{"ً":{"ٌ":11352,"ٍ":"كشف الشبهتين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/كشف الشبهتين - النجدي - ط العاصمة","files":["kssb.pdf"]},"ّ":"الكتاب: كشف الشبهتين\nالمؤلف: سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي، التبالي، العسيري، النجدي (ت ١٣٤٩هـ)\nالمحقق: عبد السلام بن برجس بن ناصر\nالناشر: دار العاصمة\nالطبعة: النشرة الأولى١٤٠٨هـ\nعدد الصفحات: ١٢٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":554,"ٕ":1,"ٖ":1770154833,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":4},{"title":"فصل","level":1,"page":11},{"title":"فصل","level":1,"page":20},{"title":"فصل","level":1,"page":23},{"title":"فصل","level":1,"page":79},{"title":"فصل في الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة","level":1,"page":88},{"title":"فصل","level":1,"page":94},{"title":"فصل","level":1,"page":97},{"title":"فصل","level":1,"page":101},{"title":"فصل","level":1,"page":111},{"title":"فصل","level":1,"page":113},{"title":"فصل","level":1,"page":115},{"title":"فصل","level":1,"page":122},{"title":"فصل","level":1,"page":125}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126},"ٜ":{"1":[3,129]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"11":[3],"20":[4],"23":[5],"79":[6],"88":[7],"94":[8],"97":[9],"101":[10],"111":[11],"113":[12],"115":[13],"122":[14],"125":[15]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.\nأما بعد:\nفقد أثرى الشيخ الفاضل سليمان بن سحمان المكتبة الإسلامية بمؤلفاته الرصينة، المحتوية على العقيدة السلفية المستقيمة، الزائدة عن حوض الدين وآراء المبتدعة وأقوالهم الوخيمة.\nولقد صدق من قال:\nكم سنة صاح أحيا رسم دارسها ... فصار يحكي سناها ساطع القمر\nوبدعة درست واندك شامخها ... والحق يعلو وليل الجهل ذو غير\nكم جاهل في الميدان حل به ... من مخلب الليث فتكا غير منجبر\nومن المحزن أن غالب كتبه قيد الوثاق، لا يظفر برؤيتها","vol":"1","page":3},{"text":"إلا من عبثت به إليها الأشواق، وصار من جملة المحبين لها والعشاق.\nومن ضمن مؤلفاته التي هذه حالها، كتاب: \"كشف الشبهتين عن رسالة يوسف بن شبيب والقصيدتين\" وقد طبع هذا الكتاب طبعة حجرية في الهند عام ١٣٢٦ هـ، ولا أعلم أنه طبع غير هذه.\nوقد تفضل الشيخ عبد العزيز بن مرشد –حفظه الله- بإعارتي هذه النسخة. فلما قرأتها قراءة متأمل أدركت أهمية الإسراع بإخراجها، وذلك لما اشتملت عليه من مباحث عقدية هامة تتلخص فيما يلي:\nأولا: مسألة التكفير، ومعتقد أهل السنة والجماعة فيه ...\nثانيا: مسألة ولاء المؤمنين، والبراءة من الكافرين.\nوبالإضافة إلى هذه المسائل اشتمل الكتاب على تحرير الأقوال في بعض المسائل الفقهية كجلسة الاستراحة، والصلاة في النعل، ورفع اليدين للدعاء بعد الصلاة المكتوبة، وعد التسبيح بالمسباح، كما اشتمل أيضا على بعض التعليمات الهامة للدعاة في كيفية معاملة النا س على اختلاف اتجاهاتهم عند إرادة دعوتهم ونصحهم.\nوقد حداني كل ما تقدم من مباحث هامة إلى تصحيح هذه","vol":"1","page":4},{"text":"النسخة المليئة بالأخطاء، وتوثيق أغلب النقول الواردة فيها، ووضع الفهارس الكاشفة عن مضمون الكتاب. ثم تقديمه إلى الطباعة في هذه الحلة التي أرجو أن تنال القبول والإعجاب من الجميع.\nوالله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nكتبه\nالفقير إلى ربه القدير\nعبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم\nغفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين\n٩/٥/١٤٠٨هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد..\nفإنه بلغنا عن بعض الإخوان الساكنين بالساحل من أرض عُمان أن في جهتهم جهميةً وإباضيةً١ وعباد قبور متظاهرين بمذاهبهم وعقائدهم، مظهرين العداوة للإسلام وأهله. وذكروا أنه كان لديهم أناس ممن ينتسب إلى العلم والطلب يجادلون عنهم، ويوالونهم، ويفرون إليهم، ويأخذون جوائزهم وصلاتهم، ويأكلون ذبائحهم.\nوهؤلاء الجهمية الذين كانوا بالساحل من أرض عمان قد شاع ذكرهم وانتشر خبرهم، وظهر أمرهم من قديم الزمان.\n_________\n١ في الأصل \"أباضة\".","vol":"1","page":7},{"text":"وكذلك الإباضية١ كانوا بهذا الساحل معروفين مشتهر أمرهم لا يخفى على أحد.\nوقد راسلنا بعض الإخوان في هؤلاء الذين يوالونهم، ويجادلون عنهم، فظننا أن الأمر ليس كما زعموا وأحسنا الظن بمن هناك من طلبة العلم فلم نُنعِم الإخوانَ بجواب، ولم نسمح لهم بخطاب، إلا نحضهم على الصبر على الأذى، وتحمل المشقة والبلوى، وبذل النصيحة لهم، والتلطف في الدعوة لهم، والدعاء لهم بالهداية، حتى رأينا لهم رسالة٢ طبعها لهم بعض الغزاونة أولاد عبد الله الغزنوي ﵀، ونسبوها إلى رجل يقال له: يوسف بن شبيب٣ الكويتي.\nوهذا الرجل لم يكن معروفًا بالعلم والدارية، ولا بالمعرفة والرواية، بل كلامه وتركيبه يدل على جهله، وعدم معرفته. وقد قيل إن الذي ألفها غيره ممن يترشح للعلم والمعرفة.\nوقد نقل هذا المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيميه قدّس الله روحه نقولًا يلبس بها على العوام الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام، ولا٤ دراية لهم بموارد الأفهام. ويوهمهم أن هذه النقول التي نقلها عن شيخ الإسلام ابن تيميه تدل على\n_________\n١ في الأصل \"الأباضة\".\n٢ في هامش الأصل: \"اسمها: نصيحة المؤمنين\" سنة ١٣٢٥ هـ.\n٣ في الأصل \"شيب\".\n٤ سقطت اللام من الأصل.","vol":"1","page":8},{"text":"ما ذهب إليه من عدم تكفير الجهمية الخارجين عن شريعة الإسلام، ويظن أن هذه النقول له وهي عليه لا له، كما سنبينه إن شاء١ الله تعالى، وننقض استدلاله، وما ذاك إلا أنه ليس له إلمام بهذه الصناعة، ولا متجر له في هذه البضاعة.\nوقبل الجواب على كلامه وسوء مرامه نذكر من كلام غلطهم وسوء فهمهم، وعدم معرفتهم بكلام أهل العلم فنقول:\nاعلم وفقك الله لطاعته أن أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصائبين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة، وإنما استوى بمعنى استولى، ونحو ذلك. أول ما ظهرت هذه المقالة من جعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه.\nوقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها من طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ.\nوكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أرض حران،\n_________\n١ في الأصل: إنشاء الله.","vol":"1","page":9},{"text":"وكان فيهم خلق كثير من الصابئة١ والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة النصارى٢، فهذا اسم جنس، لا اسم علم فكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة، وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركًا بل مؤمنًا بالله واليوم الآخر، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كفارًا أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل.\nومذهب النفاة من هؤلاء في الرب أنه ليس إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها٣. وهم الذين بعث إبراهيم\n_________\n١ في الأصل: الصابئية.\n٢ قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ١١/٢١٥ في ترجمة: الأخشيد محمد بن عبد الله ملك فرغانة: \"وكل من ملكها كان يسمى الأخشيد كما أن من ملك اشروسية يسمى الآفشين ومن ملك خوارزم يسمى خوارزم شاه ومن ملك جرجان يسمى صوك ومن ملك أذربيجان يسمى أصبهند ومن ملك طبرستان يسمى أرسلان قاله ابن الجوزى في منتظمه قال السهيلى وكانت العرب تسمى من ملك الشام مع الجزيرة كافرا قيصر ومن ملك فارس كسرى ومن ملك اليمن تبع ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الهند بطليموس ومن ملك مصر فرعون ومن ملك الاسكندرية المقوقس وذكر غير ذلك\" اهـ.\n٣ الصفات السلبية التي يثبتها هؤلاء هي: ما كان مدلولها عدم أمر لا يليق بالله =","vol":"1","page":10},{"text":"الخليل ﷺ إليهم، فيكون الجعد قد أخذها من الصائبة والفلاسفة.\nوكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئة تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضًا فيما ذكره الإمام أحمد وغيره لما ناظر السمنية بعض فلاسفة الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات. فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين.\nثم لما عربت الكتُب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، مع ما ألقى الشيطانُ في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاها في قلوب أشباههم، ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته.\n_________\n= ﷿ مثل قولهم: إن الله واحد بمعنى أنه مسلوب عنه القسمة بالكم أو القول ومسلوب عنه الشريك.\nوالإضافية هي: التي لا يوصف الله بها على أنها صفة ثابتة له ولكن يوصف بها باعتبار إضافتها إلى الغير كقولهم عن الله: إنه مبدأ وعلة. فهو مبدأ وعلة باعتبار أن الأشياء صدرت منه لا باعتبار صفة ثابتة له هي البداء والعلية.\nوالمركبة منها هي: التي تكون سلبية باعتبار أنه مسلوب عنه الحدوث إضافية باعتبار أن الأشياء بعده.","vol":"1","page":11},{"text":"وكلام١ الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية٢.\nفإذا كان أصل هذه المقالة مقالة التعطيل والتأويل مأخوذ عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن أو عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أو ينصب نفسه هدفًا دونهم بالمجادلة عنهم، والاعتذار لهم بأنواع من التمويه والسفسطة، والقيام في نحر من أظهر عداوتهم وبغضهم، والتنفير عنهم وعن مجالستهم، أفلا يستحي من يدعي الإسلام، ويتظاهر به بين الأنام أن يكون في جملة أعداء الله ورسوله بالذب عنهم، وتجهيل من ضللهم وأمر بهجرهم والبعد عنهم.\nفإذا تبين لك ما ذكره أهل العلم في أصل مقالة هؤلاء الجهمية. فاعلم أن مذهبهم أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ويصلى له ويسجد، ولا لله في الأرض من كلام، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه\n_________\n١ سقطت \"و\" من الأصل. وأضفتها من الحموية لشيخ الإسلام.\n٢ من الحموية ١/٤٣٦ من الرسائل لشيخ الإسلام.","vol":"1","page":12},{"text":"شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله ﷺ، وأنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له، وأنه لا يرى في الآخرة، ولا يقوم به فعل البتة، وأنه لا خارجَ العالم ولا داخله ولا متصلًا ولا منفصلًا ولا محايث له إلى غير ذلك من أقوالهم المتضمنة لتعطيله عن عرشه وعلوه على خلقه، وجحد أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وهذا هو الكفر والإلحاد الصريح نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فصل</span>\nولنذكر من كلام الأئمة الذين هم القدوة وبهم الأسوة الذين هم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة.\nقال شيخ الإسلام رحمه الله١: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحدًا بذنب، ولا تنف٢ أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصبك، ولا\n_________\n١كما في مجموع الفتاوى -الرسالة الحموية- ٥/٤٦.\n٢في الأصل: \"تنفي\".","vol":"1","page":14},{"text":"تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا توال١ أحدًا دون أحد. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل – وفي لفظ – سألت أبا حنيفة عمن يقول: أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر. قال لأنه الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات. قال فإنه يقول على العرش استوى لكن لا يدري العرش في الأرض أم في السماء. قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.\nففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا اعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون النافي الجاحد الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال وعرشه فوق سبع سماوات.\nوبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ\n_________\n١ في الأصل: \"توالي\".","vol":"1","page":15},{"text":"اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أن الله فوق السماوات فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السماء لأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل.\nوهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر، وروى هذا اللفظ بالإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق.\nقال١ وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام، سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون٢ أن يقولوا: ليس في السماء شيء.\nوروى ابن أبي حاتم في كتاب \"الرد على الجهمية\" عن سعيد بن عامر الضبعي – إمام أهل البصرة علمًا ودينًا من شيوخ\n_________\n١ أي شيخ الإسلام في الرسالة المذكورة –الحموية- ص ٥٢/٥.\n٢ في الأصل \"يجادلون\" وما أثبته من الحموية.","vol":"1","page":16},{"text":"الإمام أحمد – أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على شيء.\nوقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.\nوروى ابن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي – إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد – قال: كلمت بِشرًا المريسي وأصحاب بِشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء.\nوعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أن قال: ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.\nوروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب \"الرد على الجهمية\" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا","vol":"1","page":17},{"text":"ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.\nوعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين. فقال رجل عندها: الله على عرشه؟ فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة.\nوعن عاصم بن علي بن عاصم شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما قال: ناظرت جهميًا فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء ربًا. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام أيضًا في أُثناء كلام له: والبدعة التي يُعَدَّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول البدعة اثنتان وسبعون فرقة هي أربع: الخوارج والروافض والمرجئة والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية، قال: ليس من أمة محمد ﷺ.\nوالجهمية نفات للصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة، وإن محمدًا لم يعرج به إلى الله، وإن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم.\nوقد قال عبد الرحمن بن مهدي هما صنفان، فأحدهما:","vol":"1","page":18},{"text":"الجهمية والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الإتحادية فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية، والرافضة في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد انتهى كلامه ﵀.\nفهذا كلام شيخ الإسلام الصحيح الصريح في تكفير الجهمية وإخراجهم من أمة محمد ﷺ، بخلاف ما ينقله هؤلاء المشبهون الملبسون فإنهم إنما نقلوا كلامه في عموم أهل الأهواء والبدع، لا في خصوص الجهمية، وأوهموا أنه لا يكفر الجهمية فالله المستعان.\nوفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد قال حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت أبي يقول: سمعت معاذ بن معاذ يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.\nحدثني الحسن بن عيسى مولى بن١ المبارك عن حماد بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية كفار والقدرية كفار.\n_________\n١ في الأصل \"حدثني الحسن بن عيسى وابن المبارك\" والصواب ما أثبته من السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/١٠٣.","vol":"1","page":19},{"text":"حدثني الحسن بن عيسى قال كان ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.\nقال الحسن بن١ عيسى من قول نفسه: ومن يشك في كفر الجهمية؟ انتهى.\nوقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في جواب سؤال ورد عليه من ساحل عمان قال فيه: ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين، وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى أنه ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يصلي خلف الجهمية.\nوجواب هذا لو سلم من أوضح الواضحات عند طلبة العلم، وأهل الأثر، وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعد اللالكائي رحمه الله تعالى منهم عددًا يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام أحمد٢ في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة.\n_________\n١ في الأصل \"قال الحسن وابن عيسى\" وما أثبته من السنة لعبد الله ١/١٠٩.\n٢ في الأصل \"ابن الإمام عبد الله بن أحمد\".","vol":"1","page":20},{"text":"وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم ﵀ في كافيته عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم.\nوالصلاة١ خلفهم لا سيما الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة١ خلف غيرهم.\nوالرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة١ خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس.\nوعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما\nعليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد، كيف لا وَقَولُهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات٢، وشهدت به العقول السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والألوهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدمًا لا حقيقة لوجوده،\n_________\n١ في الأصل \"الصلواة\".\n٢ في الأصل \"الثبوات\".","vol":"1","page":21},{"text":"ويعتمدون من الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.\nولبشر المريسي١ وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادًا من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام٢ أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها.\nوقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها، وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم. انتهى.\n_________\n١ في الأصل \"وبشر المريسي\".\n٢ في الأصل \"إمام\".","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>فصل</span>\nإذا تمهد واتضح لك ما قدمناه من كلام أئمة الإسلام فاعلم أن هذا الرجل ابتدأ١ كلامه في فاتحة رسالته بالحضِّ على إفراد الرب سبحانه بجميع أنواع العبادات، ومتابعة رسول الله ﷺ، وأنه لا سعادة للعبد ولا فلاح له في الدارين إلا بمتابعة هدى النبي ﷺ، وذكر أن على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين إلى آخر كلامه.\nوهذا حق لو وفق له، وعمل به إن كان قد علم به، ولكنه نكب عن هذه الطريقة ولم يسر على منهج هذه الحقيقة، فوضع الكلام في غير موضعه، وحرف كلام العلماء بمفهومه الساقط، وتأويله القاسط، وقد كان من المعلوم أنه لا يجتمع في قلب عبد موالاة٢ أعداء الله ورسوله، ومحبتهم، والجدال عنهم، وحماية حماهم، مع محبة الله تعالى، ومحبة أوليائه،\n_________\n١ في الأصل \"أن لهذا الرجل ابتداء\".\n٢ في الأصل: \"مولات\".","vol":"1","page":23},{"text":"ومعاداة أهل الإسلام المبغضين لأعداء الله ورسوله، المنابذين لهم، الناهين عن متابعتهم، ومجامعتهم، ومجالستهم، والرد عليهم، وتجهيلهم، وتضليلهم.\nقال ابن القيم ﵀:\nأتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان\nوكذا تعادي جاهدًا أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان\nوهذا مما ينافي ما قدمه في مقدمة رسالته، فإن الحب في الله، والبغض في الله، والمعاداة فيه، والموالاة فيه من كمال الإيمان، والمتحقق به من أهل ولاية الرحمن.\nوهؤلاء تظاهروا بالرد والتشنيع على من أظهر عداوة الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، وسموا هؤلاء الملاحدة من الجهمية وغيرهم من المسلمين، وزعموا أن قصدهم النصيحة للمؤمنين عن تكفير المسلمين، أفلا يستحي من صنع هذا الصنيع، ورتع في هذا المرتع الفظيع، ممن يقف على كلامه السامج الساقط، وعلى غاية مرام قصده المارج القاسط، حيث قام في نحر من يظهر عداوة أعداء الله ورسوله، ويتظاهر بالرد عليهم، وتجهيلهم، وتضليلهم بغير دليل من كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام أهل التحقيق من أهل العلم، بل بما سنح له من مفهومه، وتخيله في معلومه.\nأقلوا عليهم لا أبًا َ لأبيكموا ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا","vol":"1","page":24},{"text":"أولئك هم خير وأهدى لأنهم ... عن الحق ما ضلوا وعن ضده صعدوا\nوعادوا عُداة الدين من كل ملحد ... وقد حذروا منهم وفي بغضهم جَدّوا\nفعاديتموهم من سفاهة رأيكم ... وشيدتموا ركنًا من الغي قد هدوا\nبتكفيرهم جهميةً وأباضية ... وعباد أجداث لناولكم ضِدّوا\nوقد كفر الجهمية السلفُ لأولى ... وما شك في تكفيرهم من له نقد\nولا من له علم ولكن لبعضهم ... كلام على جهالهم ولهم قصد\nوقد كان هذا في خصوص سائل ... عليهم بها يخفى الدليل ولا يبدوا\nوأنتم لهم وآليتموا من غبائكم ... على أنهم سِلم وأنتم لهم جند\nوما كان هذا الأمر إلا تَعَنُّتًا ... وإلا فما التشنيع يا قوم والرد\nإذا لم يكن هذا الذي قدصنعتموا ... لمرضاة من شاد والردى بل له شدوا\nألا فأفيقوا لا أبًا لأبيكموا ... من اللوم يا قومي فقد وضح الرشد","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فصل</span>\nقال المعترض في جوابه: \"فلما رأينا ناسًا في هذا الزمان جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير المسلمين، وإيذائهم، وتفسيقهم، وضيعوا أوقاتهم، ونَفّروا المسلمين عن الصراط المستقيم\".\nوالجواب أن نقول لهذا المعترض: قد كان من المعلوم، عند ذوي المعارف والعلوم، أن من جعل عمته وسعيه في تكفير الجهمية الخارجين عن شريعة الإسلام، وإيذائهم أنه قد اتبع سبيل المؤمنين، وسار على الصراط المستقيم، وجانب طرق أصحاب الجحيم، بدليل ما تقدم من كلام العلماء أئمة الإسلام، وهداة الأنام، فما الدليل على أن الجهمية هم المسلمون، وأن من كفرهم وبذل جهده في عداوتهم والتنفير عن طريقتهم أنه لم يكن على صراط مستقيم، ولم يكن له في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ولم يكن على منهج أهل السنة والجماعة، أفكان رسوله الله ﷺ وأصحابه لا يعادون المشركين والمنافقين، ولا يكفرونهم، هذا لا يقوله إلا مكابر في","vol":"1","page":26},{"text":"الحسيات، مباهت في الضروريات، لكن كان ﵊ في حالة ضعف الإسلام وأهله، قد أُمر باللين والرفق، وترك أذى الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُم﴾ [الأحزاب: من الآية٤٨] فلما قويت شوكة الإسلام، وأهله أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التحريم: من الآية٩] وقد قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: من الآية٢٩] فكان في حال جهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم يبذل النصيحة لعموم الخلق، ويرحمهم، ويشفق عليهم، لكن رحمته ولطفه وشفقته بالمؤمنين كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فأخبر أن رأفته ورحمته بالمؤمنين لا بالكفار والمنافقين، بل كان عليهم غليظًا شديدًا، بل كان المقصود من إقامة الحدود هو رحمتهم وردعهم من الوقوع في المحرمات والمنهيات.\nفهذا التلطف والشفقة والرحمة لا يجوز أن يعامل بها من ينكر علو الله على خلقه، ويعطل أسماءه١ وصفاته، بل يعامل بالغلظة والشدة والمعاداة الظاهرة، وكذلك لا يعامل بها من أشرك بالله وعدل به سواه.\n_________\n١ في الأصل \"أسمائه\".","vol":"1","page":27},{"text":"وأما قول هذا المعترض: \"ولا يقول يا كافر ويا مشرك ويا جهمي ويا فاسق ويا مبتدع\" ونحو ذلك.\nفأقول: أما في حالة الدعوة إلى الله فلا ينبغي أن يكافحهم بهذه الألفاظ ابتداء، بل الواجب أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما كون المسلم دائمًا مع أعداء الله ورسوله في لين وتلطف فهذا لا يقوله من عرف سيرة رسول الله ﷺ، وسيرة أصحابه، كما قدمنا أن ذلك منهم قد كان مبدأ١ الأمر، وحال الضعف، وأما مع قوة شوكة المسلمين ودولتهم، وبعد قيام الحجة، وبلوغ الدعوة فحاشا وكلا بل قد قال ﷺ لليهود: \"يا إخوان القردة والخنازير\" وكيف يكون اللين والتلطف دائمًا مستمرًا وقد قال تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون٢:١] إلى آخر السورة وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: من الآية١٠٤] الآية وقال تعالى عن خليله إبراهيم إمام الحنفاء الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ [البقرة: من الآية١٣٠] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي\n_________\n١ في الأصل: \"مبدء\".","vol":"1","page":28},{"text":"فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: من الآية٢٧:٢٦] وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ *فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: من الآية٤٨] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: من الآية٤] قال ابن جرير رحمه الله تعالى ما ملخصه: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله فتبرؤوا من أعداء الله المشركين، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده، ويتبرؤوا من عبادة ما سواه، وأظَهِروا لهم العداوة والبغضاء.\nوقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا، ولا مودة١ حتى تؤمنوا بالله وحده.\nفصرح الإمام ابن جرير أن الله خاطب المؤمنين بأن يتبرؤوا من أعداء الله المشركين، وأن يظهروا لهم العداوة والبغضاء، وأن يبادوهم بذلك، وإظهار العداوة والبغضاء والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله هو الإنكار باللسان، بدليل قوله ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ لأن عداوة القلب وبغضه لا\n_________\n١ في تفسير ابن جرير ٢٨/٦٢ و\"ولا هوادة\". وقد نقل الشيخ كلام ابن جرير بتصرف يسير.","vol":"1","page":29},{"text":"تسمى إظهارًا لأنها أعمال قلبية، فلا بد من إظهار ما في القلوب من العداوة والبغضاء والبراءة من الشرك وأهله بالقول والعمل.\nوقال البغوي ﵀ على هذه الآية في آخر الكلام عليها: قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار، عادى المؤمنون أقرباءهم١ المشركين، فأظهروا لهم العداوة والبراءة، فلما علم الله شدة وجد المؤمنين بذلك أنزل الله ﷿ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: من الآية٧] انتهى.\nوقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في رده على ابن منصور: والهجرة إلى الحبشة، ومقام أبي بكر الصديق يتلوا القرآن، ويظهر دينه كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوها في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته، وأن يقول: أنتم سيوم بأرضي، ولكان كل مسلم يخفي إيمانه ولا يبادر المشركين بشيء من العداوة، فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة، بل تمشي الحال على أي حال كما هي طريقة من لا يعرف ما أوجب الله من عداوة المشركين، وإظهار دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام، وعيب ما هم عليهم\n_________\n١ في الأصل:أقربائهم\" وما أثبته من تفسير البغوي –حاشية ابن كثير- ٨/٣١٨.","vol":"1","page":30},{"text":"من الشرك وتكذيب الرسول، وجحد ما جاء به من البينات والهدى، لما حصل من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان ما يوجب الهجرة، واختيار بلد النجاشي، وأمثالها من البلاد التي تؤمن فيها الفتنة والأذية.\nفالسبب المقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام ومباداة أهل الشرك بالعداوة والبراءة، بل هذا مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الآلهة عما سوى الله صريح في البراءة منه، والكفر بالطاغوت، وعيب عبادتهم، وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر كما يظنه هذا الرجل لألقت الحرب عصاها، ولم تدر بينهم رحاها كما هو الواقع ممن يدعي الإسلام وهو مصاحب معاشر عباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقًا للقوم الظالمين، انتهى.\nوإذا كان أعداء الله الجهمية، وعباد القبور قد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، منذ أعصار متطاولة، لا ينكر هذا إلا مكابر، فكيف يزعم هؤلاء الجهلة أنه لا يقال لأحدهم: يا كافر، ويا مشرك، ويا فاسق، ويا متعور، ويا جهمي، ويا مبتدع وقد قام به الوصف الذي صار به كافرًا، أو مشركًا، أو فاسقًا، أو مبتدعًا وقد بلغته الحجة، وقامت عليه، مع أن الذي صدر من القبورية الجهمية هؤلاء لم يكن من المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على الإنسان فَيُتَوقَّف في حال أحدهم، لكن قد علم بالضرورة من دين الإسلام أن من","vol":"1","page":31},{"text":"جحد علوا الله على خلقه، وأنكر صفاته ونعوت جلاله أنه كافر معطل لا يشك في ذلك مسلم، فكيف يظن بالإخوان أنهم يقولون للمسلم يا سني: يا جهمي، وليس كذلك، أو يا كافر أو يا مبتدع.\nوقد قال الإمام مالك لما سأله١ رجل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، وأمر به فأخرج عن مجلسه.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه وهو في السجن لما طلب منه أعداؤه أن يوافقهم على أمر كتبوه في ورقة، وقالوا: المطلوب منه أن يعتقد هذا، فأبى عليهم، فأعادوا عليه الجواب، فأبى وأغلظ لهم في الجواب قال: فرفعت صوتي وقلت: يا زنادقة يا كفار يا مرتدين أو كلامًا نحو هذا ذكره في التسعينية.\nوأما قوله: \"وفي هذا الزمان مع أنهم لا يقول لهم أحد شيئًا، بل يتعوذون منه شرهم، ولكن لم يتركوا أحدًا، بل قالوا لبعضهم: يا كافر، ولبعضهم يا مشرك، ولبعضهم يا مبتدع، ويا جهمي، ويا متعور، وبعضهم لا يُسَلِّمون عليه، وبضعهم لا يردون ﵇\".\nفأقول: هذا جواب جاهل مُتَمَعْلِم، لا يدري، ولا يدري أنه\n_________\n١ في الأصل \"سئله\".","vol":"1","page":32},{"text":"لا يدري، فإنه لا يتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومباداة أعداء الله ورسوله وأعداء دينه بالعداوة والبغضاء على كون أعداء الله ورسوله لا يقولون لأحد شيئًا، بل يتعوذون من شرهم لأن مباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء هو الواجب، وترك ذلك من المداهنة، وللشيطان وأعوانه غرض في الطائفتين قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] .\nوثمود لو لم يدهنوا في ربهم\n...\nلم تدم ناقتهم بسف قدار\nوليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرٌّ كما يقوله هذا الجاهل.\nفإن كان الكلام مع جهمي ينكر علوا الله على خلقه، ويعطل أسمائه١ وصفاته، كان هذا الفعل خيرًا محضًا لا شر فيه وتسميته شرًا يوقع في الفتنة التي توبق صاحبها، وتحلق بأهل الوعيد، نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكذلك لو كان هذا مع إباضي، أو مع عباد القبور، والأمر أشد من ذلك وأعظم.\nفإن كان مع من يواليهم، ويجالسهم فقوله لأحدهم: يا كافر أو يا جهمي خطأ٢، فإنه لا يقال هذا إلا لكافر أو جهمي\n_________\n١ في الأصل \"أسمائه\".\n٢ في الأصل \"خطاء\".","vol":"1","page":33},{"text":"قد قامت عليه الحجة وبعد ذلك كابر وعاند، ومن والاهم وجادل عنهم بعدما تبين له الحق، واتضح له كلام العلماء في تكفيرهم، وتحققوا أنه قد بلغتهم الحجة، وقامت عليهم بإنكار أهل الإسلام عليهم، وإن لم يفهموا الحجة، ثم كابر وعاند فإن كان عن تأويل فلا أدري ما حاله، وأمره شديد، ووعيده أشد وعيد إن كان غير ذلك، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا ومن لم يجعل الله نورًا فما له من نور.\nقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ولنذكر من كلام الله تعالى، وكلام رسوله، وكلام أئمة العلم جملًا في جهاد القلب واللسان، ومعاداة أعداء الله، وموالاة أوليائه، وأن الدين لا يصح ولا يدخل الإنسان فيه إلا بذلك.\nفنقول: باب وجوب عداوة أعداء الله من الكفار المرتدين والمنافقين، وقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم﴾ [النساء: من الآية١٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية٥١] إلى قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ","vol":"1","page":34},{"text":"وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .\nوقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال الإمام الحافظ محمد بن وضاح أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم أخي أنا ما حملني على الكتب١ إليك إلا٢ ما ذكر أهل بلدك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك للناس، وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك٣ بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بك، وصاروا ببدعتهم مستترين، فأبشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى، وإحياء سنة رسول الله ﷺ، وقد قال ﷺ: \"من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وضم بين أصبعيه\".\nوقال: \"أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة\" فمتى يدرك أجر هذا شيء من عمله؟\n_________\n١ في البدع والنهي عنها ص ٥ \"على الكتاب\".\n٢ \"إلا\" ليست في كتاب البدع والنهي عنها.\n٣ في كتاب البدع \"وقواك عليهم\".","vol":"1","page":35},{"text":"وذكر أيضًا \"أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا لله يذب عنها وينطق بعلامتها\".\nفاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه قال: \"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من كذا وكذا\" وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك إلفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة، كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة، ونية، وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون، الزائغ الحائر، فتكون خلفًا من نبيك ﷺ، فإنك لن تلق الله بعمل يشبهه.\nوإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ، أو جليس، أو صاحب فإنه جاء الأثر \"من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام\".