{"ً":{"ٌ":11394,"ٍ":"مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"السيرة والشمائل/مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة - الحكمي - عمادة الجامعة الإسلامية","files":["2965.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة\nالمؤلف: حافظ بن محمد عبد الله الحكمي\nالناشر: مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: ١٤٠٦هـ\nعدد الصفحات: ٣٥٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1002,"ٕ":24,"ٖ":1770155398,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول: يشمل مقدمات الغزوة وخروج المسلمين لها وما واجههم أثناء سيرهم","level":1,"page":9},{"title":"الفصل الأول: تحقيق لاسم الغزوة وموقعها","level":2,"page":9},{"title":"المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية","level":3,"page":9},{"title":"المبحث الثاني: تحقيق لاسم الحديبية وموقعها","level":3,"page":13},{"title":"المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها","level":4,"page":13},{"title":"المطلب الثاني: موقع الحديبية وهل من الحل أو الحرام","level":4,"page":15},{"title":"الفصل الثاني: سبب الغزوة وتاريخها","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الأول: سبب الغزوة","level":3,"page":18},{"title":"المبحث الثاني: تاريخ خروج المسلمين لغزوة الحديبية","level":3,"page":22},{"title":"الفصل الثالث: إعداد النبي ﷺ وأصحابه للخروج إلى الحديبية","level":2,"page":31},{"title":"المبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية","level":3,"page":31},{"title":"المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية","level":3,"page":36},{"title":"الفصل الرابع: نزول المسلمين بذي الحليفة وما عملوه بها","level":2,"page":51},{"title":"المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة","level":3,"page":51},{"title":"المبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عينا على مكة","level":3,"page":55},{"title":"الفصل الخامس: إرسال النبي ﷺ لبعض أصحابه إلى غيقة وقصة أبي قتادة ﵁","level":2,"page":61},{"title":"الفصل السادس: ما حدث للمسلمين بعسفان","level":2,"page":68},{"title":"المبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش","level":3,"page":68},{"title":"المبحث الثاني: صلاة الخوف بعسفان","level":3,"page":70},{"title":"المبحث الثالث: بيان أن ابتداء مشروعية صلاة الخوف كان في غزوة الحديبية","level":3,"page":78},{"title":"المبحث الرابع: تنبية على أحاديث أوردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها","level":3,"page":85},{"title":"الفصل السابع: عدول المسلمين إلى الحديبية","level":2,"page":90},{"title":"المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم الى الحديبية","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الثاني: نزول المسلمين الحديبية ومعجزة النبي ﷺ في تكثير ماء البئر","level":3,"page":96},{"title":"المبحث الثالث: من الذي نزل بالسهم في بئر الحديبية؟","level":3,"page":100},{"title":"الباب الثاني: موقف قريش من الغزوة وما دار بينها وبين المسلمين","level":1,"page":106},{"title":"الفصل الأول: موقف قريش من هذه الغزوة","level":2,"page":106},{"title":"المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين","level":3,"page":106},{"title":"المبحث الثاني: تحرشات قريش بالمسلمين وموقف المسلمين حيالها","level":3,"page":109},{"title":"الفصل الثاني: في الحوار الذي دار بين الرسول ﷺ وقريش","level":2,"page":114},{"title":"المبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين","level":3,"page":114},{"title":"المبحث الثاني: رسل النبي ﷺ إلى قريش","level":3,"page":116},{"title":"المبحث الثالث: رسل إلى النبي ﷺ","level":3,"page":119},{"title":"الفصل الثالث: بيعة الرضوان","level":2,"page":133},{"title":"المبحث الأول: سبب هذه البيعة","level":3,"page":133},{"title":"المبحث الثاني: مكان البيعة","level":3,"page":136},{"title":"المبحث الثالث: على أي شيء كانت البيعة","level":3,"page":139},{"title":"المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان","level":3,"page":145},{"title":"المبحث الخامس: ما ورد في فضل أصحاب البيعه","level":3,"page":150},{"title":"الفصل الرابع: في صلح الحديبية","level":2,"page":160},{"title":"المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته","level":3,"page":160},{"title":"المبحث الثاني: الشروط التى تم عليها الصلح","level":3,"page":165},{"title":"المبحث الثالث: كاتب الصلح وشهوده","level":3,"page":171},{"title":"المبحث الرابع: تألم عمر وبعض الصحابة من شروط قريش","level":3,"page":175},{"title":"المبحث الخامس: موقف المسلمين من صلح الحديبية","level":3,"page":185},{"title":"المطلب الأول: وفاء المسلمين بالعهد","level":4,"page":185},{"title":"المطلب الثاني: بيان أن امتناع النبي ﷺ عن رد المهاجرات ليس إخلالا بالصلح","level":4,"page":191},{"title":"المبحث السادس: موقف قريش من الصلح","level":3,"page":196},{"title":"المطلب الأول: تخلى قريش عن أهم شروطها","level":4,"page":196},{"title":"المطلب الثاني: نقض قريش للعهد","level":4,"page":201},{"title":"الباب الثالث: يشمل أحداثا وقعت بالحديبية لم تحدد وقت وقوعها وتحلل المسلمين وأنصرافهم","level":1,"page":208},{"title":"الفصل الأول: أحداث وقعت بالحديبية لم يتعين وقت وقوعها","level":2,"page":208},{"title":"المبحث الأول: قصة كعب بن عجرة ونزول آية الفدية","level":3,"page":208},{"title":"المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنؤ كذا","level":3,"page":217},{"title":"المبحث الثالث: مشروعية الصلاة في الرحال","level":3,"page":219},{"title":"المبحث الثالث: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية","level":3,"page":222},{"title":"الفصل الثاني: تحلل النبي ﷺ وأصحابة من الإحرام","level":2,"page":224},{"title":"المبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق وذكر مادار بينهم","level":3,"page":224},{"title":"المبحث الثاني: عدد الهدى الذي نحره المسلمون في عمرة الحديبية","level":3,"page":234},{"title":"المبحث الثالث: قصة جمل أبي جهل","level":3,"page":241},{"title":"المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم","level":3,"page":247},{"title":"الفصل الثالث: أحداث وقعت للمسلمين في طريقهم للمدينة","level":2,"page":252},{"title":"المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح","level":3,"page":252},{"title":"المبحث الثاني: نزول سورة الفتح","level":3,"page":260},{"title":"المبحث الثالث: معجزة النبي صللى الله عليه وسلم في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام","level":3,"page":271},{"title":"المبحث الرابع: نزول المسلمين بالأثاية","level":3,"page":276},{"title":"الفصل الرابع: فضل غزوة الحديبية ونتائجها","level":2,"page":279},{"title":"المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية","level":3,"page":279},{"title":"المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية","level":3,"page":282},{"title":"الباب الرابع: أحكام وفوائد من فقه مرويات الغزوة","level":1,"page":286},{"title":"توطئة","level":2,"page":286},{"title":"الفصل الأول: من أحكام الجهاد الواردة في الغزوة","level":2,"page":288},{"title":"المبحث الأول: مشروعية الشورى","level":3,"page":288},{"title":"المبحث الثاني: حكم الأستعانة بالمشرك","level":3,"page":291},{"title":"المبحث الثالث: مقدار المدة التي تجوز مهادنة الكفار عليها","level":3,"page":297},{"title":"المبحث الرابع: هل تجوز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلما","level":3,"page":300},{"title":"المبحث الخامس: إذا رد الأمام إلى المعاهدين من جاء من قبلهم فأحدث جناية فيهم فهل عليه أو على الإمام ضمان","level":3,"page":302},{"title":"المبحث السادس: إذا عاهد الإمام قوما فخرجت عليهم طائفة من المسلمين غير متحيزة إلى الإمام فهل على الإمام دفعهاعنهم","level":3,"page":304},{"title":"الفصل الثاني: أحكام تتعلق بالعقيدة","level":2,"page":306},{"title":"المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس","level":3,"page":306},{"title":"المبحث الثاني: تعريف الفأل وبيان استحبابه وأنه مغاير للطيرة","level":3,"page":309},{"title":"المبحث الثالث: بيلن كفر من اعنقد أن للكوكب تأثيرا في ايجاد المطر","level":3,"page":310},{"title":"المبحث الرابع: هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم","level":3,"page":312},{"title":"المبحث الخامس: هل كتب النبي ﷺ يوم الحديبية حقيقة","level":3,"page":315},{"title":"الفصل الثالث: الدروس والعبر المستفادة من بعض مواقف الغزوة","level":2,"page":320},{"title":"المبحث الأول: أتهام العقل أمام النصوص الصريحة","level":3,"page":320},{"title":"المبحث الثاني: أنموذج من التربية النبوية","level":3,"page":323},{"title":"المبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على العقيدة","level":3,"page":325},{"title":"المبحث الرابع: صروح الكفر والطغيان تتهاوى أمام عزمات الإيمان","level":3,"page":328},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":331}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":146,"1,145":147,"1,146":148,"1,147":149,"1,148":150,"1,149":151,"1,150":152,"1,151":153,"1,152":154,"1,153":155,"1,154":156,"1,155":157,"1,156":158,"1,157":159,"1,158":160,"1,159":161,"1,160":162,"1,161":163,"1,162":164,"1,163":166,"1,164":167,"1,165":168,"1,166":169,"1,167":170,"1,168":172,"1,169":173,"1,170":174,"1,171":176,"1,172":177,"1,173":178,"1,174":179,"1,175":180,"1,176":181,"1,177":182,"1,178":183,"1,179":184,"1,180":186,"1,181":187,"1,182":188,"1,183":189,"1,184":190,"1,185":192,"1,186":193,"1,187":194,"1,188":195,"1,189":196,"1,190":197,"1,191":198,"1,192":199,"1,193":200,"1,194":202,"1,195":203,"1,196":204,"1,197":205,"1,198":206,"1,199":207,"1,202":208,"1,203":209,"1,204":210,"1,205":211,"1,206":212,"1,207":213,"1,208":214,"1,209":215,"1,210":216,"1,211":218,"1,212":220,"1,213":221,"1,214":222,"1,215":223,"1,216":224,"1,217":225,"1,218":226,"1,219":227,"1,220":228,"1,221":229,"1,222":230,"1,223":231,"1,224":232,"1,225":233,"1,226":235,"1,227":236,"1,228":237,"1,229":238,"1,230":239,"1,231":240,"1,232":242,"1,233":243,"1,234":244,"1,235":245,"1,236":246,"1,237":248,"1,238":249,"1,239":250,"1,240":251,"1,241":252,"1,242":253,"1,243":254,"1,244":255,"1,245":256,"1,246":257,"1,247":258,"1,248":259,"1,249":261,"1,250":262,"1,251":263,"1,252":264,"1,253":265,"1,254":266,"1,255":267,"1,256":268,"1,257":269,"1,258":270,"1,259":272,"1,260":273,"1,261":274,"1,262":275,"1,263":276,"1,264":277,"1,265":278,"1,266":279,"1,267":280,"1,268":281,"1,269":283,"1,270":284,"1,271":285,"1,274":286,"1,275":287,"1,276":288,"1,277":289,"1,278":290,"1,279":292,"1,280":293,"1,281":294,"1,282":295,"1,283":296,"1,284":298,"1,285":299,"1,286":301,"1,287":302,"1,288":303,"1,289":305,"1,290":306,"1,291":307,"1,292":308,"1,293":310,"1,294":311,"1,295":313,"1,296":314,"1,297":316,"1,298":317,"1,299":318,"1,300":319,"1,301":320,"1,302":321,"1,303":322,"1,304":324,"1,305":326,"1,306":327,"1,308":328,"1,309":329,"1,310":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,346":338,"1,347":339,"1,348":340,"1,349":341,"1,350":342,"1,351":343,"1,352":344,"1,353":345,"1,354":346,"1,355":347,"1,356":348},"ٜ":{"1":[5,356]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,14","1,15","1,16","1,17","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,108","1,109","1,110","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,167","1,168","1,169","1,170","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,210","1,211","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,268","1,269","1,270","1,271","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,283","1,284","1,285","1,285","1,286","1,287","1,288","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,292","1,293","1,294","1,294","1,295","1,296","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,303","1,304","1,304","1,305","1,306","1,308","1,309","1,310","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356"],"ٞ":{"1":[1],"9":[2,3,4],"13":[5,6],"15":[7],"18":[8,9],"22":[10],"31":[11,12],"36":[13],"51":[14,15],"55":[16],"61":[17],"68":[18,19],"70":[20],"78":[21],"85":[22],"90":[23,24],"96":[25],"100":[26],"106":[27,28,29],"109":[30],"114":[31,32],"116":[33],"119":[34],"133":[35,36],"136":[37],"139":[38],"145":[39],"150":[40],"160":[41,42],"165":[43],"171":[44],"175":[45],"185":[46,47],"191":[48],"196":[49,50],"201":[51],"208":[52,53,54],"217":[55],"219":[56],"222":[57],"224":[58,59],"234":[60],"241":[61],"247":[62],"252":[63,64],"260":[65],"271":[66],"276":[67],"279":[68,69],"282":[70],"286":[71,72],"288":[73,74],"291":[75],"297":[76],"300":[77],"302":[78],"304":[79],"306":[80,81],"309":[82],"310":[83],"312":[84],"315":[85],"320":[86,87],"323":[88],"325":[89],"328":[90],"331":[91]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مرويات غزوة الحديبية\nتأليف: الدكتور حافظ بن محمد بن عبد الله الحكمي\nبسم الله الرحمن الرحيم\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ...\nأما بعد: فإن الله قد ختم الرسالات برسالة محمد ﷺ وجعل دينه ناسخًا للأديان لا يقبل الله من أحد غيره قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.\nوقد بعث الله محمدًا ﷺ مبلغًا ومبينًا لهذا الدين قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.\nفقام صلوات الله وسلامه عليه بتلك المهمة خير قيام، حيث أوضح كل صغيرة وكبيرة في هذا الدين بقوله وفعله وتقريره - على مرأى من الناس ومسمع - ابتداء من طور السرية بمكة إلى قيام دولة الإسلام بالمدينة، وكان يسير أثناء ذلك في كل خطوة يخطوها على المستوى البشري، فقد اتخذ كافة الأسباب والوسائل التي هي من مقتضيات الطريق وما ذلك إلا ليتسنى لأمته التأسي به، وترسم خطاه لأنها قد كلفت بمهمته من بعده لا خيار لها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.\nوكما أنه لا خيار لأتباع محمد ﷺ في القيام بهمته من الدعوة إلى هذا الدين وحراسته، فإنه لا ضمان لنجاحهم في تلك المهمة إلا بسلوك الطريق الذي سلكه ﷺ، والدليل لطريقه ﷺ هو سيرته فلا بد من الوقوف عليها وترسم خطاه فيها.\n_________\n١ سورة آل عمران آية: ٨٥.\n٢ سورة النحل آية: ٤٤.\n٣ سورة يوسف آية: ١٠٨.","vol":"1","page":5},{"text":"وأهم جوانب سيرته ﷺ هي مغازيه؛ لأنها استغرقت قسطًا كبيرًا من حياته في مجال الدعوة وهي التطبيق العملي لأحكام الجهاد - الذي يشكل السياج المنيع لحماية هذا الدين كما أنه من أهم وسائل الدعوة إليه، ولذلك أخبر ﷺ أنه ذروة سنام الإسلام - ١ كما حفلت المغازي بكثير من أساليب الدعوة والأحكام.\nوقد أدرك السلف رضوان الله عليهم أهمية مغازي رسول الله ﷺ فأولوها جانبًا عظيمًا من عنايتهم، يدل لذلك ما روى الخطيب عن محمد بن عبد الله قال: سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا٢.\nوما روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد (بن أبي وقاص) أنه قال: \"كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ويعدها علينا ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها\"٣.\nوما روي عن علي بن الحسين أنه كان يقول: \"كنا نعلَّم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلم السورة من القرآن\"٤.\nوتتمثل عنايتهم بها أيضًا في تدوينهم لها في زمن مبكر، فقد قام بذلك جماعة من التابعين، منهم عروة بن الزبير المتوفى سنة (٩٤هـ)، وأبان بن عثمان بن عفان المتوفى ما بين (١٠١ - ١٠٥هـ)، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى (١٢٤هـ)، وشرحبيل بن سعد المتوفى (١٢٤هـ)، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم (١٣٥هـ)، وموسى بن عقبة (١٤١هـ)، وغيرهم إلا أن كتب هؤلاء في حكم المفقود اليوم سوى نقولات عنها.\nثم تلت هؤلاء طبقة أخرى دونت المغازي بنطاق أوسع أمثال: محمد بن إسحاق (١٥١هـ)، ومحمد بن عمر الواقدي (٢٠٧هـ)، ومحمد بن سعد (٢٣٠هـ)، وابن جرير الطبري (٣١٠هـ)، وغيرهم٥.\nثم تتابع التأليف في ذلك إلا أن المتأخرين درجوا على الاختصار بحذف الأسانيد.\n_________\n١ سنن الترمذي، كتاب الإيمان، حديث رقم (٢٦١٦) .\n٢ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/٢٥٢.\n٣ م. السابق.\n٤ م. السابق.\n٥ انظر: د. فاروق حمادة مصادر السيرة النبوية وتقويمها: ٤٦، د. أكرم العمري نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية: ٤.","vol":"1","page":6},{"text":"وبما أن سيرة رسول الله ﷺ ومغازيه على وجه الخصوص بتلك المثابة من الأهمية - بحيث لا تستقيم متابعته في طريق الدعوة إلا من خلالها - فلا بد من معرفتها، وترسم خطاها فيها لكن هناك خطوة أولى لا يأمن العثار إلا بسلوكها، وهي تمييز ما صح من سيرته ﷺ عن غيره، لأن كتب المغازي المتداولة بأيدينا لم يلتزم أصحابها الصحة فيها، بل يوردون المقبول وغيره، وعذر المتقدمين أنهم يكتفون بذكر السند، إلا أنهم لا يفعلون ذلك دائمًا، أما المتأخرون فإنهم لا يذكرون سندًا للروايات فضلًا عن تمييز صحيحها من غيره.\nنعم قام بعض المحدثين أخيرًا بتخريج المرويات في بعض كتب السيرة، وبيان درجتها إلا أن تلك الكتب لم تستوعب مرويات المغازي.\nوكذلك وردت كثير من مرويات المغازي في بطون كتب السنة، وقد تفردت ببعضها عن كتب المغازي، لكن أغلبها لم يشترط أصحابها الاقتصار فيها على الصحيح، وما اشترط فيه ذلك لم يرد فيه إلا القليل من مرويات المغازي بالنسبة لما فاته، إلا أن كتب السنة تمتاز بالتزام السند.\nوهذا كله يحتم العمل على جمع مرويات المغازي من كتب السنة بالدرجة الأولى، لأنها المصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية١ بعد القرآن الكريم، ثم من كتب المغازي وغيرها من مصادر السيرة٢، ثم القياد بعد ذلك بدراسة أسانيدها دراسة فاحصة لبيان ما يصح العمل به من غيره لتبرز سيرة رسول الله ﷺ بعد ذلك صافية نقية لمرتاديها.\nوهذا ما حملني على اختيار مرويات غزوة الحديبية موضوعًا لبحثي في مرحلة الماجستير.\nوقد يسبق هذا السبب في اختياري للموضوع سبب آخر وهو شدة ولوعي بسيرة رسول الله ﷺ لما تفردت به من صفات عظيمة كالواقعية، والجدية، والوضوح، فهي بعيدة كل البعد عن الخيالات، والهزل، والغموض والطلاسم.\n_________\n١ د. فاروق حمادة مصادر السيرة النبوية وتقويمها: ٣٦، د. أكرم العمري نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية: ٣.\n٢ انظر لبيان ذلك المصدرين السابقين.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد سبقني في هذا المضمار بعض زملائي في قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، فلهم فضل السبق، وقد أفدت كثيرًا من تجاربهم، وما قمنا به من جهد متواضع في هذا المجال أحسب أنه سيسد ثغرة لا بأس بها إن شاء الله، وإن كان ينقصه شيء من الاستيعاب لمضيق الوقت من جهة، ولاشتراط البعض كتبًا محدودة من جهة أخرى، علمًا بأني قد جانبت هذا الشرط، وبذلت قصارى جهدي لاستيعاب مرويات الغزوة، ولا أدعي حصول ذلك، لكن أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يمد الجميع بالعون لاستكماله حتى تبرز مغازي رسول الله ﷺ نقية من كل شائبة، وما بذل من جهد في هذا الصدد إنما هو من ثمرات جهود الجامعة الإسلامية التي بذلتها وتبذلها دائمًا - في خدمة الإسلام والسنة على وجه الخصوص.\nولا يفوتني أن أنوه بفضل الدكتور أكرم العمري لأن له اليد الطولى في سبب اختياري لهذا الموضوع، فجزاه الله خيرًا ...","vol":"1","page":8},{"text":"منهجي في البحث\n(١) قمت بجمع المرويات من مختلف مصادر السيرة لم أتقيد في ذلك بكتب معينة، فقد رجعت لكثير من كتب السنة من مجاميع ومسانيد وغيرها، كما رجعت لكثير من كتب المغازي والتاريخ والشمائل والدلائل، وكتب معرفة الصحابة ما بين مخطوط ومطبوع محاولًا بذلك استيعاب مرويات الغزوة.\n(٢) بعد أن جمعت المرويات قسمت البحث إلى أربعة أبواب، ثم حصرت المرويات في الثلاثة الأبواب الأولى، وجعلت الباب الأخير لفقه أهم جوانب المرويات.\nوالقصد من ذلك هو الحفاظ على تسلسل أحداث الغزوة وترابطها، وتندرج تحت تلك الأبواب فصول ومباحث، وهي مفصلة في صلب الرسالة، وقد سردتها في فهرس الموضوعات.\n(٣) أورد تحت المبحث الروايات المتعلقة به، وأجعل لكل رواية رقمًا ثم أقوم بتخريجها، وإذا ورد الحديث بأكثر من طريق أخرج كل طريق على حدة، محاولًا بذلك استيعاب جميع طرق الحديث وألفاظه دون تكرار.\n(٤) إذا أعدت الحديث في مبحث آخر لحاجة لا أضع له رقمًا آخر، بل أشير إلى الرقم الذي تقدم به، وكذلك لا أعيد تخريجه إلا إذا اقتضت الحاجة ذكر شيء منه.\n(٥) أعرف برجال السند إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، وأقتصر في التعريف بهم على التقريب إن كانوا من رجاله، لكن أصرح بسنة وفاة الشخص، ولا أذكر الطبقة التي وضعها ابن حجر، إلا عند تعذر معرفة سنة الوفاة، وإذا أضفت شيئًا كسنة وفاة أو نحوها أشير إلى المصدر.\n(٦) إذا كان الرواي من رجال التقريب، لكنه متكلم فيه، ويتوقف الحكم على السند على معرفة حاله، فإني أذكر أقوال العلماء فيه عند الكلام على درجة الحديث، وأبين ما ترجح لي فيه، إلا إذا كان في السند أكثر من اثنين بهذه الصفة فأنقل كلام العلماء فيهم عند التعريف بهم خشية الإطالة.","vol":"1","page":9},{"text":"(٧) إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب أعرف به من كتب الرجال الأخرى باختصار.\n(٨) إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو أحدهما أقوم بدراسة سنده وفق القواعد التي رسمها المحدثون، ثم أذكر ما ترجح في بيان درجته، صحة أو غيرها، وإن وجدت في ذلك كلامًا لأحد نقلته، فإن وافق ما توصلت إليه فبها، وإلا بينت وجه مخالفتي له.\n(٩) إذا اقتضت الحاجة إيراد حديث من غير مرويات الغزوة، فلا أضع له رقمًا، ولا أخرجه، ولا أعرف برجاله، بل أكتفي بنقل أقوال العلماء في بيان درجته، إلا إذا تعذر ذلك فأقوم بدراسة سنده وأبين ما ظهر لي فيه.\n(١٠) إذا وقع خلاف في شيء من الأحداث الواردة في الغزوة، فإني أنقل أقوال العلماء في ذلك وأناقشها ثم أرجح ما يقتضيه الدليل.\n(١١) ذكرت في الباب الرابع بعض الأحكام والدروس والعبر دون توسع، وقد أغفلت ذكر كثير من الأحكام الواردة في المرويات لضيق الوقت، ولأنها مبسوطة في مظانها من كتب الفقه، وأما ما ذكرته منها فقد جعلت توطئة للباب بينت فيها وجه أهميته.","vol":"1","page":10},{"text":"رموز رجال السند المترجم لهم من التقريب\nوضع ابن حجر لرجال التقريب رموزًا تشير إلى من روى عنهم من أصحاب الكتب الستة وإلى الكتاب الذي روى لهم فيه.\nوقد استعملت تلك الرموز ونصها من التقريب.\nخ: للبخاري في صحيحه.\nخت: للبخاري إن كان حديثه عنه معلقًا.\nبخ: للبخاري في الأدب المفرد.\nعخ: للبخاري في خلق أفعال العباد.\nز: للبخاري في جزء القراء.\nى: للبخاري في رفع اليدين.\nم: لمسلم.\nمق: في مقدمة صحيحة.\nد: لأبي داود.\nمد: لأبي داود في المراسيل.\nصد: لأبي داود في فضائل الأنصار.\nخد: لأبي داود في الناسخ والمنسوخ.\nقد: لأبي داود في القدر.\nف: لأبي داود في التفرد.\nل: لأبي داود في المسائل.\nكد: لأبي داود في مسند مالك.\nت: للترمذي.\nتم: للترمذي في الشمائل.\nس: للنسائي.","vol":"1","page":11},{"text":"عس: للنسائي في مسند علي.\nكن: للنسائي في مسند مالك.\nق: لابن ماجه.\nفق: لابن ماجه في التفسير.\nع: للجماعة.\nتمييز: من ليست له رواية عند أحد من أصحاب الكتب الستة.\nالإحالات للكتب التي رجعت إليها من المطبوع\nبالنسبة لصحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي وابن ماجه، والموطأ: أحيل إلى اسم الكتاب ورقم الحديث.\nوالإحالة إلى كتاب الجرح والتعديل، وتهذيب الأسماء واللغات إلى الجزء، ثم القسم، ثم الصفحة.\nوالإحالة إلى التاريخ الكبير للبخاري إلى القسم، ثم الجزء، ثم الصفحة.\nوالإحالة إلى سائر الكتب غير هذه: إلى الجزء، والصفحة، أو إلى الصفحة.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول: يشمل مقدمات الغزوة وخروج المسلمين لها وما واجههم أثناء سيرهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: تحقيق لاسم الغزوة وموقعها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية</span>\n...\nالمبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية:\nبعد أن تم اختياري «لمرويات غزوة الحديبية» موضوعًا لبحثي كانت أول قضية استوقفتني هي: اختلاف الذين كتبوا عن مغازي رسول الله ﷺ «في عنوان هذه الحادثة» .\nفنرى بعضهم عنون لها بـ «أمر الحديبية» ١ وبعضهم بـ «قصة الحديبية» ٢، ومنهم من سماها ببعض القضايا التي وقعت فيها مثل: «عمرة الحديبية» ٣، أو «صلح الحديبية» ٤، وفريق آخر سماها بـ «غزوة الحديبية» ٥.\nوكان لزامًا علي أن أختار لها عنوان مناسبًا من تلك العناوين المطروحة لكن وجدت أمامي سؤالًا يطرح نفسه، وهو: لماذا اخترت هذا العنوان دون غيره؟\nوللجواب على هذا السؤال وأمثاله قررت أن يكون اختياري للعنوان ناتجًا عن دراسة وتحليل لتلك العناوين المطروحة لأنه لم يوضع واحد منها إلا باعتبار ما.\nفأقول وبالله التوفيق:\nبعد دراسة وتأمل لتلك العناوين رأيت أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: «غزوة الحديبية» وذلك للأمور التالية:\n_________\n١ انظر: سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨، والمواهب اللدنية ٢/١٧٩ مع شرح الزرقاني.\n٢ انظر: تاريخ الطبري ٢/٧١، وزاد المعاد ٣/٢٨٦.\n٣ انظر: الدرر لابن عبد البر ص ٢٠٤، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ٣٤٨.\n٤ انظر: تاريخ خليفة ابن خياط ص ٨١، وكتاب صلح الحديبية لمحمد باشميل.\n٥ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٣٩، ومغازي الواقدي ٢/٥٧١، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ اليعقوبي ٢/٥٤، وعيون الأثر ٢/١١٣، وجوامع السيرة ص٢٠٧ وغيرها.","vol":"1","page":14},{"text":"أولًا: أنه موافق لاصطلاح أهل السير والمحدثين.\nقال الزرقاني: \"وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحهم غالبًا أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة (غزوة) وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو (سرية) أو (بعثًا) \"١.\nثانيًا: ما يحمله لفظ (غزوة) من إيحاءات عميقة تعطى الحادثة اعتبارًا خاصًا في شعور المسلم ولا توجد في مثل لفظ (قصة) و(أمر) ذلك لأن لفظ (غزوة) أصبح ملازمًا لشخص رسول الله ﷺ فلا تكاد ترى أو تسمع هذه اللفظة حتى يسرح بك الخيال من وراء تلك الأجيال المتعاقبة لترى تحركات رسول الله ﷺ وأصحابه الأبرار يزلزلون الطغاة وأتباعهم.\nثالثًا: شمول هذا العنوان لجميع تحركات الرسول ﷺ في هذه الحادثة ابتداء من إحرامه بالعمرة ومرورًا بالبيعة والصلح إلى رجوعه للمدينة.\nرابعًا: ورود عدة أحاديث تصرح بأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها (غزوة) ومن تلك الأحاديث ما يلي:\nحديث سلمة بن الأكوع ﵁:\n(١) قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا حماد بن مسعده عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: \"غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فذكر خيبر٢، والحديبية، ويوم حنين٣، ويوم القرد٤، قال يزيد: ونسيت بقيتهم\"٥.\n_________\n١ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/٣٨٧.\n٢ لفظ خيبر: بلسان اليهود الحصن، وصار يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخيل كثيرة، فتحها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، وتقع شمال المدينة بحوالي (١٦٤) كيلًا.\nانظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، ونسب حرب: ٣٥٦، ومرويات غزوة خيبر لعوض الشهري: ٨.\n٣ حنين: قال ياقوت: \"يجوز أن يكون تصغير الحنان وهو الرحمة تصغير ترخيم، ويجوز أن يكون تصغير الحن، وهو حي من الجن، قال السهيلي: سمي بحنين بن قانيه بن مهائيل، قال: وأظنه من العماليق، حكاه عن أبي عبيد البكري، وهو اليوم الذي ذكره الله ﷿ في كتابه الكريم، وهو قريب من مكة، وقيل: واد قبل الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز، وقال الواقدي: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا\".\nانظر: معجم البلدان ٢/٣١٣.\n٤ يعني غزوة ذي قرد: وهو ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، وكان رسول الله ﷺ انتهى إليه لما خرج في طلب عيينة بن حصن حين أغار على لقاحه.\nمعجم البلدان ٤/٣٢١.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٧٣.","vol":"1","page":15},{"text":"وأخرجه أحمد١ عن حماد بن مسعدة.\nحديث أبي قتادة ﵁:\n(٢) قال مسلم٢: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية هو ابن سلام أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية، قال: فأهلوا بعمرة غيري ... (الحديث) .\nحديث أنس بن مالك عند ابن جرير:\n(٣) قال: حدثنا أحمد بن المقدام٣، قال: ثنا المعتمر٤ قال: سمعت أبي٥ يحدث عن قتادة٦ عن أنس٧ بن مالك قال: \"لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٨ أو كما شاء الله فقال النبي ﷺ: \"لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعًا\"٩.\nهذا حديث صحيح فرجاله رجال الصحيح وأحمد بن المقدام طعن فيه أبو داود بسبب مزاح كان فيه، وقد تعقبه ابن عدي١٠ بأنه لا يؤثر فيه، وبين ابن حجر١١ أيضًا وجه عدم تأثير طعن أبي داود فيه.\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٥٤.\n٢ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٢، وسيأتي تخريجه برقم (٣٨) .\n٣ أحمد بن المقدام أبو الأشعت العجلي، البصري، صدوق صالح الحديث، طعن أبو داود في مروءته، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وله بضع وتسعون سنة: خ، ت، س، ق. تقريب: ١٦.\n٤ معتمر بن سليمان التيمي أبو المعتمر البصري يلقب بالطفيل، ثقة، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقد جاوز الثمانين: ع. تقريب: ٣٤٢.\n٥ سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين: ع. تقريب: ١٣٤.\n٦ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٢٨١.\n٧ أنس بن مالك بن النضر الأنصار الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة: ع. تقريب: ٣٩.\n٨ سورة الفتح آية: ١.\n٩ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩.\n١٠ تهذيب التهذيب ١/٨٢.\n١١ هدي الساري: ٣٨٧.","vol":"1","page":16},{"text":"وقال عنه الذهبي١: \"أحد الأثبات المسندين، واحتج به البخاري وغيره\"٢.\nوفي السند عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس٣، لكنها غير مؤثرة على صحة الحديث، لأن أصله في صحيح مسلم٤، سوى ما في أوله، ويشهد له الحديثان السابقان.\n_________\n١ هدي الساري: ٣٨٧.\n٢ ميزان الاعتدال ١/١٥٨.\n٣ هدي الساري: ٣٨٧.\n٤ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ١٢٤.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: تحقيق لاسم الحديبية وموقعها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها</span>\n...\nالمطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها:\n(أ) ضبط لفظ الحديبية:\nالحديبية: بالتصغير - هي بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مخففة أو مشددة على خلاف:\nفأهل العراق على تخفيفها، ونقله النووي عن الشافعي وأهل اللغة، وبعض أهل الحديث\"١.\nوقال السهلي: \"التخفيف هو الأعرف عند أهل العربية، ونقله البكري عن الأصمعي\"٢.\nوقال أبو جعفر النحاس: \"سألت كل من لقيت ممن وثقت بعمله من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا على أنها مخففة\"٣.\nوقال أحمد بن يحيى: \"لا يجوز غير التخفيف\"٤.\n_________\n١ انظر: ص ٢٥٣.\n٢ انظر: معجمك البلدان ٢/٢٢٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١.\n٣ تاج العروس ١/٢٠٤ - ٢٠٥، الروض الأنف ٦/٤٧٥.\n٤ المصباح المنير ١/١٧٠.","vol":"1","page":17},{"text":"وأهل المدينة يثقلونها، وكذلك أكثر الفقهاء والمحدثين١.\nوحكى ياقوت عن الشافعي ﵁ أنه قال: الصواب: \"تشديد الحديبية، وتخفيف الجعرانة، وأخطأ من نص على تخفيفها، وقيل كل صواب\"٢.\nقلت: الظاهر أن الكل صواب، فقد قال النووي: \"وهما وجهان مشهوران\" ا. هـ٣\nوقال ابن حجر: \"والحديبية بالتخفيف والتثقيل لغتان ا. هـ٤\n(ب) سبب تسمية ذلك الموضع بالحديبية:\nقال ياقوت: \"هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها\" ا. هـ٥\nوكذلك قال ابن حجر: هي بئر سمي بها المكان ا. هـ٦\nوقال الخطابي: \"إن الحديبية اسم لشجرة حدباء في ذلك الموضع وصُغِّرت وسُمِّي بها المكان، نقله عنه ياقوت\"٧.\nوحكاه ابن حجر٨ بصيغة التمريض.\nوقال الزبيدي: \"جزم المتأخرون أنها قريبة من قهوة الشميسى، ثم أطلق على الموضع\"ا. هـ٩\nقلت: القول الأول: يشهد له ما في حديث البراء: \"كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ... \"١٠.\nولا يبعد أن تكون البئر سميت بالشجرة، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١، تاج العروس ١/٢٠٤ - ٢٠٥.\n٢ انظر: معجم البلدان ٢/٢٢٩.\n٣ تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١.\n٤ فتح الباري ٧/٤٣٩.\n٥ معجم البلدان ٢/٢٢٩.\n٦ فتح الباري ٥/٣٣٤.\n٧ انظر: معجم البلدان ٢/٢٢٩.\n٨ فتح الباري ٥/٣٣٤.\n٩ تاج العروس ١/٢٠٥.\n١٠ انظر حديث رقم (٥٣) .","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثاني: موقع الحديبية وهل من الحل أو الحرام</span>\n...\nالمطلب الثاني: موقع الحديبية، وهل هي من الحل أو من الحرم؟\n(أ) موقعها:\nقال ياقوت: \"بين الحديبية ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل\".اهـ١ وقال النووي: \"إنها على نحو مرحلة من مكة\"٢.\nوقال في المصباح: \"تقع على طريق جدة دون مرحلة\"٣.\nوقال صاحب صحيح الأخبار: \"فإن جزت وادي فاطمة أتيت الموضع الذي يقال له اليوم الشميسي، وكان يقال له في الزمن القديم: الحديبية.\"اهـ٤\nوقال صاحب نسب حرب: \"تقع غرب مكة على بعد (٢٢كيلًا) على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي لأنه يقال: إن رجلًا يدعى الشميسي حفر بئرًا هناك فغلب اسمه عليها، وبالقرب منها من الغرب أقامت أمانة العاصمة حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وفي الحديبية اليوم مسجد الرضوان يقال: إنه بني مكان البيعة\".اهـ٥\nأفادت هذه النقول أن الحديبية تقع في الناحية الغربية من مكة كما صرح بذلك صاحب (نسب حرب) وهو مفهوم قول صاحب (المصباح) وصاحب (صحيح الأخبار) لأن جدة تقع في الجهة الغربية من مكة لكن الواقع أن الحديبية لا تحاذي بمكة من الجهة الغربية، بل تنحرف إلى جهة الشمال وقد أشار إلى ذلك ياقوت حيث ذكر: \"أنها ليست في طول الحرم، ولا في عرضه، بل تقع في زاوية الحرم\".اهـ٦\nأما المسافة التي بين الحديبية وبين مكة فقد ذكر ياقوت أنها مرحلة، والمرحلة تقدر بـ (٤٠ كيلو مترًا) كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام٧.\n_________\n١ معجم البلدان ٢/٢٢٩.\n٢ تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢: ٨١.\n٣ نقله الزبيدي: تاج العروس ١/٢٠٥.\n٤ صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار ٢/١٣٨.\n٥ نسب حرب: ٣٥٠.\n٦ معجم البلدان ٢/٢٢٩.\n٧ تيسير العلام ١/٤٨٣.","vol":"1","page":19},{"text":"لكن نرى صاحب (نسب حرب) يقول: \"إن بينهما (٢٢كيلو مترًا)، وهناك فرق شاسع بين القولين.\nلكن الظاهر أن المتقدمين لا يريدون التحديد الدقيق، وإنما يقصدون التقدير التقريبي للمسافة. لذلك نرى النووي يقول: إنها على نحو مرحلة. وصاحب المصباح يقول: دون مرحلة.\nأما صاحب (نسب حرب) فإنه يريد التحديد الدقيق للمسافة، وما ذكره هو المعروف اليوم.\nوقد ذكر المتأخرون أنه قد غلب على مكان الحديبية اسم (الشميسي) فصار المكان يعرف بهذا الاسم، لكن ذكر صاحب (نسب حرب) أنها توجد، ثم حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وهذا يعني أن المكان لا زال يعرف أنه مكان الحديبية.\n(ب) هل الحديبية من الحل أو من الحرم؟\nعند مالك أن الحديبية جميعها من الحرم١.\nوقال الشافعي: \"الحديبية موضع من الأرض منه ما هو في الحل، ومنه ما هو في الحرم\"٢.\nوقال ياقوت: \"وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم، وهو أبعد الحل من البيت\"٣.\nوقال ابن القيم: \"والحديبية في الحل باتفاق الناس\".\nوقد قال الشافعي: \"بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، ومراده: أن أطرافها من الحرم، وإلا فهي من الحل باتفاقهم\" ا. هـ٤\n_________\n١ ذكره الزبيدي: تاج العروس ١/٢٠٥.\n٢ الأم ٢/١٥٩.\n٣ معجم البلدان ٢/٢٢٩.\n٤ زاد المعاد ٣/٣٨٠.","vol":"1","page":20},{"text":"قلت: الظاهر أن ما ذهب إليه الشافعي وياقوت هو الأرجح، وأما ما حكاه ابن القيم من الاتفاق على أن الحديبية كلها من الحل، فغير مسلم، لأن مالكًا يرى أنها من الحرم كلها، والشافعي وغيره يرون أن بعضها من الحرم.\nوقد حمل ابن القيم قول الشافعي على أنه يقصد أن أطرافها من الحرم، لكنه لم يبين مساحة هذه الأطراف، وعلى افتراض أنه يقصد ذلك، فإن هذه الأطراف يطلق عليها بعض الحديبية، والله أعلم.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الثاني: سبب الغزوة وتاريخها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول: سبب الغزوة</span>\n...\nالمبحث الأول: سبب الغزوة:\nدرج كثير من أهل المغازي على جعل السبب في خروج المسلمين لهذه الغزوة رؤيا رآها النبي ﷺ قبيل خروجه، وملخصها: أن رسول الله ﷺ رأى أنه دخل البيت هو وأصحابه وطافوا به، وحلق بعضهم وقصر البعض، وأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا.\nوأول من أثبت هذا السبب - حسب علمي - هو الواقدي١، ثم تابعه كثير ممن كتب في المغازي كاليعقوبي٢، والمقريزي٣، الزرقاني٤، وصاحب تاريخ الخميس٥، والشيخ محمد بن عبد الوهاب٦، وغيرهم.\nوقد تردد كثيرًا في إثبات تلك الرؤيا سببًا للغزوة، لأن أول من أثبتها - كما أشرت - هو الواقدي، بينما أغفلها من هو أثبت منه كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما.\nلكن بعد البحث والتتبع وجدت ما يشهد لها ويدل على أن لها أصلًا وذلك من القرآن والحديث:\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ...﴾ ٧.\n_________\n١ مغازي الواقدي ٢/٥٧٢.\n٢ تاريخ اليعقوبي ٢/٥٤.\n٣ امتاع الأسماع ١/٢٧٤.\n٤ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٧٩.\n٥ تاريخ الخميس ٢/١٧٩.\n٦ مختصر سيرة الرسول ﷺ: ٢٦١.\n٧ سورة الفتح الآية: ٢٧.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية هو التساؤل الذي حصل حول الرؤيا.\nفقد روى ابن جرير ذلك عن مجاهد وابن زيد:\n(٤) قال ابن جرير: حدثنا محمد١ بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم٢ قال: ثنا عيسى٣، وحدثني الحارث٤ قال ثنا الحسن٥ قال: ثنا ورقاء٦ جميعًا عن ابن أبي نجيح٧ عن مجاهد٨ في قوله \"الرؤيا بالحق\" قال: أرى النبي ﷺ بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد ﷺ؟ \"٩.\nسند هذا الأثر حسن إلى مجاهد لكنه مرسل.\n(٥) وقال ابن جرير: حدثني يونس١٠، قال: أخبرنا ابن وهب١١ قال: قال\n_________\n١ محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد العتكي - بفتح المهلمة والمثناة - أبو جعفر البصري، صدوق، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين: م، د. تقريب: ٣١٣.\n٢ هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها: ع. تقريب: ١٥٥.\n٣ عيسى بن ميمون الجرشي - بضم الجيم وفتح الراء والمعجمة - ثم المكي أبو موسى يعرف بابن داية - تحتانية خفيفة - ثقة من السابعة: خد. تقريب: ٢٧٢.\n٤ الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي صاحب المسند، رمز له الذهبي بكلمة (صح) - وهي كما قال ابن حجر أنه اعتمد توثيقه - وقال الذهبي: كان عارفًا بالحديث حافظًا، تكلم فيه بلا حجة، وقال الدارقطني هو عندي صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن حزم، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ميزان الاعتدال ١/٤٤٢، لسان الميزان ٢/١٥٧.\n٥ الحسن بن موسى الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، مات سنة تسع أو عشر ومائتين: ع. تقريب: ٧٢.\n٦ ورقاء بن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين: ع. تقريب ٣٧٩.\nقال أحمد بن حنبل: ثقة صاحب سنة، توفي سنة نيف وستين ومائة ﵀. تذكرة الحفاظ ١/٢٣٠.\n٧ عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم، ثقة، رمي بالقدر وربما دلس، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة أو بعدها: ع، تقريب: ١٩١.\n٨ مجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الموحدة - ابو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون: ع. تقريب: ٣٢٨.\n٩ تفسير ابن جرير ٢٦/١٠٧.\n١٠ يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري، ثقة، مات سنة أربع وستين ومائتين، وله ست وتسعون سنة: م، س، ق: تقريب: ٣٩٠.\n١١ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة، حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة: ع، تقريب: ١٩٣.","vol":"1","page":23},{"text":"ابن زيد١: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ...﴾، قال لهم النبي ﷺ: \"إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين\" فلما نزل بالحديبية، ولم يدخل ذلك العام، طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياه؟ فنزلت الآية٢.\nسند هذا الأثر صحيح إلى ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد ضعيف، ضعفه ابن معين، وابن المديني، وأحمد والنسائي، وغيرهم٣.\nلكن معنى الأثرين ثابت من حديث المسور ومروان ففيه من رواية معمر عند البخاري: \"فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى: فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به٤.\nوفي حديثهما من رواية ابن إسحاق عند أحمد بسند حسن \"وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا ... \"٥.\nفالآية وما في حديث المسور ومروان تدل على أنه قد حصل للنبي ﷺ رؤيا خرج المسلمون إثرها لهذه الغزوة.\nلكن الأثر الذي رواه ابن جرير عن مجاهد يُعَكِّرُ على جعل هذه الرؤيا سببًا لخروج المسلمين إذ فيه: \"أن الرؤيا حصلت للرسول ﷺ بالحديبية\"، وذلك بعد خروج المسلمين.\nلكن إذا تأملنا حديث المسور ومروان نرى في رواية معمر قول عمر: \"أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ \".\n_________\n١:هوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، ضعيف، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة: ت، ق. تقريب: ٢٠٢.\n٢ تفسير ابن جرير ٢٦/١٠٧.\n٣ ميزان الاعتدال ٢/٥٦٤.\n٤ انظر ص:١٧١.\n٥ انظر ص: ١٧٢.","vol":"1","page":24},{"text":"وفي رواية ابن إسحاق: \"وقد كان المسلمون خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها النبي ﷺ\".\nفكلام عمر يدل على أن الرسول ﷺ كان يحدثهم بذلك قبل مجيئهم للحديبية، وما في رواية ابن إسحاق يفيد أن المسلمين خرجوا بعد الرؤيا.\nلذلك حمل بعض العلماء الرؤيا التي يشير إليها الأثر الموقوف على مجاهد أنها رؤيا ثانية.\nقال الزرقاني: \"وأما ما رواه الفارابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: \"أري النبي ﷺ وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ...﴾ فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيرًا له من الله ثانيًا فلا يصلح جعلها سببًا لخروجه من المدينة\"١.\n_________\n١ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٧٩.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثاني: تاريخ خروج المسلمين لغزوة الحديبية</span>\nاستعمل النبي ﷺ على المدينة قبل خروجه نميلة بن عبد الله الليثي على قول ابن هشام١، وابن٢ سيد الناس ومن تبعهما.\nوذكر الواقدي٣، وابن٤ سعد ومن تبعهما أنه استعمل ابن أم مكتوم، وهناك قول ثالث٥: أنه استعمل أبارهم كلثوم بن الحصين.\nقال الزرقاني٦: \"يحتمل أنه استخلف نميلة وأبارهم على المصالح والإمام ابن أم مكتوم\".\n_________\n١ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨.\n٢ عيون الأثر ٢/١١٣.\n٣ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.\n٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.\n٥ نقله الزرقاني عن البلاذري، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨٠.\n٦ المصدر السابق.","vol":"1","page":25},{"text":"ثم خرج رسول الله ﷺ وأصحابه للغزوة، وذلك في يوم الاثنين مستهل ذو القعدة من السنة السادسة، وسأورد ما يثبت هذا التحديد إن شاء الله.\n(أ) ما ورد في التحديد بالسنة السادسة:\n(٦) قال البيهقي: \"أخبرنا أبو الحسين بن الفضل بن القطان١ ببغداد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه٢ النحوي، قال: حدثنا يعقوب٣ بن سفيان قال: أخبرنا ابن المنذر٤ قال: حدثنا عبد الله بن نافع٥ قال: حدثني نافع٦ بن أبي نعيم عن نافع٧ مولى ابن عمر قال: \"كانت الحديبية سنة ست بعد مقدم النبي ﷺ المدينة في ذي القعدة\"٨.\nسند هذا الأثر حسن، فابن المنذر تكلم فيه أحمد لأنه خلط في القرآن، ولكونه قدم إلى ابن أبي دؤاد، لكن وثقه ابن معين والنسائي وابن وضاح، وأبو حاتم والدارقطني، ورجح الذهبي توثيقه فقد رمز له بـ (صح)، وقال الساجي: \"له مناكير لكن تعقبه الخطيب\" وقال ابن حجر: \"اعتمده البخاري، وانتفى من حديثه\"٩، وفي\n_________\n١ محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق القطان، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. تاريخ بغداد ٢/٢٤٩.\n٢ عبد الله بن محمد بن جعفر بن درستويه بن المرزبان النحوي، نقل الخطيب تضعيفه عن اللالكائي، والبرقاني ثم رده ونقل توثيقه عن أبي سعد الحسين بن عثمان الشيرازي، وعبد الله بن منده الحافظ، توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، تاريخ بغداد ٩/٤٢٨.\n٣ يعقوب بن سفيان الفارسي أبو يوسف الفسوي، صاحب المعرفة والتاريخ، قال ابن حجر: ثقة حافظ، توفي سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعد ذلك: س، ق. تقريب: ٣٨٦.\n٤ هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق، تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، مات سنة ست وثلاثين ومائتين: خ، ت، س، ق. تقريب: ٢٣.\n٥ عبد الله بن نافع الصائغ المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، مات سنة ست ومائتين وقيل بعدها: بخ، م، الأربعة. تقريب: ١٩١.\n٦ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني، مولى بني ليث أصله من أصبهان، وقد ينسب لجده، صدوق ثبت في القراءات، مات سنة تسع وستين ومائة: فق. تقريب: ٣٥٥٠.\n٧ نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك: ع. تقريب: ٣٥٥.\n٨ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٢.\n٩ تاريخ بغداد ٦/١٨٠ - ١٨١، ميزان الاعتدال ١/٦٧، هدى الساري: ٣٨٨.","vol":"1","page":26},{"text":"السند أيضًا نافع بن أبي نعيم، قال أحمد: \"ليس بشيء في الحديث، لكن وثقه ابن معين\"، وقال ابن سعد: \"كان ثبتًا\"، وقال أبو حاتم: \"صدوق صالح الحديث\"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن المديني وابن عدي والدارقطني: \"لا بأس به\"١، فتوثيق هؤلاء مقدم على قول من جرحه، لا سيما والجرح غير مفسر السبب، وبقية رجال السند كلهم ثقات، فالأثر حسن إلى نافع، وقد أرسله نافع لكن معناه ثابت من حديثي ابن عمر التاليين:\n(٧) قال ابن حجر: \"روى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: \"كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع\"٢.\nهذه الرواية صريحة في أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وحديث البخاري الآتي يثبت أنها كانت في السنة التي تلي عام الحديبية.\n(٨) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: \"أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج\" ٣.\nوأخرجه من طريق٤ محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به مثله.\nفهذا الحديث يفيد تصريحًا أن النبي ﷺ اعتمر عمرة القضية في العام الذي يلي عام الحديبية مباشرة، والحديث الذي قبله صريح في أن هذا العام الذي اعتمر فيه عمرة القضية هو السنة السابعة.\nوإذا ثبت أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وأنها في السنة التي تلي عام الحديبية، فالحديبية إذن في السنة السادسة بلا شك.\n_________\n١ ميزان الاعتدال ٤/٢٤٢، تهذيب التهذيب ١٠/٤٠٧.\n٢ فتح الباري ٧/٥٠٠.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٠١.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح: كتاب المغازي: ٤٢٥٢.","vol":"1","page":27},{"text":"الإجماع على أنها كانت في السنة السادسة:\nقال النووي: \"وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة\" ا. هـ١\nوقال ابن كثير: \"وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف\" ا. هـ٢\nوقال ابن حجر: \"كانت الحديبية في سنة ست بلا خلاف\" ا. هـ٣\nوقد شذ ابن الديبع فقال: \"كانت في السنة الخامسة\"٤، ولكن لا مستند له في ذلك.\n(ب) التحديد بشهر ذي القعدة ورد فيه ما يلي:\n(٩) قال البخاري حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁: \"اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحًا إلا في القرب\"٥.\nوأخرجه في كتاب الصلح٦ والمغازي٧ بهذا الإسناد مطولًا.\nوأخرجه من طريق٨ شعبة، ومن طريق٩ سفيان بن سعيد، كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء مختصرًا لم يذكر العمرة.\nوأخرجه أحمد١٠ عن حجين وأسود بن عامر كلاهما عن إسرائيل به مطولًا.\nوأخرجه الدارمي١١ عن محمد بن يوسف عن إسرائيل به مطولًا.\n_________\n١ المجموع شرح المهذب ٧/٧٨.\n٢ البداية والنهاية ٤/١٦٤.\n٣ التلخيص الحبير ٤/٩٠.\n٤ حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ٢/٦٠٩.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٤٤.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٩.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي ٤٢٥١.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٨.\n٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٠.\n١٠ مسند أحمد ٤/٢٩٨.\n١١ سنن الدارمي ٢/٢٣٧.","vol":"1","page":28},{"text":"وأخرجه الترمذي١ عن عباس بن محمد الدوري عن إسحاق بن منصور السلولي عن إسرائيل به مختصرًا، ولفظه: قال: \"اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة\".\nوأخرج بعضه في كتاب البر والصلة٢، وفي كتاب المناقب٣ من طريق إسرائيل أيضًا، وليس في ذكر للعمرة.\nوأخرجه البخاري من غير طريق إسرائيل بسياق آخر مختصرًا: قال: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال: \"سألت مسروقًا وعطاء ومجاهد فقالوا: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج، قال وسمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين\"٤.\nوأخرجه بهذا السند في كتاب الجزية والموادعة٥ مطولًا، ولم تذكر فيه العمرة.\nحديث أنس ﵁:\n(١٠) قال البخاري حدثنا حسان بن حسان حدثنا همام عن قتادة: سألت أنسًا ﵁: كم اعتمر النبي ﷺ. قال: \"أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة٦ إذ قسم غنيمة - أراه حنين - قلت كم حج؟ قال: واحدة\"٧.\nوأخرجه٨ عن هدبة عن همام به بلفظ: \"اعتمر رسول الله ﷺ أربع في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته، عمرته من الحديبية\" نحوه ...\n_________\n١ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٩٣٨.\n٢ سنن الترمذي، كتاب البر والصلة: ١٩٠٤.\n٣ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧٦٣.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٨١.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية والموادعة: ٣١٨٤.\n٦ الجعرانة - بكسر أوله -: هي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. معجم البلدان ٢/١٤٢.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٧٨.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٨٠.","vol":"1","page":29},{"text":"وأخرجه بهذا الإسناد في المغازي١ بمثله، وفي الجهاد٢ مختصرًاَ ذكر عمرة الجعرانة فقط.\nوأخرجه مسلم عن٣ هداب - هو هدبة٤ - به فذكر نحوه، وفيه: \"من الحديبية أو زمن الحديبية\".\nوأخرجه عن٥ محمد بن المثنى عن عبد الصمد عن همام به نحو لفظ هدبة.\nوأخرجه أبو داود٦ عن أبي الوليد الطيالسي وهدبة، كلاهما عن همام به نحوه.\nوأخرجه البخاري عن أبي الوليد٧ به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية.\nوأخرجه الترمذي٨ عن إسحاق بن منصور عن حبان بن همام به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية.\nوأخرجه أحمد٩ عن عفان عن همام به، بمثل لفظ حسان بن حسان.\nحكى ابن كثير والعيني الإجماع على إنها في ذي القعدة:\nقال ابن كثير: \"كان الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف\n\"١٠.\nوقال العيني: \"وكان خروجه من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف\" ١١.\nقلت: قد وردت عن عروة بن الزبير رواية بأن غزوة الحديبية كانت في شوال، ونص الرواية:\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٤٨.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٣٠٦٦.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٢١٧.\n٤ قال ابن حجر: أخرجه مسلم عن هداب، وهو هدبة المذكور، فتح الباري ٣/٦٠٢.\n٥ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٢١٨.\n٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٩٩٤.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٧٩.\n٨ سنن الترمذي، كتاب الحجر: ٨١٥.\n٩ المسند ٣/٢٤٥.\n١٠ البداية والنهاية ٤/١٦٤.\n١١ عمدة القاري ١٤/٦.","vol":"1","page":30},{"text":"(١١) قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة١ قال: حدثنا هشام٢ عن أبيه٣ قال: \"خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية، وكانت الحديبية في شوال\"٤، الحديث.\nأخرجه يعقوب بن سفيان من طريق آخر: قال: حدثنا إسماعيل٥ ابن الخليل عن علي٦ بن مسهر قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: \"خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان، وكانت الحديبية في شوال\"٧.\nوأخرجه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان٨ به.\nسند هذا الأثر صحيح إلى عروة، وهو مرسل.\nوقد اعتبر العلماء هذه الرواية عن عروة شاذة.\nفقد حكاها ابن القيم عنه ثم عقب عليها بقوله: \"وهذا وهم وإنما كانت غزوة الفتح في رمضان\" ٩.\nكما أوردها ابن كثير من طريق يعقوب بن سفيان، وعقب عليها بقوله: وهذا غريب جدًا عن عروة١٠.\n_________\n١ هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، أبو أسامة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين: ع. تقريب: ٨١.\n٢ هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله ثمانون سنة: ع. تقريب: ٣٦٤.\n٣ عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أواخر خلافة عمر الفاروق: ع. تقريب: ٢٣٨.\n٤ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة، ٥٦.\n٥ إسماعيل بن الخليل الخزاز - بمعجمات - أبو عبد الله الكوفي، ثقة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين: خ، مد. تقريب: ٣٣.\n٦ علي بن مسهر - بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء - القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، مات سنة تسع وثمانين ومائة: ع. تقريب: ٢٤٩.\n٧ المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨.\n٨ دلائل النبوة، ٢، لوحة: ٢١٢.\n٩ زاد المعاد ٣/٢٨٧.\n١٠ البداية والنهاية ٤/١٦٤.","vol":"1","page":31},{"text":"وقال ابن حجر: \"جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان، واعتمر في شوال وشذ بذلك\"١.\nقلت: وقد وردت عن عروة رواية أخرى توافق الجمهور:\n(١٢) قال البيهقي: قال: يعقوب٢: قال حسان٣ بن عبد الله: عن ابن لهيعة٤ عن أبي الأسود٥: \"أن رسول الله ﷺ تجهز يريد العمرة، وتجهز معه ناس كثير، وذلك في ذي القعدة سنة ست\"٦.\nهكذا ذكر البيهقي هذه الرواية موقوفة على أبي الأسود لكن ابن القيم وابن كثير صرحا بأن أبا الأسود رواها عن عروة بن الزبير.\nقال ابن القيم: \"وقد قال أبو الأسود عن عروة: أنها كانت في ذي القعدة على الصواب\"٧.\nوقال ابن كثير: بعد أن حكى قول الجمهور: \"وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: أنها في ذي القعدة سنة ست\"٨.\nكما جزم ابن حجر حيث قال: وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور٩.\nوسند هذا الأثر ضعيف لأنه معلق فبين البيهقي ويعقوب بن سفيان واسطتان١٠.\n_________\n١ فتح الباري ٧/٤٤٠.\n٢ هو يعقوب بن سفيان.\n٣ حسان بن عبد الله بن سهل الكندي أبو علي الواسطي، نزيل مصر، صدوق يخطئ، مات سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين: خ، س، ق. تقريب، تهذيب التهذيب ٢/٢٥٠.\n٤ هو: عبد الله بن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري، صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرونًا، مات سنة أربع وسبعين ومائة، وقد ناف على الثمانين: م، د، ت، ق. تقريب: ١٨٦.\n٥ هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، أبو الأسود المدني يتيم عروة، ثقة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ٣٠٨.\n٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٢.\n٧ زاد المعاد ٣/٢٨٧.\n٨ البداية والنهاية ٤/١٦٤.\n٩ فتح الباري ٧/٤٤٠.\n١٠ انظر حديث رقم (٦) .","vol":"1","page":32},{"text":"وفي سنده ابن لهيعة ضعفه الحفاظ في غير رواية العبادلة عنه، أما روايتهم عنه فقد صححها١ بعضهم، وليست هذه منها، وهو مرسل أيضًا لكن معناه ثابت من الروايات السابقة.\n(جـ) تحديد خروجه يوم الاثنين:\nتحديد خروجه ﷺ بيوم الاثنين ذكره بعض أهل المغازي وغيرهم:\nقال الواقدي: \"وخرج رسول الله ﷺ من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة ... \"٢.\nوقال ابن سعد: \"وركب راحلته القصواء وخرج وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة ... \"٣.\nوقال القسطلاني: \"خرج ﵇ يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة\". ا. هـ٤\nولم أرَ في كتب المغازي أو غيرها أحدًا يذكر خلاف ذلك، بل حكى العيني الإجماع على ذلك:\nقال العيني: \"وكان خروجه ﷺ يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف\"٥.\n_________\n١ ميزان الاعتدال ٢/٤٥٧.\nوالعبادلة هم: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، المصدر السابق ٤٨٢، وسير أعلام النبلاء ٨/٢٠.\n٢ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.\n٣ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.\n٤ المواهب اللدنية ٢/١٧٩.\n٥ عمدة القاري ١٤/٦.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الثالث: إعداد النبي ﷺ وأصحابه للخروج إلى الحديبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية</span>\n...\nالمبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية:\nكانت عداوة قريش للمسلمين لا تخفى على من له أدنى علم بأحداث الجزيرة في ذلك الوقت، فآخر هجوم قامت به على المدينة - كان قبل سنة فقط من خروج المسلمين لهذه الغزوة١ - حشدت فيه كل قواها المادية والمعنوية مستهدفة القضاء على المسلمين، وإبادة خضرائهم، لكن الله ردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، فغيظهم على المسلمين يزداد يومًا بعد يوم، ومن المستحيل أن يمكنوا المسلمين من الدخول إلى مكة عن رضى منهم وطواعية، بل لن يتوانوا في الإيقاع بهم إن وجدوا سبيلًا إلى ذلك.\nوكان النبي ﷺ وأصحابه على علم بعداوة قريش وحنقها لذلك فقد أخذوا أهبتهم وحيطتهم قبل خروجهم من المدينة.\nقال ابن إسحاق: \"واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب\"٢ ا. هـ\n_________\n١ كان ذلك في غزوة الخندق، وهي في سنة خمس على الراجح. انظر: مرويات غزوة الخندق لإبراهيم عمير مدخلي ص ٣٥ - ٥٠.\n٢ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨.","vol":"1","page":34},{"text":"كذا ذكره ابن إسحاق دون سند، لكن أشارت إليه آيات سورة الفتح - ولا شك أن القرآن هو أول مصادر السيرة النبوية١ - قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ٢.\nفقد ورد في تفسير هذه الآية ما يلي:\n(١٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمرو وقال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ قال: أعراب المدينة جهينة ومزينة استتبعهم لخروجه إلى مكة قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوا فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل\"٣.\nوسند هذا الأثر صحيح إلى مجاهد، وهو مرسل، لكن يشهد له مرسل قتادة التالي.\n(١٤) قال ابن جرير حدثنا بشر٤ قال: ثنا يزيد٥ قال: ثنا سعيد٦ عن قتادة٧ قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾، قال: ظنوا بنبي الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم٨.\n_________\n١ انظر مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة: ٢٣.\n٢ سورة الفتح الآية: ١١ - ١٢.\n٣ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٧، ورجال الاسناد تقدمت تراجمهم، انظر حديث رقم (٤) .\n٤ بشر بن معاذ العقدي - بفتح المهملة والقاف - أبو سهل البصري الضرير، صدوق، مات سنة بضع وأربعين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٤٥.\n٥ يزيد بن زريع - بتقديم الزاي مصغرًا - البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة: ع. تقريب: ٣٨٢.\n٦ هو: سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف لكنه كثير التدليس، واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة، مات سنة ست، وقيل سبع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ١٢٤.\n٧ قتادة بن دعامة.\n٨ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٨.","vol":"1","page":35},{"text":"وسنده صحيح إلى قتادة لشاهدة من الحديث السابق.\nوقد ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: أنهم كانوا على استعداد لقتال من اعترض سبيلهم، وهذا يفيد أنهم قد حملوا السلاح، يقول في الحديث: \"فقال النبي ﷺ أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله ... \"١.\nوكان مع المسلمين خيل كذلك لكن لم أقف على شيء في عددها سوى ما ذكر ابن سعد قال: وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرسًا من خيل المسلمين٢.\nوليس فيما ذكر ابن سعد تحديد لعدد الخيل بل يفهم من كلامه أنها كانت أكثر مما ذكر، لأن (من) في قوله من خيل المسلمين تبعيضية٣.\nوإذن فالنبي ﷺ قد استعد بالرجال كما ذكر ابن إسحاق وبالسلاح، وهو مفهوم حديث المسور ومروان وبالخيل كما ذكر ابن سعد، وقد نص على ذلك كله حديث سلمة بن الأكوع يقول فيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل ... ٤\nوهذا الحديث ضعيف لأنه من طرق موسى بن عبيدة الربذي، وقد ضعفه الحفاظ لكن يستأنس به مع ما سبق من الشواهد وأقوال أصحاب المغازي.\nوقد ذكر الواقدي أنهم خرجوا بغير سلاح وأورد أثرين عن عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة يفيدان أن النبي ﷺ أبى أن يحمل السلاح.\n_________\n١ انظر ص ١٢٥.\n٢ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.\n٣ وقد ذكر صاحب السيرة الحلبية أنه كان مع المسلمين مائتا فرس ٢/٦٩٠، وتبعه محمد باشميل، صلح الحديبية: ١٢٦.\n٤ تاريخ ابن أبي شيبة: لوحة ٦٠، وسيأتي برقم (٣٢) .","vol":"1","page":36},{"text":"(١٥) قال الواقدي: فقال عمر بن الخطاب ﵁: \"أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه، ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ما أدري ولست أحب أحمل السلاح معتمرًا\"١.\n(١٦) وقال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو حملنا السلاح معنا فإن رأينا من القوم ريبًا كنا معدين لهم، فقال رسول الله ﷺ: \"لست احمل السلاح، إنما خرجت معتمرًا\" ا. هـ٢\nوهذان الأثران ضعيفان، إذ لا أسانيد لهما، وقول الواقدي مرجوح لمخالفته غيره من أهل المغازي.\nوقد أخرج ابن جرير بإسناده إلى ابن أبزى رواية يثبت فيها خلاف ما ذكر الواقدي من جواب الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب:\n(١٧) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد٣ قال: حدثنا يعقوب القمي٤ عن جعفر٥ - يعني ابن أبي المغيرة - عن ابن أبزى٦ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع٧، قال: فبعث النبي ﷺ إلى المدينة فلم يدع فيها كراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول الله ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله\n_________\n١ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.\n٢ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.\n٣ محمد بن حميد بن حبان الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين: د، ت، ق. تقريب: ٢٩٥، وانظر: التاريخ الكبير ١/١/٦٩، ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠.\n٤ يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعري، أبو الحسن القمي - بضم القاف وتشديد الميم - صدوق يهم، مات سنة أربع وسبعين ومائة: خت، الأربعة. تقريب: ٣٨٦.\n٥ جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي - بضم القاف - قيل اسم أبي المغيرة دينار، صدوق يهم، من الخامسة: بخ، د، ت، س، فق. تقريب: ٥٦.\n٦ سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي، ثقة من الثالثة: ع. تقريب: ١٢٣.\n٧ الكُراع: اسم لجميع الخيل. النهاية ٤/١٦٥.","vol":"1","page":37},{"text":"حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.٢\nهذا الحديث مرسل، وسنده إلى ابن أبزى ضعيف، لأن فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعفه أبو حاتم وغيره واتهمه أبو زرعة وغيره بالكذب٣.\nوفي هذا الحديث - في الشطر الأخير منه - نكارة نبّه عليها بعض العلماء:\nفقد نقله ابن كثير عن ابن جرير ثم قال: رواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدًا ﵁ لم يكن أسلم بل قد كان طليعة للمشركين كما ثبت في الصحيح ولا يجوز أن يكون عمرة القضاء، لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام القابل، فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه، فإن قيل فيكون يوم الفتح.\nفالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديًا، وإنما جاء محاربًا مقاتلًا في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم ا. هـ٤\nوقال ابن حجر: وفي صحته نظر؛ لأن خالدًا لم يكن أسلم في الحديبية، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت في الحديبية، فلو كانت في عمرة القضية لأمكن، مع أن المشهور أنهم فيها لم يمانعوه ولم يقاتلوه٥ ا. هـ\nقلت: التحقيق أن ما ذكره ابن كثير هو الأظهر، من أنه ليس في الحديبية، ولا في عمرة القضية، ولا في الفتح، وآفته ابن حميد قال عنه الذهبي: وهو مع إمامته منكر الحديث صاحب عجائب ا. هـ٦\n_________\n١ سورة الفتح آية: ٢٤.\n٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٧٢، تفسير ابن جرير ٢٦/٩٥.\n٣ ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠، تهذيب التهذيب ٩/١٢٧.\n٤ تفسير ابن كثير ٤/١٩٣.\n٥ الكافي الشافي بتخريج أحاديث الكشاف ٢/٣٤٢ حاشية الكشاف.\n٦ سير أعلام النبلاء ١١/٥٠٣.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية</span>\n...\nالمبحث الثاني: عدد جيش المسلمين في غزوة الحديبية:\nوردت نصوص كثيرة تشير إلى عدد المسلمين في هذه الغزوة جاء في بعضها أنهم كانوا بضع عشرة مائة، وورد في بعضها تحديد عددعم لكنها اختلفت فيه اختلافًا كبيرًا.\nوسأورد تلك النصوص ثم أذكر التوفيق بينها إن شاء الله:\n(أ) ما ورد بأنهم كانوا بضع عشرة مائة:\n(١٨) قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قائلًا: \"خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ... \" الحديث١.\n(ب) التحديد بألف وثلاثمائة:\n(١٩) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا شعبة عن عمرو - يعني ابن مره - حدثني عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين٢.\nوأخرجه البخاري٣ تعليقًا قال: قال عبيد الله بن معاذ به فذكره.\nوأخرجه ابن سعد٤ عن أبي داود الطيالسي عن شعبة به قال في أوله: \"سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله ﷺ وكان قد شهد بيعة الرضوان ... \" ثم ذكر نحو لفظ مسلم.\nوأخرجه البيهقي٥ من طريق أبي دواد الطيالسي بمثل لفظ ابن سعد.\n(جـ) ما ورد في التحديد بألف وأربعمائة:\n(٢٠) قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن\n_________\n١ سيأتي تخريجه برقم (٣٥) .\n٢ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٥.\n٣ صحيح البخاري، كتاب المغازي: ٤١٥٥.\n٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٨.\n٥ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣.","vol":"1","page":39},{"text":"عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: \"أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة\"١.٢\nوأخرجه٣ عن قتيبة بن سعيد عن سفيان به مختصرًا بلفظ: \"كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة\".\nوأخرجه مسلم٤، وأحمد٥، والحميدي٦، والبيهقي٧، كلهم من طريق سفيان به نحو لفظ علي بن المديني، وليس عند أحمد: \"ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة\".\nوأخرجه البخاري٨ من طريق الأعمش قال حدثني سالم بن أبي الجعد عن جابر، فذكر في الحديث قصة تفجر الماء من بين أصابع النبي ﷺ وفي آخر: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف٩ وأربعمائة.\nوأخرجه مسلم١٠ والبيهقي١١ كلاهما من طريق الأعمش به مختصرًا بلفظ: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة، زاد البيهقي: \"أصحاب الشجرة\".\nوأخرجه البيهقي عن طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة١٢.\nوأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر، فذكر عدد البدن التي نحروها ثم قال: \"فقلنا لجابر، كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة، بخيلنا ورجالنا\"١٣.\n_________\n١ الشجرة هي السمرة التي وقعت البيعة تحتها، انظر الحديث رقم (٢٣ - ٢٤) .\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٤.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٤٠.\n٤ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧١.\n٥ مسند أحمد ٣/٣٠٨.\n٦ مسند الحميدي ٢/٢١٤.\n٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٤.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأشربة: ٥٦٣٩.\n٩ قال ابن حجر: كذا لهم بالرفع والتقدير: نحن يومئذ ألف وأربعمائة، ويجوز النصب على خبر كان، الفتح ١٠/١٠٢.\n١٠ صحيح مسلم، كتاب الأمارة: ٧٤.\n١١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣.\n١٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٤.\n١٣ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٤.","vol":"1","page":40},{"text":"(٢١) وقال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: \"كنا يوم الحديبية أربع١ عشر مائة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لن نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير٢ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا\"٣.\nوأخرجه عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به بلفظ: \"تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة ... \"٤ الحديث بنحوه.\nوأخرجه٥ أحمد عن أبي أحمد عن إسرائيل به، فذكر نحو لفظ مالك بن إسماعيل.\nوأخرجه٦ عن وكيع عن إسرائيل به مختصرًا.\nوأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن رجا، وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به، فذكره٧ بنحو لفظ عبيد الله بن موسى عند البخاري.\nوأخرجه البخاري من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق بسياق آخر:\n(٢٢) قال حدثنا فضيل بن يعقوب حدثنا الحسن بن محمد بن أعين أبو علي الحراني، حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال: أنبأنا البراء بن عازب ﵄ أنهم كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا رسول الله ﷺ فأتى البئر، وقعد على شفيرها، ثم قال: \"ائتوني من مائها فأتي به فبصق فدعا ثم\" قال: \"دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا\"٨.\n_________\n١ قال ابن حجر: قيل: إنما عدل الصحابي عن قول ألف وأربعمائة إلى قوله أربع عشرة مائة، للإشارة إلى أن الجيش كان منقسمًا إلى المئات، وكانت كل مائة ممتازة عن الأخرى، إما بالنسبة إلى القبائل، وإما بالنسبة إلى الصفات. الفتح ٧/٤٤٤.\n٢ شفير كل شيء حرفه. النهاية ٢/٤٨٥.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٧.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠.\n٥ مسند أحمد ٤/٢٩٠.\n٦ مسند أحمد ٤/٢٩٠، ٣٠١.