساحتها (٧٦٢) سبعمائة واثنان وستون مترًا مربعًا. والعمارة المذكورة تتألف من ٢- المنصور، ومساحتها عشرة آلاف متر مربع، وتطل على أربعة شوارع: أحدها الشارع الرئيسي العام، والثانية في طريق جدة، وهي الشهيرة بالبزّم، ومساحتها (٣٩٠٠٠٠) تسعون وثلاثمائة ألف متر مربع. أحسن الله إليه وتقبل منه ومنا صالح الأعمال. أتمت الجمعية بفضل الله تعالى بناء عمارتين كل منهما مكونة من أربعة أدوار على أرض شارع المنصور، وبنيت على باقي الأرض أربع عمائر أخرى تمثل المجمع السكني الخيري لمدرسي الجمعية، وقد تبرع ببناء ذلك بعض المحسنين من المواطنين، أثابهم الله على فعلهم وأحسن إليهم.\n٣- العمارة الكائنة بمحلة الشامية التي أوقفها معالي الشيخ محمد صالح قزاز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، والتي تتكون من ستة أدوار، وقد تم توريد أجرتها لعام ١٤١٦هـ لصندوق الجمعية.\n٤- الفلتان الكائنتان بجدة الموقوفتان من قبل المصونة رحمة بنت الشيخ عبد الوهاب قزاز رحمها الله زوجة الشيخ محمد صالح قزاز، وهي تؤول للجمعية بعد وفاتها، وأجرتها السنوية حاليًا ستة وستون ألف ريال، وصكها لدى الجمعية.\n٥- الدار الكائنة بحي العزيزية، والتي تبرع بها الشيخ عبد العزيز العلي الخريجي، والمكونة من ثلاثة أدوار، وكل دور مكون من شقتين، وهي مسلمة للجمعية.\nالعمارة الكائنة بمخطط الأمير أحمد بالرصيفة بمكة المكرمة التي تبرع بأرضها للجمعية الشيخ سعيد محمد المداح، ومساحتها (٧٦٢) سبعمائة واثنان وستون مترًا مربعًا. والعمارة المذكورة تتألف من","vol":"1","page":40},{"text":"٢- ثلاثة طوابق في كل طابق أربع شقق.\n٣- الدار التي تبرع بها للجمعية الشيخ ابن بشيبش الحربي في حي الهنداوية بجوار مسجد الأمير منصور، وقد تم إعادة بناء هذه العمارة من ثلاثة طوابق، وقد خصص الدور الأول مدرسة للبنات لتحفيظ القرآن الكريم، وهي مكونة من سبعة فصول وتوابعها، والطابق الثاني والثالث يشتمل كل طابق على شقتين بمنافعها.\n٤- العمارة التي أتمت الجمعية بناءها من أربعة عشر دورا في أجياد السد أمام بوابة القصر الملكي.\n٥- الفلتان الموقوفتان على الجمعية من المصونتين خيرية وفوزية بنتي محمد سعيد مداح، والكائنتان بالزاهر بموجب الصك الصادر من كتاب عدل الأولى بمكة المكرمة برقم ٢٣٤/٨، وتاريخ ١٦/٤/١٤١٠هـ، ورقم التسليم ٨٥ في ١٣/٦/١٤١٠هـ.\n٦- الدار الكائنة بالمسفلة، تبرع بها سعادة الشيخ عبد الرحمن قماش) (١) .\nوفي التقرير الأخير للجمعية عام ١٤١٩هـ ورد لها أوقاف عقارية.\n٧- عمارة بشارع المنصور خلف الهلال الأحمر تبرع بها معالي الشيخ محمد صالح قزاز ﵀.\n٨- منزل شعبي بجبل الشراشف، تبرع بها سعادة الشيخ محمد صالح عبد اللطيف إبراهيم فضل.\n_________\n(١) التقرير السنوي التاسع والعشرون لعام ١٤١٦هـ للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، ص١٧-١٩، ٢٠.","vol":"1","page":41},{"text":"٢- الدار الكائنة بالهنداوية تبرع بها سعادة الشيخ بشيبش الحربي.\n٣- عمارة بملقية بحي الزاهر تبرعت بها المكرمة نور بنت أحمد أمين بشناق.\nوهناك عقارات وقفها أصحابها وجعلوا لها نظارًا، وخصصوا جزءًا من ريعها للجمعية.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>وقف الأسهم على الجمعية:</span>\nومما استحدث من أنواع المعاملات التجارية التجارة في الأسهم التابعة للشركات، فأصبحت قيمة الأسهم وأرباحها ترتفع حسب نشاط الشركة في سوق المضاربات المالية، يشترى السهم بقيمة محددة في السوق يوم شرائه، وفي نهاية العام المالي للشركة وتصفية الحساب توزع الأرباح فيدفع لأصحاب الأسهم من الأرباح قدر عدد مشاركتهم من الأسهم. أصبح السهم، أو الأسهم بمنزلة رأس المال الثابت كالعقار، يدر أرباحًا سنوية مع الاحتفاظ بقيمته إذا قدر الربح.