\nوجاء \"ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى\" وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، ولا فريضة ولا تطوعًا، وكلما زادوا اجتهادًا أو صومًا وصلاة ازدادوا من الله بعدًا، فارفض مجالسهم، وأذلهم وأبعدهم، كما أبعدهم الله، وأذلهم رسول الله ﷺ، وأئمة الهدى بعده، انتهى كلامه ﵀.","vol":"1","page":36},{"text":"واعلم رحمك الله أن كلامه وما يأتي من أمثاله من السلفة في معاداة أهل البدع والضلالة ضلالة لا تخرج عن الملة، لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين:\nالأول: غلظ البدعة في الدين في نفسها، فهي عندهم أجل من الكبائر، ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون أهل الكبائر، كما تجد في قلوب الناس اليوم أن الرافضي عندهم ولو كان عالمًا عابدًا أبغض وأشد ذنبًا من السني المجاهر بالكبائر.\nوالأمر الثاني: أن البدعة تجر إلى الردة الصريحة، كما وجد في كثير من أهل البدع.\nفمثال البدعة التي شددوا فيها مثل تشديد النبي ﷺ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح، خوفًا مما وقع من الشرك الذي يصير به المسلم مرتدًا.\nفمن فهم هذا فهم الفرق بين البدع وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة ومجاهدة أهلها، والنفاق الأكبر، ومجاهدة أهله، وهذا هو الذي نزل فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣-٧٤] .","vol":"1","page":37},{"text":"قلت: فتأمل أيها المنصف ما ذكره هذا المعترض من قوله: \"فلما رأينا ناسًا في هذا الزمان جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير المسلمين وإيذائهم وتفسيقهم، وضيعوا أوقاتهم، ونفروا المسلمين عن الصراط المستقيم\" وهؤلاء المسلمون عندهم كالجهمية، والإباضية، وعباد القبور، كما ذكره الإخوان عنهم، ويدل على ذلك قوله: \"بل قالوا لبعضهم: يا كافر ولبعضهم يا مشرك، ولبعضهم يا مبتدع، ويا جهمي\".\nثم تأمل ما ذكره الإمام أسد بن موسى فيما كتبه إلى أسد ابن الفرات وقوله: \"مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بك، وصاروا ببدعتهم مستترين\".\nوهذا الجاهل المعترض، وأصحابه الذين وازروه، وقاموا معه فإنهم ينكرون على من أظهر عداوة الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، ويشنعون عليهم ويصنفون في الرد عليهم، والذب عن هؤلاء الكفرة ويسمونهم المسلمون، ويعيبون على أهل الإسلام بأنهم جعلوا عمتهم وسعيهم في تكفير من أنكر علوا الله على خلقه، وعطل أسماءه١ وصفاته، وأنهم بهذا نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم. والصراط الم\nم عند هؤلاء هو: التلطف بهم، والنصيحة لهم،\n_________\n١ في الأصل \"أسمائه\".","vol":"1","page":38},{"text":"واللين عليهم، لأن هذا بزعمهم هو دعوة رسول الله ﷺ، وسيرته. وما علم هؤلاء أن هذا كان في بدء١ الأمر قبل أن تنزل آية السيف والجهاد، ثم نسخ هذا كله، وأمر أن يجاهدهم حتى يكون الدين كله لله.\nوتأمل أيضًا ما ذكره أسد بن موسى من قوله: \"وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ، أو جليس، أو صاحب فإنه جاء في الأثر\" من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام\".\nثم تأمل قيام هؤلاء في نحر طلبة العلم الذين يحذرون عن مجالسة الجهمية، ومواكلتهم، وأكل ذبائحهم، والركون إليهم.\nثم انظر إلى كلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى من أن هذا الكلام، وما يأتي من الكلام بعده من كلام السلف أنه في معاداة أهل البدع والضلال الضلالة التي لا تخرج عن الملة، فكيف الكلام في الجهمية الذين كفرهم السلف كما قال ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:\nولقد تقلد كُفرَهُم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان\n_________\n١ في الأصل \"بداء\".","vol":"1","page":39},{"text":"واللالكائي الإمام حكاه عنهم\n...\nبل قد حكاه قبله الطبراني\nوذكر أيضًا أن كل أهل السنة أثنوا على خالدٍ بقتل جعدًا قال ﵀:\nشكر الضحية كل ناصر سنة\n...\nلله درك من أخي قربان\nوكذلك عباد القبور فإنهم ليسول من أهل الأهواء والبدع، بل يسميهم السلف: الغلاة، لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء، والصالحين.\nثم قال الشيخ ﵀: قال ابن وضاح في البدع والحوادث بعد حديث ذكره سيقع في هذه الأمة الكفر وفتنة الضلالة قال ﵀: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال، وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي والأموال.\nوقال ﵀ أيضا أخبرنا أسد أخبرنا رجل عن ابن المبارك١ قال: قال ابن مسعود: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه، يذب عنها وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلًا.\n_________\n١ في كتاب البدع والنهي عنها \"ويوسف بن أسباط\".","vol":"1","page":40},{"text":"ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: \"لأن أرد رجلًا عن رأي سيئ أحب إلي من اعتكاف شهر\" أخبرنا أسد عن أبي إسحاق الحذاء عن الأوزاعي قال: \"كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صيامًا ولا صدقة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس، ما كان لأحد أن يهتك سترًا عليهم، أو يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها، وبالتوبة عليها، فأما إذا جهروا فنشر العلم١ حياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة يعتصم بها على مصر ملحد.\nثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلًا ضرب بسيفه غضبًا لله حتى قتل أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول – حتى فعل ذلك ثلاث مرات – فلما كان من الثالثة قال: والله لا استفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك إن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع، فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق، ولم يوفقه الله للحق فهو في\n_________\n١ في كتاب البدع \"فأما إذا جهروا به، وكثرت دعواتهم، ودعاتهم إليها، فنشر العلم ... \" الخ ص ٥.","vol":"1","page":41},{"text":"النار. ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا١.\nثم ذكر بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك.\nثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخل النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا٢، وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه.\nوبإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام.\nأخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإن لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليك ما تعرفون. قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب.\nأخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا زيد عن محمد بن طلحة\n_________\n١ الناقل تصرف في نقل هذه الصفة. انظر كتاب ابن وضاح ص ٣٨-٣٩.\n٢ في الأصل \"ما تكلمون\" وما أثبته من كتاب ابن وضاح ص ٤٧.","vol":"1","page":42},{"text":"قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. وذكر الشيخ كلامًا طويلًا في هذا المعنى في إفادة المستفيد.\nوروى الحاكم والبيهقي عن أنس ﵁ تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضي الله عنكم بسخطهم.\nقال المناوي ﵀ في شرح الجامع الصغير على هذا الحديث: تقربوا إلى الله أي اطلبوا رضاه ببغض أهل المعاصي من حيث إنهم أهل المعاصي لا لذواتهم، فالمأمور ببغضه في الحقيقة إنما هو تلك الأفعال المنهية، والقوهم بوجوه مُكفَهِرَّة أي عابسة قاطبة فعسى أن ينجح ذلك فيهم، فينزجروا، والتمسوا أي اطلبوا ببذل الجهد رضي الله عنكم بسخطهم فإنهم أعداء الدين، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم، فإن مخالطتهم سم قاتل، وفيه شمول للعالم العاصي. ورواه ابن شاهين في كتاب الأفراد عن ابن مسعود بإسناد ضعيف. قال المناوي: وإسناد الأول واهٍ.\nوالمقصود ما قاله المناوي ﵀ من أن مخالطتهم سم قاتل، وأن أهل المعاصي أعداء الدين، فكيف بمخالطة","vol":"1","page":43},{"text":"أهل الكفر بالله من دعاة الأنبياء والأولياء والصالحين، والجهمية، والإباضية أعداء الدين، الخارجين عن طريقه المسلمين، والمجادلة عنهم والذب، وتضليل من نفر عن مجالستهم، وتجهيلهم وآل به الجهل بطبع مقالته، ونشرها في البلاد والعباد، سبحان من طبع على قلوب أكثر الناس.\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى: القسم الرابع من مخالطته الهلكة، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله١ ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء.\nوما أكثر هذا الضرب في الناس لا كثرهم الله، وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله ﷺ، الداعون إلى خلافها، فيجعلون السنة بدعة، والبدعة سنة، إن جَرَّدت التوحيد قالوا تنقصت الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة للرسول قالوا أهدرت الأئمة المتبوعين، وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله، من غير غلو، ولا تقصير قالوا أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر [الله به] ٢ رسوله من المعروف، ونهيت عن المنكر قالوا أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة، وتركت ما خالفهم٣ قالوا أنت\n_________\n١ في الأصل \"لا أكل\" وما أثبته من آخر الجزء الثاني من بدائع الفوائد لابن القيم. وقد ذكر ابن القيم في هذا الموضع كلاما أغلى من الدرر، فانظره لزاما.\n٢ ما بين المعكوفين من البدائع.\n٣ في الأصل \"ما خالفه\".","vol":"1","page":44},{"text":"من الملبسين١، وإن تركت ما أنت عليه، واتبعت أهواءهم٢ فأنت عند الله من الخاسرين، وعندهم من المنافقين، فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله ورسوله بإغضابهم٣، وأن لا تبالي بذمهم وغضبهم فإنه عين كمالك انتهى.\nقلتُ: ما أشبه الليله بالبارحه، فانظر إلى مقالة هؤلاء في دعواهم على طلبة العم أنهم نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم، ثم انظر كلام ابن القيم ﵀ ترى العجب العجاب.\nوأما قول المعترض: \"وبعضهم لا يسلمون عليه، وبعضهم لا يردون السلام\".\nفالجواب أن يقال: فرض هذا من الإخوان فيمن دون الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، ممن يواليهم أو يجادل عنهم، وحينئذ فيقال: إن ترك السلام ابتداء وردًا على من أحدث حدثًا حتى يتوب منه كان من هدي رسول الله ﷺ، وعمل به الصحابة، والتابعون، والأئمة المجتهدون، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فإنه ﷺ هجر كعب بن مالك رضي الله\n_________\n١ في البدائع: \"قالوا أنت من أهل البدع المضلين، وإن انقطعت إلى الله تعالى، وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من الملبسين\".\n٢ في الأصل \"أهوائهم\".\n٣ في البدائع \"وأن لا تشتغل بأعتابهم، ولا باستعتابهم ... \".","vol":"1","page":45},{"text":"عنه وصاحبيه وكانا من أهل بدر، لما تخلفوا عن الغزو معه عام تبوك، من الكلام والسلام، والحديث بذلك في صحيح البخاري، وقد كان هؤلاء المهجورين من الأفاضل الكرام، وذوي الهيئات والاحترام، فهجرهم عن السلام والكلام، لما أحدثوا حدثًا أوجب لهم التعزير والتأديب والاهتضام، حتى تاب الله عليهم فتابوا ورجعوا إليه، وأنابوا.\nقال شيخ الإسلام في منهاج السنة: وكان يهجر بعض المؤمنين، كما هجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لأن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله بأقوم طريق، فيستعمل الرغبة حيث تكون أصلح، والرهبة حيث تكون أصلح.\nفبين ﵀ أن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله، فكان في الهجر إذا كان فيه مصلحة من الدعوة إلى الله، ومن هدي رسول الله ﷺ وسيرته فحسن.\nوكذلك لما سلم عليه عمار بن ياسر ﵁، وقد خلقه أهله بزعفران فلم يرد ﵇ وقال: اذهب فاغسل عنك هذا.\nوكذلك لم يرد السلام على من أعلى بنيان بيته، حتى هدمه. ومن لبس بُردًا أحمر مصمتًا كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: مر بالنبي ﷺ رجل عليه بردان أحمران فسلم، فلم يرد النبي ﷺ.","vol":"1","page":46},{"text":"وفي الأدب المفرد للبخاري ﵀ عن علي ﵁ قال: مر النبي ﷺ على قوم فيهم رجل متخلق بخَلُوق، فنظر إليهم، وسلم عليهم، وأعرض عن الرجل، فقال الرجل أعرضت عني؟ قال: \"بين عينيك جمرة\".\nوفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \"ولا تسلموا على شراب الخمر\".\nوفيه عن قتادة عن الحسن \"ليس بينك وبين الفاسق حرمة\".\nوقال ابن شهاب ﵀: أقام أخي أبو الخطاب معي في الدار عشرين سنة ما كلمته، وأشار أنه كان ينسب إلى الرفض.\nوكان أبو حفص لا يكلم رافضيًا إلى عشرة.\nوقال القاضي أبو حسين: قرأت في بعض كتب أصحابنا أن ابن رجاء كان إذا مات بعكبر رجل من الرافضة فبلغه أن بزازًا باع له كفنًا، أو غاسلًا غسله، أو حمالًا حمله، هجره على ذلك.\nوقال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية. وقال في الفتح: وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من","vol":"1","page":47},{"text":"يتعاطى خوارم المروءة١ ككثرة المزاح، واللهو، وفحش القول، والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء، ونحو ذلك.\nولو ذهبنا نذكر أقوال العلماء لطال الكلام، والمقصود التنبيه على أن هذا من هدى رسول الله ﷺ، وهدى أصحابه والتابعين لهم بإحسان هجر أهل المعاصي والبدع، ودرج على ذلك أفاضل العلماء من الأئمة الأعلام، فمن أخذ بهديهم، وسار بسيرتهم فقد سار على الصراط المستقيم.\nوقد ذكر المعترض في أول رسالته أن يجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، فإذا تبين لك أن٢ ما ذكرناه من هدى رسول الله ﷺ، وهدى أصحابه، ومن سيرته وشأنه، ومع هذا كله قام في نحر من قام به، واتبع هديه ﷺ في ذلك، وسار بسيرته، وجهلهم وضللهم، وزعم أنهم نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم، تبين لكل منصف أنه هو ممن نكب عن هذه الطريقة، ولم يسر على منهاج هذه الحقيقة، وأنه من\n_________\n١ في الأصل \"المرؤة\".\n٢ في الأصل حرف غير واضح. وسياق الكلام يقتضي ما أثبته.","vol":"1","page":48},{"text":"المحرومين لا من المقلين ولا من المستكثرين، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.\nوأما قوله: \"بالله عليك أيها المنصف هكذا تكون الدعوة إلى الله، وهكذا سيرة محمد ﷺ \"إلى آخر كلامه. فأقول: نعم هكذا تكون الدعوة إلى الله، وهكذا سيرة محمد ﷺ، فمن كان له إطلاع، ومعرفة بكلام الله، ورسوله، وكلام العلماء يعرف ما ذكرناه أنه من سيرة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه، وسيرة السلف الصالح، وأما من جهل ذلك ولم يكن لديه معرفة ولا إلمام فإنه ينكر هذا، ويظن أنه خلاف سنة رسول الله ﷺ وسيرته ودعوته.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي النبوي: وفي نهي النبي ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلف دليل على صدقهم، وتكذيب الباقين، فأراد هجر الصادقين، وتأديبهم على هذا الذنب، وأما المنافقون فجرمهم أعظم من أن يقابل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق، ولا فائدة فيه، هكذا يفعل الرب بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقط من عينه، وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث الله له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب","vol":"1","page":49},{"text":"الشديد، والعقوبة، التي لا عافية معها، كما في الحديث المشهور: \"إذا أراد الله بعبده خيرًا عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شرًا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيرد القيامة١ بذنوبه \"، إلى آخر كلامه. فانظر إلى كلام ابن القيم ﵀ وإلى ما قدمناه من كلام أهل العلم مما ذكره الحافظ محمد بن وضاح من سيرتهم، ومعاداتهم أهل البدع، ومقتهم، وعيبهم لهم والتحذير عن مجالستهم، إذا تأمله المنصف الخالي عن ثوبي الجهل والتعصب عرف سيرة السلف الصالح، والصدر الأول، وتحقق ما هم عليه من الغير لله، ولدينه، وتبين له جهل هؤلاء المتعارضين.\nوالمقصود أن الإخوان كانوا على طريق مستقيم من هديه ﷺ وسيرته، وسيرة أصحابه فكفروا من كفره الله ورسوله، وأجمع على تكفيره أهل العلم، وهجروا من السلام من لم يكفرهم، ووالاهم، وذب عنهم، لأنهم حملوهم على الجهل وعدم المعرفة، وأنه قد قام معهم من الشبهة والتأويل ما أوجبهم الجدال عنهم، لأن هذا عندهم من الدعوة إلى الله، فلذلك ما عاملوهم إلا بالهجر من السلام ابتداءً وردًا، فإذا كان هذا هجر النبي ﷺ أصحابه الصادقين المخلصين لما اقترفوا هذا الذنب اليسير، وتركه هجر المنافقين لأن٢ جرمهم\n_________\n١ في الأصل \"القيمة\".\n٢ في الأصل \"ولأن\".","vol":"1","page":50},{"text":"لا ينجع فيه التأديب بالهجر، فقبل عذرهم، ووكل أمرهم إلى الله، وإنما تركهم ﵊ من المعاقبة لأنه خاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا لأن جرمهم لا يحتمل هذا الأمر، وقد بسط الكلام على هذا شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه في الصارم المسلول على شاتم الرسول، فالاعتراض والتشنيع على طلبة العلم بهجر أهل المعاصي فضلًا عن هجر أعداء الله ورسوله النافين لعلو الله على خلقه والجاعلين معه آلهة أخرى من دونه خطأ عظيم، واعتراض ذميم وخيم، وجهل مفرط جسيم.\nوأما قوله: \"ومن أجل هؤلاء ساء الظنون بالناصحين، فإذا قال بعض الناس لمن يريدوا نصيحتهم يقولون: لا تقبلوا نصيحتهم إنهم يكفرون الناس، لا تقبلوا لهم نصيحة، وسبب ذلك جهل جهال بعض البله أن ما لنا في أسمائهم حاجة، الحر تكفيه الإشارة، يزعمون أنهم دعاة إلى الله، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإفسادهم أكثر من إصلاحهم\".