\n٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥١.","vol":"1","page":41},{"text":"(٢٣) وقال مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كان يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت١.\nوأخرجه أحمد٢، والدارمي٣، كلاهما من طريق الليث به مثله إلا عند الدارمي \"تحت الشجرة وهي ثمره\".\nوأخرجه مسلم من طريق ابن جرير بسياق آخر وصرح أبو الزبير بالسماع.\n(٢٤) قال حدثنا محمد بن حاتم حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابرًا يسأل كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعنها وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره٤.\nوأخرجه ابن سعد٥ من طريق وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة ... \" في حديث طويل.\n(٢٥) وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر٦.\nوأخرجه٧ من طريق يونس عن الحكم به.\nوأخرجه خليفة بن الخياط٨ عن عبد الوهاب عن خالد الحذاء به، بنحوه، وقال في آخره: \"وهم يومئذ ألف وأربعمائة\".\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٧.\n٢ مسند أحمد ٣/٣٥٥.\n٣ سنن الدارمي ٢/٢٢٠.\n٤ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٩.\n٥ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠.\n٦ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٦.\n٧ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٦.\n٨ تاريخ خليفة: ٨١.","vol":"1","page":42},{"text":"وأخرجه ابن سعد١ من طريق يزيد بن زريع عن خالد الحذاء به نحوه، وفي آخره: \"قلنا لمعقل كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة رجل\".\nوأخرجه٢ من طريق وهيب عن خالد الحذاء به نحوه وفي آخره قلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة.\n(٢٦) وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح، وحدثنا إسحاق بن إباهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار العجلي ح، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه اخبرنا أبو علي الحنفي عبد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها ... \" الحديث٣.\nوأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة به مطولًا.\nوأخرجه ابن سعد٥ عن موسى بن مسعود النهدي عن عكرمة به مختصرًا.\nوأخرجه البيهقي٦ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل، وكلاهما عن عكرمة بن مختصرًا.\n(٢٧) وقال يحيى بن معين: حدثنا شبابة٧ قال: حدثنا شعبة٨ عن قتادة٩\n_________\n١ الطبقات الكبرى ٢/٩٩.\n٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٣٢.\n٤ مسند أحمد ٤/٨٤.\n٥ الطبقات الكبرى ٢/٩٨.\n٦ دلائل النبوة، لوحة: ٢١٩.\n٧ شبابة بن سوار المدائني أصله من خراسان يقال: كان اسمه مروان مولى بني فزارة، ثقة حافظ، رمي بالإرجاء، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومائتين: ع. تقريب: ١٤٣.\n٨ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، وكان عابدًا مات سنة ستين ومائة: ع. تقريب: ١٤٥.\n٩ قتادة بن دعامة السدوسي.","vol":"1","page":43},{"text":"عن سعيد١ بن المسيب عن أبيه٢ قال: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة٣.\nوالحديث أخرجه البيهقي٤ من طريق يحيى بن معين به نحوه.\nرجال هذا الإسناد رجال الصحيحين، ولا تضره عنعنة قتادة؛ لأن أصله في الصحيح من حديث البراء وجابر ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع السابق.\n(د) ما ورد في التحديد بألف وخمسمائة:\n(٢٨) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز ابن مسلم حدثنا حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"عطش الناس يوم الحديبية، والنبي ﷺ بين يديه ركوة٥ فتوضأ فجهش٦ الناس نحوه، فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور٧ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كان خمس عشرة مائة\"٨.\nوأخرجه٩ من طريق محمد بن فضيل عن حصين عن سالم به نحوه، وعنده \"فجعل الماء يفور ... \".\n_________\n١ سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن محزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين: ع. تقريب: ١٢٦.\n٢ المسيب بن حزن - بفتح المهلمة وسكون الزاي - ابن وهب المخزومي، أبو سعيد له ولأبيه صحبة، عاش إلى خلافة عمر ﵁: خ، م، د، س. تقريب: ٣٣٧.\n٣ تاريخ يحيى بن معين ١/٣٢١.\n٤ دلائل النبوة ٢/٢١٤.\n٥ الركوة: إناء صغير يشرب فيه الماء والجمع ركاء. النهاية ٢/٢٦١.\n٦ الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان ويلجأ إليه. النهاية ١/٣٢٢.\n٧ يثور: ينبع بقوة وشدة. النهاية ١/٢٢٨.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٦.\n٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٢.","vol":"1","page":44},{"text":"وأخرجه مسلم من طريق١ عبد الله بن إدريس وخالد الطحان، كلاهما عن حصين به مختصرًا بلفظ: قال: لو كان مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.\nوأخرجه مختصرًا أيضًا من طريق٢ عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة؟ فقال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا ألفًا وخمسمائة.\nوأخرجه أحمد من طريق٣ عبد العزيز بن مسلم عن حصين به نحوه.\nوأخرجه من طريق٤ شعبة عن حصين وعمرو بن مرة، كلاهما عن سالم عن جابر بألفاظ متقاربة وفيه اختصار.\nوأخرجه ابن سعد٥ من طريق عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: \"سألت جابر بن عبد الله كم كنتم يوم الشجرة. قال: كنا ألفًا وخمسمائة ... وذكره بنحو رواية حصين عند البخاري.\nوأخرجه البيهقي٦ من طريق حصين به مختصرًا ولفظه: قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، لنا خمس عشرة مائة.\nوفيه من حديث جابر أيضًا:\n(٢٩) قال البخاري حدثنا الصلت قال: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة: \"قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة، فقال لي سعيد: حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية٧.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٣.\n٢ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٢.\n٣ مسند أحمد ٣/٣٢٩.\n٤ مسند أحمد ٣/٣٦٥.\n٥ الطبقات الكبرى ٢/٩٨.\n٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٣.","vol":"1","page":45},{"text":"وأخرجه خليفة١ عن يزيد بن زريع به بلفظ: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله يقول: كانوا أربع عشرة مائة، قال: نسي جابر كانوا ألفًا وخمسمائة.\nوأخرجه٢ من طريق قرة عن قتادة عن سعيد قال: وَهَمَ جابر ﵀، هو حدثني أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة.\nوأخرجه البيهقي٣ من طريق قرة عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كانوا الذين شهدوا بيعة الرضوان قال: خمس عشرة مائة قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وَهَمَ هو حدثني أنهما كانوا خمس عشرة مائة.\n(هـ) التحديد بسبعمائة:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد٤ بن هارون قال: أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة ... الحديث٥.\nسند هذا الحديث حسن، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\n(و) التحديد بألف وخمسمائة وخمسة وعشرين:\n(٣٠) قال ابن جرير: حدثني محمد٦ بن سعد قال: حدثني أبي٧ قال:\n_________\n١ تاريخ خليفة بن خياط: ٨١.\n٢ تاريخ خليفة بن خياط: ٨١.\n٣ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣.\n٤ ستأتي ترجمته مع بقية رجال السند انظر ص: ٩٥.\n٥ المسند ٣/٣٢٣، وسيأتي الحديث برقم (٣٦)، وهناك يكون تخريجه والكلام على سنده.\n٦ هو: محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، قال الخطيب: كان لينًا في الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به، توفي سنة ست وسبعين ومائتين. تاريخ بغداد ٥/٣٢٢ - ٣٢٣، لسان الميزان ٥/١٧٤.\nقلت: محمد بن سعد هذا غير كاتب الواقدي صاحب الطبقات، فالأخير ثقة، وكانت وفاته سنة ثلاثين ومائتين، وعمر ابن جرير آنذاك ست سنوات فقط.\n٧ هو: سعيد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، قال أحمد فيه: جهمي، ثم قال: ولو لم يكن هذا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك.\nتاريخ بغداد ٩/١٢٦ - ١٢٧، لسان الميزان ٣/١٨.","vol":"1","page":46},{"text":"حدثني عمي١ قال: حدثني أبي٢ عن أبيه٣ عن ابن عباس٤ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين٥.\nوقد عزا ابن حجر٦ هذا الحديث لابن مردويه وذكر أنه موقوف على ابن عباس.\nوسند هذا الحديث مسلسل بالضعفاء، فأولهم محمد بن سعد شيخ ابن جرير، قال عنه الخطيب: كان لينًا في الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به٧، وعطية العوفي الراوي عن ابن عباس قال عنه يحيى بن معين: صالح، وضعفه أحمد والنسائي وجماعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ضعيف، ورجح الذهبي تضعيفه٨.\nأما الثلاثة الآخرون فهم ضعاف بالمرة٩.\nوقد عدهم (أي عطية وأولاده) ابن رجب في البيوت التي اشتهرت بالضعف١٠.\n_________\n١ هو الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال ابن حبان: يروي الأشياء لا يتابع عليها لا يجوز الاحتجاج بخبره، وضعفه أبو حاتم والنسائي ابن سعد، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وذكره العقيلي في الضعفاء.\nالجرح والتعديل ١/٢/٤٨، لسان الميزان ٢/٢٧٨.\n٢ الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف من السادسة: د. تقريب: ٧٠.\nوقال البخاري: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. التاريخ الكبير ١/٢/٣٠١، الجرح والتعديل ١/٢/٣٦.\n٣ عطية بن سعد بن جنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - العوفي الجدلي - بفتح الجيم والمهملة - الكوفي أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا، مات سنة إحدى عشرة ومائة: بخ، د، ت، ق. تقريب: ٢٤٠.\n٤ عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد، مات سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة: ع. تقريب: ١٧٨.\n٥ تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٧١.\n٦ الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف ٤/٣٤٠ مع الكشاف.\n٧ انظر ترجمته الصفحة السابقة.\n٨ ميزان الاعتدال ٣/٧٩ - ٨٠.\n٩ انظر تراجمهم.\n١٠ شرح علل الترمذي: ٥٢٤.","vol":"1","page":47},{"text":"تنبيه:\nأورد ابن القيم هذا السند وقال عنه: \"وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهم التفسير وغيره عن ابن عباس، وهو إسناد معروف متداول بين أهل العلم وهم ثقات١.\nقلت: قول ابن القيم ﵀ \"وهم ثقات\" وهمٌ منه، فلم يوثق أحد من رجال هذا الإسناد، وقد رأينا أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم.\n(ز) التحديد بألف وخمسمائة وأربعين:\n(٣١) قال البلاذري: \"حدثني الحسين٢ بن الأسود قال: حدثني أبو بكر٣ بن عياش عن الكلبي٤ عن أبي صالح٥ عن ابن عباس قال: قسمت خيبر على ألف وخمسمائة سهم، وثمانين سهمًا، وكانوا ألفًا وخمسمائة وثمانين رجلًا الذين شهدوا الحديبية، فيهم ألف وخمسمائة وأربعون، والذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب بأرض الحبشة أربعون رجلًا\"٦.\nسند هذا الحديث ضعيف جدًا، وربما كان موضوعًا، ففيه الكلبي وهو متهم بالكذب، وفيه أبو صالح باذام ضعْف لا سيما في رواية الكلبي عنه، قال ابن معين: \"ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء\"٧.\n_________\n١ مختصر الصواعق ٢/٢٧٩.\n٢ الحسن بن علي بن الأسود العجلي، أبو عبد الله الكوفي، نزيل بغداد صدوق يخطئ كثيرًا لم يثبت أن أبا داودا روى عنه من الحادية عشرة: ت. تقريب: ٧٤.\n٣ أبو بكر بن عياش - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي، الكوفي، المقرئ الحناظ - بمهملة ونون - مشهور بكنيته والأرجح أنها اسمه، وفي اسمه عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، مات سنة أربع وتسعين ومائة، وقيل قبل ذلك سنة أو سنتين، وقد قارب المائة: ع. تقريب: ٣٩٦.\n٤ محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض، مات سنة ست وأربعين ومائة: ت، فق. تقريب: ٢٩٨.\n٥ هو: باذام - بالذال المعجمة ويقال آخره نون - أبو صالح مولى أم هانئ، ضعيف مدلس، من الثالث: الأربعة. تقريب: ٤٢.\n٦ فتوح البلدان: ٣٢.\n٧ تهذيب التهذيب ١/٤١٦.","vol":"1","page":48},{"text":"(حـ) التحديد بألف وسبعمائة:\n(٣٢) قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبيد الله١ بن موسى عن موسى٢ ابن عبيدة عن إياس٣ بن سلمة عن أبيه٤ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، فنحرنا مائة بدنة، ونحن سبع عشرة مائة، ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنة جمل، فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه٥.\nوأخرجه ابن سعد٦ بسند ابن أبي شيبة مثله، وفيه: \"ونحن بضع عشرة مائة\".\nسند هذا الحديث ضعيف جدًا لضعف موسى بن عبيدة، قال عنه أحمد: لا يكتب حديثه، وضعفه النسائي٧، وابن عدي وغيرهم.\n(ط) التحديد بألف وثمانمائة:\n(٣٣) قال ابن أبي شيبة: حدثنا خالد٨ بن مخلد قال: حدثنا عبد الرحمن٩ بن عبد العزيز الأنصاري قال: حدثني ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير:\n_________\n١ عبيد الله بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، أبو محمد ثقة كان يتشيع، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم واستصغر في سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين على الصحيح: ع. تقريب: ٢٢٧.\n٢ موسى بن عبيدة بضم أوله ابن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتح الراء والموحدة ثم معجمة - أبو عبد العزيز المدني ضعيف لا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة: ت، ق. تقريب: ٣٥١.\n٣ إياس بن سلمة بن الأكوع الأسلمي أبو سلمة ويقال: أبو بكر المدني ثقة، مات سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة: ع. تقريب: ٤٠.\n٤ هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، أبو مسلم أو أبو إياس شهد بيعة الرضوان، مات سنة أربع وستين: ع. تقريب: ١٣١.\n٥ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦٠.\n٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٢.\n٧ ميزان الاعتدال ٤/٢١٣.\n٨ خالد بن مخلد القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقيل بعدها: خ، م، كد، ت، س، ق. تقريب: ٩٠.\n٩ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي، أبو محمد المدني الأمامي - بالضم - صدوق يخطئ، مات سنة اثنتين وستين ومائة، وهو ابن بضع وسبعين: م. تقريب: ٢٠٦.","vol":"1","page":49},{"text":"أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة ... \"١ الحديث.\nهذا طرف من حديث طويل في قصة الحديبية وهو مرسل:\nوسنده إلى عروة ضعيف أيضًا: حيث تفرد به خالد بن مخلد القطواني، وقد قال عنه أحمد: له مناكير٢، وقال ابن حجر صدوق يتشيع، وله أفراد٣.\nقلت: وهذا من إفراده، وفيه عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري: قال عنه أبو حاتم مضطرب الحديث٤، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ٥، وقد خالف هذا الأثر الروايات الصحيحة.\nالتوفيق بين النصوص\nعندما يستعرض القارئ النصوص الواردة بتحديد عدد الذين شهدوا غزوة الحديبية من المسلمين، يجد الفرق بينها واسعًا، والبون شاسعًا، فمن تلك النصوص ما يحدهم بسبع مائة، ومنها ما يحدهم بألف وثمانمائة، وهناك نصوص تذكر تحديدات أخرى بين هذين العددين، فلذلك لا بد من وقفة مع تلك النصوص حتى يتبين العدد الحقيقي لجيش المسلمين في هذه الغزوة.\nعند اختلاف النصوص يصار التوفيق بينها إما بالجمع إن أمكن، وإلا بالترجيح عند تعذر الجمع.\nلكن هناك خطوة أولى يجب البدء بها، وهي معرفة درجة كل من تلك النصوص، هل كلها في درجة المقبول الذي يعمل به، أو بينها ما هو مردود فيطرح.\nومن خلال الدراسة السابقة لأسانيد تلك النصوص، رأيت أن بعضها لا يعول عليه لضعفه الشديد وهي الروايات التالية:\nرواية ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين، ورواية ألف وخمسمائة وأربعين ورواية\n_________\n١ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦١.\n٢ تهذيب التهذيب ٣/١١٧.\n٣ انظر ترجمته في الصفحة السابقة.\n٤ الجرح والتعديل ٢/٢/٢٦٠.\n٥ انظر ترجمته في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":50},{"text":"ألف وسبعمائة، ورواية ألف وثمانمائة.\nوكذلك التحديد بسبعمائة مردود أيضًا وإن ورد في رواية سندها حسن، إلا أنه من كلام ابن إسحاق أحد رواة الحديث، لذلك استبعد العلماء هذا التحديد: قال ابن حزم: وقد قال بعضهم كانوا سبعمائة، وهذا وهم شديد البتة١.\nوقال ابن القيم: \"وغلط غلطًا بينًا من قال: كانوا سبعمائة وعذرهم أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنهم كانوا ألفًا وأربعمائة\" ا. هـ٢\nوقال ابن حجر: \"وأما قول ابن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطًا من قول جابر: \"فنحرنا البدنة عن عشرة \"وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلًا\" ا. هـ٣\nقلت: الثابت عن جابر: \"أنهم نحروا البدنة عن سبعة\" وذكر البيهقي رواية عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عنه \"أنهم نحروا البدنة عن عشرة\" لكن اعتبرها البيهقي وهمًا٤.\nفالتحقيق أن هذا التحديد من كلام ابن إسحاق كما قال ابن حجر، والدليل على ذلك أن كلًا من معمر وسفيان بن عيينة قد تابع ابن إسحاق في شيخه الزهري ولم يذكر واحد منهما هذا التحديد، بل ورد عنهما أن المسلمين كانوا بضع عشرة مائة، وإذا ثبت أنه من كلام ابن إسحاق فلا يعول عليه لمخالفته النصوص الصحيحة.\nبقي أمامنا التحديد بألف وثلاثمائة، وألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة، وهذا التحديد قد وردت به نصوص صحيحة، لا يمكن ردها، لذلك حاول العلماء التوفيق بينها، وسلكوا في ذلك طريقين:\n_________\n١ جوامع السيرة: ٢٠٧.\n٢ زاد المعاد ٣/٢٨٨.\n٣ فتح الباري ٧/٤٤٠.\n٤ السنن الكبرى ٥/٢٣٦، وسيأتي الكلام عليها، انظر ص:","vol":"1","page":51},{"text":"(أ) طريق الترجيح:\nوقد سلك هذا الطريق البيهقي، حيث رجح رواية ألف وأربعمائة.\nفقد أخرج رواية ألف وأربعمائة عن جابر ثم عقب عليها بقوله: وهذه الرواية أصح، فلذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه ا. هـ١\nونقل ذلك عنه ابن حجر قال: \"وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية ألف وأربعمائة أصح\".اهـ٢\nومال إلى الترجيح أيضًا ابن القيم: فقد ذكر رواية ألف وأربعمائة عن جابر ثم قال عقبها: \"والقلب إلى هذا أميل\"٣.\n(ب) طريق الجمع:\nوقد جنح بعض العلماء إلى الجمع بين تلك النصوص، فقد ذكر النووي الرواية الثلاث: ألف وثلاثمائة، وألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة، ثم قال: ويمكن أن يجمع بينها بأنهم كانوا أربعمائة وكسر، فمن قال أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد، أو لغير ذلك ا. هـ٤\nوممن ذهب إلى الجمع أيضًا ابن حجر، فقد ذكر نحو كلام النووي وزاد عليه، فبعد أن ذكر الروايات الثلاث قال: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه.\nويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث براء \"ألفًا وأربعمائة أو أكثر أما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألفًا وثلاثمائة، فيمكن حمله على ما اطلع عليه هو، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة\n_________\n١ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢١٤.\n٢ فتح الباري ٧/٤٤٠.\n٣ زاد المعاد ٣/٢٨٨.\n٤ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٢.","vol":"1","page":52},{"text":"والزيادة عليه من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ا. هـ١\nقلت: الظاهر أن مسلك التوفيق بين النصوص إن أمكن أولى من الترجيح، لا سيما والنصوص الواردة في العدد المذكور صحيحة كلها، وتوجيه ابن حجر ممكن وظاهر، فيجب الأخذ به، وقد تضمن ما ذكر النووي.\nوأما رواية \"بضع عشرة مائة\" فيمكن حملها على أحد الأعداد الثلاثة، لأن البضع يصدق على العدد من ثلاثة إلى عشرة، والله أعلم.\nوهناك قول لموسى بن عقبة٢ والواقدي٣ وابن سعد٤: أن المسلمين كانوا ألفًا وستمائة، وهو اجتهاد منهم في مقابل النص، ولم يذكروا مستندًا لذلك، فلا يلتفت إليه، ولم أذكره مع ما سبق لأنه لم يرد مسندًا.\n_________\n١ فتح الباري ٧/٤٤٠.\n٢ فتح الباري ٧/٤٤٠.\n٣ المغازي للواقدي ٢/٥٧٤.\n٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الرابع: نزول المسلمين بذي الحليفة وما عملوه بها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة</span>\n...\nالمبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة:\nخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من الأعراب١، فلما انتهى إلى ذي الحليفة نزل بها وصلى بها الظهر:\n(٣٤) قال مسلم: \"حدثنا إبراهيم بن دينار حدثنا حجاج بن محمد الأعور مولى سليمان بن مجالد قال: قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية٢.\nوأخرجه٣ أحمد بن طريق ابن جريج به مثله.\nلم يعين في حديث جابر هذا الصلاة التي صلوها بذي الحليفة، لكن ذكر الواقدي٤ وابن سعد٥ أنهم صلوا بها صلاة الظهر.\nثم أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، وساقوا الهدي:\n_________\n١ انظر سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨.\n٢ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٠.\n٣ مسند أحمد ٣/٣٢٥.\n٤ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.\n٥ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.","vol":"1","page":54},{"text":"(٣٥) قال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: \"خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعره١ وأحرم بالعمرة\"٢.\nهذا طرف من حديث المسور ومروان الطويل في قصة الحديبية، أورده البخاري هنا مختصرًا من طريق معمر، وقد أخرجه٣ من طريقه بطوله في كتاب الشروط إلا أنه حذف من أوله الإهلال بالعمرة ومن طريقه أيضًا٤ أخرج جزءًا منه في كتاب المحصر.\nومن طريق معمر أيضًا أخرجه٥ أبو داود بطوله إلا أنه وقع فيه اختصار نبه عليه الخطابي بسنده من طريق معمر هذه فذكره بتمامه٦.\nومن طريق معمر أيضًا أخرجه أحمد٧ بتمامه.\nوأخرج النسائي٨ طرفًا من أوله.\nوأخرجه البخاري من طريق٩ سفيان بن عيينة عن الزهري به فذكر أوله فقط.\nومن طريقه أخرج أبو داود١٠ وأحمد١١ طرفًا من أوله.\nوأخرجه البخاري من طريق١٢ عقيل عن الزهري به قال فيه: \"يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ\" ثم ذكر جزءًا من آخره.\n_________\n١ أشعره: إشعار البدن أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك علامة لها تعرف به أنها هدي. النهاية ٢/٤٧٩.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٩٤ - ١٦٩٥.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١١.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٦٥.\n٦ معالم السنن ٣/١٥٩، مع سنن أبي داود.\n٧ مسند أحمد ٤/٣٢٨.\n٨ سنن النسائي ٥/١٧٠.\n٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩.\n١٠ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الحج: ١٧٥٤.\n١١ مسند أحمد ٤/٣٢٣.\n١٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧١١ - ٢٧١٢.","vol":"1","page":55},{"text":"وأخرجه من طريق١ ابن أخي الزهري عن عمه به، فذكر جزءًا من وسطه.\nوالحديث أخرجه أحمد بن طريق ابن إسحاق عن الزهري مطولًا بسياق آخر:\n(٣٦) قال: حدثنا يزيد٢ بن هارون أنا محمد٣ بن إسحاق عن الزهري٤ به قالا: \"خرج النبي ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة\"٥ الحديث، وفيه زيادات ستأتي في مظانها.\nومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن هشام، وصرح عنده بالسماع من الزهري.\nقال ابن هشام٦ قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري به، فذكره بطوله.\nوأخرجه البيهقي٧ من طريقه أيضًا، وصرح فيه بالسماع من الزهري:\nفقد ساقه بسنده إلى يونس٨ بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري به مختصرًا.\nواللفظ الوارد من طريق ابن إسحاق حسن، فقد صرح بالسماع من الزهري عند ابن هشام والبيهقي، وابن إسحاق إذا صرح بالسماع فحديثه حسن، كما قرر ذلك الذهبي وابن حجر:\nقال الذهبي: بعد أن نقل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه: \"والذي يظهر لي\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغاوي: ٤١٨٠ - ٤١٨١.\n٢ يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين: ع. تقريب: ٣٨٥.\n٣ محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس رمي بالتشيع والقدر، مات سنة خمسين ومائة، ويقال بعدها: خت، م، الأربعة. تقريب: ٢٩٠، تهذيب التهذيب ٩/٣٨.\n٤ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أبو بكر الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين: ع. تقريب: ٣١٨.\n٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣.\n٦ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨، والواسطة بين ابن هشام وابن إسحاق هو زياد البكائي، وهو ثبت في المغازي، انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٩، تقريب: ١١٠.\n٧ السنن الكبرى ٥/٢٣٥، دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩.\n٨ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، مات سنة تسع وتسعين ومائة: خت، م، ت، ق. تقريب: ٣٩٠، تهذيب التهذيب ١١/٤٣٤.","vol":"1","page":56},{"text":"أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما تفرد به ففيه نكارة فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به الأئمة١، والله أعلم ا. هـ\nوقال الذهبي عنه أيضًا: \"كان أحد أوعية العلم حبرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المتقن، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضى\"٢ ا. هـ\nوقال ابن حجر: \"ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن، إذا صرح بالتحديث ... وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان، ومن ذكر معه\"٣ ا. هـ\nوحديث المسور ومروان ظاهره الإرسال، لأن المسور ومروان لم يشهد أحد منهما القصة.\nأما المسور فقدومه للمدينة كان في السنة الثامنة بعد الفتح، وهو ابن ست سنين٤، بينما كانت الحديبية في السنة السادسة.\nوأما مروان بن الحكم فلم تثبت له صحبة٥.\nلكن جاء من طريق عقيل عند البخاري٦: \"يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ فهذه الطريق أوضحت أن المسور ومروان سمعا الحديث من بعض الصحابة، وجهالة الصحابي لا تضر\"٧؛ لأن الصحابة كلهم عدول.\nوقد وقع في أثناء القصة ما يفيد أنهما سمعاها من عمر بن الخطاب ﵁، فقد جاء في الحديث: قال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ ...\nوقد عقب ابن حجر على هذه العبارة بقوله: \"هذا مما يقوي أن الذي حدث المسور ومروان بقصة الحديبية، هو عمر\"٨ انتهى.\n_________\n١ ميزان الاعتدال ٣/٤٧٥.\n٢ تذكرة الحفاظ ١/١٧٣.\n٣ فتح الباري ١١/١٦٣.\n٤ الإصابة ٩/٢٠٤.\n٥ تهذيب التهذيب ١٠/٩١، تقريب التهذيب: ٣٣٢.\n٦ تقدم ص: ٥٥.\n٧ تقريب النووي ١/٢٠٧، مع شرحه تدريب الراوي.\n٨ فتح الباري ٥/٣٤٦.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عينا على مكة</span>\n...\nالمبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عينًا إلى مكة:\nوردت قصة إرسال بسر بن سفيان إلى مكة في حديث المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم من طريق سفيان بن عيينة ومن طريق محمد بن إسحاق، فقد جاء في حديثهما من طريق سفيان ما نصه: \"فلما أتى ذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بالعمرة، وبعث عينًا١ له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط٢ أتاه عينه ... \"٣.\nهكذا جاء في رواية سفيان \"عينًا من خزاعة، ولم يسمه، لكن ورد التصريح باسمه في رواية ابن إسحاق حيث قال: \"وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان٤، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك\"٥.\nوربما يتوهم أن الشخص المذكور في رواية ابن إسحاق، غير المشار إليه في رواية سفيان لأن ابن إسحاق قال في نسبته (الكعبي) بينما ذكر في رواية سفيان أنه من (خزاعة) .\nوقد جاء أيضًا في رواية ابن إسحاق أنه لقي النبي ﷺ بـ (عسفان) بينما في رواية سفيان لقيه بـ (غدير الأشطاط) .\nوالتحقيق: أن الشخص المذكور في رواية ابن إسحاق هو عين المشار إليه في رواية سفيان، وبيان ذلك:\nأما من حيث نسبته: فخزاعة وكعب، اسمان لمسمى واحد، لأن قبيلة كعب هذه هي الأزدية ويطلق عليها خزاعة.\nقال صاحب اللباب: وهو في معرض التعريف بقبيلة كعب: \"قبيلة كبيرة من الأزد، إنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام\n_________\n١ عينًا أي: جاسوسًا. النهاية ٣/٣٣١.\n٢ غدير الأشطاط: بفتح أوله وإسكان ثانيه بعدها مهملة وألف وطاء أخرى، على وزن أفعال - تلقاء الحديبية وهو المذكور في حديث الحديبية. معجم ما استعجم ١/١٥٣.\nقلت: جاء في رواية معمر عند أحمد أنه قريب من عسفان. انظر ص ٥٩.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩، وتقدم تخريجة حديث رقم (٣٥) .\n٤ عسفان: محطة تاريخية بين مكة والمدينة على ثمانين كيلًا من مكة. نسب حرب: ٣٧٠.\n٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم تخريجة حديث رقم (٣٦) .","vol":"1","page":58},{"text":"سيل العرم، وأقاموا بمكة\"١.\nوأما من حيث المكان الذي لقي النبي ﷺ فيه، فهو متحد أيضًا، لأن غدير الأشطاط موضع في عسفان أو قريب منه، ففي حديث المسور ومروان من طريق معمر: \"حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريب من عسفان ... \"٢.\nوفي مرسل عروة من طريق الزهري: \"حتى نزل رسول الله ﷺ غديرًا بعسفان يقال له (غدير الأشطاط) فلقيه عينه بغدير الأشطاط ... \"٣.\nفمن قال: \"غدير الأشطاط\" إنما قصد تحديد الموضع الذي نزل فيه النبي ﷺ.\nومن قال: \"عسفان\" أراد الجهة أو الناحية واكتفى به لشهرته دون الآخر.\nفالحاصل أنه لا خلاف بين رواية ابن إسحاق ورواية سفيان وأن المسمى في رواية ابن إسحاق هو عين المشار إليه في رواية سفيان.\nلكن يلاحظ أن ابن إسحاق سماه \"بشرًا\" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، والمشهور عند أهل المغازي كالواقدي٤ وابن سعد٥، وغيرهم أن اسمه \"بسر\" بضم الموحدة وسكون المهملة، وبهذا سماه أيضًا الذين ترجموا للصحابة كأبي نعيم٦ وابن عبد البر٧ وابن الأثير٨ وابن حجر٩، ونصبوا على أنه المذكور في حديث المسور ومروان في قصة الحديبية.\nقال ابن حجر في ترجمته: \"وضبطه ابن ماكولا وغيره بضم الموحدة وسكون المهملة وكذا رأيت عليه علامة الإهمال في الأصل المعتمد من كتاب الفاكهي\"١٠.\n_________\n١ اللباب في تهذيب الأنساب ١/٤٣٩.\n٢ مسند أحمد ٤/٣٢٨، وتقدم تخريجه حديث رقم (٣٥) .\n٣ هذه الجملة من حديث طويل وتقدم سنده مع طرف من أوله، انظر حديث رقم (٣٣) .\n٤ مغازي الواقدي ٢/٥٧٢ - ٥٧٣.\n٥ الطبقات الكبرة ٢/٩٥.\n٦ معرفة الصحابة ١، لوحة: ١٠٠.\n٧ الاستيعاب ١/٣٠٩، مع الإصابة.\n٨ أسد الغابة ١/٢١٦.\n٩ الإصابة ١/٢٤٥.\n١٠ الإصابة ١/١٤٦، وانظر الإكمال لابن ماكولا ١/٢٦٩.","vol":"1","page":59},{"text":"ويفهم من صنيع ابن هشام أنه قد وقع خلاف في اسمه فقد تعقب ما في رواية ابن إسحاق بقوله١: \"ويقال: بسر\" لكن الراجح ما في كتب التراجم لأنها أقرب للضبط من رواية ابن إسحاق، ولاتفاقها مع ما في كتب المغازي، ولا سيما وقد حكى ابن حجر عن ابن إسحاق ما يؤيد قول الجمهور.\nقال ابن حجر: \"وأما الذي بعثه النبي ﷺ عينًا لخبر قريش فاسمه \"بسر\" كذا سماء ابن إسحاق، وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح\"٢ ا. هـ\nوجاء خبره في مرسل عروة من طريق الزهري لكن سماه \"ناجية\": ونص عبارته: \"وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم ... \"٣.\nوما في هذا الأثر لا يقوى لمعارضة رواية ابن إسحاق لكونه مرسلًا وأيضًا في إسناده إلى عروة ضعف.\nوقد أورده ابن حجر ثم تعقبه بقوله: \"كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بعثه مع الهدي كما صرح به ابن إسحاق وغيره، وأما الذي بعثه عينًا لخبر قريش فاسمه بسر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق ... \"٤.\nوقد ساق الخرائطي بسنده حديثًا إلى ابن عباس ذكر فيه قصة العين الذي بعثه النبي ﷺ إلى مكة عام الحديبية، وسماه بشر بن سفيان العتكي:\n(٣٧) قال الخرائطي: حدثنا عبد الله٥ بن محمد البلوي، قال: قال عمارة٦ ابن زيد ثنا عبد الله٧ بن العلاء عن الزهري عن عبد الله٨ بن الحارث بن عبد\n_________\n١ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٩.\n٢ فتح الباري ٥/٣٣٤.\n٣ تاريخ ابن أبي شيبة لوحة: ٦١، وانظر سنده حديث رقم (٣٣) .\n٤ فتح الباري ٥/٣٣٤.\n٥ عبد الله بن محمد البلوي عن عمارة بن زيد قال الدارقطني: يضع الحديث، وقال الذهبي: روى عنه أبو عوانة في الاستسقاء، حديثًا موضوعًا. ميزان الاعتدال ٢/٤٩١، وقال ابن حجر: هو صاحب رحلة الشافعي طولها ونمقها وغالب ما فيها مختلق. لسان الميزان ٣/٣٣٨، وقال ابن عراق: كذبه ابن الجوزي، تنزيه الشريعة المرفوعة ١/١٠٧.\n٦ عمارة بن زيد عن أبيه قال الأزدي: كان يضع الحديث، ميزان الاعتدال ٣/١٧٧، لسان الميزان ٤/٢٧٨.\n٧ عبد الله بن العلاء بن زبر - بفتح الزاي وسكون الموحدة - الدمشقي الربعي، ثقة، مات سنة أربع وستين ومائة، وله تسع وثمانون: خ، الأربعة. تقريب: ١٨٤.\n٨ عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبو محمد المدني أمير البصرة، له رواية ولأبيه وجده صحبة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، مات سنة تسع وتسعين وقيل أربع وثمانين: ع. تقريب: ١٧٠.","vol":"1","page":60},{"text":"المطلب عن أبيه١ عن ابن عباس قال: \"لما توجه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي ردته قريش عن البيت وهو عام الحديبية، فلما سار رسول الله ﷺ مرحلتين أو ثلاثة قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: \"يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا - وسمى الليلة التي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسير فيها إلى مكة - وقريش في أنديتها٢ إذ صرخ صارخ من أعلى أبي قبيس٣ بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم ودانيهم وهو يقول:\nهبوا فأخبركم مَنّى صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشرًا كرما\nبعد الطواف وبعد السعي في مهل ... وأن يجوِّزهم من مكة الحَرَما\nشاهت وجوهكم من معشر نكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما\nفما هو إلا أن سمع القوم ذلك حتى ارتجت مكة و\"قال\"٤ أبو سفيان في جماعة من أشراف قريش، منهم عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية في جماعة منهم فاجتمعوا عند الكعبة، وتعاقدوا ألا تدخل عليهم مكة في عامهم هذا، وتركتهم يجمعون لك، فقال رسول الله ﷺ: \"أنا الهاتف الذي سمعت سَلْفَع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله إن شاء الله، فسر إلى مكة فلتسمع أخبار قريش وانظر ما هو فاعلون، ثم تعود إلي يكسبك الله بذلك أجرًا\".\nقال: فرجع بشر بن سفيان إلى مكة فبينا هو يطوف بالبيت إذ رأته قريش فهتفت به فجاءهم فقالوا له: يا بشر هل عندك علم من محمد أتراه يريد الدخول إلى مكة في عامه؟ فقلت: إنما أنا كواحد منكم ولقد سمعت الهاتف الذي هتف بكم يؤذنكم بذلك وما أرى ذلك حقًا، قالوا: بلى يا بشر إنه لكائن، هذا هُبَلْ حركنا لنصرته، والمحاماة عليه، وما جربنا عليه كذبًا قط، وليعلمن محمد إن جاءنا أنها الفيصل\n_________\n١ الحارث بن نوفل بن عبد المطلب الهاشمي المكي، صحابي نزل البصرة، مات في آخر خلافة عثمان: س. تقريب: ٦١.\n٢ أنديتها: الأندية جمع نادي: وهو مجتمع القوم. انظر: النهاية ٥/٣٦.\n٣ أبو قبيس: بلفظ التصغير كأنه تصغير قبس النار: وهو اسم الجبل المشرف على مكة، وجهه إلى قيقعان ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيها، وقيقعان من غربيها، قيل سمي باسم رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس لأنه أول من بنى فيه قبة، وقيل سبب تسميته غير ذلك. انظر: معجم البلدان ١/٨٠.\n٤ هكذا في الأصل و«قال» تأتي بمعنى «مال» ويعبر بها عن التهيؤ للأفعال والإستعداد لها، ترتيب القاموس ٣/٧١٨.","vol":"1","page":61},{"text":"بيننا وبينه، قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتًا وهو يقول:\nشاهت وجوه رجال حالفوا صنما ... وخاب سعيهم ما أقصر الهمما\nما خير في حجر لا يستجيب لهم ... إذا دعوا حوله ولا هم صمما\nإني قتلت عدو الله سلفعة ... شيطان أوثانكم سحقًا لمن ظلما\nوقد أتاكم رسول الله في نفر ... وكلهم محرم لا يسفكون دما١\nهذا الحديث قد ذكره ابن حجر في الإصابة٢ - عند ترجمة بشر بن سفيان العتكي - مختصرًا.\nوكذلك ذكره السيوطي٣ والزرقاني٤ مختصرًا.\nوالحديث ضعيف جدًا وربما كان موضوعًا، فإن في سنده شيخ الخرائطي عبد الله بن محمد البلوي، وشيخ البلوي عمارة بن زيد، وقد رمي كل منهما بوضع الحديث.\nوقد ورد في هذا الحديث أن اسم الرجل - الذي بعثه النبي ﷺ عينًا إلى مكة - \"بشر بن سيفيان العتكي\".\nوالعتكي: نسبة إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن مزيقيا ابن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد٥.\nوهذا مغاير لما في حديث المسور ومروان فإن فيه: \"الخزاعي\" و\"الكعبي\" وقد بينت أن كلا النسبتين إلى قبيلة كعب التي تنتسب إلى كعب بن عمرو بن ربيعة - وهو لحي - بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد٦.\n_________\n١ هواتف الجنان، لوحة ٦١ - ٦٢.\n٢ الإصابة ١/٢٥٠.\n٣ الخصائص الكبرى ٢/٤٧.\n٤ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨٢.\n٥ اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٣٣٢.\n٦ المصدر السابق ١/٤٣٩.","vol":"1","page":62},{"text":"والعتيك وكعب كلاهما من الأزد، ويجمعهما الجد الخامس وهو \"عامر بن حارثة\" لكن النسبة إلى أحدهما تغاير النسبة إلى الأخر.\nولعله وقع تحريف في حديث ابن عباس عند الخرائطي، فحرفت نسبة الرجل من \"الكعبي\" إلى \"العتكي\".\nلكن صنيع ابن حجر يوهم أنهما رجلان، فقد عقد ترجمة باسم \"بسر بن سفيان\" الخزاعي\"١ وأشار إلى انه المذكور في حديث الحديبية، ثم عقد ترجمة باسم \"بشر بن سفيان العتكي\"٢ وذكر معه حديث الخرائطي هذا عن ابن عباس.\nولعل ابن حجر اعتمد في إثبات هذه الترجمة على حديث الخرائطي هذا، والحقيقة أنه حديث واه جدًا لا يعتمد عليه في شيء وقد سبق بيان علته.\n_________\n١ الإصابة ١/٢٤٥.\n٢ الإصابة ١/٢٥٠.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصلُ الخامسُ: إرسالُ النبيِّ ﷺ لبعضِ أصحابِه إلى غيقةَ وقصةُ أبي قتادةَ ﵁</span>\nورد في حديث أبي قتادة عند البخاري وغيره إشارة إلى أن النبي ﷺ أرسل بعض أصحابه إلى جهة غيقة، ولم أر أحدًا من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه الحادثة بقليل أو كثير اللهم إلا إلماحة سريعة من ابن حجر حيث قال: \"وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء١ - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا - أخبره بأن عدوًا من المشركين بوادي غيقة٢ يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهر طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو فاستمر حلالًا\"٣ ا. هـ\nذكر ابن حجر أن هذا ملخص القصة، لكنه لم يشر إلى المصدر الذي استفادها منه ولم أجد إلى الآن شيئًا عن هذه الحادثة سوى ما ذكر، ولعله ورد عنها تفصيل أكثر في رواية المطلب عند سعيد بن منصور، فقد ذكر ابن حجر طرفًا منها حيث قال: \"وبين المطلب مكان صرفهم ولفظه\": \"خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا بلغنا الروحاء\"٤ ا. هـ\n_________\n١ الروحاء - بفتح الراء المهملة وسكون الواو ثم حاء مهملة ممدودة -: محطة في صدر وادي الصفراء على طريق مكة من المدينة على (٧٣كيلًا) مشهورة «ببئر الروحاء» . نسب حرب: ٣٦١.\n٢ غيقة: هو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء - قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلب يصب فيه ماء رضوى وهو يصب في البحر. فتح الباري ٤/٢٣.\n٣ فتح الباري ٤/٢٣.\n٤ فتح الباري ٤/٢٣.\nوقد فتشت عن سنن سعيد بن منصور فوقفت على جزأين منها ولم أجد فيها رواية المطلب هذه، ثم قيل لي إن سائر الكتاب مفقود، فنسأل الله أن يأتي به إنه على كل شيء قدير.","vol":"1","page":64},{"text":"وقد جاءت الإشارة إلى هذه القصة - كما أسلفت في بعض طرق حديث أبي قتادة من رواية ابن عبد الله عنه وهي:\n(أ) طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة: يشير فيه إلى وصول خبر العدو إلى النبي ﷺ.\n(٣٨) قال البخاري: حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة قال: \"انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم، وحدث النبي ﷺ أن عدوًا من المشركين يغزوه، فانطلق النبي ﷺ فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت١ عليه فطعنته فأثبته٢ واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع٣، فطلبت النبي ﷺ أرفع٤ فرسي شأوًا٥ وأسير شأوًا فلقيت رجلًا من بني غفار في جوف الليل فقلت أين تركت النبي ﷺ فقال: تركته بتعهن٦ وهو قائل٧ السقيا٨، فقلت يا رسول الله إن أهلك يقرأون ﵇ ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم، قلت: يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضله فقال: \"للقوم كلوا وهم محرمون\"٩.\nهذا الحديث أخرجه البخاري هنا بصورة الإرسال لأن عبد الله بن أبي قتادة لم يشهد القصة١٠.\nومن هذا الوجه أخرجه مسلم١١ وأحمد١٢ وزادا تسمية الموضع الذي فيه\n_________\n١ حملت عليه: الحملة الكرة في الحرب، وحملت عليه أي كررت عليه. ترتيب القاموس ١/٧١٢.\n٢ أثثبته: أي حبسته وجعلته ثابتًا مكانه لا يفارقه. النهاية ١/٢٠٥.\n٣ نقتطع أي نؤخذ وينفرد بنا. النهاية ٤/٨٢.\n٤ أرفع فرسي: أي أسرع به، يُقال: ارفع دابتك أي: أسرع بها. النهاية ٢/٢٤٤.\n٥ شأوًا: الشأو الشوط والمدى. النهاية ٢/٤٣٧.\n٦ بتعهن: بكسر أوله وهائه وتسكين العين وآخره نون - اسم عين ماء سمي به موضع على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة. وقد روى فيه تعهن بفتح أوله وكسر هائه - وبضم أوله. معجم البلدان ٢/٣٥.\n٧ قائل السقيا: أي سيقيل بالسقيا. فتح الباري ٤/ ٢٥.\n٨ السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا. معجم البلدان ٢/٣٥.\n٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢١.\n١٠ فتح الباري ٤/٢٣.\n١١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٩.\n١٢ المسند ٥/٣٠١.","vol":"1","page":65},{"text":"العدو فعندهما: \"وحدث رسول الله ﷺ أن عدوًا بغيقة ... \".\nوأخرجه مسلم١ أيضًا من طريق عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن أبي قتادة بصورة الإرسال.\nوقد أخرجه البخاري من طرق أخرى وفيها تصريح عبد الله بسماعه من أبيه:\nفأخرجه من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به يقول فيه: \"أن أباه حدثه\" وأشار فيه إلى موضع العدو وإرسال النبي ﷺ لبعض أصحابه إليهم.\n(٣٩) قال: حدثنا سعيد بن الربيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى ابن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: \"انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبئناه بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته فحملت عليه ... \"٢ الحديث بنحوه.\nوأخرجه من طريق عثمان بن موهب وأشار فيه إلى الطريق الذي سلكوه إلى العدو:\nقال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان بن موهب قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا ٣ أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا٤ فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: \"يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا فنزلنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال:\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٤.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢٢.\n٣ إما على أن (إلا) بمعنى (لكن) وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، وإما على مذهب من يقول: علي بن أبو طالب. فتح الباري ٤/٢٩ - ٣٠.\n٤ الأتان: الأنثى من الحمر. النهاية ١/ ٢١.","vol":"1","page":66},{"text":"فكلوا ما بقي من لحمها\"١.\nوأخرجه مسلم٢ والبيهقي٣ من طريق عثمان بن موهب به بنحوه، وعند البيهقي: \"حاجًا أو معتمرًا\".\nوأخرجه النسائي٤ من طريق عثمان أيضًا إلا أنه لم يشر إلى ذهابهم من طريق الساحل.\nهذه بعض طرق حديث أبي قتادة التي تطرقت لقصة غيقة، وهي طرق لرواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وقد جاءت أيضًا رواية لعبد الله من طريق أبي حازم، وروى الحديث عن أبي قتادة أيضًا غير عبد الله لكن لم يرد في شيء منها ذكره لقصة غيقة، لكن لا بأس من الإشارة إلى تخريجها لأنها تعرضت لقصة أبي قتادة بمعنى الروايات السابقة.\n١ - فطريق أبي حازم لرواية عبد الله بن أبي قتادة أخرجها البخاري من طريق فضيل٥ بن سليمان، وفليح٦ بن سليمان، ومحمد٧ بن جعفر كلهم عن أبي حازم به.\nوأخرجه مسلم٨ من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم به.\n٢ - رواية نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة:\nأخرجها: البخاري٩، ومسلم١٠، وأبو داود١١، والنسائي١٢، والترمذي١٣، كلهم\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢٤.\n٢ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٠ - ٦١.\n٣ السنن الكبرى ٥/١٨٩.\n٤ سنن النسائي ٥/١٨٦.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٨٥٤.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة: ٥٤٠٦.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة: ٥٤٠٧.\n٨ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٣.\n٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩١٤. وكتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩٠.\n١٠ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٧.\n١١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٢.\n١٢ سنن النسائي ٥/١٨٢.\n١٣ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٨٤٧.","vol":"1","page":67},{"text":"من طريق مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع عن أبي قتادة.\nوأخرجها البخاري من طريق عمرو١ بن الحارث عن أبي النضر عن نافع وصالح مولى التوأمة كلاهما عن قتادة.\nوأخرجها البخاري٢ ومسلم٣ من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن أبي قتادة.\n٣ - رواية عطاء بن يسار عن أبي قتادة:\nأخرجها البخاري٤ ومسلم٥ والترمذي٦ كلهم من طريق مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي قتادة.\nوقد وردت قصة أبي قتادة في حديث أبي سعيد الخدري عند البزار وغيره بسياق آخر:\n(٤٠) قال البزار: حدثنا محمد٧ بن عثمان العقيلي وإسماعيل٨ بن بشر ابن منصور السليمي قالا: ثنا عبد الأعلى٩ بن عبد الأعلى عن عبيد الله١٠ بن عمر\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩٢.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٨٢٣.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٦.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩١.\n٥ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٨.\n٦ سنن الترمذي: ٨٤٨.\n٧ محمد بن عثمان بن بحر العقيلي - بالضم - أبو عبد الله البصري، ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب، وقال ابن حجر صدوق يغرب، من العاشرة: س. تقريب: ٣١٠، تهذيب التهذيب ٩/٣٣٥.\n٨ إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي - بفتح المهلمة وبعد اللام آخر الحروف التحتانية - بصري يكنى أبا بشر صدوق تكلم فيه للقدر، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله إحدى وثمانون: د، س، ق. تقريب: ٣٢.\n٩ عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي - بالمهملة - أبو محمد وكان يغضب إذا قيل له أبو همام، ثقة، مات سنة تسع وثمانين ومائة: ع. تقريب: ١٩٥، ميزان الاعتدال ٢/٥٣١.\n١٠ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة ﵂ على الزهري عن عروة عنها. مات سنة بضع وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٢٢٦.","vol":"1","page":68},{"text":"عن عياض١ بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد٢ الخدري قال: \"بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابة محرمين حتى نزلوا عسفان، فإذا هم بحمار وحش وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يُبِدُّوا٣ أبصارهم فيعلم، فرآه أبو قتادة فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه الرمح، فقال: ناولونيه، فقالوا: ما نعينك عليه فحمل عليه فعقره فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله بين أظهرنا وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه فلم ير به بأسًا، قال: فأحسبه قال: هل معكم منه شيء شك عبيد الله\"٤.\nقال البزار: \"لا نعلم أسند عبيد الله عن عياض إلا هذا ولا عنه إلا عبيد الله\"٥.\nوأخرجه ابن حبان٦ من طريق محمد بن عثمان العقيلي به نحوه وزاد \"بعسفان بثنية٧ الغزال\".\nوأخرجه الطحاوي٨ من طريق عياش٩ بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى به نحوه.\nالحديث صحيح رجاله كلهم رجال الصحيحين إلا شيخي البزار العقيلي والسليمي، وقال ابن حجر عن كل منهما صدوق، وتابعهما عياش بن الوليد في شيخهما عبد الأعلى، وعياش ثقة روى له البخاري.\n_________\n١ عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح - بفتح المهلمة وسكون الراء بعدها مهملة - القرشي العامري المكي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المائة: ع. تقريب: ٢٧٠.\n٢ هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري أبو سعيد الخدري، له ولأبيه صحبة، استصغر بأحد ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل سنة أربع وسبعين: ع. تقريب: ١١٩.\n٣ أي يعطوا أبصارهم حظها من النظر. انظر: النهاية ١/١٠٥.\n٤ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/١٨.\n٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/١٨.\n٦ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ٢٤٤.\n٧ ثنية الغزال: ريع بين حرتين يشرف على عسفان من الشمال يأخذه الطريق العام بين مكة والمدينة، يعتبر بوابة بين شمال الحجاز وجنوبه، كانت تعرف بغزال. نسب حرب: ٣٤٣.\n٨ شرح معاني الآثار ٢/١٧٣.\n٩ عياش بن الوليد الرقام أبو الوليد البصري، ثقة، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، د، س. تقريب: ٢٦٩.","vol":"1","page":69},{"text":"تنبيه: وقد جاء في حديث أبي سعيد هذا أن النبي ﷺ بعث أبا قتادة الأنصاري على الصدقة بينما في حديث أبي قتادة السابق: أن النبي ﷺ بعثه إلى العدو الذي أتاه خبره جهة غيقة.\nوقد جمع بين هذا الاختلاف صاحب الأوجز: حيث قال: \"والأوجه عندي أن أبا قتادة لم يخرج معه ﷺ بل بعثه أهل المدينة إليه ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة فلحقه ﷺ قبل الروحاء فبعثه النبي ﷺ إلى ساحل البحر لكشف العدو، فالتقوا معه بالقاحة ثم بعثه ﷺ لأخذ الصدقة لأنه لم يكن محرمًا فرجع بعسفان جمعًا بين الروايات\" ا. هـ١\n_________\n١ أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٦/٣٥٢.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل السادس: ما حدث للمسلمين بعسفان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش</span>\n...\nالمبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش:\nكان النبي ﷺ قد بعث بسر بن سفيان الكعبي الخزاعي من ذا الحليفة عينًا له إلى مكة، فسار بسر إلى قريش يتحسس أخبارهم ونواياهم إزاء المسلمين، وبعد أن وقف على أخبارهم وافى بها رسول الله ﷺ بعسفان.\nففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: \"فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش١ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين٢، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله\"٣.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند أحمد:\n\"وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي\n_________\n١ الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا، والتحبش التجمع، وقيل: حالفوا قريشًاَ تحت جبل يسمى حبشيًا، فسموا بذلك. النهاية ١/٣٣٠.\n٢ محروبين: مسلوبين منهوبين. النهاية ١/٣٥٢.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٩، وتقدم تخريجه برقم (٣٥) .","vol":"1","page":71},{"text":"فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ١ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليه عنوة٢ أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم٣ قال رسول الله ﷺ: يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام، وهو وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة\"٤\"٥.\nوفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام:\n\"فخرج رسول الله حتى إذا كان بعسفان لقيه رجل من بني كعب، فقال يا رسول الله: إنا تركنا قريشًاَ وقد جمعت لك أحابيشها تطعمها الخزير٦ يريدون أن يصدوك عن البيت، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا تبرز من عسفان لقيهم خالد بن الوليد طليعة لقريش فاستقبلهم على الطريق، فقال رسول الله ﷺ هاهنا فأخذ بين سورعتين يعني - شجرتين - فمال عن ستر الطريق حتى نزل الغميم فلما نزل الغميم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد: فإن قريشًا قد جمعت لكم ... \" وذكر نحو حديث المسور ومروان إلى أن قال: \"فقال المقداد٧ وهو في رحله: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون\"٨.\n_________\n١ العوذ المطافيل: يريد النساء والصبيان. النهاية ٣/٣١٨.\n٢ العنوة: أي قهرًا وغلبة. النهاية ٣/٣١٥.\n٣ كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز، بين مكة والمدينة، وهو أمام عسفان بثمانية أميال، وهذا الكراع جبل أسود في طرف الحرة يمتد إليه. معجم البلدان ٤/٤٤٣.\n٤ السالفة: صفحة العنق وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادهما عن الموت، لأنهما لا تنفردان عما يليهما إلا بالموت، وقيل: أراد حتى يرفق بين رأسي وجسدي. النهاية٢/٣٩٠.\n٥ تقدم تخريجه والكلام على سنده، انظر حديث رقم (٣٦) وهو في المسند ٤/٣٢٣.\n٦ الخزير: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة، وقيل غير ذلك. النهاية ٢/٢٨.\n٧ كذا ورد هنا: أن المقداد قال هذه المقالة في الحديبية، والمشهور أنه قال ذلك في غزوة بدر، انظر مرويات غزوة بدر لأحمد العليمي ص ١٤٣.\n٨ تاريخ ابن أبي شيببة، لوحة: ٥٦ وتقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (١١) .","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الثاني: صلاة الخوف بعسفان:</span>\nجاء في حديث أبي عياش الزرقي ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف، لكن لم يرد فيه تحديد الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله ﷺ نزل عسفان في أكثر من غزوة فقد وقع خلاف في تعيين الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة. وسأورد حديث أبي عياش ثم أذكر الخلاف مع الترجيح إن شاء الله:\n(٤١) قال أبو داود: حدثنا سعيد١ بن منصور حدثنا جرير٢ بن عبد الحميد عن منصور٣ عن مجاهد بن أبي عياش٤ الزرقي قال: \"كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضرت صلاة العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعًا فسلم عليهم جميعًا فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم٥.\nهذا الحديث لم يروه فيما أعلم عن أبي عياش غير مجاهد، ولا عن مجاهد إلا منصور بن المعتمر، ورواه عن منصور عدة رواة هم:\n_________\n١ سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وقيل بعدها: ع. تقريب: ١٢٦.\n٢ جرير بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف ويكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يهم في حفظه، مات سنة ثمان وثمانين ومائة وله إحدى وسبعون سنة: ع. تقريب: ٥٤.\n٣ منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عثاب بمثلثة ثقيلة ثم موحدة - الكوفي، ثقة ثبت، كان لا يدلس من طبقة الأعمش، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ٣٤٨.\n٤ أبو عياش الأنصاري صحابي روى حديثًا في صلاة الخوف، وقيل: اسمع زيد بن الصامت أو ابن النعمان، وقيل اسمه: عبيد أو عبد الرحمن بن معاوية، شهد أحدًا وما بعدها، مات بعد الأربعين: د، س. تقريب: ٤٢٠.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ٢١٥.","vol":"1","page":73},{"text":"(١) جرير بن عبد الحميد: أخرجه عنه سعيد١ بن منصور، وأخرجه من طريقه الحاكم٢ والطبراني٣ والبيهقي٤.\n(٢) سفيان الثوري٥: أخرجه عنه عبد الرزاق٦، وأخرجه من طريقه أيضًا أحمد٧ والطحاوي٨ والطبراني٩.\n(٣) ورقاء بن عمرو اليشكري١٠: أخرجه عنه أبو داود الطيالسي١١، وأخرجه من طريقه أيضًا الطبراني١٢ والبيهقي١٣.\n(٤) شعبة بن الحجاج: أخرجه من طريقه أحمد١٤ والنسائي١٥ والطبراني١٦.\n(٥) عبد العزيز بن عبد الصمد١٧:\n_________\n١ سنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من الجزء الثالث: ٢١٣.\n٢ المستدرك ١/٣٣٧.\n٣ المعجم الكبير ٥/٢٤٧.\n٤ السنن الكبرى ٣/٢٥٦.\n٥ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون: ع. تقريب: ١٢٨.\n٦ مصنف عبد الرزاق ٢/٥٠٥.\n٧ مسند أحمد ٤/ ٥٩ - ٦٠.\n٨ شرح معاني الآثار ١/٣١٨.\n٩ المعجم الكبير ٥/٢٤٣.\n١٠ ورقاء بن عمرو اليشكري أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين، من السابعة: ع. تقريب: ٣٦٩.\n١١ منحة المعبود بترتيب مسند الطيالسي أبو داود ١/١٥٠.\n١٢ المعجم الكبير ٥/٢٤٦.\n١٣ السنن الكبرى ٣/٢٥٤.\n١٤ مسند أحمد ٤/٦٠.\n١٥ سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي ٣/١٧٦.\n١٦ المعجم الكبير ٥/٢٤٤.\n١٧ عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أبو عبد الله البصري، ثقة حافظ مات سنة سبع وثمانين ومائة، ويقال بعد ذلك: ع. تقريب: ٢١٥.","vol":"1","page":74},{"text":"أخرجه من طريقه النسائي١.\n(٦) شيبان بن عبد الرحمن النحوي٢: أخرجه من طريقه ابن جرير٣.\n(٧) زائدة بن قدامة٤: أخرجه من طريقه الطبراني٥.\n(٨) علي بن صالح بن حي٦: أخرجه من طريقه الطبراني٧.\n(٩) جعفر بن الحارث٨ الواسطي: أخرجه من طريقه الطبراني٩.\n(١٠) إسرائيل بن يونس١٠: أخرجه من طريقه الطبراني١١.\n(١١) داود بن عيسى الكوفي: وفي روايته صرح مجاهد بالسماع من أبي عياش الزرقي:\n_________\n١ سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي ٣/١٧٧.\n٢ شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب منسوب إلى نحو بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، مات سنة أربع وستين ومائة: ع. تقريب: ١٤٨.\n٣ تفسير ابن جرير ٩/١٣١.\n٤ زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت، ثقة ثبت صاحب سنة، مات سنة ستين ومائة. وقيل بعدها: ع. تقريب: ١٠٥.\n٥ المعجم الكبير ٥/٢٤٣.\n٦ علي بن صالح بن صال بن حي الهمداني أبو محمد، ويقال: أبو الحسن، ثقة عابد، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وقيل بعدها: م، الأربعة. تقريب: ٢٤٦، تهذيب التهذيب ٧/٣٣٢.\n٧ المعجم الكبير ٥/٢٤٥.\n٨ جعفر بن الحارث بن جميع بن عمرو الواسطي الأشهب، صدوق كثير الخطأ، من السابعة: تمييز. تقريب: ٥٥، تهذيب التهذيب ٢/٨٩.\n٩ المعجم الكبير ٥/٢٤٦.\n١٠ إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، مات سنة ستين ومائة، وقيل بعدها: ع. تقريب: ١/٣١.\n١١ المعجم الكبير ٥/٢٤٧.","vol":"1","page":75},{"text":"أخرجه من طريقه الطبراني١.\nوالحديث صحيح بسند أبي داود، فرجاله رجال الصحيح لكن مجاهدًا لم يصرح بالسماع من أبي عياش، وقد أنكر بعض العلماء سماعه من أبي عياش، ورماه بالتدليس: فقد نقل العلائي٢ عن الترمذي قوله: لا يعرف سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي.\nوذكر ابن حجر أن القطب الحلبي حكى عن الترمذي قوله في العلل: ومجاهد معلوم التدليس فعنعنته لا تفيد الوصل\".\nثم تعقبه ابن حجر بقوله: \"ولم أر من نسبه إلى التدليس، نعم إذا ثبت قول ابن معين أن قول مجاهد: خرج علينا علي ليس على ظاهره، فهو عين التدليس، إذ هو معناه اللغوي وهو الإبهام والتغطية، وقد قال ابن خراش أحاديث مجاهد عن على مراسيل بم يسمع منه شيئًا\"٣ ا. هـ\nقلت: وإن ثبت عن مجاهد التدليس فقد أمن تدليسه هنا؛ لأن الطبراني٤ قد أخرج الحديث من طريق صرح فيه مجاهد بالسماع من أبي عياش وفي سند الطبراني بكر بن سهل الدمياطي، ضعفه النسائي، وقال الذهبي: مقارب الحال٥.\nوشيخ الطبراني داود بن عيسى الكوفي: لم أقف على ترجمته.\nلكن البيهقي أخرج الحديث ثم قال: وهذا إسناد صحيح وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش٦ ا. هـ\nولم يذكر البيهقي السند كاملًا لكن ذكر الزيلعي أن البيهقي أخرجه في المعرفة بلفظ \"حدثنا أبو عياش\"، قال: وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش٧.\nوقد حكى المنذري عن البيهقي أنه قال: \"هذا الإسناد صحيح إلا أن بعض أهل العلم يشك في سماع مجاهد من أبي عياش، ثم ذكر أن البيهقي أخرجه بإسناد جيد عن\n_________\n١ المعجم الكبير ٥/٢٤٥.\n٢ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ٣٣٧.\n٣ تهذيب التهذيب ١٠/٤٤.\n٤ المعجم الكبير ٥/٢٤٥.\n٥ ميزان الاعتدال ١/٣٤٥.\n٦ السنن الكبرى ٣/٢٥٧.\n٧ نصب الراية ٢/٢٤٨.","vol":"1","page":76},{"text":"مجاهد قال حدثنا أبو عياش، ثم قال المنذري: وسماعه منه متوجه؛ فإنه ذكر ما يدل على أن مولد مجاهد سنة عشرين وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين، وقيل إلى بعد الخمسين\"١ ا. هـ\nوقد صحح هذا الحديث الحاكم٢، ووافقه الذهبي٣، وقال البيهقي٤: \"هذا إسناد صحيح\". وكذلك قال ابن كثير:٥ \"هذا إسناد صحيح وله شواهد\" ا. هـ، وقال ابن حجر في ترجمة أبي عياش: \"روى عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، أخرج حديثه أبو داود والنسائي بسند جيد\"٦.\nوقد أفاد حديث أبي عياش هذا أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف؛ لكنه لم يسم الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله قد نزل بعسفان في غزوة بني لحيان وفي غزوة الحديبية، فقد وقع خلاف في تحديد الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة.\nفقد أورد ابن كثير حديث أبي عياش في غزوة بني لحيان، ثم قال: \"وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم\"٧ ا. هـ\nوقد تابع ابن كثير على ذلك الساعاتي حيث قال: \"وعسفان أول غزوة شرعت فيها صلاة الخوف ويقال لها: غزوة بني لحيان، وسببها ما نقله ابن كثير في تاريخه\"٨.\nويظهر من كلام صاحب المنهل العذب المورد، أنه قد تابع ابن كثير أيضًا على ذلك، فقد ذكر أن صلاة النبي ﷺ بعسفان كانت في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة٩.\n_________\n١ مختصر سنن أبي داود مع تهذيب السنن ٢/٦٤.\n٢ المستدرك ٣/٣٣٨.\n٣ التلخيص بهامش المستدرك ٣/٣٣٨.\n٤ السنن الكبرى ٣/٢٥٧.\n٥ تفسير ابن كثير ١/٥٤٨.\n٦ الإصابة ١١/٢٧٣.\n٧ البداية والنهاية ٤/٨٣.\n٨ بلوغ الأماني ٧/٤ مع الفتح الرباني.\n٩ المنهل العذب المورود ٧/١٠٠.","vol":"1","page":77},{"text":"وهذا التاريخ الذي حدد به هو تاريخ غزوة بني لحيان نقله ابن هشام١ وابن كثير٢ عن ابن إسحاق.\nوذكر الواقدي٣ وابن سعد٤ وابن الجوزي٥ أن صلاة الخوف بعسفان كانت في غزوة الحديبية، إلا أن ظاهر كلام ابن سعد يفيد أنها صلاة الظهر وهو مخالف لحديث أبي عياش.\nوقد نقل ابن حجر عن الواقدي انه روى بإسناده حديثًا عن خالد بن الوليد يصرح فيه بأن صلاة عسفان كانت في غزوة الحديبية ونصه:\n(٤٢) عن خالد بن الوليد قال: \"لما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان، فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى الظهر بأصحابه أمامنا فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة خوف\"٦. الحديث.\nفهذه الرواية صرحت بأن الحادثة كانت في غزوة الحديبية، ومعنى الرواية عمومًا متفق مع حديث أبي عياش إلا أنها زادت تحديد الغزوة، وهذه الزيادة وإن كانت ضعيفة من الناحية الحديثية، لأنها بدون سند، ولمجيئها من طريق الواقدي وهو متروك٧ عند المحدثين، لكن يستأنس بها لأمرين:\nأولًا: لأنها في المغازي، وقد قال ابن حجر: \"والواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي، فهو مقبول عند أصحابنا\"٨.\nولم يخالف هذا خبرًا صحيحًا ولا خالف غيره من أهل المغازي، نعم خالفه ابن كثير، لكن ابن كثير انفرد بذلك وهو وهم منه ﵀ وسيأتي بيانه إن شاء الله.\n_________\n١ سيرة ابن هشام ٣/٢٧٩.\n٢ البداية والنهاية ٤/٨١.\n٣ مغازي الواقدي ٢/٥٨٢.\n٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.\n٥ الوفاء بأحوال المصطفى ٢/٦٩٧.\n٦ فتح الباري ٧/٤٢٣.\n٧ قال الذهبي: استقر الإجماع على وهن الواقدي، الميزان ٣/٦٦٦، وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه. تقريب: ٣١٣.\n٨ التلخيص الحبير ٢/٢٩١.","vol":"1","page":78},{"text":"ثانيًا: ورد ما يشهد لهذه الزيادة في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق ابن إسحاق عند أحمد ففيه ما نصه: \"وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم\"١.\nفهذه الرواية تفيد أمرين:\nالأول: أن النبي ﷺ نزل عسفان في غزوة الحديبية.\nالثاني: أن خالد بن الوليد خرج لملاقاة النبي ﷺ في هذه الغزوة.\nولم يذكر أحدًا من أهل المغازي أن خالد بن الوليد قد لقي النبي ﷺ بهذا المكان في غير غزوة الحديبية.\nوقد رجح ابن حجر٢ والكاندهلوي٣ أيضًا على أن صلاة عسفان هذه كانت في غزوة الحديبية.\nوهذا هو الراجح عندي لما سبق من الأدلة.\nولأن النبي ﷺ لم يلق أحدًا من كفار قريش في غزوة بني لحيان، كما ذكر ذلك أهل المغازي.\nقال ابن سعد بعد أن ذكر انصراف النبي ﷺ من غزوة بني لحيان: \"ثم خرج رسول الله ﷺ حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم، ولم يلقوا كيدًا\"٤.\nوذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعد منصرفه من غزوة بني لحيان: \"نزل عسفان وبعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا وراح رسول الله ﷺ قافلًا\"٥.\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وسبق تخريجه برقم (٣٦) .\n٢ فتح الباري ٧/٤٢٣.\n٣ حاشية بذل المجهود في حل أبو داود ٦/٣٢٩.\n٤ الطبقات الكبرى ٢/٧٩.\n٥ سيرة ابن هشام ٣/٢٨٠.","vol":"1","page":79},{"text":"وذكر نحوه ابن كثير أيضًا١، وبهذا يتبين أن ما ذهب إليه ابن كثير وهم منه ﵀.\nتنبيه:\nيلاحظ أن ابن سعد ذكر أن النبي ﷺ بعث عشرة فوارس بينما ذكر ابن إسحاق أنه بعث فارسين.\nوقد جمع بينهما الزرقاني: \"بأنه ﷺ بعث الفارسين أولًا، ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه\"٢.\n_________\n١ البداية والنهاية ٤/٨١.\n٢ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٤٧.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثالث: بيان أن ابتداء مشروعية صلاة الخوف كان في غزوة الحديبية:</span>\nثبت أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الخوف في أكثر من غزوة، غير أنه لم يرد في شيء من النصوص الثابتة تعيين للغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف أولًا.\nنعم ساق الواقدي بسنده حديثين: أحدهما حديث أبي عياش الزرقي في عسفان زاد في آخره ما نصه: \"وذكر أبو عياش أنه أول ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف\"١.\nوهذه الزيادة ضعيفة لأن الواقدي تفرد بها.\n(٤٣) والحديث الثاني: حديث جابر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ أول صلاة خوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنين٢، ثم قال الواقدي عقب هذا الحديث: وهذا أبين عندنا.\nوهذا الحديث أيضًاَ ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.\nثم إن هذا الحديث لا يتمشى مع تحديد الواقدي لزمن كل من ذات الرقاع والغزوة التي صلى فيها بعسفان: ذلك أنه جعل ذات الرقاع في السنة الخامسة،\n_________\n١ مغازي الواقدي ٢/٥٨٣.\n٢ مغازي الواقدي ٢/٥٨٣.","vol":"1","page":80},{"text":"وصلاة عسفان جعلها في غزوة الحديبية - وهو صحيح - وقد اتفق أهل المغازي وهو في جملتهم على أن غزوة الحديبية كانت سنة ست١، فكيف يقول:\"بينهما أربع سنين\"؟.\nولعدم وجود نص ثابت صريح في تعيين الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف أول مرة، فقد وقع خلف في تحديد تلك الغزوة:\nفجمهور أهل المغازي يجعلون أول غزوة وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع٢.\nوالحقيقة أن أهل المغازي لم يصرحوا بأن صلاة الخوف بذات الرقاع أول صلاة وقعت - إلا ما ذكره الواقدي وقد بينا ضعفه - وإنما قدموا غزوة ذات الرقاع على غزوة الحديبية التي وقعت فيها صلاة عسفان فلزم من صنيعهم أن تكون صلاة الخوف بذات الرقاع أول صلاة وقعت، ولم يكن لأهل المغازي معتمد في تقديم ذات الرقاع، لذلك فقد اختلفوا في تحديد زمنها اختلافًا كبيرًا.\nفعند ابن إسحاق٣ أنها كانت في جمادى الأولى سنة أربع للهجرة.\nوذهب الواقدي٤ وابن سعد٥ وابن حبان٦ إلى أنها في المحرم سنة خمس.\nوتردد موسى بن عقبة في زمنها فلا يدري أكانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أحد أو بعدها٧.\nوأما أبو معشر السندي فيرى أنها بعد بني قريظة والخندق٨.\n_________\n١ انظر الكلام على تاريخها ص:\n٢ انظر: مغازي الواقدي ١/٣٩٦، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٦١، وسيرة ابن هشام ٣/٣٠٤، وتاريخ ابن جرير الطبري ٢/٣٩.\n٣ سيرة ابن هشام ٣/٢٠٣.\n٤ مغازي الواقدي ١/٣٩٥.\n٥ الطبقات الكبرى ٢/٦١.\n٦ صحيح ابن حبان ١/٢٥٧.\n٧ فتح الباري ٧/٤١٧.\n٨ فتح الباري ٧/٤١٧.","vol":"1","page":81},{"text":"وذهب البخاري١ - وتبعه ابن القيم٢ وابن كثير٣ وابن حجر٤ - إلى أن غزوة ذا الرقاع متأخرة عن غزوة الحديبية، بل وعن غزوة خيبر، وبذلك تكون صلاة عسفان أول صلاة وقعت لأنها في غزوة الحديبية، كما سبق بيانه.\nوما ذهب إليه البخاري ومن تبعه متعين لما يلي:\nأولًا: ورد في صحيح البخاري أن أبا موسى الأشعري ﵁ شهد غزوة ذات الرقاع:\n(٤٤) قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: \"خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت٥ أقدامنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا\"٦.\nوقد جاء في حديث آخر أن أبا موسى ﵁ لم يصحب النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر ونصه:\n(٤٥) قال البخاري: حدثني إسحاق بن إبراهيم سمع حفص بن غياث حدثنا بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: \"قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا\"٧.\nوإذا كان أبو موسى الأشعري ﵁ قد شهد الغزوة كما في الحديث الأول، ولم يلق النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما في الحديث الثاني، فيلزم من ذلك تأخر غزوة ذات الرقاع عن خيبر، وإذا كانت بعد خيبر فهي بعد الحديبية من باب أولى.\nثانيًا: جاء في حديث عند أبي داود أن أبا هريرة شهد هذه الغزوة:\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: باب غزوة ذات الرقاع.\n٢ زاد المعاد ٣/٢٥٣.\n٣ البداية والنهاية ٤/٨٣.\n٤ فتح الباري ٧/٤١٩.\n٥ نقبت أقدامنا: أي رقت جلودها ونفطت من المشي. النهاية ٥/١٠٢.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٢٨.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٣٣.","vol":"1","page":82},{"text":"(٤٦) قال أبو داود: حدثنا الحسن١ بن علي حدثنا أبو عبد الرحمن٢ المقري حدثنا حيوة٣ وابن لهيعة٤ قالا: أخبرنا أبو الأسود٥ أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد ... ٦ ثم ذكر صفة صلاتهم.\nسند هذا الحديث صحيح، فهو من رواية أحد العبادلة عن ابن لهيعة٧، وقد جاء أيضًا مقرونًا بحيوة بن شريح المصري، وهو ثقة ثبت كما قال ابن حر، وبقية رجاله ثقات.\nوأخرجه أبو داود من وجه آخر، وصرح فيه باسم الغزوة.\n(٤٧) قال أبو داود: حدثنا محمد٨بن عمرو الرازي حدثنا سلمة٩ حدثني محمد١٠ بن إسحاق عن محمد١١ بن جعفر بن الزبير، ومحمد١٢ بن الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل، لقي جمعًا من غطفان ... \" ١٣ الحديث.\nهذا الحديث حسن في سنده سلمة بن الفضل متكلم فيه ضعفه النسائي، ووثقة ابن معين وابن سعد، وهذا الحديث من روايته عن ابن إسحاق وقد قال عنه\n_________\n١ الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال الحلواني - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين: خ، م، د، ت، ق. تقريب: ٧١.\n٢ عبد الله بن يزيد المكي، أبو عبد الرحمن المقري أصله من البصرة أو الأهواز، ثقة فاضل أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: ع. تقريب: ١٩٤، تهذيب التهذيب ٦/٨٣.\n٣ حيوة - بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو - ابن شريح بن صفوان التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، مات سنة ثمان وقيل تسع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ٨٦.\n٤ عبد الله بن لهيعة.\n٥ هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي.\n٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٢٤٠.\n٧ انظر ص:\n٨ محمد بن عمرو بن بكر الرازي أبو غسان زنيج - بزاي ونون وجيم - مصغرًا ثقة، مات في آخر سنة أربعين، أو أول التي بعدها أي بعد المائتين: م، د، ق. تقريب: ٣١٣.\n٩ سلمة بن الفضل الأبرشي - بالمعجمة - مولى الأنصار قاضي الري، صدوق كثير الخطأ، مات بعد التسعين ومائة، وقد جاوز المائة: د، ت، فق. تقريب: ١٣١.\n١٠ محمد بن إسحاق بن يسار.\n١١ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٢٩٢.\n١٢ هو أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود يتيم عروة، وهو ثقة. انظر: تهذيب التهذيب ٩/٣٠٧.\n١٣ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٢٤١.","vol":"1","page":83},{"text":"ابن جرير: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل١.