{"ً":{"ٌ":11401,"ٍ":"ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["01_62253.pdf","02_62254.pdf","03_62255.pdf"]},"ّ":"الكتاب: ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها\nالمؤلف: جمال بن محمد السيد\nأصل الكتاب: أطروحة دكتوراة في السنة النبوية وعلومها - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1053,"ٕ":9,"ٖ":1770155432,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"المجلد الأول","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1},{"title":"الباب الأول: حياة ابن القيم، وسيرته العلمية وآثاره","level":2,"page":18},{"title":"الفصل الأول: عصر ابن القيم وبيئته.","level":3,"page":18},{"title":"المبحث الأول: الحالة السياسية","level":4,"page":18},{"title":"المبحث الثاني: الحالة الدينية","level":4,"page":35},{"title":"المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية","level":4,"page":42},{"title":"المبحث الرابع: الحالة العلمية والثقافية","level":4,"page":52},{"title":"الفصل الثاني: حياة ابن القيم","level":3,"page":64},{"title":"المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده.","level":4,"page":64},{"title":"المبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى","level":4,"page":71},{"title":"المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته الشخصية","level":4,"page":80},{"title":"المبحث الرابع: زهده زعبادته","level":4,"page":85},{"title":"المبحث الخامس: نبل أهدافه ونقاء آرائه","level":4,"page":92},{"title":"المبحث السادس: محنه ووفاته","level":4,"page":104},{"title":"الفصل الثالث: سيرته العلمية","level":3,"page":113},{"title":"المبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له، وثناؤهم عليه.","level":4,"page":113},{"title":"المبحث الثاني: شيوخه.","level":4,"page":121},{"title":"المبحث الثالث: اهتمامه باقتتناء الكتب، وذكر مكتبته","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الرابع: أسفاره ورحلاته","level":4,"page":153},{"title":"المبحث الخامس: أعماله العلمية ومناصبه","level":4,"page":158},{"title":"المبحث السادس: تلاميذه","level":4,"page":166},{"title":"الفصل الرابع: مؤلفات ابن القيم","level":3,"page":178},{"title":"المبحث الأول: منهج ابن القيم في التأليف وخصائص مؤلفاته.","level":4,"page":178},{"title":"المبحث الثاني: ذكر مؤلفات ابن القيم","level":4,"page":198},{"title":"المبحث الثالث: مصادر ابن القيم في مؤلفاته","level":4,"page":237},{"title":"المبحث الرابع: دراسة بعض مؤلفات ابن القيم","level":4,"page":259},{"title":"الباب الثاني: آراء ابن القيم ومنهجه في الحديث وعلومه","level":2,"page":290},{"title":"الفصل الأول: آراء ابن القيم وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث","level":3,"page":290},{"title":"المبحث الأول: أقسام الخبر","level":4,"page":290},{"title":"المبحث الثاني: الحديث الصحيح","level":4,"page":316},{"title":"المبحث الثالث: الحديث الحسن","level":4,"page":339},{"title":"المبحث الرابع: المرفوع والموقوف.","level":4,"page":344},{"title":"المبحث الخامس: المرسل","level":4,"page":356},{"title":"المبحث السادس: تعارض الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف","level":4,"page":374},{"title":"المبحث السابع: المنقطع.","level":4,"page":382},{"title":"المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس","level":4,"page":387},{"title":"المبحث التاسع: الشاذ","level":4,"page":397},{"title":"المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد","level":4,"page":402},{"title":"المبحث الحادي عشر: الموضوع","level":4,"page":407},{"title":"المبجث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد","level":4,"page":426},{"title":"المبحث الثالث عشر: رواية المجهول","level":4,"page":430},{"title":"المبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله","level":4,"page":440},{"title":"المبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه","level":4,"page":449},{"title":"المبحث السادس عشر: مختلف الحديث","level":4,"page":454},{"title":"المبحث السابع عشر: معرفة من اختلط من الرواة الثقات","level":4,"page":462},{"title":"الفصل الثاني: آراء ابن القيم وإفاداته ومنهجه في الجرح والتعديل","level":3,"page":466},{"title":"المبحث الأول: آراء ابن القيم في الجرح والتعديل","level":4,"page":466},{"title":"المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة.","level":5,"page":466},{"title":"المطلب الثاني: هل يثبت الجرح والتعديل بقول الواحد؟","level":5,"page":472},{"title":"المطلب الثالث: بماذا تثبت العدالة؟","level":5,"page":474},{"title":"المطلب الرابع: إذا خالف رأي أو الراوي أو فتواه روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايته؟","level":5,"page":486},{"title":"المطلب الخامس: هل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل؟","level":5,"page":490},{"title":"المطلب السادس: في تعارض الجرح والتعديل","level":5,"page":497},{"title":"المطلب السابع: في حكم رواية المبتدع","level":5,"page":506},{"title":"المطلب الثامن: في ذكر فوائد متفرقة في الجرح والتعديل","level":5,"page":511},{"title":"المبحث الثاني: في بيان منهج ابن القيم في الجرح والتعديل","level":4,"page":521},{"title":"المطلب الأول: في مكانة ابن القيم ﵀ في نقد الرجال","level":5,"page":521},{"title":"المطلب الثاني: منهج ابن القيم في نقد الرجال","level":5,"page":528},{"title":"المطلب الثالث: بعض الأساليب التي استعملها ابن القيم في الجرح والتعديل","level":5,"page":539},{"title":"المطلب الرابع: في ذكر بعض الفوائد المتفرقة في الكلام على الرواة","level":5,"page":545},{"title":"المجلد الثاني","level":1,"page":553},{"title":"الباب الثاني: آراء ابن القيم ومنهجه في الحديث وعلومه","level":2,"page":553},{"title":"الفصل الثالث: منهج ابن القيم في تخريج الحديث والحكم عليه","level":3,"page":553},{"title":"المبحث الأول: منهج ابن القيم في تخريج الحديث وعزوه.","level":4,"page":553},{"title":"المبحث الثاني: في بيان منهجه في الحكم على الحديث","level":4,"page":569},{"title":"الفصل الربع: منهج ابن القيم في شرح الحديث، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه","level":3,"page":587},{"title":"المبحث الأول: منهجه في شرح الحديث، وبيان معانيه.","level":4,"page":587},{"title":"المبحث الثاني: منهجه في بيان غريب الحديث","level":4,"page":599},{"title":"المبحث الثالث: منهجه في التعريف ببعض الأماكن والبقاع التي ترد في النصوص الحديثية وضبط ذلك","level":4,"page":603},{"title":"المبحث الرابع: منهجه في الاستدلال بالنصوص الحديثية على آرائه واختياراته","level":4,"page":605},{"title":"المبحث الخامس: منهجه في التوفيق والجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض","level":4,"page":609},{"title":"الباب الثالث: دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القيم","level":2,"page":613},{"title":"المدخل","level":3,"page":613},{"title":"من كتاب الطهارة","level":3,"page":618},{"title":"١ـ باب ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة عند الحاجة","level":4,"page":618},{"title":"٢ـ باب وضع الخاتم عند دخول الخلاء","level":4,"page":631},{"title":"٣ـ باب ما جاء في تخليل الأصابع عند الوضوء","level":4,"page":642},{"title":"٤ - باب من قال بالموالاة في الوضوء وعدم جواز تفريقه","level":4,"page":650},{"title":"٥ - باب الوضوء من مس الذكر","level":4,"page":656},{"title":"٦ - باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر","level":4,"page":670},{"title":"٧ - باب الوضوء من لحم الإبل","level":4,"page":685},{"title":"٨ - باب التوقيت في المسح على الخفين","level":4,"page":690},{"title":"٩ - باب من قال بعدم التوقيت في المسح على الخفين","level":4,"page":702},{"title":"١٠ - باب ما جاء في مسح أعلى الخف وأسفله","level":4,"page":708},{"title":"من كتاب الحيض","level":3,"page":714},{"title":"١ - باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة","level":4,"page":714},{"title":"٢ - باب في المستحاضة: أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد","level":4,"page":721},{"title":"٣ - باب كفارة من أتى حائضا","level":4,"page":733},{"title":"من كتاب الصلاة","level":3,"page":741},{"title":"١ - باب ما جاء في رفع اليدين عند افتتاح الصلاة","level":4,"page":741},{"title":"٢ - باب ما يقال من الدعاء في افتتاح الصلاة","level":4,"page":751},{"title":"٣ - باب من قال: لايقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه إلا بفاتحة الكتاب","level":4,"page":758},{"title":"٤ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه","level":4,"page":769},{"title":"٥ - باب من قال: لا يقرأ المأموم خلف الإمام مطلقا","level":4,"page":780},{"title":"٦ - باب في التأمين بعد الفاتحة، والجهر بها","level":4,"page":789},{"title":"٧ - باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع","level":4,"page":796},{"title":"٨ - باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض عند السجود","level":4,"page":798},{"title":"٩ - باب ما جاء في التشهد في الصلاة","level":4,"page":819},{"title":"١٠ - باب في ذكر نوع آخر من التشهد","level":4,"page":827},{"title":"١١ - باب التسليم في الصلاة وما جاء في التسليمة الواحد","level":4,"page":834},{"title":"١٢ - باب في صلاة الرجل وحده خلف الصف","level":4,"page":844},{"title":"١٣ - باب ما جاء في صلاة الإمام جالسا","level":4,"page":852},{"title":"١٤ - باب من ترك القصر في السفر","level":4,"page":854},{"title":"١٥ـ باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في السفر","level":4,"page":861},{"title":"من كتاب الزكاة","level":3,"page":873},{"title":"١ - باب في عقوبة مانع الزكاة","level":4,"page":873},{"title":"من كتاب الصوم","level":3,"page":879},{"title":"١ - باب السواك للصائم","level":4,"page":879},{"title":"٢ - باب القبلة للصائم","level":4,"page":888},{"title":"٣ - باب ما جاء في الإفطار في السفر","level":4,"page":895},{"title":"٥ - باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال","level":4,"page":906},{"title":"من كتاب الحج","level":3,"page":922},{"title":"١ - باب الإهلال بعمرة من بيت المقدس","level":4,"page":922},{"title":"٢ - باب لا تنتقب المرأة المحرمة","level":4,"page":927},{"title":"٣ - باب لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين","level":4,"page":932},{"title":"٤ - باب في إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي","level":4,"page":940},{"title":"٥ - باب من قال: كان الفسخ لأصحاب النبي ﷺ خاصة","level":4,"page":945},{"title":"٦ - باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس","level":4,"page":953},{"title":"٧ - باب من قال بجواز رمي الجمرة قبل طلوع الشمس للعذر","level":4,"page":958},{"title":"٨ - باب من قال بجواز التضحية ثلاثة أيام بعد النحر","level":4,"page":969},{"title":"٩ - باب ما يستحب من ذبح صاحب النسيكة نسيكته بيده، وجواز الاستنابة فيه","level":4,"page":975},{"title":"١٠ - باب ما جاء في طواف الإفاضة","level":4,"page":979},{"title":"١١ - باب الشرب من ماء زمزم","level":4,"page":985},{"title":"١٢ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ","level":4,"page":994},{"title":"من كتاب الجهاد","level":3,"page":998},{"title":"١ - باب ما جاء في حلية السيف","level":4,"page":998},{"title":"من كتاب الجنائز","level":3,"page":1004},{"title":"١ - باب في الغسل من غسل الميت","level":4,"page":1004},{"title":"٢ - باب ما جاء في المشي خلف الجنازة","level":4,"page":1013},{"title":"٣ - باب ما جاء في القيام للجنازة","level":4,"page":1016},{"title":"٤ - باب الصلاة على الجنازة في المسجد","level":4,"page":1023},{"title":"٥ - باب ما جاء في الصلاة على الطفل","level":4,"page":1030},{"title":"٦ - باب ما جاء في الصلاة على الشهداء","level":4,"page":1039},{"title":"٧ - باب ما جاء في تلقين الميت بعد دفنه","level":4,"page":1048},{"title":"من كتاب النكاح","level":3,"page":1056},{"title":"١ - باب في البكر لا تزوج إلا برضاها","level":4,"page":1056},{"title":"٢ - باب ما جاء في العزل","level":4,"page":1067},{"title":"المجلد الثالث","level":1,"page":1074},{"title":"الباب الثالث: دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القيم","level":2,"page":1074},{"title":"من كتاب الطلاق","level":3,"page":1074},{"title":"١ - باب ما جاء في المحلل والمحلل له","level":4,"page":1074},{"title":"٢ - باب المبتوتة: هل تجب لها السكنى والنفقة؟","level":4,"page":1085},{"title":"٣ - باب من قال: إن لها السكنى والنفقة","level":4,"page":1093},{"title":"٤ - باب في عدة أم الولد","level":4,"page":1099},{"title":"من كتاب البيوع","level":3,"page":1107},{"title":"١ - باب ما جاء في أداء الأمانة واجتناب الخيانة","level":4,"page":1107},{"title":"٢ - باب ما جاء من الرخصة في ثمن الكلب","level":4,"page":1118},{"title":"٣ - باب ما جاء في بيع المغنيات","level":4,"page":1123},{"title":"٤ - باب ما جاء في النهي عن العينة","level":4,"page":1132},{"title":"٥ - باب في بيع أمهات الأولاد","level":4,"page":1143},{"title":"من كتاب الأطعمة والصيد والذبائح","level":3,"page":1148},{"title":"١ - باب في الطافي من صيد البحر","level":4,"page":1148},{"title":"٢ - باب الفأرة تقع في السمن فتموت فيه","level":4,"page":1157},{"title":"٣ - باب في الأكل مع المجذوم","level":4,"page":1169},{"title":"من كتاب الأيمان والنذور","level":3,"page":1174},{"title":"١ - باب النذر في المعصية، ومن رأى أن عليه الكفارة","level":4,"page":1174},{"title":"من كتاب العتق","level":3,"page":1188},{"title":"١ - باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم","level":4,"page":1188},{"title":"من كتاب الحدود والديات","level":3,"page":1197},{"title":"١ - باب الشفاعة في الحدود","level":4,"page":1197},{"title":"٢ - باب في قطع جاحد العارية","level":4,"page":1200},{"title":"٣ - باب ما جاء في الرجل يزني بجارية امرأته","level":4,"page":1212},{"title":"٤ - باب فيمن تزوج بامرأة أبيه","level":4,"page":1226},{"title":"٥ - باب في أنه لا يقتل المسلم بالكافر","level":4,"page":1234},{"title":"٦ - باب البدء في القسامة بأيمان المدعي","level":4,"page":1241},{"title":"من كتاب الأدب","level":3,"page":1249},{"title":"١ - باب كم مرة يشمت العاطس؟","level":4,"page":1249},{"title":"٢ - باب هل يجزئ عن الجماعة أن يسلم أو يرد أحدهم؟","level":4,"page":1258},{"title":"٣ - باب ما جاء في المصافحة","level":4,"page":1263},{"title":"٤ - باب الرجل يدعى إلى طعام، هل يكون ذللك إذنا له؟","level":4,"page":1267},{"title":"٥ - باب ما جاء في التنفير من الكذب","level":4,"page":1272},{"title":"٦ - باب ما جاء في ذم الغناء","level":4,"page":1276},{"title":"٧ - باب في الأمر بتحسين الأسماء","level":4,"page":1282},{"title":"٨ - باب ما جاء في الديك","level":4,"page":1285},{"title":"من كتاب الفرائض","level":3,"page":1288},{"title":"١ - باب ما جاء في ميراث ذوي الأرحام","level":4,"page":1288},{"title":"٢ - باب ما جاء في ميراث الذي يسلم على يدي الرجل","level":4,"page":1306},{"title":"من كتاب الأذكار","level":3,"page":1320},{"title":"١ - باب ما يقول من نسي التسمية في أول طعامه","level":4,"page":1320},{"title":"٢ - باب ما يقول إذا دخل السوق","level":4,"page":1328},{"title":"٣ - باب من قال: يصلي على النبي ﷺ عند العطاس","level":4,"page":1338},{"title":"من كتاب الفضائل","level":3,"page":1342},{"title":"١ - باب في فضل الصلاة على النبي ﷺ","level":4,"page":1342},{"title":"٢ - باب ماجاء في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة","level":4,"page":1348},{"title":"من كتاب التفسير","level":3,"page":1356},{"title":"١ - باب في تفسير قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾","level":4,"page":1356},{"title":"من كتاب التوحيد والأسماء والصفات","level":3,"page":1361},{"title":"١ - باب في علو الله - عزوجل - واستوائه على عرشه","level":4,"page":1361},{"title":"٢ - باب آخر منه","level":4,"page":1371},{"title":"٣ - باب ما جاء في نهي النبي صلى الله عليه عن اتخاذ قبره عيدا","level":4,"page":1389},{"title":"٤ - باب ما جاء في أطفال المشركين","level":4,"page":1394},{"title":"مصادر ومراجع","level":2,"page":1404}],"ٛ":{"1,9":1,"1,10":2,"1,11":3,"1,12":4,"1,13":5,"1,14":6,"1,15":7,"1,16":8,"1,17":9,"1,18":10,"1,19":11,"1,20":12,"1,21":13,"1,22":14,"1,23":15,"1,24":16,"1,25":17,"1,31":18,"1,32":19,"1,33":20,"1,34":21,"1,35":22,"1,36":23,"1,37":24,"1,38":25,"1,39":26,"1,40":27,"1,41":28,"1,42":29,"1,43":30,"1,44":31,"1,45":32,"1,46":33,"1,47":34,"1,49":35,"1,50":36,"1,51":37,"1,52":38,"1,53":39,"1,54":40,"1,55":41,"1,57":42,"1,58":43,"1,59":44,"1,60":45,"1,61":46,"1,62":47,"1,63":48,"1,64":49,"1,65":50,"1,66":51,"1,67":52,"1,68":53,"1,69":54,"1,70":55,"1,71":56,"1,72":57,"1,73":58,"1,74":59,"1,75":60,"1,76":61,"1,77":62,"1,78":63,"1,81":64,"1,82":65,"1,83":66,"1,84":67,"1,85":68,"1,86":69,"1,87":70,"1,89":71,"1,90":72,"1,91":73,"1,92":74,"1,93":75,"1,94":76,"1,95":77,"1,96":78,"1,97":79,"1,99":80,"1,100":81,"1,101":82,"1,102":83,"1,103":84,"1,105":85,"1,106":86,"1,107":87,"1,108":88,"1,109":89,"1,110":90,"1,111":91,"1,113":92,"1,114":93,"1,115":94,"1,116":95,"1,117":96,"1,118":97,"1,119":98,"1,120":99,"1,121":100,"1,122":101,"1,123":102,"1,124":103,"1,125":104,"1,126":105,"1,127":106,"1,128":107,"1,129":108,"1,130":109,"1,131":110,"1,132":111,"1,133":112,"1,137":113,"1,138":114,"1,139":115,"1,140":116,"1,141":117,"1,142":118,"1,143":119,"1,144":120,"1,145":121,"1,146":122,"1,147":123,"1,148":124,"1,149":125,"1,150":126,"1,151":127,"1,152":128,"1,153":129,"1,154":130,"1,155":131,"1,156":132,"1,157":133,"1,158":134,"1,159":135,"1,160":136,"1,161":137,"1,162":138,"1,163":139,"1,164":140,"1,165":141,"1,166":142,"1,167":143,"1,168":144,"1,169":145,"1,170":146,"1,171":147,"1,172":148,"1,173":149,"1,174":150,"1,175":151,"1,176":152,"1,177":153,"1,178":154,"1,179":155,"1,180":156,"1,181":157,"1,183":158,"1,184":159,"1,185":160,"1,186":161,"1,187":162,"1,188":163,"1,189":164,"1,190":165,"1,191":166,"1,192":167,"1,193":168,"1,194":169,"1,195":170,"1,196":171,"1,197":172,"1,198":173,"1,199":174,"1,200":175,"1,201":176,"1,202":177,"1,205":178,"1,206":179,"1,207":180,"1,209":181,"1,210":182,"1,211":183,"1,212":184,"1,213":185,"1,214":186,"1,215":187,"1,216":188,"1,217":189,"1,218":190,"1,219":191,"1,220":192,"1,221":193,"1,222":194,"1,223":195,"1,224":196,"1,225":197,"1,227":198,"1,228":199,"1,229":200,"1,230":201,"1,231":202,"1,232":203,"1,233":204,"1,234":205,"1,235":206,"1,236":207,"1,237":208,"1,238":209,"1,239":210,"1,240":211,"1,241":212,"1,242":213,"1,243":214,"1,244":215,"1,245":216,"1,246":217,"1,247":218,"1,248":219,"1,249":220,"1,250":221,"1,251":222,"1,252":223,"1,253":224,"1,254":225,"1,255":226,"1,256":227,"1,257":228,"1,258":229,"1,259":230,"1,260":231,"1,261":232,"1,262":233,"1,263":234,"1,264":235,"1,265":236,"1,267":237,"1,268":238,"1,269":239,"1,270":240,"1,271":241,"1,272":242,"1,273":243,"1,274":244,"1,275":245,"1,276":246,"1,277":247,"1,278":248,"1,279":249,"1,280":250,"1,281":251,"1,282":252,"1,283":253,"1,284":254,"1,285":255,"1,286":256,"1,287":257,"1,288":258,"1,289":259,"1,290":260,"1,291":261,"1,292":262,"1,293":263,"1,294":264,"1,295":265,"1,296":266,"1,297":267,"1,298":268,"1,299":269,"1,300":270,"1,301":271,"1,302":272,"1,303":273,"1,304":274,"1,305":275,"1,306":276,"1,307":277,"1,308":278,"1,309":279,"1,310":280,"1,311":281,"1,312":282,"1,313":283,"1,314":284,"1,315":285,"1,316":286,"1,317":287,"1,318":288,"1,319":289,"1,325":290,"1,326":291,"1,327":292,"1,328":293,"1,329":294,"1,330":295,"1,331":296,"1,332":297,"1,333":298,"1,334":299,"1,335":300,"1,336":301,"1,337":302,"1,341":303,"1,342":304,"1,343":305,"1,344":306,"1,345":307,"1,346":308,"1,347":309,"1,348":310,"1,349":311,"1,350":312,"1,351":313,"1,352":314,"1,353":315,"1,355":316,"1,356":317,"1,357":318,"1,358":319,"1,359":320,"1,360":321,"1,361":322,"1,362":323,"1,363":324,"1,364":325,"1,365":326,"1,366":327,"1,367":328,"1,368":329,"1,369":330,"1,370":331,"1,371":332,"1,372":333,"1,373":334,"1,374":335,"1,375":336,"1,376":337,"1,377":338,"1,379":339,"1,380":340,"1,381":341,"1,382":342,"1,383":343,"1,385":344,"1,386":345,"1,387":346,"1,388":347,"1,389":348,"1,390":349,"1,391":350,"1,392":351,"1,393":352,"1,394":353,"1,395":354,"1,396":355,"1,397":356,"1,398":357,"1,399":358,"1,400":359,"1,401":360,"1,402":361,"1,403":362,"1,404":363,"1,405":364,"1,406":365,"1,407":366,"1,408":367,"1,409":368,"1,410":369,"1,411":370,"1,412":371,"1,413":372,"1,414":373,"1,415":374,"1,416":375,"1,417":376,"1,418":377,"1,419":378,"1,420":379,"1,421":380,"1,422":381,"1,423":382,"1,424":383,"1,425":384,"1,426":385,"1,427":386,"1,429":387,"1,430":388,"1,431":389,"1,432":390,"1,433":391,"1,434":392,"1,435":393,"1,436":394,"1,437":395,"1,438":396,"1,439":397,"1,440":398,"1,441":399,"1,442":400,"1,443":401,"1,445":402,"1,446":403,"1,447":404,"1,448":405,"1,449":406,"1,451":407,"1,452":408,"1,453":409,"1,454":410,"1,455":411,"1,456":412,"1,457":413,"1,458":414,"1,459":415,"1,460":416,"1,461":417,"1,462":418,"1,463":419,"1,464":420,"1,465":421,"1,466":422,"1,467":423,"1,468":424,"1,469":425,"1,471":426,"1,472":427,"1,473":428,"1,474":429,"1,475":430,"1,476":431,"1,477":432,"1,478":433,"1,479":434,"1,480":435,"1,481":436,"1,482":437,"1,483":438,"1,484":439,"1,485":440,"1,486":441,"1,487":442,"1,488":443,"1,489":444,"1,490":445,"1,491":446,"1,492":447,"1,493":448,"1,495":449,"1,496":450,"1,497":451,"1,498":452,"1,499":453,"1,501":454,"1,502":455,"1,503":456,"1,504":457,"1,505":458,"1,506":459,"1,507":460,"1,508":461,"1,509":462,"1,510":463,"1,511":464,"1,512":465,"1,515":466,"1,516":467,"1,519":468,"1,520":469,"1,521":470,"1,522":471,"1,523":472,"1,524":473,"1,525":474,"1,526":475,"1,527":476,"1,528":477,"1,529":478,"1,530":479,"1,531":480,"1,532":481,"1,533":482,"1,534":483,"1,535":484,"1,536":485,"1,537":486,"1,538":487,"1,539":488,"1,540":489,"1,541":490,"1,542":491,"1,543":492,"1,544":493,"1,545":494,"1,546":495,"1,547":496,"1,548":497,"1,549":498,"1,550":499,"1,551":500,"1,552":501,"1,553":502,"1,554":503,"1,555":504,"1,556":505,"1,557":506,"1,558":507,"1,559":508,"1,560":509,"1,561":510,"1,562":511,"1,563":512,"1,564":513,"1,565":514,"1,566":515,"1,567":516,"1,568":517,"1,569":518,"1,570":519,"1,571":520,"1,573":521,"1,574":522,"1,575":523,"1,576":524,"1,577":525,"1,578":526,"1,579":527,"1,580":528,"1,581":529,"1,582":530,"1,583":531,"1,584":532,"1,585":533,"1,586":534,"1,587":535,"1,588":536,"1,589":537,"1,590":538,"1,591":539,"1,592":540,"1,593":541,"1,594":542,"1,595":543,"1,596":544,"1,597":545,"1,598":546,"1,599":547,"1,600":548,"1,601":549,"1,602":550,"1,603":551,"1,604":552,"2,7":553,"2,9":554,"2,10":555,"2,11":556,"2,12":557,"2,13":558,"2,14":559,"2,15":560,"2,16":561,"2,17":562,"2,18":563,"2,19":564,"2,20":565,"2,21":566,"2,22":567,"2,23":568,"2,25":569,"2,26":570,"2,27":571,"2,28":572,"2,29":573,"2,30":574,"2,31":575,"2,32":576,"2,33":577,"2,34":578,"2,35":579,"2,36":580,"2,37":581,"2,38":582,"2,39":583,"2,40":584,"2,41":585,"2,42":586,"2,45":587,"2,47":588,"2,48":589,"2,49":590,"2,50":591,"2,51":592,"2,52":593,"2,53":594,"2,54":595,"2,55":596,"2,56":597,"2,57":598,"2,59":599,"2,60":600,"2,61":601,"2,62":602,"2,63":603,"2,64":604,"2,65":605,"2,66":606,"2,67":607,"2,68":608,"2,69":609,"2,70":610,"2,71":611,"2,72":612,"2,75":613,"2,76":614,"2,77":615,"2,78":616,"2,79":617,"2,83":618,"2,84":619,"2,85":620,"2,86":621,"2,87":622,"2,88":623,"2,89":624,"2,90":625,"2,91":626,"2,92":627,"2,93":628,"2,94":629,"2,95":630,"2,96":631,"2,97":632,"2,98":633,"2,99":634,"2,100":635,"2,101":636,"2,102":637,"2,103":638,"2,104":639,"2,105":640,"2,106":641,"2,107":642,"2,108":643,"2,109":644,"2,110":645,"2,111":646,"2,112":647,"2,113":648,"2,114":649,"2,115":650,"2,116":651,"2,117":652,"2,118":653,"2,119":654,"2,120":655,"2,121":656,"2,122":657,"2,123":658,"2,124":659,"2,125":660,"2,126":661,"2,127":662,"2,128":663,"2,129":664,"2,130":665,"2,131":666,"2,132":667,"2,133":668,"2,134":669,"2,135":670,"2,136":671,"2,137":672,"2,138":673,"2,139":674,"2,140":675,"2,141":676,"2,142":677,"2,143":678,"2,144":679,"2,145":680,"2,146":681,"2,147":682,"2,148":683,"2,149":684,"2,150":685,"2,151":686,"2,152":687,"2,153":688,"2,154":689,"2,155":690,"2,156":691,"2,157":692,"2,158":693,"2,159":694,"2,160":695,"2,161":696,"2,162":697,"2,163":698,"2,164":699,"2,165":700,"2,166":701,"2,167":702,"2,168":703,"2,169":704,"2,170":705,"2,171":706,"2,172":707,"2,173":708,"2,174":709,"2,175":710,"2,176":711,"2,177":712,"2,178":713,"2,181":714,"2,182":715,"2,183":716,"2,184":717,"2,185":718,"2,186":719,"2,187":720,"2,188":721,"2,189":722,"2,190":723,"2,191":724,"2,192":725,"2,193":726,"2,194":727,"2,195":728,"2,196":729,"2,197":730,"2,198":731,"2,199":732,"2,200":733,"2,201":734,"2,202":735,"2,203":736,"2,204":737,"2,205":738,"2,206":739,"2,207":740,"2,211":741,"2,212":742,"2,213":743,"2,214":744,"2,215":745,"2,216":746,"2,217":747,"2,218":748,"2,219":749,"2,220":750,"2,221":751,"2,222":752,"2,223":753,"2,224":754,"2,225":755,"2,226":756,"2,227":757,"2,228":758,"2,229":759,"2,230":760,"2,231":761,"2,232":762,"2,233":763,"2,234":764,"2,235":765,"2,236":766,"2,237":767,"2,238":768,"2,239":769,"2,240":770,"2,241":771,"2,242":772,"2,243":773,"2,244":774,"2,245":775,"2,246":776,"2,247":777,"2,248":778,"2,249":779,"2,250":780,"2,251":781,"2,252":782,"2,253":783,"2,254":784,"2,255":785,"2,256":786,"2,257":787,"2,258":788,"2,259":789,"2,260":790,"2,261":791,"2,262":792,"2,263":793,"2,264":794,"2,265":795,"2,266":796,"2,267":797,"2,268":798,"2,269":799,"2,270":800,"2,271":801,"2,272":802,"2,273":803,"2,274":804,"2,275":805,"2,276":806,"2,277":807,"2,278":808,"2,279":809,"2,280":810,"2,281":811,"2,282":812,"2,283":813,"2,284":814,"2,285":815,"2,286":816,"2,287":817,"2,288":818,"2,289":819,"2,290":820,"2,291":821,"2,292":822,"2,293":823,"2,294":824,"2,295":825,"2,296":826,"2,297":827,"2,298":828,"2,299":829,"2,300":830,"2,301":831,"2,302":832,"2,303":833,"2,304":834,"2,305":835,"2,306":836,"2,307":837,"2,308":838,"2,309":839,"2,310":840,"2,311":841,"2,312":842,"2,313":843,"2,314":844,"2,315":845,"2,316":846,"2,317":847,"2,318":848,"2,319":849,"2,320":850,"2,321":851,"2,322":852,"2,323":853,"2,324":854,"2,325":855,"2,326":856,"2,327":857,"2,328":858,"2,329":859,"2,330":860,"2,331":861,"2,332":862,"2,333":863,"2,334":864,"2,335":865,"2,336":866,"2,337":867,"2,338":868,"2,339":869,"2,340":870,"2,341":871,"2,342":872,"2,345":873,"2,346":874,"2,347":875,"2,348":876,"2,349":877,"2,350":878,"2,353":879,"2,354":880,"2,355":881,"2,356":882,"2,357":883,"2,358":884,"2,359":885,"2,360":886,"2,361":887,"2,362":888,"2,363":889,"2,364":890,"2,365":891,"2,366":892,"2,367":893,"2,368":894,"2,369":895,"2,370":896,"2,371":897,"2,372":898,"2,373":899,"2,374":900,"2,375":901,"2,376":902,"2,377":903,"2,378":904,"2,379":905,"2,380":906,"2,381":907,"2,382":908,"2,383":909,"2,384":910,"2,385":911,"2,386":912,"2,387":913,"2,388":914,"2,389":915,"2,390":916,"2,391":917,"2,392":918,"2,393":919,"2,394":920,"2,395":921,"2,399":922,"2,400":923,"2,401":924,"2,402":925,"2,403":926,"2,404":927,"2,405":928,"2,406":929,"2,407":930,"2,408":931,"2,409":932,"2,410":933,"2,411":934,"2,412":935,"2,413":936,"2,414":937,"2,415":938,"2,416":939,"2,417":940,"2,418":941,"2,419":942,"2,420":943,"2,421":944,"2,422":945,"2,423":946,"2,424":947,"2,425":948,"2,426":949,"2,427":950,"2,428":951,"2,429":952,"2,430":953,"2,431":954,"2,432":955,"2,433":956,"2,434":957,"2,435":958,"2,436":959,"2,437":960,"2,438":961,"2,439":962,"2,440":963,"2,441":964,"2,442":965,"2,443":966,"2,444":967,"2,445":968,"2,446":969,"2,447":970,"2,448":971,"2,449":972,"2,450":973,"2,451":974,"2,452":975,"2,453":976,"2,454":977,"2,455":978,"2,456":979,"2,457":980,"2,458":981,"2,459":982,"2,460":983,"2,461":984,"2,462":985,"2,463":986,"2,464":987,"2,465":988,"2,466":989,"2,467":990,"2,468":991,"2,469":992,"2,470":993,"2,471":994,"2,472":995,"2,473":996,"2,474":997,"2,477":998,"2,478":999,"2,479":1000,"2,480":1001,"2,481":1002,"2,482":1003,"2,485":1004,"2,486":1005,"2,487":1006,"2,488":1007,"2,489":1008,"2,490":1009,"2,491":1010,"2,492":1011,"2,493":1012,"2,494":1013,"2,495":1014,"2,496":1015,"2,497":1016,"2,498":1017,"2,499":1018,"2,500":1019,"2,501":1020,"2,502":1021,"2,503":1022,"2,504":1023,"2,505":1024,"2,506":1025,"2,507":1026,"2,508":1027,"2,509":1028,"2,510":1029,"2,511":1030,"2,512":1031,"2,513":1032,"2,514":1033,"2,515":1034,"2,516":1035,"2,517":1036,"2,518":1037,"2,519":1038,"2,520":1039,"2,521":1040,"2,522":1041,"2,523":1042,"2,524":1043,"2,525":1044,"2,526":1045,"2,527":1046,"2,528":1047,"2,529":1048,"2,530":1049,"2,531":1050,"2,532":1051,"2,533":1052,"2,534":1053,"2,535":1054,"2,536":1055,"2,539":1056,"2,540":1057,"2,541":1058,"2,542":1059,"2,543":1060,"2,544":1061,"2,545":1062,"2,546":1063,"2,547":1064,"2,548":1065,"2,549":1066,"2,550":1067,"2,551":1068,"2,552":1069,"2,553":1070,"2,554":1071,"2,555":1072,"2,556":1073,"3,7":1074,"3,8":1075,"3,9":1076,"3,10":1077,"3,11":1078,"3,12":1079,"3,13":1080,"3,14":1081,"3,15":1082,"3,16":1083,"3,17":1084,"3,18":1085,"3,19":1086,"3,20":1087,"3,21":1088,"3,22":1089,"3,23":1090,"3,24":1091,"3,25":1092,"3,26":1093,"3,27":1094,"3,28":1095,"3,29":1096,"3,30":1097,"3,31":1098,"3,32":1099,"3,33":1100,"3,34":1101,"3,35":1102,"3,36":1103,"3,37":1104,"3,38":1105,"3,39":1106,"3,43":1107,"3,44":1108,"3,45":1109,"3,46":1110,"3,47":1111,"3,48":1112,"3,49":1113,"3,50":1114,"3,51":1115,"3,52":1116,"3,53":1117,"3,54":1118,"3,55":1119,"3,56":1120,"3,57":1121,"3,58":1122,"3,59":1123,"3,60":1124,"3,61":1125,"3,62":1126,"3,63":1127,"3,64":1128,"3,65":1129,"3,66":1130,"3,67":1131,"3,68":1132,"3,69":1133,"3,70":1134,"3,71":1135,"3,72":1136,"3,73":1137,"3,74":1138,"3,75":1139,"3,76":1140,"3,77":1141,"3,78":1142,"3,79":1143,"3,80":1144,"3,81":1145,"3,82":1146,"3,83":1147,"3,87":1148,"3,88":1149,"3,89":1150,"3,90":1151,"3,91":1152,"3,92":1153,"3,93":1154,"3,94":1155,"3,95":1156,"3,96":1157,"3,97":1158,"3,98":1159,"3,99":1160,"3,100":1161,"3,101":1162,"3,102":1163,"3,103":1164,"3,104":1165,"3,105":1166,"3,106":1167,"3,107":1168,"3,108":1169,"3,109":1170,"3,110":1171,"3,111":1172,"3,112":1173,"3,115":1174,"3,116":1175,"3,117":1176,"3,118":1177,"3,119":1178,"3,120":1179,"3,121":1180,"3,122":1181,"3,123":1182,"3,124":1183,"3,125":1184,"3,126":1185,"3,127":1186,"3,128":1187,"3,131":1188,"3,132":1189,"3,133":1190,"3,134":1191,"3,135":1192,"3,136":1193,"3,137":1194,"3,138":1195,"3,139":1196,"3,143":1197,"3,144":1198,"3,145":1199,"3,146":1200,"3,147":1201,"3,148":1202,"3,149":1203,"3,150":1204,"3,151":1205,"3,152":1206,"3,153":1207,"3,154":1208,"3,155":1209,"3,156":1210,"3,157":1211,"3,158":1212,"3,159":1213,"3,160":1214,"3,161":1215,"3,162":1216,"3,163":1217,"3,164":1218,"3,165":1219,"3,166":1220,"3,167":1221,"3,168":1222,"3,169":1223,"3,170":1224,"3,171":1225,"3,172":1226,"3,173":1227,"3,174":1228,"3,175":1229,"3,176":1230,"3,177":1231,"3,178":1232,"3,179":1233,"3,180":1234,"3,181":1235,"3,182":1236,"3,183":1237,"3,184":1238,"3,185":1239,"3,186":1240,"3,187":1241,"3,188":1242,"3,189":1243,"3,190":1244,"3,191":1245,"3,192":1246,"3,193":1247,"3,194":1248,"3,197":1249,"3,198":1250,"3,199":1251,"3,200":1252,"3,201":1253,"3,202":1254,"3,203":1255,"3,204":1256,"3,205":1257,"3,206":1258,"3,207":1259,"3,208":1260,"3,209":1261,"3,210":1262,"3,211":1263,"3,212":1264,"3,213":1265,"3,214":1266,"3,215":1267,"3,216":1268,"3,217":1269,"3,218":1270,"3,219":1271,"3,220":1272,"3,221":1273,"3,222":1274,"3,223":1275,"3,224":1276,"3,225":1277,"3,226":1278,"3,227":1279,"3,228":1280,"3,229":1281,"3,230":1282,"3,231":1283,"3,232":1284,"3,233":1285,"3,234":1286,"3,235":1287,"3,239":1288,"3,240":1289,"3,241":1290,"3,242":1291,"3,243":1292,"3,244":1293,"3,245":1294,"3,246":1295,"3,247":1296,"3,248":1297,"3,249":1298,"3,250":1299,"3,251":1300,"3,252":1301,"3,253":1302,"3,254":1303,"3,255":1304,"3,256":1305,"3,257":1306,"3,258":1307,"3,259":1308,"3,260":1309,"3,261":1310,"3,262":1311,"3,263":1312,"3,264":1313,"3,265":1314,"3,266":1315,"3,267":1316,"3,268":1317,"3,269":1318,"3,270":1319,"3,273":1320,"3,274":1321,"3,275":1322,"3,276":1323,"3,277":1324,"3,278":1325,"3,279":1326,"3,280":1327,"3,281":1328,"3,282":1329,"3,283":1330,"3,284":1331,"3,285":1332,"3,286":1333,"3,287":1334,"3,288":1335,"3,289":1336,"3,290":1337,"3,291":1338,"3,292":1339,"3,293":1340,"3,294":1341,"3,297":1342,"3,298":1343,"3,299":1344,"3,300":1345,"3,301":1346,"3,302":1347,"3,303":1348,"3,304":1349,"3,305":1350,"3,306":1351,"3,307":1352,"3,308":1353,"3,309":1354,"3,310":1355,"3,313":1356,"3,314":1357,"3,315":1358,"3,316":1359,"3,317":1360,"3,321":1361,"3,322":1362,"3,323":1363,"3,324":1364,"3,325":1365,"3,326":1366,"3,327":1367,"3,328":1368,"3,329":1369,"3,330":1370,"3,331":1371,"3,332":1372,"3,333":1373,"3,334":1374,"3,335":1375,"3,336":1376,"3,337":1377,"3,338":1378,"3,339":1379,"3,340":1380,"3,341":1381,"3,342":1382,"3,343":1383,"3,344":1384,"3,345":1385,"3,346":1386,"3,347":1387,"3,348":1388,"3,349":1389,"3,350":1390,"3,351":1391,"3,352":1392,"3,353":1393,"3,354":1394,"3,355":1395,"3,356":1396,"3,359":1397,"3,360":1398,"3,361":1399,"3,362":1400,"3,363":1401,"3,364":1402,"3,365":1403,"3,469":1404,"3,470":1405,"3,471":1406,"3,472":1407,"3,473":1408,"3,474":1409,"3,475":1410,"3,476":1411,"3,477":1412,"3,478":1413,"3,479":1414,"3,480":1415,"3,481":1416,"3,482":1417,"3,483":1418,"3,484":1419,"3,485":1420,"3,486":1421,"3,487":1422,"3,488":1423,"3,489":1424,"3,490":1425,"3,491":1426,"3,492":1427,"3,493":1428,"3,494":1429,"3,495":1430,"3,496":1431,"3,497":1432,"3,498":1433,"3,499":1434,"3,500":1435,"3,501":1436,"3,502":1437,"3,503":1438,"3,504":1439,"3,505":1440,"3,506":1441,"3,507":1442,"3,508":1443,"3,509":1444,"3,510":1445,"3,511":1446,"3,512":1447,"3,513":1448,"3,514":1449,"3,515":1450,"3,516":1451,"3,517":1452,"3,518":1453,"3,519":1454,"3,520":1455,"3,521":1456,"3,522":1457,"3,523":1458},"ٜ":{"1":[9,604],"2":[7,556],"3":[7,523]},"ٝ":["1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,205","1,206","1,207","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,515","1,516","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","2,7","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,45","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523"],"ٞ":{"1":[1,2],"18":[3,4,5],"35":[6],"42":[7],"52":[8],"64":[9,10],"71":[11],"80":[12],"85":[13],"92":[14],"104":[15],"113":[16,17],"121":[18],"149":[19],"153":[20],"158":[21],"166":[22],"178":[23,24],"198":[25],"237":[26],"259":[27],"290":[28,29,30],"316":[31],"339":[32],"344":[33],"356":[34],"374":[35],"382":[36],"387":[37],"397":[38],"402":[39],"407":[40],"426":[41],"430":[42],"440":[43],"449":[44],"454":[45],"462":[46],"466":[47,48,49],"472":[50],"474":[51],"486":[52],"490":[53],"497":[54],"506":[55],"511":[56],"521":[57,58],"528":[59],"539":[60],"545":[61],"553":[62,63,64,65],"569":[66],"587":[67,68],"599":[69],"603":[70],"605":[71],"609":[72],"613":[73,74],"618":[75,76],"631":[77],"642":[78],"650":[79],"656":[80],"670":[81],"685":[82],"690":[83],"702":[84],"708":[85],"714":[86,87],"721":[88],"733":[89],"741":[90,91],"751":[92],"758":[93],"769":[94],"780":[95],"789":[96],"796":[97],"798":[98],"819":[99],"827":[100],"834":[101],"844":[102],"852":[103],"854":[104],"861":[105],"873":[106,107],"879":[108,109],"888":[110],"895":[111],"906":[112],"922":[113,114],"927":[115],"932":[116],"940":[117],"945":[118],"953":[119],"958":[120],"969":[121],"975":[122],"979":[123],"985":[124],"994":[125],"998":[126,127],"1004":[128,129],"1013":[130],"1016":[131],"1023":[132],"1030":[133],"1039":[134],"1048":[135],"1056":[136,137],"1067":[138],"1074":[139,140,141,142],"1085":[143],"1093":[144],"1099":[145],"1107":[146,147],"1118":[148],"1123":[149],"1132":[150],"1143":[151],"1148":[152,153],"1157":[154],"1169":[155],"1174":[156,157],"1188":[158,159],"1197":[160,161],"1200":[162],"1212":[163],"1226":[164],"1234":[165],"1241":[166],"1249":[167,168],"1258":[169],"1263":[170],"1267":[171],"1272":[172],"1276":[173],"1282":[174],"1285":[175],"1288":[176,177],"1306":[178],"1320":[179,180],"1328":[181],"1338":[182],"1342":[183,184],"1348":[185],"1356":[186,187],"1361":[188,189],"1371":[190],"1389":[191],"1394":[192],"1404":[193]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المجلد الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\n...\nابن قَيِّم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها\nتأليف: د. جمال بن محمد السيد\nالمقدمة\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [عمران:١٠٢] .\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١] .\nأما بعد: فإن الله ﷿ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان، وَأَيَّدَهُ بالحجج القاهرة والمعجزات الظاهرة التي من أعظمها معجزة القرآن، وَتَكَفَّلَ - سبحانه - بحفظ هذا الكتاب الكريم","vol":"1","page":9},{"text":"حتى تقوم حجته على الثقلين من الإنس والجان، وأسند إلى نبيه ﷺ مهمة التبليغ للقرآن والبيان، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .\nفَقَامَ ﷺ بهذه المهمة أحسن قيام، وَنَصَحَ للخلق وأرشدهم إلى الطريق الموصلة إلى طاعة الرحمن، وَحَذَّرَهُم من سلوك سبل الغِوَايَة والخسران، فقامت به الحجة، وتمت به النعمة والمنة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .\nوقد كان بيانه ﷺ وَسُنَّتُهُ وحيًا من الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤]، فالله عزوجل قد أرسله بالكتاب والسنة جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه﴾ [البقرة:٢٣١] . فالحكمة: هي السُّنَّةُ المبينةُ على لسان رسول الله ﷺ مرادَ الله ﷿ بما لم ينص عليه في الكتاب١.\nوقال ﷺ: \"ألا إني أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ..\" ٢.\nفَدَلَّ ذلك على أنه أوتي السُّنَّةَ كما أوتي القرآن، وأن الكتابَ والسنةَ قرينان لا ينفصلان، وبذلك تكون السنةُ داخلةً في الوعد الذي\n_________\n١ انظر: الجامع لأحكام القرآن: (٣/١٥٧)، وتفسير القرآن العظيم: (١/٢٨١) .\n٢ وهو من حديث المقدام بن معد يكرب، وسيأتي تخريجه في ص (٣٢٦) .","vol":"1","page":10},{"text":"قطعه الله على نفسه بحفظ هذا الذكر، حيث قال سبحانه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ١.\nوكان من مظاهر حفظ الله سبحانه لسنة نبيه ﷺ: أن هيأ لها خير قرون هذه الأمة، فتلقوها عنه ﷺ، وحفظوها في صدورهم، \"وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه - عن نبيهم ﷺ، عن جبريل، عن رب العالمين - سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا: هذا عهدُ نَبِيِّنَا إلينا، وقد عَهِدْنَا إليكم، وهذه وصيةُ رَبِّنَا وفرضُهُ علينا، وهي وَصِيَّتُهُ وفرضه عليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم ... ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد ... \"٢.\nومع مرور الأيام، وتعاقب الأزمان، دخل في هذا الشأن من ليس من أهله، فوقع الوهم والغلط في الرواية، بل وظهر الكذب على النبي ﷺ.\nفحينئذٍ أقام الله سبحانه طائفة من الأئمة الحفاظ، فاجتهدوا في جمع الأحاديث والآثار في الصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم، وغيرها؛ فلم ينقض القرن الرابع الهجري إلا وقد استوعبت مصنفاتهم أحاديث رسول الله ﷺ وآثار أصحابه، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم، كما صنفت كتب الجرح والتعديل وبيان أحوال الرواة، فَعُرِفَ الثقة الثبت من المجروح العليل، مما مَكَّنَهُم من النظر في أسانيد الأحاديث والآثار، وتمييز الصحيح من الضعيف والسليم من المعلول من تلك\n_________\n١ وسيأتي - عن ابن القَيِّم وغيره - مزيد كلام على دخول السنة في الذكر الذي تكفل الله بحفظه. انظر ص: (٣٢٦ - ٣٢٩) .\n٢ إعلام الموقعين: (١/٦) .","vol":"1","page":11},{"text":"الأخبار، وهم مستمرون على ذلك على مر الدهور والأعوام، وحتى قيام الساعة إن شاء الله؛ فإن الله سبحانه يقيِّض في كل زمان وعصر وفي كل قُطْرٍ ومصر من العلماء الْمُبَرِّزين من يَذُبُّ عن سنته ﷺ، ويحمي حوزة الدين من كل مُبْتَدَعٍ ودخيل، وهم ظاهرون على الحق، قائمون بأمر الله \"لا يَضُرُّهُم من خَذَلَهُم أو خَالَفَهُم حتى يأتيَ أمر الله وهم ظاهرون على النَّاس\" ١.\nومن أولئك الأعلام الأفذاذ: الإمام العلامة، ناصر السنة، وقامع البدعة، شمس الدين بن قَيِّم الجوزية ﵀، فقد كان شوكة في حلوق المنحرفين والمبتدعين، وحربًا على المتعصبين والمقلدين، وذلك بدعوته للتمسك بسنة سيد المرسلين، ونبذ ما سوى ذلك من بدع المبتدعين.\nفَنَصَرَ اللهُ به السُّنَّةَ المحمدية، وأحيا به الطريقة السَّلفيَّة، وقمع به كثيرًا من الطرق البدعية، والانحرافات العقدية.\nفقد عاش ﵀ حياته مجاهدًا بلسانه وقلمه في سبيل تحقيق هذه الغاية الجليلة، لا يخشى في الله ملامة اللائمين، ولا يصده عن مواصلة جهاده كثرة الشانئين والحاقدين، حتى لقي الله على ذلك.\nوكانت حياته العلمية ﵀ حافلة بالبذل والعطاء في كل فن من فنون الشريعة الإسلامية، فلم يدع منها بابًا إلا طرقه، ولا سيما الحديث وعلومه، حيث إن دعوته قامت - في المقام الأول - على\n_________\n١ أخرجه مسلم في صحيحه: (٣/١٥٢٤) ح ١٩٢٣ (١٧٤) ك الإمارة، باب قوله: ﷺ \"لا تزال طائفة من أمتي ... \" من حديث معاوية. وسيأتي مزيد كلام عن حفظ الله لدينه بجهود هذه الطائفة (انظر ص: ٣٢٧ - ٣٢٩) .","vol":"1","page":12},{"text":"نصوص الكتاب، وما ثبت من السنة، فبذل لأجل ذلك جهدًا مشكورًا في العناية بالحديث، وتمييز صحيحه من سقيمه، وبيان الأحاديث الموضوعة التي اعتمد عليها أهل التعصب وأرباب البدع في ترويج باطلهم، فوقف لهم بالمرصاد، يفضح أمرهم، ويكشف كذبهم.\nوقد وُجدت له - في أثناء ذلك - مشاركات قيمة، وأقوال نافعة في قواعد الحديث وأصوله، كما وجدت له أحكام موفقة في نقد الرجال وبيان أحوالهم جرحًا وتعديلًا.\nولما كانت جهود ابن القَيِّم - ﵀ - في خدمة هذا الدين على درجة كبيرة من الأهمية، وكانت علومه وآثاره تحظى - لدى الموافق والمخالف - بمكانة عَلِيَّة: كان - ﵀ - جديرًا بأن تتجه إليه جهود الدارسين والباحثين، ترجمةً لحياته، وإبرازًا لجوانب مهمة في شخصيته، وإحصاءً لآثاره، وتقريبًا لفقهه، وجمعًا لإفاداته المهمة في كل فن، واستخلاصًا لأفكار ومبادئ تربوية هادفة من كتبه، إلى غير ذلك من جوانب مهمة طالتها كتابات الباحثين حول شخصية ابن القَيِّم وعلومه١.\nوقد كانت لدي رغبة قوية في إبراز شيء من جهد ابن القَيِّم في الحديث وعلومه، وبخاصة بعد أن وقفت على تلك البحوث القيمة - في الحديث وعلومه - في كتابيه: (الفروسية)، (وتهذيب السنن)، وذلك\n_________\n١ وسيأتي ذكر طرف من هذه الدراسات والبحوث المهمة حول ابن القَيِّم ﵀. انظر ص (٣٥ - ٣٧) .","vol":"1","page":13},{"text":"حينما قرأنا دروسًا من الكتابين في السنة المنهجية التحضيرية، بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية شرفها الله.\nولما كنت بصدد تسجيل موضوع لنيل درجة (الدكتوراه)، وجدت الفرصة مناسبة لتحقيق هذه الرغبة، وبعد البحث والتتبع، وسؤال المختصين من مشايخي وأساتذتي وزملائي، علمت أن أحدًا لم يتعرض لهذا الموضوع، ولمست منهم تشجيعًا وتأييدًا للكتابة فيه، فزادت لدي الرغبة - حينئذ - وقويَ العزم على الكتابة في هذا الجانب من حياة هذا الإمام العلم، فتقدمت بهذا الموضوع أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في السنة النبوية وعلومها، وكان عنوانه: (ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها) .\nوكنت أسعى من خلال الكتابة في هذا الموضوع إلى تحقيق هدفين:\nأولهما: بيان مكانة ابن القَيِّم في الحديث وعلومه، وذلك من خلال الكشف عن آرائه وإسهاماته العلمية في هذا الجانب، والقيام بدراستها وتحليلها، ومن ثَمَّ مقارنتها بآراء أئمة هذا الشأن، ليعرف مكان ابن القَيِّم - ﵀ - بينهم.\nثانيهما: جمع أكبر قدر ممكن من هذه الآراء وتلك الإسهامات من بطون كتبه ومؤلفاته العديدة، وعرضها في ترتيب موضوعي، مما يسهل على طالب هذه الفوائد الوصول إليها، بعد أن كانت منثورة في أماكن متفرقة من كتبه، لا يُهْتَدى إليها إلا بتتبع كل مؤلفاته، والمرور عليها بحثًا بحثًا، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة.","vol":"1","page":14},{"text":"وفي ضوء تحديد هذين الهدفين: تبرز قيمة الموضوع، وتتضح أهميته في تقريب جهد ابن القَيِّم في الحديث وعلومه.\nوقد قمت - من أجل تحقيق ذلك - بقراءة وجرد كل ما نشر من مؤلفات لابن القَيِّم ﵀، والتي تزيد على ثلاثين كتابًا، تتراوح ما بين كبير في خمس مجلدات كـ (زاد المعاد)، وصغيرٍ ذاتِ وريقات كـ (رسالته إلى أحد إخوانه) وغيرها.","vol":"1","page":15},{"text":"مخطط البحث وأقسامه\nوقد جعلت رسالتي هذه في: مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.\nأما المقدمة: فقد ذكرت فيها فكرة عن الموضوع، وأهميته، والهدف منه، وعملي فيه.\nوأما الباب الأول: فقد خصصته لدراسة شخصية ابن القَيِّم، وحياته العلمية، ثم مؤلفاته التي تركها، وذلك في فصول أربعة:\nالفصل الأول: في الكلام على عصر ابن القَيِّم. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: الحالة السياسية.\nالمبحث الثاني: الحالة الدينية.\nالمبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.\nالمبحث الرابع: الحالة العلمية والثقافية.\nالفصل الثاني: في حياة ابن القَيِّم. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده.\nالمبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى.\nالمبحث الثالث: أخلاقه وصفاته الشخصية.\nالمبحث الرابع: زهده وعبادته.\nالمبحث الخامس: نبل أهدافه، ونقاء آرائه.\nالمبحث السادس: مِحَنُه ووفاته.","vol":"1","page":16},{"text":"الفصل الثالث: في سيرته العلمية. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له، وثناؤهم عليه.\nالمبحث الثاني: في ذكر شيوخه.\nالمبحث الثالث: اهتمامه باقتناء الكتب وذكر مكتبته.\nالمبحث الرابع: أسفاره ورحلاته.\nالمبحث الخامس: أعماله العلمية ومناصبه.\nالمبحث السادس: في ذكر تلاميذه.\nالفصل الرابع: في الكلام على مؤلفاته. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في التأليف، وخصائص مؤلفاته.\nالمبحث الثاني: ذكر مؤلفات ابن القَيِّم.\nالمبحث الثالث: مصادر ابن القَيِّم في مؤلفاته.\nالمبحث الرابع: دراسة بعض مؤلفات ابن القَيِّم.\nالباب الثاني: ويشتمل على آراء ابن القَيِّم ومنهجه في الحديث وعلومه. وفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: آراؤه في علوم الحديث. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: أقسام الخبر.\nالمبحث الثاني: الحديث الصحيح.","vol":"1","page":17},{"text":"المبحث الثالث: الحديث الحسن.\nالمبحث الرابع: المرفوع والموقوف.\nالمبحث الخامس: المرسل.\nالمبحث السادس: تعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع.\nالمبحث السابع: المنقطع.\nالمبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس.\nالمبحث التاسع: الشاذ.\nالمبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد.\nالمبحث الحادي عشر: الموضوع.\nالمبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد.\nالمبحث الثالث عشر: رواية المجهول.\nالمبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله.\nالمبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه.\nالمبحث السادس عشر: مختلف الحديث.\nالمبحث السابع عشر:معرفة من اختلط من الرواة الثقات.\nالفصل الثاني: آراء ابن القَيِّم ومنهجه في الجرح والتعديل. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: آراء ابن القَيِّم في الجرح والتعديل. وفيه مطالب:","vol":"1","page":18},{"text":"المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة.\nالمطلب الثاني: هل يثبت الجرح والتعديل بقول الواحد؟\nالمطلب الثالث: بماذا تثبت العدالة؟\nالمطلب الرابع: إذا خالف رأي الراوي روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايته؟\nالمطلب الخامس: هل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل؟\nالمطلب السادس: في تعارض الجرح والتعديل.\nالمطلب السابع: حكم رواية المبتدع.\nالمطلب الثامن: ذكر فوائد متفرقة في الجرح والتعديل.\nالمبحث الثاني: منهج ابن القَيِّم في الجرح والتعديل. وفيه مطالب:\nالمطلب الأول: مكانة ابن القَيِّم في نقد الرجال.\nالمطلب الثاني: منهج ابن القَيِّم في نقد الرجال.\nالمطلب الثالث: بعض الأساليب التي استعملها ابن القَيِّم في الجرح والتعديل.\nالمطلب الرابع: ذكر بعض الفوائد المتفرقة في الرجال.","vol":"1","page":19},{"text":"الفصل الثالث: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث والحكم عليه. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث وعزوه.\nالمبحث الثاني: منهجه في الحكم على الحديث.\nالفصل الرابع: منهج ابن القَيِّم في شرح الحديث، وبيان معانيه واستخرج أحكامه. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: منهجه في شرح الحديث، وبيان معانيه.\nالمبحث الثاني: منهجه في بيان غريب الحديث.\nالمبحث الثالث: منهجه في التعريف بالأماكن والبقاع.\nالمبحث الرابع: منهجه في الاستدلال بالنصوص الحديثية على آرائه.\nالمبحث الخامس: منهجه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض.\nالباب الثالث: في دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القَيِّم.\nوجمعت في هذا الباب جملة من الأحاديث التي حكم عليها ابن القَيِّم - ﵀ - بتصحيح أو تضعيف أو غير ذلك، وَبَيَّن عللها، مع دراسة تلك الأحكام في ضوء أقوال الأئمة وأحكامهم على الأحاديث نفسها، ومن ثَمَّ بيان إصابة ابن القَيِّم أو عدم إصابته فيما حكم به.\nوقد أطلت النَّفس في هذا الباب، فتوسعت في تخريج هذه الأحاديث بحسب أصول التخريج المعروفة؛ لكون التخريج علمًا جامعًا","vol":"1","page":20},{"text":"وممارسة عملية لعلوم الحديث المختلفة؛ كقواعد علم المصطلح، ومباحث الجرح والتعديل وتاريخ الرواة، وعلم العلل؛ وذلك لاستجلاء معالم الشخصية العلمية لهذا الإمام العَلَم الفَذِّ، وإبراز جهوده في هذا المجال من بين مسالك هذه الدراسة، فكان هذا الباب تطبيقًا عمليًا على ما سبق عرضه من آراء وأقوال لهذا الإمام العَلَم فيما يتعلق بعلوم الحديث.\nوذكرت في الخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي حول ابن القَيِّم وعلومه.\nثم ذيلت البحث بالفهارس التفصيلية التي لا غنى عنها للمطالع في هذا الكتاب.\nمنهجي في هذا البحث\nأما منهجي وطريقة سيري في هذا البحث فيمكنني تلخيص ذلك فيما يلي:\nأولًا: لقد اعتمدت في كل كلمة نقلتها عن ابن القَيِّم على كتبه مباشرة، دون أي كتاب آخر قد يوجد فيه كلامه.\nثانيًا: عندما يكون كلام ابن القَيِّم في المسألة طويلًا، فإنني أُلَخِّصُ المراد منه، وقد فعلت ذلك في قسم دراسة الأحاديث أكثر من غيره.\nثالثًا: ربما أضطر في بعض الأحيان إلى مراجعة طبعات أخرى لبعض المصادر، غير الطبعة التي اعتمدتها في سائر المواضع، فما وقع لي من ذلك نبهت عليه في الحاشية، وهو قليل.","vol":"1","page":21},{"text":"رابعًا: لم ألتزم في كل مسألة تعرضت لها بذكر جميع ما وقفت عليه من كلام لابن القَيِّم حول هذه المسألة، بل أختار من ذلك ما أراه كافيًا في الدلالة على المراد، وذلك تجنبًا للإطالة. وقدر أشير في الحاشية إلى شيء من المواضع التي تركتها، حتى يراجعها من شاء. وأما إذا كان كلامه مختصرًا فإنني أذكره من كل المواضع التي ورد فيها.\nخامسًا: في حالة عدم موافقتي لابن القَيِّم في رأي أو حكم، فإنني أُنَبِّه على ذلك، مُبَيِّنًا ما استندت إليه في اختيار خلاف قوله، مع مناقشة اختياره إن لزم الأمر، وذلك كله في ضوء كلام أهل العلم في المسألة.\nسادسًا: قمت بشرح بعض الكلمات الغريبة مما تدعو الحاجة إلى شرحه، وتحديد بعض الأماكن والتعريف بها، واقتصرت بالنسبة للأماكن: على غير المشهور، أو ما كان له تعلق مباشر بالكلام عن ابن القَيِّم.\nسابعًا: استعملت بالنسبة لبعض الكتب رموزًا للدلالة عليها، وذلك على سبيل الاختصار.\nوهذه الرموز هي:\nد: لأبي داود في \"السنن\".\nت: للترمذي في \"جامعه\".\nس: للنسائي في \"السنن\".\nجه: لابن ماجه في \"سننه\".","vol":"1","page":22},{"text":"طأ: لمالك في \"الموطأ\".\nحم: لأحمد في \"المسند\".\nمي: للدارمي في \"السنن\".\nطس: للطيالسي في \"المسند\".\nيع: لأبي يعلى في \"المسند\".\nخز: لابن خزيمة في \"صحيحه\".\nحب: لابن حبان في \"صحيحه\".\nكم: للحاكم في \"المستدرك\".\nطب: للطبراني في \"معاجمه\"، مع التقييد بالمراد من معاجمه الثلاثة.\nقط: للدارقطني في \"السنن\".\nهق: للبيهقي في \"السنن\".\nعق: للعقيلي في \"الضعفاء\".\nوبقية المصادر ترد مذكورة باسمها الصريح.\nوبعد؛ فهذا ما يَسَّرَ الله لي جمعه حول الإمام العلامة ابن قَيِّم الجوزية ﵀، وأرجو الله - سبحانه - أن أكون قد وفقت في ذلك للحقِّ وهديت للصواب والرشد، والله - ﷿ - لم يجعل قول أحد من خلقه كله صوابًا، إلا قول المعصوم ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا وحيًا.","vol":"1","page":23},{"text":"وحسبي أني لم أَدَّخِر جهدًا في سبيل إخراج هذا البحث بالصورة اللائقة بمكانة هذا الإمام العلم، فما كان فيه من صواب وخير فمن فضل الله وهو الموفِّق إليه، فله الحمد، وما كان فيه من خطأ وتقصير ونقص فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه.\nولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بوافر الشكر وجميل الثناء لكل من قدَّم لي مساعدة أو أسدى إليَّ نصحًا، أو تفضَّل عليَّ بتوجيهٍ أثناء إعدادي لهذا البحث، من المشايخ الفضلاء، والزملاء الأعزاء، وأخصُّ بالذكر: شيخي وأستاذي الفاضل الشيخ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي، الذي أشرف على هذه الرسالة، وبذل من جهده ووقته الكثير في سبيل خروجها بهذه الصورة، أسأل الله - سبحانه - أن يجزيه عني خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته، آمين.\nوأُثَنِّي بالشكر للأستاذين الفاضلين: فضيلة الدكتور عبد المنعم عطية، وفضيلة الدكتور عاصم القريوتي اللذين تجشما عناء قراءة هذا البحث - رغم كبر حجمه - وأتحفاني بملحوظاتهما المفيدة وتوجيهاتهما السديدة، أثناء مناقشتهما لي، مما أعانني على إصلاح كثير من الخلل، واستدراك كثير من النقص والزلل، فجزاهما الله عني خير الجزاء، وبارك في علمهما، ونفع بهما آمين.\nوأُثَلِّثُ بالشكر الوافر والثناء الجميل العاطر، للأستاذين الفاضلين اللذين قوَّما هذه الرسالة، مُكَلَّفين من قِبَل عمادة البحث العلمي، فقاما","vol":"1","page":24},{"text":"بقراءتها مشكورين مأجورين، وأتحفاني بملحوظات نفيسة قيمة، وفوائد سديدة مؤيَّدة، أفدت منها كثيرًا في إكمال ما بقي من نقص، وإصلاح ما خفي - قبلُ - من خطأ، فجزاهما الله خير الجزاء.\nوالشكر موصول لعمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ممثلة في عميدها فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد بن خليفة التميمي، وكافة منسوبي العمادة، على جهودهم المباركة الميمونة في نشر الكتب النافعة بين أهل العلم وطلابه. وما نشر هذا الكتاب الذي بين يديك - أخي القارئ الكريم - إلا ثمرة من ثمار هذه الجهود المخلصة الموفقة.\nكما أشكر القائمين على الجامعة الإسلامية على ما يبذلونه من جهود حثيثة في سبيل إعداد الدعاة المؤهلين الذين يقومون بواجب الدعوة إلى الله - ﷿ - في كافة أنحاء المعمورة، متسلحين بالعقيدة الصافية، والعلم الشرعي الأصيل، والذين كانوا بحق مشاعل نور وهداية لكثير من المتعطشين إلى الدعوة الإسلامية الصحيحة الخالصة، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nوكتبه: محمد جمال بن محمد السيد\nالمدينة النبوية الشريفة\nفي الحادي عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وأربعمائة وألف للهجرة","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الأول: حياة ابن القيم، وسيرته العلمية وآثاره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول: عصر ابن القيم وبيئته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأول: الحالة السياسية</span>\n...\nمصادر ترجمة ابن القَيِّم:\nوقد رأيت أن أمهد بين يدي هذا الباب بالكلام على المصادر التي ترجمت لابن القَيِّم ﵀، فأعطي فكرة عنها، مع تحليل للمادة التي احتواها كل مصدر منها، وذكر ما تميز به بعضها عن الآخر.\nوذلك: لأن ما سيأتي من وصفٍ لابن القَيِّم، وسردٍ لأحداث حياته، مأخوذٌ من هذه المصادر بالدرجة الأولى، فيحتاج الناظر في هذه الترجمة أن يتعرف على هذه المصادر.\nوقد ترجم لابن القَيِّم جماعةٌ من معاصريه فمن بعدهم، فمن هؤلاء:\nالحافظ الذهبي١ (ت٧٤٨هـ)، وتلميذه الصَّفَدِي٢ (ت٧٦٤هـ)، وأبو المحاسن الحُسَينيُّ٣ (ت٧٦٥هـ)، وتلميذاه: ابن كثير٤ (ت٧٧٤هـ)، وابن رجب٥ (ت ٧٩٥هـ) .\nوتتفاوت هذه التراجم فيما بينها من حيث: طولها وقصرها، ونوع المادة والمعلومات التي قدمتها كل ترجمة منها.\nفأطول هذه التراجم وأوفاها: ترجمة تلميذيه الصَّفَدِي، وابن رجب؛ إذ استوعبا أهمَّ المعلومات المتعلقة بحياة ابن القَيِّم - وبخاصة\n_________\n١ المعجم المختص: (ص ٢٦٩) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٠-٢٧٢) .\n٣ ذيل العبر: (ص١٥٥) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦-٢٤٧) .\n٥ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧ - ٤٥١) .","vol":"1","page":31},{"text":"العلمية منها - فقد كان للصَّفَدِي جهد طيب في محاولة استقصاء شيوخ ابن القَيِّم في كل فن، وأما ابن رجب فقد بذل جهدًا كبيرًا في محاولة استقصاء أكبر قدر من مؤلفات ابن القَيِّم ﵀. كما أبرزَ الكثيرَ من صفاته الشخصية، وأخلاقه، وعبادته.\nويليهما في ذلك: الحافظ ابن الكثير، وقد أبرز اجتهاد ابن القَيِّم في الطلب، وتفوقه وتقدمه في علوم عديدة، وكذا أحواله في عبادته وزهده، وما تحلى به من أخلاق حميدة.\nوأما الذهبي، وأبو المحاسن الدمشقي: فقد جاءت ترجمتهما مختصرة جدًا؛ حيث وقعت في أسطر معدودة، ومع ذلك فإن ترجمة الذهبي تضمنت معلومات دقيقة ومفيدة على وجازتها، حتى إن أكثر من جاء بعده نقل من ترجمته. وقدم أيضًا - أعني الذهبي - رأيه الشخصي في ابن القَيِّم؛ إذ وصفه بأنه: (معجب برأيه، جرئ على الأمور) . وسيأتي رد الشوكاني على ذلك.\nوأما المترجمون له ممن جاء بعده، فهم:\nابن ناصر الدين١ (ت٨٤٢هـ)، والمقريزي٢ (ت ٨٤٥ هـ)، وابن حجر٣ (ت٨٥٢هـ)، وابن تَغْرِي بَرْدِي٤ (ت٨٧٤ هـ)،\n_________\n١ الرد الوافر: (ص٦٨ - ٦٩) .\n٢ السلوك: (٢/٣/٨٣٤) .\n٣ الدرر الكامنة: (٤/٢١ - ٢٣) .\n٤ النجوم الزاهرة: (١٠/٢٤٩)، والمنهل الصافي: ج٣ (ق ٦١ - ٦٢)، والدليل الشافي: (٢/٥٨٣) .","vol":"1","page":32},{"text":"والسخاوي١ (ت٩٠٢هـ)، والسيوطي٢ (ت٩١١هـ)، والنعيمي٣ (ت ٩٢٧هـ)، والداودي٤ (ت ٩٤٥هـ)، وابن العماد٥ (ت١٠٨٩هـ)، والشوكاني٦ (ت١٢٥٠هـ)، وصديق حسن٧ (ت ١٣٠٧هـ)، والآلوسي٨ (ت١٣١٧هـ)، وابن بدران٩ (ت ١٣٤٦هـ)، والشطي١٠ (ت ١٣٧٩هـ)، وأحمد قدامة١١ (قَدَّمَ لكتابه سنة ١٣٨٥هـ)، وعمر رضا كحَّالة١٢ وغيرهم.\nولم تقدم هذه المصادر زيادة على المصادر السابقة، بل إن أكثرها ينقل عن تلك المصادر.\nإلا أننا - مع ذلك - يمكن أن نلمح بعض الأمور التي تستحق التنبيه عليها في بعض هذه المصادر المتأخرة؛ فقد أفاد المقريزي مثلًا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قدم القاهرة مرارًا. وأما ابن حجر: فقد قَدَّمَ رأيه\n_________\n١ نقل ترجمته وكلامه في ابن القَيِّم: صديق حسن في (التاج المكلل: ص ٤١٩) .\n٢ بغية الوعاة: (١/٦٢ - ٦٣) .\n٣ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩٠) .\n٤ طبقات المفسرين: (٢/٩٠ - ٩٣) .\n٥ شذرات الذهب: (٦/١٦٨ - ١٧٠) .\n٦ البدر الطالع: (٢/١٤٣ - ١٤٥) .\n٧ التاج المكلل: (ص ٤١٦ - ٤٢٠) .\n٨ جلاء العينين: (ص ٣٠ - ٣١) .\n٩ منادمة الأطلال: (ص٢٤٠ - ٢٤٢) .\n١٠ مختصر طبقات الحنابلة: (٦١ - ٦٢) .\n١١ معالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٢٦٧) .\n١٢ معجم المؤلفين: (٩/١٠٦ - ١٠٧) .","vol":"1","page":33},{"text":"الشخصي عن بعض الجوانب في حياة ابن القَيِّم العلمية، فرأى أن ابن القَيِّم مع جودة تصانيفه وعذوبة أسلوبها، فإنها لا تخرج عن أقوال شيخه ابن تَيْمِيَّة، مع تصرفه في ذلك ١.\nوأما الشوكاني ﵀: فقد تضمنت ترجمته دفاعًا قويًا عن ابن القَيِّم ﵀، وبخاصة في الرد على ما قاله الذهبي، كما سيأتي ذكر ذلك.\nوفي مقابل ذلك نجد الكتب الأخرى لم تقدم أي جديد؛ فابن تغري بردى - مثلًا - مع أنه ترجم لابن القَيِّم في ثلاثة من كتبه، إلا أنه لم يضف جديدًا، فنقل في (المنهل الصافي) كلام شيخه الصَّفَدِي بحروفه، ولم يزد على ذلك شيئًا، واختصر ذلك في سطرين في (الدليل الشافي) . وهكذا باقي المترجمين.\nوبذلك تبقى المصادر المتقدمة هي الأصل في استيفاء مقاصد ترجمة ابن القَيِّم ﵀، وبخاصة: الصَّفَدِي، وابن كثير، وابن رجب.\n_________\n١ وقد أجاب عن ذلك الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، فأجاد وأفاد، وكان مما قال: \" ... لكن محل البحث هو ترتيب هذه النتيجة وهي (أنه لا يخرج عن شيء من أقواله) على هذه المحبة - يعني محبة ابن القَيِّم لشيخه - فإنَّ فيها نوع إجمال مانع من فهم المراد. فإن كان المراد أن ابن القَيِّم آلة ليس له سوى فضل الجمع والتهذيب والترتيب والانتصار لآراء شيخه لا للدليل وما يؤيده الدليل. فهذا سبيله الرفض، وفهمه بعيد من كلمة الحافظ ابن حجر.\nوإن كان المراد: أن ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - مع محبته لشيخه ابن تَيْمِيَّة - ﵀ - فإنه إنما ينتصر لأقواله ومفرداته عن دليل وقناعة لا مجرد تبعية. فنعم، وهذا المراد هو الأقرب لجلالة الحافظ ابن حجر واتصافه بالإنصاف\". انظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ٨٦ - ٨٨) .","vol":"1","page":34},{"text":"بعض الدراسات الحديثة عن ابن القَيِّم:\nمن المناسب في هذا المقام - ونحن بصدد الحديث عن مصادر ترجمة ابن القَيِّم - أن نشير إلى بعض الدراسات التي قام بها بعض المعاصرين حول ابن القَيِّم وجهوده العلمية المختلفة.\nفمما وقفت عليه من ذلك:\n١- (ابن قَيِّم الجوزية: حياته وآثاره) للشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد.\nوهو من أجمع وأنفع ما كتب حول ابن القَيِّم وآثاره العلمية، مع قيامه - أثناء الكتاب - بالرد على كثير من الشبه والافتراءات التي أثارها بعض الحاقدين على ابن القَيِّم.\nوالكتاب مطبوع عدة طبعات.\n٢- (ابن القَيِّم وموقفه من التفكير الإسلامي) للدكتور عوض الله حجازي، وقد نال به درجة الدكتوراه سنة ١٩٤٧م.\nقال عنه الشيخ بكر أبو زيد: \"ومع أنه خَلَفِيُّ العقيدة، فإن كتابته هي أرق وأغزر رسالة درست حياة ابن القَيِّم ﵀\"١.\n٣- (ابن القَيِّم: من آثاره العلمية) لأحمد ماهر محمد البقري.\nحصل به الباحث على درجة الدكتوراه من قسم اللغة العربية، بجامعة الإسكندرية، وطبع سنة ١٣٩٧هـ.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٧) حاشية ٤.","vol":"1","page":35},{"text":"وقد تناول فيه المؤلف جوانب عدة من حياة ابن القَيِّم العلمية: في اللغة، والتفسير وغيرهما، مع مباحث أخرى حول ثقافة ابن القَيِّم، وآثاره.\n٤- (ابن قَيِّم الجوزية: عصره ومنهجه وآراؤه في الفقه والعقائد والتصوف) للدكتور عبد العظيم عبد السلام شرف الدين، طبع للمرة الثالثة سنة ١٤٠٥هـ وقد بذل فيه مؤلفه جهدًا ظاهرًا.\n٥- (ابن قَيِّم الجوزية: جهوده في الدرس اللغوي) للدكتور طاهر سلمان حموده. طبع بالإسكندرية، سنة ١٣٩٦هـ.\nوقد بحث فيه المؤلف الجانب اللغوي عند ابن القَيِّم، فدرس منهجه في: النحو والإعراب، ثم في: المعنى. مع كتابته ترجمة جيدة لابن القَيِّم.\n٦- (ابن القَيِّم وحسه البلاغي في تفسير القرآن) للدكتور عبد الفتاح لاشين، وهو مطبوع.\n٧- (ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف) للدكتور عبد الله محمد جار النبي. حصل به المؤلف على درجة الدكتوراه، من جامعة أم القرى، بمكة المكرمة. وطبع بمكة سنة ١٤٠٦هـ.\nوقد أبرز فيه المؤلف جهود ابن القَيِّم في الدفاع عن عقيدة السلف، وذلك بعرض آراء المخالفين لعقيدة السلف، ثم إيراد رد ابن القَيِّم عليهم من خلال أبحاثه التي طرقها في أكثر كتبه.\n٨- (الفكر التربوي عند ابن القَيِّم) للدكتور حسن على الحجاجي، حصل به المؤلف على درجة الدكتوراه من كلية العلوم الاجتماعية، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطبع سنة ١٤٠٨هـ بجدة.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد عرض فيه المؤلف آراء ابن القَيِّم التربوية في أسلوب شيق، وترتيب ممتع، مستشهدًا في كل قضية بكلام ابن القَيِّم في كتبه المختلفة.\nوالكتاب نافع جدًا ومفيد في بابه.\n٩- (منهج ابن القَيِّم في التفسير) لمحمد أحمد السنباطي.\nذكر فيه آراء ابن القَيِّم في التفسير، وهو مطبوع.\nتلك هي أبرز الدراسات التي وقفتُ عليها حول ابن القَيِّم - ﵀ - في عصرنا الحاضر.\nوقد اشتملت كل هذه الدراسات على ترجمة لحياة ابن القَيِّم الشخصية والعلمية، وكان أوفاها في ذلك: كتاب الشيخ بكر أبي زيد حفظه الله، وقد استفدت منه كثيرًا في دراستي لابن القَيِّم.\nوبالإضافة إلى هذه الدراسات، فقد ترجم لابن القَيِّم أغلبُ المحققين لكتبه١.\n_________\n١ انظر مقدمة التحقيق للكتب التالية: (أحكام أهل الذمة) تحقيق الدكتور/ صبحي الصالح، و(زاد المعاد) تحقيق/ شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، و(الصواعق المرسلة) تحقيق الدكتور/ علي بن محمد الدخيل الله، و(شرح القصيدة النونية) لأحمد بن إبراهيم بن عيسى، وغير ذلك من كتبه.","vol":"1","page":37},{"text":"الفصل الأول: عصر ابن القَيِّم وبيئته\nلا شك أن هناك علاقة وثيقة، وصلة وطيدة بين المرء وبيئته التي عاش وترعرع فيها، وبين الصفات التي تميز شخصيته، ولذلك فإنه من الضروري عند دراسة شخصية من الشخصيات إلقاء الضوء على الزمان والمكان اللذين وُجِدت فيهما تلك الشخصية، وبخاصة أولئك الذين يعيشون أحداث عصرهم، ولهم صلة بمشكلاته، وعلى رأس هؤلاء: الدعاة، والمصلحون، والعلماء.\nفكما أن لهؤلاء العلماء أثرًا واضحًا في مجتمعاتهم وأهل عصرهم: تربيةً، وإصلاحًا، ونشرًا للخير والفضيلة، فإن للعصر وأحداثه - أيضًا - تأثيرًا بالغًا فيهم، وذلك من حيث: نوع المشكلات والأدواء التي يهتمون بمعالجتها، والطريقة التي يسلكونها في ذلك، وما يرونه أولى بصرف العناية إليه من غيره، وكذا من ناحية نظرة حُكَّام ذلك العصر للعلم وأهله، ومدى تجاوبهم مع رسالة العلماء، إلى غير ذلك من الأمور التي لها أثر مباشر على أهل العلم ودعوتهم.\nوقد رأيت أن يكون هذا الفصل مشتملًا على بيان لكل من: الحالة السياسية، والدينية، والاجتماعية، والعلمية لهذا العصر، وذلك ضمن مباحث أربعة:","vol":"1","page":38},{"text":"المبحث الأول: الحالة السياسية\nلقد عاش ابن القَيِّم - ﵀ - في الشام في أواخر القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الهجري (٦٩١ - ٧٥١هـ) .\nولو عدنا إلى ما قبل مولد ابن القَيِّم - ﵀ - بفترة ليست بالبعيدة، لوجدنا أن العالم الإسلامي قد مني بكارثة مروعة، وذلك حين اجتاح التتار العالم الإسلامي، واستولوا على بغداد عاصمة الخلافة، وقتلوا خليفة المسلمين المستعصم بالله، حتى (بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التُّلُول) ١. وذلك في سنة (٦٥٦هـ) .\nثم ما كان بعد من لطف الله - سبحانه - بالعباد والبلاد، حين رد كيد هؤلاء الغزاة، وهزمهم شر هزيمة على يد الملك المظفر قطز٢ - سلطان مصر - وذلك بعد أن استولى التتار على معظم مدن الشام، وفي عزمهم الزحف إلى مصر وكانت هزيمتهم في سنة (٦٥٨هـ) (وجاءت البشارة، ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه) ٣.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/٢١٦)، حوادث سنة (٦٥٦هـ) .\n٢ سيف الدين، قطز بن عبد الله المُعِزّي، كان من مماليك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني، وكان فارسًا، شجاعًا، بطلًا، دينًا كثير الخير، محببًا إلى الرعية، هزم الله على يديه التتار، ونصر به الإسلام، قتل سنة (٦٥٨هـ) .\n٣ البداية والنهاية: (١٣/٢٣١- ٢٣٥)، حوادث سنة (٦٥٨هـ) .","vol":"1","page":39},{"text":"كما أن العالم الإسلامي تعرض -أيضًا- للغزو الصَّليبي الحاقد، فاستولى الصليبيون على كثير من ديار المسلمين، واستمرت الحروب بينهم وبين المسلمين قرنين من الزمان، يصيبون من المسلمين، ويصيب المسلمون منهم، إلى أن منَّ الله سبحانه - وله الحمد - بتطهير البلاد منهم في سنة (٦٩٠هـ) - قبل مولد ابن القَيِّم بسنة - على يد الملك الأشرف خليل بن قلاوون١، فما حَلَّت سنة (٦٩٠هـ) إلا وقد (فتحت عكا وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مُدَدٍ متطاولة، ولم يبق لهم فيها حجر واحد، ولله الحمد والمنة) ٢.\nتلك أهم المؤثرات السياسية الخارجية التي تعرض لها العالم الإسلامي - وبخاصة مصر والشام - في ذلك العصر، وما تركته تلك الحروب من آثار على العالم الإسلامي آنذاك، كان من أهمها:\n- إحياء روح الجهاد في نفوس الأمة، والرغبة في التضحية وبذل النفس في سبيل الله سبحانه.\n- توحيد الصفوف عند نزول المحن والشدائد، وبخاصة إذا كان الخطر المحدق يهدد الإسلام والمسلمين.\n- كشفت هذه الحروب عن بعض المنافقين أعداء الإسلام وأهله،\n١ خليل بن قلاوون، الملك الأشرف بن الملك المنصور - قلاوون - وليَ السلطة بعد موت أبيه المنصور في سنة ٦٨٩هـ، وكان شجاعًا مهابًا كريمًا، مات مقتولًا سنة ٦٩٣هـ.\n_________\nانظر: البداية والنهاية: (١٧/٦٦٧)، والدليل الشافي: (١/٢٩٢) .\n٢ البداية والنهاية: (١٣/٣٣٨)، حوادث سنة (٦٩٠هـ) .","vol":"1","page":40},{"text":"من: الرافضة، والنصارى، وغيرهم ممن كانوا عونًا لأعداء الإسلام، وكان أشرّ هؤلاء جميعًا الرافضة، وعلى رأسهم ابن العلقمي - وزير الدولة حينذاك - حيث إنه اجتهد في (صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان ... إلى أن لم يبق منهم سوى عشرة آلاف - وقد كانوا مائة ألف - ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعًا في أن يزيل السُنَّةَ بالكُلِّيَة، وأن يُظْهِرَ البدعة الرافضيَّة، وأن يقيمَ خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين ...) ١.\nوبالرغم من أن هذه الأحداث سابقة لمولد ابن القَيِّم ﵀، إلا أنه أفاد منها واستوعب دروسها جيدًا، فكان يحذر المسلمين من هؤلاء المنافقين الذين يتربصون بالإسلام وأهله الدوائر، ويُبَيِّنُ خطرهم على الإسلام وأهله، يقول ﵀ في حق الرافضة:\n\"وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات٢ المسلمين وعلماؤهم وعُبَّادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جَرَّائهم؟ ومُظَاهَرَتُهُم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة\" ٣.\nهكذا أفاد ابن القَيِّم من أحداث التاريخ في دعوته، ومن هنا يتأكد\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/٢١٥)، حوادث سنة (٦٥٦هـ) .\n٢ سَرَاةُ: كل شيء أعلاه. والجمع: سروات. (مختار الصحاح، مادة: سرا) .\n٣ مدارج السالكين: (١/٨٣) .","vol":"1","page":41},{"text":"لنا: إلى أي حد كان ابن القَيِّم - ﵀ - متأثرًا بأحداث عصره، وإلى أي حدٍّ استطاع أن يُسَخِّر دروس هذه الأحداث في خدمة أهدافه ومبادئه، وكيف اشتعلت غيرته الدينية - ﵀ - على حرمات الإسلام التي انتهكت، وعلى صفوة علمائه وعُبَّادِه الذين راحوا ضحية حقد الرافضة وكيدهم للإسلام وأهله.\nتلك أبرز الآثار التي تركتها هذه الحروب على المسلمين في ذلك العصر.\nوإذ قد استعرضنا أهم المؤثرات الخارجية في الظروف السياسية للدولة، يحسن أن نتعرف - كذلك - على أوضاع الدولة وسياستها الداخلية في تلك الفترة.\nحكم المماليك لمصر والشام:\nخضعت مصر والشام لحكم المماليك فترة طويلة من الزمن، والمماليك: أصلهم من الرقيق الذين كان حكام الدولة الأيوبية - ومن قبلهم العباسيون - يشترونهم، حتى جاء عهد الملك نجم الدين أيوب، فاستكثر منهم، واتخذهم جنوده وأعوانه١.\nأما عن قيام دولتهم: فإنه لما توفي الملك الصالح أيوب في سنة (٦٤٧هـ) متأثرًا بمرضه- فيما كان منشغلًا بقتال الفرنج عند المنصورة- استُدْعِيَ ابنه المعظم تورانشاه من الشام، وبويع له بالملك، وقاتل الفرنج قتالًا عظيمًا، إلا أن مماليك أبيه قتلوه، وأقاموا عليهم عزَّ الدين أيبك\n_________\n١ العصر المماليكي في مصر والشام: (ص١-٢) .","vol":"1","page":42},{"text":"التركماني، ولقبوه: بالملك المعز١، وكان ذلك في سنة (٦٤٨هـ) .\nوقد قضى المماليك بذلك على آخر سلاطين الدولة الأيوبية، وأقاموا أول سلاطين دولتهم: عز الدين أيبك٢.\nوفور سماع الأمراء الأيوبيين في الشام بمقتل تورانشاه، ثارت ثورتهم، وأخذوا يستعدون لغزو مصر والقضاء على دولة المماليك الناشئة، وظل الأمر مُتَوتِّرًا حتى تم الاتفاق بين المماليك والأيوبيين على اقتسام السلطة بينهم: مصر، وفلسطين حتى نهر الأردن، مع غزة والقدس للماليك، وبقية بلاد الشام للأيوبيين، وذلك في سنة (٦٥١هـ) ٣.\nثم لما هزم الله التتار على يد المماليك كما مضى - بعد أن فر الأيوبيون من أمامهم - استقرت الأمور نسبيًا للماليك في بلاد الشام، وأصبح نوَّابُ الشام - بالرغم من تمتعهم بالسلطان والنفوذ - تابعين لسلطة المماليك بالقاهرة، التي كانت عاصمة الدولة ومقر الحكومة آنذاك٤. وبذلك أصبحت الشام - موطن ابن القَيِّم - خاضعة في حكمها لسلطة المماليك، والسلطان يستنيب عليها من شاء من الأمراء.\nويصف الدكتور صفوح خير الوضع آنذاك بقوله: \"ثم أصبح مماليك مصر سادة الشام بعد انتصارهم الكبير على المغول في عين\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/١٨٨ - ١٩٠)، حوادث سنة (٦٤٨هـ) .\n٢ العصر المماليكي في مصر والشام: (ص ٩ - ١١) .\n٣ البداية والنهاية: (١٣/١٩٦)، والعصر المماليكي في مصر والشام: (ص١٥ - ١٧) فما بعدها.\n٤ العصر المماليكي: (ص ١٩٧ - ٢٠٤) .","vol":"1","page":43},{"text":"جالوت ... وأصبحت سوريا بكاملها - اعتبارًا من هذا التاريخ - مقاطعة ملحقة بدولة مصر، وعلى رأس هذه الدولة: المماليك الترك الذين ثاروا على سادتهم سلاطين الأيوبيين\" ١.\nإحياء الخلافة العباسية:\nثم إنه تم على يد المماليك إعادة منصب الخلافة، وذلك بعد أن ظل شاغرًا منذ مقتل الخليفة المستعصم على أيدي التتار سنة (٦٥٦هـ) .\nففي سنة (٦٥٩هـ) خرج المستنصر بالله أحمد بن الظاهر من معتقله ببغداد، ثم قدم على الظاهر بيبرس في مصر، وبعد ثبوت نسبه بايعه الملك الظاهر، والقاضي، والوزير، والأمراء، وخُطِبَ له على المنابر، وضرب اسمه على السِّكَّة٢، ثم قُلِّدَ الظاهر بيبرس السلطة في السنة نفسها٣، فكان ذلك بمثابة اعترافٍ رسمي بشرعية حكم الدولة المملوكية آنذاك.\nولكن هل كان لمنصب الخليفة هذه المرة قيمة فِعْلِيَّة؟ أم أن ذلك لم يكن إلا أمرًا شكليًا يضفي على سلطة المماليك وحكمهم للبلاد الصبغة الشرعية فحسب؟\nالواقع أن الأمر لم يكن إلا شكلًا، مع خلوه عن كل مضمون حقيقي لصفة الخليفة، وممارسته لصلاحياته في حكم البلاد.\n_________\n١ مدينة دمشق - دراسة في جغرافية المدن: (١٧٢ - ١٧٣) .\n٢ السكة: حديدة منقوشة تطبع بها الدراهم والدنانير.\n٣ البداية والنهاية: (١٣/٢٤٤ - ٢٤٥) .","vol":"1","page":44},{"text":"ولقد أحسَّ ابن القَيِّم - ﵀ - بمرارة هذا الأمر، وتأسف لما وصل إليه حال الخليفة في تلك الأيام، فأخذ يُعَبِّرُ عن ذلك في مؤلفاته وكتاباته، فقال مرة - في معرض ذَمِّهِ للمعرضين عن نصوص الوحي، الْمُقَدِّمين عليها آراء الرجال: \"أنزلوا النصوص منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السِّكة والخطبة، وما له حكم نافذ ولا سلطان\"١.\nوهكذا يتأثر ابن القَيِّم - ﵀ - مرة أخرى بأحداث مجتمعه، فلا يجد إلا قلمه يصوِّر به بعض تلك الأحداث، لافتًا بذلك الأنظار إلى وضع خاطئ، ومرض يحتاج إلى علاج.\nوالواقع أن الأمر بالنسبة للخليفة لم يقف عند مجرد إهماله، وتدبير الأمر دونه، بل تعدَّى ذلك إلى إهانة السلطان له، بل واعتقاله وتشريده؛ فقد استهلت سنة (٧٣٧هـ) \"والخليفة المستكفي بالله قد اعتقله السلطان الملك الناصر، ومنعه من الاجتماع بالناس) ٢. ولم تستهل السنة التي بعدها إلا والخليفة المستكفي (منفيٌّ ببلاد قوص، ومعه أهله وذووه، ومن يلوذ به ... \"٣. فلا حول ولا قوة إلا بالله.\nالتنافس والتناحر بين سلاطين المماليك:\nأما عن الأمراء والسلاطين الذين حكموا البلاد في تلك الفترة: فقد كانوا في حالة يرثى لها من التناحر، والتطاحن، والتنافس، والتقاتل فيما بينهم.\n_________\n١ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص٤٢) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١٨٧) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/١٩٠) .","vol":"1","page":45},{"text":"فإن هؤلاء المماليك - الذين كانوا أرقَّاء في خدمة السلاطين - قد وصل أكثرهم إلى مناصب مرموقة، وكثر اتخاذ الأمراء منهم، ومن ثَمَّ أصبح كل واحد منهم يتطلع إلى الجلوس على كرسي السلطة، ولا يرى لغيره ميزة في التقدم عليه، واعتلاء السلطة دونه.\nفأخذ كل واحد منهم يقوِّي من أمر نفسه، ويكثر من المماليك حوله، حتى إذا سنحت له فرصة انقض على السلطان القائم فقتله، أو سجنه، أو نفاه، ثم يحل محله في حكم البلاد.\nولم يكن الطمع في السلطة وحده هو الدافع إلى التخلُّص من السلطان القائم، بل إن مجرد عدم رضى الأمراء عن السلطان، أو خوفهم من بطشه بهم، كان مسوِّغًا - كذلك - لإقصائه أو التخلص منه.\nومن يستعرض تاريخ تلك الدولة يجد من ذلك عجبًا، إذ إن العَدْوَ على السلطان القائم، وقتله أبشع قتلة، لم يكن أمرًا مستغربًا آنذاك، حتى إن كلَّ واحد منهم كان يتوقع أن يأتي دوره في أية لحظة، وكان لا يستبعد ذلك، فالأمراء الذين قتلوا المظفر قطز - ظلمًا وعدوانًا - قيل: إنهم لما قتلوه \"حار الأمراء بينهم فيمن يُوَلُّون المُلْك، وصار كلُّ واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعًا ... \" ١.\nفقد اعتلى كرسيَّ السلطنة في الفترة (٦٤٨ - ٧٨٤هـ) - وهي ستة وثلاثون عامًا، هي فترة حكم دولة المماليك الأولى - تسعةٌ وعشرون حاكمًا، قُتِل أكثرهم أو خُلِع، وقليل منهم توفي أو اعتزل٢.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/٢٣٦)، حوادث سنة (٦٥٨هـ) .\n٢ انظر: (التاريخ الإسلامي - العهد المملوكي) لمحمود شاكر: (ص ٣٥ - ٣٩) .","vol":"1","page":46},{"text":"تلك هي أبرز السمات المميزة للناحية السياسية التي عاشتها تلك الدولة:\n- أخطار خارجية محدقة بالدولة، تمثلت في حروب التتار والصليبيين ضد الدولة.\n- ومناوشات وعداوات بين المماليك في مصر والملوك الأيوبيين في الشام، عقب قضاء المماليك على آخر ملوكهم.\n- وتناحر وتقاتل بين سلاطين الدولة أنفسهم.\n- مع ضياع سلطة الخليفة في وسط هذه الأحداث، وعدم تمكينه من القيام بأعباء الخلافة، أو تصريف شيء من أمور الدولة.\nولا يخفى ما خلَّفَتْه هذه القلاقل والاضطرابات من آثار على الناس في ذلك الوقت: من عدم الأمن والاستقرار، وارتفاع الأسعار وغلاء الأقوات، مع حرمان الناس من المشاركة في حكم بلادهم؛ إذ كان ذلك لطائفة المماليك دون غيرهم، إلى غير ذلك من الأوضاع السيئة التي كان لها أسوأ الأثر على حياة الناس حينذاك.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثاني: الحالة الدينية</span>\nفي ظل هذا الوضع السياسي المتردي، وهذه الظروف غير المستقرة، ساءت الحالة الدينية في البلاد، وضعف الوازع الديني في نفوس الكثيرين، وَاْرْتُكِبَت الكثير من المحرمات، وشاعت المنكرات.\nولقد كان الكثيرُ من الأمراء والسلاطين قدوةً سيئة في هذا الجانب، وذلك بما شانوا به أنفسهم من حياة اللهو والبذخ والانحلال والترف، فنجد أحدهم - وهو الملك المنصور - قد \"صدر عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها من شرب المسكر، وغشيان المنكرات، وتعاطي ما لا يليق به ... \"١.\nهذا إلى جانب سفك كل واحد منهم دم الآخر طمعًا في المنصب والسلطة كما تقدم.\nولقد انتشر حينذاك التعصب المذهبي، وأدى إلى كثير من الخلافات بين العلماء أنفسهم، فضلًا عن بقية الناس، حتى إن الجامع الأموي في دمشق كان يوجد به إمام لكل مذهب، ولكل إمام محراب، ويشير الحافظ ابن كثير - ﵀ - إلى شيء من الاختلاف في الجامع، فيقول: \"وأمر الكاملُ في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع أن لا يصلي أحدٌ منهم المغرب سوى الإمام الكبير، لِمَا كان يقع من التشويش والاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، وَلَنِعْمَ ما فعل\"٢.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٠٤) حوادث سنة (٧٤٢هـ) .\n٢ البداية والنهاية: (١٣/١٥٩) .","vol":"1","page":49},{"text":"وكانت هذه الخلافات تؤدي في بعض الأحيان إلى الشحناء والقطيعة بين العلماء، حتى إن السلطان كان يتدخل في ذلك للإصلاح بينهم، ويَحْكِي ابن كثير - ﵀ - موقفًا من هذه المواقف - وكان حاضره - فيقول: \"وجلس نائبُ السلطة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفتِ العلماءُ واختصموا فمن يصلح بينهم؟ وشرع في تأنيب من شنَّع على الشافعيّ\" ١.\nوقد كانت العقائد المختلفة المخالفة لعقيدة أهل السنة منتشرة حينذاك، وربما أدت إلى وقوع الخلاف والفتن أيضًا؛ ففي المحرم من سنة ٧١٦هـ (وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشق، فحضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز، فأصلح بينهم) ٢. كما يقول الحافظ ابن كثير ﵀.\nولعله - ﵀ - يشير بهذه الحادثة إلى الخلاف بين الأشعرية٣ - الذين كانوا جمهور الشافعية وقتئذ - وبين الحنابلة أهل الحديث والأثر، فالخلاف بينهم في ذلك الوقت معروف، والنزاع بينهم\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٣٣٢) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٧٨) .\n٣ وينسبون إلى أبي الحسن الأشعري (ت٣٢٤هـ)، ويثبتون لله سبع صفات فقط، وهي: العلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والحياة، وهذه الصفات قديمة قائمة بذاته، وأما صفات الأفعال، مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة فهي حادثة. ولهم غير ذلك من الاعتقادات التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة. انظر: الملل والنحل (١/١١٩)، ورسالة في الرد على الرافضة (ص١٦٦) .","vol":"1","page":50},{"text":"مضطرم \"زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد، واعتماد الأشاعرة على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي في دراستها\" ١.\nولقد كان لابن القَيِّم - ﵀ - موقفه الواضح في هذه القضية، من: الانتصار لعقيدة أهل السنة والجماعة، والوقوف في وجه الأشاعرة، كما يتضح ذلك من مؤلفاته العديدة في هذا الصدد.\nهذا عن النزاعات العقدية والمذهبية في ذلك الوقت، التي كانت - ولاشك - من عوامل الفوضى الدينية، والتفرق والاختلاف.\nكما انتشرت في ذلك الوقت بعض الفرق الضالة التي تنتسب - كذبًا - إلى الإسلام، مع شدة عداوتها وحربها لأهله، وعلى رأس هذه الفرق: الرَّافِضَة٢، والنُّصَيْرِيَّة٣ وغيرهما، وما كان لهذه الفرق\n_________\n١ الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام: (ص٧٦) .\n٢ وسموا بذلك: لأن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ خرج على هشام بن عبد الملك، فطعن عسكره في أبي بكر، فمنعهم من ذلك فرفضوه، ولم يبق معه إلا مائتا فارس، فقال لهم: رفضتموني؟ قالوا: نعم. فيقي عليهم هذا الإسلام.\nوهم فِرق عديدة، ويقولون بإمامة عليٍّ وتفضيله على سائر الصحابة، ويتبرءون من أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة، ومنهم من يسب الصحابة ويلعنهم، قبحهم الله. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: (ص٧٧)، والفَرْقُ بين الفِرَق: (ص١٥– ١٧) .\n٣ وهم يُنْسبون إلى محمد بن نصير النميري، وكان من أصحاب الحسن العسكري، وادَّعى النبوة، ثم ادَّعى الربوبية.\nومن اعتقاداتهم: أن الله كان يَحلُّ في علي، وأنه في اليوم الذي قلع فيه باب خيبر كان الله - تعالى عما يقولون - قد حلَّ فيه. ولهم غير ذلك من الاعتقادات الباطلة. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: (ص٩١ - ٩٢)، والمذاهب الإسلامية- لمحمد أبي زهرة (ص٩٤ - ٩٥) .","vol":"1","page":51},{"text":"من أثر في زعزعة الاستقرار الديني في المجتمع، والكيد للمسلمين، وقد تقدم ما فعلته الرافضة بالمسلمين أثناء غزو التتار.\nولقد كان هؤلاء الرافضة - ولله الحمد - يُقَابَلُون بالقتل والتنكيل عندما يُصرِّح أحدهم بكفره؛ ففي سنة (٧٤٤هـ) \"وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرَّفض الدال على الكفر ...) ١. ووجد رجل آخر، اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي يسب الصحابة ويقول: كانوا على الضلالة، (فعند ذلك حُمِلَ إلى نائب السلطنة، وشهد عليه قوله: كانوا على الضَّلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه، وأحرقته العامة، قَبَّحَهُ الله\"٢.\nولم تكن النُّصَيْرِيَّة أخف شرًّا ولا أقل ضررًا من أولئك الرافضة، بل إنهم خرجوا في سنة (٧١٧هـ) عن الطاعة، وادَّعوا الألوهية لعليِّ، وكفَّروا المسلمين، ودخلوا مدينة (جَبَلَة) وقتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها، وسَبُّوا الشيخين، وخربوا المساجد واتخذوها خَمَّارَات إلى أن \"جُرِّدَت إليهم العساكر، فهزموهم وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا... وقتل المهدي أضلهم\"٣.\nوإلى جانب وجود هذه الفرق المعادية للإسلام والسنة وأهلها، وجدت في أوساط الناس البِدَعُ والخرافات، والاعتقاد في الأشخاص من\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٢)، حوادث سنة (٧٤٤هـ)\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٥)، حوادث سنة (٧٦٦هـ) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٨٦)، حوادث سنة (٧١٧هـ) .","vol":"1","page":52},{"text":"المشعوذين والدجالين، وقد كان لانتشار فرق الصوفية حينذاك دورٌ كبيرٌ في شيوع هذه الخرافات والترويج لها، وزاد الأمر سوءًا: تشجيع بعض الأمراء لهم، بل والعناية بأمرهم، والإنفاق عليهم، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد فيهم؛ كما كان من أمر الظاهر بيبرس؛ إذ كان له شيخ اسمه الخضر بن أبي بكر العدوي، وكان الظاهر \"يعظمه تعظيمًا زائدًا، وينزل إلى عنده إلى زاويته في الأسبوع مرة أو مرتين، ويستصحبه معه في كثير من أسفاره، ويكرمه ويحترمه ويستشيره فيشير عليه برأيه ومكاشفات صحيحةٍ مطابقةٍ؛ إما رحمانيةٍ أو شيطانية ... \" ١. وشيخ آخر اسمه ناصر الدين بن إبراهيم العثماني \"كان لنائب السلطنة الأفرم فيه اعتقاد، وَوَصَلَهُ منه افتقاد\" ٢.\nكما انتشر الْمُنَجِّمُون، وكثر قصد الناس لهم، حتى كانت سنة (٧٣٣هـ) \"أمر السلطان بتسليم المُنَجِّمِين إلى والي القاهرة، فضربوا وحبسوا؛ لإفسادهم حال النساء\" ٣.\nأما البدع التي سادت المجتمع في ذلك الوقت فكثيرة، كبدعة الوَقِيْد في المسجد الأموي بدمشق في ليلة النصف من شعبان، وذلك أن الناس يشعلون في هذه الليلة في المسجد قناديل زيادة عما فيه، ويعتقدون أنهم إن لم يفعلوا ذلك في عام مات السلطان، مع إحياءِ هذه الليلة، وفي سنة (٧٥١هـ) - عام وفاة ابن القَيِّم ﵀ – \"بطل الوقيد بجامع\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٧/٥٣٨ - ٥٣٩)، حوادث سنة (٦٧٦هـ) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٦٦)، حوادث سنة (٧١١هـ) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/١٦٩)، حوادث سنة (٧٣٣هـ) .","vol":"1","page":53},{"text":"دمشق، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة، وفرح أهل العلم بذلك وأهل الديانة، وشكروا الله -تعالى- على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد\" ١.\nكما سادت المجتمع ألوانٌ من الشركيات؛ كالتبرك بالأحجار والجمادات ونحو ذلك، من ذلك ما حكاه ابن كثير - ﵀ - عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀، من أنه في شهر رجب سنة (٧٠٤هـ): \"راح الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة إلى مسجد التاريخ، وأمر أصحابه - ومعه حَجَّارون - بقطع صخرة كانت بنهر قَلُوطٍ تزار ويُنْذَر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن الناس شبهة كان شرُّهَا عظيمًا\" ٢.\nكما انتشرت المعاصي والمنكرات بين الناس: من شرب للخمر والحشيش، واحترافِ بعض النساء للبغاء وغير ذلك، حتى إن جماعة من مجاوري الجامع بدمشق جاءوا في سنة (٧٥٨هـ) \"إلى أماكن مُتَّهَمَةٍ بالخمر وبيع الحشيش، فكسروا أشياء كثيرة من أواني الخمر، وأراقوا ما فيها، وأتلفوا شيئًا كثيرًا من الحشيش وغيره\"٣.\nبل قد وُجِدَ من الأمراء من يضمن هذه المنكرات والفواحش نظير\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧)، حوادث سنة (٧٥١هـ) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٣٦)، حوادث سنة (٧٠٤هـ) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٩)، حوادث سنة (٧٥٨هـ) .","vol":"1","page":54},{"text":"أجر معلوم يأخذه على ذلك، كما كان من حال سيف الدين قَبْجَق١ نائب دمشق؛ فإنه \"ضَمِنَ الخَمَّارات ومواضع الزنا من الحانات وغيرها، وجُعِلَت دار ابن جَرَادة ... خَمَّارَة وحانة أيضًا، وصار له على ذلك في كل يوم ألف درهمٍ، وهي التي دمَّرته ومحقت آثاره\"٢.\nومن المنكرات التي سادت المجتمع أيضًا: الغناء والطرب، وقد أعلن ابن القَيِّم - ﵀ - حربًا لا هوادة فيها على الغناء وأهله، وبَيَّنَ شَبَهَهُم، ودحض مزاعمهم في استحلال ذلك، حتى إنه أفرد لذلك مؤلفًا كما سيأتي، كما اعتنى بذلك في مؤلفاته الأخرى، وبخاصة (إغاثة اللهفان)، وما ذلك إلا دليلٌ على شيوع هذا البلاء في زمنه، واستفحال أمره.\nتلك هي أهم مظاهر الفساد الديني في ذلك الوقت، ولا شك أن مثل هذه البيئة وما فيها من مفاسد ومخالفات شرعية، من أكبر العوامل التي تُحَرِّكُ الدعاة المخلصين، والعلماء العاملين، للقيام بمجابهة هذه المنكرات، والتحذير منها، والتنبيه على خطرها، ومحاولة الأخذِ بأيدي الناس إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم.\nولقد كان لابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب جهد مشكور؛ فإنه يُعَدّ واحدًا من أبرز علماء هذه الأمة الذين حملوا راية الإصلاح الديني في ذلك العصر، ولا يزال صدى دعوته وأثرها يعمل عمله في الناس إلى يومنا هذا، وسيظل كذلك إن شاء الله.\n_________\n١ له ترجمة في البداية والنهاية: (١٨/١٠٧)، حوادث سنة ٧١٠هـ، والدليل الشافي: (٢/٥٣٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١١)، حوادث سنة (٦٩٩هـ) .","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية</span>\nلا شك أن وضع الناس في المجتمع وما يسودهم من عادات وتقاليد، وما يحكم معاملاتهم وعلاقاتهم، يخضع - بصورة مباشرة - لما يعيشه هذا المجتمع من ظروف سياسية، داخلية كانت أم خارجية.\nفالحروب المتتابعة التي تعرضت لها البلاد في تلك الفترة أدت إلى عدم الاستقرار في المجتمع، وكثرة الانتقال والترحال - الهجرة الداخلية - وذلك فرارًا من خطر القتل، مع ما يصاحب ذلك: من فقدان المأوى، وتعطلِ الأعمال، وكساد التجارات، وقلة الأقوات.\nويُصَوِّرُ ابن كثير - ﵀ - شيئًا من ذلك عندما عزم هولاكو على غزو دمشق، فيقول: \"فانزعج الناصر - صاحب دمشق - لذلك، وبعثَ بحريمه وأهله إلى الكَرْك لِيُحَصِّنَهم بها، وخافَ أهل دمشق خوفًا شديدًا - ولاسيما لَمَّا بلغهم أن التتار قد قطعوا الفرات - سافر كثير منهم إلى مصر في زمن الشتاء، فمات ناسٌ كثيرٌ منهم ونهبوا\" ١.\nوما يقال عن أثر الحروب الخارجية، يقال - أيضًا - عن أثر السياسة الداخلية لحكام البلاد، وما كان بينهم من منازعات مستمرة.\nكما أننا نلمح ارتباطًا وثيقًا - كذلك - بين حالة البلاد الدينية، والحالة الاجتماعية؛ فإنَّ الفَهْمَ الصحيح للإسلام، والتطبيق السليم لأحكامه، والالتزامَ الصادقَ بتعاليمه، كل ذلك له أثر طيب على أفراد\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/٢٢٨) .","vol":"1","page":57},{"text":"المجتمع، وعاداتهم وتقاليدهم؛ فيسود المجتمع الاستقرار والأمن، ويعُمُّه الخير والرخاءُ.\nوعلى العكس تمامًا، فإن الانسلاخ من أحكام الدين وشرائعه، وتضييع تعاليمه وشعائره، من أهم أسباب شيوع الفوضى وعدم الاستقرار في المجتمع، وفساد الأخلاق، وضياع القِيَم.\nأما عن أهم السمات التي ميَّزت حالة المجتمع، والأوضاع التي سادت أفراده، فإنها تتلخص فيما يلي:\nأولًا: التفاوت الواضح بين طبقات المجتمع وفئاته، مع عدم المساواة بين أفراده.\nفطبقة الحكام والأمراء في المقدمة، تحظى بكل الخيرات والنعم، وتستأثر بالإقطاعات الواسعة، وتحوز الأموال الطائلة، التي بلغت - على سبيل المثال - عند أحد الأمراء (ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار) من الذهب، عدا الأموال والأملاك والإقطاعات الأخرى، هذا ما كان يملكه الأمير سيف الدين بشتك١، وأمثاله كثيرون.\nثم تلي هذه الطبقة: طبقة الجنود من أتباعهم على اختلاف رتبهم ومقاماتهم، إذ كان الأمراء يولون هذه الفئة عناية فائقة، وذلك كسبًا لولائهم، ليكونوا سندًا لهم عند نزول المحن.\nثم يلي هؤلاء: بقية فئات المماليك، الذين كانوا يرون لهم ميزةً على سائر أبناء الشعب أصحاب البلاد الأصليين.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٠٣) .","vol":"1","page":58},{"text":"ثم تأتي بعد ذلك سائر فئات الشعب، يتقدمهم العلماء والفقهاء، وغيرهم من المثقفين، وقد كانت هذه الطبقة تحظى باحترام الأمراء والسلاطين أكثر من غيرها.\nثم في آخر هذا الترتيب الطبقي: عامة الناس من عمال، وفلاحين، وغيرهم من أصحاب الحرف الأخرى، الذين كانوا يشقون ويكدحون لراحة غيرهم مع ما هم فيه من الفقر والحرمان١.\nثانيًا: تَعَرُّض الكثيرين من أبناء الشعب لألوان من الظلم: من ضرائب ومُكُوسٍ٢ باهظة، وهضم للحقوق، وغير ذلك.\nففي شهر جمادى الأولى من سنة (٧١١هـ) (قُرِّرَ على أهل دمشق ألف وخمسمائة فارس، لكل فارس خمسمائة درهم، وضُربت على الأملاك والأوقاف فتألم الناس من ذلك تَأَلُّمًا عظيمًا) ٣.\nأما في سنة (٧١٢هـ) - بعد ذلك بعام - فقد \"تكلم وزير السلطان في البلد، وطلب أموالًا كثيرة، وصادر وضرب بالمقارع٤، وأهان جماعة من الرؤساء\" ٥.\n_________\n١ ينظر حول ذلك: (العصر المماليكي في مصر والشام): (ص٣١٢ - ٣٢٥) .\n٢ جمع مَكْس، وهو الجباية، مصدر، ثم سُمِّي المأخوذ (مكسًا) تسمية بالمصدر، وقد غلب استعمال المكس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلمًا عند البيع والشراء. (المصباح المنير - مادة: مكس) وانظر: (لسان العرب - مادة: مكس) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٦٤) .\n٤ جمع مِقْرَعَة، وهي خشبة يُضرب بها، وكل ما قَرَعْتَ به، وهي أيضًا ما تُقرع به الدابة. (مختار الصحاح: قرع، والمعجم الوسيط ٢/٧٢٩) .\n٥ البداية والنهاية: (١٤/٦٩) .","vol":"1","page":59},{"text":"ويَحْكي الحافظ ابن كثير - ﵀ - في أحداث سنة (٧٤٥هـ) أنه \"دخل الشيخ أحمد١ الزُّرَعِيُّ على السلطان الملك الصالح، فطلب منه أشياء كثيرة: من تبطيل مظالم ومُكُوسات ... \" ٢.\nومن الحوادث التي وقعت إبَّان الغزو التتريّ، والتي ترسم لنا صورةً واضحةً عن مدى الظلم الواقع على أفراد الشعب، مع ما كان يتمتع به جنود المماليك من جاهٍ ونعمةٍ: ما حكاه ابن كثير ﵀: من أن التتار لما جاوزوا نهر الفرات واقتربوا من حلب عُقِد مجلس بين يدي المنصور بن المعز التركماني، \"وحضر قاضي مصر بدر الدين السِّنْجَاريُّ٣، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وتفاوضوا الكلام فيما يتعلق بأخذ شيء من أموال العامة لمساعدة الجند، وكانت العهدة على ما يقوله ابن عبد السلام، وكان حاصل كلامه أنه قال: إذا لم يبق في بيت المال شيء، ثم أنفقتم أموال الحوائص٤ المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس - سوى آلات الحرب - بحيث لم يبق للجندي سوى\n_________\n١ أحمد بن موسى، ابو العباس الزُّرَعِيُّ، الشيخ الصالح، نزيل (زرع) من أعمال دمشق، كان من القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بمصالح الناس عند السلطان والدولة. (توفي ٧٦١هـ) .\n(البداية والنهاية ١٨/٦١٥ - طبعة الدكتور/ التركي، والدليل الشافي ١/٩١) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٤) .\n٣ القاضي بدر الدين الكردي السِّنْجَاريُّ، باشر القضاء بالديار المصرية مرارًا، توفي سنة (٦٦٣هـ) . (البداية والنهاية ١٧/٤٦٣) .\n٤ جمع حياصة، والحياصة: سير طويل يُشَدُّ به حزام الدابة. (لسان العرب: ص١٠٧٠، مادة: حيص) .","vol":"1","page":60},{"text":"فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذٍ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم ... \" ١.\nومثل ذلك: موقف الإمام النووي - ﵀ - حين أَخَذَ الظاهر بيبرس موافقة علماء الشام على أخذ مال من الرعية يستنصر به على قتال التتر، وامتنع النووي عن الكتابة له بذلك، فسأله عن سبب امتناعه، فقال له: أنا أعرف أنك كنت في الرِّقِّ للأمير بندقدار، وليس لك مالٌ، ثم منَّ الله عليك وجعلك ملكًا، وسمعت أن عندك ألف مملوك، وكل مملوك له حياصةٌ من ذهب، وعندك مائتا جارية، لكل جارية حقٌّ من الحُلِيِّ، فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت مَمَاليكُكُ بالبنود الصوف بدلًا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحُلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية ... \" ٢.\nوفي هاتين القصتين أيضًا: بيان لما كان يتمتعُ به الأمراء ومماليكهم من نعمة وأموال دون سائر الناس، كما سبق التنبيه على ذلك.\nثالثًا: انتشار بعض الأمراض الاجتماعية الخطيرة، والعادات السيئة بين أفراد المجتمع، ومن أبرزها:\nأ- الرشوة في الولاية وغيرها:\nويبدو أن هذا الأمر قد استشرى في المجتمع، وعمَّت به البلوى، حتى كانت سنة (٧١٢هـ) \"وفيها قدم كتاب من السلطان إلى دمشق:\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/٢٢٨ - ٢٢٩) .\n٢ حسن المحاضرة: (٢/١٠٥) .","vol":"1","page":61},{"text":"أن لا يُوَلَّى أحدٌ بمالٍ ولا برشوة، فإن ذلك يفضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية، وإلى ولاية غير الأهل... وكان سبب ذلك الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة ﵀\" ١.\nومن ذلك أيضًا: ما حكاه الحافظ ابن كثير في أحداث (٧١٤هـ)، فقال: \"وفي يوم الخميس سابع ذي القعدة قَدِم القاضي بدر الدين بن الحداد٢ من القاهرة متولِّيًا حِسْبَة دمشق، فَخُلِع عليه عوضًا عن فخر الدين سليمان البُصْراويِّ٣، عُزِلَ، فسافر٤ سريعًا إلى البَرِّيَّة ليشتري خيلًا للسلطان يُقَدِّمُهَا رشوة على المنصب المذكور، فاتفق موته في البَرِّيَّة\"٥.\nب- الحيل المحرمة التي اتخذت وسيلة للتخلص من الأحكام الشرعية، والتلاعب بالدين.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٦٨) .\n٢ هو: الإمام العالم الفقيه، أبو عبد الله، بدر الدين، محمد بن عثمان بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمديّ الحنبليّ. سمع الحديث واشتغل وحفظ (المحرر) في مذهب الإمام أحمد. (ت٧٢٤هـ) . له ترجمة في: البداية والنهاية: (١٨/٢٤٨)، والدرر الكامنة (٤/١٦٤) .\n٣ سليمان بن عثمان البُصراوي، والي الحسبة بالشام، وكان شابًا كريم الأخلاق، حسن الشكل، ت (٧١٤هـ) في البرية كما في الخبر الذي ساقه ابن كثير أعلاه. (انظر: البداية والنهاية ١٨/١٠٣، ١٣٨) .\n٤ يعني: البصراوي المعزول.\n٥ البداية والنهاية: (١٤/٧٣) حوادث سنة (٧١٤هـ) .","vol":"1","page":62},{"text":"وعلى رأس الحيل التي انتشرت آنذاك: التحليل، وأُعلن ذلك حتى صارت له حوانيت يَتَرَزَّقُ منها أصحابها.\nوقد أعلن ابن القَيِّم ﵀ الحرب على هذه الحيلة الشنيعة، فلم يترك مناسبة إلا بين شَرَّها، وحكم الشرع فيها، وخطرها على المجتمع، ويصف - ﵀ - هذه العادة القبيحة، والحيلة الشنيعة التي انتشرت في مجتمعه فيقول: \"فلو شاهدتَ الحرائر الْمَصُوناتِ، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظر الشاة إلى شفرة الجازر ... حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهضا واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتَّخَفِّي والكتمان\"١.\nج- سفور النساء وتبرجهن، وانتشار ذلك، وعموم الشر بسببه: إلى أن \"نادى مناد من جهة نائب السلطنة - حرسها الله تعالى - في البلد: أن النساء يمشين في تَسَتُّر، ويلبسن أُزْرهنَّ إلى أسفل من سائر ثيابهن، ولا يُظْهرن زينة ولا يدًا، فامتثلن لذلك ولله الحمد والْمِنَّة\"٢.\nرابعًا: انعدام الأمن في أنحاء المجتمع.\nوقد أدى ذلك إلى انتشار السرقة والنهب وقطع الطريق، فقد أمر نائب السلطان مرة \"بجماعة انتهبوا شيئًا من الباعة، فقطعوا أحد عشر منهم، وسمر عشرة تسميرًا، تعزيرًا وتأديبًا\"٣.\n_________\n١ إغاثة اللهفان: (١/٢٦٨) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٩٣) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٧) .","vol":"1","page":63},{"text":"وفي سنة (٧٤٦هـ) وفي عشية يوم الاثنين رابع عشر جمادى الأولى (قطع نائب السلطنة - ممن وجب قطعه في الحبس - ثلاثة عشر رجلًا، وأضاف إلى قطع اليد قطع الرِّجْلِ من كل منهم، لِمَا بلغه أنه تكرر من جناياتهم) ١.\nولقد كان يكثر السطو والنهب والسرقة في أوقات الفتن والقلاقل والاضطرابات الداخلية، أكثر من غيرها من الأوقات.\nخامسًا: نزول الْجَدْبُ والقحط والجفاف بالمجتمع، ونقصُ السلع والأقوات، وغلاء الأسعار.\nوكثيرًا ما كان يحدث ذلك، حتى إن بعض السلع بيعت بأضعاف أضعاف ثمنها الحقيقي؛ فإنه في شهر ذي الحجة من سنة (٧٤٣هـ) (غلا السعر جدًا، وقل الخبز، وازدحم الناس على الأفران زحمة عظيمة، وبيع خبر الشعير المخلوط بِالزُّوَانِ٢ والنُّقَارَةِ٣ ... فإنَّا لله وإنا إليه راجعون) ٤.\nوفي سنة (٧٤٨هـ) (عُمِلَت ليلة النصف على العادة من إشعال القناديل ولم يشعل الناس لما هم فيه من الغلاء وتأخر المطر وقلة الغَلَّة) ٥.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٨) .\n٢ الزُّوان والزِّوان: ما يخرج من الطعام فيرمى به ... وقيل: هو حب يخالط البر. (لسان العرب: ص١٩٨٣، مادة: زون) .\n٣ النُّقَارة: ما يتساقط من نقر الحجارة والخشب. (المعجم الوسيط - نقر) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٠) .\n٥ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٥) .","vol":"1","page":64},{"text":"ولا شك أن هذا الغلاء والضَّنَك، والنقص في الأقوات والأرزاق، يرجع إلى إغراق الناس في المعاصي، وتضييعهم حقوق الله سبحانه، وتعديهم حدوده.\nسادسًا: انتشار الأمراض والأوبئة الفَتَّاكة التي كانت تهلك الآلاف من الناس.\nولعل أشد ما رأته البلاد من ذلك، هو الطاعون العام - أو الطاعون الأعظم - في سنة (٧٤٩هـ)؛ ففي ربيع الأول منه (كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات كل يوم على المائة... وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم) ١.\nوفي شهر رجب من السنة نفسها (بلغ الْمُصَلَّى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة وخمسين وأكثر من ذلك، خارجًا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد ... أما حواضر البلد وما حولها فأمرٌ كثيرٌ، يقال إنه بلغ ألفًا في كثير من الأيام) ٢.\n(واستهل شهر شعبان والفناء في الناس كثيرٌ جدًا، وربما أَنْتَنَت البلد) ٣.\nوكان ذلك قبل وفاة ابن القَيِّم - ﵀ - بعامين.\nولعل شدة هذا الوباء، وعظم أمره، من العوامل التي جعلت ابن القَيِّم - ﵀ - يؤلف كتابًا في (الطاعون) كما ستأتي الإشارة إليه٤ عند سرد مؤلفاته.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٧) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٩) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٠) .\n٤ انظر: ص (٢٥٠) .","vol":"1","page":65},{"text":"ويربط ابن القَيِّم - ﵀ - بين هذه الأوبئة الفتاكة وبين شيوع بعض المنكرات التي تسود المجتمع، وبخاصة: تبرج النساء واختلاطهن بالرجال - وقد مضت الإشارة إلى شيء من ذلك في المبحث الماضي - فيقول ﵀: \"ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة ... واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة\" ١.\nتلك هي أبرز الأوضاع التي سادت المجتمع في عصر ابن القَيِّم، والتي تَأَثَّر بها، وسَخَّر جهده ووقته وعلمه لبيان مخاطرها، وطرق علاجها، ووضع الحلول لها، وذلك كله في ضوء ما جاءت به الشريعة المطهرة، وأرشد إليه كتابُ الله وسُنَّةُ رسوله ﷺ.\n_________\n١ الطرق الحكمية: (ص٢٨١) .","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الرابع: الحالة العلمية والثقافية</span>\nبالرغم من أن الحياة السياسية، والدينية، والاجتماعية في عصر ابن القَيِّم كانت مظلمة ومضطربة في غالبها كما مضى، إلا أن الحالة العلمية للبلاد كانت مشرقةً إلى حد كبير.\nفإنه لا يخفى على المتتبع للحركة العلمية وسيرها في العالم الإسلامي: أن مصر والشام قد ازدهرت فيهما الحياة العلمية في تلك الفترة، وأصبحتا مقصدًا لكثير من أهل العلم الوافدين من سائر أقطار العالم الإسلامي، ولا أدلَّ على صدق ذلك من هذا التراث العلمي الهائل الذي أَثْمَرَتْهُ جهود العلماء في تلك الحِقْبَة.\nويشير الحافظ الذهبي - ﵀ - إلى ازدهار الحركة العلمية، وكثرة العلم في دمشق - أيام ابن القَيِّم وشيوخه - فيقول: \"وتَنَاقَصَ العلم بها في المائةِ الرابعة والخامسة، وكَثُرَ بعد ذلك، ولاسيما في دولة نور الدين ... ثم كثر بعد ذلك بابن تَيْمِيَّة، والمزي وأصحابهما ولله الحمد\"١.\nعوامل ازدهار الحركة العلمية آنذاك:\nهناك بعض العوامل التي كان لها دورٌ كبيرٌ في هذا الازدهار العلمي، فمن أهم تلك العوامل:\n١- رعاية سلاطين الدولة وملوكها للعلم وأهله، وتشجيعهم\n_________\n١ الأمصار ذوات الآثار: (ص١٦٢ - ١٦٦) .","vol":"1","page":67},{"text":"للنهضة العلمية؛ فقد كان الملك الأشرف - ﵀ - (شَهْمًا، شُجَاعًا كَرِيمًا جوادًا لأهل العلم، لا سيما أهل الحديث ... وقد بنى لهم دار حديثٍ بالسفح) ١.\nوأما الملك الكامل: فإنه كان (يحب العلماء ويَسْأَلهم أسئلةً مشكلةً) ٢.\nبل إنه قد وجد من سلاطين المماليك وأمرائهم من اشتغل بالفقه والحديث، حتى تصَدَّر بعضهم للإقراء والتدريس٣. وقد كان للملك الكامل (كلام جيد على صحيح مسلم) ٤.\n٢- سقوط الخلافة الإسلامية، وضياع بغداد - عاصمة الخلافة الإسلامية - وخرابها، الأمر الذي أدى إلى انتقال النشاط العلمي إلى مصر والشام، وَحَلَّت القاهرة - آنذاك - محل بغداد في تَبَوُّء هذه المكانة.\n٣- ذهاب صفوة علماء الأمة الإسلامية ومفكريها في أثناء هذه الهجمة التترية الغاشمة، وكذا ضياع كثير من الكتب والمؤلفات القيمة في تلك الهجمة، الأمر الذي وَلَّدَ شعورًا لدى علماء الأمة - في ظل دولتهم الجديدة - بضرورة تحمل المسؤولية في إحياء ما فقدته أمتهم من تراث ومعرفة، فتنافسوا - لأجل ذلك - في التأليف والإبداع.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/١٥٨) .\n٢ البداية والنهاية: (١٣/١٦٠) .\n٣ العصر المماليكي في مصر والشام: (ص٢٢٩ - ٢٣٠) .\n٤ البداية والنهاية: (١٣/١٦٠) .","vol":"1","page":68},{"text":"٤- وقد يكون من أسباب هذه النهضة العلمية أيضًا: انتقال كثير من علماء الإسلام ومفكريه إلى مصر والشام آنذاك، فقد جذبتهم تلك النهضة العلمية المرعية من حكام البلاد، وذلك الجو العلمي المشجع، فكان لهم - ولا شك - دور فعال في إثراء الحياة العلمية في ذلك الوقت.\nتلك من أبرز العوامل التي لعلها ساهمت بدور هام في تلك النهضة العلمية في مصر والشام آنذاك.\nمظاهر ازدهار الحركة العلمية وتقدمها آنذاك:\nأما عن أهم مظاهر الحركة العلمية وازدهارها فيتمثل فيما يلي:\nأولًا: كثرة معاهد العلم ودوره.\nوقد اهتم بإنشائها ورعايتها الملوك والسلاطين وغيرهم من الأعيان والموسرين، فكانوا يبنون تلك الدور ويقفون الأوقاف للإنفاق على مدرسيها، وطلابها، وخدَّامها، وقد تمثلت هذه المعاهد والدور فيما يأتي:\nأ- المدارس:\nلقد كان للمدارس في ذلك الوقت دور فعال في خدمة العلم وطلابه، وتخريج نخبة من خيرة العلماء آنذاك، وذلك أن تلك المدارس كان يقوم عليها أكابر علماء الوقت، والصفوة منهم في كل فن، مع تفرغ طلابها تفرغًا كاملًا لطلب العلم وتحصيله، إذ كانت تجري عليهم الرواتب والأرزاق، مما أتاح لهم فرصة أكبر للتفرغ لتحصيل العلم، فتخرج من هذه المدارس علماء جهابذة.","vol":"1","page":69},{"text":"ولم يكن حضور الدروس بهذه المدارس قاصرًا على عوام الطلبة، بل ربما حضرها كبار الناس والأعيان، بل والعلماء، من ذلك ما يحكيه ابن كثير - ﵀ - عن المدرسة الشامية البرَّانِية، وأنه لما درَّس فيها القاضي جمالُ الدين بن قاضي القضاة تقي الدين السبكي \"حضر عنده القضاة والأعيان وجماعة من الأمراء والفقهاء\" ١.\nوقد كان من هذه المدارس بالشام آنذاك عدد كبير، وسأكتفي بالتعريف بمدرستين فقط من مدارس دمشق، وهما: المدرسة الْجَوزِيَّة، والمدرسة الصَدْرِية، وذلك لما لابن القَيِّم - ﵀ - من علاقة بهما.\n١- المدرسة الْجَوزِيَّة:\nوهي منسوبة إلى واقفها: محي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين ابن أبي الفرج بن الجوزي، المولود (٥٨٠هـ) . وقد كان من أهل العلم والفضل، وعظ في موضع أبيه بعد وفاته فأجاد وأفاد، ثم لم يزل متقدمًا في المناصب حتى وليَ أستاذ دار الخلافة، ثم قتل مع الخليفة المستعصم بالله على يد التتار - قبحهم الله - سنة (٦٥٦هـ) ٢.\nقال عنها الحافظ ابن كثير - ﵀ –: \"وهي من أحسن المدارس\"٣. وقال الشيخ بكر أبو زيد: \"وهي من أعظم مدارس الحنابلة بدمشق الشام\"٤.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٨) .\n٢ البداية والنهاية: (١٣/٢٢٣ - ٢٢٤) .\n٣ البداية والنهاية: (١٣/٢٢٤) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٢) .","vol":"1","page":70},{"text":"وقد كان والد ابن القَيِّم - ﵀ - قيِّمًا على هذه المدرسة، وقد أمَّ ابن القَيِّم - ﵀ - للصلاة بها كما سيأتي.\nولا يزال محل هذه المدرسة معروفًا حتى الآن بدمشق حي (البزورية) الذي كان يعرف قديمًا بسوق القمح١، ثم اختلسَ جيرانها مُعْظَمَها وبقيت منها بقية، ثم صارت محكمة في سنة (١٣٢٧هـ) ٢، ثم أقفلت مدة إلى أن فتحتها جمعية الإسعاف الخيري وجعلتها مدرسة لتعليم الأطفال. وقد احترقت في أول الثورة السورية ضد الفرنسيين، ثم أعيد بناؤها مرة أخرى٣.\nولكنها لم تعد مدرسة بعد إعادة بنائها، وإنما (جُدِّدَ مكانها مخازن ومُصَلَّى بسيط) كما يقول محقق كتاب (الدارس في تاريخ المدارس) ٤. ويؤكد ذلك محقق (زاد المعاد) ٥ فيقول: \"ولم تزل كذلك - يعني محترقة - حتى أعمرت حوانيت، وجُعِلَ فوقها مسجد صغير تقام فيه بعض الصلوات إلى يومنا هذا\".\nفتبين من ذلك: أن هذه المدرسة لم يعد باقيًا منها إلا مكانها فقط.\n_________\n١ وتسميته بذلك عرفت قبل عهد ابن كثير ﵀، فإنه قال في أحداث سنة (٧٢٨هـ): \"وقد كان سوق البزروية اليوم يسمى سوق القمح\". (البداية والنهاية: ١٤/١٣٨) .\n٢ منادمة الأطلال: (ص٢٢٧) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٣) .\n(٢/٢٩) .\n(١/١٥) .","vol":"1","page":71},{"text":"٢- المدرسة الصدرية:\nنسبة إلى واقفها: صدر الدين أسعد بن المنجاة بن بركات بن مُؤمَّل التنوخي المغربي، ثم الدمشقي، الحنبلي، \"أحد المعدلين، ذوي الأموال والمروءات، والصدقات الدارّة البارة\". كما يقول ابن كثير ﵀، وقد وقفها للحنابلة، وكانت وفاته سنة (٦٥٧هـ) ١.\nوقال صاحب (منادمة الأطلال) ٢: \"كانت بدرب يقال له: دَرْب الرَّيْحَان، بجوار تُرْبة القاضي جمال الدين المصري، ويؤخذ من كلام الذهبي: أن محلها كان دارًا للواقف، فجعلها مدرسة ووقف لها أوقافًا ودُفِن بها. قلت: وتربة الجمال المصري هي عند القبور التي يزعم الناس: أن من جملتها قبر معاوية، ولا مدرسة هناك اليوم. والْمُحَقَّق: أن الصَّدْرِية مُحِيت آثارها وصارت دُورًا\".\nوقد دَرَّسَ بهذه المدرسة ابن القَيِّم - ﵀ - كما سيأتي عند ذكر وظائفه، وكذا درَّس ولداه: عبد الله، وإبراهيم، كما سيأتي بيان ذلك عند الترجمة لهما.\nب- الجوامع:\nلم تكن الجوامع تقل أهمية عن المدارس في الإسهام في ازدهار الحركة العلمية آنذاك.\nوما قيل عن اهتمام الملوك والأمراء ببناء المدارس، ورعاية أمرها،\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/٢٢٩) .\n(ص٢٣٩) .","vol":"1","page":72},{"text":"والإنفاق عليها، يقال مثله بالنسبة للجوامع والمساجد التي كانت كثيرة منتشرة في ذلك العصر بدمشق.\nويحدثنا ابن كثير -﵀- عن اهتمام السلاطين ببناء الجوامع، فيقول في أحداث سنة (٦٣٢هـ): \"فيها خرَّب الملك الأشرف بن العادل خان الزنجاري الذي كان بالعقبية فيه خواطيء وخمور ومنكرات متعددة، فَهَدَمَه وأمر بعمارة جامع مكانه، سمي: جامع التوبة\"١.\nويقول في أحداث سنة (٧١٧هـ): \"وفي صفر شُرع في عمارة الجامع الذي أنشأه ملك الأمراء تنكز نائب الشام ظاهر باب النصر ... على نهر بانياس بدمشق\"٢.\nوأما عن أشهر الجوامع بدمشق في ذلك الوقت فهو: (الجامع الأموي) ويعرف أيضًا بـ (جامع بني معاوية)، وإذا أُطْلِقَ (جامع دمشق) فلا يراد إلا هو، كما يَسْتَعمل ذلك كثيرًا مؤرخو هذه الفترة، وهو من أعظم جوامع دمشق.\nوقد كان لهذا الجامع في عصر ابن القَيِّم أثرٌ كبيرٌ في الحركة العلمية، ويذكر صاحب (منادمة الأطلال) ٣ أنه كان بهذا الجامع:\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٣/١٥٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٨٣) .\n(ص: ٣٦٣) .","vol":"1","page":73},{"text":"- عدة مدارس، منها: الغزالية، والأسدية، والقوصية، والسيفية وغيرها.\n- وكان له تسعة أئمة.\n- وإحدى عشرة حلقة للتدريس في الفنون المختلفة.\n- وثلاث حلقات للاشتغال بالحديث.\n- وكان به بيت للخطابة، وبه خزانة للكتب.\nويذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - شيئًا من النشاط العلمي، ومجالس الوعظ في هذا الجامع، وذلك في مناسبات عديدة من كتابه (البداية والنهاية)، حتى إنه يذكر أيضًا أخبار عمارته وصيانته١، وشيئًا من البدع التي كانت فيه وأُبْطِلَت بفضل الله ومَنِّه٢، إلى غير لك من الأمور التي تدل بوضوح على عظم المكانة العلمية والدينية لهذا الجامع آنذاك.\nومن الأخبار العلمية التي أشار إليها ابن كثير في هذا الجامع: ما ذكره في ترجمة الشيخ محب الدين عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي٣، من أنه (كانت له مجالس وعظ من الكتاب والسنة في الجامع الأموي) ٤.\n_________\n١ انظر مثلًا: البداية والنهاية: (١٤/١٣٤، ٢٠١) .\n٢ انظر مثلًا: ما تقدم من كلام لابن كثير على إبطال بدعة الوقيد في الجامع (ص٥٣) .\n٣ العابد الناسك الإمام، سمع الكثير وقرأ بنفسه، وانتفع به الناس، وكان له صوت طيب بالقراءة، وعليه سكينة ووقار. ت (٧٣٧هـ) .\nله ترجمة في البداية والنهاية: (١٨/٣٩٦)، والدرر الكامنة: (٢/٣٤٨) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/١٨٩) .","vol":"1","page":74},{"text":"ويقول عن الشيخ إبراهيم بن المحب١: \"كان يحدث بالجامع الأموي ... وكان مجلسه كثير الجمع لصلاحه وحسن ما كان يؤديه من المواعيد النافعة\"٢. إلى غير ذلك من أخبار هذا الجامع، التي توجد منثورة في الكتب التي تناولت الأحداث التاريخية الإسلامية، خاصة في البيئة الدمشقية.\nهكذا كانت المدارس والجوامع منتشرة في تلك الفترة بشكل ملحوظ، مع قيامها بواجبها في تخريج العلماء، ونشر المعرفة والعلوم النافعة على أتم وجه، فكانت بذلك عنوانًا صادقًا على ازدهار الحركة العلمية آنذاك.\nثانيًا: كثرة المؤلفات النافعة القيمة في ذلك العصر.\nفقد كان من مظاهر ازدهار الحركة العلمية - أيضًا - واتساع نطاقها، وعظم شأنها: تلك المؤلفات النافعة القيمة التي أنتجتها جهود العلماء في تلك الفترة.\nفلقد كانت تلك الفترة التي عاش فيها ابن القَيِّم - ﵀ - فترة ذهبية في حياة الأمة الإسلامية، من حيث وفرة الإنتاج العلمي وغزارته، مع تنوع الفنون التي تناولتها المؤلفات آنذاك.\n_________\n١ إبراهيم بن أحمد بن المحب، أبو إسحاق المقدسي، طلب الحديث وقتًا، وسمع جملة، توفي ﵀ سنة (٧٤٩هـ) في الطاعون العام. له ترجمة في البداية والنهاية: (١٤/٢٣٩)، والدرر الكامنة: (١/٩) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٩) حوادث سنة (٧٤٩هـ) .","vol":"1","page":75},{"text":"ولم تكن هذه الحصيلة المباركة من هذه المؤلفات، إلا نتيجة لما زخر به ذلك العصر من علماء أفذاذ، وجهابذة حفاظ: في الحديث، والفقه، والتفسير، واللغة، والتاريخ وغير ذلك، ولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - واحدًا من أعلام هذا العصر المبارك، الذين أَمَدُّوا المكتبة الإسلامية بقدر هائل من المؤلفات النافعة في شَتَّى الفنون.\nولقد اتسمت مؤلفات ذلك العصر - إلى حد كبير - بالشمول والجمع والاستيعاب.\nفوجدت في ذلك العصر كتب الشروح الحديثية، كـ (شرح البخاري) لقطب الدين الحلبي (ت٧٣٥هـ)، و(شرح الترمذي) لابن سيد الناس (ت٧٣٤هـ) وكلاهما لم يكمل.\nووجدت كتب الرجال، وعلى رأسها (تهذيب الكمال) للحافظ الْمِزِّي (ت٧٤٢هـ)، و(الميزان) للحافظ الذهبي (ت٧٤٨هـ) .\nوكذا وجدت كتب الأطراف الحديثية، وأهمها في ذلك العصر: (تحفة الأشراف) للحافظ الْمِزِّي.\nووجدت الكتب التاريخية التي جمعت حوادث تلك الفترة وتواريخها وما قبلها، وعلى رأسها (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (ت٧٧٤هـ) - تلميذ ابن القَيِّم - رحمهما الله تعالى.\nكما أُلِّفَت كتب جامعة في اللغة، وأهمها: (لسان العرب) للعلامة ابن منظور (ت٧١١هـ) . إلى غير ذلك من المؤلفات الكثيرة النافعة.\nولعل ابن القَيِّم - ﵀ - يكون قد أسهم بمؤلفات جامعة","vol":"1","page":76},{"text":"نافعة في تلك الفترة، وذلك بكتابه النافع: (تهذيب سنن أبي داود)؛ إذ إنه بَسَطَ فيه الكلام في مواضع عديدة بسطًا واسعًا، وكذلك كتابه (زاد المعاد) الذي يعد مرجعًا متكاملًا في السيرة النبوية، والأحكام الفقهية وغير ذلك.\nوقد وجدت - إلى جانب ما تقدم - بعض المختصرات، وكذا كتب النكت والتعليقات، إلى جانب ما وُضِعَ في بعض العلوم من منظومات، إلى غير ذلك من فنون التصانيف المختلفة.\nتلك هي أهم مظاهر النهضة العلمية في تلك الفترة التي تَمَثَّلَت في:\n- دور العلم ومعاهده الكثيرة في مصر والشام على وجه الخصوص.\n- ثم في هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين خَرَّجَتْهُم تلك المعاهد.\n- ثم في ذلك التراث الخالد، وتلك المؤلفات النافعة التي خَلَّفَها علماء تلك الفترة، والتي لا يزال الانتفاع بها مستمرًا إلى يومنا هذا.\nوبعد، فهذه هي أوضاع العصر الذي عاش فيه ابن القَيِّم وأحواله، وتلك هي ظروفه: السياسية، والدينية، والاجتماعية، والعلمية.\nوقد ظهر أن الحالة العلمية للبلاد في تلك الفترة كانت أحسن تلك الأحوال كلها، كما ظهر لنا أيضًا: أثر هذه الأحوال مجتمعة على نهج ابن القَيِّم وتوجهاته: في دعوته، وكتاباته؛ فلقد أثرت تلك الأحوال الْمُتَرَدِّية على المنهج الذي سلكه ابن القَيِّم - ﵀ - في دعوته الإصلاحية، وَأَثَّرَ ذلك بالتالي على مؤلفاته والموضوعات التي تناولتها تلك","vol":"1","page":77},{"text":"المؤلفات، تمامًا كما كان للحالة العلمية - على وجه الخصوص - أثر طيب على شخصيته وتكوينه العلمي.\nوإنني أود في نهاية حديثي عن الأحوال المميزة لعصر ابن القَيِّم ﵀، أن أؤكد أمرًا مهمًا، وهو: أنه بالرغم مما غلب على تلك الأحوال من سوءٍ في عهد الحكم المماليكي، إلا أنه وجدت جوانب حسنةٌ وصورٌ مشرقةٌ في تاريخ تلك الدولة، فمن ذلك:\n- تلك الغيرة الدينية على حرمات الإسلام ومُقَدَّسَاتِه، التي كانت - بتوفيق الله وتأييده - وراء دفع خطرين عظيمين عن الأمة الإسلامية، وهما: خطر التتار وخطر الصليبين.\n- الغيرة على حدود الله، ففي أحيان كثيرة كانوا يواجهون المفسدين - على اختلاف أنواعهم - فَيُنْكِّلون بهم، ويطبقون الحدود الشرعية عليهم، وقد مضى ذكر شيء من ذلك.\n- احترامهم للعلماء - في الكثير الغالب - وتوقيرهم، والنزول عند آرائهم، وعدم قضاء كثير من الأمور المهمة إلا في حضرتهم، مما كان له أكبر الأثر في قيام العلماء بدور مهم في تلك الفترة.\n- رعايتهم للعلم وأهله، حتى أثَمْرَ ذلك الاهتمام هذه النهضة العلمية التي قدمنا الحديث عنها.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثاني: حياة ابن القيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده</span>.\n...\nالمبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده\n١- اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه:\nهو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز، الزُّرَعِي الأصل، ثم الدمشقي، الحنبلي، المشهور بابن قَيِّم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله.\nوقد اتفقت أكثر المصادر على الوصول إلى جده الثالث (حريز) ١، بينما وقف بعضها عند جده الأول (أيوب) ٢.\nوقد زاد الشيخ بكر أبو زيد في اسمه جَدًّا رابعًا، فقال: \" ... ابن حريز بن مكي زين الدين\". وذكر الشيخ أنه قد تحصل له ذلك من ترجمة أخي ابن القَيِّم عبد الرحمن في (الدرر الكامنة)، حيث زاد فيه هذه الزيادة٣.\nوأما أبوه: فالجميع ذكروا أنه (أبو بكر)، لم يسمه أحد بغير ذلك، فعلى هذا تكون كنيته اسمه. ويؤكد ذلك: أن ابن القَيِّم نفسه في\n_________\n١ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٠)، والذيل على طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، والرد الوافر: (ص٦٨)، والدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٢ انظر: المعجم المختص: (ص٢٦٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٤٦)، والنجوم الزاهرة: (١٠/٢٤٩) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ٧ - ٨) . وانظر الدرر الكامنة: (٢/٤٣٤) .","vol":"1","page":81},{"text":"قصيدته الميمية في التضرع١لم يسم أباه إلا بأبي بكر، بل كان يكتب ذلك بخطه٢.\nوأما ضبط (حريز) - جده الأعلى-: فقد استظهر الشيخ بكر أبو زيد أنه: بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين، وبعدهما ياء منقوطة باثنتين من تحت، ثم الزاي المعجمة في آخره، على وزن (فَعِيل)، وأن هذا الضبط هو الأكثر والأشهر على ألسنة أهل العلم٣.\nوأما (الزُّرَعِيُّ): فنسبة إلى قرية (زرع) وقد ذكر ياقوت في (معجم البلدان) ٤ - نقلًا عن أبي القاسم الدمشقي-: أنها كانت تسمى (زُرَّا)، فقال: \"علي بن الحسين. .. الزُّرِّي الإمام، من أهل زُرَّا، التي تدعى اليوم: زرع، من حوران\"٥.\nفَعُلِم من ذلك: أنها كانت في القديم تعرف بـ (زُرَّا) وكانت النسبة إليها: الزُّرِّي، ثم عرفت بعد بـ (زُرَع) فصار المنسوب إليها يقال له: (الزُّرَعِيُّ) .\n_________\n١ انظر أبياتًا منها: (ص ١١٠) .\n٢ انظر: صورة خطه في مقدمة (روضة المحبين) بتحقيق الأستاذ أحمد عبيد: ص/ض.\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٧) .\n(٣/١٣٥) .\n٥ كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع، وتقع حوران في جنوبي دمشق، وهي المعروفة الآن بمحافظتي: درعا، والسويداء. معجم البلدان: (٢/٣١٧)، ومعالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٣٥١) .","vol":"1","page":82},{"text":"وأفاد الدكتور أحمد عبيد: أن (زرع) هذه هي التي تعرف اليوم بـ (إِزْرَع) ١. ويوافق الأستاذ أحمد قدامة الأستاذ أحمد عبيد على ذلك، ويزيد الأمر إيضاحًا، فيقول عند كلامه على (إزرع): \"بلدة في محافظة درعا٢، هي مركز منطقة إزرع، ومركز الناحية، تبعد عن درعا ٣٢كم، وعن دمشق ٩٦كم، كانت قديمًا تسمَّى: (زرافة) ثم: (زرع) . سكانها: ٣٢٢٦ نسمة\"٣.\nفتلخص من ذلك كله: أن هذه القرية التي ينسب إليها ابن القَيِّم: كانت قديمًا تسمى: (زرا) - وزرافة على كلام الأستاذ أحمد قدامة - ثم عرفت بعد بـ (زرع)، ثم أصبحت الآن عند العوام: (إِزْرَع) .\nولكن المؤكد عندنا: أنها في أيام ابن القَيِّم - ﵀ - وإلى آخر حياته لم تكن تعرف إلا بـ (زرع)؛ فقد ذكر ابن كثير -﵀– في أحداث سنة (٧٤٨هـ): أنه نزل المطر، وامتلأت الأودية والغدران، \"وامتلأت بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة\"٤. كما أن جماعة كثيرين من أهل العلم قد عرفوا بهذه النسبة في عصر ابن القَيِّم وأيامه٥.\nوقد وقعت زيادة في نسبته، وذلك في ترجمة أخيه عبد الرحمن، حيث قال صاحب (الجوهر المنضد) ٦: \" ... ابن أيوب بن سعد بن حريز اليمامي، الزُّرَعِي، ثم الدمشقي\".\n_________\n١ مقدمة (روضة المحبين): (ص/ع) .\n٢ راجع الكلام الماضي قبل قليل عن (حوران) .\n٣ معالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٢٩) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٦) .\n٥ انظر مثلًا: البداية والنهاية: (١٤/١٢٨، ١٢٩، ٢٢٤، ٢٢٥) .\n(ص ٥٧) .","vol":"1","page":83},{"text":"ولم أر أحدًا من الذين ترجموا له ذكر في نسبته (اليمامي\".\nوأما شهرته - ﵀ - بابن قَيِّم الجوزية: فقد أجمعت على هذه الشهرة كل المصادر التي ترجمته، وبها عُرِف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا.\nوأما عن سبب هذه الشهرة وأصلها: فلأن والده كان قَيِّمًا١ على المدرسة (الجوزية) ٢ التي كان ابن القَيِّم إمامها.\nومع أن وظيفة القِوامة في (المدرسة الجوزية) لم تكن حكرًا على أبي بكر - والد ابن القَيِّم - وحده، بل لا بد أن يكون قد تولاها غيره - إما قبله أو بعده - إلا أن الواضح: أن والد ابن القَيِّم كان أشهر من تولى هذا المنصب، فصار هو المراد عندما يقال: (قيم الجوزية)، وغلبت - بالتالي - هذه الشهرة على ابنه، حتى صار لا يُعرف إلا بها. وقد يكون الأب اكتسب هذه الشهرة بسبب شهرة ابنه شمس الدين، الذي ذاع صيته آنذاك.\nوهذا كثير عند أهل العلم، ينسبون الرجل إلى وظيفة أو صنعة أبيه أو جَدِّه، كما كان الحافظ الذهبي - ﵀ - يعرف بـ (ابن الذهبي) نسبة إلى صنعة الذهب التي مارسها أبوه٣.\n_________\n١ القيِّمُ: السيد وسَائِسُ الأمر. (لسان العرب ص: ٣٧٨٤، مادة: قوم) . فالمعنى: المسؤول عن المدرسة، والقائم بتدبير أمورها.\n٢ وتقدم الكلام عليها: (ص ٧٠) .\n٣ انظر: الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام: (ص٧٩) .","vol":"1","page":84},{"text":"والمشهور الآن بين أهل العلم وطلابه، وأكثر الناس قولهم: (ابن القَيِّم) بحذف المضاف إليه اختصارًا وجعل (ال) عوضًا عنه، وهذا الاختصار لا مانع منه؛ فقد صار هو المقصود عند الإطلاق لشهرته، ومع ذلك ينبغي التنبه من التباسه بغيره، فقد وقع في ترجمة محمد بن رافع السلامي - صاحب (الوفيات)، المتوفى سنة ٧٧٤هـ -: أنه سمع من ابن القَيِّم١، هكذا بدون إضافة، ومع ذلك فليس هو ابن قَيِّم الجوزية الذي نترجم له، وإنما هو: علي بن عيسى بن سليمان بن رمضان، الثعلبي، المصري، الشافعي، بهاء الدين، أبو الحسن، مولده ٦١٣هـ. تَفَرَّد بالرواية عن الفخر الفارسي، وليَ نظر الأوقاف، وكان ديِّنًَا، خيِّرًا، متواضعًا. توفي سنة ٧١٠هـ٢.\nفإذا قيل: إن ابن رافع سمع من ابن القَيِّم، توهم من لم يمعن النظر أنه ابن قَيِّم الجوزية، وبخاصة أن ابن رافع دخل دمشق مرارًا، وأخذ عن جماعة هم في طبقة ابن قَيِّم الجوزية، فاحتمال التباسه غير بعيد، ولذا أردت التنبيه، والله أعلم.\nومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا: ما يسمع على ألسنة البعض من قولهم: (ابن القَيِّم الجوزية) بالجمع بين (أل) والإضافة، ومعلوم أنهما لا يجتمعان في التعريف.\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٣/٦٨)، وذيل التذكرة - للحسيني: (ص٥٣)، والرد الوافر: (ص٤٣) .\n٢ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٢٦)، والدرر الكامنة: (٣/١٦٤-١٦٥) . وقد كان أبو هـ قَيِّم قُبَّة الشافعي، كما أفاده الذهبي ﵀. (معجم الشيوخ: ٢/٣٨) .","vol":"1","page":85},{"text":"كنيته:\nاتفق كل من ذكر كنيته من مترجميه على أنها (أبو عبد الله)، وذلك تكنية له باسم ولده عبد الله، وهو أصغر ولديه كما سيأتي في ترجمته.\nلقبه:\nواتفقت مصادر ترجمته - أيضًا - على تلقيبه بـ (شمس الدين)، ولقبه السيوطي بـ (الشمس) ١، بجعل (ال) عوضًا عن المضاف إليه، ومنه قولهم: (التقى ابن تَيْمِيَّة والشهاب ابن حجر)، أي: تقي الدين وشهاب الدين.\nوقد كانت هذه الألقاب وأمثالها منتشرة بين أهل العلم في عصره ﵀، وربما لقبه بذلك أبوه - أو غيره - تفاؤلًا بأن ينفع الله به، وأن يجعله من العلماء العاملين، الذين تضيء آثارهم طريق العباد هداية ونورًا، فجاء اللقب - بتوفيق الله - مطابقًا للحقيقة، وانتفع القاصي والداني بأنوار علومه، وكان - بحق - شمسًا بين أقرانه، نفع الله به البلاد والعباد.\n٢- مولده:\nاتفقت الكتب التي ترجمت لابن القَيِّم - ﵀ - على أن مولده كان في سنة إحدى وتسعين وستمائة (٦٩١هـ) .\n_________\n١ بغية الوعاة: (١/٦٢) .","vol":"1","page":86},{"text":"وذكر الصَّفَدِي - من بينهم - يوم ولادته وشهرها، فقال: \"مولده سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة\"١. وتابعه على ذلك: السيوطي٢، ثم الداودي٣.\nأما عن مكان ولادته: فلم ينص أحد ممن ترجم له على ذلك، وقد تقدم أنه منسوب إلى (زرع) أولًا، ثم (دمشق) ثانيًا، فقال ابن ناصر الدين ﵀: \" ... الزرعي الأصل، ثم الدمشقي\"٤. فهل يعني ذلك أنه ولد في (زرع)، ثم انتقل إلى دمشق؟ أم أن الانتقال حصل لأبيه أو أحد أجداده، وأن مولده كان في دمشق؟ كلا الأمرين محتمل، وعلى كلٍّ فإن الأمر في ذلك سهل؛ إذ إن مكان ولادته لا يخرج عن أحدهما.\nثم رأيت بعد ذلك الأستاذ أحمد قدامة يجزم بأنه مولود في دمشق٥، فالله أعلم.\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٠) .\n٢ بغية الوعاة: (١/٦٢) .\n٣ طبقات المفسرين: (٢/٩١) .\n٤ الرد الوافر: (ص٦٨) .\n٥ معالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٢٦٧) .","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى</span>\nلاشك أن لأسرة الرجل وأهل بيته دورًا كبيرًا في تكوينه الخُلُقِي، وتنشأته وتوجيهه، وذلك بحسب ما يكون عليه أفرادها من أخلاق وقيم وعادات، وبحسب ما يولون أولادهم من عناية ورعاية واهتمام.\nفإن الأسرة التي يغلب على أفرادها الصلاح والتمسك بتعاليم الإسلام وتقوى الله عزوجل، ينشأ أولادها - في الغالب - كذلك، وإذا كان الأمر على خلاف ذلك، فقلَّ أن يرجى من أبناء هذه الأسرة خير.\nمن أجل ذلك، كان علينا - ونحن نصف حياة ابن القَيِّم - أن نتعرف على أسرته وأهل بيته، الذين كان لهم الفضل الأكبر - بعد الله سبحانه - في توجيهه الوجهة الصحيحة، وسلوكه طريق العلم وأهله.\nولم يتيسر لي الوقوف على شيء من أخبار هذه الأسرة عن طريق ابن القَيِّم نفسه؛ إذ لم يتعرض لشيء من ذلك - فيما أعلم - مثلما يفعل بعض العلماء، غير أنه أمكن التقاط بعض تلك الأخبار عن هذه الأسرة من خلال بعض الكتب التي تُعنى بالحوادث والتاريخ، وعلى رأسها: (البداية والنهاية) لابن كثير ﵀- تلميذ ابن القَيِّم، وصاحبه المقرب- فقد ذكر جملة من الأخبار عنهم، كما كان للشيخ الفاضل بكر بن عبد الله أبي زيد - حفظه الله - فضل السبق في ذلك؛ إذ ذكر طرفًا من أخبار هذه الأسرة المباركة١.\n_________\n١ في كتابه المفيد النافع (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره): (ص٢١ - ٢٣) .","vol":"1","page":89},{"text":"وَالِدُهُ:\nهو الشيخ: أبو بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، الحنبلي، قَيِّم المدرسة (الجوزية) بدمشق، كما مضى ذكر ذلك.\nأما عن أخلاقه وعبادته: فيقول ابن كثير ﵀: \"كان رجلًا صالحًا، متعبدًا، قليل التكلف، وكان فاضلًا\"١.\nوقد جاء أنه - ﵀ - اشتهر بكثرة عبادته، ولذلك ترجمه ابن كثير بقوله: \"الشيخ العابد: أبو بكر\". ولا شك أن ذلك كان له أثر كبير على ولده ابن القَيِّم ﵀، فأخذ عنه كثرة عبادته، كما سيأتي ذكر ذلك عنه إن شاء الله.\nوأما عن طلبه للعلم: فيقول ابن كثير ﵀: \"سمع شيئًا من دلائل النبوة على الرشيدي العامري\"٢.\nولا شك أن عمله في قوامة المدرسة الجوزية والقيام بشأنها، قد أتاح له أن يحيا في جو علمي، وأن يكون على اتصال دائم بالعلم وأهله، وبخاصة أن هذه المدارس كان يوضع في وظيفة التدريس بها أكابر العلماء وأفاضلهم.\nوأما عن علومه وإفاداته: فقد كان بارعًا في علم الفرائض، بل كان له فيها اليد الطولى، حتى إن ابنه - ابن القَيِّم - تلقاها عنه، ودرسها عليه٣.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) .\n٣ وسيأتي بيان ذلك عند الكلام على شيوخ ابن القَيِّم ﵀.","vol":"1","page":90},{"text":"وفاته:\nتوفي - ﵀ - فجأة ليلة الأحد، تاسع عشر ذي الحجة، من سنة (٧٢٣هـ)، وذلك بالمدرسة الجوزية مقر عمله، وصُلِّيَ عليه بعد الظهر من الغد بالجامع - يعني الجامع الأموي- ودفن بباب الصغير١٢.\nولأجل سيرة الوالد الحسنة، وأخلاقه الفاضلة، فقد اكتسب حب الناس ومودتهم، فلما مات - ﵀ - \"كانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناس خيرًا\"٣.\nوعلى هذا، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - كان عند وفاة أبيه في أواسط عمره، وريعان شبابه، إذ كان آنذاك في الثانية والثلاثين من العمر، وبذلك يكون - ﵀ - قد نال حظًا وافرًا من رعاية والده وعنايته قبل رحيله عن الحياة الدنيا.\nفرحم الله أبا بكر - قيم الجوزية - رحمة واسعة، فقد جمع بين: حسن الخلق، والصلاح والعبادة، مع الاشتغال بالعلم ونشره، مما كان له أكبر الأثر على حياة الولد - ابن القَيِّم - حيث جمع هذه الصفات كلها وزيادة، كما سيأتي الكلام على ذلك.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) .\n٢ قال في (منادمة الأطلال) (ص٤٠): \"وهو الباب القبلي للبلد، قال ابن عساكر: سمي بذلك لأنه كان أصغر أبوابها حينما بنيت\" اهـ. وهو باق إلى الآن (وفاة ابن بدران صاحب (المنادمة) سنة ١٣٤٦هـ) بمصلبة الشاغور، ومن جانبه الغربي زقاق يقال له: زقاق الصمادية، ومن شرقيه: طريق يوصل إلى حارة الزط، وبناؤه قوي متين) اهـ.\n٣ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) .","vol":"1","page":91},{"text":"َأخُوه:\nوقد بورك للشيخ أبي بكر في ذُرِّيَّتِه وبنيه، فكان لابن القَيِّم أخ يصغره بحوالي عامين، وكان هو الآخر من المشتغلين بالعلم.\nولا عجب في ذلك، فإن أباهما كان من أهل العلم-كما سلف- فحبب الله ذلك إلى بنيه، مع ما كان يمارسه الأب من حسن التوجيه، وجميل التربية.\nأما عن هذا الأخ، فهو: الشيخ القدوة، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب ... مولده سنة (٦٩٣هـ) ١ بعد أخيه ابن القَيِّم بحوالي عامين.\nوقد ذكره ابن رجب الحنبلي في (مشيخته) ٢، وقال: \"سمعت عليه كتاب (التوكل) لابن أبي الدنيا، بسماعه على الشهاب العابر٣. وتفرد بالرواية عنه\"٤.\nوقال ابن حجر: \"تفرد بالرواية عن الشهاب العابر\"٥.\nتوفي - ﵀ - ليلة الأحد، عشرين من ذي الحجة سنة (٧٦٩هـ)، ودفن بباب الصغير٦. وقد كَمُلَ له من العمر ست وسبعون سنة، فتكون وفاته قد تأخرت عن ابن القَيِّم أخيه بحوالي ثماني عشرة سنة.\n_________\n١ الدرر الكامنة: (٢/٤٣٤) .\n٢ ولم أقف عليها.\n٣ انظر ترجمته فيما يأتي من كلام على شيوخ ابن القَيِّم ﵀ (ص ١٤٦) .\n٤ منادمة الأطلال: (ص٩١) .\n٥ الدرر الكامنة: (٢/٤٣٤) .\n٦ منادمة الأطلال: (ص٩١) .","vol":"1","page":92},{"text":"أولادُه:\nولما كانت هذه الشجرة المباركة الطيبة، ثابتة الأصول ضاربة بجذورها الخيرة إلى أعماق بعيدة، فقد كانت دائمة الأُكُل، مستمرة العطاء.\nفقد رزق الله ابن القَيِّم - ﵀ - أولادًا صالحين، عالمين عاملين، فكانوا خير خلف لخير سلف.\nوممن وقفت على تراجمهم وبعض أخبارهم من هؤلاء الأبناء:\n١- عبد الله، الفقيه الفاضل الْمُحَصِّل، جمال الدين، ابن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية.\nمولده سنة (٧٢٣) ١، وهي سنة وفاة جده أبي بكر.\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"الشيخ ... الفاضل المحصل، جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين ... كانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودَرَّسَ وأعاد وناظر، وحج مرات عديدة، ﵀ وَبَلَّ بالرحمة ثراه\"٢.\nوقال ابن حجر: \" ... اشتغل على أبيه وغيره، وكان مفرط الذكاء، حفظ سورة الأعراف في يومين، ثم دَرَسَ (المحرر) في الفقه،\n_________\n١ الدرر الكامنة: (٢/٣٩٦) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٥) .","vol":"1","page":93},{"text":"و(المحرر) في الحديث ... ومهر في العلم، وأفتى ودَرَّسَ، وحج مرارًا ... قال ابن رجب: كان أعجوبة زمانه\"١.\nوقال ابن حجر أيضًا: \"صلى بالقرآن سنة ٧٣١هـ\"٢. فيكون ﵀ قد حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين.\nوأما وظائفه العلمية التي شغلها: فإنه قد دَرَّسَ (بالصدرية) عقب وفاة أبيه، قال ابن كثير ﵀: \"وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان - يعني من سنة ٧٥١هـ، بعد وفاة أبيه بشهر - ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية عوضًا عن أبيه ﵀، فأفاد وأجاد، وسرد طرفًا صالحًا في فضل العلم وأهله\"٣.\nكما أنه - ﵀ - قد اشتغل بالخطابة؛ قال الحافظ ابن كثير: \"وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول أقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد هناك يقال له: مسجد المزار، وخطب فيه جمال الدين عبد الله بن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية ... \"٤.\nكما ذكر النعيمي في ترجمته أنه كان خطيبًا في (جامع سليمان) وأنه أول من خطب به٥.\n_________\n١ الدرر الكامنة: (٢/٣٩٦) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٥٩) حوادث سنة (٧٥٤هـ) .\n٥ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩٠) .","vol":"1","page":94},{"text":"توفي ﵀ شابًا، وذلك سنة (٧٥٦هـ) وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة. \"وكانت جنازته حافلة\" ودفن عند أبيه بالباب الصغير١، فرحمه الله رحمة واسعة.\n٢- إبراهيم، العالم الفقيه، برهان الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن أبي بكر.\nذكر ابن رافع أن مولده سنة (٧١٦هـ) ٢، ووافقه على ذلك: ابن حجر٣ ﵀، وكذا قال الشيخ بكر أبو زيد٤.\nوذكر الحافظ الذهبي أن مولده سنة: \"بضعة عشرة وسبعمائة\"٥.\nوأما الحافظ ابن كثير، فقد ذكر عمره حين وفاته، فقال: \"بلغ من العمر ثمانيًا وأربعين سنة\"٦. وإذا اعتبرنا ذلك بتاريخ وفاته - الذي اتفقوا على أنه كان سنة ٧٦٧هـ - فيكون وقت ولادته هو سنة (٧١٩هـ)، وبه جزم صاحب (منادمة الأطلال) ٧، ولعله استظهره من كلام ابن كثير ﵀، وهذا يعارض ما تقدم من أنه ولد سنة\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٥) .\n٢ الوفيات: (٢/٣٠٤) .\n٣ الدرر الكامنة: (١/٦٠) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٢٣) .\n٥ المعجم المختص: (ص٦٦) .\n٦ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) .\n(ص٢٤٠) .","vol":"1","page":95},{"text":"(٧١٦هـ)، ولعل الحافظ ابن كثير يكون أعرف به من غيره؛ إذ كان على صلة به ومعرفة، والله أعلم.\nقال الذهبي ﵀: \"قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّه وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار\"١.\nوقال الحافظ ابن كثير: \"كان بارعًا فاضلًا في النحو والفقه وفنون أخر على طريقة والده، رحمهما الله تعالى، وكان مدرسًا بالصدرية، والتدمرية، وله تصدير٢ بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان\"٣.\nوقال ابن رافع: \"طلب الحديث وقتًا، وتَفَقَّه، واشتغل بالعربية، وشرح ألفية ابن مالك\"٤.\nوقال ابن قاضي شهبة: \"وكان له أجوبة مسكتة\"٥.\nوذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - أنه ولي تدريس الحنابلة في مشيخة دار الحديث التي فتحت بدرب القبلي، وذلك في جمادى الأولى من سنة (٧٦٥هـ) ٦.\n_________\n١ المعجم المختص: (ص٦٦ - ٦٧) .\n٢ التصدير: كلمة ترد بمعنى التدريس، لأن المدرس حينما يُكَلَّف بتدريس الطلبة يتصدر المجلس في الجامع أو المجلس لهذه الغاية. (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية - مصطفى الخطيب: ص١٠٦) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) .\n٤ الوفيات: (٢/٣٠٤) .\n٥ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٨٩) .\n٦ البداية والنهاية: (١٤/٣٢١) .","vol":"1","page":96},{"text":"وبعد عمر حافل بالجد والعطاء، وحياة علمية مزدهرة مشرقة، توفي هذا الإمام البارع، ابن الإمام العلامة، وذلك في يوم الجمعة مستهل صفر من سنة (٧٦٧هـ) ١. \"وحضر جنازته القضاة والأعيان، وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة\"٢.\nوقد كان - مع هذا العلم والفضل - ذا مال ونعمة، فقد \"ترك مالًا جزيلًا يقارب المائة ألف درهم\"٣. فرحمه الله رحمة واسعة.\nومن هذا العرض لأسرة ابن القَيِّم - ﵀ - نعلم أن النشأة الأولى كانت طيبة، في جو تسوده الرعاية الدينية الصحيحة، والتربية الإسلامية القويمة، والقدوة الحسنة الرشيدة. فلا عجب إذن أن نجد ابن القَيِّم - ﵀ - ينشأ هذه النشأة السوية في هذه البيئة الطيبة المباركة.\nثم كانت البركة في أسرة ابن القَيِّم مستمرة، فكان أولاده من أهل العلم الأفاضل، الذين بذلوا في خدمته أعمارهم، فكانوا أعلامًا بارزين على طريق البذل والعطاء، كما كان أبوهم من قبلهم، فرحم الله هذه الأسرة الكريمة المباركة، وأسكنها فسيح الجنات، آمين.\n_________\n١ الوفيات لابن رافع: (٢/٣٠٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) .\n٣ المصدر السابق.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته الشخصية</span>\nإن أول ما يلمسه المرء ويحسه - وبخاصة إذا كان ممن عَرَفَ ابن القَيِّم، وعاش مع تراثه الممتع النافع - أنه أمام عالم عامل، وداعية مخلص صادق، ومربٍ فاضل، أفنى عمره في محاربة كل شر ورذيلة، والدعوة إلى التخلق بكل خير وفضيلة.\nفلم يكن ابن القَيِّم - ﵀ - ممن يتكسبون بدعوتهم، أو يطلبون بها عرضًا زائلًا - كما كان حال البعض في عصره - وإنما كان صاحب رسالة سامية، عاش حياته مبلغًا لها ومنافحًا عنها.\nفلا عجب إذن أن يكون على درجة عالية من الأخلاق الفاضلة، والخلال الحميدة، بشهادة كل من عايشه وسعد بصحبته، فقد كان (الغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة) كما وصفه بذلك تلميذه ابن كثير رحمه الله١.\nكما لا يفوتنا التنبيه على أن هذه الأسرة الطيبة التي نشأ ابن القَيِّم بين أحضانها، وما لقيه منها من رعاية وحسن توجيه - وخاصة والده الذين قدمنا طرفًا من سيرته العطرة - كان لها أكبر الأثر في تحلي ابن القَيِّم - ﵀ - بجميل العادات، ومحاسن الأخلاق، كما سبق التنبيه على ذلك.\nويمكن لنا أن نسجل بعض هذه الصفات التي كان متخلقًا بها،\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .","vol":"1","page":99},{"text":"وذلك من خلال شهادة تلاميذه، وأصحابه ومن عرفوه، وكذا من خلال ما يظهر من مطالعة سيرته ومؤلفاته، فلعل ذلك يكون باعثًا على التحلي بمثل أخلاق هذا الإمام الفاضل.\nفمن هذه الصفات:\n١ـ حسن العشرة، وكثرة التودد إلى الناس والتَّحَبُّب إليهم، لاسيما أهل الفضل والصلاح منهم، فكان الحافظ ابن كثير - مثلًا - من (أحب الناس إليه) كما حكى هو كذلك١.\n٢ـ كَفُّ الأذى عن الخلق، فكان - ﵀ - \"لا يحسد أحدًا، ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد\". كما قال ذلك أصحب الناس له: ابن كثير٢ ﵀.\nهكذا كان ابن القَيِّم متحببًا إلى الناس متجملًا معهم، كَافًّا أذاه عنهم؛ لأنه - ﵀ - كان يعلم أن حسن الخلق هو: (طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) . فإنه قد نقل ذلك عن عبد الله بن المبارك ﵀، شارحًا به حسن الخلق وموضحًا معناه٣. فرحم الله ابن القَيِّم: الذي عَلِمَ، فتخلق بهذا العلم وعمل به، ثم دعا إليه ونشره بين الناس.\n٣ـ شِدَّةُ محبته للعلم، وكتابته، ومطالعته. كما وصفه بذلك تلميذه ابن رجب٤ ﵀.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ تهذيب السنن: (٧/١٦١) .\n٤ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .","vol":"1","page":100},{"text":"وكيف لا يكون شديد الحب للعلم، شديد التعلق به، وهو القائل: \"النَّهْمَةُ١ في العلم، وعدم الشبع منه من لوازم الإيمان، وأوصاف المؤمنين\"٢.\n٤ـ جِدُّهُ واجتهاده - ﵀ - في تحصيل ما نذر نفسه لتحصيله من هذا العلم الشريف، وإنفاق أيام العمر وسِنِيِّه في ذلك، بحيث وصف بـ \"كثرة الطلب ليلًا ونهارًا\"٣.\n٥ـ جرأته - ﵀ - وصلابته في دين الله، وصدعه بالحق؛ فلم يكن يحابي أحدًا فيما يعتقد أنه الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، مع ما سببه ذلك له من محن وإيذاء كما سيأتي. قال الإمام الشوكاني في وصفه إياه: \" ... صادعًا بالحق لا يحابي فيه أحدًا\"٤.\n٦ـ تجرده - ﵀ - في أبحاثه العلمية من كل هوًى نفسي، أو غرض ذاتي شخصي، وإنما كان يبتغي الوصول إلى الحق والصواب، ولو ظهر هذا الحق على لسان غيره.\nفمن ذلك: أنه صوّب إثبات (الواو) في قوله ﷺ: \"إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم\" ثم قال: \"فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة، فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، فيشكر الله له، وعباده سعيه، فإن المقصود: الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل\"٥.\n_________\n١ النَّهْمَةُ: بلوغ الهمة في الشيء. وقد نُهِمَ بكذا نَهْمةً، فهو منهوم، أي مولعٌ به.\n٢ مفتاح دار السعادة: (١/٧٤) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٤ البدر الطالع: (٢/١٤٣-١٤٤) .\n٥ بدائع الفوائد: (٢/١٧٧) .","vol":"1","page":101},{"text":"٧ـ تَوَاضُعُه وإنكاره لِذاتِهِ، واستصغاره لنفسه وعلمه، من ذلك: ما نجده في أكثر كتبه من تصريحه بقلة بضاعته في هذا الشأن، مع إسناده الصواب في ذلك إلى الله، وأن ذلك من فضله وتوفيقه، وإسناده الخطأ والنقص إلى نفسه١.\nهذا ما يقوله، مع ما عرف عنه من جودة تصانيفه، وكثرة إفاداته، وغزارة علمه ﵀.\n٨ - صَبْرُهُ - ﵀ - على الأذى والْمِحَن والابتلاء في ذات الله سبحانه، دون جزع أو ضَجَر، فكم عانى من ألم السجن ومرارة الحبس، فكان يقابل كل ذلك صابرًا محتسبًا، بل \"كان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، فَفُتِح عليه من ذلك خير كثير ... \" كما يقول ابن رجب٢ ﵀، فانقلبت بذلك محنته إلى منحة، وسجنه إلى خلوة للتعبد والمناجاة. وهذا - لا شك - دال على شجاعته ﵀، تلك الخصلة التي وصفها مرة بقوله: \"الشجاعة: ثبات القلب عند النوازل\"٣. ولما كانت الشجاعة - بهذا المعنى - \"خلقًا كريمًا من أخلاق النفس\"٤، فقد كان - ﵀ - متخلقًا بها متحليًا بفضائلها.\nوأخيرًا، فإنه ليس بغريب على مثل ابن القَيِّم - ﵀ - أن يجمع بين هذه الأخلاق الفاضلة، ويتحلى بكل هذه الخلال الحميدة، ذلك\n_________\n١ ينظر على سبيل المثال: حادي الأرواح: (ص٣٠)، والفروسية: (ص٢) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .\n٣ الفروسية: (ص١٢٩) .\n٤ الفروسية: (ص١٣٠) .","vol":"1","page":102},{"text":"أن \"الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبًا\"١ كما يقول ابن القَيِّم نفسه.\nومع ذلك، فإن ما ذكرناه هنا ما هو إلا طرف يسير مما يتحلى به هذا الإمام الفاضل، والمربي القدوة من أخلاق حسنة، ومن شاء أن يقف على المزيد من فضائله، ومكارم أخلاقه، ومحاسن طباعه: فعليه بمؤلفاته وكتبه، فإن ما رسمه فيها من منهج متكامل لما ينبغي أن يتخلق به المسلم الحق في دينه ودنياه، لم يكن إلا صورةً حقيقية، ومرآة صادقة لأخلاقه ﵀، فما من خلة حميدة أو خلق فاضل دعا إليه، إلا وهو متخلق به، عامل بمقتضاه كما تقدم بيان شيء من ذلك، وكما سيأتي في الكلام على زهده وعبادته ﵀.\n_________\n١ الفروسية: (ص١٢٩) .","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الرابع: زهده زعبادته</span>\n...\nالمبحث الرابع: زهده وعبادته\nإنَّ في حياة العلامة ابن القَيِّم وسلوكه جانبًا آخر- غير ما سبق - وهو جانب: اجتهاده مع مولاه، وخوفه منه ورجائه إياه، وسعيه في تحصيل رضاه، واستعداده ليوم لقاه.\nفإن (من يقرأ مؤلفات ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - وبخاصة كتابه (مدارج السالكين) - يخرج بدلالة واضحة: على أن ابن القَيِّم –رحمه الله تعالى– كان لديه من عمارة قلبه باليقين بالله والافتقار والعبودية، والاضطرار، والإنابة إلى الله، الثروة الطائلة، والقدح الْمُعَلَّى في جَوِّ العلماء العاملين، الذين هم أهل الله وخاصته.\nوأن لديه من الأشواق والمحبة التي أخذت بمجامع قلبه - لا على منهج المتصوفة الغلاة، بل على طريق السلف الصالح - ما عمر قلبه بالتعلق بالله في السِّر والعلن، ودوام ذِكْرِهِ، وأن العبادة حَلَّت منه محل الدواء والمعالجة، وترويض النفس\"١.\nفلقد عَمَرَ ابن القَيِّم - ﵀ - ما بينه وبين الله سبحانه، بالاجتهاد في العبادات والطاعات، كما عَمَر ما بينه وبين الناس بحسن الخلق، والاتصاف بجميل العادات، فكان بذلك خير مثال للعلماء الصادقين، الذين جمعوا بين العلم والعمل.\n_________\n١ بهذه الكلمات المضيئة وصفه الشيخ بكر بن عبد الله أبو بزيد في كتابه: (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره): (ص٢٥) .","vol":"1","page":105},{"text":"نعم، لقد شَمَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن ساعد الجد في العبادة ليلًا ونهارًا، حتى قال عنه أقرب الناس إليه، وأعرفهم به، وأصحبهم له - وهو الحافظ ابن كثير -: \"ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه\"١.\nوفيما يلي طرفٌ مما حكاه بعض من شاهد أحواله في ذلك:\n١ـ طول صلاته وقيامه بين يدي الله سبحانه، وطول ركوعه وسجوده: فقد وُصِفَ –﵀ - بطول الصلاة \"إلى الغاية القصوى\"٢.\nوكانت طريقته - ﵀ - في الصلاة: أنه (يطيلها جدًا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا يَنْزِع عن ذلك ﵀\"٣.\nوكيف يَنْزِع عن ذلك، أو يُقْلِع عنه، وقد وجد راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، والأنس بمحبوبه في طول الوقوف بين يديه سبحانه، وكثرة المناجاة له؟ وكيف يُقْلِع عن ذلك وهو يرى أن (من لم تكن قرة عينه في الصلاة، ونعيمه وسروره ولذته فيها، وحياة قلبه وانشراح صدره\"٤، فأولى به أن يكون من السُّرَّاق في صلاتهم، الذين ينقرونها نقرًا.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٤ الصلاة: (ص ١٦٥ - ١٦٦) .","vol":"1","page":106},{"text":"٢ـ تهجده وقيامه الليل: فقد قال عنه ابن رجب ﵀: \"كان ذا عبادة وتهجد\"١.\nوكيف بهذا العالم الرباني يغفل عن قيام الليل، أو يتوانى في ذلك، وقد علم أنه (وَقْتُ قَسْمِ الغَنَائم) ٢، فأسهر ليله، ووقف بين يدي مولاه والناس نيام حتى يكون يوم القيامة من الآمنين، وفي الموقف من المطمئنين؛ فإن من \"سَبَّح الله ليلًا طويلًا، لم يكن ذلك اليوم ثقيلًا عليه، بل كان أخفَّ شيء عليه\"٣. كما يقول هو ﵀.\nويقرر - ﵀ - أن في قيام الليل الكثير من الفوائد التي تعود على المسلم بالخير في صحته وبدنه؛ فإن قيام الليل \"من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب\"٤.\n٣ـ كثرة ابتهاله وتضرعه ودعائه: فقد وصفه ابن كثير - ﵀ - بـ (كثير الابتهال) ٥. وقد وُصِفَ أيضًا بـ \"الافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته\"٦ بحيث لم يشاهد مثله في ذلك.\n_________\n١ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٨) .\n٢ تحفة المودود: (ص ٢٤١) .\n٣ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص٣٧) .\n٤ زاد المعاد: (٤/٢٤٧-٢٤٨) .\n٥ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٦ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٨) .","vol":"1","page":107},{"text":"٤ـ ملازمته - ﵀ - لذكر الله واستغفاره: بحيث كان ذا (لَهَجٍ١ بالذكر ... والإنابة والاستغفار\"٢.\nومما يذكر عنه في ذلك أيضًا: أنه كان إذا صلى الفجر يجلس مكانه يذكر الله - تعالى - حتى يتعالى النهار جدًا، وكان إذا سُئِل عن ذلك يقول: هذه غَدْوَتِي٣، ولو لم أَتَغَدّ هذه الغدوة سقطت قواي٤. وقد ذكر هو - ﵀ - عن شيخه ابن تَيْمِيَّة مثل ذلك٥ فلا مانع أن يكون هذا الفعل ثابتًا عنهما رحمهما الله.\nوحريّ بمثل ابن القَيِّم أن يحرص على الذكر، ويكثر منه ولا يفارقه، ويجد فيه راحة قلبه؛ وذلك أنه عرف منزلة ذكر الله وفوائده الجمة، حتى أخبر - ﵀ - أن (في الذكر أكثر من مائة فائدة\"٦. ثم ساق من هذه الفوائد نيفًا وتسعين فائدة٧.\nفرحم الله ابن القَيِّم، ذاك الذي كان مثلًا صادقًا للعلماء العاملين.\n_________\n١ اللَّهَجُ بالشيء: الولوع به. (مختار الصحاح: لهج) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .\n٣ أي غدائي، ويقصد به الغداء المعنوي الروحي، فشبهه بالطعام الذي تقوم به القوى؛ لأن العبادة تقوى بها الروح وتسمو.\nوالغُدْوَةُ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (مختار الصحاح، مادة غدا) .\n٤ الدرر الكامنة: (٤/٢١)، وابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (٤٦) .\n٥ الوابل الصيب: (ص٥٣)، والرد الوافر: (ص٦٩) .\n٦ الوابل الصيب: (ص٥٢) .\n٧ الوابل الصيب: (ص٥٢ - ١٢٠) .","vol":"1","page":108},{"text":"٥ـ قراءة القرآن بالتدبر والتفكر: فقد كان - ﵀ - لا يفتر عن ذلك حتى في أوقاته الحرجة، ويصف تلميذه ابن رجب - ﵀ - حاله في السجن، فيقول: \"وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر\"١.\nولأجل ما كان عليه في ذلك من التدبر والتفكر في كتاب الله، فإن تلميذه ابن رجب لم ير \"أعرف بمعاني القرآن ... منه\"٢.\n٦ـ حرصه - ﵀ - على أداء الحج مرات وكرات: فقد (حج مرات كثيرة، وجاور بمكة\"٣.\nوفي أثناء مجاورته بمكة كان مشتغلًا بالعبادة لا يفتر، حتى إن أهل مكة كانوا \"يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يُتَعَجَّب منه\"٤.\nويصف هو - ﵀ - شيئًا من عبادته وخضوعه لربه أثناء مقامه بمكة، وذلك عند كلامه على تأليف كتابه (مفتاح دار السعادة) فيقول: \"كان هذا من بعض النزل والتُّحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلًا\"٥.\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ المصدر السابق.\n٤ المصدر السابق.\n٥ مفتاح دار السعادة: (١/٤٧) .","vol":"1","page":109},{"text":"وكيف لا يكثر ابن القَيِّم من أداء الحج وهو يصف تلبية الحجيج بأنها (إجابة محب لدعوة حبيبه ... وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى\"١.\nفلم يكن ابن القَيِّم في كثرة حجه، وزيارته لبيت الله الحرام، إلا مجيبًا دعوة حبيبه ومولاه.\nومع كل هذا الذي كان عليه ابن القَيِّم - ﵀ - من الجد في العبادة، وبلوغه في ذلك رتبة عَلِيّة، فقد كان يتهم نفسه بالتقصير في حق مولاه، ويشكو كثرة ذنوبه وخطاياه! وهذا من كمال تواضعه وشدة خوفه من الله.\nوقد وصف شيئًا من ذلك في قصيدة٢ له يُذَكِّر فيها نفسه، أولها:\nبُنَيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذُنُوبُهُ ... فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عِرْضِهِ إِثْمُ\nبُنَيُّ أبي بكر جَهُولٌ بِنَفْسِهِ ... جَهُولٌ بِأَمْرِ الله، أَنَّى له العِلْمُ؟!\nبُنَيُّ أبي بكر غدا مُتَصَدِّرًَا ... يُعَلِّمُ عِلْمًَا وَهُو لَيْسَ ُلهُ عِلْمُ\nبُنَيُّ أبي بكر غَدَا مُتَمَنِّيًَا ... وِصَالَ الْمَعَالِي وَالذُّنُوبُ له هَمُّ\nإلى آخر هذه القصيدة التي تبين خوفه ورجاءه وتضرعه لربه، مع ما كان عليه من الجد في العبادة ﵀.\n_________\n١ مفتاح دار السعادة: (٢/٤) .\n٢ ذكرها عنه صلاح الدين الصَّفَدِي، وقد أنشده إياها من لفظه. الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .","vol":"1","page":110},{"text":"وأما زهده: فقد وصف بأنه أزهد أصحاب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة رحمه الله١.\nولعل مما يدل على زهده - ﵀ - وتقلله من الدنيا، وعدم حرصه عليها ما ذكر في سبب تأليف كتابه (تحفة المودود)، وهو: أن الله - عزوجل - قد رزق ابنه إبراهيم مولودًا، ولم يكن عند والده - ابن القَيِّم - في ذلك الوقت ما يقدمه لولده من متاع الدنيا، فصنف هذا الكتاب وأعطاه إياه، وقال له: \"أُتْحِفكُ بهذا الكتاب إذ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك\"٢.\nفهكذا كان ابن القَيِّم - ﵀ - في عبادته وزهده وخشوعه وانكساره وخوفه وإنابته إلى ربه سبحانه، كان في ذلك كله نِعْمَ القدوة، وأصدق المثلٍ للسائرين إلى ربهم والدار الآخرة، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وطَيَّبَ ثراه، وجعل الجنة داره ومثواه، آمين.\n_________\n١ الجوهر المنضد: (ص١١٤) .\n٢ انظر مقدمة الأستاذ/ عبد القادر الأرنؤوط لكتاب (تحفة المودود) (ص: ج) .","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الخامس: نُبْل أهدافه ونقاء آرائه</span>\nتَقَدَّمَ أن ابن القَيِّم - ﵀ - كان قد عاش في بيئة يسودها كثير من الفساد الديني والأخلاقي، وتنتشر فيها عادات اجتماعية متردية، وتروجُ فيها أفكارٌ ونِحَلٌ منحرفةٌ مع انتسابها - زُورًا - للإسلام.\nوشاء الله ﷾ - وله الحمد - أن يشرح صدر ابن القَيِّم للمنهج الحق، وأن يريه الطريق المستقيم، وأن يُحَبِّبَ إلى قلبه التمسك بالكتاب والسنة دون سواهما.\nوكان من توفيق الله - عزوجل - أن هيَّأ له أستاذًا فاضلًا، وعلمًا شامخًا، وعالمًا نِحْرِيرًا مجاهدًا، وهو: شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀، الذي كان سبقه إلى سلوك هذا السبيل، فكان له - بعد توفيق الله - خير القدوة، ونعم المرشد؛ فقد لازمه ابن القَيِّم - ﵀ - منذ عودته من الديار المصرية إلى دمشق سنة (٧١٢هـ)، إلى أن توفي الشيخ -﵀- في سنة (٧٢٨هـ) ١، حتى صار من أصحب الناس له، وألصقهم به ومن أخصِّ تلاميذه والْمُقَرِّبِين إليه، ولقد تَمَكَّنَت محبةُ الشيخ من قلب تلميذه ابن القَيِّم ﵀، فكان لا يفارقه أبدًا، حتى إنه كان محبوسًا معه في القلعة إلى أن مات الشيخ ﵀.\nوهكذا كان لابن تَيْمِيَّة - ﵀ - أثرٌ كبيرٌ؛ بل أكبر الأثر في حياة ابن القَيِّم ﵀: توجيهًا وتعليمًا، وتربيةً وإرشادًا؛ فقد أخذ عنه\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .","vol":"1","page":113},{"text":"عِلمًا غزيرًا، واستفاد منه منهجًا قويمًا في حياته ودعوته - (مع ما سلف له من الاشتغال) ١، والتحصيل - حتى حَمَل الراية من بعده، وسار على الدَّرْبِ نفسه، داعيًا للرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهديهما، وفتح الله عليه في ذلك الفتح المبين، فكان - ولا يزال - مِشْعَلَ خير ونور، هدى الله به الكثيرين إلى صراطه المستقيم٢.\nفلعلها (سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تَيْمِيَّة في السراء والضراء، والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه) ٣. كما يقول الإمام الشوكاني ﵀.\nكانت تلك إلماحة سريعة إلى أبرز العوامل التي هيأها الله - سبحانه - لابن القَيِّم في هذه البيئة المظلمة، فكانت أكبر عون له على الصمود في وجه تلك التحديات.\nولا بد لنا -بعد ذلك- أن نبرز الأهداف التي تَبَنَّاها ابن القَيِّم ﵀، وكان يسعى لتحقيقها، تلك الأهداف التي كانت محور دعوته، ولبَّ رسالته، التي عاش مجاهدًا من أجل تحقيقها، حتى لقي الله - عزوجل- على ذلك، وهذه الأهداف وإن تنوعت وتعددت، فإنها تدور في مجملها حول محور واحد وغاية عظمى، ألا وهي: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة البدعة.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ وينظر حول اتصال ابن القَيِّم بابن تَيْمِيَّة، وعلاقته به، وأثره فيه، وأنه لم يكن نسخة من شيخه: (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره): (ص٧٨-٩٧) .\n٣ البدر الطالع: (٢/١٤٥) .","vol":"1","page":114},{"text":"ومن أبرز تلك الأهداف النبيلة والآراء السديدة:\nأولًا: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بهما، والتحاكم إليهما عند التنازع، ونبذ ما يخالف ذلك من الآراء والأقوال، فتجعل نصوص الوحي المنزل حكمًا على ما سواها من آراء الرجال وأقوالهم.\nوقد أولى - ﵀ - هذا الجانب عناية خاصة، واجتهد في تقريره والدعوة إليه، وسخَّر جهده ووقته وقلمه في سبيل الله تحقيقه، بل أفرد لذلك المصنفات التي يردُّ فيها على الفلاسفة وأهل الكلام، وأتباعهم من المنتسبين إلى الإسلام.\nفنراه - ﵀ - يتبرأ من \"جَعْلِ سُنَّةِ رسول الله ﷺ تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها، مسوقة إليها\"١.\nوقال مرة: \"ولسنا ممن يعرض الحق على آراء الخلق، فما وافقه منها قَبِلَهُ، وما خالفه رُدَّ، وإنما نحن ممن يعرض آراء الرجال وأقوالها على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقبله، وما خالفه خالفه\"٢.\nوسيأتي مزيد كلام له - ﵀ - في ضرورة التمسك بالسنة، والتحذير من تركها لرأي أحد أو عمله كائنًا من كان٣.\nثانيًا: الدعوة إلى اتِّباع السنة النبوية الصحيحة النقية، كما\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٠) .\n٢ الفروسية: (ص ٤١) .\n٣ انظر ص: (٣٢٩ - ٣٣٢) .","vol":"1","page":115},{"text":"جاءت عن النبي ﷺ والتحذير مما خالط ذلك من البدع الْمُحْدَثَات، التي تَدَيَّنَ بها كثير من الناس، معرضين - في الوقت نفسه - عن الثابت الصحيح من سنته ﷺ.\nوفي هذا الصدد يقول عنه العلامة الشوكاني ﵀: \"وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السنة، وجعلها بينه وبين الآراء الْمُحْدَثة أعظم جُنَّةٍ، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرًا\"١.\nوقال ابن القَيِّم في بيان منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة: \"فصاحب السنة حيُّ القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه\"٢.\nوَبَيَّنَ مرةً فضل متابعة النبي ﷺ، وأثر ذلك، فقال: \" ... وأكمل الخلق متابعة له: أكملهم انشراحًا ولذةً وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال\"٣.\nوقد كان - ﵀ - دائم التنبيه على البدع، وبيان الصحيح من سنته ﷺ من الدخيل الْمُحْدَثِ، كلما وجد مناسبة لذلك، فمن ذلك:\nقوله ﵀: \"ولم يكن من هديه ﷺ تَعْليَةُ القبور، ولا بناؤها بآجرٍّ ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها ... فكل هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه ﷺ\"٤.\n_________\n١ البدر الطالع: (٢/١٤٥) .\n٢ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص٧) .\n٣ زاد المعاد: (٢/٢٨) .\n٤ زاد المعاد: (١/٥٢٤) .","vol":"1","page":116},{"text":"وقال عن حديث الاكتحال يوم عاشوراء والتطيب: \" ... مِنْ وضع الكذَّابين، وقَابَلَهُم آخرون فاتخذوه يوم تَأَلَّمٍ وحزنٍ، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة، وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي ﷺ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع\"١.\nوقال ﵀: \"وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يُجْتَمَعَ للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند القبر ولا غيره، وكل ذلك بدعة حادثة مكروهة\"٢.\nإلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة لِذَمِّه - ﵀ - البدع، وقيامه عليها وتنفيره منها.\nثالثًا: ذمُّ التقليد الأعمى، الذي يحمل المقلد على ترك ما جاء به النبي ﷺ لقول مُقَلَّدِهِ، فلا يرى الحق إلا مع إمامه، ولا يقبل من الدين إلا ما جاء من طريقه.\nويصف ابن القَيِّم - ﵀ - هذا النوع من التقليد المذموم بأنه: \"الإعراضُ عن القرآنِ والسننِ وآثارِ الصحابةِ، واتخاذُ رَجلٍ بعينه مِعْيَارًا على ذلك، وتركُ النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه\"٣.\nولا شك أن استيلاء التقليد على القلوب سببه: ما تقدم من\n_________\n١ المنار المنيف: (ص١١٢ - ١١٣) .\n٢ زاد المعاد: (١/٥٢٧)\n٣ إعلام الموقعين: (٢/٢٥٠) .","vol":"1","page":117},{"text":"الإعراض عن نصوص الكتاب والسنة، ونبذهما وراء الظهور، والالتفات - بدلًا من ذلك - إلى القيل والقال، وآراء الرجال؛ فإن الغالب على من كانت هذه حاله، أنه يكون أسيرًا لأقوال إمامه، حبيسًا في سجن آرائه، فتجد الواحد منهم قد \"أَخْلَد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالًا على أمثاله من العبيد\"١.\nويُبَيِّن ابن القَيِّم - ﵀ - شيئًا من حال الْمُقَلِّد، فيقول: \"وعياذًا بالله من شر مقلد عَصَبِيّ، يرى العلم جهلًا، والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح عدوانًا\"٢.\nويُخْرِجُ ابن القَيِّم المقلد من زمرة العلماء؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء قد وَرَّثُوا العلم، \"وكيف يكون مِنْ وَرَثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء إلى قول مقلد ومتبوعه؟! \"٣\nأقسام التقليد المحرم:\nوقد بَيَّنَ - ﵀ - أن التقليد المحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١- الإعراض عمَّا أنزل الله، وعدم الالتفات إليه، اكتفاءً بتقليد الآباء.\n٢- تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهلٌ لأن يُؤْخذ عنه.\n٣- التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٢٥١) .\n٣ إعلام الموقعين: (١/٧) .","vol":"1","page":118},{"text":"ثم بَيَّنَ حرمة هذه الأنواع كلها، وذمَّ الله - سبحانه - لها في كتابه، وذلك في بحث له طويل ممتع نفيس١.\nرابعًا: ذمُّ التعصب المذهبي ومحاربته، وكشف عواره، والتحذير منه.\nفالتعصب المذهبي خطره عظيم، وشره جسيم، وإنما هو ناشئٌ عن التقليد ولا يقل في خطورته عنه، بل إنه أشد ضررًا من التقليد؛ فإن المقلد قد يكون قانعًا بمجرد التقليد، لكن المتعصبين زادوا على ذلك: أنهم - مع تقليدهم - \"قد جعلوا التعصب للمذهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون\"٢، وفي سبيلها يوالون ويعادون ويصلون ويقطعون، ويحبون ويبغضون، فقد \"أشقاهم التعصب وأصَمَّهم وأعمى أبصارهم عن نور الوحيين: الكتاب والسنة، حتى بلغ بهم الهوس إلى المهاترات، ورد المذهب بمذهب آخر\"٣.\nوقد سبقت الإشارة إلى شيوع التعصب المذهبي وانتشاره في المجتمع الذي عاش فيه ابن القَيِّم، وما كان يسببه ذلك من: فتن وصراعات، ومحن وخلافات٤، الأمر الذي جعل ابن القَيِّم ﵀ - وهو ابن هذه البيئة - يهبُّ في وجه هؤلاء المتعصبة، ويعلنها حربًا عليهم في كل مناسبة وحين، بل قد أعطى هذه القضية من وقته وجهده وكتاباته الكثير والكثير.\n_________\n١ انظر: إعلام الموقعين: (٢/١٨٧ - ٢٨١) .\n٢ إعلام الموقعين: (١/٧) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٤) .\n٤ انظر: (ص ٤٩ - ٥٠) .","vol":"1","page":119},{"text":"ويبين ابن القَيِّم - ﵀ - خطر التعصب، وعاقبة أمره، فيقول: \"تالله إنها فتنة عمَّت فَأَعْمَت، ورمت القلوب فَأَصَمَّتْ، رَبَا عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، واتُّخِذ لأجلها القرآن مهجورًا ... \"١.\nولقد صَبَرَ ابن القَيِّم - ﵀ - في محاربته للتقليد والتعصب على كل ما نَالَهُ مِنَ الأذى، وكَانَ ثَابِتًَا كالجَبَلِ الرَّاسِي، لَمْ تُؤَثِّر فيه مؤامراتُ الحاقدين، ولا نَالَتْ من ثَبَاتِهِ سِهَامُ الْمُقَلِّدة المتعصبين، حتى آتت جهوده أطيب الثمار، \"فَذَابَتْ العصبيةُ المذهبية في الطريقة الأَثَرِيَّة، فَصُحِّحَت المفاهيم، وأخذ يَدُبُّ في الناس روحُ الأخذِ بِالدليل معَ احترام الأئمة السالفين، بل هو مَسْلَكُهُم ومَنْهَجُهُم، وما زالَ هذا يَدُبُّ في كل عهدِ ومَهْد حتى أيامنا هذه، بل في هذه الأيام والأزمان الحاضرة لم يجد الناس بُدًّا من ذلك المنهج السَّويِّ، والْمَشْرَعِ الرويِّ؛ لأنه هو الذي يتمشى ووقائع العصر ونوازله، فعاد أعداء المدرسة الأثرية لها أصدقاء، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات\"٢.\nخامسًا: محاربة الانحراف في العقيدة، والدعوة للرجوع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة في باب العقيدة: فَهْمًا وسلوكًا.\nولقد كان هذا هو هدف ابن القَيِّم الأهم، الذي أنفق في سبيله الكثير من جهده، وسطَّر من أجله العديد من مؤلفاته٣.\n_________\n١ إعلام الموقعين: (١/٧ - ٨) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٨)\n٣ ومن أهمها: (اجتماع الجيوش الإسلامية)، و(الصواعق المرسلة)، و(قصيدته النونية) العظيمة التي بلغت ستة آلاف بيت.","vol":"1","page":120},{"text":"وذلك أنه قد انتشرت في عصره الأفكار الفلسفية، والمناهج الكلامية، وأدى ذلك إلى ظهور بدع التأويل لنصوص الصفات تأويلًا يُفْضي إلى تحريفها عن معناها، أو تعطيلها عن مضمونها ونفيها.\nولاشكَّ أن ذلك مخالف لما عليه سلف هذه الأمة من: إثبات ما وصف الله - سبحانه - به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ، إثباتًا بلا تشبيه، وتنْزيهه عمَّا نزه عنه نفسه، ونَزَّهه عنه رسوله، تنْزيهًا بلا تعطيل١.\nمن أجل ذلك هبَّ ابن القَيِّم - ﵀ - للدفاع عن عقيدة السلف، والدعوة إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في فهم نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب، فكان له جهد مشكور، وبلاء حسن في إحياء عقيدة السلف بعدمَا دَرَسَت، وتصحيح كثير من المفاهيم بعد ما تحرَّفت وانطمست، ولا تزال بركة دعوتِهِ - وشيخه من قبله - ساريةً إلى وقتنا هذا، بما تركاه من كتب نفيسة ومؤلفات نافعة مباركة، يعتصمُ بها طالبُ الحقِّ من الوقوع في الفتن، وينهل من مَعِينها كل راغب في اتباع خير سَنَنٍ.\nسادسًا: تقرير أن سنة رسول الله ﷺ الصحيحة لا يضربُ بعضُهَا بعضًا، وأنها تتفق ولا تفترق، وأنها كلٌّ لا يتجزأ، ولذا فإنه لا ينبغي أخذ بعضها وترك بعضها الآخر، فيأخذ أحدهم ما يناسبه، ويَطِّرِح ما يخالف هواه، بل لابد من تنْزيل كل نص من نصوصها منْزله، وحمله على ما وُضِعَ له.\n_________\n١ انظر: الصواعق المرسلة: (١/٢٢٨ - ٢٢٩) .","vol":"1","page":121},{"text":"يقول ابن القَيِّم - ﵀ - في معرض ذمِّه لأولئك الذين يأخذون أحاديث التخفيف في الصلاة، وَيَدَعُون الأخرى التي جاءت بتطويله ﷺ الصلاة -: \"فهو يميل من السنة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها ما يوافقه، ويَتَلَطَّف لمن خشن في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن، ونحن نبرأ إلى الله من سلوك هذه الطريقة، ونسأله أن يُعَافِيَنَا مما ابتلى به أربابها ... فليس الشأن في الأخذ ببعض سنة رسول الله ﷺ وترك بعضها، بل الشأن في الأخذ بجملتها، وتنزيل كل شيء منها منزلته، ووضْعِهِ بموضعه\"١.\nوهذا منه - ﵀ - تشخيص دقيق لداءٍ عضال، قد أصيب به كثير من الناس، يتلمسون من نصوص السنة ما يناسب أهواءهم، فيحملونها على غير مَحَامِلها لِتُنَاسب مقصودهم، ويَطِّرحُون - في الوقت نفسه - من النصوص النبوية ما يشق على نفوسهم اتباعه، وما لا توافقهم أهواؤهم على امتثاله.\nتلك هي الطائفة التي تقول - كما يصورها ابن القَيِّم -: \"حق الله مبني على المسامحة والمساهلة والعفو، وحق العباد مبني على الشح والضيق والاستقصاء، فقامت في خدمة المخلوقين كأنها على الفرش الوثيرة ... وقامت في خدمة ربها وفاطرها كأنها على الجمر المحرق، تعطيه الفضلة ... وتستوفي لأنفسها كمال الحظ\"٢.\nفلله درُّ ابن القَيِّم؛ لقد وَضع يده على كثير من أمراض القلوب وأدوائها، فهبَّ يصف الدواء الناجع الذي فيه الشفاء لها.\n_________\n١ الصلاة: (ص١٦٦) .\n٢ الصلاة: (ص١٦٥) .","vol":"1","page":122},{"text":"سابعًا: الحرص على توجيه العلماء والمفتين والمبلغين عن رب العالمين، وعن رسوله ﷺ إلى أن يكونوا صادقين مخلصين، عالمين عاملين، صادعين بالحق لا يخافون.\nوما ذلك إلا لعظمِ مكانةِ العلماء وخطورة شأنهم؛ فإنه لَمَّا كان قيام الإسلام إنما هو بطائفتي: العلماء والأمراء، كان صلاح الدنيا كلها بصلاحهما، وفسادها بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك ﵀:\nوهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إلا الْمُلُوُكُ ... وأحبارُ سُوءٍ وَرَهْبَانُهَا\nولاشكَّ أن خطر العلماء أشد، ومسؤوليتهم أعظم، فإنهم إن كانوا قائمين بالحق، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لا يخافون في الله لومة لائم، فإن الملوك سيهابونهم، ويعرفون لهم قدرهم. وأما إن كانوا - والعياذ بالله - علماء سوء، يعينون الحكام على ظلمهم، ويزيِّنون لهم باطلَهم، ولا يُخَوِّفُونهم الله في الناس، فإنهم يكونون شرًّا على الدين والدنيا معًا.\nولما أدرك ابن القَيِّم - ﵀ - خطورة هذا لأمر، وقدره حق قدره، كان حريصًا على التنبيه عليه، والتحذير من التهاون فيه.\nمن شروط العلماء والمفتين:\nقال ﵀: \"ولما كان التبليغ عن الله - سبحانه - يعتمد: العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما يبلغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك: حسن الطريقة، مَرْضي السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السر","vol":"1","page":123},{"text":"والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله ... ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه\"١.\nولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - كعادته - ممتثلًا ذلك في نفسه أولًا، فكان خير مثل للعلماء العالمين العاملين، الصادقين المخلصين، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر بلسانه ويده، قائمًا لله بحقه، فبارك الله له في دعوته، وألقى في القلوب مَحَبَّتِهُ.\nثامنًا: محاربة الفساد والأوضاع الخاطئة في مجتمعه، وإنكار المنكرات السائدة فيه، والتحذير منها.\nوقد سبقت الإشارة إلى شيء من مواقفه في ذلك، كموقفه من عادة التحليل، والغناء والسماع الذي عمَّت به البلوى في وقته، وغير ذلك من المنكرات التي انتشرت آنذاك، فوقف لها بالمرصاد: يفضح أمرها، ويبين خطرها وسوءَ عَاقِبَتِهَا.\nفكان - ﵀ - يُعدُّ بحق مُصلحًا اجتماعيًا ناجحًا.\nتلك هي أبرز الأهداف النبيلة التي كان ابن القَيِّم - ﵀ - يسعى لتحقيقها، والمبادئ التي كان ينادي بالتزامها والتحلِّي بها، والآراء السديدة التي كانت له، فجزاه الله خير الجزاء من عَالِمٍ صادق، وداعية مصلح، وإمامٍ ربانيِّ.\n_________\n١ إعلام الموقعين: (١/١٠-١١) .","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث السادس: مِحَنُه وَوَفَاتُه</span>\n١- مِحَنُهُ:\nلقد عشنا مع ابن القَيِّم - ﵀ - في بيئته التي نشأ وترعرع فيها، وعرفنا أحوال عصره ومجتمعه وما كان يسوده من سلبيات ومفاسد دينية أخلاقية، ورأينا كيف كان ابن القَيِّم- في ظل هذه الأوضاع السيئة- صاحب رسالة سامية، وأهداف نبيلة، ومبادئ إصلاحية يهدف من ورائها: إلى الرجوع بالناس إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من التمسك بالكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات والتقليد والتعصب.\nلكن طريقه هذا الذي سار فيه لم يكن سهلًا ميسورًا، بل كان محفوفًا بالمشاقِّ، فنزلت به بسبب ذلك محن عديدة، وتعرَّض لإيذاء واضطهاد وفتن أثناء جهاده لنشر دعوته، وسعيه لإصلاح حال مجتمعه.\nفلم يكن من السهل على هذا المجتمع الذي سيطرت عليه الأفكار الدخيلة، وسادته البدع المتوارثة، أن يستجيب لهذا المصلح المجاهد الذي بزغ نوره في هذا الظلام الحالك، وكيف يتم له ذلك ولهذه البدع حُرَّاسٌ وحماةٌ من أمراء البلاد وحُكَّامها، بل ومن بعض الْمُنْتَسِبين إلى العلم أنفسهم؟!\nفقد كان الأمر صعبًا إذًا، والمواجهة إلى أشدِّها، وظهر في الساحة أعداء لابن القَيِّم، يتربصون به الدوائر، ويحيكون ضده الدسائس والمؤامرات، كما فعلوا من قبل مع شيخه وأستاذه ابن تَيْمِيَّة ﵀.","vol":"1","page":125},{"text":"إنكاره شَدُّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل، ومحنته بسبب ذلك:\nمن البدع التي سادت المجتمع وقتئذ، وتقرب الناس بها إلى الله: بدعة شَدِّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل إبراهيم ﵇.\nفقام ابن القَيِّم - ﵀ - في وجه هذه البدعة منكرًا لها، ومبينًا مخالفتها لسنة رسول الله ﷺ وهَدْيِه، فما كان من أعدائِه وشانئيه إلا أن قاموا ضِدَّه، وآذوه، ثم حُبِس بسبب ذلك.\nقال الحافظ الذهبي: \"وقد حبس مدة وأوذي لإنكاره شدَّ الرحل إلى قبر الخليل\"١.\nوالظاهر أن هذه هي المرة التي حبس فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة ﵀؛ ذلك أنه في السادس عشر من شعبان سنة ٧٢٦هـ اعْتُقِل الشيخ ابن تَيْمِيَّة في قلعة دمشق، وذلك بسبب ما أفتى به من المنع من شد الرحل إلى قبور الأنبياء، وبعد ذلك بأيام \"أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم ... وعزَّرَ جماعة منهم على دواب ونودي عليهم، ثمَّ أطلقوا، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية؛ فإنه حُبِس بالقلعة، وسكتت القضية\"٢.\nولعل في إطلاقهم كل رفاقه وإبقائه وحده في الحبس، ما يُبَيِّنُ لنا مدى الحِنْق الذي كان في نفوس أعدائه - من أهل البدع - ضده، ويبين لنا في الوقت نفسه، ما كان لابن القَيِّم من دور بارز، وتأثير بالغ في الناس آنذاك، مما جعل هؤلاء يخشونه على بدعهم، فرأوا أن يحجبوه في السجن.\n_________\n١ المعجم المختص: (ص٢٩٦) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١٢٨) .","vol":"1","page":126},{"text":"ولكن شاء الله سبحانه أن يشاطر ابن القَيِّم شيخه محنته هذه، فَسُجن معه في القلعة، ولأجل التهمة نفسها، ولكنه كان (منفردًا عنه) ١.\nولقد كان للحاقدين على شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة وتلميذه ابن القَيِّم دورٌ قبيح في حبسهما، وتدبير الشر ضدهما، ذلك أنهم حرَّفوا فتوى ابن تَيْمِيَّة: بأنه يُحَرِّمُ زيارة قبور الأنبياء مطلقًا، ويعتبر ذلك معصية، مع أن الشيخ - وكذا تلميذه - \" لم يمنع الزيارة الخالية عن شد الرحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك ... ولا قال إنها معصية ... ولا هو جاهل قول الرسول ﷺ:» زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة «. والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية\"٢.\nويَحكي المقريزي - ﵀ - هذه الواقعة - مبينًا ملابساتها وظروفها - بأوسع من هذا، وأن ابن القَيِّم - ﵀ - قد ضُرب في هذه المرة قبل أن يُحبس، فيقول: (وفي يوم الاثنين سادس شعبان - يعني سنة ٧٢٦هـ - حُبِس تقي الدين أحمد بن تيمية، ومعه أخوه زين الدين عبد الرحمن بقلعة دمشق. وضُرِب شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قَيِّم الجوزية، وشُهِّرَ به على حمار بدمشق.\nوسبب ذلك: أن ابن قَيِّم الجوزية تكلم بالقدس في مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء، وأنكر مجرد القصد للقبر الشريف دون قصد المسجد النبوي، فأنكر المقادسة عليه مسألة الزيارة، وكتبوا فيه إلى قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من قضاة دمشق.\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١٢٩) .","vol":"1","page":127},{"text":"وكان قد وقع من ابن تَيْمِيَّة كلام في مسألة الطلاق بالثلاث: (أنه لا يقع بلفظ واحد، فقام عليه فقهاء دمشق، فلما وصلت كتب الْمَقَادِسَة في ابن القَيِّم، كتبوا في ابن تَيْمِيَّة وصاحبه ابن القَيِّم إلى السلطان، فعرف شمس الدين الحريري - قاضي القضاة الحنفية بديار مصر- بذلك، فشَنَّع على ابن تَيْمِيَّة تشنيعًا فاحشًا، حتى كتب بحبسه، وضُرِبَ ابن القَيِّم) ١.\nوقد ظل ابن القَيِّم محبوسًا مدة، ولم يُفْرَج عنه إلا بعد وفاة شيخه بشهر؛ ذلك أن ابن تَيْمِيَّة قد توفي في محبسه بالقلعة في العشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨هـ)، (وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قَيِّم الجوزية) ٢.\nوقد امتحن ابن القَيِّم - ﵀ - غير هذه المرة أيضًا:\nفتواه بجواز السباق بغير مُحَلِّل ومحنته بسبب ذلك:\nكان ابن القَيِّم - ﵀ - يُفتي بجواز إجراء السباق بين الخيل بغير مُحَلِّل، وَصَّنف في ذلك كتابه: (بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال) أو: (بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل) ٣. كما أنه تناول هذا الموضوع في بحث طويل مفيد ضمن كتابه (الفروسية) ٤.\n_________\n١ السلوك: (٢/١/٢٧٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١٤٥) .\n٣ تنظر مؤلفات ابن القَيِّم: ص (٢٣٣) .\n(ص ٢٠ - ٦١) .","vol":"1","page":128},{"text":"وقد أشار ابن حجر - ﵀ - إلى محنته هذه، فقال: \"وجرت له محن مع القضاة، منها: في ربيع الأول - يعني سنة ٧٤٦هـ - طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير مُحَلِّل، فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يُفتي به من ذلك\"١.\nوحكى ابن كثير هذه الحادثة، ولكنه ذكر ما يفيد أن ابن القَيِّم كان يفتي في ذلك برأي شيخه، وصَنَّف هذا المصنف لنصرة رأي الشيخ، ثم صار يفتي به دون نسبته إلى شيخه، فظنوه قوله، فحصل له ما حصل، ثم (انفصل الحالُ على أن أظهر الشيخ شمس الدين ... الموافقة للجمهور) ٢.\nقال الشيخ بكر أبو زيد: \"وقضية الرجوع محل نظر، فلابد من تثبيت ذلك، وأرجو من الله تعالى أن يمنَّ عليَّ بما يدل على ذلك، نفيًا أو إثباتًا\"٣.\nقلت: أما كتبه التي بين أيدينا، فليس فيها ما يدل على رجوعه، وبخاصة كتاب (الفروسية)، ولكن ابن كثير - ﵀ - يحكي ما شاهده بنفسه من إظهاره الموافقة للجمهور، فهل أظهر ابن القَيِّم ذلك دفعًا للشر عن نفسه دون أن يرجع حقيقة عن رأيه؟ الله أعلم.\nوالذي يهمنا في هذه القضية: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد امتحن من القضاة بسببها، وأوذي في سبيل ذلك.\n_________\n١ الدرر الكامنة: (٤/٢٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٧) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٣) .","vol":"1","page":129},{"text":"فتواه في مسألة الطلاق الثلاث ومحنته بسبب ذلك:\nوقد امتحن ابن القَيِّم مرة أخرى بسبب فتواه بأن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة، وهو اختيار شيخه ابن تَيْمِيَّة أيضًا.\nويشير ابن كثير - ﵀ - إلى ما وقع له بسبب ذلك، فيقول: \"وقد كان متصديًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فُصُولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره\"١.\nولم يبين لنا ابن كثير ما وقع له بسب ذلك، لكن الظاهر أنه لم يُحْبَس إلا في المرة التي كان فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة، وذلك بسبب فتوى شد الرحل، وأما مسألة الطلاق، وكذا مسألة المحلل في السباق، فيظهر أنه جرت له بسببهما فتن ومحن مع القضاة فحسب، وأنه لم يُسجن بسبب ذلك، وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد أنه سُجن بسبب هذه الفتاوى كلها٢.\nولم أر ما يدل على ذلك، ولعل كلام ابن رجب صريح في أنه لم يُحبس إلا في تلك المرة مع الشيخ، فقد قال: \"وقد امتُحن وأُوذي مرات، وحُبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة في القلعة ... \"٣.\nومما يؤكد - أيضًا - أن فتواه في مسألة الطلاق قد سببت له\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦ - ٢٤٧) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٢) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .","vol":"1","page":130},{"text":"مشكلات مع القضاة، ما حكاه الحافظ ابن كثير - ﵀ - من الصلح الذي تم بين السبكي وابن القَيِّم، فقد ذكر في أحداث سنة ٧٥٠هـ - قبل موت ابن القَيِّم بعام واحد - في السادس عشر من شهر جمادى الآخرة منها، أنه (حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبين الشيخ شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق) ١.\nفالمقصود أنه - ﵀ - ابتلي وأوذي وامتحن بسبب صدعه بالحق، وإعلانه رأيه وما يعتقده دون مجاملة أو خوف من أحد، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عما قَدَّم خير الجزاء.\n٢- وفاتُه:\nوبعد هذه الحياة الحافلة بالجهاد المتصل لنشر منهج السلف، ومحاربة كثير من الانحرافات التي ابتدعها الخلف، وما لقيه من محن في سبيل ذلك، وبعد أن كَمُلَ له من العمر ستون سنة، توفي هذا الإمام العالم العلامة، وذلك في ليلة الخميس، ثالث عشر من شهر رجب، من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (٧٥١هـ) وقت أذان العشاء٢.\nووقع عند ابن رجب: (ثالث عشرين رجب) ٣. ولعله تصحيف\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٤) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢)، البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦)، والدرر الكامنة: (٤/٢٣) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":131},{"text":"طباعي، فتكون كلمة (من) تصحفت إلى (ين)؟ وذلك لاتفاق المصادر على ما قدمناه من أنه كان في ثالث عشر؛ ولأن ابن رجب من تلاميذ ابن القَيِّم المقَرَّبين، فيبعد أن يخفى عليه يوم وفاته.\nووقع في (البدر الطالع) ١ أنه كان في (ثالث شهر رجب)، وهذا خطأ أيضًا.\nوقد صُلِّيَ عليه - ﵀ - من الغد عقب صلاة الظهر بالجامع الأموي٢، ثم بجامع جَرَّاح٣.\nولأن ابن القَيِّم - ﵀ - كان قائمًا لله بالحق، صادقًا في النصح للخلق فقد \"كانت جنازته حافلة ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون، من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه\"٤.\nفقد \"شَيَّعَه - ﵀ - خلق كثير\"٥، \"وكانت جنازته مشهودة\"٦،\"وحافلة جدًا\"٧.\nنعم لقد كانت جنازته حافلة عامرة، شهدها كثير من الخلق، كما\n_________\n(٢/١٤٥) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧) .\n٥ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٦ الرد الوافر: (ص٦٨) .\n٧ الدرر الكامنة: (٤/٢٣) .","vol":"1","page":132},{"text":"كانت جنازة شيخه ﵀، التي لم يتخلف عنها من أهل دمشق سوى ثلاثة نفر، وقد قال الإمام أحمد ﵀: \"قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز\"١. كانت هذه جنازته - ﵀ - مع ما كان له في قلوب الكثيرين من العداوات، ومع ما حِيَكَ ضده من المؤامرات.\nوَدُفِنَ - ﵀ - عند والدته بمقابر الباب الصغير٢.\nوقد رُؤِيَتْ له بعد موته \"منامات كثيرة حسنة\"٣.\nوكان هو - ﵀ - \"قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدين - ﵀ - في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر، ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة ﵀\"٤.\nفَرَحِم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا، وأسكنه فسيح جناته، آمين.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/١٤٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦)، ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\nوأفاد محقق (زاد المعاد) في المقدمة: (١/٢٤): أن قبره معروف إلى الآن، على يسار الداخل إلى المقبرة من الباب الجديد الذي وسع منذ أكثر من عشرين سنة، وقد أزيل القبر عن موضعه، وأبعد أكثر من مترين إلى الشرق.\n٣ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠)، وانظر: الدرر الكامنة: (٤/٢٣) .\n٤ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠ - ٤٥١) .","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثالث: سيرته العلمية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له، وثناؤهم عليه</span>.\n...\nالمبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له وثناؤهم عليه.\nتَقَدَّمَ - عند الكلام على أخلاقه وصفاته - ذكرُ طَرَفٍ من حاله في طلبه للعمل، وشدة محبته له، وجِدِّهِ واجتهاده في تحصيله ليلًا ونهارًا.\nولقد أثمر هذا الجهد المتواصل، وتلك المحبة الصادقة للعلم ودرسه، أطيب الثمار، فَنَبَغَ ابنُ القَيِّم - ﵀ - في علوم عديدة، حَتَّى ذَاعَ صِيتُهُ، وفاق في ذلك أَقْرانَهُ وأهلَ عصره، ولم يُر في وَقْتِهِ مِثْلُهُ.\nولقد شهد له تلاميذه ومعاصروه - بل وبعض شيوخه - بطول الباع، وعلو الشأن، وبلوغ الغاية في شتى العلوم وسائر الفنون، فلنذكر طرفًا من شهادات هؤلاء الأئمة وثنائهم عليه، ليعرف بذلك قدره، ومدى تقدمه وعلو شأنه، فمن ذلك:\n١- قال القاضي برهان الدين الزُّرَعي١: \"ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه\"٢.\n٢- وقال شيخه المزي: \"هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه\"٣.\n_________\n١ هو: إبراهيم بن أحمد بن هلال بن بدر، الحنبلي، ولد سنة ٦٨٨هـ، واشتغل على ابن تَيْمِيَّة وابن الزملكاني، ومهر وتقدم في الفتيا، ودرَّس في المدرسة الحنبلية عوضًا عن ابن تَيْمِيَّة لَمَّا سُجِن، توفي سنة (٧٤١هـ) . (الدرر الكامنة: ١/١٦) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٣ الرد الوافر: (ص٦٨) .","vol":"1","page":137},{"text":"وهذا القول من المزي - على جلالته - يطابق بشارة شيخه ابن تَيْمِيَّة له - لَمَّا رآه في المنام - بأنه في طبقة ابن خزيمة، وقد تقدم ذكر ذلك١.\n٣- وقال الحافظ الذهبي: \"الفقيه، الإمام، المفتي، المتفنن، النحوي\"٢. وقال أيضًا: \"عُني بالحديث متونه ورجاله، وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو وَيَدْرِيه، وفي الأصلين\"٣.\n٤- وقال الصَّلاح الصَّفَدِي: \"الإمام العلامة\"٤. وقال أيضًا: \"اشتغل كثيرًا وناظر، واجتهد، وأكبَّ على الطلب، وصَنَّف، وصار من الأئمة الكبار في: علم التفسير، والحديث، والأصول: فقهًا وكلامًا، والفروع، والعربية، ولم يخلف الشيخ العلامة تقي الدين ابن تَيْمِيَّة مثله\"٥.\n٥- وقال أبو المحاسن الحسيني الدمشقي: \"الشيخ، الإمام، العلامة، ذو الفنون ... أفتى، ودرَّس، وناظر، وصنف، وأفاد\"٦.\n٦- وقال الحافظ ابن كثير: \"الإمام العلامة ... سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لاسيما: علم التفسير، والحديث، والأصلين. ولَمَّا عاد الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة من الديار المصرية في سنة\n_________\n١ انظر: ص (١٣٣) .\n٢ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٠) .\n٥ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٦ ذيل العبر: (ص١٥٥) .","vol":"1","page":138},{"text":"(٧١٢هـ)، لازَمَه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًَّا، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة... وبالجملة: كان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله\"١.\n٧- وقال ابن رجب: \"الفقيه، الأصولي، المفسر، النحوي، العارف ... تفقه في المذهب، وبرع وأفتى ... وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يُجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه، وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك. وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام، والنحو وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فنٍّ من هذه الفنون اليد الطولى\"٢.\nوقال أيضًا: \" ... ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرفَ بمعاني القرآن والسنة، وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله\"٣.\n٨- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: \"أحد المحققين، عَلَمُ المصنفين، نادرة المفسرين\"٤. وقال أيضًا: \"كان ذا فنون من العلوم - وخاصة التفسير والأصول - من المنطوق والمفهوم\"٥.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧ - ٤٤٨) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .\n٤ الرد الوافر: (ص٦٨)\n٥ المصدر السابق.","vol":"1","page":139},{"text":"٩- وقال تقي الدين المقريزي: \"برع في عدة علوم، ما بين: تفسير، وفقه، وعربية، وغير ذلك، ولزم شيخ الإسلام، وأخذ عنه علمًا جَمًّا، فصار أحد أفراد الدنيا\"١.\n١٠- وقال الحافظ ابن حجر: \"كان جرئ الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف\"٢. وقال أيضًا - في تقريظه لكتاب (الرد الوافر) -: \"ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير: الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم مَنْزلته\"٣.\n١١- وقال ابن تَغْرِي بَرْدِي: \"كان بارعًا في عدة علوم، ما بين: تفسير، وفقه، وعربية، ونحو، وحديث، وأصول، وفروع، ولزم الشيخ تقي الدين بن تيمية ... وأخذ عنه علمًا كثيرًا، حتى صار أحد أفراد زمانه\"٤.\n١٢- وقال السخاوي: \"العلامة، الحجة، المتقدم في: سعة العلم، ومعرفة الخلاف، وقوة الجنان ... \"٥.\n_________\n١ السلوك: (٢/٣/٨٣٤) .\n٢ الدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٣ الرد الوافر: (ص١٤٦) .\n٤ النجوم الزاهرة: (١٠/٢٤٩) .\n٥ التاج المكلل: (ص٤١٩) .","vol":"1","page":140},{"text":"١٣- وقال السيوطي: \"صنَّف، وناظر، واجتهد، وصار من الأئمة الكبار في التفسير، والحديث، والفروع، والأصلين، والعربية\"١.\n١٤- وقال ابن العماد: \"الفقيه الحنبلي- بل المجتهد المطلق - المفسر، النحو، الأصولي، المتكلم\"٢.\n١٥- وقال الشوكاني: \"العلامة الكبير، المجتهد المطلق، المصنف المشهور ... برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتَبَحَّر في معرفة مذاهب السلف\"٣.\n١٦- وقال الشَطِّيُّ٤: \"الفقيه، الأصولي، المفسر، المحدث ... ذو اليد الطولى، الآخذ من كل علم بالنصيب الأوفى ... تَفَنَّن في علوم الإسلام، فكان إليه المنتهى في: التفسير، وأصول الدين، وكان في الحديث والاستنباط منه لا يُجَارى، وله اليد العليا في الفقه وأصوله، والعربية، وغير ذلك\"٥.\nتلك هي أقوال هؤلاء الجهابذة، أئمة المسلمين، وأعلام الدين في الشهادة لابن القَيِّم، والثناء عليه، وبيان منزلته ودرجته في العلم، وتأكيد تقدمه وإمامته في سائر العلوم، وشتى الفنون.\n_________\n١ بغية الوعاة: (١/٦٣) .\n٢ شذرات الذهب: (٦/١٦٨) .\n٣ البدر الطالع: (٢/١٤٣) .\n٤ هو: محمد بن جميل بن عمر بن محمد الشطي، فقيه، فرضي، مؤرخ، ناثر، ناظم، توفي سنة ١٣٧٩هـ. (معجم المؤلفين: ٩/١٦١) .\n٥ مختصر طبقات الحنابلة: (ص٦١) .","vol":"1","page":141},{"text":"وكثير من هؤلاء الأئمة قد عايشه وعرفه عن قرب، ومنهم من تتلمذ عليه وأخذ عنه، ولذلك فإن هذه الشهادات لها قيمة خاصة.\nفإذا أضيف إلى ذلك: عِظَم مكانة هؤلاء الأئمة، وعلوِّ شأنهم، وذيوع صيتهم- كالذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن حجر، والسيوطي، والشوكاني، وغيرهم - علمنا القيمة الحقيقية لهذه الأقوال، وتلك الشهادات، وأنها تُعَبِّر تعبيرًا صادقًا عن المكانة الحقيقية التي تبوَّأها ابن القَيِّم - ﵀ - بين أهل العلم وأئمته.\nعلى أنه لو لم تكن أمامنا هذه الشهادت، وتلك الأقوال، فإننا - ومعنا كل منصف، متجرد من هوى التعصب على أئمة الهدى وبقية السلف - نستطيع أن نجزم بأن مكانة ابن القَيِّم - ﵀ - هي هذه التي وضعوه فيها وأعلى؛ وذلك عند النظر في آثاره، والاغتراف من غزير فوائده، والعيش بصدق مع علومه النافعة، وتوجيهاته المخلصة في كل مبحث من مباحثه.\nوعند التأمل في أقوال هؤلاء الأئمة نلاحظ:\nأنه يصعب على الباحث أن يجزم بتفوق ابن القَيِّم -﵀- في فن على حساب الفنون الأخرى، فقد اتفقت كلمتهم - أو كادت - على تفوقه في فنون كثيرة، وجمعه بين علوم عديدة، مع التقدم والمهارة وعلو الشأن في ذلك كله.","vol":"1","page":142},{"text":"فلقد كان ابن القَيِّم - ﵀ -: مُحَدِّثًا، فقيهًا، أصوليًا، مفسرًا، نحويًا، لغويًا، أديبًا ... له في كل فن من هذه الفنون: القدح الْمُعلَّى، والرتبة الأعلى.\nوإن كان ابن كثير - ﵀ - يقدم من علومه: \"التفسير، والحديث، والأصلين\". ويوافقه ابن ناصر على \"التفسير، والأصول\".\nقال الشيخ بكر أبو زيد: \"وأما علومه التي تلقاها وبرع فيها: فهي تكاد تعم علوم الشريعة وعلوم الآلة، فقد دَرَسَ التوحيد، وعلم الكلام، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والفرائض، واللغة، والنحو، وغيرها ... وبرع هو فيها وعلا كعبه وفاق الأقران، ويكفي في الدلالة على علو منزلته: أن يكون هو وشيخه - شيخ الإسلام - كفرسَي رِهَان.\nوهذه الجامعية المدهشة في البراعة والطلب نجدها محل اتفاق مسجل لدى تلاميذه الكبار، ومن بعدهم من ثقات النقلة الأبرار\"١.\nوبعد، فهذه هي علوم ابن القَيِّم ﵀، وتلك هي فنونه، مع التقدم والتفوق وعلو الشأن في ذلك كله.\nولم يكن ابن القَيِّم - ﵀ - لينال هذه الدرجة الرفيعة إلا بعون الله تعالى، ثم بِهِمَّة عالية، وجهد متواصل، وصبر وجلد، مع ما آتاه الله - عزوجل - من: فهم، وذكاء، وقوة حفظ، فأتاح له كل ذلك - بعد توفيق الله - الوصول إلى تلك الدرجة، واحتلال هذه الرتبة، فرحمه الله ونفع بعلومه، آمين.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٢٩) .","vol":"1","page":143},{"text":"وابنُ القَيِّم وإن كان بَارِعًا في هذه العلوم كُلِّها، مَتَقَدِّمًا في هذه الفنون بأسرها، إلا أن الذي يعنينا من ذلك: هو نُبُوغُهُ في الحديثِ وعلومِهِ على وجه الخصوص، وهو ما عقدنا أبوابَ هذه الرسالة وفصولَها لأجله، وسيرى النَّاظرُ في هذا الكتاب ما يؤكد له هذه الإمامة، وذلك التقدم والنبوغ في الحديث وعلومه إن شاء الله.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثاني: شيوخه</span>\nإن من أهم العوامل التي تسهم بشكل كبير في التكوين العلمي للشخص: شيوخه الذين تلقى عنهم، واستفاد علومه منهم.\nوقد يكون بعضهم أشدَّ تأثيرًا في الطالب من البعض الأخر، وذلك بحسب نوع العلاقة القائمة بين الطالب وشيخه، ومدى ارتباطه به، وصحبته له، وغير ذلك من العوامل التي تميز شخصية الشيخ، وتؤثر بالتالي في الطالب الْمُتَلَقِّي.\nوقد اعتنى أكثر الذين ترجموا لابن القَيِّم بسرد شيوخه على تفاوت بينهم في ذلك، فبينما حاول بعضهم استيعاب ذلك: كالصَّفَدِي مثلًا، نجد آخرين لم يذكروا له سوى شيخ واحد فقط، كابن كثير، واقتصر البعض على ذكر بعضهم.\nوفي هذا المبحث أذكر شيوخ ابن القَيِّم الذين أخذ عنهم علومه وثقافته، مع إبراز دور كل واحد من هؤلاء الشيوخ في التكوين العلمي لابن القَيِّم، وذلك بمعرفة الفنِّ الذي أخذه عنه، أو الكتب التي قرأها عليه، مع التعريف بأولئك الذين كان ارتباط ابن القَيِّم بهم أكثر، وأثرهم فيه أكبر.\nوأسوق هؤلاء الشيوخ على حسب الفنون التي تلقَّاها ابن القَيِّم - ﵀ - عنهم، فأذكر شيوخ كُلِّ فَنٍّ على حدة:","vol":"1","page":145},{"text":"أولًا: شيوخه في الحديث:\n١- الشِّهاب العابر: أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة، المقدسي، الحنبلي، شهاب الدين، أبو العباس، عابر الرؤيا.\nمولده: سنة (٦٢٨هـ) .\nسمع الكثير، وروى الحديث، وتَفَقَّه وحَصَّل المذهب، ثم أقبل على علم الرؤيا فبرع فيه، وكان له في اليد الطولى، بحيث فاق في ذلك أهل زمانه، وله فيه تصنيف١.\nتوفي بدمشق في ذي القعدة، سنة: (٦٩٧هـ) ٢.\nوقد ذكرت أكثر مصادر ترجمة ابن القَيِّم سماعه منه٣.\nوهو من أوائل الشيوخ الذين سمع منهم ابن القَيِّم، وقد \"حَدَّث عن شيخه: التعبير وغيره\"٤.\nوقد حَدَّثَ ابن القَيِّم - رحمه لله - عنه بتفسير بعض الرؤى في كتابه (زاد المعاد) ٥، حيث قال - عند الكلام على تأويل لباس الحلي\n_________\n١ جاء في حاشية (زاد المعاد): (٣/٦١٤) تسميته بـ (البدر المنير) .\n٢ له ترجمة في: معجم الشيوخ - الذهبي: (١/٦٠)، والبداية والنهاية: (١٣/٣٧٤)، والشذرات: (٥/٤٣٧) .\n٣ انظر من ذلك: المعجم المختص: (ص٢٦٩)، والوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، وطبقات المفسرين - للداودي (٢/٩١) .\n٤ ذيل العبر - للحسيني: (ص١٥٥) .\n(٣/٦١٤ - ٦١٥) .","vol":"1","page":146},{"text":"للرجل، وأنه يدل على نكد وألمٍ يلحقه - قال: \"وأنبأني أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي، المعروف بالشهاب العابر، قال: قال لي رجل: رأيت في رِجلي خَلْخَالًا، فقلتُ له: تتخلخل رجلك بألم. وكان كذلك\".\nثم ساق عنه جملة في هذا الباب، ثم قال: \"وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام الْمَنَيَّة له\"١.\nويُؤخذ من هذا النص: ابتداء ابن القَيِّم - ﵀ - بالسماع والطلب في سنٍّ مبكرة؛ إذ إنه عند وفات هذا الشيخ كان قد تجاوز السادسة من عمره بأشهر قليلة.\nوفي ذلك دلالة ظاهرة على ذكاء ابن القَيِّم الخارق، وإدراكه الْمُبَكِّر، واستعداده العلمي منذ الطفولة، بحيث كان ضابطًا لمسموعه في هذا السن، حتى أَدَّاه من حفظه بعد سنين عديدة.\nكما أن في كلام ابن القَيِّم في مدح شيخه تأكيدًا لما اتفقت عليه كلمة الأئمة: من براعة الشهاب وتمكنه في هذا العلم، فتضاف هذه الشهادة من ابن القَيِّم إلى شهادات أولئك الأئمة.\nبقي التنبيه على ما وقع من وهمٍ للأستاذ حسن الحَجَّاجِي في دراسته لابن القَيِّم٢، حيث ترجم الشهاب العابر بأنه: أيوب بن نعمة بن\n_________\n١ زاد المعاد: (٣/٦١٥-٦١٦) .\n٢ الفكر التربوي عند ابن القَيِّم: (ص٦٦) .","vol":"1","page":147},{"text":"محمد ... الكحال (ت٧٣٠هـ) ! والصحيح ما تقدم في اسمه، وهو الذي ترجمه به تلميذه ابن القَيِّم نفسه، وأما الكحال: فشيخ آخر لابن القَيِّم سيأتي ذكره.\n٢- ابن مكتوم: إسماعيل بن يوسف بن مكتوم بن أحمد بن سليم، صدر الدين، أبو الفداء، السويدي، ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ، الْمُسْنِد، المعمر.\nمولده: سنة (٦٢٣هـ) .\nوكان له سماع في الحديث، وتفرد بسماع (الموطأ) من مكرم بن أبي الصقر بدمشق، وروى الكثير، وتفرد بأشياء. وتلا القرآن على السخاوي: لأبي عمرو، وعاصم، وابن كثير. فكان خاتمة أصحابه.\nوكان حسن الخلق، وحج في آخر عمره سنة (٧١١هـ) فَحَدَّثَ بالحرم. وكان له أملاك كثيرة وثروة.\nتوفي - ﵀ - سنة (٧١٦هـ) ١.\nوقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢، وابن حجر٣.\n٣- أيوب بن نعمة بن محمد، زين الدين أبو العلاء، المقدسي، ثم الدمشقي، الكَحَّال.\nمولده: سنة (٦٤٠هـ) .\n_________\n١ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٤٤)، ومعجم الشيوخ له: (١/١٨١)، والدرر الكامنة: (١/٤١٠)، والدليل الشافي: (١/١٣٠) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ الدرر الكامنة: (٤/٢١) .","vol":"1","page":148},{"text":"حَدَّث عن: الرشد العراقي وغيره، وحَدَّث بالكثير، وتفرد في زمانه، وكان حَدَّث بمصر مدة، ثم تحول إلى دمشق بعد سنة ٧٢٠هـ.\nوأخذ صنعة الكُحْلِ عن طاهر الكحال، وبرع فيها، وتكسب بها سبعين سنة.\nتوفي - ﵀ - في ذي الحجة سنة (٧٣٠هـ) ١.\nوقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢.\n٤- ابن عبد الدائم: أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة، المقدسي، المُعَمِّر، مُسْنِدِ الشام في وقته كأبيه.\nمولده: سنة (٦٢٥ أو ٦٢٦هـ) .\nسمع من: الناصح ابن الحنبلي، والحافظ الضياء المقدسي، وجماعة. وحَدَّث في حدود سنة ٦٦٠هـ. وكان مليح الإصغاء، صحيح الفهم، انقطع بموته جملة من المرويات.\nوكان - ﵀ - ذا هِمَّة وجلادة، وذِكْر وعبادة، وسَعْي في طلب الرزق. وقد ذهب بصره، وثقل سمعه في الآخر، فَضَعُفَ.\nتوفي - ﵀ - في رمضان سنة (٧١٨هـ) وعاش مثل أبيه: ثلاثًا وتسعين سنة٣.\n_________\n١ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٨٩)، ومعجم الشيوخ له: (١/١٨٦)، والدرر الكامنة: (١/٤٦٤)، والشذرات: (٦/٩٣) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٥٠)، ومعجم الشيوخ له: (٢/٤٠٢)، والدليل الشافي: (٢/٨١٣)، والشذرات: (٦/٤٨) .","vol":"1","page":149},{"text":"وقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه جماعة من مترجميه١.\n٥- الحاكم: سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر، تقي الدين، أبو الفضل وأبو الربيع، المقدسي، الحنبلي، القاضي بدمشق.\nمولده: في رجب سنة (٦٢٨هـ) .\nسَمِعَ الحديث الكثير، وقرأ بنفسه، وحضر جميع (البخاري) على ابن الزبيدي، ورواه عنه. وروى عن الحافظ الضياء نحوًا من خمسمائة جزء أو أكثر، وكان محبًا للرواية واسِعَهَا، وكان بصيرًا خبيرًا بالمذهب وشرحه، تَخَرَّجَ به الفقهاء.\nوكان - ﵀ - مُهَذَّب الأخلاق، كَيِّسًا، متواضعًا، ذكي النفس، خيِّرًا، متعبدًا، متهجدًا، عديم الشر.\nتوفي - ﵀ - فجأة في ذي القعدة سنة (٧١٥هـ) ٢.\nوقد ذكر جماعة من مترجمي ابن القَيِّم سماعه منه٣.\n٦- علاء الدين الكِنْدِي الوَدَاعي: علي بن مظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد بن هبة الله، أبو الحسن، الكندي، الإسكندراني، ثم\n_________\n١ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، والدرر الكامنة: (٤/٢١)، وبغية الوعاة: (١/٦٢) .\n٢ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٤٢)، ومعجم الشيوخ له: (١/٢٦٨)، والبداية والنهاية: (١٤/٧٧)، والشذرات: (٦/٣٥-٣٦) .