{"ً":{"ٌ":11347,"ٍ":"كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ وصحابته وأثرها في حفظ السنة النبوية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/كتابة الحديث في عهد النبي وصحابته - عبد الكريم","files":["02-A-01_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ وصحابته وأثرها في حفظ السنة النبوية\nالمؤلف: أحمد بن معبد بن عبد الكريم بن سليمان بن حسن كُلَيْبَاتِى\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٤٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1585,"ٕ":10,"ٖ":1770155688,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: الإذن النبوي العام لمن سمع منه ﷺ أن يكتب ما سمع ورد الشبه عن ذلك إجمالا","level":1,"page":4},{"title":"المبحث الثاني: مما كتبه وصنفه الصحابة","level":1,"page":10},{"title":"المبحث الثالث: الإذن النبوي الخاص لبعض أفراد الصحابة بالكتابة ورد الشبه عنه","level":1,"page":26},{"title":"المبحث الرابع: الأمر الوجوبي من الرسول ﷺ بالكتابة ولا سيما للولاة والقبائل والمعاهدات، ورؤساء الدول","level":1,"page":29},{"title":"المبحث الخامس: كتابة الصحابة بعضهم إلى بعض أو عن بعض","level":1,"page":36},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":38},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":40}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44},"ٜ":{"1":[1,44]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"10":[4],"26":[5],"29":[6],"36":[7],"38":[8],"40":[9]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد..\nفإن العناية بتلقي السنة النبوية المطهرة عن مصدرها المباشر، وهو الرسول ﷺ، ثم عن صحابته الكرام فمن بعدهم، قد توافر فيها ثلاثة جوانب، متزامنة، ومتكاملة، وهي:\n١- حفظ الصدور ٢- حفظ السطور\n٣- حفظ التطبيق العملي بالقلوب والجوارح آناء الليل والنهار.\nوتناول مسيرة هذه الجوانب الثلاثة بالتفصيل وبيان مظاهرها وثمارها يضيق عنه المقام، وليس من مطالب هذا البحث.\nحيث إن مقصوده هو تناول معالم فترة معينة في جانب معين وهو كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ، وصحابته -﵃ - وأثرها في حفظ السنة المطهرة، وذلك لأن هذا الجانب في هذه الفترة قد خفي الكثير من حقائقه على عدد غير قليل من الباحثين الشرقيين والمستشرقين، وبالتالي اختلفت الأنظار حوله حتى وجهت إلى السنة المطهرة بسبب التصور الخاطئ له بعض الانتقادات المغرضة، كما سنشير إلى ذلك في موضعه من هذا البحث إن شاء الله.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد:</span>\nالأُمِيُّون وحفظ السنة في الصدور:\nيقول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . والذكر هنا هو القرآن الكريم، وقد قررت هذه الآية بوضوح وتأكيد أن الله تعالى بعظمته العليا كما تفرد بإنزاله على رسوله الكريم، فقد تفرد أيضا بحفظه وصيانته العامة الأبدية من أي تحريف أو دخيل، ومن لوازم حفظه\n-سبحانه- لكتابه العظيم، أنه حفظ أيضًا سنة رسوله ﷺ التي جعلها بيانا له معصوما من الخطأ، لصدوره من مقام النبوة الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولما كانت بداية بعثته ﷺ في الأميين لحكم سامية، فإن المرحلة الأولى لتلك البعثة قد شاعت فيها أمية القراءة والكتابة بلغة العرب التي اختارها -الله تعالى- لتكون لغة القرآن الكريم، ولم تكن تلك الأمية مثل أمية عصورنا هذه التي تحول بين صاحبها وبين سلامة النطق واستقامة الفهم لما يسمعه، بل كان من دلائل نبوته ﷺ كونه أميًا، وكان الأمي من العرب الخلص يتمتع بسليقة أصيلة تجعله ينطق العربية نطقًا صحيحًا، ويفهمها فهمًا سديدًا.\nكما كان العربي الأمي يتمتع أيضًا بحافظة تفوق قوتها ودقتها الوصف بحيث جعل الغالب فيهم تعويله الأصلي عليها بما يعوضه في غالب أمره عن حفظ الكتابة والقراءة، بل إن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال:\"كان ابن شهاب يختلف إلى الأعرج -يعني عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبي هريرة فيسأله الحديث، ثم يأخذ قطعة ورق فيكتب بها ثم يتحفظ،","vol":"1","page":2},{"text":"فإذا حفظ الحديث مزق الرقعة\". وفي رواية: كنا نأتي الأعرج ويأتيه ابن شهاب، فنكتب، ولا يكتب ابن شهاب، فربما كان الحديث فيه طول فيأخذ ابن شهاب ورقة من ورق الأعرج ثم يكتب، ثم يقرأ، ثم يمحوه مكانه، وربما قام بما معه فيقرؤها ثم يمحوها (١) .\nوروى الفسوي في تاريخه من طريق عبد الرحمن بن سلمة الجمحي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث عن رسول الله ﷺ حديثًا فكتبته، فلما حفظته محوته: \"قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافًا وصبر على ذلك\" (٢) .\nومن هذا يستفاد أهمية الحفظ للسنة في الصدور ومدى الاعتماد عليه في عهد الصحابة والتابعين.\n_________\n(١) مكتفيا بالحفظ. انظر: ترجمة الإمام الزهري من تاريخ ابن عساكر (ص ٦٠- ٦٢) ط/ مؤسسة الرسالة.\n(٢) «المعرفة والتاريخ» للفسوي (٢/ ٥٢٣) .","vol":"1","page":3},{"text":"كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ وصحابته وأثرها في حفظ السنة\nإعداد الأستاذ الدكتور/ أحمد معبد عبد الكريم\nبسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: الإذن النبوي العام لمن سمع منه ﷺ أن يكتب ما سمع ورد الشبه عن ذلك إجمالا</span>\nلكن رغم هذا فإن الرسول ﷺ استعمل الكتابة وأذن في استعمالها في حفظ السنة النبوية طالما توافر تمييزها عن المكتوب من القرآن الكريم من جهة، وكانت الكتابة محققة لغاية الحفظ المطلوب للسنة أو لتبليغها للغير من جهة أخرى.\nوبهذا صارت السنة النبوية تحفظ عن الرسول ﷺ وعن صحابته بطريقين متكاملين ومتزامنين في أوقات كثيرة.\nالأولى: طريقة التلقي بالسماع أو المشاهدة أو غيرهما، وحفظ المُتلَقّي في الذاكرة فقط دون كتابة.\nوالثانية: طريقة الكتابة بجانب الحفظ في الذاكرة وذلك في ما كان متيسرًا مما يكتب عليه حينذاك، من العظام والجلود والأوراق.\nلكن هذه الطريقة الثانية لم تأخذ حظًا كافيًا من إظهار دلائلها وصور العناية بها، وتعداد من قام بها من الصحابة والتابعين في مباحث خاصة بذلك، ولعل ذلك لأنها لم تكن محل شك أو إنكار في عصور تدوين السنة في مصنفات خلال القرن الثاني والثالث.\nلكن جاء في العصور المتأخرة غير واحد، ممن ينسبون إلى البحث والاطلاع والتمحيص ينتقدون السنة النبوية من جهة عدم العناية بكتابتها وتدوين مروياتها وتصنيفها في مصنفات متداولة إلا في وقت متأخر عن عصر الرسول ﷺ وصحابته، ويرتبون على ذلك الزعم بكثرة الدخيل فيها عند","vol":"1","page":4},{"text":"تصنيفها المتأخر عن عصر النبوة والصحابة.\nوقد نهض -بحمد الله- من الباحثين المخلصين مَن ناقش هذه الانتقادات وردها جملة وتفصيلًا بالأدلة المناسبة، وذلك مثل الشيخ المعلمي - ﵀- في كتاب: \"الأضواء الكاشفة\" والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه: \"السنة قبل التدوين\" يعني قبل كتابتها كتابة عامة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في مدونات جامعة، والأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: \"دراسات في الحديث النبوي\" (١) وغير هؤلاء كثير.\nوما أقدمه اليوم هو مساهمة متواضعة في البيان الواقعي للعناية الظاهرة بكتابة السنة النبوية في عصره ﷺ وعصر صحابته الكرام، مع الإذن العام في ذلك فمن وقائع عنايته ﷺ بكتابة السنة: ما رواه رافع بن خديج -﵁- قال: مر علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن نتحدث فقال: \"ما تحدثون؟ \" فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله، قال: \"تحدثوا وليتبوأ مقعده مَن كذب عليَّ من جهنم\" ومضى لحاجته، وسكت القوم فقال: \"ما شأنهم لا يتحدثون؟ \" قالوا: للذي سمعناه منك يا رسول الله. قال: \"إني لم أرد ذلك، إنما أردت مَن تعمد ذلك\" فتحدثنا، قال: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: \"اكتبوا ذلك ولا حرج\" (٢) .