{"ً":{"ٌ":11382,"ٍ":"محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التراجم والطبقات/الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية - ط الحكومة","files":["21823.pdf"]},"ّ":"الكتاب: محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه\nالمؤلف: أحمد بن حجر بن محمد بن حجر بن أحمد بن حجر بن طامي بن حجر بن سند بن سعدون آل بوطامي البنعلي (ت ١٤٢٣هـ)\nالناشر: مطبعة الحكومة بمكة المكرمة\nالطبعة: ١٣٩٥ هـ/١٩٧٥م\nعدد الصفحات: ١٢١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1075,"ٕ":26,"ٖ":1770155447,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه","level":1,"page":12}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118},"ٜ":{"1":[3,121]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121"],"ٞ":{"1":[1],"12":[2]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة </span>الطبعة الثانية\nبقلم الفقير إلى عفو ربه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عفا الله عنه.\nالحمد لله الذي مَنَّ على عباده في كل زمان فترة بإيجاد أئمة هدى؛ يدعون الناس إلى الصراط المستقيم، ويرشدونهم إلى الطريق القويم، ويبصّرون بكتاب الله أهل العمى، ويصبرون منهم على الأذى، ينفون عن كتاب الله وعن سنة رسوله ﵊ انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، ويشرحون لهم حقيقة الدين، ويكشفون لهم الشبه بواضحات البراهين.\nوكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين والدعاة المصلحين؛ الإمام العلامة، والحبر الفهامة، مجدد ما اندرس من معالم الإسلام في القرن الثاني عشر، والدعي إلى سنة خير البشر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي، طيب الله ثراه، وأكرم في الجنة مثواه، فلقد شرح الله صدره لمعرفة حقيقة الإسلام وما دعا إليه سيد ولد عدنان عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام؛ من الهدى ودين الحق، في عصر استحكمت فيه غربة الإسلام، وغلب على أهله الجهل والبدع والخرافات، وعبادة الأنبياء والصالحين والأشجار والأحجار، وقَلَّ فيه من يصدع بالحق، ويشرح للناس حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، ويحذرهم من أنواع الشرك المنافية لدين الإسلام، فقام هذا الإمام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري بالدعوة إلى الله سبحانه بقلمه ولسانه، وأوضح للناس حقيقة ما بعث الله به نبيه ﵊، وما ألصقه به الجهال والضُّلاَّل وهو برئ منه من الشرك والبدع والخرافات، وأوذي في ذلك أذى كثيرًا من الجهال وأدعياء العلم، ومن علماء السوء الذين آثروا الحظ الأدنى على الحظ الأعلى، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، ومن الأمراء الجهال الذين لا يهمهم إلا تثبيت مناصبهم، وتحصيل أغراضهم العاجلة.\nفصبر ﵀ على ذلك، واستمر في الدعوة","vol":"1","page":3},{"text":"والبيان، وإيضاح الحق بأنواع الأدلة من الكتاب والسنة، وشرح حال سلف الأمة؛ حتى قَبِل الدعوة من سبقت له السعادة، وساهم في نصرها ونشرها بكل ما يستطيع من قوة.\nوكان على رأس من نصر الدعوة، وأيدها بقلمه ولسانه وسيفه وسنانه وأولاده وعشيرته، وكل من دخل في طاعته: الإمام الهمام محمد بن سعود؛ جد الأسرة السعودية الحاكمة، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته، وسائر من ساهم في نصر الدعوة وتأييدها، والاستقامة عليها.\nفقام في ذلك هذا الإمام أكمل قيام، وأعلن الجهاد على من وقف في طريق الدعوة، ولم ينشرح لها صدره فلم يتقبلها، بل حاربها وصد عنها، حتى أيده الله ونصره وأتباعه، وأظهر على يديه الدعوة الإسلامية نقية سليمة من شبهات المخرفين، وبدع المضلين.\nواستمر الشيخ ﵀ في الدعوة إلى الله ﷿، وتدريس العلوم الشرعية للطالبين، وكشف الشبهات التي يروجها الكفار والملحدون من عبّاد القبور وغيرهم، ويشجع على الجهاد بأنواعه، ويشارك فيه بنفسه وأولاده، ويؤلِّف المؤلفات النافعة والرسائل المفيدة في بيان العقيدة الصحيحة، ورد ما يخالفها بأنواع الأدلة والبراهين؛ حتى ظهر دين الله، وانتصر حزب الرحمن، وذلَّ حزب الشيطان، وانتصرت العقيدة السلفية في الجزيرة العربية وما حولها، وكثر الدعاة إلى الحق، ونكست أعلام البدع والشرك والخرافات، وقام سوق الجهاد، وعمّرت المساجد بالصلوات والدروس الإسلامية النقية.\nفلله الحمد على هذه النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة، التي تفضل الله بها سبحانه على عباده عند ظهور البدع وغلبة الجهل، واندراس معالم الإسلام، وظهور الشرك في غالب المعمورة.\nفجزى الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود وأتباعهما وأنصارهما أفضل الجزاء، وأعظم المثوبة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوقد ألَّف في دعوة الشيخ وجهاده وجهاد آل سعود جَمٌّ غفير، منهم الشيخ العلامة المؤرخ: أبو بكر حسين بن غنام، ومنهم الشيخ العلامة: عثمان بن عبد الله بن بشر، ومنهم في عصرنا الشيخ العلامة: أحمد بن حجر بن محمد آل أبو طامي، القاضي حاليًا بالمحكمة الشرعية بقطر، فقد ألَّف كتابًا موجزًا مفيدًا، عنوانه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، أجاد فيه وأفاد، وأوضح فيه دعوة الشيخ وعقيدته وجهاده؛ بأسلوب جيد مفيد، ونقل فيه عن معاصريه وغيرهم من العلماء والمفكرين من المسلمين وغيرهم ما كتبوه عن دعوته، وما أثنوا به عليه، ورغب إليَّ في قراءة كتابه، وتصحيح ما وقع فيه من أخطاء مطبعية، وتعليق","vol":"1","page":4},{"text":"ما استحسن تعليقه، فأجبته إلى ذلك مساهمة في نشر الحق والدعوة إليه، وقرأت كتابه قراءة تدبّر وتفهّم واستفادة، وأصلحت ما وجدت من أخطاء مطبعية، وعلّقت بعض التعاليق القليلة التي أرى أن فيها مزيدًا من الفائدة لقارئ هذا الكتاب.\nوكان المؤلف أثابه الله قد وضع بعض الحواشي المفيدة على الطبعة المذكورة، فلهذا رأيت تمييز تعليقي بوضع اسمي في آخره، وما سواه فهو للمؤلف.\nوقد رأى وفقه الله أن يضيف إلى النقول السابقة في الطبعة الأولى نقولًا أخرى مفيدة، تبتدئ من الثاني والثلاثين، وتنتهي بالثاني والأربعين من بنود هذا الكتاب، وقد قرأتها فألفيتها مفيدة تحسن إضافتها إلى الكتاب.\nوأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب الجليل جميع من اطلع عليه ويضاعف لمؤلفه الأجر وأن يغفر للشيخ محمد بن عبد الوهاب أنصاره وأتباعه في الحق وسائر دعاة الهدى وأن يتغمدهم برضوانه ويعاملنا وإياهم وسائر المسلمين بلطفه وعفوه وأن يكثر في المسلمين دعاة الهدى وأنصار الحق وأن يجمع كلمتهم على الهدى ويصلح قادتهم أنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. حرر في ٢٢/٣/١٣٩٣\nرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":5},{"text":"مقدمة الطبعة الأولى\nبقلم السيد: علي صبح المدني\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام الأتَمَّان الأَكملان على أَفضل الخلق وخاتم الرسل، سيد الخليقة على الإطلاق؛ محمد بن عبد الله، الذي ابتعثه الله على حين فترة من الرسل، فهدى به من الضلالة، وبصّر به من العمى، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فأدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، وجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله، ورفع راية التوحيد، وجاهد في الله حق جهاده، ففتح الله على يديه الفتح المبين.\nولم ينتقل من هذه الدنيا إلا وقد دانت الجزيرة العربية بدين الحق، وتخطت دعوته إلى تخوم الأقطار الفارسية والرومية، فأتم صحابته الكرام فتح تلك الأصقاع المجاورة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا.\nثم بعد انقراض رجال القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية، دَبَّ في المسلمين داء التنافس على الرئاسة، وحب الدنيا، فتفرقت كلمتهم، وتبدد شملهم، فذلوا بعد عزة، وضعفوا بعد قوة، فأصبحوا مسودين بعد أن كانوا سائدين، ومحكومين بعد أن كانوا حاكمين، وفقدوا كل شيء حتى تعاليم دينهم الحنيف، ولا سيما توحيد رب العالمين، فاشرأبت أعناق الشرك، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فأحلّوا البدعة محل السنة، والشرك محل التوحيد.\nوما زالوا كذلك غارقين في بحار الوثنية والشرك إلا من شاء الله، إلى أن قيّض الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها؛ ألا وهو شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب،","vol":"1","page":7},{"text":"فاندفع إلى مبارزة أئمة الشرك والضلال، سلاحه كتاب الله وسنة رسوله ﵊، يكر على تلك الجحافل، فيبددها مع قلة عدد أنصاره وعدده، فكان النصر حليفه في كل وقائعه، ولا غرو فقد قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .\nولم يمت - ﵀ ورضي عنه - إلا بعد أن دانت لدعوته الجزيرة العربية، فوحّد الله على يديه تلك القبائل والأمراء المتناثرة المتنافرة، فتحققت الوحدة العربية، ومات وهو قرير العين، مطمئن القلب، وقد خلفه أولاده ولا زالوا إلى الآن فكانوا خير خلف لخير سلف.\nفجدير بالأجيال المتأخرة أن يدرسوا سير عظماء أسلافهم ليتأسّوا بهم، وينهجوا على منوالهم، فدراسة مناقب هؤلاء الأعلام تملأ الأجيال المتأخرة روحًا تقدمية، وأنفسًا طموحة إلى العلا، شريطة أن تكون تلك الدراسة موزونة بميزان الكتاب والسنة، وكذلك كما قال عمر بن الخطاب: \"كنا أذل أمة فأعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله\".\nلذلك نقدم هذه السيرة العطرة لنباتة البلاد العربية خصوصًا، ولكافة المسلمين عمومًا، لتكون حافزًا لهم على التمسك بدينهم، خالصًا من شوائب الشرك والبدع.\nونهيب بسكان الجزيرة العربية ولا سيما الأقطار المقدسة أن يحرصوا على تربية أولادهم وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية، ويبعدوهم عن بهرجة المدينة اللادينية الزائفة.\nوختامًا فقد أجاد وأفاد مؤلف هذه الرسالة، فقد جمع إلى إيجاز العبارة، إستيفاء المراد.\nفنسأل الله أن يجزل له الثواب جزاء ما بذل من هذا المجهود الطيب، وأن يوفقه إلى الاستزادة من المؤلفات النافعة التي تغرس الفضائل الإسلامية في الناشئة حتى ينبتوا نباتًا حسنًا، وعلى الله التوفيق.\nوصلى الله وسلم وبارك على خاتم رسله محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":8},{"text":"مقدمة المؤلف:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسائر أئمة الدين والهداة المخلصين والدعاة المصلحين.\nأما بعد:\nفلم يخف ما كانت عليه العرب قبل البعثة المحمدية من شقاء، وشرك، وكفر، وذل، وفقر، وانحطاط، وتفرق، وشتات.\nلا شريعة سماوية إليها يرجعون، وعلى منهاجها يسيرون، ولا ملك يجمع كلمتهم ويعدل بينهم.\nولما أراد الله لهم السعادة، وإنقاذهم من مهاوي الذل والكفران؛ بعث الله نبينا محمدًا ﷺ، فدعاهم إلى توحيد الخالق العليم، وأرشدهم إلى سلوك الصراط المستقيم، فدخلوا في دين الله أفرادًا وجماعات، واعتنقوا هذا الدين الحنيف بحب وإخلاص، ومشوا على منهاجه القويم.\nفتوحدت كلمتهم، وقويت شوكتهم، وعز سلطانهم، وفتحوا الأقطار، وأناروا الطريق للبشر، وهدوهم إلى السبيل الأقوم، ودانت لهم الأمم، ودخلوا في دين الله أفواجًا أفواجًا، وخفقت رايتهم من حدود أوروبا إلى الصين، وقوي سلطانهم، فأذل الله لهم الملوك الكافرين.\nوذلك كله ببركة اتباعهم لكتاب الله المجيد والسنة المطهرة، واتصافهم بالأخلاق العظيمة والصفات الكريمة.","vol":"1","page":9},{"text":"وبعد انقضاء القرون المفضلة؛ كثرت البدع والخرافات، والرجوع إلى الوثنية الأولى، بتعظيم المشاهد والقبور، وصرف العبادة لها من دون الله، وتقديم الآراء على السنة المطهرة، والتقليد على الأخذ من الوحيين، وتعطيل الأسماء والصفات بالتأويل، ودانوا بالبدع، وحكموا بحسن أكثر أنواعها.\nسرى ذلك في أكثر الأمة الإسلامية، من بعض الأمم الأعجمية الداخلة في الإسلام نفاقًا وكيدًا من بعضهم، وحسن ظن من بعض، وعدم فهم كامل لأصول الدين.\nوسكت الأكثرون، إما لجهل بالحقائق، وإما مداهنة مع الرؤساء والجماهير، فلهذه الأسباب عَمَّ طوفان البدع والوثنية، فأغرق الأكثرين، وعم أرجاء الأرض من سائر الأقطار.\nولكن والحمد لله لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع والشرك القبيح؛ من علماء ربانيين، ودعاة مصلحين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، بالدعوة والتعليم، وحسن القدوة، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما يقومون برد الشبه، وقمع الملحدين، وتأييد شريعة سيد المرسلين.\nوذلك مصداق ما ورد في الحديث الذي رواه أبو داود: \"إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لههذ الأمة أمر دينها\" ١.\nولقد كان الشيخ الكبير والمصلح الشهير، الداعي إلى توحيد الله العلي الكبير، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي، ﵀، من أولئك العدول المجددين، والمصلحين والمخلصين.\n١ هذا الحديث إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وقد صححه الحاكم والحافظ العراقي والعلامة السخاوي وآخرون، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في \"النهاية\" لما ذكر هذا الحديث ما نصه: \"وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر - والله أعلم - أنه يعم حملة العلم من كل طائفة، وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين، إلى غير ذلك من الأصناف\"انتهى، والله أعلم. عبد العزيز بن عبد الله بن باز.؟","vol":"1","page":10},{"text":"قام يدعو إلىتجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده بمشرعه في كتاباته، وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ.\nكما قام يدعو إلى نبذ البدع والمعاصي، وعبادة الأولياء والصلحاء والأشجار والغيران.\nويأمر بإقامة شرائع الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة.\nولا زال الناس من عصره إلى اليوم، من مادح وقادح، يعتقد أن الشيخ لم يكن على الصواب، وأن دعوته التي دعا إليها الناس مخالفة للسنة والكتاب ولمذاهب الأئمة الأربعة - ﵏ -.\nوالسبب في ذلك: أن دعاية الأتراك واشراف مكة في العصر الماضي بضد دعوة الشيخ والسعوديين لأغراضهم السياسية قد نالت رواجًا وانتشارًا في الأقطار الإسلامية١، وتأثر بها الأكثرون، كما أثّرت الكتب التي كتبها بعض أدعياء العلم في نقد الدعوة، والرد على الشيخ.\nوما كان أولئك عالمين بحقيقة دعوته، لأنهم لم يطلعوا على كتبه، ولا على كتب أبنائه وأحفاده، من أجل أن وسائل نشر العلم والكتب لم تكن إذ ذاك ميسورة كاليوم، وإنما سمعوا من أفواه بعض الناس، وكتبوا بدون تثبت ومستند، وراجت الدعاية لدى الجمهور، وظنوا أنها صحيحة.\nكما اعتقدوا صحة ما كانوا يسمعونه وما يقرءونه من بعض الكتب التي تنتقد الشيخ ودعوته.\nوجهل أولئك المؤلفون أو تجاهلوا أن الواجب على الشخص ولا سيما من انتسب إلى العلم أن لا يقبل كل ما يقال عن شخص أو مذهب أو طائفة\n١ سيجئ هذا البحث في أثناء الكتاب مفصلًا.","vol":"1","page":11},{"text":"حتى يثبت لديه، بأن يسمع من ذلك المنسوب إليه ما أذيع عنه، أو يقرأ كتابه ويتأكد من صحة نسبة الكتاب إليه، وهكذا القول فيما سمعه عن مذهب أو طائفة.\nقلنا: إن دعاية الأتراك والأشراف في العصر الماضي قد نالت رواجًا وانتشارًا.\nأما في هذا العصر، فقد خفّت وطأة تلك الدعاية السيئة، وعرف كثير من العقلاء في سائر الأقطار والبلدان، حقيقة دعوة الشيخ وصحتها، وذلك بفضل انتشار العلم والوعي في العالم، وبفضل ما اتصفت واشتهرت به الدولة السعودية من التوحيد، وتحكيم الشرع المبين، وإقامة شعائر الإسلام، وإقامة الحدود الشرعية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونشر العدل والأمان، وتمسكها بالسنة الصحيحة والقرآن، ومحاربة أهل البدع، والاهتمام بالعلم والتعليم، ونشر المدارس والمعاهد والكليات في سائر أرجاء المملكة العربية، وفتح الأبواب للطلاب الوافدين من مختلف البلدان، وإعانتهم بالوسائل النافعة الكافية.\nكما اشتهرت بالكرم والبذل لجميع الوافدين إليها؛ من غير فرق بين مذهب وبلد وعنصر.\nوبالرغم مما قلنا من انتشار الوعي، واتصاف الدولة العربية السعودية بتلك الصفات الكريمة؛ لا زال كثير من المنتسبين إلى العلم فضلًا عن العوام يزعمون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يكن على الصواب، وأن الفئة الوهابية تكفّر المسلمين، ولا ترى للأنبياء مقامًا ولا احترامًا ولا شفاعة، كما لا تحترم الأولياء والصالحين، ولا ترى زيارة قبر الرسول ولا غيره.\nإلى غير ذلك من الأقاويل الزائفة التي لا تعتمد إلا على الوراثة، والسماع عن الماضين الجاهلين، والاغترار ببعض كتب المخرفين.","vol":"1","page":12},{"text":"السبب الباعث للتأليف:\nفمن أجل ذلك؛ رأيت أن أكتب في سيرة الشيخ المجدد لما اندرس من معالم الإيمان والإسلام، وعقيدته، ودعوته الإصلاحية مؤلفًا وسطًا، اعتمدت فيه على ما ذكره المؤؤخون لـ\"نجد\" كابن غنام، وابن بشر، والألوسي، والريحاني وغيرهم ممن ذكر الشيخ ودعوته في ثنايا كتبهم.\nكما اعتمدت على بعض رسائل إمام الدعوة وأبنائه وأحفاده.\nوسأختمه إن شاء الله بثناء العلماء الراسخين، وبعض المؤرخين المحققين من المسلمين والغربيين، على ذلك الإمام الجليل، الذي شغل عصره وبعده، بعلومه وآرائه، وإصلاحه، ودعوته المقيدة بالكتاب والسنة، والذي دوى صوته بعلومه ودعوته في نجد وفي الخارج، وجادل وناضر بقوة جنانه، وفصاحته لسانه، وواضح برهانه.\nوإن كنت لست أهلًا لذلك؛ لقصور باعي، وعدم سعة إطلاعي عما هنالك، ولكني بالله استعنت، وإليه تضرعت؛ أن يعينني على هذا المرام، راجيًا أن يقف القارئ بعد الاطلاع على هذا الكتاب، وإمعان النظر فيه؛ على حقيقة دعوة الشيخ وعقيدته السلفية، وما اتصف به من العلم والورع والغيرة على الدين، والنصح لعباد الله، والجهاد في سبيله.\nفلا ينتهي من قراءته، إلا وقد انكشفت تلك الحجب والأستار التي نسجها أولئك المغرضون حول دعوة الشيخ ﵀.\nويعلم أن ما كان يسمعه من أفواه بعض الجاهلين، أو أدعياء العلم ضد الشيخ ودعوته وأتباعه؛ لا نصيب له من الصحة.","vol":"1","page":13},{"text":"وأن تلك الكتب التي ألَّفها بعض من انتسب إلى العلم، رادًا بزعمه على الشيخ وأتباعه لا قيمة لها في ميزان العلم والنقد، إذ لم تستند على دليل نقلي صحيح، ولا برهان عقلي سليم.\nوكل ما هناك افتراءات على الشيخ، واستنادات على حكايات ملفّقة، وأحاديث ضعيفة أو موضوعة. وهذا أوان الشروع في المقصود، بعون الله الملك المعبود.\nفأقول وبالله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق.\nالمؤلف:","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nولادته، ونشأته ورحلته لطلب العلم:\nولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد ابن راشد التميمي، سنة ١١١٥ هجرية، الموافق سنة ١٧٠٣م، في بلدة العيينة، الواقعة شمال الرياض.\nونشأ الشيخ في حجر أبيه عبد الوهاب، في تلك البلدة في زمن إمارة عبد الله بن محمد بن حمد بن معمر. وكان سباقًا في عقله وفي جسمه، حاد المزاج، فقد استظهر القرآن قبل بلوغه العشر، وبلغ الاحتلام قبل إتمام الاثنتي عشرة سنة.\nقال أبوه: \"رأيته أهلًا للصلاة بالجماعة، وزوجته في ذاك العام\".\nطلبه للعلم:\nدرس على والده الفقه الحنبلي والتفسير والحديث.\nوكان في صغره، منكبًا على كتب التفسير والحديث والعقائد.\nوكان يعتني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله، ويكثر من مطالعة كتبهما.\nرحلاته العلمية:\nثم غادر البلاد قاصدًا حج بيت الله الحرام.\nوبعد أدائه الفريضة أَمَّ المدينة المنورة، وقصد المسجد النبوي، وزار إمام المرسلين ﷺ، وصحابته الأبرار المخلصين.","vol":"1","page":15},{"text":"شيوخه بالمدينة المنورة:\nوكان فيها إذ ذاك من العلماء العاملين، الشيخ: عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف النجدي، كان رأسًا في بلد المجمعة.\nفأخذ عنه الشيخ: محمد بن عبد الوهاب كثيرًا من العلم، وأحبه الشيخ عبد الله، وكان به حفيًا، وبذل جهدًا كبيرًا في تثقيفه وتعليمه، وكان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة توافق أفكاره ومبدئه مع تلميذه في عقيدة التوحيد، والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة، وأعمال زائفة.\nواستفاد الشيخ من مصاحبته فوائد عظيمة، وأجازه الشيخ: عبد الله بالحديث المشهور والمسلسل بالأولية \"الراحمون يرحمهم الرحمن\" من طريقين:\nأحدهما: من طريق ابن مفلح عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وينتهي إلى الإمام أحمد.\nوالثاني: من طريق عبد الرحمن بن رجب عن العلامة ابن القيم عن شيخ شيخ الإسلام، وينتهي أيضًا إلى الإمام أحمد.\nكما أجازه الشيخ بكل مافي ثبت الشيخ عبد الباقي الحنبلي، شيخ مشايخ وقته؛ قراءة وعلمًا وتعليمًا، صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح مسلم وشروح الصحيحين، وسنن الترمذي والنسائي، وأبي داود، وابن ماجة ومؤلفات الدارمي، بسنده المتصل إلى المؤلف.\nومسند الإمام الشافعي، وموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، إلى غير ذلك مما ثبت في ثبت الشيخ عبد الباقي.\nثم وصل الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف حبل الشيخ محمد، بحبل المحدث الشيخ محمد حياة السندي، وعرفه به وبما هو عليه من عقيدة صافية، وبما تجيش به نفسه من مقت الأعمال الشائعة في كل مكان من البدع، والشرك الأكبر والأصغر، وأنه إنما خرج من نجد للرحلة في طلب العلم،","vol":"1","page":16},{"text":"وسعيًا إلى الاستزادة من السلاح الديني القوي، الذي يعينه على ما هو مصمم عليه من القيام بالدعوة والجهاد في سبيل الله.\nوممن أخذ عنهم الشيخ وانتفع بمصاحبته الشيخ: علي أفندي الداغستاني، والشيخ: إسماعيل العجلوني، والشيخ: عبد اللطيف العفالقي الإحسائي، والشيخ: محمد العفالقي الإحسائي.\nوقد أجاز الشيخان الداغستاني والإحسائي بمثل ما أجازه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بما في ثبت أبي المواهب.\nثم توجه إلى نجد، ثم البصرة، قاصدًا الشام، ليستزيد من العلوم النافعة.\nشيوخه بالبصرة:\nفأقام مدة بالبصرة، درس العلم فيها على جماعة من العلماء.\nمنهم الشيخ: محمد المجموعي، وقرأ الكثير من النحو واللغة والحديث، كما كتب كثيرًا في تلك الإقامة من المباحث النافعة والكتب القيمة، ونشر علمه النافع وآراءه القيمة حول موضوع البدع والخرافات، وإنزال التضرع والحاجات بسكان القبور من عظام نخرة، وأوصال ممزقة، وعزز كلامه بالآيات الساطعات، والبراهين الواضحات.\nفقابلوه بالتكذيب والأذى وأخرج من البلاد وقت الهجرة١ وأنزلوا بعض الأذى بشيخه المجموعي.\nفقصد الزبير في وقت الصيف وشدة الرمضاء، وكان ماشيًا على رجليه، وكاد يهلك من شدة الظمأ.\nفساق الله إليه رجلا من بلد الزبير يسمى أبا حميدان، فرآه من أهل العلم والصلاح، فحمله على حماره، حتى أوصله إلى بلد الزبير.\nوتوجه إلى الشام راجلًا لينهل من مناهل العلماء، ويتغذى من الثقافات الدينية، مستزيدًا.\n١ الهجيرة.","vol":"1","page":17},{"text":"عودته إلى نجد:\nغير أنه قلت نفقته، فقفل راجعًا، فأتى الأحساء، فنزل بها عند الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي، وقرأ عنده ما شاء الله أن يقرأ.\nثم توجه إلى حريملاء، قرية من نجد، وذلك لأن والده الشيخ: عبد الوهاب قد انتقل إليها.\nولما آب الشيخ من رحلته الطويلة وراء العلم والتحصيل، لازم أباه، واشتغل عليه في علم التفسير والحديث وغيرهما.\nوعكف على كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم رحمهما الله، فزادته تلك الكتب القيّمة علمًا ونورًا وبصيرة، ونفخت فيه روح العزيمة.\nورأى الشيخ بثاقب نظره ما بنجد وما بالأقطار التي رحل إليها من العقائد الضالة، والعادات الفاسدة، فصمم على القيام بالدعوة.\nحالة نجد قبل الدعوة من حيث الديانة والسياسة\nسبق أن ذكرنا لك أيها القارئ الكريم: أن الشيخ ﵀ زار الحجاز والأحساء والبصرة ولا زبير، وقيل: حتى فارس، حسبما نقل عن \"لمع الشهاب\"؛ ليروي ظمأه من مناهل العلوم الدينية، ويتفهم أصول الدين وشرائعه القويمة، ويقف على أحوال أولئك الأقوام وعقائدهم وعلومهم، بعدما شاهد في نجد وطنه ما شاهد من المنكرات الأثيمة، والشركيات القبيحة الذميمة، القائلة لمعنى الإنسانية.\nوكان أيام تحصيله يقرر لسامعيه ومخالطيه ما فهمه من الدين والتوحيد، ويبين قبائح ما تأتيه العامة وأشباه العامة من أدعياء العلم.