\n٣ انظر: المعجم المختص: (ص٢٦٩)، والوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، والرد الوافر: (٦٨) .","vol":"1","page":150},{"text":"الدمشقي، الأديب، المحدِّث المفيد، المقري، كاتب ابن وَدَاعة، وكان يعرف بـ \"الوَدَاعِي\".\nمولده: على رأس سنة (٦٤٠هـ) .\nوكان كثير السماع، فسمع على أكثر من مائتي شيخ، وعني بالرواية، وقرأ \"صحيح البخاري\" عدة مرات، وأسمع الحديث. ثم تعانى الإنشاء، وَجَوَّدَ الخط، وتقدم في النظم والنثر، فنظم الشِّعْرَ الحسن الرائق الفائق. وجمع كتابًا في نحوٍ من خمسين مجلدًا، فيه علوم جمة أكثرها أدبيات، سماه: (التذكرة الكندية)، وكانت (الحماسة) من بعض محفوظاته.\nمات سنة (٧١٦هـ)، ووقع عند ابن تغري بردي وحده: (٧١٠هـ) والصواب الأول١.\nوقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢.\n٧- عيسى الْمُطَعِّم: شرف الدين، عيسى بن عبد الرحمن بن معالي ابن أحمد بن إسماعيل بن عطاف بن مبارك، المقدسي، مُسْنِدُ الوقت، المطعِّم٣ في الأشجار، ثم السمسار في العقار، كما قال الذهبي.\nسمع الكثير من مشائخ عدة، منهم: الضياء المقدسي، وكريمة، وسمع (صحيح البخاري) بِفَوْتٍ٤ من ابن الزبيدي. وقد كان أُميًّا عاميًّا، كما قال الذهبي ﵀.\n_________\n١ له ترجمة في: معجم الشيوخ - للذهبي: (٢/٥٨)، وذكره في آخر التذكرة ضمن شيوخه: (٤/١٥٠٣)، والبداية والنهاية: (١٤/٨٠)، والدليل الشافي: (١/٤٨٥) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ أَطْعَمَ الغُصْنَ، وطَعَّمَه، إطعامًا: إذا وَصَلَ به غصنًا من غير شجره، وقد أطعمته فَطَعِمَ، أي وصلته فقبِلَ الوَصْلَ. (لسان العرب، مادة: طعم) .\n٤ يعني: باستثناء مواضع منه فاته سماعها.","vol":"1","page":151},{"text":"توفي في ذي الحجة سنة (٧١٩هـ) ١.\nوقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه أكثر الذين ترجموه٢.\n٨- البهاء بن عساكر: القاسم بن مُظَفَّر بن نجم الدين بن محمود ابن أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، بهاء الدين، أبو محمد، الدمشقي، المعبِّر، الطبيب.\nمولده: في صفر سنة (٦٢٩هـ) .\nأخذ عن كثير من المشايخ سماعًا وحضورًا، وأجاز له خلق كثيرون، وروى ما لا يُوصَف كثرةً.\nوخرَّج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة، وكذا غيره.\nوكان حَسَنَ البِشْر، حلو المحاضرة، وكان قد اشتغل بالطبِّ، وكان يعالج الناس بغير أجرة، ثم لزم بيته بعدُ لإسماعِ الحديثِ، وتفرد بأشياء كثيرة. وَوَقَفَ على المحدثين أماكن، منها داره، وَقَفَهَا دار حديث. توفي - ﵀ - في شعبان سنة (٧٢٣هـ) ٣.\nوقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٤.\n_________\n١ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٥٥)، والبداية والنهاية: (١٤/٩٨)، والشذرات: (٦/٥٢) .\n٢ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، والرد الوافر: (ص٦٨، والدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٣ له ترجمة في: معجم الشيوخ - للذهبي: (٢/١١٧)، والبداية والنهاية: (١٤/١١٢) .\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .","vol":"1","page":152},{"text":"٩- القاضي بدر الدين ابن جماعة: محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكناني، الحموي الأصل، أبو عبد الله.\nمولده: في ربيع الآخر سنة (٦٣٩هـ) بحماة.\nسمع الحديث، واشتغل بالعلم، وحصَّل علومًا متعددة، وتَقَدَّم وساد أقرانه، وصنف التصانيف الفائقة النافعة. وقد وَلِيَ القضاء مرات في: القدس، ثم مصر، ثم دمشق - مع الديانة، والصيانة، والورع، وكف الأذى - حتى كَبِرَ وَضَعُف وَأُضِرَّ، فاستقال فَأُقِيل.\nتوفي - ﵀ - سنة (٧٣٣هـ) بمصر١.\nوقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢.\n١٠- الحافظ الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، التركماني، ثم الدمشقي، أبو عبد الله، الحافظ، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين.\nمولده: سنة (٦٧٣هـ) .\nطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير، ورحل، وَعُني بهذا الشأن، وتعب فيه، وَخَدَمَهُ، إلى أن رسخت فيه قَدَمُهُ. وقد شَرِبَ الحافظُ ابن حجر ماء زمزم ليصل إلى مرتبته في الحفظ.\n_________\n١ له ترجمة في: البداية والنهاية: (١٤/١٧١)، والدرر الكامنة: (٣/٣٦٧)، وطبقات الشافعية - ابن قاضي شهبة: (٢/٣٦٩)، ولحظ الألحاظ: (ص١٠٧) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .","vol":"1","page":153},{"text":"وشهرة هذا الإمام الجهبذ، والعلم النِحرير تُغْنِي عن الإطالة بذكر مناقبه١.\nوقد توفي - ﵀ - سنة (٧٤٨هـ) ٢.\nأما عن سماع ابن القَيِّم منه، وتتلمذه عليه: فإنه لم يذكر ذلك أحدٌ ممن ترجموا لابن القَيِّم، ولكن وصف ابن القَيِّم الذهبي بأنه شيخه، وذلك في رسالته في الأحاديث الموضوعة - التي سيأتي الكلام عليها مفصلًا عند ذكر مؤلفات ابن القيم إن شاء الله - حيث قال: \"سمعت شيخنا أبا عبد الله محمد بن عثمان...\"٣. وقال مرة في الرسالة نفسها: \"وسمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن عثمان ... \"٤.\nوقد ذكره في مواضع أخرى من كتب له: فقال مرة في كتابه (جلاء الأفهام) ٥ - ناقلًا كلام الذهبي في حديث -: \"قال محمد بن عثمان الحافظ: هذا وَضَعَه العُمَرِي\". ثم قال: \"وهو كما قال؛ فإن هذا الإسناد لا يَحْتَمِلُ هذا الحديث\".\nوقال مرة في كتابه (زاد المعاد) ٦ - متعقبًا إيّاه في مسألة -:\n_________\n١ ومن أراد الوقوف على دراسة حياة الإمام الذهبي مستوفاة: فعليه بكتاب (الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام) للدكتور بشار عواد: (ص٧٥-٢٧٦) .\n٢ له ترجمة في: ذيل التذكرة - للحسيني: (ص٣٤ - ٣٨)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٣٦)، وطبقات الحفاظ: (ص٥٢١ - ٥٢٣) .\n٣ رسالة الموضوعات: (ق٤٢/أ) .\n٤ المصدر السابق: (ق٤/أ) .\n(ص١٨) .\n(٢/١٣٢) .","vol":"1","page":154},{"text":"\"وممن غَلِطَ في هذا أيضًا: محمد بن عثمان الذهبي في كتابه (الضعفاء) فقال: مطرف بن مصعب المدني ... \". يعني: وأن الصواب فيه: مطرف أبو مصعب.\nفهكذا نجد ابن القَيِّم - ﵀ - في هاتين المرتين ينقل عن الذهبي: مرة مستفيدًا منه، ومرة متعقبًا إياه، بدون أن يصرح في أي من المرتين بأنه شيخه، أو أنه سمع منه.\nثم إن الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - لَمَّا وقف على نص (رسالة الموضوعات) وما جاء فيها من تصريح ابن القَيِّم بأن الذهبي شيخه، استبعد ذلك قائلًا: \"والذهبِيُّ من تلامذة ابن القَيِّم، ولم أر ابن القَيِّم في شيء من كتبه المطبوعة يذكر الذهبي وينقل عنه\"١. ثم حكم - بناء على ذلك - بغرابة أسلوب هذه الرسالة على مسلك ابن القَيِّم في التأليف، وَتَوَقَّفَ بالتالي في الحكم بنسبتها لابن القَيِّم٢.\nوأقول: إن كلام الشيخ بكر في نفي مشيخة الذهبي لابن القَيِّم فيه نظر؛ ويتضح ذلك بما يلي:\n- أما قوله بأن الذهبي من تلامذة ابن القَيِّم: فإنه مما لا دليل عليه، وسيأتي التنبيه على ذلك عند الكلام على تلاميذ ابن القَيِّم، وبيان ضعف الدليل الذي اعتمده الشيخ في الحكم بذلك٣.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٧٨ - ١٧٩) .\n٢ وسيأتي تحقيق القول في ذلك إن شاء الله، عند الكلام على مصنفات ابن القَيِّم. انظر: (ص ٣١٣) .\n٣ انظر: (ص ٢٠٠ - ٢٠٢) .","vol":"1","page":155},{"text":"- وأما كونه لم ير ابن القَيِّم في شيء من كتبه المطبوعة يذكر الذهبي وينقل عنه: فقد تقدم نقل نصين من كتابين مختلفين، ينقل فيهما ابن القَيِّم عن الذهبي.\n- فإذا ثبت لدينا عدم انتهاض ما استدل به الشيخ بكر - سلمه الله - على نفي كون الذهبي شيخًا لابن القَيِّم، فإن الواقع والقرائن يؤيدان الحكم بإثبات هذه المشيخة، ويؤكد هذا أمور:\nأولًا: ذلك النص من ابن القَيِّم في رسالته في الأحاديث الموضوعة، والذي يقول فيه: \"سمعت شيخنا\"؛ فإنه صريح لا يحتمل تأويلًا، إلا أن يقال: هذا الكتاب لا تصح نسبته لابن القَيِّم، فالكلام ليس كلامه؟ ولا سبيل إلى القول بذلك؛ فإن الكتاب صحيح النسبة لابن القَيِّم بأدلة قوية، كما سيأتي.\nوأما ما جاء في النصين الآخرين من نقله عن الذهبي دون تصريح بأنه شيخه: فإنه لا يلزم منه نفي كونه شيخه؛ إذ لا مانع من أن ينقل الإنسان عن شيخه دون وصفه بذلك، بل إن ذلك كثير في كلام الأئمة.\nثانيًا: أن وجود ابن القَيِّم مع الذهبي في بلد واحد - وهو دمشق– ومعاصرة كل منهما للآخر، مع شهرة الذهبي وإمامته، وطول باعه في العلم، وحرص ابن القَيِّم على التحصيل على كبار الأئمة، كل ذلك يجعل القول بتتلمذ ابن القَيِّم على الذهبي غير بعيد، بل عدم سماعه منه وأخذه عنه هو البعيد الغريب.","vol":"1","page":156},{"text":"ثالثًا: أن فارق السنِّ بينهما يدعم القول بمشيخة الذهبي لابن القَيِّم؛ فإن الذهبي - ﵀ - ولد سنة (٦٧٣هـ)، ومولد ابن القَيِّم سنة (٦٩١هـ)، وبذلك فإن الذهبي يكبره بثماني عشرة سنة، ففي السنة التي وُلِدَ فيها ابن القَيِّم - ﵀ - شَرَعَ الذهبي في القراءة بالجمع الكبير على شيخين في آنٍ واحد، فما لبث \"أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءة وأصولها ومسائلها، وهو لم يزل فتىً لم يتعد العشرين من عمره\"١.\nولبراعَةِ الذهبي وتميزه في ذلك: تَنَازَلَ له شَيْخُهُ شمس الدين الدمياطي عن حلقته بالجامع الأموي أوائل سنة (٦٩٣هـ) ٢، كل ذلك وابن القَيِّم لم يزل بعد في الثانية من عمره، فهل يبعدُ - مع هذا السبق في السِّنِّ والتَّلقِّي - أن يكون الذهبي شيخًا لابن القَيِّم؟\nرابعًا: ثم إنه ظهر لي - وأرجو أن أكون مخطئًا في ظني - أنه كانت هناك نفرةٌ بين ابن القَيِّم وشيخه الذهبي، ولعل ذلك يتضح من قول الذهبي في حق ابن القَيِّم: \" ... ولَكِنَّهُ مُعْجَبٌ برأيه جرئ على الأمور، غفر الله له\"٣. فهذه كلمة - ولا شك - تشير إلى عدم انسجام واتفاق، فربما ترتب على ذلك قلة الاتصال بينهما؟ ومن ثم عدم إكثار ابن القَيِّم عنه، بخلاف شيخه المزي مثلًا، كما سيأتي.\nوعلى كلِّ حال، فما دام ابن القَيِّم - ﵀ - قد صَرَّح بأن الذهبي شيخه، وذلك في كتاب ثابت النسبة إليه، فإنه لا مجال لنفي ذلك إلا بِبَيِّنَةٍ ودليل قويٍّ.\n_________\n١ الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام: (ص٨٣ - ٨٤) .\n٢ المصدر السابق: (ص٨٥) .\n٣ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .","vol":"1","page":157},{"text":"وبعدُ، فقد طال بنا الكلام - شيئًا ما - في إثبات تلمذة ابن القَيِّم للذهبي، والآن نعود مرة أخرى إلى ما كنا بصدده من سرد شيوخ ابن القَيِّم ﵀.\n١١- محمد بن أبي الفتح بن أبي سهل البَعْلَبَكِّيِّ، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله، الإمام، العلامة، المحدث.\nمولده: سنة (٦٤٥هـ) .\nتحول إلى دمشق فاشتغل، وأتقَنَ الفقه، وسمع الكثير من: ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما، وعني بالرواية والأجزاء، وله اعتناء بالرجال، جيد الخبرة بألفاظ الحديث. وأتقن العربية، ولع معرفة تامة بالنحو، وأفاد ودَرَّسَ.\nوكان - ﵀ - حَسَنَ الْخُلُق، عابدًا، متواضعًا، مع القناعة والاقتصاد، وكثرة المحاسن.\nمات بالقاهرة بعد دخولها بأيام في المحرم سنة (٧٠٩هـ) ١.\nوقد ذكر سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٢.\n١٢- ابن الشِّيْرَازِي: محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله بن محمد ابن يحيى بن بُنْدار بن مَمِيل، شمس الدين، أبو نصر، الفارسي، الشِّيرازي الأصل، ثم الدمشقي، الْمِزِّي، المُسْنِد، الْمُعَمِّر.\nمولده: سنة (٦٢٩هـ) .\n_________\n١ له ترجمة في: معجم الشيوخ - الذهبي: (٢/٣٢٤)، وذكر ترجمته في آخر التذكرة ضمن شيوخه (٤/١٥٠١)، وبغية الوعاة: (١/٢٠٧ - ٢٠٨) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .","vol":"1","page":158},{"text":"سمع كثيرًا، وأسمع، وأفاد، وتفرد في زمانه، وَرُحِلَ إليه. وكان - ﵀ - عاقلًا، ساكنًا، وقورًا، متواضعًا، خَيِّرًا، وكان أُستاذًا في إذهاب المصاحف١.\nتوفي - ﵀ - ليلة عرفة سنة (٧٢٣هـ) ٢.\nوقد نص على سماع ابن القَيِّم منه: الصَّفَدِي٣، وابن حجر٤، والسيوطي٥.\n١٣- المزي: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، القُضَاعي، ثم الكَلْبِي، الدمشقي، الشافعي، أبو الحجاج، جمال الدين، الإمام، العلامة، الحافظ، محدث الشام.\nمولده: بحلب سنة (٦٥٤هـ) ونشأ بالْمِزَّة.\nسمع: (المسند)، و(الكتب الستة)، و(معجم الطبراني)، و(الأجزاء الطبرزدية)، و(الكندية)، و(صحيح مسلم) . وَرَحَل فسمع: بالحرمين، وحلب، وحماة، وبعلبك وغيرها.\nوقد برع ومهر وتقدم في فنون كثيرة، ولاسيما في معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها.\n_________\n١ أَذْهَبَ المصحف وذَهَّبَه: طلاه بالذهب، فهو مُذَهَّبٌ وَذَهِيبٌ (القاموس المحيط، مادة: ذهب) .\n٢ له ترجمة في: معجم الشيوخ - للذهبي: (٢/٢٧٩)، والبداية والنهاية: (١٤/١١٣) .\n٣ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٤ الدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٥ بغية الوعاة: (١/٦٢) .","vol":"1","page":159},{"text":"وكان - ﵀ - ثقة، حجة، كثير العلم، حسن الأخلاق، كثير السكوت، قليل الكلام جدًا، صادق اللهجة، مع التواضع والاقتصاد في المأكل والملبس. وقد ترافق هو وابن تَيْمِيَّة كثيرًا في سماع الحديث.\nتوفي - ﵀ - في صفر: سنة (٧٤٢هـ)\nولم يذكره أحد ممن ترجم لابن القَيِّم ضمن شيوخه، ولكن ابن القَيِّم - ﵀ - كثير النقل عنه في كتبه مع التصريح بأنه شيخه، وبخاصة فيما يتعلق بالرجال والأسانيد.\nويظهر عليه حبه الشديد له، واحترامه وتقديره إيَّاه، حتى كان يطلق عليه \"شيخ الإسلام\"٢ كما كان يطلق ذلك على شيخه الأول: ابن تَيْمِيَّة.\nيقول مرة ناقلًا عنه فائدة حول راوٍ: \"وهكذا هو في (تهذيب الكمال) لشيخنا أبي الحجاج المزي\"٣.\nوأحيانًا لا يسميه، فيقول: \"وقال شيخنا في التهذيب\"٤. أو: \"وذكره شيخنا في التهذيب\"٥.\n_________\n١ له ترجمة في: تذكرة الحفاظ: (٤/١٤٩٨ - ١٥٠٠)، ومعجم الشيوخ - للذهبي: (٢/٣٨٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٠٣) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٦٢) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص١٢) .\n٤ جلاء الأفهام: (ص ٣٤) .\n٥ جلاء الأفهام: (ص ٣٥) .","vol":"1","page":160},{"text":"ويعتمد رأيه كثيرًا في الترجيح عند الاختلاف، فتراه يقول: \"قال شيخنا أبو الحجاج المزي: والصواب رواية ... \"١. وتارة يقول: \"وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يرجح هذا أيضًا\"٢.\nوقد ينقل عنه في بعض المواضع مما سمعه منه، فيقول: \"قال لي شيخنا أبو الحجاج الحافظ\"٣. ويقول أيضًا: \"وسمعت أبا الحجاج الحافظ يقول ... \"٤.\nويظهر واضحًا من هذه النقول: مدى حب ابن القَيِّم لشيخه المزي، واحترامه له، ونقل إفاداته وعلومه في كثير من كتبه.\nثانيًا: شيوخه في العربية:\nلقد برع ابن القَيِّم في علوم متعددة، وكان على رأسها: النحو والعربية، حتى وصفه غير واحد من مترجميه بـ \"النحوي\"٥، وأن له في العربية \"اليد الطولى\"٦.\nولا عجب في ذلك؛ فقد أولى ابن القَيِّم - ﵀ - ذلك الجانب عناية فائقة، وتلقاه على أكابر شيوخ عصره، ومن هؤلاء الشيوخ:\n- محمد بن أبي الفتح البعلبكي الماضي ذكره.\n_________\n١ حادي الأرواح: (ص٩٨) .\n٢ تهذيب السنن: (٤/٣٤٢) .\n٣ حادي الأرواح: (ص٢٧٠) .\n٤ زاد المعاد: (٤/٢٥٢) .\n٥ انظر: المعجم المختص: (ص٢٦٩)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧) .\n٦ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .","vol":"1","page":161},{"text":"قال الصَّفَدِي: \"قرأ عليه (الْمُلَخَّص) لأبي البقاء، ثم قرأ (الْجُرْجَانِيَّة) ثم قرأ (ألفية ابن مالك)، وأكثر (الكافية الشافية)، وبعض (التسهيل\") ١.\nومن شيوخه في العربية أيضًا:\n١٤- مجد الدين التونسي: أبو بكر بن القاسم، المرسي، ثم التونسي، نزيل دمشق، مجد الدين، شيخ القراءة والنحو.\nمولده: سنة (٦٥٦هـ) .\nسمع من الفخر علي، وجماعة، ويتصدر للقراءة زمانًا، وكان من أذكياء وقته، مع الدين والنَّزَاهة والوقار.\nتوفي - ﵀ - في ذي القعدة سنة (٧١٨هـ) ٢.\n٠وقد ذكره ضمن شيوخ ابن القَيِّم جماعة٣، وذكر الصلاح الصَّفَدِي: أن ابن القَيِّم قرأ عليه قطعة من (المقرب)، ونقل الشيخ بكر أبو زيد عن الصَّفَدِي: أنه (الْمُغْرب) ٤.\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) . وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٦) .\n٢ له ترجمة في: معجم الشيوخ - الذهبي: (٢/٤١٧) .\n٣ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، والدرر الكامنة: (٤/٢١)، وبغية الوعاة: (١/٦٢) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٥)، (والمغرب) معروف للمُطَرِّزي (ت٦١٠هـ) وأما (المقرب): فلم أقف عليه، فلعله تصحف في كتاب الصَّفَدِي.","vol":"1","page":162},{"text":"ثالثًا: شيوخه في الفقه:\nأما الفقه: فقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - مشتغلًا به \"ويجيد تقريره\" كما مضى من كلام الذهبي ﵀.\nوقد أخذ الفقه عن جماعة من أَجِلَّة عصره، منهم:\n١٥- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة: تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر ... بن تيمية، الحرَّاني، ثم الدمشقي، الإمام، العالم، والفقيه، الحافظ، المفتي، شيخ الإسلام الذي أثنى عليه الموافق والمخالف.\nمولده: سنة (٦٦١هـ) .\nوشهرة الشيخ تغني عن الكلام عنه، وقد توفي - ﵀ - سنة (٧٢٨هـ) محبوسًا بقلعة دمشق كما تقدم١.\nوقد سبقت الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين ابن القَيِّم وأستاذه ابن تَيْمِيَّة٢، فلقد توطدت العلاقة بين ابن القَيِّم وشيخه، حتى صار \"من عيون أصحابه\"٣. بل كان \"رئيس أصحاب ابن تَيْمِيَّة\"٤. حتى إنه لا يكاد يذكر ابن تَيْمِيَّة إلا ويذكر معه ابن القَيِّم رحمهما الله تعالى.\n_________\n١ ولابن تَيْمِيَّة ترجمة في: معجم شيوخ الذهبي: (١/٥٦)، والتذكرة: (٤/١٤٩٦)، والبداية والنهاية: (١٤/١٤١)، والوافي بالوفيات: (٧/١٥)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٣٨٧)، والدرر الكامنة: (١/١٥٤) .\n٢ انظر: (ص ١١٣) .\n٣ ذيل العبر: (ص١٥٥) .\n٤ كما قال السخاوي ﵀. (التاج المكلل: ص٤١٩) .","vol":"1","page":163},{"text":"وقد نص على تفقه ابن القَيِّم بابن تَيْمِيَّة أكثر من ترجم له١.\nوابن القَيِّم - ﵀ - دائم الذكر لشيخه، كثير النقل عنه في كتبه، مع الإشادة به، وإظهار الحب والتقدير له٢.\n١٦- المجد الحرَّاني: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، مجد الدين، أبو محمود، الحرَّاني، الفراء، الحنبلي.\nمولده بحران: سنة (٦٤٥هـ)، ثم انتقل إلى دمشق سنة ٦٧٠ أو ٦٧١هـ. سمع الحديث بدمشق من الجمال ابن الصيرفي وغيره، فسمع (الكتب الستة) و(المسند) . وتفقه حتى برع في المذهب، وتَخَرَّج به عدة فقهاء وأئمة، ولم يُصَنِّف شيئًا.\nوكان متواضعًا، كثير الصمت عما لا يعنيه، لا يغتاب بشرًا، ولا يؤذي أحدًا، ومن أكفِّ الناس عن الفتيا، فيه خير ورقَّةٌ.\nتوفي - ﵀ - في جمادى الأولى سنة (٧٢٩هـ) ٣.\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل العبر: (ص١٥٥)، والدرر الكامنة: (٤/٢١)، وبغية الوعاة: (١/٦٢) .\n٢ تنظر أمثلة لنقل ابن القَيِّم عن شيخه ابن تَيْمِيَّة في: زاد المعاد: (١/٤٣٤، ٤٤٠، ٤٥٦)، وحادي الأرواح: (ص٩٨)، وجلاء الأفهام: (ص١٨)، وتهذيب السنن: (١/٦٢)، وإعلام الموقعين: (٢/٣٤٤)، ومواضع النقل كثيرة جدًا يصعب حصرها.\n٣ له ترجمة في: معجم الشيوخ للذهبي: (١/٧٩)، وذيل العبر له: (ص٨٦)، والبداية والنهاية: (١٤/١٥٢)، والدرر الكامنة: (١/٤٠٣) .","vol":"1","page":164},{"text":"وقد نص على تفقه ابن القَيِّم به: الصَّفَدِي١، وابن حجر٢. ونص الصَّفَدِي على أنه قرأ عليه: (مختصر أبي القاسم الخرقي)، و(المقنع) لابن قدامة، وكلاهما في الفقه الحنبلي.\n١٧- شرف الدين بن تيمية: عبد الله بن عبد الحليم ... بن تيمية، شرف الدين، أبو محمد، الحراني، الحنبلي، أخو شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة.\nمولده: سنة (٦٦٦هـ) .\nكان عارفًا بجمل نافعة من الحديث ورجاله، سمع (المسند)، (والكتب الستة) وغيرهما، وكان عارفًا بالسيرة وأيام الناس، مُحْكِمًا للفقه والعربية.\nوكان كثير المحاسن، كبير القدر، مقتصدًا في مأكله وملبسه. وكان أخوه يكرمه ويعظمه.\nتوفي - ﵀ - في جمادى الأولى سنة (٧٢٧هـ) ٣.\nوقد نص على تفقه ابن القَيِّم به: الصَّفَدِي٤، ونص ابن القَيِّم على أنه شيخه٥.\nوممن أخذ الفقه عنهم أيضًا:\n- محمد بن أبي الفتح البعلبكي المتقدم ذكره.\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٢ الدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٣ له ترجمة في: معجم الشيوخ للذهبي: (١/٣٢٣)، وذيل العبر له: (ص٨١)، والدرر الكامنة: (٢/٣٧١)، والشذرات: (٦/٧٦) .\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٥ الصواعق المرسلة: (١/٣٢٠) .","vol":"1","page":165},{"text":"رابعًا: شيوخه في الفرائض:\nأما شيوخه في الفرائض فهم:\n١٨- والده: أبو بكر بن أيوب، قَيِّم الجوزية. وقد تقدم أنه كان له في الفرائض اليد الطولى١، ولذلك فقد أخذها عنه ابن القَيِّم أولًا، نص على ذلك: الصَّفَدِي٢، وابن حجر٣، والشوكاني٤.\nثم أخذها على:\n- إسماعيل بن محمد الحراني الماضي ذكره٥.\nثم على:\n- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة٦.\nخامسًا: شيوخه في أصول الفقه.\nوقد أخذ أصول الفقه عن جماعة من العلماء، منهم:\n١٩- صفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله، الأرموي، الشافعي، العَلاَّمة، الأصولي.\nمولده: سنة (٦٤٤هـ) بالهند.\n_________\n١ انظر ترجمته فيما تقدم: (ص ٩٠) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ الدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٤ البدر الطالع: (٢/١٤٣) .\n٥ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٦ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وبغية الوعاة: (١/٦٢)، وطبقات المفسرين (٢/٩١) .","vol":"1","page":166},{"text":"خرج من دِهْلي سنة ٦٦٧هـ فحجَّ وجاور بمكة أشهرًا، ثم دخل اليمن، ثم مصر، ثم سافر إلى الروم، ثم قدم دمشق سنة ٦٨٥هـ، فاستوطنها، واشتغل بالتدريس، وصنف في الأصول وعلم الكلام.\nوكان ذا برٍّ وصلة، وله حظ من صلاة وتعبد.\nتوفي - ﵀ - في صفر سنة (٧١٥هـ) وقد استوفى سبعين سنة وأشهرًا١.\nوقد ذكر أخذَ ابن القَيِّم الأصول عنه: الصَّفَدِي٢، وابن حجر٣، والسيوطي٤.\nوأخذ الأصول - أيضًا - عن:\n- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، فَقَرَأ عليه قطعةً من (المحصول) ٥، وقطعة من (الإحكام في أصول الأحكام) ٦، كما ذكر ذلك الصَّفَدِي٧.\nوأخذ الأصول - أيضًا - عن:\n- إسماعيل بن محمد الحراني المتقدم ذكره، فقرأ عليه أكثر\n_________\n١ له ترجمة في: معجم الشيوخ - للذهبي: (٢/٢١٦)، والبداية والنهاية: (١٤/٧٧)، والدرر الكامنة: (٤/١٣٢) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ الدرر الكامنة: (٤/٢١) .\n٤ بغية الوعاة: (٢/٦٢) .\n٥ للفخر الرازي (ت٦٧٨هـ) وهو مطبوع.\n٦ لسيف الدين الآمدي (ت٦٣١هـ) وهو مطبوع.\n٧ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .","vol":"1","page":167},{"text":"سادسًا: شيوخه في التوحيد وأصول الدين:\nقرأ في التوحيد على:\n- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، قرأ عليه قطعة من (الأربعين) ٣ وقطعة من (المحصل) ٤. كما أفاد ذلك: الصَّفَدِي٥.\nوقرأ أصول الدين - أيضًا - على:\n- الشيخ صفي الدين الأرموي المتقدم، قرأ عليه أكثر الكتابين - الأربعين والمحصل - كما أفاده الصَّفَدِي٦.\nسابعًا: شيوخ آخرون:\nمن هؤلاء الشيوخ:\n٢٠- ابن سَيِّد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن محمد بن يحيى ... أبو الفتح، فتح الدين، ابن سيد الناس، الأندلسي الأصل، المصري، الإمام، الحافظ.\n_________\n١ وهي: (روضة الناظر وجنة المناظر) لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت٦٢٠هـ) . طبع مرارًا.\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ لعل المقصود به: (الأربعين في أصول الدين) للرازي. (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: ص (١٠١) .\n٤ لعل المراد به: (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين) للرازي أيضًا. (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: ص (١٠١) .\n٥ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٦ المصدر السابق.","vol":"1","page":168},{"text":"مولده: في سنة (٦٧١هـ) بالقاهرة.\nسمع الكثير، وأخذ علم الحديث عن: والده، وابن جماعة، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، وبرع في علوم شتى، وفاق أقرانه، ولم يكن بمصر في مجموعه١ مثله: في حفظ الأسانيد، والمتون، والعلل، وغير ذلك.\nتوفي فجأة في شعبان سنة (٧٣٤هـ) ٢.\nولم يذكره أحدٌ من مترجمي ابن القَيِّم ضمن شيوخه، لكن حَدَّث عنه ابن القَيِّم مرة، فقال - عند الكلام على سَرِيَّة الخبط -: \"وكانت في رجب سنة ثمان، فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس في كتاب (عيون الأثر) ٣ له ...\"٤.\nوقد كان دخول ابن سيد الناس إلى دمشق سنة (٦٩٠هـ) كما قال ابن كثير٥، ولم يكن ابن القَيِّم قد ولد بعد، والظاهر أنه لم يمكث في دمشق كثيرًا. فلعل ابن القَيِّم يحدِّث بهذا الكتاب إجازة، أو يكون قد قرأه عليه في إحدى سفراته إلى القاهرة؟ فالله أعلم.\nومن هؤلاء الشيوخ - أيضًا - ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد:\n_________\n١ يعني: فيما جمعه من علم.\n٢ له ترجمة في: التذكرة ضمن شيوخه: (٤/١٥٠٣)، والبداية والنهاية: (١٤/١٧٨)، وطبقات الشافعية - ابن قاضي شهبة: (٢/٣٩٠) .\n٣ هو كتاب: \"عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير\" مطبوع.\n٤ زاد المعاد: (٣/٣٨٩) .\n٥ البداية والنهاية: (١٤/١٧٨) .","vol":"1","page":169},{"text":"٢١- ابن الزَّمْلَكَاني١: كمال الدين بن علي بن عبد الواحد، الأنصاري، الشافعي، شيخ الشافعية بالشام وغيرها.\nمولده: سنة (٦٦٦هـ) .\nطلب الحديث وقتًا، وقرأ بنفسه، وهو أحد المتقدمين في الفتوى والتدريس.\nتوفي - ﵀ - سنة (٧٢٧هـ) ٢.\nومنهم أيضًا:\n٢٢- ابن مفلح٣: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المقدسي، ثم الصالحي، الحنبلي، شمس الدين، أبوعبد الله، أحد الأئمة.\nسمع من عيسى المطعم وغيره، وتَفَقَّه، وبرع، ودَرَّس، وأفتى، وناظر، وحدَّث، وأفاد.\nوقال ابن القَيِّم لقاضي القضاة موفق الدين الحجاوي سنة ٧٣١هـ: \"ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح\". وكان أخبر الناس بمسائل ابن تَيْمِيَّة، حتى أن ابن القَيِّم كان يراجعه في مسائله٤.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٦) .\n٢ له ترجمة في: البداية والنهاية: (١٤/١٣٦)، والدرر الكامنة: (٤/١٩٢)، وحسن المحاضرة: (١/٣٢٠) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٧) .\n٤ شذرات الذهب: (٦/١٩٩) .","vol":"1","page":170},{"text":"توفي - ﵀ - سنة (٧٦٣هـ) ١.\nولم أر النص على تلمذة ابن القَيِّم له وأخذه عنه، فهل بنى الشيخ بكر - حفظه الله - ذلك على مراجعة ابن القَيِّم له في اختيارات شيخ الإسلام؟ وإذا كان هذا هو مستنده، فهل يكون ذلك كافيًا للحكم بتلمذته له؟\n٢٣- فاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جوهر، البطائحي، البعلبكي، أم محمد.\nمولدها: سنة (٦٢٥هـ) .\nوكانت امرأة صالحة، عابدة، محدِّثَة، مسندة، سمعت (صحيح البخاري) من ابن الزبيدي، وروته عنه مرات، وسمعت (صحيح مسلم) على أبي الثناء ابن الحصيري شيخ الحنفية، وهي آخر من روى عنه وفاة. وطال عمرها، وروت الكثير.\nتوفيت - رحمهما الله - في صفر سنة (٧١١هـ) عن ست وثمانين سنة٢.\nوقد ذكر جماعة سماع ابن القَيِّم منها٣، وبعضهم يسميها: \"بنت البطائحي\"، وهي المقصودة.\n_________\n١ له ترجمة في: الدرر الكامنة: (٥/٣٠)، والشذرات: (٦/١٩٩) .\n٢ لها ترجمة في: معجم الشيوخ - الذهبي: (٢/١٠٣)، وذكرها في آخر التذكرة: (٤/١٤٩٥) في الوفيات، والدرر الكامنة: (٣/٣٠١)، والشذرات (٦/٢٨) .\n٣ انظر: المعجم المختص: (ص٢٦٩)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، وطبقات المفسرين: (٢/٩١) .","vol":"1","page":171},{"text":"وبعد، فهذا ما أمكن الوقوف عليه من شيوخ ابن القَيِّم ﵀، الذين تتلمذ على أيديهم، واخذ العلم عنهم، وتَخَرَّج بهم.\nويمكن لنا عند النظر في هؤلاء الشيوخ أن نسجل بعض الملاحظات:\n١- أن غالب هؤلاء الشيوخ - إن لم يكونوا جميعًا - أئمة جهابذة حفاظ، وعلماء أعلام، كانوا مقدمين في وقتهم في تلك الفنون التي تلقاها ابن القَيِّم - ﵀ - عن كل واحد منهم.\n٢- أن هؤلاء الأئمة - شيوخ ابن القَيِّم - كانوا - أيضًا - على درجة كبيرة من: الزهد، والورع، والتواضع، وحسن الخلق، والاجتهاد في العبادة، إلى غير ذلك من الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة، كما مضى.\n٣- أن كل هؤلاء الشيوخ من أهل دمشق: مولدًا ونشأة، أو انتقالًا واستيطانًا، وحتى من لم يستوطنها منهم، فقد جلس فيها فترة. وهذا يؤكد - كما سيأتي ذكره -: أن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يرحل خارج بلده كثيرًا لطلب العلم، وإنما حصَّل علومه كلها - أو أكثرها - على شيوخ بلده (دمشق)، وما ذلك إلا لأهميتها العلمية آنذاك، وتوافد أهل العلم إليها على ما سبق بيانه.\nفإذا أخذنا هذه الأمور كلها بعين الاعتبار، أمكن لنا أن نتصور إلى أي مدى كان تأثير هؤلاء الشيوخ في علم ابن القَيِّم، وأخلاقه، وتكوين شخصيته تأثيرًا إيجابيًا.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الثالث: اهتمامه باقتتناء الكتب، وذكر مكتبته</span>\n...\nالمبحث الثالث: اهتمامه باقتناء الكتب، وذكر مكتبته\nإن من الأمور المهمة في حياة العالم، وطالب العلم: اقتناء أكبر قدرٍ ممكن من الكتب في سائر الفنون وشتى العلوم.\nفلا شك أن وجود مكتبة متكاملة بين يدي طالب العلم يتيح له فرصةً أكبر للقراءة والاطلاع، ومن ثَمَّ يكون ذلك من أكبر العون له على الترقي في المعرفة والتقدم في التحصيل.\nكما أن نوع المراجع التي تشتمل عليها هذه المكتبة، له أثر مهمٌ في تكوين الشخصية العلمية لصاحبها.\nقال العلامة بدر الدين بن جماعة - عند ذكر آداب طالب العلم مع الكتب -:\n\"الأول: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه، شراءً وإلا فإجارَةً أو عاريةً؛ لأنها آلة التحصيل\"١.\nولكن ينبغي أن يُعلم أن مجرد جمع الكتب وتحصيلها ليس كافيًا في حصول الرِّفْعَةِ والتقدم في العلم، بل لا بد أن يَضُمَّ إلى ذلك: الْجِدَّ والاجتهاد في الطلب، وكثرة المطالعة لها، وبذل الجهد والوقت في نظرها.\n_________\n١ تذكرة السامع والمتكلم: (ص١٦٤) .","vol":"1","page":173},{"text":"قال الشيخ ابن جماعة:\"ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظَّهُ من العلم، وجمعها نصيبه من الفهم، كما يفعله كثير من الْمُنْتَحِلِين للفقه والحديث، وقد أحسن القائل:\nإذَا لَمْ تَكُنْ حَافِظًَا وَاعِيًَا ... فَجَمْعُكَ لِلكُتبِ لا يَنْفَعُ\"١\nوقد تحدَّثت مصادر ترجمة العلامة ابن القَيِّم عن اشتهاره بحب الكتب، وغرامه بجمع الكثير منها، حتى حصل له من ذلك ما لم يحصل لغيره.\nومن أقوال أصحابه ومترجميه في وصف ذلك:\nقال ابن كثير ﵀: \"واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْرِهِ، من كتب السلف والخلف\"٢.\nوقال ابن رجب الحنبلي: \"وكان شديد المحبة للعلم ... واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره\"٣.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"وكان مُغْرىً بجمع الكتب، فَحَصَّل منها ما لا يُحْصَر ... \"٤.\nفهكذا كان ابن القيم مغرمًا بجمع الكتب، حريصًا على اقتنائها، ولم يكن حظه منها مجرد جمعها، بل جمع إلى ذلك: جِدًّا واجتهادًا في\n_________\n١ تذكرة السامع والمتكلم: (ص ١٦٤) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٤) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٤ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .","vol":"1","page":174},{"text":"درسها ونظرها، وإنفاقًا لليله ونهاره في مطالعتها، مع ما آتاه الله - سبحانه - من قوة الذكاء، وسعة الحفظ، ونور البصيرة، ومع ما وصف به من شدة الحب للعلم كما تقدم، فانتفع لأجل ذلك كله بهذه الكتب.\nوربما يكون ابن القَيِّم - ﵀ - قد نَسَخَ جملةً من هذه الكتب بخطه، فقد قال ابن كثير ﵀: \"وكتب بخطه الحسن شيئًا كثيرًا\"١. وقال ابن رجب: \"وكتب بخطه ما لا يُوصَف كَثْرَةً\"٢.\nوقد يكون المراد بذلك: ما كتبه تصنيفًا، ولكن لا يمتنع - أيضًا - كتابته شيئًا من ذلك على سبيل النسخ، وبخاصة في مرحلة الطلب.\nوعلى كل حال، فإن الذي يهمنا هو أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد حصَّل من الكتب ما لم يحصله غيره، ويظهر ذلك واضحًا عند النظر في قائمة المصادر التي اعتمدها في مؤلفاته، فقد كانت تلك المصادر غزيرةً وفيرةً، وكانت - في الوقت نفسه - قيِّمة ونفيسة، مع تنوعها واختلاف فنونها٣.\nوليس أدل على ضَخَامَةِ المكتبة التي خَلَّفَهَا ابنُ القَيِّم -﵀وكثرةِ كتبها، مما حكاه الحافظُ ابن حجر: من أن أولادَ ابن القَيِّم ظلُّوا \"يبيعون منها بعد موته دهرًا، سوى ما اصطفوه لأنفسهم\"٤.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٣ انظر ما سيأتي من الكلام على مصادر ابن القَيِّم في كتبه ص: (٢٦٧) .\n٤ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .","vol":"1","page":175},{"text":"وقد نَفَعَ الله بهذه المكتبة العامرة بعد موت ابن القَيِّم ﵀؛ ذلك أنها آلت إلى أولاده من بعده - وقد كانوا أهل علم وفضل كما مضى - فاصطفوا لأنفسهم جملةً كبيرةً منها كما مرَّ، واقتنى كتبًا نفيسةً منها: ابن أخيه عماد الدين إسماعيل بن عبد الرحمن١،\"وكان لا يبخل بعاريتها\" كما قال ابن حجي٢.\nفرحم الله ابنَ القَيِّم، وأجزل له المثوبة، فلقد خَلَّف لأولاده خير زاد، وأفضل ذخيرة ليوم الْمَعَادِ، مع عموم الانتفاعِ بهذه الكتب بالإعارة وغيرها.\n_________\n١ ابن أبي بكر بن أيوب ... المعروف \"بابن قَيِّم الجوزية\" كَعَمِّه، وكان رجلًا حسنًا، وقد اقتنى أكثر مكتبة عَمِّه شمس الدين ابن القَيِّم. توفي في رجب سنة ٧٩٩هـ.\nله ترجمة في: ذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب: (ص٢١)، والدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩١) .\n٢ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩١) .","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الرابع: أَسْفَارُهُ وَرِحْلاتُهُ</span>\nإن مما ينبغي على طالب العلم أن يرحل عن وطنه إلى البلاد الأخرى، طلبًا للعلم، وبحثًا عن الاستزادة منه، ورغبة في التحصيل والسماع من علماء البلدان الأخرى لما لم يسمعه في بلده، وقد كان هذا هو دأب السَّلف من علماء هذه الأمة، كما هو مُدَوَّن في أخبارهم.\nفالمقصود من الرحلة - كما قال الخطيب البغدادي ﵀ - أمران:\n\"أحدهما: تحصيلُ علوِّ الإسناد، وقدم السماع. والثاني: لقاء الحفَّاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة منهم\".\nقال ﵀: \"فإذا كان الأمران موجودين في بلده، ومعدومين في غيره: فلا فائدة في الرحلة، أو موجودين في كل منهما: فَلْيُحَصِّل حديث بلده، ثم يرحل\"١.\nأمَّا الأمر الأول - وهو طلب علو الإسناد - فإنه كان مقصودًا أيام كان الاعتماد في الرواية على المشافهة والسَّمَاع، لِمَا للعلوِّ - في هذه الحالة - من فوائد جَمَّة، أما وقد دُوِّنَت الدواوين، وجُمِعت الأحاديث النبوية فيها، فإن الحاجة إلى طلب العلوِّ لم تعد مُلِحَّة، بل صار القصد من السماع والرواية في الأزمنة المتأخرة هو الْحِرْصُ على بقاء سلسلة الإسناد في الأمة.\n_________\n١ تدريب الراوي: (٢/١٤٢) .","vol":"1","page":177},{"text":"ولذلك، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يكن بحاجة إلى الرحلة طلبًا لعلو الإسناد؛ إذ إنه قد عاش في عصر استقرار المدوَّنات الحديثية.\nإذن فالرِّحلة في حق ابن القَيِّم لحصول الأمر الآخر، وهو: لقاء الأئمة والعلماء، والاجتماع بهم، ومذاكَرَتُهُم العلم، والاستفادة مما عندهم؛ فلا شك أن الرحلة لأجل تحقيق هذا الغرض مُهِمَّة، ولا يعدمُ صاحبها الفائدة، ولكن شريطةَ أن يفتقدَ ذلك في بلده؛ فإنْ وَجَدَ ذلك في بلده، اشتغل بالتحصيل على شيوخ بلده أولًا، كما سبق في كلام الخطيب ﵀.\nفماذا عن ارتحال ابن القَيِّم - ﵀ - في طلب العلم؟\nلم تسجل لنا المصادر التي ترجمته شيئًا عن رحلته وخروجه من بلده في طلب العلم، ولكن وُجِدَ ما يدل على خروج ابن القَيِّم - ﵀ - من بلده وبخاصة إلى مصر؛ فقد ذكر - ﵀ - في كتابه (هداية الحيارى) ١ مناظرةً جرت له بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرِّيَاسَة. ومن ذلك أيضًا: ما أشار إليه الشيخ بكر أبو زيد٢ من قول المقريزي: \"وقدم القاهرة غير مرة\"٣.\nولكن لا سبيل إلى الجزم بأن ابن القَيِّم قد أَخَذَ عن أحدٍ من أهل العلم هناك في رحلاته تلك.\n_________\n(ص ٨٧) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثار: (ص٣٢) .\n٣ وانظر السلوك: (٢/٣/٨٣٤) .","vol":"1","page":178},{"text":"كما قد سُجِّلَتْ لابن القَيِّم رحلاتٌ وأسفارٌ داخلية، تَنَقَّلَ خلالها بين بعض مدن الشَّام، وبخاصة بيت المقدس، وقد تَقَدَّمَ كلام المقريزي فيما جرى لابن القَيِّم مع المقادسة في بيت المقدس١.\nومن ذلك أيضًا: قوله - عند الكلام على من يولد من الناس مختونًا -: \"وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي الْمُحَدِّث ببيتِ المقدس: أنه ولد كذلك ... \"٢.\nوسافر أيضًا إلى بَعْلَبَك٣؛ فقد قال مرة: \"قال لي بعضُ أشياخنا في بعلبك\"٤.\nكما أن ابن القَيِّم - إلى جانب تلك السفرات الماضي ذكرها - قد سَافَر للحجِّ مرارًا، وجاور بمكة كما تقدَّم، وقد كان يقتنص فرصة وجودِهِ بالبيت الحرام، وفي رحاب الكعبة المشرفة، لإنجاز بعض الأعمال العلمية، كما سبقت الإشارة إلى تأليفه كتاب (مفتاح دار السعادة) في رحاب البيت الحرام.\n_________\n١ انظر ص: (١٢٧) .\n٢ زاد المعاد: (١/٨١) .\n٣ بَعْلَبَكّ: \"مدينة قديمة، فيها أبنية عجيبة، وآثار عظيمة، وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وقيل: اثنا عشر فرسخًا من جهة الساحل\". (معجم البلدان: ١/٤٥٣) .\nقلت: وهي الآن داخلة في لبنان، وتمثل إحدى مدن سهل البقاع المشهور، وتبعد عن العاصمة \"بيروت \" حوالي ستين كيلو مترًا تقريبًا.\n٤ بدائع الفوائد: (١/٤٠) .","vol":"1","page":179},{"text":"ولا يمتنع أيضًا: أن يكون سمع شيئًا، أو التقى بعض الشيوخ والعلماء في تلك الحَجَّات العديدة، فقد كان موسم الحج ملتقى لكثير من أهل العلم، من مختلف الأقطار وشتى البقاع، وقد سَجَّلَت لنا كتبُ التراجم الكثير من أقوال أهل العلم في ذكر ما سَمِعُوه أو أَسْمَعُوه في موسم الحج.\nتلك بعضُ رحلات ابن القَيِّم وتنقلاته الداخلية، ولا يمتنع أن يكونَ قد سمع أو قرأ شيئًا على بعض الشيوخ في هذه الرحلات، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار: أن من شُيوخه من هو بعلبكي، ومنهم من هو مقدسي، كما مضى.\nوقد تكون له رحلاتٌ أخرى لم تصل أخبارها إلى علمنا، فالله أعلم.\nعلى أن عدمَ ارتحال ابن القَيِّم كثيرًا، وقلة خروجِهِ من دمشق لطلب العلم ولقاءِ المشايخ في بلاد أخرى. له ما يسوِّغه؛ فالذي يظهر أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد وَجَدَ بُغْيَتَه، وحصَّل حاجته على شيوخ بلده \"دمشق\"، بحيث لم يحتج - مع ذلك - إلى البحث عن المزيد من الشيوخ خارج بلده.\nفقد تَقَدَّم كيف غَدْتْ الشَّام - وبخاصة دمشق - حاضرةً علميةً، تموج بألوان النشاط العلمي، والمؤسسات التعليمية، مع وجود نُخْبَة من أَجِلَّةِ أهل العلم وجهابذته فيها آنذاك، الذين لا زالت آثارهم باقية تشهد بإمامتهم وطول باعهم، ووفور علمهم، الأمر الذي لم يجد ابن القَيِّم معه حاجة إلى الارتحال خارج بلده، كيف وقد كانت بلده محطَّ رِحَالِ أهل العلم وطلابه من شتى بقاع الدنيا؟!","vol":"1","page":180},{"text":"ولعلَّ من أوضحِ الأمثلة على انشغال ابن القَيِّم - ﵀ - بالتحصيلِ على شيوخ بلده، ما مضى من مَلازَمَتِهِ لشيخهِ ابن تَيْمِيَّة ستة عشر عامًا (٧١٢-٧٢٨هـ)، وإيثاره صحبته إلى آخر حياته، فقد وجد في هذا الإمام العلاَّمة ما يشبعُ نَهْمَتَهُ، ويروي غُلَّتَه، وبخاصة إذا علمنا أن فترة ملازَمَتِهِ له تعدُّ أزهى فترات الطلب والتحصيل في حياة طالب العلم١.\nتلك هي أبرز المسوِّغات التي يمكن اعتبارها مانعًا من كثرة خروج ابن القَيِّم وارتحاله عن بلده.\nفالذي تَحَصَّل عندنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - وإن لم تُسَجِّل لنا مصادر ترجمته شيئًا من رحلاته العلمية، إلا أن الْمُتَقَرِّرَ أنه قد سافر ورحل وتَغَرَّبَ عن وطنه وأهله، كما يدلُّ على ذلك تصريحه بتأليف بعض كتبه حال السفر والغربة عن الأهل والأصحاب٢، وأنه - ﵀ - في خلال تلك الأسفار لم يكن ليقعد لحظة عن الاشتغال بالعلم سماعًا ومذاكرةً، وتأليفًا وتصنيفًا، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه عمَّا قَدَّم للإسلام خيرَ الجزاء.\n_________\n١ فقد بدأ ملازمته له وله من العمر تسع عشرة سنة، إلى أن توفي الشيخ ولابن القَيِّم من العمر سبع وثلاثون سنة تقريبًا.\n٢ انظر: زاد المعاد: (١/٧٠)، وروضة المحبين: (ص٢٨) .","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الخامس: أَعْمَالُهُ العلمية ومَنَاصِبُهُ</span>\nتَقَدَّم أن ابن القَيِّم - ﵀ - كان صاحب رسالة سامية غالية، وأنه عاش حياته حاملًا أعباء تأدية هذه الرسالة على أتمِّ وجه.\nفلا عجب إذن أن نجد ارتباطًا وثيقًا بين مهمة أداء هذه الرسالة والقيام بأعبائها من جهة، وبين الأعمال التي مارسها ابن القَيِّم والوظائف التي تقلدها من جهة ثانية؛ إذ إن هذه الوظائف هي مجال تنفيذ هذه المهمة، ووسيلة تحقيقها.\nفقد كانت هذه الأعمال وتلك المناصب منحصرةً في دائرة تبليغ العلم ونشره لا تخرج عن ذلك بحالٍ؛ فقد عاش حياته - ﵀ - متصدرًا \"للاشتغال ونشر العلم\"١.\nويمكننا حصر الأعمال التي مارسها ابن القَيِّم ﵀، والوظائف التي كان يشغلها - في ضوء ما سَجَّلَتْهُ مصادرُ ترجمته - فيما يلي:\n١- التدريس.\n٢- الإمامة.\n٣- الخطابة.\n٤- الإفتاء.\n٥- التأليف والتصنيف.\n١- التَّدْرِيس:\nسبقت الإشارة إلى أن انتشار المدارس في دمشق في عصر ابن القَيِّم وكثرتها، كان من أبرز مظاهر ازدهار الحركة العِلْمِيَّة آنذاك، وأنه كان يَتَقَلَّدُ\n_________\n١ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .","vol":"1","page":183},{"text":"وظيفة التدريس بهذه المدارس أكابرُ علماء الوقت، فكانت المدارس - بهذه المثابة - تُشْبِه الجامعاتِ العِلْمِيَّةَ في وقتنا الحاضر، بل إنَّ نظام الدراسة في كثير من جامعاتنا اليوم يشبه إلى حدٍّ كبير نظام الدراسة قديمًا.\nولَمَّا كان ابن القَيِّم - ﵀ - واحدًا من جهابذة علماء ذلك العصر وأئمته المُقَدَّمين؛ فإنه قد شارك بجهده وعلمه في هذا الجانب المهم، ألا وهو التدريس.\nوقد أشار بعض مترجميه إلى ممارسته هذه الوظيفة١.\nأما عن الأماكن التي درَّس بها، فقد أجمعت المصادر التي ذكرت ممارسته للتدريس على ذكر تدريسه بالمدرسة \"الصدرية\"٢، وقد سَبَقَ الكلام عليها٣.\nويُحَدِّد الحافظ ابن كثير تاريخ تَوَلِّيهِ التدريس بهذه المدرسة، فيقول: \"وفي يوم الخميس سادس صفر - يعني سنة ٧٤٣هـ - درَّس بالصَّدْرِيَّةِ صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعِيّ\"٤.\nثم يشير - ﵀ - إلى أن دَرْسَه كان حَافِلًا، حَضَرَهُ جمع من\n_________\n١ انظر: ذيل العبر: (ص١٥٥)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩)، والبدر الطالع: (٢/١٤٣) .\n٢ انظر: ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩)، والبدر الطالع: (٢/١٤٣) .\n٣ انظر ص: (٧٢) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٢١٤) .","vol":"1","page":184},{"text":"الفضلاء، فيقول: \"وَحَضَر عنده الشيخ عِزُّ الدين بن الْمُنَجَّا١ - الذي نزل له عنها - وجماعة من الفضلاء\"٢.\nوقد اسْتَمَرَّ - ﵀ - في التَّدْرِيسِ بـ \"الصدرية\" حتى آخر حياته، يدلُّ على ذلك ما حَكَاهُ ابن كثير - ﵀ - من أنه \"في يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان - يعني بعد وفاة ابن القَيِّم بشهر - ذكر الدَّرْسِ بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية، عوضًا عن أبيه ﵀\"٣. وبذلك تكون مدة تدريسه بها قريبًا من ثمان سنين.\nولكن هل كانت بداية ابن القَيِّم مع التدريس بِتَوَلِّيه الصدرية سنة ٧٤٣هـ، وأنه لم يشتغل بالتدريس قبل هذا التاريخ؟\nالظاهر - والله أعلم - أنه بدأ التدريس قبل ذلك؛ إذ يبعدُ أن يبقى مثل ابن القَيِّم إلى ما بعد الخمسين من عمره دون أن يمارس وظيفة التدريس، التي كان يمارسها من هو دون ابن القَيِّم بكثير، ولعل ما يؤكد صدق ذلك: ما ذكره السخاوي - ﵀ -: من أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد \"دَرَّسَ بأماكن\"٤. ولكنه لم يحدد هذه الأماكن.\n_________\n١ هو: عز الدين، محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان بن أسعد بن الْمُنَجَّا، التَنُّوخِي، الحنبلي، مُحْتَسبُ دمشق، وناظر الجامع. وكان رجلًا خيرًا، كريم النفس، كثير المروءة، محبًا لأهل العلم. توفي سنة (٧٤٦هـ) .\nله ترجمة في: ذيل العبر - للحسيني: (ص١٣٨)، والوفيات - لابن رافع: (٢/١٢) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢١٤) .\n٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧) .\n٤ التاج المكلل: (ص٤١٩) .","vol":"1","page":185},{"text":"وعلى كل حال، فإنَّ هذا ما وصل إلى علمنا من الأماكن التي درَّس فيها وتاريخ ذلك.\n٢- الإمَامَةُ:\nإن وظيفة الإمامة لا يصلح لها كل أحد، بل لا بد أن يكون المتصدي لها عارفًا بالقراءة وأحكامها، مع أمور أخرى - في دينه وخُلُقِهِ - لابد من توافرها.\nولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - \"حَسَن القراءة\" كما وصفه بذلك ابن كثير١، مع ما كان عليه: من القراءة بالتدبر والتفكر، والعلم بمعاني ما يقرأ، والخشوع والخضوع والتذلل والإنابة لله - عزوجل - على النحو الذي مضى وصفه.\nكل ذلك يجعل ابن القَيِّم مؤهلًا غاية التأهل لشغل منصب الإمامة، بل إن ذلك يجعله من أحق الناس بها.\nوقد كان ابن القَيِّم -﵀- متوليًا إمامة المدرسة \"الجوزية\" - التي كان أبوه قَيِّمَهَا - كما ذكر ذلك عنه جماعة٢.\nويبدو أنه - ﵀ - كان مشهورًا بذلك جدًا، حتى إن بعض مترجميه يذكرونه بذلك في مقام التعريف به، فيقول الذهبي ﵀:\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩)، والدرر الكامنة: (٤/٢١)، والبدر الطالع: (٢/١٤٣) .","vol":"1","page":186},{"text":"\" ... أبو عبد الله، الدمشقي، إمام الجوزية\"١. ويقول ابن كثير ﵀: \" ... إمام الجوزية، وابن قَيِّمها\"٢.\nولا تُعْرَفُ مُدَّةُ إمامته بـ \"الجوزية\"، إلا أن ابن رجب - ﵀ - يقول: \"أمَّ بالجوزية مدة طويلة\"٣.\n٣- الْخَطَابَةُ:\nوإلى جانب التدريس والإمامة، فقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - مشتغلًا بالخطابة، فقد ذكر الحافظ ابن كثير في أحداث سنة ٧٣٦هـ: أنه \"في سَلْخِ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين بن خليخان، تجاه باب كيسان من القبلة٤، وخطب فيه الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية\"٥.\nونقل النعيمي كلام ابن كثير هذا، ثم قال: \"ورأيت بخط البرزالي في السنة المذكورة نحو ذلك، وزاد - يعني البرزالي -: وكان قد نودي\n_________\n١ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٣ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩) .\n٤ ويعرف بالجامع \"الخليخاني\"، نسبة إلى بانيه، وباب كيسان: نقل ابن بدران عن ابن عساكر قوله: \"ينسب إلى كيسان بن معاوية ... وهو الآن مسدود\". قال ابن بدران: \"ولم يزل مسدودًا إلى عهدنا هذا\". (منادمة الأطلال: ص ٤٠) .\nأما عن الجامع، فيقول ابن بدران: \"وقد أُدْخِل اليوم في بستان له، يقال له: بستان الأمير، ولم يبق من آثاره اليوم إلا بعض منارته، وقبرٌ إلى جانبها، وقد شاهدته ... بدمشق سنة ١٣٣٣هـ\". (منادمة الأطلال: ص٣٧٦) .\n٥ البداية والنهاية: (١٤/١٨٣) .","vol":"1","page":187},{"text":"في البلد لذلك، فحضر خَلْقٌ كثير من الأعيان وغيرهم\"١.\nوابن القَيِّم - ﵀ - هو أول من خطب بهذا الجامع، كما هو ظاهر كلام ابن كثير الماضي، ونصَّ على ذلك ابن بدران، فقال: \"وأول من خطب به: الإمام ابن القَيِّم\"٢. وذلك في سنة ٧٣٦هـ تاريخ إقامة الجمعة في هذا الجامع.\nولا يمتنع - أيضًا - أن يكون ابن القَيِّم قد عَمِلَ بالخطابة قبل هذا التاريخ، والله أعلم.\n٤- الإِفْتَاءُ:\nلا شكَّ أنَّ من كان مثل ابن القَيِّم: في سِعَةِ علمه، وعلوِّ شأنه في هذا العلم، وتَمَكُّنِه منه، وذيوعُ صِيته، مع الدِّيَانة والصِّيَانة؛ فإنه لابُدَّ أن يكون مقصودًا بالفتوى، وينتفعُ بِعِلْمِهِ القريبُ والبعيدُ.\nفإذا انضمَّ إلى ذلك ما عَلِمْنَاه عن ابن القَيِّم من: رغبة قوية في نشر العلم وتبليغه، والصَّدْعِ بالحق وبيانه، والأخذ بيد الجاهل ليعلم أحكام دينه؛ فإن الانتصاب والتصدي للفتوى سيكون متأكَّدًا فيه أكثر من غيره.\nولقد وصَفَ غير واحد من الأئمة ابن القَيِّم بأنه كان مشتغلًا بالفتوى، فقال الذهبي: \"الإمام، المفتي، الْمُتَفَنِّن\"٣.\nوقال الحسيني: \"أفتى، ودرَّس ... \"٤.\n_________\n١ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٤٢١) .\n٢ منادمة الأطلال: (ص٣٧٦) .\n٣ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .\n٤ ذيل العبر: (ص١٥٥) .","vol":"1","page":188},{"text":"وقال ابن رجب: \"تفقه في المذهب، وبرع، وأفتى\"١.\nوقال ابن تَغْرِي بَرْدي: \"تصدى للإقراء والإفتاء سنين، وانتفع به الناس قاطبة\"٢.\nولقد كان - ﵀ - فيما يُفتي به: صادعًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائمٍ، وقد تقدم ما جرى له من محنٍ وحبس بسبب بعض فتاويه، فرحمه الله وأجزل مثوبته.\nكما كان ﵀ - إلى جانب قيامه بأعباء الفتوى - كثيرًا ما يعقد مناظرات بينه وبين خصوم السنة، وأعداء الإسلام - الذين كانوا كثيرين في عصره - فكان له معهم صَولاتٌ وجولاتٌ.\nولا شك أن الحاجة تدعو إلى مثل هذه المناظرات: لكبت المعاندين، ورد الخارجين إلى حظيرة أهل السنة، فإن ذلك: \"يشبه الجهاد وقتال الكفار\"، كما يقول ابن القَيِّم رحمه الله٣.\nوقد ذكر غير واحد من مترجميه قيامه بمثل هذه المناظرات٤.\nومن المناظرات التي أشار إليها في كتبه: ما تقدم قريبًا عند الكلام على رحلاته إلى مصر، وما جرى له من مناظرة مع رئيس اليهود هناك٥.\n_________\n١ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٨) .\n٢ النجوم الزاهرة: (١٠/٢٤٩) .\n٣ الفروسية: (ص٢٨) .\n٤ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل العبر: (ص١٥٥)، وبغية الوعاة: (١/٦٣) .\n٥ هداية الحيارى: (ص٨٧) .","vol":"1","page":189},{"text":"ولقد كان ابن القَيِّم - بما آتاه الله من قوة الحجة، ونور البصيرة، وسعة الفهم، وغزارة العلم، مع صدق القصد، والرغبة في نصرة الحق - كثيرًا ما يقطع خصمه في المناظرة ويسكته، فنجده - مثلًا - في تلك المناظرة المذكورة يصف هذا الرئيس اليهوديّ، الْمُقَدَّم في قومه، بقوله: \"فأمسك ولم يُحِرْ جوابًا\"١. أي لم يرد جوابًا.\n٥- التأليف والتصنيف:\nأما التأليف والتصنيف: فقد كان له فيه اليد الطولى، والصيت الذائع، والحلاوة الفائقة، والعبارة الرائقة، والفوائد الْجَمَّة، والقبول التام.\nولَمَّا كان جانب التأليف في حياة ابن القَيِّم على درجة كبيرة من الأهمية، فقد رأيت أن أرجئ الكلام عليه إلى حين الكلام على آثاره ومصنفاته٢؛ فإن محله هناك أنسب.\nوبعد، فهذه أبرز أعمال ابن القَيِّم ونشاطاته في خدمة هذا العلم الشريف وتبليغه، وتلك مناصبه التي تقَلَّدها وشغلها في سبيل تحقيق هذا الهدف، فكان - في ذلك كله - نعم القدوة، فجزاه الله خيرًا، ورحمه رحمة واسعة.\n_________\n١ هداية الحيارى: (ص٨٨) . وانظر هذه المناظرة في \"الصواعق المرسلة\": (١/٣٢٧) .\n٢ انظر ص: (٢٠٥) .","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث السادس: تلاميذه</span>\nإن أهم الثِّمَار التي تُجْنَى من جهد أولئك العلماء الجهابذة: تخريج التلاميذ والطلاب الذين يحملون راية الخير والهداية لمن بعدهم، امتدادًا لجهود شيوخهم ونشاطهم، وحلقةً في سلسلة متصلة متماسكة لا تنقطع.\nوكلما تبوَّأ هؤلاء الطلاب مكانتهم بين أهل العلم العاملين، وأئمته البارزين، وجهابذته المشهورين، كان ذلك تعبيرًا حقيقيًا عن مكانَةِ شيوخهم الذين خَرَّجُوهم، وعلمِهِم، وفَضْلِهِم؛ فالطالب النابغ إنما هو - بعد فضل الله وتوفيقه - ثمرة يانعة من ثمار جهد الأستاذ وعطائه المتواصل، ولعلَّ في قول الحافظ ابن حجر المتقدم في حق ابن القَيِّم وشيخه ابن تَيْمِيَّة، حين قال: \"ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير: الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية ... لكان غايةً في الدلالة على عظم منزلته\"١. لعلَّ في هذه الكلمة من ابن حجر - ﵀ - ما يؤكد لنا هذه الحقيقة الظاهرة؛ إذ جعل الطالب النابغ، العالم، الفاضل منقبة من مناقب شيخه، وحسنةً من حسناته.\nولقد أَثْمَرَ جُهْدُ ابن القَيِّم - ﵀ - ونشاطُهُ المتواصل، ودعوتُهُ الصادقة، ومجالسُ درسه وتعليمه، أثمر ذلك كله جملة من خيرة طُلاَّبِ العلم، الذين انتفعوا بابن القَيِّم - كما انتفعوا بغيره - فكانوا\n_________\n١ الرد الوافر: (ص١٤٦) .","vol":"1","page":191},{"text":"مشاعلَ نورٍ، وعلماءَ صدقٍ، وذاع صِيتهُم، وارتفع شأنهم، وبقيت آثارهم بيننا خير دليل على مكانتهم العلمية، وجِدِّهم واجتهادهم، وذلك مثلمًا بقيت بيننا آثار شيخهم وأستاذهم ابن القَيِّم ﵀.\nويشير الحافظ ابن رجب - ﵀ - إلى أخذ الكثيرين من الفضلاء العلم عن ابن القَيِّم، وتتلمذهم على يديه، وانتفاعهم به فيقول: \"وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاءُ يعظمونه ويتتلمذون له ... \"١.\nولم تُحَدِّثْنَا مصادر ترجمة ابن القَيِّم - ﵀ - عن أحد من هؤلاء التلاميذ، إلا ما جاء من ذلك عرضًا، ولكن أمكن الوقوف على أبرز هؤلاء التلاميذ وأشهرهم، وذلك من خلال تتبع كتب التراجم والتواريخ المتعلقة بتلك الفترة، وأشهر هؤلاء:\n١- ولده: إبراهيم بن محمد ... برهان الدين، وقد تَقَدَّمَت ترجمته وذكر أخباره٢، ومضى هناك قول الذهبي ﵀: \"قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّهَ، وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار\"٣.\nويتضح لنا مدى تأثر الولد التلميذ بأبيه الشيخ والأستاذ، وذلك من قول الحافظ ابن كثير ﵀: \"كان بارعًا فاضلًا في النحو، والفقه، وفنون أُخَر، على طريقة والده رحمهما الله\"٤.\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٢ انظر: (ص ٩٥) .\n٣ المعجم المختص: (ص٦٦ - ٦٧) .\n٤ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) .","vol":"1","page":192},{"text":"٢- الحافظ ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضَوْء بن كثير، القرشيُّ، البُصْرَويّ، الدمشقيُّ، عماد الدين، أبو الفداء، الإمام، الْمُحَدِّث، المُفَسِّر، الحافظ، البارع.\nمولده: سنة (٧٠١هـ) .\nتَفَقَّه بالشيخ برهان الدين الفَزَاري وغيره، وسمع من ابن عساكر وخلق، ثم صَاهَر الحافظ الْمِزِّي، وَلَزِمَه، وتَخَرَّجَ به، وأقبلَ على حفظ المتون، ومعرفةِ الأسانيدِ والعللِ والرجال، والتاريخ، فَبَرَعَ في ذلك كله، وَأَفْتَى وَدَرَّسَ ونَاظَر.\nوله التصانيف المشهورة النافعة السائرة، التي منها: (البداية والنهاية)، و(التفسير) وغير ذلك.\nوكانت له خصوصية بابن تَيْمِيَّة ومناضلة عنه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، حتى إنه امتحن بسبب ذلك.\nتوفي - ﵀ - في شعبان سنة (٧٧٤هـ) ١.\nقال الحافظ ابن كثير في ترجمته لابن القَيِّم: \"وكنت من أصحب الناس له، وأحبِّ الناس إليه\"٢. ونصَّ الشيخ بكر أبو زيد على أنه من تلاميذ ابن القَيِّم٣.\n_________\n١ له ترجمة في: طبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة: (٣/١١٣)، وذيل التذكرة - للحسيني: (ص٥٧)، وطبقات الحفاظ - للسيوطي: (ص٥٣٣) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٨) .","vol":"1","page":193},{"text":"ولم أجد نصًا صريحًا - عن ابن كثير أو غيره - يفيد تلمذته لابن القَيِّم، ولكنه كان دائمًا يذكره بـ \"الإمام العلامة\"، ويعَبِّر عنه بـ \"صاحبنا\"١. فلا يبعد انتفاعه به وأخذه عنه، وهو داخل في أولئك الفضلاء الذين كانوا \"يعظمونه ويتتلمذون له\" كما قال ابن رجب، فهو كثير التعظيم له والثناء عليه في كل مناسبة، كما أن ابن كثير عاش بعد ابن القَيِّم - رحمهما الله - أكثر من عشرين سنة.\n٣- الصَّفَدِي: خليل بن أَيْبَك بن عبد الله، الصَّفَدِي، صلاح الدين، العلامة، الأديب، البارع.\nمولده: سنة (٦٩٦هـ) .\nسمع الكثير، وقرأ الحديث، وأخذ عن القاضي بدر الدين بن جماعة، وابن سيد الناس، والمِزِّي وغيرهم. وحصَّل الفقه، والأدب، والنحو. وكان مليح الخطِّ، كتب بخطه الكثير. وَوَلِيَ عدة وظائف، وتصدَّى للإفادة في الجامع الأموي. وصنف المصنفات النافعة، التي منها: (الوافي بالوفيات) .\nتوفي - ﵀ - في شوال سنة (٧٦٤هـ) ٢.\nوقد ذكر - ﵀ - في ترجمته لابن القَيِّم ما يفيد سماعه منه، وأخْذِه عنه؛ وذلك أنه قال في آخر الترجمة: \"وأنشدني من لفظه لنفسه...\"٣. فذكر القصيدة الميمية في التَّضَرُّع، وقد مضى ذكر بعضها.\n_________\n١ انظر: البداية والنهاية: (١٤/٢١٤،٢٤٦) .\n٢ له ترجمة في: البداية والنهاية: (١٤/٣١٨)، وطبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة: (٣/١١٩)، والدليل الشافي: (١/٢٩٠) .\n٣ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .","vol":"1","page":194},{"text":"٤- ابن رجب الحنبلي: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن عبد الرحمن، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، زين الدين، أبو الفرج.\nمولده: سنة (٧٣٦هـ) ببغداد.\nسمع من أبي الفتح الميدومي وغيره، وأكثر الاشتغال حتى مَهَر وبرع في الحديث والعلل وغيرهما، ولع التصانيف النافعة، التي منها: (شرح علل الترمذي)، و(ذيل طبقات الحنابلة) وغيرهما. وكان إمامًا، زاهدًا، ورعًا، له مجالس التذكير المفيدة.\nتوفي - ﵀ - سنة (٧٩٥هـ) ١.\nوقد نصَّ هو - ﵀ - على تلمذته لابن القَيِّم، وأنه شيخه، فقال في مطلع ترجمته لابن القَيِّم: \" ... شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قَيِّم الجوزية، شيخنا\"٢. وقال - أيضًا - في أثناء هذه الترجمة: \"لازَمْتُ مَجَالِسَهُ قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه (قصيدته النونية) الطويلة في السُّنَّة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها\"٣.\n٥- ولده: عبد الله بن محمد بن أبي بكر ... الذي تقدمت ترجمته، والكلام عليه٤، ومضى هناك قول الحافظ ابن حجر: \"اشتغل على أبيه وغيره\"٥.\n_________\n١ له ترجمة في: (لحظ الألحاظ: (ص١٨٠)، وذيل التذكرة - للسيوطي: (ص٣٦٧)، وذيل ابن عبد الهادي عن طبقات ابن رجب: (ص٣٦-٤١) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧) .\n٣ المصدر السابق: (٢/٤٤٨) .\n٤ انظر: ص (٩٣) .\n٥ الدرر الكامنة: (٢/٣٩٦) .","vol":"1","page":195},{"text":"٦- علي بن الحسين بن علي بن عبد الله، الكناني، البغدادي، المقرئ، الحنبلي، زين الدين.\nمولده: سنة (٦٩٣هـ) .\nوكان رجلًا صالحًا، كثير الخير والتلاوة والذكر، حجَّ مرارًا وجاور بمكة. أفاد ذلك ابن رجب في (مشيخته) .\nوقد ترجمه يوسف بن عبد الله في \"ذيله على طبقات ابن رجب\"١، وذكر أن ابن القَيِّم - ﵀ - أجاز له.\n٧- السُّبكي: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الأنصاري، الخزرجي، تقي الدين، أبوالحسن.\nمولده: سنة (٦٨٣هـ) .\nسمع الحديث من الجمِّ الغفير، ورحل كثيرًا، واشتغل، وأَفْتَى، وَصَنَّفَ، ودَرَّسَ في أماكن عديدة، وتَفَقَّهَ به جماعة من الأئمة.\nتوفي - ﵀ - سنة (٧٥٦هـ) ٢.\nوقد نقل الشيخ بكر أبو زيد أن الحافظ ابن حجر ذكر في \"الدرر الكامنة\"٣: أن السبكي أخذ عن ابن القَيِّم في رحلته إلى دمشق٤.\n_________\n(ص٥٧) وانظر: (الجوهر المنضد): (ص٨٤) .\n٢ له ترجمة في: ذيل التذكرة - للحسيني: (ص٣٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٦٤)، وطبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة: (٣/٤٧) .\n(٣/١٣٤) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٨) .","vol":"1","page":196},{"text":"٨- ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، المقدسي، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله.\nمولده: سنة (٧٠٥هـ) .\nسمع الكثير، وتفَنَّنَ في الحديث، والنحو، والفقه، والتفسير، والأصلين، وغير ذلك، وحصَّل من العلوم ما لم يحصِّله الشيوخ الكبار.\nوكان حافظًا جيدًا لأسماء الرجال، وطرق الحديث، عارفًا بالجرح والتعديل، بصيرًا بعلل الحديث.\nتوفي - ﵀ - في جمادى الأولى سنة (٧٤٤هـ) ١.\nوقد ذكر ابن رجب - ﵀ - في ترجمته لابن القَيِّم تتلمذ ابن عبد الهادي على ابن القَيِّم، فقال: \"وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له: كابن عبد الهادي وغيره\"٢.\n٩- محمد بن عبد القادر بن محيي الدين بن عثمان بن عبد الرحمن، الجعفري، النابلسي، الجنبلي.\nمولده: بنابلس سنة (٧٢٧هـ) .\nكان فاضلًا، وله إلمام بالحديث، وكان خطه حسنًا جدًا، وله المصنفات المفيدة، منها: (مختصر العزلة) للخطابي.\n_________\n١ له ترجمة في: ذيل التذكرة - للحسيني: (ص٤٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٢١)، وطبقات الحفاظ - للسيوطي: (ص٥٢٤) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .","vol":"1","page":197},{"text":"توفي - ﵀ - سنة (٧٩٧هـ) ١.\nقال الحافظ ابن حجر: \"قال ابن الْجَزَرِي في مشيخة الْجُنيد البلياني: صحبَ ابن القَيِّم، وتَفَقَّه به، وقرأ عليه أكثر تصانيفه\"٢.\n١٠- محمد بن محمد بن محمد بن الخضر بن سمرى، الشمس، الزبيري، الغزي، الشافعي.\nمولده: سنة (٧٢٤هـ) بالقدس.\nدخل دمشق \"فأخذ بها عن: ابن كثير، والتَّقِىِّ السبكي، وابن القَيِّم وغيرهم\"٣.\nتوفي - ﵀ - سنة (٨٠٨هـ) .\n١١- المقري: محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرشي، الْمُقْرِي، التلمساني. المتوفى سنة (٧٥٩هـ) .\nذكره الشيخ بكر أبو زيد في تلاميذ ابن القَيِّم، ونقل عن صاحب (نفح الطيب) ٤ - وهو حفيد المقري المذكور - أنه حكى عن جده قوله: \"ثم أخذتُ على الشام، فلقيت بدمشق: شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تَيْمِيَّة\" وأنه سمع منه شيئًا٥.\n_________\n١ له ترجمة في: الدرر الكامنة: (٤/١٣٨ - ١٣٩)، والشذرات: (٦/٣٤٩) .\n٢ الدرر الكامنة: (٤/١٣٩) . وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٩) .\n٣ البدر الطالع: (٢/٢٥٤) . وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٠) .\n(٥/٢٥٤) .\n٥ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٠-١١١) .","vol":"1","page":198},{"text":"١٢- الفيروزابادي: محمد بن يعقوب بن محمد، أبو الطاهر، الفيروزابادي، الشافعي، مجد الدين.\nمولده: سنة (٧٢٩هـ) بشيراز.\nتفقَّهَ ببلاده، وطَلَب الحديث، وسمع من الشيوخ، ومَهَر في اللغة وهو شاب، ورحل كثيرًا في سماع الحديث إلى: الشام، ومصر، ومكة. وكان كثيرَ الكتبِ لا يسافر إلا بها. وله التصانيف النافعة السائرة، التي منها: (القاموس المحيط) وغيره.\nتوفي - ﵀ - سنة (٨١٧هـ) ١.\nوقد ذكره الشيخ بكر أبو زيد ضمن تلاميذ ابن القَيِّم، ونقل عن الشوكاني قوله: \"ارتحل إلى دمشق سنة ٧٥٥هـ، فسمع من: التقي السبكي وجماعة، زيادة على مائة، كابن القَيِّم وطبقته\"٢.\nوهذه العبارة لا تخلو من إشكال؛ إذ إن وفاة ابن القَيِّم - ﵀ - كانت سنة ٧٥١هـ، وعلى هذا فإن دخول الفيروزابادي دمشق يكون بعد وفاته!.\nثم نظرت ترجمة الفيروزابادي عند غير الشوكاني، فوجدت عبارة ابن حجر في (إنباء الغمر) ٣: \"... ودخل الديار الشامية بعد الخمسين...\". ثم قال بعد ذلك: \"سمع الشيخ مجد الدين من ابن الخَبَّاز،\n_________\n١ له ترجمة في: إنباء الغمر: (٧/١٥٩)، وطبقات الشافعية –لابن قاضي شهبة: (٤/٧٩)، والضوء اللامع: (١٠/٧٩)، وبغية الوعاة: (١/٢٧٣)، والبدر الطالع: (٢/٢٨٠) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٠) . وانظر: البدر الطالع: (٢/٢٨٠) .\n(٧/١٦٠) .","vol":"1","page":199},{"text":"وابن القَيِّم، وابن الحموي... وغيرهم بدمشق في سنة نيف وخمسين\"١. وقال ابن قاضي شُهبة: \"وقدم الشام بعد الخمسين - إما سنة خمس، أو في السنة التي بعدها - وسمع بها الحديث\"٢. وجزم السخاوي بأن دخوله كان سنة (٧٥٥هـ) ٣.\nوعند النظر إلى هذه الأقوال، نلاحظ اتفاقًا على أن دخوله إلى دمشق كان بعد الخمسين، إلا أنه لم يقع الجزم بسنة دخوله تحديدًا، يتضح ذلك من قول ابن حجر: \"... سنة نيف وخمسين\"، وترددِ ابن قاضي شهبة بين (٧٥٥) و(٧٥٦هـ) كما مضى، إلا أن الذين نصّوا على سنة الدخول جعلوها سنة ٧٥٥هـ، وحتى ابن قاضي شُهبة - مع تردده - لم يجعلها دون ذلك. فلم يبق إلا كلمة الحافظ ابن حجر ﵀، فلو اعتبرنا أن (النَّيِّف) من واحدة إلا ثلاث على التحقيق٤، لاحتمل إدراكه لابن القَيِّم سنة وفاته وهي (٧٥١هـ) .\nبقي أمرٌ آخر يلزم التنبيه عليه، وهو أن الشيخ بكر أبا زيد - حفظه الله - قد ذكر الحافظ الذهبي ضمن تلاميذ ابن القَيِّم، ثم قال: \"ترجم لابن القَيِّم في كتابه (المعجم المختص) لشيوخه، ومن هنا حَصَلتْ الاستفادة بأنه من شيوخه، وهو بَلَدِيُّه، والله أعلم\"٥.\n_________\n١ إنباء الغمر: (٧/١٦٢) .\n٢ طبقات الشافعية: (٤/٨٠) .\n٣ الضوء اللامع: (١٠/٨٠) .\n٤ انظر: لسان العرب: (ص٤٥٨٠) مادة: نوف.\n٥ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٩) .","vol":"1","page":200},{"text":"وأكد الشيخ ذلك في مواضع عديدة من كتابه١، واستبعد - بحسب حكمه هذا - أن يكون الذهبي شيخًا لابن القَيِّم، كما مضى مناقشة ذلك.\nولم أر - بعد البحث والنظر - دليلًا صريحًا يفيد تلمذة الذهبي لابن القَيِّم، بل إن الأدلة تؤيد كون ابن القَيِّم تلميذًا للذهبي كما مضى٢.\nأما الذهبي، فلم يرد عنه ما يفيد أخْذه عن ابن القَيِّم أو استفادته منه، وعادته في (المعجم المختص) وغيره: أن يشير في ترجمة الشيخ إلى أنه قد سمع منه أو أخذ شيئًا عنه، حتى ولو كان من تلاميذه، ولكنه في ترجمة ابن القَيِّم، نجده يقول: \"سمع معي من جماعة\"٣.\nوأما اعتماد الشيخ بكر أبي زيد على كون الذهبي قد ترجم ابن القَيِّم في (المعجم المختص)، وأنه خاص بشيوخه: ففيه نظر؛ إذ إنه لم يقل أحدٌ بذلك، بل قال الذهبي نفسه في مقدمته: \"... فهذا معجمٌ مختصٌّ بذكر من جالسته من المُحَدِّثين، أو أجاز لي مروياته من طلبة الحديث\". وقال في (التذكرة) ٤: \"وقد أَلَّفت معجمًا لي، يختص بمن طلب هذا الشأن - يعني الحديث - من شيوخي ورفاقي، فاستوعبت من له أدنى عمل\".\n_________\n١ انظر منها: (ص ٣٩، ٤٠، ١٧٨) .\n٢ انظر: ص (١٥٣ - ١٥٧) .\n٣ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .\n(٤/١٥٠٠) .","vol":"1","page":201},{"text":"ومن هذا يتبين: أن هذا المعجم ليس خاصًا بشيوخ الذهبي وحدهم، بل أدخل فيه كل من عُرِفَ بطلب الحديث والعناية به، وهو الواضح من عنوانه: (المعجم المختص بالمحدثين) .\nوأكد هذا المعنى الدكتور بشار عواد في دراسته القيمة للحافظ الذهبي، فقال: \"وهذا الكتاب ليس معجمًا لشيوخ الذهبي، بل هو معجم مختصٌّ لطلبة العلم في عصره، فقد ذكر الذهبي فيه حتى صغار الطلبة آنذاك\"١.\nثم إن ابن القَيِّم لو كان شيخًا للذهبي، لأدخله في (معجم شيوخه)، الذي ترجم فيه لما يزيد على ألف شيخ، ومنهم من هو دون ابن القَيِّم.\nفالذي أراه - والله أعلم - أنه لا يُحْكَم بتلمذة الذهبي لابن القَيِّم لمجرد إدخاله إياه في (المعجم المختص)، فإن وُجِدَ دليل أصرح من ذلك، وإلا فالأمر محل توقف.\n_________\n١ الذهبي ومنهجه في كتابة تاريخ الإسلام: (ص١٨٦) .","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفصل الرابع: مؤلفات ابن القيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الأول: منهج ابن القيم في التأليف وخصائص مؤلفاته</span>.\n...\nتمهيد:\nإن الحديث عن مؤلفات ابن القَيِّم يمس أهم جانب من جوانب النشاط العلمي في حياة هذا الإمام العالم العلامة، وذلك لما تَمَيَّزَت به مؤلفاتهُ من جوانب كثيرة مشرقة، فقد كان له فيها \"من حُسْنِ التَّصَرُّفِ، مع العُذُوبَةِ الزَّائِدَة، وحُسْنِ السِّيَاق، ما لا يَقْدِرُ عليه غَالِبُ الْمُصَنِّفِيْنَ، بحيث تَعْشَقُ الأفهامُ كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتُحِبُّهُ القلوب\"١.\nهذا إلى جانب الأهمية البالغة للموضوعات التي تناولها -﵀- في مؤلفاته: من ترقيق للقلوب، ودعوة للعودة إلى صراط الله المستقيم ودينه الخالص، إلى غير ذلك من أهدافه السامية النبيلة التي احتوت عليها كُتُبُه.\nولأجل ذلك كله، كتب الله لمؤلفاته الذُّيُوعَ والانتشارَ، في سائر الأمصار والأقطار، واستمرار ذلك على مدى السنين والأعصار، مع محبة القلوب لها، وعِشْقِها لمطالعتها، بحيث لا ينفر منها إلا مقلد عصبي، أو مُبْتَدِع خُرَافِيٌّ.\nولعل خير ما يدل على مكانة مؤلفاته ﵀، ويؤكد أهميتها وانتشارها وكثرتها: تلك الشهادات التي سُجِّلَت بأقلام مترجميه، من معاصريه فمن بعدهم إلى أيامنا هذه، فمن تلك الأقوال:\n١- قال أبو المحاسن الدمشقي: \"ومصنفاته سائرة مشهورة\"٢.\n_________\n١ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٢ ذيل العبر: (ص١٥٥) .","vol":"1","page":205},{"text":"٢- وقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"وله من التصانيف - الكبار والصغار - شيءٌ كثير\"١. وقال عند ترجمته لوالده: \"وهو والد العلامة شمس الدين صاحب المصنفات الكثيرة النافعة الكافية\"٢.\n٣- وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: \"وصنف تصانيف كثيرة جدًا في أنواع العلم\"٣.\n٤- وقال زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي (ت٨٣٥هـ) في تقريظه لكتاب (الرد الوافر): \"ابن قَيِّم الجوزية الذي سارت تصانيفه في الآفاق\"٤.\n٥- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: \"له التصانيفُ الأنيقةُ، والتآليفُ التي في علوم الشريعة والحقيقة\"٥.\n٦- وقال المقريزي: \" ... وتصانيفه كثيرة\"٦.\n٧- وقال الحافظ ابن حجر: \"وكلُّ تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف\"٧. وقال - أيضًا - في تقريظه لكتاب (الرد الوافر): \"صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف\"٨.\n_________\n١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .\n٢ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٤ الرد الوافر: (ص١٥٢) .\n٥ الرد الوافر: (ص٦٨) .\n٦ السلوك: (٢/٣/٨٣٤) .\n٧ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٨ الرد الوافر: (ص١٤٦) .","vol":"1","page":206},{"text":"٨- وقال السخاوي: \" ... صاحب التصانيف السائرة\"١.\n٩- ووصف الشوكاني مصنفاته بأنها: \"التصانيف الحسنة المقبولة\"٢.\n١٠- وقال الشطي: \"صاحب التصانيف العديدة المشهورة شرقًا وغربًا، والتآليف المفيدة المقبولة عجمًا وعربًا\"٣.\n١١- وقال الشيخ محمد بهجة البيطار: \"صاحب الآثار الكثيرة الْمُحَرَّرَة\"٤.\nتلك بعض أقوال الأئمة في الثناء على مصنفات ابن القَيِّم ﵀، والإشادة بها، وبيان عِظَمِ شأنها وكبير فائدتها.\n_________\n١ التاج المكلل: (ص٤١٩) .\n٢ البدر الطالع: (٢/١٤٣) .\n٣ مختصر طبقات الحنابلة: (ص٦١) .\n٤ حياة شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة: (ص٣١) .","vol":"1","page":207},{"text":"المبحث الأول: منهجُ ابن القَيِّم في التأليف، وخصائص مُؤَلَّفَاتِهِ\nإن هذه الشهرة التي حققتها مصنفات ابن القَيِّم - بموجب شهادات أهل العلم التي سبق ذكرها- وهذه المكانة المرموقة التي تبوأتها، وهذا الثناء العاطر الذي نَالَتْهُ من الموافق والمخالف على السواء، إن ذلك كله لم يأت عفوًا، وإنما كان نتيجة لخصائص وميزات اتسم بها منهجه - ﵀ - في هذه المؤلفات، وجهدٍ جادٍّ مخلص في سبيل تحبيرها، وعناية فائقة في تحريرها.\nومن هذه الخصائص التي ظهرت لي ولم أقف على من نبّه على الكثير منها:\nأولًا: التَّعَدُّدُ والتنوع الموضوعي في مؤلفاته:\nلقد سبق الكلام على تضَلُّع ابن القَيِّم - ﵀ - في فنون عديدة، وإتقانه علوم كثيرة، بحيث يصعبُ على الدارس أن يَحْكَمَ بتفوقه في جانب من العلوم دون بقيتها، فقد شُهِد له بالإمامة في كلِّ فنٍّ من هذه الفنون١.\nولعلَّ هذا الشمول الذي تَمَيَّزَ به ابن القَيِّم في معارفه قد ظَهَرَ جَلِيًّا في المنهج التأليفي عنده، ولذلك فقد عَالَجَتْ مؤلفاته فنون متعددة، وعلوم كثيرة: من فقه، وتفسير، وتوحيد، ولغة، وغير ذلك، فلم يكن نشاطُهُ التأليفي قاصرًا على فن واحد.\n_________\n١ انظر: ما تقدم في ص: (١٣٧ - ١٤١) .","vol":"1","page":209},{"text":"ثم إن هذا التعدد في الموضوعات والفنون عند ابن القَيِّم ربما كان سمة مُمَيَّزَةً للكتاب الواحد من كتبه، فكتاب (زاد المعاد) - على سبيل المثال - يعد موسوعة شاملة لفنون عديدة: من سيرة، وفقه، وحديث، وغير ذلك.\nومع ذلك، فإن الغالب على المصنف الواحد من مصنفات ابن القَيِّم ﵀: اتصافه بالوحدة الموضوعية، فنجد كتاب: (الصلاة)، و(الروح)، و(حادي الرواح)، و(الطرق الحكمية)، و(الصواعق المرسلة) وغيرها، نجدها يعالج كل منها موضوعًا واحدًا، وقد يَرِدُ في أثناء الكتاب كلام خارجٌ عن الموضوع، فيكون ذلك من باب الاستطراد الذي يقتضيه المقام.\nثانيًا: أهميَّةُ الموضوعات التي تَنَاوَلَهَا ابنُ القَيِّم بالتأليفِ، وَعِظَمُ قيمَتِهَا.\nوقد كان ذلك نتيجةً حتميةً للأهداف التي نَذَر ابن القَيِّم نفسه لتحقيقها، والأوضاع التي عاش مجاهدًا لتصحيح الخاطئ منها، فجاءت مؤلفاته - لأجل هذه الأهمية - لا غنى لطالب الحق عنها، ولا مناص للقلوب السليمة من مَحَبَّتِهَا.\nفجاء كتابُهُ: (الصَّواعِقُ الْمُرْسَلة)، وكذا (اجتماع الجيوش الإسلامية) لتفنيد كثير من العقائد المنحرفة والمذاهب الفاسدة، وبيانِ المنهجِ الصحيح الذي كان عليه سلفُ هذه الأمة في باب العقائد.\nوجاء كتابه: (حادي الأرواح) واصفًا الجنة التي أعدها الله لعباده المتقين، مُشَوِّقًا لقارئه إلى السعي بجدٍّ لنيلها، والاجتهاد ليكون من أهلها.","vol":"1","page":210},{"text":"وجاء كتاب: (الوابل الصيب) ليضع منهجًا متكاملًا للذكر والدعاء في حياة المسلم، الذي به حياة القلوب، وراحة النفوس.\nوجاء كتابه: (الطُّرقُ الْحُكْمِيَّة) يُمَثِّلُ منهجًا فريدًا للقاضي والحاكم فيما ينبغي مراعاته عند الحكم من القرائن والأَمَارَاتِ، وما يتعلق بذلك من الفِرَاسَة المَرْضِيَّة.\nوهكذا بقية كتبه ومؤلفاته، ما منها كتابٌ إلا وهو يتناول من الموضوعات الْمُهِمَّة ما يحصل به سعادة العبد في دنياه وأُخْرَاه.\nثالثًا: وجود علاقة وثيقة بين الموضوعات التي تناولها بالتأليف، وبين أوضاع مجتمعه ومشاكل عصره.\nفقد عاش ابن القَيِّم - كما مضى بيانه - متأثرًا بأحداث عصره ومتيقظًا لواجبه تجاهها، ومن ثَمَّ جاءت أكثر مؤلفاته تعالج تلك المشاكل، وتضع الحلول لكثير من الأدواء الْمُسْتَحْكِمَة في المجتمع.\nفلم يكن ابن القَيِّم - ﵀ - وهو يُصَنِّفُ كُتُبَهُ يعيش بِمَعْزِلٍ عن أوضاع مجتمعه وقضاياه المهمة، مما جعل لكتبه أهمية خاصة بالنسبة لكثير من الناس.\nرابعًا: اعتماده في الاستدلال لمسائله وقضاياه على الأدلة النَّقْلِيَّة من الكتاب والسنة.\nفقد كان - ﵀ - مُلْتَزمًا ذلك في كل كتاباته، يستدل للمسألة التي يوردها من كتاب الله العزيز، ونصوص الحديث النبوي الصحيح، الذي \"لا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة، والإذعان","vol":"1","page":211},{"text":"والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، وكل الخيرة في التسليم له والقول به، ولو خالفه مَنْ بَيْنَ المشرق والمغرب\"١.\nوقد مضى ذكر طرف من أقواله في وجوب اتباع نصوص الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما دون ما سواهما٢.\nخامسًا: الاعتماد في الاستدلال على العقل الصريح إلى جانب النقل الصحيح.\nفمع اعتماده - ﵀ - في المقام الأول على نصوص الكتاب والسنة، فإنه لم ير مانعًا من الاعتماد على العقل الصحيح السوي، فإنه يرى \"أن ما عُلِم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء، لا يُتَصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه\"٣.\nولذلك فإنه كثيرًا ما يؤكد ضرورة الاستدلال بالعقل السويّ إلى جانب النقل، فيقول عند الاستدلال على أن الروح قائمة بذاتها: \"ولا يمكن جواب هذه المسألة إلى على أصول أهل السنة، التي تظاهرت عليها أدلة القرآن، والسنة، والآثار، والاعتبار، والعقل\"٤.\nوقال جوابًا عن شُبَه القائلين بنفي الحكمة والتعليل: \"الجواب الثاني عشر: أن يقال: العقل الصريح يقضي بأن من لا حِكْمَةَ لفعله، ولا غاية يَقْصِدُهَا به أَوْلَى بالنقصِ ... \"٥.\n_________\n١ الروح: (ص١٨٣) .\n٢ انظر ص: (١١٥) .\n٣ الصواعق المرسلة: (٣/٨٢٩) .\n٤ الروح: (ص٥٠ - ٥١) .\n٥ شفاء العليل: (ص٣٥١) .","vol":"1","page":212},{"text":"سادسًا: التَّدَرُّجَ في سِيَاقِ الأدلَّةِ النقلية، وتَرْتِيبُهَا حَسْبَ مَكَانَتِهَا وَأَهَمِّيَتِهَا:\nفنجده - ﵀ - في كثير من كتبه: يبدأ في الاستدلال للمسألة بسياق نصوص القرآن، ثم يُتْبِعها بنصوص السنة، ثم أقوال الصحابة، وهكذا.\nولعل أبرز مثالٍ على تطبيقه لهذا المنهج هو كتابه: (اجتماع الجيوش الإسلامية)؛ فقد بناه كله على هذه الطريقة، فأخذ في الاستدلال على استواء الله سبحانه:\n- بنصوص القرآن أولًا.\n- ثم بالأحاديث الصحيحة الثابتة.\n- ثم بأقوال الصحابة رضوان الله عليهم.\n- ثم بأقوال التابعين.\n- ثم بأقوال أتباع التابعين، إلى الأئمة الأربعة فمن بعدهم.\nسابعًا: التَّحَرُّرُ في تَآلِيفِهِ مِن التَّبَعِيَّةِ لِمَذْهَبٍ أو رأيٍ مُعَيَّنٍ يخالفُ الكتاب والسنة.\nولعلَّ فيما تقدم من كلام على شدة تمسكه بالدليل، والدعوة إلى الاحتكام إليه دون غيره ما يؤكد هذا المعنى.\nفابن القَيِّم وإن دَرَسَ المذهب الحنبلي وبَرَعَ فيه، إلا أنه لم يكن بالذي يَتَقَيَّدُ بمذهب إمامه على حساب الدليل، كيف وقد كان حَرْبًَا على التقليد والتعصب المذهبي؟","vol":"1","page":213},{"text":"وقد أحسن الإمام الشوكاني - ﵀ - وصفه بقوله: \"وليس له على غير الدليل مُعَوَّلٌ في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يَتَجَاسَر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة، كما يفعله غيره من الْمُتَمَذْهِبِيْنَ، بل لا بد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف، والميل مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال\"١.\nولقد حَذَّرَ هو - ﵀ - من خطورة الفتوى وفق مذهب يعلم المفتي أن دليل غيره أرجح من مذهبه الذي أفتى به، وَعَدَّ ذلك خيانة لله ورسوله، وغِشًَّا في الدين، فقال - ﵀ - عند ذكره فوائد وإرشادات للمفتين:\n\"ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه: أن يُفتي السائل بمذهبه الذي يُقَلِّدُه، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا ... فيكون خائنًا لله ورسوله وللسائل، وغاشًا له\".\nثم يؤكد - ﵀ - هذا المعنى مبينًا التزامه ذلك في نفسه، فيقول: \"وكثيرًا ما تَرِدُ المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح ونرجحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يُؤْخَذَ به\"٢.\nومن تَصَفَّحَ كتب ابن القَيِّم وَجَدَ له جملةً من الاختيارات على غير مذهب الحنابلة، ومناقشته له في بعض القضايا، مُرَجِّحًَا غيره عليه بالدليل.\n_________\n١ البدر الطالع: (٢/١٤٤ - ١٤٥) .\n٢ إعلام الموقعين: (٤/١٧٧) .","vol":"1","page":214},{"text":"ثامنًا: طولُ النَّفَسِ فيما يكتب، والتَّوَسُّعُ في استقصاء جوانب البحث واستيفاء مقاصده.\nوهذه السِّمَة من أهمِّ ما يلفت النظر ويسترعي الانتباه في مؤلفات ابن القَيِّم، وذلك من تمام نصحه، وكمال حرصه على تبليغ الخير ما استطاع، فَيُبَالِغُ في البسط والبيان، وهو دالٌّ في الوقت نفسه على ما تقدم بيانه: من طول باعه في العلم، ورسوخ قدمه فيه، وعمق معرفته، وصبره في سبيل إيصال الفكرة، وتثبيت الحجة، وإقرار الصواب والحق.\nويُصَوِّرُ الحافظ ابن حجر هذه الميزة في مؤلفات ابن القَيِّم، فيقول: \"وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها، يَتَعَانَى الإيضاح جُهْدَهُ، ويسهب جدًا\"١.\nوقال الإمام الشوكاني واصفًا ذلك: \"وإذا استوعب الكلام في بحثٍ وَطَوَّلَ ذُيَولهُ أتى بما لم يأت به غيره\"٢.\nولنذكر مثالًا على ذلك: عند سياقه - ﵀ - حَجَّة النبي ﷺ، تكلم على صفة إحرامه ﷺ، واختار القول بأنه ﷺ أحرم قارنًا، وأخذ في تقرير ذلك، وسياق الأدلة عليه، والرد على المخالفين وتفنيد حججهم، فاستغرق ذلك أربعين صفحة، ثم قال: \"ولنرجع إلى سياق حجته ﷺ ... \"٣.\n_________\n١ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٢ البدر الطالع: (٢/١٤٥) .\n٣ زاد المعاد: (٢/١٠٧ - ١٥٨) .","vol":"1","page":215},{"text":"ولا أجدني محتاجًا إلى إيراد المزيد من الأمثلة في هذا الصدد؛ فإن ذلك كثير في مؤلفاته ﵀ لا يكاد ينحصر.\nتاسعًا: حُسْنُ الترتيبِ والتبويبِ والعَرْضِ للمعلومات التي يُضَمِّنُهَا كتبه وتواليفه:\nتمتازُ مصنفاتُ ابن القَيِّم - ﵀ - في الكثير الغالبِ - بحسن الترتيبِ والتقسيمِ للمادة التي تحتويها، الأمر الذي يجعلُ لمؤلفاته جَاذِبِيَّةً خاصةً، يشعر بها القارئ وهو يتنقل من باب إلى باب، ومن فصل إلى فصل.\nوليُنظَرْ على سبيل المثال: كتابه (حادي الأرواح)، فقد قسمه إلى سبعين بابًا، مرتبًا إياها ترتيبًا بديعًا، مع الترابط والتجانس بينها، بحيث يُسْلِمُكَ كل باب إلى الذي بعده في تسلسل ممتع، هذا عدا الفصول التي تشتمل عليها بعض الأبواب.\nعاشرًا: حلاوةُ الأسلوبِ، وجمالُ العبارةِ، وعذوبةُ الْمَنْطِقِ، وحسنُ البيان.\nوهذه ميزة أخرى تُزَيِّن مؤلفات ابن القَيِّم، فتُبْهرُ العقول، وتأخذ بمجامع القلوب. ولعل ذلك هو ما عبَّر عنه الشوكاني - ﵀ - بقوله: \"وله من حسن التصرفِ، مع العذوبةِ الزائدة، وحسن السياق، ما لا يقدر عليه غالبُ الْمُصنِّفِين، بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب\"١.\n_________\n١ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .","vol":"1","page":216},{"text":"وهذا الجمال الأخَّاذُ، وتلك العذوبة الزائدة إذا اجتمع إليهما: عُمْقُ الفكرة، ونبلُ الهدف، وصدق الرغبة في إيصال الخير للخلق، عُرِفَ سر هذا الْحُبِّ الْمُتَمَكِّنِ من القلوب لمؤلفاته ﵀.\nحادي عشر: الاعتماد كثيرًا على الأحداث والوقائع التاريخية، مع قوة الاستحضار لها، وبراعة الاستشهاد بها.\nفلم يكن ابن القَيِّم - وهو يكتب - بمعزل عن وقائع التاريخ الإسلامي وأحداثه، وسيرة النبي ﷺ وأصحابه، ومَنْ بَعْدَهُم، بل كان يستحضر من ذلك الشيء الكثير، ويحشد منها القدر الكبير، تأييدًا لفكرة، أو تأكيدًا لمعنى يريد تقريره.\nتكلم مرة عن الشجاعة، والفرق بينها وبين القوة، وأن الشجاعة: ثبات القلب عند النوازل، وأن أبا بكر الصديق ﵁ كان أشجع الأمة - بهذا المفهوم - بعد رسول الله ﷺ، فقال - ﵀ - في بيان ذلك: \"ولو لم يكن إلا ثباتُ قَلْبِهِ يومَ الغار وليلتِهِ، وثباتُ قلبه يوم بدر وهو يقول للنبي ﷺ: يا رسول الله كَفَاكَ مُنَاشَدَتُك ربك، فإنه منجز لك ما وَعَدَك، وثباتُ قلبه يوم أحد وقد صَرَخَ الشيطان في الناس بأن محمدًا قد قُتِلَ ... وثبات قلبه يوم الحديبية وقد قَلِقَ فارس الإسلام عمر بن الخطاب حتى إن الصديق لَيُثَبِّتُهُ، وَيُسَكِّنُهُ، وَيُطَيِّبُهُ،","vol":"1","page":217},{"text":"وثبات قلبه يوم حنين حين فرَّ الناس وهو لم يفر، وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزت لها الدنيا أجمع، وكادت تزلزل لها الجبال، وعقرت لها أقدام الأبطال ... وخرج الناس بها من دين الله أفواجًا ... وطمع عدو الله أن يعيد الناس إلى عبادة الأصنام ... فَشَمَّرَ الصديق ﵁ من جده عن ساق غير خَوَّار ... فَثَبَّتَ الله بذلك القلب - الذي لو وُزِنَ بِقُلوب الأمة لرجحها - جيوش الإسلام، وَأَذَلَّ بها المنافقين والمرتدين\"١.\nوالأمثلة على استشهاده بالوقائع والحوادث الماضية - بهذا التسلسل الشيق، والعرض الممتع - كثيرة جدًا بين ثنايا كتبه.\nثاني عشر: الاستعانةُ بالتجاربِ الخاصَّةِ، والخبرةِ الشخصية في دَعْمِ أَفْكَارِهِ، وتأييدِ آرائِهِ.\nفقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - كثيرًا ما يُسَجِّلُ تجاربه الخاصة وخبرته الشخصية في أثناء كتاباته، وذلك تأييدًا لفكرة ما، وزيادة في إيضاحها، وتوفيرًا لأكبر قَدْرٍ من اليقين لناظِرِهَا ومُطَالِعِهَا.\nيقول - ﵀ - عند كلامه على تَمَكُّنِ الأرواح الشيطانية من الأجسام في حالات معينة، وأنها تُدفَع بالأذكار، والأدعية، والابتهال الذي يستجلب من الأرواح الْمَلَكِيَّةِ مَا تَقْهَرُ به هذه الأرواح الخبيثة، قال: \"وقد جَرَّبْنا نحن وغيرنا هذا مرارًا لا يحصيها إلا الله، ورأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قُرْبِهَا تأثيرًا عظيمًا ... \"٢.\n_________\n١ الفروسية: (ص١٢٩) .\n٢ زاد المعاد: (٤/٤٠) .","vol":"1","page":218},{"text":"وقال عند كلامه على الاستشفاء بماء زمزم: \"وقد جَرَّبْتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمرض، فبرأتُ بإذن الله\"١.\nثالث عشر: التَّواضُعُ الجَمُّ، وهضمُ الذَّاتِ، وإسنادُ ما يُفْتَحُ به عليه من فوائد إلى فضلِ الله وتوفيقه وتأييده.\nوقد مضى ذكر شيء من الأمثلة لذلك عند الكلام على أخلاقه٢، ويُلاحِظُ ذلك كل من يطالع كتبه.\nرابع عشر: تَحَرِّي الدِّقَّةِ في النقل عن الآخرين، وبخاصة ما كان من ذلك مشافهة.\nفنجده - ﵀ - يحرص على توثيق هذا النقل بما لا يدع في نفس القارئ أدنى شك في صدق ناقله.\nفيقول مرة: \"ولقد أخبر بعض الصادقين ... \"٣. وقال في مناسبة أخرى: \"وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن مساب السلاهي - وكان من خيار عبادالله، وكان يَتَحَرَّى الصدق - قال ... \"٤.\n_________\n١ زاد المعاد: (٤/٣٩٣) .\n٢ انظر ص: (١٠٢) .\n٣ الروح: (ص٨٨) .\n٤ الروح: (ص٩٢) .","vol":"1","page":219},{"text":"خامس عشر: الحرصُ على تحرِيرِ القول في المسائلِ المختلف فيها، وبيان الراجحِ من ذلك.\nفقد جرت عادة ابن القَيِّم - ﵀ - في أكثر مؤلفاته: أن يَعْرِضَ آراءَ كلِّ فريقٍ في المسائل الْمُخْتَلفِ فيها، مع ذكر أدلة كل فريق، وتحليل ذلك كله ومناقشته، وبيان الراجح من المرجوح، والصواب من الخطأ. ويكون ترجيحه - ﵀ - لما تدعمه الأدلة، وتؤيده البراهين.\nيقول - ﵀ - في مسألة الصلاة على النبي ﷺ، وكيف تكون كالصلاة على إبراهيم عليه السلام١، مع أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم؟ قال: \"ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحيح وفاسد\"٢.\nويقول في مسألة الهوي إلى السجود - بعد أن ذكر أقوال الفريقين وأدلتهم -: \"والراجح البداءة بالركبتين لوجوه ... \"٣.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.\nسادس عشر: التَّلَطُّفُ مع الْخَصْمِ، والحرصُ على إيصالِ الخير إليه، وحصولُ الهدايةِ والانتفاعِ له.\nفقد عُلِمَ كثرة الخصوم ابن القَيِّم - ﵀ - من أعداء السنة، والحاقدين على أهلها، ومع ذلك فإن ابن القَيِّم كان حريصًا في كتاباته\n_________\n١ يعني في قولنا: \" ... كما صليت على إبراهيم\".\n٢ جلاء الأفهام: (ص١٥٠) .\n٣ تهذيب السنن: (١/٤٠٠) .","vol":"1","page":220},{"text":"على الأخذ بيد الضال منهم، وإرشاده إلى الطريق القويم والصراط المستقيم.\nويَوَضِّحُ - ﵀ - هذا الحرص في مقدمة كتابه (شفاء العليل) ١ فيقول: \"فيا أيها المتأمل له، الواقف عليه: لك غُنْمُه وعلى مؤلفه غُرْمُه، ولك فائدته، وعليه عائدته، فلا تَعْجَل بإنكارِ ما لم يَتَقَدَّم لك أسبابُ معرفَتِهِ، ولا يَحْمِلَنَّكَ شنآنُ مؤلِفِهِ وأصحابه على أن تُحْرَمَ ما فيه من الفوائد التي لعلك لا تَظْفَرُ بها في كتاب، ولعلَّ أكبر من تُعَظِّمُهُ ماتوا بحسرتها، ولم يصلوا إلى معرفتها\".\nفانظر إلى حرصه - ﵀ - على إيصال نور الهداية إلى مَبْغِضِه وإلى كل من لعله في نفسه شيء عليه.\nومن هذا أيضًا: ما تَقَدَّمَت الإشارة إليه من مناظراته لبعض أهل الكتاب، وما كان من دعوتهم في آخر هذه المناظرات إلى الدخول في الإسلام، دين الهداية والرشاد.\nسابع عشر: دِقَّتُهُ - ﵀ - في اختيار الأسماء والعناوين لكتبه، ومراعاة التطابق بين الاسم والمضمون.\nوهذا يلاحظه كل من نظر كتبه وتأملها، وطابق بين اسمها وما بداخلها، مع تَفَنُّنِهِ - ﵀ - في اقتناء هذه الأسماء: قوةً ورقةً، ترهيبًا وترغيبًا إلى غير ذلك.\n_________\n(ص: ٩) .","vol":"1","page":221},{"text":"فنجده يختار اسمًا رقيقًا جميلًا عندما يريد الكلامَ عن الجنة ونعيمها، والترغيب فيها، وإثارة الشوق إليها، وشحذ الهمم للاستعداد لها، فيقول: (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) .\nوقد نصَّ - ﵀ - على مطابقة اسمه لمضمونه، فقال في مقدمته: \"وسميته: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، فإنه اسم يطابق مُسَمَّاه، ولفظٌ وافق معناه\"١. وقريب من ذلك: (روضة المحبين) .\nبينما نجد لَهْجَتَهُ تشتدُّ - وقد أعلنَ الحربَ على أتباع الفلاسِفَةِ والْمُتَكَلِّمِينَ، من أهلِ التأويل والتعطيل - فيختارُ لذلك عنوانًا قويًا مُدَوِّيًَا، يُوحي بتوجيه ضربات موجعة إلى أعداء عقيدة السلف، فيقول: (الصَّواعِقُ الْمُرْسَلَة على الْجَهْمِيَّةِ والْمُعَطِّلَةِ)، ويقول أيضًا: (اجتماعُ الجيوش الإسلامية على غزوِ المعطلة والجهمية) .\nوهكذا نجد هذا التناسب بين الاسم والْمُسَمَّى هو الغالب على سائر كتبه، مع الجمال والبلاغة في غالب هذه الأسماء.\nثامن عشر: وقوعُ التِّكْرار في مؤلفاته.\nيلاحظ الناظر في كتب ابن القَيِّم - ﵀ - تكرار الكلام على الموضوع الواحد في أكثر من كتاب من كتبه، وقد يكون تكرار ذلك بلفظه وحروفه، وقد يكون بالمعنى دون الاتفاق في اللفظ والعبارة.\nوستأتي عند دراسة الأحاديث التي تكلم عليها ابن القَيِّم - ﵀ - أمثلة لذلك، فكان يُكَرِّرُ الكلام على الحديث في مناسبات\n_________\n١ حادي الأرواح: (ص٣٠) .","vol":"1","page":222},{"text":"عديدة١، وكذا كان شأنه في كثير من القضايا الفقهية، والتفسيرية وغير ذلك.\nيقول الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: \"انتقد بعض الكاتبين ظاهرة التكرار في مؤلفات ابن القَيِّم رحمه الله تعالى ... ولكن عند الفحص الدقيق والنظر العميق يتبين للناظر أن هذا ليس من مواضع النقد ولا من مواطن العتب، بل هي ميزة هامة وظاهرة محمودة\"٢.\nثم ذكر - حفظه الله - قضية التكرار في الكتاب والسنة ومؤلفات سلف الأمة، وَحِكَمَ ذَلِكَ وَأَسْرَارَهُ وفوائِدَهُ.\nوابن القَيِّم - ﵀ - يلجأ للتكرار لأسباب عديدة وفوائد كثيرة، وعلى رأس هذه الأسباب وتلك الفوائد ما يلي:\n١- خطورة الموضوع الذي يتناوله ابن القَيِّم، وأهميته البالغة، فتجده يكرر الكلام فيه كلما وجد لذلك مناسبة، ومن أمثلة القضايا التي كرر الكلام فيها لشعوره بأهميتها وعظيم خطرها:\n- قضية تحريم سماع الغناء وأضرار هذا المرض الشيطاني٣.\n- قضية الطلاق الثلاث بلفظ واحد٤.\n_________\n١ انظر على سبيل الله المثال الأحاديث رقم: (٤٥، ٨١، ٨٤، ٨٦، ٨٩، ٩٠، ١٠٠، ١٣٨، ١٤٥، ١٥٠) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٢٢ - ١٢٣) .\n٣ انظر: إغاثة اللهفان: (١/٢٢٤ - ٢٦٨)، وتهذيب السنن: (٥/٢٧٠ - ٢٧٢)، وروضة المحبين: (١٤٧ - ١٤٨)، وكتابه المفرد في هذا الموضوع: (الكلام على مسألة السماع) .\n٤ انظر: زاد المعاد: (٥/٢٤٧ - ٢٧١)، وإغاثة اللهفان: (١/٢٨٣ - ٣٢٩)، وتهذيب السنن: (٣/١٢٨ - ١٢٩) .","vol":"1","page":223},{"text":"- الحِيَل وأحكامها، وبيان الِمُحَرَّم منها١.\nإلى غير ذلك من القضايا التي كررها لأهميتها، وشدة الحاجة إليها.\n٢- وقد يقع التكرار منه استطرادًا لفائدة عارضة؛ فقد كان الاستطراد من عادته ﵀، فَرُبَّمَا دَخَلَ في موضوع آخر غير موضوع البحث وتوسَّعَ في الكلام عليه جودًا منه بالعلم، وحرصًا على عدم تضييع الفائدة على القارئ والمتعلم.\n٣- وقد تدعوه الحاجة إلى ذكر موضوع كان قد ذكره في موضع آخر، فيُكَرِّرُهُ على سبيل الاختصار لِمَا أَفَاضَ فيه في ذلك الموضع، فنجده مرة يقول في كتابه (بدائع الفوائد) ٢ في مبحث له في الحب: \"ولنقطع الكلام في هذه المسألة، فمن لم يشبع من هذه الكلمات، ففي كتاب (التحفة الْمَكِّيَّة) أضعاف ذلك\".\nويقول - أيضًا - عند كلامه على الكيمياء في كتابه (مفتاح دار السعادة) ٣: \"وقد ذَكَرْنَا بُطْلانَهَا وبيان فسادها من أربعين وجهًا في رسالة مفردة\".\nتلك أبرز العوامل التي قد تَحْمِلُه - ﵀ - على التكرار لبعض الفوائد والمباحث، ولا شكَّ أن في ذلك التكرار - بهذه الصفة -\n_________\n١ انظر: إغاثة اللهفان: (١/٣٣٨ - ٣٩١)، (٢/١ - ١٢١)، وإعلام الموقعين: (٣/١٥٩ - ٤٠٣) .\n(٢/٨٩) .\n(ص ٢٤١) .","vol":"1","page":224},{"text":"فوائد عديدة، أهمها: أن من لم يقف على ذلك البحث الْمُكَرَّرِ في كتاب لابن القَيِّم، فإنه لا يَفُوتُهُ في غيره من الكتب التي تكرر فيها.\nوبعد، فهذه أبرز الخصائص وأهم السمات التي تميز بها أسلوب ابن القَيِّم - ﵀ - ومنهجه في البحث والتأليف.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الثاني: ذكر مؤلفات ابن القَيِّم</span>\nوأحاول في هذا المبحث حصر مؤلفات ابن القَيِّم ﵀، مع التعريف ببعضها، وذكر بعض الفوائد المتعلقة بها، وذلك كله على سبيل الاختصار والإيجاز، إلا فيما يحتاج الأمر فيه إلى زيادة بسطٍ وإيضاحٍ.\nوقد قام الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - في هذا الجانب بجهد مشكور، فَحَرَّرَ ذلك تحريرًا فائقًا، واستوعب الكلام على مؤلفات ابن القَيِّم ﵀، معتمدًا في ذلك على المصادر التي ترجمته، وما ظفر به من زيادات على ذلك من خلال مطالعته لكتب ومؤلفات ابن القَيِّم نفسه، فأفاد في ذلك وأجاد١.\nوسَأُسَجِّلُ ما وقفت عليه من هذه المؤلفات، منبهًا على ما تدعو إليه الحاجة في أثناء ذلك، مع عدم ذكر الكتب التي لم يظهر عندي دليل صريح على نسبتها لابن القَيِّم ﵀، مرتبًا ذلك على حروف المعجم:\n١- (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) .\nكذا سماه ابن القَيِّم - ﵀ - في كتاب (الفوائد) ٢ له، وسماه أيضًا: (اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية) وذلك في موضعين من كتاب (الصواعق المرسلة) ٣.\n_________\n١ انظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١١ - ١٩٨) .\n(ص٦) .\n(٤/١٢٥٤، ١٣٠٥) .","vol":"1","page":227},{"text":"وسماه ابن رجب: (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية) ١. والأمر في ذلك قريب، فكلها أسماء لكتاب واحد.\nوموضوع الكتاب: إثبات علو الله - سبحانه - واستوائه على عرشه، وجمعُ الأدلة على ذلك: من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم، وبيانُ منهج أهل السنة في هذا الباب، والرد على من خالفهم من أهل التعطيل والتأويل. والكتاب مطبوع متداول.\n٢- (الاجتهاد والتقليد) .\nوقد أشار ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٢، ولم يذكره أحدٌ من مترجميه.\nقال الْمُعَلِّقُ على التهذيب: \"لعله الطُّرُق الحُكْمِيَّة ... \". والذي يظهر - والله أعلم - أنه غيره.\nومن الجدير بالتنبيه هنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - عَقَد فصلًا في الكلام على التقليد في كتابه (إعلام الموقعين)، ثم أعقبه بفصل آخر في الكلام على الاجتهاد وعدم جوازه مع وجود النص، وأطال في ذلك وتوسع، بحيث بَلَغَ كلامه في هذين الفصلين - الاجتهاد والتقليد - أكثر من مائة صفحة، مما يجعله يصلح أن يكون كتابًا مستقلًا في هذا الموضوع٣، فهل أَفْرَدَهُ ابن القَيِّم من كتابه (إعلام الموقعين)؟ الله أعلم.\n_________\n١ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n(٦/٣٤١) .\n٣ انظر: إعلام الموقعين: (٢/١٨٧-٢٩٤) .","vol":"1","page":228},{"text":"٣- (أحكام أهل الذمة) .\nوهو مطبوع في مجلدين كبيرين بتحقيق الدكتور/ صبحي الصالح، ولم أر من مترجميه من العلماء السابقين من ذكره، وقد ذكره الشيخ بكر أبو زيد، وَوَثَّقَ نسبته لابن القَيِّم فضيلة المحقق.\n٤- (أسماء مؤلفات ابن تَيْمِيَّة) .\nوهي رسالة مطبوعة بتحقيق الأستاذ/ صلاح الدين الْمُنَجِّد، ولم يذكرها أحدٌ - أيضًا - من مترجميه١.\nوقد رتَّبَ فيها كتب شيخه على الفنون، ومع أنه ذكر منها قسمًا كبيرًا إلا أنه لم يستوعب كل مؤلفاته٢.\n٥- (أصول التفسير) .\nأشار إليه - ﵀ - في (جلاء الأفهام) ٣.\n٦- (الإعلام باتساع طرق الأحكام) .\nذكره ابن القَيِّم في (إغاثة اللهفان) ٤ عند الكلام على الأخذ باللَّوثِ٥ والعلامات الظاهرة في الحدود٦، ولم يذكره أحدٌ من مترجميه.\n_________\n١ انظر كلام الدكتور بكر أبي زيد حول هذين الكتابين في (ص٢٠١، ٢٠٨) من كتابه: (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره، موارده) .\n٢ انظر مقدمة المحقق لهذه الرسالة.\n(ص٧٥) .\n(٢/١١٩) .\n٥ اللوث: البينة الضعيفة غير الكاملة. (المصباح المنير ٢/٥٦٠) . وقال في (المعجم الوسيط) (مادة: لاث): \"شبه الدلالة على حدث من الأحداث، ولا يكون بينة تامة. يقال: لم يقم على اتهام فلان بالجناية إلا لوث\".\n٦ وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٢٦) .","vol":"1","page":229},{"text":"وفي كتابه (الطرق الحكمية) جملة من هذه الأحكام.\n٧- (إعلام الْمُوَقِّعِينَ عن رب العالمين) .\nوهو من أشهر كتب ابن القَيِّم وَأَنْفَعِهَا، وقد طبع مرارًا.\nوقد ضمنه ذكر جملة من أعلام المفتين: من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، مع بيان أحكام كثيرة تتعلق بالقضاة والمفتين، وما يحتاجه الكثير منهم من إرشادات وتوجيهات، كما ذكر فيه جملة من الأصول والقواعد الفقهية، ثم خَتَمَهُ بذكر فتاوى إمام المفتين ﷺ.\nولم يسم المؤلف كتابه هذا في مقدمته، ووقع عند الصَّفَدِي تسميته: (معالم الموقعين) ١، ولكن المشهور الأول.\nوقد اختلف في ضبط همزة (اعلام) هل هي بالكسر أم بالفتح؟ وحاصل الكلام في ذلك: أن كلا الأمرين جائز، فبالكسر بمعنى: الإخبار، وبالفتح جمع (علم) إلا أن الكسر هو الأكثر شهرة٢.\n٨- (إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان) .\nهكذا سمى المؤلف هذه الرسالة في (مدارج السالكين) كما أفاده الشيخ بكر أبو زيد٣.\nوقد طُبعت هذه الرسالة باسم: (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان)، وقد يسميها بعضهم (الإغاثة الصغرى) تفرقة بينها وبين كتابه الكبير، وهو:\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٢ انظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (١٢٧ - ١٣٠) .\n٣ انظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٣٤) .","vol":"1","page":230},{"text":"٩- (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) .\nوقد نص المؤلف على تسميته بذلك في مقدمته١، وسماه أكثر المترجمين له: (مصائد الشيطان) ٢، وقال ابن العمَّاد في شطره الثاني: (... من مكايد الشيطان) ٣.\nوهو من أجَلِّ كتب ابن القَيِّم ﵀، بَيَّنَ فيه أقسام القلوب، وأسباب حياتها، وما يكون من أمراضها، وطرق علاجها، ثم ختمه بذكر جملة من المكائد التي يكيد بها الشيطان لابن آدم، وأشار إلى أن ذلك هو مقصود الكتاب الذي وَضَعَهُ من أجله والكتاب مطبوعٌ متداول.\n١٠- (اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر) .\nذكره الصَّفَدِي٤، ولم أقف على معرفة شيء من أخباره.\n١١- (الأمالي المكية) .\nذكره ابن القَيِّم ﵀ في (بدائع الفوائد) ٥، ولم يشر إليه أحدٌ من مترجميه، ولعله من الكتب التي أملاها أثناء مقامه بمكة.\n١٢- (أمثال القرآن) .\nذكره جماعة من مترجميه٦.\n_________\n١ إغاثة اللهفان: (١/٦) .\n٢ انظر: ذيل طبقات ابن رجب: (٢/٤٥٠)، والدرر الكامنة: (٤/٢٢)، والبدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٣ شذرات الذهب: (٦/١٧٠) .\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n(٢/١٥) .\n٦ انظر: ذيل طبقات ابن رجب: (٢/٤٥٠)، والشذرات: (٦/١٧٠) .","vol":"1","page":231},{"text":"وقد طُبع الكتاب أكثر من طبعة، لعل آخرها تلك التي حققها إبراهيم بن محمد، ونشرت سنة ١٤٠٦هـ باسم: (الأمثال في القرآن الكريم)، وقد اعتمدت هذه الطبعة والتي قبلها على أربع نسخ خطية، واعتمد المحقق الأخير كثيرًا على الطبعتين السابقتين١.\nوقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - ذكر جملة من هذه الأمثال في كتابه (إعلام الموقعين) ٢، وعند مقابلتي بين هذه الرسالة المطبوعة وبين ما جاء في (إعلام الموقعين): وجدت تطابقًا كاملًا بينهما، فعلمت أن هذه الرسالة مُسْتَلَّةٌ من هذا الكتاب، فقد جاء في أولها: \"قال شيخنا ﵀: وقع في القرآن أمثال...\" فيكون قد جَرَّدَها أحد تلاميذ ابن القَيِّم، وربما وقع ذلك في حياته ﵀، فالله أعلم.\nوفي ذكر قدماء المترجمين لها ضمن مؤلفاته ما يؤكد أنها فُصِلَت قديمًا، وأُفْرِدَت عن الأصل.\n١٣- (بدائع الفوائد) .\nوهو من كتب ابن القَيِّم المشهورة، وذكره بهذا الاسم عامة من تَرْجَمَ له.\nوقال عنه السيوطي: \"وهو كثير الفوائد، أكثره مسائل نَحْوِيَّة\"٣. ومع ذلك فالكتاب يحتوي على جملة كبيرة من الفوائد العامة في سائر الفنون، وقد طُبع الكتاب عدة طبعات.\n_________\n١ انظر: مقدمة المحقق: (ص٥) .\n(١ / ١٥٠ - ١٩٠) .\n٣ بغية الوعاة: (١/٦٣) .","vol":"1","page":232},{"text":"١٤- (بطلان الكيمياء من أربعين وجهًا) .\nأشار إليه ابن القَيِّم - ﵀ - في (مفتاح دار السعادة)، كما أفاده الشيخ بكر أبو زيد١. وذكره بهذا الاسم: ابن رجب، قال: \"مجلد\"٢.\n١٥- (بيان الاستدلال على بطلانِ اشتراط مُحَلِّلِ السِّبَاقِ والنِّضَالِ) .\nذكره ابن القَيِّم بهذا الاسم في (إعلام الموقعين) ٣. وسماه بذلك الصَّفَدِي٤ دون كلمة \"اشتراط\".\nوسماه ابن رجب: (بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل) ٥، وقد وَهِمَ البعض فعدهما كتابين٦.\nوقد تقدم ذكر ما جرى له من مِحَنٍ بسبب رأيه في هذه المسألة٧.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٣٦) .\n٢ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n(٤/٢٢) .\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n٥ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩) .\n٦ انظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٣٦ - ١٣٧) .\n٧ انظر ص: (١٢٨) .","vol":"1","page":233},{"text":"١٦- (التبيان في أقسام القرآن) .\nوقد سماه ابن القَيِّم بهذا الاسم١، وسماه أيضًا: (أَيْمَان القرآن) ٢، وبهذا الاسم الأخير ذكره مترجموه٣، وهما اسمان لكتاب واحد.\nوقد جمع فيه ابن القَيِّم - ﵀ - ما ورد في القرآن بمعنى القسم والأيمان، مع الكلام عليها٤، وقد طُبع الكتاب باسم: (التبيان...) .\n١٧- (التَّحْبِيرُ لِمَا يِحِلُّ وَيحرمُ مِن لِبَاسِ الْحَرِير) .\nذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (زاد المعاد) في موضعين منه٥، ووقع في الموضع الأول منهما تصحيف طباعي؛ إذ جاء فيه: (التخيير...) والصواب الأول، كما ذكره غير واحد من مترجميه.\nوقد سماه ابن رجب٦ - ومن تبعه-٧: (التحرير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير) . وسماه الصَّفَدِي: (التحبير فيما يحل ويحرم لبسه من الحرير) ٨.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٣٨) .\n٢ الجواب الكافي: (ص ٧٤) . طبعة/ يوسف بديوي.\n٣ انظر: ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٤ وانظر: كشف الظنون: (ص ٣٤١) .\n(٣/٤٨٨)، (٤/٧٨) .\n٦ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n٧ انظر: طبقات المفسرين - للداودي: (٢/٩٣) .\n٨ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .","vol":"1","page":234},{"text":"١٨- (التحفة الْمَكِّيَّة) .\nذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (بدائع الفوائد) ١ في مواضع منه بهذا الاسم، وذكره أكثر مترجميه٢.\nوابن القَيِّم - ﵀ - يعزو كثيرًا في (بدائع الفوائد) إلى كتاب آخر باسم: (الفتح المكي) ولعله هو نفسه (التحفة)؟ وقد عدهما الشيخ بكر أبو زيد كتابين، فالله أعلم.\n١٩- (تُحْفَةُ الْمَوْدُودِ بِأَحكامِ الْمَولُود) .\nوقد سماه المؤلف بهذا الاسم في مقدمته٣، وهو من كتب ابن القَيِّم المشهورة المفيدة الجامعة في بابها، فقد ضَمَّنَه مسائل وأحكام مهمة تتعلق بالطفل منذ ولادته.\nوالكتاب مطبوع متداول.\n٢٠- (تحفة النازلين بجوار رب العالمين) .\nذكره المؤلف في كتابه (مدارج السالكين) ٤، وذكره بهذا الاسم: صِدِّيق حسن٥.\nولعله من الكتب التي صنفها أثناء مجاورته بمكة؟\n_________\n(١/١١٩)، (٢/٦٢، ٨٩، ٢١١)\n٢ انظر: ذيل طبقات ابن رجب: (٢/٤٥٠)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٣ تحفة المودود: (ص٦) .\n٤ انظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٤١) .\n٥ التاج المكلل: (ص٤١٩) .","vol":"1","page":235},{"text":"٢١- (التعليق على الأحكام) .\nذكره ابن القَيِّم في (جلاء الأفهام) ١ بهذا الاسم، وهل هو تعليق على كتاب بعينه (كأحكام عبد الحق) التي ينقل ابن القَيِّم كثيرًا عنها، أم أنه غير مُقَيَّدٍ بكتاب؟ الله أعلم.\n٢٢- (تفسير الفاتحة) .\nذكره جماعة من مترجمي ابن القَيِّم٢ ﵀، قال الصفدي: \"مجلد كبير\" وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد أن الكتاب بهذا الاسم منتخب من (مدارج السالكين) ٣، ولكن ذِكْر الصَّفَدِي له ووصفه بأنه مجلد كبير، يشير إلى أنه ربما كان كتابًا مستقلًا، ولو كان هو نفسه فإنه يكون قد أُفْرِد أو انْتُخِبَ قديمًا.\n- (تفسير المعوذتين): انظر ما يأتي باسم: (الرسالة الشافية ...) .\n٢٣- (تفضيل مكة على المدينة) .\nذكره أكثر المترجمين لابن القَيِّم بهذا الاسم٤، قال ابن رجب: \"مجلد\".\nوتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن ابن القَيِّم - ﵀ - تناول\n_________\n(ص٧٧) .\n٢ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢)، وبغية الوعاة: (١/٦٣)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٤٣) .\n٤ انظر: ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣)، والشذرات: (٦/١٧٠) .","vol":"1","page":236},{"text":"الكلام على فضل مكة في (زاد المعاد) ١، فذكر وجوهًا كثيرة لتفضيلها على غيرها من الأماكن والبقاع.\n٢٤- (تهذيب مختصر سنن أبي داود) .\nوستأتي له دراسة مفصلة إن شاء الله٢.\n٢٥- (الجامع بين السنن والآثار) .\nذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (بدائع الفوائد) ٣، كما أرشد إلى ذلك الشيخ بكر أبو زيد٤. ولم يذكره أحدٌ من مترجميه، ولم أقف على شيء من أخباره.\nووصفه ابن القَيِّم - ﵀ - بأنه كتاب كبير، والظاهر أنه خاص بالأحكام الفقهية مع أدلتها من الأحاديث والآثار، يتضح ذلك من النص الوارد عنه؛ فإنه قال عند الكلام على المسح على الجبيرة: \"وقد ذكرت في الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار من قال بذلك من السلف، وذكرت الآثار عنهم بذلك\".\n٢٦- (جَلاءُ الأفهامِ في الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلى خَيْرِ الأَنَامِ) .\nكذا سماه ابن القَيِّم في المقدمة٥، وسماه مرة في (زاد المعاد) ٦:\n_________\n(١ / ٤٦ - ٥٤) .\n٢ انظر ص: (٢٩٠ - ٢٩٩) .\n(٤/٦٨) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٤٥) .\n٥ جلاء الأفهام: (ص٣) .\n(١/٨٧) .","vol":"1","page":237},{"text":"(جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام...) . وسماه فيه أيضًا: (كتاب الصلاة والسلام عليه) ١ ﷺ.\nووقع عند الصَّفَدِي: (حلي الأفهام...) ٢. ولعله تصحيف.\nوهذا الكتاب من كتب ابن القَيِّم النفيسة في بابها، وقد أثنى عليه في خطبته فقال: \"وهو كتاب فردٌ في معناه، لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده، وغَزَارَتِهَا\"٣.\nوقد أثنى عليه الحافظ السخاوي ﵀، فإنه قد عدَّ خمسة كتب مصنفة في الباب، خامسها: (جلاء الأفهام)، ثم قال: \"وأما الخامس فهو جليل في معناه... وبالجملة: فأحسنها وأكثرها فوائد خامسها\"٤.\nولعل مما زاد في قيمة الكتاب: اهتمام المؤلف فيه بالناحية الحديثية، ونقد المرويات، وبيان الصحيح من الضعيف.\n٢٧- (جوابات عابدي الصُّلْبَان، وأن ما هم عليه دين الشيطان) .\nذكره جماعة من مترجميه٥، ولم أقف على شيء من أخباره، ولعله المشهور بـ (هداية الحيارى)، أو له به تعلق؛ فإن موضوعهما واحد كما يظهر من التسمية، وإن زاد في (هداية الحيارى) ذكر اليهود.\nولعل ما يؤكد هذه العلاقة بينهما: أن أحدًا من مترجميه لم يذكر\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٩٣) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص٣) .\n٤ القول البديع: (ص٢٥٨ - ٢٥٩) .\n٥ انظر: ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣)، وغيرهم.","vol":"1","page":238},{"text":"كتاب (هداية الحيارى) وذكروا الآخر كما مرَّ، فلينظر في ذلك؟!\n٢٨- (الجواب الكافي لمن سأل عن ثمرة الدعاء إذا كان ما قدر واقع) .\nذكره الشوكاني١.\n٢٩- (الجواب عن علل أحاديث الفطر بالحجامة) .\nذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (تهذيب السنن) ٢، فقال: \"وقد ذكرت عللها، والأجوبة عنها في مصنف مفرد\".\n- (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي): انظر ما يأتي باسم: (الداء والدواء) .\n٣٠- (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) .\nهكذا سماه مؤلفه في مقدمته٣، وسماه مرة: (صفة الجنة) ٤، وذكره مرة بالاسمين معًا، فقال: (... صفة الجنة حادي الأرواح) ٥.\nوتسميته بـ (صفة الجنة) تسمية له بموضوعه، وأشار إلى الاسمين ابن رجب - ﵀ - فقال: (حادي الأرواح إلى...وهو كتاب: صفة الجنة) ٦.\n_________\n١ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n(٣/٢٤٨) .\n٣ حادي الأرواح: (ص٣٠) .\n٤ الصواعق المرسلة: (٤/١٣٣٢) .\n٥ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (١٤٨) .\n٦ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":239},{"text":"وهو كتاب نافع ممتع في بابه، \"إذا نظر فيه الناظر زاده إيمانًا، وجلَّى عليه الجنة حتى كأنه يشاهدها عيانًا، فهو مثير ساكن العزمات إلى روضات الجنات، وباعث الهمم العَلِيَّاتِ إلى العيشِ في تلك الغرفات\"١.\n- (حرمة السماع): انظر ما يأتي باسم: (كشف الغطاء...) .\n٣١- (الحامل: هل تحيض أم لا؟) .\nذكره ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٢، فقال: \"وقد أفردت لمسألة الحامل: هل تحيض أم لا؟ مصنفًا مفردًا\".\n٣٢- (حكم إغمام هلال رمضان) .\nذكره من مترجميه: ابن رجب٣، وعنه: الداودي٤، وابن العماد٥.\nومن الجدير بالتنبيه هنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد بسط الكلام على هذه المسألة في (زاد المعاد) ٦.\n٣٣- (حكم تارك الصلاة) .\nذكره بهذا الاسم: ابن رجب وقال: \"مجلد\"٧.\n_________\n١ كذا وصفه مؤلفه ﵀، انظره: (ص٢٩ - ٣٠) .\n(٣/١٠٩) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٤ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٥ الشذرات: (٦/١٧٠) .\n(٢/٣٩ - ٤٩) .\n٧ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":240},{"text":"وقد طُبع الكتاب عدة مرات، ولعل من آخر طبعاته: تلك التي حققها تيسير زعيتر، ونشرت سنة ١٤٠٥هـ، باسم: (الصلاة وحكم تاركها) .\nولم يشر المؤلف إلى اسم الكتاب في مقدمته، فهو عبارة عن جواب لعشرة أسئلة تتعلق بالصلاة.\n٣٤- (حكم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العَطِيَّة) .\nذكر في (تهذيب السنن) ١ أنه أفرد في هذه المسألة مُصَنَّفًا.\n٣٥- (الداء والدواء) .\nذكره بهذا الاسم جماعة من مترجميه٢. قال ابن رجب: \"مجلد\".\nولم ينص ابن القَيِّم على اسمه في المقدمة، كما هي العادة في الكتب التي تكون جوابًا لسؤال أو أسئلة، وقد اشتهر بهذه التسمية التي ربما أُخِذت من موضوع الكتاب؛ فقد سُئِل عن رجل أصيب بداء، ولم يستطع دفعه بكل طريق؟ فأخذ - ﵀ - في الكلام على: أن لكل داء دواء، وأن ذلك يعم أدواء البدن، والروح، والقلب.\nوللكتاب اسم آخر وهو: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وقد نُشرت بعض طبعات الكتاب بهذا الاسم، ووقفتُ على طبعة للكتاب، بتحقيق الأستاذ/ يوسف بديوي سنة ١٤١٠هـ أثبت\n_________\n(٥/١٩٣) وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٥١) .\n٢ انظر: ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣)، والبدر الطالع: (٢/١٤٤) .","vol":"1","page":241},{"text":"على غلاف الكتاب الاسمين معًا، مع إشارته إلى أن العنوان الذي وجده على غلاف المخطوطة هو: (الداء والدواء) ١.\nثم طُبع الكتاب مؤخرًا في عام ١٤١٧هـ بتحقيق الأخ الفاضل/ علي بن حسن بن عبد الحميد، واختار له اسم: (الداء والدواء) مشيرًا إلى أن الاسمين واردان، وأنهما اسمان لكتاب واحد، إلا أن الذي اختاره هو الأظهر٢. فإذا تقرر ذلك، فإن مَنْ عدَّ هذا الكتاب باسميه كتابين، فقد وَهِمَ في ذلك.\nوالكتاب من أحسن ما كُتب في بيان كثير من أمراض القلوب، وطرق علاجها.\n٣٦- (رسالة إلى بعض إخوانه) .\nوهو كتاب أرسله ابن القَيِّم - ﵀ - إلى بعض إخوانه، قال في أوله: \"الله المسؤول المرجو الإجابة: أن يحسن إلى الأخ في الدنيا والآخرة ...\".\nوفي هذه الرسالة توجيهات نافعة، ونصائح غالية تنفع المسلم في دينه ودنياه وآخرته.\nوقد طُبعت هذه الرسالة باسم: (الطريق إلى الهداية)، ثم طُبعت باسم (رسالة إلى كل مسلم) بتعليق الدكتور/ أسامة عبد العظيم\n_________\n١ الدار والدواء: (ص١٣) حاشية ١.\n٢ مقدمة الطبعة المشار إليها: (ص٢ - ٣) .","vol":"1","page":242},{"text":"سنة١٤٠٤هـ واعتمد فيها على نسخة خَطِّيَّة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم (١٣مجاميع) ١.\n- (رسالة في الأحاديث الموضوعة) . انظر ما يأتي باسم: (فوائد في الكلام على حديث الغمامة ...) .\n٣٧- (الرِّسَالة التَّبُوكِيَّة) .\nوهي بعضُ كِتَابٍ سَيَّرَه من تبوك سنة ٧٣٣هـ، وتضمن الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ الآية [المائدة: ٣] .\nوقد طُبعت الرسالة عدة طبعات باسم (الرسالة التبوكية)، وسميت في إحدى طبعاتها: (تحفة الأحباب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . وطبعت باسم: (زاد المهاجر إلى ربه) .\nولعلها قد أُفردت من الكتاب المذكور، فإنه قد جاء في أولها: \"قال الشيخ ... ابن قَيِّم الجوزية ... في كتابه الذي سيَّره من تبوك ... بعد كلام له سبق: أحمد الله بمحامده ... \"٢.\n٣٨- (الرسالة الْحَلَبِيَّة في الطريقة الْمُحَمَّدِيَّة) .\n_________\n١ رسالة إلى كل مسلم: (ص٤) .\n٢ الرسالة التبوكية: (ص١٠) .","vol":"1","page":243},{"text":"ذكرها بهذا الاسم جماعة من مترجميه١، وسماها السيوطي٢: (نظم الرسالة الحلبية ...) . وأشار الشيخ بكر أبو زيد إلى أنها نَظْمٌ٣.\n٣٩- (الرسالة الشافية في أسرار المعوذتين) .\nذكرها بهذا الاسم الصَّفَدِي٤، ولعلها المطبوعة باسم (تفسير المعوذتين) .\nوهذه الأخيرة هي جزء من كتاب (بدائع الفوائد) ٥ وقد جاء في إحدى طبعات الرسالة٦: أنها قوبلت على نسختين خطيتين، مما يؤكد أنها رسالة مستقلة من قديم كما ذكر الصَّفَدِي.\n٤٠- (رفع اليدين في الصلاة) .\nذكره أكثر المترجمين لابن القَيِّم٧، قال الصَّفَدِي: \"سِفْرٌ متوسطٌ\".\nوذكر الشيخ بكر أبو زيد: أن نسخة خطية منه توجد في المكتبة السعودية بالرياض، مخرومة الأول، برقم (٨٢-٦٠٩) ٨.\n_________\n١ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢)، وطبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٢ بغية الوعاة: (١/٦٣) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٥٥) .\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n(٢/١٩٨ - ٢٧٦) .\n٦ تفسير المعوذتين، الطبعة المنيرية بالقاهرة.\n٧ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠)، والدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٨ ابن قَيِّم الجوزية- حياته وآثاره: (ص١٥٧) .","vol":"1","page":244},{"text":"٤١- (روضة الْمُحِبِّين وَنزهةُ الْمُشْتَاقِين) .\nوهو من كتب ابن القَيِّم المشهورة السائرة، وقد سماه بهذا في مقدمة الكتاب١.\nوهو يشتمل على \"ذكر أقسام المحبة، وأحكامها، ومتعلقاتها، وصحيحها، وفاسدها، وآفاتها، وغوائلها، وأسبابها، وموانعها ... \"٢.\nوقد ذكره ضمن مؤلفاته أكثر المترجمين له وسماه ابن رجب: (نزهة المشتاقين وروضة المحبين) ٣، وقد طُبع عدة مرات.\n٤٢- (الرُّوح) .\nوهو من كتبه المشهورة، وقد ذكره عدد ممن ترجم لابن القَيِّم ضمن مؤلفاته٤، وذكره ابن حجر في (فتح الباري) ٥ ناقلًا عنه.\nوقد ثار كلام حول عدم صحة نسبة هذا الكتاب لابن القَيِّم، ولكن الواقع يؤكد صحة هذه النسبة، والأدلة متوافرة على إثبات ذلك، وقد أفاض الشيخ بكر أبو زيد في هذا البحث، وأثبت بأدلة عديدة صحة هذه النسبة، فأفاد وأجاد٦.\n_________\n١ روضة المحبين: (ص٢٨) .\n٢ روضة المحبين: (ص٢٨ - ٢٩) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٤ انظر: الدرر الكامنة: (٤/٢٢)، وبغية الوعاة: (١/٦٣)، والشذرات: (٦/١٧٠) .\n(٣/٢٣٩) .\n٦ انظر: ابن قَيِّم الجوزية- حياته وآثاره: (١٥٨ - ١٦١) .","vol":"1","page":245},{"text":"٤٣- (الروح والنفس) .\nوهو غير الكتاب الماضي ذكره؛ فإنه قد نصَّ عليه في كتابه (الروح)، فقال عند كلامه على أن الروح ذاتٌ قائمة بنفسها: \"وعلى هذا أكثر من مائة دليل، قد ذكرناها في كتابنا الكبير في (معرفة الروح والنفس) ... \"١. وهذا ظاهرٌ في أنه كتاب آخر أكبر من الماضي، وأنه أَلَّفَه قبل تأليف (الروح)، فربما كان أصلًا لكتاب (الروح) ومنه اختصره؟ والله أعلم.\nولم يذكر هذا الكتاب الكبير أحدٌ ممن ترجم له.\n٤٤- (زاد المسافرين إلى منازلِ السعداءِ في هَدي خاتم الأنبياء) .\nذكره من مترجميه: ابن رجب٢، وتبعه: الداودي٣، وابن العماد٤، وقال ابن رجب: \"مجلد\".\nولم أقف على شيء من أخباره، ولكن يبدو عنوانه مطابقًا لعنوان كتاب (زاد المعاد في هدي خير العباد) وذلك بالمقابلة بين شطري العنوان في كلا الكتابين، فهل يدل ذلك على وجود علاقة بين الكتابين؟ الله أعلم.\n٤٥- (زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ) .\nوهو ذاك الكتاب الجليل، الذي ذاع صيتُهُ، وطار ذكره في الآفاق،\n_________\n١ الروح: (ص٥١) .\n٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٣ طبقات المفسرين: (٢/٩٢) .\n٤ الشذرات: (٦/١٦٩) .","vol":"1","page":246},{"text":"وانتفع به القاصي والداني، مع الثناء عليه والاعتراف بجلالته من الموافق والمخالف على السواء.\nقال الحافظ ابن رجب: \"وهو كتاب عظيم جدًا\"١.\nويشير ابن القَيِّم نفسه إلى أهمية الكتاب فيقول في أوله: \"وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى هِمَّة إلى معرفة نَبِيِّه ﷺ، وسيرته وهَدْيِه\"٢.\nويعدُّ هذا الكتاب موسوعة شاملة لكثير من علوم الشريعة، وبخاصة: الفقه وأحكامه، والسيرة النبوية ووقائعها.\nوقد يسميه بعضهم: (الهدى) ٣ اختصارًا، وسماه الحافظ ابن حجر- وهو كثير النقل عنه في شرح البخاري-: (الهدي النبوي) ٤، وسماه بذلك السخاوي أيضًا٥.\nوقد طُبع الكتاب مرارًا، ولعل من أحسن طبعاته تلك التي طُبعت أخيرًا في خمس مجلدات، بتحقيق عبد القادر وشعيب الأرنؤوط.\n٤٦- (شرح أسماءِ الكتابِ العزيزِ) .\nكذا سماه ابن رجب، وقال: \"مجلد\"٦. وسماه غيره: (تفسير أسماء القرآن) ٧.\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٢ زاد المعاد: (١/٧٠) .\n٣ انظر: الدرر الكامنة: (٤/٢٢)، والبدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٤ فتح الباري: (١١/١٣٣) .\n٥ الإعلان بالتوبيخ: (ص٥٣٧) .\n٦ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٧ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢)، وبغية الوعاة: (١/٦٣) .","vol":"1","page":247},{"text":"٤٧- (شرح الأسماء الحسنى) .\nذكره ضمن مؤلفاته: ابن رجب١، وتبعه: الداودي٢، وابن العماد٣.\n٤٨- (شفاءُ العَلِيلِ في مسائلِ القضاء والقدر والحكمة والتعليل) .\nوقد سماه بذلك مؤلفه في مقدمة الكتاب٤، وقد تناول فيه: ما ورد في القضاء والقدر، والإيمان والرضى به، والرد على \"القَدَرِيَّةَ\" الذين يقولون: لا قدر والأمر أُنُفٌ، \"والْجَبْرِيَّة\" الذين ينفون فعل العبد وقدرته واختياره، كما تناول إثبات حكمة الله سبحانه فيما خَلَق وأمَرَ.\nوذكره ابن حجر٥، والشوكاني٦ باسم: (القضاء والقدر)، تسميةً له بموضوعه، والكتاب مطبوع متداول.\n٤٩- (الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم) .\nذكره ضمن مؤلفاته: ابن رجب٧، والداودي٨، وابن العماد٩. قال ابن رجب: \"مجلدان\".\n- (الصلاة): انظر ما تقدم باسم: (حكم تارك الصلاة) .\n_________\n١ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n٢ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٣ الشذرات: (٦/١٧٠) .\n٤ شفاء العليل: (ص٧) .\n٥ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٦ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٧ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٨ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٩ الشذرات: (٦/١٧٠) .","vol":"1","page":248},{"text":"٥٠- (الصَّواعق الْمُرْسلة على الْجَهْمِيَّةِ والْمُعَطِّلة) .\nكذا سماه ابن القَيِّم ﵀ في (مدارج السالكين) ١، وكذا سماه: ابن حجر٢، وابن العماد٣، والشوكاني٤. وقال ابن رجب٥، والداودي٦: (الصواعق المنزلة ...) . وورد بغير هذين الاسمين.\nوهذا الكتاب يُعَدُّ موسوعة جامعةً في تقرير عقيدة السلف في الأسماء والصفات، والرد على أهل التعطيل والتأويل، وتَظْهَرُ فيه براعة ابن القَيِّم، وسعة علمه، وقُوَّة حُجَّتِهِ، وطُول نَفَسِه، مع حسن الترتيب والتنظيم، وغزارة الفوائد.\nوقد كان هذا الكتاب إلى عهد قريب لا يُعرف إلا مختصره، لمحمد ابن نصر الموصلي، حتى منَّ الله - وله الحمد - بإخراج مجلد يمثل ثلث ما وُجد من أصله، وذلك بتحقيق فضيلة شيخنا الدكتور/ علي بن محمد ناصر فقيهي، والدكتور/ أحمد عطية الغامدي، عام ١٤٠٦هـ. وطبع ذلك بعنوان: (الصواعق المنزلة ...) . ثم طبع الموجود من الأصل كاملًا بتحقيق الدكتور/ على بن محمد الدخيل الله، سنة ١٤٠٨هـ في أربعة مجلدات، تمثل النصف الأول من الكتاب تقريبًا، إذ إن النصف الثاني من\n_________\n(٣/٣٦٩) .\n٢ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٣ الشذرات: (٦/١٦٩) .\n٤ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٥ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٦ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .","vol":"1","page":249},{"text":"الكتاب يعد في حكم المفقود١، وقد نال به المحقق درجة (الدكتوراه) من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالرياض، بالمملكة العربية السعودية، وقد اختار له عنوان: (الصواعق المرسلة ...) مرجحًا ذلك على غيره٢.\n٥١- (الطاعون) .\nذكره ابن رجب، وقال: \"مجلد لطيف\"٣.\nوقد عقد المؤلف - ﵀ - فصلًا في الكلام على الطاعون، وهدي النبي ﷺ في علاجه والاحتراز منه، وذلك في كتابه (زاد المعاد) ٤.\n٥٢- (طريقُ الْهِجْرَتَيْنِ وبَابُ السَّعَادَتين) .\nهكذا سماه ابن القَيِّم - ﵀ - في مقدمته٥، وأشار إليه في بعض مؤلفاته باسم: (سفر الهجرتين)، وسماه في بعضها: (سفر الهجرتين وطريق السعادتين) ٦. وبهذه الأسماء ذكره مترجموه.\nويُوَضِّحُ ابن القَيِّم في هذا الكتاب النافع: الطريق الذي ينبغي أن يسلكه العبد في كل وقت، والذي يكون له في هجرتان:\n_________\n١ انظر مقدمة المحقق للكتاب: (ص١٢٩) عند الكلام على وصف النسخ الخطية.\n٢ مقدمة الصواعق: (١/٧٧ - ٧٨) .\n٣ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n(٤/٣٧ - ٤٥) .\n٥ طريق الهجرتين: (ص٩) .\n٦ انظر: ابن قَيِّم الجوزية- حياته وآثاره: (ص ١٧٠ - ١٧١) .","vol":"1","page":250},{"text":"- هجرة إلى الله: بالطلب، والمحبة، والعبودية، والإنابة، والتوكل...\n- وهجرة إلى رسوله ﷺ: بموافقة شرعه في الحركات والسَّكَنَات.\nوأن سلوك هاتين الهجرتين سيأخذ بيد العبد إلى ولوج باب السعادتين: سعادة الدنيا باتِّبَاع هَدْي النبي ﷺ، وسعادة الآخرة بدخول جنات النعيم، ففي هاتين الهجرتين: سعادة الدارين.\nوالكتاب مطبوع متداول.\n٥٣- (الطُّرُقُ الْحُكْمِيَّة في السِّياسَة الشَّرعية) .\nذكره ابن رجب مختصرًا باسم: (الطرق الحكمية) ١. وقد جاء اسمه على غلاف إحدى مخطوطاته: (الفِرَاسَةُ الْمَرْضِيَّة في أحكامِ السِّيَاسَةِ الشرعية) ٢. وهذا العنوان متفق مع ما جاء في مطلع الكتاب من الكلام على الحكم بالفراسة والقرائن، وأحكام ذلك.\nوقد وضع الشيخ محمد حامد الفقي الاسمين كليهما على غلاف طبعته للكتاب، فاصلًا بينهما بـ (أو) .\n٥٤- (عِدَةُ الصَّابرين وذخيرةُ الشَّاكرين) .\nسماه المؤلف بذلك في مقدمته٣، وذكره ابن رجب٤،\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n٢ مقدمة الشيخ محمد الفقي للكتاب: (ص٩ - ١٠) .\n٣ عدة الصابرين: (ص٢٦) . طبعة الخشت.\n٤ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":251},{"text":"والداودي١، وابن العِمَاد٢ مختصرًا، فقالوا: (عدة الصابرين) .\nتنبيه: ذكر الشيخ بكر أبو زيد ضمن مؤلفات ابن القَيِّم كتابًا بعنوان: (الصبر والسكن)، وعزاه إلى (كشف الظنون)، ومحمد الفقي في مقدمة (إغاثة اللهفان)، وغيرهما٣.\nوأقول: يظهر لي أن في هذا الكلام خطأً من وجهين:\n- الأول: أن صوابه (الصبر والشكر) بالشين المعجمة، والراء المهملة، وليس: (السكن)، وقد وقع على الصواب في (كشف الظنون) ٤ الذي عزاه إليه الشيخ، أما عند الشيخ الفقي: فهو كما نقل الشيخ بكر: (الصبر والسكن) ٥.\n- الثاني: أن هذا الكتاب - والله أعلم - هو نفسه كتاب (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)، الذي يتناول موضوعي: الصبر والشكر، فيكون من سماه (الصبر والشكر) اختصر العنوان الكبير معبرًا عنه بموضوعه، كما وقع هذا لكثير من كتب ابن القَيِّم.\nولعل مما يؤكد ذلك: أنه لم يذكر أحدٌ ممن ترجم لابن القَيِّم كتابًا له بعنوان (الصبر والشكر)؟ فالله أعلم بحقيقة الحال.\n_________\n١ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٢ الشذرات: (٦/١٧٠) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٦٧) .\n(ص ١٤٣٢) .\n٥ مقدمة إغاثة اللهفان: (١/٢٤) .","vol":"1","page":252},{"text":"٥٥- (عَقدُ مُحْكَمِ الإخاءِ بين الكلمِ الطَّيِّبِ والعملِ الصالحِ المرفوع إلى رب السماء) .\nذكره ضمن كتبه: ابن رجب١، والداودي٢، وابن العماد٣.\nوقد سماه الشيخ بكر أبو زيد: (عقد محكم الأحباء ...) بالحاء المهملة، بعدها باء موحدة٤، ولعله تابع في ذلك ما وقع في (ذيل الطبقات) لابن رجب؛ فإنه جاء عنده هكذا، ووقع عند ابن العماد (عقد محكم الأحقاء ...) !\nوكلاهما - والله أعلم - تصحيفٌ، والصواب: (الإخاء) كما وقع عند الداودي، من: آخى بين الشيئين، إخاءً، ومؤاخاةً، ويكون المعنى: (عقد أوثق الإخاء ...)، والله أعلم.\nثم هل لهذا الكتاب صلة بالآتي باسم: (الكلم الطيب والعمل الصالح)؟ فإن هذا الكتاب قد عقد إخاءً محكمًا بين هذين، فالله أعلم.\n٥٦- (الفتحُ القُدْسِيُّ) .\nأشار إليه ابن القَيِّم في (بدائع الفوائد) ٥ بهذا الاسم، وذكره كذلك: ابن رجب٦ ضمن مؤلفاته.\n_________\n١ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩) .\n٢ طبقات المفسرين: (٢/٩٢) .\n٣ الشذرات: (٦/١٦٩) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٧٤) .\n(٢/٢١١) .\n٦ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":253},{"text":"٥٧- (الفرق بين الخلة والمحبة ومناظرة الخليل لقومه) .\nذكره ابن رجب، وقال: \"مجلد\"١.\nوله - ﵀ - كلام في معنى الخلَّة، والفرق بينها وبين المحبة في كتابه: (روضة المحبين) ٢.\n٥٨- (الفُروسِية الشَّرْعِيَّة) .\nأشار إليه ابن القَيِّم - ﵀ - في (إعلام الموقعين) ٣، ووصفه بأنه كبير، فقال عند كلامه على مسألة محلل السباق: \"وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في (الفروسية الشرعية)، وذكرنا فيه وفي (بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال) بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبَيَّنَّا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه...\".\nوذكره الصَّفَدِي باسم: (الفروسية المحمدية) ٤.\nوقد طُبع لابن القَيِّم كتاب باسم (الفروسية) من قديم في سنة ١٣٦٠هـ، ثم طبع أخيرًا طبعة أخرى في سنة ١٤١٠هـ بتحقيق محمد نظام الدين.\nوقد قال ابن القَيِّم في خطبة هذا المطبوع: \"... وهذا مختصر في الفروسية الشرعية النبوية\"٥.\n_________\n١ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n(ص ٦٣ - ٦٥) .\n(٤ / ٢٢) .\n٤ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n٥ الفروسية: (ص٢) .","vol":"1","page":254},{"text":"وقد ذهب الشيخ بكر أبو زيد إلى القول بأن هذا المطبوع هو مختصر من المسمى (بالفروسية الشرعية)، وعَدَّهُمَا كتابين١. وربما استند في ذلك إلى قول ابن القَيِّم في خطبة المطبوع: \"هذا مختصر ...\" وقوله في النص السابق: \" ... كتابنا الكبير في الفروسية الشرعية\".\nوالذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا المطبوع هو الكتاب الكبير لابن القَيِّم في الفروسية، وليس مختصرًا من غيره، وربما يُسْتَأنس في ذلك ببعض الأدلة، منها:\n- أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا ليس على طريقة المختصرات والتهذيبات، بل إنه - ﵀ - تناول فيه أكثر المسائل بنوع بسطٍ واستقصاء، عارضًا أقوال الأئمة في كل مسألة، مع بيان الراجح بالدليل، بل إنه أودعه فوائد شتى في علوم الحديث، والجرح والتعديل، وشروط الأئمة في كتبهم وغير ذلك، ولذلك فقد وقع في طبعته الأخيرة في سبع وعشرين وثلاثمائة صحيفة.\n- أنه لم يُشِر في هذا المطبوع - ولو مرة واحدة- إلى هذا الأصل الذي اختصر منه هذا الكتاب، وعادة ابن القَيِّم - كما مرَّ - الإحالة على الكتب المؤلفة في الموضوع نفسه، وبخاصة في القضايا التي فيها بسط أكثر.\nوإنني الآن أتساءل: إذا كان بحث المحلل لم يوفه ابن القَيِّم نصيبه من البحث في هذا المطبوع، فلماذا لم يُحِلْ فيه على (الفروسية الكبير) كما أحال في (إعلام الموقعين) ومر نقله قبل قليل؟\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٧٦) .","vol":"1","page":255},{"text":"- لم يُشِر أحدٌ من محققي الطبعتين إلى أن هذا مختصر، وأن له أصلًا كبيرًا، ومثل هذا لا يفوتهما في الغالب، مع عنايتهما بالكتاب.\n- أن التسمية التي نص عليها المؤلف في (إعلام الموقعين) - والتي حملها الشيخ بكر أبو زيد على الكبير - هي بعينها التسمية الواردة في هذا المطبوع، حيث قال في تسميته: (الفروسية الشرعية النبوية) .\n- أن قوله فيه: \"هذا مختصر ... \" لا يلزم منه أنه اختصره من غيره، بل يمكن حَمْلُه على أنه صَنَّفَهُ على هذه الصفة المختصرة ابتداءً، فكأنه يقول: هذا كتاب مختصر جمعته في الفروسية، بل لو كان مختصرًا من غيره للزمه التنبيه في هذا المقام على أنه اختصره من كذا.\n- ويظهر: أن قوله \"... ذَكَرْنَاهَا في كتابنا الكبير\" ليس في مقابلة كتاب صغير في الفروسية، بل لعله قصد - والله أعلم - المقابلة بين (الفروسية)، وبين كتابه (بيان الاستدلال)؛ بدليل ذكره معه في السياق نفسه كما مضى؛ فإن (بيان الاستدلال) يُمَثِّل فصلًا من فصول كتاب (الفروسية) وهو الفصل الخاص بالكلام على إبطال أدلة المشترطين للتحليل، فصار (الفروسية) بهذا الاعتبار كبيرًا بالنسبة لـ (بيان الاستدلال) . وهذا كقوله - ﵀ - في (إغاثة اللهفان) ١ في الرد على أصحاب النجوم: \"وقد أَشْبَعْنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى: بالمفتاح\". فهل يقول قائل: إنه صَنَّفَ كتابين باسم (مفتاح دار السعادة) أحدهما كبير والآخر صغير؟\n_________\n(٢/١٢٥) .","vol":"1","page":256},{"text":"- أن ما أشار إليه في النص السالف: من بيان فساد اشترط المحلل من خمسين وجهًا، موجود في المطبوع الذي بين أيدينا؛ فإنه قد ذكر فيه ما يقرب من أربعين وجهًا في ذلك١، وكذلك بَيَّنَ ضَعْفَ الحديثِ الْمُشَارِ إليه بِتَوَسُّعٍ٢.\nفهذا ما بدا لي في هذا الموضوع، والأمر - مع ذلك - محل نظر وبحث، فإن وُجد دليل صريح على وجود أصل ومختصر لابن القَيِّم في هذا الموضوع، فإننا لا نملك إلا التسليم والإذعان.\n٥- (فَضلُ العِلْمِ وأَهْلِهِ)\nأشار إليه المؤلف في (طريق الهجرتين) ٣ بهذا الاسم، كما أرشد إلى ذلك الشيخ بكر أبو زيد٤، ولعله هو نفسه المذكور عند ابن رجب باسم: (فضل العلماء) ٥، وقال الداودي (فضل العلم) ٦.\n٦٠- (فوائدُ في الكلامِ على حديثِ الغَمَامةِ، وحديث الغَزَالةِ، والضَّبِّ، وغيره) .\nستأتي له دراسة مستقلة مع ذكر الأدلة على صحة نسبته لابن القَيِّم إن شاء الله٧.\n_________\n١ الفروسية: (ص٢١ - ٣٧) .\n٢ الفروسية: (ص٣٧ - ٥٣) .\n(ص ٦١٩) .\n٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٧٨) .\n٥ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n٦ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٧ انظر: (ص ٣١٠ - ٣١٩) .","vol":"1","page":257},{"text":"٦١- (الفوائد) .\nلم يذكره أحد من مترجمي ابن القَيِّم، والظاهر أنه مجموع على طريقة الأمالي، فلم تُذْكَرْ له مقدمة ولا خطبة.\nوهو من كتبه النافعة جدًا، حيث اشتمل على جملة من الفوائد المتنوعة: في التوحيد، والتفسير، والزهد والرقاق -وهذا هو الغالب عليه- والمواعظ والحِكَمِ وغير ذلك.\nتنبيه: ذكر الدكتور/ عبد الله جار النبي١ - عند ذكره كتاب الفوائد-: أن ابن القَيِّم نصَّ عليه في كتابه: (اجتماع الجيوش الإسلامية) . وهذا وهم، والصوابُ: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد نصَّ على كتابه (اجتماع الجيوش) في كتابه (الفوائد) ٢ فانعكست القضية عند الأخ.\n٦٢- (قُرَّةُ عيونِ الْمُحِبِّين، وروضةُ قلوبِ العارفين) .\nذكره الشيخ بكر أبو زيد٣، وأفاد أن ابن القَيِّم ذكره في (مدارج السالكين) .\n٦٣- (الكافية الشافية في النحو) .\nذكره صاحب (كشف الظنون) ٤، وأكد الشيخ بكر أبو زيد نِسْبَتَهَا لابن القَيِّم، ورَدَّ على من خَطَّأَ حاجي خليفة في ذلك٥.\n_________\n١ ابن القَيِّم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف: (ص١١١) .\n٢ انظره: (ص٦) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٧٩) .\n(ص١٣٦٩) .\n٥ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٨٠) .","vol":"1","page":258},{"text":"٦٤- (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) . نظم.\nوبهذا الاسم ذكرها المؤلف في مقدمتها، وكذا سماها الصَّفَدِي١. واكتفى السيوطي بقوله: (الكافية الشافية) ٢.\nأما ابن رجب٣، والداودي٤: فَسَمَّيَاهَا: (الشافية الكافية في الانتصار ...) قال ابن رجب: \"وهي القصيدة النونية في السنة، مجلد\". وقد اشتهرت بين أهل العلم وطلابه: (بالقصيدة النونية) .\nووقع عند ابن حجر: (الكافية في الانتصار ...) ٥. قال: \"تبلغ ستة آلاف بيت\". قال الشيخ بكر أبو زيد: \"وقد قمت بعدِّ أبياتها فتحرر لي: أن عدد أبياتها هي (٥٩٤٩)، أي: ستة آلاف إلا واحدًا وخمسين بيتًا\"٦.\nوقد نَظَمَ ابن القَيِّم هذه القصيدة في الدفاع عن عقيدة السلف، والرد على أهل الزيغ والانحراف: من الْمُعَطِّلَة، والْجَهْمِيَّةِ، والرافضة، وغيرهم، ببراهين قويَّة وأدلة ساطعة، وهي مطبوعة منتشرة.\n٦٥- (الكبائر) .\nذكره ابن رجب، وقال: \"مجلد\"٧.\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n٢ بغية الوعاة: (١/٦٣) .\n٣ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n٤ طبقات المفسرين: (٢/٩٣) .\n٥ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٦ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٨٢) .\n٧ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":259},{"text":"٦٦- (كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء) .\nذكره الصَّفَدِي بهذا الاسم١، وذكر له حاجي خليفة كتابًا باسم: (حرمة السماع) ٢.\nوقد طُبع أخيرًا كتاب لابن القَيِّم باسم: (الكلام على مسألة السماع) في مجلد كبير، بتحقيق/راشد بن عبد العزيز الحمد سنة ١٤٠٩هـ، وهو عبارة عن سؤال حول السماع، أجاب عنه ابن القَيِّم ﵀.\nوالذي يظهر أن هذا هو كتاب ابن القَيِّم في السماع، الذي أشار إليه مرة في (إغاثة اللهفان) ٣ بقوله: \"وقد ذكرنا شُبَهَ الْمُغَنِّين والْمَفْتُونِين بالسماع الشيطاني، ونَقَضْنَاها... في كتابنا الكبير في السماع\". ويكون هو نفسه المسمى بـ (كشف الغطاء...) .\nأما تسميته بـ (الكلام على مسألة السماع)، فلعلها من وضع المحقق، وذلك بالنظر إلى ما جاء في أول جوابه من قوله: \"الحمد لله، الكلام في هذه المسألة ...\".\n٦٧- (الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالِحُ) .\nذكره ابن القَيِّم بهذا الاسم في (طريق الهجرتين) ٤، فقال: \"وقد\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n٢ كشف الظنون: (ص٦٥٠) . وتوجد منه نسخة بقسم المخطوطات، بالجامعة الإسلامية برقم (١٢٦٣)، مصورة عن الأسكوريال بأسبانيا، تقع في (٧٨) ورقة.\n(١/٢٦٧) .\n(ص ٧٣) .","vol":"1","page":260},{"text":"ذكرنا في كتاب (الكلم الطيب والعمل الصالح) من فوائد الذكر: استجلاب ذكر الله سبحانه لعبده، وذكرنا قريبًا من مائة فائدة تتعلق بالذكر...\".\nوسماه بذلك ابن رجب، وقال: \"مجلد لطيف\"١.\nوهذا الكتاب هو نفسه المطبوع المشهور باسم: (الوَابِلُ الصَّيِّبُ من الكَلِمِ الطَّيِّبِ) . وقد نصَّ المؤلف على هذه التسمية أيضًا، فقال في (مدارج السالكين) ٢ - عند كلامه على فوائد الذكر-: \"وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا (الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب) وذكرنا هناك أسرار الذكر...\". وهي عَيْنُهُا عبارته الماضية قبل قليل عن (الكلم الطيب ...) .\n٦٨- (اللَّمْحَة في الرَّدِّ على ابن طلحة) .\nذكره الشيخ بكر أبو زيد٣ تبعًا للمناوي في (فيض القدير) ٤.\nولم أرَ من ذكره ممن ترجم لابن القَيِّم ﵀.\n٦٩- (مَدَارِجُ السَّالِكِين بين مَنَازِلِ إيَّاك نَعْبدُ وإياك نَسْتَعِين) .\nوقد طُبع هذا الكتاب مرارًا واشتهر بهذا الاسم، ولم يُشِر ابن القَيِّم إلى تسميته في المقدمة.\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .\n(٢/٤٤٨) .\n٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١٨٧) .\n(١/١١٦) .","vol":"1","page":261},{"text":"وذكره ابن رجب باسم: (مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) ١. ثم قال: \"وهو شرح (منازل السائرين) لشيخ الإسلام الأنصاري٢، كتاب جليل القدر\".\nوسماه ابن حجر٣، والشوكاني٤ بموضوعه، فقالا: (شرح منازل السائرين) فكلها أسماء لكتاب واحد.\nوهو - ﵀ - في هذا الكتاب يرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، وذلك من خلال الكلام على (فاتحة الكتاب)، ومَاتَضَمَّنَتْهُ من منازل السائرين، ومقامات العارفين٥. وهو مع ذلك كثيرًا ما يَتَعَقَّبُ الهروي أثناء شرحه، حيث كان يرى أن الهروي له طريقة في السلوك مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة؛ إذ إنه \"لا يُقَدِّمُ على الفَنَاء شيئًا، ويراه الغاية التي يشعر بها السالكون\"٦.\n٧٠- (المسائل الطرابلسية) .\nذكرها ابن رجب، وقال: \"ثلاث مجلدات\"٧.\n_________\n١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٢ هو: أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد الأنصاري الهروي، من ذرية أبي أيوب الأنصاري، صاحب (ذم الكلام) وغيره، توفي سنة ٤٨١هـ.\nله ترجمة في: سير أعلام النبلاء: (١٨/٥٠٣)، والتذكرة: (٣/١١٨٣) .\n٣ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٤ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٥ انظر: مدارج السالكين: (١/١٢) .\n٦ انظر: ابن القَيِّم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف: (ص١١٧ - ١١٨) .\n٧ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":262},{"text":"٧١- (معاني الأدوات والحروف) .\nذكره الصَّفَدِي١، والسيوطي٢ وغيرهما.\n٧٢- (مفتاحُ دارِ السَّعادة، ومنشورُ ولاية أهل العِلْمِ والإرادة) .\nكذا سماه مؤلفه في مقدمته٣، وسماه مرة: (المفتاح) ٤.\nوذكر جماعة من المترجمين لابن القَيِّم الشطر الأول من اسمه، وهو (مفتاح دار السعادة) ٥.\nوقد خَتَمَهُ المؤلف - ﵀ - بذكر ما احتواه واشتمل عليه من فوائد وموضوعات٦. والكتاب مطبوع عدة طبعات٧.\n٧٣- (الْمَنَارُ الْمُنِيفُ في الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ) .\nستأتي له دراسة مستقلة إن شاء الله٨.\n٧٤- (الْمَوْرِدُ الصَّافِي والظِّلُّ الضَّافِي) .\nأشار إليه ابن القَيِّم بهذا الاسم في (طريق الهجرتين) ٩، وذكر أنه\n_________\n١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .\n٢ بغية الوعاة: (١/٦٣) .\n٣ مفتاح دار السعادة: (١/٤٧) .\n٤ الصواعق المرسلة: (٤/١٤٥٠) .\n٥ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل الطبقات: (٢/٤٥٠)، والدرر الكامنة: (٤/٢٢) .\n٦ مفتاح دار السعادة: (٢/٢٧٣) .\n٧ أحسنها طبعة بتحقيق الأخ الفاضل/ علي بن حسن بن علي، في ثلاثة مجلدات سنة ١٤١٦هـ.\n٨ انظر ص: (٣٠٠) .\n(ص ١٠٣) .","vol":"1","page":263},{"text":"كتاب كبير في المحبة. وهذا الكتاب الكبير في المحبة: أشار إليه مرة في (مدارج السالكين) ١ دون أن يُسَمِّيه.\nوسماه الشيخ بكر أبو زيد: (المورد الصافي والظل الوافي) ٢ تبعًا لصاحب (هدية العارفين)، فلعله تصحيف، والله أعلم.\n٧٥- (مولد النبي ﷺ) .\nذكره الشوكاني٣، وصِدِّيق حسن٤.\n٧٦- (نَقْدُ الْمُنْقُول، والمحكُّ الْمُمَيِّزُ بين المقبول والمردود) .\nذكره ابن رجب بهذا الاسم، وقال: \"مجلد\"٥.\nولعل لهذا الكتاب علاقة بـ (المنار المنيف) والله أعلم.\n٧٧- (نِكَاحُ الْمُحْرِم) .\nذكره ابن رجب، وقال: \"مجلد\"٦.\n٧٨- (نورُ الْمُؤْمِنِ وَحَيَاتُهُ) .\nذكره ابن رجب، وقال: \"مجلد\"٧.\n_________\n(٣/٢٠) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٩٤) .\n٣ البدر الطالع: (٢/١٤٤) .\n٤ التاج المكلل: (ص٤١٩) .\n٥ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩) .\n٦ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .\n٧ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) .","vol":"1","page":264},{"text":"- (الوابل الصيب من الكلم الطيب): انظر ما تقدم باسم: (الكلم الطيب والعمل الصالح) .\n٧٩- (هِدَايَة الْحَيَارَى فِي أجْوِبَة اليهودِ والنَّصارى) .\nكذا سماه المؤلف في مقدمته١، وانظر ما تقدم باسم: (جوابات عابدي الصُّلْبان) .\nوبعد، فهذا ما وقفت عليه من مؤلفات لابن القَيِّم ﵀، ويحسنُ التنبيه على أمر مهم، يلحظه الناظر الْمُدَقِّقُ في هذه القائمة، وهو: وقوع شيء من التكرار في بعض مؤلفات ابن القَيِّم، وذلك نتيجة لعدِّ الكتاب الواحد كتابين كما مرت أمثلة لذلك، ولعل ذلك يرجع لأمور أهمها:\n- تسمية ابن القَيِّم الكتاب الواحد باسمين، أو يذكره مرة باسمه ومرة بموضوعه، ووقع ذلك من بعض المترجمين له أيضًا.\n- إفراد بعض البحوث من مؤلفات ابن القَيِّم - إما قديمًا أو حديثًا - ثم تطبع هذه المفردات مستقلة بأسماء خاصة بها، فيأتي بعض الناس فيعدُّ هذا المفرد كتابًا آخر.\nوقد نَبَّه الشيخ بكر أبو زيد إلى أسباب أخرى وراء ذلك، فلتراجع٢.\n_________\n(ص ١١) .\n٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ١١١ - ١١٢) .","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثالث: مَصَادِرُ ابن القَيِّم في مؤلفاته</span>\nمن المهم - عند تناول مؤلفات ابن القَيِّم - أن نتعرف على المصادر التي اعتمدها في كتبه، ونقل عنها في بحوثه؛ فإن نظرةً فاحصةً في قائمة مصادره تبرز لنا أهم الخصائص التي تميز حياة ابن القَيِّم العلمية وكتاباته.\nويمكننا أن نتناول في هذا المبحث المتعلق بالمصادر المسائل الآتية:\nالمسألة الأولى: منهجه في النقل عن المصادر، وأهم الخصائص المميزة لمصادره.\nيمكن تحديد المعالم الأساسية لمنهج ابن القَيِّم في تعامله مع المصادر، وأهم السمات التي تميزت بها مصادره فيما يلي:\nأولًا: وفرة مصادره وكثرتها، إذ بلغت مصادره في كتاب واحد- وهو (زاد المعاد) -: ثمانين ومائة مصدر تقريبًا١، أما عدد المصادر التي وردت في مجلد واحد من (الصواعق المرسلة) فقد بلغت حوالي مائة كتاب٢.\nثانيًا: تنوع مصادره ﵀، وشمولها فنون عديدة، وما ذلك إلا لتنوع معارفه، وتصنيفه في أكثر من فنٍّ كما مضى.\n_________\n١ استفدت ذلك من خلال حصر الكتب الواردة في فهرس المصادر الذي صنعه الأستاذ/ محمد أديب الجادر لزاد المعاد. (انظر ص ٤٥٥ - ٤٧١) .\n٢ انظر مقدمة محقق (الصواعق المرسلة): (١/٨٤) .","vol":"1","page":267},{"text":"ثالثًا: اعتماده في كل فن على أشهر وأهم وأجود ما كُتِبَ وصُنِّفَ فيه، يلحظ ذلك كل من تعامل مع كتبه، أو طالع قائمة مصادره.\nرابعًا: لم يكتف ابن القَيِّم - ﵀ - في نقل مادته العلمية بالمصادر المكتوبة فقط، بل رُبَّمَا دَوَّنَ بعض المعلومات بطريق المشافهة والسماع.\nفيقول مرة: \"سألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله عن أبي هريرة؟ \"١. ويقول مرة أخرى: \"قُرئَ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في (التهذيب) وأنا أسمع\"٢.\nخامسًا: من المصادر التي اعتمد عليها ابن القَيِّم في تسجيل معلوماته أيضًا: المشاهدة والملاحظة والتجارب الشخصية، كما مضت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الكلام على منهجِهِ في التأليف٣.\nسادسًا: حِرْصُهُ - ﵀ - على توثيق ما يَنْقُلُه من معلومات من هذه المصادر، حتى إنه ليراجع للكتاب الواحد عدة نسخ عندما يقتضي الأمر ذلك.\nقال مرة في حديث: \"وهذا في جميع نسخ كتاب النسائي هكذا\"٤. ويقول في حديث آخر: \"هذا الذي في رواية اللؤلؤي عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة عنه ... \"٥.\n_________\n١ جلاء الأفهام: (ص ١٨) .\n٢ زاد المعاد: (٥/٧٠٩) .\n٣ انظر ص: (٢١٨) .\n٤ زاد المعاد: (٥/٥١١) .\n٥ الصلاة: (ص١٦١) .","vol":"1","page":268},{"text":"سابعًا: قد يُسَمِّى بعض المصادر بغير ما اشتهرت وعُرِفَت به، فيقول في (سنن أبي داود): \"وقال أبو داود في مسنده\"١. ومرة يقول: \"رواه أبو داود في صحيحه\"٢. وكذا قال للدارمي مرة: \"قال الدارمي في صحيحه\"٣. وقال مرة: \"رواه ابن الجارود في مسنده\"٤. وقال عن كتاب (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة: \"اختلاف الحديث\"٥.\nوهذا وإن كان قليلًا في كلام ابن القَيِّم ﵀، إلا أن فيه نظرًا؛ وذلك من الناحية الفَنِّيَّة الصناعية، وكذا من ناحية احتمال وقوع بعض اللبس للناظر في ذلك، وإن كان قد دَرَجَ عليه كثير من أهل العلم في مؤلفاتهم.\nثامنًا: يختصر ابن القَيِّم - ﵀ - في كثير من الأحيان اسم المصدر، أو يشير إليه بموضوعه، الأمر الذي يحتاج من الناظر في كتبه إلى دراية بالكتب ومؤلفيها وموضوعاتها؛ وذلك ليمكنه معرفة الكتاب المقصود.\nومن الأمثلة لما جاء عنه في ذلك: قوله: \"روى الدارمي في النقض\"٦ ويقصد به كتاب (النقض على بشر المريسي) . وقال مرة:\n_________\n١ حادي الأرواح: (ص ١٢٥) .\n٢ حادي الأرواح: (ص٣٦١) .\n٣ إعلام الموقعين: (١/٣٧٩) .\n٤ تهذيب السنن: (٤/٣٧٤) .\n٥ زاد المعاد: (٤/١٥٠) .\n٦ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص١٣٣) .","vol":"1","page":269},{"text":"\"قول الإمام أبي القاسم الطبري اللالكائي... في كتابه في السنة\"١. واسم كتابه كاملًا: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) . وقال مرة: \"وقال أبو حاتم البُسْتِي في كتاب الضعفاء\"٢ واسم الكتاب كاملًا: (المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين)، وهذا الصنيع اشتهر - أيضًا - عند كثير من الأئمة، يفعلونه اختصارًا.\nتاسعًا: لم يلتزم ابن القَيِّم بذكر اسم المصدر الذي ينقل عنه دائمًا، بل إنه كثيرًا ما يُسَمِّي الشخص الذي ينقل عنه دون تعيين اسم كتابه، وسيأتي ذكر طرف من ذلك عند الكلام على منهجه في التخريج.\nومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله: \"قال محمد بن عثمان الحافظ\"٣. وقوله مرة: \"قال الحازمي\"٤. وقوله: \"قال الرازي\"٥. وهذا كثير منه، ومعلوم أن هذا قد يؤدي إلى صعوبة الوصول إلى المصدر المقصود، وبخاصة إذا كان الْمُؤَلِّفُ المشار إليه له أكثر من كتاب في الفن، كالذهبي مثلًا؛ فإن له عدة كتب في الرجال.\nكما أنه - ﵀ - رُبَّمَا نقل بعض الفوائد دون تعيين اسم المصدر أو المؤلف.\nعلى أن ابن القَيِّم قد يكون معذورًا في ذلك؛ إذا قد عُرِفَ بالدقة\n_________\n١ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص ١٢١) .\n٢ الفروسية: (ص٤٤) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص١٨) .\n٤ تهذيب السنن: (١/١٣٤) .\n٥ زاد المعاد: (٢/١٤٥) .","vol":"1","page":270},{"text":"في النقل، مع بسط مسائله وشدة تحريرها، بحيث إنه - ﵀ - لم يُبْقِ للقارئ والمطالع حاجةً للرجوع إلى أصوله التي نقل عنها، على أن هذا الصنيع - أيضًا - عُرِف عن كثير من الأئمة الأعلام في مصنفاتهم وتواليفهم.\nعاشرًا: عِنَايَتُه - ﵀ - بالمصادر التي تَتَّصِلَ بموضوعه اتصالًا مباشرًا، وإِكْثَارُهُ من النقل عنها، بحيث تكون هي المصادر الأساسية لذلك الموضوع.\nفتجده في (جلاء الأفهام) - الذي يتناول فيه موضوع الصلاة على النبي ﷺ - يُكْثِرُ من النقل عن كتاب: (الصلاة على النبي ﷺ) ١ لإسماعيل بن إسحاق، حتى إنه قد ينقل عنه بابًا بكامله٢. وينقل فيه أيضًا عن كتاب: (الصلاة على النبي ﷺ) لأبي الشيخ٣، ولابن أبي عاصم أيضًا٤، وغيرهم.\nوكذا الحال في سائر كتبه، فإنه يُعنى في المقام الأول بالمصادر المصنفة في موضوع كتابه، أو التي لها به صلة مباشرة.\nحادي عشر: ربما يلجأُ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى تقويم بعض المصادر التي ينقل منها، وإبداء رأيه فيها، وسيأتي الكلام على ذلك بأوسع من هذا.\n_________\n١ انظر مثلًا: جلاء الأفهام: (ص٢٠٥، ٢١٣، ٢٣٢، ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٥٨، ٢٦٠) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص ٥٧ - ٦٣) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص ٢٢٩، ٢٣٧، ٢٤٤) .\n٤ جلاء الأفهام: (ص٢٣٤) .","vol":"1","page":271},{"text":"تلك أبرز الملاحظات حولَ منهج ابن القَيِّم في الاستفادة من المصادر والنقل عنها، وبيان بعض الخصائص المميزة لبعض هذه المصادر.\nالمسألة الثانية: تقويم ابن القَيِّم لبعض مصادره، وإبداء رأيه فيها.\nلم يكن ابن القَيِّم - ﵀ - وهو يستفيد من هذا العدد الهائل من المصادر المتنوعة، مُجَرَّدَ ناقلٍ فحسب، وإنما بَرَزَتْ في بعض الأحيان شخصيته المتميزة وهو يُبْدي رأيه في بعض هذه المصادر: بمدحها والثناء عليها تارةً، وتارةً أخرى ببيانِ عيوبها وبعض المآخذ عليها، وتارةً ثالثة بالتعريف بها أو ذكر بعض المعلومات التوضيحية عنها، أو الفوائد المتعلقة بها.\nفمن الكتب التي مَدَحها وأَثْنَى عليها:\n١- (سنن أبي داود):\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"لما كان سنن أبي داود ... من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حَكَمًَا بين أهل الإسلام ... فإنه جَمَعَ شَمْلَ أحاديث الأحكام، وَرَتَّبَهَا أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطِّرَاحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء\"١.\nولعل قوله ﵀ باطراح أبي داود أحاديث المجروحين والضعفاء، يُحْمل على الغالب؛ فقد وُجِدَ بَعْضُهُم في كتابه.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٨) .","vol":"1","page":272},{"text":"٢- (الأحاديث الجِيَادُ الْمُخْتَارَة): للضياء المقدسي (ت٦٤٣هـ) .\nقال ابن القَيِّم: \"... التي هي أصح من صحيح الحاكم\"١.\n٣- (المعرفة والتاريخ) ليعقوب بن سفيان الفسوي (ت٢٧٧هـ) .\nقال ابن القَيِّم: \"وهو كتاب جليل، غزير العلم، جمُّ الفوائد\"٢.\n٤- (تفسير البغوي) للحسن بن مسعود البغوي (ت٥١٦هـ) .\nقال ابن القَيِّم: \"... الذي هو شَجَىً٣ في حُلُوق الْجَهْمِيَّة والْمُعَطِّلَة\"٤. وقال أيضًا: \"... الذي اجتمعت الأمة على تلقِّي تفسيره بالقبول، وقراءته على رؤوس الأشهاد من غير نكير\"٥.\n٥- (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم (ت٢٢٤هـ) .\nقال ابن القَيِّم: \"الذي هو لمن بعده من كتب الغريب إمام\"٦.\n٦- (السنة): وهو (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) . لأبي القاسم اللالكائي.\n_________\n١ الصواعق المرسلة: (٢/٦٢٦)، وإغاثة اللهفان: (١/٢٨٧) .\n٢ إعلام الموقعين: (٣/٨٣) .\n٣ الشَّجَا: ما اعترض في حَلْق الإنسان والدابة من عظم أو عود أو غيرهما، وقد شَجِيَ، يَشْجَى، شجًا. (لسان العرب ص: ٢٢٠٣) .\n٤ إجتماع الجيوش الإسلامية: (ص١٢٢) .\n٥ المصدر السابق: (ص١٦٥) .\n٦ أحكام أهل الذمة: (٢/٥٢٤) .","vol":"1","page":273},{"text":"قال ابن القَيِّم: \"وهو من أجلِّ الكتب\"١.\n٧- (الرد على الجهمية):\n٨- (النقض على بشر المريسي): كلاهما لعثمان بن سعيد الدارمي.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وكتاباه من أَجَلِّ الكتب الْمَصَنَّفَةِ في السنة وَأَنْفَعِهَا، وينبغي لكل طالب سُنَّةٍ مراده الوقوفُ على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كِتَابَيْهِ، وكان شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة -﵀- يُوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدًا\"٢.\n٩- (فرع الصفات في تقريع نفاة الصفات): لأبي العباس المظفري.\nقال ابن القَيِّم: \"وهو - على صِغَرِ حجمه - كتابٌ جليلٌ، غزير العلم\"٣.\n١٠- (أقسام اللَّذَّات): لفخر الدين الرازي.\nقال ابن القَيِّم: \"وهو كتاب مفيد\"٤.\n_________\n١ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص١٢١) .\n٢ المصدر السابق: (ص١٤٣) .\n٣ المصدر السابق: (ص١٩٦) .\n٤ المصدر السابق: (ص١٩٤) .","vol":"1","page":274},{"text":"ومن الكتب التي انتقدها وبيَّنَ بعض المآخذ عليها:\n١- (سنن ابن ماجه):\nقال ابن القَيِّم في حديث: «من مات مريضًا مات شهيدًا\": \"من أفراد ابن ماجه، وفي أفرادِهِ غَرَائبُ ومُنْكَراتٌ\"١. ونقل كلامًا في هذا المعنى عن شيخيه: ابن تَيْمِيَّة، والمزي٢.\n٢- (المستدرك): للحاكم.\nقال يرد على الحاكم في حكمه على حديث بأنه على شرط سلم وليس هو كذلك: \"وهذا وأمثاله هو الذي شَانَ كِتَابَهُ وَوَضَعَهُ، وجعل تَصْحِيحَهُ دون تحسين غيره\"٣.\n٣- (حقائق التفسير): لأبي عبد الرحمن السُّلمي (ت ٤١٢هـ) .\nقال ابن القَيِّم: \"... التفاسير المستنكرة المستكرهة، التي قُصِدَ بها الإغراب والإتيان بخلاف ما يَتَعَارَفُهُ النَّاس؛ كَحَقَائِق السُّلَمي وغيره، مما لو تُتُبِّعَ وبُيِّنَ بُطلانه، لجاءَ عِدَّة أسفار كِبَار\"٤.\nومن المصادر التي ذكر معلومات تعريفية إيضاحية عنها:\n١- (مسند الإمام أحمد):\nقال ﵀: \"الإمام أحمد لم يشترط في مسنده الصحيح ولا\n_________\n١ الروح: (ص١١٠) .\n٢ زاد المعاد: (١/٤٣٥) .\n٣ المنار المنيف: (ص٢١) .\n٤ الصواعق المرسلة: (٢/٦٩٦) .","vol":"1","page":275},{"text":"التزمه، وفي مسنده عِدَّة أحاديث سُئِل هو عنها، فَضَعَّفَهَا بعينها وأَنْكَرَهَا\"١.\n٢- (الكامل في ضعفاء الرجال): لأبي أحمد بن عَدِيّ (ت٣٦٥هـ) .\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وهو إنما يذكر فيه غالبًا الأحاديث التي أُنْكِرَت على من يذكر ترجمته\"٢.\n٣- (خصائص المسند): لأبي موسى المديني.\nقال: \"وقد صَنَّفَ الحافظ أبو موسى المديني كتابًا ذكر فيه فضائل المسند وخَصَائِصَهُ\"٣.\n٤- (جامع الأصول): لابن الأثير الجزري (ت٦٠٦هـ) .\nقال ابن القَيِّم: \"رزين بن معاوية صاحب (تجريد الصحاح) ... وعلى كتابه التجريد اعتمد صاحب (جامع الأصول\") ٤.\nوبعد، فهذه أمثلة لِمَا جاء عن ابن القَيِّم - ﵀ - من كلام في تقويم مصادره والتعريف بها، وفي هذه الأمثلة تظهر شخصيته المتميزة، وأثرها في نقد مصادره - سلبًا أو إيجابًا - نقدًا مفيدًا بنَّاءً، مما يجعل لهذه الأقوال وزنها في التعريف بهذه المصادر، والوقوف على مكانتها وقيمتها.\n_________\n١ الفروسية: (ص٤٦) .\n٢ الفروسية: (ص٥١) .\n٣ الفروسية: (ص٤٩) .\n٤ مختصر الصواعق: (٢/٣٦٨) .","vol":"1","page":276},{"text":"ويؤكد هذا النقد - في الوقت ذاته - حقيقة أخرى، وهي: يقظة ابن القَيِّم وهو يستفيد من هذه المصادر، ومعرفته بأحوالها، وتمييزه بين غَثِّهَا وسمينها.\nالمسألة الثالثة: في ذكر مصادر ابن القَيِّم الحديثية.\nوبعد أن استعرضنا منهج ابن القَيِّم في الاستفادة من مصادره، والنقل عنها، رأيت أن أسوق جملة من هذه المصادر، مع الإشارة إلى أبرز استفادته منها في مؤلفاته ما أمكن، وذلك لتكون أمثلة واقعيةً وتطبيقًا عمليًا لما تقدم من الكلام على مصادره وسماتها.\nوقد كنت جمعت كل ما رأيته من ذلك في كتب ابن القَيِّم المختلفة، إلا أنني لَمَّا وقفت على كتاب الشيخ بكر أبي زيد -حفظه الله-: (موارد ابن القَيِّم في كتبه) التي بلغت عنده (٥٦٩) كتابًا، رأيت أن اقتصر من ذلك على ذكر أهم مصادره وأبرزها في الحديث وعلومه فقط؛ إذ إن ذلك ألصق بموضوع هذا البحث، ومن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتاب الشيخ بكر آنف الذكر.\nوقد شجَّعني على المضي في ذكر ذلك أنني وجدت بعض المصادر التي وقفت عليها غير موجودة في قائمة الشيخ بكر أبي زيد.\nوسأُعْرِضُ في هذه القائمة عن ذكر الكتب التي يكثر ورودها عند ابن القَيِّم؛ كالكتب الستة وغيرها من الدواوين المشهورة؛ وذلك تجنبًا للإطالة؛ إذ ليس القصد من ذلك الاستقصاء والحصر، وإنما القصد عرض نماذج تكون أمثلة لما وراءها، ومنبئة عن مثيلاتها، وأسوق ذلك كله مرتبًا على حروف الهجاء.","vol":"1","page":277},{"text":"١- (الأحاديث الجِيَادُ المختارةُ) للضياء المقدسي:\nإغاثة اللهفان: (١/٢٨٧)، تهذيب السنن: (٧/٣٣٧)، مختصر الصواعق: (٢/٤٠٤) . وذكرها باسم: (المختارة) .\n٢- (اختلاف الحديث) للشافعي:\nزاد المعاد: (١/٣٧٩)، (٢/١٥٦) .\n٣- (الأدب المفرد) للبخاري:\nتحفة المودود: (١٣٢)، مدارج السالكين: (٢/١٦٧) .\n٤- (الأذكار) للنووي:\nجلاء الأفهام: (٢٦٠) .\n٥- (الإرشاد) للخليلي:\nالمنار المنيف: (١١٦) .\n٦- (الاستيعاب) لابن عبد البر:\nاجتماع الجيوش: (٦٤)، جلاء الأفهام: (٢٤٤) - وسماه فيه: الصحابة - تحفة المودود: (١٠٤) .\n٧- (الأطراف) لأبي القاسم ابن عساكر: وهو أطراف السنن الأربعة.\nزاد المعاد: (٥/٢٧٦، ٦٢٧)، تهذيب السنن: (٣/٣١٣) .\n٨- (الأفراد) للدارقطني:\nزاد المعاد: (١/٣٨٣)، (٤/٦٠) .\n٩- (بيان الوهم والإيهام) لابن القطان:\nزاد المعاد: (٢/٢٧٦)، تهذيب السنن: (١/٣٥٦) .","vol":"1","page":278},{"text":"١٠- (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة: ذكره باسم: (اختلاف الحديث) .\nزاد المعاد: (٤/١٥٠)، مفتاح دار السعادة: (٢/٢٦٤) .\n١١- (التاريخ) لابن أبي خيثمة:\nزاد المعاد: (٥/١٥)، تهذيب السنن: (٣/٤٠١)، (٧/١١٤)، الفروسية: (٤١) .\n١٢- (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي:\nاجتماع الجيوش الإسلامية: (٢٠٩)، شفاء العليل: (٤٢٨)، الجواب الكافي: (٣٣٥)، مفتاح دار السعادة: (١/١٦٥) .\n١٣- (التاريخ الكبير) للبخاري:\nتهذيب السنن: (١/١٣٦، ٣٦٣)، (٢/٢٩٢، ٣٧٦)، (٣/١٣٤)، زاد المعاد: (٣/٥٠٨)، (٥/٦٢٦)، جلاء الأفهام: (١٢)، المنار المنيف: (٨٥)، تحفة المودود: (١٢٠، ٢٢٥)، الطرق الحكمية: (٢٣٤) .\n١٤- (تجريد الصحاح) لرزين بن معاوية العبدري:\nزاد المعاد: (١/٤٩١) .\n١٥- (الترغيب والترهيب) لأبي موسى المديني:\nالروح: (١١٠) .\n١٦- (التقاسيم والأنواع): وهو (صحيح ابن حبان):\nذكره بهذا الاسم في: عدة الصابرين: (١٦٦) . ونقل عنه في غيره كثيرًا.","vol":"1","page":279},{"text":"١٧- (التمهيد) لابن عبد البر:\nاجتماع الجيوش الإسلامية: (٧٥، ٧٦)، زاد المعاد: (٥/٣٦٠)، الروح: (١١٢)، الفروسية: (١١/٤٢)، جلاء الأفهام: (١٨٠)، مختصر الصواعق: (٢/٣١٠)، تهذيب السنن: (٧/١٠٢، ١١٦) .\n١٨- (التمييز) للإمام مسلم:\nتهذيب السنن: (٢/٢٨٤) .\n١٩- (تهذيب الآثار) لابن جرير الطبري:\nزاد المعاد: (٤/٣٦٨)، الفروسية: (٧٠) .\n٢٠- (تهذيب الكمال): للمزي:\nزاد المعاد: (٥/٧٠٩، ٧٢٢)، جلاء الأفهام: (١٢، ٣٤)، الفروسية: (٣) .\n٢١- (الثقات) لابن حبان:\nجلاء الأفهام: (١٢، ٢٠)، زاد المعاد: (٥/٦٨٠، ٦٨١)، مختصر الصواعق: (٢/٤٠٤) .\n٢٢- (الثَّقَفِيَّات) لأبي العباس الثقفي:\nاجتماع الجيوش: (٦٠)، جلاء الأفهام: (٣٦)، هداية الحيارى: (١٢٧) .\n٢٣- (الجامع) لابن وهب:\nمفتاح دار السعادة: (٢/٢٣٦) .\n٢٤- (الجامع) لسفيان الثوري:\nزاد المعاد: (٢/٣١١)، تهذيب السنن: (٦/٣٢٤) .","vol":"1","page":280},{"text":"٢٥- (الجامع) لمعمر:\nزاد المعاد: (٣/٢١) .\n٢٦- (الجامعُ لذكرِ أَئِمَّةِ الأمصار الْمُزَكِّين لرواة الأخبار) للحاكم:\nبدائع الفوائد: (٣/١٩٥) .\n٢٧- (جزء الحسن بن أحمد بن نفيل):\nجلاء الأفهام: (١٧) .\n٢٨- (الجمع بين الصحيحين) لعبد الحق:\nحادي الأرواح: (٣٥٨) .\n٢٩- (حديث الحسن بن علي الجوهري):\nزاد المعاد: (٤/٢٥٨) .\n٣٠- (حلية الأولياء) لأبي نعيم:\nالجواب الكافي: (٦٨) .\n٣١- (الخلافيات) للبيهقي:\nالمنار المنيف: (١٣٨) .\n٣٢- (الدعوات الكبير) للبيهقي:\nالوابل الصيب: (١٩٢، ٢٠٢) .\n٣٣- (الذكر) للفريابي:\nالوابل الصيب: (٢٠٢) .\n٣٤- (السنن) لابن أبي حاتم١:\nالصلاة: (٢٥، ٤٧) .\n_________\n١ ذُكِرَ أنه صنف (مسندًا) في ألف جزء.","vol":"1","page":281},{"text":"٣٥- (السنن) للأثرم:\nزاد المعاد: (١/٢٢٧)، (٢/١٧٠، ١٨٨، ١٩٤)، إعلام الموقعين: (٣/٥٥)، إغاثة اللهفان: (١/١٤٠، ١٤١، ٢٧٠) .\n٣٦- (السنن الكبرى) للنسائي:\nزاد المعاد: (١/٣٠٣)، (٢/٣٣١، ٣٨٩)، (٥/٦٧٧)، الوابل الصيب: (١٤٣)، بدائع الفوائد: (٤/١٠١) .\n٣٧- (سنن حرملة):\nزاد المعاد: (١/٥١٠) .\n٣٨- (الشمائل) للترمذي:\nزاد المعاد: (٤/٣٠٧) .\n٣٩- (صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده):\nعدة الصابرين: (٦٤، ٩٨) .\n٤٠- (الضعفاء) للعقيلي:\nعدة الصابرين: (٢٠٤) .\n٤١- (الضعفاء) لابن الجوزي:\nالجواب الكافي: (٣٦٧) .\n٤٢- (الضعفاء) للذهبي:\nزاد المعاد: (٢/١٣١) .\n٤٣- (الطبقات الكبرى) لابن سعد:\nزاد المعاد: (٣/٢٨، ٤٠٩)، جلاء الأفهام: (٦، ٢٦٤)، الفوائد: (١٥٠)، هداية الحيارى: (٨٩) .","vol":"1","page":282},{"text":"٤٤- (طبقات أصحاب الشافعي) للعباداني:\nزاد المعاد: (٥/١٨٢) .\n٤٥- (علل حديث الزهري): للذهلي، المعروف بالزهريات:\nتهذيب السنن: (١/١٠٧، ٣٩٢) .\n٤٦- (العلل) لعبد الله بن الإمام أحمد:\nتهذيب السنن: (١/١٢٤)، مفتاح دار السعادة: (١/١٦٩) .\n٤٧- (العلل) للخلاَّل:\nمفتاح دار السعادة: (١/١٦٤) .\n٤٨- (العلل) للترمذي:\nزاد المعاد: (٢/٣٨٥)، تهذيب السنن: (١/٨٠، ١٣٧)، (٣/١٣٤)، (٥/٢٣٢)، إعلام الموقعين: (٢/٣٥٢)، الصلاة: (١٠٨)، إغاثة اللهفان: (١/٢٧٠) وغير ذلك.\n٤٩- (علل الحديث) لابن أبي حاتم:\nجلاء الأفهام: (٣٤)، تهذيب السنن: (١/١١٠، ٣٦٨)، بدائع الفوائد: (٣/١٩٧)، الفروسية: (٤١) .\n٥٠- (العلل) للدارقطني:\nجلاء الأفهام: (٦، ١٨٧)، تهذيب السنن: (١/٢٦، ١٨٤)، الفروسية: (٥٠) .\n٥١- (العلل المتناهية) لابن الجوزي:\nإغاثة اللهفان: (١/٣١٥) .\n٥٢- (علوم الحديث) للحاكم. وهو: (معرفة علوم الحديث):\nزاد المعاد: (٥/٤٣٤)، تهذيب السنن: (٧/١٠٧، ٢٩٤)، اجتماع الجيوش الإسلامية: (١١٧) .","vol":"1","page":283},{"text":"٥٣- (علوم الحديث) لابن الصلاح:\nرسالة الموضوعات: (ق ٤٧/أ) .\n٥٤- (غرائب مالك) للدارقطني:\nروضة المحبين: (١٠٠) .\n٥٥- (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم:\nتهذيب السنن: (٣/٤٢٦)، أحكام أهل الذمة: (٢/٥٢٤) .\n٥٦- (غريب الحديث) للخطَّابي:\nزاد المعاد: (٤/١٧٣) .\n٥٧- (الغَيْلانِيَّاتِ) وهو (الفوائد المنتخبة العوالي عن الشيوخ الثقات) لأبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي:\nزاد المعاد: (٤/٣٣٩، ٤٠٤)، اجتماع الجيوش الإسلامية: (٢١٠)، إعلام الموقعين: (٢/٣٣٤) .\n٥٨- (الفصلُ للوَصْلِ الْمُدْرِجِ في النقل) للخطيب البغدادي:\nتهذيب السنن: (٥/٣٩٩)، جلاء الأفهام: (١٨٨) .\n٥٩- (فوائد أبي بكر بن عاصم):\nتهذيب السنن: (٦/٢١) .\n٦٠- (فوائد أبي سعيد القاص):\nجلاء الأفهام: (١٨) .\n٦١- (فوائد أبي الفرج الثقفي) لأبي الخير بن حمدان:\nمختصر الصواعق: (٢/٣٨٠) .\n٦٢- (الفوائد) لِتَمَّام:\nمختصر الصواعق: (٢/٤٠٥) .","vol":"1","page":284},{"text":"٦٣- (الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي:\nزاد المعاد: (٢/٤١٥)، (٤/٢٥٨، ٢٧٧)، (٥/٧٥٤)، الجواب الكافي: (٣٦٦)، روضة المحبين: (١٢١)، الفروسية: (٥١)، إعلام الموقعين: (٤/١٦٧) .\n٦٤- (الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي:\nاجتماع الجيوش الإسلامية: (٩٥) .\n٦٥- (المترجم) لأبي إسحاق الجوزجاني:\nالفروسية: (٢٠، ٣٩) .\n٦٦- (المراسيل) لأبي داود:\nزاد المعاد: (١/٢٣٢)، (٢/٣٣٢)، (٤/٣٠٠، ٣٣٣)، تهذيب السنن: (٣/٤٣٧)، الفروسية: (٣٣)، الطرق الحكمية: (٣٢٥)، مختصر الصواعق: (١/٨٩) .\n٦٧- (المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين) لابن حبان:\nالفروسية: (٤٤) وسماه: الضعفاء.\n٦٨- (المستخرج) للبرقاني:\nأحكام أهل الذمة: (٢/٦٣٣)، حادي الأرواح: (٤٢٧)، طريق الهجرتين: (٦٨١) .\n٦٩- (مسند إسحاق بن راهويه):\nشفاء العليل: (١٨)، طريق الهجرتين: (٦٩٠) .\n٧٠- (مسند بقي بن مخلد):\nالمنار المنيف: (١٢٢)، زاد المعاد: (١/٤٤٦)، (٢/٣٨٨) .","vol":"1","page":285},{"text":"٧١- (مسند الحارث بن أبي أسامة):\nزاد المعاد: (١/٤١١)، (٤/٢٦٠)، عدة الصابرين: (١٦٦)، روضة المحبين: (٤٢٨)، المنار المنيف: (١٤٧) .\n٧٢- (مسند الحسن بن سفيان):\nتهذيب السنن: (٧/١١٠)، زاد المعاد: (١/٣٦٩) .\n٧٣- (مسند الحمَّاني) يحيى بن عبد الحميد الحماني:\nالمنار المنيف: (١٤٧) .\n٧٤- (مسند الروياني):\nجلاء الأفهام: (٤٧) .\n٧٥- (مسند السَرَّاج) محمد بن إسحاق:\nروضة المحبين: (١١٣) .\n٧٦- (مسند ابن أبي شيبة):\nزاد المعاد: (٤/١٨٠)، جلاء الأفهام: (١٥) .\n٧٧- (مسند عبد بن حميد):\nالروح: (١٠٨)، جلاء الأفهام: (٦) .\n٧٨- (مسند علي) للنسائي:\nجلاء الأفهام: (١٢) .\n٧٩- (مسند عمر) للإسماعيلي:\nجلاء الأفهام: (٢٧، ٢٨)، الطرق الحكمية: (١٧) .\n٨٠- (مسند ابن منيع):\nجلاء الأفهام: (٥٣) .","vol":"1","page":286},{"text":"٨١- (مسند يعقوب بن سفيان):\nروضة المحبين: (٤٣١)، الطرق الحكمية: (٦٧، ٦٨) .\n٨٢- (مسند أبي مسلم الليثي):\nروضة المحبين: (٣٧٤) .\n٨٣- (مصنف وكيع):\nزاد المعاد: (٤/٢٥٧)، (٥/٤٤٠، ٦٠٢) .\n٨٤- (المعجم) لأبي نعيم:\nمفتاح دار السعادة: (١/١٢٠) .\n٨٥- (معرفة السنن والآثار) للبيهقي:\nالروح: (١٨٧)، زاد المعاد: (١/٣٧٩) .\n٨٦- (معرفة الصحابة) لأبي نعيم:\nزاد المعاد (٣/٦٧٢) .\n٨٧- (معرفة الصحابة) لابن منده:\nجلاء الأفهام: (١١)، تهذيب السنن: (١/٣٦١) .\n٨٨- (المعرفة والتاريخ) ليعقوب بن سفيان الفَسَوِي:\nإعلام الموقعين: (٣/٨٣)، الطرق الحكمية: (٦٤) .\n٨٩- (المغني في الضعفاء) للذهبي:\nرسالة الموضوعات: (ق٥١/أ) .\n٩٠- (الموضوعات) لابن الجوزي:\nالمنار المنيف: (٦٣)، عدة الصابرين: (٢٠٤)، زاد المعاد: (٤/٢٧٧) .\n٩١- (موطأ القعنبي):\nالفروسية: (٢٩) .","vol":"1","page":287},{"text":"٩٢- (موطأ يحيى بن بكير):\nجلاء الأفهام: (٢٠٥) .\n٩٣- (الناسخ والمنسوخ) لأبي جعفر النَّحَّاس:\nزاد المعاد: (٥/٦٧٠)، إعلام الموقعين: (٢/٧٠) .\n٩٤- (الناسخ والمنسوخ): لابن العربي المعافري المالكي:\nتهذيب السنن: (٣/١٢٨) .\n٩٥- (الناسخ والمنسوخ): للأثرم:\nإغاثة اللهفان: (١/١٨٩) .\n٩٦- (الناسخ والمنسوخ) لأبي عبيد:\nالطرق الحكمية: (١٩٢) .\n٩٧- (الناسخ والمنسوخ): لأبي داود:\nبدائع الفوائد: (٤/١٧٠) .\n٩٨- (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير:\nزاد المعاد: (١/١٦١) .\nوبعد، فهذه أهم المصادر الحديثية التي وقفت عليها، مما أودعه ابن القيم - ﵀ - في كتبه، مستفيدًا منها وناقلًا عنها.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الرابع: دراسةُ بعض مؤلفات ابن القَيِّم</span>\nلقد وقع اختياري على بعض كتبه الحديثية لتقديم صورة واقعية عن منهج ابن القَيِّم في مؤلفاته الحديثية بصورة خاصة، بعد أن استعرضت منهجه في مؤلفاته على وجه العموم.\nوالكتب التي تشملها هذه الدراسة هي:\n١- (تهذيب سنن أبي داود) .\n٢- (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) .\n٣- (رسالة فيها فوائد حديثية) .","vol":"1","page":289},{"text":"أولًا: (تهذيب سنن أبي داود)\n١- تسمية الكتاب:\nلم ينص ابن القَيِّم - ﵀ - في مقدمة الكتاب على تسميته كما هو الحال في بعض كتبه، ولكنه سماه في كتابه: (زاد المعاد) ١، فقال عند كلامه على نوم الجُنُب دون أن يمس ماءً: \"وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب: تهذيب سنن أبي داود، وإيضاح علله ومشكلاته\".\nوقد وافق ابن القَيِّم على هذه التسمية من مترجميه: الصَّفَدِي ﵀، فذكر هذا الاسم بحروفه٢.\nأما ابن رجب ﵀، فقد سَمَّاه: (تهذيب سنن أبي داود، وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة) ٣. وتبعه على ذلك: الداودي٤، وابن العماد٥.\nوهذه التسمية وإن اختلفت عن تسمية المؤلف، إلا أنها لا تبعد عنها كثيرًا، وقد راعى ابن رجب في إطلاقها موضوع الكتاب، كما نصَّ عليه ابن القَيِّم في خطبته.\nوقد سَمَّاه ابن القَيِّم في مناسبة أخرى تسمية مختصرة، فقال:\n_________\n(١/١٥٤) .\n٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١) .\n٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .\n٤ طبقات المفسرين: (٢/٩٢) .\n٥ الشذرات: (٦/١٦٩) .","vol":"1","page":290},{"text":"(تهذيب السنن) ١، وبهذه التسمية عُرِف الكتاب واشتهر.\nومما سبق يتبين: أن ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد٢ من اتفاق جميع المترجمين لابن القَيِّم على اسم واحد للكتاب- وهو ما ذكره ابن رجب - غير صحيح، فقد تقدم أن الصَّفَدِي خالف في ذلك، وجاءت تسميته موافقة لتسمية ابن القَيِّم.\n٢- موضوع الكتاب:\nالكتاب في الأصل: تهذيب لمختصر المنذري لسنن أبي داود، وإلى هذا أشار ابن القَيِّم - ﵀ - في خطبته، فقال: \"وكان الإمام ... المنذري - رحمه الله تعالى - قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزوِ أحاديثه، وإيضاح علله وتقريبه ... جعلتُ كتابَهُ أفضلَ الزادِ، واتخذته ذخيرةً ليوم المعاد، فَهَذَّبْتُهُ نحو ما هَذَّبَ هو به الأصل\"٣.\nولكن: هل كان كتاب ابن القَيِّم مجرد اختصار وتهذيب لكتاب المنذري؟\nإن الدارس لحياة ابن القَيِّم العلمية، والباحث في أعماله التأليفية، لا يجد للمهذبات والمختصرات مكانًا بين كتبه؛ إذ إن ابن القَيِّم كان عنده الجديد الذي يرغب في تقديمه، فقد كان - ﵀ - بحرًا لا ساحل له، ولانهاية لعطائه وفوائده الغزيرة، فَلِمَ يشتغل مثله بالمختصرات والتهذيبات؟\n_________\n١ بدائع الفوائد: (٢/١٧٧) .\n٢ ابن قيم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٤٤) .\n٣ تهذيب السنن: (١/٩) .","vol":"1","page":291},{"text":"فالناظر في كتابه (تهذيب السنن) يدرك لأول وهلة: أنه وإن كان يصدق عليه وصف الاختصار، إلا أنه في الحقيقة ليس إلا موسوعة من موسوعات ابن القَيِّم العلمية: في الحديث وعلومه، والفقه وأحكامه، وقد أشار - ﵀ - في خطبته إلى ذلك، فقال: \" ... وزدت عليه - يعني كتاب المنذري - من: الكلام على عللٍ سكت عنها أو لم يكملها، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يُصَحِّحْها، والكلام على متون مُشْكِلَةٍ لم يفتح مُقْفَلَهَا، وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يُشر إليها، وبسطت الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرة بأن تُثْنَى عليها الخناصر، ويُعَضُّ عليها بالنواجذ\"١.\nفهكذا يُحَدِّدُ ابن القَيِّم موضوع كتابه، ويصف ما أودعه من علوم بين طيَّاته، وعلى هذا فإنَّ تسمية المؤلف للكتاب - التي مر ذكرها عنه - مطابقةٌ تمامًا لموضوع كتابه، فهو: تهذيب، وشرح، وبيانٌ، وتعقب، واستدراك، وغير ذلك.\n٣- منهج المؤلف في الكتاب:\nإن الحديث عن منهج ابن القَيِّم في هذا الكتاب قد تقدم ذكره عند الكلام على المنهج التأليفي العام لابن القَيِّم في كتبه، كما سيأتي شيء من ذلك - أيضًا - عند الحديث على منهجه في شرح الحديث والاستنباط منه، إلا أنه - مع ذلك - يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يَتَمَيَّزُ بها هذا الكتاب عن غيره من مؤلفاته، مع إبراز النقاط التي نصَّ عليها في خطبة كتابه، فمن ذلك:\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٩ - ١٠) .","vol":"1","page":292},{"text":"أولًا: الحكم على الحديث وبيان علله التي سَكَتَ عنها المنذري أو لم يُكَمِّلها.\nفتارةً يحكم على الحديث الذي سكت المنذري عن الحكم عليه وبيان علته، فقد سكتَ المنذري عن حديث ابن عباس ﵄: «أنَّ السِّجل كاتب كان للنبي ﷺ \". فقال ابن القَيِّم: \"سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع ... \"١.\nوتارةً يُورِدُ ما أُعلَّ به الحديث الذي سَكَتَ عنه المنذري، للجواب عن هذه العلل وإثبات صحة الحديث، وهذا كثير في كتابه؛ فقد سكت المنذري عن حديث أنس ﵁ في تخليل اللحية، فنقل ابنُ القَيِّم إعلال ابن حزم وابن القطَّان له، ثم رد عليهما بقوله: \"وفي هذا التعليل نظر\"٢. ثم أخذ في الجواب عن ذلك.\nوذكر إعلالَ ابن حزم لحديث عائشة - ﵂ - في اعتزال النبي لهن وهن حُيّض - وقد سكت عنه المنذري - ثم قال: \"وما ذكره ضعيف ... فالحديث غير ساقط\"٣.\nوذكر إعلالَ ابن القطان حديث زينب بنت أبي سلمة في المرأة ترى ما يَرِيبُهَا بعد الطهر، وقول النبي ﷺ \"إنما هو عِرْقٌ\". ثم قال: \"وهذا تعليل فاسد ...\"٤.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٩٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/١٠٧) .\n٣ تهذيب السنن: (١/١٧٧) .\n٤ تهذيب السنن: (١/١٨٩) .","vol":"1","page":293},{"text":"والأمثلة على ذلك كثيرة، فحين يكون الحديث مُتَكَلَّمًا فيه ويسكت المنذري عن بيان ذلك، نجده يذكر ما أُعِلَّ به الحديث، والجواب عنه وردَّ عِلَّتِهِ، هذا بالإضافة إلى ما سكت عنه المنذري وهو معلول حقًا، كما تقدم مثاله.\nوأما ما ذكر المنذري بعض علله ولم يكمل باقيها، فمثاله: أن المنذري ذَكَرَ بعض ما أُعِلَّ به حديث ميراثِ ابن الملاعنة، وترك بعضها، فقال ابن القَيِّم: \"وأُعِلَّ أيضًا: بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر النَّصْرِيِّ، راويه عن واثلة، قال ابن أبي حاتم: ... لا يُحْتَجُّ به\"١.\nثانيًا: الكلام على المتون الْمُشْكِلَةِ.\nفكثيرًا ما كان ابن القَيِّم - ﵀ - يَعْمَدُ إلى بعض الأحاديث الْمُشْكِلَةِ، فيحاول دفع إِشْكَالاتِهَا، وإزالة غُمُوضِهَا وإِبْهَامِهَا.\nفمن ذلك: ما جاء في حديث عليّ ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ، وأنه رشَّ رجليه بالماء وهما في النعلين، قال ابن القَيِّم: \"هذا من الأحاديث الْمُشْكِلَةِ جِدًا، وقد اختلفتْ مَسَالك الناس في دفع إِشْكَالِه...\". ثم ذكر سبعة من هذه المسالك، وبين رأيه هو٢.\nثالثًا: زيادة أحاديث في الباب لم يُشر المنذري إليها.\nوقد فَعَلَ ابن القَيِّم ﵀ هذا كثيرًا، فيقول: وفي الباب حديث فلان. وقد يتوسع في ذلك فيذكر كل من روى أحاديث الباب، مع\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٧٧) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٩٥ - ٩٨)، وانظر أمثلة أخرى في: (٣/١٧٩)، (٤/١٠٢) .","vol":"1","page":294},{"text":"قيامه- في بعض الأحيان - بتخريجها، والكلام على طرقها١.\nوستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك - أيضًا - عند الكلام على منهجه في التخريج.\nرابعًا: زيادة بعض الأبواب مما لم يرد في (سنن أبي داود) .\nولم يكتف ابن القَيِّم - ﵀ - بزيادة أحاديث في بعض الأبواب، بل قام بزيادة بعض الأبواب التي لم ترد في (سنن أبي دود)، مما رأى أن الأمر يستدعي إثباتها، مع إدخالها في المكان الملائم لها، وإيراد جملة من الأحاديث تحتها، فمن ذلك:\nأنه زاد في كتاب \"الديات\" - بعد قول أبي داود: باب فيمن تَطَبَّبَ بغير علم - بابين:\n- أحدهما: باب لا يُقْتَصُّ من الجرح قبل الاندمال.\n- والثاني: باب من اطلع في بيت قومٍ بغير إذنهم.\nثم قال ﵀: \"ولم يَذْكُرْ أبو داود هذا الباب ولا الذي قبله، ولا أَحَادِيْثَهُمَا، فذكرناهما للحاجة، والله أعلم\"٢.\nخامسًا: بسط الكلام على بعض المسائل، والتوسع في بحثها.\nففي كثير من المواطن نجد أن ابن القَيِّم يتوسع في الكلام: إما\n_________\n١ انظر أمثلة لذلك في تهذيب السنن: (١/١٣٣)، (٥/٩٩، ٢٢٩، ٣١٧)، (٧/٣، ٦٠، ١٣٥) .\n٢ تهذيب السنن: (٦/٣٧٩ - ٣٨٠) .","vol":"1","page":295},{"text":"بشرح حديث وبيان معانيه، كما في حديث تلبية النبي ﷺ ١، أو مناقشة علله، كما في حديث القلتين٢، أو ذكر مذاهب العلماء في مسألة، وأدلة كل فريق، وبيان الراجح من ذلك، وهذا كثير جدًا في كتابه٣، أو ذكر ما تَضَمَّنَتْهُ أحاديثُ الباب من أحكام، وما اشتملت عليه من فوائد٤.\nسادسًا: تَعَقُّبُ المنذري في بعض المسائل.\nوأكثر هذه التعقبات إنما وَقَعَتْ في القضايا الحديثية، وما يتعلق بها:\n- فتارةً يرد إعلال المنذري حديثًا، ويجيب عن ذلك مُبَيِّنًَا ثبوت الحديث، وعدم صحة ما أُعِلَّ به٥.\n- وتارةً يُعِلُّ المنذري حديثًا، فيرى ابن القَيِّم أنَّ له عِلَّةً أقوى من التي ذكر المنذري٦.\n- وتارةً يردُّ عليه وهْمَهُ في تخريج بعض الأحاديث٧.\n- وتارة يتعقب المنذري في تعقبه لأبي داود٨.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٣٣٥ - ٣٤٠) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٥٦ - ٧٤) .\n٣ انظر: تهذيب السنن: (٢/٣٠٨، ٣٢٠، ٣٤٥، ٣٨٢)، (٤/٩٦، ١٣٨)، (٥/١١١، ٢٩٧)، (٦/٣٣٦) .\n٤ تهذيب السنن: (٢/٣٤٤)، (٥/١٤٤) .\n٥ انظر: تهذيب السنن: (١/١٢٨، ١٤٨)، (٤/١٧٠، ٣١٥)، (٥/٢٢٢)، (٧/٩٤) .\n٦ تهذيب السنن: (٢/٣١٦) .\n٧ تهذيب السنن: (٥/٤١٩ - ٤٢٠) .\n٨ تهذيب السنن: (٣/١٣٤) .","vol":"1","page":296},{"text":"- ويشتد تعقبه للمنذري إذا رآه يسكت عما لا ينبغي السكوت على مثله، ففي حديث عائشة ﵂ \" أن النبي ﷺ - اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال «قال ابن القَيِّم ﵀: \"لم يتكلم المنذري على هذا الحديث، وهو وهم ... \"١.\nإلى غير ذلك من الأمور التي تعقب فيها المنذري.\n٤- قيمة الكتاب:\nمن خلال ما تقدم من عرض لموضوع الكتاب، وبيان لمنهج ابن القَيِّم فيه، يمكن لنا أن نقول: إن هذا الكتاب يعد موسوعة حديثية جامعة، يجد المطالع فيها:\n١- شرح الأحاديث وتوضيح معانيها.\n٢- استنباط أحكامها واستخراج فقهها.\n٣- حلَّ مُشْكِلاتِها وفتح مُقْفَلاتها.\n٤- التوفيق بين ما ظاهره التعارض منها.\n٥- الكلام على عللها، وبيان صحيحها وضعيفها.\n٦- مع جمع أحاديث بعض الأبواب واستيفاء ما ورد فيها.\nإلى غير ذلك من الفوائد التي يجدها الناظر منثورة في ثنايا هذا الكتاب وبين صفحاته.\n٥- طبعات الكتاب:\nاشتهر الكتاب بتلك الطبعة التي وقعت في ثمانية مجلدات، حيث\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٤٢٣) .","vol":"1","page":297},{"text":"طُبعَ معه في هذه المجلدات: (مختصر سنن أبي داود) للمنذري و(معالم السنن) للخطابي، وجاء (تهذيب) ابن القَيِّم في ذيل الصفحة.\nوقد حقق هذه الطبعة الشيخ/ محمد حامد الفقي، وشَارَكَهُ في الأجزاء الثلاثة الأولى منها: العلامة المحدث/ أحمد محمد شاكر ﵀، وكان الفراغ من طبعه في سنة ١٣٦٩هـ.\nوهذه الطبعة - مع ما بُذِلَ فيها من جهد - فإنها مليئة بالأخطاء والتصحيفات، مع شيء من السقط لبعض الكلمات في بعض الأحيان القليلة، ولذلك فإن على المراجع لهذا الكتاب أن يكون يقظًا لمثل ذلك:\nومن الأمثلة لتلك الأخطاء والتصحيفات:\n- ابن خزيمة (١/١٨٣) صوابه: ابن حزم.\n- يحيى بن سعيد (١/٢٩) صوابه: بجير بن سعيد.\n- أخيه عبد ربه (٣/٣٠٩) صوابه: أخيه يحيى.\n- عن سعيد (٣/٣١٢) صوابه: عن شعبة.\n- المقبري (٣/٣١٢) صوابه: المقرئ.\n- الخزاعي (٣/٣٠٩) صوابه: الحراني.\n- محمد المنكدر (٣/٣١٣) صوابه: محمد بن المنكدر.\n- حسين بن عبد الله (٤/٣٠) صوابه: حيي بن عبد الله.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.\nكما أن من الأمور التي ينبغي التنبيهُ عليها: أن كتاب ابن القَيِّم لم يكن منفصلًا بالشكل الذي هو عليه الآن، وإنما كان على شكل تعليقات","vol":"1","page":298},{"text":"على كلام المنذري مختلطة معه، ولا يمكن تمييزها عنها وفصلها إلا بالمقابلة الدقيقة بين كتاب ابن القَيِّم ومختصر المنذري لتمييز الزيادات.\nوقد قام بتجريد كلام ابن القَيِّم: محمد بن أحمد المسعودي، وتَرَكَ بعضًا من كلام ابن القَيِّم، حيث يقول: \"ولست أدَّعي الإحاطة بجميع ما كتبه، بل الغالب والأكثر، وقد سقط منه القليل جدًا لتعذركتابته، فعساه زاد لفظة أو لفظات في أثناء الكلام، فلم يُمْكِنُنِي إفرادها لاتصالها بكلام كتبه المنذري\"١.\nوجاء في آخر النسخة - أيضًا - قول ابن القَيِّم ﵀: \"وَقَعَ الفراغ منه في الحِجْر - حجر إسماعيل شرَّفَه الله تعالى - تحت الْمِيْزَاب - ميزابِ الرَّحمة في بيت الله - آخر شوال، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة (٧٣٢هـ) وكان ابتداؤه في رجب من السنة المذكورة\"٢. فيكون قد عَلَّقَه في مدة أربعة أشهر.\nكما أن للكتاب طبعة قديمة في دهلي بالهند، سنة ١٨٩١هـ، في (١٥٤) صفحة٣. والظاهر أن هذه الطبعة اقتصر فيها على تهذيب ابن القيم وحده، ولم أتمكن من الوقوف عليها.\n_________\n١ انظر ما جاء في آخر (تهذيب السنن): (٨/١١٩ - ١٢٠) .\n٢ تهذيب السنن: (٨/١٢٢) .\n٣ معجم ما طبع من كتب السنة (ص ٩٤ - ٩٥) .","vol":"1","page":299},{"text":"ثانيًا: (الْمَنَارُ الْمُنِيفُ في الصَّحِيح والضَّعِيفِ):\n١- تسمية الكتاب:\nلم ينص ابن القَيِّم على اسم لهذا الكتاب في مقدمته، كعادته فيما يؤلفه إجابة على سؤال أو فتوى، ولم أر - أيضًا - تَسْمِيَتَهُ له ولا إشارته إليه في شيء من كتبه الأخرى.\nأما الذين ترجموا لابن القَيِّم وسردوا مؤلفاته: فلم يذكر أحدٌ منهم كتابًا له باسم: (المنار المنيف)، ولكن ذكر بعضهم كتابًا له باسم: (نَقْدُ الْمَنْقُول والْمَحَكُّ المميز بين المردُودِ والْمَقْبُولِ) كما تقدم الكلام على ذلك عند سرد مؤلفاته، وذكرت هناك: أن هذا الكتاب لعله هو نفسه (المنار المنيف)؛ وذلك لمطابقة هذه التسمية- (نقد المنقول...) - للمادة الموجودة في (المنار) .\nفلعل هذا الاسم هو الذي عُرفَ به قديمًا، ثم عُرفَ بعد باسم (المنار المنيف)، وبخاصة أنه قد طُبع مرةً باسم: (نقد المنقول أو المنار ...) مما يؤكد وجود تلك العلاقة بين الكتابين، فالله أعلم.\nوآخر طبعة للكتاب نشرت باسم: (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) بتحقيق الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، وإعداد وإخراج الأخ منصور السِّماري وذلك سنة ١٤١٩هـ. وبهذا الاسم ذكره السيوطي ونقل عنه في رسالة له باسم (الأوج في خبر عوج) ١، مما\n_________\n١ انظر: (الحاوي في الفتاوى) للسيوطي: (٢/٣٤١) .","vol":"1","page":300},{"text":"يؤكد أن هذا الاسم هو الذي اشتهر به الكتاب وعُرِفَ أخيرًا١.\n٢- موضوع الكتاب:\nيشتمل هذا الكتاب على إجابة ابن القَيِّم - ﵀ - على ثلاثة أسئلة سُئل عنها، وهذه الأسئلة على ترتيب ورودها في الكتاب على النحو التالي:\nالسؤال الأول: ويشتمل على أربع مسائل، وهي:\n١- السؤال عن حديث \"صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك\" وكيف يكون هذا التَّضْعِيفُ؟\n٢- وقوله في حديث جويرية: \"لقد قلتُ بَعْدَكِ أربعَ كلمات، لو وُزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن\".\n٣- وحديث \"صيام ثلاثة أيام من كل شهر يقوم مقام صيام الشهر\".\n٤- وحديث: \"من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله ... \".\nوقد قام ابن القَيِّم - ﵀ - بالجواب عن هذا السؤال بمسائله الأربع، فبين حال هذه الأحاديث، مع ذكر جملة من الفوائد المتعلقة بها، وبخاصة: الكلام على تفاضل الأعمال وتفاوت درجاتها، وتفاوت قبولها تبعًا لذلك٢.\n_________\n١ وينظر حول تسمية الكتاب: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (١٩٢ - ١٩٤)، ومقدمة المنار المنيف: (ص١٥ من طبعة أبي غدة) .\n٢ انظر: المنار المنيف: (ص١٩ - ٤٣) .","vol":"1","page":301},{"text":"السؤال الثاني: وهو لبُّ الكتاب، فقد سُئل ابن القَيِّم ﵀: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنْظَرَ في إسناده؟\nوقد أخذ ابن القَيِّم - ﵀ - في الجواب عن هذا السؤال - بعد أن بَيَّنَ أَهَمِّيَتَه وعظمَ شأنه - فذكر جملة من الضوابط والقواعد التي يمكن من خلالها معرفة ذلك، مع إيراد جملة من الأمثلة من الأحاديث الموضوعة تحت كل قاعدة. وقد ذَكَرَ ضمن ذلك جملةً من الأحكام الكُلِّيَّةِ الجامعة، كقوله: الأحاديث الواردة في ذلك كلها كذب، أو: لا يصح منها شيء، ونحو ذلك.\nوهذا هو أهم أبواب الكتاب وأكبرها، وأكثرها فوائد١.\nالسؤال الثالث: عن حديث \"لا مهدي إلا عيسى بن مريم\"، وكيف يأتلف مع أحاديث المهدي وخروجه؟ وما وجه الجمع بينهما؟ وهل في المهدي حديث أم لا؟\nفأخذ في الجواب عن ذلك، وذكر الأحاديث المتواترة في ذكر المهدي وأخباره، وقَسَّمَ الأحاديث الواردة في المهدي أربعة أقسام: صحاحٌ، وحسانٌ، وغرائب، وموضوعة. وأقوال العلماء في المهدي، وذكَرَ من خَرَجَ من الكَذَّابِيْن ممن ادَّعى أنه المهدي.\nومن هذا العرض يتضح لنا: أن هذا الكتاب يتضمن الكلام على جملة من الأحاديث، وبيان صحيحها من ضعيفها، وإزالة الإشكالات عن بعضها، والتوفيق بين ما يبدو متعارضًا منها، مع اشتماله بصورة أكبر على\n_________\n١ انظر: المنار المنيف: (ص٤٣ - ١٤١) .","vol":"1","page":302},{"text":"مباحث مهمة في الأحاديث الموضوعة، وجملة من القواعد والضوابط لمعرفة الحديث الموضوع بالنظر إلى متنه دون إسناده.\nولا يخلو الكتاب - مع ذلك كُلِّهِ - من جملة من الفوائد والتعليقات، والشروح والإيضاحات، التي لا يخلو منها كتابٌ من كتب ابن القَيِّم ﵀.\n٣- سبب تأليف الكتاب:\nذكر الشيخ أبو غدة في سبب تأليف هذا الكتاب: أن ابن القَيِّم - ﵀ - أَلَّفَهُ إجابةً لسائل سأله: (هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط ...؟) فجاء هذا الكتاب جوابًا على هذا السؤال، وأنه أضاف إلى هذا الجواب جوابين لسؤالين آخرين١.\nولا أدري ما وجه هذا الكلام من الشيخ أبي غدة؟ وما وجه حصره سبب تأليف الكتاب في أنه جواب هذا السؤال بالذات؟ وما دليله على ذلك؟\nفالذي أمامنا: أن الكتاب جوابٌ للأسئلة الثلاثة السابقة مجتمعة، وعلى الترتيب الذي بَيَّنَّا، فما وجه تخصيص السؤال الثاني من بينها بأنه سبب تأليف الكتاب؟ لا سيما وقد توسط هذا السؤال الكتاب، وجاء معطوفًا على السؤال الأول بقوله: \"وسُئِلْتُ...\"؟!.\n٤- منهج المؤلف في الكتاب:\nلا يختلف المنهج العام لابن القَيِّم في هذا الكتاب كثيرًا عن منهجه\n_________\n١ مقدمة المحقق للمنار المنيف: (ص١٠ - ١١) .","vol":"1","page":303},{"text":"في بقية مؤلفاته، من حيث طريقة تناوله للمسائل الحديثية والفقهية وغيرها، ومع ذلك: فإن الفصل الخاص بالأحاديث الموضوعة وضوابط تمييزها هو الذي يحتاج إلى تسجيل بعض الملاحظات حول منهجه فيه، فمن ذلك:\nأولًا: يذكرُ ابن القَيِّم - ﵀ - الضابطَ أو الْمِعْيَار الذي يُعْرَفُ به كون الحديث موضوعًا، ثم يذكر أمثلة لذلك من الأحاديث الموضوعة.\nوقد أدخلَ ابن القَيِّم ضمن هذه الضوابط: أحكامًا كُلِّيَّةً جامعةً، كقوله أثناء سرد هذه الضوابط: \"ومنها: أحاديثُ العقل، كُلُّهَا كَذِبٌ...\"١ وقوله: \"ومنها: الأحاديث التي يُذْكر فيها الخَضِرُ وحياته، كلها كذب ... \"٢. وقوله: \"ومنها: أحاديث صلوات الأيام والليالي...كل أحاديثها كذب\"٣. وغير ذلك.\nفهل هذه الأحكام الكُلِّيَّة الجامعة تدخل ضمن تلك القواعد التي يُسْتَدلُّ بها على وضع الحديث؟ الذي أراه أن بينهما فرقًا، فهذه قواعدُ تعينُ الناظر على معرفة كون الحديث ليس من كلام النبي ﷺ، إذا أحسن تطبيقها، أما هذه الأحكام الكلية على أحاديثِ أبوابٍ بعينها: فإنها من تطبيقاتِ هذه القواعدِ، ولا يصلُ إليها الشخصُ إلا بعدَ بحثٍ ودرسٍ لأحاديث ذلك الباب وجمعها.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٦٦) .\n٢ المنار المنيف: (ص٦٧) .\n٣ المنار المنيف: (ص٩٥) .","vol":"1","page":304},{"text":"ولذلك أرى - والله أعلم - أن هذه الأحكام والضوابط الجامعة لا مكان لها بين هذه القواعد التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا.\nويدلُّ على ذلك: أنه بعد سرده لهذه القواعد والضوابط قال: \"فصل في ذكر جوامع وضوابط كلية في هذا الباب...\"١ ثم أخذ في إصدار تلك الأحكام الكلية على أبواب بعينها: أنه لا يصح فيها شيء، فبدأ بأحاديث الحَمَام، ثم أحاديث اتخاذ الدجاج، ثم أحاديث ذم الأولاد ... إلى آخر هذه الأحكام الكلية؛ لذا أرى أن ما ذكره من هذه الأحكام الجامعة أثناء ذكر القواعد: مكانه الصحيح ضمن هذه الفصول التي عقدها لهذا الغرض، والله أعلم.\nثانيًا: قد يذكرُ ابن القَيِّم أثناء سرده الأحاديث الموضوعة: الشخص الْمُتَّهَمَ بوضعه، مع بيان حاله، وكلام العلماء فيه. وقد يذكر فِرْقَةً أو طائفة متهمة بوضع حديث ما، كقوله في حديث فضل العدس: \"ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على الْمَنِّ والسلوى، أو أشباههم\"٢. وقوله في بعض الأحاديث الموضوعة في فضائل علي: \"كما يَزْعُمُ أَكْذَبُ الطوائف...\"٣ يعني الرافضة.\nثالثًا: قد يُبَيِّنُ - ﵀ - أثناء سرد أحاديث الباب: أن أمثل شيء جاء فيه كذا، ولا يعني بذلك صحة هذا الأمثل دائمًا، ولكنَّ ذلك قد يكون من باب: أصح الضعيفين، فمن ذلك:\n_________\n١ المنار المنيف: (ص ١٠٦) .\n٢ المنار المنيف: (ص ٥٢) .\n٣ المنار المنيف: (ص ٥٧) .","vol":"1","page":305},{"text":"- قوله في الأحاديث الواردة في الصخرة ببيت المقدس - بعد أن حكمَ بوضعها-: \"وأرفع شيء في الصخرة: أنها كانت قِبْلَةَ اليهود، وهي في المكان كيوم السبت في الزمان، أبدل الله بها هذه الأمة الْمُحَمَّدِيَّةَ الكعبة البيت الحرام\"١.\n- وقال في الأحاديث الواردة في يوم عاشوراء: \"وأمثل ما فيها: مَنْ وسَّعَ على عياله يوم عاشوراء، وسَّعَ الله عليه سائر سَنَتِهِ. قال الإمام أحمد: \"لا يصح هذا الحديث\"٢.\n- وقال في أحاديث الأَبْدَالِ والأقطابِ والأَغْواثِ: \"وأقرب ما فيها: لا تَسُبُّوا أهل الشام؛ فإن فيهم البدلاء... ذكره أحمد، ولا يصح أيضًا؛ فإنه منقطع\"٣.\nرابعًا: يُصْدِرُ ابن القَيِّم - كما سبق بيانه - أحكامًا كلية جامعة في بعض الأبواب، فيقول: \"كلُّ حديثٍ في الصخرة فهو كذب مفترى\"٤. ونحو ذلك من الأمثلة الكثيرة التي احتلت جزءًا كبيرًا من كتابه.\nوقد يستثني من هذه الأحكام الكلية بعض الأحاديث، كقوله: \"أحاديث فضائل الدِّيكِ كُلُّهَا كذب، إلا حديثًا واحدًا: إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله فصله\"٥.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص ٨٨) .\n٢ المنار المنيف: (ص ١١٢) .\n٣ المنار المنيف: (ص ١٣٦) .\n٤ المنار المنيف: (ص ٨٧) .\n٥ المنار المنيف: (ص ١٣٠) .","vol":"1","page":306},{"text":"ولكنَّ بعض هذه الأحكام التي أصدرها ابن القَيِّم - ﵀ - لا تُسَلَّم له؛ إذ إن بعض الأبواب التي أطلق القول بعدمِ صحة أيِّ حديثٍ فيها، قد وُجِدَ فيها بعض الأحاديث على خلاف ذلك، وأنها تُستثنى من الحكم بالكذب أو الوضع. وقد نبَّه محقق الكتاب على شيء من ذلك١، ولكن تلك الملاحظات الطفيفة لا تُقَلِّلُ من شأن الكتاب بحال، وبخاصة إذا قُورنت بغزارة الفوائد التي احتواها هذا الكتاب.\n٥- أصل الكتاب:\nذهب الشيخ أبو غدة في مقدمة تحقيقه للكتاب إلى أن (المنار المنيف) مختصر من كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي، فقال: \"وهذا الكتاب اللطيف الحجم، الغزير العلم... اختصر فيه الإمام ابن القَيِّم كتابَ الإمام أبي الفرج بن الجوزي المسمى: (الموضوعات)، وأحسن الاختصار وأجاده...\"! ٢.\nكذا قال الشيخ، وأرى أنَّ هذه دعوى لا دليل عليها، وذلك لما يلي:\n- أن كتاب (المنار المنيف) ليس كتابًا مصنفًا في الأحاديث الموضوعة فحسب، ولكنه اشتمل - إلى جانب ذلك - على فصول أخرى في بيان الصحيح والضعيف، وغير ذلك كما مضى، ولذلك فإن هذا الكتاب لا يمكنُ إدراجه بجملته ضمنَ الكتب المصنفة في جمع الأحاديث الموضوعة، فضلًا عن عَدِّهِ اختصارًا لكتاب ابن الجوزي.\n_________\n١ انظر مثلًا: (ص٥٦، ٦٠، ٦٥، ٨٧) .\n٢ المنار المنيف: (ص ١١ - ١٢) .","vol":"1","page":307},{"text":"- أنَّ الكتاب جوابٌ لأسئلة طُرحت على ابن القَيِّم كما تقدم، مما يجعله بعيدًا عن أن يكون متعلقًا بكتاب آخر.\n- لم ينص ابن القَيِّم على اختصاره هذه الفوائد والأجوبة من كتاب ما، وما يمنعُ ابن القَيِّم - ﵀ - من النص على ذلك إن كان واقعًا.\n- لم أقف على من ذكر ذلك غير أبي غدة، بل ذكروا من مختصري كتاب ابن الجوزي: السفاريني، والسيوطي، وعلي بن أحمد الفاسي١.\n- يوجد تفاوتٌ كبيرٌ بين الكتابين: في المنهج والأسلوب، والمادة والمحتوى، وفي الترتيب والعرض.\n- لابن القَيِّم في (المنار المنيف) مصادره الخاصة به، التي أضاف منها مادةً لا يمكن وجودها في (موضوعات) ابن الجوزي، كالنقل عن شيخيه: ابن تَيْمِيَّة، والمزي، وغير ذلك من المصادر.\n- كما أن لابن القَيِّم في الكتاب أسلوبه المتميز المعروف، الذي تَظْهرُ فيه شخصيته النقدية واضحةً، مع الشرح والتحليل لبعض القضايا، التي لا يُوجد منها شيء في (الموضوعات) .\nفهذا ما ظهر لي في هذه القضية، وأنه لا يوجد دليلٌ - صريح أو غير صريحٍ - على أن ابن القَيِّم قد اختصر (الموضوعات) لابن الجوزي في كتابه هذا، فإن كان الشيخ يقصد بذلك: أن ابن القَيِّم استفاد من كتاب\n_________\n١ انظر: الرسالة المستطرفة: (ص ١١٢-١١٣) .","vol":"1","page":308},{"text":"ابن الجوزي كثيرًا في باب الموضوعات، وأنه - كما عَبَّر الشيخ - \"قد استخلص من الأبواب التي ساقها ابن الجوزي ضوابط وأمارات تدل على الحديث الموضوع\"١: فإن الأمر قد يكونُ مقبولًا شيئًا ما، أما أن يكون مجرد اختصار له: فلا، والله أعلم.\n٦- قيمة الكتاب:\nمن خِلال العَرْضِ المتقدم يَتَبَيَّنُ لنا: أن هذا الكتاب يُعَدُّ مرجعًا مهمًا في مجال نقد المتن، وذلك بما اشتمل عليه من ضوابط وقواعد تعين على تمييز الحديث الموضوع من خلال النظر إلى متنه دون إسناده.\nهذا بالإضافة إلى ما تضمنه من أحكام حديثية: بالصحة، والحسن، والضعف، والكلام على الكثير من الرواة جرحًا وتعديلًا، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا يُستغنى عنها، والتي لا يخلو منها كتاب من كتب العلامة ابن القَيِّم ﵀.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص ١٢) .","vol":"1","page":309},{"text":"ثالثًا: (فوائد في الكلام على حديث الغَمَامَةِ وحديث الغَزالةِ والضَّبِّ وغيره)\n١- اسم هذه الرسالة:\nوردت هذه الرسالة بهذه التسمية في (فهرس مخطوطات المكتبة الظاهرية) ١ للشيخ الألباني، وأفاد أنها من محفوظات المكتبة الظاهرية، تحت رقم عام ٥٤٨٥ (ق١٠٠/١ - ١١٧/٢) .\nوهذه التسمية: لعلَّ الشيخ الألباني أخَذَها من موضوع الرسالة؛ فإنها تبدأ بالكلام على أحاديث الغمامة، والغزالة، والضب، والناقة، وغيرها.\nووقفت على نسخة منها مصورة عن النسخة الظاهرية، ومحفوظة بمكتبة المخطوطات، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية، ضمن مجموع برقم (١٠١٠) م ١٤٨. وجاء عنوانها في هذه المصورة: (فائدةُ على بعض الأحاديثِ الْمُشْتَهِرَة) .\nووقفت على صورة منها - أيضًا - في مكتبة فضيلة شيخنا العلامة حماد الأنصاري ﵀، وكُتِبَ عليها -ولعله خط الشيخ حماد-: (رسالة لابن القَيِّم في الموضوعات) .\nومن هذا العرض يتبين: أن هذه الرسالة لم يسمها مؤلفها، ولا أحد ممن ذكر مؤلفاته من مترجميه، وقد وَضَعَ لها بعض الواقفين عليها\n_________\n(ص١٠٠) .","vol":"1","page":310},{"text":"أسماء بحسب ما رأى كل واحدٍ منهم أنه يناسب موضوعها، ولعل أقرب الأسماء إلى موضوعها: تسميتها بأنها (رسالة في الموضوعات) لما سيأتي بيانه.\n٢- وصف الرسالة:\nتقع الرسالة في حوالي تسع عشرة (١٩) ورقة ذات صفحتين. وقد كُتِبَتْ بخط نسخي واضح وجيد، وهي مصححة، ومقابلة كما يتضح من بعض التعليقات والتصحيحات في حواشيها.\nويبدو أنها جاءت ضمن مجموعة من الفوائد جمعها شخص في الأحاديث الموضوعة خاصة؛ فقد جاء فيها - في الورقة الأولى وبالخط نفسه -: \"فائدة أخرى من غير مختصر الأباطيل\". ثم قال بعد ذلك:\n\"فائدة أخرى من كلام الشيخ الإمام العالم، مفتي المسلمين، ناصر السنة المحمدية، أبي عبد الله، شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب، الزرعي الحنبلي تغمده الله برحمته آمين، قال: الحمد لله، أما حديث الغمامة...\"١.\n٣- موضوع الرسالة:\nالرسالة - كما يظهرُ من كلام ابن القَيِّم في أولها - عبارةٌ عن جواب عن جملة من الأحاديث، سُئِل عنها فأخذ في الكلام عليها، وبيان حالها. وأغلبها من الأحاديث المنكرة والموضوعة كما سيأتي.\n_________\n(ق١/أ)","vol":"1","page":311},{"text":"- فقد بدأها بالكلام على حديث الغمامة التي أَظَلَّتْ النبي ﷺ في سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب وهو صغير.\n- ثم حديث الغزالة التي كَلَّمَتْ النبي ﷺ.\n- ثم حديث الضَّبِّ الذي نطق بالوحدانية بين يديه ﷺ.\n- ثم حديث الناقة التي نَطَقَتْ عنده.\n- وكذا حماره يعفور وتكليمه إياه، مع بيان نكارة بعض هذه الأحاديث وكذب بعضها الآخر.\nويُلاحظُ وحدة الموضوع الذي يجمع هذه الأحاديث الخمسة، وهو إثبات بعضِ المعجزات للنبي ﷺ، وقد أفاض ابن القَيِّم في الكلام عليها، فاستغرق ذلك قريبًا من نصف الرسالة.\n- ثم ذكر بعد ذلك جملةً من الأحاديث الموضوعة: كأحاديث حياة الخضر، وحديث عوج بن عنق، وأحاديث فضائل السور، وصلوات الأيام والليالي والأسبوع وغير ذلك، وهذه يقرب تناوله لها وكلامه عليها من كلامه في (المنار المنيف) .\n- ثم انتقل إلى الكلام على جملة من الأحاديث المتعلقة بالمساجد، فذكر تحت ذلك عدة فصول، منها:\n- فصل في تعاهد النعل عند دخول المسجد.\n- فصل أنه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.\n- فصل في الامتناع عن حضور المسجد لأجل البرد.\n- فصل في اتخاذ المسجد بيتًا.","vol":"1","page":312},{"text":"إلى آخر هذه الفصول المتعلقة بالمساجد، ثم عقد بعد ذلك فصلًا في الصلاة في السفينة.\nوقد بَيَّن في كلِّ فصلٍ من هذه الفصول نكارةَ بعضِ الأحاديثِ الواردة فيها، وكَذِبِ بعضها، مع بيانِ ثبوتِ أصلٍ لأكثر هذه الأحاديث من جهات أخرى صحيحة.\nومن هذا الْعَرْضِ يتضح أنَّ موضوعَ الرسالة: هو الكلامُ على جملة من الأحاديث الضعيفة، والمنكرة، والموضوعة، وبيان حالها تفصيلًا.\n٤- نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم:\nسبقت الإشارة إلى أن هذه الرسالة لم يَذْكُرْهَا أحدٌ من الذين ترجموا لابن القَيِّم، ولم أقف - كذلك - على أَيَّةِ إشارة من ابن القَيِّم إليها.\nوقد تَوَقَّفَ الشيخ بكر أبو زيد في نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم، وكان سبب ذلك عنده:\n- أن ابن القَيِّم كثير النقل فيها عن الذهبي، ووصفه مرةً بأنه شيخه، مع أن الذهبي - كما يرى الشيخ بكر - تلميذ لابن القَيِّم، ومن ثمَّ فإنَّ نَمَطَ الرسالة غريب على مسلك ابن القَيِّم في التأليف.\n- وأنه لم ينكشف له من أسباب التوثيق ما يقضي بنسبتها لابن القَيِّم١.\n_________\n١ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٧٨ - ١٧٩) .","vol":"1","page":313},{"text":"وأقول وبالله التوفيق:\nأما القول بأن الذهبي تلميذ لابن القَيِّم: فقد تقدم الجواب عن ذلك وبيانه عند الكلام على شيوخ ابن القَيِّم، وأن الأدلة تثبت تلمذة ابن القَيِّم للذهبي١.\nوأما أسباب التوثيق التي تؤكد نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم: فقد انكشف لي بعض ذلك، فمن هذه الأدلة:\nأولًا: نقل ابن القَيِّم كثيرًا في أثناء هذه الرسالة عن شيخه ابن تَيْمِيَّة ﵀، وبأسلوبه المعهود في ذلك، فمن ذلك:\nقوله: \"وسمعت شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة...\"٢.\nوقوله: \"سمعت شيخنا أبا العباس بن تَيْمِيَّة ...\"٣.\nوقوله: \"سمعت شيخنا ابن تَيْمِيَّة - ﵀ - يقول...\"٤.\nإلى غير ذلك من المواضع العديدة التي نَقَلَ فيها عن شيخه شيخ الإسلام٥.\nثانيًا: وجود تطابق كبير بين هذه الرسالة وبين سائر كتب ابن القَيِّم من حيث: أسلوبه في الكتابة والتعبير، ومنهجه في البحث والمناقشة للقضايا، وطريقة عرضها وتحليلها.\n_________\n١ انظر ص: (١٥٥) .\n٢ رسالة الموضوعات: (ق٩/أ) .\n٣ رسالة الموضوعات: (ق٩/ب) .\n٤ رسالة الموضوعات: (ق١٢/ب) .\n٥ انظر من ذلك: (ق٨/أ، ١٠/ب، ١٣/أ) .","vol":"1","page":314},{"text":"يلمس ذلك كله من له خبرة ومعرفة بأسلوب ابن القَيِّم وطريقته في الكتابة والتأليف، وقد وافقني على ذلك بعض من طالَعَ الرسالة واستفاد منها.\nثالثًا: وجودُ تطابقٍ كامل بين كلامه على بعض القضايا التي تناولها في هذه الرسالة، وكلامه على القضايا نفسها في كتبه الأخرى، ومن أمثلة ذلك:\n١- أنه تناول في هذه الرسالة قضية وقوع الغلط والوهم من الثقة أحيانًا، وأن إخراج أصحاب الصحيح لهذا الثقة فيما لم يخطئ فيه، لا يجعل ما أخطأ فيه على شرطهما١.\nوقد تناول القضية بعينها في كتابه (الفروسية) ٢، فتطابق كلامُهُ في الكتابين إلى حدٍّ كبير.\n٢- أنه تناوَلَ - عند كلامه على حديث الغمامة - قضية ردِّ أبي طالب النبي ﷺ إلى مكة لَمَّا نصحه بذلك بحيرى الراهب، وما جاء في الترمذي في هذه القصة: وأرسل معه أبو بكر بلالًا ﵁، وأنَّ ذلك من الغَلَطِ الظَّاهِرِ في هذه القصة٣.\nوقد تناول القضية بعينها ونَبِّهَ على هذا الغلط في كتابه (زاد المعاد) ٤، وبالطريقة نفسها، بشيء من الاختصار.\n_________\n١ رسالة الموضوعات: (ق٤/أ) .\n(ص٤٥) .\n٣ رسالة الموضوعات: (ق٢/أ) .\n(١/٧٦) .","vol":"1","page":315},{"text":"رابعًا: يُلاحظُ - أيضًا - وجودُ تطابقٍ كبيرٍ بين مَصَادِرِ ابنِ القَيِّم في هذه الرسالة، وطريقة نقله منها، وتعامله معها، وبين مصادره في سائر كتبه، وليُنْظَرْ - على سبيل المثال - قوله في هذه الرسالة: \"روينا في الغيلانيات\"١، وقد استعمل الطريقة نفسها في النقل عن هذا الكتاب في (اجتماع الجيوش الإسلامية) ٢ فقد وجدت فيه العبارة بحروفها.\nخامسًا: وجودُ تطابقٍ تَامٍّ بين كلام ابن القَيِّم وطريقة معالجته لجملة من الأحاديث الموضوعة في هذه الرسالة، وكلامه على الأحاديث نفسها في كتابه (المنار المنيف)، فمن ذلك:\n١- الكلام على الأحاديث الواردة في حياة الخضر، فقد تطابق كلامه في الكتابين في عدة نقاط، منها على سبيل المثال:\n- قوله: \"قال شيخ الإسلام: لو كان الخَضِرُ حيًا لوجب عليه أن يَتَّبِعَ النبي ﷺ، ويكون معه، ويجاهد الكفار معه، ولا يتخلف عنه...\"٣.\n- وقوله: \"سُئِلَ محمد بن إسماعيل البخاري عن الخضر وإلياس، هل هما في الأحياء؟ فقال: وكيف يكون هذا وقد قال النبي ﷺ: \" لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض أحد\" \"٤.\n٢- الكلام على حديث عوج بن عنق الطويل، فقد تطابق كلامه في الكتابين في عدة نقاط، منها:\n_________\n١ رسالة الموضوعات: (ق١٦/أ) .\n(ص ٢١٠) .\n٣ رسالة الموضوعات: (ق٩/أ)، وقارن مع (المنار المنيف): (ص٦٨) .\n٤ رسالة الموضوعات: (ق٨/ب)، وقارن مع (المنار المنيف): (ص٦٧ - ٦٨) .","vol":"1","page":316},{"text":"- قوله: \"وأظنه من وضع زنادقة اليهود الذين غَرَضُهم السخرية من أتباع الرسل\"١.\n- وقوله: \"والعجب ممن يخفى عليه كذبُ هذا الحديث وبطلانه، كيف يرويه ويذكره في تفسيره أصدق الكلام، حتى قال الثعلبي ... \"٢.\n٣- أحاديث فضائل السور، فقد تطابق كثير من كلامه عنها في الكتابين فمن ذلك:\n- قوله: \"والذي صحَّ في فضائل القرآن من السور: حديث فضل الفاتحة، وسورة البقرة، وآل عمران، وسورة الإخلاص، والمعوذتين\"٣.\nوبالجملة، فالتشابه كبير بين الكتابين: في المادة، وفي الأسلوب وطريقة العرض، يتضح ذلك بأدنى مقارنة بينهما، الأمر الذي يؤكد - بدون شك - صحة نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم.\nسادسًا: ما جاء في مطلع الرسالة من التصريح بذكر ابن القَيِّم، ونسبة هذه الفوائد إليه، فإن ذلك إذا ضُمَّتْ إليه الأدلة السابقة: أكدت صدقه وثبوته.\nتلك بعض الأدلة التي ظهرت لي، مما يُسْتأنس به في تأكيد صحة نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم ﵀.\n_________\n١ رسالة الموضوعات: (ق٩/ب)، وقارن مع (المنار المنيف): (ص ٧٨) .\n٢ رسالة الموضوعات: (ق٩/ب)، وقارن مع (المنار المنيف): (ص٧٧) .\n٣ رسالة الموضوعات: (ق١٢/أ)، وقارن مع (المنار المنيف): (ص ١١٣) .","vol":"1","page":317},{"text":"٥- منهجه في هذه الرسالة:\nلا يكاد يختلف منهج ابن القَيِّم - كما سبق التنبيه - في هذه الرسالة، عن منهجه العام في كتبه الأخرى، وبخاصة الكتب ذات الطابع الحديثي، وكذا كتبه الأخرى التي تخللتها بعض المباحث الحديثية.\nوقد تَمَيَّزَ منهجه في هذه الرسالة: بالتوسع في دراسة بعض الأحاديث، وتفصيل القول في بيان عللها، ومناقشتها، وذكر أقوال العلماء في ذلك كله، وبخاصة الأحاديث الخمسة التي وقعت في أول الرسالة.\n٦- قيمة هذه الرسالة:\nتُعَدُّ هذه الرسالة دُرَّةً من دُرَرِ ابن القَيِّم النفيسة، فهي تحوي جملة من الأحكام الحديثية: بالضعف، والنكارة، والوضع، وفي بعض الأحيان: بالصحة، سواء ما كان من كلامه، أو من كلامٍ نَقَلَهُ عن غيره من علماء أعلام.\nوتظهر فيها شخصية ابن القَيِّم المتميزة في تعليقات له قَيِّمَةٍ ومفيدةٍ في خلال أبحاثه، وكما هي عَادَتُهُ في سائر كتبه.\nوبذلك تنضمُّ هذه الرسالة إلى قائمة مؤلفات ابن القَيِّم وبحوثه النافعة في خدمة الحديث النبوي وعلومه، وتَمْيِيز صحيحه من سقيمه، وسليمه من معلوله، وصدقه من مكذوبه١.\n_________\n١ وقد طُبِعَت هذه الرسالة مؤخرًا بعد تقديم أطروحتي هذه، وكتابتي هذه السطور، بتحقيق الأخوين الفاضلين: مشهور بن حسن آل سلمان، وإياد بن عبد اللطيف القيسي، في سنة ١٤١٦هـ، وصدرت عن دار ابن الجوزي، بالمملكة العربية السعودية، وهي طبعة جيدة معتنىً بها.","vol":"1","page":318},{"text":"وبعدُ، فهذه أهم مؤلفات ابن القَيِّم الحديثية التي رأيت أن أُبْرِزَها وأتوسع في الكلام عليها وأنا أتحدث عن حياة ابن القَيِّم التأليفية، ومنهجه في ذلك، وما تَرَكَهُ من مؤلفات، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الباب الثاني: آراء ابن القيم ومنهجه في الحديث وعلومه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الأول: آراء ابن القيم وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول: أقسام الخبر</span>\n...\nتمهيد\nفي ذكر إضاءات وقبسات من دُرَرِ كلام العلامة ابن القَيِّم ﵀، جعلتها توطئة وتقدمة بين يدي هذا الباب، وأجملها في النقاط التالية:\nأ - بيان حفظ الله - سبحانه - لسنة نبيه ﷺ.\nلقد بعث الله - عزوجل - نبيه محمدًا ﷺ بالهُدَى ودين الحق، وأنزل عليه كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأمره بتبليغه إلى الناس كافة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] .\nوتَكَفَّلَ - سبحانه - بحفظ هذا الكتاب، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .\nوقد وَكَلَ إلي نبيه ﷺ مهمة البيان للقرآن، فقال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .\nوقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .\nفَقَامَ رسول الله ﷺ بذلك خير قيام: يُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ، ويُقَيِّدُ مطلقه، ويشرح ألفاظه، ويُوَضِّحُ أَحْكامه ومعانيه، فكان هذا البيان منه ﷺ هو سُنَّتَه التي بين أيدينا.","vol":"1","page":325},{"text":"ولما كان هذا البيان منه ﷺ بيانًا لكتاب الله، فإنه كان مؤيدًا في ذلك من الله عزوجل، وكانت سُنَّتُه وحيًا من عند الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .\nوقال عزوجل آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .\nوقال ﷺ: \"ألا إني أوتيتُ الكِتَاَب ومثله معه\" ١.\nقال أبو محمد بن حزم ﵀: \"والذِّكْرُ اسم واقعٌ على كل ما أَنزلَ الله على نَبِيِّهِ: من قرآنٍ، أو سُنَّةٍ وحيٍّ يبيِّنُ بها القرآن\"٢.\nوفيما يلي نصوص فريدة عن العلامة ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الموضوع:\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى بالتوضيح والبيان، فقال مرة - بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على أن السنة وحي من الله - قال: \"فَعُلِمَ أن كلام رسول الله ﷺ في الدين كله وحي من عند الله، وكل وحي من عند الله فهو ذكر أنزله الله.\n_________\n١ أخرجه أحمد في المسند (٤/١٣١)، وأبو داود (٥/١٠) ح ٤٦٠٤ ك السنة، باب في لزوم السنة، وابن حبان في صحيحه - الإحسان (١/١٠٧) ح ١٢. قال الشيخ الألباني: \"صحيح\". (صحيح الجامع ح ٢٦٤٣) .\n٢ الإحكام في أصول الأحكام: (١/٣٦) .","vol":"1","page":326},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، فالكتاب: القرآن، والحكمة: السنة.