{"ً":{"ٌ":11384,"ٍ":"مختصر [شرح] تسهيل العقيدة الإسلامية - ط ٢","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/تهذيب تسهيل العقيدة الإسلامية - الجبرين","files":["67063.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية\n(وسماه المؤلف ابتداءً من الطبعة الرابعة ١٤٣٣ فما بعدها «مختصر شرح تسهيل العقيدة الإسلامية»)\nالمؤلف: عبد الله بن عبد العزيز الجبرين\nالناشر: مكتبة الرشد\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ\nعدد الصفحات: ١٦٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1650,"ٕ":1,"ٖ":1770155703,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":3},{"title":"المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقيدية، وتعريفها.","level":2,"page":3},{"title":"تعريف العقيدة","level":3,"page":3},{"title":"أهل السنة والجماعة","level":3,"page":5},{"title":"السلف","level":3,"page":9},{"title":"الخلف","level":3,"page":10},{"title":"المسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية","level":2,"page":11},{"title":"١- أنها عقيدة غيبية.","level":3,"page":11},{"title":"٢- أنها عقيدة شاملة.","level":3,"page":12},{"title":"٣- أنها عقيدة توقيفية.","level":3,"page":14},{"title":"المسألة الثالثة: وسطية أهل والجماعة بين فرق الضلال.","level":2,"page":16},{"title":"الأصل الأول: باب العبادات","level":3,"page":16},{"title":"الأصل الثاني: باب أسماء الله وصفاته.","level":3,"page":19},{"title":"الأصل الثالث: باب القضاء والقدر.","level":3,"page":21},{"title":"الأصل الرابع: باب الوعد والوعيد","level":3,"page":23},{"title":"الأصل الخامس: باب أصحاب النبي ﷺ.","level":3,"page":26},{"title":"التوحيد","level":1,"page":29},{"title":"الفصل الأول: توحيد الربوبية.","level":2,"page":29},{"title":"الفصل الثاني: توحيد الألوهية.","level":2,"page":30},{"title":"مقدمة","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الأول: شهادة \"لا إله إلا الله\"","level":3,"page":32},{"title":"المطلب الأول: معناها، وفضلها.","level":4,"page":32},{"title":"المطلب الثاني: شروطها، ونواقضها.","level":4,"page":33},{"title":"المبحث الثاني: العبادة","level":3,"page":38},{"title":"المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها.","level":4,"page":38},{"title":"المطلب الثاني: أصول العبادة.","level":4,"page":42},{"title":"الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.","level":2,"page":49},{"title":"مقدمة","level":3,"page":49},{"title":"المبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته.","level":3,"page":50},{"title":"الأول: طريقتهم في الإثبات.","level":4,"page":50},{"title":"الثاني: طريقتهم في النفي.","level":4,"page":51},{"title":"الثالث: طريقتهم فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه.","level":4,"page":52},{"title":"المبحث الثاني: أمثلة لبعض الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة.","level":3,"page":53},{"title":"١- علو الله تعالى.","level":4,"page":53},{"title":"٢- صفة الكلام.","level":4,"page":55},{"title":"٣- صفة الاستواء على العرش.","level":4,"page":57},{"title":"٤- صفة الوجه.","level":4,"page":58},{"title":"٥- صفة اليدين.","level":4,"page":59},{"title":"٦- المحبة.","level":4,"page":61},{"title":"المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات.","level":3,"page":63},{"title":"نواقض التوحيد","level":1,"page":65},{"title":"الفصل الأول: الشرك الأكبر","level":2,"page":65},{"title":"المبحث الأول: تعريفه وحكمه","level":3,"page":65},{"title":"المبحث الثاني: أقسام الشرك الأكبر","level":3,"page":68},{"title":"القسم الأول: الشرك في الربوبية","level":4,"page":68},{"title":"القسم الثاني: الشرك في الأسماء والصفات","level":4,"page":70},{"title":"القسم الثالث: الشرك في الألوهية","level":4,"page":74},{"title":"الفصل الثاني: الكفر الأكبر","level":2,"page":87},{"title":"المبحث الأول: تعريفه وحكمه","level":3,"page":87},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الكفر","level":3,"page":88},{"title":"النوع الأول: كفر الإنكار والتكذيب","level":4,"page":88},{"title":"النوع الثاني: كفر الشك والظن","level":4,"page":93},{"title":"النوع الثالث: كفر الامتناع والاستكبار","level":4,"page":95},{"title":"النوع الثالث: كفر السب والاستهزاء","level":4,"page":97},{"title":"النوع الرابع: كفر البغض","level":4,"page":100},{"title":"النوع الخامس: كفر الإعراض","level":4,"page":101},{"title":"خاتمة فصل الكفر الأكبر","level":3,"page":104},{"title":"الفصل الثالث: النفاق الأكبر","level":2,"page":108},{"title":"المبحث الأول: تعريفه وحكمه","level":3,"page":108},{"title":"المبحث الثاني: أعمال المنافقين الكفرية","level":3,"page":110},{"title":"١- الاستهزاء بالله وبرسوله وبالقرآن","level":4,"page":110},{"title":"٢- سب الله تعالى","level":4,"page":111},{"title":"٣- الإعراض عن دين الإسلام","level":4,"page":112},{"title":"٤- التحاكم إلى الكفار","level":4,"page":114},{"title":"٥- اعتقاد صحة المذاهب الهدامة","level":4,"page":115},{"title":"٦- مناصرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين","level":4,"page":116},{"title":"٧- إظهار الفرح والاستبشار عند انتصار الكفار","level":4,"page":117},{"title":"٨- سب وعيب العلماء والمصلحين","level":4,"page":119},{"title":"٩- مدح أهل الكفر","level":4,"page":120},{"title":"المبحث الثالث: صفات المنافقين","level":3,"page":121},{"title":"١- قلة الطاعات.","level":4,"page":121},{"title":"٢- الجبن وشدة الخوف والهلع.","level":4,"page":122},{"title":"٣- السفه وضعف التفير وقلة العقل.","level":4,"page":123},{"title":"٤- التذبذب والمراوغة والتلون.","level":4,"page":126},{"title":"٥- الانهزامية واحتقار الذات.","level":4,"page":127},{"title":"٦- قلة الحياء وسلاطة اللسان.","level":4,"page":129},{"title":"منقصات التوحيد","level":1,"page":130},{"title":"الفصل الأول: الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر","level":2,"page":130},{"title":"تمهيد","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الأول: الغلو في الصالحين","level":3,"page":132},{"title":"١- المبالغة في مدحهم.","level":4,"page":132},{"title":"٢- تصوير الأولياء والصالحين.","level":4,"page":134},{"title":"المبحث الثاني: التبرك الممنوع","level":3,"page":138},{"title":"١- تبرك مشروع.","level":4,"page":138},{"title":"٢- تبرك ممنوع.","level":4,"page":140},{"title":"المبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها وبناء الغرف أو المساجد عليها","level":3,"page":146},{"title":"الفصل الثاني: الشرك الأصغر","level":2,"page":150},{"title":"المبحث الأول: تعريفه وحكمه","level":3,"page":150},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الشرك الأصغر","level":3,"page":151},{"title":"النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية","level":4,"page":151},{"title":"النوع الثاني: الشرك الأصغر في الأفعال","level":4,"page":160},{"title":"النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال","level":4,"page":166},{"title":"خاتمة فصل الشرك الأصغر","level":3,"page":172},{"title":"الفصل الثالث: الكفر الأصغر","level":2,"page":174},{"title":"المبحث الأول: تعريفه وحكمه.","level":3,"page":174},{"title":"المبحث الثاني: أمثلته","level":3,"page":175},{"title":"الفصل الرابع: النفاق الأصغر","level":2,"page":177},{"title":"المبحث الأول: تعريفه وحكمه","level":3,"page":177},{"title":"المبحث الثاني: خصاله وأمثلته","level":3,"page":178},{"title":"الفصل الخامس: البدعة","level":2,"page":181},{"title":"المبحث الأول: تعريفها","level":3,"page":181},{"title":"المبحث الثاني: أقسامها","level":3,"page":182},{"title":"القسم الأول: البدعة الاعتقاية","level":4,"page":182},{"title":"القسم الثاني: البدعة العمليه","level":4,"page":183},{"title":"السم الثالث: بدعة الترك","level":4,"page":184},{"title":"المبحث الثالث: حكمها","level":3,"page":185},{"title":"المبحث الرابع: التفصيل في بيان بدعتين من أخطر البد العملية","level":3,"page":186},{"title":"١- التوسل البدعي.","level":4,"page":186},{"title":"٢- إقامة الأعياد والاحتفالات البدعية","level":4,"page":191},{"title":"الولاء والبراء","level":1,"page":195},{"title":"المبحث الأول: تعريفها وحكمها","level":2,"page":195},{"title":"المبحث الثاني: مظاهر الولاء","level":2,"page":199},{"title":"المطلب الأول: مظاهر الولاء المشروع.","level":3,"page":199},{"title":"١- محبة جميع المؤمنين.","level":4,"page":199},{"title":"٢- نصرة المسلم لأخيه المسلم.","level":4,"page":200},{"title":"٣- مساعدتهم بالنفس والمال.","level":4,"page":202},{"title":"٤- التألم لما يصيبهم من المصائب والأذى.","level":4,"page":203},{"title":"المطلب الثاني: مظاهر الولاء المحرم","level":3,"page":205},{"title":"١- الموالاة الكفرية المخرجة من الملة","level":4,"page":205},{"title":"٢- الموالاة المحرمة غير الكفرية","level":4,"page":209},{"title":"المبحث الثالث: ما يجوز أو ما يجب التعامل به مع الكفار","level":2,"page":217},{"title":"أنواع الكفار","level":3,"page":217},{"title":"القسم الأول: المعاهدون","level":4,"page":217},{"title":"القسم الثاني: الذميون","level":4,"page":218},{"title":"القسم الثالث: المستأمنون","level":4,"page":220},{"title":"القسم الرابع: الحربيون","level":4,"page":221},{"title":"الأمور التي تجب للكفار غير الحربيين على المسلمين","level":3,"page":223},{"title":"الأمور التي يباح أو يستحب للمسم أن يتعامل بها مع الكفار","level":3,"page":226}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":11,"1,9":13,"1,10":15,"1,11":17,"1,12":18,"1,13":20,"1,14":22,"1,15":24,"1,16":25,"1,17":27,"1,18":28,"1,19":29,"1,20":30,"1,21":31,"1,22":32,"1,23":34,"1,24":35,"1,25":36,"1,26":37,"1,27":38,"1,28":39,"1,29":40,"1,30":41,"1,31":43,"1,32":44,"1,33":45,"1,34":46,"1,35":47,"1,36":48,"1,37":49,"1,38":50,"1,39":52,"1,40":53,"1,41":54,"1,42":55,"1,43":56,"1,44":58,"1,45":60,"1,46":62,"1,47":64,"1,49":65,"1,50":66,"1,51":67,"1,52":69,"1,53":71,"1,54":72,"1,55":73,"1,56":75,"1,57":76,"1,58":77,"1,59":78,"1,60":79,"1,61":80,"1,62":81,"1,63":82,"1,64":83,"1,65":84,"1,66":85,"1,67":86,"1,68":87,"1,69":89,"1,70":90,"1,71":91,"1,72":92,"1,73":94,"1,74":96,"1,75":98,"1,76":99,"1,77":102,"1,78":103,"1,79":105,"1,80":106,"1,81":107,"1,82":108,"1,83":109,"1,84":113,"1,85":118,"1,86":121,"1,87":124,"1,88":125,"1,89":128,"1,90":130,"1,91":131,"1,92":133,"1,93":135,"1,94":136,"1,95":137,"1,96":139,"1,97":141,"1,98":142,"1,99":143,"1,100":144,"1,101":145,"1,102":147,"1,103":148,"1,104":149,"1,105":150,"1,106":151,"1,107":152,"1,108":153,"1,109":154,"1,110":155,"1,111":156,"1,112":157,"1,113":158,"1,114":159,"1,115":161,"1,116":162,"1,117":163,"1,118":164,"1,119":165,"1,120":167,"1,121":168,"1,122":169,"1,123":170,"1,124":171,"1,125":173,"1,126":174,"1,127":176,"1,128":177,"1,129":179,"1,130":180,"1,131":181,"1,132":184,"1,133":186,"1,134":187,"1,135":188,"1,136":189,"1,137":190,"1,138":192,"1,139":193,"1,140":194,"1,141":195,"1,142":196,"1,143":197,"1,144":198,"1,145":199,"1,146":201,"1,147":204,"1,148":206,"1,149":207,"1,150":208,"1,151":210,"1,152":211,"1,153":212,"1,154":213,"1,155":214,"1,156":215,"1,157":216,"1,158":217,"1,159":219,"1,160":222,"1,161":224,"1,162":225,"1,163":226,"1,164":227,"1,165":228,"1,166":229},"ٜ":{"1":[1,166]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,4","1,5","1,6","1,7","1,7","1,7","1,8","1,8","1,9","1,9","1,10","1,10","1,11","1,12","1,12","1,13","1,13","1,14","1,14","1,15","1,16","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,43","1,44","1,44","1,45","1,45","1,46","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,51","1,52","1,52","1,53","1,54","1,55","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,72","1,73","1,73","1,74","1,74","1,75","1,76","1,76","1,76","1,77","1,78","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,83","1,83","1,83","1,84","1,84","1,84","1,84","1,84","1,85","1,85","1,85","1,86","1,86","1,86","1,87","1,88","1,88","1,88","1,89","1,89","1,90","1,91","1,91","1,92","1,92","1,93","1,94","1,95","1,95","1,96","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,124","1,125","1,126","1,126","1,127","1,128","1,128","1,129","1,130","1,131","1,131","1,131","1,132","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,145","1,146","1,146","1,146","1,147","1,147","1,148","1,149","1,150","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,158","1,159","1,159","1,159","1,160","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4],"5":[5],"9":[6],"10":[7],"11":[8,9],"12":[10],"14":[11],"16":[12,13],"19":[14],"21":[15],"23":[16],"26":[17],"29":[18,19],"30":[20,21],"32":[22,23],"33":[24],"38":[25,26],"42":[27],"49":[28,29],"50":[30,31],"51":[32],"52":[33],"53":[34,35],"55":[36],"57":[37],"58":[38],"59":[39],"61":[40],"63":[41],"65":[42,43,44],"68":[45,46],"70":[47],"74":[48],"87":[49,50],"88":[51,52],"93":[53],"95":[54],"97":[55],"100":[56],"101":[57],"104":[58],"108":[59,60],"110":[61,62],"111":[63],"112":[64],"114":[65],"115":[66],"116":[67],"117":[68],"119":[69],"120":[70],"121":[71,72],"122":[73],"123":[74],"126":[75],"127":[76],"129":[77],"130":[78,79,80],"132":[81,82],"134":[83],"138":[84,85],"140":[86],"146":[87],"150":[88,89],"151":[90,91],"160":[92],"166":[93],"172":[94],"174":[95,96],"175":[97],"177":[98,99],"178":[100],"181":[101,102],"182":[103,104],"183":[105],"184":[106],"185":[107],"186":[108,109],"191":[110],"195":[111,112],"199":[113,114,115],"200":[116],"202":[117],"203":[118],"205":[119,120],"209":[121],"217":[122,123,124],"218":[125],"220":[126],"221":[127],"223":[128],"226":[129]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] .\nأما بعد:\nفإن من نعمة الله علي أنَّني قمتُ بتأليف رسالة في العقيدة أسميتها \"تسهيل العقيدة الإسلامية\" وقد نشرتها دار الصميعي بالرياض، وكنت قد توسّعت في حواشي هذه الرسالة ليستفيد منها الأساتذة والمتخصصون، وقد رأيتُ أن أقوم بطبع هذه الرسالة طبعة خاصة بالطلاب وغير المتخصصين، فقمت باختصارها، وذلك بحذف جل الحواشي، وباختصار المتن في مواضع قليلة، وقد أسميت هذا المختصر بـ \"مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية\".","vol":"1","page":1},{"text":"وفي ختام هذه المقدمة آمل ممن لديه أي اقتراح يتعلق بهذا المختصر إرساله إليَّ على صندوق البريد رقم ٣٢٤٥٤ ورمزه ١١٤٢٨ الرياض.\nأسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وجميع المسلمين.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nقاله وكتبه\nعبد الله بن عبد العزيز الجبرين\nالأستاذ بكلية المعلمين بالرياض","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقيدية، وتعريفها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تعريف العقيدة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالتمهيد\nويشتمل على ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقدية، وتعريفها.\nونبدأ هذه المصطلحات بذكر تعريف العقيدة نفسها.\n١- فالعقيدة في اللغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والإيثاق والثبوت والإحكام.\nوفي الاصطلاح: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الدين.\nوقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم \"السنة\"، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة، لأن العقيدة الصحيحة - وهي عقيدة أهل السنة والجماعة - مستمدة من سنة النبي ﷺ، التي هي مبينة للقرآن.\nوقد ألَّف بعض السلف كتبًا في العقيدة أسموها \"السنة\"، ومنها كتاب \"السنة\" للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب \"السنة\" لابن أبي عاصم، وغيرهما.\nكما أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم \"أصول الدين\"، وذلك أن ملة النبي ﷺ تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات، والمراد بالعمليات علم","vol":"1","page":3},{"text":"الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها، وتسمى \"فرعية\"، أو \"فروع\"، فهي كالفرع لعلم العقيدة، لأن العقيدة أشرف الطاعات، ولأن صحتها شرط في قبول العبادات العملية، فإذا فسدت العقيدة لم تقبل العبادة، وبطل أجرها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .\nهذا وقد أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم \"الفقه الأكبر\"، وذلك لأن العقيدة هي أصل الدين، والفقه العملي - الذي يسمى \"الفقه الأصغر\" - فروعه، كما سبق.\nوقد ألّف الإمام أبوحنيفة رسالة في العقيدة أسماها \"الفقه الأكبر\".","vol":"1","page":4},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-5> أهل السنة والجماعة:</span>\nهم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.\nوهم: المتمسكون بالعقيدة الصحيحة التي كان عليها رسول الله ﷺ واتفق عليها أصحابه ﵃.\nوقد سُمُّوا \"أهل السنة\" لعملهم بمقتضى سنة النبي ﷺ المبينة للقرآن، عملًا بقوله ﷺ: \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ \"، فهم يعلمون أن هدي النبي ﷺ خير الهدي، فقدموه على هدي من سواه.\nوسُمُّوا \"الجماعة\" لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي ﷺ،","vol":"1","page":4},{"text":"وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهم قد اجتمعوا على الحق، وعلى عقيدة الإسلام الخالية من الشوائب.\nوأيضًا فقد سَمَّى النبي ﷺ الفرقة الناجية المتبعة لسنته وطريقة أصحابه - وهم أهل السنة والجماعة - سماهم \"الجماعة\"، فقد ثبت عن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ قال: قال النبي ﷺ: \" إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ (١) بصاحبه ... \".\nوهذه التسمية \"أهل السنة والجماعة\" وصف صادق يميز أهل العقيدة الصحيحة وأتباع الرسول ﷺ عن الفرق الأخرى التي تسير على غير طريقة النبي ﷺ، فمن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من عقول البشر وعلم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فيقدمونها على كلام الله وسنة رسول الله ﷺ، فيردون النصوص الشرعية الثابتة أو يؤولونها لمجرد أن بعض العقول البشرية لم تقبل أو لم تستسغ ما دلت عليه هذه النصوص. ومن هذه الفرق: الفلاسفة، والقدرية، والماتوريدية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين قلَّدوا الجهميَّة في بعض آرائهم.\n_________\n\"١\" الكَلَب بفتح اللام مرض يصيب الكلب، فيصيبه شبه الجنون، فإذا عض إنسانًا أصيب الإنسان بهذا المرض، وأصيب بالعطش الشديد، ولا يشرب، حتى يموت.","vol":"1","page":5},{"text":"ومن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من آراء مشايخهم وأئمتهم المبنية في كثير من الأحيان على الهوى، كالصوفية والرافضة وغيرهم، فيقدمون كلامهم على كلام الله وكلام رسوله خير البشر محمد ﷺ.\nكما أن هذه الفرق منها من تنتسب إلى من أسسها وأنشأ أصولها العقديَّة، كالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، والأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري - وإن كان الأشعري رجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن مقلِّدوه استمروا على عقيدته المخالفة لطريقة النبي ﷺ التي رجع عنها -، والأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، وغيرهم.\nومن هذه الفرق من تنتسب إلى بعض آرائها العقدية المخالفة للهدي النبوي، أو إلى بعض أفعالها السيئة، كالروافض نسبة إلى رفضهم إمامة أبي بكر وعمر وتبرئهم منهما، والقدرية نسبة إلى نفي القدر، والخوارج نسبة إلى الخروج على الولاة، وغيرهم.\nفعصم الله أهل السنة من الانتساب والاتباع لغير سنة المعصوم من الخطأ والزلل رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ، المؤيد بالوحي من السماء، والذي لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى \"السنة\".\nوقد أطلق بعض العلماء على أهل السنة اسم \"أصحاب الحديث\" أو \"أهل الحديث\"، وذلك لأنهم اهتموا بأحاديث النبي ﷺ رواية ودراية، واتبعوا ما جاءت به من العقائد والأحكام.\nو\"الحديث\" و\"السنة\" لفظان معناهما متقارب.","vol":"1","page":6},{"text":"وأهل السنة كذلك هم الفرقة المنصورة\"١\" إلى قيام الساعة، الذين ذكرهم النبي ﷺ بقوله: \"لن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\" رواه البخاري ومسلم، وغيرهما.\nوهم الفرقة الناجية\"٢\" المذكورة في حديث معاوية الذي سبق ذكره قريبًا، وغيره.\n_________\n\"١\" أي التي أيدها الله تعالى وقواها على من خالفها وعاداها، وجعل الغلبة لها.\n\"٢\" أي التي سلمت من البدع في الدنيا، ومن الهلاك والشرور في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":7},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-6> السلف:</span>\nالسلف في اللغة: الجماعة المتقدمون: يقال: سلَف يسلُف أي مضى، وسلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون.\nوفي الاصطلاح: هم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم وسار على طريقتهم من أئمة الدين من أهل القرون الثلاثة المفضلة.","vol":"1","page":7},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-7> الخَلَف:</span>\nالخلف في اللغة: المتأخر، وكل من يجيء بعد من مضى.\nوفي الاصطلاح: من خالف طريقة النبي ﷺ وأصحابه في باب العقائد كالخوارج والرافضة، وكأهل الكلام الذين قدموا العقل البشري على النصوص الشرعية: كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>١- أنها عقيدة غيبية</span>.\n...\nالمسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية.\nالخصائص: جمع خصيصة.\nوالخصيصة: هي الصفة الحسنة التي يتميّز بها الشيء ولا يشاركه فيها غيره.\nوخصائص العقيدة الإسلامية كثيرة، نكتفي بذكر ثلاث منها:\n١- أنها عقيدة غيبية:\nالغيب: ما غاب عن الحس، فلا يدرك بشيء من الحواس الخمس: السمع والبصر واللمس والشم والذوق.\nوعليه فإن جميع أمور ومسائل العقيدة الإسلامية التي يجب على العبد أن يؤمن بها ويعتقدها غيبي، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وعذاب القبر ونعيمه، وغير ذلك من أمور الغيب التي يُعتَمَد في الإيمان بها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوقد أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب، فقال ﷾ في صدر سورة البقرة: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>٢- أنها عقيدة شاملة:</span>\nويتضح شمول العقيدة في الأمور الثلاثة الآتية:\nالأول: شمول العبادة، فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.","vol":"1","page":8},{"text":"فالعبادة تشمل العبادات القلبية، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وتشمل العبادات القولية كالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقراءة القرآن، وتشمل العبادات الفعلية كالصلاة والصوم، والحج، وتشمل العبادات المالية، كالزكاة، وصدقة التطوع.\nوتشمل كذلك الشريعة كلها، فإن العبد إذا اجتنب المحرمات، وفعل الواجبات والمندوبات والمباحات مبتغيا بذلك وجه الله تعالى كان فعله ذلك عبادة يثاب عليها. وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الكلام على توحيد الألوهية.\nالثاني: أنها تشمل علاقة العبد بربه، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر، وذلك في مباحث التوحيد بأنواعه الثلاثة، وفي مبحث الولاء والبراء، وغيرها.\nالثالث: أنها تشمل حال الإنسان في الحياة الدنيا، وفي الحياة البرزخية \"القبر\"، وفي الحياة الأخروية.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٣- أنها عقيدة توقيفية:</span>\nفعقيدة الإسلام موقوفة على كتاب الله، وما صح من سنة رسوله محمد بن عبد الله ﷺ فليست محلًا للاجتهاد، لأن مصادرها توقيفية.\nوذلك أن العقيدة الصحيحة لابد فيها من اليقين الجازم، فلابد أن تكون مصادرها مجزومًا بصحتها، وهذا لا يوجد إلا في كتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ.\nوعليه فإن جميع المصادر الظنية، كالقياس والعقل البشري لا يصح","vol":"1","page":9},{"text":"أن تكون مصادر للعقيدة، فمن جعل شيئًا منها مصدرًا للعقيدة فقد جانب الصواب، وجعل العقيدة محلًا للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب.\nولذلك أخطأ أهل الكلام كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، حينما جعلوا العقل مصدرًا من مصادر العقيدة، وقدموه على النصوص الشرعية، حتى أصبح القرآن والسنة عندهم تابعين للعقل البشري، وهذا فيه نوع استهانة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، كما أنهم بهذه الطريقة جعلوا عقيدة الإسلام خاضعة لآراء البشر واجتهاداتهم العقلية.\nوالحق أن العقل مؤيد للنصوص الشرعية، فالعقل الصريح يؤيد النص الصحيح، ولا يعارضه، وما توهمه المعطلة والمؤولة من التعارض بينهما فهو بسبب قصور عقول البشر، ولذلك فإن ما قد يراه أحدهم متعارضًا قد لا يراه الآخر كذلك، وهكذا.\nوعليه فإن العقل يعتبر مؤيدًا للنصوص الشرعية في باب العقائد وغيرها، وليس مصدرًا مستقلًا للعقيدة، فلا يجوز أن يستقل بالنظر في أمور الغيب، ولا فيما لا يحيط به علمًا، والبشر لا يحيطون علمًا بالله ولا بصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المسألة الثالثة: وسطية أهل والجماعة بين فرق الضلال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الأصل الأول: باب العبادات</span>\n...\nالمسألة الثالثة: وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:\nعقيدة أهل السنة والجماعة - والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة - وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة، أحدهما غلا في","vol":"1","page":10},{"text":"هذا الباب والآخر قصر فيه، أحدهما أفرط والثاني فرط، فهي حق بين باطلين: فأهل السنة وسط - أي عدول خيار - بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم.\nوسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطًا فيها بين فرق الأمة:\nالأصل الأول: باب العبادات:\nتوسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين\"١\".\nفالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها، وغلاتهم يعبدون أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يجلبوا لهم مرغوبًا أو يدفعوا عنهم مرهوبًا.\nوالدروز والنصيريون - الذين يسمون العلويون - تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون ... الخ.\nأما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة\n_________\n\"١\" الدروز والنصيريون فرقتان توجدان في بلاد الشام - سوريا ولبنان وفلسطين - ومن عقائد النصيريين: أنهم يؤلِّهون علي بن أبي طالب. ومن عقائد الدروز: أنهم يؤلِّهون الحاكم بأمر الله العبيدي. ولهذا فقد ذكر أهل العلم أن الدروز والنصيريين مرتدون خارجون عن الملة، وأنهم في حقيقة الأمر ليسوا من المسلمين، وإن انتسبوا إلى الإسلام. وينظر: ما يأتي في النفاق الأكبر في مبحث \"صفات المنافقين\" إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":11},{"text":"رسوله ﷺ، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم، عملًا بقول النبي ﷺ: \" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد \". متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: \" من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد \"، وقوله ﵊ في خطبته: \" أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة \". رواه مسلم.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الأصل الثاني: باب أسماء الله وصفاته:</span>\nتوسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة، وبين الممثلة.\nفالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات، كالجهمية.\nومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة.\nومنهم من ينكر أكثر الصفات، ويؤولها كالأشاعرة، اعتمادًا منهم على العقول البشرية القاصرة، وتقديمًا لها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوالممثلة يضربون لله الأمثال، ويدعون أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين، كقول بعضهم: \"يد الله كيدي\" و\"سمع الله كسمعي\" تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nفهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما","vol":"1","page":12},{"text":"وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية، تليق بجلال الله تعالى، ولا تماثل صفات المخلوقين، عملًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الأصل الثالث: باب القضاء والقدر:</span>\nتوسَّطَ أهلُ السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والجبرية.\nفالقدرية نفوا القدر، فقالوا: إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم، بل العباد مستقلون بأفعالهم، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله، وهو المريد له إرادة مستقلة، فأثبتوا خالقًا مع الله سبحانه، وهذا إشراك في الربوبية، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين، فهم \"مجوس هذه الأمة\".\nوالجبرية غلوا في إثبات القدر، فقالوا: إن العبد مجبور على فعله، فهو كالريشة في الهواء لا فعل له ولا قدرة ولا مشيئة.\nفهدى اللهُ أهلَ السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تُنسب إليهم على جهة الحقيقة، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه، فالله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] . كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .\nومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن","vol":"1","page":13},{"text":"معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، ولا يرضى عن الفاسقين، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فمن أطاع أطاع عن بينة واختيار، فيستحق الثواب الحسن، ومن عصى عصى عن بينة واختيار، فيستحق العقاب ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] .\nفأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة، وهي:\n١- علم الله المحيط بكل شيء، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم.\n٢- كتابة الله تعالى لكل ما هوكائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.\n٣- مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه.\n٤- أن الله خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه.\nوقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله:\nعلم كتابة مولانا مشيئته ... كذاك خلقٌ وإيجادٌ وتكوين","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الأصل الرابع: باب الوعد والوعيد:</span>\nتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة.\nفالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب","vol":"1","page":14},{"text":"الخمر كافر مخلد في النار.\nوالمرجئة غلبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد، فقالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي، وأن الأعمال ليست من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالعاصي كالزاني وشارب الخمر لا يستحق دخول النار\"١\"، وإيمانه كإيمان أبي بكر وعمر ﵄.\n_________\n\"١\" وقريب من هذه العقيدة ما يقوله كثير من العصاة المنتسبين إلى الإسلام ويعتقده، فتجد أحدهم يستكثر من المعاصي، فيترك كثيرًا من الواجبات ويفعل كثيرًا من المعاصي، ثم يتعلق ويحتج بأحاديث الوعد، كحديث: \" من قال: لا إله الله ختم له بها دخل الجنة \" رواه أحمد ٥/٣٩١، فيجاب عن قول هؤلاء بأمرين:\nالأمر الأول: أن الإيمان إذا وجد في القلب حقيقة حمل العبد على فعل الواجبات وترك المحرمات، فكون الإنسان يعرض عن دين الله ولا يعمل به ويصر على معصية الله تعالى فهذا دليل على خلو قلبه من الإيمان، كما سيأتي عند الكلام على كفر الإعراض.\nالأمر الثاني: أنه لابد من الجمع بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، فمن تعلق بنصوص الوعد - وهي نصوص الرجاء - وترك نصوص الوعيد فقد ضل، كما فعل المرجئة، وكذلك من تعلق بنصوص الوعيد وترك نصوص الرجاء فقد ضل أيضًا. فنقول لهذا العاصي المتعلق بنصوص الرجاء: يلزمك أن تجمع بين نصوص الرجاء وبين نصوص الوعيد، فيلزمك أن تجمع مثلًا، بين هذا الحديث الذي احتججت به وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] وأن تجمع بينه وبين حديث: \" لا يدخل الجنة نمّام \" رواه البخاري \"٦٠٥٦\"، ومسلم \"١٠٥\"، =","vol":"1","page":15},{"text":"أما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام، بل هو مسلم ناقص الإيمان، ما دام لم يرتكب شيئًا من المكفرات، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ثم يدخله الجنة، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به.\nفالإيمان عند أهل السنة: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.\n_________\n= فإن قلت: إن من قتل مسلمًا مع أنه يقول لا إله إلا الله وختم له بها لا يدخل الجنة، ومن وقع في النميمة وأصر عليها وهو من المسلمين لا يدخل الجنة، فقد ناقضت قولك. ولذلك ينبغي للجاهل أن لا يقول في شرع الله ما لا علم له به، فإن هذا من كبائر الذنوب، ويجب على المسلم أن يعتقد ما دل عليه مجموع النصوص في مرتكب الكبيرة، كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الأصل الخامس: باب أصحاب النبي ﷺ:</span>\nتوسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج.\nفالشيعة - ومنهم الرافضة - غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده - ﵃ - فادعوا أن عليًا - ﵁ - معصوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر، ومن غلاتهم من يدعي ألوهيته.\nوالخوارج جفوا في حق علي - ﵁ - فكفروه، وكفّروا معاوية بن","vol":"1","page":16},{"text":"أبي سفيان - ﵄ - وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم.\nكما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة، فَسَبُّوهم، وقالوا: إنهم كفار، وأنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت ونفرًا قليلًا، قالوا: إنهم من أولياء آل البيت، كما أنهم يشتمون أمهات المؤمنين، وأفاضل الصحابة، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر علانية، لكنهم قد يترضون عنهم ويظهرون موالاتهم لهم تقربًا إلى أهل السنة ومخادعة لهم، لأن من عقائدهم عقيدة التقيّة، فيظهرون لأهل السنة خلاف ما يبطنون\"١\".\nأما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ﷺ، ويترضَون عنهم، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيِّه، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر\n_________\n\"١\" قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٨/٤٧٧-٤٧٩: \"والرافضة كفَّرت أبا بكر وعمر وعثمان وعامة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكفَّروا جماهير أمة محمد ﷺ من المتقدمين والمتأخرين، ولهذا يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين، فهم أشدّ ضررًا على الدين وأهله، وأبعد عن شرائع الإسلام من الخوارج الحرورية، ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة، ولهذا يستعملون التقية التي هي سيما المنافقين واليهود، وهم يوالون اليهود والنصارى والمشركين على المسلمين\". انتهى كلامه بحروفه مختصرًا.","vol":"1","page":17},{"text":"واحد على اجتهاده، ويرون أن أفضلهم أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين -، ويحبون آل بيت النبي ﷺ\"١\"، ويرون أن لهم حقين، حق الإسلام، وحق القرابة من رسول الله ﷺ، فيوالونهم، ويترضون عنهم.\n* * *\n_________\n\"١\" وهم أقاربه المؤمنون به، الذين تحرم عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وأزواجه ﷺ.","vol":"1","page":18},{"text":"الباب الأول\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>التوحيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الفصل الأول\nتوحيد الربوبية</span>\nتوحيد الربوبية هو: الإيمان بوجود الله، واعتقاد تفرده في أفعاله.\nومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له.\nوهو يشتمل على ما يلي:\n١- الإيمان بوجود الله تعالى.\n٢- الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك.\nوقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم \"الرب\" أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو من أدلة الربوبية، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكقوله سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، والملكوت: الملك.\n* * *","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الفصل الثاني: توحيد الألوهية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>مقدمة</span>\n...\nالفصل الثاني\nتوحيد الألوهية\nتمهيد:\nتوحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة.\nويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ \"توحيد الألوهية\"، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ \"توحيد العبادة\"، و\"توحيد العبودية\" و\"توحيد الله بأفعال العباد\"، و\"توحيد العمل\"، و\"توحيد القصد\"، و\"توحيد الإرادة والطلب\"، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى.\nوهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام، وهو يتضمن أنواع التوحيد.\nفتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء","vol":"1","page":20},{"text":"والصفات، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.\nومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.\nوهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشتمله وتدل عليه كلمة التوحيد: \"لا إله إلا الله\".\nوسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين:\nالمبحث الأول: شهادة \"لا إله إلا الله\": معناها- شروطها - أركانها - نواقضها.\nالمبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها.\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الأول: شهادة \"لا إله إلا الله</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الأول: معناها، وفضلها</span>.\n...\nالمبحث الأول\nشهادة \"لا إله إلا الله\"\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: معناها، وفضلها:\nمعنى شهادة \"لا إله إلا الله\" إجمالًا: لا معبود بحق إلا الله تعالى.\nأي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى.\nفهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:\nالأول: \"النفي\"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة: \"لا إله\" فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقًا للعبادة.\nالثاني: \"الإثبات\"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة \"إلا الله\" فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكرًا له على نعمه العظيمة عليهم.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثاني: شروطها ونواقضها:</span>\nدلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة","vol":"1","page":22},{"text":"لكلمة التوحيد \"لا إله إلا الله\"، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها، وعصمة دمه وماله وعرضه، ودخول الجنة، وعدم الخلود في النار، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة، بل لابد من توافر جميع شروطها، وانتفاء جميع نواقضها، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها، من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما، وانتفت مبطلاتها، كالكلام والضحك والأكل والشرب وغيرها، فكذلك هذه الكلمة، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها، وانتفاء نواقضها.\nولذلك لما قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.\nوقد دلت النصوص الشرعيه على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط، هي:\nالشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] .\nالشرط الثاني: اليقين المنافي للشك، فلابد أن يؤمن إيمانًا جازمًا بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا علم اليقين، لا الظن ولا التردد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] .","vol":"1","page":23},{"text":"فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكًا مرتابًا أو متوقفًا في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئًا.\nالشرط الثالث: القبول المنافي للرد، فيقبل بقلبه ولسانه جميع مادلت عليه هذه الكلمة، ويؤمن بأنه حق وعدل. قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] .\nفمن نطق بهذه الكلمه ولم يقبل بعض مادلت عليه إما كبرًا أو حسدًا أو لغير ذلك فإنه لا يستفيد من هذه الكلمة شيئًا.\nفمن لم يقبل أن تكون العبادة لله وحده، ومن ذلك عدم قبول التحاكم إلى شرعه تكبرًا، أو لم يقبل بطلان دين المشركين من عباد الأصنام أو عباد القبور أو اليهود أو النصارى أو غيرهم، فيقول: إن أديانهم صحيحة، فلا يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة من بطلان هذه الأديان الشركية فليس بمسلم.\nالشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك، فينقاد بجوارحه، بفعل ما دلت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]، ومعنى ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾: ينقاد. ومعنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: أي موحِّد.\nفمن قالها وعرف معناها ولم ينقد للإتيان بحقوقها ولوازمها من عبادة الله والعمل بشرائع الإسلام، ولم يعمل إلا ما يوافق هواه أو ما فيه تحصيل دنياه لم يستفد من هذه الكلمة شيئًا.","vol":"1","page":24},{"text":"الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقول هذه الكلمة صدقًا من قلبه، يوافق قلبُه لسانه. قال الله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١- ٣] .\nولذلك لم ينتفع المنافقون من نطقهم بهذه الكلمة، لأن قلوبهم مكذبة بمدلولها، فهم يقولونها كذبًا ونفاقًا.\nالشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك. فلابد من تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] .\nفمن أشرك بالله تعالى في أي نوع من أنواع العبادة لم تنفعه هذه الكلمة.\nالشرط السابع: المحبة. فلابد أن يحب المسلم هذه الكلمة ويحب ما دلت عليه، ويحب أهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، ويبغض ما ناقض ذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقره: ١٦٥] .\nفمن قال \"لا إله إلا الله\" ولكنه أبغض ما دلت عليه من عبادة الله وحده لا شريك الله فليس بمسلم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] .\nأما نواقض \"لا إله إلا الله\"، وتسمى \"نواقض الإسلام\" و\"نواقض التوحيد\" وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعض أهل العلم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض.","vol":"1","page":25},{"text":"وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسة، هي الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر \"الاعتقادي\"، وسيأتي الكلام على هذه النواقض في الباب الثاني - إن شاء الله تعالى -.\n* * *","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الثاني: العبادة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها</span>.\n...\nالمبحث الثاني\nالعبادة\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها:\nعرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nوهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل:\nأولًا: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى.\nويدخل في العبادات المحضة ما يلي:\n١- العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين:\nأ - \"قول القلب\"، وتسمى \"اعتقادية\"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك.\nب – \"عمل القلب\"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها.\n٢- العبادات القولية.\nومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى","vol":"1","page":27},{"text":"بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك.\n٣- العبادات البدنية:\nومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك.\n٤- العبادات المالية:\nومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها.\nثانيًا: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات.\nويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي:\n١- فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها.\nفإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلًا كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب المشي مبتغيًا بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها، بلا نزاع.","vol":"1","page":28},{"text":"ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد: \" ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك \".\nمتفق عليه، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري: \" إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة \". متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلًا منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى ... الخ.\n٢- ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه وامتثالًا لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها بلا نزاع.\nومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \" يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف \". متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى.\n٣- فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على","vol":"1","page":29},{"text":"طاعة الله، وما أشبه ذلك، كان ذلك عبادة يثاب عليها.\nومما يدل على ذلك عموم حديث سعد وحديث أبي مسعود السابقين، وقول معاذ ﵁ لما قال له أبو موسى الأشعري ﵁: كيف تقرأ القرآن؟ قال: \"أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت حزبي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي\" رواه البخاري.\nوهذا يدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، وتشمل الدين كله، ويدل كذلك على أهمية العبادة، ولهذا كانت هي الغايه التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالله تعالى خلقهم ليختبرهم في عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢] فكل عاقل من الثقلين منذ أن يبلغ إلى أن يموت فهو في حال امتحان واختبار.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الثاني: أصول العبادة:</span>\nعبادة الله ﵎ يجب أن ترتكز على أصول ثلاثة، وهي المحبة، والخوف، والرجاء، فيعبد المسلم ربه محبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه، ولذلك قال بعض السلف: من عَبَدَ اللهَ بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف","vol":"1","page":30},{"text":"والرجاء فهو مؤمن، وقد أسمى بعض العلماء هذه الأصول \"أركانًا\"، وسأتكلم عليها بشيء من الاختصار فيما يلي:\nالأصل الأول: المحبة لله تعالى.\nهذا الأصل هو أهم أصول العبادة، فالمحبة هي أصل العبادة، فيجب على العبد أن يحب الله تعالى، وأن يحب جميع ما يحبه تعالى من الطاعات، وأن يكره جميع ما يكرهه من المعاصي وأن يحب جميع أوليائه المؤمنين، وفي مقدمتهم رسله ﵈، وأن يبغض جميع أعدائه من الكفار والمنافقين. وكل هذا واجب على المسلم لاخيار له فيه.\nكما أنه يجب على المسلم أن يحب الله تعالى وأن يحب رسوله محمدًا ﷺ أكثر مما يحب نفسه وأولاده وماله وكل شيء. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .\nومحبة الله تعالى إذا قويت في قلب العبد انبعثت جوارحه بطاعة الله تعالى، وابتعد عن معصيته، بل إنه يجد اللذة والراحة النفسية عند فعله لعبادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: ٢٨] .\nوثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" قم يا بلال فأرحنا بالصلاة \"، وكان أيضًا يقول ﷺ: \" جُعلت قرة عيني في الصلاة \".","vol":"1","page":31},{"text":"ولهذا فإن من يطيع الله، ويجتنب معاصيه، ويكثر من ذكره، ومن نوافل العبادات محبة لله وخوفًا منه ورجاء لثوابه يعيش في سعادة وانشراح صدر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [سورة النحل:٩٧] .\nوإذا عصى العبد ربه نقصت محبته لله بقدر معصيته، فمن علامة ضعف محبة الله في القلب إصرار العبد على المعاصي وعدم توبته منها، وكلما أكثر العبد من معصية الله تعالى ضعفت محبته في قلبه أكثر مما كانت قبل ذلك، وهكذا، ولذلك فإنه يخشى على من أسرف على نفسه بالمعاصي أن تذهب محبته لله كلية فيقع في الكفر، ومن ادعى محبة الله مع استكثاره من معصيته فهي دعوى كاذبة، ولذلك لما ادعى قوم محبة الله تعالى أنزل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ٣١]، وهذه الآيه تسمى آية \"المحنة\" أو آية \"الاختبار\" فالذي يحب الله حقيقة يتبع ما أمر به رسوله ﷺ، وينتهي عما نهى عنه رسوله ﷺ، قال بعض العلماء: من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب.\nوقال الشاعر:\nتعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع\nلو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\nوإذا ضعفت محبة الله تعالى في قلب العبد بسبب كثرة معصيته له فقد لذة العبادة، وربما استولى عليه الشيطان في عباداته بكثرة الوساوس، فتجده ربما صلى أو ذكر الله أو دعاه وقلبه لاه غافل، فتصبح عباداته","vol":"1","page":32},{"text":"أقرب إلى العادة منها إلى العباده.\nولهذا يجد العاصي قسوة وخشونة في قلبه، ويشعر بعدم الطمأنينة والراحة النفسية، بل إنه يحس بضيق في الصدر، وقلق مستمر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] أي: أن من أعرض عن ذكر الله - وهو القرآن - فلم يمتثل أوامره ولم يجتنب نواهيه يعاقبه الله بالشقاء في هذه الحياة، ولذلك تجد كثيرًا من العصاة يلجؤون إلى ما يظنون أنه يزيل عنهم الضيق، فيلجأ أحدهم إلى المسكرات، أو المخدرات، أو شرب الدخان أو النظر إلى الصور المحرمة أو سماع الغناء والمحرمات يظن أنه سيجد السعادة فيزيد الطين بلة، فيزيده ضيقًا إلى ضيق، نسأل الله السلامة والعافية.\nولذلك ينبغي للعبد أن يحرص على الأمور التي تجلب وتقوي محبة الله في قلبه، لتحصل له السعاده في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأمور:\n١- أداء الواجبات، والبعد عن المحرمات.\n٢- الإكثار من نوافل العبادات، ومن أهمها: سماع أو قراءة كلام الله تعالى بتدبر، والإكثار من ذكره، ومن صلاة النافلة، وبالأخص صلاة الليل، والإكثار من دعائه ومناجاته.\n٣- معرفة أسماء الله تعالى وصفاته.\n٤- التفكر في نعم الله الكثيرة عليه.","vol":"1","page":33},{"text":"الأصل الثاني: الخوف من الله تعالى.\nالخوف هو: تألم القلب بسبب توقع مكروه.\nفيجب على المسلم أن يعبد الله تعالى خوفًا من عقوبته، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] .\nوالخوف من الله تعالى ينشأ ويعظم عند العبد من عدة أمور، أهمها:\n١- معرفته بالله تعالى وبصفاته، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف.\n٢- تصديقه بأن الله تعالى توعد من عصاه بترك الواجبات أو بفعل المحرمات بالعقوبة.\n٣- معرفته لشدة عقوبة الله تعالى لمن عصاه، وأن العبد لا يستطيع تحمل عقوبته تعالى، وهذا يحصل بمطالعة الآيات والأحاديث الواردة في الوعيد والزجر، والعرض والحساب، وعذاب القبر وعذاب النار.\n٤- تذكر العبد لمعصيته لله تعالى فيما سبق من عمره.\n٥- خوفه أن يُحال بينه وبين التوبة، بسبب ارتكابه للذنب، أو أن يختم له بخاتمة سيئة بسبب إصراره على معصية الله تعالى.\nوكلما قوي إيمان العبد وتصديقه بعذاب الله تعالى ومعرفته بشدة عذابه تعالى لمن عصاه اشتد خوفه من عذاب الله، ولذلك قال بعض","vol":"1","page":34},{"text":"العلماء \"من كان بالله أعرف كان منه أخوف\"، والخوف المحمود الصادق هو ما حال بين العبد وبين معصية الله تعالى.\nالأصل الثالث: الرجاء.\nالرجاء هو: الطمع في ثواب الله ومغفرته، وانتظار رحمته.\nفيجب على المسلم أن يعبد الله رغبة في ثوابه، وأن يتوب إليه عند الوقوع في الذنب رجاء لمغفرته، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] .\nوالرجاء ثلاثة أنواع: \"اثنان محمودان، والثالث مذموم\"، وهي:\n١- رجاء من أطاع الله في أن يتقبل الله عمله، وأن يثيبه عليه بالفوز بالجنة والنجاة من النار.\n٢- رجاء من أذنب ذنوبًا ثم تاب منها في أن يغفر الله ذنوبه وأن يعفو عنها.\n٣- رجاء من هو متماد في التفريط في الواجبات واقع في المحرمات، مصر عليها، ومع ذلك يرجو رحمة الله، فهذا هو \"الغرور\" و\"التمني\" و\"الرجاء الكاذب\".\nقال أبوعثمان الجيزي: من علامة السعادة أن تطيع وتخاف أن لا تقبل، ومن علامة الشقاوة أن تعصي وترجو أن تنجو، وحال","vol":"1","page":35},{"text":"صاحب هذا الرجاء المذموم يشبه حال من يتمنى الأولاد من غير أن يتزوج، فهو من أسفه السفهاء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] والمعنى: أولئك الذين يستحقون أن يرجو، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (١) .