\nوعندما كان في المدينة المنورة يسمع الاستغاثات برسول الله ﷺ ودعائه من دون الله؛ فكاد مرجل غيظه ينفجر.","vol":"1","page":18},{"text":"فقال للشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟.\nفأجابه على الفور: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .\nدرس أحوال نجد وأهل البلدان التي زارها، ورأى ماهم فيه من بُعْدٍ عن الدين، ولا سيما نجد.\nماذا رأى؟.\nرأى نجدًا كما يحدثنا المؤرخون السالفون لنجد، كابن بشر، وابن غنام، والألوسي، والمعاصرون ك \"حافظ وهبة\"، وغيره مرتعًا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين الصحيحة، فقد كان فيها كثير من القبور تنسب إلى بعض الصحابة، يحج الناس إليها، ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لدفع كروبهم، فقد كانوا في الجبيلة يؤمون قبر زيد بن الخطاب، يتضرعون لديه، ويسألونه حاجاتهم وكذلك في الدرعية، كان قبر لبعض الصحابة كما يزعمون..\nوأغرب من ذلك: توسلهم في بلد المنفوحة بفحل النخل، واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج، فكانت من تقصده تقول: \"يا فحل الفحول، أريد زوجًا قبل الحول\".\nوفي الدرعية، كان غار يقصدونه، بزعم أنه كان ملجأ لإحدى بنات الأمير التي فرّت هاربة من تعذيب بعض الطغاة.\nوفي شعب غبيرا، قبر ضرار بن الأزور، كانوا يأتون لديه من الشركة والمنكر ما لعل مثله، لا يتصور.\nورأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة وأهل البيت والرسول ﷺ؛ ما لا يسوغ إلا مع رب الأرباب.\nكما رأى في البصرة والزبير، وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل، ولا يقره الشرع.","vol":"1","page":19},{"text":"كما سمع عن العيدروس في \"عدن\"، والزيلعي في اليمن الشئ الكثير.\nرأى ما رأى، وسمع ما سمع، وتحقق، ووازن تلك الأفعال المنكرة بميزان الوحيين: كتاب الله المبين، وسيرة الرسول الأمين ﷺ، وأصحابه المتقين، فرآهم في بعد عن منهج الدين وروحه.\nرآهم لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل؟، ولماذا بعث الله محمدًا للناس كافة؟، ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية، وما كان فيها من الوثنية الممقوتة، رآهم غَيَّروا وبدلوا أصول الدين وفروعه، إلا القليل.\nهذه حالتهم في دينهم وعبادتهم.\nحالة نجد السياسية:\nأما حالتهم السياسية: فكما جاء في كتاب \"جزيرة العرب في القرن العشرين\": رأى أنه ليس هناك قانون ولا شريعة إلا ما قضت به أهواء الأمراء وعمالهم، وكانت نجد متقسمة إلى ولايات عديدة، يحكم كل واحدة منها أمير، لا تربطه وجاره أية رابطة.\nومن أهم هؤلاء الأمراء: بنو خالد في الأحساء، وآل معمر في العيينة، والأشراف في الحجاز.\nوعدا هؤلاء، أمراء لا يعبأ بذكرهم.\nوقد كان أولئك الأقوام في حروب دائمة، لا سيما مع البادية.\nوكان الأمير على قدم الاستعداد عندما تسنح الفرص ليعتدي على جيرانه إذا بدا من هؤلاء الجيران ضعف أو عدم استعداد. انتهى. هكذا كانت حالة بلاد العرب عند إياب الشيخ من رحلته العلمية.\nبدء نهضة الشيخ في الإصلاح الديني:\nوبعد أن ثبت لديه وتحقق حالتهم السيئة في دينهم ودنياهم، ورأى إقرار العلماء في الحجاز وفي نجد وسائر الأقطار على تلك المنكرات والمبتدعات،","vol":"1","page":20},{"text":"إلا القليل منهم ممن كان لا يتجاسر أن يبوح بمقت ما فعلوا، وأيقن أنهم قد أدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن، وما تأباه السنة المحكمة.\nوكان يقوي عقيدته بخطئهم، وركونهم إلى البدع ما يقرؤه من الروايات القائلة: بأن المسلمين لا بد أن يغيروا، وأن يسلكوا مسالك الذين من قبلهم، كالحديث الصحيح: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\"، وكحديث: \" لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان\"، وحديث: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ\".\nحينئذ صمّم الشيخ أن يعلن قومه بأنهم قد ضلوا الطريق السوي، وزاغوا عن منهج الصواب.\nيقول بعض الكاتبين: \"حقًا إن الموقف دقيق حرج، يحتاج إلى شجاعة ما ضية، وإلى إيمان لا يبالي بالأذى في سبيل إرضاء الله وإرضاء الحق الذي اقتنع به، وسبيل إنقاذ البشرية المعذّبة، كما يحتاج إلى عدة كافية من قوة اللسان، وإصابة البرهان، ليواجه ما يجابهه من شبهات واعتراضات لا بد منها. ثم إلى مؤازر قوي يحمي ظهره، ويدافع عن دعوته\".\nدعوته لقومه:\nابتدأ الشيخ ﵀، دعوته لقومه في بلدة \"حريملاء\"، وبَيّن لهم أن لا يُدعى إلا الله، ولا يُذبح ولا يُنذر إلا له، وأن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار من الاستغاثة بها، وصرف النذور إليها، واعتقاد النفع والضرر منها؛ ضلال وزور، وبأنهم في حالة لا ترضي، فلا بد من نبذ ذلك، وعزز كلامه بآي من كتاب الله المجيد، وأقوال الرسول وأفعاله، وسيرة أصحابه، فوقع بينه وبين الناس نزاع وجدال، حتى مع والده العالم الجليل، لأنه كان مغترًا بأقاويل المقلدين السالكين تلك الأفعال المنكرة في قوالب حب الصالحين.","vol":"1","page":21},{"text":"فاستمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه وإرشاده، وتبعه أناس من أهل تلك البلدة، حتى انتقل أبوه عبد الوهاب إلى جوار رب الأرباب سنة ١١٥٣هـ.\nوالظاهر أن والده اقتنع بأقوال ابنه ومبادئه، كما اقتنع أخوه سليمان بعدما وقع بينه وبينه نزاع وردود١.\nوبعد وفاة والده جاهر قومه بالدعوة والإنكار على عقائدهم الضالة، ودعا إلى متابعة الرسول في الأقوال والأفعال.\nوكان في تلك البلدة قبيلتان، وكل يدعي الزعامة، وليس هناك من يحكم الجميع، ويأخذ حق الضعيف، ويردع السفيه، وكان لإحدى القبيلتين عبيد يأتون بكل منكر وفساد، ولا يحجمون عن التعدي على العباد؛ فصمم الشيخ على منعهم وردعهم.\nولما أحس أولئك الأرقّاء بما صمّم عليه الشيخ، عزموا أن يفتكوا به خفية، فتسوروا عليه من وراء الجدار، فشعر بهم بعض الناس، فصاحوا بهم وهربوا.\nعندها غادر الشيخ \"حريملاء\" إلى \"العيينة\" مسقط رأسه، وموطن آبائه، وحاكمها إذ ذاك عثمان بن حمد بن معمر، فتلقاه بكل إجلال وإكرام، وبين الشيخ له دعوته الإصلاحية المباركة، القائمة على دعائم الكتاب والسنة المطهرة، وشرح له معني التوحيد، وأن أعمال الناس اليوم وعقائدهم منافية للتوحيد، وتلا عليه الآيات والأحاديث النبوية، ورجا له من الله إن قام بنصر\n_________\n١ راجع \"صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان\" ص: ٤٦١، الطبعة الثالثة، رسالة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب إلى أحمد بن محمد التويجري، وأحمد ومحمد ابني عثمان ابن شبانة، كيف نصحهم بأن يقوموا مع الحق أكثر من قيامهم مع الباطل، وصرح فيها بأن الشرك أعظم ما نهى الله عنه.\nوانظر جواب أولئك الثلاثة للشيخ سليمان ابن عبد الوهاب، ص: ٤٦١ برجوعهم عما كانوا عليه.","vol":"1","page":22},{"text":"بلا إله إلا الله أن ينصره الله ويعلي كلمته، وتكون له السيادة والزعامة على نجد وغيرها، وله السعادة الأبدية إن شاء الله.\nفقبل عثمان، ورحّب بما قال الشيخ، فأعلن الشيخ بالدعوة إلى الله، وإفراد العبادة لله، والتمسك بسنة رسول الله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقطع الشيخ الأشجار المعظّمة هناك، وهدم قبة زيد بن الخطاب، بمساعدة عثمان الأمير، وأقام الحد على امرأة اعترفت بالزنا مرارًا، بعدما تأكد من صحة عقلها وكمال حواسها. فاشتهر أمر الشيخ، وذاع صيته في البلدان.\nفبلغ خبره \"سليمان بن محمد بن عريعر\" حاكم الأحساء وبني خالد، فبعث هذا الجاهل الظالم إلى عثمان بن معمر كتابًا جاء فيه:\n\"إن المطوّع الذي عندك، قد فعل ما فعل، وقال ما قال، فإذا وصلك كتابي فاقتله، فإن لم تقتله، قطعنا خراجك الذي عندنا في \"الأحساء\"\".\nفعظم على عثمان الأمر، وكبر عليه مخالفة ابن عريعر، وغاب عن ذهنه عظمة رب العالمين، وكانت النتيجة من جرّاء ذلك الكتاب وضعف إيمان ابن معمر أن أمر بإخراج الشيخ من بلده.\nولم يفد فيه وعظ الشيخ ونصحه، وأنه لا بد للداعي والمصلح من أن يناله الأذى، ولابد أن تكون العاقبة للمتقين.\nفخرج الشيخ ﵀، يمشي على رجليه موكلًا به فارس يمشي من خلفه، وليس مع الشيخ إلا المروحة في أشد وقت الحر من الصيف.\nفهمّ الفارس بقتل الشيخ، وكان بإيعاز من ابن معمر، فارتعدت يده وكفى الله شره.\nوكان الشيخ في مشيه لا يفتر عن ذكر الله، ويردد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ .","vol":"1","page":23},{"text":"ونزل الشيخ بالدرعية وقت العصر سنة ١١٥٨هـ ضيفًا على عبد الرحمن ابن سويلم، وابن عمه أحمد بن سويلم.\nوخاف ابن سويلم على نفسه من الأمير محمد بن سعود، لأنه كان يعلم حالة الناس، وأنهم لا يقبلون ما أتى به هذا العالم الجليل، ويقابلون ذلك بالأذى، ولا سيما من بيده الأمر.\nولكن الشيخ الممتلئ إيمانًا وثقة بالله، سكن جاشه، وأفرغ عليه من العظات، وملأه رجاءًا، ووعده بأنه لا بد من أن يفرج الله وينصره نصرًا مؤزرًا. فعلم به الخواص من أهل الدرعية، فزاروه خفية، فشرح لهم معاني التوحيد وما يدعو إليه.\nوكان للأمير أخوان: مشاري وثنيان، وزوجة كانت لبيبة عاقلة.\nفبين الأخوان بعد ما نهلا من مناهل الشيخ لأخيهما الأمير، أن الشيخ محمدًا نازل ضيفًا على ابن سويلم، وأن هذا الرجل غنيمة ساقه الله إليك، فاغتنم ما خصك الله به، ورغّبوه في زيارة الشيخ، فامتثل وزار الشيخ.\nفدعاه الشيخ إلى التوحيد، وأن التوحيد هو ما بعثت من أجله الرسل، وتلا عليه آيات من الذكر الحكيم، فيها البيان ببطلان عبادة غير الله، ولفت نظره إلى ما عليه أهل نجد من الشرك، والجهل، والفرقة والاختلاف، وسفك الدماء، ونهب العباد.\nوبالجملة: بَيَّن له ضعف دينهم ودنياهم، وجهلهم بشرائع الإسلام، ورجاه أن يكون إمامًا يجتمع عليه المسلمون، ويكون له الملك والسيادة، ومن بعده في ذريته.\nعند ذلك شرح الله صدر محمد بن سعود وأحبّه، واقتنع بما دعاه إليه الشيخ، وبشّر الأمير الشيخ بالنصرة، وبالوقوف معه على من خالفه.\nوشرط الأمير على الشيخ شرطين:\nالأول: أن لا يرجع الشيخ عنه إن نصرهم الله ومكّنهم.","vol":"1","page":24},{"text":"والثاني: أن لا يمنع الأمير من الخراج الذي ضربه على أهل الدرعية وقت الثمار.\nفقال الشيخ: \"أما الأول: الدم بالدم، والهدم بالهدم. وأما الثاني: فلعل الله يفتح عليك الفتوحات، وتنال من الغنائم ما يغنيك عن الخراج\".\nفبايع الأمير الشيخ على الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والتمسك بسنة رسول الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الشعائر الدينية.\nوبعد استقراره في الدرعية أتى إليه من كان ينتسب إليه، ومعتنقًا مبادئ دعوته، من رؤساء المعامرة وغيرهم، وأخذت الوفود تأتي من كل حدب لما علموا أن الشيخ في دار منعة.\nعند ذلك، سمع عثمان بن معمر الذي أخرج الشيخ من بلده أن محمد بن سعود ﵀ قد بايع الشيخ، وأنه ناصره وأهل الدرعية له مؤيدون، ومعه قائمون ومجاهدون.\nفندم عثمان على ما سلف منه في حق الشيخ، فأتى إليه ومعه ثلة من الرجال من رؤساء البلاد وأعيانها، واعتذر، وطلب منه الرجوع. فعلّق الشيخ الأمر على رضاء الأمير محمد بن سعود، فرفض الأمير السماح، ورجع عثمان خائبًا.\nوشدت إلى الشيخ الرحال، وكثر الوافدون، ليرتووا من مناهله العذبة الصافية النقية من الخرافات والوثنية.\nوكانت الحالة الاقتصادية للأمير والبلاد لا تقوي على القيام بمؤن أولئك الوافدين الطالبين؛ فكان بعضهم من شغفه وحبه للعلم يحترف بالليل بالأجرة، وفي النهار يحضر الدروس، إلى أن وسّع الله عليهم وأتى بالفرج واليسر بعد الشدة والعسر.","vol":"1","page":25},{"text":"وثابر الشيخ باذلًا جهده ووسعه في إرشاد الناس وتعليمهم، وبيان معنى \"لا إله إلا الله\"، وأنها نفي وإثبات؛ ف \"لا إله\" تنفي جميعا المعبودات، و\"إلا الله\" تثبت العبادة لله.\nوشرح لهم معنى الألوهية بأن الإله: هو الذي تأله القلوب محبة وخوفًا وإجلالًا ورجاءًا. وعلّمهم الأصول الثلاثة.\nوبفضل تعاليمه الرشيدة، تنورت أذهانهم، وصفت قلوبهم، وصحت عقائدهم، وزادت محبة الشيخ في قلوب الوافدين إليه.\nثم أخذ يراسل رؤساء البلدان النجدية وقضاتهم، ويطلب منهم الطاعة والانقياد، ونبذ الشرك والعناد.\nفمنهم من أطاعه، ومنهم من عصاه، واتخذه سخريًا، واستهزأ به، ونسبه إلى الجهل وعدم المعرفة.\nومنهم: من نسبه إلى السحر.\nومنهم: من رماه بأمور منكرة، هو منها بريء. قاتل الله الجهل والتقليد الأعمى.\nولو كان لأولئك عقل، لعقلوا أن الجاهل لا يستطيع إقامة الأدلة الصحيحة على مطالبه، الجاهل لا يستطيع أن يبارز العلماء الأجلاء ببراهين عقلية وحجج سمعية تقصر السامع على الخضوع، الساحر لا يأمر بخير، لا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر.\nولكن لا عجب، فقد قيل سابقًا للمرسلين ولجميع المصلحين، مثل هذا الكلام.\nواصل الشيخ ليله ونهاره في نشر الدعوة والوعظ، وكتابة الرسائل العلمية مكتفيًا بهذه الوسيلة السلمية،","vol":"1","page":26},{"text":"والأمير \"محمد بن سعود\" يؤازره حسب مقدرته.\nولكن خصوم الدعوة كانوا يعملون على تأليف القلوب لمحاربة الدعوة بكل الوسائل، والاعتداء على الداخلين في الدعوة، فلم ير الشيخ محمد والأمير بُدًّا من الاستعانة بالسيف بجانب الدعوة الدينية، واستمرت الحروب الدينية سنين عديدة، وكان النصر حليف ابن سعود في أغلب المواقف، وكانت القرى تسقط واحدة تلو الأخرى بيده، ودخل البعض في الطاعة بالاختيار والرغبة، لما عرف حقيقة الأمر.\nوإن أردت معرفة عناد القوم وبغيهم وجورهم واعتدائهم، ونقض بعضهم للعهد مرة بعد مرة، فاقرأ \"عنوان المجد\"، وأن زعماء الدعوة ما كانت خطتهم إلا الدفاع، ورفع العقبات عن سبيل الدعوة الخالصة.\nوبعد فتح الرياض١ واتساع ملكهم، وانقياد كل صعب لهم، فوض الشيخ أمور الناس وأموال الغنائم إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود الأمير، وتفرّغ الشيخ للعلم وللعبادة وإلقاء الدروس.\nوكان محمد وابنه عبد العزيز لا يتصرفان في شيء إلا بعد أن يعلماه، ليعلمهما الحكم الشرعي، ولا ينفذان حكمًا إلا عن أمره ورأيه.\n_________\n١ تم فتح الرياض سنة ١١٨٧، على يد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، بعد أن خرج دهام بن دواس هاربًا من الرياض، وكان هروبه بعد أن اعتدى المرات العديدة على أئمة الدعوة، ونقض العهد أكثر من مرة، وكانت العاقبة للمتقين وجند الله الموحدين.\nوفي سنة ١١٧٩ توفي الإمام محمد بن سعود، وبويع على الإمامة ابنه عبد العزيز.\nوفي سنة ١٢١٥ غزا سعود بن عبد العزيز بأمر والده العراق، وأوقع خسائر هائلة بأهل كربلا،، وهدم قبة قبر الحسين.\nوفي سنة ١٢١٨ في شهر رجب قتل الإمام عبد العزيز رجل شيعي جاء من العراق متنكرًا كدرويش، وأظهر التنسك والطاعة، وتعلم شيئًا من القرآن، فأكرمه عبد العزيز وأعطاه، وأخذ يتعلم أمور الدين، ولكنه كان رافضيًا خبيثًا، فوثب على الإمام من الصف الثالث والناس في السجود فطعنه بخنجر معه انتقامًا منه، وقضى الإمام نحبه من جرّاء ذلك، وبويع سعود بن عبد العزيز على الإمامة.","vol":"1","page":27},{"text":"وما زال الشيخ على هذه الحالة الحسنة، والسيرة الطيبة الطاهرة؛ حتى انتقل إلى جوار ربه في ذي القعدة سنة ١٢٠٦، ﵀ وأسكنه فسيح الجنان.\nعلم الشيخ وصفاته:\nكان الشيخ رحمه الله تعالى علمًا من الأعلام، ناصرًا للسنة، وقامعًا للبدعة، خبيرًا مطلعًا، إمامًا في التفسير والحديث والفقه وأصوله، وعلوم الآلة كالنحو والصرف والبيان، عارفًا بأصول عقائد الإسلام وفروعها، كشافًا للمشكلات، حلالًا للمعضلات، فصيح اللسان، قوي الحجة، مقتدرًا على إبراز الأدلة، وواضح البراهين بأبلغ عبارة وأبينها، تلوح على محياه علامات الصلاح، وحسن السيرة، وصفاء السريرة، يحب العباد، ويغدق عليهم من كرمه، ويصلهم ببره وإحسانه، ويخلص لله في النصح والإرشاد، كثير الاشتغال بالذكر والعبادة، قلما يفتر لسانه من ذكر الله.\nوكان يعطي عطاء الواثق بربه، ويتحمّل الدين الكثير لضيوفه، ومن يسأله، وكان عليه أُبَّهة العظمة، تنظره الناس بعين الإجلال والتعظيم؛ مع كونه متصفًا بالتواضع واللين، مع الغني والفقير، والشريف والوضيع.\nوكان يخص طلبة العلم بالمحبة الشديدة، وينفق عليهم من ماله، ويرشدهم على حسب إستعدادهم.\nوكان يجلس كل يوم عدة مجالس ليلقي دروسه في مختلف العلوم، من توحيد، وتفسير، وحديث، وفقه، وأصول وسائر العلوم العربية.\nوكان عالمًا بدقائق التفسير والحديث، وله الخبرة التامة في علله ورجاله، غير ملول ولا كسول من التقرير والتحرير، والتأليف والتدريس.\nوكان صبورًا عاقلًا، حليمًا، لا يستفزه الغضب إلا أن تنتهك حرمة الدين، أو تهان شعائر المسلمين، فحينئذ يناضل بسيفه ولسانه، معظِّمًا للعلماء، منوهًا بما لهم من الفضائل، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، غير صبور","vol":"1","page":28},{"text":"على البدع، ينكر على فاعليها بلين ورفق، متجنبًا الشدة والغضب والعنف، إلا أن تدعو إليه الحاجة.\nولا غرو إذا اتصف الشيخ بتلك السجايا الحميدة، والأخلاق الكريمة، فقد ورث تلك عن آبائه واسلافه الأبرار، لأنهم كانوا معروفين بالعلم والفضل والزهد.\nفقد كان جده سليمان بن علي عالم نجد في زمانه له اليد الطولى في كثير من الفنون، فشدت إليه الرحال من أصقاع نجد لتحصيل العلوم.\nقال ابن بشر: \"صنّف مصنفات عديدة، ودرّس وأفتى،وأفاد طلاب العلوم من علمه الواسع\".\nوأبوه الشيخ عبد الوهاب قد كان عالمًا كاملًا، ورعًا، زاهدًا، له معرفة تامة في علوم الشريعة وآلاتها. تولّى القضاء في عدة أماكن من نجد، منها العيينة، وحريملا، وله مؤلفات ورسائل مستحسنة، فرحم الله الجميع رحمة واسعة.\nمؤلفات الشيخ:\nألّف عدة كتب: منها: \"كتاب التوحيد\"، وهوغني بالشهرة عن التعريف به. \"كشف الشبهات\". \"ثلاثة الأصول\". \"مختصر السيرة النبوية\". \"مختصر الإنصاف والشرح الكبير في الفقه\". \"نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين\". \"كتاب الكبائر\". \"آداب المشي إلى الصلاة\". \"أصول الإيمان\". \"مختصر زاد المعاد\". \"مختصر صحيح البخاري\". \"مسائل الجاهلية\". \"استنباط من القرآن\" يقع في جزأين.","vol":"1","page":29},{"text":"\"أحاديث الفتن\". وله رسائل عديدة، أكثرها في التوحيد.\nأبناء الشيخ وتلامذته:\nذكر في \"عنوان المجد\": أن الشيخ ﵀ قد أخذ عنه العلم عدة من العلماء الأجلاء، منهم: أبناؤه الأربعة العلماء، والقضاة الفضلاء، الذين درسوا العلوم الشرعية والفنون الأدبية، كما درسوا الفروع والأصول، وصارت لهم ملكة في المعقول والمنقول: حسين، وعبد الله، وعلي، وإبراهيم١.\nوقد كان لكل واحد منهم قرب بيته مدرسة، وعنده من طلاب العلوم من أهل الدرعية والغرباء العدد الكثير، بحيث قد يعده السامع أنه قد بولغ في العدد.\nولا زال العلم في ذرية الشيخ وسيكون إن شاء الله باقيًا إلى أن تقوم الساعة.\nوآل الشيخ في هذا اليوم هم القائمون في المملكة العربية السعودية بالوظائف الدينية، من الإفتاء، والتدريس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورئاسة المعاهد والكليات، وحل المشاكل، والدفاع عن حوزة الدين، ونصر شريعة سيد المرسلين. فجزاهم الله أحسن الجزاء، ووفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه.\nوأما التلامذة والطلاب الذين نهلوا من منهل الشيخ، وتخرجوا على يده، وصاروا قضاة ومفتين، فلا تحصيهم الأقلام.\nولا بأس أن نذكر عددًا قليلًا:\nفمنهم الشيخ العالم الجليل: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، والد مؤلف \"منحة القريب\"٢.\n_________\n١ وأما ابنه الخامس وهو حسن، فالظاهر أنه لم يكن من طلبة العلم الأجلاء، وقد أخبرني بعض آل الشيخ أن حسن والد الشيخ عبد الرحمن بن حسن مات شابًا، ولم يكن ممن اشتغل كثيرًا بالعلم، بل بالتجارة والأعمال الدنيوية.\n٢ \"منحة القريب في الرد على عُبّاد الصليب\"، ألّفه الشيخ العلامة عبد العزيز ابن الشيخ أحمد المذكور، وهو ذاك.","vol":"1","page":30},{"text":"والشيخ الزاهد الورع: عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري، تولى القضاء إذ ذاك في ناحية الوشم.\nوالشيخ الفاضل العالم العامل: سعيد بن حجي، قاضي حوطة بني تميم.\nوالعالم الجليل الشيخ: عبد الرحمن بن نامي، تولى القضاء ببلد \"العيينة\" والأحساء.\nوالشيخ المفضال: أحمد بن راشد العريني، القاضي في ناحية \"سدير\".\nوالشيخ: عبد العزيز أبو حسين.\nوالشيخ: حسن بن عيدان، وكان قاضيًا في بلد حريملاء.\nوالشيخ: عبد العزيز بن سويلم، وكان قاضيًا في بلد \"القصيم\".\nومن ذرية الشيخ حسن، وأشهر الموجودين من نسله في عصرنا الحاضر، الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وهو الآن مفتي المملكة العربية السعودية، وإليه مرجع الهيئات الدينية.\nوأخوه الشيخ: عبد اللطيف؛ رئيس المعاهد الدينية والكليات، والشيخ: عبد الملك رئيس هيئات الأمر بالمعروف بمكة المكرمة.\nكما أن من أشهر الموجودين من نسل الشيخ حسين بن محمد، الشيخ: عمر بن حسن، رئيس هيئة الأمر بالمعروف ب \"نجد\" والمنطقة الشرقية.\nعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجميع النجديين\nعقيدته كعقيدة السلف الصالح، على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعون، والأئمة المهتدون: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وسائر أهل السنن ممن تبعهم من أهل الفقه والأثر؛ كالأشعري، وابن خزيمة، وتقي الدين بن تيمية، وابن القيم، والذهبي، ﵏.","vol":"1","page":31},{"text":"يعتقد أن الله واحد أحد، فرد صمد، لا شريك له ولا مثيل، ولا وزير له ولا مشير، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، عالم بكل شيء ما كان وما يكون، ومالم يكن، لو كان كيف يكون، قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، بل هو الفعّال لما يريد، ويثبت جميع صفات الله العليا، وأسماءه الحسنى كما نطق الكتاب، وجاءت به السنة الصحيحة من صفة: العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والإرادة، والكلام، والاستواء على العرش، والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وسائر الصفات الذاتية والفعلية والخبرية.\nيؤمن بها، ويمرّها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nتوحيد العبادة والربوبية:\nيعتقد: بأن الله هو الحي القادر الخالق، الرازق، المحيي، المميت.\nيؤمن بأن يُفرد ربنا بالعبادة، ولا يُشرك به أحد، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل.\nويبرأ من عبادة ما سواه كائنًا ماكان، وهذا هو الحكمة١ التي خلق الله لأجلها الجن والإنس، وأُرسلت لها الرسل، وأُنزلت بها الكتب.\nويبرأ من عبادة الأحجار والأشجار والصالحين الأخيار.\nويبرأ من عابديها، ويقيم الحجج العقلية والنقلية على أنها شرك وضلال، وكفر بالله ذي الجلال، كقوله تعالى حكاية عن قول الرسل لأقوامهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .\nوكقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .\n_________\n١ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، فقد صرح القرآن أنه لم يخلق الخلق إلا لأجل عبادته، وما روي من حديث: \"\"لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك\" فباطل لا اصل له.","vol":"1","page":32},{"text":"الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والكتب واليوم الآخر:\nيؤمن بجميع أنبياء الله ورسله، لا يفرّق بين أحد منهم، ويعتقد أن محمدًا أفضلهم؛ أرسله الله بالآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة، وكرّمه بطهارة الأعراق، وحباه محاسن الأخلاق، فمن اتبعه صار من المفلحين، ومن عصاه صار من الأشقياء الخاسرين.\nويؤمن باليوم الآخر، وبالبعث بعد الموت، وحساب الله للعباد، وبالميزان والصراط، والجنة والنار، كما ستأتي عقيدته بنصها.\nمسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة:\nيؤمن بالقدر خيره وشره، ويبرأ مما قالته القدرية النفاة، والمجبرة، والمرجئة، ويوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته الطاهرين، ويكفّ عما شجر بينهم، ويعتقد بأفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.