\nوقد قال النبي ﷺ: \"وإني أُوتِيتُ الكتاب ومثله معه\"، فأخبَر أنه أُوتي السُّنَّة كما أُوتي الكتاب\"١.\nوقال - ﵀ - في موضع آخر: \"إن كلَّ ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما أنزل الله وهو ذكرٌ من الله أنزله على رسوله\"٢.\nفإذا تبين أن سنة رسول الله ﷺ من الذكر الذي أنزله الله عليه، فإنها بذلك تكون داخلة في الوعد الذي قطعه - سبحانه - على نفسه بحفظ هذا الذكر حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فتكون السنة محفوظة - بحفظ الله عزوجل لها - من طعنِ الطاعنين، وعبث العابثين، وكذب الكاذبين.\n* وقد عبَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن هذا الحفظ الإلهي للسنة النبوية، فقال: \"وقد تكفل الله سبحانه بحفظه - يعني الذكر - فلو جاز على حُكْمِهِ - يعني النبي ﷺ - الكذبُ والغلطُ والسّهوُ من الرواة، ولم يقم\n_________\n١ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٣٧١ - ٣٧٢) . طبعة / دار الفكر.\n٢ المصدر السابق: (٢/٤٨١) .","vol":"1","page":327},{"text":"دليلٌ على غَلَطِهِ وسهوِ نَاقِلِه، لَسَقَطَ حُكْمُ ضَمَانِ الله وكفالَتِهِ لحفظه، وهذا من أعظم الباطل ... \"١.\nوقال ﵀: \"والله تعالى قد ضَمِنَ حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه، ليقيم به حُجَّتَهُ على العباد إلى آخر الدهر ... فلو جاز على هذه الأخبار أن تكون كذبًا، لم تكن من عند الله، ولا كانت مما أنزل الله على رسوله وآتاه إياه، تفسيرًا لكتابه وتبيينًا له.\nوكيف تقوم حجته على خلقه بما يجوز أن يكون كذبًا في نفس الآمر؟ فإن السنة تجري مجرى تفسير الكتاب وبيان المراد، فهي التي تُعَرِّفُنا مراد الله من كتابه، فلو جاز أن تكون كذبًا وغلطًا، لبطلت حجة الله على العباد ... \"٢.\nوهذا ظاهر في أن الله - عزوجل - قد تكفل بحفظ سنة نبيه ﷺ؛ إذ هي بيان لكتابه الكريم، ولو لم يكن هذا الْمُبَيِّن محفوظًا، بحيث لم يُدْرَ صَحِيحهُ من خطئه، ولا صِدْقُهُ من كذبه، لعدم الانتفاع به والاعتماد عليه في معرفة مراد الله من كتابه، وهذا من أبطل الباطل، بل هو محال.\nوإن من مظاهر هذا الحفظ لسنته ﷺ: ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد ظاهر، وعمل دؤوب مُضْنٍ، في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها، ووضع القواعد التي تضبط روايتها، وتحدد قبولها من ردها، وتمحص أحوال نقلتها ورواتها.\n_________\n١ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٤٨١) .\n٢ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٣٧٢) .","vol":"1","page":328},{"text":"ولأجل ذلك، لَمَّا سُئل عبد الله بن المبارك - ﵀ - عن هذه الأحاديث المصنوعة الموضوعة؟ أجاب قائلًا: \"يعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ \"١.\nفعدَّ - ﵀ - جهود هؤلاء الجهابذة في تنقيتها وتمحيصها، من تمام حفظ الله - ﷿ - لدينه وسنة نبيه ﷺ.\nوقد نوَّه ابن القَيِّم - ﵀ - بجهد هذه الطائفة المنصورة المؤيدة، واعتبر ذلك من تمام حفظ الله لهذا الدين، فقال: \"والله - عزوجل - يؤيد من ينافح عن رسوله ﷺ تأييدًا خاصًا، ويفتح له في معرفة نقد الحق من الباطل فتحًا مبينًا، وذلك من تمام حفظه لدينه، فإنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرته إلى أن يأتي أمر الله\"٢.\nفَتَخَلَّصَ من ذلك: تأكيد ابن القيم ﵀ أن هذه السنة النبوية المطهرة لما كانت من وحي الله - عزوجل - الْمُنَزَّلِ، فإنه - سبحانه - قد ضَمِنَ حفظها وصيانتها، وتأييد من يقوم بنصرتها.\nب - بيان وجوب اتباع سنة النبي ﷺ وتعظيمها:\nلما كانت سنة رسول الله ﷺ بالمنزلة التي قدمنا، وعلى الأهمية التي وصفنا، فقد وجب على كل من أراد معرفة الله - عزوجل -\n_________\n١ الجرح والتعديل: (١/١٨)، وتدريب الراوي: (١/٢٨٢) .\n٢ رسالة الموضوعات: (ق٤٣/ب) .","vol":"1","page":329},{"text":"وعبادته على بصيرة أن يتخذ سنة نبيه ﷺ طريقًا إلى تحقيق ذلك، وأن يعبده سبحانه على وفق ما جاء به ﷺ عن ربه.\nولقد حَذَّرَ رسول الله ﷺ مِنْ تَرْكِ سنته والإعراض عنها، بدعوى أنه لا نظير لها في القرآن، فقال ﷺ: \"لا أُلْفِيَنَّ أحدكم مُتَّكِئًَا على أَرِيكَتِهِ، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرتُ به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه\" ١.\nومن كان على هذه الشاكلة - والعياذ بالله - فهو على خطر عظيم، وشرٍّ جسيم، إذ يُفَرِّق بين كتاب الله عزوجل، وسنة نبيه ﷺ، مع أن الكلَّ من عنده سبحانه.\nهذا، مع مخالفة أمره - سبحانه - باتباع نبيه في كل ما جاء به، والأخذ عنه؛ إذ قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .\nوقد وقفت على كلمات رائعة لابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الخصوص، فمنها:\nقال ﵀ - في بيان خطر هؤلاء الذين يتركون السنن إذا لم يكن لها نظير في القرآن، وذلك عند رَدِّهِ على من نازع في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيتها -:\n_________\n١ أخرجه: أبو داود في سننه: (٥/١٢)؛ ٤٦٠٥ ك السنة، باب في لزوم السنة، وابن ماجه في المقدمة: (١/٦) ح١٣، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ. وصححه الشيخ الألباني كما في (تخريج المشكاة): (ح ١٦٢) .","vol":"1","page":330},{"text":"\"بل غايتها - يعني هذه السنة - أن تكون بيانًا لحكم سَكَتَ عنه الكتابُ، ومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حَذَّرَ منه رسول الله ﷺ بعينه: أن تُتْرَك السنة إذا لم يكن لها نَظِيْرُ حُكْمِهَا في القرآنِ\"١.\nيشير - ﵀ - بذلك إلى الحديث الماضي ذكره.\nويقول - ﵀ - في مناسبة أخرى - مؤكدًا وجوبَ التسليم لحكم رسول الله ﷺ ولو خالفه من خالفه، وذلك عند رَدِّهِ على من عارض حديث الصيام عن الميت -: \"ولا سبيل إلى مقابلته - يعني حديث رسول الله ﷺ - إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة كلُّ الخيرة في التسليم له والقولِ به، ولو خالفه مَنْ بين المشرقِ والمغرب\"٢.\nوقال - ﵀ - في خطبة (تهذيب السنن) ٣ محذرًا من ترك سنة النبي ﷺ لآراء الرجال: \"فما ظَنُّ من اتَّخَذَ غير الرسول إمَامَه، ونَبَذَ سُنَّتَهُ وراء ظهرهِ وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأَمَامَهُ، فسيعلمُ يوم العرض: أي بضاعة أضاع، وعند الوزن: ماذا أحضر من الجواهر أو خُرْثِيِّ٤ المتاع\".\n_________\n١ زاد المعاد (٥/٦٩٢) .\n٢ الروح: (ص١٨٣) .\n(١/٧) .\n٤ الخُرْثِي: أردأ المتاع والغنائم، وهي سَقَطُ البيت من المتاع. (لسان العرب: ص١١٢٤ مادة: خرث) .","vol":"1","page":331},{"text":"ونبَّه ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ضرورة العمل بما صحَّ من حديثه ﷺ، وإن كثر المخالفون، فقال - في الرد على من قدم عمل أهل المدينة على السنن الثابتة -: \"وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حُجَّةً على بعض، وإنما الْحُجَّةُ اتباع السُّنَّةِ، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خِلافِهَا، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لَتُرِكَتْ السنن وصارت تبعًا لغيرها.\nوالسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة، ولم تُضْمن لنا العصمة - قط - في عمل مصر من الأمصار دون سائرها ... فمن كانت السنة معه فَعَمَلُهُ هو العمل المعتبر حقًا، فكيف تترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟ \"١.\nوقال - ﵀ - في مدح أهل السنة، وبيان صفتهم: \"والسنة أجَلُّ في صدورهم من أن يقدموا عليها: رأيا فقهيًا، أو بحثًا جدليًا، أو خيالًا صوفيًا، أو تناقضًا كلاميًا، أو قياسًا فلسفيًا، أو حكمًا سياسيًا\".\nثم يقول: \"فمن قَدَّم عليها شيئًا من ذلك: فبابُ الصواب عليه مسدود، وهو عن طريق الرشاد مصدودٌ\"٢.\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٢/٣٨٠ - ٣٨١) .\n٢ حادي الأرواح: (ص٣٠) .","vol":"1","page":332},{"text":"فهكذا يؤكد ابن القَيِّم - ﵀ - ضرورة التمسك بالسنة، وتقديمها على ما سواها، والتحاكم إليها عند التنازع لا إلى آراء الرجال. ويُحَذِّرُ كل التحذير من الإعراض عنها بدعوى عدم وجود حكمها في القرآن.\nجـ - بَيَانُ فَضِيْلَةِ الإسنادِ، وأَهَمِّيَتِه فِي نَقْل الأحكامِ الشَّرعِيَّة وتوثيقها.\nلقد اختص الله - سبحانه - أمة محمد ﷺ بهذه الخصِّيصة الفاضلة- وهي الإسناد - ومَيَّزَهَا بذلك على سائر الأمم.\nروى الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) ١ بسنده إلى محمد ابن حاتم بن المظفر، أنه قال: \"إِنَّ اللهَ أَكْرَمَ هذه الأمة وشَرَّفَهَا وفَضَّلَهَا بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها - قديمهم وحديثهم - إسنادٌ، وإنما هي صحفٌ في أيديهم، وقد خَلَطُوا بكتبهم أَخْبَارَهُم ... \".\nوقال أبو علي الجياني: \"خصَّ اللهُ هذه الأمةَ بثلاثةِ أشياء لم يُعطها مَنْ قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب\"٢.\nوما هذه الفضيلة الغالية إلا من تمام نعمته - سبحانه - على هذه الأمة: حفظًا للرسالة الخاتمة، وصونًا لها عن عبث العابثين، لتقوم بها حجة الله على خلقه إلى قيام الساعة.\n_________\n(ص٤٠) .\n٢ قواعد التحديث: (ص٢٠١) .","vol":"1","page":333},{"text":"إن الإسناد هو الطريق إلى تلقي الأحكام الشرعية عن سيد المرسلين، وقد أكد الأئمة - ﵏ - هذا المعنى، فكان مما نُقِلَ عنهم في ذلك:\nما رواه مسلم في مقدمة (صحيحه) ١، والترمذي في (العلل المفرد) ٢، والخطيب في (شرف أصحاب الحديث) ٣ بأسانيدهم إلى عبد الله بن المبارك ﵀، أنه قال: \"الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لَقَالَ من شاء ما شاء\".\nوروى مسلم بإسناده إلى ابن المبارك - أيضًا - أنه قال: \"بيننا وبين القوم القوائمُ\"٤. يعني الإسناد.\nوروى الخطيب بسنده إلى سفيان بن عيينة ﵀، أنه قال: \"الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ \"٥.\nوقال الزهري - ﵀ - لإسحاق بن أبي فروة - وقد حَدَّثَ عنده بأحاديث لم يسندها -: \"قَاتَلَكَ الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأكَ على الله، لا تُسْنِدُ حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّةٌ\"٦.\nوالأقوال في هذا المعنى كثيرة مشهورة.\n_________\n(١/٥) .\n(٥/٧٤٠) من جامع الترمذي.\n(ص٤١) .\n٤ مقدمة صحيح مسلم: (١/٥) .\n٥ شرف أصحاب الحديث: (ص٤٢) .\n٦ معرفة علوم الحديث: (ص٦) .","vol":"1","page":334},{"text":"وتظهر أهمية الإسناد، والحرصُ على طلبه والسؤال عنه: في أنه وسيلة تمييز الأخبار، وتمحيص الآثار، فعن طريق النظر في الإسناد يُعْرَف الصحيح من الضعيف، ويُنفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ.\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه: لَدَرَسَ١ منار الإسلام، ولَتَمَكَّنَ أهلُ الإلْحَادِ والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد؛ فإنَّ الأخبارَ إذا تَعَرَّت عن وجودِ الأسانيد فيها كانت بُتْرًا\"٢.\nوقد دلَّ صنيع ابن القَيِّم - ﵀ - وأقواله في أكثر من مناسبة على الاهتمام بأمر الإسناد، والتوقف عن قبول ما ليس له إسناد، فمن الأمثلة على ذلك:\nقوله - ﵀ - في حديث مالك بن يَخامِر، عن النبي ﷺ مرسلًا: \" اللهم صَلِّ على أبي بكر فإنه يحب الله ورسوله ... \": \"لا عِلْمَ لنا بصحة هذا الحديث، ولم تذكروا إسنادَهُ لننظر فيه\"٣.\nوقال مرة في حديثٍ: \"لم يُذكر لهذا الحديث إسناد فيُنْظَرَ فيه، وحديث لا يُعْلَمُ حالُهُ لا يُحْتَجُّ به\"٤.\n_________\n١ دَرَسَ المنزل دُرُوسًا: عَفَا وخفيت آثاره. (المصباح المنير: ١/١٩٢) .\n٢ معرفة علوم الحديث: (ص٦) . والبُتْرُ: جمع أبتر، وهو المنقطع.\n٣ جلاء الأفهام: (ص٢٦٩) .\n٤ عدة الصابرين: (ص١٤٨) .","vol":"1","page":335},{"text":"وقال في حديث صفية في ولادته ﷺ مختونًا: \"ليس له إسناد يُعرف به\"١.\nوقال - أيضًا - متعقبًا ابن عبد البر في حديث ذكره: \"ولم يذكر له إسنادًا فينظر في إسناده\"٢.\nفهذه بعض أقوال ابن القَيِّم - ﵀ - في تأكيد أهمية الإسناد، وعدمِ قبولِ الحديث ما لم يُذكر إسناده؛ إذ إن قبوله متوقف على النظر في حال رواته كما تقدم.\nوأما ما جاء عنه - ﵀ - من قوله في قصة إسلام غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة، وأمر النبي ﷺ له بإمساكٍ أربع منهن: \"فشهرةُ القصةِ تُغني عن إسنادها\"٣.\nوقوله في الآثار المرويَّة عن عمر، وعلي، وعثمان - ﵃ - في جلد الشارب ثمانين: \"وشهرتها تغني عن إسنادها\"٤.\nوقوله عن الشروط العُمَرِيَّة التي كتب بها إلى نصارى أهل الشام: \"وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها: فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها\"٥: فإن\n_________\n١ تحفة المودود: (ص٢٠٣) .\n٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٤٠) .\n٣ المصدر السابق: (١/٣٤٨) .\n٤ إعلام الموقعين: (١/٢١١) .\n٥ أحكام أهل الذمة: (٢/٣٦٣ - ٣٦٤) .","vol":"1","page":336},{"text":"مراده - ﵀ - بذلك: أن هذه الأحاديث والآثار وإن تكلم في أسانيدها، فإن شهرتها، وتلقى الأمة لها بالقبول، والعمل بمقتضاها يقتضي صحتها ولو كان إسنادها فيه ضعف.\nوقد قرَّرَ ذلك كثير من أهل الشأن؛ فقال الحافظ ابن عبد البر - عند كلامه على حديث \"البحر هو الطهور ماؤه\" -: \"وهذا الحديث لا يحتجُّ أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيحٌ؛ لأن العلماء تَلَقَّوهُ بالقبولِ له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء\"١.\nوقال أيضًا في حديث جابر مرفوعًا: \"الدينار أربعة وعشرون قيراطًا\": \"وفي قول جماعة العلماء، وإجماع الناس على معناه غنىً عن الإسناد فيه\"٢.\nوقال أبو إسحاق الإسفراييني: \"تُعرف صحة الحديث: إذا اشتهر عند أئمة الحديث، بغير نكير منهم\"٣.\nوقال السيوطي: \"قال بعضهم: يُحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم يكن له إسناد صحيح\"٤.\nفهذا الذي عناه ابن القَيِّم - ﵀ - بما قال، والله تعالى أعلم.\n_________\n١ التمهيد: (١٦/٢١٨ - ٢١٩) . وانظر: الاستذكار: (١/١٩٨) .\n٢ تدريب الراوي: (١/٦٧) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ المصدر السابق.","vol":"1","page":337},{"text":"الفصل الأول: آراء ابن القَيِّم وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث\nلقد تتبعت من كلام ابن القَيِّم - ﵀ - جملًا كثيرةً وحروفًا بارزة يظهر من مجموعها أنه معدود بحق من الأئمة المعنيين بهذا الشأن الْمُبَرِّزَين فيه.\nوقد صنفت تلك النصوص بحيث تدخل تحت سبعة عشر بابًا من أبواب علوم الحديث، وسأذكرها مرتبة ضمن مباحث هذا الفصل.\nعلى أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن العلاَّمة ابن القَيِّم ﵀ في حديثه عن هذه الأنواع لم يكن بصدد وضع حدود وتعريفات في هذا الفن، إنما كانت الشواهد في ذلك والنصوص تأتي عرضًا:\nإما ضمن مناقشة لخصم، أو ردٍّ على مخالف، أو تأييد اختيار له، فيأتي كلامه في ذلك حسبما يقتضيه الحال ويستدعيه المقام، ولا يعدم الناظر فيها أن يراها نُكَتًا نفيسةً وتعليقات طريفة، وإن كانت لم يُقصد بها الإحاطة بما يتصل بها ولا التقصي له.\nوفيما يلي تعداد هذه الأنواع، كل نوع في مبحث، ثم كلامه - ﵀ - في كل نوع منها، يتخلل ذلك تعليقات مختصرة، وبيان لآراء الأئمة وأقوالهم في كل نوع منها:","vol":"1","page":341},{"text":"المبحث الأول: أقسام الخبر.\nالمبحث الثاني: الحديث الصحيح.\nالمبحث الثالث: الحديث الحسن.\nالمبحث الرابع: المرفوع والموقوف.\nالمبحث الخامس: المرسل.\nالمبحث السادس: تعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع.\nالمبحث السابع: المنقطع\nالمبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس.\nالمبحث التاسع: الشاذ.\nالمبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد.\nالمبحث الحادي عشر: الموضوع.\nالمبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته من تردُّ.\nالمبحث الثالث عشر: رواية المجهول.\nالمبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله.\nالمبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه.\nالمبحث السادس عشر: مختلف الحديث.\nالمبحث السابع عشر: معرفة من اختلط من الرواة الثقات.","vol":"1","page":342},{"text":"المبحث الأول: أقسام الخبر\nالخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث.\nوقيل: الحديث ما جاء عن النبي ﷺ، والخبر ما جاء عن غيره.\nوقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس١.\nوعلى هذا القول الأخير: فإن الخبر أعمُّ من الحديث، من جهة شمول الخبر للمرفوع والموقوف، واختصاص الحديث بالمرفوع فقط.\nأقسام الخبر باعتبار وصوله إلينا:\nينقسم الخبر باعتبار وصوله ونقله إلينا إلى قسمين:\n١- متواتر.\n٢- وآحاد.\nفالمتواتر:\n\"هو ما نقله من يحصلُ العلمُ بصدقهم ضرورةً، عن مثلهم، من أوله إلى آخره\". قاله النووي٢ ﵀.\nوله شروط أربعة، ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀، وهي:\n١- أن يرويه عدد كثير، ولا تنحصر هذه الكثرة في عدد معين على الصحيح، وإنما يُشترط أن تبلغ هذه الكثرة مبلغًا بحيث:\n_________\n١ نزهة النظر: (ص١٨ - ١٩) .\n٢ التقريب: (ص٣١) .","vol":"1","page":343},{"text":"٢- تُحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأن يقع ذلك منهم اتفاقًا من غير قصد.\n٣- وأن يستوي الأمر في هذه الكثرة من ابتدائه إلى انتهائه، فتكون الكثرة في جميع طبقات السند.\n٤- وأن يكون مستند إخبارهم الحسُّ: كمشاهدة أو سماع، لا ما يثبت بقضية العقل الصرف.\nفمتى توافرت في الخبر هذه الشروط، وانضاف إلى ذلك: أن يصحبَ خبرهم إفادة العلم لسامعه، كان الخبر متواترًا١.\nواتفقوا على إفادة المتواتر العلم اليقيني إذا اجتمعت فيه هذه الشروط، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في صفة المتواتر: \" ... المفيد للعلم اليقيني بشروطه\"٢. وقال الشيخ أحمد شاكر: \"أما الحديث المتواتر ...: فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم\"٣.\nرأي ابن القَيِّم وإفادته في هذه المسألة:\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة على النحو التالي:\nأما الحديث المتواتر:\nفقد ذكر أن المتواتر ينقسم إلى قسمين:\n_________\n١ نزهة النظر: (ص١٩ - ٢١) .\n٢ نخبة الفكر: (ص١٨) .\n٣ الباعث الحثيث: (ص٣٥) .","vol":"1","page":344},{"text":"١- متواتر لفظًا ومعنىً.\n٢- متواتر معنى، وإن لم يتواتر لفظه١.\nوبيان ذلك: أن الأخبار إذا اتفقت على معنى كُلِّي مشترك بينها، دون اتفاق ألفاظها، سُمّيَ ذلك: تواترًا معنويًا، كوقائع عمر ﵁ في عدله، وعلي في حروبه، وأبي ذر في زهده؛ فإنها اتفقت على معنى كُلِّي، وهو القدر المشترك بين تلك الوقائع، وهو: شجاعة علي، وعدل عمر، وزهد أبي ذر ﵃.\nفإن اتفقت - مع ذلك - ألفاظُ هذه الأخبار: كان متواترًا لفظًا ومعنىً٢.\nهذا فيما يتعلق بتقسيم الخبر المتواتر.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى الشروط التي يحكم للخبر بمقتضاها بأنه متواتر، فقال:\n\"كالأخبار الواردة في عذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ورؤية الرب تعالى، وتكليمه عباده يوم القيامة ... ونحو ذلك:\n- مما يُعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ جاء بها ... فإنه ما من باب من هذه الأبواب، إلا وقد تواتر فيها المعنى المقصود عن النبي ﷺ تواترًا معنويًا:\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٣٥٥، ٣٥٦) . طبعة / دار الفكر.\n٢ انظر: نظم المتناثر: (ص٩) .","vol":"1","page":345},{"text":"-لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة، من وجوه متعددة.\n- يمتنع في مثلها - في العادة - التواطؤ على الكذب عمدًا أو سهوًا\"١.\nفأشار بذلك - ﵀ - إلى أنه:\n١- يرويه جمع كثير (من وجوه متعددة) .\n٢- تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.\n٣- ويحصل به - مع ذلك - العلم الضروري لسامعه.\nوقد نصَّ في أثناء كلامه على أن هذا من قبيل التواتر المعنوي، وذلك منطبق على الأمثلة التي ساقها.\nثم انتقل - ﵀ - إلى الكلام عن إفادة هذه الأخبار العلم اليقيني، فقال:\n\"وإذا كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها، تمنع التواطؤ على الاتفاق على الكذب ... وتمنع العادة وقوع الغلط فيها: أفادت العلم اليقيني\"٢.\nهذا فيما يتعلق بالمتواتر.\nوأما خبر الآحاد:\nلغة: ما يرويه شخص واحد.\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٣٥٦) .\n٢ مختصر الصواعق: (٢/٣٥٦) .","vol":"1","page":346},{"text":"واصطلاحًا: ما لم يجمع شروط المتواتر١.\nوينقسم الآحاد إلى: مشهور، وعزيز، وغريب.\n- فالمشهور: هو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو \"المستفيض\" على رأي.\n- والعزيز: هو ما رواه اثنان عن اثنين في كل طبقة من طبقاته، وسمي بذلك: إما لقلة وجوده، وإما لقوته بمجيئه من طريق أخرى.\n- والغريب: هو ما انفرد بروايته شخص واحد، في أي موضع وقع التفرد من السند٢.\nوخبر الآحاد يقع فيه المقبول والمردود، بخلاف المتواتر فإنه مقبول كله، لإفادة القطع بصدق مخبره٣.\nإفادة أخبار الآحاد العلم:\nجمهور أهل الحديث، وجمهور أهل الظاهر، وغيرهم: على أن خبر الآحاد يفيد العلم.\nوخالف في ذلك: أهل الكلام، وأكثر المتأخرين من الفقهاء، وجماعة من أهل الحديث، فقالوا: لا يوجب العلم.\nوقد نقل ابن القَيِّم - ﵀ - عن جماعة كثيرين - منهم:\n_________\n١ نزهة النظر: (٢٥– ٢٦) .\n٢ نزهة النظر: (ص ٢٣– ٢٥) .\n٣ نزهة النظر: (ص ٢٦) .","vol":"1","page":347},{"text":"الشافعي، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، وشيخ الإسلام بن تَيْمِيَّة - كلامًا طويلًا نافعًا في إثبات إفادة خبر الواحد للعلم١.\nوانحصر كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الصدد على إفادة خبر الواحد العلم إذا:\n- كان صحيحًا، ورواه الثقات العدول، دون المردود.\n- وكان مما تلقته الأمة بالقبول.\nقال ﵀ - عند تناوله أقسام الخبر-: \" ... أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن مثله، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ\"٢.\nوقال مرة: \"وكلامنا في أخبار:\n- تلقيت بالقبول،\n- واشتهرت في الأمة،\n- وصرَّح بها الواحد بحضرة الجمع ولم ينكره منهم واحد\"٣.\nوقال ﵀ - عقب نقله كلام ابن حزم في إفادة خبر الواحد العلم -: \"وهذا الذي قاله أبو محمد حقٌّ في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول: عملًا واعتقادًا، دون الغريب الذي لم يُعرف تلقي الأمة له بالقبول\"٤.\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٣٦٠ - ٤١٢) .\n٢ المصدر السابق: (٢/٣٥٦) .\n٣ المصدر السابق: (٢/٣٦٥) .\n٤ المصدر السابق: (٢/٣٨٩) .","vol":"1","page":348},{"text":"فابن القَيِّم - ﵀ - يرى أن تلقي الأمة للخبر بالقبول: من أقوى القرائن التي تدل على إفادته العلم١.\nولقد سبق ابنُ الصلاح ابنَ القَيِّم إلى القول بذلك فيما تلقته الأمة بالقبول، لكنه خصَّ ذلك بأحاديث الصحيحين٢.\nويُنَبِّه ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أنه: ليس كل خبر من أخبار الآحاد يفيد العلم، كما لا يجوز القطع بأن أخبار الآحاد كلها لا تفيد علمًا، وإنما ذلك بحسب الدليل القائم بكل خبر:\n- فإن قام دليل كذب الخبر، جُزِمَ بكذبه.\n- وإن كان دليل كذبه ظَنِّيًّا، فإنه يُظَن كذبه.\n- وإذا لم يقم دليل أحدهما، تُوقف في الخبر.\n- وإن قام دليل صدقه جُزِم بصدقه.\n- وقد يترجحُ صدقه دون جزم بذلك.\nويرتكز ابن القَيِّم - ﵀ - في القول بوجوب إفادة خبر الآحاد العلم على حقيقة ثابتة، وهي: أنه إذا حَدَثَ وهمٌ أو خطأٌ أو كذب في الخبر، فلابد من قيام الدليل على ذلك، فيقول: \"وسر المسألة: أن خبر العدول الثقات، الذي أوجب الله تعالى على المسلمين العمل به: هل يجوز أن يكون في نفس الأمر كذبًا أو خطأً ولا يَنْصِبُ الله - تعالى - دليلًا على ذلك؟\n_________\n١ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٣٩٤) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص ١٤– ١٥) .","vol":"1","page":349},{"text":"فمن قال إنه يوجب العلم يقول: لا يجوز ذلك، بل متى وُجدت الشروط الموجبة للعمل به، وجب ثبوت صدق مخبره في نفس الأمر\"١.\nوقد تقدم بيان أن من تمام حفظ الله - سبحانه - لهذا الدين: أن يقَيِّم الدليل على الخطأ والكذب إذا وقعا في الخبر.\nالأدلة على إفادة خبر الواحد العلم:\nثم عقد ابن القَيِّم - ﵀ - فصلًا في سياق الأدلة على إفادة خبر الواحد العلم، فسرد من ذلك جملة كبيرة، فمن ذلك:\n١- أن المسلمين لما أخبرهم مُخْبِرٌ - وهم بقباء في صلاة الصبح - أن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة، قَبِلُوا خبره، وعملوا به، ولم يُنْكِر عليهم رسول الله ﷺ، فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به - وهو قبلتهم الأولى - لخبر لا يفيد العلم.\n٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . وفي قراءة: (فتثبتوا) . فهذه الآية دليل على الجزم بقبول خبر الواحد العدل، وأنه لا يحتاج إلى التثبت.\n٣- أن الله - سبحانه - قد أمر نبيه بالبلاغ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] . فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم، لم يقع به التبليغ الذي تقوم به الحجة على\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٣٧٠) .","vol":"1","page":350},{"text":"العباد؛ إذ إن إرسال عدد التواتر إلى الناس جميعًا متعذر، وكذلك مشافهة النبي ﷺ لكل أحد.\nفقد قامت حجة الله على العباد بما بلَّغَ الثقات من أقواله وأفعاله ﷺ.\n٤- أن هؤلاء المُنْكرين لإفادة خبر الواحد العلم يشهدون شهادة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يَرْوِها عنهم عدد التواتر بحال، فكيف يحصل لهم العلم بأقوال أئمتهم بخبر الواحد، ولا يحصل لهم ذلك بما أخبر به الصحابة عن النبي ﷺ، مع انتشاره في الأمة وتعدد طرقه؟\n٥- ما تقدمت الإشارة إليه: من أنَّ كلَّ ما حَكَمَ به رسول الله ﷺ وَقَالَهُ، فهو من الذكر الذي تَكَفَّلَ الله - سبحانه - بحفظه، فلو جاز على حُكمه الغلط والسهو والكذب من الرواة، ولم يقم دليل على ذلك، لسقطَ حكم ضمان الله وحفظه لهذا الذكر، وهذا من أعظم الباطل.\nإلى غير ذلك من الأدلة القوية المفحمة التي ساقها - ﵀ - في هذا المقام، والتي أوصلها إلى واحد وعشرين دليلًا١.\nحُجِّية خبر الواحد في العقائد والأحكام:\nإن الذين قالوا بأن أخبار الآحاد لا تفيد علمًا، رَتَّبوا على ذلك أمورًا، منها قولهم: إن هذا النوع من الأخبار يُحْتَجُّ به في الأحكام دون العقائد؛ إذ إنها لا تفيد عندهم إلا الظن.\n_________\n١ تنظر هذه الأدلة في \"مختصر الصواعق\": (٢/٣٩٤ - ٤٠٥) .","vol":"1","page":351},{"text":"قال ابن القَيِّم ﵀ مخبرًا عن هؤلاء: \"وطائفة أخرى ردت أحاديث رسول الله ﷺ إذا كانت في باب الصِّفَات، وقَبِلَتْهَا إذا كانت في باب الأحكام والزهد والرقائق ونحوها.\nوهؤلاء طوائفُ من أهلِ الكلامِ الْمُبْتَدعِ المذموم ... \"١.\nثم بَيَّنَ - ﵀ - صواب اعتقاد أهل السنة في هذا الباب، وفساد مذهب من سواهم: فقال: \"وأهلُ الحديثِ والسُّنَّة يَحْتَجُّون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقَدَرِ، والأسماء، والأحكام، ولم ينقل عن أحدٍ منهم البتة أنه جوَّزَ الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلفُ الْمُفَرِّقِين بين البابين؟ نعم، سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه ... فهم الذين يُعْرَفُ عنهم التفريق بين الأمرين، فإنهم قَسَّمُوا الدين إلى مسائل علمية، وعملية، وسموها: أصولًا، وفروعًا ... \"٢.\nوقال مرة: \"فإن الذين نقلوا هذه - يعني أحاديث الأحكام - هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جازَ عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذ: لا وثوق لنا\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٤٤٤) .\n٢ المصدر السابق: (٢/٤١٢- ٤١٣) .","vol":"1","page":352},{"text":"بشيء نُقِلَ لنا عن نبينا ﷺ، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل\"١.\nفتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد أقام الأدلة الواضحةَ القوية على زيف قول من قال: إن أخبار الآحاد لا تفيد علمًا، كما بين فساد قولهم بأن أخبار الآحاد لا يُحْتَجُّ بها في العقيدة؛ إذ لا فرق بين العقيدة وغيرها من أمور الدين في ذلك كما هي عقيدة أهل السنة في هذا الباب، والله أعلم.\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٤٣٣ - ٤٣٤) .","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثاني: الحديث الصحيح</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: في تعريف الحديث الصحيح، وضابطه، وشروطه:\nالحديث الصحيح عند أهل الحديث: هو ما اتصل سنده، بنقل العدل الضابط عن مثله، إلى منتهاه، ولم يكن شاذًا ولا معللًا١.\nفهذا هو الحديث المحكوم له بالصحة بلا خلاف عند أهل الحديث، وهو ما جمع شروطًا خمسة، وهي:\n١- اتصال سنده: بأن يكون إسناده سالمًا من سقوط فيه، بحيث يكون كل راوٍ من رواته سَمِعَهُ ممن فوقه.\n٢- عدالة رواته: والعدل: من له ملكةٌ تحمله على مُلازَمَةِ التقوى والمروءة.\n٣- ضبط رواته: والضبط نوعان:\nأ- ضبط صدر: وهو أن يُثبت ما سمعه، بحيث يستحضره متى شاء.\nب- ضبط كتاب: وهو صيانته لكتابه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه. وقيَّد ابن حجر الضبط بـ \"التام\" إشارة إلى الرتبة العليا من ذلك.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٧ - ٨)، وتدريب الراوي: (١/٦٣) .","vol":"1","page":355},{"text":"٤- عدم الشذوذ: والشاذ هو ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه.\n٥- عدم العلة: بأن لا يكون فيه علة خفية تقدح فيه١.\nوقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - أكثر شروط الحديث الصحيح في عدة مناسبات، وبين أن الحديث لا يصح إلا بتوافر هذه الأمور، فكان مما قال في ذلك:\n\"فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمورٍ، منها:\n١- صحة سنده،\n٢- وانتفاء عِلَّتِهِ،\n٣- وعدم شذوذه ونكارته، وأن لا يكون راويه قد خالف الثقات أو شَذَّ عنهم\"٢.\nومقصوده - ﵀ - بصحة السند هنا: كون رواته عدولًا ضابطين؛ فإنه قال ذلك في معرض رَدِّه على الحاكم، إذ صحَّحَ حديثًا بالاستناد إلى ظاهر سنده، وأن رواته ثقات، فقال: \"صحيح الإسناد\". فرد عليه ابن القَيِّم - ﵀ - بأن صحة السند - وهي ثقة الرواة - شرطٌ من شروط صحة الحديث، وليست وحدها الموجبة لصحة الحديث، بل لا بد أن ينضم إليها شروط أخرى.\nثم بَيَّنَ هذه الشروط وَوَضَّحَهَا في موضع آخر، فقال:\n_________\n١ انظر تفصيل ذلك في: نزهة النظر مع النخبة: (ص٢٩) .\n٢ الفروسية: (ص٤٦) .","vol":"1","page":356},{"text":"\"ثقة الراوي: هي كونه صادقًا لا يتعمد الكذب، ولا يستحل تدليس ما يعلم أنه كذب باطل، وهذا أحدُ الأوصاف المعتبرة في قبول قول الراوي\".\nفأشار - ﵀ - بذلك إلى وصف العدالة، وبين المقصود بها. ثم قال: \"لكن بقي وصفُ الضبط والتحفظ، بحيث لا يُعرف بالتغفيل، وكثرة الغلط\".\nوهذا بيان منه - ﵀ - للمقصود بشرط الضبط وزيادة تفصيل فيه.\nثم قال: \"ووصف آخر: وهو أن لا يشذَّ عن الناس، فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يُتابعُ عليه، وليس ممن يُحْتَمَلُ ذلك منه\"١. وهذا إشارة إلى اشتراط نفي الشذوذ.\nوأشار مرة إلى شَرْطَي العدالة والضبط، مع بيان معناهما، فقال: \"فلم يُشترط فيها - أي الرواية - عددٌ، ولا ذكوريةٌ، بل اشْتُرِطَ فيها: ما يكون مُغَلِّبًا على الظنِّ صدقَ الْمُخْبرِ، وهو: العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط\"٢.\n_________\n١ الفروسية: (ص٥٣) .\n٢ بدائع الفوائد: (١/٥) .","vol":"1","page":357},{"text":"وقد أكَّد - ﵀ - أهمية توافر الضبط والعدالة في الراوي، وأنهما أساس الراوية، فقال في ابن إسحاق: \"وثَّقَهُ كبار الأئمة، وأثنوا عليه بالحفاظ والعدالة اللذَيْن هما ركنا الرواية\"١.\nومن أحكام العدالة التي ذكرها ابن القَيِّم:\nأنَّ وقوع الراوي في بعض الذنوب لا يُنافي العدالة، فقاله ﵀: \"قد يُغلط في مسمى العدالة، فَيُظَن أن المراد بالعدل: من لا ذنب له. وليس كذلك، بل هو عدلٌ مؤتمن على الدين، وإن كان منه ما يتوب إلى الله منه، فإن هذا لا ينافي العدالة، كما لا يُنافي الإيمان والولاية\"٢.\nوهذا المعنى قد أكدَّه الأئمة - ﵏ - قبل ابن القَيِّم، فروى الخطيب في (الكفاية) ٣ بسنده إلى سعيد بن المسيب - ﵀ - أنه قال: \"ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيبٌ لابدَّ، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه، وُهِبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ\".\nوروى بسنده أيضًا إلى الشافعي - ﵀ - أنه قال كلامًا قريبًا من ذلك٤.\nفهذه أبرز شروط الحديث الصحيح كما قررها ابن القَيِّم ﵀، وقد وافق بذلك ما ذهب إليه أئمة الشأن في كلامهم على الصحيح وشروطه وضوابطه.\n_________\n١ جلاء الأفهام: (ص٦) .\n٢ مفتاح دار السعادة: (١/١٦٣) .\n(ص: ١٣٧ - ١٣٨) .\n٤ الكفاية: (ص ١٣٨) .","vol":"1","page":358},{"text":"المسألة الثانية: في الفرق بين قولهم: \"حديث صحيح\"، وقولهم: \"إسناده صحيح\".\nتقدَّم في المسألة التي قبل هذه: بيانُ ابن القَيِّم - ﵀ - لعدم التلازم بين ثقة الرواة وصحة الإسناد، وبين صحة الحديث نفسه.\nفإذا تقرر ذلك، فإنه ينبغي التفريق بين قولهم لحديث: \"حديث صحيح\"، وقولهم: \"إسناده صحيح\".\nوقد نَبَّه على هذه المسألة ابن الصلاح ﵀، فقال في \"مقدمته\"١: \"قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد، دون قولهم: هذا حديث صحيح أو حسن، لأنه قد يُقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولا يصح، لكونه شاذًا أو معللًا\".\nوقد أَكَّدَ ابن القَيِّم هذا المعنى في أكثر من موضع من كتبه، وفي عدة مناسبات، فقال مرة: \"ومن له خبرة بالحديث يُفَرِّقُ بين قول أحدهم: هذا حديث صحيح، وبين قوله: إسناده صحيح. فالأول: جَزْمٌ بصحة نسبته إلى رسول الله ﷺ، والثاني: شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علةٌ أو شذوذ، فيكون سنده صحيحًا، ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه\"٢.\nولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - مُطَبِّقًَا لهذا المبدأ في تعامله مع النصوص الحديثية وحكمه عليها، فمن ذلك:\nقوله في حديث رواه عبد الرزق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \" من حَلَفَ على يمين،\n_________\n(ص١٩) .\n٢ مختصر الصواعق: (٢/٤٧٨) .","vol":"1","page":359},{"text":"فقال: إن شاء الله، لم يحنث\" قال ﵀: \"وهذا الإسناد متفق على الاحتجاج به، إلا أن الحديث معلول\"١.\nوقال في حديث وقوع الفأرة في السمن، وما جاء في رواية: معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة من التفرقة بين الجامد والمائع، قال: \"ولَمَّا كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صحح الحديث جماعة، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحُكِيَ عن محمد بن يحيى الذُّهَلِي تصحيحه، ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا\"٢.\nفهذه بعضُ أمثلة من كلام ابن القَيِّم - ﵀ - تُوَضِّحَ تفرقته بين صحة السند وصحة المتن، وأن الحديث الذي يصح سنده ويكون فيه علة لا يقال له: حديث صحيح، وإن قيل له: صحيح الإسناد.\nالمسألة الثالثة: حول (الصحيحين) البخاري ومسلم:\nوتحت هذه المسألة فروع:\nالفرع الأول: في أن (صحيح البخاريِّ) أصحُّ الكتب الْمُصَنَّفَةِ في الصحيح.\nقال الإمام النووي - ﵀ - في معرض كلامه على\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣٦٠) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/٣٤٠) .","vol":"1","page":360},{"text":"(الصحيحين): \" ... وصحيح البخاري أَصَحُّهُما، وأكثرهما فوائد ... \"١.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى تقديم البخاري في ذلك، فقال عنه: \"أجَلُّ من صَنَّفَ في الحديث الصحيح\"٢.\nوقد أفاد ﵀: أن تقديم البخاري وترجيح كتابه راجعٌ إلى دقة نظره، وشدة انتقائه، فقال في حديث أبي هريرة في الرجل الذي رأى رؤيا وقصها على النبي ﷺ، وقوله فيها: \"وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض، فأراك يا رسول الله أخذت به فعلوتَ، ثم أخذ به رجلٌ آخر فعلا ... ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فعلا به ... \"٣. قال ﵀:\n\"فلفظة: (ثم وصل له) فلم يذكر هذا البخاري، ولفظ حديثه: ... (ثم وصل) فقط، وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به ... وهذا مما يبينُ فضلَ صدق معرفة البخاري، وغور علمه في إعراضه عن لفظة (له) ... وإنما انفرد بها مسلم\"٤.\nالفرع الثاني: في أنهما - رحمهما الله - لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما:\nفإنه قد جاء عنهما التصريح بعدم استيعابه، قال ابن الصلاح: \"روينا عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صحَّ، وتركت من الصحاح لملال الطول\"٥.\n_________\n١ شرح مسلم: (١/١٤) .\n٢ زاد المعاد: (١/٣٠٣) .\n٣ انظر: صحيح البخاري: ك التعبير، باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب ح ٧٠٤٦، ومسلم: (٤/١٧٧٧) ح ١٧ (٢٢٦٩) .\n٤ تهذيب السنن: (٧/٢٠) .\n٥ مقدمة ابن الصلاح: (ص١٠) .","vol":"1","page":361},{"text":"وسئل الإمام مسلم - ﵀ - عن حديث؟ فقال: \"هو عندي صحيح\". فقيل له: لِمَ لَمْ تَضَعْهُ ههنا؟ قال: \"ليس كلُّ شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه\"١.\nوقد نَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الأمر مرارًا، وردَّ بذلك على من يُعِلُّ حديثًا بعدم إخراج البخاري ومسلم له، فكان مما قال في ذلك: \"وتَرْكُ إخراج أصحاب الصحيح له - يعني حديث: \" من أدخل فرسًا بين فرسين ... \" - لا يدل على ضعفه، كغيره من الأحاديث الصحيحة التي تركا إخراجها\"٢.\nوقال مرة ردًا على من أعلَّ حديثًا بذلك: \"وتَرْكُ رواية البخاري له لا يوهنه، وله حكمُ أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري لئلا يطول كتابه؛ فإنه سماه: الجامع المختصر الصحيح\"٣.\nوقال عن حديث: \"من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال ... \": \"فإن قيل: فَلِمَ لا أخْرَجَهُ البخاري؟ قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه - ﵀ - لم يستوعب الصحيح\"٤.\n_________\n١ صحيح مسلم: (١/٣٠٤) ح ٦٣.\n٢ الفروسية: (ص٣٨) .\n٣ إغاثة اللهفان: (١/٢٩٤) .\n٤ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) .","vol":"1","page":362},{"text":"الفرع الثالث: في رواية البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\" عن بعض من تُكُلِّمَ فيه.\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه القضية، فبين أن من أخرجا له ممن تُكُلِّمَ في حفظه، فإنهما لم يخرجا له اعتمادًا، وإنما أخرجا له ما عَلِمَا أنه قد تُوبعَ عليه.\nقال - ﵀ - في حديث أبي أيوب مرفوعًا: \" من صام رمضان، ثم أتبعه بستِّ من شوال ... \" - وقد أخرجه مسلم١ من حديث سعد بن سعيد الأنصاري، وقد تُكُلِّمَ فيه بسببه –:\n\"سَلَّمنا ضعفه، لكنَّ مسلمًا إنما احتج بحديثه لأنه ظَهَرَ له أنه لم يخطئ فيه بقرائن ومتابعات، ولشواهد دَلَّتْهُ على ذلك، وإن كان قد عُرِفَ خطؤه في غيره، فكون الرجل يخطئ في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه، وهكذا حُكْمُ كثير من الأحاديث التي خَرَّجَاها وفي إسنادها من تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه، فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعًا\"٢.\nوقد تناول ابن حجر هذه القضية، وأكد أن من أخرجا له ممن وُصِفَ بالغلط وسوء الحفظ، فإن ذلك يكون في المتابعات لا الأصول٣.\n_________\n١ صحيح مسلم: (٢/٨٢٢) ح ٢٠٤، (١١٦٤) ك الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال....\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) .\n٣ هدي الساري: (ص٣٨٤) .","vol":"1","page":363},{"text":"المسألة الرابعة: في الصحيح الزائد على الصحيحين، ومن أين يُتَلَقَّى؟\nتَقَدَّم أن أصحاب الصحيحين لم يستوعبا الصحيح ولا التزما ذلك، ومن ثَمَّ فقد بقي خارج الصحيحين كثير من الأحاديث الصحيحة.\nومن الكتب التي هي مَظِنَّةُ وجود الصحيح غير الصحيحين، مما كان لابن القَيِّم كلام عليها:\nأولًا: (المستدرك) للحاكم: وفيه بعض المسائل:\nالمسألة الأولى: مراد الحاكم بقوله: \"على شرط الشيخين\".\nأبان الحاكم عن مراده بذلك حين قال في خطبة كتابه: \"وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان - ﵄ - أو أحَدُهُمَا\"١.\nوهذا الكلام صريحٌ في أن مراده: أن يكونا قد احتجا بمثل هذا الإسناد، ولكن تصرفه - ﵀ - يخالف هذا الذي صرَّح به، ويدل على أن مراده: أن يكون رواة هذا الحديث الذي يستدركه عليهما قد خُرِّجَ عنهم بأعيانهم في \"الصحيحين\".\nفإنه - ﵀ - إذا كان الحديث قد أَخَرَجَا أو أحدهما لرواته، قال: \"صحيح على شرط الشيخين، أو أحدهما\". وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: \"صحيح الإسناد\" حسب.\n_________\n١ المستدرك: (١/٣) .","vol":"1","page":364},{"text":"ويُؤَكِّد هذا المعنى ويوضحه: أنه - ﵀ - حَكَمَ على حديث من طريق أبي عثمان بأنه صحيح الإسناد، ثم قال: \"وأبو عثمان هو مولى المغيرة، وليس هو بالنهديّ، ولو كان النهدي لحكمتُ بصحته على شرطهما\"١.\nولأجل ذلك، فقد ذهب ابن الصلاح، والنووي، وابن دقيق العيد، والذهبي إلى أن مراده بقوله: \"على شرطهما\": أن يكون رجال الإسناد المحكوم عليه بأعيانهم في كتابيهما٢.\nوخالف في ذلك العراقي٣، فحمل كلامه على المعنى الأول الذي أشار إليه في خطبة كتابه، ولكن رده الحافظ ابن حجر مؤيدًا ما ذهب إليه الجماعة المتقدمون بأمثلة وبيان٤.\nوقد ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - في فهمه لكلام الحاكم إلى ما ذهب إليه الأكثرون، ومن ثَمَّ كان كثيرًا ما يتعقبه عندما يخالف في أحكامه هذا الاصطلاح، ومن الأمثلة في هذا الصدد:\nأن الحاكم قد صحح حديثًا على شرط مسلم، فتعقبه ابن القَيِّم بقوله:\n\"في إسناده حسين بن عبد الله، ولم يخرج له في الصحيحين\"٥.\n_________\n١ المستدرك: (٤/٢٤٩) . وانظر: نكت ابن حجر على ابن الصلاح: (١/٣٢٠) .\n٢ تنظر أقوالهم في: مقدمة ابن الصلاح: (ص١١)، وتدريب الراوي: (١/١٢٧)، وفتح المغيث: (١/٤٤) .\n٣ التقييد والإيضاح: (ص٣٠) .\n٤ النكت على ابن الصلاح: (١/٣١٩ - ٣٢١) .\n٥ تهذيب السنن: (٤/٣٠) .","vol":"1","page":365},{"text":"كما أن الحاكم - ﵀ - في حكمه على الحديث بأنه على شرطهما: لم يراع حالهما وتصرفهما مع بعض الرواة، بل جعل ذلك أمرًا مطلقًا في كل راوٍ رآه في كتابيهما.\nفمن ذلك: أنهما قد يخرجا للشخص في المتابعات دون الأصول، فيطلق الحاكم القول في هذا الراوي: أنه على شرطهما.\nومن تعقبات ابن القَيِّم عليه في ذلك: أنه روى حديثًا من طريق: الزهري، عن ابن إسحاق، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - في فضل السواك، ثم قال: \"صحيح على شرط مسلم\" فقال ابن القَيِّم ﵀: \"ولم يصنع الحاكم شيئًا؛ فإن مسلمًا لم يروِ في كتابه بهذا الإسناد حديثًا واحدًا، ولا احتج بابن إسحاق، وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد\"١.\nوقال في حديث من رواية ابن إسحاق صححه الحاكم على شرط مسلم: \"وفي هذا نوع مساهلة منه؛ فإن مسلمًا لم يحتجَّ بابن إسحاق في الأصول، وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد\"٢.\nومن ذلك أيضًا: أن البخاري ومسلمًا قد يحتجان براوٍ وشيخه كل على انفراد، ولا يحتجان بهذين الراويين إذا اجتمعا وكانت رواية هذا\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٢١) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص٥) .","vol":"1","page":366},{"text":"التلميذ عن ذلك الشيخ؛ وذلك: لضعفه فيه، أو عدم سماعه منه أو غير ذلك من الأسباب. فيأتي الحاكم فيحكمُ على حديث من رواية هذا الراوي عن هذا الشيخ بأنه على شرطهما، وذلك لمجرد وجود هذين الراويين في كتابيهما.\nومن تعقبات ابن القَيِّم عليه في ذلك: أن الحاكم قال في حديث تضمين العارية من رواية الحسن عن سمرة: \"على شرط البخاري\"، فرد عليه ابن القَيِّم قائلًا:\n\"وفيما قاله نظر؛ فإن البخاري لم يخرج حديث العقيقة في كتابه من طريق الحسن عن سمرة ... \"١.\nيعني على القول بأنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة.\nومن ذلك أيضًا: أن صاحب الصحيح قد يَطَّرِحُ من حديث الثقة ما يعلم أنه قد غلط فيه، فيأتي الحاكم فيستدرك عليه جميعَ حديث هذا الثقة، دون نظرٍ إلى طريقة صاحب الصحيح في استبعاد بعض حديثه.\nوفي هذا المعنى يقول ابن القَيِّم ﵀: \" ... فغلط في هذا المقام من استدرك عليه جميع حديث الثقة - يعني الحاكم - \"٢.\nفهذه الأمثلة كلها من تصرف الحاكم تؤكد مراده بقوله على شرطهما، وأنه يقصد وجود هؤلاء الرواة أنفسهم في الصحيحين، وتعقبات ابن القَيِّم عليه - كما مضى - تؤكد حمله اصطلاحه على هذا المعنى.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/١٩٧-١٩٨) .\n٢ زاد المعاد: (١/٣٦٤) .","vol":"1","page":367},{"text":"المسألة الثانية: تساهل الحاكم:\nقضى الأئمة على الحاكم بأنه متساهل في شرط الصحيح، فقال ابن الصلاح: \"وهو واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به\"١. وَوَصَفَهُ بذلك النووي٢ - أيضًا - وغيره.\nوقد وَضَعَهُ ابن القَيِّم - أيضًا - في مرتبة المتساهلين في التصحيح: فقال مرة - وهو يتكلم على حديث: \"من عشق فعفَّ ... \" - \"وأنكره أبو عبد الله الحاكم على تساهله\"٣.\nوقال مرة: \" ... مع فرط تساهله فيما استدركه عليهما\"٤.\nولذلك كان ابن القَيِّم - ﵀ - كثيرًا ما يتعقبه في تصحيحاته، فمن ذلك:\nأن الحاكم صحَّحَ حديثًا في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد من رواية: يحيى بن السباق، عن رجل من آل الحارث، عن ابن مسعود مرفوعًا، فقال ابن القَيِّم ﵀: \"وفي تصحيح الحاكم لهذا نظرٌ ظاهرٌ؛ فإن يحيى بن السباق وشيخه غير معروفين بعدالة ولا جرح\"٥.\nوصَحَّحَ الحاكم حديثًا في المسح على الخفين وفيه مجهولون، فقال\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص١١) .\n٢ انظر: تدريب الراوي: (١/١٠٥) .\n٣ الجواب الكافي: (ص٣٦٦) .\n٤ الفروسية: (ص٥٨) .\n٥ جلاء الأفهام: (ص٢٠) .","vol":"1","page":368},{"text":"ابن القَيِّم: \"والعجب من الحاكم، كيف يكون هذا مُسْتَدركًا على الصحيحين، ورواته لا يُعْرَفون بجرح ولا تعديل؟! \"١.\nالمسألة الثالثة: بيان مرتبة تصحيح الحاكم:\nأما عن مرتبة ما يصححه الحاكم ودرجته، فقد قال ابن الصلاح- بعد أن حكى تساهل الحاكم-: \"فالأولى أن نتوسط في أمره، فنقول: ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة: إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن، يُحْتَجُّ به ويُعمل به، إلا أن تظهر عِلَّةٌ توجب ضعفه\"٢. ووافق النوويُّ ابنَ الصلاح على ذلك، ولكنه حَصَرَهُ في الحسن فقط٣.\nوتعقبهما البدر ابن جماعة، فقال: \"والصواب: أن يُتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف\". نقله عنه العراقي وصَوَّبَهُ٤.\nوإذا كان ما ذهب إليه ابن الصلاح والنووي في ذلك يُعَدُّ نوعًا من التساهل - إذ من شأنه أن يؤدي إلى تصحيح الضعيف - فإن ابن القَيِّم - ﵀ - قد تّشَدَّدَ جدًا في مرتبة ما يصححه الحاكم ودرجته:\nفقال مرةً - وقد صحح الحاكم على شرط مسلم حديث\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١١٨) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص١١) .\n٣ انظر: تدريب الراوي: (١/١٠٧) .\n٤ التقييد والإيضاح: (ص٣٠) .","vol":"1","page":369},{"text":"عائشة - ﵂ - في تفضيل الصلاة بسواك على الصلاة بغير سواك-: \"لم يصنع الحاكم شيئًا ... وهذا وأمثاله هو الذي شان كتابه وَوَضَعَهُ، وجعل تصحيحه دون تحسين غيره\"١.\nوقال مرة - يرد على الحاكم تصحيحه إسناد حديث المُحَلِّل -: \" ... ولا يَعْبَأُ الحُفَّاظ - أطباء الحديث - بتصحيح الحاكم شيئًا، ولا يرفعون به رأسًا ألبتة، بل لا يدل تصحيحه على حُسْنِ الحديث، بل يُصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث ... والرجل يصحح ما أجمع أهل الحديث على ضعفه\"٢.\nوقال مرة في كلامه على الحديث نفسه: \" ... وبالجملة: فتصحيح الحاكم لا يستفاد منه حسن الحديث ألبتة، فضلًا عن صحته\"٣.\nوهذا منه - ﵀ - مبالغة وتشدد، والأولى والأليق في ذلك ما سبق في كلام ابن جماعة ﵀: من تتبع ما حكم عليه، ووضع كل حديث منها - بعد دراسته - في المرتبة اللائقة به؛ ذلك أن (المستدرك) فيه \"شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل ... وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث - نحو المائة - يشهد القلب ببطلانها\" كما قال الذهبي٤.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٢١) .\n٢ الفروسية: (ص٤٦) .\n٣ الفروسية: (ص٥٢) .\n٤ سير أعلام النبلاء: (١٧- ١٧٥) .","vol":"1","page":370},{"text":"ومن مظان وجود الصحيح الزائد على الصحيحين أيضًا:\nثانيًا: \"جامع الترمذي\":\nقال ابن الصلاح: \"ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة ... كأبي داود السجستاني وأبي عيسى الترمذي\"١.\nوقد وَصَفَ ابن القَيِّم - ﵀ - الترمذي بشيء من التساهل في التصحيح، فقال مرةً في حديث عليٍّ ﵁ في ترخيص النبي في الجمع بين اسمه وكنيته بعد وفاته، وقول الترمذي عنه: \"حسن صحيح\":\n\"وحديث عليٍّ ﵁ في صحته نظرٌ، والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح\"٢.\nوقال مرةً: \"مع أن الترمذيَّ يُصَحِّحُ أحاديثَ لم يُتَابعْهُ غيرهُ على تصحيحها، بل يصحح ما يُضَعِّفُهُ غيره أو يُنْكِرُهُ\"٣.\nوقد حَكَمَ بتساهل الترمذي أيضًا: الحافظ الذهبي، ولكنه أسرف في ذلك وبالغ، فقال في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف:\n\"وأما الترمذي: فقد روى من حديثه: الصلح جائز بين المسلمين، وصححه؛ فلهذا لا يَعْتَمِدُ العلماء على تصحيح الترمذي\"٤.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص١١) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٣٤٨) .\n٣ الفروسية: (ص٤٥) .\n٤ الميزان: (٣/ ٤٠٧) .","vol":"1","page":371},{"text":"وقال مرة أخرى: \" ... فلا يُغْتَرُّ بتحسين الترمذي، فعند الْمُحَاقَقَةِ: غَالِبُهَا ضِعَافٌ\"١.\nولا شكَّ أن هذا غير مقبول من الذهبي ﵀، ولذلك فقد رَدَّهُ الحافظ العراقي بقوله: \"وما نقله عن العلماء من أنهم لا يعتمدون تصحيح الترمذي: ليس بجيد، وما زال الناس يعتمدون تصحيحه\"٢.\nولذلك فإن ما قاله ابن القَيِّم أقرب إلى الواقع، وأليقُ بحال الترمذي ومكانة (جامعه)؛ فإنه لم يجعل التساهل عامًا في أحكام الترمذي، شاملًا لكل كتابه، وإنما قال: \"فيه نوع تساهل في التصحيح\" وقال: \"يصحح أحاديث لم يتابعه غيره على تصحيحها\". فهو يخالف في تصحيح بعض الأحاديث، وهذا - لا شك - أولى من إطلاق القول بتساهله، وعدم الاعتماد على أحكامه.\nومما يدل على تحفظ ابن القَيِّم نفسه في ذلك الحكم، وعدم إهداره أحكام الترمذي - كما قال غيره -: أنه يعتمد كثيرًا أحكام الترمذي، وينقلها محتجًا بها ساكتًا عليها، يعرفُ ذلك كلُّ من طالع كتب ابن القَيِّم.\nوعلى كل حال، فإن هذا الكلام لا يقلل من مكانة الإمام الترمذي وكتابه.\n_________\n١ الميزان: (٤/٤١٦) .\n٢ الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين: (ص٢٤١) نقلًا عن (شرح الترمذي) للعراقي.","vol":"1","page":372},{"text":"ثالثًا: \"صحيح ابن حبان\":\nوهو من الكتب التي يُعتمد عليها في معرفة الصحيح أيضًا؛ فقد التزم فيه مؤلفه الصحة، وهو وإن كان خيرًا من المستدرك بكثير١، إلا أنه قد وقع له نوع تساهل أيضًا، وجعله ابن الصلاح مقاربًا للحاكم في التساهل٢.\nوابن القَيِّم - ﵀ - يعتمد تصحيح ابن حبان في الكثير الغالب، مما جعله يحتج أحيانًا ببعض الضعيف من \"صحيحه\"٣.\nومع ذلك، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - قد انتقد ابن حبان من جهة أخرى؛ وذلك أنه قال في حقه: \"وابن حبان كثيرًا ما يرفع في كتابه ما يعلم أئمة الحديث أنه موقوف\"٤.\nوقد استشهد ابن القَيِّم على هذه الدعوى بمثالين، وتبين بعد الدراسة: أن أحدهما قد صحَّ مرفوعًا، رواه كذلك غير واحد ولم ينفرد برفعه ابن حبان٥. والحديث الآخر: الصواب فيه الوقف، ولكن شارك ابن حبان في روايته مرفوعًا جماعة؛ منهم: أحمد، وأبو يعلى وغيرهما٦، ولم ينفرد ابن حبان بروايته مرفوعًا.\n_________\n١ اختصار علوم الحديث - ابن كثير: (ص٢٧) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص١١) .\n٣ ينظر على سبيل المثال: زاد المعاد: (١/٤٣ –٤٤)، (٣/٢٠٤-٢٠٥) .\n٤ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٢٢) .\n٥ انظر حديث رقم: (١٢٨) من قسم الأحاديث.\n٦ انظر حديث رقم: (١٢٣) من قسم الأحاديث.","vol":"1","page":373},{"text":"وعلى كل حال، فإن هذا الحكم من ابن القَيِّم - ﵀ - لم أر من أطلقه على ابن حبان غيره، ولو وقع في (صحيح ابن حبان) شيء من ذلك، فهل يكون بالكثرة التي وصف ابن القَيِّم؟؟ الأمر يحتاج إذن إلى دراسة وتتبع لما انفرد ابن حبان بروايته مرفوعًا والناس يروونه موقوفًا، وحينئذٍ يمكن معرفة صحة دعوى ابن القَيِّم من عدمها.\nالمسألة الخامسة: في فوائد متفرقة تتعلق بالحديث الصحيح.\nالفائدة الأولى: في قولهم لحديثين: \"هذا أصح من هذا\".\nإذا قيل لحديث: إنه أصح من حديث، فهل يلزم من ذلك صحة هذا الحديث الْمُرَجَّحِ مطلقًا؟\nنَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - على ذلك، وبين أن ذلك قد يكون من باب \"التصحيح الْمُقَيَّدِ\"، أو \"التصحيح النسبي\".\nفقد قال أبو داود في حديث ركانة: أنه طَلَّقَ امرأته ألبتة، وأنه أخبر النبي ﷺ بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة ... فردها إليه رسول الله ﷺ، قال: \"وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا ... \"١. فاعترضه المنذري قائلًا: \"وفيما قاله نظر\"٢. فرد ابن القَيِّم على المنذري بقوله: \" ... فإن أبا دود لم يَحْكُمْ بصحته، وإنما قال بعد روايته: هذا أصحُّ من حديث ابن جريج ... وهذا لا يدل على أن الحديث عنده\n_________\n١ سنن أبي داود: (٢/٦٥٧) ك الطلاق، باب في البتة.\n٢ مختصر السنن: (٣/١٣٤) .","vol":"1","page":374},{"text":"صحيح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وهذا صعيف أيضًا، فهو أصح الضعيفين عنده.\nوكثيرًا ما يُطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير في كلام المتقدمين، ولو لم يكن اصطلاحًا لهم، لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه؛ فإنك تقول لأحد المريضين: هذا أصح من هذا، ولا يدل على أنه صحيح مطلقًا، والله أعلم\"١.\nالفائدة الثانية: في معنى قولهم: \"صحَّ عن رسول الله ﷺ\".\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في معنى هذه العبارة: \"إن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون: صحَّ عن رسول الله ﷺ. وذلك جَزْمٌ منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين: إن المراد بالصحة: صحة السند، لا صحة المتن. بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله ﷺ لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم: صحة الإضافة إليه، وأنه قاله\"٢.\nثم بَيَّن - ﵀ - أن بين \"صحة السند\"، و\" صحة الحديث\" فرقًا، فلذلك لا يصح حمل قولهم: \"صحَّ عن رسول الله ﷺ\" على صحة السند. وقد تقدم الكلام على الفرق بين صحة السند، وصحة الحديث٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/١٣٤) .\n٢ مختصر الصواعق: (٢/٤٧٨) .\n٣ انظر ص: (٣٥٩) .","vol":"1","page":375},{"text":"الفائدة الثالثة: عدم جواز الجزم بنسبة ما لا يُعلم صحته إلى النبي ﷺ.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - عند كلامه على عدم جواز إطلاق حكم الله على ما لا يعلم الشخص يقينًا أنه حكم الله: \"وهكذا لا يَسُوغُ أن يقول: قال رسول الله ﷺ. لما لا يُعلَمُ صحته، ولا ثقة رواته، بل إذا رأى أي حديث كان، في أي كتاب، يقول: لقوله ﷺ. أو: لنا قَوْلُهُ ﷺ، وهذا خطر عظيم، وشهادة على الرسول ﷺ بما لا يَعْلَم الشاهد\"١.\nقلت: وهذا من باب الاحتياط والتَّثَبُّتِ فيما يُنْسَبُ إلى النبي ﷺ؛ لأن من يَنْسُبُ إلى النبي ﷺ ما لا يَعْلَمُ صحته مُعَرَّضٌ للوقوع في الكذب عليهصلى الله عليه وسلم.\nوقد حَذَّرَ النبي ﷺ من ذلك، ونبه عليه، فقال - فيما رواه عنه المغيرة بن شعبة وغيره -: \"من حدَّثَ عني بحديث يُرَى أنه كَذِبٌ، فهو أحد الكاذبين\" ٢.\n_________\n١ أحكام أهل الذمة: (١/٢٠)، فهو - ﵀ - يعيبُ من لا يعلم عن ثبوت الحديث شيئًا ومع هذا يورده للاحتجاج فيقول: \"لقوله ﷺ\" يعني الحجة والدليل قوله ﷺ، أو: \"لنا قوله\" أي: دليلنا.\n٢ أخرجه مسلم في (صحيحه) في المقدمة (١/٩) باب وجوب الرواية عن الثقات، وترك الكذابين. وابن ماجه في المقدمة أيضًا: (١/١٤) ح٣٨ - ٤١. باب من حدث عن رسول الله ﷺ حديثًا وهو يرى أنه كذب.\nوأحمد في مسنده: (٤/٢٥٠)، وابن عبد البر في التمهيد - المقدمة - (١/٤١)، والبغوي في شرح السنة (١/٢٦٦) ح ١٢٣. قال البغوي: \"حديث صحيح\".\nورمز له السيوطي بالصحة. (الجامع الصغير مع فيض القدير ٦/١١٦ ح ٨٦٣١)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح الجامع ح ٦١٩٩) .","vol":"1","page":376},{"text":"وذكر ابن القَيِّم - ﵀ - في مناسبة أخرى ما كان عليه أهل العلم بالحديث من الجزم بنسبة الحديث إلى النبي ﷺ عند تَأَكُّدِهِم من صحته، وتعبيرهم عن ذلك بصيغة التمريض عند عدم تأكدهم من صحته أو شكهم في ذلك، فقال:\n\"كما كانوا يجْزِمُون بقولهم: قال رسول الله ﷺ، وأمر، ونهى، وفعل رسول الله ﷺ. وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك، يقولون: يُذكرُ عن رسول الله ﷺ، ويروى عنه، ونحو ذلك\"١.\nولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - ملتزمًا هذا المبدأ في تعامله مع حديث رسول الله ﷺ، وحكمه عليه، فمن ذلك:\nأنه - ﵀ - ذكر حديثين في فضل الفَاغِيَة٢، ولم يكن متأكدًا من صحتهما، ولا عارفًا بحالهما، فَصَدَّرَهُمَا بصيغة التمريض: (رُوِيَ)، ثم قال: \"والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول الله ﷺ بما لا نعلم صحته\"٣.\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٤٧٨) .\n٢ هي نَوْرُ الحناء. وقيل: نور الريحان ... وقيل: فَاغِيَةُ كلُّ نَبْتٍ: نوره. والنَّوْرُ: زهر الشجرة. (النهاية: ٣/٤٦١، ومختار الصحاح: ن ور) .\n٣ زاد المعاد: (٤/٣٤٨) .","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثالث: الحديث الحسن</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: في تعريف الحسن، وشروطه:\nاختُلِفَ في تعريف الحديث الحسن على أوجه كثيرة، ومن أشهر تعريفاته:\n- تعريف الإمام الخطابي ﵀، إذ عرفه بأنه: \"ما عُرِفَ مخرجه، واشتهر رجاله\"، قال: \"وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء\"١.\n- وقد اعترض على تعريف الخطابي هذا: بأنه أدخل الصحيح في حد الحسن؛ فإن الصحيح - أيضًا - قد عُرِفَ مخرجه، واشتهر رجاله٢.\n- وعرَّفَه الإمام الترمذي بقوله: \"كل حديث يُروى: لا يكون في إسناده مَنْ يُتَّهَم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غيره وجه نحو ذاك: فهو عندنا حديث حسن\"٣.\nولكن اعْتُرِضَ عليه أيضًا٤.\n_________\n١ معالم السنن: (١/١١) .\n٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٥)، والاقتراح: (ص١٦٣ - ١٦٤) .\n٣ علل الترمذي المطبوعة في آخر \"جامعه\": (٥/٧٥٨) .\n٤ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٥)، وتدريب الراوي: (١/١٥٥) .","vol":"1","page":379},{"text":"وتعريف الترمذي - على هذا - يدخل فيه: رواية المستور، والضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوفُ بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عَنْعَنَ، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عند الترمذي من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة الماضية في تعريفه. كما أفاد ذلك الحافظ ابن حجر، وذكر لكل نوع من هذه الأنواع مثالًا مما حَسَّنَه الترمذي في كتابه١.\nوقد حَمَلَ ابن الصلاح تعريف الترمذي على أنه منصرف إلى الحسن لغيره، وهو ما اعتضد بمجيئه من غير وجه، وحَمَلَ تعريف الخطابي على الحسن لذاته، فكأن كل واحد منهما قد عَرَّفَ أحد نوعي الحسن٢.\nوقد عرَّفَه الحافظ ابن حجر ﵀: بأنه الحديث الذي جمع شروط الحديث الصحيح، إلا أنه خفَّ - أي قلَّ - ضبط راويه. وهو الحسن لذاته، لا الحسن لغيره الذي حُسْنُهُ بسبب اعتضاده بغيره٣.\nوقد تعرض ابن القَيِّم - ﵀ - في بعض المناسبات لحدِّ الحسن، وبيان بعض ضوابطه، وذلك أثناء دراسته لحديث ميراث الخال، وقول النبي ﷺ: \" ... والخالُ وارث من لا وارث له\". حيث حَكَمَ عليه بعضهم بالضعف، فقالوا: إن أحاديثه - يعني ميراث الخال - ضعاف.\nفردَّ ابن القَيِّم ذلك بقوله:\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (١/٣٨٧ - ٣٩٩) .\n٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٥ - ١٦) .\n٣ النكت على نزهة النظر: (ص٩١ - ٩٢) .","vol":"1","page":380},{"text":"\"وأما قولهم: إن أحاديثه ضعاف: فكلام فيه إجمال، فإن أُرِيدَ بها أنها ليست في درجة الصحاح التي لا علة لها: فصحيح، ولكن هذا لا يمنع الاحتجاج بها، ولا يوجب انحطاطها عن درجة الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحِسَانُ؛ فإنها قد تَعَدَّدَت طُرُقُهَا، وَرُوِيَت من جوه مختلفة، وعُرِفَت مخارجها، ورواتها ليسوا بمجروحين ولا مُتَّهَمِين ... وليس في أحاديث الأصول ما يُعَارِضُها\"١.\nوبالنظر إلى كلام ابن القَيِّم هذا: نجد أنه قد ضَبَطَ الحديث الحسن وحدَّهُ بما حدَّه به الترمذي والخطابيُّ معًا، وكأنه أراد أن يقول: إن أحاديث توريث الخال ينطبق عليها وصفُ الحسن بقسميه، وأنها لا تخرجُ عمَّا ضُبِطَ به الحسن بحالٍ.\nالمسألة الثانية: مراتب الحديث الحسن.\nتتفاوت مراتب الحديث الحسن في القوة كتفاوت الصحيح، وقد أشارَ إلى هذا التفاوت الحافظ ابن حجر - ﵀ - عند كلامه عن الحسن لذاته، فقال: \"وهذا القسم من الحسن مشاركٌ للصحيح في الاحتجاج به - وإن كان دونه - ومشابهٌ له في انقسامه إلى مراتب\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٧١) .","vol":"1","page":381},{"text":"بعضها فوق بعض\"١. وقال السيوطي: \"الحسن - أيضًا - على مراتب كالصحيح\"٢.\nوقد ألمح ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذا التفاوت في مراتب الحديث الحسن، بل حدَّدَ - ﵀ - هذه المراتب في ثلاث: عليا، ووسطى، ودنيا، ومن كلامه في ذلك:\nأن حديث عامر بن ربيعة في فضل الصلاة على النبي ﷺ، قد رُويَ من طريقين، في أحدهما: عاصم بن عبيد الله العمري، وفي الآخر: عبد الله ابن عمر العمري، فقال ابن القَيِّم ﵀: \"وإن كان حديثهما فيه بعض الضعف، فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين يدل على أن له أصلًا، وهذا لا ينزل عن وسط درجات الحسن\"٣.\nوأما المرتبة الثالثة للحديث الحسن عند ابن القيم - وهي أدنى مراتبه - فقد قال - ﵀ - في حديث تميم الداري في الرجل يُسْلِمُ على يديه الرجل، وأنه أولى الناس بمحياه ومماته، قال:\n\"وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح، فلا ينحط عن أدنى درجات الحسن\"٤.\nفتخلص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يرى أن الحديث\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٣٣) .\n٢ تدريب الراوي: (١/١٦٠) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص٢٩) .\n٤ تهذيب السنن: (٤/١٨٦) .","vol":"1","page":382},{"text":"الحسنَ على مراتب متفاوتة في القوة، وأنه ذكر من ذلك: أوسط درجات الحسن، وأدنى درجاته.\nويؤخذ من كلامه هذا - والله أعلم -: أن هناك درجة عليا للحسن، هي فوق الوسطى، ودون أدنى درجات الصحيح.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الرابع: المرفوع والموقوف</span>\nالمرفوع:\nهو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصةً: قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، لا يقع مطلقه على غيره، متصلًا كان أو منقطعًا١.\nوالموقوف:\nقال النووي: \"هو المروي عن الصحابة: قولًا لهم، أو فعلًا أو نحوه، متصلًا كان أو منقطعًا. ويستعمل في غيرهم مقيدًا، فيقال: وَقَفَهُ فلانٌ على الزهري ونحوه\"٢.\nومن المسائل التي تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - مما يتعلق بالمرفوع والموقوف:\nالمسألة الأولى: إذا قيل عند ذكر الصحابي: يرفعه، أو: يبلغ به.\nإذا قيل عند ذكر الصحابي: يرفعه، أو يَنْمِيهِ٣، أو: يَبْلُغُ به، أو: روايةً ونحو ذلك: فإنه مرفوع عند أهل العلم٤.\nقال ابن الصلاح: \"فكل ذلك وأمثاله: كناية عن رفع الصحابي\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٢)، وتدريب الراوي: (١/١٨٣ - ١٨٤) .\n٢ التقريب: (ص٦) .\n٣ نَمَى الحديث إلى فلان: أسنده له ورفعه. (مختار الصحاح: ص٦٨١) .\n٤ انظر: فتح المغيث: (١/١٢٢) .","vol":"1","page":385},{"text":"الحديث إلى رسول الله ﷺ، وحكمُ ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا\"١.\nوكذا إذا قال الراوي عن التابعي: يرفع الحديث، أو: يبلغ به، ونحو ذلك مما تقدم، فإنه مرفوعٌ أيضًا، قال ابن الصلاح: \"ولكنه مرفوع مرسل\"٢.\nوقد نَقَلَ السخاوي - ﵀ - عن ابن القَيِّم كلامًا في مسألة: قول الراوي عن التابعي: يرفعه أو يبلغ به، فقال في ذلك: \" ... مرسل مرفوع بلا خلاف، ولذا قال ابن القَيِّم: جزمًا\"٣.\nفالسخاوي - ﵀ - يستند إلى ما قرره ابن القَيِّم في نفي الخلاف بين أهل العلم في تحديد اصطلاح \"مرسل مرفوع\"، وعزا ذلك كالإجماع إلى أهل العلم مستدلًا على ذلك بكلام ابن القَيِّم في المسألة.\nالمسألة الثانية: في قول الصحابي: أَمَرَ رسول الله ﷺ بكذا، أو حَرَّمَ كذا، أو: أوجب كذا.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وقول الصحابي: حرَّمَ رسول الله ﷺ كذا، أو: أَمَرَ بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا: في حكم المرفوع اتفاقًا عند أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعْتدُّ به، ولا يُؤْبَهُ له\".\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٤ - ٢٥) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٥) .\n٣ فتح المغيث: (١/١٢٢) .","vol":"1","page":386},{"text":"ثم بَيَّن - ﵀ - الشبهة التي تعلق بها المخالف في ذلك، فقال: \"وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمر ولا تحريم كذلك\".\nثم رد ذلك بقوله: \"وهذا فاسدٌ جدًا؛ فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تَلَقَّوْها من في رسول الله ﷺ، فلا يُظَنُّ بأحد منهم أن يُقْدِمَ على قوله: أمر رسول الله ﷺ، أو: حرَّم، أو: فَرَضَ. إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه.\nواحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه١؛ فإن رُدَّ قوله: أمر، ونحوه بهذا الاحتمال، وَجَبَ ردُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قبلت روايته: وجب قبول الآخر\"٢.\nوهذا كلام بديع محكم من ابن القَيِّم في رد هذه الشبهة.\nوهذه الشبهة نقلها ابن الأثير عن أهل الظاهر، وأجاب عنها بنحو جواب ابن القيم٣.\n_________\n١ أي: أحطَُ منه منزلة، وأراد بذلك تعنيف صاحب الشبهة؛ لأن وصفه للصحابي بسوء الفهم أشد من وصفه له بالغلط والسهو.\n٢ تهذيب السنن: (٥/١٠١) .\n٣ مقدمة جامع الأصول: (١/٩٢) .\nوثَمَّة شبهة أخرى تعلق بها المانعون، وهي: احتمال كون الصحابي سمع ذلك من غير النبي ﷺ، وأن يكون رواية عن غيره عنه.\nوقد رد الخطيب ذلك في (الكفاية) (ص ٥٩٠ - ٥٩١) مرجحًا رأي الجمهور في ذلك، وأنه ينبغي حمله على أن الصحابي سمعه من رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":387},{"text":"فتلخص من ذلك: أن ما اختاره ابن القَيِّم - ﵀ - في إثبات حكم الرفع لما هذه صفته، هو الصواب الذي عليه الجمهور، وأن ما تَمَسَّك به المخالفون من شبه ضعيف لا يُقَاوِمُ رأي الجمهور، والله أعلم.\nالمسألة الثالثة: في حكم ما يقوله الصحابي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد.\nإذا قال الصحابي قولًا مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، فهل يثبت لذلك حكم الرفع؟\nقَرَّر ابن القَيِّم - ﵀ - أن ذلك له حكم الرفع؛ فإنه قال في حديث أبي هريرة ﵁ في امتحان أهل الفترة، والمعتوه ونحوهما١ - وقد رُوِيَ عنه مرفوعًا وموقوفًا - قال: \"غاية ما يُقَدَّرُ فيه: أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا لا يُقْدِمُ عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يُجْزَمُ بأن ذلك توقيف لا عن رأي\"٢.\nوقرر ذلك أيضًا: الحافظ ابن حجر ﵀، وذهب إلى أنه من باب المرفوع حكمًا لا تصريحًا، ولكن قَيَّدَهُ بمن لم يُعرف بالأخذ عن الإسرائيليات والكتب القديمة، فإذا قال الصحابي ما \"لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء. أو الآتية: كالملاحم والفتن، وأحوال يوم\n_________\n١ انظر: أحكام أهل الذمة: (٢/٦٥٠ - ٦٥١) .\n٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٥٤) .","vol":"1","page":388},{"text":"القيامة، وكذا الإخبار عمَّا يحصل بفعله ثوابٌ مخصوص أو عقاب مخصوص\"١. فإن ذلك له حكم الرفع.\nوقد نَبَّهَ الشيخ أحمد شاكر على ضرورة الاحتياط في ذلك، وعدم إطلاق القول بالرفع في كل ما يَرِدُ من ذلك، وأشار إلى أن مما يجب مراعاته في ذلك: بعض فتاوى الصحابة واجتهاداتهم في بعض المسائل، التي بنوها على عمومات وأصول الشريعة، فقد يظَنُّ البعض أن هذا مما لا مجال فيه للرأي٢.\nفتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم يذهب إلى إثبات حكم الرفع لما قاله الصحابي مما لا مجال للرأي فيه، ولكنه لم يقيد ذلك ببعض القيود الضرورية التي مرَّ ذكرها. وسبب عدم تقييد ابن القَيِّم كلامه: أنه جاء مرتبطًا بقضية معينة، وحديث بعينه، والله أعلم.\nالمسألة الرابعة: فيما يَنْسِبُ الصحابي فاعِلَهُ إلى العِصْيَان.\nما يَنْسِبُ الصحابي فاعله إلى الكفر أو العصيان: هل يثبت له حكم الرفع، أم يكون موقوفًا على الصحابي؟\nاختار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة القول: بأن ذلك موقوفٌ على الصحابي، فقال عند كلامه على حديث عمار بن ياسر ﵁: \"من صام هذا اليوم - يعني يوم الشك - فقد عصى أبا القاسم ﷺ \": \"وذكر جماعة أنه موقوف، ونظير هذا قول أبي هريرة: \"من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله\".\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٥٣) .\n٢ الباعث الحثيث: (ص٤٧) .","vol":"1","page":389},{"text":"والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح، وإنما هو لفظ الصحابي قطعًا.\nولعل الصحابي فهم من قول النبي ﷺ: \"لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين\": أن صيام يوم الشك تَقَدُّمٌ، فهو معصية، كما فهم أبو هريرة من قوله ﷺ: \"إذا دعا أحَدَكم أخاه فليجبه \": أن ترك الإجابة معصية لله ورسوله. ولا يجوز أن يُقَوَّلَ رسول الله ﷺ ما لم يقله.\nوالصحابي إنما يقول ذلك استنادًا منه إلى دليل فَهِمَ منه أن مخالفة مقتضاه معصية، ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه، فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضًا في كثير من وجوه دلالة النصوص\"١.\nكذا قال ابن القَيِّم ﵀، إلا أن جمعًا من الأئمة ذهبوا إلى إثبات حكم الرفع لذلك، فجزم به الحاكم في (علوم الحديث) ٢، والفخر الرازي٣، والزركشي٤، وأيَّدَه الحافظ العراقي٥.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"فهذا ظاهره أن له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفًا لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣٢١ - ٣٢٢) .\n(ص ٢١ - ٢٢) .\n٣ النكت على ابن الصلاح - لابن حجر: (٢/٥٣٠) .\n٤ تدريب الراوي: (١/١٩١) .\n٥ شرح الألفية: (١/١٤٠) .","vol":"1","page":390},{"text":"والأول أظهر، بل حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه مسند\"١.\nوأما ما قاله ابن القَيِّم - ﵀ - من أن الصحابي إنما يقول ذلك استنادًا إلى دليل يفهم منه أن مخالفة مقتضاه تكون معصية: فإنه لا يخلو من نظر، ويُجاب عما رآه ابن القَيِّم في هذه المسألة بما أجاب به هو عن المسألة المتقدمة، وهي: قول الصحابي: حرَّم رسول الله ﷺ كذا، أو: أمر بكذا، فيقال: إن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، فلا يُظَنُّ بأحدهم أن يُقدِمَ على الحكم بالكفر أو المعصية على أحدٍ إلا وقد سمع ذلك، مع دلالة اللفظ عليه، فالصحابة هم أفهم الناس لدلالة النصوص على الكفر والمعصية من عدم دلالتها على ذلك.\nفتخلص من ذلك: أن الراجح في هذه المسألة هو الحكم في ذلك بالرفع، وأن ما ذهب إليه ابن القَيِّم من الحكم لذلك بالوقف: هو خلاف الأظهر من قولي أهل العلم في المسألة، وخلاف الراجح، والله أعلم.\nالمسألة الخامسة: في حكم تفسير الصحابي للقرآن.\nهل ما يُفَسِّرُه الصحابي من آي القرآن يُعَدُّ حديثًا مرفوعًا؟\nاشتهر عن الحاكم القول بذلك، بل نسبه إلى البخاري ومسلم، فقد قال في (المستدرك) ٢: \"وقد اتفقا على أن تفسير الصحابيّ حديث مسند\".\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٣٠) .\n(١/٥٤٢) .","vol":"1","page":391},{"text":"وقد قيده ابن الصلاح١ - وتبعه عليه النووي٢، والعراقي٣- بما يتعلق من ذلك بسبب النزول، وسبق هؤلاء جميعًا إلى التقييد بذلك: الخطيب البغدادي، وأبو منصور البغدادي، كما أفاده الحافظ ابن حجر٤.\nعلى أنه قد جاء عن الحاكم التقييد بذلك أيضًا، فقال - بعد أن ذكر حديث جابر ﵁ في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]-: \"هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند\"٥.\nوقد اعتمد ابن القَيِّم - ﵀ - رأي الحاكم في \"المستدرك\"، ونقله عنه في كثير من المواضع، محتجًا به على إثبات حكم الرفع لما يقوله الصحابي من التفسير.\nفقد نقل عنه كثيرًا قوله: \"تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع\"٦.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٤) .\n٢ التقريب: (ص٦) .\n٣ شرح الألفية: (١/١٣٢) .\n٤ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٣٠) .\n٥ معرفة علوم الحديث: (ص٢٠) . وانظر: تدريب الراوي: (١/١٩٣) .\n٦ انظر: تهذيب السنن: (٣/٧٧)، وتحفة المودود: (ص١٧)، وإعلام الموقعين: (٤/١٥٣)، وحادي الأرواح: (ص٣٦٦) .","vol":"1","page":392},{"text":"ولكن: هل يَحْمِلُ ابن القَيِّم هذا الكلام من الحاكم على إطلاقه فَيُثْبِتُ لتفسير الصحابي حكم الرفع مطلقًا؟\nوالجواب عن ذلك يظهر من شرح ابن القَيِّم لمراد الحاكم بمقالته؛ إذ قال ﵀: \"ومراده - أي الحاكم -: أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في آية قولًا، فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله ﷺ، أو: قال رسول الله ﷺ.\nوله وجه آخر: وهو أن يكون في حكم المرفوع، بمعنى: أن رسول الله ﷺ بَيَّنَ لهم معاني القرآن، وفسره لهم، كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ \" [النحل: ٤٤] .\nفَبَيَّن لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنىً، سأله عنه، فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ١ [النساء: ١٢٣] فبين له المراد، ... وكما سألته أم\n_________\n١ وحديث أبي بكر الصديق أخرجه أحمد في المسند (١/١١)، والحاكم في المستدرك (٣/٧٤ - ٧٥)، والبيهقي في السنن (٣/٣٧٣)، وغيرهم، عن أبي بكر ﵁ قال: يا رسول الله! كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فكل سوء عملنا جزينا به! فقال ﷺ: \"يرحمك الله يا أبا بكر، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ فهذا ما تجزون به\". (وانظر: مرويات الإمام أحمد في التفسير رقم ٨٧٨) .","vol":"1","page":393},{"text":"سلمة عن قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ١؟ [الانشقاق: ٨] فبين لها أنه العرض ... وهذا كثير جدًا.\nفإذا نقلوا لنا تفسير القرآن، فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها، وتارة بمعناها. وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم\"٢.\nفابن القَيِّم - ﵀ - ينفي أن يكون المراد بأن له حكم الرفع: نسبته إلى النبي ﷺ، وأنه قاله، ولكنه يؤكد كونه حجة كالمرفوع، كما مضى في كلامه، بل ويصرح بذلك في مناسبة أخرى، فيقول: \"تفسير الصحابة حجة\"٣.\nويُقيِّدُ ابن القَيِّم - ﵀ - الاحتجاج بتفسير الصحابي\n_________\n١ وهذا الحديث الذي أشار إليه ابن القَيِّم أخرجه البخاري في صحيحه: ك العلم، ب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، برقم ١٠٣، وفي غير ذلك من المواضع، من حديث عائشة ﵂ \"أنها لما سمعت قول النبي ﷺ: \"من نوقش الحساب عذب\" قالت: أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال ﷺ: \"إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحاسب يهلك\".\nوكذا وقع عند ابن القَيِّم هنا في \"إعلام الموقعين \": (أم سلمة) ! والمشهور عن عائشة ﵂، فلعله وهم من النساخ أو الطابعين؟! فقد أورده على الصواب في الصواعق (٣/١٠٥٣) .\n٢ إعلام الموقعين: (٤/١٥٣ - ١٥٤) .\n٣ زاد المعاد: (٥/٢٤٣) .","vol":"1","page":394},{"text":"بقيدين، وهما:\n١- أن لا يعارضه نصٌّ في المسألة.\n٢- أن لا يعارضه قول غيره من الصحابة.\nفإذا توافر لتفسيره هذان الشرطان عُلِمَ أن الصواب في قوله؛ إذ يمتنع أن يكون قول أحدهم في كتاب الله خطأ محضًا ويُمسكُ الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به؛ فإنه من المحال خلوّ عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بالخطأ فقط١.\nفهذا حاصل كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في تفسير الصحابي، وبيان مراد الحاكم بقوله: إنه في حكم المرفوع، وأن تفسيره في الحجية كحجية المرفوع سواء، ولكن بشرطين مهمين.\nومما يحسن التنبيه عليه هنا: أن الحافظ ابن حجر - ﵀ - ذَكَرَ ضابطًا آخر لما يفسره الصحابي، فقال: \"والحق: أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁:\n- إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب: فحكمه الرفع، وإلا: فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وقصص الأنبياء. وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن، والبعث، وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب أو عقاب مخصوص. فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع ...\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٤/١٥٥) .","vol":"1","page":395},{"text":"- وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي، فيحتمل أن يكون ذلك مستفادًا عن النبي ﷺ، وعن القواعد، فلا يُجْزَم برفعه. وكذا إذا فَسَّرَ مفردًا، فهذا نقل عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه.\nوهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة: كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقي، وابن عبد البر في آخرين\"١.\nوهذا القيد لم يتعرض له ابن القَيِّم ﵀، مع أنه قد تَقَدَّم عنه - في المسألة الثالثة - القول: بأن ما يقوله الصحابي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد يثبت له حكم الرفع؛ وذلك بناءً على ما تقدم عنه من إطلاق كون تفسير الصحابي مسندًا مرفوعًا بشرط عدم معارضة نصٍّ له أو تفسير لصحابي آخر، فيكون من مختلف الحديث، فكأنه لم يقيده بكونه مما لا مجال للرأي فيه في خصوص التفسير وحده، والله أعلم.\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٣١ - ٥٣٢) .","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الخامس: الْمُرْسَل</span>\nحدُّ الحديث المرسل وصورته.\nاختلفت عبارات الأئمة في حدَّ الحديث المرسل على وجوه، أشهرها:\nما قاله الحافظ ابن حجر: \"هو ما سقط من آخره من بعد التابعي\". قال: \"وصورته: أن يقول التابعيُّ - سواء كان كبيرًا أو صغيرًا-: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، أو نحو ذلك\"١. قال: \"وهذا الذي عليه جمهور الْمُحَدِّثِين\"٢.\nويمكن أن نتناول بعض المسائل المتعلقة بالمرسل، مما بحث فيها ابن القَيِّم ﵀، فمن ذلك:\nالمسألة الأولى: في حكم الحديث المرسل، والقول في قبوله أو رده.\nفقد اختلفوا في الاحتجاج بالمرسل على أقوال:\n- أحدها: قبول مراسيل الصحابة فقط، ورد ما عداها مطلقًا٣. وهذا الذي عليه عمل أئمة الحديث٤.\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٤١) .\n٢ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٤٣) .\n٣ جامع التحصيل: (ص ٤٧) .\n٤ نكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٥٤٨) .","vol":"1","page":397},{"text":"- الثاني: ردُّ المرسل مطلقًا، حتى مراسيل الصحابة ﵃، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني١.\n- الثالث: القبول مطلقًا في جميع الأعصار والأمصار. قال العلائي: \"وهو توسُّعٌ بعيدٌ جدًا غير مرضي\"٢.\n- الرابع: قبول مرسل الصحابة وكبار التابعين فقط، وهو مذهب الشافعي وجماعة من المتقدمين.\nولكن لقبوله شروط عند الشافعي ﵀، بعضها في الخبر الْمُرْسَل نفسه، وبعضها في نفس الراوي الْمُرْسِل.\nفأما شروط الخبر المرسل، فهي أن يتوافر له أحد أربعة أشياء تعضده، وهي:\n١- أن يُروى هذا المرسل من وجهٍ آخر مسندًا، فيدلُّ ذلك على صحة الحديث.\n٢- أو يروى مرسلًا، أرسله من أخذ العلم عن غير شيوخ المرسل الأول؛ فإنه يتقوى بذلك أيضًا، وإن كان أضعف في التقوية من الذي قبله.\n٣- أو يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيُسْتَدَلُّ بذلك على أن لهذا المرسل أصلًا صحيحًا؛ لأن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبيصلى الله عليه وسلم.\n٤- فإن لم يوجد من ذلك شيء، وَوُجِدَ أكثر أهل العلم يقولون به، فإن ذلك يدل على صحة هذا المرسل أيضًا، وأن له أصلًا، وأنهم قد استندوا في فتواهم إلى ذلك الأصل.\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٤٦) .\n٢ جامع التحصيل: (ص٤٨) .","vol":"1","page":398},{"text":"وأما شروط الْمُرْسِل نفسه، فهي:\n١- أن يكون من كبار التابعين، فإنهم لا يروون في الغالب إلا عن صحابي أو تابعي كبير.\n٢- أن يكون الْمُرْسِل إذا سَمَّى من روى عنه سمى ثقة مقبولًا، ولم يسم ضعيفًا ولا مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه.\n٣- ألا يخالف الحفاظ إذا شارَكَهم فيما أسندوه، فإن كان ممن يخالف لم يقبل مرسله.\nفهذه جملة الشروط التي ذكرها الشافعي - ﵀ - لقبول المرسل١.\nفإذا توافرت في حديث مرسل قُبِلَ، وقال الحافظ العلائي: \"المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به\"٢.\n- الخامس: قبول مرسل من عُرِفَ من عادته أو صريح عبارته أنه لا يُرْسِلُ إلا عن ثقة، فإن كان كذلك قُبِلَ، وإلا فلا.\nقال الحافظ العلائي: \"فهذا القول أرجح الأقوال في هذه المسألة وأَعْدَلُهَا\"٣. وقال مرة عن هذا المذهب ومذهب الشافعي الذي قبله: \"وهذا القول والذي قبله أعدلُ المذاهب، وبه يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة من الطرفين\"٤.\n_________\n١ الرسالة: (ص٤٦١ - ٤٦٤) .\n٢ جامع التحصيل: (ص٤٣) .\n٣ جامع التحصيل: (ص٣٤) .\n٤ جامع التحصيل: (ص٩٦) .","vol":"1","page":399},{"text":"وأيَّدَهُ في ترجيح ذلك: الحافظ ابن حجر - ﵀ - ونقل أقوالًا عدة في تأييده، ثم قال:\n\"وبهذا المذهب يحصلُ الجمع بين الأدلة لطرفي القبول والرد\"١.\nوفي المسألة أقوالٌ أخرى غير ما ذكرنا.\nفتحَصَّلَ من ذلك أن أقوال العلماء في الاحتجاج بالمرسل تدور على ثلاثة مذاهب، وهي:\n١- القبول مطلقًا.\n٢- الرد مطلقًا.\n٣- التفصيل في المسألة، أو: قبوله بشروط.\nوبالنظر إلى تَصَرُّف ابن القَيِّم - ﵀ - في الاحتجاج بالمرسل، واختياره في ذلك: فقد ذهب - ﵀ - إلى قبول المرسل إذا توافرت فيه تلك الشروط التي ذكرها الشافعي ﵀، وأضاف إلى ذلك مُعَضِّدًا - لعله أخذه من الأصوليين- وهو: اعتضاد المرسل بالقياس، وسيأتي نقل ذلك عنه.\nفمن أقواله التي يُقَرِّرُ فيها شروط الاحتجاج بالمرسل:\nقوله في حديث أبي قتادة في عدم كراهية الصلاة يوم الجمعة وقت الزوال - وقد أُعِلَّ بالإرسال -:\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٥٢ - ٥٥٥) .","vol":"1","page":400},{"text":"\"الْمُرْسَلُ: إذا اتصَّل به عملٌ، وعضده قياسٌ، أو قول صحابي، أو كان مُرْسِلُه معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته: عُمِلَ به وأيضًا: فقد عضده شواهد أخر\"١.\nثم أخذ في سياق بعض الشواهد المسندة لهذا الحديث.\nوبالنظر إلى كلام ابن القَيِّم هذا، نجد أنه قد أعمل شروط المذهبين الراجحين السالف ذكرهما.\nفكون المرسل: تعضده شواهد مسندة.\nأو يَعْمَلُ به أكثر أهل العلم.\nأو يوافقه قول صحابي.\nفإن هذه من شروط قبول المرسل عند الإمام الشافعي ﵀.\nوكون مُرْسِلهُ: ممن عرف بالرواية عن الثقات، وتجنب الضعفاء والمتروكين، فإن هذا مقتضى المذهب الذي تقدم ترجيحه آنفًا، وأضاف إلى ذلك كله: كونه مما يعضده القياس، وهذا مما زاده الأصوليون في\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٣٧٩) .","vol":"1","page":401},{"text":"الاعتضاد، كما نصَّ عليه السيوطي١ ﵀.\nوقال - ﵀ - في حديث ميراث المرأة، وأنها \"تحوز ميراث: عتيقها، ولقيطها، والذي لاعنت عليه\" - وقد أورد عدة آثار مرسلة ومسندة في ميراثها ولد الملاعنة خاصة - قال: \"وهذه الآثار يشد بعضها بعضًا، وقد قال الشافعي: إن المرسل إذا رُوِيَ من وجهين مختلفين، أو رُوِيَ مسندًا، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة: فهو حجة\".\nقال: \"وهذا قد رُوِيَ من وجوه متعددة، وعمل به من ذكرنا من الصحابة، والقياس معه ... \"٢.\nوقد لاحظنا في هذا المثال ذكر شرط آخر من شروط الاعتضاد، وهو: أن يوافق هذا المرسل مرسل آخر يُروى من وجه آخر.\nوأورد مرسل سعيد بن المسيب في القضاء بين رجلين بالقرعة، ثم ساق له شاهدًا مرسلًا - أيضًا - من رواية سليمان بن يسار، ثم قال: \"فهذا مرسل: قد روى من وجهين مختلفين،\n_________\n١ تدريب الراوي: (١/٢٠١) .\n٢ تهذيب السنن: (٤/١٧٧ - ١٧٨) .","vol":"1","page":402},{"text":"وهو من مراسيل ابن المسيب، وتشهد له الأصول التي ذكرناها في القرعة\"١.\nوقوله هنا بأنه \"من مراسيل سعيد بن المسيب\" يعني: أنه عُرِفَ من حاله أنه لا يُرْسِل إلا عن ثقة، وتقدم بيان هذا الشرط، والكلام عليه.\nفقد قَبِلَ الشافعي - ﵀ - مراسيل ابن المسيب خاصة، فإنه قال: \" ... ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب\"٢. وقد ذهب آخرون إلى تقديم مراسيل ابن المسيب، والقول بأنها أصح المراسيل٣. أما الشافعي ﵀: فقالوا إنه كَشَفَ عن مراسيل ابن المسيب، فوجده لا يَروِي إلا عن ثقة، وأن مراسيله مسندة متصلة من جهات أخرى٤.\nوقد أخذ بذلك ابن القَيِّم ﵀ - كما ستأتي الإشارة إليه - ومن ثم فإن قوله - ﵀ - في هذا الحديث: إنه من رواية ابن المسيب. هو بمثابة قوله في غيره: أرسله من لا يُرْسِلُ إلا عن ثقة متقن.\nومن هذا العرض يتبين لنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد اختار في قبول المُرْسَلِ أعدل المذاهب، وهو المذهب المتوسط بين طرفي القبول والرد، والذي يقبل المرسل بشروط وضوابط، إذا توافرت في المرسل دَلَّتْ في الغالب على صحته وثوبته.\n_________\n١ الطرق الحكمية: (ص٣٢٥) .\n٢ \"المراسيل\" لابن أبي حاتم: (ص٦)، و\"آداب الشافعي\" له: (ص٢٣٢) .\n٣ انظر \"جامع التحصيل\": (ص٤٥ - ٤٦)، (ص٩٩) .\n٤ جامع التحصيل: (ص٣٤) .","vol":"1","page":403},{"text":"ومع ذلك، فقد وَجَدتُ كلامًا لابن القَيِّم - ﵀ - يؤخذ منه: أنه يذهب إلى قبول الْمُرْسَل مطلقًا بلا قيد ولا شرط، فقد قال - في مرسل مجاهد - ﵀ - في اعتداد المتوفَّى عنها زوجها، وقول النبي ﷺ للنسوة اللاتي سألنه: \"تحدَّثْنَ عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها\" - قال:\n\"وهذا وإن كان مرسلًا، فالظاهر أن مجاهدًا: إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة، أو من صحابي.\nوالتابعون لم يكن الكذب معروفًا فيهم، وهم ثاني القرون المفضلة، وقد شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ، وأخذوا العلم عنهم، وهم خير الأمة بعدهم، فلا يُظَنُّ بهم الكذب على رسول الله ﷺ، ولا الرواية عن الكذابين، ولا سيما العَالِمُ منهم إذا جَزَمَ على رسول الله ﷺ بالرواية، وشهد له بالحديث، فقال: قال رسول الله ﷺ، وفعل رسول الله ﷺ، وأمر ونهى، فيبعد كلَّ البعد أن يُقْدِمَ على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ كَذَّابًا أو مجهولًا.\nوهذا بخلاف مراسيل من بعدهم، فكلما تأخرت القرون، ساءَ الظن بالمراسيل، ولم يُشْهَدْ بها على رسول الله ﷺ\"١.\nوقد تضمن هذا الكلام من ابن القَيِّم - ﵀ - أمورًا تحتاج إلى مناقشة:\n- فأما القول بأن مجاهدًا أخذه عن صحابي، أو تابعي ثقة: فكلُّ\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٦٩٢ - ٦٩٣) .","vol":"1","page":404},{"text":"ما فيه هو تحسين الظن به، إلا أنهم لم يذكروا مجاهدًا بأنه كان لا يأخذ إلا عن ثقة، كما قالوا في حق سعيد بن المسيب مثلًا.\nوقد بَيَّنَ الحافظ العلائي - ﵀ - أن احتمال كونِ الساقط ضعيفًا أو مجهولًا، قد يرجح في بعض المواضع على احتمال كونه صحابيًا أو تابعيًا ثقة، قال: \"ولا أقل من أن تتساوى الاحتمالات، وحينئذٍ فلا يصح الاحتجاج به\"١.\n- وأما قوله: إن الكذب لم يكن معروفًا في هذا العصر: فقد أجاب عن ذلك الحافظ العلائي أيضًا، وقال بأن ذلك \"ممنوع؛ بل إن الواقع خلافه\"٢. ثم أخذ - ﵀ - في ذكر بعض الوقائع التي تثبت عكس ذلك، وأن جماعة قد أرسلوا عن ضعفاء ومجاهيل٣.\nبل حكى ابن عبد البر: أن محمود بن لبيد حكى عن جماعة أنهم حدَّثُوه عن عبد الله بن جعفر بما أنكره ابن جعفر، قال: \"وهذا في زمن فيه الصحابة، فما ظنك بمن بعدهم؟ \"٤.\n- وأما القول بأن الواحد منهم لا يجزم بنسبته إلى النبي ﷺ مع أن الواسطة بينه وبين النبي ﷺ كذاب أو مجهول: يعني أن الراوي لا يرسل الحديث إلا بعد جزمه بعدالة من أرسل عنه، وهذه \"دعوى لا دليل عليها\" كما قال الحافظ العلائي.\n_________\n١ جامع التحصيل: (ص٨٨) .\n٢ جامع التحصيل: (ص٨٢) .\n٣ جامع التحصيل: (ص٨٦) .\n٤ التمهيد: (١/٥٤) .","vol":"1","page":405},{"text":"والذي حملهم على هذا هو القول: بأنه لو لم يكن عدلًا عنده، لكان بجزمه بالرواية عنه فاسقًا؛ لإثباته الخبر وهو لا يغلب على ظنه ثبوته، مع تعديله من ليس عدلًا.\nوأجاب عن ذلك الحافظ العلائي - ﵀ - فقال: \"لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يُكَلَّفْ إلا بما ظهر له، وقد يظهر لغيره خلاف ذلك، ويترجح على تعديل هذا، كما قد وقع للزهري - مع إمامته - في إرساله عن سليمان بن أرقم لظنه تعديله، وهو ضعيف متروك لا يُحْتَجُّ به، ومثل هذا كثير جدًا، فلا تَلازُمَ بين الأمرين كما قالوا\"١.\nومن هذا يتبين لنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - بإطلاقه القول بقبول مراسيل التابعين - بناء على قوله هذا - قد تساهل كثيرًا، وتوسَّعَ توسعًا لا يتفق مع ما قدمنا عنه: من أن المرسل لا يُقْبَلُ إلا بالشروط المذكورة، وأنه قد قَرَّرَ ذلك في غير مناسبة.\nولذلك، فإنه لا ينبغي أن يُفهمَ أن ابن القَيِّم - ﵀ - يرتضي هذا المذهب ويعتمده في مسألة الاحتجاج بالمرسل، ولعل ما نقلناه عنه في القول بقبول المرسل بشروطه قد بلغ من الكثرة بحيث لا يُعارضُ بهذا القول الواحد، ولعله كان يرى الإطلاق ثم استقرَّ رأيه على ما هو المذهب المعتمد في ذلك، ولا سيما أنه لم ينظر إلى مراسيل التابعين نظرةً واحدة، بل كان يرى التفاوت بينها قبولًا وردًا؛ كما سيأتي في المسألة الثالثة. فهذا - من جهة أخرى - يؤكد استقرار رأيه على قبوله بشروط، والله أعلم.\n_________\n١ جامع التحصيل: (ص ٨١) .","vol":"1","page":406},{"text":"المسألة الثانية: في حكم مراسيل الصحابة.\nإذا قال الصحابي الصغير: كابن عباس، وابن الزبير ونحوهما، وكذا الصحابي الكبير فيما ثَبَتَ أنه لم يسمعه من النبي ﷺ إلا بواسطة، إذا قال أحدهم: قال رسول الله ﷺ، فهل يُحْكَمُ لذلك بالاتصال؟\nالصحيح الذي عليه جمهور أهل الحديث وغيرهم: أن ذلك صحيح متصل محتج به.\nقال ابن الصلاح في ختام كلامه على المرسل: \"ثم إنَّا لَمْ نَعُدَّ في أنواع المرسل ونحوه ما يُسَمَّى في أصول الفقه: مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة، عن رسول الله ﷺ، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة١، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول\"٢.\nوقَرَّرَ النووي: أن الحكم بصحة مرسل الصحابي هو المذهب الصحيح٣.\nوحجة من ردَّ مرسل الصحابي: احتمال كون الصحابي سمعه من تابعي، وإذا كان كذلك، فيُحْتَمَلُ أن يكون هذا التابعي ضعيفًا.\n_________\n١ قال العراقي: \"الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة؛ إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين\" (التقييد والإيضاح: ص٧٥) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٦) .\n٣ التقريب: (ص٧) .","vol":"1","page":407},{"text":"وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: \"والانفصال عن ذلك أن يُقال: قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ. ظاهر في أنه سمعه منه أومن صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادر جداَّ لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله، بينوه وأوضحوه\"١.\nوقد تَعَرَّضَ ابن القَيِّم - ﵀ - لهذه المسألة أثناء مناقشته لابن القطان في حديث أَعَلَّهُ بأنه مرسل صحابي، ففي الحديث الذي رواه أبو بكرة ﵁ عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، وأن النبي ﷺ \"صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، وكانت له ست ركعات، وللقوم ثلاث ركعات\" قال ابن القطان - عن هذا الحديث، وحديث آخر لأبي بكرة -: \"وعندي أن الحديثين غير متصلين؛ فإن أبا بكرة لم يُصَلِّ معه صلاة الخوف؛ لأنه بلا ريب أسلمَ في حصار الطائف ... وهذا كان بعد فراغه ﷺ من هوازن، ثم لم يلق ﷺ كيدًا إلى أن قبضه الله\".\nفرد ابن القَيِّم - ﵀ - ذلك عليه قائلًا: \"وهذا الذي قاله لا ريب فيه، لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه، فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة، فإنه إنما سمعها من صحابي غيره، وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٧٠) .","vol":"1","page":408},{"text":"النبي ﷺ، ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء، فالتعليل على هذا باطل\"١.\nفوافق ابن القَيِّم - ﵀ - الجمهور في القول بصحة مراسيل الصحابة، والحكم لها بالاتصال.\nالمسألة الثالثة: في حكم بعض المراسيل، وبيان منزلتها.\nتَكَلَّمَ الأئمة - ﵏ - على حكم مراسيل بعض التابعين عن النبي ﷺ، وبينوا درجتها ومنزلتها، وما يُقْبَلُ منها وما يُرَدُّ.\nوقد كانت هذه الأحكام نتيجة بحثهم وتَحَرِّيهِم، واعتبارهم بمرسلات كل واحد من الرواة، وعادته فيما يرسله، ومن ثمَّ حكموا على مرسل كل شخص بما يناسب حاله.\nوقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - أثناء بحوثه بعض هؤلاء الْمُرْسِلِين، وَتَكَلَّم عن حالهم، وبين درجة مراسيلهم من حيث القبول والرد، والقوة والضعف.\nوأنا أذكر ما وقفت عليه من كلامه في هذا الباب، مُقَارِنًا ذلك بكلام الأئمة أهل هذا الشأن، فمن هؤلاء:\n١- سعيد بن المسيب:\nذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى صحة مراسيل ابن المسيب، وأن ما قال فيه: \"قال رسول الله ﷺ\" فهو حُجَّةٌ، حتى عند من لم يقبل المرسل.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٧١ - ٧٢) .","vol":"1","page":409},{"text":"ومن أقواله في هذا المعنى:\nقال ﵀: \" ... فإن ابن المسيب إذا قال: قال رسول الله ﷺ، فهو حجة\"١.\nوقال: \"وسعيد بن المسيب إذا أرسَلَ عن رسول الله ﷺ قُبلَ مُرْسَلُهُ\"٢.\nوقال: \" ... ومن لم يقبل المرسل قَبلَ مرسل سعيد عن النبي ﷺ\"٣.\nوقال في حديث مرسل يريد أن يُقَوِّيهُ ويعضده: \"وهو من مراسيل ابن المسيب\"٤.\nفهكذا كان ابن القَيِّم - ﵀ - يرى حُجِّيَّةَ مراسيل ابن المسيب، وصحتها على الإطلاق، وهو بذلك موافق للجمهور من أئمة الحديث؛ فقد قال الحافظ العلائي ﵀: \"وقد اتفقت كلمتهم على سعيد بن المسيب، وأن جميعَ مراسيله صحيحة، وأنه كان لا يُرسلُ إلا عن ثقة من كبار التابعين، أو صحابي معروف. قال معنى ذلك بعبارات مختلفة جماعة من الأئمة، منهم: مالك، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم\"٥.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٣١٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٤/٣٦٤) .\n٣ تهذيب السنن: (٧/٢٩٤) .\n٤ الطرق الحكمية: (ص ٣٢٥) .\n٥ جامع التحصيل: (ص٩٩) .","vol":"1","page":410},{"text":"وقد تَقَدَّم أن الشافعي - ﵀ - استثنى من المراسيل كلها مراسيل ابن المسيب، فجعلها حجة مطلقًا، وعبارته: \" ... ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب\"١.\nوممن صرَّحَ بتقديمها أيضًا: الحاكم في (علوم الحديث) ٢. وجعله الحافظ الذهبي - ﵀ - من أصح المراسيل٣.\nفتبين من ذلك: أن ابن المسيب من أصح الناس مرسلًا، والجمهور على قبول مراسيله مطلقًا، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم - ﵀ - ومشى عليه في كتبه.\n٢- الزُّهْرِي:\nذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ضعف مراسيل الزهري، وعدم الاحتجاج بها، بل ذهب إلى أنها من أضعف المراسيل، فقال: \"مراسيل الزهري عندهم ضعيفة، لا يحتجُّ بها\"٤.\nوقال مرة: \"مراسيل الزهري عندهم من أضعف المراسيل، لا تصلح للاحتجاج؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. وقُرئ على عباس الدوري، عن ابن معين قال: مراسيل الزهري ليست بشيء\"٥.\n_________\n١ المراسيل - لابن أبي حاتم: (ص٦) .\n(ص ٢٥ - ٢٦) .\n٣ الموقظة: (ص٣٨ - ٣٩) .\n٤ زاد المعاد: (٥/٣٦٤) .\n٥ تحفة المودود: (ص١٧٠ - ١٧١) . وانظر \"المراسيل\": (ص٣) .","vol":"1","page":411},{"text":"وقال العلائي: \"اختلف في مراسيل الزهري، لكن الأكثر على تضعيفها\"١ ثم نقل عن الشافعي قوله: \"يقولون: نُحَابي، ولو حابينا أحدًا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم\".\nثم قال العلائي ﵀: \"والظاهر: أن قولَ الأكثر أولى بالاعتماد\"٢.\nوقال الحافظ الذهبي ﵀: \"ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن، وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحميد الطويل من صغار التابعين. وغالب المحققين يَعُدُّون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي، فالظن بِمُرْسِلِه أنه أسقط من إسناده اثنين\"٣.\nفظهر من أقوال هؤلاء الأئمة - ﵏ - أن المختار: ضعف مراسيل الزهري، وعدم الاعتماد عليها بحال. وهو ما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀.\n٣- الشَّعْبِي:\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في قول الشعبي: \" إن النبي ﷺ لم يَرُدَّها - يعني زينب ابنته - إلا بنكاح جديد\" قال:\n_________\n١ جامع التحصيل: (ص١٠١) .\n٢ جامع التحصيل: (ص ١٠١ - ١٠٢) .\n٣ الموقظة: (ص٤٠) .","vol":"1","page":412},{"text":"\"إن صحَّ عن الشعبي: فإن كان قاله برأيه فلا حجة فيه، وإن كان قاله رواية فهو منقطع لا تقوم به حجة، فَبَيْنَ الشعبي وبَيْنَ رسول الله ﷺ مَفَازَةٌ١ لا يُدْرى حالها\"٢.\nهكذا جزم ابن القَيِّم برد مرسل الشعبي، وأنه لا تقوم به حجةٌ! ولننظر أقوال الأئمة في ذلك:\nقال العجلي: \"مرسل الشعبي صحيح، لا يُرْسِل إلا صحيحًا صحيحًا\"٣. وقال أبو داود: \"مرسل الشعبي أحبُّ إليّ من مرسل النخعي\"٤.\nوقَدَّم ابن معين مراسيل إبراهيم النخعي عليها٥.\nوقال الحافظ الذهبي ﵀: \" ... مراسيل مجاهد، وإبراهيم، والشعبي: فهو مرسل جيد، لا بأس به، يقبله قوم ويرده آخرون\"٦.\nوجعل السخاوي مراسيله في مرتبة من كان يَتَحَرَّى في شيوخه٧.\nقلت: فغاية مراسيل الشعبي أنه مختلف فيها، وإن كان ظاهرُ كلام\n_________\n١ الْمَفَازَةُ: الموضع المهلك، مأخوذة من فَوَّزَ إذا مات، لأنها مظنة الموت. (المصباح المنير: ٢/٤٨٣) .\n٢ أحكام أهل الذمة: (١/٣٣٦) .\n٣ تاريخ الثقات (ترتيب الهيثمي): (ص٢٤٤) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٥/٦٨) .\n٥ تاريخ ابن معين - الدوري: (٢/١٨) .\n٦ الموقطة: (ص٤٠) .\n٧ فتح المغيث: (١/١٥٢) .","vol":"1","page":413},{"text":"الأئمة احتمالها، ولم أقف على تسمية من حكم بردِّهَا كما ذهب إليه ابن القَيِّم - وإن كان الذهبي أشار إلى جماعة قالت بردها - فهي إلى القبول أقرب منها إلى الردِّ، والله أعلم.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث السادس: تَعَارُض الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف</span>\nإذا روى بعض الثقات الحديث مُرْسَلًا وبعضهم مُتَّصِلًا، فهل يُحكمُ في ذلك للوصل أم للإرسال؟ اختلفَ أهل العلم في ذلك على أقوال:\nالأول: أن الحكم في ذلك لمن وصله، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر، أحفظ منه أم لا.\nوهذا القول صححه: الخطيب١، والنووي٢، والعراقي٣.\nقال ابن الصلاح: \"وما صححه - يعني الخطيب - هو الصحيح في الفقه وأصوله\"٤.\nالقول الثاني: أن الحكم في ذلك لمن أرسل.\nعزاه الخطيبُ لأكثر أصحاب الحديث٥.\nقال السخاوي - ﵀ - في توجيه هذا القول: \"فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي ... \"٦.\n_________\n١ الكفاية: (ص ٥٨٠ - ٥٨١) .\n٢ التقريب: (ص ٨) .\n٣ شرح الألفية: (١/١٧٥) .\n٤ مقدمة ابن الصلاح: (ص ٣٤) .\n٥ الكفاية: (ص٥٨٠) .\n٦ فتح المغيث: (١/١٧٠) .","vol":"1","page":415},{"text":"القول الثالث: أن الحكم للأكثر؛ فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله، فالحكم للإرسال، وإن كان من وصله أكثر، فالحكم للوصل.\nقال السخاوي: \"لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد\"١.\nالقول الرابع: أن الحكم في ذلك للأحفظ.\nوالذي اختاره الحافظ ابن حجر -﵀-: هو أن الْمُحَدِّثِين﵏ - ليس لهم في ذلك قانونٌ ثابت؛ فإنهم لا يحكمون في مثل ذلك بحكم مطرد، وإنما يرجحون في مثل ذلك بالقرائن٢.\nولكن عملهم هذا، وترجيحهم بالقرائن إنما هو فيما يَظْهَرُ فيه الترجيح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وهذا ... إنما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح: فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة\"٣. يعني أنه هو الذي تجري فيه الأقوال الأربعة الماضية.\nوقد ذكر ابن القَيِّم - عند تعرضه لهذه القضية - بعض المذاهب في المسألة، فمن ذلك:\nأنه - ﵀ - قال في حديث تخيير البكر الكارهة في الزواج - وقد رُوي مرسلًا ومسندًا-:\n\"وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعلة فيه، فإنه قد روى مسندًا ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادةٌ، ومن وصله مُقَدَّم\n_________\n١ فتح المغيث: (١/١٧١) .\n٢ انظر: النكت على ابن الصلاح (٢/٦٠٥) .\n٣ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٠٥) .","vol":"1","page":416},{"text":"على من أرسله: فظاهرٌ، وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث ... وإن حكمنا بالإرسال - كقول كثير من المحدثين -: فهذا مرسل قويٌ قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة ... \"١.\nثم يبالغُ - ﵀ - في الرد على من ضَعَّفَهُ بالإرسال، فيقول: \"وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء، وجميع أهل الأصول: هذا حديث صحيحٌ؛ لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالها تقبل في موضع - بل في أكثر المواضع التي توافقُ مذهب المقلد - وترد في موضع يخالف مذهبه؟! \"٢.\nوبغَضِّ النظر عن تقديم الوصل أو الإرسال في هذا الحديث، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - يُقَرِّر: أن مذهب الفقهاء والأصوليين: تقديمُ الوصل والحكم للزيادة دائمًا إذا كانت من ثقة، وأن مذهب كثير من المحدثين: تقديم الإرسال.\nوقال - أيضًا - موضحًا طريقة الفقهاء والأصوليين عند كلامه على أحاديث الفطر بالحجامة: \"وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين: لا يُلتفت إلى شيء من تلك العلل، وأنها ما بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون، أو إرسالها وقد وصلها آخرون، وهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة\"٣.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٩٦- ٩٧) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٤٠) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/٢٤٨) .","vol":"1","page":417},{"text":"وأما اختيار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة: فقد كان يرى عدم لزوم حكم ثابت مُطَّرِد دائمًا، وإنما يدور الحكم لأحد الجانبين مع القرائن والمُرَجِّحات، فمن أقواله في هذا الصدد: ما قاله في حديث: \"من دخل حائطًا فليأكل ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً\": \"ولكن لو حَاكَمْنَا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجةً على قولهم؛ لأن يحيى بن سليم من رجال الصحيحين، وهو لو انفرد بلفظةٍ، أو رفعٍ، أو اتصالٍ، وخَالَفَه غيره فيه لحكموا له، ولم يلتفتوا إلى من خالفه، ولو كان أوثق وأكثر ... ولكنَّا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديثُ عندنا معلول\"١.\nفابن القَيِّم - ﵀ - ينتقد طريقة الفقهاء عند وقوع ذلك، وأنهم يحكمون دائمًا لمن زاد، دون مراعاة للاعتبارات الأخرى التي قد ترجح الجانب الآخر: كالكثرةِ، وكونِ المخالف أوثق، وغير ذلك من المرجحات.\nويؤكد - ﵀ - في مناسبة أخرى فسادَ طريقة من يحكم بحكمٍ ثابتٍ عند تعارض الوصل والإرسال، فيقول - ﵀ - في حديث ابن عباس ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد: \"وقد أَعَلَّه طائفةٌ بالإرسال بأن عمرو بن دينار رواه عن محمد ابن عليّ، عن النبي ﷺ مرسلًا. وهذا أيضًا تعليلٌ فاسدٌ لا يؤثر في الحديث؛ لأن راويه عن عمرو إنسانٌ ضعيفٌ، لا يُعترض بروايته على الثقات ...\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٤٢٦) .","vol":"1","page":418},{"text":"وهذه الطريق في مقابلها طريق الأصوليين، وأكثر الفقهاء: أنهم لا يلتفتون إلى علة للحديث إذا سلمت طريق من الطرق منها، فإذا وصله ثقةٌ أو رفعه، لا يبالون بخلاف من خالفه ولو كثروا\"١.\nفأشار - ﵀ - بذلك إلى أن من يُقَدِّم الوصلَ دائمًا، وكذا من يُقَدَّم الإرسال على الوصل دائمًا، كلاهما على طرفي نقيض.\nثم يُقَرِّرُ - ﵀ - الصواب في ذلك، فيقول: \"والصواب في ذلك: طريقةُ أئمةِ هذا الشأن العَالِمِين به وبعلله، وهو: النظر والتَّمَهُّرُ في العلل، والنظرُ في الواقِفِين والرَّافِعِين، والمُرْسِلين والواصلين: أَيُّهم أكثرُ، وأَوْثَقُ، وأخصُّ بالشيخ، وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التي يَجْزِمون معها بالعِلَّة المُؤَثِّرة في موضع، وبانتفائِها في موضعٍ آخر، ولا يرتضون طريقَ هؤلاء، ولا طريقَ هؤلاء\"٢.\nفهذا بيانُ منه - ﵀ - للطريقةِ المعتبرة في مثل ذلك، وهي: الترجيحُ بالقرائنِ والاعتباراتِ المحيطة بكل خبرِ على حدة.\nوقد ذكر في ضمن كلامه هذا بعض المُرَجِّحَاتِ والقرائنِ التي يُلْجَأُ إليها في مثل ذلك، ومنها:\n١ - الترجيحُ بالكثرة.\n٢- الترجيحُ بالثقةِ والإتقانِ والحفظ، بكون أحد الجانبين أوثق وأحفظ من الآخر.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٢٢٨- ٢٢٩) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/٢٢٩) .","vol":"1","page":419},{"text":"٣ - الترجيحُ باختصاصِ أحدِ الجانبين بالشيخ، وملازمتِهِ له، ومعرفته بحديثه.\nويشير - ﵀ - إلى وجه رابع من وجوه الترجيح، وهو:\n٤ –كون أحد الجانبين قد سمعوا الحديث من الشيخ في أوقات مختلفة، والآخرون سمعوه منه في مجلس واحد عرضًا١.\nنقل ذلك عن الترمذي في ترجيحه الوصلَ على الإرسال في حديث أبي موسى مرفوعًا: \"لا نكاح إلا بولي\".\nقال الحافظُ ابن حجر﵀- \"ولا يخفى رُجْحَان ما أُخِذَ من لفظِ المُحَدِّث في مجالس متعددة، على ما أُخِذَ عنه عرضًا في محل واحد\"٢.\nويؤكد ابن القَيِّم الترجيحَ بالملازمة للشيخ، والاختصاص به، فيقول في حديث أبي موسى الماضي -عند ذكره وجوه ترجيح الوصل-: \"ترجيحُ إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديثِ أبي إسحاق ... وإن كان شعبةُ والثوري أجلُّ منه، لكِنَّه لحديثِ أبي إسحاقَ أتقن، وبه أعرف\"٣.\nومن أمثلة استعماله القرائن في الترجيحِ، وعدم لزومه حالة واحدة:\nقوله في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في مسح أعلى الخف وأسفله:\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣١) .\n٢ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٠٧) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/٣١) .","vol":"1","page":420},{"text":"\"وقد تَفَرَّدَ الوليدُ بن مسلم بإسناده ووصله، وخَالَفَهُ مَنْ هو أحفظ منه وأجلُّ - وهو الإمام الثبت: عبد الله بن المبارك - فرواه عن: ثور، عن رجاء، قال حُدِّثْتُ عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ.\nوإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم، فالقول ما قال عبد الله\"١.\nفقد رجح الإرسال هنا: لكون راويه أتقن وأحفظ من الآخر.\nأما حينما يكون الذي وصل الحديث أو رفعه ثقة متقن، ولا يقلُّ عن الذي أرسله حفظًا وإتقانًا، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - يحكم بتقديم زيادة الثقة؛ فإنه قال في حديث: \" لا نكاح إلا بولي \" الماضي: \"وَصْلُه زيادةٌ من ثقة ليس دون من أرسله، والزيادةُ إذا كان هذا حالها، فهي مقبولة\"٢.\nفاتَّضَحَ من ذلك طريقةُ ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب، واختياره في ذلك، حيث إنَّه اختارَ طريقة أئمة الشأن في تعاملهم مع تعارض الوصل والإرسال؛ وذلك أنهم يدورون مع القرائن التي تُرَجِّح عندهم أحد الجانبين على الآخر، ولا يلتزمون في ذلك حكمًا ثابتًا يطبقونه على كل حالة من هذه الحالات.\nوقد قَرَّرَ ابنُ القَيِّم في أكثر من مناسبة - كما مضى - أن هذه الطريقة هي الصواب، وكان -﵀- مُطَبِّقًا لذلك في كلِّ الأحاديث التي بحثها من هذا القبيل.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٢٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣١) .","vol":"1","page":421},{"text":"وهكذا كان موقفه - ﵀ - فيما يتعارض فيه الوقف والرفع: فيقدم الرفع تارة إذا كان مَنْ رَفَعَهُ ثقة متقن، فيكون من باب زيادة الثقة١. وتارة يرجح الوقف إذا كانت هناك مرجحات، ككثرة الواقفين، وكونهم أشهر وأعلم بحديث الشيخ٢، إلى غير ذلك من المرجحات، والله أعلم.\n_________\n١ انظر مثلًا: تهذيب السنن: (٤/٩٦) .\n٢ انظر مثلًا: تهذيب السنن: (٣/٢٥٢) .","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث السابع: الْمُنْقَطِعُ</span>\nتعريفه: هو ما سقط من إسناده راوِ واحد قبل الصحابي، من أي موضع كان السقط١. وكذا لو سقط من إسناده اثنان، لكن لا على التوالي٢.\nوهذا هو الأكثر في استعمالهم، كما صَرَّح به الخطيب وغيره٣.\nومن المسائل المتفرعة عن نوع المنقطع:\nالعَنْعَنَةُ، أو: الإسناد الْمُعَنْعَن:\nإذا قال الراوي في حديثه: عن فلان، من غير بيان للتحديث والإخبار والسماع، فما حكم هذا الإسناد؟ اختلف في ذلك:\n- فقال بعضهم: هو من قبيل المنقطع والمرسل حتى يتبين اتصاله.\n- والصحيح الذي عليه العمل: أنه من قبيل الإسناد المتصل، هذا الذي ذهب إليه الجمهور من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، بل ذهب البعض إلى إجماع أهل النقل على ذلك٤، وذلك بشرطين:\n_________\n١ فتح المغيث: (١/١٥٣) .\n٢ تدريب الراوي: (١/٢٠٨) .\n٣ فتح المغيث: (١/١٥٥) .\n٤ مقدمة ابن الصلاح: (ص ٢٩) .","vol":"1","page":423},{"text":"أحدهما: أن يكون الْمُعَنْعِنُ غير معروف بالتدليس.\nالثاني: أن يثبت اللقاء بين الراوي المعنعن وشيخه، ولو مرة واحدة، كما ذهب إلى ذلك: البخاري، وشيخه علي بن المديني، وغيرهما من النقاد١.\nواكتفى الإمام مسلم في الحكم لذلك بالاتصال: بأن يكون الراوي المعنعن وشيخه متعاصرين، مع إمكان اللقاء، وبالغ في خطبة \"صحيحه\"٢ في الرد على من قال باشتراط ثبوت اللقاء، وأنه قول مخترعٌ لم يُسْبَق قائله إليه.\nوقد أخذ ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة بمذهب الإمام مسلم ﵀، فكان يحكم على الإسناد المعنعن بالاتصال بمجرد تحقق المعاصرة بين الراوي وشيخه، وإمكان لقائهما، ولم ير أنه يلزم في ذلك ثبوت اللقاء بينهما، يتضح ذلك من كلامه في مناسبات عدة، فمن ذلك:\nأن الطحاوي أعل حديث ابن عباس ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد: بأن قيس بن سعد لا يُعْلَم حدث عن عمرو بن دينار بشيء، فقال ابن القَيِّم ﵀:\n\"هذه عِلَّة ٌباطلة؛ لأن قيسًا ثقة ثبت، غير معروف بتدليس. وقيسٌ وعمرو مكِّيَّان في زمان واحد، وإن كان عمرو أسن وأقدم وفاة منه. وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد، وهما أكبر وأقدم موتًا من عمرو ابن دينار\"٣.\n_________\n١ نزهة النظر: (ص ٦٤) .\n(١/٢٩- ٣٥) .\n٣ تهذيب السنن: (٥/٢٢٧) .","vol":"1","page":424},{"text":"فابن القَيِّم - ﵀ - في هذا المثال يكتفي - للحكم باتصال هذا السند - بكون قيس وعمرو عاشا في زمان واحد، وأن لقاءهما ممكن غير مستبعد، هذا مع كون قيس بن سعد ثقة ثبت ولا يُعرف بتدليس.\nوما قاله ابن القَيِّم هنا من أن قيسًا غير معروف بتدليس: غير كافِ للحكم بالاتصال؛ إذ قد يكون المعاصر غير مُدَلِّس، ولكنه يرسلُ إرسالًا خفيًا، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: \"وقيل: يُشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع: ثبوت لقائهما ... ولو مرة واحدة، ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي، وهو المختار\"١.\nولما أعلَّ البخاري - ﵀ - حديث عقبة بن عامر في: \" لَعْن الْمُحَلِّل والْمُحَلَّل له\"، بأن الليث بن سعد لم يسمعه من مشرح بن هاعان، وكذا أعلَّه أبو زرعة بقوله:\"لم يسمع الليث من مشرح شيئًا ... \"، ردَّ ذلك ابن القَيِّم بقوله: \"فإن الليث كان معاصرًا لمشرح، وهو في بلده، وطلب الليث العلم وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد\"٢.\nفهكذا كان ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب في هذه المسألة إلى الحكم للسند بالاتصال بمجرد المعاصرة مع إمكان اللقاء.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن ما ذهب إليه البخاري، وشيخه\n_________\n١ نزهة النظر: (ص ٦٤) .\n٢ إعلام الموقعين: (٣/٤٦) .","vol":"1","page":425},{"text":"ابن المديني هو الراجح، وما ذهب إليه مسلم - ﵀ - من انعقاد الإجماع على خلافه: غير مُسَلّمٍِ له، بل عمل أكثر الأئمة المتقدمين على مذهب البخاري.\nوقد أشار ابن رجب - ﵀ - إلى أن مذهب البخاري هذا هو مقتضى كلام الإمام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ، قال: \"بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، كما تقدم عن الشافعي ﵁ ... \"١. ثم قال - بعد أن نقل أمثلة كثيرة من كلام هؤلاء الأئمة تدل على اشتراطهم اللقيّ-:\n\"فإذا كان هذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام - وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، مع موافقة البخاري وغيره - فكيف يصح لمسلم - ﵀ - دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا، يقتضي حكاية إجماع الحُفَّاظِ الْمُعْتَدِّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعْرَفُ عن أحد من نظرائهم، ولا عَمّن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم ... \"٢.\nوسبق ابنَ رجب إلى الاعتراض على مسلم في ذلك: ابنُ الصلاح ﵀؛ إذ قال: \"وفيما قاله مسلم نظرٌ، وقد قيل: إن القول الذي رَدَّهُ مسلمٌ هو الذي عليه أئمة هذا العلم: عليّ بن المديني والبخاري وغيرهما\"٣.\n_________\n١ شرح علل الترمذي: (ص٢٧٢) .\n٢ شرح علل الترمذي: (ص٢٧٨) .\n٣ مقدمة ابن الصلاح: (ص ٣١) .","vol":"1","page":426},{"text":"وقد نقل الإجماع على مذهب البخاري حافظا المشرق والمغرب: الخطيب١ وابن عبد البر٢.\nوبَيَّنَ الحافظ ابن حجر - ﵀ - في عِدَّة مناسبات رُجحانَ مذهب البخاري، فقال: \"وهو المختار، تبعًا لعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما من النقاد\"٣. وقال في مكان آخر - بعد أن بَيّن الباعث للبخاري على اشتراط ذلك -: \"فتبيّن رجحان مذهبه\"٤. ونقل عنه السيوطي - ﵀ - قوله:\n\"من حَكَمَ بالانقطاع مطلقًا: شَدَّدَ، ويليه من شَرَطَ طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة: سَهَّل، والوسطُ - الذي ليس بعده إلا التعنت -: مذهب البخاري ومن وافقه ... \"٥.\nفَتَبَيّنَ من ذلك: أن ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من الحكم بالاتصال بمجرد المعاصرة: مرجوحٌ، وأنَّ الراجح هو اختيار البخاري ومن وافقه: من اشتراط ثبوت اللقاء؛ إذ إن ذلك مقتضى الاحتياط، والله تعالى أعلم.\n_________\n١ انظر: فتح المغيث: (١/١٦٠) .\n٢ التمهيد: (١/١٢ - ١٣) .\n٣ نزهة النظر: (ص ٦٤) .\n٤ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٩٦) .\n٥ تدريب الراوي: (١/٢١٦) .","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس</span>\nوينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.\nأولًا: تدليس الإسناد: وهو \"أن يروي المحدث عمّن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه\". قاله ابن القطان١.\nوعَرَّفَهُ ابن حجر بقوله: \"أن يروي عمن لقيه شيئًا لم يسمعه منه بصيغة مُحْتَمِلة، ويلتحق به: من رآه ولم يجالسه\"٢.\nوهذا النوع هو الذي غلبت تسميته بـ \"تدليس الإسناد\" وسماه بعضهم: \"تدليس السماع\"٣.\nويلحق بهذا النوع ما يسمى بـ \"تدليس التسوية\"، وصورته - كما قال الحافظ العراقي -: \"أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد الْمُدَلِّس - الذي سمع الحديث من الثقة الأول - فَيُسْقِطُ منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل\"٤.\n_________\n١ انظر (نكت ابن حجر على ابن الصلاح): (٢/٦١٤) .\n٢ طبقات المدلسين: (ص٢٥) .\n٣ انظر: جامع التحصيل: (ص ١١٠) .\n٤ التقييد والإيضاح: (ص٩٦)، وانظر: إتحاف النبيل: (٢/٣١- ٤٢) .","vol":"1","page":429},{"text":"ولتدليس الإسناد صور أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر١.\nثانيًا: تدليس الشيوخ: وهو: \"أن يصف شيخه بما لم يشتهر به من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة\"٢.\nقال الحافظ العلائي: \" ... فهو يختلف باختلاف الأغراض:\nفمنهم من يُدَلِّس شيخه لكونه ضعيفًا أو متروكًا حتى لا يُعْرَف ضعفه إذا صَرَّح باسمه.\nومنهم من يفعلُ ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيرًا ... \"٣.\nقال ابن حجر فيمن يفعل ذلك لإخفاء ضعف شيخه: \"وهو خيانةٌ ممن تعمّده\"٤.\nومن المسائل التي تعرض لها ابن القَيِّم - ﵀ - فيما يتعلق بالتدليس:\nالمسألة الأولى: في حكم حديث المُدَلِّس.\nاختلف أهل العلم في قبول خبر من عُرف بالتدليس - وبخاصة ما يتعلق بتدليس الإسناد - على أقوال:\n_________\n١ انظر: طبقات المدلسين: (ص٢٥) .\n٢ طبقات المدلسين: (ص ٢٦)\n٣ جامع التحصيل: (ص١١٨- ١١٩) .\n٤ طبقات المدلسين: (ص٢٦) .","vol":"1","page":430},{"text":"أحدها: أن خبره مردود مطلقًا غير مقبول. عزاه الخطيبُ لفريق من الفقهاء وأصحاب الحديث١.\nالثاني: القبول مطلقًا. عزاه الخطيب - أيضًا- إلى خلقِ كثير من أهل العلم.\nوذلك أنهم لم يروا التدليس من باب الكذب، ولا أنه ينقض عدالته٢.\nالثالث: التفصيل: فمن كان لا يُدَلِّس إلا عن ثقة قُبِلَ تدليسه، وإلا فلا. عزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث٣.\nالرابع: يُقبل ممن كان وقوعه منه نادرًا، وأما من غَلَبَ ذلك على حديثه: فلا٤.\nالخامس: التفصيل أيضًا، فيُقبَل من المُدَلِّس الثقة إذا صرَّح فيه بالسماع، وأما ما رواه بلفظ محتمل فلا، وهذا هو المعتمد.\nقال السخاوي: \"وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الشافعي، وابن معين، وابن المديني\"٥. وقَرَّرَ العلائي: أنه \"الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول\"٦. وصححه الحافظ الخطيب٧، وكذا\n_________\n١ الكفاية: (ص٥١٥) .\n٢ الكفاية: (ص٥١٥) .\n٣ التمهيد: (١/١٧) .\n٤ فتح المغيث: (١/١٨١- ١٨٢) .\n٥ فتح المغيث: (١/١٨٢) .\n٦ جامع التحصيل: (ص١١١) .\n٧ الكفاية: (ص٥١٥) .","vol":"1","page":431},{"text":"صححه ابن الصلاح١.\nونفى ابن القطان الخلاف في ذلك، فقال: \"إذا صَرَّحَ المُدَلِّس الثقة بالسماع: قُبِلَ بلا خلاف، وإن عنعن: ففيه الخلاف\"٢.\nوقد كان ابن القَيِّم يذهب إلى هذا التفصيل في حقِّ المدلسين، وجاءت عباراته صريحة في هذا المعنى في أكثر من مناسبة، فمن ذلك:\nقوله في حق محمد بن إسحاق: \"إن ابن إسحاق ثقة لم يُجْرَح بما يوجب ترك الاحتجاج به ... إنما يُخَاف من تدليسه، وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي، فزالت تهمة تدليسه\"٣. قال ذلك في حديث أبي مسعود في صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة.\nوقال في حديث ابن إسحاق - أيضًا-:حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة طلاق ركانة بن عبد يزيد: \"وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله: حدثني\"٤. وقال عنه مرة:\"والذي يُخاف من ابن إسحاق: التدليس، وقد قال: حدثني\"٥.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٥) .\n٢ فتح المغيث: (١/١٨٢) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص٦) .\n٤ إغاثة اللهفان: (١/٢٨٧) .\n٥ إعلام الموقعين: (٤/٣٥٠) .","vol":"1","page":432},{"text":"وقال - ﵀ - في حديث عَنْعَنَ فيه بقية بن الوليد - وهو حديث ذمِّ القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة -: \"لو قال بقيةُ: حدثنا الأوزاعي. مشى حال الحديث، ولكن عَنْعَنَهُ مع كثرة تدليسه\"١. وقال عنه مرة: \"وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع: فهو حجة\"٢.\nومع تقرير ابن القَيِّم - ﵀ - لمذهب الجمهور، وعمله بمقتضاه في عدة مناسبات - كما سبق نقل أمثلة لذلك - فإنه يذهب إلى استثناء بعض المدلسين من هذه القاعدة، فيرى: أن من كان لا يدلس إلا عن ثقة، فإنه تقبل عنعنته، ولا يطالب بإظهار السماع والتحديث.\nوقد مضى معنا أن هذا أحد المذاهب في المسألة، وأن ابن عبد البر حكاه عن أكثر أئمة الحديث، وجزم به الذهبي رحمه الله٣.\nفكأن ابن القَيِّم - ﵀ - جمع بين هذين المذهبين في العمل، فيرى: أن حديث المدلس لا يقبل منه إلا ما صَرَّحَ فيه بالسماع، إلا فيمن كان لا يُدَلِّس عن الضعفاء، وكان لا يُدَلِّسُ إلا عن ثقة.\nومما قاله في هذا الصدد:\n\"وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفًا بالتدليس عن الضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين\"٤.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/٦٠) .\n٢ تهذيب السنن: (١/١٢٩) .\n٣ الموقظة: (ص ٤٥) .\n٤ زاد المعاد: (٥/٤٥٧) .","vol":"1","page":433},{"text":"ويؤكد - ﵀ - هذا المعنى في حق أبي الزبير، فيقول في مناسبة أخرى: \"وأكثرُ أهلِ الحديث يَحْتَجُّونَ به إذا قال: عن، ولم يُصَرِّح بالسماع، ومسلم يُصَحِّح ذلك من حديثه ... \"١.\nولكن، لعل ابن القَيِّم - ﵀ - أراد بعبارته الأولى أن ينفي عن أبي الزبير تدليس اسم شيخه الضعيف تغطية لحاله، وهو ما يعرف: \"بتدليس الشيوخ\" كما مرّ، فإن مناسبة كلام ابن القَيِّم هذا: أن أبا الزبير قال في إسناد الحديث الذي ذكره ابن القَيِّم: \"عن رجل صالح من أهل المدينة\". فقال ابن القَيِّم ما قال دفعًا لتوهم قيام أبي الزبير بذلك في حق شيخه المذكور.\nوأما قوله - ﵀ - عن السلف: \"لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح\": فلعله يشير بالسلف هنا إلى التابعين خاصة، وأبو الزبير منهم، فهل يسلم له أن التابعين لم يقع منهم التدليس عن الضعفاء؟؟\nفقد ذهب إلى ذلك أيضًا: الحاكم ﵀، فرأى أن التابعين بأسرهم لم يكونوا يدلسون إلا عن ثقة، نقل ذلك عنه العلائي٢، ثم اعترضه بقوله:\n\"وهذا لا يتم إلا بعد ثبوت أن من دَلَّسَ من التابعين لم يكن\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٢٢٦) .\n٢ جامع التحصيل: (ص١١٥- ١١٦) .","vol":"1","page":434},{"text":"وعلى هذا، فإنَّ إطلاق ابن القَيِّم القول بذلك في حق التابعين غير مُسَلّم، ويَرِدُ عليه ما أورده العلائي على أبي عبد الله الحاكم.\nفتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب إلى أن خبر المدلس لا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع، وقد يُستثنى من ذلك عنده: من عُرِفَ بأنه لا يدلس إلا عن ثقة.\nالمسألة الثانية: حكم ما وجد في \"الصحيحين\" من عنعنة المدلسين.\nتَعَرَّضَ ابن القَيِّم - ﵀ - لهذه المسألة، فقال في حديث أطيط العرش، وما أُعِلَّ به من عنعنة ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة: \" ... فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس: كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر كثيرة لذلك\"٢.\nفظاهرُ كلام ابن القَيِّم: الحكم بالاتصال لعنعنة الْمُدَلِّس إذا كان لقي من عنعن عنه، وسمع منه. ويستدل لذلك بما وجد في \"الصحيحين\" من الاحتجاج بعنعنة المدلسين.\nأما الحكم على عنعنة الشخص بالاتصال لكونه لقي من\n_________\n١ جامع التحصيل: (ص ١١٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٧/٩٨) .","vol":"1","page":435},{"text":"عنعن عنه وسمع منه: فهذا في غير المدلسين باتفاق العلماء، وقد مضى معنا البحث في ذلك.\nوأما المدلس إذا عنعن: فالصحيح - كما مضى قبل قليل - أنه لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، بل إن ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب إلى ذلك، كما سبق نقله عنه.\nأما أن يكون ثبوت اللقاء سببًا للحكم بالاتصال فيما عنعنه المدلس: فلا.\nوأما ما وجد في \"الصحيحين\" من عنعنة المدلسين، وإخراجهما ذلك على سبيل الاحتجاج، واستناد ابن القَيِّم - ﵀ - على ذلك في الحكم لما وُجِدَ في غيرهما بالاتصال: فقد قال غير واحد من أهل العلم بأن ذلك محمول على ثبوت السماع عندهما في هذا المعنعن من جهة أخرى، \"ولو لم نقف نحن على ذلك: لا في المستخرجات - التي هي مظنة لكثير منه - ولا في غيرها\" كما قال السخاوي١.\nوممن صَرَّح بذلك من الأئمة: ابن الصلاح٢، وتبعه النووي - ﵀ - فقال: \"وما كان في الصحيحين وشبههما٣ عن المدلسين بـ \"عن\": محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى\"٤. ووافقهما الحافظ ابن حجر ﵀، لكنه أشار إلى تقييد ذلك بما كان عندهما على\n_________\n١ فتح المغيث: (١/١٨٣) .\n٢ كما في (النكت) لابن حجر: (٢/٦٣٥) .\n٣ يعني: من الكتب التي اشترط أصحابها الصحة.\n٤ التقريب: (ص٩) .","vol":"1","page":436},{"text":"سبيل الاحتجاج، أما ما أخرجاه من عنعنة المدلسين في المتابعات، فقد يحصل في مثله نوع من التساهل١.\nوأما ما مَثَّل به ابن القَيِّم ﵀:\nفأما أبو الزبير عن جابر: فلابد من تقييد ذلك\"بصحيح مسلم\"؛ لأن البخاري لم يخرج له إلا متابعة.\nثم إن الأئمة قد احتملوا عنعنة أبي الزبير عن جابر إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه؛لأنه أعلم له على الأحاديث التي سمعها من جابر٢.\nوأما ما كان في \"صحيح مسلم\" من ذلك، وليس من رواية الليث عنه: فقد قال الحافظ العلائي ﵀: \"كأن مسلمًا﵀ - اطلع على أنها مما رواه الليث عنه، وإن لم يروها من طريقه\"٣.\nوأما سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: فإن ابن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة، وقال ابن حبان: \"وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان ابن عيينة\"٤.\nوعلى كل حال، فلابد من حمل ما وقع في \"الصحيحين\"من ذلك على ما تقدم من كلام الأئمة، تحسينًا للظن بكتابيهما، ولإجماع الأمة على صحة ما وقع فيهما.\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٣٥- ٦٣٦) .\n٢ انظر (الميزان): (٤/٣٧) .\n٣ جامع التحصيل: (ص ١٢٦) .\n٤ جامع التحصيل: (ص ١١٦) .","vol":"1","page":437},{"text":"فهذا ما يجاب به عن تخريج أصحاب \"الصحيحين\" لعنعنة المدلس في مقام الاحتجاج، وأما إجراء هذا الحكم على ما وقع من ذلك خارج كتابيهما - كما هو ظاهر كلام ابن القَيِّم ﵀ - قياسًا عليهما: فغير مسلّم؛ لما تقدم من أن \"للصحيحين\" في ذلك خصيصة ليست لغيرهما، لتقدم كتابيهما على غيرهما، ولتلقي الأمة لهما بالقبول.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث التاسع: الشَّاذ</span>\nتعريفه: اخْتُلِفَ في تعريف الحديث الشاذ على أقوال، أرجحها: أنه: مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه. قال الحافظ ابن حجر: \"وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح\"١. وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀، وجماعة من أهل الحجاز٢.\nوعلى هذا المذهب: لابد أن يتوافر للحكم بالشذوذ شرطان:\nالأول: أن يكون الْمُتَفَرِّد ثقة.\nالثاني: أن يكون هذا المتفرد مخالفًا لمن هو أرجح منه: لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من المرجحات.\nوقد حَدَّ الخليلي الشاذ: بمطلق التفرد، ولم يقيده بالمخالفة، ولا بكون المتفرد ثقة٣.\nوذهب الحاكم إلى تقييد الشاذ: بتفرد الثقة، ولكنه لم يشترط فيه المخالفة٤.\nوالراجح هو التعريف المتقدم أولًا، كما مضى في كلام ابن حجر، ورجحه أيضًا ابن كثير٥.\n_________\n١ انظر: (نخبة الفكر مع نزهة النظر): (ص٣٥) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٦)، ونكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٦٥٣) .\n٣ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٦) .\n٤ معرفة علوم الحديث: (ص١١٩) .\n٥ اختصار علوم الحديث: (ص٥٨) .","vol":"1","page":439},{"text":"وقد حَرَّرَ ابن الصلاح أن الشاذ المردود على قسمين:\nأحدهما: الحديث الفرد الذي خالف راويه من هو أولى منه في الحفظ والضبط.\nالثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يكون جابرًا لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف١.\nوهذا الذي حرره ابن الصلاح في حد الشاذ وصفته قال به ابن القَيِّم ﵀؛ فإنه قال - عند كلامه على صفة الراوي المقبول وشروط قبول خبره -: \"أن لا يشذ عن الناس: فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه، وليس ممن يُحتمل ذلك منه: كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة ونحوهم؛ فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.\nفأما مثل: سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم: فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأسًا. وأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهنًا على وهن\"٢.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٧) .\n٢ الفروسية: (ص ٥٣ - ٥٤) .","vol":"1","page":440},{"text":"وهذا الكلام من ابن القَيِّم - ﵀ - يُحَدِّدُ بوضوحٍ صفة الحديث الشاذ بقسميه المتقدم بيانهما عند ابن الصلاح، فقد بيّن - ﵀ - أن الشاذ هو:\n١- أن يروي الثقة ما يخالفه فيه من هو أوثق وأكبر.\n٢- أو: ينفرد بما لا يتابع عليه، وليس هو ممن يحتمل تفرده، وذلك لقلة ضبطه، وعدم تمام حفظه. وهذا بخلاف تفرد الثقة الضابط، فإنه مقبول محتج به.\nويؤكد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى ويزيده وضوحًا، فيذكر أن التفرد أنواع، وأنه ليس كل تفرد يكون الحديث بموجبه شاذًا، فيقول ﵀:\n\"التفرد نوعان:\n١- تفرد لم يُخَالَف فيه من تفرد به؛ كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين١، وأشباه ذلك.\n٢- وتفردٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٢ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: إن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلولم يرو هذا عن ابن جريج، وتفرد همام بحديثه، لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه.\n_________\n١ يشير إلى تفرد مالك بحديث: \" دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر\". وتفرد عبد الله بن دينار بحديث: \"النهي عن بيع الولاء وهبته\".\n٢ وهو حديث: \"وضع النبي ﷺ خاتمه إذا دخل الخلاء\".","vol":"1","page":441},{"text":"فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله\"١.\nففي هذا الكلام منه - ﵀ - بيان للفرق بين تَفَرُّدِ الثقة بما لم يروه غيره - مع كونه ممن يحتمل تفرده -: فهذا مقبول، وبين تفرد الثقة بما يخالفه فيه الثقات: فهذا الذي يكون شاذًا مردودًا، وهذا الفرق سبق بيانه واضحًا في كلام ابن الصلاح وغيره.\nويؤكد هذا المعنى في مناسبة أخرى، فيقول ﵀: \"والتَّفَرُّدُ الذي يُعَلَّلُ به: هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه، أو رفع ما وقفوه، أو زيادة لفظة لم يذكروها.\nوأما الثقة العدل: إذا روى حديثًا وتفرد به، لم يكن تفرده علة، فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي ﷺ عملت بها الأمة\"٢.\nويشير مرة إلى أن تفرد الثقة - إذا لم يخالف - لا يضر، فيقول في حديث السعاية، وما قيل من تفرد ابن أبي عروبة به: \"ثم لو قدر تفرد سعيد به لم يضره\"٣.\nفتخلص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد حرر بكلامه هذا: معنى الشاذ، وصورته الصحيحة، وبيّن الفرق بين التفرد الذي يعد شذوذًا وما لا يكون كذلك.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٢٩- ٣٠) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٢٢٤) .\n٣ تهذيب السنن: (٥/٣٩٩) .","vol":"1","page":442},{"text":"ومع ذلك، فكأنه - ﵀ - أراد التنزل مع من يسمي تفرد الثقة غير المخالف \"شاذًا\"، فذهب إلى القول: بأن ذلك وإن سمي شاذًا، فإنه ليس بمردود بل هو محتج به.\nوقد سبق أن هذا المعنى وقع في تعريف الحاكم - ﵀ - للشاذ، فهو عنده: تفرد الثقة دون متابع.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به، لم يرو الثقات خلافه: فإن ذلك لا يُسمى شاذًا، وإن اصطلح على تسميته شاذًا بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح مُوجبًا لرده، ولا مُسوِّغًا له\".١\nوقال مرة في حديث صيام ست شوال: \"فإن قيل: مداره على عمر بن ثابت الأنصاري، لم يروه عن أبي أيوب غيره، فهو شاذ، فلا يحتجُّ به.\nقيل: ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة، كحديث الأعمال بالنيات\"٢.\nوذلك محمول - كما تَقَدَّمَ - على التنزل منه - ﵀ - مع المخالفين، وإلا فقد سبق تأكيده على أن هذا ليس شاذًا، ونقلنا كلامه في ذلك، والله أعلم.\n_________\n١ إغاثة اللهفان: (١/٢٩٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣١٣) .","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد</span>\nالاعتبار: \"هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد\". قاله الحافظ ابن حجر١.\nذلك أن الأئمة يأتون إلى الحديث الذي يُظن كونه فردًا، فينظرون: هل وافق راويه أحد غيره على روايته أم لا؟ وذلك بالبحث والتفتيش في: الصِّحَاح، والجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والفوائد، والمشيخات وغيرها. فهذا النظر والتفتيش يسمى \"اعتبارًا\".\nفإن وُجِدَ أحد شارك هذا الراوي فرواه عن شيخه، أولم يوجد ولكن وُجد من رواه عن شيخ شيخه، وهكذا حتى الصحابي، فعند ذلك يُسمى حديث هذا المُشارك: \"متابعة\". وكلما بَعدت المشاركة عن ذلك الراوي الذي اعتبرت روايته، كلما كانت المتابعة أنقص وأقصر.\nفإن فُقِدَت المتابعة بهذا المعنى، ولكن وُجِدَت رواية هذا الحديث أو معناه عن صحابي آخر، فهو: \"الشاهد\".\nفعُلِمَ بذلك أن الاعتبار: هو عملية البحث والتفتيش عن متابع أو شاهد للحديث الذي يُظن أنه فردٌ، فإن فُقِدَتْ المتابعاتُ والشواهدُ فالحديث بذلك يكون فردًا٢.\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٨١) .\n٢ انظر: التقييد والإيضاح: (ص١٠٩- ١١١)، وتدريب الراوي: (١/٢٤١- ٢٤٥) .","vol":"1","page":445},{"text":"ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب:\nالمسألة الأولى: هل يتقوَّى الحديث الضعيف بتعدد طرقه؟\nجمهور أئمة الحديث على أن الحديث الضعيف يَتَقَوَّى بمجيئه من طرق أخرى، قال الإمام الزركشى: \"وَشَذَّ ابنُ حزم عن الجمهور، فقال: ولو بلغت طرق الضعيف ألفًا لايقوى ... \"١.\nوقال ابن دقيق العيد: \"قد عُلِمَ أن تَضَافَرُ الرواةِ على شيء، ومتابعة بعضهم لبعض في حديث: مِمَّا يَشُدُّهُ ويقويه، وربما التحق بالحسن وما يحتجُّ به\"٢.\nولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - موافقًا للجمهور في القول بتقوية الضعيف بتعدد طرقه.\nومن أقواله - ﵀ - في ذلك:\nأنه قال في أحاديث الصلاة على النبي ﷺ وما جاء فيها من أمرهصلى الله عليه وسلم بما يفيد الوجوب، قال: \"الدليل الرابع - يعني من أدلة الوجوب -:ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم به الحجة عند انفراده، وقد يقوي بعضها بعضًا عند الاجتماع\"٣.\n_________\n١ البحر الذي زخر: (٣/١٠٧٥) .\n٢ المصدر السابق: (٣/١٠٨٠) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص١٩٩) .","vol":"1","page":446},{"text":"وقال - ﵀ - عند كلامه على مقدار زكاة الفطر: \"وفيه عن النبي ﷺ آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضًا\"١.\nوقال في حديث اعتداد أم سلمة ﵁ وقول النبي ﷺ لها في الصَّبِر: \"لا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار\" قال:\n\"وَذَكَرَ أبو عمر في \"التمهيد\" له طرقًا يشدُّ بعضها بعضًا\"٢.\nفهذه بعض الأقوال لابن القَيِّم فيما يتعلق بتقوية الضعيف واعتضاده بتعدد الطرق.\nالمسألة الثانية: كتابة الحديث الضعيف للاعتبار به، دون اعتماد عليه.\nكثير من الأئمة يكتبون الحديث الضعيف ويخرجونه في كتبهم في باب المتابعات والشواهد، دون أن يكون الاعتماد عليه.\nقال الإمام أحمد ﵀: \"ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد\"٣.\nوقال النووي ﵀: \"وإنما يفعلون هذا - يعني إدخال الضعفاء في المتابعات والشواهد - لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/١٩) .\n٢ زاد المعاد: (٥/٧٠٣) .\n٣ شرح علل الترمذي: (ص١١٢) .","vol":"1","page":447},{"text":"الاعتماد على من قبْله\"١.\nقال السخاوي - عقب نقله كلام النووي هذا -: \"ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كل من المُتابِعِ والمتابَع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوة\"٢.\nفالحاصل: أن الأئمة - ﵏ - يكتبون حديث الضعيف - ضعفًا قريبًا- متابعةً واستشهادًا، ويكون اعتمادهم على الرواية الأصلية إن كانت مما يصلح لذلك، أو يكون الاعتماد على مجموع الروايتين معًا إذا كان كل منهما لا ينتهض للحجة بانفراده.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى جواز كتابة الحديث الضعيف وذكره في المتابعات والشواهد، دون أن يكون الاعتماد عليه وحده، فمن ذلك:\nما جاء عنه في حديث بلال بن الحارث، وقول النبي ﷺ له: \"إنه من أحيا سنةً من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها ... \". وقد رُوِيَ من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وضَعَّفَهُ بعضهم،\nفقال ابن القَيِّم ﵀: \"لكن هذا الأصل ثابت من وجوه: كحديث: \" من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه\" ...\n_________\n١ شرح صحيح مسلم: (١/٣٤) .\n٢ فتح المغيث: (١/٢٠٥) .","vol":"1","page":448},{"text":"وحديث: \" من دل على خير، فله مثل أجر فاعله\" وهو حديث حسن\".\nقال: \"فهذا الأصل محفوظ عن النبي ﷺ، فالحديث الضعيف فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات، فلا يَضُرُّ ذكره\"١.\nوقال أيضًا - عند ذكره أحاديث الفطر بالحجامة -: \"إن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها ... والباقي إما حسن يصلح للاحتجاج به وحده، وإما ضعيف فهو يصلح للشواهد والمتابعات، وليس العمدة عليه\"٢.\nفظهر بذلك: موافقةُ ابن القَيِّم - ﵀ - لأئمة هذا الشأن في جواز ذكر الضعيف في المتابعات والشواهد، دون الاعتماد عليه.\n_________\n١ مفتاح دار السعادة: (١/٧٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٢٤٧ - ٢٤٨) .","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الحادي عشر: الموضوع</span>\nالخبر الموضوع: هو الكذب على رسول الله ﷺ المُختلق، المصنوع١. أي: أن واضعه اختلقه وصنعه٢.\nوالموضوع شرُّ أنواعِ الضعيف، كما قال الخطَّابي٣، وتبعه ابن الصلاح٤رحمهما الله تعالى.\nولقد كان لابن القَيِّم - ﵀ - اهتمام خاص بما يتعلق بالحديث الموضوع، والكشف عنه، وبيان خطره، والتحذير منه، ويتضح ذلك جليًّا في كتابه النافع (المنار المنيف)، إذ ضمَّنه جملة من الضوابط التي يعرف بها كون الحديث موضوعًا، مع التنبيه على الكثير من الأحاديث الموضوعة، وبيان حالها، وذكر المتَّهم بها، وقد مضى بيان ذلك واضحًا٥.\nومن المسائل المتعلقة بالحديث الموضوع مما تناوله ابن القَيِّم ﵀:\nالمسألة الأولى: حكم رواية الحديث الموضوع أو الاستشهاد به.\nلا يجوز - عند أهل العلم بالحديث وغيرهم - ذكر الحديث الموضوع - برواية وغيرها - لمن عَلِمَ حاله، إلا مقرونًا ببيان أمره٦.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٤٧)، وفتح المغيث: (١/٢٤٨) .\n٢ شرح ألفية العراقي: (١/٢٦١) .\n٣ معالم السنن: (١/١١) .\n٤ مقدمة ابن الصلاح: (ص٤٧) .\n(ص ٣٠٠ - ٣٠٩) . وانظر ما يأتي في (ص ٤٦٠ - ٤٦٩) .\n٦ فتح المغيث: (١/٢٤٩- ٢٥٠) .","vol":"1","page":451},{"text":"قال الخطيب البغدادي ﵀: \"يجب على المحدث أن لا يروي شيئًا من الأخبار المصنوعة، والأحاديث الباطلة الموضوعة، فمن فعل ذلك بَاء بالإثم المُبين، ودخل في جملة الكذّابين\"١.\nوأما من رواه مبينًا حاله، وذكره منبِّهًا على وضعه: فإن ذلك جائز، قال الخطيب ﵀: \"ومن روى حديثًا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه: ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه\"٢.\nوقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة المهمة، فأكد عدم جواز ذكر الحديث الموضوع إلا مع بيان حاله.\nفقال عن حديث عوج بن عنق الطويل: \"وليس العجب من جُرْأَةِ مثل هذا الكَذَّاب على الله، إنما العجبُ ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم: من التفسير وغيره، ولا يبيِّن أمره\"٣.\nوقد أَوْرَدَ مرة حديثين موضوعين باطلين في فضل \"الأرز\" ومدحه، ثم قال: \"ذكرناهما تنبيهًا وتحذيرًا من نسبتهما إليه ﷺ\"٤.\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٢٥٠) .\n٢ فتح المغيث: (١/٢٥٠- ٢٥١) .\n٣ المنار المنيف: (ص٧٧) .\n٤ زاد المعاد: (٤/٢٨٥) .","vol":"1","page":452},{"text":"فَنَبَّهَ بذلك على ما يلزم العالم من واجب البيان للحديث الموضوع والتحذير منه.\nالمسألة الثانية: بيان عظم جناية الوضاعين على الإسلام.\nلا شك أن خطر الوضاعين على شريعة الإسلام عظيم، وهل هناك جناية أعظم من الكذب على النبي ﷺ؟\nوقد نَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - على عظم جناية هؤلاء الوضاعين، وكبير جرمهم، فقد أورد - ﵀ - حديث تكليم حمار النبي - ﷺ - يعفور له، وبيّن أنه باطل موضوع، ثم ذكر أن مثل هذه الأحاديث قد فتحت بابًا عظيمًا للزنادقة للطعن في الدين، فقال: \"هذه الأحاديث وأمثالها هي التي جرأت الزنادقة والملاحدة على الطعن في الإسلام، والقدح في الدين.\nفالجناية على الإسلام بالوضاعين والكذابين، تضاهي الجناية عليه من الزنادقة والطاعنين\"١.\nالمسألة الثالثة: بيان الشبهة التي يتعلق بها بعض الوضاعين، والرد عليها.\nوالمقصود في هذا المقام خاصة: أولئك الذين حملهم التدين الناشيء عن الجهل على وضع الحديث على النبي ﷺ، يحتسبون بذلك بزعمهم، ويتقربون إلى الله بجهلهم.\n_________\n١ الموضوعات: (ق ٤٣/ب) .","vol":"1","page":453},{"text":"وقد اعتنى هؤلاء بوضع أحاديث في الفضائل، والترغيب والترهيب، وكان من الشُّبه التي تعلق بها بعضهم في ذلك قولهم: إن الكذب في الترغيب والترهيب كذب للنبي ﷺ، لا كذب عليه!!\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم؛ فإنه - ﵇ - لا يحتاج - في كمال شريعته وفضلها- إلى غيره\"١.\nوقد ألمح ابن القَيِّم - ﵀ - إلى شبهتهم هذه، ورد عليها - وذلك عندما أورد بعض الأحاديث التي وضعوها في فضائل سور القرآن- فقال: \"وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ، ولا نكذب عليه.\nولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه، واستحق الوعيد الشديد\"٢.\nالمسألة الرابعة: بيان أنه من المحال وقوع الكذب والغلط في حديث رسول الله ﷺ دون كشفه.\nإن من تمام حفظ الله - ﷿ - لهذا الدين: أن هيأ جهابذةً نقادًا، وأئمة أفذاذًا، مَحَّصُوا هذه الأحاديث، وميزوا كلام النبي ﷺ من كلام غيره من الكذابين.\n_________\n١ اختصار علوم الحديث: (ص ٧٩) .\n٢ المنار المنيف: (ص١١٤- ١١٥) .","vol":"1","page":454},{"text":"قيل لعبد الله بن المبارك ﵀: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: \"يعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] \"١.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذا المعنى، وأن الله - ﷿ - لابد وأن يُقِيمَ في هذه الأمة من ينافح عن دينه، ويذبُّ الكذب عن سنة نبيه ﷺ، فقال: \" ... ونحن لا نَدَّعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي إذا كذب، أو غلط، أو سها، فلا بد أن يقوم دليل على ذلك، ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه، ليتم حفظه لحججه وأدلته، ولا تلتبس بما ليس منها\"٢.\nثم بيّن - ﵀ - أن لهذه الطائفة تأييدًا خاصًا، وتوفيقًا من الله ﷿، فقال: \"والله - ﷿ - يؤيد من ينافحُ عن رسوله تأييدًا خاصًا، ويفتحُ له - في معرفة نقد الحق من الباطل - فتحًا مبينًا، وذلك من تمام حفظه لدينه، وأنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرة الحق إلى أن يأتي أمر الله، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه\"٣.\n_________\n١ الجرح والتعديل: (١/١/١٨) .\n٢ مختصر الصواعق: (٢/٤٨١) .\n٣ الموضوعات: (ق٤٣/ب) .","vol":"1","page":455},{"text":"المسألة الخامسة: في بيان الأغراض الحاملة للوضاعين على وضع الحديث.\nتختلف الأغراض الباعِثَةُ للوضَّاعين على وضع الحديث وتتنوع، ومن ثَمَّ فهم ينقسمون إلى فرق وطوائف عديدة، وذلك بحسب الغرض الحامل لكل طائفة منهم على الكذب.\nومن الأسباب التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - مما كان باعثًا للوضاعين على وضع الحديث:\n١- قوم حملهم على ذلك: الاستخفاف بالدين والطعن فيه، والتنقص للرسول ﷺ والإضلال للناس، وهم الزنادقة: المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو: الذين لا يتدينون بدين١.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذه الطائفة - عند ذكره: أن الحديث الموضوع يشتمل على مجازفات لا يصدر مثلها عن النبي ﷺ - فقال:\n\"وأمثال هذه المجازفات الباردة لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين:\nإما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه\"٢.\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٢٥٣) .\n٢ المنار المنيف: (ص ٥١) .","vol":"1","page":456},{"text":"٢- وصنف آخر، كان قصدهم من وضع الحديث: شغل الناس بالخير وصرفهم عن الشر بزعمهم، فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، والفضائل: كفضائل سور القرآن سورة سورة، وغير ذلك.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذه الطائفة وصنيعها، فذكر ما قاموا به من وضع أحاديث فضائل السور، ثم قال: \"وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال: قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره. وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ، ولا نكذب عليه. ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد\"١. وهذه الطائفة غالبًا ما ينسبون إلى الزهد والصلاح، ولذا فهم أعظم هذه الطوائف خطرًا؛ لثقة الناس بهم٢.\nوقد أشار بعض الأئمة - ﵏ - إلى حال هؤلاء القوم وسوء صنيعهم وكذبهم في الحديث النبوي، من ذلك قول يحيى بن سعيد القطان ﵀: \"ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث\"٣.\n٣- وطائفة ثالثة من أصحاب الأهواء والبدع، وضعوا الحديث نصرةً لمذاهبهم، وتعصبًا لِنِحَلِهم، وتأييدًا لبدعهم: كالروافض، والخوارج، وغيرهم.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص١١٤ - ١١٥) .\n٢ انظر: ألفية الحديث وشرحها - للعراقي: (١/٢٦٦)\n٣ الجامع للخطيب البغدادي: (٢/١٩٩) . وانظر أيضًا: مقدمة صحيح مسلم مع شرح النووي: (١/٩٤)، والتمهيد: (١/٥٢) .","vol":"1","page":457},{"text":"قال ابن القَيِّم ﵀: \"وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي: فأكثر من أن يعد\". ثم نقل عن الخليلي قوله: إنهم وضعوا ثلثمائة ألف حديث، ثم قال: \"ولا تستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال\"١.\nومن ذلك أيضًا: ما أشار إليه - ﵀ - من وضع أهل البدع أحاديث في الاكتحال والتطيب يوم عاشوراء، وذكر أن ذلك كله كذب من وضع المبتدعة، تأييدًا لبدعهم٢.\n٤- وطائفة من هؤلاء كانوا من أصحاب المصالح الدنيوية، والأغراض الشخصية، فوضعوا أحاديث لتحقيق تلك المصالح، وتحصيل تلك الأغراض.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - يصف بعض هذه الطوائف: \"وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقدم الذي فيها كذب موضوع، مما عملته أيدي الْمُزَوِّرين، الذين يُرَوِّجُون لها ليكثر سواد الزائرين\"٣.\nويشير بذلك إلى الأحاديث التي وُضعت في فضل الصخرة ببيت المقدس.\nوبعد، فهذه بعض الأغراض التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - مما حمل بعض الناس على وضع الحديث.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص١١٦) .\n٢ المنار المنيف: (ص١١١- ١١٣) .\n٣ المنار المنيف: (ص٨٧) .","vol":"1","page":458},{"text":"المسألة السادسة: العلامات التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا.\nتناول الأئمة ﵏ - عند كلامهم على الحديث الموضوع - بعض العلامات التي تدل على كون الحديث موضوعًا، وذلك مما يقع في متنه دون إسناده، بحيث ترشد هذه العلامات الناظرَ فيه إلى أنه ليس من كلام النبيصلى الله عليه وسلم.\nولكن ليس ذلك بمقدور كل أحد، وإنما تميزت بذلك طائفة معينة من الأئمة، هيأهم الله لذلك، واختصهم بخصائص ليست لغيرهم، أولئك: هم جهابذةُ الحديث وأطباؤه، وصيارفته ونقاده.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في بيان صفة هذه الطائفة، والأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المرتبة:\n\"وإنما يعلم ذلك - يعني كون الحديث موضوعًا -: من تَضَلَّع١ في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه\"٢.\n_________\n١ تَضَلَّعَ الرجل: امتلأ ما بين أضلاعه شبعًا وريًا. (لسان العرب: ص٢٥٩٩، مادة: ضلع) .فمراد ابن القَيِّم هنا: من تَشَبَّعَ بمعرفة السنن حتى امتلأ من هذه المعرفة، وصار له فيها شأن.\n٢ المنار المنيف: (ص٤٤) .","vol":"1","page":459},{"text":"ولقد أسهم ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الجانب إسهامًا فَعَّالًا، وشارك بجهد نافع؛ذلك أنه - ﵀ - قد سئل عن إمكان معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير نظر في إسناده.\nفأجاب - بعد أن بين أهمية هذا السؤال وعظم قدره - بجملة من الضوابط والدلائل التي يعرف بها ذلك١فجاءت كلماته نافعة في بابها، مفيدة لمن طالعها ونظرها.\nفمن هذه الضوابط والعلامات التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀:\n١- اشتمال الحديث على مجازفات باردة لا يمكن أن يقول مثلها رسول الله ﷺ.\nوالْمُجَازَفَة: هي إرسال الكلام إرسالًا من غير قانون. ويُقَالُ لمن كان هذا شأنه: جازف في كلامه٢.\nفقصد ابن القَيِّم بذلك: أن يكون الحديث مشتملًا على كلام مبالغ فيه، وتهويلات لا ضابط لها.\nويكثر هذا النوع من المجازفات الفارغة في أحاديث الترغيب والترهيب، وقد مثَّل ابن القَيِّم لذلك بأحاديث، منها:\n- حديث: \" من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبيًا\".\n_________\n١ انظر: المنار المنيف: (ص٥٠ - ١٠٢) .\n٢ المصباح المنير: (١/٩٩) .","vol":"1","page":460},{"text":"قال ابن القَيِّم: \"وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صَلَّى عُمْرَ نوحٍ - ﵇ - لم يعط ثواب نبيٍّ واحد\".١\n- وحديث: \" من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة \" ٢.\nإلى غير ذلك من المبالغات الكثيرة التي نسجها الكذابون على هذا المنوال٣.\n٢- أن يكون الحديث مما يكذبه الحس.\nكأن يكون الحديث مشتملًا على أمر يشهد الواقع المحسوس المشاهد بكذبه، ومن أمثلة ما وضع من هذا القبيل:\n- حديث: \" الباذنجان شفاء من كل داء \" ٤.\n- وحديث: \" الباذنجان لما أكل له \" ٥.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٥٠)، وانظر (الموضوعات) لابن الجوزي (٢/٤١٦- ٤١٧) ح٩٩٢، فقد ذكر حديثًا طويلًا في ثواب من صلى الضحى يوم الجمعة، وفيه: \"والذي بعثني بالحق إن له من الثواب كثواب إبراهيم، وموسى ويحيى وعيسى ... \". ثم حكم بوضعه. أما اللفظ الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀: فلم أقف عليه.\n٢ المنار المنيف: (ص٤٧)، وأورده ابن طاهر في (معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة): (ص٢١٩ح٨٢٤) . ورواه ابن حبان في (المجروحين) (٢/٨٣) في ترجمة عمر بن راشد اليمامي، قال: \"كان ممن يروي الموضوعات عن ثقات أئمة...\". ثم قال: \"وهو الذي روى عن يحيى بن أبي كثير ... \" فساق هذا الحديث.\n٣ المنار المنيف: (ص٤٤- ٥١) .\n٤ انظر: الفوائد المجموعة (ص١٦٧) ح٣٦ من كتاب الأطعمة والأشربة، وتذكرة الموضوعات (ص١٤٨) .\n٥ انظر: تذكرة الموضوعات: (ص١٤٨)، والمصنوع: (ص٧٣ح٧٥)، وكشف الخفاء (ح٨٧٤) .","vol":"1","page":461},{"text":"قال ابن القَيِّم ﵀: \" ... ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شِدَّة، ولو أكله فقيرٌ ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهلٌ ليتعلم لم يفده العلم\"١.\nفهذه الأحاديث وأمثالها مما يكذبها الواقع، وتدل المشاهدة والحقائق المقررة على خلافها.\n٣- سماجة الحديث، وكونه مما يُسْخَرُ منه.\nوالسَّمَاجُة: نقيض الملاحة، وسَمُجَ الشيء، فهو سَمْجٌ، وَسَمِجٌ: قَبُحَ٢.\nومن الأمثلة التي أوردها ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الأمر:\n- حديث: \" لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا ... \" ٣.\n- حديث: \" لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي ... \" ٤.\n٤- مخالفة الحديث لصريح القرآن.\n- كحديث مقدار الدنيا، \" وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة\" ٥.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٥١) .\n٢ لسان العرب: (ص٢٠٨٧. مادة: سمج)، والمصباح المنير: (١/٢٨٧) .\n٣ المنار المنيف: (ص٥٤)، وانظر المصنوع (١٤٨ح٢٥٢)، وتذكرة الموضوعات (ص١٤٨)، وتمييز الطيب من الخبيث (ص ١٣٥) .\n٤ المنار المنيف: (ص٥٥)، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (٣/١٣٣ح١٣٤٧)، وتنزيه الشريعة (٢/٢٤٩ح٦٠) .\n٥ المنار المنيف: (ص٨٠) .","vol":"1","page":462},{"text":"فهذا الحديث يناقض نصوص القرآن الكثيرة التي فيها أن الله ﷿ قد اختص بعلم الساعة، ولم يطلع على ذلك أحدًا، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .\n٥- مناقضة الحديث لما جاءت به السُّنة الصريحة مناقضةً بَيِّنة.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك: فرسول الله ﷺ منه بريء\"١.\nومن أمثلة ذلك مما ساقه ابن القَيِّم ﵀: الأحاديث الواردة في مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأنه من تسمى بذلك لا يدخل النار٢.\nقال ابن القَيِّم: \"وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ: أن النار\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٥٧) .\n٢ من أمثلة ذلك: ما يروى عن أنس ﵁ مرفوعًا: \"يُوقف عبدان بين يدي الله عزوجل فيأمر بهما إلى الجنة، فيقولان: ربنا بما نستأهل الجنة ولم نعمل عملًا تجازينا؟! فيقول الله لهما: عبديّ ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد أو محمد\".\nأخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات): (١/٢٤٠- ٢٤١ح٣٢٦) . أخرجه ابن الجوزي، وأورده ابن عراق في (تنزيه الشريعة): (١/١٧٣ح١٣) . وينظر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك في موضوعات ابن الجوزي - المصدر السابق - الأحاديث رقم (٣٢٠ - ٣٢٨) .","vol":"1","page":463},{"text":"لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة\"١.\n٦- أن يُدَّعى أن النبي ﷺ فَعَلَ أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه.\nفإن العادة قد جرت على أن مثل ذلك ينقله العدد الكثير، أما أن يطبق الجميع على كتمان ذلك وعدم نقله، أو ينفرد واحد من دون هذا الجمع بنقل ذلك: فإنه لا يكاد يقع.\nوقد مَثَّل ابن القَيِّم - ﵀ - لذلك بما ادَّعته الرافضة: من أن النبي ﷺ أخذ بيد علي ﵁ بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: \" هذا وَصِيّ وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا \". ثم اتفقوا جميعًا على كتمان ذلك ومخالفته٢.\n٧- أن يكون الحديث باطلًا في نفسه، فَيَدُلُّ بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ.\nومن أمثلة ذلك:\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٥٧) .\n٢ المنار المنيف: (ص٥٧)، وأخرج حديث الوصية لعلي: الجورقاني في (الأباطيل): (٢/١٤٨) ح٥٤٣ - ٥٤٤. ثم قال في الأول منهما: \"هذا حديث باطل، لا أصل له\". وقال في الثاني: \"هذا حديث باطل، وفي إسناده ظلمات\" وأخرج ابن الجوزي في (موضوعاته) (٢/١٤٧) عدة أحاديث في الوصية لعلي، برقم (٧٠٢ - ٧٠٩) . وحكم عليها كلها بالضعف والوضع.","vol":"1","page":464},{"text":"- حديث: \"الحجامة على القفا تورث النسيان\" ١.\n- وحديث: \" إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية\" ٢.\n- وحديث: \" الْمَجَرَّةُ التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش\" ٣.\n٨ - أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلًا عن كلام رسول الله ﷺ، الذي هو وحي.\nوقد ساق ابن القَيِّم - ﵀ - أمثلة كثيرة لذلك، أغلبها من الأحاديث الواردة في حسان الوجوه، وأن النظر إليهم يجلو البصر، أو أنه عبادة، أو أنهم لا يعذبون، وغير ذلك٤.\n٩- أن يكون الحديث مشتملًا على ذكر تاريخ حوادث مستقبلة.\nنحو: \"إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت\". قال ابن القَيِّم ﵀: \"وأحاديث هذا\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٥٩) .وانظر: كشف الخفاء (ح١١٠٦)، وتمييز الطيب من الخبيث (ص٦٨)، والأسرار المرفوعة (ح١٦٨) . وعزوه جميعًا للديلمي من طريق عمر بن واصل، وابن واصل اتهمه الخطيب بالوضع. وهو عندهم بلفظ \" الحجامة في نقرة الرأس ... \". ونقرة القفا: حفرة في آخر الدماغ. (كما في المعجم الوسيط: نقر) .\n٢ المنار المنيف: (ص٥٩) .\n٣ النار المنيف: (ص٥٩) .\n٤ المنار المنيف: (ص٦١ - ٦٣) . وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/٢٥٢) ح٣٣٧، ٣٣٨، باب: النظر إلى الوجه الحسن.","vol":"1","page":465},{"text":"الباب كلها كذب مفترى\"١.\nوهذا الحكم - لا شك - مبني على استقراءٍ لأحاديث الباب كلها، فإنه قد قرر أن هذه الأحاديث - مع اشتمالها على معان باطلة - لم يصح منها عن النبي ﷺ شيء.\n١٠- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطُّرُقِيَّة أشبه وأليق.\nومن الأمثلة التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - لذلك:\n- حديث: \"الهريسة تشد الظهر\" ٢.\n- وحديث: \"أكل السمك يوهن الجسد\" ٣.\n- وحديث: \"من أخذ لقمة من مجرى الغائط أو البول، فغسلها ثم أكلها غفر له\" ٤.\n١١- أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.\nوالظاهر أن ابن القَيِّم - ﵀ - قصد بذلك: مخالفة الحديث للشواهد الصحيحة من الكتاب والسنة.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٦٤)، وانظر ص (١١٠ - ١١١) . وينظر حول ذلك: الموضوعات لابن الجوزي (٣/٤٦٠ - ٤٧٦) .\n٢ المنار المنيف: (ص٦٤) . وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤١٨) .\n٣ المنار المنيف: (ص٦٤) . وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (٣/١٥٥) ح١٣٦٨، واللآلئ (٢/٢٣٣)، وتنزيه الشريعة (٢/٢٣٩) ح١٧. ولفظه عند هؤلاء الثلاثة: \"يذهب الجسد\". قال ابن الجوزي عقبه: \"هذا حديث ليس بشيء لا في إسناده، ولا في معناه، ولعله \"يذيب الجسد\" فقد اختلط على الراوي وفسره على الغلط، والسمك لا يذيب الجسد، ولا يذهب الحسد\"، ثم بين شدة ضعف إسناده، ثم قال: \"وكلام رسول الله ﷺ يُتحاشى عن مثل هذا\".\n٤ المنار المنيف: (ص٦٥) ح١١٧. وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤٢٠) .","vol":"1","page":466},{"text":"وقد مثَّل - ﵀ - لذلك بحديث عُوج بن عُنُق، وما جاء من: أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة ثلاثين وثلثًا، وأن نوحًا لما خَوَّفَهُ الغَرَقَ، قال له: احملني في قصعتك هذه ... إلى آخر ما جاء في الحديث.\nثم بين ابن القَيِّم - ﵀ - قيام شواهد عديدة من الكتاب والسنة على بطلانه١.\n١٢- ركاكةُ ألفاظِ الحديثِ وسَمَاجَتُهَا، بحيث يَمُجُّهَا السَّمع، ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن٢.\n١٣- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل.\nوقد مثل ابن القَيِّم لهذا الضابط بحديث: \" وضع الجزية عن أهل خيبر\". ثم بين أنه يشتمل على قرائن عديدة تدل على بطلانه٣.\nفمن القرائن التي جاءت في هذا الخبر، وهي تدل على كذبه:\n- أن فيه \"شهادة سعد بن معاذ\"، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.\n- وفيه: \"وكتب معاوية بن أبي سفيان\". ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح. إلى غير ذلك من القرائن الدالة على كذبه.\n_________\n١ المنار المنيف: (ص٧٦ - ٧٧) . وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤٢٥ - ٤٢٧)، وتعليق محقق الكتاب على هذا الحديث.\n٢ المنار المنيف: (ص٩٠) .\n٣ المنار المنيف: (ص١٠٢ - ١٠٥) . وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤٤٤)، وتعليق المحقق على الحديث.","vol":"1","page":467},{"text":"١٤- أن يكون الحديث مما لم يوقف عليه في المصنفات الحديثية.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في حديث عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس، وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لها السكنى والنفقة\":\n\" ... فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه: أن هذا كذب على عمر ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ ... فلو يكون هذا عند عمر ﵁، عن النبي ﷺ ... لما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام\"١.\nوقد ذهب الفخر الرازي - ﵀ - إلى أن الخبر إذا روي في زمان استقرت فيه الأخبار، فَفُتِّشَ عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرجال، عُلِمَ بطلانه، وذلك فيما بعد عصر الصحابة؛ فإنَّ الأخبار في عصرهم لم تكن استقرت٢.\nولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، بحيث يَتَسَنَّى لكل شخص الحكم ببطلان الحديث لمجرد أنه لم يقف عليه في كتب السنن، بل لابد من قيد وضابط لهذه المسألة، وقد ذكر الحافظ العلائي - ﵀ - لذلك قيدًا حسنًا، فقال: \"وهذا إنما يقوم به - يعني التفتيش عن الحديث - الحافظ الكبير، الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه؛ كالإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومن بعدهم: كالبخاري، وأبي\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥٣٩) .\n٢ نكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٨٤٧) .","vol":"1","page":468},{"text":"حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم: كالنسائي ثم الدارقطنى؛ لأن المأخذ الذي يحكم به - غالبًا - على الحديث بأنه موضوع: إنما هي الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق، والاطلاع على غالب المرويِّ في البلدان المتنائية، بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم.\nوأما من لم يصل إلى هذه المرتبة، فكيف يَقْضِي بعدم وُجْدَانِهِ للحديث بأنه موضوع؟! هذا ما يأباه تصرفهم، فالله أعلم\"١.\nفلابد من تقييد كلام ابن القَيِّم - ﵀ - بمثل ذلك.\nوبعد، فهذه هي الأمارات والضوابط التي وضعها ابن القَيِّم - ﵀ - لمعرفة الحديث الموضوع بمجرد النظر في متنه، دون البحث في إسناده.\nويحسنُ في هذا المقام التنبيه على أن بعض الأئمة قد ذكر بعضًا من هذه الضوابط٢، إلا أن ابن القَيِّم قد انفرد بزيادات عنهم٣، مع حُسْنِ عرضها وتنسيقها، وجمع أمثلة وشواهد عديدة تحت كل ضابط منها، بحيث تكون مرجعًا مهمًا في هذا الباب.\n_________\n١ نكت ابن حجر: (٢/٨٤٧) .\n٢ انظر الكفاية: (ص ٥٠ - ٥١)، ونكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٨٤٤- ٨٤٧)، وفتح المغيث: (١/٢٦٤ - ٢٦٥) .\n٣ انظر مثلًا العلامات والضوابط رقم: (١، ٣، ٥، ٨، ٩، ١٠) .","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبجث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد</span>\n...\nالمبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد\nاشتراط العدالة والضبط في الراوي:\nقال ابن الصلاح ﵀: \"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه: على أنه يُشْتَرط فيمن يحتجُّ بروايته أن يكون عدلًا، ضابطًا لما يرويه ... \"١.\nفَبَيَّنَ - ﵀ - بذلك: أن رُكْنَي القبول للراوي هما: العدالة، والضبط. وقد سَبَقَ ضمن مباحث الحديث الصحيح الكلام عن هذين الشرطين.\nوقد عَبَّرَ ابن القَيِّم - ﵀ - عن ضرورة توافر هذين الشرطين فيمن تقبل روايته، فقال: \" ... اشْتُرِطَ فيها - أي الرواية - ما يكون مُغَلِّبًا على الظن صدقَ الْمُخْبر، وهو: العدالةُ المانعةُ من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط\"٢.\nفالشطرُ الأولُ من كلامِهِ يشيرُ إلى شرطِ العدالة، والشطرُ الثاني يشير إلى شرطِ الضبطِ.\nومن المسائل التي تتعلق بالكلام على صفة من تُقْبَل روايته ومن ترد:\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص ٥٠)\n٢ بدائع الفوائد: (١/٥) .","vol":"1","page":471},{"text":"إنكار الأصل تحديث الفرع:\nإذا روى ثقة عن شيخ ثقة - أيضا ً- حديثًا، فأنكر الشيخ هذا الحديث ونفاه، فإن لذلك صورتين:\nالصورة الأولى: أن يكون الشيخ جَازِمًَا بِرَدِّهِ، فيقول: \"ما رويته\"، أو: \"كذب عليّ\". فعند ذلك يتعارض الجزمان، والشيخُ هو الأصل، فيجبُ رَدّ حديثِ فَرْعِهِ تبعًا لذلك١.\nوإنِّمَا رُدَّ الخبر لكذبِ واحدٍ منهما لا بعينه، كما قال ابن حجر رحمه الله٢.\nوفي هذه الحالة - حالة جزم الشيخ بالنفي - سَوَّى ابن الصلاح ﵀ - وتبعه الحافظ ابن حجر٣- بين تصريح الشيخ بكذب الراوي، وبين مجرد الإنكار. إلا أن السخاوي - ﵀ - حكى خلافًا بين المحدثين في الصورة الثانية خاصة - وهي إنكار الشيخ الرواية دون تكذيب - وأن بعضهم قال بقبول الرواية في هذه الحالة٤.\nالصورة الثانية: ألا يجزم الشيخ برد ذلك المروي، كأن يقول: \"لا أذكره\"، أو: \"لا أعرفه\" أو نحو ذلك من الألفاظ التي تقتضي نسيانه، فإن ذلك لا يوجب رد رواية الراوي، بل تقبل عند الجمهور من المحدثين، ومعظم الفقهاء٥.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص ٥٥) .\n٢ نزهة النظر: (ص٦١) .\n٣ نزهة النظر: (ص٦١) .\n٤ فتح المغيث: (١/٣٤٠ - ٣٤١) .\n٥ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٥) .","vol":"1","page":472},{"text":"وَحُكِيَ عن قوم من الحنفية القول بإسقاط المروي في هذه الحالة، وعدم قبوله.\nوَرَدَّ ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: \"وهذا مُتَعِقَّبٌ بأن عدالةَ الفرع تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافيه، فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي\"١.\nوقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه القضية وبيّن رأيه فيها، فإنه لمّا تكلم على حديث: ربيعة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد، وأن سُهَيلًا لما عرض عليه قال: \"لا أحفظه\"، ثم إنه - يعني سُهيلًا- رواه عن ربيعة - راويه عنه - فقال: \"أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه\"، وقد طعن قوم في الحديث بسبب ذلك، فأجاب ابن القَيِّم عن ذلك - مصححًا الحديث - بقوله: \" ... إنَّ هذا يدل على صدق الحديث؛ فإن سُهيلًا صَدَّقَ ربيعة، وكان يرويه عنه عن نفسه، ولكنه نسيه، وليس نسيان الراوي حجة على من حفظ.\nالثالث: أن ربيعة من أوثق الناس، وقد أخبر أنه سمعه من سهيل، فلا وجه لرد حديثه ولو أنكره سهيل، فكيف ولم ينكره، وإنما نسيه للعلة التي أصابته؟ وقد سمعه منه ربيعة قبل أن تصيبه تلك العلة\"٢.\nفتضمن كلامه - ﵀ - أمورًا، وهي:\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٦٢) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/٢٢٦) .","vol":"1","page":473},{"text":"١- أن الأصل قد صَدَّقَ الفرع، وكان يرويه عنه، مما يؤكد صدق الفرع، وهذا صريح في كلامه ﵀.\n٢- أن الأصل نَسِيَ الحديث لِعِلَّة أصابته، والنسيان لا يوجب رد الحديث، فمن حفظ حجة على من نسي.\n٣- أن الفرع إذا كان ثقة وأخبر أنه سمعه، فلا وجه لرد الحديث وإن أنكره الأصل، وهذا مفهوم من قوله عن سهيل: \"فكيف ولم ينكره؟ \".\nوهذا الكلام منه - ﵀ - لا غبار عليه، وهو متفقٌ مع ما تَقَدَّمَ تقريره في هذه المسألة، إلا أنه لم يتعرض لحالة انضمام التكذيب إلى الإنكار.\nفيمكن أن يُحْمَلَ كلامُ ابن القَيِّم - ﵀ - على القبول في حالة إنكار الشيخ دون تكذيب، أو يكون قد اختار من الخلاف في هذه الصورة - حتى مع التكذيب -: القول بعدم الرد، والله أعلم.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الثالث عشر: رواية المجهول</span>\nالمجهول عند أهل الفن على قسمين: مجهول العين، ومجهول الحال.\nأما مجهول العين: فهو: \"من لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوثق\".\nوأما مجهول الحال: فهو: \"من روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثق\". ويقال له أيضًا: المستور١.\nومن المسائل المتعلقة بالمجهول:\nالمسألة الأولى: تعديل الْمُبْهَم.\nذهب ابن القَيِّم إلى أن المبهم تثبت عدالته: إذا عدّله الراوي عنه الثقة؛ فقد أعلَّ ابن حزم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن - في سقوط الحضانة بالتزويج - بالجهالة، حيث قال فيه أبو الزبير: \"عن رجل صالح من أهل المدينة\". فرد ابن القَيِّم ذلك عليه قائلًا: \"وعنى بالمجهول: الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أن هذه الشهادة لا تُعَرِّفُ به، ولكنَّ المجهول إذا عَدَّلَهُ الراوي عنه الثقة: ثبتت عدالته؛ وإن كان واحدًا على أصح القولين ... هذا مع أن أحد القولين: أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل ... وأما إذا روى عنه وصَرَّحَ بتعديله: فقد\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٥٠) .","vol":"1","page":475},{"text":"خَرَجَ عن الجهالة التي تُرَدُّ لأجلها روايته، ولا سيما إذا لم يكن معروفًا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين\"١.\nوهذا الذي ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - هو الراجح بالنسبة للراوي الذي سُمِّيَ، إذا كان الْمُعَدِّلُ متأهلًا لذلك٢.\nوأما الراوي المبهم الذي لم يسم - كما في المثال الذي معنا - ففيه قولان للعلماء:\nالأول: أن ذلك لا يكفي في توثيق الراوي. قاله الخطيب البغدادي، وابن الصباغ، والصيرفي وغيرهم.\nالثاني: أن ذلك يكفي في توثيقه، قاله أبو حنيفة.\nوالصحيح من ذلك القول الأول، قال السخاوي ﵀: \"لأنه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك، فلعله إذا سَمَّاهُ يعرف بخلافها، وربما يكون قد انفرد بتوثيقه ... بل إضراب المحدث عن تسميته ريبة توقع ترددًا في القلب\"٣.\nثم إنه لو ووفق ابن القَيِّم على ثبوت التوثيق للراوي المبهم، وزوال الجهالة عنه بمجرد ذلك، فإن ذلك لا ينطبق على المثال الذي توجه إليه كلام ابن القَيِّم ﵀؛فقد جاء فيه: \"عن رجل صالح \". فما المراد بالصلاح هنا؟\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٤٥٦ - ٤٥٧) .\n٢ انظر: نزهة النظر (ص٥٠) .\n٣ فتح المغيث: (١/٣٠٨) .","vol":"1","page":476},{"text":"ظاهر الكلام: أن المقصود الصلاح في الدين، لا الصلاح في باب الرواية، قال السخاوي - عقب قول الخليلي في رجل: شيخ صالح -: \"أراد صلاحيته في دينه، جريًا على عادتهم في إطلاق الصلاحية حيث يريدون بها الديانة، أما حيث أريد: في الحديث، فيقيدونها\"١. يعني بقولهم: صالح الحديث.\nفإذا تبين ذلك، فإن الوصف بهذا لا يؤخذ منه تعديل، فقد يكون الرجل صالحًا في دينه ولكنه ضعيف في الرواية٢.\nفتلخص من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم من ثبوت عدالة المجهول بتوثيق الراوي عنه له: مع كونه صوابًا في المجهول المُسَمَّى إذا كان الموثق له متأهلًا لذلك، إلا أنه ليس بصواب في الراوي المبهم.\nالمسألة الثانية: بمَ ترتفعُ جهالةُ الحالِ عن الراوي؟\nوأما مجهول الحال: فقد ذَهَبَ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أن الجهالة تزول عنه، ويحتج بحديثه:\n١- إذا روى عنه ثقتان فأكثر.\n٢- ولم يُعلم فيه جرحٌ ولا قدحٌ.\nففي حديث سلمة بن المحبق في قضاء النبي ﷺ في الذي وقع على جارية امرأته - وقد أعل بجهالة خالد بن عرفطة - قال ابن القَيِّم ﵀: \" ... فإن الحديث حسن؛ وخالد بن عرفطة قد روى عنه\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٢٠٠) .\n٢ انظر الكلام على هذه المسألة فيما يأتي: (ص ٥٧٠) .","vol":"1","page":477},{"text":"ثقتان: قتادة، وأبو بشر. ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين ... \"١.\nوخالد هذا: جَهَّلَه أبو حاتم الرازي٢، والبزار٣، وقال الذهبي: \"لا يعرف\"٤. ولم يوثقه غير ابن حبان على مذهبه.\nوقال في حق الوليد بن زوران - وقد أعل ابن القطان حديثًا له بجهالة حاله -: \"وفي هذا التعليل نظرٌ؛ فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن بُرْقان، وحجاج بن منهال، وأبو الْمَلِيح الحسن بن عمر الرقي وغيرهم. ولم يعلم فيه جرح\"٥.\nوقال في حق العالية بنت أنفع - وقد حَكَمَ الشافعي والدارقطني بجهالتها -: \"هذا الحديث - يعني حديث النهي عن العينة - حسن، ويحتج بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يعلم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك\"٦.\nفهكذا يذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ارتفاع جهالة الحال عن الراوي والاحتجاج بخبره: برواية ثقتين عنه، ما لم يعلم فيه جرح.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٣٨) .\n٢ الجرح والتعديل: (١/٢/٣٤٠) .\n٣ تهذيب التهذيب: (٣/١٠٧) .\n٤ المغني: (١/٢٠٤) .\n٥ تهذيب السنن: (١/١٠٧) .\n٦ تهذيب السنن: (٥/١٠٠) .","vol":"1","page":478},{"text":"وقد نصَّ الخطيب البغدادي وغيره على أن: رواية الاثنين عن المجهول ترفع عنه جهالة العين، ولا تُثْبِت له عدالة ولا توثيقًا، وأنه لابد من التصريح بثقته والنص على ذلك١. وهذا مذهب الجمهور من الأئمة والمحققين٢.\nعلى أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد سُبِقَ إلى مثل ذلك أيضًا، فقد نُسِبَ إلى البزار والدارقطني القول بارتفاع جهالته والعمل بروايته، وعبارة الدارقطني - كما نقلها السخاوي ﵀ -: \"من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته\"٣.\nوكذا اكتفى بروايتهما: ابن حبان كما نص عليه السخاوي أيضًا٤.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك أن في قبول رواية مجهول الحال أقوالًا:\n١- رَدُّ روايته مطلقًا. وهو مذهب الجمهور، وذلك بناءً على أنه لابد من التصريح بتوثيقه.\n٢- قبولها مطلقًا. وهو منسوب إلى البزار والدارقطني كما مضى، وبه يقول ابن حبان أيضًا.\nوقد مضى بيان هذين المذهبين، وهناك مذهب ثالث، وهو:\n_________\n١ انظر: الكفاية: (ص١٥٠) .\n٢ فتح المغيث: (١/٣٢٠) .\n٣ فتح المغيث: (١/٣٢٠) .\n٤ فتح المغيث: (١/٣٢٠) .","vol":"1","page":479},{"text":"٣- التوقف فيها، فلا تقبل ولا ترد حتى يتبين حاله، وهو مذهب إمام الحرمين الجويني، وأيده الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: \"والتحقيق: أن رواية المستور - ونحوه مما فيه الاحتمال - لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين\"١.\nوبذلك يتضح أن ما اختاره ابن القَيِّم من ارتفاع جهالة الحال عن الراوي بمجرد رواية اثنين عنه، مع عدم العلم بجرحه، ومن ثم الاحتجاج بخبره: مذهب مرجوح، وأن جمهور أهل العلم على خلافه، وأنه لابد في مجهول الحال من التوثيق الصريح، حتى تزول جهالته ويعمل بخبره.\nالمسألة الثالثة: جهالةُ الصحَابي.\nإن توقفَ الأئمة في رواية المجهول وعدم قبولها: إنما هو للجهل بحال الراوي من العدالة.\nإذ إن عدالة الرواة شرط من شروط قبول الخبر، ولما كان عدم العلم بعدالة المجهول ينافي تحقق شرط العدالة، لزم - لأجل ذلك - التوقف عن قبول خبره حتى يعلم حاله.\nولكن، هل يقال ذلك - أيضًا - في حق الصحابة رضوان الله عليهم؟؟ بمعنى: أنه إذا جاء الخبر عن صحابي غير مسمى مثلًا، فهل يتوقف عن قبول خبره بدعوى الجهل بحاله؟\nالْمُتَقَرِّرُ عند أئمة هذا الشأن: أن ذلك يجري فيمن دون الصحابة، أما الصحابة - ﵃ - فإنهم جميعًا عدول بتعديل الله - عزوجل - ورسوله ﷺ لهم.\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٥٠) .","vol":"1","page":480},{"text":"قال الخطيب البغدادي ﵀: \"كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ، لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن\". ثم ساق - ﵀ - جملة من آيات القرآن في مدحهم والثناء عليهم، ثم قال: \"ووصفَ رسولُ الله ﷺ الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم\"١. ثم ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى.\nوقال ابن الصلاح ﵀: \"للصحابة بأسرهم خِصِّيصَة، وهي: أنه لا يُسْئَلُ عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم - على الإطلاق - معدلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة\"٢.\nوقد أَكَّد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى في أكثر من مناسبة، مبينًا أنه لا ينبغي إعلال حديث بدعوى الجهل بحال صَحَابيِّهِ، ومن أقواله في ذلك:\nأن ابن حزم - ﵀ - أعل حديث أبي الزبير، عن بعض\n_________\n١ الكفاية: (ص ٩٣- ٩٤) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص١٤٦ - ١٤٧) . وانظر في ذلك أيضًا: معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد: (ص٤٦)، والإصابة: (١/٩) .","vol":"1","page":481},{"text":"أصحاب النبي ﷺ \" أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة\".\nفقال ابن القَيِّم ﵀: \"وأما العلة الثانية: فباطلة على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث؛ فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث؛لثبوت عدالة جميعهم ... \"١.\nوقال - ﵀ - في حديث لأبي أمامة بن سهل ﵁ في صفة صلاة الجنازة - وقد وقع في بعض طرقه: عن أبي أمامة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -: \"وليس هذا بعِلَّةٍ قادحة فيه؛ فإنَّ جهالةَ الصحابي لا تَضُرُّ\"٢.\nالمسألة الرابعة: هل تتقوى رواية المجهول بالمتابعات والشواهد؟\nإذا بَقِيَ مجهول العين على جهالته، فهل تتقوى روايته برواية غيره، ويُقْبَلُ خبره في المتابعات والشواهد؟\nأجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك، فقال في حديث ميمونة ﵂ في مباشرة النبي ﷺ نساءه في الحيض وهن مُتَّزِرَات - وقد أعله ابن حزم بأن نُدْبة - راويته عن ميمونة - مجهولةٌ لا تعرف - فقال ابن القَيِّم - ﵀ - يرد عليه: \"فأما تعليله حديث ندبة بكونها مجهولة: فإنها مدنية، روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٢٩) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص٤٨) .","vol":"1","page":482},{"text":"والراوي إذا كانت هذه حالهُ، إنما يُخشى من تَفَرُّدِهِ بما لا يُتَابع عليه. فأما إذا رَوَى ما رواه الناس، وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردونه ولا يعللونه بالجهالة. فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر: عللوه بمثل هذه الجهالة، وبالتفرد.\nومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم. فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيرًا ما تمر بك في الأحاديث، ويقع الغلط بسببها\"١.\nفابن القَيِّم - ﵀ - يقرر: أن رواية مجهول العين تتقوى بغيرها من المتابعات والشواهد، وتكون مقبولة؛ حيث لم ينفرد. وأما إذا انفرد هذا المجهول بهذه الرواية، أو خالف من هو أوثق منه وأشهر: فإن خبره حينئذ يكون مردودًا؛لأنه - والحالة هذه - يكون من قبيل المنكر.\nوقد أشار الحافظ الدارقطني - ﵀ - إلى مثل ذلك، فقال: \" ... فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، وانفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره\"٢.\nوقد نصَّ الحافظ ابن حجر - ﵀ - على ذلك أيضًا، لكنه خصه برواية مجهول الحال - المستور - فقال: \"ومتى توبع السيئ الحفظ بِمُعْتَبَرٍ، وكذا: المستور، والمرسل، والمدلس: صار حديثهم حسنًا، لا لذاته بل بالمجموع\"٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٧٦) .\n٢ سنن الدارقطني: (٣/١٧٤) .\n٣ نخبة الفكر: (ص٥١ - ٥٢) .","vol":"1","page":483},{"text":"وجعل الحافظُ السخاوي - ﵀ - روايةَ المجهول مما يصلحُ في المتابعات والشواهد، وأنها تُكْتَبُ روايته للاعتبار، وذلك عند كلامه على مراتبِ الجرح والتعديل، وحكم رواية أصحاب كل مرتبة منها.\nفقد جعل \"المجهول\" في آخر مراتب الجرح - المرتبة السادسة - ثم حَكَمَ بأن أصحاب هذه المرتبة والتي قبلها ممن يُخَرَّجُ حديثهم في المتابعات والشواهد، قال: \"لإشعار هذه الصِيَغِ بصلاحيةِ الْمُتَّصِفِ بها لذلك، وعدمِ منافاتها لها\"١.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك: صحة ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من: أن رواية مجهول العين - وبالأحرى مجهول الحال - تَتَقَوَّى بالمتابعات والشواهد، وأن جماعة من أئمة هذا الشأن قد ذهبوا إلى ذلك.\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٣٧٥) .","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله</span>\nمن المسائل التي تتعلق بكيفية التحمل والأداء مما تعرض له ابن القَيِّم ﵀:\nالمسألة الأولى: في تحمل الحديث قبل وجود الأهلية لذلك.\nهل يصحُّ تحمل الصَّبِي والكافر الحديث، بحيث يُقْبَلُ منهما مَا أَدَّيَاه بعد البلوغ والإسلام؟\nأما صِحَّةُ تحمل الكافر: فمتفق عليها بين أهل هذا الشأن١.\nوأما تحمل الصغير الذي لم يبلغ: فإنه يصح على المذهب الصحيح الذي جزم به غير واحد من العلماء، منهم: ابن الصلاح٢، والنووي٣، وابن كثير٤، والعراقي٥ وغيرهم.\nومَنَعَ من ذلك آخرون، ولم يُجَوِّزُوه، قالوا: لأنَّ الصبيَّ مَظِنَّةُ عدمِ الضبط٦.\nوقد رَدَّ الأئمةُ ذلك عليهم، فقال ابن الصلاح: \"وَمَنَعَ من ذلك قومٌ فأخطؤوا\"٧.\n_________\n١ انظر: فتح المغيث: (١/٣٨٠) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٦٠) .\n٣ التقريب: (ص١٥) .\n٤ اختصار علوم الحديث: (ص ١٠٨) .\n٥ شرح الألفية: (٢/١٥) .\n٦ انظر: فتح المغيث: (١/٣٨١ - ٣٨٢) .\n٧ مقدمة ابن الصلاح: (ص٦٠) .","vol":"1","page":485},{"text":"وقال العراقي: \"وهو خطأ مردود عليهم\"١.\nومما يُقَوِّي جانب القبول: أن الأئمة - ﵏ - أجمعوا على قبول حديث جماعة من الصحابة مما تحملوه حال الصغر: كالحسن، والحسين، وابن عباس وغيرهم. فلم يروا فرقًا بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده٢.\nولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب هذا المذهب الراجح في هذه المسألة، فقد أعل قوم حديث محمد بن عمرو بن عطاء المدني، عن أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي ﷺ، وقوله فيه: سمعت أبا حميد الساعدي، بعدم سماع محمد بن عمرو من أبي حميد. فَرَدَّ عليهم ابن القَيِّم ذلك، وقال - بعد أن أثبت إمكان لقاء محمد بن عمرو لأبي حميد، وسماعه منه -: \"ولو امتنع أن يكون رجلًا - لتقاصر سِنِّهِ عن ذلك - لم يمتنع أن يكون صبيًا مميزًا، وقد شاهد القصة في صغره، ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقًا، وهو أسوة أمثاله في ذلك.\nفَرَدُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة: مما يرغب عن مثله أئمة العلم\"٣.\nفهذا اختيار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة، وهو\n_________\n١ شرح الألفية: (٢/١٥) .\n٢ انظر: فتح المغيث: (١/٣٨٣ - ٣٨٤) .\n٣ تهذيب السنن: (١/٣٦٣) .","vol":"1","page":486},{"text":"الصحيح كما تقدم، ولعل نقله الاتفاق على ذلك إشارة إلى أن من خالف في هذه المسألة لا يعتد بخلافه، والله أعلم.\nالمسألة الثانية: متى يصحُّ سَمَاع الصَّغِير؟\nاختلف أهل العلم في ضابط سماع الصغير على أقوال عدة، الصحيح المعتبر منها: اعتبار تمييز كلِّ صبيٍّ وفهمه، دون اعتبار لسن معينة في ذلك؛ فَإنْ فَهِمَ الخطاب ورد الجواب: كان سماعه صحيحًا، وإن كان سِنُّهُ أقلَّ من خمس سنين، وإن لم يكن كذلك: لم يصح سماعه، وإن زاد عن الخمس.\nهذا ما صححه الأئمة: ابن الصلاح١، والنووي٢، والعراقي٣، وابن حجر٤.\nوقد جاء عن ابن القَيِّم - ﵀ - ما يفيد اعتباره للتمييز في صحة السماع.\nفقد تَقَدَّم قوله في المسألة التي قبل هذه في حق محمد بن عمرو بن عطاء: \"ولو امتنع أن يكون رجلًا ... لم يمتنع أن يكون صبيًا مميزًا، وقد شاهد القصة في صغره ... وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقًا\".\nوقال في حق فاطمة بنت المنذر - وقد أعل قوم حديثًا بأنها روته عن أم سلمة، وقد لقيتها صغيرة -:\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٦٢) .\n٢ التقريب: (ص١٥) .\n٣ شرح الألفية: (٢/٢٠ - ٢١) .\n٤ فتح الباري: (١/١٧٣) .","vol":"1","page":487},{"text":"\" ... فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة؛فقد يَعْقِلُ الصغيرجدًا أشياء ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع الْمَجَّةَ وهو ابن سبع سنين١، ويعقل أصغر منه\"٢.\nفجعل - ﵀ - عَقْلَ الصغير وتمييزه - دون مراعاة لسن معينة - أساسًا للحكم بصحة سماعه من عدمه، وهذا هو القول المعتبر كما تقدم.\nالمسألة الثالثة: هل يصح السماع ممن وراء حجاب؟\nهل يصح سماع من سمع من شخص دون أن يراه؟\nالجمهور على صحة ذلك وجوازه إن ثبت عنده أنه صوته: إما بعلمه وخبرته، أو بإخبار ثقة عدل بأن هذا صوته٣.\nومن الأدلة على صحة ذلك: حديث أمهات المؤمنين ﵅، فقد كن يحدثن من وراء حجاب، ونقل ذلك عنهن، واحْتُجَّ به في الدواوين المعتمدة٤.\nومنع من ذلك شعبة ﵀، فقال: \"إذا حَدَّثَكَ المحدثُ فلم تر\n_________\n١ كذا وقع في (زاد المعاد)، والمشهور أنه \"خمس سنين\" كما في (صحيح البخاري) . انظر: فتح الباري: (١/١٧٢) ح٧٧، ك العلم. والْمَجَّة: الماء أو الشراب يرمي به من فيه.\n٢ زاد المعاد: (٥/٥٩٠) .\n٣ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص٧١)، وفتح المغيث: (١/٤٣٤) .\n٤ شرح ألفية العراقي - له: (٢/٥٨) .","vol":"1","page":488},{"text":"وَجْهَه، فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تَصَوَّرَ في صورته يقول: حدثنا، وأخبرنا\"١.\nوردَّ الأئمة هذا القول منه ﵀، فقال النووي: \"وهو خلاف الصواب وقول الجمهور\"٢. وقال ابن كثير: \"وهذا عجيب وغريب جدًا\"٣.\nوقد بين ابن القَيِّم - ﵀ - أن عدم رؤية الراوي المحدث لا يقدح في سماعه منه، وأن عدم الرؤية لا ينافي السماع.\nفقد كَذَّبَ هشام بن عروة محمد بن إسحاق في قوله: إنه حَدَّث عن زوجته فاطمة بنت المنذر، واعتمد في ذلك على أنه لم يرها أحد من الرجال منذ تزوجها، فقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... إن هشامًا إنما نفى الرؤية، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع.\nقال الإمام أحمد: لَعَلَّه سمع منها في المسجد، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟! فقد كانت امرأة كبرت وأَسَنَّت\"٤.\nفابن القَيِّم - ﵀ - يؤكد أنه لا تلازم بين السماع والرؤية، بل قد يحصل سماع لفظ الْمُحَدِّث دون رؤيته، ومع ذلك يكون سماعه صحيحًا معتبرًا، والله أعلم.\n_________\n١ شرح ألفية العراقي - له: (٢/٥٨) .\n٢ التقريب: (ص١٧) .\n٣ اختصار علوم الحديث: (ص١١٨) .\n٤ تهذيب السنن: (٧/٩٧) .","vol":"1","page":489},{"text":"المسألة الرابعة: الوجادة، وحكم العمل بها.\nتعريفها: قال الحافظ العراقي: \"أن تجد بخطِّ من عَاصَرْتَهُ - لقيته أو لم تلقه - أو لم تعاصره - بل كان قبلك - أحاديث يرويها، أو غير ذلك مما لم تسمعه منه ولم يُجِزْهُ لك\"١.\nويلحق بذلك: ما يجده الشخص من كتب المصنفين ممن عاصره كذلك، أولم يعاصره٢.\nأما حكم الوجادة: فإنها منقطعة غير متصلة، ولكنها تأخذ نوعًا من الاتصال في حالة وثوقه بأنه خط من وجد ذلك عنه، وذلك لقوله: \"وجدت بخط فلان\"٣.\nولا يجوز أن يقول فيها: \"عن فلان\" أو: \"قال فلان\"، فضلًا عن قوله: \"حدثنا وأخبرنا\"٤.\nهذا من ناحية الراوية بالوجادة، فالرواية بها لا تكون متصلة.\nوأما جواز العمل بالوجادة: ففيه أقوال ثلاثة:\nالأول: المنع من العمل بها. قال بذلك معظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم.\n_________\n١ شرح الألفية - للعراقي: (٢/١١٢) .\n٢ فتح المغيث: (١/٥٣٦) .\n٣ شرح الألفية - للعراقي: (٢/١١٣- ١١٤) .\n٤ انظر: (مقدمة ابن الصلاح): (ص٨٦) .","vol":"1","page":490},{"text":"الثاني: جواز العمل بها. وذلك مَحْكِي عن الإمام الشافعي ﵀، وطائفة من نظار أصحابه.\nالثالث: وجوب العمل بها عند حصول الثقة به. جزم بذلك بعض المحققين من أصحاب الشافعي في أصول الفقه١.\nواختار ابن الصلاح - ﵀ - القولَ بالوجوب، فقال: \"وما قَطَعَ به هو الذي لا يَتَّجِه غيره في الأعصار المتأخرة؛ فإنه لو تَوَقَّف العمل فيها على الرواية لانسَدَّ باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها\"٢.\nووافق ابنَ الصلاح على ذلك: النووي٣، وابن كثير٤، والعراقي٥.\nوقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - قضية النُّسَخ والكتب التي أُخِذَت عن طريق الوجادة، وأكد أن الأخذ عنها، والعمل بمقتضاها متعين، وأن ذلك هو دأب علماء هذه الأمة قديمًا وحديثًا.\nقال - ﵀ - في الرد على من طعن في سماع الحسن من سمرة: \"وغاية هذا أنه كتاب٦، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا\n_________\n١ ينظر حول العمل بالوجادة: مقدمة ابن الصلاح: (ص٨٧)، وتدريب الراوي: (٢/٦٣)، وفتح المغيث: (١/٥٣٤ - ٥٣٥) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٨٧) .\n٣ التقريب: (ص٢١) .\n٤ اختصار علوم الحديث: (ص١٢٨) .\n٥ شرح الألفية للعراقي: (٢/١١٤- ١١٥) .\n٦ فقد قال بهز بن أسد: إن اعتماده على كتب سمرة. (المراسيل - لابن أبي حاتم: ص٣٢) .","vol":"1","page":491},{"text":"وحديثًا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم ... وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب. وكذلك خلفاؤه بعده، والناس إلى اليوم.\nفَرَدُّ السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون\"١.\nويؤكد في مناسبة أخرى حُجِّيَّة هذه الكتب، مشيرًا إلى ضابط العمل بها، وشرط ذلك، فيقول - في الرد على من طعن في رواية مخرمة ابن بكير عن أبيه بأنها كتاب -: \"إن كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فَرْقَ في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا تَيَقَّنَ الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها. وهذه طريقة الصحابة والسلف ... ولو بَطَلَ الاحتجاجُ بالكتب، لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير؛ فإنَّ الاعتماد على النُّسَخِ لا على الحفظ، والحفظ خَوَّان، والنسخة لا تخونُ، ولا يُحْفظُ في زمنٍ من الأزمان المتقدمة أن أحدًا من أهل العلم رَدَّ الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يُشَافِهْني به الكاتب، فلا أقبله. بل كُلُّهُم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه\"٢.\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٢/١٤٤) .\n٢ زاد المعاد: (٥/٢٤٢) .","vol":"1","page":492},{"text":"فابن القَيِّم - ﵀ - يؤكد صحة العمل بما وُجدَ من تلك الكتب، وبخاصة ما كان منها موثوقًا به، ومتأكدًا من صحة نسبته إلى صاحبه ومؤلفه.\nوهو بذلك يوافق ما رَجَّحَهُ أكثرُ الأئمة المتقدم كلامهم.","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه</span>\nالنسخ: هو \"عبارة عن رفع الشارع حكمًا منه متقدمًا بحكم منه متأخر\".\nذكر ذلك ابن الصلاح ﵀، ثم قال: \"وهذا حد وقع لنا سالم من اعتراضات وردت على غيره\"١.\nطرق معرفة النسخ: ويعرف ذلك بأمور، وهي:\nأولًا: تصريح رسول الله ﷺ بذلك، وهو أصرحها، كقوله ﷺ في الحديث الذي رواه بريدة ﵁: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\".\nثانيًا: أن يجزمَ الصحابيُّ بأن ذلك الخبر متأخر، كقول جابر ﵁: \"كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار\".\nثالثًا: يُعرف ذلك - أيضًا - بالتاريخ، وهو كثير.\nرابعًا: أن يقعَ الإجماع على ترك العمل بحديث، وأنه منسوخ. والإجماع لا يَنْسَخ ولا يُنْسخ، وإنما يدل على وجود ناسخ٢.\nوقد ورد في كلام ابن القَيِّم - ﵀ - استعماله لبعض الطرق التي يستدل بها على النسخ، فمن ذلك:\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص ١٣٩) .\n٢ ينظر تفصيل ذلك في: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٣٩ - ١٤٠)، وتدريب الراوي: (٢/١٩٠ - ١٩٢)، ونزهة النظر: (ص ٣٨ - ٣٩) .","vol":"1","page":495},{"text":"١- استدلاله على النسخ بمعرفة التاريخ.\nقال - ﵀ - في حديث طلق في الرُّخصة في ترك الوضوء من مَسَّ الذكر، ومعارضته بحديث أبي هريرة وغيره: \"أن حديث طلق لو صح، لكان حديث أبي هريرة ومن معه مُقَدَّمًا عليه؛لأن طَلْقًا قَدِم المدينة وهم يبنون المسجد، فذكر الحديث، وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين، وإنما يُؤْخَذُ بالأحدث فالأحدثِ من أمره ﷺ\"١.\n٢- وجود قرائن تدل على تأخر أحد الخَبَرين.\nفقد استدلَّ ابن القَيِّم - ﵀ - على نسخ حديث أبي هريرة مرفوعًا: \" من أَدْرَكَه الفجر جنبًا فلا يصوم \". بما رواه أزواج النبي ﷺ من \" أنه كان يصبح جنبًا ويصوم \"، فقال في تأييد القول بنسخ حديث أبي هريرة: \"لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - إبطال الصوم بذلك؛ لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرن بعد وفاته: أنه كان يصبح جنبًا ويصوم. ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة، ولم يحتج أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نسخ، ومحال أن يخفى هذا عليهن؛ فإنه كان يقسم بينهن إلى أن مات في الصوم والفطر\"٢.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٣٥) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٢٦٦ - ٢٦٧) .","vol":"1","page":496},{"text":"شروط تحقق النسخ:\nلابد للحكم بالنسخ في الخبرين المتعارضين من توافر بعض الشروط، وقد وَقَعَ في كلام ابن القَيِّم - ﵀ - ذكر شيء من هذه الشروط، فمن ذلك:\nقوله - ﵀ - في الرد على من ادعى أن التمتع في الحج منسوخ: \"أما العذر الأول، وهو النسخ، فيحتاج إلى أربعة أمور ... يحتاج إلى:\n- نصوص أخر،\n- تكون تلك النصوص معارِضَة لهذه،\n- ثم تكون - مع هذه المعارضة - مُقَاوِمة لها،\n- ثم يثبتُ تأخرها عنها\"١.\nوأشار مرة إلى بعض هذه الشروط، فقال في حديث عبد الله بن حمار في ترك قتل شارب الخمر في الرابعة، وأنه ناسخ للأمر بقتله في الرابعة:\n\"وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما يتم بـ:\n- ثبوت تأخره،\n- والإتيان به بعد الرابعة،\n- ومنافاته للأمر بقتله\"٢.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/١٨٧) .\n٢ تهذيب السنن: (٦/٢٣٧) .","vol":"1","page":497},{"text":"ففي هذا تصريح منه - ﵀ - بضرورة أن يكون الناسخ متأخرًا، وأن يعارض المنسوخ معارضة لا يمكن معها الجمع بينهما.\nوعَبَّر - ﵀ - عن ذلك مرة بقوله:\n\"لا يمكن إثباته - يعني النسخ - إلا بعد أمرين:\nأحدهما: ثبوت معارضته المقاوم له.\nوالثاني: تأخره عنه\"١.\nوقال - ﵀ - في الردِّ على من ذهب إلى أن القيام للجنازة- قيام تابعها، ومن مرت به، والمشيع عند القبر - منسوخ، رد على ذلك بقوله: \"وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه: أحدها: أن شرطَ النسخ: المعارضةُ، والتأخرُ. وكلاهما منتف في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيعين حتى توضع ... \"٢.\nويؤكد ابن القَيِّم - ﵀ - ضرورة مقاومة الناسخ - في الصحة والقوة - للمنسوخ، فيقول في حديث بريدة ﵁ مرفوعًا في الإذن في الإقران بين التمرتين، وأنه ناسخ لحديث ابن عمر ﵁ في النهي عن ذلك: \"وهذا الذي قالوه - يعني ادعاء النسخ - إنما يصح لو ثبت حديث بريدة، ولا يثبت مثله ... \"٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٧٣) .\n٢ تهذيب السنن: (٤/٣١٢) .\n٣ تهذيب السنن: (٥/٣٣٢) .","vol":"1","page":498},{"text":"فتلخص من ذلك: أن الشروط التي قررها ابن القَيِّم - ﵀ - للحكم بالنسخ، هي:\n١- عدمُ إمكان الجمع بين الخَبَرَين.\n٢- صَلاحِية كلٍّ منهما للحُجَّة.\n٣ - معرفةُ الْمُتَأَخِّرِ.\nأما عدم إمكان الجمع بينهما: فلأن الجمع أولى من المصير إلى النسخ، قال الحازمي ﵀: \" ... فَإِنْ أَمْكن الجمع جمع ... ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة كان أولى؛ صونًا لكلامه - بأبي هو وأمي - عن سمات النقص\"١.\nوأما اشتراط صلاحية كل من الخبرين للحجة: فلأن القويَّ لا تُؤَثِّر فيه مخالفة الضعيف٢، فضلًا عن أن يقاومه فينسخه.\nوأما اشتراط ثبوت تأخر أحد الخبرين: فقد أشار إليه الحافظ ابن حجر - ﵀ - بقوله: \"فإن عرف - يعني التاريخ - وثبت المتأخر به أو بأصرح منه: فهو الناسخ والآخر المنسوخ\"٣.\n_________\n١ الاعتبار: (ص ٩) .\n٢ انظر: نزهة النظر: (ص٣٧) .\n٣ نزهة النظر: (ص ٣٨) .","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث السادس عشر: مُخْتَلِفُ الحديث</span>\nتعريفه: قال النووي ﵀: \"هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا، فَيُوَفَّقُ بينهما أو يرجَّح أحدهما\"١.\nأقسامه: ينقسم مختلف الحديث إلى قسمين:\nأحدهما: أن يمكن الجمع بين الحديثين، فَيَتَعَيَّن حينئذ المصير إلى ذلك، والقول بهما جميعًا.\nالثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمعُ بينهما، وهذا يكون على ضربين:\n١- أن يظهر كون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فَيُعْمَلُ بالناسخ ويَتْرَكُ المنسوخ.\n٢- أن لا تقوم دلالة على النسخ، فَيُصَارُ إلى ترجيحِ أحدهما على الآخرِ بوجه من وجوه الترجيح٢.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك: الخطوات التي ينبغي أن تسلك فيما ظاهره التعارض، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"فصار ما ظاهره التعارض واقعًا على هذا الترتيب:\n_________\n١ التقريب: (ص٣٣) .\n٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص ١٤٣)، والتدريب: (٢/١٩٦- ١٩٨) .","vol":"1","page":501},{"text":"- الجمع إن أمكن،\n- فاعتبار الناسخ والمنسوخ،\n- فالترجيح إن تعين،\n- ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين\"١.\nوقد بَيَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - أنَّ الأحاديث التي ظاهرها التعارض لا تخرج عن أحد ثلاث حالات، فقال: \"فإذا وقع التعارض:\n- فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط.\n- أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ.\n- أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس كلامه ﷺ.\nفلابد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة\"٢.\nفقد بَيَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - بهذه القسمة العقلية أن الحديثين إذا وقع بينهما تعارض: فإما أن يكون النبي ﷺ قد قالهما، أو أن أحدهما لا يكون من كلامه، ويكون أحد الرواة غلط فجعله من كلامه، كمن يرفع الموقوف أو يزيد لفظة ليست من كلامه ﷺ، ونحو ذلك.\n_________\n١ نزهة النظر: (ص ٣٩) .\n٢ زاد المعاد: (٤/١٤٩) .","vol":"1","page":502},{"text":"فإذا ثبت أن أحد الخبرين ليس من كلامه فلا إشكال، فإن الضعيف لا يُعَارَضُ به الثابت الصحيح.\nوأما إذا ثبت أن النبي ﷺ قالهما جميعًا: فإنه ينظر في نسخ أحدهما بالآخر إذا ثبت تأخر أحدهما. فإن لم نجد سبيلًا إلى نسخ أحدهما بالآخر، فإنه يتعين الجمع بينهما، وحينئذ لا يكون هناك تعارض في واقع الأمر، وإنما التعارض في فهم السامع.\nشرط وقوع التعارض:\nلابد للحكم على حديثين بالتعارض، وجعلهما من باب مختلف الحديث: أن يكون كل منهما مُحْتَجًّا به، أما إن كان أحدهما لا يُقْبَلُ بحال، فإنه لا يُعَارَضُ به القوي؛ إذ إنه - والحالة هذه - لا أَثَر له.\nوقد بين ابن القَيِّم - ﵀ - ذلك وأكده، فقال: \"لا يجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به\"١.\nوقال: \"ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا توجب سقوط الحكم بالصحيحة، والأحاديث الصحيحة يصدق بعضها بعضًا\"٢.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٣٢٤) .\n٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٤١) .","vol":"1","page":503},{"text":"ذِكْرُ بعض وجوه الترجيح التي استعملها ابن القَيِّم ﵀:\nفمن وجوه الترجيح التي استعملها عند التعارض، أو أشار إليها:\n١- أن يكون رواة أحد الخبرين من أهل الرجل - صاحب القصة - وخاصته، فإنهم أعلم به من غيرهم، فيقدم خبرهم.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في قصة توبة كعب بن مالك وانخلاعه من ماله، وقول النبي ﷺ له: \"أمسك عليك بعض مالك\" من غير تعيين لقدره، وما عارض ذلك من أنه عَيَّنَ له الثلث، قال مُقَدِّمًا رواية عدم التعيين:\n\"فإن الصحيح ... ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك، عنه ... وهم أعلمُ بالقصةِ من غيرهم؛ فإنهم وَلَدُهُ، وعنه نقلوها\"١.\nوقال في حديث جابر ﵁ في قصة الصلاة على شهداء أحد: \"وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله من الخبرة ما ليس لغيره\"٢.\n٢- أن يكون عمل الصحابة أو أكثرهم - ولاسيما الخلفاء\n_________\n١ زاد المعاد: (٣/٥٨٦ - ٥٨٧) .\n٢ تهذيب السنن: (٤/٢٩٦) .","vol":"1","page":504},{"text":"الراشدين - موافقًا لأحد الخبرين، فيقدم على ما لم يكن كذلك.\nقال أبو داود ﵀: \"إذا تنازع الخبران عن النبي ﷺ، ينظر بما أخذ به أصحابه\"١.\nقال ابن القَيِّم في ترجيحه أحاديث المزارعة على غيرها: \"الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ، فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وغيرهم من الصحابة بالمزارعة\"٢.\nوقال عند الكلام على أحاديث نقض الوضوء بمس الذَّكَر: \"لو قُدِّر تعارض الخبرين من كل وجه، لكان الترجيح لحديث النقض؛ لقول أكثر الصحابة به: منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان ﵃ ... \"٣.\nقال الحازمي - ﵀ - في وجه الترجيح بعمل الصحابة والخلفاء: \" ... فيكون إلى الصحة أقرب، والأخذ به أصوب\"٤.\n_________\n١ السنن: (٢/٤٢٨) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/٦٠) .\n٣ تهذيب السنن: (١/١٣٥) .\n٤ الاعتبار: (ص١٩) .","vol":"1","page":505},{"text":"٣- أن يكون أحد الخبرين جاء بالشك، والآخر مجزومًا به، فَتُقَدَّم روايةُ الجازم على رواية الشاكِّ.\nقال ابن القَيِّم في حديث تعريف اللُّقَطَة، وتقديم الرواية التي فيها التعريف سَنَة، على حديث أُبَيٍّ الذي فيه: أن التعريف ثلاث سنين: \"ووقع الشك في رواية حديث أُبَيِّ بن كعب أيضًا: هل ذلك في سنة أو في ثلاث سنين؟ وفي الأخرى: عامين أو ثلاثة؟ فلم يجزم، والجازم مَقَدَّمٌ\"١.\nوقال عند الكلام على رمي الجمرة، وقول ابن عباس ﵁: \"ما أدري أَرَمَاهَا رسول الله ﷺ بست أو بسبع؟: \"قد صح عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرة بسبع حصيات من رواية: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يُؤَثِّرُ في جَزْمِ الجازم\"٢.\n٤- تقديم ما أخرجاه في \"الصحيحين\" أو أحدهما على ما لم يُخَرَّجْ فيهما٣.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في قصة صلاة معاذ بقومه وتطويله عليهم:\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٢٦٨) .\n٢ تهذيب السنن: (٢/٤١٧ - ٤١٨) .\n٣ وقد ذكر العراقي ذلك من المرجحات، التقييد والإيضاح: (ص ٢٨٩) .","vol":"1","page":506},{"text":"\"الذي في الصحيحين: أنه قرأ سورة البقرة ... وقصة قراءته بـ (اقتربت) لم تُذْكَر في الصحيح، والذي في الصحيح أولى بالصحة منها\"١.\n٥- تقديم خبر الْمُثْبتِ على خبرِ النَّافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خَفِيَتْ على النافي.\nقال ابن القَيِّم في حديث جابر في الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، وما جاء في حديث أسامة بن زيد من قوله: \"أُقِيْمت الصلاة فصلَّى المغرب ... ثم أقَيِّمت العشاء فصلاها\" قال في حديث أسامة هذا: \" ... وسكت عن الأذان ... بل لو نفاه جملة، لَقُدِّمَ عليه حديث من أَثْبَتَهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ زيادة خفيت على النافي\"٢.\nوقال - ﵀ - في الأحاديث التي تثبت سجوده ﷺ في المفصل، والأحاديث التي تنفي ذلك: \"فلو تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة، لَتَعَيَّنَ تقديم حديث أبي هريرة؛ لأنه مثبتٌ معه زيادةُ علمٍ خفيت على ابن عباس\"٣.\n٦- أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والآخر لم\n_________\n١ الصلاة: (ص ١٩١ - ١٩٢) .\n٢ تهذيب السنن: (٢/٤٠٢) .\n٣ زاد المعاد: (١/٣٦٤) .","vol":"1","page":507},{"text":"تختلف، فَيُقَدَّمُ الذي لم يختلف على غيره١.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في ترجيح حديث بُسْرَة في نقض الوضوء بِمَسِّ الذَّكَر على حديث طَلْق في عدم النقض:\n\"أن طلقًا قد اختلفت الرواية عنه، فروي عنه: \"هل هو إلا بضعة منك؟ \" وروى أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعًا: \"من مسَّ فرجه فليتوضأ\"\" ٢\n٧- الترجيح بكثرة عدد الرواة لأحد الخبرين.\nقال الحازمي: \"وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر\"٣. وقال السيوطي: \"لأن احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل\"٤.\nوقد رَجَّحَ ابن القَيِّم - ﵀ - بالكثرة، فقال في أحاديث النقض بمس الذكر أيضًا: \"أن رواة النقض أكثر ... فإنه من رواية: بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وزيد بن خالد\"٥.\nوبعد، فهذه أبرز الْمُرَجِّحَات التي وقفتُ عليها في كلامِ ابن القَيِّم وأبحاثه في الترجيح بين الأخبار.\n_________\n١ وانظر: الاعتبار: (ص١٥) .\n٢ تهذيب السنن: (١/١٣٥) .\n٣ الاعتبار: (ص١١) .\n٤ تدريب الراوي: (٢/١٩٨) .\n٥ تهذيب السنن: (١/١٣٥) .","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث السابع عشر: معرفة من اختلط من الرواة الثقات</span>\nالْمُخْتَلِطِ:\nهو سيء الحفظ الذي يكون سوء الحفظ طارئًا عليه؛ لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عَدَمِها: بأن كان يعتمدها فَرَجَعَ إلى حفظه فساء١.\nوحقيقة الاختلاط:\n\"فساد العقل، وعدمُ انتظام الأقوالِ والأفعال: إما بِخِرَف أو ضرر، أو مرض، أوعرض: من موتِ ابن أو سرقة مالٍ كالمسعودي، أو ذهاب كتب: كابن لهيعة، أو احتراقها: كابن الملقن\". قاله السخاوي٢.\nحكم رواية الْمُخْتَلِطِ:\nالحكم في ذلك يكون باعتبار الرواة عن الْمُخْتَلِطِ:\n- فمن أخذ عنه قبل الاختلاط: قُبِلَ حديثه.\n- ومن أخذ عنه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره، فلم يُدْرَ أخذ عنه بعد الاختلاط أو قبله: لم يُقْبل حديثه.\n_________\n١ نزهة النظر: (ص٥١) .\n٢ فتح المغيث: (٣/٣٣١) .","vol":"1","page":509},{"text":"كذا قال غير واحد من أهل العلم١.\nولكن إذا تُوبِع الْمُخْتَلِطِ - فيما روي عنه بعد الاختلاط - أو فيما لم يتميز من حديثه - فَوُجِدَ لروايته أصلٌ من غير طريقه: بأن وَافَقَهُ ثقة، أو مَنْ يَصْلُحُ حديثه للاعتبار: قُبِلَتْ روايته٢.