\nهذا النوع من المعاملات التجارية فتح آفاقًا جديدة للوقف الإسلامي، بحيث أصبح يمثل بعض الموارد الثابتة للإنفاق على المؤسسات الوقفية الخيرية.\nتنبه بعض المحسنين إلى هذه الجوانب الإيجابية في التجارة بالأسهم، وما تمثله من مورد ثابت لمدارس جمعيات تحفيظ القرآن، وقد ظهرت أسماء عدد من المحسنين في التقرير السنوي لعام ١٤١٦ ممن تبرعوا ببعض الأسهم في بعض الشركات الوطنية، كما يتبين من القائمة التالية:","vol":"1","page":42},{"text":"(١٠- (١٤٠) مائة وأربعون سهمًا في شركة النقل الجماعي بمكة المكرمة، تبرع بها الشيخ محمد صالح بن أحمد جمعة.\n١١- (١٠) عشرة أسهم في شركة الأسمدة سافكو، تبرع بها ورثة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز.\n١٢- (١٢٠) مائة وعشرون سهمًا في شركة النقل الجماعي، تبرع بها سعادة الشيخ محمد سعيد الوادي.\n١٣- (١١٤٦) ألف ومائة وستة وأربعون سهمًا في شركة كهرباء مكة المكرمة، تبرع بها سعادة الشيخ صدقة عبد الرحمن.\n١٤- (١٨٣) مائة وثلاثة وثمانون سهمًا في شركة كهرباء مكة تبرع بها سعادة الشيخ أكرم مندورة.\n١٥- (٢٣٠) مائتان وثلاثون سهمًا في شركة كهرباء مكة المكرمة، تبرع بها سعادة الشيخ حسين صالح سابق.\n١٦- (٤٢) اثنان وأربعون سهمًا في الشركة الوطنية للتنمية الزراعية (نادك)، تبرع بها سعادة الشيخ محمد فضل الحق، وزوجته عزيزة عبد الرحمن طاشكندي.\n١٧- (٣٣) ثلاثة وثلاثون سهمًا تبرع بها سعادة الشيخ محمد فضل الحق في شركة الفنادق.\n١٩- (٣٠) ثلاثون سهمًا في شركة الجنوب، تبرع بها فاعل خير.\nانضم إلى هذه المجموعة من الأسهم – كما ورد في التقرير السنوي","vol":"1","page":43},{"text":"للجمعية عام ١٤١٩هـ (١) . \" (٩١) واحد وتسعون سهمًا في الشركة السعودية الموحدة للكهرباء بالمنطقة الغربية، تبرعت بها السيدة نادية أحمد علي رزق\" (٢) .\n_________\n(١) التقرير السنوي للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة لعام ١٤١٩هـ، ص١٩-٢٠.\n(٢) التقرير السنوي للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة لعام ١٤١٩هـ، ص٢٥.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>خاتمة البحث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>مدخل</span>\n...\nخاتمة البحث\nأثبت التاريخ والتدوين العلمي أن القرآن الكريم محل عناية المسلمين حكامًا وأفرادًا على المستويات والطبقات كافة. مظاهر هذا الاهتمام تتجلى في المؤسسات المختلفة التي تضع تعليم القرآن الكريم نصب عينيها، وجل اهتمامها. تكفل باستمرار هذه المؤسسات العلمية والدور القرآنية الأوقاف السخية من قبل أبناء الأمة الإسلامية بما يكفيها ويغنيها، ويضمن للقائمين عليها التفرغ لأداء رسالتها نحو القرآن الكريم، وأبناء الناشئة من المسلمين.\nاستمرت هذه الدور والمؤسسات في الازدهار والانتشار والتعدد، وكثرة الرواد، والإقبال عندما تولى شؤون إدارتها، واستثمار أوقافها، نظار أمناء، يقدرون مسؤولياتهم الدينية والاجتماعية، وتراجعت، وتدهورت عندما تولاها الطامعون الانتهازيون، ومن ليس لها بكفء فتراجعت نشاطاتها، وقلَّ روادها، حتى أدى الأمر في بعضها إلى محو معالمها والتسلط على انتزاعها، وتحويلها من أوقاف إلى تملكات شخصية.