\nعقيدته في العلماء:\nيوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم، من أهل الحديث والفقه والتفسير، وأهل الزهد والعبادة، ولا سيما الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة، يقصر عنها المتطاول، ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، خلافًا لغلاة المقلدين. وعلى هذا القول أجمعت الأئمة الأربعة وغيرهم، كما حكاه ابن عبد البر ﵀.","vol":"1","page":33},{"text":"نقول من رسائله وعقائده\nوها أنا أنقل لك أيها القارئ الكريم بعض ما كتبه الشيخ من رسائله١ التي ذكر فيها عقيدته وما هو عليه.\nفمن تلك الرسائل:\nما كتبه لأهل القصيم.\nقال ﵀ بعد البسملة:\n\"أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهِدكم أني أعتقد ما أعتقده أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر، خيره وشره.\nومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فلا أنفي عنه، ما وصف به نفسه، ولا أحرّف الكلم عن مواضعه، ولا أُلْحِد في أسمائه وآياته، ولا أكيّف، ولا أمثّل صفاته بصفات خلقه، لأنه تعالى لا سَمِيّ له ولا كُفؤ، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه ﷾ أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا.\nفنزّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون، منأهل التحريف والتعطيل، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nفالفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية٢.\n_________\n١ وإنما أنقل لك أيها القارئ من رسائله الآتية لتعرف عقيدة الشيخ في توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وأنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأن ما أشاعه أعداؤه مما يخالف ما جاء في رسائله وكتبه كذب لا أصل له، وسيأتيك زيادة بيان عند النقل.\n٢ القدرية: تسند الفعل إلى العبد، وتجعله خالقًا لفعل نفسه من خير أو شر.\nوخالفتهم الجبرية، وقالت: العبد مجبور على الفعل من خير أو شر، فالعبد كالريشة في مهب الأرباح. من رسالة ابنه الشيخ عبد الله بعد دخول الإمام سعود مكة المكرمة سنة ١٢١٨.","vol":"1","page":34},{"text":"وهم وسط في باب وعبد الله، بين المرجئة والوعيدية.\nوهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية.\nوهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج١.\nوأعتقد: أن القرآن كلام الله، منزّل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده؛ نبينا محمد ﷺ.\nوأؤمن بأن الله فعّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.\n_________\n١ الحرورية: هم الخوارج الذين خرجوا على عليّ عندما رضى بتحكيم الحكمين.\nوالمعتزلة: هم القدرية الذين أسندوا الفعل إلى العبد، ولم يؤمنوا بالقدر.\nوالمرجئة: هم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\nوالجهيمة: هم أتباع جهم بن صفوان، نفوا جميع صفات الله وأسمائه، ودانوا بالجبر المحض.\nوالروافض: هم الذين يقولون: إن عليَّ بن أبي طالب هو الخليفة بعد الرسول، وأن الرسول أوصى له بالخلافة، ويكفّرون أكثر أصحاب رسول الله.\nوالتوسط الذي أراده الشيخ، هو: أن أهل السنة يقولون ويعتقدون بعموم مشيئة الله وقدرته، ولا يقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه، بل هو مختار.\nوالتوسط بين المرجئة والوعيدية، الذين هم الحرورية والمعتزلة، هو: أن أهل السنة لا يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية؛ لورود الآيات الناصّة على الوعيد.\nولا يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، كما تقوله الخوارج، ولا أنه في المنزلة بين المنزلتين، كما تقوله المعتزلة، بل يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، وإن مات ولم يتب فأمره مفوّض لله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.\nوالتوسط بين الروافض والخوارج في الصحابة، هو: أن أهل السنة يعتقدون بفضل الصحابة كلهم، ولا يغلون في أهل البيت، بخلاف الروافض، فإنهم قد كفروا أكثر أصحاب رسول الله، وغلوا في أهل البيت. وبخلاف الخوارج، فإنهم كفّروا عثمان، وعليًا، وطلحة، والزبير، ومعاوية، وعمرو ابن العاص.","vol":"1","page":35},{"text":"وأعتقد بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.\nوأؤمن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة، عراة، غرلًا، وتدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن به أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾، وتُنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.\nوأؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.\nوأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم.\nوأؤمن بشفاعة النبي ﷺ، وأنه أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ .\nوهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله.\nوأما المشركون، فليس لهم في الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ .\nوأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان وأنهما لا يفنيان.\nوأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته.\nوأؤمن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصبح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته.","vol":"1","page":36},{"text":"وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ثم سائر الصحابة ﵃.\nوأتولى أصحاب رسول الله، وأذكر محاسنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساوئهم، وأسكت عما شجر بينهم.\nوأعتقد فضلهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .\nوأترضى عن أمهات المؤمنين، المطهرات من كل سوء.\nوأقر بكرامات الأولياء، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئًا، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، غلا من شهد له الرسول ﷺ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسئ.\nولا أكفّر أحدًا من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.\nوأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجاعة خلفهم جائزة.\nوالجهاد ماض، منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.\nوأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله.\nومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه.\nوأرى هجر أهل البدع ومباينتهم، حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله.\nوأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.","vol":"1","page":37},{"text":"وأعتقد أن الإيمان، قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها، شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.\nوأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.\nفهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل\".\nومن رسالته إلى السويدي من علماء العراق، جوابًا لما سأله عما يقول الناس فيه:\nقال بعد البسملة:\n\"من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ في الله: عبد الرحمن بن عبد الله.\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nأما بعد:\nفقد وصل إليّ كتابك، وسَرّ الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين.\nوأخبرك أني ولله الحمد متّبع لست مبتدعًا.\nعقيدتي وديني، الذي أدين الله به: هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة.\nولكني بيّنت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به، من: الذبح، والنذر، والتوكل، والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه أحد، لا ملَك مقرب، ولا نبي مرسل. وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.\nوبيّنت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة، الذين يدعون عليًا وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات.","vol":"1","page":38},{"text":"وأنا صاحب منصب، في قريتي مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادات نشأوا عليها، وألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع المسكرات؛ فلم يمكن الرؤساء، القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسنًا عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما أمرت به من التوحيد، ونهيت عن الشرك، ولبّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات، فكبرت الفتنة، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله.\nفمنها: إشاعة البهت، كما ذكرتم أني أكفّر جميع الناس، إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة.\nفيا عجبًا، كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟، وهل يقول هذا مسلم؟!، إني أبرأُ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل.\nوالحاصل، أن ما ذكر عني غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك فكله من البهتان\" اهـ باختصار.\nومن رسالته إلى أهل المغرب:\nبعد أن ساق آيات وأحاديث على وجوب اتباع السنة وترك البدع والمحدثات، وإخبار النبي ﷺ أن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها \"شبرًا بشبر وذراعًا بذراع\"، ولا بد أن تفترق كالأمم السالفة، وأن الناجية من كان على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه. قال:\n\"إذا عرف هذا، فمعلوم ما عمّت به البلوي من حوادث الأمور التي أعظمها: الإشراك بالله، والتوجّه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب السماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد، وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله.","vol":"1","page":39},{"text":"وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كصرف جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال الله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .\nفأخبر الله سبحانه أنه لا يرضي من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه.\nوأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم.\nوأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفّار، فكذبهم في هذه الدعوى، وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ \" اهـ.\nومن رسالته في الأسماء والصفات:\nبعد البسملة والحمد لله:\n\"الذي نعتقد وندين الله به: هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وأصحابهم ﵃.\nوهو: الإيمان بآيات الصفات وأحاديثها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت؛ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .\nوقدر الله لأصحاب نبيه ومن تبعهم بإحسان، الإيمان، فعلم قطعًا أنهم المرادون بالآية الكريمة.\nوقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ .","vol":"1","page":40},{"text":"وقال الله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية.\nفثبت بالكتاب أن من اتبع سبيلهم فهو علىالحق، ومن خالفهم فهو على الباطل.\nفمن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله، أو على لسان رسوله ﷺ، من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير، ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها، ولا تشبه بصفات المخلوقين، بل أقروها كما جاءت. وردوا علمها إلى قائلها، ومعناها، إلى المتكلم بها١، وأخذ ذلك الآخر عن الأول، ووصّى بعضهم بعضًا بحسن الاتباع، وحذرونا من اتباع طريق أهل البدع والاختلاف، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .\nوالدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا: أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار رسول الله ﷺ، نقل مصدقٍّ لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها.\n_________\n١ المراد بذلك: علم الكيفية والكُنه، ومعناهما عند أهل السنة والجماعة، وليس المراد علمهما ومعناهما من حيث اللغة العربية، فإن ذلك معلوم لدى أهل السنة، فإنهم يعلمون أن السمع غير البصر، وأن الاستواء غير النزول، وأن الغضب غير الرضا، وهكذا بقية الصفات، ويؤمنون بأن الله سبحانه موصوف بهذه الصفات حقًا لا مجازًا، على الوجه الذي يليق بجلاله، من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال مالك وشيخه ربيعة رحمة الله عليهما: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\" إلخ، وقال مالك أيضًا: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" أي: عن الكيف، وقد تلقى عنه ذلك وعن شيخه ربيعة أئمة السنة، ووافقوه عليه. وهو الحق الذي لا ريب فيه، وهو الذي درج عليه أهل السنة جميعًا؛ عملًا بقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وما جاء في معناها من الآيات. والله أعلم. عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":41},{"text":"ولم يشبّهوه بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئًا من ذلك لنقل عنهم، بل زجروا من سأل عن المتشابه، وبالغوا في كفه تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب.\nولما سئل مالك ﵀ عن الاستواء: أجاب بمقالته المشهورة، وأمر بإخراج الرجل.\nوهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف، في جميع الصفات، مثل: النزول والمجئ، واليد، والوجه، وغيرها.\nفيقال في النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء، الوارد به الكتاب والسنة.\nوثبت عن الربيع بن سليمان قالك سألت الشافعي ﵁ عن صفات الله، فقال: \"حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ﷺ\".\nوثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: \"إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يصفون ربهم بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات، ولا يعتقدون بها تشبيهًا بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكَلِم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية.\nوقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا في نفي النقائص بقوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ","vol":"1","page":42},{"text":"السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وبقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .\nوثبت عن الحميدي شيخ البخاري وغيره، من أئمة الحديث أنه قال: \"أصول السنة\" فذكر أشياء وقال: \"ما نطق به القرآن والحديث، مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، ومثل: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نرده، ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ومن زعم غير هذا فهو جهمي\".\nفمذهب السلف رحمة الله عليهم: إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، كما أن إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، ولا تشبيه، فكذلك الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم.\nولو ذهبنا نذكر ما أطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لطال الكلام جدًا، فمن كان قصده الحق، وإظهار الصواب، اكتفى بما قدمناه.\nومن كان قصد الجدال والقيل والقال، لم يزده التطويل إلا الخروج عن سواء السبيل، والله الموفق\" اهـ.\nالمسائل التي دعا إليها الشيخ ووقع فيها الخلاف بينه وبين الأكثرين\n١- توحيد العبودية:\nويقال له: توحيد الألوهية، وهو الذي بعث الله من أجله الرسل، من نوح إلى سيدنا محمد ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .\nوحيث رأى الشيخ أهل نجد وغيرها، كما سبق، قد ألّهوا قبور الأنبياء والصالحين، وبعض الغيران والأشجار، وصرفوا بعض العبادات إليها، كالنذر والحلف والنحر والاستعانة والاستغاثة، إلى غير ذلك، مما لا ينبغي","vol":"1","page":43},{"text":"صرف إلا الله١؛ أنكر عليهم، وبَيّن لهم أن العبادة هي طاعة الله، بامتثال ما أمر، وأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.\nوأفراد العبادة كثيرة، منها: الصلاة، والصيام، والصدقة، والنذر، والذبح، والطواف، والاستعانة، والاستغاثة.\nفمن صرف منها شيئًا لغير الله يكون مشركًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، فاتبعه بعضهم واعتنق مبدأه رغبة واختيارًا، وأبى الأكثرون متمسكين بتقليد الآباء والخضوع للعادات، وبفشو هذه الأعمال في سائر الأمصار والقرى، وسكوت الأكثرين من العلماء.\n٢- التوسل:\nالتوسل قسمان: قسم مطلوب ومرغوب فيه، وهو التوسل بالإيمان، وبأسماء الله الحسنى وبالأعمال الصالحة، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم٢.\nوالثاني: التوسل المبتدع، وهو: التوسل بالذوات الصالحة، مثل: أن يقول الشخص: \"اللهم إني أسألك بجاه الرسول، أو بحرمة فلان الصالح، أو بحق الأنبياء والمرسلين، أو بحق الأولياء والصالحين\".\nفنهاهم الشيخ عن القسم الثاني، إذ لم يرد عن الرسول ولا أصحابه ﵃، وهو دعاء، والدعاء عبادة، ومبناها على التوقيف، ويعبد الله بما شرع، لا بالأهواء والبدع.\n_________\n١ وأضف إلى ذلك ما اتصفوا به من التهاون بالصلاة، ومنع الزكاة، والتحاكم إلى الطواغيت، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. راجع ما سبق \"حالة نجد قبل الدعوة\".\n٢ حديث الثلاثة: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، وملخص معناه: أن أحد الثلاثة توسل بعفته عن الزنا، والثاني ببره لوالديه، والثالث بتنميته أجرة أجير قليل، وتوفيره حتى صار مالًا جزيلًا طائلًا، وكل عمل من الأعمال الثلاثة لا ريب أنه من أجلّ الأعمال الصالحة.","vol":"1","page":44},{"text":"وتمسّك المجوزون بآيات لا تمت إلى دعواهم بصلة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ .\nإذ التفسير الوارد عن السلف وأَجِلاّء المفسرين: أن ابتغاء الوسيلة يكون بالأعمال الصالحة.\nكما تمسكوا ببعض أحاديث موضوعة، كحديث: توسل آدم بالنبي لَمَّا اقترف الخطيئة. وضعيفة كحديث الأعمى، وحديث فاطمة بنت أسد، ولا حجة في موضوع ولا ضعيف.\n٣- منعه شد الرحال:\nمنع من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، كما جاء في الحديث الصحيح: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\".\nولم يلتفت الشيخ إلى تأويل المؤولين والمخالفين.\nكما أن شَدّ الرحال لطلب العلم، أو لزيارة الأرحام، أو للسعي وراء الكسب؛ خارج عن دائرة النزاع، لأن هذه الأشياء وردت بها أوامر شرعية.\nوقد سبق الشيخ إلى منع شد الرحال: شيخ الإسلام، أحمد بن تيمية، وابن القيم، والجويني والد إمام الحرمين من الشافعية، والقاضي عياض من المالكية.\nوليس للمجوزين أية حجة يصح الاعتماد عليها.\n٤- البناء على القبور وكسوتها وإسراجها، وما إلى ذلك:\nحرّم الشيخ: البناء على القبور، وكسوتها، وتعليق الستور عليها، وإسراجها، والكتابة عليها، وإقامة السدنة حولها وزيارتتها الزيارة الشركية التي تنجم منها مفاسد عديدة، كالتمسح بالقبر، والطواف حوله، والصلاة إليه، ودعاء المقبور في جلب نفع أو دفع ضر.\nواستند الشيخ في منعه وتحريمه إلى أدلة صحيحة من الأحاديث الصحيحة،","vol":"1","page":45},{"text":"كحديث: \"لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج\" وحديث: \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد\" إلخ.\nوأمر الشيخ بهدم تلك القبب المشيدة اتباعًا للأحاديث الصحيحة، كحديث أبي الهياج الأسدي لَمَّا قال له علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟، أن لا تدع تمثالًا إلى طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته.\nوفقهاء المذاهب الأربعة وغيرها قد سبقوا الشيخ بمنع هذه الأمور وتحريمها، وإن عَبّر بعضهم بالكراهة في بعض منها، فإنما القصد كراهة التحريم لا التنزيه، والكراهة في القرآن والسنة وعلى لسان السلف تُطلق على التحريم.\nوالكراهة بمعنى: \"لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها\" اصطلاح حادث لا عبرة به، كما لا عبرة بقول بعض الفقهاء بتحريم البناء على القبر إن كان في أرض مسبلة لئلا تضيق الأرض على الموتى، وإن كان في ملكه فلا، بل يكره.\nوإنما قلنا: لا عبرة به، لأن الأحاديث المانعة من البناء، والآمرة بهدمه، عامة، وما أتى عن الرسول ﷺ ما يخصصها.\nوليست عِلَّة التحريم تضييق الأرض كما زعم أولئك، بل العلة أن البناء يفضي إلى تعظيم المقبور ودعائه من دون الله، وهذا أمر مشاهد ملموس، لا يقبل الجدل والنزاع.\n٥- توحيد الأسماء والصفات:\nقد سبق ما جاء في رسائل الشيخ، أنه في المعتقد على ما كان عليه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إثبات الأسماء والصفات، من غير تمثيل ولا تكييف.\nولم يرق للمخالفين هذا الاعتقاد، حيث كانوا مؤولين ومقلدين للجهم","vol":"1","page":46},{"text":"ابن صفوان، والجعد بن درهم، مستمسكين بشبه فلسفية، لا تتفق مع آي القرآن والأحاديث الصحيحة، ومعتقد الصحابة والتابعين، والأئمة المهتدين، رضوان الله عليهم أجمعين.\n٦- إنكاره للبدع:\nأنكر الشيخ البدع والمحدثات في الفروع، كالاحتفال بالمولد، والتذكير قبل الأذان، والصلاة على الرسول بعد الأذان جهرًا، والتلفظ بالنية، وقراءة حديث أبي هريرة، عند صعود الخطيب على المنبر.\nكما أنكر طرائق الصوفية المبتدعة، وما إلى ذلك من المبتدعات التي لم يرد في استحبابها عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه.\nوقد ألَّف العلماء قبل الشيخ في إنكار البدع والمحدثات، كابن وضاح، والطرطوشي، والشاطبي.\nافتراء أعداء الشيخ عليه بما هو برئ، وتلقيب أتباعه بالوهابية:\nلَمَّا دعاهم الشيخ إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك ووسائله، والبدع والخرافات والأوهام.\nوكان الأكثرون من أهل نجد وسائر الأقطار قد انغمسوا في حمأة تلك الرذائل، وورثوها عن آبائهم السالفين، تربى عليها الصغير، وهرم عليها الكبير؛ رأوا بفاسد فكرهم أن فيما يدعو إليه الشيخ تهجينًا بهم، ونسبتهم إلى الجهل والإشراك، وإزراءًا بآبائهم، ولا سيما أدعياء العلم، رأوا أنهم إن اتبعوه انحط مقامهم، وصغر شأنهم عند العامة، حيث إن العوام سيقولون: إن هؤلاء كانوا يزعمون بأنهم علماء، هادون إلى الخير، وكانوا يتصدرون للفتوى وللتعليم، وقد أتى هذا الشيخ وأبان جهلهم وفساد عقائدهم، وأنهم ليسوا على شيء، إلى غير ذلك مما أملاه عليهم الشيطان، وقادهم إليها الهوى، وحب الرياسة، إلى أن يستكبروا عن قبول الحق، وتسلحوا بسلاح الجدل والمكابرة.","vol":"1","page":47},{"text":"فأوحوا إلى العوام أن الشيخ عقيدته غير صحيحة، ومخالف لما عليه المسلمون، ويتنقّص مقام الصالحين، فلا ينبغي أن يُتّبع، بل ينبغي أن يُزجر ويُقمع، وجادلوا الشيخ بالباطل، وبالآراء السخيفة والشبه الواهية، ونصر الله الشيخ، فأقام عليهم الحجج القويمة، المدعمة بآي القرآن وصحاح الأحاديث، كما تراها في مؤلفاته، ومؤلفات أبنائه وأحفاده، وأئمة الدعوة، وفَنَّد شبههم، وأزهق باطلهم، واشتد نكيره عليهم.\nوعند ما عجز فضلاؤهم في ميادين الحجج والبراهين، وآبوا بالفضل؛ لجأوا إلى وضع العقبات في سبيل الدعوة، وإلى الاعتداء؛ الأمر الذي ألجأ الشيخ وحزبه برئاسة الأمير محمد بن سعود أن يقاوموهم بالسنان، فجرت الحروب الشديدة بين حزب الشيخ وبين أولئك.\nفكما فشلوا في ميادين الحجج العلمية، وخرجوا صفر اليدين، فشلوا أيضًا في ميادين المقارعة والحروب، وكان النصر في الأغلب حليف الشيخ وحزبه.\nفلما لم يبق لديهم من سلاح يحاربون الدعوة؛ شرع بعض المدّعين للعلم والأمراء يزيدون في اختلافهم الأكاذيب والافتراءات، وينسبونها إلى الشيخ، وأخذوا في استعمال الدعايات الكاذبة، والإشاعات الباطلة، وطفق بعضهم يكتب إلى الأتراك، وإلى الأشراف في الحجاز: أن هذا الشيخ مبتدع، ومذهبه خامس المذاهب، ولا يحب الرسول ﷺ، ولا الأولياء، ومنع من زيارة الرسول ﷺ، وكفّر جميع الناس، إلا من كان من أتباعه، ولا يعتبر المذاهب الأربعة، بل أمر بإتلاف كتب المذاهب، وينهي عن الصلاة على الرسول ﷺ، حتى أحرق دلائل الخيرات، وأن أولئك السعوديين يفسدون قلوب الناس، ويغيرون عقائدهم، ويريدون تحويلهم عن الطريق الموروثة، والسبيل التي وجدوا عليها الآباء والأجداد، ويحقرون شعائر الدين بهدم قباب المشايخ والأولياء الكبار، التي أطبقت الأجيال على تعظيمها والتبريك بها، وأن قعود الدولة عن رد هؤلاء المعتدين يذهب بهيبتها من","vol":"1","page":48},{"text":"نفوس المسلمين، ويحقر من شأنها عندهم، فلا تبقى صاحبة الحق في دعوى الخلافة عليهم.