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أن الْمُخْتَلِطَ يُقْبَل حديثه إذا كان الراوي له أَخَذَ عنه قبل الاختلاط، فقال - في حديث لسعيد الجُريري من رواية يزيد بن هارون عنه - وقد أخذ عنه بعد الاختلاط -:\n\"إن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته ... وسماع حماد منه قديم\"٣. يعني: فيكون مقبولًا.\nوقال في حديث أبي هريرة مرفوعًا: \" من صَلَّى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه\" - وقد روى من طريق: ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة -:\n\"وهذا الحديث حسن؛ فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعُهُ منه قديمٌ قبل اختلاطِهِ، فلا يكون اختلاطه موجبًا لرد ما حَدَّثَ به قبل الاختلاط\"٤.\n_________\n١ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٩٥)، وتدريب الراوي: (٢/٣٧٢) .\n٢ انظر: نزهة النظر: (ص ٥١ - ٥٢) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/٤٢٦) .\n٤ زاد المعاد: (١/٥٠١) . وانظر: تهذيب السنن: (٤/٣٢٥) .","vol":"1","page":510},{"text":"وقال في حديث السِّعَاية - وقد روى من طريق سعيد بن أبي عروبة -:\n\"وسعيدٌ وإن كان قد اختلط في آخر عمره، فهذا الحديث من رواية: يزيد بن زريع، وعبدة، وإسماعيل، والجِلَّة عن سعيد، وهؤلاء أعلم بحديثه، ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه؛ ولهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم عنه\"١.\nفهكذا نجدُ ابن القَيِّم - ﵀ - يُقَرِّرُ ما ذهبَ إليه أئمة هذا الشأن: من قبول رواية الْمُخْتَلِطِ إذا كانت من رواية من أَخَذَ عنه قبل اختلاطه، ويؤكد أن ما وُجِدَ من ذلك في \"الصحيحين\" فإنه محمول على هذا٢.\nوأما إذا كانت رواية الْمُخْتَلِطِ لم تأت إلا من طريق من أخذ عنه بعد اختلاطه، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يرَ رَدَّ ذلك مطلقًا، ولا جعله عِلَّةً دائمًا، بل يرى أنه لابد من ضبطه بضابطٍ، فقال مرة في رواية يزيد بن هارون، عن سعيد الجريري، وقد روى عنه بعد الاختلاط: \"هذا إنما يكون علة إذا كان الراوي ممن لا يُمَيِّزُ حديث الشيخ صحيحه من سقِيمه. وأما يزيد بن هارون وأمثاله إذا رووا عن رجل قد وقع في حديثه بعض الاختلاط، فإنهم يميزون حديثه وينتقونه\"٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٣٩٩) .\n٢ وانظر: تدريب الراوي: (٢/٣٨٠) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/٤٢٦ - ٤٢٧) .","vol":"1","page":511},{"text":"وهذا الكلام منه - ﵀ - فيه إطلاق لابد من ضبطه وتقييده، فَيُقَالُ: يُقبل حديث من روى عن الْمُخْتَلِطِ في الاختلاط: إذا كان ممن يَنْتَقِي من حديثه، ويميزُ بين الصحيح والسقَيِّم، بتصريحه أو نحو ذلك، كما كان من حال وكيع بن الجراح مع سعيد بن أبي عروبة، فقد قال له يحيى بن معين: تُحَدِّثُ عن سعيد بن أبي عروبة، وإِنَّمَا سمعت منه في الاختلاط؟ قال: رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مُسْتَوٍ؟ ١. فهذا التصريح من وكيع - ﵀ - يدل على أنه ينتقي من حديثه، وأما من لم يصرِّح بذلك، ولم يأت عنه دليل آخر يفيد ذلك: فإن الأمر بالنسبة له محل توقف، والله أعلم.\n_________\n١ الكفاية: (ص ٢١٧) .","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفصل الثاني: آراء ابن القيم وإفاداته ومنهجه في الجرح والتعديل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الأول: آراء ابن القيم في الجرح والتعديل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة</span>.\n...\nالفصل الثاني: آراء ابن القَيِّم وإفاداته ومنهجه في الجرح والتعديل\nويتضمن هذا الفصل: عرضُ آراء ابن القَيِّم - ﵀ - وإفاداته في علم \"الجرح والتعديل\" وقواعده، ومقارنة ذلك بآراء الأئمة الآخرين المعنيين بهذا الفن.\nوقد وُجِدت هذه الآراء، وتلك الإفادات مبثوثةً في أثناء كتبه، وذلك عند بحثه ومعالجته للقضايا الحديثية، ونقده للأسانيد وحكمه عليها.\nفإنه - ﵀ - في أثناء تناوله لرجال الأسانيد، وكلامه فيهم جرحًا وتعديلًا، كان رُبَّمَا دَعَتْهُ الحاجة إلى ذكر قاعدة من قواعد الفن، وبيان رأيه فيها، وذلك: إما لتأييد حكمه على رجل، أو لرد تُهْمَةٍ ألصقت بآخر، أو لغير ذلك من الأغراض التي تبعث على الاستشهاد بقواعد هذا الفن.\nوالغَرَضُ من عرضِ ذلك: التعريفُ بمكانة ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب، ومدى تَمَكُّنِهِ منه، وإِلْمَامِهِ بقواعده، وكيفية تطبيقه لتلك القواعد في أثناء تعامله مع النصوص الحديثية، وحكمه على أسانيدها.\nومن أغراض ذلك أيضًا: تأكيد أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد بَنَى كلامه في الرجال - جرحًا وتعديلًا - على قواعد هذا الفن وأسسه، فلم يكن مجرد ناقل لكلام الأئمة في الرجال دون تمحيص ودراية، بل كان - ﵀ - على وعي تام، وإدراك كامل لمعاني كلامهم، ومدلولات ألفاظهم، والضوابط التي كانت تحكم كلامهم في الرجال جرحًا وتعديلًا.","vol":"1","page":515},{"text":"وقد جعلت الكلام في هذا الفصل من خلال مبحثين:\nالمبحث الأول: آراء ابن القَيِّم في الجرح والتعديل.\nالمبحث الثاني: منهجه في الجرح والتعديل.","vol":"1","page":516},{"text":"المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة\nأكثر علماء السَّلف على جواز الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، وذلك صونًا للأحاديث النبوية عن أن يُدْخَل فيها ما ليس منها، قال ابن أبي حاتم ﵀: \"ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله ﷿، وعن رسوله ﷺ بنقل الرواة، حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن النَّاقِلَةِ، والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية ... وأن يُعْزَل عنهم الذين جَرَحَهُم أهل العدالة، وكشفوا لنا عن عَوْرَاتِهِم ... \"١.\nوالأصل في ذلك: قوله ﷺ في الرجل الذي استأذن عليه: \"ائذنوا له فبئس رجل العشيرة\". قال الخطيب ﵀: \"ففي قول النبي ﷺ للرجل: بئس رجل العشيرة؛ دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل؛ ليس بغيبة\". قال: \"وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة، إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل؛ لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره ... \"٢.\nوكذلك حديث فاطمة بنت قيس لما استشارته في خطبة معاوية وأبي جهم لها، فقال لها ﷺ: \"أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه،\n_________\n١ مقدمة الجرح والتعديل: (ص٥) . وانظر مقدمة ابن الصلاح: (ص١٩٣) معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث.\n٢ الكفاية: (ص٨٣ - ٨٤) .","vol":"1","page":519},{"text":"وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحى أسامة بن زيد ... \" الحديث. قال الخطيب: \"في هذا الخبر دلالة على إجازة الجرح للضعفاء على جهة النصيحة؛ لتجنب الرواية عنهم، وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم ... \"١.\nوقال المعلمي اليماني: \"أول من تكلم في أحوال الرجال القرآن، ثم النبي ﷺ، ثم أصحابه\"٢.\nوقد عَبَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن مذهب الجمهور في ذلك، فقال - عند كلامه على الفوائد المستنبطة من قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك -: \"ومنها: جوازُ الطعْنِ في الرَّجُلِ - بما يَغْلُب على اجتهادِ الطاعن - حَمِيَّة٣، أو ذبًّا عن الله ورسوله، ومن هذا: طعنُ أهلِ الحديث فيمن طَعَنُوا فيه من الرواة، ومن هذا: طعنُ ورثةِ الأنبياء، وأهلِ السنة في أهل الأهواء والبدع، لله لا لحظوظهم وأغراضهم\"٤.\nويشير ابن القَيِّم - ﵀ - بذلك إلى قول رجل من بني سلمة في كعب بن مالك: \"يا رسول الله، حَبَسَه بُرْدَاهُ، ونظره في عطفه، وذلك حين قال النبي ﷺ في تبوك: \"ما فعل كعب؟ \" ٥.\n_________\n١ الكفاية: (ص٨٤ - ٨٥) .\n(٤) علم الرجال وأهميته: (ص١٨) .\n٣ الْحَمِيَّة: الأنفة. (المصباح المنير: ١/١٥٣) .\n٤ زاد المعاد: (٣/٥٧٥) .\n٥ صحيح البخاري: ك المغازي، باب حديث كعب بن مالك ...ح٤٤١٨. فتح الباري: (٨/١١٤) .","vol":"1","page":520},{"text":"وقد أكد الأئمة - ﵏ - جواز ذلك، وبيان الغرض الباعث عليه، وردوا على من منع ذلك وعابه، وهاك بعض أقوالهم في ذلك:\nقال الإمام الترمذي ﵀: \"وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال ... \". ثم ساق - ﵀ - جملة من هؤلاء الأئمة، وأقوالهم فيمن جرحوهم، ثم قال: \"وإنَّمَا حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - النصيحة للمسلمين، لا يُظَنُّ بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغِيبة، إنما أرادوا عندنا: أن يُبَيِّنُوا ضعف هؤلاء لكي يُعْرَفوا\". ثم ساقَ بإسناده إلى يحيى القطان ﵀، أنه قال: \"سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة: عن الرجل تكون فيه تهمة أو ضعف، أَسْكُتُ أو أُبَيِّن؟ قالوا: بَيِّنَ\"١.\nوقال الخطيب البغدادي: \"وقد أَنْكَرَ قومٌ لم يتبحروا في العلم قولَ الحفاظ من أئمتنا، وأولي المعرفة من أسلافنا: إن فلانًا الراوي ضعيف، وفلانًا غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام، ورأوا ذلك غيبةً لمن قيل فيه ... \"٢. قال: \"وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ لأن أهل العلم أجمعوا على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وفي ذلك دليل على جواز الجرح لمن لم يكن صدوقًا في روايته،\n_________\n١ علل الترمذي: انظر جامع الترمذي: (٥/٧٣٨ - ٧٣٩) .\n٢ الكفاية: (ص٨١) باب وجوب تعريف المزكِّي ما عنده من حال المسئول عنه.","vol":"1","page":521},{"text":"مع أن سنة رسول الله ﷺ قد وَرَدَتْ مُصَرِّحَةً بتصديق ما ذكرنا، وبضدِّ قول من خالفنا\"١.\nوالآثار عن أئمة السلف - ﵏ - في جواز ذلك - بل ووجوبه - كثيرة لا تُحْصَى٢.\nولقد أحسنَ ابن القَيِّم ﵀ بدقيق فهمه، وحسن استنباطه، حينما استدل بهذه القصة على جواز ذلك؛ إذ إن كلام الرجل في كعب ابن مالك بين يدي النبي ﷺ وبحضرته – ذَبًّا عن الله ورسوله وغَضَبًا لهما: لو كان ذلك من الغيبة المحرمة، لما سكتَ عنه رسول الله ﷺ، ولما أقرَّه، فدلَّ ذلك - أوضح دلالة - على جوازه لمصلحة شَرْعِيَّةٍ، ولا شك أن بيان حال نقلة السُّنن، وحملة الآثار من أعظم تلك المصالح.\nفالحاصل: أن ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - قد وافق أئمة الحديث والجَرْحِ والتعديل في هذه المسألة، وهي: جوازُ جَرْحِ الرواة، وكشف عيوبهم، وبيان ضعفهم، نصيحة لله ورسوله، وذَبًّا عن شريعة الإسلام.\n_________\n١ الكفاية: (ص٨٣) .\n٢ راجع للوقوف عليها: شرح علل الترمذي: (ص٧٦ - ٨١) .","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الثاني: هل يثبتُ الجَرْحُ والتَّعْدِيْلُ بقولِ الواحد</span>؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:\nأولها: أنه لا يقبل في جرح الرواة وتعديلهم أقل من اثنين، قياسًا على الشهادات.\nثانيها: أنه يكفي في الجرح والتعديل قول الواحد، في الرواية والشهادة على السواء.\nثالثها: التفريق في ذلك بين الرواية والشهادة: فيقبلُ في جرح الرواة وتعديلهم قول الواحد، ولا يقبل في الشهادة إلا اثنان١.\nوالرَّاجِح هو المذهب الثالث، نَقَلَهُ الخطيب عن كثير من أهل العلم، ثم قال: \"والذي نَسْتَحِبُّهُ: أن يكون من يُزَكِّي الْمُحَدِّثَ اثنين للاحتياط، فإن اقْتُصِرَ على تزكية واحد: أَجَزَأَ\"٢. وقال ابن الصلاح: \"وهو الصحيح الذي اختاره الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره ...؛ لأن العدد لم يُشْتَرَطْ في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات\"٣. ورجحه كذلك: العراقي٤، وابن حجر٥، والسخاوي٦.\n_________\n١ الكفاية: (ص ١٦٠-١٦١) . ومقدمة ابن الصلاح: (ص٥٢) .\n٢ الكفاية: (ص ١٦١) .\n٣ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٢) .\n٤ شرح الألفية: (١/٢٩٥) .\n٥ نزهة النظر مع النخبة: (ص٧٢) .\n٦ فتح المغيث (١/٢٩٠) .","vol":"1","page":523},{"text":"وقد اختار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة رأي الجمهور: وهو الاكتفاء بقول الواحد في الجرح والتعديل.\nقال مرة: \" ... فإن التعديل من باب الإخبار والحُكْم، لا من باب الشهاد ة، ولا سِيَّمَا التعديل في الرواية؛ فإنه يُكْتَفَى فيه بالواحد ولا يزيد عن أصل نصاب الرواية\"١.\nيعني: لَمَّا كان يُكْتَفَى في قبول الرواية بالواحد، فكذلك تعديلُ رَاوِيهَا وجرحُهُ لا يشترط له أكثر من واحد.\nفتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يوافق اختياره اختيار الجمهور في هذه المسألة، وهي: الاكتفاء في الجرح والتعديل بقول الواحد، وعدم اشتراط أكثر من ذلك فيهما.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٤٥٦ - ٤٥٧) .","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الثالث: بماذا تثبت العدالة</span>؟\nالصحيح المشهور: أن العدالة تثبتُ بأحد أمرين:\n١- فتارةً تثبت بتنصيص الْمُعَدِّلِين على عدالته، وقد تَقَدَّم أنه يُكتفى في ذلك بقول الواحدِ على الصحيح.\n٢- وتارة تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة، \"فمن اشتهرتْ عَدَالَتُهُ بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، اسْتُغْنِي فيه بذلك عن بَيِّنَةٍ شاهدة بعدالته تنصيصًا\"١. فمثل: مالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ويحيى القطان، وأحمد، وابن مهدي، والشافعي، ووكيع، \"ومن جَرَى مجراهم في: نباهة الذِّكْرِ، واستقامةِ الأمر، والاشتهارِ بالصِّدق والبصيرةِ والفهم، لا يُسْأَل عن عدالتهم، وإنما يُسْأَل عن عدالةِ من كان في عِدَاد المجهولين، أو أَشْكَلَ أَمْرُهُ على الطالبين\"٢.\nقال ابن الصلاح: \"وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث: أبو بكر الخطيب الحافظ\"٣.\nوأما ابن القَيِّم - ﵀-: فقد تَوَسَّعَ في إثبات العدالة،\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٠) .\n٢ الكفاية: (ص١٤٧) .\n٣ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٠) .","vol":"1","page":525},{"text":"فذهب إلى أنها تثبت لكل من عُرِفَ بحملِ العِلْمِ، والعناية به، واستدل على ذلك بقوله ﷺ: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين\" ١.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"فأخبر ﷺ أنَّ العلم الذي جاء به يحمله عُدُولُ أُمَّتِهِ من كلِّ خَلَفٍ، حتى لا يضيعَ ويذهب، وهذا يتضمن تعديله ﷺ لحملة العلم الذي بُعِثَ به ... فكل من حَمَل العلم المشار إليه، لا بد أن يكون عدلًا، ولهذا اشتهر عند الأمة عدالة نَقَلتِهِ وحَمَلَتِهِ، اشتهارًا لا يَقْبَلُ شَكًَّا ولا امتراء، ولا ريب أن من عَدَّلَهُ رسول الله ﷺ لا يُسمعُ فيه جَرْحٌ، فالأئمة الذين اشتهروا عند الأمة بنقل العلم النبوي وميراثه، كلهم عدول بتعديل رسول الله ﷺ، ولهذا لا يقبل قدح بعضهم في بعض، وهذا بخلاف من اشتهر عند الأمة جَرْحُه والقدحُ فيه: كأئمة البدعِ، ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين، فإنهم ليسو عند الأمة من حملة العلم، فما حَمَل علم رسول الله ﷺ إلا عدل\"٢.\nثم حَدَّدَ - ﵀ - مفهوم العدالة، فقال: \"ولكن قد يُغْلَط في مُسَمَّى العدالة، فَيُظَنُ أن المراد بالعدل: من لا ذنب له! وليس كذلك، بل هو عَدْلٌ مؤتمن على الدين، وإن كان منه ما يتوب إلى الله منه، فإن هذا لا يُنَافي العدالة، كما لا ينافي الإيمان والولاية\"٣.\n_________\n١ أخرجه ابن عبد البر في (التمهيد): (١/٥٩)، والخطيب في (شرف أصحاب الحديث) (ص٢٩)، من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، وسيأتي الكلام عليه بعد قليل.\n٢ مفتاح دار السعادة: (١/١٦٣) .\n٣ المصدر السابق.","vol":"1","page":526},{"text":"فقد تَضَمَّنَ كلام ابن القَيِّم هذا أمورًا:\n- أنَّ العدالة تثبت لكل من عُرِفَ بحمل العلم النبوي.\n- وأنَّ هذه العدالة ثابتةٌ لهذه الطائفة بشهادَتِهِ وخبره ﷺ.\n- وأنَّ هذه العدالةَ لا يُنَافِيهَا الوقوع في الذنوب الصغيرة التي يتوب العبد منها.\nوقد سبقَ ابنَ القَيِّم - ﵀ - إلى القول بذلك: ابنُ عبد البر، فقال: \"كل حامل علم، معروف العناية به، فهو عدل، محمول في أمره أبدًا على العدالة، حتى يتبين جرحه؛ لقوله ﷺ: \"يحملُ هذا العلم من كل خلف عُدُولُه\" ١\".\nوقد تُعُقِّبَ ابن عبد البر في ذلك، فقال ابن الصلاح: \"وفيما قاله اتساع غير مرضي\"٢.\nوبيان المآخذ على ما ذهب إليه ابن القَيِّم - وسبقه إليه ابن عبد البر - من وجوه:\nأولها: ضَعْفُ الحديث الذي بنوا عليه هذا القول، وهو حديث: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ... \". وقد روي مرسلًا ومسندًا٣.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٠) . وانظر التمهيد: (١/٥٨-٥٩) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٠) .\n٣ ينظر دراسة هذا الحديث والكلام عليه: فيما علقته على (البدر المنير): (١/٢١٤-٢١٩) .","vol":"1","page":527},{"text":"فقد ضَعَّفَ هذا الحديث: ابن القطان١، والحافظ ابن كثير٢، والعراقي٣وغيرهم.\nوصَحَّحَ الإمام أحمد الرواية المرسلة٤. وذهب جماعة إلى أن الحديث يقوى بمجموع طرقه، ويصل إلى درجة الحسن، قال ذلك: العلائي٥، والقسطلاني٦، والسخاوي٧، والقاسمي٨، وغيرهم.\nوقد مال ابن القَيِّم - ﵀ - إلى تقويته أيضًا، فقال: \"يُروى عنه من وجوهٍ شَدَّ بعضها بعضًا\"٩.\nثانيها: أنه على فرض ثبوت هذا الحديث، فإنه لا يصحُّ حَمْلُه على الخبر \"لوجودِ من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة ... فلم يبق له محمل إلا على الأمر، ومعناه: أنه أمرٌ للثقات بحملِ العلمِ؛ لأن العلم إنما يُقْبَلُ عن الثقات\"١٠.\nويؤيد ذلك: مجيئهُ من بعض الطرق بصيغة الأمر: \"ليحمل هذا العلم ... \" ١١.\n_________\n١ التقييد والإيضاح: (ص١٣٩) .\n٢ الباعث الحثيث: (ص٩٤) .\n٣ التقييد والإيضاح: (ص١٣٨) .\n٤ شرف أصحاب الحديث: (ص٢٩) .\n٥ بغية الملتمس: (ص٣٤) .\n٦ إرشاد الساري: (١/٤) .\n٧ الهداية في علم الرواية: (ق١٦/ب) .\n٨ قواعد التحديث: (ص٤٩) .\n٩ طريق الهجرتين: (ص٦١٩) .\n١٠ فتح المغيث: (١/٢٩٤- ٢٩٥) .\n١١ الجرح والتعديل: (١/١/١٧) .","vol":"1","page":528},{"text":"وَحَمَلَهُ بعضهم على إرادة الغالب، فقال السخاوي: \" ... بل لا مانع أيضًا من كونه خبرًا على ظاهره، ويُحْمَل على الغالب، والقصد: أنه مَظِنَّةٌ لذلك\"١.\nعلى أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀ - ومن قبله ابن عبد البر - قد أَيَّدَهُما فيه جماعة، منهم: ابن الْمَوَّاق، فقال كمقالة ابن عبد البر٢.\nوقال المزي: \"هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين\"٣.\nوقال ابن الجزري: \"ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب، وإن رَدَّهُ بعضهم\"٤.\nوقال ابن سيد الناس: \"لست أراه إلا مرضيًا\"٥.\nوقال النووي ﵀: \"وهذا إخبار منه ﷺ بصيانة العلم وحفظه، وعدالة ناقليه، وأن الله - تعالى - يُوَفِّقُ له في كلِّ عصرٍ خَلَفًَا من العدول يحملونه، وينفون عنه التحريف ... وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة. ولا يَضُرُّ - مع هذا - كون بعض الفُسَّاقِ يَعْرِفُ شيئًا من العلم؛ فإن الحديث إنما هو\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٢٩٥) .\n٢ التقييد ولإيضاح: (ص١٣٩) .\n٣ فتح المغيث: (١/٢٩٧) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ المصدر السابق.","vol":"1","page":529},{"text":"إخبار: بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرفُ شيئًا منه\"١.\nقال السخاوي - عقب مقالة النووي هذه -: \"على أنه يقال: ما يَعْرِفُهُ الفُسَّاقُ من العلم ليس بعلم حقيقة؛ لعدم عَمَلِهِم به ... وَصَرَّحَ به الشافعي في قوله:\nولا العلم إلا مع التُّقَى ... ولا العَقْلُ إلا مع الأَدَبِ\"٢\nوقال الحافظ الذهبي: \"إنه حق - ولا يدخلُ فيه المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم - فكلُّ من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروفٌ بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تَلْيِينًا، ولا اتَّفَقَ لهم علم بأن أحدًا وَثَّقَهُ: فهذا الذي عَنَاه الحُفَّاظ، وأنه يكونُ مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جَرْحٌ\"٣.\nفظهر بذلك أن ابن القَيِّم - ﵀ - له في قوله هذا مُؤَيِّدون، وأنه لم ينفرد بذلك، وأن هذا المذهب قَوَّاهُ جماعة لا يستهان بهم من أئمة هذا الشأن.\nوبنظرةٍ فاحصة إلى كلام هؤلاء الأئمة يتبين لنا: أنه لا منافاةَ بين حملِ هذا الحديث على الخبر على الحقيقة، وبين ما وَقَعَ من حَمْل بعض ساقطي العدالة لهذا العلم، وذلك إذا أخذنا في الاعتبار بعض الأمور، منها:\nأولًا: أن يُحْمَلَ هذا الخبر على الغالب، أي: غالبُ من يحمل هذا العلم، أو: أَنَّ من يَحْمِلُهُ تغلبُ عليه العدالة، قال السخاوي: \"والقصد:\n_________\n١ تهذيب الأسماء واللغات: (١/١٧) .\n٢ فتح المغيث: (١/٢٩٥) .\n٣ فتح المغيث: (١/٢٩٧) .","vol":"1","page":530},{"text":"أنه مظنة لذلك\"١.\nثانيًا: ما قَرَّرَه النووي - ﵀ - من أن: معرفة بعض الفُسَّاِق بهذا العلم، لا يتنافى مع إخباره ﷺ بحمل العدول إياه؛ فإنَّ معرفتهم بهذا العلم غيرُ داخلة في هذا الحمل. هذا على فرض صحة تسمية ما يحمله هؤلاء الفساق علمًا.\nفَتَلَخَّص من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من ثبوت العدالة لكل من عرف بحمل هذا العلم، والاشتغال به، قد يكون مقبولًا إذا حُمل على ما تقدم ذكره. ومع ذلك فإن ما ذهب إليه الجمهور، من أنه لابُدَّ - لإثبات العدالة - من التنصيص على ذلك، أو الاعتماد على الشهرة والاستفاضة: هو الأقرب إلى الاحتياط، ولذلك قال ابن أبي الدم٢ - في رَدِّهِ على ابن عبد البر-: \"وهو غير مرضي عندنا؛ لخروجه عن الاحتياط\"٣. والله أعلم.\nويلتحق بمسألة ثبوت العدالة مسألة أخرى وهي:\nإذا روى العدل عن رجل وَسَمَّاهُ، هل تُعْتَبُر روايتهُ عنه تعديلًا له؟\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٢٩٧) .\n٢ العلامة، شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم، الهمداني الحموي الشافعي. حَدَّث بالقاهرة وكثير من بلاد الشام، وولي قضاء حماة، وكان إمامًا في المذهب الشافعي، توفي سنة (٦٤٢هـ) .\nله ترجمة في سير أعلام النبلاء (٢٣/٢٥)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/١٢٤) .\n٣ فتح المغيث: (١/٢٩٦) .","vol":"1","page":531},{"text":"في المسألة ثلاثة أقوال١:\nالأول: أنه ليس بتعديل له؛ لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل، وهذا هو قول أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم، وصححه ابن الصلاح٢، وقال النووي: \"هو الصحيح\"٣.\nالثاني: أنه تعديل له مطلقًا، وهذا قول بعض أهل الحديث، وبعض أصحاب الشافعي. واحتجوا لهذا القول: بأن العدل لو كان يَعْلَم فيه جرحًا لَذَكَرَهُ. وَرَدَّهُ الخطيب، فقال: \"وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلا ولا خبرًا عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها. كيف وقد وُجِدَ جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أَمْسَكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وبفساد الآراء والمذاهب\"٤.\nثم ساق - ﵀ - أمثلة مما وقع فيه ذلك.\nالثالث: التفصيل؛ فإن كان ذلك العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدول، كانت روايته تعديلًا، وإلا فلا. وهذا المختار عند الأصوليين: كالسيف الآمدي، وابن الحاجب وغيرهما٥. قال السخاوي: \"بل وذهب إليه جمع من المحدثين، وإليه ميل الشيخين، وابن خزيمة في\n_________\n١ شرح الألفية: (١/٣٢٠-٣٢١) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٣) .\n٣ التقريب: (ص١٣) .\n٤ الكفاية: (ص ١٥٠-١٥١) .\n٥ شرح ألفية العراقي: (١/٣٢١-٣٢٢) .","vol":"1","page":532},{"text":"صحاحهم، والحاكم في مستدركه ... \"١.\nوقد اختار ابن القَيِّم - ﵀ - القول الثاني: وهو أن ذلك يكون تعديلًا له مطلقًا؛ فإنه قال:\n\" ... ورواية العدل عن غيره تعديل له، ما لم يعلم فيه جرح\"٢.\nوقال مرة في حديث رواه أبو إسحاق السبيعي، عن العالية في بيع العينة:\n\"وأما العالية: فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دَخَلَت على عائشة، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلمُ بها ... ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكَذِبُ لم يكن فاشيًا في التابعين فُشُوّه فيمن بعدهم\"٣.\nويدلُّ كلامه - ﵀ - في أكثر من مناسبة على اختياره هذا المذهب وقوله به، فمن أمثلة ذلك:\nأنه - ﵀ - استدل على ثقة \"سعد بن سعيد\"٤برواية جماعة من الأَجِلَّةِ عنه، فقال ﵀ - ردًا على من ضَعَّفَه -: \" ... لكنه ثقة صدوق ... روى عنه: شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وهؤلاء أئمة هذا الشأن\"٥.\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٣١٣) .\n٢ زاد المعاد: (٥/١٨١) .\n٣ تهذيب السنن: (٥/١٠٥) .\n٤ الأنصاري، صدوق سيئ الحفظ. التقريب: (٢٣١) .\n٥ تهذيب السنن: (٣/٣١١) .","vol":"1","page":533},{"text":"ومن أمثلة ذلك أيضًا: أنه رد تضعيف مغراء العبدي١ بقوله: \"قد روى عنه أبو إسحاق السبيعي على جلالته\"٢.\nفهذا هو اختيار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة، وقد تَقَدَّمَ ضعف هذا المذهب وعدمُ صحته، وذلك لأمور، منها:\n١- جوازُ أن يكون العدل لا يَعْرِفُ عَدَالة من روى عنه، فلا تكون روايته عنه تعديلًا له ولا خبرًا عن صدقه.\n٢- أن العدل قد يَرْوِي عَمَّن تكون حالُهُ غير مرضية - مع علمه بحاله - ومع ذلك يمسك عن ذكر ذلك وبيانه. أشار إلى هذين الوجهين الخطيب كما تقدم.\n٣- وأمر ثالث ذكره أبو بكر الصيرفي، وهو: أن الرواية تعريف - أي مطلق تعريف - تزول جهالة العين بها بشرطه. أما العدالة: فلا تثبت إلا بالخبرة، ومجرد الرواية عنه لا تدل على الخبرة٣.\nولكن: إذا كان العدل قد عُرِفَ بأنه لا يَرْوِي إلا عن ثقة عنده، فهل تكون روايته عَمَّنَ روى عنه تعديلًا له؟\nتقدم عند الكلام على المذهب الثالث في هذه المسألة: أن جماعة ذهبوا إليه من الأصوليين والمحدثين، قال الخطيب البغدادي: \"إذا قال\n_________\n١ الكوفي، أبو المخارق، مقبول. التقريب: (٥٤٢) .\n٢ الصلاة: (ص١١٩) .\n٣ فتح المغيث: (١/٣١٣) .","vol":"1","page":534},{"text":"العَالِمُ: كل من أروي عنه وأُسَمِّيه فهو عدلٌ رضًا مقبولُ الحديثِ، كان هذا القول تعديلًا منه لكل من روى عنه وسماه\"١.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل وصف بكونه ثقة عنده، كمالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، وطائفة ممن بعدهم\"٢.\nوابن القَيِّم - ﵀ - قد أخذ بهذا القول وأَعْمَلَه؛ فإنه قال في داود بن الحصين: \"وروى عنه مالك، وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده\"٣.\nوقد جاء عن الإمام مالك - ﵀ - ما يفيد ذلك، فقد سأله بشر بن عمر الزهراني عن رجل؟ فقال: \"رأيته في كتبي؟ \" قال: لا. قال: \"لو كان ثقة لرأيته في كتبي\"٤.\nولكن هل هذه القاعدة على عمومها في حق كل من قيل فيه إنه لا يروي إلا عن ثقة؟؟\nقال الحافظ الذهبي - ﵀ - عقب مقالة مالك هذه: \"فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عَمَّن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أنه يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه، وهو\n_________\n١ الكفاية: (ص١٥٤) .\n٢ لسان الميزان: (١/١٥) .\n٣ رسالة في الأحاديث الموضوعة: (ق٤٨/ ب)\n٤ مقدمة الجرح والتعديل: (ص٢٤)، وسير أعلام النبلاء: (٨/٧١-٧٢) .","vol":"1","page":535},{"text":"عنده ثقة، أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ، فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره، إلا أنه - بكل حال - كثير التَّحَرِّي في نقد الرجال\"١.\nولهذا قال السخاوي - ﵀ -: \"من كان لا يروي إلا عن ثقة - إلا في النادر -: الإمام أحمد ... ومالك، ويحيى القطان\"٢. فاحترز بقوله: \"إلا في النادر.\nفظهرَ من ذلك أن هذه القاعدة أغلبية، وليست كُلِّيَّة في حق من قيل ذلك في حقه، وإذا كان كذلك فلا يصحُّ الاعتماد عليها في الحكم بعدالة كل من روى عنه واحد من أولئك الأئمة.\nويتلخص من ذلك: أن القول الأول - وهو عدم اعتبار رواية العدل تعديلا لمن روى عنه - هو الصواب والأقرب للاحتياط، كما تقدم بيانه. وأن القول الثاني - وهو الذي اختاره ابن القَيِّم - غير صحيح، والأخذ به ينافي الاحتياط في الرواية. وأما القول الثالث: فهو تَوَسُّطٌ بين القولين، لكن يراعى تقييده وعدم إطلاقه، فيحمل على الغالب في حق من قيل فيه، ولذلك فإنه لا يعمل به بمجرده دون مراعاة أقوال الأئمة الآخرين في الرجل، وغير ذلك من الاعتبارات، كما هو واضح في كلام الذهبي المتقدم، والله أعلم.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: (٨/٧٢) .\n٢ فتح المغيث: (١/٣١٤) .","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الرابع: إذا خالف رأي أو الراوي أو فتواه روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايته</span>؟\n...\nالمطلب الرابع: إذا خالفَ رأي الراوي أو فتواه روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايَتِهِ؟\nوهذه المسألة لها تعلق بالمسألة التي سبقتها - وهي: هل رواية العدل عمن سماه تعديل له؟ - وكذلك هنا: هل فتوى العالم وفق حديث، أو عمله بمقتضاه يوجب تصحيحًا لهذا الحديث، وتعديلًا لرواتِهِ؟؟ وهل عمله أو فتواه على خلافه يوجب ضعفًا لروايته، وقدحًا في رواته؟؟\nوالذي يعنينا في هذا المقام هو مسألة: مخالفة فتوى الراوي أو عمله لروايته، هل يوجب ذلك ضعفَ روايته؟؟\nفقد تناول ابن القَيِّم هذه القضية في مناسبات عدة، واختار: أن ذلك غير قادح ولا مؤثر في صحة حديثه، وبالتالي في عدالة رواته.\nقال - ﵀ - في فتوى ابن عباس ﵄: ألا يصوم أحد عن أحد، مع أنه راوي حديث الصيام عن الميت١:\n\"فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته؛ فإن روايته معصومة، وفتواه غير معصومة\"٢.\nثم يذكر ابن القَيِّم بعض الأسباب التي قد تحمل الراوي على ترك العمل بروايته، فيقول:\n_________\n١ صحيح مسلم: (٢/٨٠٤) ح ١١٤٨، ك الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت.\n٢ الروح: (ص ١٨٤) .","vol":"1","page":537},{"text":"\"ويجوز أن يكون قد نسي الحديث، أو تَأَوَّلَه، أو اعتقد له معارضًا راجحًا في ظنه\"١.\nوفي حديث عائشة ﵂، في أن الْحُرَّةَ تَعْتَدُّ بثلاث حيض، وأنها خالفت ذلك، فقالت: \"الأَقْرَاء: الأطْهار\". فقد خالف رأيها روايتها، قال ابن القَيِّم ﵀: \"ليس هذا بأول حديث خالفه راويه، فَأُخِذَ بروايته دون رأيه\"٢.\nوقد ساق - ﵀ - في (إعلام الموقعين) ٣ ما يزيد على عشرين مثالًا لمخالفة رأي الراوي وفتواه لروايته، وقُدِّمَت في كل ذلك روايتُهُ على رَأْيِه.\nوما ذهب إليه ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة موافق لما ذهب إليه أئمة هذا الشأن:\nفقد قال الخطيب البغدادي: \"إذا روى رجل عن شيخ حديثًا يقتضي حُكمًا من الأحكام، فلم يعمل به، لم يكن ذلك جرحًا منه للشيخ؛ لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر:\n- لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس.\n_________\n١ الروح: (ص ١٨٤) .\n٢ زاد المعاد: (٥/٦١١-٦١٢) .\n(٣/ ٣٨-٣٩) .","vol":"1","page":538},{"text":"- أو لكونه منسوخًا عنده.\n- أو لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه، وإذا احتمل ذلك لم نجعله قدحًا في راويه\"١.\nوقال ابن الصلاح: \" ... وكذلك مخالفته للحديث، ليست قدحًا منه في صحته، ولا في راويه\"٢.\nوقد خالف في ذلك ابن رجب الحنبلي ﵀، فإنه قال في آخر كتابه (شرح علل الترمذي) ٣: \"قاعدة - في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه\". ثم قال: \"قد ضَعَّفَ الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا\". ثم ذكر أمثلة لذلك.\nوقد حَقَّقَ ابن القَيِّم - ﵀ - أن في ذلك عن الإمام أحمد روايتين، وذكر أن الراجح عنده في ذلك: الأخذ برواية الراوي دون رأيه، فقال ﵀: \"وأصل مذهبه، وقاعدته التي بنى عليها: أن الحديث إذا صحَّ لم يَرُدَّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأَمَةِ، فأخذ بروايته: أنه لا يكون طلاقًا، وترك رأيه\"٤.\n_________\n١ الكفاية: (ص ١٨٦) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٣) .\n(ص٥٢٩) .\n٤ إعلام الموقعين: (٣/٣٥) .","vol":"1","page":539},{"text":"وقال مرة: \"والمشهور عنه: أن العِبْرَة بما رواه الصحابي لا بقوله، إذا خالف الحديث ... \"١.\nفهذا ما يتعلق بالإمام أحمد ﵀، وأن عنه في ذلك روايتين، المشهور منهما ما وافق رأى الأكثرين، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀.\nوأما غيره من الحفاظ الذين قال عنهم ابن رجب إنهم \"أكثر الحفاظ\": فلم يتبين لي من هم؟ وأما الأحاديث التي ضَعَّفُوها، فإنهم - والله أعلم - لم يضعفوها لمجرد مخالفة راويها لها، بل قد يكونوا ضعفوها لكونها ضعيفة في نفسها، فإذا صح - مع ذلك - عن راويها العمل على خلافها، تَأَكَّدَ حينئذ ضعفها، أما أن تكون هذه الروايات صحيحة في نفسها، ثم يَرُدُّونها لمخالفة راويها لها، ويقدحون بذلك في صحتها: فلا.\nفَتَلَخَّص من ذلك: أن اختيار ابن القَيِّم - ﵀ – في هذه المسألة قد وافق اختيار الخطيب، وابن الصلاح، وابن كثير وغيرهم، وهو الصواب، والله أعلم.\n_________\n١ إغاثة اللهفان: (١/٢٩٣) .","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الخامس: هل يشترطُ ذكر سببِ الْجَرْح والتعديل</span>؟\nهل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل؟ وأنه لا بد أن يكون مُفَسَّرًا، أم أنهما يقبلان مُبْهَمين غير مفسرين؟ في المسألة مذاهب أربعة:\nالأول: يقبلُ التعديل من غير ذكر سببه، وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرًا مبين السبب. وهذا مذهب الجمهور من المحدثين وغيرهم.\n- أما عدم اشتراط التفسير في التعديل: فلأن أسباب التعديل كثيرة يصعب ذكرها؛ إذ لو طُلب إليه ذلك، للزمه أن يقول في حقِّ الْمُعَدَّل: \"يفعل كذا وكذا\"، فيعد ما يجب عليه فعله. \"وليس يفعل كذا ولا كذا\" فيعد ما يجب عليه تركه، وهذا لا شك فيه عُسْرٌ ومشقة. أما الجرح: فإنه يحصل بأمر واحد، فلا يشق في الغالب ذكره١.\n- وأما اشتراطه في الجرح: فلأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناءً على ما اعتقده جرحًا، وليس هو بجرح في نفس الأمر، فمطالبته إذن ببيان السبب مزيل لهذا المحذور؛ إذ بالنظر في السبب المذكور يُعْرَف ما إذا كان الجرح قادحًا أم لا٢.\nويؤيد ضرورة ذلك: أنه ربما اسْتُفْسِرَ الجارح عن سبب جرحه، فذكر ما لا يصلح جارحًا، فمن ذلك: أن شعبة قيل له: لم تركت حديث\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٠)، وشرح ألفية العراقي، له: (١/٣٠٠) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥١)، وفتح المغيث: (١/٢٩٩) .","vol":"1","page":541},{"text":"فلان؟ فقال: \"رَأَيْته يركضُ على بِرْذَوْن، فتركت حديثه\"١. ومنه: أن مسلم بن إبراهيم سألوه عن حديث الصالح المُرِّيِّ؟ فقال: \"ما يُصْنع بصالح، ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة، فامتخط حماد\"٢.\nإلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يُعَدُّ الجرح فيها قدحًا في الراوي٣.\nالثاني: عكس الأول، فيجب بيان سبب العدالة، ولا يجب بيان سبب الجرح، قالوا:\n- لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيسارع الناس إلى الثناء على الظاهر٤.\nالثالث: أنه لا بدَّ من ذكر أسباب الجرح والتعديل معًا، حكاه الخطيب والأصوليون. قالوا:\n- فكما يَجْرَحُ الجارح بما لا يقدح، فكذلك الْمُعَدِّل قد يُوَثِّقُ بما لا يقتضي العدالة٥؛ كما استدل أحمد بن يونس على عدالة عبد الله العُمَري وثقته بقوله:\"لو رأيتَ لحيته، وخضابه، وهيئته، لعرفت أنه ثقة\".\n_________\n١ الكفاية: (ص١٨٢) . والبرذون: الدابة، ويطلق على غير العربي من الخيل والبغال، عظيم الخلقة. والجمع: براذين، والأنثى برذونة. (لسان العرب: برذن، والمعجم الوسيط: برذن) .\n٢ الكفاية: (ص١٨٥) .\n٣ انظر (الكفاية): (ص١٨١-١٨٦) فقد عقد بابًا لذلك.\n٤ شرح ألفية العراقي: (١/٣٠٣)، وفتح المغيث: (١/٣٠١) .\n٥ فتح المغيث: (١/٣٠٢) .","vol":"1","page":542},{"text":"وهذا لا شك مما لا يعتمد عليه في إثبات العدالة، قال الخطيب: \"لأن حسن الهيئة مما يشترك فيه العدل والمجروح\"١.\nالرابع: عكس الثالث، فلا يجب ذكر السبب في واحد منهما، إذا كان الجارح والمعدل عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، بصيرًا مرضيًا في أفعاله واعتقاده٢.\nوالراجح من هذه الأقوال: هو القول الأول الذي ذهب إليه الجمهور، قال الخطيب البغدادي: \"هو الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونُقَّاده، مثل: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري ... \"٣. وقال ابن الصلاح: \"التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور\". قال: \"وأما الجرح فإنه لا يقبلُ إلا مفسرًا مبيَّنَ السبب ... وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقه وأصوله\"٤. وقال العراقي: \"هو الصحيح المشهور\"٥.\nوقد اختار ابن القَيِّم - ﵀ - مذهب الجمهور، وصرح به في عدة مواضع، فقال في \"عبد الحميد بن جعفر\":\n_________\n١ الكفاية: (ص١٦٥) .\n٢ شرح ألفية العراقي: (١/٣٠٤)، وتدريب الراوي: (١/٣٠٨) .\n٣ الكفاية: (ص١٧٩) .\n٤ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٠-٥١) .\n٥ شرح الألفية: (١/٣٠٠) .","vol":"1","page":543},{"text":"\"وثقَهُ يحيى بن معين في جميع الروايات عنه، ووثقه الإمام أحمد أيضًا، واحتج به مسلم في صحيحه، ولم يُحفَظ عن أحد من أئمة الجرح والتعديل تضعيفه بما يوجب سقوط روايته ... وحتى لو ثبت عن أحد منهم إطلاق الضعف عليه، لم يقدح ذلك في روايته ما لم يُبَيِّن سبب ضعفه، وحينئذ يُنظر فيه: هل هو قادحٌ أم لا؟ \"١.\nفابن القَيِّم - ﵀ - يؤكد هنا أن الجرح لا يقبلُ إلا مُفَسَّرًا، ويذكر تعليل ذلك: بأنه قد لا يكون جرحًا قادحًا مؤثرًا، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بذكر سببه وتفسيره.\nومثال آخر يقرر فيه ابن القَيِّم - ﵀ - هذا القول ويؤكده، فيقول في حق \"محمد بن عمرو بن عطاء\" - وقد نقل عن يحيى بن سعيد تضعيفه له -: \" ... تضعيف محمد بن عمرو بن عطاء: ففي غاية الفساد؛ فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة والثقة، وقد وَثقَه أئمة الحديث: كأحمد، ويحيى بن سعيد ... وتضعيف يحيى بن سعيد له - إن صحَّ عنه - فهو رواية، المشهور عنه خلافها، وحتى لو ثبت على تضعيفه فأقام عليه، ولم يبينْ سَبَبَهُ لم يُلْتَفت إليه، مع توثيق غيره من الأئمة له ... \"٢.\nويُبْرِزُ لنا ابن القَيِّم - ﵀ - ثمرة عدم قبول الجرح إلا\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٣٦٠) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٣٦٠) .","vol":"1","page":544},{"text":"مفسرًا وفائدته، وأن ذلك هو السبيل لمعرفة ما إذا كان الجرح قادحًا أم لا، فيقول في تضعيف شعبة \"للمنهال بن عمرو\" بسماعه صوت طنبور من بيته، أو أنه سمع صوت قراءة بالتطريب: \"ومعلوم أن شيئًا من هذا لا يقدح في روايته ... ولعله مُتَأوِّلٌ فيه ... وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره، ولا إِذنه، ولا عِلْمه. وبالجملة: فلا يُرَدُّ حديث الثقات بهذا وأمثاله\"١.\nوقال مرة: \"وهذا لا يوجب القدح في روايته، واطِّراح حديثه\"٢.\nولما ردَّ ابن حزم رواية \"أبي الطفيل، وأبي عبد الله الجدلي\" بأنهما كانا في جيش المختار٣، وأن الجدلي كان حامل رَايَتِه قال ابن القَيِّم - ﵀ - يرد عليه: \"فَرَدُّ رواية الصاحب، والتابع الثقة بذلك باطل\"٤.\nوقد وافقه الحافظ ابن حجر - ﵀ - على أن الجرح بمثل هذا ليس بقادح، فقال: \"ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله\"٥.\nفهذه الأمثلة وغيرها للجرح غير القادح تُوَضِّح لنا دقة مسلك\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/١٤٠) .\n٢ الروح: (ص٦٤) .\n٣ الذي أرسله إلى مكة ليمنع ابن الحنفية مما أراد به ابن الزبير. (تهذيب التهذيب ١٢/١٤٨) .\n٤ تهذيب السنن: (١/١١٧) .\n٥ تهذيب التهذيب: (١٢/١٤٩) .","vol":"1","page":545},{"text":"الجمهور في اشتراط تفسير الجرح، وبيان سببه.\nوإذا عرفنا رأيَ ابن القَيِّم - ﵀ - وطريقته في هذه المسألة، وأنه مع الجمهور في ضرورة تفسير الجرح، وأن التعديل يقبل على الإبهام، فإنه لا يفوتنا أن ننبه على أمر مهم، وهو:\nهل يُطْلب تفسير الجرح دائمًا، وفي كل راوٍ مُجَرَّح، أم أن هناك ضابطًا لهذا الأمر؟\nهذا ما أجاب عنه ابن القَيِّم - ﵀ - حين قال: \"وهذا إنما يُحْتَاج إليه - يعني طلب تفسير الجرح - عند الاختلاف في توثيق الرَّجُل وتضعيفه، وأما إذا اتَّفَق أئمة الحديث على تضعيف رجل، لم يُحْتَج إلى ذكر سبب ضعفه. هذا أولى ما يُقَال في مسألة التضعيف المطلق\"١.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ - مثل ذلك، إذ قال: \"فإنْ خلا المجروح عن التعديل: قُبِل الجرح فيه مُجْمَلًا غير مبين السبب، إذا صَدَرَ من عارف على المختار؛ لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حَيِّزِ المجهول، وإعمال قول الْمُجَرِّح أولى من إهماله\"٢. وقال مرة: \" ... فوجه قولهم: إن الجرح لا يقبل إلا مفسرًا: هو فيمن اخْتُلِفَ في توثيقه وتجريحه\"٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٣٦٠) .\n٢ نزهة النظر: (ص٧٣) .\n٣ لسان الميزان: (١/ ١٦) .","vol":"1","page":546},{"text":"وهذا الضابط الذي وَضَعَه ابن القَيِّم - ﵀ - لاشتراط تفسير الجرح، والتفصيل الذي فَصَّلَهُ، ووافقه عليه الحافظ ابن حجر ﵀، استحسنه غيرُ واحد، وعدَّه اللَّكنوي قولًا خامسًا في المسألة١، بعد أن قال: \" ... لكنه تحقيق مستحسن، وتدقيق حسن\"٢.\nفتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم قد وافق الجمهور على عدم قبول الجرح إلا مفسرًا، ثم أضاف إلى ذلك ضابطًا حسنًا، وتفصيلًا دقيقًا، في مسألة طلب تفسير الجرح، وهو: أنه يستغنى عن طلب التفسير في حالة الاتفاق على التضعيف، وهو نفسه الذي عبر عنه الحافظ ابن حجر \"بالخلوِّ من التوثيق\"، وقد جاء ذلك لبيان أن التفسير لا يشترط طلبُهُ على الإطلاق.\nوقد تضمن كلامه - ﵀ - الإشارة إلى حالة تعارض أقوال المعدلين والمجرحين في الراوي، فيطلب حينئذ تفسير الجرح للترجيح، وسيأتي الكلام على تعارض الجرح والتعديل في المطلب التالي.\n_________\n١ فقد مضى أن في مسألة اشتراط ذكر سبب الجرح والتعديل أربعة أقوال. (انظر ص ٥٤١) .\n٢ الرفع والتكميل: (ص١١٠) .","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المطلب السادس: في تعارض الجرح والتعديل</span>\nإذا تعارض الجرحُ والتعديل في راو، فَجَرَحَهُ جماعة، وعَدَّلَه آخرون، فللعلماء في ذلك أربعة أقوال:\nالأول: أن الجرح مُقَدَّم مطلقًا، سواء زاد عدد الْمُعَدِّلين على الْمُجَرِّحين، أو نقص عنه، أو استويا. هذا قول الجمهور كما قال الخطيب١، وقال ابن الصلاح: \"هو الصحيح\"٢.\nوذلك:\n- لأن مع الجارح زيادة علم لم يَطَّلِع عليها الْمُعَدِّل، فهو قد علم ما علمه المعدل من حاله الظاهرة، وزاد عليه علم ما لم يعلمه من اختبار أمره.\n- ولأن إخبار الْمُعَدِّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح فيما أخبر به، فوجب تقديم قول الجارح٣.\nالثاني: إذا كان عدد الْمُعَدِّلين أكثر، قُدِّم التعديل على الجرح. قالوا:\n- لأن كثرة المعدلين تُقَوِّي حالهم، وتوجب العمل بخبرهم. وقِلَّة الجارحين تضعف خبرهم.\n_________\n١ الكفاية: (ص ١٧٥- ١٧٧) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٢) .\n٣ الكفاية: (ص١٧٥) .","vol":"1","page":548},{"text":"قال الخطيب - بعد أن حكى هذا القول عن طائفة -: \"وهذا خطأ ... وبُعْدٌ ممن تَوَهَّمَهُ؛ لأن الْمُعَدِّلِين - وإن كثروا - ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون\"١.\nالثالث: يُقَدَّم الأحفظ. نقله السيوطي٢ عن البلقيني، وظاهره أنه إذا زاد المعدلون أيضًا.\nالرابع: أنهما يتعارضان فلا يُرَجَّح أحدهما على الآخر إلا بِمُرَجِّحٍ، نقله العراقي عن ابن الحاجب٣، وهذا أيضًا فيما إذا كان عدد المعدلين أكثر، قال السخاوي:\n\"ووجهه: أن مع الْمُعَدِّلِ زيادة قوة بالكثرة، ومع الجارح زيادة قوة بالإطلاع على الباطن\"٤.\nوالراجح هو مذهب الجمهور، كما تقدم في كلام الخطيب، وابن الصلاح، وقال السيوطي: \"هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين\"٥.\nولكن ينبغي عدم القول بتقديم الجرح على التعديل مطلقًا، بل لابد من تقييد ذلك: بكون الجرح مُفَسَّرًا مبينًا، من عارفٍ بأسبابه. وإلى هذا أشار الحافظ ابن حجر بقوله: \"والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة، ولكن مَحَله: إن صدر مَبَيَّنًا، من عارف بأسبابه\"٦.\n_________\n١ الكفاية: (ص ١٧٧) .\n٢ تدريب الراوي: (١/٣١٠) .\n٣ شرح الألفية: (١/٣١٣) .\n٤ فتح المغيث: (١/٣٠٨) .\n٥ تدريب الراوي: (١/٣٠٩) .\n٦ نزهة النظر مع النخبة: (ص٧٣) .","vol":"1","page":549},{"text":"وقال السخاوي: \"لكن ينبغي تقييد الحكم بتقديم الجرح بما إذا فُسِّرَ ... أما إذا تعارضا من غير تفسير: فالتعديل - يعني مقدم - كما قاله المزي وغيره\"١.\nوقال السيوطي: \"وإذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل: فالجرح مقدم، ولو زاد عدد المعدل\"٢.\nولم أقف لابن القَيِّم - ﵀ - على رأي صريح في هذه المسألة - مسألة تعارض الجرح والتعديل - إلا أن كلامه في المسألة السابقة - مسألة اشتراط تفسير الجرح - يمكن أن يعطينا تصورًا عن رأيه في هذا الموضوع.\nفقد قَرَّرَ ابن القَيِّم فيما مضى: أن الجرح لا ينبغي قبوله إلا مفسرًا، وأن تفسير الجرح إنما يطلب عند الاختلاف في الراوي، وتعارض أقوال المجرحين والمعدلين فيه؛ وذلك للنظر في الأسباب التي أبداها المجرح هل هي قادحة أم لا؟ ٣.\nوبهذا يلتقي قول ابن القَيِّم في هذه المسألة مع قول الجمهور القائلين بتقديم الجرح على التعديل عند التعارض، مع تقييد ذلك بكون الجرح مفسرًا، وأسبابه قادحة مؤثرة٤.\n_________\n١ فتح المغيث: (١/٣٠٧) .\n٢ تدريب الراوي: (١/٣٠٩) .\n٣ انظر كلام ابن القَيِّم المتقدم في ص: (٥٤٣- ٥٤٧) .\n٤ انظر ما تقدم في ص: (٥٤٨ - ٥٤٩) .","vol":"1","page":550},{"text":"على أن تقديم الجرح على التعديل، أو إعمال التعديل والإعراض عن الجرح، يكون محكومًا - في بعض الأحيان - ببعض الضوابط والأمور التي ينبغي أن تراعى عند التعرض لهذه المسألة.\nونستطيع - من خلال النظر في كلام ابن القَيِّم في الرجال، وتحليل بعض أقواله - أن نستخلص بعض هذه الضوابط وتلك الملاحظات، فمن ذلك:\nأولًا: أن أقوال الأئمة في الراوي قد تَرِدُ مقيدة، فيجب مراعاة تلك القيود عند التعارض.\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة في أكثر من مناسبة، وبَيَّنَ أن الرجل قد يحتج به فيما رواه عن شيخ، ويترك في شيخ آخر. أو يوثق في روايته عن أهل بلد، ويضعف - هو بعينه - فيما رواه عن أهل بلد آخر.\nونَبَّهَ - ﵀ - على ضرورة مراعاة ذلك في كلام الأئمة وحكمهم على الرواة، وأنه لا ينبغي في مثل ذلك معارضة أقوال بعضهم ببعض، بل يُعمل بكل قول باعتبار.\nقال ﵀ -: \"وهذه مسألة غير مسألة تعارض الجرح والتعديل، بل يظن قاصر العلم أنها هي، فيعارض قول من جَرَحَهُ بقول من عَدَّلَه، وإنما هي مسألة غيرها، وهي: الاحتجاج بالرجل فيما رواه عن بعض الشيوخ، وترك الاحتجاج به بعينه فيما رواه عن آخر\"١.\n_________\n١ الفروسية: (ص٤٤) .","vol":"1","page":551},{"text":"ومن الصور التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - لتلك المسألة:\n١- تضعيف حديث الراوي في بعض الشيوخ، وتوثيقه في غيرهم.\nوذلك أن الراوي يكون ثقة في نفسه، لكنه يُضَعَّف في روايته عن بعض الشيوخ دون بقية شيوخه.\nويبيِّن ابن القَيِّم - ﵀ - أن من الأسباب التي تجعل حديث الرجل ضعيفًا في شيخ بعينه: كونه غير معروف بالرواية عنه، وحفظ حديثه وإتقانه، وملازمته له١.\nومن الأمثلة التي وردت عند ابن القَيِّم لهذه الصورة:\nأ- سفيان بن حسين٢عن الزهري:\nقال ابن القَيِّم - ﵀ -: \"ثقة صدوق، وهو في الزهري ضعيف لا يحتج به؛ لأنه إنما لَقِيَه مرة بالموسم، ولم يكن له من الاعتناء بحديث الزهري، وصحبته، وملازمته له، ما لأصحاب الزهري الكبار: كمالك، والليث، ومعمر، وعقيل، ويونس، وشعيب\"٣.\n_________\n١ الفروسية: (ص٤٤) .\n٢ ابن حسن، أبو محمد أو أبو حسن، الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة /خت م ٤. التقريب: (ص٢٤٤) .\n٣ الفروسية: (ص٤٤) . وينظر حول ذلك: تهذيب التهذيب: (٤/١٠٧)، وهدي الساري: (ص٤٥٧)، وشرح علل الترمذي: (ص٤٥٥)، والثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم: (ص٣٦٤-٣٧٠) .","vol":"1","page":552},{"text":"ب- قبيصة بن عقبة١ عن سفيان الثوري:\nقال ابن القَيِّم - ﵀ -: \"ومثل هذا: تضعيف قبيصة في سفيان الثوري، واحْتُجَّ به في غيره، كما فَعَل أبو عبد الرحمن النسائي\"٢.\n٢- توثيق حديث الرجل في أهل بلد، وتضعيفه في غيرهم.\nومثال ذلك عند ابن القَيِّم:\n- إسماعيل بن عَيَّاش٣:\nقال ابن القَيِّم: \" ... وهذا كإسماعيل بن عياش، فإنه عند أئمة هذا الشأن حجة في الشاميين أهل بلده، وغير حجة فيما رواه عن الحجازيين والعراقيين، وغير أهل بلده\"٤.\nفالحاصل: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يقرر أنه إذا وجد في الرجل من أمثال هؤلاء جرح وتعديل، فإنه لا يُقَدَّمُ أحدهما على الآخر مطلقًا، بل تارة يقدم الجرح، وتارة يقدم التعديل، وذلك طبقًا للموازين التي مر ذكرها، والتي تضبط إطلاقات الأئمة في هذا الصدد.\n_________\n١ السوائي، أبو عامر الكوفي، صدوق ربما خالف، مات سنة ٢١٥ هـ- /ع. التقريب: (ص٤٥٣) .\n٢ الفروسية: (ص ٤٤) . وينظر حول ذلك: تهذيب التهذيب: (٨/٣٤٧)، وهدي الساري: (ص٤٣٦)، والثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم: (ص١٤١-١٤٩) .\n٣ الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم /ى ٤ التقريب: (ص١٠٩) .\n٤ الفروسية: (ص٤٤) . وانظر: شرح علل الترمذي: (ص٤٢٨) .","vol":"1","page":553},{"text":"ثانيًا: عدم معارضة أقوال أئمة الشأن الْمُعْتَبَرين بقول غيرهم.\nإذا تعارض قول جماعة من الأئمة المعتبرين، وقول واحد ممن دونهم في هذا الشأن، فإن الأخذ بقول هؤلاء الأئمة - مع علمهم وإمامتهم في هذا الشأن - أولى من الأخذ بقول من دونهم، وكذا من كان مُتَأَخِّرًا عنهم زمنًا.\nقال ابن القَيِّم ﵀ - رَدًّا على ابن حزم في تضعيفه عمرو بن شعيب -: \"وإذا تَعَارَضَ معنا في الاحتجاج برجل قولُ ابن حزم، وقول: البخاري، وأحمد، وابن المديني، والْحُمَيدي، وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم يُلْتَفَت إلى سواهم\"١.\nوقال مرة في ابن إسحاق - وقد نقل عن ابن عيينة قوله: ما سمعت أحدًا يتكلم في ابن إسحاق إلا في قوله في القدر -: \"ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بَعْدَهُم\"٢.\nفهكذا نجد ابن القَيِّم - ﵀ - يُقَرِّر: أن مَتَانَة الإمام الْمُتَكَلِّم في الرجل، ورسوخ قدمه، وطول باعه في الفَنِّ، مع مُعَاصَرَتِهِ للراوي - أو قرب عهده به - أَدْعى إلى تقديم قوله على قول غيره ممن ليس بهذه المثابة.\nثالثًا: مراعاة صحة سند القول المنسوب إلى أئمة الجرح والتعديل.\nقد يَرِدُ قول لا يصح سنده إلى الإمام المنسوب إليه، فلا يجوز\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٤٥٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٧/٩٥) .","vol":"1","page":554},{"text":"حينئذ اعتماد هذا القول قي الترجيح عند التعارض؛ لأنه - والحالة هذه - كعدمه.\nفمن ذلك: حكاية تكذيب محمد بن إسحاق، من رواية سليمان ابن داود، قال: قال لي يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كَذَّاب. قلت: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب بن خالد. فقلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس. فقلت لمالك بن أنس: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة. قلت لهشام بن عروة: وما يدريك؟ قال: حَدَّثَ عن امرأتي فاطمة ابنة المنذر، ودَخَلَتْ عليَّ وهي ابنة تسعِ سنين، وما رآها حَتَّى لَقِيَتْ الله.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ -: \"إن سليمان بن داود - رَاوِيها عن يحيى - هو: الشاذكوني، وقد اتُّهِم بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني\"١.\nوقد وافق الذهبيُّ ابنَ القَيِّم على تكذيب هذه الحكاية، فقال: \"معاذ الله أن يكون يحيى وهؤلاء بدا منهم هذا بناءً على أصل فاسدٍ واهٍ، ولكن هذه الخرافة من صَنْعَةِ سليمان، وهو الشاذكوني - لا صَبَّحَه الله بخير -؛ فإنه مع تَقَدُّمه في الحفظ مُتَّهَمٌ عندهم بالكذب، وانظر كيف سلسل الحكاية؟! \"٢.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ٩٧) .\n٢ سير أعلام النبلاء: (٧/٤٩) .","vol":"1","page":555},{"text":"فهكذا ينبهُ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أنه لا يُعْتَمَد على جرح لا يصح سنده، فَيُعَارَض به أقوال الأئمة الآخرين ممن وَثقَ الرَّجُلَ.\nوبعد، فهذه بعض الضوابط التي تيسر الوقوف عليها من كلام ابن القَيِّم - ﵀ - فيما يتعلق بمسألة تعارض الجرح والتعديل، والتي ينبغي التنبه لها عند الوقوف على أقوال متعارضة للأئمة في الرجل، والله أعلم.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المطلب السابع: في حكم رواية الْمُبْتَدِعِ</span>\nمناسبة الكلام على رواية المبتدع في مبحث الجرح والتعديل: أن \"البِدْعَةَ\" من أسباب الطَّعْنِ في الراوي وجرحه، وبالتالي رَدِّ حديثه بشروطه.\nوالبدعة إما أن تكون مُكَفِّرةً، أو غير مكفرةٍ.\nفالبدعة المكفرة١:\nالجمهور على عدم قبول رواية صاحبها، قال النووي: \"مَنْ كَفَر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق\"٢. وقال ابن كثير: \"المبتدع إن كفر ببدعته، فلا إشكال في ردِّ روايته\"٣.\nواختار الحافظ ابن حجر - ﵀ - التفصيل في ذلك، فقال: \"والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كل مُكَفَّرٍ ببدعته ... فالمعتمد: أن الذي تُرَدُّ روايته: من أَنْكَرَ أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضَبْطُه لما يرويه، مع وَرَعِهِ وتقواه: فلا مانع من قبوله\"٤.\n_________\n١ قال ابن حجر: \"لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في عليٍّ أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أو غير ذلك\".\nهدي الساري (ص ٣٨٥)، وانظر: فتح المغيث: (١/٣٣٢ - ٣٣٣) .\n٢ التقريب: (ص١٣) .\n٣ اختصار علوم الحديث: (ص٩٩) .\n٤ نزهة النظر: (ص٥٠) .","vol":"1","page":557},{"text":"وَسَبَقَهُ إلى هذا المعنى ابنُ دقيق العيد، فقال: \"والذي تَقَرَّرَ عندنا: أنه لا تُعْتَبَرُ المذاهب في الرواية؛ إذ لا نُكَفِّرُ أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة. فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية ... \"١.\nوأما البدعة غير الْمُكَفِّرة: فللعلماء في قبول رواية صاحبها أقوال:\nأولها: عدم قبولها مطلقًا:\nقالوا: لأن في الرواية عنه ترويجًا لأمره، وتنويهًا بذكره.\nوقد رَدَّ العلماء هذا القول، قال ابن الصلاح: \"بعيدٌ مباعد للشائع عن أئمة الحديث؛ فإن كُتُبَهُم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة ... \"٢. وقال ابن حجر: \"وهو بعيد\"٣.\nالثاني: تقبل مطلقًا ما لم يكن مُسْتَحِلًاّ للكذب لنصرةِ مذهبه.\nقالوا: لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه٤. وعزاه بعضهم للشافعي، لقوله: \"أقبلُ شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم\"٥.\n_________\n١ الاقتراح: (ص٣٣٣-٣٣٤) .\n٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٥) .\n٣ نزهة النظر: (ص٥٠) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٤) .","vol":"1","page":558},{"text":"الثالث: التفصيل، فتقبل رواية من لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل رواية الداعية.\nوهذا مذهب الأكثرين من العلماء، قال ابن الصلاح: \"وهذا المذهب الثالث أعدلها وأولاها\"١.\nوَفَصَّل ابن حجر - ﵀ - في غير الداعية أيضًا، فقال: \"الأكثر على قبول غير الداعية، إلا إنْ روى ما يقوِّي بدعته فَيُرَدُّ على المذهب المختار\"٢.\nوبالنظر إلى استبعاد الأئمة للمذهب الأول، فإنه يتحصل لدينا من مجموع المذهبين الباقيين أن رواية المبتدع تُقبل بشروط ثلاثة:\n١- أن يكون صاحبُها ممن لا يستحل الكذب لنصرة مذهبه، فيقبلُ أهلُ الصدق منهم.\n٢- أن يكون غير دَاعِيَةٍ إلى بدعته.\n٣- أن لا يروي ما يؤيد بدعته ويوافقها ويُقَوِّيها.\nوقد عرض ابن القَيِّم - ﵀ - لهذه القضية في مناسبات مختلفة، والذي يظهر من مجموع كلامه: هو القول بقبول رواية المبتدع بالشروط التي مر ذكرها.\nفمن كلامه - ﵀ - في قبول رواية أصحاب البدع غير المكفرة:\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٥) .\n٢ نزهة النظر: (ص٥١) .","vol":"1","page":559},{"text":"\"وقد رُمِي جماعة من الأئمة الْمُحْتَجِّ بروايتهم بالقدر: كابن أبي عروبة، وابن أبي ذئب، وغيرهما. وبالإرجاء: كَطَلْق بن حبيب وغيره، وهذا أشهر من أن يذكر نظائره، وأئمة الحديث لا يردون حديث الثقة بمثل ذلك\"١.\nوقال مرة: \"رواية أهل البدع مقبولة، فكم في الصحيح من رواية الشيعة الغلاة، والقدرية، والخوارج، والمرجئة، وغيرهم ...؛ إذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب رد حديثهم\"٢.\nيعني: إذا لم يكن داعية، ولم يرو ما يؤيد بدعته؛ فإن ما خُرِّجَ في الصحيح من رواية هذا الضرب، محمول على هذا٣.\nومقصوده بالشيعة الغلاة: من كان من هؤلاء في زمان السلف، وهم يختلفون عمن وجد منهم في الأزمنة المتأخرة، قال الذهبي ﵀:\n\"فالشيعي الغالي في زمان السلف وَعُرْفِهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًا ﵁، وتَعَرَّض لِسَبِّهم.\nوالغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يُكَفِّرُ هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالٌّ مُعَثَّرٌ\"٤.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٣٦١) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/١٠١) .\n٣ انظر: هدي الساري: (ص٣٨٥) .\n٤ الميزان: (١/ ٦) .","vol":"1","page":560},{"text":"واعتبر - ﵀ - التشيع الغالي في عهد السلف من البدع الصغرى، وأنه لا يُتْرَكُ حديثهم. وأما الرَّفْضُ الكامل، والحطُّ على الشيخين فقد عَدَّه بدعةً كبرى، فلا يحتج بأصحابها ولا كرامة١.\nوقد جاء عن ابن القَيِّم - ﵀ - ما يؤكد عدم قبوله رواية المبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته، فإنه - ﵀ - قال عن الأجلح بن عبد الله - وكان شيعيًا -:\n\"وأما حديث الأجلح بن عبد الله بن أبي الهذيل، عن علي ﵁، أنه قال: \"ما أعرف أحدًا من هذه الأمة عَبَدَ الله بعد نَبِيِّهَا غَيْري، عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين\": فالأجلح وإن كان صدوقًا، فإنه شيعي، وهذا الحديث معلوم بطلانه بالضرورة؛ فإن عليًارضي الله عنه لم يعبد الله قبل جميع الصحابة سبع سنين\"٢.\nفتبين من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يتفق مع أكثر العلماء وجمهورهم في قبول رواية المبتدع بشروطها، كما دل عليه كلامه الذي نقلناه عنه.\n_________\n١ الميزان: (١/٥-٦) .\n٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٥٠٥) .","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الثامن: في ذكر فوائدَ متفرقة في الجرح والتعديل</span>\nالفائدة الأولى: في عدم جواز ذكر الجرح في الرجل، والسكوت عن التعديل.\nمن المعلوم أنه إذا كان الراوي فيه جرح وتعديل، فإنه لابد لمن يتعرض للكلام فيه - مُصَنِّفًا كان أم ناقلًا - أن يَذْكر كل ما قيل فيه جرحًا وتعديلًا، لا أن يذكر الجرح ويُعْرض عن التعديل، أو يذكر التعديل ويسكت عن الجرح.\nولا شك أن هذا الصنيع مذموم مِنْ فاعله؛ إذ يترتب عليه - في الحالة الأولى وهي: ذكر الجرح - ظن من لا معرفة له بهذا الشأن أن هذا الراوي مجمع على ضعفه، فيبني على ذلك حُكْمَهُ بِرَدِّ حديثه، وإسقاط روايته.\nولذلك فقد عاب الحافظ الذهبي - ﵀ - ابن الجوزي لسلوكه هذا المسلك في كتابه (الضعفاء)، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: \"وقد أورده - أيضًا - العلامة أبو الفرج بن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وَثَّقَه. وهذا من عيوب كتابه: يسرد الجرح، ويسكتُ عن التوثيق\"١.\nولما طَعَنَ الكوثري في \"أسد بن موسى\" بنقله كلام ابن حزم في جرحه، وسكوته عن نقل كلام من وَثَّقَهُ، كشف حاله العلامة المعلمي في (التنكيل) ٢. ثم قال: \"وقد أساء الأستاذ إلى نفسه جدًا؛ إذ يقتصر على\n_________\n١ الميزان: (١/١٦) . وانظر: تهذيب التهذيب: (١/١٠٢) .\n(١/٢٠٦) .","vol":"1","page":562},{"text":"كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال، ولكن! \".\nولقد بَيَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - رأيه في هذه القضية بوضوح، ونَبَّه على خطورة هذا المسلك، وذلك عند كلامه على حديث عبد الله ابن أنيس في كلام الله - ﷿ - بصوت، ومحاولة بعضهم إعلاله بضعف عبد الله بن محمد بن عقيل، والقاسم بن محمد، فقال ﵀: \"ولا التفاتَ إلى ما أعلَّه به بعض الجهمية ظلمًا منه وهضمًا للحق، حيث ذكَر كلام الْمُضَعِّفين لعبد الله بن محمد بن عقيل، والقاسم بن محمد، دون من وَثقَهُمَا وأثنى عليهما، فيوهم الغِرَّ١ أنهما مجمعٌ على ضَعْفِهِمَا لا يحتجُّ بحديثهما\"٢.\nالفائدة الثانية: في أن ثقة الراوي لا تعني صحة كل ما روى.\nإذا حَكَم الأئمة للراوي بأنه ثقة، فهل يعني ذلك بالضرورة صحة كل حديث رواه؟\nوهذا السؤال يدعونا إلى سؤال آخر، وهو: هل الراوي الذي حُكِمَ له بالثقة لا يجوز عليه الخطأ والوهم؟\nوهذان السؤالان مرتبطان تمام الارتباط، وسأحاول الجواب عنهما بشيء من البيان، وذلك من خلال تناول ابن القَيِّم - ﵀ - للمسألة.\n_________\n١ رجل غِرٌّ - بالكسر - وغَرِيرٌ: أي غيرُ مُجَرِّبٍ. (مختار الصحاح: ص٤٧١) .\n٢ مختصر الصواعق: (٢/ ٤٠٤) .","vol":"1","page":563},{"text":"فقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه القضية في أكثر من مناسبة، وأكد أن الثقة قد يغلط ويهم، وتقع العلل في حديثه، فقال ﵀: \" ... فإن الثِّقَةَ قد يغلط وَيَهِمُ، ويكون الحديثُ من حديثه معلولًا عِلَّة مؤثرة فيه، مانعة من صحته\"١.\nويؤكد - ﵀ - هذا المعنى في مناسبة أخرى، فيقولُ - عند الكلام على من وَهِمَ في تحريم متعة النساء، وقال: إنها حُرِّمَت عام حجة الوداع -: \"وهو وهم من بعض الرواة، سَافَرَ فيه وهمه من فتحِ مكة إلى حجة الوداعِ ... وَسَفَرُ الوهمِ من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة، كثيرًا ما يَعْرِضُ للحُفَّاظِ فمن دونهم\"٢.\nوقد تناول الحافظ الذهبي - ﵀ - هذه القضية أيضًا، فكان مما قال - في معرض رَدِّه على العقيلي لإدخاله عليّ بن المديني في كتاب (الضعفاء) -: \"وأنا أشتهي أن تُعَرِّفَني: من هو الثَّقَةُ الثَّبْتُ الذي ما غَلِطَ ولا انفرد بما لا يُتَابَعُ عليه، بل الثقةُ الحافظ إذا انفردَ بأحاديث كان أَرْفَعَ له، وأكمل لرُتْبَتِهِ، وأدلَّ على اعتنائه بعلم الأثر ... \"٣.\nوقال أيضًا: \" ... ولا مِنْ شرط الثقة: أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ\"٤.\n_________\n١ رسالة الموضوعات: (ق ٣٩/ أ) .\n٢ زاد المعاد: (٣/٤٥٩) .\n٣ الميزان: (٣/١٤٠) .\n٤ المصدر السابق: (٣/١٤١) .","vol":"1","page":564},{"text":"فإذا تَقَرَّر ذلك، فإنه لا ينبغي الحكم على كل حديث بالصحة بمجرد توثيق الأئمة لراويه، بل ينبغي مراعاة كون هذا الحديث مما لا علة له، ويكون خاليًا من الشذوذ والنكارة.\nويشيرُ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى الغلط الحاصل للبعض نتيجة لهذا التصور الخاطئ فيقول: \" ... أن يرى مثل هذا الرجل قد وُثِّقَ وشُهِدَ له بالصدق والعدالة، أو خُرِّجَ حديثه في الصحيح، فيجعلُ كلَّ ما رواه على شرط الصحيح. وهذا غلط ظاهر؛ فإنه إنما يكون على شرط الصحيح: إذا انتفت عنه العلة، والشكوك، والنكارة، وتوبع عليه ... \"١.\nثم يستدل - ﵀ - على أنَّ توثيق الراوي، وإخراجَ حديثه في الصحيح لا تناقض بينه وبين تخطئتِهِ أحيانًا، وإعلال حديثه، بقوله: \"فالبخاري يُوَثِّقُ جماعة، ويُعَلِّلُ هو بعينه بعضَ حديثهم، ويُضَعِّفُهُ، وكذلك غيره من الأئمة، ولا تنافي عندهم بين الأمرين، بل هذا عندهم من علم الحديث، وفقه علله، التي بها يُمَيِّزُهُ نُقَّاده وأطباؤه\"٢.\nويقول أيضًا - في الرد على من جَعَلَ كل راوٍ أخرج له مسلم واحتج به على شرطه في كل حديث يرويه -: \"فإن مسلمًا إذا احتج بثقة، لم يلزمه أن يصحح جميع ما رواه٣، ويكون كل ما رواه على شرطه؛ فإن الثقة قد يَغْلَطُ ويَهِمُ،\n_________\n١ الفروسية: (ص ٤٥) .\n٢ الفروسية: (ص ٥٢-٥٣) .\n٣ يعني الراوي.","vol":"1","page":565},{"text":"ويكون الحديث من حديثه معلولًا علة مؤثرة فيه، مانعة من صحته، فإذا احتج بحديث من حديثه غير معلول، لم يكن الحديث المعلول على شرطه\"١.\nفتبين بعد هذا العرض: أن الثقة جائز عليه الوهم والغلط، وما دام الأمر كذلك، فلا مانع من إعلال ما تَبَيَّنَ أنه أخطأَ فيه، ولا يُجْعَلُ هذا المعلول صحيحًا اعتمادًا على مجرد ثقة هذا الراوي، والله أعلم.\nالفائدة الثالثة: إذا أخطأ الراوي في حديث، فإن ذلك لا يُوجِبُ جَرْحًا لازمًا له.\nوهذه المسألة لها صلة بالتي مضت، وهي على العكس منها: هل تضعيف الحديث بكون الراوي أخطأ فيه يورثه جرحًا لازمًا له لا ينفك عنه، فَيُرَدُّ بذلك كل حديث رواه، حتى ولو كان صحيحًا سالمًا من الخطأ؟\nفقد تقرر فيما سبق: أن الثقة يغلط، وأن الحُكْمَ بثقتِهِ لا يمنعُ إعلال ما أخطأ فيه أو وهم، وكذلك الحال هنا: فإن إعلال حديث أخطأ فيه الثقة أو وهم، لا يجعله مجروحًا، ولا يجعل كل حديث له مردودًا.\nفكما أَنَّا في الحالة الأولى لم نعتبر ثقة الراوي فيما أخطأ فيه، فكذلك الأمر هنا: لا نعتبرُ خطأه مُؤَثِّرًا فيما أصاب فيه، ووافَقَ فيه غَيْرَهُ.\nوقد تناولَ ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة عند كلامِهِ على المسألة التي سبقتها، فَبَيَّنَ - ﵀ - أن ذلك يقعُ ممن لا نظر عنده،\n_________\n١ رسالة الموضوعات: (ق ٣٩/ أ) .","vol":"1","page":566},{"text":"وممن قصر ذوقه وفهمه عن ذوق وفهم أئمة العلل في نقدهم للمرويات، ثم بين غلط من يقع في ذلك، فقال: \"النوع الثاني من الغَلَطِ: أن يَرَى الرَّجُلَ قد تُكُلِّمَ في بعض حديثه، وضُعِّفَ في شيخ أو في حديث، فيجعل ذلك سببًا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجده، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظَّاهر وغيرهم\"١.\nوقال مرة: \"والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تُكُلِّمَ فيه بسبب حديث رواه، وضُعِّفَ من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بصحته\"٢.\nثم يُقَرِّرُ - ﵀ - الصواب في ذلك، فيقول: \"كون الرجل يخطئ في شيء، لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه\"٣.\nوقال أيضًا: \"وأئمة الحديث على التفصيل والنقد، واعتبار حديث الرجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات\"٤.\nولقد نبه الحافظ ابن حجر - ﵀ - على هذه القاعدة الجليلة النافعة، فقال:\n_________\n١ الفروسية: (ص٤٥) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/٣٢٦) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) .\n٤ الفروسية: (ص٤٥) .","vol":"1","page":567},{"text":"\"فإذا جُرِحَ الرجل بكونه أخطأ في حديث أو وهم أو تفرد، لا يكون ذلك جرحًا مُسْتَقَرًا، ولا يُرَدُّ به حديثه\"١.\nومن الأمثلة الظاهرة لإيضاح هذه القاعدة وبيانها عند ابن القَيِّم ﵀: كلامه عن \"عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي\" - وقد تُكُلِّم فيه من أجل حديث الشفعة - فقال ﵀: \"عبد الملك أجلُّ وأوثق من أن يُتَكَلَّمَ فيه، وكان يُسَمَّى \"الميزان\" لإتقانه وضبطه وحفظه، ولم يتكلمْ فيه أحدٌ قطُّ إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث - يعني حديث الشفعة - وهو كلام باطل.\nفإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث، كان ذلك دورًا باطلا؛ فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك، فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث ...؛ فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ، الذين لا مَطْمَحَ للطعن فيهم، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخَرَّجَ له عدة أحاديث ... \"٢.\nوثمة مثال آخر، وهو ما جاء عن ابن حبان - ﵀ - في تضعيف \"بهز بن حكيم\" بسبب روايته حديث \"إنا آخذوها وشطر إبله\"، وقوله: بأنه لولا هذا الحديث لأدخله في الثقات. فَرَدَّه ابن القَيِّم - ﵀ - بقوله: \"كلام ساقط جدًا؛ فإنه إذ لم يكن لضعفه سبب إلا روايته هذا الحديث، وهذا الحديث إنما رُدَّ لضعفه، كان هذا دورًا\n_________\n١ لسان الميزان: (١/ ١٧- ١٨) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/ ١٦٦ - ١٦٧) .","vol":"1","page":568},{"text":"باطلًا ... وهذا غير موجب للضعف بحال\"١.\nفالحاصل: أن خطأ الراوي في حديث، لا يقضي عليه بالضعف، ولا يُجعل في عداد المجروحين بسبب ذلك، وبخاصة إذا لم يكن هناك سبب لضعفه سوى روايته لهذا الحديث، والله أعلم.\nالفائدة الرابعة: لا يلزمُ من كون الراوي لم يُذْكَر في \"الصحيحين\" أن يكون مجروحًا.\nهل من لم يُخَرَّج عنه في \"الصحيحين\" يكون مجروحًا؟\nمن المعلوم المقرر: أن البخاريَّ ومسلمًا - رحمهما الله - لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما، وذلك باعترافهما وإقرارهما٢.\nوما دام الأمر كذلك، وأنه بقيت أحاديث صحيحة كثيرة خارج كتابيهما، فإنه - وتبعًا لذلك - قد بقي رواة كثيرون ثقات عدول لم يخرج عنهم في \"الصحيحين\".\nقال الحافظ الذهبي ﵀: \"ومن الثقات الذين لم يُخَرَّجْ لهم في \"الصحيحين\" خَلْقٌ، منهم: من صَحَّحَ لهم الترمذي وابن خزيمة ... \"٣.\nفإذا تقرر ذلك، فإنه لا يلزم من كون الراوي غير مخرج له في \"الصحيحين\"، أو أحدهما، أن يكون مجروحًا.\nوقد أكد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى، فقال في شأن\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/١٩٤) .\n٢ انظر مقدمة ابن الصلاح: (ص١٠) .\n٣ الموقظة: (ص ٨١) .","vol":"1","page":569},{"text":"\"يعقوب بن عتبة\" - وقد حاول بعضهم تضعيف حديث بكونه تفرد به، وأنه ليس ممن خرج له في الصحيحين -:\n\"هذا ليس بِعِلَّةٍ باتفاق المحدثين؛ فإن يعقوب بن عتبة لم يُضَعِّفْهُ أحد، وكم من ثقة قد احتجوا به وهو غير مخرج عنه في الصحيحين\"١.\nومثل هذا قول الذهبي - ﵀ - في ترجمة أشعث بن عبد الملك الحمراني من \"ميزانه\"٢: \"إنما أوردته لذكر ابن عدي له في \"كامله\"، ثم إنه ما ذَكَرَ في حقه شيئًا يدلُّ على تليينه بوجه، وما ذكره أحد في كتب الضعفاء أبدًا. نعم ما أخرجا له في \"الصحيحين\"، فكان ماذا؟ \".\nوهذا واضحٌ بَيِّن، والله تعالى أعلم.\nالفائدة الخامسة: في عدم الاعتماد في الرواية على الصالحين والزُّهَّاد.\nإنَّ الغالب على أمثال هؤلاء - ممن اشتهروا بالصلاح والزهد والعبادة - الغلط والوهم في الحديث. كما قال ابن رجب٣ ﵀.\nوقد نَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - على أنه لا ينبغي الاغترار بصلاح الرجل وتقواه وزهده، إن لم يكن معروفًا بحمل الحديث\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ٩٨) .\n(١/ ٢٦٧) .\n٣ شرح علل الترمذي: (ص٤٨٠) .","vol":"1","page":570},{"text":"وحفظه وإتقانه؛ إذ إن صلاحه وزهده لا يلزم منه أن يكون ثقة في الحديث، فقال: \" ... فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغَفَّلًا: ليس تَحَمُّلُ الحديث، وحفظُهُ، وروايته من شأنه\"١.\nوعقد الحافظ الخطيب - ﵀ - في \"كفايته\"٢ بابًا للتنبيه على ذلك، فقال: \"باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية، وإن عُرِفَ بالصلاح والعبادة\". ثم ذكر تحت هذا الباب جملة من الأخبار عن أهل العلم في التنبيه على ذلك، منها قول يحيى بن سعيد: \"ما رأيت الصالحين في شيء أشد فتنة منهم في الحديث\"٣.\nونقل ابن رجب عن أبي عبد الله بن منده قوله: \"إذا رأيت في حديث: حدثنا فلان الزاهد، فاغسل يدك منه\"٤.\nولكن، لا يعني ذلك أنَّ أهلَ الحديث وحُفَّاظَهُ وجهابذته ليسو من أهل الصلاح والعبادة، ولكن المقصود: من لم يكن من أهل الحفظِ والإتقانِ منهم.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥٤٠) .\n(ص ٢٤٧) .\n٣ الكفاية: (ص ٢٤٧) .\n٤ شرح علل الترمذي: (ص٤٨٠) .","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني: في بيان منهج ابن القيم في الجرح والتعديل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الأول: في مكانة ابن القيم ﵀ في نقد الرجال</span>\n...\nالمبحث الثاني: في بيان منهج ابن القَيِّم في الجرح والتعديل\nوالغرض من هذا المبحث: إبرازُ الناحية العملية التطبيقية في الجرح والتعديل عند ابن القَيِّم، مع بيان ما اتَّسَم به منهجه في هذا الباب، ودراسة بعض عباراته في الحكم على الرجال، مع محاولة عَرْضِ نماذج من الرجال الذين تكلم فيهم بجرح أو تعديل من سائر كتبه التي وقفت عليها ونظرت فيها.\nوقد رأيت أن يكون الكلام في هذا المبحث مشتملًا على عدة مطالب:\nالمطلب الأول: في مكانة ابن القَيِّم -﵀ - في نقد الرجال.\nالمطلب الثاني: في منهج ابن القَيِّم في نقد الرجال.\nالمطلب الثالث: بعض الأساليب التي استعملها ابن القَيِّم في الجرح والتعديل.\nالمطلب الرابع: في ذكر بعض الفوائد المتفرقة في الرجال.","vol":"1","page":573},{"text":"المطلب الأول: مكانةُ ابن القَيِّم في نقدِ الرِّجَال\nلقد خاضَ ابن القَيِّم - ﵀ - غمار هذا الفن بعد أن استقرت قواعده، وَدُوِّنَت أقوال الجهابذة النقاد في الرجال جرحًا وتعديلًا، فلم يبق أمام من جاء بعد: إلا النظر في أقوال المتقدمين، والاعتماد عليها في الحكم على الرواة.\nوبذلك بقيت جهود المتأخرين - ممن صَنَّفَ في الرجال - محصورة في: تهذيب هذه المؤلفات السابقة واختصارها، أو الجمع بينها، ونحو ذلك من فنون التصنيف وأغراضه المختلفة.\nولكن ذلك لا يمنع من القول: بأنه قد بَرَزَتْ - أيضًا - جهود لبعض الجهابذة النقاد، الذين كان لهم أثرٌ واضحٌ في تحرير وتنقيح الكثير من قواعد هذا الفن، ووضع كل راو في مرتبته اللائقة به، والترجيح بين الأقوال المختلفة في الراوي، إلى غير ذلك من الجهود الموفقة في هذا الباب. وكان على رأس هؤلاء الأئمة: الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى.\nوعلى الرغم من قيام هذه المحاولات العديدة في زمن ابن القَيِّم ﵀، إلا أنه لم يضع كتابًا في الرجال، وإنما جاءت أقواله وإفاداته منثورة في أثناء كتبه، عند كلامه على الأحاديث.\nولكن عدم وجود مُصَنَّفٍ لابن القَيِّم في هذا الباب لا يَنْفِي أن له فيه مشاركة فعالة، فقد كانت له شخصيته الواضحة المتميزة، وإسهاماته","vol":"1","page":574},{"text":"العديدة في الكلام على الرجال جرحًا وتعديلًا، بحيث لو جُمِعَت أقواله المنثورة في أثناء كتبه، لأعطت صورة حقيقية عن جهد ابن القَيِّم وإفاداته في هذا الباب، ولجاءت مرجعًا لا يُستهان به في هذا الفن.\nوالذي يَهُمُّنَا في هذا المقام: أن ابن القَيِّم - ﵀ - بالرغم من وجود هذا القدر الهائل من المؤلفات في الرجال، واطِّلاعه عليها، وإفادته منها، لم يكن مجرَّد ناقلٍ لأقوال غيره فحسب، وإنما كانت له شخصيته النقدية المتميزة، الأمر الذي أعطى لأحكامه النقدية قِيمة حقيقية، وفائدة لا يمكن إغفالها.\nوتتلخص أهمية أقوال ابن القَيِّم في الجرح والتعديل وأحكامه فيما يلي:\n١- اجتهاد ابن القَيِّم - ﵀ - في شأن بعض الرواة المختلف فيهم جرحًا وتعديلًا، بحيث أعطى لنا - بعد الدراسة والنظر - حُكْمًا في هؤلاء: إما بترجيح أحد الأقوال على غيره، أو بالجمع بين تلك الأقوال المتعارضة.\nفمن أمثلة ما قام فيه بالترجيح:\nما جاء في كلامه على \"زيد بن الحواري\"، فإنه نقل فيه اختلاف العلماء، ثم رجح جانب التعديل، فقال: \"وحسبه رواية شعبة عنه\"١.\nوقال عن \"سعد بن سعيد الأنصاري\" مرجحًا تعديله:\"ثقة\n_________\n١ حادي الأرواح: (ص٢٧٢) .","vol":"1","page":575},{"text":"صدوق روى له مسلم، وروى عنه: شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وسليمان ابن بلال. وهؤلاء أئمة هذا الشأن\"١.\nويرجح - ﵀ - جانب توثيق \"عمرو بن شعيب\"، فيقول عند كلامه على حديث سقوط الحضانة بالتزويج: \"وقد صَرَّح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو - يعني في الحديث المذكور -، فبطل قول من يقول: لعله محمد والد شعيب، فيكون الحديث مرسلًا. وقد صحَّ سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، فبطل قول من قال: إنه منقطع، وقد احتجَّ به البخاري خارج \"صحيحه\" ونصَّ على صحة حديثه، وقال: كان عبد الله بن الزبير الحميديُّ، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن عبد الله يحتجون بحديثه، فمن الناس بعدهم؟! \"٢.\nوقال عن عكرمة: \"فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه\"٣.\n٢- بيان ابن القَيِّم - ﵀ - مرتبة كثير من الرواة في عبارة موجزة جامعة، وقد يكون ذلك: بكلمة أو كلمتين أو أكثر، وذلك نتيجة دراسته لأقوال العلماء ونظره فيها، ثم الخروج بهذا الحكم المختصر الجامع.\nولاشكَّ أن لذلك فائدةً كبيرة، وبخاصة لمن يريد الحكم في الراوي\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣١١) .\n٢ زاد المعاد: (٥/ ٤٣٤) .\n٣ إغاثة اللهفان: (١/٢٩٦)، وسيأتي مزيد كلام على ذلك عند منهجه في الجرح والتعديل.","vol":"1","page":576},{"text":"خالصًا، دون الدخول إلى تلك الكتب المطولة، والبحث فيها.\nوهذه الأحكام المختصرة المعتصرة تُمَثِّل جانبًا كبيرًا من كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في الرجال، ومن أمثلة ذلك: قوله في الراوي: \"ثقة\"١، أو: \"ضعيف\"٢، أو: \"لا يحتج به\"٣. أو: \"متروك\"٤، إلى غير ذلك من الأحكام التي صاغها - ﵀ - بعد دراسة الرجل، مختصرًا بذلك تلك الأقوال المتعددة التي قيلت فيه.\n٣- اعتماد بعض الأئمة الحفاظ على أقوال ابن القَيِّم في الجرح والتعديل؛ كالحافظ ابن حجر ﵀، فقد نقل عنه في (لسان الميزان) ٥ في ترجمة \"العلاء بن إسماعيل العطار\"، حيث قال فيه: \"مجهول\". ونقل عنه أيضًا في: (تهذيب التهذيب) ٦، في ترجمة عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي، فقال: \"قال أبو عبد الله بن القَيِّم في كتاب \"فضل الصلاة على النبي ﷺ\": مجهول لا يعرف في غير هذا الحديث، ولم يذكره أحد من المتقدمين\".\nولا شك أن نقل مثل ابن حجر - مع سعة اطلاعه، وطول باعه في هذا الفن - عن ابن القَيِّم ﵀، لَيُعَدُّ دليلًا على القِيمة العلمية لإسهامات ابن القَيِّم وأقواله في نقد الرجال.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥١١) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٥٩)، (٣/٢١٧) .\n٣ زاد المعاد: (٢/٤١٧) .\n٤ زاد المعاد: (١/١٩٧)، تهذيب السنن: (١/٢٠٩) .\n(٤/١٨٢) .\n(٦/٢٠١) .","vol":"1","page":577},{"text":"٤- العبارات القوية والفريدة التي أطلقها ابن القَيِّم على بعض الرواة، ومنها ما لم يستعمله أحد - فيما أعلم - قبله. ولاشك أن هذه العبارات تمثل إضافات جديدة - لها قيمتها - إلى قاموس ألفاظ الجرح والتعديل١.\n٥- تعقبات ابن القَيِّم واستدراكاته على بعض الأئمة، والتنبيه على بعض الأوهام التي وقعت لبعضهم في الجرح والتعديل.\nفمن ذلك: أن ابن حزم - ﵀ - حكَم على مُطَرِّف بن مصعب - في سند حديث عند ابن ماجه - بالجهالة، فَتَعَقَّبَهُ ابن القَيِّم - ﵀ - قائلًا:\"ليس هو بمجهول، ولكنه ابن أخت مالك، روى عنه البخاري، وبشر بن موسى، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث ... وكأن أبا محمد بن حزم رأى في النسخة: مطرف بن مصعب فَجَهَّلَهُ، وإنما هو: مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار\"٢.\nومن ذلك أيضًا: أن الحاكم أبا عبد الله قال في عاصم بن كليب: \"لم يخرج حديثه في الصحيح\". فقال ابن القَيِّم ﵀: \"وليس كما قال، فقد احتج به مسلم، إلا أنه ليس في الحفظ كابن شهاب وأمثاله\"٣.\n_________\n١ وسيأتي التنبيه على بعض هذه الألفاظ عند دراسة عباراته في الجرح والتعديل. (انظر ص: ٥٩٣) .\n٢ زاد المعاد: (٢/١٣٢) .\n٣ تهذيب السنن: (١/٣٦٨) .","vol":"1","page":578},{"text":"ورد على ابن حزم تضعيفه \"الحارث بن أبي أسامة\" بقوله: \"فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي، ولا يلتفت لذلك\"١. والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.\nتلك أبرز الفوائد التي اشتمل عليها كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في الرجال، والتي يمكن أن تعطينا تصورًا عامًا عن أهمية ما جاء عن ابن القَيِّم - ﵀ - من كلام في نقد الرجال وبيان مراتبهم.\nوأخيرًا أستطيع القول: إن ابن القَيِّم - ﵀ - بهذه المشاركات الفعالة في الجرح والتعديل، يُعَدُّ واحدًا من نُقَّادِ هذا الفنِّ المعتبرين الذين لا ينبغي إغفال جهدهم في هذا المجال.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ١٨٧) .","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب الثاني: منهج ابن القَيِّم في نقد الرجال</span>\nتقدَّم أن كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في الحكم على الرواة لم يأت نتيجة عمل مخصص لهذا الغرض، بمعنى: أننا لم نجد كلام ابن القَيِّم على الرجال مجموعًا مفردًا في مُؤَلَّف، حتى نتمكن من الوقوف على منهجه وأسلوبه من خلال ذلك، وإنما وُجِدَت أقواله في الرجال منثورة في أثناء كتبه، في أماكن متفرقة ومناسبات شتى، وذلك تبعًا لظروف دراسة كل حديث والحكم عليه.\nومع ذلك، فإنه يمكننا أن نُحَدِّد المنهج العام الذي التزمه، والخصائص الْمُمَيِّزَة لعمله في هذا الباب، وذلك من خلال استعراض النقاط التالية:\nأولًا: لم يلتزم ابن القَيِّم - ﵀ - طريقة واحدة في الحكم على الراوي. فتارة ينقل أقوال العلماء في الرجل، وتارة يحكم عليه هو بنفسه، وذلك بكلمة أو كلمتين، أو أكثر، وذلك بحسب ظروف كل راو، وما يقتضيه المقام.\nثانيًا: قد يختلف حكم ابن القَيِّم - ﵀ - على الرجل الواحد من مكان لآخر ومن مناسبة لأخرى. وليس ذلك من التناقض، ولكن يحصل ذلك لاختلاف الظروف والمناسبات، فكل حكم من هذه الأحكام يكون خاضعًا لتلك الظروف التي صَدَرَ فيها.\nومن أمثلة ذلك: كلامه في الحجاج بن أرطاة، فبينما هو يضعفه","vol":"1","page":580},{"text":"في مواطن عدة١ - وذلك حيث ينفرد أو يخالف غيره - نجده يُقَوِّي أمره في مواطن أخرى، وذلك عندما يروي ما رواه الناس، ولا ينفرد بما يُنْكَرُ عليه.\nفقد قال ﵀ في حديث جابر ﵁: \"أن رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافًا واحدًا\": \"فيه الحجاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات\"٢.\nوقال - ﵀ - في الحديث نفسه في موضع آخر: \"وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه: سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، والخلق عنه. قال الثوري: وما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وعيب عليه التدليس، وقلَّ من سلم منه ... وقال أبو حاتم: إذا قال: حدثنا، فهو صادق لا نرتاب في صدقه وحفظه\"٣.\nفهكذا نجده يقبله في الشواهد والمتابعات، ويثني عليه، ويقوِّي حاله، ويضعفه حيث ينفرد ولا يُتَابَع.\nثالثًا: قد يلجأ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى الترجيح بين أقوال الأئمة عند التعارض. ويكون اختياره وترجيحه في الغالب مطابقًا لما يدعمه الدليل، وتؤيده قواعد الفن.\n_________\n١ انظر مثلًا: تحفة المودود: (ص ١٧٥-١٧٦) .، وزاد المعاد: (١/٥٠، ٤٣٨)، والفروسية: (ص٤٥) .\n٢ زاد المعاد: (٢/١١١) .\n٣ زاد المعاد: (٢/١٤٧) .","vol":"1","page":581},{"text":"ومن أمثلة ذلك: قوله في صالح مولى التوأمة: \"للحفاظ في صالح هذا ثلاثة أقوال، ثالثها أحسنها، وهو: أنه ثقةٌ في نفسه ولكنه تَغَيَّرَ بآخرته، فمن سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومن سمع منه أخيرًا ففي سماعه شيء. فمن سمع منه قديمًا: ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد، وأدركه مالك، والثوري بعد اختلاطه\"١.\nورجَّحَ جانبَ التعديل في عكرمة قائلًا: \"فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصَحَّحَ أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قَدْحِ من قَدَحَ فيه\"٢.\nورجَّح توثيق عمرو بن شعيب على تضعيفه، فقال: \"الجمهور يحتجون به ... واحتج به الأئمة كلهم في الديات\"٣. وقال مرة مؤكدًا هذا الاختيار: \"ونحن نحتج بعمرو بن شعيب\"٤.\nوكذا اختار توثيق محمد بن إسحاق، إمام المغازي، فقال: \"وثناء الأئمة على ابن إسحاق، وشهادتهم له بالإمامة، والحفظ، والصدق، أضعاف أضعاف القدح فيه\"٥.\nرابعًا: قد يلجأ ابن القَيِّم إلى الجمع بين الأقوال التي ظاهرها التعارض في الرجل المختلف فيه. بحيث يحمل كل قول منها على وجه\n_________\n١ جلاء الأفهام: (ص١٥) .\n٢ إغاثة اللهفان: (١/٢٩٦) .\n٣ تهذيب السنن: (٦/٣٧٤) .\n٤ زاد المعاد: (٥/ ٤٢٩) .\n٥ أحكام أهل الذمة: (١/٣٣٢) .","vol":"1","page":582},{"text":"يحتمله، فيخرج من هذه الأقوال بحكم يمثل \"قولًا وسطًا\" في هذا الراوي، فلا هو يضعف مطلقًا، ولا يُوَثَّقُ مطلقًا.\nفمن ذلك: قوله في عبد الله بن لهيعة: \"وحديثُ ابن لهيعة يُحْتَجُّ منه بما رواه عنه العبادلة: كعبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ\"١.\nويقول في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: \"ثقةٌ حافظٌ جليلٌ، ولم يزل الناس يحتجون بابن أبي ليلى على شيء ما في حفظه يُتَّقَى منه ما خَالَفَ فيه الأثبات، وما تفرد به عن الناس\"٢.\nفَبَيَّن - ﵀ - أنه يعتبر به إذا وافق غيره، ولم يأت بما ينكر عليه، وأنه يترك من حديثه ما خالف فيه أو انفرد عن الناس، فلا يكون حجة في ذلك.\nويقول في سفيان بن حسين: \"في الزهري: ضعيف\"٣.\nثم يُبَيِّن وجه الجمع بين قول من وَثقَهُ وقول من ضَعَّفَهُ، فيقول: \"ولا تنافي بين قول من ضعفه وقول من وثقه؛ لأن من وثقه جمع بين توثيقه في غير الزهري وتضعيفه فيه\"٤.\nفهكذا يبين - ﵀ - أن بعض الرواة لا يعارضُ تضعيفُهُم\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٢/٤٠٦-٤٠٧) .\n٢ زاد المعاد: (٥/١٥٠) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/ ٣٤٤) .\n٤ الفروسية: (ص٤٤) .","vol":"1","page":583},{"text":"توثيقَهُم؛ إذ كل منهما له وجه ومحمل، فإذا أخذ ذلك في الاعتبار أمكن الجمع بين الأقوال المتعارضة في الرجل، وهذا يحتاج إلى إحاطة كاملة ومعرفة تامة بمقاصد العلماء فيما يطلقونه من أقوال في الرواة ووجه كل قول منها، وبخاصة عند الاختلاف في الراوي، وقد مضى كلام ابن القَيِّم في التنبيه على ذلك.\nخامسًا: غالبًا ما يقوم ابن القَيِّم - ﵀ - بالدفاع عن الراوي الذي يرى أنه قد ضُعِّفَ تعنتًا، وأن من جرحه لم يأت بما يقدح فيه.\nفيجتهد - ﵀ - في الذَّبِّ عنه، وإثبات ثقته، وله في ذلك أسلوبه المتميز، وعباراته القوية التي تتسم بوضوح الْحُجَّة وقوةِ الدليل.\nفمن ذلك: قوله في الردِّ على من ضعف ابن إسحاق: \"إن ابن إسحاق بالموضع الذي جعله الله: من العلمِ والأمانة ... قال علي بن المديني: لم أجد له سوى حديثين منكرين. وهذا في غاية الثناء والمدح، إذ لم يجد له - على كثرة ما روى - إلا حديثين منكرين\"١. وقال أيضًا: \"ثقة لم يجرح بما يوجب ترك الاحتجاج به ... \"٢.\nوقال - ﵀ - في الدفاع عن المنهال بن عمرو - وقد حاول بعضهم جَرْحَهُ بسماع صوت طنبور من بيته -: \"وليس في شيء من هذا ما يقدح فيه\"٣. وقال مرة - بعد أن نقل توثيقه عن الأئمة -:\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ٩٤- ٩٥) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص٦) .\n٣ تهذيب السنن: (١/ ٩٢) .","vol":"1","page":584},{"text":"\"وبالجملة: فلا يرد حديث الثقات بهذا وأمثاله\"١.\nويقول مدافعًا عن عكرمة مولى ابن عباس: \"وإن قَدَحْتُم في عكرمة - ولعلكم فاعلون - جَاءَكُم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به - أنتم وأئمة الحديث - من روايته، وارتضاء البخاري إدخال حديثه في صحيحه\"٢. ويقول أيضًا: \"وطَعَنَ - يعني: بعضهم - في عكرمة، ولم يصنع شيئًا\"٣.\nويقول عن عبد الملك بن أبي سليمان - وقد ضعفوه بحديث الشفعة -: \"وتلك شكاة ظاهر عنه عارها\"٤.\nوقال عن إبراهيم بن طهمان - وقد ضعفه ابن حزم -: \"لله ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمد بن حزم، وهو من الحفاظ الأثبات الثقات ... \"٥.\nوكذلك نجده - ﵀ - عندما يُعَارَضُ الثقة بشخص ضعيف، فإنه يرد ذلك بشدة، مؤكدًا ضعف هذا المعارض، ومن أقواله في ذلك:\nقوله في عَطَّاف بن خالد - وقد خالف الثقات فزاد في الإسناد\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ١٤٠) .\n٢ زاد المعاد: (٥/ ٢٦٤) .\n٣ زاد المعاد: (٢/ ٤٣٤) .\n٤ زاد المعاد: (٢/ ١٤٦) . وهذه العبارة شطر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وتمامه:\nوعَيَّرَهَا الواشون أَنِّي أُحِبُّها ... وتلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عَنْكَ عارُها\nيقال: ظهر عني هذا العيب، إذا لم يعلق بي ونبا عني. (لسان العرب: ظهر) .\n٥ زاد المعاد: (٥/ ٧٠٨) .","vol":"1","page":585},{"text":"رجلًا -: \"فأما عطاف: فلم يرض أصحاب الصحيح إخراج حديثه، ولا هو ممن يُعَارض به الثقات الأثبات ... \"١.\nوقال في أبي شيخ الهنائي - وقد روى عن معاوية النهي عن أن يُقْرن بين الحج والعمرة -: \"وأبو شيخ: شيخ لا يحتج به، فضلًا عن أن يُقَدَّم على الثقات الحفاظ الأعلام ... \"٢.\nسادسًا: الشمول، والإحاطة، وغزارة المعلومات في عباراته التي يطلقها على الرواة. بحيث تشتمل عبارة واحدة - مثلًا - على معلومات متكاملة عن الراوي، وبذلك يكون لهذه العبارات أثر كبير في تجلية صورة الراوي وتوضيحها.\nفيقول - ﵀ - في إبراهيم بن طهمان: \"من الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمة الستة على إخراج حديثهم، واتفق أصحاب الصحيح - وفيهم الشيخان - على الاحتجاج بحديثه، وشهد له الأئمة بالثقة والصدق، ولم يحفظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش، ولا يُحْفَظُ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه، ولا تضعيفه به\"٣.\nفهذه الجملة - على وجازتها - قد أحاطت بأحوال الْمُتَرْجَم وبَيَّنت مرتبته، وأعطت صورة كاملة عنه، فهو:\n١- من الحفاظ الأثبات الثقات المشهود لهم بالثقة والصدق.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ٣٦٣) .\n٢ زاد المعاد: (٢/ ١٣٨) .\n٣ زاد المعاد: (٥/ ٧٠٨) .","vol":"1","page":586},{"text":"٢- أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.\n٣- احتج به الشيخان في (صحيحيهما) .\n٤- لم يُحْفظ عن أحد من الأئمة فيه خدش ولا قدح.\n٥- ولا ضَعَّفَ أحد من الأئمة حَديثًا رواه، ولا أعله به.\nومثل ذلك: قوله في \"بقية بن الوليد\": \"ثقة في نفسه، صدوقٌ حافظٌ، وإِنَّمَا نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرةِ روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صَرَّح بالسماع فهو حجة\"١.\nوقال في \"حميد بن صخر\": \"ضَعَّفَهُ النسائي، ويحيى بن معين. ووثقه آخرون. وأنكر عليه بعض حديثه. وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد\"٢.\nفقد أفادت هذه العبارة أن حميدًا هذا:\n_________\n١- اخْتُلِفَ فيه، فوثقه جماعة وضعفه آخرون.\n٢- وأنه أنكرت عليه أحاديث.\n٣- والخلاصة في أمره: أنه لا يحتج بما ينفرد به.\nوبعد، فهذا ما أمكنَ التنبيه عليه فيما يتعلق بالخطوط العامة للمنهج الذي سار عليه ابن القَيِّم - ﵀ - في نقد الرجال والحكم عليهم، ولعل ذلك يُسْهِم في تقديم صورة واقعية للناحية النقدية عند ابن القَيِّم، ويلقي الضوء على شخصيته المتميزة في هذا الجانب المهم من\n١ تهذيب السنن: (١/ ١٢٩) .\n٢ زاد المعاد: (١/ ٣٥٩) .","vol":"1","page":587},{"text":"مباحث علوم الحديث، والذي يمثل الأساس المتين للحكم على المرويات ونقدها وتمحيصها.\nوبعد هذا العرض العام لمنهجه - ﵀ - في ذلك، يمكن استخلاص أبرزِ السِّمَات والخصائص التي اتسمت بها شخصيته النقدية، وأقوالُهُ في الرجال، فمن ذلك:\n١- سعَةُ اطِّلاعه على أقوال الأئمة، وإلمامه بما قيل في الراوي، فنجده - مثلًا - يقول في \"حبيب بن أبي حبيب\": \"كَذَّاب وضَّاع باتفاق أهل الجرح والتعديل\"١. وقد يكون قصده بذلك جمهورهم وأكثرهم، ولكن هذا لا ينفي ما قدمنا.\nومثله ما تقدم من قوله في \"إبراهيم بن طهمان\": \"لم يُحْفَظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش\"٢.\n٢- كثرة مصادره في الرجال، فنجده - ﵀ - ينظرُ في الرجل الواحد عدة مصادر، فمن ذلك: أنه قال في رجل - وقد اختلف في اسمه -: \"وهكذا هو في: \"تاريخ البخاري\"، \"وكتاب ابن أبي حاتم\"، \"والثقات\" لابن حبان، \"وتهذيب الكمال\" لشيخنا أبي الحجاج المزي\"٣.\n٣- تَمَيُّزُ شخصيته - ﵀ - في نقد الرواة؛ فلم يكن مجرد ناقل لأحكام غيره، بل كان له أثر بارزٌ في تمحيص هذه الأقوال ونقدها، وقد مرت أمثلة لذلك.\n_________\n١ مختصر الصواعق: (٢/٣٩١) .\n٢ زاد المعاد: (٥/٧٠٨) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص١٢) .","vol":"1","page":588},{"text":"٤- مَعْرِفَتُهُ - ﵀ - بكثير من ضوابط الجرح والتعديل، وإعماله هذه الضوابط أثناء حكمه على الرواة، ومن هذه القواعد والضوابط:\nأ - أنَّ الْجَرْحَ غير القادح لا أثر له في رد الرواية.\nب - الوَهْمُ اليسير لا يؤثر على ثقة الراوي وإتقانه؛ إذ إن ذلك لا يسلم منه أحد.\nج - عدم قبول رواية الْمُبْتَدِع إذا روى ما ينصر بدعته.\nد - عدمُ قبول الجَرْحِ إلا مفسرًا، وبِخَاصة في الراوي الْمُخْتَلَفِ فيه.\nوقد تقدم الكلام على هذه الضوابط وذكر أمثلة لها في المبحث الماضي.\n٥- معرفته - ﵀ - بكثير من دقائق هذا الفن وأموره التي لا غنى عنها للناقد والْمُتَكَلِّمِ في الرجال، فمن ذلك:\nأ - معرفته بأوطان الرواة وبلدانهم، فيقول مثلًا: \"هذا إسناد شامي\"١.\nب - معرفته بطبقات الرواة، واستفادته من ذلك في أحكامه على الرجال، والأمن من الخلط بين المشتبهين، فمن ذلك: أن ابن الجوزي اشتبه عليه عبد الله بن وهب الإمام، بعبد الله بن وهب النسوي الوضاع، فَغَلَّطَهُ ابن القَيِّم - ﵀ - في ذلك، مستدلًا بأن الحديث من رواية:\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٦٩) .","vol":"1","page":589},{"text":"أصبغ بن الفرج، ومحمد بن عبد الله بن الحكم وغيرهما من أصحاب عبد الله بن وهب الإمام. وأما النسوي: فهو متأخر، فإنه من طبقة يحيى بن صاعد١.\nج - معرفته - ﵀ - بمراتب الرواة، ودرجاتهم في الحفظ، وَمَنِ الْمُقَدَّم منهم عند الاختلاف، فمن ذلك: قوله في أصحاب شعبة: \"وغندر أصحُّ الناس حديثًا في شعبة\"٢. ويقول في أصحاب قتادة: \"وهشام - يعني الدستوائي - وإن كان مقدمًا في أصحاب قتادة، فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه\"٣.\n_________\n١ انظر: تهذيب السنن: (٥/٢٥١-٢٥٢) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/٤٠٤) .","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الثالث: بعض الأساليب التي استعملها ابن القَيِّم في الجرح والتعديل</span>\nلم يقتصر ابن القَيِّم في حكمه على الرواة على مجرد التصريح بعبارات التوثيق والتضعيف، وإنما كانت له - إلى جانب ذلك - أساليب أخرى.\nويمكن إيجاز بعض تلك الأساليب فيما يلي:\n١- الاكتفاء بالإشارة إلى وجود الراوي - المراد جرحه أو تعديله - في الحديث أو الإسناد.\nقال في شعبة: \"ولكنه حديث فيه شعبة\"١. يريد بذلك مدحه وتوثيقه.\nوقال - ﵀ - في تضعيف الحجاج بن أرطأة: \"ولكن في إسناد حديث الترمذي: الحجاج بن أرطاة\"٢.\nوقال في حديث: \"رواه الترمذي، ولكن دَرَّاجًا أبا السمح بالطريق\"٣.\nوفي مثل ذلك يُعرف مراده ﵀ - من جرح أو تعديل - بالقرائن المحيطة بذلك الراوي.\nوهذه الطريقة استعملها ابنُ القَيِّم - ﵀ - في الجرح\n_________\n١ حادي الأرواح: (ص٢٧٤) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٢٨٧) .\n٣ حادي الأرواح: (ص ٢٧٠) . وقوله: \"بالطريق\" أي هو في إسناد هذا الحديث، ففيه إشارة لتضعيفه بهذا الراوي، مع كون الترمذي رواه.","vol":"1","page":591},{"text":"والتعديل على السواء، ولكن هناك بعض الأساليب ورد استعمال ابن القَيِّم لها في التعديل خاصة، فمن ذلك:\n٢- تكرار اسم الشخص، إشارة إلى ثقته وإمامته وإتقانه. فقد قال في شعبة: \"وشعبة هو شعبة\"١. وقال في حديث: \"فإذا رجحنا بالحفظ والإتقان، فشعبة شعبة\"٢. وقال عن الإمام مالك ﵀: \"ومالك مالك\"٣.\n٣- التعبير عن ثقة الراوي بإخراج الشيخين أو أحدهما له. وقد استعمل - ﵀ - هذا الأسلوب في مناسبات عدة، فمن ذلك قوله في عمرو بن أبي سلمة التنِّيسي: \"محتجٌّ به في الصحيحين\"٤. وقال في سليمان بن كثير: \"اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه\"٥.\n٤- التعبير عن ثقة الراوي برواية الأئمة المشهورين - أو أحدهم - عنه. فقد قال - ﵀ - في مَغْرَاء العبدي: \"روى عنه أبو إسحاق السبيعي على جلالته\"٦. وقال مرة في تقوية شأن حجاج بن أرطاة: \"وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أطارة، فقد روى عنه: سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، والخلق\"٧.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٤٠٧) .\n٢ إعلام الموقعين: (٢/ ٣٦٩) .\n٣ تهذيب السنن: (٢/٣٣٠) .\n٤ زاد المعاد: (٥/٢٨٣) .\n٥ الفروسية: (ص٥٢) .\n٦ الصلاة: (ص١١٩) .\n٧ زاد المعاد: (٢/١٤٧) .","vol":"1","page":592},{"text":"فهذه بعض الأساليب التي اعتمدها ابن القَيِّم - ﵀ - في التعبير عن جرح الرواة أو تعديلهم، وذلك إلى جانب من صرح فيهم بلفظ التوثيق أو التجريح.\nالتنبيه على بعض العبارات الخاصة بابن القَيِّم ﵀.\nويحسنُ في هذا المقام التنبيه على بعض العبارات التي استعملها ابن القَيِّم، مما يغلب على الظن أنها مما تميز - ﵀ - بها، وأنه لم يُسبق إليها.\nولاشك أن ذلك يُلْقِي المزيدَ من الضوء على أهمية كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في الرجال، ومدى ما له من جهد وإسهام بارز في هذا الفن المهم، فمن هذه العبارات:\n١- قوله: \"فلانٌ من الحُفَّاظ الثقاتِ الذين لم تُغْمَزْ قَنَاتُهُم\".\nوأصل الغمز: العصر باليد. والقناة: هي قناة الرمح، أي خشبته. ورمح غير مغموز القناة: إشارة إلى استقامته، ونفيٌ لاعوجاجه ولينه١.\nفقول ابن القَيِّم - ﵀ - عن الرواة \"لم تغمز قناتهم\": نفي لضعفهم ولينهم، وإثبات لثقتهم وقوتهم.\nفهي من عبارات التعديل عنده، فقد قالها - ﵀ - في رجل حاول البعض إعلال حديث بتفرده به، وهو: جعفر بن إياس٢، فقصد\n_________\n١ انظر: (لسان العرب): (ص ٣٢٩٦) مادة: غمز. \"والمغرب\": (٢/١١٢-١١٣) . مادة: غمز. (بتصرف) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٤٢٥) .","vol":"1","page":593},{"text":"ابن القَيِّم بعبارته: أن هذا الراوي على درجة من الثقة والتثبت لا يضر معها تفرده، وإنما يضر تفرد من كان مجروحًا، وليس هذا كذلك.\n٢- قوله: \"ما سَوَّى اللهُ ولا حُفَّاظُ دينه بين فلانٍ وفلانٍ\".\nقال ذلك في المقارنة بين راويين لبيان أن أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، فلا يمكن مقارنته بهذا الضعيف وتشبيهه به.\nفقد قال ابن حبان في شأن داود بن الحصين، وزيد بن جبير - وقد وقعا في حديث -: \"يجب تجنب رواية زيد وداود جميعًا\". فَرَدَّ ابن القَيِّم - ﵀ - ذلك بقوله: \"ما سَوَّى الله ولا حفاظُ دينه بين زيد ابن جبير وداود بن الحصين\". ثم أخذ في نقل أقوال الأئمة في توثيق داود ابن الحصين، ثم قال بعد ذلك: \"وأما زيد بن جبير: فقال البخاري وغيره: متروك ... \" وسرد أقوال الأئمة في تضعيفه١.\n٣- قوله: \"ارْتَقَى مِنْ حَدِّ الضَّعْفِ إلى حَدِّ التَّرْكِ\".\nوَصَفَ بذلك الجارودَ بن يزيد٢، وقد كَذَّبَه جماعة، وحكم آخرون بأنه متروك٣، وكانت كلمات بعضهم توحي بمجرد ضَعْفِه.\nوقد قال فيه ابن القَيِّم هذه الكلمة بمناسبة روايته حديثًا في عدم وقوع الطلاق إذا استثنى الْمُطَلِّق، فكأن ابن القَيِّم - ﵀ - أراد أن يؤكد بكلمته هذه: أن مجيئه بمثل هذه الطامات مما يعزز الحكم بكونه\n_________\n١ رسالة الموضوعات: (ق٤٨) .\n٢ إعلام الموقعين: (٤/٦٩) .\n٣ انظر: الميزان: (١/٣٨٤) .","vol":"1","page":594},{"text":"\"متروكًا\" لا يحل الاحتجاج به، وأن كلمة \"ضعيف\" قليلة في حقه.\nكما أن هذه العبارة من ابن القَيِّم - ﵀ - تحملُ نوعًا من السخرية والتهكم؛ إذ إن التَّرقي عادة يكون إلى الأحسن والأعلى.\n٤- قوله: \"لم يُسْفِرْ١ صباحُ صِدْقِهِ في الرواية\".\nقال هذه العبارة في عمر بن صبح٢ كناية عن كذبه، والتصاق هذا الوصف به، وإقامته على ذلك.\nوهذا من الأساليب البلاغية التي استعملها - ﵀ - في نقد الرواة، حيث لجأ إلى الطِّباق والتورية للتعبير عن جرح هذا الرجل.\n٥- قوله: \"كُسَيْرٌ عن عُوَيْرٍ\"٣.\nقالها في \"العرزمي عن الكلبي\"٤، وفي \"سليمان بن عيسى السجزي عن عبد الرحيم العمي\"٥.\nوهاتان الكلمتان مأخوذتان من مَثَلٍ عربيٍّ قديم، وهو قولهم: \"عُوَيْرٌ وكُسَيْرٌ، وكلٌّ غَيْرُ خَيْر\". وهو من الأمثال التي تُعَبِّرُ عن الخلة غير المحمودة، كما قال أبو عبيد البكري٦، ثم ذكر قصة هذا المثل ومناسبته.\n_________\n١ أسفر الصبح: أضاء. (مختار الصحاح: ص٣٠١) .\n٢ تهذيب السنن: (٦/ ٣٢٤) .\n٣ وهما تصغير: \"مكسور\"، و\"أعور\".\n٤ تهذيب السنن: (٥/ ٤٠٩) .\n٥ جلاء الأفهام: (ص ٢٣٧) .\n٦ فصل المقام في شرح كتاب الأمثال: (ص٣٧٨) .","vol":"1","page":595},{"text":"وقال الجوهري: \"يقال في الخصلتين المكروهتين: كُسَير وعوير، وكل غير خير\"١.\nوقد تَبَيَّن من صنيع ابن القَيِّم - ﵀ - استعمال هاتين الكلمتين للجرح الشديد، ولاسيما في حق من كان متهمًا بالكذب.\nوبعد، فهذا ما أمكنَ التنبيه عليه من ألفاظ الجرح والتعديل التي يغلب على الظن: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد انفرد بها، والله أعلم.\n_________\n١ انظر: لسان العرب: (ص ٣١٦٤) مادة: عور.","vol":"1","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المطلب الرابع: في ذكر بعض الفوائد الْمُتَفَرِّقَةِ في الكلام على الرواة</span>\nوقد رأيت أن أختمَ هذا الفصل ببعض الفوائد المتفرقة، مما يتعلق بكلامه - ﵀ - في ضبط بعض الأسماء الْمُشْكِلَة، أو تقييد بعض ما جاء من ذلك مُهْمَلًا، إلى غير ذلك من الفوائد الْمُهِمَّات في هذا الباب، فمن ذلك:\nالفائدة الأولى: في ذكر جماعة من الرواة ينسبون إلى أمهاتهم.\nوهذه الفائدة - وما سيأتي بعدها - ذكرها في كتابه \"بدائع الفوائد\"١ في بحث عارض.\nأما الذين نسبوا إلى أمهاتهم:\nأولًا: من الصحابة:\n١- بلال بن حمامة٢، وأبوه: رباح.\n٢- ابن أم مكتوم٣، وأبوه: عمرو.\n_________\n١ انظر: بدائع الفوائد: (٢/٢٢١-٢٢٢) .\n٢ أبو عبد الله، مولى أبي بكر، مؤذن رسول الله ﷺ. له ترجمة في: الاستيعاب: (١/١٤١)، سير أعلام النبلاء: (١/٣٤٧)، تهذيب التهذيب: (١/٥٠٢)، الإصابة: (١/١٦٥) .\n٣ عمرو - وقيل: عبد الله - بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة، القرشي، المؤذن. وكان ضريرًا.\nله ترجمة في: الإصابة: (٢/ ٣٠٨، ٣٥١)، وسير أعلام النبلاء: (١/٣٦٠) .","vol":"1","page":597},{"text":"٣- بشير بن الخصاصية١، وأبوه: معبد.\n٤- الحارث بن البرصاء٢، وأبوه: مالك.\n٥- خفاف بن ندية٣، وأبوه: عمير.\n٦- شرحبيل بن حسنة٤، وأبوه: عبد الله.\n٧- مالك بن نميلة٥، وأبوه: ثابت.\n٨ - معاذ ومعوذ ابنا عفراء٦، وأبوهما: الحارث.\n٩ - يعلى بن مُنَيَّة٧، وأبوه: أمية.\n_________\n١ له ترجمة في: الاستيعاب: (١/١٥٠)، الإصابة: (١/ ١٥٩)، تهذيب التهذيب: (١/٤٦٧) .\n٢ هو الحارث بن مالك بن قيس الليثي.\nله ترجمة في: الاستيعاب: (١/٢٩٥)، الإصابة: (١/٢٨٩)، تهذيب التهذيب: (٢/١٥٥) .\n٣ له ترجمة في: الاستيعاب: (١/ ٤٣٤)، الإصابة: (١/ ٤٥٢) .\n٤ هو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن عمرو بن كندة، حليف بني زهرة. وجزم غير واحد بأن \"حسنة\" أمه. وقيل: بل تبنته وليس بابن لها.\nله ترجمة في: الاستيعاب: (١/١٣٩)، الإصابة: (٢/١٤٣)، تهذيب التهذيب: (٤/٣٢٤) .\n٥ هو مالك بن ثابت المزني، حليف بني معاوية بن عوف بن مالك. يعد في الأنصار، قتل يوم أحد.\nله ترجمة في: الاستيعاب: (٣/ ٣٧٥)، الإصابة: (٣/٣٥٧) .\n٦ وأبوهما: الحارث بن رفاعة بن سواد.\nترجمة معاذ في: الاستيعاب: (٣/٣٦٣)، والإصابة: (٣/ ٤٢٨) . ومعوذ ترجمته في: الإصابة: (٣/ ٤٥٠) .\n٧ هو: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام الحنظلي، حليف قريش.\nله ترجمة في: الاستيعاب: (١/ ٦٦١)، الإصابة: (١/٦٦٨)، تهذيب التهذيب: (١١/٣٩٩) .","vol":"1","page":598},{"text":"١٠ - عبد الله بن بحينة١، وأبوه: مالك.\nثانيًا: من غير الصحابة، وهم:\n١١- إسماعيل بن علية٢، وأبوه: إبراهيم.\n١٢- منصور بن صفية٣، وأبوه: عبد الرحمن.\n١٣- محمد بن عائشة٤، وأبوه: حفص.\n١٤- إبراهيم بن هراسة٥، وأبوه: سلمة.\n١٥- محمد بن عثمة٦، وأبوه: خالد.\n_________\n١ هو: عبد الله بن مالك بن القشب، أبو محمد الأزدي.\nله ترجمة في: الإصابة: (١/٣٦٤)، تهذيب التهذيب: (٥/٣٨١) .\n٢ هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم.\nله ترجمة في: سير أعلام النبلاء: (٩/١٠٧)، الميزان: (١/٢١٦)، تهذيب التهذيب: (١/٢٧٥-٢٧٩) .\n٣ هو: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث القرشي العبدري. وأمه: صفية بنت شيبة.\nله ترجمة في: ثقات ابن حبان: (٧/ ٤٧٦)، تهذيب التهذيب: (١٠/٣١٠) .\n٤ له ترجمة في: الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٣٦)، ثقات ابن حبان (٩/٦٢) .\n٥ أبو إسحاق الشيباني الكوفي. له ترجمة في: الجرح والتعديل: (١/١/١٤٣)، الضعفاء الصغير للبخاري: (ص٣٠)، الضعفاء المتروكين - للنسائي: (ص١٣)، الميزان: (١/٧٢) .\n٦ الحنفي البصري. له ترجمة في: الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٤٣)، تهذيب التهذيب: (٩/١٤٢) .","vol":"1","page":599},{"text":"الفائدة الثانية: في تقييد بعض الأسماء المهملة، ممن يشتركون في الاسم.\nوفائدة معرفة ذلك: الأمن من الوقوع في الاشتباه، خاصة إذا كانوا ممن يروون عن شيخ واحد.\nوممن ذكرهم ابن القَيِّم - ﵀ - من هذا الصنف١:\n١- جماعة يروون عن أبي هريرة ممن يسمون بـ\"عطاء\":\n* عطاء، عن أبي هريرة: \"في كل صلاة قراءة\".\n* وعطاء، عنه مرفوعًا: \"لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن\". فذكر الخلفاء الأربعة.\n* وعطاء، عنه مرفوعًا: \"إذا أُقِيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة\".\n* وعطاء، عنه: \" أن النبي ﷺ سجد في: اقرأ باسم ربك\".\n* وعطاء، عنه مرفوعًا: \"إذا مضى ثلث الليل، يقول الله تعالى: ألا داع ... \".\nقال ﵀:\nفالأول: ابن أبي رباح٢.\nوالثاني: الخراساني٣.\n_________\n١ انظر: بدائع الفوائد: (٣/٢٢٢) .\n٢ انظر ترجمته في: الجرح والتعديل: (٣/١/٣٣٠)، ثقات ابن حبان: (٥/١٩٨)، الميزان: (٣/٧٠)، تهذيب التهذيب: (٧/١٩٩) .\n٣ وهو عطاء بن أبي مسلم الخراساني، نزيل الشام.\nله ترجمة في: الجرح والتعديل: (٣/١/٣٣٤)، المجروحين: (٢/ ١٣٠)، الميزان: (٣/٧٣)، تهذيب التهذيب: (٧/٢١٢) .","vol":"1","page":600},{"text":"والثالث: ابن يسار١.\nوالرابع: ابن ميناء٢.\nوالخامس: مولى أم صبية٣.\n٢- عدة نساء يروين عن عائشة ممن يسمين: \"عَمْرَة\"٤:\nعمرة: أنها دخلت مع أمها على عائشة، فسألتها: ما سمعتِ رسول الله ﷺ يقول في الفرار من الطاعون؟ قالت: سمعته يقول: \"كالفرار من الزحف\".\nوعمرة قالت: خرجتُ مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة، ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حجره، فكانت أول قطرة قطرت على هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٣٧] . قالت عمرة: فما مات منهم رجل سَوِيًّا.\n_________\n١ الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ. انظر ترجمته في: جزء من اسمه عطاء - للطبراني: (ص١٢)، الجرح والتعديل: (٣/١/٣٣٨)، سير أعلام النبلاء: (٤/٤٤٨)، تهذيب التهذيب: (٧/٢١٧) .\n٢ المدني، وقيل: البصري، الدوسي، أبو معاذ.\nله ترجمته في: الجرح والتعديل: (٣/١/٣٣٦)، ثقات ابن حبان: (٥/ ٢٠٠)، تهذيب التهذيب: (٧/٢١٦) .\n٣ المدني، الجهني.\nله ترجمته في: الجرح والتعديل: (٣/١/٣٣٩)، ثقات ابن حبان: (٥/٢٠٢)، الميزان: (٣/٧٨)، تهذيب التهذيب: (٧/٢٢١) .\n٤ انظر: بدائع الفوائد: (٣/٢٢٢) .","vol":"1","page":601},{"text":"وعمرة عن عائشة: \"سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الوصال\".\nقال ﵀: الأولى: بنت عبد الرحمن١.\nالثانية: بنت قيس العدوية٢.\nالثالثة: بنت أرطأة٣.\nالرابعة: يقال لها: الصحاحية٤.\n٣- ذكر جماعة رووا عن ثابت، عن أنس ممن يسمون بـ\"حماد\"٥.\nحماد، عن ثابت، عن أنس: \"سمع النبي ﷺ في النخل صوتًا ... \" الحديث.\nحماد، عن ثابت، عن أنس: \"رأى رسول الله ﷺ على عبد الرحمن صفرة ... \" الحديث.\n_________\n١ ابن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية.\nلها ترجمة في: ثقات ابن حبان: (٥/٢٨٨)، وسير أعلام النبلاء: (٤/٥٠٧)، تهذيب التهذيب: (١٢/٤٣٨) .\n٢ لها ترجمة في: تهذيب التهذيب: (١٢/٤٤٠) .\n٣ لم أقف عليها.\n٤ كذا ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - رابعة، والمتقدم ذكرهن ثلاثة فقط، فلعل حديثها سقط في الطباعة، والله أعلم.\n٥ انظر: بدائع الفوائد: (٣/٢٢٢) .","vol":"1","page":602},{"text":"حماد، عن ثابت، عن أنس يرفعه: \"مثل أمتي كالمطر\".\nقال ابن القَيِّم ﵀:\nالأول: ابن سلمة١.\nالثاني: ابن زيد٢.\nالثالث: الأبح٣.\nالفائدة الثالثة: من روى عن شيخين متفقي الاسم: أحدهما ثقة، والآخر ضعيف٤.\nفمن هؤلاء:\n١- قتادة٥:\nيروي عن عكرمة مولى ابن عباس٦.\n_________\n١ هو حماد بن سلمة بن دينار البصري.\nله ترجمة في: الجرح والتعديل: (١/٢/ ١٤٠)، والميزان: (١/٥٩٠)، وتهذيب التهذيب: (٣/١١) .\n٢ هو: حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري.\nله ترجمة في: الجرح والتعديل: (١/١/١٧٦)، سير أعلام النبلاء: (٧/٤٥٦)، تهذيب التهذيب: (٣/٩) .\n٣ هو: حماد بن يحيى الأبح، أبو بكر السلمي.\nله ترجمة في: الجرح والتعديل: (١/٢/١٥١)، الميزان: (١/٦٠١)، تهذيب التهذيب: (٣/٢١) .\n٤ انظر: بدائع الفوائد: (٣/٢٢٢) .\n٥ ابن دعامة السدوسي.\n٦ يعني: وهو ثقة.","vol":"1","page":603},{"text":"وعن عكرمة بن خالد١: ضعيف٢.\n٢- وكيع٣:\nيروى عن النضر بن عربي٤: ثقة.\nوعن النضر بن عبد الرحمن٥: ضعيف.\n٣- حفص بن غياث:\nيروى عن أشعث بن عبد الرحمن٦: ثقة.\nوعن أشعث بن سوار٧: ضعيف.\nوبعد، فهذه بعض الفوائد المتعلقة بالرجال مما وجد في كلام ابن القَيِّم رحمه الله تعالى.\n_________\n١ ابن العاص بن هشام المخزومي، ثقة خ م د ت س. (التقريب: ٣٩٦) .\n٢ كذا قال ابن القَيِّم ﵀، ولكن الأمر على خلاف ذلك؛ فإن في الرواة آخر يسمى: عكرمة بن خالد أيضًا، وهو: عكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي وهذا هو الضعيف، وهو قريب للأول. وقد وهم بعضهم فَضَعَّفَ الثقة ظانًا أنه هو هذا الضعيف، وهذا الثقة هو الذي يروى عنه قتادة. انظر: الميزان: (٣/٩٠)، تهذيب التهذيب: (٧/٢٥٨-٢٥٩) .\n٣ هو: ابن الجراح بن مليح.\n٤ الباهلي مولاهم، أبو روح، الحراني، لا بأس به، مات سنة ١٦٨ هـ- /د ت (التقريب: ٥٦٢) .\n٥ أبو عمر الخزاز، متروك/ ت. (التقريب: ٥٦٢) .\n٦ لم يتبين لي من هو؟ وحفص بن غياث يروي عن ثلاثة يسمون أشعث وهم: ابن سوار، وابن عبد الله الحداني، وابن عبد الملك الحمراني. انظر: تهذيب الكمال: (٧/٥٦ - ٥٧) .\n٧ الكندي، النجار، الأثرم، قاضي الأهواز.","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المجلد الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الباب الثاني: آراء ابن القيم ومنهجه في الحديث وعلومه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الثالث: منهج ابن القيم في تخريج الحديث والحكم عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول: منهج ابن القيم في تخريج الحديث وعزوه</span>.\n...\nالفصل الثالث: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث والحكم عليه\nوالمقصود في هذا الفصل: بيان المنهج الذي سلكه ابن القَيِّم في الحكم على الأحاديث، وبيان درجتها: من الصحة، أو الضعف، أو غيرهما، وما يلتحق بذلك من الكلام على منهجه في بيان العلل.\nوذلك كله من خلال ما وقفت عليه من كلامه على الأحاديث في كتبه المختلفة.\nويسبق ذلك: الكلام على منهجه في تخريج الأحاديث وعزوها.\nوقد جعلت هذا الفصل في مبحثين:\nالمبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث وعزوه.\nالمبحث الثاني: منهجه في الحكم على الحديث.","vol":"2","page":7},{"text":"المبحث الأول: منهجه في تخريج الحديث وعزوه\nلما كانت العلاقة وثيقة بين التخريج وبين التوصل إلى الحكم على الحديث، رأيت أن يكون الكلام على التخريج، ومنهج ابن القَيِّم في ذلك أول مباحث هذا الفصل، وذلك كالتمهيد للكلام على الحكم على الحديث إن شاء الله.\nوالمراد بالتخريج هنا: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية - التي جمعها أصحابها بأسانيدها - والدلالة على موضعه فيها، مع بيان درجته عند الحاجة١.\nفيكون المقصود من التخريج بهذا المعنى: التوصل إلى الحكم على الحديث، وبيان درجته من الصحة أو الضعف؛ إذ عن طريق التخريج يمكن للباحث الوقوف على طرق الحديث وجمع أسانيده، ومن ثَمَّ دراسة هذه الطرق والحكم من خلالها على الحديث وبيان حاله، مع ما في ذلك من فائدة الوقوف على شواهد الحديث ومتابعاته، فقد يرتقي بها الحديث من حال الضعف إلى حال القوة والاحتجاج.\nولقد قام ابن القَيِّم - ﵀ - بمهمة التخريج للأحاديث التي أوردها في كتبه، وخلال أبحاثه المختلفة على خير وجه، واعتنى بذلك عناية فائقة، وتنوع أسلوبه في ذلك تبعًا لظروف كل بحث.\nوفيما يلي ذكر منهجه في التخريج على وجه الإجمال:\n_________\n١ انظر (أصول التخريج) للدكتور/ محمود الطحان: (ص ١٢- ١٣)، و(دراسات في علوم الحديث) للدكتور/ عجمي دمنهوري: (ص ٧٢-٧٣) .","vol":"2","page":9},{"text":"أولًا: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، فإن ابن القَيِّم - في الغالب - يكتفي بالعزو إليهما، ولا يتعداهما إلى غيرهما إلا في القليل النادر، كأن يحتاج إلى التنبيه على فائدة زائدة وليست عندهما.\n- ففي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلا الله ... \" قال: \"رواه البخاري ومسلم\"١. والحديث مخرج في: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي٢.\n- وقال في حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ: \"لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم، يَشْهَدُ ألا إله إلا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله إلا بِإِحدى ثلاث ... \": \"أخرجاه في الصحيحين\"٣. والحديث مَخَرَّجٌ أيضًا: عند النسائي وابن ماجه٤، وغيرهما.\n- وَخَرَّجَ حديث علي ﵁ في \"النهي عن لباس المعصفر\" من (صحيح مسلم) وحده٥. والحديث أخرجه أيضًا: أبو داود والنسائي٦.\n- وعزا حديث أم سلمة ﵂ \"في القسم للبكر والثيب\" لمسلم وحده٧.\n_________\n١ الصلاة: (ص ١٧) .\n٢ د: (٣/١٠١) ح ٢٦٤٠، ت: (٥/٣) ح٢٦٠٦، س (٥/ ١٤) .\n٣ الصلاة: (ص ١٧) .\n٤ س: (٧/٩٠)، جه: (٢/٨٤٧) ح ٢٥٣٤.\n٥ زاد المعاد: (١/١٣٨) .\n٦ د: (٤/٣٢٢) ح ٤٠٤٤، س: (٨/٢٠٤) .\n٧ زاد المعاد: (٥/ ١٤٩) .","vol":"2","page":10},{"text":"والحديث أخرجه: مالك، وأبو داود١.\n- وقال: \"وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ\" ٢. والحديث مُخَرَّج: عند أبي داود، وأحمد٣ وغيرهما.\nوالأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحْصَى.\nوأما حين يحتاج ابن القَيِّم - ﵀ - إلى التنبيه على لفظة زائدةٍ، أو جملة مغايرةٍ، وليس ذلك في الصحيحين، فإنه يضيف إليهما غيرهما من المصادر التي فيها تلك الزيادة، فمن ذلك:\n- أنه ساقَ حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"يقول الله: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِين مَا لا عَينٌ رَأَتْ ... \". ساقه بطوله، ثم قال: \"رواه بهذا اللفظ والسياق: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصدره في الصحيحين\"٤.\n- وقال ﵀: \" ... ما رواه مسلم في صحيحه: \"أن رجلًا أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ... \" وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم ... وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود: عن عمرو بن أم مكتوم قال ... \"٥.\n_________\n١ طأ: (٢/٥٢٩) ح ١٤، د: (٢/ ٥٩٤) ح ٢١٢٢.\n٢ الروح: (ص ١٦١) .\n٣ د: (٢/ ٧٩١) ح ٢٤٠٠، حم: (٦/ ٦٩) .\n٤ حادي الأرواح: (ص ٢٠٦) .\n٥ الصلاة: (ص ١١٧) .","vol":"2","page":11},{"text":"فقد عزا الحديث إلى أحمد وأبي داود بعد عزوه إلى مسلم، وذلك لما اشتملت عليه روايتهما من زيادة وبيان؛ حيث جاء عندهما التصريح باسم الرجل.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يكتفي بالتخريج من الصحيحين ويَسْتَغْنِي بهما عن غيرهما، إلا إذا دَعَتْ الضرورةُ إلى الزيادة عليهما، فإنه يفعل ذلك.\nثانيًا: لم يلتزم ابن القَيِّم - ﵀ - بتخريجِ كُلِّ حديث أورده في كتبه، بل إنه - في بعض الأحيان - يذكرُ الحديث مُسْتَدِلًا بهِ لِمَسْأَلة، دون أن يعزوه لأحدٍ ممن خرجه١.\nوالْمُطَالِع لكتبه - ﵀ - يجد اهتمامًا كبيرًا بتخريج الأحاديث التي أوردها في مباحثه، فيكون ما وقعَ له من ذلك: إِمَّا لِشهرةِ الحديث وصحَّتِهِ فيستغني بذلك عن تخريجه، أو لرغبته في الاختصار، أو لأنه خَرَّجَهُ في موضع آخر من كتبه، أو لغير ذلك من الأسباب الكثيرة.\nثالثًا: وكما أنه - ﵀ - قد يذكر الحديث ساكتًا عن تخريجه، فإنه قد يصرح بعدم وقوفه عليه ولا معرفته بمن خرجه، فمن أمثلة ذلك:\n_________\n١ انظر أمثلة لذلك في: زاد المعاد: (١/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩١، ٢٤٠، ٢٦٢، ٢٨٥)، (٣/٧٦، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٩١، ١١٥، ٣٢٠)، (٤/٣٣٢) . والوابل الصيب: (ص٩٩)، وروضة المحبين: (ص ٢٧٦، ٢٧٧) وحادي الأرواح: (ص ٢٣٠) .","vol":"2","page":12},{"text":"- قوله في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \"مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الخيل يوم الرِّهان فليس منا\" قال: \"ذَكَرَهُ صاحب المغني، ولا أعرف مَنْ خَرَّجَهُ\"١.\n- وقال في حديث أنس ﵁ مرفوعًا: في إطراق الفحل، وقوله ﷺ: \"إِذَا كَانَ إِكْرَامًا فَلا بَأْسَ\" قال: \"ولا أعرفُ حال هذا الحديث، ولا من خَرَّجَهُ\"٢.\nأما إذا كان شَاكًَّا وغير متأكد من وجود الحديث في المصدر الذي يعزو إليه، فِإِنَّهُ لا يجزمُ بنسبته إليه، ومن ذلك قوله في حديث: \"وأظنه في المسند\"٣.\nرابعًا: طولُ نَفَسِهِ - ﵀ - واستيعابه في التخريج، فيتوسع أحيانًا في تخريجِ الحديثِ الواحد توسعًا كبيرًا، حتى إنه ليكادُ يأتي على رواياته، ويستوفي جميع طرقه.\nومن أمثلة ذلك:\n- حديث: \"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَب\". قال ﵀: \"رواه عن النبي ﷺ: أنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو ذر، وصفوان بن عَسَّال،\n_________\n١ الفروسية: (ص ٩٩) .\n٢ زاد المعاد: (٥/ ٧٩٦) .\n٣ مدارج السالكين: (٢/ ٣٢٧) .","vol":"2","page":13},{"text":"وعبد الله بن يزيد الخطمي ... \" فَعَدَّ تسعة عشر صَحَابيًا، ثُمَّ أخذ في تخريج رواية كل صحابي، وبيان درجتها١.\n- وحديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية، قال ﵀:\" ... رواها عن النبي ﷺ: عليُّ بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن أبي أوفى ... \" فعد عِشْرِين صحابيًا، ثم أخذ في تخريجها حديثًا حديثًا٢.\n- وحديث: \"أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\" ساقه - ﵀ - من طريق: شداد بن أوس، وأبي هريرة، وعائشة، وأسامة بن زيد، وأبي موسى، ومعقل بن سنان، وابن عباس، وبلال ﵃ أجمعين، مع ذكر من أخرجَ كلَّ رواية من هذه الروايات٣.\n- وقال - ﵀ - مرة: \" وقد روى عنه ﷺ الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه، وأحاديثهم كُلُّهَا صِحَاحٌ، وهم: عائشةُ، وحفصة أَمَّا المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد، والبراء، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وسبرة بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي ﵃\"٤.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٨/ ٢٣ - ٢٦) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/ ٣١٧- ٣٢٤) .\n٣ تهذيب السنن: (٣/ ٢٤٣-٢٤٥) .\n٤ زاد المعاد: (٢/ ١٧٨-١٨٧) .","vol":"2","page":14},{"text":"ثُمَّ أَخَذَ في سَرْدِ أحاديثهم حَدِيثًا حديثًا، مع تخريجها والكلام عليها.\nوهكذا نجده - ﵀ - يتوسع في إيراد طرق الحديث في مناسبات عديدة، ويكون ذلك منه ﵀:\n- إما لمحاولة استقصاء أحاديث الباب، واستيعاب المرويات في الموضوع الذي هو بصدد بحثه؛ كما فعل ذلك كثيرًا في (تهذيب السنن) ١.\n- وإما تأييدًا ونصرةً لما يختاره في مسألة مُخْتَلَفٍ فيها، كما هو الحال في المثالين الأخيرين من الأمثلة التي سُقْتَهَا قبل قليل.\n- أو لغير ذلك من الأغراض.\nخامسًا: قد يعزو الحديث إلى أحد الأئمة المشهورين دون تصريح باسم كتابه. فيقول مثلا: \"قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ... \"٢. ويقول: \"قال ابن شاهين: حدثنا عبد الله بن سليمان ابن الأشعث ... \"٣. ويقول: \"قال عبد الرحمن بن أبي حاتم ... \"٤. ويقول: \"قال أبو نعيم: حَدَّثَنَا محمد بن معمر ... \"٥.\n_________\n١ انظر مثلًا: (٣/ ٧٧، ١٢٠)، (٧/ ٦٠، ١٣٠، ١٣٥، ٢٢٨، ٣١٢) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص ٥٠) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص٥٣) .\n٤ جلاء الأفهام: (ص ٢٢٨) .\n٥ حادي الأرواح: (ص ١٩٩) .","vol":"2","page":15},{"text":"ولكنَّ الكثير الغالبَ: أنه يعزو الحديث إلى مصدره، ويذكر الكتابَ الذي خَرَّجَهُ، كما هو ظاهرٌ بَيِّنٌ لمن طَالَعَ كتبه.\nسادسًا: تنوع طرق نقله للحديث من مصادره.\n- فتارة يسوقُ الحديثَ بإسناد صاحب الكتاب الذي أخرجه، وتارةً يكتفي بذكر صحابيِّ الحديث فقط.\nويُلاحظ أنه - ﵀ - يُكْثِرُ من ذكر أسانيد الأحاديث في بعض كتبه دون بقيتها، فنجد أن ذلك يكثر - مثلا - في (حادي الأرواح)، وفي (جلاء الأفهام)، وغيرهما من الكتب التي أفردها لجمع أحاديث موضوع بعينه، أي: الكتب التي تَتَّسِمُ بوحدة الموضوع.\nولعل السبب في ذلك: أن هذه الكتب يغلبُ عليها المادةُ الحديثية، دون الكلام والشرح والأخذ والردِّ، مِمَّا هو موجود في غيرها من كتبه، فيكونُ - لأجل ذلك - قد أولاها عنايته، واهتم بسردها مسندة.\nويُلاحظ أيضًا: أنه لا يسوق - غالبًا - أسانيدَ الأحاديث الْمُتَّفَقِ على صِحَّتِهَا، أو التي أخرجها أحد صَاحِبَي الصحيح.\n- وتارةً نجده يُسقط حَتَّى ذكر الصحابي، ويُعَلِّقُ الحديثَ إلى النبي ﷺ، فيقول: \"ثبت عنه ﷺ أنه قال\"١. ويقول: \"وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال ... \"٢. ويقول: \"قال النبي ﷺ ... \"٣.\n_________\n١ الصلاة: (ص ٣٥) .\n٢ الوابل الصيب: (ص ١٥٠) .\n٣ الوابل الصيب: (ص ١٨٥) .","vol":"2","page":16},{"text":"ولكنَّ ذلك قليل إذا قُورِنَ بِمَا صَرَّح فيه بذكرِ الصحابي.\n- وقد ينقل - ﵀ - بعضَ الأحاديث بإسناده الْمُتَّصِل إلى النبي ﷺ، وغالبًا ما يعبر عن ذلك بقوله: \"روينا\". قال مرة: \"وقد روي لنا عنه - يعني نَبِيِّ الله إبراهيم ﵇ - حديثًا وقع لنا متصل الرواية إليه، رويناه في كتاب الترمذي وغيره ... \"١.\nفهذه بعض الملاحظات عن أسلوبه في النقل عن المصادر، والعزو إليها، والتخريج منها، وتنوع ذلك منه ﵀.\nسابعًا: قد يذكر الحديث عند تخريجه إياه بالمعنى، ولا يلتزم بذكر لفظه٢.\nوهذا - والله أعلم - يقع في بعض الأحاديث التي يذكرها من حفظه خاصة، دون التي ينقلها من مصادرها.\nومع ذلك، فإن الغالب عليه - ﵀ - المحافظة على لفظ الحديث، ونَقْلِهِ بِنَصِّهِ، كما يظهرُ ذلك عند المقارنة بين كثيرٍ من النصوص الحديثية، ومصادرها التي نقل عنها وعزا إليها.\n_________\n١ جلاء الأفهام: (ص ١٤٩) .\n٢ انظر مثلا: زاد المعاد: (١/ ٣١٨) وقارن مع الترمذي: (٢/٢٨١) ح٤٢٠، والزاد: (١/٢١٥) وقارن مع ابن حبان: (الإحسان: ٤/١٨٠)، والزاد: (٢/١٠٨) وقارن مع أبي داود: (٢/٥٠٥) ح ١٩٩٢، والمنار المنيف: (ص٨٣) وانظر حاشية رقم ٥ من الكتاب المذكور.","vol":"2","page":17},{"text":"على أنه - ﵀ - قد يَرِدُ عنه ما يدلُّ على نقله الحديث بالمعنى، فنجده يقول مثلا: \"أو كما قال ﷺ\"١.\nوقد ينصُّ صراحةً على أن ما ذكره هو معنى الحديث دون لفظه، فمن ذلك:\n- قوله في حديث: \"النَّظرةُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إبليس، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عن محارمِ امرأة لله، أورثَ الله قلبه حلاوةً إلى يوم يلقاه\" قال: \"هذا معنى الحديث\"٢.\n- وقال مرة: \"وفي المسند عنه ﷺ حديث معناه: أن الله جعلَ طعامَ ابن آدم، وما يخرجُ منه مثلًا للدنيا ... \"٣.\nثامنًا: الدقة في تمييز الروايات، وبيان الفرق بين ألفاظها، ونسبة كل لفظ إلى الكتاب الذي أخرجه.\n- فيقول مثلا: \"هذا الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم\"٤.\n- ويقول في حديث آخر: \"رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أَوَّلَهُ\"٥.\n_________\n١ مفتاح دار السعادة: (١/١٨١) .\n٢ الجواب الكافي: (ص ٢٢٩) .\n٣ طريق الهجرتين: (ص ٤٥٥) .\n٤ مختصر الصواعق: (١/ ٦١) .\n٥ الروح: (ص ٥٥) .","vol":"2","page":18},{"text":"- ويقول في حديث آخر: \"رواه ابنُ ماجه، والترمذي وهذا لفظه\"١.\n- وعزا حديث أكلِ الحسنِ أو الحسينِ من تَمْرِ الصدقة للبخاري بلفظ: \"فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة\". ثم قال: \"ورواه مسلم، وقال: \"إنا لا تحل لنا الصدقة\" ٢.\nوبعد، فهذه أهم الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم - ﵀ - في تخريجه للأحاديث وعزوها إلى مظانها من كتب السنن، والمسانيد وغيرها من المصادر، وما اتَّسَمَ به منهجه في ذلك.\nوفي ختام ذلك أُورِدُ بعض الملحوظات اليسيرة، وهي وإن كانت مما يؤخذ على ابن القَيِّم ﵀، إلا أنها لا تكادُ تُذْكَرُ في جانب جهده الْمُوَفَّقِ في هذا الباب، وكفى المرء نُبْلًا أن تُعَدَّ مَعَايِبُه.\nفمن هذه الملحوظات والمآخذ:\n١- أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد يطلق عزو الحديث لمؤلف من المؤلفين دون تحديد للكتاب الذي أُخْرِج فيه هذا الحديث، وقد يؤدي ذلك إلى وقوع شيء من الالتباس، وبخاصة إذا كان لهذا المؤلف أكثرُ من كتاب، فمن أمثلة ذلك:\n_________\n١ الروح: (ص ١٠٨) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص ١١١) . وانظر مزيدًا من الأمثلة على ذلك في: حادي الأرواح: (ص١٥٩، ١٦٦، ٢٠٦، ٢٥٠)، وزاد المعاد: (٣/ ٢٨٥)، والصلاة: (ص١٤٧، ١٥٩)، وتهذيب السنن: (٧/ ٨١، ١٥٠، ١٥١، ٣٣٠) .","vol":"2","page":19},{"text":"- ما ذكره من دعائه ﷺ يوم عرفة، وقوله: \"اللهم إِنَّكَ تَسْمَعُ كلامي، وترى مكاني، وتَعْلَم سِرِّي وعلانيتي ... \". فقد قال عقبه: \"ذكره الطبراني\"١.\nومعلوم أن للطبراني معاجمَ ثلاثة، وله كتاب (الدعاء) الذي هو مظنة لوجود هذا الحديث، فلا شكَّ أن إطلاق العزو للطبراني - والحالة هذه - يوقع في نوع التباس، فلا يُدرى في أي كتب الطبراني هو؟\nفهذا الحديثُ الذي عزاه للطبراني: مُخَرَّجٌ في معجميه: (الكبير) ٢، و(الصغير) ٣، فلزم تقييده لأجل ذلك.\n- ومن ذلك: عزوه حديث معاوية بن قرة في قتل من عَرَّسَ بامرأة أبيه. للنسائي دون تحديد٤، مع أن الحديثَ في (سننه الكبرى) ٥. فكان لابد من تقييده دفعًا لالتباسه بالصغرى، إذ هي المرادة عند الإطلاق.\n- ومثله: حديث ابن عباس ﵄: \"كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك\" وأن ذلك كان في صلاة الليل، فقد عزاه إلى (سنن النسائي) ٦. مع أن الحديث ليس في (الصغرى) كما هو المتبادر عند الإطلاق، وإنما هو في الكبرى٧.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/ ٢٣٧) .\n(١١/ ١٧٤) ح ١١٤٠٥.\n(١/٢٤٧) .\n٤ تهذيب السنن: (٦/٢٦٧) .\n(٦/٤٤٤ – ٤٤٥) ح ٧١٨٢ – ٧١٨٦.\n٦ المنار المنيف: (ص ٢٧) .\n(١/٢٣٧) ح ٤٠٤، (٢/١٣٥) ح ١٣٤٥.","vol":"2","page":20},{"text":"- وعزا حديث عمران بن حصين في ثواب السلام إلى النسائي، فقال: \"رواه النسائي\"١. وليس الحديث في السنن كما هو المتبادر، وإنما هو في (عمل اليوم والليلة) ٢ له، ولم أر من عزاه للسنن.\n- وذكر حديث: \"كان إذا عَرَّسَ٣ بليلٍ اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عَرَّسَ قبيل الصبح نَصَبَ ذراعه ووضع رأسه على كفه\" قال: \"هكذا قال الترمذي\"٤. وليس هذا الحديث في (جامع الترمذي) كما يُفْهَمُ من إطلاقه، وإنما أخرجه في (الشمائل) ٥.\n- وقريب من ذلك أيضًا: قوله عن حديث: \"وفي بعض المسانيد ... \"٦. هكذا بدون تحديد.\n٢- قد يعزو - ﵀ - الحديثَ إلى المصدر الأدنى رتبةً، والأبعدِ شهرةً، مع وجوده في الكتب المتقدمة رتبة وشهرة، كالصحيحين مثلا. فمن ذلك:\n- أنه عزا حديث أنس ﵁: \"مَا صَليت خلفَ رجلٍ أوجز صلاة\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/ ٤١٧) .\n(ص ٢٨٧) ح ٣٣٧.\n٣ التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. (النهاية ٣/٢٠٦، عرس) .\n٤ زاد المعاد: (١/ ١٥٨) .\n(ص٢٢٢) ح ٢٤٧.\n٦ زاد المعاد: (١/ ١٦٨) .","vol":"2","page":21},{"text":"من رسول الله ﷺ ... \" عزاه لأبي داود١. مع أن الحديث بإسناده ولفظه مخرج في (صحيح مسلم) ٢.\n- وعزا حديث الرَّجُلِ الذي كان يُتَّهَم بأم ولد النبي ﷺ، وما كان من إرسال النبي ﷺ عليًا لقتله، وأنه وجده مجبوب الذكر. عزاه لابن أبي خيثمة وابن السكن٣. مع أن الحديث في (صحيح مسلم) ٤، وقد نبه على ذلك محقق (الزاد) .\n- وعزا حديث زيد بن ثابت ﵁، وقوله لمروان بن الحكم: \"ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل ... \" عزاه لأصحاب السنن٥، مع أن الحديث مخرج في (صحيح البخاري) ٦.\n٣- قد تقع لابن القَيِّم - ﵀ - أوهام في العزو والتخريج، فمن ذلك:\n- حديث: \"قَسَمَ الله الخير، فَجَعَله عشرة، فَجَعَل تسعة أعشاره في الشام، وبقيته في سائر الأرض\". عزاه للإمام أحمد في (مسنده) ٧. وليس الحديث في المسند فيما بحثت عنه، ونَبَّهَ على ذلك العلامة أحمد شاكر في تعليقه على (تهذيب السنن) .\n_________\n١ الصلاة: (ص ١٤٨) .\n(١/ ٣٤٤) ح١٩٦ (٤٧٣) .\n٣ زاد المعاد: (٥/ ١٦) .\n(٤/ ٢١٣٩) ح ٥٩ (٢٧٧١) .\n٥ زاد المعاد: (١/ ٢١١) .\n٦ ك الأذان، باب القراءة في المغرب، ح٧٦٤ (فتح الباري٢/٢٤٦) .\n٧ تهذيب السنن: (٣/ ٣٥٥) .","vol":"2","page":22},{"text":"- وعزا حديث أنس ﵁: \"مَا زَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَقنتُ في الفجر حَتَّى فَارَقَ الدنيا\". للترمذي١. وليس الحديث في الترمذي٢.\n- وعزا حديث إسرائه ﷺ من بيت أم هانئ إلى الصحيح٣، وليس هو في واحد منهما، وقد نَبَّهَ عليه محقق (زاد المعاد) .\n- وقال في حديث أبي هريرة ﵁: \"أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر فبدا له الفجر قال: \"سَمِعَ سَامعٌ بحمد الله ونعمته ... \". قال: \"إسناد صحيح على شرط مسلم\"٤. وظاهر عبارته أن مسلمًا لم يخرجه، وأنه على شرط كتابه، مع أن الحديث مُخَرَّج في (صحيح مسلم) ٥.\nوأقول: الغالبُ أن ذلك لا يقعُ - على قِلَّته وَنُدْرَتِهِ - لابن القَيِّم إلا فيما كتبه من حفظه؛ حيث إنه كان لا يَكُفُّ عن الكتابة والتأليف حالَ السفر، وفي غياب الكتب، كما نَصَّ على ذلك في (زاد المعاد) وغيره، فهو لأجل ذلك معذور، ومن ذا الذي يسلم من الوهم والخطأ؟! وهذه الأوهام اليسيرة إنما هي قطرة في بحر حفظه وإتقانه وقوة استحضاره، وشيء لا يكاد يذكر إذا قيس بكثرة ما كتب وسطر، رحمه الله تعالى، وأجزل له الأجر والمثوبة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/ ٢٧٥) .\n٢ انظر: نصب الراية: (٢/١٣١ -١٣٢) .\n٣ زاد المعاد: (٣/٤٣٤) .\n٤ الوابل الصيب: (ص ١٩٨) .\n(٤/ ٢٠٨٦) ح ٦٩ (٢٧١٨) .","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثاني: فِي بَيَانِ مَنْهَجِهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الحديث</span>\nلا شكَّ أَنَّ الحكم على الحديث، وبيان صحته من ضَعْفِه، وصدقه من كذبه، ليس مقصودًا لذاته، وإنما وراء ذلك غاية عظيمة، ألا وهي: أن يعبد الإنسان ربه على بصيرة وهدى، مُتَّبِعًا في ذلك ما صح عن النبي ﷺ، معرضًا عما سواه.\nإذ لولا تسخيرُ الله لهؤلاء الأئمة الجهابذة النُّقَّاد - الذين مَيَّزُوا الصحيحَ من المعلول، والصدق من الكذب - لقال من شَاءَ فِي دِين الله مَا شاء، ولَعُبِدَاللهُ - سبحانه - بالأهواءِ والبدعِ، التي ما أنزل بها من سلطان، ولا جاء بها رسول الله ﷺ.\nولكن ينبغي أن يُرْجَعَ في معرفة ذلك إلى أئمة هذا الشأن وأربابه العارفين به، المشهود لهم بالتَّقَدُّمِ ورسوخِ القدم في الكشف عن خباياه، ومعرفة خفاياه.\nوقد نَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذا المعنى، وأشار إليه، فقال - عند كلامه على حديث: \"مَنْ عَشِقَ فَكَتَم ... \" -:\n\"والتحاكم في ذلك إلى أهلِ الحديث، لا إلى العارين الغرباء منه\"١.\n_________\n١ روضة المحبين: (ص ١٩٤) .","vol":"2","page":25},{"text":"وقال في موضع آخر - عند كلامه على الحديث نفسه -:\n\"وكلامُ حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يرجعُ في هذا الشأن، وما صَحَّحَهُ - بل ولا حَسَّنَهُ - أحدٌ ممن يُعَوَّلُ في علم الحديث عليه، ويُرجع في التصحيح إليه\"١.\nوقد مضى ذِكْرُ كلامه - ﵀ - في بيان أهمية الوقوف على الإسناد في الحكم على الحديث٢؛ إذ عن طريق النظر في الإسناد يتمكن الناقدُ من كشف عِلَّةِ الحديث، ومعرفة صحته من ضعفه.\nوقد قام ابن القَيِّم - ﵀ - بهذه المهمة الجليلة - مهمة الحكم على الحديث وبيان درجته - خير قيام، فلا يكاد يخلو بحث من الأبحاث التي تَعَرَّضَ لها، ولا مناسبة من المناسبات التي تستدعي مناقشة أدلة الخصم، ولا موضوعٍ من الموضوعات التي نَذَرَ على نفسه أن يستوفي الكلام فيها، إلا وهو قائمٌ بهذه المهمة على أَتَمِّ الوجوه، فجمع بذلك: بين العلم بالحديث، والفقه فيه، ومعرفةِ عِلَلِهِ، وتمييز صحيحه من سقيمه.\nبيان منهجه في الحُكْمِ على الحديث:\nلسنا - ونحن بصدد الكلام عن ذلك - أمام كتاب واحد ينحصر فيه جهد ابن القَيِّم في هذا الباب، ولكننا أمام مقدار هائلٍ من المؤلفات في فنون مختلفة: من فقه، وحديث، وعقيدة، ولغة، وغير ذلك.\n_________\n١ الجواب الكافي: (ص ٣٦٧) .\n٢ انظر ص: (١/٣٣٥ - ٣٣٦) .","vol":"2","page":26},{"text":"ومع هذا، فإنه يمكن تحديدُ المنهج العام لابن القَيِّم في الحكم على الحديث فيما يلي:\nأولًا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - مع اهتمامه بالحكم على أكثر الأحاديث التي أوردها في كتبه، وعنايته بذلك عناية فائقةً، قد تَرَكَ جملةً كبيرةً من الأحاديث فلم يحكم عليها، مع إيراده بعضها مورد الاستدلال بها١، وستأتي بعد قليل إشارةٌ إلى بعض الأحوال والظروف التي يسكت فيها عن الأحاديث أو يَقِلُّ حكمه عليها.\nثانيًا: قد يصرح ابن القَيِّم - ﵀ - بعدم مَعرفَتِهِ بحال الحديث ودرجته من الصحة أو الضعف. فيقول مثلًا: \"لا أعرف حال هذا الحديث\"٢. ويقول: \"والله أعلم بحال هذين الحديثين\"٣. ويقول: \"وَرَدَ ... في حديث لا نعلم صِحَّتَهُ\"٤. إلى غير ذلك من الأمثلة٥. وهذا من كمال تواضعه، وتمام نصحه، وعلو شأنه رحمه الله تعالى.\nثالثًا: تفاوت أحكامه - قلة وكثرة - بحسب موضوع الكتاب؛ فبينما يكثرُ من الحكمِ على الحديث، وبيان درجته في الكتب والمباحث التي\n_________\n١ وقد جمعت الأحاديث التي سكت عليها ابن القَيِّم - ﵀ - في كتبه فبلغت شيئًا كثيرًا.\n٢ زاد المعاد: (٥/ ٧٩٦) - وانظر: أحكام أهل الذمة: (٢/ ٤٤٩) .\n٣ زاد المعاد: (٤/ ٣٤٨) .\n٤ زاد المعاد: (٤/ ٣٩٥) .\n٥ انظر منها: زاد المعاد: (١/ ١٤١، ١٧٧)، (٤/ ٣١، ٢٢٨) .","vol":"2","page":27},{"text":"تُعنى بالأحكام الفقهية، والتوحيد والعقيدة، وما شابه ذلك من المباحث التي تتعلق بالحلال والحرام، نجد أن حكمه على الحديث والكلام عليه يقلُّ في الكتب والمباحث التي تتناول: الزهد والرقائق، والترغيب والترهيب، والفوائد العامة ونحو ذلك.\nفبينما نجد كتبًا مثل: (زاد المعاد) و(تهذيب السنن) و(الصلاة) و(جلاء الأفهام) و(اجتماع الجيوش الإسلامية)، و(إعلام الموقعين) تمتلأُ بتلك الأحكام الحديثية، وبيانُ علل كثير من الأحاديث، وصحيحها من ضعيفها، فإن كتبًا أخرى، مثل: (بدائع الفوائد) و(الجواب الكافي) و(مدارج السالكين)، و(روضة المحبين) وأمثالها تَقِلُّ فيها هذه الأحكام بالنسبة لسابقتها.\nوليس هذا من باب الإهمال والإغفال، أو قِلَّةِ العناية، وإنما هذا ما تقتضيه ظروف البحث في الغالب؛ فابن القَيِّم حينما يواجه خصومًا ومخالفين فيما يتعلق بأحكام الدين، يتطلب الأمر مزيدًا من الجهد في بيان ضعف أدلتهم، وفي المقابل تقرير صِحَّة ما يستند إليه، أو رَدِّ الطعن الموجه إليه. في حين أنه لا يكون محتاجًا إلى كل هذا الجهد وهو يتحدث عن: أمراض القلوب وأدوائها، وتشخيص الدواء الناجع لعلاجها، وأنواع المحبة وأقسامها، وتفسير بعض الآيات وبيان بعض أسرارها، وشرحِ بعض الألفاظ اللغوية وبيان إعرابها، إلى غير ذلك من البحوث والمؤلفات التي هذا حالها.","vol":"2","page":28},{"text":"رابعًا: ثبات أحكامه الحديثية وعدم تغيرها؛ فإن ابن القيم قد يتناول الحديث الواحدَ بالكلام في أكثر من كتاب من كتبه، ومع ذلك: نجد أَنَّ حُكْمَهُ على الحديثِ، وطريقةَ معالجته له - تصحيحًا أو تضعيفًا - لا يكادُ يختلفُ من موضعٍ لآخر في الكثير الغالب، وَإِن وَقَعَ خلاف ذلك، فإنَّه يكون نادرًا جدًا.\nوهذا - بلا شك - يؤكد حقيقة مهمة، وهي: الاستقرار والثبات في أحكام ابن القَيِّم الحديثية، وعدم التناقض والتضارب، بحيث يقل - بل يندر - وقوع اضطراب في أحكامه على الحديث الواحد.\nومن أمثلة ذلك:\n- حديث: \"مَنْ عَشِقَ وَكَتَمَ وَعَفَّ وَصَبَرَ ... \". فقد تناوله ابن القَيِّم - ﵀ - في كتبه: (الجواب الكافي) ١، و(روضة المحبين) ٢، و(زاد المعاد) ٣. وَجَاءَ كَلامُهُ في الحكم عليه، وبيان علته، وإثباتِ بطلانه، جاء كلامه في ذلك متفقًا - إلى حَدٍّ كبير - في هذه المواضع الثلاثة.\nومن الأمثلة على ذلك أيضًا:\n- حديث \"لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ له\". فقد عالجه بالطريقة نفسها في: (إغاثة اللهفان) ٤، و(زاد المعاد) ٥، و(إعلام الموقعين) ٦.\n_________\n١ ص: (٣٦٧) .\n(ص ١٩٣- ١٩٤) .\n(٤/٢٧٥- ٢٧٨) .\n(١/٢٧٠) .\n(٥/١٠٩) .\n(٣/٤٤) .","vol":"2","page":29},{"text":"- وحديث أبي مالك الأشعري \"في ذَمِّ الغِنَاء والملاهِي\". فقد تَكَلَّم عليه في: (إغاثة اللهفان) ١، و(تهذيب السنن) ٢ و(روضة المحبين) ٣، و(الكلام على مسألة السماع) ٤.\n- وحديث: \"أَفْطَر الحاجمُ والمحجوم\". فقد ذكره وحكم عليه وَتَوَسَّعَ فيه في: (زاد المعاد) ٥، و(تهذيب السنن) ٦.\n- وحديث تلقين الميت بعد دفنه. تكلم عليه في: (زاد المعاد) ٧، و(الروح) ٨، و(تحفة المودود) ٩.\nإلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تكرر فيها حكمُ ابن القَيِّم على الحديث الواحد في مواضع شَتَّى، مع اتِّسَاق كلامه وتوافقه، وعدم اختلاف حكمه.\nخامسًا: اختلاف عبارات ابن القيم في الحكم على الحديث وتنوعها؛ فلم تكن الأحكام الحديثية التي صَدَرَتْ عن ابن القَيِّم - ﵀ - على شَاكِلَةٍ واحدة، وَإِنَّمَا اختلفت عباراته وأحكامه: طولًا وقصرًا، وإجمالًا وتفصيلًا.\n_________\n(١/٢٥٨- ٢٦٣) .\n(٥/٢٧٠- ٢٧٢) .\n(ص١٤٧- ١٤٨) .\n(ص ٤١٠، ٤٧٢) .\n(٣/٥٠٢) .\n(٣/٢٤٣- ٢٥٧) .\n(١/٥٢٢- ٥٢٣) .\n(ص ١٦) .\n(ص ١٤٩) .","vol":"2","page":30},{"text":"فبينما نجده - ﵀ - يحكمُ على حديث بكلمةٍ واحدةٍ أو كلمتين أو أكثر، نجده في حديث آخر يُسَطِّرُ أوراقًا كثيرةً في الكلام على هذا الحديث، وبيان ما فيه، وتقرير صحته أو ضعفه.\nولا شَكَّ أن هذا التفاوتَ والتباينَ خاضع للظروف والأحوال الخاصة بكل حديث:\n- فيطيلُ مثلًا في تقرير صحة الحديث وإثباته: إذا كان مما طُعِنَ فيه بما يرى أنه كلام لا يثبتُ مثله في ميزان النقد، فيقوم بَرَدِّ هذه العلل والجواب عنها، وإثبات صِحَّة الحديث أو حسنه.\n- وكذا يطيل في بيان ضعف الحديث، وسردِ علله وتفصيلها: حين يجدُ أن هذا الحديث يعارضُ ما يرى أنه أَصَحُّ منه وأثبت، فيبالغ حينئذٍ في إثباتِ الصحيح، ورد ما يعارضه مما يكون معلولًا.\nأما الأحاديث التي يكون الحكم عليها مُسَلَّمًَا لا نزاع فيه، فإنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - يطلق حكمه عليها في إيجاز واختصار.\n- وأيضًا: فإنه يطيلُ النَّفَس، ويوسع الكلام على الأحاديث المتعلقة بالعقيدة والأحكام، بخلاف الأحاديث التي ليست كذلك، فإنَّ الحكم عليها غالبًا ما يكون مقتضبًا.\n- وأيضًا: فإنَّه قد يختصرُ الكلامَ على الحديث في موضع، اعتمادًا على أنه قد فَصَّلَ الكلام عليه في موضع آخر من كتبه، أو من الكتاب نفسه، وقد يُنَبِّهُ - في مثل ذلك - في موضع الاختصار على موضع البسط ويشير إليه، ومن أمثلة ذلك:","vol":"2","page":31},{"text":"أنه عند كلامه على حديث: \"نومه ﷺ جُنُبًَا دون أن يَمَسَّ ماءً\". قال في كتابه (زاد المعاد) ١: \"وهو غلط عند أئمة الحديث، وقد أشبعنا الكلامَ عليه في كتاب تهذيب سنن أبي داود ... \"٢.\nسادسًا: في كثير من الأحيان ينقل ابن القَيِّم أقوال الأئمة في الحكم على الحديث: تأييدًا لحكمه، وتأكيدًا لاختياره، فمن ذلك:\n- قوله في حديث \"قَدْ أَفْطَرَ\" - يعني: الذي قَبَّلَ وهو صائم - قال: \"فلا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ... وقال الدارقطني ...: لا يثبت هذا. وقال البخاري: هذا لا أُحَدِّثُ به، هذا حديث منكر\"٣.\n- وقال في حديث جابر ﵁ في استثناء كلب الصيد مما نُهِيَ عن ثمنه: \"لا يصحُّ عن النبي ﷺ استثناء كلبِ الصيد بوجهٍ، أمَّا حديث جابر: فقال الإمام أحمد - وقد سئل عنه -: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصحُّ إسناد هذا الحديث\"٤.\n- وقال في حديث: \"مَنْ دَخَلَ السُّوق فَقَال: لا إله إلا الله ... \": \"فهذا الحديث معلول أعله أئمة الحديث ... قال الترمذي: هذا حديث غريب ... وقد روي من طريق: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، لكنه\n_________\n(١/١٥٤) .\n٢ انظره: (١/١٥٤-١٥٥) .\n٣ زاد المعاد (٢/٥٨) .\n٤ زاد المعاد: (٥/٧٧٠) .","vol":"2","page":32},{"text":"معلول أيضًا\". ثم نقل عن أبي زرعة وأبي حاتم قولهما: \"هذا حديث منكر\". وعن ابن أبي حاتم قوله: \"هذا الحديث خطأُ\"١.\nإلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الجانب.\nسابعًا: قد لا يصرح ابن القَيِّم - ﵀ - برأيه واختياره في الحكم على الحديث، بل يكتفي بعرض آراء المصححين والمضعفين لهذا الحديث، وأجوبة كُلِّ فريق عن الآخر، دون أن يَنُصَّ صراحة على حكمه واختياره في هذا الحديث.\nوفي مثل ذلك ندرك رأى ابن القَيِّم - ﵀ - ببعض القرائن التي تظهر من خلال كلامه، أو بحكمه على الحديث نفسه في موضع آخر.\n- ومن أمثلة ذلك: \"حديث القلتين\"٢.فقد أَخَذَ ابن القَيِّم -﵀- في عرض آراء المصححين له، معبرًا عنهم بقوله: \"قال المحددون\"، ثم عَرَضَ أجوبة المضعفين للحديث، معبرًا عنهم بقوله: \"قال المانعون من التحديد بالقلتين\". لكن دلت عباراته - فيما بعد - على أنه لا يرى التحديد بالقلتين، فَفُهِمَ أنه مع من يضعفون هذا الحديث.\n- ومن ذلك أيضًا: كلامه على حديث \"الأوعال\". فقد عرض رأى من رَدَّهُ وحججهم، ثم قال: \"قال المثبتون ... \". ثم ساق رأى من صححه، وَرَدَّهم على مضعفيه، وقد فُهِمَ أخذه بتصحيح هذا الحديث من\n_________\n١ المنار المنيف: (ص ٤١-٤٢) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٥٦-٧٤) .","vol":"2","page":33},{"text":"بعض كلامه، كقوله في الردِّ على من ضعفه بالوليد بن أبي ثور: \"فأيُّ ذنب للوليد في هذا؟ وأي تعلق عليه؟ وإنما ذنبه: روايته ما يخالف قول الجهمية، وهي علته المؤثرة عندهم\"١.\nوهذا ظاهرٌ في إثباته الحديث، وذلك من رَدِّهِ على الجهمية نفاة الصفات.\nثم جاء تصحيحه له صريحًا في مواضع أخرى؛ فإنه قال في (اجتماع الجيوش) ٢: \"حديث حسن صحيح\". وقال في موضع آخر: \"رواه أبو داود بإسناد جيد\"٣.\nفالمقصود: أن ابن القَيِّم - ﵀ - حين لا يُصَرِّح برأيهِ في الحكم على الحديث، ولا ينصُّ على ذلك، فإنَّ النَّاظِرَ في كلامه عليه مراعاة أمرين:\n- الأول: التَّنَبُّهُ لبعض القرائن الموجودةِ في كلامهِ، مما يُعِينُ على معرفةِ اختياره.\n- الثاني: البحثُ في كُتُبِهِ الأخرى عن كلام له حول الحديث نفسه، فقد يُحْكَمُ عليه هناك.\nثامنًا: قد يَكْتَفِي ابن القَيِّم بتصدير الحديث بلفظةٍ تفيدُ صِحَّتَهُ أو ضعفه، دون إصدار حكمٍ صريح عليه.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/٩٣) .\n(ص ٩٣) .\n٣ مختصر الصواعق: (٢/ ٣٥٦) .","vol":"2","page":34},{"text":"- فمن ذلك: استعماله كلمة: (ثَبَتَ) في التعبير عن صحة الحديث، وقد تَبَيَّنَ لي بالتتبع أنه يستعملها - في الكثير الغالب - في الحديثِ الذي خُرِّجَ في (الصحيحين) أو أحدهما١.\nوربَّمَا ضَمَّ إلى هذه الكلمة التصريح بكونه في (الصحيحين)، فيقول: \"وثبت عنه في الصحيحين ... \"٢.\n- وقد تَرِدُ هذه الكلمة عنده مقرونةً ببيان صِحَّةِ الحديثِ، كقوله: \"ثبت عنه ﷺ من حديث بهز بن حكيم ... أن النبي ﷺ حبس رجلًا في تهمة\". ثم قال: \"قال أحمد، وعلى بن المديني: هذا إسناد صحيح\"٣.\n- ومن الألفاظِ التي استعملها في هذا الصدد أيضًا: (صِيَغُ التمريض) للتعبير عن ضَعْفِ الحديث، فقد أَكْثَرَ من استعمال كلمة: (يُذْكَر) ٤، وكلمة: (رُوِيَ) ٥ مقتصرًا على ذلك في التعبير عن ضَعْفِ الحديث.\n- وقد ينص - مع ذلك - على ضعف الحديث، إضافة إلى تصديره بصيغة التمريض، فمن ذلك:\n_________\n١ انظر مثلًا: زاد المعاد: (١/٢٨٥)، (٢/٣٣٤، ٣٣٥، ٣٨٤، ٣٨٧) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٣٨٣) .\n٣ زاد المعاد: (٥/ ٥) .\n٤ انظر مثلًا: زاد المعاد: (٢/٣٧٠، ٣٧٥، ٣٧٦، ٣٨٣، ٣٩٣، ٤٠١، ٤٠٤، ٤١٥، ٤٤٠، ٤٥٦)، (٣/١٢٥)، (٤/١٤٨، ١٥٦، ١٦٥، ٢١٢) .\n٥ انظر مثلًا: زاد المعاد: (٢/٧٧، ٤٠٦، ٤٦٦)، والوابل الصيب: (ص٢٧)، والكلام على مسألة السماع: (ص١٩٩، ١١٢) .","vol":"2","page":35},{"text":"قوله: \"ويُذْكَرُ عنه ﷺ أنه كان يقول عند فطره: \"اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت ... \" ولا يثبت\"١.\nوقوله: \"ويُذْكَر عنه: \"من خيرِ خصالِ الصَّائمِ السواك\"، رواه ابن ماجه من حديث مجالد، وفيه ضَعْفٌ\"٢.\nوقوله: \"ويُذْكَر عنه: \"أنه كان يُكَبِّر من صلاة الفجرِ يوم عرفة إلى العصر من أيام التشريق، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد\"، وهذا وإن كان لا يصحُّ إسنادُهُ، فالعمل عليه\"٣.\nوقال: \"وقد رُوِيَ عنه ﷺ \"أنه كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً تلقاءَ وجهه\"، ولكن لم يثبت عنه ذلك من وجه صحيح\"٤.\nوقال: \"وقد رُوِيَ عنه: \"أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب\"، ولكن لا يصح ... \"٥.\nوقال: \"وقد رُوِيَ عنه ﷺ: \"أنه كان يصوم السبت والأحد كثيرًا، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى ... \" وفي صحة هذا الحديث نظر\"٦.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٥١) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٦٣) .\n٣ زاد المعاد: (٢/ ٣٩٥) .\n٤ زاد المعاد: (١/ ٢٥٩) .\n٥ زاد المعاد: (١/٥٢٠) .\n٦ زاد المعاد: (٢/٧٨) .","vol":"2","page":36},{"text":"فهذه بعضُ الأمثلة لما استعمله ابن القَيِّم - ﵀ - من ألفاظ للدلالة على درجة الحديث: إما مكتفيًا بهذه الألفاظ وحدها، أو ضَامًّا إليها التصريح بصحة الحديث أو ضعفه.\nتاسعًا: قد يلجأ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى بعض الأساليبِ لِتَأكيدِ الحًُكْمِ الذي أصدره على الحديث.\nومن أبرز الأساليب التي استعملها في ذلك: الحلف على ثبوت الحديث أو عدمه، فيستعمل - ﵀ - أقوى المؤكدات في إثبات الحكم الذي توصل إليه وارتضاه في الحديث.\nوكان أكثرُ استعماله لهذه الطريقة في الأحاديث التي لم تثبت عن النبي ﷺ، أو التي وقع فيها غلط ووهم، فمن ذلك:\n- قوله في حديث أبي هريرة: في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، فقال: \"يفرق بينهما\": \"منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ أصلًا ... فوالله ما قال هذا رسول الله ﷺ، ولا سمعه أبو هريرة، ولا حدث به\"١.\n- وقال في حديث عمر ﵁، عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثًا \"أن لها السكنى والنفقة\":\n\"فنحن نشهدُ بالله شهادةً نُسْأَلُ عنها إذا لقيناه: أن هذا كذبٌ على\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥٢٠-٥٢١) .","vol":"2","page":37},{"text":"عمر ﵁، وكذبٌ على رسول الله ﷺ\"١.\n- وقال في حديث معاوية ﵁، أنه قَصَّرَ عن رأس رسول الله ﷺ في أيام العشر: \"فنحن نحلف بالله: أن هذا ما كان في العشر قط\"٢.\nفهذه بعضُ الأمثلة للأحكام الحديثية التي حَلَفَ عليها ابن القَيِّم ﵀، وهي تَدُلُّ على تَمَكُّنِه في هذا الباب، وسعةِ اطِّلاعِهِ عَلَى الْمَرْوِيَّات، والقدرة على تَمْييزِ صحيحها من سقيمها، وصَوَابها من غلطها، بحيث يُمْكِنُهُ - بكل ثقة - أن يجزم بحكمه، حالفًا بالله تعالى، ومشهدًا إِيَّاه على حكمه.\nعاشرًا: قد يحكمُ على الحديث من خلال النَّظر إلى مَتْنِه، دون دراسة إسناده والنظرِ في حالِ رواته.\nوقد سبق - عند الكلام على \"الحديث الموضوع\" - بيانُ الضوابطِ التي وضعها - ﵀ - لمعرفةِ كونِ الحديثِ موضوعًا دون النظر في إسناده٣، فإنَّ مَا أَودعه في كتابه (المنار المنيف) من ذلك يُمَثِّل منهجًا متكاملًا لنقد المتن والحكم عليه بِمَعْزِل عن إسناده.\nولم تكن تجربةُ ابن القَيِّم في نقد المتن محصورةً في هذا الكتاب\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥٣٩) .\n٢ زاد المعاد: (٢/١٣٧) .\n٣ انظر ص: (١/٤٦٠ - ٤٦٩) .","vol":"2","page":38},{"text":"وحده، بل إنه قد انتهج ذلك في سائر كتبه وأبحاثه، كما يُشَاهد ذلك كُلُّ مَنْ طَالَعَ كتاباته.\nمن المعايير التي استعملها لنقد المتن في غير كتابه (المنار):\n١- استدلاله على بطلانِ الْمَتْنِ بكونه مما يَسْتحِيلُ وقُوعُه عَقْلًا:\n- ففي قصة قدوم وفد هَمْدَان على النبي ﷺ، وما كان من إسلامهم، وأمر النبي ﷺ لهم بقتال ثقيف، قال ابن القَيِّم - ﵀ - منتقدًا هذا المتن: \"ولم تكن همدان أن تقاتلَ ثقيفًا، ولا تُغِير على سرحهم؛ فإنَّ هَمْدَان باليمن، وثقيفًا بالطائف\"١.\n- وفي قصة قدوم النبي ﷺ من تبوك، وخروجِ النساء والصبيان لِتَلَقِّيهِ وهم ينشدون:\nطَلَعَ البَدْرُ عَلَينَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ\nقال ابن القَيِّم: \"وبعض الرواة يَهِمُ في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وَهْمٌ ظاهرٌ؛لأن ثَنِيَّات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادمُ من مكة إلى المدينة، ولا يَمُرُّ بها إلا إذا تَوَجَّهَ إلى الشام\"٢.\nفاستدلَّ - ﵀ - على بطلانِ وغلطِ هذين الحديثين: باستحالة حصول ما تَضَمَّنَاه عقلًا.\n_________\n١ زاد المعاد: (٣/٦٢٣) .\n٢ زاد المعاد: (٣/٥٥١) .","vol":"2","page":39},{"text":"٢- استدلاله على بطلان المتن بكونه مما يستحيل وقوعه زمنيًا:\n- ففي حديث ابن عباس ﵄: \"جاءت اليهود إلى النبي ﷺ، فقالوا: نأكلُ مما قَتَلَ الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] \".، قال ابن القَيِّم - ﵀ - في إعلال هذا الحديث من جهة متنه: \"إنَّ سورة الأنعام مَكِّيَّة باتفاق، ومجيءُ اليهود إلى النبي ﷺ، ومجادلتهم إياه إنما كان بعد قدومه المدينة، وأما بمكة فَإِنَّمَا كان جدالُهُ مع المشركين عُبَّاد الأصنام\"١.\n- وفي حديث الترمذي: \"أن رسول الله ﷺ دَخَلَ مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد ... \". قال ابن القَيِّم ﵀: \"وهذا وَهْمٌ؛ فإنَّ ابن رواحة قُتِلَ في هذه الغزوة - يعني مؤتة - وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، وإنما كان يُنْشَدُ بين يديه شِعْرُ ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل\"٢.\n٣- استدلالُهُ على بطلان المتن بكونه قد وَقَعَ مِثْلُهُ ولم يأخذْ حُكْمَهُ:\n- فاستدل - ﵀ - على استحالة أن يكون كُلٌّ من: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع من أهل بدر: بأن النبي ﷺ هَجَرَهُمَا، ولو كانا من أهل بدر ما فَعَلَ ذلك معهما؛ لأنه ﷺ لم يَهْجُر حَاطِبًا وقد جَسَّ عليه٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١١٣) .\n٢ زاد المعاد: (٣/٣٨٦) .\n٣ زاد المعاد: (٣/٥٧٧) .","vol":"2","page":40},{"text":"فهذه بعض الأساليب التي اعتمدها ابن القَيِّم في نقد المتن والاستدلال على غلطه، دون النظر إلى إسناده.\nحادي عشر: رُبَّمَا استعمل ابن القَيِّم - ﵀ - في حكمه على الأحاديث بعض العبارات التي تفيدُ التصحيح النسبي، كقوله في حديث: \"هذا أصحُّ من كذا\". أو: \"أَمْثَل منه\"، ونحو ذلك.\nوقد مضى معنا في مبحث الحديث الصحيح نقل ضوابط مهمة عن ابن القَيِّم في ذلك، وأن هذا لا يلزم منه أن يكون هذا الْمُقَدَّمُ على غيره صحيحًا، بل يكون ضعيفًا ويقال له: \"أصحُّ من غيره\"، وذلك بالنسبة لهذا الغير١.\nوَتَقَدَّمَ - أيضًا - عند الكلام على منهجه في (المنار المنيف) نقل بعض أمثلة من ذلك، وأن أحاديث البابِ قد تكونُ كُلها ضعيفة أو باطلة، ومع ذلك فإنه يذكر أمثلها أو أحسنها ولا يعني ذلك – أبدًا- صحة هذا المقدم٢.\nومن أمثلة ذلك أيضًا: أنه ذَكَرَ حديثين في الوتر، وَحَكَمَ ببطلانهما، وهما: حديث \"نَهَى عن البُتَيْرَاء\"، وحديث: \"وترُ الليل ثلاثٌ كوتر النهار صلاة المغرب\". ثُمَّ قال في الثاني منهما: \"وهذا الحديث ... أصحُّ من الأول\"٣. هذا مع حكمه ببطلانهما.\n_________\n١ انظر ص: (١/٣٧٤ – ٣٧٥) .\n٢ انظر ص: (١/٣٠٥ – ٣٠٦) .\n٣ إعلام الموقعين: (٢/٣٧٣-٣٧٤) .","vol":"2","page":41},{"text":"وبعدُ، فهذا مَا تَيَسَّرَ التَنْبِيه عليه حول منهج ابن القَيِّم - ﵀ - في الحكم على الحديث وبيان درجته، ويمكنُ مراجعة المزيد من أحكامه الحديثية وأمثلة لها فيما تَقَدَّمَ ذكره عند الكلام على آرائه في علوم الحديث وقواعده، وكذا فيما يأتي في باب دراسة الأحاديث التي حَكَمَ عليها إن شاء الله.","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الفصل الربع: منهج ابن القيم في شرح الحديث، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الأول: منهجه في شرح الحديث، وبيان معانيه</span>.\n...\nالفصل الرابع: مَنْهَج ابن القَيِّم في شَرْحِ الحديث، وبيانِ معانيهِ، واسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِهِ، وَطُرُقِ اسْتِدْلالِهِ بِهِ، وَمَا يَلْحَقُ بِذلِك\nلقد اتَّسَمَتْ مؤلفات ابن القَيِّم - ﵀ - وأبحاثُهُ باشتمالها على معالجة النصوص الحديثية، والكلامِ عليها، وذلك من خلال: بيان معانيها، وشرح غريبها، واستخراج أحكامها وفوائدها، واستنباط الفقه منها، والكَشْفِ عن وجه دلالة تلك النصوص على الحكم الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور الْمُهِمَّاتِ التي لا غِنَى عنها للَّناظرِ في الأحاديث النبوية والمطالع لها.\nويمكننا أن نُمَيِّزَ المنهجَ الذي سار عليه ابن القَيِّم في ذلك كُلِّهِ من خلال المباحث التالية:\nالمبحث الأول: منهجه في شرحِ الحديثِ، وبيان معانيه.\nالمبحث الثاني: منهجه في بيان غريب الحديث.\nالمبحث الثالث: منهجه في التعريف بالأماكن والبقاع.\nالمبحث الرابع: منهجه في الاستدلال بالنصوص الحديثية على آرائه.\nالمبحث الخامس: منهجه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض.","vol":"2","page":45},{"text":"المبحث الأول: مَنْهَجُهُ فِي شَرْحِ الحديثِ وبَيَانِ مَعَانِيه\nإن النَّاظِر في كتب ابن القَيِّم - ﵀ - والمطالع لها يلاحظُ أنَّ الشَّرْحَ الكُلِّي الْمُتَكَامِل، وعلى وجه التفصيل، لم يحتل رقعةً واسعةً ضمن أبحاثه، وذلك أَنَّ ابن القَيِّم ﵀ - في الكثير الغالب - يُوردُ النصوص الحديثية:\n- مستدلًا بها على رأي يراه، أو مبدأٍ يقرره.\n- أو رَادًّا بها على الرأي المخالف، فيبرهنُ على أَنَّ النصوص على خلاف هذا الرأي.\n- أو مُبَيِّنًَا وجه دلالة النَّصِّ على مذهبٍ ما.\n- أو مُوَضِّحًِا بها حديثًا آخر ومؤكدًا إياه، فيسرد الأحاديثَ الموافقةَ له في الباب.\nإلى غير ذلك من المقاصد التي اشتملت عليها مؤلفاته ﵀.\nولذلك فَإِنَّ إفراد النصوص الحديثية بالشرحِ والبيانِ على وجه التفصيل، لم يكن شُغل ابن القَيِّم الأول، وأنه وإنِ اشتملت أبحاثه - في الغالب - على مقاصد الشرح وعناصرِه الأساسية - كما سيأتي ضمن موضوعات هذا المبحث - إلا أن تلك العناصر لم تكن تجتمعُ وتتكاملُ في الحديث الواحد إلا في القليل؛ إذ كان - ﵀ - يتناول كل حديث بما يناسب حاله، وبما يقتضيه المقام: من بيان فائدة، أو تنبيه على حكم، أو تعقب لرأي.","vol":"2","page":47},{"text":"نماذج من شروح ابن القَيِّم للأحاديث النبوية:\nويمكننا أن نستعرضَ في هذا المقام بعض الأمثلة من شرحِ ابنِ القَيِّم لبعض الأحاديث التي تَكَامَلَ فيها شرحه، وذلك للوقوفِ على العناصر الأساسية التي تُمَيِّزُ منهجه في ذلك، فمن ذلك:\n- حديث: \"مِفْتَاحُ الصَّلاة الطُّهور، وتَحْرِيْمُهَا التكبيرُ، وَتَحْلِيلُهُا التَّسْلِيم\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \" اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام:\nالحكم الأول: أن مِفْتَاحَ الصلاة الطهور.\nوالمفتاح: ما يُفْتَحُ به الشيء المغلق، فيكونُ فاتحًا له، ومنه: \"مِفْتَاح الجنة: لا إله إلا الله\".\nوقوله: \"مِفْتَاح الصَّلاة الطُّهور\" يفيد الحَصْرَ، وأنه لا مفتاحَ لها سواهُ، من طريقين:\n- أحدهما: حصرُ المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين، فَإِنَّ الخَبَرَ لابُدَّ أن يكون مساويًا للمبتدأ أو أَعَمَّ منه... فإذا كان المبتدأُ مُعَرَّفًا بما يقتضي عمومه -كاللام، وكل ونحوهما - ثم أخبر عنه بخبر، اقتضى صحةُ الإخبار أن يكونَ إخبارًا عن جميع أفراد المبتدأ؛ فإنه لا فردَ من أفراده إلا والخبرُ حاصل له.\nوإذا عُرِفَ هذا، لَزِمَ الحصرُ، وأنه لا فردَ من أفراد ما يُفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور...","vol":"2","page":48},{"text":"- والثاني: أن المبتدأَ مضافٌ إلى الصلاة، والإضافة تَعُمُّ، فكأنَّه قيل: جميعُ مفتاح الصلاة هو الطهور. وإذا كان الطهور هو جميع ما يُفْتَحُ به، لم يكن لها مفتاح غيره ....\nوإذا عرف هذا، ثَبَتَ أن الصلاة لا يمكنُ الدخولُ فيها إلا بالطهور.\nوهذا أدل على الاشتراط من قوله: \"لا يقبلُ الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَثَ حتى يتوضأ\" من وجهين:\n- أحدهما: أن نفي القبولِ قد يكونُ لفواتِ الشرط وعدمه، وقد يكونُ لمقارنة مُحَرَّمٍ يمنعُ من القبول: كالإباق، وتصديق العَرَّاف، وشربِ الخمر ... ونحوه.\n- الثاني: أن عَدَمَ الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها، وأنه مصدود عنها ... وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها، وأنه لم يرتبْ عليها أثرها المطلوب منها، بل هي مردودة عليه...\nفإن قيل: فهل في هذا الحديث حجةٌ لمن قال: إن عادم الطَّهورين لا يُصَلِّي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صَلاتَهُ غيرُ مفتتحة بمفاتحها، فلا تقبلُ منه؟\nقيل: قد اسْتَدَلَّ به من يرى ذلك، ولا حجةَ فيه.\nولابُدَّ من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث، وهي: أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الله - تعالى - ورسوله، أو جَعَلَهُ شرطًا للعبادة، أو رُكْنًَا فيها، أو وَقَفَ صِحَّتَهَا عليه: هو مُقَيَّدٌ بحال القدرة؛ لأنها الحالُ التي يُؤْمَرُ فيها به.","vol":"2","page":49},{"text":"وأما في حال العجز فغيرُ مقدورٍ ولا مأمورٍ، فلا تَتَوقفُ صحةُ العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة، وسقوط ذلك بالعجز. وقد قال ﷺ: \"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار\". ولو تَعَذَّرَ عليها الخمارُ صَلَّتْ بدونه، وَصَحَّتْ صلاتها ... ونظائره كثيرة، فيكون \"الطهور مفتاح الصلاة\" هو من هذا ...\nوفي الحديث دليلٌ على اعتبار النِّيَّةِ في الطهارة بوجهٍ بديعٍ؛ وذلك لأنه ﷺ جَعَل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تُفْتتح ويُدْخَل فيها إلا بِهِ، وما كان مفتاحًا للشيء كان قد وُضِعَ لأجله وأُعِدَّ له. فَدَلَّ على أن كونه مفتاحًا للصلاة هو جهة كونه طهورًا، فإنه إنما شُرِعَ للصلاة، وجُعِلَ مفتاحًا لها، ومن المعلوم: أن ما شُرِع للشيء ووضع لأجله لابد أن يكون الآتي به قاصدًا ما جُعِلَ مفتاحًا له ومُدْخِلًا إليه، هذا هو المعروف حِسًَّا، كما هو ثابت شرعًا. ومن المعلوم أن من سَقَطَ في ماء - وهو لا يريد التطهر - لم يأتْ بما هو مفتاح الصلاة، فلا تفتح له الصلاة، وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: لا إله إلا الله. وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون مفتاحًا للجنة منه، لأنه لم يقصدها... فهكذا هذا يجب أن لا يكونَ مُتَطَهِّرًَا، وهذا بحمد الله بَيِّنٌ.\nفصل\nالحكم الثاني: قوله: \"وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيرُ\".\nوفي هذا من حصرِ التحريمِ في التَّكْبِير نظيرُ ما تَقَدَّمَ في حصرِ مفتاحِ الصلاة في الطهور من الوجهين. وهو دليل بَيِّنٌ أنه لا تحريم لها إلا","vol":"2","page":50},{"text":"التكبير. وهذا قول الجمهور وعَامَّةِ أهل العلم قديمًا وحديثًا. وقال أبو حنيفة: ينعقدُ بكلِّ لفظٍ يدلُّ على التعظيم، فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث.\nثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: يتعينُ لفظ \"الله أكبر\" وحدها، وقال الشافعي: يتعين أحد اللفظين: \"الله أكبر\" و\"الله الأكبر\" ...\nوالصحيح قول الأكثرين، وَأَنَّه يتعين \"الله أكبر\" لخمس حجج:\n- إحداها: قوله: \"تحريمها التكبير\"، واللامُ هنا للعهد، فهي كاللامِ في قوله: \"مفتاح الصلاة الطهور\" ... وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود، الذي نقلته الأمة نقلًا ضروريًا خلفًا عن سلف عن نبيها ﷺ، أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقولُ غيره ولا مرةً واحدةً ... وهذا حُجَّة على من جوز \"الله الأكبر\" و\"الله الكبير\"؛ فإنه وإن سُمِّيَ تكبيرًا، لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث\".\nثم ذَكَر بقية الحجج الخمس، ثم قال:\n\"وفي افتتاحِ الصلاةِ بهذا اللفظ، المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره: سِرٌّ عظيمٌ يعرفُهُ أهل الحضور، الْمُصَلُّونَ بقلوبهم وأبدانهم؛ فإنَّ العَبْدَ إذا وَقَفَ بين يدي الله - ﷿ - وقد عَلِمَ أنه لا شيء أكبر منه، وَتَحَقَّقَ قلبه ذلك، وَأُشْرِبُهُ سِرُّه، استحيى من الله، وَمَنَعَهُ وقاره وكبرياؤه أن يشغلَ قَلْبَهُ بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى واقف بين يديه بجسمه، وقلبه يهيم في أودية الوَسَاوِسَ والخَطَرَاتِ، وبالله المستعان، فلو","vol":"2","page":51},{"text":"كان الله أكبرُ من كلِّ شيءٍ في قلب هذا، لما اشتغل عنه، وَصَرَفَ كُلَّيَةَ قلبه إلى غيره ...\nفصل\nالحكم الثالث: قوله: \"وتحليلها التسليم\".\nوالكلام في إفادَتِهِ الحصر كالكلام في الجملتين قبله.\nوالكلام في التسليم على قسمين:\n- أحدهما: أنه لا يَنْصَرِفُ من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ. وقال أبو حنيفة: لا يتعيَّنُ التسليم، بل يخرجُ منها بالْمُنَافِي لَهَا، من حَدَثِ أو عملٍ مبطلٍ ونحوه\".\nثم ذَكَرَ حجج أبي حنيفة على قوله هذا، وجواب الجمهور عنها، ثم قال:\nفصل\nوقد دَلَّ هذا الحديث على أَنَّ كُلَّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا: الوترُ بركعة، خلافًا لبعضهم... ويدخل في الحديث أيضًا: صلاةُ الجنازة؛ لأنَّ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ...\nوقول النبي ﷺ: \"مِفْتَاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم\" هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طردًا وعكسًا، فكل ما كان تحريِمُهُ التكبيرُ وتحليله التسليم، فلا بُدَّ من افتتاحه بالطهارة\".","vol":"2","page":52},{"text":"ثم أَخَذَ - ﵀ - في ذكر بعض العبادات الأخرى، وبيان اندراجها تحت هذا الأصل، وعلاقتها به، فذكر من ذلك:\n- الطواف بالبيت.\n- وسجود التلاوة والشكر١.\nوبعد عرض هذا المثال، يمكن استخلاص المنهج العامِّ لابن القيِّم في شرح الحديث، والجوانب التي اشتمل عليها شرحه، وذلك فيما يلي:\n١- شرحُ المفردات اللغوية التي تحتاج إلى بيانٍ.\n٢- بيانُ بعض الأوجه النحوية التي لها علاقة بالشرح، وتوجيه بعض العبارات في هذا الباب.\n٣- بيانُ الأحكام الفقهية التي يشتملُ عليها الحديث.\n٤- الاستشهاد - أثناء الشرح - ببعض النصوص الحديثية التي تَدْعَمُ كَلامَهُ، وَتُوَضِّحُ مراده.\n٥- بيانُ مذاهبِ الأئمة في الأحكام التي يشتملُ عليها الحديث، مع بيان الراجح منها.\n٦- بيان الأدلة التي يستندُ عليها في ترجيح الرَّاجِحِ من هذه المذاهب.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ٤٥ - ٥٦) .","vol":"2","page":53},{"text":"٧- بيانُ بعض القواعد التي تُعِينُ على فهمِ الحديث، وَتُبَيِّن مرادَ الشارعِ منه، ومدى انطباق هذه القواعد على ما شَابَهَ ذلك من النصوص.\n٨- قَد يستطردُ أثناء الشرح فيوردُ بعض القضايا التي تتعلق بالحديث، مع مناقشتها، وبيان الراجح فيها عند الخلاف.\nتلك أبرزُ النقاط، وأهمُ الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم - ﵀ - في شرحِ الحديث، وهي وإن كانت مُسْتَخْلَصَةً من خلال مثال واحدٍ، إلا أنَّ هذا المنهجَ هو الغالب عليه في كلامه على الأحاديث وشرحها.\nويمكن أن تنظر مزيد من الأمثلة على هذا المنهج في كلامه على الأحاديث الآتية:\n- حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: \"من أَسْلَفَ في شيء فلا يصرفه إلى غيره\" ١.\n- وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: \"لا يَحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيع ... \" ٢الحديث.\n- وحديث الحارث الأشعري مرفوعًا: \"إِنَّ الله - سبحانه - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها...\" ٣. الحديث بطوله.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/ ١١١ - ١١٨) .\n٢ تهذيب السنن: (٥ / ١٤٤ - ١٥٨) .\n٣ الوابل الصيب: (ص ٢١ -٥٢) .","vol":"2","page":54},{"text":"- وحديث: \"كفى ببارقةِ السيوف على رأسه فتنة\" ١. يعني: الشهيد.\n- وحديث قدومِ وفد بني المنتفق على النبي صلى الله عليه وسلم٢.\nهذا فيما يتعلق بشرحه الحديث على وجه التفصيلِ والشمولِ والإحاطة، وبيان المعاني التي اشتمل عليها، والأحكام التي تَضَمَّنَهَا، والفوائدِ المستخرجة منه. ويمكنُ الوقوف على قسطٍ كبير من هذا الكلام المبسوط، والشرحِ المستوفى في كتابه (تهذيب السنن) على وجه الخصوص، ولعله - ﵀ - قد أشار إلى ذلك في مقدمة هذا الكتاب حين قال:\n\"وبسطت الكلام على مواضع جليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرةٌ بأن تُثْنَى عليها الخناصرُ، ويُعَضَّ عليها بالنواجذ\"٣.\nأما الأحاديث التي شَرَحَهَا شَرْحًَا مجملًا مختصرًا، أو بالغ في إبراز معنىً فيها بعينه وتوضيحه، فمن أمثلتها:\n- حديث: \"أحبُّ الدين إلى الله: الحنيفية السمحة\".\nقال ﵀: \"فهي حنيفية في التوحيد وعدمِ الشرك، سَمْحَةٌ في العمل وعدم الآصارِ والأغلالِ بتحريمهم من الطيبات الحلال. فَيُعْبَدُ\n_________\n١ الروح: (ص ١٠٧، ١٠٩ - ١١٠) .\n٢ زاد المعاد: (٣ / ٦٧٣ - ٦٨٦) .\n٣ تهذيب السنن: (١/ ٩-١٠) .","vol":"2","page":55},{"text":"سبحانه بما أَحَبَّهُ، ويستعانُ على عبادته بما أَحَلَّهُ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] . وهذا هو الذي فَطَرَ الله عليه خَلْقَهُ، وهو محبوبٌ لكلِّ أحدٍ، مستقر سنته في كل فطرة؛ فإنه يتضمن التوحيد، وإخلاص القصد، والحب لله وحده، وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به ... \"١.\nوالأمثلة من هذا القبيل كثيرة٢.\nومما يَحْسُنُ التنبيهُ عليه ونحن بصدد الكلام على منهجه في شرح الحديث:\nاهْتِمَامُهُ بذكرِ الفوائد والنُّكَتِ التي تشتمل عليها الأحاديث، فإنه في كثير من الأحيان -بعد أن يسوقَ الحديث في المسألة - يذكر ما تَضَمَّنَهُ من فوائد وأحكام، فمن ذلك:\n- أنه ذكر النصوصَ الواردةَ في غزوة تبوك، ثم أشارَ إلى الفوائد المستنبطة منها، فذكر من ذلك ما يزيد على أربعين فائدة٣.\n- وفي قوله ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاة\" ذَكَرَ - ﵀ - جملةً\n_________\n١ شفاء العليل: (ص٥٠٠) .\n٢ انظر منها: شفاء العليل: (ص٦٣، ٤٧٢)، وروضة المحبين: (ص٥٣-٥٤، ١٧٣)، والروح: (ص٣١٨)، وجلاء الأفهام: (ص١٤٤، ١٥٦، ٢٣٥)، وزاد المعاد: (١/٣١٦-٣١٧)، (٢/٤٠٧، ٤٤٣، ٤٦٢)، (٤/٢٨، ٣٥، ٤٢، ٩٢، ٢١٨)، والصلاة: (٢١، ١٧٧)، وإعلام الموقعين: (١/٢٤٣) .\n٣ زاد المعاد: (٣/٥٥٨-٥٩٢) .","vol":"2","page":56},{"text":"كبيرةً من الفوائد والأحكام التي يشتملُ عليها هذا القول١.\n- وفي قصة الْمُحْرِم الذي سَقَطَ عن راحلته فمات ...، قال: \"وفي هذه القصة اثنا عشر حكمًا ... \"٢فَسَرَدَهَا.\nوالأمثلة في هذا الباب كثيرة٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٤٣٤-٤٣٥) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٢٣٨-٢٤٦) .\n٣ انظر منها: زاد المعاد: (٢/٧٧، ٤٣٧)، (٤/٤٨-٦١)، (٥/٥٣، ١٣٥، ١٩٣، ٣٥٨)، وحادي الأرواح: (ص٤٨)، وتهذيب السنن: (١/٤٥، ٣٤٤) .","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الثاني: مَنْهَجُهُ في بَيَانِ غَرِيبِ الحَدِيثِ</span>\nلقد كان ابنُ القَيِّم في كثير من الأحيان يقفُ عند الألفاظ الغريبةِ الغامضةِ التي تَمُرُّ في النصوص الحديثية، فيكشفُ غموضها ويوضح معناها.\nأما عن المنهج الذي سَلَكَهُ في بيان الألفاظ الغريبة، فقد كان على النحو التالي:\n١- تنوع طريقة ابن القَيِّم - ﵀ - من حيث البسط والاختصار؛ فتارةً يشرحُ اللفظةَ الغريبةَ بكلمةٍ أو كلمتين أو جملة قصيرة:\n- فيقول في حديث: \"إذا بايعت فقل: لا خِلابة\": \"أي: لا خديعة\"١.\n- ويقول في حديث: \"كلُّ خطبة ليس فيها تَشَهُّدٌ، فهي كاليد الجذماء\": \"اليد الجذماء: المقطوعة\"٢.\n- وقال في حديث عائشة ﵂: \"وكانَ إِذَا تَعَرَّقْتُ عَرْقًَا٣ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فمه موضع فمها\": \"العَرْق: العظم الذي عليه لحم\"٤.\n_________\n١ روضة المحبين: (ص٤٩) .\n٢ جلاء الأفهام: (ص٢٠٧) .\n٣ العَرْقُ: - بالسكون - العظم إذا أُخِذَ عنه معظمُ اللحم، وجمعه: عُرَاق. وتَعَرَّقَهُ: إذا أخذ عنه اللحم بأسنانه. (النهاية ٣/٢٢٠، عرق) .\n٤ زاد المعاد: (١/١٥٢) .","vol":"2","page":59},{"text":"- وقال في حديث احتجامه ﷺ في الأخدعين والكاهل: \"والكَاهِلُ: هو ما بين الكتفين\"١.\nإلى غير ذلك من الأمثلة على بيانه الغريب بإيجازٍ واختصار٢.\nوتارةً أخرى يطيلُ النَّفَسَ في ذكر معنى الكلمة، وبيان وجوهها، ومن ذلك:\n- حديث: \"الْمُهَجِّرُ إلى الجمعة كالمُهْدي بدنة\" فقد أفاض﵀- في شرح معنى التهجير، واشتقاقِ هذه الكلمة ومعانيها، وَطَوَّلَ في نقل أقوال العلماء في ذلك٣.\nوهو إنما يلجأ إلى ذلك لحاجة وضرورة تدعوه إلى مثل هذه الإطالة؛ فإن قومًا حملوا هذا الحديث على أن المراد به: الذهابُ في الهاجرة، وهو وقت الزَّوَال، فأرادَ أن يُثْبِتَ أن المراد بالتهجير: التبكير والمبادرة إلى كلِّ شيء.\n- وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ في قسمة الضحايا، وقوله: فبقي عتود، وأن النبي ﷺ قال له: \"ضَحِّ به أنت\". قال ابن القَيِّم ﵀: \"العَتُودُ من ولدِ المَعْزِ: ما قَوِيَ وَرَعَى، وأتى عليه حولٌ، قاله الجوهري\". ثم نَقَلَ أقوالًا أخرى في معنى ما قاله الجوهري، ثم قال: \"فيكون هو الثَّنِيُّ\n_________\n١ زاد المعاد: (١/ ١٦٤) .\n٢ وانظر أيضًا: حادي الأرواح: (ص ٢٤٥)، وزاد المعاد: (١/ ٣٤٧، ٤٨٤) .\n٣ زاد المعاد: (١/ ٤٠٣ - ٤٠٦) .","vol":"2","page":60},{"text":"من المعز، فتجوز الضَّحِيَّةُ به\"١.\nفنجده قد استقصى الأقوال في معنى هذه الكلمة لَمَّا أراد أن يثبتَ هذا الحكم، وهو جواز التضحية بالعتود.\n- وسلك الطريقة نفسها في شرح معنى \"الإهاب\" في حديث الدِّبَاغ٢.\nفهكذا نجده يشرح الكلمة الغريبة بإيجاز واختصارٍ تارةً، وتارة يُفَصِّلُ ويتوسعُ في بيان معناها حين يقتضي المقامُ ذلك.\n٢- قيامه بضبط الكلمة الغريبة وتقييدِهَا بالحروف، وذلك حينما يخشى من التباسها بغيرها:\n- فيقول في كلامه على حَجَّةِ النبي ﷺ: \"وَلَبَّدَ رسول الله ﷺ - رَأْسَهُ بِالغِسْلِ- وهو بالغين المعجمة، على وزن: كِفْل - وهو: ما يُغْسَلُ بِهِ الرأس من خِطْمِيٍّ ونحوه، ويُلَبَّدُ به الشعرُ حَتَّى لا ينتشر\"٣.\n- ويقول في حديث وفد بني المنتفق: \"الشَّرَبة - بفتح الراء -: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون والياء: الحنظلة\"٤.\n٣- اعتماده في شرح الغريب على أئمة اللغة وأرباب الشأن،\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/ ١٠٣) .\n٢ انظر: تهذيب السنن: (٦/ ٦٧- ٦٨) .\n٣ زاد المعاد: (٢/ ١٥٨) .\n٤ زاد المعاد: (٣/ ٦٧٨) .","vol":"2","page":61},{"text":"سواء منهم من عُرِفَ بالتصنيف في (غريب الحديث): كأبي عبيد١، وابن الأثير٢. أو غيرهم من أئمة اللغة الذين لم يُصَنِّفُوا فيه: كالجوهري في (صحاحه) ٣، والأزهري في (تهذيب اللغة) ٤، وغيرهم.\nولكنه في الكثير الغالب يشرحُ الكلمة بنفسه، دون نقلٍ عن أحد، أو قد يكون ناقلا عن غيره دون تصريح٥.\n٤- التنبيه على ما يقع من غلطٍ في ضبطِ كلمةٍ غريبةٍ في الحديث، وبيان وجهَ الصواب فيها، فمن ذلك:\n- ما جاء في الحديث: \" ... كيف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وقد أَرِمْتَ\" - يعني: بَلِيتَ -، فقد بَيَّنَ - ﵀ - أن بعضهم غَلِطَ في لفظ الحديث، فقال: \" ... فقالوا اللفظ به: أَرَمَّتَ، بفتح الراء، وتشديد الميم وفتحها، وفتح التاء ... \"، ثم أَخَذَ في بيان خطأ هذا القول، ووجه الصواب في ذلك٦.\n_________\n١ انظر: حادي الأرواح: (ص ٢٣٣، ٢٤٨) .\n٢ انظر: زاد المعاد: (١/ ١٦١) .\n٣ انظر: حادي الأرواح: (ص ٢٥٣)، وزاد المعاد: (٤/ ٣٧) .\n٤ انظر: زاد المعاد: (١/ ٤٠٤) .\n٥ وانظر مزيدًا من الأمثلة على شرحه الغريب في: زاد المعاد: (٢/٢٤٧)، (٤/٣٧، ١١٣)، وروضة المحبين: (ص ٥٧، ٨٤، ٣٦٥)، وحادي الأرواح: (ص ١٨٠، ٢٠٤، ٢٣١)، وإغاثة اللهفان: (١/ ٢٦٢) .\n٦ تهذيب السنن: (٢/ ١٥٤) .","vol":"2","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الثالث: مَنْهَجُهُ في التعريفِ ببعضِ الأماكنِ والبقاعِ التي تَرِدُ في النصوص الحديثية، وضبط ذلك</span>\nاهْتَمَّ ابن القَيِّم ﵀ - في ضمن كلامه على الحديث - بضبط أسماء الأماكن والمواضع التي تردُ في النصوص الحديثية، مع تحديد وبيان موقعها والدلالة عليها.\nوكان ربما اكتفى بتحديد الموضع فقط:\n- كقوله في (حُنَين) و(أوطاس): \"وهما موضعان بين مكة والطائف\"١.\n- وقوله: \"أن وادي وجّ - وهو وادٍ بالطائف - حَرَمٌ يحرم صيده\"٢.\nإلا أَنَّهُ في مناسبات أخرى قد يقومُ بضبطِ اسمِ المكان عندما يَخْشَى التباسُهُ بغيره، أو لغير ذلك من الأسباب:\n- فقال في حديث جابر ﵁: \"آجرَ رسول الله ﷺ نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش ... \": \"قال في النهاية: جُرَش - بضم الجيم وفتح الراء -: من مخاليف اليمن، وهو بفتحهما: بلد بالشام.\n_________\n١ زاد المعاد: (٣/ ٤٦٥) .\n٢ زاد المعاد: (٣/ ٥٠٨) .","vol":"2","page":63},{"text":"قلت: إن صحَّ الحديث، فإنما هو المفتوح الذي بالشام\"١.\nوَإِنَّمَا قَامَ بِضَبْطِ ذلك وتحريره: لِيُبَيِّنَ أن المقصود في هذا الحديث \"جَرَش\" الشام؛ وذلك لأنَّه كان بصدد الكلام عن سَفَرِ النبي ﷺ بتجارة خديجة إليها، فَنَبَّهَ على ذلك حتى لا تلتبس بـ \"جُرَش\" المضمومة التي باليمن.\n- وقال عند كلامه على غزوة دُومة الجندل: \"وهي بضم الدَّال، وأما دَومة - بالفتح - فمكانٌ آخر\"٢.\n- وقال عن \"ذات السلاسل\": \"وهي وراء وادي القرى، بضم السِّين الأولى وفتحها، لغتان، وبينها وبين المدينة عشرة أيام\"٣.\nفهكذا يقوم - ﵀ - بضبط اسم المكان عند خشية التباسه بغيره، أو عندما يكون في ضبطه أكثر من لغة.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/ ١٦١) .\n٢ زاد المعاد: (٣/ ٢٥٥) .\n٣ زاد المعاد: (٣/ ٣٨٦) .","vol":"2","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الرابع: مَنهَجُهُ في الاستدلالِ بِالنُّصُوصِ الْحَدِيْثِيَّةِ عَلَى آرَائِهِ واخْتِيَارَاتِه</span>\nلقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - في بحوثهِ وآرائهِ وتقريراتهِ، يعتمد اعتمادًا كبيرًا - مع القرآن - على النصوصِ الحديثية، يستدل بها على ما يذهب إليه ويراه صوابًا، ويردُّ بها على المخالفين ويدحض بها دعاواهم.\nوكان من أهم السمات التي ميزت منهجه في سياق الأدلة، والاستنباط منها، وبيان أوجه الدلالة فيها، ما يلي:\n١- كان ابن القَيِّم - ﵀ - يعرضُ القضيةَ التي يريدُ تقريرها، أو الرأيَ الذي يختاره ويذهب إليه، ثم يسوقُ الأدلة على ذلك:\n- فيقول مثلًا: \"وكان هَدْيُهُ ﷺ في ابتداء السلام أن يقول: السَّلام عليكم ورحمة الله. وكان يَكْرَهُ أن يقولَ المبتدئ: عليك السلام. قال أبو جُزَيّ الهُجَيمِي: أتيتُ النبي ﷺ، فقلت: عليكَ السَّلام يا رسول الله. فقال: \"لا تَقُلْ عَلَيك السَّلام؛ فإن عَليك السلام تحية الموتى\" ١.\n- وقال: \"للصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظِ الجوارحِ الظاهرةِ، والقوى الباطنة ... وقال النبي ﷺ: \"الصَّوم جُنَّة\" ٢.\n- وقال مرة: \"وبالجملة: فَتَنْبيهُ الشَّارع وحكمته يقتضي أن الفِطْرَ لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، وَنَبَّهَ\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٤٢٠) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٢٩) .","vol":"2","page":65},{"text":"عليها، وَصَرَّحَ بِحُكْمِهَا، وَعَزَمَ عليهم بأن يفطروا لأجلها. ويَدُلُّ عليه: ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم فتح مكة: \"إِنَّهَ يَومُ قِتَال فَأَفْطِرُوا \"١.\nففي هذه الأمثلة وغيرها: نرى أَنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - يُقَرِّرُ المسألة، أو يضعُ القاعدة، أو يُبَوِّبُ الباب، ثم يسوقُ لذلك الأدلة من الأحاديث النبوية.\n٢- ومع ذلك، فإنه - في مواطن أخرى - يقومُ بإيراد الحديث في مطلع كلامه، ثم يَتَكَلَّمُ عن أحكامه، وفقهه، ووجه الاستدلال منه، فمن ذلك:\n- أَنَّه عند كلامه على حكمِ رسولِ الله ﷺ في حضانة الولد: ساقَ جملة أحاديث في الباب، ثم بدأَ في الكلامِ على الأحكام التي تشتمل عليها هذه الأحاديث٢.\n- وعند كلامه على أحكام الرضاعة، وما يحرمُ بها: ذكر أحاديث عِدَّة، ثم قال: \"فَتَضَمَّنَتْ هَذِه السُّنَنُ الثَّابِتَة أَحْكَامًَا عديدة ... \"٣ ثم أَخَذَ في بيان هذه الأحكام.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/ ٥٤) .\n٢ زاد المعاد: (٥ / ٤٣٢ - ٤٦٥) فما بعدها.\n٣ زاد المعاد: (٥/ ٥٥٢ - ٥٥٦) .","vol":"2","page":66},{"text":"- وَكَذَا صَنَع في الكلام على حكم استبراءِ المرأة من السبي قبل وطئها١.\n٣- ومما تميز به ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب: الإكثار من الأدلة التي يوردها للمسألة الواحدة:\n- فعند كلامه على صِفَةِ حَجَّةِ النبي ﷺ، قال: \"وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه أَحْرَمَ قَارِنًا لبضعة وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك\"٢.ثم أَخَذَ في سَرْدِهَا.\n- وأورد ثمانية عشر حديثًا في إثبات عذاب القبر٣.\n- وَسَاق في بيان فضل السِّواك وتأكيده ثَمَانِيَة عشر حديثًا أيضًا٤. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.\nفهكذا كان ﵀: إذا تناول مسألةً، فَإِنَّهُ يورد في الاستدلالِ عليها قدرًا كبيرًا من الأحاديث النبوية على وجه الخصوص؛ إذ اعتماده في ذلك على النصوص في المقام الأول.\n٤- لم يكتف ابن القَيِّم بِمُجَرَّدِ سَوْق النصوصِ الحديثية في معرض الاستدلال، بل إنه - في بعض الأحيان - يُبَيِّنُ وجه الاستدلال من النص\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/ ٧١١ - ٧٤٥) .\n٢ زاد المعاد: (٢/ ١٠٧ - ١١٥) .\n٣ تهذيب السنن: (٧/ ١٤٢ - ١٤٦) .\n٤ المنار المنيف: (ص ٢٣ - ٢٨) .","vol":"2","page":67},{"text":"للمسألة المستدل لها، وبخاصة إذا لم تكن دلالة النص صريحة:\n- فيقول مثلًا: عِنْد سِيَاقِه أَدِلَّة كفر تارك الصلاة -: \"الدليلُ العاشر: قوله ﷺ: \"مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا: فَهُوَ المسلم ... \" قال: \"ووجه الدلالة فيه من وجهين ... \"١ فذكرهما.\nوعلى ذلك أمثلة أخرى٢.\n٥- التَّدَرُّجُ في سياقِ الأدلةِ حسب قوتها وأهميتها، وقد مضى الكلام على ذلك عند عرض منهجه - ﵀ - في التأليف٣.\n_________\n١ الصلاة: (ص ٤٨) .\n٢ انظر مثلًا: الصلاة: (ص ١٩، ١٢٠، ١٢١، ١٢٥) .\n٣ انظر (١/٢١٣) .","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الخامس: مَنْهَجُهُ في التوفيقِ والجمعِ بينَ الأحاديث التي ظَاهِرُهَا التَّعَارض</span>\nتَقَدَّمَتْ الإشارة - عند الكلام على \"مختلف الحديث\" - إلى كلام ابن القَيِّم - ﵀ - ورأيه في الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وذكرنا هناك جملة من المرجحات التي استعملها في الترجيح عند التعارض١.\nوأنبه هنا على بعض المعالم الرئيسة لمنهج ابن القَيِّم في الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، مع ذكر بعض الأمثلة من كلامه.\n- فقد كان - ﵀ - حريصًا على التأليف بين الأحاديث المتعارضة، ونفي التضادِّ عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مُقَرِّرًا أن أحاديث النبي ﷺ لا يَضْرِبُ بعضُهَا بعضًا، وإِنَّمَا تتفقُ وتتآلف.\n- وبالرغم من أن التعارضَ لا يكون مُعْتَبَرًا إلا بَين حديثين صحيحين، إلا أَنَّ ابن القَيِّم كان رُبَّمَا قَامَ بالجمع بين خبرين أحدهما ضعيف، أو لا يُقَاِوم الآخر في الصحة.\nويكون هذا - في الغالب - من باب التَنَزُّلِ منه، فيقررُ عدم صحة الْمُعَارِض، ثم يقول: بأنه على فرض ثبوته، أو على القول بتسليم صحته، فإن الجمع بينه وبين معارضه ممكن على نحو كذا وكذا، أو يجعل\n_________\n١ انظر: (١/٥٠٢ - ٥٠٨) .","vol":"2","page":69},{"text":"الجمع والتأويل معلقًا على ثبوته، فيقول مثلًا: إن صَحَّ الخبر فتأويله كذا، أو: وجهه كذا١.\nومن أمثلة الأحاديث التي قام بالتأليف والتوفيق بين ما ظَاهِرُهُ التعارض منها:\n١- أحاديث الإذن في الرُّقْيَة، كحديث عائشة ﵂: \"أَنَّ النبي ﷺ كان يأمرها أن تَسْتَرْقِي من العين\". وحديث جابر ﵁: \"رَخَّصَ رسولُ الله ﷺ لآل حزم في رقية الحَيَّة\". وغير ذلك من الأحاديث.\nوما جاء في النهي عن ذلك، كما في حديث جابر ﵁: \"أَنَّ رَسُول الله ﷺ نَهَى عن الرُّقَى\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"فهذا لا يعارضُ هذه الأحاديث؛ فَإِنَّه إنما نَهَى عن الرُّقى التي تتضمنُ الشِّرْكَ، وتعظيمَ غيرِ الله سبحانه، كغالبِ رُقَى أهل الشرك.\nوالدليل على هذا: ما رواه مسلم في (صحيحه) ٢ من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: \"اعرضوا عليَّ رُقَاكُم، لا بأسَ بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك\" ...\n_________\n١ انظر مثلا: تهذيب السنن: (٥/ ٣٦١ -٣٦٢)، والفروسية: (ص ١٠١) .\n(٤/ ١٧٢٧) ح٦٤ (٢٢٠٠) ك السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.","vol":"2","page":70},{"text":"وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالِهَا: فيما يكون الْمَنْهِيُّ عنه نوعًا، والمأذون فيه نوعًا آخر، وكلاهما داخلٌ تحت اسمٍ واحدٍ، من تَفَطَّنَ له زال عنه اضطرابٌ كثيرٌ، يَظُنُّهُ من لم يُحِطْ عِلمًا بحقيقة الْمَنْهِيِّ عنه من ذلك الجنس، والمأذون فيه: متعارضًا، ثم يسلكُ مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث\"١.\n٢- الأحاديث الواردة في أكل الْمُحْرِم لحمَ الصيد، وما جاء من المنع من ذلك.، قال ﵀:\nقال ﵀: \"فَحَيْثُ أَكَلَ: ُعُلِمَ أَنَّهُ لم يُصَدْ لأجلهِ، وحيث امتنع: عُلِمَ أنه صيد لأجله. فهذا فعله، وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال\"٢.\nوحديث جابر الذي أشار إليه: هو ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ عن جابر ﵁ مرفوعًا: \"صَيْد البَرِّ لَكُم حلالٌ ما لم تصيدُوه، أو يُصَادُ لكم\".\n٣- حديث: \"من كان له شَعْرٌ فليكرمه\" وحديث: \"النَّهْي عن التَّرَجُّلِ إلا غِبًّا\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"والصَّواب: أنه لا تعارض بينهما بحال، فإن العبدَ مأمورٌ بإكرامِ شعره، وَمَنْهِيٌّ عن المبالغةِ والزيادةِ في الرفاهية والتنعيم، فيكرم شعره ولا يتخذُ الرَّفَاهِية والتنعيم ديدنه، بل يترجل غبًا.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/ ٣٦٧) .\n٢ تهذيب السنن: (٢/ ٣٦٥) .\n(٢/ ٤٢٧) ح ١٨٥١ ك الحج، باب لحم الصيد للمحرم.","vol":"2","page":71},{"text":"هذا أولى ما حمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق\"١.\nإلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الباب٢.\nوبعدُ، فهذه أبرزُ المسائل المتعلقة بكلام ابن القَيِّم - ﵀ - على الحديث: شرحًا، واستدلالًا، واستنباطًا، وجمعًا وتوجيهًا عند التعارض، وغير ذلك، مع بيان منهجه في كل مسألة من تلك المسائل، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/ ٨٥) .\n٢ انظر منها: زاد المعاد: (١/٢٠٨، ٢٧٥ - ٢٨٥)، إعلام الموقعين: (٢/٣٣٤ -٣٣٥)، تهذيب السنن: (١/١٣٧- ١٣٨)، بدائع الفوائد: (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، مفتاح دار السعادة: (٢/ ٢٦٤-٢٦٩) .","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الباب الثالث: دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المدخل</span>\n...\nالباب الثالث: دِرَاسَةُ جملة من الأحاديث المختارة مِمَّا تَكَلَّم عَلَيه ابن القَيِّم\nويتضمن هذا الباب أحاديث منتقاة من:\n١- كتاب الطهارة.\n٢- كتاب الحيض.\n٣- كتاب الصلاة.\n٤- كتاب الزكاة.\n٥- كتاب الصوم.\n٦- كتاب الحج.\n٧- كتاب الجهاد\n٨- كتاب الجنائز.\n٩- كتاب النكاح.\n١٠- كتاب الطلاق.\n١١- كتاب البيوع.\n١٢- كتاب الأطعمة والصيد والذبائح.\n١٣- كتاب الأيمان والنذور.\n١٤- كتاب العتق.\n١٥- كتاب الحدود والديات.\n١٦- كتاب الأدب.\n١٧- كتاب الفرائض.\n١٨ - كتاب الأذكار.\n١٩- كتاب الفضائل.\n٢٠- كتاب التفسير.\n٢١- كتاب التوحيد والأسماء والصفات.","vol":"2","page":75},{"text":"الباب الثالث: دِرَاسَةُ جملة من الأحاديث المختارة مِمَّا تَكَلَّم عَلَيه ابن القَيِّم\nوهي أحاديث تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - بالدراسة في كتبه، وحكم عليها: بالصحة، أو الضعف، أو غير ذلك من أحكام.\nوقد حرصت في انتقاء هذه الأحاديث على أن تكون شاملةً لجملة متنوعة من أحكام ابن القَيِّم الحديثية، مع اشتمالها - كذلك - على أكبر قدر ممكن من الكلام على العلل الحديثية المختلفة، وكيفيةِ تعاملِ ابن القَيِّم - ﵀ - معها.\nفيجدُ الناظر في هذه الأحاديث: كلامَ ابن القَيِّم في الحكم على الحديث ابتداء، ويجد كَلامَهُ في تَعَقُّبِ بعض الأحكام الحديثية لآخرين، ويجد - أيضًا - تناول ابن القَيِّم لعلل بعض الأحاديث، وكذا أجوبته عن عللٍ لأحاديث أخرى لا يراها معلولة.\nوبذلك تمثل هذه الدراسة لهذه المجموعة من الأحاديث: جملةً من المناقشات العلمية الحديثية التي كان ابنُ القَيِّم طرفًا رئيسًا فيها.\nالهدف من جمع هذه الأحاديث ودراستها:\nوقد قَصَدتُ من وراءِ دراسة هذه الأحاديث:\n١- أَنْ يَكون ذلك بِمَثابة تطبيقٍ عَمَلِيٍّ على ما تَقَدَّمَ بيانُه من منهج ابنِ القَيِّم وآرائه في الحديث وعلومه.","vol":"2","page":76},{"text":"٢- تُمَثِّلُ هذه الدراسة محاولةً لجمع شتات ما تَفَرَّقَ من أحكام ابن القَيِّم الحديثية في كُتُبه المختلفة، على أَنَّ ذلك يُعَدُّ مرحلةً أولى في سبيلِ إخراج \"موسوعة ابن القَيِّم الحديثية\" كاملة.\n٣- تسهيل الوصول إلى البُغْيَةِ من هذه الأحكام بأيسر طريق؛ إذ إِنَّ استخراجَ ذلك من كُتُبِهِ - مع كثرتها، وتنوع مباحثها، وعدم توافر فهارس دقيقة لها - لا يَتِمُّ إلا بعسرٍ ومشقة.\n٤- كما أن ذلك يتيحُ الفرصةَ لدراسةِ أحكام ابن القَيِّم دراسةً مُقَارَنَةً بأحكامِ غَيْرِهِ من أئمة هذا الشأن وَنُقَّادِهِ، فيُعْرَفُ بذلك مكانه بينهم، ومكانته في هذا الفن.\n٥- ويمثل ذلك - أيضًا - خدمةً حديثيةً جليلة لعددٍ هائلٍ من كُتُبِ ابن القَيِّم ﵀؛ وذلك: بتخريج أَحَادِيثِها، والحكمِ عليها؛ إذ إن كثيرًا من كُتُبِ ابن القَيِّم لم تُخْدَمْ من الناحية الحديثية.\n٦- وأخيرًا: فإن هذه المحاولة لجمع ودراسةِ أحكام ابن القَيِّم الحديثية، قد تُسْهِم في إضافة مَرْجَعٍ مُهِمٍّ إلى جملة المراجع في باب الدِّراسة الحديثية النقدية.\nمنهجي في دراسة هذه الأحاديث:\nوقد اتَّبَعْتُ في دراسة هذه الأحاديث الخطوات التالية:\n١- رَتَّبْتُ هذه الأحاديث على كتب الفقه وأبوابه المعروفة، تسهيلًا لمراجعتها وحصول البغية منها.","vol":"2","page":77},{"text":"٢- لَمْ أَلْتَزِم في ذلك استيعاب كُلِّ أبوابِ الفقه المشهورة، ولكنني - مع ذلك - حرصت على استيعاب أكبر قدر منها.\n٣- وَقَد رَقَّمْتُ هذه الأحاديث ترقَيِّمًا تسلسليًا، وكذا رقمتُ الكتبَ الفقهية، والأبوابَ الواردة تحتَ كُلِّ كتابٍ.\n٤- أَبْدَأ بذكر متن الحديث المراد دراسته، مقتصرًا على ذكر صَحَابِيِّه فقط.\n٥- وَكثيرًا ما يذكرُ ابن القَيِّم طرفًا من الحديث، أو يذكره بمعناه، أو يشير إليه، وقد التزمت في ذلك كُلِّهِ بسياق لفظ الحديث كاملًا من مصادره الأصلية، مع التنبيه على المصدر الذي سقت لفظه.\n٦- ثم أُتْبِعُ ذلك بنقلِ كلام ابن القَيِّم وحُكْمِهِ على الحديث، فإذا كان كلامه على الحديث طويلًا، فإنني ألخصه، ذاكرًا من ذلك النقاط الأساسية في كلامه.\n٧- ثم انتقلُ إلى تخريج الحديث من دواوين السنة المشهورة، ولم التزم في ذلك باستيعاب المصادِرِ التي خَرَّجَتْ الحديث، وَإِنَّمَا أَكْتَفِي - في الغالب - بأمهات كتب الحديث: من سنن، ومسانيد، ومعاجم وغيرها.\n٨- في الترجمة لرجال الإسناد: لم أترجم إلا لمن تدعو الحاجة إلى ترجمته، ممن يكون - في الغالب - مُضَعَّفًَا، أو مُخْتَلَفًَا في توثيقه وتضعيفه، وقد أترجم لبعض الثِّقَاتِ من غير المجمع عليهم من باب التعريف بهم.","vol":"2","page":78},{"text":"٩- وقد اكتفيتُ في الترجمة لرجال الإسناد: بـ (تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر، ولا أخرجُ عنه إلا لضرورة، كأن يكون الرَّجُلُ مختلفًا فيه، فأنقل أقوال الأئمة في ذلك، أو عندما يُخَالَف ابن حجر في حكمه، وكذا عندما لا يكون الرجل من رجال (التقريب) .\n١٠- أعرضُ حكمَ ابن القَيِّم على ما حَكَمَ به أَئِمَّةُ الشأن على الحديث، وأُرَجِّحُ - عند الاختلاف - ما أراه الصواب، وذلك بحسب ما يظهر لي أن الأدلَّة في جانبه، وذلك على ضوء قواعد أهل الفن.\n١١- قد أسوقُ بعض المتابعات والشواهد لبعض الأحاديث إذا دَعَتْ الحاجة إلى ذلك.\n١٢- ثم أذكر - في نهاية المطاف - خلاصةَ البحث في الحكم على الحديث، موضحًا ما تَرَجَّحَ لديّ من خلال الدراسة.\n١٣- لم أتعرضْ في دراستي هذه لشيءٍ من الأحاديث الْمُخَرَّجَةِ في الصحيحين أو أحدهما، وإن كان لابن القَيِّم حُكْمٌ عليها.\n١٤- وقد استعملتُ رموزًا للدلالة على بعض المصادر الحديثية وغيرها عند التخريج، وذلك من باب الاختصار، وقد سبق ذكر هذه الرموز في أول الكتاب١.\n_________\n١ انظر: (١/٢٢ - ٢٣) .","vol":"2","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>من كتاب الطهارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>١ـ باب ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة عند الحاجة</span>\n...\n- من كتاب الطهارة\n١- باب ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة\n١- (١) عن عائشة ﵂ قالت: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُوِلِ الله ﷺ قَومٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ القِبْلَةَ. فَقَال: \"أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا، اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي القِبْلَة\" ١.\nأوردَ ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في كتابيه: (زاد المعاد) ٢، و(تهذيب السنن) ٣، وذكر أنه ضعيف بجملة أمور:\n- أولها: أنه مضطرب.\n- ثانيها: أنه منقطع.\n- ثالثها: أن الصواب فيه الوقف.\n- رابعها: ضَعفُ \"خالد بن أبي الصَّلْت\" في إسناده.\nقلت: هذا الحديث مداره على: خالد٤ الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصَّلْت٥، عن عراك بن مالك٦، عن عائشة ﵂ به. ورواه عن خالد الحَذَّاء جماعة:\n_________\n١ أي: حَوِّلوا موضع قضاء حاجتي إلى جهة القبلة؛ لبيان جواز ذلك في البيوت، وليزول ما في قلوبهم من الإنكار لذلك.\n(٢/ ٣٨٤) .\n(١/ ٢٢-٢٣) .\n٤ ابن مهران، أبو المنازل، البصري، الحَذَّاء ... ثقة يرسل، من الخامسة، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تَغَيَّرَ لَمَّا قَدِم من الشام / ع. (التقريب ١٩١) .\n٥ البصري، مدني الأصل، كان من جهة عمر بن عبد العزيز بواسط، مقبول، من السادسة / ع. (التقريب ١٨٨) .\n٦ الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك، بعد المائة/ع. (التقريب ٣٨٨) .","vol":"2","page":83},{"text":"منهم: حماد بن سلمة، فرواه أبو داود الطيالسي١ عن حماد. وأخرجه أحمد٢، وابن ماجه٣، والدارقطني٤ عن وكيع.\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٥ عن يحيى بن إسحاق. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٦ عن بَهْز٧. كُلُّهُم عن: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء بالإسناد الماضي ذكره.\nوألفاظهم بنحو لفظ ابن ماجه الذي صَدَّرْنَا به البحث، إلا رواية بهز عند أحمد ففيها قول خالد بن أبي الصلت: ذكروا عند عمر بن عبد العزيز - ﵀ - استقبال القبلة بالفُرُوجِ، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة ... الحديث.\nوتابع حمادَ بن سلمة على هذه الرواية: عليُّ بن عاصم٨، عن خالد الحَذَّاء، بالإسناد المتقدم، أخرجه: أحمد في (مسنده) ٩، والدارقطني١٠،\n_________\n١ المسند: (ح ١٥٤١) .\n٢ المسند: (٦/ ١٣٧) .\n(١/ ١١٧) ح ٣٢٤، باب الرخصة في ذلك في الكنيف ... واللفظ الذي ذكرته لفظه.\n٤ السنن: (١/ ٦٠) ح ٧.\n(١/ ٦٠) ح ٧.\n(٦/ ٢١٩) .\n٧ ابن أسد العمي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات بعد المائتين، وقيل قبلها / ع. (التقريب ١٢٨) .\n٨ ابن صهيب الواسطي، التيمي مولاهم، صدوق يُخْطِئ وَيُصِرُّ، وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّع، من التاسعة، مات سنة ٢٠١ هـ / د ت ق. (التقريب ٤٠٣) .\n(٦/ ١٨٤) .\n١٠ (١/ ٥٩ - ٦٠) ح ٦.","vol":"2","page":84},{"text":"والبيهقي١ في (سننيهما)، ولفظه عندهم عن خالد بن أبي الصَّلْت أنه قال: \"كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتُهَا ببولٍ ولا غائطٍ منذ كذا وكذا. فقال عراك: حَدَّثَتْنِي عائشة ... فذكره. قال البيهقي عقبه: \"تابعه حماد بن سلمة في إقامة إسناده ... \" يشيرُ إلى رواية حماد التي رواها عنه الجماعة المتقدمون، والتي توافق رواية علي بن عاصم هذه.\nورواه أبو عوانة، والقاسم بن مطيب٢، ويحيى بن مطر، ثلاثتهم: عن خالد الحَذَّاء، عن عراك بن مالك عن عائشة به. أخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ عنهم هكذا بإسقاط \"خالد بن أبي الصَّلْت\" من الإسناد، ثم نَبَّهَ - ﵀ - على سقوط ابن أبي الصَّلْت، فقال: \"بين خالد وعراك: خالد بن أبي الصَّلْت\".\nثم أخرجَ رواية حماد بن سلمة، وعلي بن عاصم المتقدمتين، ثم قال: \"وهذا أَضْبَطُ إسنادٍ، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب\"٤.\nورواه عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن رجل، عن عراك، عن عائشة به. أخرجه كذلك الدارقطني في (سننه) ٥، فجعل مكان خالد ابن أبي الصلت: \"عن رجل\".\n_________\n(١/ ٩٢- ٩٣) .\n٢ العجلي، البصري، فيه لين، من الخامسة / بخ. (التقريب ٤٥٢) .\n(١/ ٥٩) ح ٣، ٤، ٥.\n٤ سنن الدارقطني: (١/٦٠) .\n(١/٦٠) ح ٨.","vol":"2","page":85},{"text":"فهذه بعض أوجه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وقد أُعِلَّ لذلك بالاضطراب، فقال البخاري لَمَّا سَأَلَهُ عنه الترمذي: \"هذا حديث فيه اضطراب\"١.\nولكن عند التأمل نجدُ أنه يمكنُ ترجيحُ رواية حماد بن سلمة، وعلي ابن عاصم: عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة. وقد مضى معنا أن الدارقطني صوب هذه الرواية، وقال إنه \"أضبط إسناد\".\nوأما العِلَّة الثَّانية، وهي أنه منقطعٌ: فقد سألَ ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: \"مرسل\". فقال له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂؟ فأنكره، وقال: \"عراك بن مالك؟! من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة، إنما يروى عن عروة، هذا خطأٌ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حمادُ بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه \"سمعت\"، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت\"٢. ونقل العلائي في (جامع التحصيل) ٣ أن أحمد بن حنبل - ﵀ - حَكَمَ عليه بذلك، وسأله عنه الأثرم، فقال قولًا قريبًا من قول أبي حاتم رحمهما الله تعالى.\nوأما العِلَّة الثالثة، وهي أن الصواب وقفه على عائشة: فقد\n_________\n١ علل الترمذي: (١/٩٠) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (ص ١٦٢ - ١٦٣) .\n(ص ٢٨٨) ترجمة عراك بن مالك.","vol":"2","page":86},{"text":"حكم عليه بذلك البخاري وأبو حاتم رحمهما الله، قال البخاري: \"والصحيح: عن عائشة، قولها\"١. وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: \"فلم أزل أقفو أثر هذا الحديث، حتى كتبت بمصر عن إسحاق بن بكر بن مضر أو غيره، عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة موقوف. وهذا أشبه\"٢.\nوأشار البخاري - ﵀ - إلى هذه الرواية في (التاريخ الكبير) ٣، ثم قال: \"وهذا أصحُّ\". وكذا رَجَّحَ رواية الوقف ابن عساكر ﵀، ونَقَلَهُ عنه الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) ٤.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - في تأكيده لهذه العلة: \"وقال بعض الحُفَّاظ: هذا حديث لا يصحُّ، وله عِلَّةٌ لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المُعَانُون عليها؛ وذلك أنَّ خالد بن أبي الصَّلْت لم يحفظ متنه، ولا أقامَ إسنَادَهُ. خَالَفَهُ فيه الثقة الثبت، صاحب عِراك بن مالك المختصُّ به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك\"٥.\n_________\n١ علل الترمذي: (١/ ٩١) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (١/ ٢٩) ح ٥٠.\n(٢/١/ ١٥٦) .\n(١/ ٣٥٦) .\n٥ تهذيب السنن: (١/ ٢٢) .","vol":"2","page":87},{"text":"وأما العِلَّة الرابعة، وهي ضعفُ خالد بن أبي الصَّلْت: فقال أحمد بن حنبل: \"ليس معروفًا\"١. وقال عبد الحق: \"ضعيف\"٢. وقال ابن حزم: \"حديث ساقط، وخالد بن أبي الصلت مجهول، لا يُدْرَى من هو؟ \"٣. وقال الذهبي: \"لا يَكَاد يُعْرَف\"٤. وَوَثَّقَهُ ابن حبان على قاعدته المعروفة٥. وقد سَبَقَ حُكمُ الحافظ ابن حجر عليه بأنه \"مقبول\" يعني إذا تُوبع، وإلا فلين الحديث، وهو لم يُتَابِع، بل خَالَفَهُ جعفر بن ربيعة كما مضى، فتكون روايته منكرة كما سيأتي.\nفَتَحَصَّلَ من ذلك: أن هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حُجَّة، وقد تقدمت أقوال العلماء في إعلاله وتضعيفه، وهذا ما ذَهَبَ إليه ابن القَيِّم ﵀، فأصاب.\nومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب أيضًا:\n٢- (٢) عن جابر ﵁ قال: \"نَهَى نَبِيُّ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَولٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أن يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا\".\nساق ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (زاد المعاد) ٦ مُبَيِّنًا أنه\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٣/ ٩٨) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ المحلى: (١/ ٢٦١) .\n٤ الميزان: (١/ ٦٣٢) .\n٥ الثقات: (٦/ ٢٥٢) .\n(٢/ ٣٨٥) .","vol":"2","page":88},{"text":"لا يعارضُ أحاديثَ المنع؛ لأنه ما بَين معلولِ السَّنَد، أو ضعيف الدلالة.\nثم نقل عن الترمذي أنه اسْتَغْرَبَهُ بعد تحسينه، وأن البخاري صَحَّحَهُ، ثم قال: \"فإن كان مرادُ البخاري صِحَّتَهُ عن ابن إسحاق، لم يدل على صِحَّتِه في نفسه، وإن كان مراده صِحَّته في نفسه، فهي واقعةُ عَين ... \".\nثم ذَكَر الحديث في (تهذيب السنن) ١، وذكر أن ابن حزم ضَعَّفَهُ بجهالة أبان بن صالح، ثم نقل كلامًا لابن مُفَوِّز في الرد على ابن حزم وتوثيق أبان بن صالح، لكنه انفرد به ابن إسحاق ولا يحتجُّ به في الأحكام.\nثم قال ابن القَيِّم: \"وهو - لو صحَّ - حكاية فعل لا عموم لها فكيف يُقَدَّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع\".\nقلت: هذا الحديثُ أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، وابن الجارود في (المنتقى) ٤، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) ٥، والدارقطني والبيهقي في\n_________\n(١/ ٢٢) .\n٢ د: (١/ ٢١) ح ١٣ باب الرخصة في ذلك (يعني استقبال القبلة عند قضاء الحاجة) . ت: (١/ ١٥) ح ٩، باب الرخصة في ذلك. جه: (١/ ١١٧) ح ٣٢٥، باب الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري. ثلاثتهم في كتاب الطهارة.\n(٣/ ٣٦٠) .\n(ص ٢١) ح ٣١.\n٥ خز: (١/ ٣٤) ح ٥٨. حب: الإحسان (٢/ ٣٤٦) ح ١٤١٧. ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه ناسخ للزجر ...","vol":"2","page":89},{"text":"(سننيهما) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، كلهم من طريق:\nمحمد بن إسحاق٣، عن أبان بن صالح٤، عن مجاهد٥ عن جابر به. ولفظهم هو الذي سُقْنَاه أول البحث، إلا أن لفظه عند أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني: \"كَانَ رَسُول الله ﷺ قد نَهَانَا أن نَسْتَدْبِر القِبْلَةَ أو نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إذا أهرقنا الماء. قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة\".\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلل، وهي:\n١- عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس، ومن أجل ذلك توقف فيه النووي - ﵀ - في (كلامه على سنن أبي داود) - ونقله عنه صاحب (البدر المنير) ٦ - فقال: \" ... ابن إسحاق مُدَلِّس، والْمُدَلِّس إِذَا قال: \"عن\" لا يحتجُّ به، فكيفَ حَسَّنَهُ الترمذي؟! \".\n_________\n١ قط: (١/ ٥٨) ح ٢. هق: (١/ ٩٢) .\n(١/ ١٥٤) .\n٣ ابن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يُدَلِّس، وَرُمِيَ بالتَّشَيُّع والقَدر، من صغار الخامسة، مات سنة١٥٠ هـ/خت م٤. (التقريب ٤٦٧) .\n٤ ابن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وَثَّقَهُ الأئمة، وَوِهِمَ ابن حزم فَجَهَّلَهُ، وابن عبد البر فضعفه، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة / خت ٤. (التقريب ٨٧) .\n٥ ابن جبر، أبو الحجاج المخزومي، المكي، ثِقَةٌ إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة ١٠١ هـ، وقيل غير ذلك/ ع. (التقريب ٥٢٠) .\n٦ جـ ١ (١٠٥/ أ) .","vol":"2","page":90},{"text":"- وقال آخرون: انفرد به ابن إسحاق، وليس هو ممن يحتجُّ به في الأحكام، فكيف يُعارض بأحاديثه الأحاديث الصحيحة. قاله ابن مُفَوِّز، ونقله عنه ابن القَيِّم١.\n٣- وضعفه آخرون بـ \"أبان بن صالح\" فقال ابن عبد البر: \"وليس حديث جابر بصحيح عنه، فَيُعَرَّجُ عليه؛ لأنَّ أبان بن صالح الذي يرويه ضعيفٌ\"٢. وَجَهَّلَهُ ابن حزم٣.\nوالجواب عن هذه العلل كما يلي:\nأولًا: أما عنعنة ابن إسحاق: فقد صَرَّحَ بالتحديث في رواية أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي؛ فعند هؤلاء جميعًا قول ابن إسحاق: \"حدثني أَبَانُ بن صالح\". فزالت بذلك شُبْهَة التدليس عن ابن إسحاق ولله الحمد، وقد أشار إلى جواب هذه الشبهة ابن الملقن٤ ﵀.\nثانيًا: وأما القول بأن ابن إسحاق لا يُحْتَجُّ به في الأحكام: فليس الأمر كذلك، بل قد وَثَّقَهُ أَئِمَّة، واحتجَّ به آخرون، واسْتَشْهَدَ به الإمام مسلم في (صحيحه)، والأمر فيه على ما قاله الذهبي: \"فالذي يظهر لي: أن ابنَ إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفردَ به ففيه\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ٢٢) .\n٢ التمهيد: (١/ ٣١٢) .\n٣ المحلى: (١/ ٢٦٥) .\n٤ البدر المنير: جـ ١ (ق ١٠٥/ أ) . وانظر: التلخيص الحبير: (١/١٠٤) .","vol":"2","page":91},{"text":"٢ نكارةٌ؛ فإنَّ في حفظه شيئًا، وقد احتجَّ به أئمة، فالله أعلم\"١.\nقلت: ولم ينفرد ابن إسحاق برواية هذا الحُكْمِ، بل جاء مثل ذلك عن غيره، كحديث ابن عمر، وحديث عراك بن مالك، على كلام فيه مضى بيانه.\nثالثًا: وأما تضعيفُ ابن عبد البر لأ بَان بن صالح: فقد رَدَّه عليه الأئمة، وكذا رَدُّوا على ابن حزم حكمه عليه بالجهالة. قال ابن الملقن في (البدر المنير) ٢: \"وهذا تعليل ساقط؛ فإن أَبَان لم يضعفه أحد، وهو أبان ابن صالح بن عمير القرشي مولاهم ... \" ثم ساق أقوال الأئمة في توثيقه٣. وقال ابن حجر: \"وَضَعَّفَهُ ابن عبد البر بِأَبَان بن صالح، وَوَهِمَ في ذلك؛ فإنه ثِقَة باتفاق، وادَّعى ابن حزم أنه مجهول فَغَلِطَ\"٤. وكذا رَدَّ ابن مفوز على ابن حزم، وأفاض في إثبات ثقة أبان والاحتجاج به٥، وكذا رد عليه ابن عبد الحق٦.\nومع أن هذه العلل مردودةٌ، فإن هذا الحديث قد صَحَّحَهُ جماعة، وَحَسَّنَهُ آخرون: فقال البخاري: \"حديث صحيح، رواه غير واحد عن محمد ابن إسحاق\". كذا نقل غير واحد عن البخاري: أن الترمذي سأله عنه؟\n_________\n١ ميزان الاعتدال: (٣/٤٧٥) .\n٢ جـ ١ (ق ١٠٥/ أ) .\n٣ وانظر: تهذيب الكمال: (٢/١٠-١١) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/١٠٤) .\n٥ انظر: تهذيب السنن: (١/٢٢) .\n٦ انظر: البدر المنير: جـ ١ (ق١٠٥/ أ) .","vol":"2","page":92},{"text":"فقال ذلك، منهم: البيهقي، وعبد الحق١، وكذا ابن القَيِّم٢، وابن حجر٣ وغيرهم. لكن الذي في (العلل) ٤ للترمذي قول البخاري: \"رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق\" دون قوله: \"صحيح\". ثم رجعت إلى النسخة الخطية من (العلل) فوجدت هذه الكلمة ملحقة في هامش النسخة٥.\nوحَسَّنَهُ الترمذي، وكذا البزار٦ وَصَحَّحَهُ ابن السكن٧، وقال الدارقطني عن إسناده: \"كلهم ثقات\". وقال الحاكم أبو عبد الله: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، لكن تعقبهما ابن الملقن، فقال: \"وفي كونه على شرط مسلم نظرٌ؛ لأن في إسناده ابن إسحاق، ولم يحتجَّ به مسلم، إنما أخرج له متابعة\"٨. وقال ابن الملقن: \"صحيح، معمول به\"٩. وقال الشيخ الألباني: \"حسن\"١٠. هذا مع تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له.\n_________\n١ كما في البدر المنير: جـ ١ (ق١٠٥/ أ) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٢٢) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/١٠٤) .\n(١/٨٧) . باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول.\n٥ انظر العلل رواية أبي طالب: (ق٢/ب) . نسخة أحمد الثالث المصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٥٣٠.\n٦ انظر: البدر المنير: جـ ١ (ق ١٠٥/ أ) .\n٧ المصدر السابق، والتلخيص الحبير: (١/١٠٤) .\n٨ البدر المنير: جـ ١ (ق ١٠٥ / أ) .\n٩ المصدر السابق.\n١٠ صحيح ابن ماجه: (ح ٢٦١) .","vol":"2","page":93},{"text":"وقد ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أن هذا الحديث ناسخٌ لأحاديث المنع، لكن لم يوافق على دعوى النسخ جماعة، منهم: ابن قتيبة١. وقال ابن حجر: \"والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه\"٢. وكذا استبعد النسخ ابن خزيمة، فقال في ترجمته لهذا الحديث: \" ... وَيَتَوَهَّمُ من لا يفهمُ العلم، ولا يُمَيِّزُ بين المفسر والمجمل: أن فعلَ النبي ﷺ في هذا ناسخٌ لنهيه عن البول مستقبل القبلة\"٣. وكذا قال ابن حبان حيث ترجم له بقوله: \"ذكرُ خبرٍ أوهم من لم يُحْكِمْ صناعة الحديث أنه ناسخ للزجر الذي تَقَدَّمَ ذكرنا له\"٤.