\nكانت الأوقاف الخيرية عصب الحياة العلمية، وبخاصة الدراسات القرآنية في المقام الأول، تليها الدراسات الفقهية والشرعية بصفة عامة، فكان لها الأثر الكبير في الحفظ على القرآن الكريم مكتوبًا في الصحف، ومحفوظًا في صدور القراء، سليمًا من التغيير والتبديل، تقرؤه الأجيال الحاضرة والمستقبلة غضًا كما أنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين منذ أربعة عشر قرنًا، لا يستطيع أحد أن يبدل فيه حرفًا واحدًا فضلًا عن جملة، أو آية.","vol":"1","page":45},{"text":"كان لماضي الأوقاف والعناية بها في خدمة القرآن الكريم تنظيم يتلاءم وتلك العصور التي حبست فيها هو الأنسب لها، وتشاء إرادة المولى أن يستيقظ المسلمون في الوقت الحاضر فيدركوا أهمية الأوقاف للمؤسسات العلمية، والاجتماعية، والآثار الإيجابية التي اضطلعت بها في الماضي، وهي جديرة أن تقوم بها في الحاضر، ولكن بأسلوب يتناسب مع الفكر التنظيمي في الوقت الحاضر، مع الاحتفاظ بالأهداف والمقاصد الشرعية، دون مساس بأحكامه وتشريعاته، تمثل هذا التنظيم في العمل الجماعي في الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، وكان لمكة المكرمة مهبط الوحي شرف الريادة في هذا، وقد آتت جهود المخلصين على هذه الجمعية ثمارها، وكان من نتاج هذه الجمعية وثمارها المباركة ما جاء في تقرير مجلس الإدارة عام ١٤١٩هـ في عهد رئيسها سعادة الأستاذ السيد أمين بن عقيل عبد الرحمن عطاس حفظه الله إحصائية كاملة على النحو التالي:\n١- بلغ عدد حلقات القرآن الكريم (١٤٢٦) حلقة.\n٢- بلغ عدد الطلبة (٢٦٨٥٥) طالبًا.\n٣- بلغ عدد الطالبات (١٤٣٣٥) طالبة.\n٤- بلغ عدد المدرسين (٩١٦) مدرسًا.\n٥- بلغ عدد المدرسات (٥٩٠) مدرسة.\n٦- بلغ عدد الموجهين (٢٩) موجهًا.\n٧- بلغ عدد الموجهات (٤١) موجهة.\n٨- عدد المساجد التي تقام فيها حلقات القرآن (٤٩٨) مسجدًا.\n٩- عدد الحلقات التي تقام في المسجد الحرام (٧٤) حلقة.","vol":"1","page":46},{"text":"١٠- عدد مدارس الطالبات (١٥٦) مدرسة.\nأصبحت هذه الجمعية ورصيفاتها من جمعيات تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في مناطق المملكة العربية السعودية، وما تؤديه من نشاط في خدمة القرآن الكريم علامة بارزة، وظاهرة مشرقة في تاريخ التعليم في العصر الحديث، تجد العون السخي من قبل ولاة الأمر، والأثرياء وطبقات المجتمع كافة لما لمسوه من جهود مخلصة في المحافظة على كتاب الله ﷿، وتخريج أجيال من شباب الأمة تحمله في صدورها نقيًا صافيًا من التحريف والتبديل، وأصبح من المتيقن أن الأوقاف التي ترصد لها فتنفق في خدمة القرآن الكريم هي الأكثر أجرًا ومثوبة عند الله، وأنها الضمان الوحيد بعد عون الله وتوفيقه لبقائها، واستمرارها في أداء رسالتها مهما اختلفت الظروف الاجتماعية.\nإن ضمان بقاء هذه الجمعيات، في أداء رسالتها ضمان لصلاح المجتمع، ومرفق أساس لصلاح شباب الأمة وتجنيب أبنائها مزالق الرذيلة والانحراف، فهي مرفق ديني، تعليمي، اجتماعي مهم.\nيغني عن الإشادة والتمجيد لهذه الجمعيات في خدمة القرآن الكريم التعبير بلغة الأرقام عن إنجازاتها السنوية، ولتكن إحصائيات الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة لعام ١٤١٩هـ وهي الرائدة في هذا المجال، الأنموذج لإنجازات الجمعيات الأخرى في المملكة العربية السعودية، فقد جاءت حصيلة الجمعية من الحفاظ في تقريرها السنوي لعام ١٤١٩هـ كالآتي:\n١- عدد الحفاظ لكامل القرآن الكريم (٢٤١) مائتان وواحد وأربعون حافظًا.\nعدد الحافظات لكامل القرآن الكريم في الفترة نفسها (١٥٧) مائة","vol":"1","page":47},{"text":"وسبع وخمسون حافظة.\n١- عدد من حفظ خمسة عشر جزءًا من الطلبة اثنان وعشرون وتسعمائة طالب.\n٢- عدد من حفظ خمسة عشر جزءًا من الطالبات ستون وثلاثمائة طالبة.\nأما الذين حفظوا كامل القرآن منذ تأسيس هذه الجمعية فقد بلغ حوالي واحدٍ وأربعين وثلاثمائة وستة آلاف (٦٣٤١) طالبٍ وطالبة حتى الآن) (١) .