\nوفيه أيضًا ابن إسحاق لم يصرح بالسماع لكن يشهد له الحديث السابق.\nفهذان الحديثان أفادا أن أبا هريرة شهد غزوة ذات الرقاع مع النبي ﷺ وأبو هريرة ﵁ لم يصحب النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما في الحديث الآتي:\n(٤٨) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان٢ حدثنا وهيب٣ ثنا خثيم٤ - يعني ابن عراك - عن أبيه٥ أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي ﷺ بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة على المدينة قال: \"فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بكهيعص، وفي الثانية ويل للمطففين، قال: فقلت ويل لفلان إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص، قال: فلما صلى زودنا شيء حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي ﷺ خيبر قال: فكلم النبي ﷺ المسلمين فأشركونا في سهامهم\"٦.\nهذا الحديث حسن في سنده خثيم مختلف فيه، وثقه النسائي وابن حبان، وقال العقيلي: \"ليس به بأس\"، وقال الأزدي: \"منكر الحديث\"٧ وقد رجح الذهبي٨ توثيقه حيث رمز له بـ (صح) .\nوإذا تقرر أن أبا هريرة ﵁ لم يلق النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما أفاد\n_________\n١ تهذيب التهذيب ٤/١٥٤.\n٢ عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصغار البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه وربما وهم، وقال ابن معين: انكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات سنة عشرين ومائتين: ع. تقريب: ٢٤٠، تهذيب التهذيب ٧/٢٣٤.\n٣ وهيب - بالتصغير - ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره، مات سنة خمس وستين ومائة: ع. تقريب: ٣٧٢.\n٤ خثيم - بمثلثة مصغرًا - ابن عراك بن مالك الغفاري المدني لا بأس به، من السادسة: خ، م، س. تقريب: ٩٢.\n٥ عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد ابن عبد الملك بعد المائة: ع. تقريب: ٢٣٧.\n٦ مسند أحمد ٢/٣٤٥.\n٧ تهذيب التهذيب ٣/١٣٧.\n٨ ميزان الاعتدال ١/٦٥٠.","vol":"1","page":84},{"text":"هذا الحديث وقد شهد غزوة ذات الرقاع كما في الحديثين السابقين فشهوده لها دليل ظاهر على تأخرها عن الحديبية وخيبر.\n(٤٩) ثالثًا: قال البخاري: قال عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: \"أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع\"١.\nهذا الحديث أورده البخاري معلقًا لكن بصيغة الجزم، وقد وصله أبو العباس السراج في مسنده وسمويه في فوائده٢.\nقال ابن حجر في معرض كلامه على الحديث: \"في التنصيص على أنها سابع غزوة من غزوات النبي ﷺ تأييد لما ذهب إليه البخاري من أنها كانت بعد خيبر، فإنه إن كان المراد الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها مطلقًا وإن لم يقاتل فإن السابعة منها تقع قبل أحد، ولم يذهب أحد إلى أن ذات الرقاع قبل أُحد إلا ما تقدم من تردد موسى بن عقبة، وفيه نظر، لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعيين أن تكون ذات الرقاع بعد بني قريظة، فتعين أن المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأولى منها بدر والثانية أحد، والثالثة الخندق، والرابعة قريظة، الخامسة المريسيع، والسادسة خيبر، فيلزم أن تكون ذات الرقاع بعد خيبر للتنصيص على أنها السابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي وهذه العبارة أقرب إلى إرادة السنة من العبارة التي وقعت عند أحمد بلفظ: \"وكانت صلاة الخوف في السابعة\" فإنه يصح أن يكون التقدير: في الغزوة السابعة كما يصح في غزوة السنة السابعة\"٣ انتهى.\nقلت: قد وقع عند أحمد التصريح بالسنة عن جابر ونصه: \"غزا رسول الله ﷺ ست مرات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة\"٤.\nلكن في سنده ابن لهيعة، وهو متكلم فيه.\nوقد تبين لنا من قصة أبي موسى الأشعري وأبي هريرة ﵄ ومن\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٢٥.\n٢ ذكر ذلك ابن حجر، انظر هدي الساري: ٥٢، وفتح الباري ٧/٤١٩.\n٣ فتح الباري ٧/٤١٩.\n٤ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني ٧/٧.","vol":"1","page":85},{"text":"جابر بن عبد الله ﵄ رجحان القول بتأخر غزوة ذات الرقاع عن غزوة الحديبية، فتكون صلاة الخوف في غزوة الحديبية أول صلاة وقعت.\nوقد قال بعضهم إن غزوة ذات الرقاع وقعت أكثر١ من مرة، وأن التي صليت فيها صلاة الخوف غير التي شهدها أبو موسى ﵁، وهذا القول مردود لشهود أبي هريرة غزوة ذات الرقاع، وقد ذكر أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف فيها، وإنما صحب النبي ﷺ بعد فتح خيبر كما سبق بيانه.\nوقد رد ابن القيم ﵀ القول بتعدد الغزوة: فقد أورد حديث أبي موسى وأبي هريرة ﵄ ثم قال: \"وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهمًا ظاهرًا ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين، فمرة قبل الخندق، ومرة بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظها، أو تاريخها ولو صح لهذا القائل ما ذكر ولا يصح، لم يمكن أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى لما تقدم من قصة عسفان وكونها بعد الخندق، ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير منسوخ وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ﵀، لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق\"٢ ا. هـ\nقلت: جزم ابن القيم ﵀ هنا أن أول صلاة صلاها النبي ﷺ للخوف هي صلاة عسفان، وكأنه اعتمد في ذلك على ما في حديث أبي عياش من أن آية صلاة الخوف نزلت في شأن صلاة عسفان، وهو دليل ظاهر، وصلاة عسفان هذه وقعت في غزوة الحديبية كما سبق بيانه\"٣.\n_________\n١ فتح الباري ٧/٤١٧، ٤١٩.\n٢ زاد المعاد ٣/٢٥٢.\n٣ انظر ص وما بعدها.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الرابع: تنبية على أحاديث أوردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها</span>\n...\nالمبحث الرابع: تنبيه على أحاديث وردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها:\nهناك أحاديث ذكرت فيها صفة صلاة الخوف، بعضها يتفق مع حديث أبي عياش في كيفية الصلاة، وبعضها يتفق معه في المكان الذي صليت فيه تلك الصلاة، ولذلك حمل بعض العلماء تلك الأحاديث على قصة عسفان مع حديث أبي عياش بناء على اتحاد القصة.\nوبعد النظر والتأمل في تلك الأحاديث ومقارنتها بحديث أبي عياش تبين لي أنها مغايرة لما في حديث أبي عياش، وسأورد تلك الأحاديث وأبين وجه مخالفتها لحديث أبي عياش إن شاء الله.\nأولًا: حديث جابر ﵁:\nقال مسلم: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر قال: \"غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة فقاتلونا قتالًا شديدًاَ، فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم لاقتطعناهم١، فأخبر بذلك جبريل رسول الله ﷺ، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: إنهم ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صففنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة، قال: فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني فلما سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعًا فسلم عليهم رسول الله ﷺ\"، قال أبو الزبير، ثم خص جابر أن قال كما يصلي أمراؤكم هؤلاء\"٢.\nهذه رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم وأخرجها أبو داود٣ الطيالسي وزاد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر بنخل ... \".\n_________\n١ لاقتطعناهم: لأخذناهم منفردين، اقتطع الشيء إذا أخذه وانفرد به. النهاية ٤/٨٢.\n٢ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٠٨.\n٣ مسند أبي داود: ٢٤٠.","vol":"1","page":87},{"text":"وأخرجه مسلم١ من رواية عطاء عن جابر بمثله ولم يسم القوم الذين غزوهم.\nوقد ذكر ابن كثير٢ وابن حجر٣ هذا الحديث في قصة عسفان على أنه متحد مع ما في حديث أبي عياش الزرقي.\nوالذي يظهر أن هذا الحديث يباين ما في حديث أبي عياش لأمور أهمها ما يلي:\n(١) في حديث جابر هذا: \"غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة\"، بينما في حديث أبي عياش: \"كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد ... \".\nولا شك أن هؤلاء المشركين هم كفار قريش، كما بينه حديث المسور ومروان بن الحكم من طريق ابن إسحاق عند أحمد فقد جاء فيه: \"وهذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم\"٤.\nفصلاة الخوف في حديث جابر بسبب قوم جهينة، وصلاة الخوف في حديث أبي عياش بسبب كفار قريش.\n(٢) يقول جابر في حديثه: \"فقاتلونا قتالًا شديدًا\"، ولم يثبت أن رسول الله ﷺ قاتل أحدًا من المشركين أثناء سيره لعمرة الحديبية.\n(٣) يقول جابر في حديثه: \"فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله ﷺ فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ\".\nويقول أبو عياش في حديثه: \"فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غزة لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر.\nوبالتأمل في هذين النصين نستشف منهما تأخر قصة حديث جابر عن قصة\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٠٧.\n٢ البداية والنهاية ٤/٨٢.\n٣ فتح الباري ٧/٤٢٣.\n٤ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .","vol":"1","page":88},{"text":"حديث أبي عياش وذلك أن حديث أبي عياش يفيد أن الآية التي بها شرعت صلاة الخوف نزلت في تلك الحادثة، وهو دليل على ابتداء مشروعية صلاة الخوف.\nأما حديث جابر فقد ذكر فيه أن جبريل أخبر النبي ﷺ بما عزم عليه المشركون فقط فصلى صلاة الخوف وكأنه قد عرف حكمها قبل ذلك.\nثانيًا: حديث أبي هريرة ﵁:\nقال النسائي: أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثني عبد الصمد ابن عبد الوارث قال: حدثني سعيد بن عبيد الهنائي قال: حدثنا عبد الله بن شقيق قال: حدثنا أبو هريرة قال: \"كان رسول الله ﷺ نازلًا بين ضَجَنَان وعسفان محاصر المشركين فقال المشركون: أن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة، فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يقسم أصحابه نصفين فيصلي بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فيصلي بهم ركعة ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك فيصلي بهم ركعة تكون لهم مع النبي ﷺ ركعة ركعة، وللنبي ركعتان\"١.\nوأخرجه الترمذي٢ بنحوه، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة٣.\nوقد أورد ابن القيم٤ وابن كثير٥ حديث أبي هريرة هذا مع حديث أبي عياش في قصة عسفان، وكأنهما يريان اتحاد القصة فيهما، وكذلك ذكر ابن حجر أنه متفق مع ما في حديث أبي عياش، وقد ظهر لي بعد إمعان النظر في الحديثين عدم اتحادهما لما يلي:\n(١) أن حديث أبي عياش يفيد أن كلتا الطائفتين ائتمت بالنبي ﷺ في وقت واحد، إلا في حالة السجود ينتظر الصف الثاني حتى يرفع الأول من السجود، ثم يسجد بينما في حديث أبي هريرة صلى بكل طائفة على حدة.\n_________\n١ سنن النسائي ٣/١٧٤.\n٢ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٠٣٥.\n٣ سنن الترمذي ٥/٢٤٣.\n٤ زاد المعاد ٣/٢٥١.\n٥ البداية والنهاية ٤/٨٢.","vol":"1","page":89},{"text":"(٢) في حديث أبي عياش كانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان كذلك، بينما في حديث أبي هريرة: كانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعة واحدة.\n(٣) جاء في حديث أبي هريرة ما يفيد أن العدو كان لغير جهة القبلة وذلك في قوله: \" فيصلي بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم ... \".\nثالثًا: يقول ابن حجر في التلخيص الحبير١: \"حديث صلاته بعسفان متفق عليه من حديث سهل بن أبي حثمة، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي عياش الزرقي\" ا. هـ\nقلت: حديث أبي عياش الزرقي صريح بأنه في صلاة عسفان، أما حديث سهيل بن أبي حثمة فغير ظاهر في ذلك لاختلاف كيفية الصلاة فيه عنها في حديث أبي عياش الزرقي، وهذا نص حديث سهل بن أبي حثمة:\nقال البخاري: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة قال: \"يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو، فيصلي بالذين معه ركعة ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين\"٢.\nهكذا أخرجه البخاري موقوفًا على سهل، ومن هذا الوجه أخرجه مسلم٣ وأبو داود٤.\nوبالتأمل في صورة الصلاة في حديث سهل بن أبي حثمة نجدها تختلف عن صورة الصلاة في حديث أبي عياش بما يلي:\n_________\n١ التلخيص الحبير ٢/٧٥.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٣١.\n٣ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٠٩.\n٤ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٢٣٩.","vol":"1","page":90},{"text":"(١) في حديث أبي عياش كلتا الطائفتين ائتمت بالنبي ﷺ في آن واحد، بينما في حديث سهل ائتمت طائفة بالنبي ﷺ، والطائفة الأخرى وقفت تجاه العدو.\n(٢) في حديث أبي عياش حصلت لكل من الطائفتين ركعتان مع النبي ﷺ، أما في حديث سهل، فصلت كل طائفة ركعة واحدة مع النبي ﷺ ثم أتمت لنفسها الركعة الثانية.\n(٣) في حديث أبي عياش أن العدو كان في جهة القبلة بخلاف حديث سهل فقد حمله الجمهور١ على أن العدو كان لغير جهة القبلة.\nولعل حديث سهل في صفة صلاة غزوات ذات الرقاع؛ لأن صالح بن خوان الراوي عن سهل أخرج البخاري٢ وغيره الحديث من طريقه يرويه عمن شهد غزوات ذات الرقاع فذكر صورة الصلاة في حديث سهل هذا.\nومفهوم كلام ابن حجر في الفتح: أن حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة غزوات ذات الرقاع٣.\nفلعل ما وقع في التلخيص الحبير وهم منه ﵀.\n_________\n١ فتح الباري ٧/٤٢٤.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٢٩.\n٣ انظر: فتح الباري ٧/٤٢٢.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفصل السابع: عدول المسلمين إلى الحديبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم الى الحديبية</span>\n...\nالمبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم إلى الحديبية:\nكان خالد بن الوليد - في خيل المشركين - قد قطع طريق المسلمين إلى مكة، فليس أمام المسلمين - إن هم تقدموا في طريقهم ذلك - إلا خوض معركة محققة مع خيل خالد بن الوليد، وكان رسول الله ﷺ حريصًا على تحاشي القتال مع قريش، ولذلك صرف أصحابه - بعد أن أمسى١ - إلى طريق آخر لا يمر على خيل خالد - أفضى بهم إلى ثنية أنزلتهم على الحديبية.\n(٥٠) قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجائي ثنا محمد٢ بن معمر البحراني ثنا عبيد الله بن موسى (عن موسى) بن عبيدة عن عبد الله شيخ من أسلم٣ عن جندب بن ناجية أو ناجية٤ بن جندب، قال: \"لما كنا بالغميم لقي رسول الله خبر قريش أنها بعثت خالد ابن الوليد في جريدة٥ خيل يتلقى رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ أن يلقاه، وكان بهم رحيمًا، فقال: \"من رجل يعدلنا عن الطريق؟ فقال: أنا بأبي أنت فأخذتهم في طريق قد كان بها حزنا٦ فدافد٧\n_________\n١ انظر الطبقات الكبرى ٢/٩٥.\n٢ محمد بن معمر بن ربعي القيسي البصري البحراني - بالموحدة والمهملة - صدوق، مات سنة خمسين ومائتين: ع. تقريب: ٣١٩.\n٣ في رواية الحسن بن سفيان عبد الله بن عمرو بن أسلم.\n٤ ناجية بن جندب - هكذا جزم به الحسن بن سفيان - وهو: ناجية بن جندب ابن عمير بن يعمر الأسلمي، صحابي روى عنه مجزأة بن زاهر وغيره: س. تقريب: ٣٥٤.\n٥ جريدة الخيل: قال في القاموس الجريدة خيل لا رجالة فيها (أي كلهم راكبون) . ترتيب القاموس ١/٤٧١.\n٦ حزنا: الحزن المكان الغليظ الخشن. النهاية ١/٣٨٠.\n٧ الفدافد: جمع فدفد، وهو المكان الصلب الغليظ المرتفع، ترتيب القاموس ٣/٤٥٦ - ٤٥٧.","vol":"1","page":92},{"text":"وعقاب فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح١ فألقى فيها سهمًا أو سهمين من كناته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا\"٢.\nوذكر ابن حجر أن الحديث أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله عن عبد الله بن عمرو بن أسلم عن ناجية بن جندب قال: كنا بالغميم فجاء رسول الله ﷺ خبر قريش أنها بعثت خالد بن الوليد في جريدة خيل ... \"٣.\nوقال ابن حجر أيضًا: \"ووقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده، وكذا أخرجه ابن السكن\" ا. هـ٤\nوذكر ابن حجر أنه ورد في رواية ابن منده وابن السكن \"ناجية بن جندب أو جندب بن ناجية\" بالشك٥، مثل رواية الطبراني.\nوالحديث أخرجه أبو نعيم٦ من طريق الطبراني بسنده.\nوهذا حديث ضعيف لأن في سنده موسى بن عبيدة الربذي ضعيف، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي٧ وابن حجر٨.\n(٥١) وقال البزار حدثنا إسحاق٩ بن بهلول الأنباري حدثنا محمد١٠ ابن\n_________\n١ النزح - بالتحريك -: البئر التي أُخذ ماؤها. النهاية ٥/٤٠.\n٢ المعجم الكبير ٢/١٩٣ - ١٩٤.\n٣ الإصابة ١٠/١٢٤.\n٤ الإصابة ١٠/١٢٤.\n٥ الإصابة ١٠/١٢٤.\n٦ دلائل النبوة: ١٤٦.\n٧ مجمع الزوائد ٦/١٤٤.\n٨ الإصابة ١٠/١٢٤.\n٩ إسحاق بن بهلول بن حسان، أبو يعقوب التنوخي الأنباري الحافظ الناقد، قال الخطيب: كان ثقة مات بالأنبار في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين ومائتين وله ثمان وثمانون سنة. تذكرة الحفاظ ٢/٥١٨.\n١٠ محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك - بالفاء مصغرًا - الديلي مولاهم، المدني أبو إسحاق، صدوق، مات سنة ثمانين ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ٢٩٠.","vol":"1","page":93},{"text":"إسماعيل بن أبي فديك عن هشام١ بن سعد عن زيد٢ بن أسلم عن عطاء٣ بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله ﷺ: \"إن عيون المشركين الآن على ضجنان٤، فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل٥؟ فقال رسول الله ﷺ حين أمسى: هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب٦؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنزل فجعلت الحجارة تنكبه٧ والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ: اركب، ثم نزل آخر فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ: اركب، ثم وقعنا على الطريق حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل قيل لهم: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٨،لا يجوز لأحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له، فجعل الناس يجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول الله ﷺ ونزلنا\"٩.\nوأخرجه ابن مردويه من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به مختصرًا ولفظه: \"سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية يقال لها ذات الحنظل فقال رسول الله ﷺ: \"ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ١٠.\n_________\n١ هشام بن سعد المدني، أبو عبادة أو أبو سعد، صدوق له أوهام ورمي بالتشيع، مات سنة ستين ومائة أو قبلها: خت، م الأربعة. تقريب: ٣٦٤، تهذيب التهذيب ١١/٣٩.\n٢ زيد بن أسلم العدوي مولى عمر، أبو عبد الله أو أبو أسامة المدني، ثقة، عالم وكان يرسل، مات سنة ست وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ١١١.\n٣ عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ٢٤٠.\n٤ ضجنان - بالتحريك ونونين -: ورواه ابن دريد بسكون الجيم: قيل جبل على بريد من مكة، قال الواقدي: بينة وبين مكة خمسة وعشرون ميلًا. معجم البلدان ٣/٤٥٣.\n٥ ذات الحنظل: هو الفج الذي من عين الدورقي إلى ثنية الحرم، تاريخ مكة وأخبارها ٢/٣٠١.\n٦ الركاب: ككتاب: الإبل واحدتها راحلة. ترتيب القاموس ٢/٣٨٠.\n٧ تنكبه: أي تصيب رجله. ترتيب القاموس ٤/٤٣٥.\n٨ سورة البقرة الآية: ٥٨.\n٩ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٧ - ٣٣٨.\n١٠ نقله عن ابن كثير. تفسير ابن كثير ١/٩٩.","vol":"1","page":94},{"text":"قال البزار بعد أن أخرج الحديث: \"لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل\" ١.\nلكن تعقبه ابن حجر بقوله: \"وهو ثقة يحتمل له التفرد، وشيخه أخرج له مسلم، والإسناد كلهم على شرطه إلا أن هشامًا فيه لين\"٢.\nوذكر الهيثمي الحديث ثم قال: \"رواه البزار ورجاله ثقات\"٣.\nقلت: نعم رجاله ثقات إلا هشام بن سعد الذي قال ابن حجر فيه: لين، قد اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل، فقد ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أحمد: \"ليس محكم الحديث، وقال مرة لا يروى عنه\"٤.\nوقال ابن معين مرة صالح الحديث ليس بمتروك، وقال ابن المديني: صالح وليس بالقوي، وقال العجلي: \"جائز الحديث حسن الحديث\"، وقال أبو زرعة: \"محله الصدق\"، وقال الآجري عن أبي داود: \"أثبت الناس في زيد بن أسلم\"٥.فهذه أقوال الأئمة قد اختلف فيه جرحًا وتعديلًا لكن الذين جرحوه لم يبينوا سبب التجريح والقاعدة في اصطلاح المحدثين: \"أن التعديل يقبل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور، ولا يقبل الجرح إلا مفسر السبب\" ٦.\nفالتعديل في هذه الحال مقدم على الجرح لأن الجرح غير مفسر السبب، نعم هناك تجريح مفسر ذكره الخليلي قال: أنكر الحفاظ حديثه في المواقع في رمضان من حديث الزهري عن أبي سلمة قالوا: إنما رواه الزهري عن حميد٧.\nوهذا الجرح يقدح فيه من قبل حفظه، فإذا حملنا تضعيف من ضعفه على هذا السبب، فلا يرد على هذا الحديث لأنه من روايته عن زيد بن أسلم، وقد قال عنه أبو داود: أثبت الناس في زيد بن أسلم٨.\n_________\n١ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٨.\n٢ زوائد البزار، لوحة: ٢٤٧.\n٣ مجمع الزوائد ٦/١٤٤.\n٤ تهذيب التهذيب ١١/٤٠.\n٥ تهذيب التهذيب ١١/٤٠.\n٦ تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي ١/٣٠٥.\n٧ تهذيب التهذيب ١١/٤١.\n٨ تهذيب التهذيب ١١/٤٠.","vol":"1","page":95},{"text":"ومع ذلك فللحديث شاهد في المعنى من حديث جابر وحديث المسور ومروان لآتيين، فالحديث لا يقل عن درجة الحسن إن شاء الله.\n(٥٢) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من يصعد الثنية ثنية المرار١، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل\". قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ: \"كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر\"، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ، فقال: \"والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل٢ ينشد٣ ضالة له\"٤.\nوأخرجه٥ عن يحيى بن حبيب الحارثي عن خالد بن الحارث عن قرة به وفيه: \"وإذا هو أعرابي ينشد ضاله له\".\nوفي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر ما نصه: \"قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كان ببعض الطريق قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بالغميم٦ في خيل لقريش طليعة٧، فخذوا ذا اليمين فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل٨\n_________\n١ ثنية المرار: مهبط الحديبية، والمرار: بقلة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت عنه مشافرها. معجم البلدان ٥/٩٢، مراصد الإطلاع ٣/١٢٥.\n٢ قال القاضي: قيل هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق، شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٢٧.\nوقال الواقدي: هو رجل من بني ضمرة من أهل سيف البحر، مغازي الواقدي ٢/٥٨٥.\nقلت: يشهد لقول الواقدي ما في الطريق الآخر للحديث: «فإذا أعرابي»، وقائل ذلك هو جابر بن عبد الله، وهو من بني سلمة قوم الجد بن قيس، فلو كان صاحب القصة هو الجد بن قيس لصرح جابر باسمه، ولم يقل أعرابي. والله أعلم.\n٣ ينشد ضالة: أي يطلبها ويعرفها. ترتيب القاموس ٤/٣٧١.\n٤ صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ١٢.\n٥ صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ١٣.\n٦ حكى ابن حجر عن المحب الطبري أنه قال: يظهر أن المراد كراع الغميم، فتح الباري ٥/٣٣٥، قلت: قد صرح بذلك ابن إسحاق في روايته للحديث انظر ص: ١٠٠.\n٧ طليعة الجيش: من يبعث ليطلع، طلع العدو، وجمعها طلائع. ترتيب القاموس٣/٨٨.\n٨ حل: زجر للناقة إذا حثثتها على السير. النهاية ١/٤٣٣.","vol":"1","page":96},{"text":"حل، فألحت١، فقالوا: خلأت٢ القصواء٣، فقال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل٤، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة٥ يعظمون فيه حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية\"٦.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند أحمد: قال: ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض٧ على طريق تخرجه عن ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال فسلك الجيش تلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته\"٨.\nوفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام: \"فأخذوا ذات اليمين في ثنية تدعى الحنظل حتى هبط على الحديبية\"٩.\n_________\n١ ألحت: أي لزمت مكانها، من ألح على الشيء إذا لزمه وأصر عليه. النهاية ٤/٢٣٦.\n٢ خلأت: بركت أو حرمت فلم تبرح. ترتيب القاموس ٢/٨٧.\n٣ القصواء: ناقة رسول الله ﷺ، ويطلق عليها القصواء والجدعاء والعضباء، وهي صفات للشق في الأذن.\nقال البلاذري: حدثني الأعين ثنا الحسن بن موسى الأشهب عن يزيد بن عطاء مولى أبي عوانة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله قال: \"كان لرسول الله ﷺ حمار يقال له عفير، وكانت لرسول الله ﷺ ناقته القصواء من نعم بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر، ويقال من نعم بني الحريش بن كعب، ابتاعها أبو بكر ﵁ بأربع مائة درهم، فأخذها النبي ﷺ منه بذلك الثمن، والثابت أنه وهبها له، فقبلها وهاجر عليها، ولم تزل عنده حتى مات، ويقال: ماتت في خلافة أبي بكر، وكانت تكون بالبقيع، ويقال: بنقيع الخيل وهي تسمى أيضًا: الجدعاء والعضباء.\nقاله الواقدي: أنساب الأشراف: ٥١١.\nوقال ابن جرير: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرنا الواقدي محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كانت القصواء من نعم بني الحريش ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمائة درهم وأخذها منه رسول الله ﷺ بأربعمائة، فكانت عنده حتى نفقت، وهي التي هاجر عليها، كانت حين قدم رسول الله ﷺ المدينة رباعية، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء، تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٤٢٢.\nويؤيد كون هذه الصفات لناقة واحدة ما في حديث علي ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ يبلغ أهل مكة سورة براءة، ففي رواية ابن عباس ﵄ أنه ركل ناقة رسول الله ﷺ «القصواء»، وفي رواية جابر «العضباء» وفي رواية غيرهما «الجدعاء»، فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة لأن القضية واحدة، قاله ابن الأثير ٤/٧٤.\n٤ حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله ﷿ عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها. فتح الباري ٥/٣٣٦.\n٥ خطة: الخطة الأمر والحال والخطب. النهاية ٢/٤٨.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله رقم (٣٥) .\n٧ الحمض: ما ملح وأمرّ من النبات، وهي كالفاكهة للإبل. ترتيب القاموس ١/٧٠٩.\n٨ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٩ تاريخ ابن أبي شيبة: لوحة: ٥٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) .","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الثاني: نزول المسلمين الحديبية ومعجزة النبي ﷺ في تكثير ماء البئر:</span>\nلقد تحمل المسلمون صنوفًا من الأذى والتعب بسبب وعورة الطريق لكنهم نالوا جزاء ذلك - مغفرة الله تعالى - وهي غايتهم المنشودة، بل وغاية كل مسلم.\nوبعد أن جازوا الثنية - وكان آخر الليل١ - هبطوا على الحديبية فلم يجدوا بها إلا ماء منقطعًا لم يقم شيئًا لعطشهم - وكانوا قد نزلوا في شدة الحر - فهرعوا إلى رسول الله ﷺ يشكون قلة الماء، وعندها ظهرت معجزة النبي ﷺ التي أكرمه الله بها حيث استحالت تلك البئر - التي قد نضب ماؤها أو كاد - عيونًا متدفقة:\nففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر: بعد أن ذكر الثنية وبروك ناقة الرسول ﷺ قال: \"ثم زجرها٢ فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد٣ قليل الماء يتبرضه٤ الناس تبرضًا فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجش بالري حتى صدروا عنه\" ٥.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: \"ثم قال للناس انزلوا فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه الناس، فأخرج سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه فنزل قليب٦ من تلك القلب، فغرزه في جوفه فجاش الماء بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن٧.٨\nوفي من حديث البراء ﵁:\n_________\n١ انظر حديث رقم (٥١) رواية ابن مردويه.\n٢ زجرها: حثها وحملها على السرعة. النهاية ٢/٢٩٦.\n٣ الثمد: الماء القليل. النهاية ١/٢٢١.\n٤ يتبرضه الناس: يأخذونه قليلًا قليلًا، والبرض الشيء القليل. النهاية ١/١١٩.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٦ القليب: البئر التي تُطوَ. النهاية ٤/٩٨.\n٧ بعطن: العطن مبرك الإبل حول الماء، يقال عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى. النهاية ٣/٢٥٨.\n٨ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .","vol":"1","page":98},{"text":"(٥٣) قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: \"كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير١ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا\"٢.\nوأخرجه٣ عن عبيد الله بن موسى بن إسرائيل به، وزاد في أوله: \"تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية\".\nوأخرجه٤ من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء فذكر نحوه، قال في أوله: \"كانوا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة\"، الحديث.\nوأخرجه أحمد٥ عن أبي أحمد ووكيع، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.\nوأخرجه ابن جرير٦ من طريق وكيع عن إسرائيل به مختصرًا.\nوأخرجه البيهقي٧ من طريق عبد الله بن رجاء وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.\nوفيه من حديث سلمة بن الأكوع ﵁:\n(٥٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمار ح.\nوحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عن عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربعة عشرة مائة وعليها\n_________\n١ شفير البئر: حافتها وحرفها، وشفير كل شيء حرفه. النهاية ٢/٤٨٥.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٧.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥١.\n٥ مسند أحمد ٤/٢٩٠، ٣٠١.\n٦ تفسير ابن جرير ٢٦/٧١.\n٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩.","vol":"1","page":99},{"text":"وخمسون شاة لا ترويها قال: فقعد رسول الله على جبا١ الركيه٢، فإما دعا وإما بسق فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا\"٣ الحديث.\nوأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة بن عمار به نحوه.\nوأخرجه البيهقي٥ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عكرمة بن عمار به مختصرًا وعنده \"بزق فيها\".\nتنبيه:\nجاء في حديث المسور ومروان: أن تكثير الماء كان بسبب وضع سهم النبي ﷺ في البئر، وفي حديث البراء وحديث سلمة أن ذلك بسبب مج النبي ﷺ أو بصاقه في البئر ودعائه.\nوالتحقيق أنه لا خلاف بين تلك الأحاديث لحصول ذلك كله من النبي ﷺ، فقد وردت روايات جمعت بين ذلك كله، وهي:\nما أخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه: \"فأخذتهم في طريق قد كان بها حزنًا فدافد، وعقاب، فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح، فألقى فيها سهما أو سهمين من كنانته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إنني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا\"٦.\nوما أخرجه البيهقي من طريق أبي الأسود عن عروة:\n(٥٥) قال: أخبرنا أبو عبد الله٧ الحافظ قال أخبرنا أبو جعفر٨ البغدادي\n_________\n١ الجبا: بالفتح والقصر: ما حول البئر. النهاية ١/٢٣٧.\n٢ الركية: البئر. النهاية: ٢/٢٦١.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٣٢.\n٤ مسند أحمد ٤/٤٨.\n٥ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩.\n٦ المعجم الكبير ٢/١٩٤، وتقدم الحديث برقم (٥٠) .\n٧ هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، قال الخطيب أبو بكر: أبو عبد الله الحاكم كان ثقة يميل إلى التشيع، مات في صفر سنة خمس وأربعمائة ﵀. تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩.\n٨ محمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن جميل أبو جعفر البغدادي، سكن سمرقند وكان ثبتًا صحيح السماع حسن الأصول، سافر الكثير وكتب بالشام ومصر والحجاز واليمن، وليس للبغداديين عنه رواية؛ لأنه خرج من بغداد قديمًا، وحصل حديثه عند الخراسانيين، وأهل ما وراء النهر، قال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي: كتبنا عنه وكان ثقة في الحديث فاضلًا انتخب عليه أبو علي الحافظ النيسابوري، وكتب عنه الحفاظ، مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٣/٢١٧.","vol":"1","page":100},{"text":"قال: حدثنا أبو علاثة محمد١ بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي٢ قال: قال حدثنا ابن لهيعة٣ قال حدثنا أبو الأسود٤ قال: قال عروة: فذكر خروج النبي ﷺ قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح٥، وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رآى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ والقوم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه، ثم مج فيه وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله ﵎ ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها\"٦.\nهذا الأثر مرسل، وسنده إلى عروة ضعيف لأن فيه ابن لهيعة ضعفه الحفاظ، وفيه أيضًا أبو علاثة لم أقف على ترجمته.\nفهاتان الروايتان بينتا ما قد يظهر من تعارض بين تلك الأحاديث وإلى هذا الجمع جنح ابن القيم٧، وابن حجر٨.\n_________\n١ أبو علاثة، لم أقف على ترجمته.\n٢ عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد التميمي ويقال الخزاعي، أبو الحسن الحراني نزيل مصر، ثقة، مات سنة تسع وعشرين ومائتين: خ، ق. تقريب: ٢٥٩.\n٣ هو: عبد الله بن لهيعة.\n٤ هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي.\n٥ بلدح: واد قبل مكة من جهة الغرب. معجم البلدان ١/٤٨٠.\n٦ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢١٩ - ٢٢٠.\n٧ زاد المعاد ٣/٢٩٨.\n٨ فتح الباري ٥/٣٣٧.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثالث: من الذي نزل بالسهم في بئر الحديبية</span>؟:\nورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري وغيره أن الصحابة رضوان الله عليهم شكوا إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فأخذ سهمًا من كنانته وأعطاه بعض أصحابه ليغرزه في البئر١، بيد أنه لم يرد في شيء من الروايات الصحيحة\n_________\n١ انظر: ص: ١٧٦ - ١٧٧","vol":"1","page":101},{"text":"تصريح باسم الصحابي الذي أعطاه رسول الله ﷺ السهم، لذلك فقد وقع خلاف بين أهل المغازي في اسم الصحابي الذي نزل بالسهم:\nفذهب ابن إسحاق١ وابن عبد البر٢ ومن تبعهما إلى أن الذي نزل بسهم رسول الله ﷺ هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي:\n(٥٦) قال ابن إسحاق: \"فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم ابن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان ابن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\nونقل الهيثمي هذا الحديث عن ابن إسحاق ثم قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات٤.\nوقال ابن إسحاق، وقد أنشدت أسلم أبياتًا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:\nيا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا\nيثنون خيرًا ويمجدونكا\nقال ابن هشام وروى:\nإني رأيت الناس يمدحونكا\nقال ابن إسحاق: فقال ابن ناجية:\nقد علمت جارية يمانيه ... أني أنا المائح واسمي ناجيه\nوطعنة ذا رشاش واهية ... طعنتها تحت صدور العادية٥\nوجزم الواقدي بأن الذي نزل بالسهم ناجية بن الأعجم، وذكر أن رجلًا من ولد\n_________\n١ سيرة ابن هشام ٣/٣١٠.\n٢ الدرر لابن عبد البر: ٢٠٤.\n٣ سيرة ابن هشام ٣/٣١٠.\n٤ مجمع الزوائد ٦/١٤٥.\n٥ سيرة ابن هشام ٣/٣١١.","vol":"1","page":102},{"text":"ناجية بن الأعجم يقال له: عبد الملك بن وهب الأسلمي أنشده الأبيات التي نسبها ابن إسحاق لناجية بن جندب١.\n(٥٧) وأخرج الواقدي أيضًا عن الهيثم بن واقد عن عطاء٢ بن أبي مروان عن أبيه٣ قال: حدثني رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية٤ بن الأعجم - وكان ناجية بن الأعجم يحدث - يقول دعاني رسول الله ﷺ حين شكى إليه قلة الماء، فأخرج سهمًا من كنانته ودفعه إلي ... فقال: أنزل بالماء فصبه في البئر، وأثر مائهما بالسهم ففعلت\"٥.\nوهذا الحديث ضعيف.\n(٥٨) وقال ابن حجر: \"وأخرج الواقدي عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه حدثني أربعة عشر رجلًا من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية بن الأعجم هو الذي نزل في القليب القليل الماء يوم الحديبية بسهم رسول الله ﷺ\"٦.\nهذا الحديث ضعيف لمجيئة من طريق الواقدي.\nوروى الواقدي عن خالد بن عبادة أنه هو الذي نزل بالسهم:\n(٥٩) قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده عبيد٧ بن أبي عبيد قال: سمعت خالد٨ بن عبادة الغفاري يقول: أنا الذي\n_________\n١ مغازي الواقدي ٢/٥٨٧ - ٥٨٨.\n٢ عطاء بن أبي مروان الأسلمي، أبو مصعب المدني، نزيل الكوفة، واسم أبيه سعيد، وقيل عبد الرحمن، ثقة مات بعد الثلاثين ومائة: س. تقريب: ٢٣٩.\n٣ أبو مروان الأسلمي، اسمه مغيث - بمعجمة مثلثة وقيل بمهملة ومثناة مشددة ثم موحدة - وقيل: اسمه سعيد، وقيل عبد الرحمن، له صحبة؛ إلا أن الإسناد إليه بذلك واه، وهو والد عطاء بن أبي مروان المدني: س. تقريب: ٤٢٥.\nوسماه ابن حجر في الإصابة: معتب بن عمرو. الإصابة ١٢/١٦.\n٤ ناجية بن الأعجم الأسلمي ذكره ابن سعد في الصحابة، وقال: لا عقب له، وقال العطوي: عقد رسول الله ﷺ لأسلم لواءين يوم الفتح، أعطى أحدهما: ناجية بن الأعجم، والآخر بريدة بن الحصيب، وذكره ابن أبي حاتم وحكى عن أبيه أنه قال: لا أعرفه، وقال ابن شاهين في الصحابة، مات بالمدينة آخر خلافة معاوية. الإصابة ١٠/١٢٢.\n٥ مغازي الواقدي ٢/٥٨٨.\n٦ الإصابة ١٠/١٢٢.\n٧ عبيد بن أبي عبيد واسم أبي عبيد كثير مولى أبي رهم - بضم الراء وسكون الهاء - مقبول، من الثالثة: د، ق. تقريب: ٢٢٩.\n٨ خالد بن عبادة الفغاري قال ابن عبد البر: هو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية. الاستيعاب ٣/١٧٤ مع الإصابة.","vol":"1","page":103},{"text":"نزلت بالسهم يومئذ في البئر١.\nوهذا الحديث ضعيف أيضًا لمجيئه من طريق الواقدي.\nونقل البيهقي٢ عن موسى بن عقبة أن خالدًا هذا هو الذي نزل بالسهم.\nوقال ابن عبد البر في ترجمته: وهو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية فماح في البئر فكثر ماؤها حتى روى الناس٣ الخ.\nوقيل الذي نزل بالسهم البراء بن عازب:\n(٦٠) قال الواقدي: حدثني سفيان٤ بن سعيد عن أبي إسحاق٥ الهمداني قال: سمعت البراء٦ بن عازب يقول: أنا نزلت بالسهم٧.\nوهذا الحديث أيضًا ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.\nوقيل أن الذي نزل بالسهم يومئذ بريدة بن الحصيب، نقل ذلك ابن حجر٨ ولم يعزه لأحد.\nرأينا فيما مضى أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ﵃ يحكي أو يحكى عنه أنه قد نزل بالسهم يومئذ، لكن لم يرد عن واحد منهم خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه وترجيحه على ما عداه، ومن ثم لا يمكن الجزم بأن واحدًا منهم فعل ذلك دون الآخر، بل يحتمل أن الجميع قد اشتركوا في القضية.\nوإلى ذلك جنح ابن حجر حيث قال: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره٩ ا. هـ\n_________\n١ المغازي للواقدي ٢/٥٨٩.\n٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٠.\n٣ الاستيعاب ٣/١٧٤ مع الإصابة.\n٤ هو: سفيان بن سعيد بن مسورق الثوري.\n٥ هو: عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - مكثر ثقة عابد اختلظ بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٢٦٠.\n٦ البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة، مات سنة اثنتين وسبعين: ع. تقريب: ٤٢.\n٧ مغازي الواقدي ٢/٥٨٩.\n٨ الإصابة ٣/٦٢.\n٩ فتح الباري ٥/٣٣٧.","vol":"1","page":104},{"text":"ويؤيده ما ورد في مرسل عروة: \"فنزل فيها رجال يميحونها\" ١.\nثم وجدت رواية عن البراء تؤيد ما ذهب إليه ابن حجر أيضًا وهي:\n(٦١) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم٢ حدثنا سليمان٣ عن حميد٤ عن يونس٥ عن البراء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسيرة فأتينا على ركى ذمة - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيه ستة أنا سادسهم ماحة، فأدليت إلينا دلو رسول الله ﷺ على شفة الركى، فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ، قال البراء: فكدت٦ بإنائي هل أجد شيئًا أجعله في حلقي، فما وجت، فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها فقال: ما شاء الله أن يقول: فعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق، قال: ثم ساحت - يعني جرت نهرًا\"٧.\nوأخرجه٨ عن هدبة عن سليمان به نحوه.\nوأخرجه يحيى بن معين٩ عن هاشم عن سليمان به نحوه.\nوأخرجه الطبراني١٠ من طريق هدبة عن سليمان به نحوه.\n_________\n١ انظر حديث رقم (٥٥) .\n٢ هو: هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت، مات سنة سبع ومائتين، وله ثلاث وسبعون: ع. تقريب: ٣٦٢.\n٣ سليمان بن المغيرة القيسي مولاهم البصري، أبو سعيد، ثقة، قال يحيى بن معين أخرج له البحاري مقرونًا وتعليقًا، مات سنة خمس وستين ومائة: ع. تقريب: ١٣٦.\n٤ حميد بن هلال العدوني أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سرين لدخوله عمل السلطان، من الثالثة: ع. تقريب: ٨٥.\n٥ يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم الثقفي مقبول من الرابعة: د، ت، س. تقريب: ٢٩٠.\n٦ هكذا في المسند، ولم أقف له على معنى، وفي المعجم الكبير للطبراني «فكددت إنائي» وفي القاموس في مادة (ك د د) الكد الشدة والإلحاح والطلب، وكدّ نزع الشيء بيدة يكون في الجامد والسائل.\n٧ مسند أحمد ٤/٢٩٢.\n٨ مسند أحمد ٤/٢٩٢.\n٩ تاريخ يحيى بن معين ١/٣٢٠.\n١٠ المعجم الكبير ٢/١١.","vol":"1","page":105},{"text":"وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: هو في الصحيح باختصار كثير، رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح١.\nقلت: بل فيه يونس بن عبيد لم يوثقه سوى ابن حبان٢.\nولم يرد في الحديث تصريح بأن القصة كانت في الحديبية، لكن سياقها ظاهر في اتحادها مع قصة الحديبية، والله أعلم.\n_________\n١ مجمع الزوائد ٨/٣٠٠.\n٢ تهذيب التهذيب ١١/٤٤٥.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الباب الثاني: موقف قريش من الغزوة وما دار بينها وبين المسلمين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفصل الأول: موقف قريش من هذه الغزوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين</span>\n...\nالمبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين:\nعلمت قريش بخروج رسول الله ﷺ وأصحابه إلى مكة فأفزعها الخبر، وأقضى مضجعها، لكن كيف وصل الخبر إلى قريش؟\nلم أر أحدًا من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه النقطة، ولم أقف على رواية تشير إلى ذلك إلا ما ورد في حديث ابن عباس عند الخرائطي فقد جاء فيه ما نصه: \"لما توجه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي ردته قريش عن البيت وهو عام الحديبية، فلما سار رسول الله مرحلتين أو (ثلاث) قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه فقال له رسول الله ﷺ: \"يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟ \" فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا وسمى الليلة التي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسير فيها إلى مكة، وقريش في أنديتها حول البيت، إذ صرخ صارخ من أعلي أبي قيبس بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم ودانيهم وهو يقول:\nهبوا فأخبركم مَنّى صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشرًا كرما\nبعد الطواف وبعد السعي في مهل ... وأن يجوِّزهم من مكة الحَرَما\nشاهت وجوهكم من معشر نكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما\nفما هو إلى أن سمع القوم ذلك، حتى ارتجت مكة، وقال١ أبو سفيان في جماعة معه فاجتمعوا عند الكعبة وتعاقدوا ألا تدخل عليهم مكة في عامهم، فقال رسول\n_________\n١ قال: يعني: مال. انظر ترتيب القاموس ٣/٧١٨.","vol":"1","page":108},{"text":"الله ﷺ: أما الهاتف الذي سمعت سلفع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله\"١.\nفهذه الرواية أشارت إلى كيفية وصول خبر خروج النبي ﷺ وأصحابه إلى قريش لكن في سندها من هو متهم بالوضع، وقد تقدم الكلام عليها.\nوالحاصل أن خبر توجه المسلمين إلى مكة قد بلغ قريشًا فأخذت تعد العدة لصد رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت. فقد روى الواقدي أن كفار قريش قد توافدوا وجمعوا الأموال يطعمون بها من ضوى إليهم من الأحابيش، فكان يطعم في أربعة أمكنة في دار الندوة لجماعتهم، وكان صفوان بن أمية يطعم في داره، وكان سهيل بن عمرو يطعم في داره، وكان عكرمة بن أبي جهل يطعم في داره، وكان حويطب بن عبد العزى يطعم في داره٢ ا. هـ\nقلت: هذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ٣.\nوقد أشار إلى استعداد قريش وخروجها حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم فقد جاء فيه من طريق سفيان بن عيينة ما نصه: \"وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه قال: إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك\"٤.\nوجاء في حديثهما أيضًا من طريق ابن إسحاق ما نصه: \"وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم\"٥.\nوقد ذكر الواقدي٦ وابن سعد٧ أن خالد بن الوليد كان في مائتي فارس.\n_________\n١ انظر حديث رقم (٣٧) .\n٢ مغازي الواقدي ٢/٥٨٢.\n٣ سورة الأنفال الآية: ٣٦.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩، وتقدم سنده برقم (١٨) .\n٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٦ مغازي الواقدي ٢/٥٨٢.\n٧ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.","vol":"1","page":109},{"text":"وخرجت قريش بمجموعها في أشرها وبطرها حتى نزلت بلدح.\nففي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير: \"بعد أن ذكر خروج النبي ﷺ قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح وإلى الماء فنزلوا عليه\"١.\n_________\n١ دلائل النبوة للبيهقي ٢، لوحة ٢١٩، وتقدم الحديث برقم (٥٥) .","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثاني: تحرشات قريش بالمسلمين وموقف المسلمين حيالها:</span>\nنزلت قريش ببلدح وجعلت تترقب أخبار المسلمين - والحقد قد أخذ بمجامع قلوبها - إذ كيف يستقر لها قرار أو يهدأ بها بال وهي ترى المسلمين يداهمونها في عقر دارها - ولما علمت بنزول المسلمين في الحديبية أخذت ترسل مجموعات من فرسانها علهم يصادفون غرة من المسلمين يحققون فيها بعض مآربهم المشينة.\n(٦٢) قال مسلم: حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ فأخذهم سلمًا فاستحياهم١، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢.٣\nوأخرجه أبو داود٤ عن موسى بن إسماعيل عن حماد به نحوه، إلا عنده \"من جبال التنعيم٥ عند صلاة الفجر\".\nوأخرجه الترمذي٦ من طريق سليمان بن حرب عن حماد به نحوه، وزاد: \"عند صلاة الصبح\".\n_________\n١ ذكر ابن عبد البر: أن هؤلاء الذين أعتقهم الرسول ﷺ سموا العتقاء وإليهم ينسب العتقيون. الدرر: ٢٠٧. وكذلك قاله ابن خلدون في تاريخه ٢/٣٥.\n٢ سورة الفتح الآية: ٢٤.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ١٣٣.\n٤ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٦٨٨.\n٥ التنعيم: بالفتح ثم السكون وكسر العين المهملة وياء ساكنة وميم: موضع بمكة في الحل وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة، وقيل على أربعة، وسمي بذلك لأن جبلًا عن يمينه يقال له التنعيم، وآخر عن شماله يقال له الناعم، والوادي نعمان. معجم البلدان ٢/٤٩.\n٦ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٢٦٤.","vol":"1","page":110},{"text":"وأخرجه أحمد١ عن يزيد بن هارون عن حماد به نحوه.\nوأخرجه٢ عن عفان عن حماد به نحوه، وزاد: \"عند صلاة الفجر\".\nوقد ذكر بعض تحرشاتهم أيضًا حديث سلمة بن الأكوع ﵁ عند مسلم، فقد جاء فيه ما نصه: \"قال: لما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت٣ شوكها، فاضطجعت في أصلها فأتى أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم، قال: فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًاَ٤ في يدي قال: قلت: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا شربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات٥، يقال له: مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف٦ في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٧ الآية.\nوقد أشار إلى تحرشات قريش كذلك حديث عبد الله بن مغفل عند أحمد:\n(٦٣) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد٨ بن الحباب قال حدثني حسين٩ بن\n_________\n١ مسند أحمد ٣/١٢٢، ١٢٤.\n٢ مسند أحمد ٣/٢٩٠.\n٣ كسحت شوكها: أي كنس شوكها. ترتيب القاموس ٥/٤٧.\n٤ ضغثًا: أي حزمة. النهاية ٣/٩٠.\n٥ العبلات: بنو أمية الأصغر بن عبد الشمس. جمهرة أنساب العرب: ٧٥.\n٦ مجفف: أي عليه تجفاف، وهو شيء من سلاح يترك على الفرس يقيه الأذى، وقد يلبسه الإنسان أيضًا، وجمعه: تجافيف. النهاية ١/٢٧٩.\n٧ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ١٣٢، وقد تقدم طرف من أوله برقم (٥٤) وهناك تخريجه.\n٨ زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسن العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر منه وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ثلاث ومائتين: م، الأربعة. تقريب: ١١٢.\n٩ الحسين بن واقد المروزي أبو عبد الله القاضي، ثقة له أوهام، مات سنة تسع ويقال سبع وخمسين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٧٥، تهذيب التهذيب ٢/٣٧٣.","vol":"1","page":111},{"text":"واقد قال: حدثني ثابت١ البناني عن عبد الله٢ بن مغفل المزني قال: \"كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغضان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لعلي رضي الله تعالى عنه: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فأخذ سهيل بن عمرو بيده: فقال: ما نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف قال: اكتب باسمك اللهم\" فكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله\" فكتب فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله ﷿ بأبصارهم فقدمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ: هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟ فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٣.\nوقال أبو عبد الرحمن: قال حماد بن سلمة في هذا الحديث عن ثابت بن أنس، وقال حسين بن واقد عن عبد الله بن مغفل وهذا هو الصواب عندي إن شاء الله٤ ا. هـ\nوالحديث أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين بن واقد عن أبيه به، وذكره المزي في الأطراف وزاد: ورواه أبو بكر بن أبي داود عن محمد بن عقيل بهذا الإسناد٥.\n_________\n١ ثابت بن أسلم البناني - بضم الموحدة ونونين مخففتين - أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة بضع وعشرين وله ست وثمانون: ع. تقريب: ٥٠.\n٢ عبد الله بن مغفل - بمعجمة وفاء ثقيلة - ابن عبيد بن نهم - بفتح النون وسكون الهاء - أبو عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت الشجرة ونزل البصرة، ومات سنة سبع وخمسين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ١٩٠.\n٣ مسند أحمد ٤/٨٦.\n٤ مسند أحمد ٤/٨٧.\n٥ تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ٧/١٧٢.","vol":"1","page":112},{"text":"وأخرجه الحاكم١ من طريق الحسين بن واقد به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إذ لا يبعد سماع ثابت من عبد الله بن مغفل، وقد اتفقا على إخراج حديث معاوية بن قرة، وعلى حديث حميد بن هلال عنه وثابت أسن منهما.\nوساق الهيثمي٢ الحديث ثم قال: رجاله رجال الصحيحين.\nقلت: الحديث بهذا الإسناد صحيح، فرجاله رجال الصحيح كما قال الحاكم والهيثمي، وزيد بن الحباب قال عنه أحمد٣ كان صدوقًا لكن كان كثير الخطأ، وقال ابن معين٤: كان يقلب حديث الثوري، لكن وثقه ابن معين مرة، ووثقه الدارقطني وابن ماكولا٥.\nورجح الذهبي٦ توثيقه فقد رمز له بـ (صح) .\nوخطؤه محمول على بعض روايته عن الثوري، وهذا الحديث ليس منها.\nقال ابن عدي: \"له حديث كثير وهو من أثبت مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والذي قال ابن معين عن أحاديثه عن الثوري إنما له أحاديث عن الثوري يستغرب بذلك الإسناد وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها\"٧ ا. هـ\nوقد تابعه علي بن الحسين بن واقد عند النسائي، وهو صدوق يهم٨.\nوقد ذكر ابن إسحاق أيضًا بعض تلك التحرشات قال:\n_________\n١ المستدرك ٢/٤٦٠.\n٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٥.\n٣ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٣.\n٤ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٤.\n٥ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٤.\n٦ ميزان الاعتدال ٢/١٠٠.\n٧ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٤.\n٨ التقريب: ٢٤٥.","vol":"1","page":113},{"text":"(٦٤) حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة١ مولى ابن عباس عن ابن عباس: أن قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين رجلًا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدًا فأخذوا أخذًا فأتي بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل٢.\nهذا الحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لأن شيخ ابن إسحاق غير معروف.\n_________\n١ عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة سبع ومائة، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ٢٤٢.\n٢ سيرة ابن هشام ٣/٣١٤.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الثاني: في الحوار الذي دار بين الرسول ﷺ وقريش</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين</span>\n...\nالمبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين:\nعلم بديل بن ورقاء الخزاعي بنزول رسول الله ﷺ وأصحابه الحديبية، فقدم إليه في نفر من قومه وقص عليه ما رأى من حال قريش وما سمع من أخبارهم وأنهم عازمون على صده عن البيت، وبعد أن سمع رسول الله ﷺ حديث بديل أخبره بالهدف الذي خرجوا من أجله وأنهم لا يريدون حرب أحد، إنما جاءوا لزيارة البيت فحسب.\nولما وقف بديل على أخبار رسول الله ﷺ وأصحابه رجع إلى قريش يعلمهم بذلك، وكان بديل يهدف من وراء سعيه إلى الوفاق بين الطرفين وتحاشي الصدام، ولم يكن رسولًا لأحد من الفريقين كما زعم بعضهم١، وسياق قصته يأبى ذلك.\nوقد جاء خبر بديل في حديث المسور ومروان:\nففيه من طريق معمر بعد أن ذكر نزول المسلمين وقصة البئر قال: فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة٢ نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي٣ نزلوا\n_________\n١ ذكر صاحب القول المبين في سيرة سيد المرسلين: ٢٦٧ وغيره أن بديلًا أرسل من قبل قريش.\n٢ عيبة نصح: العيبة زنبيل من أدم أو موضع الثياب وكنى بها هنا عند الصدور التي هي موضع السر. ترتيب القاموس ٣/٣٥١، النهاية ٣/٣٢٧.\n٣ قال ابن حجر: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة ترجع أنسابهم إليهما. فتح الباري ٥/٣٣٨.","vol":"1","page":115},{"text":"أعداد١ مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم٢ الحرب، وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا٣، وإن هم أبوا والذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: أنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذووا الرأي فيهم هات ما سمعته، يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم٤.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر نزول المسلمين الحديبية، وقصة البئر قال: \"فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان\".\nوقوله لبشر بن سفيان تقدم في صدر الرواية ونصه: \"يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة ... \" قال: \"فرجعوا إلى قريش فقالوا: \"يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه فاتهموهم\"، قال محمد - يعني ابن إسحاق - قال الزهري: \"وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله ﷺ مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان بمكة، قالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب\"٥ الحديث.\n_________\n١ الأعداد: جمع عد الماء الدائم الذي له مادة لا انقطاع لها. لسان العرب ٤/٢٧٦.\n٢ نهكتهم: أضنتهم وبالغت في الإضرار بهم. ترتيب القاموس ٤/٤٥٢.\n٣ جموا: استراحوا وكثروا. النهاية ١/٣٠١.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) وهناك تخريجه.\n٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه، والكلام عليه.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثاني: رسل النبي ﷺ إلى قريش:</span>\nكانت قريش قد استثارت القبائل من حولها وألبتها على رسول الله ﷺ بدعوى: أنه اعتدى عليها في عقر دارها وفي الحرم، وكانت العرب تعظم البيت وتجل قريشًا لمكانتها من البيت.\nوأراد رسول الله ﷺ أن يبطل تلك الدعاوى التي وجهتها قريش ضده، ويكسب تلك القبائل أو على الأقل يخفف من حدتها وحماسها ضده، فأرسل من قبله رسلًا ليبلغوا قريشًا بمرأى ومسمع من الناس: أنه لم يأت لقتالهم، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته، ورسل النبي ﷺ هم:\nخراش بن أمية ﵁:\nجاء خبر إرساله إلى قريش في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق: فبعد أن ذكر قصة ابن مسعود قال: \"وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\nعثمان بن عفان ﵁:\nوفي حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق أيضًا بعد قصة خراش قال: \"فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان، قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان بن عفان ﵁ حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف٢ خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان ورؤساء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ قال فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل ... \".\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٣٢٤، تقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه.\n٢ الرديف: الراكب خلف الراكب. ترتيب القاموس ٢/٣٢٥.","vol":"1","page":117},{"text":"وفي حديث سلمة بن الأكوع من طريق موسى بن عبيدة الربذي قال: قال إياس عن أبيه: فاشتد البلاء على من كان في يد المشركين من المسلمين، قال: فدعا رسول الله ﷺ عمر فقال: يا عمر هل أنت مبلغ عني إخوانك من أسارى المسلمين؟ فقال: لا يا نبي الله، والله مالي بمكة من عشيرة١، غيري أكثر عشيرة مني فدعا عثمان فأرسل إليهم، فخرج حتى جاء عسكر المشركين فعيبوا به وساءوا إليه القول، ثم أجاره أبان بن سعيد بن العاص ابن عمه، وحمله على السرج٢، وردفه فلما قدم قال: يا ابن أمي مالي أراك متحسفًا؟ أسبل، قال: وكان إزاره إلى نصف ساقه، فقال له عثمان: هكذا إزرة صاحبنا فلم يدع أحدًا من أسارى المسلمين بمكة إلا أبلغهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\nهذا الحديث في سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، لكن هذا الجزء منه يتقوى بحديث المسور ومروان السابق، وهو حسن.\nوقد أخرجه البيهقي عن عروة مرسلًا.\n(٦٥) قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ﵀ قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثني أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود قال: عروة بن الزبير في نزول النبي ﷺ الحديبية قال: وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إليه، فقال: يا رسول الله: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل إلى عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وأنه مبلغ لك ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا عمارًا وأدعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله ﷿ وشيك أن يظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان تثبيتًا يثبتهم، فانطلق عثمان\n_________\n١ عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون أو قبيلته. ترتيب القاموس ٣/٢٣١.\n٢ السرج: رحل الدابة. لسان العرب ٣/١٢١.\n٣ تاريخ ابن أبي شيبة ١، لوحة: ٦٠، وسيأتي سنده مع طرف من أوله برقم (٦٦) .","vol":"1","page":118},{"text":"بن عفان ﵁ فمر على قريش ببلدح، فقالت قريش أين؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الله جل ثناؤه وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارًا، فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس فأجاره وردفه أبان حتى جاء مكة ... \" ثم ذكر رسل قريش وما دار بين سهيل وبين رسول الله ﷺ، وذكر البيعة ثم قال: \"وقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به، فقال رسول الله ﷺ: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص، قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا، فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت، فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيمًا سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله ﷺ ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، قال المسلمون: رسول الله كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنًا١.\nهذا الأثر مرسل، وفي سنده ابن لهيعة ضعيف، وأبو علاثة لم أجد ترجمته لكن أصله ثابت من حديث المسور ومروان السابق دون ما في آخره.\n_________\n١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٧ - ٢٢٨.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثالث: رسل إلى النبي ﷺ</span>\n...\nالمبحث الثالث: رسل قريش إلى النبي ﷺ:\nكان الحامل لأولئك الذين وقفوا إلى جانب قريش هو إشاعة قريش أن رسول الله ﷺ وأصحابه إنما جاءوا للاعتداء عليها في عقر دارها، وبالتالي الاعتداء على البيت الحرام، ولما بعث النبي ﷺ رسله إليهم وأوضحوا لهم هدف المسلمين، وأنه لا يعدوا زيارة البيت ونحر الهدي.\nعند ذلك تغير موقف حلفاء قريش منها، ورأوا أنه لا ينبغي صد الهدي عن محله ووجهوا اللوم إليها، فلما رأت قريش ذلك أحست أن الأمر لم يعد في صالحها، وأنه لا بد من عمل تستعيد به حماس حلفائها أو تسكتهم على الأقل فبدأت تبعث الرسل من قبلها إلى المسلمين لتظهر بمظهر الإنصاف، ولعلهم يرجعون إليها قولًا يقلب الموقف لصالحها","vol":"1","page":119},{"text":"لكن الأمور كانت تجري على خلاف ما تتوقع قريش، فكلما بعثت رسولًا رجع يعظم شأن المسلمون ويؤكد الهدف الذي جاءوا من أجله الأمر الذي أثار حفيظتها حتى وقفت ذلك الموقف من بعض رسلها.\nورسل قريش هم١:\nعروة بن مسعود الثقفي:\nجاء خبر إرساله في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ففيه من طريق معمر: بعد أن ذكر قصة بديل قال: \"فقام عروة بن مسعود فقال: \"أي قوم ألستم بالوالد٢؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أني استنفرت٣ أهل عكاظ فلما بلحوا٤ علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني قالوا: بلى؟ قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل٥، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابًا٦ من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر٧ اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد٨ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم بكلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم\n_________\n١ اتبعت في ترتيبهم ما في حديث المسور ومروان من طريق معمر؛ لأنه أصح شيء في الموضوع، وفي رواية ابن إسحاق جعل مكرز بن حفص أول رسل قريش، لكن الظاهر أنه لم يرد الترتيب؛ لأنه قال في جواب النبي ﷺ له: «فقال له: مثل ما قال لأصحابه» وهذا يفيد أن غيره قد سبقه. والله أعلم.\n٢ أي أنكم حي قد ولدوني بالجملة، لكون أمي منكم، فعند ابن إسحاق عن الزهري: أن أمه سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف. فتح الباري ٥/٣٣٩.\n٣ الاستنفار: الاستنجاد والاستنصار. النهاية ٥/١٩٢.\n٤ بلحوا: أي أبوا، يقال: بلح الرجل إذا انقطع من الأعياء فلم يقدر أن يتحرك، كأنهم قد أعيوا عن الخروج معه وإعانته. النهاية ١/١٥١.\n٥ انظر قوله لبديل ص: ١١٦.\n٦ أشوابًا: أخلاطًا لأن الشوب: الخلط. ترتيب القاموس ٢/٧٧٢.\n٧ البظر: - بفتح الباء -: الهنة التي تقطعها الخافظة من فرج المرأة عند الختان. النهاية ١/١٣٨.\n٨ جاء في رواية عبد العزيز الأمامي عن الزهري في هذا الحديث أن اليد المذكورة: أن عروة كان تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. فتح الباري ٥/٣٤٠.","vol":"1","page":120},{"text":"على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل١ السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر٢ ألست أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكًا قد يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها\"٣.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق:\n\"فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى أسيتكم بنفسي، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش٤ الناس ثم جئت بهم لبيضتك٥ لتفضها٦، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا غدًا. قال:\n_________\n١ نعل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل القراب. النهاية ٥/٨٢.\n٢ غدر: معدول عن غادر للمبالغة. النهاية ٣/٣٤٥.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم طرف من أوله برقم (٣٥) وهناك تخريجه.\n٤ أوباشً: جموعًا من قبائل شتى. النهاية ٥/١٤٦.\n٥ لبيضتك: أي أهلك وعشيرتك. النهاية ١/١٧٢.\n٦ لتفضها: لتكسرها، السابق ٣/٤٥٣.","vol":"1","page":121},{"text":"وأبو بكر ﵁ خلف رسول الله ﷺ قاعد فقال: امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها، ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد قال يقرع يده، ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله لا تصل إليك، قال: ويحك ما أفظك١ وأغلظك٢، قال فتبسم رسول الله ﷺ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أغدر هل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبسُق بساقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في مُلكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم\"٣.\nوجاء خبر إرساله أيضًا في مرسل عروة بن الزبير من طريق ابنه هشام:\nقال فيه: \"ثم قالوا لعروة بن مسعود: انطلق إلى محمد ﷺ ولا تونين٤ من ورائك، فخرج عروة حتى أتاه\" فذكر قوله لرسول الله ﷺ وجواب رسول الله ﷺ له بنحو ما في حديث المسور ومروان، ثم قال: \"فرجع عروة إلى قريش فقال: تعلمن والله ما على الأرض قوم أحب إلي منكم إنكم لإخواني وأحب الناس إلي، ولقد استنصرت لكم الناس في المجامع، فلما لم ينصروكم أتيتكم بأهلي حتى نزلت معكم إرادة أن أوسيكم والله ما أحب الحياة بعدكم تعلمن أن الرجل قد عرض نصفًا فاقبلوه، تعلمن إني قد قدمت على الملوك ورأيت العظماء فأقسم بالله أن رأيت ملكًا ولا عظيمًا أعظم في أصحابه منه أن يتكلم رجل منهم حتى يستأذنه، فإن هو أذن له تكلم وإن لم\n_________\n١ الفظ: الغليظ الجانب السيء الخلق القاسي الخشن الكلام. ترتيب القاموس ٣/٥٠٥.\n٢ الغليظ: من الغلظة وهي ضد الرقة. السابق ٣/٤١٠.\n٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه والكلام عليه.\n٤ لا تونين: أي لا تقصرن، ومن ونى تونيه: إذا لم يجد في العمل. ترتيب القاموس ٤/٦٦١.","vol":"1","page":122},{"text":"يأذن له سكت، ثم أنه ليتوضأ فيبتدرون يصبونه على رؤوسهم يتخذونه حنانًا١\"٢.\nوأشار إلى قصة عروة بن مسعود حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة:\n(٦٦) قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة قال: حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: بعثت قريش خارجة ابن كوز ... \" فذكر قصة، وقال: \"ثم أرسلوا عروة بن مسعود فجاءه فقال: يا محمد ما هذا الحديث تدعوا إلى ذات الله ثم جئت قومك بأوباش الناس من تعرف ومن لا تعرف، لتقطع أرحامهم وتستحل حرمتهم ودماءهم وأموالهم، فقال: إني لم آت قومي إلا لأصل أرحامهم ليبدلهم الله بدين خير من دينهم ومعايش خير من معايشهم فرجع حامدًا يحسن الثناء\"٣.\nسند هذا الحديث ضعيف، لضعف موسى بن عبيدة.\nووردت قصته مع المغيرة بن شعبة في حديث المغيرة عند ابن أبي شيبة:\n(٦٧) قال: ثنا وكيع٤ عن إسماعيل٥ عن قيس٦ عن المغيرة٧ بن شعبة أنه كان قائمًا على رأس رسول الله ﷺ بالسيف، وهو ملتثم، فجعل عروة - يعني ابن مسعود الثقفي - يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه فقال له المغيرة: لتكفن يدك أو لا ترجع إليك يدك، والمغيرة متقلدًا سيفًا فقال عروة لرسول الله ﷺ: من هذا؟ قال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: \"أجل يا غدر ما غسلت رأسي من غدرتك\"٨.\n_________\n١ حنانًا: أي بركة، الحنان: الرزق والبركة. النهاية ١/٤٥٢.\n٢ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦، وتقدم الكلام على سنده رقم (١١) .\n٣ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة ٦٠.\n٤ وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، بضم الراء وهمزة ثم مهملة - أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ، عابد مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنة: ع. تقريب: ٣٦٩.\n٥ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت، مات سنة ست وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٣٣.\n٦ قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم، ويقال له رواية وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروى عن العشرة، مات بعد التسعين أو قبلها، وقد جاوز المائة وتغير: ع. تقريب: ٢٨٣.\n٧ المغيرة بن شعبة بن مسعود بن معتب الثقفي، صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية، وولى أمر البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح: ع. تقريب: ٣٤٥.\n٨ المطالب العالية، لوحة: ٣٠٤.","vol":"1","page":123},{"text":"وأخرجه ابن حبان١ من طريق وكيع به فذكره بمثله، إلا عنده \"يتناول لحية النبي ﷺ ويجذبه ... \".\nوقد أورد ابن حجر هذا الحديث في المطالب العالية من طريق ابن أبي شيبة ثم قال: هذا الإسناد في غاية الصحة، وهو في صحيح البخاري من طريق الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة في الحديث الطويل في قصة الحديبية، وفيه إرسال وهذا أحسن اتصالًا ولهذا استدركته٢.\nوقد أشار إلى قصة عروة أيضًا مرسل علي بن زيد بن جدعان عند أبي يعلى:\n(٦٨) قال: حدثنا حوثرة٣ بن أشرس ثنا حماد٤ بن سلمة عن علي٥ بن زيد بن جدعان: أن عروة بن مسعود الثقفي قال لقومه زمن الحديبية: أي قوم أني قد رأيت الملوك وكلمتهم، فابعثوني إلى محمد ﷺ فأكلمه، فأتاه بالحديبية فجعل يكلم النبي ﷺ ويتناول لحية النبي ﷺ والمغيرة بن شعبة شاك٦ في السلاح على رأس رسول الله ﷺ فقال له المغيرة: كف يدك من قبل ألا تصل إليك، فرفع عروة رأسه فقال: أأنت هو؟ والله إني لفي غدرتك ما خرجت منها بعد، فرجع عروة إلى قومه فقال: أي قوم إني قد رأيت الملوك وكلمتهم ما رأيت مثل محمد ﷺ قط، ما هو بملك ولكن رأيت الهدى معكوفًا وما أراكم مصيبكم إلا قارعة٧، فانصرف ومن تبعه من قومه فصعد سور الطائف فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فرماه رجل بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ: \"الحمد الله الذي جعل فينا مثل صاحب ياسين \"٨.\n_________\n١ موارد الظمآن: ٤١١.\n٢ المطالب العالية ٤/٢٣٥.\n٣ حوثرة بن أشرس بن عون بن المجشر بن حريث بن الربيع العدوي، أبو عامر روى عن عقبة بن أبي الصهباء، وعامر بن يساف، وسويد بن أبي حاتم، وأبي الأشهب وأبي عوانة وحماد بن سلمة، والبراء بن يزيد الغنوي، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة. الجرح والتعديل ١/٢/٢٨٣.\n٤ حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة سبع وستين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٨٢.\n٥ علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جده، ضعيف مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل قبلها: بخ، م، الأربعة. تقريب: ٢٤٦.\n٦ شاك السلاح: أي حديده. ترتيب القاموس ٢/٧٧٨.\n٧ قارعة: داهية تفجعكم. ترتيب القاموس ٣/٥٩٨.\n٨ إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث، من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥.","vol":"1","page":124},{"text":"وأورد ابن حجر هذا الأثر في المطالب العالية وعزاه لأبي يعلى ثم قال: هذا مرسل أو معضل وأصله في البخاري أيضًا من حديث المسور ومروان دون ما في آخره والذي في آخر خطأ، فإن عروة إنما رمي بالسهم عقب غزوة الطائف بعد أن رحل النبي ﷺ فجاء إليه عروة فأسلم، ورجع إليه فقتلوه ثم أسلموا بعد١ ا. هـ\nقلت: وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\nويؤيد كلام ابن حجر بأن إسلام عروة كان متأخرًا عن الحديبية ما أخرجه الطبراني في مرسل عروة بن الزبير.