\n_________\n(١) وهذه الكتب الثلاثة طبعت عدة طبعات.\n(٢) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل واللفظ له حديث (٣٣١)، والخطيب في تقييد العلم (ص٧٢- ٧٣)، والطبراني في الكبير ٤/ حديث (٤٤١٠) مع اختصار القصة في أوله، ثلاثتهم من طريق عبد الرحمن ابن ثوبان قال: حدثني أبو مدرك، قال: حدثني عباية بن رفاعة بن رافع، ابن خديج عن رافع به؛ وأبو مدرك هو عبد الله بن مدرك الأزدي شامى – ذكره ابن عبد البر في الاستغناء (١٩١١) ولم يذكر في حاله شيئا ولا ذكر راويًا عنه سوى ابن ثوبان وينظر تهذيب الكمال (١٤/ت٣١٤٩) «عباية بن رفاعة» وعلى هذا فأبو مدرك هذا مجهول، وهو غير «أبي مدرك» المذكور في الميزان (٤/١٠٥٨٩)، «واللسان» (٧/١١١٧- ١١١٨) مع وصف الدارقطني له بأنه متروك.","vol":"1","page":5},{"text":"وفي الحديث كما نرى أمر بمعنى الإذن في كتابة الحديث عمومًا مع اجتناب الكذب عليه ﷺ قولًا وكتابة.\nوللحديث شواهد منها:\nما أخرجه الحاكم في المستدرك (١/١٠٦) من طريق عبد الله بن المؤمل، والنسائي في الكبرى (التحفة ٣/ ٨٨٨٥) من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄- أن النبي ﷺ قال: \"قيدوا العلم\" قلت: وما تقييده؟ قال: \"كتابته\".\nوروي الحديث عن أنس -﵁- مرفوعًا وموقوفًا (١) وتضعيف المرفوع ينجبر بالشاهد السابق والآتي.\nولفظ رواية النسائي: إن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: \"نعم\" فكان أول ما كَتبَ: كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة. \"لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعًا...\" الحديث.\nوما في سند هذا الحديث من عنعنة ابن جريج ينجبر بباقي الطرق\n_________\n(١) تقييد العلم (ص٩٧)، وجامع بيان العلم ١/٣٩٥)، والمستدرك (١/١٠٦)، ومسند الشهاب (٦٣٧) .","vol":"1","page":6},{"text":"السابقة واللاحقة فيرتقي إلى الصحيح لغيره (١) وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: \"اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق\" (٢) .\nوأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (٣) .\nوفي رواية لأحمد وغيره أن أبا هريرة -﵁- قال: إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة فأذن له (٤) .\nوبهاتين الروايتين ينجبر ضعف غيرهما مما تقدم، من حديث رافع بن خديج وأنس وبعض طرق حديث عبد الله بن عمرو ويكون ما ذكره الشيخ رشيد رضا -﵀- في مجلة المنار (٥) وتابعه غيره (٦) من الاقتصار على تضعيف بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أنس -رضي الله\n_________\n(١) ينظر مختصر استدراك الحافظ الذهبي لابن الملقن (١ح ١٩) بتحقيق د/ سعد الحميد.\n(٢) أخرجه الإمام أبو داود حديث (٣٦٤٦)، وبنحوه أخرجه الإمام أحمد (٢/٢٠٧/ح ٦٩٣٠)، والحاكم (١/١٠٥) وصححه، وأقره الذهبي، وقال الحافظ في الفتح (١/٢٠٧): إن طرقه يقوي بعضها بعضًا.\n(٣) صحيح البخاري (مع الفتح) كتاب العلم حديث (١١٣) .\n(٤) المسند (٢/٤٠٣/ح ٩٢٣١)، والفتح (١/ ٢٠٧) .\n(٥) مجلة المنار (١٠/ ٧٦٣- ٧٦٦) .\n(٦) ينظر تقييد العلم للخطيب بتحقيق يوسف العش (٧٣ حاشية ١٤٣) .","vol":"1","page":7},{"text":"عنه- مِنْ بعض طرقه مردود عليه بوجود ما يشهد له من الصحيح والحسن كما ترى.\nكما أن حديث أبي هريرة السابق ينبغي أن يلاحظ فيه أمران متعلقان بموضوعنا:\nالأمر الأول: المنافسة الظاهرة بين أبي هريرة وبين عبد الله بن عمرو ﵃ في حفظ ما تلقياه عن الرسول ﷺ بما يدل على علو همة مَنْ تصدَّى لهذه المهمة من الصحابة الكرام، وحرصه على القيام بها على أتم وجه.\nالأمر الثاني: توافر عوامل طريقتي الحفظ معًا وهما حفظ الصدور من أبي هريرة، وحفظ الصدور والسطور من عبد الله بن عمرو -رضي الله عن الجميع- بحيث لا يُظن من اقتصار أبي هريرة عن حفظ الصدور أن محصلته كانت أقل أو ضبطه كان أضعف.\nوذلك لأن ابن الجوزي وغيره ذكروا أن أبا هريرة قد رُوي عنه (٥٣٧٤) حديثًا (١) في حين ذكروا أن عبد الله بن عمرو قد روي عنه (٧٠٠) حديث وقيل أقل من ذلك (٢) .\nكما أن أبا هريرة أتيحت له فرصة ذهبية جعلت لحفظه مزية عليا حيث إن رسول الله ﷺ حدَّث يومًا وقال: \" أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئًا سمعه؟ \" قال أبو هريرة: فبسطت بردة عليّ حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت\n_________\n(١) ينظر تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي (٣٦٣) وسير النبلاء (٣/٥٩٤) .\n(٢) تلقيح فهوم أهل الأثر: ٣٦٣.","vol":"1","page":8},{"text":"بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به (١) . ومن أجل ذلك قال الذهبي: كان حفظ أبي هريرة الخارق، من معجزات النبوة (٢)، وشهد له به غير واحد من الصحابة عن رؤية ومعايشة علمية، واختبار (٣) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري كتاب الحرث والمزارعة برقم (٢٣٥٠) ومسلم، واللفظ له، في فضائل الصحابة برقم (٢٤٩٢) كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(٢) السير (٢/٥٩٤) .\n(٣) سير النبلاء (٢/ ٥٩٨، ٦٠٣، ٦٠٤، ٦٠٦، ٦٠٧) .","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثاني: مما كتبه وصنفه الصحابة</span>\nقد سبق أن ذكرت أن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قد أذن له الرسول ﷺ بأن يكتب عنه كل ما يصدر منه في كافة أحواله من الغضب والرضا، وأن العلماء استدلوا بهذا على جواز ذلك أيضًا لغير عبد الله ابن عمرو من الصحابة.\nوقد جاء عن عبد الله بن عمرو نفسه ما يفيد وقوع ذلك فعلًا، فعن أبي قبيل المعافري قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- وسُئِل: أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية (١) أو رُومِيَّة؟ (٢)، قال: فدعا عبد الله بن عمرو بصندوق له حَلَق، قال: فأخرج منه كتابًا فجعل يقرؤه، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟\nفقال النبي ﷺ: \"بل مدينة هرقل أولًا تفتح\" (٣) يعني القسطنطينية.\n_________\n(١) هي «إسطنبول» الموجودة في تركيا، حاليا. ينظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢٤٧) .\n(٢) ذكر ياقوت الحموي أن «رومية» تطلق على بلدتين إحداهما تقع شمال غربي القسطنطينية السابق ذكرها، والثانية بالمدائن – يعني من بلاد فارس. ينظر: معجم البلدان ٣/ ١٠٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/٣٢٩- ٣٣٠ كتاب) الجهاد، واللفظ له، والباقون بنحوه.\nوأحمد في المسند (٢/١٧٦) حديث (٦٦٤٥) .\nوالدارمي في سننه (١/١٣٣) حديث (٤٩٢) كتاب العلم.\nوالحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٢، ٥٥٥) كتاب الفتن.\nأربعتهم من طرق، عن يحيى بن أيوب عن أبي قبيل – حيي بن نافع المعافري – عن عبد الله بن عمرو، به. وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط الشيخين، وفي الموضع الثاني قال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي في الموضعين.\nوأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٢٨٥) بتحقيق الأخ الدكتور علي عمر -حفظه الله- من طريق سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب به.\nوقال الذهبي: «هذا حديث حسن غريب» السير (٣/٨٧) .","vol":"1","page":10},{"text":"وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو هذا أيضًا: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: \"بلى فاكتبوها\" فمن قول عبد الله بن عمرو -﵁- \"أفلا نكتبها\"، وقوله ﷺ \"اكتبوها\". ومن قوله في الحديث السابق \"بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب\" يستفاد أن الكتابة للسنة كانت تقع بين يدي رسول الله ﷺ مباشرة، بعلمه وموافقته، وأن عبد الله بن عمرو استأذن الرسول ﷺ لنفسه ولجماعة معه، وأذن الرسول ﷺ لجماعتهم فقال: \"اكتبوها\". وبمقتضى هذا الإذن كانوا يجتمعون حوله ﷺ ويكتبون كتابة جماعية، كما يستفاد من الحديث الأول أن عبد الله بن عمرو كان يعتني بصيانة ما كان يكتبه عن رسول الله ﷺ في صندوق خاص حتى لا يتطرق إليه تلف أو ضياع أو دخيل، وهذا يعد تأصيلًا لما ذكره علماء المصطلح في ضبط الكتاب، دون أن يذكروا له مثالًا كهذا، ويستفاد كذلك أن عبد الله بن عمرو كان يخرج المكتوبات التي في هذا الصندوق، ويحدث منها بقراءته ويسمع منه جماعة الحاضرين، ومنهم من يسأله، كما يفيده قول الراوي عنه: \"كنا عند عبد الله بن عمرو -﵁- وسئل...