\nفأقول سبحان الله ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، كيف استرسل من يترشح للعلم مع الشيطان إلى أن بلغ به إلى هذه الغاية، فإن الشيطان قد فتح لكثير من الناس أبوابًا من الشُّبَه في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقى على ألسنتهم هذه","vol":"1","page":51},{"text":"الشبهة ليتوصل بذلك إلى أن يترك الناس الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن في ذلك تنفيرًا للناس عن قبول النصيحة، ويظنون أن هذا من جهل الآمر والناهي، وأن العقل لا يسوغ هذا، وهذا العقل هو حظ كثير من الناس، بل أكثرهم وهو عين الهلاك، وثمرة النفاق، فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم، وشهواتهم، واستجلاب مودتهم ويقولون أصلح نفسك بالدخول مع الناس، والتسلك معهم، ولا تبغض نفسك عندهم، فلا يقبلوا لك نصحًا، وهذا هو إفساد النفس وإهلاكها، وفاعل ذلك قد التمس رضا الناس بسخط الله وصار الخلق في نفسه أجل من الله، ومن التمس رضى الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، فمن نصح نفسه وأراد نجاتها فليلتمس رضا الله بمعاداة أعداء الله ورسوله، ويعلم أن أصل الأصول لا استقامة له، ولا ثبات إلا بمقاطعة أعداء الله، وجهادهم، والبراءة منهم والتقرب إلى الله بمقتهم، وعيبهم، وقد قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ","vol":"1","page":52},{"text":"وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨-٨١] . وأكثر الناس إنما يتعبد بما يحسن في العادة، ويثنى عليه به، وما فيه مقاطعة ومجاهدة وهجر في ذات الله ومراغمة لأعدائه فذاك ليس منه على شيء، بل ربما ثبَّط عنه، وقدح في فاعله، وهذا كثير في المنتسبين إلى العادة، والمنتسبين إلى العلم والدين، والشيطان أحرض شيء على ذلك منهم، لأنهم يرونه غالبًا دينًا وحسن خلق فلا يتاب منه ولا يستغفر، ولأن غيرهم يقتدي بهم، ويسلك سبيلهم فيكونون فتنةً لغيرهم، ولهذا حذر الشارع من فتنة من فسد من العلماء والعباد وخاف على أمته، فالمؤمن إذا حصل له ظهر بحقائق الإيمان، وصار على نصيب من مرضاة الملك الرحمن، فقد حصل له الحظ الأوفى، والسعادة الكبرى، وإن قيل ما قيل.\nإذا رضي الحبيب فلا أبالي\n...\nأقام الحي أم جد الرحيل\nوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: أصل الدين وقاعدته أمران:\nالأول: الأمر بالعبادة لله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.\nالأمر الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله تعالى، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. انتهى. فلا بد من تكفير من فعل الشرك، والإنذار عنه والتغليظ","vol":"1","page":53},{"text":"في ذلك، والمعاداة فيه، وكذلك موالاة من أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، وتكفير من ترك عبادة الله. ونسأل١ الله أن يهدينا، وإخواننا المسلمين لسلوك صراطه المستقيم.\nوقوله: \"ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عليمًا فقيهًا حليمًا صبورًا\".\nفأقول: هذا حق وهو الواجب، ولكن لا يدفع هذا في نحر من أظهر عداوة أعداء الله الجهمية، والأباضية، والمرتدين، وإن كان المعادي لهم ليس بعالم ولا فقيه ولا حليم، بل على المسلم أن يعادي أعداء الله بحسب علمه وفهمه، وأن لا يتجاوز المشروع، وقد قال ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\".\nوأما قوله: \"أما تكفيكم هذه الآية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] آي بالترغيب والترهيب، وجادلهم بالتي هي أحسن، أي جادلهم بالبراهين المسلمة التي يُقِرُّ بها كل واحد، هكذا في الحسبة لشيخ الإسلام\".\n_________\n١ في الأصل \"ونسئل\".","vol":"1","page":54},{"text":"فأقول: هذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه إذا دعاهم١ إلى الله بما ذكر من الموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، ولم يرتدعوا، ولم ينتهوا أنه لا يقاطعهم، وينابذهم، ولا يبرأ٢ إلى الله منهم.\nوإذا كان ذلك كذلك فلا يخلو أمر هؤلاء الجهمية والإباضية والمرتدين من عباد القبور من إحدى ثلاث أمور:\nإما أن يكونوا قد دعوتموهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلتموهم بالبراهين التي يُقِرُّ بها ويسلمها كل أحد، فقبلوا ما دعوتموهم إليه من الهدى، ودين الحق، فرجعوا عن ضلالتهم، وتابوا وأنابوا والتزموا بما كان عليه أهل السنة والجماعة، وحينئذ يكون المعادي لهم والمعترض عليكم وعليهم مخطًا ظالما ً متعديًا.\nوإما أن يكونوا لم يقبلوا ما دعوتموهم إليه من الهدى، ودين الحق، وطريقة أهل السنة والجماعة، بل كابروا٣، وعاندوا، وتمردوا، وشَرَدُوا على الله شِراد البعير على أهله، فتكون الحجة قد قامت عليهم، وحينئذ فلا مانع من تكفيرهم، وإظهار عداوتهم، والبراءة منهم، وبغضهم، والتنفير عنهم\n_________\n١ في الأصل \"أنه إذا عادهم\".\n٢ في الأصل \"يبراء\".\n٣ في الأصل \"بل كابروا عاندوا\".","vol":"1","page":55},{"text":"ومباعدتهم، ومقاطعتهم، لأن الحجة قد بلغتهم، وقامت عليهم.\nوإما أن يكونوا لم تدعوهم أنتم، ولم تناصحوهم، فتكونوا أنتم حينئذ من أنصارهم، وأعوانهم، والذابين عنهم قبل دعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإقامة الحجة عليهم: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٠٩] وجعلتم أنفسكم دونهم هدفًا، تصنفون في الرد على من عاداهم، وغلبهم، ومقتهم، ونشر عورتهم، وخزيهم وضلالهم، أفلا تتقون يومًا ترجعون فيه إلى الله.\nوأما قوله: \"فإذا كان هذا الأمر لسيد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بل لكل نبي، وأمرهم الله بالصبر في مواضع القرآن، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة\".\nفأقول: هذا حق، لكن هذا كان في أول الإسلام وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في المواضع التي نقلها من السيرة، وتكلم عليها قال: الموضع الثاني أنه ﷺ لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك، واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بِسَبِّ١ دينهم، وتجهيل\n_________\n١ في الأصل \"بسبب\".","vol":"1","page":56},{"text":"علمائهم، وتسفيه آرائهم، فحينئذ شمروا له، ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى، وأمه ولا الملائكة، والصالحين، لكن لما ذكر أنهم لا يُدْعَوْنَ، وأنهم لا ينفعون، ولا يضرون جعلوا ذلك شتمًا.\nفإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله، وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة، والبغضاء كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا عرفت أن كثيرًا من الذين يدعون الدين لا عَرَفَهَا ولا فَهِمَهَا، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب، والأسر، والضرب، والهجرة إلى الحبشة، مع أنه ﷺ أرحم الناس، ولو وجد لهم رخصةً لأرخص لهم، كيف وقد أُنْزِلَ عليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه ذا أو ذي فكيف بغير ذلك، انتهى.\nفتبين أن هذا كان من رسول الله ﷺ في أول الأمر، فلما أُنْزِلَ عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] بادأهم بسب دينهم، وتسفيه آرائهم، شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، إذًا فإن من عادى أعداء الله","vol":"1","page":57},{"text":"ورسوله، وصرح بتكفيرهم، والبراءة منهم عادوه وآذوه ولا بد، فهذه كانت حال رسول الله ﷺ، وسيرته، ودعوته إلى الله، ومع ذلك فهو أرحم الناس، وأحسنهم تلطفًا، ودعوة إلى الله، ولنا في رسول الله أسوة حسنة كما قد بيناه فيما مضى.\nوأما قوله: \"فأمرهم بالصبر في مواضع من القرآن والأحاديث\".\nفأقول: هذا حق وهو خلاف ما تدعون، فإنه أمرهم بالصبر على الأذى، وعلى الدعوة إلى الله، وتحمل المشاق، ولم يأمرهم بالصبر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التسلك مع الناس، والتطلف لهم، مع الإصرار على معاصي الله، لأن في نهيهم، وأمرهم بما أمر الله به ورسوله تنفيرًا لهم عند هؤلاء الجهال، وقد تقدم من كلام الأئمة ما يكفي ويشفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\nومن المعلوم أن الصبر من صفات عباد الله المخلصين، كما شاع وذاع، وفي صفى الإمام أحمد ﵀ \"عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها \"وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ١ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فبالصبر تترك الشهوات،\n_________\n١ في الأصل \"وجعلناهم أئمة\" وهو خطأ.","vol":"1","page":58},{"text":"وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [صّ:٤٥] وفي بعض المراسيل \"إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات\".\nفمن جادل عن أهل البدع فضلًا عن أهل الكفر بالله فقد خالف طريقة السلف الذين أمرهم الله بالصبر على أذى١ أعداء الله ورسوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] وليس الصبر المحمود المأمور به أن يكون الإنسان مع أعداء الله، وأعداء رسله، ودينه دائمًا في تطلف وتملق، مع الإغضاء على ركوب المحارم، والإصرار عليها، والعلم اليقين أنهم على ما كانوا عليه في المعتقد، ثم يتلطف الشيطان له بأن يزين له أنه إذا ناصحه عما كان عليه تعذيرًا لهم، أنه قد صبر على الأذى، وعلى الدعوة إلى الله، ثم إذا كان من الغدِ٢ آكله وشاربه وانبسط إليه ففي المسند والسنن عن أبي عبيدة عن٣ عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من كان قبلكم إذا عمل العامل بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرًا فإذا كان الغد جالسه، وواكله،\n_________\n١ في الأصل \"على أذاء\".\n٢ في الأصل \"من الغد وآكله\".\n٣ في الأصل \"عن أبي عبيدة ابن مسعود\" وهو خطأ.","vol":"1","page":59},{"text":"وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بضعكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم\".\nفالتسلك مع الناس، وإرضاؤهم بسخط الله، والتلطف لهم، وترك أذاهم عند مخالفة أمر الله ورسوله، ودعوى أن هذا من الصبر على الدعوة إلى الله، هذا الذي يحوم حوله هؤلاء الجهال وهو عين مخالفة أمر الله ورسوله، مع أن هذا لو سلم لهم كان فرضه في أهل المعاصي والذنوب من أهل الإسلام مع مجاهدتهم وهجرهم، فأما الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، فالرفق بهم، والشفقة عليهم، والإحسان، والتلطف، والصبر، والرحمة، والتبشير لهم، مما ينافي الإيمان، ويوقع في سخط الرحمن، لأن الحجة بلغتهم منذ أزمان، وقال الله ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية وهذا يكفي في جواب ما بقي من كلامه بما هو داخل في هذا المعنى.\nوأما ما ذكره عن بعض الجهال أنهم إذا رأوا أحدًا يأمر بسنة النبي ﷺ أو يفعلها أنكروا عليه، مثل أن يفعل جلسة الاستراحة، والتسبيح بيده اليمنى، أو صلى في بعض الأوقات","vol":"1","page":60},{"text":"في نعاله ما رأينا مشايخنا يفعلون ذلك.\nفأقول هذا لا يصدر إلا من جاهل ليس عنده علم بسنن رسول الله ﷺ، فما سنّه رسول الله ﷺ أو فعله مما ليس من خصائصه، أو أمر به فهو الحق، وعلى كل مسلم أن يقبل ذلك، ولا يعارضه بقول أحد كائنًا من كان، وقد أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا من كان، وليس هذا خاصًا بالسنن المذكورة فقط، بل هذا في كل سنة سنها رسول الله ﷺ، وأمر بها أو فعلها ليقتدى به فيها، لكن جلسة الاستراحة مما تنازع فيها العلماء، هل هي من سنن الصلاة، أو سنة للحاجة إليها كما سنبينه إن شاء الله تعالى.\nوالنزاع في هذا أسهل في جنب ما أسلفناه، فقد أوضحنا فيما تقدم وجوب معاداة أعداء الله، وأعداء رسوله، فإن هذا من الواجبات الدينية، وأما جلسة الاستراحة والصلاة في النعلين، وغيرهما من السنن فليس هي من الواجبات، بل من فعلها فقد أحسن، ومَن لا فلا حرج عليه، وقد ذكرنا فيما تقدم أقوال أئمة الإسلام من السلف والخلق في تكفير الجهمية، وعباد القبور، وأنه قد بلغتهم الدعوة، وقامت عليهم الحجة، وذكرنا أقوالهم في التحذير عن سائر أهل الأهواء والبدع، وعدم مجالستهم، والسلام عليهم ووجوب هجرهم، والبعد عنهم، فمن أوهم العامة الذين لا معرفة لهم بمقالات الطوائف","vol":"1","page":61},{"text":"بأن هؤلاء الجهمية، وعباد القبور، والإباضية حكمهم وما يقال فيهم حكم أهل الفترات، ومن ليس عندهم من آثار الرسالة والنبوات ما يعرفون به الهدى، ممن لم تقم عليه الحجة ببلوغ الدعوة، وحكم من أخطأ في المسائل التي تنازع فيها أهل القبلة مما قد يخفى دليله فقد لبّس الحق بالباطل وفتح باب المغالطة، وأوقع العامة في الشر، فالواجب عليكم أن تقوموا لله مثنى وفرادى، وأن تنظروا بعين البصيرة في كلام أئمة الإسلام، وأن لا تأخذكم العزة بالإثم، وتنظروا وتناظروا، فإن من شأن المسلمين والمؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فإن أشكل عليكم شيء مما ذكرناه فاطلبوا الدليل وعلينا أن نجيبكم إلى ذلك، والحق ضالة المؤمن.\nوأما الإباضية فهم فيما نعلم أنهم من جنس الخوارج أو طائفة منهم أتباع عبد الله بن أباض، وأتباع حفص بي أبي المقدام، وأتباع يزيد بن نسية، وأتباع أبي الحارث، فعقيدتنا فيهم ما ذكره الإمام أحمد في كتاب السنة.\nوأما هؤلاء فأظن أنهم ليسوا على مذهب أوائلهم وأسلافهم، بل قد بلغنا عنهم أفعال في الصلاة وغيرها لا يفعلها يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم مع ذلك فيما بلغنا أنهم ممن يعتقد بالأولياء والصالحين فيكونون من جملة عباد القبور، وهم يكفرون بالذنوب، وينفون الحوض، والشفاعة، ويفسقون الصدر الأول من الصحابة، ويعتقدون","vol":"1","page":62},{"text":"عقيدة المعتزلة في نفي الصفات، ومن كان بهذه المثابة فلا شك في كفره وهجره وعدم موالاته، ومن والاهم، وذب عنهم فقد جهل طريق الحق وسبيل السلف.\nوأما ما ذكر في الفصل الأول من النصيحة فحق لا مرية فيه، والذي ظهر لنا أنما يفعله الإخوان من طلبة العلم في عُمان أنه١ من النصح لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم في معاداتهم للجهمية، وعباد القبور، والإباضية، وتحذير الناس عنهم، وعن مجالستهم، وترك السلام عليهم، وعلى من والاهم، وجالسهم.\nوكذلك ما ذكره في الفصل الثاني من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الواجبات، وما فعله الإخوان فهو من الواجب عليهم، واللين والرفق والتلطف فرض، وتقديره فيما هو دون تعطيل الصانع سبحانه عن أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وجحد علوه على خلقه، وأنه لا قدرة له، ولا مشيئة، ولا حياة، ولا علم، ولا يقوم بفعل البتة، وفيما دون الشرك الأكبر من عبادة غير الله، وصرفها لمن أشركوا به مع الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به، بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام، فعلى كل مسلم معاداة أهله، ومقتهم، وعيبهم، والطعن عليهم، ومصلحة إنكاره راجحة على مفسدة ترك ذلك من كل\n_________\n١ في الأصل \"أنهم\".","vol":"1","page":63},{"text":"وجه، فلا يدخل تحت ما دونه من المحرمات والذنوب والمعاصي، ولا يُلَبِّس بذلك إلا رجل مفتون مغموص بالنفاق، أو جاهل جهله مركب لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، أو رجل يبيع دينه بعرض من الدنيا.\nوأما قول المعترض: \"الفصل الثالث في الذب عن تكفير المسلمين\".\nفنقول: أولا: من تعني بهؤلاء المسلمين الذين تذب عن تكفيرهم، فإن كانوا الجهمية، وعباد القبور، فما أولئك بالمسلمين الذي يجب على المسلم أن يذب عنهم، بل هم أعداء الله وأعداء رسله، وشرعه ودينه، وقد بينا فيما مضى من كلام أئمة الإسلام ما يكفي ويشفي لمن كان له قلب أو أذن أو واعية.\nومن ذلك ما أجاب به الشيخ عبد اللطيف ﵀ في جواب السؤال الذي ورد عليه من ساحل عُمان، وقد تقدم لكن نعيده هاهنا لأن هؤلاء يزعمون أنه ما قامت عليهم الحجة، ولم تبلغهم الدعوة، إما مكابرة وعنادًا، أو لغرض من الأغراض الدنيوية قال فيه:\nووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يصلي خلف الجهمية.\nوجواب هذا السؤال لو سلم من أوضح الواضحات","vol":"1","page":64},{"text":"عند طلبة العلم، وأهل الأثر وذلك أن الإمام وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة في تكفيرهم١ عن عامة أهل العلم والأثر وعد اللالكائي ﵀ منهم عددًا يتعذر ذكره هنا في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام أحمد٢ في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة له، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة، وقد حكة كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته عن خمسمائةٍ من أئمة المسلمين وعلمائهم، والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة غيره، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين ملا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد كيف لا وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات والكفر بما اتفقت عليه\n_________\n١ في الأصل \"وتكفيرهم\".