\nوالذي ذهب إليه الجمهور وارتضاه أكثر العلماء: هو الجمع بين الأخبار في هذا الباب، قال ابن قتيبة: \"وليسا عندنا من الناسخ والمنسوخ، ولكن لكل واحد منهما موضع يستعمل فيه، فالموضع الذي لا يجوز أن تُسْتَقْبَل القبلة فيه بالغائط والبول: هي الصحارى والبراحات. وكانوا إذا نزلوا في أسفارهم لهيئة الصلاة، استقبل بعضهم القبلة بالصلاة، واستقبلها بعضهم بالغائط، فَأَمَرَهُمْ أن لا يستقبلوا القبلة بغائط ولا بول إكرامًا للقبلة وتنزيهًا للصلاة. فظن قوم أن هذا أيضًا يكره في البيوت والكُنُفِ المحتفرة ... \"٥.\nوترجم ابن خزيمة في (صحيحه) ٦ وكذا ابن حبان٧ بما يفيد ذلك.\n_________\n١ تأويل مختلف الحديث: (ص ٩٠) .\n٢ فتح الباري: (١/ ٢٤٥) .\n٣ صحيح ابن خزيمة: (١/ ٣٤) .\n٤ الإحسان: (٢/ ٣٤٦) .\n٥ تأويل مختلف الحديث: (ص ٩٠) .\n(١/ ٣٤) ح ٥٩، باب رقم (٤٤) .\n٧ الإحسان: (٢/ ٣٤٧) ح ١٤١٨.","vol":"2","page":94},{"text":"وقال الخطابي في (معالم السنن) ١: \"وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهي عنه إنما جاء في الصحاري، فأما الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها\". ثم قال: \"الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى؛ لأن في ذلك جمعًا بين الأخبار المختلفة، واستعمالها على وجوهها كلها\".\nوقال ابن عبد البر - بعد أن ذكر أن ذلك مذهب مالك، والشافعي، وقول ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه -: \"والصحيح عندنا الذي يُذهب إليه: ما قاله مالك وأصحابه، والشافعي؛ لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها، دون رَدِّ شيء ثابتٍ منها\"٢.\nوقال الحافظُ ابن حجر: \"وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا قال الجمهور ... وهو أَعْدَلُ الأقوال، لإعمال جميع الأدلة\"٣.\nوبعدُ، فإن حديث جابر ﵁ في استقباله ﷺ القبلة ببوله: لا يَقِلُّ عن درجة الحسن، وما أُعِلَّ به قد أُجيب عنه، والذي يظهر من صنيع ابن القَيِّم - ﵀ - الميل إلى القول بضعفه، وأنه ذَهَبَ - بناء على ذلك - إلى القول بعدم جواز استقبال أو استدبار القبلة ببولٍ أو غائطٍ مطلقًا، وقد ظَهَرَ مما تَقَدَّمَ أن الصواب خلاف ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١/ ٢٠) .\n٢ التمهيد: (١/ ٣١٢) .\n٣ فتح الباري: (١/ ٢٤٦) .","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>٢- باب وضع الخاتم عند دخول الخلاء</span>\n٣- (٣) عن أنس ﵁ قال: \"كانَ رسول الله ﷺ إذا دَخَل الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمه\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"هذا الحديث رواه همام١ - وهو ثقة - عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس\"٢.\nثم نَقَل عن الدارقطني أنه ذكر في (علله) وجوه الاختلاف فيه، وأنه ذهب إلى شذوذه بهذا اللفظ، ونَاقَشَ بعض شواهده، ونقل أقوال الأئمة حول هذا الحديث، وتَوَصَّل في النهاية إلى أن الحديث شاذ أو منكرٌ، وإن كان سَنَدُه صَحِيحًَا.\nقلت: الحديث بهذا الإسناد الذي ذكره ابن القَيِّم أخرجه: أصحاب السنن الأربعة٣، والترمذي في (الشمائل) ٤، وابن حبان في\n_________\n١ ابن يحيى بن دينار العوذي، أبو عبد الله أو أبو بكر، البصري، ثِقَة رُبَّما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة ١٦٤ هـ أو ١٦٥ هـ / ع. (التقريب ٥٧٤) .\n٢ تهذيب السنن: (١/ ٢٦) .\n٣ د: (١/٢٥) ح١٩ك الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء. ت: (٤/ ٢٢٩) ح١٧٤٦، ك اللباس، باب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين. س: (٨/ ١٧٨) ك الزينة، باب نزع الخاتم عند دخول الخلاء. جه: (١/ ١١٠) ح ٣٠٣، ك الطهارة، باب ذكر الله ﷿ على الخلاء والخاتم في الخلاء.\n(ص ٩٣) ح ٨٨.","vol":"2","page":96},{"text":"(صحيحه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣. كلهم باللفظ المذكور آنفًا، إلا الترمذي في كتابيه، والنسائي، فإنَّ لفظه عندهما: \"نَزَع خَاتَمه\" بدل: \"وَضَعَ\".\nوالحديثُ بهذا الإسناد أعله جماعة من الأئمة، فقال أبو داود: \"هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: \"أَنَّ النَّبِي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق ثم ألقاه\"، والوهمُ فيه من هَمَّام، ولم يروه إلا همام\". وقال النسائي: \"هذا حديث غير محفوظ\"٤. وأشار الدارقطني إلى شذوذه٥. وذكره الحافظ العراقي في (ألفيته) ٦ مثالًا للمنكر. وحكم الحافظ ابن حجر بشذوذه٧.\nووجه شُذُوذ هذا الحديث أو نكارته: أن هَمَّامًَا تَفَرَّد عن ابن جريج بذكر نزع الخاتم، والمحفوظ عن ابن\n_________\n١ الإحسان: (٢/ ٣٤٤) ح ١٤١٠، باب الخبر الدال على نفي إجازة دخول المرء الخلاء بشيء فيه ذكر الله.\n(١/ ١٨٧) .\n(١/ ٩٤) .\n٤ وعبارة النسائي هذه لم أجدها في (المجتبى) عقب روايته الحديث، لكن نقلها عنه: المنذري في: (اختصار السنن ١/٢٦)، والمزي في: (تحفة الأشراف ١/٣٨٥)، وابن حجر في (التلخيص الحبير ١/١٠٧ - ١٠٨)، وفي (النكت على ابن الصلاح ٢/٦٧٧) .\n٥ في (علله) ولم أقف على كلامه فيه بعد البحث، لكن نقله عنه ابن القَيِّم هنا، وغيره.\n٦ الألفية مع شرحها للعراقي: (١/ ١٩٧ - ٢٠١) .\n٧ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٧) .","vol":"2","page":97},{"text":"جريج في ذلك ما ذكره أبو داود، وهو حديث اتخاذه ﷺ خاتمًا من ورق، ثم أنه ألقاه بعد ذلك.\nوقد كشف الدارقطني - ﵀ - عن وجوه الاختلاف فيه في (علله) - ونقله ابن القَيِّم عنه - فقال: \"رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس: أن النبي ﷺ. وخالفهم عمرو بن عاصم، فرواه عن هَمّام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس \"أنه كان إذا دخل الخلاء\" موقوفًا، ولم يُتابع عليه. ورواه يحيى ابن المتوكل ويحيى بن الضريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام. ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: \"أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، فاضطربَ النَّاس الخواتيم، فَرَمَى به النبي ﷺ وقال: \"لا أَلْبَسُهُ أبدًا\". وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج\"١.\nوهذه الرواية التي قال عنها الدارقطني: إنها المحفوظة عن ابن جريج، سبق أن نقلنا عن أبي داود أنه قال ذلك فيها أيضًا.\nوقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم في (صحيحه) ٢ من طريق ابن جريج، أخبرني زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك أخبره: \"أنَّه رَأى في يَدِ رَسُولِ الله ﷺ خَاتَمًَا من وَرق يومًا واحدًا، ثُمَّ\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٢٦-٢٧) .\n(٣/١٦٥٨) ح (٦٠) ... ك اللباس، باب في طرح الخواتم.","vol":"2","page":98},{"text":"إن الناس اضطربوا١ الخواتم من وَرِق، فلبسوها، فَطَرَحَ النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم\".\nوعَلَّقَه البخاري في (صحيحه) ٢ وقد نُسِبَ الزهري في هذا الحديث إلى الغلط؛ لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ كان من ذهب كما في حديث ابن عمر وغيره، وقد أجيب عن ذلك بأجوبة بسطها ابن حجر في (فتح الباري) ٣ فلتنظر هناك.\nقال ابن القَيِّم ﵀ - عَقِبَ نقله كلام الدارقطني هذا-: \"وهَمَّام وإن كان ثقة صدوقًا احتجَّ به الشيخان في الصحيح، فإن يحيى بن سعيد كان لا يُحَدِّث عنه ولا يَرْضَى حفظه ... وقال يزيد بن زريع - وسُئِل عن همام-: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئًا. وقال عفان: كان هَمَّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا يَنْظر فيه، وكان يُخَالَفُ فلا يرجع إلى كتاب، وكان يكره ذلك، قال: ثُمَّ رَجَعَ بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كُنَّا نخطئ كثيرًا، فنستغفر الله ﷿\".\nثم قال ابن القَيِّم: \"ولا ريبَ أَنه ثقةٌ صدوق، ولكنه خُولِفَ في هذا الحديث، فَلَعَلَّهُ مِمَّا حَدَّثَ به من حفظه فَغَلِطَ فيه، كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني وعلى هذا: فالحديث شاذ أو منكر كما\n_________\n١ اضطرب خاتمًا: سأل أن يُضْرَبَ له، وهو افتعل من الضرب: الصياغة، والطاء بدل من التاء. (النهاية ٣/٨٠، ولسان العرب ص٢٥٦٥، مادة: ضرب) .\n٢ البخاري مع الفتح: (١٠/٣١٨) ح٥٨٦٨، ك اللباس، باب خاتم الفضة.\n(١٠/٣٢٠ - ٣٢١) .","vol":"2","page":99},{"text":"قال أبو داود، وغريبٌ كما قال الترمذي\"١.\nقلت: وقد مَالَ الحافظ ابن حجر إلى كونه شاذًا، واستبعد أن يكون منكرًا، فقال: \"وَحُكْمُ النسَائِي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شَاذٌّ في الحقيقة؛ إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذًا\"٢.\nثم رد ابن القَيِّم - ﵀ - على من نَازَعَ في نَكَارَتِهِ أو شذوذِهِ، فقال: \"فإن قيل: إن هَمَّامًَا ثقة، وتَفَرُّدُ الثقة لا يوجبُ نكارة الحديث، فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته، وَتَفَرَّدَ مالك بحديث: دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر. فهذا غايته أن يكون غريبًا كما قال الترمذي، وَأَمَّا أن يكون منكرًا أو شاذًا: فلا؟ \"٣.\nثم أجاب ابن القَيِّم عن ذلك، فقال: \"التَّفَرُّدُ نوعان: تَفَرُّدٌ لم يُخَالَف فيه من تفردَ به، كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين، وأشباه ذلك. وَتَفَرُّدٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٤ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: \"إن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِقٍ ... \" الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وَتَفَرَّدَ هَمَّام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ٢٨) . وانظر: أقوال العلماء في \"همام بن يحيى\" في تهذيب التهذيب: (١١/ ٦٨ - ٧٠) .\n٢ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٧) .\n٣ تهذيب السنن: (١/ ٢٨) .\n٤ وهو حديث (نزع الخاتم عند دخول الخلاء)، وهو موضوع دراستنا هذه.","vol":"2","page":100},{"text":"دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله\"١.\nقلتُ: وقد خالف هَمَّامًا جماعةٌ من أصحاب ابن جريج كما تقدم من كلام الدارقطني، ولا شك أن العددَ الكثير أولى بالحفظ والضبط من الواحد.\nوأما المتابعة التي ذكرها الدارقطني لهمام، من رواية يحيى بن المتوكل٢، ويحيى بن الضريس٣: فقد أخرج رواية ابن المتوكل الحاكم في (المستدرك) ٤، عنه عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس ﵁ \"أن رسول الله ﷺ لَبِسَ خَاتَمًَا نقشه \"محمد رسول الله\"، فكان إذا دَخَلَ الخلاء وَضَعه\". قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما أخرجا حديث نقش الخاتم فقط\"، ووافقه الذهبي. وقد سقط ذكر أنس ﵁ من مطبوعة (المستدرك)، لكنه في رواية البيهقي من طريقه.\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٥ من طريق الحاكم، ثم قال: \"وهذا شاهد ضعيف\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وإنما ضَعَّفَه لأنَّ يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: وَاهِي الحديث. وقال ابنُ مَعين: ليس بشيءٍ. وَضَعَّفَهُ\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/ ٢٩ - ٣٠) .\n٢ الباهلي، البصري، أبو بكر، صدوق يُخْطِئ، من التاسعة، مات بالمصيصة/تمييز. (التقريب ٥٩٦) .\n٣ البجلي، الرازي، صدوق، من التاسعة، مات سنة ٢٠٣هـ/م ت. (التقريب٥٩٢) .\n(١/ ١٨٧) .\n(١/ ٩٥) .","vol":"2","page":101},{"text":"الجماعة كلهم\"١.\nكذا قال ابن القَيِّم! وقد وَهِمَ في ذلك ﵀؛ فإن يحيى بن المتوكل الذي ضَعَّفَه أحمد ويحيى والجماعة كلهم هو: أبو عقيل العمري المدني، مولى العمريين٢، أما المقصود هنا: فَإِنَّه البَاهِلِي البصري أبو بكر، فهو الذي يروي عن ابن جريج، قال ابن معين: \"لا أعرفه\"٣. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٤. وقال: \"كان يخطئ\". قال ابن حجر: \" ... قُولُ يحيى بن معين: لا أعرفه، أراد به جَهَالة عدالته لا جهالة عينه، فلا يُعْتَرَض عليه بكونه روى عنه جماعة؛ فإن مُجَرَّد روايتهم عنه لا تَسْتَلْزِم معرفة حاله. وأما ذكر ابن حبان له في (الثقات): فإنه قال فيه - مع ذلك -: كان يُخْطِئ، وذلك مِمَّا يُتَوقَّف به عن قبول أفراده\"٥.\nلكن يحيى هذا قال عنه الذهبي: \"صدوق\"٦، وقال الحافظ ابن حجر: \"صَدُوقٌ يُخْطِئ\"، وقال - أيضًا - عن حديثه هذا: \"رجاله ثقات\"٧. وحينئذٍ فقد يصلح حديثه للمتابعة.\nوأما المتابعة الأخرى عن يحيى بن الضريس: فإنني لم أَقِف على من أَخْرَجَها، ولا وَجَدت أحدًا أشار إلى مُخْرِجِها، سوى ما جَاءَ من ذكر\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ٢٧) .\n٢ انظر ترجمته في: (الميزان ٤/٤٠٤)، وتهذيب التهذيب: (١١/٢٧٠) .\n٣ سؤالات ابن الجنيد لابن معين: (ص٤٨٧) .\n(٧/٦١٢) .\n٥ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٧٧ - ٦٧٨) .\n٦ المغني: (٢/٧٤٢) .\n٧ التلخيص الحبير: (١/ ١٠٨) .","vol":"2","page":102},{"text":"الدارقطني لها في كلامه آنف الذكر، لكن قال ابن حجر في (التلخيص الحبير) ١: \"وأخرجهما - يعني: رواية يحيى بن المتوكل، ويحيى بن الضريس - الحاكم والدارقطني\"! كذا قال ﵀، ولم أجده في واحد منهما بعد البحث، أما الحاكم فقد أخرج حديث يحيى بن المتوكل وحده كما تقدم، وأما الدارقطني فلم أجد فيه أَيًّا منهما.\nحتى إن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يذكر من أخرج هذه المتابعة، وكأنه لم يقف على ذلك، ولكنه قال: \"وأما حديث يحيى بن الضريس: فيحيى هذا ثقة، فَيُنْظَرُ الإسنادُ إليه\"٢.\nوقال مرة: \"وحديث ابن الضريس يُنْظَرُ في حاله، ومن أخرجه\"٣.\nوعلى كل حال: فإنَّ هذه المتابعة من يحيى بن المتوكل، ثم من يحيى ابن الضريس قد تفيد في تقوية رواية همام، لكنها مع ذلك تبقى مُخَالِفَةً لرواية الجماعة من أصحاب ابن جريج، وهم أكثر عَدَدًَا، وفيهم أبو عاصم النبيل \"الثقة الثبت\"، وعبد الله بن الحارث المخزومي \"الثقة\"، وغيرهما من ثقات أصحاب ابن جريج؛ ومن هنا جاء حكم الحفاظ على هذه الرواية بالشذوذ.\n_________\n(١/ ١٠٨) .\n٢ تهذيب السنن: (١/ ٢٧ - ٢٨) .\n٣ المصدر السابق: (١/ ٣٠) .","vol":"2","page":103},{"text":"على أَنَّ هناك اتجاهًا نحو القول بأن هذا الحديث جاء عن الزهري على أوجه كثيرة، وأن حديث همام هذا أحدها، وقد عَبَّر ابن حجر - ﵀ - عن هذا الاتجاه فقال: \"على أن للنظر مجالًا في تصحيح حديث هَمَّام؛ لأنه مبني على أن أصله حديث الزهري، عن أنس في اتخاذ الخاتم. ولا مانع أن يكون هذا متن آخر غير ذلك المتن ... \"١.\nلكن أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك، فإنه سَاقَ عدة روايات عن الزهري في اتخاذه ﷺ الخاتم، ثم قال: \"هذه الروايات كُلها تَدُلُّ على غَلَط هَمَّام؛ فإنها مجمعةٌ على أن الحديث إِنَّمَا هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس في شيءٍ منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حَكَمَ لأجله هؤلاء الحُفَّاظ بنَكَارَة الحديث وشذوذه، والمصحح له لَمَّا لم يمكنه دَفْعَ هذه العلة حكم بغرابته٢ لأجلها، فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذُكِرَ فما وجه غرابته؟ \"٣.\nوَلِرواية هَمَّام هذه عِلَّة أخرى لم يَتَعَرَّض لَهَا ابن القَيِّم ﵀، وهي: تَدْلِيس ابن جريج، قال الحافظ ابن حجر: \"والخَلَلُ في هذا الحديث من جهة أن ابن جريج دَلَّسَهُ عن الزهري بإسقاط الواسطة، وهو زياد بن سعد\"٤. بل ذهب الحافظ - ﵀ - إلى أن التَّدْلِيسَ هو\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٨) .\n٢ يشير بذلك إلى حكم الترمذي - ﵀ - عليه، حيث قال \"حسن غريب\" وسيأتي.\n٣ انظر: تهذيب السنن: (١/ ٣٠- ٣١) .\n٤ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٧) .","vol":"2","page":104},{"text":"عِلَّتَهُ الوحيدة - بعد أن قال بإمكان تصحيح رواية هَمَّام وحَمْلِهَا على أَنَّهَا متن آخر لحديث الزهري - فقال: \"ولا عِلَّة له عِنْدي إلا تَدْلِيس ابن جريج، فإن وُجْدَ عنه التصريح بالسَّماع فلا مَانِعَ مِنَ الحكم بِصِحَّتِه في نقدي. والله أعلم\"١. وقد ذَهَبَ فريق آخر من أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث، ولم يروه معلولًا، فقال الترمذي: \"حسن غريب\"، وفي نسخة: \"حسن صحيح غريب\"٢. وصَحَّحَه الحاكم على شرط الشيخين من طريق يحيى ابن المتوكل، عن هَمَّام، ووافقه الذهبي كما مضى. وَرَجَّحَ الْمُنذري ما حكمَ به الترمذي، وأنه يكون غريبًا - كما قال الترمذي - لا شاذًا٣. وذكره ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) ٤ ضمن الأحاديث الصحيحة التي خَتَمَ بها كتابه. وصححه كذلك ابن التركماني وقال: بأن الأمر على ما قال الترمذي من الحسن والصحة٥.\nوفي نظري: أن أَكْثَر من صَحَّحَه إِنَّمَا نَظَر إلى ظاهر إسنادِهِ، ولم يلتفت إلى العِلَّةِ الواقعة في مَتْنِه، وهو ما الْتَفَتَ إليه وَنَبَّه عليه حُذَّاقُ الأئمة العارفين بمكامن العلل، ومواطن الأدواء: كأبي داود، والنسائي، والدارقطني، وقد تقدم قولهم في ذلك، ولذلك قال النووي في\n_________\n١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٧٧) .\n٢ كما في تحفة الأشراف: (١/ ٣٨٥) .\n٣ مختصر السنن: (١/ ٢٦) .\n(ص ٤٣٣) .\n٥ الجوهر النقي: (١/ ٩٥) .","vol":"2","page":105},{"text":"(الخلاصة) ١: \"قول الترمذي: حسن، مردود عليه\".\nثُمَّ إن قول الترمذي - الذي اسْتَنَد إليه بعض من صَحَّحَهُ - يُمْكِنُ أن يَلْتَقِي مع قول من أَعَلَّهُ ولا يُعَارِضُه، وقد عَبَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك فقال: \"وَلَعَلَّ الترمذي موافق للجماعة؛ فإنه صَحَّحَهُ مِن جِهَةِ السَّنَد لِثِقَةِ رُوَّاتِهِ، واسْتغربه لهذه العِلَّة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف، بل هو صحيح السند لكنه معلول\"٢.\nفالحاصلُ: أن الراجح إعلال هذا الحديث، وأنه غيرُ محفوظ بهذا اللفظ، بل المحفوظ عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس خلافه، وهذا ما رَجَّحَهُ ابن القَيِّم - ﵀ - في بَحْثٍ لَّهُ نافع ماتع، أثبتَ فيه أن ذلك ليس من باب تَفَرُّدِ الثِّقَةِ بما لم يروه غيره أصلًا، وَإِنَّمَا من باب مُخالفةِ الثِّقَة لِمَنْ هو أَوْثَقُ منه: وهو الشاذُّ.\nوإنني أرى أن الحكم عليه بالشذوذ أولى من الحكم بنكارته، وهذا الذي ذهب إليه النسائي، وَرَجَّحَهُ الحافظ ابن حجر كما مضى.\nكما أن الحديث معلول - بالإضافة إلى ذلك - بتدليس ابن جريج، وهذا ما لم يتعرض له ابن القَيِّم في بحثه، وقد نَبَّهْتُ على ذلك مُسْتَشْهِدًَا بكلام الحافظ ابن حجر ﵀.\nوقد ضَعَّفَ الحديث - أيضًا - الشيخ الألباني، وَصَوَّبَ القول بأنه شاذ٣، والله أعلم.\n_________\n(ق ١٠ / ب) .\n٢ تهذيب السنن: (١/ ٣١) .\n٣ مختصر الشمائل: (ح ٧٥)، والتعليق على المشكاة: (ح ٣٤٣) .","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>٣- باب ما جاء في تخليل الأصابع عند الوضوء</span>\n٤- (٤) عَنِ الْمُسْتَورد بن شَدَّاد، عن النبيِّ ﷺ: \"أَنَّه كَانَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْه عِنْدَ الوضوءِ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في معرض كلامه على عدم مداومة النبي ﷺ على هذا الفعل، ثم تَكَلَّم - ﵀ - على هذا الحديث بما حاصله:\n١- أن في إسناده ابن لهيعة، لذلك: فالحديث - في نظره - في ثبوته نظر. لكن كأنه لم يقطع بضعفه، وأنه قَابلٌ للتصحيح، ولذلك قال:\n٢- \"وهذا إن ثبتَ عنه: فإنما كان يفعله أحيانًا\". ثم استدل على عدم مداومته ﷺ على ذلك بقوله:\n٣- \"ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه، كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، وغيرهم\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سنهم) ٢ وأحمد في (مسنده) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، من طرق، عن:\n_________\n١ انظر: زاد المعاد: (١/ ١٩٨) .\n٢ د: (١/ ١٠٣) ح ١٤٨، باب غسل الرجلين. ت: (١/ ٥٧) ح ٤٠، باب ما جاء في تخليل الأصابع. جه: (١/ ١٥٢) ح ٤٤٦، باب تخليل الأصابع، ثلاثتهم في ك الطهارة.\n(٤/ ٢٢٩) .\n(١/ ٧٦) باب كيفية التخليل.","vol":"2","page":107},{"text":"ابن لهيعة١، عن يزيد بن عمرو٢، عن أبي عبد الرحمن الحبلي٣، عن المستورد بن شداد٤ ﵁ قال: \"رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يدلك أصابعَ رجليه بخنصره\". هذا لفظ أبي داود، ومثله الترمذي. وعند أحمد: \"يُخَلِّلُ\"، وابن ماجه \"خَلَّلَ\" بدل: \"يدلك\". ولفظ البيهقي مثل أبي داود، لكن عنده: \"ما بين أصابع رجليه\".\nأما إعلال هذا الحديث بأن ابن لهيعة في إسناده: فقد أجاب عنه الأئمة: بأن ابن لهيعة لم ينفرد به، بل تُوبع عليه:\nقال ابن القطان: \"وابن لهيعة ضعيف، ولكنه قد رواه غيره، فَصَحَّ\"٥، ثم ساق هذه المتابعة من طريق ابن أبي حاتم٦.\nوأشار ابن الْمُلَقِّن٧ - ﵀ - إلى هذه المتابعة. وقال ابن حجر: \"وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه: الليث بن سعد، وعمرو بن\n_________\n١ عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، القاضي، صدوقٌ خَلَّطَ بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدلُ من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون، مات سنة ١٧٤ هـ/م د ت ق. (التقريب ٣١٩) .\n٢ المعافري، المصري، صدوق، من الرابعة/د ت ق. (التقريب ٦٠٤) .\n٣ هو: عبد الله بن يزيد المعافري، ثقة، من الثالثة، مات سنة١٠٠هـ بإفريقية/بخ م ٤. (التقريب ٣٢٩) .\n٤ ابن عمرو القرشي الفهري، حجازي، نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة، مات سنة ٤٥هـ/ خت م ٤. (التقريب ٥٢٧) .\n٥ بيان الوهم والإيهام: (٥/٢٦٤) ح ٢٤٦٣.\n٦ وهي في (الجرح والتعديل) - المقدمة: (١/ ٣١-٣٢) .\n٧ البدر المنير: جـ ١ (ق ٩٥/ب) .","vol":"2","page":108},{"text":"الحارث. أخرجه البيهقي، وأبو بشر الدولابي، والدارقطني في غرائب مالك، من طريق ابن وهب عن الثلاثة\"١.\nقلت: وهذه المتابعة أخرجها البيهقي٢ من طريق: عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب٣، قال: سمعت عَمِّي - يعني عبد الله بن وهب - يقول: سمعت مالكًا يُسْئَلُ عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خَفَّ الناس، فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تُفْتِي في مسألة تخليل أصابع الرجلين، زعمت أن ليس ذلك على الناس، وعندنا في ذلك سُنَّة. فقال: وما هي؟ فقلت: ثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث٤، عن يزيد بن عمرو المعافري ... فساق الحديث كما مضى. قال مالك: هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة. ثم سمعته يسئل بعد ذلك، فأمر بتخليل الأصابع.\nفهذه - كما نرى - متابعةٌ قويةٌ من الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث لابن لهيعة على هذا الحديث، ولا سيما أنها من طريق ابن وهب، وروايته عن ابن لهيعة أعدل من رواية غيره عنه٥.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/ ٩٤) .\n٢ السنن: (١/ ٧٦-٧٧) .\n٣ ابن مسلم، المصري، لقبه: بحشل، أبو عبيد الله، صدوق تغير بأخرة، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٦٤ هـ/م. (التقريب ٨٢) .\n٤ ابن يعقوب الأنصاري مولاهم، المصري، أبو أيوب، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا قبل ١٥٠ هـ/ع. (التقريب ٤١٩) .\n٥ قال الذهبي ﵀: \"حدث عنه ابن المبارك وابن وهب وأبو عبد الرحمن المقرئ وطائفة قبل أن يكثر الوهم في حديثه وقبل احتراق كتبه، فحديث هؤلاء عنه أقوى، وبعضهم يصححه، ولا يرتقى إلى هذا\". (تذكرة الحفاظ ١/٢٣٨) . وتقدم معنا نقل كلام الحافظ ابن حجر في ذلك في مطلع الدراسة لهذا الحديث.","vol":"2","page":109},{"text":"لكنَّ ابن التركماني - ﵀ – حاولَ غمز هذه المتابعة، فقال: \"في ذلك السند أحمد بن أخي ابن وهب؛ وهو وإن خَرَّجَ عنه مسلم، فقال أبو زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه. وقال ابن عدي: رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين على ضعفه\"١.\nكذا قال ابن التركماني، ولم يذكر أن جماعةً وَثَّقُوه وارتضوه، منهم: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حيث قال: \"ثِقَة، ما رأينا إلا خيرًا\"٢. وقال أبوحاتم: \"أدركته وكتبت عنه\"٣. ومرة قال: \"كان صدوقًا\"٤. وقال أبوحاتم: \"سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: ... ثقة\"٥.\nوأما عدم كتابة أبي زرعة عنه فلأنه خلط في أحاديث٦، ولكنه رجع عن ذلك ﵀، وقد بلغ أبا زرعة رُجُوُعُه عن تلك الأحاديث، فقال: \"إن رجوعه مما يُحَسِّنُ حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك\"٧. ومن أجل رجوعه تَمَسَّكَ ابن خزيمة بالرواية عنه؛ فإنه قِيلَ له: لِمَ رويتَ عن ابن أخي ابن وهب وتركتَ سفيان بن وكيع؟ فقال: \"لأن أحمد لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها إلى آخرها، إلا حديث\n_________\n١ الجوهر النقي: (١/٧٦-٧٧) .\n٢ الجرح والتعديل: (١/١/٦٠) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ المصدر السابق.\n٥ المصدر السابق.\n٦ انظر: الكواكب النيرات: (ص٦٣-٧١) .\n٧ الجرح والتعديل: (١/١/٦٠) .","vol":"2","page":110},{"text":"مالك عن الزهري عن أنس \"إذا حَضَرَ العشاء ... \" وأما سفيان بن وكيع: فَإِنَّ وَرَّاقَهُ أدخل عليه أحاديث فرواها، فَكَلَّمْنَاهُ فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركته\"١. وقال ابن القطان: \"وَثَّقَهُ أهل زمانه\"٢.\nفهؤلاء الأئمةُ قد وثقوه وأثنوا عليه، وحمدوا له رجوعه عن تلك الأحاديث التي أُنْكِرت عليه، وتمسك بالرواية عنه ابن خزيمة مع شدة تحريه في الرجال، هذا كله مع إخراج مسلم له في (الصحيح)، فهل يُسْمَعُ بعد ذلك قولُ طاعن فيه؟!\nولكن، ثَمَّةَ أمرٌ آخر قد يكون مدخلًا للطعن في هذه المتابعة، وهو ما ذكره ابن القطان - ﵀ - إذ قال: \"وَإِنَّمَا الذي يجب أن يُتَفَقَّدَ من أمر هذا الحديث: قول أبي محمد بن أبي حاتم: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن. فإني أظنه يعني في الإجازة؛ فإنه لَمَّا ذكرهُ في بابه قال: إِنَّ أبا زرعة أدركه ولم يكتب عنه، وإن أباه قال: أدركته وكتبتُ عنه. وظاهر هذا أنه هو لم يسمع منه؛ فإنه لم يقل: كتبت عنه مع أبي، وسمعت منه، كما هي عادته أن يقول فيمن يشترك فيه مع أبيه\"٣.\nوقد أجاب ابن الملقن - ﵀ - عن شبهة ابن القطان هذه، فقال: \"وقد استغنينا عن هذا التفقد الذي أشار إليه ابن القطان برواية البيهقي المتقدمة حيث قال - يعني ابن أبي حاتم-: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وكذلك - أيضًا - رواه عن ابن أخي ابن وهب: أبو بشر أحمد بن محمد بن حماد الدولابي، حَدَّثَ به الدارقطني في (غرائب\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (١/٥٤-٥٥) .\n٢ بيان الوهم والإيهام: (٥/٢٦٥) .\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٥/٢٦٦) .","vol":"2","page":111},{"text":"مالك) عن أبي جعفر ... عن الدولابي: ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمى ... عن ابن لهيعة والليث بن سعد، ولم يذكر عمرو بن الحارث. فهذا أبو محمد بن أبي حاتم، وأبو بشر الدولابي كلٌّ منهما يقول: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن\"١.\nقلت: فزالت - بحمد الله - هذه الشبهة، وبقيت هذه المتابعة قوية، تشد رواية ابن لهيعة الماضية وتعضدها.\nوقد صَحَّحَ العلماء حديث المستورد هذا بهذه المتابعة، فقال ابن القطان - ومضى كلامه -: \" ... فَصَحَّ بإسناد صحيح\". وقال ابن الملقن: \"الحديث حسن صحيح\"٢. وقد مضى استحسان الإمام مالك له وعمله به. وظاهرُ صَنِيع البيهقي يقتضي تصحيحه إياه، حيث سَاقَ له هذه المتابعة بإسناده إلى ابن وهب. وقال ابن حجر ﵀: \"وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث ... \"٣. وقال في (النكت الظراف) ٤ - مُعَلِّقًَا على قول الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة -: \"وهو يُتَعَقَّبُ؛ فقد أخرجه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ... وصَحَّحَه ابن القطان من هذا الوجه\". وذكره البغوي في قسم الحسن من (مصابيحه)، وتَبِعَهُ على ذلك\n_________\n١ البدر المنير: جـ ١ (ق ٩٥/ب) .\n٢ البدر المنير: جـ ١ (ق٩٥/ب) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/٩٤) .\n(٨/٣٧٦) .","vol":"2","page":112},{"text":"التبريزي في (المشكاة) ١. وصَحَّحَه الشيخ الألباني٢.\nومع ذلك فللحديث شواهد عدة، أَمْثَلُهَا - كما قال الزيلعي٣ - حديث لقيط بن صبرة ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: \"أَسْبِغْ الوضوء، وخَلِّلْ بين الأصابع، وَبَالِغْ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا\" هذا لفظ الترمذي٤، وأخرجه أيضًا: أبو داود في (سننه) ٥، وأحمد، والدرامي في (مسنديهما) ٦، وابن الجارود في (المنتقى) ٧، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) ٨، والحاكم في (المستدرك) ٩، والبيهقي في (سننه) ١٠. وسياقه عند أحمد وأبي داود مُطَوَّل، فيه ذكر قصة وفد بني المنتفق، أما الباقون فلفظهم مختصر قريب من لفظ الترمذي. وهو عند الجميع من طريق: عاصم بن لقيط١١، عن أبيه لقيط بن صبرة به.\n_________\n(١/١٢٨) ح٤٠٧.\n٢ صحيح ابن ماجه: (ح٣٦٠)، وحاشية المشكاة: (١/١٢٨) ح٤٠٧.\n٣ نصب الراية: (١/ ٢٧) .\n(٣/ ١٤٦) ح ٧٧٨ ك الصوم، باب كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم.\n(١/ ٩٧) ح ١٤٢، ك الطهارة، باب في الاستنثار.\n٦ حم: (٤/ ٢١١) مي: (١/ ١٤٤) ح ٧١١ ك الطهارة، باب تخليل الأصابع.\n(ص ٣٦) ح ٨٠.\n٨ خز: (١/ ٧٨) ح١٥٠ ك الطهارة، باب الأمر بالمبالغة في الاستنشاق إذا كان المتوضئ مفطرًا. حب: الإحسان: (٢/ ٢٠٨) ح ١٠٨٤.\n(١/١٤٧، ١٤٨) .\n١٠ (١/٧٦) باب تخليل الأصابع.\n١١ ابن صبرة العقيلي، ثقة، من الثالثة/بخ ٤. (التقريب ٢٨٦) .","vol":"2","page":113},{"text":"قال الترمذي: \"حسن صحيح\". وقال البغوي: \"حسن\"١، وَصَحَّحَه ابن القطان٢. وقال الحاكم: \"حديث صحيح، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وقال ابن الملقن: \"رجاله رجال الصحيح، إلا إسماعيل بن كثير المكي ... وإلا عاصم بن لقيط بن صبرة\"٣. ثم نقل أقوال الأئمة في توثيقهما. وَتَقَدَّمَ قول الزيلعي أنه أمثل الأحاديث الواردة في ذلك.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديثَ المستورد بن شداد صحيحٌ، أو حسنٌ على أقلِّ أحواله، وما أَعَلَّهُ به ابن القَيِّم من وجود ابن لهيعة في إسناده مردود بمتابعة جماعةٍ له على روايته. ثم يأتي حديث لقيط بن صبرة فيشهد له ويشد أزره.\n_________\n١ مصابيح السنة: (١/٢٢) باب سنن الوضوء.\n٢ بيان الوهم والإيهام: (٥/٥٩٢) ح٢٨١٠.\n٣ البدر المنير: (٣/٣١٢) .","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>٤- باب من قال بالموالاة في الوضوء وعدم جواز تفريقه</span>\n٥- (٥) عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ: \"أَنَّ النبي ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، في ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ١ قَدْرَ الدِّرْهَم لم يُصِبْهَا الماءُ، فَأَمَرَهُ النبي ﷺ أن يُعِيدَ الوضوء والصلاة\".\nبَحَثَ ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، وأجاب عَمَّا أُعِلَّ به، وذلك في (كلامه على سنن أبي داود) ٢، وسيأتي نقل كلامه في ذلك.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والبيهقي كذلك في (سننه) ٤ من طريق أبي داود. قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية٥، عن بحير بن سعد٦، عن خالد بن معدان٧، عن بعض أصحاب النبي ﷺ به.\n_________\n١ اللُّمْعَة في الأصل: القطعةُ من النَّبْتِ تأخذُ في اليبس، قال ابن الأعرابي: \"وفي الأرض لمعة من خَلىً\" أي: شئ قليل، والجمع: لِمَاعٌ ولُمِعٌ. وقيل للموضع الذي لا يصيبه الماء في الغسل أو الوضوء من الجسد: لَمْعَةٌ على التشبيه بالقطعة من النبت. (النهاية: ٤/٢٧٢)، و(المصباح المنير: ٢/٥٥٩) .\n٢ تهذيب السنن: (١/١٢٨-١٢٩) .\n(١/١٢١) ح١٧٥ ك الطهارة، باب تفريق الوضوء.\n(١/٨٣) .\n٥ ابن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يحمد، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة ١٩٧هـ/خت م ٤. (التقريب ١٢٦) .\n٦ السحولي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من السادسة /بخ ٤. (التقريب ١٢٠) .\n٧ الكلاعي الحمصي، أبو عبد الله، ثقة عابد يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ١٠٣هـ، وقيل بعد ذلك /ع. (التقريب ١٩٠) .","vol":"2","page":115},{"text":"وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين:\nأولهما: أن في إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال. قال ذلك المنذري في (مختصر السنن) ١.\nالعلة الثانية: أن راويه مجهول لا يُدْرَى من هو. أَعَلَّه بذلك ابن حزم٢ وأَعَلَّه ببقية أيضًا.\nوقد نَقَلَ ابن القَيِّم - ﵀ - هاتين العلتين، ثم شَرَعَ في الجواب عنهما٣ فقال:\n\"أما الأولى: فإن بقية ثِقَةٌ في نفسه صدوق حافظ، وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرةِ روايته عن الضعفاء والمجهولين٤ وأما إذا صَرَّحَ بالسَّمَاع فهو حُجَّةٌ٥. وقد صَرَّحَ في هذا الحديث بسماعه له٦، قال\n_________\n(١/١٢٨) .\n٢ المحلى: (٢/٩٨) .\n٣ انظر: تهذيب السنن: (١/١٢٩) .\n٤ وقد نَصَّ أكثر من واحد من أئمة الشأن على قبول رواية بقية إذا رَوَى عن الثقات المعروفين، وترك روايته إذا روى عن الضعفاء والمجاهيل، منهم: أحمد بن حنبل، وابن معين، والعجلي، وأبو زرعة، وابن سعد وغيرهم. انظر حول ذلك: (تهذيب الكمال: ٤/١٩٦-١٩٨) .\n٥ وقد ذكره ابن حجر في الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين، وهم الذين اتفق على عدم قبول شيء من حديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع. (طبقات المدلسين ص١٢١) .\n٦ لكن تبقى عنعنته في شيخ شيخه؛ فإنه كان معروفًا بتدليس التسوية، وقد رَوَى هذا الحديث بالعنعنة في شيخ شيخه \"خالد بن معدان\" فينظر في ذلك، وقد يَجْبرُ ذلك كون روايات بقية عن \"بحير بن سعد\" لها مزيَّة عن غيرها؛ رُبَّمَا لنوع اختصاص له به، ولذا كان شعبة يحضُّ بقية على التحديث عنه فيقول له: \"بَحِّر لنا، بَحِّر لنا\". ويقول له: \"أهد إلى حديث بحير\" وهذا الحديث من روايته عنه، والله أعلم. (الميزان ١/٣٣٨) .","vol":"2","page":116},{"text":"أحمد في (مسنده) ١: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ ... فذكر الحديث، وقال: فأمره أن يعيد الوضوء\".\nكذا قال ابن القَيِّم ﵀، وسبقه إلى هذا الجواب ابن دقيق العيد، على ما نقله عنه ابن الملقن في (البدر المنير) ٢، لكن وقع عنده: (في المستدرك) بدل (مسند أحمد)، وحمله ابن الملقن - ﵀ - على أنه خطأ من الناسخ، بدليل أنه جاء به في (الإلمام) على الصواب. وقد تابع ابن دقيق العيد على ذلك: ابنُ حجر ﵀، لكنه قال: \"في المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث\"٣! ونقل ذلك عنه الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ٤! كذا قالوا، وليس هذا الحديث في (المستدرك) ألبتة، كما نَبَّهَ على ذلك ابن الملقن ﵀، وبحثت أنا عنه كثيرًا فلم أقف له على أثر فيه.\nوأما قول ابن القَيِّم - ومن بعده ابن الملقن، ثم ابن حجر -: إنه في (المسند) \"عن بعض أزواج النبي ﷺ\". فلم أجده هكذا، وإنما هو عند الإمام أحمد بالإسناد الذي ساقه ابن القَيِّم: \"عن بعض أصحاب النبي\" فلينظر في ذلك؟\n_________\n١ انظر: المسند: (٣/٤٢٤) .\n٢ جـ ١ (ق٩٧/أ) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/٩٦) .\n(١/١٢٧) .","vol":"2","page":117},{"text":"ثم قال ابن القَيِّم ﵀: \"وأما العلة الثانية١: فباطلة أيضًا على أصل ابن حزم، وأصل سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالةُ الصَّحَابِي لا تَقْدَح في الحديث؛ لثبوت عدالة جميعهم. وأما أصل ابن حزم: فإنه قال في كتابه في أثناء مسئلة: كلُّ نساءِ النبي ﷺ ثقات فواضل عند الله ﷿، مقدسات بيقين\".\nوما ذكره ابن القَيِّم في جوابه عن أصل ابن حزم: فإنه قاله بناءً على رواية أحمد التي ذكرها وفيها: \"عن بعض أزواج النبي\"، وقد قَدَّمْنَا أن رواية المسند التي أمامنا ليس فيها إلا ما يُوافِقُ رواية أبي داود المتقدمة وهو: \"بعض أصحاب النبي\".\nوقد شاركَ ابن حزم في القول بهذه العلة: البيهقيُّ، فقال في (سننه) ٢: \"وهو مرسل\". وكذا قال ابن القطان، كما في (البدر المنير) ٣، و(التلخيص الحبير) ٤.\nقلت: وما أَعَلُّوهُ به من جهالة راويه قد يكون له وجهٌ؛ حيث إن عَنْعَنَة التابعي عن رجل - أو جماعة - من أصحاب النبي ﷺ لم يَقْبَلْهَا بعضهم، فقال أبو بكر الصيرفي - من الشافعية -: \"وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: لا يُقبل؛ لأني لا أعلم سمع التابعيُّ من ذلك الرجل؟ إذ قد يُحَدِّث التَّابِعِيُّ عن رجل وعن رجلين\n_________\n١ وهي جهالة راويه.\n(١/٨٣) .\n٣ جـ ١ (ق٩٧/أ) .\n(١/٩٦) .","vol":"2","page":118},{"text":"عن الصحابي، ولا أدري: هل أَمْكَنَ لِقَاءَ ذلك الرجل أم لا، فلو علمت إمكانه منه لجعلته كَمُدْرِكِ العصر. وإذا قال: سمعت رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ قُبِلَ؛ لأن الكل عدول\". نقله عنه الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح) ١ ثم قال: \"وهو حسنٌ مُتَّجِهٌ، وكلامُ من أَطْلَقَ قبوله محمول على هذا التفصيل، والله أعلم\".\nلكن نَازَعَهَما الحافظ ابن حجر ﵀، فقال في (النكت على ابن الصلاح) ٢: \"وفيه نظرٌ؛ لأن التابعيَّ إذا كان سالمًا من التدليس حُمِلَتْ عنعنته على السماع\".\nثم قال ﵀: \"وإن قلت: هذا إنما يَتَأتَّى في حقِّ كبار التابعين الذين جُلُّ روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغارُ التابعين الذين جُلُّ روايتهم عن التابعين: فلابد من تحقيق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمعه حتى يُعْلَم هل أدركه أم لا؟ فينقدحُ صِحَّة ما قال الصيرفي. قلت: سَلاَمَتُهُ من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار ذلك على قوة الظَّنِّ به، وهي حاصلة في هذا المقام\"٣.\nوقد يُقال: خالد بن معدان كثيرُ الإرسال، وَوَصَفَهُ الحافظ الذهبي بالتدليس٤، الأمر الذي قد يورث خشيةً من عنعنته هنا كما قرره الحافظ ابن حجر. لكن يُقال: قد جعله الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الطبقة\n_________\n(ص ٧٤) في نوع \" المرسل \".\n(٢/ ٥٦٢) .\n٣ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٥٦٣) .\n٤ طبقات المدلسين: (ص ٦٢) .","vol":"2","page":119},{"text":"الثانية من طبقات المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمةُ تدليسهم لإمامتهم، وَقِلَّةِ تدليسهم في جنبِ ما رووا١. وقد قال أبو عبد الله الحاكم في (مستدركه) ٢- عقب حديث أخرجه من طريقه عن أصحاب النبي ﷺ -: \"خالد بن معدان من خيار التابعين، صَحِبَ معاذ ابن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أَسْنَدَ حديثًا إلى الصحابة فإنه صحيحُ الإسنادِ، وإن لم يُخْرِجَاهُ\".\nوقد سَأَلَ الأثرمُ الإمام أحمد فقال: \"هذا إسناد جيد؟ قال: جيد\"٣. وَقَوَّاه كذلك ابن التركماني٤، وصححه الشيخ الألباني٥.\nومع ذلك، فللحديث شاهدٌ من رواية عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا تَوَضَّأَ فترك موضع ظُفْرٍ على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: \"ارْجِعْ فَأَحسِن وضُوءَكَ\". فرجع ثم صلى٦.\nفَظَهَرَ من ذلك أن حديث خالد بن معدان هذا ثابت، وأن ابن القَيِّم - ﵀ - قد وُفِّقَ في رَدِّ العلل التي رُمِيَ بها الحديث على ما بَيَّناهُ من كلامه، مع وجود شاهد له في (صحيح مسلم) . والله أعلم.\n_________\n١ طبقات المدلسين: (ص ٦٢) .\n(٢/ ٦٠٠) .\n٣ نقله ابن القَيِّم في تهذيب السنن: (١/١٢٩) . وانظر: البدر المنير: جـ١ (ق ٩٧/أ)، والتلخيص الحبير: (١/٩٦) .\n٤ الجوهر النقي: (١/ ٨٣ - ٨٤) .\n٥ إرواء الغليل: (١/ ١٢٧) ح ٨٦.\n٦ أخرجه مسلم في صحيحه: (١/ ٢١٥) ح ٢٤٣.","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>٥- بابُ الوضوء من مس الذكر</span>\n٦- (٦) عن بسرة بنت صفوان - ﵂ - عن النبي ﷺ أنه قال: \"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ\". ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ثم قال: \"قال الدارقطني: قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث\"١. وهو يشير بذلك إلى الرد على من أعله بعدم سماع عروة منها.\nقلت: هذا الحديث مداره على عروة بن الزبير، ويرويه عنه: ابنه هشام بن عروة، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم.\nأما رواية هشام بن عروة عن أبيه: فأخرجها ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق عبد الله بن إدريس. وابن الجارود في (المنتقى) ٣، وابن خزيمة في (صحيحه) ٤ كلاهما من طريق أبي أسامة. وابن حبان في (صحيحه) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦ كلاهما من طريق سفيان الثوري، كلهم عن:\nهشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسرة - ﵂ - به. وعند ابن حبان والدارقطني زيادة قوله: \" ... فليتوضأ وضوءه للصلاة\".\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/ ١٣٣) .\n(١/ ١٦١) ح ٤٧٩. ك الطهارة، باب الوضوء من مَسِّ الذَكَر.\n(ح رقم ١٧) .\n(١/ ٢٢) ح ٣٣ باب استحباب الوضوء من مس الذكر.\n٥ الإحسان: (٢/٢٢١) ح ١١٣.\n(١/ ١٤٦) ح٢.","vol":"2","page":121},{"text":"وقد رواه جماعة آخرون عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة، بدون ذكر \"مروان بن الحكم\"، أخرج ذلك: الترمذي في (جامعه) ١، والنسائي في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ ثلاثتهم من طريق: يحيى بن سعيد القَطَّان. وابن حبان في (صحيحه) ٤ من طريق: علي بن المبارك. والدارقطني في (سننه) ٥ من طريق: عبد الحميد بن جعفر، كلهم عن:\nهشام بن عروة، عن أبيه عروة، عن بسرة به. ولفظ ابن حبان: \" ... فَلْيُعِدْ الوضوءَ\". وعند الدارقطني زيادة وهي: \"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أو أنثييه أو رفغيه٦ فليتوضأ\". قال الدارقطني: \"كذا رواه عبد الحميد ابن جعفر عن هشام، وَوَهِمَ في ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي ﷺ، والمحفوظ: أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب السختياني، وَحَمَّاد بن زيد وغيرهما\".\nوقد ظَنَّ بَعْضُهم أن هذا الخبر منقطعٌ، لإسقاط هؤلاء الجماعة \"مروان بن الحكم\" من الإسناد، وقالوا: إن عروة لم يسمعه من بسرة.\n_________\n(١/ ١٢٦) ح ٨٢. ك الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر.\n(١/ ٢١٦) ك الغسل والتيمم، باب الوضوء من مس الذكر.\n(٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧) .\n٤ الإحسان: (٢/ ٢٢١) ح ١١١٢.\n(١/ ١٤٨) ح ١٠.\n٦ الرَّفْغُ - بالضم والفتح -: واحد الأَرْفَاغ، وهي أصول المغابن كالآباط والحوالب، وغيرها من مَطَاوي الأعضاء وما يجتمع فيه من الوسَخِ والعَرَقِ. (النهاية ٢/٢٤٤) .","vol":"2","page":122},{"text":"وقد صَوَّرَ الدارقطني - ﵀ - ما تَوَهَّمَهُ هؤلاء ثم أجاب عنه، فقال: \"فلما وَرَدَ هذا الاختلاف عن هشام، أشكلَ أمر هذا الحديث، وظنَّ كثير من الناس - مِمَّن لم يمعن النظر في الاختلاف - أن هذا الحديث غيرُ ثابت ... فلما نظرنا في ذلك وبحثنا عنه: وجدنا جماعة من الثقات الحفاظ منهم: شعيب بن إسحاق، وربيعة بن عثمان، والمنذر بن عبد الله الحزامي، وعنبسة بن عبد الواحد الكوفي، وعلي بن مسهر القاضي ... وزهير بن معاوية الجعفي، رووا هذا الحديث عن: هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، وذكروا في روايتهم في آخر الحديث: أن عروة قال: ثم لقيت بسرة بعد فسألتها عن الحديث، فحدثتني به عن رسول الله ﷺ كما حدثني مروان عنها. فَدَلَّ ذلك من رواية هؤلاء النَّفَر على صحة الروايتين الأولتين جميعًا، وزال الاختلاف والحمد لله، وصحَّ الخبر، وثبتَ أن عروة سمعه من بسرة، وشَافَهَتْهُ به بعد أن أخبره مروان عنها\". قال: \"ومِمَّا يُقَوِّي ذلك ويَدُلُّ على صحته، وأن هشامًا كان يُحَدِّثُ به مرة عن أبيه، عن مروان عن بسرة عن السماع الأول، وكان يحدث به تارة أخرى عن أبيه عن بسرة على مشافهة عروة لبسرة وسماعه منها بعد أن سمعه من مروان عنها: ما قَدَّمْنَا ذكره من رواية ابن جريج، وحماد بن سلمة، وزمعة، وأبي علقمة الفروي ... فإنهم رووه عن هشام على الوجهين جميعًا، وكان هشامٌ ربما نَشِطَ فَحَدَّثَ به على الوجهين جميعًا ... \"١. وقال الحاكم نحوًا من كلام الدارقطني هذا ثم قال: \" ... فَدَلَّنَا ذلك على صِحَّة الحديث وثبوته على شرط الشيخين، وزالَ عنه الخلاف والشبهة، وثبت سماع عروة من بسرة\"٢.\n_________\n١ علل الدارقطني: جـ ٥ (ق ١٩٤ - ١٩٦) .\n٢ المستدرك: (١/١٣٦) .","vol":"2","page":123},{"text":"وأنا أوردُ طرفًا من هذه الروايات التي صَرَّحَ فيها عروةُ بسماعه من بُسْرَة، والتي أشار الدارقطني إلى جملة منها آنفًا:\nفرواية \"شعيب بن إسحاق\": أخرجها ابن حبان في (صحيحه) ١، والدارقطني في (سننه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ عن هشام، عن أبيه، أن مروان حَدَّثَهُ عن بسرة، فأنكر ذلك عروة، فسأل بسرة، فَصَدَّقَتْهُ بما قال. قال الدارقطني: \"صحيح\".\nورواية \"ربيعة بن عثمان\": أخرجها ابن الجارود في (المنتقى) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦ وفيه قول عروة: \"فسألت بسرة، فَصَدَّقَتْهُ\".\nواستوعَبَ الحاكم في (المستدرك) ٧ بقية هذه الروايات، فلتنظر هناك.\nوَجَزَمَ ابن خزيمة في (صحيحه) ٨ بسماع عروة من بسرة هذا الحديث، فقال - بعد أن نَقَلَ عن الشافعي وجوب الوضوء من ذلك -:\n_________\n١ الإحسان: (٢/٢٢٠) ح ١١١٠.\n(١/ ١٤٦) ح ١.\n(١/ ١٣٦- ١٣٧) .\n(ح رقم ١٨) .\n(ح رقم ١١١١) .\n(١/١٣٧) .\n(١/١٣٧) .\n(١/ ٢٣) .","vol":"2","page":124},{"text":"\"وبقول الشافعي أقول؛ لأن عروة قد سمع خبر بسرة منها، لا كما تَوَّهَّمَ بعض علمائنا ... \".\nهذا ما يتعلق بالكلام على رواية هشام بن عروة، عن أبيه عروة.\nوأما رواية عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عروة: فأخرجها مالك في (الموطأ) ١ عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة به. وأخرجه الشافعي في (مسنده) ٢ عن مالك، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق الشافعي.\nوأخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥ من طريق مالك. وأحمد٦، وابن الجارود٧من طريق سفيان الثوري، وأحمد٨ - أيضًا - والطبراني٩ من طريق الزهري. والدارمي١٠ من طريق ابن إسحاق، كُلُّهُم عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال:\n_________\n(١/٤٢) ح ٥٨، باب الوضوء من مس الفرج.\n(ص١٢) باب ما خرج من كتاب الوضوء.\n(١/١٢٨) .\n(١/١٢٥) ح١٨١، باب الوضوء من مس الذكر.\n٥ الإحسان: (٢/٢٢٠) ح١١٠٩.\n٦ المسند: (٦/٤٠٦) .\n٧ المنتقى: (ح رقم ١٦) .\n٨ المسند: (٦/٤٠٧) .\n٩ المعجم الكبير: (٢٤/١٩٤) ح ٤٩٠.\n١٠ في مسنده: (١/١٥٠) ح ٧٣١، باب الوضوء مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ.","vol":"2","page":125},{"text":"سمعت عروة بن الزبير يقول: دخلتُ على مروان بن الحكم، فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: وَمَنْ مَسِّ الذَّكَرِ الوضوء. فقال عروة: ما علمتُ هذا. فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره، هذا لفظ مالك ومن رواه من طريقه، وعند الباقين - إلا الدرامي - أن عروة أَنْكَرَ ذلك، فأرسلَ مروان رسولًا - وفي رواية حَرَسِيًّا - إلى بُسْرة فجاء بذلك.\nوقد وقع خلافٌ في إسناد حديث عبد الله بن أبي بكر أيضًا: فرواه سائر أصحاب مالك عنه كما ذكرنا، وخالفهم عبد الوهاب بن عطاء، فرواه عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة عن بسرة، بإسقاط \"مروان بن الحكم\" من الإسناد، قال الدارقطني: \"والأول أصحُّ\"١.\nوأخرجه كذلك بإسقاط مروان: النسائي في (سننه) ٢من طريق سفيان. والدارمي في (مسنده) ٣، والطبراني في\n_________\n١ علل الدارقطني: جـ ٥ (ق ١٩٦) .\n(١/٢١٦) .\n(١/١٥٠) ح٧٣٠.","vol":"2","page":126},{"text":"(الكبير) ١من طريق الزهري، كلهم عن عبد الله بن أبي بكر به.\nوأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٢ من طريق شعبة، عن عبد الله بن أبي بكر - أو أخيه محمد بن أبي بكر - به. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ٣من طريق ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، وأسقط من الإسناد \"عبد الله بن أبي بكر\".\nوَرُوِيَ على وجوه أخرى غير هذه، وقد استوعبها الدارقطني كُلَّها في (علله) ٤ فأفادَ وأجادَ ﵀.\nوقد حَكَمَ قومٌ بعدم سماع هشام هذا الحديث من أبيه، قال النسائي: \"هشام بن عروة لم يسمع من أبيه هذا الحديث\"٥. وطعن - كذلك - الطحاويُّ في رواية هشام عن أبيه، وقال بأن هشامًا إِنَّمَا أَخَذَهُ عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم٦. ولعله استندَ في ذلك إلى ما رواه الطبراني في (الكبير) ٧ من طريق: حجاج، عن هَمَّام، عن هشام بن عروة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن عروة، عن بُسرة به.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وهذه الرِّواية لا تَدُلُّ على أن هشامًا لم يسمعه من أبيه، بل فيها: أنه أَدْخَلَ بَينهُ وبينهُ واسطة، والدليل على أنه سمعه من أبيه - أيضًا - ما رواه الطبراني٨ أيضًا: حَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مَسِّ الذَّكَرِ. قال يحيى: فسألت هشامًا، فقال:\n_________\n(٢٤/١٩٣) ح٤٨٧.\n(ح ١٦٥٧) .\n(٢٤/١٩٣) ح ٤٨٦.\n٤ جـ٥ (ق ١٩٦-٢٠٩) .\n٥ السنن: (١/٢١٦) .\n٦ شرح معاني الآثار: (١/٧٣) .\n(٢٤/١٩٨) ح ٥٠٤.\n٨ المعجم الكبير: (٢٤/٢٠٢) ح ٥١٩.","vol":"2","page":127},{"text":"أخبرني أبي\"١. ثم أشار ابن حجر - ﵀ - إلى الروايات التي فيها تصريح هشام بسماعه من أبيه وتحديثه إياه، وقد تَقَدَّمَتْ عند الكلام على رواية هشام بن عروة٢. ثم قال ﵀: \"ورواه الجمهور من أصحاب هشام، عنه، عن أبيه بلا واسطة، فهذا: إما أن يكون هشام سمعه من أبي بكر عن أبيه، ثم سمعه من أبيه، فكان يُحَدِّثُ به تارةً هكذا، وتارةً هكذا. أو يكون سمعه من أبيه وَثَبَّتَهُ فيه أبو بكر، فكان تارةً يذكر أبا بكر، وتارةً لا يذكره، وليست هذه العِلَّةُ بقادحة عند المحققين\"٣.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث أيضًا بمروان بن الحكم، فقال الذين ذهبوا إلى عدم سماع عروة من بسرة: الواسطةُ بين عروة وبسرة: إما مروان بن الحكم، وهو مطعونٌ في عدالته، أو حَرَسِيّه، وهو مجهول٤.\nوقد تَقَدَّمَ كلام الأئمة في ثبوت سماع عروة هذا الحديث من بسرة، فمن لم يَقْبَل رواية مروان ولم يحتج به، فأمامه رواية عروة عن بسرة مباشرة، ويكون الاعتماد عليها.\nوهذا ما قَرَّرَهُ ابن حبان فقال: \"عائذ بالله أن نَحْتَجَّ بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا ... وأما خبر بسرة الذي ذكرناه: فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة، فلم يُقْنِعْهُ ذلك حتى بعث مروان شُرطيًا له إلى بسرة فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/١٢٣) .\n٢ وانظر: رواية يحيى القطان عن هشام في مسند أحمد: (٦/٤٠٦-٤٠٧) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/١٢٣) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/١٢٢) .","vol":"2","page":128},{"text":"بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانيًا عن الشرطي عن بسرة، ثم لم يقنعه ذلك حتى ذهب إلى بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروة عن بسرة مُتَّصِلٌ ليس بمنقطع، وصار مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد\"١.\nومع ذلك فإنَّ عروة نفسه قال في حقِّ مروان: \"كان مروان لا يُتَّهَمُ في الحديث\"٢.\nفإذا ظَهَرَ أن جميع ما أُعِلَّ به هذا الحديث مدفوع لا يثبت، فإنني أسوق طرفًا من أقوال الأئمة في تصحيح هذا الحديث:\nفقد صَحَّحَه يحيى بن معين واحتجَّ به ونَاظَرَ عليه علي بن المديني٣. وقال أبو داود: \"قلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح؟ قال: بل هو صحيح\"٤. وقال البخاري - وقد سأله عنه الترمذي -: \"أصحُّ شيء عندي في مَسِّ الذَّكَرِ حديث بسرة ابنة صفوان\"٥. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\". وقال الدارقطني في سننه: \"صحيح\"، وقد تَقَدَّمَ كلامه عليه وتصحيحه إياه في (علله) . وقال الإسماعيلي في (صحيحه): \"يلزم البخاري إخراجه؛ فقد أخرج نَظِيرَهُ\"٦ وَصَحَّحَهُ ابن خزيمة وابن حبان،\n_________\n١ الإحسان: (٢/٢٢٠) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١٠/٩٢) .\n٣ سنن البيهقي: (١/١٣٦) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/١٢٢) .\n٥ علل الترمذي: (١/١٥٦) .\n٦ التلخيص الحبير: (١/١٢٢) .","vol":"2","page":129},{"text":"وقد تقدم كلامهما. وصححه أبو عبد الله الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: \" ... هو على شرط البخاري بكل حال\"١ وقال الشيخ الألباني: \"صحيح\"٢.\nفالحاصل: أن حديثَ بُسْرَة قد أُعِلَّ بعلل، منها: انقطاعه بين عروة وبسرة. ومنها: عدم سماع هشام من أبيه عروة. ومنها: الكلام في مروان بن الحكم. وقد أَشَارَ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى جواب العلة الأولى، فنقل عن الدارقطني صحة سماع عروة من بسرة، ولم يتعرض -﵀- لباقي العلل، وقد ثبت صحة الحديث والحمد لله.\nومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب:\n٧- (٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُم بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ، ليس بَيْنَهُ وبينه شيءٌ، فَلْيَتَوَضَّأ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، وعزاه إلى الشافعي، ثم نقل قول ابن السكن، وابن عبد البر، والحازمي في تصحيحه٣. وسيأتي بيان ذلك.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: الشافعي في (مسنده) ٤ - ومن طريقه\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/١٢٢) .\n٢ الإرواء: (١/١٥٠) ح ١١٦.\n٣ تهذيب السنن: (١/١٣٤) .\n(ص ١٢-١٣) باب ما خرج من كتاب الوضوء.","vol":"2","page":130},{"text":"الحازمي١ - وأحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٣، من طرق عن:\nيزيد بن عبد الملك٤، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به، واللفظ الذي ساقه ابن القَيِّم هو لفظ الشافعي، إلا أن فيه \"ليس بينه وبينه شيء\"، لكنه عند الحازمي - من طريق الشافعي - كما ساقه ابن القَيِّم. ولفظ الإمام أحمد: \"من أَفْضَى بِيَدِهِ إلى ذَكَرِهِ، ليس دونه سِتْرٌ، فقد وَجَبَ عليه الوضوء\". وهو عند البيهقي مختصر، ولفظه: \"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فعليهِ الوضوء\"، لكن أخرجه من وجه آخر، ولفظه: \"من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب، فقد وَجَبَ عليه وضوء الصلاة\".\nوالحديث من هذا الطريق ضعيف؛ لضعف يزيد بن عبد الملك النوفلي، لكن تابعه عليه نافع بن أبي نعيم٥.\nفقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٦، والطبراني في (الصغير)\n_________\n١ الاعتبار: (ص٤٣) .\n(٢/٣٣٣) .\n٣ قط: (١/١٤٧) ح٦. هق: (١/١٣٠، ١٣٣) .\n٤ ابن المغيرة بن نوفل بن الحارث الهاشمي النوفلي، ضعيف، من السادسة /ق. (التقريب ٦٠٣) .\n٥ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القاريء، المدني، مولى بني ليث، وقد ينسب لجده، صدوقٌ ثَبْتٌ في القراءة، من كبار السابعة، مات سنة ١٦٩هـ/ فق. (التقريب٥٥٨) .\n٦ الإحسان: (٢/٢٢٢) ح ١١١٥.\n(١/٤٢) .","vol":"2","page":131},{"text":"من طريق: أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك كليهما، عن سعيد المقبري به. وعند ابن حبان: \" ... وليس بينهما سترٌ ولا حجابٌ فليتوضأ\".\nقال أبو حاتم ابن حبان - ﵀ - عقب إخراجه: \"احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد بن عبد الملك تَبَرَّأْنَا من عهدته في كتاب الضعفاء\"١.\nوصَحَّحَ رواية نافع بن أبي نعيم هذه أيضًا: ابن السكن، فقال: \"هذا الحديث من أجودِ ما رُوِي في هذا الباب، لرواية ابن القاسم صاحب مالك، عن نافع بن أبي نعيم، وأما يزيد: فضعيف\"٢.\nوقال ابن عبد البر: \"كان حديث أبي هريرة هذا لا يعرف إلا بيزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد، عن أبي هريرة، حتى رواه أصبغ ابن الفرج، عن ابن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك جميعًا، عن سعيد، عن أبي هريرة. فَصَحَّ الحديث بنقل العدل عن العدل على ما ذكر ابن السكن، إلا أن أحمد بن حنبل كان لا يرضى نافع بن أبي نعيم، وخالفه ابن معين فيه، فقال: هو ثقة، وقال أحمد بن حنبل: هو ضعيف، منكر الحديث\"٣.\nقلت: وهذه المقالة من الإمام أحمد لم أقف على مثلها عند غيره.\n_________\n١ انظر كلامه عليه في المجروحين: (٣/١٠٢) .\n٢ الاستذكار: (١/٣١١) .\n٣ الاستذكار: (١/٣١١-٣١٢) .","vol":"2","page":132},{"text":"وَوَثَّقَهُ ابن معين كما تقدم، فقال: \"ثقة\"١. وقال ابن المديني: \"كان عندنا لا بأس به\"٢. وقال ابن سعد: \"كان ثبتًا\"٣. وقال الساجي: \"صدوق\"٤. وقال أبو حاتم: \"صدوق صالح الحديث\"٥ وقال النسائي: \"ليس به بأس\"٦. وقال ابن عدي: \" ... ولم أَرَ في حديثه شيئًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به\"٧.\nوذكره ابن حبان في (الثقات) ٨. فأنَّى له - بعد أقوال هؤلاء الأئمة - أن يكون منكر الحديث؟! بل يحصل من مجموع كلامهم - ﵏ - أنه حسن الحديث على أقل أحواله، ولذلك صَحَّحَ الأئمة حديثه كما تَقَدَّمَ، وجعلوه شاهدًا لحديث يزيد بن عبد الملك.\nوقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) ٩ من طريق نافع هذا وحده، غير مقرون بيزيد، وقال: \"حديث صحيح، وشاهده الحديث المشهور عن يزيد بن عبد الملك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة\".\n_________\n١ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٦٠٢) .\n٢ الميزان: (٤/٢٤٢) .\n٣ تهذيب التهذيب: (١٠/٤٠٨) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ الجرح والتعديل: (٤/١/٤٥٧) .\n٦ الميزان: (٤/٢٤٢) .\n٧ الكامل: (٧/٥١) .\n(٧/٥٣٢) .\n(١/١٣٨) .","vol":"2","page":133},{"text":"وقال الحازمي: \" ... وقد رُوِي عن نافع ... كما رواه يزيد بن عبد الملك، وإذا اجتمعت هذه الطرق دَلَّتْ على أن هذا الحديث له أصل من رواية أبي هريرة\"١.\nوقال ابن حبان في كتاب (الصلاة): \"هذا حديث صحيح سنده، عدول نقلته\"٢.\nفَتَحَصَّل عندنا أن هذا الحديث وإن كان يُضَعَّف من طريق \"يزيد ابن عبد الملك\"، فإنه بانضمام طريق \"نافع بن أبي نعيم\" إليه يأخذ قوة ويصير حسنًا، وقد حَكَمَ عليه الأئمة الحُفَّاظ بالصحة: ابن السكن، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر، والحازمي. وقد نَقَلَ ابن القَيِّم - ﵀ - قول ابن السكن، وابن عبد البر، والحازمي كما تَقَدَّم.\n_________\n١ الاعتبار: (ص٤٣-٤٤) .\n٢ التلخيص الحبير: (١/١٢٦) .","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>٦- باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر</span>\n٨- (٨) حديث طلق بن علي أنه سَأَلَ النبي ﷺ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرَهُ بعد الوضوءِ؟ فقال النبي ﷺ: \"هَلْ هُوَ إلا مُضْعَةٌ مِنْكَ، أو بَضْعَةٌ مِنْكَ\".\nتَكَلَّمَ ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الحديث، فَذَهَبَ إلى أنه مَرْجُوحٌ، وأن حديث بُسْرة - الماضي ذِكْره - وغيره من الأحاديث الواردة في انتقاض الوضوء بمس الذَّكَرِ راجحة على حديث طَلْقٍ هذا في عدم الانتقاض، وذكر جملةً من المرجحات١ سيأتي نقلها عنه إن شاء الله.\nقلت: حديث طلق هذا مداره على قيس بن طلق٢، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي ﷺ مرفوعًا.\nوقد رواه عن قيس بن طلق جماعة، منهم:\n_________\n١- عبد الله بن بدر٣: أخرج ذلك أبو داود٤، والترمذي٥،\n١ تهذيب السنن: (١/ ١٣٤ - ١٣٥) .\n٢ ابن علي الحنفي، اليَّمَامِي، صدوق، من الثالثة، وَهِمَ من عَدَّهُ من الصحابة/٤. (التقريب ٤٥٧) .\n٣ ابن عميرة الحنفي السحيمي، اليمامي، كان أحد الأشراف، ثِقةٌ، من الرابعة/ ٤. (التقريب ٢٩٦) .\n(١/١٢٧) ح ١٨٢ ك الطهارة، باب الرخصة في ذلك (يعني: مس الذكر) .\n(١/ ١٣١) ح ٨٥ ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر.","vol":"2","page":135},{"text":"والنسائي١ في (سننهم)، وابن الجارود في (المنتقى) ٢ وابن حبان في (صحيحه) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٥ من طرق عن:\nمُلاَزِم بن عمرو٦، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن طلق ابن علي قال: قدمنا على نبي الله ﷺ، فجاء رجل كأنه بَدَوِيٌّ فقال: يا نَبِيَّ الله، ما ترى في مَسَّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: \"هل هو إلا مُضْغَةٌ٧ منه. أو قال: بَضْعَةٌ٨ منه\". هذا لفظ أبي داود، والباقون نحوه، إلا أن عند النسائي، وابن الجارود، والدارقطني قول الرجل: \" ... ما ترى في رجل مَسَّ ذكره في الصلاة؟ \". وعند ابن حبان: \"أَحَدُنَا يكون في الصلاة، فيحتك، فتصيب يَدُهُ ذَكَرَه؟ \". وهو عند الترمذي مختصر، ليس فيه إلا ذكر اللفظ المرفوع، دون ذكر كلام طلق، ولا سؤال الرجل.\nوهذا إسناد لا ينزلُ عن درجة الحسن، وَكَأَنَّ البيهقي - ﵀ - أراد أن يغمز هذا الإسناد، فنقل عقب روايته عن أحمد بن إسحاق\n_________\n(١/ ١٠١) ك الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك.\n(ح رقم ٢١) .\n٣ الإحسان: (٢/ ٢٢٣) ح ١١١٦، ١١١٧.\n(٨/ ٣٩٨) ح ٨٢٤٣.\n٥ قط: (١/ ١٤٩) ح ١٧. هق: (١/ ١٣٤) .\n٦ ابن عبد الله بن بدر، أبو عمرو اليَّمامي، صدوق، من الثامنة / ٤. (التقريب ٥٥٥) .\n٧ الْمُضْغَةُ: القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ، وجمعها: مُضَغٌ. (النهاية ٤ / ٣٣٩) .\n٨ البَضْعَةُ: القطعة من اللحم، وقد تكسر. (النهاية ١/١٣٣) .","vol":"2","page":136},{"text":"الضبعي قوله: \"ملازم فيه نَظَرٌ\"!\nقلت: قد وَثَّقَهُ الإمام أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني١. وقولهم - لا شكَّ - مُقَدَّمٌ على قول الضبعي؛ فهم أئمة هذا الشأن وفرسانه، كيف وقد انفرد الضبعي بهذه المقالة؟! ولذلك فقد صَحَّحَ الترمذي حديث ملازم هذا، وَقَدَّمَهُ على غيره من طرق حديث طلق، فقال: \"وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة، ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه ... وحديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر أصحُّ وأحسن\"٢. فَسَقَطَ بذلك الطعن في ملازم، وتبين أنه لا مجال لغمزه.\n٢- محمد بن جابر٣: أخرجه أبو داود وابن ماجه في (سننيهما) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦،\n_________\n١ انظر أقوالهم على الترتيب في: بحر الدم: (رقم ١٠٥٢)، والتاريخ برواية الدوري (٢/ ٥٨٥ رقم ٣٢٤٩)، والجرح والتعديل: (٨/ ٤٣٦)، وتهذيب التهذيب: (١٠/٣٨٤ - ٣٨٥) .\n٢ جامع الترمذي: (١/ ١٣٢) .\n٣ ابن سَيَّار بن طارق الحنفي، اليمامي، أبو عبد الله، صدوقٌ، ذَهَبَتْ كُتبه فساء حفظه وَخَلَّطَ كثيرًا، وعَمِيَ فصار يُلَقَّن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة، من السابعة، مات بعد السبعين/د ق. (التقريب ٤٧١) .\n٤ د: (١/١٢٨) ح ١٨٣. جه: (١/١٦٣) ح ٤٨٣.\n(٤/٢٣) .\n(ح رقم ٢٠) .","vol":"2","page":137},{"text":"وعبد الرزاق في (المصنف) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٥، من طرق، عن:\nمحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه عن النبي ﷺ به. وعندهم أن السائل هو طلق بن علي، إلا في رواية الإمام أحمد والدارقطني فعندهما: أن رجلًا سَأَلَ النبي ﷺ.\nومحمد بن جابر ضعيف، ضعفه غير واحد من أئمة الشأن، فقال ابن معين: \"ليس بشيء\"٦. وقال عمرو بن علي: \" ... كثيرٌ الوهم، متروكُ الحديثِ\"٧. وقال أبو زرعة: \"ساقط الحديث\"٨. وقال البخاري: \"ليس بالقوي عندهم\"٩. وقال النسائي: \"ضعيف\"١٠.\nولذلك فقد ضَعَّفَ هذا الحديث جماعة من العلماء بمحمد بن جابر\n_________\n(١/١١٧) ح ٤٢٦.\n(٨/٣٩٦) ح ٨٢٣٣، ٨٢٣٤.\n(١/١٤٩) ح ١٥.\n(ص٤٢) باب ما جاء في مس الذكر.\n(١/٣٦٢) ح ٥٩٧، ٥٩٩.\n٦ تاريخ الدوري عن ابن معين: (٢/٥٠٧) .\n٧ تهذيب التهذيب: (٩/٨٩) .\n٨ الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٢٠) .\n٩ الضعفاء الصغير: (ص ٢٠٤) .\n١٠ الضعفاء والمتروكين: (ص٩٣) .","vol":"2","page":138},{"text":"هذا، فسأل ابنُ أبي حاتم أَبَاه وأبا زرعة عنه \"فلم يثبتاه\"١. وقال الترمذي: \"وقد تَكَلَّمَ بعض أهل العلم في محمد بن جابر ... وحديث ملازم - يعني الطريق السابق - أصحُّ وأحسن\". وضعفه به: ابن الجوزي٢، والبيهقي٣، والزيلعي٤.\n٣- أيوب بن عتبة٥: أخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٦، والحازمي في (الاعتبار) ٧، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٨.\nوهذا أَعَلَّهُ: الترمذيُّ، والبيهقيُّ، وابن الجوزي، والزيلعي، بأيوب بن عتبة٩، فقد ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من العلماء١٠.\n٤- أيوب بن محمد العِجْلي: أخرجه الدارقطني في (سننه) ١١، وابن\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/٤٨) ح ١١١.\n٢ العلل المتناهية: (١/٣٦٣) .\n٣ السنن: (١/١٣٤-١٣٥) .\n٤ نصب الراية: (١/٦١) .\n٥ اليمامي، أبو يحيى القاضي، ضعيف، من السادسة، مات سنة١٦٠هـ/ق. (التقريب١١٨) .\n٦ حم: (٤/٢٢) . طس (ح١٠٩٦) .\n(ص٤٢-٤٣) .\n(١/٣٦٢) ح ٥٩٦.\n٩ انظر كلامهم على الطريق الذي قبله.\n١٠ انظر أقوال الأئمة في أيوب هذا في (تهذيب التهذيب): (١/٤٠٨-٤٠٩) .\n١١ (١/١٤٩) ح١٨.","vol":"2","page":139},{"text":"الجوزي في (علله) ١ من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن أيوب بن محمد، عن قيس بن طلق، عن أبيه به.\nقال الدارقطني عقب إخراجه: \"أيوب مجهول\".\nقلت: هو أيوب بن محمد، أبو سهل العجلي، اليمامي. ضَعَّفَهُ ابن معين٢. وقال أبو زرعة: \"منكر الحديث\"٣.\nوعبد الحميد بن جعفر - الراوي عنه - كان سفيان الثوري يُضَعِّفُه، وَوَثَّقَه غيره٤. وقد أشار ابن الجوزي٥، والزيلعي٦ إلى ضعف هذا الإسناد بهذين الرجلين.\n٥- عكرمة بن عمار٧: أخرجه من طريقه ابن حبان في (صحيحه) ٨ فقال: \"ذكر الخبر الْمُدْحِض قول من زعم أن هذا ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو\". ثم ساقه بإسناده إلى عكرمة،\n_________\n(١/٣٦٢) ح٥٩٨.\n٢ تاريخ الدارمي عن ابن معين: (ص١٧٩) رقم ٦٤٥.\n٣ الجرح والتعديل: (١/١/٢٥٧) .\n٤ الجرح والتعديل: (٣/١/١٠)، والميزان: (٢/٥٣٩) .\n٥ العلل المتناهية: (١/٣٦٣) .\n٦ نصب الراية: (١/٦١) .\n٧ العِجْلي، أبو عمار اليمامي، صدوقٌ يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، من الخامسة، مات قبيل الستين / خت م ٤. (التقريب ٣٩٦) .\n٨ الإحسان: (٢/٢٢٣) ح١١١٨.","vol":"2","page":140},{"text":"عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعًا.\nوأشار البيهقي - ﵀ - إلى رواية عكرمة هذه، ثم قال:\n\"وعكرمة بن عمار أمثلُ مَنْ رواه عن قيس، وعكرمة بن عمار قد اختلفوا في تعديله: غمزه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وضعفه البخاري جدًا\"١.\nقلت: لكن وَثَّقَهُ ابن معين، وابن المديني، والعجلي، وأبو داود، والدارقطني، ويعقوب بن شيبة، وابن شاهين، وابن حبان وغيرهم٢. وإنما ضعفوه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فإن فيها اضطرابًا. قال ابن التركماني في (الجوهر النقي) ٣ - متعقبًا البيهقي -: \"احتجَّ به مسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك ... \". فالرجل بهذه المثابة حسن الحديث إن شاء الله.\nوبعد، فهذه هي طرق هذا الحديث، وهؤلاء هم رواته عن قيس بن طلق، وأمثلُ هذه الطرق: هو طريق \"ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر\" كما تقدم، وكذا طريق عكرمة بن عمار عن قيس، فإنه لا غبار عليه،\n_________\n١ سنن البيهقي: (١/١٣٥) .\n٢ انظر أقوالهم على الترتيب في: تاريخ الدوري عن ابن معين (٢/٤١٤)، وسؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني: (رقم ١٦٩)، وثقات العجلي: (ص٣٣٩ رقم ١١٥٩)، وسؤالات الآجري لأبي داود: (رقم ٧٠٧)، وسؤالات البرقاني للدارقطني (رقم ٤٠٣)، وثقات ابن شاهين: (رقم ١٠٧٤)، وثقات ابن حبان: (٥/٢٣٣)، وتهذيب التهذيب: (٧/٢٦٢) .\n(١/١٣٤) .","vol":"2","page":141},{"text":"فهو يلي طريق عبد الله بن بدر في الرتبة، وتكون الطرق الثلاثة الأخرى متابعات لهذين الطريقين ومؤيدة لهما، ومجموع هذه الطرق يجعل هذا الحديث يصل إلى درجة الصحيح لغيره، أو يكون حسنًا على أقل تقدير.\nوقد صَحَّحَهُ جمع من الأئمة، منهم: الترمذي، فقال: \"هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب\"، وذهب - ﵀ - إلى أن طريق ملازم بن عمرو هو أصح طرق هذا الحديث وأحسنها. وصححه كذلك الطحاوي، فقال: \"هذا حديث مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا متنه\"١. ثم ذكر بسنده إلى عليِّ بن المديني أنه قَدَّمَهُ على حديث بسرة من طريق ملازم بن عمرو. وَصَحَّحَه كذلك الطبراني٢، وعبد الحق في (أحكامه)، قال الزيلعي: \"وذكر عبد الحق في أحكامه حديث طلق هذا، وسكت عنه، فهو صحيح عنده على عادته في مثل ذلك\"٣. وصححه كذلك: عمرو بن علي الفلاس، وقال: \"هو عندنا أثبت من حديث بسرة\"٤. وقال ابن حزم: \"هذا خبر صحيح\"٥. وظاهرُ صنيع ابن حبان تصحيحه إياه، حيث أخرجه في (صحيحه) وذكر له متابعة ما رأيت أحدًا أخرجها سواه، تلك التي من طريق: عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق به، وتَقَدَّمَ كلامه في ذلك. وقال الزيلعي - عند كلامه على\n_________\n١ شرح معاني الآثار: (١/ ٧٦) .\n٢ المعجم الكبير: (٨/ ٤٠٢) .\n٣ نصب الراية: (١/ ٦٢) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/ ١٢٥) .\n٥ المحلى: (١/ ١٢٣) .","vol":"2","page":142},{"text":"أحاديث عدم النقض -: \" ... حديث طلق بن علي، وهو أمثلها\"١. وذهب ابن القطان إلى حُسْنِهِ، مُتَعَقِّبًَا بذلك عبد الحق في سكوته عليه، فقال: \"والحديث مختلف فيه، فينبغي أن يقال فيه: حسن، ولا يحكم بصحته\"٢. وصححه - أيضًا - الشيخ أحمد شاكر٣ ﵀.\nفهذه أقوال المصححين لهذا الحديث، وقد ذهبت طائفة أخرى إلى القول بضعفه، وتنحصر العلل التي أعلوا بها هذا الحديث فيما يلي:\nأولًا: ضعفُ قيس بن طلق، فقد قال الشافعي - فيما روى عنه الزعفراني -: \"سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا٤ قبول خبره\"٥. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: \"قيس بن طلق ليس ممن تقوم به الحجة\"٦ وَوَهَّمَاه. وروى البيهقي بسنده إلى ابن معين أنه قال: \"قد أكثر الناس في قيس بن طلق، ولا يحتج بحديثه\"٧.\nثانيًا: ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة وغيرهما من الذين رووه عن قيس بن طلق.\nوالجواب عن ذلك:\n_________\n١ نصب الراية: (١/ ٦٠) .\n٢ نصب الراية: (١/ ٦٢) .\n٣ التعليق على جامع الترمذي: (١/ ١٣٢) .\n٤ يعني: بما يُسَوِّغ لنا.\n٥ سنن البيهقي: (١/ ١٣٥) .\n٦ علل ابن أبي حاتم: (١/ ٤٨) ح ١١١.\n٧ سنن البيهقي: (١/ ١٣٥) .","vol":"2","page":143},{"text":"أولًا: أما قيس بن طلق، فإنه وإن لم يعرفه الشافعيُّ فقد عرفه غيره، وَوَثَّقَهُ جماعة من أهل الشأن: ابن معين١، والعِجلي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣، هذا مع رواية جماعة كثيرين عنه٤، ومثله لا يكون مجهولًا، فعدم معرفة الشافعي به لا يوجب تركه ما دام غيره قد عرفه ووثقه.\nوأما ما رواه البيهقي عن ابن معين من عدم الاحتجاج به، فقد رَدَّهُ ابن التركماني، فقال: \"ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد بن الحسن النَّقَّاشِ المفسر، وهو من المتهمين بالكذب، وقال البرقاني: كل حديثه مناكير ... \"٥. وقد تَقَدَّمَ من رواية الدارمي عن يحيى أنه وَثَّقَهُ، ولا شكَّ أن ذلك مُقَدَّم.\nثانيًا: وأما ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة: فقد قَدَّمْنَا أن الاعتماد في ذلك على رواية عبد الله بن بدر عن قيس، فإنها أصحُّ هذه الطرق وأحسنها كما قال غير واحد. ثم إن رواية \"عكرمة بن عمار\" عن قيس متابعة قوية أيضًا، فعكرمة أمثل من رواه عن قيس كما قال غير واحد، وإذا كان الأمر كذلك، فإن روايتي محمد بن جابر وأيوب بن عتبة تكون كالمتابعات لرواية عبد الله بن بدر دون اعتماد عليهما.\nفإذا ثَبَتَ لدينا أن حديثَ طلق هذا ليس بضعيف، وأنه بمجموع\n_________\n١ تاريخ الدارمي عن ابن معين: (ص ١٤٤) رقم ٤٨٦.\n(الثقات) بترتيب الهيثمي: (ص ٣٩٣) .\n(٥/ ٣١٣) .\n٤ انظر: تهذيب التهذيب: (٨/ ٣٩٨) .\n٥ الجوهر النقي: (١/١٣٤-١٣٥) .","vol":"2","page":144},{"text":"طرقه حسن على أقل أحواله - مع تصحيح جماعة له - وأن ما أُعِلَّ به لا يرد عليه، إذا تَقَرَّرَ ذلك: فإن حديث طلق هذا في عدم الانتقاض بالمسِّ يكون مخالفًا في ظاهره لحديث بُسرة وغيرها من الصحابة الذين رووا الانتقاض، ولقد سلك العلماء إزاء هذا التعارض١ مسالك، أبرزها:\nأولًا: الجمع بين الحديثين، وذلك من وجوه:\n١- أنَّ خبر طلق يُحْمَلُ على الْمَسِّ بحائل، واستدلوا ببعض ألفاظه التي جاء فيها أنه سُئِلَ عن مَسِّهِ في الصلاة، قالوا: فالْمُصَلي لا يمسُّ فرجه من غير حائل في الصلاة. حكاه الخطابي٢. وقَرَّرَ ابن حبان -﵀- ذلك، فقال في (صحيحه) ٣: \"ذكر البيان بأن الأخبار التي ذكرناها مجملة بأن الوضوء إنما يجب من مَسِّ الذكر إذا كان ذلك بالإفضاء دون سائر المسِّ، أو كان بينهما حائل\". ثم ساق حديث المقبري عن أبي هريرة، ولفظه: \"إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُم بيده إلى فرجه، وليس بينهما سِتر ولا حجاب فليتوضأ\".\n٢- أن المسَّ الذي لا ينقضُ هو ما لم يكن مُتَعَمَّدًَا، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال - وقد سئل عن ذلك -: \"إن لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه\"٤.\nوقيل بغير ذلك من وجوه الجمع.\n_________\n١ وقد قَرَّرَ شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة هذا التعارض، انظر: القواعد النورانية: (ص ٣٣) .\n٢ معالم السنن: (١/ ١٣٣) .\n٣ الإحسان: (٢/ ٢٢٢) ح ١١١٥.\n٤ مجموع الفتاوى: (٢١/ ٢٣١) .","vol":"2","page":145},{"text":"ثانيًا: النسخ. فقد ذهب جماعة إلى أن حديثَ طلق منسوخ، منهم:\nابن حبان، والطبراني، والحازمي، وغيرهم. وأوضحَ ابن حبان ذلك، فَرَوى بإسناده إلى قيس بن طلق، عن أبيه في قصة بنائه مسجد المدينة مع النبي ﷺ، ثم قال: \"خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ؛ لأن طلقَ ابن علي كان قدومه على النبي ﷺ أول سنةٍ من سِنيِّ الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة. وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مَسِّ الذكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلمَ سنة سبع من الهجرة، فدلَّ ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين\"١.\nثم روى ابن حبان بإسناده - أيضًا - إلى طلق حديث قدومه على النبي ﷺ ومبايعته إياه، ثم رجوعه إلى بلده، ثم قال: \"في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ طلقَ بن عليٍّ رجع إلى بلده بعد القَدْمَةِ التي ذكرنا وقتها، ثم لا يُعْلَمُ له رجوعٌ إلى المدينة بعد ذلك. فمن ادَّعَى رجوعه بعد ذلك، فعليه أن يأتي بِسُنَّةٍ مُصَرِّحَةٍ، ولا سبيل له إلى ذلك\"٢.\nوقد ذكر الحازمي مثل ذلك، ثم قال: \"ثم نظرنا: هل نجد أمرًا يؤكد ما صرنا إليه، فوجدنا طلقًا روى حديثًا في المنع، فَدَلَّنَا ذلك على صِحَّةِ النقل في إثبات النسخ، وأن طلقًا قد شاهد الحالتين، وروى الناسخ والمنسوخ\"٣.\n_________\n١ الإحسان: (٢/ ٢٢٤) .\n٢ الإحسان: (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥) .\n٣ الاعتبار: (ص٤٧) .","vol":"2","page":146},{"text":"قلت: وحديث طلق في المنع هو الذي أخرجه الطبراني في (الكبير) ١ من طريق: حماد بن محمد، ثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ\". ثم قال الطبراني - عنه وعن حديث عدم النقض -: \"وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا فوافق حديث بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني وغيرهم ممن روى عن النبي ﷺ الأمر بالوضوء من مس الذكر، فسمع المنسوخ والناسخ\". ولكن \"أيوب بن عتبة\" ضعيف كما تقدم.\nوذهب ابن حزم - أيضًا - إلى نسخه مستدلًا على ذلك بأمور:\nأولها: أن خبر طلق موافق لما كان عليه الناس قبل ورود الأمر بخلافه، وإذا كان كذلك فإنه منسوخ يقينًا بورود الأمر بالوضوء من مس الذكر.\nالثاني: أن قوله ﷺ: \"هل هو إلا بَضْعَةٌ منك\" دليل بَيِّنٌ على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه، لأنه لو كان بعده لم يَقُلْ ﷺ هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، فقوله هذا يدل على أنه لم يكن سَلَفَ فيه حكم أصلًا، وأنه كسائر الأعضاء٢.\nثالثًا: الترجيح. وهذا هو المسلك الذي سَلَكَهُ ابن القَيِّم ﵀، وذكر في ذلك عدة مُرَجِّحَات:\n_________\n(٨/٤٠١) ح ٢٨٥٢.\n٢ انظر: المْحُلَّى: (١/٣٢٣) بتصرف.","vol":"2","page":147},{"text":"- منها: قوله بضعف حديث طلق، وقد بَيَّنَّا أن الأمر على خلاف ذلك، وأنه حسن بمجموع طرقه، لكن الذي لا شك فيه أن حديث بسرة أقوى، وبخاصة إذا راعينا مشاركة جملة من الصحابة لها في رواية النقض.\n- ومنها: الاختلاف على طلق، فقد روى عنه النقض أيضًا، كما سبق بيان ذلك.\n- ومنها: أن حديث طلق مُبْقٍ على الأصل - وهو عدم النقض - وحديث بُسرة ناقل عن الأصل، والناقل مقدم؛ لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه. وهذا من أدلة النسخ كما تَقَدَّمَ في كلام ابن حزم، لكن جعله ابن القَيِّم من جملة المرجحات لحديث بسرة.\n- ومنها: أنه قد روى النقض: بسرة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأم حبيبة، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، ولا شكَّ أن العدد الكثير من الصحابة مقدم على رواية الواحد.\n- ومنها: قولُ أكثر الصحابة بالنقض، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله ابنه، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة، وعن كلٍّ من سعد بن أبي وقاص وابن عباس روايتان١.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث طلق في عدم نقض الوضوء بمس الذكر\n_________\n١ انظر: تهذيب السنن: (١/١٣٤-١٣٥) .","vol":"2","page":148},{"text":"ما بين: مُؤَوَّل، ومرجوح، ومنسوخ، ولقد ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ضعف حديث طلق - على ما في ذلك من نظر - وأنه مرجوح بمرجحات أخرى غير ضعفه، وقال بأنه على تقدير صحته منسوخ.\nولعلَّ القول بالجمع بين الخبرين - إعمالًا لجميع الأدلة - أولى، والله أعلم.","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>٧ - باب الوضوء من لحم الإبل</span>\n...\n٧- باب الوضوء من لحوم الإبل\n٩- (٩) عن جابر بن سمرة ﵁: \"أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغَنَم؟ قال: \"إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَتَوَضَّأْ\" قَالَ: أَتَوَضَّأُ من لحومِ الإبِلِ؟ قال: \"نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ\". قال أُصَلِّي في مَرَابِضَ الغَنَمِ؟ قال: \"نعم\". قِال أُصَلِّي في مباركِ الإبل؟ قال: \"لا\".\nذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (تهذيب السنن) ١، وذكر أن عليَّ ابن المديني أعله بجهالة \"جعفر بن أبي ثور\" راويه عن جابر، ثم قال: \"وهذا تعليل ضعيف\". ثم نقل أقوال العلماء في جعفر.\nقلت: هذا الحديث يرويه عن جابر بن سمرة: جعفر بن أبي ثور٢. ورواه عن جعفر ثلاثةُ نَفَرٍ:\nأولهم: عثمان بن عبد الله بن موهب. أخرجه مسلم في (صحيحه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، وابن خزيمة وابن حبان في\n_________\n(١/ ١٣٦ - ١٣٧) .\n٢ واسم أبيه: عكرمة، وقيل غير ذلك، يكنى: أبا ثور، مقبولٌ، من الثالثة / م ق. (التقريب ١٤٠) .\n(١/ ٢٧٥) ح ٩٧ (٣٦٠) ك الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل.\n(٥/ ٩٨، ١٠٦) .","vol":"2","page":150},{"text":"(صحيحيهما) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ كلهم من طريق:\nأبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله٣، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة به. واللفظ المسوق أول الباب لفظ مسلم، ولفظ الباقين بنحوه.\nثانيهم: سِمَاك بن حرب٤. أخرجه أحمد في (مسنده) ٥ من طريق زائدة. وابن الجارود في (المنتقى) ٦ من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن: سِماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بنحو لفظ مسلم المتقدم.\nوأخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٧، وابن حبان في (صحيحه) ٨، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق) ٩ من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي ثور بن عكرمة، عن جابر به. كذا\n_________\n١ خز: (١/ ٢١) ح ٣١. حب: الإحسان: (٢/ ٢٢٥) ح ١١٢١.\n(١/ ١٥٨) .\n٣ ابن موهب التيمي مولاهم، المدني، الأعرج، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الرابعة، مات سنة ١٦٠ هـ/ خ م ت س ق. (التقريب ٣٨٥) .\n٤ الكوفي، أبو المغيرة، صدوقٌ وروايته عن عِكْرِمة خاصة مضطربةٌ، وقد تَغَيَّرَ بِأخرة فكان رُبَّمَا تَلَقَّنَ، من الرابعة، مات سنة ١٢٣ هـ/ خت م ٤. (التقريب ٢٥٥) .\n(٥/ ١٠٨) .\n(ح ٢٥) .\n٧ حم: (٥/ ٩٣، ١٠٠) . طس: (ح ٧٦٦) .\n٨ الإحسان: (٢/ ٢٢٥) ح ١١٢٣.\n(٢/ ١٦) .","vol":"2","page":151},{"text":"عند أحمد وابن حبان، وعند الطيالسي: سمعت أبا ثور يُحَدِّثُ عن جابر ابن سمرة، ومن طريق أبي داود ساقه الخطيب.\nوقد خَطَّأوا شُعبة في روايته تلك، فقال الترمذي في (علله) ١: \"أخطأ شعبة في حديث سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ... فقال: عن سماك، عن أبي ثور\". وقال الحاكم أبو أحمد: \" ... وليس ذكر عكرمة في نسبه بمحفوظ\"٢.\nونقل ابن القَيِّم إعلال الترمذي لهذه الرواية، وأنه قال: \"حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ ... \"٣. ونسب ذلك إلى (العلل)، والذي فيه ما نقلته بدون تقديم حديث سفيان.\nقلت: ولا أدري ما وجه تخطئة الترمذي شعبة في هذا الحديث، فإنه قد ذكره بكنيته، وقد نَصَّ على كنيته غير واحد، منهم ابن حبان، فقال: \"فجعفر بن أبي ثور هو أبو ثور بن عكرمة\"٤. ونص على ذلك الخطيب٥ أيضًا، فالرجل كنيته توافق كنية أبيه، فما أخطأ من ذكره بكنيته.\nوثالث الرواة له عن جعفر بن أبي ثور: أشعث بن أبي الشعثاء٦.\n_________\n(١/ ١٥٤) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٢/ ٨٧) .\n٣ تهذيب السنن: (١/ ١٣٦ - ١٣٧) .\n٤ الإحسان: (٢/ ٢٢٦) .\n٥ موضح أوهام الجمع والتفريق: (٢/ ١٦) .\n٦ المحاربي، الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة ١٢٥ هـ / ع. (التقريب ١١٣) .","vol":"2","page":152},{"text":"أخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، وابن حبان في (صحيحه) ٢ عن أشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: \"أمرنا رسول الله ﷺ أن نَتَوَضَّأَ من لحومِ الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم\".\nفهؤلاء هم رواة هذا الحديث عن جعفر بن أبي ثور، قال ابن خزيمة عقب إخراجه هذا الحديث: \"فهؤلاء ثلاثة من أَجِلَّةِ رواة الحديث، قد رووا عن جعفر ابن أبي ثور هذا الخبر\".\nوأما حكمُ عليِّ بن المديني عليه بالجهالة: فقد روى ذلك البيهقي في (سننه) ٣ بسنده إلى محمد بن أحمد بن البراء عن علي. ولكن هذا غير مقبول منه ﵀؛ فإن جعفرًا هذا وإن لم يوثقه غير ابن حبان، فإنه مشهورٌ شهرةً تغني عن البحث عن حاله، مع رواية هؤلاء الأجلة - المتقدم ذكرهم - عنه، قال الإمام الترمذي: \"جعفر بن أبي ثور رجل مشهور\"٤. وقال أبو أحمد الحاكم: \"هو من مشايخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن جابر ... \"٥. وقال ابن حبان: \"أبو ثور بن عكرمة ابن جابر بن سمرة اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور ... فمن لم يُحْكِمْ صناعة الحديث تَوَهَّمَ أنهما رجلان مجهولان، فتفهموا رحمكم الله كيلا تغلطوا فيه\"٦. وقال البيهقي: \"وجعفر بن أبي ثور هو رجل مشهور،\n_________\n(١/ ١٦٦) ح ٤٩٥ ك الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل.\n٢ الإحسان: (٢/ ٢٢٥) ح ١١٢٢، و(٢/ ٢٢٦) ح ١١٢٤.\n(١/ ١٥٨) .\n٤ العلل: (١/ ١٥٤) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٢/ ٨٧) .\n٦ الإحسان: (٢/ ٢٢٦) .","vol":"2","page":153},{"text":"من ولد جابر بن سمرة\" ثم ذكر الرواة عنه وقال: \"ومن روى عنه مثل هؤلاء خَرَجَ من أن يكون مجهولًا، ولهذا أَوْدَعَهُ مسلم بن الحجاج في كتابه الصحيح\"١.\nوهذا الحديث صَحَّحَهُ: أحمد بن حنبل٢، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: \"صَحَّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة\"٣. وقال ابن خزيمة: \"لَمْ نر خِلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيحٌ من جهة النقل\". وصححه ابن حبان بإخراجه في (صحيحه)، وَمَالَ البيهقيُّ إلى تصحيحه، وقد مضى كلامه. وكفى بإخراج مسلم له في (صحيحه) .\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ما أَعَلَّهُ به ابن المديني من تجهيل راويه لم يتحقق التعليل به، وقد رَدَّ ذلك ابن القَيِّم ﵀، واستشهد على صحة الحديث بكلام الأئمة الأعلام، فأصاب ﵀.\nوقد أَكَّدَ ابن القَيِّم - ﵀ - صِحَّة هذا الخبر، فقال: \" أمر النبي ﷺ بالوضوء من أَكْلِهِ في حديثين صحيحين، لا معارضَ لهما، ولا يَصُحُّ تأويلهما بغسل اليد؛ لأنه خلافُ المعهودِ من الوضوءِ في كلامه ﷺ\"٤.\n_________\n١ سنن البيهقي: (١/ ١٥٩) .\n٢ مختصر سنن أبي داود للمنذري: (١/ ١٣٧) .\n٣ علل الترمذي: (١/ ١٥٣ - ١٥٤) .\n٤ زاد المعاد: (٤/ ٣٧٦) .","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>٨ - باب التوقيت في المسح على الخفين</span>\n١٠- (١٠) عَنْ خزيمة بن ثابت ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"الْمَسْحُ على الخُفَّيْنِ: لِلمسافرِ ثَلاثةُ أَيَّامٍ، وللمقيم يومٌ وليلةٌ\".\nوفي لفظ لأبي داود: \"ولو استزدناه لزادنا\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وقد أَعَلَّ أبو محمد بن حزم حديث خزيمة هذا، بأن قال: رواه عنه أبو عبد الله الجَدَلِي صاحبُ رايةِ الكافر المختار، لا يُعْتَمَدُ على روايته١.\nوهذا تعليلٌ في غاية الفَسَادِ؛ فإن أبا عبد الله الجَدَلِي قد وَثَّقَهُ الأئمة: أحمد، ويحيى، وَصَحَّحَ الترمذي حديثه، ولا يُعلم أحدٌ من أئمةِ الحديث طَعَنَ فيه.\nوأما كونه صاحب راية المختار: فإنَّ المختار بن أبي عبيد الثَّقَفي إِنَّمَا أَظْهَرَ الخروج لأخذِهِ بثأر الحسين بن عليٍّ ﵄، والانتصار له من قَتَلَتِهِ، وقد طَعَنَ أبو محمد بن حزم في أبي الطفيل، وَرَدَّ روايته بكونه كان صاحبَ راية المختار أيضًا، مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة، ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يسره، فَرَدُّ روايةِ الصاحب والتابع الثقة بهذا باطل\"٢.\nقلت: هذا ما ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - مما أُعِلَّ به هذا\n_________\n١ انظر كلام ابن حزم في المحلى: (٢/١٢٢) .\n٢ تهذيب السنن: (١/١١٧) .","vol":"2","page":155},{"text":"الحديث، وله علتان غير ما ذكر، وهما: انقطاعه، والاختلاف في إسناده، فيكون مجموع ما أُعِلَّ به: ثلاث علل، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.\nأما الاختلاف في إسناده: فإن هذا الحديث مداره على ثلاثة: إبراهيم بن يزيد١ التيمي، وإبراهيم بن يزيد٢ النخعي، والشعبي.\nأما رواية إبراهيم التيمي: فإنه يُروى عنه، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِي، عن أبي عبد الله الجدلي٣، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ مرفوعًا.\nويرويه عن التيمي جماعة، أشهرهم: سعيد بن مسروق٤، ومنصور ابن المعتمر، والحسن بن عبيد الله٥.\nأما رواية سعيد بن مسروق، فقد أخرجها: الترمذي في (جامعه) ٦، والطبراني في (الكبير) ٧، وابن حبان في (صحيحه) ٨، والبيهقي في\n_________\n١ ابن شريك، يكنى أبا أسماء، الكوفي، العابد، ثِقَةٌ إلا أنه يُرْسل ويُدَلِّس، من الخامسة مات سنة ٩٢هـ /ع. (التقريب ٩٥) .\n٢ ابن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه، ثِقَةٌ إلا أَنَّه يُرْسِلُ كثيرًا، من الخامسة، مات سنة ٩٦ هـ /ع. (التقريب ٩٥) .\n٣ اسمه عبد، أو عبد الرحمن بن عبد، ثِقَةٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ، من كبار الثالثة /د ت س. (التقريب ٦٥٤) .\n٤ والد سفيان الثوري.\n٥ النخعي، أبو عروة الكوفي.\n(١/١٥٨) ح ٩٥ ك الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم.\n(٤/١٠٨) ح ٣٧٥٢.\n٨ الإحسان: (٢/٣١٢) ح ١٣٣٠.","vol":"2","page":156},{"text":"(سننه) ١، من طرق عن: أبي عوانة وَضَّاح اليَشْكُريّ، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، بالإسناد المذكور إلى النبي ﷺ أنه قال: \"الْمَسْحُ على الْخُفَّين للمقيم ... \" الحديث. هذا لفظ الطبراني، والبيهقي. وعند الترمذي: \"أنه سُئِلَ عن المسح على الخفين، فقال: ... \" وعند ابن حبان: \"أن أعرابيًا سأل النبيَّ ﷺ عن المسح ... \".\nقال أبو عيسى الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nوأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) ٢ من طريق زائدة بن قدامة، عن سعيد بن مسروق، بالإسناد الماضي إلى النبي ﷺ.\nورواه شريك، وسفيان الثوري، كلاهما: عن سعيد بن مسروق، وزادوا في آخره: \"وَأَيْمُ الله لو مضى السَّائل في مسألته لجعلها خمسًا\" لفظ الثوري، ولفظ شريك: \"ولو استزدناه لجعلها خمسًا\"، أخرج رواية شريك: الطبراني في (معجمه الكبير) ٣. وأخرج رواية الثوري: ابن ماجه في (سننه) ٤، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٥ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٦ -، والطبراني في (معجمه الكبير) ٧.\nهذا ما يتعلق برواية سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي.\n_________\n(١/٢٧٦) .\n(٤/١٠٨) ح ٣٧٥٣.\n(٤/١٠٧) ح ٣٧٥١.\n(١/١٨٤) ح٥٥٣ ك الطهارة، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر.\n(١/٢٠٣) ح ٧٩٠.\n(١/٢٧٧) .\n(٤/١٠٧) ح ٣٧٤٩.","vol":"2","page":157},{"text":"وأما رواية منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي به، فأخرجها: أحمد في (مسنده) ١، والطبراني في (معجمه) ٢، من طريق سفيان الثوري، عن منصور به. قال عبد الله بن الإمام أحمد: \"قال أبي: سمعته من سفيان مرتين يذكر للمقيم، ولو أطنب السائل في مسألته لزادهم\". وعند الطبراني: \"ولو استزدناه لزادنا\".\nوأخرجه الطبراني أيضًا في (معجمه) ٣ من طريق: عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، ثم من طريق: جرير، كلاهما عن منصور بن المعتمر به، وفيهما الزيادة المذكورة.\nوخالف أبو الأحوص سائرَ الرواة عن منصور، فرواه عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة به مرفوعًا، أخرجه الطبراني في (معجمه) ٤ وفيه الزيادة المذكورة. قال أبو القاسم الطبراني: \"أسقط أبو الأحوص من الإسناد عمرو بن ميمون\".\nوأما رواية الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون به: فقد أخرجها الطبراني في (معجمه) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، وعند الطبراني: أن أعرابيًا سأله ... فقال: \"ثلاثٌ للمسافر ويوم\n_________\n(٥/٢١٣) .\n(٤/١٠٨) ح ٣٧٥٤.\n(٤/١٠٩) ح٣٧٥٥، ٣٧٥٧.\n(٤/١٠٩) ح ٣٧٥٦.\n(٤/١٠٩) ح ٣٧٥٨.\n(١/٢٧٧) .","vol":"2","page":158},{"text":"للحاضر\"، وليس عند البيهقي ذكر المقيم، بل قال لما سأله الأعرابيُّ: \"ثلاثَةُ أيامٍ ولياليهن\"، وعندهما ذكر الزيادة وهي قوله: \"ولو استزاده الأعرابي لزاده\".\nورواه سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ به، أخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، والطبراني في (معجمه) ٢ والبيهقي في (سننه) ٣، وليس فيه حكم المقيم، بل قال: \"يمسحُ المسافرُ ثلاثة أيامٍ\". قال شعبة - راويه عن سلمة بن كهيل -: \"أحسبه قال: ولياليهن\".\nففي هذه الرواية مخالفات:\nأولها: أنه أسقطَ من الإسناد \"أبا عبد الله الجدلي\" بين عمرو بن ميمون وخزيمة.\nثانيها: أنه زاد في الإسناد \"الحارث بن سويد\" بين إبراهيم التيمي وعمرو بن ميمون.\nهذا ما يَتَعَلَّقُ برواية إبراهيم التيمي بطرقها، وقد وقع اختلاف في إسنادها وفي متنها، كما يَتَّضحُ ذلك من العرض السابق.\nوقد رَجَّحَ الأئمة رواية الأكثرين له: عن إبراهيم، عن عمرو بن\n_________\n(١/١٨٤) ح٥٥٤.\n٢ الكبير: (٤/١١٠) ح ٣٧٥٩، ٣٧٦٠.\n(١/٢٧٨) .","vol":"2","page":159},{"text":"ميمون، عن الجَدَلِي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ، بالزيادة المذكورة، فقال أبو زرعة: \"الصحيح من حديث إبراهيم التيمي: عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ\"١. وقال ابن دقيق العيد: \"فالروايات متضافرةٌ برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة، وأما إسقاط أبي الأحوص لعمرو بن ميمون من الإسناد، فالحكمُ لمن زاد؛ فإنه زيادة عدل، لاسيما وقد انضم إليه الكثرة من الرواة، واتفاقهم على هذا دون أبي الأحوص\"٢. فَظَهَرَ بذلك رجحان رواية الأكثرين بذكر \"عمرو بن ميمون\" وعدم إسقاطه.\nوأما رواية إبراهيم النخعي: فقد رويت عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت مرفوعًا، وليس فيها ذكر الزيادة التي جاءت في رواية التيمي. وقد رواها عن إبراهيم جماعة:\nفأخرجها الإمام أحمد في (مسنده) ٣، والطبراني في (معجمه) ٤من طريق: هشام الدستوائي. والطبراني - أيضًا - من طريق: الثوري٥، ثم من طريق: حماد بن سلمة٦، ثم من طريق: أبي حنيفة٧، جميعهم عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي به.\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/٢٢) ح ٣١.\n٢ نصب الراية: (١/١٧٦) .\n(٥/٢١٣) .\n(٤/١١١) ح ٣٧٦٤.\n٥ ح رقم ٣٧٦٢.\n٦ ح رقم ٣٧٦٥.\n٧ ح رقم ٣٧٦٧، ٣٧٦٨.","vol":"2","page":160},{"text":"وأخرجه الطبراني١ من طريق الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم به.\nوأخرجه أبو داود في (سننه) ٢، والطيالسي في (مسنده) ٣، وأحمد - كذلك - في (مسنده) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥، عن: الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان كليهما، عن إبراهيم النخعي، عن الجدلي به.\nوقد أُعِلَّتْ هذه الرواية بالانقطاع؛ فقد نَقَلَ الترمذي عن البخاري قوله: \"كان شعبةُ يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح\"٦. وروى ذلك ابن أبي حاتم في (المراسيل) ٧ بإسناده إلى شعبة.\nقلت: فرجعتْ بذلك روايةُ إبراهيم النخعي إلى رواية إبراهيم التيمي الْمُتَّصِلة، كما يَدُلُّ عليه كلام هؤلاء الأئمة، وقد سَلَكَ هذا الطريق ابن دقيق العيد ﵀ فقال: \"ولكن الطريق فيه: أن تُعَلَّلَ طريق إبراهيم بالانقطاع ... وَيُرْجَعُ إلى طريق إبراهيم التيمي، فالروايات متضافرةٌ برواية\n_________\n(٤/١١٧) ح ٣٧٩٠، ٣٧٩١.\n(١/١٠٩) ح ١٥٧ ك الطهارة، باب التوقيت في المسح.\n٣ ح ١٢١٩.\n(٥/ ٢١٣، ٢١٤) .\n(٤/١١٠) ح ٣٧٦٣.\n٦ علل الترمذي: (١/١٧٤) .\n(ص ٨) .","vol":"2","page":161},{"text":"التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة\"١.\nوأما رواية الشعبي: فقد أخرجها: الطبراني في (معجمه) ٢، وعلقها البيهقي في (سننه) ٣، والترمذي في (علله) ٤، كلهم من طريق: ذَوَّاد بن عُلْبَة٥، عن مُطَرِّف، عن الشَّعبي، عن الجدلي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ قال في المسح على الخفين: \"ثلاثةُ أيامٍ ولياليهن للمسافر، ويوم للمقيم\" هذا لفظ الترمذي والطبراني، أما عند البيهقي ففيه ذكر المسافر فقط، وفيه قوله: \"ولو استزدناه لزادنا\".\nولكن هذه الطريق ضعيفةٌ، ضَعَّفَهَا البيهقي٦ بذواد بن علبة هذا، وأشارَ إلى ضعفها ابن دقيق العيد٧، وسألَ التِّرْمذيُّ البخاري عنها فقال: \" ... ولا أدري هذا الحديث محفوظًا\". قال الترمذي: \"ولم يعرفه - يعني البخاري - إلا من هذا الوجه\"٨. فلا اعتبار إذن لرواية الشعبيِّ هذه، ويرجعُ الأمر إلى رواية إبراهيم التيمي كما قَدَّمْنَا.\nهذا ما يَتَعَلَّق بالعِلَّة الأولى، وهي الاختلاف في إسناده، وقد\n_________\n١ نصب الراية: (١/١٧٦) .\n(٤/١١٠) ح ٣٧٦١.\n(١/٢٧٨) .\n(١/١٧٤) .\n٥ الحارثي، أبو المنذر، الكوفي، ضعيفٌ عابد، من الثامنة /ت ق. (التقريب ٢٠٣) .\n٦ السنن (١/٢٧٨) .\n٧ نصب الراية: (١/١٧٦) .\n٨ علل الترمذي: (١/١٧٥) .","vol":"2","page":162},{"text":"أجيبَ عنها بحمد الله، وتبين أن هذه الطرق المختلفة مرجعها إلى طريق واحد.\nوأما انقطاع إسناده - وهي العلة الثانية -: فقد قال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في (علله) ١ -: \"لا يَصُحُّ عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت\".\nولم أر من شارك البخاري في هذا القول، حتى إنَّ الترمذي الذي نقل كلام البخاريّ هذا قد صَحَّحَ الحديث كما مضى، ولعلَّ ذلك من البخاري - ﵀ - بناء على مذهبه في اشتراطِ ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه، وأنه لا يكتفي في ذلك بإمكان اللقاء.\nقال ابن دقيق العيد - في معرض رده هذه العلة -: \"وقد أطنبَ مسلمٌ في الردِّ لهذه المقالة، واكتفى بإمكان اللقاء، وذكر له شواهد\"٢.\nقلت: ولقاؤه لخزيمة بن ثابت غير بعيد، فقد روى الدولابي في (الكنى) ٣ بسنده إلى محمد بن عمر أنه قال: \"أبو عبد الله الجدلي أدرك أبا بكر ... \". وقد تأخرتْ وفاة الجدلي إلى فتنة ابن الزبير، فيكون قد أدرك خزيمة من باب أولى؛ إذ إن وفاة خزيمة كانت سنة ٣٧هـ.\nفإذا تَقَرَّرَ إمكان لقائه له، وعلمنا أن الجدلي غير معروف بالتدليس،\n_________\n(١/١٧٣) .\n٢ نصب الراية (١/١٧٧) .\n(٢/٥٧) .","vol":"2","page":163},{"text":"فإنَّ عنعنته هنا تحمل على الاتصال على مذهب من اكتفى بإمكان اللقاء١.\nوأما العلة الثالثة، وهي الطَّعْنُ في أبي عبد الله الجدلي: فقد تَقَدَّمَ جواب ابن القَيِّم عنها بأن أحمد وابن معين وَثَّقَاهُ، وصَحَّحَ الترمذي حديثه.\nوقد وَثَّقَهُ كذلك العجلي، فقال: \"تابعي ثقة\"٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣. وقال ابن دقيق العيد: \" ... فلم يقدح فيه أحد من المتقدمين، ولا قال فيه ما قال ابن حزم، وَوَثَّقَهُ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين٤، وهما هما\"٥.\nوغاية ما تَعَلَّقَ به ابن حزم في طعنه عليه: هو أنه كان في جيش المختار، وقد رد ذلك ابن القَيِّم ﵀ بقوله: \"فَرَدُّ رواية الصاحب والتابع الثقة بهذا باطل\"٦. وقال ابن حجر: \" ... فَمِنْ هنا أخذوا على أبي عبد الله الجدلي وعلى أبي الطفيل أيضًا؛ لأنه كان في ذلك الجيش، ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله\"٧.\n_________\n١ وانظر تدريب الراوي: (١/٢١٤) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١٢/١٤٨) .\n(٥/١٠٢) .\n٤ انظر توثيق أحمد ويحيى له في تهذيب التهذيب: (١٢/١٤٨) .\n٥ نصب الراية: (١/١٧٧) .\n٦ تهذيب السنن: (١/١١٧) .\n٧ تهذيب التهذيب: (١٢/١٤٩) .","vol":"2","page":164},{"text":"فَتَبَيَّنَ من ذلك أن هذه العلة - أيضًا – مدفوعةٌ.\nوقد صحح الحديث - مع ذلك - جماعة:\nقال الترمذي: \"حسن صحيح\". وقال ابن معين: \"صحيح\"١. وَصَحَّحَ أبو زرعة رواية إبراهيم التيمي الْمُتَّصِلَة كما تقدم. وَصَحَّحَه ابن حبان أيضًا، فقد أخرجه في (صحيحه) . وصححه ابن دقيق العيد في بحث له نافع، ونقله عنه صاحب (نصب الراية) ٢. وقال الشيخ الألباني: \"صحيح\"٣.\nوأما الزيادة الواردة في هذا الحديث فهي ثابتة - أيضًا - كما مضى، وصححها ابن دقيق العيد٤. وكأن الخطابي - ﵀ - مال إلى عدم ثبوتها فقال: \" ... فإنَّ الحَكَمَ وَحَمَّادًَا قد روياه عن إبراهيم فلم يذكروا فيه هذا الكلام٥ ولو ثَبَتَ لم يكن فيه حُجَّةٌ؛ لأنه ظَنٌّ منه وحسبان، والحجة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة لا بِظَنِّ الراوي\"٦.\nفالحاصلُ: أن هذا الحديث أُعِلَّ بثلاث عِلَلٍ، وهي: الاختلاف في سنده، وانقطاعه، والطعن في أبي عبد الله الجدلي.\n_________\n١ رواية الدقاق عن ابن معين في الرجال: (ص٧٤) .\n(١/١٧٥- ١٧٧) .\n٣ صحيح ابن ماجه: (ح ٤٤٨، ٤٤٩) .\n٤ نصب الراية: (١/١٧٥) .\n٥ وقد تَقَدَّمَ أن رواية الحكم وحماد، عن إبراهيم النخعي معلولة بالانقطاع، وأن رواية التيمي- التي جاء فيها ذكر هذه الزيادة - أصحُّ منها.\n٦ معالم السنن: (١/١١٠) .","vol":"2","page":165},{"text":"ولم يتعرض ابن القَيِّم إلا لردِّ الطعن في الجدلي، فَبَيَّنَ أن ما طَعَنَ به ابن حزم فيه ليس بقادح، وَأَنَّ الأئمة على توثيقه.\nوأما بقية العلل فقد تَبَيَّنَ من هذه الدراسة أنها مردودة أيضًا، وأن الحديث صحيح ثابت ولله الحمد.","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>٩- باب من قال بعدم التوقيت في المسح على الخفين</span>\n١١- (١١) حَديث أُبَيّ بن عمارة ﵁ أنه قال: يَا رَسُول الله، أمسحُ على الخُفَّين؟ قال: \"نَعَمْ\". قَال: يومًا؟ قال: \"يومًا\". قال: ويومين؟ قال: \"ويومين\". قال: وثلاثة؟ قال: \"نَعَمْ، وما شِئْتَ\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا. وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَنَ: مجهولون كُلُّهم.\nوقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين، كلاهما: عن عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا محمد بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي الحديث. قال الحاكم: هذا إسنادٌ مصريٌّ، لم ينسب واحد منهم إلى جَرْح، وهذا مذهبُ مالك، ولم يخرجاه\".\nقال: \"والعجبُ من الحاكم، كيف يكونُ هذا مُسْتَدْرَكًَا على الصحيحين ورواته لا يُعْرَفُون بجَرح ولا تعديلٍ؟!! \"١.\nفقد تَضَمَّنَ كلام ابن القَيِّم - ﵀ - أَنَّ هذا الحديث معلول من وجهين:\nأحدهما: الاضطرابُ في إسناده.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١١٨) .","vol":"2","page":167},{"text":"والثاني: جَهَالةُ بعض رواته.\nوالأمر كما قال ﵀، وبهذا أَعَلَّه أكثرُ الأئمة، كما سيأتي بيان ذلك من أقوالهم رحمهم الله تعالى، فأقول:\nهذا الحديث مداره على يحيى بن أيوب١، واختلف عليه على أربعة أوجه:\nالأول: ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: يحيى بن معين، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين٣، عن محمد بن يزيد٤، عن أيوب بن قَطَن٥، عن أُبَيِّ بن عمارة٦ - قال يحيى: وكان قد صَلَّى مع رسول الله ﷺ القبلتين - أنه قال ... فذكره، ولفظه هو الذي سقناه أول الباب.\n_________\n١ الغافقي، أبو العباس المصري، صدوقٌ رُبَّمَا أخطأَ، من السابعة، مات سنة ١٦٨هـ/ع. (التقريب ٥٨٨) .\n(١/١٠٩) ح ١٥٨ ك الطهارة، باب التوقيت في المسح.\n٣ ويقال: ابن يزيد، والأول هو الصواب، الغافقي، المصري، صدوقٌ، من الرابعة/ بخ د ق. (التقريب ٣٤٠) .\n٤ ابن أبي زياد الثقفي، نزيل مصر، مجهول الحال، من السادسة / د ت ق. (التقريب٥١٣) .\n٥ الكندي، الفلسطيني، فيه لين، من الخامسة /د ق. (التقريب ١١٨) .\n٦ بكسر العين على الأصح، مدني سكن مصر، له صحبة، وفي إسناد حديثه اضطراب/ د ق. (التقريب ٩٦) .\nقلت: يعني حديثه هذا في المسح على الخفين، وليس له إلا هذا الحديث.","vol":"2","page":168},{"text":"ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في (سننه) ١.\nالثاني: ما أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق: عبد الله بن وهب المصري. والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: سعيد بن كثير بن عفير. كلاهما عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي بن عمارة به، وفي آخره: حتى بلغ سبعًا قال له: \"وما بَدَا لك\". وليس عند البيهقي: \"حتى بلغ سبعًا\".\nفزيد في إسناده \"عبادة بن نسي\" بين أيوب بن قطن، وأُبَيّ بن عمارة.\nالثالث: ما أخرجه البيهقي في (سننه) ٤ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزِين، عن محمد بن يزيد، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي بن عمارة. فأسقط من إسناده \"أيوب بن قَطَن\" ولفظه كلفظ ابن ماجه والدارقطني، وفيه زيادة قوله: \"حتى عَدَّ سبعًا\".\nوقد عَلَّقَهُ أبو داود في (سننه) ٥ فقال: \"رواه ابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب ... \" فذكره.\n_________\n(١/٢٧٩) .\n(١/١٨٥) ح٥٥٧، ك الطهارة، باب ما جاء في المسح بغير توقيت.\n٣ قط: (١/١٩٨) ح ١٩. هق: (١/٢٧٨) .\n(١/٢٧٩) .\n(١/١١٠) .","vol":"2","page":169},{"text":"وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ١ من هذا الوجه - يعني بجعل \"عبادة بن نسيّ\" مكان \"أيوب بن قَطَن\" - لكنه من طريق أبي داود المتقدم وبلفظه، فالظاهرُ أنها رواية أبي داود نفسها ووقع فيها خطأ في المستدرك، وإلا فيكون قد روي عن عمرو بن الربيع على وجهين، فيزداد بذلك الحديث اضطرابًا.\nالوجه الرابع: ما ذكره ابن القطان في (الوهم والإيهام) - ونقله عنه صاحب (نصب الراية) ٢ - وهو أنه روي عن يحيى بن أيوب بالإسناد السابق، مرسلًا بدون ذكر أبيّ بن عمارة.\nفهذا ما يتعلق بوجوه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من أئمة هذا الشأن، فقال أبو داود عقب روايته: \"وقد اخْتُلِفَ في إسناده، وليس هو بالقويّ ... \". وقال الدارقطني - عقب روايته إياه -: \" ... وقد اختُلِفَ فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا\". وذكر ابن القطان - أيضًا - وجوه الاختلاف على يحيى٣. وأشار ابن عبد البر إلى اضطراب حديث أبي بن عمارة هذا عندما ترجمه في (الاستيعاب) ٤.\nوأما جَهَالة رواته: فقد حَكَم بذلك الدارقطني، فقال في (السنن): \"وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَن: مجهولون كُلُّهم\".\n_________\n(١/١٧٠) .\n(١/١٧٨) .\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٣/٣٢٤-٣٢٥) ح ١٠٧٠.\n(١/٥٢) .","vol":"2","page":170},{"text":"والأمر على ما قال ﵀؛ أما أيوب بن قطن: فقال فيه أبو زرعة: \"لا يُعرف\"١. وقال الأزدي: \"مجهول\"٢. وأما محمد بن يزيد: فقال فيه أبو حاتم: \"مجهول\"٣. وَتَقَدَّمَ قول ابن حجر فيه: \"مجهول الحال\". وأما عبد الرحمن بن رَزِين: فإنه لم يُوَثِّقهُ غير ابن حبان٤، فالظاهر أن أمره على ما حكم الدارقطني.\nوإلى جهالة إسناده أشارَ الإمام أحمد بقوله: \"حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد\" كما نَقَل ذلك عنه أبو زرعة الدمشقي٥. وقال الحافظ الذهبي - مُتَعَقِّبًَا الحاكم في قوله: هذا إسناد مصري لم ينسب واحد منهم إلى جرح -: \"بل مجهول\"٦. وأشار ابن حجر -﵀- إلى العِلَّتَين معًا فقال: \"في إسناده جهالةٌ واضطرابٌ\"٧.\nولأجل هاتين العلتين ضَعَّفَهُ جماعة من العلماء؛ فقال ابن معين: \"إسناده مظلم\"٨. وقال أبو داود عقب إخراجه: \"وليس هو بالقوي\". وقال أبو الفتح الأزدي: \"حديث ليس بالقائم\"٩. وقال ابن حبان في\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (١/٤١٠) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ الجرح والتعديل: (٤/١/١٢٦) .\n٤ الثقات: (٥/٨٢) .\n٥ انظر: نصب الراية: (١/١٧٨)، والتلخيص الحبير: (١/١٦٢) .\n٦ تلخيص المستدرك: (١/١٧١) .\n٧ تهذيب التهذيب: (١/٤١٠) .\n٨ المصدر السابق: (١/٤١٠) وأشار إلى أن قول ابن معين هذا جاء في بعض نسخ (أبي داود) .\n٩ التلخيص الحبير: (١/١٦٢) .","vol":"2","page":171},{"text":"(الثقات) ١ - في ترجمة أبيّ بن عمارة -: \" ... لست أعتمد على إسناد خبره\". وقال الدارقطني عقب إخراجه: \"هذا الإسناد لا يثبت\". وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصحُّ\"٢. وقال النوويّ: \"ضعيف بالاتفاق\"٣. وقال الشيخ الألباني: \"ضعيف\"٤.\nوَثَمَّة شيء آخر في إسناده أشار إليه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٥، فقال: \"وهو عندي خطأ، إنما هو أبو أبيّ، واسمه عبد الله بن عمرو بن أم حرام، كذا رواه إبراهيم بن أبي عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه، سمعت أبي يقول ذلك\". وذكر مثل ذلك ابن عبد البر في (الاستيعاب) ٦.\nفالحاصلُ: أن هذا الحديث ضعيفٌ؛ لاضطرابِ إسنادِهِ، وَجَهَالَةِ رواتهِ، كما قال ابن القَيِّم رحمه الله تعالى، وتَعَقَّبَ الحاكمَ لاستدراكه إيَّاه على (الصحيحين)، وقد وافق حُكْمُ ابن القَيِّم حكمَ الأئمة على هذا الحديث كما نقلناه عنهم آنفًا.\nفإذا ثبت عندنا ضعف هذا الحديث، فإنَّه لا حُجَّةَ فيه للقائلين بعدم التوقيت في المسح على الخفين، والله أعلم.\n_________\n(٣/٦) .\n٢ العلل المتناهية: (١/٣٦٠) .\n٣ المجموع: (١/٥٠٩) .\n٤ ضعيف ابن ماجه: (ح١٢٢) .\n(١/١/٢٩٠) .\n(١/٥٢) .","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>١٠- باب ما جاء في مسح أعلى الخف وأسفله</span>\n١٢- (١٢) عَن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: \"وَضَّأْتُ رَسولَ الله ﷺ في غزوةِ تبوك، فَمَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ\".\nذكر ابن القَيِّم هذا الحديث، وبين أنه قد أُعِلَّ بأربع علل وهي:\n١- أن ثورَ بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة، بل قال: حُدِّثْتُ عن رجاء.\n٢- أنه مرسلٌ.\n٣- أن الوليدَ بن مسلم عَنْعَنَهُ، وهو مُدَلِّسٌ.\n٤- أن كاتبَ المغيرة لم يُسَم فيه، فهو مجهول.\nثم ذَكَرَ ابن القَيِّم - ﵀ - أن هذه العلل يُمْكِنُ الجواب عنها، وَأَخَذَ في سرد هذه الأجوبة، وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك أثناء البحث.\nثم عَادَ ابن القَيِّم - ﵀ - فَرَجَّحَ أن هذا الحديث معلولٌ، وأن الأئمة الكبارَ قد ضَعَّفُوهُ، وأن الأحاديثَ الصحيحةَ على خلافه، وأنَّ هذه العلل وإنْ كان بَعْضُهَا غير مُؤَثِّرٍ، فإن بَعْضَهَا الآخر مؤثرٌ مانع من تصحيح الحديث١.\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/١٢٤-١٢٦) .","vol":"2","page":173},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وفي (العلل) ٣ له، وابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٨ من طرق، عن:\nالوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب٩ المغيرة، عن النبي ﷺ به.\nواللفظُ الذي ذكرته هو لفظ أبي داود، والدارقطني، والبيهقي. وعند الترمذي، وابن ماجه، وابن الجارود: \"أَنَّ النبي ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وأسفله\".\nوأما العلل التي أُعِلَّ بها الحديث، فَبَيَانُهَا كالتالي:\n_________\n(١/١١٦) ح ١٦٥ ك الطهارة، باب كيف المسح؟\n(١/١٦٢) ح ٩٧، باب ما جاء في المسح على الخفين: أعلاه وأسفله.\n(١/١٧٩) .\n(١/١٨٣) ح ٥٥٠ باب في مسح أعلى الخف وأسفله.\n(١/٢٥١) .\n(ح ٨٤) .\n٧ قط: (١/١٩٥) ح ٦، ٧. هق: (١/٢٩٠) .\n(٢/١٣٥) .\n٩ هو: وَرَّاد، الثَّقفي، أبو سعيد أو أبو الورد، الكوفي، كاتب المغيرة ومولاه، ثقة، من الثالثة /ع. (التقريب ٥٨٠) .","vol":"2","page":174},{"text":"أولًا: أن ثورَ بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة، قال أبو داود - عقب إخراجه -: \"وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء\". وكذا قال موسى بن هارون١. وإنما قال ثور بن يزيد: \"حُدِّثْتُ عن رجاء بن حيوة\". فَأَعَلَّه بذلك الأئمة: أحمد٢، والبخاري٣، والترمذي٤، وغيرهم.\nوقد أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن هذه العلة: بأن الدارقطني رواه وفيه تصريح ثور بن يزيد بتحديث رجاء له.\nولكنه جوابٌ فيه نَظَرٌ؛ قال ابن حجر ﵀: \"ووقع في سنن الدارقطني ما يوهم رفع العِلَّة وهي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، ثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثورًا سَمِعَهُ من رجاء فتزول العلة. ولكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في (مسنده)، عن أحمد بن يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد فقال: عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بِصِحَّة وصله، مع ما تَقَدَّمَ في كلام الأئمة\"٥. فَتَبَيَّنَ من ذلك أن هذه العِلَّةَ ثابتة لا تندفع.\nثانيًا: أنه يُروى مرسلًا. وقد أشار إلى هذه الرواية الإمام أحمد،\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/١٥٩) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ علل الترمذي: (١/١٨٠) .\n٤ في جامعه: (١/١٦٣) .\n٥ التلخيص الحبير: (١/١٦٠) .","vol":"2","page":175},{"text":"والدارقطني وغيرهما، قال الإمام أحمد: \"ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك، عن ثور: حُدِّثْتُ عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة. قال أحمد: وقد كان نعيم بن حَمَّاد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة. فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أُسْأَلُ عنه، فأخرجَ إليَّ كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم: \"عن المغيرة\"، فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه الزيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعلَ يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث\"١.\nوقال البخاريُّ لما سأله عنه الترمذي: \"لا يصح هذا، روي عن ابن المبارك، عن ثور ... عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلًا\"٢. وقال الدارقطني: \" ... لا يثبتُ؛ لأن ابنَ المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا\"٣.\nوقال ابن القَيِّم ﵀ - وهو يُرَجِّحُ القولَ بضعفه مؤكدًا إعلاله بالإرسال -:\"وقد تَفَرَّدَ الوليد بن مسلم بإسناده ووصله، وخَالَفَهُ من هو أحفظُ منه وأجلُّ، وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك، فرواه عن ثور، عن رجاء وإذا اختلفَ عبد الله بن المبارك والوليد بن المسلم،\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/١٥٩) .\n٢ علل الترمذي: (١/١٨٠) .\n٣ علل الدارقطني: جـ ٢ (ق ١٠٠) .","vol":"2","page":176},{"text":"فالقول ما قال عبد الله\"١.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك أن الصَّوابَ في هذا الحديث: أنه مُرسل، وأنَّ من وصله قد أخطأ.\nثالثًا: تدليس الوليد بن مسلم: وقد أجاب ابن القَيِّم عن هذه العلة بأن رواية أبي داود من طريق: \"محمود بن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، أخبرنا ثور بن يزيد\". فقد أُمْنَ بذلك تدليسُ الوليد.\nقلت: وكذلك في رواية الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور. وعند ابن ماجه من طريق هشام بن عمار: عن الوليد، حدثنا ثور.\nرابعًا: جهالة كاتب المغيرة: وهذه العلَّة لم يقل بها أحدٌ سوى ابن حزم٢ ﵀، وقد بَيَّنَ ابن القَيِّم أنه في رواية ابن ماجه التصريح باسمه، وأنه \"وَرَّاد\"، وقد خُرِّجَ له في (الصحيحين)، وإنما تُرِكَ ذكر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره. قال ابن القَيِّم: \"ومن له خِبْرَةٌ بالحديثِ ورواته لا يَتَمَارَى في أنه وَرَّاد كاتبه\"٣.\nفظهرَ أنَّ العِلَّتين الثالثة والرابعة لا أثرَ لهما، وإنما التأثيرُ للعلتين الأولى والثانية، وهما: أن الصواب إرساله، وأنه منقطع بين ثور بن يزيد ورجاء بن حيوة، وهاتان العلتان هما اللتان ذكرهما الحفاظ وأعلوا بهما الحديث.\n_________\n١ تهذيب السن: (١/١٢٦) .\n٢ المحلى: (٢/١٥٦) .\n٣ تهذيب السنن: (١/١٢٥) .","vol":"2","page":177},{"text":"فقد ضَعَّفَهُ الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، وقد مضىكلامهم. وَضَعَّفَهُ أيضًا: أبو زرعة١، وقال أبو حاتم: \"ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصحُّ\"٢ وَضَعَّفَهُ ابن حزم٣وابن الجوزي٤ مستشهدًا بكلام الأئمة السابقين، وقال الشيخ الألباني: \"ضعيف\"٥.\nفَتَلَخَّصَ: أن ابن القَيِّم قد أصاب حينما اختار ضَعْفَ هذا الحديث، واستندَ في ذلك إلى ما يلي:\n١- مخالفةُ الأحاديث الصحيحة الكثيرة له.\n٢- أنَّ العِلَلَ التي أُعِلَّ بها منها ما هو مانعٌ من صحته؛ كالقول بانقطاعه وإرساله٦.\nويؤكد ابن القَيِّم - ﵀ - ضعف هذا الحديث في مناسبة أخرى فيقول: \"وكان يمسح ظاهرَ الْخُفَّين، ولم يصح عنه مَسْح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه\"٧.\n_________\n١ علل الترمذي: (١/١٨٠) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (١/٥٤) ح ١٣٥.\n٣ المحلى: (٢/١٥٥-١٥٦) .\n٤ العلل المتناهية: (١/٣٦٠) ح ٥٩٤.\n٥ ضعيف ابن ماجه: (ح ١٢٠) .\n٦ تهذيب السنن: (١/١٢٥-١٢٦) .\n٧ زاد المعاد: (١/١٩٩) .","vol":"2","page":178},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-86> من كتاب الحيض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>١- باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة</span>\n١٣- (١) عَنْ فَاطِمَة بنت أبي حبيش ﵂: أَنَّهَا كَانَت تُسْتَحَاضُ١، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: \"إِذَا كَانَ دَمُ الحَيْضِ، فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك فَأَمْسِكي عن الصَّلاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي؛ فَإِنَّمَا هو عِرْقٌ\". هذا اللفظ لأبي داود.\nتناول ابن القيم - ﵀ - هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، وناقش ابن القطان في إعلاله إياه، وسيأتي كلامهما مفصلًا.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود، والنسائي، والدارقطني في (سننهم) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والبيهقي في (السنن) ٥، وابن عبد البر في (التمهيد) ٦. كلهم من طريق:\n_________\n١ الاسْتِحَاضَةُ: أن يستمرَّ بالمرأة خروج الدَّمِ بعد أيام حَيضِهَا المعتادة. يُقَال: اسْتُحِيضَت فهي مُسْتَحَاضَة، وهو استفعال من الحيض. (النهاية١/٤٦٩) .\n(١/ ١٨١ - ١٨٣) .\n٣ د: (١/ ١٩٧) ح ٢٨٦ ك الطهارة، باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة. س: (١/ ١٢٣) ك الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة. قط: (١/٢٠٦، ٢٠٧) ح (٣- ٦) .\n(١/ ١٧٤) .\n(١/ ٣٢٥) .\n(١٦/ ٦٤) .","vol":"2","page":181},{"text":"محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ١، عن محمد بن عمرو٢، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش٣ به.\nقال أبو داود عقبه: \"قال ابن المثنى٤ - راويه عن ابن أبي عديّ -: وحدثنا به ابن أبي عدي حفظًا، فقال: عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة\".\nفالرواية الماضية حَدَّثَ بها ابن أبي عديّ من كتابه، وقد وَرَدَ ذلك في إسناد النسائي عن محمد بن المثنى أنه قال: \"حدثنا ابن أبي عديّ هذا من كتابه\". وكذا هو في إسناد الدارقطني، حيث قال: \"هكذا حدثناه ابن أبي عديّ من أصل كتابه\".\nوأما الرواية التي أشارَ إليها أبو داود - التي حَدَّثَ بها ابن أبي عديّ من حفظه - فأخرجها: النسائي٥، والدارقطني٦ من طريق ابن المثنى - أيضًا - قال: أخبرنا ابن أبي عديّ من حفظه، حدثنا محمد بن عمرو، عن\n_________\n١ وقد ينسب لجده، أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ١٩٤هـ على الصحيح/ع. (التقريب ٤٦٥) .\n٢ ابن علقمة بن وقاص الليثي، المدني، صدوقٌ له أَوْهام، من السادسة، مات سنة١٤٥هـ على الصحيح/ع. (التقريب ٤٩٩) .\n٣ هي: فاطمة بنت قيس بن الطلب، الأسدية، صحابية /د س. (التقريب ٧٥١) .\n٤ محمد بن المثنى بن عبيد العنزي، أبو موسى البصري، المعروف بـ \"الزَّمِن\"، ثقةٌ ثَبْت، من العاشرة / ع. (التقريب ٥٠٥) .\n(١/ ١٢٣) .\n(١/ ٢٠٧) ح ٤، ٥.","vol":"2","page":182},{"text":"ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - أن فاطمة ... فذكره. وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ١ من الطريق نفسه بدون قول ابن المثنى: \"من حفظه\".\nولفظ الحاكم ورواية للدارقطني كلفظ أبي داود الماضي أول البحث، وعند النسائي وابن حبان، والبيهقي، ورواية لأبي داود٢: \"فَتَوَضِّئِي وَصَلِّي\" فقط. وفي لفظ للنسائي: \"فَتَوَضِّئِي، فَإِنَّمَا هو عِرق\". ولم يذكر: \"وَصَلِّي\".\nوقد أُعِلَّ حديث الزهري هذا: بالانقطاع، والنكارة، والاضطراب.\n- أما الانقطاع: فقد أَعَلَّهُ بذلك ابن القطان، وناقشه في ذلك ابن القيم ﵀، ولم يوافقه على ذلك. فقد قال ابن القطان - ونقل خلاصته ابن القيم -: \" ... وهو فيما أرى منقطع؛ وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة. فرواه عن محمد بن عمرو: محمدُ بن أبي عديٍّ مرتين، إحداهما من كتابه فجعله: عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة: أَنَّهَا كانت تُسْتَحَاضُ، فهو على هذا منقطعٌ؛ لأنه قد حَدَّثَ به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه: \"عن عائشة\" فيما بين عروة وفاطمة، فاتَّصَل. فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة - أعني: أن يُحَدِّث به من حفظه مرسلًا، ومن كتابه متصلًا - فأما هكذا فهو موضعُ نظر ... \"٣.\n_________\n١ الإحسان: (٢/ ٣١٨) ح ١٣٤٥.\n(١/ ٢١٣) ح ٣٠٤.\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٢/٤٥٦-٤٥٧) ح ٤٥٧.","vol":"2","page":183},{"text":"وقد رَدَّ ابن القيم ذلك فقال: \"أما قوله: إنه منقطع. فليس كذلك، فإن محمد بن أبي عديّ مكانه من الحفظ والإتقان معروف لا يجهل، وقد حفظه وَحَدَّثَ به مرة: عن عروة، عن فاطمة. ومرة: عن عائشة١، عن فاطمة، وقد أدرك كلتيهما وسمع منهما بلا ريب، ففاطمة بنت عمته، وعائشة خالته. فالانقطاع الذي رُمِيَ به الحديث مقطوعٌ دَابره\"٢.\nقلت: وعند الترجيح تُقَدَّمُ الرواية التي من كتابه؛ لأن الغالب على من يُحَدِّثُ من كتابه أن يكونَ أكثر ضَبْطًا، بخلاف من يُحَدِّثُ من حفظه، فإن الحفظَ خَوَّان، فلعله حَدَّثَ به على الصواب من كتابه، ثم حَدَّثَ به من حفظه فَوَهِمَ.\nوالدليل على صِحَّة الرواية التي من كتابه، وأنها هي الْمُقَدَّمة: أن ابن أبي عديّ قد رجع عن الرواية الأخرى وتركها، فقد روى البيهقي في (سننه) ٣ هذا الحديث من طريق الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - بدون ذكر عائشة، ثم قال: \"قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان ابن أبي عديّ حَدَّثَنَا به عن عائشة ثم تركه\". وهذا ظاهرٌ في أن الرجل ضابط للرواية التي من كتابه، ولذلك فقد رجع عن الأخرى.\n- وَأَمَّا القول بنكارة هذا الحديث وغرابته: فذلك أنه جاء فيه قوله:\n_________\n١ يعني: بزيادة \"عائشة\" بين عروة وفاطمة، كما تقدم في كلام ابن القطان.\n٢ تهذيب السنن: (١/١٨٢-١٨٣) .\n(١/٣٢٥) .","vol":"2","page":184},{"text":"\"إِنَّ دَمَ الحيض دم أسود ... \"، فإن هذه اللفظة مما عَدَّها بعضُ الأئمة من منكرات محمد بن عمرو وغرائبه، فقد سُئِلَ عنه أبو حاتم؟ فقال: \"لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر\"١. وقال النسائي عقب إخراجه: \"قد رَوى هذا الحديث غيرُ واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عديّ\". وقال الدارقطني: \"وَرَوى محمد بن عمرو بن علقمة هذا الحديث ... وأتى فيه بلفظٍ أَغْرَبَ به، وهو قوله: إن دمَ الحيض دمٌ أسود يعرف\"٢. وقال الطحاوي: \"لم يروه إلا ابن عمرو، وقد أنكروه عليه\"٣.\nوقد تَوَقَّفَ ابن القيم - أيضًا - في هذه اللَّفظة عند مناقشة ابن القَطَّان في ذلك، حيث قال ابن القطان: \" ... والمعروف في قصة فاطمة: الإحالة على الدم والقروء\"٤. فقال ابن القيم: \" فإنَّ المعروف الذي في الصحيح إحالتها على الأيام التي كانت تَحْتَسِبُهَا حيضها، وهي القروء بعينها، فأحدهما يُصَدِّقُ الآخر. وأما إحالتها على الدم، فهو الذي يُنْظر فيه، ولم يروه أصحاب الصحيح وَسَأَلَ عنه ابن أبي حاتم أباه فَضَعَّفَه، وقال: هذا منكر\"٥.\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/ ٤٩ - ٥٠) ح ١١٧.\n٢ علل الدارقطني: جـ ٥ (ق ٢٣ / أ) .\n٣ نقل ذلك صاحب (البدر المنير) (١/ ٤١٨) ح ١٩ ك الحيض (رسالة ماجستير، بتحقيق/ إقبال أحمد محمد إسحاق) مطبوعة على الآلة الكاتبة.\n٤ بيان الوهم والإيهام: (٢/ ٤٥٩) .\n٥ تهذيب السنن: (١/١٨٣) .","vol":"2","page":185},{"text":"- وأما القول باضطرابه: فقد أَعَلَّهُ بذلك ابن عبد البر ﵀، فقال في (التمهيد) ١: \"اخْتُلِف عن الزهري في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فمرة يرويه: عن عمرة، عن عائشة. ومرة: عن عروة، عن عائشة. ومرة: عن عروة وعمرة، عن عائشة. ومرة: عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش ... وقال فيه سهيل بن أبي صالح: عن الزهري، عن عروة، حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش: أنها أمرت أسماء أن تسأل رسول الله ﷺ عن الحيض. وأكثر أصحابِ ابنِ شهاب يقولون فيه: عن عروة وعمرة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش - ختنة رسول الله ﷺ، وهي تحت عبد الرحمن بن عوف - اسْتُحِيضت. هكذا يقولون عن ابن شهاب في هذا الحديث: أم حبيبة، لا يذكرون فاطمة بنت أبي حبيش. وحديث ابن شهاب في هذا الباب مضطرب\".\nوذكر الدارقطني الخلافَ على الزهري في (علله) ٢، ثم نقل عن إبراهيم الحربي قوله: \"الصحيح منه قول من قال: أم حبيب، بلاهاء، واسمها حبيبة بنت جحش٣ ... وأن من قال فيه: أم حبيبة بنت جحش، أو زينب فقد وَهِمَ. والحديث يصحُّ من حديث الزهري، عن عروة وعمرة جميعًا، عن عائشة: أن أم حبيبة\". وهذا يوافقُ ما سَبَقَ أن رَجَّحَهُ ابن عبد البر عن أكثر أصحاب الزهري٤. قال الدارقطني عقب ذلك:\n_________\n(١٦/٦٥) .\n٢ جـ ٥ (ق ٢٣-٢٤) .\n٣ وانظر ترجمتها في \"الإصابة \": (٤/٢٦٩، ٤٤٠) .\n٤ وهذه الرواية التي رَجَّحُوهَا أخرجها: البخاري في الحيض، باب عرق الاستحاضة، ح ٣٢٧ (فتح الباري ١/٤٢٦)، ومسلم في الحيض (١/٢٦٣)، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، ح٣٣٤.","vol":"2","page":186},{"text":"\"وقول إبراهيم ... صحيحٌ، وكان من أعلمُ النَّاسِ بهذا الشأن\".\nفالذي يَتَلَخَّص من ذلك: أن ما أُعِلَّ به هذا الحديثُ يمكنُ الجواب عن بعضه، لكن تبقى له عِلَّةٌ مؤثرةٌ، وهي النكارةُ الواقعةُ في سياقه، وذلك بإحالة الْمُسْتَحَاضة على الدم، وقد حكم الأئمة - كما قَدَّمْنَا - بنكارة هذا اللفظ وغرابته.\nوهذا ما قَرَّرَه ابن القيم - ﵀ - في بحثه، فبينما رَدَّ على ابن القطان قوله بانقطاع الحديث، نجده يعتبر هذه اللفظة في الحديث تحتاج إلى نظر، وأنها تخالفُ ما في الصحيح، وأنَّ أبا حاتم قد حَكَمَ عليها بالنكارة، كما مضى نقل كلامه في ذلك.\nأما أبو عبد الله الحاكم: فقد صَحَّحَ الحديث فقال: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي، وكذا صَحَّحَه ابن حزم١. وقال ابن الصلاح: \"حديث مُحْتَجٌّ به\"٢. وقال ابن دقيق العيد: \"رجاله رجال مسلم\"٣.\nوالصواب ما قَدَّمْنَاه من إعلاله، والله أعلم.\n_________\n١ المحلى: (٢/٢٢٧) .\n٢ البدر المنير: ك الحيض، ح ١٩، (١/٤٥٦) رسالة ماجستير، تحقيق /إقبال أحمد محمد إسحاق.\n٣ الإلمام: (ص ٥٨) ح ١٢٤.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>٢- باب في المستحاضة: أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد</span>\n١٤- (٢) عَنْ حَمْنَة بنت جحش - ﵂ - قَالَتْ: \"كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأخبره، فَوَجَدْتُهُ في بيت أُخْتِي زينب بنت جحش، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً، فَمَا تَرَى فِيها، قَد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: \"أَنْعَتُ لكِ الكُرْسُف١؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدم\". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِن ذَلِكَ. قال: \"فَاتَّخِذِي ثَوبًَا\". فقالت: هو أكثرُ من ذلك، إِنَّمَا أَثُجُّ٢ ثَجًَّا. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"سَآمركِ بأمرين، أَيُّهُمَا فَعلتِ أجزأَ عنكِ من الآخر، وإنْ قَوِيتِ عليهما فأنت أعلم\". قال لها: \"إِنَّمَا هذه رَكْضَةٌ من رَكَضَاتِ الشيطان٣، فَتَحَيَّضِي٤ سِتَّةَ أَيَّامٍ أو سبعة أيامٍ في علم الله، ثم اغتسلي، حَتَّى إِذَا رَأّيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ\n_________\n١ الكُرْسُف: القطن. (النهاية: ٤/١٦٣) .\n٢ قال أبو عبيد: \"هو من الماء الثَجَّاج، وهو السائل. ومنه الحديث المرفوع: أنه سُئِل عن بِرِّ الحج؟ فقال: \"هو العَجُّ والثَّجُّ\" ... والثجَُّ: سيلانُ دماء الهَدْي\". (غريب الحديث١/٢٧٩) .\n٣ قال ابن الأثير: \"أصل الرَّكْضِ: الضربُ بالرِّجْلِ والإصابة بها، كما تركض الدابة وتصاب بالرجل ... المعنى: أن الشيطان قد وَجَدَ بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها حتى أَنْسَاهَا ذلك عادتها، وصَارَ في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته\". (النهاية ٢/٢٥٩) .\n٤ قال ابن الأثير: \"تَحَيَّضَتْ المرأة: إذا قَعَدَتْ أيامَ حيضها تنتظر انقطاعه، أراد: عُدِّي نفسكِ حائضًا، وافعلي ما تفعل الحائض\". (النهاية ١/٤٦٩) .","vol":"2","page":188},{"text":"فَصَلِّي ثلاثًا وعشرين ليلةً أو أربعًا وعشرين ليلةً وَأَيَّامهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يجزيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شهرٍ كما تَحِيضُ النِّسَاء وَكَمَا يَطْهُرْن، ميقاتُ حيضهن وطهرهن، وإن قِويتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وَتُؤَخِّرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافْعَلِي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي، إنْ قدرتِ على ذلك\". قال رسول الله ﷺ: \"وَهَذَا أَعْجَبُ الأمْرَين إِلَيّ\".\nأَورَدَ ابن القيم - ﵀ - أَقْوَالَ الْمُعَلِّلِينَ لِهَذا الحديث، وَرَدَّ عليها، وَأَجَاب عنها، وَاخْتَارَ صحَّة الحديث، وَنَقَل أقوال الأئمة الْمُصَحِّحِين له١.\nقلت: هذا الحديث مداره علىعبد الله بن محمد بن عقيل٢، ورواه عنه جماعة:\nفأخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في\n_________\n١ انظر: تهذيب السنن: (١/١٨٣-١٨٧) .\n٢ ابن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنت علي، صدوقٌ في حديثه لينٌ، وَيُقَال: تَغَيَّرَ بآخرة، من الرابعة، مات بعد الأربعين / بخ د ت ق. (التقريب ٣٢١) .\n(١/١٩٩) ح ٢٨٧ ك الطهارة، باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة.\n(١/٢٢١) ح ١٢٨ ك الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة: أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد.","vol":"2","page":189},{"text":"(مسنده) ١، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٢، وابن عبد البر في (التمهيد) ٣، كلهم من طريق: زهير بن محمد٤.\nوأخرجه أحمد في (مسنده) ٥، وابن ماجه في (سننه) ٦من طريق: شريك بن عبد الله٧.\nوأخرجه الحاكم في (المستدرك) ٨، والبيهقي في (سننه) ٩ من طريق: عبيد الله بن عمرو الرَّقي١٠.\nوأخرجه ابن ماجه في (سننه) ١١ من طريق: ابن جريج.\n_________\n(٦/٤٣٩) .\n٢ قط: (١/٢١٤) ح ٤٨. هق: (١/٣٣٨) .\n(١٦/٦٢، ٦٣) .\n٤ التميمي، أبو المنذر الخراساني، رواية أهل الشَّام عنه غيرُ مستقيمة فَضُعِّفَ بسببها ... من السابعة، مات سنة ١٦٢هـ/ع. (التقريب ٢١٧) .\n(٦/٤٣٩-٤٤٠) .\n(١/٢٠٥) ح٦٢٧، ك الطهارة، باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة، أو كان لها أيام حيض فنسيتها.\n٧ النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوقٌ يخطئ كثيرًا، تَغَيَّرَ حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، توفي سنة ١٧٧أو ١٧٨ هـ / خت م ٤. (التقريب ص٢٦٦) .\n(١/١٧٢-١٧٣) .\n(١/٣٣٨-٣٣٩) .\n١٠ أبو وهب الأسدي، ثِقَةٌ فَقَيه رُبَّمَا وَهِمَ، من الثامنة، مات سنة ١٨٠هـ/ع. (التقريب ٣٧٣) .\n١١ (١/٢٠٣) ح٦٢٢، باب المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم.","vol":"2","page":190},{"text":"كُلُّهم: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة١ عن عمه: عمران بن طلحة٢، عن أمه حَمْنَة بنت جحش٣ به. وقد جاء في رواية ابن جريج: \"عمر بن طلحة\" بدل \"عمران\" وسيأتي الكلام عليها.\nواللفظ المتقدم هو لفظ أبي داود، ومثله لفظ البيهقي، والباقون ألفاظهم بنحوه، إلا أن الترمذي والدارقطني عندهما زيادة قوله: \"فَتَلَجَّمِي\" بعد قوله: \"أنعت لك الكرسف\". وعند أحمد هذه اللفظة أيضًا، لكن ليس عنده قوله: \"فَاتخذي ثوبًا\". وجاء في رواية شريك عند أحمد وابن ماجه: \"إني استحضت حيضةً منكرةً شديدةً\" وعندهما: \"احتشي كرسفًا\". أما الحاكم فعنده: \"أنعت لك الكرسف\" فقط.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بعدة علل:\nأولها: الطَّعْنُ في \"عبد الله بن محمد بن عقيل\".\nقال ابن منده: \"لا يصحُّ بوجه من الوجوه؛ لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل\"٤. وقال الخطابي: \"وقد تَرَكَ بعض العلماء القول بهذا\n_________\n١ التيمي، أبو إسحاق المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة١١٠هـ/م٤. (التقريب٩٣) .\n٢ ابن عبيد الله التيمي، المدني، له رؤية، ذكره العجليُّ في ثقات التابعين/ بخ د ت ق. (التقريب ٤٢٩) .\n٣ الأسدية، أخت زينب، كانت تحت مصعب بن عمير، ثم طلحة ... ولها صُحْبَة، وهي أم وَلَدَي طلحة: عمران ومحمد /بخ د ت ق. (التقريب ٧٤٥) .\n٤ البدر المنير: (١/٣٥٦) . رسالة ماجستير، تحقيق /إقبال أحمد محمد إسحاق.","vol":"2","page":191},{"text":"الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك\"١. وقال البيهقي: \"تَفَرَّدَ به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به\"٢.\nوقد أجاب ابن القيم - ﵀ - عن ذلك بقوله: \" عبد الله ابن محمد بن عقيل ثقة صدوق، لم يُتَكَلَّم فيه بجرح أصلًا. وكان الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وإسحاق بن راهويه يَحْتَجُّونَ بحديثه، والترمذي يصحح له، وإنما يُخْشَى من حفظه إذا انفرد عن الثقات أو خالفهم، أَمَّا إذا لم يخالف الثقات، ولم ينفردْ بما يُنْكَر عليه: فهو حجة\"٣. قال: \"ودعوى ابن منده الإجماع على تركِ حديثه غلط ظاهر منه\"٤.\nوعبد الله بن محمد هذا اختلفت فيه أقوال الأئمة، فَمَشَّاُه جماعة واحْتَجُّوا به، وَضَعَّفَهُ آخرون، والكلام إنما هو في حفظه؛ فإنَّ أكثرَ الذين تركوا الاحتجاج به إنما فعلوا ذلك لسوء حفظه٥. وقد جعله ابن رجب الحنبلي مثالًا للرواة الذين اختُلِفَ فيهم: هل هم ممن غلب على حديثهم الوهم والغلط أم لا؟ ٦. وقال الحافظ الذهبي ﵀: \"حَدِيثُهُ في مرتبة الحسن\"٧.\n_________\n١ معالم السنن: (١/١٨٥) .\n٢ المعرفة: (٢/١٥٩-١٦٠) .\n٣ تهذيب السنن: (١/١٨٣) .\n٤ المصدر السابق: (١/١٨٤) .\n٥ انظر: تهذيب التهذيب: (٦/١٤-١٥) .\n٦ شرح علل الترمذي: (ص٢٤٩) .\n٧ الميزان: (٢/٤٨٥) .","vol":"2","page":192},{"text":"ولعلَّ هذا ما تطمئنُ إليه النفس في أمره؛ لأن جماعةً من الأئمة احتجوا به، ومنهم من صَحَّحَ حديثه، وحَسَّنَهُ آخرون، وإنما الخشية من انفراده بما لا يُتَابعُ عليه، أو مخالفته الثقات كما مضى في كلام ابن القيم ﵀.\nوأما ما قاله ابن القيم من أنه \"لَم يُتَكَلَّم فيه بِجرحٍ أصلًا\" ففيه نظر؛ فقد ضَعَّفَهُ جماعة كثيرون١. وكذلك قول ابن عبد البر ﵀: \"هو أوثق من كل من تَكَلَّم فيه\". لا يخلو من نظر، ولذلك رَدَّهُ ابن حجر بقوله: \"وهذا إفراط\"٢.\nوقد رَدَّ الأئمة على ابن منده في دَعْوَاهُ الإجماعُ على تركه، فقال ابن دقيق العيد: \"ليسَ الأمر على ما ذَكَرَهُ، وإن كان بَحْرًَا من بُحُورِ هذه الصناعة\"٣. وقال ابن الملقن: \" ... قولة عجيبةٌ منه\"٤. وقال الحافظ ابن حجر: \"ظَهَرَ لي أن مراد ابن منده بذلك: مَنْ خَرَّجَ الصحيح. وهو كذلك\"٥. وقد مضى كلام ابن القيم في تعقب ابن منده.\nالعلة الثانية: أنه منقطع بين ابن جريج وابن عقيل.\n_________\n١ انظر أقوالهم في تهذيب التهذيب: (٦/١٤- ١٥) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٦/١٥) .\n٣ البدر المنير: (١/٣٦٠) . رسالة ماجستير، تحقيق /إقبال أحمد.\n٤ المصدر السابق.\n٥ التلخيص الحبير: (١/١٦٣)، أي أنَّ الكتب التي اشترطت الصِّحَّة أجمع مؤلفوها على تركه، بمعنى عدم الاحتجاج به.","vol":"2","page":193},{"text":"قالوا: إنَّ ابنَ جريج لم يسمعه من ابن عقيل، بينهما فيه \"النعمان بن راشد\"١، والنعمان هذا ضعيف، وقد أَعَلَّه بذلك ابن حزم٢ ﵀.\nوَأَجَابَ عن ذلك ابن القيم ﵀، فقال: \"النعمان بن راشد ثقة، أَخْرَجَ له مسلم في (صحيحه)، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واستشهد به البخاري. وقال: في حديثه وهمٌ كثيرٌ، وهو صدوقٌ، وقال ابن أبي حاتم: أَدْخَلَهُ البخاريُّ في الضعفاء، فسمعتُ أبي يقول: يُحَوَّل اسمه منه\"٣.\nوقال ابن الملقن ﵀: \"وأما رَدُّ ابنِ حزم بالانقطاع ... فجوابه: أن الترمذي، وأبا داود، وابن ماجه، والحاكم رووه من غير طريق ابن جريج، فليتصل طريق ابن جريج أو لينقطع، ولتكن الواسطة بينه وبين ابن عقيل ضعيفًا إن شاء أو قويًا. وعلى تقدير الواسطة وهو \"النعمان بن راشد\"، فقد أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري ... \"٤.\nالعلة الثالثة: ضعف شريك، وزهير بن محمد. وهما من رواته عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد أعله بذلك ابن حزم أيضًا٥.\n_________\n١ الجزري، أبو إسحاق الرقي، مولى بني أمية، صدوقٌ سَيِّئُ الحِفْظ، من السادسة/ خت م ٤. (التقريب ٥٦٤) .\n٢ المحلى: (٢/٢٦٣) .\n٣ تهذيب السنن: (١/١٨٤) .\n٤ البدر المنير: (١/٣٦١، ٣٦٢) . رسالة الأخ/ إقبال.\n٥ المحلى: (٢/٢٦٣) .","vol":"2","page":194},{"text":"وقد أَجَابَ عنه ابن القيم بأن شريكًا قد وَثقَهُ الأئمة١، قال: \"وأما زهير بن محمد: فاحتجَّ به الشَّيخان وباقي الستة، وعن الإمام أحمد فيه أربع روايات٢: إحداها: أنه \"ثقة\". والثانية: \"مستقيم الحديث\". والثالثة: \"مقارب الحديث\". والرابعة: \"ليس به بأس\". وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات: إحداها: \"صالح لا بأس به\"٣. والثانية: \"ثقة\"٤. والثالثة: \"ضعيف\"٥. وقال عثمان الدرامي: \"ثقة صدوق\". وقال أبو حاتم: \"محله الصدق\"٦. وقال يعقوب بن شيبة: \"صدوق صالح الحديث\". وقال البخاري: \"ما رواه عنه أهل الشام فإنه منكر، وما رواه عنه أهل البصرة فإنه صحيح\". وهذا الحدث قد رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي عامر العقدي - عبد الملك بن عمرو - عنه، وهو بصريٌّ فيكون على قول البخاريّ صحيحًا\"٧.\nوقال ابن الملقن في الجواب عن ابن حزم: \"وأما تضعيفه لشريكٍ\n_________\n١ لكن تَكَلَّمَ كثير منهم فيه من جهة سوء حفظه وكثرة خطئه وتخليطه. انظر: تهذيب الكمال (١٢/٤٦٧ - ٤٧٢) .\n٢ انظر هذه الروايات الأربع في تهذيب التهذيب: (٣/٣٤٩) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص١١٤) رقم ٣٤٥.\n٥ تهذيب التهذيب: (٣/٣٤٩) .\n٦ الجرح والتعديل: (١/٢/٥٩٠) وتمام كلامه: \" ... وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه\".\n٧ تهذيب السنن: (١/١٨٦) .","vol":"2","page":195},{"text":"فليس بجيد منه؛ لأنه مخرج له في الصحيح١، وقد انفرد بهذا الطريق ابن ماجه فأخرجها في سننه ... \". ثم ذكر في رَدِّ التهمة عن زهير بن محمد قريبًا من كلام ابن القيم٢.\nالعلة الرابعة: أَعَلَّهُ بها ابن حزم - أيضًا - فقال: \"وعمر بن طلحة غير مخلوقٍ، ولا يُعرف لطلحة ابنٌ اسمه عمر\"٣.\nوجواب ذلك: أن رواية \"عمر بن طلحة\" انفرد بها ابن جريج، وخَطَّأوه فيها، فقال الترمذي عقب إخراجه: \"ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي، وابن جريج، وشريك: عن عبد الله بن محمد بن عقيل ... إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة. والصحيح: عمران بن طلحة\"٤.\nونَقَلَ ابن القيم كلام الترمذي في الجواب على هذه العلة، ثم زاد: \"وقد تَقَدَّمَ من كلام الدارقطني٥ أن ابن جريج قال فيه: عمران ابن طلحة، وهو الصواب\"٦.\nقلت: فإنْ صحَّ ما نقله الدارقطني عن ابن جريج فتكون هذه رواية أخرى عن ابن جريج توافق رواية الجماعة.\n_________\n١ إنما أخرج له الإمام مسلم في (صحيحه) متابعة، واستشهد به الإمام البخاري في الصحيح: (انظر: تهذيب الكمال ١٢/٤٧٥) .\n٢ البدر المنير: (١/٣٦٢) . رسالة الأخ/ إقبال الماضي ذكرها.\n٣ المحلى: (٢/٢٦٤) .\n٤ جامع الترمذي: (١/٢٢٥ – ٢٢٦) .\n٥ كلام الدارقطني هذا في علله: ج٥ (ق٢١١/أ) .\n٦ تهذيب السنن: (١/١٨٥) .","vol":"2","page":196},{"text":"العلة الخامسة: أَعَلَّهُ ابن حزم - أيضًا - بأنه قد رُوي من طريق الحارث بن أبي أسامة، قال: \"والحارث بن أبي أسامة قد تُرك حديثه، فسقط الخبر جملة\"١.\nقال ابن القيم: \"وهذا تَعَلُّقٌ باطلٌ فإنما اعتمدَ في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي فيه، ولم يُلتفت إلى ذلك٢، وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة. وقال البرقانيُّ: أمرني الدارقطني أن أُخْرِجَ عنه في الصحيح. وصَحَّحَ له الحاكم، وهو أحد الأئمة الحُفَّاظ\"٣.\nوَثَمَّة علل أخرى أُعِلَّ بها الحديث لم يَعْرِضْ لها ابن القيم ﵀، منها:\nالعلة السادسة: أن بعضهم جَعَلَ قوله ﷺ: \"وهذا أعجب الأمرين إليَّ \" من كلام حَمْنَة موقوفًا عليها، ذَكَر ذلك أبو داود عقب إخراجه. وأجاب عنه ابن الملقن رحمه الله٤.\nالعلة السابعة: قال البخاري ﵀: \"إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا؟ \"٥.\n_________\n١ المحلى: (٢/٢٦٤) .\n٢ قال الذهبي في الميزان: (١/٤٤٢): \"وكان حافظًا عارفًا بالحديث عالي الإسناد بالمرة، تُكُلِّمَ فيه بلا حجة\".\n٣ تهذيب السنن: (١/١٨٧) .\n٤ البدر المنير: (١/٣٥٩) . رسالة الماجستير المتقدم ذكرها.\n٥ علل الترمذي: (١/١٨٨) .","vol":"2","page":197},{"text":"وأجاب عن ذلك ابن الملقن أيضًا١.\nفظهر من هذه الدراسة: أن ما أُعِلَّ به هذا الحديث غير قائم، ومع ذلك فقد صَحَّحَه عدد من أئمة هذا الشأن وحَسَّنَهُ آخرون، فقال الإمام أحمد: \"حديث حسن صحيح\"٢. وقال البخاري: \"حديث حسن\" كذا نقله عنه الترمذي في (علله) ٣، وفي بعض نسخ (جامعه) ٤ عنه أنه قال: \"حسن صحيح\". وقال الترمذي: \"حسن صحيح\". وكأن الدارقطني - ﵀ - قد مالَ إلى تصحيحه حيث ذَكَرَ اختلافًا فيه علي عبد الله بن محمد بن عقيل، ثم صَوَّبَ رواية الجماعة المتقدمين: عن ابن عقيل، عن إبراهيم، عن عمران بن طلحة، عن حَمْنَة، فقال: \"وهو الصحيح\"٥. وكذا يَظْهَرُ من صنيع الحاكم الميل إلى تصحيحه؛ حيث أشار إلى شواهد له عقب إخراجه٦. وصححه النووي في (الخلاصة) ٧ (وشرح المهذب) ٨.\nوضعفه - إلى جانب من تقدمت أقوالهم -: أبو حاتم الرازي،\n_________\n١ البدر المنير: (١/٣٥٩ – ٣٦٠) الرسالة المتقدم ذكرها.\n٢ جامع الترمذي: (١/٢٢٦) .\n(١/١٨٧) باب المستحاضة: أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد.\n(١/٢٢٦) .\n٥ علل الدارقطني: ج٥ (ق ٢١١/أ) .\n٦ المستدرك: (١/١٧٣) .\n(ق ٢٢) .\n٨ المجموع: (٢/٣٥٦) .","vol":"2","page":198},{"text":"حيث سأله عنه ابنه؟ فَوَهَّنَهُ، ولم يقوّ إسناده١.\nوقد ردَّ ابن القيم كلام أبي حاتم: بأنه لم يُبَيِّنْ سَبَبَهُ حتى يُمْكُنَ البحث معه فيه. ولعله أراد بعض ما تقدم، وقد أجيب عنه٢.\nونقل أبو داود عن الإمام أحمد قوله: \"حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء\"٣. وَرَدَّهُ ابن الملقن: بأنه معارض بما نقله عنه الترمذي من أنه صححه٤.\nوبعد: فإن هذا الحديث تميل النفس إلى تحسينه، كما حكم بذلك البخاري وغيره، وهذا أقل ما يُقال فيه من أجل ابن عقيل؛ فإنه قد تُكُلِّمَ في حفظه كما تقدم، وقد حسن الذهبي حديثه لأجل هذا، فقال: \"حديثه في مرتبة الحسن\"٥. مع أن جماعة قد حكموا بصحته كما مضى.\nوقد دَفَعَ ابن القيم - ﵀ - العلل التي رُمي بها هذا الحديث - أو أكثرها - عِلَّةً عِلَّةً، وأجاب عنها بما يُفهمُ منه ميله إلى تصحيح الحديث، والله أعلم.\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/٥١) ح ١٢٣.\n٢ البدر المنير: (١/٣٦١) .\n٣ السنن: (١/٢٠٢) .\n٤ البدر المنير: (١/٣٦٥) .\n٥ الميزان: (٢/٤٨٥) .","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>٣- بابُ كفارة من أتى حائضا</span>\n١٥- (٣) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امْرَأَتَهُ وهي حائضٌ، قال: \" يَتَصَدَّق بدينار، أو نصف دينار\".\nتَعَرَّض ابن القيم - ﵀ - لهذا الحديث في كلامه على سنن أبي داود١، وأشار إلى تصحيح أبي داود، والحاكم، وابن القطان له.\nثم قال: \"وأما أبو محمد ابن حزم: فإنه أعلَّ الحديث بمقسم وَضَعَّفَهُ، وهو تعليل فاسدٌ، وإنما عِلَّتُهُ الْمُؤَثِّرَة وَقْفُهُ\".\nقلت: وهذا الحديث عند أبي داود٢ من طريق: شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن٣، عن مِقْسَم٤، عن ابن عباس به.\nومن هذا الطريق أخرجه: النسائي وابن ماجه في (سننيهما) ٥،\n_________\n(١/١٧٣ – ١٧٤) .\n٢ السنن: (١/١٨١) ح ٢٦٤، باب في إتيان الحائض.\n٣ ابن زيد بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني، ثقة، من الرابعة، توفي بِحَرَّان في خلافة هشام/ ع. (التقريب ٣٣٤) .\n٤ ابن بجرة، ويقال: نجدة. أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، صدوقٌ وكان يُرْسِل، من الرابعة، مات سنة ١٠١هـ/ خ ٤. (التقريب ٥٤٥) .\n٥ س: (١/١٥٣) باب ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها ... جه: (١/٢١٠) ح ٦٤٠ باب في كفارة من أتى حائضًا.","vol":"2","page":200},{"text":"وأحمد في (مسنده) ١، وابن الجارود في (المنتقى) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣، والحاكم في (مستدركه) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥.\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٦ من طريق مطر الوراق، عن الحكم ابن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا. لم يذكر فيه \"عبد الحميد بن عبد الرحمن\". قال البيهقي: \"هكذا رواه جماعة عن الحكم، عن مقسم، وفي رواية شعبة، عن الحكم دلالةٌ على أن الحكم لم يسمعه من مقسم، إنما سمعه من عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ... \". وقال أبو حاتم ﵀: \"لم يسمع الحكم من مقسم هذا الحديث\"٧.\nقلت: لكن أثبت الإمام أحمد، ويحيى القَطَّان سماع الحكم هذا الحديث من مقسم، فقال أحمد: \"لم يسمع الحكم حديث مقسم، كتاب، إلا خمسة أحاديث\" وعَدَّهَا يحيى القطان: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض٨. فلا مانع حينئذٍ أن يكون الحكم سمع الحديث من مقسم، وسمعه من عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم، فرواه عنه مرةً بواسطة ومرةً بدون واسطة.\n_________\n(١/٢٢٩ – ٢٣٠) .\n(ح ١٠٨ – ١١٠) .\n(١١/٣٨٢) ح ١٢٠٦٦.\n(١/١٧١ – ١٧٢) .\n(١/٣١٤) .\n(١/٣١٥) .\n٧ علل ابن أبي حاتم: (١/٥١) .\n٨ انظر: تهذيب التهذيب (٢/٤٣٤) .","vol":"2","page":201},{"text":"وقد رُوِيَ حديث مقسم هذا موقوفًا على ابن عباس، حتى أن شعبة نفسه قد تردد فيه، فرواه مرةً بالرفع ومرةً بالوقف، وأشار إلى ذلك أبو داود عقب إخراجه، فقال: \"وَرُبَّمَا لم يرفعه شعبة\".\nفممن رواه موقوفًا غير شعبة: الأعمش، أخرجَ ذلك الدارمي في (مسنده) ١ من طريق: الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا.\nومنهم: ابن أبي ليلى، أخرجه الدارمي٢ - أيضًا - عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن ابن أبي ليلى، عن مقسم، عن ابن عباس٣.\nأما شعبة: فقد أخرج الدارمي عن أبي الوليد٤، وعن سعيد بن عامر٥، كلاهما: عن شعبة، عن الحكم بالإسناد السابق، لكنه موقوف على ابن عباس، وقال شعبة عقبه: \"أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلانٌ فقالا: غير مرفوع\". قال بعض القوم: حَدِّثْنَا بحفظك، ودع ما قال فلانٌ وفلانٌ، فقال: \"والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوحٍ، وأني حَدَّثْتُ بهذا أو سَكَتُّ عن هذا\".\n_________\n(١/٢٠٤) ح ١١١٧.\n(١/٢٠٤) ح ١١١٨، ١١٢٣.\n٣ مسند الدارمي: (١/٢٠٤) ح ١١٢٠.\n٤ مسند الدارمي: ح ١١١١.\n٥ المصدر السابق: ح ١١١٢.","vol":"2","page":202},{"text":"وقد مضت معنا روايات ابن الجارود من طريق شعبة مرفوعًا، وأحدها من طريق سعيد بن عامر عن شعبة، وذكر عقبه نحوًا من قول شعبة الذي عند الدارمي، ثم روى ابن الجارود من طريق: بندار عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة موقوفًا، فقال رجل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟! قال: \"كنتُ مَجْنونًا فَصَحَّحْتُ\"١. قال ابن القطان -﵀- معلقًا على مقالة شعبة الأخيرة: \"نَظُنُّ أنه ﵁ لَمَّا أُكْثِرَ عليه في رفعه إياه تَوَقَّى رَفعه؛ لا لأنه موقوفٌ، لكن إبعادًا لِلظِنَّةِ عن نفسه. وأبعد من هذا الاحتمال: أن يكون شكَّ في رفعه في ثاني حالٍ فوقفه، فإن كان هذا فلا نُبالي بذلك أيضًا، بل لو نَسِيَ الحديث بعد أن حَدَّثَ به لم يضره.\nفإن أبيت إلا أن يكون شعبةُ رجعَ عنه رفعه فاعلم أن غيره من أهل الثِّقَةِ والأمانة أيضًا قد رواه عن الحكم مرفوعًا – كما رواه شعبة فيما تقدم – وهو عمرو بن قيس الملائي، وهو ثقة ... \"٢.\nوقد رُوي من طرقٍ أخرى عن مقسم مرفوعًا:\nمنها: ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، والدارمي وأحمد في (مسنديهما) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦ من طرق،\n_________\n١ المنتقى: (ح١١٠) .\n٢ بيان الوهم والإيهام: (٥/٢٧٩) .\n(١/١٨٣) ح ٢٦٦.\n(١/٢٤٤) ح ١٣٦.\n٥ مي: (١/٢٠٢) ح ١١١٠. حم: (١/٢٧٢) .\n(١/٣١٦) .","vol":"2","page":203},{"text":"عن: شريك، عن خُصَيف١، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا، ولفظه: \"يَتَصَدَّقُ بِنِصفِ دينار\".\nوأخرجه الدارمي في (مسنده) ٢ من طريق: سفيان الثوري، عن خُصيف، عن ابن عباس مرفوعًا بمثله. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٣ من هذا الطريق، لكن جعله عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلًا، ثم قال: \"وقال شريك: عن ابن عباس\".\nقلت: ورواية الدارمي له عن الثوري متصلًا توافق رواية شريك المتقدمة، فَتُقَدَّم على الرواية المرسلة.\nونقل ابن القيم عن ابن حزم أنه أَعَلَّ هذه الرواية بشريك وخُصيف، وقال: \"كلاهما ضعيفٌ، فَسَقَطَ الاحتجاج به\"، ثم نقل ابن القيم أقوال العلماء في الاحتجاج بشريك وخُصيف.\nقلت: أما شريك: فقد تابعه الثوري عن خصيف كما تقدم، وأما خصيف: فإنه وإن تُكُلِّمَ فيه، فإن روايته تصلح للاعتبار، وليس الاعتماد عليها وحدها.\n_________\n١ ابن عبد الرحمن، أبو عون، صدوق سيئ الحفظ، خَلَّطَ بآخرة، وَرُمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ١٣٧هـ/٤. (التقريب ١٩٣) .\n(١/٢٠٣) ح ١١١٤.\n(١/٣٢٥) .","vol":"2","page":204},{"text":"ومنها: ما أخرجه الترمذي في (جامعه) ١ من طريق: عبد الكريم٢، عن مقسم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \" إِذَا كَانَ الدَّمُ أحمر فَدِينار، وإذا كان دَمًا أصفر فنصف دينار\". ومن هذا الطريق أخرجه كذلك: ابن ماجه في (سننه) ٣، والدارمي في (مسنده) ٤، وابن الجارود في (المنتقى) ٥، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٦. ولفظ الدارمي والدارقطني والبيهقي: \" ... فإن كان الدَّم عبيطًا فليتصدق بدينار، وإن كان صُفْرَةً فليتصدق بنصف دينار\". وعند ابن ماجه: \" أمره النبي ﷺ أن يتصدق بنصف دينار\". ولفظ ابن الجارود كلفظ حديث الحكم عن مقسم المتقدم.\nوَرُوِي من طرق أخرى غير هذه عن مقسم، فهذه الروايات وغيرها تؤكد صحة رواية شعبة المرفوعة، على أنه لا مانع من كون ابن عباس ﵄ كان يرويه عن النبي ﷺ مرةً - وعلى هذا تحمل رواية الرفع - ومرةً كان يُفتي به من قوله، وعليه تُحمل رواية الوقف. وَقَدَّمَ ابن سيد الناس رواية الرفع فقال: \"من رَفَعَهُ عن شعبة أَجَلُّ وأكثر وأحفظ ممن وقفه\"٧.\n_________\n(١/٢٤٥) ح ١٣٧.\n٢ ابن مالك الجزري، أبو سعيد مولى بني أمية، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة ١٢٧هـ/ ع. (التقريب ٣٦١) .\nوقيل فيه: عبد الكريم بن أبي المُخارق، وذكر ابن الملقن الخلاف في ذلك، ثم قال: \"فلعل الحديث عنهما، والله أعلم بالصواب\". (البدر المنير ١/٣٩٧ – ٤٠٠) .\n(١/٢١٣) ح ٦٥٠.\n(١/٢٠٣) ح ١١١٦.\n(ح ١١١) .\n٦ قط: (١/٢٨٧) ح ١٥٨. هق: (١/٣١٧) .\n٧ نيل الأوطار: (١/٣٥١) .","vol":"2","page":205},{"text":"وأما الاختلاف الذي وقع في متنه من قوله مرة: \" دينار أو نصف دينار\"، ومرةً \" نصف دينار \" ومرة التفرقة بين لون الدم وصفته: فإن أبا داود رَجَّحَ رواية الحكم ومن تابعه، والتي فيها: \" دينار أو نصف دينار\" فقال: \"هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار\". وكأنَّ الإمام أحمد - ﵀ - أخذ بهذه الرواية، فقال: \"هو مُخَيَّرٌ بين الدينار والنصف دينار\"١. وقال ابن القطان عن هذه الألفاظ المختلفة: \"وهذا عند التدين والتحقيق لا يضره\"٢.\nوبعد: فإن هذا الحديث قد صَحَّحَهُ جماعة من الأئمة منهم: أبو داود – كما يفهم من كلامه السابق -، ومال الإمام أحمد إلى تصحيح رواية الحكم بن عبد الحميد المتقدمة، فقال – فيما روى الخلال -: \"ما أحسن حديث عبد الحميد\" فقيل له: تذهب إليه؟ قال: \"نعم\"٣. ونقل ابن حجر عن الخطابي قوله: \"الأصحُّ: أنه متصلٌ مرفوع\"٤. وقال الحاكم: \"صحيح\" ووافقه الذهبي، وصححه ابن القَطَّان، فقال – متعقبًا عبد الحق-: \"ضَعَّفَهُ، وليس بضعيف، بل إما صحيح وإما حسن، وله طريق حسن\"٥. وَصَحَّحَهُ ابن دقيق العيد، وَأَقَرَّ ابن القطان على تصحيحه٦. وَصَوَّبَ ابن حجر تصحيحه - بعد أن نقل كلام ابن\n_________\n١ معالم السنن: (١/١٧٣) .\n٢ نيل الأوطار: (١/٣٥١) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/١٦٥) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/١٦٦) .\n٥ بيان الوهم والإيهام: (٥/٦٦٩) .\n٦ التلخيص الحبير: (١/١٦٦) .","vol":"2","page":206},{"text":"القطان وابن دقيق العيد-١. ثم قال: \"فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث \"بئر بضاعة\"،\"وحديث القلتين\"ونحوهما. وفي ذلك ما يَرَدُّ على النووي في دعواه في (شرح المهذب)، (والتنقيح)، (والخلاصة): أن الأئمة كُلَّهُم خالفوا الحاكم في تصحيحه ... \". وصَحَّحَهُ كذلك العلامة أحمد شاكر وتوسع في الكلام عليه واستيفاء طرقه٢. وكذا العلامة الألباني٣ ﵀.\nفَثَبَتَ بذلك صحَّة الحديث، وأنه لا مجال لإعلالِهِ بروايةِ الوقف، وإن كان ابن القيم - ﵀ - قد قال بأنَّ ذلك هو علته المؤثرة، إلا أن ظاهر صنيعه يدلُّ على اختيار تصحيحه، فقد نقل أقوال بعض العلماء في تصحيحه، ونقل بعضًا من طرقه، وردَّ قول ابن حزم في إعلاله، كما تقدم نقل كلامه في ذلك.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/١٦٦) .\n٢ التعليق على (جامع الترمذي): (١/٢٤٦ – ٢٥٤) .\n٣ إرواء الغليل: (١/٢١٧) ح ١٩٧.","vol":"2","page":207},{"text":"تابع للباب الثاني /<span data-type=\"title\" id=toc-90> من كتاب الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>١- باب ما جاء في رفع اليدين عند افتتاح الصلاة</span>\n١٦- (١) عَنِ البَرَاءِ بن عازب ﵁: \"أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا افْتَتَح الصلاة رفَعَ يديه إلى قريب من أُذُنَيْه، ثم لا يعود\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"ولم يصح عنه حديث البراء:\"ثم لا يعود\"، بل هي من زيادة يزيد بن أبي زياد\"١.\nوَبَيَّنَ - ﵀ - في موضع آخر أن الأئمة طعنوا في هذه الزيادة: ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، والحميدي، والدارمي، وغيرهم، وذكر أن يزيدًا قد اضطرب فيه، ثم قال: \"فلو قُدِّرَ أنه من الحفاظ الأثبات - وقد اخْتَلَفَ حديثه - لَوَجَبَ تركه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة التي لم تختلف، مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه ونحوها. فمعارضتها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب المختلف في غاية البطلان\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: شريك. وعبد الرزاق في (مصنفه) ٤ - ومن طريقه الخطيب في (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٥ - من طريق: ابن عيينة. والدارقطني في\n_________\n١ زاد المعاد (١/٢١٩) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٣٦٩) .\n(١/٤٧٨) ح ٧٤٩ ك الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع.\n(٢/٧١) ح ٢٥٣١.\n(١/٣٩٤) ح ٣٧ - ١.","vol":"2","page":211},{"text":"(سننه) ١ من طريق: إسماعيل بن زكريا٢ - ومن طريقه - الخطيب٣ أيضًا - كلهم عن:\nيزيد بن أبي زياد٤، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى٥، عن البراء بن عازب ﵁ به. واللفظ الماضي هو لفظ أبي داود. ولفظ الدارقطني، عن البراء: \" أنه رأى رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، ثم لم يَعُدْ إلى شيء من ذلك حتى فرغ من صلاته\". أما لفظ عبد الرزاق فقال البراء: \" كان رسول الله ﷺ إذا كَبَّرَ رَفَعَ يديه حتى يُرى إبهامه قريبًا من أذنيه، مرة واحدة، ثم لا تَعُدْ لرفعها في تلك الصلاة\".\nوقد حَكَمَ الأئمة - ﵏ - ببطلان هذه الزيادة، وهي قوله: \" ثم لم يَعُدْ ... \". ورأوا أن هذه اللفظة من قول يزيد بن أبي زياد، وقد اسْتُدِلَّ على ذلك بأمور:\n- منها: أن الأئمة الحفاظ الذين رووا عنه هذا الحديث أولًا لم يأتوا عنه بهذه الزيادة؛ قال أبو داود عقب الحديث: \"وروى هذا\n_________\n(١/٢٩٣) ح ٢١، ٢٢.\n٢ ابن مرة الخلقاني، أبو زياد الكوفي، لقبه: شقوصًا، صدوق يخطئ قليلًا، من الثامنة، مات سنة ١٩٤هـ، وقيل قبلها/ ع. (التقريب ١٠٧) .\n٣ الفصل: (١/٣٩٤) ح ٣٧ - ٢.\n٤ الهاشمي مولاهم، الكوفي، ضعيف، كَبِرَ فَتَغَيَّرَ وصار يَتَلَقَّن، وكان شيعيًا، من الخامسة، مات سنة ١٣٦هـ / خت م٤. (التقريب ٦٠١) .\n٥ الأنصاري، المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، اخْتُلِفَ في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة ٨٣هـ قيل: غرق / ع. (التقريب ٣٤٩) .","vol":"2","page":212},{"text":"الحديث: هشيم، وخالد، وابن إدريس، عن يزيد، لم يذكروا: ثم لا يعود\". وقال البخاري: \"وكذلك روى الحفاظ، من سمع يزيد بن أبي زياد قديمًا، منهم: الثوري، وشعبة، وزهير، ليس فيه: ثم لم يعد\"١. وقال ابن عبد البر: \" ... فرواه عنه الثقات الحفاظ، منهم: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وهشيم، وخالد بن عبد الله الواسطي، لم يذكر واحد منهم عنه فيه قوله: \"ثم لا يعود \". وإنما قاله فيه عنه من لا يحتج به على هؤلاء\"٢. ونصَّ على ذلك أيضًا الخطيب البغدادي٣.\nأما رواية شعبة: فأخرجها الدارقطني في (سننه) ٤، وأحمد في (العلل) ٥، من طريق: شعبة، عن يزيد به، ولفظ أحمد: عن ابن أبي ليلى، أنه قال: \"سمعت البراء يحدث قومًا فيهم كعب بن عجرة، قال: \" رأيت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه \". ومثله لفظ الدارقطني، ولكنه زاد: \" في أول تكبيرة \".\nوأما رواية سفيان الثوري: فأخرجها البخاري في (رفع اليدين) ٦، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٧، والدارقطني في (سننه) ٨، من طرق، عن:\n_________\n١ جزء القراءة خلف الإمام: (ص١١٩) .\n٢ التمهيد: (٩/٢٢٠) .\n٣ الفصل: (١/٣٩٥) .\n(١/٢٩٣) ح ١٩.\n(١/١٤٢- ١٤٣) .\n(ص ١٢٢) ح ٣٥.\n(٢/٧٠) ح ٢٥٣٠.\n(١/٢٩٣) ح ١٨.","vol":"2","page":213},{"text":"الثوري، عن يزيد به. ولفظ البخاري: \"كان النبي ﷺ يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ حذاء أذنيه\". وأما لفظ عبد الرزاق، والدارقطني: \"كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر رفع يديه حتى نرى إبهامه قريبًا من أذنيه\".\nوأما حديث هشيم: فأخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ١، من طريق: هشيم عن يزيد، ولفظه عن البراء: \"رأيت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه\".\nوأخرج الدارقطني في (سننه) ٢ رواية خالد بن عبد الله٣، عن يزيد ابن أبي زياد به، وفيه عن البراء: \"أَنَّه رَأَى رسول الله ﷺ حين قَام إلى الصَّلاة كبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْه \".\nويرويه كذلك مثل هؤلاء: أسباط بن محمد٤، أخرجه من طريقة: أحمد في (مسنده) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، وفيه: \" ... حتى يكون إِبْهَاماهُ حذاء أذنيه \".\nفهؤلاء الخمسة من الحفاظ الثبات، وغيرهم: رووه عن يزيد بن أبي\n_________\n(٤/٢٨٢) .\n(١/٢٩٤) ح ٢٣.\n٣ ابن عبد الرحمن بن يزيد الطحَّان الواسطي، المزني مولاهم، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ١٨٢هـ / ع. (التقريب ١٨٩) .\n٤ ابن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعِّفَ في الثوري، من التاسعة، مات سنة ٢٠٠ هـ / ع. (التقريب ٩٨) .\n(٤/٣٠١ - ٣٠٢) .\n(٢/٢٥ - ٢٦) .","vol":"2","page":214},{"text":"زياد بدون هذه الزيادة، وكانوا سمعوه منه قديمًا.\nوقد نصَّ الأئمة على أن يزيد قد لُقِّنَ هذه الزيادة بعدُ، فقد أخرجه الحميدي في (مسنده) ١ من طريق ابن عيينة بدون هذه الزيادة، قال سفيان: \"وقدم الكوفة، فسمعه يُحَدِّثُ به، فزاد فيه: ثم لا يعود. فظننت أنهم لَقَّنُوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغيَّرَ حفظه، أو ساء حفظه\". قال الإمام الشافعي: \"وذهب سفيان إلى أن يُغَلِّطَ يزيد في هذا الحديث، ويقول: كأنه لُقِّنَ هذا الحرف الآخر فتلقنه، ولم يكن سفيان يرى يزيد بالحافظ\"٢. وأَعَلَّهُ الإمام أحمد بقول سفيان هذا٣ وكذا ابن حبان٤. وقال الدارقطني: \"وإنما لُقِّنَ يزيد في آخر عمره: (ثم لم يعد) . وكان قد اختلط\"٥.\nولما كان جمع من الأئمة الأثبات - الذين تقدم ذكرهم - قد رووه عن يزيد بدون هذه الزيادة، دل ذلك على صحة ما قاله ابن عيينة ﵀، وغيره من الأئمة.\n- وَمِمَّا يَدُلُّ على ضَعْفِ حديث البراء بهذه الزيادة أيضًا: أنه قد اضطُربَ في متنه وإسناده؛ فقد رُوِيَ عنه ما ينقض روايته الأولى،\n_________\n(٢/٣١٦) ح ٧٢٤.\n٢ اختلاف الحديث: (ص١٢٨) .\n٣ علل أحمد: (١/١٤٣) .\n٤ المجروحين: (٣/١٠٠) .\n٥ سنن الدارقطني: (١/٢٩٤) .","vol":"2","page":215},{"text":"فأخرج البيهقي في (سننه) ١، من طريق:\nإبراهيم بن بشار٢، عن ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد بمكة، عن ابن أبي ليلى ... به، وفيه: \" رَأَيْتُ النبي ﷺ إذا افْتَتَحَ الصَّلاة رَفَعَ يَدَيْهِ، وإذا أَرَادَ أَنْ يركع، وإذا رَفَعَ رَأْسَه من الركوع \". وذكر سفيان أنه لما قدم الكوفة وجده قد زاد فيه هذه الزيادة.\nفيكون حديث يزيد قد رُويَ بذلك على ثلاثة أوجه، ولاشك أن هذه اضطراب في حديثه، يدل على عدم ضبطه له، وعدم إتقانه إياه. وقد نصَّ الحازمي على اضطرابه، فقال: \" ... هذا الحديث يُعْرَفُ بيزيد ابن أبي زياد، وقد اضطرب فيه\"٣.\nأما اضطراب سنده: فقد أشار إليه البيهقي ﵀، فقال: \"قد روى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ... وقيل: عن محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى. وقيل: عنه، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى ... \"٤.\n_________\n(٢/٧٧) .\n٢ الرمادي، أبو إسحاق البصري، حافظ له أوهام، من العاشرة، مات في حدود سنة ٢٣٠هـ /د ت. (التقريب ٨٨) .\n٣ الاعتبار: (ص١٦) في المقدمة.\n٤ سنن البيهقي: (٢/٧٧) .","vol":"2","page":216},{"text":"قلت: وقد أخرج رواية عيسى بن أبي ليلى: أبو داود في (سننه) ١، وعَلَّقَه البخاري في (رفع اليدين) ٢ كلاهما: عن وكيع، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى٣، عن أخيه عيسى٤، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - كذا قال أبو داود، وعند البخاري: عن عيسى والحكم، عن ابن أبي ليلى - عن البراء قال: \" رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة ثم لم يرفعها حتى انصرف \". سياق أبي داود. قال أبو داود عقبة: \"هذه الحديث لا يصح\". وقال البيهقي - حينما أشار إلى هذه الرواية -: \"ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج بحديثه، وهو أسوأ حالًا عند أهل المعرفة بالحديث من يزيد بن أبي زياد\"٥.\n- ومن الأدلة - أيضًا - على غَلَطِ يزيد فيه، وعدم ضبطه، وأنه أُدْخِلَ عليه فيه: أنه صَرَّحَ مرة بعدم حفظه لهذه الزيادة، ورجوعه عنها؛ فأخرجه الدارقطني في (سننه) ٦ من طريق: علي بن عاصم، عن محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ... فذكره وفيه الزيادة، قال علي: فلما قَدِمْتُ الكوفة، قيل لي: إن\n_________\n(١/٤٧٩) ح ٧٥٢.\n(ص١٢٢) ح ٣٦.\n٣ الأنصاري، الكوفي، القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوقٌ سَيِّئ الحفظ جِدًا، من السابعة، مات سنة ١٤٨هـ /٤. (التقريب ٤٩٣) .\n٤ ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثقة، من السادسة /٤. (التقريب ٤٣٩) .\n٥ سنن البيهقي: (٢/٧٧ - ٧٨) .\n(١/٢٩٤) ح ٢٤.","vol":"2","page":217},{"text":"يزيد حيٌّ، فأتيته، فَحَدَّثَنِي بهذا الحديث - فساقه بإسناده بدون الزيادة - قال علي بن عاصم: فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: (ثم لم يعد) . قال: لا أحفظ هذا. فعاودته، فقال: ما أحفظه.\nوهذا الإسناد وإن كان فيه ابن أبي ليلى، فإن سياقه بهذه القصة يدل على أنه إنما ضبطه وحفظه.\nوالمقصود: أن الأئمة قد أجمعوا على ضَعْفِ حديث البراء بهذه الزيادة، وقد تَقَدَّمَ معنا قول ابن عيينة، والشافعي، والبخاري، وأبي داود. وقال الحميدي: \"إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد\"١. وقال عثمان الدارمي: \"سألت أحمد بن حنبل ﵀؟ فقال: لا يصح عنه هذا الحديث\"٢. وساق الدارمي الحديث بدون الزيادة ثم قال: \"فهذا الذي يسبق القلب إلى صحته عن يزيد\"٣.\nوقال ابن حبان: \"هذا خبر عَوَّلَ عليه أهل العراق في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وليس في الخبر: (ثم لم يَعُد) . وهذه الزيادة لَقَّنَها أهل الكوفة يزيد بن أبي زياد في آخر عمره، فَتَلَقَّنَ ... ومن لم يكن العلم صناعته لا يُذكر له الاحتجاج بما يشبه هذا من الأخبار الواهية\"٤. وقال الدارقطني - بعد أن أخرجه بدون الزيادة-:\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/٢٢١) .\n٢ علوم الحديث للحاكم: (ص٨١) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ المجروحين: (٣/١٠٠) .","vol":"2","page":218},{"text":"\"وهذا هو الصواب\"١. وضعَّفَهُ الحازمي باضطراب يزيد كما سبق نقل كلامه. وقال ابن عبد البر: \"المحفوظ في حديث يزيد ...: \"كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة، رفع يديه في أول مرة ... \" وأما قول من قال فيه: ثم لا يعود. فخطأ عند أهل الحديث\"٢. وقال المنذري: \"في إسناده: يزيد بن أبي زياد ... ولا يحتجُّ بحديثه\"٣. وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: \"ذِكْرُ ترك العَوْدِ إلى الرفع ليس بثابت عن النبي ﷺ\"٤. وقد أدخله - ﵀ - في كتابه المصنف في المدرج، وحَكَمَ على هذه اللفظة بالإدراج. وقال ابن الملقن: \"حديث ضعيف باتفاق الحفاظ: كسفيان بن عيينة، والشافعي، وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدارمي، والبخاري، وغيرهم\"٥.\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي- بعد أن ذَكَرَ ضَعف هذا الحديث-: \"ولو صحَّ عن البراء أنه قال: \"كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه إلا أول مرة \". وقال غيره: إنه عاد لرفعهما، كان أولى الحديثين أو يُؤْخذ به حديث صاحب الرؤية؛ لأنه لم يَقْدِرْ على الحكاية إلا بالرؤية الصحيحة والحفظ، والذي قال: لم أر، يمكن أنه عاد ولم يره\"٦.\n_________\n١ السنن: (١/٢٩٤) .\n٢ التمهيد: (٩/٢٢٠) .\n٣ مختصر السنن: (١/٣٦٩) .\n٤ الفصل: (١/٣٩٤) .\n٥ البدر المنير: ج٢ (ق٢٠٥/أ) [نسخة المحمودية] .\n٦ علوم الحديث للحاكم: (ص٨١) .","vol":"2","page":219},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من عدم صِحَّةِ هذا الحديث بهذه الزيادة: هو الصحيح، وهو اختيار جمهور الأئمة ممن قَدَّمْنَا ذكرهم، ولذلك لا تُعَارض الأحاديث الصحيحة في إثبات الرفع بمثل هذا الحديث المعلول، والله أعلم.","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>٢- باب ما يقال من الدعاء في افتتاح الصلاة</span>\n١٧- (٢) \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ\".\nذكر ابن القَيِّم هذا الحديث مُصَدِّرًا إيَّاه بصيغة التمريض \"رُوِيَ\"، ثم قال: \"ذكر ذلك أهل السنن من حديث: علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد.\nعلى أنه رُبَّمَا أُرْسِلَ. وقد رُوِيَ مثله من حديث عائشة ﵂، والأحاديث التي قبله أثبت منه١، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يستفتح به في مقام النبي ﷺ ويجهر به، ويُعَلِّمُهُ الناس\"٢.\nوقال مرةً: \"اختار أحمد حديث عمر في الاستفتاح، وقد روى أبو سعيد عن النبي ﷺ وليس بصحيح؛ لأن رواية علي بن علي الرفاعي٣، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد، وقد قال الإمام أحمد: وعلي بن علي لا يُعْبَأُ به ... \"٤.\n_________\n١ يشير - ﵀ - إلى الأحاديث التي ذكرها قبل هذا في استفتاح الصلاة. انظر: (زاد المعاد ١/٢٠٢ - ٢٠٤) .\n٢ زاد المعاد: (١/٢٠٤ - ٢٠٥) .\n٣ بدائع الفوائد: (٤/٩١) .\n٤ كذا وقعت العبارة في (البدائع) وأراها غير سليمة؛ ولعل صوابها - والله أعلم -: \"وقد روى أبو سعيد مثله ... وليس بصحيح؛ لأنه من رواية علي ... \".","vol":"2","page":221},{"text":"قلت: حديث أبي سعيد هذا أخرجه: أصحاب السنن الأربعة١ وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٢، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٣، وابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، والطبراني في (الدعاء) ٦، كلهم من طريق:\nجعفر بن سليمان٧، عن علي بن علي٨ الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي٩، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \" كان رسول الله ﷺ إذا قام\n_________\n١ د: (١/٤٩٠) ح ٧٧٥، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، ت: (٢/٩) ح ٢٤٢، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، س: (٢/١٣٢) في الذكر بين الافتتاح وبين القراءة، جه: (١/٢٦٤) ح ٨٠٤، باب افتتاح الصلاة. وهو عند أبي داود والترمذي في ك الصلاة، وعند النسائي في ك الافتتاح، أما ابن ماجه ففي ك إقامة الصلاة.\n٢ حم: (٣/٥٠)، مي: (١/٢٢٦) ح ١٢٤٢، ك الصلاة، باب ما يُقال بعد افتتاح الصلاة.\n(٢/٧٥) ح ٢٢٥٤.\n(٢/٢٣٨) ح ٤٦٧.\n(١/٢٩٨) ح ٤.\n(٢/١٠٣٢) ح ٥٠١.\n٧ الضّبعي، أبو سليمان البصري، صَدُوق زَاهِد لكنه كان يَتَشَيَّع، من الثامنة، مات سنة ١٧٨هـ/ بخ م ٤. (التقريب ١٤٠) .\n٨ ابن نجاد، اليشكري، أبو إسماعيل البصري، لا بأس به، رُمِيَ بالقدر وكان عابدًا، من السابعة/ بخ ٤. (التقريب ٤٠٤) .\n٩ علي بن داود - ويقال: داؤد - البصري، مشهور بكنيته، ثقة، من الثامنة، مات سنة ١٠٨هـ وقيل قبل ذلك/ ع. (التقريب ٤٠١) .","vol":"2","page":222},{"text":"من الليل كَبَّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدُّكَ، ولا إله غيرك \" ثم يقول: \" لا إله إلا الله\" ثلاثًا، ثم يقول: \" الله أكبر كبيرًا\" ثلاثًا، \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزِه وَنَفْخِهِ ونَفْثِهِ\" ثم يقرأ.\nهذا سياق أبي داود، وهو كذلك عند أحمد، وابن خزيمة، وعبد الرزاق، إلا أن عند بعضهم اختلافًا يسيرًا. ولفظ الترمذي، والدارمي مثلهم، ما عدا قوله: \"ثم يقول: لا إله إلا الله\" ثلاثًا. أما النسائي، وابن ماجه، والطبراني: فهو عندهم مختصر، ولفظه: \"كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك\".\nوحاصل ما ذكره ابن القَيِّم في إعلال هذا الحديث ما يلي:\nأولًا: أنه رُبَّما رُوِيَ مرسلًا. وقد سبقه إلى ذلك أبو داود -﵀- فقال عقب إخراجه: \"وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا الوهم من جعفر\".\nثانيًا: أنه من رواية علي بن علي الرفاعي، وهو مُتَكَلَّمٌ فيه، قال الترمذي: \"وقد تُكُلِّمَ في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يَصِحُّ هذا الحديث\".","vol":"2","page":223},{"text":"والجواب عن ذلك:\n- أما القول بأنه يُروى مرسلًا: فلم أجد من ذكر هذه العلة إلا أبا داود، ومع ذلك فإنه لم يجزم بها، بل قال: \"يقولون ... \"، وكذا ابن القَيِّم، فإنه قال: \"على أنه ربما أُرْسِلَ\".\n- وأما كون \"علي بن علي الرفاعي\" متكلمًا فيه: فقد قال الشيخ الألباني١:\"وعليٌّ هذا وإن تَكَلَّمَ فيه يحيى بن سعيد، فقد وَثَّقَه يحيى بن معين، ووكيع، وأبو زرعة، وقال شعبة: اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لم يكن به بأس إلا أنه رَفَعَ أحاديث\"٢. قال الشيخ الألباني - معقبًا على مقالة الإمام أحمد -: \"وهذا لا يوجب إهدار حديثه، بل يُحتجُّ به حتى يظهر خطؤه، وهنا ما روى شيئًا منكرًا، بل تُوبِع عليه كما سبق\"٣. يشير الشيخ إلى حديث عائشة، وسيأتي.\nقلت: فَتَبَيَّنَ من ذلك أن ما أُعِلَّ به هذا الحديث ليس بشيء، وأن الحديث بهذا الإسناد لا يقل عن رتبة الحسن؛ ولذلك جعله الإمام البغوي في قسم الحسن من (مصابيحه) ٤ وبهذا حَكَمَ عليه الحافظ\n_________\n١ إرواء الغليل: (٢/٥١ - ٥٢) .\n٢ انظر: أقوال العلماء فيه في (تهذيب التهريب: ٧/٣٦٦) .\n٣ إرواء الغليل: (٢/٥٢) .\n٤ كما في مشكاة المصابيح: (١/٢٥٨) ح رقم ٨١٦.","vol":"2","page":224},{"text":"ابن حجر١رحمه الله. وكذا حسَّنَهُ الشيخ الألباني ﵀، فقال - عقب نقل الترمذي تضعيف على الرفاعي، وأن أحمد لم يصحح الحديث -: \"ولعلَّ هذا لا ينفي أن يكون حسنًا؛ فإن رجاله كلهم ثقات\"٢. وصححه الشيخ أحمد شاكر٣.\nولما ضَعَّفَ ابن خزيمة الأحاديث الواردة في ذلك قال: \"وأحسن إسناد نعلمه رُوِيَ في هذا: خبر أبي المتوكل، عن أبي سعيد\"٤.\nقلت: ففيه أن هذا الحديث وإن تُكُلِّمَ فيه، فإن أمره مُحْتَمَلٌ، وأنه قابلٌ للتَّقَوِّي بغيره، وسيأتي له شواهد، منها ما أشار إليه ابن القَيِّم - ﵀ - بقوله: \"وقد رُوِيَ مثله من حديث عائشة ﵂\"٥.\nوقد رُوِيَ حديث عائشة هذا من طرق لا تخلو جميعها من ضعف، لكن بانضمامها تصل إلى درجة الحسن كما حكم بذلك الشيخ الألباني.\n_________\n١ نتائج الأفكار: (١/٤٠٢) .\n٢ الإرواء: (٢/٥١) .\n٣ حاشية جامع الترمذي: (٢/١١) .\n٤ صحيح ابن خزيمة: (١/٢٣٨) .\n٥ زاد المعاد: (١/٢٠٤) .","vol":"2","page":225},{"text":"فإذا انضمَّ حديث عائشة هذا بطرقه إلى حديث أبي سعيد الْمُتَقَدِّم، ازداد الحديث قوةً وتماسك، وقد يصل بذلك إلى رتبة الصحيح، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله١.\nفالحاصل: أن ابن القَيِّم - ﵀ - ذهب إلى تضعيف حديث أبي سعيد، فَصَدَّره بصيغة التمريض: \"رُوِيَ\"، ثم أَعَلَّهُ بأنه يُروى مرسلًا، ثم صَرَّح بضعفه فقال \"ليس بصحيح؛ لأنه من رواية علي بن علي الرفاعي\".\nثم أشار - ﵀ - إلى أنه قد رُوِيَ مثله من حديث عائشة ﵂، وكأنه يضعفه أيضًا؛ حيث صَدَّرَه بقوله: \"وقد رُوي مثله ... \" كذا بصيغة التمريض.\nوقد ظهر لي من هذه الدراسة: أن الحديث يصل بمجموع طرقه إلى درجة الحسن على أقل تقدير، وأنَّ من ضَعَّفَه لم يُقِمْ على ذلك دليلًا ظاهرًا، ولا بينة قوية.\nغير أنني أعود فأقول: كأن ابن القَيِّم - ﵀ - لا يريد أن الحديث ضعيف مطلقًا، وإنما هو أدنى رتبة من الأحاديث الأخرى\n_________\n١ انظر الكلام حول هذا الحديث في: التلخيص الحبير (١/٢٢٩)، وإرواء الغليل: (٢/٥١) .","vol":"2","page":226},{"text":"الواردة في افتتاح الصلاة. يظهر ذلك من قوله: \"والأحاديث التي قبله أثبت منه، ولكن صَحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يستفتح به في مقام النبي ﷺ ويجهر به، ويعمله الناس\"١، والله تعالى أعلم.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٠٤، ٢٠٥) .\nقلت: أخرج مسلم في (صحيحه) - (١/٢٩٩) ح ٥٢ ك الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة - حديث عمر هذا، عن عبدة: \"أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك\".","vol":"2","page":227},{"text":"٣- باب من قال: لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه إلا بفاتحة الكتاب\n١٨- (٣) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كُنَّا خَلْفَ رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: \" لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ \"قلنا: نعم، هذًّا١ يا رسول الله، قال: \" لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وأُعِلَّ هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول وهو مدلس، ولم يُصَرِّحْ بسماعه من مكحول، وإنما عَنْعَنَه، والمدلس إذا عَنعن لم يحتج بحديثه، وكذلك رواه أبو داود. قال البيهقي: وقد رواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فذكر سماعه فيه من مكحول، فصار الحديث بذلك موصولًا صحيحًا٢. وقد رواه البخاري في كتاب (القراءة خلف الإمام) وقال: هو صحيح، ووثق ابن إسحاق وأثني عليه واحتج بحديثه فيه، ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضًا، وقال: هو صحيح\"٣.\n_________\n١ قال في المصباح المنير: (٢/٦٣٦): \"الْهَذُّ: سرعة القطع، وهذَّ قراءته هذًَّا - من باب قتل-: أسرع فيها\" وقال الخطابي: \"الهذُّ: سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال، وقيل: أراد بالهذِّ الجهر القراءة\". (معالم السنن ١/٣٩٠) .\n٢ انظر كلام البيهقي في المعرفة: (٣/٨١) رقم ٣٧٧٨.\n٣ تهذيب السنن: (١/٣٩٠) .","vol":"2","page":228},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والبخاري في (جزء القراءة) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، من طرق عن:\nمحمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ به، واللفظ المذكور لفظ أبي داود، وألفاظ الباقين بنحوه.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث كما مضى في كلام ابن القَيِّم، وحاصل ما أُعِلَّ به:\n١- عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس.\n٢- الاضطراب في إسناده.\nوذكر ابن القَيِّم من ذلك: العلة الأولى فقط وأجاب عنها، وسأبين ذلك بعون الله وتوفيقه.\nأما العلة الأولى؛ وهي عنعنة ابن إسحاق: فقد أجاب عنها\n_________\n(١/٥١٥) ح ٨٢٣ ك الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب.\n(٢/١١٦) ح ٣١١ ك الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام.\n(٥/٣١٦، ٣٢٢) .\n(ح ٣٢، ١٦٩) .\n٥ الإحسان: (٣/١٣٧) ح ١٧٨٢، (٣/١٤١) ح ١٧٨٩.\n٦ قط: (١/٣١٨) ح ٥ - ٨. هق: (٢/١٦٤) .\n(١/٢٣٨) .","vol":"2","page":229},{"text":"الحافظ البيهقي - ونقله ابن القَيِّم - بأن إبراهيم بن سعد١ رواه عن ابن إسحاق فذكر فيه سماع ابن إسحاق من مكحول، فانتفت بذلك شبهة التدليس عن ابن إسحاق.\nوقد أخرج رواية إبراهيم بن سعد هذه: الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق: عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني مكحول ... فذكره، وفيه: \" إِنِّي لأَرَاكُمْ تَقْرَأُون خَلْفَ إِمَامِكُم إِذَا جَهَرَ؟ \".\nوأخرجه البيهقي٣ من طريق الدارقطني، ثم قال عقبه: \"قال علي ابن عمر - يعني الدارقطني -: هذا إسناد حسن\". ولم أجد هذه العبارة في (سنن الدارقطني) عقب هذا الحديث، وإنما قالها الدارقطني عقب الحديث الماضي الذي فيه عنعنة ابن إسحاق٤، وقد تَعَقَّبَ ابن التركماني البيهقي بذلك٥.\nولكن هذا الإسناد إلى ابن إسحاق ثقات لا مطعن فيهم؛ فإن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، أبا الفضل البغدادي قاضي أصبهان: \"ثقة\"٦. وعمه: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبو يوسف المدني:\n_________\n١ ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلِّمَ فيه بلا قادح، من الثامنة، مات ١٨٥هـ / ع. (التقريب ٨٩) .\n(١/٣١٩) ح ٨.\n٣ السنن: (٢/١٦٤)، والقراءة خلف الإمام: (ح ١١٤) .\n٤ سنن الدارقطني: (١/٣١٨) ح ٥.\n٥ انظر: الجوهر النقي: (٢/١٦٤) .\n٦ التقريب: (ص٣٧١) .","vol":"2","page":230},{"text":"\"ثقة فاضل\"١، وإبراهيم بن سعد: \"ثقة حجة\" كما مضى معنا. فهو إسناد قوي ينجبر به الطريق الآخر الذي فيه عنعنة ابن إسحاق.\nوأما العلة الثانية؛ وهي القول بالاضطراب: فقد أعله بذلك ابن عبد البر فقال: \"أما حديث ابن إسحاق: فرواه الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع النبي ﷺ، فلما انصرف قال لنا: \" تقرأون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ \" قلنا: نعم. قال: \" فلا تفعلوا إلا بأم القرآن\". ورواه زيد بن خالد٢، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة ... ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء\"٣. وحكى صاحب (الجوهر النقي) ٤ شيئًا من هذا الاضطراب مستشهدًا بكلام ابن عبد البر.\nوالجواب عن ذلك:\n_________\n١- أن رواية زيد بن واقد٥ - وليس بن خالد كما في (التمهيد) - عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع٦، عن عبادة، قد أخرجها: أبو داود، والدارقطني والبيهقي في (سننهم) ٧، ثلاثتهم بهذا\n١ التقريب: (ص٦٠٧) .\n٢ كذا في التمهيد والصواب أنه \"زيد بن واقد\" كما سيأتي بيانه.\n٣ التمهيد: (١١/٤٦) .\n(٢/١٦٤) .\n٥ القرشي، الدمشقي، ثقة، من السادسة/ خ د س ق. (التقريب ٢٢٥) .\n٦ الأنصاري، المدني، نزيل بيت المقدس، مستور، من الثالثة/ ر د س. (التقريب٥٥٨) .\n٧ د: (١/٥١٥) ح ٨٢٤، قط: (١/٣١٩) ح٩، هق: (٢/١٦٤) .","vol":"2","page":231},{"text":"الإسناد، قال نافع بن محمود: أبطأً عبادة عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم الْمُؤَذِّن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم ... فذكره، وفي آخره قوله ﷺ: \" ... فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن\".\nوقد أعلَّ ابن عبد البر هذه الرواية بجهالة نافع بن محمود، مع عَدِّه ذلك من الاضطراب في الحديث١.\nوأقول: إن نافعًا روى عنه اثنان: مكحول الشامي - أحد أئمة أهل الشام - وحرام بن حكيم الأنصاري الدمشقي٢، وَوَثقَه ابن حبان٣، ولم يُعْرَفْ فيه جرحٌ لأحد، ولم يُطَّلَعْ فيه على ما يُترك حديثه لأجله، ومثله إذا لم يأت بما يُنكر عليه فإنه يُقْبل حديثه، وقد قال الدارقطني - عقب إخراجه -: \"كلهم ثقات\".\nولم ينفرد زيد بن واقد - مع ذلك - برواية هذا الحديث عن مكحول، عن نافع بن محمود، بل تابعه عليه: يزيد بن يزيد بن جابر٤، عن مكحول، عن نافع، عن عبادة به، أخرج ذلك البيهقي في (القراءة خلف الإمام) ٥.\n_________\n١ التمهيد: (١١/٤٦) .\n٢ وهو حرام بن معاوية، وَوَهِمَ من جعلهما اثنين، ثقة، من الثالثة/ ر ٤. (التقريب١٥٥) .\n٣ الثقات: (٥/٤٧٠) .\n٤ الأزدي، الدمشقي، ثقة فقيه، من السادسة، مات سنة ١٣٤هـ / م د ت ق. (التقريب٦٠٦) .\n(ح١٢٣)، باب ذكر أخبار خاصة دالة على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم ...","vol":"2","page":232},{"text":"وتُوبِعَ مكحول - أيضًا - على هذه الرواية، فقد تابعه حرام بن حكيم، عن نافع بن محمود، عن عبادة به، أخرجه: البخاري في (جزء القراءة) ١، والدارقطني في (سننه) ٢، والبيهقي في (السنن) ٣، وفي (القراءة خلف الإمام) ٤، كلهم من طريق: زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، كلاهما: عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت به.\nقال الدارقطني: \"هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم\". وقال البيهقي: \"وهذا إسناد صحيح، ورواته ثقات\". قاله في كتاب (القراءة خلف الإمام) .\nثم وجدت متابعة أخرى لمكحول، فقد تابعه عثمان بن أبي سودة٥، أخرج ذلك الدارقطني في (سننه) ٦ من طريق: صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود، عن عبادة به. وراويه عن صدقة هو: يحيى بن عبد الله بن الضحَّاك البابلتي، وهو \"ضعيف\"٧، لكنه إذا انضم إلى الطريقين السابقين حصل بمجموع ذلك للحديث قوة.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك ثبوت الحديث بهذا الإسناد، وأنه يَقْوَى بمتابعة:\n_________\n(ح٣٣) .\n(١/٣٢٠) ح ١٢.\n(٢/١٦٥) .\n٤ ح (١٢١ - ١٢٢) .\n٥ المقدسي، ثقة، من الثالثة/ بخ د ت ق. (التقريب ٣٨٤) .\n(١/٣٢٠) ح ١٣.\n٧ كما في التقريب: (ص ٥٩٣) .","vol":"2","page":233},{"text":"يزيد بن جابر لزيد بن واقد، ثم بمتابعة: حرام بن حكيم وعثمان بن أبي سودة لمكحول.\nفإذا تقرر ذلك فيمكن القول بأنه: ليس في رواية \"نافع بن محمود\" هذه مخالفة لرواية \"محمود بن الربيع\" المتقدمة، وأن الاضطراب لا وجود له، بل الأمر على ما قال البيهقي ﵀: \"مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع ومن ابنه١ نافع بن محمود بن الربيع، ونافع ابن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصامت ﵁\"٢. وقال ابن حزم ﵀: \"وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود ابن الربيع ومرة عن نافع: فهذا قوة للخبر لا وهنٌ؛ لأن كليهما ثقة\"٣.\nوحينئذٍ نقول: إن رواية زيد بن واقد هذه بطرقها، وبمتابعة يزيد بن جابر له فيها تعدُّ متابعة قويةً لرواية محمد بن إسحاق المتقدمة، هذا مع تصحيح جماعة من الأئمة لحديث ابن إسحاق، قال الترمذي: \"حديث حسن\". وقال الدارقطني: \"هذا إسناد حسن\". وقال الخطابي: \"إسناده جيد، لا مطعن فيه\"٤. وقال الحاكم عنه وعن غيره من الروايات: \"أسانيدها مستقيمة\". وقال البيهقي: \"صحيح وله شواهد\"٥. وقال ابن حجر:\n_________\n١ هكذا اعتبر البيهقي أن نافعًا ابنٌ لمحمود بن الربيع، ولم أجد في المصادر التي ترجمت لهما ما يشير إلى ذلك، فالله أعلم؟؟\n٢ القراءة خلف الإمام: (ص٦٥ - ٦٦) .\n٣ المحلى: (٣/٢٤١ - ٢٤٢) .\n٤ معالم السنن: (١/٣٩٠) .\n٥ السنن: (٢/١٦٦) .","vol":"2","page":234},{"text":"\"أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات\"١. وقال الشيخ أحمد شاكر: \"حديث صحيح لا عِلَّة له\"٢. حتى إن أبا عمر بن عبد البر - ﵀ - الذي أَعَلَّه في (تمهيده) بأنه مضطرب، وبأن نافع بن محمود مجهول، قال في (الاستذكار) ٣: \"وحديث عبادة من رواية مكحول وغيره متصل مسند من رواية الثقات\"! فلم يبق بذلك قدح في هذا الحديث بالاضطراب ولله الحمد.\n٢- وأما الرواية التي ذكرها ابن عبد البر مُسْتَدِلًا بها على اضطراب الحديث، وهي: رواية الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو، فأقول:\nالمشهور عن الأوزاعي في ذلك ما أخرجه البيهقي في (القراءة خلف الإمام) ٤ من طريق الأوزاعي، حدثني عمرو بن سعد٥، حدثني رجاء بن حيوة، وعن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، كلاهما: عن عبادة بن الصامت مرفوعًا. قال البيهقي: \"والروايتان صحيحتان، فقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد عنهما\". ثم ساقه بإسناده إلى الوليد. ثم رواه البيهقي - ﵀ - بالإسناد نفسه إلى عمرو بن شعيب متصلًا، فقال: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبادة. ثم أشار البيهقي بعد ذلك إلى الرواية التي ذكرها ابن عبد البر، فقال: \"وقيل: عن الأوزاعي، عن مكحول، عن\n_________\n١ الدراية: (١/١٦٤) .\n٢ حاشية الترمذي: (٢/١١٧) .\n(٢/١٩٠) .\n٤ الأحاديث: (١٢٩ - ١٣٢) .\n٥ الفَدَكِي أو اليمامي، ثقةٌ، من السادسة / ر س ق (التقريب ٤٢١) .","vol":"2","page":235},{"text":"رجاء، عن عبد الله بن عمرو. والمحفوظ ما ذكرنا إسناده\"١.\nفَعُلِمَ بذلك أن المحفوظ في هذا عن الأوزاعي ما تقدم: عنه، عن عمرو ابن سعد، عن رجاء، وهو إسناد لا غبار عليه، لاسيما إذا انضم إليه طريق عمرو بن شعيب، وحينئذ تكون هذه الطريق متابعة أخرى لمحمود بن الربيع، عن عبادة؛ مما يزيد في قوته، ولا يكون ذلك من قبيل الاضطراب أبدًا.\nثُمَّ إن حديث عبادة هذا أصله في صحيحي (البخاري) ٢ (ومسلم) ٣ مختصرًا، وذلك من طريق: الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكِتَاب\".\nقال الإمام البخاري: \"والذي زاد مكحول، وحرام بن حكيم، ورجاء بن حيوة عن ابن الربيع، عن عبادة، فهو تبع لما روى الزهري قال: حدثني محمود بن الربيع، أن عبادة أخبره عن النبي ﷺ ... \"٤.\nوقال البيهقي: \"ورواية الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة ابن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" وإن كانت مختصرة، فهي لرواية ابن إسحاق شاهدة\"٥.\n_________\n١ القراءة خلف القراءة: (ص٦٩) .\n٢ مع فتح الباري: (٢/٢٣٦) ح ٧٥٦ ك الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت.\n(١/٢٩٥) ح ٣٩٤. باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ...\n٤ القراءة خلف الإمام للبيهقي: (ص٧٠) .\n٥ المعرفة: (٣/٨١) .","vol":"2","page":236},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: \"والظاهر أن حديث الباب - يعني حديث الزهري - مختصر من هذا - يعني من حديث ابن إسحاق الذي معنا - وكان هذا سببه والله أعلم\"١.\nقلت: وسواء أكان مختصرًا منه أم كان مغايرًا له، فإنه يشهد له ويُقَوِّيه، ويثبتُ أن له أصلًا؛ فالحديثان اشتركا في قوله ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". ولكن أحدهما جاء مُطَوَّلًا فَذُكِرَ فيه قصة كانت سبب هذا القول منه ﷺ، ورواية الصحابي الحديث مرة مطولًا ومرة مختصرًا مشهور.\nولهذا الحديث شاهد أشار إليه ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٢ من رواية البيهقي من طريق: سفيان الثوري، عن خالد الْحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة٣، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لعلكم تقرأون والإمام يقرأ؟ \". قالوا: إنا لنفعل. قال: \"فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب\".\nثم نقل ابن القَيِّم عن البيهقي قوله: \"وهذا إسناد صحيح، وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يَضُرُّ إذا لم يعارضه ما هو أصح منه، ولكن لهذا الحديث علة، وهي: أن أيوب خالف فيه خالدًا ورواه عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا ... \"٤.\n_________\n١ فتح الباري: (٢/٢٤٢) .\n(١/٣٩٣) .\n٣ قيل: اسم أبيه عبد الرحمن، حجازي، ليس به بأس، من الرابعة / ر م د س ق. (التقريب ٤٨٦) .\n٤ انظر: كلام البيهقي هذا في المعرفة: (٣/٨٤) رقم ٣٧٩٢. والكلام إلى قوله: \" ... ما هو أصحُّ منه\" منقول بنصه، وباقي الكلام منقول بالمعنى.","vol":"2","page":237},{"text":"وقد ذكر الدارقطني في (علله) ١ روايات هذا الحديث، ووجوه الاختلاف فيه على خالد الحذاء، ثم قال: \"والمرسل أصح\". يعني: عن ابن أبي عائشة عن النبي ﷺ.\nقلت: وهذا المرسل يشهد لحديث عبادة بن الصامت المتقدم ويشد من أزره، وقد جعله البيهقي٢، ثم ابن حجر٣ من شواهده.\nفتَحَصَّل من ذلك: أن حديث عبادة بن الصامت صحيح بطرقه وشاهده، مع تصحيح من صححه من الأئمة الذين نقلتُ أقوالهم.\nوابن القَيِّم - ﵀ - يميل إلى صحة الحديث، فقد ذكر كلام البيهقي في الرد على من زعم أن الحديث معلول بعنعنة ابن إسحاق. ولكنه لم يتعرض لكلام من أعله بالاضطراب، وقد بينت ذلك ولله الحمد. ثم ساق له ابن القَيِّم هذا الشاهد المرسل من حديث ابن أبي عائشة.\nوأما ما نقله ابن القَيِّم عن البيهقي من تصحيح البخاري هذا الحديث في (جزء القراءة) فلم أقف عليه فيه، وقد روى الحديث في مواضع منه - كما مضى - ولم يعقبه بشيء، نعم أثنى على ابن إسحاق هناك وعَدَّلَه ونقل كلام الأئمة في الثناء عليه.\n_________\n١ ج ٤ (ق ٣٦) .\n٢ السنن: (٢/١٦٦) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/٢٣١)","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>٤- باب ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه</span>\n١٩- (٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ انْصَرَفَ من صلاة جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: \" هَلْ قَرَأ مَعِي أَحَدٌ مِنكم آنفًا؟ فقال رجل: نَعَم يا رسول الله، قال: \" إِّني أَقُولُ: مَا لِي أَنَازَعُ١ القرآن؟ \". قَالَ: فانتهى الناس عن القراءة مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سَمِعوا ذَلِكَ مِن رسول الله ﷺ.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وقد أَعَلَّ البيهقي٢ هذا الحديث بابن أُكَيْمَةَ، وقال: تَفَرَّدَ به وهو مجهول، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب. واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة. وقيل: عمار، قاله البخاري.\nوقوله: \"فانتهى الناس عن القراءة\" من قول الزهري، قاله محمد ابن يحيى الذُّهْليّ - صاحب (الزهريات) - والبخاري، وأبو داود. واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي، حين مَيَّزَه من الحديث، وجعله من قول الزهري. قال: وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة، وهو يأمر بالقراءة خلف القراءة فيما جهر فيه وما خَافَتَ؟ \"٣.\nثم أخذ ابن القَيِّم ﵀ في الجواب على ما ذكره\n_________\n١ بفتح الزاي، وأصل النزع: الْجَذْبُ والقَلْعُ،، ومعنى: ما لي أُنَازَعُ القرآن: أي أُجَاذَبُ في قراءته. (النهاية ٥/٤١) .\n٢ انظر: كلام البيهقي هذا في (السنن): (٢/١٥٩) .\n٣ تهذيب السنن: (١/٣٩١ - ٣٩٣) .","vol":"2","page":239},{"text":"البيهقي - ﵀ - من عللٍ لهذا الحديث، وسيأتي بيان ذلك مفصلًا.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: مالك في (الموطأ) ١ عن الزهري، عن ابن أكيمة٢، عن أبي هريرة ﵁ باللفظ الذي ذكرته.\nومن طريق مالك أخرجه: أبو داود، والترمذي، والنسائي في (سننهم) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، والبخاري في (جزء القراءة) ٥، والبيهقي في (السنن) ٦، وألفاظهم جميعًا كلفظ مالك، إلا البخاري، فإنه عنده مختصر، ليس فيه قوله: \"فانتهى الناس ... \".\nوقد روى هذا الحديث الأوزاعيُّ قال: حدثني الزهري، عن سعيد ابن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يقول ... فذكره. فجعل الأوزاعي سعيد ابن المسيب مكان ابن أكيمة، أخرجه كذلك البيهقي في (السنن) ٧، وأشار إليه أبو داود٨.\n_________\n(١/٨٦) ح٤٤ ك الصلاة، باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه.\n٢ عمارة بن أكيمة، الليثي، أبو الوليد المدني. وقيل: اسمه عمار، أو عمرو، أو عامر، ويأتي غير مسمى، ثقة، من الثالثة، مات سنة ١٠١هـ / ر٤. (التقريب ٤٠٨) .\n٣ د: (١/٥١٦) ح ٨٢٦، ك الصلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام. ت: (٢/١١٨) ح ٣١٢ ك الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر ... س: (٢/١٤٠) ك الافتتاح، باب ترك القراءة ...\n(٢/٣٠١) .\n٥ ح رقم (٦١) .\n(٢/١٥٧) .\n(٢/١٥٨) .\n٨ في سننه: (١/٥١٨) .","vol":"2","page":240},{"text":"وقد نصَّ أبو حاتم الرازي على خطأ هذه الرواية١، ونَبَّهَ الخطيب البغدادي على وهم الأوزاعي في ذلك في كتابه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٢ فقال: \"خالف أصحاب الزهري فيه وَوَهِمَ؛ لإجماعهم على خلافه ... وإنما دَخَل الوهم فيه على الأوزاعي لأنه سمع الزهري يقول: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب. فسبق إلى حفظه ذكر سعيد ابن المسيب، واستقرت روايته على ذلك والصحيح: أنه عن الزهري، عن ابن أكيمة الليثي\". وقال أبو عمر بن عبد البر في (التمهيد) ٣: \"ولا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث لابن شهاب، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة. وأن ذِكْرَ سعيد بن المسيب في إسناد هذا الحديث خطأ لا شكَّ عندهم فيه، وإنما ذلك عندهم لأنه كان في مجلس سعيد بن المسيب، فهذا وجهُ ذكر سعيد بن المسيب، لا أنه في الإسناد\".\nوهذه الرواية التي أشار إليها الخطيب، والتي أوقعت الأوزاعي في هذا الوهم: أخرجها البخاري في (جزء القراءة) ٤ من طريق يونس٥، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب يقول: سمعت أبا هريرة. فذكره بمثل لفظ مالك المتقدم.\nوقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٦، والإمام أحمد في (مسنده)\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/١٧٢ - ١٧٣) .\n(١/١٨٤) .\n(١١/٢٤) .\n٤ ح (٦٢) .\n٥ هو: ابن يزيد الأيلي.\n(١/٥١٧) ح ٨٢٧.\n(٢/٢٤٠) .","vol":"2","page":241},{"text":"من طريق: ابن عيينة، عن الزهري، أنه سمع ابن أكيمة يحدث عن سعيد ابن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة يُظن أنها الصبح ...\nوظاهر هذه الرواية: أن الزهري سمعه من ابن أكيمة عن سعيد بن المسيب، ولكن الصواب ما جاء في رواية البخاريّ: أنَّ الزهري سمعه من ابن أكيمة، عن أبي هريرة. وحَدَّثَ به ابن أكيمة ابن المسيب في حضرة الزهري. ورواية أحمد هذه خطأ كما نبَّه على ذلك العلامة أحمد شاكر، وبَيَّنَ أن نسخة عتيقة من (مسند أحمد) جاء الإسناد فيها بدون \"عن\"١. وصوَّب البيهقي - ﵀ - الرواية التي بدون \"عن\" فقال: \"الصواب ما رواه ابن عيينة، عن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وكذلك قاله يونس بن يزيد الأيلي\"٢.\nأَمَّا مَا ذُكِرَ من علل لهذا الحديث ففيما يلي مناقشتها، وذكر الأجوبة عنها:\nأولًا: قول البيهقي: إن ابن أكيمة مجهول، وقد تَفَرَّدَ به. ليس كذلك، بل إنه - كما قال ابن القَيِّم - \"لا يُعْلَم أحدٌ قدح فيه، ولا جَرَحَهُ بما يوجب ترك حديثه\". وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) ٣، وقال أبو حاتم: \"صحيح الحديث، حديثه مقبول\"٤. وقال يحيى بن\n_________\n١ مسند الإمام أحمد تحقيق/ أحمد شاكر: (١٢/٢٦٠) ح ٧٢٦٨.\n٢ سنن البيهقي: (٢/١٥٨) . وانظر: علل ابن أبي حاتم: (١/١٧٣) .\n(٥/١٦٩) .\n٤ الجرح والتعديل: (٣/١/٣٦٢) .","vol":"2","page":242},{"text":"سعيد: \"ثقة\"١. وقال ابن معين: \"كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يُحَدِّثُ سعيد بن المسيب\"٢. وقال ابن عبد البر: \"إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم\"٣.\nهذه أقوال الأئمة في ابن أكيمة، وهو وإن لم يرو عنه غير الزهري، فإن وصف الجهالة يزول عنه بتوثيق هؤلاء الأئمة له، وثنائهم عليه.\nوأما دعوى تفرده به: فليس كذلك أيضًا؛ فإنه حَدَّثَ به في حضرة ابن المسيب فأقره عليه ولم ينكره، فكان بذلك كالمتابع له، ولذلك قال ابن القَيِّم ﵀: \"وقد حَدَّثَ بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلم الناس بأبي هريرة، وهو: سعيد بن المسيب\"٤.\nثانيًا: القول بأن قوله: \"فانتهى الناس عن القراءة\" من قول الزهري مدرجٌ في الحديث، وليس من كلام أبي هريرة: قد صرَّحَ بذلك غير واحد من الأئمة، منهم: محمد بن يحيى الذهلي - كما نقل ذلك أبو داود عنه٥ - والبخاري حيث قال: \"وقوله: فانتهى الناس. من كلام الزهري، وقد بَيَّنَه لي الحسن بن صباح، قال: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي،\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٧/٤١١) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ المصدر السابق.\n٤ تهذيب السنن: (١/٣٩٢) .\n٥ السنن: (١/٥١٨) .","vol":"2","page":243},{"text":"قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر\"١. والخطابي في (معالم السنن) ٢، وبَيَّنَه - كذلك - الخطيب البغدادي في كتابه: (الفصل للوصل المدرج في النقل) ٣ فقال: \"والصحيح: أنه كلام ابن شهاب الزهري\". وكذا قال السيوطي في كتابه (المدرج) ٤.\nقلت: ورواية الأوزاعي التي نسب فيها هذا الكلام للزهري: أخرجها البيهقي في (سننه) ٥، وقال: \"حفظ الأوزاعي كون هذا الكلام من قول الزهري، ففصله عن الحديث\".\nوممن صرَّحَ بنسبة هذه الجملة للزهري أيضًا: سفيان بن عيينة، وذلك فيما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن محمد٦ الزهري، أنه قال: \"قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس ... \"٧.\nفهذا غاية ما يمكن أن يتعلق به القائلون بالإدراج، وبأن هذا كلام الزهري، والحق أنه ليس ثمة دليل ظاهر يُسْتَنَد إليه في كون هذه اللفظة من كلام الزهري؛ فإن الروايات لم تتفق كلها على نسبة هذا القول للزهري.\n_________\n١ جزء القراءة: (ح ٦٢) .\n(١/٣٩١) .\n(١/١٨٤) ح ٢٤.\n٤ ص ٢١ (ح٦) .\n(٢/١٥٨) .\n٦ ابن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة الزهري، البصري، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ٢٥٦هـ / م ٤. (التقريب ٣٢١) .\n٧ سنن أبي داود: (١/٥١٨) .","vol":"2","page":244},{"text":"فقد جاء في رواية ابن السَّرْح١ عند أبي داود٢:\"قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس ... \".\nوجاء عند أبي داود - أيضًا - أن مُسَدَّدًَا قال في روايته: \"قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة ... \".\nفهو مرويٌّ - كما نرى - من قول أبي هريرة، ومن قول معمر أيضًا.\nقال ابن القَيِّم - ﵀ -: \"وأيُّ تنافٍ بين الأمرين، بل كلاهما صوابٌ، قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر - أيضًا - كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له عِلّةً في قول أبي هريرة، لكان قول معمر له علة في قول الزهري، وأن نجعل ذلك كلام معمر\"٣.\nقلت: وهذا كلام نفيس منه ﵀؛ فإن هذه الروايات تتفق ولا تتناقض، فقد جاءت هذه الجملة متصلة بالحديث من كلام أبي هريرةرضي الله عنه. وقد ثبت ذلك من رواية معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة كما مضى. ورواها كذلك مالك ﵀ - وكفى به - عن الزهري فلم يفصلها، وقد تلقى عنه هذه الرواية أصحاب الدواوين المشهورة\n_________\n١ أحمد بن عمرو بن عبد الله عمرو السرح، أبو الطاهر المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٥٠هـ / م د س ق. (التقريب ٨٣) .\n٢ السنن: (١/٥١٨) .\n٣ تهذيب السنن: (١/٣٩٢) .","vol":"2","page":245},{"text":"فرواها من طريقه: أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه، وأحمد، والبخاري، والبيهقي ﵏، وقد مضى ذكر ذلك.\nوقد رواها معمر نفسه عن الزهري متصلة، كما أخرج ذلك أحمد في (المسند) ١ من طريق: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.\nفقد جاءت هذه العبارة - كما نرى - عن الزهري، وجاءت عنه عن أبي هريرة، وجاءت عن معمر من قوله، فلماذا تجعل من كلام الزهري حسب؟.\nأما رواية الأوزاعي، وقوله فيها: \"قال الزهري: فاتَّعَظَ المسلمون بذلك ... \": فإن الأوزاعي أخطأ في إسنادها كما مضى، وقد قال البيهقي بأنه وإن أخطأ في الإسناد إلا أنه حفظ المتن وضبطه فَمَيَّزَ كلام الزهري من كلام غيره. ولكن ألا يمكن أن يكون أخطأ في متنها كذلك؟؟ وهذا ما رَجَّحَهُ الشيخ أحمد شاكر، ثم قال: \"ولكن البيهقي - سامحه الله - لم ير بأسًا أن يجعلها خطأً في الإسناد، وصوابًا فيما يريد أن يحتجَّ له من الإدراج! \"٢.\nوأما رواية ابن عيينة وقوله: \"وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس ... \": فليس صريحًا في أن هذه اللفظة منفصلة من كلام الزهري، ولكن ابن عيينة سمع أول الحديث من شيخه الزهري ولم يسمع آخره أو لم يستوضحه، مع حضوره كلام\n_________\n(٢/٢٨٤) .\n٢ حاشية المسند: (١٢/٢٦٥) .","vol":"2","page":246},{"text":"الزهري كله، فأخبره معمر بما غاب عنه، والزهري قالها متصلة بالحديث كما سمعها معمر منه، فلماذا لا تحمل هنا على الاتصال كما جاء في الروايات المتقدمة؟!.\nثم لو قُدِّرَ التعارض بين هذه الروايات، فإن معمرًا أثبت الناس في الزهري - بعد مالك - وقد خالفه ابن عيينة والأوزاعي وهما دونه في الزهري، فَتُرَجَّحُ رواية معمر المتصلة إلى أبي هريرة، وعليها تحمل الروايات المتصلة الأخرى عند مالك وغيره، والتي لم يذكر فيها أن الكلام للزهري.\nوهناك مسلك آخر، وهو: أن هذه الكلمة لو كانت من قول الزهري، فإن إسنادها يكون مرسلًا - مع روايته أول الحديث متصلًا - ثم رويت عنه من وجه آخر بإسناد متصل إلى أبي هريرة، فتعارض الوصلُ والإرسال، فلو قلنا: الوصلُ زيادة من ثقة فتقبل، لقبلنا الرواية المتصلة، ولو قلنا بالترجيح بين الروايات لترجحت رواية معمركما تقدم، مع مؤازرة رواية مالك لها. وهذا المسلك اختاره الشيخ أحمد شاكر رحمه الله١.\nولعلَّ الذين ذهبوا إلى أن هذا من قول الزهري لم يقفوا على رواية معمر المتصلة إلى أبي هريرة.\nوالحديث قد حَسَّنَه - مع ذلك - الترمذي ﵀، وذهب الشيخ أحمد شاكر إلى دفع القول بالإدراج في بحثٍ له نافع أطال فيه النفس٢،\n_________\n١ حاشية المسند: (١٢/٢٦٥) .\n٢ انظره في حاشية المسند: (١٢/٢٥٩ - ٢٦٦) ح ٧٢٦٨.","vol":"2","page":247},{"text":"وكذا ردَّ هذا القول العلامة الألباني١.\nثالثًا: قول البيهقي: \"وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة، وهو يأمر بالقراءة خلف القراءة فيما جَهَرَ فيه وفيما خافت؟ \".\nوقد أجاب عنه ابن القَيِّم ﵀، فقال: \" ... فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: اقرأ بها في نفسك، وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حال الجهر، ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتاتِ، ولو كان عامًا فهذا رأي له، خَالَفَهُ فيه غيره من الصحابة، والأخذ بروايته أولى٢\"٣.\nفابن القَيِّم - ﵀ - لا يرى تعارضًا بين قول أبي هريرة - لمن سأله عن القراءة خلف الإمام -: \"اقرأ بها في نفسك\". وبين قوله في حديثنا هذا: \"فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه ... \"؛ فإن قوله: اقرأ بها في نفسك. محمول على القراءة في السِّريَّة، وفي سكتات الإمام في الجهرية. وقوله في هذا الحديث: فانتهى الناس ... أي: عن القراءة أثناء قراءة الإمام، إذ تحصل مع ذلك المنازعة والمخالجة للإمام. فحديث ابن أكيمة الذي معنا ليس فيه أن الناس تركوا القراءة بالكلية فيحتج به على القائلين بقراءة الفاتحة فيما جهر فيه الإمام، والحديث الآخر \"اقرأ بها في نفسك\" ليس فيه الأمر بالقراءة على كل حال حتى في أثناء قراءة الإمام. وبهذا تتفق الأدلة ولا يضرب بعضها بعضًا.\n_________\n١ التعليق على المشكاة: (١/٢٧٠) ح ٨٥٥.\n٢ يعني: دون رأيه.\n٣ تهذيب السنن: (١/٣٩٢ - ٣٩٣) .","vol":"2","page":248},{"text":"وإلى مثل هذا أشار الإمام ابن حزم - ﵀ - فقال عقب حديث ابن أكيمة هذا: \" ... لو صحَّ لما كانت لهم فيه حجة - يعني القائلين بعدم القراءة في الجهرية -؛ لأن الأخبار واجبٌ أن يُضَمَّ بعضها إلى بعض، وحرامٌ أن يُضْربَ بعضها ببعض ... فالواجب أن يؤخذ كلامه - ﵇ - كله بظاهره كما هو، كما قاله ﵇، لا يزاد فيه شيء، ولا يُنقص منه شيء: فلا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن، ولا يُنازع القرآن\"١.\nفالحاصل: أن حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة هذا قد أُعل بثلاث علل:\n١- أن ابن أكيمة مجهول، وقد تفرد به.\n٢- أن فيه إدراجًا من الزهري.\n٣- وبأنه يتعارض مع حديث أبي هريرة الآخر في الأمر بالقراءة على كل حال.\nوقد قام ابن القَيِّم بالجواب عن هذه العلل فوفق إلى حد كبير.\n_________\n١ الْمُحَلَّى: (٣/٢٣٩ - ٢٤٠) .","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>٥- باب من قال: لا يقرأُ المأمومُ خلف الإمام مطلقًا</span>\n٢٠- (٥) عَنْ جَابِر بن عبد الله، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: \"مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإمام لَهُ قِرَاءَةٌ\".\nذكر ابن القَيِّم هذا الحديث ثم قال: \"له عِلَّتَان:\nإحداهما: أن شعبة، والثوري، وابن عيينة، وأبا عوانة، وجماعة من الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلًا.\nوالعلة الثانية: أنه لا يصحُّ رَفْعُهُ، وإنما المعروف وَقْفُهُ. قال الحاكم: سمعت سلمة بن محمد يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المرويِّ عن النبي ﷺ: \" من كان له إمامٌ ... \"؟ فقال: لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، إنما اعتمد مشايخنا فيه على الرويات عن عليّ، وابن مسعود، والصحابة ... وقد رفعه جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر. وتَابَعَهُمَا مَنْ هُوَ أَضْعَف منهما أو مثلهما\"١.\nقلت: هذا الحديث يروى عن غير جابر بألفاظ أخرى، لكنه بهذا اللفظ مشهور عن جابر ﵁.\nوالحديث له عن جابر طرق عِدَّة، أشهرها طريقان، وهما اللذان أشار إليهما ابن القَيِّم هنا:\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٣٩٣) . وضَعَّفَ ابن القَيِّم الحديث - أيضًا - في (إعلام الموقعين): (٢/٣٢٧) .","vol":"2","page":250},{"text":"الطريق الأول: عن أبي الزبير١، عن جابر ﵁، ومدار هذا الطريق على: الحسن بن صالح٢، وروي عنه على أوجه مختلفة:\nفأخرجه ابن ماجه، والدارقطني في (سننيهما) ٣ من طرق عنه، عن جابر٤ الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nوأخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٥ عنه، عن جابر الجعفي وليث بن أبي سليم٦، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nوأخرجه الإمام أحمد في (المسند) ٧ عنه، عن أبي الزبير مباشرة، عن جابر به.\nوروي عن الحسن بن صالح على غير تلك الأوجه٨.\n_________\n١ محمد بن مسلم بن تَدْرُس، الأسدي مولاهم، المكيِّ، صدوق إلا أنه يُدَلِّسُ، من الرابعة، مات سنة ١٢٦هـ / ع. (التقريب ٥٠٦) .\n٢ ابن حَيّ - وهو حَيَّان - بن شُفَيِّ، الهمداني، الثوري، ثقة فقيه عابد، رُمِيَ بالتشيع، من السابعة، مات سنة ١٦٩هـ / بخ م ٤. (التقريب ١٦١) .\n٣ جه: (١/٢٧٧) ح ٨٥٠، ك إقامة الصلاة، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا. قط: (١/٣٣١) ح ٢١، باب ذكر قوله: \"من كان له إمام ... \".