\" وقول الراوي: إن الصندوق الذي أخرج عبد الله منه المكتوب الذي حدثهم به كان له \"حلق\" إشارة منه لتأكده من مناسبة الحديث وملابساته، ووجود تلك الحَلَق في الصندوق تفيد، إما كبر حجمه، بحيث وُضع له حَلَق تُسهل حملَه ونقلَه، وإما مزيد العناية بوضع حلق فيه لإحكام إغلاقه.","vol":"1","page":11},{"text":"كما أن هذا يدل على أن ما كتبه عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ لم يكن صحيفته المشهورة فقط، والتي كان يعتز بها، ويسميها (الصادقة) كما سيأتي ذكره، ولكن كان ما كتبه عنه ﷺ أكثر، بحيث احتاج في حفظه وصيانته إلى صندوق له حَلَق مما يدل على أنه كان كبير الحجم.\nوقد حكم الذهبي بتحسين حديث الصندوق المذكور، ثم قال: \"وهو دال على أن الصحابة كتبوا عن النبي ﷺ بعض أقواله...، ثم قال: وكتبوا عنه كتاب الديات، وفرائض الصدقة، وغير ذلك\" (١) .\nوقال أيضًا عن عبد الله بن عمرو -﵁-:\"وكَتَبَ الكثيرَ بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن، وسوَّغ ذلك النبيُّ ﷺ ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة -﵃- على الجواز والاستحباب لتقييد العلم... ثم قال الذهبي أيضًا: والظاهر أن النهي كان أولًا لتتوافر هممهم على القرآن وَحْدَه، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنة النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم، والله أعلم\" (٢) .\nوقد تقدم أن مجمل مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص بلغت (٧٠٠) حديث أو أقل، ولو أننا استعرضنا ما توافر لدينا من أدلة معتد بها على ما كتبه عبد الله بن عمرو بنفسه، وما كتبه عنه بعض من سمع منه، فسنجد أن ذلك يكوِّنُ نسبة غير قليلة من مجموع ما تقدم ذكره من أحاديثه المدونة في كتب الحديث الأصلية من الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٣/٨٧- ٨٨) ونصب الراية للزيلعي (٢/٣٣٥، ٣٤٤) .\n(٢) السير (٣/ ٨٠- ٨١) .","vol":"1","page":12},{"text":"كما جاءت عنه بعض روايات أنه كان يحتفظ ببعض الآثار الموقوفة:\nفروى عمرو بن شعيب قال: وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو، عن عمر بن الخطاب قال: \"إذا عبث المعتوه (١) بامرأته، أُمر وَليُّهُ أن يُطلِّق\" (٢) .\nوفي رواية أن عمر كتب إلى عمرو بن العاص: \"أنه يُؤجَّل سَنَةً، فإن برئ، وإلا فرق بينه وبين امرأته\" (٣) .\nوجاء عن عبد الله بن عمرو -﵁- أن مما كتبه عن رسول الله ﷺ صحيفة سماها (الصادقة) فعن مجاهد قال: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: \"هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه (فيها) أحد، إذا سلمتْ لي هذه، وكتاب الله - ﵎- والوَهْط (٤) فما أبالي ما كانت\n_________\n(١) أي المجنون، وشبهه.\n(٢) أخرجه الإمام الدارقطني في سننه (٤/٦٥) حديث (١٥٩-١٦١) من طرق عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عمرو بن شعيب قال: وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو عن عمر بن الخطاب ... (الحديث) . ومدار طرق الحديث كما ترى على حبيب بن أبي ثابت، ومع ثقته وجلالته، فإنه يدلس، تدليسًا قادحًا/ ينظر التقريب (١٠٨٤)، وطبقات المدلسين (ص٨٤) ولم يذكر هنا ما يفيد الاتصال، فتكون روايته ضعيفة لانقطاعها، لكن للحديث طريق آخر يعضده، وهو الآتي عقب هذا، حاشية (٣)، وبمجموع الطريقين يرتقي الحديث إلى الحسن لغيره.\n(٣) أخرجه الإمام الدارقطني أيضًا في سننه كتاب النكاح - باب المهر (٣/ ٢٦٧) حديث (٨٦) من طريق هشيم بن بشير عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في مسلسل يخاف على امرأته منه، فكتب إليه ... (الحديث) وهذا إسناد رجاله ثقات إلى حجاج، وهو ابن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ -كما في التقريب (١١١٩) فيكون ضعيفًا من جهة ضبطه، كما أنه يدلس تدليسًا قادحًا / طبقات المدلسين (١٢٥)، وقد عنعن هنا، فتكون روايته هذه ضعيفة لأجله، ولكن تعضدها الرواية السابقة في الحاشية رقم (٢) كما قدمت، فتكون حسنةً لغيرها.\n(٤) سيأتي تفسير معناه في الرواية الآتية.","vol":"1","page":13},{"text":"عليه الدنيا\" (١)، ومن ذلك يفهم أن عنايته بكتابة السنة، لم تشغله عن عنايته بالقرآن الكريم.\nوجاءت عنه رواية أخرى قال فيها: أما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ وأما الوَهْط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، وكان يقوم عليها (٢) .\nونقل الذهبي عن بعض العلماء قوله: ينبغي أن تكون تلك الصحيفة أصح من كل شيء؛ لأنها مما كتبه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ والكتابة أضبط من حفظ الرجال (٣) .\nويذكر الدارسون: أن هذه الصحيفة الصادقة هي التي رواها عمرو بن\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/٢٦٢) والخطيب في تقييد العلم (٨٤) كلاهما من طريق إسحق بن يحيى عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. وليس في رواية ابن سعد قوله: إذا سلمت لي هذه ... (الحديث) . وفي هذا الإسناد إسحق بن طلحة التيمي، وهو ضعيف/ التقريب (٣٩٠) .\nوأخرج ابن سعد أيضًا عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو قال: استأذنت النبي ﷺ في كتابة ما سمعته، فأذن لي، فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة / الطبقات (٤/٢٦٢) .\nورجال هذا الإسناد ثقات غير شيخ ابن سعد، (أبو بكر بن عبد الله) فلم أقف على ترجمته.\nوأيضًا هناك رواية أخرى ستأتي في حاشية (٣) من طريق آخر، وبمجموع تلك الطرق يرتقي الحديث إلى الحسن لغيره.\n(٢) أخرجه الدارمي في سننه -كتاب العلم- باب من رخص في كتابة العلم ١/حديث (٥٠٢) والخطيب في تقييد العلم (٨٤) من طريق شريك عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، به وأخرجه الخطيب في تقييد العلم (٨٥) من طريق عنبسة بن سعيد عن ليث، به، ومن طريق الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني عن عبد الله بن عمرو، به بمعناه مع زيادة في آخره. وهذان الطريقان مع ماتقدم في حاشية رقم (٢)، يرتقي بطرق الحديث إلى الحسن لغيره.\n(٣) تاريخ الإسلام (وفيات سنة -١١٨؟. ص٣٣٤) .","vol":"1","page":14},{"text":"شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو (١) .\nفإذًا ومَنْ يقف على وصف محتوياتها يظهر له أن تسميتها صحيفة ليس معناه أنها عبارة عن ورقة واحدة كما هو المتبادر؛ بل كانت أوراقًا كثيرة، فقد وقف ابن حبان على نسخة منها ورواها عن شيخه أبي يعلى الموصلي وقال: في نسخة كتبناها عنه طويلة (٢) .\nفالمراد بالصحيفة أو النسخة في اصطلاح المحدثين: مجموعة الأحاديث التي رُويت بإسناد واحد ولو بلغت أوراقًا كثيرة مثل صحيفة أو نسخة عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده (٣) .\nوقد أطلق ابن معين وغيره على صحيفة عمرو بن شعيب اسم \"الكتاب\" (٤) .\nومن آخر البحوث المتخصصة عن عدد أحاديثها ما قرر فيه صاحبه أنها تبلغ (٢٣١) حديثًا غير المكرر أكثر من مرة، وذلك بعد إحصائه لها من عدد من كتب السنن والمسانيد، وعلم الرجال حيث روى كل منها بعض أحاديثها (٥) .\nلكن بعض تلاميذ عبد الله بن عمرو غير: شعيب والد عمرو هذا،\n_________\n(١) ينظر كتاب «صحيفة عمرو بن شعيب، وبهز بن حكيم عند المحدثين والفقهاء» للأستاذ محمد علي بن الصديق (١٠-١١، و١٢٩- ١٣٤) .\n(٢) المجروحين لابن حبان (٢/٧٢) .\n(٣) ينظر تهذيب التهذيب (١/ترجمة) (٩٢٤) و(٣/١٢) .\n(٤) الميزان للذهبي (٣/٢٦٣- ٢٦٥) .\n(٥) ينظر كتاب صحيفة عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم (ص: ١٣٢- ١٣٤) وتحفة الأشراف للمزي (٦) حديث (٨٦٥٥- ٨٨١٧) . وإتحاف المهرة لابن حجر (٩/حديث ١١٧٠٠- ١١٨٧١) .","vol":"1","page":15},{"text":"ومحمد بن عبد الله بن عمرو، جد شعيب، جاء عنهم أيضًا ما يفيد وجود مكتوبات متعددة عنده، وكان يُسمعهم منها.