\n(٦٩) قال حدثنا محمد٢ بن عمرو بن خالد الحراني ثنا أبي ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: لما أنشأ الناس الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على رسول الله ﷺ مسلمًا فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ: \" إني أخاف أن يقتلوك \" فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه عشاء فجاءته ثقيف يحيونه فدعاهم إلى الإسلام، فاتهمومه وأغضبوه وأسمعوه ما لم يكن يحتسب، ثم خرجوا من عنده حتى إذا أسحروا وطلع الفجر، قام على غرفة في داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقال رسول الله ﷺ: \"مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه\"٣.\nوأخرجه عمر بن شبة قال: حدثنا الحزامي٤ قال حدثنا ابن وهب٥ قال: أخربنا ابن لهيعة به فذكره مختصرًا٦.\nوأخرجه ابن شبة عن الزهري مرسلًا.\n(٧٠) قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد٧ بن فليح عن\n_________\n١ المطالب العالية ٤/٢٣٦.\n٢ هو: أبو علاثة، وصرح الطبراني هنا بالسماع منه ورأيت بينهما في موضع آخر واسطتان فلا أدري لعله وقع سقط في السند. انظر الحديث (٥٥) .\n٣ المعجم الكبير ١١/١٤٧ - ١٤٨.\n٤ هو: إبراهيم بن المنذر.\n٥ هو: عبد الله بن وهب.\n٦ تاريخ المدينة ٢/٤٧١.\n٧ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي المدني، صدوق يهم، مات سنة سبع وتسعين ومائة: خ، س، ق. تقريب: ٣١٥، تهذيب التهذيب ٩/٤٠٦.","vol":"1","page":125},{"text":"موسى١ بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما صدر أبو بكر ﵁ وقد أقام الناس حجهم، فقدم عروة بن مسعود على النبي ﷺ فأسلم ثم استأذن رسول الله أن يرجع إلى قومه فقال: \"إني أخاف أن يقتلوك\" فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ، فرجع إلى الطائف فقدم عشاء فجاءته ثقيف فحيوه فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصوه واتهموه وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاهم عليه، وخرجوا من عنده حتى إذا أسحر الفجر قام على غرفة له في داره فأذن بالصلاة وتشهد فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: حين بلغه قتله: \"مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه\"٢.\nوأخرجه أبو نعيم٣ من طريق إبراهيم بن المنذر به نحوه.\nوأخرجه الطبراني: قال: حدثنا الحسن٤ بن هارون بن سليمان الأصبهاني ثنا محمد بن إسحاق المسيبي٥، ثنا محمد٦ بن فليح به فذكر نحوه٧.\nوأخرجه عمر بن شبة عن الليث بن سعد مرسلًا:\n(٧١) قال: حدثنا الحزامي حدثنا ابن وهب قال: حدثني الليث بن سعد أن عروة بن مسعود استأذن رسول الله ﷺ أن يأتي قومه\"٨ الحديث.\nذكر الهيثمي حديث عروة ثم قال: وروى عن الزهري نحوه، وكلاهما مرسل، وإسنادهما حسن٩ ا. هـ\n_________\n١ موسى بن عقبة أبي عياش - بتحتانية ومعجمة - الأسدي مولى آل الزبير ثقة فقيه إمام في المغازي لم يصح أن ابن معين لينه، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ٣٥٢.\n٢ التاريخ المدينة ٢/١٧٠.\n٣ معرفة الصحابة: ع، لوحة: ١٢٦.\n٤ الحسن بن هارون بن سليمان بن داود بن بهرام السلمي الخزاز، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وقد كف بصره يكنى أبا علي، حدث عن أبي بكر بن أبي شيبة وعثمان بن أبي شيبة والمسيبي وداود بن رشيد وعبيد الله ابن عمر القوارايري. ذكر أخبار أصبهان ١/٢٦٢.\n٥ محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيبي، من ولد المسيب بن عابد المخزومي المدني، صدوق، مات سنة ست وثلاثين ومائتين: م، د. تقريب: ٢٨٩.\n٦ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي المدني، صدوق يهم، مات سنة سبع وتسعين ومائة: خ، س، ق. تقريب: ٣١٥، تهذيب التهذيب ٩/٤٠٦.\n٧ المعجم الكبير ١٧/١٤٨.\n٨ تاريخ المدينة ٢/١٧١.\n٩ مجمع الزوائد ٩/٣٨٦.","vol":"1","page":126},{"text":"قلت: هذا الحديث وإن كان مرسلًا إلا أنه قد ارتفع إلى درجة الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه.\nقال ابن الصلاح ثم إعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن كان يصح مخرجه من وجه آخر١ ا. هـ\nوهذا الحديث قد صح مخرجه من غير وجه، سيما وأنه من مراسيل عروة بن الزبير وقد كان متحريًا في روايته فلا يحدث الناس إلا بما وثق من رواته كما صرح بذلك: قال ابن عدي: حدثنا عبد الملك٢ بن محمد سنة اثنتين وتسعين ومائتين نا الربيع٣ بن سليمان أنا الشافعي٤ أخبرني عمي محمد٥ بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمع سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به قد حدث عمن لا أثق به٦.\nوأخرجه ابن عبد البر قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم٧ بن شاكر قال حدثنا\n_________\n١ علوم الحديث لابن الصلاح: ٤٩.\n٢ عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الجرجاني، المعروف بالاسترباذي، كان مقدمًا في الفقه والحديث، وكانت الرحلة إليه في أيامه، وكان أحد أئمة المسلمين من الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتورع وضبط وتيقظ، قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: كان أبو نعيم أحد الأئمة وما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة مثله، كان يحفظ الموقوفات والمراسيل، كما نحفظ نحن المسانيد، مات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.\nتاريخ جرجان: ٢٩٩، تاريخ بغداد ١٠/٤٢٨، تذكرة الحفاظ ٣/٨١٦.\n٣ الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي، ثقة، مات سنة سبعين ومائتين وله ست وتسعون سنة: الأربعة. تقريب ١٠١، تذكرة الحفاظ ٢/٥٨٦.\n٤ محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن عبد المطلب المطلبي أبو عبد الله الشافعي، المكي نزيل مصر، مات سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة: خت، الأربعة. تقريب: ٢٨٩.\n٥ محمد بن علي بن شافع المطلبي المكي، وثقه الشافعي، من السابعة: د، س. تقريب: ٣١٢.\n٦ مقدمة الكامل لابن عدي: ٩٢ - ٩٣.\n٧ إبراهيم بن شاكر بن الخطاب بن شاكر بن الخطاب اللحائي اللجام، من أهل قرطبة يكنى أبا إسحاق، كان رجلًا صالحًا ورعًا حافظًا للحديث، وأسماء الرجال عارفًا بهم، وقد روى عنه ابن عبد البر وأثنى عليه. الصلة لابن بشكوال ١/٨٩.","vol":"1","page":127},{"text":"محمد١ بن يحيى بن عبد العزيز قال: حدثنا أسلم٢ بن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سليمان فذكره بمثله وزاد في آخره: \"فلا أحدث به\"٣.\nوهذا القول صحيح الإسناد إلى عروة.\nوقال ابن عبد البر تعليقًا على هذا الخبر: هذا فعل أهل الورع والدين، كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ ولو كان الناس على هذا المذهب كلهم لم يحتج إلى شيء مما نحن فيه٤.\nالحليس بن علقمة الكناني:\nأشار إلى قصة إرسال قريش للحليس المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر: فبعد أن ذكر قصة عروة بن مسعود قال: \"فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: \"هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له\"، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت\"٥.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق أشار إلى القصة، وصرح باسمه قال: \"فبعثوا الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوا الهدي\"، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لما رأى فقال: يا معشر قريش قد رأيت مالا يحل صده،\n_________\n١ محمد بن يحيى بن عبد العزيز يعرف بابن الخراز روى عن أسلم بن عبد العزيز القاضي، وغيره، وروى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن شاكر، وأبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي. جذوة المقتبس: ٩٩، بغية الملتمس: ١٤٥.\n٢ أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله بن خالد بن حسن بن الجعد بن أسلم بن أبان بن عمرو مولى عثمان بن عفان، يكنى أبا الجعد، ولي قضاء الجماعة بالأندلس لعبد الرحمن الناصر، قال الحميدي: له رحلة وكان جليلًا من القضاة، ثقة من الرواة، مات سنة عشر وثلاثمائة.\nانظر قضاة قرطبة ص ١٠٦، وجذوة المقتبس: ١٧٢، وترتيب المدارك: ٥/١٩٤.\n٣ التمهيد ١/٣٨.\n٤ التمهيد ١/٣٩.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم طرف من أوله مع تخريجه برقم (٣٥) .","vol":"1","page":128},{"text":"الهدي في قلائده١ قد أكل أوتاره٢ من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك ... \"٣.\nووردت قصته أيضًا في مرسل عروة بن الزبير من طريق الزهري: فبعد أن ذكر قصة عروة بن مسعود قال: \"ودعوا رجلًا من بني الحارث بن عبد مناة٤ يقال له: الحليس فقالوا: انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به؟ فخرج الحليس وهو من قوم يعظمون الهدي، فبعثوا الهدي في وجهه.\nقال ابن شهاب: \"فاختلف الحديث في الحليس: فمنهم من يقول: جاء فقال له مثل ما قال لبديل وعروة ومنهم من قال: لما رأى الهدي رجع إلى قريش فقال: لقد رأيت أمر لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت٥ فابصروا بصركم، فقالوا: اجلس\"٦.\nوجاء في حديث عروة أيضاَ من طريق ابن هشام ما نصه: بعد أن ذكر نزول الرسول ﷺ الحديبية قال: \"فلما سمعت به قريش أرسلوا إليه أخا بني حليس وهو من قوم يعظمون الهدي فقال: ابعثوا الهدي فلم يكلمهم كلمة، وانصرف من مكانه إلى قريش فقال: يا قوم القلائد والهدي والبدن فحذرهم وعظم عليهم فسبوه وتجهموه٧، وقالوا: إنما أنت أعرابي جلف٨، لا نعجب منك، ولكن نعجب من أنفسنا إذ أرسلناك\"٩.\nوقد روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن الحليس قد غضب من فعل قريش وهددهم:\n_________\n١ القلائج: جمع قلادة، وهي ما وضع في العنق، ترتيب القاموس ٣/٦٧٤.\n٢ أوتاره: جمع وتر - محركة - وهو: شرعة القوس ومعلقها. ترتيب القاموس ٤/٥٧٠.\n٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه والكلام عليه.\n٤ الحارث بن عبد مناة هو: ابن كنانة، انظر جمهرة أنساب العرب: ١٨٨، وإذن فلا تنافي بين هذه الرواية والتي قبلها.\n٥ عنت: أي مشقة وهلاك. النهاية ٣/٣٠٦.\n٦ تقدم سنده برقم (٣٣) .\n٧ تجهموه: استقبلوه بوجوه كريهة. ترتيب القاموس ١/٥٤٩.\n٨ الجلف بالكسر، الرجل الجافي. ترتيب القاموس ١/٥١٧.\n٩ انظر سنده برقم (١١) ص:","vol":"1","page":129},{"text":"(٧٢) قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا: مه، كف عنا يا حليس، حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به\"١.\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأنه مرسل.\nمكرز بن حفص بن الأخيف:\nورد خبر إرسال قريش له في حديث المسور ومروان.\nففيه من طريق معمر بعد أن ذكر قصة عروة والحليس قال: \"فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: \"هذا مكرز وهو رجل فاجر\" فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو\"٢.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: \"ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أحد بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"هذا رجل غادر\"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ \"٣.\nسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحفص:\nورد خبر إرسال قريش لسهيل بن عمرو إلى النبي ﷺ في حديث المسور ومروان، لكن جاء ذكره بمفرده وورد في بعض الأحاديث أن قريشًا أرسلت معه حويطب بن عبد العزى وحفصًا هذا:\nففي حديث المسور ومروان من طريق معمر بعد أن ذكر قصة مكرز بن حفص\n_________\n١ سيرة ابن هشام ٣/٣١٢.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم طرف من أوله مع تخريجه برقم (٣٥) .\n٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .","vol":"1","page":130},{"text":"قال: \"فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو وقال معمر١: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: \"لقد سهل لكم من أمركم\"، قال الزهري٢ في حديثه، فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب\"٣ الحديث.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني الزهري أن قريشًا أرسلت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحة إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي ﷺ قال: \"لقد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل\"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ تكلما وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح\"٤ الحديث.\nوفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام أن قريشًا بعثت مكرز بن حفص مع سهيل: فبعد أن ذكر قصة عروة بن مسعود قال: \"فلما سمعوا مقالته أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ومكرز بن حفص فقالوا: انطلقوا إلى محمد فقاضياه\"٥.\nوقد تقدم في حديث المسور ومروان من طريق معمر٦ أن مكرزًا ذهب قبل سهيل وفي أثناء حديثه مع النبي ﷺ قدم سهيل بن عمرو، وهذا في البخاري فالأخذ به أولى.\nوجاء في حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة وغيره أن قريشًاَ بعثت مع سهيل بن عمرو حويطب بن العزى وحفصًا:\n_________\n١ قال ابن حجر: هذا موصول إلى معمر بالإسناد المذكور أولًا، وهو مرسل، ولم أقف على من وصله لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع قال: \"بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ...» وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب. فتح الباري ٥/٣٤٢.\nقلت: حديث سلمة عند ابن أبي شيبة ضعيف، انظر: حديث رقم (٧٣)، وأما حديث عبد الله بن السائب عند الطبراني فلم أقف عليه لعدم وجود القسم الذي هو فيه من المعجم الكبير.\n٢ هو موصول بالإسناد المذكور أول الحديث، وإنما اعترض حديث عكرمة في أثنائه. فتح الباري ٥/٣٤٢.\n٣ تقدمت الإشارة إليه ص:\n٤ تقدمت الإشارة إليه ص:\n٥ تقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) وهناك الكلام عليه.\n٦ انظر ص:","vol":"1","page":131},{"text":"(٧٣) قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحفصًا إلى النبي ﷺ ليصالحوه فلما رآهم النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو قال: قد سهل لكم من أمركم القوم ماتون١ إليكم بأرحامهم وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية، لعل الله يلين قلوبهم فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية قال: فجاءوا فسألوا الصلح\"٢.\nوأخرجه ابن جرير٣ عن محمد بن عمارة، ومحمد٤ بن منصور، كلاهما عن عبيد الله بن موسى به مثله وقال فيه: \"حفص بن فلان ... \".\nسند هذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن عبيدة.\nووقع عند البيهقي في مرسل عروة: \"بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص\"٥.\nوهذا الأثر ضعيف لأنه مرسل، وفي سنده إلى عروة ضعف، ومكرز بن حفص لم يذهب مع سهيل بن عمرو كما سبق بيانه.\n_________\n١ ماتون: أي متوسلون إليكم بقرابة. ترتيب القاموس ٤/١٩٨.\n٢ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦٠.\n٣ تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٧٧.\n٤ محمد بن منصور بن داود الطوسي، نزيل بغداد أبو جعفر العابد، ثقة، مات سنة أربع أو ست وخمسين ومائتين، وله ثمان وثمانون سنة: د، س. تقريب: ٣٢٠.\n٥ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٧.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفصل الثالث: بيعة الرضوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الأول: سبب هذه البيعة</span>\n...\nالمبحث الأول: سبب هذه البيعة:\nاشتهرت هذه البيعة بيعة الرضوان لأن الله ﷾ أخبر أنه قد رضي عن أصحابها.\n(٧٤) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة قال: قال سلمة: بينما نحن قائلون زمن الحديبية نادى منادي رسول الله ﷺ، يا أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس صلوات الله عليه قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة سمرة، قال: فبايعناه، وذلك قوله الله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ \"١.\nوأخرجه ابن أبي حاتم٢ عن أحمد٣ بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن موسى به نحوه.\nسند هذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، لكن يشهد له حديث جابر الآتي٤.\n_________\n١ تفسير ابن جرير ٢٦/٨٦.\n٢ تفسيير ابن كثير ٤/١٩١.\n٣ أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد البصري، صدوق، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين: ق. تقريب: ١٦.\n٤ انظر حديث رقم (٨٤) .","vol":"1","page":133},{"text":"(٧٥) أما سبب هذه البيعة فما رواه ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله١ بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: \"لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة\"٢.\nوأخرجه ابن جرير والبيهقي كلاهما من طريق ابن إسحاق: قال ابن جرير٣: حدثنا ابن حميد٤ قال: حدثنا سلمة٥ عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر فذكره.\nوقال البيهقي٦: أخبرنا أبو عبد الله٧ الحافظ حدثنا أبو العباس٨ محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد٩ بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس١٠ عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكر نحوه.\nهذا الأثر مرسل وسنده إلى عبد الله بن أبي بكر حسن.\nوأخرج البيهقي بسنده إلى عروة بن الزبير أثرًا ذكر فيه سبب احتباس قريش لعثمان بن عفان:\nفبعد أن ذكر قدوم وفد قريش على رسول الله ﷺ للمفاوضة قال: \"فكلموا رسول الله ﷺ ودعوا إلى الصلح والموادعة، فلما لان بعضهم لبعض وهم على ذلك لم\n_________\n١ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة: ع. تقريب: ١٦٩.\n٢ سيرة ابن هشام ٣/٣١٥.\n٣ تفسير ابن جرير ٢٦/٨٦.\n٤ هو: محمد بن حميد الرازي.\n٥ هو: سلمة بن الفضل الأبرشي.\n٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٨.\n٧ هو محمد بن عبد الله الحاكم.\n٨ أبو العباس محمد بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، قال عنه الذهبي: \"الإمام المفيد الثقة محدث المشرق\"، نقل عن الحاكم أنه قال: \"حدث في الإسلام ستًا وسبعين سنة، ولم يختلف في صدقه وصحة سماعة\"، ونقل عنه أيضًا أنه قال: سمعت محمد بن الفضل بن خزيمة قال: \"سمعت جدي إمام الأئمة\"، وسئل عن كتاب المبسوط للشافعي فقال: \"اسمعوه من أبي العباس الأصم، فإنه ثقة\"، مات سنة ست وأربعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠.\n٩ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي أبو عمر الكوفي، ضعيف وسماعه للسيرة صحيح، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين وله خمس وتسعون سنة. تقريب: ١٤.\n١٠ يونس بن بكير الشيباني.","vol":"1","page":134},{"text":"يستقم لهم ما يدعون إليه من الصلح وقد أمن بعضهم بعضًا وتزاوروا فبينما هم كذلك وطوائف من المسلمين في المشركين لا يخاف بعضهم بعضًا ينتظرون الصلح والهدنة إذ رمى رجل من الفريقين رجلًا من الفريق الآخر، فكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان أتاهم من أصحاب رسول الله ﷺ ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا\"١ الحديث.\n_________\n١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٨، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٦٥) وهناك الكلام عليه.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الثاني: مكان البيعة:</span>\nأخبر الله ﷾ أن تلك البيعة وقعت تحت الشجرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ١.\nوقد أشار إليه حديث نافع عند البخاري:\n(٧٦) قال: حدثنا شجاع بن الوليد سمع النضر بن محمد حدثنا صخر عن نافع قال: \"إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم٢ للقتال فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر\"٣.\nوأخرجه البخاري تعليقًا من حديث ابن عمر ولم يذكر الشجرة.\n_________\n١ سورة الفتح الآية: ١٨.\n٢ يستلئم: يلبس لأمة الحرب، وهي أداته. النهاية ٤/٢٢١.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٨٦.","vol":"1","page":135},{"text":"(٧٧) قال: قال١ هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمري أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال٢: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ، قال: فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع٣.\nوالشجرة المشار إليها هي سمرة، كما صرح بذلك حديث جابر٤ وغيره.\nوقد ورد ذكر الشجرة في حديث سعيد بن المسيب عن أبيه، وبين فيه أنهم قد نسوا مكانها من السنة التي تلي عام الحديبية:\n(٧٨) قال البخاري: حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون قلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل، نسيناها فلم نقدر عليها.\nفقال سعيد: \"إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم! \"٥.\nوأخرجه من طريق أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب عن أبيه: \"أنه كان ممن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها من العام المقبل فعميت علينا\"٦.\nوأخرجه مسلم من طريق أبي عوانة عن طارق بن سعيد بن المسيب قال: \"كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين\n_________\n١ هكذا أخرجه البخاري معلقًا، وذكر ابن حجر أن الإسماعيلي قد وصله، انظر فتح الباري ٧/٤٥٦.\n٢ يظهر أن سبب إرسال عمر لابنه في هذا الحديث غير السبب المذكور في حديث نافع السابق، وقد جمع بينهما ابن حجر فقال: ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنهم فبدأ بكشف حالهم فوجدهم يببايعون فبايع وتوجه إلى الفرس فأحضرها وأعاد حينئذ الجواب لأبيه. فتح الباري ٧/٤٥٦.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٨٧.\n٤ انظر الحديث رقم (٢٣ - ٢٤) .\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٣.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي ٤١٦٤.","vol":"1","page":136},{"text":"فخفي علينا مكانها، فإن كان تبين لكم فأنتم أعلم\"١.\nوأخرجه البخاري من طريق٢ سفيان عن طارق به مختصرًا.\nوأخرجه مسلم من طريق٣ سفيان به مختصرًا أيضًا.\nوقد ورد في حديث سعيد بن المسيب هذا عن أبيه أن الصحابة رضوان الله عليهم قد خفي عليهم مكان الشجرة من العام التالي لعام الحديبية، لكن يرد عليه ما في حديث جابر ﵁: \"ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة\" ٤.\nوالظاهر أن عدم معرفة والد سعيد بن المسيب ومن كان معه لمكان الشجرة لا ينافي معرفة غيرهم من الصحابة لمكانها، مثل جابر بن عبد الله ﵄ وغيره٥، وأيضًا يشهد لذلك ما في أثر نافع:\n(٧٩) قال ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب٦ بن عطاء أخبرنا عبد الله٧ بن عون عن نافع٨ قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت٩.\nوسند هذا الأثر صحيح كما ذكر ابن حجر١٠.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٧.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٥.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٨.\n٤ انظر الحديث رقم (٢٠) .\n٥ قد أشار إلى هذا الجمع ابن حجر، انظر: فتح الباري ٧/٤٤٨.\n٦ عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبو نصر العجلي مولاهم البصري، نزيل بغداد، صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العباس يقال: دلسه عن ثور، مات سنة أربع، ويقال: سنة ست ومائتين: عخ، م، والأربعة. تقريب: ٢٢٢.\n٧ عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري، ثقة، ثبت، فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، مات سنة خمسين ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ١٨٤.\n٨ نافع بن عبد الله مولى ابن عمر.\n٩ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠.\n١٠ فتح الباري ٧/٤٤٨.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الثالث: على أي شيء كانت البيعة:</span>\nلما أشيع مقتل عثمان ﵁ دعا رسول الله ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم للبيعة فهبوا إليه جميعًا ليبايعوه، لم يتخلف منهم سوى رجل واحد - يقال كان منافقًا - وهو الجد بن قيس كما في حديث جابر: \"فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره١.\nنعم تسابق الصحابة رضوان الله عليهم لمبايعة رسول الله ﷺ، فعلى أي شيء كانت تلك البيعة يا ترى؟ حتى استحقت تلك المبادرة؟\nسئل الصحابة رضوان الله عليهم هذا السؤال فأجابوا عنه بما يلي:\n(أ) أجاب سلمة بن الأكوع ﵁ بأنهم بايعوا على الموت:\n(٨٠) قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن يزيد ين أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت\"٢.\nوأخرجه محمد بن مسلمة٣ القعنبي عن حاتم به مثله.\nوأخرجه المكي٤ بن إبراهيم بن أبي عبيد عن سلمة من حديث ذكر فيه عدد المرات التي بايعها.\nوأخرجه مسلم٥ عن قتيبة بن سعيد عن حاتم وعن إسحاق بن إبراهيم عن حماد بن مسعدة كلاهما عن يزيد عن سلمة مثله.\nوأخرجه الترمذي٦ والنسائي٧ كلاهما عن قتيبة عن حاتم به مثله.\nوأخرجه أحمد٨ عن صفوان عن يزيد عن سلمة فذكر مثله.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٩، ومسند الحميدي ٢/٥٣٧، وتقدم الحديث برقم (٢٤) .\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٩.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأحكام: ٧٢٠٦.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩٦٠.\n٥ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٨٠.\n٦ سنن الترمذي، كتاب السير: ١٥٩٢.\n٧ سنن النسائي ٧/١٤١.\n٨ مسند أحمد ٤/٥١.","vol":"1","page":138},{"text":"وأخرجه١ عن المكي بن إبراهيم بسنده عند البخاري ولفظه.\nوأخرجه٢ عن حماد بن مسعده عن يزيد عنه بنحو لفظ المكي بن إبراهيم.\nوجاء عن عبد الله بن زيد ﵁ ما يؤيد جواب سلمة ﵁:\n(٨١) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن الحنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ\"٣.\nوأخرجه٤ من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن يحيى به، ذكر نحوه وزاد \"وكان شهد معه الحديبية\".\nوأخرجه مسلم٥ من طريق وهيب به مثله.\n(ب) وأجاب معقل بن يسار وجابر بن عبد الله ﵃ بأنهم بايعوا على عدم الفرار:\n(٨٢) قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتم يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: \"لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر\"٦.\nوقال مسلم أيضًا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت\"٧.\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٥٤.\n٢ مسند أحمد ٤/٤٧.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩٥٩.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٧.\n٥ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٨١.\n٦ صحيح مسلم كتاب الإمارة: ٧٦، وتقدم تخريجه برقم (٢٥) .\n٧ صحيح مسلم كتاب الإمارة: ٦٧، وتقدم تخريجه برقم (٢٣) .","vol":"1","page":139},{"text":"وأخرجه من طريق سفيان عن أبي الزبير:\n(٨٣) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن عيينة ح.\nوحدثنا ابن نمير حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: لم نبايع رسول الله ﷺ على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر\"١.\nأخرجه الترمذي٢ عن أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة به مثله.\nوأخرجه النسائي٣ عن قتيبة عن سفيان به مثله.\nوأخرجه أحمد٤ والحميدي٥ كلاهما عن سفيان به مثله، وصرح أبو الزبير بالسماع من جابر عندهما وعند النسائي.\nوأخرج الترمذي الحديث عن جابر من طريق آخر بسياق آخر:\n(٨٤) قال: حدثنا سعيد٦ بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا عيسى٧ بن يونس عن الأوزاعي٨ عن يحيى٩ بن أبي كثير عن أبي سلمة١٠ عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، قال جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نفر ولم نبايعه على الموت١١.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٨.\n٢ سنن الترمذي، كتاب السير: ١٥٩٤.\n٣ سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي ٧/١٤٠.\n٤ مسند أحمد ٣/٣٨١.\n٥ مسند الحميدي ٢/٥٣٦.\n٦ سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة، ربما أخطأ مات سنة تسع وأربعين ومائتين: خ، م، د، ت، س. تقريب: ١٢٧.\n٧ عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي - بفتح السين وكسر الموحدة - أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل إحدى وستين ومائة: ع. تقريب: ٢٧٣.\n٨ عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، مات سنة سبع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ٢٠٧.\n٩ يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٣٧٨.\n١٠ أبو سلمة عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة أربع وتسعين وكان مولده بضع وعشرين: ع. تقريب: ٤٠٩، تهذيب التهذيب ١٢/١١٥.\n١١ سنن الترمذي، كتاب السير: ١٥٩١.","vol":"1","page":140},{"text":"قال أبو عيسى: \"وقد روى هذا الحديث عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: \"قال جابر بن عبد الله، ولم يذكر فيه أبو سلمة\"١.\nقلت: يعني أن الحديث جاء من وجه آخر منقطعًا لأن يحيى بن أبي كثير لم يدرك جابر بن عبد الله.\nقال أبو حاتم: \"وأبو زرعة والبخاري وغيرهم لم يدرك أحدًا من الصحابة إلا أنس بن مالك فإن رآه رؤية ولم يسمع منه\"٢ ا. هـ\nوهنا قد تعارض الإرسال والوصل لكن الأرجح وصله، فالذي رواه عنه الترمذي موصولًا هو سعيد بن يحيى الأموي ثقة، وثقه ابن المديني بل قال: \"إنه أثبت من أبيه ووثقه النسائي وغيره\"٣.\nأما الطريق الذي فيه الإرسال ففيه انقطاع بين الترمذي وعيسى بن يونس، ورواه الترمذي أيضًا بصيغة التمريض، وإذا ترجح وصله فهناك علة في السند، وهي أن يحيى بن أبي كثير رواه بالعنعنة وهو مدلس٤، لكن لا يضر تدليسه هنا؛ لأن أصل الحديث ثابت عند مسلم عن جابر وغيره، وقد تقدمت قريبًا٥.\nوفيه من حديث عبد الله بن مغفل:\n(٨٥) قال أحمد: حدثنا وكيع عن أبي جعفر٦ الرازي عن الربيع٧ ابن أنس عن أبي العالية٨ الرياحي أو عن غيره عن عبد الله بن مغفل وكان أحد الرهط الذين نزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ...﴾ الخ، قال:\n_________\n١ م، السابق ٤/٤/١٤٩.\n٢ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ٣٦٩.\n٣ تهذيب التهذيب ٤/٩٧ - ٩٨.\n٤ جامع التحصيل: ١٢٨.\n٥ انظر الحديث رقم (٨١، ٨٢) .\n٦ أبو جعفر الرازي التميمي مولاهم، مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، أصله من مرو وكان يتجر إلى الري، صدوق سيء الحفظ خصوصًا عن مغيرة، مات سنة ستين ومائة: بخ، الأربعة. تقريب: ٣٩٩.\n٧ الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، رمي بالتشيع، مات سنة أربعين ومائة أو قبلها: الأربعة. تقريب: ١٠٠.\n٨ رفيع - بالتصغير - ابن مهران أبو العالية الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ١٠٤.","vol":"1","page":141},{"text":"إنني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظل به النبي ﷺ وهم يبايعونه فقالوا، \"نبايعك على الموت؟ قال: لا، ولكن لا تفروا\"١.\nذكره الهيثمي وقال: \"رواه الطبراني وإسناده جيد إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو عن غيره\"٢.\nقلت: شك الربيع بن أنس في شيخه الذي روى عنه يوجب ضعف الحديث، لجهالة الشيخ الذي يحتمل أنه روى عنه غير أبي العالية.\nلكن عجز الحديث الذي هو موضع الشاهد ثابت من أحاديث أخرى صحيحة تقدمت قريبًا.\n(جـ) وقد سئل نافع على أي شيء كانت البيعة؟ فأجاب بأنها كانت على الصبر:\n(٨٦) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعناه تحتها كانت رحمة من الله فسألنا نافعًا على أي بايعهم؟ على الموت؟ فقال: لا، بايعهم على الصبر٣.\nبينت هذه الروايات الشيء الذي بايع عليه رسول الله ﷺ الصحابة يوم الحديبية، لكن رأينا في بعضها أنه بايعهم على الموت، وفي بعضها بايعهم على عدم الفرار وفي بعضها على الصبر، فكيف التوفيق بينها؟\nالواقع أنه لا خلاف بين هذه النصوص كما بين ذلك بعض العلماء:\nقال الترمذي: قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: \"لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر\"٤ ا. هـ\nوقال ابن حجر: \"لا تنافي بين قولهم، بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكر نافع وعدل إلى قوله: \"بل بايعهم على الصبر\" أي على الثبات سواء أفضى ذلك\n_________\n١ مسند أحمد ٥/٥٤.\n٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٦.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩٥٨.\n٤ سنن الترمذي ٤/١٥٠.","vol":"1","page":142},{"text":"إلى الموت أو لا، والله أعلم\"١ ا. هـ\nقلت: ويؤيد توجيه ابن حجر ما ورد في مرسل الشعبي الآتي في قصة أبي سنان وفيه: \"قال يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، قال: فبايعه رسول الله ﷺ وجاء الناس فجعلوا يقولون نبايعك على بيعة أبي سنان\"٢.\n_________\n١ فتح الباري ٦/١١٨.\n٢ سيأتي في المبحث التالي.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان:</span>\nورد في بعض الروايات أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، إلا أنه قد عرف بهذه الكنية اثنان من بني أسد أحدهما: أبو سنان محصن أخو عكاشة بن محصن، والآخر أبو سنان بن وهب، ولذلك وقع خلاف أيهما المراد هنا، وقد ذكر بعضهم في ذلك غير أبي سنان الأسدي، وسوف يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله.\n(٨٧) قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله١ بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر٢ قال: إن أول من بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي٣.\nوقد أخرجه ابن هشام٤ عن وكيع به بمثله.\nوأخرجه البيهقي من طريق سفيان٥ بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: \"لما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك فقال النبي ﷺ: \"علام تبايعني\"؟ فقال أبو سنان ﵁: على ما في نفسك \" هذا أبو سنان الأسدي.\nوأورده ابن سيد الناس من طريق عاصم الأحول:\nقال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي عروبة٦ ثنا علي٧ بن المنذر ثنا محمد٨ ابن فضيل عن عاصم٩ عن عامر١٠ قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان\n_________\n١ عبد الله بن نمير - بنون مصغرًا - الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة: ع. تقريب: ١٩٢.\n٢ عامر بن شراحبيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه، فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين سنة: ع. تقريب: ١٦١.\n٣ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠.\n٤ سيرة ابن هشام ٣/٣١٦.\n٥ سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعين سنة: ع. تقريب: ١٢٨.\n٦ الحسين بن محمد بن أبي معشر، مودود السلمي الحراني صاحب التاريخ، كان أول طلبه لهذا الشأن سنة ست وثلاثين ومائتين، قال ابن عدي: كان عارفًا بالرجال وبالحديث وكان مع ذلك مفتي أهل حران، شفاني حين سألته عن قوم من المحدثين، وقال الذهبي: كان من نبلاء الثقات، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٧٤.\n٧ علي بن المنذر الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة ست وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٢٤٩.\n٨ محمد بن فضيل بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، عارف، رمي بالتشيع، مات سنة خمس وتسعين ومائتين: ع. تقريب: ٣١٥، تذكرة الحفاظ ١/٣١٥.\n٩ عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ١٥٩.\n١٠ هو: الشعبي.","vol":"1","page":143},{"text":"الأسدي، قال: \"يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، فبايعه رسول الله ﷺ وجاء الناس فجعلوا يقولون: نبايعك على بيعة أبي سنان\" ١.\nهذا الأثر صحيح بمجموع طرقه إلى الشعبي وهو مرسل.\nوجاء في حديث ابن عمر عند الطبراني \"أبو سنان بن محصن\":\n(٨٨) قال الطبراني: حدثنا أحمد٢ ثنا محمد٣ بن عبد الله بن عبيد ابن\n_________\n١ عيون الأثر في المغازي والسير ٢/١٢٥.\n٢ أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التستري، قال عنه الذهبي الحافظ الحجة، وقال الحافظ بن منده: \"ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر التستري، وقال الحاكم: سمعت جعفر بن أحمد المراغي يقول: أنكر عبدان الأهوازي حديثًا مما عرض عليه لابن زهير، فدخل عليه وقال: هذا أصلي ولكن من أين لك ابن عون (لعله ابن عوف كما في هذه الرواية) عن الزهري عن سالم؟ فما زال عبدان يعتذر إليه ويقول: يا أبا جعفر إنما استغربت حديثك، مات سنة عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٥٧ - ٧٥٨.\n٣ محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق، من الحادية عشرة: د، س، ق. تقريب: ٣٠٥.","vol":"1","page":144},{"text":"عقيل ثنا يعقوب١ بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز٢ بن عمران عن محمد٣ بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن سالم٤ عن أبيه٥ قال: ودعا رسول الله ﷺ يوم الحديبية الناس للبيعة، فقام أبو سنان بن محصن فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بالسيف بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان٦.\nقال الطبراني: \"لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب\"٧.\nوأورده الهيثمي ثم قال: \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز ابن عمران، وهو متروك\"٨.\nقلت: وفيه أيضًا محمد بن عبد العزيز شيخ عبد العزيز بن عمران، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك٩.\nوقد عد ابن رجب١٠ بيتهم في البيوت التي اشتهرت بالضعف.٣\n_________\n١ يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: ٣٨٧.\n٢ عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفًا بالأنساب، مات سنة سبع وتسعين ومائة: ت. تقريب: ٢١٥.\n٣ محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، روى عن أبيه والزهري وغيرهما، ولي القضاء بالمدينة، قال البخاري: محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف القاضي، منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال في التمييز: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم ثلاثة أخوة محمد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم. لسان الميزان ٥/٢٥٩ - ٢٦٠.\n٤ سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ١١٥.\n٥ عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، استصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان أشد الناس اتباعًا للأثر، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي تليها: ع. تقريب: ١٨٢.\n٦ مجمع البحرين بزوائد المعجمين ١/٢، لوحة: ٢٤٠.\n٧ مجمع البحرين بزوائد المعجمين ١/٢/لوحة: ١٤١.\n٨ مجمع الزوائد ٦/١٤٦.\n٩ لسان الميزان ٥/٢٦٠.\n١٠ شرح علل الترمذي: ٥٢٧.","vol":"1","page":145},{"text":"وهذا الحديث مع ضعف سنده في متنه نكارة أيضًا، ففيه أن أول من بايع أبو سنان بن محصن، وأبو سنان بن محصن مات قبل ذلك في حصار بني قريظة١.\nوقد ظن الواقدي أن المشار إليه في الروايات السابقة هو هذا فوهّم قائله، وقال٢: إن أول من بايع بيعة الرضوان هو سنان بن أبي سنان وتبعه على ذلك أبو هلال العسكري٣ وابن سيد الناس٤، وكأنه لم تبلغهم الراويات التي وردت عن الشعبي وغيره تصرح بأن المذكور في البيعة هنا هو أبو سنان بن وهب، والروايات هي:\n(٨٩) قال ابن عبد البر: ذكر الحلواني٥ عن أبي أسامة٦ عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي، فقال له رسول الله ﷺ: علام تبايع؟ قال: على ما في نفسك فبايعه وتتابع الناس فبايعوه٧.\n(٩٠) وقال أيضًا: ذكر أبو العباس٨ محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا هناد بن السري٩ قال حدثنا أبو بكر١٠ بن عياش عن عاصم عن زر١١ قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب١٢.\n_________\n١ الإصابة ١١/١٨١.\n٢ مغازي الواقدي ٢/٦٠٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٠٠.\n٣ كتاب الأوائل: ١٧٠.\n٤ عيون الأثر ٢/١٢٥.\n٥ الحسن بن علي بن محمد الهذلي أبو علي الخلال الحلواني.\n٦ هو: حماد بن سلمة.\n٧ الاستيعاب ١١/٣١٣ مع الإصابة.\n٨ أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم النيسابوري السراج، صاحب المسند والتاريخ، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، مات في ربيع الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٣١.\n٩ هناد بن السري - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وله إحدى وتسعون سنة: عخ، م، الأربعة. تقريب: ٣٦٥.\n١٠ أبو بكر بن عياش الأسدي.\n١١ زر: بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرًا - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة: ع. تقريب: ١٠٦.\n١٢ الاستيعاب ١١/٣١٤.","vol":"1","page":146},{"text":"قال ابن حجر: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن زر بن حبيش فذكر مثله١.\nوذكر ابن حجر أن طريق زر بن حبيش وطريق الشعبي كلاهما صحيح٢.\nفهذا الحديث حسن لغيره وإن كان مرسلًا إلا أنه قد اختلف مخرجه فدل على أن له أصلًا وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح بقوله: \"ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر٣.\nوهنا قد صح مخرجه من وجهين فارتفع إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.\nوبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة وهي: رجحان القول بأن أول من بايع هو أبو سنان بن وهب الأسدي، وليس أبو سنان بن محصن لهذا الحديث ولأن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه أبو سنان بن محصن ضعيف جدًا لا يقوى على المعارضة والروايات التي قالت: أبو سنان الأسدي تفسرها هذه الرواية، والله أعلم.\nذكر ابن حجر: أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: \"أول من بايع تحت الشجرة أبو سفيان بن الحارث\" ٤.\nوقد تعقبه ابن حجر بقوله: \"ولم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه فقال: أبو سنان بن وهب وهو الصواب وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان: عبد الله\" ٥ ا. هـ\nوقد أورد السفاريني على قصة أبي سنان بن وهب - من كونه أول من بايع - ما روى مسلم في حديث سلمة أنه أول من بايع: ثم أجاب عن ذكل بقوله: \"والجمع بينهما: بأن أبا سنان أول من بايع مطلقًا، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان\"٦.\n_________\n١ الإصابة ١١/١٨١.\n٢ الإصابة ٤/٢٦٤.\n٣ علوم الحديث لابن الصلاح: ٤٩.\n٤ الإصابة ١١/١٧١.\n٥ الإصابة: ١١/١٧١.\n٦ شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الخامس: ما ورد في فضل أصحاب البيعة:</span>\nقال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: \"أنتم خير أهل الأرض\"، وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة١.\nوفيه من حديث أم مبشر عند مسلم:\n(٩١) قال: حدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها\" قالت: بلى يا رسول الله: فانتهرها فقال: حفصة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ٢، فقال النبي ﷺ: قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣.٤\nوأخرجه أحمد٥ عن حجاج به مثله.\nوأخرجه البيهقي٦ من طريق حجاج به مثله.\nوأخرجه ابن ماجه من حديث حفصة ﵂:\n(٩٢) حدثنا أبو بكر٧ بن أبي شيبة ثنا معاوية٨ عن الأعمش٩ عن\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٤، وتقدم تخريجه برقم (٢٠) .\n٢ سورة مريم الآية: ٧١.\n٣ سورة مريم الآية: ٧٢.\n٤ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: ١٦٣.\n٥ مسند أحمد ٦/٢٤٠.\n٦ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢٣١.\n٧ هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي، ثقة، حافظ، صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: خ، م، د، س، ق. تقريب: ١٨٧.\n٨ هو: شيبان بن عبد الرحمن النحوي.\n٩ هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة، حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، مات سنة سبع وأربعين ومائة، وكان مولده أول إحدى وستين سنة: ع. تقريب: ١٣٦.","vol":"1","page":148},{"text":"أبي سفيان١ عن جابر٢ عن أم مبشر٣ عن حفصة٤ قال: قال النبي ﷺ: \"إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله تعالى ممن شهد بدرًا والحديبية\".\nقالت قلت: يا رسول الله أليس قد قال الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ ٥؟ قال: \"ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٦.٧\nوأخرجه أحمد٨ وأبو يعلى٩ وإسحاق١٠ بن راهويه كلهم من طريق الأعمش به فذكروا نحوه.\nوأخرجه ابن أبي عاصم١١ عن أبي بكر بن أبي شيبة به نحوه.\nوأخرجه١٢ أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، كلاهما عن عبد الله بن إدريس عن الأعمش به نحوه.\nقال البوصيري١٣: حديث حفصة صحيح رجاله ثقات، إن كان أبو سفيان سمع من جابر بن عبد الله.\nقلت: كأنه يشير إلى الخلاف في سماع أبي سفيان من جابر:\n_________\n١ هو: طلحة بن نافع الواسطي أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة، صدوق من الرابعة: ع. تقريب: ١٥٧.\n٢ جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن حرام - بمهملة وراء - الأنصاري ثم السلمي - بفتحتين - صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين: ع. تقريب: ٥٢.\n٣ أم مبشر الأنصاري، امرأة زيد بن حارثة، يقال: اسمها جهينة بنت صيفي بن صخر، صحابية مشهورة: م، س، ق. تقريب: ٤٧٦.\n٤ حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث، وماتت سنة خمس وأربعين: ع. تقريب: ٤٦٧.\n٥ سورة مريم آية: ٧١.\n٦ سورة مريم آية: ٧٢.\n٧ سنن ابن ماجه، كتاب الزهد: ٤٢٨١.\n٨ مسند أحمد ٣/٢٨٥.\n٩ مسند أبي يعلى ٦، لوحة ٦٤٢.\n١٠ مسند إسحاق، لوحة: ٢٣٢.\n١١ كتاب السنة ٢/٤١٤.\n١٢ المصدر السابق ٢/٤١٥.\n١٣ مصباح الزجاجة، لوحة: ٢٧٢.","vol":"1","page":149},{"text":"فقد قال شعبة وابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هو صحيفة١ ا. هـ\nوقال أبو خالد يزيد الدالاني: \"لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث\"٢ ا. هـ\nلكن قد أثبت البخاري سماعه من جابر:\nقال البخاري: نا مسدد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر٣.\nوقال البخاري أيضًا: قال علي: سمعت عبد الرحمن قال: قال لي هشيم: عن أبي العلاء أيوب قال: قال أبو سفيان: كنت أحفظ وكان سليمان اليشكري يكتب، يعني عن جابر٤ ا. هـ\nفهذا البخاري قد أثبت سماع أبي سفيان من جابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث صحيحًا على رأي البوصيري.\nوقال الألباني٥: \"اسناده جيد على شرط مسلم\".\nقلت: نعم هذا الحديث صحيح، ولا يضره تدليس الأعمش٦ وأبي سفيان٧.\nفقد قال ابن عدي٨ عن الأعمش: \"أحاديثه عن أبي سفيان مستقيمة، وأيضًا فاصل الحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث أم مبشر السابق\".\nوأخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله مختصرًا:\n_________\n١ شرح علل الترمذي: ٤٩٧.\n٢ شرح علل الترمذي ٤٩٧.\n٣ التاريخ الكبير ٢/٢/٣٤٦.\n٤ المصدر السابق.\n٥ ظلال الجنة في تخريج السنة ٢/٤١٤ مع كتاب السنة لابن أبي عاصم.\n٦ جامع التحصيل: ٢٢٨.\n٧ جامع التحصيل: ٢٤٥.\n٨ هدي الساري: ٤١١.","vol":"1","page":150},{"text":"(٩٣) قال: حدثنا قتيبة١ بن سعيد ويزيد٢ بن خالد الرملي، أن الليث٣ حدثهم عن أبي الزبير٤ عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة\"٥.\nوأخرجه الترمذي٦ عن قتيبة به فذكره بمثله.\nوأخرجه أحمد٧ عن حجين٨ ويونس٩، كلاهما عن الليث به مثله.\nقال الترمذي:١٠ هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: نعم هو حديث صحيح ولا تضره عنعنة أبي الزبير وإن كان مدلسًا لأنه من رواية الليث بن سعد وقد أعلم له على ما سمعه من جابر.\nقال العلائي: قال سعيد بن أبي مريم ثنا الليث بن سعد قال: \"جئت أبا الزبير فدفع إليّ كتابين، فانقلبت بهما ثم قلت في نفسي لو أني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر قال: سألته فقال: منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي\"١١.\nوقال العلائي تعقيبًا على ذلك، ولهذا توقف جماعة من الأئمة عن الاحتجاج بما لم يروه الليث عن أبي الزبير١٢.\n_________\n١ قتيبة بن سعيد بن جميل - بفتح الجيم - ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني - بفتح الموحدة وسكون المعجمة - يقال اسمه يحيى، وقيل علي، ثقة ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة: ع. تقريب: ٢٨١.\n٢ يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب - بفتح الهاء - الرملي أبو خالد، ثقة عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين أو بعدها: د، س، ق. تقريب: ٣٨١.\n٣ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة: ع. تقريب: ٢٨٧.\n٤ هو محمد بن مسلم بن تدرس - بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء - الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس مات سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٣١٨.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب السنة: ٤٦٥٣.\n٦ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٨٦٠.\n٧ مسند أحمد ٣/٣٥٠.\n٨ حجين بن المثنى اليمامي، أبو عمير سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة، مات سنة خمسين ومائتين أو بعدها: خ، م، د، ت، س. تقريب: ٦٥، تهذيب التهذيب ٢/٢١٦.\n٩ يونس بن محمد بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، مات سنة سبع ومائتين: ع. تقريب: ٣٩٠.\n١٠ سنن الترمذي ٥/٦٩٥.\n١١ جامع التحصيل: ١٢٦.\n١٢ المصدر السابق.","vol":"1","page":151},{"text":"ومن جملة ما ورد في فضلهم أيضًا ما ورد في قصة حاطب من حديث جابر عند مسلم:\n(٩٤) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: \"يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية\"١.\nوأخرجه الترمذي٢ عن قتيبة به فذكره بمثله.\nوأخرجه أحمد من طريق الليث٣ وابن جريج٤ كلاهما عن أبي الزبير عنه بمثله.\nومن طريق ابن جريج صرح أبو الزبير بالسماع من جابر.\nومما ورد في فضلهم أيضًا ما رواه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله ﵄:\n(٩٥) قال حدثنا محمود٥ بن غيلان حدثنا أزهر٦ السمان عن سليمان٧ التيمي عن خداش٨ عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: \"ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر \"٩.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه ابن أبي حاتم من طريق خداش مطولًا:\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: ١٦٢.\n٢ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٨٦٤.\n٣ مسند أحمد ٣/٣٤٩.\n٤ مسند أحمد ٣/٣٢٥.\n٥ محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقيل بعد ذلك: خ، م، ت، س، ق. تقريب: ٣٣٠.\n٦ أزهر بن سعد السمان، أبو بكر الباهلي، بصري ثقة، مات سنة ثلاث ومائتين وهو ابن أربع وتسعين: خ، م، د، ت، س. تقريب: ٢٦.\n٧ هو: سليمان بن طرخان التيمي.\n٨ خداش بن عياش العبدي البصري، لين الحديث من السابعة: ت. تقريب: ٩٢.\n٩ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٨٦٣.","vol":"1","page":152},{"text":"(٩٦) قال: حدثنا محمد١ بن هارون الفلاس المخرمي حدثنا سعيد٢ بن عمرو الأشعثي حدثنا محمد٣ بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة، إلا صاحب الجمل الأحمر\"، قال فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا تعال فبايع، قال: أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع٤.\nهذا الحديث بهذا اللفظ منكر، والمعروف ما روي من طريق قرة بن خالد عن أبي الزبير عند مسلم: \"كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر\"٥.\nلأنه من طريق قرة بن خالد، وقد قال عنه ابن حجر: ثقة ضابط.\nأما الحديث الآخر فهو من طريق خداش بن عياش، وقد ذكر الترمذي أنه لا يعرفه٦.\nوقال ابن حجر: \"لين الحديث، وإذا خالف الضعيف الثقة فحديثه الضعيف منكر\"، قال ابن حجر: \"فإن خولف الراوي بأرجح يقال له المحفوظ ومقابله يقال به الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف، ومقابله يقال له: المنكر\"٧.\nوفيه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد:\n_________\n١ محمد بن هارون أبو جعفر الفلاس المخرمي يلقب شيطا، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه ببغداد وهو من الحفاظ الثقات، وقال الدارقطني: ثقة حافظ، مات سنة خمس وستين ومائتين. الجرح والتعديل ٤/١/١١٨، تاريخ بغداد ٣/٣٥٣.\n٢ سعيد بن عمرو بن سهل الكندي الأشعثي أبو عثمان الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائتين: عس. تقريب: ١٢٤.\n٣ محمد بن ثابت العبدي أبو عبد الله البصري، صدوق، لين الحديث، من الثانية: د، ق. تقريب: ٢٩٢.\n٤ تفسير ابن كثير ٤/١٨٨.\n٥ انظر الحديث: رقم (٥٢) .\n٦ تهذيب التهذيب ٣/١٣٧.\n٧ نخبة الفكر: ٣٥ مع نزهة النظر.","vol":"1","page":153},{"text":"(٩٧) قال: حدثنا يحيى١ عن محمد٢ بن أبي يحيى قال: حدثني أبي٣ أن أبا سعيد حدثه أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: \"لا توقدوا نارًا بليل\" فلما كان بعد ذلك قال: \" أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم\"٤.\nوأخرجه ابن أبي شيبة٥ ومسدد٦ كلاهما عن يحيى به مثله.\nوأخرجه النسائي٧ وأبو يعلى٨ كلاهما من طريق يحيى به نحوه إلا عند أبي يعلى \"فلن يدرك قوم بعدكم بمدكم ولا بصاعكم\".\nوأخرجه الحاكم من طريق يحيى به وقال: \"صحيح الإسناد\"٩ ووافقه الذهبي١٠، والألباني١١.\nوذكر الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد ثم قال: \"ورجال ثقات\"١٢.\nوحسنه ابن حجر١٣\nقلت: هذا الإسناد حسن كما قال ابن حجر فأبو يحيى هو سمعان الأسلمي لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي لا بأس به١٤.\nوفيه من حديث مالك بن ربيعة السلولي عند الطبراني:\n_________\n١ يحيى بن سعيد بن فروخ - بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة - التميم أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن، حافظ إمام قدوة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله ثمان وسبعون سنة: ع. تقريب: ٣٧٥.\n٢ محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني واسم أبي يحيى سمعان، صدوق مات سنة سبع وأربعين ومائة: د، تم، س، ق. تقريب: ٣٢٤.\n٣ هو: سمعان أبو يحيى الأسلمي مولاهم المدني، لا بأس به من الثالثة: الأربعة. تقريب: ١٣٧.\n٤ مسند أحمد ٣/٢٦.\n٥ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦١.\n٦ إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥.\n٧ السنن الكبرى للنسائي، لوحة: ١١٩.\n٨ مسند أبي يعلى: ١، لوحة: ١١٦.\n٩ المستدرك ٢/٢٦.\n١٠ م، السابق حاشية.\n١١ سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٦٢.\n١٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٥.\n١٣ فتح الباري ٧/٤٤٣.\n١٤ تهذيب التهذيب ٤/٢٣٨.","vol":"1","page":154},{"text":"(٩٨) قال: حدثنا محمد١ بن الحسين بن مكرم ثنا يحيى٢ ابن محمد بن السكن ثنا إسحاق٣ بن إدريس ثنا يحيى٤ بن بريد ابن مالك بن ربيعة السلولي ثنا بريد٥ بن مالك بن ربيعة عن أبيه٦ أنه شهد مع رسول الله ﷺ يوم الشجرة ويوم الهدي معكوفًا قبل أن يبلغ محله، وأن رجلًا من المشركين قال: يا محمد ما يحملك على أن تدخل علينا هؤلاء ونحن لهم كارهون، قال: \"هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد ﵃\"٧.\nوذكره في مجمع الزوائد٨ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه إسحاق بن إدريس وهو متروك.\nقلت: بل وصف ابن معين إسحاق هذا بالكذب والوضع، فهذا الإسناد ضعيف جدًا.\nوقد شمل فضل هذه البيعة عثمان بن عفان ﵁ مع أنه كان غائبًا عنها، وذلك أن رسول الله ﷺ قد بايع له بإحدى يديه:\n.\n_________\n١ محمد بن الحسين بن مكرم أبو بكر البغدادي ثم البصري، قال إبراهيم بن فهد ما قدم علينا بغداد أعلم بالحديث من ابن مكرم، وسئل الدارقطني عنه فقال: ثقة، مات بالبصرة في ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٢/٢٣٣، تذكرة الحفاظ ٢/٧٣٥.\n٢ يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القرشي البزاز، البصري نزيل بغداد، صدوق، مات بعد الخمسين ومائتين: ح، د، س. تقريب: ٣٧٩.\n٣ إسحاق بن إدريس الأسواري البصري، أبو يعقوب، قال البخاري: تركه الناس، قال أبو حاتم: ضعيف، وقال تركه علي بن المديني وسئل عنه أبو زرعة فقال: واهي الحديث ضعيف الحديث، روى عن سويد بن إبراهيم وأبي معاوية أحاديث منكرة، وقال ابن معين: كذاب يضع الحديث. التاريخ الكبير ١/١/٣٨٢، الجرح والتعديل ١/١/٢١٣، ميزان الاعتدال ١/١٨٤.\n٤ يحيى بن بريد بن مالك بن ربيعة السلولي، سمع منه إسحاق بن إدريس، روى عن بريد بن مالك بن ربيعة عن أبيه: أنه شهد مع النبي ﷺ يوم الشجرة في التفسير. التاريخ الكبير ٢/٤/٢٦٤.\n٥ بريد بن أبي مريم بن مالك بن ربيعة السلولي - بفتح المهلمة - البصري، ثقة من الرابعة: بخ، الأربعة: تقريب: ٤٣.\n٦ مالك بن ربيعة أبو مريم السلولي صحابي دعا له النبي ﷺ: س. تقريب: ٣٢٦.\n٧ مجمع البحرين بزوائد المعجمين ٢، لوحة: ٢٤١.\n٨ مجمع الزوائد ٦/١٤٥.","vol":"1","page":155},{"text":"(٩٩) قال الترمذي: حدثنا أبو زرعة١: حدثنا الحسن٢ بن بشر حدثنا الحكم٣ بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: \"لما أمر رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وكان عثمان بن عفان ﵁ رسولُ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله ﷺ فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خير من أيديهم لأنفسهم\"٤.\nقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: هذا الإسناد في الحكم بن عبد الملك ضعفه ابن معين وغيره.\nوقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة منه ما يتابعه عليه الثقات، ومنه لا يتابعه٥ ا. هـ\nوهذا الحديث مما تابعه عليه الثقات، فأصل الحديث ثابت من حديث ابن عمر عند البخاري، ومن حديث أبي سلمة عند أحمد:\n(١٠٠) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان - هو ابن وهب - قال: \"جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوم جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر إن سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن\n_________\n١ هو: عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي إمام حافظ ثقة مشهور، مات سنة أربع وستين بعد المائتين، وله أربع وستون سنة: م، ت، س، ق. تقريب: ٢٢٦.\n٢ الحسن بن بشر بن سلم - بفتح المهلمة وسكون اللام الهمداني أو البجلي أبو علي الكوفي، صدوق يخطئ، مات سنة إحدى وعشرين بعد المائتين: خ، ت، س. تقريب: ٦٨.\n٣ الحكم بن عبد الملك القرشي، البصري نزيل الكوفة، ضعيف من السابعة: بخ، ت/ ص/ ق. تقريب: ٨٠.\n٤ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧٠٢.\n٥ تهذيب التهذيب ٢/٤٣١.","vol":"1","page":156},{"text":"الله قد عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت١ رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة، لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان. وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: \"هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان\"، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك٢.\n(١٠١) وقال أحمد: حدثنا أبو قطن٣ ثنا يونس٤ - يعني ابن أبي إسحاق عن أبيه٥ عن أبي٦ سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان ﵁ من القصر وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء٧ إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وأنا معه فانتشد له رجال، قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة قال: \"هذي يدي وهذه يد عثمان ﵁ فبايع لي فانتشد له رجال\"٨ الحديث.\nسند هذا الحديث صحيح رجاله على شرط مسلم.\n_________\n١ هي: رقية ﵂. الإصابة ٦/٣٩٢.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة: ٣٦٩٨.\n٣ هو: عمرو بن الهيثم بن قطن - بفتح القاف والمهملة - القطعي - بضم القاف وفتح المهملة - أبو قطن البصري، ثقة مات على رأس المائتين: بخ، م، الأربعة. تقريب: ٢٦٣.\n٤ يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو إسرائيل الكوفي صدوق يهم قليلًا، مات سنة اثنتين وخمسين بعد المائة على الصحيح: ز، م، الأربعة. تقريب: ٣٩٠.\n٥ هو: عمرو بن عبد الله السبيعي.\n٦ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين /ع/. تقريب: ٤٠٩.\n٧ حراء: بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال وهو معروف ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه. معجم البلدان ٢/٢٣٣.\n٨ مسند أحمد ١/٥٩.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفصل الرابع: في صلح الحديبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته</span>\n...\nالمبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته:\nإننا حين نستعرض الأحداث والملابسات التي سبقت الصلح ووطّأت ذلك التوتر الناجم عن شوق المسلمين إلى البيت من جانب، وعن حمية قريش وحنقها على المسلمين من جانب آخر - حين نستعرض تلك الأحداث والملابسات نجد أن داعي الصلح وسببه قاسم مشترك بين الفريقين، فقد عرضت للمسلمين أحداث وطنت نفوسهم لقبول الصلح، كما عرضت للمشركين أحداث أخرى وملابسات ألجأتهم لقبول الصلح والرضا به.\n(أ) السبب في ميل المسلمين إلى الصلح:\nخرج المسلمون من المدينة وهم أشد ما يكونون شوقًا إلى البيت الحرام، ولقد كانوا عازمين على دخول مكة، وأداء نسكهم مهما كلفهم ذلك من ثمن، وفي الوقت نفسه كانوا حاسبين حساب قريش - لما كانوا يعلمونه من عدائها لهم وحنقها عليهم - ولذلك أخذوا أهبتهم لاجتياح كل ما من شانه أن يعوق طريق سيرهم، ولقد تجلى موقفهم بوضوح عندما أتاهم نبأ قريش وإعدادها لصدهم، فقد جاء في حديث المسور ومروان ما نصه: \"حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذي يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتوا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين","vol":"1","page":158},{"text":"وإلا تركناهم محروبين؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: فامضوا على اسم الله\"١.\nنلاحظ من خلال هذا النص حدة موقف المسلمين فرسول الله ﷺ يستشير أصحابه في الإغارة على أهالي أولئك الذين قاموا بتعزيز جانب قريش ثم يستقر رأيهم أخيرًا على قتال كل من حاول صدهم عن البيت.\nكان هذا موقف المسلمين الذي استقر عليه رأيهم بعد المشورة، لكن رأينا بعد ذلك تصريحًا من رسول الله ﷺ يباين ذلك الموقف تمامًا.\nيقول ﷺ: \"والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ... \".\nبالمقارنة بين هذا النص والنص السابق نرى الفارق بينهما، ذلك أن النص السابق يشعر بالحزم والصرامة، أما الأخير فيوحي باللين والتسامح إلى حد بعيد.\nفما الذي حول الموقف السابق يا ترى؟\nهذه العبارة التي صدرت عن رسول الله ﷺ تحمل في غضونها السماحة واللين سبقها في الحديث ما نصه: \"حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل، حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: \"ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة ... \"٢ الخ.\nفهذا النص يفسر لنا الحامل لرسول الله ﷺ على ذلك التصريح الذي حول موقفه الأول، فما الذي جاء في هذا النص؟\nجاء فيه حادثة بروك ناقته ﷺ، وإذن فبروك الناقة هو السبب في تحويل موقفه، ولا أعني ببروك ناقته البروك ذاته لكن أقصد ما وراء البروك وهو ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: \"ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ... \".\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩، وتقدم تخريحه برقم (٣٥) .\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢ وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .","vol":"1","page":159},{"text":"والذي حبس الفيل عن مكة هو الله سبحانه، وإذن فالله هو الذي حبس ناقة رسول الله ﷺ في الحديبية ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.\nوحين أدرك رسول الله ﷺ ذلك الأمر أصدر التصريح الذي غير به موقفه الأول إلى ذلك الموقف السمح المتجاوب، فكان له الأثر الفعال في نجاح الصلح حيث كان الجانب الإيجابي في مقابل سلبيات قريش.\n(ب) السبب في انصياع قريش للصلح:\nأما السبب الذي ألجأ قريشًا لقبول الصلح والرضا به، فيرجع إلى بيعة الصحابة لرسول الله ﷺ مع ملابسات أخرى، وتوضيح ذلك:\nلما هب الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله ﷺ فبايعوه على القتال حتى يفتح الله عليهم أو يموتوا كان قد حضر ذلك المشهد بعض رسل قريش، فأذهلهم الأمر ثم نقلوا تلك الصورة إلى قومهم، فأحدثت في أنفسهم هزة عنيفة جعلت منهم آذانًا صاغية لقبول الصلح، فقد جاء في مرسل عروة بن الزبير عند البيهقي ما نصه: \"ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة ونادى منادي رسول الله ﷺ ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة فاخرجوا على اسم الله، فبايعوا فثاب المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على ألا يفروا أبدًا، فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح\"١.\nفهذا النص يبرز لنا مدى تأثير البيعة في نفوس المشركين.\nوقد عزز أثر تلك البيعة ملابسات أخرى من قبل رسل المشركين أنفسهم:\nفعروة بن مسعود حين رجع إلى قريش عظم لهم شأن رسول الله ﷺ وذكره لهم من أفعال الصحابة ما يبرهن على أنهم لن يسلموا رسول الله ﷺ لشيء أبدًا وأنهم سيبذلون نفوسهم دونه، ثم نصح قريشًا بقبول الهدنة، وأن يخلوا بين المسلمين وما جاءوا له.\nفقد جاء في حديث المسور ومروان من رواية معمر ما نصه:\n\"فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على قيصر وكسرى\n_________\n١ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢٢٨، وتقدم الكلام على سنده، انظر حديث رقم (٦٥) .","vol":"1","page":160},{"text":"والنجاشي والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابة ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلى وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عند، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها\"١.\nوجاء في حديثهما من طريق ابن إسحاق نحو ما تقدم في رواية معمر وزاد: \"ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم ... \"٢.\nوعروة بن مسعود له منزلته وشهرته في أوساطهم، حتى قال أكثر المفسرين المراد بالآية: ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٣ الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود٤.\nلذلك كان لكلامه وقعة في نفوسهم وقد أشار إلى ذلك مرسل عروة بن الزبير عند ابن أبي شيبة فقد جاء فيه ما نصه: \"فلما سمعوا مقالته أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ومكرز بن حفص فقالوا: \"انطلقوا إلى محمد فإن أعطاكم ما ذكر عروة فقاضياه ... \"٥.\nوقال ابن حجر عن عروة بن مسعود: \"وكانت له اليد الطولى في تقرير الصلح\"٦.\nوكان من بين رسل قريش الذين شنعوا عليها تلك الغطرسة أيضًا:\nالحليس بن علقمة: فقد جاء خبره في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق قال: \"فبعثوا الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوا الهدي، فلما رآه يسيل من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لما رأى فقال: يا معشر قريش قد رأيت مالا يحل صده عن البيت، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا:\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٢ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٣ سورة الزخرف الآية: ٣١.\n٤ تفسير ابن كثير ٤/١٢٦ - ١٢٧.\n٥ تقدم ص:\n٦ الإصابة ٦/٤١٦.","vol":"1","page":161},{"text":"اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك ... \"١.\nوقد روى ابن جرير عن عبد الله بن أبي بكر: \"أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاء معظمًا له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به\"٢.\nفهذا الموقف من رسل قريش معها - إلى جانب ما أحدثته البيعة في نفوسها من ذعر - كان السبب في انصياعها وقبولها الصلح.\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم طرف من أوله مع سنده برقم (٣٦) .\n٢ تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٧٥، وتقدم سنده والكلام عليه برقم (٧٢) .","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الثاني: الشروط التي تم عليها الصلح:</span>\nكانت قريش قد ألجأت إلى الصلح إلجاء لأنها لا تريد أن تعترف بالمسلمين كندٍ لها يواقفونها جنبًا إلى جنب، فيتحدث الناس بذلك عنها.\nأما رسول الله ﷺ فكان يهدف من وراء الصلح إلى تحقيق مصالح للدعوة بعيدًا عن السمعة والأغراض الشخصية.\nوما كانت تلك الشروط التي وقع عليها الصلح إلا صورة عاكسة لذينك الموقفين.\nفقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه:\n\"فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال النبي ﷺ: اكتب (باسمك اللهم)، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: (محمد بن عبد الله)، فقال النبي ﷺ: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب (محمد بن عبد الله) قال","vol":"1","page":162},{"text":"الزهري: وذلك لقوله: \"لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فقال النبي ﷺ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٢ في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: والله إذا لم أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي ﷺ: فأجزه٣ لي، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك ... \" ٤.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر الخلاف حول كتابه \"بسم الله الرحمن الرحيم\" و\"محمد رسول الله\" قال: فقال سهيل: ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة٥، وأنه لا إسلال ولا إغلال٦، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن\n_________\n١ ضغطه: أي عصرًا وقهرًا، يقال: أخذت فلانًا ضغطة بالضم إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشي. النهاية ٣/٩٠.\n٢ يرسف: الرسف والرسيف، مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. النهاية ٢/٢٢٢.\n٣ أجزه لي: بصيغة الأمر من الإجازة أي أمض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك أو استثنيه من القضية. فتح الباري ٥/٣٤٥.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده وتخريجه حديث رقم (٣٥) .\n٥ عيبة مكفوفة: العيبة مستودع الثياب، والمكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع مطوي على الوفاء بالصلح.\nوقيل: أراد بينهم موادعة، ومكامة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم ببعض. النهاية ٣/٣٢٧.\n٦ لا إسلال ولا إغلال: الإسلال: السرقة الخفية، وقيل سل السيوف، والإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية. وقيل لبس الدروع. النهاية ٢/٣٩٢، ٣/٣٨٠.","vol":"1","page":163},{"text":"مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب١.٢\nوأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق به مختصرًا ذكر فيه بعض الشروط ولفظه: \"أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال٣.\nوفي مرسل عروة الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة: ذكر نحو رواية ابن إسحاق وبين فيه أبو أسامه معنى العيبة المكفوفة، والإسلال والإغلال، فقد جاء فيه ما نصه: \"وكان في شرطهم أن بيننا للعيبة المكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، قال أبو أسامة: الإغلال الدروع، والإسلال السيوف، ويعني بالعيبة المكفوفة أصحابه يكفهم عنه - وأنه من أتاكم منا رددتموه علينا، ومن أتانا منكم لم نردده عليكم، فقال رسول الله ﷺ: ومن دخل معي فله مثل شرطي، فقالت قريش، ومن معنا فهو منا له مثل شرطنا، فقالت بنو كعب: نحن معك يا رسول الله، وقالت بنو بكر: نحن مع قريش ... \"٤.\nوقد وردت أحاديث أخرى ببعض تلك الشروط:\nفمنها حديث البراء ﵁:\n(١٠٢) قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: \"اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب٥، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد\n_________\n١ القرب: جمع قراب، وهو غمد السيف. ترتيب القاموي ٣/٥٢٩.\n٢ مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٣ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٦٦.\n٤ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) .\n٥ هل كتب النبي ﷺ فعلًا أو هو من قبيل المجاز؟ انظر ص:","vol":"1","page":164},{"text":"الله لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة ... \" ١.\nوأخرجه في المغازي٢ بنفس السند، وفي: \"فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: ... \".\nومنها حديث ابن عمر ﵄:\n(١٠٣) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر من العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا إلا سيوفًا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج، فخرج\"٣.\nوأخرجه٤ في المغازي عن محمد بن رافع بهذا السند وعن محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به.\nومنها أيضًا حديث أنس ﵁:\n(١٠٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) قال سهيل: أما بسم الله فما ندري ما (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: أكتب (محمد رسول الله) قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ: اكتب (من محمد بن عبد الله) فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا.\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٩.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغاوي: ٤٢٥١، وتقدم تخريجة برقم (٩) .\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٠١.