\nهذا عدا النشاطات الأخرى التي تقدمها الجمعية للقطاعات الحكومية، والمشاركة في المسابقات المحلية والدولية مما جاء ذكره مفصلًا في تقريرها السنوي لعام ١٤١٩هـ (٢) . بما يثلج الصدر، ويوحي بالاطمئنان الكامل على مستقبل مشرق في خدمة القرآن الكريم في مهبط الوحي بخاصة، وفي العالم الإسلامي بعامة بمستوى التنظيم الإداري والعلمي في العصر الحديث، وقد أثبت التاريخ فعالية نظام الوقف الإسلامي في بقاء هذه الأعمال الجليلة لأداء رسالتها نحو خدمة القرآن الكريم وغيره من المرافق التعليمية والاجتماعية على الوجه المطلوب، وبما يحقق المقاصد الشرعية، والأهداف النبيلة، وفي هذا ما يحث الهمم، ويدفع بالأمة إلى البذل السخي في سبيل خدمة القرآن الكريم، وصلى الله وسلم على من نزل عليه القرآن هداية ورحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) التقرير السنوي الثاني والثلاثون للفترة من ١/٩/١٤١٨هـ حتى ١٢/٩/١٤١٩هـ، ص٧.\n(٢) انظر: ١٠-١٥.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>ملحق المدارس القرآنية في دمشق والقاهرة والأوقاف المحبس عليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>دور القرآن في دمشق</span>\n...\nملحق\nالمدارس القرآنية في دمشق والقاهرة\nوالأوقاف المحبس عليها\nيستحسن بعد تمام البحث أن تعرض نماذج من إسهام الأوقاف في بعض عواصم العلم في البلاد الإسلامية كدمشق والقاهرة في العناية بالقرآن الكريم والإنفاق السخي على الدارسين والمعلمين مما حفظه لنا التاريخ.\nدور القرآن في دمشق:\nدمشق عاصمة الأمويين إحدى العواصم العلمية في التاريخ الإسلامي، وقد اشتهرت بكثرة مدارسها، وربما كانت الأكثر عددًا من غيرها من العواصم الإسلامية في المشرق والمغرب. يقول الأستاذ المحقق صلاح الدين المنجد في هذا الصدد:\n«ازدهرت دمشق طوال خمسة قرون، بدأت بالقرن الخامس الهجري بمئات من المدارس الكبيرة المختلفة التي أسست لتلقي الثقافة الإسلامية الدينية، وما يتصل بها من علوم العربية، فكان فيها مدارس للقرآن، وللحديث، وللمذاهب الفقهية الأربعة وللطب» (١) .\n_________\n(١) دور القرآن في دمشق، تقديم صلاح الدين المنجد، الطبعة الثالثة، بيروت: دار الكتاب الجديد، عام ١٩٨٢م، ص٦.","vol":"1","page":49},{"text":"يقدم العلامة عبد القادر بن محمد النعيمي قائمة بأسماء الدور القرآنية في فصل مستقل صدر بها كتابه الفريد (الدارس في تاريخ المدارس)، عدد فيها دور القرآن وأماكن وجودها في دمشق، وأسماء المؤسسين لها، والأوقاف التي حبست عليها، وفيما يلي التعريف بها بإيجاز:\nدار القرآن الكريم الرشائية:\nأنشأها رشأ بن نظيف بن ما شاء الله أبو الحسن الدمشقي في حدود سنة أربعمائة له دار موقوفة على القراء. توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة (١) .\nدار القرآن الكريم الوجيهية:\n\"قبلي المدرسة العصرونية، والمسرورية، وغربي الصحصامية التي شمال الخاتونية، وإلى زقاقها يفتح بابها\" (٢) .\nوقفها الشيخ وجيه الدين محمد بن عثمان المنجا التنوخي رئيس الدمامشقة سنة إحدى وسبعمائة (٣) .\n\"كان صدرًا محترمًا، دينًا، محبًا للأخيار، صاحب أملاك ومتاجر، وبر وأوقاف، أنشأ دارًا للقرآن الكريم بدمشق، ورباطًا بالقدس الشريف ... توفي بدار القرآن في التاريخ المتقدم\" (٤) .\nدار القرآن السنجارية:\n\"تجاه باب الجامع الشمالي، المسمى (الناطفانيين) قال ابن كثير في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة: علاء الدين علي بن إسماعيل بن محمود السنجاري\n(١) انظر: النعيمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المدارس، الطبعة الأولى، أعد فهارسه شمس الدين، (بيروت: دار الكتب العلمية، عام ١٤١٠هـ/١٩٩٠م) ج١، ص٩.\n(٢)، (٣)، (٤) النعيمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المدارس، ص١٣،١٤.","vol":"1","page":50},{"text":"واقف دار القرآن عند باب الناطفانيين، شمالي الأموي بدمشق، كان أحد التجار الصدق الأخيار، ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات رتب فيها جماعة يقرؤون القرآن، ويتلقونه وله مواعيد حديث\" (١) .