\nفتلميذه أبو راشد الحمراني (١) قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فيها فإذا فيها: أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت ...\" الحديث (٢) وقوله: \"هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ\" أي: أذن لي بكتابته عنه، كما في الروايات الأخرى التي سبق بعضها.\nوكلام أبي راشد هذا، يفيد أنه كان بمفرده عندما جاء إلى عبد الله بن عمرو وأطلعه على صحيفة مما كتبه، ويعتبر صنيع عبد الله بن عمرو هذا مع تلميذه أبي راشد، من تأصيل التحمل بالمناولة، حيث ألقى بين يديه الصحيفة المكتوب فيها الحديث، وأخبره بأنها مما أذن له الرسول ﷺ بكتابته عنه، ثم مكنه من النظر فيها، وقراءة الحديث المذكور منها. ويبدو أن جماعة غير أبي راشد قد رأوا هذه الصحيفة أيضًا، وتحملوا منها رواية الحديث السابق نفسه بلفظ مقارب، فقد قال أبو عبد الرحمن الحُبلي المصري، تلميذ عبد الله بن عمرو أيضًا: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسًا (٣) وقال: كان رسول الله ﷺ\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (١٢/٩١) .\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٩٦) حديث (٦٨٥٢) بإسناد حسن.\n(٣) القرطاس: ما يكتب فيه. انظر المفردات للراغب الأصفهاني، مادة قرطس.","vol":"1","page":16},{"text":"يعلمنا، يقول: \"اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء...\" الحديث (١) .\nفقول أبي عبد الرحمن الحبلي: \"أخرج لنا\" يفيد أنهم كانوا جماعة، وأن عبد الله بن عمرو قرأ عليهم المكتوب. ومن تلاميذه من روى بعض الأحاديث التي كتبها عبد الله بن عمرو وأرسل بها إليه، فأرض \"الوهْط\" التي كانت ل عبد الله بن عمرو - كما تقدم - كان له فيها عامل زراعيّ يقال له: \"سالم مولى عبد الله بن عمرو\" وعرض عليه جيرانه أن يشتروا منه ما يفيض عن حاجة عبد الله بن عمرو من المياه، قال سالم: أعطَوْنِي بفضل الماء من أرضه بالوهْط ثلاثين ألفًا، قال: فكتبت إلى عبد الله بن عمرو، فكتب إلي: لا تبعه، ولكن أقِمْ قِلْدَك (٢) ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء (٣) .\nوجاء عن أحد تلاميذ عبد الله أنه أملى عليه بعض حديثه وكتبها عنه في صحيفة وهو: أبو سبرة الهذلي، فقد قال لعبيد الله بن زياد - لما سمعه يجادل في حوض رسول الله ﷺ الذي جعله الله له في الآخرة -: ألا أحدثك حديثًا فيه شفاء هذا، إن أباك بعث معي بمالك إلى معاوية، فلقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني مما سمع من رسول الله ﷺ وأملى عليَّ، فكتبت بيدي فلم أزد حرفًا، ولم أنقص حرفًا، حدثني أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله لا يحب\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٧٨) حديث (٦٥٩٧) وإسناده حسن لغيره.\n(٢) يعنى اسق ما عندك من نوبتك من الماء، ثم أعط ما زاد لمن يليك دون بيع.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٨٣) حديث (٦٧٢٢)، والإمام البيهقي في سننه (٦/١٦)، وله شاهد عند الإمام النسائي في سننه (٧/٣٠٧) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":17},{"text":"الفحش، أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، وقال: \"ألا إن موعدكم حوضي عرضه وطوله واحد وهو كما بين أيلة (١) ومكة\".. الحديث وفيه: \"من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا\" فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدق به، وأخذ الصحيفة فحبسها عنده (٢) .\nوفي رواية أخرى للحديث: أنه لما حبس عبيد الله بن زياد الكتاب عنده، قال أبو بُسرة: فجزعت عليه، فلقيني يحيى بن يعمر، فشكوت إليه، فقال: والله لأنا أحفظ له من السورة من القرآن فحدثني به كما كان في الكتاب سواء (٣) .\nوهذه الرواية تفيد أن حفظ الصدور، وحفظ الكتاب كانا متضافرين على صيانة السنة وتعويض أحدهما ما فُقد من الآخر، وأن حفظ الصدور كان من القوة بحيث يطمأن إلى نيابته عن الكتابة عند افتقادها.\nوجاء أيضًا عن أحد تلاميذ عبد الله بن عمرو من التابعين المصريين، وهو شُفَى بن ماتع الأصبحي المصري (٤): أنه سمع من عبد الله بن عمرو كتابين:\n_________\n(١) هي المعروفة الآن باسم «العقبة» في جنوب الأردن على شاطئ البحر الأحمر، وفيها ميناء العقبة.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦٢- ١٦٣) حديث (٦٥١٤) .\nوالحاكم في المستدرك من طريق الإمام أحمد وغيره (١/١٧٥) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجها الإمام أحمد في المسند (٢/١٩٩) حديث (٦٨٧٢) .\n(٤) تهذيب الكمال (١٥/٣٥٧-٣٥٩ و١٢/٥٤٣- ٥٤٤) .","vol":"1","page":18},{"text":"أحدهما: عبارة عن أحاديث قولية وفعلية مرفوعة.\nوالآخر: فيه ما يتعلق بما يقع آخر الزمن من الفتن وعلامات الساعة إلى يوم القيامة، وذكر ابن يونس: أن نسختي هذين الكتابين قد افتقدتا بإلقاء أحد الناس لهما في النيل (١) ووصفهما بأنهما كتابان، مع بيان مشتملاتهما إِجمالًا، يستفاد منه أن حجمهما كان كبيرًا، لكن قد عوضنا الله - تعالى- عنهما بما حفظه لنا بعض تلاميذ شُفَي هذا، إما صدرًا، وإما كتابة، ووصل إلينا مدونًا في بعض كتب السنن (٢) والمسانيد وغيرها (٣) .\nوهكذا يظهر لنا من خلال ما تقدم: أن ماكتبه عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ كان قدرًا كبيرًا، فمنه ما كان يحفظه في صندوق ذي حلقات، ومنه ما كان يعتز به أكثر فيحفظه تحت فراشه؛ ليكون قريبًا منه.\nوبلغت نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحدها قرابة مائتين وخمسين حديثًا مرفوعًا بدون المكرر منها مرة فأكثر لما قدمت.\nكما يظهر لنا أن عددًا آخر من تلاميذ عبد الله بن عمرو من غير أهله، قد تلقوا عنه مدونات في أكثر من كتاب، مشتملة على سنن فعلية، أو قولية، في العقيدة والشريعة، كما اشتملت أيضًا على بعض سنن الخلفاء الراشدين.\nويظهر لنا أيضًا أن ما أملاه عبد الله بن عمرو، أو كتب عنه عمومًا، قد\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (٤/٣٦٠)، وخطط المقريزي (٢/٣٣٢)، وتذهيب تهذيب الكمال للذهبي: ١/ق ١٤٨ أ، ب (مخطوط) .\n(٢) ينظر تحفة الأشراف (٦/ حديث ٨٨٢٥- ٨٨٢٧) .\n(٣) ينظر إتحاف المهرة (٩/ حديث ١١٨٧٢، ١١٨٧٢ مكرر، ١١٨٧٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١٣/ حديث ١٦- ١٩) .","vol":"1","page":19},{"text":"انتشر بواسطة تلاميذه في أقطار الإسلام شرقًا وغربًا، كالشام، ومصر، والعراق، وغيرها.\nولم تقتصر عناية الصحابة على الكتابة الإجمالية لمروياتهم دون تنظيمها في مصنفات وأبواب موضوعية، بل وجدنا منهم من يجمع مما تلقاه عن رسول الله ﷺ أحاديث متعلقة بموضوع واحد في تصنيف خاص به.\nمن ذلك أن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري -﵁- المتوفى سنة ٧٨هـ بالمدينة المنورة قد عُرف بأنه حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا نافعا، وعرف بالفقه والفتوى والرحلة في طلب الحديث، ومروياته المسندة -كما ذكر الحافظ الذهبي - (١٥٤٠) حديثًا.\nويعد من أول من صنف الحديث على الموضوعات من الصحابة حيث ذكر الذهبي أن له منسكًا (١) صغيرًا في الحج، أخرجه مسلم في صحيحه (٢) .\nوعند مراجعة صحيح مسلم نجد مصداق ذلك فعلا حيث إنه في كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ أخرج من طريق حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم (٣) حتى انتهى إلىَّ فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرّي الأعلى (٤) ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدْيَيَّ وأنا يومئذ غلام شباب فقال مرحبا بك يا بن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى\n_________\n(١) أي كتاب يتناول بيان أحكام مناسك الحج، كما يوضحه بقية عبارة الذهبي.\n(٢) ينظر تذكرة الحفاظ (١/٤٣) وسير النبلاء (٣/ ١٨٩- ١٩٤) .