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٥٢.","vol":"1","page":165},{"text":"فقالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا\" ١.\nوأخرجه أحمد٢ عن عفان به مثله، إلا أنه لم يذكر في آخره: \"ومن جاءنا منهم ... \".\nملخص الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية:\n(١) أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يصلوا إلى مكة.\n(٢) يقضون عمرتهم من العام المقبل ويقيمون بمكة ثلاثة أيام.\n(٣) لا يدخلون مكة بسلاح إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب.\n(٤) من جاء النبي ﷺ من قريش بغير إذن وليه يرده عليهم، ومن جاء قريشًا من المسلمين لا ترده إليهم.\n(٥) من أراد أن يدخل في عقد النبي ﷺ وعهده دخل فيه، وله مثل شرطه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، وله مثل شرطها.\n(٦) أن بينهم عيبة مكفوفة.\n(٧) أنه لا إسلال ولا إغلال.\n(٨) توضع الحرب بينهم عشر سنين.\nوهذا التحديد بعشر سنين ورد في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن٣.\nوقد جاء في حديث ابن عمر عند ابن عدي وغيره أن مدة الهدنة كانت أربع سنين.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩٣.\n٢ مسند أحمد ٣/٢٦٨.\n٣ انظر الكلام على سنده حديث رقم (٣٦) .","vol":"1","page":166},{"text":"(١٠٥) قال ابن عدي: أخبرنا القاسم١ بن مهدي قال: ثنا يعقوب٢ بن كاسب قال: ثنا عبد الله بن نافع٣ عن عاصم٤ بن عمر عن عبد الله٥ بن دينار عن ابن عمر قال: كانت الهدنة بين النبي ﷺ وأهل مكة عام الحديبية أربع سنين٦.\nوأخرجه الطبراني٧ من طريق عبد الله بن نافع بع نحوه.\nوذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات٨.\nوقال ابن حجر: سندع ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح٩.\nقلت: هو كما قال ابن حجر منكر لأن مداره على عاصم بن عمر وقد قال البخاري: منكر الحديث وضعفه غير واحد١٠، وقد خالف حديثه هذا ما ثبت في رواية ابن إسحاق.\n_________\n١ القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي الحافظ، من شيوخ ابن عدي ضعيف، وقال ابن عدي: كان بعض شيوخ مصر يضعفه، وكان رواية للحديث جماعًا له، وهو عندي لا بأس به، وقال الدارقطني: متهم بالوضع، توفي سنة أربعين وثلاثمائة. ميزان الاعتدال ٣/٣٧٢، لسان الميزان ٤/٤٦١.\n٢ يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، وقد ينسب لجده، صدوق ربما وهم، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين: عخ، ق. تقريب: ٣٨٦.\n٣ هو: الصائغ.\n٤ عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عمر المدني ضعيف من السابعة: ت، ق. تقريب: ١٥٩.\n٥ عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، مات سنة سبع وعشرين ومائة: ع. تقريب: ١٧٢.\n٦ الكامل لابن عدي ٢،٢، لوحة: ١٩٠.\n٧ مجمع البحرين ٢، لوحة: ٢٤١.\n٨ مجمع الزوائد ٦/١٤٦.\n٩ فتح الباري ٥/٣٤٣.\n١٠ انظر: تهذيب التهذيب ٥/٥١.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثالث: كاتب الصلح وشهوده:</span>\nأ - كاتب الصلح:\nكان الذي كتب عقد الصلح بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش يوم الحديبية هو علي بن أبي طالب، كما ثبت في الأحاديث والآثار التالية","vol":"1","page":167},{"text":"(١٠٦) قال عبد الرزاق: عن عكرمة١ بن عمار قال: أخبرنا أبو زميل٢ سماك الحنفي أنه سمع ابن عباس يقول: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب٣.\nالحديث صحيح بهذا الإسناد، فعكرمة بن عمار وأبو زميل ثقتان أخرج لهما مسلم.\n(١٠٧) وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر٤ قال: سألت عنه الزهري فضحك وقال: هو علي بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء قالوا: عثمان بن عفان يعني بني أمية٥.\nهذا الأثر أرسله الزهري، لكن يشهد هل حديث ابن عباس السابق وغيره.\n(١٠٨) وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد٦ قال: حدثنا سلمة٧ عن محمد بن إسحاق عن بريدة٨ بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد٩ بن كعب القرظي\n_________\n١ عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي، أصله من البصرة صدوق يغلظ، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، مات سنة تسعو وخمسين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٢٤٢، تهذيب التهذيب ٧/٢٦١.\n٢ سماك بن الوليد الحنفي أبو زميل - بالزاي مصغرًا - اليمامي ثم الكوفي ليس به بأس، من الثالثة: بخ، م، الأربعة. تقريب: ١٣٧.\n٣ المصنف لعبد الرزاق ٥/٣٤٣.\n٤ معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين: ع. تقريب:٣٤٤.\n٥ المصنف لعبد الرزاق ٥/٣٤٣.\n٦ هو: محمد بن حميد الرازي.\n٧ هو: سلمة بن الفضل الأبرش.\n٨ بريدة بن سفيان الأسلمي المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض، من السادسة: س. تقريب: ٤٣.\n٩ محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي المدني، كان قد نزل الكوفى مدة، ثقة عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال ولد في عهد النبي ﷺ فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم ينبت من سبي قريظة، مات سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٣١٦.","vol":"1","page":168},{"text":"عن علقمة١ بن قيس النخعي عن علي٢ بن أبي طالب ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: اكتب \"بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال سهيل: لا أعرف هذا ... ٣ الحديث.\nسند هذا الحديث ضعيف جدًا؛ لأن فيه ابن حميد (هو محمد) بن حميد الرازي، قال الذهبي: منكر الحديث٤، وفي إسناده أيضًا بريدة بن سفيان، قال البخاري: فيه نظر، وسئل أحمد عن حديثه فقال: بليه، وقال الدارقطني: متروك٥.\nلكن الحديث أصله في الصحيحين دون ما في آخره، ومما أشار إلى ذلك في الصحيح ما يلي:\n(١٠٩) قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب ﵁ بينهم كتابًا فكتب: \"محمد رسول الله\" فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي: امحه، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: القراب بما فيه\"٦.\nوأخرجه٧ مسلم عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر به نحوه.\nوأخرجه٨ عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به قال فيه: \"كتب علي\n_________\n١ علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة، ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين: ع. تقريب: ٢٤٣.\n٢ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته، من السابقين الأولين، المرجح أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح: ع. تقريب: ٢٤٦.\n٣ تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٧٩.\n٤ سير أعلام النبلاء ١١/٥٠٣.\n٥ ميزان الاعتدال ١١/٣٠٦، تهذيب التهذيب ١/٤٣٣.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٨.\n٧ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩١.\n٨ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩٠.","vol":"1","page":169},{"text":"بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ... \" الحديث بنحوه.\n(ب) الشهود على الصلح:\nأما الشهود على هذا العقد فقد سماهم حديث علي بن أبي طالب ﵁ عند ابن جرير:\nفبعد أن ذكر الكاتب وما دار بين رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو وما اتفقوا عليه وقصة أبي جندل، قال: فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين: أبا بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأخيف، وهو مشرك أخا بني عام بن لؤي، وعلي بن أبي طالب \"وهو كاتب الصحيفة\"١.\nسبق أن بينت ضعف هذا الحديث.\nوقد ذكر الواقدي٢ وابن سعد٣ هؤلاء الشهود سوى عبد الله بن سهيل بن عمرو وعلي بن أبي طالب، وقالا: محمد بن مسلمة بدل محمود بن مسلمة، وزادا: عثمان بن عفان وأبا عبيدة بن الجراح، وحويطب بن عبد العزى وكان مشركًا آنذاك.\n_________\n١ تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٨٠، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١٠٨) .\n٢ مغازي الواقدي ٢/٦١٢.\n٣ الطبقات الكبرى ٢/٩٧.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الرابع: تألم عمر وبعض الصحابة من شروط قريش:</span>\nكان رسول الله ﷺ قد أخذ على نفسه ألا يرد خطة يعرضها عليه المشركون تهدف إلى تعظيم حرمات الله، ومن هذا المنطلق جعل يوافق على كل ما تمليه قريش من شروط بل كان يتنازل عما يريده هو إذا رأى تصلبًا من جانب قريش، فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: \"فقال النبي ﷺ: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال سهيل: \"أما الرحمن\" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: \"باسمك اللهم\" كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا: \"بسم الله الرحمن الرحيم\"،","vol":"1","page":170},{"text":"فقال النبي ﷺ: اكتب \"باسمك اللهم\" ثم قال: \"هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله\" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن أكتب: \"محمد بن عبد الله\" فقال النبي ﷺ: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني\" اكتب \"محمد بن عبد الله\"، قال الزهري: وذلك لقوله: \"لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ... \"١ الحديث.\nفهذا النص يصور لنا مدى تسامح رسول الله ﷺ مع قريش، وقد استغلت قريش ذلك اللين من رسول الله ﷺ فجعلت تملي شروطها، يظهر منها الأجحاف في حق المسلمين الأمر الذي أثار حفيظة بعض المسلمين حتى فعل ما فعل:\nففي حديث المسور ومروان٢ السابق: \"فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٣ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النبي ﷺ: فأجزه٤ لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٣ يرسف يتحامل برجله مع القيد. النهاية: ٢/٢٢٢.\n٤ أجزه لي: من الإجازة: أي أمض لي فعلي فيه فلا أرده إليك أو أستثنيه من القضية. فتح الباري ٥/٣٤٥.","vol":"1","page":171},{"text":"الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ ليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري١: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا ... \".\nوفي حديث المسور ومروان أيضًا من طريق ابن إسحاق: \"فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه النبي ﷺ قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام وتراجعا، حتى جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ابن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله ﷺ؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر إلزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولم يضيعني، ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا ... \"٢.\nوفي موضع آخر٣ في رواية ابن إسحاق أيضًا: \"وقد كان المسلمون خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: يا محمد قد لجّت٤ القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت فقام إليه فأخذ بتلبيبه٥ قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني، قال: فزاد الناس شرًا إلى ما بهم فقال رسول الله ﷺ: يا أبا جندل اصبر واحتسب\n_________\n١ قال ابن حجر: هو موصول إلى الزهري بالسند المذكور وهو منقطع بين الزهري وعمر، فتح الباري ٥/٣٤٦.\n٢ مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٣ مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٤ لجت: أي وجبت، قال ابن الأثير: هكذا جاءت مشروحًا ولا أعرف أصله. النهاية ٤/٢٣٣.\n٥ أخذ بتلبيبه: أي أخذ بمجمع ثوبه الذي هو لابسه وقبض عليه يجره. النهاية ٤/٢٢٣.","vol":"1","page":172},{"text":"فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهدًا وإنا لن نغدر بهم، قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه قال يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال: فظن١ الرجل بأبيه ونفذت القضية ... \".\nوقد وردت قصة عمر في حديث سهل بن حنيف أيضًا:\n(١١٠) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا يزيد بن عبد العزيز عن أبيه حدثنا حبيب بن ثابت قال: حدثني أبو وائل قال: كنا بصفين فقام سهل بن حنيف فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم فإنا كنا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: بلى، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية٢ في ديننا؟ أنرجع ولا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا، قال: فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له: مثل ما قال للنبي ﷺ، فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم\"٣.\nوأخرجه من طريق يعلى بن عبيد الطنافسي عن عبد العزيز عن حبيب قال: \"أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين - ولو نرى قتالًا لقاتلنا فجاء عمر ... \"٤ الحديث، دون قوله: \"فقرأها رسول الله ﷺ على عمر ... \".\n_________\n١ فظن: هكذا في الأصل - بالظاء المعجمة - والذي يقتضيه السياق أن تكون - بالضاد المعجمة - من الضنانة وهي البخل.\n٢ الدنية: الخصلة المذمومة. النهاية ٢/١٣٧.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية: ٣١٨٢.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٤٤.","vol":"1","page":173},{"text":"وأخرجه مسلم١ من طريق عبد الله بن نمير عن عبد العزيز بن سياه به فذكر نحوه وزاد في آخره: \"فطابت نفسه ورجع\".\nوأخرجه أحمد٢ من طريق يعلى بن عبيد عن عبد العزيز به نحوه وذكر في أوله قصة.\nوأخرجه البيهقي٣ من طريق يعلى بن عبيد وعبد الله بن نمير كلاهما عن عبد العزيز به فذكره بنحوه وزاد في آخره: \"فطابت نفسه ورجع\".\nكانت هذه رواية حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل، وقد رواه عنه غيره:\nفأخرجه البخاري من طريق الأعمش عن أبي وائل:\nقال: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة قال: سمعت الأعمش قال: \"سألت أبا وائل شهدت صفين؟ قال: نعم: فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفضعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا\"٤.\nوأخرجه٥ من طريق أبي عوانة عن الأعمش به نحوه، وزاد في آخره: وقال أبو وائل: \"شهدت صفين وبئست صفين\".\nوأخرجه مسلم٦ من طريق أبي معاوية وجرير ووكيع كلهم عن الأعمش به نحوه.\nوأخرجه أحمد٧ والحميدي٨ كلاهما من طريق ابن عيينة عن الأعمش به نحوه.\nوأخرجه البخاري من طريق أبي الحصين عن أبي وائل:\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسيرة: ٩٤.\n٢ مسند أحمد ٣/٤٨٥.\n٣ السنن الكبرى ٩/٢٢٢.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية: ٣١٨١.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: ٧٣٠٨.\n٦ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٥.\n٧ مسند أحمد ٣/٤٨٥.\n٨ مسند الحميدي ١/١٩٧.","vol":"1","page":174},{"text":"قال: حدثنا الحسن بن إسحاق حدثنا محمد بن سابق حدثنا مالك ابن مغول قال: سمعت أبا حصين قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل ... \" وذكر بنحو من رواية الأعمش، وزاد في آخره: \"ما نسد منها خصمًا إلا تفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له\"١.\nوأخرجه مسلم٢ من طريق أبي أسامة عن مالك بن مغول به نحوه.\nوقد تحدث عمر ﵁ - نفسه - عما قاساه من عنت قريش يوم صلح الحديبية، جاء ذلك في حديثه عند ابن سعد.\n(١١١) قال: أخبرنا موسى٣ بن مسعود النهدي أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل٤ عن ابن عباس قال: قال عمر٥ بن الخطاب: لقد صالح رسول الله ﷺ أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئًا لو أن نبي الله أمر علي أميرًا فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت ولا أطعت، وكان الذي جعل: أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردون ومن لحق بالكفار لم يردوه\"٦.\nوقد أورده السيوطي ثم عزاه لابن سعد، وقال: سنده صحيح٧.\nقلت: الحديث حسن لأن في سنده موسى بن مسعود النهدي مختلف فيه، فقد ضعفه الترمذي وبندار وقال ابن خزيمة لا أحتج به، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم٨ بينما وثقة العجلي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أحمد: صدوق في حفظه شيء، وقال ابن معين: لم يكن من أهل الكذب، وقال ابن سعد: كان كثير\n_________\n١ صحيح البخاري، كتاب المغازي: ٤١٨٩.\n٢ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٦.\n٣ موسى بن مسعود النهدي - بفتح النون - أبو حذيفة البصري، صدوق سيء الحفظ وكان يصحف، مات سنة عشرين ومائتين أو بعدها وقد جاوز التسعين وحديثه عند مسلم في المتابعات: خ، د، ت، ق. تقريب: ٣٥٢.\n٤ هو: سماك بن الوليد الحنفي.\n٥ عمر بن الخطاب بن نفيل - بنون وفاء مصغرًا - ابن عبد العزى بن رباح - بتحتانية - ابن عببد الله بن قرط - بضم القاف - ابن رزاخ - براء ثم زاي خفيفة - بن عدي بن كعب القرشي العدوي أمير المؤمنين مشهور جم المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وولي الخلافة عشر ونصفًا: ع. تقريب: ٢٥٣.\n٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠١.\n٧ نقله صاحب كنز العمال ١٠/٤٧٣.\n٨ ميزان الاعتدال ٤/٢٢١، تهذيب التهذيب ١٠/٣٧٠، هدي الساري: ٤٤٦.","vol":"1","page":175},{"text":"الحديث، ثقة إن شاء الله، حسن الرواية عن عكرمة بن عمار والثوري وزهير بن محمد١ ا. هـ\nفإذا استعرضنا أقوال علماء الجرح والتعديل السابقة في موسى بن مسعود نجد أن الذين عدلوه أرسخ قدمًا وأطول باعًا في هذا المضمار من الذي جرحوه، ثم نجد أيضًا أن الذين جرحه لم يبينوا سبب التجريح اللهم إلا ما روي عن أحمد أنه قال: صدوق في حفظه شيء، فإذا حملنا تضعيفهم له على هذا الشيء اليسير في حفظه فلا يرد هذا الطعن على روايته عن عكرمة بن عمار؛ لأن ابن سعد قد نص على أن حديثه عن عكرمة بن عمار حسن، كما سبقت الإشارة إليه.\nفالذي ترجح لي أن هذا الحديث حسن، والله أعلم.\nوقد أشار عمر ﵁ إلى بعض ما حصل له أيضًا في حديثه عند البزار وغيره:\n(١١٢) قال البزار: حدثنا محمد٢ بن المثنى قال حدثنا يونس٣ بن عبيد الله العميري قال: ثنا المبارك٤ بن فضالة عن عبيد الله٥ عن نافع٦ عن ابن عمر عن عمر أنه قال: اجتهدوا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل أرد أمر رسول الله ﷺ لرأيي وما آلوا٧ عن الحق أن رسول الله ﷺ كان يكتب كتابًا بينه وبين أهل مكة، فقال: اكتب \"بسم الله الرحمن الرحيم\" فقالوا: لو نرى ذلك صدقناك بما تقول\n_________\n١ المصادر السابقة.\n٢ محمد بن المثنى بن عبيد العنزي - بفتح النون والزاي - أبو موسى البصري المعروف بالزمن مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، وكان هو وبندار كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة سنة اثنتين وخمسين بعد المائة: ع. تقريب: ٢٩١، ٣١٧.\n٣ يونس بن عبيد الله العمير الليثي أبو عبد الرحمن البصري، صدوق من كبار العاشرة: كن. تقريب: ٣٩٠، وفي تهذيت التهذيب ١١/٤٤٢ «العمري»، وفي الجرح والتعديل ٤/٢/٢٤١ «العميري» .\n٤ مبارك بن فضالة - بفتح الفاء وتخفيف المعجمة - أبو فضالة البصري صدوق يدلس ويسوي، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح: خت، د، ت، ق. تقريب: ٣٢٨.\n٥ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري.\n٦ نافع مولى ابن عمر.\n٧ آلوا: أُقَصِّر وأُبطأ. ترتيب القاموس ١/١٧٣.","vol":"1","page":176},{"text":"ولكن اكتب كما كنت تكتب \"باسمك اللهم\" فرضي رسول الله ﷺ وأبيت حتى قال: \"تراني قد رضيت وتأبى أنت\"، قال: فرضيت١.\nقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولم يشارك مباركًا في روايته عن عبيد الله في هذا الحديث أحد، وقد رواه غير عمر\".\nوأخرجه الطبراني عن علي٢ بن عبد العزيز عن يونس بن عبيد الله به قال: \"أيها الناس اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول اله برأيي واجتهادًا، فوالله ما آلوا عن الحق وذلك يوم أبي جندل ... \"٣ الحديث بنحوه.\nوأخرجه أبو نعيم من طريق يونس بن عبيد الله عن مبارك به نحوه٤.\nذكر الهيثمي هذا الحديث في المجمع في موضعين منه قال في أحدهما: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح٥ ا. هـ\nقلت: هذا وَهْمٌ منه ﵀ فمبارك ليس من رجال الصحيح، وسأنبه عليه فيما بعد إن شاء الله وأبين سببه.\nوقال في الموضع الآخر: رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون، وإن كان فيه مبارك بن فضالة٦ ا. هـ\nقلت: مبارك بن فضالة مختلف فيه، فقد ضعفه النسائي وغيره، ووثقه عفان وكان يحيى بن سعيد القطان يحسن الثناء عليه، واختلف قول ابن معين فيه، فمرة وثقه، ومرة قال: صالح، ومرة قال: ضعيف.\nوقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا فإذا قال: حدثنا فهو ثقة، وقال أبو داود: شديد\n_________\n١ مسند البزار ١، لوحة: ٤٤.\n٢ علي بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور أبو الحسن البغوي شيخ الحرم، ومصنف المسند، قال الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم: صدوق، مقته النسائي لكونه كان يأخذ على الحديث، وقد اعتذر له الذهبي: بأنه كان فقيرًا مجاورًا، وقال إنه ثقة، مات سنة ست وثمانين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٢ - ٦٢٣، الجرح والتعديل ٣/١٩٦، ميزان الاعتدال ٣/١٤٣.\n٣ المعجم الكبير ١/٢٦.\n٤ معرفة الصحابة ١، لوحة: ١٥.\n٥ مجمع الزوائد ٦/١٤٦.\n٦ مجمع الزوائد ١/١٧٩.","vol":"1","page":177},{"text":"التدليس، فإذا قال: حدثنا فهو ثبت ووصفه أحمد بالتدليس أيضًا١.\nوذكر ابن حجر أنه يدلس ويسوي٢.\nوقال ابن عدي: عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة٣.\nوذكر الذهبي أقوال العلماء فيه ثم قال: هو حسن الحديث، ولم يذكره ابن حبان في الضعفاء، وكان من أوعية العلم٤ ا. هـ\nقلت: الذي يترجح لي في مبارك بن فضالة أن حديثه حسن إذا صرح بالسماع، وهذا الحديث لم يصرح فيه بالسماع لكن يشهد له ما في حديث المسور ومروان عند البخاري.\nقال الهيثمي: \"وهو في الصحيح بطوله، ولم أر فيه قوله: \"يا عمر تراني قد رضيت وتأبى أنت\"٥.\nتنبيه:\nسبق أن ذكرت قول الهيثمي عن الحديث: \"رجاله رجال الصحيح\".\nوأشرت إلى أن في سند الحديث من ليس من رجال الصحيح، وهو مبارك بن فضالة، ووعدت ببيان سبب قول الهيثمي هذا، فأقول وبالله التوفيق سبب ذلك: أن السند الذي نقله الهيثمي مع الحديث في \"كشف الأستار\" ليس فيه مبارك بن فضالة وهذا نصه: \"حدثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر ... \"٦.\nفهذا السند رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي: لكنه ليس بسند الحديث إنما هو سند حديث آخر - يسبق الحديث الذي نحن بصدده في \"المسند\" - وهو: \"عن عمر أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: \"تصيبني الجنابة من الليل، فأمره أن يتوضأ وضوءه للصلاة\"٧.\n_________\n١ ميزان الاعتدال ٣/٤٣١ - ٤٣٢.\n٢ تقريب التهذيب: ٣٢٨.\n٣ ميزان الاعتدال ٣/٤٣٢.\n٤ سير أعلام النبلاء ٧/٢٨١ - ٢٨٤.\n٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٨.\n٦ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٨.\n٧ مسند البزار ١، لوحة: ٤٤.","vol":"1","page":178},{"text":"فلعل ما حصل هو سبق نظر من الهيثمي١ ﵀، أو أنه أخذه عن نسخة أخرى قد انقلب السند فيها.\nفالحاصل: أن حكم الهيثمي على سند البزار إنما هو على السند المقلوب لا السند الأصلي، الذي فيه مبارك بن فضالة، والله أعلم.\n_________\n١ وقد تابعه على ذلك ابن حجر، انظر: زوائد مسند البزار، لوحة: ٢٠٢.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الخامس: موقف المسلمين من صلح الحديبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الأول: وفاء المسلمين بالعهد</span>\n...\nالمطلب الأول: وفاء المسلمين بالعهد:\nلقد تألم المسلمون كثيرًا ووجدوا في أنفسهم من بعض الشروط التي أملتها قريش، وجدوا في أنفسهم أنهم رأوا أن الرضا بها يعبر عن الضعف والاستكانة أمام الكفار بل صرح عمر ﵁ بذلك حين قال: \"فعلام نعطي الدنية في ديننا إذن\"١.\nلكن رسول الله ﷺ قد رضي تلك الشروط ووقّع العقد مع قريش عليها، وصرح بأنه إنما يفعل ذلك بأمر الله٢، فليس أمام المسلمين إلا التسليم والرضا بما رضيه رسول الله ﷺ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣.\nولقد سلموا لأمر الله ورسوله تسليمًا يصاحبه الإيمان بأن الخير فيما اختاره الله، وقد ترجموا ذلك بأفعالهم، فقد رأينا في قصة أبي جندل٤ مع أبيه كيف ابتزه من بين ظهرانيهم وهو يستغيث فلا يستجاب له، وهذا أبو بصير يلحق بهم في المدينة ثم تسترجعه قريش من ثم ... فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: \"ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلوا من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد\n_________\n١ من حديث المسور ومروان.\n٢ صرح بذلك في جوابه لعمر ص:\n٣ سورة الأحزاب الآية: ٣٦.\n٤ تقدمت قصته في المبحث السابق.","vol":"1","page":179},{"text":"جربت به ثم جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا١، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله: قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم، قال النبي ﷺ: ويل أمه مِسْعَر٢ حرب، لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده عليهم فخرج حتى أتى سِيْفَ٣ البحر ... \"٤.\nوأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق بسياق آخر فيه شيء من التفصيل:\nيقول فيه ما نصه: \"قالا: ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن بها، أفلت إليه أبو بصيرة عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، فكتب إلى رسول الله ﷺ فيه الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف وبعثا بكتابهما مع مولى لهما ورجل من بني عامر بن لؤي استأجروه ليرد عليهما صاحبهما أبا بصير، فقدما على رسول الله ﷺ فدفعا إليه كتابهما فدعا رسول الله ﷺ أبا بصير إن هؤلاء القوم قد صالحونا على ما قد علمت، وإنا لن نغدر فالحق بقومك، فقال: يا رسول الله تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني ويعبثون بي، قال رسول الله ﷺ: اصبر يا أبا بصير، واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين من المؤمنين فرجًا ومخرجًا، قال: فخرج أبو بصير وخرجا حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلسوا إلى سور جدار فقال أبو بصير للعامري أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال أنظر إليه، قال إن شئت، فاستلّه فضرب به عنقه وخرج المولى يشتد فطلع على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا رجل قد رأى فزعًا فلما انتهى إليه قال: ويحك مالك، قال: قتل صاحبكم صاحبي، فما برح حتى طلع أبو بصير متوشحًا٥ السيف، فوقف على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك، امتنعت بنفسي عن المشركين أن يفتنوني في ديني، وأن يعبثوا بي، فقال رسول الله ﷺ\n_________\n١ ذعرًا: - بالضم - خوفًا. ترتيب القاموس ٢/٢٥٨.\n٢ مسعر حرب: المسعر: ما تحرك به النار من آلة الحديد، يصفه بالمبالغة في الحرب والنجدة. النهاية ٢/٣٦٧.\n٣ سيف البحر: أي ساحله. المصدر السابق ٢/٤٣٤.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٥ متوشحًا السيف: متقلده. ترتيب القاموس ٤/٦١٤.","vol":"1","page":180},{"text":"ويل أمه، مِحَش١ حرب، لو كان معه رجال، فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص ... \"٢.\nوأخرجه من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا فذكر قدومه المدينة المنورة بنحو ما في رواية ابن إسحاق ثم قال: \"فبعث في أثره الأخنس بن شريق في رجلين من بني منقذ٣ أحدهما زعموا مولى، والآخر من أنفسهم اسمه جحش بن جابر وكان ذا جلد ورأي في أنفس المشركين، وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جعلًا٤، فقدما على رسول الله ﷺ فدفع أبا بصير إليهما فخرجا حتى إذا كانا بذي الحليفة سلّ جحش سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يومًا إلى الليل، فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم، قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إليه فلما قبض عليه ضربه حتى برد، ويقال: بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه حتى برد وطلب الآخر فجمز٥ مذعورًا مستخفيًا حتى دخل المسجد ... \" وذكر نحو ما في رواية ابن إسحاق ثم زاد: \"وجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله فقال خَمِّسْ يا رسول الله قال: إني إذا خمست لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، ثم اذهب حيث شئت، فخرج أبو بصير ... \"٦.\nوأخرجه٧ من طريق أبي الأسود عن عروة مرسلًا بنحو مرسل الزهري إلا أن فيه اختصار.\nوقصة أبي بصير وردت موصوله كما سبق في حديث المسور ومروان من طريق معمر وابن إسحاق وصرح ابن إسحاق بالسماع فلا يضرها الإرسال.\nفقصة أبي بصير هذه مع ما سبق من قصة أبي جندل ترسم لنا صورة واقعية لوفاء المسلمين بعهودهم إذ لم يحل بينهم وبين منع إخوانهم من قريش سوى الوفاء\n_________\n١ مِحشّ حرب: يقال: حش الحرب إذا أسعرها وهيجها تشبيها بإسعار النار. النهاية ١/٣٨٩.\n٢ السنن الكبرى ٩/٢٢٧، وتقدم الكلام على إسناده حديث رقم (٣٦) .\n٣ بنو منقذ: بطن من بني عامر بن لؤي، وهو منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي. جمهرة أنساب العرب: ١٧٠ - ١٧١.\n٤ الجعل الأجرة على الشيء فعلًا أو قولًا. النهاية ١/٢٧٦.\n٥ فجمز: أي أسرع هاربًا من القتل. النهاية ١/٢٩٤.\n٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٤٣.\n٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٤٥.","vol":"1","page":181},{"text":"بالعهد، والوفاء وحده، وإلا فقد لحق بالمسلمين قبيل الصلح ناس من قريش ليسوا بأعز عليهم من أبي جندل وأبي بصير، وجاء في طلبهم بعض سادة قريش فلم يمكنهم رسول الله ﷺ منهم، كما بين ذلك حديث علي الآتي:\n(١١٣) قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز١ بن يحيى الحراني حدثني محمد٢ - يعني ابن سلمة - عن محمد٣ بن إسحاق عن أبان٤ بن صالح عن منصور بن المعتمر عن ربعي٥ بن حراش عن علي بن أبي طالب قال: خرج عُبْدان إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية، قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: \"وما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا\"، وأبى أن يردهم وقال: \"هم عتقاء الله ﷿\"٦.\nوأخرجه البيهقي٧ من طريق عبد العزيز بن يحيى الحراني به فذكره بمثله.\nوأخرجه الترمذي من وجة آخر بسياق آخر:\n(١١٤) قال: حدثنا سفيان٨ بن وكيع قال: حدثني أبي٩ عن شريك١٠\n_________\n١ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي الأصبع الحراني، صدوق ربما وهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: د، س. تقريب: ٢١٦.\n٢ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم الحراني، ثقة، مات سنة إحدى وتسعين ومائة على الصحيح: ز، م، الأربعة. تقريب: ٢٩٩، تهذيب التهذيب ٩/١٩٣ - ١٩٤.\n٣ محمد بن إسحاق بن يسار.\n٤ أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وثقه الأئمة ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه، مات سنة بضع عشرة ومائة وهو ابن خمس وخمسين: خت، الأربعة. تقريب: ١٨.\n٥ ربعي بن حراش - بكسر المهملة وآخره معجمة - أبو مريم العيسى الكوفي، ثقة عابد مخضرم، مات سنة مائة، وقيل غير ذلك: ع. تقريب: ١٠٠.\n٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٠٠.\n٧ السنن الكبرى ٩/٢٢٩.\n٨ سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الرؤاسي الكوفي، كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، مات سنة سبع وأربعين ومائتين: ت، ق. تقريب: ١٢٩، تهذيب التهذيب ٤/١٢٤.\n٩ وقع في الأصل عن «أ ُبَيْ» وهو تصحيف صححته من الأطراف للمزي ٧/٣٧١.\n١٠ شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين بعد المائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ١٤٥.","vol":"1","page":182},{"text":"عن منصور عن ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب بالرحبة١ قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وناس من المشركين فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا، قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ: \"يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله قلبه على الإيمان\"، قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف٢ النعل، وكان قد أعطى عليًا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\"٣.\nوأخرجه أحمد٤ عن أسود بن عامر٥ عن شريك به مختصرًا ولم يذكر أن ذلك في الحديبية.\nوقال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ربعي عن علي، قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم يكذب ربعي بن حراش في الإسلام كذبة، وأخبرني محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن أبي الأسود قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: منصور بن المعتمر أثبت أهل الكوفة\"٦.\nوقد نقل السيوطي٧ تصحيح هذا الحديث عن ابن جرير.\nقلت: نعم الحديث صحيح، ولكن بمجموع طرقه.\n_________\n١ الرحبة: بفتح الراء والمهلمة والموحدة - تنسب إلى خنيس بن سعد أخي النعمان ابن سعد جد أبي يوسف القاضي، يقال لها رحبة خنيس وهي محلة بالكوفة. معجم البلدان ٣/٣٣.\n٢ خاصف النعل: الذي يخرزها، من الخصف وهو الضم والجمع. النهاية ٢/٣٨.\n٣ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧١٥.\n٤ مسند أحمد ١/١٥٥.\n٥ الأسود بن عامر الشامي، نزيل بغداد يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان ثقة، مات في أول سنة ثمان ومائتين: ع. تقريب: ٣٦.\n٦ سنن الترمذي ٥/٦٣٤.\n٧ جمع الجوامع ٢/٥٣.","vol":"1","page":183},{"text":"ففي سند أبي داود شيخه عبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وهم، كما قال ابن حجر.\nوفي سند الترمذي أيضًا شيخه سفيان بن وكيف صدوق إلا أنهم تركوا حديثه لما أدخل عليه وراقة ما ليس منه، لكن أخرج الحديث أحمد عن أسود بن عامر الشامي شاذان وهو ثقة.\nوفي سند أبي داود أيضًا لم يصرخ ابن إسحاق بالسماع لكن تابعه وكيع بن الجراح عن شريك عن منصور عند الترمذي وشريك متكلم في حفظه، لكن قال ابن معين١: شريك صدوق ثقة، إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه.\nوقال ابن عدي٢: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته.\nقلت: قد روى عنه هنا أسود بن عامر الشامي، وهو ثقة كما قال ابن حجر.\nوبقية رجال السند ثقات، فالحديث صحيح بمجموع طرقه، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب التهذيب ٤/٣٣٥.\n٢ هدي الساري: ٤١٠.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الثاني: بيان أن امتناع النبي ﷺ عن رد المهاجرات ليس إخلالًا بالصلح:</span>\nورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق عقيل أن النبي ﷺ امتنع عن رد المهاجرات في الهدنة إلى قريش:\n(١١٥) قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا١ منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ\n_________\n١ امتعضوا: أي غضبوا وشق عليهم. النهاية ٤/٣٤٢، ترتيب القاموس ٤/٢٦٢.","vol":"1","page":184},{"text":"يومئذ - وهي عاتق١ - فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٢.٣\nوأخرجه البيهقي٤ من طريق ابن عقيل به، فذكره بمثله.\n(١١٦) وأخرجه ابن إسحاق عن عروة بسياق آخر مرسلًا:\nقال ابن إسحاق: فحدثني الزهري عن عروة بن الزبير قال: دخلت عليه وهو يكتب كتابًا إلى ابن أبي هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ...﴾، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: إن رسول الله ﷺ كان صالح قريشًا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين، إذا هن امتحن بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهم إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، وإن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذالكم حكم الله بينكم والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم، إن هم فعلوا ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم، لرد رسول الله ﷺ النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقًا، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد ... \" ٥.\n_________\n١ عاتق: الجارية أول ما أدركت، أو التي لم تتزوج، أو التي بين الإدراك والتعنيس. ترتيب القاموس ٣/١٥٠ - ١٥١، النهاية ٣/١٨٧ - ١٨٩.\n٢ سورة الممتحنة الآية: ١٠.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧١١ - ٢٧١٢.\n٤ السنن الكبرى ٩/٢٢٨.\n٥ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٦.","vol":"1","page":185},{"text":"وأخرجه ابن جرير١ والبيهقي٢ كلاهما من طريق ابن إسحاق به مختصرًا.\nوأخرجه البيهقي٣ أيضًاَ عن طريق ابن إسحاق عن الزهري وعبد الله بن بكر ابن حزم مرسلًا.\nجاء هذا الحديث هنا من طريق ابن إسحاق مرسلًا وقد جاء موصولًا من طريق عقيل بن خالد الأيلي عند البخاري كما سبق قريبًا، وخالد ثقة ثبت كما قال ابن حجر٤، فالحكم هنا لمن وصله على الصحيح لأنها زيادة ثقة٥.\nوقد جاء في هذا الحديث أن النبي ﷺ امتنع عن رد النساء اللاتي هاجرن إلى المدينة أثناء الهدنة، فهل يعد هذا الفعل نقضًاَ للعهد أم لا؟\nالواقع أنه ليس في امتناعه ﷺ عن رد المهاجرات خروجًا عن المعاهدة للآتي:\nأ - إما لأنهن غير داخلات في العهد أصلًا فقد ورد في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: \"فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا ... \"، فقد نص هنا على الرجال دون النساء.\n(١١٧) وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان: \"أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: رد علينا من هاجر من نسائنا فإن شرطنا أن من أتاك منا أن ترده علينا، فقال: \"كان الشرط في الرجال، ولم يكن في النساء\".\nذكر هذا الأثر ابن حجر ثم عقب عليه بقوله: وهذا لو ثبت كان قاطعًا للنزاع٦.\nب - وإما أن يكون العهد قد شملهن ثم نسخته في حقهن آية الامتحان وخصته بالرجال، فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق عقيل ما نصه:\n_________\n١ تفسير ابن جرير ٢٨/٦٩.\n٢ السنن الكبرى ٩/٢٢٨.\n٣ السنن الكبرى ٩/٢٢٩.\n٤ تقريب التهذيب: ٢٤٢.\n٥ تقريب النواوي ١/٢٢١ - ٢٢٢ مع تدريب الراوي.\n٦ فتح الباري ٩/٤١٩.","vol":"1","page":186},{"text":"\"وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرجن إلى رسول الله ﷺ يومئذ - وهي عاتق - فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها عليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ...﴾ ١. الآية، والمراد منها قوله ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، وقد أشار أيضًا إلى نسخ المعاهدة في حق النساء حديث عبد الله ابن أبي أحمد عند ابن أبي عاصم:\n(١١٨) قال حدثنا محمد٢ بن يحيى الباهلي ثنا يعقوب٣ بن محمد ثنا عبد العزيز بن عمران عن مجمع٤ بن يعقوب عن حسين٥ بن أبي لبابة عن عبد الله٦ بن أبي أحمد بن جحش قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان٧.\nوأخرجه أبو نعيم٨ من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن\n_________\n١ تقدم الحديث برقم (١١٥) .\n٢ انظر تاريخ أصبهان ٢/٣٠٦.\nمحمد بن يحيى الباهلي لم أقف على ترجمته، وقد ساق ابن كثير هذا الحديث في تفسيره ٤/٣٥٠، بسند ابن أبي عاصم لكن قال فيه: «محمد بن يحيى الذهلي (بدل) الباهلي، وهو خلاف ما في كتاب (الآحاد والمثاني) لابن أبي عاصم، فإن فيه: الباهلي، وقد أخرج ابن أبي عاصم عن «الباهلي» حديثًا في كتاب السنة قال: حدثنا محمد بن يحيى أبو عمرو الباهلي ...» .\nوقال محقق الكتاب المحدث ناصر الدين الألباني ما نصه: \"ومحمد بن يحيى أبو عمرو الباهلي لم أجد له ترجمة ويحتمل على بعد أن يكون هو محمد بن يحيى بن عبد الله أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الحافظ الإمام من شيوخ البخاري، ويكون ما في الكتاب «أبو عمر الباهلي» محرفًا عن «أبي عبد الله الذهلي» والله أعلم.\nظلال الجنة ١/١٩١ مع كتاب السنة لابن أبي عاصم.\nقلت: والظاهر أن «الباهلي» هذا رجل آخر غير «الذهلي» فقد روى عنه ابن أبي عاصم في كتابه «الآحاد والمثاني» وفي كتابه «السنة» وذكره المزي في تهذيبه فيمن روى عن يعقوب بن محمد بن حميد الزهري شيخه في هذا الحديث، والله أعلم.\n٣ يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: ٣٨٧.\n٤ مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري، صدوق، مات سنة ستين ومائة: د، س. تقريب: ٣٢٩.\n٥ الحسين بن السائب بن أبي لبابة - بضم اللام وموحدتين - بن عبد المنذر الأنصاري المدني مقبول من الثالثة: د. تقريب: ٧٣.\n٦ عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي، ولد في حياة النبي ﷺ وروى عن عمر وغيره، وذكره جماعة في ثقات التابعين: د. تقريب: ١٦٧.\n٧ الآحاد والمثاني، لوحة: ٦٤.\n٨ معرفة الصحابة ١، لوحة ٣٤٢ - ٣٤٣.","vol":"1","page":187},{"text":"عمران به فذكره بمثله.\nوأورد ابن كثير١ وكذلك ابن حجر٢ وعزواه لابن أبي عاصم.\nوذكره السيوطي٣ وقال: أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف.\nقلت: نعم الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لأن فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك، وشيخ ابن أبي عاصم \"الباهلي\" لم أجد ترجمته.\nوأخرجه عمر بن شبة من حديث أم كلثوم مطولًا.\n(١١٩) قال: حدثنا محمد٤ بن يحيى أبو غسان قال: حدثني عبد العزيز بن عمران عن مجمع بن يعقوب الأنصاري عن الحسن ابن السائب بن أبي لبابة عن عبد الله بن أبي أحمد قال: قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط نزلت فيّ آيات من القرآن كنت أول من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله ﷺ قريشًا على أنه من جاء رسول الله ﷺ بغير إذن وليه رده إليه، ومن جاء قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه إليه، قالت: فلما قدمت المدينة قدم علي أخي الوليد بن عقبة، قالت: ففسخ الله العقد الذي بينه وبين المشركين في شأني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، قالت: ثم أنكحني رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وكان أول من نكحني، فقلت: يا رسول الله زوجت بنت عمك مولاك؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٥، فسلمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم٦ الحديث.\nوهذا الإسناد أيضًا ضعيف؛ لأن فيه عبد العزيز بن عمران لكن أصل الحديث ثابت في صحيح البخاري من حديث المسور ومروان من طريق عقيل بن خالد الأيلي.\n_________\n١ تفسير ابن كثير ٤/٣٥٠.\n٢ الإصابة ٧/٢٠٠.\n٣ الدر المنثور ٦/٢٠٦.\n٤ محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني أبو غسان المدني ثقة، لم يصب السليماني في تضعيفه من العاشرة: خ. تقريب: ٣٢٣.\n٥ سورة الأحزاب الآية: ٣٦.\n٦ تاريخ المدينة ٢/٤٩٢.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث السادس: موقف قريش من الصلح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الأول: تخلى قريش عن أهم شروطها</span>\n...\nالمطلب الأول: تخلي قريش عن أهم شروطها:\nكان الصلح في ظاهر شروطه لصالح قريش، حتى وجد المسلمون في أنفسهم من ذلك ما وجدوا، لكن رسول الله ﷺ حين قبل تلك الشروط كان يسير بتوجيه من الله العليم بما سيكون كيف يكون، فكان واثقًا كل الثقة أن كفته هي الراجحة، وإن ظهر للناس ما ظهر، وقد صرح بذلك في جوابه لعمر حين قال له عمر: \"فعلام نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ فأجابه ﷺ بقوله: \"إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري ... \"١.\nأما قريش فكان محركها في سيرها هو العُنجُهِيَّة وحب السمعة، وقد صرحوا بذلك في وصيتهم لسهيل بن عمرو حين بعثوه للمفاوضة حيث قالوا له: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا\" ٢.\nوعلى أساس من هذه الوصية بنى سهيل بن عمرو شروطه للصلح، فعندما قال له رسول الله ﷺ: \"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به\" فقال سهيل: \"والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضُغْطَة ... \"٣.\nوهكذا كان هدف قريش هو الحفاظ على سمعتها دون نظر للعاقبة ولذلك صارت شروطها وبالًا عليها حتى تخلت عن أهم تلك الشروط، فطلبت من النبي ﷺ أن يؤوي من جاءه من مكة مسلمًا ولا يرده إليها:\nففي حديث المسور ومروان من طريق معمر بعد أن ذكر قصة أبي بصير وقتله للذي جاء في طلبه من قبل قريش قال: قال النبي ﷺ: \"ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد\" فلما ذكر ذلك عرف أنه سيرده عليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل\n_________\n١ من حديث المسور ومروان من رواية معمر.\n٢ من حديثهما من رواية ابن إسحاق.\n٣ من حديث المسور ومروان من رواية معمر.","vol":"1","page":189},{"text":"قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل١ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ - حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية٢، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا \"بسم الله الرحمن الرحيم\" وحالوا بينه وبين البيت\"٣.\nوفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند البيهقي بعد أن ذكر قتل أبي بصير للذي جاء في طلبه قال: \"فقال رسول الله ﷺ: \"ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال\" فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص٤، وكان طريق أهل مكة إلى الشام فسمع به من كان بمكة من المسلمين وبما قال رسول الله ﷺ فيه، فلحقوا به حتى كان في عصبة من المسلمين قريب من الستين أو السبعين، فكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه ولا تمر عليهم عير إلا اقتصعوها حتى كتبت قريش إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم لما آواهم فلا حاجة لنا بهم، ففعل رسول الله ﷺ فقدموا عليه المدينة\"٥.\nوأخرجه البيهقي أيضًا من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا مطولًا:\nفبعد أن ذكر قتل أبي بصير للذي جاء في طلبه قال: وجاء أبو بصير بسلبه إلى\n_________\n١ قال ابن حجر: ظاهره انها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن ألأكوع ومن حديث أنس بن مالك أيضًا، وأخرجه أحمد والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل بإسناد صحيح، نزلت بسبب القوم الذي أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، فظفروا بهم فعفا عنهم النبي ﷺ فنزلت الآية. فتح الباري ٥/٣٥٦.\nويؤيد ما قاله الحافظ ﵀ أن في الآية ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ وأبو بصير وجماعته لم يكونوا ببطن مكة، قاله صاحب الصحيح المسند من أسباب النزول: ١٤٧.\nقلت: الأحاديث التي أشار إليها ابن حجر في سبب نزول الآية تقدمت في مبحث، تحرشات قريش، انظر ص: ١٩٩\n٢ سورة الفتح الآية: ٢٤ - ٢٦.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٤ العيص: - بالكسر ثم السكون وآخره صاد مهملة - هو موضع في بلاد بني سليم على ساحل البحر. معجم البلدان ٤/١٧٣.\n٥ السنن الكبرى ٩/٢٢٧، وتقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (٣٦) .","vol":"1","page":190},{"text":"رسول الله ﷺ فقال: خَمِّسْ١ يا رسول الله قال: إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت، فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قد قدموا معه مسلمين من مكة، حيث قدموا فلم يكن طلبهم أحد، ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير حتى كانوا بين العيص وذي المروة٢ من أرض جهينة على طريق عيرات قريش، مما يلي سِيْفَ البحر، لا يمر بهم عِيْر لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وكان أبو بصير يكثر أن يقول:\nالله ربي العليُّ الأكبر ... من يَنْصرِ الله فسوف يُنْصَرُ\nقع الأمر على ما يُقْدَر\nوانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظَهْرَيْ قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام، وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانة ذلك يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار وأسلم وجهينة، وطوايف من الناس، حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل وهم مسلمون قال: فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عيرات لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل بن سهيل ومن معهما فيقدموا عليه وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابًا لا يصلح إقراره - فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله ﷺ خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من أن يأتي من ظن أن له قوة، هي أفضل مما خص الله به رسوله ﷺ من العون والكرامة٣، ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما\n_________\n١ خمس: أي اجعله خمسة أقسام وخذ الخمس لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية (الأنفال آية ٤١) .\n٢ ذي المروة: قرية بوادي القرى، وقيل بين خشب ووادي القرى. معجم البلدان ٥/١١٦.\n٣ هذا الكلام فيه نظر، فالذين أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل هم بعض الصحابة، ولم يكن أحد منهم يظن أن له قوة أفضل مما خص الله بها نبيه من العون والكرامة بل كانوا يعتقدون أن طاعة رسول الله لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا.","vol":"1","page":191},{"text":"هنالك حتى مر بهم أبو العاص بن الربيع١، وكان تحته زينب بنت رسول الله ﷺ من الشام في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لصهر أبي العاص رسول الله ﷺ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند أبيها، وكان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم، فكلمت رسول الله ﷺ في ذلك فزعموا أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس فقال: إنا ناسبنا وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب بنت رسول الله ﷺ سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عندهم من الأسرى رد إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال، وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما أن يرجعوا إلا بلادهم وأهليهم ولا يعترضوا لأحد من قريش وعيراتها، فقدم كتاب رسول الله ﷺ زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا٢، وقدم أبو جندل على رسول\n_________\n١ قصة أبي العاص هذه ذكرها ابن سعد في الطبقات ٢/٨٧، وابن جرير في تاريخه ٢/٨٣، وابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٧٨، فذكر هؤلاء وغيرهم من أهل المغازي أنها كانت في سرية زيد بن حارثة إلى العيص سنة ست، وذكرها ابن القيم في سرية زيد ثم أورد رواية موسى بن عقبة هذه وعقب عليها بقوله: وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش انبسطت عيراتها إلى الشام زمن الهدنة، وسياق الزهري للقصة بين ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة.\nقلت: يظهر من كلام ابن القيم ﵀ ترجيح أن الذين أخذوا عير أبي العاص هم أبو بصير وأصحابه لكن جاء في حديث عائشة ﵂ عند الحاكم أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة وأصحابه.\nقال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: \"لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم ... \" وذكرت فداء زينب ﵂ لأبي العاص، ثم قالت: \"ولم يزل أبو العاص مقيمًا على شركه حتى إذا كان قبيل فتح مكة، خرج بتجارة إلى الشام بأموال من أموال قريش أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلًا لقيته سرية لرسول الله ﷺ، وقيل إن رسول الله ﷺ كان هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص، قافلة من الشام، وكانوا سبعين ومائة راكب، أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأول سنة ست من الهجرة، فأخذوا ما في تلك العير من الأثقال وأسروا أناسًا من العير، فأعجزهم أبو العاص هربًا ... \" المستدرك ٣/٢٣٦.\nوهذا الإسناد حسن قد صرح ابن إسحاق فيه بالسماع، وقال الألباني عن هذا الحديث: وإسناده جيد، فقه السيرة للغزالي ٣٦٦ حاشية.\nفالتحقيق أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة ومن معه لهذا الحديث، أما ما ذكره موسى بن عقبة فهو من مراسيل الزهري، ومراسيل الزهري كان يحيى بن سعيد لا يراها شيئًا، ويقول: هي بمنزلة الريح. تهذيب التهذيب ٩/٤٥١.\n٢ هذا الفعل لم يثبت عن أبي جندل، لأن هذا الحديث من مرسلات الزهري، وهي ضعيفة، وعلى فرض ثبوته فهو محمول على عدم بلوغ النهي عن ذلك لأبي جندل، لأن قدومه للمدينة كان بعد هذه الحادثة، كما صرح بذلك هذا الحديث، وإنما شرعت الأحكام بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.","vol":"1","page":192},{"text":"الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش ... \"١.\nثم ذكر فيه نبذة عن حياة أبي جندل بعد ذلك.\nوأخرجه البيهقي أيضًا عن طريق٢ أبي الأسود عن عروة مرسلًا بنحو مرسل الزهري إلا أنه لم يذكر قصة أبي العاص.\nرواية الزهري وغيره هذه مرسلة لكن أصل قصة أبي بصير وأبي جندل ثابت من حديث المسور ومروان السابق من طريق معمر وابن إسحاق.\n_________\n١ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢٤٣، ٢٤٤.\n٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٤٥.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الثاني: نقض قريش للعهد:</span>\nإن المؤمن الحق يعلم أنه محكوم في كل تصرفاته بأوامر الله ونواهيه ويشعر أنه مراقب في كل لحظة من لحظات حياته، مراقب من الله الذي يعلم السر وأخفى، ولذلك تجده وقافًا عند حدود الله مستشعرًا عظم المسئولية، وقد رأينا كيف وَفَّى الصحابة رضوان الله عليهم بالعهد - حين امتلأت قلوبهم بالإيمان - فردوا إخوانهم إلى قريش، وقلوبهم تكاد تتقطع أسىً وحسرة.\nأما غير المؤمن فإنه محكوم بهواه وشهوته يدفعانه لارتكاب كل رذيلة، ولا يرعوي لشيء إلا أن تكون قوة ظاهر تدركها حواسه، وسوف نرى كيف أقدمت قريش على نقض العهد - حين ظنت أن أمرها سيخفى على رسول الله ﷺ - فأعانت حلفائها على حلفاء النبي ﷺ، كما أوضحت ذلك النصوص التالية:\n(١٢٠) قال ابن كثير: وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم حدثاه جميعًا قالا: كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد","vol":"1","page":193},{"text":"محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أبو الثمانية عشر شهرًا، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلًا بماء يقال له الوتير١، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا من أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ﷺ، وأن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير، حتى قدم على رسول الله ﷺ يخبر الخبر، وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها:\nيا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا٢\nقد كنتموا وُلْدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا\nفانصر رسول الله نصرًا أيِّدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا\nفيهم رسول الله قد تجردا ... إن سِيْم خسفًا٣ وجهه تربدا\nفي فيلق كالبحر يجري مُزْبِدا ... إن قريشًا أخلفوك الموعدا\nونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كَداء٤ رَصَدا\nوزعموا أن لست أدعوا أحدا ... فهم أذلّ وأقل عددا\nهم بيتونا بالوَتِير هُجّدا ... وقتلونا ركعًا وسجدا\nفقال رسول الله ﷺ: \"نصرت يا عمرو بن سالم\" فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء، فقال رسول الله ﷺ: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يُعمِّي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم٥.\nوقد نقل ابن حجر٦ هذا الحديث عن مغازي ابن إسحاق أيضًا.\n_________\n١ الوتير: هو ماء خزاعة، ويقع أسفل مكة. معجم البلدان ٥/٣٦٠.\n٢ الأتلد: القديم. انظر: ترتيب القاموس ١/٣٧٤.\n٣ الخسف: النقيصة. ترتيب القاموس ٢/٥٥.\n٤ كداء: بفتح الكاف والمد. هي الثنية التي بأعلى مكة. تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢/١٢٣.\n٥ البداية والنهاية ٤/٢٧٨.\n٦ الإصابة ٧/١٠٧.","vol":"1","page":194},{"text":"قال محمد بن إسحاق في المغازي: \"حدثني الزهري به، فذكره إلا أنه اختصر القصة\".\nوالحديث بهذا الإسناد حسن؛ لأن ابن إسحاق صرح فيه بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوللحديث شواهد يرتفع بها إلى درجة الصحة، وهي:\nحديث ابن عمر عند ابن حبان:\n(١٢١) قال: حدثنا الحسين١ بن مصعب بمرو بقرية سلج٢، قال: حدثنا محمد٣ بن عمر بن الهياج، حدثني يحيى٤ بن عبد الرحمن الأرحبي حدثني عبيدة٥ بن الأسود حدثنا القاسم٦ بن الوليد عن سنان٧ بن الحارث بن مصرف عن طلحة٨ بن مصرف عن مجاهد عن ابن عمر قال: \"كانت خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ، وكانت بنو بكر رهط بني كنانة حلفاء لأبي سفيان، قال: وكانت بينهم موادعة\n_________\n١ الحسين بن محمد بن مصعب بن رزيق المروزي السنجي، قال ابن ماكولا: كان يقال: ما بخراسان أكثر حديثًا منه، ووصفه الذهبي بالحافظ البارع، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة. الإكمال ٤/٤٧٤، تذكرة الحفاظ ٣/٨٠١، طبقات الحفاظ:٣٣٤.\n٢ هكذا في موارد الظمآن، والصواب: (سنج)، كما في الأنساب ٧/٢٦٦، ومعجم البلدان ٢/٢٦٤.\n٣ محمد بن عمر بن هياج الهمداني الصائدي الكوفي، صدوق مات سنة خمس وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٣١٢.\nوقال النسائي: لا بأس به، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: كان ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب ٩/٣٦٢.\n٤ يحيى بن عبد الرحمن بن مالك بن الحارث الأرحبي الكوفي، صدوق ربما أخطأ من التاسعة: ت، س، ق. تقريب: ٣٧٧.\nقال أبو حاتم: لا أرى في حديثه إنكارًا، يحدث عن عبيدة بن الأسود أحاديث غرائب، وقال الدارقطني: صالح يعتبر به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف. تهذيب التهذيب ١١/٢٥٠.\n٥ عبيدة بن الأسود بن سعيد الهمداني الكوفي، صدوق ربما دلس، من الثامنة: د، ت، ق. تقريب: ٢٣١.\nقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر بحديثه إذا بين السماع، وكان فوقه ودونه ثقات. تهذيب التهذيب ٧/٨٦.\n٦ القاسم بن الوليد الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، القاضي صدوق يغرب، مات سنة إحدى وأربعين ومائة: ق. تقريب: ٢٨٠، وثقه ابن معين والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. تهذيب التهذيب ٨/٣٤٠.\n٧ سنان بن الحارث بن مصرف ابن أخي طلحة بن مصرف، روى عن طلحة بن مصرف، روى عنه محمد بن طلحة والقاسم بن الوليد. الجرح والتعديل ٢/١/٢٥٤، وذكره ابن حبان في الثقات ٦/٤٣٤.\n٨ طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي - بالتحتانية - الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة اثنتي عشرة ومائة أو بعدها: ع. تقريب: ١٥٧.","vol":"1","page":195},{"text":"أيام الحديبية، فأغارت بنو بكر على خزاعة في تلك المدة، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يستمدونه فخرج رسول الله ﷺ مددًا لهم في شهر رمضان ... \"١ في حديث طويل.\nهذا اللفظ حسن لشاهده من حديث ابن إسحاق السابق، وقد صرح فيه عبيدة ابن الأسود بالسماع، وبقية رجاله فيهم الثقة، وفيهم دونه وأقلهم حالًا يعتبر بحديثه.\nحديث ميمونة ﵂ عند الطبراني:\n(١٢٢) قال: حدثنا محمد٢ بن عبد الله القرمطي من ولد عامر بن ربيعة ببغداد، حدثنا يحيى٣ بن سليمان بن نضلة الخزاعي حدثنا عمي محمد بن نضلة عن جعفر٤ بن محمد عن أبيه٥ عن جده علي٦ بن الحسين، حدثتني ميمونة٧ بنت الحارث، زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ بات عندها في ليلتها فقام يتوضأ للصلاة فسمعته يقول في متوضئه: ليبك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت ثلاثًا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: ليبك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت ثلاثاَ، كأنك تكلم إنسانًا فهل كان معك أحد؟ فقال: هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشاَ أعانت عليهم بني بكر، ثم خرج رسول الله ﷺ فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدًا، قالت: فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية ما هذا\n_________\n١ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ٤١٤.\n٢ محمد بن عبد الله العدوي، يعرف بالقرمطي مدني الأصل، حدث عن بكر بن عبد الوهاب ويحيى بن سليمان بن نضلة، روى عنه محمد بن غالب، وأبو القاسم الطبراني، قال أبو القاسم: إنما نسبوا إلى القرامطة لأن النبي ﷺ رأى عامرًا جدهم يمشي فقال: إنه ليقرمط في مشيه. تاريخ بغداد ٥/٤٣٣ - ٤٣٤.\n٣ يحيى بن سليمان بن نضلة الخزاعي المدني، روى عن مالك وسليمان بن بلال، وعنه ابن صاعد، وكان يفخم أمره، قال ابن عقدة: سمعت ابن خراش يقول: لا يسوى شيئًا، قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وسألته عنه فقال: شيخ حدث أيامًا ثم توفي، وقال ابن عدي: روى عن مالك وأهل المدينة أحاديث عامتها مستقيمة. الجرح والتعديل ٤/٢/١٥٤، ميزان الاعتدال ٤/٣٨٣، لسان الميزان ٦/٢٦١.\n٤ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، مات سنة ثمان وأربعين ومائة: بخ، م، الأربعة. تقريب: ٥٦.\n٥ محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٣١١.\n٦ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، مات سنة ثلاث وتسعين وقيل غير ذلك: ع. تقريب: ٢٤٥.\n٧ ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي ﷺ، قيل اسمها: برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة وتزوجها بسرف في سنة سبع، وماتت بها ودفنت سنة إحدى وخمسين على الصحيح: ع. تقريب: ٤٧٣.","vol":"1","page":196},{"text":"الجهاز، فقالت: والله ما أدري، فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله ﷺ؟ قالت: والله لا علم لي، قالت: فأقمنا ثلاثًا ثم صلى الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشده، فذكرت الأبيات، ثم قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"ليبك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت ثلاثًا\"١ الحديث.\nقال الطبراني٢: \"لم يروه عن جعفر إلا محمد بن نضلة، تفرد به يحيى بن سليمان ولا يروى عن ميمونة إلا بهذا الإسناد\".\nوقال الهيثمي٣: \"رواه الطبراني في الصغير والكبير، وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة، وهو ضعيف\".\nقلت: يحيى بن سليمان بن نضلة قال ابن خراش: لا يسوي شيئًا.\nوقال أبو حاتم: \"شيخ - وهو من يكتب حديثه وينظر فيه\"٤.\nوقال ابن عدي: \"روى عن مالك وأهل المدينة أحاديث عامتها مستقيمة\"٥.\nحديث عائشة ﵂:\n(١٢٣) قال أبو يعلى: ﵀: ثنا عثمان٦ بن أبي شيبة ثنا عبد الله٧ بن إدريس عن حزام٨ بن هشام أخبرني أبي٩ عن عائشة١٠ قالت: رأيت رسول الله ﷺ غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: \"لا\n_________\n١ المعجم الصغير ٢/٧٣ - ٧٤.\n٢ المعجم الصغير ٢/٧٣ - ٧٤.\n٣ مجمع الزوائد ٦/١٦٤.\n٤ انظر: تقريب النواوي ١/٣٤٥ مع تدريب الراوي.\n٥ انظر ترجمته.\n٦ عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل كان لا يحفظ القرآن، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة: خ، م، د، س، ق. تقريب: ٢٣٥ - ٢٣٦.\n٧ عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد، مات سنة اثنتين وتسعين ومائة، وله بضع وسبعون سنة: ع. تقريب: ١٦٧.\n٨ حزام بن هشام بن حبيش الخزاعي من أهل قديد، روى عن أبيه وعمر بن عبد العزيز، روى عنه ابن إدريس ووكيع، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حزام بن هشام فقال: شيخ محله الصدق. الجرح والتعديل ١/٢/٢٩٨.\n٩ هشام بن حبيش بن خالد بن الأشعر الخزاعي حجازي والد حزام بن هشام، روى عن عمر، وسراقة بن مالك، وعاءشة، روى عنه ابنه حزام، الجرح والتعديل ٤/٢/٥٣.\n١٠ عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة، ففيه خلاف شهير، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح: ع. تقريب: ٤٧٠.","vol":"1","page":197},{"text":"نصرني الله إن لم أنصر بني كعب\"، قالت: وقال لي: قولي لأبي بكر وعمر يتجهزا لهذا الغزو، فجاءا إلى عائشة فقال: أين يريد رسول الله ﷺ؟ قال: فقالت: لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان من الدهر\"١.\nقال الهيثمي٢: \"رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه عنها وقد وثقها ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح\".\nقلت: وقد وثقهما غير ابن حبان أيضًا، أما حزام فقال عنه ابن سعد٣ كان ثقة قليل الحديث، وقال أبو حاتم٤: شيخ محله الصدق، ووثقه يعقوب٥ بن شيبة صاحب المسند الكبير المعلل، وأما أبوه هشام بن خالد فقد ترجم له البخاري٦، وابن أبي حاتم٧، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذلك ابن سعد٨ قال: كان قليل الحديث، لكن وثقه يعقوب٩ ابن شيبة، فالحديث بهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن إن شاء الله.\nحديث أبي هريرة ﵁ عند البزار ويشهد له في المعنى:\n(١٢٤) قال: حدثنا عبد الواحد١٠ بن غياث أنبأ حماد بن سلمة عن محمد١١ بن عمرو عن أبي سلمة١٢ عن أبي هريرة١٣ أن قائد خزاعة قال:\n_________\n١ مسند أبي يعلى ٤، لوحة ٣٩٩.\n٢ مجمع الزوائد ٦/١٦٢.\n٣ الطبقات الكبرى ٥/٤٩٦.\n٤ الجرح والتعديل ١/٢/٢٩٨.\n٥ ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤، لوحة: ٢٧٥، ونقله صاحب تهذيب تاريخ دمشق ٤/١١٩ - ١٢٣، إلا أنه قال: ابن أبي شيبة، وهو وهم لأن ابن أبي شيبة عبسي، وهذا سدوسي، وقد ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ، وقال صاحب المسند الكبير المعلل ما صنف مسند أحسن منه، ولكنه ما أتمه، تذكرة الحفاظ ٢/٥٧٧.\n٦ التاريخ الكبير ٢/٤/١٩٢.\n٧ الجرح والتعديل ٤/٢/٥٣.\n٨ الطبقات الكبرى ٥/٤٦٥.\n٩ تاريخ دمشق ٤، لوحة: ١٧٥ في ترجمة ابنه حزام.\n١٠ عبد الواحد بن غياث - بمعجمة ومثلثة - أبو بحر الصيرفي صدوق، مات سنة أربعين ومائتين، وقيل قبل ذلك: د. تقريب: ٢٢٢.\n١١ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليث المدني، صدوق له أوهام ثبت، مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح، /ع/. تقريب: ٣١٣.\n١٢ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.\n١٣ أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة، ذكر ابن حجر الاختلاف في اسمه واسم أبيه، ثم ذكر أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه عبد الرحمن بن صخر، وذهب جمع من النسابين إلى أنه عمرو بن عامر، مات سنة سبع وقيل سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسبن وهو ابن ثمان وسبعين: ع. تقريب: ٤٣١.","vol":"1","page":198},{"text":"يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا\nانظر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا\nوقال البزار: \"لا نعلمه رواه إلى حماد بهذا الإسناد\"١.\nقال الهيثمي٢ بعد أن ذكره في المجمع: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عمرو وحديثه حسن\".\nقلت: محمد بن عمرو هو ابن علقمة بن وقاص الليثي، أشار ابن حجر إلى أنه روى له الجماعة٣، لكن شيخ البزار عبد الواحد ليس من رجال الصحيح، إنما روى له أبو داود فقط، وقد وثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات٤.\nوقد أشار ابن حجر إلى سند البزار هذا وقال: \"وهو إسناد حسن موصول\"٥.\nوالحديث قد أخرجه موسى بن عقبة مرسلًا بمعنى ما سبق، وسمى بعض من أعان بني بكر من قريش: قال: \"ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان ابن أمية وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو ... \" ٦\nوأخرجه عبد الرزاق٧ من طريق مقسم مرسلًا ومطولًا ذكر فيه قدوم أبي سفيان المدينة لتجديد العهد.\nوأخرجه ابن أبي شيبة٨ من طريق أبي سلمة مرسلًا أيضًاَ.\nفهذا الحديث جاء موصولًا ومرسلًا وترجح لي وصله لأن طريق الوصل مستقيمة وسبق بيانها، والله أعلم ... .\n_________\n١ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٤٢.\n٢ مجمع الزوائد ٦/١٦٢.\n٣ رمز له ابن حجر بـ (ع) تقريب التهذيب: ٣١٣، وفي تهذيب التهذيب ٩/٣٧٥، وفي هدي الساري: ٤٤١.\n٤ تهذيب التهذيب ٦/٤٣٨ - ٤٣٩.\n٥ فتح الباري ٧/٥٢٠.\n٦ المصدر السابق.\n٧ المصنف ٥/٣٧٤.\n٨ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة:٧٢.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الباب الثالث: يشمل أحداثا وقعت بالحديبية لم تحدد وقت وقوعها وتحلل المسلمين وأنصرافهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفصل الأول: أحداث وقعت بالحديبية لم يتعين وقت وقوعها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الأول: قصة كعب بن عجرة ونزول آية الفدية</span>\n...\nالمبحث الأول: قصة كعب بن عجرة ونزول آية الفدية:\nورد في ذلك حديث كعب بن عجرة، وقد رواه عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل ورواه عنهما عدة رواة، ورواه عن كعب أيضًا أبو وائل، ومحمد بن كعب القرظي ويحيى بن جعدة ورجل من الأنصار وعطاء.\nرواية ابن أبي ليلى عن كعب:\n(١٢٥) قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سيف قال: حدثني مجاهد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أن كعب بن عجرة حدثه قال: وقف عليَّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت١ قملًا، فقال: أيؤذيك هوامك٢؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك، أو قال: \"احلق\" قال: فيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ ٣ إلى آخرها، فقال النبي ﷺ: \"صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك٤ بما تيسر\"٥.\n_________\n١ يتهافت: يتساقط. النهاية ٥/٢٦٦.\n٢ الهوام: - بتشديد الميم - جمع هامه وهي ما يدب من الأخشاش، وبينت الرواية أن المراد بها هنا القمل. انظر: فتح الباري ٤/١٤.\n٣ سورة البقرة الآية: ١٩٦.\n٤ انسك: اذبح. النهاية ٥/٤٨.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٥.","vol":"1","page":202},{"text":"وأخرجه من طريق سيف: مسلم١ وأحمد٢ بنحوه.\nوأخرجه البخاري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به بنحوه إلا أن فيه: \"فأمر أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية ... \"٣.\nومن طريق ابن أبي نجيح أخرجه أحمد٤ بمثله.\nوأخرجه البخاري من طريق أيوب عن مجاهد به بلفظ: \"أتي علي النبي ﷺ زمن الحديبية، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة، قال أيوب: لا أدري بأي هذا بدأ\"٥.\nومن طريق أيوب أخرجه مسلم٦ وأحمد٧ بنحوه.\nوأخرجه البخاري٨ من طريق أبي نجيح وأيوب كلاهما عن مجاهد به مختصرًا.\nوأخرجه من طريق أبي بشر عن مجاهد به قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون قال: وكانت لي وفرة٩ فجعلن الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي ﷺ فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، وأنزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ١٠.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٢.\n٢ مسند أحمد ٤/٢٤٣.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر ١٨١٧ - ١٨١٨، كتاب المغازي:٤١٥٩.\n٤ مسند أحمد ٤/٢٤٢ - ٢٤٣.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩٠.\n٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٠.\n٧ مسند أحمد ٤/٢٤١.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المرضى: ٥٦٦٥.\n٩ الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. النهاية ٥/٢١٠.\n١٠ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩١.","vol":"1","page":203},{"text":"ومن طريق أبي بشر أخرجه الترمذي١ وأحمد٢ بنحوه.\nوأخرجه البخاري من طريق عبد الله بن عون عن مجاهد به، قال: أتيته \"يعني النبي ﷺ\" فقال: ادن، فدنوت، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قلت: نعم، قال: فدية من صيام أو صدقة أو نسك\"٣.\nومن طريق ابن عون أخرجه مسلم وزاد في أوله: قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٤، الآية، وسائره بنحو لفظ البخاري.\nوأخرجه البخاري من طريق حميد بن قيس عن مجاهد به مختصرًا وزاد في آخره: \"أو انسك بشاة\"٥.\nوأخرجه مسلم من طريق ابن أبي نجيح وأيوب وحميد وعبد الكريم الجزري كلهم عن مجاهد به: \"أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة وهو محرم وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: \"أيؤذيك هوامك هذه؟ \" قال: نعم، قال: \"فاحلق رأسك وأطعم فرقًا بين ستة مساكين (والفرق ثلاثة آصع) أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة\".\nقال ابن أبي نجيح: \"أو اذبح شاة\"٦.\nوأخرجه الترمذي٧ من طريقهم، كلهم به فذكره بمثله، وأخرجه مسلم من طريق أبي قلابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية فقال له: آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ: \"احلق رأسك ثم اذبح شاة نسكًا أو صم ثلاثة أيام أو أطعم\n_________\n١ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٢٩٧٣.\n٢ مسند أحمد ٤/٢٤١.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب كفارة الأيمان: ٦٧٠٨.\n٤ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨١.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٤.\n٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٣.\n٧ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٩٥٣.","vol":"1","page":204},{"text":"ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين\" ١.\nوأخرجه من طريقه أبو داود٢ وأحمد٣ بمثله.\nوأخرجه أحمد٤ من طريقه في موضع آخر وأسقط فيه الواسطة بينه وبين كعب بن عجرة، قال ابن حجر: الصواب أن بينهما واسطة وهو ابن أبي ليلى على الصحيح٥.\nوأخرجه أبو داود٦ من طريق الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أصابني هوام في رأسي ... \"فذكر الحديث وفي آخره: \"أو أطعم فرقًا من زبيب\"٧.