\nدار القرآن الكريم الصابونية:\n\"خارج دمشق، قبلي باب الجابية، غربي الطريق العظمى، ومزار أوس بن أوس الصحابي ﵁ وبها جامع حسن بمنارة، تقام فيه الجمعة أنشأها الخواجكي أحمد الشهابي القضائي بن علم الدين بن سليمان بن محمد البكري الدمشقي، المعروف بالصابوني، ابتدأ في عمارة ذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثمانمائة، وفرغ منه في سنة ثمان وستين وثمانمائة\".\nوشرط الواقف شروطًا عديدة فما يختص بالوظائف الدينية.\n\"وشرط في الإمام أن يكون من الطائفة المباركة الجبرتية، وأن يكون حنفيًا، وأن يكون معه عشرة فقراء من جنسه يقريهم القرآن\nوبنى أيضًا تجاه المكان المذكور بشرق مكتبًا للأيتام عشرة بشيخ يقريهم القرآن العظيم\" (٢)\nوقف على هذا عدة قرى غربي مدينة بيروت تعرف هذه القرى بالصابونية، ومنها جميع قرية مَديَرَى بالغوطة من المرج الشمالي، ومنها قرية ترحيم بالبقاع عدة فدان ونصف فدان، ومنها بقرية الصويرة أربعة فدادين، ومنها القرعون في البقاع ربعها، \".\n_________\n(١) النعيمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المساجد، ج١، ص١١.\n(٢) النعيمي، عبد القادر، الدارس في أخبار المدارس، ج١، ص١١-١٣.","vol":"1","page":51},{"text":"وقد أوقف قرى ومرافق عديدة في أماكن مختلفة ذكرها جميعًا النعيمي ﵀.\nثم أضاف النعيمي ﵀ في نهاية القائمة الطويلة من أوقافه على دار القرآن الكريم الصابونية قوله:\n\"وأما ما وقفه يوسف الرومي مملوك الواقف غربي مصلى العيد من جوار بستان الصاحب فبستان واحد، وبقرية كرفوسوسية معصرة الزيتون، وقاعة لصيق الجامع، والتربتين المذكورتين وعلوها طبقة أخرى قبلي ذلك، وعلوها عدة طبقتين\" (١) .\nدار القرآن الكريم الجزرية:\n\"قيل: إنها بدرب الحجر، أنشأها محمد بن محمد بن يوسف الحافظ الإمام المقري شمس الدين بن الجزري (٧٥١-٨٣٣هـ) برز في علم القراءات، وعمَّر مدرسة سماها دار القرآن، وأقرأ الناس\" (٢) .\nدار القرآن الدلامية:\n\"بالقرب من الماردانية بالجسر الأبيض بالجانب الشرقي من الشارع الآخذ إليه الصالحية أنشأها الجناب الخواجكي الرئيس الشهابي أبو العباس أحمد ابن المجلس الخواجكي زين الدين دلامة بن عز الدين نصر الله النصري، أجل أعيان الخواجكية بالشام\nوقفها سنة سبع وأربعين وثمانمائة ومن شرط الإمام الراتب أن يتصدَّى\n_________\n(١) النعيمي، عبد القادر، الدارس في أخبار المدارس، ج١، ص١١-١٣.\n(٢) النعيمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المدارس، ج١، ص٨.","vol":"1","page":52},{"text":"شيخًا لإقراء القرآن لستة أنفار من الفقراء الغرباء المهاجرين\" (١) .\nرتب للإمام وللطلاب، ولكافة القائمين على وظائف تعليم القرآن، ووظائف المسجد رواتب سخية.\nدار القرآن الخيضرية:\nشمالي دار الحديث السكرية بالقصاعين:\n\"أنشأها في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة قاضي القضاة قطب الدين أبو الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر الخيضري الدمشقي، الشافعي، الحافظ (٨٢١-٨٩٤هـ) .\nرتب فيها الفقراء، والجوامك، والخبز، ووقف على تربته لصيق المنجكية بمحلة مسجد الذبان، وعلى مطبخ باب الفراديس، ومطبخ بني عديسة بالمدينة المنورة على الحال بها أفضل الصلاة، وأتم السلام – أوقافًا دارة\" (٢) .\n_________\n(١) النعيمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المدارس، ج١، ص٨.\n(٢) النعمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المدارس، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الكتب العلمية، عام ١٤١٠هـ/١٩٩٠م)، ص٨.