\n٤ ابن يزيد بن الحارث، أبو عبد الله الكوفي، ضعيف رافضي، من الخامسة، مات سنة ١٢٧هـ/ د ت ق. (التقريب ١٣٧) .\n٥ قط: (١/٣٣١) ح ٢٠. هق: (٢/١٦٠) .\n٦ ابن زُنَيْم، صدوق اختلطَ جدًَّا ولم يَتَمَيَّزْ حديثه فَتُرِكَ، من السادسة، مات سنة ١٤٨ هـ / خت م ٤. (التقريب ٤٦٤) .\n(٣/٣٣٩) .\n٨ للوقوف على ذلك: ينظر إرواء الغليل: (٢/٢٧٠ - ٢٧١) .","vol":"2","page":251},{"text":"وهذا الطريق فيه عدة علل:\nالأولى: في إسناده جماعة مُتَكَلَّمٌ فيهم:\nفجابر الجُعْفي في الوجه الأول، وضعفه مشهور، وفي الوجه الثاني: ليثُ بن أبي سليم، وهو وإن كان أحسن حالًا من الجعفي، إلا أن الأكثرين على تضعيفه وترك الاحتجاج به، لاسيما وقد اختلط ولم يتميز حديثه١.\nوبهذين الرجلين ضَعَّفَ العلماء هذا الطريق، فقال الدارقطني:\"جابر وليث ضعيفان\". وقال البيهقي: \"جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم لا يُحْتَجُّ بهما، وكل من تابعهما على ذلك أضعف منهما ... \".\nوقال ابن عبد البر: \"وجابر الجعفي لا حُجَّة فيما ينفرد به عند جماعة أهل العلم لسوء مذهبه ... \"٢. وقال البوصيري: \"هذا إسناد ضعيف؛ جابر: هو ابن يزيد الجعفي، مُتَّهَمٌ\"٣.\nالعلة الثانية: اضطراب إسناده:\nفقد جاء - كما رأينا - عن الحسن بن صالح على أوجه مختلفة، ولا شكَّ أن هذا الاضطراب يضعف الحديث؛ لأنه يدل على عدم ضبط الرواة له، وإتقانهم إياه.\n_________\n١ انظر أقوال العلماء فيه في تهذيب التهذيب: (٨/٤٦٥ - ٤٦٨) .\n٢ الاستذكار: (٢/١٩١) .\n٣ مصباح الزجاجة: (١/١٠٦) .","vol":"2","page":252},{"text":"العلة الثالثة: أن رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ خطأٌ، وأن الصواب وقفه على جابر ﵁:\nوقد بَيَّنَ البيهقي - ﵀ - ذلك في (سننه) ١ فقال: \"والمحفوظ عن جابر في هذا الباب ما أخبرنا أبو أحمد المهرجاني ... فساقه بإسناده إلى مالك، عن وهب بن كيسان، أنه سمه جابرًا يقول: \" من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأن القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام\"\". قال البيهقي: \"هذا هو الصحيح عن جابر من قوله غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك، وذاك مما لا يَحِلُّ روايته على طريق الاحتجاج به\". وقال ابن عبد البر - بعد أن ساقه بنحو لفظ البيهقي -: \"وهو حديث لا يصحُّ إلا موقوفًا على جابر\"٢.\nالعلة الرابعة: أن أبا الزبير قد عنعنه، فلم يُصَرِّحْ بالسماع في أيٍّ من هذه الوجوه المذكورة، وهو مُدَلِّسٌ، فلا يُقبل منه إلا ما صرح فيه بالسماع:\nوقد قبل الإمام ابن حزم ما عنعنه عن جابر فيما رواه عنه الليث بن سعد خاصة٣، ولكن ليس هذا الحديث من رواية الليث عنه.\nهذا حاصل ما أُعِلَّ به هذا الطريق، وقد ذكر ابن القَيِّم -﵀- من ذلك: عدم صحته مرفوعًا، وأشار إلى ضعف جابر وليث بن أبي سليم.\n_________\n(٢/١٦٠) .\n٢ الاستذكار: (٢/١٩٢) .\n٣ انظر: ميزان الاعتدال: (٤/٣٧) .","vol":"2","page":253},{"text":"الطريق الثاني: عن موسى بن أبي عائشة١، عن عبد الله بن شَدَّاد٢، وعن جابر ﵁ مرفوعًا.\nأخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طرق: عن أبي حنيفة٤، عن موسى بن أبي عائشة به.\nورواه الدارقطني٥ عن أبي حنيفة بالإسناد نفسه، وفيه قول جابر ابن عبد الله: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ وخلفه رجلٌ يقرأ، فنهاه رجلٌ من أصحاب رسول الله، فلما انصرف تنازعا، فقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ، فتنازعا حتى بلغ رسول الله ﷺ، فقال: \"من صَلَّى خلف إمام فإن قراءته له قراءة\".\n_________\n١ الْهَمَدَاني، مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، من الخامسة، وكان يُرْسل/ ع. (التقريب ٥٥٢) .\n٢ ابن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، وُلِدَ على عهد النبي ﷺ وذكره العجلي من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء، مات بالكوفة مقتولًا سنة ٨١هـ، وقيل بعدها/ ع. (التقريب ٣٠٧) .\n٣ قط: (١/٣٢٣) ح ١. هق: (٢/١٥٩) .\n٤ النعمان بن ثابت الكوفي الإمام، يقال: أصلهم من فارس، ويقال: مولى بني تميم، فقيه مشهور، من السادسة، مات سنة ١٥٠هـ على الصحيح/ ع. (التقريب٥٦٣) .\nوقال الحافظ الذهبي: \"ضَعَّفَهُ النسائي من قِبَلِ حفظه، وابن عدي، وآخرون\". (الميزان: ٤/٢٦٥) .\n(١/٣٢٤) ح ٢.","vol":"2","page":254},{"text":"وأخرجه الدارقطني١ من طريق: أبي حنيفة والحسن بن عمارة٢، عن موسى بن أبي عائشة به.\nوقد أَعَلَّ الأئمة هذا الطريق بأنَّ الصواب فيه الإرسال، ليس فيه ذِكْرُ جابر بن عبد الله.\nقال أبو حاتم: \"ولا يختلف أهل العلم أن من قال: موسى بن أبي عائشة، عن جابر. أنه قد أخطأ. قال ابن أبي حاتم: قلت: الذي قال عن موسى بن أبي عائشة عن جابر فأخطأ هو النعمان بن ثابت؟ قال: نعم\"٣. وقال الدارقطني: \"لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غيرُ أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان\"٤. وقال مرةً عن رواية أبي حنيفة: \"ولم يذكر في هذا الإسناد جابرًا غير أبي حنيفة\"٥. وقال مرةً: \" ... وروى هذا الحديث: سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل بن يونس، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير ابن عبد الحميد وغيرهم، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلًا، عن النبي ﷺ، وهو الصواب\"٦. وفي (الكامل) ٧ لابن عَدِيّ\n_________\n(١/٣٢٥) ح ٥.\n٢ البَجَلِي مولاهم، أبو محمد الكوفي، قاضي بغداد، مَتْرُوكٌ، من السابعة، مات سنة ١٥٣هـ/ ت ق. (التقريب ١٦٢) .\n٣ علل ابن أبي حاتم: (١/١٠٤) ح ٢٨٢.\n٤ سنن الدارقطني: (١/٣٢٣) .\n٥ المصدر السابق: (١/٣٢٥) .\n٦ المصدر السابق: (١/٣٢٥) .\n(٢/٧٠٦) .","vol":"2","page":255},{"text":"قريب من كلام الدارقطني هذا. وذكر البيهقي - ﵀ - نحوًا من ذلك١.\nوقد ذهب محقق كتاب (نصب الراية) ٢ إلى أن أبا حنيفة تُوبِعَ على هذه الرواية المسندة، تابعه على ذلك سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله القاضي فيما رواه أحمد بن منيع في (مسنده): أخبرنا إسحاق الأزرق، حَدَّثَنَا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن جابر مرفوعًا به.\nقلت: ولعل هذه الرواية هي التي أشار إليها البُوصيري بقوله: \" ... لكن رواه أحمد بن منيع، وعبد بن حميد بسندٍ صحيح بَيَّنْتُهُ في زوائد المسانيد العشرة\"٣.\nقال الشيخ الألباني: \"وهذا سند ظاهره الصحة ... وهو عندي معلول؛ فقد ذَكَرَ ابن عدي، وكذا الدارقطني والبيهقي أن سفيان الثوري وشريكًا روياه مرسلًا دون ذكر جابر، فذكر جابر في إسناد ابن منيع وَهْمٌ، وأظنه من إسحاق الأزرق، فإنه وإن كان ثقة فقد قال فيه ابن سعد: \"ربما غلط\" ... وهذا هو الذي تسكن إليه النفس وينشرح له القلب: أن الصواب فيه أنه مُرْسَلٌ، ولكنه مرسلٌ صحيح الإسناد\"٤.\n_________\n١ السنن: (٢/١٦٠) .\n(٢/٧) حاشية رقم ٥.\n٣ مصباح الزجاجة: (١/١٠٦) .\n٤ إرواء الغليل: (٢/٢٧٢) .","vol":"2","page":256},{"text":"قلت: وقد رُوِيَ عن أبي حنيفة مرسلًا كرواية الأكثرين؛ فقد قال البيهقي ﵀ - بعد أن أخرج الرواية المتصلة -: \"هكذا رواه جماعة عن أبي حنيفة موصلًا، ورواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلًا دون ذكر جابر، وهو المحفوظ\". ثم أخرج بإسناده إلى عبد الله بن المبارك قال: أنبأنا سفيان وشعبة وأبو حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن النبي ﷺ مرسلًا١.\nفيكون قد اخْتُلِفَ على أبي حنيفة - ﵀ - في إسناده، فيُخْتَار من روايتيه ما وافق رواية الجمهور، وما صَحَّحَه الأئمة أهل هذا الشأن، وهي رواية الإرسال، ويُحْكَمُ على الرواية المتصلة بالخطأ لتفرده بها دون سائر الرواة، ومتابعة الحسن بن عمارة - المتروك - له لا تنفعه.\nفالحاصل: أن حديث جابر هذا معلول بطريقيه المذكورين، وقد رُوي من طرق أخرى غير التي ذكرنا، وهي ضعيفة أيضًا.\nوقد رُوي هذا الحديث عن غير جابر، فَرُوِيَ عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس، وعلي، ولا تخلو من ضعف، قال الحافظ ابن حجر: \"وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة\"٢. وقد تقدم قول أبي موسى الرازي: \"لم يصح عن النبي ﷺ فيه شيءٌ، وقد استوفى الكلام على طرقه: الزيلعي في (نصب\n_________\n١ سنن البيهقي: (٢/١٥٩ - ١٦٠) .\n٢ التلخيص الحبير: (١/٢٣٢) .","vol":"2","page":257},{"text":"الراية) ١. والألباني في (إرواء الغليل) ٢.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث جابر هذا لا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ، وأنه ما بين موقوف عليه أو مرسل، أرسله عبد الله بن شَدَّاد، وما رُوِيَ فيه عن غير جابر ﵁ معلولٌ أيضًا لا يثبت فيه شيء. وقد أَعَلَّهُ ابن القَيِّم - ﵀ - بالوقف والإرسال كما تقدم كلامه في ذلك.\n_________\n(٢/٧ - ١٢) .\n(٢/٢٦٨ - ٢٧٧) .","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٦- باب في التأمين بعد الفاتحة، والجهر بها</span>\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس،\n٢١- (٦) عن وائل بن حُجْرٍ قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا قال: ولا الضالين قال: آمين، ورفع بها صوته\"وفي لفظ: \" وطَوَّلَ بها \".\nثم قال ﵀: \"رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح، وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: \"وخَفَضَ صوته\" وحَكَم أئمة الحديث وحُفَّاظُهُ في هذا لسفيان ... \"١.\nقلت: ورواية سفيان هذه أخرجها أبو داود في (سننه) ٢، والترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، ومسلم في (التمييز) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦ من طرق، عن: سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل٧، عن حجر بن عنبس٨، عن وائل به.\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٢/٣٩٦) .\n(١/٥٧٤) ح ٩٣٢. ك الصلاة، باب التأمين وراء الإمام.\n(٢/٢٧) ح ٢٤٨. ك الصلاة، باب ما جاء في التأمين.\n(٤/٣١٥ - ٣١٦) .\n(ص ١٨٠) ح ٣٧.\n(١/٣٣٣ - ٣٣٤) ح ١ - ٣.\n٧ الْحَضْرَمي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، من الرابعة/ ع. (التقريب ٢٤٨) .\n٨ الحضرمي، الكوفي، صدوق مخضرم، من الثانية/ ر د ت. (التقريب ١٥٤) .","vol":"2","page":259},{"text":"قال أبو عيسى الترمذي: \"حديث حسن\". وقال الدارقطني: \"صحيح\". وقال الحافظ ابن حجر: \"وسنده صحيح\"١.\nوأما رواية شعبة: فأخرجها: أحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ وقال: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بأربعة أمور ذكرها ابن القطان٥، ولخصها ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٦ وهي:\n- الأول: مخالفة شعبة سفيان حيث قال: \"وخَفَضَ بها صَوْتَهُ\".\n- الثاني: اختلافهما كذلك في اسم \"حجر\" فسفيان يقول: \"حجر ابن عَنْبَس\" وشعبة يقول: \"حجر أبو العَنْبَس\". وقال البخاري: \"الصواب: أبو السَّكَن\".\n- الثالث: زاد شعبة في إسناده \"علقمة بن وائل\" بين حجر بن عنبس، ووائل بن حجر.\n- الرابع: جهالة حال حجر بن عنبس.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/٢٣٦) .\n(٤/٣١٦) .\n(١/٣٣٤) ح٤.\n(٢/٢٣٢) .\n٥ بيان الوهم والإيهام: (٣/٣٧٤ - ٣٧٥) .\n(١/ ٤٣٨ - ٤٣٩) .","vol":"2","page":260},{"text":"وقد سبق ابن القطان إلى القول بذلك: البخاري١، والدارقطني٢، حيث حكما بخطأ شعبة في هذه الأمور، وترجيح رواية سفيان، وقال الإمام مسلم: \"أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته\"٣. وقال الأثرم: \"اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فَضَبَطَهُ، ولم يضطرب في إسناده ولا في متنه\"٤. وقال أبو زرعة: \"حديث سفيان أصح من حديث شعبة\"٥.\nوأما العلة الرابعة، وهي جهالة حجر بن عَنْبس، فهي مما تَفَرَّدَ به ابن القطان، ولم يشاركه في ذلك أحدٌ فيما أعلم.\nوقد سَلَكَ ابن القَيِّم - ﵀ - طريق الترجيح، فاختار ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من تقديم رواية سفيان الثوري، والحكم على رواية شعبة بالخطأ٦.\nوقد ذكر - ﵀ - وجوهًا لترجيح رواية سفيان٧ تتَلَخَّصُ فيما يلي:\n١ - أن سفيان أحفظ من شعبة فوجب تقديم روايته. ونقل عن\n_________\n١ كما في علل الترمذي: (١/٢١٧ - ٢١٨) .\n٢ في سننه: (١/٣٣٤) .\n٣ التمييز: (ص١٨٠) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/٢٣٧) .\n٥ علل الترمذي: (١/٢١٨) .\n٦ إعلام الموقعين: (٢/٣٩٦) .\n٧ إعلام الموقعين: (٢/٣٩٦ - ٣٩٧) .","vol":"2","page":261},{"text":"البيهقي قوله: \"لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث: أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان ... وقال شعبة: سفيان أحفظ مني\".\n٢ - أن العلاء بن صالح١، ومحمد بن سلمة بن كهيل٢ تابعا سفيان على روايته عن سلمة. وهذا الوجه ذكره الدارقطني في (سننه) ٣.\nقلت: أما رواية العلاء - ويقال عليّ - بن صالح: فأخرجها أبو داود في (سننه) ٤، والترمذي في (جامعه) ٥. وهذا الإسناد لا يَقِلُّ عن درجة الحسن إن لم يكن صحيحًا.\nوأما رواية محمد بن سلمة: فقد أشار إليها الدارقطني في (سننه) ٦، ومحمد بن سلمة ضعيف جدًا.\n٣ - أنه قد رُوِي عن شعبة كرواية سفيان تمامًا. رواه عن شعبة: أبو الوليد الطيالسي، قال ابن القَيِّم: \"وحسبك به\".\n_________\n١ التيمي، أو الأسدي، الكوفي، صدوق له أوهام، من السابعة / د ت س. (التقريب ٤٣٥) .\n٢ قال الجوزجاني: \"ذاهب الحديث\". (أحوال الرجال ص٦٢)، وانظر الميزان: (٣/٥٦٨) .\n(١/٣٣٤) .\n(١/٥٧٤) ح ٩٣٣.\n(٢/٢٩) ح ٢٤٩.\n(١/٣٣٤) .","vol":"2","page":262},{"text":"وهذه الرواية أخرجها البيهقي في (سننه) ١.\nقال ابن القَيِّم: \"قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تَنَبَّهَ لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده\".\nقلت: أما في المتن فيحتمل، وأما في السند فقد روي من طريق شعبة - أيضًا - وفيه تصريح حجر أبي العنبس بسماعه من علقمة، ومن أبيه وائل، وذلك فيما أخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده) ٢: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا العنبس، قال: سمعت علقمة بن وائل - وقد سمعت من وائل - أنه ﷺ ... فذكره. وأفاد ابن حجر٣ أنه رواه كذلك أبو مسلم الكجي في (سننه) .\n٤ - أن الحاكم روى من حديث أبي هريرة بإسنادٍ صحيح أنه قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا فَرَغَ من قراءة أُمِّ القرآن رَفَعَ صوته بآمين\".\nقلت: والحديث في (المستدرك) ٤ من طريق: الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة به. قال أبو عبد الله: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\nوهذا شاهد قويٌّ لحديث وائل بن حجر في أن النبي ﷺ رفع صوته بآمين، لا كما قال شعبة.\n_________\n(٢/٥٨) .\n٢ ح رقم (١٠٢٤) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/٢٣٧) .\n(١/٢٢٣) .","vol":"2","page":263},{"text":"قال الإمام مسلم: \"قد تواترت الروايات كلها: أن النبي ﷺ جَهَرَ بآمين. وقد رُوي عن وائل ما يدل على ذلك\"١. يشير - ﵀ - إلى رواية وائل المتقدمة التي فيها: \"ورَفَعَ بها صوته\".\nهذا حاصل ما ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - من مُرَجِّحَاتٍ لرواية سفيان.\nوأما الحافظ ابن حجر - ﵀ - فقد لجأ إلى التوفيق بين هذه الروايات، ولم ير وقوع التعارض إلا في (رَفَع) و(خَفَضَ) فقط:\nففيما يتعلق بقول شعبة: (أبو العنبس) وتخطئة البخاري له، وأن الصواب في كنيته (أبو السكن): فقد أفاد ابن حجر أن ابن حبان ذكر في (الثقات) أن كنيته (أبو العبنس) كاسم أبيه، ثم قال: \"ولا مَانِعَ أن يكونَ له كنيتان\".\nوفيما يتعلق بإدخال شعبة \"علقمة بن وائل\" بين حجر ووائل: فقد ذكر رواية الطيالسي، وأبي مسلم الكَجِّي، وفيهما تصريح حُجْر بسماعه منهما، قال ابن حجر: \"فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة وسفيان في (الرفع)، (والخفض)، وقد رُجِّحَتْ رواية سفيان بمتابعة اثنين له، بخلاف شعبة، فلذلك جَزَم النُّقَّادُ بأن روايته أصحُّ\"٢.\nهذا ما يتعلق بالاختلاف الواقع في سنده ومتنه.\n_________\n١ التمييز: (ص١٨١) .\n٢ التلخيص الحبير: (١/٢٣٧) .","vol":"2","page":264},{"text":"وأما ما ذكره ابن القطان من جهالة حجر: فلم يتعرض له ابن القَيِّم بشيء، ولكن أجاب عنه ابن حجر، فقال: \"وأَعَلَّهُ ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يُعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره\"١.\nفَتَلَخَّصَ: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد وُفِّقَ في حُكمه بصحة إسناد هذا الحديث، وترجيحه رواية سفيان على رواية شعبة، والله أعلم.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/٢٣٦ - ٢٣٧) .","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>٧- باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع</span>\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - عند كلامه على صِفَةِ رَفْعِهِ ﷺ من الركوع، وما يقوله عند ذلك: \" ... وربما قال: اللهم رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. صَحَّ ذلك عنه، وأما الجمع بين \" اللهم \"و\" الواو \": فلم يصح\"١.\nكذا قال ابن القَيِّم ﵀، ولكنَّ الأمر على خلاف ذلك؛ إذ ثبت الجمع بين \"اللهم\" و\"الواو\" في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وغيرهما من الصحابة ﵃ أجمعين.\nأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢، من طريق: ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري. وعبد الرزاق في (مصنفه) ٣- ومن طريقه: النسائي في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥ - من طريق: الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عن:\n٢٢- (٧) أبي هريرة ﵁ أنه قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا ولك الحمد\". لفظ عبد الرزاق، وعند البخاري زيادة، وهي قوله: \"وكان النبي ﷺ إذا ركع وإذا رفع رأسه\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٢٠) .\n٢ ك الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع. ح ٧٩٥. (فتح الباري ٢/٢٨٢) .\n(٢/١٦٥) ح ٢٩١٢.\n(٢/١٩٥) ك الافتتاح، باب ما يقول الإمام إذا رفع رأسه من الركوع.\n(٢/٢٧٠) .","vol":"2","page":266},{"text":"يُكَبِّرُ، وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر\".\nوأما حديث ابن عمر ﵄: \"فقد أخرجه الدارمي في (مسنده) ١ من طريق: مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن:\n٢٣- (٨) ابن عمر ﵄، في ذكر مواضع رفع اليدين في الصلاة، وفيه: \" ... وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد\".\nوهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم أئمة أثبات.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الحديث - بالجمع بين (اللهم) و(الواو) صحيح ثابت في دواوين السنة المشهورة، ولذلك فإن نَفَي ابن القَيِّم - ﵀ - لصحة ذلك فيه نظر، ولعله - ﵀ - لم يَقِفْ على هذه الروايات الصحيحة، فالله أعلم.\nولأجل مقالته هذه، فقد تَعَقَّبَه ابن حجر ﵀، فقال - عقب حديث البخاري السالف -: \"وفيه ردٌّ على ابن القَيِّم، حيث جَزَمَ بأنه لم يَرِدْ الجمع بن (اللهم) و(الواو) في ذلك\"٢.\nونبَّه على ذلك أيضًا: الشيخ الألباني ﵀، فقال: \"وقد سَهَا ابن القَيِّم - ﵀ - فأنكر في الزاد صحة هذه الرواية الجامعة بين (اللهم) و(الواو)، مع أنها في صحيح البخاري ... \"٣.\n_________\n(١/٢٤٢) ح ١٣١٤ ك الصلاة، باب القول بعد رفع الرأس من الركوع.\n٢ فتح الباري: (٢/٢٨٣) .\n٣ صفة صلاة النبي ﷺ: (ص٨٠) حاشية ٧.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>٨- باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض عند السجود</span>\nقال ابن القَيِّم ﵀ - عند كلامه على صفة سجوده ﷺ -: \"وكان ﷺ يضعُ ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه، هذا هو الصحيح ... \" ثم ذكر ما يؤيد ذلك، ويدل عليه، وهو حديث:\n٢٤- (٩) وائل بن حجر ﵁، أنه قال: \"رأيتُ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيهِ قَبْل يديه، وإذا نَهَضَ رفع يديه قبل رُكْبَتَيْهِ\".\nثم قال ﵀: \"ولم يُرو في فعله ما يخالف ذلك\"١.\nوقال في موضع آخر: \"وقد صححه ابن خزيمة، وأبو حاتم بن حبان، والحاكم\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أصحاب (السنن الأربعة) ٣، والدارمي في (مسنده) ٤، وابن خزيمة، وابن حبان في (صحيحهما) ٥، والدارقطني،\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٢٣) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٣٩٧) .\n٣ د: (١/٥٢٤) ح ٨٣٨، ك الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟. ت: (٢/٥٦) ك الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود. س: (٢/٢٠٦) ك الافتتاح، باب أول ما يصلُ إلى الأرض من الإنسان في سجوده، و(٢/٢٣٤) باب رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين. جه: (١/٢٨٦) ح ٨٨٢ ك إقامة الصلاة والسنة فيها، باب السجود.\n(١/٢٤٥) ح ١٣٢٦ ك الصلاة، باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض ...\n٥ خز: (١/٣١٨) ح٦٢٦، و(١/٣١٩) ح٦٢٩. حب: الإحسان: (٣/١٩٠) ح١٩٠٩.","vol":"2","page":268},{"text":"والبيهقي في (سننيهما) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والحازمي في (الاعتبار) ٣ كلهم من طريق:\nيزيد بن هارون، عن شريك، عن عاصم بن كليب٤، عن أبيه٥، عن وائل بن حجر ﵁ به.\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف لأجل شريك بن عبد الله؛ فإنه سيئ الحفظ، كثير الخطأ، يغلط في حديثه، كما شهد عليه بذلك غير واحد من أئمة النقد: كيحيى القطان، وابن معين، وأبي حاتم، والجوزجاني، وغيرهم٦. ولذلك قال يحيى بن معين: \"إذا خالف فغيره أحبُّ إلينا منه\"٧. وسيأتي من كلام الدارقطني مثل ذلك، وقد خُولف شريك في هذا الحديث، فرواه غيره على غير هذا الوجه كما سيأتي بيانه.\nوقد أشار الأئمة إلى تفرد شريك به، فقال الترمذي: \"حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك\". وفي بعض نسخ\n_________\n١ قط: (١/٣٤٥) ح ٦. هق: (٢/٩٨) .\n(١/٢٢٦) .\n(ص ٨٠) باب ما ذكر في وضع اليدين قبل الركبتين.\n٤ ابن شهاب بن المجنون الجَرْمي، الكوفي، صدوقٌ رُمِيَ بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة/ خت م ٤. (التقريب ٢٨٦) .\n٥ كليب بن شهاب الجرمي، صدوق، من الثانية، ووهم من ذكره من الصحابة/ي ٤. (التقريب٤٦٢) .\n٦ انظر: الميزان: (٢/٢٧٠ - ٢٧١)، وتهذيب التهذيب: (٤/٣٣٣ - ٣٣٧) .\n٧ الميزان: (٢/٢٧٠) .","vol":"2","page":269},{"text":"الترمذي: \" ... غير شريك\". وهو الأنسب. وقال في (العلل) ١: \"قال يزيد - يعني ابن هارون -: لم يرو شريك، عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث الواحد\". قال الترمذي عقبه: \" ... وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم\". وقال النسائي: \"لم يقل هذا عن شريك غيرُ يزيد بن هارون\"٢. وقال الدارقطني: \"تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به\"٣.\nوقال البيهقي: \"هذا حديث يُعَدُّ في أفراد شريك القاضي\"٤. وقد حَكَمَ بتفرد شريك به أيضًا: البخاري، وابن أبي داود، كما في (التلخيص الحبير) ٥.\nوقد خُولف شريك - مع ذلك - في إسناد حديثه هذا، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٦، والبيهقي٧ كذلك، من طريق: هَمَّام، عن شقيق٨، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، ليس فيه ذكر \"وائل بن حجر\".\nوأشار الترمذي - ﵀ - إلى هذا المرسل، فقال: \"وَرُوِيَ\n_________\n(١/٢٢٠ - ٢٢١) .\n٢ السنن: (٢/٢٣٤ - ٢٣٥) .\n٣ السنن: (٢/٣٤٥) .\n٤ السنن: (٢/٩٩) .\n(١/٢٥٤) .\n(١/٥٢٤ - ٥٢٥) ح ٨٣٩.\n(٢/٩٩) .\n٨ أبو ليث، مجهول، من السادسة /د. (التقريب ٢٦٨) .","vol":"2","page":270},{"text":"هَمَّام بن يحيى، عن شقيق ... \" ثم قال: \"وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم\"١. فكأنه يشير إلى تقديم المرسل. وقال البيهقي: \" ... وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين\"٢. وقال الحازمي - بعد أن حَسَّنَ حديث وائل المتصل-: \"قال هَمَّام: وحدثنا شقيق ... مرسلًا، وهو المحفوظ\"٣.\nوحديث هَمَّامٍ هذا مع إرساله، فإن في إسناده رجلًا مجهولًا، وهو شقيق أبو ليث.\nوقد رُوِي الموصول من وجه آخر عن وائل بن حجر ﵁، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وكذا البيهقي٥ من طريق: همام، عن محمد بن جُحادة٦، عن عبد الجبار بن وائل٧، عن أبيه، عن النبي ﷺ فذكر صفة صلاته ﷺ، إلى أن قال: \" ... فلما أراد أن يسجد، وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقع كَفَّاه\".\nولكنَّ هذه الطريق معلولة؛ فإن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، أعَلَّهُ\n_________\n١ علل الترمذي: (١/٢٢١) .\n٢ سنن البيهقي: (٢/٩٩) .\n٣ الاعتبار: (ص٨٠) .\n(١/٥٢٤) ح ٨٣٩.\n(٢/٩٨) .\n٦ ثقة، من الخامسة، مات سنة ١٣١ هـ / ع. (التقريب ٤٧١) .\n٧ ابن حُجْر، ثقة لكنه أرسل عن أبيه، من الثالثة، مات سنة ١١٢ هـ / م ٤. (التقريب ٣٣٢) .","vol":"2","page":271},{"text":"بذلك ابن حجر١. وقد نصَّ الأئمة على عدم سماعه من أبيه، فقال ابن معين: \"لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يُحَدِّثُ عن أهل بيته عن أبيه\"٢. وقال البخاري: \"لم يسمع من أبيه، وُلِدَ بعد موت أبيه\"٣. وقال ابن حبان: \"ومن زعم أنه سمع أباه فقد وَهِمَ؛ لأن وائل بن حجر مات وأمه حامل به، ووضعته بعد موت وائل بستة أشهر\"٤. وقال بذلك غير هؤلاء٥.\nوأخرجه البيهقي٦ أيضًا: عن محمد بن حجر، عن سعيد بن عبد الجبار٧، عن عبد الجبار بن وائل، عن أمه، عن وائل بن حجر ﵁، أنه قال: \"صليت خلف رسول الله ﷺ، ثم سَجَدَ وكان أولُ ما وصلَ إلى الأرض ركبتاه\". فهل يصير الإسناد بذلك متصلًا؟\nقال ابن حجر في (تهذيبه) ٨ - عند ذكره شيوخ عبد الجبار بن وائل-: \" ... وعن أمه أم يحيى، وقيل: لم يسمع من أبويه\". ولقائل أن يقول: لم يَجْزِمْ ابن حجر هنا بعدم سماع عبد الجبار من أمه، وإنما نقل\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/٢٥٤) .\n٢ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٣٤٠) .\n٣ علل الترمذي: (٢/٦١٩) .\n٤ الثقات: (٧/١٣٥) .\n٥ انظر: تهذيب التهذيب: (٦/١٠٥) .\n٦ السنن: (٢/٩٩) .\n٧ ابن وائل بن حجر، الحضرمي، الكوفي، ضعيف، من السابعة، مات سنة ١٥٨هـ / تمييز. (التقريب ٢٣٨) .\n(٦/١٠٥) .","vol":"2","page":272},{"text":"ذلك بصيغة تمريض، مما يجعل احتمال الضعف يتطرق إلى هذا القول؟\nويجاب عن ذلك: بأنه لو سُلِّمَ القول بالاتصال، فإنه يبقى الإسناد ضعيفًا من جهة أخرى؛ ذلك أن محمد بن حجر - ابن أخي سعيد بن عبد الجبار - ضعيف، قال أبو حاتم: \"شيخ\"١ وقال البخاري: \"فيه نظر\"٢. وقال ابن حبان: \"يروي٣ عن عمه سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عبد الجبار، عن أبيه وائل بن حجر بنسخة منكرة ... لا يجوز الاحتجاج به\"٤. وقال الذهبي: \"له مناكير\"٥.\nوعمه سعيد بن عبد الجبار - شيخه في هذا الإسناد - ضعيف أيضًا، قال النسائي: \"ليس بالقويِّ\"٦.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الإسناد دائر بين الانقطاع والضعف، لا ينفك عنه واحدٌ منهما.\nفالحاصل: أن حديث وائل بن حُجْر هذا ضعيف؛ لِتَفَرّدِ شريك به، ومخالفة غيره له، ولا حُجَّةَ فيما ينفرد به، وما وُجِدَ من طرق أخرى لحديثه: فهي تدور بين الضعف والانقطاع.\n_________\n١ الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٣٩) .\n٢ التاريخ الكبير: (١/١/٦٩) .\n٣ بمعنى: \"يُحَدِّث\"، ولذلك قال: \"بنسخة\" فعدَّاها بالباء.\n٤ المجروحين: (٢/٢٧٣) .\n٥ الميزان: (٣/٥١١) .\n٦ الضعفاء والمتروكين: (ص٥٢) .","vol":"2","page":273},{"text":"وأما اعتماد ابن القَيِّم في ذلك على تصحيح الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان: فإنه مُعَارضٌ بتضعيف من ضَعَّفَهُ من الأئمة المتقدم كلامهم، ولم يقل أحدٌ: إن كلَّ ما أخرجوه في كتبهم صحيح، بل وُجِدَت عندهم أحاديث ضعيفة، على تفاوت بينهم، ومع ذلك: فإن قول الحاكم عقب هذا الحديث: \"قد احتج مسلم بشريك ... \" غير مُسَلَّمٍ؛ لأن مسلمًا لم يُخرج له إلا متابعة١. وسيأتي أن الحاكم - ﵀ - لم يأخذ بحديث شريك هذا، مع تصحيحه إياه.\nوقد ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - شاهدًا لحديث وائل بن حجر، وهو حديث:\n٢٥- (١٠) أنس ﵁، أنه قال: \" رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ انْحَطَّ بالتكبير، حَتَّى سَبَقَت رُكْبَتَاه يَدَيه\".\nعزا ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث للحاكم، ونقل عنه قوله: \"على شرطهما، ولا أعلم له عِلَّة\". ثم نقل عن أبي حاتم أنه أنكره، ثم قال: \"وإنما أنكره - والله أعلم - لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطَّار، عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول، لا ذكر له في الكتب السِّتة\"٢.\n_________\n١ انظر: الميزان: (٢/٢٧٤) .\n٢ زاد المعاد: (١/٢٢٨ - ٢٢٩) .","vol":"2","page":274},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في (سننه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (السنن) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤ - من طريق الدارقطني - كلهم من طريق: العباس بن محمد الدوري، عن العلاء بن إسماعيل العطار، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁، قال: \" رأيت رسول الله ﷺ كَبَّرَ فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى اسْتَقَرَّ كل مفصل منه في موضعه، ورفع رأسه حتى استقرَّ كل مفصل منه في موضعه، ثم انحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه\". هذا لفظ الدارقطني، والبيهقي. ولفظ الحاكم مثلهم إلا أنه ليس عنده قوله \" ورفع رأسه ... \". ولفظ الحازمي مختصر، وهو الذي أورده ابن القَيِّم ﵀.\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له عِلَّةً، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، كذا قالا رحمهما الله، وسكت عنه الحازمي مُؤَيِّدًَا!\nولكن الأمر على خلاف ذلك؛ فقد سُئِلَ عنه أبو حاتم؟ فقال: \"هذا حديث منكر\"٥. وقال الدارقطني: \"تفرد به العلاء بن إسماعيل، عن حفص بهذا الإسناد\". وكذا قال البيهقي، زاد ابن حجر: \"وهو مجهول\"٦.\n_________\n(١/٣٤٥) ح ٧.\n(١/٢٢٦) .\n(٢/٩٩) .\n(ص ٨٠) .\n٥ علل ابن أبي حاتم: (١/١٨٨) ح ٥٣٩.\n٦ التلخيص الحبير: (١/٢٥٤) .","vol":"2","page":275},{"text":"والعلاء بن إسماعيل هذا لم أجد له ترجمةً فيما بين يديَّ من كتب الرجال، ولكن ذكره ابن حجر في (لسان الميزان) ١ فلم يزد على أن ذكر فيه قول ابن القَيِّم: \"مجهول\"، وكلمة أبي حاتم في نكارة هذا الحديث، ثم قال: \"وخالفه عمر بن حفص بن غياث - وهو من أثبت الناس في أبيه - فرواه عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفًا عليه، وهذا هو المحفوظ\".\nفَلَتَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث منكر بإسناد فيه رجلٌ مجهول، وقد تَفَرَّدَ به، فأنى له أن يكون على شرط الشيخين؟!\nوإذا كان كذلك، فإنه لا قَيِّمة لهذا الشاهد في تقوية حديث وائل ابن حجر، بل إنه باقٍ على ضعفه.\nثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى الأحاديث التي تعارض حديث وائل بن حجر المتقدم، فذكر منها:\n٢٦ - (١١) حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"إذا سَجَدَ أَحَدُكُم، فَلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"فالحديث - والله أعلم - قد وَقَعَ فيه وَهْمٌ من بضع الرواة؛ فإن أَوَّلَهُ يُخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه، فقد بَرَكَ كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولًا\"٢.\n_________\n(٤/١٨٢ - ١٨٣) .\n٢ زاد المعاد: (١/٢٢٣ - ٢٢٤) .","vol":"2","page":276},{"text":"ثم أخذ في الرد على من يقولون: إن رُكْبَتَي البعير في يديه، وأنه إذا بَرَك وضع ركبتيه أولًا، ولهذا نُهِيَ عن التشبه به. وأخذ - ﵀ - في بيان فساد هذا القول، وأن ذلك غير معروف في اللغة، ثم ذكر بعد ذلك: أن البخاري، والترمذي، والدارقطني ضَعَّفُوا حديث أبي هريرة هذا١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٢، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٣، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٤، والبخاري في (التاريخ الكبير) ٥، والحازمي في (الاعتبار) ٦، كلهم من طريق:\nعبد العزيز بن محمد الدَّراوردي٧، عن محمد بن عبد الله بن حسن٨، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به. وعند الدارمي زيادة وهي: قيل لعبد الله - لعله الدارمي -: ما تقول؟ قال: \"كله\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٢٨) .\n٢ د: (١/٥٢٥) ح ٨٤٠. س: (٢/٢٠٧) .\n٣ حم: (٢/٣٨١) . مي: (١/٢٤٥)؛ ١٣٢٧.\n٤ قط: (١/٣٤٤ - ٣٤٥) ح ٣، ٤. هق: (٢/٩٩) .\n(١/١/١٣٩) .\n(ص ٧٩) .\n٧ أبو محمد الجهني مولاهم، المدني، صدوق كان يُحَدِّثُ من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العُمَري منكر، من الثامنة، مات سنة ١٨٦، أو ١٨٧ هـ / ع. (التقريب ٣٥٨) .\n٨ ابن حسن بن علي الهاشمي، المدني، يلقب بـ \"النفس الزكية\"، ثقة، من السابعة، قتل سنة ١٤٥هـ، وكان خرج على المنصور، وغلب على المدينة، وتسمى بالخلافة، فقتل/ د ت س. (التقريب ٤٨٧) .","vol":"2","page":277},{"text":"طَيِّب\"١. وقال: \"أهل الكوفة يختارون الأول\".\nوأخرجه أبو داود - ومن طريقه البيهقي٢ - والترمذي، والنسائي في (سننهم) ٣ من طريق: عبد الله بن نافع٤، عن محمد بن عبد الله بن حسن، بالإسناد السابق إلى أبي هريرة ﵁، لكن بلفظ: \"يعمد أَحَدَكُم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل؟! \" هكذا بدون ذكر تقديم اليدين.\nوقد أَعَلَّ قومٌ حديث أبي هريرة هذا: فقال البخاري في ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن: \"ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ \"٥. وقال الترمذي عقبه: \"حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه\". وقال الدارقطني: \"تَفَرَّد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن حسن ... \"٦. وقال الحازمي مثل قول الترمذي، وزاد: \"وهو على شرط أبي داود، والترمذي، والنسائي، أخرجوه في كتبهم\"٧. وقدَّمَ عليه الخطابي حديث\n_________\n١ لعل الدارمي - ﵀ - يُنَبِّهُ بذلك إلى أن فِعْل ما هو خلاف الراجح لا ينبغي أن يكون موضع إنكار.\n٢ في سننه: (٢/١٠٠) .\n٣ د: (١/٥٢٥) ح ٨٤١. ت: (٢/٥٧) ح ٢٦٩. س: (٢/٢٠٧) .\n٤ الصائغ المخزومي مولاهم، أبو محمد، المدني، ثقةٌ صحيح الكتاب، في حفظه لِيْنٌ، من كبار العاشرة، مات سنة ٢٠٦هـ وقيل بعدها/ بخ م ٤. (التقريب ٣٢٦) .\n٥ التاريخ الكبير: (١/١/١٣٩) .\n٦ مختصر السنن للمنذري: (١/٣٩٩) .\n٧ الاعتبار: (ص٧٩) .","vol":"2","page":278},{"text":"وائل بن حجر، فقال: \"حديث وائل بن حجر أثبت من هذا\"١.\nوالجواب عن ذلك:\n- أما تفرد محمد بن عبد الله بن حسن به: فإن ذلك لا يَضُرُّه شيئًا؛ لأن محمدًا ثقة، وثَّقَهُ النسائي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣. صحيح أنه ليس في الدرجة العليا من التوثيق - فإنني لم أر أحدًا وثقه غير النسائي، مع كلام البخاري في سماعه من أبي الزناد، وذكر ابن أبي حاتم له في (الجرح والتعديل) ٤ ساكتًا عنه، وإدخال الذهبي له في كتابه (المغني في الضعفاء) ٥ - لكنه مع ذلك أحسن حالًا من شريك، راوي حديث وائل بن حجر المتقدم، وقد اختار الحافظ ابن حجر - ﵀ - توثيقه، فقال: \"ثقة\". وقال ابن التركماني: \"وقول البخاري: \"لا يُتابع على حديثه\". ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي\"٦.\n- وأما القول بعدم سماع محمد بن عبد الله هذا من أبي الزناد: فإن البخاري - ﵀ - لم يجزم به كما مضى كلامه، وعلى فرض جزم البخاري بذلك، فإنما هو على مذهبه في اشتراط ثبوت اللقاء، قال\n_________\n١ معالم السنن: (١/٣٩٨) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٩/٢٥٢) .\n(٩/٤٠) .\n(٣ / ٢ / ٢٩٥) .\n(٢/٥٩٦) .\n٦ الجوهر النقي: (٢/١٠٠) .","vol":"2","page":279},{"text":"الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ١: \"وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء، مع أمن التدليس ... وهذا متوفر هنا، فإن محمد بن عبد الله لم يُعرف بتدليس، ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زمانًا طويلًا، فإنه مات سنة (١٤٥هـ) وله من العمر: (٥٣)، وشيخه أبو الزناد مات سنة (١٣٠)، فالحديث صحيحٌ لا ريب فيه\". كذا قال الشيخ الألباني، وقد تقدم رُجْحان مذهب البخاري في ذلك. وأما قول الدارقطني بتفرد الدراوردي به عن محمد بن عبد الله بن حسن: فليس كذلك، قال الحافظ المنذري: \"وفيما قاله الدارقطني نظرٌ؛ فقد روى نحوه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديثه\"٢.\nقلت: وقد مضى قبل قليل تخريج هذا الطريق، وهو وإن كان أخصر من لفظ الدراوردي، إلا أنه يشهد له في الجملة، وقوله ﷺ فيه: \"يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل\". يفسره حديث الدراوردي، وأن عدم التشبه بالبعير يقتضي تقديم اليدين في السجود.\nومما يؤكد عدم ثبوت العلل التي رُمي بها إسناد هذا الحديث: أنه قد صححه جماعة من الأئمة: فصححه عبد الحق، وقال: \"إنه أحسن إسنادًا من حديث وائل بن حجر\"٣. وقال النووي: \"إسناده جَيِّد\"٤. وكذا قال\n_________\n(٢/٧٩) .\n٢ مختصر السنن: (١/٣٩٩) .\n٣ إرواء الغليل: (٢/٧٨) .\n٤ المجموع: (٣/٣٦٢) .","vol":"2","page":280},{"text":"الزرقاني١. وقال الحافظ ابن حجر: \"وهو أقوى من حديث وائل بن حُجْر\"٢. ورمز له السيوطي بالصحة٣. وقال العلامة أحمد شاكر: \"والظاهر من أقوال العلماء في تعليل الحديثين: أن حديث أبي هريرة هذا حديث صحيح، وهو أصحُّ من حديث وائل، وهو حديث قَوْلِيٌّ يرجح على الحديث الفِعْلِي ... \"٤. وصححه كذلك الشيخ الألباني٥.\nوأما ما ذهب إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من القول بوقوع قلبٍ في حديث أبي هريرة هذا، وأنه وَقَعَ فيه وهمٌ من بعض الرواة، ولعله: \"وليضعْ ركبتيه قبل يديه\": فقد استدلَّ على ذلك بأمور، منها:\nأولًا: أن أول الحديث يخالف آخره؛ وقد تقدم نقل كلامه في ذلك أول البحث.\nثانيًا: أنه قد رُوي عن أبي هريرة - كما قال ابن القَيِّم -﵀- بلفظ: \" إذا سجد أحدكم، فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفَحْل\". فيتأ يَّدُ بذلك ما ذهب إليه ابن القَيِّم من حدوث القلب في متنه٦.\nثالثًا: أنه قد رُوي عن أبي هريرة - أيضًا - من فعل النبي ﷺ ما\n_________\n١ شرح المواهب: (٧/٣٢٠) .\n٢ بلوغ المرام مع سبل السلام: (١/٣١٦) ح ٢٩٢.\n٣ الجامع الصغير مع فيض القدير: (١/٣٧٣) ح ٦٧٣.\n٤ التعليق على الترمذي: (٢/٥٨) .\n٥ الإرواء: (٢/٧٨)، وتمام المنة (ص ١٩٣ - ١٩٦) .\n٦ زاد المعاد: (١/٢٢٣ - ٢٢٥) .","vol":"2","page":281},{"text":"يوافق ذلك، وهو قوله: \" أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه\". فهذا يوافق حديث وائل بن حجر المتقدم في حكاية فعله صلى الله عليه وسلم١.\nرابعًا: أن حديث وائل بن حجر لم يُخْتَلفْ فيه، بينما حديث أبي هريرة قد اختلف فيه كما تقدم، فروي عنه ما يوافق حديث وائل بن حجر٢.\nفهذا أبرز ما استدل به ابن القَيِّم - ﵀ - على تأكيد دعوى القلب في هذا الحديث، ورجحان البداءة بالركبتين.\nوالجواب عن ذلك من وجوه:\n- أما قوله: إن أهل اللغة لا يعرفون أن ركبتي البعير في يديه: فغير صحيح، فقد قال ابن منظور: \"وركبة البعير في يده ... وركبتا يدي البعير: المفصلان اللذان يليان البطن إذا برك، وأما المفصلان الناتئان من خلف: فهما العرقوبان. وكل ذي أربع ركبتاه في يديه، وعرقوباه في رجليه\"٣. فإذا ثبت ذلك لغةً، فإن أول الحديث يوافق آخره ولا يخالفه، فيكون الساجد مأمورًا بالنزول على يديه، مخالفًا بذلك فعل البعير الذي ينزل على ركبتيه، وحينئذٍ لا يكون لابن القَيِّم - ﵀ - متعلق في ذلك من ناحية اللغة.\n- وأما الحديث الذي ساقه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \" إذا\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٢٣ - ٢٢٥) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٤٠٠) .\n٣ لسان العرب: (ص ١٧١٤ - ١٧١٥) مادة: ركب.","vol":"2","page":282},{"text":"سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه ... \": فحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ١ - كما عزاه ابن القَيِّم، وعزاه أيضًا: إلى الأثرم في (سننه) - والبيهقي في (سننه) ٢، من طريق:\nمحمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد٣، عن جَدِّهِ، عن أبي هريرة ﵁ به. قال البيهقي عقبه: \"إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف\". وقال الحافظ ابن حجر: \"ولكن إسناده ضعيف\"٤.\nقلت: بل إنَّ هذا الإسناد شديد الضَّعْفِ؛ فإن عبد الله المقبري قال فيه أحمد، والفلاس، والدارقطني: \"متروك\". وكَذَّبَه يحيى بن سعيد، وقال الفلاَّس أيضًا: \"منكر الحديث\". وقال البخاري: \"تركوه\"٥. فلا أدري كيف أورده ابن القَيِّم - ﵀ - مورد الاحتجاج، مع معارضة الحديث الصحيح له؟ ٦.\nوقد قلبَ الشيخ الألباني هذه الدعوى - دعوى القلب - على ابن القَيِّم ﵀؛ فقال في حديث المقبري هذا: \"وأحسنُ الظنِّ بهذا الْمُتَّهَم أنه أراد أن يقول: فليبدأ بيديه قبل ركبتيه - كما في الحديث\n_________\n(١/٢٦٣) .\n(٢/١٠٠) .\n٣ ابن أبي سعيد المقبري، أبو عبَّاد الليثي، مولاهم، المدني، متروكٌ، من السابعة/ت ق. (التقريب ٣٠٦) .\n٤ فتح الباري: (٢/٢٩١) .\n٥ تنظر أقوالهم هذه في (الميزان): (٢/٤٢٩) .\n٦ مع أن ابن القَيِّم نفسه لم يرض بقول البيهقي في هذا الرجل: \"ضعيف\". فَتَعَقَّبَهُ قائلًا: \"قلت: قال أحمد والبخاري: متروك\"! (تهذيب السنن: ١/٤٠٠) .","vol":"2","page":283},{"text":"الصحيح - فانقلب عليه، فقال: بركبتيه قبل يديه\"١.\n- وأما ما استدل به ابن القَيِّم من رواية أبي هريرة أيضًا: \" أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه\": فيقال فيه ما قيل في الذي قبله، فقد ساقه ابن القَيِّم - ﵀ - من رواية: ابن أبي داود، عن يوسف بن عدي، عن ابن فضيل ... بالإسناد السابق بعينه: ففيه هذا المتروك \"عبد الله بن سعيد الْمَقْبُرِيّ\". فكيف تُعارَضُ الأحاديث الصحيحة بمثله؟!\nفإذا ظهر ذلك، فإن حديث أبي هريرة ﵁ يكون قد سَلِمَ من الإعلال سندًا ومتنًا، وأن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يكن مصيبًا في إعلاله إياه.\n- وأما قوله بأن حديث أبي هريرة قد وقع فيه اختلاف واضطراب: فَيُجَاب عنه بأن ذلك ليس اضطرابًا مؤثرًا، وذلك لعدم تساوي وجوهه في القوة، فقد تقدم أن حديث أبي هريرة الذي يعارض حديث الباب ضعيف - بل شديد الضعف، لضعف عبد الله بن سعيد - فَيَتَرَجَّحُ عليه حديث أبي هريرة الذي فيه وضعُ اليدين قبل الركبتين، وإذا أمكن الترجيح زالت دعوى الاضطراب.\nثم إن حديث أبي هريرة ﵁ له شاهد من رواية:\n_________\n١ إرواء الغليل: (٢/٧٩) .","vol":"2","page":284},{"text":"٢٧- (١٢) عبد الله بن عمر ﵄: \" أَنَّه كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قبل ركبتيه، ويقول: كَانَ النَّبِيُّ يَفْعَل ذلك\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ونقل فيه تصحيح الحاكم ولم يتعقبه بشيء١، ولكنه قال مرة: \"وأما حديث ابن عمر: فالمرفوع منه ضعيف ... \"٢.\nوقال مرة أخرى: \"حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر\"٣.\nقلت: هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥ من طريق: أصبغ بن الفرج٦. وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ٧ - ومن طريقة البيهقي٨ - من طريق: محرز بن سلمة٩.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٢٨) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٤٠٠) .\n٣ الصلاة: (ص٢٠٥) .\n(١/٣١٨) ح ٦٢٧.\n(١/٣٤٤) ح ٢.\n٦ ابن سعيد الأموي مولاهم، الفقيه المصري، أبو عبد الله، ثقة، مات مستترًا أيام المحنة سنة ٢٢٥هـ، من العاشرة/ خ د ت س. (التقريب ١١٣) .\n(١/٢٢٦) .\n٨ السنن: (٢/١٠٠) .\n٩ العدني، ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ٢٣٤ هـ/ق. (التقريب٥٢١) .","vol":"2","page":285},{"text":"والحازمي في (الاعتبار) ١ من طريق: ابن وهب، كلهم عن:\nعبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - به.\nقال الحاكم أبو عبد الله: \"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. وقال المنذري: \"أخرجه الدارقطني في سننه بإسناد حسن\"٢. وقال ابن حجر: \"صَحَّحَهُ ابن خزيمة\"٣. وقد جَعَلَهُ ابن حجر شاهدًا لحديث أبي هريرة الماضي، فقال: \"وهو - يعني حديث أبي هريرة - أقوى من حديث وائل بن حجر ...؛ فإن للأول شاهدًا من حديث ابن عمر ... \"٤.\nومع ذلك، فقد قال الدارقطني ﵀ عن حديث ابن عمر هذا: \"وهذا تَفَرَّدَ به الدراوردي، عن عبيد الله\". وقال مرة: \"تفرد به أصبغ بن الفرج، عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله\". نقل ذلك عن الدارقطني المنذري - ولم أقف عليه - ثم قال: \"وأصبغ بن الفرج حَدَّثَ عنه البخاري في صحيحه محتجًا به ... وعبد العزيز الدراوردي احتجَّ مسلم بحديثه في صحيحه، وأخرج البخاري حديثه في صحيحه مقرونًا بعبد العزيز بن أبي حازم\"٥.\n_________\n(ص٧٩) .\n٢ مختصر السنن: (١/٣٩٩) .\n٣ بلوغ المرام مع سبل السلام: (١/٣١٧) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ مختصر السنن: (١/٣٩٩) .","vol":"2","page":286},{"text":"قلتُ: أما تَفَرُّد أصبغ بن الفرج به، فقد تقدم أنه تابعه عليه: محرز بن سلمة، وابن وهب، كلاهما عن الدراوردي به، ولذلك قال ابن حجر ﵀: \"ولم يتفرد به أصبغ كما ترى\"١.\nونظير قول الدارقطني هذا، ما قاله الحازمي ﵀، إذ قال: \"هذا الحديث يُعَدُّ في مفاريد عبد العزيز، عن عبيد الله\"٢. قال الحافظ ابن حجر عقب قول الحازمي هذا: \"وهذا أشبه بالصواب\"٣. يعني من قول الدارقطني: \"تفرد به أصبغ بن الفرج\".\nوهذا من ابن حجر - ﵀ - موافقة على القول بتفرد الدراوردي بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، وقد تُكُلِّم في رواية الدراوردي عن عبيد الله٤.\nولكن، لما كان للحديث شاهدٌ من رواية أبي هريرة كما تقدم، فإن تفرد الدراوردي عن عبيد الله هنا لا يضرُّ؛ لأن أصل الحديث ثابتٌ من وجه آخر.\nوقد أعله البيهقي بعلة أخرى، فقال: \"ولا أراه إلا وَهْمًا - يعني رفعه - ... والمشهور عن عبد الله بن عمر في هذا: ما أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري ... \" فساقه بإسناده إلى حماد بن زيد، عن أيوب،\n_________\n١ تغليق التعليق: (٢/٣٢٨) .\n٢ الاعتبار: (ص٧٩) .\n٣ تغليق التعليق: (٢/٣٢٨) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٦/٣٥٤) .","vol":"2","page":287},{"text":"عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه قال: \" إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه\"١.\nورَدَّهُ ابن التركماني، فقال: \"وما عَلَّلَه به البيهقي ... فيه نظر؛ لأن كلًاّ منهما معناه منفصل عن الآخر\"٢. وقال الحافظ ابن حجر: \"ولقائلٍ أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع؛ فإن الأول في تقديم وضع اليدين على الركبتين، والثاني في إثبات وضع اليدين في الجملة\"٣.\nفثبت بذلك أن حديث ابن عمر هذا: وإن أُعِلَّ بتفرد الدراوردي به، إلا أنه بانضمام حديث أبي هريرة إليه يتقوَّى، ولا يقلُّ بذلك عن درجة الحسن إن شاء الله.\nفالحاصل: أن الراجح في ذلك هو ما جاء عن النبي ﷺ من النزول باليدين في السجود، أمرًا منه ﷺ وفعلًا، وأن ما جاء على خلاف ذلك فإنه لا يقوى على معارضته، حتى إن أبا عبد الله الحاكم مع كلامه في تقوية حديث وائل بن حجر في تقديم الركبتين، إلا أنه قال: \"فأما القَلْبُ في هذا فإنه إلى حديث ابن عمر أَمْيَل، لرواياتٍ في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين\"٤.\n_________\n١ سنن البيهقي: (٢/١٠٠ - ١٠١) .\n٢ الجوهر النقي: (٢/١٠٠) .\n٣ فتح الباري: (٢/٢٩١) .\n٤ المستدرك: (١/٢٢٦) .","vol":"2","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>٩- باب ما جاء في التشهد في الصلاة</span>\n٢٨- (١٣) عن ابن مسعود ﵁: \"أنَّ النبي ﷺ أَخَذَ بيده فَعَلَّمَه التَّشَهُّدَ: \"التَّحِيَّات لله والصَّلَوات والطَّيِّبَات، السَّلام عليك أيُّهَا النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاته، السَّلام علينَا وعلى عباد الله الصَّالِحِين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\". فإذا قلتَ ذلك فقد تَمَّتْ صَلاتُكَ، فإن شئتَ فَقُمْ، وإن شئتَ فَاقْعُدْ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ثم قال: \"قال الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: \"إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك\". من كلام ابن مسعود، فَصَلَه شبابة عن زهير، وجَعَلَه من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أَدْرَجَهُ، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود ﵁ على حذفه\"١.\nقلت: هذا الحديث يرويه: الحسن بن الحُرِّ٢، عن القاسم بن مخيمرة٣، عن علقمة، عن ابن مسعود.\nويرويه عن الحسن بن الحرِّ جماعة، منهم: محمد بن عجلان٤،\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٥١) . وانظر: جلاء الأفهام: (ص ١٨٦ - ١٨٧) .\n٢ ابن الحكم الجُعْفِي أو النخعي، الكوفي، أبو محمد، نزيل دمشق، ثقة فاضل، من الخامسة، مات سنة ١٦٣هـ / د س. (التقريب ١٥٩) .\n٣ أبو عروة الهَمْدَاني، الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ١٠٠هـ/ خت م ٤. (التقريب ٤٥٢) .\n٤ المدني: صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ١٤٨هـ / خت م ٤. (التقريب ٤٩٦) .","vol":"2","page":289},{"text":"والحسين بن علي١، وزهير بن معاوية٢، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان٣.\nفأما محمد بن عجلان، والحسين بن علي: فقد روياه عن الحسن بن الحر بدون ذكر هذه الزيادة.\nأخرج رواية ابن عجلان: الطبراني في (الكبير) ٤ والدارقطني في (سننه) ٥، والخطيب في (الفصل) ٦ من طرق عن: محمد بن عجلان، عن الحسين بن الحر ... به، إلى قوله ﷺ: \" ... وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nوأخرج هؤلاء الثلاثة٧ - ومعهم أحمد في (مسنده) ٨ - حديث: الحسين بن علي، عن الحسن بن الحر بمثل حديث ابن عجلان.\n_________\n١ ابن الوليد الجعفي، الكوفي المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤هـ / ع. (التقريب ١٦٧) .\n٢ ابن حديج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخرة، من السابعة، مات سنة ١٧٢هـ أو ١٧٣هـ أو ١٧٤هـ / ع. (التقريب ٢١٨) .\n٣ العنسي، الدمشقي، الزاهد، صدوق يخطئ، وَرُمِيَ بالقدر، وتَغَيَّرَ بآخرة، من السابعة، مات سنة ١٦٥هـ / بخ ٤. (التقريب ٣٣٧) .\n(١٠/٦١) ح ٩٩٢٣.\n(١/٣٥٢ - ٣٥٣) ح ١١.\n(١/١٦٦) ح ١ - ١٨.\n٧ طب: (١٠/٦٣) ح ٩٩٢٦. قط: (١/٣٥٢) ح ١٠. خط: (١/١٦٤ - ١٦٥) ح ١ - ١٣، ١٤، ١٥.\n(١/٤٥٠) .","vol":"2","page":290},{"text":"فهكذا رواه: محمد بن عجلان، والحسين بن علي - وتابعهما محمد ابن أبان، كما أشار الدارقطني١ - رووه عن: الحسن بن الحر، فلم يذكروا هذه الزيادة.\nوأما زهير بن معاوية - فكما قال الدارقطني ﵀ -: \" ... زاد عليهما في آخره كلامًا أدرجه بعض الرواة عن زهير في حديث النبي ﷺ، وهو قوله: إذا قضيت هذا ... \"٢.\nوقد أخرج حديثَ زهير بهذه الزيادة: أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: عبد الله بن محمد٤ النفيلي، وأحمد في (مسنده) ٥ من طريق: يحيى ابن آدم٦، والطيالسي في (مسنده) ٧، والدارمي فيه٨ من طريق: أبي نعيم٩، والدارقطني في (سننه) ١٠ من طريق: موسى بن داود١١،\n_________\n١ السنن: (١/٣٥٢) .\n٢ علل الدارقطني: (٥/١٢٨) .\n(١/٥٩٣) ح ٩٧٠ ك الصلاة، باب التشهد.\n٤ ابن علي بن نفيل، أبو جعفر، النُّفَيْلي الحراني، ثقة حافظٌ، من كبار العاشرة، مات سنة ٢٣٤هـ / خ ٤. (التقريب ٣٢١) .\n(١/٤٢٢) .\n٦ ابن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظٌ فاضلٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ٢٠٣هـ / ع. (التقريب ٥٨٧) .\n(ح ٢٧٥) .\n(١/٢٥١) ح ١٣٤٧.\n٩ هو: الفضل بن دكين.\n١٠ (١/٣٥٣) ح ١٣.\n١١ الضَّبِّي، أبو عبد الله الطرسوسي، الخُلْقَاني، صدوق فقيه زاهد له أوهام، من صغار التاسعة، مات سنة ٢١٧هـ / م د س ق. (التقريب ٥٥٠) .","vol":"2","page":291},{"text":"والحاكم في (علوم الحديث) ١ من طريق: عاصم بن علي٢، كلهم عن:\nزهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، فَحَدَّثَنِي أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله فَعَلَّمَه التشهد ... الحديث، وفي آخره: \"فإذا قلتَ ذلك فقد تَمَّتْ صلاتك، فإن شئتَ فقم، وإن شئتَ فاقْعُدْ\". هذا سياق الطيالسي، وسياق الباقين نحو.\nوقد حَكَمَ الأئمة على هذه الزيادة في رواية زهير بأنها مُدْرَجَةٌ في الحديث وليست من كلام النبي ﷺ، فقال الدارقطني: \"ورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، فزاد في آخره كلامًا ... فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي ﷺ\"٣. وقال الحاكم: \"وقوله: \"إذا قلت هذا\". مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود؛ فإن سَنَدَهُ عن النبي ﷺ ينقضي بانقضاء التشهد\"٤. وقال البيهقي: \"هذا حديث قد رواه جماعة عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، وأدرجوا آخر الحديث في أوله\"٥. وكذا قال الخطيب البغدادي٦، وقال النووي:\n_________\n(ص٣٩) في \"النوع الثالث عشر: معرفة المدرج\".\n٢ ابن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسن التيمي مولاهم، صدوق رُبَما وَهِمَ، من التاسعة، مات سنة ٢٢١هـ / خ ت ق. (التقريب ٢٨٦) .\n٣ سنن الدارقطني: (١/٣٥٣) .\n٤ علوم الحديث: (ص٣٩) .\n٥ سنن البيهقي: (٢/١٧٤) .\n(الفصل: (١/١٥٤ - ١٥٥) .","vol":"2","page":292},{"text":"\"اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ على أنها مدرجة\"١. ونقل اتفاق الحفاظ على ذلك أيضًا: الحافظ العراقي٢.\nوقد استدلَّ الأئمة على وقوع الإدراج في هذه اللفظة بأمور:\nأولها: أن شَبَابَةَ بن سَوَّار٣ رواه عن زهير بن معاوية ففصل قول ابن مسعود من كلام النبي ﷺ.\nأخرج رواية شبابة هذه: الدارقطني في (سننه) ٤ - ومن طريقه: البيهقي٥، والخطيب٦ - من طريق: شبابة، عن زهير بن معاوية به، وفي آخره: \"قال عبد الله: فإذا قلتَ ذلك....\nقال الدارقطني عقبه: \"شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، جعله من قول ابن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج آخره في كلام النبي ﷺ.\nالثاني: أن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - رابع الرواة عن الحسن بن الحرُّ ممن تقدم ذكرهم - قد رواه عن الحسن بن الحر، كما\n_________\n١ خلاصة الأحكام: (ق ٦٠/أ) .\n٢ شرح الألفية: (١/٢٤٨) .\n٣ المدائني، أصله من خراسان، مولى بني فزارة، ثقة حافظ رُمِيَ بالإرجاء، مات سنة ٢٠٤ هـ وقيل غير ذلك/ ع. (التقريب ٢٦٣) .\n(١/٣٥٣) ح ١٢.\n٥ في السنن: (٢/١٧٤) .\n٦ الفصل: (١/١٦١) ح ١ - ٨.","vol":"2","page":293},{"text":"جاء في رواية شبابة عن زهير، رواه عنه: غسان بن الربيع١، فَتَابَعَ بذلك شبابة في شيخ شيخه.\nأخرجه: ابن حبان في (صحيحه) ٢، والطبراني في (الأوسط) ٣ والدارقطني في (السنن) ٤، والحاكم في (علوم الحديث) ٥، والخطيب في (الفصل) ٦، من طرق، عن:\nغسان بن الربيع، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحُرّ به، وفي آخره: \"ثم قال ابن مسعود: إذا فَرَغْتَ من هذا، فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف\". هذا لفظه عندهم، ووقع عند الحاكم من بينهم: \"فإن شئت فاقعد، وإن شئت فقم\".\nوغسان بن الربيع ضَعَّفَهُ الدارقطني٧، لكنه قال فيه مرة: \"صالح\"٨ وَوَثَّقُهُ ابن حبان٩. ومع ذلك فقد تابعه بقية بن الوليد، كما أخرجه\n_________\n١ ابن منصور، أبو محمد الغَسَّاني الأزدي، الموصلي، كان صالحًا ورعًا، ضَعَّفَهُ الدارقطني، وَوَثَّقَهُ ابن حبان، توفي - ﵀ - سنة ٢٢٦هـ.\nله ترجمة في: تاريخ بغداد: (١٢/٣٢٩)، والميزان: (٣/٣٣٤) .\n٢ الإحسان: (٣/٢٠٩) ح ١٩٥٩.\n٣ انظر: مجمع البحرين: ج ١ (ق٤٤) .\n(١/٣٥٤) ح ١٤.\n(ص٤٠) .\n(١/١٦٢ - ١٦٣) ح ١ - ١١.\n٧ كما في سننه: (١/٣٣٠) .\n٨ تاريخ بغداد: (١٢/٣٣٠) .\n٩ الثقات: (٩/٢) .","vol":"2","page":294},{"text":"الخطيب بإسناده إلى بقية، قال: حدثنا ابن ثوبان١ فذكره. وقد صَرَّحَ بقية بالتحديث، فزالت تهمة تدليسه.\nوقد ترجم أبو حاتم بن حبان على هذا الخبر بقوله: \"ذكر البيان بأن قوله: فإذا قلت هذا ... إنما هو قول ابن مسعود، وليس من كلام النبي ﷺ، أَدْرَجَهُ زهير في الخبر\". وقال أبو عبد الله الحاكم بعد إخراجه: \"فقد ظَهَرَ لمن رُزِقَ الفهم: أن الذي مَيَّزَ كلام عبد الله بن مسعود من كلام النبي ﷺ، فقد أتى بالزيادة الظاهرة، والزيادةُ من الثقة مقبولة\". وقال الدارقطني: \"وكذلك رواه ابن ثوبان، عن الحسن بن الحُرِّ، وبَيَّنَه، وفصل كلام النبي ﷺ من كلام ابن مسعود، وهو الصواب\"٢.\nالثالث: من الأدلة - أيضًا - على كون هذه اللفظة مدرجة: اتفاق كلِّ من روى التشهد عن علقمة، وعن غيره، عن عبد الله بن مسعود على ذلك، يعني عدم ذكر هذه الزيادة. قاله الدارقطني٣ ﵀. وقال أبو محمد بن حزم: \"وقد روى هذا الحديث عن علقمة: إبراهيم النخعي - وهو أضبط من القاسم - فلم يذكر هذه الزيادة\"٤.\nقلت: وحديث إبراهيم النخعي أخرجه النسائي في (سننه) ٥ من طريق: حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن\n_________\n١ الفصل: (١/١٦٣) ح ١ - ١٢.\n٢ علل الدارقطني: (٥/١٢٨) .\n٣ السنن: (١/٣٥٣) .\n٤ المحلى: (٣/٣٦٢) ط حسن زيدان.\n(٢/٢٣٩ - ٢٤٠) .","vol":"2","page":295},{"text":"مسعود ﵁ به، وفيه تعليم النبي ﷺ له التشهد إلى قوله: \" ... وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nوأخرجه البخاري في (صحيحه) ١ من طريق: أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، بمثله. ورواه غير هؤلاء كذلك بدون هذه الزيادة٢.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث صحيح عن النبي ﷺ بدون قوله: \" فإذا قضيت ذلك ... \". فإن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود ﵁، أدرجها زهير - أو من دونه - في هذا الحديث. وقد بين الأئمة: الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والخطيب، والنووي، والعراقي وغيرهم ذلك، ونَبَّهُوا عليه، بل جعله الخطيب - ﵀ - أول حديث في كتابه الذي صنفه في المدرج٣.\nوقد اختار ابن القَيِّم - ﵀ - ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة، فأصابَ.\n_________\n١ ك الأذان، باب التشهد في الآخرة. ح ٨٣١.\n٢ واستقصى النسائي - ﵀ - هذه الروايات في (سننه): (٢/٢٣٧ - ٢٤١) فلتراجع فيه.\n٣ راجع: الفصل للوصل المدرج في النقل: (١/١٥٤)، باب: ذكر الأحاديث التي وُصلت ألفاظُ رواتها بمتونها وأدرجت فيها.","vol":"2","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>١٠- باب في ذكر نوع آخر من التشهد</span>\n٢٩ - (١٤) عن جابر ﵁، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنَا التشهد كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورة من القرآن: \"بِسْم الله، وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله، أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"ولم تجئ التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث، وله عِلَّةٌ غير عنعنة أبي الزبير\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: النسائي، وابن ماجه في (سننيهما) ٢، والترمذي في (العلل) ٣، والطيالسي في (مسنده) ٤ - ومن طريقه: البيهقي٥ - ومسلم في كتاب (التمييز) ٦، والدارقطني في (العلل) ٧،\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٤٤) .\n٢ س: (٢/٢٤٣) ك الافتتاح، باب: نوع آخر من التشهد، و(٣/٤٣) ك السهو، باب: نوع آخر من التشهد. جه: (١/٢٩٢) ح ٩٠٢ ك إقامة الصلاة ...، باب ما جاء في التشهد.\n(١/٢٢٧) باب ما جاء في التشهد.\n(ح ١٧٤١) .\n٥ السنن: (٢/١٤١، ١٤٢) .\n(ص ١٨٨) ح ٥٨.\n٧ ج٤ (ق ٨٠/أ) .","vol":"2","page":297},{"text":"والحاكم في (المستدرك) ١، كلهم من طريق:\nأيمن بن نابل٢، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث كما أشار ابن القَيِّم ﵀، وعلته: أن أيمن بن نابل قد وَهِمَ في إسناده ومتنه، وخالفه من هو أوثق منه، وأكثر اختصاصًا بأبي الزبير، وهو: الليث بن سعد، فرواه عن: أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا، ولم يذكروا فيه تلك الزيادة، وهي قوله: \"بسم الله وبالله\". وتابع الليثَ على ذلك جماعةٌ.\nوأيمن بن نابل: صدوق، وثقة الأكثرون٣، ولكن أخذ عليه بعضهم أنه يخطئ ويُخالِف، فقال ابن حبان: \"كان يخطئ وينفرد بما لا يُتَابع عليه ... والذي عندي: تَنَكُّبُ حديثه عند الاحتجاج - إلا ما وافق الثقات - أولى من الاحتجاج به\"٤. وقال الدارقطني: \"ليس بالقويِّ، خالف الناس\"٥. وتقدم قول ابن حجر: \"صدوق يهم\".\nوقد كشف الأئمة - ﵏ - عن وجه إعلال هذا الحديث، وموضع الخطأ والوهم فيه، فقال الإمام الترمذي: \" ... سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هو غير محفوظ، هكذا يقول أيمن بن نابل: عن\n_________\n(١/٢٦٦) .\n٢ أبو عمران، ويقال: أبو عمرو، الحبشي، المكي، نزيل عسقلان، صَدُوقٌ يَهِم، من الخامسة/ خ ت س ق. (التقريب ١١٧) .\n٣ انظر تفصيل ذلك في: تهذيب التهذيب: (١/٣٩٣ - ٣٩٤) .\n٤ المجروحين: (١/١٨٣) .\n٥ سؤالات الحاكم للدارقطني: (ص١٨٧) رقم ٢٨٦.","vol":"2","page":298},{"text":"أبي الزبير، عن جابر. وهو خطأ، والصحيح: ما رواه الليث بن سعد: عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس. وهكذا رواه عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، عن أبي الزبير، مثل رواية الليث بن سعد\"١.\nوقال الإمام مسلم في كتاب (التمييز) ٢: \"هذه الرواية من التشهد، والتشهد (كذا) غير ثابت الإسناد والمتن جميعًا، والثابت: ما رواه الليث، وعبد الرحمن بن حميد ... \" فساقه بإسناده من طريقهما، ثم قال: \"فقد اتفق الليث، وعبد الرحمن بن حميد الرؤاسي: عن أبي الزبير، عن طاوس. وروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكلُّ واحدٍ من هذين عند أهل الحديث أثبت في الرواية من أيمن، ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: \"بسم الله وبالله\". فلما بانَ الوهمُ في حفظ أيمن لإسناد الحديث، بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دَخَلَ الوهم - أيضًا - في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه. وقد رُوي التشهد عن رسول الله ﷺ من أوجه عدة صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: \"بسم الله وبالله\". ولا ما زاد في آخره من قوله: \" أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار\"، والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم\".\nوقال الترمذي: \"وهو غير محفوظ\"٣. قال ذلك عقب إخراجه لحديث الليث بن سعد الماضي ذكره.\n_________\n١ علل الترمذي: (١/٢٢٨) .\n(ص ١٨٨ - ١٨٩) ح ٥٨.\n٣ جامع الترمذي: (٢/٨٣) ح ٢٩٠.","vol":"2","page":299},{"text":"وقال النسائي: \"لا نعلم أحدًا تابع أيمنَ بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق\"١.\nوقال الدارقطني - بعد أن ذَكَرَ الخلاف فيه -: \"وحديث ابن عباس أشبه بالصواب من حديث جابر\"٢. وقال مرةً - وقد سئل عن أيمن بن نابل-: \"خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد، خالفه الليث، وعمرو بن الحارث، وزكريا بن خالد: عن أبي الزبير\"٣.\nوقال حمزة الكناني: \"قوله: عن جابر. خطأ، ولا أعلم أحدًا قال في التشهد: \" بسم الله وبالله\". إلا أيمن\"٤.\nوقال البيهقي: \"تفرد به أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر\"٥.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"ورجاله ثقات، إلا أن أيمن بن نابل - راويه عن أبي الزبير - أخطأ في إسناده، وخالفه الليث - وهو من أوثق الناس في أبي الزبير - فقال: عن أبي الزبير، عن طاوس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس\"٦.\nفهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في بيان علة هذا الحديث، ووجه\n_________\n١ السنن: (٣/٤٣) .\n٢ العلل: ج٤ (ق ٨٠/أ) .\n٣ سؤالات الحاكم للدارقطني: (ص ١٨٧ - ١٨٨) .\n٤ التلخيص الحبير: (١/٢٦٦) .\n٥ السنن: (٢/١٤٢) .\n٦ التلخيص الحبير: (١/٢٦٥ - ٢٦٦) .","vol":"2","page":300},{"text":"الخطأ فيه، وأما رواية الليث بن سعد ومن وافقه، التي صوبها الأئمة، فأشير إليها على سبيل الاختصار.\nفحديث الليث بن سعد: أخرجه الإمام مسلم في (صحيحه) ١، وفي (التمييز) ٢ له، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ٣، وابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، كلهم من طريق:\nالليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: \"كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: \"التحيات المباركات الصلوات لله، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\". هذا لفظ مسلم، ولفظ الباقين مثله، لكنهم قالوا: \"كما يعلمنا القرآن\". إلا ابن ماجه، فإنه وافق مسلمًا، على أن لفظ الجماعة هو إحدى الروايات عند مسلم.\nقال الترمذي: \"حديث حسن غريب صحيح\". وقال الدارقطني: \"هذا إسناد صحيح\".\n_________\n(١/٣٠٢) ح ٤٠٣ (٦٠) ك الصلاة، باب التشهد في الصلاة.\n(ص ١٨٩) ح ٥٩.\n٣ ت: (٢/٨٣) ح ٢٩٠ ك الصلاة، باب ما جاء في التشهد. س: (٢/٢٤٢) . جه: (١/٢٩١) ح ٩٠٠ ك إقامة الصلاة، باب ما جاء في التشهد.\n(١/٣٤٩) ح ٧٠٥.\n(١/٣٥٠) ح ٢.","vol":"2","page":301},{"text":"وتابع الليث على هذه الرواية: عبد الرحمن بن حميد١، أخرجه من هذا الطريق: مسلم في (صحيحه) ٢، وفي (التمييز) ٣ أيضًا، وعَلَّقَهُ الترمذي في (جامعه) ٤ كلهم من طريق:\nعبد الرحمن بن حميد، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: \"كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن\".\nوتابعهما: عمرو بن الحارث، أخرجه الدارقطني في (سننه) ٥ من طريقه، عن:\nأبي الزبير، عن عطاء وطاوس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ به بنحو ما تقدم من رواية الليث.\nوثَمَّةَ متابعة رابعة لهؤلاء، أشار إليها الدارقطني في (علله) ٦ من طريق: زكريا بن خالد٧ - قال الدارقطني: \"شيخ لأهل الكوفة، يَروي عنه قيس بن الربيع وغيره\" - عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس.\n_________\n١ ابن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، الكوفي، ثقة، من السابعة / م د س. (التقريب ٣٣٩) .\n(١/٣٠٣) ح ٤٠٣ (٦١) .\n(ص ١٨٩) ح ٥٩.\n(٢/٨٣) .\n(١/٣٥٠) ح ٣.\n٦ ج ٤ (ق ٨٠/أ) .\n٧ مقبول، من السابعة/ خت. (التقريب ٢١٦) .","vol":"2","page":302},{"text":"فهذه رواية الليث بن سعد ومن تابعه، وهي الرواية التي حكم الأئمة بتقديمها على رواية جابر الماضية.\nومع تُظَاهُرِ الأئمة واتفاقهم على الحكم على حديث جابر بالخطأ، فقد صَحَّحَهُ الحاكم ﵀، فقال: \"فأما الزيادة في أول التشهد: \"باسم الله وبالله\" فإنه صحيح من شرط البخاري ... أيمن بن نابل ثقة، فقد احتجَّ به البخاري\"١.\nومما سبق يتبين لنا أن الأمر على خلاف ما ذهب إليه الحاكم ﵀، ولذلك تَعَقَّبَهُ النووي - ﵀ - فقال: \"وذكر الحاكم أبو عبد الله في المستدرك: أن حديث جابر صحيح، ولا يُقبل ذلك منه؛ فإن الذين ضَعَّفُوهُ أجلُّ من الحاكم وأتقن\"٢.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث بالزيادة المذكورة معلول؛ إذ خُولف أيمن بن نابل في إسناده ومتنه، وقد صحَّ التشهد عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ليس فيها هذه الزيادة، وإعلال هذا الحديث هو اختيار ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.\nوأما ما ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - من عنعنة أبي الزبير: فإنه قد صرَّح بالتحديث في رواية الترمذي في (العلل) .\n_________\n١ المستدرك: (١/٢٦٦ - ٢٦٧) .\n٢ المجموع: (٣/٤٠١) .","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>١١- باب التسليم في الصلاة وما جاء في التسليمة الواحد</span>ة\nذكر ابن القَيِّم ﵀: أن هديه ﷺ كان التسليم عن يمينه وعن يساره، وأن ذلك مرويٌّ عن النبي ﷺ عن خمسة عشر صحابيًا، ثم ذكر حديث عائشة ﵂ في التسليمة الواحدة، فقال: \"رُوِيَ عنه ﷺ:\n٣٠- (١٥) \" أنه كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً تلقاءَ وجهه\".\nثم قال: \"ولكنْ لم يثبت عنه ذلك من وجهٍ صحيح\"١\nوتعرَّض - ﵀ - لهذه القضية في (إعلام الموقعين) ٢ فَذَكَر ضَعْفَ أحاديث التسليمة الواحدة، ومنها هذا الحديث ثم قال: \"أما حديث عائشة: فمعلولٌ باتفاق أهل العلم بالحديث\". ثم بَيَّنَ أقوال العلماء فيه.\nثم قال ابن القَيِّم: \"وأجود ما فيه:\n٣١- (١٦) حديث عائشة ﵂: \" أنه ﷺ كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يُوقِظَنَا\".\nقال: \"وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل ... \"٣.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٥٨ - ٢٥٩) .\n(٢/٣٧٧ - ٣٨٠) .\n٣ زاد المعاد: (١/٢٥٩) .","vol":"2","page":304},{"text":"قلت: أما الحديث الأول: فإنه يُروى عن زهير بن محمد١، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂. ورواه عن زهير: عمرو بن أبي سلمة٢، وتابعه عبد الملك بن محمد٣.\nأما رواية عمرو بن أبي سلمة: فأخرجها الترمذي في (جامعه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، والبيهقي في (السنن) ٨، والعقيلي في (الضعفاء) ٩. كلهم بالإسناد المذكور، إلى عائشة - ﵂ -: \"أن رسول الله ﷺ كان يُسَلِّمُ في الصلاة تسليمة واحدةً تلقاء وجهه، يميل إلى الشقِّ الأيمن شيئًا\". هذا لفظ الترمذي. وهو لفظ ابن خزيمة،\n_________\n١ التميمي، أبو المنذر الخراساني، سكن الشام ثم الحجاز، رواية أهل الشام عنه غيرُ مستقيمة فَضُعِّفَ بسببها، قال البخاري عن أحمد: \"كأنَّ زهيرًا الذي يروي عنه الشاميون آخر\". وقال أبو حاتم: \"حَدَّثَ بالشام من حفظه فكثر غلطه\" من السابعة، مات سنة ١٦٢هـ / ع. (التقريب ٢١٧) .\n٢ التِّنِّيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ٢١٣هـ أو بعدها / ع. (التقريب ٤٢٢) .\n٣ الحميري البرسمي، من أهل صنعاء دمشق، لَيِّنُ الحديث، من التاسعة / د س ق. (التقريب ٣٦٥) .\n٤ ت: (٢/٩٠) ح ٢٩٦ ك الصلاة، باب ما جاء في التسليم في الصلاة.\n(١/٣٥٧) ح ٧.\n٦ خز: (١/٣٦٠) ح ٧٢٩، حب: (الإحسان): (٣/٢٢٤) ح ١٩٩٢.\n(١/٢٣٠) .\n(٢/١٧٩) .\n(٣/٢٧٢) .","vol":"2","page":305},{"text":"والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، إلا أن عند الحاكم: \"قليلًا شيئًا\"بدل \"شيئًا\"، وعند الدارقطني: \"قليلًا\"وعند البيهقي \"شيئًا أو قليلًا\".\nأما لفظ ابن حبان فهو: \" ... يميل بها وجهه إلى القبلة\". وجاء عند العقيلي مختصرًا، فقال: \" كان يُسَلِّم تَسليمةً واحدةً\".\nوأما رواية عبد الملك بن محمد، عن زهير: فأخرجها ابن ماجه في (سننه) ١، ولفظه: \" أن رسول الله ﷺ كان يُسَلِّمُ تسليمة واحدةً تلقاء وجهه\".\nكذا رواه عبد الملك، وعمرو بن أبي سلمة مرفوعًا، وخالفهما الوليد ابن مسلم٢ فرواه عن زهير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة موقوفًا: \"أنها كانت تسلم تسليمة واحدة\". أخرجه كذلك العقيلي في كتابه (الضعفاء) ٣.\nوقد حَكَمَ الأئمة بصحةِ الرواية الموقوفة، وأنَّ رَفْعَهُ لا يصحُّ؛ فقال أبو عيسى الترمذي: \"حديث عائشة لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد: أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه وأصحُّ\". وقال أبو حاتم - حينما سئل عن الرواية المرفوعة -: \"هذا حديث منكرٌ، وهو عن عائشة\n_________\n(١/٢٩٧) ح ٩١٩، ك إقامة الصلاة، باب من يسلم تسليمة واحدة.\n٢ القرشي مولاهم، أبو العابس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية. من الثامنة، مات سنة ١٩٤ هـ / ع. (التقريب ٥٨٤) .\n(٣/٢٧٣) .","vol":"2","page":306},{"text":"موقوف\"١. وَرَجَّحَ الوقف أيضًا: البزار، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر٢. وقال العقيلي: \"ورواية الوليد أولى\" يعني الموقوفة. وقال الدارقطني - بعد أن ذكر أوجه الاختلاف فيه على زهير -: \"وهو الصحيح - يعني الموقوف - ومن رَفَعَهُ فقد وَهِم\"٣. وقال ابن عبد البر: \"وأما حديث عائشة ... فلم يرفعه أحدٌ إلا زهير بن محمد وحده، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع، كثير الخطأ لا يحتجُّ به\"٤.\nقلت: وفيما قال أبو عمر نظر؛ فإن زهير بن محمد وَثقَهُ جماعة، فقال أحمد: \"ثقة\". وقال قال مرة: \"لا بأس به\"، وقال ابن معين: \"ثقة\". وقال مرة: \"لا بأس به\". وقال عثمان الدارمي وصالح بن محمد: \"ثقة صدوق\". وقال يعقوب بن شيبة: \"صدوق صالح الحديث\"٥. والوهم في هذا الحديث على الرواة عنه: عمرو بن أبي سلمة التنيسي أو غيره، فقد قال الإمام أحمد: \" ... وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه: فتلك بواطيل موضوعة ... \"٦. وقال النسائي: \"ليس به بأس، وعند\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/١٤٨) ح ٤١٤.\n٢ التلخيص الحبير: (١/٢٧٠) .\n٣ علل الدارقطني: ج٤ (ق ٤٠) .\n٤ الاستذكار: (٢/٢١٤) .\n٥ انظر أقوالهم فيه على الترتيب في: بحر الدم (رقم ٣١٨)، تاريخ الدوري عن ابن معين (٢/١٧٦) رقم ٤٧٥٢، وسؤالات ابن الجنيد لابن معين (رقم ٥٦٤)، وتهذيب التهذيب: (٣/٣٤٩ - ٣٥٠) .\n٦ تهذيب التهذيب: (٣/٣٤٩) .","vol":"2","page":307},{"text":"عمرو بن أبي سلمة - يعني التنيسي - عنه مناكير\"١.\nوقد نصَّ على مثل ذلك: الطحاوي - ﵀ - فقال: \"وزهير ابن محمد وإن كان رجلًا ثقة، فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تُضَعَّفُ جدًا\"٢.\nوانفرد الحاكم أبو عبد الله بتصحيحه مرفوعًا، فقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\". ولكن تَعَقَّبَهُ النووي، فقال: \"ضَعَّفَهُ الجمهور، ولا يقبل تصحيح الحاكم له ونحوه ... \"٣. وكذا ضَعَّفَهُ أبو محمد بن حزم٤.\nأما الوليد بن مسلم: فقد جاء به عن زهير موقوفًا، وقال في آخره: \"فقلت لزهير بن محمد: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري: أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة\"٥. قال ابن حجر عقب هذا الكلام: \"فَتَبَيَّنَ أن الرواية المرفوعة وهمٌ\"٦.\nقلت: وصَرَّحَ الوليد فيه بالتحديث عن زهير، فانتفت بذلك شبهة التدليس الذي عُرِفَ به. وقد صَحَّحَ الأئمة روايته، وقَدَّمُوها على رواية من رفعه.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٣/٣٤٩ - ٣٥٠) .\n٢ شرح معاني الآثار: (١/٢٧٠) .\n٣ خلاصة الأحكام: (ق٦٠) .\n٤ المحلى: (٣/٢٧٩) .\n٥ ضعفاء العقيلي: (٣/٢٧٣) .\n٦ التلخيص الحبير: (١/٢٧٠) .","vol":"2","page":308},{"text":"فإذا تَبَيَّنَ ذلك علمنا أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد أصاب حين قال: \"ولكن لم يثبت عنه ذلك - أي النبي ﷺ - من وجه صحيح\"١.\nومما يؤيد صحة رواية الوقف: أنه قد رُوي عن عائشة - من غير وجه - عن عبيد الله بن عمر٢، عن القاسم، عنها موقوفًا عليها:\nفأخرج ابن خزيمة في (صحيحه) ٣ من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد٤، ومن طريق وهيب بن خالد٥، ومن طريق يحيى بن سعيد: ثلاثتهم عن:\nعبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة: \" أنها كانت تُسَلَّمُ تسليمة واحدة قُبالَةَ وجهها: السلام عليكم\"هذا لفظ وهيب.\nوعَلَّقَهُ الحاكم عن وهيب٦، وأخرجه البيهقي من طريق\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٢٥٩) .\n٢ ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَري، المدني، أبو عثمان، ثقة ثبت، قَدَّمَهُ أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقَدَّمَهُ ابن معين في القاسم عن عائشة، على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين/ ع. (التقريب ٣٧٣) .\n(١/٣٦٠) ح ٧٣٠ - ٧٣٢.\n٤ ابن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقةٌ تَغَيَّرَ قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة ١٩٤ هـ / ع. (التقريب ٣٦٨) .\n٥ ابن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت لكنه تَغَيَّرَ قليلًا بآخرة، من السابعة، مات سنة ١٦٥هـ / ع. (التقريب ٥٨٦) .\n٦ المستدرك: (١/٢٣١) .","vol":"2","page":309},{"text":"عبد الوهاب١. قال الحافظ ابن حجر عن طريق وهيب: \"وهذا سند صحيح\"٢.\nهذا ما يتعلق بهذا الحديث في التسليمة الواحدة، أما الحديث الآخر الذي ساقه ابن القَيِّم - ﵀ - عن عائشة أيضًا في صلاته ﷺ بالليل، وقوله فيه: \"وهو حديث معلول\".\nفقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٣ من طريق: قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام٤، عن عائشة ﵂ - قالت: \"كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يُسَلِّم، ثم يصلي التاسعة، ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم تسليمة يسمعناه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس\". وهو عند أبي داود في رواية٥.\nقال الحافظ ابن حجر: \"إسناده على شرط مسلم، ولم يستدركه الحاكم، مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد عن هشام كما قدمناه\"٦. يعني الحديث الذي مضى معنا قبل قليل، والذي رَجَّحَ الحفاظ وقفه.\n_________\n١ في سننه: (٢/١٧٩) .\n٢ التلخيص الحبير: (١/٢٧٠) .\n٣ الإحسان: (٤/٧٢) . ح ٢٤٣٣.\n٤ ابن عامر الأنصاري، المدني، ثقة، من الثالثة، استشهد بأرض الهند / ع. (التقريب٢٣٢) .\n٥ السنن: (٢/٨٩) ح ١٣٤٥.\n٦ التلخيص الحبير: (١/٢٧٠) .","vol":"2","page":310},{"text":"وقد أخرجه أبو داود في (سننه) ١ من طريق: بهز بن حكيم، عن زرارة، عن عائشة ﵁ بنحو حديث ابن حبان، وسياقه أطول، وفيه: \"ويسلم تسليمة واحدةً شديدةً يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه ... \"وهذه هي الرواية التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀.\nقال المنذري عقب رواية أبي داود هذه: \"ورواية زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة من عائشة نظرٌ، فإن أبا حاتم الرازي قال: سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس ... قال: هذا ما صحَّ له٢. وظاهر هذا أنه لم يسمعه عنده من عائشة\"٣.\nقلت: ولعلَّ هذا الذي ذكره المنذري هو ما عَنَاهُ ابن القَيِّم بقوله: \"حديث معلول\". وقد تقدم: أن رواية ابن حبان سالمة من هذه العلة، فإن فيها: \"زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة\". وأنها هي الصواب.\nوقد ذهب ابن القَيِّم ﵀ - كما تقدم - إلى أن هذا الحديث هو أجودُ ما رُوِيَ في التسليمة الواحدة، إلا أنه لا يُعارض حديث التسليمتين؛ لأن حديث عائشة هذا في قيام الليل خاصة، والآخر في الفرض والنفل.\nعلى أنه إن قُدِّرَ تعارضهما، فإن ابن القَيِّم يرى أنَّ حديث التسليمتين أرجح من الآخر لوجوه:\n_________\n(٢/٨٩ - ٩١) ح ١٣٤٦ - ١٣٤٨.\n٢ انظر: علل ابن أبي حاتم: (ص ٦٣) .\n٣ مختصر سنن أبي داود: (٢/١٠١) .","vol":"2","page":311},{"text":"أولها: أن الذين رووا أحاديث التسليمتين أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحَّ، فهي تدور ما بين الصحيح والحسن.\nثانيها: أن عائشة - ﵂لم تنف التسلمية الثانية، بل سَكَتَتْ عنها، فلا يُقَدَّمُ سكوتها على من ذكرها وضبطها وحفظها١.\nقلت: ولعلَّ سكوتها - ﵂ عن التسلمية الثانية لأنها لم تسمعها فربما كان النبي ﷺ يرفع صوته بالأولى بقصد الإيقاظ، ويخفض صوته بالثانية، فَحَكَتْ عائشة - ﵂ - ما سمعته وحكى غيرها ما رأى وسمع.\nوقد ذهب الشيخ أحمد شاكر - ﵀ - إلى الجمع بين الروايتين فقال: \" ... إن التسليمة الواحدة كانت منه ﷺ في بعض الأحيان في صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين إنما يحكون التسليم الذي رأوه في صلاته في المسجد وفي الجماعة، وبهذا نجمع بين الروايتين\"٢.\nفالحاصل: أنه لم يثبت شيء عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة في الصلاة المكتوبة، وأن الحديث المرويَّ في ذلك: الصحيح أنه موقوف على عائشة من فعلها. وقد قَرَّرَ ابن القَيِّم - ﵀ - عدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ من وجه صحيح. وأن ما صحَّ عن النبي في ذلك: إنما وقع\n_________\n١ انظر: زاد المعاد: (١/٢٥٩) .\n٢ حاشية جامع الترمذي: (٢/٩٢) .","vol":"2","page":312},{"text":"في صلاة الليل فلا يعارض حديث التسليمتين، ولو قُدِّرَ التعارض فحديث التسليمتين أرجح من الآخر لأمور ذكرها ابن القَيِّم ﵀.\nعلى أن قومًا ذهبوا إلى التسلمية الواحدة في المكتوبة، كما قال الترمذي١ ﵀. وقال الليث بن سعد: \"أدركت الأئمة والناس يُسَلِّمُون تسليمة واحدة: السلام عليكم\"٢. وذهب ابن خزيمة - ﵀ - إلى أن ذلك من اختلاف المباح، وأن المُصَلى في ذلك مُخَيَّرٌ كما هو مذهب الحجازيين٣. وكذا قال ابن عبد البر في \"الاستذكار\"٤: \"وكلُّ ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان، ولذلك لا يُرْوَى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين، بل ذلك عندهم معروف ... \".\n_________\n١ في جامعه: (٢/٩٣) .\n٢ الاستذكار: (٢/٢١٢) .\n٣ صحيح ابن خزيمة: (١/٣٦٠) .\n(٢/٢١٤) .","vol":"2","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>١٢- باب في صلاة الرجل وحده خلف الصف</span>\n٣٢- (١٧) عن وابصة بن معبد الأسدي ﵁ \"أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصَلي خلف الصَّفِّ وَحْدَهُ، فأمره أن يُعِيدَ\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وحديث وابصة أخرجه أيضًا١: ابن حبان في (صحيحه)، والإمام أحمد\"٢.\nثم ذكر - ﵀ - أن الحديث أُعِلَّ بعلتين:\nالأولى: أنه وقع اختلاف في إسناده واضطراب، وأن الشافعي أَعَلَّهُ بذلك، فقال: \"قد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر: أن بعض الْمُحَدِّثِينَ يُدخِلُ بين هلال بن يساف ووابصة رجلًا. ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة، سمعه منه. وسمعت بعض أهل العلم منهم كان يوهنه بما وصفت\"٣.\nالعلة الثانية: أن هلال بن يساف تَفَرَّدَ به عن وابصة.\nثم قال: \"والعلتان جميعًا ضعيفتان\". ثم أخذ في الجواب عنهما.\nقلت: هذا الحديث مداره على هلال بن يساف٤ وقد رُوِيَ عنه على أوجه:\n_________\n١ يعني مع أبي داود.\n٢ تهذيب السنن: (١/٣٣٦ - ٣٣٧) .\n٣ يُنظر كلام الشافعي هذا في اختلاف الحديث: (ص ١٣٠) باب صلاة المنفرد.\n٤ ويقال: ابن إساف، الأشجعي، مولاهم، الكوفي، ثقة، من الثالثة / خت م٤. (التقريب ٥٧٦) .","vol":"2","page":314},{"text":"أولها: ما رواه عمرو بن مرة١، قال: سمعت هلال بن يساف، قال: سمعت عمرو بن راشد٢، عن وابصة بن معبد به.\nأخرجه كذلك: أبو داود٣، والترمذي٤، والطيالسي، وأحمد في (مسنديهما) ٥، وابن حبان في (صحيحه) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧.\nوهذا إسناد رجاله ثقات، ليس فيهم إلا عمرو بن راشد، روى عنه جماعة، ولم يوثقه غير ابن حبان٨، وقال ابن حجر: \"مقبول\" يعني حيث يُتابع، وقد تُوبِعَ كما سيأتي.\nثانيها: ما رواه حُصين بن عبد الرحمن٩، عن هلال بن يساف قال:\n_________\n١ ابن عبد الله بن طارق الجملي، المرادي، أبو عبد الله الكوفي، الأعمى، ثقة عابدٌ، كان لا يُدَلِّسُ، ورُمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ١١٨هـ / ع. (التقريب ٤٢٦) .\n٢ الأشجعي، أبو راشد الكوفي، مقبول، من الثالثة/ د ت. (التقريب ٤٢١) .\n٣ في سننه: (١/٤٣٩) ح ٦٨٢، باب الرجل يصلي وحده خلف الصف.\n٤ في جامعه: (١/٤٤٨) ح ٢٣١، ك الصلاة، باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده.\n٥ طس: (ح ١٢٠١)، حم: (٤/٢٢٨) .\n٦ الإحسان: (٣/٣١١) ح ٢١٩٥، ٢١٩٦.\n(٣/١٠٤) .\n٨ الثقات: (٥/١٧٥) .\n٩ السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة تَغَيَّر حفظه في الآخر، من الخامسة، مات سنة ١٣٦ هـ / ع. (التقريب ١٧٠) .","vol":"2","page":315},{"text":"أخَذ زياد بن أبي الجعد١ بيدي ونحن بالرَّقة، فقام بي على شيخ يَقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ: \"أن رجلًا صلى خَلْفَ الصَّفَ وحده - والشيخ يسمع - فَأَمَرَهُ رسول الله ﷺ أن يُعيد الصلاة\".\nأخرجه من هذا الوجه: الترمذي في (جامعه) ٢، وابن ماجه في (سننه) ٣، وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والبيهقي في (السنن) ٦. واللفظ المذكور للترمذي.\nقال الترمذي: \"حديث حسن\". وقال الشيخ الألباني: \"وهذا سَنَدٌ جَيِّد، رجاله كلهم ثقات، غير زياد بن أبي الجعد، فإن القول فيه كالقول في عمرو بن راشد، وأنه مجهول كما تقدم\".\nقلت: وقال فيه الحافظ أيضًا: \"مقبول\". قال الشيخ الألباني: \"لكن لم يتفرد به زياد، بل تابعه هلال بن يساف في المعنى٧ ... فصارت\n_________\n١ واسم أبي الجعد: رافع، الكوفي، مقبول، من الرابعة/ ت. (التقريب ٢١٨) .\n(١/٤٤٥) ح ٢٣٠.\n(١/٣٢١) ح ١٠٠٤، ك إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده.\n٤ حم: (٣/٢٢٨)، مي: (١/٢٣٧) ح ١٢٨٩.\n٥ الإحسان: (٣/٣١١) ح ٢١٩٧.\n(٣/١٠٤ - ١٠٥) .\n٧ يعني قوله: أخذ زياد بيدي.","vol":"2","page":316},{"text":"الرواية من قبيل القراءة على الشيخ وهلال يسمع\"١.\nالوجه الثالث: ما رواه شمر بن عطية٢ عن هلال بن يساف عن وابصة بن معبد، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن رجلٍ صلَّى خَلْفَ الصفوف وحده؟ فقال: \"يعيد الصلاة\".\nأخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ٣. قال الشيخ الألباني في (الإرواء) ٤: \" ... فرواية شمر بن عطية عن هلال بن يساف عن وابصة له ليست منقطعة كما ظنَّ البعض، لما عرفت من تحديث زياد بالحديث أمام وابصة مُقِرًّا له، وهلال يسمع\".\nقلت: فَتَبَيَّنَ مما سبق أن هلالًا يرويه على ثلاثة أوجه:\nأحدها: عن عمرو بن راشد عن وابصة.\nثانيها: عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة.\nثالها: عن وابصة مباشرة.\nولذلك فقد أُعِلَّ الحديث - كما تقدم عن الشافعي - لروايته على هذه الأوجه المختلفة، وهي العلة الأولى من العلل التي تقدم ذكرها.\nوقد أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن هذه العلة: بأن هلال بن يساف يرويه عن عمرو بن رشاد، عن وابصة. وعن زياد بن أبي الجعد\n_________\n١ إرواء الغليل: (٢/٣٢٤ - ٣٢٥) .\n٢ الأسدي الكاهلي، الكوفي، صدوق، من السادسة/ مد ت س. (التقريب ٢٦٨) .\n(٣/٢٢٨) .\n(٢/٣٢٥) .","vol":"2","page":317},{"text":"عن وابصة، نقل ذلك عن ابن حبان، وأنه قال: \"هما جميعًا طريقان محفوظان\"١.\nقال ابن القَيِّم: \"فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال ووابصة لا يُوهِنُ الحديث شيئًا\"٢.\nوقد سبق إلى ذلك ابن حزم، فقال: \"ورواية هلال بن يساف حديث وابصة: مرة عن زياد بن أبي الجعد، ومرة عن عمرو بن راشد قوةٌ للخبر ... \"٣.\nوقال الشيخ الألباني: \"ومما سبق يَتَبَيَّنَ َأن الحديث صحيح، وليس من قبيل المضطرب في شيء كما تَوَهَّمَ البعض ... فهو - يعني هلال بن يساف - قد سمعه من عمرو بن راشد عنه - أي وابصة -، ومن زياد عنه ووابصة يسمع، فجاز له أن يرويه عنه مباشرة كما في الرواية الثالثة، وبذلك تتفق الروايات الثلاث ولا تتعارض\"٤.\nوقد لجأ بعض العلماء إلى الترجيح بين هذه الروايات، فرجح أبوحاتم رواية: عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو بن راشد٥. ورجح الترمذي رواية: حصين بن عبد الرحمن، عن هلال، عن زياد بن أبي الجعد٦.\n_________\n١ انظر كلام ابن حبان هذا في الإحسان: (٣/٣١٢) .\n٢ تهذيب السنن: (١/٣٣٧) .\n٣ المحلى: (٤/٧٤) . ط / حسن زيدان.\n٤ الإرواء: (٢/٣٢٥) .\n٥ علل ابن أبي حاتم: (١/١٠٠) ح ٢٧١.\n٦ جامع الترمذي: (١/٤٤٨) .","vol":"2","page":318},{"text":"قلت: والذي يترجح أن هذه الروايات يوافق بعضها بعضًا، وليس بينها اختلاف، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀، وقال به غير واحد كما تَقَدَّمَ.\nوأما العلة الثانية: وهي دعوى تفرد هلال بن يساف بالخبر، فقد نقل ابن القَيِّم١ عن ابن حبان - أيضًا - أنه ردَّ هذه العلة فقال: \"ذكر الخبر الْمُدْحِضِ قول من زعم أن هلال بن يساف تَفَرَّدَ بهذا الخبر\" ثم ساقه من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عمه عبيد بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة به٢.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك أن الحديث صحيح لا مطعن فيه، وأن العلتين اللتين أُعِلَّ بهما ضعيفتان، كما قال ابن القَيِّم ﵀.\nومن الشواهد لهذا الحديث مما تَكَلَّمَ عليه ابن القَيِّم ﵀:\n٣٣- (١٨) حديث على بن شيبان٣رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصَلِّي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: \"اسْتَقْبِلْ صَلاتَكَ، فَلا صَلاة لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ \".\n_________\n١ تهذيب السنن: (١/٣٣٧) .\n٢ انظر: الإحسان (٣/٣١٢) ح ٢١٩٨. وقد أخرجه من هذا الوجه أيضًا: أحمد في مسنده: (٤/٢٢٨)، والدارمي (١/٢٣٧) ح ١٢٩٠، والبيهقي في سننه: (٣/١٠٥) . وإسناده صحيح، كما قال الشيخ أحمد شاكر في حاشية الترمذي: (١/٤٤٩) .\n٣ ابن محرز اليمامي، الحنفي، صحابي مُقِلٌّ، تفرد عنه ابنه عبد الرحمن / بخ د ق. (التقريب ٤٠٢) .","vol":"2","page":319},{"text":"تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، فقال: \" ... كما في الْمُسْنِد بإسناد صحيح، وصحيحي ابن حبان وابن خزيمة، عن علي بن شيبان ... \" فذكره١.\nقلت: حديث على بن شيبان هذا أخرجه: أحمد في (مسنده) ٢، وابن ماجه في (سننه) ٣، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥ كلهم من طريق:\nملازم بن عمرو٦، عن عبد الله بن بدر٧، عن عبد الرحمن بن علي ابن شيبان٨، عن أبيه - وكان من الوفد٩ - قال: قَدِمْنَا على رسول الله ﷺ فبايعناه، وصَلَّيْنَا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاةً أخرى، فقضى الصلاة فرأى رجلًا فَرْدًَا يُصلِّي خلف الصف ... الحديث. هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الآخرين قريب.\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩) .\n(٤/٢٣) .\n(١/٣٢٠) ح ١٠٠٣ ك إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده.\n٤ خز: (٣/٣٠) ح ١٥٦٩، حب: الإحسان (٣/٣١٢) ح ٢١٩٩.\n(٣/١٠٥) .\n٦ هو: أبو عمرو اليَّمَامِي.\n٧ ابن عميرة الحنفي السُّحَيْمِي.\n٨ الحنفي اليمامي، ثقة، من الثالثة/ بخ د ق. (التقريب ٣٤٧) .\n٩ في سنن البيهقي: \"وكان أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من بني سُحَيم\".","vol":"2","page":320},{"text":"وعند أحمد والبيهقي زيادة ليست عند الباقين، فقد جاء لفظه عندهما هكذا: \" ... فصلينا خلف النبي ﷺ فَلَمَحَ بمؤخر عينيه إلى رجلٍ لا يقَيِّم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: \"يا معشر المسلمين، إنه لا صلاة لمن لا يقَيِّم صُلْبَهُ في الركوع والسجود ... \" ثم ذكر قصة المنفرد خلف الصف.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، قال الحافظ البوصيري: \"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات\"١. وصَحَّحَهُ الشيخ الألباني في مواضع٢، وقال في (الإرواء) ٣: \"وجملة القول: أن أمره ﷺ الرجل بإعادة الصلاة، وأنه لا صلاة لمن يصلي خلف الصف وحده: صحيح ثابت عنه من طرق\"٤.\nوقد تقدم تصحيح ابن القَيِّم - ﵀ - لإسناده، مع إشارته إلى تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له، وبذلك يكون شاهدًا قويًا لحديث وابصة الماضي قبله.\n_________\n١ مصباح الزجاجة: (١/١٢٢) .\n٢ انظر: إرواء الغليل: (٢/٣٢٨ - ٣٢٩)، والتعليق على ابن خزيمة: (٣/٣٠)، وصحيح ابن ماجه (ح٨٢٢) .\n(٢/٣٢٩) .\n٤ وتنظر هذه الطرق والكلام عليها في \"الإرواء\" له (٢/٣٢٣ - ٣٢٩) ح ٥٤١.","vol":"2","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>١٣- باب ما جاء في صلاة الإمام جالسا</span>\nقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... عمل الصحابة مع النبي ﷺ في اقتدائهم به وهو جالس، وهذا كأنه رأى العين، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودًا أو قيامًا، فهذا عملٌ في غايةِ الظهورِ والصحةِ، فَمِنَ العجب أن يُقَدَّمَ عليه رواية:\n٣٤- (١٩) جابر الجُعْفِي عن الشعبي - وهما كوفيان - أن رسول الله ﷺ قال: \" لا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بعدي جالسًا\".\nقال: \"وهذا من أسقط روايات أهل الكوفة\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرحه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٢، كلاهما من طريق: سفيان بن عيينة، عن جابر الجعفي، عن الشعبي به.\nقال الدارقطني عقب إخراجه: \"لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسلٌ لا تقوم به حجة\". وقال الإمام الشافعي: \"وقد أَوْهَمَ بعض الناس فقال: لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعد النبي جالسًا، واحتجَّ بحديث رواه منقطعٌ عن رجل مرغوب عن الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد ... \"٣. وقال البيهقي في (المعرفة) ٤: \"قد علم الذي احتج بهذا: أن ليست فيه حجة، وأنه لا يثبت؛ لأنه مرسل، ولأنه عن\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٢/٣٨٤) .\n٢ قط: (١/٣٩٨) ح ٦. هق: (٣/٨٠) .\n٣ الرسالة: (ص ٢٥٥ - ٢٥٦) .\n(٤/١٤٦) رقم ٥٧١١.","vol":"2","page":322},{"text":"رجل يَرْغَبُ الناس عن الرواية عنه\".\nوقال ابن حبان: \" ... وأعلى شيء احتجوا به: شيء رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا\". وهذا لو صحَّ إسناده لكان مرسلًا، والْمَرْسَلُ من الخبر وما لم يُرو سِيَّانِ في الحكم ...\nوالعجب ممن يحتج بمثل هذا المرسل وقد قَدَحَ في راويه زعيمهم\"! ثمَّ روى بإسناده إلى أبي حنيفة أنه كَذَّبَ جابرًا الجعفي، ثم قال: \"فهذا أبو حنيفة يَجْرَحُ جابرًا الجعفي ويكذبه، ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه\"١.\nوقال عبد الحق في (أحكامه) - ونقله عنه الزيلعي٢ -: \"ورواه عن الجعفي مجالد، وهو أيضًا ضعيف\".\nوقال الشيخ أحمد شاكر: \"هذا الحديث غاية في الضَّعْفِ\"٣.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث ضعيف جدًا، لا تقوم بمثله حجة، كما اختار ابن القَيِّم ﵀.\n_________\n١ الإحسان: (٣/٢٧٣) .\n٢ نصب الراية: (٢/٥٠) .\n٣ حاشية \"الرسالة\" للشافعي: (ص٢٥٦) .","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>١٤- باب من ترك القصر في السفر</span>\n٣٥- (٢٠) عن عائشة ﵂ قالت: خَرَجتُ مع رسول الله ﷺ في عُمْرَة رمضان، فَأَفْطَرَ رسول الله ﷺ وصمت، وقَصرَ وأتممت، فقلت: يا رسول الله بأمي وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: \"أَحْسَنْتِ يا عائشة\".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (زاد المعاد) ١ في موضعين منه، وقال في الموضع الأول منهما: \"وأما ما رواه الدارقطني وغيره عن عائشة ... فَغَلَطٌ، إما عليها - وهو الأظهر - أو منها، وأَصَابَهَا فيه ما أَصَابَ ابن عمر في قوله: اعتمر رسول الله ﷺ في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط\".\nوحَكَمَ في الموضع الثاني بغلطه كذلك، ثم قال: \" ... فإن رسول الله ﷺ لم يَعْتَمِر في رمضان قَطُّ، وعُمَرُهُ مضبوطة العدد والزمان، ونحن نقول: يرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قَطُّ، وقد قالت عائشة ﵂: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة\".\n_________\n(٢/٥٥، ٩٣) .","vol":"2","page":324},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ١، من طريق: محمد بن يوسف٢ الفريابي، عن العلاء بن زهير٣، عن عبد الرحمن بن الأسود٤، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به.\nوهذا الحديث حَسَّنَ الدارقطني إسناده، فقال: \"متصل، وهو إسناد حسن\"٥. وصَحَّحَ البيهقي إسناده٦.\nولكنَّ هذا الحديث أُعِلَّ بعلتين:\n١- أنه اخْتُلِفَ على العلاء في إسناده، فرواه الفريابي متصلًا كما مضى، ورواه غَيْرُهُ: عن العلاء، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة مرسلًا، بدون ذكر \"الأسود\".\n٢- أنَّ ذِكْرَ \"رمضان\" فيه منكر؛ حيث إن النبي ﷺ لم يعتمر قطُّ في رمضان، وقد جاءت الرواية المرسلة بدون ذكر\"رمضان\".\n_________\n١ قط: (٢/١٨٨) ح ٣٩. هق: (٣/١٤٢) باب ترك القصر في السفر غير رغبة عن السنة.\n٢ ابن واقد بن عثمان الضَّبِّي مولاهم، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في شيء من حديث سفيان، وهو مُقَدَّم فيه - مع ذلك - عندهم على عبد الرزاق، من التاسعة، مات سنة ٢١٢هـ / ع. (التقريب ٥١٥) .\n٣ ابن عبد الله الأزدي، أبو زهير الكوفي، ثقة، من السادسة/ س. (التقريب ٤٣٥) .\n٤ ابن يزيد بن قيس النخعي، ثقة، من الثالثة، مات سنة ٩٩هـ / ع. (التقريب ٣٣٦) .\n٥ السنن: (٢/١٨٨) .\n٦ السنن: (٣/١٤٢) .","vol":"2","page":325},{"text":"أما العلة الأولى، وهي الاختلاف فيه: فقد أخرجه النسائي في (سننه) ١، وكذا البيهقي٢ من طريق: أبي نعيم٣. وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤، من طريق: القاسم بن الحكم٥. كلاهما عن:\nالعلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة ﵂ أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قَدِمَتْ مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قَصَرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ؟ قال: \" أَحْسَنْتِ يا عائشة \". وما عاب عليَّ.\nهذا لفظ النسائي والبيهقي. وأما الدارقطني فلفظه: اعتمر رسول الله ﷺ وأنا معه، فقصر وأتممت الصلاة، وأفطر وصمت، فلما دنوت إلى مكة قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت، فقال: \" أَحْسَنْتِ يا عائشة \" وما عابهُ عليَّ.\nقال الدارقطني عقب روايته: \"وعبد الرحمن قد أَدْرَكَ عائشة، ودخل عليها وهو مراهق، وهو مع أبيه، وقد سمع منها\". قال ابن حجر: \"وهو كما قال، ففي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك ... وفي ابن أبي شيبة\n_________\n(٣/١٢٢) ك تقصير الصلاة في السفر، باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة.\n٢ السنن: (٣/١٤٢) .\n٣ هو الفضل بن دكين، التيمي مولاهم، الأحول، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ٢١٨هـ وقيل ٢١٩هـ / ع. (التقريب ٤٤٦) .\n(٢/١٨٨) ح ٤٠.\n٥ ابن كثير، العرني، أبو أحمد الكوفي، قاضي همذان، صدوقٌ فيه لِين، من التاسعة، مات سنة ٢٠٨هـ / بخ ت. (التقريب ٤٤٩) .","vol":"2","page":326},{"text":"والطحاوي ثبوت سماعه منها\"١.\nوقال أبو حاتم: \"أُدْخِلَ على عائشة وهو صغير، ولم يسمع منها\"٢.\nوَتَعَقَّبَهُ العلائيُّ، فقال: \"روى حماد بن زيد وغيره، عن الصعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كنت أدخل على عائشة بغير إذن، حتى إذا كان عام احتلمتُ سَلَّمْتُ واستأذنتُ، فَعَرَفَتْ صوتي ... الحديث. وهذا يقتضي خلاف ما قاله أبو حاتم\"٣. وعلى هذا يكون هذا الإسناد مُتَّصلًا لا انقطاع فيه.\nوقد حكم الأئمة لهذه الرواية التي ليس فيها ذكر \"الأسود\"، فقال أبو بكر النيسابوري: \"من قال فيه: عن أبيه. فقد أخطأ\"٤. وذكر الدارقطني الخلاف فيه على العلاء بن زهير، ثم قال: \"والمرسل أشبه بالصواب\"٥.\nوقد اعتبر الحافظ ابن حجر هذا من الدارقطني تناقضًا حيث قال: \"واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في السنن: إسناده حسن. وقال في العلل: المرسل أشبه\"٦.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٢/٤٤) .\n٢ المراسيل لابن أبي حاتم: (ص١٢٩) .\n٣ جامع التحصيل: (ص٢٦٩) .\n٤ سنن البيهقي: (٣/١٤٢) .\n٥ علل الدارقطني: ج٥ (ق ٦٠/أ) .\n٦ التلخيص الحبير: (٢/٤٤) .","vol":"2","page":327},{"text":"قلت: ولعل الدارقطني - ﵀ - قصد بتحسين إسناده: ثقة رواته دون أن يقصد نفي العلَّة عنه.\nوأما بالنسبة للعلة الثانية، وهي النَّكارة في متنه: فقد حكم غير واحد بأن لفظة \"رمضان\" منكرة، فقال النوويُّ: \"وهذه اللفظة مُشْكِلَةٌ؛ فإن المعروف أنه - ﵇ - لم يعتمر إلا أربع عمر، كلهن في ذي القعدة\"١.\nوحَكَمَ الأئمة: ابن عبد الهادي٢، وابن الملقن٣، وابن حجر٤ بنكارة الحديث - أيضًا - من أجل ذكر الاعتمار في رمضان فيه.\nوقد سبق أن رواية أبي نعيم ومن معه - التي ليس فيها ذكر \"الأسود\" - لم ترد فيها هذه اللفظة، وقد حَكَمَ الأئمة بأنها مُقَدَّمَةٌ على الأخرى: النيسابوري والدارقطني. فلعل راويها أخطأ في متنها كما أخطأ في إسنادها، فتكون رواية أبي نعيم هي الصواب إسنادًا ومتنًا.\nوقد لجأ البعض إلى محاولة دفع هذا التعارض، فقال الحافظ ابن حجر: \"ويمكن حمله على أن قولها: في رمضان متعلق بقولها: خَرَجْتُ. ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبي ﷺ في تلك السنة من الجعرانة، لكن في ذي القعدة\"٥.\n_________\n١ خلاصة الأحكام: (ق ٩٦/أ) .\n٢ تنقيح التحقيق: (ق١٤٩) .\n٣ البدر المنير: ج ٣ (ق ١٥٣/ب) نسخة أحمد الثالث.\n٤ التلخيص الحبير: (٢/٤٤) .\n٥ فتح الباري: (٣/٦٠٣) .","vol":"2","page":328},{"text":"وقد نقل ابن الملقن مثل هذا الجواب عن بعض شيوخه، ثم رَدَّهُ بقوله: \"وتَمَحَّلَ بعض شيوخنا الحفاظ في الجواب عن هذا الإشكال ... \"١.\nوقد أَعَلَّ بعضهم هذا الحديث بـ\"العلاء بن زهير\"، فقال ابن التركماني٢:\"قال فيه ابن حبان: يروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، فَبَطَلَ الاحتجاج به\"٣.\nولكنَّ ذلك مردودٌ؛ فإن يحيى بن معين قال فيه: \"ثقة\"٤. وقال عبد الحق: \"ثقة مشهور\"٥. حتى إنَّ ابن حبان نفسه ذكره في (الثقات) ٦ فتناقض بذلك. قال الذهبي ﵀: \"قلت: العبرة بتوثيق يحيى\"٧.\nوأَعَلَّهُ ابن حزم بجهالة العلاء بن زهير هذا، فقال: \"لم يروه غيره، وهو مجهول\" وقال قبل ذلك عن هذا الحديث: \"لا خير فيه\"٨. كذا قال ابن حزم!\nوردَّ عليه ابن الملقن ﵀، وأثبت معرفة عينه وحاله، ثم نقل ردَّ عبد الحق عليه، إذ قال: \"وقول ابن حزم: لا خير فيه. جهل منه بالآثار\". قال: \"ودعواه جهالة العلاء غلطٌ، بل هو ثقة مشهور، روى عنه\n_________\n١ البدر المنير: ج ٣ (ق ١٥٣/ب) .\n٢ في الجوهر النقي: (٣/١٤٢) .\n٣ انظر: المجروحين: (٢/١٨٣) .\n٤ الجرح والتعديل: (٣/١/٣٥٥) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٨/١٨١) .\n(٧/٢٦٥) .\n٧ الميزان: (٣/١٠١) .\n٨ المحلى: (٤/٢٦٩) .","vol":"2","page":329},{"text":"الأعلام، ووثقه ابن معين\"١.\nبَقَيَ أمرٌ آخر يمكن إيراده على هذا الحديث، وهو كيفَ تخالفُ عائشة ﵂ ما شَاهَدَتْهُ من فِعْلِ النبي ﷺ وسائرِ أصحابهِ؟ وقد صَوَّرَ ابن الملقن - ﵀ - هذه الشبهة، فقال: \"وبلغني عن بعض الأكابر ممن عَاصَرْتُ أنه أَنْكَرَ هذا الحديث من وجهٍ آخر، وقال: كيف تُتِمُّ مع مشاهدتها الشَّارِعَ والصحابة، وهي تقول: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين ... الحديث، وإنما صحَّ إتمامها بعده ﵇ متأولة ما تأوله عثمان؟ \".\nقال: \"وهذا إنكار عجيب ... ومعنى أُقِرَّتْ صلاة المسافر: في جواز الاقتصار عليها، بخلاف صلاة الحضر، فإن الزيادة فيها متحتمة\"٢.\nويمكن أن يُقال: إن موافقته ﷺ لها لبيان الجواز، ولذلك بوَّبَ عليه البيهقي بقوله: \"باب من ترك القصر في السفر غير رغبة عن السُّنَّةِ\".\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث صحيح من رواية أبي نعيم والقاسم بن الحكم، عن العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة، بدون ذِكْرِ \"الأسود بن يزيد\" في إسناده، ولا \"رمضان\" في متنه. وقد حكم بصحته من تقدم ذكرهم، وصححه كذلك ابن الملقن﵀ - من هذه الطريق، وكذا عبد الحق٣.\nوأما ابن القَيِّم: فقد أَعَلَّهُ بهذه اللفظة، ولم يتعرض للرواية الأخرى التي لم ترد فيها تلك اللفظة، فلعله لم يقف عليها؟ فالله أعلم.\n_________\n١ انظر: البدر المنير: ج ٣ (ق ١٥٣/ب) .\n٢ انظر: البدر المنير: ج ٣ (ق ١٥٤/أ) .\n٣ البدر المنير: ج ٣: (ق١٥٣/أ) .","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>١٥- باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في السفر</span>\n٣٦- (٢١) عن معاذ بن جبل ﵁: \"أَنَّ النبي ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيْغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعُهَا إلى العصرِ، فيصليهما جميعًا، وإِذَا ارْتَحَلَ بعدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظهرَ والعصرَ جَمِيعًَا ثم سَارَ، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أَخَّرَ المغربَ حتَّى يصليها مع العشاءِ، وإذا ارتحلَ بعد المغرب عَجَّلَ العِشَاء، فصلاَّهَا مع المغرب\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث عند الكلام على هديه ﷺ في الجمع بين الصلاتين في السفر، ثم قال: \"لكن اخْتُلِفَ في هذا الحديث، فمن مُصَحِّح له، ومن مُحَسِّنٍ، ومن قادح فيه وجعله موضوعًا: كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمِيَ بعِلَّةٍ عجيبةٍ\".\nثم نقل عن الحاكم كلامه في إعلاله ووصفه بالوضع١، ونقل في موضع آخر تضعيف الترمذي، وأبي داود، وابن حزم له٢، ثم قامَ - ﵀ - بالجواب عن تلك العلل بما سيأتي نقله عنه خلال هذا البحث إن شاء الله.\nقلتُ: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٤٧٧ - ٤٨٠) .\n٢ زاد المعاد: (٣/٥٤٤) .\n(٢/١٨) ح ١٢٢٠، ك الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين.","vol":"2","page":331},{"text":"(جامعه) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٤ من طرق، عن:\nقتيبة بن سعيد، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب٥، عن أبي الطفيل٦، عن معاذ بن جبل به.\nوقد أُعِلَّ حديث قتيبة هذا بعللٍ:\nأولها: أن قتيبة تَفَرَّدَ به، ولم يتابعه أحدٌ على ذكر جمع التقديم.\nثانيها: أن غلِطَ في إسناده، وأن صوابه \"أبو الزبير\" بدل \"يزيد بن أبي حبيب\".\nثالثها: أن يزيد بن أبي حبيب عنعنه، ولا تُعْرَفُ له رواية عن أبي الطفيل، قاله ابن حزم.\nوإلى مناقشة هذه العلل:\nأولًا: أمَّا تفرد قتيبة به: فقاله غير واحد: قال أبو داود عقب\n_________\n(٢/٤٣٨) ح ٥٥٣، ك الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين.\n(٥/٢٤١) .\n٣ الإحسان: (٣/٦١) ح ١٥٩١.\n٤ قط: (١/٣٩٢) ح ١٥. هق: (٣/١٦٢) .\n٥ المصري، أو رجاء، ثقة فقيه، وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ١٢٨هـ / ع. (التقريب ٦٠٠) .\n٦ عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، ولد عام أحد، ورأى النبيصلى الله عليه وسلم، وعُمِّرَ إلى أن مات سنة١١٠هـ على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة/ع. (التقريب ٢٨٨) .","vol":"2","page":332},{"text":"إخراجه: \"ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده\" كذا في (السنن)، ونقل عنه ابن القَيِّم في (الزاد) ١ قوله: \"هذا حديث منكر، وليس في تقديم الوقت حديث قائم\". وكذا نقله ابن حجر في (التلخيص) ٢. وقال أبو عيسى الترمذي: \"تَفَرَّدَ به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره\". وقال أبو سعيد بن يونس: \"لم يُحَدِّثْ بهذا الحديث إلا قتيبة\"٣. وقال الحاكم أبو عبد الله: \"هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذُّ الإسناد والمتن، لا نَعْرِفُ له علة نُعَلِّلُهُ بها ... فنظرنا فإذا الحديث موضوع\"٤. وقال الذهبي: \"أتى بلفظ منكر جدًا\"٥ يعني قتيبة.\nويرى البخاري - ﵀ - أنَّ هذا الحديث أُدْخِلَ على قتيبة، فروى الحاكم في (علوم الحديث) ٦ بسنده إلى البخاري، أنه قال: \"قلتُ لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان خالدٌ المدائني يُدخِلُ الحديث على الشيوخ\".\nوقال الذهبي: \"يَرَوْنَ أن خالدًا المدائني أدخله على الليث، وسمعه قتيبة معه، فالله أعلم\". ثم قال: \"هذا التقرير يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين، ويروي مالم يسمع، وماكان كذلك. بل كان حُجَّةً متثبتًا،\n_________\n(٣/٥٤٤) .\n(٢/٤٩) .\n٣ التلخيص الحبير: (٢/٤٩) .\n٤ معرفة علوم الحديث: (ص١٢٠) في نوع الشاذ.\n٥ سير أعلام النبلاء: (١١/٢٣) .\n(ص ١٢٠ - ١٢١) .","vol":"2","page":333},{"text":"وإنما الغفلة وقعت فيه من قتيبة، وكان شيخ صدقٍ، قد روى نحوًا من مائة ألف، فَيُغْتَفَرُ له الخطأ في حديث واحد\"١.\nولقد حاول ابن القَيِّم - ﵀ - الجواب عن هذه العلة، فذكر أن أبا داود أخرجه من حديث: يزيد بن خالد٢، عن المفضل بن فضالة٣، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد٤، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ به.\nقال ابن القَيِّم: \"فهذا الْمُفَضَّلُ قد تَابَعَ قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضل وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به\"٥.\nكذا ساق ابن القَيِّم إسناده، والذي في (سنن أبي داود) ٦: \"المفضل ابن فضالة والليث بن سعد\" لا \"عن الليث بن سعد\". وعلى هذا فيكون الذي تابع قتيبة: هو \"يزيد بن خالد\"، وليس \"المفضل بن فضالة\". مع ملاحظة اختلاف الإسنادين وعدم اتحادهما، فإن يزيد بن خالد جعله: \"عن الليث ومفضل، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير\" بخلاف إسناد\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: (١١/٢٣ - ٢٤) .\n٢ ابن عبد الله بن موهب الرَّمْلي، أبو خالد، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ٢٣٢هـ أو بعدها/ د س ق. (التقريب ٦٠٠) .\n٣ ابن عبيد بن ثمامة القتباني، المصري، أبو معاوية القاضي، ثقة فاضل عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، من الثامنة، مات سنة ١٨١ هـ/ع. (التقريب ٥٤٤) .\n٤ المدني، أبو عباد، أو أبو سعيد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع، من كبار السابعة، مات سنة ١٦٠ هـ أو قبلها / خت م ٤. (التقريب ٥٧٢) .\n٥ زاد المعاد: (١/٤٧٨ - ٤٧٩) .\n(٢/١٢) ح ١٢٠٨.","vol":"2","page":334},{"text":"قتيبة الذي هو: \"عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب\". وسيأتي الكلام على ذلك عند مناقشة العلة الثانية.\nولكن، هل تصلحُ هذه المتابعة للوقوف إلى جانب رواية قتيبة، ودَفع شبهة التَّفَرُّدِ عنه؟؟ الجواب: لا.\nوذلك لأن الأئمة الحفاظ قد خالفوا هشام بن سعد في هذه الرواية، فرووه عن: أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، بدون ذكر جمع التقديم، منهم: الليث بن سعد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وقُرَّةُ بن خالد.\nوقد أشار بعض الأئمة إلى ذلك، فقال الترمذي - عقب روايته حديث قتيبة -: \"والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ: \" أن النبي ﷺ جَمَعَ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء \". رواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد عن أبي الزبير المكي\"١. وقال الحافظ ابن حجر: \"وهشام لَيِّنُ الحديث، وقد خالف أوثق الناس في أبي الزبير، وهو الليث بن سعد\"٢. وقال مرةً: \"وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير ... \"٣.\nقلت: أخرج رواية قرة بن خالد: مسلم في (صحيحه) ٤. ورواية\n_________\n١ جامع الترمذي: (٢/٤٤٠) .\n٢ التلخيص الحبير: (٢/٤٩) .\n٣ فتح الباري: (٢/٥٨٣) .\n(١/٤٩٠) ح ٥٣ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.","vol":"2","page":335},{"text":"مالك: في (الموطأ) ١ مطولة. ورواية سفيان: في (مسند أحمد) ٢.\nفظهر من ذلك أن رواية هشام بن سعد لا تصلح لمتابعة رواية قتيبة؛ إذ هي الأخرى معلولة.\nثانيًا: وأما غَلَطُ قتيبة في إسناده: فقد مضى أن هشام بن سعد قال فيه: \"عن أبي الزبير\" بدل \"يزيد بن أبي حبيب\"، وَرَجَّحَ غير واحد رواية هشام، فقال أبو حاتم: \"لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث. حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، عن هشام، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل ... \"٣ فذكره. وقال أبو سعيد بن يونس: \"يقال: إنه غلط، وأنَّ موضع يزيد بن أبي حبيب: أبو الزبير\"٤.\nفرجعَ بذلك حديث قتيبة إلى حديث هشام، وتقدم أن حديث هشام معلول بمخالفة الثقات من أصحاب أبي الزبير، فيرجع الكل إلى رواية هؤلاء الثقات عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، بدون ذكر جمع التقديم فيه.\nثالثًا: ما أَعَلَّهُ به ابن حزم - ﵀ - من عنعنة يزيد بن أبي حبيب، وأنه لا تُعْرَفُ له رواية عن أبي الطفيل: فقد أجاب عن ذلك\n_________\n(١/١٤٣) ح ٢، ك قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر.\n(٥/٢٣٠، ٢٣٦) .\n٣ علل ابن أبي حاتم: (١/٩١) ح ٢٤٥.\n٤ سير أعلام النبلاء: (١١/٢٣) .","vol":"2","page":336},{"text":"الشيخ الألباني، فقال: \"يزيد بن أبي حبيب غير معروف بالتدليس، وقد أدرك أبا الطفيل حتمًا؛ فإنه وُلِدَ سنة (٥٣) ومات سنة (١٢٨) . وتوفي أبو الطفيل سنة (١٠٠) أو بعدها، وعمر يزيد حينئذ ٤٧ سنة\"١.\nقلت: لكن وافق ابن حزم في هذا القول: الحاكمُ أبو عبد الله، فقال: \" ... ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية\"٢. وقال الْمِزِّيُّ ﵀ - عندما ذكر أبا الطفيل في شيوخ يزيد -: \"إن كان محفوظًا\"٣.\nوهذه العلة تؤكد ما تَقَدَّمَ من أن: ذكر يزيد بن أبي حبيب في إسناده خطأ، وأن الصواب: أبو الزبير.\nفَظَهَرَ بذلك أن ذكر جمع التقديم في حديث معاذٍ لا يصحُّ، وأن الصَّواب عدمُ ذكره كما أخرج ذلك مسلم، ومالك وغيرهما.\nلكن ابن القَيِّم - ﵀ - متمسك بصحة ذلك عن معاذ، وقد دَافَعَ عنه بما تقدم ذكره من كلامه، وقال في (إعلام الموقعين) ٤: \"إسناده صحيح، وعلته واهية\". ثم شرع في ذكر بعض الشواهد له فمن ذلك:\n٣٧- (٢٢) ما رواه إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس ﵁: \"أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إذا كان في سفر، فَزَالَتِ الشمسُ، صَلَّى الظهرَ والعصرَ ثم ارْتَحَلَ\".\n_________\n١ إرواء الغليل: (٣/٣٠) .\n٢ علوم الحديث: (ص١٢٠) .\n٣ تهذيب الكمال: (٣٢/١٠٤) .\n(٢/٤٢٢) .","vol":"2","page":337},{"text":"قال ابن القَيِّم: \"وهذا إسناد كما ترى، وشبابة: هو شبابة بن سَوَّار، الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في صحيحه عن الليث بن سعد بهذا الإسناد، على شرط الشيخين، وأقلُّ درجاته: أن يكون مُقَوِّيًَا لحديث معاذ\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ من طريق ابن راهويه، ونقل الحافظ ابن حجر عن النوويِّ قوله: \"إسناده صحيح\"، ثم قال: \"وفي ذهني أن أبا دود أنكره على إسحاق\"٣. وقال مرة: \"أخرجه الإسماعيلي، وأُعِلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادحٍ؛ فإنهما إمامان حافظان\"٤.\nقال: \"ولكن له متابع رواه الحاكم في (الأربعين) له، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن حسان بن عبد الله، عن المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس ... \" فذكره. قال: \"وهو في الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق، وليس فيهما: \"والعصر\"، وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتَعَجَّبَ من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك\"٥. ثم عاد فقال: \"وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٤٧٩) .\n(٣/١٦٢) .\n٣ التلخيص الحبير: (٢/٤٩) .\n٤ فتح الباري: (٢/٥٨٣) .\n٥ التلخيص الحبير: (٢/٤٩ - ٥٠) .","vol":"2","page":338},{"text":"إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر ... \"١.\nولحديث أنس هذا طريق أخرى أشار إليها الحافظ ابن حجر في (التلخيص) ٢ فقال: \"رواها الطبراني في (الأوسط): حدثنا محمد بن إبراهيم بن نصر بن شبيب الأصبهاني، ثنا هارون الحمال، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا محمد بن سعدان، ثنا ابن عجلان، عن عبد الله بن الفضل، عن أنس ﵁: \" أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفرٍ فزاغتِ الشمسُ قبل أن يرتحل، صلَّى الظهر والعصر جميعًا ... \" الحديث، قال الطبراني: تفرد به يعقوب بن محمد\". وقال الهيثمي: \"رجاله موثقون\"٣.\nقلت: يعقوب بن محمد: ضَعَّفَهُ بعضهم، ووثقه آخرون، وروايته عن الثقات مقبولة٤. وشيخه محمد بن سعدان: قال فيه أبو حاتم: \"شيخ\"٥.\nوهذه العبارة تشعر بنوع تعديل، ولا تدلُّ على مطلق الضعف، فيكون هذا الإسناد صالحًا للاستشهاد به، فإذا ضُمَّ إلى طريق ابن راهويه السابق أَخَذ حديث أنس قوةً، فإذا ضُمَّ حديث أنس هذا - بطريقيه - إلى حديث معاذ السابق، كان كما قال ابن القَيِّم - ﵀ -: \"أقلُّ درجاته أن يكون مُقَوِّيًَا لحديث معاذ\"٦.\n_________\n١ فتح الباري: (٢/٥٨٣) .\n(٢/٥٠) .\n٣ مجمع الزوائد: (٣/١٦٠) .\n٤ انظر: تهذيب التهذيب: (١١/٣٩٦) .\n٥ الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٨٢) .\n٦ زاد المعاد: (١/٤٧٩) .","vol":"2","page":339},{"text":"ثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - شاهدًا آخر لحديث معاذ، وهو:\n٣٨- (٢٣) حديث هشام بن عروة، عن حسين بن عبد الله١، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: \" أَلا أُخْبِرُكُم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ كان إذا زالت الشمس وهو في مَنْزِلَهِ جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ في الزَّوال ... \"فذكر نحو حديث معاذ وأنس المتقدمين.\nثم نقل ابن القَيِّم عن البيهقي خلافًا وقع في إسناده٢.\nوقد ذكر الدارقطني - ﵀ - وجوه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ثم جمع بينها، فقال: \"رَوَى هذا الحديث حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني حسين، عن كريب وحده، عن ابن عباس٣. ورواه عثمان بن عمر، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه عبد المجيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن حسين، عن كريب، عن ابن عباس. وكلهم ثقات، فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولًا من هشام عن حسين، كقول عبد المجيد عنه، ثم لقي ابن جريج حسينًا فسمعه منه: كقول عبد الرزاق٤ وحجاج عن ابن جريج:\n_________\n١ ابن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، المدني، ضعيف، من الخامسة، مات سنة ١٤٠هـ أو بعدها بسنة / ت ق. (التقريب ١٦٧) .\n٢ زاد المعاد: (١/ ٤٧٩ - ٤٨٠) .\n٣ أخرجه من هذا الطريق البيهقي: (٣/١٦٣) .\n٤ ورواية عبد الرزاق: أخرجها الدارقطني: (١/٣٨٨) ح ١، والبيهقي (٣/١٦٣) من طريق: عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة وكريب كليهما، عن ابن عباس به.","vol":"2","page":340},{"text":"حدثني حسين. واحتمل أن يكون حسين سمعه من عكرمة، ومن كريب جميعًا، عن ابن عباس، وكان يُحَدِّثُ به مرة عنهما جميعًا: كرواية عبد الرزاق عنه. ومرة عن كريب وحده: كقول حجاج وابن أبي رواد. ومرة عن عكرمة وحده، عن ابن عباس: كقول عثمان بن عمر، وتصحُّ الأقاويل كُلَّهَا\"١.\nوأشار ابن حجر - ﵀ - في (التلخيص الحبير) ٢ إلى كلام الدارقطني هذا، ثم قال: \"إلا أنَّ عِلَّتَهُ ضعفُ حسين، ويقال: إن الترمذي حَسَّنَهُ، وكأنه باعتبار المتابعة، وغَفَلَ ابن العربي فصحح إسناده. لكن له طريق أخرى، أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني في (مسنده): عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وروى إسماعيل القاضي في (الأحكام) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن ابن عباس نحوه\".\nوقال في (فتح الباري) ٣: \"في إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس - ولا أعلمه إلا مرفوعًا٤ -: \" أَنَّه كَانَ إِذَا نَزَل مَنْزلًا في السَّفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمعَ بين الظهر والعصر، ثم يرتحلُ،\n_________\n١ سنن الدارقطني: (١/٣٨٨) .\n(٢/٤٨) .\n(٢/٥٨٣) .\n٤ هذا من كلام البيهقي، وتمامه: \"وإلا فهو عن ابن عباس\" (السنن ٣/١٦٤) .","vol":"2","page":341},{"text":"فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ فِي السَّير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر\" أخرجه البيهقي١، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف\".\nوعلى كلِّ حالٍ فالحديث يَتَقَوَّى بهذه الطرق، وبما مضى من شواهد، وقد قال البيهقي ﵀: \"هو بما تَقَدَّمَ من شواهده يقوى\"٢. وقال الشيخ الألباني: \"فالحديث صحيح عن ابن عباس بهذه المتابعات والطرق\"٣.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن الحديث وإن كان ضعيفًا من رواية معاذ بن جبل ﵁، فإنه يتقوى بهذه الشواهد التي أَوْرَدَهَا ابن القَيِّم - ﵀ - من حديث أنس، وابن عباس ﵄. أما أن يكون حديث معاذ صحيحًا بنفسه - كما ذهب إليه ابن القَيِّم - فلا، لما تقدم بيانه من أنه معلول.\nعلى أن تصرف ابن القَيِّم قد يَدَلُّ على أن حديث معاذ قاصر عن درجة الصحة عنده، فإنه قد صَدَّرَه بقوله: \"وقد رُوِيَ عنه في غزوة تبوك ... \". وهذه الصيغة غالبًا ما يستعملها فيما يذهب إلى ضعفه أو ما هو مترَدِّدٌ فيه، والله أعلم.\n_________\n١ سنن البيهقي: (٣/١٦٤) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ إرواء الغليل: (٣/٣٢) .","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>من كتاب الزكاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>١- باب في عقوبة مانع الزكاة</span>\n٣٩- (١) عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: \"في كُلِّ إبل سَائِمَةٍ١، في كل أربعين: ابنة لَبُون٢، لا يُفَرَّقُ إبلٌ عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا٣ فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله، عَزْمَةٌ٤ من عَزَمَات ربنا، لا يَحِلُّ لآل محمد ﷺ منها شيء\".\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث بالمناقشة، فذكر أن جماعة ذهبوا إلى أنه منسوخ، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وأن آخرين رَدُّوهُ بضعف بهز بن حكيم.\nثم أخذ - ﵀ - في الرد على هؤلاء وهؤلاء، فقال: \"وليس لمن رَدَّ هذا الحديث حجة، ودعوى نسخه دعوى باطلة؛ إذ هي دعوى ما لا دليل عليه، وفي ثبوت شَرْعِيَّة العقوبات المالية عِدَّةُ أحاديث عن النبي ﷺ، لم يثبت نسخها بحجة، وعَمِل بها الخلفاء بعده\"٥.\n_________\n١ السَّائِمَةُ: الراعية، يقال: سَامَتٍ الماشية، سَوْمًا: رعتْ بنفسها، وأَسَامَهَا راعيها، فهي سَائِمَة، والجمع: سَوائِم. (المصباح المنير ١/٢٩٧) .\n٢ هي من الإبل ما أتى عليها سنتان ودخلت في الثالثة، فصارت أمها لبونًا، أي ذات لبن؛ لأنها تكون حملت حملًا آخر ووضعته. (النهاية ٤/٢٢٨) .\n٣ أي طالبًا للأجر.\n٤ عَزْمَةٌ من عزمات ربنا: أي حق من حقوقه، وواجب من واجباته. (النهاية ٣/٢٣٢) .\n٥ تهذيب السنن: (٢/١٩٣ - ١٩٤) .","vol":"2","page":345},{"text":"ثم أخذ يَرُدُّ على من ضَعَّفَ الحديث ببهز، فنقل جملة من أقوال الأئمة الذي وثقوه وصححوا حديثه، وَرَدَّ على ابن حبان في قوله: \"لولا حديثه هذا لأدخلناه في الثقات\": بأنه إن لم يكن لضعفه سبب إلا روايته هذا الحديث، وهذا الحديث إنما رُدَّ لضعفه، كان هذا دَورًَا باطلًا، قال: \"وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفه؛ فإنه لم يخالف فيه الثقات ... \"١\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٢، وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٣، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٤ - ومن طريقه البيهقي٥ - وابن الجارود في (المنتقى) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧ من طرق، عن:\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/١٩٤) .\n٢ د: (٢/٢٣٣) ح ١٥٧٥ ك الزكاة، باب في زكاة السائمة. س: (٥/١٥) باب عقوبة مانع الزكاة. و(٥/٢٥) باب سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلًا ... ك الزكاة.\n٣ حم: (٥/٢، ٤) . مي: (١/٣٣٣) ح ١٦٨٤ ك الزكاة، باب ليس في عوامل الإبل صدقة.\n(٤/١٨) ح ٦٨٢٤.\n(٤/١٠٥) .\n(ح ٣٤١) .\n(١/٣٩٨) .","vol":"2","page":346},{"text":"بهز بن حكيم١، عن أبيه٢، عن جده٣، عن النبي ﷺ به، واللفظ المذكور هو لفظ النسائي، ولفظ الباقين نحوه، إلا أنه وقع عند أبي داود: \" ... وشطر ماله\" بدل: \"وشطر إبله\". وأما عبد الرزاق، فقد جاء عنده: \" ... عزيمة من عزائم ربك، لا تحل لمحمد ولا لآل محمد\".\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد - على ما قدمنا ذكره في تصحيح هذه الصحيفة - ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\nوقال الإمام الشافعي: \"وهذا الحديث لا يُثْبِتُهُ أهل العلم بالحديث، ولو ثَبَتَ لقلنا به\"٤. وضَعَّفَ ابن حبان الحديث ببهز، فقال: \"ولولا حديث: إنا آخذوه وشطر إبله ... لأدخلناه في الثقات\"٥. وقال البيهقي: \"هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن، فأما البخاري ومسلم - رحمهما الله - فإنهما لم يُخَرِّجَاه، جريًا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راوٍ واحدٍ لم يخرجا حديثه في الصحيحين، ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه، فلم يخرجا حديثه في الصحيح\"٦.\n_________\n١ ابن معاوية القشيري، أبو عبد الملك، صدوق، من السادسة، مات قبل ١٦٠ هـ- / خت ٤. (التقريب ١٢٨) .\n٢ هو: حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، صدوق، من الثالثة/ خت ٤. (التقريب ١٧٧) .\n٣ هو: معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري، صحابي، نزل البصرة ومات بخراسان/ خت ٤. (التقريب ٥٣٧) .\n٤ التلخيص الحبير: (٢/١٦١) .\n٥ المجروحين: (١/١٩٤) .\n٦ سنن البيهقي: (٤/١٠٥) .","vol":"2","page":347},{"text":"والواقع أن الْحُكْمَ على هذا الحديث متوقف على الحكم على \"بهز بن حكيم\"، ومعرفة درجته من الجرح والتعديل؛ فَإِنَّ الرَّجُل مختلف فيه بين الأئمة:\nقال يحيى بن معين: \"ثقة\"١. وقال في هذا الإسناد: \"صحيح إذا كان دون بهز ثقة\"٢ وقال على بن المديني: \"ثقة\"٣. وقال النسائي: \"ثقة\"٤. وقال أبو زرعة: \"صالح، ولكنه ليس بالمشهور\"٥. وقال أبو داود: \"هو عندي حُجَّةٌ\"٦. وقال الترمذي: \"ثقة عند أهل الحديث\"٧. وقال أبو جعفر السبتي: \"بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح\"٨. وقال ابن عدي: \"أرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا، وإذا حَدَّثَ عنه ثقة فلا بأس به\"٩. وقال الذهبي: \"صدوق فيه لين\"١٠. وتَقَدَّمَ قول ابن حجر فيه: \"صدوق\". وقد احتجَّ به أحمد، وإسحاق١١.\n_________\n١ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٦٤)، وتاريخ الدارمي: (ص٨٢) رقم ١٩٩.\n٢ تهذيب التهذيب: (١/٤٩٨) .\n٣ الجرح والتعديل: (١/١/٤٣٠) .\n٤ تهذيب التهذيب: (١/٤٩٨) .\n٥ الجرح والتعديل: (١/١/٤٣١) .\n٦ تهذيب التهذيب: (١/٤٩٩) .\n٧ المصدر السابق.\n٨ المصدر السابق.\n٩ الكامل: (٢/٦٨) بتصرف.\n١٠ المغني: (١/١١٦) .\n١١ المجروحين: (١/١٩٤) .","vol":"2","page":348},{"text":"ولم يحتج به الشافعي، ولم يحدث عنه شعبة١، وقال ابن حبان: \"كان يخطئ كثيرًا ... وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث: إنا آخذوه وشطر إبله ... لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه\"٢. وقال ابن الطلاع: \"مجهول\". وقال ابن حزم: \"غير مشهور بالعدالة\". ونقل ذلك عنهما الحافظ ابن حجر، ثم قال: \"وهو خطأ منهما، فقد وَثَّقَهُ خلقٌ من الأئمة ... \"٣.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك أن بهزًا قد وَثقَهُ الأكثرون وقبلوه، ولعل حديثه لا ينزل عن مرتبة الحسن إن شاء الله، وهذا ما اختاره الذهبي ﵀، فقال: \"حديثه حسن\"٤. والترمذي كثيرًا ما يُحَسِّنُ حديثه، وهو مقتضى كلام الأئمة - ﵏ - فيه.\nوأما ما ذكره البيهقي - ﵀ - من أن أصحاب الصحيحين إذا لم يكن للصحابي أو التابعي إلا راوٍ واحد لم يخرجا حديثه: فإن هذه الدعوى منتقضة، وقد رَدَّهَا الأئمة، وليس هذا مكان بسط ذلك٥.\nوعلى فرض صحة هذه الدعوى، فإنها منتفية في حق معاوية؛ إذ روى عنه اثنان غير ابنه حكيم، وهما: عروة بن رويم اللخمي، وحميد اليزني٦.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (١/٤٩٨) .\n٢ المجروحين: (١/١٩٤) .\n٣ التلخيص الحبير: (٢/١٦١) .\n٤ المغني: (١/١١٦) .\n٥ وقد رَدَّ عليه صاحب (الجوهر النقي): (٤/١٠٥) فليراجع.\n٦ انظر: تهذيب التهذيب: (١٠/٢٠٥ - ٢٠٦) .","vol":"2","page":349},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك، أن هذا الحديث حسن، وأن من ضَعَّفَهُ ببهز ابن حكيم لم يصب في ذلك، وأن الصواب مع ابن القَيِّم ﵀ في القول بثبوت هذا الخبر، وقد قال عنه الإمام أحمد: \"صالح الإسناد\"١. وتقدم تصحيح الحاكم له، وموافقة الذهبي إياه.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٢/١٦١) .","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>من كتاب الصوم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>١ - باب السواك للصائم</span>\n...\n١- باب السواك للصائم\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وصحَّ عنه أنه كان يستاك وهو صائم\"١. ولعله - ﵀ - يشير بذلك إلى حديث:\n٤٠ - (١) عامر بن ربيعة ﵁ قال: \"رَأَيْت النبي ﷺ مَا لا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وهو صائم\".\nوقد سَكَتَ - ﵀ - عن حديث عامر هذا في (تهذيب السنن) ٢.\nقلت: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن خزيمة في (صحيحه) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والعقيلي في (الضعفاء) ٨، كلهم من طريق:\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٦١) .\n(٣/٢٤٠) .\n(٢/٧٦٨) ح ٢٣٦٤ ك الصوم، باب السواك للصائم.\n(٣/٩٥) ح ٧٢٥، ما جاء في السواك للصائم.\n(٣/٤٤٥) .\n(٣/٢٤٧) ح ٢٠٠٧، باب الرخصة في السواك للصائم.\n٧ قط: (٢/٢٠٢) ح ٢ - ٤. هق: (٤/٢٧٢) .\n(٣/٣٣٤) . في ترجمة \"عاصم بن عبيد الله\".","vol":"2","page":353},{"text":"سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيد الله١، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة٢، عن أبيه عامر به. ولفظ مسدد عند أبي داود: \"ما لا أَعُدُّ ولا أحصي\". وكذا قال جعفر بن محمد الثعلبي عند ابن خزيمة.\nوهذا الحديث ضعيف، في إسناده \"عاصم بن عبيد الله العُمَرِي\" وقد ضَعَّفَهُ غير واحد من الأئمة، فقال كلُّ من: البخاري٣، وأبي حاتم٤، وأبي زرعة٥: \"منكر الحديث\". وقال ابن معين: \"ضعيف\"٦. وقال النسائي: \"لا نعلم مالكًا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله ... \"٧ وقال الدارقطني: \"مدني يترك، وهو مغفل\"٨. وقال ابن حبان: \"كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ، فَتُرِكَ من أجل كثرة خطئه\"٩. وَضَعَّفَهُ غير هؤلاء١٠.\n_________\n١ ابن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي، المدني، ضعيف، من الرابعة، مات في أول دولة بني العباس، سنة ١٣٢/ عخ٤. (التقريب ٢٨٥) .\n٢ العَنَزِي، أبو محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ، ولأبيه صحبة مشهورة، وَثَّقَهُ العجلي، مات سنة بضع وثمانين/ ع. (التقريب ٣٠٩) .\n٣ الضعفاء الصغير: (ص١٨٠) .\n٤ الجرح والتعديل: (٣/١/٣٤٨) .\n٥ المصدر السابق.\n٦ تاريخ الدوري: (٢/٢٨٣) .\n٧ تهذيب التهذيب: (٥/٤٨) .\n٨ سؤالات البرقاني للدارقطني: (ص٤٩) .\n٩ المجروحين: (٢/١٢٧) .\n١٠ انظر: تهذيب التهذيب: (٥/٤٧ - ٤٨) .","vol":"2","page":354},{"text":"وخالف العِجْلِيُّ، فقال: \"لا بأس به\"١.\nوقد ضَعَّفَ الحديث جماعة لأجل عاصم هذا: فقال ابن خزيمة عقب إخراجه إياه: \"وأنا بريء من عهدة عاصم\"٢. ثم نقل بعض أقوال مُضَعِّفِيه، واعتذر عن إخراجه في كتابه بأن شعبة والثوري قد رويا عنه. وقال العقيلي: \"ولا يُروى بغير هذا الإسناد إلا بإسناد لَيِّنٍ\". وقال الدارقطني عقب إخراجه: \"عاصم بن عبيد الله غيره أثبت منه\". وقال البيهقي: \"عاصم بن عبيد الله ليس بالقويِّ\"٣. وقال المنذري: \"في إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تَكَلَّمَ فيه غير واحد\"٤. وقال ابن حجر: \"وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف\"٥. وعَلَّقَهُ البخاري في (صحيحه) ٦ بصيغة تمريض، فقال: \"ويذكر عن عامر بن ربيعة ... \".\nوقد انفرد الترمذي - ﵀ - بتحسينه، فقال: \"حديث حسن\". ويبدو أن ابن القطان يوافقه على ذلك؛ حيث قال: \"وهو حديث يرويه الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، وعاصم مختلف فيه، فبحق قيل فيه: حسن\"٧. وقال ابن الملقن: \"إنما لم يصححه - يعني الترمذي -؛ لأن\n_________\n١ الثقات: (بترتيب الهيثمي): (ص٢٤١) .\n٢ صحيح ابن خزيمة: (٣/٢٤٨) .\n٣ السنن: (١/٢٧٢) .\n٤ مختصر السنن: (٣/٢٤١) .\n٥ التلخيص الحبير: (١/٦٨) .\n٦ انظر: فتح الباري مع البخاري: (٤/١٥٨) ك الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم.\n٧ بيان الوهم والإيهام: (٣/٤٤١) ح ١١٩٦.","vol":"2","page":355},{"text":"في إسناده عاصم بن عبيد الله ... \"١.\nقلت: فظاهر كلامهما - يعني: ابن القطان وابن الملقن - أن الترمذي حَسَّنَهُ لأجل وجود عاصم بن عبيد الله في إسناده، ولولا ذلك لَصَحَّحَهُ! والأمر على خلاف ذلك؛ فإن الجمهور على ضعف هذا الرجل كما سلف من كلامهم ﵏، فَيَتَرَجَّحُ بذلك ضعف الحديث لا حُسْنُهُ.\nأما ابن القَيِّم ﵀: فإنه يرى صحة الحديث كما مضى من كلامه في (زاد المعاد)، وكما يُفهم من سكوته عليه في (تهذيب السنن) .\nولكن مع ضَعْفِ هذا الحديث، فإن العمل عليه، قال الترمذي ﵀: \"والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بالسواك للصائم بأسًا ... \".\nفيكون الاحتجاج في ذلك بعموم النصوص الواردة في الترغيب في السواك لا بهذا الخبر، وقد عَبَّرَ عن ذلك ابن القَيِّم بقوله: \"ولو احْتُجَّ عليه بعموم قوله ﷺ: \"لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\". لكانت حُجَّةً، وبقوله ﷺ: \"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب\" وسائر الأحاديث المُرَغِّبَة في السواك من غير تفصيل ... \"٢. فهذا أولى من الاحتجاج بحديث عاصم هذا، والله أعلم.\n_________\n١ البدر المنير: (٣/١٧٥) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٢٤١) .","vol":"2","page":356},{"text":"ومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب:\n٤١- (٢) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكِ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (زاد المعاد) ١ وَضَعَّفَهُ، فإنه صَدَّرَهُ بصيغة تمريض، فقال: \"ويذكر عنه ... \"، ثم قال: \"رواه ابن ماجه من حديث مُجَالِد، وفيه ضعف\".\nوأورده - ﵀ - مستشهدًا به ساكتًا عنه في (تهذيب السنن) ٢؛ فإنه قال عند حديث عامر بن ربيعة - الماضي ذكره قبل هذا-: \"وقد روى ابن ماجه من حديث عائشة ... \" فذكره.\nقلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٣، والدارقطني والبيهقي كذلك في (سننيهما) ٤، ثلاثتهم من طريق:\nأبي إسماعيل الْمُؤَدِّب٥، عن مجالد بن سعيد٦، عن الشعبي، عن\n_________\n(٢/٦٣) .\n(٣/٢٤٠ - ٢٤١) .\n(١/٥٣٦) ح ١٦٧٧ ك الصوم، باب ما جاء في السواك والكحل للصائم.\n٤ قط: (٢/٢٠٣) ح ٦. هق: (٤/٢٧٢) باب السواك للصائم.\n٥ هو: إبراهيم بن سليمان بن رزين الأردني، نزيل بغداد، مشهور بكنيته، صدوق يُغْرِب/ ق. (التقريب ٩٠) .\n٦ ابن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي، لَيْسَ بِالقَوِيّ وقد تَغَيَّر في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة ١٤٤هـ/ م٤. (التقريب ٥٢٠) .","vol":"2","page":357},{"text":"مسروق، عن عائشة ﵂ به، واللفظ المتقدم هو لفظ ابن ماجه، وعند الدارقطني والبيهقي: \"خير خصال ... \" بدون \"من\". إلا أن الدارقطني في رواية ابن منيع جاء به مثل لفظ ابن ماجه.\nوقد أشار إليه الترمذي في (جامعه) ١، فإنه قال - عقب إخراجه حديث عامر بن ربيعة المتقدم -: \"وفي الباب عن عائشة\".\nوإسناد هذا الحديث ضعيف لضعف مجالد بن سعيد، فقد تكلم فيه الأئمة: قال البخاري: \"كان يحيى القطان يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه عن الشعبي ... \"٢. وقال الإمام أحمد: \"ليس بشيء، يرفع حديثًا كثيرًا لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس\"٣. وقال ابن معين: \"لا يحتجُّ بحديثه\"٤. وقال مرة: \"ضعيف واهي الحديث\"٥. وقال النسائي: \"ضعيف\"٦. وقال ابن أبي حاتم: \"سُئل أبي عن مجالد بن سعيد، يحتجُّ بحديثه؟ قال: لا. وهو أحبُّ إليَّ من بشر بن حرب وأبي هارون العبدي ... وليس مجالدٌ بقويٍّ في الحديث\"٧. وقال ابن حبان: \"كان رديء الحفظ يَقْلِبُ الأسانيدَ ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به\"٨.\n_________\n(٣/٩٥) .\n٢ الضعفاء الصغير: (ص٢٣٢) .\n٣ تهذيب التهذيب: (١٠/٤٠) .\n٤ تاريخ الدوري: (٢/٥٤٩) .\n٥ تهذيب التهذيب: (١٠/٤٠) .\n٦ الضعفاء والمتروكين: (ص٩٦) .\n٧ الجرح والتعديل: (٤/١/٣٦٢) .\n٨ المجروحين: (٣/١٠) .","vol":"2","page":358},{"text":"ومع ذلك فقد ذهب جماعة إلى أن أمره مُحْتَمَل، فقال العِجْلي: \"جائز الحديث، حسن الحديث، إلا أن عبد الرحمن بن مهدي كان يقول: أشعث بن سَوَّار أَقْوَى منه. والنَّاس لا يتابعونه على هذا، كان مجالد أرفع من أشعث بن سوار\"١. وقال يعقوب بن سفيان: \"تَكَلَّمَ الناس فيه، وهو صدوق\"٢. وقال الإمام أحمد: \"وقد احتمله الناس\"٣. وَوَثَّقَه النسائي مرة٤. وقال السَّاجي: \"قال محمد بن الْمُثَنَّى: يُحْتَمَل حديثه لصدقه\"٥. وقال البخاري: \"صدوق\"٦. وقال الذهبي: \"مشهور، صالح الحديث\"٧. وقال مرة: \"مشهور صاحب حديث، على لِينٍ فيه\"٨.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك أنَّ مجالدًا هذا ليس شديد الضَّعْفِ بحيثُ يُطْرَحُ حديثه بالْكُلِّية، وإنما أمره محتملٌ، فَيُعْتَبَرُ بحديثه إذا وافق الثقات وروى ما روى الناس، وأما إذا انفرد فلا يُحْتَجُّ به، لما تَقَدَّمَ من كلام الأئمة في شأنه. وقد أخرج له مسلم - ﵀ - في (صحيحه) مقرونًا٩، ولعلَّ مقالة ابن القَيِّم: \"فيه ضعف\" تشعر بهذا الذي قدمنا، فإنها لا شكَّ لا تفيد مطلق الضعف، وسيأتي من كلام غيره ما يُشْعِرُ بذلك أيضًا.\n_________\n١ الثقات \"ترتيب الهيثمي\": (ص ٤٢٠) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١٠/٤١) .\n٣ تهذيب التهذيب: (١٠/٤٠) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ المصدر السابق: (١٠/٤١) .\n٦ المصدر السابق.\n٧ المغني: (٢/٥٤٢) .\n٨ الميزان: (٣/٤٣٨) .\n٩ تهذيب التهذيب: (١٠/٤١) .","vol":"2","page":359},{"text":"والذي يظهر أنه قد انفرد برواية هذا الأمر، نعم رُوِيَ هذا الحديث من طريق مسروق عن عائشة عن غير مجالد، لكن في إسناده: السري بن إسماعيل١، وهو متروك الحديث منكره، كما قال غير واحد٢. ولم أقف على من أخرج هذه الطريق، وإنما ذكرها ابن الملقن - ﵀ - في (البدر المنير) ٣، وذكر أيضًا٤: أن أبا نعيم رواه، ولم أقف عليه في (الحلية) ولا في (معرفة الصحابة) له، وقال ابن حجر: \"ورواه أبو نعيم من طريقين آخرين عنها\"٥. ولم يبينهما.\nوقد ضَعَّفَ حديث مجالد هذا جماعة، فقال الدارقطني عقب إخراجه: \"مجالد غيره أثبت منه \". وكذا قال البيهقي. وقال البوصيري: \"إسناد ضعيف لضعف مجالد\"٦. وقال ابن الملقن: \"في إسناده مجالد، وفيه مقال\"٧. وقال الحافظ ابن حجر: \"ضعيف\"٨.\nقلت: فقد تَبَيَّنَ من ذلك أن هذا الحديث ضعيف وإن وَثقَ بعضهم مجالدًا، وبذلك لا يثبتُ الترغيب في السواك للصائم بهذا\n_________\n١ الهمداني، الكوفي، ابن عم الشعبي، متروك الحديث، من السادسة/ ق. (التقريب٢٣٠) .\n٢ انظر: تهذيب التهذيب: (٣/٤٥٩ - ٤٦٠) .\n(٣/١٧٩) .\n٤ البدر المنير (٣/١٨٠) .\n٥ التلخيص الحبير: (١/٦٨) .\n٦ مصباح الزجاجة: (٢/٦٦) .\n٧ البدر المنير: (٣/١٧٩) .\n٨ التلخيص الحبير: (١/٦٨) .","vol":"2","page":360},{"text":"الحديث، ولكن يثبت ذلك بعموم الأحاديث الواردة في الترغيب فيه كما قَدَّمْنَا.\nوكما أنه لا يثبت في الترغيب في السواك للصائم شيء، كذلك لا يثبت في المنع منه والنهي عنه شيء، قال ابن القيم: \"ولم يجئ في منع الصائم منه حديث صحيح\"١.\nوعلى هذا فقد وُفِّقَ ابن القَيِّم لَمَّا ضَعَّفَهُ في (زاد المعاد)، فوافق بذلك جملة من رَدَّهُ من العلماء، وأما إيراده في (تهذيب السنن) مستشهدًا به ساكتًا عليه، فالمعتبر كلامه الأول إن شاء الله، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٢٤١) .","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>٢- باب القبلة للصائم</span>\n٤٢- (٣) حديث عَائشة ﵂: \"أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (زاد المعاد) ١، وذكر أنه قد اخْتُلِفَ فيه، فَضَعَّفَهُ جماعة، وَحَسَّنَهُ آخرون. وتَكَلمَ عليه في (تهذيب السنن) ٢ فلم يذكر إلا تضعيفه، فنقل عن أبي داود وعبد الحقِّ أنهما ضَعَّفَا إسناد هذا الحديث.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤ وابن خزيمة في (صحيحه) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، من طرق، عن:\nمحمد بن دينار٧، عن سعد بن أوس٨، عن مِصْدَع٩، عن\n_________\n(٢/٥٨) .\n(٣/٢٦٣ - ٢٦٤) .\n(٢/٧٨٠) ح ٢٣٨٦ ك الصوم، باب الصائم يبلع الريق.\n(٦/١٢٣، ٢٣٤) .\n(٣/٢٤٦) ح ٢٠٠٣ ك الصوم، باب الرخصة في مصِّ الصائم لسان المرأة خلاف من كره القبلة للصائم على الفم.\n(٤/٢٣٤) باب إباحة القبلة لمن لم تحرك شهوته، أو كان يملك إِرْبَهُ.\n٧ الأزدي، ثم الطَّاحي، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، صدوق سيء الحفظ، ورُمِيَ بالقدر، وتغير قبل موته، من الثامنة / د ت. (التقريب ٤٧٧) .\n٨ العدوي، أو العبدي، البصري، صدوق له أغاليط، من الخامسة / د ت س. (التقريب ٢٣٠) .\n٩ أبو يحيى الأعرج المعرقب، مقبول، من الثالثة/ م ٤. (التقريب ٥٣٣) .","vol":"2","page":362},{"text":"عائشة ﵂ به.\nوفي إسناد هذا الحديث جماعة مُتَكَلَّمٌ فيهم:\nأولهم: محمد بن دينار الطاحي، وقد ذكر ابن القيم –﵀– أنَّ عبد الحق ضَعَّفَ الحديث به، وأنَّ ابن عديّ ذهب إلى تفرده بلفظة \"ويمص لسانها\".\nومحمد هذا قد اختلفت فيه أقوال الأئمة، فقال ابن معين١، والنسائي٢، وأبو حاتم٣، والعجلي٤: \"لا بأس به\". وقال أبو زرعة: \"صدوق\"٥. وقال ابن معين في رواية معاوية بن صالح: \"ضعيف\"٦. وفي سؤالات ابن الجنيد لابن معين٧: سأله ابن الغلابي عنه؟ فقال: \"ليس به بأس\". فعاوده، فقال: \"ليس بالقويِّ\". وفيها - أيضًا - قول ابن معين: \"ليس بذاك القويِّ\"٨. وقال النسائي مرة: \"ضعيف\"٩. وقال أبو داود: \"تَغَيَّرَ قبل أن يموت\"١٠. وقال الدارقطني: \"ضعيف\". ومرة قال:\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٩/١٥٥) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٥٠) .\n٤ الثقات: ترتيب الهيثمي: (ص٤٠٣) .\n٥ الجحر والتعديل: (٣/٢/٢٥٠) .\n٦ الضعفاء للعقيلي: (٤/٦٣) .\n(ص ٤٠٩) .\n٨ المصدر السابق: (٤٢٧) .\n٩ تهذيب التهذيب: (٩/١٥٥) .\n١٠ المصدر السابق.","vol":"2","page":363},{"text":"\"متروك\"١. وقال العقيلي: \"في حديثه وَهْمٌ\"٢. وقال ابن عدي: \"حسن الحديث، وعامة حديثه يتفرد به\"٣. وقال الذهبي: \"حَسَّنُوا أمره\"٤. وأما ابن حبان - ﵀ - فإنه ذكره في (المجروحين) ٥ وقال فيه: \"كان يخطئ، لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا سَلَكَ سنن الثقات مما لا ينفكُّ منه البشر فَيُسْلَك به مسلك العدول، فالإنصاف في أمره: تركُ الاحتجاج بما انفرد، والاعتبار بما لم يخالف الثقات، والاحتجاج بما وافق الأثبات\" ولأجل ذلك فقد ذكره - ﵀ - في (الثقات) ٦.\nقلت: والأمر فيه على ما قال ابن حبان ﵀، ومن تَأَمَّلَ أقوال الأئمة فيه توثيقًا وتضعيفًا علم أن حاله لا يخرج عمَّا وصف ابن حبان؛ فإن الرجل صدوقٌ ليس في المرتبة العليا من التوثيق، كما يشعر به قول أكثرهم: \"ليس به بأس\"، وهو - مع ذلك - في حفظه خللٌ لا ينزل به إلى درجة ترك حديثه، فيكون حديثه في منزلة الحسن كما وصفه ابن عديّ، وَأَقَرَّهُ الذهبي، وذلك حيث يوافق غيره من أهل الضبط والعدالة، فإن خالف وانفرد بما لا يُتَابَعُ عليه طُرِحَت روايته، وهذا ما قَرَّرَهُ ابن حبان.\n_________\n١ وكلا القولين في (سؤالات البرقاني للدارقطني): (ص٥٩) .\n٢ الضعفاء: (٤/٦٣) .\n٣ الكامل: (٦/١٩٩) .\n٤ الكاشف: (٣/٣٦) .\n(٢/٢٧٢) .\n(٧/٤١٩) .","vol":"2","page":364},{"text":"ولما كانت هذه الزيادة وهي قوله: \" ويمص لسانها\" قد انفرد بها محمد بن دينار هذا - كما قرره ابن عدي، حيث قال: \"قوله: ويمص لسانها. لا يقوله إلا محمد بن دينار\"١. وقال الذهبي: \"هذه اللفظة لا توجد إلا في هذا الخبر\"٢ - لما كان كذلك، فإن هذه اللفظة تكون ضعيفة بسبب ضعف محمد هذا. وقد ضَعَّفَهَا به غير واحدٍ كما سيأتي من كلامهم.\nثانيهم: مِصْدَع أبو يحيى، راويه عن عائشة ﵂، وقد اخْتُلِفَ فيه أيضًا، فقد وَثَّقَهُ العجلي٣، وقال الجوزجاني: \"كان زائغًا حائدًا عن الطريق\"٤. لكن تَعَقَّبَه ابن حجر فقال: \"والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف، فلا يقدح فيه قوله\"٥. وقال ابن حبان: \"كان ممن يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد عن الثقات بألفاظ الزيادات، مما يوجب ترك ما انفرد منها، والاعتبار بما وافقهم فيها\"٦. وقال الذهبي: \"صدوق، قد تكلم فيه\"٧.\nوذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٨ ولم يذكر فيه جرحًا\n_________\n١ الكامل: (٦/١٩٨) .\n٢ الميزان: (٣/٥٤١) .\n٣ الثقات: ترتيب الهيثمي: (ص٤٢٩) .\n٤ أحوال الرجال: (ص١٤٤) .\n٥ تهذيب التهذيب: (١٠/١٥٨) .\n٦ المجروحين: (٣/٣٩) .\n٧ الميزان: (٤/١١٨) .\n(٤/١/٤٢٩) .","vol":"2","page":365},{"text":"ولا تعديلًا. وقال ابن خزيمة: \"لا أعرفه بعدالة ولا جرح\"١.\nفالرجل وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وَتَوَقَّفَ في أمره بعضهم، وخَلص الحافظ ابن حجر - ﵀ - إلى أنه \"مقبول\"، يعني حيث يُتابع، وإلا فهو لَيِّنُ الحديث. وهو هنا لم يتابع على زيادته تلك، فيكون إلى الضعف أقرب. وقد ذهب ابن حبان - أيضًا - إلى ترك ما انفرد به.\nوثالثهم: سعد بن أوس، فإنه - أيضًا - وَثَّقَهُ جماعة وضعفه آخرون، فقال ابن معين: \"بصريٌّ ضعيف\"٢. قال عبد الحق: \"لا يحتجُّ به\"٣. وقال السَّاجي: \"صدوق\"٤. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٥. وقال الذهبي: \"يُضَعَّفُ\"٦.وقال الحافظ ابن حجر: \"صدوق له أغاليط\"٧.\nفَتَلَخَّصَ: أن هذا الحديث ضعيف السَّنَدِ، وأن زيادة كلمة \"يمص لسانها\" في متنه لا تصحُّ؛ لتفرد مِصْدَع بها عن عائشة، وأن غيره من الثقات رووا هذا الحديث عن عائشة - ﵂ - فلم يذكروا فيه هذه الزيادة، من ذلك: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:\n_________\n١ صحيح ابن خزيمة: (٣/٢٤٦) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/١/٨٠) .\n٣ نصب الراية: (٤/٢٥٣) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٣/٤٦٧) .\n(٦/٣٧٧) .\n٦ الميزان: (٣/٥٤٢) .\n٧ التقريب: (ص٢٣٠) .","vol":"2","page":366},{"text":"\"أن رسول الله ﷺ كان يُقَبِّلُ بعضَ نسائه وهو صائم\"، أخرجه البخاريُّ في (صحيحه) ١.\nوقد حكم عليه بالضعف جماعة من العلماء، فقال أبو داود - كما نقل عنه ابن الأعرابي -: \"هذا الإسناد ليس بصحيح\". وقال ابن خزيمة: \"باب الرخصة في مصِّ الصائم لسان المرأة ... إن صحَّ الاحتجاج بمصدع أبي يحيى\". وقال ابن عدي: \"قوله: ويمص لسانها. لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه\"٢. وقال عبد الحق: \"هذا حديث لا يصحُّ ... \"٣. وذكره ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٤ وَضَعَّفُهُ بالثلاثة الماضي ذكرهم. وضعفه ابن القطان بمصدع فقط٥. وأشار الذهبي إلى أن هذه اللفظة لم تَرِدْ إلا في هذا الخبر٦. وقال الزيلعي: \"هذا حديث لا يصحُّ\"٧. وقال ابن حجر: \"إسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها\"٨.\nوبعد، فهذه أقوال الأئمة - ﵏ - في هذا الحديث.\nوأما ابن القَيِّم: فقد ذكر في كتابه (زاد المعاد) أن الحديث مختلف\n_________\n١ ك الصلاة، باب القبلة للصائم، ح ١٩٢٨. (فتح الباري ٤/١٥٢) .\n٢ الكامل: (٦/١٩٨) .\n٣ نصب الراية: (٤/٢٥٣) .\n(٢/٥٣ - ٥٤) .\n٥ نصب الراية: (٤/٢٥٣) .\n٦ الميزان: (٣/٥٤١) .\n٧ بيان الوهم والإيهام: (٣/١١١) ح ٨٠٣.\n٨ فتح الباري: (٤/١٥٣) .","vol":"2","page":367},{"text":"فيه ما بين مُضَعِّفٍ له ومُحَسِّنٍ، ولم أقف على قول من حَسَّنَه. وأما في كتابه (تهذيب السنن) فيبدو أنه يُرَجِّحُ ضَعْفَ هذه الزيادة في الحديث، حيث نقل عن أبي داود، وعبد الحق القول بضعفه، وهو الصواب، كما تقدم في أقوال الأئمة الماضي ذكرهم، والله أعلم.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>٣- باب ما جاء في الإفطار في السفر</span>\n٤٣- (٤) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"الصَّائِمُ في السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ في الْحَضَرِ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١ وعزاه إلى النسائي، ثم قال: \"ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وإنما هو موقوف\".\nقلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ من طريق:\nعبد الله بن موسى٣ التيمي، عن أسامة بن زيد٤، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"صَائِمُ رمضانَ في السَّفَرِ كالمفطرِ في الْحَضَرِ\".\nوأخرجه البزار في (مسنده) ٥ من الطريق نفسه، لكن قال فيه: \"عبد الله بن عيسى المدني\" بدل \"عبد الله بن موسى\". وقد ذكره ابن القطان من جهة البزار، ثم قال: \"هكذا قال: عبد الله بن عيسى المدني، وقال\n_________\n(٣/٢٨٥) .\n(١/٥٣٢) ح ١٦٦٦، باب ما جاء في الإفطار في السفر.\n٣ ابن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي، أبو محمد المدني، صدوق كثير الخطأ، من الثامنة/ق. (التقريب ٣٢٥) .\n٤ الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، صدوق يَهِم، من السابعة، مات سنة ١٥٣هـ- / خت م ٤. (التقريب ٩٨) .\n(٣/٢٣٦) ح ١٠٢٥.","vol":"2","page":369},{"text":"غيره: عبد الله بن موسى التيمي، وهو أشبه بالصواب\"١. ولفظ البزار كلفظ ابن ماجه إلا أن عنده \"كمفطره\".\nوأخرجه ابن عدي في (الكامل) ٢ من طريق: يزيد بن هارون، ثنا يزيد بن عياض٣، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا. وسيأتي كلام ابن عديّ عليه بعد قليل.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين:\nأولاهما: أنه لا يصحُّ رفعه، بل الصواب فيه موقوف على عبد الرحمن بن عوف، كما تقدم من كلام ابن القَيِّم.\nالثانية: أنه منقطع بين أبي سلمة وأبيه عبد الرحمن بن عوف.\nأما العلة الأولى: وهي أنه لا يصح مرفوعًا، وأن الصواب وقفه: فإنه قد أخرجه النسائي في (سننه) ٤ من طريق: معن بن عيسى٥، عن ابن أبي ذئب٦، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه\n_________\n١ انظر: نصب الراية: (٢/٤٦٢) .\n(٧/٢٧٢٠) .\n٣ ابن جعدبة الليثي، أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد يُنْسَبُ لجده، كَذَّبَهُ مالك وغيره، من السادسة/ ت ق. (التقريب ٦٠٤) .\n(٤/١٨٣) ك الصوم، باب ذكر قوله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر.\n٥ أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة ١٩٨ هـ- / ع. (التقريب ٥٤٢) .\n٦ هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي، العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ١٥٨ هـ- / ع. (التقريب٤٩٣) .","vol":"2","page":370},{"text":"عبد الرحمن بن عوف أنه قال: \"يقال: الصيام في السفر كالإفطار في الحضر\". هكذا موقوفًا على عبد الرحمن بن عوف، وبدون ذكر \"رمضان\".\nثم أخرجه١ من طريق حماد بن خالد الخَيَّاط٢ وأبي عامر٣، قالا: حدثنا ابن أبي ذئب بالإسناد السابق، وليس فيه قوله: \"يقال\".\nوهذا إسناد صحيح، وقد رَجَّحَ جماعة من العلماء الرواية الموقوفة، منهم: أبو حاتم، فقد سأله عنه ابنه، فذكر الاختلاف فيه، ثم قال: \"الصحيح: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه موقوفًا\"٤. كذا نقل الزيلعي٥، وابن حجر٦ عن ابن أبي حاتم، والذي في (العلل) أن الكلام لأبي زرعة! وأظنه خطأ، لما نقله هذان الإمامان عن ابن أبي حاتم، وأيضًا السؤال وَجَّهَهُ ابن أبي حاتم لأبيه، فالله أعلم.\nوقال البزار: \"هذا الحديث أسنده أسامة بن زيد، وتابعه على إسناده يونس. وقد رواه ابن أبي ذئب وغيره: عن الزهري، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبيه موقوفًا من قول عبد الرحمن، ولو ثبت مرفوعًا\n_________\n١ سنن النسائي: (٤/١٨٣) .\n٢ القرشي، أبو عبد الله البصري، نزيل بغداد، ثقة أُمِّيٌّ، من التاسعة/ م ٤. (التقريب ١٧٨) .\n٣ هو: عبد الملك بن عمرو القيسي، العقدي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ٢٠٤هـ- أو ٢٠٥/ع. (التقريب ٣٦٤) .\n٤ علل ابن أبي حاتم: (١/٢٣٨ - ٢٣٩) ح ٦٩٤.\n٥ نصب الراية: (٢/٤٦٢) .\n٦ التلخيص الحبير: (٢/٢٠٥) .","vol":"2","page":371},{"text":"لكان خروج النبي ﷺ حين خَرَجَ فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطرِ دليلًا على نسخ هذا الحديث؛ لأنه يؤخذ بالآخر ... \"١.\nوجَزَمَ ابن عدي بوقفه، فقال - بعد أن أخرجه -: \"وهذا الحديث لا يرفعه عن الزهري غير يزيد بن عياض ... من رواية سلام بن روح عنه، ويونس بن يزيد من رواية القاسم بن مبرور عنه، وأسامة بن زيد، من رواية عبد الله بن موسى التيمي. والباقون من أصحاب الزهري: رووه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه من قوله\"٢.\nورَجَّحَ الدارقطني - كذلك - رواية الوقف كما نقله عنه ابن حجر٣. وكذا البيهقي، فقال: \"هو موقوف ... ورُوِيَ مرفوعًا، وإسناده ضعيف\"٤.\nونقل ابن حجر عن النسائي أنه صَوَّبَ وقفه أيضًا٥، ولم أقف على قولة النسائي في ذلك.\nوقد تابع أبا سلمة بن عبد الرحمن على وقفه: أخوه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فأخرجه النسائي - أيضًا - في (سننه) ٦ من طريق: أبي معاوية، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد، عن أبيه عبد الرحمن به.\n_________\n١ مسند البزار: (٣/٢٣٧ - ٢٣٨) .\n٢ الكامل: (٧/٢٧٢٠) .\n٣ التلخيص الحبير: (٢/٢٠٥) .\n٤ سنن البيهقي: (٤/٢٤٤) .\n٥ التلخيص الحبير: (٢/٢٠٥) .\n(٤/١٨٣) .","vol":"2","page":372},{"text":"وهذا إسناد صحيح أيضًا، بل قال ابن حزم ﵀: \"وهذا سندٌ في غاية الصحة\"١. وصححه كذلك الشيخ الألباني٢. فهذه الرواية تؤيد رواية أبي سلمة المتقدمة عن أبيه موقوفًا، وأنها هي الصواب، وأن الرواية المرفوعة خطأ.\nقلت: وإسناد الرواية المرفوعة فيه \"أسامة بن زيد الليثي\"، وفيه ضَعْفٌ من قبل حفظه٣، وقد ضَعَّفَ ابنُ حزم الرواية المرفوعة به، فقال: \"وأما نحن فلا نحتجُّ بأسامة بن زيد الليثي، ولا نراه حجةً لنا ولا علينا\"٤. وكذا ضَعَّفَ إسناده البيهقي٥، والبوصيري٦. فلعلَّ الوهمَ في هذا الحديث جاء من قِبَلِهِ بجعله هذا الحديث مرفوعًا، وخالفه من هو أوثق منه وأتقن: ابن أبي ذئب، فوقفه على عبد الرحمن بن عوف، وحكم الأئمة له، وقدموا روايته.\nوأما العلة الثانية، وهي انقطاعه: فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه شيئًا، كما قال البخاري وابن معين٧. ولذلك فقد أعله غير واحد بأنه منقطع، فقال البيهقي: \"في إسناده انقطاع\"٨. وأَقَرَّهُ على ذلك\n_________\n١ الْمُحَلَّى: (٦/٢٥٧) .\n٢ السلسلة الضعيفة: (ح٤٩٨) .\n٣ تنظر ترجمته في (تهذيب التهذيب): (١/٢٠٨ - ٢١٠) .\n٤ المحلى: (٦/٢٥٨) .\n٥ السنن: (٤/٢٤٤) .\n٦ مصباح الزجاجة: (٢/٦٤) .\n٧ انظر: المراسيل لابن أبي حاتم: (ص٢٥٥)، وجامع التحصيل: (ص٢٦٠) .\n٨ السنن: (٤/٢٤٤) .","vol":"2","page":373},{"text":"النووي١ ﵀. وقال الزيلعي: \"وفي سماع أبي سلمة من أبيه نظر\"٢. وقال البوصيري: \"منقطع ... أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا، قاله ابن معين والبخاري\"٣. وقال ابن حجر: \"ومع وقفه فهو منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه\"٤.\nولكن لم يرض ابن حزم - ﵀ - بذلك، فقال في (المحلى) ٥: \"إسناد صحيح، وقد صحَّ سماع أبي سلمة من أبيه\".\nقلت: وقوله مُعَارَضٌ بقول من نقلنا أقوالهم قبل قليل.\nوبعدُ، فقد ظهر أن الصواب في هذا الحديث: أنه موقوف، ومع وقفه فإنه منقطع الإسناد، وقد ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - من ذلك: عدم صحة رفعه فقط، ولم يتعرض لانقطاعه، وقد نقلتُ أقوال الأئمة في تقرير ذلك. والله أعلم.\n_________\n١ انظر: المجموع: (٦/٢١٩) .\n٢ نصب الراية: (٢/٤٦٢) .\n٣ مصباح الزجاجة: (٢/٦٤) .\n٤ فتح الباري: (٤/١٨٤) .\n(٦/٢٥٧) .","vol":"2","page":374},{"text":"٤- باب في صيام يوم عرفة\n٤٤- (٥) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: \"نَهَى رسول الله ﷺ عَنْ صَوْمِ يَومِ عَرَفَةَ بِعَرَفَة\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وفي إسناده نظر؛ فإن مَهْدِي بن حرب العَبْدِي ليس بمعروف، ومداره عليه\"١. وقال مرة: \"ورُوِي عنه أنه نهى ... \"٢. فَصَدَّرَهُ بصيغة تمريض.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه في (سننيهما) ٣، والنسائي في (الكبرى) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والبخاري في (تاريخه) ٦، وابن خزيمة في (صحيحه) ٧، والحاكم في (المستدرك) ٨، والبيهقي في (السنن) ٩، والعقيلي في (الضعفاء) ١٠، كلهم من طريق:\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٦١) .\n٢ المصدر السابق: (٢/٧٧) .\n٣ د: (٢/٨١٦) ح ٢٤٤٠ ك الصوم، باب في صوم يوم عرفة بعرفة، جه: (١/٥٥١) ح ١٧٣٢ ك الصوم، باب صيام يوم عرفة.\n(٣/٢٢٩) ح ٢٨٤٤.\n(٢/٣٠٤، ٤٤٦) .\n٦ الكبير: (٤/١/٤٢٤) .\n(٣/٢٩٢) ح ٢١٠١ ك الصوم.\n(١/٤٣٤) .\n(٤/٢٨٤)، (٥/١١٧) .\n١٠ (١/٢٩٨) ترجمة \"حوشب بن عقيل\".","vol":"2","page":375},{"text":"حوشب بن عقيل١، عن مهدي بن حرب٢، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ كما ساقه ابن القَيِّم هنا، وهو لفظ: البخاري في (تاريخه)، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي.\nوعند أبي داود قول عكرمة: \"كنا عند أبي هريرة في بيته، فحدثنا أن رسول الله ﷺ نهى ... \" الحديث.\nوعند أحمد والنسائي: قال عكرمة: \"دخلت على أبي هريرة فسألته ... \".\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ فإن مهدي بن حرب لم يوثقه غير ابن حبان٣، وقال ابن معين: \"لا أعرفه\"٤. وقال ابن حزم: \"فإنه من رواية حوشب بن عقيل، وليس بالقويِّ، عن مهدي الهجري، وهو مجهول، ومثل هذا لا يُحْتَجُّ به\"٥.\nقلت: وفي تضعيف ابن حزم لحوشب بن عقيل نظرٌ، فإنه ثقة، وَثَّقَهُ الأئمة: يحيى القطان، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان. وانفرد الأزدي بتضعيفه٦.\n_________\n١ أبو دِحْيَة البصري، ثقة، من السابعة/ د س ق. (التقريب ١٨٤) .\n٢ العبدي، وهو: ابن أبي مهدي الهجري، مقبول، من السادسة/ د س ق. (التقريب ٥٤٨) .\n٣ الثقات: (٧/٥٠١) .\n٤ الجرح والتعديل: (٤/١/٣٣٧) .\n٥ المحلى: (٦/٤٤٠) .\n٦ انظر: تهذيب الكمال: (٧/٤٦١ - ٤٦٣)، وتهذيب التهذيب: (٣/٦٥ - ٦٦) .","vol":"2","page":376},{"text":"وأخرجه العُقَيْلِي في ترجمة حوشب بن عقيل، عن الهجري، ثم قال: \"لا يتابع عليه ... \"١. وقال الإمام النووي: \"رواه أبو داود، والنسائي بإسناد فيه مجهول\". ثم قال: \"ضعيف\"٢. وقال الشيخ الألباني: \"فأنى للحديث الصحة وفيه هذا الرجل المجهول؟! \"٣. وأورده في (ضعيف ابن ماجه) ٤، وقال في (تمام المنة) ٥: \"إسناده ضعيف\".\nأما الحاكم أبو عبد الله فقد قال: \"هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي! فَتَعَقَّبَهُمَا الشيخ الألباني قائلًا: \"وهذا من أو هَامِهِمَا الفاحشة؛ فإن حوشب بن عقيل، وشيخه مهدي الهجري لم يُخْرِجْ لهما البخاري، بل إن الهجري مجهولٌ كما قال ابن حزم ... \"٦.\nوالحديث مع ضعفه اخْتُلِفَ في إسناده؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق: الحارث بن عبيد٧، عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة، عن ابن عباس به. قال البيهقي: \"كذا قال الحارث بن\n_________\n١ الضعفاء: (١/٢٩٨) .\n٢ المجموع: (٦/٣٤٩) .\n٣ السلسلة الضعيفة: (١/٣٩٧) ح ٤٠٤.\n(ح ٣٧٨) .\n(ص ٤١٠) .\n٦ السلسلة الضعيفة: (١/٣٩٧) .\n٧ الإيادي، أبو قدامة البصري، صدوق يخطئ، من الثامنة/ خت م د ت. (التقريب ١٤٧) .","vol":"2","page":377},{"text":"عبيد، والمحفوظ: عن عكرمة، عن أبي هريرة\"١.\nوللحديث شاهدٌ من رواية عائشة ﵂، أخرجه الطبراني في (معجمه الأوسط) ٢ من طريق: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى٣، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂ قالت: \"نهى رسول الله عن صيام يوم عرفة بعرفات\". قال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن صفوان إلا إبراهيم\".\nقال الشيخ الألباني: \"فإن قيل: قد رَوَى الطبراني عن عائشة مثل هذا الحديث، فهل يَتَقَوَّى به؟ قلت: لا؛ لأن في إسناده إبراهيم بن محمد الأسلمي، وهو ضعيف جدًا، فمثله لا يُتَقَوَّى به\"٤.\nفالحاصل: أن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة لا يصحُّ عن النبي ﷺ، لكن صحَّ من فعله أنه أفطر في ذلك اليوم، وذلك من حديث أم الفضل بنت الحارث ﵂: \"أن ناسًا تَمَارَوا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ... فَأَرْسَلَتْ إليه بَقَدَحِ لبنٍ وهو واقف على بعيرِه فَشَرِبَه\". أخرجه البخاري في (صحيحه) ٥.\nقال العقيلي: \"وقد رُوِي عن النبي ﷺ بأسانيد جياد أنه لم يَصُم\n_________\n١ سنن البيهقي: (٥/١١٧) .\n(٣/١٧٣) ح ٢٣٤٩.\n٣ الأسلمي، أبو إسحاق المدني، متروك، من السابعة، مات سنة ١٨٤هـ/ ق. (التقريب ٩٣) .\n٤ السلسلة الضعيفة: (١/٣٩٨) .\n٥ ك الصوم، باب صوم يوم عرفة ح ١٩٨٨ (فتح الباري ٤/٢٣٦) .","vol":"2","page":378},{"text":"يوم عرفة، ولا يصح عنه أنه نهى عن صومه\"١.\nوقال البيهقي - بعد أن أخرج حديث أبي هريرة المتقدم -: \"وفي حديث أمِّ الفَضْلِ كفاية\"٢.\nوبذلك يكون ابن القَيِّم - ﵀ - قَدْ أَصَابَ في تضعيفه حديث أبي هريرة هذا، والله أعلم.\n_________\n١ الضعفاء: (١/٢٩٨) .\n٢ سنن البيهقي: (٥/١١٧) .","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>٥- باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال</span>\n٤٥- (٦) عن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثم أَتْبَعَهُ بِسِتّ من شوال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ\".\nتَكَلَّم ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١، وذكر أنه مُخْتَلَفٌ فيه بين التصحيح والتضعيف، ثُمَّ ذَكَرَ شُبَهَ مُضَعِّفِيهِ وأجابَ عنها، ويتلخص كلامه عن هذا الحديث في الأوجه التالية:\n١- أنه بينما أخرج هذا الحديث مسلم في (صحيحه)، فقد أَعَلَّهُ آخرون وَضَعَّفُوه.\n٢- وأنَّ حَاصِل ما أُعِلَّ به هذا الحديث ما يلي:\nأ-أن مداره على \"سعد بن سعيد الأنصاري\"، وهو ضعيف.\nب- أنه وإن وُجِدَت له متابعات، فإنها أيضًا تُضَعَّف.\nج- أنه حديث مضطرب، اخْتُلِفَ في سنده على \"عمر بن ثابت\" شيخ سعد بن سعيد.\nد- أَنَّهُ شاذٌّ، تَفَرَّدَ به عمر بن ثابت.\n٣- وأن هذا الحديث ترك العمل به أهل العلم.\nثم شرع - ﵀ - في الجواب عن تلك العلل بما سيأتي من كلامه أثناء هذا البحث.\n_________\n(٣/٣٠٨ - ٣١٥) .","vol":"2","page":380},{"text":"قلت: هذا الحديث مداره على عمر بن ثابت١، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁. ويرويه عن عمر بن ثابت جماعةٌ، أشهرهم: سعد بن سعيد٢.\nورواه عن سعد بن سعيد جماعة كثيرون:\nفأخرجه مسلم في (صحيحه) ٣ من طريق: إسماعيل بن جعفر، وابن نمير، وعبد الله بن المبارك، وفيه: \" ... كان كصيام الدَّهْرِ\".\nوأخرجه الترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥ من طريق: أبي معاوية٦، ولفظه: \" ... فذلك صيام الدَّهْرِ\".\nوأخرجه النسائي في (الكبرى) ٧ من طريق: شعبة، ومن طريق: محمد بن عمرو الليثي.\n_________\n١ الأنصاري الخزرجي، المدني، ثقة، من الثالثة، أخطأ من عَدَّه في الصحابة / م٤. (التقريب٤١٠) .\n٢ ابن قيس بن عمرو الأنصاري، أخو يحيى، صدوق سيئ الحفظ، من الرابعة، مات سنة ١٤١هـ- / خت م ٤. (التقريب ٢٣١) .\n(٢/٨٢٢) ح ١١٦٤، ك الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان.\n(٣/١٢٣) ح ٧٥٩، ك الصوم، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال.\n(٥/٤١٧) .\n٦ هو: محمد بن خازم الضرير.\n(٣/٢٣٩ - ٢٤٠) ح ٢٨٧٥، ٢٨٧٧.","vol":"2","page":381},{"text":"وأخرجه ابن ماجه في (سننه) ١ من طريق: عبد الله بن نمير.\nوأخرجه الطيالسي وأحمد في (مسنديهما) ٢ من طريق: ورقاء بن عمر٣. ولفظ أحمد: \" ... فقد صام الدهر\". أما الطيالسي فلفظه: \" ... فذلك صيامُ السَّنَةِ\".\nوأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٤ من طريق: داود بن قيس٥، وأبي بكر بن محمد بن أبي سبرة. ولفظ داود: \" ... كُتب له صيامُ السنة\" يقول: لِكُلِّ يوم عشرة أيام. قال: وبه نأخذ.\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٦، والبغوي في (شرح السنة) ٧ من طريق: محاضر بن المورّع٨. كلُّ هؤلاء عن: سعد بن سعيد الأنصاري، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب مرفوعًا به.\n_________\n(١/٥٤٧) ح ١٧١٦، ك الصوم، باب صيام ستة أيام من شوال.\n٢ طس: (ح٥٩٤) . حم: (٥/٤١٩) .\n٣ اليَشْكُري، أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لِينٌ، من السابعة / ع. (التقريب ٥٨٠) .\n(٤/٣١٥) ح ٧٩١٨، ٧٩١٩. باب صوم الستة التي بعد رمضان.\n٥ الفرَّاء الدباغ، أبو سليمان القرشي مولاهم، المدني، ثقة فاضل، من الخامسة، مات في خلافة أبي جعفر / خت م ٤. (التقريب ١٩٩) .\n(٤/٢٩٢) .\n(٦/٣٣١) ح ١٧٨٠.\n٨ الكوفي، صدوق له أوهام، من التاسعة، مات سنة ٢٠٦هـ- / خت م د س. (التقريب ٥٢١) .","vol":"2","page":382},{"text":"ورواه غير هؤلاء جماعة من الأئمة الثقات، منهم: ابن جريج، والثوري، ويحيى بن سعيد - أخو سعد بن سعيد - وغيرهم، كلهم: عن سعد بن سعيد بالإسناد السابق١. فهؤلاء ثلاثة عشر رجلًا - جُلُّهم حُفَّاظٌ أثبات - رووه عن \"سعد بن سعيد\".\nوقد ضُعِّفَ هذا الإسناد بسعد بن سعيد، كما نقل ذلك ابن القَيِّم ﵀، إذا قال: \"وقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث ... قالوا: وأشهرها حديث أبي أيوب، ومداره على سعد بن سعيد، وهو ضعيف جدًا، تركه مالك، وأنكر عليه هذا الحديث\"٢. ثم نقل تضعيف أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان له.\nوقال العلامة المناوي: \"وطعنَ فيه من لا عِلْمَ عنده، وغَرَّهُ قولُ الترمذي: حَسَنٌ. والكلام في راويه، وهو سعد بن سعيد\"٣.\nأما الكلام في سعد بن سعيد: فقد ضَعَّفَهُ بعضهم، فقال الإمام أحمد: \"ضعيف\"٤ وقال النسائي: \"ليس بالقويِّ\"٥. وقال الترمذيّ: \"وقد تَكَلَّم بعضُ أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَل حفظه\"٦.\nومع ذلك فقد وَثقُهُ جماعة، فقال ابن سعد: \"ثقةٌ، قليل\n_________\n١ انظر: علل الدارقطني: ج٢ (ق ٥٢ /أ) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣١٠) .\n٣ فيض القدير: (٦/١٦١) .\n٤ الجرح والتعديل: (٢/١/٨٤) .\n٥ الضعفاء والمتروكين: (ص٥٤) .\n٦ جامع الترمذي: (٣/١٢٤) .","vol":"2","page":383},{"text":"الحديث\"١. وقال العجلي: \"مدني ثقة\"٢. وذكره ابن شاهين في \"ثقاته\"٣ وقال: \"قال ابن عمار: سعد بن سعيد ... ثقة\". وقال ابن معين: \"صالح\"٤. وقال أبو حاتم: \"سعد بن سعيد الأنصاري مُؤَدِّي\" قال ابن أبي حاتم: \"يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع\"٥. وذكره ابن حبان في (ثقاته) ٦ في التابعين وقال: \"كان يخطئ\"، ثم ذكره مرةً أخرى في أتباع التابعين وقال: \"وكان يخطئ، لم يَفْحُشْ خطؤه، فلذلك سلكناه مسلك العدول\"٧. وقال الذهبي: \"صدوق\"٨ وقال مرة: \"حسن الحديث، تابعي\"٩.\nفهذا - كما نرى - قد وَثقَهُ جماعة كثيرون، وأن فيه ضعفًا يسيرًا من قبل حفظه لا يمنع قبول ما وافق فيه غَيْرَهُ، ولهذا فقد دفع ابن القَيِّم - ﵀ - القول بضعفه، ونقل قول أبي حاتم، وابن معين، وابن سعد في توثيقه، ثم نقل قول ابن عدي: \"له أحاديث صالحة تقرب من\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٣/٤٧٠) .\n٢ الثقات: (ترتيب الهيثمي): (ص١٧٩) .\n(ص٩٦) .\n٤ الجرح والتعديل: (٢/١/٨٤) .\n٥ المصدر السابق.\n(٤/٢٩٨) .\n٧ الثقات: (٦/٣٧٩) .\n٨ الكاشف: (١/٢٧٧) .\n٩ المغني في الضعفاء: (١/٢٥٤) .","vol":"2","page":384},{"text":"الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه\"١.\nثم قال ابن القَيِّم ﵀: \"ومثل هذا إنما يُنفى ما ينفرد به، أو يخالفُ به الثقات، فأما إذا لم ينفرد، وروى ما رواه الناس فلا يُطْرَحُ حديثه\".\nقال: \"سَلَّمْنَا ضَعْفَه، لكنَّ مسلمًا إنما احتجَّ بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطئ فيه بقرائنَ ومتابعات، ولشواهد دَلتُهُ على ذلك، وإن كان قد عُرِفَ خطؤه في غيره، فكون الرجل يخطئ في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه ... \"٢.\nوقال في موضع آخر: \" ... لكنه ثقة صدوق، روى له مسلم، وروى عنه شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وهؤلاء أئمة هذا الشأن\"٣.\nهذا فيما يتعلق بالكلام على سعد بن سعيد، والرد على من ضَعَّفَ الحديث لأجله.\nوأما دعوى انفراد سعد بن سعيد بهذا الحديث: فليس كذلك، وإنما تابعه عليه جماعةٌ، منهم: يحيى بن سعيد٤ أخوه، وصفوان بن\n_________\n١ وكلامه هذا في الكامل: (٣/١١٨٩) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣١١ - ٣١٢) .\n٣ المصدر السابق: (٣/٣١١) .\n٤ ابن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة ١٤٤هـ- أو بعدها / ع. (التقريب ٥٩١) .","vol":"2","page":385},{"text":"سليم١، وغيرهم.\nأما رواية يحيى بن سعيد: فأخرجها النسائي في (الكبرى) ٢ من طريق: صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم٣، عن عبد الملك بن أبي بكر٤، عن عمر بن ثابت به، وفيه قصة.\nوذكر الدارقطني - ﵀ - في (العلل) ٥ أن إسماعيل بن إبراهيم الصائغ تابع عبد الملك بن أبي بكر في روايته عن يحيى بن سعيد به.\nوذكر ابن القَيِّم - ﵀ - لهما متابعًا ثالثًا، وهو: عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم٦، ولكنه - ﵀ - جعل هؤلاء الثلاثة في إسناد النسائي، فقال: \"وأما حديث يحيى بن سعيد: فرواه النسائي عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد ... عن عتبة بن حكيم ... عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن محمد ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم وإسماعيل بن إبراهيم الصائغ، ثلاثتهم: عن\n_________\n١ المدني، أبو عبد الله الزهري مولاهم، ثقة مُفْتٍ عابدٌ رُمي بالقدر، من الرابعة، مات سنة ١٣٢هـ- / ع. (التقريب ٢٧٦) .\n(٣/٢٤٠) ح ٢٨٧٩.\n٣ الهمداني، أبو العباس الأردني، صدوق يخطئ كثيرًا، من السادسة، مات بصور بعد الأربعين / عخ٤. (التقريب ٣٨٠) .\n٤ ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، المدني، ثقة، من الخامسة، مات في أول خلافة هشام/ ع. (التقريب ٣٦٢) .\n٥ ج٢ (ق ٥٢/ أ) .\n٦ ثقة، من السابعة، لم يثبت أنَّ مسلمًا أخرج له. (التقريب ٣٦٢) .","vol":"2","page":386},{"text":"يحيى بن سعيد، عن عمر به\"١ كذا قال ﵀، والذي في السنن الكبرى من رواية: عبد الملك بن أبي بكر وحده، عن يحيى.\nثم نقل ابن القَيِّم - ﵀ - عن النسائي أنه ضَعَّفَ هذه المتابعة بقوله: \"فيه عتبة، ليس بالقويِّ\"٢.\nقلت: هو عتبة بن أبي حكيم الهَمْدَاني، ضَعَّفَهُ جماعةٌ، ووثقه آخرون. فَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ: النسائي كما مرَّ، وقال مرة: \"ضعيف\"٣. وقال ابن معين: \"ضعيف الحديث\"٤. وقال أبو حاتم: \"كَأَّنَّ أَحمد يُوَهِّنُهُ قليلًا\"٥. وقال محمد بن عوف الطائي: \"ضعيف\"٦. وقال الجوزجاني: \"غير محمود في الحديث\"٧.\nوممن وَثقَهُ: ابن معين في رواية الدوري، فقال: \"ثقة\"٨. وقال أبو حاتم: \"صالح، لا بأس به\"٩. وقال دحيم: \"لا أعلمه إلا مستقَيِّم الحديث\"١٠. وذكره أبو زرعة الدمشقي في نفر ثقات١١. وقال مروان\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣١١) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٣٠٩) .\n٣ انظر: تهذيب التهذيب: (٧/٩٥) .\n٤ المصدر السابق: (٧/٩٤) .\n٥ الجرح والتعديل: (٣/١/٣٧٠) .\n٦ تهذيب التهذيب: (٧/٩٤) .\n٧ أحوال الرجال: (ص ١٧٢) .\n٨ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٣٨٩) .\n٩ الجرح والتعديل: (٣/١/٣٧١) .\n١٠ تهذيب التهذيب: (٧/٩٤) .\n١١ المصدر السابق.","vol":"2","page":387},{"text":"الطاطري: \"ثقة\"١. وقال أبو القاسم الطبراني: \"من ثقات المسلمين\"٢. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣ وقال: \"يُعْتَبَرُ حديثه من غير رواية بقية ابن الوليد عنه\". وقال ابن عديّ: \"أرجو أنه لا بأس به\"٤. وقال الذهبي: \"وهو متوسط، حسن الحديث\"٥.\nفهذه أقوال موثقيه ومضعفيه بين أيدينا، والذي يظهر - والله أعلم - أن الرجل فيه ضعف يسير يجعل حديثه مقبولًا في المتابعات، ولذلك قال الذهبي ﵀: \"متوسط، حسن الحديث\". فحديثه بذلك يصلح للاعتبار به، فتكون هذه الطريق متابعةً صالحةً من يحيى بن سعيد لأخيه سعد بن سعيد.\nوأما متابعة صفوان بن سليم لسعد بن سعيد: فقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٦، والحميدي في (مسنده) ٧، وكذا الدارمي في (مسنده) ٨، وابن حبان في (صحيحه) ٩، كلهم من طريق:\nعبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٧/٩٤) .\n٢ المصدر السابق: (٧/٩٥) .\n(٧/٢٧١) .\n٤ الكامل: (٥/٣٥٧) .\n٥ الميزان: (٣/٢٨) .\n(٢/٨١٢) ح ٢٤٣٣. ك الصوم، باب في صوم ستة أيام من شوال.\n(١/١٨٨) ح ٣٨١.\n(١/٣٥٣) ح ١٧٦١، باب صيام الستة من شوال.\n٩ الإحسان: (٥/٢٥٧) ح ٣٦٢٦.","vol":"2","page":388},{"text":"كليهما، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به، وعند أبي داود والحميدي: \"فَكَأَنَّمَا صَام الدَّهْرَ\". وعند ابن ابن حبان والدارمي: \"فذلك صيام الدَّهْرِ\".\nفهذه متابعة أخرى من صفوان بن سليم - وهو ثقة ثبت - لسعد ابن سعيد. والراوي عنه: هو الدراوردي، وَثَّقَهُ جماعة وَضَعَّفُهُ آخرون من قبل حفظه، وحديثه من كتابه أضبط من حديثه من حفظه، وأنكروا روايته عن عبد الله العمري١. وقال عنه الذهبي: \"صدوق، من علماء المدينة، غيره أقوى منه\"٢. وقال مرة: \"حديثه في دواوين الإسلام السِّتَّة، لكنَّ البُخَارِيَّ روى له مقرونًا بشيخ آخر، وبكل حالٍ فحديثه وحديث ابن أبي حازم لا ينحط من مرتبة الحسن\"٣.\nقلت: فمثله لا بأس به في المتابعات، فإن روايته لما يرويه الناس دليلُ حفظه وضبطه لهذا الْمَرْوِيِّ، فيكون هذا الإسناد حسنًا على أقل تقدير.\nوثمَّةَ متابعة ثالثة لسعد بن سعيد؛ إذ تابعه أخوه عبد ربه بن سعيد٤، ذكر ذلك ابن القَيِّم ﵀، فقال: \"رواه أحمد بن يوسف السُّلَمِي شيخ مسلم، وعقيل بن يحيى جميعًا عنه - يعني عبد الله بن يزيد\n_________\n١ انظر أقوال الأئمة فيه في: الميزان: (٢/٦٣٣)، وتهذيب التهذيب: (٦/٣٥٤) .\n٢ الميزان: (٢/٦٣٣) .\n٣ سير أعلام النبلاء: (٨/٣٦٨) .\n٤ ابن قيس الأنصاري، أخو يحيى، المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ١٣٩هـ/، وقيل: بعد ذلك/ ع. (التقريب ٣٣٥) .","vol":"2","page":389},{"text":"المقرئ - عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب مرفوعًا. وذكره ابن منده، وهو إسناد صحيح موافق لرواية الجماعة، ومقوّ لحديث صفوان بن سليم وسعد بن سعيد\"١.\nوقد رُوِيَ عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد موقوفًا على أبي أيوب، وسيأتي الكلام على ذلك عند مناقشة إعلاله بالاضطراب.\nفهؤلاء الأربعة: سعد، ويحيى، وعبد ربه بنو سعد، وصفوان بن سليم، رووه كلهم: عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، مما ينفي القول بتفرد \"سَعْدٍ\" به.\nوقد ظهر مما تقدم أن هذه المتابعات صالحة لتقوية رواية سعد بن سعيد، وأن ما رُمِيَتْ به من الضَّعْفِ قد أجيب عنه، وقد أورد هذه المتابعات ابن القَيِّم ﵀، وناقشها وبين صلاحيتها لتعضيد رواية سعد، وقد نقلنا طرفًا من كلامه فيما سلف.\nوأما قولهم بأنه حديث مضطرب الإسناد مُخْتَلِفٌ: فقد رواه أبو عبد الرحمن المقرئ، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب موقوفًا. أخرجه النسائي في (الكبرى) ٢.\nوقد رُوِيَ من طريق: عثمان بن عمرو بن ساج، عن عمر بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن أبي أيوب٣.\nقالوا: فهذا يدلُّ على أن طريق سعد بن سعيد غير متصلة؛\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) .\n(٣/٢٤٠) ح ٢٨٧٨.\n٣ انظر: علل الدارقطني: ج٢ (ق ٥٢/ب) .","vol":"2","page":390},{"text":"حيث أسقط منها \"محمد بن المنكدر\".\nوقد رواه إسماعيل بن عَيَّاش، عن محمد بن أبي حميد، عن محمد بن المنكدر، عن أبي أيوب. قالوا: فدل ذلك على أن لرواية محمد بن المنكدر له عن أبي أيوب أصلًا.\nوقد رواه أبو داود الطيالسي، عن ورقاء، عن سعد بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب. قالوا: وهذا اختلاف يوجب ضعف الحديث.\nوقد نقل ابن القَيِّم كلامهم هذا، وأجاب عنه بما يلي:\nأما عن كونه يُروَى موقوفًا، فقال: \"فإما أن يقال: الرفع زيادة. وإما أن يقال: هو مخالفة، وعلى التقديرين: فالترجيح حاصلٌ بالكثرة والحفظ؛ فإن صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد - وهما إمامان جليلان - وسعد بن سعيد - وهو ثقة محتجٌّ به في الصحيح - اتفقوا على رفعه، وهم أكثر وأحفظ\".\nقال: \"على أن المقرئ - يعني راويه عن شعبة - لم يُتَّفَقْ عنه على وقفه، بل قد رواه أحمد بن يوسف السُّلمي شيخ مسلم، وعقيل بن يحيى جميعًا عنه، عن شعبة، عن عبدربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب مرفوعًا، وذكره ابن منده، وهو إسناد صحيح\".\nقال: \"وأيضًا فقد رواه محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن ورقاء، عن سعد بن سعيد مرفوعًا كرواية الجماعة، وغندر أصحُّ الناس","vol":"2","page":391},{"text":"حديثًا في شعبة\"١.\nوأما رواية عثمان بن عمرو بن ساج٢، وإدخاله \"محمد بن المنكدر\" بين عمر بن ثابت، وأبي أيوب، فأجاب عن ذلك ابن القَيِّم بقوله: \"وأما حديث عثمان بن عمرو بن ساج: فقال أبو القاسم بن عساكر في (أطرافه) عقب روايتها: هذا خطأ، والصواب: عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب. من غير ذكر محمد بن المنكدر. وقد قال أبو حاتم الرازي: عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يُكتبْ حديثهما ولا يحتجُّ بهما٣. وقال النسائي: رأيت عنده كتبًا في غير هذا، فإذا أحاديث شبه أحاديث محمد بن أبي حميد، فلا أدري: أكان سماعه من محمد أم من أولئك المشيخة؟ فإن كانت تلك الأحاديث أحاديثه عن أولئك المشيخة، ولم يكن سمعه من محمد، فهو ضعيف\".\nقال: \"وأما رواية إسماعيل بن عياش له عن محمد بن أبي حميد٤: فإسماعيل بن عياش ضعيف في الحجازيين، ومحمد بن أبي حميد: متفق على ضعفه ونكارة حديثه، وكأن ابن ساج سرق هذه الرواية من محمد بن أبي حميد، والغلط في زيادة محمد بن المنكدر منه\".\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) .\n٢ الجَزَرِي، مولى بني أمية، وقد يُنسبُ لجده، فيه ضعف، من التاسعة/ س. (التقريب ٣٨٦) .\n٣ الجرح والتعديل: (٣/١/١٦٢) .\n٤ واسم أبي حميد: إبراهيم، الزُّرَقِي، الأنصاري، أبو إبراهيم المدني، لقبه حماد، ضعيف، من السابعة/ ت ق. (التقريب ٤٧٥) .","vol":"2","page":392},{"text":"ثم قال ﵀: \"وأما رواية أبي داود الطيالسي: فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهاني١ عنه. قال ابن حبان: كان يُغْرِب٢ وخالفه يونس بن حبيب٣ فرواه عن أبي داود٤، عن ورقاء بن عمر، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، موافقة لرواية الجماعة\"٥.\nفظهر بذلك أن هذا الاختلاف غير مُؤَثِّر، وأن هذه الروايات لا تُقَاوِمُ رواية سعد بن سعيد - ومن تابعه - حتى تُعِلَّهَا.\nوقد رَجَّحَ الدارقطني - أيضًا - رواية سعد بن سعيد، فإنه ساق الاختلاف في هذا الحديث، ثم قال: \"والصواب حديث أبي أيوب\" فساقه بإسناده إلى سفيان الثوري، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب مرفوعًا. وأشار قبل ذلك إلى ترجيح هذه الرواية بقوله: \"يرويه جماعة من الثقات الحفاظ عن سعد بن سعيد ... \" فذكر من هؤلاء الحفاظ جملة٦.\nوأما قولهم بأنه حديث شاذ تَفَرَّدَ به عمر بن ثابت، لم يروه عن\n_________\n١ نزيل الريِّ، صدوق، من كبار الحادية عشرة/ ق. (التقريب ٣١٦) .\n٢ ترجمه في الثقات: (٨/٣٥٩) . وهناك كلام محله بياض، فلعل هذه العبارة مما سقط منه.\n٣ راوي المسند عن الطيالسي.\n٤ في مسنده: (وتقدمت) .\n٥ تهذيب السنن: (٣/٣١٣) .\n٦ انظر العلل: ج٢ (ق٥٢) .","vol":"2","page":393},{"text":"أبي أيوب غيره: فقد أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك فقال: \"ليس هذا من الشاذ الذي لا يُحْتجُّ به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة، كحديث \"الأعمال بالنيات\"، تَفَرَّدَ علقمة بن وقاص به، وتفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عنه، وتفرد يحيى بن سعيد به عن التيمي. وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: ليس الشاذ أن يَرْوِي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس.\nوأيضًا: فليس هذا الأصل مما تَفَرَّدَ به عمر بن ثابت، لرواية ثوبان وغيره له عن النبي ﷺ، وقد تَرْجَمَ ابن حبان على ذلك في (صحيحه) فقال - بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت -: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تَفَرَّدَ به عمر بن ثابت، عن أبي أيوب. وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث الذَّمَارِي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان\"١.\nوبعد، فقد ثبت أن هذا الحديث صحيح ثابت، معمول به عند جمهور الأمة، وكَفَى به صحَّةً أنَّ مُسْلِمًَا أودعه في (صحيحه)، وقد صَحَّحَهُ - مع ذلك - جَمْعٌ من العلماءِ؛ فقال الترمذي: \"حسن صحيح\". وصَحَّحَهُ الدارقطني من طريق سعد بن سعيد كما مضى من كلامه. وقال\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٣١٣) .","vol":"2","page":394},{"text":"البغوي: \"حديث صحيح\"١. وقال النووي: \"رواه أبو داود بإسناد صحيح\"٢. وقال ابن الملقن: \"وقد روى هذا الحديث عن سعد بن سعيد ... عشرون رجلًا، أكثرهم ثقات حفاظ أثبات، وقد ذكرتُ كل ذلك عنهم موضحًا في: تخريجي لأحاديث الْمُهَذَّب، مع الجواب عَمَّنَ طَعَنَ في سعد بن سعيد، وأنه لم يتفرد به، وتُوبِعَ عليه، وذكرت له ثماني شواهد، وأجبتُ عن كلام ابن دحية الحافظ، فإنه طَعَنَ فيه، فَرَاجِعْهُ فإنه من الْمُهْمَّاتِ التي يُرْحَلُ إليها\"٣. وقال المناوي: \"وَطَعَنَ فيه من لا علم عنده، وغره قول الترمذي: حسن، والكلام في راويه، وهو: سعد بن سعيد، واعتنى العراقيُّ بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد، كلهم حفاظ أثبات\"٤.\nقال صاحب (تحفة الأحوذي) ٥: \"فإن قلتَ: كيف صَحَّحَ الترمذي حديث سعد بن سعيد المذكور، مع تصريحه بأنه قد تَكَلَّمَ فيه بعض أهل الحديث من قِبَل حفظه؟؟ قلتُ: الظاهر أنَّ تصحيحه لتعدد الطرق، وقد تَقَدَّمَ في المقدمة: أنَّه قد يصححُ الحديث لتعدد طرقه\".\nأما ابن القَيِّم ﵀: فإنه أَجَادَ وَأَفَاد في ردِّ العلل التي رُمِيَ بها هذا الحديث، كما تَقَدَّمَ كلامه في ذلك، ثم ساق جملة من الشواهد لهذا الحديث وتَكَلَّمَ عليها، فذكر منها حديث: ثوبان، وجابر، وأبي هريرة، وشداد بن أوس رضي الله عنهم٦.\n_________\n١ شرح السُّنَّة: (٦/٣٣١) .\n٢ المجموع: (٦/٣٤٧) .\n٣ البدر المنير: ج٤ (ق٣٣٦/أ) .\n٤ فيض القدير: (٦/١٦١) .\n(٣/٤٦٨) .\n٦ انظر: تهذيب السنن: (٣/٣٠٩ - ٣١٠) .","vol":"2","page":395},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-113> من كتاب الحج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١- باب الإهلال بعمرة من بيت المقدس</span>\n٤٦- (١) عَنْ أُمِّ سلمة ﵂، أن النبي ﷺ، قال: \"مَنْ أَحْرَمَ بعمرةٍ من بيتِ الْمَقْدِسِ، غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ\". وفي لفظ: \"كَانَت كفارةً لما قَبْلَهَا من الذُّنُوبِ\".\nقال ابن القَيِّم: \" ... حديث لا يثبت، وقد اضطُرِبَ فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا\"١.\nوقال مرة: \"قال غير واحد من الْحُفَّاظ: إسناده ليس بالقويِّ\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ - ومن طريقه البيهقي٤ - والدارقطني في (سننه) ٥، والبخاري في (تاريخه) ٦ من طرق عن:\nابن أبي فُدَيْك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يُحَنِّس٧، عن\n_________\n١ زاد المعاد: (٣/٣٠٠ - ٣٠١) .\n٢ تهذيب السنن: (٢/٢٨٤) .\n(٢/٣٥٥) ح ١٧٤١ ك المناسك، باب في المواقيت.\n٤ في سننه: (٥/٣٠) .\n(٢/٢٨٣) ح ٢١٠ ك الحج، باب المواقيت.\n(١/١/١٦١) .\n٧ حجازي، مقبول، من السادسة/ م د. (التقريب ٣١١) .","vol":"2","page":399},{"text":"يحيى بن أبي سفيان الأخنسي١، عن حكيمة بنت أمية٢، عن أم سلمة - ﵂ - أنها سمعتْ رسول الله ﷺ يقول: \"مَنْ أَهَلَّ بعمرة أو حَجَّةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه وما تَأَخَّرَ - أو وَجَبَتْ له الجنة -\". وشكَّ عبد الله أيتهما قال. هذا لفظ أبي داود، وعند الدارقطني بدون شكٍّ \"ووجبت\"، وعند البخاريِّ \"غُفِرَ ما تَقَدَّمَ من ذنبه\" فقط.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... هذا هو الصواب بـ \"أو\"، وفي كثير من النسخ: \"وَوَجبتْ\" بالواو، وهو غلط\"٣.\nووقَعَ في رواية البخاريّ: \"محمد بن عبد الرحمن بن يحنس\" بدل \"عبد الله بن عبد الرحمن\" عند الباقين. قال الحافظ ابن حجر: \"وكأن الذي في رواية البخاري أصحُّ\"٤.\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٥، وابن حبان في (صحيحه) ٦ من طريق:\nمحمد بن إسحاق، عن سليمان بن سُحَيْم٧ عن يحيى الأخنسي،\n_________\n١ مستور، من السادسة، قد أرسل عن أبي هريرة وغيره/ د ق. (التقريب ٥٩١) .\n٢ ابن الأخنس، مقبولة، من الرابعة/ د ق. (التقريب ٧٤٥) .\n٣ تهذيب السنن: (٢/٢٨٤) .\n٤ التلخيص الحبير: (٢/٢٣٠) .\n(٢/٢٨٤) ح ٢١٢.\n٦ الإحسان: (٦/٥) ح ٣٦٩٣.\n٧ أبو أيوب المدني، صدوق، من الثالثة/ م د س ق. (التقريب ٢٥١) .","vol":"2","page":400},{"text":"عن حكيمة، عن أم سلمة مرفوعًا، ولفظه: \"مَنْ أَهَلَّ بعمرةٍ من المسجد الأقصى، غُفِرَ له مَا تَقَدَّمَ من ذنبه\" زاد ابن حبان: \"فَرَكِبَتْ أُمُّ حكيم إلى بيت المقدس حَتَّى أَهَلَّتْ منه بعمرة\".\nومن الطريق نفسه أخرجه ابن ماجه في (سننه) ١ فجعله: عن \"سليمان بن سُحَيم، عن حكيمة بنت أمية\"، بإسقاط \"يحيى الأخنسي\".\nوأخرجه ابن ماجه أيضًا، من طريق ابن إسحاق، عن يحيى الأخنسي، عن حكيمة، عن أم سلمة، مرفوعًا، ولفظه: \"مَنْ أَهَلَّ بعمرة من بيت المقدس، كانت كفارة لِمَا قبلها من الذنوب\" ٢.\nوأخرجه أحمد في مسنده٣ من طريق: ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة٤، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة٥، عن حكيمة، عن أم سلمة به.\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٦ من طريق: الواقدي٧، عن\n_________\n(٢/٩٩٩) ح ٣٠٠١ ك المناسك، باب من أهل بعمرة من بيت المقدس.\n٢ سنن ابن ماجه: (٢/٩٩٩) ح ٣٠٠٢.\n(٦/٢٩٩) .\n٤ ابن شرحبيل بن حسنة الكندي، أبو شرحبيل، المصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة ١٣٦ هـ / ع. (التقريب ١٤٠) .\n٥ الأنصاري، المدني، ثقة، من الثالثة/ خ د س ق. (التقريب ٣١١) .\n(٢/٢٨٣) ح ٢١١.\n٧ هو: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، المدني، القاضي، نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه، من التاسعة، مات سنة ٢٠٧هـ/ ق. (التقريب ٤٩٨) .","vol":"2","page":401},{"text":"عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس، عن يحيى الأخنسي، عن أم حكيم، عن أم سلمة به.\nوهذا الحديث ضعيف، مضطرب المتن والسند.\nأما ضعفه: فقال الإمام البخاري: \"لا يثبت\" كذا نقل الذهبي١ وابن حجر٢ أنه قال ذلك في (التاريخ)، ولم أقف على هذه اللفظة فيه، والذي فيه قوله - بعد أن روى الحديث في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن يحنس -: \"ولا يُتَابع في هذا الحديث؛ لأنه وَقَّتَ ذا الحُلَيْفَةَ والجُحْفَةَ، وأهَلَّ ﵊ - من ذي الحليفة\"٣. وقال الحافظ المنذري في كلامه على أحاديث المهذب: \"حديث غريب\"٤. وأَعَلَّهُ ابن القَطَّان بجهالة أم حكيم، فقال: \"لا يُعْرَفُ حالها\"٥. وقال الإمام النووي: \"إسناده ليس بالقويِّ\"٦.\nوَرَمَزَ له السيوطي بالضعف في (الجامع الصغير) ٧. وقال الشيخ الألباني: \"إسناده ضعيف\"٨.\n_________\n١ في الميزان: (٣/٦٢٢) .\n٢ في التلخيص الحبير: (٢/٢٣٠) .\n٣ التاريخ الكبير: (١/١/١٦١) .\n٤ البدر المنير: ج ٤ (ق٣٦٥) .\n٥ بيان الوهم والإيهام: (٥/٧٣١) .\n٦ المجموع: (٧/١٧٩) .\n٧ مع فيض القدير: (٦/٩١) ح ٨٥٤٤.\n٨ التعليق على المشكاة: (٢/٧٧٧) ح ٢٥٣٢.ذ","vol":"2","page":402},{"text":"وأما اضطرابه: فقد تَقَدَّمَ الاختلافُ في إسناده، وكذا اختلاف ألفاظه وتباينها، ولذلك قال الحافظ المنذري: \"وقد اخْتَلَفَ الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا\"١. وقال الحافظ ابن كثير: \"وفي حديث أمِّ سلمة هذا اضطراب\". كذا نقله عنه الشوكاني في (نيل الأوطار) ٢. ونقل ابن الملقن عن الدارقطني أنه أَعَلَّهُ بالاختلاف في إسناده، ثم قال: \"وهو كما قال\"٣. وقد تَقَدَّمَ قول ابن الملقن ﵀: \"وقد اضطرب فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا\".\nوقد أَوْرَدَهُ الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) ٤ وبَيَّنَ ضَعْفَ سَنَدِهِ وأشار إلى اضطرابه، ثم تَعَقَّبَ المنذري في تصحيحه إياه فقال: \"ثم إن المنذري كأنه نسي هذا - يعني إعلاله إياه بالاضطراب كما مضى - فقال في الترغيب والترهيب٥: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح! \". وذكره في (ضعيف الجامع) ٦ (وضعيف سنن ابن ماجه) ٧.\nفَلَتَخَّصَ من ذلك: أنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ ومضطربٌ كما قال ابن القَيِّم ﵀.\n_________\n١ مختصر سنن أبي داود: (٢/٢٨٥) .\n(٥/٢٥) .\n٣ البدر المنير: ج٤ (ق٣٦٥) .\n(ح ٢١١) .\n(٢/١٩٠) .\n(ح ٥٣٥٨) .\n(ح ٦٤٦، ٦٤٧) .","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>٢- باب لا تنتقب المرأة المحرمة</span>\n٤٧- (٢) حَدِيث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: \"إِحْرَامُ الرَّجُلِ في رَأْسِهِ، وإحرامُ المرأةِ في وجهها\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١ - في معرض ردِّه  على القائلين بوجوب كشف المرأة المحرمة وجهها - ثم قال: \"هذا الحديث لا أصل له، ولم يَرْوِهِ أحدٌ من أصحاب الكُتُبِ المعتمد عليها، ولا يُعرَفُ له إسناد، ولا تقوم به حُجَّةٌ، ولا يُترَكُ له الحديث الصحيح الدَّال على أن وجهها كبدنها، وأنه يَحْرُمُ عليها فيه ما أُعْدَّ للعضو؛ كالنِّقَابِ والبُرْقَع ونحوه، لا مُطْلَقُ السِّتْرِ كاليدين\".\nقلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢، والطبراني في (الأوسط) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، والعقيلي في (الضعفاء) ٥، وابن عديّ في (الكامل) ٦، كلهم من طريق:\n_________\n(٢/٣٥٠) .\n(٢/٢٩٤) ح ٢٥٩.\n٣ انظر: مجمع البحرين: (ق٧٤/ب) ك الحج، باب ما يلبس المحرم.\n(٥/٤٧) .\n(١/١١٦) في ترجمة \"أيوب بن محمد\".\n(١/٣٤٩) في ترجمة \"أيوب\" أيضًا.","vol":"2","page":404},{"text":"عبد الله بن رجاء١، عن أيوب بن محمد٢، عبد عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: \"ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها\". وعند الطبراني وابن عدي: \"حرم\" بدل \"إحرام\".\nوقد أخرجه الطبراني في (الكبير) ٣ بالإسناد نفسه، لكن جعله موقوفًا، والظاهر أنه خطأ؛ لأن الإسناد هو نفسه إسناده في (الأوسط)، من شيخ الطبراني إلى آخره، بالإضافة إلى اتفاق هؤلاء الجماعة على روايته بهذا الإسناد مرفوعًا.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين:\n١- الكلام في أيوب بن محمد اليمامي.\n٢- وأن الصواب فيه الوقف على ابن عمر.\nأما العلة الأولى، وهي الكلام في أيوب بن محمد: فقال فيه ابن معين: \"لا شيء\"٤. وسأله عند الدارمي؟ فقال: \"شيخ يماميٌّ ضعيف\"٥.\n_________\n١ ابن عمر الغداني، بصري، صدوقٌ يَهِمُ قليلًا، من التاسعة، مات سنة ٢٢٠هـ / خ خد س ق. (التقريب ٣٠٢) .\n٢ أبو سهل العجلي، اليَّمَامي، لقبه: أبو الجمل. ضَعَّفَهُ جماعةٌ، وَوَثَّقَهُ بعضهم، وسيأتي كلام العلماء فيه مُفَصَّلًا.\nترجمته في: الجرح والتعديل: (١/١/٢٥٧)، والضعفاء للعقيلي: (١/١١٦)، والميزان: (١/٢٩٢) .\n(١٢/٣٧٠) ح ١٣٣٧٥.\n٤ الجرح والتعديل: (١/١/٢٥٧) .\n٥ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص١٧٩) رقم ٦٤٥.","vol":"2","page":405},{"text":"وقال أبو زرعة: \"منكر الحديث\"١. وقال العقيلي: \"يَهِمُ في بعض حديثه\"٢. وقال ابن حبان: \"كان قليلَ الحديث، ولكنه خالفَ النَّاس في كلِّ ما روى، فلا أدري: أكان يَتَعَمَّدُ، أو يقلبُ وهو لا يَعْلَم\"٣. وقال الدارقطني: \"مجهول\"٤.\nوقال أبو حاتم: \"لا بأس به\"٥. وَوَثَّقَهُ يعقوبُ الفَسَويّ٦.\nوالذي يظهر: رُجْحَان جانب الجرح على جانب التعديل في هذا الرجل، ولاسيما أن بعضهم قد بَيَّنَ سبب الجرح.\nولذلك فقد أَعَلَّ جماعة من أهل العلم هذا الحديث بأيوب هذا: فقال البيهقي: \"وأيوب بن محمد أبو الجمل ضعيفٌ عند أهل العلم بالحديث، فقد ضَعَّفَهُ يحيى بن معين وغيره\"٧. وقال ابن القطان: \"لا يصحّ\"٨، وقال الذهبي في (تهذيب سنن البيهقي): \"وفيه أيوب بن\n_________\n١ الجرح والتعديل: (١/١/٢٥٧) .\n٢ الضعفاء: (١/١١٦) .\n٣ المجروحين: (١/١٦٦) .\n٤ السنن: (١/١٤٩) .\n٥ الجرح والتعديل: (١/١/٢٥٧) .\n٦ الميزان: (١/٢٩٢) .\n٧ السنن: (٥/٤٧) .\n٨ بيان الوهم والإيهام: (٥/٧٣٠) .","vol":"2","page":406},{"text":"محمد أبو الجمل، ضَعَّفَهُ ابن معين، وغيره\"١. وقال الهيثمي: \"وفيه أيوب بن محمد اليمامي، وهو ضعيف\"٢،. وقال الحافظ ابن حجر: \"وفي إسناده أيوب بن محمد أبو الجمل، وهو ضعيف\"٣.\nوأما العلّة الثانية، وهي أنه يُروى موقوفًا، وأنه الصواب: فإن أيوب بن محمد هذا - مع ضعفه - قد خُولِفَ فيه: فأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤ - ومن طريقه البيهقي٥ - من طريق: هشام بن حَسَّان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: \"إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه\".\nوأخرجه العقيلي في (الضعفاء) ٦، وابن حزم في (المحلى) ٧ من طريق: سعيد بن منصور، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر بالإسناد نفسه إلى ابن عمر قال: \"الذِّقْنُ مِنَ الرأسِ فلا تُغَطِّهِ\" وقال: \"إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرَّجُلِ في رأسه\".\nفقد خالف سفيان بن عيينة، وهشام بن حسان أيوب بن محمد في رواية هذا الحديث، فروياه موقوفًا على ابن عمر من قوله.\nوقد حَكَمَ الأئمة لرواية الوقف وحكموا على الرواية المرفوعة\n_________\n١ انظر: فيض القدير: (٥/٣٦٩) .\n٢ مجمع الزوائد: (٣/٢١٩) .\n٣ التلخيص الحبير: (٢/٢٧٢) .\n(٢/٢٩٤) ح ٢٦٠.\n٥ في سننه: (٥/٤٧) .\n(١/١١٦) .\n(٧/٩٢) .","vol":"2","page":407},{"text":"بالوهم، فقال العقيلي: \"لا يُتَابع على رفعه، إنما هو موقوف\"١. وقال الطبراني: \"لم يرفعه عن عبيد الله بن عمر إلا أيوب، تَفَرَّدَ به عبد الله بن رجاء\"٢. وقال ابن عدي: \"هذا الحديث لا أعلم يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا، وأبو الجمل لا أعرف له كثير شيء\"٣. وقال الدارقطني: \"تَفَرَّدَ برفعه أيوب هذا، والصواب وقفه\"٤. وقال البيهقي: \"المحفوظ موقوف\"٥. وقال الذهبي: \"المحفوظ موقوف\"٦.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الحديث لا يصحُّ رَفْعُهُ إلى النبي ﷺ، وأن الصواب أنه من كلام ابن عمر ﵄.\nفإذا تقرر ذلك، فإننا لا نوافق ابن القَيِّم - ﵀ - على قوله:\n- إن الحديث لا أصل له، إلا أن يقصد: لا أصل له مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\n- وأنه لم يروه أحدٌ من أصحاب الكتب الْمُعْتَمَدِ عليها.\n- وأنه لا يُعرف له إسناد.\nفإنه قد ثَبَتَ من خلال هذه الدراسة خلاف ذلك، والله أعلم.\n_________\n١ الضعفاء: (١/١١٦) .\n٢ مجمع البحرين: (ق ٧٤/ب) .\n٣ الكامل: (١/٣٤٩) .\n٤ التلخيص الحبير: (٢/٢٧٢)، وفيض القدير: (٥/٣٦٩) .\n٥ السنن: (٥/٤٧) .\n٦ الميزان: (١/٢٩٢) .","vol":"2","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٣- باب لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين</span>\n٤٨- (٣) عن عبد الله بن عمر ﵄: \"أَنَّه سَمِعَ رسول الله ﷺ نَهَى النَّساء في إِحْرَامِهِنَّ عن القُفَّازَينِ والنقابِ ... \". وفي رواية: \"المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين\".\nأورد ابن القَيِّم هذا الحديث مستدلًا به على القول بتحريم لبس القفازين للمحرمة، وَرَدَّ على من قَالَ بأنه معلولٌ بالوقفِ على ابن عمر١. وسيأتي.\nهذا الحديث مداره على نافع، عن ابن عمر ﵄، واخْتُلِفَ فيه على نافع.\nفأخرجه البخاري في (صحيحه) ٢، والترمذي في (جامعه) ٣، والنسائي في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والبيهقي في (السنن) ٦، كلهم من طريق: الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قام رجلٌ فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٣٥١ - ٣٥٢) .\n٢ ك جزاء الصيد، باب ما يُنْهَى من الطيب للمحرم ... ح ١٨٣٨. (فتح الباري: ٤/٥٢) .\n(٣/١٨٥) ح ٨٣٣، باب فيما لا يجوز للمحرم لبسه.\n(٥/١٣٣) باب النهي أن تنتقب المرأة الحرام.\n(٢/١١٩) .\n(٥/٤٦) .","vol":"2","page":409},{"text":"فقال النبي ﷺ: \"لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، إلا أن يكون أحدٌ ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين. ولا تلبسوا شيئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ١ ولا الوَرْسُ٢. ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين\". هذا لفظ البخاري، ولفظ الباقين بنحوه، إلا أن عندهم زيادة قوله: \"ولا الخِفَاف \".\nوأخرجه النسائي، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: موسى بن عقبة٤، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بنحو حديث الليث المتقدم، إلا أن البيهقي عنده زيادة أشار إليها، وهي: \"وكان عبد الله بن عمر يأمر المرأة بِزَرِّ الجلباب إلى جبهتها\". وهذا الإسناد صحيح، كما سيأتي من كلام العراقي ﵀.\nوأخرجه أبو داود في (سننه) ٥، وأحمد في (مسنده) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧ من طريق:\nمحمد بن إسحاق، حدثني نافع - كذا أبو داود والحاكم، وعند أحمد: عن نافع - عن ابن عمر - ﵄ - \"أنه سمع\n_________\n١ الزَّعْفَرَان: لَونٌ مَنَ الطِّيبِ تُصْبَغُ به الثِّيَابِ. (لسان العرب: ص١٨٣٣) .\n٢ الوَرْسُ: نبت أصفر يصبغ به. (النهاية: ٥/١٧٣) .\n٣ س: (٥/١٣٥) باب النهي عن أن تلبس المحرمة القفازين، هق: (٥/٤٦) .\n٤ ابن أبي عيَّاش، الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي، من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لَيَّنَهُ، مات سنة ١٤١هـ / ع. (التقريب ٥٥٢) .\n(٢/٤١٢) ح ١٨٢٧، باب ما يلبس المحرم.\n(٢/٣٢) .\n(١/٤٨٦) .","vol":"2","page":410},{"text":"رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهنَّ عن: القفازين، والنقاب، وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب، ولتلبسْ بعد ذلك ما أَحَبَّتْ من ألوان الثياب: معصفرًا، أو خَزًَّا، أو حُلِّيًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خُفًَّا\". لفظ أبي داود، ولفظ الحاكم نحوه، لكن لفظ أحمد: \"سمعت رسول الله ﷺ على المنبر ينهى الناس إذا أحرموا عما يُكرَهُ لهم من الثياب ... وسمعته ينهى النساء عن القُفَّازِ، والنقاب، وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب\".\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. وقال النووي: \"رواه أبو داود بإسناد حسن، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي، إلا أنه قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، وأكثر ما أُنْكِرَ على ابن إسحاق التدليس، وإذا قال المدلس: حَدَّثَنِي، احْتُجَّ به على المذهب الصحيح المشهور\"١. وقال الشيخ أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"٢.\nوأخرجه أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: إبراهيم بن سعيد٤، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"الْمُحْرِمَةُ لا تنتقب ولا تلبس القفازين\".\nقال أبو داود: \"إبراهيم بن سعيد المديني شيخ من أهل المدينة ليس\n_________\n١ المجموع: (٧/٢٣٢) .\n٢ مسند أحمد بتعليق أحمد شاكر: (٦/٣٣٢) ح ٤٧٤٠.\n(٢/٤١٢) ح ١٨٢٦.\n٤ المدني، أبو إسحاق، مجهول الحال، من السابعة/ د. (التقريب ٨٩) .","vol":"2","page":411},{"text":"له كبير حديث\". وقال ابن عدي: \"وهذا الحديث لا يُتَابَعُ إبراهيمُ هذا على رفعه، ورواه جماعة عن نافع، عن ابن عمر\"١. قال الحافظ العراقي: \" ... لكن رواه البيهقي من رواية فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع - وقد تَقَدَّمَتْ هذه الرواية - ومن وراية جويرية عن نافع -وستأتي- وإسنادهما صحيح، ففيه ترجيحٌ لرواية إبراهيم بن سعيد، وَرَدٌّ لقول ابن عديٍّ: أنه تَفَرَّدَ برفعه\"٢.\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من رواية: جويرية٤، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بنحو حديث الليث عن نافع المتقدم، ورواه من طريق آخر عن جويرية مختصرًا.\nوقد تقدم قبل قليل تصحيح الحافظ العراقي لإسناد جويرية هذا.\nفهؤلاء جميعًا: الليث بن سعد، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وإبراهيم بن سعيد، وجويرية بن أسماء، رووه عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وقد أشار البخاري - ﵀ - إلى كلَِّ هذه الروايات عقب إخراجه من طريق الليث بن سعد الماضي.\nورواه مالك - ﵀ - عن نافع، عن ابن عمر رضي الله\n_________\n١ الكامل: (١/٢٥٧) .\n٢ طرح التثريب: (٥/٤٣) .\n(٥/٤٧) .\n٤ ابن أسماء بن عبيد الضُّبَعي، البصري، صدوق، من السابعة، مات سنة ١٧٣هـ/ خ م د س ق. (التقريب ١٤٣) .","vol":"2","page":412},{"text":"عنهما - أنه كان يقول: \"لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلتبس القفازين\"١. هكذا موقوفًا على ابن عمر. وتابعه على وقفه: ليث بن أبي سليم، كما أشار إليه البخاري ﵀.\nورواه عبيد الله بن عمر العُمَري، عن نافع، فَفَصَلَ المرفوع عن الموقوف، أخرج ذلك ابن خزيمة في (صحيحه) ٢، من حديث: بشر بن المفضل، عن عبد الله عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله ماذا نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ فقال: \"لا تلبسوا القُمُصَ ولا السراويلات، ولا البرانسَ، ولا العمائمَ، والا القلانسَ، ولا الخفافَ ... \". قال: وكان عبد الله يقول: \"ولا تنقب المرأة، ولا تلبس القفازين\".\nفهذه أوجه رواية هذا الحديث عن نافع، رفعه بعضهم وهم الأكثر، ووقفه آخرون، وفصل عبيد الله العُمَرِي بين المرفوع والموقوف.\nوقد أَعَلَّ قومٌ الرواية المرفوعة، وقالوا: إن قوله: \"لا تنتقب المرأة ... \" من قول ابن عمر، وقد أُدْرجَ في الحديث. قال ذلك: أبو علي الحافظ، كما نقله عنه الحاكم٣. ووافق على دعوى الإدراج: الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: \" ... والغرض أن مالكًا اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقوية لرواية عبيد الله، وظهر الإدراج في رواية غيره\"٤.\n_________\n١ الموطأ: (١/٣٢٨) ح ١٥ ك الحج، باب تخمير المحرم وجهه.\n(٤/١٦٢) ح ٢٥٩٧، باب ذكر الثياب الذي زجر المحرم عن لبسها في الإحرام.\n٣ انظر: سنن البيهقي: (٥/٤٧) .\n٤ فتح الباري: (٤/٥٣)، وانظر: (شرح الموطأ) للزرقاني: (٢/٢٣٣) .","vol":"2","page":413},{"text":"ولم يوافق ابن دقيق العيد على دعوى الإدراج، فقال معقبًا على كلام أبي علي السالف: \"وهذا يحتاج إلى دليل؛ فإنه خلاف الظاهر، وكأنه نَظَرَ إلى الاختلاف في رفعه ووقفه ... وهذا غير قادحٍ؛ فإنه يمكن أن يُفْتي الراوي بما يرويه\". ثم استدلَّ - ﵀ - على بطلان دعوى الإدراج بوجهين:\nأحدهما: أنه ورد النهي عن لبس المحرمة النقاب والقفازين مفردًا، كما في رواية أبي داود المتقدمة من طريق \"إبراهيم بن سعيد\".\nالثاني: أنه جاء النهي عن النقاب والقفازين مبدوءًا به الحديث - يعني رواية أبي داود من طريق محمد بن إسحاق - قال: \"وهذا أيضًا يمنع الإدراج\"١.\nوقد أجاب الحافظ العراقي عن كلام ابن دقيق العيد هذا من وجهيه:\nأما الوجه الأول: فإن حديث إبراهيم بن سعيد ضعيف، لجهالة إبراهيم. ولكنه يَتَقَوَّى ويزول تفرده بمتابعة من تابعه: كموسى بن عقبة، وجويرية.\nوأما الوجه الثاني: فإن عبيد الله بن عمر أحفظ من ابن إسحاق، وقد فَصَلَ المرفوع عن الموقوف، فروايته أولى٢.\n_________\n١ انظر كلام ابن دقيق العيد في: نصب الراية: (٣/٢٦ - ٢٧) .\n٢ انظر: طرح التثريب: (٥/٤٣) .","vol":"2","page":414},{"text":"وقد ردَّ ابن القَيِّم - ﵀ - القولَ بإعلال هذا الحديث، وقال بأن إعلاله بالوقف باطلٌ؛ فإن البخاري وغيره قد رووه حديثًا واحدًا متصلًا؛ والبخاري - ﵀ - حَكَى الخلاف فيه، ومع ذلك لم يره مؤثرًا في صحة الحديث، أو معللًا له١.\nقلت: والجمع - في نظري - بين هذه الروايات أولى من إعلال بعضها؛ فإن إعلال الرواية المرفوعة يلزم منه تخطئة الثقات بدون دليل ظاهر.\nفقد رواه جمعٌ من الثقات - وعلى رأسهم الليث بن سعد - عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا متصلًا بنهي النبي ﷺ الرجال عن لبس البرانس والخفاف وغير ذلك، وأخرج البخاري - ﵀ - هذه الرواية، وحكى وجوه الاختلاف الواقعة فيها، فلو كانت هذه الرواية المرفوعة معلولةً عنده لما أخرجها في الباب معتمدًا عليها، ولَقَدَّمَ عليها الرواية الموقوفة.\nوكذا صنع الإمام الترمذي ﵀، فإنه أخرجها كما أخرجها البخاري، ثم قال: \"هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم\". ولا أظن أنه قد خفي عليه ما علمه غيره، من كون هذه الجملة الأخيرة قد رُويت موقوفة.\nوقال ابن عبد البر: \"رَفْعُهُ صحيح عن ابن عمر\"٢.\n_________\n١ انظر: تهذيب السنن: (٢/٣٥١ - ٣٥٢) .\n٢ حكاه عنه أبو زرعة العراقي في (طرح التثريب): (٥/٤٢) .","vol":"2","page":415},{"text":"وصححه الحاكم - كما تقدم - وحَسَّنَهُ النوويُّ، وقَوَّاهُ العراقي.\nفلا مانع حينئذ من أن يكون ابن عمر - ﵄ - قد رواه عن النبي ﷺ مرفوعًا بكامله، ثم أفتى مرةً بجزء منه، وهو ما يتعلق بالقفازين والنقاب للمرأة، فجاء بعضهم فظن أن هذا الذي أفتى به ابن عمر ليس من كلام النبي ﷺ، ففصله عن الشطر الأول من الحديث، وكلام ابن دقيق العيد يُشْعِرُ بشيء من هذا، ومع ذلك فلم يدخله الخطيب - ﵀ - في كتابه في الْمُدْرَج.\nفيترجح بذلك القول بصحة الحديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ، كما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀، وأن إعلاله غير مقبول، والله أعلم.","vol":"2","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>٤- باب في إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي</span>\n٤٩- (٤) عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"هَذِهِ عُمْرَةُ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لم يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ فَلَيُحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، وقد دَخَلَتْ العمرةُ في الحَجِّ إلى يومِ القِيَامَةِ \".\nقال أبو داود: \"هذا منكر، إنما هو قول ابن عباس\".\n٥٠- (٥) وعن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"إِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمروة، فقد حَلَّ، وهي عُمْرَةٌ \".\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذين الحديثين بالكلام، فقال: \"وقوله: \"دخلتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامةِ\". لا ريب في أنه من كلام رسول الله ﷺ، ولم يقل أحدٌ إنه من قول ابن عباس، وكذلك قوله: \"هَذِه عمرةٌ تَمَتَّعْنَا بهَا \". وهذا لا يشكُّ فيه من له أدنى خبرة بالحديث\".