\nوأخرجه٨ من طريق عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن به، في هذه القصة زاد: أي ذلك فعلت أجزأك\". وأخرجه النسائي٩ وأحمد١٠ من طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن به وفيه: \"أو أطعم ستة مساكين مدين١١ لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأك\".\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٤.\n٢ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٦.\n٣ مسند أحمد ٤/٢٤٢.\n٤ مسند أحمد ٤/٢٤١.\n٥ فتح الباري ٤/١٣.\n٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٦٠.\n٧ في هذه الرواية: \"من زبيب\" وفي رواية شعبة عند مسلم: \"من تمر\" وفي رواية بشر بن عمر \"نصف صاع حنطة\" وفي رواية شعبة عند أحمد \"نصف صاع من طعام\".\nقال ابن حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات لأنها في قصة واحدة، في مقام واحد في حق رجل واحد. نقله ابن حجر ثم قال: المحفوظ عن شعبة أنه قال: في الحديث: \"نصف صاع من طعام\" والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة، لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود وفي سندها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم، ولم يختلف فيه على أبي قلابة\". فتح الباري ٤/١٧.\n٨ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٦١.\n٩ سنن النسائي ٥/١٩٥، مع شرح السيوطي وحاشية السندي.\n١٠ مسند أحمد ٤/٢٤١.\n١١ لا منافاة بين ما في هذه الرواية \"مدين لكل مسكين\" وبين الروايات السابقة، لأن المدين تساوي نصف صاع. قال ابن الرفعة: والصاع أربعة أمداد باتفاق. الإيضاخ والتبيان في معرفة المكيال والميزان: ٦٣.","vol":"1","page":205},{"text":"وقد أخرجه أحمد١ من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى به، ومرة من طريق الشعبي عن كعب، لكن قال ابن حجر٢: الصواب أن بينهما ابن أبي ليلى.\nرواية عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة:\nقال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل قال: \"جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حملت٣ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: \"ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ... \" أو \"ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى تجد شاة؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع\"٤.\nوأخرجه عن آدم عن شعبة به فذكر نحوه وزاد فيه: \"قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة ... \"٥ الحديث.\nوأخرجه مسلم٦ وابن ماجه٧ وأحمد٨ من طريق شعبة به نحوه، زاد في رواية أحمد: \"نصف صاع من طعام\".\nوأخرجه مسلم من طريق زكريا بن أبي زائدة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به: \"أنه خرج مع النبي ﷺ فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليه فدعا\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٢٤٣.\n٢ فتح الباري ٤/١٣.\n٣ قال هنا: \"حملت إلى رسول الله ﷺ\" وفي رواية زكريا بن أبي زائدة الآتية: \"فأرسل إليه فدعا الحلاق ... \"، والروايات السابقة من طريق ابن أبي ليلى تفيد أن النبي ﷺ هو الذي جاء إلى كعب، ففي طريق سيف عن مجاهد \"وقف علي رسول الله ﷺ\" ومن طريق أبي بشر عن مجاهد: \"فمر بي رسول الله ﷺ\"، وقد جمع ابن حجر بين ما يظهر في هذه الرواية من تعارض فقال: والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مر به أولًا فرآه على تلك الصورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته، فنقل واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضحه قوله في رواية ابن عون السابقة حيث قال فيها: فقال: أدن، فدنوت\" فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مر به، وهو يوقد تحت القدر. (من فتح الباري ٤/١٤ بتصرف يسير) .\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٦.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٥١٧.\n٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٥.\n٧ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣٠٧٩.\n٨ مسند أحمد ٤/٢٤٢.","vol":"1","page":206},{"text":"الحلاق، فحلق رأسه ثم قال: هل عندك نسك؟ قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكينين صاع، فأنزل الله ﷿ فيه خاصة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ ...﴾ . ثم كانت للمسلمين عامة١.\nوأخرجه أحمد٢ من طريق سليمان بن قرم عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به، فذكر نحو رواية ابن أبي زائدة وزاد: \"فوقع القمل في رأسي ولحيتي، وحاجبي وشاربي\"، وفي آخره: \"لكل مسكين نصف صاع من تمر\".\nوأخرجه أحمد٣ من طريق الشعبي عن عبد الله بن معقل عنه.\nرواية أبي وائل عن كعب بن عجرة:\nقال النسائي: أخبرني أحمد٤ بن سعيد هو الرباطي قال: أنبأنا عبد الرحمن٥ بن عبد الله الدشتكي، قال: أنبأنا عمرو٦ - هو ابن أبي قيس - عن الزبير٧ - وهو ابن عدي - عن أبي وائل٨ عن كعب٩ بن عجرة قال: أحرمت فكثر قمل رأسي، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاني وأنا أطبخ قدرًا لأصحابي، فمس رأسي بإصبعه فقال: \"انطلق فاحلقه وتصدق على ستة مساكين\" ١٠، هذا السند لا بأس به.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٦.\n٢ مسند أحمد ٤/٢٤٣.\n٣ مسند أحمد ٤/٢٤٣.\n٤ أحمد بن سعيد بن إبراهيم الرباطي المروزي، أبو عبد الله الأشقر، ثقة حافظ، مات سنة ست وأربعين ومائتين: خ، د، ت، س. تقريب: ١٢.\n٥ عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي - بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح المثناة - أبو محمد الرازي المقري ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائتين: الأربعة /ز/. تقريب: ٢٠٤.\n٦ عمرو بن أبي قيس الرازي الأزرق، كوفي نزل الري صدوق له أوهام من الثامنة: خت، الأربعة. تقريب: ٢٦٢.\n٧ الزبير بن عدي الهمداني اليامي - بالتحتانية - أبو عبد الله الكوفي، ولي قضاء الري، ثقة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ١٠٦.\n٨ شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة: ع. تقريب: ١٤٧.\n٩ كعب بن عجرة الأنصاري المدني، أبو محمد صحابي مشهور، مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون سنة: ع. تقريب: ٢٨٦.\n١٠ سنن النسائي ٥/١٩٥، مع شرح السيوطي وحاشية السندي.","vol":"1","page":207},{"text":"رواية محمد بن كعب عن كعب بن عجرة:\nقال ابن ماجه: حدثنا عبد الرحمن١ بن إبراهيم ثنا عبد الله٢ بن نافع عن أسامة٣ بن زيد عن محمد٤ بن كعب عن كعب بن عجرة قال: \"أمرني النبي ﷺ حين آذاني القمل أن أحلق رأسي وأصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين وقد علم أن ليس عندي ما أنسك\"٥.\nهذا الإسناد حسن، وأسامة بن زيد أخرج له مسلم.\nرواية رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة:\nقال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث٦ عن نافع٧ أن رجلًا من الأنصار أخبره عن كعب بن عجرة - وكان قد أصابه في رأسه أذى فحلق - فأمره النبي ﷺ أن يهدي بقرة\"٨.\nهذا الإسناد فيه رجل مجهول، قاله المنذري٩.\nرواية يحيى بن جعدة عن كعب بن عجرة:\nقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن بكر١٠ أنا ابن جريج١١، أخبرني عمرو١٢ بن\n_________\n١ عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، أبو سعيد لقبه دحيم - مصغرًا - ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، مات سنة خمس وأربعين ومائتين وله خمس وسبعون سنة: خ، م، د، س، ق. تقريب: ١٩٨، تهذيب التهذيب ٦/١٣١.\n٢ هو: عبد الله بن نافع الصائغ.\n٣ أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يهم، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة وهو ابن بضع وسبعين سنة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٢٦.\n٤ هو: محمد بن كعب القرظي.\n٥ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣٠٨٠.\n٦ هو: ابن سعد.\n٧ هو: مولى ابن عمر.\n٨ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٩.\n٩ مختصر سنن أبي داود ٢/٣٦٧ مع تهذيب السنن.\n١٠ محمد بن بكر بن عثمان البرساني - بضم الموحدة وسكون الراء ثم مهملة - أبو عثمان البصري، صدوق يخطئ، مات سنة أربع ومائتين: ع. تقريب: ٢٩١.\n١١ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين ومائة أو بعدها، وقد جاوز السبعين، وقيل جاوز المائة، ولم يثبت: ع. تقريب: ٢١٩.\n١٢ عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم ثقة ثبت، مات سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٢٥٩.","vol":"1","page":208},{"text":"دينار عن يحيى١ بن جعدة عن كعب بن عجرة: \"أن النبي ﷺ أمر كعبًا أن يحلق رأسه من القمل، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين أو اذبح\"٢.\nهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، إلا يحيى بن جعدة، وهو ثقة.\nرواية عطاء لقصة كعب بن عجرة:\nقال ابن جرير ابن المثنى٣ قال: ثنا سويد٤ قال: أخبرنا ابن المبارك عن يعقوب٥ قال: سألت عطاء٦ عن قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال: إن كعب بن عجرة مر به النبي ﷺ ... \"٧ الحديث معنى ما سبق.\nوأخرجه من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء ان النبي ﷺ كان بالحديبية عام حبسوا بها وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له: كعب بن عجرة فقال النبي ﷺ: أيؤذيك هوامك ... \"٨ الحديث.\nوأخرجه من طريق مالك٩ بن أنس عن عطاء١٠ بن عبد الله الخراساني أنه\n_________\n١ يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة: د، تم، س، ق. تقريب: ٣٧٤.\n٢ مسند أحمد ٤/٢٤٢.\n٣ هو: محمد بن المثنى.\n٤ سويد بن نصر بن سويد المروزي أبو الفضل لقبه الشاه، راوية ابن المبارك ثقة، مات سنة أربعين ومائتين وله تسعون سنة: ت، س. تقريب: ١٤١.\n٥ يعقوب بن القعقاع بن الأعلم الأزدي الخراساني أبو الحسن، ثقة من العاشرة: د، س. تقريب: ٣٨٧.\n٦ عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، وقيل إنه تغير بآخره ولم يكن ذلك منه: ع. تقريب: ٢٣٩.\nويحتمل أن يكون عطاء هو الخراساني فقد صرح باسمه ابن جرير، وروى عنهما جميعًا.\nوقال الشيخ أحمد شاكر: \"الظاهر أنه عطاء بن أبي رباح ويحتمل أن يكون عطاء بن عبد الله الخراساني، لأن الحديث مرة جاء من روايته\". تفسير ابن جرير ٤/٧٥ حاشية.\n٧ تفسير ابن جرير ٤/٥٧.\n٨ تفسير ابن جرير ٤/٥٨\n٩ مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة: ع. تقريب: ٣٢٦.\n١٠ عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو عثمان واسم أبيه ميسرة، وقيل عبد الله صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، ولم يصح أن البخاري أخرج له: م، الأربعة: ٢٣٩.","vol":"1","page":209},{"text":"قال: أخبرني شيخ بسوق الكوفة عن كعب بن عجرة جاءني رسول الله ﷺ وأنا أنضج تحت قدر لأصحابي ... \"١.\nهذه الأسانيد ضعيفة، فطريق يعقوب وطريق ابن جرير مرسلة.\nوطريق مالك بن أنس فيها راو مبهم.\nقال الشيخ أحمد شاكر٢: هذا الإسناد ضعيف لإرساله لأن عطاء يحكي قصة في عهد رسول الله ﷺ لم يدركها، ولم يذكر من حدثه بها.\n_________\n١ تفسير ابن جرير ٤/٦٦.\n٢ تفسير ابن جرير ٤/٥٧ حاشية.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنؤ كذا</span>\n...\nالمبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنوء كذا:\n(١٢٦) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: \"صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية - على أثر سماء كانت من الليلة - فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء١ كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب\"٢.\nوأخرجه٣ عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك به مثله.\nوأخرجه مسلم٤ عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به مثله.\nوأخرجه أبو داود٥ عن القعنبي عن مالك به فذكره بمثله.\nوأخرجه مالك٦ بهذا اللفظ\n_________\n١ الأنواء: هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، وإنما سميت نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءًا: أي نهض وطلع، وقيل أراد بالنوء الغروب، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع. النهاية في غريب الحديث ٥/١٢٢.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان: ٨٤٦.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الاستسقاء: ١٠٣٨.\n٤ صحيح مسلم، كتاب الإيمان: ١٢٥.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الطب: ٣٩٠٦.\n٦ الموطأ، كتاب الاستسقاء: ٤.","vol":"1","page":210},{"text":"وأخرجه أحمد١ عن إسحاق عن مالك به فذكره بمثله.\nوفي روايتهم جميعًا \"إثر سماء كانت من الليل\".\nوأخرجه البخاري عن خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني صالح بن كيسان به قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ ثم ذكر الحديث\"، وفيه: \"وأما من قال مطرنا بنجم كذا ... \"٢ وسائره مثله.\nوأخرجه النسائي٣ عن قتيبة عن سفيان عن صالح به، فذكره بمعناه وليس فيه ذكر للحديبية.\nوأخرج الواقدي حديثًا لأبي قتادة ﵁ يفيد أن سبب هذا الحديث هو كلام صدر من ابن أبي بن سلول قال:\n(١٢٧) حدثنا ابن أبي سبرة٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت أبا قتادة يقول: سمعت ابن أُبَيْ يقول - ونحن بالحديبية ومطرنا بها - فقال ابن أُبَيْ: هذا نوء الخريف مطرنا بالشَّعْرَى٦.\nهذا الحديث ضعيف جدًا فيه الواقدي، وفيه شيخه سبرة يقول ابن حجر: رموه بالوضع.\n_________\n١ المسند ٤/١١٧.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٤٧.\n٣ سنن النسائي ٣/١٦٥ مع شرح السيوطي وحاشية السندي.\n٤ هو: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة - بفتح المهملة وسكون الموحدة - ابن أبي رهم بن عبد العزى القرشي العامري المدني، قيل اسمه: عبد الله، وقد ينسب إلى جده، رموه بالوضع، وقال مصعب الزبيري: كان عالمًا، مات سنة اثنتين وستين ومائة: ق. تقريب: ٣٩٥.\n٥ إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة مولاهم المدني متروك، مات سنة أربع وأربعين ومائة: د، ت، ق. تقريب: ٢٩.\n٦ مغازي الواقدي ٢/٥٩٠.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الثالث: مشروعية الصلاة في الرحال:</span>\n(١٢٨) قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر١ بن أبي شيبة ثنا إسماعيل٢ بن\n_________\n١ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل، الكوفي ثقة حافظ صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: خ، م، د، س، ق. تقريب: ١٨٧.\n٢ إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن علية، ثقة حافظ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وثمانين: ع. تقريب: ٣٢.","vol":"1","page":211},{"text":"إبراهيم عن خالد١ الحذاء عن أبي المليح٢ بن أسامة قال: خرجت إلى المسجد في ليلة مطيرة فلما رجعت استفتحت فقال أبي٣: من هذا؟ قال: أبو المليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ: \"صلوا في رحالكم\"٤.\nوأخرجه أحمد٥ عن إسماعيل وسفيان ووكيع كلهم عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المليح فذكرا الحديث بنحوه.\nوفي رواية وكيع قال عن أبي المليح عن أبيه ولم يذكر قصة خروجه للمسجد.\nوأخرجه٦ ابن سعد عن عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن خالد به فذكر الحديث بنحوه.\nوهذا الحديث صحيح، فسنده متصل برواية الثقات، وقد صححه ابن حجر٧.\nوأخرجه أبو داود وزاد فيه: \"في يوم الجمعة\"، لكن في سنده انقطاع:\n(١٢٩) قال: حدثنا نصر بن علي٨ قال سفيان٩ بن حبيب: خُبّرنا عن\n_________\n١ خالد بن مهران أبو المنازل - بفتح الميم وقيل: ضمها وكسر الزاي - البصري الحذاء - بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة - قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم وقيل: لأنه كان يقول: أحذ على هذا النحو، وهو ثقة يرسل، وقد أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه قد تغير لما قدم من الشام وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان، مات سنة إحدى وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٩٠١، تهذيب التهذيب ٣/١٢٠.\n٢ أبو المليح بن أسامة بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي اسمه عامر وقيل: زيد وقيل زياد ثقة، مات سنة ثمان ومائة، وقيل بعدها: ع. تقريب: ٤٢٨، تهذيب التهذيب ١٢/٢٤٦.\n٣ أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيش الهذلي البصري، والد أبي المليح، صحابي تفرد ولده عنه: الأربعة. تقريب: ٢٦.\n٤ سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة: ٩٣٦.\n٥ مسند أحمد ٥/٧٤.\n٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥.\n٧ فتح الباري ٢/١١٣.\n٨ نصر بن علي بن علي الجهضمي ثقة ثبت طلب للقضاء فامتنع، مات سنة خمسين ومائتين أو بعدها: ع. تقريب: ٣٥٧.\n٩ سفيان بن حبيب البصري، البزار أبو محمد وقيل غير ذلك ثقة، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقيل بعد ذلك وهو ابن ثمان وخمسين سنة: بخ، الأربعة. تقريب: ١٢٨.","vol":"1","page":212},{"text":"خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ زمن الحديبية في يوم الجمعة وأصابهم مطر لم يبل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم١.\nوأخرجه الحاكم٢ بهذا السياق من طريق نصر بن علي عن سفيان عن خالد الحذاء به.\nوسند أبي داود فيه انقطاع بين سفيان بن حبيب وخالد الحذاء قال سفيان خُبّرنا عن خالد بالبناء للمفعول.\nقال صاحب عون المعبود: \"المخبر لسفيان بن حبيب لم يعرف\"٣.\nلكن جاء في سند الحاكم عن سفيان عن خالد الحذاء، ولم أرَ أحدًا وصف سفيان بالتدليس.\nوقد ذكر المزي٤ أن سفيان بن حبيب روى عن خالد الحذاء.\nوصحح هذه الزيادة الحاكم٥ ووافقه الذهبي٦ والألباني٧.\nوقد جاء عند أبي داود٨ وأحمد٩ من طريق قتادة عن أبي المليح أن ذلك كان يوم حنين، فلعلها وقعت مرة أخرى بحنين والله أعلم.\n_________\n١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٠٥٩.\n٢ المستدرك ١/٢٩٣.\n٣ عون المعبود ١/٤١٠.\n٤ تهذيب الكمال ١، لوحة ٣٦٥، ٥١٠.\n٥ المستدرك ١/٢٩٣.\n٦ تلخيص الذهبي للمستدرك ١/٢٩٣ مع المستدرك.\n٧ إرواء الغليل ٢/٣٤٢.\n٨ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٠٥٧.\n٩ مسند أحمد ٥/٧٤ - ٧٥.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثالث: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية</span>\n...\nالمبحث الرابع: نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية:\n(١٣٠) قال الحارث بن محمد بن أبي أسامة ثنا العباس١ بن الفضل ثنا حرب٢ بن شداد ثنا يحيى بن أبي كثير عن النحاز٣ بن جُدَىْ الحنفي عن سنان٤ بن سلمة بن المحبق الهذلي عن أبي٥ قال: مر بنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية وأمر بالقدور أن تكفأ من لحوم الحمر الأهلية٦.\nهذا الحديث منكر: تفرد به العباس بن الفضل عن حرب بن شداد، والعباس قد ضعفه غير واحد، وكذبه ابن معين، وقد خالف فيه، فقد رواه الثقات عن حرب بن شداد وذكروا أن ذلك كان يوم خيبر:\nقال الإمام أحمد: ثنا أبو داود٧ الطيالسي قال: ثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن النحاز الحنفي أن سنان بن سلمة أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بلحوم حمر الناس يوم خيبر وهي في القدور فأكفئت٨.\nوأخرجه أيضًا عن عبد الصمد٩ بن عبد الوارث عن حرب بن شداد به بنحو حديث أبي داود١٠.\n_________\n١ العباس بن الفضل بن العباس بن يعقوب أبو عثمان الأزرق، ضعيف من التاسعة، كذبه ابن معين: تمييز. تقريب: ١٦٦، وقال البخاري وأبو حاتم ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يخطئ ويخالف. تهذيب التهذيب ٥/١٢٨.\n٢ حرب بن شداد اليشكري أبو الخطاب البصري، ثقة مات سنة إحدى وستين ومائة: خ، م، د، ت، س. تقريب: ٦٦.\n٣ نحاز بن جدي الحنفي عن سنان بن سلمة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه أمر بقدور فأكفئت كان فيها من لحوم حمر الناس. التاريخ الكبير ٢/٤/١٣٢، وذكره ابن حبان في الثقات: نحاز بن جدي الحنفي بمثل ما عند البخاري. الثقات ٧/٥٤٢، وترجم له ابن أبي حاتم فقال: نجاز بن جري الحنفي، الجرح والتعديل ٤/١/٥١٢.\n٤ سنان بن سلمة بن المحبق البصري الهذلي، ولد يوم حنين، فله رواية وقد أرسل أحاديث، مات في آخر إمارة الحجاج: م، د، س، ق. تقريب: ١٣٧ - ١٣٨.\n٥ سلمة بن المحبق، وقيل هو: ابن ربيعة بن صخر الهذلي أبو سنان، صحابي سكن البصرة: د، س، ق. تقريب: ١٣١.\n٦ بغية الباحث عن زوائد الحارث، لوحة: ٦٠.\n٧ سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث، مات سنة أربع ومائتين: خت، م، الأربعة. تقريب: ١٣٣.\n٨ مسند أحمد ٣/٤٧٦.\n٩ عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم التنوري - بفتح المثناة وتثقيل النون المضمومة - أبو سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، مات سنة سبع ومائتين: ع. تقريب: ٢١٣.\n١٠ مسند أحمد ٣/٤٧٦.","vol":"1","page":214},{"text":"وأخرجه الطبراني من طريق عمرو١ بن مرزوق عن حرب بن شداد به بنحو لفظ أبي داود٢.\nوالحديث صحيح له شواهد كثيرة في الصحيحين.\nففي البخاري من حديث ابن عمر:\nقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله حدثنا عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ: \"نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية\" ٣.\nوأخرجه من طريق سالم عن ابن عمر بلفظ: \"أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم وعن لحوم الحمر الأهلية\"٤.\nوأخرجه مسلم٥.\nوفي الصحيحين أيضًا من حديث علي٦ بن أبي طالب، وجابر٧ ابن عبد الله، وعبد الله٨ بن أبي أوفى، والبراء٩ بن عازب، وابن عباس١٠، وسلمة١١ بن الأكوع، وأبو ثعلبة١٢ الخشني، وأنس١٣ بن مالك.\nفهؤلاء كلهم رووا حديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية وصرحوا بأن ذلك النهي كان في غزوة خيبر، وقد روى الحديث غيرهم أيضًا من الصحابة١٤.\n_________\n١ عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري، ثقة له أوهام، مات سنة أربع وعشرين ومائتين: خ، د. تقريب: ٢٦٢.\n٢ المعجم الكبير ٧/٥٤ - ٥٥.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٨.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٥.\n٥ صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٤.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٦، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٢.\n٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٩، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٦ - ٣٧.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٢٠، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٦ - ٢٧.\n٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٢٦، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٩ - ٣١.\n١٠ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٢٧، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٢.\n١١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩٦، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٣.\n١٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٥٢٧، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٣.\n١٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩٨ - ٤١٩٩، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٤ - ٣٥.\n١٤ انظر مرويات غزوة خيبر لعوض الشهري ص٢٣٠.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الثاني: تحلل النبي ﷺ وأصحابة من الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق وذكر مادار بينهم</span>\n...\nالمبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق، وذكر ما دار بينهم:\nكان من جملة الشروط التي أملتها قريش وأصرت عليها، أن يرجع المسلمون عامهم ذلك ولا يصلوا إلى البيت.\nوبعد أن وقع الاتفاق على الصلح، ومن ضمنه هذا الشرط قام رسول الله ﷺ وأصحابه فنحروا هديهم، وكانوا قد ساقوه معهم من المدينة وحلقوا وقصر بعضهم فدعا رسول الله ﷺ لمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة:\n(١٣١) قال البخاري: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ﵁: \"أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك\"١.\nوأخرجه البغوي٢ من طريق محمود به بهذا اللفظ.\nوأخرجه أحمد من حديث المسور ومروان ونص على أنه كان في الحديبية:\nقال حدثنا عبد الرزاق به عن المسور ومروان قالا: قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره من ذي الحليفة وأحرم منها بالعمرة، وحلق بالحديبية في عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك٣.\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١١.\n٢ شرح السنة ٧/٢٨٥.\n٣ مسند أحمد ٤/٣٢٧.","vol":"1","page":216},{"text":"وقد أشار إلى أمر النبي ﷺ لأصحابه بذلك وما دار بينهم حديث المسور ومروان الطويل: فقد جاء فيه من طريق معمر ما نصه:\n\"فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعى حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا\"١.\nوأخرجه من طريق ابن إسحاق٢ بنحوه.\nوأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق بنحوه وزاد فيه: \"فلما رأى الناس أنه قد فعل ذلك قاموا ففعلوا فنحروا وحلق بعضهم وقصر بعض، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم اغفر للمحلقين، فقيل: يا رسول الله والمقصرين، فقال رسول الله ﷺ: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثًا، قيل: يا رسول الله وللمقصرين، فقال: وللمقصرين \"٣.\nهذه الزيادة عند البيهقي، قد رواها عدد من الصحابة رضوان الله عليهم:\n١ - فقد وردت من حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد:\n(١٣٢) قال: حدثنا عبد الرزاق٤ أنا معمر٥ عن أيوب٦ عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال يوم الحديبية: \"اللهم اغفر للمحلقين، فقال رجل: والمقصرين، فقال: اللهم اغفر للمحلقين، فقال: وللمقصرين، حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا ثم قال: وللمقصرين\"٧.\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .\n٢ المسند ٤/٣٢٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٣ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٤.\n٤ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير، عمى في آخر عمره، فتغير وكان يتشيع، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وله خمس وثمانون: ع. تقريب: ٢١٣.\n٥ معمر بن راشد.\n٦ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون - أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون: ع. تقريب: ٤١.\n٧ مسند أحمد ٢/٣٤، ١٥١.","vol":"1","page":217},{"text":"سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيح.\n٢ - ومن حديث ابن عباس ﵄ عند الإمام أحمد وغيره:\n(١٣٣) قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد١ قال: قال محمد - يعني ابن إسحاق -: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ: \"يرحم الله المحلقين\"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: \"يرحم الله المحلقين\"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: \"يرحم الله المحلقين\" قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: \"والمقصرين\"، قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ قال: \"لم يشكوا\"، قال: فانصرف رسول الله ﷺ\"٢.\nوأخرجه أبو يعلى٣ من طريق يزيد بن هارون به فذكره بمثله إلا أن عنده: \"ظاهرت لهم بالترحم\" ولم يقل في آخره \"فانصرف ... \".\nوأخرجه الطحاوي٤ من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن إدريس كلاهما عن ابن إسحاق به مثله.\nوأخرجه من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن ابن جريج عن مجاهد قال: قلت لابن عباس لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة، قال: لأنهم لم يشكوا\".\nهذا الإسناد حسن؛ لأن مداره على ابن إسحاق وقد صرح بالسماع لكن الحديث صحيح لشواهده، من حديث ابن عمر السابق وحديث جابر الآتي وغيرهما:\n٣- وقد أخرجه الطحاوي من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n_________\n١ يزيد بن هارون.\n٢ مسند أحمد ١/٣٥٣.\n٣ مسند أبي يعلى /٣/ لوحة: ٢٧١.\n٤ شرح معاني الآثار ٢/٢٥٥ - ٢٥٦، مشكل الآثار ٢/١٤٤.","vol":"1","page":218},{"text":"(١٣٤) قال: حدثنا عبيد١ بن رجال ثنا محمد٢ بن يوسف ثنا أبو قرة٣ موسى بن طارق عن زمعة٤ بن صالح عن زياد٥ بن سعد عن أبي الزبير٦ أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: \"حلق رسول الله ﷺ يوم الحديبية وحلق ناس كثير من أصحابه حين رأوه حلق، وأمسك آخرون، فقالوا: والله ما طفنا بالبيت فقصروا، فقال رسول الله ﷺ: يرحم الله المحلقين، فقال رجال: والمقصرين يا رسول الله، فقال ﷺ: يرحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: والمقصرين\"٧.\nوأخرجه الطبراني٨ عن مفضل٩ ثنا علي بن زياد اللحجي، قال ذكر زمعة به نحوه وفيه اختصارٌ من آخره.\nهذا الحديث حسن لشواهده من حديث ابن عمر وابن عباس السابقين لأن في سنده زمعة بن صالح ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، لكن قال ابن معين مرة:\n_________\n١ عبيد بن رجال المصري، أحد مشايخ الطحاوي الذين روى عنهم وكتب وحدث، ذكره ابن يونس في علماء مصر وقال: عبيد بن محمد بن موسى البزار المؤذن يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الرجال، مولى لقريش، يروي عن زيد بن بشر، توفي في شوال يوم الأربعاء لعشر خلون منه سنة أربع وثمانين ومائتين. مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، لوحة: ٣٣٣، كشف الأستار: ٧١.\n٢ محمد بن يوسف الزبيدي - بفتح الزاي وكسر الموحدة أبو حمه بضم المهملة وفتح الميم الخفيفة - صاحب أبي قرة صدوق، مات في حدود الأربعين ومائتين: د. تقريب: ٣٢٥، وهناك محمد بن يوسف الزيادي، ذكر ابن حجر أن ابن عساكر أفرده عن الزبيدي، ثم قال ابن حجر: ويظهر أنه هو - يعني الزبيدي - وكلاهما يروي عن أبي قرة.\n٣ موسى بن طارق اليماني أبو قرة - بضم القاف - الزبيدي - بفتح الزاي - القاضي، ثقة يغرب، من التاسعة: س. تقريب: ٣٥١.\n٤ زمعة بسكون الميم - ابن صالح الجندي - بفتح الجيم والنون - اليماني نزيل مكة أبو وهب ضعيف وحديثه عند مسلم مقرون، من السادسة: م، ق، ت، س، ق. تقريب: ١٠٨، وقد وقع في مشكل الآثار «ربيعة» ولم أجد ترجمته بهذا الاسم بعد البحث الطويل، ثم تبين لي أنه محرف عن (زمعة)، كما ورد في سند الطبراني وفي ترجمة شيخه وتلميذه في تهذيب المزي. والحمد لله.\n٥ زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة كان أثبت أصحاب الزهري، من السادسة: ع. تقريب: ١١٠.\n٦ هو: محمد بن مسلم بن تدرس.\n٧ مشكل الآثار ٢/١٢٤.\n٨ مجمع البحرين ٢/ لوحة: ١٥٢.\n٩ مفضل بن محمد بن إبراهيم بن مفضل بن عامر بن شراحيل الجندي الشعبي صاحب أبي حمه، نقل الحاكم عن أبي علي الحافظ أنه قال: ما كان إلا ثقة مأمونًا، وقال ابن حجر: روى عنه أحمد بن جعفر المقري اليماني وأبو القاسم الطبراني وأبو حاتم بن حبان، وابن عدي وابن المقري، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثمائة بمكة. لسان الميزان ٦/٨٢.","vol":"1","page":219},{"text":"صويلح الحديث، وقال عمر بن علي: هو جائز الحديث مع الضعف الذي فيه، وقال ابن عدي: ربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به١.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بسياق آخر:\n(١٣٥) قال: حدثنا هشام٢ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم٣ الأنصاري عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية، إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة٤.\nوأخرجه٥ ابن سعد من طريق هشام الدستوائي به فذكره بمثله.\nوأخرجه الطحاوي من طريق علي٦ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به، ولفظه: أن رسول الله ﷺ عام الحديبية حلق، وحلق أصحابه غير رجلين من الأنصار ورجل من قريش٧.\nوأخرجه من طريق الأوزاعي٨ عن يحيى بن أبي كثير به ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر يوم الحديبية للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة٩.\nوأخرجه البيهقي من طريق هشام الدستوائي عن يحيى به، ولفظه: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية غير رجلين قصرا ولم يحلقا١٠.\n_________\n١ تهذيب التهذيب ٣/٣٣٨.\n٢ هشام بن أبي عبد الله - سنبر - بمهملة ثم نون ثم موحدة - وزن جعفر - أبو بكر البصري الدستوائي - بفتح الدال وسكون السين المهملتين، وفتح المثناة ثم مد - ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة: ع. تقريب: ٣٦٤.\n٣ أبو إبراهيم الأشهلي المدني مقبول من الثالثة، قيل إنه عبد الله بن أبي قتادة، ولا يصح: ت، س. تقريب: ٣٩٢، وفي تهذيب التهذيب ١٢/٢، وروى عن أبي سعيد حديث: \"اللهم اغفر للمحلقين ... \".\n٤ مسند أبي داود: ٢٩٥.\n٥ الطبقات الكبرى ٢/١٠٤.\n٦ علي بن المبارك الهنائي - بضم الها وتخفيف النون ممدود - ثقة، كان له عن ابن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار السابعة: ع. تقريب: ٢٤٨.\n٧ مشكل الآثار ٢/١٤٦، شرح معاني الآثار ٢/٢٥٦.\n٨ هو: عبد الرحمن بن عمرو.\n٩ مشكل الآثار ٢/١٤٦، شرح معاني الآثار ٢/٢٥٦.\n١٠ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٤.","vol":"1","page":220},{"text":"هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، لأن مدراه على أبي إبراهيم، وقال عنه أبو حاتم: لا يدرى من هو؟ ١.\nورمز له ابن حجر بـ \"مقبول\" ويعني بعد المتابعة لأنه من المرتبة السادسة، التي يقول فيها: \"من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة لفظ \"مقبول\" حيث يتابع وإلا فلين الحديث٢، قلت: ولم يتابع على هذا الحديث إلا رواية الأوزاعي عند الطحاوي، وعجز رواية هشام عند أبي داود، فهي ثابتة من حديث ابن عمر وابن عباس السابقين، والله أعلم.\nوهناك أحاديث أخرى أشارت أيضًا إلى تحلل النبي ﷺ وأصحابه - في الحديبية - بالنحر والحلق، فقد أشار إلى ذلك حديث ابن عباس ﵄:\n(١٣٦) قال البخاري: حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: \"قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا\"٣.\nذكر ابن حجر أنه رأى الحديث في جميع النسخ بلفظ: \"فقال ابن عباس\". قال: وهو يقتضي سبق كلام يعقبه قوله: \"فقال ابن عباس\" ثم ذكر أنه وجده في \"كتاب الصحابة\" لابن السكن كاملًا ولفظه: \"قال حدثني هارون بن عيسى حدثنا الصنعاني هو محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم، فقال: قال رسول الله\nﷺ من عرج أو كسر أو حبس، فليجزئ مثله وهو في حل. \"قال فحدثت أبا هريرة، فقال: صدق، وحدثته ابن عباس فقال: \"قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عامًا قابلًا\"، قال ابن حجر: \"فعرف بهذا السياق القدر الذي حذفه البخاري من هذا الحديث، والسبب في حذفه أن الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري ... إلى أن\n_________\n١ الجرح والتعديل ٤/٢/٣٣٢.\n٢ تقريب التهذيب: ١٠.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨٠٩.","vol":"1","page":221},{"text":"قال: فاقتصر البخاري على ما هو من شرط كتابه مع أن الذي حذفه ليس بعيدًا من الصحة، فإن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك، وإلا فالواسطة بينهم وهو - عبد الله بن رافع - ثقة وإن كان البخاري لم يخرج له١ ا. هـ\nوقد أشار إلى ذلك أيضًا حديث ابن عمر ﵄:\n(١٣٧) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر ﵄ ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، وإنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا مع النبي ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هديه وحلق رأسه وأشهدكم أني أوجبت العمرة إن شاء الله، فأنطلِقُ فإن خلي بيني وبين البيت طفت، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ، وأنا معه فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فلم يحل منهما حتى دخل يوم النحر وأهدى، وكان يقول: لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة٢.\nومن هذا الوجه أخرجه النسائي٣ والبيهقي٤ بنحوه.\nوهذه الرواية تفيد أن نافعًا لم يشهد القصة، وإنما أخبره بذلك عبد الله وسالم ابنا عبد الله بن عمر، لكن رواية موسى بن إسماعيل عن جويرية أفادت أنّ نافعًا قد شهد القصة ونصها:\nقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع أن بعض بني عبد الله قال: لو أقمت العام فإني أخاف ألا تصل إلى البيت، قال: \"خرجنا مع النبي ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هداياه وحلق وقصر أصحابه، وقال أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ... \"٥.\n_________\n١ فتح الباري ٤/٧.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨٠٧.\n٣ سنن النسائي ٥/١٩٨، مع شرح السيوطي وحاشية السندي.\n٤ السنن الكبرى ٥/٢١٦.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر ١٨٠٨، كتاب المغازي: ٤١٨٥.","vol":"1","page":222},{"text":"وقد أخرجه البخاري أيضًا من طرق أخرى غير طريق جويرية وكلها تفيد شهود نافع للقصة.\nفأخرجه من طريق١ أيوب عن نافع أن ابن عمر ﵄ دخل ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال، فيصدوك عن البيت فلو أقمت فقال: خرج رسول الله ﷺ فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبين البيت، أفعل كما فعل رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .\nوأخرجه من طريقه٢ أيضًا بلفظ: قال عبد الله بن عبد الله بن عمر لأبيه: \"أقم فإني لا آمن أن تصد عن البيت ... \" الحديث بنحوه.\nومن طريق أيوب أخرجه مسلم٣ وأحمد٤ بنحوه.\nوأخرجه البخاري من طريق٥ الليث عن نافع أن ابن عمر ﵄ أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ.\nوأخرجه من طريق الليث مسلم٦ والنسائي٧ بنحوه.\nوأخرجه البخاري من طريق٨ موسى بن عقبة عن نافع قال: \"أراد ابن عمر ﵄ الحج عام حجة الحَروريَّة٩ في عهد ابن الزبير ﵄ فقيل\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٣٩.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٩٣.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨٣.\n٤ مسند أحمد ٢/٤.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٤٠.\n٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨٢.\n٧ سنن النسائي ٥/١٥٨، مع شرحه السيوطي وحاشية السندي.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٧٠٨.\n٩ ذكر ابن حجر أن بين هذه الرواية وبين رواية جويرية «ليالي نزل الحجاج بابن الزبير» تغاير، قال: لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمى ابن الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين وذلك في آخر آيام ابن الزبير، إما أن يحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج وأتباعه حرورية لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحق، وإما أن يحمل على تعدد القصة. فتح الباري ٣/٥٥٠","vol":"1","page":223},{"text":"له: إن الناس كائن بينهم قتال ... \".\nوأخرجه من طريق١ مالك عن نافع: \"أن عبد الله بن عمر ﵄ حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة قال: \"إن صُددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ... \".\nوأخرجه مالك٢ ومسلم٣ بنحوه، وأحمد٤ مختصرًا.\nوأخرجه البخاري من طريق٥ عمر بن محمد العمري قال: وحدث نافع أن عبد الله٦ وسالمًا كلما عبد الله بن عمر ﵄ فقال: \"خرجنا مع النبي ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه\".\nوأخرجه البيهقي٧ من هذا الطريق بنحوه وزاد \"ثم رجع\".\nوأخرجه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع أنه أهلّ وقال: \"إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ حين حالت كفار قريش بينه، وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٨.\nوأخرجه مسلم٩ من هذا الطريق بأطول من هذا اللفظ.\nوأخرجه أحمد١٠ من طريق عبيد الله بن عمر وعبد العزيز بن أبي رَوّاد كلاهما عن نافع بأطول منه.\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨٠٦ - ١٨١٣، كتاب المغازي: ٤١٨٣.\n٢ الموطأ، كتاب الحج: ١٠٠.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨٠.\n٤ مسند أحمد ٢/٦٣.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٢.\n٦ جاء في هذه الرواية عبد الله - بالتكبير - وفي رواية جويرية السابقة عبيد الله - بالتصغير - وذكر البيهقي أن عبد الله أصح. السنن الكبرى ٥/٢١٦.\nلكن ابن حجر قال: ليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلم أباه في ذلك، ولعل نافعًا حضر كلام عبد الله - المكبر - مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيد الله - المصغر - مع أخيه سالمًا، أيضًا بل أخبراه بذلك، فقص عن كل ما انتهى إليه علمه. فتح الباري ٤/٥.\nقلت: وهو توجيه حسن. والله أعلم.\n٧ السنن الكبرى ٥/٢١٦.\n٨ صحيح البخاري مع الفتح: ٤١٨٤.\n٩ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨١.\n١٠ مسند أحمد ٢/١٥١.","vol":"1","page":224},{"text":"سبق أن رأينا أن أول رواية عن نافع لهذا الحديث - وهي رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية - تفيد أن نافعًا لم يشهد القصة، وإنما سمعها من ابني عبد الله بن عمر. وبقية الروايات عن نافع تفيد أنه شهد القصة وقد وجه ذلك ابن حجر فقال: والذي يترجح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلما به أباهما وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام، وأما بقية القصة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول وعلى تقدير أن يكون نافعًا لم يسمع شيئًا فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله بن عمر: سالم وعبد الله، وهما ثقتان لا مطعن فيهما\" ١.\nثم ذكر أنه لم ينبه على ذلك أحد من شرّاح البخاري قبله.\n_________\n١ فتح الباري ٤/٥.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثاني: عدد الهدي الذي نحره المسلمون في عمرة الحديبية:</span>\nنحر النبي ﷺ وأصحابه في هذه العمرة سبعين بدنة، فقد ورد التصريح بذلك في حديث جابر، وحديث أنس بن مالك، وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم التالية:\n(١٣٨) قال الدارمي: أخبرنا يعلى١ ثنا سفيان٢ عن أبي الزبير٣ عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة، فقال رسول الله ﷺ: \"اشتركوا في الهدي\"٤.\nوأخرجه ابن حبان٥ من طريق عبد الرحمن٦ بن مهدي عن سفيان به، فذكر نحوه\n_________\n١ يعلى بن عبيد بن أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، مات سنة بضع ومائتين وله تسعون سنة: ع. تقريب: ٣٨٧.\n٢ هو: سفيان بن سعيد الثوري.\n٣ هو: محمد بن مسلم بن تدرس.\n٤ سنن الدارمي ٢/٧٨.\n٥ موارد الظمآن: ٢٤٣.\n٦ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين: ع. تقريب: ٢١٠.","vol":"1","page":225},{"text":"خرجه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن مهدي ويعلى بن عبيد ويحيى بن آدم كلهم عن سفيان به١.\nوأخرجه ابن سعد٢ عن محمد٣ بن عبد الله الأسدي عن سفيان به، فذكره بنحوه.\nوأخرجه أحمد من طريق أبي الزبير بسياق آخر:\n(١٣٩) قال: حدثنا سليمان٤ بن داود ثنا عبد الرحمن٥ بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر: فذكر قصة بيعة العقبة ثم قصة بيعة الحديبية، وقال: نحرنا يومئذ سبعين من البدن لكل سبعة جزور\"٦.\nوأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر ﵁:\nقال: حدثنا أبو معاوية٧، ثنا الأعمش٨ عن أبي سفيان٩ عن جابر قال: ساق رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعين بدنة، قال فنحر البدنة عن سبعة١٠.\nوأخرجه ابن سعد١١ عن أبي معاوية الضرير ومحمد١٢ بن عبيد، كلاهما عن الأعمش به فذكر نحوه، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: \"وكنا يومئذ ألفًا وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى\".\n_________\n١ سنن الدارقطني ٢/٢٤٤.\n٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣.\n٣ محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ثلاث ومائتين: ع. تقريب: ٣٠٤.\n٤ سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبو أيوب البغدادي الهاشمي الفقيه ثقة جليل قال أحمد بن حنبل: يصلح للخلافة، مات سنة تسع عشرة ومائتين: عخ الأربعة. تقريب: ١٣٣\n٥ عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، مولى قريش، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا، ولي خراج المدينة فحمد، مات سنة أربع وسبعين ومائة وله أربع وسبعون سنة: خت، م، الأربعة: تقريب: ٢٠١.\n٦ مسند أحمد ٣/٣٩٦.\n٧ محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير الكوفي، ثقة عمي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره، مات سنة خمس وتسعين ومائة وله اثنتان وثمانون، وقد رمي بالإرجاء: ع. تقريب: ٢٩٥.\n٨ هو: سليمان بن مهران.\n٩ هو: طلحة بن نافع.\n١٠ مسند أحمد ٣/٣١٦.\n١١ الطبقات الكبرى ٢/١٠٢.\n١٢ محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، الكوفي ثقة يحفظ، مات سنة أربع ومائتين: ع. تقريب: ٣١٠.","vol":"1","page":226},{"text":"وأخرجه أحمد أيضًا من طريق سليمان بن قيس اليشكري عن جابر ﵁:\nقال: حدثنا عفان١ حدثنا أبو عوانة٢ حدثنا أبو بشر٣ عن سلميان٤ بن قيس عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة\"٥.\nوأخرجه ابن سعد٦ عن عفان به فذكره بمثله.\nوأخرجه٧ عبد بن حميد عن أبي الوليد٨ عن أبي عوانة به فذكره بمثله.\nحديث جابر هذا حسن بمجموع طرقه.\nفطريق أبي الزبير عند الدارمي فيه يعلى بن عبيد قال ابن حجر: حديثه عن سفيان الثوري فيه لين، وتابعه محمد بن عبد الله الأسدي عند ابن سعد، ويقول ابن حجر فيه أيضًا: قد يخطئ في حديثه عن سفيان لكن تابعهما عبد الرحمن بن مهدي عند ابن حبان وهو ثقة ثبت.\nوفي هذا السند أيضًا لم يصرح أبو الزبير بالسماع من جابر، وهو مدلس٩، ولكن تابعه في الطريق الثاني عند أحمد وابن سعد وأبو سفيان عن جابر. وأبو سفيان أيضًا لم يصرح بالسماع وهو مدلس١٠، لكن روايته تجبر رواية أبي الزبير، وتدل على أن للحديث أصلًا.\n_________\n١ عفان بن مسلم الباهلي.\n٢ وضاح - بتشديد المعجمة ثم مهملة - ابن عبد الله اليشكري - بالمعجمة - الواسطي البزار أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومائة: ع. تقريب: ٣٦٩.\n٣ جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وحشية - بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية - ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، مات سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٥٥.\n٤ سليمان بن قيس اليشكري - بفتح التحتانية بعدها معجمة - البصري ثقة، مات قديمًا قبل الثمانين: ت، ق. تقريب: ١٣٥.\n٥ مسند أحمد ٣/٣٥٣، ٣٦٤.\n٦ الطبقات الكبرة ٢/١٠٣.\n٧ مسند عبد بن حميد ٢/ لوحة: ١٤٢.\n٨ هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري ثقة ثبت، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون: ع. تقريب: ٣٦٤.\n٩ انظر: جامع التحصيل: ١٢٦، ١٣٠، وطبقات المدلسين لابن حجر: ٣٢.\n١٠ انظر: جامع التحصيل: ١٣٠، طبقات المدلسين لابن حجر: ٢٣، ٢٨.","vol":"1","page":227},{"text":"قال ابن حجر: \"ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس، صار حديثهما حسنًا لا لذاته، بل بالمجموع\"١.\nأما طريق سليمان بن قيس اليشكري عند أحمد، فهو منقطع، لأن أبا بشر لم يسمع من سليمان، قاله البخاري٢.\nويشهد لحديث جابر أيضًا حديث أنس بن مالك عند ابن سعد:\n(١٤٠) قال ابن سعد: أخبرنا محمد٣ بن عبد الله الأنصاري أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة عن كل سبعة بدنة٤.\nهذا الحديث في سنده ابن أبي عروبة٥ وقتادة٦ لم يصرح واحد منهما بالسماع، وهما مدلسان لكن كل منهما في هذا الإسناد ثبت فيمن يروي عنه.\nفابن أبي عروبة يروي عن قتادة وهو من أثبت أصحاب قتادة فيه، قاله٧ ابن أبي خيثمة، وأبو حاتم، وأبو رزعة، وكذلك قتادة قال: أبو حاتم٨ أثبت أصحاب أنس الزهري ثم قتادة.\nويشهد له حديث جابر السابق، فالحديث حسن إن شاء الله.\nوتحديد الهدي بسبعمائة جاء أيضًا في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق عند أحمد وغيره:\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد\n_________\n١ نخبة الفكر ص: ٥١ - ٥٢ مع نزهة النظر.\n٢ التاريخ الكبير ٢/٢/٣١، تهذيب التهذيب ٤/٢١٤.\n٣ محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، مات سنة خمس عشرة ومائتين: ع. تقريب: ٣٠٦.\n٤ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣.\n٥ انظر: جامع التحصيل: ١٢١، طبقات المدلسين لابن حجر: ٢١.\n٦ انظر: جامع التحصيل: ١٢٤، ١٣٠، وطبقات المدلسين لابن حجر: ٣١.\n٧ تهذيب التهذيب ٤/٦٣ - ٦٤.\n٨ م، السابق ٨/٣٥٥.","vol":"1","page":228},{"text":"بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور١ بن مخرمة ومروان٢ بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة ... \"٣.\nوأخرجه الدارقطني من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به مختصرًا ولفظه: \"أن النبي ﷺ ساق يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعمائة رجل\"٤.\nوأخرجه البيهقي٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني الزهري به، فذكره بمثل لفظ أحمد.\nسند هذا الحديث حسن فقد صرح ابن إسحاق بالسماع من الزهري في رواية البيهقي، وتقدم الكلام على الحديث.\nويلاحظ أن ابن إسحاق قال: \"وكان الناس سبعمائة رجل\" وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح عن عدد أصحاب الحديبية، وتقدم الكلام٦ عنه فليراجع.\nوقال ابن إسحاق أيضًا: \"فكانت كل بدنة عن عشرة\"، وهذا مغاير لما تقدم \"في حديث جابر وأنس من أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن سبعة، ويؤيد ما في حديث جابر وأنس ما ورد عند مسلم عن جابر:\n(١٤١) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مالك ح وحدثنا يحيى بن يحيى (واللفظ له) قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: \"نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة\" ٧.\n_________\n١ المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد المناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين: ع. تقريب: ٣٣٧.\n٢ مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا يثبت له صحبة: خ، الأربعة. تقريب: ٣٣٢.\n٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤ وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .\n٤ سنن الدارقطني ٢/٢٤٣.\n٥ السنن الكبرى ٥/٢٣٥.\n٦ انظر ص: ٨٧ وما بعدها.\n٧ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٣٥٠.","vol":"1","page":229},{"text":"وهو في الموطأ١ بهذا اللفظ.\nوأخرجه أبو داود٢ عن القعنبي عن مالك به مثله.\nوأخرجه الترمذي٣ عن قتيبة عن مالك به مثله.\nوأخرجه ابن ماجه٤ من طريق عبد الرزاق عن مالك به مثله.\nوأخرجه أحمد٥ عن عبد الرزاق وروح كلاهما عن مالك به مثله.\nوأخرجه ابن سعد٦ عن إسحاق بن عيسى عن مالك به مثله.\nوأخرجه البيهقي٧ من طريق قتيبة عن مالك به مثله.\nفهذا الحديث في مسلم وغيره وقد نص على أن الصحابة رضوان الله عليهم في الحديبية نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وكذلك حديث جابر وأنس السابقان ورد فيهما أنهم نحروا البدنة عن سبعة والتعارض بين هذه الأحاديث وما في حديث ابن إسحاق ظاهر، وابن إسحاق قد تفرد بذكر البدنة عن عشرة.\nقال البيهقي٨: \"وأما ما في حديث الزهري عن عروة فإن محمد بن إسحاق بن يسار تفرد بذكر البدنة عن عشرة فيه\".\nوقد ذكر البيهقي رواية معلقة عن سفيان تفيد أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن عشرة، أوردها بصيغة التمريض: قال: \"وقد روي عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: \"نحرنا يوم الحديبية البدنة عن عشرة\"٩.\nثم تعقبها بقوله: \"ولا أحسبه إلا وهمًا، فقد رواه الفريابي عن الثوري وقال: البدنة عن سبعة\"١٠.\n_________\n١ موطأ مالك، كتاب الضحايا: ٩.\n٢ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الضحايا: ٢٨٠٩.\n٣ سنن الترمذي، كتاب الأضاحي: ١٥٠٢.\n٤ سنن ابن ماجه، كتاب الأضاحي: ٣١٣٢.\n٥ مسند أحمد ٣/٢٩٣.\n٦ الطبقات الكبرى: ٢/١٠٣.\n٧ السنن الكبرى ٥/٢١٦.\n٨ السنن الكبرى ٥/٢٣٦.\n٩ السنن الكبرى ٥/٢٣٦.\n١٠ السنن الكبرى ٥/٢٣٦.","vol":"1","page":230},{"text":"قلت: نعم، المحفوظ من رواية سفيان \"البدنة عن سبعة\" فقد أخرجها الدارمي١ عن يعلى بن عبيد وابن حبان٢ من طريق ابن مهدي، وابن سعد٣ عن محمد بن عبد الأسدي، كلهم عن سفيان، وفيها \"البدنة عن سبعة\"٤.\nوقد حاول ابن خزيمة التوفيق بين حديث جابر ورواية ابن إسحاق من حديث المسور ومروان حيث قال: فقول جابر: \"اشتركنا في الجزور سبعة وفي البقرة سبعة\" يريد بعض أهل الحديبية، وخبر المسور ومروان: \"اشترك عشرة في بدنة\" أي سبعمائة وهم نصف أهل الحديبية لا كلهم\"٥.\nقلت: هذا الجمع يتجه لو كان الهدي الذي ساقوه في غزوة الحديبية أكثر من سبعين بدنة، لكن نصت رواية ابن إسحاق هذه وحديث جابر وحديث أنس السابقان على أن النبي ﷺ إنما ساق سبعين بدنة فقط، وأما ما ورد في حديث سلمة بن الأكوع: \"أن النبي ﷺ نحر في الحديبية مائة بدنة\"٦ فهو ضعيف.\nوالتحقيق: أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا بالحديبية البدنة عن سبعة، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، أما رواية ابن إسحاق فهي شاذة، والله أعلم.\n_________\n١ سنن الدارمي ٢/٧٨.\n٢ موارد الظمآن: ٢٤٣.\n٣ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣.\n٤ انظر حديث رقم (١٣٨) .\n٥ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٩١.\n٦ انظر حديث سلمة بن الأكوع برقم (٣٣) .","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثالث: قصة جمل أبي جهل:</span>\nوكان في جملة ما نحر النبي ﷺ في هديه - يوم الحديبية - جمل لأبي جهل كان من غنائم بدر:\n(١٤٢) قال أبو داود: حدثنا النفيلي١ حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد\n_________\n١ عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل - بنون وفاء مصغرًا - أبو جعفر النفيلي الحراني ثقة، حافظ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين: خ، الأربعة. تقريب: ١٨٨.","vol":"1","page":231},{"text":"بن إسحاق ح، وحدثنا محمد١ بن المنهال، حدثنا يزيد٢ بن زريع عن ابن إسحاق - المَعْنى - قال: عبد الله - يعني ابن أبي نجيح - حدثني مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله٣ ﷺ جملًا كان لأبي جهل في رأسه برة٤ من فضة، قال ابن المنهال: بُرة من ذهب، زاد النفيلي: يغيض بذلك المشركين٥.\nوأخرجه ابن خزيمة عن ابن إسحاق من طريقين صرح في أحدهما بالسماع من ابن أبي نجيح:\nقال ابن خزيمة: ثنا الفضل٦ بن يعقوب الجزري ثنا عبد الأعلى٧ عن محمد بن عبد الله بن أبي نجيح به، ولفظه: أهدى رسول الله ﷺ جمل أبي جهل في هديه عام الحديبية وفي رأسه برة من فضة، كان أبو جهل أسلمه يوم بدر٨.\nوقال: حدثنا محمد٩ بن عيسى نا سلمة١٠ قال محمد: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح به فذكر نحوه، إلا أنه لم يذكر أنه أسلمه يوم بدر، وزاد \"ليغيظ المشركين بذلك\"١١.\nوأخرجه الحاكم١٢ من طريق عياش بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح به فذكر نحوه.\n_________\n١ محمد بن المنهال الضرير أبو عبد الله أو أبو جعفر البصري التميمي، ثقة حافظ، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين: خ، م، د، ت. تقريب: ٣٢٠.\n٢ يزيد بن زريع - بتقديم الزاي مصغرًا - البصري أبو معاوية ثقة ثبت، مات سنة اثنتين ومائة: ع. تقريب: ٣٨٢.\n٣ قال صاحب عون المعبود: «كان حقه أن يقول: في هداياه، فوضع المظهر موضع المضمر» ٢/٧٩.\n٤ البرة: حلقة تجعل في أنف البعير. النهاية ١/١٢٢.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٧٤٩.\n٦ الفضل بن يعقوب البصري، المعروف بالجزري - بجيم وزاي وراء - صدوق مات سنة ست وخمسين ومائتين: د، ق. تقريب: ٢٧٦.\n٧ هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي.\n٨ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٨٦.\n٩ محمد بن عيسى بن زياد الدامغاني أبو الحسن نزيل الري، مقبول من العاشرة: س. تقريب: ٣١٤.\n١٠ هو: سلمة بن الفضل الأبرش.\n١١ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٨٧.\n١٢ المستدرك ١/٤٦٧.","vol":"1","page":232},{"text":"وأخرجه أحمد١ من طريق ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح فذكر نحوه.\nوأخرجه ابن جرير٢ من طريق سلمة عن ابن إسحاق به نحوه.\nوأخرجه البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به، فذكر نحوه وزاد: وعليه خشاش من ذهب، وهي الزمام، قال: وذلك أن الزمام يكون في اللحم، والخشاش يكون في العظم، وما فعل ذلك إلا ليغيظ به قريشًا٣.\nوأخرجه أحمد من طريق جرير بن حازم عن ابن أبي نجيح:\nقال: حدثنا حسين٤ ثنا جرير٥ بن حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: \"أن رسول الله ﷺ أهدى في بدنه بعيرًا كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة\"٦.\nقال الحاكم بعد أن ساقه من طريق ابن إسحاق: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٧.\nقلت: نعم هذا الحديث صحيح دون قوله: \"برة من ذهب\" فقد صرح ابن إسحاق بالسماع في سند ابن خزيمة والحاكم، وقد تابع ابن إسحاق في ابن أبي نجيح جرير بن حازم عند أحمد في سند رجاله ثقات.\nوأخرج أحمد هذا الحديث من طريق مقسم عن ابن عباس:\n_________\n١ المسند ١/٢٦١.\n٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٨١.\n٣ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٥.\n٤ الحسين بن محمد بن بهرام التميمي أبو أحمد، أو أبو علي المروذي - بتشديد الواو وبذال معجمة - نزيل بغداد، ثقة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين أو بعدها بسنة أو سنتين: ع. تقريب: ٧٥، وهناك الحسين بن الوليد القرشي النيسابوري، روى عن جرير، وروى عنه أحمد وهو ثقة أيضًا. تهذيب التهذيب ٢/٣٧٤.\nوإنما أثبت ذاك لأن أحمد صرح باسم أبيه قبل هذا الحديث وبعده.\n٥ جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه مات سنة سبعين ومائة بعدما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه: ع. تقريب: ٥٤.\n٦ مسند أحمد ١/٢٧٣.\n٧ المستدرك ١/٤٦٧.","vol":"1","page":233},{"text":"(١٤٣) قال حدثنا وكيع ثنا سفيان١ عن ابن أبي ليلى٢ عن الحكم٣ عن مقسم٤ عن ابن عباس: \"أن النبي ﷺ أهدى في بدنه جملًا كان لأبي جهل برته من فضة\"٥.\nوأخرجه ابن ماجه٦ من طريق وكيع به مثله.\nوأخرجه أحمد عن مؤمل عن سفيان به بلفظ: \"أهدى رسول الله ﷺ مائة بدنة فيها جمل أحمر لأبي جهل، في أنفه برة من فضة\"٧.\nوأخرجه الطبراني من طريق أبي نعيم٨ وأبي عاصم٩، كلاهما عن سفيان به فذكره بمثله١٠ دون قوله: \"أحمر\".\nوأخرجه أحمد من طريق زهير بن محمد عن ابن أبي ليلى بسياق آخر في حديث:\n(١٤٤) قال: حدثنا يحيى١١ بن آدم ثنا زهير١٢ عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: نحر رسول الله ﷺ في الحج\n_________\n١ هو: سفيان الثوري.\n٢ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، الكوفي القاضي، أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدًا، مات سنة ثمان وأربعين بعد المائة: الأربعة. تقريب:٣٠٨.\n٣ الحكم بن عتيبة - بالمثناة ثم موحدة مصغرًا - أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، مات سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها وله نيف وستون: ع. تقريب: ٨٠.\n٤ مقسم - بكسر أوله - ابن بجره - بضم الموحدة وسكون الجيم - ويقال: نجده - بفتح النون وبدال - أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، صدوق وكان يرسل، مات سنة إحدى ومائة، وما له في البخاري سوى حديث واحد: خ، الأربعة. تقريب: ٣٤٦.\n٥ مسند أحمد ١/٢٣٤.\n٦ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣١٠٠.\n٧ مسند أحمد ١/٢٦٩.\n٨ هو: الفضل بن دكين الكوفي، واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولاهم الأحول، أبو نعيم الملائي - بضم الميم - مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة ثمان عشرة وقيل تسع عشرة ومائتين: ع. تقريب: ٢٧٥.\n٩ هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني.\n١٠ المعجم الكبير ١١/٣٧٨.\n١١ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكريا مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، مات سنة ثلاث ومائتين: ع. تقريب: ٣٧٣.\n١٢ زهير بن محمد التميمي أبو المنذر الخراساني، سكن الشام ثم الحجاز، رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه، مات سنة اثنتين وستين ومائة: ع. تقريب: ١٠٨.","vol":"1","page":234},{"text":"مائة بدنة، نحر بيده منها ستين، وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر، فأكل منها وحسا من مرقها، ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها١.\nوأخرجه البيهقي٢ من طريق زهير بن محمد به فذكره مختصرًا ابتدأ من قوله: \" نحر يوم الحديبية ... \" الخ.\nهذا السند ضعيف فمداره على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال عنه الإمام أحمد: \"مضطرب الحديث\"، وقال يحيى القطان: \"سيئ الحفظ جدًا\"، وقال شعبة: \"ما رأيت أسوأ من حفظه\"، وقال يحيى بن معين: \"ليس بذاك\"، وقال الدارقطني: \"رديء الحفظ كثير الوهم\"٣، وقال الذهبي٤: \"صدوق سيئ الحفظ\"، والإسناد مع ذلك منقطع فالحكم بن عتيبة لم يسمع الحديث من مقسم، قال يحيى القطان وشعبة وأحمد وغيرهم: \"أحاديث الحكم عن مقسم كتاب إلا خمسة أحاديث\"، قال يحيى القطان هي: \"حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزيمة الطلاق، وجزاء الصيد، وإتيان الحائض\"٥.\nقلت: فالحديث الذي نحن بصدده ليس من الخمسة التي سمعها الحكم من مقسم، وأيضًا فالمتن الوارد بهذا الإسناد فيه اضطراب يشعر بسوء حفظ ابن أبي ليلى، كما قال الأئمة: \"فقد جاء في إحدى روايات سفيان عنه: \"أن رسول الله ﷺ أهدى مائة بدنة\" بينما في رواية زهير بن محمد عنه: \"أن رسول الله ﷺ نحر يوم الحديبية سبعين بدنة\".\nوعند ابن ماجه من رواية أخرى لسفيان عن ابن أبي ليلى فيها أن جمل أبي جهل كان مع الهدي الذي ساقه النبي ﷺ في حجته:\n_________\n١ مسند أحمد ١/٣١٤.\n٢ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٤.\n٣ انظر: ميزان الاعتدال ٣/٦١٤، تهذيب التهذيب ٩/٣٠١ - ٣٠٣.\n٤ ميزان الاعتدال ٣/٦١٣.\n٥ سير أعلام النبلاء ٥/٢١٠، تهذيب التهذيب ٢/٤٣٣ - ٤٣٤.","vol":"1","page":235},{"text":"(١٤٥) قال ابن ماجه: حدثنا القاسم١ بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله٢ بن داود ثنا سفيان قال: \"حج رسول الله ﷺ ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر من المدينة وقرن مع حجته عمرة، واجتمع ما جاء به النبي ﷺ وما جاء به عليٌّ مائة بدنة، منها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فنحر النبي ﷺ بيده ثلاثًا وستين، ونحر علي ما غبر.\nقيل له: من ذكره؟ قال: جعفر عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس٣.\nوهذا الحديث ضعيف وإن كان قد تابع ابن أبي ليلى فيه محمد بن جعفر عن أبيه عن جابر.\nفقد أخرجه الترمذي٤ من طريق سفيان عن جعفر به، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب، ثم قال: وسألت محمدًا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ورأيته لم يعد هذا محفوظًا، وقال إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلًا٥.\n_________\n١ القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، أبو محمد البصري، نزيل بغداد ثقة من الحادية عشرة: ق. ٢٨٠.\n٢ عبد الله بن داود بن عامر الهمداني، أبو عبد الرحمن الخُرَيبي - بمعجمة وموحدة مصغرًا - كوفي الأصل ثقة عابد، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري: خ، الأربعة. تقريب: ١٧٢.\n٣ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣٠٧٦.\n٤ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٨١٥.\n٥ سنن الترمذي ٣/١٧٠.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم</span>\n...\nالمبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدي في الحل أو في الحرم؟\nصرحت بعض الروايات بأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا الهدي بالحديبية، لكن الحديبية منها ما هو في الحل، ومنها ما هو من الحرم، وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل، وأفادت بعض الروايات أيضًا أنه ﷺ نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه، وقد جاء في حديث ناجية ﵁ أن رسول الله ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم، وسوف أسرد النصوص مرتبة على هذا النحو، مع مناقشتها وبيان ما ترجح لي في ذلك إن شاء الله٠","vol":"1","page":236},{"text":"قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: \"أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ... \"١.\nوقال مسلم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾، مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: \"لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا\"٢.\nوأخرجه البيهقي من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ثم ذكر الحديث وفيه: \"وأصحاب محمد ﷺ قد خالطوا الحزن والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم ... \"٣.\nوقد جاء في حديث المسور أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل:\n(١٤٦) قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود٤، حدثنا سفيان٥ بن بشر الكوفي، قال: حدثنا يحيى٦ بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: \"أن رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم\"٧.\nوهذا الحديث حسن رجال سنده ثقات غير سفيان بن بشر ترجم له العيني ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكن صحح له ابن الجوزي حديثًا تفرد بوصله وقال: ما علمنا أحدًا طعن في سفيان بن بشر٨، وفي السند أيضًا ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ١٧٠١، وتقدم برقم (٨) .\n٢ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٧، وسيأتي تخريجه حديث رقم (١٥٥) .\n٣ السنن الكبرى ٥/٢١٧.\n٤ هو: أبو إسحاق بن أبي داود سليمان بن داود البُرلُّسي، الأسدي، وعنه أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي، وكان حافظًا ثقة، مات بمصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ويعرف بابن أبي داود. وذكره ابن يونس وقال: كان ثقة من حفاظ الحديث. معجم البلدان ١/٤٠٢.\n٥ سفيان بن بشر الكوفي، ابن أيمن بن غالب الأسدي، أبو الحسن الكوفي عن شريك وعنه ابن أبي داود، قال ابن يونس في الغرباء قدم مصر وحدث بها، وتوفي بمصر في شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين. مباني الأخبار، لوحة: ٢٢٣.\n٦ يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني - بسكون المهملة - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة: ع. تقريب: ٣٧٥.\n٧ شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢.\n٨ التعليق المغني على الدارقطني ٢/١٩٤، مع سنن الدارقطني.","vol":"1","page":237},{"text":"ولكن ورد هذا اللفظ في حديث المسور ومروان الطويل عند الإمام أحمد١ والبيهقي، وصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ونصه: \"وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم\" ٢.\nوقد ورد عن عطاء أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحرم:\n(١٤٧) ففي مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة٣ عن عطاء: \"أن منزل النبي ﷺ يوم الحديبية في الحرم\"٤.\nلكن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يقوى على معارضة الحديث السابق.\nوإذا تقرر أن النبي ﷺ كان نازلًا في الحل، فقد ورد في بعض النصوص أنه نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه:\nجاء في حديث أنس السابق من طريق الحكم بن عبد الملك عند البيهقي \"أن أصحاب رسول الله ﷺ ذبحوا هديهم في أمكنتهم\".\nوهذا يقيد ما أطلق من طريق ابن أبي عروبة، فيكون المقصود بالحديبية منزل النبي ﷺ منها وهو في الحل، والله أعلم.\nويدل لذلك أيضًا أثر مجاهد عند البيهقي:\n(١٤٨) قال: حدثنا أبو عبد الله٥ الحافظ وأبو بكر أحمد٦ بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد٧ بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن عمر٨ بن ذر عن مجاهد قال: \"اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة منها العمرة التي صد فيها الهدي، فراسل رسول الله ﷺ أهل مكة فصالحوه على\n_________\n١ مسند أحمد ٤/٣٢٦.\n٢ السنن الكبرى ٥/٢١٥.\n٣ هو: حماد بن سلمة.\n٤ الجوهر النقي ٥/٢١٧ مع السنن الكبرى للبيهقي.\n٥ هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري.\n٦ أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن إسحاق الصنعاني، روى عنه أحمد بن الفرج بن الحجاج، وذكر ابن الثلاج أنه سمع منه في سنة خمس وعشرين وثلثمائة. تاريخ بغداد ٤/٩٠.\n٧ محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم أبو العباس الأصم، وكان يكره أن يقال له الأصم، قال الحاكم وهو محدث عصره بلا مدافعة، وقال: حدث في الإسلام ستًا وسبعين سنة، لم يختلف في صدقه وصحة سماعه ووصفه الذهبي بالإمام المفيد الثقة محدث المشرق. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠.\n٨ عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني - بالسكون - المرهبي، أبو ذر الكوفي ثقة، رمي بالإرجاء، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك: خ، د، ت، س، فق، التقريب: ٢٥٣.","vol":"1","page":238},{"text":"أن يرجع عنهم في عامه ذلك، قال: فنحر رسول الله ﷺ الهدي بالحديبية، حيث حلّ عند الشجرة وانصرف١.\nوهذا الأثر مرسل، لكن يشهد له الحديث السابق.\nوقد أشار إلى أن رسول الله ﷺ نحر الهدي في الحل، أثر مجمع بن يعقوب عن أبيه عن ابن سعد:\n(١٤٩) قال: حدثنا إسماعيل٢ بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع ابن يعقوب عن أبيه٣ أنه قال: لما صدر٤ رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث الله ريحًا عاصفًا٥ فاحتملت أشعارهم فألفتها في الحرم٦.\nهذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لأنه مرسل، فوالد مجمع بن يعقوب يحكي قصة في زمن النبي ﷺ لم يشهدها ولم يذكر من حدثه بها، لكن تشهد لهذا الأثر في المعنى الروايات السابقة، فمضمونها أن النبي ﷺ نحر هديه في المكان الذي نزل فيه، وكان منزله في الحل على الصحيح، والله أعلم.\nوذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أن النبي ﷺ نحر في الحل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، والحرم كله محله عند أهل العلم٧.\nوقد أخرج النسائي حديثًا لناجية بن جندب يفيد أن النبي ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم.\n(١٥٠) قال: أخبرنا أحمد٨ بن سليمان قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال:\n_________\n١ السنن الكبرى ٥/٣١٧.\n٢ إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبي أويس أخطأ في أحاديث من حفظه، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، م، د، ت، ق. تقريب: ٣٤.\n٣ هو: يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، مقبول من الرابعة. د. تقريب: ٣٨٧، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين. الثقات ٧/٦٤٢.\n٤ صدر: الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده. النهاية ٣/١٥.\n٥ ريح عاصف: شديد الهبوب. النهاية ٣/٢٤٨.\n٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٤.\n٧ الأم ٢/١٥٩.\n٨ أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، ثقة حافظ، مات سنة إحدى وستين ومائتين: س. تقريب: ١٣.","vol":"1","page":239},{"text":"أنا إسرائيل١ عن مجزأة٢ قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي أنه أتى النبي ﷺ حين صد الهدي فقال: يا رسول الله ابعث به معي فأنا أنحره في الحرم، قال: وكيف؟ قال: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، قال: فدفعه رسول الله ﷺ إليه فانطلق به حتى نحره في الحرم٣.\nوأخرجه أبو نعيم٤ من طريق عمرو بن محمد العنقري عن إسرائيل به نحوه.\nوأخرجه الطحاوي من طريق مخول٥ بن راشد به قال: أتيت النبي ﷺ حين صد الهدي فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلأنحره في الحرم، قال: وكيف تأخذ به؟ قلت: آخذ به في أودية لا يقدرون علي فيها، فبعثه معي حتى نحرته في الحرم٦.\nسند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيحين، ما عدا شيخ النسائي أحمد بن سليمان وقال عنه ابن حجر: ثقة حافظ.\nوهذا الحديث يشهد للروايات السابقة من وجه ويخالفها من وجه:\nفمفهوم الحديث يفيد أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل، وهذا يؤيد الروايات السابقة، ومنطوق الحديث يفيد أنهم نحروا الهدي في الحرم، وهذا يخالف الروايات السابقة ظاهرًا، لكن يجمع بينها بأن الرسول ﷺ بعث مع ناجية بعض الهدي لا كله، وظاهر كلام٧ ابن حجر على هذا الجمع ويؤيده أيضًا ما روي عن جابر أن النبي ﷺ بعث من هديه بعشرين بدنة، عند المروة مع رجل من أسلم٨.\n_________\n١ هو: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.\n٢ مجزأة - بفتح أوله وسكون الجيم وفتح الزاي بعدها همزة مفتوحة - ابن زاهر الأسلمي الكوفي ثقة، من الرابعة: خ، م، س. تقريب: ٣٢٩.\n٣ السنن الكبرى للنسائي، لوحة: ٥٤.\n٤ معرفة الصحابة ٢/ لوحة: ٢٢٤.\n٥ مخول - بوزن محمد - وقيل بكسر أوله وتخفيف الواو - ابن راشد أبو راشد بن أبي مجالد النهدي الكوفي الحناط - بمهملة ونون - ثقة، نسب إلى التشيع، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ٣٣١.