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>دور القرآن الكريم في القاهرة:</span>\nأنشئت في مصر أيضًا أوقاف خصص دخلها على تدريس المذاهب الفقهية، ودروس القرآن الكريم، قراءة وتفسيرًا إلى جانب العلوم الشرعية الأخرى، من هذه المدارس التي رصدها مؤرخ مصر الكبير تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي (ت ٨٤٥هـ (:","vol":"1","page":53},{"text":"المدرسة الظاهرية بالقاهرة:\nأسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري.\n\"ابتدئ بعمارتها في ثاني ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وستمائة، ولم يقع الشروع في بنائها حتى رتب السلطان وقفها أوقف عليها ربع السلطان خارج باب زويلة فيما بين باب زويلة وباب الفرج، وكان ربعًا كبيرًا وتحت هذا الربع عدة حوانيت هي من أجل الأسواق، وللناس في سكناها رغبة عظيمة، وهذه المدرسة من أجلِّ مدارس القاهرة، ولما فرغ من بنائها يوم الأحد خامس صفر سنة اثنتين وستين وستمائة اجتمع أهل العلم بها وقد فرغ منها، وحضر القراء، وجلس أهل الدروس كل طائفة في إيوان منهم طائفة القراء بالقراءات السبع بالإيوان الغربي، وشيخهم الفقيه كمال الدين المحلي، وقرروا كلهم الدروس، وتناظروا في علومهم\" (١) .\nالمدرسة المنصورية:\n\"هذه المدرسة من داخل باب المارستان الكبير المنصوري بخط بين القصرين بالقاهرة، أنشأها هي والقبة التي تجاهها والمارستان الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي، على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، ورتب بها دروسًا أربعة لطوائف الفقهاء الأربعة، ودرسًا للطب، ورتب بالقبة درسًا للحديث النبوي، ودرسًا لتفسير القرآن الكريم، وميعادًا، وكانت هذه التداريس لا يليها إلا أجل الفقهاء المعتبرين\n_________\n(١) انظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المعروف بالخطط المقريزية، ج٤، ص٢٢٥،٢٢٦.","vol":"1","page":54},{"text":"القبة المنصورية:\nهذه القبة تجاه المدرسة المنصورية وفي هذه وهي من أعظم المباني الملوكية، وأجلها قدرًا وفي هذه القبة أيضًا قراء يتناوبون القراءة بالشبابيك المطلة على الشارع طول الليل والنهار، وهم من جهة ثلاثة أوقاف، فطائفة من جهة وقف الملك الصالح إسماعيل، وطائفة من جهة الوقف السيفي، وهو منسوب إلى الملك المنصور سيف الدين أبي بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون\" (١) .\nالمدرسة الحجازية:\nأنشأتها الست الجليلة الكبرى خوند تتر الحجازية ابنة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون زوجة الأمير بكتمر الحجازي، سنة إحدى وستين وسبعمائة.\nجعلت بهذه المدرسة درسًا للفقهاء الشافعية، ودرسًا للفقهاء المالكية، ورتبت بشباك هذه القبة عدة قراء يتناوبون قراءة القرآن الكريم ليلًا ونهارًا، وجعلت بجوار المدرسة مكتبًا للسبيل فيه عدة من أيتام المسلمين، ولهم مؤدب يعلمهم القرآن الكريم، ويجري عليهم في كل يوم لكل منهم من الخبز النقي خمسة أرغفة، ومبلغًا من الفلوس، ويقام لكل منهم بكسوتي الشتاء والصيف، وجعلت على هذه الجهات عدة أوقاف جليلة يصرف منها لأرباب الوظائف المعاليم السنية (٢) .\n_________\n(١) المقريزي، تقي الدين أبو العباس، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٢٦،٢٢٧.\n(٢) انظر: المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٣٠،٢٣١.","vol":"1","page":55},{"text":"المدرسة الأقبغاوية:\nأنشأها الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد أستادار الملك الناصر محمد بن قلاوون.