\n(٣) أي جماعة الرجال الداخلين عليه حينذاك.\n(٤) زر قميصه الذي كان يلبسه.","vol":"1","page":20},{"text":"وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجة (١) ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (٢) فصلَّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ الحديث بطوله (٣)، ويقع في ست صفحات من المطبوع، ثم أخرج رواية أخرى هذه من طريق غياث بن طلق عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أتيت جابر بن عبد الله فسألته عن حجة رسول الله ﷺ وأحال ببقية المتن على الرواية السابقة بنحوها، ثم ذكر زيادة في هذه الرواية تبلغ ثلاثة أسطر، وأتبعها برواية ثانية من طريق غياث أيضا بذكر زيادة نحو سطرين، ورواية ثالثة من طريق سفيان عن جعفر عن أبيه به بزيادة نحو سطرين، ورواية من طريق مالك وخامسة من طريق مالك وابن جريج كلاهما عن جعفر بن محمد عن أبيه، بزيادة تتعلق بالطواف (٤) وقد انفرد مسلم عن البخاري برواية هذا الحديث فعلا (٥) . ويلاحظ أن الحديث اشتمل على سنة فعلية في أوله وهي صلاة جابر ﵁ بجماعة الحاضرين عنده إمامًا وعليه لباس معين، كما اشتملت الرواية على وصفه في هذه الحالة بأنه كان أعمى، والمعروف أنه -﵁- عَمِيَ في آخر عمره - ومقتضاه أنه حدثهم الحديث بطوله من حفظه، لا من كتاب، لكن جاء في روايات أخرى أن راوي الحديث عن جابر وهو محمد بن علي بن الحسين كان يذهب مع مجموعة إلى جابر بن عبد الله -﵁-\n_________\n(١) نوع من الملاحف المنسوجة.\n(٢) ما يُعلق عليه الثياب.\n(٣) صحيح مسلم – الحج- باب حجة النبي ﷺ (٢/ح ٨/ ١٢) .\n(٤) ينظر صحيح مسلم (٢/ ٨٩٢- ٨٩٣) باب ما جاء أن عرفة كلها موقف وص٩٢١- باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة والطواف الأول في الحج.\n(٥) ينظر الجمع بين الصحيحين للحميدي (٢/ ٣٧٢- ٣٧٧) .","vol":"1","page":21},{"text":"ويتلقون عنه الحديث كتابة وتعلما فأخرج ابن عدي والخطيب من طريق يعقوب القُمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي أبو جعفر ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ وعن صلاته، فنكتب عنه ونتعلم منه (١) .\nويلاحظ أن هذه الرواية معبرة عما جاء في رواية مسلم السابقة لأنها ذكرت سؤال محمد بن علي ومن معه لجابر عن سنن رسول الله ﷺ التي منها مناسك حجته ﷺ التي أمر بأن تؤخذ عنه، وفيها الصلاة وفيها كتابة السائلين لما حدثهم به، وتعلمهم منه كيفية الصلاة. وفي لفظ آخر من طريق يعقوب القمي أيضا: أن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: كنا نأتي جابرا فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ فنكتبها (٢) .\nوفي رواية من طريق محمد بن علي السلمي عن ابن عقيل قال: كنت أختلف أنا وأبو جعفر إلى جابر بن عبد الله فنكتب عنه في الألواح (٣) وفي لفظ للخطيب \"معنا ألواح نكتب فيها\" (٤) .\nومن ذلك يستفاد أن جابرًا صنف منسكه هذا وهو مبصر، وكان مع ذلك يحفظه في صدره، ويسمعه إملاء لمن سأله عنه، وبذلك تلازم وتزامن الحفظان معا: حفظ الصدور وحفظ السطور. ولو من صحابي واحد.\n_________\n(١) ينظر الكامل لابن عدي (٤/ ١٤٤٧) وتقييد العلم للخطيب (١٠٤) .\n(٢) ينظر الكامل وتقييد العلم الموضع السابق.\n(٣) ينظر الإحالة السابقة.\n(٤) تقييد العلم (١٠٤) .","vol":"1","page":22},{"text":"ومما صنفه الصحابة أيضا كتاب الفرائض لزيد بن ثابت ﵁، وهو المعروف بكتابة الوحي القرآني أيضا بين يدي رسول الله ﷺ وممن قام بجمعه في مصحف واحد، وكان مبرزًا في علم الفرائض، وباشر القضاء وتوفي سنة ٤٥هـ على الراجح (١) وتعد وفاته مبكرة جدا عن وفاة جابر ﵁ كما تقدم ذكرها.\nوقد أخرج الفسوي بسنده إلى الزهري قال: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض رأيت أنها ستذهب من الناس (٢) .\nفيعد كتاب زيد هذا مؤلفا مخصصًا لموضوع المواريث الشرعية، وتاريخ وفاة زيد سنة ٤٥هـ يجعل تأليفه هذا مبكرًا جدا، ومن الروايات التي توافرت عنه، يفهم أن زيدًا جمع في كتابه هذا بين الأحاديث المرفوعة، وبين الآثار التي رواها عن بعض الخلفاء الراشدين، وبين تفسير منه لبعض آيات المواريث، وبين اجتهاد منه هو (٣) .\nكما يفهم أنه كتب بعض هذا الكتاب لعمر بن الخطاب ﵁ لما سأله في الجد، وقرأه عمر ﵁ ناسبًا إياه إلى زيد مع إقراره له (٤) .\n_________\n(١) ينظر سير النبلاء وحواشيها (٢/٤٢٦) والمعجم الكبير للطبراني (٥/ ٤) (٤٧٤٨) .\n(٢) المعرفة والتاريخ (١/٤٨٦) والسير (٢/ ٤٣٦) والمراد ذهاب ما لم يوجد عند غيره من أحاديث أو اجتهادات منه أو من غيره ممن أدركهم من الصحابة، لأن الفرائض أصولها في القرآن الكريم وتفاصيل الكثير منها مما شارك زيد في روايته غيره من الصحابة كما هو معروف.\n(٣) ينظر المعجم الكبير للطبراني (٥/ حديث ٤٨٦٠، ٤٩٤١- ٤٩٥٧) والسنن الكبرى للبيهقي\n(٦/ ٢٢٥- ٢٢٧، ٢٢٩- ٢٣٤، ٢٣٦- ٢٣٩، ٢٤٥، ٢٤٧، ٤٤٩- ٤٥١) .\n(٤) سنن البيهقي (٦/ ٢٤٦) .","vol":"1","page":23},{"text":"ثم كتب به إلى معاوية ﵁ - في خلافته، وذكر له فيه ما أقره عليه عمر وعثمان ﵄ (١) وقد صار الكتاب يُروَى وينقل مجموعا ومتفرقا بالأسانيد عن زيد بواسطة الرواة عنه وبخاصة كبراء أولاده وآله مثل سعيد بن سليمان بن زيد، عن أبيه عن جده (٢) وعن خارجة بن زيد عن أبيه، ومن هذا الطريق اشتهرت رواية الكتاب عند المتقدمين ومن بعدهم من المشارقة والمغاربة (٣) .\nويفهم من مراجعة نصوص هذا الكتاب المتفرقة في المصنفات الحديثية كما سبقت الإحالة عليها أن كتاب زيد -﵁- في الفرائض، كان أكبر حجما من كتاب جابر -﵁- في حجة رسول الله ﷺ.\nأمّا ما أخرجه الطبراني من امتناع زيد بن ثابت عن كتابة مروان بن الحكم للحديث عنه، وروايته أن النبي ﷺ نهاهم أن يكتبوا حديثه (٤) فإنه لو صح عنه أو عن غيره فالجواب عنه مع مثله من أحاديث النهي، قد ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: إن هذه الأحاديث الصحيحة المفيدة لإذنه ﷺ في كتابة الحديث عنه، والأحاديث أيضًا التي اشتملت على نهيه عن ذلك كحديث أبي سعيد الخدري -﵁- عند مسلم، أنه ﷺ قال: \"لا\n_________\n(١) سنن البيهقي (٦/ ٢٤٥، ٢٤٦- ٢٤٩و ٢٥٠- ٢٥١) .\n(٢) ينظر سنن البيهقي (٦/ ٢٤٧) .\n(٣) تنظر الإحالات السابقة على المعجم الكبير للطبراني وسنن البيهقي الكبرى، وفهرس ابن خير الأشبيلي ص٢٦٣ وقد رواه من طريق سعيد بن منصور صاحب السنن، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ثابت -﵁-.\n(٤) ينظر المعجم الكبير للطبراني (٥/ حديث ٤٨٧١) .","vol":"1","page":24},{"text":"تكتبوا عني شيئًا غير القرآن\" (١) يمكن الجمع بينها بوجوه متعددة ومعتبرة، وقال الحافظ: إن أقربها أن النهي متقدم زمنا، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، ثم قال: وقيل إن النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، ثم قال الحافظ قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا، كما أخذوا حفظا، لكن لما قصرت الهِمَمُ وخشِيَ الأئمة ضياع العلم دونوه.\nثم قال: وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد (٢) .\n_________\n(١) ينظر صحيح مسلم (٤/ حديث ٣٠٠٤) ولفظه لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه (الحديث) .\n(٢) ينظر فتح الباري لابن حجر (١/٢٠٨) .","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث: الإذن النبوي الخاص لبعض أفراد الصحابة بالكتابة ورد الشبه عنه</span>\nوبجانب ما أفادته الأحاديث السابقة من إذنه ﷺ العام في كتابة الصحابة الحديث عنه، فقد جاءت أحاديث أخرى بإذنه بالكتابة لأسباب ودواع خاصة: فمن ذلك: أنه في عام الفتح لما قتل رجل من خزاعة رجلًا من بني ليث، ركب ﷺ راحلته ليخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين\" ... الحديث في حرمة مكة وحُكْم مَنْ يقتل فيها، فقام أبو شاه -رجل من أهل اليمن- قال اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاه\" قال الوليد ابن مسلم- راوي الحديث عن الأوزاعي - قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ (١) وفي رواية للبخاري أيضا إن الرجل قال: اكتب لي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاه\" (٢) .