\nوبالجملة فإنه يجب على المسلم أن يعبد الله محبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه كما أنه ينبغي له أن لا يفْرِط في الخوف حتى يصل إلى درجة القنوط واليأس من رحمة الله، وأن لا يفرط في الرجاء فيتعلق بسعة رحمة الله مع إصراره على معصيته، بل يجب أن يجمع بينهما، وإن كان ينبغي له في حال الصحة أن يغلب جانب الخوف ليحمله على طاعة الله وعلى البعد عن معصيته، وعند الموت يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى يموت وهو يحسن الظن بالله، فيفرح بلقائه تعالى، فلابد من الجمع بينهما كما في الآيات الثلاث السابقة.\n* * *\n_________\n(١) وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أي أن هؤلاء الخلوف الذين لا خير فيهم يتمنون على الله غفران ذنوبهم التي لايزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥]، فدلت هذه الآية بمفهومها على أن رحمة الله بعيده من غير المحسنين. ينظر بدائع الفوائد لابن القيم ٣/١٧. وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦] .","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مقدمة</span>\n...\nالفصل الثالث\nتوحيد الأسماء والصفات\nأسماء الله تعالى وصفاته من الغيب الذي لا يعرفه الإنسان على وجه التفصيل إلا بطريق السمع، لأن البشر لا يحيطون بالله تعالى علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.\nفلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بالنظر في أسماء الله وصفاته ومعرفتها على التفصيل إثباتًا ونفيًا، ومن فعل شيئًا من ذلك فقد أخطأ، ومال عن الصراط المستقيم.\nفيجب على العبد أن يقف عند كلام الله وكلام رسوله ﷺ، فيؤمن بجميع ما ثبت في النصوص الشرعية من أسماء الله وصفاته، وينفي عنه تعالى ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ.\nوقد دلت النصوص الشرعية الكثيرة على إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل فيجب إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله، كما دلت النصوص أيضا على نفي صفات النقص عنه تعالى، فيجب نفيها عنه وإثبات كمال ضدها له ﷾، وهذا هو الحق الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته على وجه الإجمال.\nوسأتكلم على هذا التوحيد - توحيد الأسماء والصفات - بشيء من الاختصار في المباحث الأربعة الآتية:","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الأول: طريقتهم في الإثبات</span>.\n...\nالمبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته:\nطريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور رئيسة، هي:\nالأول: طريقتهم في الإثبات: وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، فيؤمنون بأن جميع ما ثبت في النصوص الشرعية من صفات الله تعالى أنها صفات حقيقية تليق بجلال الله تعالى، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين. ويؤمنون كذلك بجميع أسماء الله تعالى الثابتة في النصوص الشرعية، ويؤمنون بأن كل اسم يتضمن صفة لله تعالى، فاسم \"العزيز\" يتضمن صفة العزة لله تعالى، واسم \"القوي\" يتضمن صفة القوة له سبحانه، وهكذا بقية الأسماء.\nوكل ما ثبت لله تعالى من الصفات فهي صفات كمال يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، بل هي ثابتة له على أكمل وجه.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الثاني: طريقتهم في النفي: </span>نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من صفات النقص، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضد الصفة المنفية عنه جل وعلا.\nإذا تبين هذا فمما نفى الله عن نفسه \"الظلم\"، والمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده له تعالى، وهو \"العدل\"، ونفى عن نفسه \"اللغوب\"، وهو التعب والإعياء، والمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده، وهو \"القوة\"، وهكذا بقية ما نفاه الله تعالى عن نفسه.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الثالث: طريقتهم فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه</span>.\nكالجسم، والحيز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم وروده، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أريد به باطل ينزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه.\nومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يؤمنون بأن جميع صفات الله جل وعلا الثابتة في الكتاب والسنة صفات حقيقية، لا مجازية.\nفهم يعتقدون أن الظاهر المتبادر من لفظ الصفة معنى حقا يليق بجلال الله تعالى، فيثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة الوارد في الكتاب أو السنة، فمثلًا يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ \"العزة\" في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾، وهذا المعنى هو: \"القدرة والغلبة\"، وكذلك يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ \"استوى\" في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وهذا المعنى هو: \"العلو والاستقرار\" كما سيأتي بيانه عند الكلام على صفة الاستواء - إن شاء الله تعالى -، وهكذا بقية الصفات؛ لأن الله تعالى خاطب عباده في كتابه بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ خاطب أمته بألفاظ عربية صريحة، فوجب إثبات المعنى الحقيقي الذي يدل عليه اللفظ الوارد في القرآن أو السنة في لغة العرب، وهذا هو مقتضى الإيمان بهما ومقتضى الانقياد لما جاء فيهما.\nوبهذا يعلم بطلان مذهب المفوضة الذين يقولون: نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما نفوض علم معناه إلى الله تعالى، وهذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة، والسلف بريؤون منه، فقد تواترت الأقوال عن السلف بإثبات معاني الصفات، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله ﷿.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثاني: أمثلة لبعض الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>١- علو الله تعالى</span>.\n...\nالمبحث الثاني: أمثلة لبعض الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة:\nصفات الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن كل اسم لله تعالى يتضمن صفة له جل وعلا، وأسماء الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن منها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، وقد ورد في الكتاب والسنة ذكر صفات كثيرة لله تعالى، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله.\nومن هذه الصفات:\n١- علو الله تعالى. وينقسم إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات.\nفأما علو الصفات فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها.\nوأما علو الذات فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دل على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة.\nفأما الكتاب والسنة فهما مملوءان بما هو نص، أو ظاهر في إثبات علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وقد تنوعت دلالتهما على ذلك إلى أنواع كثيرة، منها:\n١- التصريح بفوقيته سبحانه على خلقه، مقرونا بأداة \"مِنْ\" المعيِّنة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] .\n٢- التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتًا","vol":"1","page":40},{"text":"وقدرًا وشرفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وثبت في الحديث أنه يشرع للعبد أن يقول في حال سجوده - وهو أكثر ما يكون سفولًا بوضعه أشرف أعضائه - وهو الوجه - على الأرض: \"سبحان ربي الأعلى\"، فيصف ربه بصفة العلو وهو - أي الساجد - على هذه الحال من السفول وتنكيس الجوارح تذللا للعلي العظيم.\n٣- التصريح بكونه تعالى في \"لسماء\"، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [تبارك: ١٦]، وكقوله ﷺ: \" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء \" رواه البخاري ومسلم.\n٤- التصريح بصعود الأشياء وعروجها إليه، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وكما في قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكما في أحاديث المعراج، وهي أحاديث متواترة.\n٥- التصريح بلفظ \"الأين\" كقول أعلم الخلق بربِّه وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح للجارية: \" أين الله؟ \" قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها معاوية بن الحكم: \" أعتقها، فإنها مؤمنة \". رواه مسلم.\n٦- التصريح بأنه تعالى فوق السموات السبع، كما في قوله ﷺ لسعد بن معاذ ﵁ لما حكم في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم وأن تقسم أموالهم وذراريهم: \" لقد حكمتَ فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات \".","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢- صفة الكلام:</span>\nفالله تعالى لم يزل متكلمًا بمشيئته وإرادته بما شاء وكيف شاء بكلام حقيقي، حرف وصوت، ويسمعه من يشاء من خلقه، وكلامه ﷿ قول حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته. ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] .\nومن الأدلة على ذلك من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" يقول الله ﷿ يوم القيامة: \"يا آدم\" فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادِي بصوت: \"إنَّ الله يأمرك أنْ تخرج من ذريتك بعثا إلى النار\" قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: \"من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين\" فحينئد تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد \". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: أينا ذلك الواحد ... الحديث. رواه البخاري في صحيحه.\nوما رواه جابر عن عبد الله بن أنيس مرفوعًا: \" يحشر الله العباد عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًَا - أي ليس معهم شيء - فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان \".\nومن كلام الله تعالى: \"القرآن\" فهو صفة من صفات الله تعالى، تكلم به ربنا جل وعلا، وسمعه منه جبريل ﵇، ونزل به على محمد ﷺ، فهو منزل، غير مخلوق. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.\nفمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ","vol":"1","page":42},{"text":"رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١، ٢] .\nومن أدلة السنة: ما رواه جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: \" هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي \".","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>٣- صفة الاستواء على العرش:</span>\nاستواء الله تعالى على عرشه معناه: علوه عليه، واستقراره عليه، علوًا واستقرارًا حقيقيًا يليق بجلاله.\nواستواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.\nفمن أدلة القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .\nومن أدلة السنة:\n١- ما رواه ابن عباس - ﵄ - عن النبي ﷺ أنه قال لما ذكر الشفاعة يوم القيامة: \" فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي ﵎ وهو على كرسيه أو سريره، فأخر له ساجدًا \".\n٢- ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن الله تعالى خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش \".","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>٤- صفة الوجه:</span>\n\"الوجه\" من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.\nقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦، ٢٧]، وقال النبي ﷺ عن ربه ﷿: \" حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه \". رواه مسلم، وفي حديث الحارث الأشعري مرفوعًا: \" وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده \".","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>٥- صفة اليدين:</span>\nمذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى يدين اثنتين، ويعتقدون أنهما يدان حقيقيتان تليقان بجلال الله تعالى، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهما من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.\nقال الله تعالى مخاطبًا الشيطان الرجيم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] .\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ","vol":"1","page":44},{"text":"جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] . رواه البخاري ومسلم.\nوعن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: \" يأخذ الله ﷿ سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله\" ويقبض أصابعه ويبسطها؛ \"أنا الملك\" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ. رواه مسلم.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>٦- المحبة:</span>\nالمحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.\nقال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال النبي ﷺ: \" إذا أحب اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا....\". رواه البخاري ومسلم، وفي الصحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال يوم خيبر: \" لأُعطيَنَّ الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله \".\nهذا وهناك صفات كثيرة غير ما ذكر ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، أو بأحدهما، وبإجماع السلف، يطول الكلام بذكرها وذكر أدلتها، ومنها: الخلق، والرزق، والرضى، والضحك، والغضب، والعزة، والعلم، والعدل، والحياء، والجمال، والانتقام من المجرمين، والنزول، والكيد لأعدائه، والخداع لمن خادعه، والعين، والأصابع،","vol":"1","page":45},{"text":"والقدم، وأنه يراه المؤمنون يوم القيامة، وغير ذلك.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات</span>.\n...\nالمبحث الرابع: ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات:\nإن معرفة العبد بأسماء الله وصفاته ومعرفته بمعانيها وإيمانه بأنها صفات حقيقية تليق بجلال الله وعظمته وأنها لا تماثل صفات المخلوقين يكسبه سعادة الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بها أو أوَّلَها وصرَفَها عن معناها الحقيقي حرم السعادة، فإيمان العبد بأسماء الله وصفاته له ثمرات وفوائد كثيرة، من أهمها ما يلي:\n١- أعظم ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات: تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، ووصفه بصفات الكمال اللائقة بجلاله، ونفي مماثلتها لصفات المخلوق الضعيف، وإثبات الأسماء الحسنى له جل وعلا.\n٢- أن مَنْ آمن بأن من أسماء الله تعالى العفو والغفور والرحيم، وأن من صفاته المغفرة للمذنبين والرحمة والعفو دعاه ذلك إلى عدم اليأس من روح الله، وإلى عدم القنوط من رحمته، بل ينشرح صدره لما يرجو من رحمة ربه ومغفرته.\n٣- أن من عرف أن من صفات الله تعالى أنه شديد العقاب، والغيرة إذا انتهكت محارمه، والغضب، وأنه ذو انتقام ممن عصاه حمله ذلك على الخوف من الله تعالى والبعد عن معصيته.\n٤- أن المؤمن إذا أيقن أن من أسماء الله تعالى: القوي، والقادر، والعزيز، وأنه تعالى يتولى المؤمنين بالحفظ والنصر","vol":"1","page":46},{"text":"أكسبه ذلك عظمة التوكل على الله، والوثوق بنصره، وعدم الهلع من أعدائه، فيعيش قرير العين، واثقا بحفظ الله وتأييده ونصره.\n٥- أن من استقر في قلبه أن من أسماء الله تعالى البصير وأنه تعالى يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، وكذلك إذا علم أن من أسماء الله تعالى الرقيب، والعليم، وأنه تعالى يعلم نيات العباد وخلجات نفوسهم، حمله ذلك على البعد عن معصية الله، وألا يراه الله حيث نهاه، وعلى مراقبته سبحانه في كل ما يأتي وما يذر.\n٦- أن من آمن بصفات الله واستعاذ بها أعاذه الله مما يخاف منه.\n٧- أن من علم أسماء الله وصفاته وتوسل إلى الله تعالى بها استجاب الله دعاءه، فحصل له ما يرجوه من مرغوب، واندفع عنه ما يخافه من مرهوب.\nوهذا كله قطرة من بحر من ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات.\n* * *","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>نواقض التوحيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الأول: الشرك الأكبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الأول: تعريفه وحكمه</span>\n...\nالباب الثاني\nنواقض التوحيد\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول\nالشرك الأكبر\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريفه، وحكمه:\nقبل أن نبدأ في تعريف الشرك نذكر الفرق بين نواقض التوحيد ومنقصاته:\nفنواقض التوحيد: هي الأمور التي إذا وجدت عند العبد خرج من دين الله بالكلية، وأصبح بسببها كافرًا أو مرتدًا عن دين الإسلام، وهي كثيرة، تجتمع في الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر الاعتقادي.\nأما منقصات التوحيد: فهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه بالكلية، فإذا وجدت عند المسلم قدحت في توحيده، ونقص إيمانه، ولم يخرج من دين الإسلام، وهي المعاصي التي لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وعلى رأسها: وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدعة.","vol":"1","page":49},{"text":"أما تعريف الشرك الأكبر فهو: أن يتخذ العبد لله ندًا يسوِّيه به في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.\nأما حكمه:\nفإن الشرك هو أعظم ذنب عصي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم؛ لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى - وهو العبادة - لغيره، أو وصف أحد من خلقه بشيء من صفاته التي اختص بها - ﷿ -، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولذلك رتّب الشرع عليه آثارًا وعقوبات عظيمة، أهمها:\n١- أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه ولم يتب منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] .\n٢- أن صاحبه خارج من ملة الإسلام، حلال الدم والمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .\n٣- أن الله تعالى لا يقبل من المشرك عملًا، وما عمله من أعمال سابقة تكون هباءً منثورًا، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .\n٤- يحرم أن يتزوج المشرك بمسلمة، كما يحرم أن يتزوج المسلم مشركة، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ","vol":"1","page":50},{"text":"مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] .\n٥- إذا مات المشرك فلا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وإنما يحفر له حفرة بعيدة عن الناس ويدفن فيها، لئلا يؤذي الناس برائحته الكريهة.\n٦- أن دخول الجنة عليه حرام، وهو مخلد في نار الجحيم- نسأل الله السلامة والعافية - كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثاني: أقسام الشرك الأكبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>القسم الأول: الشرك في الربوبية</span>\n...\nالمبحث الثاني: أقسام الشرك الأكبر:\nللشرك الأكبر ثلاثة أقسام رئيسة هي:\nالقسم الأول: الشرك في الربوبية: وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيبًا من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق الاستقلالي.\nومن صور الشرك في هذا القسم:\n١- شرك النصارى الذين يقولون: الله ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور - وهو عندهم الإله المحمود - وحوادث الشر إلى الظلمة.\n٢- شرك القدرية الذين يزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله.\n٣-شرك كثير من غلاة الصوفية والرافضة من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تتصرف بعد الموت فتقضي الحاجات","vol":"1","page":51},{"text":"وتفرج الكربات، أو يعتقدون أن بعض مشايخهم يتصرف في الكون أو يغيث من استغاث به ولو مع غيبته عنه.\n٤ - الاستسقاء بالنجوم: وذلك باعتقاد أنها مصدر السقيا، وأنها التي تنزل الغيث بدون مشيئة الله تعالى، وأعظم من ذلك أن يعتقد أنها تتصرف في الكون بالخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو بالشفاء أو المرض أو الربح أو الخسارة، فهذا كله من الشرك الأكبر. قال الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، والمعنى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم الله من الغيث والمطر أنكم تكذبون - أي تنسبونه إلى غيره -. وقال النبي ﷺ: \" أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة \". رواه مسلم.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>القسم الثاني: الشرك في الأسماء والصفات:</span>\nوهو: أن يجعل لله تعالى مماثلًا في شيء من الأسماء أو الصفات، أو يصفه تعالى بشيء من صفات خلقه.\nفمن سمّى غير الله باسم من أسماء الله تعالى معتقدًا اتصاف هذا المخلوق بما دل عليه هذا الاسم مما اختص الله تعالى به، أو وصفه بصفة من صفات الله تعالى الخاصة به فهو مشرك في الأسماء والصفات.\nوكذلك من وصف الله تعالى بشيء من صفات المخلوقين فهو مشرك في الصفات.","vol":"1","page":52},{"text":"ومن صور هذا الشرك:\nالشرك بدعوى علم الغيب، أو باعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب، فكل ما لم يطلع عليه الخلق ولم يعلموا به بأحد الحواس الخمس فهو من علم الغيب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠]، وقال ﷾: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال لنبيه ﷺ أيضًا: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .\nفمن ادَّعى أنَّ أحدًا من الخلق يعلم الغيب، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأن في ذلك ادعاء مشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به، وهي \"علم الغيب\". ومن أمثلة الشرك بدعوى علم الغيب:\nأ - اعتقاد أن الأنبياء أو أن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب: وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الرافضة والصوفية، ولذلك تجدهم يستغيثون بالأنبياء والصالحين الميتين وهم بعيدون عن قبورهم، ويدعون بعض الأحياء وهم غائبون عنهم، ويعتقدون أنهم جميعًا يعلمون بحالهم وأنهم يسمعون كلامهم، وهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة.","vol":"1","page":53},{"text":"ب- الكهانة: الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب. ومثله أو قريب منه \"العرّاف\"، و\"الرمّال\"، ونحوهم، فكل من ادعى أنه يعرف علم ما غاب عنه دون أن يخبره به مخبر، أو زعم أنه يعرف ما سيقع قبل وقوعه فهو مشرك شركًا أكبر، سواء ادّعى أنه يعرف ذلك عن طريق \"الطرق بالحصى\"، أم عن طريق حروف \"أبا جاد\"، أم عن طريق \"الخط في الأرض\"، أم عن طريق \"قراءة الكف\"، أم عن طريق \"النظر في الفنجان\"، أم غير ذلك، كل هذا من الشرك، وقد قال النبي ﷺ: \" ليس منا من تَطيَّر أو تُطيِّر له، أو تَكهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِرَ له، ومن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ \".\nج- اعتقاد بعض العامة أن السحرة أو الكهان يعلمون الغيب، أو تصديقه لهم في دعواهم معرفة ما سيقع في المستقبل، فمن اعتقد ذلك أو صدقهم فيه فقد وقع في الكفر والشرك المخرج من الملة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ \".\nد- التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية المستقبلة.\nوذلك أن المُنَجِّم يدعي من خلال النظر في النجوم معرفة ما سيقع في الأرض من نصر لقوم، أو هزيمة لآخرين، أو خسارة لرجل، أو ربح لأخر، ونحو ذلك، وهذا لا شك من دعوى علم الغيب، فهو شرك بالله تعالى.","vol":"1","page":54},{"text":"ومما يفعله كثير من المشعوذين والدجاجلة أن يدعي أن لكل نجم تأثيرًا معينًا على من ولد فيه، فيقول: فلان وُلِدَ في برج كذا فسيكون سعيدًا، وفلان وُلِدَ في برج كذا فستكون حياته شقاء، ونحو ذلك، وهذا كله كذب، ولا يصدقه إلا جهلة الناس وسفهاؤهم، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"فهذا اتخذ تعلُّم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة\".","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>القسم الثالث: الشرك في الألوهية:</span>\nوهو: اعتقاد أن غير الله تعالى يستحق أن يعبد أو صرف شيء من العبادة لغيره.\nوأنواعه ثلاثة، هي:\nالأول: اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية.\nفمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله أو يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة فهو مشرك في الألوهية.\nويدخل في هذا النوع من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى، كمن يتسمى بـ \"عبد الرسول\"، أو \"عبد الحسين\"، أو غير ذلك.\nفمن سمى ولده أو تسمى بشيء من هذه الأسماء التي فيها التعبد للمخلوق معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يُعبَد فهو مشرك بالله تعالى.","vol":"1","page":55},{"text":"النوع الثاني: صرف شيء من العبادات المحضة لغير الله تعالى:\nفالعبادات المحضة بأنواعها القلبية والقولية والعملية والمالية حق لله تعالى لا يجوز أن تصرف لغيره - كما سبق بيان ذلك عند الكلام على توحيد الألوهية - فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر.\nوالشرك بصرف شيء من العبادة لغير الله له صور كثيرة، يمكن حصرها في الأمرين التاليين:\nالأمر الأول: الشرك في دعاء المسألة:\nدعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب أو دفع مرهوب.\nويدخل في دعاء المسألة: الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والاستجارة.\nقال الخطابي رحمه الله تعالى: \"ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه - ﷿ - العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله - ﷿ - وإضافة الجود والكرم إليه\".\nوالدعاء من أهم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يدعو غيره كائنًا من كان، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾","vol":"1","page":56},{"text":"[الجن: ١٨]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"الدعاء هو العبادة\"، وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: \" إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله \"، فمن دعا غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر – نسأل الله السلامة والعافية -.\nومن أمثلة الشرك في دعاء المسألة ما يلي:\nأ- أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، سواء كان هذا المخلوق حيًا أم ميتًا، نبيًا أم وليًا أم ملكًا أم جنيًا أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه أو نصره على الأعداء، أو كشف كربة، أو أن يغيثه، أو أن يعيذه، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كله شرك أكبر، مخرج من الملة بإجماع المسلمين؛ لأنه دعا غير الله، واستغاث به، واستعاذ به، وهذا كله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله بإجماع المسلمين، وصرفها لغيره شرك، ولأنه اعتقد في هذا المخلوق مالا يقدر عليه إلا الله ﷾.\nب- دعاء الميت.\nج- دعاء الغائب.