\nوما زالوا بالدولة العثمانية يستنصرون بقوتها وجيشها، ويستفزون ملوكها وقضاتها بأساليب الخداع، وأنواع الإغراء؛ بأنها حامية الحرمين الشريفين، وحامية الإسلام، وأوغروا صدر الدولة على دعوة الشيخ، وشوهوا وجهها الجميل مما كذبوا عليها وألصقوه بها من الفرى والبهتان، حتى بلغت بهم الوقاحة، وقِلَّة الحياء والإيمان إلى حد أن زعموا: أن السعوديين النجديين لا يقولون في الأذان: أشهد أن محمدًا رسولالله، بل يقولون: محمد رسول الله.\nقال في::جزيرة العرب في القرن العشرين\" ما نصه\n\"سمعت في نجد: أن حكام نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود، كانوا يكتبون إلى الأتراك: أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا الله محمد رسول الله \"بحذف ميم محمد\" تنفيرًا للأتراك من خصومهم، وأنهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب\"اهـ.\nوما زالوا بالعثمانيين يتوسلون إليهم، وإلى شيوخ إسلامهم، وقواد جيشهم؛ حتى انخدعت الدولة بأولئك المفترين، وزاد الطين بلة ما رأت الدولة من قوة انتشار دعوة الشيخ، وتأسيس دولة آل سعود، ورأت أن الدولة السعودية قد بسطت نفوذها على نجد، وامتد إلى عمّان، وأخذت تغزو العراق وأطراف الشام، وخافت أن يزول استعمارها من البلدان العربية، لا سيما بعدما فتح آل سعود مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ.\nقام العثمانيون عنئذ بدورهم السياسي، واستعملوا القلم والسنان ضد الشيخ وأتباعه النجديين.\nأما القلم فأخذوا يوعزون إلى بعض العلماء ممن قَلَّ نصيبه من الدين والعقل والحياء، بأن يؤلِّفوا ضد الشيخ وأتباعه، وينشروا بين الناس تلك الأكاذيب.\nوأما السنان فقد أمرت الدولة \"محمد علي باشا\" واليها بمصر، أن يجهز الجيوش الجرارة لحرب النجديين وإبادتهم.","vol":"1","page":49},{"text":"فرّحب بالأمر، وجهّز الوالي جيشًا عرمرمًا بقيادة ابنه \"طوسون\"، ثم ابنه إبراهيم سنة ١٢٢٦ هجرية١، وحارب النجديين، وانكسر الجيش التركي عدة مرات، ولكنه أخيرًا تم له النصر على السعوديين سنة ١٢٣٣هـ.\nوقامت أشراف الحجاز بدورهم السياسي قبل الترك، وحاربوا السعوديين والدعوة السلفية.\nولكنهم باءوا بالفشل الذريع واندحروا، وتَمَّ للسعوديين فتح مكة كما سبق، كما حاربوا السعوديين قبل استيلائهم على مكة المكرمة، وبعد خروجهم منها؛ بنشر الدعايات الكاذبة، والافتراءات الصريحة، وإيعازهم إلى بعض علمائهم بتأليف كتب ضد دعوة الشيخ وأتباعه.\nفألّف مأجورو الترك والأشراف كتبًا، شحنوها بالأكاذيب والترهات، وحشوها بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، والحكايات السمجة ضد الدعوة السلفية، وزعموا أن الشيخ مبتدع خارجي.\nحتى إن \"زيني دحلان\" نزّل الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ وأتباعه، في كتابه \"الدرر السنية\"، وفي \"الفتوحات الإسلامية\".\nفعلوا كل ذلك تنفيرًا للناس، كيلا يتّبعوا الشيخ الجليل، ويعتنقوا مبدأه الصحيح.\nومن دعايات الأتراك والأشراف المنفّرة للناس: نبزهم لأتباع الشيخ بالوهابية٢، وجعلهم هذا اللهب على هذه الفرقة السلفية كعنوان لخروج هذه الفرقة عن المذاهب، وعدم محبة النبي والصالحين، وكذبوا والله في ذلك.\n_________\n١ هذه رواية ابن بشر، وأما الريحاني فيقول: إن ابتداء تسيير جيش محمد على الزحف على نجد ١٢٢٩. ورواية ابن بشر أولى، لأن رب البيت أدرى بما فيه.\n٢ نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي نسبة على غير القياس العربي، فلقد كان الصحيح أن يقال: المحمدية، إذ إن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو الشيخ محمد، لا أبوه عبد الوهاب.\nومن أعجب العجب أنك لا تجد لهذا اللقب أثرًا بنجد، بل يستنكر النجديون هذا اللقب ممن يخاطبهم به، أو ينسبهم إليه، وهذا يدلك على أن هذه النسبة جاءت من الخارج من خصوم الدعوة، وأكبرهم إذ ذاك: الأشراف والأتراك، وأكثر علمائها.","vol":"1","page":50},{"text":"والقصد الوحيد من تلك الدعايات والإشاعات الباطلة: صد الناس عن اعتناق الدعوة.\nوأمرٌ آخر وهو: أن لا تقوى شوكة السعوديين، ويتسع نفوذهم، كي تبقى سيطرة الأتراك، وإمارة الأشراف.\nولكن الله ردّ كيدهم في نحرهم، وعاملهم بنقيض قصدهم؛ فانتشرت دعوة الشيخ في سائر الأقطار، وعرف كثير من الناس صحتها وحقيقتها، وأنها لا تخرج عن نطاق الكتاب والسنة، فاعتنقها كثيرون، وألّف جمع من المعتنقين لها كتبًا في تأييدها والدفاع عنها١.\nولا زالت الدعوة تزداد نفوذًا وقوة وانتشارًا، ما كرّت الليالي والأيام، وأزال الله دولة الأتراك والأشراف، ومكّن الله الدولة السعودية مرّة أخرى بقيادة مليكها الراحل \"عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل السعود\" ﵀، وبسطت سيطرتها ونفوذها على نجد والحجاز وعسير، وعرف الجمهور كذب أولئك المفترين.\nومن معاملة الله لهم بنقيض قصدهم، هو: أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقبًا لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف الونهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، والتمسك بمذهب السلف.\nفترى كل من تنكر عليه أو ينكر غيرك عليه، بدعة أو منكرًا صار يقابلك بقوله: \"أنت وهابي\"، فصار هذا اللقب والحمد لله مدحًا وعَلَمًا على الفرقة التابعة للكتاب والسنة، وعلى كل من يعتنق مذهب السلف الصالح، وعلى كل من يدعو إلى توحيد الألوهية والعبادة، وكفاهم فخرًا وشرفًا، وما أحسن قول الشيخ عمران ﵀:\n_________\n١ كمؤلف \"صيانة الإنسان\"، و\"نيل الأماني\".","vol":"1","page":51},{"text":"إن كان تابع أحمد متوهبًا\nفأنا المقر بأنني وهابي\nأنفي الشريك عن الإله فليس لي\nرب سوى المتفرد الوهابي\nلا قبة تُرجى ولا وثن ولا\nقبر له سبب من الأسباب\nأيضًا ولست معلقًا لتميمة أو\nحلقة أو ودعة أو ناب\nلرجاء نفع أو لدفع بلية\nالله ينفعني ويدفع ما بي\nكتب أدعياء العلم تلك الكتب التي مَرَّ وصفها، متظاهرين بمظاهر العلماء الراسخين، الغيورين على دين الإسلام، المخلصين في محبة الرسول ﷺ والأولياء والصالحين، والذابين عنهم، ولكن في الحقيقة أخلصوا لمطامعهم وأهوائهم، وأحبوا الرئاسة والزعامة على العوام، والتقرب من ملوك الأتراك وأمراء الأشراف، ونيل الأصفر الرنّان، وخابوا وخسروا، وباءوا بالفشل والحرمان، وأصبحت تلك الكتب لا قيمة لها، وليس لها ذكر إلا عند بعض الجهلة من القبوريين، وانتشر العلم، وتنوّرت الأذهان، وعرف المعلمون في سائر الأقطار أن أولئك الكاتبين ضد الشيخ وأتباعه كانوا دجاجلة، لا نصيب لهم من العلم والتحقيق.\nوإن أردت أيها القارئ أن تعرف وتتأكد من صحة قولي، فاقرأ \"الدرر السنية\" لزيني دحلان، وقارنها ب\"صيانة الإنسان\".\nواقرأ \"شواهد الحق\" للنبهاني، و\"غاية الأماني\" في الرد عليه، للشيخ: محمود شكري الألوسي.\nواقرأ الكتب التي أُلِّفت في تاريخ نجد من السالفين والمعاصرين؛ من المسلمين والغربيين الكافرين.\nالأسباب التي أدت لنفرة الكثيرين عن الشيخ وأتباعه:\n١- كانت العامة في سائر الأقطار الإسلامية تنظر إلى دولة الأتراك إذ ذاك أنها دولة الخلافة، وأنها هي القائمة بنصر الدين ومحاربة الكافرين، وحماية شريعة سيد المرسلين.","vol":"1","page":52},{"text":"رأوها تحارب هذه الدعوة السلفية النجدية، حتى إنها أرسلت الجيوش لمحاربة آل سعود وقمعهم.\n٢- كانت تسمع من علمائهم ذم الدعوة والشيخ والعلماء الصغار، كانوا يقتدون بعلمائهم الكبار، الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الدعوة، والدعاية بضدها.\n٣- سمع الحجاج الوافدون إلى مكة من أشراف الحجاز وبعض علماء مكة والمدينة التقديس التام من العوام، والانقياد الكامل لأقوالهم١ ضد الشيخ وأتباعه الشئ الكثير، من كون أتباع الشيخ لا يحترمون الأولياء والصالحين، ويهدمون قبابهم، ويمنعون من زيارة القبور، ويقولون: \"عصا أحدنا خير من محمد\"، ولا يحبون الرسول، ويمنعون من زيارته.\nفلهذه الأسباب التي ذكرناها، أخذ جمهور الناس في سائر الأقطار فكرة سيئة عن الشيخ وأتباعه، واعتقدوا أنه وأتباعه على غير حق. وهذا بالنسبة لما سلف.\nأما اليوم فقد هان الأمر، واستبان الحق، وانتشر الوعي، وعرف الكثيرون بطلان تلك الدعايات.\nفلو كان عند خصوم الدعوة والمنخدعين بهم أدنى علم وعقل؛ لعلموا من سيرة الشيخ وأتباعه، ومن كتبهم؛ أنهم هم المحبون للرسول ﷺ، المعظمون له.\nوالدليل على ذلك: أنهم حكموا القرآن وسنة الرسول في جميع الأمور، ولم يسمحوا لأحد أن يخرج عن منهج الرسول وأصحابه.\nومن ابتدع ولو بدعة صغيرة، نهوه عنها، ومنعوه من ارتكابها وقالوا: \"من عمل عملًا ليس عليه أمر الرسول ﷺ وأصحابه فهو مرودود عليه، كائنًا من كان\"، طبقًا لقوله ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\n_________\n١ مفعول لسمع الحجاج، أي: سمع الحجاج ضد الشيخ، وقوله: \"ولعلماء مكة ... إلخ\" جملة معترضة بين الفعل ومفعوله.","vol":"1","page":53},{"text":"فهل هؤلاء محبون للرسول حقًا وصدقًا؟، أم الذين يتظاهرون بحب الرسول بألسنتهم وبالقصائد في مدحه ﷺ، وبلفظ: \"اللهم صل على سيدنا محمد\" عند ذكره؟.\nوالحال أنهم يأتون أفانين البدع وأنواع المحدثات، وينبذون السنة المطهرة خلف ظهورهم، ويحكّمون القوانين والآراء بدلًا عن القرآن والسنة.\nفيا أيها القارئ؛ وازن بين الطرفين بميزان العدالة، واحكم بالعدل والإنصاف. والله يتولى الهداية والتوفيق.\nمن رسالة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب في بيان ماهم عليه، وكذب ما نسب إليه١\nننقل أيها القارئ من هذه الرسالة التي كتبها الشيخ عبد الله بعد دخول الإمام سعود ﵀ مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، جوابًا لمن سأله عما يعتقدونه ويدينون الله به، فأجاب بما ستقف عليه:\nقال ﵀ بعد البسملة والحمدلة:\n\"أما بعد:\nفإننا معاشر غزو الموحدين لَمَّا مَنَّ الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرّفة نصف النهار، يوم السبت، ٩ شهر محرم الحرام، سنة ١٢١٨هـ، بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود حماه الله؛ الأمان، وقد كانوا تواطأوا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله، أو الإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناده الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا وشعارنا التلبية، آمنين، محلقين رؤوسنا ومقصّرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم\n_________\n١ رسالة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي نقلت عنها هي في \"الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية\"، التي تشتمل علىخمس رسائل لكبار أئمة نجد وعلمائها، جمع وترتيب: الشيخ سليمان بن سحمان، ﵀.","vol":"1","page":54},{"text":"الدين، ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجرًا، ولم ينفروا صيدًا، ولم يريقوا دمًا، إلا دم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع.\nولَمَّا تَمَّت عمرتنا، جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير على العلماء ما نطلب من الناس، ونقاتلهم عليه، وهو إخلاص التوحيد لله وحده، وعرّفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع، إلا في أمرين:\nأحدهما: إخلاص التوحيد لله، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد وترك الإشراك، قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.\nوالثاني: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلًا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم، وعفا عنهم جميعًا، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة.\nولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لا سيما العلماء، ويقرر لهم حال اجتماعهم، وحال انفرادهم لدينا، أدلة ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة، وبين الحق، وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب، أو سنة، أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم بقوله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\"، وعن١ الأئمة الأربعة المجتهدين، ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث، لقوله ﷺ: \"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\".\nوعرّفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقم العلماء علينا أمرًا\".\n_________\n١ معطوف على قوله: \"أو أثر عن السلف الصالح\".","vol":"1","page":55},{"text":"ثم ذكر الشيخ كلامًا طويلًا، إلى أن قال:\n\"ونحن أيضًا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلّد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، لا نقرّهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد، ولا أحد منا يدعيه إلا أنا؛ في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة؛ أخذنا به، وتركنا المذهب١ كإمام الصلاة.\nفنأمر الحنفي والمالكي٢ مثلًا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين؛ لوضوح ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين.\nفإذا قوي الدليل؛ أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرًا جدًا.\nولا مانع من الاجتهاد، في بعض المسائل دون بعض. ولا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق.\nوقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل؛ مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه.\nثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة، ومن أجلها لدينا\n_________\n١ مثّل هنا بتقديم الجد على الأخوة، وبإمام الصلاة لغير هذه المسألة. المصحح.\n٢ أما الأحناف فإنهم لا يرون الطمأنينة في الصلاة ركنًا.\nوأما المالكية: فإنهم كالشافعية والحنابلة؛ يرون الطمأنيننة في الركوع، والاعتدال، والسجود، والجلوس بين السجدتين؛ ركنًا، ولا تختلف المالكية عن المذهبين في فرائض الصلاة إلا شيئًا يسير.\nوأما الأحناف: فإنهم لا يعتبرون فرائض الصلاة المحررة عند المذاهب إلا ستة منها، وهي: النية، وتكبيرة الإحرام، والقراءة، ولو غير الفاتحة، والركوع، والسجود، والتشهد الأخير.","vol":"1","page":56},{"text":"تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم.\nوعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني، والقسطلاني على البخاري، والنووي على \"مسلم\"، والمناوي على \"الجامع الصغير\".\nونحرص على كتب الحديث، خصوصًا الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون، أصولًا وفروعًا وقواعدَ وسيرًا، ونحوًا وصرفًا، وجميع علوم الأئمة، ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلًا؛ إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين، وما يحصل بسببه خلل في العقائد، كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على أنا لا نفحص عن مثل ذلك، وكالدلائل إلا أن تظهر به صاحبه معاندا؛ أتلف عليه.\nوما اتفق لبعض البدو من إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر من بعض الجهلة، وقد زجروا غيرهم عن مثل ذلك.\nومما نحن عليه: أنا لا نرى سبي العرب، ولن نفعله، ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان.\nوأما ما يكذب علينا سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق، بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق أفهامنا، من دون مراجعة شرح، ولا معوّل على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: \"النبي رمة في القبر، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى: لا إله إلا الله، حتى نزل عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾ \"، مع كون الآية مدنية.\nوأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، فنتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل. وأنا مجسمة. وأنا نكفّر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه.\nومن فروع ذلك: أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنا ننهي عن الصلاة على النبي ﷺ، ونحرّم زيارة القبور المشروعة مطلقًا.\nوأن من دان بما نحن عليه،","vol":"1","page":57},{"text":"سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون. وأنا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم.\nوأنا لا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم. وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شابًا، إذا ترافعوا إلينا. فلا وجه لذلك.\nفجميع هذه الخرافات وأشباهها، لما استفهمنا عنها من ذكر أولًا كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .\nفمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى.\nومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا؛ علم قطعًا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .\nفإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحدًا، بجميع أنواع العبادة.\nوالذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حَيٌّ في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس.\nومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه؛ فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه.\nولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدي من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع","vol":"1","page":58},{"text":"العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث: \"دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه\" الحديث. وأمر ﷺ عمر وعليًا بسؤال الاستغفار من \"أويس\" ففعلا.\nونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسبما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد أيضًا، ونسألها أيضًا من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعًا إلى الله تعالى: \"اللهم شفّع نبينا محمدًا ﷺ فينا يوم القيامة\" أو: \"اللهم شفّع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك\"، أو نحو ذلك مما يُطلب من الله، لا منهم.\nفلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله؛ أسالك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، أو نحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.\nفإذا طلبت ذلك مما ذكر في أيام البرزخ، كان من أقسام الشرك؛ إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح على ذلك.\nبل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ\" اهـ ما أردنا نقله من تلك الرسالة.\nوقد اتضح لك أيها القارئ أن الشيخ وأتباعه في الأصول على مذهب السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد، وقد يخالفون المذهب للدليل، كما هو إجماع أهل العلم.\nوأنه لم يبتدع ولم يقل إلا وحّدوا ربكم، وتمسكوا بسنة نبيكم، ودعوا المحدثات، ولا يغرّنكم كثرة السالكين المسلك المخالف لمسلك الرسول وأصحابه.\nكما اتضح لك كذب ما نُسِبَ إليهم من تلك المفتريات التي ذكرناها فيما سلف، وذكر كثيرًا منها الشيخ: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.","vol":"1","page":59},{"text":"فيقال للمخالفين وللمفترين: أرونا هذه المفتريات أو بعضها في شيء من مؤلفات الشيخ، أو من مؤلفات أبنائه، أو مؤلفات أئمة الدعوة؟.\nولا شك أنهم لا يستطيعون أن يثبتوا حرفًا واحدًا في كتاب الشيخ وأتباعه.\nوأما نحن، فنقول: هذه كتبهم، تُطبع وتُنشر، وقد بيّنا لكم معتقد الشيخ وما دعا إليه.\nفإن كنتم في شك، فاقرأوا شيئًا من كتبه أو كتب أبنائه وأحفاده؛ لتطلعوا على الحقيقة، وتعرفوا كذب أولئك الأفّاكين، الذين اغتر بهم الأكثرون، وحسبوهم علماء محققين، ولا يقولون إلا الحق والصواب، والحال قد بان أنهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ الآية.\nوأزيدك بيانًا وإيضاحًا بأن أنقل لك من \"تاريخ نجد\" لمحمود شكري الألوسي ﵀ مناظرة ذكرها في تاريخه، جرت بين عراقي وهو \"داود بن جرجيس البغدادي\" وعالم نجدي، وهو الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، مؤلف \"منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس\".\nوإنما أنقل بعضها لك، لما تضمنت هذه المناظرة من الفوائد النافعة، والمسائل القيمة، والجواب عن بعض ما اشتبه على بعض الناس، وكشف ما أشكل. وها أنا ألخص منها ما يمسّ بموضوعنا.\nقال العراقي:\nلِمَ تكفّرون يا أهل نجد المسلمين وعباد الله الصالحين، وتعتقدون ضلالهم، وتبيحون قتالهم، واستبحتم الحرمين الشريفين، وجعلتموهما دار حرب، واستحللتم دماء أهلهما وأموالهم، وجعلتم دار مسيلمة الكذاب هي دار الهجرة، ودار الإيمان، مع ما ورد فيها من الحديث أنها مواضع الزلازل","vol":"1","page":60},{"text":"والفتن، لما طلب أهل نجد الدعاء لأرضهم.\nوالتكفير أمر خطير، حتى إن أهل العلم ذكروا أنه لو أفتى مائة عالم إلا واحدًا بكلمة كفر صريحة مجمع عليها، وقال عالم واحد بخلاف أولئك؛ يُحكم بقول الواحد، ويُترك قول غيره، حقنًا للدماء.\nفلم لا تتبصرون في أمور دينكم، ولا تراقبون وقوفكم بين يدي بارئكم، وتركتم الناس سالمين من ألسنتكم وأيديكم؟.\nقال العالم النجدي المجيب:\n\"أيها العراقي: ليس الأمر كما علمت أنت وأمثالك، بل أنتم في لبس مما نحن عليه، وعسى أن يزول ذلك عنكم إذا صادف ما أكتبه لكم قلوبًا سالمة من داء الغباوة، فأقول:\nأركان الإسلام خمسة: أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة.\nفالأربعة، إذا أقر بها أحد وتركها تهاونًا فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفّره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود. ولا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان.\nوأيضًا نكفّره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول:\nأعداؤنا معنا على أنواع:\nالنوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله ﷺ، أظهره للناس، وأقر أيضًا أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر الذي هو دين غالب الناس أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله ﷺ ينهي عنه، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك؛ فهذا كافر، نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.","vol":"1","page":61},{"text":"النوع الثاني: من عرف ذلك كله، ولكنه تبين في سب دين الرسول مع إدعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد غير الله وغالى في أوليائه، ففضلهم على من وحّد الله وترك الشرك؛ فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وهو ممن قال الله فيه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ .\nالنوع الثالث: من عرف التوحيد واتّبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضًا كافر. وفيه قول الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ .\nالنوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد واتباع أهل الشرك، وساعون في قتالهم، ويتعذر عليه ترك وطنه، ويشق عليه، فيقاتلهم أهل التوحيد، ويجاهدهم بماله ونفسه. فهذا أيضًا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه ترك الصيام إلا بفراقهم؛ فعل. ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ترك ذلك، إلا بمخالفتهم؛ فعل. وموافقته على الجهاد معهم بنفسه زماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله؛ أكبر من ذلك بكثير، فهذا أيضًا كافر، وهو ممن قال الله فيه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ . هؤلاء الذين نكفّرهم، لا غير.\nوأما القول: بأنا نكفّر الناس عمومًا، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفّر من لم يكفر ولم يقاتل. ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛ فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.\nوإذا كنا لا نكفّر من عبد القبور من العوام لأجل جهلهم، وعدم من","vol":"1","page":62},{"text":"ينبههم١، فكيف نكفر من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .\nفقد ذكرنا لك - أيها السائل - ما يكشف عنك غطاءك، لو كان لك بصر ثاقب وفكر سديد، وفطنة كافية، تأخذ بيدك من أوهام الحيرة، وظلمات الوساوس، والله ولي التوفيق.\nوأما ما ذكره السائل من استباحة الحرمين الشريفين: فاعلم أيها السائل الفاضل، أن هذا من الكذب والبهت البين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، لم يقع فيهما قتال بحمد الله، فضلًا عن الاستباحة.\nوإنما دخلهما المسلمون في حالة أمن، وصلح، وانقياد من شريف مكة، ورؤساء المدينة.