\nوتحديد زمن الحديث بأنه عام الفتح صريح في صحة تأخر الإذن بالكتابة؛ لأن الفتح كان في أواخر حياته ﷺ كما هو معلوم.\nولفظ الحديث كما ترى بصيغة الأمر بالكتابة، وتنفيذ الصحابة لذلك،\n_________\n(١) البخاري مع الفتح حديث (١١٢، ٢٤٣٤) .\n(٢) البخاري مع الفتح الحديث ذكر في مواضع منها (٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥)، وأحمد في المسند (٢/٢٣٨ ح ٧٢٤٢) .","vol":"1","page":26},{"text":"فعلًا، يفيد الحمل على الوجوب فتكون دلالته على الإذن من باب أولى.\nوقد علق عبد الله بن أحمد -﵁- على رواية الحديث في المسند بقوله: \" ليس يُروى في كتابة الحديث شيء أصح من هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أمرهم فقال: \"اكتبوا لأبي شاه\" ما سمع النبي ﷺ، خطبته\" (١) .\nويلاحظ أن هذا الإذن بمناسبته المذكورة، ولسائل معين، ومع ذلك قرر عبد الله بن أحمد أنه أصح ما يروى في كتابة الحديث مطلقا دون تقييد.\nوهناك ما ذُكر أن سبب الإذن في كتابته كان خشية النسيان أو عدم فهم المعنى المراد حال السماع، فقد أخرج الإمام أحمد وغيره من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - يعني عبد الله بن عمرو بن العاص\n- ﵄- قال: قلتُ يا رسول الله، إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟\nقال: بلى فاكتبوها (٢) .\nوفي لفظ \"أن عبد الله بن عمرو قال: إني أسمع منك أشياء أحب أن أعيها، فأستعين بيدي مع قلبي؟ قال: نعم (٣) وفي لفظ أن عبد الله بن عمرو قال: إني أسمع منك أشياء أخاف أن أنساها، فتأذن لي أن أكتبها؟ قال:\n_________\n(١) المسند للإمام أحمد (٢/ ٢٣٨) .\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢١٥/ ح٧٠١٨) وبنحوه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطريق من تابعه ينظر المسند (٢/ ٢٦٢ح ٦٥١٠، ١٩٢ح ٦٨٢٠و ٢٠٧ح ٦٩٣٠ و٢١٥، ح٧٠١٨ و٧٠٢٠) والمستدرك للحاكم (١/ ١٠٤، ١٠٥) وتقييد العلم للخطيب (٧٤- ٨٢) .\n(٣) تقييد العلم للخطيب (٨١) .","vol":"1","page":27},{"text":"اكتبها (١) وفي رواية زيادة أن ذلك كان أول ما كتب عبد الله بن عمرو (٢)،وما في بعض طرقه من ضعف ينجبر بطرقه الأخرى، فيرتقي إلى الصحيح لغيره، وبه يندفع تضعيف الشيخ رشيد رضا ﵀ للحديث من طريق عمرو بن شعيب وحدها دون البحث أو النظر فيما يعضدها (٣) .\nوأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة -﵁- قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إني أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله ﷺ: \"استعن بيمينك\" وأومأ بيده للخط.\nوقد ضعف الترمذي الحديث بإسناده الذي أخرجه به، ولكن أشار إلى أن ضعفه ينجبر بما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- فقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو (٤) وهو حديث صحيح كما تقدم.\n_________\n(١) المصدر نفسه (٧٦)، (٨١- ٨٢) .\n(٢) ينظر تقييد العلم للخطيب (٨١) .\n(٣) ينظر المنار (١٠/ ٧٦٥- ٧٦٦) وحاشية (١٥٢) (ص٧٥) من تقييد العلم للخطيب بتحقيق يوسف العش.\n(٤) جامع الترمذي (كتاب العلم/حديث ٢٦٦٦) .","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الرابع: الأمر الوجوبي من الرسول ﷺ بالكتابة ولا سيَّما للولاة والقبائل والمعاهدات، ورؤساء الدول</span>\nفلم يقتصر ﷺ على الإذن الخاص والعام لصحابته الكِرام بالكتابة بأنفسهم أو بواسطة بعضهم لبعض ما تلقوه عنه من السنن، وإنما صدرت منه أوامر متعددة ونُفذت فعلًا على جهة الوجوب، مع تضمن المكتوب أنواعًا من التشريعات والأحكام.\nفمن ذلك ما تقدم من أمره ﷺ بالكتابة لأبي شاه، وتنفيذ الصحابة فعلًا لذلك، حيث كتب بعضهم لأبي شاه ما سمعه حين ذاك من الرسول ﷺ من أحكام الحج.\nومن ذلك ما أمر بكتابته لولاته على البلاد والقبائل من الصحابة، مثل عمرو بن حزم الأنصاري - ﵁ - وكان ممن شهد غزوة الخندق، وقد استعمله النبي ﷺ على نجران، وكتب له كتابا إلى أهل اليمن، فيه الفرائض من صلاة وزكاة وديات وغيرها، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه نسخة هذا الكتاب في نحو ست صفحات، وذلك من طريق محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن وهذه نسختها: ثم ساقها، وقد أخرجها غير ابن حبان أيضا مختصرة ومطولة (١) .\n_________\n(١) ينظر معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ حديث ٤٩٧١) والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٤/٥٠١) ذكر كِتْبة المصطفى ﷺ كتابه إلى أهل اليمن حديث (٦٥٥٩) وعزاه الحافظ في الإصابة إلى أبي داود والنسائي وابن حبان والدارمي/ الإصابة مع الاستيعاب (٢-ترجمة ٥٨١٠) .\nوأخرج ابن خزيمة بعضه – كتاب الزكاة (٤/ حديث ٢٢٦) والحاكم بطوله في المستدرك (١/٣٩٤- ٣٩٧) وما في سنده عند هؤلاء ينجبر بطرقه الأخرى وشواهده الصحيحة/ ينظر المستدرك الموضع السابق، وحواشي الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان- الموضع السابق ذكره وجمهرة النسب لابن حزم (١٩٩) .","vol":"1","page":29},{"text":"فكتابة هذا الكتاب وأمثاله، كانت بأمر وجوبي منه ﷺ إلى بعض من كان يكتب له، ووجود نسخة هذا الكتاب وأمثاله في كتب الحديث المعتمدة التي بين أيدينا حتى اليوم، دليل الالتزام بكتابتها وتداولها، حتى وصلت إلينا بأسانيدها المتصلة إليه ﷺ.\nومن ذلك ما كتب به ﷺ إلى بني زهير، في قطعة من أديم، وبعث بها مع النمر بن تولب بن زهير بن أقيش العكلي الصحابي الشاعر، وقد أخرج ابن حبان من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه هو وآخرين التقوا بـ \"النمر\" هذا في موضع يقال له \" المربد \" من أحياء البصرة قال: فقلنا له: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فأخذناها فقرأنا ما فيها:\" فإذا فيها من محمد رسول الله إلى بني زهير، أعطوا الخمس من الغنيمة وسهم النبي، والصَّفيِّ (١) وأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله\"، قال ابن الشخير فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال رسول الله ﷺ، قال: قلنا ما سمعت منه شيئا قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" صوم شهر الصبر\" (الحديث) (٢) .\n_________\n(١) الصَّفِيُّ هو: ما اصطفاه ﷺ من عُرْض المغنم قبل القسمة من فرس أو غلام أو سيف أو ما أحب.\n(٢) ينظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٤/ حديث ٦٥٥٧) وحواشيه.","vol":"1","page":30},{"text":"يلاحظ في هذه الرواية بيان ما كان يكتب فيه حينذاك وهو الجلود بعد دباغتها وتنظيفها، وبيان محتويات المكتوب وأنه في صيغة معاهدة لأهل هذه القبيلة فيها أمرهم ببعض التشريعات والالتزام لهم كذلك بحق الأمان المكفول من الله تعالى ومن رسوله ﷺ.\nكما أن في الرواية أن الصحابي الذي حمل إليهم هذه المعاهدة المكتوبة قد حفظ أيضا في صدره غيرها مما سمعه من الرسول ﷺ وأداه لمن سألوه من أهل البصرة وهو في طريقه إلى قومه بالكتاب المذكور.\nوعن الضحاك بن سفيان الكلابي - ممن وفد على رسول الله ﷺ - وكان واليًا على قومه، وقد روى سعيد بن المسيب عنه: \"أن الرسول ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها\" (١) .\nوعن رافع بن خديج ﵁ أنه قال لمروان بن الحكم: إن مكة إن لم تكن حرامًا، فإن المدينة حرم، حرمها رسول الله ﷺ وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني، إن شئت أن نقرئكه فعلنا، فناداه مروان: أجَلْ بلغنا ذلك (٢) وله شاهد في صحيح مسلم يرقيه إلى الصحيح لغيره (٣) والأديم الخولاني نوع من الجلود، وسبق في الحديث السابق أنه كان مكتوبا في جلد أيضا.\nومن هذا الحديث يستفاد أن رافعًا - ﵁ - كان يحتفظ ببعض الأحاديث المكتوبة عن رسول الله ﷺ، ويرجع إليها في مناسبتها للاحتجاج بها.\n_________\n(١) ينظر الإصابة (٢/ ترجمة ٤١٦٦) والمنتقى لابن الجارود مع تخريجه غوث المكدود (حديث / ٩٦٦) وجامع الترمذي حديث (٢١١٠) وقال: حسن صحيح.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٤١ حديث ١٧٢٧٢) .