\n٦ شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢.\n٧ فتح الباري ٤/١١.\n٨ ذكره الواقدي، المغازي ٢/٦١٥، وذكره الزرقاني وعزاه لابن سعد دون إسناد، شرح الزرقاني على المواهب ٢/٢٠٩، ولم أجده في طبقات ابن سعد.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الفصل الثالث: أحداث وقعت للمسلمين في طريقهم للمدينة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح</span>\n...\nالمبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح:\nكانت مدة إقامة المسلمين بالحديبية بضعة عشر يومًا، ويقال عشرين ليلة على قول الواقدي١ وابن سعد٢.\nوعن ابن عائذ: \"أن رسول الله ﷺ أقام في غزوته هذه شهرًا ونصفًا\"٣.\nوالذي يبدو: أن الواقدي وابن سعد أرادا تحديد مدة إقامته ﷺ في الحديبية، أما ابن عائذ فقصد الزمن الذي استغرقته غيبة النبي ﷺ منذ خروجه من المدينة إلى عودته إليها، والله أعلم.\nوبعد أن تحلل المسلمون من عمرتهم تلك، قفلوا راجعين إلى المدينة، فلما كان من الليل عدلوا عن الطريق للنوم ووكلوا بلالًا بحراستهم، فنام بلال ولم يوقظهم إلا حر الشمس، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁:\n_________\n١ مغازي الواقدي ٢/٦١٦.\n٢ الطبقات الكبرى ٢/٩٨.\n٣ نقله ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/١٢٣، ونقله الزرقاني، شرح الزرقاني على المواهب ٢/٢١٠.","vol":"1","page":241},{"text":"(١٥١) قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جامع١ بن شداد سمعت عبد الرحمن٢ بن أبي علقمة سمعت عبد الله٣ بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فقال رسول الله ﷺ: \"من يكلؤنا\"٤؟ فقال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: \"افعلوا كما كنتم تفعلون\"، قال: ففعلنا، قال: \"فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي\"٥.\nوبنحو هذا اللفظ أخرجه أحمد٦ عن يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي شيبة٧ عن غندر، وابن جرير٨ من طريق أبي بحر٩ عبد الرحمن بن عثمان، وابن عبد البر١٠ من طريق محمد بن جعفر غندر، كلهم عن شعبة به.\nوأخرجه النسائي بأطول من هذا:\nقال: أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار عن محمد١١ قال: ثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فذكر أنهم نزلوا دهاسًا من الأرض - يعني بالدهاس الرمل - فقال رسول الله ﷺ: \"من يكلؤنا\"، فقال بلال: أنا يا رسول الله، قال: \"إذًا ننام\" فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ ناس فيهم فلان وفلان\n_________\n١ جامع بن شداد المحاربي، أبو صخرة الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة سبع، ويقال سنة ثمان وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٥٣.\n٢ عبد الرحمن بن أبي علقمة أو ابن علقمة، يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين: د، س. تقريب: ٢٠٧.\n٣ عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة وفاء - بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة وأمّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين أو في التي بعدها بالمدينة: ع. تقريب: ١٨٩.\n٤ يكلؤنا: يحرسنا، الكلاءة الحفظ والحراسة. النهاية ٤/١٩٤.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ٤٤٧.\n٦ مسند أحمد ١/٣٨٦.\n٧ المصنف ٢/٦٤.\n٨ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩.\n٩ عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، أبو بجر البكراوي ضعيف، مات سنة خمس وتسعين ومائة: د، ق. تقريب: ٢٠٦.\n١٠ التمهيد ٥/٢٥٢.\n١١ هو: ابن جعفر غندر.","vol":"1","page":242},{"text":"وفيهم عمر، واستيقظ النبي ﷺ فقال: \"افعلوا ما كنتم تفعلون\" ففعلنا قال: \"كذلك فافعلوا لمن نام أو نسي\": قال: فضلت ناقة رسول الله ﷺ فطلبتها فوجدت حبلها قد تعلق بشجرة فجئت بها فركب فسرنا.\nوكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي اشتد ذلك عليه، وعرفنا ذلك فيه فتنحى منتبذًا١ خلفنا فجعل يغطي رأسه ويشتد عليه حتى عرفنا أنه قد أنزل عليه، فأتانا وأخبرنا أنه إنما أنزل عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٢.\nوأخرجه أحمد٣، وابن أبي شيبة٤ كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة به.\nوأخرجه البزار٥ عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر به، كلهم لنحو لفظ النسائي.\nسند هذا الحديث صحيح، رجاله رجال الصحيحين ما عدا عبد الرحمن بن أبي علقمة، ولم يطعن فيه أحد٦، وقد ذكره ابن حبان٧ في ثقات التابعين، وقال الهيثمي٨ عن الحديث: رجاله موثقون، وابن أبي علقمة من جملتهم، وقال الألباني٩ عن الحديث: إسناده صحيح.\nوقد أخرج النسائي وغيره الحديث من طريق المسعودي عن جامع ابن شداد بسياق آخر:\n(١٥٢) قال النسائي: أخبرنا سويد١٠ بن نصر قال: أنا عبد الله١١ عن\n_________\n١ منتبذًا: متنحيًا، والانتباذ: التنحي. ترتيب القاموس ٤/٣١١.\n٢ السنن الكبرى، لوحة: ١١٩.\n٣ مسند أحمد ١/٤٦٤.\n٤ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦.\n٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ١/٢٠٢.\n٦ انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٢/٢/٢٧٣، تهذيب الكمال ٢/ لوحة: ٨٠٥، تهذيب التهذيب ٦/٢٣٣.\n٧ الثقات ٥/١٠٦.\n٨ مجمع الزوائد ١/٣١٩.\n٩ إرواء الغليل ١/٢٩٣.\n١٠ سويد بن نصر بن سويد المروزي، أبو الفضل، لقبه الشاه راوية ابن المبارك ثقة، مات سنة أربعين ومائتين: ت، س. تقريب: ١٤١.\n١١ هو: عبد الله بن المبارك.","vol":"1","page":243},{"text":"المسعودي١ عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال عبد الله: لما رجع النبي ﷺ زمان الحديبية قال: \"من يحرسنا الليلة\" قال عبد الله: أنا، قال: \"إنك تنام\" ثم قال رسول الله ﷺ \"من يحرسنا الليلة\"؟ قال: وسكت القوم، فقلت: أنا، قال: \"فأنت إذًا\" قال: فحرستهم حتى إذا كان في وجه الصبح أدركني ما قال رسول الله ﷺ فنمت، فما استيقظت إلا بحرِّ الشمس على أكتافنا، فقام رسول الله فصنع كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ: \"لو شاء الله ألا تناموا عنها لم تناموا عنها، ولكن أراد أن تكون سنة لمن بعدكم لمن نام أو نسي\"٢.\nوأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن المسعودي به، فذكر نحو هذا اللفظ وزاد: \"قال: ثم إن ناقة رسول الله ﷺ وإبل القوم تفرقت، فخرج الناس في طلبها، فجاؤوا بإبلهم إلا ناقة رسول الله ﷺ، فقال عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ: \"خذها هنا\"، فأخذت حيث قال لي فوجدت زمامها قد التوى على شجرة ما كانت لتحلها إلاّ يد، قال: فجئت بها النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيًا لقد وجدت زمامها ملتويًا على شجرة ما كانت لتحلها إلا يد، قال: ونزلت على رسول الله ﷺ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.\nوساق أبو داود الطيالسي حديث شعبة والمسعودي معًا.\nقال: حدثنا شعبة والمسعودي عن جامع بن شداد به، قال: وحديث المسعودي أحسن، قال: كنا مع رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية فعرسنا٤ فقال: \"من يحرسنا لصلاتنا\"، وقال شبعة: \"من يكلؤنا\" قال بلال: أنا، قال المسعودي في حديثه: \"إنك تنام\"، ثم قال: \"من يحرسنا لصلاتنا\"، فقال ابن مسعود قلت: أنا، فقال رسول الله ﷺ: \"إنك تنام\"، قال: فحرستهم ... \"٥ الحديث بسياق المسعودي.\n_________\n١ عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، صدوق اختلط قبل موته، ضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، مات سنة ستين، وقيل: خمس وستين ومائة: خت، الأربعة. تقريب: ٢٠٥.\n٢ السنن الكبرى، لوحة: ١١٩.\n٣ مسند أحمد ١/٣٩١.\n٤ فعرسنا: من التعريس: وهو نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية ٣/٢٠٦.\n٥ مسند أبي داود: ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":244},{"text":"وأخرجه البيهقي١ من طريق أبي داود به مثله.\nوأخرجه من طريق يونس بن بكير عن المسعودي به، قال فيه: لما أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية جعلت ناقته تثقل فتقدمنا فأنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فأدركنا رسول الله ﷺ وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنها أنزلت عليه فبينما نحن ذات ليلة إذ عرسنا، فقال رسول الله ﷺ: \"من يحرسنا\"؟ فقلت: أنا يا رسول الله ... \"٢ الحديث.\nوأورد الهيثمي رواية المسعودي هذه ثم قال: وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط في آخر عمره٣.\nقلت: وقد قال عنه الذهبي سيء الحفظ٤، وقد خالف في روايته فذكر أن الذي قام بحراسة المسلمين تلك الليلة عبد الله بن مسعود، والمحفوظ عن جامع بن شداد ما رواه شعبة أن الذي قام بحراسة المسلمين تلك الليلة إنما هو بلال، أما ما في رواية المسعودي فهو شاذ؛ لأنه خالف من هو أوثق منه، والله أعلم.\nوقد أخرج البيهقي الحديث من طريق زافر بن سليمان٥ عن شعبة به، وذكر أن القصة كانت في غزوة تبوك٦.\nوقد شذ زافر بن سليمان بذلك، والمحفوظ عن شعبة ما سبق من رواية الثقات مثل يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر وغيرهم أن ذلك كان في غزوة الحديبية، أما زافر بن سليمان فقد قال عنه ابن حبان: كثير الغلط واسع الوهم، على صدق فيه٧، وقال ابن حجر: صدوق كثير الأوهام ا. هـ\nفلعل هذا من أوهامه، والله أعلم.\nوقد وردت أحاديث أخرى تفيد أن قصة نومهم عن صلاة الصبح وقعت في غير\n_________\n١ السنن الكبرى ٢/٢١٨.\n٢ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٦.\n٣ مجمع الزوائد ١/٣١٩.\n٤ ميزان الاعتدال ٢/٥٧٤.\n٥ زافر: بالفاء ابن سليمان الإيادي أبو سليمان القهستاني - بضم القاف والهاء وسكون المهملة - سكن الري ثم بغداد وولي قضاء سجستان، صدوق كثير الأوهام من التاسعة: ت، ق. تقريب: ١٠٥.\n٦ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٦.\n٧ ميزان الاعتدال ٢/٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":245},{"text":"الحديبية أيضًا: منها حديث أبي هريرة عند مسلم١ أنها وقعت للمسلمين عند رجوعهم من خيبر، ومنها مرسل زيد بن أسلم عند مالك٢ أنها وقعت لهم بطريق مكة.\nومنها مرسل عطاء بن يسار٣ أنها كانت في غزوة تبوك.\nوقد حاول بعض العلماء التوفيق بين هذه النصوص:\nفذهب ابن عبد البر إلى أن القصة واحدة، وأن الصحيح وقوعها في غزوة خيبر. ثم حمل بعض النصوص عليها وضعف البعض الآخر، فبعد أن ذكر مرسل زيد بن أسلم قال: وقد جاء معناه متصلًا مسندًا من وجوه صحاح ثابتة في نومه ﷺ عن صلاة الصبح في سفره، روى ذلك جماعة من الصحابة وأظنها قصة لم تعرض له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار، والله أعلم.\nإلا أن بعضها فيه: مرجعه من خيبر، كذا قال ابن شهاب عن سعيد بن المسيب في حديثه هذا، وهو أقوى ما يروى في ذلك، وهو الصحيح إن شاء الله، وقول زيد بن أسلم في حديثه هذا بطريق مكة ليس بمخالف لأن طريق خيبر وطريق مكة من المدينة يشبه أن يكون واحدًا، وربما جعلته القوافل واحدًا، وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل، وليس مما يعارض ابن شهاب، وفي حديث ابن مسعود \"من يوقظنا، فقلت: أنا أوقظكم\" وليس في ذلك دليل على أنها غير قصة بلال لأنه لم يقل له: أيقظنا، ويحتمل أنه لا يجيبه إلى ذلك، ويأمر بلالًا، وقال ابن مسعود في هذا الحديث: زمن الحديبية - وهو زمن واحد في عام واحد لأنه منصرفه من الحديبية مضى إلى خيبر في عامه ففتحها الله عليه\" ٤ اهـ. هكذا قال ابن عبد البر - ﵀ - وقد نقل ابن حجر ﵀ بعض كلامه هذا - في محاولة الجمع - ثم قال: ولا يخفى ما فيه من تكلف ورواية عد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه٥ ا. هـ\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: ٣٠٩.\n٢ الموطأ، كتاب وقوت الصلاة: ٢٦.\n٣ ذكره ابن عبد البر، التمهيد ٥/٢٠٦، وابن حجر، فتح الباري ١/٤٤٨، وهو في مصنف عبد الرزاق ١/٥٨٨، وليس فيه تصريح أنها في غزوة تبوك فلعل ابن عبد البر، وابن حجر وقفا على نسخة غير التي بين أيدينا.\n٤ التمهيد ٥/٢٠٤ - ٢٠٦.\n٥ فتح الباري ١/٤٤٩.","vol":"1","page":246},{"text":"قلت: يعني ابن حجر برواية عبد الرزاق مرسل عطاء بن يسار١، لكنه لا يرد على ابن عبد البر؛ لأنه قد ضعفه حيث قال: وقد قال عطاء بن يسار أنها كانت في غزوة تبوك، وهذا لا يصح والآثار الصحاح على خلاف قوله مسندة ثابتة، وقوله مرسل٢.\nلكن محاولة ابن عبد البر لتوحيد القصة، غير مجدية فإن كان قد أعل حديث زيد بن أسلم وحديث عطاء بن يسار بالإرسال، فإن حديث ابن مسعود صحيح لا يمكن رده بحال، وقد صرح فيه بأن الحادثة وقعت أثناء رجوعه من غزوة الحديبية، والحديبية تقع جنوب المدينة قريب من مكة، فالقادم منها إلى المدينة يتجه شمالًا، بينما تقع خيبر شمال المدينة فالقادم منها إلى المدينة يتجه جنوبًا فلا يمكن أن يكون طريقهما من المدينة أو إلى المدينة واحدًا، وما ذكره ابن عبد البر ﵀ بعيدٌ جدًا وعذره في ذلك أنه لا يعرف تلك الأماكن، لأنه لم يخرج عن الأندلس كما قال الحميدي٣.\nوقد جنح ابن القيم - فيما يفهم من صنيعه - إلى كون الحادثة وقعت مرة واحدة، وترجيح كونها في خيبر: فبعد أن ذكر قصة نومهم عن الصلاة في غزوة خيبر قال: وروي أن هذه القصة كانت مرجعهم من الحديبية، وروي أنها كانت مرجعهم من غزوة تبوك ... \" اهـ٤.\nهكذا حكى قصة الحديبية وتبوك بصيغة التمريض، ثم عاد مرة أخرى فذكر حديث ابن مسعود في قصة نومهم عن الصلاة في الحديبية ثم أعله بالاضطراب، فبعد أن ذكره من طريق شعبة قال: لكن اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن جامع: إن الحارس فيها كان ابن مسعود، وقال غندر عنه: إن الحارس كان بلالًا، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سليمان عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحديبية، فدل على وهم وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة من ذلك، وبالله التوفيق٥.\n_________\n١ صرح بذلك في المصدر السابق ص ٢٨٦.\n٢ التمهيد ٥/٢٠٦.\n٣ جذوة المقتبس ٣٦٧.\n٤ زاد المعاد ٣/٣٥٦.\n٥ زاد المعاد ٣/٣٥٦.","vol":"1","page":247},{"text":"قلت: ما حكاه ابن القيم عن ابن مهدي والمعتمر بن سليمان وجعله سببًا في اضطراب الحديث لم يسنده ابن القيم ولم يعزه لأحد ممن سبقه، ولم أرَ أحدًا - بعد بحث طويل - سوى ابن القيم يذكر أن ابن مهدي أو المعتمر بن سليمان قد روى هذا الحديث عن شعبة، وكذلك لم يذكر أحد ممن رواه عن شعبة أن ابن مسعود حرسهم تلك الليلة، ولم يرد أيضًا عن شعبة أن القصة وقعت في غزوة تبوك إلا من رواية زافر بن سليمان عنه، وقد بينا شذوذه في ذلك.\nوالمحفوظ عن شعبة هو ما رواه الثقات وهم محمد بن جعفر غندر، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، فهؤلاء كلهم رووا عنه أن الحادثة وقعت عند رجوع المسلمين من غزوة الحديبية، وأن الذي حرسهم تلك الليلة هو بلال، وعلى هذا فإن ثبت ما ذكره ابن القيم عن ابن مهدي والمعتمر يكون من قبيل الشاذ، ولا يعل به الحديث، والله أعلم.\nوالتحقيق: أن ما ورد من اختلاف بين حديث ابن مسعود في قصة الحديبية، وغيره محمول على تعدد القصة، كما رجح ذلك النووي١ وجنح إليه ابن كثير٢ والزرقاني٣، وابن حجر٤، بل قال السيوطي: \"ولا يجمع إلا بتعدد القصة\"٥.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم ٥/١٨١ - ١٨٢.\n٢ البداية والنهاية ٤/٢١٣.\n٣ شرح الزرقاني على الموطأ ١/٤٧.\n٤ فتح الباري ١/٤٤٩.\n٥ تنوير الحوالك ١/٣٣.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثاني: نزول سورة الفتح:</span>\nانصرف المسلمون من الحديبية وفي نفوسهم ما فيها بسبب صد قريش لهم عن البيت، وقد علم الله ذلك منهم - وهو العليم بالسر وأخفى - فأنزل على رسوله ﷺ سورة الفتح يبشرهم فيها بأنهم لم يخسروا سفرتهم تلك، وأن ذلك الصلح كان فتحًا، وأنهم قد انقلبوا بمغفرة من الله ورضوان، وذلك أسمى ما تصبو إليه نفوسهم، فيالها من بشارة!\n(١٥٣) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه \"أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره - وعمر بن الخطاب يسير","vol":"1","page":248},{"text":"معه ليلًا - فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ، ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر بن الخطاب: \"ثكلتك أمك يا عمر، نزرت١ رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك\"، قال عمر: \"فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت٢ أن سمعت صارخًا يصرخ بي\" قال: \"فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، وجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه\" فقال: \"لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.٤\nوأخرجه من طريق محمد٥ بن مسلمة القعنبي وإسماعيل٦ بن أبي أويس كلاهما عن مالك به مثله وتكرر عندهما لفظ: \"ثم سأله فلم يجبه\" مرتين.\nهذا الحديث ظاهره الإرسال، وهو مما انتقده الدارقطني على البخاري، وقد أجاب عنه ابن حجر فقال: \"بل ظاهر رواية البخاري الوصل، فإن أوله وإن كان صورته صورة المرسل فإن بعده ما يصرح بأن الحديث لأسلم عن عمر ففيه بعد\" قوله: \"فسأله عمر عن شيء فلم يجبه\"، فقال عمر: \"نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك\"، قال عمر: \"فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، وساق الحديث على هذه الصورة حاكيًا لمعظم القصة عن عمر فكيف يكون مرسلًا، هذا من العجب٧، والله أعلم.\nقلت: وقد جاء الحديث من طرق أخرى لغير البخاري يصرح فيها أسلم بأخذه هذا الحديث عن عمر: فأخرجه الترمذي من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك به، وفيه: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: \"كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره ... \" ٨.\n_________\n١ نزرت: ألححت عليه. النهاية ٥/٤٠.\n٢ نشبت: أي لبثت. النهاية ٥/٥٢.\n٣ سورة الفتح الآية: ١.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٧.\n٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٨٣٣.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٥٠١٢.\n٧ هدي الساري ٣/٣٧.\n٨ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٢٦٢.","vol":"1","page":249},{"text":"وأخرجه البزار١ من طريق ابن عثمة به، قال فيه: \"سمعت عمر\"، وذكره.\nوأخرجه٢ من طريق عبد الرحمن بن غزوان به، وقال فيه: \"عن عمر\" وذكر الحديث.\nثم قال البزار: \"هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك ولا رواه عن مالك إلا محمد بن خالد بن عثمة، وعبد الرحمن بن غزوان\"٣ اهـ.\nوابن غزوان هذا يكنى بأبي نوح وقد روى عنه أحمد هذا الحديث متصلًا.\nقال: ثنا أبو نوح عن مالك به قال فيه٤: عن عمر بن الخطاب ﵁ وذكر نحوه.\nوأخرجه ابن عبد البر من طريق محمد بن حرب عن مالك به قال فيه عن عمر أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره ... \"٥ الحديث بنحوه.\nثم قال ابن عبد البر: \"وهكذا رواه مسندًا روح بن عبادة ومحمد بن خالد بن عثمة جميعًا أيضًا عن مالك كرواية محمد بن حرب سواء ذكره النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك\"٦ اهـ.\nوذكر ابن حجر أن الدارقطني أورد في غرائب مالك من طريق ابن غزوان وابن عثمة ويزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب وإسحاق الحنيني، ثم قال ابن حجر: \"فهؤلاء خمسة رووه عن مالك بصريح الاتصال\"٧ اهـ\nقلت: وقد أشار ابن عبد البر - كما سبق - إلى أن روح بن عبادة رواه متصلًا عن مالك، فيصبح الذين رووه عن مالك بصريح الاتصال ستة، والله أعلم.\n(١٥٤) قال البخاري: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا؟ فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ\n_________\n١ مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢.\n٢ مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢.\n٣ مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢.\n٤ مسند أحمد ١/٣١.\n٥ التمهيد ٣/٢٦٤ - ٢٦٥.\n٦ التمهيد ٣/٢٦٤ - ٢٦٥.\n٧ فتح الباري ٨/٥٨٣.","vol":"1","page":250},{"text":"جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١، قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة ثم رجعت فذكرت له فقال: أما ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ فعن أنس، وأما \"هنيئًا مريئًاَ\" فعن عكرمة٢.\nوأخرجه أبو عوانة من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به، فذكر نحوه وفيه، قال شعبة: فأتيت الكوفة فحدثتهم بهذا الحديث عن قتادة عن أنس فلما رجعنا إلى البصرة سألت عنه قتادة فقال: أما الأول: فتح الحديبية، فهو عن أنس، وأما هذا قول أصحابه: \"هنيئًا لك\" هذا عن عكرمة٣.\nومن هذا الوجه أخرجه البيهقي٤ أيضًا بنحو لفظ أبي عوانة.\nوأخرجه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة به، فذكره بمعنى ما سبق وفيه: قال: فظننت أنه كله عن أنس فأتيت الكوفة فحدثت عن قتادة عن أنس ثم رجعت فلقيت قتادة بواسط فإذا هو يقول: أوله عن أنس، وآخره عن عكرمة، قال: فأتيتهم بالكوفة فأخبرتهم بذلك٥.\nوأخرجه الخطيب٦ من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي عن حجاج به مثله.\nوفي هذا الحديث أدرج قتادة رواية عكرمة في رواية أنس وساقهما مساقًا واحدًا، لكن شعبة بين أخيرًا ما رواه عن أنس وما رواه عن عكرمة من الحديث.\nوذكر الخطيب أن أحمد - في روايته عن حجاج - لم يبين رواية قتادة عن أنس من روايته عن عكرمة٧، والواقع أنه قد بين كما سبق، فلعله لم يقف عليها.\nوأخرجه الخطيب من طريق أبي معشر الرؤاسي عن شعبة به، وفصل قتادة رواية كل منهما على حدة، ولفظه: \"قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية نزلت عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، قال قتادة: عن عكرمة: فقال أصحاب النبي ﷺ:\n_________\n١ سورة الفتح الآية: ٥.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٢.\n٣ مسند أبي عوانة ٤/٢٥٠.\n٤ السنن الكبرى ٩/٢٢٢، دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٧.\n٥ المسند ٣/١٧٣.\n٦ المدرج، لوحة: ٦٤ - ٦٥.\n٧ المدرج، لوحة: ٦٣.","vol":"1","page":251},{"text":"هنيئًا لك يا رسول الله ما أعطاك الله فما لنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١.\nوقد روى الحديث عن قتادة غير شعبة، وأدرج رواية عكرمة في رواية أنس دون تمييز بينهما.\nفأخرجه الترمذي من طريق معمر بن راشد عن قتادة عن أنس ﵁ قال: نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٢، مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ: \"لقد نزلت علي آية أحب إلى مما على الأرض، ثم قرأها النبي ﷺ عليهم\"، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nوأخرجه أحمد٤ وابن حبان٥ وابن جرير٦ والخطيب٧ كلهم من طريق معمر به نحوه.\nوأخرجه أحمد من طريق همام٨ عن قتادة عن أنس قال: \"لما انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية نزلت عليه هذه الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ... الحديث.\nوأخرجه أبو عوانة من طريق٩ همام به فذكر نحوه.\nوأخرجه أبو عوانة أيضًاَ من طريق١٠ شيبان عن قتادة عن أنس بنحوه.\nوأخرجه ابن جرير١١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس فذكر نحوه.\n_________\n١ المدرج، لوحة: ٦٥.\n٢ سورة الفتح الآية: ٢.\n٣ سنن الترمدي، كتاب التفسير: ٣٢٦٣.\n٤ مسند أحمد ٣/١٩٧.\n٥ موارد الظمآن: ٤٣٦.\n٦ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠.\n٧ المدرج، لوحة: ٦٣.\n٨ مسند أحمد ٣/١٢٢، ١٣٤.\n٩ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٧ - ٢٤٨.\n١٠ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٧ - ٢٤٨.\n١١ تفسير ابن جرير: ٢٦/ ٦٩.","vol":"1","page":252},{"text":"وأخرجه الخطيب١ من طريق همام وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس فذكره.\nوأخرجه من طريق حجاج عن شعبة عن قتادة عن عكرمة وأنس بن مالك فذكره بنحوه٢.\nثم قال الخطيب: \"قصة نزول أول هذه السورة حسب عن قتادة عن أنس\".\nوأما قصة نزول قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾، إلى آخر الآية فهي عن قتادة عن عكرمة لا عن أنس٣ ا. هـ\nوقد روى شعبة وغيره عن قتادة حديث أنس بانفراده فأخرجه البخاري من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة به.\n(١٥٥) قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: \"سمعت قتادة عن أنس ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال الحديبية\"٤.\nوأخرجه أبو عوانة من طريق غندر٥ وعبد الرحمن٦ بن زياد الرصاصي وأبي النضر٧ هاشم بن القاسم كلهم عن شعبة به نحوه.\nوأخرجه الخطيب٨ من طريق الثلاثة المتقدمين ومن طريق عبد الله ابن خيران ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ كلهم عن شعبة به نحوه.\nوأخرجه مسلم٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . مرجعه من الحديبية فقال: \"لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا\"، وساق سنده إلى سليمان التيمي وهمام وشيبان، وقال: جميعًا عن قتادة عن أنس نحو حديث ابن أبي عروبة.\n_________\n١ المدرج، لوحة: ٦٢ - ٦٣.\n٢ المدرج لوحة: ٦٢ - ٦٣.\n٣ المدرج لوحة: ٦٢ - ٦٣.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٣٤.\n٥ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩.\n٦ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩.\n٧ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩.\n٨ المدرج لوحة: ٦٣ - ٦٤.\n٩ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٦٧.","vol":"1","page":253},{"text":"وأخرجه أبو عوانة١ وابن جرير٢ والخطيب٣ كلهم من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس نحو حديث سعيد بن أبي عروبة عند مسلم.\nوقد أفرد محمد بن جعفر غندر وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة حديث عكرمة:\n(١٥٦) فأخرجه ابن جرير٤ والخطيب٥ كلاهما من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال أصحاب رسول الله ﷺ: هنيئًا مريئًا لك يا رسول الله هذا لك فما لنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ .\nوأخرجه الخطيب من طريق عبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله هنيئًا لك ما أعطاك ربك، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٦ الآية.\nوقد أشار إلى نزول سورة الفتح حديث المسور ومروان:\n(١٥٧) قال الحاكم: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي٧ ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل٨ حدثني أبي٩ ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن\n_________\n١ مسند أبي عوانة ٤/٢٧٤.\n٢ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩.\n٣ المدرج، لوحة: ٦٤\n٤ المدرج، لوحة: ٦٤\n٥ المدرج، لوحة: ٦٤\n٦ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠.\n٧ أحمد بن جعفر بن حمدان، أبو بكر القطيعي، صدوق في نفسه، مقبول تغير قليلًا، قال الخطيب: لم نر أحدًا ترك الاحتجاج به، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال ابن الصلاح: اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات، قال الذهبي: وهذا القول غلو وإسراف، وقد كان أبو بكر أسند أهل زمانه، وقال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك، وذكر البرقاني أنه ثقة صدوق لا يشك في سماعه، مات آخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وله خمس وتسعون. ميزان الاعتدال ١/٨٧، وجمع المعلمي أقوال النقاد فيه، ورجح أنه لم يكن منها ما يخدش في الاحتجاج به، التنكيل: ١/١٠١ - ١٠٣.\n٨ عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن، ولد الإمام ثقة، مات سنة تسعين ومائتين وله بضع وسبعون: س. تقريب: ١٦٧.\n٩ أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي، نزيل بغداد أبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقة حافظ فقيه حجة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين: ع. تقريب: ١٦.","vol":"1","page":254},{"text":"عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: \"أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها\"١.\nوأخرجه البيهقي أيضًا من طريق ابن إسحاق، وصرح فيه بالسماع من الزهري، قال: أخبرنا أبو عبد الله٢ الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة في قصة الحديبية وفيها مدرجًا: \"ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعًا، فلما كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح، من أولها إلى آخرها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.\nقال الحاكم بعد أن ساق الحديث: \"وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\".\nقلت: الحديث صحيح لشواهده؛ لأن مداره على ابن إسحاق وحديثه حسن على الراجح من أقوال أهل العلم٤، والقصة يحكيها المسور ومروان ولم يشهد أحد منهما الحديبية، فالحديث مرسل لكن المسور صحابي ومرسل الصحابي حجة، والله أعلم.\nوقد أشار إلى قصة نزول سورة الفتح أيضًا حديث مجمع بن جارية الأنصاري:\n(١٥٨) قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى٥ حدثنا مجمع بن يعقوب بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن٦ بن\n_________\n١ المستدرك ٢/٤٥٩.\n٢ هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري.\n٣ السنن الكبرى ٩/٢٢٣، دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٣٨.\n٤ انظر ص: ٩٧.\n٥ محمد بن عيسى بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع البغدادي نزيل أَذَنَه ثقة فقيه كان أعلم الناس بحديث هيثم، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة: خت، د، تم، س، ق. تقريب: ٣١٤.\n٦ عبد الرحمن بن يزيد بن جارية - بالجيم والتحتانية - الأنصاري أبو محمد المدني أخو عاصم بن عمر لأمه يقال: ولد في حياة النبي ﷺ، مات سنة ثلاث وتسعين: خ، الأربعة. تقريب: ٢١١، ذكره ابن إسحاق في ثقات التابعين. الثقات ٥/١١٠.","vol":"1","page":255},{"text":"يزيد الأنصاري عن عمه مجمع١ بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون٢ الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ، فخرجنا مع الناس نوجف، فوجدنا النبي ﷺ واقفًا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: \"نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح\"، فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا٣.\nوأخرجه أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به فذكره وفيه: \"فإذا الناس ينفرون الأباعر\"٤.\nوأخرجه ابن أبي شيبة٥ وابن سعد٦ كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن مجمع بن يعقوب به، وفيه: \"فإذا الناس يوجفون٧ الأباعر\".\nوأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مجمع به، وفيه: \"فإذا الناس يرسمون٨ نحو رسول الله ﷺ ... \"٩.\nوأخرجه الحاكم أيضًا١٠ وابن جرير١١ والبيهقي١٢ كلهم من طريق محمد بن عيسى عن مجمع به مثله.\nقال الحاكم: بعد أن أورده من طريق محمد بن عيسى: هذا حديث كبير\n_________\n١ مجمع - بضم أوله وفتح الجيم وتشديد المكسورة - ابن جارية - بالجيم - بن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي، مات في خلافة معاوية: د، ت، ق. تقريب: ٣٢٩.\n٢ يهزون: ينشطونها ويسرعون بها. النهاية ٥/٢٦٢، ترتيب القاموس ٤/٥٠٨.\n٣ سنن أبي دواد مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٣٦.\n٤ مسند أحمد ٣/٤٢٠.\n٥ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٨.\n٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥.\n٧ يوجفون: يحثونها على السير، أوجف دابته يوجفها إيجافًا: إذا حثها. النهاية٥/١٥٧.\n٨ يرسمون: يسرعون، والرسم ضرب من السير سريع يؤثر في الأرض. النهاية ٢/٢٢٤.\n٩ المستدرك ٢/٤٥٩.\n١٠ المستدرك ٢/١٣١.\n١١ تفسير ابن جرير ٢٦/٧١.\n١٢ السنن الكبرى ٦/٣٢٥.","vol":"1","page":256},{"text":"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه١، ووافقه الذهبي٢.\nوأخرجه من طريق ابن أبي أويس وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٣، وتعقبه الذهبي فقال: \"لم يرو مسلم لمجمع شيئًا ولا لأبيه، وهما ثقتان\"٤.\nقلت: مجمع بن يعقوب وأبوه تُكِلم فيهما: فمجمع قال عنه الشافعي: شيخ لا يعرف٥، وأبو يعقوب جهّله القطان، نقل ذلك عنه الزيلعي ونص عبارته: \"وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف روى عنه غير ابنه مجمع وابنه مجمع ثقة\"٦.\nقلت: أما مجمع فقول الشافعي فيه غير مُسلَّم، فقد قال المزي في ترجمته: روى عنه إسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن سويد الأنصاري القبائي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد العزيز بن يحيى المدني، وقتيبة بن سعيد ومحمد بن عيسى ومحمد بن معن الغفاري، ويونس بن محمد المؤدب وغيرهم.\nوقال يحيى بن معين: ليس به بأس وكذلك قال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة٧ ا. هـ\nوقد وثقه القطان كما سبق في معرض كلامه عن أبيه حيث قال: وابنه مجمع ثقة، وقول ابن معين ليس به بأس، يعني ثقة٨، وكذلك وثقه الذهبي كما مر معنا قريبًا، فمن هذه حاله كيف لا يكون معروفًا؟\nوأما أبوه يعقوب بن مجمع فسبق أن جهله القطان لكن قال المزي: روى عنه ابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبد العزيز بن عبيد الله ابن حمزة بن صهيب وابنه مجمع بن يعقوب٩.\n_________\n١ المستدرك ٢/١٣١.\n٢ تلخيص الذهبي على المستدرك ٢/١٣١ مع المستدرك.\n٣ المستدرك ٢/٤٥٩.\n٤ تلخيص الذهبي على المستدرك ٢/٤٥٩.\n٥ نقله المنذري، مختصر سنن أبي داود ٤/٥٣.\n٦ نصب الراية ٣/٤١٧.\n٧ تهذيب الكمال ح٣/ ١٣٠٦.\n٨ تاريخ يحيى بن معين ٤/٣٤٦، انظر النص رقم: ٤٨٥٦.\n٩ تهذيب الكمال ٣/ لوحة: ١٥٥٤.","vol":"1","page":257},{"text":"وذكره ابن حبان١ في ثقات أتباع التابعين ووثقه الذهبي، وترجم له في الكاشف وقال وثق٢، ومثل هذا ليس بمجهول، وأيضًا فالحديث له شواهد من الأحاديث السابقة فهو صحيح، كما قال الحاكم، والله أعلم.\n_________\n١ الثقات ٧/٦٤٢.\n٢ الكاشف ٣/٢٩٣.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثالث: معجزة النبي صللى الله عليه وسلم في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام</span>\n...\nالمبحث الثالث: معجزة النبي ﷺ في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام:\nتكررت معجزة النبي ﷺ بتكثير الماء في غزوة الحديبية فقد سبق ذكر المعجزة بتكاثر ماء البئر حين وضع فيها سهم النبي ﷺ، والنصوص التالية تفيد أنها قد حصلت للنبي ﷺ معجزة أخرى من هذا النوع، وذلك حيت وضع يده ﷺ في الإناء.\nقال البخاري: حدثنا يوسف بن عيسى عن ابن فضيل حدثنا حصين عن سالم عن جابر ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة١ فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: \"فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون\"، قال: \"فشربنا وتوضأنا\"، فقلت لجابر: \"كم كنتم يومئذ؟ \" قال: \"لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة\"٢.\nوأخرجه عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن مسلم عن حصين به فذكر نحوه وفيه: \"فجعل الماء يثور من بين أصابعه\"٣.\nوأخرجه من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: \"قد رأيتني مع رسول الله ﷺ وقد حضرتْ صلاة العصر وليس معنا ماء غير فضلة فجعل في إناء فأُتي النبي ﷺ به فأدخل يده فيه، وفرّج بين أصابعه ثم قال: \"حي على أهل الوضوء البركة من الله\"، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه فتوضأ الناس وشربوا فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه فعلمت أنه بركة\".\n_________\n١ الركوة: إناء صغير من جلد، يشرب فيه الماء، والجمع ركاء. النهاية ٢/٢٦١.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٢، وتقدم رقم (٢٨) .\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٦.","vol":"1","page":258},{"text":"قلت لجابر: \"كم كنتم يومئذ؟ \" قال: \"ألف١ وأربعمائة\" تابعه عمرو بن دينار عن جابر\"٢.\nوأخرجه أحمد عن طريق عمرو بن مرة وحصين بن عبد الرحمن، كلاهما عن سالم عن جابر قال: \"أصابنا عطش بالحديبية، فجهشنا٣ إلى رسول الله ﷺ وبين يديه تور٤ فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيها وقال: \"خذوا بسم الله، قال: فجعل الماء يتخلل من بين أصابعه كأنها عيون، فوسعنا وكفانا\"، وقال حصين في حديثه: \"فشربنا وتوضأنا\".\nوهذه القصة مغايرة للقصة الأولى كما ذكر ذلك ابن القيم٥ وابن حجر٦ ووجه مغايرتها ظاهر: فالمعجزة في هذه وقعت في ماء كان في إناء، وسببها أن النبي ﷺ وضع يده في الإناء بينما المعجزة في تلك وقعت في البئر عندما وضع فيها سهم النبي ﷺ وصب فيه الماء الذي مج فيه رسول الله ﷺ.\nوقد جمع بينهما ابن حجر فقال: \"وكأنّ ذلك (أي ما في حديث جابر) كان قبل قصة البئر\"٧ اهـ.\nوالذي يظهر لي: أن هذه القصة وقعت بعد قصة البئر أثناء رجوع المسلمين للمدينة لما يلي:\nورد في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم أن قصة تكثير الماء الذي في الإناء وقعت عقب معجزة النبي ﷺ في تكثير الطعام:\n(١٥٩) قال حدثني أحمد بن يوسف الأزدي، حدثنا النضر (يعني ابن محمد اليمامي) حدثنا عكرمة (هو ابن عمار) حدثنا إياس بن سلمة عن أبيه قال: خرجنا\n_________\n١ قال ابن حجر: \"كذا لسهم بالرفع، والتقدير نحن يومئذ ألف وأربعمائة، ويجوز النصب على خبر كان\". فتح الباري ١٠/١٠٢.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأشربة: ٥٦٣٩.\n٣ الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان، ويلجأ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كأن يفزع الصبي إلى أمه. يقال: جهشت وأجهشت. النهاية ١/٣٢٢.\n٤ تور: إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه. النهاية ١/١٩٩.\n٥ زاد المعاد ٣/٢٩٨.\n٦ فتح الباري ٥/٣٣٧.\n٧ فتح الباري ٥/٣٣٧.","vol":"1","page":259},{"text":"مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا١، فأمر النبي ﷺ فجمعنا مزاودنا٢ فبسطنا له نطعًا٣ فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره٤ كم هو؟ فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا ثم حشونا جربنا٥ فقال نبي الله ﷺ \"فهل من وضوء؟ \" قال: \"فجاء رجل بإداوة٦ له فيها نطفة فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا ندغفقه٧ دغفقة أربع عشرة مائة\".\nقال: \"ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: \"هل من طهور؟ \" فقال رسول الله ﷺ: \"فرغ الوضوء\" ٨.\nفهذا الحديث قد أفاد أن قصة تكثير الماء الذي في الإناء وقعت عقب معجزته ﷺ في تكثير الطعام.\nوقد صرح حديث ابن عباس بأن حادثة تكثير الطعام كانت عند رجوع المسلمين من الحديبية:\n(١٦٠) قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين٩ بن الفضل قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب١٠ قال: حدثنا القاسم١١ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس١٢ قال حدثنا إسماعيل١٣ بن إبراهيم بن عقبة ح.\n_________\n١ ظهرنا: أي إبلنا، فالظهر الإبل التي يحمل عليها وتركب. النهاية ٣/١٦٦.\n٢ المزاود: جمع مزود كمنبر، وعاء الزاد. ترتيب القاموس ٢/٤٩٠.\n٣ النطع: بالكسر وبالفتح وبالتحريك وكعنب: من الأديم جمعه أنطاع. ترتيب القاموس ٤/٣٩١.\n٤ لأحزره من الحزر وهو التقدير والخرص، ترتيب القاموس ١/٦٣١.\n٥ جربنا جمع جراب: وهو المزود أو الوعاء. ترتيب القاموس ١/٤٦٦.\n٦ الإداوة بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، وجمعه أداوي. النهاية ١/٣٣.\n٧ ندغفقه: دغفق الماء صبه صبًا كثيرًا. ترتيب القاموس ٢/١٨٩.\n٨ صحيح مسلم، كتاب اللقطة: ١٩.\n٩ هو: محمد بن الحسين بن الفضل القطان.\n١٠ محمد بن أبي عتاب البغدادي أبو بكر الأعين واسم أبيه طريف، وقيل: حسن بن طريف صدوق مات سنة أربعين ومائتين: مق، ت. تقريب: ٣١٠.\n١١ القاسم بن عبد الله بن المغيرة، أبو محمد الجوهري مولى أم عيسى بنت علي بن عبد الله بن عباس، قال الدارقطني: \"ثقة مأمون\"، ووثقه الخطيب، مات يوم الجمعة غرة محرم سنة خمس وسبعين ومائتين وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائة. تاريخ بغداد ١٢/٤٣٣.\n١٢ هو: إسماعيل بن عبد الله بن أويس.\n١٣ إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة الأسدي مولاهم أبو إسحاق المدني، ثقة تكلم فيه بلا حجة من السابعة، مات في خلافة المهدي: خ، تم، س. تقريب: ٣١.","vol":"1","page":260},{"text":"وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل١ بن محمد بن الفضل الشعراني قال: حدثنا جدي٢ قال: ثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: قال ابن عباس لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية، كلمه بعض أصحابه فقالوا: \"جهدنا وفي الناس ظهر، فانحره لنا فنأكل من لحومه ولندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده\"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: \"لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل\"، فقال رسول الله ﷺ: \"ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ففعلوا ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله\"، حدثه نافع بن جبير٣: \"هذا لفظ إسماعيل وفي رواية ابن فليح قال موسى بن عقبة وحدثنيه نافع بن جبير\" ٤.\nوأخرجه البيهقي من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس:\n(١٦١) قال: حدثنا أبو محمد عبد الله٥ بن يوسف الأصبهاني قال: أخبرنا أبو سعيد٦ بن الأعرابي حدثنا الحسن٧ بن محمد الزعفراني قال: حدثنا\n_________\n١ إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني النيسابوري، من شيوخ الحاكم، وقال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ ثم قال: حدثني إسماعيل ثنا جدي ثنا عبيد الله العيشي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال رسول الله ﷺ: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\". غريب فرد. لسان الميزان ١/٤٣٤.\n٢ الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي أبو محمد الشعراني من ذرية ملك اليمن باذام الذي أسلم بكتاب النبي ﷺ، روى عنه حفيده إسماعيل بن محمد بن الفضل وغيره، قال ابن أبي حاتم: \"تكلموا فيه\"، وقال ابن الأخرم: \"صدوق غال في التشيع\"، وقال الحكم: \"ثقة لم يطعن فيه بحجة\" وقال: \"كان أديبًا فقيهًا عابدًا عارفًا بالرجال، كان يرسل شعره فلقب بالشعراني\". تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٦.\n٣ نافع بن جبير بن مطعم النوفلي أبو محمد أو أبو عبد الله المدني، ثقة فاضل مات سنة تسع وتسعين: ع. تقريب: ٣٥٥.\n٤ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٢٢.\n٥ عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بابويه - وقيل مامويه - الأصبهاني ساكن نيسابور، أبو محمد قدم بغداد حاجًا سنة تسعين وثلاثمائة، وحدث بها عن أبي العباس الأصم، ومحمد بن الحسن بن الخليل النيسابوريين وأبي سعيد بن الأعرابي ساكن مكة، وكان ثقة، مات بعد سنة أربعمائة بسنين كثيرة. تاريخ بغداد ١٠/١٩٨.\n٦ أحمد بن محمد بن زياد أبو سعيد بن الأعرابي الإمام الحافظ الثقة الصدوق الزاهد له أوهام سمع من أحمد بن منصور الرمادي، والحسن بن علي بن عفان، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني وطبقتهم ومن بعدهم، توفي في ذي الحجة سنة أربعين وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة. لسان الميزان ١/٣٠٨.\n٧ الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أبو علي البغدادي صاحب الشافعي وقد شاركه في الطبقة الثانية من شيوخه، ثقة، مات سنة ستين ومائتين أو قبلها بسنة: خ، الأربعة. التقريب: ٧١.","vol":"1","page":261},{"text":"يحيى بن سليم١ الطايفي عن عبد الله٢ بن عثمان عن خيثم عن أبي الطفيل٣ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل مر٤ في صلح قريش - قال أصحاب رسول الله ﷺ: \"يا رسول الله لو انتحرنا من ظهورنا فأكلنا لحومها وشحومها وحسونا من المرق، أصبحنا غدًا إذا غدونا عليهم وبنا جمام\"، قال: \"لا، ولكن إيتوني بما فضل من أزوادكم فبسطوا أنطاعًا، ثم صبوا عليها فضول ما فضل من أزوادهم فدعا عليهم رسول الله ﷺ بالبركة\"، فأكلوا حتى تضلعوا شبعًا ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم\" ٥.\nهذا الحديث صحيح بمجموع طرقه.\nوقد أفاد هذا الحديث أن معجزة تكثير الطعام إنما حصلت للنبي ﷺ أثناء رجوعهم من غزوة الحديبية ومعجزة تكثير الماء في الإناء وقعت بعد هذه المعجزة، كما هو صريح حديث سلمة السابق عند مسلم، ولا يتوهم أن العدو المشار إليه في رواية أبي الطفيل هم قريش، بل هو عدو آخر عرض للمسلين أثناء رجوعهم كما بين ذلك حديث سلمة عند مسلم فقد جاء فيه ما نصه: \"قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلًا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم٦ المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه، قال سلمة، فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا ثم قدمنا المدينة ... \"٧.\n_________\n١ يحيى بن سليم الطائفي، نزيل مكة، صدوق سيء الحفظ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة أو بعدها: ع. تقريب: ٣٧٦.\n٢ عبد الله بن عثمان بن خثيم - بالمعجمة والمثلثة مصغرًا - القاري المكي أبو عثمان صدوق، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ١٨١.\n٣ عامر بن واثلة بن عبد الله أبو عمرو بن جحش الليثي أبو الطفيل، وربما سمي عمرًا، ولد عام أحد، ورأى النبي ﷺ وروى عن أبي بكر ومن بعده، وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره: ع. تقريب: ١٦٢.\n٤ مر: أي مر الظهران: موضع على مرحلة من مكة، معجم البلدان ٥/١٠٤.\n٥ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٢٢ - ٢٢٣.\n٦ وهم المشركون: هذه اللفظة ضبطوها بوجهين ذكرهما القاضي عياض وغيره، أحدهما: وهُمُ المشركون على الابتداء والخبر، والثاني: وهَمّ المشركون: أي هموا النبي ﷺ وأصحابه وخافوا غائلتهم، يقال: همنى الأمر وأهمني، وقيل: همني أذابني، وأهمني أغمني، وقيل معناه: همّ أمر المشركين النبي ﷺ خوف أن يبيتوهم لقربهم منهم. صحيح مسلم ٣/١٤٣٥ حاشية.\n٧ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٣٢، وتقدم سند الحديث برقم (٣٦) .","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الرابع: نزول المسلمين بالأثايه:</span>\n(١٦٢) قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد١ الأحمر عن يحيى٢ بن سعيد عن شرحبيل٣ - هو ابن سعد - عن جابر قال: أقبلنا مع رسلو الله ﷺ حتى إذا كنا بالسقيا٤ قال معاذ: \"من يسقينا في أسقيتنا؟ \" قال: فخرجت في فتيان معي حتى أتينا الأثايه٥، فأسقينا واستقينا قال: فلما كان بعد عتمة٦ من الليل إذا رجل ينازعه بعيره الماء، فإذا رسول الله ﷺ فأخذت راحلته فأنختها فتقدم فصلى العشاء وأنا عن يمينه ثم صلى ثلاث عشرة ركعة٧.\nوأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد به فذكره وفيه: \"فخرجت في فتية من الأنصار حتى أتينا الماء الذي بالأثاية وبينهم قريبًا من ثلاثة وعشرين ميلًا ... \"، وفيه: فصلى العتمة وجابر فيما ذكر إلى جنبه ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة٨.\nوأخرجه عبد الرزاق٩ عن ابن جريج١٠ عن يحيى بن سعيد عن مولى الأنصار عن جابر نحوه.\n_________\n١ سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر الكوفي صدوق يخطئ، مات سنة تسعين ومائة أو قبلها وله بضع وسبعون سنة: ع. تقريب: ١٣٣.\n٢ يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي ثقة ثبت، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها: ع. تقريب: ٣٧٦.\n٣ شرحبيل بن سعد، أبو سعد المدني، مولى الأنصار صدوق اختلط بآخره، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد قارب المائة: بخ، د، ق. تقريب: ١٤٤.\n٤ السقيا هكذا في إتحاف المهرة، وفي مصنف عبد الرزاق، وهي قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا. معجم البلدان ٣/٢٢٨، وقال حمد الجاسر: وتعرف السقيا اليوم: بأم البركة، لكثرة ما وقع فيها، منها كتاب المناسك للحربي: ٤٥٠ حاشية، ووقع في مصنف ابن أبي شيبة \"الصهباء\" ولعله تحريف فالصهباء يقول عنها ياقوت: اسم موضع بينه وبين خيبر روحه. معجم البلدان ٣/٤٣٥. أي أنها في شمال المدينة بينما السقيا في جنوبها على طريق مكة.\n٥ الأثاية: موضع من طريق الجحفة بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخًا. معجم البلدان ١/٩٠.\n٦ العتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو وقت صلاة العشاء الآخرة. ترتيب القاموس ٣/١٥١.\n٧ مصنف بن أبي شيبة ٢/٤٩١، إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥.\n٨ غاية المقصد، لوحة: ٦٨.\n٩ مصنف عبد الرزاق ٢/٣٥.\n١٠ هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين بعد المائة وقد جاوز السبعين: ع. تقريب:٢١٩.","vol":"1","page":263},{"text":"وأخرجه البزار من طريق يحيى بن سعيد١ الأموي عن يحيى بن سعيد به مختصرًا ولفظه: \"أن رسول الله ﷺ صلى بعد العتمة ثلاث عشرة ركعة\"، وقال البزار تفرد به يحيى الأموي٢.\nوذكر الهيثمي هذا الحديث ثم قال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار باختصار وفيه شرحبيل بن سعد وثقه ابن حبان وضعفه جماعة٣.\nوذكره البوصيري بسند ابن أبي شيبة ثم قال: وإسناده حسن٤ وكذلك حسنه ابن حجر٥.\nوقال الساعاتي: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده صحيح ورجاله ثقات وهو من ثلاثيات أحمد رحمه الله٦.\nقلت: كلام الساعاتي ﵀ فيه وهم، وسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله.\nوسند الحديث مداره على شرحبيل بن سعد، وقد ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ولكن وثقه ابن حبان وحكى مضر بن محمد عن يحيى ابن معين أنه وثقه وقد خرج حديثه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وقال ابن عيينة: \"لم يكن أحمد أعلم بالمغازي والبدريين منه\"٧.\nقلت: وهذا الحديث من أحاديث المغازي ولذلك حسنه البوصيري وابن حجر فهو كما قالا، والله أعلم.\nتنبيه:\nقول الساعاتي ﵀: \"إن هذا الحديث من ثلاثيات أحمد، وهم منه ﵀، وسببه أنه وقع سقط في سند أحمد فهو في المطبوع من المسند هكذا:\n_________\n١ يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد لقبه الجمل صدوق يغرب، مات سنة أربع وتسعين ومائة، وله ثمانون سنة: الأربعة. تقريب: ٣٧٥.\n٢ كشف الأستار عن زوائد البزار ١/٣٤٩ - ٣٥٠.\n٣ مجمع الزوائد ٢/٢٧٣.\n٤ اتحاف الخيرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥.\n٥ المطالب العالية ٤/٢٣٦.\n٦ بلوغ الأماني ٢١/١٠٩، مع الفتح الرباني.\n٧ تهذيب التهذيب ٤/٣٢١ - ٣٢٢.","vol":"1","page":264},{"text":"\"حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد أن شرحبيل بن سعد أخبره عن جابر ... الحديث\"١.\nوالناظر في هذا السند لأول وهله يظنه متصلًا؛ لأنه لم يوصف أحد من رواته بالتدليس، ولذلك قال الساعاتي ﵀ إنه من ثلاثيات أحمد، لكن بالتأمل في تواريخ وفيات رجال السند يتبين السقط، وقد رجعت إلى ثلاثيات المسند فلم أجده في مسند جابر ثم رجعت إلى غاية المقصد فتبين أن الساقط من السند شيخ أحمد وهو يزيد بن هارون وقد أثبته في تخريج الحديث، ويبدو أنه سقط على أحد النساخ\"٢، والله أعلم.\n_________\n١المسند ٣/٣٨٠.\n٢وقد تنبه لهذا السقط ابن عثيم، مسند جابر: ٤٥١ - ٤٥٢.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الفصل الرابع: فضل غزوة الحديبية ونتائجها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية</span>\n...\nالمبحث الأول: فضل غزوة الحديبية:\nلقد استحقت هذه الغزوة أن تقرن بغزوة بدر في الفضيلة، لما ترتب عليها من عز وانتصار للإسلام وذل وانكسار للكفر والنفاق.\nقال ابن عبد البر: ليس في غزوات الرسول ﷺ ما يعدل بدرًا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية، هذا هو الراجح عندنا، وأما متكلموا الأشاعرة فقدموا أحدًا في الفضيلة والأول أولى١، والله أعلم.\nويكفيها فضلًا أنها كانت فتحًاَ مبينًا كما أخبر الله بذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ .\nفقد بينت الأحاديث أن الفتح المشار إليه هو غزوة الحديبية:\nومن تلك الأحاديث حديث أنس بن مالك ﵁:\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: \"سمعت قتادة عن أنس ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية\"٢.\nومنها حديث البراء بن عازب ﵄:\nقال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن\n_________\n١ نقله السفاريني: ثلاثيات المسند ١/٢٧٨.\n٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير ٤٨٣٤، وتقدم تخريجه برقم (١٥٥) .","vol":"1","page":266},{"text":"البراء ﵁ قال: \"تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية\"١ الحديث.\nوأخرجه ابن سعد من طريق أبي إسحاق عنه بلفظ: \"أما نحن فنسمي الذي يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان\"٢.\nومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄:\n(١٦٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني يحيى بن حماد٣: قال ثنا أبو عوانة٤ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: \"ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية\"٥.\nوأخرجه من طريق أبي عبيدة٦ المسعودي عن الأعمش به بلفظ: \"ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية\" ٧.\nسند هذا الحديث فيه تدليس الأعمش وأبي سفيان، لكنه منجبر بشاهده من الحديثين السابقين في الصحيح.\nومنها ما أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير والزهري:\n(١٦٤) قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان قال: أخبرنا أبو بكر٨ بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي أويس٩ قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، ح.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي١٠\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠، وتقدم تخريجه برقم (٩) .\n٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥.\n٣ يحيى بن حماد بن زياد الشيباني مولاهم البصري، ختن أبي عوانة، ثقة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، /خ، م، خد، ت، س، ق/. تقريب: ٣٧٤.\n٤ هو: وضاح بن عبد الله اليشكري.\n٥ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠.\n٦ عبد الملك بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبيدة المسعودي ثقة من السابعة: م، د، س، ق. تقريب: ٢٢٠.\n٧ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠.\n٨ هو: محمد بن أبي عتاب الأعين.\n٩ هو: إسماعيل بن أبي أويس.\n١٠ هو: الفضل بن محمد بن المسيب.","vol":"1","page":267},{"text":"قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ح.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر١ البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن عروة قالوا: \"وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعًا قال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: \"ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية، ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله ﷺ: \"بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله ﷿ عليهم وردكم سالمين غانمين، مأجورين، فهذا أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ \"أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا\"؟ قال المسلمون: \"صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله ﷿ وبالأمور منا، وأنزل الله ﷿ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٢.\nهذا الحديث مرسل، لكنه يرتفع إلى درجه الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه، لا سيما ولبعضه شاهد من الأحاديث السابقة.\n_________\n١ هو: محمد بن محمد بن عبد الله.\n٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٣٨.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية:</span>\nلقد تمخضت هذه الغزوة عن نتائج عظيمة لم تتوافر في غزوة قبلها أو بعدها فيما أعلم، وأهمها ما يلي:\nأولًا: ترتبت على الصلح آثار إيجابية ضخمة منها ما يلي:\nأ - اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان المسلمين، فالمعاهدة دائمًا لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.","vol":"1","page":268},{"text":"ب - دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص١، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم بعد أن خابت ظنونهم إذ كانوا يتوقعون أنها القاضية على المسلمين، كما أخبر الله بذلك عنهم٢.\nجـ - أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه.\nيقول الزهري: \"فما فتح في الإسلام فتح قبله، كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك\"٣ اهـ.\nوعقب عليه ابن هشام٤ بقوله: \"والدليل على قول الزهري: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف\"٥ اهـ.\nد - أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى٦.\nثانيًا: كسب المسلمون الذين شهدوا هذه الغزوة بسببها فوائد كثيرة - أخروية ودنيوية - وأهمها ما يلي:\n_________\n١ كان إسلامهما عقب صلح الحديبية، انظر سيرة ابن هشام ٣/٢٧٦.\n٢ قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ . سورة الفتح آية: ١٠ - ١١.\n٣ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٢.\n٤ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٢.\n٥ جاء هذا العدد في حديث ابن عباس، صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي: ٤٢٧٦، وقد روي أنهم أكثر من ذلك، انظر مرويات غزوة فتح مكة لمحسن الدوم ص ٥٦ وما بعدها.\n٦ أخذت بعض المعاني السابقة عن كتاب \"سيرة الرسول\" لمحمد عزة دروزة ٢/٢٩٢ - ٢٩٣، وكتاب \"موسوعة التاريخ الإسلامي\" لأحمد شلبي ١/٣٣٠ - ٣٣١، وكتاب \"السيرة النبوية\" لأبي شهبة: ٢٨٢.","vol":"1","page":269},{"text":"أ - فازوا برضى الله ﷿ عنهم.\nقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ...﴾ الآية١.\nب - أخبرهم النبي ﷺ: \"أن الله قد غفر لهم\".\nففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ \"فقال رسول الله ﷺ: \"كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر\" ٢.\nجـ - شهد لهم النبي ﷺ أنهم خير أهل الأرض.\nففي صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: \"أنتم خير أهل الأرض ... \" ٣.\nد - بشرهم النبي ﷺ: بالنجاة من النار.\nففي صحيح مسلم من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... \" ٤.\nهـ - قسمت عليهم غنائم خيبر، ففي حديث مجمع بن جارية الأنصاري: \"فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها النبي ﷺ على ثمانية عشر سهمًاَ، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا\" ٥.\nثالثًا: شرعت في هذه الغزوة كثير من الأحكام والرخص التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين ومن أهمها ما يلي:\nأ - شرعت فيها صلاة الخوف على الصحيح٦.\n_________\n١ سورة الفتح آية: ١٨.\n٢ تقدم برقم (٥٢) .\n٣ تقدم برقم (٢٠) .\n٤ تقدم برقم (٩١) .\n٥ تقدم برقم (١٥٨) .\n٦ انظر الكلام على ذلك ص: ١٤٣.","vol":"1","page":270},{"text":"ب - شرعت فيها الفدية لمن ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام١.\nجـ - شرع فيها الصلح مدة معلومة عند حاجة المسلمين إليه٢.\nد - شرع فيها التحلل للمحصر، وأنه لا يلزمه القضاء.\nهـ - شرعت فيها رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر٣.\nوشرع فيها قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها٤.\nز - نزل في هذه الغزوة تحريم نكاح الكفار من المسلمات، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٥.\nقال ابن كثير: \"هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ... \" ٦.\nح - نزل فيها أيضًا الأمر بفسخ نكاح المشركات وعدم الاستمرار عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلاَتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ...﴾ ٧ الآية.\nوقد اشتملت مرويات هذه الغزوة على أحكام كثيرة غير هذه وسوف يأتي ذكر بعضها مع شيء من التفصيل في الباب الأخير إن شاء الله.\n_________\n١ انظر الحديث رقم (١٢٥) .\n٢ انظر الكلام على هذه المسألة ص: ٥٢٥.\n٣ وردت الإشارة إلى أمر النبي ﷺ لأصحابه بالصلاة في الرحال في حديث ابن عمر في صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان: ٦٣٢، وفي صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: ٢٢ - ٢٤، وفي حديث جابر، صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: ٢٥.\nوأشار إليه حديث ابن عباس في المصدر السابق حديث رقم ٢٦ - ٣٠، ولم يعين في شيء من تلك الأحاديث الزمن الذي فعل النبي ﷺ فيه ذلك، وإنما ورد التعيين في حديث أبي المليح، فقد ذكر أنه وقع في الحديبية، وقد تقدم الحديث برقم (١٢٨)، وقد ورد في حديث أبي المليح أيضًا أنها حصلت لهم القصة في حنين وسبقت الإشارة إلى ذلك في ص: ٣٩٤، وغزوة الحديبية كانت قبل غزوة حنين، كما هو معلوم فابتداء مشروعية الصلاة فيها ظاهر، والله أعلم.\n٤ انظر حديث رقم (١٥١) .\n٥ انظر حديث رقم (١١٥) .\n٦ تفسير ابن كثير ٤/٣٥١.\n٧ انظر الحديث رقم (١١٥) .","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الباب الرابع: أحكام وفوائد من فقه مرويات الغزوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>توطئة</span>\n...\nتوطئة\nحفلت مرويات غزوة الحديبية بكثير من الأحكام والفوائد الفقهية وهي غنية كذلك بالدروس والعبر التي تنير للمسلم الطريق وتجنبه كثيرًا من المزالق إذا وفقه الله للتنبه لها.\nولذلك استرعت هذه الغزوة انتباه كثير من العلماء وحظيت بجل اهتمامهم، فقد وقف ابن القيم١ ﵀ عندها طويلًا، واستخرج منها كثيرًا من الأحكام والفوائد، وسبقه إلى شيء من ذلك مجد الدين بن تيمية٢ وتبعهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب٣ فاستنبط منها ما يربو على مائة مسألة، وقد وقف عندها علماء آخرون غير هؤلاء فاستقوا منها كثيرًا من الأحكام والفوائد.\nوأردت في هذا الباب أن أعرج على تلك الأحكام والفوائد إتمامًا للفائدة أولًا، وثانيًا لإبراز أهمية هذه الغزوة، لكن رأيت أن الحال كما قال الشاعر:\nتكاثرت الظباء على خراش ... فما يدرى خراش ما يصيد\nلكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لذلك قررت الاقتصار على بعض الأحكام المتعلقة بالجهاد وبعض قضايا العقيدة الواردة في الغزوة.\nلأن أحكام الجهاد ذات صلة وثيقة بالغزوة.\nوأما قضايا العقيدة الواردة في هذه الغزوة فهي مهمة كذلك في نظري لأن منها ما هو معارض لنصوص صحيحة ربما تستوقف القارئ، فأردت أن أذكر توجيه العلماء لها، ومنها ما هو خاص بمثل الموطن الذي وقعت فيه، أو بالنبي ﷺ، فأردت التنبيه على ذلك حتى لا يتوسع في القياس عليها.\nثم رأيت أن أختم هذا الباب بالدروس والعبر المستفادة من بعض المواقف التي اشتملت عليها الغزوة لأن الاعتبار بالأحداث والاستفادة من القصص مطلوب شرعًا.\n_________\n١ زاد المعاد ٣/٣٠٠.\n٢ منتقى الأخبار ٥/٧٣٢.\n٣ ملحق مصنفات الإمام محمد بن عبد الوهاب، جزء في ١٦ صفحة.","vol":"1","page":274},{"text":"وقد يجد القارئ أن تلك الدروس والعبر قد علقت بذهنه أثناء مروره بتلك المواقف لكن ربما غفل عن بعضها، فيجد فيما سجلت تذكيرًا له بذلك، وما رأى أنه يستحق الإضافة في هذا الفصل أو في غيره من فصول الرسالة، فأرجو ألا يتوانى في التنبيه عليه، مشكورًا مأجورًا، والله المستعان.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل الأول من أحكام الجهاد الواردة في الغزوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الأول: مشروعية الشورى:</span>\nالشورى ميزة عظمى لهذه الأمة، وقد ذكرها الله ﷾ في معرض المدح للمؤمنين، وقرنها بالطاعة والصلاة والزكاة.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ١.\nوأمر بها نبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢ الآية.\nوقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه استشار أصحابه رضوان الله عليهم في أكثر من موطن:\n١ - استشارهم في غزوة بدر مرتين:\nالمرة الأولى: استشارهم في العير٣.\nوالثانية: في المنزل، ونزل على رأي الحباب بن المنذر٤.\n٢ - في غزوة أحد استشارهم في البقاء بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فخرج بمشورة أكثر الصحابة٥.\n_________\n١ سورة الشورى آية: ٣٧.\n٢ سورة آل عمران آية: ١٥٩.\n٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٨٣.\n٤ انظر: مرويات غزوة بدر ص: ١٥٧ لأحمد العليمي.\n٥ سيرة ابن هشام ٣/٦٣، وانظر مرويات غزوة أحد: ٦١ لحسين الباكري.","vol":"1","page":276},{"text":"٣ - في غزوة الأحزاب، استشارهم مرتين:\nالأولى: في الخندق حيث أمر بحفره بمشورة سلمان الفارسي١.\nوالثانية: في مصالحة غطفان، بثلث ثمار المدينة، استشار في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ونزل على رأيهما في عدم إعطائهم شيئًا٢.\n٤ - في غزوة الحديبية - هذه - استشار مرتين:\nالأولى: استشار الصحابة في الإغارة على ذراري المشركين أو تركهم، ونزل على رأي أبي بكر ﵁ في تركهم٣.\nوالثانية: استشار أم سلمة ﵂ في أمر الناس حين لم يبادروا بالنحر والحلق، وقد أمرهم بذلك، فأشارت عليه بأن يبدأ ذلك بنفسه ففعل صلى الله عليه وسلم٤.\n٥ - في غزوة بني المصطلق: استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ﵃ في فراق عائشة رضي الله عنها٥.\nوقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة من بعده شورى في الستة الباقية من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم٦.\nوبهذا تتضح لنا أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام حيث جعلها الله من صفات المؤمنين، وأمر بها نبيه ﷺ، وعمل بها النبي ﷺ في مواطن كثيرة، وعمل بها الخلفاء الراشدون ﵃.\nفمن بعدهم أولى بالمشورة وأحوج إليها منهم.\nوقد نوه ابن عطية بشأن الشورى، ثم حكى الإجماع على وجوب عزل من لا يستشير أهل الدين.\n_________\n١ انظر: مرويات غزوة الخندق: ٩٠ لإبراهيم عمير.\n٢ م السابق: ٨٣.\n٣ انظر ص: ٢٨٩-٢٩٠.\n٤ انظر ص: ٤٠٢.\n٥ صحيح مسلم، كتاب التوبة: ٥٦، وانظر مرويات غزوة بني المصطلق: ٢١٣ لإبراهيم القريبي.\n٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة: ٣٧٠٠.","vol":"1","page":277},{"text":"قال: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه١.\nوقال ابن تيمية٢: \"لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله قد أمر بها نبيه ﷺ فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ الآية\".\nومحل الشورى: هو أمور الحرب، والنوازل، وسائر الأمور التي لم يرد فيها دليل صريح من الشرع٣.\nومن فوائد الشورى:\n١ - تأليف قلوب الأتباع واستطابة نفوسهم.\n٢ - استخراج وجه الرأي منهم٤.\n٣ - التعرف على مصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض٥.\n_________\n١ تفسير ابن عطية ٣/٢٨٠.\n٢ السياسة الشرعية: ١٥٧.\n٣ انظر م السابق، وتفسير ابن عطية ٣/٢٨١.\n٤ انظر المصدرين السابقين، وزاد المعاد ٣/٣٠٢.\n٥ زاد المعاد ٣/٣٠٢.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث الثاني: حكم الاستعانة بالمشرك:</span>\nجاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ بعث بسر بن سفيان الخزاعي عينًا إلى مكة١.\nوقد استدل بعض العلماء بقصة بسر هذه على جواز الاستعانة بالمشركين في الجهاد.\nقال ابن القيم: \"إن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم\"٢ اهـ.\n_________\n١ انظر ص:٩٩.\n٢ زاد المعاد ٣/٣٠١.","vol":"1","page":278},{"text":"هكذا قال ابن القيم، وقد سبقه إلى ذلك مجد الدين ابن تيمية١، وتبعهما بعض المتأخرين٢.\nوالظاهر أن ليس في قصة الخزاعي هذه دلالة على جواز الاستعانة بالمشرك في الجهاد؛ لأنه لم يرد في هذا الحديث ولا في غيره ما يدل على أنه كان كافرًا إذ ذاك.\nبل ورد عن بعض العلماء ما يدل على أنه أسلم قبل الحديبية.\nقال ابن عبد البر: \"بسر بن سفيان بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي ﷺ عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان قوله: حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي، فأخبره خبر قريش وجموعهم، قالوا: هو بسر بن سفيان هذا\"٣ اهـ\nوقد نقل ابن حجر كلام ابن عبد البر وسكت عليه٤.\nوقال الزرقاني: \"واختار بسر بن سفيان بن عمرو هذا، لقرب عهده بالإسلام؛ لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عينًا فلا يؤذيه\"٥ اهـ.\nفقد رأينا من كلام ابن عبد البر والزرقاني أنهما يريان أن بسر بن سفيان أسلم قبل الحديبية.\nوعلى فرض أنه لم يثبت ما ورد في إسلامه فلا تصلح قصته دليلًا على جواز الاستعانة بالمشرك، لوجود الاحتمال، لا سيما وهي معارضة بأحاديث صحيحة.\nفالحاصل: أن قصة بسر بن سفيان الخزاعي لا دلالة فيها على جواز الاستعانة بالمشرك مطلقًا ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ كما ذكر بعض العلماء، وإنما وردت بذلك أحاديث كلها ضعيفة، وهي:\n١ - حديث ابن عباس ﵄:\nقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا\n_________\n١ منتقى الأخبار: ٧٣٢.\n٢ الأستاذ أبو زهرة، خاتم النبيين: ٨٥٨، والدكتور البوطي، فقه السيرة: ٣٥٢.\n٣ الاستيعاب ١/٣٠٩ مع الإصابة.\n٤ الإصابة ١/٢٤٥.\n٥ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨١.","vol":"1","page":279},{"text":"الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: قال أبو يوسف أنبأ الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"استعان رسول الله ﷺ بيهود بني قينقاع، فرضخ١ لهم ولم يسهم لهم\"٢.\nقال البيهقي: \"تفرد به الحسن بن عمار وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح\"٣.\n٢ - حديث الزهري:\nقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو الوليد الفقيه ثنا الحسن بن سفينا ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص عن ابن جريج عن الزهري أن رسول الله ﷺ غزا بناس من اليهود فأسهم لهم٤.\nوهذا الحديث قد أرسله الزهري، والمرسل من قسم الضعيف، لا سيما مرسلات الزهري.\n٣ - حديث فطير الحارثي:\nقال البيهقي: وقد روى الواقدي عن ابن أبي سيرة عن فطير الحارثي قال: \"خرج رسول الله ﷺ بعشرة من اليهود من يهود المدينة إلى خيبر فأسهم لهم كسهمان المسلمين\"٥.\nقال البيهقي: \"هذا منقطع وإسناده ضعيف\"٦.\nفهذه الأحاديث التي دلت على جواز الاستعانة بالمشرك، وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يثبت بها حكم.\nوقد ثبت عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك من حديث عائشة ﵂.\nقال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ح.\nوحدثنيه أبو طاهر (واللفظ له)، حدثني عبد الله بن وهب عن مالك ابن أنس\n_________\n١ الرضخ: العطية القليلة. النهاية ٢/٢٢٨.\n٢ السنن الكبرى ٩/٥٣.\n٣ م السابق.\n٤ م السابق.\n٥ م السابق.\n٦ السنن الكبرى ٩/٥٣.","vol":"1","page":280},{"text":"عن الفضيل بن أبي عبد الله عن عبد الله بن دينار الأسلمي عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: \"خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة١، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ: \"تؤمن بالله ورسوله\"؟ قال: لا، قال \"فارجع فلن أستعين بمشرك\".\nقالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة٢ أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: \"فارجع فلن أستعين بمشرك\"، قال: \"ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ: \"فانطلق\"٣.\nوفيه من حديث أبي حميد الساعدي ﵁:\nقال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا يوسف بن عيسى المروزي ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: \"قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين\" ٤.\nوأشار البيهقي٥ إلى أن سند هذا الحديث صحيح.\nوفيه من حديث خبيب بن عبد الرحمن:\nقال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا المستلم بن سعيد الثقفي عن عباد ثنا خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: \"أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد\n_________\n١ حرة الوبرة: محركة وبعضهم جوز تسكين الباء على ثلاثة أميال من المدينة، عمدة الأخبار في مدينة المختار: ٣١٠، وهي المشرفة على وادي العقيق. انظر حاشية رقم (١) من المصدر السابق.\n٢ الشجرة: هي ذو الحليفة، انظر كتاب «المناسك وأماكن طرق الحج» للحربي:٤٢٥، وقال الأسدي: الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة وهي الشجرة، ومنها يحرم أهل المدينة وهي على خمسة أميال ونصف، انظر المصدر السابق ص٤٢٧ حاشية رقم (٢) .\n٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٥٠.\n٤ السنن الكبرى ٩/٣٧.\n٥ السنن الكبرى ٩/٣٧.","vol":"1","page":281},{"text":"غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتا؟ قلنا: لا، قال: \"فلا نستعين بالمشركين على المشركين\"، فأسلمنا وشهدنا معه ... \" الحديث١.\nوسند هذا الحديث حسن.\nوقد ذهب إلى جواز الاستعانة بالمشركين جماعة من العلماء، وهو مروي عن أبي حنفية والشافعي وأحمد٢؛ للأحاديث السابقة في جواز الاستعانة بهم٣.\nوقد استدلوا أيضًا بقصة شهود صفوان بن أمية لغزوة حنين، وهو مشرك، وبشهود قزمان غزوة أحد وهو مشرك، وبشهود ابن أُبَيْ لبعض الغزوات٤.\nوقد اشترطوا لجواز ذلك شروطًا هي:\n١ - أن يكون في المسلمين قلة وتدعوا الحاجة إلى ذلك.\n٢ - أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخشى ثائرتهم٥.\n٣ - أن يكون مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام٦.\nوذهب جماعة إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وممن قال بذلك ابن المنذر، والجوزجاني، وهو مروي عن الشافعي٧.\nواستدل أصحاب هذا القول: بحديث عائشة ﵂ وحديث أبي حميد الساعدي وحديث خبيب بن عبد الرحمن السابقة.\nوقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز كلها ضعيفة، لا تقوى على المعارضة.