\nوجلس المشايخ منا في الحرمين الشريفين للتعليم والتدريس، وكتبت الرسائل في بيان التوحيد والتنزيه والتقديس، حتى جاءت العساكر: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ .\nوأما الأموال التي أخذت من الحجرة الشريفة، فلم تؤخذ ولم تصرف، إلا بفتاوى أهل العلم من سكان المدينة، ووضع خطوطهم بذلك.\nوحاصل ما كتب: أن هذه الأموال وضعت توسعة لأهل المدينة، وصدقة على جيران رسول الله، وأُرصِدَت لحاجتهم، وأُعِدَّت لفاقتهم، ولا حاجة لرسول الله إليها، وإلى اكتنازها وادخارها في حال حياته، فضلًا عن حال مماته. وقد تقطعت أسباب أهل المدينة ومرتباتهم بمنع الحاج في تلك السنة، وأخرجت تلك الأموال لما وصفنا من الحال، باطلاع وكيل الحرم وغيره من أعيان المدينة وغيرها.\n_________\n١ يريد الشيخ ﵀: أنهم لا يكفّرون العوام الجهال الذين لم تبلغهم الحجة من كتاب الله وسنة نبيه، وأما من بلغته الحجة، وعاند، وأصرّ على شركه من دعاء الموتى، والاستغاثة بهم، وطلب النفع منهم، أو دفع الضر؛ فلا شك في شركه، بل وفي كفر من لم يكفره.","vol":"1","page":63},{"text":"وما وقع من خيانة وغلول، لا تجوز نسبته إلى أهل العلم والدين، أو أنهم راضون، أو غير منكرين له.\nولا يجوز أن يسمي ما وقع، استباحة للحرمين، كما ذكرت أيها السائل.\nوقد وقع من تعظيم الحرمين وكسوة الكعبة الشريفة، وتأمين السبل، والحج إلى بيت الله، وزيارة الحرم الشريف النبوي، مالا يخفى على منصف عرف الحال، ولم يقصد البهت والضلال.\nوأما الاستدلال على صلاح أهلها بشرف تلك البقعة، فهو استدلال من عزبت عنه أدلة الشرع وقواعده، وغابت عنه عهود الكتاب العزيز ومواعده، وصار من جملة الغوغاء والعامة.\nولا حاجة لنا إلى تعداد من كفر بآيات الله، وصادم رسله، ورد حججه من أهل الحرمين، ولا إلى تعداد من في بلاد الحبشة والهند، وبلاد الفراعنة كمصر، وبلاد الصابئة كـ\"حران\"، وبلاد الفرس المجوسية من أهل العلم والفقه والأمامة والدين.\nوفضل الحرمين لا يشك فيه من له أدنى إلمام بما جاءت به الرسل الكرام، ولكن ليس فيه حجة على تحسين حال أهلها مطلقًا، وقد قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء لما دعاه إلى الأرض المقدسة، ورغبّه فيها: \"إن الأرض لا تقدّس أحدًا\"، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وهي: مصر والشام.\nفإن كان في شرف البقاع حجة ودليل على صلاح أهلها، فليكن هنا، وبنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وسكان (إيليا) والمسجد الأقصى، وقد جرى منهم من الكفر والتكذيب، وقتل الأنبياء ما لا يخفى على من آنس شيئًا من أنوار النبوة والرسالة.\nثم استدلال أهل اليمن على حسن حالهم مطلقًا، بحديث: \"الإيمان يمان، والحكمة يمانية\"، وحديث: \"أتاكم أهل اليمن، أرق قلوبًا، وألين أفئدة\" أظهر","vol":"1","page":64},{"text":"من الاستدلال بشرف البقاع على عدم ضلال أهلها، لأن حديث: \"الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها\" يصدق ولو على البعض، والأول أدل١ على العموم، ولو احتج الأسود العنسي وأمثاله على حسن حالهم بما تقدم لكان جوابه جوابًا لنا، فقد قال الله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ .\nإيضاح المراد بمواضع الزلازل والفتن:\nأيها السائل، إنك لمحت إلى أن المراد من مواضع الزلازل والفتن هي أرض نجد، وبلادها واتخذت ذلك سهمًا رميت به من سكن هذه الخطة، ونحن نعذرك في ذلك، حيث لم تقف على معنى الحديث، وبعد بيانه، نرجو من لطف الله تعالى أن تذعن أنت وأضرابك للحق، إن كنت من أهل الفهم والإنصاف.\nأما الحديث فهو قوله ﷺ في الدعاء: \"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا\" قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟، فكرر ثلاث مرات يدعو للشام واليمن، وهم يقولون: وفي نجدنا؟، فقال في الرابعة: \"تلك مواضع الزلازل والفتن\"، وقد استجيبت دعوته ﷺ، وحصل من البركات بسبب هذه الدعوات في الشام واليمن، ما هو معروف ومشهور، وهل دوّنت الدواوين، ووضع العطاء، وجندت الجنود، وارتفعت الرايات والبنود، إلا بعد إسلام أهل اليمن وأهل الشام، وصرف أموالهما في سبيل الله.\nولكن لا يحتج به على صلاح دين أهلهما، إلا من غربت عنه الحقائق، وعدم الفهم لأصول الدين، فضلًا عن الفروع والدقائق.\nوقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾، وجمهور أهل نجد، كـ\"تميم\" و\"أسد\" و\"طي\" و\"هوزان\" و\"غطفان\" و\"بني ذهل\" و\"بني شيبان\"؛ صار لهم في الجهاد\n_________\n١ أي: حديث: \"الإيمان يمان\"، وحديث: \"أتاكم أهل اليمن\".","vol":"1","page":65},{"text":"في سبيل الله، والمقام بالثغور، والمناقب والمآثر، لاسيما في جهاد الفرس والروم؛ ما لا يخفى على من له أدنى إلمام بشيء من العلوم، ولا ينكر فضائلهم، إلا من لم يعرف جهادهم وبلاءهم في تلك المواطن، ولا يشك عاقل أنهم أفضل من أهل الأمصار، قبل استيطان الصحابة، وأهل العلم والإيمان.\nوأما بعد ذلك، فالفضل والتفضيل، باعتبار الساكن، يختلف وينتقل مع العلم والدين.\nفأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان: أكثرها علمًا، وأعرفها بالسنن والآثار النبوية.\nوشر البلاد: أقلها علمًا، وأكثرها جهلًا وبدعة وشركًا، وأقلها تمسكًا بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح.\nفالفضل والتفضيل، يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، وكما أن الحسنات تضاعف في البلد الحرام، فكذلك السيئات تضاعف، لعظم حرمته وفضيلته١.\nوقد جاء في فضل بعض أهل نجد كـ\"تميم\" ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أحب تميمًا لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ: قوله لما جاءت صدقاتهم: \"هذه صدقات قومي \"، وقوله في الجارية التميمية: \"أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل\"، وقوله: \"هم أشد أمتي على الدجال\". هذا في المناقب الخاصة. أما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد، لأنهم من صميم العرب.\n_________\n١ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المضاعفة في الكيفية لا في العدد، لقول الله سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، وهذا نص صريح من كتاب الله سبحانه، لا تجوز مخالفته إلا بدليل صحيح يخص الحرم المكي من هذه الآية، ولا نعلم في ذلك ما يحسن الاعتماد عليه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز.","vol":"1","page":66},{"text":"وما ورد في تفضيل القبائل والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن للدلالة على فضل الساكن والقاطن.\nومعلوم أن رؤساء عباد القبور والداعين إلى دعائها وعبادتها لهم حظوا فيما يأتي به الدجال.\nوقد تصدّى رجال من تميم وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله تعالى، وهذا من أعلام نبوته إن قلنا (أل) في الدجال للجنس لا لعهد، وإن قلنا: إنها للعهد كما هو الظاهر، فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله. فتأمّله فإنه نفيس جدًا.\nوليت غيرك أيها السائل تكلم بهذا الكلام فإن بلادك أعني العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية:\nفأهل \"حروراء\" وما جرى منهم على أهل الإسلام، لا يخفى.\nوفتنة \"الجهمية\" الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق.\nو\"المعتزلة\" وما قالوه في الحسن البصري، وتواتر النقل به، واشتهر من أصولهم الخمسة، التي خالفوا بها أهل السنة.\nومبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية، غاية يسقط بها الأمر والنهي، إنما نبغوا وظهروا بالبصرة١.\nثم \"الرافضة\" و\"الشيعة\" وما حصل منهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في علي والأئمة، ومسبّة أكابر أصحاب الرسول ﷺ، كل هذا معروف مستفيض عن أهل بلادك، أفلا يستحي أهل هذه العظائم من عيب أهل الإسلام ولمزهم بوجود مسيلمة في بلادهم.\n_________\n١ وكذلك وقعة الجمل، كما وقع بالعراق حرب صفين، وقتل علي، وقتل مسلم بن عقيل، والحسين بن علي وأبنائه، ودعوى المختار ابن أبي عبيد النبوة، إلى غير ذلك مما لا يحصر.\nكذلك في عصرنا قد حصلت فتن بالعراق، ومنها أخيرًا: فتنة عبد الكريم قاسم، وما جرى من القتل والسفك.","vol":"1","page":67},{"text":"أما سمعت ما رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: \"دخل إبليس العراق، فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرّخ وبسط عبقريته\". والعراق قبل الإسلام، هي محل المجوس، وعباد النيران والبقر.\nفإن قيل: طهرت بالفتح والإسلام.\nقلنا: فما بال اليمامة لا تظهر بما أظهر الله فيها من الإسلام، وشعائره العظام، وجهاد أعداء الله ورسوله ﵊.\nهذا كله أيها السائل لو سلّمنا أن المراد بنجد في الحديث هي القطعة الشهيرة، مع أن الأمر ليس كما فهمت أنت وأضرابك، بل المراد بنجد في هذا الحديث وأمثاله هو \"العراق\"، لأنه يحاذي المدينة جهة الشرق. يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث وأشار إلى \"العراق\".\nقال الخطابي: \" (نجد) من جهة الشرق ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية العراق ونواحيها، فهي مشرق أهل المدينة. وأصل \"نجد\" ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها\".\nوقال الداوودي: \"إن نجدًا من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر\".\nويشهد له ما في مسلم عن ابن غزوان: سمعت سالم بن عبد الله، سمعت ابن عمر يقول: \"يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة!، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الفتنة من ههنا\" وأومأ بيده إلى المشرق\".\nفظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق، لأن النبي ﷺ فسّر المراد بالإشارة الحسية. وقد جاء صريًا في الكبير للطبراني، النص على أنها \"العراق\".","vol":"1","page":68},{"text":"وقول ابن عمر وأهل اللغة، وشهادة الحال، كل هذا يعيّن المراد١.\nوأما قولك أيها السائل: لو أفتى مائة عالم إلا واحدًا بكلمة كفر صريحة مجمع عليها، وقال عالم بخلاف أولئك يحكم بقول الواحد ... إلخ.\nفمما يستوجب الأسف عليك، حيث كنت بهذه المنزلة من معرفة دينك، أما علمت أن المحتج به في العقائد والأعمال إنما هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهذا الدليل من أي واحد من الأربعة.\nومن عرف ما في الدعوى من العموم والإجماع، على خرق الإجماع، حمد الله على السلامة من داء الجهل. ثم هذا العدد المخصوص أهو غاية وحد، لا يجوز أن يتجاوزه أحد؟، أو هو مبالغة وتهور لا يبالي به عند التحقيق والتصور. قوم٢ هذا حاصل بحثهم ونهاية إقدامهم.\nوأما قوله ﷺ: \"ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" فهو ليس مما نحن فيه، فإن الخلاف ليس من الشبهة، ولا يلتفت إليه إذا خالف الكتاب والسنة والإجماع.\nهذا باتفاق المسلمين، لا يشكل إلا على الأغبياء.\nوإطلاق القول بأن الخلاف شبهة، يعود على الإسلام بالهد والهدم، والتسجيل على عامة العلماء بالعيب والذم، فقل حكم من الأحكام الاجتهادية، إلا وفيه خلاف.\nومن المعلوم أنه جاء الخبر النبوي: أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وتختلف في دينها. والعلماء مجمعون على القول بهذا، وأنه لا يلتفت إلى\n_________\n١ ومن الأجوبة المسكتة: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد قرأ كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وأمعن النظر فيها، وهضم معانيها، فنفخت فيه روح الثورة على تلك الأوضاع الفاسدة، ومنحته سلاحًا قويًا من الحجج النقلية والبراهن العقلية ما استطاع بها أن يزهق باطل أولئك المردة والمشركين، وأن يزيّف شُبَه علمائهم ودعاة مذاهبهم.\nولا ريب أن الشيخين كانا شاميين، فإذا دعوة الشيخ شامية، والحديث يقول: \"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا\".\n٢ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هؤلاء قوم.","vol":"1","page":69},{"text":"كل خلاف، لا سيما ما خالف النصوص والإجماع، وأفتوا بهذا في مسائل لا تحصى في أصول الدين وفروعه.\nفلو كان وجود الخلاف من الشبه، لحكما بضلالتهم في ذلك كله، وهم مجمعون على عكس ما قال السائل. ولو أفتى ألوف بما يخالف النصوص فهم في جانب النص والحجة، ولو مع واحد من الألوف.\nقال الفضيل بن عياض: \"لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين\".\nوأحسن منه وأدلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فبطل الاحتجاج بالكثرة في الأصول والفروع، وما أحسن ما قيل:\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له من حظ من النظر\nقال السائل:\nيا أهل نجد، ألم تعلموا أن من كفر المسلمين، هو في جملة المارقين؟، فما بالكم، اقتديتم بالخوارج، وسلكتم تلك المسالك والمناهج، ووافقتم مذهبهم الباطل، واعتقادهم العاطل، حيث قال أولئك: \"لا حكم إلا لله\"، وقلتم: \"لا يعبد إلا الله\"، وكل من الكلمتين معنى أريد بهما باطل، وتضليل الأمة المحمدية.\nقال المجيب:\nأيها السائل، لو عرفت حقيقة الحال؛ لما صدر منك هذا المقال، فأين أهل الإسلام والتوحيد الذين يكفّرون من عبد الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، من الخوارج الذين يكفرون أهل القبلة والإيمان؟. وكأن عبدة القبور عندك هل سنة وجماعة!. ليس الأمر كما ظننت. ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ . ما أردنا نقله انتهى\"\nثم ذكر الشيخ حقيقة مذهب الخوارج، ومبدأ أمرهم، وبيان ما عليه عباد القبور، وبيان حال الشيخ محمد ﵀ ومذهبه ومعتقده، إلى آخر ما ذكره.","vol":"1","page":70},{"text":"المشابهة بين عصر الرسول ﷺ ودعوته وبين عصر الشيخ محمد ودعوته:\nليس القصد أن نجعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب كالرسول ﷺ، لأن الرسول قد فضّله الله على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعله خاتمهم، وليست درجته كدرجة غيره.\nوأما الشيخ محمد، فعالم مصلح، مجدد لما اندرس من دين الرسول ﷺ.\nوإلى القارئ وجه الشبه بين العصرين في بعض الأمور التي جرت للرسول الأكرم وللشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:\n١- عصر الرسول كان عصرًا قد بلغ من فساد العقائد والعادات والأخلاق مبلغًا عظيمًا.\nفالأصنام كانت تُعبد من دون الله في المسجد الحرام عند الكعبة وغيرها.\nوكانت العرب قد انحطّت إلى أسفل الدركات من الوثنية الممقوتة والعادات السافلة الرذيلة، من: شرب الخمور، والبغاء، ووأد البنات، وتحكم الأقوياء في الضعفاء.\nوقصارى ما يقال في هذا العصر: أنه عصر انتحار الفضائل الإنسانية الكبرى، والمعاني السامية العليا.\nوكان عصر الشيخ ابن عبد الوهاب شبيهًا بذلك العصر، بما كانوا فيه من جاهلية مطلقة، كما كانوا غارقين في أودية الجهالة والرذيلة والوثنية المسبوكة في قالب حب الصالحين.\nوأوجز ما يقال فيه: أنه عصر انتحار الفضائل الإنسانية والمعاني الرفيعة، يضاف إليه محو الدين، والخضوع لسلطان الخرافات والبدع.\n٢- بعث الله محمدًا ﷺ بعد فترة من الرسل، وكانت الإنسانية بما أصابها في مقاتلها تنتظر وتتعطش إلى هذه البعثة الكريمة، لعلها تهتدي بعد الضلال البعيد، وتنتقل من فوضى الأخلاق والطباع إلى نظام وطمأنينة وراحة.","vol":"1","page":71},{"text":"وجاء الشيخ في وقت كانت جزيرة العرب في أمسّ الحاجة إلى مصلح بعالجها من أمراضها القاتلة، ويرجع بها إلى تعاليم الرسول ﷺ، وينقذها مما وقعت فيه، ويأخذ بيدها من تلك الهوة السحيقة التي ارتطمت فيها، لكي تسير في سبيل مستقيم، حيث تصفو العقائد، وتشفى العقول، حيث النور المنبثق من القرآن والسنة يملآن الرحاب والبقاع.\n٣- كما وفق نبينا في الدعوة إلى الله وتوحيده، ونبذ الشرك وتهجينه.\nوفّق محمد بن عبد الوهاب في تجديد دعوة الرسول ﷺ، والسير على منهاجه، ونشر ما أتى عنه، نقيًا خالصًا من كل شائبة وباطل.\n٤- لم يطلب المقام للرسول ﷺ بمكة التي ولد فيها بإيذاء قريش له، وتسلطهم عليه بالسوء والأذى، حتى أجمعوا أخيرًا على قتله، فهاجر إلى المدينة مع صديقه، ووجد من الأنصار عونًا وحبًا، ثم تبعه صحابته فانتقلوا إليها مستخفين، خشية من الأذى والفتك، وفرارًا بالدين والعقيدة.\nوكذلك الشيخ، قد تآمر عليه مماليك بلده الذي ولد فيه على قتله١، وتسوروا عليه الجدار، ولقي من أهله الأذى والتنكيل، مما جعل الإقامة به أمرًا مستحيلًا، ففر بدينه وعقيدته إلى الدرعية، ولقي فيها محببين كانوا عونًا له.\nهنالك استطاع أن يهنأ بالعبادة والدين، وانتقل مريدوه وأتباعه إليها هربًا بمعتقداتهم وأرواحهم.\n٥- كما حدث للرسول ﷺ في طريقه للمدينة وهو مهاجر، أن تبعه سراقة بن مالك، طمعًا في جعل قريش.\n_________\n١ هذا خلاف المعروف، وإنما المعروف أن التآمر وقع في حريملاء، وبسببه انتقل الشيخ ﵀ إلى العيينة، كما ذكر ذلك الشيخ ابن بشر في تاريخه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز.","vol":"1","page":72},{"text":"ولما أدرك النبي وأبا بكر، ساخت قوائم فرسه في الأرض، فإذا هو في وثاق، لا يستطيع منه فكاكًا، حتى يستنجد بالرسول فينطلق.\nكذلك قد جرى للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد وكل به أمير العيينة عثمان بن معمر عندما أمر بمغادرة الشيخ البلاد فارسًا والشيخ كان راجلًا، كافي القدم، حاسر الرأس، إلا من مروحة يتقي بها لظى القفر. حتى إذا رام أن يقتله، واستل سيفه، إذا بيده القوية تتهالك، فيسقط منها.\n٦- وكان ابن عبد الوهاب يعرض نفسه على القبائل والبطون، فمن ناصرة ومجيرة، إلى خاذلة وصادفة عنه، إلى قبائل لا تتورع عن إيذائه والكيد له، كما كان يكيد له الكراء والزعماء، فلا تلين له قناة.\nكما كان الرسول ﷺ يعرض نفسه على القبائل، ويستقبلها في المواسم والأسواق، فينصره بعضها، ويخذله بعضها، ويهزأ به بعضها، ويناله بعضها بما يكره، ولكنه صابر يقول في ابتسامته الحلوة الرائعة: \"اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون\".\n٧- ومثل ما اعترض حياة الرسول الكريم الخطر والهلاك، اعترضت حياة تابعه المخلص، الويلات والكوارث.\nفكان يستدبر كارثة ليستقبل أخرى بنفس مطمئنة، وقلب مفعم بالإيمان.\n٨- وكما كان الرسول يغزو بنفسه، ويزج بها في المعارك والميدان، وإذا احتدم القتال يقوي قلوب صحابته الكرام، ويعززهم ويذكرهم، ويدعو الله لهم.\nكان التابع المتبوع الإمام محمد بن عبد الوهاب، يغزو بنفسه مع محمد بن سعود، ولا يبخل بالرأي السديد، وكان من أبرز رجال القيادة العليا، حتى إذا اختلف في الرأي بينه وبين غيره؛ قدم رأيه، لأنه يسير بهدي الله ونوره.","vol":"1","page":73},{"text":"٩- وكان محمد ﵊ يرسل الرسل للملوك، يدعوهم إلى الهدى ودين التوحيد، ويرسل السرايا للغزو، إن أعلنوا الحرب على الدعوة.\nوكان ابن عبد الوهاب يفعل ذلك أيضًا، متبعًا سنة رسولنا ﵊.\n١٠- وكما ابتلى الرسول بأعداء أقوياء، لدد في الخصومة، ينفسون عليه، ويتهمونه بالسحر والكذب، حتى إن أقرب ذوي قرباه كانوا في حيرة من أمره، وحتى إن عمه أبا لهب كان لا يرضى عنه، وخاصمه وسفه حلمه، ولم يأل جهدًا في تأليب الناس عليه.\nابتلى ابن عبد الوهاب أيضًا بخصوم أشداء، نصبوا له الحبائل، ورشقوه بالسهام، ولكنها كانت تطيش وكان ينجو، بفضل الله، حتى أخوه سليمان، ونقد آرائه ودعوته وطريقته نقدًا لاذعًا١.\n١١- وكما انتصر الرسول على أعدائه، وخضعوا له، وأصبحوا من خيرة أنصاره، كعمر، وخالد، وعمرو بن العاص.\nفكذلك انتصر تابعه المخلص الأواه على مناوئيه، وأتوا إليه معتذرين، فإذا به يعفو كرمًا، ويرتاح إليهم، ويصفح عنهم. وإذا بهم يعودون إخوة وأنصارًا مخلصين٢.\n_________\n١ ثم إن سليمان المذكور اتضح له الحق فتاب إلى الله، ووفد على اخيه الشيخ محمد ﵀ في الدرعية، واستقر بها حتى توفاه الله، كما ذكر ذلك العلامة ابن بشر في حوادث سنة ١١٩٠ في كتابه \"عنوان المجد\".\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\n٢ جله منقول من كتاب محمد بن عبد الوهاب، لأحمد عبد الغفور، لكن باختصار في بعض العبارات، وزيادة في البعض.","vol":"1","page":74},{"text":"أثر الدعوة في البلاد النجدية:\n١- قضت هذه الدعوة المباركة قضاءً تامًا على ما كان شائعًا في \"نجد\" من الخرافات، وما كان شائعًا من تعظيم القبور والنذر لها، والاعتقاد في بعض الأشجار، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها.\n٢- إن أهل نجد قد رجعوا إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية، كما رجعوا إلى الكتاب والسنة المطهرة، وحكموها في جليل الأمور وحقيرها.\n٣- كانوا متفرقين، لا تجمعهم رابطة، ولا يجمعهم حكم شرعي، ولا قانوني، بل كانوا مختلفين ومتفرقين، في المشارب والنهزعات.\nفوحّدت هذه الدعوة كلمتهم، وجمعت شملهم، وجعلتهم تحت راية واحدة وأخضعتهم لسلطان واحد، يسوسهم بكتاب الله المجيد، وسنة رسوله.\n٤- كانوا في نهاية من الجهل والغباوة، إلى حد أن اعتقدوا في الأشجار والغيرام.\nفنشرت الدعوة فيهم علوم الشريعة المطهرة، وآلاتها من: التفسير، والحديث، والتوحيد، والفقه، والسير، والتواريخ، والنحو، وما إلى ذلك من العلوم.\nوأصبحت الدرعية كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم من سائر النواحي من أرجاء نجد، واليمن، والحجاز، والخليج العربي، وانتشر العلم في جميع الطبقات، حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي، ولوح التعليم في عنقه.\nحتى من قوة انتشار العلم وسريانه ظهر العلماء الراسخون، وألّفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم، بعد ذلك الجهل العظيم الذي خيّم على أرجاء نجد، وتركها تتخبط في دياجير الظلمات والأوهام.","vol":"1","page":75},{"text":"٥- انتشر الأمن في جميع أرجاء نجد، حتى كان الماشي والراكب يمشي المسافات الطويلة، ذات اليالي والأيام، لا يخاف إلا الله، ولو كان عنده من الأموال ما تنوء بحملها عصبة من الرجال.\n٦- لم تكن نجد معروفة لدى الأمم، وكانت حقيرة، وليس لها حساب، ولا ميزان، ولا قيمة، ولم يكن لها ملِك ولا حاكم معروف، ما عدا بعض الأمراء الصغار الذين كانوا يحكمون قرية أو قريتين؛ فأصبحت نجد ببركة هذه الدعوة مملكة موحّدة، طار صيتها في الآفاق، ووضعت في صف الأمم.\nوكانت الدولة إذ ذاك الدولة العثمانية، حسبت لها ألف حساب وحساب، وخافت على سلطتها وسيطرتها من هذه الدولة السعودية المباركة، حتى جرت الجيوش الجرارة لمحاربتها وإماتتها.\n٧- إنه بقي من آثارها: هذه الدولة السعودية الحاضرة، الممتد سلطانها من الخليج العربي شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، دولة الكتاب والسنة والتوحيد النقي.\nدولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دولة نشرت العدل والأمن والسلام.\nدولة عززت من مركز العلم، وقامت بنشره بين جميع أفراد الرعية، وكل من يفد إليها، فأسست المعاهد العلمية والكليات، والمدارس وأنفقت الأموال الطائلة للمدرسين والدارسين، سواء كانوا من الوطنيين، أو من غيرهم. دولة تمثل الصدر الأول والسلف الصالح في أحكامها، وهيمنتها على الأخلاق، وتحكيمها للكتاب والسنة.\nدولة تسهر على مصالح الرعية، وتعمل لرفاهية الشعب، ومحاربة الفقر، ورفع مستوى المعيشة، كما تسهر على راحة الحجاج، وبذل جميع الوسائل لرفاهية الحجاج، وتذليل جميع العقبات أمامهم، وترغيبهم في العودة المرّة بعد المرة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.","vol":"1","page":76},{"text":"وبالجملة؛ فهي أحسن الدول العربية في تحكيم الشرع، ونشر الأمن والعدل والعلم، ومحاربة أهل البدع والضلال، والأخذ على أيدي السفهاء والعابثين بالأخلاق، والمنتهكين الحرمات.\nأيدها الله، ووفقها للخير والنفع العام.\nانتشارها في الخارج:\nانتشرت دعوة الشيخ في خارج نجد من أجل استيلاء الدولة السعودية على مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، وأصبح حجاج البلاد الإسلامية يفدون إلى مكة المكرمة، ويشاهدون علماء هذه الدعوة الحقة، ويستمعون خطبهم ومواعظهم، وإرشاداتهم السديدة، وتوجيهاتهم القيمة، كما شاهدوا سيرة الدولة السعودية إذ ذاك، وما هي عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر الأمن والعدل والإنصاف.\nفتأثر بعض الحجاج بدعوة الشيخ، فأخذ ينشر في بلاده التوحيد، ويحارب الخرافات الشائعات في بلاده، كما قام بضد القبوريين والداعين إلى تقديس القبور وبناء القباب عليها.