\n(٣) صحيح مسلم (حديث/ ١٣٦١، ٤٥٧) .","vol":"1","page":31},{"text":"وقد سبق روايته حديث إذنه ﷺ له بالكتابة لما سمعه منه خشية النسيان.\nومن كتبه لأهل الولايات وحكام الدول أيضا: ما أخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى \"حبر تيماء\" فسلم عليه (١) .\nوأخرج ابن حبان أيضا في صحيحه أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر، وأُكيدر دومة، يدعوهم إلى الله جل وعلا (٢) وسيأتي ذكر مصدر جامع لمشتملات تلك الكتب بأسانيدها. ومن أشهر ما أمر ﷺ بكتابته إلى الملوك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سفيان ابن حرب أنه في مدة الهدنة التي كانت بين الرسول ﷺ وبين كفار مكة بمن فيهم أبو سفيان - قال أبو سفيان: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل، جاء به دحية الكلبي فدفعه إلى عظيم بُصرى فدفعه بدوره إلى هرقل (الحديث) (٣) .\nومما أمر ﷺ بكتابته أيضا ما كان ردًّا على مكاتبات تُرسل إليه.\nفقد أخرج البيهقي من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: أتى النبي ﷺ كتاب رجل قال لعبد الله بن الأرقم: أجب عني، فكتب جوابه، ثم قرأه عليه، فقال: \"أصبت وأحسنت اللهم وفقه\"، فلما ولى عمر﵁- كان يشاور عبد الله بن الأرقم هذا (٤) .\n_________\n(١) الإحسان (١٤/٤٩٧ حديث ٦٥٥٦) مع حاشية المحقق، وفيها: أن «تيماء» بلد تقع شمال المدينة المنورة وتبعد عن تبوك (١٥٠) ميلا.\n(٢) الإحسان (١٤/ حديث ٦٥٥٤) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٧، وابن حبان كما في الإحسان (١٤/ حديث ٦٥٥٥) مع حواشيه.\n(٤) السنن للبيهقي (١٠/ ١٢٦) ك أداب القاضي وإسناده حسن.","vol":"1","page":32},{"text":"وأخرج البيهقي أيضا من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم (١) وكان يجيب عنه ﷺ الملوكَ فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده، ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت، فكان يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا، وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد ابن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك، أو يكتب لإنسان كتابًا بقَطِيعةَ (٢) أمر جعفرًا أن يكتب، وقد كتب له عمر وعثمان، وكان زيد والمغيرة، ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سُمِّي من العرب (٣) .\nهذا وقد ألف الإمام محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣هـ كتابًا بعنوان: \"إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين\" (٤) وقد أورد فيه (٤٩) كتابًا، أمر الرسول ﷺ عددًا من أصحابه بكتابة كل منها على لسانه، بعضها إلى ملوك دول العالم والحكام في وقته، في فارس، والروم، واليمن،\n_________\n(١) يعني يكتب آخر الكتاب: أن كاتبه عبد الله بن أرقم كما يفهم ذلك من رواية للبيهقي قبل هذه مباشرة (١٠/١٢٦) في إسناده «محمد بن حميد الرازي» وهو ضعيف (التقريب:٥٨٣٤، والمغني للذهبي٢/٥٧٣) ويشهد له حديث ابن عمر المتقدم فيرتقي إلى الحسن لغيره.\n(٢) كذا في بعض نسخ السنن للبيهقي وفي بعضها «يُقطعُه» والمعنى يستقيم على ما أثبته أكثر والمراد أنه ﷺ كان يكتب لبعض من يفد عليه من رؤساء القبائل ببعض المساحات من الأرض لاستغلالها مثلما أخرج ابن حبان وغيره أن أبيض بن جمال وفد على رسول الله ﷺ فطلب منه أن يُقطعه «الملح» الذي بمأرب فأقطعه إياه ثم استعاده منه الإصابة (١/١٧) مع الاستيعاب.\n(٣) أخرجه البيهقي في السنن وقال الحافظ في الفتح (١٣/١٨٣- ١٨٤) كتاب الأحكام باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا - قال: إسناده حسن.\n(٤) طبع أكثر من مرة.","vol":"1","page":33},{"text":"والشام، ومصر، والبحرين، وبعضها إلى قبائل وشخصيات معينة في أنحاء جزيرة العرب وما حولها، وبعضها إلى بعض من عينهم من الولاة على بعض مناطق الجزيرة العربية التي دخلت في الإسلام.\nوتعد مشتملات هذه الكتب عمومًا من سنته ﷺ القولية، أو الفعلية أو التقريرية في عامة أمور الدين، العقدية والتشريعية وأحكام المعاهدين من غير المسلمين. ونجد ما ذكره الإمام ابن طولون في هذا الكتاب قد جمعه مما هو مُفرَّق في كتب السنة والسيرة النبوية المدونة والتي وقف عليها في عصره، والمتداولة بيننا الآن، وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم، وكتب السنن، والمسانيد، وبعضها يرويه المؤلف بسنده إلى أحد المسانيد التي تعد حاليًا مما افتقدت نسخه الخطية للأسف، وهو مسند بقي بن مخلد الأندلسي (١) المتوفى سنة ٢٧٦هـ قال عنه ابن حزم الذي اطلع عليه: ليس لأحد مثله (٢) .\nومن يقرأ هذه الكتب النبوية يتضح له من مضمونها، ومناسبة كتابتها، ومَنْ كُتبت لهم أن الكثير منها كان بعد غزوة الحديبية، في أواخر السنة السادسة للهجرة، وخلال السنة السابعة وما بعدها، وهذا يؤيد تأييدًا واقعيًا أن نهيه ﷺ عن كتابة أحاديثه كان متقدمًا، وأن إذنه ﷺ بالكتابة، وكذا أمره بها وجوبًا كان متأخرًا كما في مكاتبة الملوك والحكام، لدعوتهم إلى الإسلام وإبلاغهم مجمل عقائده، وأحكامه.\nونكتفي هنا بتقرير الخطيب البغدادي حيث يقول: \"ولو لم يكن في\n_________\n(١) ينظر إعلام السائلين لابن طولون – ط مؤسسة الرسالة – بيروت سنة ١٤٠٧هـ، ص٥٢، ٦٥، ٧٤، ٨٩، ٩١، ١٠٣، ١٣٤.\n(٢) الرسالة المستطرفة للكتاني (٧٤، ٧٥) .","vol":"1","page":34},{"text":"هذا الباب إلا وقوع العلم بما كان رسول الله ﷺ يكتبه من عهود السعاة على الصدقات، وكتابه لعمرو بن حزم لما بعثه إلى اليمن لكفى، إذ فيه الأسوة، وبه القدوة\" (١) .\nوسيأتي في المبحث التالي مصداق ما ذكره الخطيب.\n_________\n(١) تقييد العلم للخطيب (٧٢) وحاشيتها.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الخامس: كتابة الصحابة بعضهم إلى بعض أو عن بعض</span>\nفقد كان لقدوته ﷺ آثارها الفاعلة في صحابته الكرام، فكتب بعضهم إلى بعض بما تلقوه منه ﷺ، تبليغا أو استدلالا أو تذكيرا، وأيضا كتب بعضهم عن بعض، ولو جمع الآن ما هو متفرق في دواوين السنة من تلك الكتابات، لظهر لنا أن كميته أكثر جدا مما جمع من كُتبه ﷺ التي تقدم ذكرها في المبحث السابق، ولكن يكفينا في الدلالة على ذلك بعض الأمثلة فمن ذلك ما جاء عن القعقاع بن حكيم أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى عبد الله بن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، قال: فكتب إليه عبد الله: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى\" (١) .\nوكان لعبد الله بن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر: أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر\" (٢) .\nوعن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي: أنه كان مع عقبة بن فرقد بأذربيجان أو بالشام قال: جاءنا كتاب عمر: أما بعد يا عتبة بن فرقد... الحديث وفيه: كان رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا،\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٥٢- ح ٦٤٠٢) وإسناده حسن.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٩) حديث (٥٦٣٩) بإسناد حسن، ومن طريقه أخرجه الحاكم في المستدرك (١/٨٤) . ومن طريق غيره أيضًا وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":36},{"text":"ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعه الوسطى والسبابة وضمهما (١)، قال زهير: قال عاصم: هذا في الكتاب (٢) .\nوفي رواية لأحمد: عن أبي عثمان النهدي أيضا، كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ﷺ فكان فيما كتب إليه: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة من شيء، إلا هكذا وقال: بإصبعه السبابة والوسطى\" (٣) .\nومن ذلك ما أخرجه الحميدي بسند صحيح أن الشعبي قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة -﵂ - أن اكتبي إليَّ بشيء سمعتيه من رسول الله ﷺ قال فكتبت إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود حامده من الناس ذامًّا (٤) .