\n٢ في الأصل \"وكذا ابن الإمام عبد الله بن أحمد\".","vol":"1","page":65},{"text":"الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدمًا لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون على الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه، وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات، ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عن الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادًا من بعض كلام هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي، أو غيره، وقد صرّح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها، وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم، انتهى.\nفإن كان هؤلاء هم المسلمون عندكم فهذا كلام الأئمة في تكفيرهم، وإن كانوا غير هؤلاء سيأتي الجواب عنه.\nوأما قوله: \"قال تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى بعد أن سئل عن رجلين تكلما في مسألة١ التكفير فأجاب: إنما أصل التكفير\n_________\n١ في الأصل \"مأله\".","vol":"1","page":66},{"text":"للمسلمين من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين، لما يعتقدون أنهم أخطئوا١ فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد٢ الخطأ٣ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، وليس كل من يترك قوله بخطأ أخطأه٤ يكفر، ولا يفسق، ولا يؤثم، فإن الله قال في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال الله: \"قد فعلت\" إلى أن قال: \"ومن المعلوم أن المنع عن تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذه الباب، بل رفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشرعية، حتى لو فرض أن القائل رفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر حماية لأخيه المسلم لكان غرضًا شرعيًا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب له أجران، وإن اجتهد فأخطأ٥ فله أجر واحد، فبكل حال هذا القائل محمود على ما فعل، مأجور على ذلك مثاب إذا كانت له فيه نية حسنة، والمنكر له أحق بالتعزير منه \"، انتهى.\n_________\n١ \"أخطاؤوا\" كذا في الأصل.\n٢ في الأصل \"مجرد\".\n٣ في الأصل \"الخطاء\".\n٤ في الأصل بخطاء أخطاءه\".\n٥ في الأصل \"فأخطأ\".","vol":"1","page":67},{"text":"فالجواب أن يقال كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حق وصواب لا يمتري فيه عاقل فضلًا عن العالم، وهذا هو الدين الذي ندين الله به ونعتقده، فإن كان الكلام في الجهمية وعباد القبور والأباضية وأنهم داخلون تحت كلام الشيخ فقد تقدم الجواب عن هذا، فإنهم عند أهل السنة والجماعة كفار، ولكن قد كان من المعلوم بالضرورة أن إدخالهم في كلام الشيخ من الإفك الفاضح، والبهتان الواضح، الذي لا يشك فيه من عرف يمينه من شماله، فمن كفرهم لا يكون في عداد الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم أخطئوا فيه، فإن الجهمية، وعباد القبور، والأباضية، ليسوا من أئمة المسلمين، بل قد ذكر شيخ الإسلام عن الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ أنه لما سئل عن الجهمية فقال: ليسوا من أمة محمد ﷺ.\nوقال الشيخ أيضًا: من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، قاله في الإقناع وشرحه. بل من كفرهم، وأظهر عداوتهم، وعيبهم، ومقتهم، يكون من جملة أهل السنة والجماعة الذين ينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر.\nوإن كان الكلام فيمن يذب عنهم، ويجادل بالباطل دونهم خطأ١ فالذي بلغنا عن الإخوان من أهل عمان أنهم\n_________\n١ في الأصل \"خطاء\".","vol":"1","page":68},{"text":"يبرؤون إلى الله من تكفير هؤلاء الذابين والمجادلين، وعن أنهم لا يكفرون بالعموم كما يزعم الخصوم، ولا عندكم عليهم شهود بنثر القول ومنظوم، كما عندهم عليكم من الحجة المشهورة ما بين طبعٍ ونظمٍ، ويقولون إنما الكلم في الجهمية، وعباد القبور، والأباضية، ويقولون لم يصدر من على من جادل عنهم إلا الإنكار عليهم، وهجرهم، وترك السلام عليهم، فإذا كان ذلك كذلك كان الرد والتشنيع بالباطل على الإخوان من الصد عن سبيل الله، ومن الإتباع للهوى والعصبية.\nوغاية مرامهم أن تمشي الحال مع من هب ودرج، وأن لا يكون في ذلك من عار ولا حرج، هذا إن أحسنا الظن بهؤلاء الذابين عمن خرج عن سبيل المؤمنين، وأنه صدر ذلك منهم عن شبهة عرضت لهم أن هؤلاء الجهمية وعباد القبور والأباضية داخلون في كلام الشيخ – أعني شيخ الإسلام ابن تيمية – وأنه لم تبلغهم الدعوة، ولم تقم عليهم الحجة، مع أن هذا إن كان هو الشبهة العارضة لهم فهو من أبطل الباطل، فإنه لا يشك أحد عرف الإسلام، وما يجب لله فيه على المسلمين، وما حرمه الله تعالى من موالاة أعداء الله المشركين، والمعطلين لأسماء الله وصفاته ونعوت جلاله أن هؤلاء الجهمية قد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة منذ أعصار متطاولة، وأنه قد جرى بينهم وبين أهل الإسلام","vol":"1","page":69},{"text":"مخاصمة ومجادلة عديدة، كما قدمناه من سؤالهم مشايخ الإسلام وجوابهم، وعندنا جملة رسائل، وأجوبة مسائل في الرد عليهم وتبين ضلالهم وزيغهم وإدحاض حججهم بالبراهين والدلائل من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الأمة، فليس لهم بعد هذا من عذر، ولا حجة يحتجون بها إلا المكابرة والعناد، نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nثم قال المعترض: \"فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام رحمة الله عليه في جواب له في الطائفة القدرية. قال: كل من كان من المتنسكة، والمتعبدة، والمتفقهة، والمتقعرة، والأغنياء، والكتاب، والحساب، والأطباء، والعامة خارجًا عن دين الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، ولا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ظاهرًا أو باطنًا، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره، أو يهديه، أو يعينه، أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له، لو كان يفضله على النبي ﷺ تفضيلًا مطلقًا، أو مقيدًا في شيء من الفصل الذي يقرب إلى الله، أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه، وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة","vol":"1","page":70},{"text":"العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من١ آثار الرسالة وآثار النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويعفوا الله فيه لمن لم تقم عليه الحجة، ما لم يغفره لمن قامت عليه الحجة، كما جاء في الحديث المعروف: \"يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاةً ولا صيامًا ولا حجًا ولا عمرة ً إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، قال تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار\". وأصل ذلك أن المقالات التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر مطلقًا، كما دل على ذلك الدليل الشرعي، فإن الإيمان والكفر من أحكام المتعلقات عن دين الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه مثل إن قال: إن الزنا والخمر حلال لقرب عهده بالإسلام والنشأة ببادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا من أحاديث النبي ﷺ كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده\n_________\n١ في الأصل \"لمن\".","vol":"1","page":71},{"text":"أن النبي ﷺ قالها، أو كما كان الصحابة ﵃ يشكون في شيء مثل رؤية الله تعالى فيسألون١ عن ذلك النبي ﷺ، ومثل الذي قال: إذا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد من العالمين، فأمر الله البرّ برد ما أخذ منه، والبحر برد ما أخذ منه، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشية منك يا رب، فغفر له.\nفهذا يشك في قدرة الله في المعادة، بل ظن أنه لا يعود، وأنه لا يقدر عليه إذا فعل ذلك، فغفر له، وهذه مسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، وهذا الحديث في الصحيح فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام في القواعد، انتهى.\nوالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب كثير من الناس حتى قلبوا الحقائق، فإن من زعم أن حكم من نشأ٢بين أهل الإسلام كجهمية دبي وأبي ظبي الذين بلغتهم دعوة أهل الإسلام يبينون لهم، ويجادلونهم ومع هذا كله\n_________\n١ في الأصل \"فيسئلون\".\n٢ في الأصل \"نشاء\".","vol":"1","page":72},{"text":"يكابرون، ولا يرعوون عما كانوا عليه من الضلال، حكمهم وما يقال فيهم حكم من كان قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ١ ببادية بعيدة، فهل لأهل هذا القول حظ من النظر والدليل، أو هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل، وكلام شيخ الإسلام الذي أورده هؤلاء الجهلة في القلندرية لا في القدرية، وهذا الكلام قد أورده داود بن جرجيس طاغية العراق فيما اعترض به على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومراد هؤلاء الجهال أن هؤلاء القلندرية، ومن حذى حذوهم ممن ذكره شيخ الإسلام، ممن هو خارج عن دين الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، الذين لا يقرون بجميع ما أخبر الله على لسان رسوله، ولا يوجبون ما أوجبه الله ورسوله، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله، أو يدينون بدين يخالف الدين إلى آخر كلامه، أنه إذا وجد أحد من هؤلاء ممن لم تقم عليه الحجة. ولم تبلغه الدعوة، لا يكفر حتى تقام عليه الحجة. أن حكم الجهمية، وعباد القبور والإباضية وغيرهم من طوائف الكفر ممن قد نشأ في الإسلام، وبين أظهر المسلمين، ويسمعون كتاب الله وسنة رسوله ويقرؤون فيهما. وكتب أهل الفقه وأهل الحديث قد انتشرت اليوم في جميع الأقطار أشد الانتشار، ويعرفون ما عليه أهل الإسلام، ثم يخالفونهم عمدًا على علم ومعرفة إلى\n_________\n١ في الأصل \"نشاء\".","vol":"1","page":73},{"text":"ما عليه أسلافهم الماضين من الملاحدة والمشركين، حكم أحد هؤلاء القلندرية، ومن حذى حذوهم، ممن لم تبلغه الدعوة، ولم تقم عليه الحجة، وقد أجاب على هذه الشبهة شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى، ثم اعلم أن لكل قوم وارث.\nواعرف مواردهم تعرف مصادرهم\n...\nوخذ قياسك تعليلًا وتشبيهًا\nقال الشيخ ﵀: والجواب أن يقال: هذا العراقي يتكثر بما ليس له ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، أو لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، أو لا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو كان يدين١ بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهرًا أو باطنًا مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه، أو يسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلًا مطلقًا أو مقيدًا، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول ﷺ، قال: فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، منافقون إن أبطنوا.\n_________\n١ في الأصل \"أو كان بدين\".","vol":"1","page":74},{"text":"فجزم بكفرهم، وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفًا واحدًا، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما هو دون مسألة النزاع بكثير.\nوأما قوله: \"وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة، فلقلة دعاة العلم، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة، وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغه ذلك وفي أوقات الفترات. وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، إلى آخر كلامه\".\nفهذا هو الذي تمسك به العراقي أعني هذا الكلام الأخير فظن أنه له لا عليه، وهذا غلط ظاهر، وجهل مستبين، فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته١ ومسبته ورده، كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأسًا كحال جمهور عباد القبور، أو لم يعلم لكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به.\nوكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت الحجة الرسالية، ومن\n_________\n١ في الأصل \"عداوه\".","vol":"1","page":75},{"text":"عرف دين الرسول بعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإن كنا لا نكفر من يعبد قبة الكوافر، ونحوه لعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا.\nويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله.\nوإذا كان هذا شيخنا – ﵀ -، وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي، وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الدعوة ليغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم، والعراقي لبّس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه، وما لم يقل وألزمه ما هو بريء منه، انتهى.\nوالمقصود أن هؤلاء أوردوا كلام الشيخ ابن تيمية ﵀ في القلندرية، وأشباههم الذين ليس عندهم من آثار الرسالة، وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، كما أورد ذلك داود وشبّه به، فما أشبه الليلة بالبارحة.\nوالإخوان من طلبة العلم في عُمان إنما كلامهم في الجهمية، وعباد القبور، وفي الإباضية، وهؤلاء بين أظهر المسلمين، وفي أوطانهم، ويتظاهرون بالإسلام، ويناظرون على مذاهبهم، ويجادلون أهل الإسلام فقد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، ولم يكونوا في أماكن بعيدة عن","vol":"1","page":76},{"text":"أماكن أهل الإسلام، ولا في أوقات فترات، ولا نشؤوا١ ببادية بعيدة عن أهل الإسلام، وعندهم من آثار النبوة، وكتب الحديث ما لا يمكن جحده، ومع ذلك كله قاموا في عداوة الدين، وأهله، ولم يرفعوا بهذا الدين رأسًا ولم يلتفتوا إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة، بل كابروا، وعاندوا، وأصروا على مذاهبهم، واعتقاداتهم الخبيثة، وأخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم٢.\nوقد قال شيخ الإسلام ﵀ في جواب له: فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل، ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك، وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم، وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلّظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أن أصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف، واحتج بحديث أبي هريرة قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة هو من أعظم أصول الإيمان،\n_________\n١ في الأصل \"نشاؤا\".\n٢ في الأصل \"أهوائهم\".","vol":"1","page":77},{"text":"وقواعد الدين، وإذا كان لابد من إلحاقه – أي المخطئ – بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهًا١ من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيرًا ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، وأولئك في الدرك الأسفل من النار.\nفتبين بهذا مراد الشيخ، وأن كلامه في طوائف مخصوصة وأن الجهمية غير داخلين فيه، وكذلك المشركون، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة، فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان.\nقال شيخنا ﵀: وهذا هو قولنا بعينه، فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره، ولا نخرجه من الملة، وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه مسائل مخصوصة.\nوبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحج يفسد بترك أركانه، وهذا عين قولنا، بل هو أبلغ من مسألة٢ النزاع.\n_________\n١ في الأصل \"شبيها\".\n٢ في الأصل \"مسئله\".","vol":"1","page":78},{"text":"قال: وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحدًا، ليس من أهل الشرك، فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة \"لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد \"فبطل الاحتجاج به على مسألة١ النزاع.\nوأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه، والمسألة١ ليست من محل النزاع فإيراد العراقي لها هنا تكثرًا بما ليس له، وتكبيرًا لحجم الكتاب بما ليس يغني عنه فتيلًا.\nقلت: وإيراد المعترض لكلام شيخ الإسلام ليس هو في محل النزاع أيضًاَ، فإن الإخوان لم ينازعوا في هذه المسائل ولم يكفروا بها أحدًا حتى يستدل عليهم بكلام شيخ الإسلام، لأن كلام الشيخ إنما هو في مسائل مخصوصة، وفيما قد يخفى دليله في المسائل النظرية الخفية الاجتهادية، كما سنبينه إن شاء الله٢ تعالى.\nوأما جحد علو الله على خلقه، واستوائه على رعشه بذاته المقدسة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه مباين لمخلوقاته، وكذلك نفي صفات كماله، ونعوت جلاله فهذا لا يشك مسلم في كفر من نفى ذلك، لأنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، ومما فطر الله عليه جميع خلقه إلا من اجتالته\n_________\n١ في الأصل \"مسئله\".\n٢ في الأصل \"إنشاء الله\".","vol":"1","page":79},{"text":"الشياطين عن فطرته، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة معلومة مشهورة مقررة لا يخفى ذلك إلا على من أخلد إلى الأرض وابتع هواه، وأضله الله على علم، وختم على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله.\nثم قال الشيخ: وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح، والشرك العظيم، والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطأهم١ في هذه الباب الذي اجتهدوا فيه فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وهل قَتل الحلاج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا بضلال اجتهاده، وهل كفر القرامطة، وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلع ربقة الشريعة إلا اجتهادهم فيما زعموا، وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب رسول الله ﷺ، وأم المؤمنين إلا باجتهادهم فيما زعموا هؤلاء، هؤلاء سلف العراقي في قوله: إن كل خطأ مغفور، وهذا لازم لهم لا محيص عنه، فقف هنا واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي.\nوالمقصود أن هؤلاء الجهال أوردوا كلام شيخ الإسلام ظنًا منهم أن كل اجتهاد وكل خطأ٢ مغفور، وأن الجهمية المنكرين لعلوا الله على خلقه، وعباد القبور المتخذين الأنداد\n_________\n١ في الأصل \"خطاوهم\".\n٢ في الأصل \"خطاء\".","vol":"1","page":80},{"text":"والآلهة من دونه داخلون في هذا الكلام، وأنه مغفور لهم خطؤهم١.سبحانك هذا بهتان عظيم.\nواعلم أن هذا المعترض قد حذف من كلام شيخ الإسلام أوله فقال: فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام ﵀ في جواب له في الطائفة القدرية، وكلام شيخ الإسلام ليس في الطائفة القدرية بل في القلندرية، فلم يفرق الناقل بين اللفظين، والطائفتين فإن مذهب هؤلاء غير مذهب هؤلاء.\nوالكلام المحذوف من جواب شيخ الإسلام هو قوله: \"وأما قول هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة، ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وليسوا من أهل الملة، ولا من أهل السنة، وقد يكون فيه من هو مسلم لكنه مبتدع ضال، أو فاجر فاسق إلى أن قال: تجب عقوبة جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور، وليس ذلك مختصًا بهم، بل كان من كان من المتفقهة والمتعبدة والمتكلمة \"، فانظر ماذا أراد بحذف هذا، وما ملخصه فيه فإن من كان من المتنسكة والمتفقهة إلى آخر كلامه ليسوا من الطائفة القلندرية.\n_________\n١ في الأصل \"خطاوهم\".","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>فصل</span>\nثم نقل نقلًا آخر فقال: قال ﵀ في موضع آخر بعد كلام ذكره: وحقيقة الأمر في ذلك أن القول يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال هذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، فهذا كما في نصوص الوعيد أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] .فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، يعني لا يقال هذا من أهل النار، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه لفوات شرط، أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وكذلك الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد يكون بلغه ولم","vol":"1","page":82},{"text":"يثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق فإن الله تعالى يغفر له خطأه١ كائنًا من كان، سواء كان في المسائل النظرية والعملية، هذا الذي عليه أصحاب محمد ﷺ وجماهير أئمة المسلمين من أهل السنة، انتهى كلام شيخ الإسلام باختصار.\nوالجواب أن يقال أما كلام شيخ الإسلام في عدم تكفير المعين فالمقصود به في مسائل مخصوصة قي يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورًا كفرية من أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرًا، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص، أو بدلالته فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة٢ قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله.\n_________\n١ في الأصل \"خطاؤه\".\n٢ في الأصل \"المسئلة\".","vol":"1","page":83},{"text":"وبهذا تعلم غلظ هؤلاء المشبهين بكلام شيخ الإسلام، وجهلهم، وعدم معرفتهم، ولبسهم الحق بالباطل لدى العامة أو شبيهًا بالعامة، فإن هاتين البلدتين قد بلغتهم الحجة، والحجة القرآن والحديث وعقائد الأئمة الأربعة، وناظروهم مرات عديدة علماؤنا١ ولم يزدادوا إلا تمردًا وعنادًا، إلى الإصرار على التجهم، ودعوة غير الله، والذبح لغير الله كما هو مشهور منهم من أعوام متطاولة.\nقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في رده شبهات داود ابن جرجيس: والجواب أن شيخنا ﵀ قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من تأمل كلامه ﵀ وجده يصله بما يفصل النزاع ويبين المراد، وقد بين في هذا النقل بيانًا يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى.\nوهذا البيان كاف فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لا يكفر أحدًا قبل قيام الحجة، وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرد والدفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخيل وهوس.\nقلت تأمل رحمك الله أيها المصنف ما قاله الشيخ ﵀ أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى\n_________\n١ في الأصل \"علمائنا\".","vol":"1","page":84},{"text":"قال في إدخال هذه الشبهة التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية إلى آخره: إن من شبه بها كان مبطلًا، لأنه ما عرف كلام شيخ الإسلام حيث وضعه في غير موضعه، وشيخ الإسلام قد وصله بما يفصل النزاع، ثم تأمل ما يأتي بعد هذا من كلام تلميذه ابن القيم ﵀.\nقال الشيخ: وقال في موضع آخر: قال ابن القيم ﵀ في طبقات المكلفين بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشر وأطال الكلام فيها، ثم ذكر الطبقة السابعة عشر فقال: الطبقة السابعة عشر طبقة المقلدين، وجهال الكفرة، وأتباعهم، وحميرهم الذين معهم تبع ما يقولون إنا وجدنا آباءنا١ على أمة، ولنا أسوة بهم، ومع هذا فهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله وعدم دينه، وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام. إلى أن قال:\n_________\n١ في الأصل \"أبائنا\".","vol":"1","page":85},{"text":"والإسلام هو توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسوله، وإتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى، وكذب رسوله إما عنادًا، وإما جهلًا وتقليدًا لأهل العناد، فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله تعالى في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار وأن الأتباع مع متبوعيهم، فإنهم يتحاجون في النار، وإن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [لأعراف: ٣٨] . وذكر آيات نحو هذه ثم قال:\nنعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم، ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد ل يتمكن من ذلك، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان: -\nأحدهما: مريد للهدى، مؤثر له، محب له، غير قادر عليه، ولا على طلبه لعدم مرشد، فهذا حكمه أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.","vol":"1","page":86},{"text":"الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.\nفالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به، وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي، ونهاية معرفتي.\nوالثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، ولهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق.\nفالأول كم طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استغراقه الوسع في طلبه عجزًا أو جهلًا.\nوالثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب، وعجز المعرض فتأمل هذا الموضوع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته، ولا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليهما الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله تعالى، وحكم هذا في أحكام الثواب والعقاب،","vol":"1","page":87},{"text":"وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم١.\nوبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة٢ وهو مبني على أربعة أصول:\nأحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٩:٨] وقال: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١] وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠] وهذا كثيرا في القرآن يخبر تعالى أنه إنما يعذب من جاءه الرسول أو قامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف بذنبه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] والظالم من عرف ما جاء به الرسول، أو تمكن\n_________\n١ في الأصل \"أولياءهم\".\n٢ في الأًصل \"مسئلة\".","vol":"1","page":88},{"text":"من معرفته ثم خالفه، وأعرض عنه، وأما من لم يكن عنده الرسول خبر أصلًا، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال إن ظالم.\nالأصل الثاني: أن العذاب يُسْتَحَقّ بشيئين: أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادته لها وبموجبها. الثاني العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه، حتى تقوم حجته بالرسل.\nالأصل الثالث: أن تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه لكونه لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا، ولا يتمكن من التفهم وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما.\nالأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه تابعة لحكمته التي لا يخل بها، وأنها مقصودة لذاتها المحمودة، وعواقبها الحميدة، تبنى مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة، لا من آراء الرجال وعقولهم، ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقة","vol":"1","page":89},{"text":"إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب، وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم والله تعالى الموفق للسداد الهادي إلى الرشاد إلى آخر كلامه ﵀.\nقال شيخنا فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع فإنه ﵀ لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين.\nوأما العراقي وإخوانه المبطلون فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسًا يدفع بها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين وإلى الله المصير وهو الحاكم بعلمه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، انتهى.\nفتبين أن فرض كلام الشيخ شيخ الإسلام فيما نقله هؤلاء الجهال أنه في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى وكما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وأنه في المسائل التي قد يخفى دليلها، فإذا عرفت هذا تبين لك أنه لا حجة لهم في كلام الشيخ بل هو عليهم لا لهم، وإيرادهم إياه مجرد هوس وتلبيس وتمويه وسفسطة على عامة ساكني ساحل عمان. والله الهادي إلى الرشاد والموفق للسداد.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل في الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة</span>\nقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀: وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة١ قيام الحجة، قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾ [البقرة: ٧] انتهى.\nقلت: ومعنى قوله ﵀: \"إذا كان على وجه يمكن معه العلم\" فمعناه أن لا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب، ولم\n_________\n١ في الأصل \"مسئلة\".","vol":"1","page":91},{"text":"يحضر ترجمان يترجم له، ونحو هؤلاء فمن بلغته رسالة محمد ﷺ، وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ً﴾ [النساء: ١٦٥] فلا يعذر أحد في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم، وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا لكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأنه لا عذر له بعد بلوغها لكونه لم يفهمها، وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم يفهموا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرا﴾ [الأنعام: ٢٥] وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [لأعراف: ٣٠] فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل","vol":"1","page":92},{"text":"صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤-١٠٥] الآية.\nفإذا تبين لك هذا واتضح فاعلم أن هؤلاء الذين شبهوا بكلام شيخ الإسلام وأجملوا ولم يفصلوا لبسوا الحق بالباطل، وشيخ الإسلام ﵀ قد وصل كلامه بما يقطع النزاع، ويزيل الإشكال، فذكر أن ذلك في المقالات الخفية، والمسائل النظرية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما مسألة١ توحيد الله وإخلاص العبادة له فلم ينازع في وجوبها أحد من أهل الإسلام لا أهل الأهواء ولا غيرهم، وهي معلومة من الدين بالضرورة كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه عرف أن هذا زبدتها وحاصلها وسائر الأحكام تدور عليه، وكذلك الجهمية الذين أخرجهم أكثر السلف من الثنتين والسبعين فرقةً.\nقال شيخ الإسلام في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرًا قال: \"وهذا إن كان في المقالات الخفية فقد يقال فيها إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في\n_________\n١ في الأصل \"مسئلة\".","vol":"1","page":93},{"text":"أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بُعث بها، وكفر من خالفها مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذه أظهر شعائر الإسلام، مثل إيجاب الصلوات الخمس، وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرًا من رؤساهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي. قال: وهذه ردة صريحة، انتهى.\nفالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي معلومة من ضروريات دين الإسلام، مثل عبادة غير الله ﷾ ومثل جحد علو الله على خلقه، ونفي صفات كماله ونعوت جلاله الذاتية والفعلية، ومسألة١ علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، فإن المنع من التكفير والتأثيم بالخطأ٢ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراد الله تعالى بالإلهية، والقائلين بأن الله لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة، فإن من التزم هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى.\n_________\n١ في الأصل \"مسئلة\".\n٢ في الأصل \"الخطاء\".","vol":"1","page":94},{"text":"وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه، وعرف أصوله فإنه قد صرح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور، والداعون للموتى والغائبين، والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه، ونفي أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت، ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت.\nوكذلك ابن القيم ﵀ لما ذكر طبقات المكلفين قال في الطبقة السابعة عشر: وأما كون زيد بنفسه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر. فإنه فَصَلَ النزاع، وأزال الإشكال بهذا وبقوله: وإن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله تعالى وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر.\nفبين ﵀ أن هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأنه لا يجوز لأحد أن يحكم على إنسان بعينه أن الله يعذبه ويعاقبه على ما صدر منه قبل قيام الحجة عليه بالرسول، وأما أحكام","vol":"1","page":95},{"text":"الدنيا فهي جارية على ظاهرها، ومَثَّلَ ذلك بأطفال الكفار ومجانينهم، بأنهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي وتصنيفه في دين المشركين، وأنها رِدَّة صريحة، وهو معين، وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف ﵀ حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي، وهو رجل معين، وكذلك الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وكذلك الطوسي نصير الشرك، والتلمساني، وابن سبعين، والفارابي، أئمة الملاحدة، وأهل الوحدة، وأبي معشر البلخي، وغيرهم وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تكفير المعين ما يكفي طالب الحق والهدى.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل</span>\nوأما ما ذكره من أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات إلى آخره.\nفالجواب: أن هذا من المعلوم بالضرورة لا ينكره إلا مكابر، وهذا فيمن كانت بدعته لا تخرجه عن الملة، أو كان فاسقًا أو فاجرًا، وليس الكلام في هذا وإنما الكلام والنزاع في الصلاة خلف عباد القبور، وخلف الجهمية الذين ينكرون علو الله على خلقه، وقد تقدم في جواب الشيخ عبد اللطيف ﵀ بعد أن ذكر أقوال الأئمة، وأنهم لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة. قال: والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القوم يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما","vol":"1","page":97},{"text":"عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد. إلى أن قال ﵀: ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادًا من بعض كلام هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيرهم، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابن عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، انتهى.\nوفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ﵀ قال حدثني إسحاق بن بهلول قال قلت لأبي ضمرة أنس بن عياض: أُصَلِّي خلف الجهمية؟ قال: لا ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.\nحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا إبراهيم بن نعيم البابي السجستاني سمعت سالم بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار لا أصلي خلفهم، انتهى.