\nفانتقلت هذه المبادئ الإصلاحية إلى السودان في إفريقيا، وسومطرة في آسيا والهند.\nكما انتشرت في العراق والشام ومصر والجزائر وجاوة، وعمان، وفارس، وكان هدف رعاتها في كل مكان تحل به هو: محاربة الفساد، والقضاء على البدع والخرافات، وتصحيح العقيدة الدينية.\nفقامت الثورات على يد دعاة الوهابيين ضد الوضاع السائدة في البلاد.\nأما في السودان فقد كان الداعية هو الشيخ عثمان بن فودي، أحد أفراد قبيلة الفولا، وهي من قبائل رعاة السودانيين، فإنه بعد التقائه بعلماء الدعوة في موسم الحج، وبعد اعتناقه المبادئ التي دعا إليها الشيخ؛ عاد إلى بلاده، وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه، ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية وعبادة الأموات، التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في","vol":"1","page":77},{"text":"نفوس السودانيين، وأخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة، ويذيع مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فاستطاع أن يجمع حوله قبيلته في وحدة متماسكة، مرتبطة برباط الدين المتين، بعد أن كانت منقسمة إلى عدة وحدات ضعيفة متخاذلة.\nوبعد ذلك ابتدأ حروبه سنة ١٨٠٢م ضد قبائل الهوسا الوثنية، وقضى على مملكة غبر، التي كانت تقع على مجرى نهر النيجر.\nوما مضت سنتان، حتى أقام عثمان مملكة (سوكوتو) في السودان على أساس من الدعوة الدينية الوهابية، ومدت رواقها على جميع الأقطار الواقعة بين (تمبكتو) وبحيرة (تشاد)، وبقيت محافظة على استقلالها ووحدتها نحو قرن، حتى استطاع الاستعمار الأوربي، أن يقضي على ما كان لها من استقلال ووحدة. وكما غزت الدعوة الوهابية السودان، كذلك غزت الدعوة بعض المقاطعات الهندية بواسطة أحد الحجاج الهنود، وهو السيد أحمد.\nوقد كان هذا الرجل من أمراء الهند، وذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، بعد أن اعتنق الإسلام سنة ١٨١٦ م.\nفلما التقى بالوهابيين في مكة اقتنع بصحة ما يدعون إليه، وأصبح من دعاة المذهب، الذين تملكهم الإيمان، وسيطرت عليهم العقيدة.\nولما عاد سنة ١٨٢٠م إلى وطنه في الهند بجهة البنغال، وجد ميدانًا صالحًا للدعوة بين سكان المنطقة من الهنود المسلمين، الذين اختلطت عقائدهم وتقاليدهم الدينية بالكثير من عقائد الهندوس وعوائدهم.\nفابتدأ الدعوة في مدينة (بتين)، ودعا إخوانه المسلمين ليؤمنوا بمبادئ الإسلام الصحيحة، ويتركوا البدع والعقائد الهندوسية، التي كانت شائعة بنيهم.\nوبعد مرحلة من الجهاد استطاع هؤلاء المسلمون الوهابيون أن يقيموا الدولة الإسلامية على أساس من المبادئ الوهابية، بجهة البنجاب، تحت حكم الداعية السيد أحمد.","vol":"1","page":78},{"text":"ولم تلبث هذه الدولة طويلًا، حتى قضى عليها الاستعمار الإنكليزي في العقد الرابع من القرن التاسع عشر. ولكن الدعوة الوهابية ظلت قائمة هناك على يد خلفاء السيد أحمد من بعده، ولم يستطع المستعمرون أن ينالوا منها.\nولا يزال الكثيرون من سكان هذه المناطق يدينون بالإسلام على المذهب الوهابي.\nوفي سومطرة ابتدأت الدعوة الوهابية سنة ١٨٠٣م على يد أحد الحجاج من أهل الجزيرة، وكان قد عاد من الحج في نفس السنة، بعد أن التقى بالوهابيين، واطلع على صحة ما يدعون إليه.\nفلما عاد إلى وطنه ابتدأ دعوته، ثم تطورت الحركة إلى حروب طاحنة بين المسلمين والوهابيين، الذين أصبحوا قوة كبيرة في سومطرة، وبين غير المسلمين من سكانها الأصليين، حتى رأت حكومة الاستعمار الهولندية سنة ١٨٢١م أن تناهض هذه الحركة القوية، محافظة على كيانها ونفوذها هناك.\nواستمرت المناوشات والحروب بين المستعمرين الهولنديين، وبين السومطرين الوهابيين، مالا يقل عن ستة شعر عامًا. ثم انتهت بتغلب قوى الاستعمار على القائمين بحركة الوهابية.\nكذلك الحركة السنوسية، التي ابتدأت في الجزائر أواسط القرن التاسع عشر، ثم غزت طرابلس بعد ذلك، وانتشرت في شمال أفريقيا، ثم مدت رواقها نحو الجنوب، فتمكنت في السودان هذه الحركة السنوسية، التي ناهضت الاستعمار في كل مكان، والتي كانت ولا زالت مدرسة تربية وتهذيب للشعب السنوسي، قد تأثرت بالدعوة الوهابية في أساسها.\nفالسيد محمد علي السنوسي، مؤسس الحركة السنوسية، كان في مكة يطلب العلم وقت استيلاء الوهابيين عليها، فعاشرهم، وتتلمذ على علمائهم، وتأثر بمذهبهم.","vol":"1","page":79},{"text":"ثم عاد إلى الجزائر، وابتدأ حركته الإصلاحية على ضوء تعاليم الإصلاح الدينية الإسلامية، التي أضرم نارها في الجزيرة العربية: محمد بن عبد الوهاب.\nانتهى بحذف واختصار١.\nوكما انتشرت في الجزائر بواسطة الدعوة السنوسية، فقد انتشرت هذه الدعوة المباركة بحضرموت، وجاوة بواسطة السيد محمد رشيد رضا، وتأليفه جمعية الإرشاد الداعية هناك إلى الكتاب والسنة، ونبذ البدع والخرافات، بق مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\nوقد تأثر فيها كثيرون بحضرموت، وعدن، وجاوة، كما هو معروف.\nبالجملة؛ فقد كان لهذه الدعوة أثر عظيم خطير في العالم الإسلامي من نواح مختلفة، وكانت الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله تأثر بها زعماء الإسلاح في سائر الأقطار الإسلامية، وكل الحركات الإصلاحية مدينة للدعوة الوهابية.\nويمكن تحديد الصلة بينها وبين كل من هذه الحركات، إما عن طريق الاقتباس، أو المحاكاة، أو مجرد التأثر.\nثناء العلماء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المسلمين والغربيين الكافرين:\nأكثر العلماء السلفيون والمؤرخون المحققون من الثناء على الشيخ، والتنويه بدعوته القائمة على دعائم الكتاب والسنة.\nمن ذلك: قصيدة الشيخ: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، مؤلف \"سبل السلام\"، لما بلغه دعوة الشيخ وثورته على البدع والخرافات، وقيامه بالدين الصحيح، والسنة المطهرة، وإرشاد الناس إلى أن يتمسكوا بالوحيين. وإلى القارئ بعض القصيدة:\nسلامي على نجد ومن حل في نجد\nوإن كان تسليمي على البعد لا يجدي\nوقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا\nرباها وحياها بقهقهة الرعد\n_________\n١ من كتاب \"النهضات الحديثة\" لابن ماضي.","vol":"1","page":80},{"text":"سرت أسير بنشد الريح أن سرت\nألا يا صبا نجد متىهجت من نجد\nقفي واسألي عن عالم حل سوحها\nبه يهتدي من ضل عن منهج الرشد\nمحمد الهادي لسنة أحمد\nفيا حبذا الهادي وياحبذا المهدي\nلقد أنكرت كل الطوائف قوله\nبلا صدر في الحق منهم ولا ورد\nوما كل قول بالقبول مقابل\nوما كل قول واجب الرد والطرد\nسوى ما أتى عن ربنا ورسوله\nفذلك قول جل، ياذا، عن الرد\nوأما أقاويل الرجال إنها\nتدور على قدر الأدلة في النقد\nوقد جاءت الأخبار عنه بأنه\nيعيد لنا لاشرع الشريف بما يبدي\nوينشر جهرًا ما طوى كل جاهل\nومبتدع منه، فوافق ما عندي\nويعمر أركان الشريعة هادمًا\nمشاهد ضل الناس فيها عن الرشد\nأعادوا بها معنى سواع ومثله\nيغوث وود، بئس ذلك من ود\nوقد هتفوا عند الشدائد باسمها\nكما يهتف المضطر بالصمد الفرد\nوكم عقروا في سوحها من عقيرة\nأهلت لغير الله جهرًا على عمد\nوكم طائف حول القبور مقبل\nومستلم الأركان منهن باليد\nلقد سرني ماجاءني من طريقه\nوكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي\nيصب عليه صوت\nذم وغيبة ويجفوه من قد كان يهواه عن بعد\nويعزي إليه كل مالًا يقوله\nلتنقيصه عند التهامي والنجدي\nفيرميه أهل الرفض بالنصب فرية\nويرميه أهل النصب بالرفض والجحد\nوليس له ذنب سوى أنه أتى\nبتحكيم قول الله في الحل والعقد\nويتبع أقوال النبي محمد\nوهل غيره بالله في الشرع من يهدي\nلئن عده الجهال ذنبًا فحبذا\nبه حبذا يوم انقرادي في لحدي\nسلامي على أهل الحديث فإنني\nنشأت على حب الأحاديث من مهدي\nهم بذلوا في حفظ سنة أحمد\nوتنقيحها من جهدهم غاية الجهد","vol":"1","page":81},{"text":"أأنتم أهدى من صحابة أحمد\nوأهل الكساء هيهات ما الشوك كالورد\nأولئك أهدى في الطريقة منكمو\nفهم قدوتي حتى أوسد في لحدي\nإلى آخر ما جاء في تلك القصيدة\nومنهم: الشيخ: محمد بن أحمد الحفظي، صاحب دوجال من قرى عسير، فقد نظم أرجوزة طويلة، ذكر دعوة الشيخ، وأثنى عليه ثناءً حسنًا، افتتح الأرجوزة بقوله:\nالحمد حقًا مستحقًا أبدًا لله\nرب العالمين سرمدًا\nإلى أن قال:\nمصليًا على الرسول الشارع\nوأهله وصحبه والتابع\nفي البدء والختم، وأما بعد:\nفهذه منظومة تعد\nحركني لنظمها الخير الذي\nقد جاءنا في آخر العصر القذي\nلما دعا الداعي من المشارق\nبأمر رب العالمين الخالق\nوبعث الله لنا مجددًا\nمن أرض نجد عالمًا مجتهدًا\nشيخ الهدى محمد المحمدي\nالحنبلي الأثري الأحمدي\nفقام والشرك الصريح قد سرى\nبين الورى وقد طغى واعتكرا\nلا يعرفون الدين والتهليلا\nوطرق الإسلام والسبيلا\nإلا أساميها وباق الرسم\nوالأرض لا تخلو من أهل العلم\nوكل حزب فلهم وليجة\nيدعونه في الضيق للتفريجة\nوملة الإسلام والأحكام\nفي غربة وأهلها أيتام\nدعا إلى الله وبالتهليلة\nيصرح بين أظهر القبيلة\nمستضعفًا وماله من ناصر\nولا له مساعد موازر\nفي ذلة وقلة وفي يده\nمهفة تغنيه عن مهنده\nكأنها ريح الصبا في الرعب\nوالحق يعلو بجنود الرب\nقد أذكرتني درة لعمر\nوضرب موسى بالعصا للحجر","vol":"1","page":82},{"text":"ولم يزل يدعو إلى دين النبي\nليس إلى نفس دعا أو مذهب\nيعلم الناس معاني أشهد\nأن لا إله غير فرد يعبد\nمحمدًا نبيه وعبده\nرسوله إليكمو وقصده\nأن تعبدوه وحده لا تشركوا\nشيئًا به والابتداع فاتركوا\nومن دعا دون الإله أحدًا\nأشرك بالله ولو محمدًا\nإن قلتمو نعبدهمو للقربة\nأو للشفاعة فتلك الكذبة\nوربنا يقول في كتابه\nهذا هو الشرك بلا تشابه\nهذا معاني دعوة الشيخ لمن\nعاصره فاستكبروا عن السنن\nرثاء الشيخ العلامة: محمد بن علي الشوكاني، مؤلف \"نيل الأوطار\"، للشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ومثنيًا عليه:\nمصاب دها قلبي فأذكى غلائلي\nوأصمي بسهم الافتجاع مقاتلي\nوخطب به إعشار أحشاي صدعت\nفأمست بفرط الوجد أي تواكلي\nورزء تقاضاني، صفاء معيشتي\nوانهلني قسرًا أمر المناهل\nمصاب به ذابت حشاشة مهجتي\nوعن حمله قد كل متني وكاهلي\nمصاب به الدنيا قد اغبر وجهها\nوقد شمخت أعلام قوم أسافل","vol":"1","page":83},{"text":"به انهدر كن الدين وانبت حبله\nوشيد بناء الغي مع كل باطل\nوقام على الإسلام جهرًا وأهله\nنعيق غراب بالمذلة هائل\nوسيم منار الأتباع لأحمد\nهوان انهدام جاء من كل جاهل\nلقد مات طود العلم قطب رحى العلا\nومركز أدوار الفحول الأفاضل\nماتت علوم الدين طرًا بموته\nوغيب وجه الحق تحت الجنادل\nإمام الهدى ما حي الردى قامع العدا\nومروي الصدى من فيض علم ونائل\nإمام الورى علامة العصر قدوتي\nوشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل\n(محمد) ذو المجد الذي عز دركه\nوجل مقامًا عن لحوق المطاول\nإلى عابد الوهاب يعزي وإنه\nسلالة انجاب زكي الخصائل\nعليه من الرحمن أعظم رحمة\nتيل ثراه بالضحى والأصائل\nلقد أشرقت نجد بنور ضيائة\nوقام مقامات الهدى بالدلائل\nومن شأنه قمع الضلال ونصره\nلمن كان مظلوما وليس بخاذل\nوكم كان في الدين الحنيف مجاهدا\nبماضي سنان دامغ للأباطل\nوكم ذب عن سامي حماه وذاد من\nمضل وبدعي ومعفو ونائل\nففيم استباح أهل الضلالة لعرضة\nوكم نكست أعلامة والأرازل\nفلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا ولا اشتد للاسلام ركن المعاقل\nولا كان للتوحيد واضح لا حب يقيم أعوجاج السير من كل عاذل\nفما هو إلا قائم في زمانه مقام النبي في إماته باطل\nستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت ستبكية عني جفن حقا وأرتحلت بباطل\nأفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبة لقد عبت حقا وأرتحلت بباطل\nنعم ذنبه التقليد قد جد حبله وبل التعصب بالسيوف الصياقل\nولما دعا الله في الخلق صارخًا صرختم له بالقذف مثل الزواجل\nأفيقوا أفيقوا إنه ليس داعيًا لإلي دين آباء له وقبائل\nدعا لكتاب الله والسنة التي أتانا بها طه النبي، خير قائل","vol":"1","page":84},{"text":"وقال الشيخ: حسين بن غنام الإحسائي، ﵀، مؤلف \"روضة الأفكار والأفهام\"؛ يرثي الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ويثني عليه بما هو أهله:\nإلى الله في كشف الشدائد نفزع\nوليس إلى غير المهيمن مفزع\nلقد كسفت شمس المعارف والهدى\nفسالت دماء في الخدود وأدمع\nإمام أصيب الناس طرًا بفقده\nوطاف بهم خطب من البين موجع\nوأظلم أرجاء البلاد بموته\nوحل بهم كرب من الحزن مفظع\nشهاب هوى من أفقه وسمائه\nونجم ثوى في الترب وأراه بلقع\nوكوكب سعد مستنير سناؤه\nوبدر له في منزل اليمن مطلع\nوصبح تبدي للأنام ضياؤه\nفداج الدياجي بعده متقشع\nلقد غاض بحر العلم والفهم والندى\nوقد كان فيه للبرية مرتع\nفقوم جلاعنهم صدى الرين فاهتدوا\nفأسماعهم للحق تصغى وستمع\nوقوم ذووا فقر وجهد وفاقة\nحووا واقتنوا مافيه للعيش مطمع\nلقد رفع المولى به رتبة الهدى\nبوقت به يعلى الضلال ويرفع\nأبان له من لمعة الحق لمعة\nأزيل بها عنه حجاب وبرقع\nسقاه نمير الفهم مولاه فارتوى\nوعام بتيار المعارف يقطع\nفأحيا به التوحيد بعد اندراسه\nوأقوى به من مظلم الشرك مهيع\nفأنواعر صبح السحق باد سناؤها\nومصابحه عال ورياه طيع\nسما ذروة المجد التي ما ارتقى لها\nسواه ولا حاذى سناها سميدع\nوشمر في منهاج سنة أحمد\nيشيد ويحي ما تعفى ويرفع\nوينفي الأعادي عن حماه وسوحه\nويدمغ أرباب الضلال ويدفع\nيناظر بالآيات والسنة التي\nأمرنا إليها في التنازع نرجع\nفأضحت به السمحاء يبسم ثغرها\nوأمسى محياها يضي ويلمع\nوعاد به نهج الغواية طامسًا\nوقد كان مسلوكًا به الناس تربع\nوجرت به نجد ذيول افتخارها\nوحق بالألمعي ترفع","vol":"1","page":85},{"text":"فآثار فيها سوام سوافر\nوأنواره فيها تضئ وتسطع\nلقد وجد الإسلام يوم فراقه\nمصابًا خشيناص بعده يتصدع\nوطاشت أولو الأحلام والفضل والنهي\nوكادت له الأرواح تترى وتتبع\nوطارت قلوب المسلمين بموته\nفظنوا به أن القيامة تقرع\nفضجوا جميعًا بالبكاء تاسفًا\nوكادت قلوب بعده تتفجع\nوفاضت عيون واستهلت مدامع\nيخالطها مزج من الدم يهمع\nبكته ذووا الحاجات يوم فراقه\nوأهل الهدى والحق والدين أجمع\nإلى أن قال:\nلئن كان في الدنيا له القبر موضع\nفيوم الجزاء يرجى له الخلد موضع\nسقى قبره من هاطل العفو ديمة\nوباكره سحب من البر همع\nوأسكنه بحبوحة الفوز والرضا\nولا زال بالرضوان فيها يمتع\nوقال الشيخ: عمران بن علي بن رضوان، من سكان لنجه، من البلدان الفارسية؛ ردًا على بعض الملحدين، ومثنيًا على الشيخ؛ قصيدة أجاد فيها وأفاد. أولها:\nجاءت قصيدتهم تروح وتغتدي\nفي سب دين الهاشمي محمد\nقد زخرفوها للطغام بقولهم\nإن الكتاب هو الهدى فبه اقتد\nلو أن ناظمها تمسك بالذي\nقد قال فيها أولًا إذ يبتدي\nلهدى ووفق ثم جاز سعادة\nلا شك فيها عند كل موحد\nلكنه قد زاع عما قاله\nمتأولًا فيه بتأويل ردي\nفأتت كشهد فيه سم ناقع\nمن ذاق منه ففي الهلاك المبعد\nالشيخ شاهد بعض أهل جهالة\nيدعون أصحاب القبور الهمد\nتاجًا وشمسانًا ومن ضاهاهما\nمن قبة أو تربة أو مشهد\nيرجون منهم قربة وشفاعة\nويؤملون كذلك أخذًا باليد\nورأى لعباد القبور تقربًا\nبالنذر والذبح الشنيع المفسد","vol":"1","page":86},{"text":"ما أنكر القراء والأشياخ ما\nشهدوا من الفعل الذي لم يحمد\nبل جوزوه وشاركوا في أكله\nمن كان يذبح للقبور ويفتدي\nفأتاهم الشيخ المشار إليه\nبالنسح المبين وبالكلام الجيد\nيدعوهم لله أن لا يعبدوا\nإلا المهيمن ذا الجلال السرمد\nلا يشركوا ملكًا ولا من مرسل\nكلا ولا من صالح أو سيد\nفتنافروا عنه وقالوا ليس ذا\nإلا عجيب عندنا لم يعهد\nما قاله آباؤنا أيضًا ولا\nأجدادنا أهل الحجي والسؤدد\nإنا وجدنا جملة الآبا على\nهذا فنحن بما وجدنا نفتدي\nفالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من\nأهل الزمان اشتد غير مقلد\nناداهم يا قوم كيف جعلتم\nلله أندادًا بغير تعدد\nلو أنصفوا لرأوا له فضلًا على\nأظهرا ما قد ضيعوه من اليد\nودعوا له بالخير بعد مماته\nليكافئوه على وفاق المرشد\nلكنهم قد عاندوا، وتكبروا\nومشوا على منهاج قوم حسد\nورموه بالبهتان والإفك الذي\nهم يعملون به ومنهم يبتدي\nكمقالهم هو للمتابع قاطع\nبدخول جنات وحور خرد\nحاشا وكلا ليس هذا شأنه\nبل إنه يرجو بها لموحد\nقالوا له يا كافرًا يا فاجرًا\nما ضره قول العداة الحسد\nقالت قريش قبلهم للمصطفى\nذا ساحر، ذا كاهن، ذا معتدي\nقالوا له غشاش أمة أحمد\nوهو النصيح بكل وجه يبتدي\nهل قال إلا وحدوا رب السما\nوذروا عبادة ما سوى المتفرد\nوتمسكوا بالسنة البيضا، ولا\nتتنطعوا بزيادة وتردد\nهذا الذي جعلوه غشا وهو قد\nبعثت به الرسل الكرام لمن هدى\nمن عهد آدم ثم نوح هكذا\nتترى إلى عهد النبي محمد\nوكذلك الخلفاء بعد نبيهم\nوالتابعون وكل حبر مهتدي\nمن هاجهم هذا عليه تمسكوا\nمن كان مستنًا بهم فليقتد","vol":"1","page":87},{"text":"ومن قصيدة: للشيخ أحمد بن مشرف الأحسائي، وفي مدح فيصل بن تركي، وذكر فيها عن الشيخ:\nوأووا إمامًا قام لله داعيًا\nيسمى بشيخ المسلمين محمد\nلقد أوضح الإسلام عند اغترابه\nوقد جد في إخفائه كل ملحد\nوجدد منهاج الشريعة إذ عفت\nفأكرم به من عالم ومجدد\nوأحيا بدرس العلم دارس رسمها\nكما قد أمات الشرك بالقول واليد\nفكم شبهة للمشركين أزاحها\nبكل دليل كاشف للتردد\nوألف في التوحيد أوجز نبذه\nبها قد هدى الرحمن للحق من هدى\nنصوصًا من القرآن تشفي من العمى\nوكل حديث للأئمة مسند\nفوازروه عبد العزيز ورهطه\nعلى قلة منهم وعيش منكد\nفما خاف في الرحمن لومة لائم\nولم يثنه صولات باغ ومعتدي\nقال علامة العراق، السيد: محمود شكري الألوسي - ﵀ - في آخر تاريخه لنجد:\n\"كان الشيخ محمد من بيت علم في نواحي نجد، وكان أبوه الشيخ: عبد الوهاب عالمًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد، وكان قاضيًا في بلد العيينة، ثم في حريملاء، وذلك في أوائل القرن الثاني عشر، وله معرفة تامة بالحديث والفقه، وله أسئلة وأجوبة.\nوكان والد عبد الوهاب الشيخ: سليمان عالمًا، فقيهًا، أعلم علماء نجد في عصره، له اليد الطولى في العلم، وانتهت إليه رياسة العلم في نجد صنف ودرس وأفتى. إلا أن الشيخ محمدًا لم يكن على طريقة أبيه وجده، وكان شديد التعصب للسنة، كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء.\nوالحاصل: أنه كان من العلماء الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وكان يعلم الناس الصلاة وأحكامها، وسائر أركان الدين، ويأمر بالجماعات.","vol":"1","page":88},{"text":"وقد جَدَّ في تعليم الناس، وحثهم على الطاعة وأمرهم بتعلم أصول الإسلام، وشرائطه، وسائر أحكام الدين، وأمر جميع أهل البلاد بالمذاكرة في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح، وبين العشائين، بمعرفة الله، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة أركانه، ومعرفة النبي محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته.\nوأول مادعا إليه كلمة التوحيد، وسائر العبادات التي لا تنبغي إلا لله، كالدعاء، والذبح، والنذر، والخوف، والرجاء، والخشية، والرغبة، والتوكل، والإنابة، وغير ذلك.\nفلم يبق أحد من عوام أهل نجد، جاهلًا بأحكام دين الإسلام بل كلهم تعلموا ذلك، بعد أن كانوا جاهلين، إلاالخواص منهم. وانتفع الناس به من هذه الجهة الحميدة أي سيرته المرضية وإرشاده النافع\" انتهى.\nالأمير: شكيب أرسلان، في الجزء الرابع من حاضر العالم الإسلامي، تحت عنوان: \"تاريخ نجد الحديث\".\nذكر ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب\n، ثم قال: \"طلب محمد بن عبد الوهاب العلم في دمشق١، ورحل إلى بغداد والبصرة، وتشرّب مبادئ الحافظ حجة الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن عروة الحنبلي، وغيرهم من فحول أئمة الحنابلة، وأخذ يفكر في إعادة الإسلام لنقاوته الأولى، فلذلك، الوهابية يسمون مذهبهم عقيدة السلف٢.\n_________\n١ أراد الذهاب إلى الشام، فقلّت نفقته، فرجع من بغداد.\n٢ نعم، ولهم الحق، لأنهم لم يخالفوا السلف قيد أنملة، وكتبهم ناطقة بذلك.","vol":"1","page":89},{"text":"ومن هناك أنرك الاعتقاد بالأولياء وزيارة القبور١ والاستغاثة بغير الله، وغير ذلك مما جعله من باب الشرك واستشهد على صحة آرائه بالآيات القرآنية والأحاديث المصطوفية، ولا أظنه أورد ثمة شيًا عير ما أورده ابن تيمية\"انتهى.\nالشيخ: محمد حامد الفقي، رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، من علماء الأزهر الشريف، في كتابه: \"أثر الدعوة الوهابية\"\nقال: \"الوهابية: نسبة إلى الإمام المصلح شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، مجدد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي، والصحيح أن يقال: المحمدية، إذ إن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد، لا عبد الوهاب\".\nثم قال بعد كلام:\n\"وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدّعون، لا بالقول، ولا بالكتابة أن الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علمًا غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح، وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده؛ ذلًا، وخضوعًا، ودعاءً، ونذرًا وحلفًا، وتوكلًا، وطاعة لشرائعه. وفي توحيد الأسماء والصفات: فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرف ولا يؤول، ولا يشبه، ولا يمثل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين، وما جاء عن الرسول ﷺ، وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون، من السلف والخلف رضوان الله عليهم، في كل ذلك وأن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يتم على وجه الصحيح، إلا بهذا\". انتهى بتلخيص.\n_________\n١ لم ينكر الزيارة المطلوبة شرعًا، المقصود بها: تذكر الإنسان الموت والدار الآخرة، والدعاء للمقبور، وإنما أنكر الزيارة البدعية المشتملة على الاشراك، كالاستغاثة، أو وسائل الشرك كالصلاة لله عند القبور، والدعاء عندها.","vol":"1","page":90},{"text":"كلام: عبد المتعال الصعيدي، في كتابه \"المجددون في الإسلام\"\nقال عنه: \"هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب\". ثم ذكر ولادته ونشأته، ورحلاته لتحصيل العلوم، ثم قال:\nوقد رجع إلى بلده بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة، وقد تهيأ له بها مالم يتهيأ لغيره من علماء نجد، فكان أوسع منهم علمًا، وأعرف بالعلماء السابقين الذين كانت لهم جولة في الإصلاح، ولم يقع في ذلك الجمود ولاركود، الذي وقع فيه علماء عصره حتى ألفوا ما فيه من البدع وأخذوها على أنها من أصول الدين وأركانه. فلما عاد الشيخ إلى بلده، لم يرض بما رضي به علماء نجد، من السكوت على تلك البدع، وأراد أن يعيد في محاربتها عهد أسلافه من الحنابلة، ولا سيما الشيخ ابن تيمية ﵀. وكان قد درس كتبه ورسائله الإصلاحية، فيما درسه في نشأته.\nوأخذ يدعو إلى مثل ما دعا إليه ابن تيمية قبله، من التوحيد بالعبادة لله وحده، وإنكار التوجه إلى أصحاب القباب والقبور، وغنكار التوسل بالأولياء والأنبياء إلى الله في قضاء الحاجات.\nوقد بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته في بلده يلين ورفق ثم أخذ يرسل بها إلى أمراء الحجاز وغيره من الأقطار. ولما رأى أهل بلده مثابرته على ذعوته، قاموا باضطهاده، فتركهم إلى بلدة الدرعية بنجد، وكان أميرها محمد بن سعود، فعرض عليه دعوته فقبلها، وقام بحمايتها ونشرها في بلاد العرب.\nولم يزل الشيخ يقوم بدعوته في حماية هذه الإمارة، إلى أن مات ﵀ سنة ١٢٠٦ هـ\"انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":91},{"text":"السيد: محمد رشيد رضا\nقال في التعريف بكتاب \"صيانة الإنسان\"، بعد أن ذكر فشو البدع بسبب ضعف العلم والعمل بالكتاب والسنة، ونصر الملوك والحكام لأهلها، وتأييد المعممين لها.\nقال ﵀ ما نصه:\n\"الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:\nلم يخل قرن من القرون التي كثر فيها البدع من علماء ربانيين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما ورد في الأحاديث. ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، من هؤلاء العدول المجددين قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ، وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة.\nفنهدت لمناهضته واضطهاده، القوى الثلاث. قوة الدولة والحكام، ووقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الغام. وكان أقوى سلاحهم في الرد عليه، أنه خالف جمهور المسلمين.