\nفمن دعا غائبًا أو دعا ميتًا وهو بعيد عن قبره، وهو يعتقد أن هذا المدعو يسمع كلامه أو يعلم بحاله فقد وقع في الشرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبيًا أم وليًا، أم عبدًا صالحًا أم غيرهم، وسواء طلب من هذا المدعو ما لا يقدر عليه إلا الله أم طلب منه أن يدعو الله تعالى له،","vol":"1","page":57},{"text":"ويشفع له عنده (١)، فهذا كله شرك بالله تعالى مخرج من الملة؛ لما فيه من دعاء غير الله، ولما فيه من اعتقاد أن المخلوق يعلم الغيب، ولما فيه من اعتقاد إحاطة سمعه بالأصوات، وهذا كله من صفات الله تعالى التي اختص بها، فاعتقاد وجودها في غيره شرك مخرج من الملة.\nد- أن يجعل بينه وبين الله تعالى واسطة في الدعاء، ويعتقد أن الله تعالى لا يجيب دعاء من دعاه مباشرة، بل لا بد من واسطة بين الخلق وبين الله في الدعاء، فهذه شفاعة شركية مخرجة من الملة.\nواتخاذ الوسائط والشفعاء هو أصل شرك العرب، فهم كانوا يزعمون أن الأصنام تماثيل لقوم صالحين، فيتقربون إليهم طالبين منهم الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .\nالأمر الثاني: الشرك في دعاء العبادة:\nدعاء العبادة هو: عبادة الله تعالى بأنواع العبادات القلبية، والقولية، والفعلية كالمحبة، والخوف، والرجاء والصلاة، والصيام، والذبح، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى وغيرها.\nوسمي هذا النوع \"دعاء\" باعتبار أن العابد لله بهذه العبادات طالب وسائل لله في المعنى، لأنه إنما فعل هذه العبادات رجاء لثوابه وخوفًا من\n_________\n(١) وقريب من هذا من جاء إلى القبر وطلب من صاحبه أن يدعو الله له فهذا عمل محرم، وهو بدعة باتفاق السلف.\nوقد نصّ جمع من أهل العلم على أن هذا العمل شرك أكبر.","vol":"1","page":58},{"text":"عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فهو داع لله تعالى بلسان حاله، لا بلسان مقاله.\nومن أمثلة الشرك في هذا النوع:\nأ- الشرك في الخوف:\nالخوف في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:\n١- الخوف من الله تعالى: ويسمى \"خوف السر\"، وهو الخوف المقترن بالمحبة والتعظيم والتذلل لله تعالى، وهو خوف واجب، وأصل من أصول العبادة.\n٢- الخوف الجِبلِّي: كالخوف من عدو، والخوف من السباع المفترسة ونحو ذلك. وهذا خوف مباح؛ إذا وجدت أسبابه، قال الله تعالى عن نبيه موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] .\n٣- الخوف الشركي: وهو أن يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع والمحبة. ومن ذلك الخوف من صنم أو من ميت خوفًا مقرونًا بتعظيم ومحبة، فيخاف أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، كأن يخاف أن يصيبه بمرض أو بآفة في ماله، أو يخاف أن يغضب عليه؛ فيسلبه نِعَمَهُ فهذا من الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] قال ابن عطية المالكي الأندلسي المولود سنة ٤٨١هـ في","vol":"1","page":59},{"text":"تفسيره في تفسير هذه الآية: \"يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة\".\nومن الخوف الشركي: أن يخاف من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يخاف من مخلوق أن يصيبه بمرض بمشيئته وقدرته.\n٤- الخوف الذي يحمل على ترك واجب أو فعل محرم، وهو خوف محرم، كمن يخاف من إنسان حي أن يضره في ماله أو في بدنه، وهذا الخوف وهمي لا حقيقة له، وقد يكون هناك خوف فعلًا ولكنه يسير لا يجوز معه ترك الواجب أو فعل المحرم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" لا يمنعنَّ أحدَكم مخافةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه \".\nب - الشرك في المحبة:\nالمحبة في أصلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١- محبة واجبة: وهي محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، ومحبة ما يحبه الله تعالى من العبادات وغيرها.\n٢- محبة طبيعية مباحة: كمحبة الوالد لولده، والإنسان لصديقه، ولماله ونحو ذلك.\nويشترط في هذه المحبة أن لا يصحبها ذل ولا خضوع ولا تعظيم، فإن صحبها ذلك فهي من القسم الثالث، ويشترط أيضًا أن لاتصل إلى درجة محبته لله ومحبته لرسول الله ﷺ، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي","vol":"1","page":60},{"text":"محبة محرمه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .\n٣ - محبة شركية، وهي أن يحب مخلوقًا محبة مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية، التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك الأكبر (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .\nد- الشرك في الرجاء: وهو أن يرجو من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه\n_________\n(١) وقال الحافظ ابن القيم في الجواب الكافي ص٣٠٠، ٣٠١ عند كلامه على العشق: \"وهو أقسام: تارة يكون كفرًا، كمن اتخذ معشوقه ندًا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفره الله لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على رضاء ربه، وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله، فصار عبدًا مخلصًا من كل وجه لمعشوقه، فقد رضي هذا من عبودية الخالق ﷻ بعبوديته لمخلوق مثله، فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استغرق قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية\".\nقلت: وقد يقع في هذا الشرك من يحب مغنيًا أو لاعبًا محبة مفرطة تجعله يعظمه، فيحمله ذلك على الخضوع لذلك المحبوب بسبب تعظيمه له.","vol":"1","page":61},{"text":"بإرادته وقدرته، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة.\nهـ- الشرك في الصلاة والسجود والركوع:\nفمن صلى أو سجد أو ركع أو انحنى لمخلوق محبة وخضوعًا له وتقربًا إليه، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم، قال الله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] وقال النبي ﷺ لمعاذ لما سجد له: \" لا تفعل، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها \"، وقال ﷺ: \" ما ينبغي لأحدٍ أن يسجد لأحد \"، ولأنه قد صرف شيئًا من العبادة لغير الله ﷿.\nوصرف العبادة لغيره شرك بإجماع أهل العلم.\nوالشرك في الذبح:\nالذبح في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:\n١ - ذبح الحيوان المأكول اللحم تقربًا إلى الله تعالى وتعظيمًا له، كالأضحية، وهدي التمتع والقران في الحج، والذبح للتصدق باللحم على الفقراء ونحو ذلك، فهذا مشروع، وهو عبادة من العبادات.\n٢- ذبح الحيوان المأكول لضيف، أو من أجل وليمة عرس ونحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا وإما استحبابًا.","vol":"1","page":62},{"text":"٣- ذبح الحيوان الذي يؤكل لحمه من أجل الاتجار ببيع لحمه، أو لأكله، أو فرحًا عند سكنى بيت ونحو ذلك، فهذا الأصل أنه مباح، وقد يكون مطلوبًا فعله، أو منهيًا عنه حسبما يكون وسيلة إليه.\n٤- الذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له وخضوعًا له، فهذا عبادة -كما سبق- ولا يجوز التقرب به إلى غير الله، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له فقد وقع في الشرك الأكبر وذبيحته محرمة لا يجوز أكلها، سواء أكان هذا المخلوق من الإنس أم من الجن أم من الملائكة أم كان قبرًا، أم غيره، وقد حكى نظام الدين الشافعي النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٦هـ إجماع العلماء على ذلك.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر٢]، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"لعن الله من ذبح لغير الله\". رواه مسلم.\nز- الشرك في النذر والزكاة والصدقة:\nالنذر هو: إلزام مكلف مختار نفسه عبادة لله تعالى غير واجبة عليه بأصل الشرع.\nكأن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا، أو لله علي أن أصلي أو أصوم كذا، أو أتصدق بكذا، أو ما أشبه ذلك.\nوالنذر عبادة من العبادات، لا يجوز أن يصرف لغير الله تعالى، فمن نذر لمخلوق كأن يقول: لفلان علي نذر أن أصوم يومًا، أو لقبر فلان","vol":"1","page":63},{"text":"علي أن أتصدق بكذا، أو إن شفي مريضي أو جاء غائبي للشيخ فلان علي أن أتصدق بكذا، أو لقبره علي أن أتصدق بكذا، فقد أجمع أهل العلم على أن نذره محرم وباطل، وعلى أن من فعل ذلك قد أشرك بالله تعالى الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأنه صرف عبادة النذر لغير الله، ولأنه يعتقد أن الميت ينفع ويضر من دون الله، وهذا كله شرك.\nومثله إخراج زكاة المال وتقديم الهدايا والصدقات إلى قبر ميت تقربًا إليه، أو تقديمها إلى سدنة القبر تقربًا إلى الميت، أو تقديمها إلى الفقراء الذين يذهبون إلى القبر، وكان يفعل ذلك تقربًا إلى الميت، فهذا كله من الشرك الأكبر أيضًا، لما فيه من عبادة غير الله ومن اعتقاد أن هذا الميت ينفع أو يضر من دون الله.\nح- الشرك في الصيام والحج:\nالصيام والحج من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله بالإجماع، فمن تعبَّد بها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وذلك كمن يصوم أو يحج إلى الكعبة تقربًا إلى ولي أو ميت أو غيرهما من المخلوقين، وكمن يحج إلى قبر تقربًا إلى صاحبه فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة، سواء أفعله العبد أم اعتقد جوازه.\nط- الشرك في الطواف:\nالطواف عبادة بدنية لا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى، ولا يجوز أن يطاف إلا بالكعبة المشرفة، وهذا كله مجمع عليه، فمن طاف بقبر نبي أو عبد صالح أو بمنزل معين أو حتى بالكعبة المشرفة تقربًا إلى غير الله","vol":"1","page":64},{"text":"تعالى، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع المسلمين.\nوهذا بقية العبادات كالتوكُّل، والتبرك، والتعظيم البالغ، والخضوع، وقراءة القرآن، والذكر، والأذان والتوبة والإنابة فهذه كلها عبادات لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وسيأتي التفصيل في الشرك في بعض هذه العبادات وذكر بعض العبادات التي لم تذكر هنا عند الكلام على الشرك الأصغر وعند الكلام على الوسائل التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر - إن شاء الله تعالى -.\nالنوع الثالث من أنواع الشرك في الألوهية: الشرك في الحكم والطاعة:\nومن صور الشرك في هذا النوع:\n١- أن يعتقد أحد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، لأنه مكذب للقرآن، فهو مكذب لقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠]، ولقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، وهذا استفهام تقريري، أي أن الله تعالى أحكم الحاكمين، فليس حكم أحد غيره أحسن من حكمه ولا مثله.\n٢- أن يعتقد أحد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد خلاف ما دلت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة، وخلاف ما دل عليه الإجماع القطعي من المسلمين من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله.","vol":"1","page":65},{"text":"٣- أن يضع تشريعًا أو قانونًا مخالفًا لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحكم به، معتقدًا جواز الحكم بهذا القانون، أو معتقدًا أن هذا القانون خير من حكم الله أو مثله، فهذا شرك مخرج من الملة.\n٤- من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو عادات قبيلته - وهي ما تسمى عند بعضهم ب: السُّلُوم - وهو يعلم أنها مخالفة لحكم الله، معتقدًا أنها أفضل من حكم الله أو مثله أو أنه يجوز الحكم بها، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.\n٥- أن يطيع من يحكم بغير شرع الله عن رضى، مقدمًا لقولهم على شرع الله، ساخطًا لحكم الله، أو معتقدًا جواز الحكم بغيره، أو معتقدًا أن هذا الحكم أو القانون أفضل من حكم الله أو مثله.\nومثل هؤلاء من يتبع أو يتحاكم إلى الأعراف القبلية - التي تسمى: السُّلوم - المخالفة لحكم الله تعالى، مع علمه بمخالفتها للشرع، معتقدًا جواز الحكم بها، أو أنها أفضل من الشرع أو مثله، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة.\nوالدليل على أن هذا كله شرك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وروي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ","vol":"1","page":66},{"text":"أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: إنا لسنا نعبدهم؟ فقال ﷺ: \" أليس يحرِّمون ما أحلَّ اللهُ، فتُحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله، فتحلُّونه؟ \" قال: قلت: بلى. فقال ﷺ: \" فتلك عبادتهم \". فذكر في هذا الحديث أن طاعتهم في مخالفة الشرع عبادة لهم، وذكر الله تعالى في آخر الآية أن ذلك شرك، ولأن من كره شرع الله كفر، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد: ٩] .\n٦- من يدعو إلى عدم تحكيم شرع الله، وإلى تحكيم القوانين الوضعية محاربةً للإسلام وبغضًا له، كالذين يدعون إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال الأجانب في المدارس والوظائف وإلى التعامل بالربا، وإلى منع تعدد الزوجات، وغير ذلك مما فيه دعوة إلى محاربة شرع الله، فالذي يدعو إلى ذلك مع علمه بأنه يدعو إلى المنكر وإلى محاربة شرع الله ظاهر حاله أنه لم يدع إلى ذلك إلا لما وقع في قلبه من الإعجاب بالكفار وقوانينهم واعتقاده أنها أفضل من شرع الله، ولما وقع في قلبه من كره لدين الإسلام وأحكامه، وهذا كله شرك وكفر مخرج من الملة، ومن كانت هذه حقيقة حاله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن كان يظهر أنه من المسلمين فهو نفاق أيضًا؛ للأدلة التي سبق ذكرها في الفقرة السابقة، بل هنا أولى؛ لأن الدعوة إلى الشيء شر من مجرد اتباعه.\n* * *","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الثاني\nالكفر الأكبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الأول: تعريفه وحكمه:</span>\nالكفر في الاصطلاح: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك يناقض الإيمان.\nفالكفر الأكبر يكون بالاعتقاد، ويكون أيضًا بالقول، ويكون كذلك بالفعل ولو لم يكن مع أي منهما اعتقاد.\nوحكم الكفر الأكبر هو حكم الشرك الأكبر، كما سبق بيانه.\nوإذا وقع المسلم في الكفر أو الشرك وحكم بكفره فهو \"مرتد\" له أحكام المرتدين، ومنها أنه يجب قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام لقوله ﷺ: \" من بدّل دينه فاقتلوه \". رواه البخاري، ولقوله ﷺ: \" لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة \". رواه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثاني: أنواع الكفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>النوع الأول: كفر الإنكار والتكذيب</span>\n...\nالمبحث الثاني: أنواع الكفر:\nللكفر أنواع كثيرة، أهمها\n١- كفر الإنكار والتكذيب:\nوهو أن ينكر المكلف شيئًا من أصول الدين، أو أحكامه، أو أخباره الثابتة ثبوتًا قطعيًا.\nوذلك بأن ينكر بقلبه، أو لسانه أصلًا من أصول الدين، أو حكمًا","vol":"1","page":68},{"text":"من أحكامه، أو خبرًا من أخباره المعلومة من دين الإسلام بالضرورة والتي ورد في شأنها نص صريح من كتاب الله تعالى، أو وردت في شأنها أحاديث نبوية متواترة تواترًا معلومًا، وأجمع أهل العلم عليها إجماعًا قطعيًا، أو ينكر ما يجزم هو في قرارة نفسه بأنه من دين الله تعالى (١) .\nومثل الإنكار بالقلب واللسان: أن يفعل ما يدل على إنكاره شيئًا من دين الله تعالى (٢) .\nوقد أجمع العلماء على كفر من وقع في هذا النوع – أي كفر الجحود –؛ لأنه مكذبٌ لكلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ، رادٌّ لهما ولإجماع الأمة القطعي.\nومن أمثلة هذا النوع من أنواع الكفر الأكبر:\nأ- أن ينكر شيئًا من أركان الإيمان أو غيرها من أصول الدين، أو ينكر شيئًا مما أخبر الله عنه في كتابه، أو ورد في شأنه أحاديث متواترة وأجمع أهل العلم عليه إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر ربوبية الله تعالى أو\n_________\n\"١\" وذلك بأن ينكره في الظاهر مجاملة أو عنادًا لغيره، أو في حال غضب أو مشاجرة أو خصومة ونحو ذلك، مع أنه في قرارة نفسه يعلم أنه من دين الله تعالى.\n\"٢\" ومن ذلك أن يصلي إلى غير القبلة؛ لأنه يدل على إنكاره الإجماع القطعي والنصوص الدالة على وجوب التوجه إلى الكعبة وعدم صحة صلاة من توجه إلى غيرها.","vol":"1","page":69},{"text":"ألوهيته، أو ينكر اسمًا أو صفة لله تعالى مما أجمع عليه إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر صفة العلم، أو ينكر وجود أحد من الملائكة المجمع عليهم كجبريل أو ميكائيل – ﵉ –، أو ينكر كتابًا من كتب الله المجمع عليها، كأن ينكر الزبور أو التوراة أو القرآن، أو ينكر نبوة أحد من الأنبياء المجمع عليهم، كأن ينكر رسالة نوح أو إبراهيم أو هود - ﵈ - (١)، أو ينكر البعث للأجساد والأرواح، أو ينكر الحساب أو الجنة أو النار، أو ينكر نعيم القبر أو عذابه، أو ينكر أن الله تعالى قدَّر جميع الأشياء قبل حدوثها.\nومنه أن يصحح أديان الكفار كاليهود أو النصارى أو غيرهم، أو لا يكفرهم، أو يقول: إنهم لن يخلدوا في النار، ومنه أن ينسب نفسه إلى غير دين الإسلام (٢)، ومنه أن ينكر صحبة أبي بكر، أو يقول بردة\n_________\n(١) ومن ذلك أن ينكر شيئًا مجمعًا عليه يتعلق بأحد من الأنبياء - ﵈ - كأن يعتقد أن جبريل - ﵇ - غلط في الرسالة، فنزل بالوحي على محمد ﷺ وكان مرسلًا به إلى علي بن أبي طالب ﵁ كما يقول ذلك بعض غلاة الشيعة الرافضة، أو ينكر معجزة من معجزات الأنبياء المجمع عليها، أو يفضل الأولياء على أحد منهم، أو يعتقد أن أحدًا من بني آدم أفضل من النبي ﷺ، أو يعتقد أنه لا يجب العمل بالسّنة، أو ينكر صحة حديث متواتر مجمع عليه إجماعًا قطعيًا، ومنه أن يقول: إن بعض الناس لا يجب عليه اتِّباع النبي ﷺ.\n(٢) وذلك بأن يقول عن نفسه: \"هو كافر\"، أو \"هو يهودي\"، أو \"هو نصراني\"، ومثله ما إذا قيل له: هل أنت مسلم. فقال: لا. فهذا كله كفر؛ لأنه إما أنه يخبر عن ارتداده فعلًا عن الإسلام، وإما أنه ينسب دين الإسلام","vol":"1","page":70},{"text":"الصحابة أو أكثرهم، أو يقول بفسقهم كلهم، أو ينكر وجود الجن، أو ينكر إغراق قوم نوح (١) .\nب- أن ينكر تحريم المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها، كالسرقة، وشرب الخمر، والزنى، والتبرج، والاختلاط بين الرجال والنساء، ونحو ذلك، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له الخروج على شريعة النبي ﷺ، فلا يجب عليه الالتزام بأحكامها، فيجوز له ترك الواجبات وفعل المحرمات (٢)، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له أن يحكم أو يتحاكم إلى غير شرع الله تعالى.\nج- أن ينكر حِلّ المباحات الظاهرة المجمع على حلها، كأن يجحد حِلَّ أكل لحوم بهيمة الأنعام، أو ينكر حل تعدد الزوجات، أو حل\n_________\n= إلى الكفر، أو إلى هذه الأديان المحرفة إما اعتقادًا لذلك، وهذا إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإما استهزاء واستخفافًا بدين الإسلام، وهذا كله كفر.\n(١) ونحو ذلك مما أخبر الله عنه في كتابه من أخبار الأمم الماضية، أو غير ذلك، كأن ينكر وجود السماوات السبع، أو ينكر وجود الشيطان، أو ينكر إخراجه من الجنة، أو يقول بتناسخ الأرواح ونقلها إلى أرواح أخرى، أو ينكر إنزال المنّ والسلوى على بني إسرائيل، أو ينكر قصة أصحاب الكهف، أو ينكر قصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ونحو ذلك.\n(٢) ومن هذا اعتقاد بعض غلاة الصوفية أن بعض مشايخهم يحل له فعل المحرمات، فهذا الاعتقاد كفر بأجماع أهل العلم.\nومنه أن يعتقد أن أحدًا حرٌّ في نفسه يفعل ما يشاء، كما يتفوه به بعض المنافقين، ومنه أن يعتقد حل موالاة الكفار.","vol":"1","page":71},{"text":"أكل الخبز، ونحو ذلك.\nد- أن ينكر وجوب واجب من الواجبات المجمع عليها إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر وجوب ركن من أركان الإسلام، أو ينكر أصل وجوب الجهاد، أو أصل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nأو ينكر سنية سنة من السنن أو النوافل المجمع عليها إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر السنن الرواتب، أو ينكر استحباب صيام التطوع، أو حج التطوع، أو صدقة التطوع، ونحو ذلك.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>النوع الثاني: كفر الشك والظن:</span>\nوهو أن يتردد المسلم في إيمانه بشيء من أصول الدين المجمع عليها، أو لا يجزم في تصديقه بخبر أو حكم ثابت معلوم من الدين بالضرورة.\nفمن تردد أو لم يجزم في إيمانه وتصديقه بأركان الإيمان أو غيرها من أصول الدين المعلومة من الدين بالضرورة، والثابتة بالنصوص المتواترة، أو تردد في التصديق بحكم أو خبر ثابت بنصوص متواترة مما هو معلوم من الدين بالضرورة فقد وقع في الكفر المخرج من الملة بإجماع أهل العلم؛ لأن الإيمان لابد فيه من التصديق القلبي الجازم، الذي لا يعتريه شك ولا تردد، فمن تردد في إيمانه فليس بمسلم، وقد أخبرنا الله تعالى في قصة صاحب الجنة أنه كفر بمجرد شكه في أن جنته – أي بستانه - لن يبيد – أي لن يخرب- أبدًا، وشكه في قيام الساعة، حين قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ يريد جنته، وحين قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، فقال له صاحبه المؤمن: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ","vol":"1","page":72},{"text":"مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٥-٣٨] .\nومن أمثلة هذا النوع: أن يشك في صحة القرآن، أو يشك في ثبوت عذاب القبر، أو يتردد في أن جبريل - ﵇ – من ملائكة الله تعالى، أو يشك في تحريم الخمر، أو يشك في وجوب الزكاة، أو يشك في كفر اليهود أو النصارى، أو يشك في سنية السنن الراتبة، أو يشك في أن الله تعالى أهلك فرعون بالغرق، أو يشك في أن قارون كان من قوم موسى، وغير ذلك من الأصول والأحكام والأخبار الثابتة المعلومة من الدين بالضرورة، والتي سبق ذكر أمثلة كثيرة لها في النوع الأول.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>النوع الثالث: كفر الامتناع والاستكبار:</span>\nوهو: أن يصدق بأصول الإسلام وأحكامه بقلبه ولسانه، ولكن يرفض الانقياد بجوارحه لحكم من أحكامه استكبارًا وترفعًا.\nوقد أجمع أهل العلم على كفر من امتنع من امتثال حكم من أحكام الشرع استكبارًا؛ لأنه معترض على حكمة الله تعالى، وهذا قدح في ربوبيته جلّ وعلا، وإنكار لصفة من صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة، وهي صفة \"الحكمة\".\nوأوضح مثال على هذا النوع من أنواع الكفر: رفض إبليس امتثال أمر الله تعالى بالسجود لأبينا آدم – ﵇ – استكبارًا وترفعًا عن هذا الفعل الذي أمره الله تعالى به، معترضًا على ذلك بأنه هو أفضل من آدم، فلن يسجد له، حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾","vol":"1","page":73},{"text":"[الإسراء: ٦١] فاعترض على حكمة الله تعالى في هذا الأمر، ورفض الانقياد له من أجل ذلك.\nومن أمثلة هذا الكفر أيضًا أن يرفض شخص أن يصلي صلاة الجماعة، ويترفع عنها، لأنها تسوي بينه وبين الآخرين، ومن أمثلته أيضًا: أن يمتنع شخص عن لبس لباس الإحرام؛ لأنه في زعمه لباس الفقراء ولا يليق به، ونحو ذلك.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>النوع الثالث: كفر السب والاستهزاء</span>\n...\nالنوع الرابع: كفر السبّ والاستهزاء:\nوهو أن يستهزئ المسلم أو يسبّ شيئًا من دين الله تعالى مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو مما يعلم هو أنه من دين الله تعالى.\nوذلك بأن يستهزئ بالقول أو الفعل (١) بالله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته المجمع عليها، أو يصف الله تعالى بصفة نقص، أو يسب الله تعالى (٢)، أو يسب دين الله تعالى كأن يلعن هذا\n_________\n(١) من الاستهزاء بالفعل: الإشارة باليد، أو اللسان، أو الشفة، أو العين، أو غيرها مما يدل على الاستهزاء والاستهانة، ومنه إهانة الشيء بوضعه في القاذورات، أو بوضع القدم عليه، أو الجلوس عليه ونحو ذلك، ومنه أن يضرب أو يقتل أو يحارب مسلمًا، أو جماعة من المسلمين من إجل إسلامهم، أو من أجل التزامهم بأحكام الإسلام وتطبيقهم لشرع الله، فإن هذا من أعظم الاستهزاء بدين الله تعالى، وهو أعظم من السبّ، ويدلّ على كرهه لدين الإسلام.\n(٢) وذلك كأن يتهم الله تعالى بالظلم، أو يلعن خالقه ورازقه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.","vol":"1","page":74},{"text":"الدين، أو يلعن دين شخص مسلم، أو يقول: إن هذا الدين متخلف، أو رجعي، أو لا يناسب هذا العصر، أو يستهزئ بملائكة الله تعالى، أو بواحد منهم: كأن يسب ملك الموت، أو خزنة جهنم (١)، أو يستهزئ أو يسب شيئًا من كتب الله، كأن يسب القرآن، أو يستهزئ به أو بآية منه بالقول، أو بالفعل بأن يهينه بوضعه في القاذورات ونحو ذلك، أو يسب أحدًا من أنبياء الله المجمع على نبوتهم أو يستهزئ بهم، كأن يسب النبي ﷺ أو يستهزئ به، أو يستهزئ بشيء مما ثبت في القرآن أو السنة من الواجبات أو السنن، كأن يستهزئ بالصلاة، أو يستهزئ بالسواك، أو بتوفير اللحية، أو بتقصير الثوب إلى نصف الساقين مع علمه بأن ذلك كله من دين الله تعالى، أو يستهزئ بشخص لتطبيقه واجبًا أو سنة ثابتة يعلم بثبوتها، وأنها من دين الله، وكان استهزاؤه بكل هذه الأمور من أجل مجرد فعل هذا الحكم الشرعي، لا من أجل شكل الشخص وهيئته.\nوقد أجمع أهل العلم على كفر من سبّ أو استهزأ بشيء مما ثبت أنه من دين الله تعالى، سواء أكان هازلًا أم لاعبًا أم مجاملًا لكافر أو غيره، أم في حال مشاجرة، أم في حال غضب (٢)، أم غير ذلك.\n_________\n(١) وكأن يستهزئ بأجنحة الملائكة أو بنزولهم.\n(٢) ومن الكفر في حال الغضب – والمراد الغضب الذي لا يُفقد المكلف عقله – أن يعلق كفره على أمر مستقبل، وإن كان هذا التعليق في غير حال الغضب، فهو كفر من باب أولى؛ لأنه يدل على استهزائه واستخفافه بدين الإسلام.","vol":"1","page":75},{"text":"وذلك لأن الله تعالى قد حكم بكفر من استهزأ بالله تعالى وبآياته وبرسوله محمد ﷺ، مع أنهم كما قالوا كانوا يلعبون ويقطعون الطريق بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦،٦٥]؛ ولأن من فعل ذلك فهو مستخف بالربوبية والرسالة ومستخف بعموم دين الله تعالى غير معظِّم لذلك كله، وهذا مناف للإيمان والإسلام.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>النوع الرابع: كفر البغض</span>\n...\nالنوع الخامس: كفر البغض:\nوهو أن يكره دين الإسلام.\nفقد أجمع أهل العلم على أن من أبغض دين الله تعالى كفر، لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد: ٩]، ولأنه حينئذٍ يكون غير معظم لهذا الدين، بل إن في قلبه عداوة له، وهذا كله كفر.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>النوع الخامس: كفر الإعراض</span>\n...\nالنوع السادس: كفر الإعراض:\nورد ذكر الإعراض في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، وأصل الإعراض هو: التولي عن الشيء، والصدود عنه، وعدم المبالاة به.\nوالإعراض عن دين الله تعالى قسمان:\nالقسم الأول: الإعراض المكفر: وهو أن يترك المرء دين الله ويتولى عنه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو يتركه بجوارحه مع تصديقه بقلبه ونطقه بالشهادتين.","vol":"1","page":76},{"text":"وهذا القسم له ثلاث صور، هي:\n١- الإعراض عن الاستماع لأوامر الله ﷿، كحال الكفار الذين هم باقون على أديانهم المحرفة أو الذين لا دين لهم، ولم يبحثوا عن الدين الحق مع قيام الحجة عليهم، فهم أعرضوا عن تعلم ومعرفة أصل الدين الذي يكون به المرء مسلمًا، فهم يمكنهم معرفة الدين الحق والسير عليه، ولكنهم لم يلتفتوا إلى ذلك، ولم يرفعوا به رأسًا.