\nقرر فيها درسًا للشافعية، ودرسًا للحنفية، وجعل فيها عدة من الصوفية، ولهم شيخ، وقرر بها طائفة من القراء يقرؤون القرآن بشباكها، ووقف على هذه الجهات حوانيت خارج باب زويلة بخط تحت الربع، وقرية بالوجه القبلي (١) .\nدار القراسنقرية:\n\"أنشأها الأمير شمس الدين قراسُنْقُر المنصوري نائب السلطنة سنة سبعمائة، وبنى بجوار بابها مسجدًا معلقًا، ومكتبًا لإقراء أيتام المسلمين كتاب الله العزيز، وجعل بهذه المدرسة درسًا للفقهاء، ووقف على ذلك داره التي بحارة بهاء الدين وغيرها\" (٢) .\nالمدرسة القطبية:\n\"هذه المدرسة بأول حارة زويلة عرفت بالسيدة الجليلة عصمة الدين خاتون مؤنسة القطبية ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي، وكان وقفها في سنة خمس وستمائة.\nوبها درس للفقهاء الشافعية، وتصدير قراء وفقهاء يقرؤون\" (٣) .\n_________\n(١) انظر: المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٣٢،٢٣٣.\n(٢) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٤٠.\n(٣) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٤٥.","vol":"1","page":56},{"text":"المدرسة الساقية:\n\"هذه المدرسة داخل قصر الخلفاء الفاطميين من جملة القصر الكبير الشرقي الذي كان داخل دار الخلافة بنى هذه المدرسة الطواشي الأمير سابق الدين مثقال الأنوكي، مقدم المماليك السلطانية الأشرفية، وجعل بها درسًا للفقهاء الشافعية، وجعل فيها تصدير قراءات، وخزانة كتب، وكتابًا يقرأ فيه أيتام المسلمين\" (١) .\nمدرسة تربة أم الصالح:\n\"هذه المدرسة بجوار المدرسة الأشرفية بالقرب من المشهد النفيسي\nأنشأها الملك المنصور قلاوون على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في سنة اثنتين وثمانين وستمائة برسم أم الملك الصالح علاء الدين علي بن الملك المنصور قلاوون ورتب لها وقفًا حسنًا على قراء وفقهاء، وغير ذلك\" (٢) .\n_________\n(١) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٤٨.\n(٢) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٤، ص٢٤٩.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>مصادر ومراجع</span>\n...\nمصادر البحث\n١- أوزاك، علي - بحث (إدارة الأوقاف الإسلامية في المجتمع المعاصر في تركيا) – أهمية الأوقاف، الإسلام في عالم اليوم - الأردن: مآب مؤسسة آل البيت، عام ١٤١٧هـ/١٩٩٦م.\n٢- البعلي، علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد - الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - الطبعة الأولى - تحقيق محمد حامد فقي - بيروت: دار الكتب العلمية.\n٣- بن عبد الله، محمد عبد العزيز - الوقف الإسلامي - الطبعة الأولى - المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - سنة ١٤١٦هـ/١٩٩٦م.\n٤- الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة - التقرير السنوي التاسع والعشرون لعام ١٤١٦هـ - التقرير السنوي الثاني والثلاثون لعام ١٤١٨/١٤١٩هـ - معلومات النشر: بدون.\n٥- الحموي، أحمد بن محمد - فضائل سلاطين بني عثمان - الطبعة الأولى - تحقيق محسن محمد حسن سليم - مصر: دار الكتاب الجامعي - عام ١٤١٣هـ/١٩٩٣م.\n٦- رفيع، محمد عمر المكي – مكة في القرن الرابع عشر الهجري - الطبعة الأولى - مكة المكرمة: نادي مكة الثقافي، ١٤٠٤هـ/١٩٨١م.","vol":"1","page":58},{"text":"١- ابن أبي زيد، أبو محمد عبد الله القيرواني - الرسالة مع حاشية العدوي - مصر: مطبعة الاستقامة - عام ١٣٩٦هـ.\n٢- سعيدوني، ناصر الدين - (مؤسسة الزوايا في الجزائر العثمانية) بحث في المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني بمناسبة ذكرى سبعمائة عام على قيام الدولة العثمانية عام ١٩٩٩ - استامبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية - عام ٢٠٠٠م.