\nمن هؤلاء المسلمون الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته\nهم أعراب في البوادي، شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب والنهب، ويستحلون قتل المسلم وغيره لأجل الكسب، ويتحاكمون إلى طواغيتهم في كل أمر، ويجحدون كثيرًا من أمور الإسلام المجمع عليها، التي لا يسع مسلمًا جهلها، إلى آخر ما قال، عليه ﵀ ذي الجلال.","vol":"1","page":92},{"text":"كلام: أحمد بن عبد الغفور الحجازي، في كتابه \"محمد بن عبد الوهاب\":\n\"كان محمد بن عبد الوهاب الشاب الناهض من أكبر أنصار الحرية الفكرية، المتمشي على نهج الإسلام، يدعوا إليها في إخلاص وحماس، واستطاع أن يتحرر من قيود البيئة، ويخرج على تقاليد قومه البالية. فثار ثورته المشهورة على الجمود والتأخر وحاربهما حربًا ضروسًا قاسية، سائرًا في كل شؤونه على الطريقة العلمية والنقد العليم النزيه\"انتهى.\nالدكتور طه حسين قال:\n\"إن الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب، لا يستطيع أن يهمل حركة عنيفة نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر، فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق والغرب، واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارًا خطيرة، هان شأنها بعض الشئ ولكنها عادت فاشتدت في هذه الأيام وأخذت تؤثر لا في الجزيرة وحدها، بل في علاقاتها بالأمم الأوربية. هذه الحركة هي: حركة الوهابيين، التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب، شيخ من شيوخ نجد\".\nثم ذكر نزرًا يسيرًا عن نشأة الشيخ، ورحلاته العلمية ودعوته إلى أن قال:\n\"قلت: إن هذا المذهب الجديد قديم معنى، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر، لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص، النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية.\nهو الدعوة إلى الإسلام، كما جاء به النبي ﷺ خالصًا لله، ملغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس. هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له، مما أصابه من نتائج الجهل، ومن نتائج الاختلاط بغير العرب","vol":"1","page":93},{"text":"فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد، ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، إلى أن قال:\nولولا أن الترك والمصريين، اجتمعوا على حرب هذا المذهب وحاربوه في داره بقوى وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها، لكان من المرجو جدًا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر، والثالث عشر الهجري، كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول.\nولكن الذي يعنينا من هذا المذهب أثره في الحياة العقلية والأدبية عند العرب، فقد كان هذا الأثر عظيمًا خطيرًا من نواحٍ مختلفة. فهو قد أيقظ النفس العربية، فوضع أمامها مثلًا أعلى أحيته، وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم والسنان.\nوهو لفت المسلمين جميعًا، وأهل العراق والشام ومصر بنوع خاص، إلى جزيرة العرب\".\nانتهى من كتاب \"محمد بن عبد الوهاب\"، لأحمد عبد الغفور.\nحافظ وهبه، في كتابه: \"جزيرة العرب\"\nبعد أن ذكر نبذة يسيرة من تاريخ الشيخ، قال: \"لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نبيًا، كما ادعى نيبهر الدانمركي، ولكنه مصلح مجدد، داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا آراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد، هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀. وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم. وتكاد تكون تعاليمهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة في فروع الدين\"انتهى.","vol":"1","page":94},{"text":"محمد بن قاسم، في كتابه \"تاريخ أوربا\":\n\"كان الوهابيون في عقيدتهم ومذهبهم على طريق أهل السنة والجماعة، والأساس الأصلي لمذهبهم، هو توحيد الله\" اهـ.\nالأستاذ: منح هارون، في الرد على الكاتب الإنجليزي (كونت ويلز)، قال ما يأتي:\n\"ولما اتسعت حركة السعوديين في ذلك الحين، وأخذت تهدد العراق والشام والحجاز واليمن، لم تر السلطة العثمانية أو السياسة الغاشمة بدًا من أن تعمل لصرف قلوب العرب عن هذا الأمير، يعني: عبد العزيز بن محمد بن سعود، الطامح لاسترداد مجد العرب، فأوعزت إلى بعض عمالها من المشايخ، فأخذوا يدسون على الشيخ ابن عبد الوهاب أقوالًا، ما أنزل الله بها من سلطان، ويتخذون من المسائل الخلافية بين مذهب الإمام أحمد، وبين المذاهب الإسلامية الأخرى وسيلة للطعن على الوهابيين، الذين ألصقوا بهم هذا الاسم؛ تضليلًا للرأي العام الإسلامي، وإيهامًا بأنهم ذوو مذهب جديد، غير معترف به، مع أنهم لم يخرجوا في شيء من مذهب الإمام أحمد، الذي هو مذهب السلف الصالح، ولم يقولوا شيئًا مبتدعًا في الدين، وكل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة الأعلام، ومن الصحابة الكرام، ولم يخرج في شيء عما قاله الإمام أحمد، وابن تيمية، رحمهما الله\".\nعمر أبو النصر في كتاب: \"ابن سعود\"\nقال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما يلي:\n\"والواقع أن دعوة ابن عبد الوهاب ليست غير دعاية صالحة موفّقة لنبذ","vol":"1","page":95},{"text":"البدع والمفاسد، التي نهكت دين الإسلام، والتي عمل بعض المشايخ على الترويج لها وذيوعها وانتشارها بين الناس.\nوإذا ذهبنا نبحث الدعوة في مصادرها، ونتولاها بالنقد والبحث والتحقيق وجدنا أنها لا تختلف عن مذهب الإمام أحمد ابن حنبل إلا في بعض التبسيط والتطويل:\nوليس للوهابيين مذهب خاص بدعى باسمهم، كما يقول بعض الحاملين عليهم، وإنما مذهبهم الإمام أحمد، وليس فيما يطلبونه ويدعونه غليه ما ينافي السنة ولا يتفق مع القرآن الكريم.\nوهم ينكرون هذا التضليل، الذي يحاوله بعض الشيوخ وغير الشيوخ، وهذا الإغراق في إقامة القباب حول الأضرحة والقبور والصلاة فيها، وإقامة المباخر وطلب الشفاعة من أصحابها. والإسلام ينهي عن هذا. وليس في الإسلام وسيط، وليس هناك من يشفع عنده إلا بإذنه: انتهى باختصار وحذف، من كتاب أحمد عبد الغفور\".\nمحمد كرد على، في \"القديم والحديث\"\nبعد أن ذكر فصلًا ممتعًا عن أصل الوهابية. قال:\n\"وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبًا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم. وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له\".","vol":"1","page":96},{"text":"أحمد بن سعيد البغدادي، في كتابه \"نديم الأديب\"\nعن كتاب محمد بن عبد الوهاب، لأحمد عبد الغفور١.\n\"وجميع ما ذكره المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف\".\nعن كتاب محمد بن عبد الوهاب لأحمد عبد الغفور.\n_________\n١ إليك أيها القارئ نص كلام أحمد سعيد منقولًا بتمامه من كتاب \"نديم الأديب\" ص: ١١: \"وأما حقيقة هذه الطائفة: فإنها حنبلية المذهب، وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه بتأمّل، لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الأفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية؛ تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ، فيضيع مزية الأصل، وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى. ومنهم من يقول: إن هذه الطائفة تنتهى عن وصف النبي ﷺ بأوصاف المدح والتعظيم، ويقول: إنها تؤمن بقدم القرآن. وبهذا يظهر بداهية التناقض، لأن من يؤمن بقدم القرآن يؤمن بما فيه، وفي القرآن الشريف مدح النبي ﵊، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وآيات غير هذه كثيرة. أما ما نهى عنه محمد بن عبد الوهاب إنما هو الوصف بأوصاف الألوهية، كالقدرة، والإرادة، وعلم الغيب، كما وصف النصارى عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، فقد قال ﵊: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\". ومن أراد أن يعرف جليًا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع صاحب مصر لهذه الطائفة، فقد ذكره المؤرخ الشهير الموسيو (سيديو) الفرنساوي، وكلامه هذا محذوف من ترجمة كتابه التي أمر بها المرحوم علي باشا مبارك، وخلاصة معناه هي: أن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود، وبانضمام جميع العرب إليهما، لأن قيامهما كان لإحياء كلمة الدين؛ خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليهما، وتذهب عنهم غفلتهم، ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية، وفتوحات إسلامية، ترجع أوروبا منها في خسران عظيم، فحرضتا الدولة العلية على حربهم، وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا، وحصل ما حصل، ولكل أجل كتاب، وهذه الطائفة بريئة مما ينسب إليها الجاهلون، ومن سبها يأثم. والله أعلم بغيبه وأحكم\".\nانتهى ما كتبه المذكور في كتابه \"نديم الأديب\" بكماله. عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":97},{"text":"الزركلي في \"الأعلام\" (الجزء السابع)\nقال: \"محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب.\nولد ونشأ في العيينة بنجد، ورحل مرتين إلى الحجاز، ثم ذهب إلى المدينة، ورحل إلى البصرة، وعاد إلى نجد، وسكن حريملا، ثم انتقل إلى العيينة، ناهجًا منهج السلف الصالح، وداعيًا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع، وتحطيم ما علق بالإسلام من الأوهام.\nوكانت دعوته، الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم افسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح، في الهند، ومصر، والعراق، والشام، وغيرها.\nفظهر الألوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال، وأمير علي في كلكته.\nوعرف من ولاه، وشد أزره في قلب الجزيرة بأهل التوحيد (إخوان من أطاع الله)، وسماهم خصومهم بالوهابية، نسبة إليه\"انتهى بحذف واختصار.\nالدكتور: محمد عبد الله ماضي، في كتابه \"حاضر العالم الإسلامي\"، تحت عنوان: النهضة العربية السعودية، بعد كلام سابق، قال ما نصه:\n\"كما بعث الرسول ﷺ محمد بن عبد الله بين العرب، وهم في فوضى شاملة، وانحطاط عام، وتفكك وانحلال، ليس لهم وحدة تربطهم، ولا فكرة صالحة تجمعهم، فنشر مبادئ الإسلام، بينهم، وجمعهم على التوحيد، فوحّد بينهم في العقيدة، فأصبحوا يدينون بمبدأ واحد، ويعبدون الله وحده، فوحّد","vol":"1","page":98},{"text":"بينهم في المظهر، وجعل منهم أمة واحدة عربية مسلمة، قوية عزيزة الجانب، وأقام لهم دولة على أساس من الدين الحنيف. فكذلك أخذ المصلح الديني، والزعيم الإسلامي: محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، يدعو إلى تصحيح العقيدة، والرجوع إلى مبادئ الإسلام الصحيحة، واعتناقها من جديد بين النجديين. وكانوا قد فسدت عقيدتهم، وضلت سيرتهم.\nوأخذ الزعيم السياسي النجدي محمد بن سعود، يناصر ابن عبد الوهاب في دعوته الدينية الإصلاحية، ويعمل على نشرها واعتناق الناس لها\"انتهى.\nمحمد ضياء الدين الريس، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة فؤاد الأول\nنشر في مجلة \"الإرشاد\" الكويتية التي كانت تصدر سابقًا، في العدد السادس من شهر رجب، سنة ١٣٧٣ هجري بعنوان:\" الحركة الوهابية\"، قال بعد كلام:\n\"مؤسس الدعوة هو: محمد بن عبد الوهاب، ولد في بلدة العيينة بإقليم العارض بنجد، عام ١٧٠٣م، فتلقى العلم في موطنه، ثم رحل في سبيل الدراسة والمعرفة إلى المدينة ومكة، والإحساء، والبصرة، وبغداد، ودمشق، وقيل فارس أيضًا. فاكتسب من سياحته العديدة علمًا غزيرًا، وخبرة واسعة، ووقف على أحوال العالم الإسلامي، ثم قارن بين ما آلت إليه حاله وما كونه في ذهنه من أفكار عن المثل الدينية الصحيحة.\nفكانت نتيجة ذلك، هذا المذهب الجديد الذي عرف به، وحمل اسمه، وكان سببًا في خلق هذه الحركة الإصلاحية الخطيرة. والمذهب الوهابي، ليس مذهبًا بالمعنى الصحيح، وهو لا يعدو أن يكون تفسيرًا، أو وجهة نظر معينة، في فهم بعض نواحي الدين الإسلامي، وهو لا يخرج - في مجموعة - عن حدود المذاهب السنية المعترف بها.","vol":"1","page":99},{"text":"والوهابيون يتبعون في فروع الأحكام حيث الفقه، مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وفي العقائد مذهب أهل السنة، وبخاصة كما قرروها وفسرها الإمام السني، العلامة ابن تيمية.\nوابن تيمية هو الأستاذ المباشر لابن عبد الوهاب، وإن فصل بينهما أربعة قرون. فقد قرأ كتبه وتأثر كل التأثر، بتعاليمه.\nوالمبادئ الأساسية للدعوة الوهابية، هي تنقية معنى التوحيد من شوائب الشرك، ظاهرة وخفية، وإخلاص الدين لله، وعدم الالتجاء إلى غير الله، وعدم الغلو في تمجيد الرسول بما يخرجه عن حدود الطبيعة البشرية، وتحديد معنى الرسالة التي كلف بإبلاغها،.\nومصادر العقيدة، هو الرجوع إلى مذهب السلف في فهم الدين، وتفسير آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ. وتكره الوهابية التعقيدات التي أدخلها المكلمون والفلاسفة والصوفية، ولا مانع من الاجتهاد، كما يرون ضرورة القيام بواجب الجهاد.\nوهذه الحركة كانت نهضة أخلاقية شاملة، ووثبة روحية جريئة ودعوة إلى دين الحق والإصلاح.\nفقد أيقظت العقول الراقدة، وحركت المشاعر الخامدة، ودعت إلى إعادة النظر في الدين، لتصفية العقيدة، وتطهير العقول من الخرافات والأوهام.\nفقد احتوت على مبدأين، كان لهما أكبر الأثر في تطور العالم الإسلامي وتقدمه، وهما: دعوة إلى الرجوع إلى مذهب السلف، مع الاعتماد على الكتاب والسنة وتقرير مبدأ الاجتهاد. فكان هذان المبدآن أساسًا لنهضة فلسفية روحية.","vol":"1","page":100},{"text":"والواقع: أن كل حركات الإصلاح التي ظهرت في الشرق، في القرن التاسع عشر، كانت مدنية للدعوة الوهابية، لتقرير هذه الأصول.\nويمكن تحديد الصلة بينهما وبين كل من هذه الحركات، إما عن طريق الاقتباس أو المحاكات، أو مجرد التأثر\". انتهى ملخصًا.\nعبد الكريم الخطيب، في كتابه \"محمد بن عبد الوهاب.. العقل الحر\" في الفصل الخامس:\n\"الكلمة الطيبة كلمة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لأنها كلمة الحق، والحق في ظل الله، يباركه وينتصر له. ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب، لأنها تستند إلى الحق، وتدعو له، وتعمل في سبيله، لهذا كانت دعوة مباركة، وفيرة الثمر، كثيرة الخير. لقد قام صاحبها يدعو إلى الله، لا يبغي بهذا جاهًا، ولا بطلب سلطانًا، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان وأعوان الشيطان\".\nإلى أن قال:\n\"والذي لا شك فيه أن الدعوة الوهابية، كانت أشبع بالقذيفة الصارخة، تنفجر في جوف الليل والناس نيام. كانت صوتًا راعادًا أيقظ المجتمع الإسلامي كله، وأزعج طائر النوم المحوم على أوطانهم منذ أمد بعيدا \"هـ.\nالشيخ: محمد بشير السهسواني الهندي، مؤلف \"صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان\"\nقال عن الشيخ محمد:\n\"إنه من المعلوم عند كل عاقل خَبَر الناس، وعرف أحوالهم، وسمع شيئًا من أخبارهم وتواريخهم؛ أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع دعوة الشيخ واستجاب","vol":"1","page":101},{"text":"لدعوته من سكان جزيرة العرب؛ كانوا على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر، والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف\".\nإلى أن قال:\n\"فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم به بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث، واستراب فيه من أهل الجهالة والجفا.\nوأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلى واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته، وثبت نصحه لله ولكتابه، ولرسوله ولعامة المسلمين وأئمتهم.\nوجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألّفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخوانًا.\nفأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله بسكان تلك الفيافي والصخور، وفتح عليهم الأحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، من اليمن إلى العراق والشام، دانت لهم عربها، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنيا، وتفتخر بما نالها من العز والنصر، والإقبال والسنا\"اهـ.\nقلت في منظومتي اللآلي السنية بعد الثناء على الشيخ ابن تيمية، وعلى الشيخ ابن القيم رحمهما الله:\nوعلى الشيخ الجليل المعتبر\nمن بشرع الله كان أظهرا\nذلك الحبر الإمام المرتضى\nأيد الحق الذي قد غمرا","vol":"1","page":102},{"text":"صاحب الدعوة في نجدهم\nمظهر الحق الذي قد أنكرا\nعم ذا الشرك القبيح نجدهم\nضم الأمصار الكبار والقرى\nجاءهم يدعو إلى الله العلي\nأتركوا القبر وخلوا الشجرا\nاعبدوا الله الذي يرزقكم\nمن لهذا الخلق أيضًا قد برى\nجاهد الشرك بسيف قاطع\nولسان مظهر ما استترا\nبث دين الله جهرًا ما ونى\nمزق الإلحاد فيما حررا\nولصرح السنة في نجد بنى\nوقصور الشرك فيها دمرا\nفاستنارت نجدهم وافتخرت\nحق لنجدي أن يفتخرا\nمحمد جميل بيهم، في كتابه: \"الحلقة المفقودة في تاريخ العرب\" تحت عنوان: \"آل سعود في حكم آل عثمان\".\n\"الوهابية، وأمارة السعوديين الأولى:\nأصاب تركيا أواخر القرن السابع عشر في أثناء حروبها مع روسيا وفارس خذلان إثر خذلان.\nخدم العرب وغيرهم في جهادهم القومي، ثم تعاقب على عرش السلطنة منذ مفتتح القرن التالي، خمسة عواهل، كانوا غير أكفاء.\nفاهتز البعث القومي خلال حكمهم وربل، وانفسح المجال في جملة ذلك إلى حركات كانت قومية في العاطفة، ودينية في الغاية.\nحدثت في نجد وكادت تجمع شتات جزيرة العرب وتحررها، وتنهض بها نهضة الإسلام الأولى، وأعني بها \"الوهابية\". واضع هذا المذهب رجل تميمي، اسمه: محمد بن عبد الوهاب ﵀ طلب العلم في بغداد والبصرة.","vol":"1","page":103},{"text":"ولما عاد إلى نجد في منتصف القرن الثامن عشر، كبر عليه أن يرى وطنه وسائر الجزيرة يهيمان في جهالة لا حد لها. ٨٤٦٤٠٨٦ - ١٩٨٨٣٢١١\nفود النهوض بها، فدعا إلى الاعتماد على القرآن، وإلى شريعة بيضاء نقية، كما تركها محمد ﷺ، ونهى عن الغلو في تقديس الأنبياء والأولياء.\nوكان خلال ذلك ينكر على الترك تحكمهم، ويؤاخذهم على الأخلاق التي تعتبر في الشرع إفسادًا.\nوكانت قبائل نجد وغيرها لا تعرف من الدين إلا أنها مسلمة، فأقبلت على دعوته، واستمسكت بالآداب التي بشربها. وكان زعيم مريديه \"محمد بن سعود\" يجمع بين الشجاعة والحكمة، فعقد له محمد بن عبد الوهاب\nراية القيادة، واستطاع بعقله الكبير أن يؤلف بين القبائل، وأن يوجهها إلى أطراف الجزيرة لتنشر الوهابية، وكان الأمراء البارزون في جزيرة العرب وقتئذ هم أشراف الحجاز، وبنو خالد في الأحساء، وآل معمر في العيينة، وآل السعدون في العراق، والإمام المتوكلي في صنعاء، والسادة في نجران؛ فأعلنت نجد عليهم حروبًا دامية كان هدفها الإصلاح على أساس المذهب الوهابي.\nستودارد الأمريكي، مؤلف \"حاضر العالم الإسلامي\"، الذي علق عليه الأمير شكيب أرسلان\nقال في الفصل الأول من الكتاب في اليقظة الإسلامية في القرن الثامن عشر.\n\"كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدلي والانحطاط أعمق درك، فاربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه، ورجًا من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب\".\nإلى أن قال:\n\"وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سخفًا من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من","vol":"1","page":104},{"text":"أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.\nوغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام. وعلى الجملة؛ فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطًا بعيد القرار.\nفلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدعي الإسلام، لغضب وأطلق على من استحقها١ من المسلمين، كما يعلن المرتدون، وعبدة الأوثان.\nوفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومدلج في ظلمته، إذا بصوت يدوي من قلب صحراء شبه الجزيرة مَهَّد الإسلام، يوقظ المؤمنين، ويدعوهم إلى الإصلاح، والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم. فكان الصارخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، الذي أشعل نار الوهابية، فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها، إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي.\nثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس، واستعادة المجد الإسلامي القديم، والعز التليد. تبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأ ت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام\" انتهى.\n_________\n١ لو أن فيلسوفًا نقريثيًا من فلاسفة الإسلام، أو مؤرخًا عبقريًا بصيرًا بجميع أمراضه الاجتماعية؛ أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة ما أمكنه أن يصيب المحز،، وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي (شكيب) .","vol":"1","page":105},{"text":"كلام بروكلمان في \"تاريخ الشعوب الإسلامية\"، ج/ ٤، \"الإسلام في القرن التاسع عشر\" بترجمة الدكتور: نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي.\nقال تحت عنوان \"الحركة الوهابية في بلاد العرب\":\n\"ولم يحالف التوفيق محمد علي في شبه الجزيرة العربية بقد ما حالفه في مصر وسوريا.\nوتفصيل ذلك أنه ولد في نجد المرتفعة في قلب الجزيرة محمد بن عبد الوهاب، من قبيلة تميم ما بين أواخر القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر.\nفنشأ محمد محبًا للعلم، واقفًا نفسه على دراسة الفقه والشريعة، وقصد وفقًا - للعادة القديمة - إلى عواصم الشرق الإسلامي طلبًا للعلم في مدارسها.\nوفي بغداد درس محمد فقه أحمد بن حنبل، مؤسس آخر المذاهب السنية الأربعة.\nثم إنه درس مؤلفات أحمد بن تيمية، الذي كان قد أحيا - في القرآن الرابع عشر - تعاليم ابن حنبل.\nوالواقع أن دراسته لآراء هذين الإمامين انتهت به إلى الإيقان من أن الإسلام في شكله السائد في عصره، وبخاصة بين الأتراك، مشرب بالمساوي التي لا تمت إلى الدين الصحيح بنسب.\nفلما آب إلى بلده الأول سعى أول ما سعى إلى أن يعيد إلى العقيدة والحياة الإسلاميتين صفائهما الأصلي في محيطه الضيق\". ثم ذكر التجاءه إلى محمد بن سعود.\n\"وهناك لقي محمد حفاوة وترحيبًا، حتى إذا انقضت فترة قصيرة، اكتسبت تعالميه أنصارًا ومريدين.\nولقد شجب تقديس الرسول والأولياء على اختلاف صوره، وكان ذاك قد شاع بين المسلمين منذ قرون؛ تقليدًا للنصرانية، وبعض الطقوس الدينية الأكثر","vol":"1","page":106},{"text":"بدائية، راميًا بالشرك أولئك الذين يشاركون في هذا التقديس، والذي يقضي القرآن بحربهم، حتى يرجعوا عن غيهم، أو يبادوا١.\nوأخذ محمد أتباعه بأداء صلاة الجمعة في صرامة لا تعرف الرحمة، ونهى عن كل زينة في اللباس٢، وعن لبس الحرير خاصة \"قلت: أي: بالنسبة للرجال فقط\".\nوحرم أيما تزيين أو زخرفة للمساجد والأضرحة، ليس هذا فحسب، بل لقد توسّع في فهم التحريم الإسلامي لمختلف ضروب المسكر، فحرم تدخين التبع الذي أعلن جميع الفقهاء تقريبًا من الحنابلة وغير الحنابلة معارضتهم له أول دخوله إلى بلاد الشرق.\n_________\nوالواقع أن هذا المصلح، لم يكن يتمتع من خصب الأفكار، أو الابتكار بأثر مما يتمتع به الرسول) اهـ.\n١ هذا فيه إجمال، والمراد: أنه منع صرف العبادة للرسول ﷺ والأولياء، وطلبهم المدد، ونحو ذلك مما يسميه العامة تقديسًا للرسول ﷺ والأولياء، وإنما هو الشرك الأكبر والوثنية بأوضح معانيها، فتدبّر.\nوليس هذا الشرك تقديسًا للرسول ﷺ والأولياء، وإنما هو تنقص في الحقيقة له وللأولياء، لأنه والأولياء لا يرضون بذلك، ومن ظن أنهم يرضون بذلك فقد تنقّصهم، وأساء بهم الظن، وإنما تقديس الرسول ﷺ باتباعه وتعظيم شرعه، ومحبته المحبة الصادقة فوق محبة النفس والأهل والمال والناس أجمعين، من غير غلو فيه بصرف شيء من حق الله له. وهكذا تقديس الأولياء، يكون بمحبتهم واتباع سبيلهم القيم، والترحّم عليهم، لا بالغلو فيهم وعبادتهم مع الله سبحانه. والله ولي التوفيق.