\n٢- الإعراض عن الانقياد لدين الله الحق وعن أوامر الله تعالى بعد استماعها ومعرفتها، وذلك بعدم قبولها فيترك ما هو شرط في صحة الإيمان، وهذا كحال الكفار الذين دعاهم الأنبياء وغيرهم من الدعاة إلى الدين الحق، أو عرفوا الحق بأنفسهم، فلم يسلموا، وبقوا على كفرهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] .\n٣- الإعراض عن العمل بجميع أحكام الإسلام وفرائضه بعد إقراره بقلبه بأركان الإيمان ونطقه بالشهادتين.\nفمن ترك جنس العمل بأحكام الإسلام، فلم يفعل شيئًا من الواجبات، لا صلاة ولا صيامًا ولا زكاةً ولا حجًا ولا غيرها، فهو كافر كفرًا أكبر بإجماع السلف، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ولآيات أخرى كثيرة تدل على كفر عموم المعرضين، ولأن تركه لجميع الأعمال الظاهرة دليل على","vol":"1","page":77},{"text":"خلو باطنه من الإيمان والتصديق الجازم.\nالقسم الثاني: الإعراض غير المكفر: وهو أن يترك المسلم بعض الواجبات الشرعية غير الصلاة، ويؤدي بعضها.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>خاتمة فصل الكفر الأكبر:</span>\nبعد أن بيَّنتُ تعريف الكفر الأكبر وحكمه وأنواعه أحببت التنبيه إلى مسألة مهمة، وهي: أن المسلم قد يقع في بعض أنواع الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر والتي قال أهل العلم: \"من فعلها فقد كفر\"، ولكن قد لا يحكم على هذا المسلم المعيَّن بالكفر، وذلك لفقد شرط من شروط الحكم عليه بالكفر، أو لوجود مانع من ذلك، كأن يكون جاهلًا، كما في قصة الذي أمر أولاده إذا مات أن يحرِّقوه ثم يذروا رماده في يوم شديد الريح في البحر وقال: \"والله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا ما عذب به أحدًا\"، فغفر الله له، فهو قد شك في قدرة الله على إعادة خلقه، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، ومع ذلك غفر الله له لجهله وخوفه من ربه.\nومن موانع التكفير للمعيَّن أيضًا: التأويل، وهو: أن يرتكب المسلم أمرًا كفريًا معتقدًا مشروعيته أو إباحته له لدليل يرى صحته أو لأمر يراه عذرًا له في ذل وهو مخطئ في ذلك كله.\nفإذا أنكر المسلم أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة مثلًا، أو فعل ما يدل على إنكاره لذلك، وكان عنده شبهة تأويل، فإنه يعذر بذلك ولو كانت هذه الشبهة ضعيفة إذا كان هذا التأويل سائغًا في لغة العرب","vol":"1","page":78},{"text":"وله وجه في العلم، وهذا مما لا خلاف يه بين أهل السنة.\nوعلى وجه العموم فعذر التأويل من أوسع موانع تكفير المعين.\nولهذا ذكر بعض أهل العلم أنه إذا بلغ الدليلُ المتأوِّلَ فيما خالف فيه ولم يرجع وكان في مسألة يُحتَملُ وقوع الخطأ فيها، واحتمل بقاء الشبهة في قلب من أخطأ فيها لشبه أثيرت حولها أو لملابسات أحاطت بها في واقعة معينة أنه لا يحكم بكفره، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .\nولذلك لم يكِفّر بعض العلماء بعض المعينين من الجهمية الذين يعتقدون بعض الاعتقادات الكفرية في صفات الله تعالى.\nومن أجل مانع التأويل أيضًا لم يكفر بعض العلماء بعض من يغلون في الموتى ويسألونهم الشفاعة عند الله تعالى.\nومن أجل مانع التأويل كذلك لم يكفر الصحابة – ﵃ - الخوارج الذين خرجوا عليهم وحاربوهم، وخالفوا أمورًا كثيرة مجمعًا عليها بين الصحابة إجماعًا قطعيًا.\nوعلى وجه العموم فمسألة تكفير المعيَّن مسألة كبيرة من مسائل الاجتهاد التي تختلف فيها أنظار المجتهدين، وللعلماء فيها أقوال وتفصيلات ليس هذا موضع بسطها.\nولهذا ينبغي للمسلم أن لا يتعجل في الحكم على الشخص المعين أو الجماعة المعينة بالكفر حتى يتأكد من وجود جميع شروط الحكم عليه بالكفر، وانتفاء جميع موانع التكفير في حقه، وهذا يجعل مسألة تكفير","vol":"1","page":79},{"text":"المعين من مسائل الاجتهاد التي لا يحكم فيها بالكفر على شخص معين أو جماعة أو غيرهم من المعيَّنين إلا أهل العلم الراسخون فيه، لأنه يحتاج إلى اجتهاد من وجهين:\nالأول: معرفة هل هذا القول أو الفعل الذي صدر من هذا المكلف مما يدخل في أنواع الكفر الأكبر أم لا؟.\nوالثاني: معرفة الحكم الصحيح الذي يحكم به على هذا المكلف، وهل وجدت جميع أسباب الحكم عليه بالكفر وانتفت جميع الموانع من تكفيره أم لا؟.\nوالحكم على المسلم بالكفر وهو لا يستحقه ذنب عظيم؛ لأنه حكم عليه بالخروج من ملة الإسلام، وأنه حلال الدم والمال، وحكم عليه بالخلود في النار إن مات على ذلك، ولذلك ورد الوعيد الشديد في شأن من يحكم على مسلم بالكفر، وهو ليس كذلك، فقد ثبت عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ: \" لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك \".\nولذلك كله فإنه يجب على المسلم الذي يريد لنفسه النجاة أن لا يتعجل في إصدار الحكم على أحد من المسلمين بالكفر أو الشرك.\nكما أنه يحرم على العامة وصغار طلاب العلم أن يحكموا بالكفر على مسلم معيَّن أو على جماعة معيَّنة من المسلمين أو على أُناس معينين من المسلمين ينتسبون إلى مذهب معيَّن دون الرجوع في ذلك إلى العلماء.\nكما أنه يجب على كل مسلم أن يجتنب مجالسة الذين يتكلمون في","vol":"1","page":80},{"text":"مسائل التكفير وهم ممن يحرم عليهم ذلك لقلة علمهم؛ لأن كلامهم في هذه المسائل من الخوض في آيات الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٨] .\n* * *","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل الثالث: النفاق الأكبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الأول: تعريفه وحكمه</span>\n...\nالفصل الثالث\nالنفاق الأكبر (الاعتقادي)\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريفه وحكمه:\nالنفاق في اللغة: إخفاء الشيء وإغماضه.\nوفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه.\nوذلك بأن يكون في الظاهر أمام الناس يدّعي الإسلام، ويظهر لهم أنه مسلم، وربما يعمل أمامهم بعض العبادات كالصلاة والصيام والحج وغيرها، ولكن قلبه – والعياذ بالله – لا يؤمن بتفرد الله تعالى بالألوهية أو بالربوبية، أو لا يؤمن برسالة النبي ﷺ، أو يبغضه، أو لا يؤمن بكتب الله المنزلة، أو لا يؤمن بعذاب القبر، أو لا يؤمن بالبعث، أو يعتقد أن دين النصارى أو دين اليهود أو دين غيرهم من الكفار حق أو خير من الإسلام، أو يعتقد أن الإسلام دين ناقص، أو لا يصلح للتطبيق في هذا العصر، أو يعتقد أن فيه ظلمًا لبعض فئات المجتمع، أو فيه ظلم للنساء، أو أن بعض تشريعاته فيها ظلم، أو ليس فيها تحقيق لمصالح العباد، وغير ذلك من الاعتقادات المخرجة من الملة التي سبق ذكرها في الشرك الأكبر والكفر الأكبر.\nأما حكم المنافق فهو حكم المشرك شركًا أكبر وحكم الكافر كفرًا أكبر، كما سبق بيانه؛ لأن المنافقين في الحقيقة كفار، وإن كانوا أسوأ","vol":"1","page":82},{"text":"حالًا من سائر الكفار، لأنهم زادوا على الكفر: الكذب والمرواغة والخداع، وضررهم على المسلمين أشدّ؛ لأنهم يندسون بين المسلمين ويظهرون أنهم منهم، ويحاربون الإسلام باسم الإصلاح، ولذلك فهم أشد عذابًا في الآخرة من سائر الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] .","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثاني: أعمال المنافقين الكفرية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١- الاستهزاء بالله وبرسوله وبالقرآن</span>\n...\nالمبحث الثاني: أعمال المنافقين الكفرية:\nللمنافقين أعمال كفرية يستدل بها على ما يبطنون من النفاق، وقد بينها الله تعالى في كتابه كما في سورة التوبة التي تسمى \"الفاضحة\"؛ لأن الله تعالى فضح فيها المنافقين ببيان أعمالهم الكفرية، كما بينها أيضًا في سور أخرى كثيرة، ومن هذه الأعمال:\n١- الاستهزاء بالله وبرسوله وبالقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>٢- سبُّ الله تعالى</span>، أو سب رسوله ﷺ أو تكذيبهما، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] أي ومن المنافقين من يعيبك في تفريق الصدقات، فيتهمونك بعدم العدل. وأصل اللمز: الإشارة بالعين ونحوها.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>٣- الإعراض عن دين الإسلام</span>، وعيبه، والعمل على إبعاد الناس عنه، وعلى عدم التحاكم إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ","vol":"1","page":83},{"text":"وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] .","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>٤- التحاكم إلى الكفار</span>، والحرص على تطبيق قوانينهم مفضلًا لها على حكم الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٥- اعتقاد صحة المذاهب الهدَّامة </span>والدعوة إليها مع معرفة حقيقتها، ومن هذه المذاهب ما جدَّ في هذا العصر من مذاهب هي في حقيقتها حرب للإسلام، ودعوة للاجتماع على غير هديه، كالقومية والوطنية، فكثير من المنافقين في هذا العصر ممن يسمون \"علمانيين\" أو \"حداثيين\" أو \"قوميين\" يعرفون حقيقة هذه المذاهب، ويدعون إلى الاجتماع على هذه الروابط الجاهلية، ويدعون إلى نبذ رابطة الإيمان والإسلام التي ذكرها ربنا جل وعلا بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>٦- مناصرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين</span>؛ لأن المنافقين في حقيقتهم كفار فهم يناصرون إخوتهم من الكفار على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢] .","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>٧- إظهار الفرح والاستبشار عند انتصار الكفار</span>، وعندما يصيب المسلمين هزيمة أو أي ضرر، قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ","vol":"1","page":84},{"text":"تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٩، ١٢٠]، ولهذا تجد منهم في هذا العصر من لا يكترث لمصاب المسلمين في أي مكان، بل قد تسمع منهم أو تقرأ كلامًا لبعضهم في المجلات أو الجرائد ينهى عن مساعدة المسلمين في أي مكان وعن الوقوف معهم في مصائبهم، بحجة أنهم ليسوا عربًا أو ليسوا مواطنين مثلًا، فيدعون إلى التحزب على أساس القومية والوطنية فقط، ولا يرفعون رأسًا لرابطة الإسلام، بل يحاربونها.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٨- سب وعيب العلماء والمصلحين </span>وجميع المؤمنين الصادقين، بغضًا لهم ولدعوتهم ولدينهم، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]، ولهذا تجد منهم في هذا العصر من يعيب العلماء والمصلحين، ومن يعيب الدعاة والمجاهدين في وسائل الإعلام وغيرها.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>٩- مدح أهل الكفر</span>، ومدح مفكريهم، ونشر آرائهم المخالفة للإسلام، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، ولهذا تجد منهم في هذا العصر من يمدح بعض الملاحدة في القديم والحديث أمثال: \"أبي العلاء المعري\"، و\"الحلاَّج\" و\"فرويد\" وغيرهم.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الثالث: صفات المنافقين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>١- قلة الطاعات</span>.\n...\nالمبحث الثالث: صفات المنافقين:\nللمنافقين صفات كثيرة جدًا، ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه وذكر بعضها النبي ﷺ في سنته، ومن أبرزها:\n١- قلة الطاعات، والتثاقل والكسل عند أداء العبادات الواجبة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] .","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>٢- الجبن وشدة الخوف والهلع</span>، وهذه الصفة من أهم الأسباب التي جعلتهم يخفون كفرهم ويظهرون الإسلام؛ لأنهم يخافون من القتل ومن أن تسلب أموالهم لكفرهم، وليس عندهم شجاعة فيقاتلون مع الكفار، فيلجأون إلى النفاق، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]، فهُم لشدة خوفهم كلما سمعوا صياحًا ظنوه صياح نذير من عدو هجم عليهم، وقال جل وعلا: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [براءة: ٥٦، ٥٧]، فهم يتصفون بالفرق - وهو الخوف - فلو وجد أحدهم في حال القتال حصنًا أو كهفًا في جبل أو نفقًا في الأرض يدخله ليختفي فيه لذهب إليه مسرعًا.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>٣- السفه وضعف التفير وقلة العقل</span>.\n...\n٣- السَّفَه، وضعف التفكير، وقلة العقل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]، ويتضح سفههم فيما يلي:","vol":"1","page":86},{"text":"أ) إيثارهم الدنيا الفانية على الآخرة، وحرصهم على حطام الدنيا أكثر من حرصهم على طاعة الله التي هي سبب لسعادتهم في الدنيا والآخرة، ففي صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في شأن المنافقين الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة: \" لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء والفجر \"، فهم معرضون عمَّا فيه نجاتهم، حريصون على ما لا يستفيدون منه إلا اليسير، وسيتركونه خلف ظهورهم، ولا يغني عنهم من عذاب الله شيئًا، كما قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة: ١٧] .\nب) أن كثيرًا منهم عنده القناعة بأن دين الإسلام هو الدين الحق وأن أحكامه كلها خير وعدل، ولكن بسبب مجالسته للكفار وانبهاره بحضارة الغرب المادية، أو بسبب مجالسته لمن انبهر بحضارتهم من المنافقين من علمانيين وحداثيين وقوميين، ومن سماعه لكلامهم ولشبههم التي يثيرونها ضد تعاليم شرع خالقهم وقع في قلبه بغض هذا الدين، وأصبح يدعو إلى تقليد الكفار وتحكيم قوانينهم ويحارب شرع ربه ويعيبه، وهذا منتهى السفه؛ إذ كيف يعيب ويحارب ما يعلم أنه الحق؟!.\nج) تلاعب الشيطان بهم حتى أوقعهم فيما هو سبب لهلاكهم وعذابهم في أزمان أبدية سرمدية، قال الله تعالى في شأن المنافقين: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] .\nد) أن المنافق يخادع خالقه الذي يعلم سره وعلانيته، ويحارب شرع","vol":"1","page":87},{"text":"ربه، غير مفكر في عاقبة أمره، وأنه غدًا في قبره وحشره في قبضة ملائكة القوي العزيز، وأن أمامه عذاب في القبر، وعذاب في النار إن مات على نفاقه، وغير مفكر في مصير من سبقه من المنافقين قبل عشرات أو مئات السنين، كابن أبي سلول، وأبي العلاء المعري، وجمال عبد الناصر وطه حسين، وعموم الباطنية، كالإسماعيلية، والدروز، والنصيرية، وغالب أئمة الرافضة، وغيرهم من الزنادقة ممن مات منهم على الزندقة، وما هم فيه الآن من العذاب الأليم الذي لا يتحمله البشر في قبورهم، وما سيلاقونه من العذاب في قعر جهنم خالدين فيها. نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٤- التذبذب والمراوغة والتلوُّن</span>، فهم كالحِرْباء التي يتغير لونها بحسب حرارة الشمس، فأول النهار لها لون، ووسط النهار لها لون، وآخره لها لون، وكالشاة العائرة بين الغنمين، فهي متحيرة أيهما تتبع، فتتبع هذه مرة، وتتبع هذه مرة، فالمنافق حائر يخشى أن يعلن الكفر فيقتله المسلمون أو تتضرر مصالحه، ويخشى أن ينتصر الكفار فيقتل أو تتضرر مصالحه من قبلهم، فيلجأ إلى إظهار الإسلام، ويسر إلى الكفار وإلى أمثاله من المنافقين بأنه منهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال جل وعلا في شأنهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣] .","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>٥- الانهزامية واحتقار الذات </span>والشعور بالنقص أمام الأعداء، فهو يشعر أن عموم الكفار أفضل منه ومن بني جنسه – وبالأخص في هذا الزمن الذي تفوق فيه الكفار في النواحي المادية – ولذلك فهو يقلدهم في جميع الأمور، حتى في الأمور التي لا فائدة منها، بل إنه يقلدهم في","vol":"1","page":88},{"text":"أمور يعلم هو ضررها، فهو كالبعير المقطور – أي المربوط – رأسه في ذنب بعير آخر، فيسير خلفه ويطأ على ما يطأ عليه، ويبول على رأسه، وهذا منتهى الضلال والضياع والخسران.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>٦- قلة الحياء وسلاطة اللسان</span>، قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب: ١٨، ١٩] .\n* * *","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>منقصات التوحيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الفصل الأول: الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>تمهيد</span>\n...\nالباب الثالث\nمنقصات التوحيد\nالفصل الأول\nالوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر\nلما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عُصي اللهُ به؛ حرَّم الله ورسوله ﷺ كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سببًا في وقوع المسلم فيه.\nفالرسول ﷺ كان حريصًا على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سببًا في هلاكها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨] .\nوقال أبو ذر ﵁: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله ﷺ: \" ما بقي شيء يقرّب من الجنة ويباعد من النار إلا بين لكم \".\nوثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحّمون فيها \". رواه البخاري ومسلم.\nفالرسول ﷺ حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على","vol":"1","page":90},{"text":"الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئًا فشيئًا حتى يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية – إن استطاع إلى ذلك سبيلًا – فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.\nوسأبيِّن – إن شاء الله – ثلاثًا من أهم الوسائل التي توصل إلى الشرك وتوقع المسلم فيه، والتي حذر منها نبينا محمد ﷺ، في المباحث الآتية:","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول: الغلو في الصالحين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>١- المبالغة في مدحهم</span>.\n...\nالمبحث الأول: الغلو في الصالحين:\nلقد حذر النبي ﷺ من الغلو على وجه العموم، فقال ﷺ: \" إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو \".\nوثبت أن الغلو في الصالحين كان هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ – أنه أخبر عن أصنام قوم نوح أنها صارت في العرب، ثم قال: \"أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم، عُبدت\".\nولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التساهل في هذا الباب؛ لئلا يؤدي به أو يؤدي بمن يراه أو يقلده أو يأتي بعده إلى الوقوع في الشرك الأكبر.\nومن أنواع الغلو المحرم في حق الصالحين والذي يوصل إلى الشرك:\nأولًا: المبالغة في مدحهم، كما يفعل كثير من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثير من الصوفية، وقد أدت هذه المبالغة بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في الشرك الأكبر في الربوبية، وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء","vol":"1","page":91},{"text":"يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، مع أنه ليس لديهم دليل واحد يتمسكون به في هذا الغلو، سوى أحاديث مكذوبة أو واهية ومنامات، وما يزعمونه من الكشف إما كذبًا، وإما من أثر تلاعب الشيطان بهم، وقد أدى بهم هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضًا، فدعوا الأموات من دون الله، واستغاثوا بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.\nوقد حذَّر النبيُّ ﷺ من الغلو في مدحه ﵊، فقال: \" لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله \" رواه البخاري، وإذا كان هذا في حقه ﷺ فغيره من البشر أولى أن لا يزاد في مدحهم، فمن زاد في مدحه ﷺ أو في مدح غيره من البشر فقد عصى الله تعالى","vol":"1","page":92},{"text":"ثانيًا: تصوير الأولياء والصالحين: من المعلوم أن أول شرك حدث في بني آدم سببه الغلو في الصالحين بتصويرهم، كما حصل من قوم نوح ﵇، وقد سبق ذكر قول ابن عباس - ﵄ - في ذلك في مقدمة هذا المبحث.\nولخطر التصوير وعظم جرم فاعله وردت نصوص شرعية فيها تغليظ على المصورين، وتدل على تحريم التصوير لذوات الأرواح بجميع صوره وأشكاله (١) .\n_________\n(١) وقد اختلف علماء هذا العصر في حكم التصوير الفوتوغرافي، وهو التصوير بالآلة (الكمرة)، وكثير من العلماء المعاصرين يرون تحريمه، ويرون أنه لا يجوز منه إلا","vol":"1","page":92},{"text":"..........................................................\n_________\nما له ضرورة أو حاجة، كالتصوير من أجل الحفيظة ونحو ذلك، وعلى رأسهم شيخ مشايخنا الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة الأسبق، وأعضاء اللجنة الدائمة بهيئة كبار العلماء بالمملكة، وفي مقدمتهم شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا النوع ليس من التصوير المحرم.\nوإليك قول أفضل من وقفت على قوله ممن فصَّل في هذه المسألة من أصحاب هذا القول – وهو شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين – فقد قال في القول المفيد: باب ما جاء في المصورين ٢/٤٣٩، ٤٤٠، عند ذكره الخلاف في هذه المسألة: \"القول الثاني: أنها ليست بتصوير، ولكن يبقى النظر هل يحل هذا الفعل أو لا؟ والجواب: إذا كان الغرض محرمًا كان حرامًا، وإذا كان الغرض مباحًا صار مباحًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وعلى هذا فلو أن شخصًا صور إنسانًا لما يسمونه بالذكرى فإن ذلك محرم ولا يجوز؛ لما فيه من اقتناء الصور؛ لأنه لا شك أن هذه صورة، ولا أحد ينكر ذلك، وإذا كان لغرض مباح كما يوجد في التابعية والرخصة والجواز وما أشبهه فهذا يكون مباحًا\"، وقال أيضًا كما في فتاواه جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٤٩: \"إذا كان الغرض من هذا الالتقاط هو أن يقتنيها الإنسان ولو للذكرى صار ذلك الالتقاط حرامًا، وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، واقتناء الصور للذكرى محرم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت، وأما تعليق الصور على الجدران فإنه محرم ولا يجوز، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة\".\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن التصوير السينمائي – وهو التصوير الفلمي – والتصوير التلفزيوني ليسا من التصوير المحرم أيضًا، وذهب بعض العلماء إلى","vol":"1","page":93},{"text":"ومن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷺ: \" إنّ أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون \". رواه البخاري ومسلم، وروى البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عباس - ﵄ – أنه أتاه رجل فقال: إني رجلٌ أصوّر هذه الصور، فأفتني فيها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم \". وقال: إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له.\n_________\n= القول بتحريمهما لعموم النصوص، واستثنى بعضهم ما كان لمصلحة شرعية كبعض مسائل التعليم والدعوة ونحو ذلك.\nولذلك كله فإنه ينبغي لأهل التوحيد الحريصين على محاربة الشرك ومحاربة كل ما هو وسيلة إليه أن يحذروا من التساهل في أمر التصوير، وبالأخص تصوير كبار أهل العلم ومن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس من أهل الخير والصلاح، فالتساهل في هذا الأمر خطير، والزلل فيه كبير.\nوكثير من المسلمين يتساهل في أمر التصوير الفوتوغرافي والسينمائي مع أنهم لم يبذلوا الجهد في معرفة القول الصحيح في ذلك، وكثير منهم ليس من أهل العلم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، وإنما يقلد غيره من أقرانه، أو يتمسك بقول بعض المفتين، ومن المعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يختار من أقوال أهل العلم ما تهواه نفسه، فإن هذا من اتباع الهوى، ومن تتبع رخص الفقهاء، وليس من اتباع الشرع، وقد نصَّ أهل العلم على تحريم تتبُّع رخص الفقهاء، وغلظوا القول في حق من يستكثر من ذلك، والذي يجب على المقلد أن يتبع أقوال أفضل العلماء دينًا وعلمًا في جميع المسائل، كما نص على ذلك أهل العلم. ينظر: إعلام الموقعين \"الفتوى: الفائدة ٦٦\" ٤/٢٦١، الأصول من علم الأصول: الاجتهاد: مواضع التقليد ص١٠٠.","vol":"1","page":94},{"text":"وثبت عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي: \"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\". رواه مسلم.\nولذلك فإنه ينبغي للمسلم ألا يتساهل في أمر التصوير بجميع أنواعه، سواء منه ما كان مجسمًا، كالتماثيل وغيرها مما له ظل – وهو أشد حرمة وأعظم إثمًا– أم ما كان على ورق أو جدار أو خرقة أو غيرها، ويعظم خطر التصوير إذا كان المصوَّر من كبار أهل العلم، أو ممن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس.\nقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: \"التصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال، وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ... فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصًا إذا كان المصوّر له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصًا إذا عُظمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان، فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال ولو بعد حين، ثم هذا فيه أيضًا فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله\".","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الثاني: التبرك الممنوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>١- تبرك مشروع</span>.\n...\nالمبحث الثاني: التبرك الممنوع:\nالتبرك: طلب البركة، والبركة: كثرة الخير وزيادته واستمراره.","vol":"1","page":95},{"text":"والتبرك ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين:\nأ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلبًا للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه، ومنه التبرك بالمسجد الحرام بالصلاة فيه ليحصل على فضيلة مضاعفة الصلاة فيه، فهذا من بركة المسجد الحرام.","vol":"1","page":96},{"text":"ب- تبرك ممنوع:\nوهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:\n١- تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به – وهو المخلوق – يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالًا؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: \" البركة من الله \"، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.\n٢- تبرك بدعي: وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.\nوهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر كما سيأتي بيانه.","vol":"1","page":96},{"text":"وهذا القسم من التبرك – وهو التبرك البدعي – ينقسم إلى ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: التبرك الممنوع بالأولياء والصالحين:\nوردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي ﷺ، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك.\nأما غير النبي ﷺ من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁ ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره ﷺ من الصالحين دليل صريح على عدم مشروعيته.\nومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:\nأ- التمسح بهم ولبس ثيابهم أو الشرب بعد شربهم طلبًا للبركة.\nب- تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلبًا للبركة.\nالنوع الثاني: التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.\nومن أمثلة هذه الأشياء:\n١- الأماكن التي مر بها النبي ﷺ، أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد","vol":"1","page":97},{"text":"لها لذاتها، وإنما لأنه ﷺ كان موجودًا في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.\nومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي ﷺ ولد فيه - مع أنه مختلف في مكان ولادته ﵊ اختلافًا كثيرًا - ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك - مع أن كثيرًا من ذلك لم يثبت -.\nفلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.\nولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئًا من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما ولا أن أحدًا منهم قصدها للتعبد لله فيها.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى \" رواه البخاري ومسلم، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج","vol":"1","page":98},{"text":"ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيَعًا، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض\".\n٢- التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلًا، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبيًا نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبيًا اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصًا اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلبًا للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.\nولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره محرم بإجماع أهل العلم، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ: \" الله أكبر، هذا","vol":"1","page":99},{"text":"كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٨]، ثم قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم \".\nومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركًا، حتى مقام إبراهيم الخليل – ﵇ – لا يشرع تقبيله مطلقًا مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه - ﵇ -، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم.\nومسح الحجر الأسود وتقبيله وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي ﷺ، ولذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر الأسود: \"إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك\" رواه البخاري ومسلم.\nالنوع الثالث: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة:\nوردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كماء زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.\nوالتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان أو الأماكن أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في","vol":"1","page":100},{"text":"الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي ﷺ وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، ومثله أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو بجمعه والاحتفاظ به.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها وبناء الغرف أو المساجد عليها</span>\n...\nالمبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها، وإسراجها، وبناء الغرف فوقها، وبناء المساجد عليها، وعبادة الله عندها.\nوقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن هذه الأمور كلها، ومنها:\n١- ما رواه جندب بن عبد الله – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \" ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك \" رواه مسلم.\n٢- ما رواه ابن مسعود – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: \" إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد \".\n٣- ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عباس - ﵃ – قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: \" لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \" يحذِّر مثل ما صنعوا. قالت عائشة - ﵂ -: \"ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي، أن يتخذ مسجدًا\".","vol":"1","page":101},{"text":"رواه البخاري ومسلم.\n٤- ما رواه أبو الهياج الأسدي – ﵀ – قال: قال لي علي بن أبي طالب - ﵁ -: \"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أنْ لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\". رواه مسلم.\n٥- ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ – قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه مسلم.\nولهذه الأحاديث شواهد كثيرة من أحاديث جمع من الصحابة بلغت حد التواتر.\nومعنى اتخاذ القبور مساجد: بناء المساجد عليها، ويدخل فيه أيضًا جعلها مكانًا للصلاة ولو لم يبن عليها أو بينها مسجد، ويشمل السجود على القبر، ويشمل الصلاة إليه وجعله في قبلة المصلي، ويشمل قصد الصلاة والدعاء والذكر عنده.\nوقد وردت أحاديث فيها النص على النهي عن هذه الأمور بخصوصها، ومنها:\n١- ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها \" رواه مسلم.\n٢- ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ – أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها.\n٣- ما رواه ابن عباس مرفوعًا: \"لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر\".","vol":"1","page":102},{"text":"وورد في الأحاديث أيضًا النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيدًا، والعيد المكاني هو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة.\nومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم \"، وإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر.\nولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي ﷺ وتنوع الوعيد الوارد فيها فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها.\nكما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعًا أكثر من شبر أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما، وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها.\nكما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر، وقال كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها.\nوأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صورة القبر من المسجد، وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها.\nوأجمعوا أيضًا على أن الذهاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى عندها، أو","vol":"1","page":103},{"text":"بغير ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها.\nوأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقربًا إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم.\nوذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب.\nوحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر.\n* * *","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفصل الثاني: الشرك الأصغر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الأول: تعريفه وحكمه</span>\n...\nالفصل الثاني\nالشرك الأصغر\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريفه وحكمه:\nسبق تعريف الشرك في اللغة عند الكلام على تعريف الشرك الأكبر.\nأما تعريفه في الاصطلاح، فهو: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر.\nأما حكمه فيتلخص فيما يأتي:\n١- أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد.\n٢- أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الخروج من دين الإسلام.\n٣- أنه إذا صاحب العمل الصالح أبطل ثوابه، كما في الرياء وإرادة الإنسان الدنيا وحدها بعمله الصالح، والدليل قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\". رواه مسلم.\n* * *","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الثاني: أنواع الشرك الأصغر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية</span>\n...\nالمبحث الثاني أنواع الشرك الأصغر:\nللشرك الأصغر أنوع كثيرة، أشهرها:\nالنوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية:\nومن أمثلة هذا النوع:\nالمثال الأول: الرياء:\nالرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه.\nوفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم.\nفمن أراد وجه الله والرياء معًا فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلًا سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة.\nوالرياء له صور عديدة، منها:\n١- الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود.\n٢- المراءاة بالقول، كسَرْدِ الأدلة إظهارًا لغزارة العلم، ليقال: عالِم.\n٣- المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياءً.","vol":"1","page":106},{"text":"وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه، منها حديث محمود بن لبيد ﵁ مرفوعًا: \" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر \"، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \" الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاءً؟ \".\nوحديث محمود بن لبيد ﵁ الآخر، قال: خرج النبي ﷺ فقال: \" أيها الناس! إياكم وشرك السرائر \". قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: \" يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر \". وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جرئ، ورجل تعلّم العلم وعلّمه أو قرأ القرآن ليقال: عالم أو قارئ، ورجل تصدَّق ليُقال: جواد. رواه مسلم.\nولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:\n١- تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.\n٢- التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية،","vol":"1","page":107},{"text":"ليكون ذلك حرزًا له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه جل وعلا، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضًا مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.\n٣- الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أنه يعيذه من شر نفسه ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.\n٤- تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.\n٥- التفكُّر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسَّفَلة؛ لأنه يضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة ونجاته من عذاب القبر وشدة القيامة وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سُئل الإمام مالك ﵀: مَنِ السَّفَلة؟ قال: \"من أكل بدينه\".\n٦- الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المدّاحين وأهل الرياء، ونحو ذلك.\nوفي ختام الكلام على مسألة الرياء يحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يرمي مسلمًا آخر بالرياء، فإن الرياء من أعمال القلوب ولا","vol":"1","page":108},{"text":"يعلمه إلا علاّم الغيوب، واتهام المسلمين بالرياء هو من أعمال المنافقين، والأصل في المسلم السلامة، وأنه إنما أراد وجه الله، وأيضًا فإن المسلم يندب له في بعض المواضع أن يظهر عمله للناس، إذا أمن على نفسه من الرياء، كما إذا أراد أن يُقتدى به في الخير، فليس كل من حرص على إظهار عمله للناس يعتبر مرائيًا.\nالمثال الثاني: من أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا:\nالمراد بهذا النوع: أن يعمل الإنسان العبادة المحضة ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة.\nوإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة، أهمها:\n١- أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر، ويبطل العمل الذي يصاحبه.\nومن الأدلة على تحريم هذا القسم وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه:\nأ- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] .","vol":"1","page":109},{"text":"ب- حديث عمر ﵁ مرفوعًا: \" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه \". رواه البخاري ومسلم.\nج- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \" من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة \". يعني ريحها.\n٢- أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة وللتبرد، وكمن يطلب العلم لوجه الله وللوظيفة، فهذا الأقرب أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها، ولأن الله رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠-١٢]، والنصوص في هذا المعنى كثيرة، فهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معًا بالعبادة؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذكرت على سبيل الترغيب في هذه العبادات.\nوهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة يُنقص منه بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا.","vol":"1","page":110},{"text":"المثال الثالث: من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: الاعتماد على الأسباب:\nالسبب لغة: الحبل، ويطلق على \"كل شيء يُتوصل به إلى غيره\" استعير من الحبل الذي يتوصل به إلى الماء.\nوفي الاصطلاح هو: الأمور التي يفعلها الإنسان ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرهوب في الدنيا أو في الآخرة.\nفمن الأسباب في أمور الدنيا: البيع والشراء أو العمل في وظيفة ليحصل على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلمًا، أو لتحصل له منفعة دنيوية كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من مرض، ونحو ذلك.\nومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة والنجاة من النار، ونحو ذلك.\nوالذي ينبغي للمسلم في هذا الباب هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة، مع توكله على الله تعالى، واعتقاد أن هذا الأمر إنما هومجرد سبب، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله تعالى، إن شاء نفع بهذا السبب، وإن شاء أبطل أثره.\nأما إن اعتمد الإنسان على السبب فقد وقع في الشرك، لكن إن اعتمد عليه اعتمادًا كليًا، مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله فقد وقع في","vol":"1","page":111},{"text":"الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبّب الأسباب جل وعلا.\nالمثال الرابع من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: التَّطَيُّر:\nالتطيُّر في الاصطلاح: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غيرهما.\nومعنى ذلك أن يكون الإنسان قد عزم على أمر ما، فيرى أو يسمع أمرًا لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.\nويلحق بالتطيُّر في الحكم: عكسه، بأن يرى أو يسمع أمرًا يسر به، فيحمله على فعل أمر لم يكن عازمًا على فعله.\nومن أمثلة التطيُّر: ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفرًا زجر أو أثار طيرًا، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل، فعزم على السفر، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم، وترك هذا السفر، وقد كثر استعمال أهل الجاهلية للطيور في هذا الأمر حتى قيل لكل من تشاءم \"تطيَّر\"، ومن أمثلة التشاؤم أيضًا: التشاؤم بسماع كلمة لا تعجبه كـ \"يا هالك\"، أو بملاقاة عجوز شمطاء، أو برؤية الغراب، أو البوم، أو صاحب عاهة في أول سفره، أو في أول نهاره فيترك هذا السفر، أو يترك البيع والشراء في هذا اليوم، ومن أمثلته: التشاؤم ببعض الأشهر كصفر، والتشاؤم ببعض الأرقام كثلاثة عشر، كما يفعله كثير من أصحاب الفنادق والعمارات وغيرهم في هذا العصر، فتجد بعضهم لا يضع هذا الرقم في أدوار العمارة أو في المصعد أو في مقاعد الطائرات، ونحو ذلك تشاؤمًا.","vol":"1","page":112},{"text":"والتطيّر محرم، وشرك أصغر. ومثله: الفعل الذي يقدم عليه العبد أو يعزم عليه لرؤيته أو سماعه ما يسر به - كما سبق - ويستثنى منه الفأل الحسن، وهو: أن يكون الإنسان قد عزم على أمر معين فيرى أو يسمع أمرًا حسنًا من غير قصد له، فيسر به ويستبشر به، ويزيده ذلك اطمئنانًا بأن ما كان قد عزم على فعله سيكون فيه خير وبركة بمشيئة الله تعالى، ويعظم رجاؤه في الله تعالى في تحقيق هذا الأمر، من غير اعتماد على هذا الفأل، فهذا حسن، فالفأل حسن ظن بالله تعالى، ورجاء له، وباعث على الاستعانة به، والتوكل عليه، وعلى سرور النفس، وانشراح الصدر، وهو مسكن للخوف، باعث للآمال، والطيرة على النقيض من ذلك: فهي سوء ظن بالله، وتوكل على غيره، وقطع للرجاء، وتوقع للبلاء، وقنوط للنفس من الخير، وهو مذموم وباطل شرعًا وعقلًا.\nوقد وردت أدلة كثيرة تدل على بطلان التطير، وتحريمه، ومن ذلك ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" الطيرة شرك \".\nومما يدل على تحريم الطيرة أيضًا وإباحة الفأل: ما رواه عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: \"أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم: لا يأتِ بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك \"، وقوله ﷺ: \" لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الحسن \" قالوا: وما الفأل؟ قال: \" الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم \". رواه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":113},{"text":"قال الحافظ ابن رجب بعد ذكره أن التشاؤم باطل شرعًا وعقلًا، قال: \"وفي الجملة فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليُمن هو طاعة الله وتقواه كما قيل:\nإنَّ رأيًا دعا إلى طَاعةِ ... اللهِ لَرَأيٌ مُبارَكٌ مَيمُونُ\nوالعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسِّن المعصية ويزيِّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضر من شياطين الجن، قال بعض السلف: شيطان الجن تستعيذ بالله منه فينصرف، وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث: \" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل \"، وفي حديث آخر: \" لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي \"، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم ينكر عليه عمله فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عمومًا\".","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>النوع الثاني: الشرك الأصغر في الأفعال</span>\n...\nالنوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في الأفعال:\nومن أمثلة هذا النوع:\nالمثال الأول: الرقى الشركية.\nالرُّقى في الاصطلاح: الأمور التي يعوَّذ بها لرفع البلاء أو دفعه.\nوالرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة","vol":"1","page":114},{"text":"في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه، أو يعيذه منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالبًا يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يُصبُّ على بدنه، وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض.\nوالرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:\nالنوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرُّقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم على جوازها في الجملة.\nويشترط في هذه الرقية أيضًا أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى.\nوالدليل على استحباب الرقية في حق المرقي: ما رواه البخاري عن","vol":"1","page":115},{"text":"عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه ب: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.\nوالدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: \" من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل \".\nالنوع الثاني: الرُّقى المحرمة:\nومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر، وإن اعتمد عليها اعتمادًا كليًا حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة.\nوالدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ: \" إن الرقى والتمائم والتولة شرك \"، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: \" أعرضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك \". رواه مسلم.","vol":"1","page":116},{"text":"ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى، أو كانت من كافر كتابي أو غيره.\nالمثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأفعال: التمائم الشركية:\nالتمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خرزة كانت تُعلّق على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها، وكأنّ العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب.\nوفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه.\nومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهّال على أولادهم يعتقدون أنها سبب لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ\"محمد\" عقدًا للعلاج من بعض الأمراض، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق","vol":"1","page":117},{"text":"على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض.\nوهذه التمائم كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله ﷺ: \" إن الرقى والتمائم والتولة شرك \"، ولقوله ﷺ: \"من علق تميمة فقد أشرك\"، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيرًا في الشفاء، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد سواه جل وعلا.\nلكن إن اعتقد متخذ هذه التمائم أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلّق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.\nويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية \"الرقى\" في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها، والأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:\n١- أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم، ولم يأتِ حديث واحد في استثناء شيء منها.\n٢- أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز","vol":"1","page":118},{"text":"إحداث عبادة لا دليل عليها.\n٣- أن في تعليقها تعريضًا للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة.\n٤- سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلُّق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الأخرى المقطوع بتحريمها من التمائم الشركية وغير الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال:</span>\nومن أمثلة هذا النوع:\nالمثال الأول: الحلف بغير الله:\nالحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّرًا بحرف من حروف القسم.\nوفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى مصدرًا بحرف من حروف القسم.\nوقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تا لله، واختلفوا فيما عدا ذلك.\nواليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ: \" ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله، وإلا فليصمت \". متفق عليه، فمن حلف","vol":"1","page":119},{"text":"بغير الله سواء أكان نبيًا أم وليًا أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ: \" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك \"، ولأن الحلف فيه تعظيم للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنًا من كان، فقد جعله شريكًا لله ﷿ في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به ﷾.\nوهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتًا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى.\nالمثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ \"الواو\".\nالعطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها، كأن يقال: \"ما شاء الله وشئت\"، أو يقال: \"هذا من بركات الله وبركاتك\"، أو يقال: \"ما لي إلا الله وأنت\"، أو يقال: \"أرجو الله وأرجوك\"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] قال","vol":"1","page":120},{"text":"ابن عباس ﵄: \" الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها \"فلان\"، فإن هذا كله به شرك \"، وما روته قتيلة بنت صيفي - ﵂ - أن يهوديًا أتى النبي ﷺ، فقال: \"إنكم تندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة\"، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت. فأقر النبي ﷺ هذا اليهودي على تسمية هذا العطف شركًا، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ \"الواو\" ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر.\nالمثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء:\nالأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجمًا، كنجم الثريا، ونجم الحوت.\nفالاستسقاء بالأنواء: أن يُطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل","vol":"1","page":121},{"text":"فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث.\nوالاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقدًا أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جلّ وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع.\nالقسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقدًا أن الله جعل هذا النجم سببًا في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فالله تعالى لم يجعل شيئًا من النجوم سببًا في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.\nوقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:\n١- ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: \"أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا\". قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تُكذّبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى","vol":"1","page":122},{"text":"غير الله تعالى.\n٢- ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: \" هل تدرون ماذا قال ربكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \" أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب \". وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر.\n٣- ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: \" أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة \".\nهذا وإذا قال المسلم: \"مُطرنا بنوء كذا وكذا\" ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم، معتقدًا أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالًا ولا تسببًا فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم.\nوقيل: مكروه. وقيل: مباح، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: \"مطرنا بفضل الله ورحمته\"، أو يقول: \"هذه رحمة الله\"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما","vol":"1","page":123},{"text":"أن يقول: \"هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا\"، أو يقول: \"مطرنا في نوء كذا\"، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول \"مطرنا بنوء كذا\" أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:\n١- أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقًا بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفرًا بالله تعالى، وإيمانًا بالكوكب.\n٢- أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يُؤدي بجُهَّالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء.\n٣- أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد.\n٤- أن فيه استبدالًا للفظ المندوب إليه شرعًا في هذه الحال، وهو قول: \"مطرنا بفضل الله ورحمته\" بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبّهٌ بالمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم.\nوقريب من لفظ \"مطرنا بنوء كذا وكذا\" ما يشبهه من الألفاظ الموهمة، كلفظ \"هذا مطر الوسمي\"، ونحو ذلك.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>خاتمة فصل الشرك الأصغر</span>\n...\nهذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوهما، ومنها التسمّي بأسماء الله تعالى، ومنها التسمِّي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما، ومنها بعض صور التبرك البدعي، ومنها","vol":"1","page":124},{"text":"التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم، ومنها سبّ الدهر، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة.\n* * *","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصل الثالث: الكفر الأصغر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الأول: تعريفه وحكمه</span>.\n...\nالفصل الثالث\nالكفر الأصغر\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريفه وحكمه:\nالكفر الأصغر هو: كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا ولم تصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة.\nفكل معصية ورد في الشرع أنها كفر أو أن من فعلها كفر ولم تصل إلى درجة الكفر الأكبر المخرج من الملة فهي كفر أصغر، وبعض أهل العلم يطلق عليه اسم \"كفر دون كفر\"، وبعضهم يطلق عليه اسم \"كفر النعمة\"، وهو تسمية له بمثال من أشهر أمثلته.\nوحكم هذا الكفر: أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه من أعمال الكفار التي حرمها الإسلام، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المبحث الثاني: أمثلته:</span>\nللكفر الأصغر أمثلة كثيرة، أهمها:\n١- كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله تعالى عليه، ومنه أن ينكر معروفًا أسداه إليه أحد المخلوقين، ومن أوضح الأدلة على هذا المثال ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس – ﵄ – في ذكر صلاة الكسوف، وفيه أن النبي ﷺ قال: \" وأُريت النار، فلم أرَ منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها","vol":"1","page":126},{"text":"النساء \" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: \" بكفرهن \"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: \" يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط \".\n٢- قتال المسلم لأخيه المسلم، ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: \" سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر \".\n٣ و٤- الطعن في أنساب الآخرين، والنياحة على الميِّت، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: \" اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت \".\n٥- إباق العبد - أي هروبه - عن سيده، ففي صحيح مسلم عن جرير قال: \" أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم \".\n٦- انتساب الإنسان لغير أبيه، ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ مرفوعًا: \" ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر \".\n* * *","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الفصل الرابع: النفاق الأصغر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الأول: تعريفه وحكمه</span>\n...\nالفصل الرابع\nالنفاق الأصغر\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريفه وحكمه:\nالنفاق الأصغر هو: أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره.\nفكل من فعل أو قال قولًا مشروعًا واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، وقد أبطن ضد ما أظهره فقد فعل خصلة من خصال النفاق الأصغر، ويسميه بعض أهل العلم \"النفاق العملي\" لأنه يتعلق بالأعمال، وليس في الاعتقاد، وأطلق عليه بعض أهل العلم أيضًا \"نفاقًا دون نفاق\". وحكم هذا النفاق أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، ومن فعل خصلة من خصاله فقد تشبّه بالمنافقين، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام بإجماع أهل العلم.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الثاني: خصاله وأمثلته:</span>\nللنفاق الأصغر خصال كثيرة، أهمها:\n١- أن يكذب في كلامه متعمدًا، ومن يسمع كلامه مصدق له.\n٢- أن يعدَ وفي نيته وقت الوعد أن لا يفي بما وعد به، ثم لا يفي فعلًا بهذا الوعد.","vol":"1","page":128},{"text":"٣- أن يخاصم غيره، ويفجر في خصومته، بأن يعدل عن الحق إلى الباطل متعمدًا، فيدّعي ويحتج بالباطل والكذب، ليأخذ ما لا يجوز له أخذه.\n٤- أن يعاهد غيره بعهد، وفي نيته وقت العهد أن لا يفي به، ثم لا يفي فعلًا بهذا العهد.\nوالدليل على كون هذه الخصال الأربع من النفاق الأصغر: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: \" أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر \".\n٥- الخيانة في الأمانة، وذلك بأن يأخذ الأمانات من الآخرين وفي نيته وقت أخذها أن يجحدها، ثم لا يؤدّيها إليهم، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان \".\n٦- الرياء في الأعمال الصالحة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" أكثر منافقي أمّتي قراؤها \".\nوالمراد بنفاق القراء: الرياء.\n٧- إعراض المسلم عن الجهاد، وعدم تحديث نفسه به، فقد روى مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: \" من مات ولم يغز ولم يحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق \".","vol":"1","page":129},{"text":"٨- إظهار مودة الغير، والتقرب إليه بما يحب، مع إضمار بغضه، أو التكلّم فيه في غيبته بما لا يرضيه، فقد روى البخاري عن محمد ابن زيد ابن عبد الله بن عمر، قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نَعُدُّ هذا نفاقًا.\nوبالجملة فإن من اجتمعت فيه أكثر خصال هذا النفاق، واستمر عليها فهو على خطر عظيم، ويُخشى أن يقع في النفاق الأكبر، ولذلك خاف أصحاب النبي ﷺ كعمر وحنظلة، وغيرهم، وخاف السلف الصالح على أنفسهم من الوقوع في النفاق الأصغر.\n* * *","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الفصل الخامس: البدعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الأول: تعريفها</span>\n...\nالفصل الخامس\nالبدعة\nالبدعة في اللغة: مصدر \"بدع\"، وهو: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق، وإحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر.\nفالبدعة لغة: خلاف السنة، وهي اسم لما ابتدع في الدين وغيره.\nوالبدعة في الاصطلاح الشرعي: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك تعبّد به لله تعالى، وليس في الشرع ما يدل على مشروعيته.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الثاني: أقسامها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>القسم الأول: البدعة الاعتقاية</span>\n...\nوالبدعة تنقسم بحسب متعلقها إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: البدعة الاعتقادية:\nوهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله به وأخبر به رسوله ﷺ.\nومن أمثلة هذه البدعة: بدعة التمثيل أو التعطيل، وبدعة نفي القدر أو القول بالجبر، والابتداع باستعمال علم الكلام والاعتماد على العقل البشري وكاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون ونحو ذلك.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>القسم الثاني: البدعة العملية:</span>\nوهي التعبد لله بغير ما شرع، وذلك بإحداث عبادة لم تُشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة، أو الإتيان بالعبادة على صفة محدثة، أو المواظبة على عبادة مشروعة في وقت معين، مع أنه لم يرد دليل شرعي على مشروعيتها في هذ الوقت.\nومن أمثلة هذه البدعة: البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد لله تعالى بها، ونحوذ لك.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>السم الثالث: بدعة الترك</span>\n...\nالقسم الثالث: بدعة الترك:\nوهي ترك المباح أو ترك ما طلب فعله تعبدًا.\nومن أمثلة هذه البدعة: ترك أكل اللحم تعبُّدًا، وترك الزواج تعبُّدًا.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث الثالث: حكمها</span>\n...\nوقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم البدع والتغليظ على مبتدعها وفاعلها، ومن أهمها قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ – قال: كان النبي ﷺ يقول في خطبته: \" أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة \" رواه مسلم، وما رواه العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة \"، وما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: \" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد \". رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: \" من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد \". وما رواه أنس بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي ﷺ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: \" أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني \" رواه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث الرابع: التفصيل في بيان بدعتين من أخطر البد العملية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>١- التوسل البدعي</span>.\n...\nوالبدع كثيرة، وقد سبق ذكر كثير منها، وسأذكر بشيء من التفصيل بدعتين من أخطر البدع العملية، وأكثرها وقوعًا والتي لا تصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكن أدى ابتداعهما والتساهل بهما إلى الوقوع فيه فيما يلي:\nالبدعة الأولى: التوسل البدعي:\nالتوسل في الاصطلاح له تعريفان:\nالأول: تعريف عام: وهو التقرب إلى الله تعالى بفعل المأمورات وترك المحرمات.\nالثاني: تعريف خاص بباب الدعاء: وهو أن يذكر الداعي في دعائه ما يرجو أن يكون سببًا في قبول دعائه، أو أن يطلب من عبد صالح أن يدعو له.\nوالتوسل في أصله ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التوسل المشروع:\nوهذا القسم يشمل أنواعًا كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:\n١- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٨٠] .\nوذلك بأن يدعو الله تعالى بأسمائه كلها، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي، أو أن يدعو الله تعالى باسم معين من أسمائه تعالى يناسب ما يدعو به، كأن يقول: اللهم يا رحمن ارحمني، أو أن يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم أن ترحمني.","vol":"1","page":133},{"text":"أو أن يدعو الله تعالى بجميع صفاته، كأن يقول: \"اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن ترزقني رزقًا حلالًا\" أو أن يدعوه بصفة واحدة من صفاته تعالى تناسب ما يدعو به، كأن يقول: \"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني\"، أو يقول مثلًا: \"اللهم انصرنا على القوم الكافرين إنك قوي عزيز\".\n٢- الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد ﷺ في بداية الدعاء، لما ثبت عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على نبيه ﷺ، فقال: \" عجل هذا \"، ثم دعاه فقال له: \" إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء \"، قال: وسمع رسول الله ﷺ رجلًا يصلي فمجَّد الله وحمده، وصلى على نبيه محمد ﷺ، فقال ﵊: \" ادع تجب، وسل تعط \".\nومن ذلك أن يثني على الله تعالى بكلمة التوحيد \"لا إله إلا الله\"، التي هي أعظم الثناء على الله تعالى، كما توسل بها يونس ﵇ في بطن الحوت، ثم يصلي على النبي ﷺ، فيقول في توسله مثلًا: \"لا إله إلا الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي\".\nومن ذلك سورة الفاتحة، فشطرها الأول ثناء على الله تعالى، وآخرها دعاء.\n٣- أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٩]، وكما في","vol":"1","page":134},{"text":"قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملًا بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه: \"اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه\".\nومن ذلك أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمحبتي لك ولنبيك محمد ﷺ ولجميع رسلك وأوليائك أن تنجيني من النار، أو يقول: اللهم إني صمت رمضان ابتغاء وجهك فارزقني السعادة في الدنيا والآخرة.\n٤- أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [سورة القصص: ٢٤]، فهو ﵇ توسل إلى ربه جل وعلا باحتياجه للخير أن ينزل عليه خيرًا.\nومن ذلك قول الداعي: اللهم إني ضعيف لا أتحمل عذاب القبر ولا عذاب جهنم فأنجني منهما، أو يقول: اللهم إني قد آلمني المرض فاشفني منه.\nويدخل في هذا الاعتراف بالذنب وإظهار الحاجة لرحمة الله ومغفرته، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] .\n٥- التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له.","vol":"1","page":135},{"text":"كما في قول أبناء يعقوب ﵈ له: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [سورة يوسف: ٩٧]، وكما في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو بنزول المطر، فدعا ﷺ، وكما في قصة المرأة التي طلبت منه ﵊ أن يدعو الله لها بأن لا تتكشف، وكما طلب عمر - ومعه الصحابة - في عهد عمر من العباس أن يستسقي لهم، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر.\nفهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك.\nالقسم الثاني: التوسل الممنوع:\nلما كان التوسل جزءًا من الدعاء، والدعاء عبادة من العبادات، كما ثبت في الحديث: \"الدعاء هو العبادة\"، وقد وردت النصوص الصحيحة الصريحة بتحريم إحداث عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فإن كل توسل لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعيته فهو توسل بدعي محرم، ومن أمثلة هذه التوسلات المحرمة:\n١- أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، كأن يقول: \"اللهم إني أسألك بذات أبينا آدم ﵇ أن ترحمني\".\n٢- أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها.\n٣- أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.","vol":"1","page":136},{"text":"فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات، ولذلك لم يثبت في رواية صحيحة صريحة أن أحدًا من الصحابة أو التابعين توسل إلى الله تعالى بشيء منها، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وقد نقلت عنهم أدعية كثيرة جدًا، وليس فيها شيء من هذه التوسلات، وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ والتابعين على عدم مشروعية جميع هذه التوسلات.","vol":"1","page":137},{"text":"البدعة الثانية: إقامة الأعياد والاحتفالات البدعية:\nشرع الله تعالى لأهل الإسلام عيدين يفرحون فيهما بما أنعم الله به عليهم من إدراك المواسم الفاضلة، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، كما شرع لهم عيدًا ثالثًا وهو يوم الجمعة، وهو يتكرر في كل أسبوع يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة وسماع الذكر في خطبتها – وهو عيد نسبي- فلا يجوز للمسلمين التعبد لله تعالى بإحداث أعياد واحتفالات أخرى تتكرر بتكرر الأيام أو الشهور أو السنين.\nفلا يجوز تخصيص شيء من الأزمنة، سواء من الليالي، أم الأيام، أم الشهور، أم السنين بعبادة أو عبادات معينة لم يرد في الشرع تخصيصها بها، سواء أكانت هذه الأزمان أزمانًا فاضلة أم لا؛ لأن ذلك من البدع المحدثة، ولذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة تخصيص ليلة معينة بعبادة معينة، وهذا إجماع منهم على عدم مشروعيته، بل إنه قد جاء عن بعض الصحابة الإنكار على من خص بعض الشهور بعبادة معينة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.","vol":"1","page":137},{"text":"وقد أحدث كثير من المسلمين في العصور المتأخرة أعيادًا واحتفالات وعبادات في كثير من الأزمان، مع أنه لم يرد دليل صحيح يدل على مشروعيتها، وهذه الأزمنة ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: يوم لم تعظمه الشريعة أصلًا، ولم يحدث فيه حادث له شأن، مثل أول خميس من رجب، وليلة الجمعة التي تليه، فهذا اليوم وهذه الليلة يعظمها بعض الجهال، بصيام نهار ذلك الخميس، وقيام هذه الليلة التي تليه، ويصلون فيها صلاة يسمونها صلاة الرغائب، وكل هذا لا دليل عليه، وهو من البدع المحرمة، وإنما أحدثت هذه الصلاة بعد الأربعمائة، وقد وضع بعضهم حديثًا في فضلها، وهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم، وقد وردت أيضًا أحاديث في فضل صيام بعض أيام رجب، ووردت كذلك أحاديث في فضل الصلاة في بعض أيام أو ليالي رجب، وكل هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة، وقد ثبت عن بعض الصحابة النهي أو الكراهة لتعظيم رجب بصيام أو غيره، وثبت عن بعضهم أن تعظيم شهر رجب من عمل أهل الجاهلية فمن عظمه فقد اقتدى بهم.\nالنوع الثاني: الأيام والليالي التي جاء في الشرع ما يدل على فضلها، مثل يوم عرفة، ويومي العيدين، ويوم عاشوراء، وليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، فهذه الأوقات يستحب أن يفعل فيها من العبادات ما ورد في الشرع ما يدل على مشروعيته فيها، ولا يجوز فيها إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، كصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان التي أحدثت في القرن الخامس الهجري، وكالتعريف بالأمصار في","vol":"1","page":138},{"text":"يوم عرفة، وكالاحتفال في يوم عاشوراء، كما لا يجوز للمسلم تخصيص شيء من هذه الأوقات الفاضلة بعبادة يكررها كلما جاء هذا الوقت الفاضل مما لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، كتخصيص ليلة القدر بعمرة أو بذكر خاص أو بصلاة خاصة يكررها في كل عام.\nالنوع الثالث: الأيام والليالي التي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها.\nومن هذه الأوقات: الليلة التي يقال: إنه حصل فيها الإسراء والمعراج لنبينا محمد ﷺ مع أنه لم يثبت في تحديد هذه الليلة شيء.\nومن هذه الليالي أيضًا الليلة التي يقال: إن النبي ﷺ ولد فيها، مع أنه لم يثبت في تحديد شهر ولادته ولا يومها شيء يعتمد عليه، بل في ذلك خلاف مشهور، وقد جزم وقطع العبيديون الرافضة في القرن الرابع الهجري أن مولده ﷺ في شهر ربيع الأول، مع أنه ليس هناك ما يرجح هذا القول.\nوهذا الشهر قد أصيبت فيه الأمة الإسلامية بأعظم مصيبة، وهي وفاته ﷺ، فقد كانت وفاته ﵊ في شهر ربيع الأول بلا خلاف.\nبل إن العبيديين اختاروا يوم الثاني عشر منه، فأقاموا فيه احتفالًا وقت حكمهم لمصر زعموا أنه من باب الفرح بولادته ﷺ، مع أن هذا اليوم هو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ في قول عامة أهل العلم.","vol":"1","page":139},{"text":"وكان كثير من هؤلاء العبيديين من الملاحدة الحاقدين على الإسلام وعلى رسول الله ﷺ، فقد ادعى بعضهم الألوهية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله العبيدي الذي يؤلهه الدروز إلى الآن، ومنهم أو من أتباعهم: القرامطة، الذين قتلوا الحُجَّاج في عرفات وعند الكعبة المشرفة، وهدموا جزءًا من الكعبة، وأخذوا الحجر الأسود منها، ولم يعيدوه إلا بعد عدة سنوات.\nوالعبيديون هم أول من أقام الاحتفال بالمولد في القرن الرابع الهجري، وكان ذلك سنة ٣٦٣هـ أثناء حكمهم لمصر.\nفلا يُبعد أن هؤلاء العبيديين المنحرفين الذين يجزم بأن بعضهم يبغض النبي ﷺ قد اختاروا شهر ويوم وفاته ﷺ وقتًا لهذا الاحتفال، فرحًا بوفاته ﷺ، وأظهروا للناس أنه للفرح بولادته ﵊.\nوقد اتفق أهل العلم على أن السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة المفضلة، وفي مقدمتهم أصحاب النبي ﷺ لم يفعلوا هذا الاحتفال، ولذلك لم ينقل فعله ولا القول بمشروعيته عن أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة، مع شدة محبتهم للنبي ﷺ وحرصهم على الخير.\nوهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ وجميع سلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، وعلى عدم مشروعية جميع الاحتفالات المحدثة.\n* * *","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الولاء والبراء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الأول: تعريفها وحكمها</span>\n...\nالولاء والبراء\nالمبحث الأول: تعريفهما وحكمهما:\nالولاء في اللغة: المحبة والنصرة، والقرب. والوليّ: المحب والصديق والنصير، وهو ضد العدو. والموالاة والوَلاية: ضد المعاداة.\nوالولاء في الاصطلاح هو: محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين.\nوهذا الولاء يكون في حق المسلم الذي لم يصر على شيء من كبائر الذنوب.\nأما إذا كان المسلم مصرًا على شيء من كبائر الذنوب، كالربا، أو الغيبة، أو إسبال الثياب، أو حلق شعر العارضين والذقن \"اللحية\" أو غير ذلك فإنه يُحبّ بقدر ما عنده من الطاعات، ويبغض بقدر ما عنده من المعاصي.\nوالمحبة للمسلم العاصي تقتضي أن يهجر إذا كان هذا الهجر يؤدي إلى إقلاعه عن هذه المعصية وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله أو من قبل غيره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وأمر الصحابة أن يهجروهم، فلم يكلموهم خمسين يومًا. متفق عليه.\nكما أن المحبة للمسلم العاصي تقتضي مناصحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ليفعل الخير ويجتنب المعصية، فينجو من شقاء الدنيا","vol":"1","page":141},{"text":"وعذاب الآخرة، كما تقتضي المحبة للعاصي إقامة الحدود والتعزيرات عليه ليتوب ويرجع إلى الله تعالى، ولتكون تطهيرًا له من ذنوبه.\nوقريب من العاصي: المتهم بالنفاق، فيوالى بقدر ما يظهر منه من الخير، ويعادى بقدر ما يظهر منه من الخبث، وإذا تبين نفاقه وحكم عليه بالنفاق فحكمه في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي بيانه في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.\nأما المبتدعة كالجهمية والقدرية والرافضة والأشاعرة ونحوهم فهم ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: من كان منهم داعيًا إلى بدعته أو مظهرًا لها وكانت بدعته غير مكفِّرة فيجب بغضه بقدر بدعته، كما يجب هجره ومعاداته، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، فلا تجوز مجالسته، ولا التحدث معه إلا في حال دعوته ونصحه، وهذه المجالسة إنما تجوز في حق العلماء خاصة.\nأما من لم يكن من العلماء فلا يجوز له مجالسة المبتدع، ولا أن يسمع كلامه، ولا أن يجادله، ولا أن يقرأ ما يكتبه، لئلا يقع في قلبه شيء من بدعته، ولئلا يؤثر عليه بما يثيره من الشبهات بين الحين والآخر.\nأما السلام على المبتدع والرد عليه إذا سلم فهو جائز، لكن يستحب ترك السلام عليه، وترك إجابة سلامِه إذا كان في ذلك مصلحة، كأن يكون ذلك سببًا في تركه لها، أو ليَعْلَم من حوله قبح عمله وعقيدته، ليحذره العامة، ونحو ذلك.","vol":"1","page":142},{"text":"والقسم الثاني من المبتدعة: من كانت بدعته مكفرة، كغلاة الصوفية الذين يدعون الأموات والمشايخ، وكغلاة الرافضة \"الشيعة الإمامية\" الذين يزعمون أن القرآن محرف أو بعضه غير موجود أو يستغيثون بالمخلوقين، فهؤلاء إذا أُقيمت عليهم الحجة وحكم بكفرهم فحكمهم في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي تفصيله في المبحث الآتي - إن شاء الله تعالى -.\nوالقسم الثالث: من كان يخفي بدعته ولا يدعو إليها ولا يحسِّن شيئًا من ضلالاتها ولا يمدح أهلها ولا يثير بعض الشبه التي تؤيدها فهو كالعاصي المخفي لمعصيته، يجالس ويسلم عليه، ولا يهجر.\nوالبراء في اللغة: التباعد عن الشيء ومفارقته، والتخلص منه، يقال: تبرأت من كذا، فأنا منه براء، وبريء منه.\nوفي الاصطلاح: بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار، وعداوتهم، والبعد عنهم، وجهاد الحربيين منهم بحسب القدرة.\nوحكم الولاء والبراء أنهما واجبان، وهما أصل عظيم من أصول الإيمان.\nفقد وردت أدلة كثيرة جدًا تدل على وجوب موالاة المؤمنين ووجوب البراء من جميع الكافرين من يهود ونصارى وبوذيين وعباد أصنام ومنافقين وغيرهم، وعلى تحريم موالاتهم، حتى قال بعض أهل العلم: \"أما معاداة الكفار والمشركين: فاعلم أن الله ﷾ قد أوجب ذلك وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد","vol":"1","page":143},{"text":"وجوب التوحيد وتحريم ضده\" ولهذا قال النبي ﷺ: \" أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله \".\nومن وأوضح الأدلة على وجوب الولاء للمؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ومن أوضح الأدلة علىوجوب البراء من الكافرين وتحريم موالاتهم قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقد أجمع أهل العلم على وجوب الولاء للمؤمنين وعلى تحريم الولاء للكافرين.\n* * *","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الثاني: مظاهر الولاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الأول: مظاهر الولاء المشروع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>١- محبة جميع المؤمنين</span>.\n...\nالمبحث الثاني: مظاهر الولاء المشروع والولاء المحرم:\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مظاهر الولاء المشروع:\nهناك أمور كثيرة تدخل في الولاء المشروع، وأهم هذه الأمور والمظاهر ما يلي:\n١- محبة جميع المؤمنين في جميع الأماكن والأزمان ومن أي جنسية كانوا من أجل إيمانهم وطاعتهم لله تعالى، وهذه المحبة واجبة على كل مسلم، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم \".\nوينبغي للمسلم الحذر من معاداة أحد من المؤمنين من أجل دنيا أو تعصب قبلي أو مذهبي أو من أجل مشاجرة حصلت بينهما، فإن معاداة المؤمن الذي هو من أولياء الله تعالى حرب لله تعالى، فقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: \" من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب \". رواه البخاري.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٢- نصرة المسلم لأخيه المسلم </span>إذا ظُلم أو اعتدي عليه في أي مكان، ومن أي جنسية كان، وذلك بنصرته باليد، وبالمال، وبالقلم، وباللسان فيما يحتاج إلى النصرة فيه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا \". رواه البخاري، والأمر للوجوب.\nفيجب على المسلم أن ينصر المسلمين إذا اعتدى عليهم الأعداء،","vol":"1","page":145},{"text":"فإذا اعتدى الكفار على بلد من بلاد المسلمين وعجز أهلها عن صد عدوانهم وجب على من يليهم من المسلمين نجدتهم والدفاع عنهم بالأموال والأنفس، وكذلك يجب على المسلم أن يعين أخاه على أخذ حقه ممن ظلمه، وأن يذب عن عرض أخيه المسلم إذا اغتيب أو قدح فيه وهو يسمع، كما يجب على المسلم أن يدافع عن المسلمين بلسانه أو قلمه عندما يقدح فيهم أحد في كتاب أو غيره، وهذا كله من فروض الكفايات.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>٣- مساعدتهم بالنفس والمال </span>عند اضطرارهم إلى ذلك.\nفيجب على المسلم أن يعين أخاه المسلم ببدنه عند اضطراره إلى ذلك، فيجب عليه مثلًا إذا وجده منقطعًا في سفرٍ أن يعينه بإصلاح ما يحتاج إليه لمواصلة سفره، ونحو ذلك، ويجب عليه أن يعينه بماله عند اضطراره إلى ذلك، كأن يكون فقيرًا ولم يجد ما يأكله هو وأولاده فيجب على الأغنياء من المسلمين مساعدته، وهذا كله من فروض الكفايات، فإن لم يُوجد ممن يستطيع مساعدته إلا شخص واحد كان فرض عين عليه.