\nوأخرج البخاري في الصحيح من طريق ورَّاد -كاتب المغيرة بن شعبة- قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية:\"أن النبي ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له \" الحديث (٥) .\nومن هذا يظهر أن تلك المكاتبات شارك فيها الصحابة والصحابيات، ولاسيما عائشة -﵂ أم المؤمنين-.\n_________\n(١) إشارة إلى أنه لا يحل إلا مقدار أصبعين فقط.\n(٢) رواه الإمام مسلم في صحيحه من طرق عن أبي عثمان النهدي حديث (٢٠٦٩) مكررًا.\n(٣) المسند للإمام أحمد (١/٣٦) حديث (٢٤٣) .\n(٤) أخرجه الحميدي في مسنده (١/ حديث (٢٦٥) ومن طريقه أخرجه البيهقي في الزهد الكبير له حديث (٨٨٦) وتنظر رواية أخرى مما كتبت به لمعاوية –﵄- في مسند أحمد ٦/ ٨٦- ٨٧ حديث (٢٤٥٦٦) .\n(٥) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الأذان (٢/٣٢٥) حديث (٨٤٤) .","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الخاتمة</span>\n...\nخاتمة في خلاصة نتائج البحث:\nمما تقدم خلال فقرات هذا البحث نستخلص النتائج التالية:\n١- أن نهي الرسول ﷺ عن كتابة السنة عنه ثابت صحيح، ولكنه لا يتعارض مع ما صح أيضا عنه من الإذن بذلك، لأنه أمكن التوفيق بينهما بوجوه متعددة معتدّ بها، ومقنعة لمن كان له قلب واع، والتزام بالحقائق العلمية الثابتة.\n٢- أنه ثبت عنه ﷺ الإذن بنوعيه الخاص والعام، وذلك من دلائل عنايته بكتابة السنة عنه في حياته، وتبليغها لمن بعده.\n٣- أن حرص الصحابة على طلب الإذن بالكتابة للسنة دليل على عنايتهم بذلك، دون الاقتصار على حفظهم لها في الصدور رغم تمتعهم بالحافظة القوية، وتطبيقهم العملي لها في الليل والنهار.\nكما أنهم بمجرد الإذن النبوي لهم قاموا بالكتابة كل على قدر طاقته، وكتب بعضهم إلى بعض.\nكما تنوعت كتابتهم بين جمع عام لما تلقاه الصحابي، وبين تصنيف موضوعي في موضوعات خاصة.\n٤- أن كتابات الصحابة، وإن لم يوجد كل منها إلى الآن بصورته التي كتبه عليها الصحابي، إلا أنها قد وجدت متضمنة في ثنايا المصادر الحديثية الأصلية بأسانيدها إلى الصحابة الكرام -﵃- وهي متداولة الآن بيننا.\n٥- أن الرسول ﷺ لم تقتصر عنايته بكتابة السنة عنه على الإذن العام والخاص، ولكنه أمر أيضا أمرًا وجوبيا بكتابة الكثير منها.","vol":"1","page":38},{"text":"٦- أن الشبه التي أثيرت قديما وحديثا حول كتابة السنة في عصره ﷺ حال التلقي منه مباشرة أو بالواسطة في عصر صحابته الكرام، كل ذلك مردود على قائله جملة وتفصيلا. والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>مصادر ومراجع</span>\n...\nقائمة مراجع البحث\n١- القرآن الكريم\n٢- إتحاف المهرة لابن حجر العسقلاني، بتحقيق عبد العظيم البستوي. طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.\n٣- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، بتحقيق شعيب الأرناؤوط. طبع مؤسسة الرسالة.\n٤- الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني مع الاستيعاب. طبعة مصورة بدار صادر ببيروت.\n٥- إعلام السائلين لابن طولون، بتحقيق محمود الأرناؤوط. طبع مؤسسة الرسالة.\n٦- تاريخ ابن عساكر. بتحقيق شكر الله بن نعمة الله قوجاني (ترجمة الزهري) طبع مؤسسة الرسالة.\n٧- تاريخ الإسلام للذهبي، بتحقيق عمر عبد السلام تدمري. نشر دار الكتاب العربي.\n٨- تحفة الأشراف للمزي، بتحقيق عبد الصمد شرف الدين. طبع المكتب الإسلامي ببيروت.\n٩- تذكرة الحفاظ للذهبي، طبع دار الفكر العربي بيروت.\n١٠- تهذيب تهذيب الكمال للذهبي (مخطوط) .\n١١- تقييد العلم للخطيب البغدادي، بتحقيق يوسف العش. طبع دار إحياء السنة النبوية.","vol":"1","page":40},{"text":"١٢- تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي. طبعة مكتبة الآداب بالقاهرة.\n١٣- تهذيب التهذيب لابن حجر، طبعة مصورة عن طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند.\n١٤- تهذيب الكمال للمزي، بتحقيق بشار عواد معروف. طبع مؤسسة الرسالة.\n١٥- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله لابن عبد البر بتحقيق إدارة الطباعة المنيرية طبعة مصورة بدار الكتب العلمية ببيروت.\n١٦- جامع الترمذي، بتحقيق بشار عواد معروف. طبع دار الغرب الإسلامي ببيروت.\n١٧- الجمع بين الصحيحين للحميدي، بتحقيق د. علي حسين البواب طبع دار ابن حزم ببيروت.\n١٨- جمهرة أنساب العرب لابن حزم، بتحقيق عبد السلام محمد هارون. طبع دار المعارف بالقاهرة.\n١٩- الرسالة المستطرفة للكتاني بتحقيق محمد المنتصر الكتاني. طبع دار البشائر الإسلامية ببيروت.\n٢٠- الزهد الكبير للبيهقي، بتحقيق تقي الدين الندوي. طبع دار القلم بالكويت.\n٢١- سنن أبي داود، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. نشر دار إحياء السنة النبوية.\n٢٢- السنن للدارقطني بتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني. طبع مطبعة فالكن بباكستان.","vol":"1","page":41},{"text":"٢٣- سنن الدارمي، بتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني\n٢٤- السنن الكبرى للبيهقي مع الجوهر النقي لابن التركماني - طبعة دار الفكر.\n٢٥- سنن النسائي مع تعليق السيوطي، بتحقيق مكتبة تحقيق التراث الإسلامي - طبع دار المعرفة ببيروت.\n٢٦- سير أعلام النبلاء للذهبي، بتحقيق شعيب الأرناؤوط - طبع مؤسسة الرسالة ببيروت.\n٢٧- صحيح ابن حبان \"انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\".\n٢٨- صحيح ابن خزيمة، بتحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي - طبع المكتب الإسلامي ببيروت.\n٢٩- صحيح البخاري مع فتح الباري. (انظر: فتح الباري) .\n٣٠- صحيح مسلم، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - طبع رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية.\n٣١- صحيفة عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عند المحدثين والفقهاء، تأليف/ أ. محمد علي بن الصديق طبع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب.\n٣٢- طبقات ابن سعد - طبع دار صادر ببيروت.\n٣٣- فتح الباري لابن حجر، بتحقيق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ومعه صحيح البخاري.\n٣٤- فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم. بتحقيق د/ علي محمد عمر. طبع مكتبة الثقافة الدينية.","vol":"1","page":42},{"text":"٣٥- فهرس ابن خير الإشبيلي بتحقيق فرنسشكه قدارة زيدين نشر دار الآفاق الجديدة ببيروت.\n٣٦- الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي - طبع دار الفكر ببيروت.\n٣٧- المجروحين لابن حبان، بتحقيق محمود إبراهيم زايد - طبع دار الوعي بحلب.\n٣٨- المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرمهرمزي، بتحقيق محمد عجاج الخطيب طبع دار الفكر ببيروت.\n٣٩- مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن.\n٤٠- مختصر المستدرك للذهبي مع المستدرك للحاكم.\n٤١- المستدرك للحاكم - طبع دار الكتاب العربي ببيروت.\n٤٢- مسند الحميدي بتحقيق أ. حبيب الرحمن الأعظمي - طبع عالم الكتب ببيروت.\n٤٣- مسند الشهاب للقضاعي، بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي - طبع مؤسسة الرسالة ببيروت.\n٤٤- المصنف لابن أبي شيبة، بتحقيق أ. عبد الخالق الأفغاني - طبع الدار السلفية بالهند.\n٤٥- معجم البلدان لياقوت الحموي - طبع دار صادر ببيروت.\n٤٦- المعجم الكبير للطبراني، بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي - طبع وزارة الأوقاف العراقية.\n٤٧- معرفة الصحابة لأبي نعيم، بتحقيق عادل بن يوسف العزازي- طبع دار الوطن بالرياض.","vol":"1","page":43},{"text":"٤٨- المعرفة والتاريخ للفسوي بتحقيق د. أكرم ضياء العمري طبع مؤسسة الرسالة ببيروت.\n٤٩- المفردات للراغب الأصفهاني، بتحقيق محمد سيد كيلاني - طبع دار المعرفة ببيروت.\n٥٠- المنتقى لابن الجارود مع تخريجه غوث المكدود، تأليف أبي إسحاق الحويني. طبع دار الكتاب العربي ببيروت. ٥١- الميزان للذهبي، بتحقيق علي محمد البجاوي - طبع دار المعرفة ببيروت.","vol":"1","page":44}]}