\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\n٢ هذا فيه إجمال، وليس الأمر على إطلاقه، لأن الزينة المباحة لم ينه عنها الشيخ ﵀، ولا غيره من أهل العلم، بل هي مأمور بها، كما في قوله سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ويمكن حمل الزينة المذكورة هنا على الزينة التي حرمها الله لكونها مشتملة على مشابهة الكفار والنساء، أو فيها إسبال. والله أعلم. عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":107},{"text":"معنى قوله لم يكن يتمتع ... إلخ، أن الشيخ كان يمشي ويدعو الناس إلى اتباع سنة الرسول، غير مبيح لهم الزيادات المحدثة، التي أحدثها الخلوف، لأمور لا تخفي، كما فعلت الأمم السالفة.\nولم يكن مبتكرًا ولا مبتدعًا للمبادئ التي دعا الناس إليها، بل كان تابعًا للرسول\".\nمصطفى الحفناوي وليمز، في كتابه \"ابن سعود: سياسته، حروبه، مطامعه\".\nقال لما ذكر بعض ثورات الغربيين لإصلاح مجتمعهم الفاسد:\n\"كذلك لما شاع الفساد في بلاد المسلمين قام في جزيرة العرب محمد بن عبد الوهاب يحارب البدع، ويدعو إلى جمع الصفوف، لإعادة مجد الإسلام، وعبادة الله بقلب سليم.\nولكنه - كغيره من المصلحين - اضطهد، واتهم بالإلحاد والزندقة، وطورد حتى التجأ إلى محمد بن سعود. ثم ذكر ولادته، ورحلته لطلب العلم، وأنه لما عاد إلى بلاده صمّم على نشر الدين الصحيح.\nوقال: \"لما اتصل ببيت سعود، وتزوج محمد بن سعود بابنة الشيخ، عندئذ تشيع السعوديون للمذهب الجديد\"١.\nفغضب عليهم الأتراك، ولم يكن غضبهم صادرًا عن عقيدة، وعن فكرة\n_________\n١ قوله عندئذ: \"تشيّع السعوديون\" يوهم كلامه هذا أن آل سعود تشيعوا لدعوة الشيخ محمد ﵀ بسبب المصاهرة، وليس الأمر كذلك، وإنما قام الإمام محمد بن سعود ﵀ وأولاده وأحفاده بمناصرة دعوة الشيخ من أجل أنها دعوة إلى الحق والدين الصحيح، لا من أجل المصاهرة إن ثبت وجودها ذلك الوقت.\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":108},{"text":"وصلوا إليها، بعد دراسة المذهب الجديد، الذي أكروه رجماص بالغيب، ظنًا منهم أنه يقفعقبة في سبيل مطامعهم ببلاد العرب.\nكان شريف مكة، قد احتكم إلى العلماء ليقولوا رأيهم في مذهب ابن عبد الوهاب، فقرروا صلاحية هذا المذهب.\nكما أن \"محمد علي باشا\" جمع علماء مكة في سنة ١٢١٥هـ لنفس الغرض، فجاءت قراراتهم في صالح هذا المذهب.\nولكن الأتراك أصروا على العدوان، ولم يكن محمد بن عبد الوهاب إلا رسول سلام) اهـ. ص/ ٢١ - ٢٢ بتلخيص واختصار.\nثم قال: في ص ٧٤ - ٧٥، ويكفي هذا الصدد أن نشير إلى بعض أوجه الخلاف بين مذهب الوهابيين، وبين غيرهم.\n١- يرى الوهابيون، أن لا معبود إلا الله، وأن الرسول ﵊ بشر، فوق مستوى البشر.\n٢- أعلن الوهابيون كراهيتهم لعبادة الأولياء، وهي متفشية بين المسلمين، حتى اضطر ابن سعود لتمير قباب الأولياء\".\nثم ذكر الحفناوي قائلًا:\n\"وأنا من أنصار هذا الرأي.\nفإنك لا تكاد تذهب إلى ضريح في مصر، إلا وترى الجهال يقبّلون الأعتاب، ويستغيثون بالأولياء، غير ذاكرين الله، ولا معتمدين إلا على العظام المدفونة في تلك القبور.\n٣- يحتفل المسلمون سبع حفلات دينية. ولكن الوهابيين، لا يحتفلون إلا بعيد الفطر، وعيد الأضحى\".\nثم قال: \"ومهما يكن الخلاف المذهبي بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين؛\n_________\n(١) قوله فيحرمون على أنفسهم لبس الحرير والتحلي بالذهب لعل مراده أنهم يحرمون ذلك على الذكور خاصة أما النساء فإن الوهابيين وغيرهم لا يحرمون عليهن لبس الحرير والتحلي بالذهب لقول النبي ﷺ \" أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورهم \".\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":109},{"text":"فإننا نجل الوهابيين، فإنهم يدققون في عبادتهم، فيحفظون القرآن والحديث، ويأتمرون بما جاء في الشريعة الغراء، وينهون عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم١، فيحرمون على أنفسهم لبس الحرير، والتحلي بالذهب، وشرب الخمر، وتدين التبغ، ويحاربون السحر والميسر، وغيرهما من الأرجاس\"اهـ ملخصًا.\nالمستشرق سيديو، في: \"تاريخ العرب العام\"، الذي نقله إلى العربية عادل زعيتر\nقال في أثناء كلامه على ثورات العرب لتحرر من سيطرة الترك وسيطرة البرتغال في عمان بعد كلام:\n\"ومن ثم نرى أن جزيرة العرب استردت استقلالها التام تقريبًا، منذ أوائل القرن الثامن عشر بفضل جدها، وضعف أعدائها، ولم يبق لها إلا أن تؤيد نصرها بمركز يلتف حوله جميع النفوس.\nوهذا ما حاولت صنعه قبيلة ظهرت في نجد حوالي سنة ١٧٤٩م.\nوهذا ما حوله الوهابيون النافذون حتى الآن، والذي سيكون لهم تأثير دائم في مصير جزيرة العرب لا ريب. واسم واضع هذه السيطرة هو: عبد الوهاب التميمي، الذي أكب على دراسة آداب العرب وعلومهم منذ صباه، والفقه أكثر ما عنى به.\nواطلع على آراء رجال المذهب، وقصد بغداد، والبصرة، وفارس سائحًا، فنمت مداركه، فأنعم النظر في حال بني قومه وميولهم وغرائزهم، وطبيعة قواهم، فرأى أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة أحكام القرآن، رجعت إليهم تلك الحماسة التي تعودتها عظمة الماضين.\n_________\n١ قوله: \"فيحرّمون على أنفسهم لبس الحرير، والتحلي بالذهب\" لعل مراده: أنهم يحرمون ذلك على الذكور خاصة، أما النساء فإن الوهابيين وغيرهم لا يحرّمون عليهن لبس الحرير والتحلي بالذهب، لقول النبي ﷺ: \"وأحل الذهب والحرير لأناث أمتي، وحرم على ذكورهم\".\n٢ خطأ من المؤرخ بل هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب\nعبد العزيز عبد الله بن باز","vol":"1","page":110},{"text":"ولم يكن للإصلاح الذي بدا زعيمًا له هدف، سوى إعادة شريعة الرسول الخالصة إلى سابق عهدها.\nوحارب ابن عبد الوهاب فعالات١ المسلمين في إحاطة محمد ﷺ بتعظيم حرمه الله في كتير من كلامه. وحارب تقديس قبور الأولياء، فحمل أنصاره على هدمها.\nوحارب ابن عبد الوهاب ما كان يعيبه على الترك من فساد الأخلاق. وحارب تعاطي المسكرات.\nومما ذكر الناس به، هو أن الشريعة تأمر المسلمين بأن يؤتوا الزكاة٢، وتحرم عليهم الزينة٣، وتلزم القضاة بالنزاهة التامة.\nومما عني به على الخصوص إبقاء روح الجهاد في قومه لما أدى إليه الجهاد من نصر عجيب منذ قرون.\nولا يمكن أن تنعت أقواله بالإلحاد على العموم لما بدع تكرارًا لسور القرآن، وهو لموافقته تعاليم الإسلام الصحيحة كان بالغ الأثر لمبادئه، فصار صناديد قبائل نجد ينضمون إلى لوائه، أفرادًا وأرسالًا، فيؤلفون جيشًا صغيرًا بقيادة محمد بن سعود من عشيرة المساليخ، وكان محمد قد اعتنق المذهب الجديد في الدرعية، فأبصر ابن عبد الوهاب فيه من المواهب الحربية ما لم يجده في الغير، فزوجه بابنته، مفوضًا إليه أمر حكومة الوهابيين السياسية\".\nواستمر الكاتب في كتابته حتى قال:\n_________\n١ تأمّل كيف عرف هذا المؤرخ الأجنبي عن ديننا تعاليم هذا المصلح الكبير الصحيحة، وأنه قصد إرجاع الناس إلى الدين الصحيح، وتنقيته من شوائب البدع والوثنية، وكيف أنصف هذا الأجنبي، وعرف دين الرسول الصحيح، وما طرأ عليه مما لا يتفق وتعاليم الرسول، ولم يعرفه الكثيرون من المنتسبين إلى الإسلام.\n٢ أي: وسائر أركان الإسلام.\n٣ كلبس الحرير والذهب للرجال، لا مطلق الزينة.","vol":"1","page":111},{"text":"\"فخلع على دين محمد رونقًا جديدًا، وبدد الخرافات التي١ زالت مع الزمن، فأظهر القرآن خاليًا من جميع ما عزى إليه من الشوائب٢.\nوما لبثت النفوس التي أرهقتها شروح أئمة المسلمين المطولة الغامضة أن رجعت إلى بضعة مبادئ عامة بسيطة واضحة، فتقبلت خطط ابن عبد الوهاب الإصلاحية بقبول حسن.\nودعا الوهابيون إلى الفضيلة، خلافًا للقرامطة الذين تذرعوا بسيء المناخي، فلم يبالوا بغير قضاء المآرب\"اهـ.\nعلي الطنطاوي، في كتابه: \"محمد بن عبد الوهاب\".\nذكر: فشو البدع قبل ولادة الشيخ \"محمد\" كما قال، واعتقد الناس النفع والضرر بالرسول والصالحين، وبالقبور والأشجار، والقباب والمزارات، فيطلبون منهم الحاجات، ويرجعون في الشدائد إليهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، واشتد تعظيم الأموات. وكان حظ نجد في هذه الجاهلية الجديدة أكبر الحظوظ.\nفقد اجتمع على أهله الجهل والبداوة، والفقر، والانقصام في كل ناحية من نواحي نجد، من الأمراء، بمقدار ما كان فيها من القرى، ففي كل قرية أمير، وفي كل ناحية جمعية أمم، وكان في كل إمارة قبر، عليه بناء، أو شجرة لها أسطورة، يقوم عليها سادن من شياطين الإنسن، يزين للناس الكفر، ويدعوهم إلى الاعتقاد بالقبر، والذبح له، والتبرك به، والدعاء عنده.\n_________\n١ تأمل كيف يصف زمان الشيخ بالخرافات، ويصف مقاومة الشيخ وإصلاحه مما لم يعرفه كثير من المسلمين، وعموا - بتعصبهم - عن محاسنه وخدماته، فرحمه الله.\nوقد أحسن من أنصف وعرف الحق لأهله، ولو كان كافرًا.\n٢ كأنه يريد من التفاسير الباطلة، والتأويلات المخالفة.","vol":"1","page":112},{"text":"ثم ذكر شجرة تسمى شجرة الذئب، وقبر \"زيد بن الخطاب\" وذلك على سبيل المثال.\nقال: \"وكان العلماء قلة، والحكام عتاه ظلمة، والناس فوضى يغزو بعضهم بعضًا، ويعدو قويهم على ضعيفهم. في تلك البيئة نشأ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فرأى شمس الإسلام إلى أفول، ورأى ظلمة الكفر إلى امتداد وشمول.\nوأراد الله له الخير، فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يبعثون ليجددوا لهذه الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصف به في تاريخنا.\nفقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق والألفة بعد الاختلاف، والوحدة بعد الانقسام.\nولا أقول: إن الرجل كامل، فالكمال لله، ولا أقول إنه معصوم فالعصمة للأنبياء، ولا أقول: إنه عار عن العيوب والأخطاء.\nولكن أقول: إن هذه اليقظة التي عمت نجدًا، ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة، ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام؛ ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله\"اهـ.\nأبو السمح عبد الظاهر المصري، الذي كان إمامًا بالمسجد الحرام ﵀، قال في \"نونيته\" التي تأسف فيها على الإسلام وأهله، مما عراهم: ابتدأها - ﵀ - بقوله:\nأسفي على الإسلام\nومضى فيها حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلًا:\nأسفي على الإسلام والإيمان\nأسفي علي نور الهدى القرآن\nأسفي علي الدين القديم وأهله\nأسفا يذيب القلب بالأحزان","vol":"1","page":113},{"text":"ومضى فيها حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلًا:\nأسفي على الشيخ الإمام محمد\nحبر الأنام العالم الرباني\nعلم الهدى بحر الندى مفني العدا\nمن شن غارته علىالأوثان\nمن قام في نجد مقام نبوة\nيدعو إلى الإسلام والإيمان\nحتى غدت نجد كروض مزهر\nيختال في ظلل من العرفان\nأحيا لنا الدين الحنيف كما أتى\nوأقامه بالسيف والبرهان\nبرهانه القرآن والسنن التي\nتروي لنا عن سيد الأكوان\nكم حارب الشرك الخبيث وأهله\nوأذاقهم في الحرب كل هوان\nوأبان توحيد العبادة بعدما\nدرست معالمه من الأذهان\nكم أبطل البدع التي قد عكرت\nصفو الشريعة مورد الظمآن\nوأضاء نورًا لم يزل متألقًا\nيهدي به الرحمن كل أوان\nيارب دعوة مؤمن متضرع\nأغدق عليه سحائب الرضوان\nرأي عالم فرنسي:\n١- قال برنادلوس في كتاب: \"العرب في التاريخ\" ما يلي:\n\"وباسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الأول؛ نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيادات، باعتبارها بدع خرافية غريبة عن الإسلام الصحيح\".\nرأي مستشرق نمساوي:\n٢- قال شيخ المستشرقين: جولد سيهر، في كتابه: \"العقيدة والشريعة\"، ما يلي:\n\"وإذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقية","vol":"1","page":114},{"text":"التالية: يجب على من ينصّب نفسه للحكم عن الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصارًا للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة، فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان\".\nرأي المستشرق: \"جب الإنجليزي\".\n٣- قال في كتابه: \"المحمدية\":\n\"وفي جزيرة العرب قام حوالي ١٧٤٤م ١١٥٧هـ محمد بن عبد الوهاب مع أمراء الدرعية آل سعود بتحقيق الدعوة إلى المدرسة \"المذهب\" الحنبلية، التي دعا إليها ابن تيمية في القرن الرابع عشر\".\nوقال أيضًا في كتابه: \"الاتجاهات المدينة في الإسلام\":\n\"أما مجال الفكر فإن الوهابية بما قامت به من الفتن ضد التدخلات العدوانية، وضد الأصول القائلة بوحدة الوجود، التي تريد تدنيس التوحيد في الإسلام؛ فقد كانت عاملًا مفيدًا للخلاص الأبدي، وحركة تجديد أخذت تنجح في العالم الإسلامي شيئًا فشيئا\".\nدائرة المعارف البريطانية.\n٤- جاء في دائرة المعارف البريطانية، وهي تتكلم عن الوهابية ما يلي:\n\"الوهابية: اسم لحركة التطهير في الإسلام. والوهابيون: يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح\".\nرأي جماعة من المستشرقين:\n٥- قال الأستاذ: ويلفد، في كتاب \"الإسلام في نظر الغرب\"، ألّفه جماعة من المستشرقين:","vol":"1","page":115},{"text":"\"كان محمد بن عبد الوهاب يقول قبل كل شيء: يجب أن تعيشوا حسب الشرع الإسلامي. وهذا هو معنى أن تكونوا مسلمين، ولا ذاك الرغاء العاطفي، والتقي والحرارة التي يقدمها لكم الصوفيون، فأساس الإسلام هو الشرع، وإذا كنتم تريدون أن تكونوا مسلمين فيجب أن تعيشوا حسب أوامر الشرع \".\nرأي مؤرخ ألماني:\n٦- قال الدكتور: داكبرت، المؤرخ الألماني في كتابه \"عبد العزيز\"، وقد صدر في ألمانيا سنة ١٩٥٣م، ونقله إلى العربية الدكتور: أمين رويحة، عن الحركة والهابية:\n\"وكان لآل سعود إلى جانب سيفهم الذي يستخدمونه في الفتح سلاح معنوي آخر، يدينون له بأعظم قسط من نجاحهم، ذلك السلاح من صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحد رجال الدين المطاردين في سبيل عقيدتهم.\nوالذي لجأ إلى الدرعية عاصمة آل سعود في ذلك الحين، فلقي لديهم الحماية والأمان، وكانت تملأ قلب محمد بن عبد الوهاب فكرة جديدة القوى العربية على أساس دين، ن ناسبًا إلى ابتعادهم عن سيرة السلف الصالح وانقسامهم إلى شيع، وإلى ابتعادهم عن خلقهم العربي الأصيل؛ سبب تلاشيهم الذي جعلهم في متناول النفوذ الأجنبي\".\nإلى أن قال:\n\"ورأى الشيخ أن سبب الإنقاذ هو الرجوع إلى تعاليم الدين المشروعة، إلى تعاليم الرسول الصحيحة، فراح يبشر بوحي من ضميره وعقيدته بمحاربة البدع التي أدخلت على الإسلام عبر العصور الغابرة، والضال المضل من تقارير علماء الدين، غير مقيم وزنًا إلا لما نص عليه القرآن صراحة، أو لما يمكن نسبته بصورة قاطعة للنبي محمد ﷺ، وراح يحارب بكل قواه المستمدة من عقيدته الصلبة تقديس الأولياء، وجعلهم واسطة بين الله وبين الناس، وينادى بهدم الأضرحة، ومزارات الأولياء، وإزالة معالمها؛ اقتداء بالنبي الكريم، الذي حارب بدعة تقديس الهياكل، وعبادة الأصنام الموروثة من الجاهلية\" انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":116},{"text":"رأي الأستاذ فيليب حتى:\n٧- قال الأستاذ فيليب، وهو مؤرخ لبناني، في كتابه \"تاريخ العرب\":\n\"ولقد تاثر محمد بن عبد الوهاب بفكرة هي: أن الإسلام كما يمارسه معاصروه قد انحرف كثيرًا عمليًا ونظريًا عن طريق السنة التي استنها القرآن، وقرر أن ينقيها هو بنفسه\".\nرأي الأستاذ أحمد حسين - مؤسس حزب مصر الفتاة -:\n٨- قال في كتابه \"مشاهداتي في جزيرة العرب\" بعد أن وصف ما كان في جزيرة العرب من جهالة قبل ظهور الدعوة ما يلي:\n\"وفي وسط هذا الجو ولد محمد بن عبد والهاب، وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قاضي بلدة العيينة، وكان شيخًا عالمًا جليلًا، فقرأ على أبيه الفقه، وسرعان ما ظهرت عليه علائم النجابة، وبدأ يدرك على الفور ما تردت به البادية من همجية وردة عن دين الإسلام، وبدأت تجيش نفسه بما تجيش به نفس كل مصلح؛ من عزم على تغيير هذه الحال.\nفلما بلغ من العمر عشرين ربيعًا، بدأ يستخدم فصاحته وعلمه في مناقشة أنداده وأضرابه، بل ومن هم أكبر منه سنًا في فساد الحال، فلم يجد منهم أذنًا صاغية\".\nوبعد أن ذكر سفر الشيخ إلى الحجاز والبصرة، ورجوعه ثانية إلى نجد، واستقرارة في الدرعية، واتفاقه مع محمد بن سعود، ختم هذا البحث بقوله:\n\"تلك هي قصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما بدأت، والتي لم تكمل حتى الآن، فلا يزال أحفاد محمد بن سعود، وأحفاد الشيخ محمد يحملون لواء التوحيد، وينافحون عنه.\nوإذا كان العالم الإسلامي كله اليوم تحت تأثير النور والعرفان، قد بدأ يدرك بفطرته هذا الذي دعا إليه محمد بن عبد الوهاب ويتعشقه، فسيظل التاريخ يسجل لآل سعود الذين كانوا أول من نصره واستجاب له\"اهـ.","vol":"1","page":117},{"text":"رأي الأستاذ الإمام: محمد عبده.\n٩- يقول الشيخ حافظ وهبه في كتابه \"٥٠ عامًا في جزيرة العرب\"، وهو يتحدث عن طلبة العلم في الأزهر:\n\"أنه سمع الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي مصر، يثني في دروسه بالأزهر على الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ويلقبّه بالمصلح العظيم، ويلقي تبعة وقف دعوته الإصلاحية على الأتراك، وعلى محمد علي الألباني، لجهلهم ومسايرتهم لعلماء عصرهم؛ ممن ساروا على سنة من سبقهم من مؤيدي البدع والخرافات، ومجافاة حقائق الإسلام\".\nرأي الأستاذ أحمد أمين، العالم المصري.\n١٠- تناول الأستاذ أحمد أمين، العالم المصري الشهير في كتابه \"زعماء الإصلاح الإسلامي\" نهضة الإصلاح الديني في نجد، وهذا ما قاله عنها:\n\"ورأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العلام الإسلامي: أن هذا التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى، قد ضاع ودخله الكثير من الفساد.\nفالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده، هو خالق هذا العالم، والمسيطر عليه، وواضع قوانينه التي يسير عليها، والشرع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه، ولا في حكمه، ولا من يعينه على تصريف أموره، لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما كان من المقربين إليه، هو الذي بيده الحكم وحده، وهو الذي بيده النفع والضر وحده لا شريك له.\nفمعنى: لا إله إلا الله: ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقًا لما وضع من قوانين إلا هو، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو.\nوهذا هو محور القرآن: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ","vol":"1","page":118},{"text":"وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .\nإذن، فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة، إلى أن يشرك مع الله كثيرًا من خلقه؟.\nفهذه الأولياء يحج إليها، وتقدم لها النذور، ويعتقد أنها قادرة على النفع والضر.\nوهذه الأضرحة التي لا عداد لها تقاوم في جميع أقطاره، يشد الناس إليها رحالهم، ويتمسحون بها، ويتذللون لها، ويطلبون جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم، ففي كل بلدة ولي أو أولياء، وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة، تشترك مع الله تعالى في تصريف الأمور، ودفع الأذى وجلب الخير، وكأن الله سلطان من سلاطين الدنيا يتقرب إليه بذوي الجاه، وأهل الزلفى لديه، ويرجحون في تغيير القوانين وقضاء الحاجات.\nأليس هذا كما كان يقول مشركو العرب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؟، وقولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؟.\nبل وا أسفاه، لم يكتف المسلمون بذلك، بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد، فهؤلاء أهل بلدة منفوحة باليمامة يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة، من قصدها من العرائس تزوجت لعامها.\nوهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك. وفي كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا، ففي مصر شجرة الحنفي، ونعل الكلشني، وبوابة المتولي١.\nوفي كل قطر حجر وشجر، فكيف يخلص التوحيد من كل هذه العقائد؟.\nإنها تصد الناس عن الله الواحد، وتشرك معه غيره، وتسيء إلى النفوس، وتجعلها ذليلة وضيعة مخرفة، وتجردها من فكرة التوحيد، وتفقدها التسامي.\n_________\n١ شجرة الحنفي: شجرة كانت في جامع الحنفي بالقاهرة يتبرك بها، ونعل الكلشني نعل قديمة في تكية الكلشني، يزعمون أن الماء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق، وبوابة المتولي بالقاهرة أيضًا مملوءة بالمسامير، بها تعلق الشعور والخيوط لقضاء حاجة من علّقها. عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"1","page":119},{"text":"هكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، وفكرة التوحيد في التشريع، فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة\".\n١١- قال أمين سعيد، في كتابه \"سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب\":\n\"سيرة الإمام الشيخ: محمد بن عبد الوهاب التميمي من أحفل السير بالعظات، وأغناها بالفضائل، وأحقها بالبحث والفصل، والتفسير والتعليل، وهي سيرة مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين، وعالم من خيرة العلماء، أنار الله بصيرته، وهداه سبله، وألهمه التقوى، فدعا أمته للرجوع إلى الله، والعمل بكتابه وسنة رسوله، ونبذ الشرك وعبادة القبور. انقادت إليه، واقتدت به، واشتجايت به، فأخرجها به من الظلمات إلى النور، فنجت وفازت، وجنت أطيب الثمار، وسمت إلى مرتبة الأخيار\".\nثم ذكر ولادة الشيخ، وما كانت حالة الضعف والانحطاط التي سرت في جسم الدولة العثمانية، وذكر أحوال الجزيرة العربية، وما فيها من ظلمات الجهل، ومزيد الفقر، وتفشي الفوضاء:\n\"وفي وسط ذلك الجو القائم المربد؛ جو الجهل والجمود، جو ضعف الوازع الديني، وتسلط الحكام، واستبداد الطغام؛ أشرقت من جانب نجد أنوار الدعوة الوهابية، التي حمل مشعلها الإمام الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، فأنارت للأمة السبيل، وألهمتها رشدها، فشقت طريقها، واهتدت بهديها، وحققت الدعوة لنجد آمالها. وقد بدأت في محيطها، أو لما بدأت فأنشأت لها مجتمعًا إسلاميًا سليمًا، يؤمن بالتوحيد، ويعظم شأنه، ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحدًا.\nولا يزال هذا حاله، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا، فهو يصدع بالحق ويؤمن به.\nوانبثقت عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة، نشأت في ظل الدعوة، وآمنت بها، فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين، فاتبعت طريقهم، وترسمت خطاهم، فسادت وشادت، ووسعت حدودها، وانتشرت الدعوة في بلاد العرب، وبلاد الإسلام، وسرى نورها في أرجائها،","vol":"1","page":120},{"text":"وأقل عليها الكثيرون، وأخذوا بها وتفاعلوا معها، واستجابوا لها، فكانت الأمة الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين، فأحيت ميت الهمم، وأيقظت خامد النفوس.\nوضرب الشيخ الأمثال على تجرده ونزاهته، وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده، وإصلاح حال أمته، وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها.\nولقي في بدء الدعوة من الأذى والعدوان والمقاومة ما يلقاه الدعاة والمصلحون من قومهم، فما تردد وما توقف، بل صابر وثابر، لم يخفه تهديد، وما ثناه وعيد، ولا أثرت في نفسه مغريات.\nفشرّقت الدعوة وغرّبت، وكثر عدد المؤمنين بها، وازداد أنصارها، واستقام أمرها، فأزعج ذلك خصومها، وأقلق أعداءها، فتألبوا عليها، وجاءوا صفوفًا صفوفًا لقتالها، وإطفاء أنوارها، فحملت السيف للدفاع عن نفسها، وحماية كيانا، والدفاع عن النفس حق مشروع، أقرته جميع الأديان، وجاءت به جميع الشرائع.\nوهذه الحقيقة تنقض قول خصومها، وتلقف ما افتروا وما زيّفوا، فالدعوة لم تعتمد على السيف، ولم تشتهر في وجه الذين لم يدخلوا فيها، بل اعتمدت عليه في الدفاع عن نفسها، ومقاومة أعدائها الذين تجمعوا لقتالها، وتنادوا لمقاومتها، والإجهاز عليها.\nفما أغنت عنهم جهودهم، فارتدوا منهزمين، وتواروا خاسرين، وانتصرت.\nتغلبت لأنها نور وحق، وطبيعة النور أن يسري ويعم وينتشر مهما حاولوا ستره وإخفاءه، ومهما أقاموا من الحواجز في طريقه. ومن شأن الحق أن يعلو ولا يعلى عليه\"انتهى. وهذا آخر ما تيسَّر جمعه.\nوالحمد لله الذي قد مَنَّ بإتمام ما أراد تسطيره وتحريره من ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، وأجزل لنا وله الثواب.\nوصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وجميع الأصحاب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":121}]}