\n٣- أبو سليمان، عبد الوهاب إبراهيم - (الوقف مفهومه ومقاصده) ضمن بحوث (ندوة المكتبات الوقفية) – الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف - عام ١٤٢٠هـ.\n٤- الشوشاوي، أبو علي الحسين بن علي - الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة - الطبعة الأولى - دراسة وتحقيق إدريس عزوزي - المغرب: وزارة الشؤون الإسلامية – عام ١٤٠٩هـ/١٩٨٩م.\n٥- الطبري، محمد بن علي بن فضل المكي - تاريخ مكة إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بني الحسن – الطبعة الأولى – تحقيق محسن محمد حسن سليم – مصر: دار الكتاب الجامعي – عام ١٤١٣هـ/١٩٩٣م.\n٦- عبد الوهاب، حسن حسني - كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين - الطبعة الأولى - مراجعة محمد العمروسي المطوي، وبشير البكوش - تونس: بيت الحكمة - سنة ١٩٩٠م.\nالغزالي، أبو حامد محمد بن محمد - جواهر القرآن ودرره – الطبعة الأولى – بيروت: دار الكتب العلمية، سنة ١٤٠٩/١٩٨٨","vol":"1","page":59},{"text":"١- الفاسي، تقي الدين – شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام – الطبعة الأولى – تحقيق لجنة من كبار العلماء والأدباء – مكة المكرمة: مكتبة النهضة الحديثة، عام ١٩٥٦م.\n٢- ابن فهد، النجم عمر بن فهد محمد – إتحاف الورى بأخبار أم القرى – الطبعة الأولى – تحقيق عبد الكريم علي باز – مكة المكرمة: جامعة أم القرى – عام ١٤٠٨هـ/ ١٩٩٨م.\n٣- ابن فهد، جار الله بن العز – نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى – الطبعة الأولى – تحقيق محمد الحبيب الهيلة – لندن: مؤسسة الفرقان – عام ١٤٢٠هـ/٢٠٠٠م.\n٤- القحطاني، راشد بن سعد بن راشد – وقفية مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت – الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف (ندوة المكتبات الوقفية بالمدينة المنورة) – عام ١٤٢٠هـ.\n٥- ابن كثير، إسماعيل بن عمر – فضائل القرآن – الطبعة الأولى – تحقيق محمد إبراهيم البنا – جدة: مؤسسة علوم القرآن للثقافة الإسلامية، عام ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م.\n٦- كجك، مروان – انتفاع الموتى بأعمال الأحياء، ابن تيمية وابن القيم –الطبعة الأولى – الرياض: دار النرجس، عام ١٤٢١هـ/٢٠٠٠م.\n٧- محفوظ، محمد – تراجم المؤلفين التونسيين – الطبعة الأولى – بيروت: دار الغرب الإسلامي – عام ١٩٨٢م.\nالمزيني، عبد الرحمن – مكتبة الملك عبد العزيز بين الماضي والحاضر","vol":"1","page":60},{"text":"١- – الطبعة الأولى – الرياض: مكتبة العبيكان، عام ١٤٢٠/١٩٩٩.\n٢- المقريزي، تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار – الطبعة الأولى – وضع حواشيه خليل منصور – بيروت: دار الكتب العلمية، عام ١٤١٨/١٩٩٨.\n٣- المنجد، محمد صلاح الدين – دور القرآن في دمشق – الطبعة الثالثة – بيروت: دار الكتاب الجديد، سنة ١٩٨٢.\n٤- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد – لسان العرب – الطبعة الثالثة – بيروت: دار صادر – ١٤١٤/١٩٩٤.\n٥- النعيمي، عبد القادر – الدارس في تاريخ المدارس – الطبعة الأولى – أعد فهارسه إبراهيم شمس الدين – بيروت: دار الكتب العلمية.\n٦- النهروالي، قطب الدين بن علاء الدين – الإعلام بأعلام بيت الله الحرام في تاريخ مكة المشرفة – علق عليه محمد طاهر عبد القادر الكردي الخطاط – مكة المكرمة: المكتبة العلمية لصاحبها عبد القادر فدا.\n٧- هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية - جهود المملكة العربية السعودية في الاعتناء بالقرآن الكريم - إشراف عبد الله بن علي بصفر - جدة: الشركة الخليجية للطباعة والتغليف، سنة ١٤١٩/١٩٩٩.","vol":"1","page":61}]}