\nوقد رجح الشوكاني هذا القول حيث قال: \"والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مطلقًا لما في قوله ﷺ: \"إنا لا نستعين بالمشركين\"\n_________\n١ مسند أحمد ٣/٤٥٤.\n٢ انظر المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧.\n٣ السنن الكبرى ٩/٣٧، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٧.\n٤ نيل الأوطار ٧/٢٣٧.\n٥ انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٦، والمغني لابن قدامة ٨/٤١٤.\n٦ نيل الأوطار ٧/٢٣٧، وسبل السلام ٤/٥٠.\n٧ المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧.","vol":"1","page":282},{"text":"من العموم، وكذلك في قوله: \"لن أستعين بمشرك\"١.\nوأجاب عن قصة قزمان بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر.\nقال: وأما استعانته بابن أُبَي فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام٢.\nقلت: وقصة صفوان بن أمية ليس فيها دليل أيضًا على ذلك؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ طلب منه الخروج، وإنما الثابت في ذلك استعارة رسول الله ﷺ للأدراع منه فحسب٣.\n_________\n١ نيل الأوطار ٧/٢٣٧.\n٢ المصدر السابق.\n٣ حديث صفوان أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع: ٣٥٦٢-٣٥٦٣، وصححه الألباني: إرواء الغليل ٥/٣٤٨.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الثالث: مقدار المدة التي تجوز مهادنة الكفار عليها:</span>\nجاء في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق \"أن النبي ﷺ صالح قريشًا على وضع الحرب عشر سنين\"١.\nوقد أخذ جماعة بظاهر هذا الحديث.\nقال الشافعي٢: \"لا تتجاوز المهادنة عشر سنين، وعند الضرورة يجدد العقد بعد انتهاء العشر\".\nوحكى ابن قدامة٣ عن القاضي أن ظاهر كلام أحمد يقتضيه.\nوحكاه ابن حجر عن الجمهور ورجحه٤.\nوقالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، عام وقد خص منه الحديث هذه المدة، ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم٥.\n_________\n١ انظر ص: ٣٠٠.\n٢ الأم ٤/١٨٩.\n٣ المغني ٨/٤٦٠.\n٤ فتح الباري ٥/٣٤٣.\n٥ المصدر السابق.","vol":"1","page":283},{"text":"وذهب قوم إلى جواز الهدنة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة وهو قول أبي حنيفة١.\nوحكى ابن قدامة عن أبي الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد٢.\nوقالوا: \"إن العام مخصوص بالعشر بمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب\"٣.\nوقيل: لا تتجاوز الهدنة أربع سنين٤.\nولعل هؤلاء تمسكوا بحديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين، وهو ضعيف٥.\nوقيل: لا تتجاوز ثلاث سنين٦.\nوهؤلاء نظروا إلى أن المدة التي استمر فيها الصلح مع قريش.\nوالتحقيق: أن القول الأول هو الراجح لظاهر الحديث، وإن وجدت مصلحة في الزيادة على العشر جدد العقد، كما قال الشافعي، والله أعلم.\nوقال بعض المتأخرين:٧ يجوز عقد الصلح مؤبد غير مؤقت بمدة معينة.\nواستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ٨.\nوهذا القول مبني على أن الأصل في علاقة المسلمين بالكفار هي السلم لا الحرب٩، وأن الجهاد إنما شرع لمجرد الدفاع عن المسلمين فحسب١٠.\nوهذا القول مردود لما يلي:\n_________\n١ فتح القدير ٥/٤٥٦.\n٢ المغني ٨/٤٦٠.\n٣ المصدر السابق.\n٤ شرح السنة ١١/١٦١.\n٥ انظر حديث رقم (١٠٥) .\n٦ شرح السنة ١١/١٦١.\n٧ الدكتور وهبه الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠.\n٨ سورة النساء آية:٩٠.\n٩ آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠.\n١٠ المصدر السابق: ٦٧٥ حاشية: (٢) .","vol":"1","page":284},{"text":"١ - أن صاحب هذا القول قد خرق الاتفاق بعد أن حكاه بنفسه حيث قال: \"اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لا بد من أن يكون مقدورًا بمدة معينة، فلا تصح المهادنة مطلقة إلى الأبد من غير تقدير بمدة\"١.\n٢ - الآية التي استدل بها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ...﴾ ٢ الآية.\nفقد نقل ذلك ابن جرير٣ عن عكرمة والحسن وقتادة وابن زيد.\nوحكاه ابن كثير٤ عن ابن عباس.\nوحكاه القرطبي٥ عن مجاهد، ثم قال: وهو أصح شيء في معنى الآية.\n٣ - الأصل الذي انبنى عليه هذا القول: مردود بآية براءة السابقة، وبواقع سيرة الرسول ﷺ، وخلفائه الراشدين من أعدائهم.\n٤ - أما فكرة أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن المسلمين، فهي فكرة دخيلة، وقد تصدى لها سيد قطب٦ ﵀ ففندها، وبين أن سبب نشوئها هو الانهزام أمام هجمات المستشرقين، وعدم الفهم لمرحلية٧ الدعوة.\n_________\n١ آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٧٥.\n٢ سورة التوبة آية: ٥.\n٣ تفسير ابن جرير ٩/٢٤-٢٦.\n٤ تفسير ابن كثير ١/٥٣١.\n٥ تفسير القرطبي ٥/٣٠٨.\n٦ في ظلال القرآن ٣/١٤٣٣، وما بعدها.\n٧ يعني بمرحلية الدعوة الأطوار التي مرت بها دعوة رسول الله ﷺ فقد أمر بالكف، ثم أذن لهم في قتال من قاتلهم، ثم أمروا بقتال المشركين كافة، وقد لخصها ابن القيم في الزاد ٣/١٥٨ فليراجع.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الرابع: هل تجوز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلمًا:</span>\nكان من جملة الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية أن يرد النبي ﷺ إلى قريش من جاءه من قبلها، وألا ترد قريش من جاءها من المسلمين١.\nوقد وقع خلاف بين العلماء في جواز هذا الشرط:\nفعند أبي حنيفة أنه غير جائز، لأن ما فعله النبي ﷺ في الحديبية منسوخ عنده\n_________\n١ انظر ص: ٢٩٨، ٢٩٩.","vol":"1","page":285},{"text":"بحديث سرية خالد بن الوليد حين وجهه النبي ﷺ إلى خثعم وفيهم ناس مسلمون فاعتصموا بالسجود فقتلهم خالد فوداهم النبي ﷺ نصف الدية، وقال: \"أنا بريء من مسلم بين مشركين\"١.\nوذهب الحنابلة٢ وهو ظاهر كلام الشافعي٣ إلى جواز هذا الشرط لقصة الحديبية.\nوقال أصحاب الشافعي: لا يصح شرط رد المسلم إلا أن يكون له عشيرة تحميه وتمنعه٤.\nوحكى السهيلي عن العراقيين أنهم قالوا: \"ما فعله النبي ﷺ بالحديبية يختص بالنبي ﷺ وبمكة، لأن النبي ﷺ ما رد المسلمين إلى قريش إلا لقوله: \"لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها\"، قالوا: وفي رد المسلم إلى مكة عمارة البيت وزيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام، والطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى\"٥.\nوالتحقيق: جواز الصلح على رد الرجال، لأنه قد ثبت من فعل النبي ﷺ ولم يرد ما ينسخه أو يخصصه، والحديث الذي استدل به من قال بالنسخ لم يكن في محل النزاع، إنما هو في خصوص من أقام بين الكفار عن طواعية واختيار، أما الذي يرده الإمام فهو مكره على الرجوع إليهم.\nوما ذكره أصحاب الشافعي من اشتراط الأهل والعشيرة لا دليل عليه، فرسول الله ﷺ حين رد أبا جندل لم يقل له إن أباك سيمنعك بل قال له: \"إن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا\" وقال نحو ذلك لأبي بصير.\nوكذلك دعوى تخصيص ما وقع في صلح الحديبية بمكة وبالنبي ﷺ لا دليل عليها وما ذكر من مسوغات لا تكفي للتخصيص. والله أعلم.\n_________\n١ الروض الأنف ٦/٣٨٤، فتح القدير ٥/٤٦٠.\n٢ المغني لابن قدامة ٨/٤٦٥.\n٣ الأم ٤/١٩١.\n٤ شرح السنة ١١/١٦٣.\n٥ الروض الأنف ٦/٣٨٤.\\","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الخامس: إذا رد الإمام إلى المعاهدين من جاء من قبلهم فأحدث جناية فيهم، فهل عليه أو على الإمام ضمان</span>؟\nجاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير حين دفعه رسول الله ﷺ إلى رسولي قريش، قتل واحدًا منهما، ولم يضمن النبي ﷺ ذلك، ولا ضمنه أبو بصير١.\nولذلك قال ابن القيم: \"إن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه، فقتل أحدًا منهم، لم يضمنه بدية، ولا قود، ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه\"٢ اهـ.\nقلت: هذه المسألة فيها قضيتان:\nالأولى: ضمان الجاني.\nالثانية: ضمان الإمام.\nفبالنسبة للجاني يرى ابن القيم أنه لا ضمان عليه، ولم يذكر تعليلًا لذلك.\nوأما السهيلي: فيرى ارتفاع الحرج عنه فقط، ويعلل ذلك بأمرين هما:\n١ - أن النبي ﷺ لم يثرب على أبي بصير بل مدحه حيث قال: \"ويل أمه محش حرب\".\n٢ - أنه دافع عن نفسه ودينه: قال: \"ومن قتل دون دينه فهو شهيد\" اهـ.\nأما الضمان فإنه يلزمه عند السهيلي كما هو مفهوم كلامه حيث قال: \"وإنما لم يطالبه رسول الله ﷺ بدية، لأن أولياء المقتول لم يطالبوه إما لأنهم قد أسلموا، وإما لأن الله شغلهم عن ذلك حتى انتكث العهد وجاء الفتح\"٣.\nقلت: بل طالب أولياء المشرك الذي قتله أبو بصير بدية صاحبهم.\nقال ابن إسحاق: \"فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري\n_________\n١ انظر ص: ٣٢٨.\n٢ زاد المعاد ٣/٣٠٨.\n٣ الروض الأنف ٦/٤٩٤.","vol":"1","page":287},{"text":"أسند ظهره إلى الكعبة\" ثم قال: \"والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل\"، فقال أبو سفيان بن حرب: \"والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودى (ثلاثًا) \" ١.\nونقله ابن حجر عن ابن إسحاق وفيه: فقال أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك؛ لأنه وفّى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره ولا على آل أبي بصير شيء أيضًا، لأنه ليس على دينهم٢ ا. هـ\nفالتحقيق أنه لا ضمان على القاتل في هذه الحالة بدية، ولا قود، لأنهم أهل حرب بالنسبة له لا أهل عهد وذمة.\nقال ابن حجر: ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرًا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي ﷺ وبين قريش، لأنه إذ ذاك كان محبوسًا بمكة٣ ا. هـ\nوالقضية الثانية من المسألة:\nهل على الإمام ضمان في مثل ما فعل أبو بصير؟\nذكر ابن القيم أنه لا ضمان عليه وعلل ذلك: بأنه سلمه لهم ولم يعد تحت يده وحكمه.\nوظاهر كلام السهيلي أيضًا أنه لا ضمان على الإمام٤.\n_________\n١ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٤.\n٢ فتح الباري ٥/٣٥١.\n٣ فتح الباري ٥/٣٥١.\n٤ الروض الأنف ٦/٤٩٤.","vol":"1","page":288},{"text":"المبحث السادس: إذا عاهد الإمام قومًا فخرجت عليهم طائفة من المسلمين غير متحيزة إلى الإمام، فهل على الإمام دفعها عنهم؟\nجاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير وأبا جندل في جماعة من المسلمين قد خرجوا إلى سيف البحر، على طريق عير قريش، فكانت لا تمر بهم عير إلا قتلوا أصحابها، وأخذوها ولم يمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\n_________\n١ انظر ص: ٣٤٨.","vol":"1","page":288},{"text":"ولذلك قال ابن القيم: \"إن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم، سواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم، إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين\"١ اهـ.\n_________\n١ زاد المعاد ٣/٣٠٩.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل الثاني: أحكام تتعلق بالعقيدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس</span>\n...\nالمبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس:\nجاء في حديث المسور ومروان: أن المغيرة بن شعبة كان قائمًا على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف١.\nقال ابن القيم: \"في قيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي ﷺ بالسيف ولم يكن من عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد، سنة يُقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من النوع الذي ذمه النبي ﷺ بقوله: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\".\nكما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره٢ اهـ.\nقلت: نعم الحديث الذي أورده ابن القيم لا يعني هذا النوع من القيام، إنما ينهى عن القيام للشخص، أما النوع الذي فعله المغيرة فهو القيام على الشخص، وقد ورد فيه نهي بخصوصه، كما في حديث جابر الآتي.\nوقد أوضح الفرق بينهم ابن القيم نفسه في تهذيب السنن حين تعقب المنذري: فقد ذكر أبو داود في باب (قيام الرجل للرجل) حديث معاوية \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\"٣، وحديث أبي أمامة: \"خرج علينا رسول\n_________\n١ انظر ص: ٢١٩.\n٢ زاد المعاد ٣/٣٠٤.\n٣ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الأدب: ٥٢٢٩.","vol":"1","page":290},{"text":"الله ﷺ متوكئًا على عصا فقمنا إليه فقال: \" لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضًا\"١.\nوذكر المنذري عقب هذين الحديثين حديث جابر عند مسلم، وفيه: \"أنهم لما صلوا خلفه قعودًا قال: فلما سلم، قال: \"إن كدتم آنفًا أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا\"٢.\nوالمنذري أورد هذا الحديث عقب الحديثين السابقين لتقويتهما، وكأنه يرى أن مدلولهما واحد، فتعقبه ابن القيم بقوله: \"وحمل أحاديث النهي عن القيام على مثل هذه الصورة ممتنع، فإن سياقهم يدل على خلافه، وأنه ﷺ كان ينهى عن القيام به إذا خرج عليهم، ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا النوع، وإنما هو من فعل فارس والروم، ولأن هذا لا يقال له قيام للرجل، وإنما هو قيام عليه ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه وهو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط\"٣ اهـ.\nفمن خلال كلام ابن القيم هذا يظهر لنا الفرق بين القيام للشخص الذي ورد فيه حديث معاوية، والقيام على الشخص الذي فعله المغيرة، وقد ورد بخصوصه حديث جابر السابق، وقد علق عليه النووي بقوله: \"وفيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة\"٤.\nوقد ساق ابن حجر كلام ابن القيم في التفريق بين أنواع القيام ثم عقب عليه بقوله: \"وقد ورد في خصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس قال: \"إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعود\"٥.\nفالحاصل: أن نوع القيام الذي فعله المغيرة بن شعبة ﵁ منهي عنه، والمرخص فيه منه ما كان في مثل تلك الحالة التي فعلها فيها المغيرة، وهي حال قدوم رسل العدو، ليروا مدى طاعة المسلمين لإمامهم وحمايتهم له، وأحسب ابن\n١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الأدب: ٥٢٣٠.\n_________\n٢ مختصر سنن أبي داود ٨/٩٢-٩٤.\n٣ تهذيب السنن ٨/٩٢-٩٣ مع مختصر سنن أبي داود للمنذري.\n٤ شرح النووي على مسلم ٤/١٣٥.\n٥ فتح الباري ١١/٥١، ذكره الهيثمي في المجمع ٨/٤٠، وقال فيه الحسن بن قتيبة وهو متروك.","vol":"1","page":291},{"text":"القيم ﵀ لا يريد أكثر من هذا المعنى، لأنه قاسه على إظهار الخيلاء والفخر في الحرب، ومعلوم النهي عنهما في غير هذا الموطن، والله أعلم.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثاني: تعريف الفأل وبيان استحبابه وأنه مغاير للطيرة:</span>\nقال ابن القيم: \"استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المكروهة لقوله لما جاء سهيل \"سهل أمركم\" ١.\nقلت: قد وردت أحاديث تبين معنى الفأل:\nففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا طيرة وخيرها٢ الفأل\"، قالوا: \"وما الفأل يا رسول الله؟ \" قال: \"الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم\"٣.\nوفيه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة\"٤.\nوفي سنن أبي داود من حديث عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: \"أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك\" ٥.\nفهذه الأحاديث تؤيد ما ذكره ابن القيم من استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطير المذمومة، والفرق بينهما: \"أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء؛ فلذلك كرهت\"٦.\n_________\n١ زاد المعاد ٣/٣٠٥.\n٢ قال ابن حجر:\"أفعل التفضيل هنا إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئن، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ\". فتح الباري ١٠/٢١٤.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب: ٥٧٥٥.\n٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب: ٥٧٥٦.\n٥ سنن أبي داود مع معالم السنن / كتاب الطب: ٣٩١٩.\n٦ نقله ابن حجر، فتح الباري ١٠/٢١٥.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الثالث: بيلن كفر من اعنقد أن للكوكب تأثيرا في ايجاد المطر</span>\n...\nالمبحث الثالث: بيان كفر من اعتقد أن للكوكب تأثيرًا في إيجاد المطر:\nجاء في حديث زيد بن خالد: \"وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب\"١.\nوقد حمل العلماء الكفر المذكور في الحديث على أحد نوعيه الاعتقادي أو كفر النعمة بحسب حال القائل.\nفمن قال مطرنا بنوء كذا معتقدًا أن للكوكب فاعلية وتأثيرًا في إيجاد المطر، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة.\nقال الشافعي: \"من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان أهل الجاهلية يعنون من إضافة المطر إلى أنه بنوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله ﷺ، لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرًا وغيره من الكلام أحب إلي منه\"٢ اهـ.\nفالشافعي يقصد هنا الكفر الاعتقادي.\nأما من قال: مطرنا بنوء كذا، ويقصد أن النوء علامة للمطر فقط وأن المدبر هو الله، فهذا لا يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، كما قال الشافعي.\nلكن قال ابن حجر: \"يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم\"٣.\nوكذلك قال ابن مفلح في الفروع: \"إنه كفر نعمة لكن قال يحرم إطلاق هذا اللفظ٤ أي \"مطرنا بنوء كذا\"، ووافقه على تحريم ذلك صاحب الإنصاف٥ وكذلك قال بتحريم إطلاقه صاحب تيسير العزيز الحميد٦، وصاحب فتح المجيد٧، لكن قالا: إنه من الشرك الأصغر.\n_________\n١ انظر حديث رقم (١٢٦) .\n٢ الأم ١/٢٥٢.\n٣ فتح الباري ٢/٥٢٤.\n٤ الفروع ٢/١٦٣.\n٥ الإنصاف ٢/٤٦١.\n٦ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: ٤٠٣.\n٧ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: ٣٢٦.","vol":"1","page":293},{"text":"قلت: ويلحق بهذا الحكم كل من نسب شيئًا من التأثير في الكون لغير الله بحسب حاله على التفصيل السابق","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الرابع: هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم</span>؟\nجاء في حديث المسور ومروان: \"فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده ... وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه\"١.\nقال ابن حجر عند هذه القصة: \"جواز التبرك بفضلات الصالحين الطاهرة\"٢.\nقلت: قد تطرق الشاطبي لهذه القضية وذكر كلاما ًجيدًا بين فيه إجماع الصحابة على ترك هذا الأمر: ووجه ذلك:\nفقد ذكر الشاطبي ما في حديث المسور ومروان هذا، وأحاديث أخرى تماثله ثم قال: فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبت ولايته واتباعه لسنة رسول الله ﷺ وأن يتبرك بفضل وضوءه ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأصل٣ ﷺ إلا أنه قد عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة ﵃ بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبي ﷺ بعد موته في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁ فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁ وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيه النبي ﷺ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء.\nوبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه، ويحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يعتقدوا فيه الاختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله\n_________\n١ انظر ص: ٢١٩.\n٢ فتح الباري ٥/٣٤١.\n٣ قال محقق كتاب الاعتصام: يظهر أن الجملة محرفة.","vol":"1","page":294},{"text":"للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير، لأنه ﵇ كان نورًا كله في ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نورًا وجده على أي وجه التمسه بخلاف غيره من الأمة - وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبته ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصًا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك، فعلى هذا المأخذ: لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء في الزيادة على الأربع نسوة بدعة.\nالثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع خوفًا من أن يجعل ذلك سنة - كما تقدم ذكره في اتباع الآثار - ١ والنهي عن ذلك، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكر أهل السير - فخاف عمر أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة، حتى تعبد من دون الله، فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم ...\nإلى أن قال: وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثاني أرجح لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قربة أعطيها النبي ﷺ فإن لأمته أنموذجًا منها ما لم يدل دليل على الاختصاص.\nإلا أن الوجه الأول أيضًا راجح من جهة أخرى، وهو إطباقهم على الترك إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال، إما وقوفًا مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة للامتناع.\nوقد أخرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني رجل٢ من الأنصار أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون\n_________\n١ انظر الاعتصام ١/٣٤٦.\n٢ هو: عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁. الترغيب والترهيب ٣/٥٨٩.","vol":"1","page":295},{"text":"ذلك سألهم \"لم تفعلون هذا؟ \"قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك. فقال رسول الله ﷺ: \" من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة، ولا يؤذ جاره\"، فإن صح١ هذا الحديث فهو مشعر بأن الأولى تركه وأن يتحرى ما هو آكد٢ ا. هـ\nوبهذا يتبين أن ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ من التبرك لا يقاس عليه غيره فيه لما خصه الله ﷾ به من أمور لا توجد في أحد غيره ﷺ، ولأنه لو كان جائزًا مع غيره لسارع الصحابة رضوان الله عليهم - وهم أحرص الناس على الخير - إلى فعله مع أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ، ومن شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، لكنه لم يحصل شيء من ذلك، بل أفاد حديث عبد الرحمن بن أبي قراد هذا: أن الأولى تركه حتى مع النبي ﷺ والانصراف إلى ما هو أولى وأنفع، ولعل سكوت النبي ﷺ عن ذلك يوم الحديبية ليرى عروة بن مسعود رسول قريش مدى تعلق الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي ﷺ وحبهم له لا سيما وقد قال للنبي ﷺ: \"إني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك\"٣.\n_________\n١ هذا الحديث قال عنه الألباني: \"هو حديث ثابت له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما، وقد أشار المنذري في الترغيب ٣/٢٦ إلى تحسينه، وقد خرجته في الصحيحة برقم (٢٩٩٨») ا. هـ التوسل: ١٤٧ حاشية (١) .\n٢ الاعتصام ٢/٨ وما بعدها.\n٣ انظر ص: ٢١٨.","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الخامس: هل كتب النبي ﷺ يوم الحديبية حقيقة</span>؟:\nجاء في حديث البراء ﵁ عند البخاري: \"فأخذ النبي ﷺ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله\"١.\nفأخذ أبو الوليد الباجي بظاهر هذه الرواية، وقال: \"إن رسول الله ﷺ كتب حقيقة\"٢، وقد أنكر عليه ذلك علماء عصره ورموه بالزندقة.\nقال ابن حجر تعليقًا على الرواية السابقة: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن رسول الله ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع\n_________\n١ انظر حديث رقم (١٠٣) .\n٢ حكاه القاضي عياض، وذكر أن الباجي ألف في ذلك رساله سماها تحقيق المذهب من أن رسول الله ﷺ قد كتب. ترتيب المدارك ٤/٨٠٥.","vol":"1","page":296},{"text":"عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:\nبرئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال: إن رسول الله قد كتبا١\nبل حكى القاضي عياض: \"أن الفقيه أبا بكر الصائغ قد كفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ \"النبي الأمي\" وأنه تكذيب بالقرآن٢.\nوقد بلغ خبر أبي الوليد إلى أمير وطنه، وجرت بحضرته مناظرة بين أبي الوليد وبعض العلماء الذين أنكروا عليه قوله، فذكر ابن حجر: أن الباجي تغلب عليهم بما لديه من المعرفة حيث ادعى أن كتابة النبي ﷺ في ذلك الوقت لا تنافي القرآن بل تؤخذ من مفهومه لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ...﴾ وبعد أن تحققت أميته وتقررت معجزته وأمن من الارتياب في ذلك، فلا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى٣ ا. هـ\nوقد كتب الأمير في المسألة إلى أفريقية وصقلية برغبة الباجي في ذلك، فجاءته الأجوبة من هناك، كان في بعضها تصويب لرأيه، وفي بعضها رد عليه.\nوممن صوب رأيه: ابن الخزاز.\nوكان ممن رد عليه الزاهد أبو محمد بن مفوز ألف في ذلك جزءًا٤.\nوقد وافق الباجي في قوله جماعة منهم: أبو ذر أحمد بن عبد الله الهروي، والسمناني، وأبو الفتح النيسابوري٥.\nوقد استدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال: \"ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ\".\n_________\n١ فتح الباري ٧/٥٠٣، وانظر نفح الطيب ٢/٦٨.\n٢ ترتيب المدارك ٤/٨٠٥.\n٣ فتح الباري ٧/٥٠٣.\n٤ ترتيب المدارك ٤/٨٠٥-٨٠٦، تاريخ قضاة قرطبة: ٢٠٢.\n٥ تفسير القرطبي ١٣/٣٥٢، فتح الباري ٧/٥٠٣، والخصائص الكبرى ٣/٢٧٢.","vol":"1","page":297},{"text":"وقال مجاهد: \"فذكرت ذلك للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك\"١.\nوذكر السيوطي أن سند هذا الحديث ضعيف، وحكى عنه الطبراني أنه قال: هذا حديث منكر٢.\n٢ - واستدلوا بما ورد من طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن ابن الحنظلية أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها، فقال: \"قد كتب لك بما أمر لك\".\nقال يونس: \"فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعدما أنزل عليه\"٣.\nوحكى القرطبي عن ابن عطية: \"أنه ذكر هذا الحديث والذي قبله ثم قال: هذا كله ضعيف وقول الباجي منه\"٤.\n٣ - واستدلوا أيضًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لكاتبه: \"ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك\" ٥.\n٤ - وربما روي أنه ﷺ قال لمعاوية: \"ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم\" ٦.\nوقد ذكر ابن حجر هذين الحديثين مع الحديثين السابقين ثم قال: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث٧.\nوبهذا نرى أن الأدلة التي استند إليها القائلون بأن رسول الله ﷺ قد كتب واهية كلها، لا يعتمد عليها، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير.\nأما حديث البراء في قصة الحديبية، فذكر ابن حجر: أن الجمهور أجابوا عنه: بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي، وقد صرح في حديث المسور بأن عليًا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله: \"فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب\" لبيان قوله: \"أرني إياها\"، أنه ما احتاج\n_________\n١ فتح الباري ٧/ ٥٠٤، الخصائص الكبرى ٣/٢٧٠.\n٢ الخصائص الكبرى ٣/٢٧٠.\n٣ فتح الباري ٧/٥٠٤.\n٤ تفسير القرطبي ١٣/٣٥٢.\n٥ فتح الباري ٧/٥٠٤.\n٦ فتح الباري ٧/٥٠٤.\n٧ م السابق.","vol":"1","page":298},{"text":"أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي عن محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك \"فكتب\" فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى.\nوذكر ابن حجر جوابًا ثانيًا فقال: \"وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوير بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا ككثير من الملوك\"١.\nوحكى عن السمناني وابن الجوزي جوابًا آخر وهو: \"أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا\"٢.\nوقد مال ابن خلدون إلى هذا حيث قال: \"ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب، فإنها قد ثبتت في الصحيح وما يعترض في الوهم من أن كتابته قادحة في المعجزة، فهو باطل؛ لأن هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف وقوانين الخط وأشكالها، بقيت الأمية على ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة خاصة من إحدى المعجزات\"٣.\nوقد تعقب السهيلي هذا الجواب فقال: \"وقد ظن بعض الناس أنه كتب بيده\"، وفي البخاري: \"أنه كتب بيده وهو لا يحسن يكتب\" فتوهم أن الله قد أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصة، قال: وهي آية.\nفيقال له: كانت تكون آية لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهو كونه أميًا لا يكتب وبكونه أميًا في أمة أمية، قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله يده لتكون آية؟ وإنما الآية ألا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، وإنما معنى كتب: أي: أمر أن يكتب٤ اهـ.\nوقد تعقب ابن حجر كلام السهيلي فقال: \"وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير\"٥ اهـ.\nقلت: ما قاله السهيلي وجيه لا نظر فيه، وكان يمكن أن يقال إن كتابة اسمه الشريف\n_________\n١ فتح الباري ٧/٥٠٤.\n٢ فتح الباري ٧/٥٠٤.\n٣ تاريخ ابن خلدون ٢/٢٢١.\n٤ الروض الأنف ٦/٤٨٥-٤٨٦.\n٥ فتح الباري ٧/٥٠٤.","vol":"1","page":299},{"text":"على تلك الصورة لا تنافي الأمية إلا أن الله قد نفى عنه الكتابة بيده، بخصوصها وأخبر أن ذلك لو حصل لأدى إلى ريب في قلوب المبطلين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١، ولو قلنا إنه كتب حقيقة لحصل ذلك الارتياب في قلوب المبطلين بل قد حصل شيء من ذلك فعلًا وجعل بعض المتربصين هذه الرواية ذريعة للوصول إلى أهدافهم المشبوهة٢.\nفالراجح هو ما أجاب به الجمهور من أن المراد من قوله \"كتب\" أي أمر عليًا بالكتابة، والله أعلم.\n_________\n١ سورة العنكبوت آية: ٤٨.\n٢ انظر الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر: ١٢٨.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الفصل الثالث: الدروس والعبر المستفادة من بعض مواقف الغزوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الأول: أتهام العقل أمام النصوص الصريحة</span>\n...\nالمبحث الأول: اتهام العقل أمام النصوص الصريحة:\nجاء في حديث المسور ومروان وغيره في قصة الحديبية أن عمر بن الخطاب وبعض الصحابة ﵃ كرهوا الصلح مع قريش١ لما رأوا في شروطها من الظلم والإجحاف في حقهم، لكنهم ندموا بعد ذلك على صنيعهم ورأوا أنهم قد وقعوا في حرج، إذ كيف يكرهون شيئًاَ رضيه رسول الله ﷺ، وظلت تلك الحادثة درسًا لهم فيما استقبلوا من حياتهم، وكانوا يحذرون غيرهم من الوقوع فيما وقعوا فيه من الاعتماد على الرأي:\nفكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: \"أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي اجتهادًا فوالله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل\" ٢.\nوكان سهل بن حنيف ﵁ يقول: \"اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته\"٣.\nولقد ظل عمر بن الخطاب ﵁ - برهة من الزمن - متخوفًا أن ينزل الله به عقابًا للذي صنع يوم الحديبية:\nفكان ﵁ يتحدث عن قصته تلك ويقول: \"فما زلت أصوم وأتصدق\n_________\n١ انظر ص: ٣١٤ وما بعدها.\n٢ انظر ص: ٣٢٤.\n٣ انظر ص: ٣١٩.","vol":"1","page":301},{"text":"وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا\"١.\nهذا فعل أهل الورع والتقوى والذين يقدرون نصوص الشريعة حق قدرها.\nفليت أولئك الذي يردون النصوص الصريحة لحدس عقولهم٢ يعتبرون بما في هذه الحادثة.\nقال ابن الديبع الشيباني تعليقًا على هذه الحادثة: \"قال العلماء لا يخفى ما في هذه القصة من وجوب طاعته ﷺ والانقياد لأمره، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس أو كرهته النفوس، فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الخير فيما أمر به، وأنه عين الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وأنه جار على أتم الوجوه وأكملها غير أن أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره\"٣ اهـ.\nوقد ذكر ابن القيم٤ أن الرأي الباطل أنواع: فذكر منها الرأي المخالف للنص، والكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط في معرفة النصوص وفهمها، والرأي المتضمن تعطيل الأسماء والصفات الإلهية، ثم قال: \"وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله.\nكم نُفي بهذه الآراء من حق، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى، وأُحيى بها من ضلالة، وكم هدم من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان، وأكثر أصحاب الجحيم، هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم، ولا عقل، بل هم\n_________\n١ انظر ص: ٣١٦.\n٢ يقولون إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم العقل، حكاه ابن تيمية عن جماعة منهم: الرازي والغزالي، ثم بين فساده، وكذلك فنده ابن القيم.\nانظر: درء التعارض بين العقل والنقل ١/ ٤، ومختصر الصواعق ١/١٢٩.\nوقد تبنى تلك النظرية الفاسدة بعض الناس في هذا العصر فجعلوا عقولهم مقياسًا لقبول النصوص وردها، ولو كانت في الصحيحين، انظر للرد عليهم: الرد على من كذب الأحادب الصحيحة الواردة في المهدي: ٤٤، ٤٧، ومرويات غزوة بدر:٤٧.\n٣ حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ٢/٦٢٢.\n٤ أعلام الموقعين ١/٧١-٧٢.","vol":"1","page":302},{"text":"شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ \" ١.\n_________\n١ سورة الملك آية: ١٠.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث الثاني: أنموذج من التربية النبوية:</span>\nجاء في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط ما حط عن بني إسرائيل\" ١.\nويتجلى في هذا الحديث جانب عظيم من جوانب التربية النبوية جدير بالتأمل والتدبر.\nفرسول الله ﷺ يستحث أصحابه على صعود الثنية ثم يخبرهم أن الذي يجتازها سينال مغفرة الله تعالى.\nوحين نتأمل هذا الحديث تبرز لنا معان عظيمة أهمها أمران:\nالأول: أن رسول الله ﷺ يريد أن يربط قلوب أصحابه باليوم الآخر في كل لحظة من لحظات حياتهم.\nالثاني: أنه يريد لفت أنظارهم إلى أن كل حركة يتحركونها وكل عمل يقومون به - حتى ما يرون أنه من العادات أو من دواعي الغريزة - يجب استغلاله للتزود لذلك اليوم.\nوكان ﷺ يسعى دائمًا لترسيخ تلك المعاني في قلوب أصحابه:\nفنراه يقول في موطن آخر: \"وفي بضع أحدكم صدقة\" قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: \"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر\" ٢.\nويقول في موطن ثالث: \"وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك\"٣.\n_________\n١ انظر حديث رقم (٥٢) .\n٢ صحيح مسلم، كتاب الزكاة: ٥٣.\n٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا: ٢٧٤٢.","vol":"1","page":303},{"text":"ولكن ما الذي يحدث حين تترسخ تلك المعاني في شعورهم؟\nإن تلك المعاني - إذا تمكنت من قلب المسلم - لكفيلة بأن تصبغ حياته كلها بصبغة العبودية لله وحده، وإذا شملت العبادة كل نواحي حياة المسلم فإن لهذا الشمول آثارًا مباركة سوف يشعر بها الفرد في نفسه ثم يلمسها فيمن حوله \"ومن أبرز تلك الآثار أمران:\nالأول: أنه يصبغ حياة المسلم وأعماله فيها بالصبغة الربانية، ويجعله مشدودًا إلى الله في كل ما يؤديه، فهو يقوم بنية العابد الخاشع، وروح القانت المخبت، وهذا يدفعه إلى الاستكثار من كل عمل نافع، وكل إنتاج صالح، وكل ما ييسر له ولأبناء نوعه الانتفاع بالحياة، على أمثل وجوهها، فإن ذلك يزيد رصيده من الحسنات والقربات عند الله تعالى كما يدعوه هذا المعنى إلى إحسان عمله الدنيوي وتجويده وإتقانه، ما دام يقدمه إلى ربه سبحانه ابتغاء رضوانه وحسن مثوبته.\nالثاني: أنه يمنح المسلم وحدة الوجهة، ووحدة الغاية في حياته كلها، فهو يرضى ربًا واحدًا في كل ما يأتي ويدع، ويتجه إلى هذا الرب بسعيه كله الديني والدنيوي، لا انقسما ولا صراع، ولا ازدواج في شخصيته ولا في حياته\" ١.\nوقد يقول قائل - انطلاقًا من واقعنا المؤلم الذي تلاشت فيه هذه المعاني أو كادت - إن هذه المعاني خيالات وأوهام لا تعدو ذهن قائلها ولا رصيد لها من الواقع، ونحن نطالبه أن يرجع إلى الوراء قليلًا فينظر واقع الصحابة رضوان الله عليهم كيف استحالت تلك المعاني إلى حقائق ملموسة في حياتهم كلها، وما حفظ الله سيرتهم إلا لتكون حجة على كل من جاء بعدهم.\n_________\n١ انظر: كتاب العبادة في الإسلام: ٦٦.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على العقيدة</span>\n...\nالمبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على عقيدته:\nكان من جملة الشروط التي أخذتها قريش على المسلمين في صلح الحديبية: أن على المسلمين أن يردوا من جاءهم من قبل قريش، ولا ترد قريش من جاءها من قبل المسلمين.\nوقد كره المسلمون هذا الشرط إلا أن سهيل بن عمرو قد أصر عليه، وما أن وقع","vol":"1","page":304},{"text":"الاتفاق بين رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو على عقد الصلح حتى طلع عليهما أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، وكان قد خرج فارًا بدينه إلى المسلمين.\nفلما رآه والده قام إليه فضرب وجهه وأخذ يجره بثيابه ليرده إلى مكة، وأبو جندل يستنجد برسول الله ﷺ وبالمسلمين ليحولوا بينه وبين أبيه، لكن ماذا يملك رسول الله ﷺ والمسلمون؟ إنهم قد أعطوا قريشًا عهدًا على رد من جاء من قبلها، فالأمر أصبح بيد قريش، وسهيل بن عمرو هو الناطق باسمها.\nوحين رأى رسول الله ﷺ إصرار سهيل بن عمرو على رد أبي جندل تركه وشأنه، ثم أوصى أبا جندل بكلمات قال فيها: \"يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله ﷿ جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا\".\nورجع سهيل بن عمرو بأبي جندل ﵁ إلى مكة حيث الفتنة والتعذيب١.\nوليست قصة أبي جندل هذه بأعجب من قصة أبي بصير ﵁، فأبو بصير ترك مكة فرارًا بدينه من الفتنة، وقدم المدينة، لكنه لم يكد يستعيد أنفاسه حتى قدم في طلبه رجلان من قبل قريش.\nفما الذي سيحدث يا ترى؟\nهل خوف أبي بصير على دينه من الفتنة سيشفع له في عدم إسلامه لرسولي قريش؟\nإن رسول الله ﷺ كان يدرك حال أبي بصير تمامًا ويشفق عليه أيما إشفاق، كيف لا! والله ﷿ يقول في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.\nلكن كان يحول بين رسول الله ﷺ وبين حماية أبي بصير من قريش العهد الذي أخذته قريش على رسول الله ﷺ.\n_________\n١ انظر قصة أبي جندل ص ٣١٤، ٣١٥.\n٢ سورة التوبة آية: ١٢٨.","vol":"1","page":305},{"text":"فلذلك أسلم رسول الله ﷺ أبا بصير إلى رسولي قريش بعد أن زوده بنحو الوصية التي زود بها أبا جندل.\nوخرج الرجلان بأبي بصير يريدان مكة، حيث الفتنة والتعذيب١.\nففي هاتين القصتين دروس عظيمة أهمها درسان:\nالأول: وفاء المسلم بعهده، فقد رأينا كيف أسلم المؤمنون إخوانهم إلى الكفار وهم يعلمون أن مصيرهم ثَمّ هو التعذيب، وما فعلوا ذلك إلا وفاء بالعهد، فالوفاء صفة أصيلة في المؤمن، وقد امتدح الله المؤمنين بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ٢، كما ذم الكفار بنقيض ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٣.\nالثاني: ثبات المؤمن على عقيدته مهما كلفه من ثمن، فأبو بصير وأبو جندل يعلم كل منهما ما ينتظره في مكة من الفتنة والتعذيب، لكن لم يعبأ واحد منهما لذلك إنما كان خوفهما على دينهما لأن العقيدة هي أغلى ما يملكه المؤمن، ولقد شهدت مكة نماذج كثيرة من ذلك الثبات، فقد شهدت قبل ذلك خبيب بن عدي ﵁ تتناوشه رماح قريش وهو يقول:\nما إن أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع٤\n_________\n١ انظر قصة أبي بصير ص ٣٢٨.\n٢ سورة الرعد آية: ١٩-٢٠.\n٣ سورة الرعد آية: ٢٥.\n٤ قال ذلك حين أرادت قريش قتله، وكان من قصته أنه جاء رهط من عضل والقاره إلى رسول الله ﷺ فادّعوا الإسلام وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل معهم من يعلمهم، فأرسله في تسعة من القراء، سنة ثلاث، وأميرهم عاصم بن ثابت، فغدر بهم أولئك الرهط فقتلوا بعضهم وأسروا البعض، وكان ممن أسروا خبيب بن عدي فأسلموه إلى قريش. انظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٠٨٦، وسيرة ابن هشام ٣/١٦٩.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الرابع: صروح الكفر والطغيان تتهاوى أمام عزمات الإيمان</span>\n...\nالمبحث الخامس: رعاية الله للجماعة المؤمنة:\nيشعر القارئ لهذه الغزوة أن عناية الله ورعايته كانت تحوط المؤمنين وتلازمهم ملازمة ظاهرة، فحينما قدم المسلمون لهذه الغزوة - وكانوا عازمين على دخول مكة لأداء عمرتهم - حبس الله ناقة رسول الله ﷺ بالحديبية فكان ذلك الصلح العظيم.\nولما وجد الصحابة رضوان الله عليهم في نفوسهم من الصلح - بسبب شروط قريش - أنزل الله سورة الفتح فسرى بها عن أنفسهم وبشرهم بأن الصلح فتح مبين.\nوعندما قدم بعض المهاجرات فرارًا بدينهن من فتنة قريش أرسلت قريش في ردهن فأنزل الله آية الامتحان، تنهى المؤمنين عن ردهن إلى الكفار.\nوقد أبرزت سورة الفتح جوانب كثيرة من مظاهر رعاية الله للمؤمنين في تلك الغزوة.\nفهل يا ترى هذه الرعاية - التي أولاها الله رسوله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم - كانت خاصة بهم، أم أن هناك أسبابًا بذلوها فأهلتهم لتلك الرعاية من الله سبحانه؟\nإن الله ﷾ قد بين في كتابه المؤهلات لرعايته وعنايته فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ١.\nوقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.\nوقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ٣.\nوقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٤.\nوقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥.\nفهذه الصفات قد توافرت في الصحابة رضوان الله عليهم فنالوا تلك الرعاية والعناية من الله، ومتى توافرت في شخص أو أمة في كل زمان ومكان فإن رعاية الله سوف تتنزل عليهم، لأن الله قد وعد بذلك ووعده الحق.\n_________\n١ سورة النحل آية: ١٢٨.\n٢ سورة الأعراف آية: ٥٦.\n٣ سورة الطلاق آية: ٢.\n٤ سورة الطلاق آية: ٣.\n٥ سورة العنكبوت آية: ٦٩.","vol":"1","page":308},{"text":"الخاتمة\nبعد أن أتممت هذا البحث - بعون الله وتوفيقه - أحب أن أشير في الختام إلى أبرز النتائج التي توصلت إليها فيه.\nفأقول وبالله التوفيق:\nقسمت البحث إلى أربعة أبواب وقد حصرت المرويات في الثلاثة الأبواب الأولى منه، وجعلت الباب الأخير لفقه المرويات.\nأ - وكانت أبرز نتائج الباب الأول هي:\n(١) بيان أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: \"غزوة الحديبية\" مع ذكر المرجحات لذلك.\n(٢) بيان الصواب في تسمية الخزاعي الذي بعثه النبي ﷺ عينًا إلى مكة.\n(٣) إضافة قصة \"غيقة\" إلى هذه الغزوة، ولم يذكرها قبل أحد ممن كتب في المغازي - حسب علمي - ولم تذكر في جملة السرايا كذلك.\n(٤) ترجيح أن صلاة الخوف المذكورة في حديث أبي عياش الزرقي كانت في غزوة الحديبية وبيان أنها أول صلاة وقعت في الخوف.\n(٥) هناك أحاديث ذكرت فيها صفة صلاة الخوف، أوردها بعض العلماء على ما في حديث أبي عياش والظاهر مغايرتها له.\nب - وأبرز نتائج الباب الثاني:\n(١) بيان أن بديل بن ورقاء لم يكن رسولًا لأي من الفريقين.\n(٢) ترجيح أن عروة بن مسعود الثقفي إنما أسلم في السنة التاسعة.\n(٣) بيان الراجح في تسمية أول من بايع بيعة الرضوان.\n(٤) توضيح أسباب الصلح وبيان أنها مشتركة بين الطرفين.\n(٥) بيان أن المسلمين لم يردوا إخوانهم إلى قريش إلا وفاء بالعهد، وأن عدم ردهم للمهاجرات لم يكن إخلالًا بالعهد.","vol":"1","page":309},{"text":"(٦) بيان أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة وليس أبا بصير.\nجـ - وأبرز نتائج الباب الثالث:\n(١) بيان أن نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية كان في غزوة خيبر، لا في غزوة الحديبية.\n(٢) ترجيح أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا البدنة - في الحديبية - عن سبعة فقط.\n(٣) ترجيح أن الصحابة نحروا بعض الهدي في الحل، وبعضه في الحرم.\n(٤) ترجيح أن نوم المسلمين عن صلاة الصبح حصل في أكثر من غزوة، منها غزوة الحديبية.\n(٥) بيان أن معجزة النبي ﷺ في تكثير الماء - في غزوة الحديبية - وقعت مرتين:\nالأولى: حال نزولهم الحديبية.\nالثانية: في طريق عودتهم.\n(٦) ذكر أهم نتائج الغزوة وتشتمل: آثار صلح الحديبية، وما حصل للمسلمين بسبب هذه الغزوة من مغانم أخروية مثل رضا الله عنهم، وتبشير الرسول ﷺ لهم بالجنة والنجاة من النار، ومغانم دنيوية مثل: إحرازهم غنائم خيبر، وما شرع لهم في هذه الغزوة من رخص وأحكام.\nد - وأما الباب الرابع فكان في فقه المرويات:\nوتضمن أحكامًا في الجهاد والعقيدة وردت في الغزوة، وبعض الدروس، والعبر المستقاة منها.\nو﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ..","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>مصادر ومراجع</span>\n...\nثبت المصادر والمراجع\nالقرآن الكريم.\nابن الأثير: أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري (٦٣٠هـ) .\n(١) أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الشعب، القاهرة، ١٣٩٠هـ.\n(٢) اللباب في تهذيب الأنساب، دار صادر، بيروت بدون تاريخ.\nابن الأثير: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (٦٠٦هـ) .\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود الطناحي، المكتبة الإسلامية، بدون تاريخ.\nالإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (٢٤١هـ) .\n(٤) مسند أحمد، المكتب الإسلامي، ط الثانية ١٣٩٨هـ.\nالبخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة (٢٥٦هـ) .\n(٥) التاريخ الكبير، بدون تاريخ.\n(٦) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، السلفية، بدون تاريخ.\nالبزار: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق (٢٩٢هـ) .\n(٧) مسند البزار (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\nابن بشكوال: أبو القاسم خلف بن عبد الملك (٥٧٨هـ) .\n(٨) الصلة لابن بشكوال، الدار المصرية للتأليف والترجمة ١٩٦٦م.\nالبغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء (٥١٦هـ) .\n(٩) شرح السنة، المكتب الإسلامي، ط الأولى، ١٣٩٠هـ.\nالبكري: أبو عبيد عبيد الله بن عبد العزيز الأندلسي (٤٨٧هـ) .\n(١٠) معجم ما استعجم، مطبعة لجنة التأليف، القاهرة ١٣٦٤؟.\nالبلاذري: أحمد بن يحيى (٢٧٩هـ) .\n(١١) أنساب الأشراف، دار المعرفة بمصر، ١٩٥٩م.\n(١٢) فتوح البلدان، مكتبة النهضة العربية، بدون تاريخ.","vol":"1","page":339},{"text":"البوصيري: أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل (٨٤٠هـ) .\n(١٣) إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(١٤) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nالبيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (٤٥٨هـ) .\n(١٥) دلائل النبوة (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(١٦) السنن الكبرى، مطبعة مجلس دائرة المعارف، الهند ط الأولى، ١٣٤٤هـ.\nابن التركماني: علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني (٧٤٥هـ) .\n(١٧) الجوهر النقي، مطبوع مع السنن الكبرى للبيهقي.\nالترمذي: محمد بن عيسى بن سورة (٢٧٩هـ) .\n(١٨) سنن الترمذي، مطبعة الحلبي وأولاده بمصر، ط الثانية ١٣٩٥هـ.\nابن تيمية: أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (٧٢٨هـ) .\n(١٩) درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط الأولى، ١٣٩٩هـ.\n(٢٠) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار الكتاب العربي، بدون تاريخ.\nابن تيمية: أبو البركات مجد الدين عبد السلام بن عبد الله (٦٥٢هـ) .\n(٢١) منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، الطبعة السلفية، بدون تاريخ.\nابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن (٥٩٧هـ) .\n(٢٢) الوفا بأحوال المصطفى، دار الكتب الحديثة، ط الأولى، ١٣٨٦هـ.\nابن أبي حاتم: أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٣٢٧هـ) .\nالجرح والتعديل، مطبعة مجلس دائرة المعارف الهند، ط الأولى، ١٣٧١هـ.\nالحازمي: أبو بكر محمد بن موسى (٥٨٤هـ) .\n(٢٤) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، مكتبة عاطف، بدون تاريخ.","vol":"1","page":340},{"text":"الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله محمد النيسابوري (٤٠٥هـ) .\n(٢٥) المستدرك على الصحيحين، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ.\nابن حبان: أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي (٣٥٤هـ) .\n(٢٦) الثقات، مطبعة مجلس دائرة المعارف، الهند، ط الأولى ١٤٠١هـ.\n(٢٧) صحيح ابن حبان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط الأولى ١٣٩٠هـ.\nابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) .\n(٢٨) إتحاف المهرة بأطراف المسانيد العشرة، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(٢٩) الإصابة في تمييز الصحابة، الكليات الأزهرية، ط الأولى ١٣٩٦هـ\n(٣٠) تقريب التهذيب، دار نشر الكتب الإسلامية، باكستان، ط الأولى، ١٣٩٣هـ.\n(٣١) التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، المكتبة الأثرية، باكستان ١٣٨٤هـ.\n(٣٢) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (طبقات المدلسين)، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، بدون تاريخ.\n(٣٣) تهذيب التهذيب، دار صادر بيروت.\n(٣٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري، السلفية القاهرة، بدون تاريخ.\n(٣٥) الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف، مطبوع مع الكشاف، مطبعة الاستقامة، ١٣٧٧هـ.\n(٣٦) لسان الميزان، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط الثالثة، ١٣٩٠هـ.\n(٣٧) المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية -المسندة- (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(٣٨) المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية -المختصرة- تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.\n(٣٩) زوائد مسند البزار (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":341},{"text":"(٤٠) نخبة الفكر المطبوعة مع شرحها نزهة النظر، دار مصر للطباعة، ط الثانية، بدون تاريخ.\n(٤١) هدي الساري (مقدمة فتح الباري)، السلفية.\nالحربي: أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم (٢٨٥هـ) .\n(٤٢) المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، تحقيق حمد الجاسر، منشورات دار اليمامة، الرياض ١٣٨٩هـ.\nابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (٤٥٦هـ) .\n(٤٣) جمهرة أنساب العرب، الناشر: دار المعارف، ط الرابعة، بدون تاريخ.\n(٤٤) جوامع السيرة، دار إحياء السنة، باكستان، بدون تاريخ.\nالحلبي: علي بن برهان الدين (١٠٤٤هـ) .\n(٤٥) إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (السيرة الحلبية)، مطبعة الحلبي وأولاده، ط الأولى ١٣٨٤هـ.\nالحميدي: أبو بكر عبد الله بن الزبير (٢١٩هـ) .\n(٤٦) مسند الحميدي، الناشر دار الباز، مكة المكرمة.\nالحميدي: أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأزدي (٤٨٨هـ) .\n(٤٧) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ١٩٦٦م.\nالخرائطي: محمد بن جعفر بن محمد بن سهل السامري (٣٢٧هـ) .\n(٤٨) هواتف الجنان وعجيب ما يحكى عن الكهان، مما يبشر بالنبي محمد ويدل بواضح البرهان (مخطوط) بالجامعة الإسلامية.\nابن خزيمة: أبو بكر محمد بن إسحاق السلمي (٣١١هـ) .\n(٤٩) صحيح ابن خزيمة، المكتب الإسلامي، بدون تاريخ.\nالخشني: أبو عبد الله محمد بن حارث بن أسد القيرواني (٣٦١هـ) .\n(٥٠) قضاة قرطبة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ١٩٦٦م","vol":"1","page":342},{"text":"الخطابي: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي (ت٣٨٨هـ) .\n(٥١) معالم السنن بهامش سنن أبي داود، دار الحديث ط الأولى، ١٣٩١هـ.\nالخطيب: أبو بكر أحمد بن علي البغدادي (٤٦٣هـ) .\n(٥٢) تاريخ بغداد، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ.\n(٥٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الناشر: مكتبة الفلاح، ط الأولى ١٤٠١هـ.\n(٥٤) الفصل للوصل المدرج في النقل (المدرج) (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون (٨٠٨هـ) .\n(٥٥) العبر وديوان المبتدأ والخبر (تاريخ ابن خلدون)، مطبعة النهضة، مصر، ١٣٥٥هـ.\nخليفة: بن خياط الصفري (٢٤٠هـ) .\n(٥٦) تأريخ خليفة، مؤسسة الرسالة، ط الثانية، ١٣٩٧هـ.\nالدارقطني: علي بن عمر (٣٨٥هـ) .\n(٥٧) سنن الدارقطني، الناشر عبد الله هاشم يماني المديني ١٣٨٦هـ.\nالدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (٢٥٥هـ) .\n(٥٨) سنن الدارمي، الناشر: دار إحياء السنة النبوية، بدون تاريخ.\nأبو داود السجستاني سليمان بن الأشعث (٢٧٥هـ) .\n(٥٩) سنن أبي داود (المطبوع مع معالم السنن) تحقيق الدعاس، دار الحديث، حمص، ط الأولى، ١٣٨٨هـ.\nأبو داود الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود (٢٠٤هـ) .\n(٦٠) مسند أبي داود، دار الكتاب اللبناني، دار التوفيق، بدون تاريخ.\nالديار: بكري حسين بن محمد بن الحسن (٩٦٦هـ) .\n(٦١) تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، مؤسسة شعبان، بيروت.\nابن الديبع: عبد الرحمن بن علي بن محمد الشيباني (٩٤٤هـ) .\n(٦٢) حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، تحقيق عبد الله إبراهيم الأنصاري.","vol":"1","page":343},{"text":"الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (٧٤٨هـ) .\n(٦٣) تذكرة الحفاظ، دار إحياء التراث، بيروت، بدون تاريخ.\n(٦٤) تلخيص المستدرك للحاكم، حاشية المستدرك.\n(٦٥) سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ط الأولى ١٤٠١هـ.\n(٦٦) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ط الأولى ١٣٩٢هـ.\n(٦٧) ميزان الاعتدال، دار المعرفة بيروت، بدون تاريخ.\nابن راهويه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨هـ) .\n(٦٨) مسند إسحاق بن راهويه (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nابن رجب: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد (٧٩٥هـ) .\n(٦٩) شرح علل الترمذي، الأوقاف العراقية، بدون تاريخ.\nابن الرفعة: أبو العباس نجم الدين بن الرفعة الأنصاري (٧١٠هـ) .\n(٧٠) الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان، جامعة الملك عبد العزيز، ١٤٠٠هـ.\nالزبيدي: محمد مرتضى الحسيني (١٢٠٥هـ) .\n(٧١) تاج العروس من جواهر القاموس، دار مكتبة الحياة، بيروت.\nالزرقاني: محمد بن عبد الباقي المالكي (١١٢٢هـ) .\n(٧٢) شرح المواهب اللدنية، دار المعرفة، بيروت، ط الثانية، ١٣٩٣هـ.\nالزيلعي: أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي (٧٦٢هـ) .\n(٧٣) نصب الراية لأحاديث الهداية، المجلس العلمي، الهند ١٣٥٧هـ.\nالسخاوي: شمس الدين مجد بن عبد الرحمن (٩٠٢هـ)\n(٧٤) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث\nابن سعد: محمد بن سعد بن منيع البصري (٢٣٠هـ) .\n(٧٥) الطبقات الكبرى، دار صادر بيروت، ١٣٨٨هـ.\nسعيد بن منصور بن شعبة الخراساني (٢٢٧هـ) .\n(٧٦) سنن سعيد بن منصور، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ١٣٨٧هـ","vol":"1","page":344},{"text":"السفاريني: أبو عون محمد بن أحمد بن سالم الحنبلي (١١٨٨هـ) .\n(٧٧) شرح ثلاثيات مسند أحمد، المكتب الإسلامي، ط الثانية ١٣٩١هـ.\nسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٣٣هـ)\n(٧٨) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، مكتبة الرياض، يدون تاريخ.\nالسهمي أبو القاسم حمزة بن يوسف (٤٢٧هـ) .\n(٧٩) تاريخ جرجان (معرفة علماء أهل جرجان) مطبعة مجلس دائرة المعارف، الهند ط الثانية ١٣٨٧هـ.\nالسهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ الخثعمي الضرير (٥٨١) .\n(٨٠) الروض الأنف، دار الكتب الحديثة، ١٣٩٠هـ.\nابن سيد الناس: محمد بن محمد أبو الفتح اليعمري (٧٣٤هـ) .\n(٨١) عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ.\nالسيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (٩١١هـ) .\n(٨٢) تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك، دار إحياء الكتب العربي.\n(٨٣) جمع الجوامع، مصور عن مخطوط دار الكتب المصرية بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(٨٤) الخصائص الكبرى، دار الكتب الحديثة، بدون تاريخ.\n(٨٥) الدر المنثور، دار المعرفة بيروت.\n(٨٦) طبقات الحفاظ، مكتبة وهبة، القاهرة، بدون تاريخ.\nالشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد (٧٩٠هـ) .\n(٨٧) الاعتصام الناشر: دار المعرفة، بدون تاريخ.\nالشافعي: الإمام محمد بن إدريس (٢٠٤هـ) .\n(٨٨) الأم، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨١هـ.","vol":"1","page":345},{"text":"ابن شبة: عمر بن شبة بن عبيدة النمري (٢٦٢هـ) .\n(٨٩) تاريخ المدينة، تحقيق فهيم شلتوت، الناشر، سيد حبيب.\nالشوكاني: محمد بن علي بن محمد (١٢٥٠هـ) .\n(٩٠) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، مطبعة الحلبي وأولاده بمصر، ط الأخيرة.\nابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي (٢٣٥هـ) .\n(٩١) تاريخ ابن أبي شيبة، مخطوط بالجامعة الإسلامية.\n(٩٢) مصنف ابن أبي شيبة، المطبعة العزيزية، حيدر آباد، الهند ١٣٨٦هـ.\nابن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (٦٤٣هـ) .\n(٩٣) علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح)، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ط الثانية ١٩٧٢م.\nالصنعاني: محمد بن إسماعيل الكحلاني الأمير (١١٨٢هـ) .\n(٩٤) سبل السلام شرح بلوغ المرام، دار إحياء التراث العربي، ط الرابعة، ١٣٧٩هـ.\nالضبي: أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة (٥٩٩هـ) .\n(٩٥) بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، دار الكتاب العربي، ١٩٦٧م.\nالطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (٣٦٠هـ) .\n(٩٦) المعجم الكبير، الأوقاف العراقية.\n(٩٧) المعجم الصغير، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ١٣٨٨هـ.\nالطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠هـ) .\n(٩٨) تاريخ الأمم والملوك (تاريخ ابن جرير الطبري)، دار القلم، بيروت. بدون تاريخ.\n(٩٩) جامع البيان عن تأويل القرآن (تفسير ابن جرير الطبري)، مطبعة الحلبي وأولاده، ط الثالثة، ١٣٨٨هـ.\nالطحاوي: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة (٣٢١هـ) .\n(١٠٠) شرح معاني الأثار، مطبعة الأنوار المحمدية، ١٣٨٧هـ","vol":"1","page":346},{"text":"(١٠١) مشكل الآثار، دار صادر بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف، ١٣٣٣هـ.\nابن أبي عاصم: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني (٢٨٧هـ) .\n(١٠٢) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، (ميكروفيلم) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(١٠٣) السنة لابن أبي عاصم، المكتب الإسلامي، ط الأولى: ١٤٠٠هـ.\nابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري (٤٦٣هـ) .\n(١٠٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، مطبوع مع الإصابة، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، ط الأولى، ١٣٩٦هـ.\n(١٠٥) الدرر لابن عبد البر في اختصار المغازي والسير، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٣٨٦هـ.\n(١٠٦) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، الناشر: وزارة الأوقاف المغربية ١٣٨٧هـ.\nعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٢٥٨هـ) .\n(١٠٧) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، مطابع القصيم، ط الثامنة، ١٣٨٦هـ.\nعبد الرزاق بن همام الصنعاني الحميري (٢١١هـ) .\n(١٠٨) مصنف عبد الرزاق، المجلس العلمي كراتشي، ١٣٩٠هـ.\nعبد بن حميد نصر الكسي، (ت٢٤٩هـ) .\n(١٠٩) المسند (مخطوط) مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\nابن عدي: أحمد بن عبد الله (٣٦٥هـ) .\n(١١٠) مقدمة الكامل، مطبعة سليمان الأعظمي، بغداد بدون تاريخ.\n(١١١) الكامل، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nابن عراق: أبو الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني (٩٦٣هـ) .\n(١١٢) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة والموضوعة، دار الكتب العلمية، ط الأولى، ١٣٩٩هـ.","vol":"1","page":347},{"text":"ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي (٥٧١هـ) .\n(١١٣) تاريخ دمشق، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nابن عطية: أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي (٥٤٦هـ) .\n(١١٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير ابن عطية)، الأوقاف المغربية.\nالعلائي: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي (٧٦١هـ) .\n(١١٥) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، وزارة الأوقاف العراقية، ط الأولى، ١٣٩٨هـ.\nأبو عوانة: يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (٣١٦هـ) .\n(١١٦) مسند أبي عوانة، مطبعة مجلس دائرة المعارف، الهند، ط الأولى، ١٣٨٥هـ.\nعياض بن موسى بن عياض السبتي (٥٤٤هـ) .\n(١١٧) ترتيب المدارك، الناشر: وزارة الأوقاف المغربية، بدون تاريخ.\nالعيني: بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد (٨٥٥هـ) .\n(١١٨) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، إدارة الطباعة المنيرية، بدون تاريخ.\n(١١٩) مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، (مخطوط) مصور عن النسخة المصرية بمكتبة الشيخ حماد الأنصاري.\nالفسوي: أبو يوسف يعقوب بن سفيان (٢٧٧هـ) .\n(١٢٠) المعرفة والتاريخ، مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٣٩٤هـ.\nابن قدامة: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد (٦٢٠هـ) .\n(١٢١) المغني، مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.\nالقرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري (٦٧١هـ) .\n(١٢٢) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٩٦٥م","vol":"1","page":348},{"text":"القسطلاني: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد (٩٢٣هـ) .\n(١٢٣) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية مع شرح الزرقاني، دار المعرفة، بيروت، ط الثاني. ١٣٩٣هـ.\nابن القيم: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي (٧٥١هـ) .\n(١٢٤) أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة.\n(١٢٥) تهذيب سنن أبي داود بهامش مختصر المنذري، المكتبة الأثرية، باكستان، ط الثانية، ١٣٩٩هـ.\n(١٢٦) زاد المعاد في هدي خير العباد، بتحقيق الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط الثناية، ١٤٠١هـ.\n(١٢٧) مختصر الصواعق، مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.\nابن كثير: أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير القرشي (٧٧٤هـ) .\n(١٢٨) البداية والنهاية، مطبعة الحلبي وأولاده، ط الأولى ١٣٨٩هـ.\n(١٢٩) تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، ط الثالثة، ١٣٧٣هـ.\nابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (٢٧٥هـ) .\n(١٣٠) سنن ابن ماجه، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٩٥هـ.\nابن ماكولا: علي بن هبة الله بن علي العجلي (٤٧٥هـ) .\n(١٣١) الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، الناشر: محمد أمين رمح، بيروت، بدون تاريخ.\nمالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة (١٧٩هـ) .\n(١٣٢) الموطأ، تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي، دار كتاب الشعب.\nالشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦هـ) .\n(١٣٣) مختصر سيرة الرسول (دار العربية، بيروت، بدون تاريخ.\n(١٣٤) ملحق مصنفات محمد بن عبد الوهاب، جامعة الإمام محمد بن سعود","vol":"1","page":349},{"text":"المرداوي: علاء الدين أبو الحسين علي بن سليمان (٨٨٥هـ) .\n(١٣٥) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، طبع على نفقة الملك سعود.\nالمزي: جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي (٧٤٢هـ) .\n(١٣٦) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، الناشر: الدار القيمة، ١٣٨٤هـ.\n(١٣٧) تهذيب الكمال للمزي، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية، مصور عن النسخة المصرية.\nمسلم بن الحجاج القشيري (٢٦١هـ) .\n(١٣٨) صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، ط الثانية ١٩٧٢م.\nابن معين: يحيى بن معين بن عون المري الغطفاني مولاهم (٢٣٣هـ) .\n(١٣٩) تاريخ يحيى بن معين. الناشر: جامعة الملك عبد العزيز ط الأولى، ١٣٩٩هـ.\nابن مفلح: شمس الدين أبو عبد الله المقدسي (٧٦٣هـ) .\n(١٤٠) الفروع، دار مصر للطباعة، ط الثانية، ١٣٨٠.\nالمقري: أحمد بن محمد المقري التلمساني (١٠٤١هـ) .\n(١٤١) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، دار صادر ١٣٨٨هـ.\nالمقريزي: أحمد بن علي بن عبد القادر (٨٤٥هـ) .\n(١٤٢) إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والمتاع، لجنة التأليف والنشر، القاهرة، ١٩٤١.\nالمنذري: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري (٦٥٦هـ) .\n(١٤٣) الترغيب والترهيب، مطبعة الحلبي وأولاده، ط الثانية ١٣٧٣هـ.\n(١٤٤) مختصر سنن أبي داود، المكتبة الأثرية، باكستان، ط الثانية، ١٣٩٩هـ.\nابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري (٧١١هـ) .\n(١٤٥) لسان العرب، طبعة مصورة عن طبعة بولاق، الدار المصرية للتأليف والترجمة","vol":"1","page":350},{"text":"النباهي: أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن المالقي الأندلسي (٧٩٣هـ) .\n(١٤٦) المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، (تاريخ قضاة الأندلس)، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.\nالنسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (٣٠٣هـ) .\n(١٤٧) سنن النسائي (المجتبى)، دار إحياء التراث، بيروت، بدون تاريخ.\n(١٤٨) السنن الكبرى للنسائي، (مخطوط)، بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nالنووي: أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي (٦٧٦هـ) .\n(١٤٩) التقريب في علم الحديث، مطبوع مع شرحه تدريب الراوي، الناشر: المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ط الثانية: ١٣٩٢هـ.\n(١٥٠) تهذيب الأسماء واللغات، الناشر دار الباز بمكة، بدون تاريخ.\n(١٥١) شرح صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت، ط الثانية/ ١٣٩٨هـ.\n(١٥٢) المجموع شرح المهذب، مكتبة الإرشاد، جدة، بدون تاريخ.\nأبو نعيم: أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠هـ) .\n(١٥٣) دلائل النبوة، عالم الكتب، بيروت.\n(١٥٤) ذكر أخبار أصبهان، مطبعة أبريل، ليدن، ١٩٣٤م.\n(١٥٥) معرفة الصحاية، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية؟\nابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري (٢١٨هـ) .\n(١٥٦) سيرة ابن هشام، مطبعة الحلبي وأولاده بمصر، ط الثانية، ١٣٧٥هـ.\nأبو هلال العسكري: الحسن بن عبد الله بن سهل: (٣٩٥هـ) .\n(١٥٧) الأوائل: تحقيق محمد السيد الوكيل.\nابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد الإسكندري (٦٨١هـ) .\n(١٥٨) شرح الهداية، مطبعة الحلبي وأولاده، ط الأولى، ١٣٨٩هـ.\nالهيثمي: أبو بكر نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان (٨٠٧هـ) .\n(١٥٩) بغية الباحث عن زوائد الحارث، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n(١٦٠) غاية المقصد (مخطوط)، بمكتبة الجامعة الإسلامية","vol":"1","page":351},{"text":"(١٦١) كشف الأستار عن زوائد البزار، مؤسسة الرسالة، ط الأولى، ١٣٩٩هـ.\n(١٦٢) مجمع البحرين بزوائد المعجمين، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\n(١٦٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، ط الثالثة، ١٤٠٢هـ.\n(١٦٤) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.\nالواقدي: محمد بن عمر بن واقد (٢٠٧هـ) .\n(١٦٥) مغازي الواقدي، عالم الكتب، بيروت، بدون تاريخ.\nياقوت بن عبد الله الحموي الرومي (٦٢٦هـ) .\n(١٦٦) معجم البلدان، دار صادر، بيروت، ١٣٩٧هـ.\nاليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر اليعقوبي (٢٨٤هـ) .\n(١٦٧) تاريخ اليعقوبي، دار صادر بيروت، بدون تاريخ.\nأبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى (٣٠٧هـ) .\n(١٦٨) مسند أبي يعلى، (مخطوط) بمكتبة الجامعة الإسلامية.\nالمراجع الحديثة\nإبراهيم بن إبراهيم القريبي:\n(١٦٩) مرويات غزوة بني المصطلق، الناشر الجامعة الإسلامية.\nإبراهيم محمد عمير:\n(١٧٠) مرويات غزوة الخندق، مطبوع على الآلة الكاتبة في الجامعة الإسلامية.\nأحمد شلبي:\n(١٧١) موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، ط الثامنة، ١٩٧٨م.","vol":"1","page":352},{"text":"أحمد بن حجر آل بن علي:\n(١٧٢) الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر، دار الإرشاد بيروت، ط الأولى، ١٣٨٨هـ.\nأحمد بن عبد الحميد العباسي:\n(١٧٣) عمدة الأخبار في مدينة المختار، الناشر: أسعد الحسيني، ط الثالثة، بدون تاريخ.\nأحمد محمد العليمي:\n(١٧٤) مرويات غزوة بدر، مكتبة طيبة، ط الأولى، ١٤٠٠هـ.\nالألباني: محمد ناصر الدين الألباني:\n(١٧٥) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الناشر المكتب الإسلامي، ط الأولى، ١٣٩٩هـ.\n(١٧٦) تخريج أحاديث فقه السيرة، للغزالي بهامش فقه السيرة.\n(١٧٧) التوسل أنواعه وأحكامه، الطبعة الثانية، ١٣٩٧هـ.\n(١٧٨) ظلال الجنة في تخريج السنة، مطبوع مع السنة لابن أبي عاصم، المكتب الإسلامي، بدون تاريخ.\nباشميل محمد أحمد:\n(١٧٩) صلح الحديبية، ط الأولى، ١٣٩٠هـ.\nبريغش محمد حسن:\n(١٨٠) أبو بصير قمة في العزة الإسلامية، مكتبة الحرمين، الرياض، ط الثالثة، ١٣٩٧هـ.\nالبلادي عاتق بن غيث:\n(١٨١) نسب حرب، مكتبة دار البيان، دمشق، ط الأولى ١٣٩٧هـ.\nابن بليهد النجدي: محمد بن عبد الله:\n(١٨٢) صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار، مطبعة السنة المحمدية ١٣٧٠هـ","vol":"1","page":353},{"text":"أبو تراب: رشد الله شاه السندهي:\n(١٨٣) كشف الأستار عن رجال معاني الآثار.\nحسين الباكري:\n(١٨٤) مرويات غزوة أحد، مطبوع على الآلة الكاتبة بالجامعة الإسلامية.\nدروزه محمد عزة:\n(١٨٥) سيرة الرسول، على نفقة الشيخ خليفة آل ثاني أمير دولة قطر.\nأبو زهرة محمد:\n(١٨٦) خاتم النبيين، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٩٧٣م.\nالزواوي الطاهر أحمد:\n(١٨٧) ترتيب القاموس المحيط، الناشر عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط الثانية، بدون تاريخ.\nالساعاتي أحمد بن عبد الرحمن البنا:\n(١٨٨) بلوغ الأماني في أسرار الفتح الرباني بهامش الفتح الرباني.\n(١٨٩) الفتح الرباني، لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، دار إحياء التراث، بدون تاريخ.\n(١٩٠) منحة المعبود بترتيب مسند الطيالسي أبو داود، المطبعة المنيرية، القاهرة، ١٣٧٢هـ.\nالسبكي: محمود محمد خطاب (١٣٥٢هـ) .\n(١٩١) المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، مطبعة الاستقامة، ط الأولى، ١٣٥٣هـ.\nالسهارنفوري: خليل الدين أحمد (١٣٤٦هـ)\n(١٩٢) بذل المجهود في أبي داود، مطبعة دار البيان، ط الثانية، ١٣٩٣هـ.\nسيد قطب:\n(١٩٣) في ظلال القرآن، دار الشروق، ط الرابعة، ١٣٩٧هـ","vol":"1","page":354},{"text":"أبو شهبة: محمد محمد:\n(١٩٤) السيرة النبوية، دار الطباعة المحمدية، القاهرة.\nالعباد عبد المحسن بن حمد:\n(١٩٥) الرد على من كذب الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي، ط الأولى ١٤٠٢هـ.\nعبد الله بن صالح آل بسام:\n(١٩٦) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ١٣٩٨هـ.\nعبد القادر بن بدران (١٣٤٦هـ)\n(١٩٧) تهذيب تاريخ دمشق، دار المسيرة، ط الثانية، ١٩٩٣م.\nالعثيم: عبد العزيز بن عبد الرحمن:\n(١٩٨) مسند جابر (من مسند الإمام أحمد)، مطبوع على الآلة الكاتبة، بجامعة أم القرى.\nعوض بن أحمد الشهري:\n(١٩٩) مرويات غزوة خيبر، مطبوع على الآلة الكاتبة بالجامعة الإسلامية.\nفاروق حمادة:\n(٢٠٠) مصادر السيرة النبوية وتقويمها، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط الأولى، ١٤٠٠هـ.\nالقرضاوي يوسف:\n(٢٠١) العبادة في الإسلام، مؤسسة الرسالة، ط السادسة، ١٣٩٩هـ.\nالكاندهلوي محمد زكريا:\n(٢٠٢) أوجز المسالك إلى موطأ مالك، دار الفكر، بيروت، ط الثانية، ١٣٩٤هـ.\nكحالة عمر رضا:\n(٢٠٣) معجم المؤلفين، الناشر: مكتبة المثنى، بيروت","vol":"1","page":355},{"text":"محسن محمد الدوم:\n(٢٠٤) مرويات فتح مكة، مطبوع على الآلة الكاتبة بالجامعة الإسلامية.\nمحمد سعيد رمضان البوطي:\n(٢٠٥) فقه السيرة، دار الفكر، ط الخامسة، ١٣٩٢هـ.\nمحمد شمس الحق العظيم آبادي:\n(٢٠٦) التعليق المغني على الدارقطني، مطبوع مع سنن الدارقطني، الناشر عبد الله هاشم يماني المدني، ١٣٨٦هـ.\n(٢٠٧) عون المعبود شرح سنن أبي داود، الناشر، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ.\nمحمد الغزالي:\n(٢٠٨) فقه السيرة، دار الكتب الحديثة، ط السابعة، ١٩٧٦م.\nالمعلمي عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (١٣٨٦هـ):\n(٢٠٩) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المطبعة العربية، باكستان ١٤٠١هـ.\nمقبل بن هادي الوادعي:\n(٢١٠) الصحيح المسند من أسباب النزول، الجامعة الإسلامية.\nالنجار محمد الطيب:\n(٢١١) القول المبين في سيرة سيد المرسلين، دار الاعتصام، القاهرة، ١٣٩٨هـ.\nوهبة الزحيلي:\n(٢١٢) آثار الحرب في الفقه الإسلامي، الناشر: المكتبة الحديثة، بدون تاريخ.\nأكرم ضياء العمري:\n(٢١٣) نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية، بحث مطبوع على الآلة الكاتبة.","vol":"1","page":356}]}