\nثم قال معلقًا على الحديث الثاني منهما:\n\"والتعليل الذي تَقَدَّمَ لأبي داود في قوله: \"هذا حديث منكر\". إنما هو لحديث عطاء هذا، عن ابن عباس يرفعه ...؛ فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريبٍ، رواه عنه أبو الشعثاء، وعطاء، وأنس بن سليم وغيرهم من كلامه، فانقلبَ على النَّاسخ، فَنَقَلَهُ إلى حديث","vol":"2","page":417},{"text":"مجاهد عن ابن عباس، وهو إلى جانبه، وهو حديثٌ صحيحٌ لا مَطْعَنَ فيه ولا عِلَّةَ، ولا يُعَلِّلُ أبو داود مِثْلَهُ، ولا مَنْ هو دون أبي داود، وقد اتَّفَقَ الأئمةُ الأثبات على رفعه\"١.\nقلت: أما حديث مجاهد، عن ابن عباس: فقد أخرجه مسلم في (صحيحه) ٢، وأبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٣، وأحمد، والطيالسي، والدارمي في (مسانيدهم) ٤، والطبراني في الكبير٥، والبيهقي في (سننه) ٦، من طرق: عن: شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس به.\nوأخرجه الطبراني في (الكبير) ٧ من طريق: أبي مريم، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: \"إنما جَعَلَهَا النبي ﷺ عمرةً؛ فإنهم قدموا مكة قبل عرفة بأربع ليالٍ، فَكَرِهَ أن يمكث المسلمون أربع ليالِ لا يطوفون بالبيت، وعلم أنهم إذا طافوا بالبيت حلُّوا، إلا من كان ساق هدايا، فقال: \"عمرةٌ استمتعنا بها - ثلاث مرات - ثم دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة\".\n_________\n١ تهذيب السنن: (٢/٣١٤ - ٣١٦) .\n(٢/٩١١) ح٢٠٣ (١٢٤١) بابُ جواز العمرة في أشهر الحجِّ.\n٣ د: (٢/٣٨٧) ح١٧٩٠ باب إفراد الحجِّ. س: (٥/١٨١) باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي.\n٤ حم: (١/٢٣٦، ٣٤١) . طس: (ح٢٦٤٢) . مي: (١/٣٧٩) ح١٨٦٣، باب من اعتمر في أشهر الحج.\n(١١/٦٠) ح١١٠٤٥.\n(٥/١٨) .\n(١١/٦١) ح١١٠٤٦.","vol":"2","page":418},{"text":"وأخرجه الترمذي في (جامعه) ١ من طريق: يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مختصرًا، ولفظه: \"دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة \".\nوأما طَعْنُ أبي داود في هذا الحديث، وقوله: \"إنه منكرٌ، وأن الصحيح: موقوف على ابن عباس\" فقد رده المنذري ﵀، فقال: \"وفيما قاله أبو داود نظرٌ؛ وذلك أنه قد رواه: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار، وعثمان بن أبي شيبة، عن محمد جعفر، عن شعبة مرفوعًا. ورواه أيضًا: يزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ العَنْبَريِّ، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، عن شعبة مرفوعًا، وتقصير من يُقَصِّرُ به من الرواةِ لا يُؤَثِّرُ فيما أَثْبَتَهُ الحُفَّاظ\"٢.\nوقد ذهب ابن القَيِّم - كما مضى من كلامه - إلى أن تعليل أبي داود هذا إنما هو لحديث عطاء الذي بعده، وأن الناسخ نقله إلى هذا الحديث، ثم قال ﵀: \"والمنذري - ﵀ - رأى ذلك في السنن، فنقله كما وجده\"٣.\nقلت: ويُقَوِّي ما ذهب إليه ابن القَيِّم: أنني لم أر - بعد البحث - أحدًا نقل كلمة أبي داود هذه، مؤيدًا لها أو منتقدًا: كالمزي في (تحفة الأشراف) ٤، وابن الأثير في (جامع الأصول) ٥، ولا انتقده الدارقطنيُّ\n_________\n(٣/٢٦٢) ح٩٣٢.\n٢ مختصر السنن: (٢/٣١٤ - ٣١٥) .\n٣ تهذيب السنن: (٢/٣١٦) .\n(٥/٢١٦) .\n(٣/١٣٦) .","vol":"2","page":419},{"text":"فيما تتبعه من أحاديث مسلم، ومثله لا يَسْكُتُ النسائيُّ عن ذكر عِلَّتَهُ وقد أخرجه، وكذا البيهقي فإنه عادةً ما يُنَاقِشُ مثل هذا، فالظاهر - والله أعلم - صِحَّة ما ذهب إليه ابن القَيِّم، وأن الحديث صحيح رفعه، ولا وجه لإعلاله.\nثم رأيت الحافظ ابن حجر - ﵀ - يقول في (الدراية) ١: \"رواته ثقات، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه\"! ولَعَلَّهُ بَنَى حكمه هذا على مقالة أبي داود المتقدمة، فإن كان الأمر كذلك فقد عُرِفَ ما فيها.\nوأما الحديث الآخر الذي رواه عطاء، عن ابن عباس: فقد أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن النَّهَّاس٣، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.\nوقد تقدم من كلام ابن القَيِّم أن إعلال أبي داود الماضي: إنما المقصود به حديث عطاء هذا.\nوقد أَعَلَّ المنذري حديث عطاء هذا \"بالنهاس\"، فقال: \"في إسناده النهاس بن قهم ... ولا يحتجُّ بحديث\"٤.\nقلت: ولا يبعد أن يكون الخطأ في هذا الحديث منه، فقد قال عنه\n_________\n(٢/٣٤) ح ٤٨٩.\n(٢/٣٨٨) ح ١٧٩١.\n٣ ابن قهم، القيسي، أبو الخطاب، البصري، ضعيف، من السادسة/ بخ د ت ق. (التقريب ٥٦٦) .\n٤ مختصر السنن: (٢/٣١٥) .","vol":"2","page":420},{"text":"يحيى بن سعيد: \" ... وكان يروي عن عطاء، عن ابن عباس أشياء منكرة\"١.\nفَتَلَخَّص من ذلك: صِحَّةَ حديث مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وأنه لا وجه للطَّعْنِ فيه، وأن حديث عطاء، عن ابن عباس ضعيف، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (١٠/٤٧٨) .","vol":"2","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>٥- باب من قال: كان الفسخ لأصحاب النبي ﷺ خاصة</span>\n٥١- (٦) عن بلال بن الحارث ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله، أَرَأَيْتَ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى العُمْرَة، لنا خَاصَّةً أَمْ للنَّاسِ عَامَّةً؟ فقال رسول الله ﷺ: \"بَلْ لَنَا خَاصَّة\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث ضمن أدلة القائلين بعدم جواز الفسخ، وأنه خَاص بأصحاب النبي ﷺ، ثم قال: \"هذا حديث لا يُكْتَب، ولا يُعارَضُ بمثله تلك الأساطين الثابتة\".\nثم ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: \"لا أقول به، لا يُعْرَف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت\"١.\nثم استدل على بطلان هذا الحديث: بأنه قد رُوِيَ عن النبي أنه قال: \"دَخَلَتْ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة \". فكيف يصحُّ عنه بعد ذلك أن يجعل الفسخ مختصًا بالصحابة؟ !.\nقال: \"فنحن نشهد بالله: أنَّ حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ، وهو غلطٌ عليه، وكيف تُقَدَّمُ رواية بلال بن الحارث على روايات الثقات الأثبات، حَمَلَةِ العلم، الذين رووا عن رسول الله ﷺ خلاف روايته؟! \"٢.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/١٩٢) .\n٢ المصدر السابق: (٢/١٩٣) .","vol":"2","page":422},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ١، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٢، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ من طرق، عن: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن٥، عن الحارث بن بلال٦، عن أبيه٧، عن النبي ﷺ، وألفاظهم متقاربة بنحو ما سقناه أول الباب.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بجهالة الحارث بن بلال؛ فإنه لم يرو عنه إلا ربيعة بن أبي عبد الرحمن وحده، ولم يُوَثَّقْ، ولذلك قال الإمام أحمد: \"لا نعرف هذا الرجل، ولم يروه إلا الدراوردي، هذه الأحاديث أحب إليَّ\"٨. وقال الدارقطني - كما نقله عنه المنذري -: \"تَفَرَّدَ به ربيعة بن\n_________\n١ د: (٢/٣٩٩) ح ١٨٠٨ باب الرجل يهلُّ بالحجِّ ثم يجعلها عمرة. س: (٥/١٧٩) باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي. جه: (٢/٩٩٤) ح ٢٩٨٤ باب من قال: كان فسخ الحجِّ لهم خاصة. كلهم في ك الحج.\n٢ حم: (٣/٤٦٩) . مي: (١/٣٧٨) ح ١٨٦٢ باب في فسخ الحج.\n٣ قط: (٢/٢٤١) ح ٢٤. هق: (٥/٤١) .\n(٣/٥١٧) .\n٥ التيمي مولاهم، أبو عثمان المدني، المعروف بـ \"ربيعة الرأي\"، واسم أبيه: فرُّوخ، ثقة فقيه مشهور، من الخامسة، مات سنة ١٣٦هـ على الصحيح/ ع. (التقريب٢٠٧) .\n٦ ابن الحارث المزني، مدني، مقبول، من الثالثة/ د س ق. (التقريب ١٤٥) .\n٧ هو: بلال بن الحارث المزني، أبو عبد الرحمن المدني، صحابيُّ، مات سنة ٦٠هـ/٤. (التقريب ١٢٩) .\n٨ مسائل الإمام أحمد - لعبد الله: (ص٢٠٤) .","vol":"2","page":423},{"text":"أبي عبد الرحمن، عن الحارث، عن أبيه. وتَفَرَّدَ به عبد العزيز الدراوردي عنه\"١. وقال ابن حزم: \"الحارث بن بلال مجهول، ولم يخرج أحدٌ هذا الخبر في صحيح الحديث ... \"٢. وقال المنذري: \"والحارث: هو ابن بلال ابن الحارث، وهو شبه المجهول\"٣. وقال ابن القطان: \"والحارث بن بلال لا يُعرف حاله\"٤. وقال الشيخ الألباني: \"ضعيف\"٥.\nوقد مَالَ النووي إلى تصحيحه، فقال: \"إسناده صحيح إلا الحارث بن بلال، ولم أَرَ في الحارث جرحًا ولا تعديلًا، وقد رواه أبو داود ولم يُضَعِّفْهُ، وقد ذكرنا مَرَّاتٍ: أنه ما لم يضعفه أبو داود فهو حديث حسن عنده، إلا أن يوجد فيه ما يقتضي ضعفه\"٦.\nقلت: وقد وُجدَ هنا ما يقتضي ضَعْفَهُ، وهو جهالة الحارث بن بلال كما تقدم.\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديثًا آخر استدلَّ به القائلون بخصوصية الفسخ بالصحابة وهو:\n٥٢- (٧) حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: \"كان فَسْخُ الحَجِّ مِنْ رسول الله ﷺ لَنَا خَاصَّةً\".\n_________\n١ مختصر السنن: (٢/٣٣١) .\n٢ المحلى: (٤/١٠٨) .\n٣ مختصر السنن: (٢/٣٣١) .\n٤ بيان الوهم والإيهام: (٣/٤٦٨) .\n٥ ضعيف سنن ابن ماجه: (ح٦٤٤) .\n٦ المجموع: (٧/١٤٦) .","vol":"2","page":424},{"text":"ساق ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث من طريق الحُميدِي، قال: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن المُرَقِّع١، عن أبي ذر به، ثم قال: \"المرقع ليس ممن تقوم بروايته حُجَّةٌ، فضلًا عن أن يُقَدَّم على النصوص الصحيحة غير المدفوعة، وقد قال أحمد بن حنبل - وقد عُورِضَ بحديثه -: ومن المرقع الأسدي؟! \"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه الحميدي في (مسنده) ٣ بالإسناد واللفظ اللذين ساقهما ابن القَيِّم ﵀، والمرقع الأسدي - راويه عن أبي ذرٍّ - لم أجد من ترجمه سوى ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٤، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ونقل عن أبيه قوله: \"روى عن أبي ذر، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وليث بن أبي سليم\". لكن وَثَّقَهُ يحيى ابن سعيد الأنصاري.\nفقد أخرجه البيهقي في (سننه) ٥ من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: حدثنا المرقع الأسدي - وكان رَجُلًا مَرْضيًّا- أن أبا ذر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ قال: \"كانت رخصة لنا، ليست لأحدٍ بعدنا\" يعني: فسخ الحج بالعمرة. قال يحيى: \"وحقق ذلك عندنا: أن أبا بكر،\n_________\n١ انظر: ترجمته في الجرح والتعديل: (٤/١/٤١٨) .\n٢ زاد المعاد: (٢/١٩١) .\n(١/٧٣) ح ١٣٢.\n(٤/١/٤١٨) .\n(٥/٤١) .","vol":"2","page":425},{"text":"وعمر، وعثمان ﵃ لم ينقضوا الحج بعمرة، ولم يُرَخِّصُوا فيه لأحدٍ، وكانوا هم أعلم برسول الله ﷺ وبما فعل في حجه ذلك ممن شهد بعضه\".\nففي هذا الإسناد: شهادة يحيى بن سعيد الأنصاري للمرقع بأنه كان مرضيًا، وفي هذه الشهادة ما يدفع قول ابن حزم عن المرقع: \" ... وهو مجهول\"١. فقد أَعَلَّ الحديث به، فلا شكَّ أنَّ من عَرَفَهُ حجة على من لم يعرفه.\nثم إن حديث أبي ذر هذا: أخرجه مسلم في (صحيحه) ٢، ولكن بلفظ: \"كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمد ﷺ خاصة \". وفي رواية: \" لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة \". يعني: متعة النساء ومتعة الحج، والمراد بالمتعة في قوله هذا: متعة الفسخ، كما سيأتي من كلام النووي ﵀، فتكون هذه الرواية مؤيدة لرواية المرقع المتقدمة.\nفهل تكون رواية أبي ذَرٍّ هذه حجة لمن ذهب إلى عدم جواز الفسخ، وأنه خاصٌّ بالصحابة؟؟\nأجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن حديث أبي ذرٍّ هذا: بأنه - بعد تسليم صحته - رأي له ﵁، وقد عارضه قوله ﷺ، وذلك في حديث جابر في صفة حجه ﷺ، حين سأله سُرَاقَة بن مالك عن الفسخ بقوله:\n_________\n١ المحلى: (٤/١٠٨) .\n(٢/٨٩٧) ح ١٦٠ - ١٦٣.","vol":"2","page":426},{"text":"أَلِعَامِنَا هذا أم لأبدٍ؟ فقال ﷺ: \"بل لأبد أبد\" ١. فتكون بذلك دعوى الاختصاص باطلة.\nقال ابن القَيِّم: \"وهذا أصحُّ سندًا من المرويِّ عن أبي ذر، وأولى أن يُؤْخَذَ به منه لو صحَّ عنه\"٢.\nثم ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أن حديث أبي ذر هذا - الذي فيه \"أن المتعة كانت لهم خاصة \" - إن أُرِيدَ به متعةُ الفسخ٣ فإنه يحتمل وجوهًا ثلاثة:\nأحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة، وهذا الذي فَهِمَه من حرَّم الفسخ.\nالثاني: اختصاص وجوب ذلك بالصحابة، فيكون واجبًا في حقِّ أصحاب النبي ﷺ، وجائزًا مُسْتَحَبًَّا في حقِّ باقي الأمة، وذهب إليه ابن تَيْمِيَّة ﵀، ولم يرضه ابن القَيِّم ﵀.\nالثالث: أنه ليس لأحدٍ بعض الصحابة أن يبتدأ حجًا قارنًا أو مفردًا بلا هدي، لأنه يحتاج معه إلى الفسخ، بل فرضٌ أن يفعل من بعد الصحابة ما أرشد إليه ﷺ من القِرَان لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسقه.\n_________\n١ صحيح مسلم: (٢/٨٨٨) ح ١٤٧.\n٢ زاد المعاد: (٢/١٩١) .\n٣ قال النووي ﵀: \" ... ليس مراد أبي ذر إبطال التمتع مطلقًا، بل مراده: فسخ الحج\" (شرح مسلم: ٨/٢٠٣) .","vol":"2","page":427},{"text":"قال ابن القَيِّم: \"وإذا تأملت هذين الاحتمالين الأخيرين: رأيتهما إما راجحين على الاحتمال الأَوَّلِ، أو مساويين له، وتسقط معارضة الأحاديث الثابتة الصريحة به جملة\"١.\nثم أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - على دعوى النَّسْخ: بأن الفسخ قد رواه عن النبي ﷺ أربعة عشر من الصحابة عَدَّهم، ثم عدَّ جملة من التابعين رووا ذلك عن هؤلاء الصحابة، ثم قال:\n\"فصار نقل كافة عن كافة، يوجبُ العِلْمَ، ومثل هذا لا يجوزُ نسخه إلا بما يَتَرَجَّحُ عليه أو يقاومه، فكيف يجوز دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه؟ وإنما هي بين مجهول رواتها، أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة. وما صحَّ فيه: فهو رأي صاحب، قاله بِظَنِّهِ واجتهاده - وهو أصحُّ ما فيها - وهو قول أبي ذر: كانت المتعة لنا خاصة ... فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة، لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعًا، فكيف وإنما هو قوله؟؟ \"٢.\nقلت: لعلَّ النفس تطمئن إلى حَمْلِ كلام أبي ذَرٍّ على خصوصية الوجوب، فمراده: أن وجوب الفسخ وتحتُّمه إِنَّمَا هو خاصُّ بأصحاب النبي ﷺ، وأما سائر الأمة: فالأمر في حقها على الجواز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة كما مرَّ قبل قليل.\nولم يرضه ابن القَيِّم ﵀، بل قال: بوجوب الفسخ في\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/١٩٣ - ١٩٤) .\n٢ تهذيب السنن: (٢/٣١٢) .","vol":"2","page":428},{"text":"حقِّ الأمة، فقال: \"ونحن نُشْهِدُ الله علينا: أَنَّا لو أَحْرَمْنَا بحَج، لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ، واتباعًا لأمره\"١.\nوخلاصة البحث مع ابن القَيِّم في أحاديث الباب: أنه أورد في خصوصية الفسخ بأصحاب النبي ﷺ حديثين، وهما: حديث بلال بن الحارث، وحديث أبي ذر من رواية المرقع، ثم حكم على كلا الحديثين بالضعف.\nوالذي ظهر لي: أن ابن القَيِّم يُوَافَقُ على تضعيفه حديث بلال؛ لجهالة \"الحارث بن بلال\"، وأما حديث أبي ذر فلا نوافقه على ذلك؛ لانتفاء جهالة المرقع، ومتابعة إبراهيم التيمي، عن أبيه له في روايته عن أبي ذر عند مسلم.\nثم إنه لا تعارض بين رواية أبي ذرٍّ وبين سائر الروايات؛ وذلك بحمل رواية أبي ذرٍّ على خصوصية الوجوب كما مضى، وإلا فإن تقديم رواية جمهور الصحابة الذين رووا الفسخ عن النبي ﷺ أولى، والله أعلم.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/١٨٢) .","vol":"2","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>٦- باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس</span>\n٥٣- (٨) \"أنَّ النبي ﷺ قَدِّمَ ضَعَفَةَ أَهلِهِ ليلة العيد، وَأَمَرَهُم أن لا يَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ\".\nساق ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث هكذا، ثم قال: \"حديث صحيح، صَحَّحَهُ الترمذي وغيره\"١.\nقلت: هذا الحديث مرويٌّ عن ابن عباس ﵄، ويرويه عن ابن عباس جماعة، أشهرهم ثلاثة:\nأولهم: الحسن٢ العُرَنِيُّ عن ابن عباس.\nأخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ٣، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، خمستهم من طريق: سفيان الثوري.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٢٤٨) .\n٢ ابن عبد الله العُرَني، الكوفي، ثقة، أرسل عن ابن عباس، من الرابعة/ خ م د س ق. (التقريب ١٦١) .\n٣ د: (٢/٤٨٠) ح ١٩٤٠ ك المناسك، باب التعجيل من جمع. س: (٥/٢٧٠)، ك الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس.\n٤ حم: (١/٣١١، ٣٤٣) . طس: (ح ٢٧٦٧) .\n٥ الإحسان: (٦/٦٧) ح ٣٨٥٨، باب الزجر عن رمي الجمار للحاج قبل طلوع الشمس.","vol":"2","page":430},{"text":"وأخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، وأحمد في (مسنده) ٢ كلاهما من طريق: مسعر وسفيان.\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من طريق منصور. كلهم عن:\nسلمة بن كهيل، عن الحسن العرنيّ، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قَدَّمَنَا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغَيلِمة بني عبد المطلب على حمرات، فجعل يَلْطَحُ٤ أفخاذنا ويقول: \"أَبَيْنِيَّ! لا ترموا الجَمْرَةَ حتى تطلع الشمس\".\nهذا لفظ أبي داود، ولفظ الباقين قريب منه، إلا أن عند النسائي: \"بَعَثنا\" بدل \"قَدَّمنا\". وعند أحمد وابن ماجه زيادة، وهي قول ابن عباس ﵄: \"ولا إخَالُ يرميها حتى تطلع الشمس\" زادها سفيان. وقد وقع عند الإمام أحمد في رواية سفيان ومسعر أن ذلك كان \"بليل\".\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، كما قال الإمام أحمد٥، وقال يحيى بن معين: \"صدوق ليس\n_________\n(٢/١٠٠٧) ح ٣٠٢٥ ك المناسك، باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار؟.\n(١/٢٣٤) .\n(٥/١٣٢) باب الوقت المختار لرمي جمرة العقبة.\n٤ قال ابن الأثير: \"اللَّطْحُ: الضربُ بالكفِّ، وليس بالشديد\". (النهاية ٤/٢٥٠) .\nوقد فَسَّرَه أبو داود عقب الحديث، فقال: \"اللَّطْحُ: الضرب اللَّينُ\".\n٥ المراسيل لابن أبي حاتم: (ص٤٦) . وتهذيب التهذيب: (٢/٢٩١) .","vol":"2","page":431},{"text":"به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس\"١.\nوقد أشار المنذريُّ إلى هذه العلة في (مختصر السنن) ٢، وقال الحافظ ابن حجر: \"وفيه انقطاع\"٣. وسيأتي أن الحديث صحيح بطرقه.\nالثاني: مقسم، عن ابن عباس.\nأخرجه الترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٥ من طريق: المسعودي٦.\nوالمسعوديُّ وإن كان قد اختلط، إلا أن الحديث عند الترمذي وأحمد من رواية وكيع عنه، وقد سمع منه قبل الاختلاط، كما نصَّ عليه الإمام أحمد٧.\nوأخرجه أحمد في (مسنده) ٨ من طريق: الأعمش، وأبي\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٢/٢٩١) .\n(٢/٤٠٤) .\n٣ بلوغ المرام مع سبل السلام: (٢/٧٤٤) .\n(٣/٢٣١) ح ٨٩٣، باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل.\n٥ حم: (١/٣٤٤) . طس: (ح٢٧٠٣) .\n٦ هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، المسعودي، صدوقٌ اخْتلطَ قبل موته، وضَابِطُه: أَنَّ مَنْ سِمِعِ منه بِبَغداد فبعد الاختلاط، من السابعة، مات سنة ١٦٠ هـ / خت ٤. (التقريب ٣٤٤) .\n٧ تهذيب التهذيب: (٦/٢١٠) .\n(١/٣٢٦) .","vol":"2","page":432},{"text":"الأحوص، كلهم عن:\nالحكم بن عتيبة١، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ به مختصرًا، وعند الطيالسي: \" ... فأتى على غُلَيْمٍ منهم فَحَرَّكَهُ برجله، وقال: لا تَرْمِ جمرة العقبة حتى تطلع الشمس\".\nقال أبو عيسى: \"حديث حسن صحيح\".\nالثالث: عطاء٢، عن ابن عباس.\nأخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ٣ من طريق:\nحبيب بن أبي ثابت٤، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: \"كان رسول الله ﷺ يُقَدِّمُ ضعفاء أهله بِغَلَسٍ، ويأمرهم: لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس\". لفظ أبي داود، ولفظ النسائي بنحوه.\nوفي هذا الإسناد عنعنة حبيب، وهو مُدَلِّس يُكثِرُ من التدليس٥، فتكون هذه عِلَّة تمنع من صحة هذا السند.\n_________\n١ أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه رُبَّمَا دَلَّسَ، من الخامسة، مات سنة ١١٣ هـ أو بعدها/ ع. (التقريب ١٧٥) .\n٢ ابن أبي رباح، القرشي مولاهم، المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ١١٤ هـ وقيل: تَغَيَّرَ بآخره، ولم يكثر ذلك منه/ ع. (التقريب٣٩١) .\n٣ د: (٢/٤٨١) ح ١٩٤١. س: (٦/٢٧٢) .\n٤ ابن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة ١١٩ هـ / ع. (التقريب ١٥٠) .\n٥ وقد جعله ابن حجر في الطبقة الثالثة منهم، انظر: طبقات المدلسين: (ص٨٤) .","vol":"2","page":433},{"text":"وبالنظر إلى هذه الطرق عن ابن عباس: نجد أن طريق المسعودي - ومن تابعه - عن الحكم، عن مقسم هو أحسنها، ولذلك فقد صححه الترمذي - كما مرَّ - والطريقان الآخران يشهدان له ويُقَوِّيَانه.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وهو حديث حسن\". ثم ساق هذه الطرق الثلاثة، ثم قال: \"وهذه الطرق يُقَوِّي بعضها بعضًا، ومن ثمَّ صححه الترمذي وابن حبان\"١. وقد صححه كذلك: الشيخ الألباني في (الإرواء) ٢ وفي (صحيح ابن ماجه) ٣.\nولذا فإن ابن القَيِّم - ﵀ - قد أصاب في تصحيحه إياه، والله أعلم.\n_________\n١ فتح الباري: (٣/٥٢٨) .\n(٤/٢٧٤ - ٢٧٦) .\n(ح ٢٤٥١) .","vol":"2","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>٧- باب من قال بجواز رمي الجمرة قبل طلوعِ الشمس للعذر</span>\n٥٤ - (٩) عن عائشة ﵂: \"أنه ﷺ أَرْسَلَ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فَرَمَتْ الجمرةَ قبل الفجر، ثُمَّ مَضَت فَأَفَاضَتْ ... \" الحديث.\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، وقال: \"حديث منكرٌ، أنكره الإمام أحمد وغيره\". ثم ساق كلام الإمام أحمد في ذلك.\nقال: \"وما يدل على إنكاره: أن فيه: أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصُّبْح يوم النَّحْر بمكة، وفي رواية: \"توافيه بمكة \" وكان يَومَها، فأحبَّ أن توافيه. وهذا من المحال قطعًا\".\nثم استدلَّ على بطلانه أيضًا: بحديث عائشة في (الصحيحين): \"أن سودة استأذنت رسول الله ﷺ في أن تَدْفَعَ قبله، فَأَذِنَ لها. قالت عائشة: \"ولأن أكون استأذنتُ كما استأذنته سودة أحبَّ إليَّ من مفروح به\". قال: \"فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءَهُ - غير سودة - إنما دَفَعْنَ معه\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤ من طريق:\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٢٤٨ - ٢٥٢) . وانظر: تهذيب السنن: (٢/٤٠٤ - ٤٠٥) .\n(٢/٤٨١) ح ١٩٤٢، ك الحج، باب التعجيل من جمع.\n(١/٤٦٩) .\n(٥/١٣٣) .","vol":"2","page":435},{"text":"ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان١، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: \"أَرْسَلَ النبي ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فرمتْ الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ \". تعني عندها. هذا لفظ أبي داود، ولفظ الباقيين مثله، إلا أن عند الحاكم: \"وكان ذلك يوم الثاني الذي يكون عندها ... \". كذا رواه الضحاك عن هشام. قال أبو عبد الله الحاكم: \"صحيح على شرطهما ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\nورواه أبو معاوية٢، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة ﵂.\nأخرجه من هذا الطريق: الإمام مسلم في كتاب (التمييز) ٣، من طريق: يحيى بن يحيى، وأبي كريب، ومحمد بن حاتم، ثلاثتهم: عن أبي معاوية، بالإسناد إلى أم سلمة ﵂: \"أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة\".\nقال الإمام مسلم عقبه: \"وهذا الخبر وَهْمٌ من أبي معاوية، لا من غيره، وذلك أن النبي ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ في حجته يوم النحر بالمزدلفة،\n_________\n١ ابن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، أبو عثمان المدني، صدوقٌ يَهِمُ، من السابعة/ م ٤. (التقريب ٢٧٩) .\n٢ هو: محمد بن خازم الضرير الكوفي، عَمِيَ وهو صغير، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٥هـ، وقد رُمِيَ بالإرجاء / ع. (التقريب ٤٧٥) .\n(ص ١٨٦) .","vol":"2","page":436},{"text":"وتلك سنة رسول الله ﷺ، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وهو حينئذ يصلي بالمزدلفة؟ \" قال: \"هذا خبر محال، ولكن الصحيح من روى هذا الخبر عن أبي معاوية، وهو: أن النبي ﷺ أمر أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة ... وإنما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال: توافي معه\"١.\nقلت: وهذه الرواية التي أشار مسلم إلى صحتها عن أبي معاوية: أخرجها البيهقي في (سننه) ٢ من طريق: يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة به. بدون قوله \"معه\".\nورواه أسد بن موسى٣، عن أبي معاوية بالإسناد نفسه، ولكن لفظه: \"أمرها رسول الله ﷺ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة\". هكذا بتقديم قوله: \"يوم النحر\". أخرجه هكذا الطحاوي في (شرح معاني الآثار) ٤، ثم قال: \"ففي هذا الحديث: أنه ﷺ أمرها بما أمرها به من هذا يوم النحر، فذلك على صلاة الصبح في اليوم الذي بعد يوم النحر\".\nولكن تعقبه البيهقي بقوله: \"فتعلق به بعض من يدَّعي تصحيح الآثار على مذهبه، وزعم أنه إنما أمرها بذلك يوم النحر؛ لتوافي معه\n_________\n١ التمييز: (ص١٨٦) .\n(٥/١٣٣) .\n٣ ابن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أسد السنة، صدوق يُغْرِبُ، وفيه نصبٌ، من التاسعة، مات سنة ٢١٢هـ / خت د س. (التقريب ١٠٤) .\n(٢/٢١٨) .","vol":"2","page":437},{"text":"صلاة الصبح من غد يوم النحر بمكة ... وليس من الإنصاف أن تُتْرَكَ رواية الجمهور، ويُؤْخَذ برواية واحدٍ لم يكن عندهم بمصر بالحافظ جدًا\"١. يعني: أسد بن موسى.\nوخالف هؤلاء جميعًا جماعة من أصحاب هشام، فرووه عنه، عن أبيه، عن أم سلمة مرسلًا.\nأخرجه الطحاويُّ في (شرح المعاني) ٢ من طريق: حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه: \"أَنَّ يومَ أُمِّ سلمة دَارَ إلى يوم النحر، فأمرها رسولُ الله ﷺ ليلة جمع أن تُفيضَ، فَرَمَتْ جمرة العقبة، وصلت الفجر بمكة\".\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من طريق: داود بن عبد الرحمن العطَّار، والدراوردي، كلاهما عن هشام به، ولفظه: \"دار رسول الله ﷺ إلى أُمِّ سَلَمَة يوم النَّحْرِ، فأمرها أن تُعَجِّلَ الإفاضة من جمع، حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها فأحبَّ أن توافقه\".\nوأخرجه الإمام مسلم في كتاب (التمييز) ٤ من طريق: الثوري، عن هشام به بنحو لفظ البيهقي، مختصرًا.\nوقد رواه وكيع، عن هشام، عن أبيه مرسلًا أيضًا، ولفظه: \"أن\n_________\n١ معرفة السنن والآثار: (٧/٣١٣) رقم ١٠١٧٠.\n(٢/٢١٨) .\n(٥/١٣٣) .\n(ص ١٨٦) .","vol":"2","page":438},{"text":"النبي ﷺ أمرَ أُمَّ سلمة أن توافيه الصبح بمنىً\". أخرجه مسلم في (التمييز) ١، وقال: \"وَهِمَ فيه كنحو ما وَهِمَ فيه أبو معاوية ... وسبيل وكيع كسبيل أبي معاوية: أن النبي ﷺ صَلَّى الصبح يوم النحر بالمزدلفة، دون غيرها من الأماكن لا محالة\".\nفَتَلَخَّص من ذلك: أن هذا الحديث يُروى مرسلًا، ويروى متصلًا. ويُروى بلفظ: \"توافي صلاة الصبح\"، وبلفظ: \"توافي معه صلاة الصبح\"، وبلفظ: \"توافيه صلاة الصبح\".\nأما من ناحية إسناده: فقد رَجَّحَ بعض الأئمة الرواية الْمُرْسَلَة، فقال الدارقطني - بعد أن أذكر الروايات المتصلة -: \"وخالفهم أصحاب هشام الحفاظ عنه، رووه عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وهو الصحيح\"٢.\nوَقَوَّى البيهقي - ﵀ - الراوية المتصلة بقوله: \"وَصَلَ أبو معاوية هذا الحديث عن هشام، وأبو معاوية حجة قد أجمع الحفاظ على قبول ما ينفرد به، ثم قد وَصَلَهُ الضَّحَاكُ بن عثمان، وهو من الثقات الأثبات\"٣.\nثم ساق - ﵀ - رواية الضحاك بن عثمان بإسناده، ثم قال: \"إسنادٌ صحيح لا عار فيه\".\n_________\n(ص ١٨٧) .\n٢ علل الدارقطني: ج٥ (ق١٢٢/أ) .\n٣ معرفة السنن والآثار: (٧/٣١٦) رقم ١٠١٨١.","vol":"2","page":439},{"text":"ثم قال - مُوَفِّقًَا بين الرواية المتصلة والمرسلة -: \"وكأنَّ عروة حمله من الوجهين جميعًا، فكان هشام يرسله مرةً ويُسْنِده أخرى، وهذه عادتهم في الرواية\"١.\nوصَحَّحَ النووي رواية أبي داود المتصلة أيضًا، فقال: \"إسناد صحيح على شرط مسلم\"٢.\nقلت: فعلى كلام البيهقي هذا لا تكون الرواية المتصلة معلولة، وهو ظاهر صنيع الإمام مسلم ﵀، فإنه لما رواه على الوجهين لم ير الرواية المتصلة معلولة من جهة إسنادها، وإنما تَكَلَّمَ في متنها فقط.\nوأما من ناحية المتن: فقد أنكروا رواية أبي معاوية وقوله: \"أمرها أن توافيه\" وكذلك: \"توافي معه\"، وقد تقدم كلام الإمام مسلم - ﵀ - في ذلك، وأنه رَجَّحَ رواية أبي معاوية التي فيها \"توافي \" فقط.\nوقد نقل ابن القَيِّم - ﵀ - عن الأثرم أَنَّ الإمام أحمد أَنْكَرَ هذه الرواية وقال: \" ... النبي ﷺ يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة؟! \" ينكر ذلك. قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد، فسألته، فقال: عن هشام، عن أبيه: أمرها أن توافي، وليس: توافيه. قال: وبين ذين فرق. قال: \"وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه - يعني ابن مهدي - فسألته، فقال: هكذا سفيان عن هشام، عن أبيه\"٣.\n_________\n١ المعرفة: (٧/٣١٧) رقم ١٠١٨٣.\n٢ المجموع: (٨/١٣٢) .\n٣ زاد المعاد: (٢/٢٤٩ - ٢٥٠) .","vol":"2","page":440},{"text":"فإذا علمنا هذا، فَإِنَّ حكم ابن القَيِّم - ﵀ - على الحديث كُلِّهِ بالنَّكَارَةِ غير مُسَلَّم، واستدلاله لذلك بكلام الإمام أحمد لا يساعده؛ لأنَّ الإمام أحمد - كما مضى - قد أنكر هذه اللفظة فقط، وهو الذي قاله الإمام مسلم أيضًا، وأوضح البيهقي - ﵀ - ذلك يقوله: \"وأما ما ذُكِرَ من حكاية أحمد: فإنما أُنكرَ قوله: \"توافي معه صلاة الصبح\"؛ إذ لم يكن رسول الله ﷺ بمكة وقت صلاة الصبح\"١.\nوأما استدلاله على بطلانه بحديث عائشة في (الصحيحين): أن سودة استأذنت رسول الله ﷺ في أن تدفع قبله، فأَذِنَ لها، وحَبَسَ باقي نسائه حتى دفعن بدفعه:\nأقول: ليس في هذا دليل على عدم خروج أم سلمة ﵂ بليلٍ، بل ذكرت عائشة ﵂ في هذا الحديث من استأذن النبي ﷺ من نسائه، وهي سودة، ولم تذكر التي أمرها بالخروج، وهي أم سلمة ﵂، ولذلك قالت عائشة: \"ولأن أكون استأذنتُ رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة ... \".\nوما يقال في أم سلمة، يقال في أم حبيبة ﵅؛ فإنه قد ثبت في (صحيح مسلم) ٢ \"أن النبي ﷺ بعث بها من جمعٍ بليلٍ\" فهذا\n_________\n١ معرفة السنن والآثار: (٧/٣١٦) رقم ١٠١٨٠.\n(٢/٩٤٠) ح ١٢٩٢.","vol":"2","page":441},{"text":"يردُّ على قول ابن القَيِّم ﵀: \" ... أن نساءه - غير سودة - دَفَعْنَ معه\". فعندي - والله أعلم - أن قول عائشة ﵂: \"وحبسنا حتى أصبحنا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ\" يعني: ما عدا من بَعَثَ بهنَّ النبي ﷺ، وما عدا من استأذنته.\nولذلك فإن ابن القَيِّم - ﵀ - اضطر إلى أن يقول في حديث أم حبيبة: \"انفرد به مسلم، فإن كان محفوظًا، فهي إذن من الضَّعَفَةِ التي قَدَّمَها\"١.\nفَتَلَخَّص من هذا: أن حديث إرسال أمِّ سلمة - ﵂ - ورميها الجمرة بليل، حديث صحيح، صححه الأئمة: مسلم، والحاكم، والبيهقي، والنووي. وأن الذي أنكره الإمام أحمد هو لفظة واحدة فقط، وهي قوله: \"توافي معه\" أو \"توافيه\". وأما حكم ابن التركماني٢ عليه بالاضطراب، ومتابعة الشيخ الألباني له٣، فإنه لا دليل عليه، وأن ما ذُكر فيه من اختلاف ليس مما يوجب سقوطه.\nثم إنَّ ابن القَيِّم نفسه عاد بعد ذلك فقال: \"ثُمَّ تَأَمَّلْنَا، فإذا لا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإنه أمر الصبيان ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قَدَّمَهُ من النساء: فَرَمَيْنَ قبل طلوع الشمس للعذر، والخوف عليهنَّ من مزاحمة\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٢٥١) .\n٢ في الجوهر النقي: (٥/١٣٢) .\n٣ في إرواء الغليل: (٤/٢٧٩) .","vol":"2","page":442},{"text":"الناس وحَطْمِهِم. وهذا الذي دَلَّت عليه السنة: جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر: بمرض، أو كِبَرٍ يشقُّ عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح، فلا يجوز له ذلك\"١.\nقلت: وعلى هذا فإنه يُقال في أم سلمة - ﵂ - ما قاله ابن القَيِّم نفسه في أم حبيبة: من أنها من الضَّعَفَةِ الذين قَدَّمَهُم النبي ﷺ ليلة النحر، فرموا بليل، وبهذا تتفق الأحاديث ولا يضرب بعضها بعضًا، ويكون هذا التوفيق والجمع من ابن القَيِّم بين هذه النصوص هو المعتمد، ويُحْمَل إنكاره لحديث تقديم أم سلمة - ﵂ - على ما جاء فيه من قوله: \"أن توافي معه صلاة الصبح\"، لما تقدم بيانه.\nومن الأحاديث الواردة في الرمي قبل طلوع الشمس، حديث:\n٥٥- (١٠) عائشة ﵂: \"أَنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَر نِسَاءَهُ أن يَخْرُجْنَ من جَمْعٍ ليلة جمع، فيرمينَ الجَمْرَةَ، ثم تُصْبِحُ في مَنْزِلِهَا\". وكانت تصنع ذلك حتى ماتت.\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث عند كلامه على دفع النبي ﷺ من مزدلفة، ورميه جمرة العقبة، وأن نساءه دفعن معه، ما عدا سودة ﵂، فإنها استأذنت أن تدفع قبله.\nوقد أورد - ﵀ - حديث عائشة هذا حُجَّةً للمخالفين، ثم قال: \"يَرُدُّهُ محمد بن حميد أحد رواته، كَذ َّبَهُ غير واحد. ويَرُدُّهُ أيضًا:\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٢٥٢) .","vol":"2","page":443},{"text":"حَدِيثُهَا الذي في (الصحيحين) وقولها: وَدِدت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ، كما استأذنته سودة\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق:\nمحمد بن حميد٣، عن هارون بن المغيرة، عن عبد الله بن يعلى الطائفي، عن عطاء، عن عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة - ﵄ - به، وفي آخره قول عطاء: \"ولم أزلْ أفعله\".\nومحمد بن حُمَيْد ضَعَّفَهُ الجمهور، وكذبه: أبو زرعة، وابن خراش، والنسائي٤. وكان الإمام أحمد حسن الرأي فيه، وكذا ابن معين، لكن قال أبو علي النيسابوري: \"قلتُ لابن خزيمة: لو حَدَّثَ الأستاذ عن محمد بن حميد؛ فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا\". كذا في (تهذيب التهذيب) ٥، وأما في (الميزان) ٦: \"لو أخذت الإسناد ... \" بدل \"لو حَدَّثَ الأستاذ\"! ولعله تصحيف.\nومما يدلُّ على أن هذا الحديث قد يكون من مناكيره: ما رواه ابن\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٢٥٠ - ٢٥١) .\n(٢/٢٧٣) ح ١٧٥.\n٣ ابن حيَّان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، من العاشرة، مات سنة ٢٤٨ هـ / د ت ق. (التقريب ٤٧٥) .\n٤ انظر: الميزان: (٣/٥٣٠)، وتهذيب التهذيب: (٩/١٣٠ - ١٣١) .\n(٩/١٣١) .\n(٣/٥٣٠) .","vol":"2","page":444},{"text":"أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ١ بسنده إلى محمد بن عيسى بن الدامغاني، أنه قال: \"لما مات هارون بن المغيرة، سألت محمد بن حميد أن يُخْرِجَ إليَّ جميع ما سمع منه، فأخرج إليَّ جُزَازَات، فأحصيت جميع ما فيه: ثلثمائة ونيفًا وستين حديثًا\". قال جعفر بن محمد بن حماد - راوي هذه الحكاية عن ابن الدامغاني -: \"وأخرج ابن حميد عن هارون بعد: بضعة عشر ألف حديث\".\nوهذا الحديث من رواية محمد بن حميد، عن هارون بن المغيرة هذا، وقد كان ابن حميد يسرق الحديث، ويأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض٢، فلا يبعد أن يكون هذا الحديث وَقَعَ فيه شيء من ذلك.\nومما يدل على نكارته أيضًا: ما أشار إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من أنها - ﵂ - كانت تقول: \" ... فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة، أحب إليَّ من مفروح به\"٣. فهذا ظاهر في أنها دفعت بدفع رسول الله ﷺ.\nفَتَلَخَّص: أنَّ هذا الحديث لا يصحُّ؛ لضعف إسناده، ونكارة متنه، فَيَتَرَجَّحُ اختيارُ ابن القَيِّم - ﵀ - في ردِّهِ، والله أعلم.\n_________\n(٣/٢/٢٣٣) .\n٢ انظر: الميزان: (٣/٥٣٠) .\n٣ أخرجه البخاري في (صحيحه): ك الحج، باب من قَدَّمَ ضعفةَ أهله بليلٍ ح ١٦٨١ (فتح الباري ٣/٥٢٧) .","vol":"2","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>٨ - باب من قال بجواز التضحية ثلاثة أيام بعد النحر</span>\n...\n٨ - باب من قال بجواز التضحية ثلاثة أيام بعد يوم النحر\n٥٦- (١١) حديث: \"كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ \".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث مستدلًا به للمذهب القائل بأن أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وَرَجَّحَ هذا المذهب، لكنه قال عن هذا الحديث: \"لكنَّ الحديث منقطع لا يثبت وصله\".\nثم عاد فقال - في معرض ترجيحه هذا المذهب -: \"وَرُوِيَ من وجهين مختلفين - يَشَدُّ أحدهما الآخر - عن النبي ﷺ أنه قال: \"كل مني منحر، وكلُّ أيام التشريق ذبحٌ \". وَرُوِىَ من حديث جبير بن مطعم - يعني الماضي - وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر. قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون\"١.\nقلت: هذا الحديث الذي أورده ابن القَيِّم - ﵀ - حاكمًا بانقطاعه: أخرجه أحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طريق:\nأبي المغيرة٤، عن سعيد بن عبد العزيز٥، عن سليمان بن\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٣١٨ - ٣١٩) .\n(٤/٨٢) .\n(٩/٢٩٥) .\n٤ هو: عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، الحمصي، ثقة، من التاسعة، مات سنة٢١٢هـ/ ع. (التقريب ٣٦٠) .\n٥ التنوخي، الدمشقي، ثقة إمام، سَوَّاهُ أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَهُ أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر أمره، من السابعة، مات سنة ١٦٧هـ/ بخ م ٤. (التقريب٢٣٨) .","vol":"2","page":446},{"text":"موسى١، عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"كلُّ عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنَة. وكل مزدلفة موقفٌ، وارفعوا عن مُحَسِّر. وكل فِجَاجِ مني منحر، وكلُّ أيام التشريق ذبحٌ\". ثم ساقه الإمام أحمد من طريق: أبي اليمان، عن سعيد بن عبد العزيز، بإسناده مثله.\nوهذا الإسناد منقطع كما قال ابن القَيِّم ﵀؛ فإنَّ سليمان ابن موسى لم يدرك جبير بن مُطْعِم، قال البخاري: \"سليمان لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ \"٢. وقال ابن كثير - وعنه نقل صاحب (نصب الراية) ٣ -: \"هكذا رواه أحمد، وهو منقطع؛ فإن سليمان بن موسى الأشدق لم يدرك جبير بن مطعم\". وقال البيهقي عقب روايته: \"وهو مرسل\". ونقل النووي في (شرح المهذب) ٤ إعلال البيهقي له، وأَقَرَّهُ. وقال الحافظ ابن حجر: \"في سنده انقطاع\"٥.\nقلت: وقد رُوي عن سليمان من وجه آخر ظاهره الاتصال، فقد أخرجه البزار في (مسنده) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، وابن\n_________\n١ الأموي مولاهم، الدمشقي، الأَشْدَق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة/ م ٤. (التقريب ٢٥٥) .\n٢ علل الترمذي: (١/٣١٣)، باب زكاة العسل.\n(٣/٦١) .\n(٨/٢٨٧) .\n٥ فتح الباري: (١٠/٨) .\n٦ انظر: كشف الأستار: (٢/٢٧) ح رقم ١١٢٦. باب: عرفة كلها موقف.\n٧ الإحسان: (٦/٦٢) ح ٣٨٤٣.","vol":"2","page":447},{"text":"عديّ في (الكامل) ١ كلهم من طريق: عبد الملك بن عبد العزيز٢، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الحسين، عن جبير ﵁ به مرفوعًا.\nولكنَّ هذا الإسناد منقطع أيضًا، حكم عليه بذلك البزار ﵀، فقال: \" ... ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنَّا لا نحفظ عن رسول الله ﷺ في: \"كل أيام التشريق ذبح\". إلا في هذا الحديث، فكذلك ذكرناه، وبَيَّنَا العلة فيه\"٣.\nوقد أخرجه الطبراني في (معجمه الكبير) ٤، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٥ من طرق، عن: سويد بن عبد العزيز٦، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع بن جبير٧، عن أبيه، عن النبي ﷺ كما تقدم، ولفظه عند الدارقطني والبيهقي مختصر، كما أورده ابن القَيِّم أول الباب.\n_________\n(٣/١١١٩) في ترجمة \"سليمان بن موسى\".\n٢ القشيري، النسائي، أبو نصر التمَّار، ثقة عابد، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٢٨هـ / م س. (التقريب ٣٦٣) .\n٣ انظر: نصب الراية: (٣/٦١) .\n(٢/١٤٤) ح ١٥٨٣.\n٥ قط: (٤/٢٨٤) ح ٤٧. هق: (٩/٢٩٦) .\n٦ ابن نمير، السُّلَمِي مولاهم، الدمشقي، وقيل أصله حمصي، وقيل غير ذلك، ضعيف، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٤هـ، ت ق. (التقريب ٢٦٠) .\n٧ ابن مطعم النوفلي، أبو محمد وأبو عبد الله، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ٩٩هـ / ع. (التقريب ٥٥٨) .","vol":"2","page":448},{"text":"وقد أشار البزار - ﵀ - إلى رواية سويد هذه عقب إخراجه رواية عبد الرحمن بن أبي حسين المتقدمة، فقال: \"ورواه سويد بن عبد العزيز، فقال فيه: عن نافع بن جبير، عن أبيه، وهو رجلٌ ليس بالحافظ، ولا يُحْتَجُّ به إذا انفرد بحديث، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب ... \"١. وأَعَلَّهُ البيهقي بسويد أيضًا، فقال: \"ورواه سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف عند بعض أهل النقل ... \"٢. وتَعَقَّبَهُ ابن التركماني، فقال: \"هو ضعيف عند كلهم أو أكثرهم\"٣.\nوبذلك يكون حديث سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى دائرًا بين الضعف والانقطاع، ولكن أشار الحافظ ابن حجر إلى أنه ورد موصولًا من وجه آخر، فقال: \"ووصله الدارقطني، ورجاله ثقات\"٤.\nقلت: لعله يشير بذلك إلى ما أخرجه الدارقطني في (سننه) ٥- ومن طريقه البيهقي٦ - من طريق: أبي معيد٧، عن سليمان ابن موسى، عن عمرو بن دينار، عن جبير بن مطعم به.\n_________\n١ نصب الراية: (٣/٦١)، وانظر كشف الأستار: (٢/٢٧) فقد أورده مختصرًا.\n٢ السنن: (٩/٢٩٦) .\n٣ الجوهر النقي: (٩/٢٩٦) .\n٤ فتح الباري: (١٠/٨) .\n(٤/٢٨٤) ح ٤٩.\n٦ السنن: (٩/٢٩٦) .\n٧ حفص بن غيلان، وهو بكنيته أشهر، شامي، صدوقٌ فقيهٌ، رُميَ بالقَدَرِ، من الثامنة/ س ق. (التقريب ١٧٤) .","vol":"2","page":449},{"text":"وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، إلا أبا معيد، فإنه تَكَلَّمَ فيه بعضهم، ولكنه صدوقٌ، وقد وثقه الأكثرون١، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وقد وَثَّقَ ابن حجر - ﵀ - رجال هذا الإسناد٢ كما مضى.\nوقد أشار الزيلعي في (نصب الراية) ٣ إلى أن الطبراني أخرجه في (مسند الشاميين)، من طريق أبي معيد، عن سليمان بن موسى، عن محمد ابن المنكدر، عن جبير به، فيكون هذا طريقًا آخر لهذا الحديث، فيثبتُ بذلك اتِّصَالُهُ من طريق سليمان بن موسى إلى جبير بن مطعم ﵁، وتنتفي عنه بذلك عِلَّةُ الانقطاع التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀.\nوأما قول ابن القَيِّم ﵀: \" روي من وجهين مختلفين يشدُّ أحدهما الآخر ... \" ثم ذِكْرُهُ رواية جبير بن مطعم، ورواية جابر ﵄: فإن كان يقصد أن حديث جابر يشدُّ حديث جبير، فإنه لا يتم له الاستشهاد به؛ لأن حديث جابر ﵁ ليس فيه قوله ﷺ: \"وكل أيام التشريق ذبح \". وإنما لفظه - كما أخرجه أبو داود٤ وغيره - أنه ﷺ قال: \"كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر\".\nأما إن كان قصده: مجيء حديث جبير بن مطعم نفسه من وجه\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٢/٤١٨ - ٤١٩) .\n٢ إن كان هذا هو الإسناد الذي أراده بقوله: \"وصله الدارقطني ... \".\n(٣/٦١)، ولم أقف عليه في (مسند الشاميين) بعد البحث.\n(٢/٤٧٨) ح ١٩٣٧.","vol":"2","page":450},{"text":"آخر- كما تقدم في كلام ابن حجر - فقد حصل المقصود وهو: تقوية رواية جبير المنقطعة.\nهذا، وقد صحح الهيثمي إسناد حديث جبير، فقال: \"رجاله موثوقون\"١. - يريد رجال أحمد والطبراني - ورَمَزَ له السيوطي بالصحة٢. وَأَقَرَّهُ الشيخ الألباني في (صحيح الجامع الصغير) ٣.\nفَتَلَخَّص من ذلك: ثبوت حديث جبير بن مطعم هذا، وانتفاءُ ما أَعَلَّهُ به ابن القَيِّم من الانقطاع، وذلك بوروده من وجه آخر متصلًا، وتصحيح الأئمة له.\nعلى أنَّ كلام ابن القَيِّم - ﵀ - الظاهر منه مَيْلُهُ إلى تقوية الحديث بمجيئه من وجه آخر، كما تقدم من كلامه.\n_________\n١ مجمع الزوائد: (٣/٢٥١) .\n٢ الجامع الصغير مع فيض القدير: (٥/٢٧) ح ٦٣٣١.\n(ح ٤٥٣٧) .","vol":"2","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>٩- باب ما يستحب من ذبح صاحب النسيكة نسيكته بيده، وجواز الاستنابة فيه</span>\n٥٧- (١٢) عن علي ﷺ قال: \"لمَّا نحر رسول الله ﷺ بُدْنَهُ، فَنَحَرَ ثلاثين بيده، وَأَمَرَنِي فنحرت سَائِرَهَا \".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، وعزاه لأحمد وأبي داود، ثُمَّ قال: \"هَذَا غلط، انقلب على الراوي؛ فإن الذي نَحَرَ ثلاثين: هو عليٌّ، فإن النبي ﷺ نحر سبعًا بيده لم يشاهده عليٌّ ولا جابر، ثم نَحَرَ ثلاثًا وستين أخرى، فَبَقِيَ من المائة ثلاثون، فَنَحَرَهَا عليٌّ، فانقلب على الراوي عدد ما نَحَرَهُ عليٌّ بما نحره النبي ﷺ \"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ - وأخرجه البيهقي في (سننه) ٤ من طريق أبي داود - كلهم من طريق:\nمحمد بن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيحٍ٥، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁ به. وعند الإمام أحمد زيادة، وهي قوله: \" ... وقال: اقسم\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٢٦٠) .\n(٢/٣٦٩) ح ١٧٦٤ ك الحج، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبْلُغَ.\n(١/١٥٩) .\n(٥/٢٣٨) .\n٥ هو: عبد الله بن أبي نجيح - واسم أبي نجيح: يسار - المَكِّي،، أبو يسار، الثقفي، ثقة رُمِيَ بالقدر، وَرُبَّمَا دَلَّسَ، من السادسة، مات سنة ١٣١ هـ / ع. (التقريب٣٢٦) .","vol":"2","page":452},{"text":"لُحُومَهَا بين الناس وجُلُودَهَا وجِلالها، ولا تُعْطِيَّنَّ جَازِرًَا منها شيئًا\".\nوهذا الحديث معلول بأمور، وهي:\nأولًا: عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس، فإنه لا يُقْبَلُ منه إلا ما صرح فيه بالسماع١.\nثانيًا: أن سفيان الثوري رواه عن ابن أبي نجيح بالإسناد السابق، فلم يذكر فيه ما جاء في رواية ابن إسحاق، ولكن فيه قول علي ﵁: \"بعثني النبي ﷺ فَقَمْتُ على البُدْنِ، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها \". أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢.\nوقد سبق أن رواية أحمد عن ابن إسحاق فيها زيادة، وهي: أمْرُهُ له بقسمة لحومها وجلالها، فَيُخْشَى أن يكون دخل لابن إسحاق حديث في حديث، فالله أعلم.\nثالثًا: وهو ما ذكره ابن القَيِّم ﵀، فإن حديث جابر في وصف حجة النبي ﷺ فيه قوله: \" ... ثم انصرف إلى الْمَنْحَر، فَنَحَر ثلاثًا وستين بيده، ثم أَعْطَى عَلِيًَّا فَنَحَرَ مَا غَبَر\" ٣. أخرجه مسلم في (صحيحه) ٤.\nوقد قَدَّم البيهقي - ﵀ - رواية مسلم؛ فإنه أخرجها في\n_________\n١ انظر: طبقات المدلسين: (ص١٣٢) .\n٢ ك الحج، باب لا يعطى الجزار من الهَدْي شيئًا. ح ١٧١٦. (فتح الباري ٣/٥٥٥) .\n٣ غَبَر: بَقِيَ. (المصباح المنير ٢/٤٤٢) .\n(٢/٨٨٦) . ح ١٤٧، ك الحج، باب حجة النبي ﷺ.","vol":"2","page":453},{"text":"(السنن) ١، ثم أخرج رواية ابن إسحاق بعدها، ثم قال: \"كذا رواه محمد ابن إسحاق، ورواية جعفر أصحُّ\" يعني التي في (مسلم) عن جابر.\nوكذا قَدَّمَها الحافظ ابن حجر ﵀؛ فإنه قال - بعد أن ساق رواية ابن إسحاق -: \"وأصحُّ منه ما وقع عند مسلم\". فساق حديث جابر، ثم حاول الجمع بين هذه الرواية ورواية ابن إسحاق، فقال: \"والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق: أنه ﷺ نحر ثلاثين، ثم أمر عليًا أن ينحر سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نحر النبي ﷺ ثلاثًا وثلاثين\". قال: \"فإنْ سَاغَ هذا الجمعُ، وإلا فما في الصحيح أصحُّ\"٢.\nأما ابن القَيِّم ﵀، فقد ذهب إلى وقوع القلب في حديث ابن إسحاق كما تقدم كلامه في ذلك، وأن الصواب رواية مسلم التي فيها أن النبي ﷺ نحر ثلاثًا وستين بيده، مع نحره ﷺ سبع بُدْنٍ قيامًا، كما في حديث أنس٣ ﵁ فيصير مجموع ما نحره ﷺ سبعين بدنة. لا أن عليًا هو الذي نحر هذا العدد.\nوهذا المسلك من ابن القَيِّم - ﵀ - قويٌّ في تقديم ما في الصحيح وردِّ ما عداه.\nوعلى كل حال، فإن رواية ابن إسحاق شاذَّةٌ لمخالفتها رواية\n_________\n(٥/٢٣٨) .\n٢ فتح الباري: (٣/٥٥٥ - ٥٥٦) .\n٣ وهو جزء من حديث يَصِفُ فيه أنس ﵁ حَجَّةَ النبي ﷺ، أخرجه البخاري في (صحيحه) ك الحج، باب نحر البدن قائمة. ح١٧١٤ (فتح الباري ٣/٥٥٤) .","vol":"2","page":454},{"text":"جابر في (صحيح مسلم)، مع ضَعْفِ إسنادها كما تقدم، وقد رَجَّحَ رواية الصحيح: البيهقي، ثم ابن حجر رحمهما الله، كما تقدم، والله أعلم.","vol":"2","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>١٠- باب ما جاء في طواف الإفاضة</span>\n٥٨- (١٣) عن عائشة وابن عباس ﵃: \"أَنَّ النَّبِي أَخَّرَ طَوافَهُ يوم النَّحْرِ إلى اللَّيل\". وفي لفظ: \"طَوافَ الزِّيَارَة\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، وتحسين الترمذي له، ثم قال: \"وهذا الحديث غَلَطٌ بَيِّنٌ، خلاف المعلوم من فِعْلِهِ ﷺ الذي لا يَشُكُّ فيه أهل العلم بحَجَّتِه\"١.\nثم ذكر - ﵀ - كلام البخاري في إعلاله بعدم سماع أبي الزبير من عائشة، وكلام ابن القطان في إعلاله بتدليس أبي الزبير وقد عنعنه، ثم قال: \"ويدل على غلط أبي الزبير عن عائشة: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى عن عائشة، أنها قالت: حَجَجْنَا مع رسول الله ﷺ، فَأَفَضْنَا يومَ النحر\"٢.\nوقال مرة: \"هذا الحديث وَهْمٌ؛ فإن المعلوم من فعله ﷺ: أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهارًا بعد الزوال، كما قاله جابر، وعبد الله بن عمر، وعائشة. وهذا أمرٌ لا يرتاب فيه أهل العلم بالحديث\"٣.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن\n_________\n١ زاد المعاد: (٢ / ٢٧٥ - ٢٧٦) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٢٧٧) .\n٣ تهذيب السنن: (٢/٤٢٨) .","vol":"2","page":456},{"text":"ماجه في (سننهم) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طرق، عن:\nسفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس - ﵂ - به.\nوعَلَّقَهُ البخاري في (صحيحه) ٤، فقال: \"وقال أبو الزبير، عن عائشة وابن عباس ﵃: أَخَّرَ النبي ﷺ الزيارة إلى الليل\".\nقال أبو عيسى الترمذي: \"حديث حسن صحيح\". وفي بعض نسخه: \"حسن\"٥.\nولكن هذا الحديث أُعِلَّ بعلل - كما تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀ - منها:\nأولًا: انقطاعه بين أبي الزبير وعائشة، وقيل: ابن عباس أيضًا:\nفقد سأل الترمذي البخاريَّ عنه، فقال له: أبو الزبير سمع عائشة\n_________\n١ د: (٢/٥٠٩) ح٢٠٠٠ باب الإفاضة في الحج. ت: (٣/٢٥٣) ح٩٢٠ باب ما جاء في طواف الزيارة بالليل. س: في (الكبرى) (٤/٢١٨) ح٤١٥٥. جه: (٢/١٠١٧) ح٣٠٥٩ باب زيارة البيت. كلهم في ك الحج.\n(١/٢٨٨، ٣٠٩)، (٦/٢١٥) .\n(٥/١٤٤) .\n٤ ك الحج، باب الزيارة يوم النحر. (فتح الباري ٣/٥٦٧) .\n٥ تحفة الأشراف: (٥/٢٣٧) .","vol":"2","page":457},{"text":"وابن عباس؟ قال: \"أما ابن عباس فنعم، وإن في سماعه من عائشة نظرًا\"١. وقال أبو حاتم: \"أبو الزبير رأي ابن عباس رؤية، ولم يسمع من عائشة\"٢. وقال ابن عيينة: \"يقولون: أبو الزبير المكي لم يسمع من ابن عباس\"٣ قال العلائي - عقب نقله كلام هؤلاء الأئمة -: \"حديثه عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة في صحيح مسلم\"٤.\nقلت: ولكنَّ هذا على قاعدة مسلم المعروفة، وهي: اكتفاؤه في السند المعنعن بإمكان اللقاء دون ثبوته، وهذا - على فرض قبوله - يكون في غير المدلسين، أما إذا كان المُعَنْعِنُ مُدَلِّسًَا، فإنهم لم يختلفوا في عدم قبول ما عنعنه، وإنما الخلاف في قبول عنعنة المدلس إذا كان ممن عُلِمَ لقاؤه بمن عنعن عنه. وأبو الزبير من المدلسين المشهورين بذلك، فتكون هذه علة أخرى في الحديث، وهي:\nثانيًا: عنعنة أبي الزبير وهو مُدَلِّسٌ: وقد أَعَلَّهُ بذلك جماعة، فقال ابن حزم - ﵀ - بعد أن ذكر تدليس أبي الزبير-: \"ولسنا نحتجُّ من حديثه إلا بما فيه بيان أنه سمعه، وليس في هذا بيان سماعه منهما\"٥. وقال ابن القطان: \"عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يومئذٍ نهارًا، وإنما اختلفوا: هل صلى الظهر بمكة أو\n_________\n١ علل الترمذي: (١/٣٨٨) .\n٢ المراسيل لابن أبي حاتم: (ص١٩٣) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ جامع التحصيل: (ص ٣٣٠) .\n٥ حجة الوداع: (ص٢١١ - ٢١٢) .","vol":"2","page":458},{"text":"رجع إلى منىً فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه؟ ... وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه ... وهو شيء لم يرو إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مُدَلِّسٌ، ولم يذكر هاهنا سماعًا من عائشة\"١.\nوتعقب الحافظ العراقي الترمذي في تحسينه إياه: بأنه معلول بعنعنة أبي الزبير٢. وأعله الشيخ الألباني - أيضًا - بعنعنة أبي الزبير وهو مدلس٣.\nثالثًا: أن هذا الحديث قد عارضه ما هو أصح منه وأثبت: وذلك من حديث جابر، وابن عمر، ومن حديث عائشة نفسها، كما تقدم ذكر ذلك عن ابن القَيِّم ﵀.\nقال النووي ﵀: \" ... إن روايات جابر، وابن عمر، وأم سلمة عن عائشة: أصحُّ وأشهرُ وأكثر رواة، فوجب تقديمها، ولهذا رواها مسلم في صحيحه دون حديث أبي الزبير وغيره\"٤.\nوحديث ابن عمر المشار إليه: أخرجه مسلم في (صحيحه) ٥ من طريق: نافع، عن ابن عمر ﵄: \"أَنَّ رسول الله ﷺ أَفَاضَ يوم النَّحْرِ، ثم رجع فصلى الظهر بمنى\".\n_________\n١ بيان الوهم والإيهام: (٥/٦٤) ح ٢٣٠٥.\n٢ شرح الترمذي: ج٣ (ق ١٥٦/ أ) .\n٣ إرواء الغليل: (٤/٢٦٥) .\n٤ المجموع: (٨/١٦٠) .\n(٢/٩٥٠) ح ٣٣٥ (١٣٠٨) .","vol":"2","page":459},{"text":"وأما حديث جابر: فهو ضمن حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ، وفيه قوله: \" ... ثم ركب رسول الله ﷺ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر ... \". وهو في (صحيح مسلم) ١ أيضًا.\nوأما حديث عائشة: فقد أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢ من طريق: أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها ﵂، أنها قالت: حججنا مع النبي ﷺ، فأفضنا يوم النحر ... \".\nفهذه الأحاديث الصحيحة عارضت حديث أبي الزبير المتقدم، وفي جميعها: أن النبي ﷺ أفاض نهارًا.\nوقد ذهب البعض إلى الجمع بين هذه الأحاديث، فقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ... فَيُحْمَلُ حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس هذا على بقية الأيام\"٣.\nوتعقبه الشيخ الألباني، فقال: \"وهذا التأويل ممكن بناءً على اللفظ الذي عند البخاري: \"أَخَّرَ الزيارة إلى الليل\". وأما الألفاظ الأخرى فهي تأبى ذلك؛ لأنها صريحة في أنه طواف الإفاضة في اليوم الأول، يوم النحر\"٤.\nوسبق ابن حجر إلى محاولة الجمع أيضًا: النوويُّ ﵀، فقال في جوابه عن هذه الأحاديث: \" ... أن يُتَأَوَّلَ قوله: \"أَخَّرَ طواف يوم\n_________\n(٢/٨٩٢) .\n٢ ك الحج، باب الزيارة يوم النحر ح ١٧٣٣.\n٣ فتح الباري: (٣/٥٦٧) .\n٤ إرواء الغليل: (٤/٢٦٤) .","vol":"2","page":460},{"text":"النحر إلى الليل\". أي: طواف نسائه، ولابدَّ من التأويل للجمع بين الأحاديث\"١.\nقلت: بل الجمع غير لازم هنا، ويَتَعَيَّنُ الترجيح؛ لأن المعارض لهذه الأحاديث الصحيحة ضعيف لا يقاومها، قال الشيخ الألباني ﵀: \"ولذلك فلا بد من الترجيح، ومما لا شكَّ فيه أن حديث ابن عمر أصحُّ من هذا، مع ما له من الشاهدين من حديث جابر، وعائشة نفسها\"٢.\nفَتَلَخَّص من ذلك: أن حديث أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: حديث ضعيف، ومع ضعفه فقد عارضته الأحاديث الصحيحة الصريحة في طوافه ﷺ طواف الزيارة نهارًا، فوجب تقديم هذه الأحاديث على هذا الضعيف، وهذا ما اختاره ابن القَيِّم ﵀، وهو الصواب، والله أعلم.\n_________\n١ المجموع: (٨/١٦٠) .\n٢ إرواء الغليل: (٤/٢٦٤) .","vol":"2","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>١١- باب الشرب من ماء زمزم</span>\n٥٩ - (١٤) عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَه \".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وقد ضَعَّفَ هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المُؤَمَّل راويه عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك: أنه لَمَّا حجَّ أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، عن نَبَيِّكَ ﷺ أنه قال: \"ماء زمزم لما شُرِبَ له \" وإني أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذن حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة\"١.\nقلت: هذا الحديث يُروى عن جابر ﵁ من طريقين:\nالطريق الأول: أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ والطبراني في (الأوسط) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥، والعقيلي\n_________\n١ زاد المعاد: (٤/٣٩٢ - ٣٩٣) .\n(٢/١٠١٨) ح ٣٠٦٢، ك المناسك، باب الشرب من زمزم.\n(٣/٣٥٧، ٣٧٢) .\n(١/٤٦٩) ح ٨٥٣.\n(٥/١٤٨) .","vol":"2","page":462},{"text":"في (الضعفاء) ١، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٢ من طرق، عن: عبد الله بن المُؤَمَّل٣، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به.\nوهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المُؤَمَّل، وبه ضعفه ابن القطان٤، وضعفه - أيضًا - النووي في (المجموع) ٥.\nوقال العقيلي: \"لا يُتابع عليه\". وكذا قال ابن حبان في (المجروحين) ٦. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المُؤَمَّل\". وقال البيهقي عقب إخراجه: \"تَفَرَّدَ به عبد الله بن المُؤَمَّل\".\nقلت: أما تضعيفه بابن المُؤَمَّل: فنعم، وأما القول بأنه تَفَرَّدَ به: فلا؛ فقد تابعه إبراهيم بن طهمان٧، كما نَبَّهَ على ذلك صاحب (الجوهر النقي) ٨ فقال - متعقبًا البيهقي -: \"قلت: لم ينفرد به، بل\n_________\n(٢/٣٠٣) .\n(٣/١٧٩) في ترجمة محمد بن القاسم المدائني.\n٣ ابن وهب الله، المخزومي، المكي، ضعيف الحديث، من السابعة، مات سنة ١٦٠هـ / بخ ت ق. (التقريب ٣٢٥) .\n٤ بيان الوهم والإيهام: (٣/٤٧٨) ح ١٢٤٣.\n(٨/١٩٨) .\n(٢/٢٨) .\n٧ الخراساني، أبو سعيد، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقةٌ يُغْرِبُ، وتُكِلِّمَ فيه للإِرْجَاءِ، ويقال: رجع عنه، من السابعة، مات سنة ١٦٨هـ / ع. (التقريب٩٠) .\n(٥/١٤٨) .","vol":"2","page":463},{"text":"تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، في باب الرخصة في الخروج بماء زمزم\".\nوالحديث في (سنن البيهقي) ١ من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خَلاَّد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وفيه قصة.\nوأعلَّ الحافظ ابن حجر - ﵀ - هذه المتابعة لابن المُؤَمَّل، فقال: \"ولا يصحُّ عن إبراهيم ... إنما سمعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل\"٢.\nوتعقبه الشيخ الألباني فقال: \"ولا أدري من أين أخذ الحافظ هذا التعليل، فلو اقتصر على قوله: لا يصح عن إبراهيم. لكان مما لا غُبَارَ عليه\"٣.\nوأَعَلَّهَا الشيخ الألباني - ﵀ - بجهالة أحمد بن إسحاق البغدادي٤. لكنه قال مرةً: \"إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات\"٥!\nوأعلَّ ابن القطان هذا الحديث بعنعنة أبي الزبير، فقال: \"تدليس أبي الزبير معلوم\"٦. فَتَعَقَّبَهُ ابن الملقن في (البدر المنير) ٧ بقوله: \"قلت: قد\n_________\n(٥/٢٠٢) .\n٢ التلخيص الحبير: (٢/٢٦٨) .\n٣ إرواء الغليل: (٤/٣٢١) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ السلسلة الصحيحة: (٢/٥٧٣) ح ٨٨٣.\n٦ بيان الوهم والإيهام: (٣/٤٧٨) ح ١٢٤٣.\n٧ ج ٤ (ق ٤١٢) نسخة أحمد الثالث. وانظر: التلخيص الحبير (٢/٢٦٨) .","vol":"2","page":464},{"text":"صَرَّحَ بالتحديث في رواية ابن ماجه، وكذا البيهقي في باب الرخصة في الخروج بماء زمزم\".\nلكن تَعَقَّبَ ذلك الشيخ الألباني، فقال عن طريق ابن ماجه هذه: \"لكنها رواية شاذة غير محفوظة، تَفَرَّدَ بها هشام بن عَمَّار ... وهشام فيه ضَعْفٌ ... والوليد بن مسلم مُدَلِّسٌ ولم يُصَرِّحْ بسماعه من ابن المُؤَمَّل١. وقد خالفه رواة الطرق الأخرى، وهم ستة، فقالوا: عن أبي الزبير، عن جابر. فروايتهم هي الصواب\"٢.\nقلت: فإن سُلِّمَ تَعَقُّبُ الشيخ الألباني هذا، فتبقى عنعنة أبي الزبير علة أخرى في هذا الطريق كما قال ابن القطان.\nهذا ما يتعلق بالكلام عن الطريق الأول عن جابر، وقد ظهر ما فيه.\nالطريق الثاني: أخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد) ٣ في ترجمة عبد الله بن المبارك بسنده إلى سويد بن سعيد٤ قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى منه شَرْبَةً، ثم استقبل الكعبة، ثم قال:\n_________\n١ وإنما قال: \"قال عبد الله بن المُؤَمَّل\" (سنن ابن ماجه ٢/١٠١٨) .\n٢ إرواء الغليل: (٤/٣٢٢) .\n(١٠/١٦٦) .\n٤ ابن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، ويقال له: الأنباري، أبو محمد، صَدُوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ فَصَارَ يَتَلَقَّن ما ليس من حديثه فَأَفْحَشَ فيه ابن معين القول، من قدماء العاشرة، مات سنة ٢٤٠هـ / م ق. (التقريب ص ٢٦٠) .","vol":"2","page":465},{"text":"اللهم إن ابن أبي الموالي١ حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: \"ماء زمزم لما شُرِبَ له\". وهذا أَشْرَبُهُ لعطش القيامة. ثم شَرِبَه.\nوأخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) ٢ وقال: \"غريب، تَفَرَّدَ به سويد\" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير) ٣ ثم قال عن سويد: \"وهو ضعيف جدًا، وإن كان مسلمٌ قد أخرج له في المتابعات ... \" إلى أن قال: \"وقد خَلَّطَ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فَجَعَلَه سويد: عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر. واغْتَرَّ الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموالي انفرد به البخاريّ، وسويدًا انفرد به مسلمٌ، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خُولف فيه\".\nوقد رُوِيَ هذا الحديث عن ابن عباس، لكنه شديد الضَّعْفِ، بل باطل، كما سيأتي بيانه، فقد أخرجه: الدارقطني في (سننه) ٤ عن:\n_________\n١ عبد الرحمن بن أبي الموالي - واسمه: زيد، وقيل: أبو الموالي جده- أبو محمد، مولى آل عليّ، صدوق رُبَّمَا أخطأ، من السابعة، مات سنة ١٧٣هـ / خ ٤. (التقريب ص٣٥١) .\n(٨/٦٧) ح ٣٨٣٣.\n(٢/٢٦٨) وانظر أيضًا: فتح الباري (٣/٤٩٣) .\n(٢/٢٨٩) ح٢٣٨.","vol":"2","page":466},{"text":"عمر بن الحسن بن علي. والحاكم في (المستدرك) ١ عن: علي بن حمشاد العدل، كلاهما عن: محمد بن هشام بن عيسى المروزي، ثنا محمد بن الحبيب الجارودي، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال سول الله ﷺ: \"مَاءُ زَمْزَم لما شُرِبَ له، إن شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي به شفاكَ الله، وإن شربته لِشِبَعِكَ أشبعك الله به، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله. وهي هَزْمَة٢ جبريل، وسُقْيَا الله إسماعيل\". هذا لفظ الدارقطني. وعند الحاكم: \"وإن شربته مستعيذًا عاذك الله\" بدل: \"وإن شربته لشبعك ... \". وليس عنده: \"وهي هزمة جبريل ... \".\nقال أبو عبد الله الحاكم - عقب إخراجه -: \"هذا حديث صحيح الإسناد إن سَلِم من الجارودي، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\nوهذا الحديث له ثلاث علل - كما قال الشيخ الألباني٣رحمه الله -:\nالعلة الأولى: أن محمد بن حبيب الجارودي أخطأ فيه عن ابن عيينة فجعله موصولًا مسندًا، وغيره جعله عن ابن عيينة عن مجاهد قوله،\n_________\n(١/٤٧٣) .\n٢ الهَزْمَةُ: النقرة في الصدر، وفي التفاحة إذا غمزتها بيدك، وهزمت البئر: حفرتها. والمراد بهزمة جبريل: أنه ضربها برجله فنبع الماء. (النهاية ٥/٢٦٣) .\n٣ في إرواء الغليل: (٤/٣٢٩ - ٣٣٣) ح ١١٢٦.","vol":"2","page":467},{"text":"قال ابن حجر: \"والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حُفَّاظُ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما عن أبن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله\"١.\nوقال الحافظ الذهبي في ترجمة الجارودي هذا: \"أتى بخبر باطلٍ اتُّهِمَ بسنده\"٢.\nالعلة الثانية: جهالة محمد بن هشام المروزي راويه عن الجارودي، قال ابن القطان: \"لا يُعرف حاله\"٣.\nالعلة الثالثة: ضعف عمر بن الحسن الأشناني، شيخ الدارقطني في هذا الخبر. قال الذهبي في ترجمته في (الميزان) ٤: \"صاحب بلايا\" ثم ساق هذا الحديث من طريق الدارقطني، ثم قال: \"وابن حبيب - يعني الجارودي - صدوقٌ، فآفة هذا هو عمر، فلقد أَثِمَ الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطلٌ، ما رواه ابن عيينة قطُّ، بل المعروف حديث عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرًا\".\nقال الشيخ الألباني ﵀: \"وجملة القول: أن الحديث بالزيادة التي عند الدارقطني موضوعٌ؛ لتفرد هذا الأشناني به، وهو بدونها باطلٌ؛ لخطأ الجارودي في رفعه، والصواب: وقفه على مجاهد. ولئن قيل: إنه لا\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٢/٢٦٨) .\n٢ الميزان: (٣/٥٠٨) .\n٣ البدر المنير: ج ٤ (ق ٤١٢) .\n(٣/١٨٥) .","vol":"2","page":468},{"text":"يُقَالُ من قِبَلِ الرأي فهو في حكم المرفوع؟ فإن سُلِّمَ هذا، فهو في حكم المرسل، وهو ضعيف\"١.\nوقد جعله السخاوي شاهدًا لحديث جابر المتقدم٢، فتعقبه الشيخ الألباني بقوله: \"ولكنه عندي ضعيف جدًا فلا يصلح شاهدًا، بل قال فيه الذهبي: خبر باطل\"٣.\nولحديث جابر شاهدٌ آخر عن معاوية ﵁ موقوفٌ عليه، أشار إليه السخاوي في (المقاصد الحسنة) ٤ فقال - بعد أن ساق حديث جابر وابن عباس الماضيين -: \"وأحسن من هذا كله عند شيخنا: ما أخرجه الفاكهي، من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حجَّ معاوية فحججنا معه، فلما طافَ بالبيت ... \" فذكره، وفيه أن معاوية أمر بدلوٍ من زمزم، فشربه، ثم قال: \"زمزم شفاء، وهي لما شُرِبَ له\". قال السخاوي: \"بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفًا. وأفرد فيه جزءًا\".\nقلت: ومما يشهد لمعناه: حديث أبي ذر ﵁ يرفعه: \"إنها مباركة وهي طعام طُعْمٍ، وشفاء سُقْمٍ\". واستشهد به ابن حجر للحديث المتقدم٥، وهو في (مسند الطيالسي) ٦.\n_________\n١ إرواء الغليل: (٤/٣٣٢) .\n٢ المقاصد الحسنة: (ح ٩٢٨) .\n٣ إرواء الغليل: (٤/٣٢٤) .\n(ص ٥٦٨) .\n٥ كما في المقاصد الحسنة (ص ٥٦٨) .\n(ح ٤٥٧) .","vol":"2","page":469},{"text":"فالحاصل: أن هذا الحديث يَتَقَوَّى بمجموع هذه الطرق، فيكون حسنًا لغيره، لا لذاته كما يفهم من كلام ابن القَيِّم رحمه الله١؛ إذ إنَّ طُرُقَهُ كلها لم تَسْلَم من الضَّعْفِ.\nوحَسَّنَه الحافظ المنذري في (كلامه على أحاديث المهذب) ٢. وقال الحافظ ابن حجر: \"ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به\"٣. وقال مرة: \"غريب، حسنٌ بشواهده\"٤.\nبقي التنبيه على أمرٍ وقع لابن القَيِّم ﵀، وهو قوله في هذا الحديث: \"وقد ضَعَّفَ هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المُؤَمَّل راويه عن محمد بن المنكدر\". كذا قال، وقد عُلِمَ مما سبق أنَّ ابن المُؤَمَّل إنما يرويه عن أبي الزبير، وأن الذي رواه عن ابن المنكدر هو ابن أبي الموالي.\n_________\n١ وانظر: إرواء الغليل: (٤/٣٢٤) .\n٢ أفاد ذلك ابن الملقن - ﵀ - في (البدر المنير): ج٤ (ق ٤١٢) .\n٣ المقاصد الحسنة: (ص ٥٦٨) .\n٤ فيض القدير: (٥/٤٠٤) .","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>١٢- باب فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ</span>\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - فضلَ مكة، والبيت الحرام، وأنه أَفْضَلُ بقاع الأرض على الإطلاق، فقال: \"وَثَبَتَ عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ففي (سنن النسائي)، و(المسند) بإسناد صحيح، عن:\n٦٠ - (١٥) عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"صلاة في مَسْجِدي هذا أفضل من أَلف صلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مَسْجِدي هذا بمائة صلاةٍ \". ورواه ابن حبان في صحيحه١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: أحمد في (مسنده) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، وابن عبد البر في (التمهيد) ٥، كلهم من طريق: حَمَّاد بن زيد، عن حبيب الْمُعَلَّم٦.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٤٨) .\n(٤/٥) .\n٣ الإحسان: (٣/٧١) ح ١٦١٨.\n(٥/٢٤٦) .\n(٦/٢٥) .\n٦ أبو محمد البصري، مولى معقل بن يسار، اختلف في اسم أبيه، فقيل: زائدة، وقيل: زيد، صدوق، من السادسة، مات سنة ١٣٠ هـ / ع. (التقريب ١٥٢) .","vol":"2","page":471},{"text":"وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ١ عن: الربيع بن صبيح٢. كلاهما - حبيب والربيع - عن:\nعطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ به، ووقع عند الطيالسي قول عطاء: \"بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال: قال رسول الله ﷺ ... \" الحديث، قال عطاء في آخره: \"فكأنه مائة ألف\". وعند ابن حبان: \"وَصَلاةٌ في ذاكَ أَفْضَل من مائةِ صلاةٍ في هذا \".\nوعزاه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٣ لأحمد، والطبراني، والبزار، وأما ما قاله ابن القَيِّم - ﵀ - من أن هذا الحديث في (سنن النسائي) فإنني لم أقف عليه فيه بعد البحث، ولا هو في (السنن الكبرى) له فيما بحثت، ولم يذكره المزيُّ في (تحفة الأشراف) في مسند ابن الزبير، فلعله سبق قلم من ابن القَيِّم ﵀.\nوإسناد هؤلاء الجماعة - ما عدا الطيالسي - صحيح على شرط الشيخين، وإلى ذلك أشار الهيثمي ﵀، فقال: \"ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح\"٤.\nولكن رُوِيَ هذا الحديث عن عطاء من وجهٍ آخر موقوفًا على\n_________\n١ ح (١٣٦٧) .\n٢ السَّعْدِي، البصري، صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، من السابعة، مات سنة ١٦٠هـ / خت ت ق. (التقريب ٢٠٦) .\n(٤/٤ - ٥) .\n٤ مجمع الزوائد: (٤/٤-٥) .","vol":"2","page":472},{"text":"ابن الزبير، أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ١ عن: ابن جريج. وابن عبد البر في (التمهيد) ٢ من طريق: حجاج بن أرطاة٣، كلاهما عن: عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير موقوفًا عليه. ولفظ عبد الرزاق: عن عطاء، أنه سمع ابن الزبير يقول على المنبر: \"صلاة في المسجد الحرام خيرٌ من مائة صلاة فيما سواه من المساجد\". قال: ولم يُسَمِّ مسجد المدينة، فَيُخَيَّلُ إليَّ أَنَّمَا يريد مسجد المدينة. ولفظ ابن عبد البر: \"الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النَّبيِّ ﷺ بمائة ضِعْفٍ\". قال عطاء: فنظرنا في ذلك، فإذا هي تفضل على سائر المساجد بمائة ألف ضِعْفٍ.\nقال ابن عبد البر: \"هكذا رواه عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير، واخْتُلِفَ في رفعه عن عطاء ... وَمَنْ رَفَعَهُ عنه، عن النبي ﷺ، أحفظ وأثبت من جهة النقل. وهو أيضًا صحيح في النظر؛ لأنَّ مثله لا يُدْرَكُ بالرأي، ولا بد فيه من التوقيف، فلهذا قلنا: إن مَنْ رَفَعَهُ أولى، مع شهادة أئمة الحديث لِلَّذي رفعه بالحفظ والثقة\"٤. وقال أيضًا: \"ولكن الحديث لم يُقِمْهُ ولا جَوَّدَهُ إلا حبيب المعلم، عن عطاء، أقام إسناده، وجود لفظه\"٥. وقال: \"فأسند حبيب المعلم هذا الحديث وَجَوَّدَهُ،\n_________\n(٥/١٢١) ح ٩١٣٣.\n(٦/٢٣) .\n٣ ابن ثور بن هبيرة، النخعي، أبو أرطاة الكوفي، القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات ١٤٥هـ/ بخ م٤. (التقريب ١٥٢) .\n٤ التمهيد: (٦/٢٣) .\n٥ المصدر السابق: (٦/ ٢٤) .","vol":"2","page":473},{"text":"ولم يُخَلِّطْ في لفظه ولا معناه، وكان ثقة\"١. ثم أخذ في نقل أقوال الأئمة في توثيق حبيب. ثم قال: \"ولم يُرو عن النبي ﷺ من وجهٍ قَوىٍّ ولا ضعيف، ما يعارض هذا الحديث، ولا عن أحد من أصحابه ﵃. وهو حديث ثابت لا مطعن فيه لأحدٍ، إلا لِمُتَعَسِّفٍ لا يُعَرَّجُ على قوله في حبيب المعلم ... وقد رواه الحجاح بن أرطاة، عن عطاء، مثل رواية حبيب المعلم سواء\"٢.\nقلت: وقد تابعَ حبيبًا على رفعه الربيع بن صبيح، كما تقدم عند الطيالسي، ومع ذلك، فإنه لا يمتنع أن يكون رُوِيَ عن ابن الزبير على الوجهين، فمع أنه كان عنده مرفوعًا عن النبي ﷺ، إلا أنه كان ربما لا يرفعه، وبخاصة أنه قاله في خطبة له على المنبر، وإلا فإنه مما لا مجال فيه للرأي، ولابدَّ فيه من توقيف كما تقدم في كلام ابن عبد البر ﵀. ويؤكده: أن حجاج بن أرطاة قد روى المرفوع أيضًا، فدلَّ ذلك على أن الحديث عن ابن الزبير على الوجهين.\nفَتَلَخَّص من ذلك: أن الحديث صحيح الإسناد، كما قال ابن القَيِّم ﵀، ولا مطعن لأحدٍ فيه، وما رُوي من ذلك موقوفًا على ابن الزبير لا يُعَلُّ به المرفوع، فإما الجمع بينهما، أو ترجيح المرفوع، وهو ظاهرٌ، والله تعالى أعلم.\n_________\n١ التمهيد: (٦/٢٥) .\n٢ المصدر السابق: (٦/٢٦) .","vol":"2","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>من كتاب الجهاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>١ - باب ما جاء في حلية السيف</span>\n...\n١ - باب ما جاء فِي حلية السيف\n٦١- (١) عن أنس ﵁، أنه قال: \"كانت قَبِيعَةُ١ سيف رسول الله ﷺ من فضة\".\nحَكَمَ جماعة من الحفاظ بعدم صحة هذا الحديث مسندًا، وأن الصواب فيه: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن البصري، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقد استعرض ابن القَيِّم - ﵀ - بعض أقوالهم، ثم قال: \"والصواب أن حديث قتادة، عن أنس محفوظ من رواية الثقات الضابطين المتثبتين: جرير بن حازم وهمام، عن قتادة، عن أنس. والذي رواه عن: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا: هو هشام الدستوائي، وهشام وإن كان مقدمًا في أصحاب قتادة، فليس هَمَّام وجرير إذا اتَّفَقَا بدونه\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: مسلم بن إبراهيم. والترمذي في: (جامعه) ٤، وفي (الشمائل) ٥ من\n_________\n١ القَبِيعَةُ: بفتح القاف، وكسر الباء: هي التي تكون على رأس قائم السيف. وقيل: ما تحت شاربي السيف. (النهاية: ٤/٧) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/٤٠٤) .\n(٣/٦٨) ح ٢٥٨٣ ك الجهاد، باب في السيف يُحَلَّى.\n(٤/٢٠١) ح ١٦٩١.\n(ص ١٠١) ح ٩٩ باب ما جاء في صفة سيف رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":477},{"text":"طريق: وهب بن جرير. والدارمي في (مسنده) ١ من طريق: أبي النعمان. والبيهقي في (سننه) ٢ من طريق: سهل بن بَكَّار، كُلُّهم عن:\nجرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس ﵁ به.\nقال أبو عيسى الترمذي: \"حديث حسن غريب\".\nوقد تابع جريرًا على روايته هذه: هَمَّام بن يحيى، فأخرجه النسائي في (سننه) ٣ من طريق: عمرو بن عاصم٤، عن: همام وجرير، كلاهما عن: قتادة به، ولفظه: \" كان نَعْلُ٥ سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة سيفه فضة، وما بين ذلك حِلَقُ فضة\".\nهكذا رواه جرير وهمام، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة على خلاف ذلك:\nفأخرجه: أبو داود في (سننه) ٦ - ومن طريقه: البيهقي٧ - والترمذي في (الشمائل) ٨ من طريق: معاذ بن هشام. وأخرجه النسائي\n_________\n(٢/١٤٠) ح ٢٤٦١. ك السير، باب في قبيعة سيف رسول الله ﷺ.\n(٤/١٤٣) .\n(٨/٢١٩) ك الزينة، باب حلية السيف.\n٤ ابن عبيد الله الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، صدوقٌ في حفظهِ شَيء، من صغار التاسعة، مات سنة ٢١٣ هـ / ع. (التقريب ٤٢٣) .\n٥ نَعْل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل القِرَابِ. (النهاية ٥/٨٢) .\n(٣/٦٩) ح ٢٥٨٤.\n٧ السنن: (٤/١٤٣) .\n(ص ١٠١) ح ١٠٠.","vol":"2","page":478},{"text":"في (سننه) ١ من طريق: يزيد بن زريع٢، كلاهما عن: هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن٣، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقد حَكَمَ الأئمة للرواية الُمُرْسَلة على الأخرى، فقال أبو داود: \"أقوى هذه الأحاديث: حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية ضعاف\"٤. وقال النسائي: \"هذا حديث منكر - يعني المتصل- والصواب: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن\"٥. وفي (علل أحمد) ٦: قال عبد الله: \"حدثني أبي، عن عفان، قال: جاء أبو جُزَيّ٧ إلى جرير بن حازم يشفع لإنسان يُحَدِّثُه، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: \"كانت قبيعة ... \"، قال أبو جُزَيّ: كَذَبَ والله، ما حدثناه قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن. قال أبي: وهو قول أبي جُزَيّ\". يعني أصاب، وأخطأ جرير.\nفهذه متابعة من أبي جُزَيّ لهشام الدستوائي، وأشار إلى روايته\n_________\n(٨/٢١٩) .\n٢ البصري، أبو معاوية، ثقةٌ ثبت، من الثامنة، مات سنة ١٨٢هـ /ع. (التقريب٦٠١) .\n٣ البصري، أخو الحسن، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ١٠٠ هـ/ ع. (التقريب٢٣٤) .\n٤ السنن: (٣/٦٩) .\n٥ تحفة الأشراف: (١/٣٠١) .\n(١/٨٦) .\n٧ هو: نصر بن طريف، الباهلي، البصري، القَصَّاب، ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ، واتَّهَمه آخرون بالكذب.\nله ترجمة في: الجرح والتعديل: (٤/١/٤٦٦)، والميزان: (٤/٢٥١) .","vol":"2","page":479},{"text":"هذه: الدارقطني في (علله) ١، وأيد الإمام أحمد - ﵀ - رواية الإرسال، وصَدَّقَ أبا جُزَيّ في قوله.\nوقال الدارمي - عقب روايته -: \"هشام الدستوائي خالفه ... وزعم الناس أنه هو المحفوظ\". وقال أبو بكر البزار: \"إنما يُرْوَى عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا، وهو الصواب\"٢. وقال الدارقطني: \"اخْتُلِفَ فيه على قتادة ... ورواه هشام الدستوائي، ونصر بن طريف: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا، وهو الصواب\"٣. وقال البيهقي: \"تَفَرَّدَ به جرير بن حازم، عن قتادة ... والحديث معلول\". ثم ذكر المرسل وقال: \"وهو المحفوظ\"٤.\nوقد تَقَدَّمَ أن جريرًا لم ينفرد بذلك، وإنما تابعه: هَمَّامُ بن يحيى، كما عند النسائي ﵀، وَقَدَّمَ المرسل أيضًا: الحافظ المنذري، وقال: \"إنه الصواب\". كما نقله عنه صاحب (البدر المنير) ٥.\nوعند النظر، نجدُ أن الراجح ما رَجَّحَهُ هؤلاء الأئمة ﵏؛ فإن جريرًا في حديثه عن قتادة ضعف، قال عبد الله بن الإمام أحمد: \"سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس. فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير. فقال: ليس بشيء، هو عن\n_________\n١ ج ٤ (ق٣٠/أ) .\n٢ البدر المنير: (٢/٤٦٤) .\n٣ علل الدارقطني: ج٤ (ق ٣٠/أ) .\n٤ سنن البيهقي: (٤/١٤٣) .\n(٢/٤٦٥) .","vol":"2","page":480},{"text":"قتادة ضعيف\"١. وقال الميموني عن أحمد: \"كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء، ويسند أشياء\"٢. وقال الأثرم عن أحمد: \"كان يُحَدِّثُ بالتوهم أشياء عن قتادة يُسْنِدُها، بواطيل\"٣. وقال ابن عدي: \" ... هو مستقيم الحديث صالحٌ فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء لا يرويها غيره\"٤. وقال الذهبي: \"وفي الجملة: لجرير، عن قتادة أحاديث منكرة\"٥.\nفالغالب - والله أعلم - أن الخطأ في ذلك من جرير، وأنه أخطأ فيه عن قتادة، وقد تقدم أن أبا جُزَيّ كَذَّبَه لما حَدَّثَ به أمامه عن: قتادة، عن أنس، وَصَوَّبَ الإمام أحمد أبا جُزَيّ في ذلك كما مضى.\nفإن قِيْلَ: قد تَابَعَهُ همام بن يحيى، عن قتادة؟ قيل: همامٌ وإن كان ثقة، فإنه ربما وَهِمَ، وَتَكَلَّمَ بعضهم في حفظه. وهو وإن كان ثبتًا في قتادة، فليس هو مثل هشام الدستوائي فيه٦، حتى إن شعبة - على جلالته، وفضله، وحفظه لحديث قتادة - يقول: \"هشام الدستوائي أعلم بقتادة، وأكثر مجالسة له مني\"٧. ولما ذكر عليُّ بن المديني أصحاب قتادة، قال: \"كان هشام أرواهم عنه ... \"٨.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٢/٧٠) .\n٢ المصدر السابق: (٢/٧٢) .\n٣ شرح علل الترمذي: (ص٣٦٥) .\n٤ الكامل: (٢/١٣٠) .\n٥ الميزان: (١/٣٩٣) .\n٦ انظر: تهذيب التهذيب: (١١/٦٨ - ٧٠) .\n٧ شرح علل الترمذي: (ص٣٦٤) .\n٨ تهذيب التهذيب: (١١/٦٩) .","vol":"2","page":481},{"text":"ومع ذلك، فقد تَفَرَّدَ عن همام: عمرو بن عاصم القيسي، وفي حفظه شيء١، وسأل الآجريُّ أبا داود عنه؟ فقال: \"لا أنشط لحديثه\". ثم سأله عنه وعن الحوضي في هَمَّام؟ فقدم الحوضي٢.\nوما دام الرَّجل - أعني عمرو بن عاصم - بهذه المثابة، فلا يبعد أن يكون وَهِمَ فيه على همام بن يحيى، ولذلك قال الإمام النسائي: \"وما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم\"٣.\nفالحاصل: أن هذا الحديث وَصَلَهُ عن قتادة، عن أنس: جرير ابن حازم، وتابعه عليه همام بن يحيى. وخالفهم في ذلك: هشام الدستوائي، فرواه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا، وهو الراجح.\nفإذا تقرر ذلك، فإن ما قاله ابن القَيِّم - ﵀ - من تقوية الرواية الموصولة، غير مُسَلَّمٍ، لما تَقَدَّمَ.\nومع ذلك، فقد روي هذا الحديث من طريق أبي أمامة بن سهل، ومزيدة العصري وغيرهما٤، مما يقوى حديث أنس المتصل، ويثبت أن له أصلًا، والله أعلم.\n_________\n١ كما تقدم في ترجمة ابن حجر له، وانظر: تهذيب التهذيب: (٨/٥٨) .\n٢ سؤالات الآجري لأبي داود: (ص٢٣٦ - ٢٣٧) .\n٣ انظر: تحفة الأشراف: (١/٣٠١) .\n٤ انظر تفصيل ذلك في: التلخيص الحبير: (١/٥٢) ح ٥٠.","vol":"2","page":482},{"text":"٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-128> من كتاب الجنائز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>١- باب في الغسل من غسل الميت</span>\n٦٢- (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ غَسَّلَ الْمَيْتَ فَلَيَغْتَسلْ، ومن حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ونقل عن الشافعي التوقف عن تصحيحه، وعن أبي داود إعلاله، ثم ذكر للحديث أَحَدَ عَشَرَ طَرِيقًَا، ثم قال: \"وهذه الطُّرُقُ تدلُّ على أن الحديث محفوظ\"١.\nقلت: هذا الحديث يُروى عن أبي هريرة من طرق:\nالطريق الأول: عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة. أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ من طريق: القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به.\nوأخرجه الترمذي في (جامعه) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، والبيهقي٥ من طريق: سهيل بن أبي صالح٦، عن أبيه٧، عن أبي هريرة\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣٠٥-٣٠٦) .\n(١/٣٠٠) .\n(٣/٣٠٩) ح ٩٩٣ ك الجنائز، باب الغسل من غسل الميت.\n(١/٤٧٠) ح ١٤٦٣، ك الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت.\n(١/٣٠٠) .\n٦ أبو يزيد المدني، صدوقٌ تَغَيَّر حِفْظُهُ بآخره، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور/ ع. (التقريب ٢٥٩) .\n٧ أبو صالح، ذكوان السَّمان الزيَّات، ثقة ثبت ... من الثالثة، مات سنة ١٠١هـ/ ع. (التقريب ٢٠٣) .","vol":"2","page":485},{"text":"به، ولفظ الترمذي والبيهقي: \"مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ. ومن حَمْلِهِ الوضوءُ\" يعني الميت، أما ابن ماجه فلفظه: \"مَنْ غَسَّلَ مَيِتًا فليغتسل\". رواه عن سهيل هكذا جماعة، منهم: حماد بن سلمة، ووهيب، وزهير بن محمد، وعبد العزيز بن المختار وغيرهم١، وخالفهم سفيان بن عيينة، فرواه عن: سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن إسحاق٢ مولى زائدة، عن أبي هريرة به. أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والبيهقي٤ كذلك.\n\"وخالفهم إسماعيل بن جعفر فرواه عن سهيل عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفًا\"٥، كما قال الدارقطني ﵀.\nوهذه الطريق أعلت بالانقطاع، والوقف، والاضطراب.\nأما الانقطاع: فقد أشار أبو داود إليه فقال: \"أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة في هذا الحديث - يعني إسحاق مولى زائدة -\". وقال الشافعي: \"وإنما لم يقو عندي: أنه يروى عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ويدخل بعض الحفاظ بين أبي صالح وبين أبي هريرة:\n_________\n١ انظر: علل الدارقطني: ج ٣ (ق ١٨٠)، وسنن البيهقي: (١/٣٠١) .\n٢ والد عمر، قال العِجْلِي: هو إسحاق بن عبد الله، ثقة، من الثالثة / ر م د س. (التقريب ١٠٤) .\n(٣/٥١٢) ح ٣١٦٢ ك الجنائز، باب في الغسل من غسل الميت.\n(١/٣٠١) .\n٥ العلل: (ج٣ ق١٨٠) .","vol":"2","page":486},{"text":"إسحاق مولى زائدة، فيدل على أن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة\"١. وأعله ابن دقيق العيد بذلك أيضًا٢. وقال ابن حجر: \"وهو معلول، لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة\"٣.\nوأما الوقف: فقد مضى أنه يُروى عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق، عن أبي هريرة موقوفًا عليه٤. وكأن البخاري - ﵀ - أعله بذلك، فقال لما سأله عنه الترمذي: \"روى بعضهم عن سهيل بن أبي صالح، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفًا\"٥. ورجح البيهقي وقفه كما سيأتي من كلامه.\nوأما اضطرابه: فقد قال به الدارقطني، فبعد أن حكى أوجه الاختلاف فيه قال: \"ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه\"٦.\nوقد يُجاب عن هذه العلل، فيقال: أما انقطاعه: فإنه لا مانع أن يكون أبو صالح سمعه من أبي هريرة، ومن إسحاق عن أبي هريرة، فرواه على الوجهين جميعًا، وقد علق الشافعي - ﵀ - الحكم بصحته على معرفة حال إسحاق، فقال: \"وإنما منعني عن إيجاب الغسل من غسل الميت: أن في إسناده رجلًا لم أقع\n_________\n١ الجوهر النقي: (١/٣٠١) .\n٢ التلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n٣ فتح الباري: (٣/١٢٧) .\n٤ وانظر سنن البيهقي: (١/٣٠١) .\n٥ علل الترمذي: (١/٤٠٢) .\n٦ علل الدارقطني: ج ٣ (ق١٨٠) .","vol":"2","page":487},{"text":"من معرفة من ثَبَّتَ حديثه - إلى يومي - على ما يقنعني، فإن وجدت من يقنعني، فإن وجدت من يقنعني أوجبته ... \"١.\nقال ابن حجر: \"إسحاق مولى زائدة: أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح الحديث\"٢.\nوأما الوقف: فيمكن أن يقال: إن الرفع زيادة من ثقة وهي مقبولة، ولا سيما أن الذين رفعوه أكثر عددًا. ولكن مع ذلك كله يخشى من احتمال كونه مضطربًا كما حكم به الدارقطني ﵀، فالله أعلم.\nالطريق الثاني: رواه بن أبي ذئب، عن صالح٣ مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ به. أخرجه: أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٤، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق) ٥. والبيهقي في (سننه) ٦ من طريق الطيالسي.\nوقد أَعَلَّ البيهقي٧، ثم ابن الجوزي٨ هذا الطريق بـ\"صالح\n_________\n١ سنن البيهقي: (١/٣٠٢) .\n٢ التلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n٣ ابن نبهان المدني، صدوق اختلط، قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه: كابن أبي ذئب وابن جريج، من الرابعة ... / د ت ق. (التقريب ٢٧٤) .\n٤ حم: (٢/٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢) . طس: (ح٢٣١٤) .\n(٢/١٧٢) .\n(١/٣٠٣) .\n٧ السنن: (١/٣٠٣) .\n٨ العلل المتناهية: (١/٣٧٨) .","vol":"2","page":488},{"text":"مولى التوأمة\"، فقال البيهقي: \"صالح مولى التوأمة ليس بالقوي\".\nقلت: وصالح هذا فيه ضعف، واختلاط، فقد ضعفه: يحيى القطان١، ومالك٢، وابن معين٣ في رواية، وأبو زرعة، وأبو حاتم٤، والنسائي٥. ووثقه أحمد٦، وابن معين٧ في رواية، والعجلي٨. فالرجل بهذه المثابة \"صدوق\" كما حكم به الذهبي٩ وابن حجر.\nوأما اختلاطه: فقد مَيَّزَ جماعة من الحفاظ حديثه القديم، وحكموا بصحة رواية من روى عنه قبل الاختلاط، منهم: علي بن المديني، وابن معين، والجوزجاني، وابن عدي١٠. وابن أبي ذئب ممن سمع منه قديمًا، فيكون حديثه عنه صحيحًا، ولذلك ردَّ ابن التركماني على البيهقي تضعيفه١١.\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب (٤/٤٠٥) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/١/٤١٧) .\n٣ المصدر السابق: (٢/١/٤١٨) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ الضعفاء: (ص٥٧) .\n٦ تهذيب التهذيب: (٤/٤٠٥) .\n٧ تاريخ الدوري: (٢/٢٦٦) .\n٨ الثقات بترتيب الهيثمي: (ص٢٢٧) .\n٩ المغني: (١/٣٠٥) .\n١٠ انظر: الكواكب النيرات: (ص٢٦١) .\n١١ الجوهر النقي: (١/٣٠٢) .","vol":"2","page":489},{"text":"الطريق الثالث: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به. أخرجه البيهقي في (سننه) ١ من طريق: ابن لهيعة، عن حنين بن أبي حكيم، عن صفوان بن أبي سليم، عن أبي سلمة به. ثم قال: \"ابن لهيعة وحنين لا يحتج بهما\".\nقلت: وهذا قد صَحَّحَ الأئِمَّةُ وَقْفَهُ، فقال أبو حاتم - وقد سئل عنه -: \"هو موقوف عن أبي هريرة، لا يرفعه الثقات\"٢. وقال ابن دقيق العيد: \"وأما رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: فإسناد حسن، إلا أن الحفاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفًا\"٣. وأخرج البيهقي الرواية الموقوفة من طريق: عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به، ثم قال: \"هذا هو الصحيح: موقوفًا على أبي هريرة، كما أشار إليه البخاري\"٤.\nالطريق الرابع: عن عمرو بن عمير٥، عن أبي هريرة. أخرجه أبو داود في (سننه) ٦ – ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٧ - من طريق: القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير به.\nوهذا الطريق ضعيف؛ فإن عمرو بن عمير \"مجهول\" كما حكم\n_________\n(١/٣٠٢) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (١/٣٥١) .\n٣ التلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n٤ سنن البيهقي: (١/٣٠٢) .\n٥ الحجازي، مجهول، من الثالثة/ د. (التقريب ٤٢٥) .\n(٣/٥١١) ح ٣١٦١.\n(١/٣٠٣) .","vol":"2","page":490},{"text":"بذلك ابن القطان وابن حجر١ رحمهما الله. وبهذا أعله البيهقي، فقال: \"عمرو بن عمير إنما يعرف بهذا الحديث، وليس بالمشهور\". قال ذلك في (سننه) .\nالطريق الخامس: عن أبي إسحاق، عن أبي هريرة به. أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٢ - ومن طريقه أحمد٣ - من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن رجل يقال له: أبو إسحاق، عن أبي هريرة به، وليس فيه الوضوء من حمله. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٤ من طريق: يحيى، عن رجل من بني ليث، عن أبي إسحاق به.\nويروى هذا عن: أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، أخرجه البيهقي في (سننه) ٥، وذكر اختلافًا فيه، ثم قال: \"والمشهور: عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب الأسدي، عن علي ﵁\".\nوقد روى هذا الحديث من طرق أخرى غير ما ذكرنا، واستوعبها البيهقي في (سننه) ٦، ثم قال: \"الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم، والصحيح: عن أبي هريرة من قوله، موقوفًا غير مرفوع\". وقد تقدم معنا ترجيح البخاري\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٨/٨٤) .\n(٣/٤٠٧) ح ٦١١٠.\n٣ المسند: (٢/٢٨٠) .\n(٢/٢٨٠) .\n(١/٣٠٤) .\n(١/٣٠٠ - ٣٠٤) .","vol":"2","page":491},{"text":"وأبي حاتم الوقف في بعض طرقه.\nوأكثر العلماء على ضَعْفِ هذا الحديث كما قال الزيلعي١، والمناوي٢ وغيرهما، وقال الإمام أحمد، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذُّهَلي، وابن المنذر وغيرهم: إنه لا يثبت في هذا الباب شيء٣. وقد تقدم طرف من أقوال العلماء في تضعيف هذا الحديث، وضعفه أيضًا: ابن الجوزي٤، والنووي٥.\nلكن ذهب جماعةٌ إلى صِحَّتِهِ، وآخرون إلى حُسْنِهِ: فَحَسَّنَه الترمذي، وصححه ابن حبان، وابن حزم٦، وقال ابن دقيق العيد: \"وفي الجملة: هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا\"٧. وقال الذهبي في (مختصر البيهقي) ٨: \"طرقُ هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، ولم يُعِلُّوها بالوقف، بل قَدَّمُوا رواية الرفع\". وجعله البغوي من قسم الحسن في (مصابيحه) وتبعه التبريزي في (المشكاة) ٩ ورجح ابن\n_________\n١ نصب الراية: (٢/٢٨٢) .\n٢ فيض القدير: (٦/١٨٥) .\n٣ انظر: علل الترمذي: (١/٤٠٢)، وسنن البيهقي: (١/٣٠١)، والتلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n٤ العلل المتناهية: (١/٣٧٨ - ٣٧٩) .\n٥ المجموع: (٥/١٣٨) .\n٦ المحلى: (٢/٣٥) .\n٧ التلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n٨ التلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n(١/١٦٩) ح ٥٤١.","vol":"2","page":492},{"text":"حجر تصحيح بعض طرقه١. وَحَسَّنَهُ الحافظ السيوطي٢. وصححه الشيخ الألباني٣.\nوقد ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى القول بأن الحديث بمجموع طرقه محفوظٌ، ولعلَّ هذا هو ما تطمئن إليه النفس، ولا سيما أن طرق هذا الحديث قد تعدَّدت، مما يجعل الحديث لا يقل عن درجة الحسن.\nوقد ذهب أبو داود - ﵀ - إلى أن هذا الحديث منسوخ، لكنه لم يذكر لنا ناسخه، ولا رأيت من قال بقوله.\nوقد ذهب الأكثرون - كما نقل ابن القَيِّم٤ - إلى عدم وجوب الغسل من غسل الميت، ونقل الإمام أبو داود عن الإمام أحمد أنه يجزئه الوضوء٥. وقال الخطابي: \"ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب\"٦. وقال: \"وقد يحتمل أن يكون المعني فيه: أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نَضْحٌ من رشاش الغسول، وربما كان على بدن الميت نجاسة. فإذا أصابه نَضْحُهُ - وهو لا يعلم مكانه - كان عليه غسل جميع البدن، ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه\"٧.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (١/١٣٧) .\n٢ كما في فيض القدير مع الجامع الصغير: (٦/١٨٥) .\n٣ انظر: إرواء الغليل: (١/١٧٣)، وصحيح ابن ماجه: (ح ١١٩٥)، وصحيح الجامع: (ح٦٤٠٢)، والتعليق على المشكاة: (١/١٦٩) ح ٥٤١.\n٤ تهذيب السنن: (٤/٣٠٦) .\n٥ سنن أبي داود: (٣/٥١٢) .\n٦ معالم السنن: (٤/٣٠٥) .\n٧ المصدر السابق.","vol":"2","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>٢- باب ما جاء في المشي خلف الجنازة</span>\n٦٣- (٢) حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا: \"الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا\".\nذكر ابن القَيِّم هذا الحديث، وقال: \"ضعيف\"١. وقد أورده - ﵀ - دليلًا للقائلين بالمشي خلف الجنازة.\nقلتُ: الحديث بهذا اللفظ المختصر أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢ ولفظه: \"الجنازةُ متبوعة وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها \".\nولكن أخرجه بأطول من هذا: أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في (جامعه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦، كلهم من طريق:\nيحيى بن عبد الله٧ التيمي، عن أبي ماجد٨، عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه، أنه قال: سألنا نبينا ﷺ عن المشي مع الجنازة؟ فقال: \"ما دُوْنَ\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣١٦) .\n(١/٤٧٦) ح ١٤٨٤ ك الجنائز، باب المشي أمام الجنازة.\n(٣/٥٢٥) ح ٣١٨٤ ك الجنائز، باب الإسراع بالجنازة.\n(٣/٣٢٣) ح ١٠١١، ك الجنائز، باب ما جاء في المشي خلف الجنازة.\n(١/٣٩٤، ٤١٥، ٤١٩، ٤٣٢) .\n(٤/٢٥) .\n٧ ابن الحارث، الجَابِر - قيل: كان يُجَبِّرُ الأعضاء - أبو الحارث الكوفي، لَيِّنُ الحديث، من السادسة، وروايته عن المقدام مرسلة / د ت ق (التقريب ٥٩٢) .\n٨ ويقال: أبو ماجدة، قيل: اسمه عائذ بن نضلة، مجهولٌ، لم يرو عنه غير يحيى الجابر، من الثانية/ د ت ق. (التقريب ٦٧٠) .","vol":"2","page":494},{"text":"الخبب١، إن يكن خيرًا تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فَبُعْدًَا لأهل النار، والجنازة متبوعة ولا تُتْبَعُ، ليس معها من تَقَدَّمَهَا\". هذا لفظ أبي داود، ولفظ الباقين نحو، إلا أن الترمذي عنده: \"سألنا نبينا ﷺ عن السير خلف الجنازة\" وفيه: \"وليس منا من تقدمها\". والعبارة الأخيرة كذا هي عند أحمد في موضعين٢. وأخرجه عبد الرزاق في (المصنف) ٣ مختصرًا كلفظ ابن ماجه المتقدم، لكن فيه سؤال ابن مسعود النبي ﷺ.\nوهذا الحديث ضعيفٌ، ضَعَّفَهُ جماعة من العلماء، فقال الترمذي: \"هذا حديث لا يُعْرَف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه. سمعت محمد بن إسماعيل يُضَعِّفُ حديث أبي ماجد لهذا. وقال محمد: قال الحميدي: قال ابن عيينة: قيل ليحيى: من أبو ماجد هذا؟ قال: طائر طار فحدثنا\"٤. وفي (علله) ٥ أنه سأل البخاريَّ عنه؟ فقال: \"أبو ماجد منكر الحديث\" وضَعَّفَهُ جدًا. وقال أبو داود: \"وهو ضعيف، هو يحيى بن عبد الله، وهو يحيى الجابر ... أبو ماجدة هذا لا يُعْرف\". وقال البيهقي: \"أبو ماجد مجهولٌ، ويحيى الجابر: ضَعَّفَهُ جماعة من أهل النقل\"٦. وَضَعَّفَهُ المنذري - أيضًا - في (مختصر السنن) ٧. وقال ابن\n_________\n١ الخَبَبَ: ضَرْبٌ من العَدْو، وقيل: هو مثل الرَّمَل، وقيل: الخبب السرعة. (لسان العرب ص ١٠٨٥) .\n٢ المسند: (١/٣٩٤، ٤١٥) .\n(٣/٤٤٦) ح ٦٢٦٥.\n٤ جامع الترمذي: (٣/٣٢٣) .\n(١/٤٠٧) .\n٦ السنن: (٥/٢٥) .\n(٤/٣١٨ - ٣١٩) .","vol":"2","page":495},{"text":"الملقن: \"هو حديث واهٍ لأجل يحيى الجابر، وأبي ماجدة\"١ ثم نقل كلام أئمة الجرح والتعديل فيهما. وَضَعَّفَهُ الشيخ الألباني٢ أيضًا.\nفيتلخص: أن هذا الحديث ضعيفٌ كما قال ابن القَيِّم ﵀؛ لاتفاقهم على جهالة أبي ماجد، وضَعْفِ يحيى الجابر، والله أعلم.\n_________\n١ البدر المنير: ج ٤ (ق ٢٧/أ) نسخة أحمد الثالث.\n٢ ضعيف سنن ابن ماجه: (ح ٣٢٤) .","vol":"2","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>٣- باب ما جاء في القيام للجنازة</span>\n٦٤- (٣) حديث البراء بن عازب: \"خَرَجْنَا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجل من الأَنْصَارِ، فانتهينا إلى القبر، وَلَمَّا يُلْحَد بعدُ، فجلسَ النبي ﷺ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ\".\nقال ابن القَيِّم: \"وهو حديث صحيح\"١. ثم تَعَرَّضَ له بعد ذلك، ودفع عنه بعض ما رُمِيَ به من علل٢. وقال مرة: \"وهو صحيح، صححه جماعة من الحفاظ\"٣.\nوقد استَدَلَّ ابن القَيِّم - ﵀ - بهذا الحديث على أن السُّنَّة لِمُتَّبِع الجنازة ألاَّ يجلس حتى توضع، وأن المراد: وضعها على الأرض، فقال: \"ويدلُّ على أنَّ المراد بالوضع الوضع بالأرض عن الأعناق: حديث البراء ... \" فساقه.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، أربعتهم من طريق: الأعمش.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣١١) .\n٢ المصدر السابق: (٤/٣٣٧) .\n٣ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص٥٨) .\n(٣/٥٤٦) ح ٣٢١٢ باب الجلوس عند القبر.\n٥ حم: (٤/٢٨٧) . طس: (ح ٧٥٣) .\n(١/٣٧ - ٣٨) .","vol":"2","page":497},{"text":"وأخرجه النسائي وابن ماجه في (سننيهما) ١، والحاكم - أيضًا - في (مستدركه) ٢، ثلاثتهم من طريق: عمرو بن قيس٣.\nوأخرجه ابن ماجه والحاكم٤، من طريق: يونس بن خباب٥ كُلُّهم عن:\nالمنهال بن عمرو٦، عن زاذان٧، عن البراء بن عازب ﵁ به.\nوألفاظهم متفاوتة، وعند بعضهم ما ليس عند الآخر.\nقال أبو عبد الله الحاكم عقبه: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالمنهال بن عمرو، وزاذان أبي عمر الكندي\"٨.\n_________\n١ س: (٤/٧٨) باب الوقوف للجنائز. جه: (١/٤٩٤) ح ١٥٤٩، باب ما جاء في الجلوس في المقابر.\n(١/٤٠) .\n٣ الملائي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة متقن عابد، من السادسة، مات سنة بضع وأربعين/ بخ م ٤. (التقريب ٤٢٦) .\n٤ جه: (١/٤٩٤) ح ١٥٤٨. كم: (١/٣٩) .\n٥ الأُسَيِّدي مولاهم، الكوفي، صدوقٌ يخطئ وَرُمِيَ بالرفض، من السادسة/بخ٤. (التقريب ٦١٣) .\n٦ الأسدي، مولاهم، الكوفي، صدوق رُبَّما وَهِمَ، من الخامسة/خ٤. (التقريب٥٤٧) .\n٧ أبو عمر، الكندي، البزاز، ويكنى أبا عبد الله أيضًا، صدوق يرسل، وفيه شيعية، من الثانية، مات سنة ٨٢هـ / بخ م ٤. (التقريب ٢١٣) .\n٨ المستدرك: (١/٣٩) .","vol":"2","page":498},{"text":"وليس كما قال ﵀؛ فإن المنهال احتجَّ به البخاري وحده، وزاذان احتجَّ به مسلم وحده، فكيف يكون على شرطهما؟!\nوقد أَعَلَّهُ ابن حبان - ﵀ - في (صحيحه) ١ فقال: \" ... وزاذان لم يسمعه من البراء، فلذلك لم أخرجه\".\nوقد نقل ابن القَيِّم ذلك عن ابن حبان، ثم قال: \"وهذه العلة فاسدة؛ فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب ... ذكره أبو عوانة في صحيحه\".\nقلتُ: ورواية الحاكم - أيضًا - فيها التصريح بسماعه منه.\nوقد أَعَلَّهُ ابن حزم بعلة أخرى، وهي ضعف المنهال بن عمرو٢.\nونقل ابن القَيِّم ذلك عنه، ثم قال: \"وهي علة فاسدة؛ فإن المنهال ثقة صدوق\"٣.\nقلتُ: قد وثقه جماعة، وغاية ما قيل فيه: أنهم سمعوا صوت طنبور من بيته، ولم يقبل العلماء جَرْحَهُ بذلك، واحتجَّ به البخاري في (صحيحه) ٤.\n_________\n١ انظر: الإحسان: (٥/٤٨) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١٠/٣٢٠) .\n٣ تهذيب السنن: (٤/٣٣٧) .\n٤ تنظر ترجمته في: الميزان: (٤/١٩٢)، وتهذيب التهذيب: (١٠/٣١٩)، وهدي الساري: (ص٤٤٦) .","vol":"2","page":499},{"text":"وَدَفَعَ ابن القطان القول بتضعيف الحديث بالمنهال بن عمرو، ونقل عن بعض الأئمة توثيقه، ثم قال - ردًا على من ضَعَّفَ المنهال بن عمرو بسماع صوت طنبور من بيته -: \"فهذا - كما ترى - التعسف فيه ظاهرٌ، ولا أعلم لهذا الحديث عِلَّةً غير ما ذكرت، فاعلمه\"١.\nوألزم عبد الحق بقبول هذا الحديث، فقال ﵀: \"وسكت عنه، ولم يبين أنه من رواية المنهال، فكان هذا منه قبولًا له\"٢.\nفثبت بذلك صحَّةُ هذا الحديث - كما حكم ابن القَيِّم ﵀ - أو حُسْنُهُ على أقل تقدير، وأن ما ضُعِّفَ به لا ينهض، وحينئذ يَسْلَمُ لابن القَيِّم - ﵀ - الاستدلال به على جلوس مُتَّبَعِ الجنازة بمجرد وضعها على الأرض، واستدل به ابن حجر على ذلك أيضًا، بعد أن نقل عن أبي عوانة أنه صححه٣.\nثم أورد ابن القَيِّم - ﵀ - بعد ذلك حديثًا للقائلين بأن المراد: الوضع في اللَّحْدِ، وهو:\n٦٥- (٤) حديث عبادة بن الصامت ﵁، أنه قال: \"كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُومُ فِي الْجنازة حتى تُوضعَ في اللَّحْدِ \".\nقال ابن القَيِّم: \"لكن في إسناده بشر بن رافع\". ثم نقل أقوال الأئمة: الترمذي، والبخاري، وأحمد، وابن معين، والنسائي، وابن\n_________\n١ بيان الوهم والإيهام: (٣/٣٦٢ - ٣٦٣) ح ١١٠٧.\n٢ بيان الوهم والإيهام: (٣/٣٦٢) .\n٣ التلخيص الحبير: (٢/١١٢) .","vol":"2","page":500},{"text":"حبان في تضعيف بشر هذا١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤، كلهم من طريق:\nبشر بن رافع٥، عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية٦، عن أبيه٧، عن جده٨، عن عبادة بن الصامت ﵁، أنه قال: \"كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرَّ به حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل. فجلس النبي ﷺ، وقال: \"اجلسوا، خالفوهم\". هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي وابن ماجه مثله، إلا أنه ليس عندهما قوله: \"اجلسوا\"، ولفظ البيهقي كأبي داود.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٥١٨ - ٥١٩) .\n٢ د: (٣/٥٢٠) ح ٣١٧٦. ت: (٣/٣٣١) ح١٠٢٠. جه: (١/٤٩٣) ح ١٥٤٥. كلهم في ك الجنائز، وعند د، جه: باب القيام للجنازة، وعند ت: باب الجلوس قبل أن توضع.\n(٤/٢٨) .\n(ص ١٣١) باب النهي عن الجلوس حتى توضع الجنازة ...\n٥ الحارثي، أبو الأسباط النجراني، فقيه ضعيف الحديث، من السابعة/ بخ د ت ق. (التقريب ١٢٣) .\n٦ الأزدي، ضعيف، من السادسة/ د ت ق. (التقريب ٣٠٦) .\n٧ هو: سليمان بن جنادة، منكر الحديث، من السادسة/ د ت ق. (التقريب ٢٥٠) .\n٨ جنادة بن أبي أمية، يقال: اسم أبيه كبير، مختلف في صحبته، فقال العجلي: \"تابعي ثقة\"، والحق أنهما اثنان، صحابيُّ وتابعيُّ، متفقان في الاسم وكنية الأب / ع. (التقريب١٤٢) .","vol":"2","page":501},{"text":"قلتُ: وهذا الحديث ضعيف، ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من العلماء، فقال البخاري: \"منكر\"١. ونقل عنه العقيلي قوله - في ترجمة سليمان ابن جنادة -: \"لم يُتَابَعْ في هذا\"٢. وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، وبشر بن رافع ليس بالقويِّ في الحديث\". وقال الحازمي: \" ... ولو صحَّ لكان صريحًا في النسخ\"٣. وقال ابن الملقن: \"وإسناد هذا ضعيف، فيه: بشر بن رافع، وليس بحجة، عن: ابن جنادة، وفيه نظر، كما قال البخاري ... \"٤. وقال ابن حجر: \"إسناده ضعيف\"٥.\nوالحديث ليس ضعيفًا بسبب بشر بن رافع وحده، كما هو ظاهر كلام ابن القَيِّم السالف، بل شَيْخُهُ، وشيخُ شيخِهِ - أيضًا - ضعيفان.\nأما شيخه عبد الله بن سليمان بن جنادة: فقال عنه البخاري: \"فيه نظر\"٦. وسكت ابن أبي حاتم عنه٧. أما ابن حبان فقد ذكره في (الثقات) ٨ وقال: \"يعتبر حديثه من غير رواية بشر عنه\".\nقلت: والرجلُ في عداد المجهولين؛ فإنه لم يرو عنه أحد غيرُ\n_________\n١ الضعفاء الصغير: (ص١٠٨)، والتاريخ الكبير: (٢/٢/٦) .\n٢ ضعفاء العقيلي: (٢/١٢٢) .\n٣ الاعتبار: (ص١٣١) .\n٤ البدر المنير: ج٤ (ق ٢٦/ب) . نسخة أحمد الثالث.\n٥ التلخيص الحبير: (٢/١١٢) .\n٦ التاريخ الكبير: (٣/١/١٠٨) .\n٧ الجرح والتعديل: (٢/٢/٧٥) .\n(٨/٣٣٧) .","vol":"2","page":502},{"text":"بشر بن رافع، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان، ولذلك فقد قال عنه الذهبي: \"لا يُدْرَى من هو\"١. وسبق قول ابن حجر فيه: \"ضعيف\".\nوأما شيخ شيخه سليمان بن جنادة، أبو عبد الله الماضي ذكره: فقال أبو حاتم: \"منكر الحديث\"٢. وَضَعَّفَهُ البخاري٣، والعقيلي٤. وقال ابن حبان: \"منكر الحديث، فلست أدري البلية في روايته منه أو من بشر بن رافع؛ لأن بشر بن رافع ليس بشيء في الحديث ... على أنه يجب التَّنَكُّبُ عن روايته على الأحوال\"٥.\nقلت: فإذا كان هذا هو حال هذا الإسناد، فإن الاقتصار على تضعيفه بـ\"بشر بن رافع\" وحده فيه نظر.\nومع ضعف هذا الحديث الظاهر، فإن الشيخ الألباني -﵀- قد حَسَّنَهُ٦، ولا أدري ما وجه تحسينه له؟\nفتلخص من ذلك: أنَّ الصَّواب فِي قوله ﷺ: \"حَتَّى تُوضَعَ \" أي: بالأرض. وأنَّ مَا جَاء من أن المراد: الوضع في اللَّحد: ضَعِيف لا يثبت، وهذا ما قرره ابن القَيِّم - ﵀ - في دراسته هذه، فأصاب.\n_________\n١ الميزان: (٢/٤٣٢) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/١/١٠٥) .\n٣ الضعفاء الصغير: (ص١٠٨) .\n٤ الضعفاء: (٢/١٢٢) .\n٥ المجروحين: (١/٣٢٩) .\n٦ صحيح سنن ابن ماجه: (ح ١٢٥٦) .","vol":"2","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>٤- باب الصلاة على الجنازة في المسجد</span>\n٦٦- (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلا شَيْءَ لَهُ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ونقل أن الإمام أحمد ضَعَّفَهُ: بأنه مما تفرد به صالح مولى التوأمة، وكذا البيهقي، وأنه قَدَّمَ عليه حديث عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ على ابني بيضاء في المسجد، حيث إنها احتجت عليهم بذلك لما أنكروا عليها إدخالها جنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد للصلاة عليها.\nثم قرَّرَ ابن القَيِّم أن صالحًا ثقة في نفسه، إلا أنه اختلطَ أخيرًا، فمن سَمِعَ منه قبل الاختلاط فهو حُجَّةٌ، وابن أبي ذئب - راوي الحديث عنه - ممن سَمِعَ منه قبل اختلاطه، ولذلك فإن هذا الحديث حسن، ولا معنى لتضعيفه ما دام من رواية ابن أبي ذئب١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: يحيى وابن ماجه في (سننه) ٣، وأحمد في (المسند) ٤، والبيهقي في (السنن) ٥ من طريق: وكيع. وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٦ من طريق: معمر،\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٥٠٠ - ٥٠١) . وانظر: تهذيب السنن: (٤/٣٢٥) .\n(٣/٥٣١) ح ٣١٩١ ك الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد.\n(١/٤٨٦) ح ١٥١٧.\n(٢/٤٤٤) .\n(٤/٥٢) .\n(٣/٥٢٧) ح ٦٥٧٩.","vol":"2","page":504},{"text":"والثوري كليهما، ومن طريقه أخرجه البيهقي١. وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٢. وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٣ من طريق: الثوري وحده، وأخرجه ابن حبان في (المجروحين) ٤، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٥ من طريق: علي بن الجعد، كلهم عن:\nابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ به.\nوقد اختلفت ألفاظهم في هذا الحديث: ففي رواية أبي داود التي بين أيدينا: \"فلا شيء عليه\". ونقل ابن القَيِّم عن الخطيب أنه قال في روايته لكتاب السنن: \"في الأصل: فلا شيء عليه، وغيره يرويه: فلا شيء له\". ولفظ ابن ماجه وأحمد: \"فليس له شيء\" وأما رواية الباقين فلفظها: \"فلا شيء له \".\nوعند الطيالسي زيادة وهي: \"قال صالح: وأدركتُ رجالًا ممن أدركوا النبي ﷺ وأبا بكر إذا جاءوا فلم يجدوا إلا أن يُصَلُّوا في المسجد، رجعوا فلم يصلوا\". وهي عند البيهقي لكن لفظها: \"فرأيت الجنازة توضع في المسجد، فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعًا إلا في المسجد، انصرف ولم يصل عليها\".\nوقد ضَعَّفَ جماعة هذا الحديث: فقال ابن ماجه عقب إخراجه:\n_________\n١ السنن: (٤/٥٢) .\n(ح ٢٣١٠) .\n(٧/٩٣) .\n(١/٣٦٦) .\n(١/٤١٤) ح ٦٩٦.","vol":"2","page":505},{"text":"\"حديث عائشة أقوى\" يعني: في صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد. وقال ابن حبان: \"هذا خبرٌ باطلٌ، كيف يخبر المصطفى ﷺ أَنَّ الْمُصَلِّي في المسجد على الجنازة لا شيء له من الأجر، ثم يُصَلِّي هو على سهيل بن بيضاء في المسجد؟ \"١.\nوقال البيهقي: \"وهو مِمَّا يُعَدُّ في أَفراد صالح، وحديث عائشة ﵂ أصحُّ منه، وصالح مولى التوأمة مختلف في عدالته، كان مالك بن أنس يجرحه\"٢. وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصحُّ، وصالح قد كَذَّبَه مالك ... \"٣. وقال النووي: \"ضعيف باتفاق الحُفَّاظِ، وممن نصَّ على ضعفه: الإمام أحمد، وأبو بكر بن المنذر، والبيهقي وآخرون ... \"٤.\nقلت: وبالنظر إلى كلام الْمُضَعِّفِينَ لهذا الحديث نجدُ أنهم اعتمدوا في تضعيفه على أمرين:\nالأول: ضعفُ صالح مولى التوأمة، وقد تَفَرَّدَ بذلك.\nالثاني: مخالفةُ هذه الرواية لما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث عائشة: \"أن النبي ﷺ صَلَّى على ابن بيضاء في المسجد\".\n_________\n١ المجروحين: (١/٣٦٦) .\n٢ السنن: (٤/٥٢) .\n٣ العلل المتناهية: (١/٤١٤) .\n٤ المجموع: (٥/١٦٢) .","vol":"2","page":506},{"text":"فأما صالح: فإنه قد وثقه جماعة، وضَعَّفَهُ آخرون١. وغاية ما رَمَوهُ به: أنه اختلط قبل موته، لكن مَيَّزَ الأئمة النُّقَّادُ بين سماع من سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فقال علي بن المديني: \"صالح ثقة، إلا أنه خَرِفَ وكَبِرَ، فَسَمِعَ منه قومٌ وهو خرف كبير، فكان سَمَاعهم ليس بصحيح، سفيان الثوري ممن سمع منه بعد ما خرف، وكان ابن أبي ذئب قد سمع منه قبل أن يخرف\"٢. وقال أحمد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: \"ثقة حجة. فقلت له: إن مالكًا تركه. فقال: إن مالكًا إنما أدركه بعد أن خرف ... لكنَّ ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف\"٣. وقال الجوزجاني: \"تَغَيَّرَ أخيرًا، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لِسِنِّه وسماعه القديم، وأما الثوري فَجَالَسَهُ بعد التغير\"٤.\nفهذا كلام هؤلاء الأئمة في أنَّ ابن أبي ذئب ممن سمع منه قديمًا قبل الاختلاط، وقال ابن عديّ - بعد أن ذكر قدم سماع ابن أبي ذئب منه -: \"ولا أعرف له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب ... وصالح مولى التوأمة: لا بأس برواياته وحديثه\"٥.\nقلت: وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عن صالح، فلا مجال حينئذ للطعن فيه باختلاط صالح، ولذلك فقد ساق الذهبي هذا\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٤/٤٠٥ - ٤٠٧) .\n٢ سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني: (ص٨٦) .\n٣ الميزان: (٢/٣٠٣) .\n٤ أحوال الرجال: (ص ١٤٤) .\n٥ الكامل: (٤/١٣٧٥ - ١٣٧٦) .","vol":"2","page":507},{"text":"الحديث وغيره في ترجمة صالح من طريق ابن أبي ذئب عنه، ثم قال: \"فهذه الأحاديث صحاح عند ابن معين على ما قال\"١.\nوأما معارضة هذا الحديث لحديث عائشة السابق: فيمكن الجواب عن ذلك بأجوبة:\n- منها: أن نُسَخَ أبي داود المعتمدة فيها: \"فلا شيء عليه\"، وبعضهم: \"فليس له شيء \"، وبعضهم: \" فليس به شيء \"، وعلى هذا: لا دلالة فيه على كراهية ذلك. أجاب بذلك النووي٢.\nقلت: لكن كيف برواية الجماعة الباقين، وهي: \"فلا شيء له\"، وفي رواية: \"فليس له شيء \"، فهذا يعكر على هذا الجواب. ويعكر عليه أيضًا: قول صالح عقب روايته هذا الحديث: \"فرأيت الجنازة توضع في المسجد، فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعًا إلا في المسجد، انصرف ولم يصل عليها\". وقد سبق ذلك في رواية البيهقي، وأبي داود الطيالسي، فهذا أبو هريرة ﵁ راوي هذا الحديث يفعل ذلك، فلا بدَّ أنه قد ثبت عنده عن النبي ﷺ كراهة ذلك، وحينئذ فلا وجه لردِّ رواية: \"فلا شيء له\".\n- ومن هذه الأجوبة: أن لفظة: \"لا شيء له\" يجب حملها على: \"فلا شيء عليه\" جمعًا بين الروايات، وقد جاء مثل ذلك في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧] أي: فعليها. قاله النووي٣.\n_________\n١ الميزان: (٢/٣٠٤) .\n٢ المجموع: (٥/١٦٢) .\n٣ المجموع: (٥/١٦٢) .","vol":"2","page":508},{"text":"- وأجاب الخطابي بجواب آخر، فقال: \"وقد يكون معناه - إن ثبت الحديث - متأولًا على نقصان الأجر؛ وذلك أن من صلى عليها في المسجد، فإن الغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجَبَّان فَصَلَّى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه، فأحرز أجر القيراطين ... فصار الذي يصلي عليها في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من صَلَّى عليها برًا\"١. وقال مثله النووي ﵀، وزاد: \"فيكون التقدير: فلا أجر كامل له\"٢.\nقلتُ: ولعلَّ هذا الجواب الأخير هو أَقْرَبُهَا، فيكون الأصل في الصلاة على الجنازة أن تكون خارج المسجد، وأنه الأفضل، وأن الصلاة عليها في المسجد جائزة، وإن كانت دون الأولى، وقد أشار إلى شيء من ذلك الحافظ ابن حجر ﵀، فإنه عند شرحه لحديث ابن عمر ﵄: \"أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد\" قال ﵀: \"دلَّ حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان مُعَدٌّ للصلاة عليها، فقد يستفاد منه: أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمرٍ عارض، أو لبيان الجواز\"٣. وفي إنكار الصحابة - رضوان الله عليهم - على عائشة إدخالها جنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد للصلاة عليها، دليل على عدم وقوعه من النبي ﷺ كثيرًا، وإلا لما خفي عليهم.\n_________\n١ معالم السنن: (٤/٣٢٥) .\n٢ المجموع: (٥/١٦٢) .\n٣ فتح الباري: (٣/١٩٩) .","vol":"2","page":509},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث أبي هريرة هذا - من رواية صالح مولى التوأمة - حديث حسن على أقل أحواله، كما حكم عليه بذلك ابن القَيِّم ﵀، وأن القول بضعفه مَبْنِيٌّ على الطعنِ في صالح، وقد عُلِمَ ما فيه.\nعلى أنه لا تنافي بينه وبين جواز الصلاة على الجنازة في المسجد على الوجه المتقدم، والله أعلم.","vol":"2","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>٥ - باب ما جاء في الصلاة على الطفل</span>\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وكان من هديه ﷺ الصلاة على الطفل، فصحَّ عنه أنه قال: ٦٧- (٦) \"الطِّفْلُ يُصَلَّى عليه\" ١.\nقلت: هذا جزء من حديثٍ يُروى عن: زياد بن جبير بن حَيَّة٢، عن أبيه٣، عن المغيرة بن شعبة ﵁، واختلف فيه على زياد بن جبير:\nفأخرجه: الترمذي والنسائي وابن ماجه في (سننهم) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥ والطبراني في (الكبير) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، والحاكم في (المستدرك) ٨، كلهم من طريق:\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٥١٣) .\n٢ ابن مسعود بن مُعَتِّب الثفي، البصري، ثقةٌ وكان يُرْسِل، من الثالثة/ ع. (التقريب ٢١٨) .\n٣ جبير بن حية بن مسعود الثقفي، ابن أخي عروة بن مسعود، ثقةٌ جليل، من الثالثة، مات في خلافة عبد الملك بن مروان/ خ ٤. (التقريب ١٣٨) .\n٤ ت: (٣/٣٤٠) ح ١٠٣١، باب الصلاة على الأطفال. س: (٤/٥٦)، باب مكان الماشي من الجنازة. جه: (١/٤٨٣) ح ١٥٠٧، باب الصلاة على الطفل. ثلاثتهم في كتاب الجنائز.\n(٤/٢٤٧، ٢٥٢) .\n(٢٠/٤٣٠) ح ١٠٤٥.\n٧ الإحسان: (٥/٢٢) ح ٣٠٣٨.\n(١/٣٥٥، ٣٦٣) .","vol":"2","page":511},{"text":"سعيد بن عبيد الله١، عن عمه زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"الراكب خَلْفَ الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفلُ يُصَلَّى عليه\". هذا لفظ الترمذي، ومثله: أحمد والنسائي، والطبراني، وابن حبان، وأما لفظ ابن ماجه فمختصر، وهو الذي ساقه ابن القَيِّم ﵀، وأما لفظ الحاكم: \"الماشي أمام الجنازة، والراكب خلفها، والطفل يصلى عليه\".\nوأخرجه النسائي٢ مرة عن: سعيد بن عبيد الله وأخيه المغيرة بن عبيد الله٣، كلاهما عن: زياد بن جبير به، ولفظه كلفظه الماضي.\nهكذا رواه هؤلاء من طريق سعيد بن عبيد الله - وأخيه في رواية النسائي - عن زياد بن جبير مجزومًا برفعه.\nوأخرجه: أبو داود في (سننه) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧ كلهم من طريق:\n_________\n١ ابن جبير بن حَيَّة، الثقفي، الجبيري، بصري، صدوق رُبَّمَا وهم، من السادسة/ خ ت س ق. (التقريب ٢٣٩) .\n٢ السنن: (٤/٥٥) .\n٣ ابن جبير بن حية/ الثقفي، مقبولٌ، من السابعة/ س. (التقريب ٥٤٣) .\n(٣/٥٢٢) ح ٣١٨٠، باب المشي أمام الجنازة.\n(٢٠/٤٣٠) ح ١٠٤٢.\n(١/٣٦٣) .\n(٤/٨) .","vol":"2","page":512},{"text":"يونس بن عبيد١، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة- قال يونس: وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ- قال: \"الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها، والسِّقْط٢ يُصَلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة\". هذا سياق أبي داود ومثله سياق الطبراني إسنادًا ومتنًا. وأما الحاكم فلفظه مثل أبي داود لكن فيه: \" ... ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة\". وأما إسناده، ففيه قول يونس: \"وحدثني بعض أهله أنه رفعه\" هكذا بدون شك. قال إبراهيم بن أبي طالب - شيخ شيخ الحاكم في هذا الإسناد -: \"قول يونس بن عبيد: حدثني بعض أهله أنه رفعه إلى النبي ﷺ: رواية ليونس بن عبيد، عن سعيد بن عبيد الله بن جبير ... \".\nورواية يونس بن عبيد هذه: أخرجها الطبراني في (الكبير) ٣ من غير شك في رفعها، وذلك من طريق: عبد الله بن بكر٤، ثنا يونس بن عبيد، عن زياد، عن أبيه، عن المغيرة مرفوعًا: \"الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء، والطفل يُصَلَّى عليه\".\nورواه الثوري عن يونس بن عبيد فلم يرفعه، أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٥.\n_________\n١ ابن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة ١٣٩ هـ / ع. (التقريب ٦١٣) .\n٢ بالكسر والفتح والضم - والكسر أكثرها -: الولد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه. (النهاية ٢/٣٧٨) .\n(٢٠/٤٣٠) ح ١٠٤٤.\n٤ ابن عبد الله، الْمُزَنِي، البصري، صدوقٌ، من السابعة/ د س ق. (التقريب٢٩٧) .\n(٣/٥٣١) ح ٦٦٠٢.","vol":"2","page":513},{"text":"وأخرجه: أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ١ من طريق: المبارك بن فضالة٢، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة مرفوعًا، ووقع عند الطيالسي قول المبارك: \"ولا أراه إلا مرفوعًا\" أما عند أحمد فقد جزم برفعه.\nوقد صحح هذا الحديث جماعة؛ فقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\". وقال الإمام أحمد بن حنبل - فيما رواه أحمد بن أبي عبدة عنه -: \"صحيح مرفوع\"٣. وقال أبو عبد الله الحاكم: \"صحيح على شرط البخاريِّ، ولم يُخَرِّجَاهُ\". ووافقه الذهبي ﵀. وصححه ابن دقيق العيد؛ فإنه أورده في كتابه (الاقتراح) ٤ في القسم الخاص بالأحاديث التي رواها قومٌ خَرَّجَ عنهم البخاري دون مسلم. هذا مع تصحيح ابن حبان له؛ إذ أخرجه في (صحيحه) كما مرَّ، وصححه - أيضًا - الشيخ الألباني٥ ﵀.\nوأما ما وقع في بعض طرقه من الشكِّ في رفعه: فإن ذلك لا يَضُرُّهُ؛ إذ إن ذلك وقع في رواية يونس بن عبيد وحده، ومع هذا فقد اخْتُلِفَ عليه في ذلك، فقد رواه عنه عبد الله بن بكر بدون شك، كما مضى عند الطبراني.\n_________\n١ حم: (٤/٢٤٨) . طس: (ح٧٠٢) .\n٢ أبو فضالة البصري، صدوق يُدَلِّسُ ويُسَوِّي، من السادسة، مت سنة ١٣٦هـ على الصحيح/ خت د ت ق. (التقريب ٥١٩) .\n٣ زاد المعاد: (١/٥١٣) .\n(ص ٤٧٩) ح ٢٧ من القسم المذكور.\n٥ صحيح ابن ماجه: (ح ١٢٢٤) .","vol":"2","page":514},{"text":"وأما رواية الثوري له موقوفًا: فقد خالفه جماعة عن يونس بن عبيد، منهم: عبد الله بن بكر المزني الماضي ذكره، وذكر الدارقطني: أن ابن عُلَيَّةَ، وعنبسة بن عبد الواحد روياه عن يونس مرفوعًا١. هذا مع اتفاق سعيد بن عبيد الله الثقفي، وأخيه المغيرة، والمبارك بن فضالة على رفعه كما مرَّ في تخريج الحديث، فهذا العدد الكثير أولى أن تكون روايتهم محفوظة، هذا إذا لم نقل: إن الرفع زيادة، وقد أتى بها ثقات، فهي مقبولة.\nوبهذا يتبين أن ترجيح الإمام الدارقطني في (علله) ٢ رواية الوقف، الراجح خلافه.\nويَتَلَخَّصَ من ذلك: أن الحديث صحيح ثابت، وأنه لا مَطْعَنَ فيه، وبذلك يكون ابن القَيِّم - ﵀ - قد أصاب في تصحيحه إياه، والاستدلال به على مشروعية الصلاة على الطفل.\n٦٨- (٧) عن البراء بن عازب ﵁، أنه قال: صَلَّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرًا، وقال: \"إِنَّ في الجَنَّة مُرْضِعًَا تُتِمُّ رِضَاعَهُ، وهو صِدِّيقٌ \".\nقال ابن القَيِّم: \"هذا حديث لا يثبت؛ لأنه من رواية جابر الجُعْفِي، ولا يحتجُّ بحديثه، ولكن هذا الحديث مع مرسل البَهيّ،\n_________\n١ علل الدارقطني: ج٢ (ق ١٠٤) .\n٢ ج٢ (ق ١٠٤) .","vol":"2","page":515},{"text":"وعطاء، والشعبي، يُقَوِّي بعضها بعضًا\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق:\nإسرائيل، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن البراء بن عازب ﵁ به.\nوهذا الإسناد ضعيف بجابر الجعفي كما قال ابن القَيِّم ﵀، وضَعَّفَهُ به المنذري٤ أيضًا، ثم نقل كلام البيهقي في اعتضاد هذا الحديث بالمراسيل السابقة، قال: \"وفيه نظر\".\nقلت: وقد رُوي مسندًا من غير طريق البراء، فَرُوِيَ عن: ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد الخدري ﵃، ذكر ذلك الزيلعي في (نصب الراية) ٥.\nأما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن ماجه في (سننه) ٦ من\n_________\n١ تحفة المودود: (ص ١٠٨) . وقد ذكر - ﵀ - هذه المراسيل، ونقل عن البيهقي قوله: \"هذه الآثار وإن كانت مراسيل، فهي تشبه الموصول، ويشد بعضها بعضًا\". وانظر كلام البيهقي هذا في (سننه) (٤/٩) .\n(٤/٢٨٣) .\n(٤/٩) .\n٤ مختصر السنن: (٤/٣٢٣-٣٢٤) .\n(٢/٢٧٩-٢٨٠) .\n(١/٤٨٤) ح١٥١١ ك الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله ﷺ ...","vol":"2","page":516},{"text":"طريق: إبراهيم بن عثمان١، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ، صَلَّى عليه رسول الله ﷺ، وقال: \"إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صِدِّيقًَا نَبِيًَّا، ولو عاش لَعُتِقَتْ أخواله القبط، وما اسْتُرِقَّ قبطيُّ\".\nقال البوصيري: \"هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن عثمان، أبو شيبة\"٢. وقال الحافظ ابن حجر: \"أخرجه ابن ماجه ... بسند ضعيف\"٣.\nوأما حديث أنس: فرواه أبو يعلى في (مسنده) ٤ من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن عبيد الله٥، عن عطاء، عن أنس ﵁: \"أن النبي ﷺ صَلَّى على إبراهيم، فَكَبَّرَ عليه أربعًا\". وَضَعَّفَهُ الهيثمي بمحمد بن عبيد الله العَرْزَمي٦.\nوأما حديث أبي سعيد: فأخرجه البزار في (مسنده) ٧ من طريق:\n_________\n١ العبسي، أبو شيبة الكوفي، قاضي واسط، متروكُ الحديث، من السابعة، مات سنة ١٦٩ هـ / ت ق. (التقريب ٩٢) .\n٢ مصباح الزجاجة: (٢/٣٣) .\n٣ الدراية: (١/٢٣٥)، وانظر الإصابة: (١/٩٤) .\n(٦/٣٣٥) ح ٣٦٦٠.\n٥ ابن أبي سليمان العرزمي، الفَزَاري، أبو عبد الرحمن الكوفي، متروك، من السادسة، مات سنة بضع وخمسين/ ت ق. (التقريب ٤٩٤) .\n٦ مجمع الزوائد: (٣/٣٥) .\n٧ المصدر السابق.","vol":"2","page":517},{"text":"عبد الرحمن بن مالك بن مغول١، عن الجُرَيرِي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ حديث أنس الماضي. وَضَعَّفَهُ الهيثمي٢ بعبد الرحمن بن مالك، فإنه متروك الحديث. وَضَعَّفَهُ به ابن حجر أيضًا٣.\nقلتُ: فهذه المسانيد الثلاثة شديدة الضَّعْفِ؛ فإن إسناد كلِّ واحد منها لا يخلو من متروك، فيكون الاعتماد في ذلك على تلك المراسيل التي مضى ذكرها، فإنها - كما قال البيهقي وابن القَيِّم - إذا انضمت إلى مسند البراء بن عازب ﵁، قَوَّى كل منهما الآخر.\nومما يقوي ذلك أيضًا: أن الجمهور على أنه ﷺ صلَّى على ابنه إبراهيم، قال ابن عبد البر: \"وصَلَّى عليه رسول الله ﷺ، وكَبَّرَ أربعًا. هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح\" ٤. وقال النووي: \"الذي ذهب إليه الجمهور: أنه صَلَّى عليه، وكبر عليه أربع تكبيرات\" ٥.\nوقال الخطابي - عقب ذكره مرسل عطاء -: \"وهذا أولى الأمرين\"٦. وقال البيهقي: \"وقد أثبتوا صلاة رسول الله ﷺ على ابنه\n_________\n١ قال أحمد والدارقطني: \"متروك\". وكَذَّبَه أبو داود. وقال النسائي: ليس بثقة. (الميزان ٢/٥٨٤) .\n٢ مجمع الزوائد: (٣/٣٥) .\n٣ الإصابة: (١/٩٤) .\n٤ الاستيعاب: (١/٤٥) .\n٥ الإصابة: (١/٩٤) .\n٦ معالم السنن: (٤/٣٢٣) .","vol":"2","page":518},{"text":"إبراهيم، وذلك أولى من رواية من روى: أنه لم يُصَلِّ عليه\"١.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: ثبوت صلاته ﷺ على الأطفال، وأن ذلك كان هديه، وكذلك ثبوت صلاته على ابنه إبراهيم ﵇، وهذا هو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.\n_________\n١ سنن البيهقي: (٤/٩) .","vol":"2","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>٦- باب ما جاء في الصلاة على الشهداء</span>\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - قضية الصلاة على الشهيد، وقَرَّرَ أَنَّ أَصحَّ الأقوال في ذلك: التخيير بين الصلاة على الشهداء وتركها، وذلك لمجيء الأخبار بكل واحد من الأمرين.\nومن هذه الأحاديث التي بحثها في هذا الموضوع:\n٦٩ - (٨) حديث ابن عباس ﵄: \"أَنَّ النَّبِي ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَة، فَكَبَّرَ سَبعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَلَم يُؤت بقتيل إلا صَلَّى عليه معه، حتى صَلَّى عليه اثنتين وسبعين صلاةً\".\nساق ابن القَيِّم هذا الحديث من رواية: ابن إسحاق، عن رجل من أصحابه، عن مقسم، عن ابن عباس به، ثم قال: \"ولكنَّ هذا الحديث له ثلاث عللٍ:\n- إحداها: أن ابن إسحاق عنعنه، ولم يذكر فيه سماعًا.\n- الثانية: أنه رواه عمن لم يُسَمِّه.\n- الثالثة: أن هذا قد رُوِيَ من حديث الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والحسن لا يحتجُّ به ... \"١.\nقلت: حديثُ ابن إسحاق هذا أورده ابن هشام في (السيرة\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٢٩٥) .","vol":"2","page":520},{"text":"النبوية) ١ فقال: \"وقال ابن إسحاق: وَحَدَّثَنِي من لا أَتَّهِمُ، عن مِقْسم مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: \" أَمَرَ رسول الله ﷺ بحمزةَ فَسُجِّي٢ ببردةٍ، ثم صلى عليه ... \" الحديث.\nوأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من طريق ابن إسحاق قال: حدثني رجلٌ من أصحابي ... الحديث.\nوإلى مناقشة العلل التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀:\nأما قوله:\"إن ابن إسحاق عنعنه ... \" فليس كذلك، بل صَرَّحَ فيه ابن إسحاق بالتحديث كما في (السيرة)، وكذا الرواية عند البيهقي مُصَرَّحٌ فيها بالتحديث، وروايته هي التي ساقها ابن القَيِّم، وحينئذ تنتفي عنه شبهة التدليس.\nوأما قوله:\"إنه رواه عمن لم يسمعه\": فنعم، قال البيهقي عقب إخراجه: \"وهذا ضعيف، ومحمد بن إسحاق بن يسار إذا لم يذكر اسم من حَدَّثَ عنه لم يُفْرَحْ به\"٤.\nوأما العلة الثالثة، وهي قوله: \"إن هذا رُوِيَ من حديث الحسن ابن عمارة ... \" إلخ: فقد أشار البيهقي إلى هذه العلة أيضًا٥.\n_________\n(٢/٩٧) .\n٢ أي: غُطِّي.\n(٤/١٣) .\n٤ السنن: (٤/١٣) .\n٥ المصدر السابق.","vol":"2","page":521},{"text":"ولعلَّ هناك وجهًا للربط بين رواية ابن إسحاق، وبين رواية الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، وهو ما ذكره السهيلي في (الروض الأنف) ١ - مُعَقِّبًَا على رواية ابن إسحاق - فقال: \"قول ابن إسحاق في هذا الحديث: حَدَّثَنِي من لا أَتَّهِم. إن كان هو الحسن بن عمارة - كما قاله بعضهم - فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره، فهو مجهول ... \".\nوقال الحافظ ابن حجر: \"والحامل للسهيلي على ذلك: ما وقع في مقدمة مسلم٢، عن شعبة: أن الحسن بن عمارة حَدَّثَهُ عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صَلَّى على قتلى أحد. فسألت الحكم؟ فقال: لم يصلِّ عليهم\"٣.\nولكن على كلام السهيلي هذا يكون ابن إسحاق قد أَبْهَمَ الحسن ابن عمارة، وأسقط من الإسناد \"الحكم بن عتيبة\".\nولكن لحديث ابن عباس هذا طرقًا أخرى قد يَتَقَوَّى بها، من هذه الطرق:\n١- ما أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٤، والحاكم في (المستدرك) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦ من طريق: أبي بكر بن عياش٧،\n_________\n(٦/٤٣) .\n٢ صحيح مسلم: (١/٢٣ - ٢٤) والقصة فيه بأطول من هذا.\n٣ التلخيص الحبير: (٢/١١٧) .\n(١/٤٨٥) ح ١٥١٣ ك الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.\n(٣/١٩٧ - ١٩٨) .\n(٤/١٢) .\n٧ ابن سالم الأسدي، الكوفي، المقري، الحنَّاط، مشهور بكنيته، والأصحُّ: أنها اسمه، ثقة عابد إلا أنه لما كَبِرَ ساءَ حفظه، وكِتَابُهُ صحيحٌ، من السابعة، مات سنة١٩٤هـ/ع. (التقريب٦٢٤) .","vol":"2","page":522},{"text":"عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: \"أُتِيَ بهم رسول الله ﷺ يوم أحد، فَجَعَلَ يُصَلِّي على عشرة عشرة، وحمزة هو كما هو، يُرفَعُونَ وهو كما هو موضوع\". هذا لفظ ابن ماجه، وهو عند الحاكم والبيهقي بأطول من هذا، وفيه قصة صفية وبحثها يوم أحد عن حمزة ﵁.\nوأورد ابن القَيِّم هذا الطريق قبل طريق ابن إسحاق السابق، وعزاه إلى البيهقي، ثم نقل قوله في أبي بكر ويزيد، فقال: \"لا يحفظ إلا من حديثهما، وكانا غير حافظين\". وسكت عنه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: \"ليسا بمعتمدين\" وقال ابن حجر في (التلخيص) ١: \"ويزيد فيه ضعف يسير\".\nوقال الحافظ البوصيري: \"هذا إسناد صحيح\"٢. كذا قال!\nوالذي يظهر عند النظر في هذا الإسناد: أن رَدَّهُ بأبي بكر بن عياش غير سائغ؛ فإن الرجل ثقة، إلا أنه قد ساء حفظه لما كَبِرَ، ولعلَّ القول فيه ما قاله ابن حبان ﵀: \"والصواب في أمره: مُجَانَبةُ ما عُلِمَ أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنه داخل في جملة أهل العدالة ... \"٣.\nقلت: وأما القول بالاحتجاج بما خالف فيه الثقات: فغير مقبول؛ لأنه حينئذٍ يكون من قبيل الشاذ.\n_________\n(٢/١١٧) .\n٢ مصباح الزجاجة: (٢/٣٤) .\n٣ الثقات: (٧/٦٧٠) .","vol":"2","page":523},{"text":"وأما يزيد بن أبي زياد: فإنه ضعيف، ولكن لا يصلُ به الضعف إلى مرتبة من يُطْرَحُ حديثه بالكلية؛ لأن ضَعْفَهُ يسير كما قال ابن حجر١. ولذلك قال ابن عبد الهادي - في معرض رده على ابن الجوزي في تضعيفه هذا الحديث -: \"وهو ممن يُكْتَبُ حديثه على لينه، وقد روى له مسلم مقرونًا بغيره ... وقال أبو داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه\"٢.\nفإذا تَبَيَّنَ ذلك، فإن هذا الإسناد مما يَصْلُحُ في المتابعات، ويعتضد بانضمام غيره إليه، وأما قول البوصيري: \"صحيح\" فإنه لا يخفى ما فيه.\n٢- ما أخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن أبي عتيبة أو غيره، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ به، وفيه: \"أَنَّه صَلَّى عليه سبعين صلاة، وأَنه كَبَّرَ عليه عشرًا\". قال الدارقطني عقبه: \"لم يروه غير إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين\".\nوقد روي من وجه آخر عن: الحكم، عن مجاهد. أشار إلى ذلك الزيلعي في (نصب الراية) ٤ فقال: \"رواه الإمام أبو قرة موسى بن طارق الزبيدي في (سننه) عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس به، ولفظه كلفظ رواية الدارقطني الماضية.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٢/١١٧) .\n٢ نصب الراية: (٢/٣١١) .\n(٤/١١٨) ح ٤٧.\n(٢/٣١١) .","vol":"2","page":524},{"text":"وفي إسناده \"الحسن بن عمارة\" وهو ضعيف بالاتفاق.\n٣- ما أخرجه الدارقطني - أيضًا - في (سننه) ١ من حديث: عبد العزيز بن عمران٢، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس به.\nقال الدارقطني عقبة: \"عبد العزيز بن عمران ضعيف\".\nفهذه الطرق الثلاث: أحسنها الطريق الأول، من رواية أبي بكر ابن عَيَّاش، فيكون مقويًا لطريق ابن إسحاق المتقدم.\nوهناك شاهدٌ مرسل لحديث ابن عباس ﵄، وهو:\n٧٠- (٩) حديث أبي مالك الغفاري، أنه قال: \"كَانَ قَتْلَى أُحُد يؤتى منهم بتسعةٍ وعاشرهم حمزة، فَيُصَلِّي عليهم رسول الله ﷺ، ثم يُحْمَلُون، ثم يُؤْتَى بتسعةٍ فَيُصَلِّي عليهم وحمزة مكانه، حتى صَلَّى عليهم رسول الله ﷺ \".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ثم قال: \" هذا مرسل صحيح\"٣. ثم نقل عن البيهقي قوله: \"هو أصحُ ما في الباب\".\n_________\n(٤/١١٦) ح ٤٢.\n٢ المدني، الأعرج، يُعرف: بابن أبي ثابت، متروكٌ، احْتَرَقَتْ كُتبه فَحَدَّثَ من حِفِظهِ فاشتَدَّ غَلَطُهُ، من الثامنة، مات سنة ١٩٧ هـ / ت. (التقريب ٣٥٨) .\n٣ تهذيب السنن: (٤/٢٩٥) .","vol":"2","page":525},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (المراسيل) ١ من طريق: سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن٢، عن أبي مالك٣، وفيه: \"فَصَلَّى عليهم سبع صلوات، حتى صَلَّى على سبعين رجلًا، منهم حمزة في كل صلاة صَلاّها\".\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤ من طريق: شعبة، عن حصين به. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"رجاله ثقات\"٥. وتقدم قول البيهقي٦ فيه، وتصحيح ابن القَيِّم - ﵀ - إياه.\nوفي مقابلة هذه الأحاديث يأتي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ عليهم٧. وظاهر صنيع ابن القَيِّم أنه يذهب إلى هذا الحديث ويقول به، وأما الأحاديث التي مَرَّتْ في الصلاة على حمزة وسائر شهداء أحد: فإن ابن القَيِّم - ﵀ - لا يثبتها، بل يختار ضعفها، وذلك أنه قال: \"والذي يظهر من أمر شهداء أحد: أنه لم يصلِّ عليهم عند الدَّفْن، وقد قُتِلَ معه بأحدٍ سبعون نفسًا، فلا يجوز أن تَخْفَى الصلاة عليهم،\n_________\n(ص ٣٠٦) ح ٤٢٧، (ص ٣١٠) ح ٤٣٥.\n٢ السُّلَمي، أبو الهذيل الكوفي.\n٣ واسمه: غزوان، مشهور بكنيته، ثقةٌ، من الثالثة/ خت د ت س. (التقريب ٤٤٢) .\n(٢/٧٨) ح٩.\n٥ التلخيص الحبير: (٢/١١٧) .\n٦ انظر: السنن: (٤/١٢) .\n٧ أخرجه البخاري في صحيحه: ك الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، ح ١٣٤٣. (فتح الباري ٣/٢٠٩)، وانظر بعده: ح ١٣٤٧.","vol":"2","page":526},{"text":"وحديث جابر في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله من الخبرة ما ليس لغيره\"١.\nوقال مرة: \" ... شهيد المعركة لا يُصَلَّى عليه؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يُصَلِّ على شهداء أُحُد ... فإن قيل: فقد ثبت في (الصحيحين) ٢ من حديث عقبة بن عامر، أن النبي ﷺ خَرَجَ يومًا، فَصَلَّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر ... قيل: أما صلاته عليهم، فكانت بعد ثمان سنين من قتلهم قرب موته، كَالْمُوَدِّعِ لهم ... فهذه كانت توديعًا منه لهم، لا أنها سُنَّة الصلاة على الميت، ولو كان ذلك كذلك لم يؤخرها ثمان سنين\"٣.\nلكن كيف يستقيم هذا مع اختياره الذي صَدَّرَنَا به هذا البحث إذ يقول: \"فأصح الأقوال: أنهم لا يُغَسَّلُون، ويُخَيَّرُ في الصلاة عليهم، وبهذا تتفق جميع الأحاديث\"٤. فلعله - ﵀ - يرى الصلاة عليهم بعد دفنهم كما هو ظاهر حديث عقبة بن عامر الماضي قبل قليل؟\nوحيث اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ فوردت\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٢٩٦) .\n٢ خ: ك المغازي، باب أحد جبل يحبنا ونحبه (فتح الباري ٧/٣٧٧) ح ٤٠٨٥. م: (٤/١٧٩٥) ح ٢٢٩٦، ك الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﵊.\n٣ زاد المعاد: (٣/٢١٧) .\n٤ تهذيب السنن: (٤/٢٩٦) .","vol":"2","page":527},{"text":"أحاديث تثبت الصلاة على الشهداء، وأخرى تنفي ذلك، فإن الروايات المثبتة تقدم على الروايات النافية؛ لأن الحجة للمثبت على النافي، حيث إن معه زيادة علم، فالذي تطمئن إليه النفس بعد هذا: جواز الصلاة على الشهداء لورود النصوص بذلك، فإذا لم يُصَلّ عليهم فلا حرج، والله أعلم.","vol":"2","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>٧- باب ما جاء في تلقين الميت بعد دفنه</span>\n٧١- (١٠) عن أبي أمامة مرفوعًا: \"إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُم فَسَوَّيْتُم التَّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلَيْقُم أحدُكُم عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثم لْيَقُلْ: يا فلان بن فلانة، فَإِنَّه يَسْمَعُهُ ولا يُجِيبُ، ثُمَّ يقول: يا فلان بن فلانة، فَإِنَّهُ يَسْتَوي قَاعِدًَا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فَإِنَّه يقول: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ الله. وَلَكِن لا تَشْعُرُون، فَلْيَقُل: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيه من الدنيا: شَهادةَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِالله رَبًَّا، وبِالإسْلام دِيْنًَا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالقرآن إِمَامًَا، فَإِن مُنْكَرًَا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ كلُّ واحدٍ منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نَقْعُدُ عند من قد لُقِّنَ حُجَّته، فيكونُ الله حجيجه دونهما\". فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أُمَّهُ؟ قال: \"ينسبه إلى حواءَ: يا فلان بن حواء \".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... فهذا حديث لا يصحُّ رفعه، ولكن قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت ...؟ فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عياش يروي فيه. قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أي أمامة\"١.\n_________\n١ زاد المعاد: (١/٥٢٢ - ٥٢٣) .","vol":"2","page":529},{"text":"وقال مرةً: \"حديث ضعيف\"١.\nوقال مرةً: \"ضعيف باتِّفَاقِ أهل العلم بالحديث\"٢.\nوقال مَرةً: \" ... لا تقوم به حُجَّة\"٣.\nقلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني في (أكبر معاجمه) ٤، وفي (الدعاء) ٥ له من طريق:\nمحمد بن إبراهيم بن العلاء، عن إسماعيل بن عيَّاش٦، عن عبد الله ابن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن عبد الله الأودي، أنه قال: شهدت أبا أمامة ﵁ وهو في النَّزْع قال: إذا أنا متٌُّ فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله: \"إذا مات أحدٌ ... \" الحديث.\nوهذا الإسناد ضعيف، وفيه مجاهيل؛ فإنَّ محمد بن إبراهيم بن العلاء: هو الحمصي الزبيدي، ذكره الذهبي في (الميزان) ٧ وقال: \"قال محمد بن عوف: كان يَسْرِقُ الحديث\". وعبد الله بن محمد القرشي لم أقف له على ترجمة.\n_________\n١ الروح: (ص ١٦) .\n٢ تحفة المودود: (ص١٤٩) .\n٣ تهذيب السنن: (٧/٢٥٠) .\n(٨/٢٩٨) ح ٧٩٧٩.\n(٣/١٣٦٧) ح ١٢١٤.\n٦ أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخَلِّطٌ في غيرهم، من الثامنة، مات سنة ١٨١هـ أو ١٨٢هـ/ ي ٤. (التقريب ١٠٩) .\n(٣/٤٤٧) .","vol":"2","page":530},{"text":"وأما سعيد بن عبد الله الأودي: فهكذا وقع عند الطبراني في كتابيه، وقال بعضهم: سعيد الأزدي١، وأشار المنذري إلى الخلاف في اسمه، فقال في الجزء الذي صَنَّفَهُ في التلقين - ونقل عنه ابن الملقن في (البدر المنير) ٢-: \"قال أبو نعيم الحدَّاد: هذا حديث غريب من حديث حماد بن زيد، ولم أكتبه إلا من حديث سعيد الأزدي، وقال ابن أبي حاتم٣: سعيد الأزدي، عن أبي أمامة الباهلي ... \". وقال المنذري: \"هكذا قال: الأزدي، ووقع في روايتنا: الأودي، وهو في معنى المجهول\".\nفإن كان هو الأزدي: فقد بَيَّضَ له ابن أبي حاتم، وإن كان الأودي: فإنه أيضًا لا يُعْرَف، ولذلك قال الهيثمي ﵀ - ووقع عنده: الأودي -: \"رواه الطبراني في الكبير، وف إسناده جماعة لم أعرفهم\"٤.\nوأورده الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) ٥ من طريق آخر، فقال: \"أخرجه القاضي الخُلعي في الفوائد (٥٥/٢) عن: أبي الدرداء هاشم بن محمد الأنصاري، ثنا عتبة بن السكن، عن أبي زكريا، عن جابر بن سعيد الأزدي، قال: دخلت على أبي أمامة وهو في النَّزْع ... \" الحديث.\nفهذا قولٌ ثالت في اسم الراوي عن أبي أمامة، وأخشى أن يكون\n_________\n١ انظر: التلخيص الحبير: (٢/١٣٦) .\n٢ ج ٤ (ق ٥٠/ب) .\n٣ انظر: الجرح والتعديل: (٢/١/٧٦) .\n٤ مجمع الزوائد: (٣/٤٥) .\n٥ ح (٥٩٩) .","vol":"2","page":531},{"text":"حصل تصحيف في إسناد الخُلعي هذا، ويكون صوابه: جابر عن سعيد الأزدي، فيكون هو نفسه \"سعيد الأزدي\" المذكور سابقًا؟ فالله أعلم.\nقال الشيخ الألباني عقب سياقه هذا الإسناد: \"وهذا إسناد ضعيف جدًا، لم أعرف أحدًا منهم غير عتبة بن السكن، قال الدارقطني: متروكُ الحديث. وقال البيهقي: واهٍ، منسوب إلى الوضع. ثم أورد كلام الهيثمي السالف وقال: فاختلف في اسم الراوي عن أبي أمامة ... \".\nوقد ضَعَّفَ هذا الحديث جماعة من الأئمة: فتقدم قول أبي نعيم الحداد أنه حديث غريب. وقال ابن الصلاح وقد سئل عنه: \"ليس إسناده بالقائم\"١. وقال النووي: \"إسناده ضعيف\"٢. وقال الحافظ العراقيُّ في تخريج الإحياء٣:\" ... الطبراني هكذا بإسناد ضعيف\". ونقل ابن علان في شرح الأذكار٤ عن ابن حجر أنه قال: \"حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جدًا\". وقال ﵀ في فتح الباري٥:\"سنده ضعيفٌ جدًا\". وقال الصَنْعَانِي: \"ويَتَحَصَّل من كلام أئمة التحقيق: أنه حديث ضعيفٌ، والعملُ به بدعةٌ، ولا يُغْتَرُّ بكثرة من يفعله\"٦. وقال الشيخ الألباني: \"وجملة القول: أن الحديث منكرٌ عندي، إن لم يكن موضوعًا\"٧.\n_________\n١ الأذكار للنووي: (ص١٣٨) .\n٢ المجموع: (٥/٢٥٧) .\n(٤/٤٢٠) .\n(٤/١٩٦) .\n(١٠/٥٦٣) .\n٦ سبل السلام: (٢/١٥٧) .\n٧ السلسلة الضعيفة: (٢/٦٥) .","vol":"2","page":532},{"text":"ومع ذلك فقد حاول جماعة تقوية هذا الحديث، فقال ابن الملقن: \"إسناده لا أعلم به بأسًا\"١. ثم ذكر له جملة من الشواهد \"يعتضد بها\" - ولم أر في واحدٍ منها ما يصلح شاهدًا لهذا الحديث، وسأشير إلى شيء منها- وقال الحافظ ابن حجر: \"إسناده صالح، وقد قَوَّاهُ الضياء في أحكامه ... \"٢ ولا أدري ما هذا من الحافظ ﵀؟ فقد نقلنا قبل قليل تضعيفه إياه في تخريجه لأذكار النووي، فلعله هنا تبع صاحب الأصل (البدر المنير) فنقل تصحيحه إسناده دون أن يتعقبه؟ فالله أعلم.\nوأما ابن الصلاح ﵀، فإنه مع تضعيفه إياه قال: \"ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديمًا\"٣. وقال النووي: \"فهذا وإن كان ضعيفًا فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث ... \"٤. فذكر بعضها.\nأما عن الشواهد التي ذكروها لهذا الحديث:\n- فمنها: حديث \" ... واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل\".\n- ومنها: حديث عمرو بن العاص ﵁، أنه قال: \"إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم،\n_________\n١ البدر المنير: ج ٤ (ق٥٠/ب) .\n٢ التلخيص الحبير: (٢/١٣٥ - ١٣٦) .\n٣ الأذكار للنووي: (ص١٣٨) .\n٤ المجموع: (٥/٢٥٧ - ٢٥٨) .","vol":"2","page":533},{"text":"وأعلم ماذا أراجع رسل ربي\". أخرجه مسلم في (صحيحه) ١.\n- ومنها: ما رواه سعيد بن منصور من طريق: راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب وغيرهما، قالوا: \"إذا سُوِّي على الميت قبره وانصرف الناس عنه، كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن لا إله إلا الله. ثلاث مرات، قل: ربي الله، وديني الإسلام، ونَبِيِّ محمد، ثُمَّ يَنْصَرِف\"٢. إلى غير ذلك من الشواهد التي ساقوها.\nوهذه الشواهد كما نرى كلها موقوفات، والمرفوع منها ليس فيه سوى الدعاء للميت بالتثبيت والمغفرة، وهذا لا علاقة له بالتلقين المنسوب إلى النبي ﷺ في حديث أبي أمامة، قال الشيخ الألباني: \"واعلم أنه ليس للحديث ما يَشْهَدُ له، وكلُّ ما ذكره البعض إنما هو أثرٌ موقوفٌ على بعض التابعين الشاميين، لا يصلح شاهدًا للمرفوع، بل هو يُعِلُّه، وينزل به من الرفع إلى الوقف ... على أنه شاهد قاصر\"٣. يشير إلى أثر سعيد بن منصور السابق.\nقلت: فإذا كان هذا هو حال هذا الأثر، الذي هو أقرب ما يكون إلى حديث أبي أمامة، فكيف ببقية هذه الشواهد التي لا صلة لها بلفظ الحديث؟\n_________\n(١/١١٢) ح ١٩٢ (١٢١) وهو جزء من حديث طويل.\n٢ التلخيص الحبير: (٢/١٣٦) .\n٣ السلسلة الضعيفة: (٢/٦٥) .","vol":"2","page":534},{"text":"وأما قول النوويِّ: إن ذلك من فضائل الأعمال التي يُتَسَامَحُ فيها: فإنه مردود، قال الشيخ الألباني: \"ولا يرد هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، وأما ما ليس كذلك فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف؛ لأنه تشريع، ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف، لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقًا، فكيف يجوز العمل بمثله\"١.\nوأما الذين قَوَّوه بعمل الناس إلى يومنا هذا، كقول ابن الصلاح: \"ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام قديمًا\": فلا شكَّ أن العمل الذي يُعَوَّلَ عليه، ويُجعل الحديث بمقتضاه مقبولًا، هو عمل العلماء، وليس عمل كل أحد. ثم إنَّ أهل الشام وحدهم لا يمثلون الأمة كلها - أو علماء الأمة - حَتَّى يُجعل عملهم حجةً على الأمة. هذا بالإضافة إلى شِدَّة ضعفِ هذا الحديث، وجهالة رواته، وإنكار أكثر العلماء له، حتى قال الشيخ الألباني: \"منكر ... إن لم يكن موضوعًا\". وكم من حديث ضعيف لا يثبت قد عمل به عاملون، فهل يلزم من هذا أن تُتَّخَذَ البدع دينًا بحجة أن الناس يعملونها؟؟ كلاَّ، ففيما صحَّ عنه ﷺ كفايةٌ.\nثم إن ابن القَيِّم - ﵀ - قد قال نحوًا من ذلك!! فإنه وإن ضَعَّفَ الحديث كما مضى، إلا أنه قال في كتابه (الروح) ٢: \"فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار: كافٍ في العمل به ... \"!\n_________\n١ السلسلة الضعيفة: (٢/٦٥) .\n(ص ١٦) .","vol":"2","page":535},{"text":"كذا قال ابن القَيِّم ﵀، مع أنه يَنْفِي أن يكون ذلك من هَدْيِ النبي ﷺ، حيث يقول في (زاد المعاد) ١: \"ولم يكن - يعني النبي ﷺ - يجلس عند القبر، ولا يُلَقِّنُ الميت كما يفعله الناس اليوم\". مع ما تقدم من تضعيفه لهذا الحديث، فلعله كان يقول به أولًا ثم رجع عنه، فالله أعلم.\nفالخير كل الخير في اتِّبَاع هَدْيِه ﷺ في الفِعْلِ والتَّرْكِ، وما أحسن ما قال الصنعاني ﵀: \"ويَتَحَصَّل من كلام أئمة التحقيق: أنه حديث ضعيف، والعملُ به بدعة، ولا يُغْتَرُّ بكثرة من يفعله\"٢. والله أعلم.\n_________\n(١/٥٢٢) .\n٢ سبل السلام: (٢/١٥٧) .","vol":"2","page":536},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-136> من كتاب النكاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>١- باب في البكر لا تزوج إلا برضاها</span>\n٧٢- (١) عن ابن عباس ﵄: \"أَنَّ جَاريةً بِكْرًَا أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وِهِي كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النبي ﷺ\".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث مستدلًا به على أن البكر البالغ لا تجبر على النكاح، ولا تُزَوَّج إلا برضاها.\nوقد ردَّ ابن القَيِّم - ﵀ - على من أَعَلَّ هذا الحديث بالإرسال، فقال: \"وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعِلَّةٍ فيه؛ فإنه قد رُوِيَ مسندًا ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة، ومن وصله مُقَدَّمٌ على من أرسله: فظاهر، وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله؟\nوإِنْ حَكَمْنَا بالإرسال - كقول كثير من الْمُحَدِّثِين - فهذا مرسل قويٌّ قد عَضَّدَتْهُ الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع ... فَيَتَعَيَّنُ القول به\"١.\nوفد فَصَّلَ القول فيه بأكثر من ذلك في (تهذيب السنن) ٢، وسيأتي ذكر كلامه في ذلك إن شاء الله.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٩٦ - ٩٧) .\n(٣/٤٠ - ٤٢) .","vol":"2","page":539},{"text":"والحديث المذكور أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣، كُلُّهم من طريق:\nحسين بن محمد٤، عن جرير بن حازم، عن أيوب٥، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به، باللفظ الذي تَقَدَّمَ. وفي رواية للدارقطني: \"أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًَا أَنْكَحَهَا أبوهَا وهي كارهة، فَخَيَّرَهَا رسول الله ﷺ\".\nوقد خُولِفَ جرير بن حازم في إسناد هذا الحديث، خالفه: حماد ابن زيد، وابن علية، فروياه عن: أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nأخرج حديث حماد: أبو داود في (سننه) ٦ - ومن طريقه البيهقي٧-:\n_________\n١ د: (٢/٥٧٦) ك النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها. س: في الكبرى: (٥/١٧٦) ح ٥٣٦٦ ك النكاح. جه: (١/٦٠٣) ح ١٨٧٥ ك النكاح، باب من زَوَّجَ ابنته وهي كارهة.\n(١/٢٧٣) .\n٣ قط: (٣/٢٣٤) ح ٥٦. هق: (٧/١١٧) .\n٤ ابن بهرام، التميمي، أبو أحمد - أو أبو عليُّ - المَرُّوذي، نزيل بغداد، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ٢١٣هـ / ع. (التقريب ١٦٨) .\n٥ هو السختياني.\n(٢/٥٧٧) ح ٢٠٩٧.\n(٧/١١٧) .","vol":"2","page":540},{"text":"حدثنا محمد بن عبيد١، حدثنا حماد بن زيد به.\nوأما رواية ابن علية: فقد أشار إليها أبو حاتم٢ ﵀.\nوقد رَجَّحَ الأئمة رواية الإرسال، وحكموا على الرواية المتصلة بالخطأ، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: \"هذا خطأ، إنما هو كما رواه الثقات: عن أيوب، عن عكرمة: أن النبي ﷺ مرسلٌ - منهم: ابن عُلَيَّة، وحماد بن زيد - أن رجلًا تزوج، وهو الصحيح. قلت: الوَهْمُ ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي أن يكون، فإنه لم يرو عن جرير غيره\"٣. وقال أبو زرعة: \"حديث أيوب ليس هو بصحيح\"٤.\nوكأنَّ أبا داود - ﵀ - يُرَجِّحُ إرساله أيضًا؛ فإنه بعد أن أخرج الموصول، أعقبه الرواية المرسلة من طريق حماد، ثم قال: \"وكذلك رواه الناس: مرسلًا، معروف\". وقال البيهقي: \"أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني، والمحفوظ: عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا\".\nلكن هل يُسَلَّمُ الحكم للمرسل، وتكون بذلك الرواية الْمُتَّصِلَةُ معلولة؟ نَازَعَ في ذلك جماعة - منهم ابن القَيِّم ﵀، كما تقدم - فحكموا بصحة رواية من وصله، وسيأتي كلامهم.\n_________\n١ ابن حَسَّاب، الغبري، البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ٢٣٨هـ / م د س. (التقريب ٤٩٥) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (١/٤١٧) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ المصدر السابق.","vol":"2","page":541},{"text":"وكان من جواب ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا القول - وبخاصة مقالة البيهقي - أن قال: \"وعلى طريقة البيهقي، وأكثر الفقهاء، وجميع أهل الأصول: هذا حديث صحيح؛ لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وَصَلَهُ، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة. فما بالها تُقْبَلُ في موضع - بل في أكثر المواضع التي توافقُ مذهب المقلد - وَتُرَدُّ في موضع يخالفه؟! وقد قَبلُوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث: رفعًا ووصلًا، وزيادة لفظ ونحوه\".\nقال: \"هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب: زيد بن حبان، ذكره ابن ماجه في سننه\"١.\nقلت: أما متابعة زيد بن حبان٢ هذه: فقد أخرجها النسائي، وابن ماجه في (سننيهما) ٣، كلاهما من طريق: مُعَمَّر بن سليمان الرَّقِي٤، عن زيد بن حبان به، وقد أشار إلى هذه الرواية: الدارقطني - ﵀ - في (سننه) ٥.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٣/٤٠) .\n٢ الرَّقِي، كوفي الأصل، مولى ربيعة، صدوق كثير الخطأ، وتَغَيَّر بآخره، من السابعة، مات سنة ١٥٨ هـ / س ق. (التقريب ٢٢٢) .\n٣ س: في الكبرى: (٥/١٧٧) ح ٥٣٦٧. جه: (١/٦٠٣) ح ١٨٧٥ مكرر.\n٤ أبو عبد الله، ثقة فاضل، أخطأ الأزدي في تليينه، وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له، من التاسعة، مات سنة ١٩١هـ / ت س ق. (التقريب ٥٤١) .\n(٣/٢٣٥) ح ٥٧.","vol":"2","page":542},{"text":"وزيد بن حبان هذا: قد اختلف الأئمة فيه، فقال الإمام أحمد: \"تركنا حديثه\"١. وقال ابن معين: \"لا شيء\"٢. ومرة قال: \"ثقة\"٣. وقال أبو حاتم: \"تركنا حديثه\"٤. وضعفه الدارقطني٥. وقال ابن عدي: \"لا أرى برواياته بأسًا، يحمل بعضها بعضهًا\"٦. وقال ابن حبان: \"كان ممن يخطئ كثيرًا، حتى خرج عن حدِّ الاحتجاج به إذا انفرد\"٧. ومع ذلك فقد ذكره في (الثقات) ! ٨.\nوإضافة إلى ذلك، فإنه قد تَغَيَّرَ بآخره، لكنَّ معمرًا الرقي - راوي هذا الحديث عنه - قال: \"حدثنا زيد بن حبان قبل أن يفسد\"٩.\nوعلى كل حال، فإن الذي يظهر: ترجيح جانب الجرح في حقه، وقد أورد ابن حبان هذا الحديث في ترجمته من (المجروحين)، بعد أن حكم بعدم قبول ما انفرد به.\nوقد رُوِيَ هذا الحديث عن زيد بن حبان، عن أيوب على وجه آخر، فأخرجه الدارقطني في (سننه) ١٠ من طريق: معمر بن سليمان\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٣/٤٠٥) .\n٢ الجرح والتعديل: (١/٢/٥٦١) .\n٣ عزاه في الميزان: (٢/١٠١)، والتهذيب: (٣/٤٠٥) لرواية الدارمي عن، يحيى، ولم أجده فيه.\n٤ الجرح والتعديل: (١/٢/٥٦١) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٣/٤٠٥) .\n٦ الكامل: (٣/٢٠٥) .\n٧ المجروحين: (١/٣١١) .\n(٦/٣١٧) .\n٩ الجرح والتعديل: (١/٢/٥٦١) .\n١٠ (٣/٢٣٥) ح ٥٧.","vol":"2","page":543},{"text":"الرقي، عن زيد بن حبان، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: \"أَنْكَحَ رَجُلٌ من بني المنذر ابنته وهي كارهة، فأتت النبي ﷺ فردَّ نكاحها\". فجعل فيه \"يحيى بن أبي كثير\" مكان \"عكرمة\"، و\"وأبا سلمة\" مكان \"ابن عباس\". وليس فيه أن المرأة كانت بكرًا. فَيُخْشَى أن يكون هذا من الاضطراب في حديث حبان، وإذا كان كذلك، فإنه لا يصلح متابعًا لجرير بن حازم في هذا الحديث؛ لأنه - مع كونه كثير الخطأ - قد يكون اضطرب فيه، فالله أعلم.\nوثمة متابعة أخرى لجرير بن حازم، إذ تابعه الثوري عن أيوب، أخرج ذلك الدارقطني في (سننه) ١، من طريق: أيوب بن سويد٢، عن سفيان الثوري، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: \"أن رجلًا زَوَّجَ ابنته وهي كارهة، ففرق بينهما\".\nوأيوب بن سويد: ضَعَّفَه الجمهور٣، وتكلموا في حفظه، ومع ضعفه: فقد خولف - أيضًا - في هذا الحديث، قال الدارقطني: \"وغيره يرسله عن الثوري، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ، والصحيح مرسل\"٤.\nوقد رُوِيَ عن الثوري من وجه آخر موصولًا، ولا يصحُّ أيضًا؛\n_________\n(٣/٢٣٥) ح ٥٨.\n٢ الرملي، أبو مسعود الحِمْيَرِي، السَّيباني، صدوق يخطئ، من التاسعة، مات سنة ٢٩٣هـ / د ت ق. (التقريب ١١٨) .\n٣ انظر: تهذيب التهذيب: (١/٤٠٥ - ٤٠٦) .\n٤ سنن الدارقطني: (٣/٢٣٥) .","vol":"2","page":544},{"text":"فأخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ١ من طريق: عبد الملك بن عبد الرحمن٢ الذماري، عن الثوري، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: \"أن رسول الله ﷺ ردَّ نكاح بكرٍ وثيبٍ، أنكحهما أبوهما وهما كارهتان، فردَّ النبي ﷺ نكاحهما\".\nقال الدارقطني عقبه: \"هذا وهمٌ من الذماري، وتَفَرَّدَ بهذا الإسناد، والصواب: عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر، عن عكرمة مرسلٌ، وَهِمَ فيه الذماري عن الثوري، وليس بقويٍّ\". ثم ساقه بإسناده إلى محمد بن كثير٣، عن سفيان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، عن المهاجر، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مثله سواء٤.\nقال البيهقي في (سننه) ٥ - بعد نقله كلام الدارقطني -: \"هو في جامع الثوري: عن الثوري - كما ذكره أبو الحسن الدارقطني ﵀ - مرسلًا، وكذلك رواه عامة أصحابه عنه، وكذلك رواه غير الثوري عن هشام\".\n_________\n١ قط: (٣/٢٣٤) ح ٥٣. هق: (٧/١١٧) .\n٢ ابن هشام، أبو هشام الذَّماري، الأبْنَاوي، صدوقٌ كان يُصَحِّفُ، من التاسعة/د س. (التقريب ٣٦٣) .\n٣ العبدي، البصري، ثقة لم يُصِبْ من ضَعَّفَهُ، من كبار العاشرة، مات سنة ٢٢٣هـ/ع. (التقريب ٥٠٤) .\n٤ سنن الدارقطني: (٣/٢٣٤) ح ٥٥.\n(٧/١١٧) .","vol":"2","page":545},{"text":"قلت: فهذا محمد بن كثير العبدي - وهو ثقة - قد خالف الذماري عن سفيان، فجاء به مرسلًا، وهكذا يرويه أصحاب الثوري عنه، كما قال البيهقي ﵀ - والدارقطني قبله - وإذا كان كذلك: فإن رواية الثوري هذه لا تَصْلُحُ لمتابعة رواية جرير بن حازم أيضًا؛ إذ إن الصواب عن الثوري فيها: مرسلٌ، فتوافق رواية الجماعة الذين جاءوا به عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.\nوأما ما تقدم في كلام أبي حاتم - ﵀ - من أن الوهم فيه من حسين بن محمد: فقد رَدَّهُ الخطيب البغدادي ﵀، فنقل عنه ابن عبد الهادي قوله:\"قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم -أيضًا- كما رواه حسين، فبرئت عهدته، وزالت تبعته\"١. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يمتنع أن يكون الوهم فيه من جرير بن حازم، وأن يكون قد أخطأ فيه، كما تقدم في كلام البيهقي ﵀.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث لا يصحُّ متصلًا، وأن إرساله هو الصواب، كما قال: أبو داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي رحمهم الله تعالى.\nوقد ذهب بعض الأئمة إلى صحة الحديث، فقال ابن القطان: \"حديث صحيح\"٢. وذهب ابن التركماني إلى أن وصله زيادة من ثقة، فلا يضرُّ إرسال من أرسله، هذا مع المتابعات التي وُجِدَتْ له٣. وقال\n_________\n١ نصب الراية: (٣/١٩٠) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ الجوهر النقي: (٧/١١٧) .","vol":"2","page":546},{"text":"الحافظ ابن حجر: \"رجاله ثقات ... وأما الطَّعْنُ في الحديث فلا معنى له؛ فإن طرقه يُقَوِّي بعضها بعضًا\"١. وقال في (عون المعبود) ٢: \"الحديث قويٌّ حسنٌ\".\nوقد ذهب البيهقي ﵀ - على فرض صحة الحديث - إلى تأويله، فقال: \"وإن صحَّ ذلك، فكأنه كان وَضَعَهَا في غير كفوٍ، فَخَيَّرَهَ النبي ﷺ\"٣. وأَيَّدَه ابن حجر، فقال: \"وهذا الجواب هو المعتمد، فإنها واقعة عين، فلا يثبت الحكم فيها تعميمًا\"٤.\nلكن ردَّ الصنعاني هذا التأويل، فقال: \"كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم، وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه، فلو كان كما قال لذكرته المرأة ... وقول المصنف - يعني ابن حجر - إنها واقعة عين: كلام غير صحيح، بل حُكْمٌ عامٌ لعموم عِلَّتِه، فأينما وُجِدت الكراهية ثبت الحكم\"٥. وقال صاحب (عون المعبود) ٦: \"ما قاله البيهقي هو تأويل فاسد\".\nوإذ قد آل الأمر إلى ثبوت المرسل في ذلك دون سواه، فإنه كما قال ابن القَيِّم ﵀:\" ... مرسلٌ قويٌّ، قد عضدته الآثار\n_________\n١ فتح الباري: (٩/١٩٦)، وانظر: التلخيص الحبير: (٣/١٦١) .\n(٦/٢٢٣) .\n٣ سنن البيهقي: (٧/١١٨) .\n٤ فتح الباري: (٩/١٩٦) .\n٥ سبل السلام: (٣/١٦٠) .\n(٦/٢٢٣) .","vol":"2","page":547},{"text":"الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشَّرْع ... فيتعين القول به\"١.\nثم أخذ - ﵀ - في تقرير ذلك وبيانه، وأن هذا الحُكْمَ٢ موافق لأمر النبي ﷺ في قول: \" ... والبكر تُسْتَأَذَنُ في نفسها\" ٣. قال ﵀: \"وهذا أمرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لأنه وَرَدَ بصيغة الخبر الدال على تحقق المُخْبَرِ به، وثبوته ولزومه\".\nقلت: وعلى هذا يُحْمَل كلام من صححه من الأئمة.\nثم بَيَّنَ أن هذا الحكم موافق - أيضًا - لنهيه ﷺ، حيث قال: \"لا تنكحُ البكْرُ حَتَّى تُستأذن\" ٤. قال ﵀: \"فأمرٌ، ونَهْيٌ، وحكمٌ بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطُّرقِ\"٥.\nثم أخذ في تقرير كون هذا الحكم موافق لقواعد الشريعة، فأجاد وأفاد ﵀.\nومع هذا فإنَّ المسلك الذي سلكه ابن القَيِّم - ﵀ - من القول بصِحَّةِ هذا الحديث متصلًا، فيه نظر؛ لضعف طرقه، ورجحان\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٩٧) .\n٢ وهو: تخييرُ البِكْرِ التي زَوَّجَهَا وليها وهي كارهة.\n٣ أخرجه مسلم في الصحيح: (٢/١٠٣٧) ح ١٤٢١ ك النكاح، باب استئذان الثيب ... والبكر بالسكوت.\n٤ أخرجه البخاري في الصحيح: ك النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما، ح ٥١٣٦، (فتح الباري: ٩/١٩١)، ومسلم: (ح١٤١٩) .\n٥ زاد المعاد: (٥/٩٧) .","vol":"2","page":548},{"text":"المرسل عليه، ولذا فإنَّ المصير إلى اختياره الآخر هو المتعين، وهو: الأخذُ بالمرسل بعد اعتضاده بنصوص أخرى صحيحة، وبقواعد الشريعة، والله أعلم.","vol":"2","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>٢- باب ما جاء في العزل</span>\n٧٣- (٢) عن أبي سعيد ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إِنَّ لِيَ جَارِيَة وَأَنَا أَعْزِلُ١ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أن تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرْيدُ ما يريد الرِّجَال، وإِنَّ اليهودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ الْمُوْؤُدَةُ الصَّغْرَى؟ قال: \"كَذَبَتِ يهودُ، لو أراد اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ\".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (زاد المعاد) ٢ محتجًا به على جواز العزل، وقد ساقه بإسناد أبي داود إلى أبي سعيد الخدري ﵁، ثم قال:\"وَحَسْبُكَ بهذا الإسناد صحَّةً، فَكُلُّهم ثقات حُفَّاظٌ\".\nثم ذكر - ﵀ - أن بعضهم أَعَلَّهُ بالاضطراب، وأخذ في الجواب عن ذلك بما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.\nقلت: هذا الحديث مداره على يحيى بن أبي كثير، واخْتُلِفَ عليه على أوجه:\nالوجه الأول: أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: أبان بن\n_________\n١ عَزَلَ الْمُجَاِمُع: إذا قَارَبَ من الإنزال، فَنَزَعَ وأَمْنَى خارج الفَرْجِ. (المصباح المنير ٢/٤٠٨) .\n(٥/١٤٤) .\n(٢/٦٢٣) ح ٢١٧١. ك النكاح، باب ما جاء في العزل.","vol":"2","page":550},{"text":"يزيد١. وأحمد في (مسنده) ٢، والنسائي في (عشرة النساء) ٣ كلاهما من طريق: هشام الدستوائي.\nوأخرجاه أيضًا - أعني أحمد٤ والنسائي٥ - في الكتابين المذكورين: من طريق: علي بن المبارك٦. وأخرجه النسائي - وحده – في (عشرة النساء) ٧ - أيضًا - من طريق: أبي إسماعيل القَنَّاد٨، كلهم عن: يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان٩، عن رفاعة١٠ - وقيل: عن أبي رفاعة، وقيل: عن أبي مُطيع بن رفاعة، وقيل: عن أبي مُطيع بن عوف أحد بني رفاعة بن الحارث، وقيل: عن أبي مُطيع\n_________\n١ العطار البصري، أبو يزيد، ثقة له أفراد، من السابعة، مات في حدود سنة١٦٠هـ/ خ م د ت س. (التقريب ٨٧) .\n(٣/٥١، ٥٣) .\n(ص ١٧١) ح ١٩٤ باب العزل.\n٤ المسند: (٣/٣٣) .\n٥ عشرة النساء: (ح ١٩٥، ١٩٦) .\n٦ الهُنائي، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار السابعة/ ع. (التقريب ٤٠٤) .\n(ح١٩٧) .\n٨ هو: إبراهيم بن عبد الملك البصري، صدوق في حفظه شيء، من السابعة/ ت س. (التقريب ٩١) .\n٩ العَامِرِي - عامر قريش - المدني، ثقة، من الثالثة/ ع. (التقريب ٤٩٢) .\n١٠ مقبول، من الثالثة/ د. (التقريب ٢١٠) .","vol":"2","page":551},{"text":"فقط - عن أبي سعيد - ﵁ به. واللفظ المثبت هو لفظ أبي داود، وألفاظ الباقين نحوه، وعند بعضهم: \"لو أراد الله خَلْقَهُ، لم تستطعْ رَدَّهُ\".\nوهذا الإسناد صَحَّحَّه ابن القَيِّم كما تقدَّم، وقال عن رواته: \"كلهم ثقات حفاظ\". وقال الحافظ ابن حجر: \"رجاله ثقات\"! ١ وصَحَّحَّه الشيخ الألباني أيضًا!! ٢.\nوفي تصحيحهم له نظر؛ لأن رفاعة - أو أبا رفاعة - المذكور في إسناده مجهول؛ فإنه لم يرو عنه أحدٌ إلا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ولم أجدْ فيه توثيقًا لأحدٍ بعد البحث، وقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣، فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذا البخاري في (التاريخ الكبير) ٤، فلم يزيدوا على أن ذكروا الاختلاف الواقع في اسمه، ولذلك قال الذهبي ﵀: \"لا يُعْرَفْ\"٥. وتقدم فيه قول ابن حجر: \"مقبول\". يعني حيث يُتابع، ولم يتابعه أحدٌ هنا، فيكون لَيِّن الحديث على هذا.\nهذا فيما يتعلق بحال رفاعة، وأما ما وقع من الاختلاف في اسمه، فقال ابن القَيِّم: \"ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة ... وهذا لا يَضُرُّ مع العلم بحال رفاعة\"٦ ولكن رَجَّحَ البخاري - ﵀ - أنه\n_________\n١ بلوغ المرام مع شرحه سبل السلام: (٣/١٩١) ح ١٢.\n٢ آداب الزفاف: (ص ١٣١) .\n٣ كتاب الكنى: (٤/٢/٣١) .\n(٤/٢/٣١) .\n٥ الميزان: (٤/٥٧٤)، والمغني: (٢/٨٠٨) .\n٦ زاد المعاد: (٥/١٤٤) .","vol":"2","page":552},{"text":"\"أبو مطيع\"، قال: \"وهذا أصحُّ\"١.\nفقد تَبَيَّنَ لنا مما سبق أن جهالة رفاعة هذا تمنع من تصحيح هذا الإسناد.\nوأما الوجه الثاني من وجوه اختلاف على يحيى بن أبي كثير: فأخرجه الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (عشرة النساء) ٣، وعبد الرزاق في (المصنف) ٤، كلهم عن: معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁ بنحو حديث أبي سعيد المتقدم.\nقال أبو عيسى الترمذي: \"حديث جابر حديث حسن صحيح، وقد رُوِيَ عنه من غير وجه\". وسُئِلَ أبو حاتم - ﵀ - عن حديث جابر هذا من رواية معمر، وعن حديث أبي سعيد المتقدم من رواية هشام الدستوائي وغيره؟ فقال: \"حديث هشام الدستوائي أشبه من حديث معمر\"٥.\nوهناك وجهٌ ثالث عن يحيى بن أبي كثير أيضًا: أخرجه النسائي في (عشرة النساء) ٦ من طريق: المعتمر بن سليمان، عن أبي عامر٧، عن\n_________\n١ التاريخ الكبير (كتاب الكنى): (٤/٢/٣١) .\n(٣/٤٣٣) ح ١١٣٦. ك النكاح، باب ما جاء في العزل.\n(ح١٩٣) .\n(٧/١٤٠) ح ١٢٥٥٠.\n٥ علل ابن أبي حاتم: (١/٤٣٧) ح ١٣١٤.\n(ح ١٩٨) .\n٧ هو: صالح بن رستم المُزَني مولاهم، الخَزَّاز، البصري، صدوقٌ كثيرُ الخطأِ، من السادسة، مات سنة ١٥٢هـ / خت م ٤. (التقريب ٢٧٢) .","vol":"2","page":553},{"text":"يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: إن اليهود تقول: إن العزل هو الموؤدة الصغرى؟ قال رسول الله ﷺ: \"كذبتْ يهود، لو أردَ الله خَلْقَهَا، لَمْ تستطعْ عزلها\".\nوأبو عامر المذكور في إسناد هذا الحديث تَكَلَّمَ فيه جماعةٌ، وَوَثقَهُ آخرون١، لكن تابعه في شيخ شيخه: أبو بدر شجاع بن الوليد٢، فرواه عن: محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مختصرًا، أخرجه البيهقي في (سننه) ٣.\nوهذا الإسناد لا بأس به في المتابعات، وقد حَسَّنَهُ الشيخ الألباني٤ ﵀.\nوقد أعلَّ بعضهم هذا الحديث بالاضطراب، كما أشار إلى ذلك ابن القَيِّم ﵀، ولعل المقصود هو المنذري ﵀، فإنه قال: \"اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه: فقيل فيه: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله ...، وقيل فيه: عن رفاعة ...، وقيل: عن أبي مطيع به رفاعة، وقيل فيه: عن أبي رفاعة\"٥.\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وهذا لا يَقْدَحُ في الحديث؛ فإنه\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٤/٣٩١) .\n٢ ابن قيس السَّكُوني، الكوفي، صدوق وَرِعٌ له أوهامٌ، من التاسعة، مات سنة ٢٠٤هـ/ ع. (التقريب ٢٦٤) .\n(٧/٢٣٠) .\n٤ آداب الزفاف: (ص١٣١) .\n٥ مختصر السنن: (٣/٨٦) .","vol":"2","page":554},{"text":"يكون عند يحيى: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر. وعنده: عن ابن ثوبان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - كذا قال ابن القَيِّم - وعنده: عن ابن ثوبان عن رفاعة، عن أبي سعيد، ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة ... \"١.\nوالذي يظهر - والله أعلم - رجحان ما ذهب إليه أبو حاتم من تقديم رواية هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير بسنده إلى أبي سعيد؛ فقد تابع هشامًا على هذه الرواية ثلاثة، وخالفهم جميعًا معمر فجعله عن جابر. ولكن يبقى هذا الإسناد معلولًا بجهالة رفاعة كما تقدم.\nوكأنَّ الحافظ ابن حجر - ﵀ - مال إلى اختيار أبي حاتم، فإنه أجاب عن القائلين باضطرابه قائلًا: \"وَرُدَّ بأن الاختلاف إنما يقدح حيث لا يقوى بعض الوجوه، فمتى قَوِيَ بعضها عُمِلَ به، وهو هنا كذلك\"٢.\nفيكون الاعتماد إذن على حديث أبي سعيد هذا، وما فيه من ضَعْفٍ في إسناده: فإنه يَتَقَوَّى بحديث أبي هريرة السالف - وهو الوجه الثالث من وجوه رواية الحديث عن يحيى بن أبي كثير -، فهو شاهدٌ قويٌّ له، وقد تقدم أن إسناده حسنٌ. ويتقوى كذلك بسائر الأحاديث الواردة في جواز العزل، وعدم النهي عنه.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/١٤٤) .\n٢ فتح الباري: (٩/٣٠٩) .","vol":"2","page":555},{"text":"فَيَتَلَخَّصُ من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يُصبْ في تصحيحه إسناد حديث أبي سعيد، لِمَا تَقَدَّمَ، وما ذهب إليه من التوفيق والجمع بين الروايات المختلفة عن يحيى بن أبي كثير فيه نظرٌ؛ إذ تبين رُجْحَانُ رواية أبي سعيد على غيرها، والله أعلم.","vol":"2","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المجلد الثالث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الباب الثالث: دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>من كتاب الطلاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>١ - باب ما جاء في المحلل والمحلل له</span>\n...\n١٠- من كتاب الطلاق\n١ - باب ما جاء في المحلّل والمحلّل له\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ – حديث لعن الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ عن جماعة من الصحابة، منهم:\n٧٤ - (١) عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"لَعَنَ الله الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله كلهم ثقات\"١. وقال مرة: \"إسناده حسن\"٢. ومرة قال: \"إسناد جيد\"٣ونقل عن البخاري أنه حكم بحُسْنِهِ.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أحمد في (مسنده) ٤، وابن أبي شيبة في (مصنفه) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧، والترمذي في (العلل) ٨، كلهم من طريق:\n_________\n١ إغاثة اللهفان: (١/٢٧٠) .\n٢ زاد المعاد: (٥/١٠٩) .\n٣ إعلاء الموقعين: (٣/٤٤) .\n(٢/٣٢٣) .\n(٤/٢٩٦) ك النكاح، باب الرجل يطلق امرأته، فيتزوجها رجل ليحلها له.\n(ح ٦٨٤) .\n(٧/٢٠٨) .\n(١/٤٣٧)، باب ما جاء في الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ.","vol":"3","page":7},{"text":"عبد الله بن جعفر١، عن عثمان بن محمد٢، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به. وقد وقع عند أحمد والترمذي: \"أن النبي ﷺ لَعَنَ\"، أما ابن الجارود والبيهقي فعندهما: \"لعن الله ... \".\nقال الترمذي: \"سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسنٌ، وعبد الله بن جعفر المخرمي صدوق ثقةٌ، وعثمان بن محمد الأخنس ثقة\"٣. وقال الزيلعي: \"عبد الله بن جعفر: وَثَّقَهُ أحمد، وابن المديني، وابن معين، وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه. وعثمان بن محمد الأخنس: وثقه ابن معين، وسعيد المقبري: متفق عليه، فالحديث صحيح\"٤. وقال الحافظ ابن حجر: \"رجاله مُوَثَّقُون\"٥.\nوقد نقل ابن القَيِّم عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: \"إسناد جيد\"٦.\nقلت: وعثمان بن الأخنس هذا وثقه أيضًا: ابن حبان٧، لكن قال\n_________\n١ ابن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة، أبو محمد المدني، الْمَخْرَمِي، ليس به بأسٌ، من الثامنة، مات سنة ١٧٠هـ/ خت م ٤. (التقريب ٢٩٨) .\n٢ هو: الثقفي الأخنسي.\n٣ علل الترمذي: (١/٤٣٧) .\n٤ نصب الراية: (٣/٢٤٠) .\n٥ الدراية: (٢/٧٣) ح ٥٧٧.\n٦ إعلام الموقعين: (٣/٤٥) .\n٧ الثقات: (٧/٢٠٣) .","vol":"3","page":8},{"text":"عليُّ بن المديني: \"روى عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أحاديث مناكير\"١. وليس هذا من روايته عن ابن المسيب، وقد تَقَدَّمَ توثيق ابن معين، والبخاري له، فحديثه صالح إن شاء الله.\nوأما قول ابن حبان: \"يُعتبر حديثه من غير رواية المخرمي عنه؛ لأنًَّ المخرمي ليس بشيء في الحديث\"٢: فإنه قول عجيب، فإن عبد الله ابن جعفر المخرمي وَثَّقَهُ جماعةٌ وأثنوا عليه، منهم: أحمد، والنسائي، وأبو حاتم، وابن معين، وابن المديني، والعجلي، وابن خراش، والترمذي، والبرقي، والحاكم، مع ما تقدم من توثيق البخاري - ﵀ - له. وانفرد ابن حبان بمقالته هذه، وزاد فقال: \"كان كثير الوَهْمِ في الأخبار، حتى يروي عن الثقات ما لا يُشْبِه حديث الأثبات ... \"٣. كذا قال ﵀! ولذلك قال ابن حجر مُعَقِّبًا على مقالته هذه: \"وكأنه أراد غيره فالتبس عليه\"٤.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث حسنٌ على أقل أحواله، وأن إسناده جَيِّدٌ لا غبار عليه، كما حكم بذلك ابن القَيِّم ﵀.\nوقد رُوِيَ هذا الحديث على وجه آخر، ذكره ابن أبي حاتم في\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٧/١٥٢) .\n٢ الثقات: (٧/٢٠٣) .\n٣ المجروحين: (٢/٢٧) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٥/١٧٣) .","vol":"3","page":9},{"text":"(علله) ١من طريق: مروان الطَّاطري، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن سعيد المقبري به، قال أبو حاتم: \"إنما هو: عبد الله بن جعفر، عن عثمان الأخنسي\". يعني الإسناد الماضي.\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديثًا آخر:\n٧٥ - (٢) عن عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"أَلا أُخْبِرُكُم بالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"هُو الْمُحَلِّلَ. لعن الله الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ\".\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - أن هذا الحديث أُعِلَّ بثلاث عللٍ، وهي:\n١- ضَعْفُ مِشْرَح بن هاعان، ضَعَّفَهُ ابن حبان.\n٢- عدمُ سماع اللَّيْثِ بن سعد هذا الحديث من مِشْرَح بن هاعان.\n٣- إنكارهم هذا الحديث على عثمان بن صالح، راويه عن الليث بن سعد.\nثم أخذ ابن القَيِّم - ﵀ - في الجواب عن هذه العلل واحدةً واحدةً، حتى أتى عليها٢.\nوقال مرة: \"رواه ابن ماجه بإسناد رجاله كُلُّهم موثوقون، لم يُجْرَح واحدٌ منهم\"٣.\n_________\n(١/٤١٣) ح ١٢٣٧.\n٢ إعلام الموقعين: (٣/٤٥ - ٤٦) .\n٣ إغاثة اللهفان: (١/٢٧٠) .","vol":"3","page":10},{"text":"وهناك علة رابعة أُعِلَّ بها حديث عقبة هذا، ولم يذكرها ابن القَيِّم ﵀، وسيأتي التنبيه عليها إن شاء الله.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: ابن ماجه في (سننه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طريق: عثمان بن صالح٤.\nوأخرجه: الطبراني في (معجمه الكبير) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧ - وعنه البيهقي٨- من طريق: أبي صالح٩كاتب الليث، كلاهما عن:\nالليث بن سعد، عن مشرح بن هاعان١٠، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا باللفظ المتقدم.\n_________\n(١/٦٢٣) ح ١٩٣٦ ك النكاح، باب المحلل والمحلل له.\n(٢/١٩٨) .\n(٧/٢٠٨) .\n٤ ابن صفوان السَّهْمي مولاهم، أبو يحيى المصري، صدوق، من كبار العاشرة، وقد ثَبَتَ عنه أنه قال: رأيت صحابيًا من الجِنِّ، مات سنة ٢١٩هـ/ خ س ق. (التقريب ٣٨٤) .\n(١٧/٢٩٩) ح ٨٢٥.\n(٣/٢٥١) ح ٢٨.\n(٢/١٩٩) .\n٨ السنن: (٧/٢٠٨) .\n٩ هو: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، صدوقٌ كثيرُ الغلط، ثَبْتٌ في كتابه، وكانت فيه غَفْلَةٌ، من العاشرة، مات سنة ٢٢٢هـ / خت د ت ق. (التقريب ٣٠٨) .\n١٠ المعافري، المصري، أبو مصعب، مقبولٌ، من الرابعة، مات سنة ١٢٨هـ / عخ د ت ق. (التقريب ٥٣٢) .","vol":"3","page":11},{"text":"وإلى مناقشة العلل التي أُعلَّ بها هذا الحديث:\nأما ضَعْفُ مِشْرَح بن هاعان: فقد أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك بقوله:\n\"قال محمد بن عبد الواحد المقدسي: مشرح قد وَثَّقَهُ يحيى بن معين ... وابن معين أعلم بالرِّجَال من ابن حبان\". ثم قال: \"وهو صدوق عند الحفاظ، لم يتهمه أحدٌ ألبتة، ولا أَطْلَقَ عليه أحدٌ من أهل الحديث - قطُّ - أنه ضعيفٌ، ولا ضَعَّفَهُ ابن حبان، وإنما قال: يَروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابعُ عليها، فالصَّواب ترك ما انفردَ به١. وانفرد ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه\"٢.\nقلت: وإضافة إلى توثيق ابن معين٣له: فقد وَثَّقَهُ العجلي، فقال: \"مصري تابعي ثقة\"٤. وقال الإمام أحمد: \"معروف\"٥ولم يزد. وقال ابن عديّ: \"لا بأس به\"٦. وقال عثمان الدارمي: \"صدوق\"٧. وَوَثَّقَهُ ابن القطان٨. وقال الذهبي: \"ثقة\"٩. ومرة قال: \"صدوق\"١٠. وَوَثَّقَهُ\n_________\n١ المجروحين: (٣/٢٨) .\n٢ إعلام الموقعين: (٣/٤٥) .\n٣ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص٢٠٤) رقم ٧٥٥.\n٤ تاريخ الثقات: (ص٤٢٩) .\n٥ الجرح والتعديل: (٤/١/٤٣١ - ٤٣٢) .\n٦ الكامل: (٦/٤٧٠) .\n٧ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص ٢٠٤) رقم ٧٥٥.\n٨ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٠٤) .\n٩ الكاشف: (٣/١٢٩) .\n١٠ الميزان: (٤/١١٧) .، والمغني: (٢/٦٥٩) .","vol":"3","page":12},{"text":"الحافظ ابن حجر١رحمه الله. وقال الشيخ الألباني: \"والمتقرر فيه: أنه حسن الحديث\"٢.\nوقد تَكَلَّمَ فيه: عثمان الدارمي، فقال - عقب نقله توثيق ابن معين له -: \"ومشرح ليس بذاك\"٣. وقد سبق قوله فيه: \"صدوق\".\nفظهر بذلك أنَّ مِشْرحًا هذا لم يضعفه أحدٌ من أهل الشأن، بل الأمر على خلاف ذلك، وانفراد ابن حبان بالكلام فيه لا يوهنه، بل هو صدوق عند الأكثرين، نعم: ليس هو في الدرجة العليا من التوثيق، ومع ذلك فإن حديثه لا يقلُّ عن درجة الحسن، كما قَرَّرَهُ الشيخ الألباني.\nوأما العلة الثانية: وهي عدم سماع الليث هذا الحديث من مشرح: فقد أعله بذلك البخاري، ويحيى بن عبد الله بن بكير. أما كلام البخاري فقد نقله ابن القَيِّم، وهو في (علل الترمذي) ٤، إذا سأله عنه الترمذي؟، فقال: \"عبد الله بن صالح - أحدُ رواته عن الليث - لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مشرح بن هاعان؛ لأن حيوة روى عن: بكر بن عمرو، عن مشرح\". وأما ابن بكير، فإنه لَمَّا ذكره له أبو زرعة قال: \"لم يسمعْ الليث من مشرح شيئًا، ولا روى عنه شيئًا\"٥.\n_________\n١ فإنه قال عنه: \"رواته موثوقون\". (الدراية ٢/٧٣) .\n٢ إرواء الغليل: (٦/٣١٠) .\n٣ تاريخ الدارمي: (ص ٢٠٤) رقم ٧٥٥.\n(١/٤٣٨) .\n٥ علل ابن أبي حاتم: (١/٤١١) .","vol":"3","page":13},{"text":"وقد أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن كلام البخاري، فقال: \"فعبد الله بن صالح قد صَرَّحَ بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يخرجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يَضُرُّهُ شَيئًا\"١.\nوأما قول البخاري: إن حيوة بروي عن بكر بن عمرو، عن مشرح: فقال ابن القَيِّم: \"يريد به أن حيوة من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن مشرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكده أن الليث قال: قال مشرح، ولم يقل: حدثنا\". قال: \"وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لمشرح، وهو في بلده، وطلبُ الليثِ العلمَ وجمعهُ لم يمنعه ألا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر، وهو معه في البلد\"٢.\nكذا قال ابن القَيِّم ﵀، وفاته أن الليث صَرَّحَ بسماعه من مشرح، وبتحديث مشرح له، ففي رواية ابن ماجه قوله: \"قال لي مشرح\". وفي رواية الحاكم: \"سمعت مشرح بن هاعان\"، وقول الراوي: (قال لي) في منزلة قوله: (حدثنا) .\nوقد أجاب الأئمة بذلك، وأولهم الحاكم: فإنه بعد أن أخرج رواية عثمان بن صالح، عن الليث، قال: \"وقد ذكر أبو صالح - كاتب الليث - عن ليث سماعه من مشرح بن هاعان\". فساقه بإسناده. وقال\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٣/٤٥ - ٤٦) .\n٢ المصدر السابق: (٣/٤٦) .","vol":"3","page":14},{"text":"الزيلعي - ردًا على ما نقله أبو زرعة عن ابن بكير -: \"قوله في الإسناد: قال لي أبو مصعب: يردُّ ذلك\"١. وقال ابن حجر: \"ووقع التصريح بسماعه في رواية الحاكم، وفي رواية ابن ماجه عن الليث: قال لي مشرح\"٢.\nوأما العلة الثالثة، وهي إنكارهم هذا الحديث على عثمان بن صالح: فقد أجاب عنه ابن القَيِّم بما نقله عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله، حيث قال: \"وإنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لِتَوَهُّمِ انفراده به عن الليث، وظنهم أنه لعله أخطأ فيه، حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث: أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه، كان ذلك شذوذًا فيه وعلة قادحة، وهذا لا يَتَوَجَّهُ هاهنا لوجهين:\nأحدهما: أنه قد تَابَعَهُ عليه أبو صالح - كاتب الليث - عنه ...\nالثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه روى عنه البخاري في (صحيحه)، وروى عنه ابن معين، وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ صالحٌ سليمٌ التَأْدِيَةِ. قيل له: كان يُلَقَّن؟ قال: لا. ومن كان بهذه\n_________\n١ نصب الراية: (٣/٢٣٩) .\n٢ التلخيص الحبير: (٣/ ١٧١) .","vol":"3","page":15},{"text":"المثابة، كان ما ينفرد به حُجَّةً، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح، وهو كاتب الليث، وأكثر الناس حديثًا عنه؟ وهو ثقة أيضًا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط\"١.\nفهذا فيما يتعلق بجواب ابن القَيِّم وغيره من الأئمة على هذه العلل.\nوأما العلة التي لم يتعرض لها ابن القَيِّم: فهي ما نقله أبو زرعة الرازي، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، أنه قال: \" ... لم يسمع الليث من مشرح شيئًا ... وإنما حدثني الليث بن سعد بهذا الحديث: عن سليمان بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ\". يعني مرسلًا، قال أبو زرعة: \"والصواب عندي: حديث يحيى\"٢. يعني ابن بكير.\nقلت: أما القول بعدم سماع الليث من مشرح شيئًا، فقد تقدم ما فيه، وأن الليث صَرَّحَ بتحديث مشرح له، وسماعه منه.\nوأما هذه الرواية المرسلة: فابن بكير أثبت من غيره في الليث، بل قال ابن عدي: \"أثبت الناس فيه\"٣. ومع ذلك فإن رواية عثمان بن صالح له عن: الليث، عن مشرح، عن عقبة. ومتابعة أبي صالح له على هذه الرواية، يجعل من الصعب الحكم على روايتهما - وقد تتابعا - بالخطأ،\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٣/٤٦) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (١/٤١١) .\n٣ كما في تهذيب التهذيب: (١١/٢٣٨) .","vol":"3","page":16},{"text":"وعلى ذلك: فيحتمل أنه يُروى عن الليث على الوجهين:\nوقد يُقال أيضًا: لعل عثمان بن صالح، وأبا صالح كاتب الليث قد وقع لهما خطأ في هذا الحديث.\nفإن صحَّ هذا الاحتمال الأخير، وقيل: إن الصواب في هذا الحديث الإرسال، فإن ذلك لا يضرُّ، ويعتضد - حينئذ - بما تقدم من مسند أبي هريرة وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعني.\nولذلك فقد صححه بعض الأئمة، وحَسَّنَهُ آخرون، قال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. وصححه الزيلعي من طريق ابن ماجه١. وقال عبد الحق: \"إسناده حسن\"٢. ووافقه ابن القطان، لكن قال: \"ولم يبينْ المانع من صِحَّتِهِ\"٣. وقال ابن تيمية ﵀: \"حديث جيد، وإسناده حسن\"٤. وحَسَّنَهُ ابن الملقن٥.\nفالذي يطمئن إليه القلب: أن هذا الحديث حسنٌ إن سَلِمَ من علة الإرسال، فإن التصقت به هذه العلة، فإنه يعتضد بشواهد عديدة في هذا الباب، وبذلك يكون ابن القَيِّم - ﵀ - قد أصاب في تقوية هذا الحديث ودفع العلل عنه، والله أعلم.\n_________\n١ نصب الراية: (٣/٢٣٩) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٠٤) .\n٤ إعلام الموقعين: (٣/٤٦) .\n٥ البدر المنير: ج ٥ (ق ٢٢٠/أ) .","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>٢- باب المبتوتة: هل تجب لها السكنى والنفقة</span>؟\n٧٦ - (٣) قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: \"إِنَّمَا النَّفَقَةُ والسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ\".\nذهب ابن القَيِّم إلى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سُكْنى، مُسْتَدِلًا بهذا الحديث، فقال: \"وروى النسائي في سننه هذا الحديثَ بطرقه وألفاظه، وفي بعضها - بإسناد صحيح لا مَطْعَنَ فيه -: فقال لها النبي ﷺ: \"إنما النفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة\". ورواه الدارقطني، وقال: فأتت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وقال: \"إنما السُّكنى والنفقة لمن يملك الرجعة\". وروى النسائي - أيضًا - هذا اللفظ، وإسنادهما صحيح\"١.\nقلت: هذا الحديث الذي ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - مداره على الشعبي، عن فاطمة بنت قيس ﵂.\nويرويه عن الشعبي جماعةٌ:\nفأخرجه الدارقطني في (سننه) ٢، والخطيب في (الفصل للوصل\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥٢٥ - ٥٢٦) .\n(٤/٢٣) ح ٦٧.","vol":"3","page":18},{"text":"المدرج في النقل) ١، كلاهما من طريق: يعقوب بن إبراهيم٢.\nوأخرجه الطبراني في (الكبير) ٣من طريق: أبي عبيد القاسم بن سلاَّم٤. كلاهما عن:\nهشيم بن بشير٥، عن: سَيَّار٦، وحصين٧، ومغيرة٨، وأشعث٩، وداود١٠، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد١١، كُلُّهم عن:\n_________\n(٢/٨٦٠) ح ١١٠.\n٢ ابن كثير بن زيد بن أفلح العَبْدِي مولاهم، أبو سيف الدَّوْرَقي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٥٢هـ، وكان من الحفاظ/ ع. (التقريب ٦٠٧) .\n(٢٤/٣٧٩) ح ٩٣٨.\n٤ البغدادي، ثقةٌ فاضلٌ، مُصَنِّفٌ، من العاشرة، مات سنة ٢٢٤هـ / خت د ت. (التقريب ٤٥٠) .\n٥ ابن القاسم بن دينار السُّلَمِي، أبو معاوية، الواسطي، ثِقَةٌ ثَبْتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيِّ، من السابعة، مات سنة ١٨٣هـ/ ع. (التقريب ٥٧٤) .\n٦ ابن أبي سَيَّار العنزي، ثقةٌ، وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب، من السادسة، مات سنة ١٢٢هـ/ ع. (التقريب ٢٦٢) .\n٧ ابن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي.\n٨ ابن مقسم الضَّبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفي، الأعمى، ثقةٌ متقن، إلا أنه كان يُدَلِّس، ولاسيما عن إبراهيم، من السادسة، مات سنة ١٣٦هـ/ع. (التقريب ٥٤٣) .\n٩ ابن سوَّار الكندي، النجار، الأفرق، الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف، من السادسة، مات سنة ١٣٦هـ/ بخ م ت س ق. (التقريب ١١٣) .\n١٠ هو: ابن أبي هند القشيري.\n١١ الأحمسي مولاهم، البجلي، ثقةٌ ثبت، من الرابعة، مات سنة ١٤٦هـ/ ع. (التقريب ١٠٧) .","vol":"3","page":19},{"text":"الشعبيِّ قال: دخلت على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ؟ فقالت: طَلَّقَهَا زوجها ألبتة، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وقال: \"إِنَّمَا السّكْنَى والنَّفَقَة لِمَن يَمْلِكُ الرَّجعة\". هذا سياق الدارقطني، ولفظ الباقين بنحوه.\nوقد ضَعَّفَ الأئمة هذه الزيادة، وَوَهَّمُوا فيها مجالد بن سعيد، وأنه انفرد بها دون هؤلاء الجماعة الذين رووه عن الشعبي، وإن شاركوا مجالدًا في روايته للحديث كما مضى.\nقال الخطيب البغدادي: \"أدرج يعقوب بن إبراهيم الدورقي رواية هذا الحديث، أو أدرجه هشيم له لما حَدَّثَ به، وذلك أن قوله: \"إِنَّمَا السُّكْنَى والنَّفَقة لِمَن يَمْلِكُ الرَّجعة\" لم يَذْكُرْهُ واحد من الجماعة الْمُسَمَّين عن الشعبي، إلا مجالد بن سعيد وحده\"١\nومما استدلوا به على انفراد مجالد بذلك:\nأولًا: أنَّ هذا الحديث يُروى عن هشيم بالإسناد السابق بعينه، وليس فيه هذه الزيادة. أخرج ذلك: مسلم في (صحيحه) ٢: حدثني زهير ابن حرب، وأحمد في (مسنده) ٣، كلاهما عن: هشيم، عن الجماعة الْمُسَمَّين قبل، عن الشعبي، عن فاطمة بالحديث السابق.\n_________\n١ الفصل للوصل المدرج في النقل: (٢/٨٦٠) ح ١١٠ - ١.\n(٢/١١١٧) ح ١٤٨٠ (٤٢) . ك الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.\n(٦/٤١٦) .","vol":"3","page":20},{"text":"ثانيًا: أنَّ الحسن بن عرفة١رواه عن هشيم، عن هؤلاء النفر، عن الشعبي، عن فاطمة به، فَمَيَّزَ هذه الكلمات، وبَيَّنَ أنها عن مجالد وحده دون باقي الجماعة، أخرج ذلك ونبه عليه: الدارقطني في (سننه) ٢، والخطيب في (الفصل) ٣. فقال الدارقطني - عقب إخراجه رواية يعقوب بن إبراهيم المتقدم ذكرها -: \"خالفه الحسن بن عرفة، جَعَل آخر الحديث عن مجالد وحده، عن الشعبي\". ثم ساقه بإسناده إلى الحسن بن عرفة، بالإسناد السابق، وفي آخره: \"قال هشيم: قال مجالد في حديثه: إنما السكنى والنفقة لمن كان لها على زوجها الرجعة\".\nثالثًا: وُجدت هذه الرواية بهذه الزيادة عن مجالد وحده، غير مقرون مع الجماعة الماضي ذكرهم، وذلك من رواية جماعة عنه، منهم: شعبة، ويحيى القطان، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبدة بن سليمان، وسعيد بن يزيد البجلي، ثم هشيم نفسه.\nأخرج الحميدي في (مسنده) ٤ رواية ابن عيينة، وأخرج الإمام أحمد في (مسنده) ٥ رواية هشيم، وأخرج هو٦والخطيب في (الفصل)\n_________\n١ ابن يزيد العبدي، أبو علي البغدادي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ٢٥٧هـ/ ت س ق. (التقريب ١٦٢) .\n(٤/٢٤) ح ٦٨.\n(ص ٨١٦) .\n(١/١٧٦) ح ٣٦٣.\n(٦/٤١٥) .\n٦ مسند أحمد: (٦/٤١٦) .\n(ص ٨١٥) .","vol":"3","page":21},{"text":"رواية عبدة بن سليمان، وأخرج الطبراني في (الكبير) ١ رواية حماد بن زيد، ورواية شعبة، وأخرج كذلك رواية سعيد البجلي٢، وأخرج الإمام أحمد رواية يحيى القطان٣، كلهم عن: مجالد بن سعيد، عن الشعبي، فذكر الحديث بطوله، وفي بعض ألفاظه قول النبي ﷺ: \"انظري يا ابنة آل قيس: إنما النفقة السكنى ... \" ٤.\nقال ابن القطان ﵀ - بعد أن ساق روايتي سفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان -: \"فهذه رواية مجالد، وإذا قُرِنَ بالجماعة تَوَّهم من يراه أن الزيادة المذكورة من رواية جميعهم، وقد تَبَيَّنَ أنهم لم يرووها، ولهشيم في التدليس صنعة محذورة في مثل هذا ... \"٥.\nثم قال ﵀: \"وإذا قد تَبَيَّنَتْ رواية الجماعة دون الزيادة، ورواية مجالد دونهم بالزيادة: تَحَقَّقَ فيها الرَّيْب، ووجب لها الضَّعْفُ بضعفِ مجالد المنفرد بها\"٦.\nومع ذلك فقد وُجدت لمجالد متابعات على روايته الحديث بهذه الزيادة، فمن هذه المتابعات:\n_________\n(٢٤/٣٧٩) ح ٩٣٦، ٩٣٧.\n٢ المعجم الكبير: (٢٤/٣٨٢) ح ٩٤٨.\n٣ المسند: (٦/٣٧٣، ٤١٦ - ٤١٧) .\n٤ لفظ رواية يحيى عند أحمد.\n٥ بيان الوهم والإيهام: (٤/٤٧٦) .\n٦ بيان الوهم والإيهام: (٤/٤٧٧) .","vol":"3","page":22},{"text":"١- ما أخرجه النسائي في (سننه) ١من طريق: سعيد بن يزيد٢الأحمسي، حدثنا الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس به.\nوهذه الرواية هي التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀، وصحح إسنادها، وسبق نقل كلامه أول البحث.\nورواه قاسم بن أصبغ بالإسناد نفسه، كما نقل ذلك عنه ابن القطان٣.\nوسعيد بن يزيد هذا: قال فيه أبو حاتم: \"شيخ، يروى عنه\"٤. وقال ابن معين: \"ثقة\"٥. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٦. وَضَعَّفَهُ ابن القطان، فقال: \"لم تثبت عدالته\"٧. وَأَقَرَّهُ الذهبي٨على ذلك، ولم ينقل فيه توثيق ابن معين، ونقل عن أبي حاتم كلمة \"شيخ\"فقط، فكأنه يختار ضعفه؟ وقال الحافظ ابن حجر: \"وقد تابع بعض الرواة ... مجالدًا، لكنه أضعف منه\"٩. فلا أدري: هل يقصد سعيد بن يزيد هذا، أم غيره؟\n_________\n(٦/١٤٤) ك الطلاق، باب الرخصة في التطليق بثلاث مجتمعة.\n٢ البَّجَلي، ثم الأحمسي، الكوفي، صدوق، من السابعة/ س. (التقريب ٢٤٢) .\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٤/٤٧٧) .\n٤ الجرح والتعديل: (٢/١/٧٤) .\n٥ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٢٠٩) .\n(٦/٣٧٣) .\n٧ بيان الوهم والإيهام: (٤/٤٧٧) .\n٨ الميزان: (٢/١٦٣) .\n٩ فتح الباري: (٩/٤٨٠) .","vol":"3","page":23},{"text":"وعلى كل حال، فالذي يظهر من حال الرجل أنه إلى التوثيق أقرب منه إلى التضعيف، نعم ليس هو الدرجة العليا من التوثيق، كما يُشعر به كلام أبي حاتم، ولكنه - مع ذلك - لا يخرج عن كونه صدوقًا يُعتبر بحديثه ويستشهد به.\nلكن أشار الحافظ الذهبي إلى إعلال هذه المتابعة، فقال في ترجمته: \" ... عن الشعبي بحديث فاطمة في المبتوتة ... أتى في الحديث بألفاظ قد اختلف في ثبوتها\"١. وتقدم كلام ابن حجر قبل قليل في غَمْزِ هذه المتابعة - إن كان يعنيها -.\n٢- ما أخرجه الطبراني في (الكبير) ٢من طريق: أبي نعيم، عن زكريا ابن أبي زائدة٣، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بنحو ما تقدم.\nوزكريا هذا وإن كان ثقة، فإنه مدلس، وقد أكثر منه عن الشعبي خاصةً، كما قال أبو زرعة: \"صويلح، يُدَلِّس كثيرًا عن الشعبي\"٤. وقال أبو حاتم: \"لين الحديث، كان يُدَلِّس ... ويقال: إن المسائل التي يرويها زكريا لم يسمعها من عامر - يعني الشعبي - إنما أخذها من أبي حريز\"٥.\n_________\n١ الميزان: (٢/١٦٣) .\n(٢٤/٣٧٨) ح ٩٣٥.\n٣ ابن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يُدَلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بآخرة، من السادسة، مات سنة ١٤٧هـ أو غيرها/ ع. (التقريب ٢١٦) .\n٤ الجرح والتعديل: (١/٢/٥٩٤) .\n٥ المصدر السابق.","vol":"3","page":24},{"text":"ورماه بالتدليس غير هؤلاء١.\nقلت: وقد عَنْعَنَ زكريا في هذا الإسناد، فاحتمال تدليسه قويٌّ، وبخاصة أن روايته هنا عن الشعبي.\nفهذا هو حال هذه المتابعة، ولكنها إذا ضُمَّتْ إلى طرق هذا الحديث، فإنها تصلح لتقويته.\n٣- وثمة متابعة ثالثة، وهي من رواية: جابر الجعفي، عن الشعبي به، أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢. وجابر مكشوف الحال، لا يحتجُّ بمثله.\nفيبقى من هذه المتابعات: رواية سعيد الأحمسي، ورواية زكريا ابن أبي زائدة، وهما وإن كانتا لا تخلوان من ضعف، فإنهما قد تصلحان لتقوية حديث مجالد في إثبات هذه الزيادة، فينتفي بذلك القول بتفرد مجالد برفع هذه الزيادة.\nولعلَّ ذلك ما يوضح وجه تصحيح ابن القَيِّم - ﵀ - للحديث بهذه الزيادة، ولو جُعل من قبيل الحسنِ لكان أنسب، والله أعلم.\n_________\n١ انظر: طبقات المدلسين: (ص٦٢)، وتهذيب التهذيب: (٣/٣٣٠) .\n(٤/٢٢) ح ٦٢.","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>٣- باب من قال: إن لها السكنى والنفقة</span>\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديث عمر ﵁ في الإنكار على فاطمة بنت قيس، وهو:\n٧٧- (٤) عن عمر ﵁، أنه قال - لما ذُكِرَ له قول فاطمة -: \"لا نترك كتاب الله، وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عزوجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] .\nقال ابن القَيِّم: \"قد أعَاذَ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل، الذي لا يصحُّ عنه أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحُّ ذلك عن عمر\"١.\nوقال مرة: \"ولم يصح عن عمر أنه قال: لا ندعُ كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة؛ فإن أحمد أنكره، وقال: أما هذا فلا، ولكن قال: لا نقبل في ديننا قول امرأة\"٢.\nقلت: هذا الحديث يُروى من حديث: الأسود بن يزيد٣، عن\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٥٣٩) .\n٢ تهذيب السنن: (٣/١٩١) .\n٣ ابن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن، ومخضرم، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ، من الثانية، مات سنة ٧٤ أو ٧٥هـ / ع. (التقريب ١١١) .","vol":"3","page":26},{"text":"عمر ﵁، ورواه عن الأسود جماعة:\nفأخرجه مسلم في (صحيحه) ١، وأبو داود في (سننه) ٢، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: أبي أحمد الزبيري٤عن عَمَّار بن رُزَيق٥، عن أبي إسحاق٦، عن الأسود بن يزيد به. وفيه قول أبي إسحاق: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم، فَحَدَّثَ الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. ثم أخذ الأسود كَفًّا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك! تُحَدِّثُ بمثل هذا؟! قال عمر ... فذكره. هذا سياق مسلم.\nوخالف أبا أحمد الزبيري: يحيى بن آدم، فرواه عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود به، فلم يذكر فيه: \"وَسُنَّةَ نَبيِّنَا\". أخرجه\n_________\n(٢/١١١٨) ح ١٤٨٠ (٤٦) . ك الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.\n(٢/٧١٧) ح ٢٢٩١. ك الطلاق، باب من أنكر ذلك على فاطمة.\n٣ قط: (٤/٢٥) ح ٧٠. هق: (٧/٤٧٥) .\n٤ هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي، الكوفي، ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ٢٠٣هـ/ ع. (التقريب ٤٨٧) .\n٥ الضَّبّي، أو التميمي، أبو الأحوص الكوفي، لا بأس به، من الثامنة، مات سنة ١٥٩هـ/ م د س ق. (التقريب ٤٠٧) .\n٦ هو السَّبِيعي.","vol":"3","page":27},{"text":"الدارقطني في (سننه) ١من طريق يحيى، وقال عقبه: \" ... وهذا أصحُّ من الذي قبله؛ لأنَّ هذا الكلام لا يثبت، ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه، والله أعلم\". وقال - ﵀ - في (العلل) ٢: \"وكذلك رواه يحيى بن آدم - وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه - عن عمار بن رزيق ... لم يقل فيه: \"وَسُنَّةَ نَبيِّنَا\". وهو الصواب\".\nوذكر الدارقطني أيضًا: أَنَّ قبيصة٣ قد تابع يحيى بن آدم على روايته، ثم ساقه بإسناده إلى قبيصة بمثل قول يحيى بن آدم سواء.\nهذا ما يتعلق برواية أبي إسحاق السبيعي عن الأسود.\nوقد روى من حديث: الأعمش، عن إبراهيم٤، عن الأسود به. رواه عن الأعمش جماعة، منهم: أسباط بن محمد، ومحمد بن فضيل٥، وحفص بن غياث٦.\n_________\n(٤/٢٥) ح ٧١.\n(٢/١٤١) .\n٣ ابن عقبة بن محمد بن سفيان السوائي.\n٤ هو: النخعي.\n٥ ابن غزوان، الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رُمي بالتشيع، مات سنة ١٩٥هـ/ ع. (التقريب ٥٠٢) .\n٦ ابن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي، ثقةٌ فقيه تَغَيَّرَ حفظه قليلًا في الآخر، مات سنة ١٩٤ أو ١٩٥هـ/ ع. التقريب (١٧٣) .","vol":"3","page":28},{"text":"فأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) ١من طريق: حفص بن غياث، ومحمد بن فضيل، كلاهما عن: الأعمش به، ولفظه عن عمر: \"لا نُجِيز قول المرأة في دين الله، المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة\".\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ - ومن طريقه البيهقي٣- من طريق: محمد بن فضيل، عن الأعمش به، ولفظه عن عمر ﵁: \"لا نَدَعُ كتاب الله لقول امرأة لعلها نَسِيَتْ\".\nوأخرجه الدارقطني - أيضًا - في (سننه) ٤من طريق: أسباط بن محمد ومحمد بن فضيل، كلاهما عن الأعمش به، ولفظه كالذي قبله.\nهكذا رواه هؤلاء عن الأعمش، عن إبراهيم بدون زيادة قوله: \"وَسُنَّةَ نَبيِّنَا\".\nوذكر الدارقطني - ﵀ - أنه اخْتُلِفَ فيه على حفص بن غياث عن الأعمش، فرواه طلق بن غنام عن حفص، عن الأعمش، فقال فيه: \"وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا\". فَوَهِمَ على حفص في ذلك؛ لأن الذين رووه عن حفص بدون هذه الزيادة أثبت منه وأحفظ٥.\n_________\n(٥/١٤٦) .\n(٤/٢٤) ح ٦٩.\n(٧/٤٧٥) .\n(٤/٢٧) ح ٧٥.\n٥ علل الدارقطني: (٢/١٤١) .","vol":"3","page":29},{"text":"وقد رُوِيَ عن إبراهيم، عن الأسود من غير طريق الأعمش، فأخرجه الدارقطني في (سننه) ١ من طريق: أشعث بن سَوَّار، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ به، وفيه الزيادة المذكورة.\nقال الدارقطني - ﵀ - عقبه: \"أشعث بن سَوَّار ضعيف الحديث، ورواه الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، ولم يقل: \"وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا\" ... والأعمش أثبت من أشعث وأحفظ منه\".\nوقال في (علله) ٢: \"وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة، وهي قوله: \"وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا\"؛ لأن جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر قال: لا نجيز في ديننا قول امرأة. ولم يقولوا فيه: وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا\".\nفهذه طرق هذا الحديث إلى الأسود بن يزيد، وقد بَيَّنَ الدارقطني - ﵀ - أن الصواب فيها عدم ذكر قوله \"وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا\"، وكذا لم يصححه الإمام أحمد ﵀، فقد سأله عنه أبو داود فقال: \"قلت: يصحُّ هذا عن عمر ﵁؟ قال: لا\"٣. وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى كلام الإمام أحمد هذا، كما تقدم نقله عنه أول البحث.\nفتلخص من ذلك: أن الصواب ما اختاره ابن القَيِّم - ﵀ -\n_________\n(٤/٢٧) ح ٧٤.\n(٢/١٤١) .\n٣ مسائل أبي داود للإمام أحمد: (ص ١٨٤) .","vol":"3","page":30},{"text":"من عدم صحَّة ذلك عن عمر ﵁، وأن الصواب في ذلك عن عمر قوله: \"لا نجيز قول المرأة في دين الله\". وعلى فرض ثبوت اللفظ الأول عن عمر ﵁، فإن الصواب فيه: \"لا ندع كتاب ربنا\" وأما قوله: \"وسنة نَبيِّنَا\" فلم يثبت ذلك عنه، والله أعلم.","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>٤- باب في عدة أم الولد</span>\n٧٨- (٥) عن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال: \"لا تَلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّة نَبِيِّنَا، عِدَّةُ المتوفى عنها: أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًَا\" يعني أم الولد.\nاستدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن عدة أم الولد هي عدة الحُرَّة، وقد استعرض ابن القَيِّم - ﵀ - الأقوال في المسألة، ثم بَيَّنَ أن الصواب من ذلك: أنها تعتد بحيضة واحدةٍ؛ فإن هذا إنما هو لمجرد الاستبراء لزوال الملك عن الرقبة، فلذلك كان كسائر استبراءات المعتقات، والمسبيات، والمملوكات، ثُمَّ أَخَذَ في بيان ضَعْفِ حديث عمرو بن العاص، فَذَكَرَ أن فيه عللًا:\nأحدها: انقطاعه بين قبيصة بن ذؤيب وعمرو بن العاص؛ فإنه لم يسمع منه.\nثانيها: أن الصواب فيه الوقف على عمرو بن العاص.\nثالثها: اضطرابه، فقد رُوِيَ عن عمرو بن العاص على ثلاثة أوجه١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) ٢، وابن أبي شيبة في (مصنفه) ٣- ومن طريقه: ابن حبان في\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٧٢١ - ٧٢٣)، وانظر تهذيب السنن: (٣/٢٠٣ - ٢٠٤) .\n٢ د: (٢/٧٣٠) ح ٢٣٠٨. جه: (١/٦٧٣) ح ٢٠٨٣، كلاهما في: ك الطلاق، باب عدة أم الولد.\n(٥/١٦٢) ك الطلاق، باب ما قالوا في عدة أم الولد.","vol":"3","page":32},{"text":"(صحيحه) ١، وابن الجارود في (المنتقى) ٢ - والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، كلهم من طريق:\nسعيد بن أبي عروبة، عن مطر بن طهمان٥، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب٦، عن عمرو بن العاص ﵁ به. واللفظ المتقدم لفظ أبي داود، ولفظ ابن أبي شيبة، وابن حبان، وابن الجارود: \"لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد عدة المتوفى عنها زوجها\". وليس عند ابن الجارود كلمة: \"زوجها\". ووقع عند ابن ماجه: \"لا تُفْسِدُوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد أربعة أشهر وعشرًا\".\nوقد ضُعِّفَ هذا الإسناد من أجل مطر بن طهمان، فقال المنذري: \"وفي إسناده مطر بن طهمان أو رجاء الورَّاق، وقد ضعفه غير واحد\"٧.\n_________\n١ الإحسان: (٦/٢٥٠) ح ٤٢٨٦.\n٢ ح (٧٦٩) .\n٣ قط: (٣/٣٠٩) ح ٢٤٦. هق: (٧/٤٤٧ - ٤٤٨) .\n(٢/٢٠٩) .\n٥ الوَرَّاق، أبو رجاء السُّلَمِي مولاهم، الخراساني، سكن البصرة، صدوقٌ كثيرُ الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف، من السادسة، مات سنة ١٢٥هـ، ويقال: ١٢٩هـ/ خت م ٤. (التقريب ٥٣٤) .\n٦ ابن حلحلة الخُزَاعي، أبو سعيد أو أبو إسحاق، المدني، نزيل دمشق، من أولاد الصحابة، وله رؤية، مات سنة بضع وثمانين/ ع. (التقريب ٤٥٣) .\n٧ مختصر السنن: (٣/٢٠٥) .","vol":"3","page":33},{"text":"ولم يوافق ابن القَيِّم - ﵀ - على تضعيف الحديث به، فإنه نقل أقوال بعض العلماء في تضعيفه، ثم قال: \"وبعد، فهو ثقة، قال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في كتاب (الثقات)، واحتجَّ به مسلم، فلا وجه لِضَعْفِ الحديثِ به\"١.\nوالحقُّ: أن مطرًا هذا قد ضَعَّفَهُ الأكثرون، واحتمله بعضهم، ولا يصل بحالٍ إلى رتبة الثقة، كما قال ابن القَيِّم، فقد شَبَّهَهُ يحيى القطان بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، ووافقه على ذلك الإمام أحمد٢. وضَعَّفَهُ غير واحد من الأئمة في عطاء خاصة٣. وقال ابن سعد: \"كان فيه ضَعفٌ في الحديث\"٤. وقال النسائي: \"ليس بالقويّ\"٥. وقال أبو داود: \"ليس هو عندي بحجة، ولا يُقْطَعُ به في حديث إذا اختلف\"٦. وسئل عنه أبو زرعة، فقال: \"صالح\". قال ابن أبي حاتم: \"كأنه لَيَّنَ أمره\"٧. وقال ابن حبان: \"ربما أخطأ\"٨.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٧٢٢) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٨) .\n٣ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٨) .\n٤ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٩) .\n٥ الضعفاء والمتروكين: (ص٩٨) .\n٦ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٩) .\n٧ الجرح والتعديل: (٤/١/٢٨٨) .\n٨ الثقات: (٥/٤٣٥) .","vol":"3","page":34},{"text":"فهذه أقوال مُضَعِّفِيهِ، وقد وَثَّقَهُ آخرون: فقال ابن معين١، وأبو زرعة٢: \"صالح\". وقال أبو حاتم: \"صالح الحديث\"٣. وقال العجلي: \"صدوق\"٤. وقال مرة: \"لا بأس به\"٥. وقال البزار: \"ليس به بأس ... ولا نعلم أحدًا ترك حديثه\"٦. وقال السَّاجي: \"صدوق يهم\"٧. وقال الذهبي: \"ثقة تابعيّ\"٨. وقال مرة: \" ... من رجال مسلم، حسن الحديث\"٩.\nفَتَبَيَّنَ من هذه الأقوال: أن الرَّجُل وإن ضَعَّفَهُ جماعة، إلا أن مثله تُحْتَمَلُ روايته، وبخاصة إذا تابعه غيره، ممن هو مثله أو أعلى رتبة، أما إذا خالف وانفرد: فالتوقف فيه أولى، كما ذهب أبو داود - ﵀ - إلى ذلك؛ فإنه كان كثير الخطأ والوهم، سيئ الحفظ، يَتَّضِحُ ذلك من وضع يحيى القطان، والإمام أحمد له في مرتبة ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ جدًا. وأما كونه من رجال مسلم: فقد جعله الحاكم ممن أخرج لهم مسلم\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٨) .\n٢ الجرح والتعديل: (٤/١/٢٨٨) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ تاريخ الثقات - ترتيب الهيثمي: (ص٤٣٠) .\n٥ تاريخ الثقات - ترتيب الهيثمي: (ص٤٣٠) .