\nفإذا تبين هذا فالتلبيس والتشبيه على الناس بجواز الصلاة خلف أهل البدع والأهواء، وأهل الفجور والفسق والمعاصي، وإدخال الجهمية وعباد القبور في جملتهم لبس للحق بالباطل،","vol":"1","page":98},{"text":"وصد عن سبيل الله، وافتراء على الأخوان، فإن هذا فرض فيمن لم تخرجه بدعته من الملة، وأما عباد القبور والجهمية فقد تقدم كلام الأئمة فيهم، والمؤمن من يخاف الله ويتقيه لا يلبس الحق بالباطل، ويوقع الناس في الشبهات لملاحظة الشهوات، والله الهادي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل</span>\nوأما ما ذكره عن شيخ الإسلام ﵀ من ذكره طائفة من المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية إلى آخر كلامه.\nفالجواب أن يقال ما ذكره شيخ الإسلام حق وصواب، وهو خارج عن محل النزاع، ومن المعلوم أن هؤلاء العلماء إنما صنفوا في فضائل هذه الأعمال لما ظنوا صحة ما بلغهم فيها، فعملوا به، فهم مأجورون على حسن قصدهم، لا على مخالفتهم للسنة، وكَونُه لم يبدعهم ولم يفسقهم ولم يجهلهم فما ذاك إلا لكونهم عملوا بما بلغهم، ولم يتعمدوا مخالفة السنة، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، وهذا بخلاف من يعلم أن هذا الأمر مخالف للسنة، أو يعلم أن هؤلاء القوم مثلًا أهل بدع مخالفون لما عليه أهل السنة، فإذا أنكر عليه أحد من المسلمين بدعتهم وضلالتهم قام في نحره، وجادل عن أهل البدع، ونصب نفسه هدفًا دونهم، وأنهم لا يبدعون ولا يفسقون ولا يجهلون بفعل البدع والفسوق لكون أهل العلم لم يبدعوا ولم يفسقوا ولم يجهلوا من العلماء ممن","vol":"1","page":100},{"text":"علموا أنهم مجتهدون فأخطؤا١ في اجتهادهم، فإن أهل العلم مغفور لهم ما أخطؤا١ فيه باجتهادهم، وهؤلاء متعمدون في ردع أهل الحق دون أهل الباطل، وهم يعلمون أنهم أهل بدع فكيف إذا كان النزاع في عباد القبور، ومعطلة الصانع سبحانه عن علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، ونفي صفات كماله، ونعوت جلاله، فقياس هؤلاء الملاحدة على أولئك من أفسد القياس وأبطل الباطل، وليس لصاحب هذا القول والقياس حظ من النظر والدليل، بل هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nوأما ما ذكره المعترض من أنه لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة إلى آخر ما ذكر.\nفالجواب أن يقال هذا حق وصواب لا مرية فيه، ولا يكفر بالذنوب إلا الخوارج والروافض كما تقدم ذكره عن شيخ الإسلام، فأصل التكفير إنما هو من الخوارج الذين يكفرون أئمة المسلمين فيما أخطؤوا فيه، وبما ظنوه خطأ وليس بخطأ في نفس الأمر، وهم عشرون فرقة.\nالمُحَكِّمَة وهم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عن التحكيم، وكفروه، وكفروا عثمان رضي الله\n_________\n١ في الأصل \"أخطاؤوا\".","vol":"1","page":101},{"text":"عنه، وأكثر الصحابة ﵃، وكانوا إثنا عشر ألفًا، وكانوا أهل صلاة وصيام وقراءة.\nومنهم البيهسية قالوا من وقع في شيء لا يعلمه أحلال أم حرام فهو كافر.\nومنهم الأزرقية أصحاب نافع بن الأزرق كفروا عليًا بالتحكيم، وكفروا عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الله بن عباس، وعائشة ﵃، والمسلمين، وحكموا بالخلود في النار.\nومنهم النجدية أصحاب نجدة بن عامر.\nومنهم العاذرية الذين عذروا الناس في الجهالات إلا في الفروع.\nومنهم الأصفرية أصحاب زياد بن الأصفر.\nومنهم الأباضية أصحاب عبد الله بن أباض كفروا عليًا وأكثر الصحابة، وافترقوا سبع فرق.\nومنهم الحفصية أصحاب حفص بن أبي المقدام.\nومنهم اليزيدية أصحاب يزيد بن نسيئة قالوا يبعث نبيًا١ من العجم بكتاب يكتب في السماء ويترك ملة محمد ويختار ملة الصابئة.\n_________\n١ في الأصل والصواب \"نبي\".","vol":"1","page":102},{"text":"ومنهم الحارثية أصحاب أبي الحارث الأباضي خالفوا في القدر.\nومنهم العجاردة أصحاب عبد الرحمن بن عجرد وهم أربع فرق كلها معلومة بالمحال مشهورة بالضلال.\nفإذا تبين لك هذا من حالهم ومقالهم تبين لك طريقة أهل السنة والجماعة في عدم تكفير المسلمين بالذنوب، أو تكفير من أخطأ خطأ لا يخرجه من الملة، فأما تكفير الجهمية، وعباد القبور فليس من هذا القبيل، ولا على منهاج هذا السبيل، فإن الجهمية قد أخرجهم أكثر السلف من اثنتين وسبعين فرقة كما تقدم عن عبد الله بن المبارك لم سئل عن الجهمية فقال: ليسوا من أمة محمد ﷺ.\nوأما عباد القبور فهم عند أهل السنة والجماعة يسمون الغالية لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين، فمن كفرهم، وأظهر عداوتهم، وبغضهم، وحذر عن مجالستهم، وبالغ في التنفير عنهم فقد اتبع سبيل المؤمنين واقتفى آثار الأئمة المهتدين، وخالف ما انتحله الخوارج والروافض من تكفير المسلمين، فمن جعل تكفير هؤلاء كتكفير هؤلاء فهو من الملبسين، ومن الصادين عن سبيل الله، والباغينها عوجًا، نعوذ بالله من رين الذنوب، وانتكاس القلوب.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل</span>\nقال المعترض: \"الفصل الأول في بيان جواز المسبحة، ثم قال بعد الخطبة: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" رواه البخاري، قال ابن رجب ﵀ في عرض كلامه على هذا الحديث: فمن تقرب إلى الله ﷿ بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه، انتهى باختصار. قلت: فالقربة كل عمل يرجو عامله عليه من الله الثواب، وترك ما يرجو تاركه من الله الأجر، ويخشى على فعله العقاب، والمسباح ليس من ذلك إنما يتخذ آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور \"من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" وما أشبه ذلك من الأذكار الواردة على مثل ذلك، فالمسباح آلة لا قربة، فكيف يصير متخذه مبتدعًا، والآلات ليست من القربات، ولم يردع الشرع بتحريمها إذا لم يستعين بها على المعاصي، وقد علمت أن الجهاد على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين","vol":"1","page":104},{"text":"ومن بعدهم من الصحابة ﵃ كان بالرمح والسيف والنبل، فلما حدثت المدافع والبنادق اتخذها المسلمون آلة في الجهاد يقاتلون في سبيل الله ولم ينكرها أحد من علماء الملة المحمدية، وكذلك الساعات\" إلى آخر كلامه.\nفالجواب أن يقال: أمر المسباح والكلام فيه أمر جزئي في جنب ما تقدم من المسائل، والكلام فيه من أسهل ما يكون لقلة الفائدة، لأن مسألة المسباح مسألة خلافية بين العلماء المتأخرين، وللعلماء فيه كلام منهم من أجازه خفيةً على الوجه المباح كما سنبينه، ومنهم من منع ذلك وقال: إن السبحة بدعة محدثة ورياء وسمعة، ولو لم يكن في المنع منها إلا سد الذريعة عن محظورات الشريعة، وسد الذريعة أصل أصيل، ومذهب جليل، فمن اتخذ المسباح فقد خالف ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" لأن رسول الله ﷺ لم يأمر به ولم يشرعه لأمته لوم يفعله، ولو أمر به، وسنه لأمته، وشرعه، وكان فيه فضل لكان أسبق الناس إلى فعله واتخاذه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأفاضل الصحابة ﵃ لا سيما عبد الله بن عمر فإنه كان يتحرى ما فعله رسول الله ﷺ حتى إنه كان يصلي في المكان الذي يصلي فيه رسول الله ﷺ ويبول في المكان الذي كان يبول فيه، وكان عمر ﵁ وسائر الصحابة يخالفون في ذلك، وينهون عن","vol":"1","page":105},{"text":"تتبع آثار الأنبياء، فإذا وضح لك هذا فمن أجازه فإنما أجازه على سبيل القياس، والقياس يخطئ ويصيب، وقد علمت أن منه ما هو صحيح، ومنه ما هو سقيم، ومنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وأيضًا فقد نقل هذا المعترض عن ابن رجب ﵀ على هذا الحديث قوله: \"فمن تقرب إلى الله ﷿ بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه\" فأين في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله الأمر باتخاذ المسابيح المحدثة سبحانك هذا بهتان عظيم، فليس في الحديث الصحيح ما يدل على ذلك بوجه من الوجوه، ولا في كلام ابن رجب ما يدل على ذلك بل يناقضه أشد المناقضة، ويخالفه أشد المخالفة، راجع شرحه لهذا الحديث في كتابه تجد غلط هؤلاء، وتصحيفهم عليه، فالحديث حجة عليهم لا لهم.\nوأما قول القائل: إنها ليست بقربة إنما هي آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، والمسباح آلة فكيف يصير متخذه مبتدعًا إلى آخر كلامه.\nفأقول اعلم وفقك الله لطاعته أن هذا القياس من أبطل القياس، وأوهنه بلا التباس،وهو منقوض عليه فإن المدافع والبنادق والصمع من جنس السلاح، فالبندق من جنس النبل يرمى بها كما يرمى بالنبل بل هي أشد نكاية في العدو، والمدفع من جنس المنجنيق يرمى به كما يرمى بالمنجنيق بل هو أشد نكاية وأعظم إرهابًا للعدو، والكل آلة للجهاد، ولا","vol":"1","page":106},{"text":"يشك في ذلك من كان له أدنى ممارسة وانتقاد، وكذلك الخيل والركاب والدروع آلاتٌ يستعان بها في جهاد الكفار، واقتناؤها وشراؤها واستعمالها في الجهاد من أفضل القربات وقد حَبَسَ الصحابة وأوقفوا من ذلك في الجهاد، وفي سبيل الله ما هو معلوم مشهور، مقرر في محاله ومظانه، ولا يتغير الحكم لكون هذه نبلًا وهذا سيف ورمح أو منجنيق إذا حدث من جنسه ما هو أنكأ في العدو منه كالمدفع والبندق والصمع، فلو أوقف مسلم في جهاد الكفار مدافع وبنادق لكان هذا قربة إلى الله، وعمل صالح لا يشك في ذلك مسلم، كمن وقف خيلًا وركابًا ودروعًا في سبيل الله لا فرق، ومن فرق فعليه الدليل، فإنه لا يقول من له أدنى معرفة إن هذه الآلات ليست من القربات، ومن قال ذلك فقد كابر المنقول والمعقول.\nقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة على قوله ﷺ: \"فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وعتاده في سبيل الله\" قال: العتاد ما أعد الرجل منه السلاح والدواب وآلات الحرب، انتهى، وهذا لا إشكال فيه.\nوأما الساعات والجداول والروزنامات فليس لها جنس معهود في عهد رسول الله ﷺ فلا اعتماد عليها، والمعتمد في ذلك ما شرعه الله ورسوله من معرفة ما حدّ في المواقيت، فلا اعتداد بالساعات والجداول، فلا يقاس بها ولا عليها، وليست من القرب في شيء، وإذا كان المسباح قد أقررتم أنه ليس","vol":"1","page":107},{"text":"بقربة كما هو كذلك وقد وضح لك أن قياسه على ما ذكر هذا المعترض ممنوع عقلًا ونقلًا فكان بدعةً محدثةً لأنه ليس بمشروع، ولا قيس على فعل مشروع فيكون باطلًا بل قياسه على النوى والحصى والخيط المعقود لو كان مشروعًا أولى من قياسه على ما ذكره من النبل والرمح والسيف، وعلى ما حدث بعد هذا من آلات الحرب، لكن التسبيح بالنوى والحصى ليس بمشروع، ومن أجازه اشترط الإخفاء به، فاتخاذ السبحة على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم بدعة لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ، ولا اتخذه، ولا رآه بأبي هو وأمي، ولا اتخذه أحد من أصحابه لا ظاهرًا ولا باطنًا فليس من الدين في شيء لقوله ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" وفي لفظ \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" أي مردود عليه.\nولا يخل ناقل المسباح من أحد أمرين: إما أن يتخذ ذلك زاعمًا أنه يسبح به فيكون قد رآء الناس بهذا العمل، ومن رآء الناس بعمله فقد أشرك، أو لا يريد به التسبيح وإنما يتخذه ملهًا يلهو به، ويلعب به كما هو الواقع المشاهد من كثير من الناس اليوم، أو ينزلها منزلة العصى فيكون مخالفًا للسنة، ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله تعالى لم يأذن في اللهو واللعب، ولم يشرعه رسول الله ﷺ لأمته، ولا كان ذلك دينًا ينسب إليه، وإلى رسله ودينه وشرعه، إلا ما خصه الدليل من اللهو بالقوس والفرس والمرأة، ولو كان مشروعًا لكان","vol":"1","page":108},{"text":"أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ، وكيف يكون المسباح أمرًا مشروعًا محبوبًا لله ويفوز بقصب السبق إليه هؤلاء الخلوف ويُحرمه أفاضل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه - ﵃ - هذا ما لا يكون أبدًا، ومع كونه محدثة في الدين، لم يتخذه ويستعمله من الناس في الغالب إلا أهل الغفلة، والمرائين بأعمالهم، وفساق الناس الذين لا يذكرون الله إلا قليلًا، فإذا جاء أحدهم إلى مجامع الناس أو مساجدهم ومجالسهم أو أسواق المسلمين رأيت المسباح في يده.\nوقد قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بعد كلام له: وإنما مثلهم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر ومخالفة الشرع ما يفسد حال صاحبها إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.\nإذا عرفت هذا وعرفت أن اتخاذه على هذا الوجه ليس من الدين في شيء، وأنه بدعة ورياء محدثة، ومن جوزه من العلماء فإنما قاسه على الحصى ونحوها.\nوبلا نزاع أن التسبيح بالأصابع وعقدها في كاعة الله هو السنة المحمدية الثابتة من قوله وفعله، وفعل خلفائه وصحابته، وفي هديهم كفاية لكل مقتدي، ولكن شرط من أجازه من","vol":"1","page":109},{"text":"متأخري العلماء بأن يتخذه الإنسان في محل ورده ومصلاه الذي يخلو العبد فيه بربه حيث لا يراه أحد ولا ينظرون إليه، وأما ما يفعله الناس اليوم فحاشا وكلا بل هو إلى الريا والسمعة أقرب منه إلى السنة، وكونه بهذا الوجه بدعة محدثة أوضح من الشمس في رابعة النهار، وإذا كان ذلك كذلك فما وجه الاعتراض والتشنيع على من نهي عنه، وسماه بدعة، بل الذي أجازه مطلقًا قد فتح للناس بابًا من الريا والسمعة.\nومما يوضح لك ما نقلناه أن العمل إذا كان على غير الوجه المشروع يكون بابَ ضلالة ما رواه الدارمي قال أخبرنا الحكم عن ابن المبارك قال أخبرنا عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كما نجلس على باب ابن مسعود قبل صلاة الغداة١ فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاء أبو موسى فقال: أَخَرَجَ عليك أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت آنفًا شيئًا في المسجد أنكرته والحمد لله، ولم أر إلا خيرًا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد حلق خيرٍ جلوس ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة،.فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًاَ انتظر رأيك.\n_________\n١ في الأصل \"الغدات\" ما أثبته من \"سنن الدارمي\" ١/٦٠.","vol":"1","page":110},{"text":"فقال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يفوت من حسانتهم من شيء، ثم مضى حتى أتى حلقة منهم فقال: ما هذا؟ قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يفوت من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء أصحاب محمد ﷺ بينكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى ملة محمد، أو مفتحوا باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد الخير لن يصبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: \"إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم\" وأيم الله لا أدري لعل أكثرهم يكون منكم.\nقال عمرو بن سلمة: رأيت عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوراج.\nوذكر محمد بن وضاح في كتابه ما هو هذا وزيادة كنحو قوله لهم: \"لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو فضلتم أصحاب محمد علمًا\".\nوثم ذكر ابن وضاح أن أبان بن عياش سأل الحسن عن العد بالحصى والنوى فقال: \"لم يفعل العد أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات\".\nقال محمد بن وضاح حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال مرّ ابن مسعود ﵁ بامرأة معها","vol":"1","page":111},{"text":"تسبيح تسبح به، فقطعه وألقاه، ثم مرّ برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو لقد غلبتم أصحاب محمد علمًا. اهـ من كتابه.\nفانظر رحمك الله إلى هذا العمل المشروع المطلوب المحبوب لله المندوب إليه لمّا كان على غير عمل الصحابة، ولم يكونوا يفعلون على عهد رسول الله ﷺ، ولا فعله أحد من الصحابة بعد وفاته، أنكره علماء الصحابة وأفاضلهم كعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري حتى قال عبد الله بن مسعود: \"والذين نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، مفتحوا باب ضلالة\".\nفتبين بهذا أن هذا بدعة وضلالة وأنه ليس من هدى الرسول وملته، وهم إنما يعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى، وأنهم إنما يتخذونه آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، فاتبع هؤلاء في الابتداع من كان من سلفهم على عهد الصحابة في استحسان البدع الذين كان آخر أمرهم يطاعنون الصحابة يوم النهروان، والمنكرون لهذا الابتداع اتبعوا سلفهم في إنكار ما هو محدث في الدين، كعبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وحذيفة، والحسن البصري ولكل قوم وارث.\nفإذا علمت أن هذا العمل الصالح لما كان يفعله بعض الناس ظاهرًا في المسجد أو المجلس ونحوه، بالحصى أو","vol":"1","page":112},{"text":"المسباح أنه على غير عمل الرسول ﷺ، وأصحابه كان فاعله مفتتحًا باب ضلاله، وعلى غير ملة محمد ﷺ في العمل، وأن الصحابة ﵃ لم يتخذوا المسابيح لا ظاهرًا ولا خفاءً، تبين لك أن هذا العمل محدث.\nفإن قيل: قد فعل العد بالحصى ونحوه بعض السلف والخلف، ومستندهم حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ لم ينكر على المرأة، وإنما دلها على ما هو أفضل وأيسر عليها، وهذا يدل على الجواز.