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>٤- التألُّم لما يصيبهم من المصائب والأذى</span>، والسرور بنصرهم، وجميع ما فيه خير لهم، والرحمة لهم وسلامة الصدر نحوهم، قال تعالى في وصف أصحاب النبي ﷺ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال النبي ﷺ: \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \". رواه البخاري ومسلم.\nهذا وهناك أمور أخرى تدخل في الولاء للمسلمين يطول الكلام بذكرها، منها ما هو فرض عين على المسلم، كتشميت العاطس، وكف أذاه عنهم.","vol":"1","page":146},{"text":"ومنها ما هو فرض كفاية، كرد السلام، وتجهيز الميت، والصلاة عليه، ودفنه، والقيام بما يحتاج إليه المسلمون في أمور دينهم من طلب للعلم، ومن تعليم له، ومن دعوتهم إلى الله تعالى وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومن القيام بما يحتاجون إليه في أمور دنياهم من أمور الطب والصناعة والزراعة وغيرها، ومن تحذيرهم مما يضرهم، وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور حياتهم.\nومنها ما هو مستحب، كعيادة المريض، ومساعدة المحتاج غير المضطر بالبدن والمال، والدعاء لهم، والسلام على من لقيه منهم، وغير ذلك.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المطلب الثاني: مظاهر الولاء المحرم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>١- الموالاة الكفرية المخرجة من الملة</span>\n...\nالمطلب الثاني: مظاهر الولاء المحرم:\nموالاة أعداء الله من عباد الأصنام والبوذيين والمجوس واليهود والنصارى والمنافقين وغيرهم والتي هي ضد البراء بجميع أقسامها وأمثلتها محرمة بلا شك - كما سبق بيانه - وهي تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الموالاة الكفرية:\nبعض مظاهر وأمثلة الولاء المحرم مظاهر كفرية تخرج مرتكبها من ملة الإسلام، وهي كثيرة، أهمها:\n١- الإقامة ببلاد الكفار اختيارًا لصحبتهم مع الرضى بما هم عليه من الدين، أو مع القيام بمدح دينهم، وإرضائهم بعيب المسلمين، فهذه الموالاة ردة عن دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] فمن تولى الكافرين ورضي عن دينهم، وابتعد عن","vol":"1","page":147},{"text":"المسلمين وعابهم فهو كافر عدو لله ولرسله ولعباده المؤمنين.\n٢- أن يتجنس المسلم بجنسية دولة كافرة تحارب المسلمين، ويلتزم بجميع قوانينها وأنظمتها بما في ذلك التجنيد الإجباري، ومحاربة المسلمين ونحو ذلك، فالتجنس على هذه الحال محرم لا شك في تحريمه، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه كفر وردة عن دين الإسلام بإجماع المسلمين وهذا كله فيما إذا كان ذلك عن رغبة ورضى من المسلم، أما إن كان ملجئًا إلى ذلك لعدم وجود بلد مسلم يمكنه الهجرة إليه أو لعدم وجود بلد كافر أحسن حالًا من حال هذا البلد المحارب للمسلمين ينتقل إليه، فحكمه حكم المكره، فلا يحرم عليه ذلك إذا كره ذلك بقلبه.\n٣- التشبه المطلق بالكفار، بأن يتشبه بهم في أعمالهم، فيلبس لباسهم، ويقلدهم في هيئة الشعر وغيرها، ويسكن معهم، ويتردد معهم على كنائسهم، ويحضر أعيادهم، فمن فعل ذلك فهو كافر مثلهم بإجماع أهل العلم، وقد ثبت عن عبد الله بن عمرو قال: \"من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبّه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة\".\n٤- أن يتشبه بهم في أمر يوجب الخروج من دين الإسلام، كأن يلبس الصليب تبركًا به مع علمه بأنه شعار للنصارى وأنهم يشيرون بلبسه إلى عقيدتهم الباطلة في عيسى ﵇، حيث يزعمون أنه قتل وصلب، وقد نفى الله تعالى ذلك في كتابه فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] .\n٥- أن يزور كنائسهم معتقدًا أن زيارتها قربة إلى الله تعالى.","vol":"1","page":148},{"text":"٦- الدعوة إلى وحدة الأديان، أو إلى التقريب بين الأديان، فمن قال إن دينًا غير الإسلام دين صحيح ويمكن التقريب بينه وبين الإسلام أو أنهما دين واحد صحيح فهو كافر مرتد، بل إن من شك في بطلان جميع الأديان غير دين الإسلام كفر، لرده لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولرده لما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة من أن دين الإسلام قد نسخ جميع الأديان السابقة، وأنها كلها أديان محرفة، وأن من دان بشيء منها فهو كافر مشرك.\nوالدعوة إلى توحيد الأديان دعوة إلحادية قديمة، دعا إليها بعض ملاحدة الصوفية المتقدمين، كابن سبعين، والتلمساني وغيرهم، وجدد الدعوة إليها في هذا العصر بعض المنتسبين إلى الإسلام، ومن أشهرهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده المصري، ورجاء جارودي الفرنسي وغيرهم.\n٧- موالاة الكفار بإعانتهم على المسلمين:\nإعانة الكفار على المسلمين سواء أكانت بالقتال معهم، أم بإعانتهم بالمال أو السلاح، أم كانت بالتجسس لهم على المسلمين، أم غير ذلك تكون على وجهين.\nالوجه الأول: أن يعينهم بأي إعانة محبةً لهم ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، فهذه الإعانة كفر مخرج من الملة.\nوقد حكى غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء على ذلك.\nالوجه الثاني: أن يُعين الكفارَ على المسلمين بأي إعانة ويكون الحامل له على ذلك مصلحة شخصية، أو خوفًا، أو عداوة دنيويّة بينه","vol":"1","page":149},{"text":"وبين من يقاتله الكفار من المسلمين، فهذه الإعانة محرمة، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنها ليست من الكفر المخرج من الملة.\nومن الأدلة على أن هذه الإعانة غير مكفرة: ما حكاه الإمام الطحاوي من إجماع أهل العلم على أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله، ومقتضى ما حكاه الطحاوي أنه غير مرتد.\nومستند هذا الإجماع: أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ قد جسَّ على النبي ﷺ وعلى المسلمين في غزوة فتح مكة، فكتب كتابًا إلى مشركي مكة يخبرهم فيه بمسير النبي ﷺ إليهم، وكان النبي ﵊ قد أخفى وجهة سيره، لئلا تستعد قريش للقتال، وكان الدافع لحاطب لكتابة هذا الكتاب هو مصلحة شخصية، ومع ذلك لم يحكم النبي ﷺ بردته، ولم يُقمْ عليه حدَّ الردة، فدلَّ ذلك على أن ما عمله ليس كفرًا مخرجًا من الملة.\nوهذا كله إنما هو في حق من كان مختارًا لذلك، أما من كان مكرهًا أو ملجئًا إلى ذلك إلجاءً اضطراريًا كمن خرج مع الكفار لحرب المسلمين مكرهًا ونحو ذلك فلا ينطبق عليه هذا الحكم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] .","vol":"1","page":150},{"text":"القسم الثاني: الموالاة المحرمة غير الكفرية:\nهناك مظاهر وأمثلة من الولاء المحرم – الذي هو ضد البراء – لا تخرج صاحبها من الإسلام، ولكنها محرمة - كما سبق - وهي كثيرة، أهمها:","vol":"1","page":150},{"text":"١- محبة الكفار، واتخاذهم أصدقاء، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] والمودة: المحبة، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال النبي ﷺ: \" لا يحب رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يوم القيامة \".\nوالواجب على المسلم بغض جميع الكفار والمشركين، والبعد عنهم، وهذا مجمع عليه بين المسلمين، وذلك لأن الكفار يحادون الله تعالى ويبارزونه بأعظم المعاصي بجعل شريك معه في عبادته أو بادّعاء أن له صاحبة أو ولدًا أو بغير ذلك مما فيه تنقص لله تعالى، فهم أعداء لله تعالى، فيجب التقرب إلى الله تعالى ببغضهم ومعاداتهم، وعدم الركون إليهم، قال شيخنا محمد بن عثيمين: \"الكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب علينا أن نكرهه بكل قلوبنا\".\n٢- الاستيطان الدائم في بلاد الكفار، فلا يجوز للمسلم الانتقال إلى بلاد الكفار للاستيطان فيها، ولا يجوز له التجنس بجنسيتها ولو كان يستطيع إظهار شعائر دينه فيها إلا في حال الضرورة، لقول جرير بن عبد الله ﵁: بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، وعلى مفارقة المشرك.","vol":"1","page":151},{"text":"وإذا أسلم الكافر وبلده بلد كفر فإن كان لا يستطيع إظهار شعائر دينه ويستطيع الهجرة وجبت عليه الهجرة إلى بلد من بلاد المسلمين بإجماع أهل العلم، ولا يجوز له البقاء في هذا البلد إلا في حال الضرورة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٧، ٩٨] .\nأما إن كان المسلم يستطيع إظهار شعائر دينه من توحيد وصلاة وتعلُّم لأحكام الإسلام وتمسك بالحجاب للمرأة وغيرها فالهجرة إلى بلاد المسلمين مستحبة في حقه حينئذ، ويجوز له أن يبقى في بلده الأول، فقد روى أبوسعيد الخدري أن أعرابيًا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة، فقال: \" إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟ \" قال: نعم. قال: \" فهل تؤتي صدقتها؟ \" قال: نعم. قال: \" فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا \". متفق عليه.\nوقد يُستحب له البقاء في بلده الأول إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، كالدعوة إلى الإسلام، ونحو ذلك.\n٣- السفر إلى بلاد الكفر في غير حال الحاجة، فيحرم على المسلم أن يسافر إليها إلا في حال الحاجة، فإن كانت هناك حاجة إلى السفر إلى تلك البلاد سواء كانت خاصة بالمسافر أو عامة للمسلمين جاز له السفر بثلاثة شروط:\nالأول: أن يكون من يذهب إلى تلك البلاد ذا علم بأمور دينه، وعنده علم ودراية بالأمور النافعة والضارة.","vol":"1","page":152},{"text":"الثاني: أن يكون في مأمن وبعد عن أسباب الفتنة في الدين والخلق.\nالثالث: أن يكون قادرًا على إظهار شعائر دينه.\nومن الحاجات التي يجوز السفر من أجلها: السفر للدعوة إلى الله تعالى، والسفر للتجارة، والسفر للعلاج، والسفر لحاجة المسلمين في تلك البلاد كسفراء الحكومات المسلمة ونحوهم، والسفر لتعلم علم يحتاجه المسلمون ولا يُوجد إلا في بلاد الكفر.\nأما السفر إلى بلاد الكفر من أجل السياحة ونحوها فهو سفر محرم، لعموم الأحاديث المذكورة في الفقرة السابقة، فإن فيها المنع من الإقامة في بلد الكفر، وهذا يشمل الإقامة اليسيرة، كاليوم واليومين، ولما في ذلك من تعريض دين المسلم وخلقه للخطر من غير ضرورة أو حاجة.\n٤- مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية، كعيد رأس السنة الميلادية \"الكرسمس\"، فلا يجوز للمسلم مخالطة أو مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية بإجماع أهل العلم، لأن في ذلك إقرارًا لعملهم ورضى به وإعانة عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولا شك أن مشاركتهم في أعيادهم الباطلة المحرمة من الإعانة على الإثم.\nكما يحرم تهنئتهم بهذه الأعياد بإجماع أهل العلم، ويحرم حضور أعيادهم الدنيوية وتهنئتهم بها، لأنها أعياد مبتدعة محرمة في ديننا، كما يحرم جعل هذه الأيام التي لهم فيها عيد ديني أو دنيوي عيدًا، لأن هذا من التشبه المنهي عنه.\n٥- التشبه بهم فيما هو خاص بهم مما يتميز به الكفار عن المسلمين،","vol":"1","page":153},{"text":"فيحرم على المسلم أن يقلدهم في كل ما هو خاص بهم من عبادات أو عادات وتقاليد أو آداب أو هيئات، سواء أكان أصل ذلك مباحًا في ديننا أم محرمًا، فلا يجوز للمسلم أو المسلمة أن يقلدهم مثلًا في اللباس أو هيئة الأكل أو الشرب، أو طريقة تسريح أو حلق شعر الرأس أو شعر الوجه، أو طريقة الأكل والشرب أو طريقة الجلوس أو المشي أو كيفية السلام أو طريقتهم في بناء مساكنهم أو في أنظمتهم في الحكم والإدارة والاقتصاد ونحو ذلك مما لا فائدة فيه ظاهرة للمسلمين.\nومن المعلوم أن التقليد للغير دليل على الشعور باحتقار الذات، وأن هذا المقلِّد يرى بأن من قلَّده أفضل منه وأرفع منه قدرًا، ولذلك حاول أن يتشبه به. وهذا لا يليق بالمسلم تجاه الكافر.\nفالمسلم أرفع قدرًا من جميع الكفار بنص القرآن وسنة النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] وقال ﷾: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠]، والألباب هي العقول التامة السالمة من شوائب النقص، وقال النبي ﷺ: \" الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه \".\nوينبغي للمسلم أن ينظر إلى الكفار بالنظرة الشرعية الصحيحة، قال الله تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، وقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، وقال جل وعلا: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .","vol":"1","page":154},{"text":"وقد وردت أدلة شرعية كثيرة تدل على تحريم التشبه بالكفار، منها:\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد: ١٦] فنهى الله ﷾ في هذه الآية المؤمنين أن يتشبهوا بالذين أوتوا الكتاب من قبلنا، وهم اليهود والنصارى، ومنها ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: \" من تشبه بقوم فهو منهم \"، ومنها ما ثبت عنه ﷺ مخبرًا عما سيفعله كثير من ضعفاء الإيمان الذين يشعرون بالنقص واحتقار أنفسهم أمام الكفار، منكرًا عليهم صنيعهم: \" لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لتبعتموهم \" قال أبوسعيد الخدري: قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: \" فمن؟ \" رواه البخاري ومسلم، والسنن هي الطريقة، وهذا الحديث من معجزاته ﷺ، ولهذا ترى كثيرًا من المسلمين والمسلمات اليوم يقلدون الكفار في كثير من الأمور، حتى فيما لا فائدة لهم فيه، كهيئة اللباس، وهيئة شعر الرأس، وحلق شعر العارضين والذقن، حتى إن من المسلمين والمسلمات من يبحث في المجلات أو غيرها عن آخر ما يفعله الكفار في الغرب أو الشرق فيفعله.\nوقد وردت أحاديث كثيرة متواترة في النهي عن كثير من الأفعال وعُلِّل النهي فيها بالتشبه باليهود والنصارى فدلَّ ذلك على أن مخالفتهم أمرٌ مطلوبٌ شرعًا، وعلى أن التشبه بهم محرم.\nوقد أجمع أهل العلم على تحريم التشبه بالكفار.\n٦- تركهم يظهرون شعائر دينهم من عبادات وأعياد ونحوهما بين المسلمين، أو تركهم يبنون كنائس أو معابد لهم في بلاد المسلمين،","vol":"1","page":155},{"text":"أو تركهم يظهرون المعاصي بين المسلمين.\n٧– اتخاذهم بطانة، فلا يجوز للمسلم أن يجعل الكافر بطانة له، بأن يطلعه على بواطن أموره، ويستشيره في أموره الخاصة، أو يستشيره في أمور المسلمين، أو يعتمد عليه في قضاء شيء من أمورهم التي يطلع فيها على أسرارهم، كأن يكون كاتبًا يطلع على أخبار المسلمين؛ لأن الكافر عدو للمسلم لا ينصح له، بل يفرح بما يعنته – أي ما يشق عليه ويضره – وما فيه خبال للمسلم – أي فساد عليه – قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٨– ١٢٠] ولا يستثنى من هذا إلا ما اضطر إليه المسلم ضرورة ملجئة مع الأمن من ضرر الكافر.\n٨ – السكن مع الكافر، فيحرم على المسلم أن يسكن مع الكافر في مسكن واحد ولو كان قريبًا له أو زميلًا له، كما لا يجوز له أن يسكن معه من أجل مصلحة دنيوية كأن يريد أن يتعلم منه لغته أو لتجارة أو لغير ذلك، كما لا يجوز أن يزوره في منزله من أجل مجرد إيناسه أو الاستئناس به، أو للعب، ونحو ذلك، كما لا يجوز طلب زيارتهم للمسلم من أجل ذلك؛ لأن هذا من الموالاة لهم، ولأن الكفار أعداء","vol":"1","page":156},{"text":"لنا، ولا يؤمن على المسلم من ضررهم في دينه أو بدنه، أما إن زاره من أجل قرابته له أو جواره له فلا بأس، وهكذا إن زاره المسلم أو طلب منه أن يزوره وكان ذلك لحاجة شرعية، كتأليف قلبه ودعوته إلى الإسلام وأَمِنَ من ضرره على دين المسلم وبدنه أبيح بقدر الحاجة، كما تباح ضيافته واستضافته.\n* * *","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الثالث: ما يجوز أو ما يجب التعامل به مع الكفار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>أنواع الكفار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>القسم الأول: المعاهدون</span>\n...\nالمبحث الثالث: ما يجوز أو يجب التعامل به مع الكفار مما لا يدخل في الولاء المحرم:\nبعد أن بينت حكم الولاء والبراء، ومظاهر كل منهما، أحببت أن أبين بعض الأمور التي لا تدخل في الولاء المحرم، والتي يجوز أو يستحب التعامل بها مع الكفار، وأن أذكر أيضًا ما يجب لهم على المسلم. وقبل أن أبين هذه الأمور ينبغي أن يعلم أن الكفار ينقسمون إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: المعاهدون: وهم الذين يسكنون في بلادهم، وبينهم وبين المسلمين عهد وصلح وهدنة، وذلك ككفّار قريش وقت صلح الحديبية، وككفار الدول الكافرة في عصرنا هذا التي بينها وبين الحاكم المسلم الذي يخضع المسلم لسلطانه عهود وسفارات، فيجوز أن يصالح المسلمون الكفار على السلم وترك الحرب إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] .","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>القسم الثاني: الذِّمِّيون: </span>وهم الكفار الذين يسكنون بلاد المسلمين وصالحهم المسلمون على أن يدفعوا للمسلمين الجزية.\nفيجوز السماح للكافر الموجود أصلًا في بلاد المسلمين أو في بلاد يحكمها المسلمون بالاستمرار في سكنى بلاد المسلمين – سوى جزيرة العرب كما سيأتي – وذلك في حال دفعهم الجزية للمسلمين – قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا","vol":"1","page":158},{"text":"الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>القسم الثالث: المستأمنون</span>. وهم الذين يدخلون بلاد المسلمين بأمان من ولي الأمر أو من أحد من المسلمين.\nفيجوز السماح للمشرك بدخول بلاد المسلمين والإقامة فيها فترة مؤقتة للتجارة أو للعمل ونحوهما إذا أمن شرهم وضررهم على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، وهذا الأمان يعرف الآن بـ \"تأشيرة الدخول\".\nويستثنى من ذلك جزيرة العرب، فلا يجوز دخولهم لها إلا للحاجة، ولا يسمح لهم بالاستيطان فيها، لقوله ﷺ عند موته \" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب \" رواه البخاري ومسلم، ولقوله ﷺ: \" لا يترك بجزيرة العرب دينان \"، لكن إن كانت هناك حاجة تدعو إلى دخولهم لهذه الجزيرة فلا بأس، كما أقر النبي ﷺ يهود خيبر على البقاء فيها للعمل للحاجة الماسة لعملهم فيها، ثم أجلاهم عمر - ﵁ - لما زالت الحاجة إليهم، وعليه فلا يجوز استقدامهم إلى جزيرة العرب كعمال أو خدم أو سائقين أو غيرهم مع وجود من يقوم بعملهم من المسلمين.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>القسم الرابع: الحربيون: </span>وهم من عدا الأصناف الثلاثة السابقة من الكفار.\nفهؤلاء يشرع للمسلمين جهادهم وقتالهم بحسب الاستطاعة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ","vol":"1","page":159},{"text":"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] .","vol":"1","page":160},{"text":"أما<span data-type=\"title\" id=toc-128> الأمور التي تجب للكفار غير الحربيين على المسلمين </span>فمن أهمها:\n١ - حماية أهل الذمة والمستأمنين ما داموا في بلاد الإسلام، وحماية المستأمن إذا خرج من بلاد المسلمين حتى يصل إلى بلد يأمن فيه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] .\n٢- العدل عند الحكم فيهم وعند الحكم بينهم وبين المسلمين وبين بعضهم بعضًا عند وجودهم تحت حكم المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]، ومعنى الآية: لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا عند الحكم فيهم أو بينهم وبين غيرهم، بل اعدلوا، فإن العدل أقرب إلى تقوى الله تعالى، والعدل إنما يكون بالحكم بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ.\n٣- دعوتهم إلى الإسلام، فإن دعوة الكفار فرض كفاية على المسلمين، وذلك لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولإخراجهم من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق جل وعلا، وإن زار أو عاد المسلم كافرًا من أجل دعوته فحسن، فقد عاد النبي ﷺ غلامًا يهوديًا في مرضه، ودعاه إلى الدخول في الإسلام، فأسلم. رواه البخاري.\n٤- يحرم إكراه اليهود والنصارى والمجوس على تغيير أديانهم، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .","vol":"1","page":160},{"text":"٥- يحرم على المسلم أن يعتدي على أحد من الكفار غيرالحربيين في بدنه بضرب أو قتل أو غيرهما، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \" من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا \"، وروى الإمام أحمد والنسائي عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: \" من قتل رجلًا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة \".\n٦- يحرم على المسلم أن يغش أحدًا من الكفار غير الحربيين في البيع أو الشراء، أو أن يأخذ شيئًا من أموالهم بغير حق، ويجب عليه أن يؤدي إليهم أماناتهم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة \".\n٧- يحرم على المسلم أن يسيء إلى أحد من الكفار غير الحربيين بالقول، ويحرم الكذب عليهم، لعموم قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، بل ينبغي له أن يلين القول لهم، وأن يخاطبهم بكل ما هو من مكارم الأخلاق مما ليس فيه إظهار للمودة وليس فيه تذلل لهم ولا إيثار من المسلم لهم على نفسه.\n٨- يجب إحسان الجوار لمن كان له جار من الكفار غير الحربيين بكف الأذى عنه، ويستحب أن يحسن إليه بالصدقة عليه إن كان فقيرًا، وأن يهدي إليه، وأن ينصح له فيما ينفعه لعموم قوله ﷺ: \" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه \". متفق عليه.\n٩- يجب على المسلم أن يرد السلام على الكافر، فإذا سلم على","vol":"1","page":161},{"text":"المسلم بقول: \"السلام عليكم\" وجب على المسلم أن يرد عليه بقوله: \"وعليكم\" فقط، لقوله ﷺ: \" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم \". متفق عليه. لكن لا يجوز أن يبدأ الكافر بالسلام عليه،\nلقوله ﷺ: \" لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام \". رواه مسلم.\nويجوز للمسلم أن يتلطف بالكافر، فيناديه بكنيته، ويسأله عن حاله وحال أولاده، ويهنئه بمولود ونحوه، ويبدأه بالتحية كـ\"أهلًا\" ونحوها إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك، كترغيبه في الإسلام، وإيناسه بذلك ليقبل الدعوة إلى الإسلام ويستمع لها، أو كان في ذلك مصلحة للمسلم بدفع ضرر عنه أو جلب مصلحة مباحة له، ونحو ذلك.\nكما يجوز للمسلم أن يعزِّي الكافر في ميَّته إذا رأى مصلحة شرعية في ذلك، لكن لا يدعو لميتهم بالمغفرة؛ لأنه لا يجوز الدعاء لموتى الكفار بالرحمة والمغفرة.\nوعلى وجه العموم فإنه يجوز للمسلم أن يتلطف بالكافر بالقول وبالفعل الذي ليس فيه إهانة للمسلم عند وجود مصلحة شرعية في ذلك.\nويدل على جواز ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، والتقيَّة إظهار الموالاة مع إبطان البغض والعداوة لهم، وعليه فيحرم أن يتكلم معهم بكلام يقصد به الموادة لهم - أي كسب محبتهم - من غير تحقيق مصلحة شرعية.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الأمور التي يباح أو يستحب للمسم أن يتعامل بها مع الكفار</span>\n...\nوهناك أمور يباح أو يستحب للمسلم أن يتعامل بها مع الكفار، منها:\n١- يجوز استعمالهم واستئجارهم في الأعمال التي ليس فيها ولاية على مسلم وليس فيها نوع استعلاء من الكافر على المسلم، فيجوز أن يعمل عند المسلم في صناعة أو بناء أو في خدمة، فقد استأجر النبي ﷺ عبد الله بن أريقط في الهجرة، واستعمل يهود خيبر في أرضها ليزرعوها ولهم نصف ما يخرج منها، أما الأعمال التي فيها ولاية على المسلمين أو فيها اطلاع على أخبارهم فلا يجوز توليتهم إياها.\n٢- يستحب للمسلم الإحسان إلى المحتاج من الكفار، كالصدقة على الفقير المعوز منهم، وكإسعاف مريضهم، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولعموم حديث \" في كل كبد رطبة أجر \" رواه البخاري ومسلم.\n٣- تستحب صلة القريب الكافر، كالوالدين والأخ بالهدية والزيارة ونحوهما، لكن لا يتخذه المسلم جليسًا، وبالأخص إذا خشيت فتنته وتأثيره على دين المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى في حق الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] .\n٤- يجوز برهم بالهدية ونحوها لترغيبهم في الإسلام، أو في حال دعوتهم، أو لكف شرهم عن المسلمين، أو مكافأة لهم على مسالمتهم للمسلمين وعدم اعتدائهم عليهم، ليستمروا على ذلك، أو لما يشبه","vol":"1","page":163},{"text":"هذه الأمور من المصالح الشرعية، قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، والبر هو: الاحسان إليهم بالمال أو غيره، والقسط هو: العدل، أما إذا كانت الهدية من باب الصداقة أو المحبة ونحوهما فهي محرمة.\n٥- يستحب إكرامه عند نزوله ضيفًا على المسلم، كما يجوز أن ينزل المسلم ضيفًا على الكافر، لكن لا يجوز إجابة المسلم لدعوته، لما في ذلك من الموادة له.\n٦ - يجوز الأكل العارض معهم، من غير أن يتخذ المسلم الكافر صاحبًا وجليسًا وأكيلًا، فيجوز أن يأكل مع الكافر في وليمة عامة، أو وليمة عارضة، وأن يأكل مع خادمه الكافر، أو في حال كون الكافر ضيفًا عند المسلم أو إذا نزل المسلم ضيفًا عند الكافر، من غير قصد التحبب إليه بذلك، ومن غير قصد للاستئناس به، أما إن جالسه بقصد التحبب إليه من غير تحقيق مصلحة شرعية، أو جالسه للاستئناس به فذلك محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب.\n٧- يجوز التعامل معهم في الأمور الدنيوية التي هي مباحة في دين الإسلام، فقد عامل النبي ﷺ اليهود وبايعهم واشترى منهم، كما يجوز للمسلم أن يأخذ عنهم وأن يتعلم منهم ما فيه منفعة للمسلمين من أمور الدنيا مما أصله مباح في دين الإسلام، وقد يكون ذلك مستحبًا أو واجبًا، وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل فداء بعض أسرى بدر ممن لم يكن عنده فداء من المال تعليم أولاد الأنصار الكتابة.","vol":"1","page":164},{"text":"٨- يجوز للمسلم أن يتزوج بالكافرة الكتابية فقط إذا كانت عفيفة عند الأمن من ضررها على الدين والنفس والأولاد، قال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمحصنة هي العفيفة عن الزنى، وإن كان الأولى للمسلم أن لا يتزوج بكافرة؛ لأن ذلك أسلم له ولذريته، ولذلك عاتب عمر بن الخطاب ﵁ بعض من تزوج بكافرة، وأمره أمر ندب بطلاقها.\nأما بقية الكافرات غير الكتابيات فلا يجوز للمسلم أن يتزوج بواحدة منهن بإجماع أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإن تزوج بها فالنكاح باطل.\nأما المسلمة فلا يجوز لأي كافر كتابي أو غيره أن يتزوج بها بإجماع المسلمين.\n٩- يجوز للمسلمين أن يستعينوا بالكفار في صد عدوان على المسلمين، وذلك بشرطين أساسيين:\nالأول: الاضطرار إلى إعانتهم.\nالثاني: الأمن من مكرهم وضررهم، بحيث يكونون جنودًا مرؤوسين عند المسلمين، وتحت إشرافهم ومتابعتهم بحيث لا يمكن أن يحصل منهم أي ضرر على المسلمين.\n١٠- يجوز للمسلم أن يذهب إلى الطبيب الكافر للعلاج إذا وثق به.\n١١ – يجوز دفع الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم من الكفار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] .","vol":"1","page":165},{"text":"١٢- يجوز للمسلم أن يشارك الكافر في التجارة، لكن بشرط أن يلي المسلم أمرها أو يشرف عليها، لئلا يقع في تعامل محرم عند إشراف غير المسلم على هذه التجارة وتصريفه لها.\n١٣- يجوز قبول الهدية من الكافر، إذا لم يكن فيها إذلال للمسلم ولا موالاة منه للكافر فقد قبل النبي ﷺ الهدية من أكثر من مشرك، لكن إن كانت هذه الهدية بمناسبة عيد من أعياد الكفار فينبغي عدم قبولها.\n١٤- يجوز للمسلم أن يعمل عند الكافر، ويجوز أن يعمل في عمل يديره بعض الكفار، لكن لا يجوز أن يعمل في خدمة الكافر الشخصية، لما في ذلك من إذلال نفسه له.\n* * *","vol":"1","page":166}]}