\nقيل: نعم صدر ذلك عن بعض منهم بوجه الخفاء، والمرأة رجعت لما هو أيسر وأفضل متابعة لما دلّها الرسول ﷺ، وأما أبو هريرة ﵁ فكان لا يستعمله إلا في داره عند نومه، وتلك حالة لا يشاهده فيها أحد ولا يراه الناس، وفعل الصحابي الواحد ليس بحجة عند أهل الحديث ونحوهم، ومن فعل منهم فإنما يفعله في مصلاه، وكان السلف أحرص الناس على إخفاء العمل كما هو معروف مشهور عنهم.\nفإذا فهمت هذا علمت أن الذي يفعله الناس على خلاف مذهب من أجازه من العلماء.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فصل</span>\nوأما ذكره بعد هذا عن شيخ الإسلام من أن جنس المفضول قد يكون أفضل من الفاضل.\nفأقول: هذا حق لا ريب فيه، لكن إذا كان المفضول مشروعًا وإدخال هذا في مسألة المسباح جهل، وتلبيس، وتكثر بما ليس هو في مشروعيته وكونه فاضلًا أو مفضولًا، فإن من نهى عنه إنما هو لكونه بدعة محدثة في طرف لم يعرفونه منذ أعصار متطاولة، حتى ما دعوتم وألفتم في رسائل، ومن نهى عن مراده سدًا للذريعة المفضية إلى الرياء والمشابهة، وعدم فعل السلف له، وأما كونه يسبح الله أو يهلله ويحمده بعقد الأصابع، أو بغير عقدها، ويستعمل هذا الورد وهذا الذكر ويدع قراءة القرآن فهذا يكون المفضول بعد الفجر والعصر أفضل من الفاضل، أو يدع قراءة القرآن، ويتابع المؤذن مثلًا وهكذا في سائر ما مثل به شيخ الإسلام من تقديم المفضول على الفاضل.","vol":"1","page":114},{"text":"فأما كون المسباح المبتدع وإن كان مفضولًا مثلًا أفضل من عقد الأصابع أو التسبيح أو التحميد والتهليل والتكبير من غير عقد أصابع فحاشا وكلا، ولا يدخل تحت كلام الشيخ هذا، ولا يقول هذا عالم، بل هذا من تحسين البدع، وإدخالها في المشروع المطلق بنوع من المشروع المقيد.\nوأما قوله: \"وينبغي للفقيه أن يفرق بين البدعة الشرعية واللغوية\".\nفأقول: البدعة في اللغة كل ما فعل ابتداء من غير مثالٍ سبق. والبدعة الشرعية هي ما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا علمت ذلك فالمسباح ليس هو من البدع اللغوية التي كان لها أصل في الشرع على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم، بل أنكره ابن مسعود وغيره من الصحابة كما ذكره الدارمي ومحمد ابن وضاح، واتخاذه في اليد بحيث يعلمون به الناس مما لم يكن له أصل في الشرع، ولم يكن ذلك من شعار الصحابة كما ذكره شيخ الإسلام فيكون محدثًا مبتدعًا، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، ولم يكن يفعل العد بالحصى في الخلوات إلا القليل على طريق الاستحسان لا على أنه مشروع، ولو كان فيه فضل لكان أولى الناس به١، أسبقهم إلى كل خير أبو٢ بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة ﵃.\n_________\n١ في الأصل \"وأسبقهم\".\n٢ في الأصل \"أبي\".","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل</span>\nوأما قوله في أول كلامه: \"فالقربة كل عمل يرجو عامله من الله الثواب، وترك ما يرجو تاركه على تركه من الله الأجر ويخشى على فعله العقاب\".\nفأقول: هذا لا يسلم على الإطلاق بل كل عمل يتقرب به العبد إلى الله مما هو مشروع على سنة رسول الله ﷺ وما لم يكن كذلك فليس بقربة، ولو أن كل عمل يرجو عامله من الله الثواب يكون قربة لكانت الصلوات الأسبوعية والحولية كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر وغيرهم، وكصلاة الألفية التي في أول رجب، والنصف من شعبان، والصلاة الإثنا عشرية التي في أول رجب، والتي في أول تسع وعشرين من رجب، وصلوات١ أخرى تذكر في الأشهر الثلاثة، وصلاة ليلة العيدين، وصلاة يوم عاشوراء، وأمثال ذلك من الأوراد الأسبوعية، ونحوها مما يروى وضعها والعامل\n_________\n١ في الأصل \"صلواة\".","vol":"1","page":116},{"text":"بها يرجو ثواب الله في فعلها أتكون قربة كما قسته؟ ولما كان هذا على خلاف السنة وخلاف المشروع كان بدعة محدثة، وأصل الصلاة مشروع محبوب لله، فتأمل ذلك، ودع بنيات الطريق.\nوأما استدلاله بحديث: \"نعم المذكر السبحة\" على المسباح المتخذ من الخرز ونحوه فهذا غلط بالاتفاق، وخطأ على الرسول ﷺ، فإنه لم يمدح المسباح قط ولا رآه، بل هذا الحديث بعينه عند صاحب مسند الفردوس في سبحة الضحى لا غير، وقد أورده السيوطي في باب مندوبات الصلاة في جمع الجوامع، وكذا أورده في الثبت الشيخ العالم عبد القادر المصري الشهير بالأمير المالكي قال: لم يصح هذا إلا في سبحة الضحى.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>فصل</span>\nثم ذكر هذا المعترض فصلًا في بيان رفع اليدين للدعاء بعد صلاة المكتوبة، ثم ذكر الأدعية الواردة في ذلك على العموم منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هوي موضوع على مؤلفه.\nوأما تخصيص رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة فلم يذكر فيه إلا ما ليس بصحيح لا يعتمد عليه في العبادات وجميع الأدعية التي ذكرها في الأحاديث التي أوردها إنما هي في الأدعية العامة، وأما بعد الصلوات فليس فيها إلا ما ذكره عن أنس والحديث الذي ذكره بعده وكلاهما ضعيف.\nوأما قوله: \"لكنه يعمل به في الفضائل إلى آخر ما قال\" فقال شيخ الإسلام ﵀ وقول أحمد إذا جاء الترغيب تساهلنا في الإسناد، إنما أراد به إذا كان الأمر مشروعًا، أو منهيًا عنه بأصل معتمد، ثم جاء حديث فيه ترغيب في المشروع، أو ترهيب في المنهي لا يعلم أنه كذب، وما فيه من الثواب والعقاب قد يكون حقًا ولو قدر أنه ليس كذلك","vol":"1","page":118},{"text":"فلا بد فيه من ثواب وعقاب وما يرويه مع علمه أنه كذب فمعاذ الله لا يجوز ذلك إلا مع بيان حاله، ولا يستند إليه في تريب ولا غيره، وكذلك لا يجوز أن يثبت به حكم شرعي من ندب أو كراهة أو فضيلة، ولا عمل مقدر في وقت معين بحديث لم يعلم حاله أنه ثابت، فلا بد من دليل ثابت في الحكم الشرعي وإلا كان قولًا على الله بغير علم عياذًا بالله، انتهى.\nفهذا الحديث الذي ذكره عن أنس وما بعده في وقت معين، ولا نعلم حاله أنه ثابت فالاعتماد عليه قول على الله بغير علم.\nقال ابن مفلح في الآداب: قال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أبا عبد الله فذكر أحاديثًا. ثم قال: وقال أيضًا: من شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها.\nوقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون غريب الحديث، ذكره الخلال.\nوقال ابن المبارك: لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه.\nوقال ابن مهدي: لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة الحديث الضعيف فأقل ما في ذلك أن يفوته من الصحيح بقدره، انتهى.","vol":"1","page":119},{"text":"ثم قال المعترض: \"وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:- فصل وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكون ذلك من هديه ﷺ أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن\" ثم قال المعترض إلى آخر ما قال وأسقط من كلام ابن القيم ﵀ قوله: \"وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو، ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه١ من رآه١ عوضًا من السنة بعدهما والله أعلم\".\nفلا أدري ما الحامل له على حذف هذا الكلام، وأظن ذلك أنه لما وقع بينه وبين من أنكر عليه رفع اليدين بعد الصلاة المكتوبة أن ذلك كان بعد صلاة الفجر والعصر فلذلك أسقط هذا الكلام، أو لأن الحديث الذي أورده برفع اليدين بعد صلاة الفجر كما ذكره عن الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة٢ في مصنفه مما لا يصح رفعه، ولا يثبت كما نفاه ابن القيم ﵀.\nثم ذكر كلام ابن القيم ﵀ ولم ينسبه إليه بل أبهم فقال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك\n_________\n١ في الأصل \"راءه\".\n٢ في الأصل \"ابن أبي بكر بن أبي شيبة\".","vol":"1","page":120},{"text":"المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه، والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه، ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن ههنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده، وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي ﷺ بعد ذلك ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه١ عقب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة فإن كل من ذكر الله وحمده، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ استحب له الدعاء عقب ذلك كما في حديث فضالة بن عبيد \"إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ويصلي على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء\".قال الترمذي حديث صحيح.\nوالجواب أن نقول ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى حق وصواب، ولكن الشأن كل الشأن في فهم كلامه ووضعه في موضعه، ومن تأمل كلام ابن القيم رحمه الله تعالى علم أن كلامه قطعًا إنما هو جائز أحيانًا على الانفراد من غير رفع اليدين، وأما بعد المكتوبة فقد ذكر أنه لم يكن ذلك من هديه أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وأن من خص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فإنما هو استحسان ورأي رآه من أتباع الأئمة، ولا مستند له في ذلك، وإنما يجوز ذلك في\n_________\n١ في الأصل \"دعائه\".","vol":"1","page":121},{"text":"الصلوات المكتوبة فيها، وبعدها أحيانًا بعد الذكر المشروع، وأما المداومة على ذلك فليس بمشروع بل مكروه كما سيأتي كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فالتمويه بأن ابن القيم أجاز ذلك بعد الصلوات المكتوبة من غير تفصيل لبسٌ للحق بالباطل.\nوتوضيح ما ذكرناه قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما سئل عما يفعله الناس بعد الصلوات الخمس. فقال: الجواب الحمد لله، لم يكن النبي ﷺ يدعو هو، ولا المأمون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله الناس عقيب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عنه أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة، ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلظ عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك، لكن طائفة من أصحاب أحمد، وأبي حنيفة، وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر قالوا: لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء عن الصلاة، واستحب طائفة من أصحاب الشافعي، وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس، وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه، ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء، فإن هذا ليس مأمورًا به لا أمر إيجاب، ولا أمر استحباب في هذا الموطن، بل الفاعل أحق بالإنكار، فإن المداومة على ما لم يكن النبي ﷺ يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعًا، بل مكروه، كما لو داوم","vol":"1","page":122},{"text":"على الدعاء عقب الدخول في الصلوات، أو داوم على القنوت في الركعة الأولى في الصلوات الخمس، أو داوم على الجهر بالاستفتاح في كل صلاة، ونحو ذلك، فإنه مكروه، وإذا كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله النبي ﷺ أحيانًا، وكان عمر بن الخطاب يجهر بالاستفتاح أحيانًا، وجهر رجل خلف النبي ﷺ بنحو ذلك فأقره عليه، فليس كلما شرع فعله أحيانًا تشرع المدوامة عليه، ولو دعا الإمام والمأموم أحيانًا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعدّ هذا مخالفة للسنة، كالذي يداوم على ذلك، والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام، ويأمر بذلك كما قد بسطنا الكلام على ذلك، وذكرنا ما في ذلك من الأحاديث، وما يظن أن فيه حجة للمنازل في غير هذا الموضع، وذلك لأن الداعي يناجي ربه، فإذا انصرف مُسَلَمًا انصرف عن مناجاته، ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب دون سؤاله بعد انصرافه، كما أن من يخاطب ملكًا أو غيره فإن سؤاله له وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله بعد انصرافه عنه، انتهى.\nفتبين من كلام شيخ الإسلام أن هذا في الصلوات الخمس، وأن فعل ذلك أحيانًا عقيب الصلاة لأمر عارض لا يعد فاعله مخالفًا للسنة، فأما المداومة على ذلك، أو لغير عارض فهو مكروه، وهو أحق بالإنكار لأن رسول الله ﷺ لم","vol":"1","page":123},{"text":"يكن فاعل ذلك إلا لعارض، ولم يكن يداوم على ذلك، فكلام شيخ الإسلام يفسر الأخير من كلام ابن القيم، ويزيل الإشكال عمن لا تمييز عند بمدارك الأحكام، فيستدل فيما هو مشروع في العموم بالتنصيص على موطن لم يكن يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا نقل جوازه عن أحد من الأئمة.\nبقي مسألة وهي: ما إذا فعل الإنسان ذلك أحيانًا لعارض هل يرفع يديه بالدعاء في الموطن أو لا؟ والصحيح أنه في هذا الموطن لا يرفع يديه، فإن الأحاديث التي وردت بالأدعية دبر الصلاة سواء كان ذلك قبل التشهد، أو بعد السلام بعد الأذكار المشروعة لم يذكر فيها رفع اليدين لا بلفظ الأمر ولا بحكاية الفعل، وإنما ذلك في الأدعية العامة، فأما في هذا الموطن فلم ينقل ذلك عن الرسول ﷺ، ولا عن أصحابه، والذي اختاره شيخ الإسلام أن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل السلام: ولا يجوز أن تشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة، أو بحديث ضعيف، أو مكذوب بالألفاظ١ الصريحة والله أعلم.\n_________\n١ في الأصل \"بألفاظ\".","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>فصل</span>\nوأما جلسة الاستراحة فقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: فصل ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه، كما ذكر عنه وائل وأبو هريرة، ولا يعتمد على الأرض بيديه، وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا، وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة.\nواختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ﵀ قال الخلال رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، وقال أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال على صدور القدمين على حديث رفاعة، وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما","vol":"1","page":125},{"text":"ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل واصف لصلاته ﷺ، ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّر أنه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة، انتهى.\nوقال في كتاب الصلاة: ولا ريب أنه ﷺ فعلها، ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو لحاجة لمّا أسن وأخذه اللحم؟ وهذا الثاني أظهر لوجهين:\nأحدهما: أن فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر، وأبي هريرة أنه كان ينهض على صدور قدميه.\nالثاني أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات صلاته، كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولا يجلس. رواه البيهقي عنه، انتهى.\nفتأمل رحمك الله قوله: وقد روي عن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل واصف","vol":"1","page":126},{"text":"لصلاته ﷺ، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلى آخره. وكذلك ما ذكره في كتاب الصلاة من أنه ﷺ إنما فعلها للحاجة لما أسن وأخذه اللحم بوجهين أظهرهما هذا، ولأن فيه جمعًا بين حديث وائل وحديث أبي هريرة، فإذا عرفت ذلك فمن فعلها للحاجة فلا إنكار عليه، ومن لم يفعلها فقد عمل بالسنة فيكون من فعلها للحاجة فقد فعل سنة مشروعة للمحتاج، ومن قوي على تركها ولم يحتج إليها فالمسنون في حقه أن ينهض على صدور قدميه، ولا يجلس جلسة الاستراحة والله أعلم.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فصل</span>\nثم ذكر المعترض فصلًا في زيارة القبور وما ذكره في هذا الفصل حق لا شك فيه ولا مرية، ولكن بلغنا أن الناس في تلك الأماكن إذا فرغوا من صلاتي العيدين نهضوا من مصلاهم إلى المقبرة يزورون أهل المقابر، وأن بعض الإخوان أنكر عليهم ذلك، وأنهم عارضوه بهذه الأحاديث في استحباب زيارة القبور، فإن كان ما نقل إلينا حقًا وهم يحضون الناس على اتباع السنة والمحافظة وترك آراء الرجال، فيأتونا على ذلك حديثًا عن المعصوم ﷺ صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا أنه كان ﷺ أو أحد من أصحابه إذا انصرف من صلاتي العيدين يمضي إلى المقابر فيزورهم، ويسلم عليهم، ويدعو لهم، فيكون هذا سنة عائدة بعود السنة في كل عام، وإن لم يكن معهم دليل إلا هذه الأحاديث التي في عامة استحباب الزيارة فالاستدلال بها كاستدلال من يَلْبس من الرجال ما حرم الله عليه من الذهب، والحرير، وأكل ما حرم عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فتخصيص زيارتها بعد صلاتي العيدين يحتاج","vol":"1","page":128},{"text":"إلى دليل، ولو كان ذلك مستحبًا أو مندوبًا إليه لو توفرت الهمم والدواعي على نقله، ولكان أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ، وقد نهى ﷺ في أول الأمر عن زيارة القبور، فلما استقر الإسلام في قلوبهم، وأمن المحذور قال ﷺ: \"إني قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا\" وفي حديث آخر \"فزوروها فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة\" فإذا تقرر هذا فتخصيص زيارتها بيوم من السنَة معلوم مما لم يشرعه الله ورسوله، فيكون بدعة محدثة في الإسلام. والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.\n_________\nقال محققه عفا الله عنه: فرغت من تصحيح هذه الرسالة وتحقيقها في ضحى يوم الأحد الموافق ٢٧/٠١/١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":129}]}