\n٦ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٨ - ١٦٩) .\n٧ المصدر السابق: (١٠/١٦٩) .\n٨ المغني: (٢/٦٦٢) .\n٩ الميزان: (٤/١٢٧) .","vol":"3","page":35},{"text":"في المتابعات دون الأصول١.\nولم ينفرد به مطرٌ هذا، وإنما تابعه قتادة، فأخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة بالإسناد الماضي، ولفظه بنحو ما تقدم.\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤ من طريق: سعيد، عن قتادة ومطر بن طهمان، كلاهما عن رجاء به. قال ابن حبان: \"سمع هذا الخبر ابن أبي عروبة، عن قتادة ومطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، فمرةً يُحَدِّثُ عن هذا، وأخرى عن ذلك\"٥.\nوهذه المتابعة - لاشك - تُقَوِّي روايته وتشدها؛ ولذلك فإن إعلال الحديث بمطر غير مقبول، من جهة عدم انفراده به، لا أنه ثقة كما ذهب ابن القَيِّم ﵀.\nلكن ماذا عن العلل الأخرى التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - لهذا الحديث، ورأى أنها المؤثرة دون الكلام في مطر؟\nأما انقطاعه بين قبيصة بن ذؤيب، وعمرو بن العاص: فقد أَعَلَّهُ\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (١٠/١٦٨) .\n(٤/٢٠٣) .\n(٧/٤٤٧ - ٤٤٨) .\n(٣/٣٠٩) ح ٢٤٤.\n٥ الإحسان: (٦/٢٥٠) .","vol":"3","page":36},{"text":"بذلك الدارقطني ﵀، فإنه قال: \"وهو مرسل؛ لأنَّ قبيصة لم يسمع من عمرو\"١ يعني أنه منقطع. ولم أر أحدًا قال ذلك غير الدارقطني، - وتابعه ابن القَيِّم - بل روايته عن عمرو بن العاص مذكورة في (التهذيب) وغيره، وإنما تكلموا في روايته عن عمر بن الخطاب، ومع ذلك لم يجزموا بعدم سماعه منه، ففي (تهذيب الكمال) ٢: \"روى عن عمر بن الخطاب، ويقال: مرسل\". فإذا كان سماعه من عمر بن الخطاب محتملًا - وقد تأخرت وفاته عن عمرو بن العاص بنحو عشرين سنة - فإمكان سماعه من عمرو من باب أولى. ولكن على القول باشتراط ثبوت اللقاء - وهو الأحوط - فإنه قد يتوجه الحكم بالانقطاع.\nوأما القول بأن الصواب فيه الوقف: فقد قال به الدارقطني أيضًا، فإنه أخرجه في (سننه) ٣ من طريق: حفص بن غيلان٤، عن سليمان بن موسى، أن رجاء بن حيوة حَدّثه، أن قبيصة حدثه، أن عمرو بن العاص ﵁ قال: \"عِدَّة أُمِّ الولد إذا تُوفي عنها سيدها: أربعة أشهر وعشرًا، وإذا أُعْتِقَت: فعدتها ثلاثُ حِيَض\". قال الدارقطني: \"موقوف، وهو الصواب\".\nوأخرجه مرة أخرى من طريق: الوليد بن مسلم، عن سعيد بن\n_________\n١ سنن الدارقطني: (٣/٣١٠) . وانظر: (ص ٣٠٩) .\n(٢٣/٤٧٧) .\n(٣/٣١٠) ح ٢٤٨.\n٤ أبو معيد - مُصَغَّر - وهو بها أشهر.","vol":"3","page":37},{"text":"ساقطة","vol":"3","page":38},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث لا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ وغايته أن يكون من كلام عمرو بن العاص ﵁، وقد اختار ابن القَيِّم - ﵀ - إعلاله فأصاب، والله أعلم.","vol":"3","page":39},{"text":"١١-<span data-type=\"title\" id=toc-146> من كتاب البيوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>١ - باب ما جاء في أداء الأمانة واجتناب الخيانة</span>\n٧٩- (١) قوله ﷺ: \"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث عند كلامه على مسألة الظَّفْر١، واستدل به على أنَّ من جُحِدَ له مالٌ، فَتَمَكَّنَ من مال الجاحد، فإنه لا يأخذ منه حقه إذا كان سبب الحق خفيًا، بحيث يُتَّهَمُ بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهرًا، وإن كان في الباطن آخذًا حَقَّه.\nوقد أورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وخلص إلى القول بأنه صحيح بشواهده٢.\nقلت: هذا الحديث يُروى عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وأنس، ورجل سَمِعَ النبي ﷺ، وغيرهم. وأذكرها فيما يلي حسب ترتيب ابن القَيِّم لها:\nعن يوسف بن ماهك قال: \"كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فَأَدَّاهَا إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا. حدثني أبي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\".\n_________\n١ وهو: الفوز بالمطلوب. لسان العرب: (ص٢٧٥٠) . والمراد هنا: الظفر بِحَقِّهِ الذَّي سُلِبَ منه.\n٢ إغاثة اللهفان: (٢/٧٥ - ٧٨) .","vol":"3","page":43},{"text":"أخرجه أبو داود في (سننه) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والدولابي في (الكنى) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، كلهم من طريق: حميد الطويل، عن يوسف بن ماهك٥ به، كذا هو عند أبي داود والدولابي باللفظ السابق، وأما أحمد فعنده: \"كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، ... \" الحديث.\nوقد أخرج الدارقطني٦ هذا الحديث، فقال فيه: عن حميد الطويل، عن يوسف بن يعقوب، عن رجل من قريش، عن أبي بن كعب ... بالمرفوع منه، دون ذكر القصة. فهل أبيُّ بن كعب ﵁ هو الصحابيُّ الذي سَقَطَ في الطريق السابق؟؟ قد يكون ذلك محتملًا، ولكن يبقى الراوي عنه مجهولًا.\nولذلك فقد أُعِلَّ هذا الحديث، فقال البيهقي - ﵀ -: \" ... في حكم المنقطع؛ حيث لم يذكر يوسف بن ماهك اسم من حَدَّثَهُ،\n_________\n(٣/٨٠٤) ح ٣٥٣٤ ك البيوع والإجارات، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده.\n(٣/٤١٤) .\n(١/٦٣) .\n(١٠/٢٧٠) .\n٥ ابن بهزاد، الفارسي، المكيِّ، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ١٠٦هـ/ع. (التقريب٦١١) .\n٦ في سننه: (٣/٣٥) ح ١٤١.","vol":"3","page":44},{"text":"ولا اسم من حَدَّثَ عنه من حدثه\"١.\nولكن يقال: إن الجهل بحال الصحابي لا يضرُّ، فيبقى معلولًا بشيخ يوسف بن ماهك فقط.\nوأعلَّ ابن حجر طريق أبي بن كعب السالف، فقال: \"وفي إسناده من لا يُعرف\"٢. ومع هذا فقد صححه ابن السكن، كما نقل ذلك عنه ابن حجر٣، ولا يخفى ما فيه.\nوأشار ابن القَيِّم إلى عِلَّتِه هذه فقال: \"وهذا وإن كان في حكم المنقطع، فإنه له شاهدًا من وجه آخر\"٤. ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁، وهو:\n٨٠- (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أَدِّ الأَمَانَةَ لِمَن ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\".\nوهذا أخرجه: أبو داود والترمذي في (سننيهما) ٥، والدارمي في (مسنده) ٦، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٧، والحاكم في\n_________\n١ سنن البيهقي: (١٠/٢٧١) .\n٢ التلخيص الحبير: (٣/٩٧) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ إغاثة اللهفان: (٢/٧٧) .\n٥ د: (٣/٨٠٥) ح ٣٥٣٥. ت: (٣/٥٥٥) ح ١٢٦٤، ك البيوع، باب ٣٨.\n(٢/١٧٨) ح ٢٦٠٠، ك البيوع، باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة.\n٧ قط: (٣/٣٥) ح ١٤٢. هق: (١٠/٢٧١) .","vol":"3","page":45},{"text":"(المستدرك) ١، والأصبهاني في (الترغيب والترهيب) ٢، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٣، كلهم من طريق: طلق بن غَنَّام، عن شريك وقيس بن الربيع٤، عن أبي حصين٥، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ به.\nوقد أَعَلَّ جماعةٌ هذا الحديث، فقال أبو حاتم في طلق بن غَنَّام: \"روى حديثًا منكرًا عن شريك وقيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح ... ولم يرو هذا الحديث غيره\"٦. وقال البيهقي: \"وحديث أبي حصين: تَفَرَّدَ به عنه شريك القاضي وقيس بن الربيع، وقيس ضعيف، وشريك لم يحتج به أكثر أهل العلم بالحديث، وإنما ذكره مسلم بن الحجاج في الشواهد\"٧. وقال ابن حزم: \"هو من رواية: طلق بن غَنَّام، عن شريك وقيس بن الربيع، وكلهم ضعيف\"٨. وقد انفرد ابن حزم وحده بتضعيف\n_________\n(٢/٤٦) .\n(١/١٢٠) ح ٢٢٣، باب الترغيب في أداء الأمانة.\n(٢/١٠٢) ح ٩٧٣.\n٤ الأَسَدِي، أبو محمد الكوفي، صدوق تَغَيَّرَ لَمَّا كبر وأَدْخَلَ عليه ابنه ما ليس من حديثه فَحَدَّثَ به، من السابعة، مات سنة بضع وستين ومائة/ د ت ق. (التقريب ٤٥٧) .\n٥ هو: عثمان بن عاصم بن حصين الأَسَدِي، الكوفي، ثقة ثبتٌ سُنِّيٌّ، وَرُبَّمَا دَلَّسَ، من الرابعة، مات سنة ١٢٧هـ ويقال بعدها/ ع. (التقريب ٣٨٤) .\n٦ علل ابن أبي حاتم: (١/٣٧٥) ح ١١١٤.\n٧ سنن البيهقي: (١٠/٢٧١) .\n٨ الْمُحَلَّى: (٨/٦٤٧) .","vol":"3","page":46},{"text":"طلق بن غَنَّام، ولم يشاركه في ذلك أحد١.\nوقال الترمذي: \"حسن غريب\". قال ابن القطان: \"والمانع من تصحيحه: أن شريكًا، وقيس بن الربيع مختلفٌ فيهما\"٢. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. قال الشيخ الألباني: \"فيه نظرٌ؛ فإن شريكًا ... إنما أَخْرَجَ له مسلم في المتابعات\"٣.\nقلت: أما شريك وقيس بن الربيع، فقد تَكَلَّمَ الأئمة فيهما من جهة سوء حفظهما، ووجود الخطأ في حديثهما، ولكنَّ اقترانهما في هذا الإسناد يجعل كلَّ واحدٍ منهما يَتَقَوَّى بصاحبه، ولذلك قال ابن القَيِّم ﵀: \"وشريك ثقة، وقد قَوِيَ بمتابعة قيسٍ له، وإن كان فيه ضعفٌ\"٤. وقال ابن التركماني في قيس بن الربيع: \"والقول فيه ما قال شعبة، وأنه لا بأس به، وأقلُّ أحواله: أن تكون روايته شاهدةً لرواية شريك\"٥. وقال الشيخ الألباني: \"فأحدهما يُقَوِّي الآخر\"٦.\nوأما ما حكم به أبو حاتم من نكارة هذا الحديث، وأنَّ طلق بن غنام انفرد به، ولم يروه غيره: فلم يتبين لي ما وجه ذلك؛ فإن طلق\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٥/٣٤) .\n٢ نصب الراية: (٤/١١٩) .\n٣ إرواء الغليل: (٥/٣٨١) .\n٤ إغاثة اللهفان: (٢/٧٧) .\n٥ الجوهر النقي: (١٠/٢٧١) .\n٦ إرواء الغليل: (٥/٣٨١) .","vol":"3","page":47},{"text":"ابن غنام ثقة، فلو سلمنا انفراده، برواية ذلك، لم يكن من قبيل الشاذِّ ولا المنكر، فكيف وقد رُوِيَ الحديث من أوجه أخرى كثيرة؟\nوقال الشيخ الألباني معقبًا على كلام أبي حاتم هذا: \"لعلَّ وجهه: أن طلقًا لم يثبت عند أبي حاتم عدالته، فقد أورده ابنه في الجرح والتعديل ... ثم لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذلك مما لا يضرهُ، فقد ثبتت عدالته بتوثيق من وثقه، لاسيما وقد احتجَّ به الإمام البخاري في صحيحه\"١.\nفالذي يترجح في حديث أبي هريرة هذا: ما ذهب إليه ابن القَيِّم ﵀ من أنه وإن كان في إسناده ضعيفان، إلا أنه باقترانهما يُقَوِّي كلُّ منهما صاحبه، وينجبر الضعف الموسوم به كلٌّ منهما إذا انفرد.\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - شاهدًا آخر لهذا الحديث، وهو:\nحديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ بنحو ما تقدم، ثمَّ أشار إلي ضَعْفٍ في إسناده، إلا أنه - مع ذلك - يَصْلُحُ للاستشهاد به٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) ٣، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٤، والحاكم في (المستدرك) ٥ كلهم من طريق:\n_________\n١ إرواء الغليل: (٥/٣٨٢) .\n٢ إغاثة اللهفان: (٢/٧٧) .\n(١/١٧١) .\n٤ قط: (٣/٣٥) ح ١٤٣. هق: (١٠/٢٧١) .\n(٢/٤٦) .","vol":"3","page":48},{"text":"أيوب بن سويد، عن ابن شوذب١، عن أبي التيَّاح٢، عن أنس ﵁ به.\nقال الطبراني عقبه: \" ... تَفَرَّدَ به أيوب، ولا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد\". وقد ضَعَّفَهُ جماعة لأجل أيوب هذا، فقال البيهقي: \"رواه أيوب بن سويد، وهو ضعيف\"٣. وقال ابن الجوزي: \"فيه أيوب ابن سويد، قال ابن المبارك: ارم به. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة\"٤. وقال الحافظ ابن حجر: \"وفيه أيوب بن سويد، مختلف فيه\"٥.\nقلت: لم أر فيه اختلافًا كثيرًا، بل إنَّ الأئمة كالمجمعين على ضَعْفِهِ٦، ولعلَّ أحسن ما قيل فيه هو قول ابن عديِّ ﵀، إذ قال: \"له حديث صالح عن شيوخ معروفين، منهم: يونس بن يزيد بنسخة الزهري، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وابن جريج، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم. ويقع في حديثه ما يوافقه الثقات عليه، ويقع فيه ما لا\n_________\n١ هو: عبد الله بن شَوْذَبَ الخراساني، أبو عبد الرحمن، سكن البصرة ثم الشام، صدوق عابدٌ، من السابعة، مات سنة ١٥٦هـ أو ١٥٧هـ / بخ٤. (التقريب ٣٠٨) .\n٢ هو: يزيد بن حميد الضُّبَعي، بصريٌّ، مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من الخامسة، مات سنة ١٢٨هـ/ع. (التقريب ٦٠٠) .\n٣ سنن البيهقي: (١٠/٢٧١) .\n٤ العلل المتناهية: (٢/١٠٣) .\n٥ التلخيص الحبير: (٣/٩٧) .\n٦ انظر: تهذيب الكمال: (٣/٤٧٤ - ٤٧٧) .","vol":"3","page":49},{"text":"يوافقونه عليه، ويُكتب حديثه في جملة الضعفاء\"١. وقال ابن حجر: \"صدوق يخطئ\".\nفمثله يُكْتَبُ حديثه للاعتبار، ويُسْتَشْهَدُ به إن وافقتْ روايته رواية غيره، كما قال ابن القَيِّم - ﵀ -: \"وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف، فحديثه يَصْلُحُ للاستشهادِ به\"٢.\nثم وقفت على متابعة جيدة لأيوب بن سويد هذا، وذلك فيما أخرجه الطبراني في (الكبير) ٣ من طريق: ضمرة بن ربيعة٤، عن ابن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس ﵁ به.\nفهذا \"ضمرة بن ربيعة\" - راوية ابن شوذب والمختص به٥ - قد رواه عن ابن شوذب، متابعًا بذلك أيوب بن سويد في روايته السالفة.\nوَضَمُرَةُ هذا وَثقَهُ غير واحد من الأئمة٦، وله أوهام قليلة - كما قال الحافظ ابن حجر: \"يهم قليلًا\" - لا تؤثر في ثقته وإتقانه،\n_________\n١ الكامل: (١/٣٦٣) .\n٢ إغاثة اللهفان: (٢/٧٧) .\n(١/٢٣٤) ح ٧٦٠.\n٤ الفلسطيني، أبو عبد الله، أصله دمشقي، صدوق يَهِمُ قليلًا، من التاسعة، مات سنة ٢٠٢هـ/ بخ٤. (التقريب ٢٨٠) .\n٥ انظر: تهذيب التهذيب: (٥/٢٥٥) ترجمة عبد الله بن شوذب.\n٦ تهذيب التهذيب: (٤/٤٦١) .","vol":"3","page":50},{"text":"ومثله حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وانضمام رواية أيوب بن سويد السابقة إليه تزيده قوة، وقد صَحَّحَ الحافظ الهيثمي - ﵀ - إسناد رواية ضمرة هذه، فقال: \"رواه الطبراني في الكبير، والصغير، ورجال الكبير ثقات\"١.\nفيصحُّ بهذه المتابعات حديث أنس، أو يكون حسنًا على أقل أحواله، ولم أر أحدًا أشار إلى هذه المتابعة أو نَبَّهَ عليها، ممن وقفت على كلامهم على هذا الحديث.\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - شاهدًا آخر لهذا الحديث، وهو: حديث أبي أمامة ﵁. بنحو ما تقدم.\nوهو حديث ضعيفٌ، وممن نصَّ على ضعفه: الإمام البيهقي ﵀، فقال: \"وهذا ضعيف، لأن مكحولًا لم يسمع من أبي أمامة شيئًا، وأبو حفص الدمشقي هذا: مجهول\"٢. وقال الحافظ ابن حجر: \"رواه البيهقي ... بسند ضعيف\"٣.\nوبعد، فهذه طرق هذا الحديث - أو أشهرها - وهي لا تخلو من ضَعْفٍ، وبعضها أحسن من بعض، وبخاصة حديث أنس وحديث أبي هريرة ﵄، ولاشكَّ أن اجتماع هذه الطرق يُقَوَِّي هذا\n_________\n١ مجمع الزوائد: (٤/١٤٤ - ١٤٥) .\n٢ السنن: (١٠/٢٧١) .\n٣ التلخيص الحبير: (٣/٩٧) .","vol":"3","page":51},{"text":"الحديث، وهذا ما ذهب إليه ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا البحث؛ إذ ساق هذه الشواهد كلها تَقْوِيةً لهذا الحديث.\nوقد أَيَّدَ ابنَ القَيِّم - ﵀ - في ذلك جماعةٌ، فقال السخاوي عن طرق هذا الحديث: \"لكن بانضمامها يقوى الحديث\"١. وقال الشوكاني: \"ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة، مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها، وتحسين إمام ثالثٍ منهم، مما يصير به الحديث منتهضًا للاحتجاج\"٢. وقال الشيخ الألباني: \"وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذه الطرق ثابت\"٣. وقال مرة أخرى: \"فالحديث من الطريق الأول - يعني طريق أبي هريرة - حسنٌ، وهذه الشواهد والطرق تُرَقِّيهِ إلى درجة الصحة،، لاختلاف مخارجها، ولخلوها عن متهم\"٤.\nوقد رمز له الحافظ السيوطي بالصحة في (الجامع الصغير) ٥. هذا مع ما تقدم من تحسين الترمذي، وتصحيح الحاكم وغيره له.\nوأما ما ذهب إليه بعض الأئمة من تضعيف هذا الحديث، كقول الشافعي: \"ليس بثابت عند أهل الحديث\"٦. وقول الإمام أحمد: \"باطل،\n_________\n١ المقاصد الحسنة: (ص٧٦) .\n٢ نيل الأوطار: (٥/٣٣٥) .\n٣ إرواء الغليل: (٥/٣٨٣) .\n٤ السلسلة الصحيحة: (ح ٤٢٤) .\n٥ مع فيض القدير: (١/٢٢٣) ح ٣٠٨.\n٦ سنن البيهقي: (١٠/٢٧١) .","vol":"3","page":52},{"text":"لا أعرفه من وجه يصح\"١. وقول ابن ماجه: \"وله طرقٌ ستة كلها ضعيفة\"٢: فقد ظهر من هذه الدراسة أنَّ الأمر على خلاف ذلك، وأن هذا الحديث لا ينزل بحال من الأحوال عن درجة الحسن، إن لم يكن صحيحًا، ولذلك ردَّ الحافظ السَّخَاويُّ القول بضعف طرقه كلها قائلًا: \"لكن بانضمامها يَقْوى الحديث\". وقال الشيخ الألباني ردًّا على ذلك: \"فما نُقِلَ عن بعض المتقدمين: أنه ليس بثابت، فذلك باعتبار ما وقع له من طرق، لا بمجموع ما وصل منها إلينا\"٣. وهذا كلامٌ جيد منه ﵀، ومثله قوله: \"وهذه الشواهد والطرق ترقيه إلى درجة الصحة، لاختلاف مخارجها، ولخلوها عن متهم\". وهذا هو الصواب، والله أعلم.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٣/٩٧) .\n٢ المقاصد الحسنة: (ص ٧٦) .\n٣ إرواء الغليل: (٥/٣٨٣) .","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>٢- باب ما جاء من الرخصة في ثمن الكلب</span>\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم بيع الكلب، وأن ذلك يشمل كلَّ كلب: صغيرًا كان أو كبيرًا، للصيد أو للماشية أو لغير ذلك.\nثم تناول أدلة القائلين باستثناء كلب الصيد من هذا النهي، وناقش هذه الأدلة مبينًا ضعفها، فمن أدلة هذا الفريق:\n٨١- (٣) حديث أبي هريرة ﵁: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، إلاّ كَلْبَ صَيْدٍ\".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث من طريقين عن أبي هريرة، ونقل عن الإمام أحمدَ تضعيف الأول منهما. وضَعَّفَ الثاني: بالمثنى بن الصباح، ويحيى بن أيوب١.\nأما الطريق الأول: فقد أخرجه الترمذي في (جامعه) ٢ من طريق: حَمَّاد بن سلمة، عن أبي الْمُهَزِّم، عن أبي هريرة به.\nوقد أَعَلَّهُ غير واحد بأبي الْمُهَزِّم، فقال الترمذي عقب إخراجه: \"هذا الحديث لا يصحُّ من هذا الوجه، وأبو الْمُهَزِّم: اسمه يزيد بن سفيان٣، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج وضعفه\". وقال ابن حجر:\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٧٧٠ - ٧٧١) .\n(٣/٥٦٩) ح ١٢٨١ ك البيوع، باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور.\n٣ التميمي، البصري، اسمه يزيد - وقيل: عبد الرحمن - بن سفيان، متروك، من الثالثة/ د ت ق. (التقريب ٦٧٦) .","vol":"3","page":54},{"text":"\" ... لكنه من رواية أبي المهزم عنه، وهو ضعيف\"١.\nقلت: وأبو الْمُهَزِّم هذا ضعيفٌ بإجماعهم٢، بل قال فيه النسائي: \"متروك الحديث\"٣. وقال البخاريّ: \"تركه شعبة\"٤.\nوأما الطريق الثاني: فقد ساقه ابن القَيِّم٥ من حديث قاسم بن أصبغ بإسناده إلى يحيى بن أيوب، ثنا المثنى بن الصباح٦، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ثمن الكلب سُحْتٌ٧، إلا كلب صيد\".\nوقد ضَعَّفَ ابن القَيِّم هذا الطريق، فقال: \"وأما حديث الْمُثَنَّى ... فباطلٌ؛ لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شَهِدَ مالكٌ عليه بالكذب، وجرحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضَعْفُهُ عندهم مشهور\"٨.\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٣/٤) .\n٢ انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب: (١٢/٢٤٩) .\n٣ الضعفاء والمتروكين: (ص ١١١) .\n٤ الضعفاء الصغير: (ص ٢٥٤) .\n٥ زاد المعاد: (٥/٧٦٩) .\n٦ اليماني الأبناوي، أبو عبد الله أو أبو يحيى، نزيل مكة، ضعيفٌ، اختلط بآخرة، وكان عابدًا، من كبار السابعة، مات سنة ١٤٩ هـ / د ت ق. (التقريب ٥١٩) .\n٧ السُّحْتُ: الحرام الذي لا يحلُّ كسبه؛ لأنه يَسْحَتُ البركةَ: أي يُذْهِبُهَا. (النهاية٢/٣٤٥) .\n٨ زاد المعاد: (٥/٧٧١) .","vol":"3","page":55},{"text":"قلت: أما المثنى بن الصباح: فهو ضعيف باتفاق، وأما يحيى بن أيوب فإنه مختلف فيه، فقد ضَعَّفَهُ جماعة وَوَثَّقَهُ آخرون، ولذلك قال ابن حجر: \"صدوق ربما أخطأ\". وأما اتهام مالك له بالكذب فلم أقف على قولته تلك، والظاهر أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد تابع ابن حزم في ذلك؛ فقد ضعف الحدث بهذين الرجلين، ونقل مقالة مالك هذه في يحيى١.\nوقد أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق: محمد بن سلمة٣، عن المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ثلاث كلهنَّ سحت: كسب الحجام سُحْتٌ، ومهر الزانية سحتٌ، وثمن الكلب- إلا كلبًا ضاريًا- سحت\".\nفهذه متابعة من محمد بن سلمة - وهو ثقة - ليحيى بن أيوب الماضي ذكره، ولكن يبقى الإسناد ضعيفًا بالمثنى بن الصباح، ولذلك قال الدارقطني - عقب إخراجه من هذا الطريق-: \"المثنى ضعيف\".\nوَثَمَّةَ متابعة أخرى للمثنى بن الصباح، أخرجها الدارقطني في (سننه) أيضًا٤ من طريق: الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه\n_________\n(٩/٦١٩ - ٦٢٠) .\n(٣/٧٣) ح ٢٧٥.\n٣ ابن عبد الله الباهلي مولاهم، الحَرَّاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة ١٩١هـ على الصحيح / ر م ٤. (التقريب ٤٨١) .\n(٣/٧٢) ح ٢٧٣.","vol":"3","page":56},{"text":"عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا، بمثل حديث محمد بن سلمة السابق. قال الدارقطني: \"الوليد بن عبيد الله ضعيف\".\nوإذا كانت هذه المتابعة ضعيفة أيضًا، فإن حديث أبي هريرة هذا يبقى على حاله من الضعف.\nوقد استدل ابن القَيِّم - ﵀ - على عدم صحة هذا المرفوع بما رُوِيَ عن أبي هريرة موقوفًا بدون هذا الاستثناء، فقال: \"ويدل على بطلان الحديث: ما رواه النسائي١: حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبيد الله بن نمير، حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء ابن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، قال: \"أربعٌ من السُّحْتِ: ضِرَابُ الفحل، وثمنُ الكلب، ومهر البغيِّ، وكسبُ الحجَّام\"٢.\nفتلخص من ذلك: أن استثناء ثمن كلب الصيد من النهي الوارد عن النبي ﷺ لا يصحُّ، قال البيهقي ﵀: \"والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصِحَّاحِ في النهي عن الاقتناء\"٣. وقال النووي ﵀: \"وأما الجواب عمَّا احتجوا به من الأحاديث والآثار: فكلها ضعيفة باتِّفَاق\n_________\n١ السنن الكبرى: (٤/٤٢٧) ح ٤٦٧٧.\n٢ زاد المعاد: (٥/٧٧١) .\n٣ سنن البيهقي: (٦/٧) .","vol":"3","page":57},{"text":"الْمُحَدِّثِين\"١. وقال السيوطي: \"والجمهور على الْمَنْعِ، وأجابوا عن هذا: بأن الحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث\"٢.\nوبذلك يَتَرَجَّحُ ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.\n_________\n١ المجموع: (٩/٢١٦) .\n٢ زهر الرُّبى: (٧/١٩١) .","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>٣- باب ما جاء في بيع الْمُغنيات</span>\n٨٢- (٤) عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ١، ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، ولا خَيْرَ فِي تِجَارةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حرامٌ. في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] \".\nتَكَلَّمَ ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الحديث عند تفسيره لهو الحديث بأنه: الغناء، فقال: \"وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ، ففي مسند أحمد، ومسند عبد الله بن الزبير الحميدي، وجامع الترمذي من حديث أبي أمامة ... \" فساق الحديث، ثم قال:\n\"وهذا الحديث وإن كان مداره على: عبيد الله بن زَحْرٍ، عن علي بن يزيد الأَلْهَانِي، عن القاسم - فعبيد الله بن زَحْر: ثقةٌ، والقاسمُ: ثقة، وعليٌّ: ضعيفٌ - إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله، ويَكْفِي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه الترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في\n_________\n١ قال ابن الأثير: \"القَيْنَةُ: الأَمَةُ غَنَّتَ أو لم تُغَن ... وكثيرا ما تُطلق على المغنية من الإماء ... وتجمعُ على: قِيان أيضًا\". (النهاية ٤/١٣٥) .\n٢ إغاثة اللهفان: (١/٢٣٩ - ٢٤٠) .\n(٣/٥٧٠) ح ١٢٨٢ ك البيوع، باب كراهية بيع المغنيات. و(٥/٣٤٥) ح ٣١٩٥ ك التفسير، باب تفسير سورة لقمان.","vol":"3","page":59},{"text":"(مسنده) ١ كلاهما من طريق: بكر بن مُضَر٢.\nوأخرجه: الحميدي في (مسنده) ٣، والطبراني في (معجمه الكبير) ٤، والطبري في (تفسيره) ٥، ثلاثتهم من طريق: مُطَّرِح بن يزيد٦.\nوأخرجه: أحمد في (مسنده) ٧، والطبراني في (الكبير) ٨، والطبري في (تفسيره) ٩، كلهم من طريق: خَلاّد١٠ الصفَّار - ووقع عند أحمد: خالد، وهو خطأ-.\nوأخرجه الطبراني في (الكبير) ١١ من طريق: يحيى بن أيوب.\n_________\n(٥/٢٦٤) .\n٢ ابن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ١٧٣ أو ١٧٤هـ / خ م د ت س. (التقريب ١٢٧) .\n(٢/٤٠٥) ح ٩١٠.\n(٨/٢٣٣) ح ٧٨٠٥.\n٥ جامع البيان: (٢١/٦٠) .\n٦ أبو المهلّب الكوفي، نَزَلَ الشّام، يقال: هو الأسدِي، ومنهم من غاير بينهما، ضعيف، من السادسة/ ق. (التقريب ٥٣٤) .\n(٥/٢٥٢) .\n(٨/٢٥٤) ح ٧٨٦٢.\n٩ جامع البيان: (٢١/٦٠) .\n١٠ ابن أسلم الصفَّار، أبو بكر البغدادي، أصْلُهُ من مرو، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٩هـ / ت س. (التقريب ١٩٦) .\n١١ (٨/٢٥١) ح ٧٨٥٥.","vol":"3","page":60},{"text":"وأخرجه الطبراني - أيضًا - في (الكبير) ١ من طريق: ليث بن أبي سليم٢. كلهم عن:\nعبيد الله بن زَحْر٣، عن عليِّ بن يزيد٤، عن القاسم بن عبد الرحمن٥، عن أبي أمامة ﵁ به، وألفاظهم متقاربة.\nوقد أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٦ من طريق: مُطَّرِح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي أمامة: نهى رسول الله ﷺ ... الحديث. هكذا بإسقاط علي بن يزيد، والقاسم بن عبد الرحمن من الإسناد، فيكون هذا الإسناد معضلًا، وقد صَرَّحَ الحافظ ابن حجر بأن عبيد الله بن زحر يُرْسِلُ عن أبي أمامة٧، فيكون هذا من مراسليه عنه.\nوهذا الحديث ضَعَّفَهُ بعض الأئمة، وَطَعَنُوا في إسناده، فقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة.\n_________\n(٨/٢٥٣) ح ٧٨٦١.\n٢ ابن زنيم.\n٣ الضَّمْري مولاهم، الأفريقي، صدوق يخطئ، من السادسة / بخ ٤. (التقريب ٣٧١) .\n٤ ابن أبي زياد الألهاني، أبو عبد الملك الدمشقي، ضعيف، من السادسة، مات سنة بضع عشرة ومائة/ ت ق. (التقريب ٤٠٦) .\n٥ الدمشقي، أبو عبد الرحمن، صاحب أبي أمامة، صدوقٌ يغرُب كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ١١٢هـ / بخ ٤. (التقريب ٤٥٠) .\n(٢/٧٣٣) ح ٢١٦٨ ك التجارات، باب ما لا يحلُّ بيعه.\n٧ تهذيب التهذيب: (٧/١٢) .","vol":"3","page":61},{"text":"والقاسم ثقةٌ، وعلى بن يزيد يُضَعَّفُ في الحديث\"١. وسأل البخاريَّ عن إسناده؟ فقال: \"عبيد الله بن زحر ثقة، وعليُّ بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن مولى ثقة\"٢. وأورده ابن حزم في (المحلى) ٣ من طريق: مُطَّرِح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر ... ثم قال: \"مطرح مجهولٌ، وعبيد الله بن زحر ضعيف، والقاسم ضعيف، وعليُّ بن يزيد دمشقي مطرح، متروك الحديث\". كذا قال أبو محمد ﵀.\nقلت: وإسناد هذا الحديث مداره - كما قال ابن القَيِّم - على هؤلاء الثلاثة: عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم.\nأما عبيد الله بن زَحْر: فقد اختلفت فيه أقوال الأئمة، فجرحه جماعةٌ، واحتمله آخرون، فَضَعَّفَهُ الإمام أحمد في رواية حرب٤. وقال عليُّ بن المديني: \"منكر الحديث\"٥. وقال ابن معين: \"ليس بشيء\"٦. وقال مرة: \"كلٌّ حديثه عندي ضعيف\"٧. وقال مرة: \"ضعيف\"٨. وقال\n_________\n١ جامع الترمذي: (٥/٣٤٦) .\n٢ علل الترمذي: (١/٥١٢) .\n(٢/٧٠٥ - ٧٠٦) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٧/١٢) .\n٥ العلل: (ص ٩٠) .\n٦ تاريخ يحيى - رواية الدوري: (٢/٣٨٢) .\n٧ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص ١٧٤) رقم ٦٢٦.\n٨ سؤالات ابن الجنيد لابن معين: (ص ٣٩٦) رقم ٥١٣.","vol":"3","page":62},{"text":"أبو حاتم: \"لَيِّنُ الحديث\"١. وقال الدارقطني: \"ضعيف\"٢. وقال ابن حبان: \"منكر الحديث جدًّا، يَروي الموضوعات عن الأثبات ... \"٣. وضعفه غير هؤلاء٤.\nوَضَعَّفَ ابن حبان والدارقطني روايته عن عليِّ بن يزيد خاصة، قال ابن حبان: \"وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبرٍ: عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لا يكون متن ذلك الخبر إلاّ مما عملته أيديهم، فلا يَحِلُّ الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التَّنَكُّبُ عن رواية عبيد الله بن زحر - على الأحوال - أولى\"٥. وقال الدارقطني: \"عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد: نسخة باطلة\"٦.\nومع ذلك فقد وَثقَهُ جماعةٌ، قال النسائي: \"ليس به بأس\"٧. وقال البخاريُّ: \"ثقة\"٨. وقال أبو زرعة: \"لا بأس به، صدوق\"٩. وقال\n_________\n١ الجرح والتعديل: (٢/٢/٣١٥) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٧/١٣) .\n٣ المجروحين: (٢/٦٢) .\n٤ انظر: تهذيب التهذيب: (٧/١٣) .\n٥ المجروحين: (٢/٦٢ - ٦٣) .\n٦ الضعفاء والمتروكين: (ص ٢٦٨) .\n٧ تهذيب التهذيب: (٧/١٣) .\n٨ علل الترمذي: (١/٥١٢) .\n٩ الجرح والتعديل: (٢/٢/٣١٥) .","vol":"3","page":63},{"text":"أحمدُ بن صالح: \"ثقة\"١. وذكره العِجْلِي في (الثقات) ٢ وقال: \"يُكْتَبُ حديثه، وليس بالقويِّ\".\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنه \"إلى الضَّعْفِ أقرب\"٣ كما قال الذهبي ﵀.\nوأما عليُّ بن يزيد الألهاني، شيخ عبيد الله السابق: فقد \"اتفق أهل العلم على ضعفه\". كما قال السَّاجي٤ ﵀.\nوأما القاسم بن عبد الرحمن: فقد اختلفت فيه أقوال الأئمة أيضًا٥، وقال أبو حاتم: \"حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به، وإِنَّمَا يُنْكَرُ عنه الضعفاء\"٦.\nقلت: وهذا الحديث من رواية ضعيف عنه، وهو: علي بن يزيد.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الإسناد ضعيفٌ لا تقوم بمثله حُجَّةٌ، ولكن وُجدَت متابعات لعبيد الله بن زحر، وعلى بن يزيد، وربما تَصْلُحُ لتقوية هذا الحديث.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٧/١٣) .\n٢ بترتيب الهيثمي: (ص ٣١٦) .\n٣ المغني: (٢/٤١٥) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٧/٣٩٧) .\n٥ انظر: ترجمته في الميزان: (٣/٣٧٣)، والتهذيب: (٨/٣٢٢) .\n٦ تهذيب التهذيب: (٨/٣٢٤) .","vol":"3","page":64},{"text":"فقد تابع عبيد الله بن زحر: الفرجُ بنُ فَضَالَة، فساقه ابن حزم في (المحلى) ١ من طريق: سعيد بن منصور، نا الفرج بن فضالة، عن علي بن يزيد به، ثم ضَعَّفَهُ بالقاسم. وأشار البيهقي في (سننه) ٢ إلى هذه الرواية.\nقلت: وتضعيفه بالفرج بن فضالة أولى من تضعيفه بالقاسم.\nوأما عليُّ بن يزيد الألهاني: فقد تابعه يحيى بن الحارث٣، أخرجه الطبراني في (معجمه الكبير) ٤ من طريق: الوليد بن الوليد٥، ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان٦، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ عنه، وزاد في آخره: حتى فَرَغَ من الآية ثم أتبعها: \"والذي بعثني بالحقِّ، ما رفَعَ رجلٌ عَقِيرَتَهُ٧ بالغناء، إلا بَعَثَ الله ﷿ عند ذلك شيطانين يرتقدان على عاتقيه، ثم لا يزالان يضربان بأرجلهما على صدره - وأشار إلى صدر نفسه - حتى يكون هو الذي يسكت\".\n_________\n(٩/٧٠٧) .\n(٦/١٤) .\n٣ الذِّماري، أبو عمرو الشامي، القاري، ثقة، من الخامسة، مات سنة ١٤٥هـ/ ٤. (التقريب ٥٨٩) .\n(٨/٢١٢) ح ٧٧٤٩.\n٥ ابن زيد العنسي، الدمشقي، أبو العباس، قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال الدارقطني وغيره: متروك. انظر: الميزان: (٤/٣٥٠) .\n٦ العنسي، الدمشقي.\n٧ أي: صوته. وقيل: أصله أن رجلًا قُطِعت رِجله، فكان يرفعُ المقطوعة على الصحيحة ويصيح من شدة وجعها بأعلى صوته، فقيل لكلِّ رافعٍ صوته: رَفَعَ عَقِيرَتَهُ. (النهاية ٣/٢٧٥) .","vol":"3","page":65},{"text":"والوليد بن الوليد: قال فيه أبو حاتم: \"صدوقٌ، ما بحديثه بأس، حديثه صحيح\"١: وضعفه غيره. وعبد الرحمن بن ثوبان وإن ضَعَّفَهُ جماعة، فقد وثقه آخرون، وهو ممن يكتب حديثه على ضعفه، كما قال ابن معين، وابن عدي٢.\nفهاتان المتابعتان - لعبيد الله بن زَحْر، ثم لعليِّ بن يزيد - تصلحان لتقوية هذا الحديث، وإخراجه من حيز الضعف إلى حيز القبول، ويكون - إن شاء الله - حَسَنًا لغيره.\nثم إنه قد وُجدَ لهذا الحديث شاهدٌ من حديث عائشة ﵂، ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (الكلام على مسألة السماع) ٣ فقال: \"وَرُوِيَ في ذلك حديث مرفوع من حديث عائشة ﵂\" فذكره.\nوأشار البيهقي - ﵀ - إلى هذا الحديث، فقال: \"وروي عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة، وليس بمحفوظ. وروي عن ليث راجعًا إلى الإسناد الأول - يعني: رواية ليث عن عبيد الله ابن زحر - خَلَّطَ فيه ليث\"٤.\nوعزاه الهيثمي إلى الطبراني، فقال: \"ورواه الطبراني في الأوسط،\n_________\n١ الجرح والتعديل: (٤/٢/١٩) .\n٢ انظر: تهذيب التهذيب: (٦/١٥١) .\n(ص١١٢) .\n٤ سنن البيهقي: (٦/١٤) .","vol":"3","page":66},{"text":"وفيه اثنان لم أجد من ذكرهما، وليث بن أبي سليم: وهو مُدَلِّسٌ\"١.\nوهذا مع ضعفه، فإنه يُستأنس به، ويصلح لتقوية حديث أبي أمامة السابق، هذا مع ما ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - من تفسير كثير من الصحابة للهو الحديث بأنه الغناء، قال: \"فقد صحَّ ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود ... وصحَّ عن ابن عمر ﵄ - أيضًا -: أنه الغناء\"٢.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث أبي أمامة ﵁ يَتَقَوَّى بمتابعات، وشاهد من حديث عائشة ﵂، مع ما جاء من أقوال الصحابة المؤيدة لهذا المرفوع، كما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.\n_________\n١ مجمع الزوائد: (٤/٩١) .\n٢ إغاثة اللهفان: (١/٢٤٠) . وينظر: جامع البيان للطبري: (٢١/٦٠ - ٦٢) .","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>٤- باب ما جاء في النهي عن العينة</span>\n٨٣- (٥) عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: \"إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينَارِ والدِّرْهَمِ، وتَبَايَعُوا بِالعِيْنَةِ١، واتَّبَعُوا أَذْنَابَ البَقَرِ، وتركوا الجهادَ في سبيل الله: أنزلَ الله بهم بلاءً، فلا يَرْفَعُهُ عنهم حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُم \".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في عدد من كتبه٢، مستدلًا به على تحريم العينة. وقد ساقه من طريقين، وَبَيَّنَ أن كلًا منهما يَشُدُّ الآخرَ، ويُثْبتُ أن للحديث أصلًا محفوظًا، هذا مع قوله بأن في الإسنادين كلامًا يسيرًا٣. وقد حَكَمَ بحسن هذين الإسنادين، فقال: \"وهذان إسنادان حَسَنَان يشدُّ أحدهما الآخر\"٤.\nقلت: هذا الحديث يُروى عن ابن عمر - ﵄ - من طريقين:\n_________\n١ العِيْنَةُ: السَّلَفُ، واعْتَانَ الرجل: اشترى الشيء بالشيء نسيئةً.... وفسرها الفقهاء: \"بأن يبيع الرجل متاعه إلى أجلٍ، ثم يشتريه في المجلس بثمنٍ حالٍ لِيَسْلَمَ به من الرِّبَا، وقيل لهذا البيع عينة؛ لأنَّ مشتري السِّلْعَةَ إلى أجلٍ يأخذ بدلها عَيْنًا، أي نقدًا حاضرًا\". (المصباح المنير ٢/٤٤١) .\n٢ ينظر: تهذيب السنن: (٥/١٠٣ - ١٠٤)، وإعلام الموقعين: (٣/١٦٥ - ١٦٦)، والداء والدواء: (ص٦٣) .\n٣ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .\n٤ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .","vol":"3","page":68},{"text":"الطريق الأول: أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والبيهقي كذلك في (سننه) ٢، وأبو بشر الدولابي في (الكنى) ٣، ثلاثتهم من طريق:\nحيوة بن شريح٤، عن إسحاق٥ أبي عبد الرحمن الخراساني، أن عطاء الخراساني حَدَّثَهُ، أن نافعًا حَدَّثَهُ، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا بنحو ما تَقَدَّمَ، إلا أن فيه: \"سلط الله عليكم ذلًا ... \".\nوقد ضَعَّفَ جماعةٌ إسناد هذا الحديث بأبي عبد الرحمن الخُراساني، فقال ابن القطان: \"الحديث من أجله - يعني إسحاق بن أَسِيد - لا يصحُّ\"٦. وقال المنذريُّ: \"في إسناده إسحاق بن أسيد، أبو عبد الرحمن الخراساني،.. لا يُحْتَجُّ بحديثه\"٧. وجعل الذهبي هذا الحديث من مناكير إسحاق هذا، فقال: \"ومن مناكيره في سنن أبي داود: حدثنا عطاء الخراساني ... \"٨. وقال الحافظ ابن حجر: \"إسناده\n_________\n(٣/٧٤٠) ح ٣٤٦٢ ك البيوع، باب النهي عن العينة.\n(٥/٣١٦) .\n(٢/٦٥) .\n٤ ابن صفوان التجيبي، أبو زرعة المصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ، من السابعة، مات سنة ١٥٨هـ وقيل ١٥٩هـ/ ع. (التقريب ١٨٥) .\n٥ ابن أَسيد، الأنصاري، أبو عبد الرحمن الخراساني، ويقال: أبو محمد المروزي، نزيل مصر، فيه ضعف، من الثامنة. (التقريب ص ١٠٠) .\n٦ بيان الوهم والإيهام: (٥/٢٩٤ – ٢٩٥) ح ٢٤٨٤.\n٧ مختصر سنن أبي داود: (٥/١٠٢ - ١٠٣) .\n٨ الميزان: (٤/٥٤٧) .","vol":"3","page":69},{"text":"ضعيف\"١. وقال أيضًا: \"في إسناده مقال\"٢. فقال الصنعاني مُبَيِّنًَا ذلك: \"لأن في إسناده أبا عبد الرحمن الخراساني\"٣.\nوأَعَلَّهُ المنذريُّ - فوق ذلك - بعطاء الخراساني، فقال: \"وفيه أيضًا: عطاء الخراساني، وفيه مقال\"٤.\nوخالف هؤلاء جميعًا: ابن تيمية ﵀، فقال: \"إسنادٌ جيدٌ\"٥. وابن القَيِّم ﵀، فقال: \"إسنادٌ حسن\"٦!\nقلت: أما إسحاق بن أسيد هذا: فقد ضَعَّفَهُ غير واحدٍ، فقال أبو حاتم: \"ليس بالمشهور، ولا يُشتغل بحديثه\"٧. وقال أبو أحمد الحاكم: \"مجهول\"٨. وقال الأزديُّ: \"منكر الحديث، تركوه\"٩. وقال ابن بكير: \"لا أدري حاله\"١٠. وذكره ابن حبان في (الثقات) ١١ لكن قال:\n_________\n١ الدراية: (٢/١٥١) .\n٢ بلوغ المرام: (ح٨٦٠) .\n٣ سبل السلام: (٣/٨٠) .\n٤ مختصر سنن أبي داود: (٥/١٠٣) .\n٥ القواعد النورانية: (ص١٤٢) .\n٦ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .\n٧ الجرح والتعديل: (١/١/٢١٣) .\n٨ تهذيب التهذيب: (١/٢٢٧) .\n٩ المصدر السابق.\n١٠ المصدر السابق.\n١١ (٦/٥٠) .","vol":"3","page":70},{"text":"\"يخطئ\". وقال المنذري: \"لا يحتجُّ بحديثه\"١. وَضَعَّفَهُ ابن القطان كما مرَّ. وقال الذهبي: \"ضُعِّفَ\"٢. وقال ابن حجر: \"فيه ضعف\"٣.\nوالذي يظهر من أمرِ هذا الرَّجُل: أنه ضعيفٌ، لكنه ليس شديد الضَّعْفِ، ولذلك لم يجزم فيه الذهبي ولا ابن حجر بالضعف - وقد تقدم قولهما - بل قال الذهبي مرة: \"وهو جائز الحديث\"٤. وهذا يدلُّ على أن ضعفه محتمل عندهما.\nوقد وُجدَتْ متابعةٌ لإسحاق هذا في شيخ شيخه، أشار إليها أبو نعيم في (الحلية) ٥، فقال: \"ورواه فضالة بن حصين، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر\". وذكر الشيخ الألباني أنَّ هذه المتابعة أخرجها ابن شاهين في (الأفراد)، وقال: \"تفرد به فضالة\"٦.\nولكن فضالة هذا متكلم فيه أيضًا، قال عنه أبو حاتم: \"مضطرب الحديث\"٧. وقال ابن حبان: \"شيخ يَروي عن محمد بن عمر الذي لم يتابع عليه، وعن غيره من الثقات ما ليس من أحاديثهم\"٨.\n_________\n١ مختصر السنن: (٥/١٠٢) .\n٢ الكاشف: (١/٦٠) .\n٣ التقريب: (ص١٠٠) .\n٤ الميزان: (١/١٨٤) .\n(٣/٣١٩) .\n٦ السلسلة الصحيحة: (١/١٦) ح ١١.\n٧ الجرح والتعديل: (٣/٢/٧٨) .\n٨ المجروحين: (٢/٢٠٥) .","vol":"3","page":71},{"text":"فَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الإسناد ضعيفٌ بأبي عبد الرحمن الخراساني، وأنَّ المتابعة التي وُجدتْ له - مع كونها قاصرة - لا تُسْعِفُه، لضعف إسنادها بفضالة بن حصين، وقد يكون اختلط عليه إسناد هذا الحديث فجعله عن أيوب، فإنه مضطرب الحديث.\nومن هذا يتبين أنَّ تحسين ابن القَيِّم إسناده غير جيد، إلا أن يريد بذلك: بمجموع طرقه، فقد يحتمل ذلك.\nالطريق الثاني: عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر. ويروى عن عطاء من وجهين:\nالوجه الأول: ما أخرجه أحمد في (مسنده) ١، والطبرانيُّ في (الكبير) ٢، من طريق: أبي بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا بنحو اللفظ المتقدم أول البحث.\nوقد صَحَّحَ هذا الإسناد جماعةٌ: فقال ابن القطان: \"هذا حديث صحيحٌ، ورجاله ثقات\"٣. وقال ابن تيمية: \"إسناد جيد\"٤. وقال ابن القَيِّم: \"إسناد حسن\"٥. وقال الحافظ ابن حجر: \"رجاله ثقات،\n_________\n(٢/٢٨) .\n(١٢/٤٣٢) ح ١٣٥٨٣.\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٥/٢٩٥ - ٢٩٦) .\n٤ القواعد النورانية: (ص ١٤٢) .\n٥ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .","vol":"3","page":72},{"text":"وصححه ابن القطان\"١. ووصفَ إسنادَهُ بأنه أجودُ وأمثلُ من إسناد إسحاق بن أسيد، عن عطاء الخراساني الماضي٢. وقال مرة: \"أصحُّ ما ورد في ذَمِّ بيع العِيْنَة: ما رواه أحمد والطبراني، من طريق أبي بكر بن عياش ... \"٣. وحسَّنَ السيوطيُّ إسناده٤. وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"٥.\nوَضَعَّفَهُ البيهقيُّ، فقال: \"ورُوِيَ من وجهين ضعيفين: عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عمر\"٦. وقال المناويُّ: \"أبو بكر بن عياش مختلفٌ فيه\"٧.\nوَأَعَلَّهُ الحافظ ابن حجر بعنعنة الأعمش وهو مُدَلِّسُ، فقال: \"وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلولٌ؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مُدَلِّس، ولم يذكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية: بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فرجع الحديث إلى\n_________\n١ بلوغ المرام: (ح ٨٦٠) .\n٢ الدراية: (٢/١٥١) .\n٣ التلخيص الحبير: (٣/١٩) .\n٤ الجامع الصغير مع فيض القدير: (١/٣٩٧) ح ٧٤٠.\n٥ التعليق على مسند أحمد: (٧/٢٧) ح ٤٨٢٥.\n٦ السنن: (٥/٣١٦) .\n٧ فيض القدير: (١/٣٩٧) .","vol":"3","page":73},{"text":"الإسناد الأول، وهو المشهور\"١. يعني حديث إسحاق الخراساني.\nوقد أَبْدَى ابن القَيِّم - ﵀ - تَخَوُّفَهُ من احتمال وقوع ذلك، فقال: \" ... وإِنَّمَا يُخَافُ ألا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أنَّ عطاء لم يسمعه من ابن عمر\"٢. فأضاف بذلك علة أخرى، وهي: احتمال إرسال عطاء له. وكلام ابن القَيِّم هذا كأنه أخذه من شيخه ابن تيمية رحمهما الله، فإنه نسبه إليه في موضع آخر٣.\nقلتُ: أما غَمْزُ هذا الإسناد بأبي بكر بن عَيَّاش فلا ينبغي؛ فإن الرجل ثقةٌ، فقد وثقه غير واحد من الأئمة، إلا أنه كان يخطئ، قال الذهبي ﵀: \"أحدُ الأعلام، ثقة يغلط\"٤. وقال ابن عديّ: \"لم أجد له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة، إلا أن يروي عنه ضعيف\"٥. وقال ابن حبان: \"والصواب في أمره: مجانبة ما عُلِمَ أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنه داخلٌ في جملة أهل العدالة، ومن صَحَّتْ عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهكذا حُكْمُ كلِّ مُحَدِّثٍ ثقةِ صَحَّت عدالته وتَبَيَّنَ خطؤه\"٦. ومع ذلك: فقد روى هذا الحديث عنه ثقة، وهو الأسود بن\n_________\n١ التلخيص الحبير: (٣/١٩) .\n٢ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .\n٣ انظر: إعلام الموقعين: (٣/١٦٦) .\n٤ المغني: (٢/٧٧٤) .\n٥ الكامل: (٤/٣٠) .\n٦ الثقات: (٧/٦٧٠) .","vol":"3","page":74},{"text":"عامر الشامي١، وذلك في إسناد الإمام أحمد.\nوأما ما قاله ابن حجر من تدليس الأعمش، فإنَّ كلامه قد تَضَمَّنَ أمورًا:\n١- أن الأعمش قد عنعنه، وهو مدلس.\n٢- أن عطاء الذي عنعن عنه الأعمش، قد يكون عطاء الخراساني، فيكون قد حصل تدليس تسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر.\n٣- وإذا كان كذلك، فإنَّ هذا الإسناد يرجع إلى الإسناد الأول، الذي رواه: أبو عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر.\nوأقول: أما عنعنة الأعمش، فإنها عِلَّةٌ ولا شكَّ في هذا الإسناد، ولكنه ممن احْتُمِلَ تدليسهم: لإمامتهم، وقلة تدليسهم في جنب ما رووه، ولذلك جعله الحافظ ابن حجر في \"الطبقة الثانية\" من طبقات المدلسين٢ الذين هذه صفتهم. ومع ذلك فإنه قد تُوبِعَ على هذه الرواية، كما سيأتي بيانه.\nوأما القول بأنَّ عطاءً يحتمل أن يكون ابن أبي مسلم الخراساني: فلا أَدْرِي ما الذي دعا الحافظ ابن حجر إلى إيراد هذا الاحتمال؟ فإنه قد جاء منسوبًا في روايتي الطبرانيِّ وأحمد، إذ جاء عندهما: \"عطاء بن أبي\n_________\n١ انظر: التقريب: (ص ١١١) .\n٢ طبقات المدلسين: (ص ٤٩) .","vol":"3","page":75},{"text":"رباح\". وإذا كان كذلك فإنه لا يلتبس بعطاء الخراساني، فلعلَّ الحافظ ابن حجر - ﵀ - لم يقف عليه منسوبًاَ، فقال ما قال!\nوأما ما ذهب إليه من تدليس التسوية: فإنه بناه على الاحتمال السابق وقد عُرِفَ ما فيه، ومع ذلك فلو سُلِّمَ للحافظ القول به، فإنه لا يكونُ كما قال؛ فإنَّ المعروف في تدليس التسوية أنه يُلجأ إليه لإسقاط ضعيفٍ من الإسناد بين ثقتين، فهل نافع مولى ابن عمر الإمام الثبت ضعيفٌ حتى يسقطه الأعمش من الإسناد؟ هذا لازم قول الحافظ ابن حجر، ولكنه لا يلتزمه ولا يقول بضعف نافع أبدًا.\nبَقِيَ الكلام في سماع عطاء من ابن عمر ﵄ - وهو ما تَخَوَّفَ منه ابن القَيِّم ﵀ -: فقد قال الإمام أحمد وعليُّ بن المديني: إنه رأى ابن عمر ولم يسمع منه١.\nوقد ضَعَّفَ الأئمة مرسلات عطاء ولم يحمدوها، فقال علي بن المديني: \"مرسلات مجاهد أحبُّ إليَّ من مرسلات عطاء بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كلِّ ضربٍ\"٢. وقال الإمام أحمد: \"ليس في المرسلات أضعفُ من مرسلات الحسن وعطاء؛ فإنَّهما كانا يأخذان عن كلِّ أحدٍ\"٣.\n_________\n١ المراسيل - ابن أبي حاتم: (١٥٤ - ١٥٥)، وجامع التحصيل: (ص ٢٩٠) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٧/٢٠٢) .\n٣ المصدر السابق.","vol":"3","page":76},{"text":"فإذا كان كذلك، فإنَّ هذه عِلَّةُ أخرى في هذا الإسناد تضاف إلى ما سبق، وهي: انقطاعه بين عطاء وابن عمر.\nالوجه الثاني١: ما أخرجه أبو يعلى في (مسنده) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣، من طريق: ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن أبي سليمان٤، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر - ﵄ - بنحو حديث الأعمش الماضي.\nوهذا الإسناد ضعيفٌ؛ لضعف ليث بن أبي سليم. وعبد الملك بن أبي سليمان فيه كلامٌ يسيرٌ لا يضره، وقد ضَعَّفَ البيهقي - ﵀ - هذا الإسناد. فقال عنه وعن طريق الأعمش السابق: \"ورُوي ذلك من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر\"٥.\nولكن، مع ما في هذا الإسناد من ضعفٍ، فإنه إذا ضُمَّ إلى إسناد الأعمش الماضي تَقَوَّى كلٌّ منهما بالآخر، وإذا ضُمَّ الاثنان إلى حديث عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، فإنهما - كما قال ابن القيم ﵀ -: \"يَشُدُّ أحدهما الآخر\"٦، مع ما تَقَدَّمَ من تصحيح\n_________\n١ من وجوه الرواية عن عطاء، عن ابن عمر.\n(١٠/٢٩) ح ٥٦٥٩.\n(١٢/٤٣٣) ح ١٣٥٨٥.\n٤ العَرْزَمِي، صدوقٌ له أوهامٌ، من الخامسة، مات سنة ١٤٥هـ/ خت م ٤. (التقريب ٣٦٣) .\n٥ سنن البيهقي: (٥/٣١٦) .\n٦ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .","vol":"3","page":77},{"text":"بعض الأئمة لبعض طرق حديث عطاء، وتحسين آخرين له، وبذلك يَتَبَيَّنُ: \"أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر\"١. فيكون هذا الحديث بمجموع طرقه حسنًا، وقد صَحَّحَهُ الشيخ الألباني بمجموع طرقه٢، ولعل الأليق به أن يكون حسنًا، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/١٠٤) .\n٢ السلسلة الصحيحة: (ح١١) .","vol":"3","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>٥- باب في بيع أمهات الأولاد</span>\n٨٤- (٦) عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، فَوَلَدَتْ له، فهي مُعْتَقَةٌ عن دُبُرٍ١ منه\".\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - قضية بيع أمهات الأولاد، فكان مما قال: \"وقد احْتُجَّ على منع البيع بحجج كلها ضعيفة\". ثمَّ ذكر منها حديث ابن عباس هذا، قال: \"وفي لفظ: أيما امرأةٍ عَلِقَتْ٢ من سَيِّدِهَا، فهي معتقة عن دُبُرٍ منه - أو قال - من بعده\".\nقال ﵀: \"وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهو ضعيف الحديث، ضَعَّفَهُ الأئمة\"٣.\nقلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٥، والطبراني في (الكبير) ٦، والحاكم في\n_________\n١ أي: بعد موته. يقال: دَبَّرْتَ العبدَ، إذا عَلَّقْتَ عِتْقَهُ بموتك، وهو التدبير: أي أنه يُعْتق بعدما يُدَبِّره سَيِّدُهُ ويموت. (النهاية ٢/٩٨) .\n٢ عَلِقَتِ المرأة بالولد - وكل أنثى - تَعْلَقُ: حَبِلَتْ. (المصباح المنير ص ٤٢٥) .\n٣ تهذيب السنن: (٥/٤١١) .\n(٢/٨٤١) ح ٢٥١٥ ك العتق، باب أمهات الأولاد.\n٥ حم: (١/٣٠٣، ٣١٧، ٣٢٠) . مي: (٢/١٧٢) ح ٢٥٧٧. ك البيوع، باب في بيع أمهات الأولاد.\n(١١/٢٠٩) ح ١١٥١٩.","vol":"3","page":79},{"text":"(المستدرك) ١، والبيهقي في (سننه) ٢، كلهم من طريق: شريك.\nوأخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ من طريق: أبي أُوَيْس. كلاهما عن:\nحسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ بنحو اللفظ المتقدم.\nوهذا الإسناد ضَعِيفٌ جدًَّا؛ فإنَّ مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وقد أجمعوا على ضَعْفِهِ، بل قال النسائي: \"متروك\"٤. وقد ضُعِّفَ هذا الحديث لأجله، فقال البيهقي عقبه: \"حسين ضَعَّفَهُ أكثر أصحاب الحديث\". وقال البوصيري: \"هذا إسناد ضعيف، حسين بن عبد الله ... تركه ابن المديني ...، وَضَعَّفَهُ أبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاريُّ: يُقال إنه كان يُتَّهَمُ بالزندقة\"٥. وقال الحافظ ابن حجر: \"في إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف جدًا\"٦.\nوخالف الحاكم ﵀، فقال: \"حديث صحيح الإسناد، ولم\n_________\n(٢/١٩) .\n(١٠/٣٤٦) .\n(٤/١٣٢) ح ٢٤، (٤/١٣٣) ح ٢٧.\n٤ تهذيب التهذيب: (٢/٣٤٢) .\n٥ مصباح الزجاجة: (٢/٦٥ - ٦٦) .\n٦ التلخيص الحبير: (٤/٢١٧) .","vol":"3","page":80},{"text":"يخرجاه\". فَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بقوله: \"قلت: حسين متروك\"١، وابن الملقن بقوله: \"وفيه نظرٌ قويٌّ، سيما رواية الدارقطني\"٢.\nوقد روي حديث ابن عباس هذا على وجهٍ آخر عنه ﵁ أنه قال: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيم عند رسول الله ﷺ، فقال: \"أَعْتَقَهَا وَلَدهَا\".\nوهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٣ من طريق: أبي بكر النَّهْشَلِي، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nوهو ضعيفٌ كالذي قبله؛ لأن \"حسين بن عبد الله\" في هذا الإسناد أيضًا، وقد تَقَدَّمَ بيان حاله، وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى تضعيفه بذلك، فقال: \"وهو أيضًا من رواية حسين\"٤.\nولكن قد رُوِيَ بهذا اللفظ من غير طريق حسين هذا، وذلك فيما أورده ابن القَطَّان من طريق: قاسم بن أصبغ، عن محمد بن وَضَّاح، عن مصعب بن سعيد، ثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: لما ولدت ماريةُ إبراهيم، قال رسول الله ﷺ: \"أعتقها ولدها\" ٥.\n_________\n١ تلخيص المستدرك: (٢/١٩) .\n٢ خلاصة البدر المنير: (٢/٤٦٤) ح ٢٩٨٩.\n(٢/٨٤١) ح ٢٥١٦.\n٤ تهذيب السنن: (٥/٤١١ - ٤١٢) .\n٥ بيان الوهم والإيهام: (٢/٨٥) ح ٥٨.","vol":"3","page":81},{"text":"وهذا الإسناد فيه مصعب بن سعيد، وهو المصيصي، أبو خيثمة، قال فيه صالح جزرة: \"شيخ ضريرٌ لا يَدْرِي ما يقول\"١. وقال ابن عديّ: \"يُحَدِّثُ عن الثقات بالمناكير، ويُصَحِّفُ عليهم\"٢ وقال ابن القطان: \"يُضَعَّفُ\"٣.\nولكن سُئل عنه أبو حاتم؟ فَقَطَّبَ وجهه، وقال: \"عبد الله بن جعفر أحبُّ إليَّ منه، وكان صدوقًا\"٤. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٥، وقال: \"ربما أخطأ، يُعْتَبَرُ حديثه إذا روى عن الثقات، وَبَيَّنَ السماع في خبره؛ لأنه كان مدلسًا\". وقال الذهبي: \"صدوق\"٦. وذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين٧.\nوعل ما قاله ابن حبان ﵀: فإنَّ هذا الإسناد لا بأس به؛ لأنَّ شيخ مصعب في هذا الإسناد ثقةٌ، وقد صَرَّحَ مصعبٌ بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه.\nوقد صَحَّحَ رواية قاسم بن أصبغ هذه جماعة من الأئمة، فنقل\n_________\n١ لسان الميزان: (٦/٤٤) .\n٢ الكامل: (٦/٣٦٤) .\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٢/٨٦) .\n٤ الجرح والتعديل: (٤/١/٣٠٩) .\n(٩/١٧٥) .\n٦ المغني: (٢/٦٦٠) .\n٧ طبقات المدلسين: (ص ١١١) .","vol":"3","page":82},{"text":"الزيلعي عن ابن القطان أنه قال: \"إسناد جيد\"١. - ولم أقف عليه في كتاب ابن القطان٢ عند كلامه على هذا الحديث -، وقال ابن الملقن: \"رواه ... ابن حزم بإسناد صحيح، وصححه\"٣. وقال الحافظ ابن حجر: \"له طريق عند قاسم بن أصبغ إسنادها جيد\"٤.\nفتلخص من ذلك: أن الحديث ضعيف بالإسناد الذي أورده ابن القَيِّم ﵀ - وهو ما حكم به عليه -، لكن الحديث وردَ من طريق أخرى صَحَّحَ جمعٌ من الأئمة إسنادها، مما يفيد أن لهذا الحديث أصلًا، والله أعلم.\n_________\n١ نصب الراية: (٣/٢٨٧) .\n٢ انظر: (بيان الوهم والإيهام ٢/٨٥) .\n٣ خلاصة البدر المنير: (٢/٤٦٤) ح ٢٩٩١.\n٤ الدراية: (٢/٨٧) ح ٦٢١.","vol":"3","page":83},{"text":"١٢-<span data-type=\"title\" id=toc-152> من كتاب الأطعمة والصيد والذبائح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١- باب في الطافي من صيد البحر</span>\n٨٥- (١) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أو جَزَرَ١ عنه فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فيه وَطَفَا فلا تَأْكُلُوهُ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - تضعيف عبد الحق لرفع هذا الحديث، وأن الصواب وَقْفُهُ على جابر ﵁، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُسْنِدَ من وجه ضعيفٍ: عن يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر. ومن حديث: عبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب، وهو ضعيفٌ.\nثم نَقَلَ ابن القَيِّم اعتراض ابن القطَّان على عبد الحق، إذ قال: \"فإنْ كان عبد الحق ضَعَّفَ المرفوع لكونه من رواية أبي الزبير: فقد تناقض، لتصحيحه الموقوف، وهو عنه. وإن عَنَى به ضعف يحيى بن سليم: تناقض أيضًا، فكم من حديث صححه من روايته، ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلاّ من هو دونه، وهو إسماعيل بن عَيَّاش، وأما إسماعيل بن أميَّة: فلا يُسْأَلُ عن مثله\".\nثم تَعَقَّبَ ابن القَيِّم ابن القطان، فقال: \"وهذا تَعَنُّتٌ من ابن القطان، والحديثُ إنما ضُعِّفَ لأن الناس رووه موقوفًا على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم، وهو مع سوء حفظه قد خَالَفَ الثقات، وانفرد عنهم، ومثل هذا لا يحتجُّ به أهل الحديث، فهذا هو الذي أراده\n_________\n١ أي: ما انكشف عنه الماءُ من حيوان البحر، يُقال: جَزَرَ الماءُ، يجزر جَزْرًا: إذا ذهب ونقص. ومنه الجزر والمدُّ، وهو رجوع الماءِ إلى خلفٍ. (النهاية ١/٢٦٨) .","vol":"3","page":87},{"text":"أبو داود وغيره من تضعيف الحديث\"١.\nثم أَخَذَ في توجيه صنيع عبد الحق في كَوْنِهِ صَحَّحَ حديث يحيى بن سليم في غير هذا الموضع وَضَعَّفَهُ هنا، فَبَيَّنَ أن هذه هي \"طريقةُ أئمةِ الحديث العارفين بعلله: يُصَحِّحُونَ حديثَ الرَّجُلِ في موضع، ويضعفون حديثه في موضع آخر إذا انفرد أو خالف الثقات ... \"٢.\nقلت: هذا الحديث مداره على: أبي الزبير، ووهب بن كيسان٣، كلاهما عن جابر ﵁.\nأما حديث أبي الزبير: فقد رُوِيَ عنه من عِدَّة طرق:\nالطريق الأول: أخرجه أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) ٤، والطبراني في (الأوسط) ٥، ثلاثتهم من طريق:\nأحمد بن عبدة، عن يحيى بن سليم٦، عن إسماعيل بن أمية٧، عن\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٣٢٤ - ٣٢٥) .\n٢ المصدر السابق: (٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦) .\n٣ القُرشي مولاهم، أبو نعيم، المدني الْمُعَلِّم، ثقةٌ، من كبار الرابعة، مات سنة ١٢٧هـ/ع. (التقريب ٥٨٥) .\n٤ د: (٤/١٦٥) ح ٣٨١٥ ك الأطعمة، باب في أكل الطافي من السمك. جه: (٢/١٠٨١) ح ٣٢٤٧ ك الصيد، باب الطافي من صيد البحر.\n(٣/٤١٠) ح ٢٨٨٠.\n٦ الطائفي، نزيل مكة، صدوقٌ سيء الحفظ، من التاسعة، مات سنة ١٩٣هـ أو بعدها/ ع. (التقريب ٥٩١) .\n٧ ابن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، ثقةٌ ثبتٌ، من السادسة، مات سنة ١٤٤هـ / ع. (التقريب ١٠٦) .","vol":"3","page":88},{"text":"أبي الزبير، عن جابر به، ولفظه هو المذكور أول البحث.\nومن طريق أبي داود أخرجه: الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ١، وابن عبد البر في (التمهيد) ٢.\nالطريق الثاني: أخرجه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣ من طريق: أبي أحمد الزبيري٤، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به.\nالطريق الثالث: أخرجه الترمذي في (علله) ٥ من طريق: الحسين ابن يزيد٦، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير به، ولفظه: \"ما اصطدتموه وهو حيٌّ فكلوه، وما وجدتموه ميتًا طافيًا فلا تأكلوه\".\nالطريق الرابع: من رواية يحيى بن أبي أنيسة٧، عن أبي الزبير به، أشار إليه البيهقي في (سننه) ٨.\n_________\n١ قط: (٤/٢٦٨) ح ٨. هق: (٩/٢٥٥) .\n(١٦/٢٢٥) .\n٣ قط: (٤/٢٦٨) ح ٧. هق: (٩/٢٥٥) .\n٤ هو: محمد بن عبد الله بن الزبير.\n(٢/٦٣٦) .\n٦ ابن يحيى الطَحَّان الأنصاري، الكوفي، لَيِّنُ الحديثِ، من العاشرة، مات سنة ٢٤٤هـ / د ت. (التقريب ١٦٩) .\n٧ أبو زيد الجزري، ضعيفٌ، من السادسة، مات سنة ١٤٦هـ/ ت. (التقريب ٥٨٨) .\n(٩/٢٥٦) .","vol":"3","page":89},{"text":"الطريق الخامس: من رواية الأوزاعي عن أبي الزبير به، أشار إليه البيهقي - أيضًا - في (سننه) ١.\nفهذه طرقُ حديث أبي الزبير، عن جابر، ولا يخلو واحدٍ منها من عِلَّةٍ، وقد بين الأئمة ما فيها:\nأما رواية يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية: فقال أبو داود عقب إخراجها: \"روى هذا الحديث: سفيان الثوري، وأيوب، وحماد، عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر\". وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل إلا يحيى\". وقال الدارقطني: \"لا يصحُّ رفعه، رَفَعَهُ يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، وَوَقَفَهُ غيره\"٢. وقال البيهقي: \"يحيى بن سليم كثير الوهم، سيئ الحفظ، وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفًا\"٣.\nوالرواية التي أشار إليها البيهقي ﵀، أَخْرَجَهَا الدارقطني في (سننه) ٤ من طريق: إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ موقوفًا من قوله، قال الدارقطني: \" ... موقوف، هو الصحيح\".\nفقد خالف إسماعيل بن عياش يحيى بن سليم، فجاء به عن\n_________\n(٩/٢٥٦) .\n٢ سنن الدارقطني: (٤/٢٦٨) .\n٣ السنن: (٩/٢٥٦) .\n(٤/٢٦٩) ح ٩.","vol":"3","page":90},{"text":"إسماعيل بن أمية موقوفًا، ورواية ابن عياش هذه عن غير الشاميين، فهي ضعيفةٌ عند العلماء، وقد قال ابن القطان - في رَدِّهِ على عبد الحق -: \"ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش\"١. وَأَعَلَّه كذلك صاحب (الجوهر النقي) ٢ بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين.\nقلت: فلذلك لا تُعَلُّ رواية يحيى بن سليم بمخالفة إسماعيل بن عياش له عن إسماعيل بن أمية، ولكن تعلُّ رواية إسماعيل بن أمية بمخالفة الأئمة الجهابذة له: الثوري، وأيوب السختياني، وحماد بن سلمة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم؛ إذ جاءوا به عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، وهذا الذي سَلَكَه أبو داود - ﵀ - في إعلال رواية يحيى بن سليم الطائفي.\nوحينئذٍ يمكن لنا أن نقول: إن رواية هؤلاء الأثبات لهذا الحديث عن أبي الزبير موقوفًا، تُقَوِّي رواية ابن عياش له عن إسماعيل بن أمية موقوفًا، لموافقتها رواية هؤلاء الحفاظ، وعند ذلك ينسب الوهم ليحيى ابن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية؛ فإنه كان سيئ الحفظ، كما قال غيرُ واحدٍ من أهل العلم٣.\nوأما رواية أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن أبي الزبير: فقد\n_________\n١ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٧٧) ح ١٣٦٦.\n(٩/٢٥٦) .\n٣ انظر: تهذيب التهذيب: (١١/٢٢٦ - ٢٢٧) .","vol":"3","page":91},{"text":"ضَعَّفَهَا العلماءُ أيضًا، فقال الدارقطني: \"لم يُسْنِده عن الثوري غير أبي أحمد، وخالفه وكيعٌ، والعَدَنِيَّان١، وعبد الرزاق، ومؤمل، وأبو عاصم وغيرهم: عن الثوري رووه موقوفًا، وهو الصواب\"٢. ونقل البيهقي عن سليمان بن أحمد اللَّخْمي- شيخ شيخ البيهقيِّ في هذا الحديث - قوله: \"لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد\"٣.\nوقد كان أبو أحمد الزبيري هذا يخطئ في حديث الثوري٤، وقد خالف - مع ذلك - الأثبات من أصحاب الثوري - وعلى رأسهم وكيع - لذا وجب تقديم رواية الجماعة، والحكم على روايته بالخطأ، وهذا ما سَلَكَهُ الدارقطني ﵀.\nوأما روايةُ ابن أبي ذئب عن أبي الزبير: فقد ضَعَّفَهُا الإمام البخاري، فقال: \"ليس هو بمحفوظ، ويروي عن جابر خلاف هذا، ولا أعرفُ لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئًا\"٥.\nقلت: وفي الإسناد \"الحسين بن يزيد الطحان\" لَيَّنَهُ أبو حاتم٦، وتبعه الحافظ ابن حجر٧.\n_________\n١ هما: عبد الله بن الوليد العدني، ويزيد بن أبي حكيم العدني. (تهذيب الكمال١١/١٦٣– ١٦٤) .\n٢ سنن الدارقطني: (٤/٢٦٨) .\n٣ سنن البيهقي: (٩/٢٥٥) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٩/٢٥٥) .\n٥ علل الترمذي: (٢/٦٣٦) .\n٦ الجرح والتعديل: (١/٢/٦٧) .\n٧ التقريب: (ص ١٦٩) .","vol":"3","page":92},{"text":"وأما رواية ابن أبي أنيسة، عن أبي الزبير: فقد ضَعَّفَها البيهقي قائلًا: \"ويحيى ابن أبي أنيسة متروكٌ لا يحتجُّ به\"١.\nوضعف أيضًا رواية الأوزاعي، فقال: \"رواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، ولا يحتجُّ بما ينفرد به بقية، فكيف بما يخالف فيه\"٢.\nفهذا مجملُ القولِ في طرق هذا الحديث عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، وقد تَبَيَّنَ عدمُ انتهاض أيٍّ منها للحجة، وبخاصة إذا عورضت برواية الثقات الأثبات - الذين تقدم ذكرهم - له عن جابر موقوفًا.\nوأما الطريق الثاني: من طرق هذا الحديث عن جابر ﵁، وهي رواية وهب بن كيسان: فقد أخرجها الدارقطني في (سننه) ٣، والطحاويُّ في (أحكام القرآن) ٤، وابن عدي في (الكامل) ٥، من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة٦، عن وهب، عن جابر مرفوعًا. وهو عند ابن عديّ: عن وهب، ونعيم بن عبد الله.\n_________\n١ السنن: (٩/٢٥٦) .\n٢ المصدر السابق.\n(٤/٢٦٧) ح ٦.\n٤ كما في نصب الراية: (٤/٢٠٣) .\n(٥/١٩٢٣) .\n٦ ابن صهيب بن سنان الحمصي، ضعيفٌ، ولم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش، من السابعة/ ق. (التقريب ٣٥٨) .","vol":"3","page":93},{"text":"وقد ضُعِّفَ هذا الطريق أيضًا، قال ابن أبي حاتم: \"سألت أبا زرعة عن حديث رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله ...؟ قال أبو زرعة: هذا خطأٌ، إنما هو موقوفٌ عن جابر فقط، وعبد العزيز بن عبيد الله: واهي الحديث\"١. وقال ابن عدي: \"هذا إنما يرفعه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله\"٢. ثم قال - بعد أن سرد له أحاديث -: \"وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعبد العزيز: مناكير كلها، وما رأيت أحدًا يحدث عنه غير إسماعيل بن عياش\"٣. وقال الدارقطني: \"تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب، وعبد العزيز ضعيفٌ، لا يحتجُّ به\"٤. وضعفه كذلك البيهقي٥ بعبد العزيز هذا، وكذا ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٦.\nفهذا كلام الأئمة ﵏: أبو داود، والبخاريُّ، وأبو زرعة، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي في تضعيف هذا الحديث مرفوعًا، وتصحيح رواية الوقف، مع ما تقدم من كلام عبد الحق ﵀، وكأن البغوي مال إليه ترجيح الوقف أيضًا، فقال: \"ورواه سفيان\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (٢/٤٦) ح ١٦٢٠. وانظر: (٢/٤٩) ح ١٦٣٠.\n٢ الكامل: (٥/١٩٢٣) .\n٣ الكامل: (٥/١٩٢٤) .\n٤ سنن الدارقطني: (٤/٢٦٨) .\n٥ السنن: (٩/٢٥٦) .\n(٢/١٧٥- ١٧٦) ح١١٠٥.","vol":"3","page":94},{"text":"الثوري، وأيوب، وحماد: عن أبي الزبير، وأوقفوه على جابر\"١. وضعفه مرفوعًا أيضًا: الشيخ الألباني٢ ﵀.\nقال البيهقي ﵀ - بعد أن رَجَّحَ وقفه -: \"وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما روينا عن النبي ﷺ أنه قال في البحر: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\" ٣. وقال الحافظ ابن حجر: \"وإذا لم يصحّ إلا موقوفًا، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك، لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر\"٤.\nفتحصَّلَ من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد أصاب في إعلاله الرواية المرفوعة، وتقديم الموقوفة عليها، وأن ابن القطان لم يُصب حين ذهب إلى تقوية المرفوع، وبالله التوفيق.\n_________\n١ شرح السنة: (١١/٢٤٥) .\n٢ ضعيف ابن ماجه: (ح ٦٩٩)، وضعيف الجامع: (ح ٥٠٢١) .\n٣ السنن: (٩/٢٥٦) . وانظر: التمهيد: (١٦/٢٢٦ - ٢٢٨) .\n٤ فتح الباري: (٩/٦١٩) .","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>٢- باب الفأرة تقع في السمن فتموت فيه</span>\n٨٦- (٢) عن ميمونة ﵂: \"أن فأرةً وقعت في سَمْنٍ فماتت، فَسُئِلَ النبي ﷺ؟ فقال: \"أَلْقُوهَا وَمَا حَولَهَا، وَكُلُوهُ\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"اخْتُلِفَ فيه إسنادًا ومتنًا، والحديث من حديث: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يُحَدِّثُ عن ميمونة، ولفظه: \"أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها؟ فقال: \"ألقوها وما حولها، وكلوه\". رواه الناسُ عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذي، والنسائي. وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك.\nوخالفهم معمرٌ في إسناده ومتنه، فرواه عن: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وقال فيه: \"إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه\".\nولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صَحَّحَ الحديث جماعةٌ، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذُّهَلِي تصحيحه. ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا\"١. ثم نقل كلام الأئمة: البخاري، والترمذي في إعلاله، وردَّ على ابن حبان في تصحيحه إياه.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/ ٣٣٦ - ٣٤٠) .","vol":"3","page":96},{"text":"وقال مرة: \"ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع\"١.\nقلت: هذا الحديث مداره على الزهري، ويُروى عنه على أوجه مختلفة:\nالوجه الأول: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود٢، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ. رواه عن الزهري هكذا: مالكٌ، وابن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومعمر في رواية، وغيرهم.\nأما مالك، فقد اختلف عنه:\nفرُوي عنه: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعًا.\nوروي عنه: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بدون ذكر \"ميمونة\".\nوروي عنه: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن النبي ﷺ، مقطوعًا، أسقطوا منه ابن عباس، وميمونة.\nورواه يحيى القطان، وجويرية: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس: أن ميمونة استفتت النبي ﷺ.\nفهذه أوجه الاختلاف على مالك في رواية هذا الحديث، ذكرها\n_________\n١ إعلام الموقعين: (٤/٢٧٩) .\n٢ الهُذَلي، أبو عبد الله المدني، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ، من الثالثة، مات سنة ٩٤هـ، وقيل غير ذلك/ ع. (التقريب ٣٧٢) .","vol":"3","page":97},{"text":"الدارقطني في (علله) ١، ثم قال: \"والصحيحُ: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة\".\nوقال ابن عبد البر: \"وهذا اضطرب شديد عن مالك في إسناد هذا الحديث.... والصواب فيه: ما قاله يحيى ومن تابعه\"٢.\nوأما رواية ابن عيينة، عن الزهري: فأخرجها الحميدي في (مسنده) ٣ - ومن طريقه: البخاريّ في (صحيحه) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥ - قال: ثنا سفيان، ثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂ به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه الطبراني في (الكبير) ٧ - قال: حدثنا سفيان به، بنحو ما تقدم. وسقط من الطبراني لفظة \"فماتت\"، وهي في المصنف.\nوأخرجه أحمد في (المسند) ٨: حدثني سفيان به.\n_________\n١ ج٥ (ق ١٨٠/ب) .\n٢ التمهيد: (٩/٣٤) .\n(١/١٤٩ - ١٥٠) ح ٣١٢.\n٤ ك الذبائح والصيد: ح ٥٥٣٨.\n(٢٣/٤٢٩) ح ١٠٤٣.\n(٨/٢٨٠) ح ٤٤٤٤.\n(٢٤/١٥) ح ٢٥.\n(٦/٣٢٩) .","vol":"3","page":98},{"text":"وأخرجه أبو داود في (سننه) ١: حدثنا مسدد، والترمذي في (جامعه) ٢: حدثنا سعيد المخزومي وأبو عمار، والنسائي في (سننه) ٣: أخبرنا قتيبة، كلهم عن: سفيان، عن الزهري به، بنحو ما تقدم، غير أن أبا داود سقطت من عنده لفظة: \"فماتت\".\nوأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٤: حدثنا سفيان ... فذكره، لكنه قال فيه: \"أن فأرة وقعت في سمن جامد لآل ميمونة\". فزاد فيه كلمة \"جامد\"، لكن قال الحافظ ابن حجر: \"ورواه الحميدي والحفاظ أصحاب ابن عيينة بدونها\"٥. وسيأتي أن حجاج بن منهال تابع الطيالسي على هذه اللفظة عن سفيان.\nوأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٦ من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا سفيان ... عن ميمونة ﵂: أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: \"إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه\".\nقال ابن حجر عن رواية إسحاق، عن سفيان هذه: \"تفرد بالتفصيل عن سفيان دون حفاظ أصحابه، مثل أحمد والحميدي ومسدد\n_________\n(٤/١٨٠) ح ٣٨٤١ ك الأطعمة، باب الفأرة تقع في السمن.\n(٤/٢٥٦) ح ١٧٩٨ ك الأطعمة، باب الفأرة تموت في السمن.\n(٧/١٧٨) .\n(ح ٢٧١٦) .\n٥ فتح الباري: (١/٣٤٤) .\n٦ الإحسان: (٢/٣٣٥) ح ١٣٨٩.","vol":"3","page":99},{"text":"وغيرهم\"١. وقال مرة: \"هذه الزيادة في رواية ابن عيينة غريبة\"٢. هذا ما يتعلق برواية ابن عيينة.\nوأما رواية الأوزاعي، عن الزهري: فأخرجها الإمام أحمد في (مسنده) ٣ عن محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري ... بالإسناد السابق إلى ميمونة: أنها استفتتْ النبيَّ ﷺ في فأرة سقطت في سمن لهم جامد ... الحديث.\nفهؤلاء أشهر الرواة عن الزهري: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂ به.\nوخالف هؤلاء جميعًا - من بين أصحاب الزهري -: معمرُ بن راشد، فقال فيه: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهو:\nالوجه الثاني عن الزهري:\nأخرجه من هذا الطريق: عبد الرزاق في (مصنفه) ٤ عنه، ولفظه: سئل النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن، قال: \"إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه\".\n_________\n١ فتح الباري: (٩/٦٦٩) .\n٢ المصدر السابق: (٩/٦٦٨) .\n(٦/٣٣٠) .\n(١/٨٤) ح ٢٧٨.","vol":"3","page":100},{"text":"ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: أبو داود في (سننه) ١، وابن حبان في (صحيحه) ٢ والبيهقي في (سننه) ٣.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٤: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري بإسناد عبد الرزاق، لكن بدون تفصيل، ففيه: أنه سئل عن فأرة ماتت في السمن؟ فقال: \"ألقوها وما حولها، وكلوه\". فيكون هذا اختلافًا على معمر في متن هذا الحديث٥، وستأتي الإشارة إلى أنه اختلف عليه في إسناده أيضًا.\nوأهل العلم إزاء هذا الاختلاف في هذا الحديث فريقان:\nفطائفة منهم رجحوا رواية الجماعة من أصحاب الزهري: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة. وحكموا على رواية معمر بالوهم والغلط، قال الترمذي: \"حديث غير محفوظ\"٦. وسأل عنه البخاريَّ، فقال: \"حديث معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: وَهِمَ فيه معمر، ليس له أصل\"٧. وقال\n_________\n(٤/١٨١) ح ٣٨٤٢.\n٢ الإحسان: (٢/٣٣٥) ح ١٣٩٠، ١٣٩١.\n(٩/٣٥٣) .\n(٨/٢٨٠) ح ٤٤٤٥.\n٥ وقد نَبَّهَ على هذا الاختلاف الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): (٦/٦٦٩) .\n٦ جامع الترمذي: (٤/٢٥٧) .\n٧ علل الترمذي: (٢/٧٥٨ - ٧٥٩) .","vol":"3","page":101},{"text":"أبو حاتم: \"وهمٌ، والصحيح: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ\"١. وذهب إلى هذا: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال باضطراب معمر وخطئه في هذا الحديث٢. وذكر الحافظُ ابن حجر أن أبا زرعة الرازي، والدارقطني قالا بذلك أيضًا، ولم أجد قول واحد منهما، إلا أن الدارقطني قد صحح هذا الطريق بالنسبة للخلاف الحاصل فيه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة، لكنه لم يتعرض - فيما وقفت عليه من نسخة (العلل) - لرواية الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة٣.\nوطائفةٌ أخرى ذهبت إلى أن الطريقين محفوظان عن معمر، منهم: محمد بن يحيى الذهلي، فقال: \"والطريقان عندنا محفوظان إن شاء الله، لكن المشهور: حديث ابن شهاب، عن عبيد الله\"٤. وصححه أيضًا: الإمام أحمد٥، وابن حبان رحمهما الله، فإنه ترجم له بقوله: \"ذكر الخبر الدال على أن الطريقين اللذين ذكرناهما لهذه السنة جميعًا محفوظان\". ثم أخرج تحت هذه الترجمة رواية معمر للطريقين كليهما٦. واختار\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (٢/١٢) ح ١٥٠٧.\n٢ انظر: مجموع الفتاوى: (٢١/٤٩٠، ٥١٦، ٥٢٦) .\n٣ انظر: علل الدارقطني: ج ٥ (ق ١٨٠/ب - ١٨١/أ) .\n٤ التمهيد: (٩/٣٥)، وانظر: فتح الباري: (١/٣٤٤) وفيه قوله: \"لكن طريق ... ميمونة أشهر\".\n٥ مسائل الإمام أحمد - رواية عبد الله: (١/١٧) رقم ٢٠.\n٦ الإحسان: (٢/٣٣٥) ح ١٣٩١.","vol":"3","page":102},{"text":"تصحيح الطريقين أيضًا: ابن رجب الحنبلي١ ﵀.\nوقد اختار ابن القَيِّم توهيمَ معمر، وتصويب رواية غيره عن الزهري، وقد مضى كلامه أول هذا البحث، وسيأتي مزيد كلام له في هذا.\nواستدلَّ الفريق الأول على ترجيح رواية من رواه: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بأدلة، منها:\nالأول: ما جاء في رواية الحميدي لهذا الحديث، عن سفيان - ومن طريقه البخاريُّ والطبراني - من أنه قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدِّثه٢: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقول إلا: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ. ولقد سمعته منه مرارًا. فهذا سفيان بن عيينة - ﵀ - يجزم بأنه لم يسمعه من الزهري إلا من حديث ميمونة.\nالثاني: ما أخرجه البخاري في (صحيحه) ٣: حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري: عن الدابة٤ تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال: \"بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل\" عن حديث عبيد الله بن عبد الله.\n_________\n١ شرح علل الترمذي: (ص ٤٨٥ - ٤٨٦) .\n٢ أي: يحدِّث به.\n٣ ك الصيد والذبائح، ح ٥٥٣٩.\n٤ أي: في حكم الدابة.","vol":"3","page":103},{"text":"قال ابن القَيِّم ﵀: \"واحتجاجه - أي الزهري - بالحديث من غير تفصيل: دليلٌ على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتجَّ به، فحيثُ أفتى بحديث الإطلاق، واحتجَّ به: دلَّ على أن معمرًا غلط عليه في الحديث إسنادًا ومتنًا\"١. وقال الحافظ ابن حجر: \"وهذا يقدح في صحة من زاد في هذا الحديث عن الزهري التفرقة بين الجامد والذائب ... لأنه لو كان عنده مرفوعًا، ما سوَّى في فتواه بين الجامد وغير الجامد\"٢.\nالثالث: من أدلة هذا الفريق: أن معمرًا قد اضطرب في هذا الحديث في الإسناد والمتن، فقد قال عبد الرزاق: \"وقد كان معمر- أيضًا- يذكره عن الزهري، عن عبيد الله ... عن ابن عباس، عن ميمونة. وكذلك أخبرناه ابن عيينة\"٣. فهذا اضطراب سنده.\nوأما اضطراب متنه: فقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق عنه: فلا تقربوه. وقال عبد الواحد بن زياد عنه: وإن كان ذائبًا أو مائعًا لم يؤكل. وقال البيهقي: وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه. يعني: من عبد الرزاق. وفي بعض طرقه: فاستصبحوا به. وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري\"٤.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٣٣٧) .\n٢ فتح الباري: (٩/٦٦٩) .\n٣ المصنف: (١/٨٤) ح ٢٧٩.\n٤ تهذيب السنن: (٥/٣٣٧) .","vol":"3","page":104},{"text":"ثم ساق ابن القَيِّم - ﵀ - حديثًا آخر في معنى حديث أبي هريرة الْمُفَصَّل فقال: \"وأما الحديث الذي رواه ابن وهب، عن عبد الجبار بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن:\n٨٧- (٣) ابن عمر، أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟ فقال: \"أَلْقُوها وما حَولَهَا، وكُلُوا ما بَقِيَ\" فقيل: يَا نبيَّ الله، أَرَأَيْتَ إن كان السَّمْنُ مَائِعًَا؟ قال: \"انْتَفِعُوا به، ولا تَأْكُلُوهُ\".\nقال ابن القَيِّم: \"فعبد الجبار بن عمر: ضعيفٌ، لا يحتجُّ به. وَرُوِيَ من وجهٍ آخرَ ضعيف: عن ابن جريج، عن ابن شهاب. قال البيهقي: والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت، قال: \"استصبحوا به، وادهنوا به أدمكم\"\"١.\nقلت: هذا هو:\nالوجه الثالث: من أوجه رواية هذا الحديث عن الزهري: وقد أخرجه: ابن وهب في (موطئه) كما ذكر ذلك ابن عبد البر في (التمهيد) ٢، ومن طريقه: أخرجه البيهقي في (سننه) ٣، من طريق: عبد الجبار بن عمر٤ به.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٣٤٠) .\n(٩/٣٦) .\n(٩/٣٥٤) .\n٤ الأيلي، الأموي مولاهم ضعيفٌ، من السابعة، مات بعد الستين/ ت ق. (التقريب٣٣٢) .","vol":"3","page":105},{"text":"وقد ضَعَّفَهُ جماعة من العلماء: قال أبو حاتم: \" ... وَهْمٌ، والصحيح: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة\"١. وقال محمد بن يحيى الذهلي: \"وهذا الإسناد عندنا غير محفوظ، وهو خطأ، ولا يُعرف هذا الحديث من حديث سالم، وعبد الجبار ضعيفٌ جدًا\"٢. وقال الدارقطني: \"ورواه عبد الجبار بن عمر، عن الزهري ... ووهم فيه\"٣. وقال البيهقي: \"عبد الجبار بن عمر غير محتج به\"٤.\nوأما الطريق الآخر الذي أشار إليه ابن القَيِّم: فأخرجه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٥، من طريق: يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن ابن شهاب ... بمثل إسناد عبد الجبار المتقدم.\nقال البيهقي: \"والطريق إليه - يعني إلى ابن جريج - غيرُ قويٍّ، والصحيح عن ابن عمر: من قوله، موقوفًا عليه غير مرفوع\". واختار الحافظ ابن حجر تصحيح الوقف٦.\nفتلخص من ذلك: أن الصحيح في هذا الحديث: عن الزهري،\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (٢/١٢) ح ١٥٠٧.\n٢ التمهيد: (٩/٣٦) .\n٣ العلل: ج ٥ (ق١٨٠/ب) .\n٤ السنن: (٩/٣٥٤) .\n٥ قط: (٤/٢٩١) ح ٨٠. هق: (٩/٣٥٤) .\n٦ فتح الباري: (٩/٦٦٩) .","vol":"3","page":106},{"text":"عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃. بدون ذكر التفصيل بين الجامد والمائع. وهو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀.\nومع ذلك، فإن الجمهور على العمل برواية التفصيل والأخذ بمقتضاها١؛ قال ابن عبد البر ﵀: \"في هذا الحديث معانٍ من الفقه، منها ما اجْتُمِعَ عليه، ومنها ما اخْتُلِفَ فيه، فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك: أن الفأرة، ومثلها من الحيوان كله يموت في سمنٍ جامدٍ، أو ما كان مثله من الجامدات، أنها تُطْرَحُ وما حولها من ذلك الجامد، ويؤكل سائره إذا استيقن أنه لم تصل الميتة إليه، وكذا أجمعوا: أن السَّمْنَ - وما كان مثله - إذا كان مائعًا ذائبًا، فماتتْ فيه فأرةٌ - أو وقعت وهي ميتة - أنه قد نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة، أو حية فماتت، يتنجس بذلك، قليلًا كان أو كثيرًا. هذا قول جمهور الفقهاء، وجماعة العلماء\"٢. والله أعلم.\n_________\n١ انظر: فتح الباري: (١/٣٤٤) .\n٢ التمهيد: (٩/٤٠) .","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>٣- باب في الأكل مع المجذوم</span>\n٨٨- (٤) عن جابر ﵁: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَأَدْخَلَهَا مَعه في القَصْعَةِ\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \" ... حديثٌ لا يثبتُ ولا يصحُّ، وغايةُ ما قال فيه الترمذيُّ: إنه غريب، لم يصححه ولم يحسنه، وقد قال شعبة: اتَّقُوا هذه الغرائب. قال الترمذيُّ: ويُروى هذا من فِعْلِ عمر، وهو أثبتُ\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والعقيلي في (الضعفاء) ٥، وابن عدي في (الكامل) ٦، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٧، كلهم من طريق:\n_________\n١ زاد المعاد: (٤/١٥٣) .\n٢ د: (٤/٢٣٩) ح ٣٩٢٥ ك الطب، باب في الطيرة. ت: (٤/٢٦٦) ح ١٨١٧ ك الأطعمة، باب ما جاء في الأكل مع المجذوم. جه: (٢/١١٧٢) ح ٣٥٤٢، ك الطب، باب الجذام.\n٣ الإحسان: (٧/٦٤١) ح ٦٠٨٧.\n(٤/١٣٦ - ١٣٧) .\n(٤/٢٤٢) .\n(٦/٢٤٠٤) .\n(٣/٥١٣) ح ١٢٩٤.","vol":"3","page":108},{"text":"الْمُفَضَّل بن فضالة، عن حبيب بن الشَّهيد١، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ٢ فَوَضَعَهَا مَعَه في القَصْعَةِ، وقال: كُلْ ثقةً بالله، وتَوَكُّلًا عليه\". هذا لفظ أبي داود، وابن ماجه. وعند الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والعقيلي، والبيهقي: \"كُلْ بسم الله، ثقة بالله ... \".\nقال أبو عيسى الترمذي: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد٣، عن المفضل بن فضالة، والمفضل بن فضالة هذا شيخٌ بصريٌّ. والمفضل بن فضالة شيخ آخر مصري أوثقُ من هذا وأشهر. وقد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة: أن عمر٤ أخذ بيد مجذوم. وحديث شعبة أثبت عندي وأصحّ\".\nوهذا الكلام بحروفه - مع تقديم وتأخير - هو كلام الإمام البخاريِّ ﵀؛ فإنَّ الترمذي أخرجَ هذا الحديث في (علله) ٥ وقال: \"سألتُ محمدًا عن هذا الحديث ... \" فذكره.\n_________\n١ الأزدي، أبو محمد البصري، ثقةٌ ثبت، من الخامسة، مات سنة ١٤٥هـ / ع. (التقريب١٥١) .\n٢ يقال: رجلٌ أَجْذَمٌ وَمَجْذُومٌ وَمُجَذَّمٌ إذا تَهَافَتَتْ أَطْرَافُهُ من داءِ الجُذَامِ. (لسان العرب: ص ٥٧٨، مادة: جذم) .\n٣ ابن مسلم البغدادي، أبو محمد المؤدب، ثقة ٌثبتٌ، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٠٧هـ / ع. (التقريب ٦١٤) .\n٤ في بعض نسخ الترمذي: \"ابن عمر\". والمثبت هو الصواب؛ فإنه هكذا في رواية الترمذي في (العلل)، وكذا في (تحفة الأشراف): (٢/٣٥٨)، وهو الذي نقله ابن القَيِّم عن الترمذي.\n(٢/٧٧٠) ك الأطعمة، باب ما جاء في الأكل مع المجذوم.","vol":"3","page":109},{"text":"وقال ابن عدي: \"هذا لا أعلم يرويه غير حبيب، ولمفضل بن فضالة عن هشام، عن عروة نسخة ... غير أني لم أر في حديثه أنكر من هذا الحديث، والذي أمليته - يعني حديث الأكل مع المجذوم - وباقي حديثه مستقيم\".\nوأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ١ بإسناده إلى الحاكم، ثم قال: \"قال الدارقطني: تفرد بن المفضل، قال يحيى: ليس المفضل بذاك\".\nقلت: وقد تُوبع المفضل بن فضالة على روايته هذه، فأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٢ من حديث: عبيد الله بن تمام، عن إسماعيل المكي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، ولفظه: \"كُلْ بسم الله، إيمانًا بالله، وتوكلًا عليه\".\nولكن هذا الإسناد ضعيفٌ جدًا؛ فإن عبيد الله بن تمام، أبا عاصم الواسطي: ضعفه الدارقطني، وأبو حاتم، وأبو زرعة٣. وإسماعيل المكي: هو ابن مسلم، قال ابن الجوزي عقب إخراجه: \"قال أحمد: إسماعيل المكي منكر الحديث. قال يحيى: لم يزل مختلطًا، وليس بشيء ... وقال النسائي: متروك الحديث\"٤. فلا تفيد هذه المتابعة الحديث شيئًا.\nوأما رواية شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن بريدة، عن\n_________\n(٢/٣٨٦) ح ١٤٥٦، ك المرض، حديث في الأكل مع المجذوم.\n(٢/٣٨٧) .\n٣ الميزان: (٣/٤) .\n٤ انظر أقوال العلماء فيه في: تهذيب التهذيب: (١/٣٣١ - ٣٣٣) .","vol":"3","page":110},{"text":"عمر ﵁ في أكله مع المجذوم - التي صَوَّبَهَا البخاريُّ والترمذي -: فلم أقف على من أخرجها، لكن أخرج العقيليُّ من طريق: عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن بريدة قال: \"كان سلمان يعملُ بيديه، ثم يشتري طعامًا، ثم يبعث إلى الْمُجَذَّمين فيأكلون معه\"١ فجعل \"سلمان\" مكان \"عمر\" ثم قال العقيلي عقبه: \"هذا أصلُ الحديث، وهذه الرواية أولى\". قال الشيخ الألباني: \"ولعله الصواب؛ فإن إسناده صحيحٌ، وعبد الرحمن بن زياد هذا: هو الرصاصي، قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: لا بأس به\"٢.\nوأما قصة أكل عمر مع المجذوم: فقد أخرج عبد الرزاق في (المصنف) ٣ عن معمر، عن أبي الزناد: أن عمر قال لمعيقيب٤ الدَّوسي: \"ادن مني، فلو كان غيرك ما قعد مني إلا كقيد رمح\". وكان أجذم.\nوهذا مرسلٌ؛ فإنَّ أبا الزناد لم يدرك ابن عمر ولم يره كما قال أبو حاتم٥، فكيف بروايته عن عمر؟!\n_________\n١ الضعفاء: (٤/٢٤٢ - ٢٤٣) .\n٢ السلسلة الضعيفة: (٣/٢٨٢) ح ١١٤٤.\n(١٠/٤٠٥) ح ١٩٥١٠.\n٤ ابن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان أو علي/ع. (التقريب ٥٤٢) .\n٥ المراسيل: (ص ١١١) .","vol":"3","page":111},{"text":"فإذا تَقَرَّرَ عندنا ضعفُ حديث جابر هذا، علمنا أن قول الحاكم: \"صحيح الإسناد\". وموافقة الذهبي له، وقول ابن حجر: \"حسن\"١، وقول السيوطي: \"صحيح\"٢: ليس بصواب، وأنَّ الصواب: ما ذهب إليه ابن القَيِّم من ضَعْفِ هذا الحديث، والله أعلم.\n_________\n١ كما نقله صاحب فيض القدير: (٥/٤١) .\n٢ في الجامع الصغير مع فيض القدير: (٥/٤١) . وقد ضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع الصغير رقم ٤٢٠٠) .","vol":"3","page":112},{"text":"١٣-<span data-type=\"title\" id=toc-156> من كتاب الأيمان والنذور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>١ - باب النذر في المعصية، ومن رأى أن عليه الكفارة</span>\n٨٩ - (١) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: \"لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّاَرُتُه كَفَّاَرُة يَمَيٍن\" ١.\nاستدل ابن القَيِّم - ﵀ - بهذا الحديث للقائلين بوجوب الكفارة في نذر المعصية، وذهب إلى صِحَّةِ الحديثِ بطرقهِ وشواهِدِهِ كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nوذكر - ﵀ - عند كلامه على حكم طلاق الغضبان حديث:\n٩٠- (٢) عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نَذْرَ في غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ\".\nقال ابن القَيِّم: \"وهو حديث صحيحٌ، وله طرقٌ\"٢.\nوقد أورده - ﵀ - للاستدلال به على أنَّ طلاق الغضبان لا يقع، وذلك بطريق الأولى، فقال: \"فإذا كان النذر – الذي أثنى الله على من أوفى به، وأمر رسوله بالوفاء بما كان منه طاعة – قد أَثَرَّ الغضب في انعقاده، لكون الغضبان لم يقصده ... فالطلاق بطريق الأولى والأحرى\"٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣٧٣ – ٣٧٦) .\n٢ الإغاثة الصغرى: (ص ٣٩ – ٤٠) .\n٣ الإغاثة الصغرى: (ص ٤١) .","vol":"3","page":115},{"text":"قلت: أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طرق:\nعن يونس بن يزيد٤، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة به.\nوهذا الإسناد رجاله ثقاتٌ، إلا أنه معلولٌ، كما قال الحافظ ابن حجر٥ ﵀. وقد بَيَّنَ الأئمة عِلَّتَهُ، فقال الترمذي عقبه: \"هذا حديث لا يصحُّ؛ لأنَّ الزهريَّ لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة\". وقال النسائيُّ: \"وقد قيل: إنَّ الزهريَّ لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة\" وقال البيهقي مثل ذلك.\nقلت: فيكون هذا الإسناد منقطعًا.\nودليلهم على عدم سماع الزهري هذا الحديث من أبي سلمة: أنه قد روى عن الزهري على غير هذا الوجه.\n_________\n١ د: (٣/٥٩٤) ح ٣٢٩٠، ٣٢٩١، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية. ت: (٤/١٠٣) ح ١٥٢٤، باب ما جاء عن رسول الله أن لا نذر في معصية. س: (٧/٢٦- ٢٧)، باب كفارة النذر. جه: (١/٦٨٦) ح ٢١٢٥، باب النذر في المعصية. كلهم في كتاب الأيمان والنذور، إلا ابن ماجه، فهو عنده في (الكفارات) .\n(٦/٢٤٧) .\n(١٠/٦٩) .\n٤ ابن النَّجَّاد الأيلي، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ، إلا أنَّ في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة ١٥٩هـ على الصحيح/ ع. (التقريب ٦١٤) .\n٥ انظر: فتح الباري: (١١/٥٨٧)، والتلخيص الحبير: (٤/١٧٥) .","vol":"3","page":116},{"text":"فرواه عبد الله بن أبي عتيق١، وموسى بن عقبة، كلاهما عن الزهري، عن سليمان بن أرقم٢، عن يحيى بن أبي كثير٣، عن أبي سلمة، عن عائشة به.\nأخرجه بهذا الإسناد: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في (سننهم) ٤. قال البخاريُّ – بعد أن ساقه من طريق سليمان بن أرقم هذه-: \"والحديث هو هذا\"٥. وكذا صححه الدارقطني فقال – بعد أن ساق وجوه الاختلاف فيه -: \"والصحيح: حديث ابن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، عن الزهري\"٦.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك: أن الزهريَّ – ﵀ – إنما سمع الحديث من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، \"فَدَلَّسَهُ بإسقاط اثنين\" - كما قال ابن حجر٧- ورواه عن أبي سلمة مباشرة.\nونازع الشيخ الألباني في القول بتدليس الزهريِّ هنا، وأنه يحتمل\n_________\n١ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أبو بكر، صدوقٌ فيه مزاحٌ، من الثالثة/ خ م س ق. (التقريب ٣٢١) .\n٢ البصري، أبو معاذ، ضعيفٌ، من السابعة/ د ت س. (التقريب ٢٥٠) .\n٣ أبو نصر اليمامي.\n٤ د: (٣/٥٩٥) ح ٣٢٩٢، ت: (٤/١٠٣) ح ١٥٢٥، س: (٧/٢٧)، هق: (١٠/٦٩) .\n٥ جامع الترمذي: (٤/١٠٣)، وانظر العلل له: (٢/٦٥١ – ٦٥٢) .\n٦ علل الدارقطني: ج٥ (ق ٧٢) .\n٧ فتح الباري: (١١/٥٨٧) . وانظر: جامع التحصيل: (ص ٣٣١) .","vol":"3","page":117},{"text":"أن يكون له فيه إسنادان، أحدهما: عن سليمان بن أرقم، عن يحيى، عن أبي سلمة، والآخر: عن أبي سلمة مباشرة قال: \"ويؤيد هذا أنه قد صَرَّحَ بالتحديث في رواية له\" فذكر رواية عند النسائي١ وفيها قول الزهري: \"حدثنا أبو سلمة\"٢.\nقلت: وما ذكره الشيخ الألباني – ﵀ – لو صحَّ لكانَ دليلًا على سماع الزهريَّ الحديث من أبي سلمة، لكن يبدو أنَ كلمة \"حَدَّثَنا\" مُصَحَّفَةٌ، وصوابها: \"حَدَّثَ\"، كذا نقله المزِّي في (تحفة الأشراف) ٣، ونقله الدارقطني في (علله) ٤ فقال: \" ... وقال أبو ضمرة: عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدث أبو سلمة\". وحينئذٍ تكونُ هذه اللفظة من الزهري دليلًا على عدم سماعه منه لا العكس.\nوَيُؤَكِّدُ ذلك: أنَّ أبا داود قال عقب رواية الزهري عن أبي سلمة هذه: \"وسمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك - يعني في هذا الحديث -: حَدَّثَ أبو سلمة. فدلَّ على أن الزهريَّ لم يسمعه من أبي سلمة\"٥. والله أعلم.\nعلى أن طريق سليمان بن أرقم المتصلة هذه معلولة - أيضًا - بأمور:\n_________\n١ سنن النسائي: (٧/٢٧) .\n٢ إرواء الغليل: (٨/٢١٦) .\n(١٢/٣٦٧) .\n٤ ج ٥ (ق ٧٢) .\n٥ سنن أبي داود: (٣/٥٩٥) .","vol":"3","page":118},{"text":"أولها: اتِّفَاقُهم على ضعف \"سليمان بن أرقم\": قال البخاريُّ - عقب حكايته هذه الطريق -: \"وسليمان بن أرقم متروكٌ، ذاهب الحديث\"١. وكذا قال النسائي - عقب روايته الحديث -: \"سليمان ابن أرقم متروك الحديث\"، وقال ابن حجر: \"ضعيف باتفاقهم\"٢.\nثانيها: أنَّ سليمان بن أرقم - مع ضعفه - قد وَهِمَ في هذا الحديث؛ فإنَّ غير واحدٍ من أصحاب يحيى بن أبي كثير خالفوه في إسناده، فرووه عن: محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ.\nقال أبو داود – عقب إخراج حديث سليمان بن أرقم -: \"قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث على بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين\" قال أبو داود: \"أراد: أن سليمان بن أرقم وَهِمَ فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة، عن عائشة\"٣. ثم قال أبو داود: \"روى بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير، بإسناد علي بن المبارك مثله\".\nقلت: والحديث من طريق علي بن المبارك، ومن طريق الأوزاعي\n_________\n١ علل الترمذي: (٢/٦٥٢) .\n٢ فتح الباري: (١١/٥٨٧) . وينظر كلام العلماء عليه مُفَصَّلًا في تهذيب التهذيب: (٤/١٦٨ – ١٦٩) .\n٣ سنن أبي داود: (٣/٥٩٦) .","vol":"3","page":119},{"text":"أخرجه: النسائي في (سننه) ١، وأخرجه البيهقي من طريق الأوزاعي٢ فقط.\nوحديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير هذا: هو الذي ساقه ابن القَيِّم - ﵀ - بلفظ \"لا نَذْرَ في غضبٍ ... \". وسيأتي بيان هذا اللفظ.\nفَرَجَعَ بذلك حديث أبي سلمة، عن عائشة ﵂، إلى حديث: محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين.\nإلا أنَّ حديث عمران هذا معلوٌلٌ - أيضًا - بثلاث علل، وهي:\n١- ضعف إسناده. ٢- انقطاعه. ٣- اضطرابه سندًا ومتنًا. وبيان ذلك:\nأولًا: ضعف إسناده: فإنَّ \"محمدَ بن الزبير الحَنْظَلِيّ\" ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ من العلماء، حتى قال البخاريُّ: \"منكر الحديث\"، وقال أبو حاتم: \"في حديثه إنكار\"٣. وقال الحافظ ابن حجر: \"متروك\"٤.\nوكذلك أبوه الزبير: لم يرو عنه إلا ابنه محمد، وذكره أبو العرب\n_________\n(٧/٢٧ – ٢٨) .\n٢ سنن البيهقي: (١٠/٧٠) .\n٣ تنظر أقوال العلماء فيه في (تهذيب التهذيب): (٩/١٦٧) .\n٤ التقريب: (ص ٤٧٨) .","vol":"3","page":120},{"text":"في كتابه (الضعفاء) ١. وقال ابن حجر: \"لَيِّنُ الحديث\"٢.\nثانيًا: انقطاعه: فقال النسائي: \"قيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين\"٣. وقال البيهقي مثل ذلك، ثم ساق بإسناده إلى يحيى بن معين أنه قال: \"قيل لمحمد بن الزبير الحنظلي: سمع أبوك من عمران بن حصين؟ قال: لا\"٤.\nومما يدلُّ على انقطاعه: ما أخرجه النسائي٥، والبيهقي٦ من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل صَحِبَهُ، عن عمران به. هذا سياق البيهقي، وعند النسائي: \"عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة قال: صحبت عمران بن حصين، وفيه قصة، ولفظه: \"لا نذر في غضب ... \".\nوأخرج النسائي٧ من حديث عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، أن رجلًا حَدَّثَهُ: أنه سأل عمران. ولفظه: \"لا نَذْرَ في غَضَبٍ ... \".\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٣/٣٢٠ – ٣٢١) .\n٢ التقريب: (ص ٢١٤) .\n٣ سنن النسائي: (٧/٢٨) .\n٤ سنن البيهقي: (١٠/٧٠) . وانظر: تهذيب التهذيب: (٣/٣٢٠) .\n(٧/٢٨) .\n(١٠/٧٠) .\n(٧/٢٩) .","vol":"3","page":121},{"text":"قال أبو حاتم الرازي - بعد أن بَيَّنَ وجوهَ الاختلاف فيه على محمد بن الزبير-: \"حديث عبد الوارث أشبه، لأنه قد بَيَّنَ عورة الحديث\"١.\nثالثًا: اضطرابه سَنَدًَا وَمَتْنًَا: أما اضطراب إسناده: فإنه رُوِيَ عن محمد بن الزبير على أوجه مختلفة، وقد ذكرنا بعضها فيما مضى، ونضيف إليها هنا:\n- أنه رواه سفيان الثوري، عن محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين به، أخرجه النسائي٢، وأحمد٣، والحاكم٤، والبيهقي٥. ولفظه: \"لا نذر في معصية ولا غضب ... \".\n- وأخرجه النسائي٦ من طريق: منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عمران بن حصين، لم يذكر محمد بن الزبير.\nقال البيهقي: \"وهذا - أيضًا - منقطعٌ، ولا يصحُّ عن الحسن عن عمران سماع من وجه صحيح يثبت مثله\"٧. ثم ساق بإسناده\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (١/٤٤٠) .\n٢ السنن: (٧/٢٩) .\n٣ المسند: (٤/٤٤٣) .\n٤ المستدرك: (٤/٣٠٥) .\n٥ السنن: (١٠/٧٠) .\n(٧/٢٩) .\n٧ سنن البيهقي: (١٠/٧٠ – ٧١) .","vol":"3","page":122},{"text":"إلى علي بن المديني - ﵀ - القول بعدم صحة ذلك١.\n- وخالف هؤلاء - أيضًا - علي بن زيد بن جدعان، فجعله عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي ﷺ. أخرجه النسائي٢، ثم قال: \"عليُّ بن زيد ضعيف، وهذا الحديثُ خطأ، والصواب: عمران بن حصين\".\nوأما اضطراب متنه: فقد جاء لفظه مرةً: \"لا نذر في معصية ... \"، ومرة جاء: \"لا نذر في غضب ... \"، وجاء مرةً: \"لا نذر في معصية ولا غضب ... \". وتقدمت كل هذه الألفاظ.\nوقد أشار الحافظ العراقيُّ إلى الاضطراب في حديث محمد بن الزبير هذا٣. وقال الشيخ الألباني - بعد أن ذكر بعض وجوه الاختلاف في إسناده -: \"وهذا اضطراب شديد يسقط الحديث بمثله لو كان من رواية ثقة؛ لأنَّ الاضطراب في روايته يدل على أنه لم يحفظه، فكيف إذا كان الراوي واهيًا، وهو محمد بن الزبير؟ \"٤.\nونعود الآن إلى موقف ابن القَيِّم - ﵀ - من هذين الحديثين، وما استند إليه في تصحيحهما:\n_________\n١ وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم: (ص ٣٨) .\n٢ السنن: (٧/٢٩ – ٣٠) .\n٣ كما في فيض القدير: (٦/٤٣٧) .\n٤ إرواء الغليل: (٨/٢١٣) .","vol":"3","page":123},{"text":"قال ابن القَيِّم ﵀: \"هذه الآثار قد تَعَدَّدَتْ طرقها، ورواتها ثقاتٌ\"١. كذا قال ﵀.\nقلت: أما تعدد طرقها: فقد تَبَيَّنَ مما مضى أن طرق هذه الأحاديث وإن تعددت، فإنها مختلفة مضطربة، فلم يزدد الحديث بها إلاّ اضطرابًا، كما ظهر لنا أن الحديثين – بكل طرقهما – إنما يرجعان إلى طريق واحدٍ هو: محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين.\nوأما ثقة رواتها: فقد وُجِدَ الأمر على خلاف ذلك، ففي طريق عائشة: \"سليمان بن أرقم\" المتروكُ الذي لا تقوم به حجة، وفي طريق عمران بن حصين: \"محمد بن الزبير\" الضعيفُ، \"وأبوه\" المجهول.\nثم قال ابن القَيِّم: \"وإن كان الزهريُّ لم يسمعه من أبي سلمة، فإنَّ له شواهدَ تُقَوِّيِهِ\"٢ وذكر من هذه الشواهد حديث عمران بن حصين.\nقلت: قد تقدم ضعف حديث عمران وشدة اضطرابه، وعلمنا أن حديث عائشة هو نفسه حديث عمران بن حصين، وإنما غَلِطَ فيه سليمان ابن أرقم، وخالفه غيره. فكيف يكون أحد الحديثين شاهدًا للآخر؟!\nثم أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى شاهدٍ آخر، وهو: ما أخرجه\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣٧٤) .\n٢ تهذيب السنن: (٤/٣٧٤) .","vol":"3","page":124},{"text":"ابن الجارود في (المنتقى) ١ من طريق: موسى بن أعين، ثنا خطاب٢، ثنا عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح:\n٩١- (٣) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"النذرُ نَذْرَان: فما كان لله كفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين\".\nقال الشيخ الألباني: \"وهذا إسناد صحيحٌ، رجاله كلهم ثقات رجال البخاريِّ، غير خَطَّاب، وهو ابن القاسم الحراني، وهو ثقة كما قال ابن معين وأبو زرعة في رواية عنه، وقال البرذعي عنه: منكر الحديث، يقال: إنه اختلط قبل موته. وذكره ابن حبان في الثقات\"٣. ثم اعترض على ابن حجر في جزمه باختلاط خطاب هذا حيث إنه لم يذكره به سوى أبي زرعة، ومع ذلك لم يجزم به.\nقلت: وأخرج هذا الحديث البيهقيُّ في (سننه) ٤ - من طريق ابن الجارود - وَضَعَّفَهُ!\nثم ذكر ابن القَيِّم شاهدًا آخر. وَصَحَّحَ إسناده، وهو ما رواه الطحاوي:\n_________\n(ح ٩٣٥) .\n٢ ابن القاسم الحرَّاني، قاضيها، ثقةٌ اختلط قبل موته، من الثامنة/ د س. (التقريب١٩٤) .\n٣ السلسلة الصحيحة: (ح٤٧٩) .\n(١٠/٧٢) .","vol":"3","page":125},{"text":"٩٢- (٤) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ نَذَرَ أن يطيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَر أن يعصي الله فلا يعصه، ويُكَفِّر عن يمينه\".\nقال ابن القَيِّم: \"وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة\"١. ثم نقل عن عبد الحق قوله: \"وهذا أصحُ إسنادًا، وأحسن من حديث أبي داود\" يعني: حديث الزهري، عن أبي سلمة المتقدم.\nقلت: هذا الحديث أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار) ٢ من طريق: حفص بن غياث، قال: سمعت ابن مُجَبَّر٣، عن القاسم، عن عائشة ﵂ به.\nوأخرجه البخاري في (صحيحه) ٤ من طريق: طلحة بن عبد الملك٥، عن القاسم، عن عائشة به، بدون هذه الزيادة التي فيها ذكر الكفارة.\nوابن مجبر - راويه عن القاسم عند الطحاوي - هو: عبد الرحمن ابن مجبّر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، روى عن: سالم بن عبد الله،\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/٣٧٤ – ٣٧٥) .\n(١/٤٧٠ – ٤٧١)، (٣/٣٧) .\n٣ وقع في المشكل: \"ابن محرز\"، والصواب ما أثبته. انظر: (الجوهر النقي ١٠/٧١)، (وفتح الباري ١١/٥٨١) .\n٤ ك الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة. ح ٦٦٩٦ (الفتح: ١١/٥٨١) .\n٥ الأيلي، ثقة، من السادسة / خ ٤. (التقريب ٢٨٢) .","vol":"3","page":126},{"text":"وروى عنه: مالك بن أنس، وثقه عمرو بن علي١، وكذا ابن حبان٢.\nوقد روى الحديث: طلحةُ بن عبد الملك الأيلي - كما عند البخاري - وتابعه عليه: أيوب السختياني٣، كلاهما عن القاسم به، ولم يذكرا هذه الزيادة، فإمَّا أن يُقال: ابن مجبر ثقة فزيادته مقبولة، وإما أن يقال: إنه قد خالف من هو أوثقُ منه وأكثر عددًا فتردُّ زيادته، ولعلَّ هذا الأخير هو ما تطمئن إليه النفس، وقد قال ابن القطان ﵀: \"عندي شكُّ في رفع هذه الزيادة\"٤.\nوبعد، فهذا ما انتهى إليه البحث، مع الإمام ابن القَيِّم -﵀- في هذه القضية، وخلاصة ذلك:\nأن حديث أبي سلمة عن عائشة ﵂ في كفارة النذر غير صحيح، بل فيه ضعفٌ واضطراب، ولا يصلح حديث عمران بن حصين شاهدًا له؛ لأن حديث عائشة ﵂ قد رجع إلى حديث عمران. هذا مع ضعف حديث عمران أيضًا.\nأما الشواهد التي ساقها ابن القَيِّم: فلا يصلح أكثرها لتقوية هذا الحديث، وقد ثبت منها حديث ابن عباس ﵄ إذا ترجح\n_________\n١ الجرح والتعديل: (٢/٢/٢٨٧) .\n٢ الثقات: (٧/٧٦) .\n٣ وروايته عند ابن حبان: (الإحسان ٦/٢٨٧) ح ٤٣٧٣.\n٤ التلخيص الحبير: (٤/١٧٥) ح ٢٠٥٧.","vol":"3","page":127},{"text":"توثيق خطاب بن القاسم. وكذلك حديث عائشة - عند الطحاوي - فقد يصلح شاهدًا إذا قيل بقبول الزيادة فيه من الثقة.\nثم إن مضمون هذا الحديث - وهو القول بالكفارة في نذر المعصية - قد ذهب إليه: الإمام أحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب النبي ﷺ. والجمهور على خلاف ذلك، مع اتفاقهم على الشطر الأول من الحديث وهو: أنه لا يجب الوفاء بنذر المعصية١، والله أعلم.\n_________\n١ انظر: جامع الترمذي: (٤/١٠٤ – ١٠٥)، وفتح الباري: (١١/٥٨٧) .","vol":"3","page":128},{"text":"١٤-<span data-type=\"title\" id=toc-158> من كتاب العتق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>١ - باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم</span>\n٩٣- (١) عن سمرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُو حُرُّ \".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"هذا الحديث له خمسُ عللٍ:\nإحداها: تَفَرد حماد بن سلمة به، فإنه لم يحدث به غيره١.\nالعلة الثانية: أنه اختلف فيه حماد وشعبة، عن قتادة، فشعبة أرسله، وحمادٌ وصله، وشعبةُ هو شعبةُ.\nالعلة الثالثة: أن سعيد بن أبي عروبة خالفهما، فرواه: عن قتادة، عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله.\nالعلة الرابعة: أن محمدَ بن يسار رواه: عن معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن قوله. وقد ذكر أبو داود هذين الأثرين.\nالعلة الخامسة: الاختلاف في سماع الحسن من سمرة\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: أبو داود في (سننه) ٣، والترمذي في: (جامعه) ٤، و(علله) ٥، والنسائي في (الكبرى) ٦، وأحمد، والطيالسي\n_________\n١ ومراده: أنه تفرد بوصله، وأنه لم يُحَدِّث به كذلك غيره.\n٢ تهذيب السنن: (٥/٤٠٧) .\n(٤/٢٥٩) ح ٣٩٤٩ ك العتق، باب فيمن ملك ذا رحم محرم.\n(٣/٦٣٧) ح ١٣٦٥ ك الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم.\n(١/٥٦١) .\n(٥/١٤) ح ٤٨٨١.","vol":"3","page":131},{"text":"في (مسنديهما) ١، وابن الجارود في (المنتقى) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤ - من طريق أبي داود - من طرق، عن:\nحماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن٥، عن سمرة، عن النبي ﷺ به، ولفظه كما تقدم، لكن وقع في إحدى روايات الإمام أحمد: \"فهو عتيقٌ\" بدل: \"فهو حر\".\nووقع عند أبي داود من طريق موسى بن إسماعيل - أحد رواته عن حماد -: \"عن سمرة بن جندب فيما يحسب حماد، قال: قال رسول الله ﷺ ... \".\nقال أبو داود: \"لم يُحَدِّث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شكَّ فيه\". وقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة\". وسأل الترمذي البخاريَّ عنه؟ فلم يعرفه عن الحسن، عن سمرة إلا من حديث حماد بن سلمة\"٦. ونقل المنذري عن علي بن المديني قوله: \"هذا عندي منكرٌ\"٧.\n_________\n١ حم: (٥/١٥، ١٨، ٢٠) . طس: (ح ٩١٠) .\n(ح ٩٧٣) .\n(٧/٢٤٨) ح ٦٨٥٢.\n(١٠/٢٨٩) .\n٥ ابن أبي الحسن البصري، واسم أبيه: يسار، الأنصاري مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، وكان يُرْسِلُ كثيرًا ويُدَلِّس، وهو رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة١١٠هـ / ع. (التقريب ١٦٠) .\n٦ علل الترمذي: (١/٥٦١) .\n٧ مختصر السنن: (٥/٤٠٨) .","vol":"3","page":132},{"text":"وكلام هؤلاء الأئمة - ﵏ - ظاهرٌ في كون حماد تَفَرَّدَ بوصل هذا الحديث، وعبارة الترمذي صريحة في ذلك، فإن هذا الحديث يُروى من وجه آخر عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، بدون ذكر \"سمرة\". وقد نقل المنذري وغيره عن أبي داود أنه قال: \"شعبة أحفظ من حماد بن سلمة\". قال المنذري: \"يعني أنَّ شعبة رواه مرسلًا\"١. وقال الخطابي: \"أراد أبو داود من هذا: أنَّ الحديثَ ليس بمرفوع، أو ليس بمتصل، إنما هو: عن الحسن، عن النبي ﷺ\"٢.\nقلت: وكلمة أبي داود هذه لم أرها هكذا، والذي في (السنن) قوله: \"سعيد أحفظ من حماد\". وذلك أن أبا داود – ﵀ – أخرجه من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن موقوفًا عليه٣. وأخرجه مرة أخرى عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد والحسن مثله٤. وأخرجه - قبل هذين الأثرين - من حديث سعيد أيضًا، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: \"من ملك ذا رحم ... \" الحديث٥. وأشار إلى الموقوف على عمر: الترمذيُّ٦، والبخاريُّ٧،\n_________\n١ مختصر السنن: (٥/٤٠٨) .\n٢ معالم السنن: (٥/٤٠٨) .\n٣ سنن أبي داود: (٤/٢٦١) ح ٣٩٥١.\n٤ سنن أبي داود: (ح٣٩٥٢) .\n٥ المصدر السابق: (ح٣٩٥٠) .\n٦ في جامعه: (٣/٦٣٨) .\n٧ علل الترمذي: (١/٥٦١) .","vol":"3","page":133},{"text":"لكنهما قالا: عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عمر ﵁، فلعلها رواية أخرى عن قتادة. فهذه الروايات من طريق سعيد هي التي قال أبو داود عقبها: \"سعيد أحفظ من حماد\".\nفَتَحَصَّلَ من ذلك أن هذا الحديث يُروى عن قتادة على عدة أوجه:\n١- حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، مرفوعًا.\n٢- شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، ولم أقف على هذه الرواية، ولكن تَقَدَّمَ نقل المنذري لكلام أبي داود فيها، وكذا كلام الخطابي.\n٣- سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن من قوله. مقطوعًا.\n٤- سعيد، عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد من قولهما.\n٥- سعيد، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب من قوله، وتقدم أن أبا داود أخرج هذه الروايات الثلاث الأخيرة، وأخرجها أيضًا: النسائي في (سننه الكبرى) ١.\n٦- سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عمر ﵁ موقوفًا عليه. ولم أقف على هذه الرواية أيضًا، لكن ذكرها البخاري والترمذي كما تقدم.\n_________\n(٥/١٤ – ١٥) ح ٤٨٨٣ – ٤٨٨٦.","vol":"3","page":134},{"text":"فهذه وجوه رواية هذا الحديث عن قتادة، والخوف أن يكون ذلك اضطرابًا في هذا الحديث، لكن الذي يهمنا في هذا المقام: أن هذا الحديث لا يصحُّ عن النبي ﷺ موصولًا، فهو ما بين: موقوف على عمر ﵁، أو مُرْسَل: عن الحسن عن النبي ﷺ - وقد ضَعَّفَ مراسليه جماعة -١ أو مقطوع من كلام الحسن ﵀. وقد تَقَدَّمَ كلامُ أبي داود في ترجيح الرواية المرسلة، وكذا ترجيح الموقوف من طريق سعيد، وقال الحافظ ابن حجر: \"وَرَجَّحَ جمعٌ من الحفاظ أنه موقوف\"٢.\nوحتى لو حُكِمَ للرواية الموصولة، فإنها تبقى معلولةً – كما أشار ابن القَيِّم – بالخلاف في سماع الحسن من سمرة؛ فإنَّ كثيرين لا يثبتون له سماعًا منه، والحسن مدلس، وقد عنعن في هذا الحديث.\nوَثَمَّةَ شاهدٌ لحديث سمرة هذا، يُروى عن ابن عمر ﵄، ولم يتعرض له ابن القَيِّم ﵀:\nوهو ما أخرجه: النسائي في (الكبرى) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، وابن الجارود في (المنتقى) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦،\n_________\n١ انظر جامع التحصيل: (ص ١٠٠ – ١٠١) .\n٢ بلوغ المرام مع سبل السلام: (٤ / ١٥٠١) ح ١٣٣٩.\n(٥/١٣) ح ٤٨٧٧.\n(٢/٨٤٤) ح ٢٥٢٥.\n(ح ٩٧٢) .\n(٢/٢١٤) .","vol":"3","page":135},{"text":"والبيهقي في (سننه) ١، وَعَلَّقَهُ الترمذي في (جامعه) ٢، كلهم من طريق: ضمرة بن ربيعة٣، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا بمثل حديث سمرة. ووقع عند ابن الجارود، والبيهقي: \"فهو عتيق \".\nوقد ضَعَّفَ الأئمة هذا الحديث - عن ابن عمر ﵄ - وأنكروه: فأنكره الإمام أحمد وردَّه ردًّا شديدًا، وقال: \"لو قال رجلٌ: إن هذا كذبٌ، لما كان مخطئًا\"٤. وذُكِرَ له مرة، فقال: \"ليس من ذا شيء، وَهِمَ ضمرة\"٥. وقال الترمذي: \"ولم يُتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث\"٦. وقال النسائي: \"لا نعلم أن أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر\"٧. ونقل البيهقي عن الطبراني - وقد رواه من طريقه - قوله: \"لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا ضمرة\"٨. وقال البيهقي: \"وهم فيه\n_________\n(١٠/٢٨٩) .\n(٣/٦٣٨) .\n٣ الفلسطيني.\n٤ تهذيب التهذيب: (٤/٤٦١) .\n٥ مسائل أبي داود للإمام أحمد: (ص ٣١٤) .\n٦ جامع الترمذي: (٣/٦٣٨) .\n٧ السنن الكبرى: (٥/١٣) ح ٤٨٧٧.\n٨ سنن البيهقي: (١٠/٢٨٩) .","vol":"3","page":136},{"text":"راويه ... المحفوظ بهذا الإسناد: حديث نهى عن بيع الولاء وهبته\"١. وقال البوصيري: \"هذا إسناد فيه مقال\"٢.\nومع ذلك، فقد صححه الحاكم! فقال: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي! وصححه كذلك: عبد الحق، وابن حزم٣، وابن القطان٤. والقول ما قاله هؤلاء الأئمة، من أنَّ هذا الحديث منكرٌ؛ فإنَّ ضمرة وإن كان صدوقًا، فإنه كان يَهِمُ، وعنده بعض المناكير٥، ولعل هذا من مناكيره، والله أعلم.\nفتلخص من ذلك: أنَّ حديث سمرة بن جندب هذا معلولٌ كما ذكر ابن القَيِّم ﵀، وأن ما وُجدَ له من شاهد عن ابن عمر: منكرٌ، فلا يصلح لتقويته، وبذلك يبقى الحديث على ضعفه، والله أعلم.\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديثًا آخر في هذا الباب، وَأَعَلَّهُ، فقال: \"وقد روى البيهقيُّ وغيره، من حديث أبي صالح، عن:\n٩٤- (٢) ابن عباس ﵄، أنه قال: جاء رجلٌ - يقال له: صالح - بأخيه فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أَعْتِقَ أخي هذا، فقال: \"إِنَّ اللهَ أَعْتَقَهُ حِينَ مَلَكْتَهُ \".\n_________\n١ سنن البيهقي: (١٠/٢٨٩) .\n٢ مصباح الزجاجة: (٢/٦٧) . ط / يوسف الحوت.\n٣ المحلى: (١٠/٢٢٣) . تحقيق / حسن زيدان.\n٤ التلخيص الحبير: (٤/٢١٢) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٤/٤٦١) .","vol":"3","page":137},{"text":"قال ابن القَيِّم: \"ولكن في هذا الحديث بَلِيَّتَانِ عظيمتان: العرزمي - وهو عبد الرحمن بن محمد - عن الكلبيِّ: كُسَيْرٌ عن عُوَيْرٍ\"١.\nقلت: هذا الحديث: أخرجه الدارقطني في (سننه) ٢ – ومن طريقه: البيهقي٣ – من طريق:\nعبد الرحمن بن محمد٤ العرزمي، عن أبي النضر٥، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ به.\nقال الدارقطني عقبه: \"العرزميُّ تركه ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي. وأبو النضر هو: محمد بن السائب الكلبي، المتروك أيضًا، وهو القائل: كل ما حَدَّثْتُ عن أبي صالح كذب\".\nوَتَعَقَّبَ ابن القطان عبد الحق بأنه ذَكَرَ هذا الحديث ولم يُبَيِّنْ علته، ثم أَعَلَّهُ بنحو ما أعله به الدراقطني٦.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٥/٤٠٩) .\n(٤/١٢٩) ح ١٥.\n٣ السنن: (١٠/٢٩٠) .\n٤ ابن عبيد الله الفزاري، العَرْزَمي. يروي عن: جابر الجعفي، وعبد الملك بن أبي سليمان، وجماعة. روى عنه: ابنه محمد، وعبيد الرحمن بن صالح العتكي وغيرهما. قال أبو حاتم: \"ليس بقوي\". وضعفه الدارقطني. الجرح والتعديل: (٢/٢/٢٨٢)، والضعفاء والمتروكين للدارقطني: (ص ٢٧٥) رقم ٣٣٩.\n٥ هو: محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسَّابة، مُتَّهَمٌ بالكذب، ورمي بالرفض، من السادسة، مات سنة ١٤٦هـ/ ت فق. (التقريب ٤٧٩) .\n٦ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٥٣) ح ١٣٣٢.","vol":"3","page":138},{"text":"فَتَحَصَّلَ من ذلك: أن الأمر على ما وصف ابن القَيِّم ﵀، وأن هذا الحديث لا يصحُّ؛ لأن في إسناده مَتْرُوكَيْن كما تقدم، والله أعلم.","vol":"3","page":139},{"text":"١٥-<span data-type=\"title\" id=toc-160> من كتاب الحدود والديات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١ - باب الشفاعة في الحدود</span>\n٩٥- (١) عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دون حَدٍّ من حُدُودِ الله، فَقَد ضَادَّ١ اللهَ في أَمْرِهِ\".\nقال ابن القيم ﵀: \"رواه أحمد وغيره بإسناد جيد\"٢.\nقلت: الحديث بهذا اللفظ أخرجه: الطبراني في (الكبير) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، كلاهما من طريق:\nعبد الله بن جعفر٥، عن مسلم بن أبي مريم٦، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن ابن عمر ﵄ به.\nوسكت عنه الحاكم والذهبي، وهو ضعيفٌ بهذا الإسناد؛ للاتفاق على ضعفِ عبد الله بن جعفر المديني.\nوقد رُوي عن ابن عمر من وجه آخر، من غير طريق عبد الله بن\n_________\n١ ضَادَّه، مضادَّةً: إذا باينه مخالفةً. (المصباح المنير: ٢/٣٥٩) .\n٢ إعلام الموقعين: (٤/٤٠٤) .\n(١٢/٢٧٠) ح ١٣٠٨٤.\n(٤/٣٨٣) .\n٥ ابن نَجِيح السَّعدي مولاهم، أبو جعفر المديني، والد عليٍّ، بصريٌ، أصله من المدينة، ضعيف، من الثامنة، يقال: تَغَيَّر حفظه بآخرة، مات سنة ١٧٨هـ/ت ق. (التقريب ٢٩٨) .\n٦ المدني، مولى الأنصار، ثقة، من الرابعة/ خ م د س ق. (التقريب ٥٣٠) .","vol":"3","page":143},{"text":"جعفر، فقد أخرجه: أبو داود في (سننه) ١ من طريق:\nالمثنى بن يزيد٢، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ بمعنى الحديث المتقدم، وفيه زيادة، وهي: \"وَمَنْ أَعَانَ عَلى خُصُومَةٍ بِظُلمٍ، فقد بَاء بغضب الله عزوجل\".\nوهذا الإسناد ضعيف أيضًا؛ لضعف مطر الوراق، وجهالة المُثَنَّى بن يزيد.\nولكنه جاء من طريق ثالث صحيحٍ، وهو ما أخرجه: أحمد في (مسنده) ٣، وأبو داود في (سننه) ٤والحاكم في (المستدرك) ٥،كلهم من طريق: زهير بن معاوية، عن عمارة بن غُزَيَّة٦، عن يحيى بن راشد٧، عن ابن عمر ﵄ به. ولفظه: \"من حالتْ شفاعته دون حدٍّ\n_________\n(٤/٢٣) ح ٣٥٩٨ ك الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها.\n٢ بصري أو مدني، مجهولٌ، من الثامنة/ د س. (التقريب ٥١٩) .\n(٢/٧٠) .\n(٤/٢٣) ح ٣٥٩٧.\n(٢/٢٧) .\n٦ ابن الحارث الأنصاري المازِني، المدني، لا بأسَ به، وروايته عن أنس مرسلةٌ، من السادسة، مات سنة ١٤٠هـ / خت م ٤. (التقريب ٤٠٩) .\n٧ ابن مسلم الليثي، أبو هشام الدمشقي، الطويل، ثقة، من الرابعة / د. (التقريب٥٩٠) .","vol":"3","page":144},{"text":"من حدود الله، فقد ضادَّ الله في أمره، ومن مات وعليه دَيْنٌ، فليس ثمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط الله حَتَّى يَنْزِعَ، ومن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه حبس في رَدْغَةِ الخَبَال١ حتى يأتي بالمخرج مما قال\".\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"حديث صحيحُ الإسناد، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي ﵀. وقال الحافظ المنذري: \" ... إسناد جيدٌ\"٢. وقال الشيخ الألباني: \"إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، غير يحيى بن راشد، وهو ثقةٌ\"٣. وسبق أنَّ ابن القيم جَوَّدَ هذا الإسناد.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث صحيحٌ، وأن الضَّعْفَ الواقعَ في بعض طرقه ينجبر بمجيئه من طريقٍ آخر صحيحٍ جَوَّدَهُ ابن القيم - ﵀ - فأصاب، والله أعلم.\n_________\n١ الرَّدَْغَةُ - بسكون الدال وفتحها - طينٌ ووحلٌ كثير، وتجمع على رَدَغٌ ورِدَاغٌ. (النهاية ٢/٢١٥) . والخَبَال في الأصل: الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، ومعناه في الحديث: عصارة أهل النار. (النهاية ٢/٨) .\n٢ الترغيب والترهيب: (٣/١٩٨) .\n٣ إرواء الغليل: (٧/٣٤٩) .","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>٢ - باب في قطع جاحد العارية</span>\n٩٦- (٢) عن عائشة ﵂، قالت: كانت امرأة مخزومية تَسْتَعِير الْمَتَاع وَتَجْحَدُهُ، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فَكَلَّمُوه، فَكَلَّم أَسَامةُ النبيَّ ﷺ، فقال له النبيُّ ﷺ: \"يا أسامة! لا تَزَالُ تَكَلَّمُ في حَدٍّ من حدودِ الله\" ثم قامَ النبيُّ ﷺ خطيبًا، فقال: \"إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بأنَّه إذا سَرَقَ فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعيفَ قَطَعُوه، والذي نفسي بيدهِ، لو كانت فَاطِمَةُ ابنةُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعَ يَدَهَا\".\nذكر ابن القيم - ﵀ - أن طائفةً من الناس أعَلَّت هذا الحديث، فقالوا: إن معمرًا تفرد من بين سائر الرواة بذكر \"العارية\"، وخالفه سائر أصحاب الزهري فقالوا: \"سرقت\"، ومعمر لا يقاوِمُ هؤلاء.\nقالوا: ثم إن الحديث لو ثبت، فإن وصف العارية إنما هو لمجرد التعريف بالمرأة، لا أنه سبب قطع يدها١.\nثم أخذ ابن القيم - ﵀ - في الجواب عن ذلك، فقال: \"فأما تعليله بما ذُكِرَ: فباطلٌ\". ثم بَيَّنَ أن معمرًا تُوبع على هذه اللفظة، وسيأتي الكلام على هذه المتابعات إن شاء الله.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٢٠٩) .","vol":"3","page":146},{"text":"ثم ذكر ابن القيم - ﵀ - أن لحديث عائشة شاهدًا من رواية ابن عمر ﵄، بمثل رواية معمر، وبَيَّنَ أنَّ هذا اللفظ روي أيضًا عن سعيد بن المسيب مرسلًا عند النسائي١، وبذلك تزول دعوى تفرد معمر بهذه الرواية.\nثم أخذ في الجواب على بقية ما أُعِلَّ به هذا الحديث، وسيأتي كلامه أثناء البحث إن شاء الله.\nقلت: هذا الحديث معروفٌ من حديث عائشة ﵂، ومداره على: الزهري، عن عروة بن الزبير، عنها. وقد رُوِيَ - كما تقدم - على وجهين: \"أَنَّ امرأةً سرقت\"، و\"أَنَّ امرأةً كانت تستعير المتاعَ فتجحده\".\nأما رواية السَّرقة: فقد أخرجها أصحاب الكتب الستة٢، والدارمي في (مسنده) ٣ من طريق: الليث. وأخرجه البخاري، ومسلم\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٢١٠) .\n٢ خ: ك أحاديث الأنبياء، ح ٣٤٧٥ (الفتح ٦/٥١٣) . وفي ك فضائل الصحابة، باب ذكر أسامة بن زيد ح ٣٧٣٢ (فتح الباري: ٧/٨٧) . م: (٣/١٣١٥) ح ١٦٨٨ (٨)، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود. د: (٤/٥٣٧) ح ٤٣٧٣، ك الحدود، باب في الحد يشفع فيه. ت: (٤/٣٧) ح ١٤٣٠، ك الحدود، باب كراهية أن يشفع في الحدود. س: (٨/٧٣) ك قطع السارق، باب ما يكون حرزًا، وما لا يكون. جه: (٢/٨٥١) ح ٢٥٤٧، ك الحدود، باب الشفاعة في الحدود.\n(٢/٩٤) ح ٢٣٠٧، ك الحدود، باب الشفاعة في الحدود دون السلطان.","vol":"3","page":147},{"text":"في (صحيحيهما) ١، والنسائي في (سننه) ٢ من طريق: يونس بن يزيد. وأخرجه النسائي٣ من طريق: إسماعيل بن أمية، ومن طريق: إسحاق بن راشد. كلهم عن: الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن قريشًا أَهَمَّهُم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وزاد ابن ماجه وحده في آخر قول محمد بن رمح - راويه عن الليث -: \"سمعت الليث بن سعد يقول: قد أعاذها الله - عزوجل - أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا\" يعني: فاطمة ﵂.\nكذا رواه هؤلاء الجماعة: الليث، ويونس، وإسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد: عن الزهري بلفظ: \"سرقت\".\nوخالف هؤلاء جميعًا: معمر بن راشد، فقال فيه: \"كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده\". أخرجه: عبد الرزاق في (مصنفه) ٤: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به، ولفظه هو المذكور\n_________\n١ خ: ك الشهادات، باب شهادة القاذف والسارق والزاني، ح٢٦٤٨ (الفتح ٥/٢٥٥)، وفي ك المغازي، ح٤٣٠٤ (الفتح٨/٢٤) . م: (٣/١٣١٥) ح١٦٨٨ (٩) .\n(٨/٧٤) .\n(٨/٧٤) .\n(١٠/٢٠١) ح ١٨٨٣٠ ك اللقطة، باب الذي يستعير المتاع ثم يجحده.","vol":"3","page":148},{"text":"أول هذا البحث. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: مسلم في (صحيحه) ١، وأبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٤ - من طرق، عن عبد الرزاق به.\nوقد ادُّعِيَ - كما مرَّ في كلام ابن القيم ﵀ - أن معمرًا قد تَفَرَّدَ عن الزهري بهذا اللفظ، فقال النوويُّ: \" ... إن جماعةً من الأئمة قالوا: هذه الرواية شاذة؛ فإنها مخالفة لجماهير الرواة، والشاذة لا يُعْمَلُ بها\"٥. ونقل ابن حجر مثل ذلك عن: ابن المنذر، والمحب الطبري، والقاضي عياض. وقال القرطبي: \"رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك من لا يُقْتَدى بحفظه: كابن أخي الزهري ونمطه. هذا قول المحدثين\"٦.\nودعوى انفراد معمر بهذا لا تصحُ؛ فإنه قد وافقه عليه جماعة كما بَيَّنَ ابن القيم ﵀، ومن هؤلاء الذين تابعوه:\n_________\n(٣/١٣١٦) ح ١٦٨٨ (١٠) .\n(٤/٥٣٨) ح ٤٣٧٤. و(٤/٥٥٧) ح ٤٣٩٧.\n(٦/١٦٢) .\n(٨/٢٨٠) .\n٥ شرح مسلم: (١١/١٨٨) .\n(٦٩ فتح الباري: (١٢/٩٠ - ٩١) .","vol":"3","page":149},{"text":"١- شعيب بن أبي حمزة١: أخرجه النسائي في (سننه) ٢ من حديث: بشر بن شعيب٣، عن أبيه، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: استعارت امرأةٌ على ألسنة أناسٍ يُعْرَفُون وهي لا تُعْرَف حُلِيًّا، فباعته وأخذت ثمنه، ... الحديث، وفي آخره: \"ثم قطعت تلك المرأة\".\n٢- يونس بن يزيد٤: أخرج حديثه أبو داود في (سننه) ٥ من طريق: الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب ... فذكره بنحو حديث شعيب الذي قبله، وأخرجه البيهقي في (سننه) ٦ من طريق أبي داود.\nولكن اختلف على يونس في هذا الحديث سندًا ومتنًا: فرواه أبو داود عن الليث عن يونس هكذا، وخالف اللَّيْثَ: عبد الله بن وهب٧، وعبد الله بن المبارك٨، فروياه عن: يونس، عن الزهري، عن عروة، عن\n_________\n١ الأموي مولاهم، واسم أبيه: دينار، أبو بشر الحمصي، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، مات سنة ١٦٢هـ أو بعدها/ ع. (التقريب ٢٦٧) .\n(٨/٧٣) .\n٣ أبو القاسم الحمصي، ثقة، من كبار العاشرة، توفي سنة ٢١٣هـ / خ ت س. (التقريب ١٢٣) .\n٤ هو: الأيلي.\n(٤/٥٥٦) ح ٤٣٩٦.\n(٨/٢٨٠) .\n٧ تقدمت روايته عند البخاري برقم (٢٦٤٨) .\n٨ تقدمت روايته عند البخاري برقم (٤٣٠٤) .","vol":"3","page":150},{"text":"عائشة: أن امرأة سرقت في غزوة الفتح ... الحديث.\nقال البيهقي - ﵀ - عن رواية ابن وهب وابن المبارك هذه: \"وروايتهما أولى بالصحة من رواية أبي صالح\"١.\n٣- أيوب بن موسى٢: وقد اختُلِفَ على أيوب في روايته - أيضًا - سندًا ومتنًا، فأخرجه البخاري في (صحيحه) ٣ عن علي بن المديني، حدثنا ابن عيينة، قال: ذهبت أسأل الزهري عن حديث المخزومية فصاح بي. قلت لسفيان: فلم تحمله عن أحدٍ؟ قال: وجدته في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: \"أن امرأة من بني مخزوم سرقت ... \" الحديث.\nوأخرجه النسائي في (سننه) ٤ من حديث إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان قال: \"كانت مخزومية تستعير متاعًا وتجحده\" ... قيل لسفيان: من ذكره؟ قال: أيوب بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة إن شاء الله تعالى. ثم أخرجه النسائي٥ من حديث: محمد بن منصور، عن سفيان، عن أيوب بن موسى هكذا متصلًا، وفيه: \"أن امرأة سرقت\".\n_________\n١ سنن البيهقي: (٨/٢٨١) .\n٢ ابن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى المكي الأموي، ثقة، من السادسة، مات سنة ١٣٢هـ / ع. (التقريب ١١٩) .\n٣ ح رقم ٣٧٣٣ (الفتح ٧/٨٧) .\n(٨/٧٢) .\n٥ السنن: (٨/٧٢) .","vol":"3","page":151},{"text":"ثم أخرجه من طريق: رزق الله بن موسى، عن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أتى النبي ﷺ بسارق فقطعه، قالوا: ما كنا نريد أن يبلغ منه هذا. قال: \"لو كانت فاطمة لقطعتها\"١. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٢: ثنا سفيان فذكره بمثل حديث رزق الله بن موسى، وزاد في آخره: \"ثم قال سفيان: لا أدري كيف هو\".\nقال الحافظ العراقي: \"وابن عيينة لم يسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى، ولم يصرح بسماعه من أيوب بن موسى، ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو\"٣.\n٤- ابن أخي الزهري: وهذه المتابعة أخرجها ابن أيمن في (مصنفه) كما قال ابن حجر٤.\nفهؤلاء أربعةٌ تابعوا معمرًا على روايته هذا الحديث بلفظ \"العارية\": يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وأيوب بن موسى، وابن أخي الزهري. أما رواية يونس، وأيوب، فقد اختلف عليهما كما مضى، وسلمت رواية شعيب، وابن أخي الزهري. وشعيب من أثبت\n_________\n١ سنن النسائي: (٨/٧٢) .\n(٦/٤١) .\n٣ فتح الباري: (١٢/٩٠) .\n٤ فتح الباري: (١٢/٩٠) .","vol":"3","page":152},{"text":"الناس في الزهري - كما قال ابن معين١ ﵀ - فلو لم توجد إلا روايته لكانت كافيةً لدفع دعوى التفرد عن رواية معمر، فكيف وقد انضم إليها غيرها؟\nوقد ذكر ابن القيم - ﵀ - من هذه المتابعات: رواية أيوب ابن موسى، وشعيب بن أبي حمزة، ردًّا على من أعلَّ الحديث بتفرد معمر، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك أول البحث.\nفثبت أن الحديثين محفوظان عن الزهري، لذا فإنه لا سبيل لإعلال أحدهما بالآخر، بل إن الجمع بينهما أولى، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"والذي اتَّضَحَ لي: أن الحديثين محفوظان عن الزهري، وأنه كان يُحَدِّثُ تارةً بهذا وتارةً بها، فَحَدَّثَ يونس عنه بالحديثين، واقتصرتْ كلُّ طائفة من أصحاب الزهري - غير يونس - على أحد الحديثين\"٢.\nثم نقل ابن حجر - ﵀ - عن بعض الْمُحَدِّثِين أنه عَكَسَ القضية على من طَعَنَ في رواية معمر، فقال: لم يختلف على معمر ولا على شعيب، وهما في غاية الجلالة في الزهري، وقد وافقهما ابن أخي الزهري. وأما الليث ويونس - وإن كانا في الزهري كذلك - فقد اختلف عليهما فيه. وأما إسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد٣: فدون معمر وشعيب في الحفظ. ثم قال ﵀: \"وعلى هذا، فيتعادل الطريقان، ويتعين\n_________\n١ سؤالات ابن الجنيد لابن معين (رقم ٥٠٧) .\n٢ فتح الباري: (١٢/٩٠) .\n٣ وقد روياه عن الزهري بلفظ \"السرقة\".","vol":"3","page":153},{"text":"الجمعُ، فهو أولى من اطِّراح أحد الطريقين\"١.\nقلت: ومعنى هذا الكلام: أنَّا إذا استثنينا رواية من اختلف عليه من الطرفين، فإنه يتحصل عندنا: أن معمرًا، وشعيب بن أبي خالد روياه بلفظ \"العارية\"، وفي مقابلهما: إسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد، وقد روياه بلفظ \"السرقة\"، وهما دون الأولين، وهذا إيراد متينٌ، وبه تزداد رواية معمر - ومن تابعه - قوةً، ويبعد أيُّ احتمال لإعلالها. هذا فيما يتعلق بالجواب عمَّا أُعِلَّتْ به رواية العارية.\nوأما ما ذهبوا إليه من تأويل رواية العارية - على فرض ثبوتها -: بأن القطع كان للسرقة لا للعارية، وأن ذكر العارية إنما هو للتعريف المجرد بالمرأة، فإنَّ هذه محاولة للجمع بين الروايتين بعد تسليم ثبوت رواية العارية، وقد قرر البيهقيُّ - ﵀ - ذلك بقوله: \"ويحتمل أن يكون رواية من روى العارية على تعريفها، والقطع كان سبب سرقتها التي نُقلت في سائر الروايات، فلا تكون مختلفة، ويكون التقدير: أن امرأةً مخزومية كانت تستعير المتاعَ وتجحده - كما رواه معمر - سرقتْ - كما رواه غيره - فقطعت، يعني للسرقة\"٢.\nوقد ردَّ ابن القيم - ﵀ - هذا التأويل ودفعه، فقال: \"وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه الْمُؤَثِّرُ: فكلامٌ في غاية الفساد، لو صحَّ مثله - وحاشا وكلاَّ - لذهب من أيدينا عامة الأحكام\n_________\n١ فتح الباري: (١٢/٩١) .\n٢ السنن: (٨/٢٨١) .","vol":"3","page":154},{"text":"المترتبة على الأوصاف، وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يرُدُّونَ بمثلها السنن، وإنما يسلكها بعض الْمُقَلِّدين من الأتباع\"١.\nثم أَكَّدَ ابن القيم - ﵀ - كون جحد العارية سبب القطع بما جاء في رواية ابن عمر ﵄: أن امرأة كانت تستعير الحُلِيَّ للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله ﷺ: \"لتتب هذه المرأة إلى الله ورسوله، وتَرُدُّ ما تأخذ على القوم\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها\" ٢. وفي رواية أخرى أنه قال: \"لتتب هذه المرأة، ولتؤدي ما عندها\". مرارًا، فلم تفعل، فأمر بها فقطعت٣.\nفهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ أمر بقطعها من أجل جحدها العارية، قال ابن القيم ﵀: \"وهذا يُبْطِلُ قول من قال: إن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد\"٤.\nولكن ذكر البيهقي أن حديث ابن عمر هذا قد اختلف عن نافع في إسناده٥.\nثم ذهب ابن القيم - ﵀ - إلى أن الجمع بين الخبرين ممكنٌ، ذلك أنه لا تنافي بين جحد العارية وبين السرقة؛ فإن ذلك داخلٌ في اسم\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٢١١) .\n٢ أخرجه النسائي في سننه: (٨/٧١) .\n٣ أخرجه النسائي أيضًا: (٨/٧١) .\n٤ تهذيب السنن: (٦/٢١٠) .\n٥ سنن البيهقي: (٨/٢٨١) .","vol":"3","page":155},{"text":"السرقة، قال: \"فإن هؤلاء الذين قالوا: إنها جحدت العارية، وذكروا أن قطعها لهذا السبب، قالوا: إنها سرقت، فأطلقوا على ذلك اسم السرقة. فثبت لغةً: أن فاعل ذلك - يعني جحد العارية - سارقٌ، وثبت شرعًا أن حَدَّهُ قطع اليد\"١.\nوَتَعَقَّبَهُ الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: \"كذا قال، ولا يخفى بُعْدُهُ\"٢.\nفتلخص من ذلك: أن حديث المخزومية التي قطعت ثابتٌ، وأن ما ذُكِرَ فيه من أن هذه المرأة كانت تجحد العارية: صحيحٌ لا وجه لإعلاله، كما قَرَّرَه ابن القيم ﵀، وتأكد من خلال هذه الدراسة.\nولكن مع ثبوت هذا الحديث، يبقى الخلاف في: هل قَطْعُ هذه المرأة كان للسرقة، أو لجحد العارية؟ الجمهور على أنها قطعت للسرقة، وأن ما ذكر من جحدها للعارية صفة لها، لا أنه سبب القطع. وأيضًا: فإن جاحد العارية لا يقطع قياسًا على المختلس والمنتهب والخائن، الذين جاء النص بعدم قطعهم. وأيضًا: لو قيل بقطع جاحد العارية لقطع جاحد غير العارية، ولا يقولون به. فهذا مذهب جمهور العلماء: أنه لا قطع على جاحد العارية٣.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٢١١) .\n٢ فتح الباري: (١٢/٩٢) .\n٣ فتح الباري: (١٢/٩٠) .","vol":"3","page":156},{"text":"وتمسك ابن القيم - ﵀ - بظاهر الحديث، ولم يرَ فرقًا بين السارق والجاحد في القطع، وهو مذهب الإمام أحمد والظاهرية، والله أعلم.","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>٣ - باب ما جاء في الرجل يزني بجارية امرأته</span>\n٩٧- (٣) عن النعمان بن بشير ﵁ في رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، أَنَّهُ قَال: لأَقْضِيَنَّ فيكَ بِقَضِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ: \"إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَة، وإن لم تكن أحلتها لك رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارِةِ\"، فوجدوه قد أحلتها له، فَجَلَدَهُ مائة.\nذكر ابن القيم هذا الحديث، وعزاه إلى (المسند) و(السنن الأربعة)، ثم نقل كلام الأئمة في تضعيفه: فالترمذي والنسائي أعلاَّه بالاضطراب، والبخاري قال بانقطاعه، وأعله أبو حاتم بجهالة خالد بن عُرْفُطَة. ثم ذكر عن الإمام أحمد - ﵀ - أنه أخذ بهذا الحديث في ظاهر مذهبه. ثم أخذ - ﵀ - في الدفاع عن هذا الحديث والتوجه إلى تقويته، فقال: \"فإن الحديث حسنٌ، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثِقَتَان: قتادة، أبو بشر، ولم يُعرفْ فيه قدحٌ، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين\"١.\nقلت: هذا الحديث مداره على حبيب بن سالم٢، عن النعمان بن بشير ﵁، ويرويه عن حبيب بن سالم جماعة:\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٣٧ - ٣٨) .\n٢ الأنصاري، مولى النعمان بن بشير وكاتبه، لا بأس به، من الثالثة/ م ٤. (التقريب١٥١) .","vol":"3","page":158},{"text":"فأخرجه الترمذي في (جامعه) ١، والنسائي وابن ماجه في (سننيهما) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، من طريق: قتادة، عن حبيب بن سالم، أنه قال: رُفِعَ إلى النعمان بن بشير رجلٌ وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضين ... الحديث، ووقع في رواية أحمد: \"رُفِعَ إلى النعمان رجلٌ أَحَلَّت له امرأته جاريتها\". أما لفظ النسائي عن النعمان: \"أن رسول الله ﷺ قال في رجل ... \" بدون ذكر قصة الرجل الذي رُفع إليه.\nوهذا الإسناد منقطعٌ؛ فإنَّ قتادة لم يسمع هذا الحديث من حبيب ابن سالم، كما قال البخاري٤ ﵀، وقد سأله عنه الترمذي؟ فقال: \"أنا أنفي هذا الحدث، إنما رواه قتادة، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب ابن سالم\"٥.\nوحديث قتادة، عن خالد بن عرفطة هذا: أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٦، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٧، كلهم من طريق:\n_________\n(٤/٥٤) ح ١٤٥١ ك الحدود، باب الرجل يقع على جارية امرأته.\n٢ س: (٦/١٢٤) ك النكاح، باب إحلال الفرج. جه: (٢/٨٥٣) ح ٢٥٥١ ك الحدود، باب من وقع على جارية امرأته.\n(٤/٢٧٢) .\n٤ انظر: جامع الترمذي: (٤/٥٤) .\n٥ علل الترمذي: (٢/٦١٤) .\n٦ د: (٤/٦٠٤) ح ٤٤٥٨. س: (٦/١٢٤) .\n٧ حم: (٤/٢٧٥ - ٢٧٦)، مي: (٢/١٠٢) ح ٢٣٣٤.","vol":"3","page":159},{"text":"أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن خالد بن عرفطة١، عن حبيب ابن سالم: أن رجلًا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان ... الحديث، وفي آخره: قال قتادة: \"كتبتُ إلى حبيب ابن سالم فكتب إليَّ بهذا\".\nوخالد بن عرفطة: جَهَّلَهُ أبو حاتم، والبزار٢، قال أبو حاتم: \"خالد بن عرفطة مجهولٌ، لا نعرف أحدًا يقال له خالد بن عرفطة إلا واحد، الذي له صحبة\"٣. وقال الذهبي: \"لا يُعرف\"٤.\nوأما ما قاله ابن القيم ﵀، من أن خالدًا هذا روى عنه ثقتان، وبذلك تزول عنه الجهالة: فإنه غير مُسَلَّم؛ لأنه وإن ارتفعت عنه جهالة العين برواية أكثر من واحد، فإنه يبقى مجهول الحال؛ لأنه لم يوثقه أحد، فالحكم بصحة هذا الإسناد أو حسنه متوقف على العلم بحال خالد هذا، نعم وثقه ابن حبان٥، ولكن قد علم أن ابن حبان لا يعتمد قوله في ذلك، لما عُرِفَ من توثيقه المجهولين، فكيف إذا عورض توثيقه بتجهيل مثل أبي حاتم، والبزار لهذا الرجل؟\nوقد رُوي الحديث عن قتادة على غير هذين الوجهين:\n_________\n١ مقبولٌ، من السادسة/ بخ د س. (التقريب ١٨٩) .\n٢ انظر: تهذيب التهذيب: (٣/١٠٧) .\n٣ الجرح والتعديل: (١/٢/٣٤٠)، وعلل ابن أبي حاتم: (١/٤٤٨) .\n٤ المغني: (١/٢٠٤) .\n٥ الثقات: (٦/٢٥٨) .","vol":"3","page":160},{"text":"فأخرجه النسائي في (الكبرى) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ من طريق:\nهمام بن يحيى، عن قتادة، عن حبيب بن سالم، عن حبيب بن يساف٣: أن رجلًا وَطِئ جارية امرأته، فرفع إلى النعمان ... الحديث.\nوقد سُئِلَ أبو حاتم عن حديث همام عن قتادة، وحديث أبان عن قتادة الماضي، فقال: \"حديث همام أشبه\". ثم قال: \"وحبيب بن يساف مجهولٌ، لا أعلم أحدًا روى عنه غير قتادة هذا الحديث الواحد\"٤.\nقلت: ومع جهالة حبيب بن يساف، فقد رواه هَمَّام من وجه آخر، فرواه عن قتادة، عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن سالم، فعكسه. أخرجه البيهقي في (سننه) ٥ بإسناده إلى همام.\nفهذه أربعة أوجه عن قتادة في رواية هذا الحديث.\nوقد روى من وجه آخر عن حبيب بن سالم، فأخرجه الترمذي في (جامعه) ٦، و(علله) ٧، والنسائي في (الكبرى) ٨، والطيالسي في\n_________\n(٥/٢٣٧) ح ٥٥٢٨.\n(٨/٢٣٩) .\n٣ مجهولٌ، من الثالثة/ س. (التقريب ١٥٢) .\n٤ علل ابن أبي حاتم: (١/٤٤٨) .\n(٨/٢٣٩) .\n(٤/٥٤) ح ١٤٥٢.\n(٢/٦١٤) .\n(٥/٢٣٧) ح ٥٥٢٧.","vol":"3","page":161},{"text":"(مسنده) ١ - ومن طريقه البيهقي٢ - كلهم من طريق:\nهشيم، عن أبي بشر٣، عن حبيب بن سالم: أن امرأة أتت النعمان بن بشير فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير إذني، فقال النعمان: إن عندي في هذا قضاءً شافيًا أخذته عن رسول الله ﷺ: \"إن لم تكوني أذنتِ له رجمته، وإن كنتِ أذنتِ له جلدته مائة\".فقال لها الناس: ويحك! أبو ولدك يرجم؟ فجاءت فقالت: قد كنت أذنت له، ولكني حملتني الغيرة على ما قلت. فجلده مائة. وهذا سياق أبي داود الطيالسي.\nوهذا الإسناد منقطعٌ أيضًا، قال الترمذي: \"وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا أيضًا، إنما رواه عن خالد بن عرفطة\". وكذا قال البيهقي في (سننه) وفي (المراسيل) ٤ لابن أبي حاتم، بإسناده إلى شعبة، أنه قال: \"لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم\". وفي (تهذيب التهذيب) ٥ قول يحيى بن سعيد: \"كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم\".\n_________\n(ح ٧٩٦) .\n٢ في سننه: (٨/٢٣٩) .\n٣ هو: جعفر بن إياس، أبو بشر بن أبي وَحْشِيَّة، ثقةٌ، من أثبت النَّاس في سعيد بن جبير، وَضَعَّفَهُ شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، من الخامسة، مات سنة ١٢٥هـ وقيل: ١٢٦هـ / ع. (التقريب ١٣٩) .\n(ص ٢٦) .\n(٢/٨٣) .","vol":"3","page":162},{"text":"وقد رواه عنه شعبة نفسه متصلًا، فأخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ١، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ - وأخرجه البيهقي٤ من طريق أحمد - كلهم من طريق:\nشعبة، عن أبي بشر، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ، وليس فيه ذكر قصة الرجل الذي وقع على جارية امرأته.\nفرجع الحديث بذلك إلى خالد بن عرفطة الماضي ذكره، وقد تَقَدَّمَ من كلام أبي حاتم، والبزار، والذهبي: أنه مجهول، فَيُتَعَجَّبُ حينئذٍ من الحاكم ﵀، إذ قال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي، مع قوله في خالد بن عرفطة: \"لا يعرف\". كما تقدم نقل ذلك عنه.\nويتلخص من ذلك: أن هذا الحديث يدور إسناده ما بين: الضعف، والانقطاع، والاضطراب، وقد تقدمت أقوال بعض الأئمة في ذلك، ويضاف هنا قول الترمذي - عقب تخريجه هذا الحديث -: \"حديث النعمان في إسناده اضطراب\". وقال النسائي: \"أحاديث النعمان\n_________\n١ د: (٤/٦٠٥) ح ٤٤٥٩. س: (٦/١٢٣) .\n٢ حم: (٤/٢٧٧) . مي: (٢/١٠٣) ح ٢٣٣٥.\n(٤/٣٦٥) .\n(٨/٢٣٩) .","vol":"3","page":163},{"text":"هذه مضطربة\"١. وقال الخطابي: \"هذا حديث غير متصل، وليس العمل عليه\"٢.\nولذلك فإن حكم ابن القيم - ﵀ - على هذا الحديث بالحُسْنِ فيه نظرٌ، ومع أنه قد وقف على أقوال الأئمة في إعلاله - بل ونقلها - إلا أنه لم يتعرض في جوابه إلا للقول بجهالة خالد بن عرفطة، مع أنَّ إعلاله بالاضطراب قوي، والله أعلم.\n٩٨- (٤) عن سلمة بن الْمُحَبِّق ﵁: \"أَنَّ رَسول الله قَضى في رَجُلٍ وَقَع على جَارِيَةِ امرأته: إنِ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا، فَهِي حُرَّةٌ، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طَاوَعَتْهُ، فهي له، وعليه لسيدتها مثلها\".\nذكر ابن القيم هذا الحديث وَعَلَّقَ القول به على ثبوت صِحَّتِه، فقال: \"وأما حديث سلمة بن المحبق، فإنْ صَحَّ، تَعَيَّنَ القولُ به ولم يعدل عنه\". ثم نقل أقوال الأئمة: النسائي، وأحمد، وابن المنذر، والخطابي، والبيهقي في تضعيف هذا الحديث.\nثم بَيَّنَ - ﵀ - أن جماعةً قبلوه، وهؤلاء فريقان: فريق قال بأنه منسوخ، وفريق ثانٍ قال هو مُحْكَمٌ، وَبَيَّنَ وجهه.\nهكذا يعرض ابن القيم موقف العلماء من هذا الحديث، ويُبْدي تَوَقُّفَهُ فيه، على أنه - في نظره - إن صحَّ تعين القول به؛ لأنه موافق\n_________\n١ تحفة الأشراف: (٩ / ١٧ - ١٨) .\n٢ معالم السنن: (٦/٢٦٩) .","vol":"3","page":164},{"text":"للقياس، ولا يضرُّ حينئذٍ كثرة المخالفين١.\nعلى أنَّ ابن القيم - ﵀ - في موضع آخر يرى احتمال تحسين هذا الحديث، فيقول: \"وضعَّفه بعضهم من قِبَلِ إسناده، وهو حديثٌ حسنٌ، يَحْتَجُّون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه، مع لينٍ في سنده\"٢\nوالظاهر أن هذا الحكم الأخير هو اختياره؛ لأنه حتى حينما كان متوقفًا عن تصحيح هذا الحديث، نجد أنه كان يميل إلى العمل به، وأن العمل بمقتضاه هو الذي يوافق القياس.\nقلت: هذا الحديث مداره على الحسن بن أبي الحسن البصري، واختلف عليه:\nفقيل: عنه، عن سلمة بن المحبق. أخرجه أبو داود والنسائي في (سننيهما) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، والترمذي في (علله) ٥ من طريق: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وأخرجه أحمد في (المسند) ٦، والطبراني في (الكبير) ٧، والبيهقي في (السنن) ٨ من طريق: عمرو بن دينار.\n_________\n١ زاد المعاد: (٥/٣٩ - ٤٠) .\n٢ إعلام الموقعين: (٢/٢٤) .\n٣ د: (٤/٦٠٧) ح ٤٤٦١. س: (٦/١٢٥) .\n(٥/٦) .\n(٢/٦١٦) .\n(٥/٦) .\n(٧/٥١) ح ٦٣٣٧، ٦٣٣٨.\n(٨/٢٤٠) .","vol":"3","page":165},{"text":"وأخرجه ابن ماجه، والدارقطني في (سننيهما) ١ من طريق: عبد السلام بن حرب، عن هشام بن حسان. وأخرجه أحمد في (المسند) ٢ من طريق: المبارك بن فضالة، كلهم عن:\nالحسن البصري، عن سلمة بن الْمُحَبَّق، عن النبي ﷺ بنحو اللفظ المتقدم، لكن وقع عند أبي داود: \"وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها\". وكذا عند النسائي، لكن بلفظ: \" ... وإن كانت طاوعته فهي لسيدتها ومثلها من ماله\". وأما لفظ هشام بن حسان عند ابن ماجه والدارقطني فهكذا: \"أن رسول الله ﷺ رفع إليه رجل وقع على جارية امرأته، فلم يحدّه\".\nوهذا الإسناد منقطع؛ فإن بين الحسن وسلمة فيه: قبيصة بن حريث، قال الترمذي: \"سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: رواه الفضل بن دلهم، ومنصور بن زاذان، وسلام بن مسكين: عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، وهو أصحُّ من حديث قتادة\"٣. وقال ابن أبي حاتم في (علله) ٤: \"قلت - يعني لأبيه-: الحسن عن سلمة مُتَّصِل؟ قال: لا، حدثنا القاسم بن سلام، عن أبيه، عن الحسن، قال: حدثني قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﷺ. فأدخل بينهما قبيصة بن حريث، فاتَّصَل الإسناد. قلت: -\n_________\n١ جه: (٢/٨٥٣) ح ٢٥٥٢. قط: (٣/٨٤) ح ١١.\n(٣/٤٧٦) .\n٣ علل الترمذي: (٢/٦١٦) .\n(١/٤٤٧ - ٤٤٨) ح ١٣٤٦.","vol":"3","page":166},{"text":"القائل ابن أبي حاتم - الحسن سمع من سلمة، وقال١ محمد بن مسلم الطائفي: عن عمرو بن دينار، عن الحسن: سمعت سلمة بن المحبق؟ قال: هذا عندي غلط غير محفوظ\".\nومما يؤكد ما ذهب إليه البخاري وأبو حاتم رحمهما الله: أنه وقع في رواية الطبراني - وهي من طريق علي بن المديني، عن عمرو بن دينار، عن الحسن -: قال علي بن المديني: فقلت لسفيان: فإنَّ قتادةَ يقول: عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق؟ فقال لسفيان: قال عمرو: بينهما إنسان أو رجل؟ فقال له الهذلي - يعني أبا بكر الهذلي -: بينهما قبيصة بن حريث. قال سفيان: وإنما عُرِفَ هذا الهذلي أنه من قوم سلمة٢.\nوأخرج الحديث بهذا الإسناد المتصل: عبد الرزاق في (مصنفه) ٣، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث٤، عن سلمة بن المحبق ﵁ به، باللفظ المذكور أول البحث. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٥، وأحمد في (مسنده) ٦،\n_________\n١ هذه الجملة واقعة موقع التعليل لما قبلها؛ فكأنه قال: لأن الطائفي قال: عن عمرو بن دينار ... إلخ. والجملة في سياق السؤال.\n٢ المعجم الكبير: (٧/٥٢) .\n(٧/٣٤٢) ح ١٣٤١٧.\n٤ ويقال: حريث بن قبيصة، والأول أشهر، الأنصاري، البصري، صدوقٌ، من الثالثة، مات سنة ٦٧هـ / د ت س. (التقريب ٤٥٣) .\n٥ د: (٤/٦٠٥) ح ٤٤٦٠. س: (٦/١٢٤) .\n(٥/٦) .","vol":"3","page":167},{"text":"والطبراني في (الكبير) ١. فثبت بذلك أنَّ قتادة عنده - أيضًا - فيه رواية متصلة، وأن ذلك هو الصحيح عنه.\nوأخرجه الطبراني في (الكبير) ٢، وابن أبي حاتم في (العلل) ٣ عن أبيه، والبيهقي في (السنن) ٤ من طريق: سلام بن مسكين٥، عن الحسن، عن قبيصة، عن سلمة بن المحبق ﵁ به، وفيه قصة، وهي: أن امرأة أرسلت جاريتها مع زوجها في سفر تخدمه، فوقع بالجارية، فأخبرت المرأة النبي ﷺ ... فذكره، وفي آخره: \"ولم يقم فيه حَدًّا\".\nفثبتَ بذلك اتصال الحديث من وجهين عن الحسن ﵀، وأن الأئمة: البخاري، وأبا حاتم رَجَّحَا هذه الرواية الموصولة، ورأيا أنها أصح من تلك.\nفهذان وجهان عن الحسن في رواية هذا الحديث، وقد رُوي عنه على وجه ثالث، فأخرجه الطبراني في (الكبير) ٦، والبيهقي في\n_________\n(٧/٥١) ح ٦٣٣٦.\n(٧/٥٢) ح ٦٣٩.\n(١/٢٤٧ - ٢٤٨) .\n(٨/٢٤٠) .\n٥ ابن ربيعة الأزدي، البصري، أبو روح، ثقةٌ رُمِيَ بالقدر، من السابعة، مات سنة ١٦٧هـ / خ م د س ق. (التقريب ٢٦١) .\n(٧/٥١) ح ٦٣٣٥.","vol":"3","page":168},{"text":"(السنن) ١، من طريق: شعبة، عن:\nقتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة٢، عن سلمة بن المحبق به.\nوجون هذا: قال عنه الإمام أحمد: \"لا يُعرف\"٣. وذكره علي بن المديني ضمن المجهولين من شيوخ الحسن البصري٤. ولعلَّ هذا من الاضطراب في هذا الحديث على قتادة، عن الحسن، وقد حكم عليه العقيلي بذلك كما سيأتي.\nوقد تقدم معنا أن جماعةً من أهل العلم ضَعَّفُوا هذا الحديث ولم يثبتوه، وبالنظر إلى كلامهم، نجد أنهم حملوا في هذا الحديث على \"قبيصة بن حريث\" فذهب الإمام أحمد، والخطابي، والبيهقي إلى أنه لا يُعرف، وقال البخاري: \"في حديثه نظر\". كما نقل عنهم ذلك ابن القيم٥ ﵀، ومن قبله المنذري٦.\nوقبيصة هذا: لم يرو عنه إلا الحسن، ولم يوثقه - مع ذلك -\n_________\n(٨/٢٤٠) .\n٢ ابن الأعور بن ساعدة التميمي ثم السعدي، البصري، لم تصح صحبته، ولأبيه صحبة، وهو مقبول، من الثانية/ د س. (التقريب ١٤٣) .\n٣ الميزان: (١/٤٢٧)، وتهذيب التهذيب: (٢/١٢٢) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٢/١٢٢) .\n٥ زاد المعاد: (٥/٣٩) .\n٦ مختصر السنن: (٦/٢٧١) .","vol":"3","page":169},{"text":"أحدٌ إلا ابن حبان١، وذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ - أن أبا العرب التميمي نقل توثيقه عن العجلي٢، ولم أجده في (ثقات) العجلي، وقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا على عادته في أمثاله. فالظاهر - والله أعلم - أن الرجل مجهولٌ كما حَكَمَ به غيرُ واحد من الأئمة: أحمد، والخطابي، والبيهقي، وجهله كذلك: ابن القطان٤، وضعفه ابن حزم٥. بالإضافة إلى قول البخاري: \"في حديثه نظر\"٦.\nولذلك ضَعَّفَ الأئمة هذا الحديث كما تقدم، وقال النسائي - وقد ساق الحديث من طرق-: \"ليس في هذا الباب شيء صحيح يحتجُّ به\"٧. وقال ابن المنذر: \"لا يثبت\"٨. وقال الخطابي: \"منكر\"٩. وقال العقيلي: \"حديث فيه اضطراب\"١٠. هذا بالإضافة إلى ما تقدم من تضعيف الإمام أحمد والبخاري له.\n_________\n١ الثقات: (٥/٣١٩) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٨/٣٤٦) .\n(٣/٢/١٢٥) .\n٤ بيان الوهم والإيهام: (٤/١٣٥) .\n٥ فقال: \"ضعيف مطروح\" (تهذيب التهذيب: ٨/٣٤٦) .\n٦ الميزان: (٣/٣٨٣) .\n٧ السنن الكبرى: (٦/٤٤٨) .\n٨ مختصر السنن: (٦/٢٧٢) .\n٩ معالم السنن: (٦/٢٧١) .\n١٠ الضعفاء: (٣/٤٨٤) .","vol":"3","page":170},{"text":"فتلخص: أن هذا الحديث ضعيفٌ، كما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وعلى هذا، فاحتمال تحسينه - كما يرى ابن القيم - تَبَيَّنَ مِمَّا قَرَّروهُ - أنه مرجوح، وربما ظهرَ له هذا أولًا ثم رجع عنه؛ فقد تقدم أنه - ﵀ - توقف فيه مرةً، وعَلَّقَ القول به على ثبوت صحته، وبناءً على ذلك فلا يحكم بمخالفته - ﵀ - لهؤلاء الأئمة، والله أعلم.","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>٤- باب فيمن تزوج بامرأة أبيه</span>\n٩٩- (٥) عن البراء بن عازب ﵁، قال: \"بَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ على إبلٍ لي ضَلَّتْ، إذ أَقْبَلَ رَكْبٌ - أو فوارس - معهم لواء، فجعلَ الأعرابُ يُطِيفونَ بي لِمَنْزِلَتِي من النبي ﷺ، إِذْ أَتَوا قُبَّةً، فاسْتَخْرَجُوا منها رَجُلًا، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عنه، فذكروا أنه أَعْرَسَ بامرأةِ أبيهِ\".\nذكر المنذري في (مختصر السنن) ١ أن هذا الحديث قد اخْتُلِفَ فيه اختلافًا كثيرًا، فروي عن البراء على عدة أوجه.\nفقال ابن القيم - ﵀ - معقبًا عليه:\n\"وهذا كُلُّه يدلُّ على أن الحديثَ محفوظٌ، ولا يوجبُ هذا تركه بوجهٍ\".\nثم أخذ في التوفيق بين الأوجه التي ظاهرها التعارض في إسناد الحديث، ثم قال: \"والحديث له طرقٌ حسان يُؤَيِّدُ بعضها بعضًا\"٢ فساق جملة منها.\nقلت: هذا الحديث يروى عن عديّ بن ثابت٣، واختلف عليه:\n_________\n(٦/٢٦٨ - ٢٦٩) .\n٢ تهذيب السنن: (٦/٢٦٦ - ٢٦٧) .\n٣ الأنصاري، الكوفي، ثقةٌ رُمِيَ بالتشيع، من الرابعة، مات سنة ١١٦هـ/ ع. (التقريب ٣٨٨) .","vol":"3","page":172},{"text":"فأخرجه الترمذي في (جامعه) ١، وابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والدارقطني في (السنن) ٤، وابن أبي حاتم في (العلل) ٥ من طرق، عن:\nأشعث بن سَوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، أنه قال: مرَّ بي خالي أبو بردة بن نيار٦ ومعه لواء، فقلت: أين تريد؟ قال: \"بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأة أبيه، أن آتيه برأسه\". هذا لفظ الترمذي، وابن أبي حاتم.\nكذا وقعت رواية أشعث عند هؤلاء الجماعة، وأخرجه ابن أبي حاتم٧، والبيهقي في (سننه) ٨ من طريق:\nأبي خالد الأحمر، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن خاله: \"أن رجلًا تزوج امرأة أبيه أو امرأة ابنه، فأرسل إليه النبي ﷺ فقتله\". كذا بجعل \"يزيد بن البراء\" مكان أبيه، وبالشكِّ في متنه.\n_________\n(٣/٦٣٤) ح ١٣٦٢ ك الأحكام، باب فيمن تزوج امرأة أبيه.\n(٢/٨٦٩) ح ٢٦٠٧ ك الحدود، باب من تزوج امرأة أبيه من بعده.\n٣) ٤/٢٩٢) .\n(٣/١٩٦) ح ٣٣٧.\n(١/٤٠٣) ح ١٢٠٧.\n٦ البلوي، حليف الأنصار، صحابيُّ، اسمه: هانئ، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، مات سنة ٤١ وقيل بعدها/ ع. (التقريب ٦٢١) .\n٧ العلل: (١/٤٠٣) ح ١٢٠٧.\n(٨/٢٣٧) .","vol":"3","page":173},{"text":"وقد وقع في البيهقي: \" ... عن يزيد بن البراء، عن البراء\" على الجادة، وهو خطأ، فقد جاء عند ابن أبي حاتم على الصواب بدون ذكر البراء، وسيأتي من كلام أبي حاتم ما يدلُّ على صحة ذلك.\nوقد تابع أشعثَ بن سَوَّار على الإسناد الأول - عدي بن ثابت، عن البراء -:السُّدِّيُّ١. فأخرجه النسائي في (سننه) ٢، وابن حبان في (صحيحه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، من طريق:\nالحسن بن صالح، عن السُّدِّيُّ، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ قال: لقيت خالي ومعه الراية ... الحديث.\nقال الحاكم: \"حديث صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nقلت: ومع أنه على شرط مسلم، إلا أنَّ السُّدِّي قد تَكَلَّمَ فيه غير واحدٍ، واحتمله بعضهم٥.\nوثَمَّةَ متابعة أخرى لأشعث بن سوار على روايته هذه، فقد\n_________\n١ هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أو محمد الكوفي، صدوقٌ يَهِمُ، ورمي بالتشيع، من الرابعة، مات سنة ١٢٧هـ / م ٤. (التقريب ١٠٨) .\n(٦/١٠٩) .\n٣ الإحسان: (٦/١٦٥) ح ٤١٠٠.\n(٢/١٩١) .\n٥ انظر: تهذيب التهذيب: (١/٣١٣ - ٣١٤) .","vol":"3","page":174},{"text":"أخرجه الإمام أحمد في (مسنده) ١ - ومن طريقه الحاكم في (المستدرك) ٢ - من طريق:\nشعبة، عن ربيع بن ركين، قال: سمعت عدي بن ثابت يحدث عن البراء بن عازب، قال: مرَّ بنا ناسٌ منطلقون ... الحديث.\nوالربيع هذا: هو الربيع بن رُكَيْن بن ربيع بن عميلة الفزاري، ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وبقية الإسناد ثقات.\nفهذا حديث أشعث بن سوار - ومن تابعه على روايته -: عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب ﵁، على خلاف في رواية أشعث تقدم بيانه.\nوقد خالف هؤلاء جميعًا: زيد بن أبي أنيسة٤، فأخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٥، والدارمي في (مسنده) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، كلهم من طريق:\n_________\n(٤/٢٩٢) .\n(٢/١٩١ - ١٩٢) .\n(١/٢/٤٦٠) .\n٤ الجَزَري، أبو أسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرُّها، ثقةٌ له أفراد، من السادسة، مات سنة ١١٩هـ، وقيل: ١٢٤هـ / ع. (التقريب ٢٢٢) .\n٥ د: (٤/٦٠٢) ح ٤٤٥٧. س: (٦/١١٠) .\n(٢/٧٦) ح ٢٢٤٥ ك النكاح، باب الرجل يتزوج امرأة أبيه.\n(٤/٣٥٧) .","vol":"3","page":175},{"text":"عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء١، عن أبيه، قال: لقيت عمي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله\". هكذا، فزاد في إسناده \"يزيد بن البراء\" بين عدي والبراء. وزاد في متنه: \"الأمر بأخذ ماله\".\nوجاء أول السند عند الحاكم هكذا: \"حدثني ابن أبي أنيسة\"، وكأنه شيخه، وفي أول سنده سقطٌ ولا بدّ؛ فأين الحاكم من ابن أبي أنيسة؟!\nويزيد بن البراء: وَثَّقَه العجلي٢، وابن حبان٣، وبقية الإسناد ثقاتٌ.\nوقد قَدَّمَ أبو حاتم - ﵀ - حديثَ ابن أبي أنيسة هذا على حديث أشعث بن سَوَّار ومن وافقه، فقد سأله ابن أبي حاتم عن حديث أبي خالد الأحمر، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء عن خاله. وحديث حفص بن غياث، عن أشعث، عن عدي، عن البراء، فقال ﵀: \"وَهِمَا جميعًا، إنما هو كما رواه زيدُ بن أبي أنيسة، عن عديّ، عن يزيد بن البراء، عن البراء، عن خاله أبي بردة. ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة\"٤.\n_________\n١ ابن عازب، الأنصاري، الكوفي، صدوقٌ، من الثالثة/ د س. (التقريب ٦٠٠) .\n٢ تاريخ الثقات: (ص ٤٧٧) .\n٣ الثقات: (٥/٥٣٤) .\n٤ علل ابن أبي حاتم: (١/٤٠٣) ح ١٢٠٧.","vol":"3","page":176},{"text":"وقد تَقَدَّمَ أنَّ أشعثَ بن سوار مع ضَعْفِهِ، اخْتُلِف عليه في رواية هذا الحديث إسنادًا ومتنًا، والمتابعون له: ما بين متكلم فيه، وهو: السُّدِّيُّ، ومجهول - أو كالمجهول - وهو الربيع بن ركين.\nوأما ابن أبي أنيسة: فهو ثقةٌ، ولم يُخْتلف عليه مع ذلك، ولذلك قَدَّمَ أبو حاتم حديثه على حديث غيره، وإذا أمكن ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، فإنه لا يبقى هناك تعارض.\nوأما ما وقع في حديث ابن أبي أنيسة من قول بعضهم: \"خالي\" بدل \"عمي\" - كما أشار إليه أبو حاتم قبل قليل -: فإنه لا يضرُّ، وقد أجاب عنه ابن القيم ﵀، فقال: \" ... فإنَّ البراء بن عازب حَدَّثَ به عن أبي بردة ... وهو عمه وخاله، وهذا واقعٌ في النسب\"١.\nومع ذلك: فقد روى الحديث من وجه آخر عن البراء بن عازب ﵁، فقد أخرجه: أبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والدارقطني في (سننه) ٤، والحاكم في (المستدرك) ٥ من طرق، عن:\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٢٦٦) . فقد يجتمع في شخصٍ واحدٍ أنه خال لشخص آخر وعمٌّ له بالرضاعة في الوقت نفسه.\n(٤/٦٠٢) ح ٤٤٥٦.\n(٤/٢٩٥) .\n(٣/١٩٦) ح ٣٣٨.\n(٢/١٩٢) و(٤/٣٥٦) .","vol":"3","page":177},{"text":"مُطَرِّف بن طريف١، عن أبي الجهم٢، عن البراء بن عازب ﵁، قال: بينا أنا أطوف على إبل لي ... الحديث. ولفظه هو الذي سقناه أول هذا البحث. وهو سياق أبي داود، وعند الباقين نحوه.\nوهذا إسنادٌ رجالهُ ثقاتٌ رجال الصحيحين، خلا أبي الجهم، ومع ذلك فهو ثقة، قال الذهبي - ﵀ - في (تلخيص المستدرك) ٣: \"قلت: إسناده مليح\". وقال مرة: \"صحيح\"٤.\nوقد حَسَّنَ ابن القيم هذا الطريق؛ فإنه قال: \"والحديث له طرق حسان يقوِّي بعضها بعضًا، منها: مطرف عن أبي الجهم، عن البراء ... \"٥.\nوقد أورد ابن القيم - ﵀ - لهذا الحديث شاهدًا من رواية معاوية بن قرة عن أبيه، عن جده، بنحو حديث البراء المتقدم، ثم نقل عن ابن معين قوله: \"هذا إسناد صحيح\"٦. قلت: وقال البوصيري\n_________\n١ الكوفي، أبو بكر أو أبو عبد الرحمن، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار السادسة، مات سنة ١٤١هـ أو بعد ذلك/ ع. (التقريب ٥٣٤) .\n٢ هو: سليمان بن الجهم بن أبي الجهم الأنصاري الحارثي، الجوزجاني، مولى البراء، ثقةٌ، من الثالثة/ د س ق. (التقريب ٢٥٠) .\n٣ المستدرك: (٢/١٩٢) .\n٤ المصدر السابق: (٤/٣٥٦) .\n٥ تهذيب السنن: (٦/٢٦٦) .\n٦ زاد المعاد: (٥/١٥) .","vol":"3","page":178},{"text":"أيضًا: \"إسناد صحيح رجاله ثقات\"١.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث وإن كان في بعض طرقه اضطراب، فإن له طرقًا أخرى صحيحة لا مطعن فيها، ولا علة لها، فيكون الاعتماد عليها في الحكم بصحة هذا الحديث - أو حُسْنِهِ على الأقل - كمال حكم ابن القيم - ﵀ - بحسن هذه الطرق، وذهب إلى أنها يؤيد بعضها بعضًا. ثم أيَّد ذلك بشاهد قويٍّ من حديث معاوية ابن قرة عن أبيه عن جده.\n_________\n١ مصباح الزجاجة: (٢/٧٨) . طبعة الحوت.","vol":"3","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>٥- باب في أنه لا يقتل المسلم بالكافر</span>\nذكر ابن القيم - ﵀ - بعضَ الأحاديث الواردة في قتل المسلم بالكافر، وَبَيَّنَ أنها معلولة، قال: \"وأما الحديث الذي ذكره أبو داود في (المراسيل) عن:\n١٠٠- (٦) عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي، قال: قَتَلَ رسول الله ﷺ يومَ خيبرَ مسلمًا بكافرٍ، قَتَلَهُ غِيلَةً١، وقال: \"أنا أَوْلَى، وَأَحقُّ من أَوْفَى بِذِمَّتِه\": فمرسل لا يثبت\" ٢.\nقلت: أخرجه أبو داود في (المراسيل) ٣ من طريق:\nابن وهب، عن عبد الله بن يعقوب٤، عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح٥ به، وفيه: \"أنا أولى أو أحق\".\nووقع في (تحفة الأشراف) ٦ أن ذلك كان يوم \"حنين\"، والذي أثبته ابن القيم - ﵀ - هو الموجود في نسختين من (المراسيل)،\n_________\n١ أي: في خُفْيَةٍ واغتيالٍ، وهو أن يُخْدَعَ ويقتل في موضعٍ لا يراه فيه أحدٌ. (النهاية ٣/٤٠٣) .\n٢ تهذيب السنن: (٦/٣٣٠) .\n(ح ٢٥١) باب الديات: في المسلم يقاد بالكافر إذا قتله.\n٤ ابن إسحاق المدني، مجهول الحال، من التاسعة/ د ت. (التقريب ٣٣٠) .\n٥ الحضرمي، حجازيٌّ، مجهولٌ، من الرابعة، أَرْسَلَ عن النبي ﷺ شيئًا / مد. (التقريب٣١١) .\n(١٣/٢٥٧) .","vol":"3","page":180},{"text":"ولكن وقع في (تهذيب التهذيب) ١ ما يوافق نقل المزي، وكذا في (نصب الراية) ٢، فالظاهرُ أنه الصواب، وقد رَجَّحَه محقق (تحفة الأشراف) .\nوهذا الحديث - مع إرساله - في إسناده مجهولان: \"الحضرمي\" مُرسِلُه عن النبيِّ ﷺ، و\"عبد الله بن يعقوب\" الراوي عنه، وبهما أَعَلَّهُ ابن القطان رحمه الله٣.\nثم أشار ابن القيم - ﵀ - إلى مرسلٍ آخر يرويه ابن البيلماني، ثم قال: \"ولا يصحُ من الوجهين: الإرسال، وابن البيلماني\"٤. ولم يذكر ابن القيم لفظه، وهو:\n١٠١- (٧) عن عبد الرحمن بن البيلماني: أن رسول الله ﷺ أُتِيَ برجلٍ من المسلمين قَتَلَ معاهدًا من أهل الذمة، فَقَدَّمَ رسول الله ﷺ المسلم، فضَرَب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: \"أنا أولى من وَفَّى بِذِمَّتِه\".\nقال ابن القيم ﵀: \"وقد أسنده بعضهم من حديث ابن البيلماني، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. ولا يصحُّ، وهذا الحديث مداره على ابن البيلماني، والْبَلِيَّة فيه منه، وهو مجمعٌ على ترك الاحتجاج به، فضلًا عن تقديم روايته على أحاديث الثقات الأئمة، المخرجة في\n_________\n(٦/٨٦) .\n(٤/٣٣٦) .\n٣ بيان الوهم والإيهام: (٣/٧٠) ح ٧٣٩.\n٤ تهذيب السنن: (٦/٣٣٠) .","vol":"3","page":181},{"text":"الصحاح كلها\"١.\nقلت: قد رُوِيَ حديث ابن البيلماني هذا مرسلًا، ومسندًا.\nأما المرسل: فقد أخرجه أبو داود في (المراسيل) ٢ - ومن طريقه: الحازمي في (الاعتبار) ٣ - من طريق: ابن وهب، عن سليمان بن بلال. وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ٤- ومن طريقه: الدارقطني في (سننه) ٥ - من طريق: عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج. وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه: الدارقطني٧، والبيهقي٨، والحازمي٩ - عن: الثوري. وأخرجه البيهقي في (سننه) ١٠ من طريق: سعيد بن منصور، عن عبد العزيز بن محمد. كلهم عن:\nربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلماني١١، عن\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٣٣٠) .\n(ح ٢٥٠) .\n(ص ١٨٩) .\n(٥/٤٠٨) ح ٢٧٤٦٠ - تحقيق: الحوت.\n(٣/١٣٥) ح ١٦٧.\n(١٠/١٠١) ح ١٨٥١٤.\n(٣/١٣٥) ح ١٦٦.\n٨ السنن: (٨/٣٠) .\n٩ الاعتبار: (ص ١٨٩) .\n١٠ (٨/٣٠) .\n١١ مولى عمر، مدني نزل حرّان، ضعيفٌ، من الثالثة/ ٤. (التقريب ٣٣٧) .","vol":"3","page":182},{"text":"النبي ﷺ به، واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، وفي آخره: \"قال ابن وهب: تفسيره أنه قتله غيلة\". وألفاظ الباقين بنحوه.\nوأخرجه الشافعي في (مسنده) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ من طريق: إبراهيم بن محمد، عن:\nمحمد بن المنكدر، عن ابن البيلماني، عن النبي ﷺ بنحو لفظ أبي داود.\nفهكذا روي هذا المرسل عن ربيعة، ومحمد بن المنكدر، كلاهما عن ابن البيلماني به، لكن روى البيهقي بإسناده إلى أبي عبيد القاسم بن سلاّم، أنه قال: \" ... بلغني عن ابن أبي يحيى أنه قال: أنا حَدَّثتُ ربيعة بهذا الحديث. فإنما دار الحديث على ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن بن البيلماني ... \"٣.\nومهما يكن من أمر، فإن هذا المرسلَ ضعيفٌ، لوجود ابن البيلماني في إسناده، فإنه ضعيف عند جمهور العلماء٤، ولذلك قال الدارقطني عقبه: \"وابن البيلماني ضعيفٌ لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله\". ونقل البيهقي في (سننه) ٥ عن صالح بن محمد جزرة أنه قال: \"عبد الرحمن بن البيلماني حديثه منكر، وروى عنه\n_________\n(ص ٣٤٣) من ك الديات والقصاص.\n(٨/٣٠) .\n٣ سنن البيهقي: (٨/٣١) .\n٤ انظر أقوالهم فيه في تهذيب التهذيب: (٦/١٤٩ - ١٥٠) .\n(٨/٣١) .","vol":"3","page":183},{"text":"ربيعة: أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وهو مرسلٌ منكر\".\nوفي الطريق الآخر: \"إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى\" وهو متروك الحديث باتفاقهم، فإذا نظرنا في كلام أبي عبيد الماضي: في أن ربيعة إنما أخذه من ابن أبي يحيى، وأنَّ الحديث حديث ابن أبي يحيى، فإنَّ هذا الإسناد يكون معلولًا بهذين الرجلين: ابن أبي يحيى، وابن البيلماني، هذا بالإضافة إلى كونه مرسلًا غير مسند. هذا فيما يتعلق بالطريق المرسل.\nوأما الطريق المسند: فقد أخرجه الدارقطني في (سننه) ١ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٢ - من طريق:\nعمَّار بن مطر، عن إبراهيم بن محمد، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قَتَلَ مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: \"أَنَا أَكْرَم مَن وَفَّى بذمته\".\nوهذه الرواية الموصولة فيها عدة علل، كما بَيَّنَ ذلك الأئمة ﵏:\nقال الدارقطني: \"لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب: عن ربيعة، عن ابن البيلماني - مرسلٌ - عن النبي ﷺ\"٣. ثم ذكر ضعف ابن البيلماني، وقد سبق. وقال البيهقي:\n_________\n(٤/١٣٤) ح ١٦٥.\n(٨/٣٠) .\n٣ سنن الدارقطني: (٣/١٣٥) .","vol":"3","page":184},{"text":"\"هذا خطأ من وجهين: أحدهما: وصله بذكر ابن عمر فيه، وإنما هو: عن ابن البيلماني، عن النبي ﷺ مرسلًا. والآخر: روايته عن إبراهيم، عن ربيعة، وإنما يرويه إبراهيم عن: ابن المنكدر، والحمل فيه على عمار بن مطر الرُّهَاوي؛ فقد كان يقلب الأسانيد، ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط عن حد الاحتجاج به\"١. وقال الحازمي - بعد أن ذكر الجماعة الذين رووه مرسلًا -: \"وقد خالفهم إبراهيم بن أبي يحيى في ذلك، فرواه عن: ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر مرفوعًا. وليس ابن أبي يحيى ممن يُفْرح بحديثه\"٢. وقال الحافظُ ابن حجر: \"وَتَبَيَّنَ أنَّ عمار بن مطر خَبَطَ في سنده\"٣.\nقلت: وعمار بن مطر - الذي جاء منه البلاء والخبط في هذا الحديث -: هو أبو عثمان الرُّهَاوي، ضَعَّفَهُ الأئمة ورموا أحاديثه بالنكارة، فقال أبو حاتم: \"كان يكذب\"٤. وقال العقيلي: \"يُحَدِّث عن الثقات بمناكير\"٥. وقال ابن حبان: \"يروى عن ابن ثوبان وأهل العراق المقلوبات، يسرق الحديث ويقلبه ... \"٦. وقال ابن عدي: \"متروك\n_________\n١ سنن البيهقي: (٨/٣٠) .\n٢ الاعتبار: (ص ١٩٠) .\n٣ فتح الباري: (١٢/٢٦٢) .\n٤ الجرح والتعديل: (٣/١/٣٩٤) .\n٥ الضعفاء: (٣/٣٢٧) .\n٦ المجروحين: (٢/١٩٦) .","vol":"3","page":185},{"text":"الحديث ... الضعف على رواياته بَيِّنٌ\"١. وقال الدارقطني: \"ضعيف\"٢. وقال الذهبي: \"هالك\"٣.\nفتلخص أن هذا المسند فيه بلايا: عمار بن مطر الهالك، وابن أبي يحيى المتروك، وابن البيلماني الضعيف، ومع كل ذلك: فإنَّ وَصْلَهُ خطأٌ، وأنَّ الصواب: إرساله، وهذا المرسل ضعيف أيضًا، لا يثبت مثله، وقد تقدم ذلك كله في كلام ابن القيم ﵀.\n_________\n١ الكامل: (٥/ ٧٢ - ٧٣) .\n٢ السنن: (١/٢١١) .\n٣ الميزان: (٣/١٦٩) .","vol":"3","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>٦ - باب البدء في القسامة بأيمان المدعي</span>\n١٠٢- (٨) عن سهل بن أبي حَثْمَةَ: أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فيها، فَوَجَدُوا أَحَدَهُم قتيلًا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صَاحِبَنَا. فقالوا: ما قَتَلْنَاه ولا علمنا قاتلًا، فانطلقنا إلى نَبِيَّ الله ﷺ، قال: فقال لَهُم: \"تَأْتُونِي بِالبَيِّنَة على من قَتَلَ هذا؟ \" قالوا: مَا لَنَا بَيِّنة، قال: \"فَيَحْلِفُوَن لكم؟ \" قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فَكَرِهَ النبي ﷺ أن يبطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مائة من إبل الصَّدَقَةِ.\nهكذا رُوِيَ هذا الحديث عند أبي داود وجماعة، والمشهور في هذه القصة خلافه، حيث بدأ النبي ﷺ بأيمان الْمُدَّعِين، فلما لم يحلفوا طلب أيمان اليهود، ولا ذكر فيه للبينة. ووقع فيه خلاف آخر ستأتي الإشارة إليه.\nقال ابن القيم ﵀: \"والصَّوابُ: روايةُ الجماعة الذين هم أئمةٌ أثباتٌ: أنه بدأَ بأَيمان الْمُدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثَنَّى بأيمانِ اليهود. وهذا هو المحفوظُ في هذه القصة، وما سواه وَهْمٌ\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في (صحيحه) ٢، وأبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٣، وكذا الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٤ من\n_________\n١ تهذيب السنن: (٦/٣٢١) .\n٢ ك الديات، باب القسامة، ح ٦٨٩٨ (فتح الباري ١٢/٢٢٩) .\n٣ د: (٤/٦٦١) ح ٤٥٢٣ ك الديات، باب ترك القود بالقسامة. س (٨/١٢) ك القسامة، باب تبدئة أهل الدم في القسامة.\n٤ قط: (٣/١١٠) ح ٩٥. هق: (٨/١٢٠) .","vol":"3","page":187},{"text":"طرق، عن: أبي نعيم١. وأخرجه مسلم في (صحيحه) ٢ من طريق: عبد الله بن نمير. كلاهما عن:\nسعيد بن عبيد٣، عن بشير بن يسار٤، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ٥ ﵁ به. واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، ولفظ الباقين مثله، غير أنه جاء عند البخاري: \" ... فَكَرِهَ أن يُطَلَّ٦ دمه\" بدل \"يبطل\" عند الآخرين. أما مسلم، فإنه لم يسق لفظه في (صحيحه) . وساقه في كتابه (التمييز) بنحو لفظ البخاري، وسيأتي كلامه.\nهكذا رواه سعيد بن عبيد، عن بشير، وخالفه يحيى بن سعيد القطان، فأخرجه مسلم في (صحيحه) ٧، والنسائي في (سننه) ٨، والشافعي في (رواية المزني) ٩ ثلاثتهم من طريق: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. وأخرجه مسلم١٠ أيضًا، والترمذي١١، والنسائي١٢، ثلاثتهم\n_________\n١ هو: الفضل بن دكين.\n(٣/١٢٩٤) ح ١٦٦٩ (٥)، ك القسامة والمحاربين ...، باب القسامة.\n٣ الطائي، أبو الهذيل الكوفي، ثقةٌ، من السادسة / خ د ت س. (التقريب ٢٣٩) .\n٤ الحارثي، مولى الأنصار، مدني، ثقةٌ فقيهٌ، من الثالثة/ ع. (التقريب ١٢٦) .\n٥ ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي، المدني، صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية / ع. (التقريب ٢٥٧) .\n٦ يقال: طُلَّ دمهُ، وأُطِلَّ، وأَطَلَّهُ الله: إذا أُهْدِرَ. (النهاية ٣/١٣٦) .\n(٣/١٢٩٣) ح ١٦٦٩.\n(٨/١٠) .\n(ص ٤٢٣) ح ٦٢٤ باب ما جاء في القسامة.\n١٠ ح ١٦٦٩ (١) .\n١١ في جامعه: (٤/٣٠) ح ١٤٢٢ ك الديات، باب ما جاء في القسامة.\n١٢ (٨/٧) .","vol":"3","page":188},{"text":"من طريق: الليث بن سعد. وأخرجه الترمذي١ وحده من طريق: يزيد ابن هارون. وأخرجه مسلم، والنسائي٢، والدارقطني٣ من طريق: بشر ابن الفضل. وأخرجه النسائي٤، والشافعي٥ من طريق: سفيان بن عيينة. كلهم عن:\nيحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ - ووقعَ في رواية الليث بن سعد: عن سهل بن أبي حثمة، قال يحيى: وحسبت عن رافع بن خديج - أنهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك..\" فساقا الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل، فقال لهم: \"أتحلفون خمسين يمينًا فتستحقون صاحبكم؟ \" قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: \"فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ \" قالوا: وكيف نقبلُ أيمان قومٍ كُفَّار؟ فما رأى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عقله٦.\nهذا سياق مسلم، ولفظ الآخرين نحوه.\nفقد خالف يحيى بن سعيد - في حديثه هذا - سعيد بن عبيد في\n_________\n(٤/٣١) .\n(٨/٩) .\n(٣/١٠٨) ح ٩١.\n(٨/١١) .\n٥ رواية المزني: (ح ٦٢٢) .\n٦ العقل: الدِّيَة. (النهاية ٣/٢٧٨) .","vol":"3","page":189},{"text":"موضعين: فلم يذكر فيه سُوءَالَهُم البَيِّنَة، وذكر فيه طلبَ النَّبِيِّ ﷺ أيمان الْمُدَّعين.\nفذهب بعض أهل العلم إلى تقديم رواية يحيى بن سعيد، وقد قَرَّرَ ذلك الإمام مسلم - ﵀ - في كتابه (التمييز) فقال - بعد أن ساق الحديث بإسناده إلى سعيد بن عبيد -: \"هذا خبرٌ لم يحفظه سعيد ابن عبيد على صحته، ودخله الوهمُ حتى أغفل موضع حُكْمِ رسول الله ﷺ على جهته. وذلك أن في الخبر حكم رسول الله ﷺ بالقسامة: أن يحلف المدَّعون خمسين يمينًا ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي ﷺ: تبرئكم يهود بخمسين يمينًا. فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي ﷺ عقله\"١. ثم ساق الحديث من عدة طرق إلى يحيى بن سعيد على نحو ما تقدم، ثم قال: \"وَتَواُطُؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد، يَقْضِي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة. وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار، ومن ليس كمثلهم: أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنًا في طريق العلم وأسبابه\"٢.\nونقل ابن القيم - ﵀ - عن النسائي قوله: \"لا نعلمُ أحدًا تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار\"٣.\n_________\n١ التمييز: (ص ١٩٢) .\n٢ التمييز: (ص ١٩٤) .\n٣ تهذيب السنن: (٦/٣٢٠) .","vol":"3","page":190},{"text":"وقال المنذري - في كلامه على حديث سعيد بن عبيد-: \"وقد ذكرنا ... اتفاق الحفاظ على البداءة بالمدعين\"١.\nفهذا مسلك هؤلاء في هذين الخبرين.\nورأى آخرون أنه لا تعارضَ بين الروايتين، وأن الجمع ممكن، فقال البيهقيُّ ﵀: \"وإن صَحَّتْ رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، لأنه قد يريد بالبَيِّنَة: الأيمان مع اللَّوث٢، كما فسره يحيى بن سعيد، وقد يطالبهم بالبينة - كما في هذه الرواية - ثم يعرض عليهم الأيمان مع وجود اللوث، كما في رواية يحيى بن سعيد، ثم يَرُدُّها على الْمُدَّعَى عليهم عند نكول الْمُدَّعِين، كما في الروايتين\"٣.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ... في رواية سعيد بن عبيد: لم يذكر عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولًا، وطريق الجمع أن يقال: حَفِظَ أحدهم مالم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولًا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا\". قال: \"وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدًا من وجه آخر، أخرجه النسائي٤ من طريق: عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن\n_________\n١ مختصر السنن: (٦/٣٢١) .\n٢ اللَّوْثُ: البَيِّنَة الضعيفة غير الكاملة. (المصباح المنير: ٢/٥٦٠) .\n٣ سنن البيهقي: (٨/١٢٠) .\n٤ في سننه: (٨/١٢) .","vol":"3","page":191},{"text":"ابن محيصة الأصغر أصبحَ قتيلًا على أبواب خيبر، فقال رسول الله ﷺ: \"أَقِمْ شاهدين على من قتله، أَدْفَعْهُ إليك بِرِمَّتِهِ\". قال: يا رسول الله أنَّى أصيبُ شاهدين، وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم؟ قال: \"فتحلف خمسين قسامة\". قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم. قال: \"تستحلف خمسين منهم\". قال: كيف وهم يهود؟. قال: \"وهذا السندُ صحيحٌ حسنٌ، وهو نصٌ في الحمل الذي ذكرته، فتعين المصير إليه\"١.\nوكأنَّ ابن القيم - ﵀ - لم يستبعد إمكان الجمع أيضًا؛ فإنه بعد أن نقل كلام البيهقي السابق، قال: \"ويدلُّ على ما ذكره البيهقي: حديث النسائي عن عمرو بن شعيب\"٢. وهذا بعينه مسلك ابن حجر كما مرَّ، إلا أنه - مع ذلك - قد صَوَّبَ ما ذهب إليه الإمام مسلم - ﵀ - من ترجيح رواية يحيى بن سعيد، وتخطئة ما سواها.\nقلت: ومسلكُ الجمع وجيهٌ؛ إذ إنَّ الجمع بين الوجوه التي ظاهرها التعارض، أولى من تخطئة الثقة بلا برهانٍ واضحٍ، وبَيِّنَةِ ظاهرة، لا سيما وقد وُجِدَتْ متابعة لرواية سعيد بن عبيد، كما مضى في كلام ابن حجر ﵀.\nثم إنه قد وقع خلافٌ على يحيى بن سعيد في روايته، ففي رواية حماد بن زيد عند مسلم٣ وأبي داود٤، أنه ﷺ قال: \"يُقْسِمُ خمسون\n_________\n١ فتح الباري: (١٢/٢٣٤) .\n٢ تهذيب السنن: (٦/٣٢١) .\n٣ صحيح مسلم: ح ١٦٦٩ (٢) .\n٤ السنن: (٤/٦٥٥) ح ٤٥٢٠.","vol":"3","page":192},{"text":"منكم على رجلٍ منهم فيدفع برمته\". قال البيهقي: \"هكذا رواه حماد بن زيد ... والعدد أولى بالحفظ من الواحد\"١. يعني أنهم لم يذكروا قوله: \"على رجلٍ منهم\".\nوَثَمَّةَ خلاف آخر على يحيى بن سعيد؛ فقد أخرج البيهقي - ﵀ - هذا الحديث من طريق ابن عيينة، عن يحيى، وفيه قوله ﷺ: \"فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا ... \" ٢. فَقَدَّمَ أيمان اليهود.\nقال أبو داود - وقد أشار إلى هذه الرواية -: \"وهذا وَهْمٌ من ابن عيينة\"٣.\nوقد نقل الشافعي عن ابن عيينة أنه لم يتقنه، فقال: \"فكان سفيان يحدثه هكذا، وربما قال: لا أدري أَبَدَأَ رسول الله ﷺ الأنصارَ في اليمين أم يهود؟ فقال له: إن الناس يحدثون أنه بدأ الأنصار، قال: فهو ذلك. وربما حَدَّثَهُ ولم يشكّ فيه\"٤. واستدلَّ البيهقي - ﵀ - بذلك على أن ابن عيينة لم يتقنه إتقان الجماعة الكثيرين الذين رووه عن يحيى بخلاف ذلك٥.\n_________\n١ سنن البيهقي: (٨/١١٩) .\n٢ سنن البيهقي: (٨/١١٩) .\n٣ سنن أبي داود: (٤/٦٥٨) .\n٤ السنن المأثورة (رواية المزني): (ص ٤٢٣) .\n٥ سنن البيهقي: (٨/١١٩) .","vol":"3","page":193},{"text":"فتلخص من ذلك: أن ابن القيم - ﵀ - قد اختار رواية من روى البدءَ بأيمان الْمُدَّعِين، ولم يذكر طلبَ البينة، ورأى أنَّ ذلك هو الصواب، وأن ما عدا ذلك وَهْمٌ من قائله. وقد سبقه إلى ذلك: الإمام مسلم، والنسائي رحمهما الله. ومع ذلك، فإن القولَ بالجمع بين الخبرين، وعدم تعارضهما قول لا ينبغي إهماله أيضًا؛ لأن التأليف بين الأخبار أولى؛ لكون ذلك فيه إعمال لها جميعًا كما مضى، والله أعلم.","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>من كتاب الأدب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١ - باب كم مرة يشمت العاطس</span>؟\n...\n١ - باب كم مرة يشمت العاطس؟\n١٠٣- (١) عن أبي هريرة موقوفًا عليه: \"شَمِّتْ١ أخَاكَ ثَلاثًَا، فما زَادَ فهو زُكَامٌ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث وعزاه إلى أبي داود، ثم ذكر أن أبا داود أخرجه من وجه آخر عن ابن عجلان، وفيه قول سعيد المقبري: \"لا أعلمه إلا أنه رَفَعَ الحديث - يعني أبا هريرة - إلى النبي ﷺ\". ثم ذكرَ روايةً أُخرى عَلَّقَها أبو داود أيضًا، ثم حَكَمَ عليها بالحسن٢.\nقلت: أما الرواية الموقوفة، فقد أخرجها أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: يحيى القطان. والبخاري في (الأدب المفرد) ٤ من طريق: ابن عيينة، كلاهما عن: محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري٥، عن أبي هريرة ﵁ به.\nوفي إسناده \"محمد بن عجلان\"، وقد تُكُلِّم في روايته عن المقبري،\n_________\n١ التَّشْمِيتُ - بالشين والسين-: الدعاء بالخيرِ والبركةِ، والمعجمة أعلاهما. (النهاية ٢/٤٩٩) .\n٢ زاد المعاد: (٢/٤٤٠ - ٤٤١) .\n(٥/٢٩٠) ح ٥٠٣٤، ك الأدب، باب كم مرة يشمت العاطس.\n(ص ١٣٧) باب من عطس مرارًا.\n٥ أبو سعيد المدني، ثقةٌ، من الثالثة، تَغَيَّرَ قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات في حدود ١٢٠هـ /ع. (التقريب ٢٣٦) .","vol":"3","page":197},{"text":"عن أبي هريرة، قال يحيى القطان: \"سمعتُ محمد بن عجلان يقولُ: كان سعيدٌ المقبري يُحَدِّث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة، فاختلط عليَّ فجعلتها كلها عن أبي هريرة\"١.\nقال ابن حبان عقب إيراده هذه الحكاية: \"وليس هذا مما يَهِي الإنسان به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، فما قال ابن عجلان: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. فذاكَ مما حَمَلَ عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته عليه، وما قال عن سعيد عن أبي هريرة: فبعضها متصل صحيحٌ، وبعضها منقطع لأنه أسقط أباه منها، فلا يجب الاحتجاج - عند الاحتياط - إلا بما يَرْوي الثقات المتقنون عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ... \"٢.\nفَتَبَيَّنَ من هذا أن ما ينفردُ به ابنُ عجلان عن المقبري عن أبي هريرة: ينبغي التوقف فيه احتياطًا، لاحتمال أن يكون منقطعًا.\nفإن قيل: وعلى القول بالانقطاع فإنه لا يضرُّ؛ لأنَّ الواسطة بين المقبري وأبي هريرة: \"أبو سعيد المقبري\"، ومع العلم بالواسطة فإنه لا يضر سقوطها؟\nقيل: إنَّ تخليط ابن عجلان في حديث سعيد المقبري ليس قاصرًا على رواية المقبري عن أبيه، بل منها ما كان عن سعيد عن غير أبيه، فقد\n_________\n١ الثقات لابن حبان: (٧/٣٨٦) . وانظر: الميزان: (٣/٦٤٥) مع اختلاف يسير.\n٢ الثقات: (٧/٣٨٧) .","vol":"3","page":198},{"text":"وَرَدَ في حكايته آنفة الذكر: أن سعيدًا كان يُحَدِّثُ عن أبيه، عن أبي هريرة. وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلط عليه فجعلهما عن أبي هريرة١.\nوليس ذلك فحسب، بل اختلطت على ابن عجلان أحاديثُ المقبري عن أخيه عن أبي هريرة، وغيره من مشايخ سعيد، كما قاله النسائي رحمه الله٢.\nهذا ما يتعلق بالكلام على إسناد هذا الحديث، أما من ناحية رفعه:\nفقد أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والطبراني في (الدعاء) ٤، وابن السُنِّي في (عمل اليوم والليلة) ٥، ثلاثتهم من طريق:\nالليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة - قال: لا أعلمه إلا رفع الحديث إلى النبي ﷺ - بمعنى الحديث المتقدم.\nوأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ ...، وقد تَقَدَّمَ أن\n_________\n١ الميزان: (٣/٦٤٥) .\n٢ ينظر حول ذلك: (الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم): (ص ٢٢٣ - ٢٢٥) .\n(٥/٢٩٠) ح ٥٠٣٥.\n(٣/١٦٩٥) ح ١٩٩٩.\n(ص ١٢٥) ح ٢٥٠ باب تشميت العاطس ثلاثًا.\n(٣/١٦٩٥) ح ٢٠٠١.","vol":"3","page":199},{"text":"البخاري أخرجه في (الأدب) من طريق ابن عيينة موقوفًا.\nوقد رُوي مرفوعًا من وجهٍ آخر، عَلَّقَه أبو داود١ فقال: \"رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا\".\nووصله الطبراني في (الدعاء) ٢، فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم ... به، إلا أنه وقع عنده: \"موسى بن موسى الأنصاري\" بدل \"موسى بن قيس\" وأشار المحقق إلى عدم وقوفه على ترجمته.\nوالرجل - كما جاء في إسناد أبي داود - هو موسى بن قيس٣، قال ابن القَيِّم: \"هو الحضرميُّ الكوفيُّ، يعرفُ بعصفور الجنة، قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به\"٤.\nوقد حَسَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - حديث موسى بن قيس هذا، فقال: \"وهو حديث حسن\"٥.\nوقد سألَ ابن أبي حاتم أباه عن حديث أبي هريرة هذا موقوفًا؟ فقال: \"منهم من يرفعه\" قلت: من يرفعه؟ وأيهما أصح؟ فقال: \"قوم من الثقات يرفعونه\"٦.\n_________\n١ السنن: (٥/٢٩٠) .\n(٣/١٦٩٤) ح ١٩٩٨.\n٣ قال الحافظ ابن حجر: \"صدوق رُمِيَ بالتشيع، من السادسة/ د س\". (التقريب:٥٥٣) .\n٤ زاد المعاد: (٢/٤٤٠ - ٤٤١) . وانظر: ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/٣٦٦) .\n٥ زاد المعاد: (٢/٤٤١) .\n٦ علل ابن أبي حاتم: (٢/٢٩١) ح ٢٣٧٦.","vol":"3","page":200},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث يُروى عن أبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا، وأن رَفْعَهُ زيادة من الثِّقَةِ فهي مقبولة، والحديث حَسَنٌ لغيره، وذلك أنه من رواية ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وقد تقدم أن الاحتياط التوقف في رواية ابن عجلان ما لم يتابع عليها، وقد وجدت الشيخ الألباني - ﵀ - نَبَّه على متابعة له تجعل حديثه مقبولًا، ولا ينزل عن درجة الحسن، وهي:\nما أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) من طريق: علي بن عاصم: حدثنا ابن جريج، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.\nأشار - ﵀ - إلى هذه المتابعة في (السلسلة الصحيحة) ١ ثم قال: \"وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير علي بن عاصم، قال الحافظ: صدوقٌ يخطئ ويهم\".\nقلت: وحديثه لا بأس به في المتابعات، وإذا ضُمَّ إلى طرق حديث ابن عجلان المتقدمة تَقَوَّى كل منهما بالآخر.\nوثمة متابعة أخرى لسعيد المقبري نفسه، وذلك فيما أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٢ من طريق: محمد بن سليمان بن أبي داود٣، عن أبيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(ح ١٣٣٠) .\n(ص ١٢٦) ح٢٥١.\n٣ الحراني، اسم جده: سالم أو عطاء، صدوقٌ، من التاسعة، مات ٢١٣هـ / ق. (التقريب ٤٨١) .","vol":"3","page":201},{"text":"النبي ﷺ، أنه قال: \"إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا تشميت بعد ثلاث مرات\".\nوأشار النووي - ﵀ - إلى هذه الطريق في (الأذكار) ١ فقال: \"وروينا في كتاب ابن السني - بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله، وباقي إسناده صحيح - عن أبي هريرة ... \" فذكره.\nقال ابن حجر - ﵀ - عقب نقله كلام النووي هذا: \"الرجل المذكور هو: سليمان بن أبي داود الحراني، والحديث عندهما - يعني عند ابن السني وأبي يعلى- من رواية محمد بن سليمان عن أبيه، ومحمد موثَّق، وأبوه٢ يقال له: الحراني، ضعيف، قال فيه النسائي: ليس بثقة ولا مأمون\"٣.\nولا شك أن هذه الطريق وإن كانت ضعيفة، فإنَّها تتقوى بما سبق، وإذا انضمت إلى الطريق السابقة أعطتها قوة.\nومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد أشار إلى رواية ابن المسيب عن أبي هريرة الأخيرة، فبعد أن فرغ من الكلام على حديث ابن عجلان قال: \"وفي الباب حديث آخر عن أبي هريرة يرفعه ... \" فذكره، إلا أنه حدث له وهم يرحمه الله، وهو أنه جعل لهذا المتن إسنادًا آخر، فقال: \"وهذا الحديث هو حديث أبي داود الذي\n_________\n(ص ٢٣٤) .\n٢ انظر ترجمته في الميزان: (٢/٢٠٦) .\n٣ فتح الباري: (١٠/٦٠٥) .","vol":"3","page":202},{"text":"قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن سعيد ... \"١. وقد علم مما تقدم أنهما حديثان متغايران.\nهذا، وقد حَسَّنَ حديث أبي هريرة من طريق المقبري: البغوي٢، والسيوطي٣، والألباني٤. وجوّد الحافظ العراقي إسناده٥.\nومن هذا يتبين أنَّ الحديث حسنٌ بتلك المتابعات، كما حَكَمَ بذلك ابن القَيِّم ﵀.\nومن الشواهد التي ذكرها ابنُ القَيِّم - ﵀ - لهذا الحديث:\n١٠٤- (٢) حديث عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"تشمتُ العاطسَ ثلاثًا، فإنْ شئت فشَمِّتْهُ، وإن شئت فَكُفّ \".\nقال ابن القَيِّم - ﵀ - عقب إيراده هذا الحديث: \"ولكن له علتان:\nإحداهما: إرساله؛ فإن عبيدًا هذا ليست له صحبة.\nوالثانية: أن فيه أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تُكِلِّم فيه\"٦.\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٤٤١) .\n٢ في مصابيحه، انظر: (المشكاة): (ح ٤٧٤٣) .\n٣ في الجامع الصغير، انظر: فيض القدير مع الجامع: (٤/١٦٤) ح ٤٨٩٨.\n٤ في صحيح الجامع: (ح ٣٧١٥) .\n٥ كما في فيض القدير: (٤/١٦٤) .\n٦ زاد المعاد: (٢/٤٤١) .","vol":"3","page":203},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٣، كلهم من طريق: عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن٤، وإلى هنا اتفقوا جميعا ثم حصل اختلاف:\nفأما أبو داود وابن السُّني فقالا: عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أمه حميدة أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة، عن أبيها عبيد، عن النبي ﷺ.\nوأما الترمذي فقال: عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه عن أبيها، كذا سماه عمر، ولم يسم أمه ولا أباها. ولذلك فقد قال الترمذي عقب إخراجه \"حديث غريب، وإسناده مجهول\". وَضَعَّفَهُ النوويُّ٥ معتمدًا في ذلك على قول الترمذي.\nولكن تَعَقَّبَ الحافظ ابن حجر النوويَّ، فقال: \"إطلاقه عليه الضعف ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من الغرابة الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولًا: فلم يُرِدْ جميع رجال الإسناد؛ فإنَّ معظمهم\n_________\n(٥/٢٩١) ح ٥٠٣٦.\n(٥/٨٥) ح٢٧٤٤ ك الأدب، باب ما جاء كم يشمت العاطس.\n(ح ٢٥٢) .\n٤ أبو خالد الدالاني، الأسدي، الكوفي، صدوقٌ يخطئ كثيرًا، وكان يُدَلِّس، من السابعة/ ٤. (التقريب ٦٣٦) .\n٥ في الأذكار: (ص ٢٣٤) .","vol":"3","page":204},{"text":"مُوثَّقُون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنين منهم\". ثم ساق إسناد أبي داود وقال: \"وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مرسل\".\nثم ساق إسناد الترمذي، وقال: \"وكأنه لم يمعن النظر، فمن ثم قال: إنه إسناد مجهول. وقد تَبَيَّنَ أنه ليس بمجهول، وأن الصوابَ: يحيى بن إسحاق، لا عمر\"١.\nفتبين من ذلك أنَّ هذا الحديث وإن كان مرسلا إلا أنه حسن الإسناد، وأبو خالد الدالاني وإن كان متكلمًا فيه إلا أنه لا يصل إلى درجة من يُترك حديثه، وأن أقلَّ أحوالِ هذا المرسل أنه يصلحُ شاهدًا لحديث أبي هريرة المتقدم، والله أعلم.\n_________\n١ فتح الباري: (١٠/٦٠٥ - ٦٠٦) .","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>٢ - باب هل يجزئ عن الجماعة أن يسلم أو يرد أحدهم</span>؟\n١٠٥- (٣) عن علي ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"يُجْزِئ عن الجماعةِ إذا مَرُّوا أن يُسَلِّم أَحَدُهُم، ويُجْزِئ عن الجُلوسِ أن يَرُدَّ أَحَدُهُم \".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"ذهب إلى هذا الحديث من قال: إنَّ الرَّد فرضُ كفاية، يقومُ فيه الواحدُ مقامَ الجميع، لكن ما أَحْسَنَهُ لو كان ثابتًا؛ فإنَّ هذا الحديث رواه أبو داود من رواية سعيد بن خالد الخُزاعي المدني. قال أبو زرعة الرازي: مدنِيٌّ ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيفُ الحديثِ. وقال البخاري: فيه نَظَرٌ. وقال الدارقطني: ليس بالقوي\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ - ومن طريقه البيهقي٣ - وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٤، ثلاثتهم من طريق:\nسعيد بن خالد الخزاعي٥، حدثني عبد الله بن الفضل٦، حدثنا\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٤٢٦ - ٤٢٧) .\n(٥/٣٨٧) ح ٥٢١٠ ك الأدب، باب ما جاء في ردِّ الواحد عن الجماعة.\n٣ السنن: (٩/٤٨ - ٤٩) ك السير، باب النفير وما يستدل به على أنَّ الجهاد فرض على الكفاية.\n(ص ١١٤) ح ٢٢٤، باب سلام الواحد من الجماعة على الجماعة.\n٥ المدني، ضعيف، من السابعة، مات بعد الخمسين/ د. (التقريب ٢٣٥) .\n٦ ابن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، المدني، ثقةٌ، من الرابعة/ ع. (التقريب ٣١٧) .","vol":"3","page":206},{"text":"عبيد الله بن أبي رافع، عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ به، واللفظ الذي ساقه ابن القَيِّم هو لفظ أبي داود. ولفظ ابن السُّني نحوه.\nوأخرجه جماعة غير هؤلاء، ذكرهم الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ١.\nوالحديثُ بهذا الإسنادِ ضعيفٌ؛ لضعف سعيد بن خالد كما مَرَّ من كلام ابن القَيِّم ﵀. وقال الدارقطني: \"الحديثُ غيرُ ثابت، تَفَرَّد به سعيد بن خالد المدني ... وليس بالقوي\"٢. وَضَعَّفَهُ المنذريُّ٣ بسعيد هذا، وكذا الضياء المقدسي٤.\nوللحديث شاهدٌ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أشارَ إليه الشيخ الألباني٥ ﵀، وأخرجه ابن السُّنِّي في (عمل اليوم والليلة) ٦ من طريق: حفص بن عمرو بن زريق، ثنا عبد الرحمن بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله! القوم يمُرُّون يسلِّم رجل منهم، يجزئ ذلك عنهم؟ قال: \"نعم\". قال: فيردُّ رجل من القوم، أيجزئ\n_________\n(٣/٢٤٢) .\n٢ العلل: (٤/٢٢) .\n٣ مختصر السنن: (٨/٧٩) .\n٤ نقله عنه في إرواء الغليل: (٣/٢٤٢) .\n٥ الإرواء: (٣/٢٤٣) .\n(ص ١١٨) ح ٢٣٤.","vol":"3","page":207},{"text":"ذلك عنهم؟ قال: \"نعم\".\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، غير حفص بن عمرو فلم أقف على من تَرْجَمَهُ، وعبد الرحمن بن الحسن: كذا هو عند ابن السُّنِّي، وصوابه: عبد الله، فهو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب١، فقد أورده الشيخ الألباني في (الإرواء) ٢ من رواية أبي سهل القَطَّان في (حديثه)، فقال فيه: عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ...\nوله شاهد آخر أرشد إليه الشيخُ الألباني ﵀، وهو من رواية الحسن بن علي ﵁، أورده الهيثميُّ في (مجمع الزوائد) ٣ بمثل لفظ حديث أبي سعيد المتقدم قبل قليل، ثم قال: \"رواه الطبراني، وفيه كثير بن يحيى، وهو ضعيف\".\nويشهد له أيضًا: ما أخرجه مالكٌ في (الموطأ) ٤ عن زيد بن أسلم، أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سَلَّمَ مِن القوم واحدٌ أجزأَ عنهم\". والمراد: الإجزاء في الردِّ٥.\n_________\n١ أبو محمد، ثقةٌ جليل القدر، من الخامسة، مات في أول سنة ١٤٥هـ /٤. (التقريب ٣٠٠) .\n(٣/٢٤٣) .\n(٨/٣٥) .\n(٢/٩٥٩) ح ١، ك السلام، باب العمل في السلام.\n٥ انظر: التمهيد: (٥/٢٨٩) فقد أَوَّلَهُ ابن عبد البر على هذا المعنى.","vol":"3","page":208},{"text":"قال الإمام النووي ﵀: \"هذا مرسلٌ صحيحُ الإسناد\"١. وقال الشيخ الألباني: \"وزيد بن أسلم ثقةٌ عالم من رجال الستة، وكان يرسل، وهذا من مرسلاته\"٢. وقال الشيخ الأرناؤوط: \"مرسلٌ صحيح\"٣.\nوقد تابعَ مالكًا على هذا المرسل: ابن جريج، فأخرجه ابن عبد البَرِّ في (التمهيد) ٤ بإسناده إليه، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مَرَّ القوم على المجلس فَسَلَّمَ منهم رجلٌ، أجزأَ ذلك عنهم. وإذا رَدَّ من أهلِ المجلس رجلٌ أجزأ ذلك عنهم\".\nولعلَّ الحديث بهذه الشواهدِ يَتَقَوَّى فيصلُ إلى رتبةِ الحَسَنِ، وقد حَسَّنَه أبو سعيد النيسابوري في (الأربعين) كما نقله عنه الشيخُ الألباني، ثم تعقبه بقوله: \"ولعله يعني: حسن لغيره\"٥. وقال ابن عبد البر: \"حديث حسن لا معارضَ له\"٦. وحسَّنَه الشيخُ الألباني أيضًا٧.\nفإذا تقرر ذلك، فإنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - لم يكن مُصيبًا في القول بعدم ثبوت الحديث، ولعله لم يتهيأ له الوقوف على شواهده؛\n_________\n١ الأذكار: (ص ٢١١) .\n٢ السلسلة الصحيحة: (ح ١١٤٨) .\n٣ التعليق على زاد المعاد: (٢/٤٢٧) .\n(٥/٢٩١) .\n٥ إرواء الغليل: (٣/٢٤٢) .\n٦ التمهيد: (٥/٢٩٠) .\n٧ إرواء الغليل: (٣/٢٤٢) .","vol":"3","page":209},{"text":"فإنَّ الحديث حسن لغيره بشواهد عديدة كما تقدم، والله أعلم.\nوقد استدلَّ بهذا الحديث: مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما على أن رَدَّ السَّلام فرضٌ على الكفاية، إذا قامَ به بعض القوم أجزأ عن غيرهم١، وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ذلك أول البحث.\n_________\n١ انظر: التمهيد: (٥/٢٨٧ - ٢٨٨) .","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>٣ - باب ما جاء في المصافحة</span>\n١٠٦- (٤) عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ: الأَخْذُ باليَدِ \" ١.\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، ثم قال:\"وله علتان:\nإحداهما: رواية يحيى بن سُلَيْم له.\nوالثانية: أن راويه عن ابن مسعود رجلٌ مجهولٌ\". ثم نقل عن الترمذي أنه سألَ البخاريَّ عنه، فلم يُعُدَّه محفوظًا.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذيُّ في: (جامعه) ٣، و(علله) ٤، وأبو أحمد الحاكم في (الفوائد) ٥ من طريق: يحيى بن سليم الطَّائفي، عن سفيان، عن منصور، عن خيثمة٦، عن رجلٍ، عن ابن مسعود ﵁ به.\n_________\n١ نقل ابن حجر في فتح الباري: (١١/٥٦) عن ابن بطال قوله: \"الأخذ باليد: هو مبالغة المصافحة ... \".\n(٨/٧٩) .\n(٥/٧٥) ح ٢٧٣٠ ك الاستئذان، باب ما جاء في المصافحة.\n(٢/٨٦٣) .\n٥ كما أفاده الشيخ الألباني في الضعيفة: (٣/٤٤٩) .\n٦ ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة، الجُعْفي، الكوفي، ثقةٌ، وكان يُرْسِلُ، من الثالثة، مات بعد سنة ٨٠هـ/ ع. (التقريب ١٩٧) .","vol":"3","page":211},{"text":"وقد أَعَلَّ الأئمة هذا الحديث وَضَعَّفُوه، فقال الترمذي عقبه: \"هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم عن سفيان، وسألت محمدَ بنَ إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يُعدَّه محفوظًا، وقال: إنما أراد عندي: حديث سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عمن سمع ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"لا سَمَرَ إلا لِمُصَلٍّ أو مُسَافِرٍ\".\nقلت: فقد حمل البخاريُّ - ﵀ - في هذا الحديث على يحيى بن سليم الطائفي، وأنه انقلبَ عليه، فجاء بمتنِ حديثِ الأخذِ باليد فَرَكَّبَهُ على إسناد حديث آخر، وهو حديث: \"لا سَمَرَ إلا لِمُصَلٍّ ... \" ١.\nوقال البخاري مرة: \"هذا حديث خطأ\"٢. ثم بيَّنَ الصوابَ في حديث المصافحة هذا، فقال: \"وإنما يُرْوَى عن منصور، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد - أو غيره - قال: من تَمَام التحية ... \"٣. كذا في (جامع الترمذي)، وفي (العلل) ٤ له: \"وإنما يُروى عن منصور، عن الأسود بن يزيد - أو عبد الرحمن بن يزيد - أنه قال ... \".\nويحيى بن سليم: سيئُ الحفظ، يَهِمُ ويخطئ، ولذلك قال الإمام\n_________\n١ جامع الترمذي: (٥/٧٥ - ٧٦) .\n٢ علل الترمذي: (٢/٨٦٣) .\n٣ جامع الترمذي: (٥/٧٦) .\n(٢/٨٦٣) .","vol":"3","page":212},{"text":"أحمد: \"أتيته فكتبت عنه شيئًا، فرأيته يُخَلِّطُ في الأحاديث فتركته\"١. وخطَّأه غيره.\nوقال أبو حاتم ﵀: \"حديثٌ باطلٌ\"٢ ولَعَلَّه - ﵀ - يشير إلى العِلَّة التي ذكرها البخاري. وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة يحيى الطائفي من (ميزانه) ٣ على عادته في ذكر شئٍ من حديث الراوي مما انفرد به، أو أُنْكِرَ عليه.\nوقد ضَعَّفَ إسناده أيضًا: الحافظُ ابن حجر، فقال: \"إسناده ضعيف\"٤ وقال مرة: \"في سنده ضعف\"٥.\nويضافُ إلى ما تَقَدَّمَ: الجهالةُ في إسناده، حيث لم يُسَمّ الرَّاوي عن ابن مسعود ﵁، وقد أشار الزيلعي إلى ذلك، فقال: \"وفيه أيضًا مجهولٌ\"٦. ونقل المناوي في (فيض القدير) ٧ عن المنذريِّ مثل ذلك.\nوقد أورد الشيخُ الألبانيُّ هذا الحديث في (السلسلة الضعيفة) ٨،\n_________\n١ انظر: الميزان: (٤/٣٨٤)، وتهذيب التهذيب: (١١/٢٢٦ - ٢٢٧) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (٢/٣٠٧) ح ٢٤٣٣.\n(٤/٣٨٤) .\n٤ الدارية: (٢/٢٣٤) .\n٥ فتح الباري: (١١/٥٦) .\n٦ نصب الراية: (٤/٢٦٠) .\n(٦/١١) .\n(٣/٤٤٩) ح ١٢٨٨.","vol":"3","page":213},{"text":"ونقل أقوال الأئمة في تضعيفه، ثم ذكر له بعضَ الشواهد من حديث: أبي أمامة، والبراء بن عازب، وَضَعَّفها، ثم قال: \"وجملة القول: أنَّ طرقَ هذا الحديث كلها واهيةٌ، وبعضها أشد ضعفًا من بعض، فليس فيها ما يمكنُ الاعتمادُ عليه كشاهدٍ صالح، فالذي أستخيرُ الله فيه: أَنَّهُ ضعيفٌ مرفوعًا، صحيحٌ موقوفًا، والله أعلم\".\nفَتَلَخَّصَ من ذلك أن هذا الحديث:\n١- ضعيف السند؛ لوجود يحيى الطائفي فيه.\n٢- ومقلوبُ المتن؛ إذ رُكِّبَ متنه على إسناد آخر.\n٣- وفي إسناده راوٍ مجهولٌ.\n٤- وأنَّ الصواب فيه: الوقفُ على الأسود بن يزيد، أو عبد الرحمن بن يزيد.\nوبذلك يكون للحديث علتان أخريان زيادة على ما ذكر ابن القَيِّم ﵀.\nومع كل هذا، فقد رَمَزَ له السيوطي في (الجامع الصغير) ١ بالحُسْن! فلعله حَدَثَ خطأٌ؛ إذ إنَّ هذه الرموزُ قد يغلبُ عليها تحريف النساخ، كما نَبَّه عليه الشيخ الألباني٢. فالله أعلم.\n_________\n١ مع فيض القدير: (٦/١١) ح ٨٢٣٨.\n٢ مقدمة ضعيف الجامع: (١/١٣) .","vol":"3","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>٤ - باب الرجل يدعى إلى طعام، هل يكون ذللك إذنا له</span>؟\n...\n٤- باب الرجل يدعى إلى طعام، هل يكون ذلك إذنا له؟\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وقد روى أبو داود عنه ﷺ، من حديث قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: \"رسولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إِذْنُه\". وفي لفظ: \"إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طَعَامٍ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فإِنِّ ذَلِك إذْنٌ لَهُ\".\nثم قال: \"وهذا الحديث فيه مقالٌ، قال أبو عليٍّ اللؤلؤي: سمعتُ أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاريُّ في (صحيحه): وقال سعيد: عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: هو إذنه. فَذَكَرَهُ تعليقًا لأجل الانقطاع في إسناده\"١.\nقلت: عند التدقيق نجد أن المذكور في كلام ابن القَيِّم - ﵀ - حديثان، أما أولهما، فهو:\n١٠٧- (٥) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"رسولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إِذْنُه \".\nوهذا الحديث أخرجه، أبو داود في (سننه) ٢، والبخاري في (الأدب المفرد) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤ من طريق: حَمَّاد بن سلمة،\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٤٣٢) .\n(٥/٣٧٦) ح ٥١٨٩.\n(ص ١٥٧) .\n(٨/٣٤٠) .","vol":"3","page":215},{"text":"عن هشام بن حسان١ وحبيب بن الشَّهيد.\nوأخرجه: ابن حبان في (صحيحه) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق: حماد بن سلمة أيضًا، لكن عن: أيوب وحبيب بن الشَّهيد. ثلاثتهم عن:\nمحمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به.\nقلت: هكذا إسنادُ الحديث بهذا اللفظ عند الأئمة المذكورين، خلافًا لما يظهر من كلام ابن القَيِّم السالف؛ حيث جعل هذا اللفظ من رواية: قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة! وسيأتي أن هذا الإسناد الذي ساقه ابن القَيِّم إنما هو إسناد الحديث الثاني الآتي بعد هذا إن شاء الله.\nوهذا الإسنادُ صحيحٌ، رجاله ثقاتٌ؛ فقد رواه عن ابن سيرين جماعة كما تقدم، وفيهم هشام بن حَسَّان الذي هو من أثبتِ الناسِ في ابن سيرين.\nوأما الحديث الثاني، فهو:\n١٠٨- (٦) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طَعَامٍ، فجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فإِنِّ ذَلِك له إذْنٌ \".\n_________\n١ الأزدي، القردوسي، أبو عبد الله البصري، ثقةٌ، من أثبت النَّاس في ابن سيرين، من السادسة، مات سنة ١٤٧ أو ١٤٨هـ / ع. (التقريب ٥٧٢) .\n٢ الإحسان: (٧/٥٢٦) ح ٥٧٨١.\n(٨/٣٤٠) .","vol":"3","page":216},{"text":"هذا الحديث أخرجه، أبو داود في (سننه) ١، والبخاري في (الأدب المفرد) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣. وعلقه البخاري في (صحيحه) ٤ - كما مضى في كلام ابن القَيِّم - كلهم من طريق:\nسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع٥، عن أبي هريرة ﵁ به. واللفظُ المذكور هو لفظ أبي داود، ومثله لفظ البخاريّ والبيهقي، ولكن ليس عندهما قوله: \"إلى طعام \".\nووقع في (سنن أبي داود) عقب الحديث: قال أبو علي اللؤلؤي: \"سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا\". وقد وقعت كلمة \"شيئًا\" في السنن بين قوسين، وَنَبَّه الحافظ ابن حجر على أن هذه اللفظة في رواية أبي الحسن بن العبد٦. كذا أَعَلَّهُ أبو داود - ﵀ - بالانقطاع، ووافقه على ذلك المنذري في (مختصر السنن) ٧، وَأَيَّدَه بإخراج البخاري له معلقًا، وكأنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - نقل كلام المنذري بعينه.\n_________\n(٥/٣٧٦) ح ٥١٩٠. ك الأدب، باب في الرجل يُدعى، أيكون ذلكَ إذنه؟\n(ص ١٥٧) باب دعاء الرجل إذنه.\n(٨/٣٤٠) .\n٤ ك الاستئذان، باب إذا دُعِيَ الرجلُ فجاء هل يستأذنُ (فتح الباري ١١/٣١) .\n٥ هو: نُفَيْع الصائغ، المدني، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته، من الثانية/ ع. (التقريب ٥٦٥) .\n٦ فتح الباري: (١١/٣١) .\n(٨/٦٤) .","vol":"3","page":217},{"text":"أما عدمُ سماع قتادة من أبي رافع، فقد قاله أيضًا: شعبة١، وابن معين٢.\nولكن رَدَّ ذلك الحافظ الذهبي، ومن بَعْدِه الحافظ ابنُ حجر رحمهما الله تعالى، قال الذهبي - مُعَقَّبًَا على مقالة أبي داود -: \"قلتُ: بل سمع منه؛ ففي صحيح البخاريَّ حديث سليمان التيمي، عن قتادة، سمعت أبا رافع، عن أبي هريرة حديث: إنَّ رحمتي غلبت غضبي\"٣. وكذا قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) ٤، وأما في (تهذيب التهذيب) ٥ فإنه أوردَ مقالةَ أبي داود ثم قال: \"كأنه يعني حديثًا مخصوصًا، وإلا ففي صحيح البخاريِّ تصريحٌ بالسماع منه\".\nوعلى القول بثبوت سماع قتادة من أبي رافع في هذا الحديث، فإن هذا الإسنادَ يبقى معلولًا بعنعنة قتادة؛ فإنه مدلس٦، ولم يُصَرِّح بسماعه في هذا الحديث، قال الذهبي ﵀: \"وهو حجة بالإجماع إذا بَيَّنَ السَّماع؛ فإنه مدلسٌ معروفٌ بذلك ... \"٧.\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (ص ١٧٠)، وجامع التحصيل: (ص ٣١٢) .\n٢ جامع التحصيل: (ص ٣١٢ - ٣١٣) .\n٣ سير النبلاء: (٥/٢٨٣) .\n(١١/٣١ - ٣٢) .\n(٨/٣٥٤) .\n٦ انظر طبقات المدلسين: (ص ١٠٢) .\n٧ سير أعلام النبلاء: (٥/٢٧١) .","vol":"3","page":218},{"text":"ولكن يشهد له حديث أبي هريرة الماضي، الذي ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - مع حديث قتادة.\nفَتَلَخَّصَ من هذا: أن المذكور في كلام ابن القَيِّم - ﵀ - حديثان، لكل منهما إسناد غير إسناد الحديث الآخر، وإن اتفقا في الصحابي، وأن التعليل الذي ذكره - ﵀ - ينصرف إلى الثاني منهما كما يتضح من الدراسة السابقة، لكن الحديث الأول يشهد له ويقويه، فيصح الحديث بذلك، والله أعلم.\nقال البيهقي ﵀ عقب هذين الحديثين: \"وهذا عندي - والله أعلم - فيما إذا لم يكن في الدار حُرْمَة، فإن كان فيها حُرْمَةٌ، فلا بد من الاستئذان بعد نزول آية الحجاب\".","vol":"3","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>٥ - باب ما جاء في التنفير من الكذب</span>\n١٠٩- (٧) عن عائشة ﵂: \"ما كان شيءٌ أَبْغَضَ إلى رسولِ الله ﷺ من الكَذِبِ، وما جَرَّبَ على أَحَدٍ كَذِبًَا فَرَجَعَ إِليه مَا كَانَ حَتَّى يَعْرِفَ منه تَوْبَةً \".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"حديثٌ حسنٌ، رواه الحاكم في المستدرك من طريق: ابن وهب، عن محمد بن مُسْلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة ﵂\"١.\nقلت: هذا الحديث يرويه: معمر، عن أيوب٢، عن ابن أبي مُلَيْكَة٣ أو غيره، عن عائشة ﵂.\nأخرجه كذلك: عبد الرزاق في (مصنفه) ٤: أخبرنا معمر به، ولفظه: \"ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى أصحاب رسول الله ﷺ من الكذبِ، ولقد كانَ الرَّجُلُ يكذب عند رسول الله ﷺ الكِذْبَة فما يزال في نَفسِهِ عليه، حتى يعلَم أنْ قد أحْدَثَ منها توبة \".\n_________\n١ إعلام الموقعين: (١/١١٩ - ١٢٠) .\n٢ هو السختياني.\n٣ عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان، التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ، من الثالثة، مات سنة ١١٧هـ/ ع. (التقريب ٣١٢) .\n(١١/١٥٨) ح ٢٠١٩٥.","vol":"3","page":220},{"text":"ورواه عن عبد الرزاق: أحمد وابن راهويه في (مسنديهما) ١، وبلفظه، لكن قال فيه ابن راهويه: \"ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله ... \" وكذا هو عند ابن حبان في (صحيحه) ٢ من طريق عبد الرزاق.\nوتابع معمرًا: محمدُ بن مسلم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂. أخرج ذلك البيهقي في (سننه) ٣ من رواية:\nمروان بن محمد٤، محمد بن مسلم٥، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة به، ولفظه هو الذي ذكرناه أول الباب.\nوخالف ابنُ وهب مروانَ بن محمد، فرواه عن: محمد بن مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة به.\nأخرج ذلك الحاكمُ في (المستدرك) ٦، ولفظه: \"ما كان شيء أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، وما جَرَّبه رسول الله ﷺ من أحد - وإنْ قَلَّ - فيخرج له من نفسه حتى يجدد له توبة\" قال أبو عبد الله: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبيُّ.\n_________\n١ حم: (٦/١٥٢)، سق: (٣/٦٥٤) ح ٧٠٢.\n٢ الإحسان: (٧/٤٩٥) ح ٥٧٠٦.\n(١٠/١٩٦) .\n٤ ابن حسان الأسدي، الدِّمشقي، الطَاطَري، ثِقَةٌ، من التاسعة، مات سنة٢١٠هـ/ م ٤. (التقريب ٥٢٦) .\n٥ الطائفي، صدوقٌ يخطئ من حفظه، من الثامنة، مات قبل التسعين/ خت م ٤.\n(٤/٩٨) .","vol":"3","page":221},{"text":"ولكن سُئل أبو حاتم - ﵀ - عن حديث مروان بن محمد هذا؟ فقال: \"ما أدري ما هذا؟ إِنَّمَا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة١، عن عائشة، عن النبي ﷺ مرسلٌ. ومن يقول: عن ابن أبي مليكة، ليس بِمُصِيبٍ عندي\". ثم حَدَّثَ في موضع آخر من (العلل) ٢ بحديث ابن وهب، عن محمد بن مسلم - الذي سبق قبل قليل عند الحاكم - ثم قال: \"إِنمَّا هو عن إبراهيم بن ميسرة، عن عائشة مرسلٌ\".\nوقد ذهب الحافظ الدارقطني - ﵀ - إلى ذلك أيضًا، فذكر في (علله) ٣ أوجه الاختلاف على أيوب، ثم ذكر أنَّ حماد بن زيد، وحاتم ابن وردان، ووهيب رووه عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة مرسلًا، قال: \"وهو الصواب\".\nوالمراد بذلك: انقطاعه بين إبراهيم بن ميسرة وعائشة ﵂؛ فإنه لم يُعرف برواية عنها ولا أدركها، وإنما يَرْوي عن: سعيد بن جبير، وابن المسيب، وطاووس، ومجاهد وطبقتهم٤.\nفإذا ثبت أن الصواب في هذا الحديث: ما ذكره ابن أبي حاتم،\n_________\n١ الطائفي: نزيل مكة، ثَبْتٌ حافظٌ، من الخامسة، مات سنة ١٣٢هـ / ع. (التقريب٩٤) .\n٢ العلل: (٢/٢٣٦) ح ٢١٩٨.\n٣ ج٥ (ق ٨٧) .\n٤ انظر: تهذيب الكمال: (٢/٢٢١ - ٢٢٢) .","vol":"3","page":222},{"text":"والدارقطني، وأنه ليس لابن أبي مليكة ذكر فيه، فإنه يكون معلولًا بالانقطاع، مع ما تقدم من الاختلاف على أيوب في إسناده، وما جاء عند عبد الرزاق من الشك في إسناده، وقوله: عن ابن أبي مليكة أو غيره. وهذا الغير مجهول لا يُعرف، وهو يؤكد ما ذهب إليه ابن أبي حاتم وغيره من عدم صحة ذكر ابن أبي مليكة في إسناده.\nوكذا الاختلاف في لفظه: فعند عبد الرزاق \"ما كان خلقٌ أبغض إلى أصحاب رسول الله ... \". وعند غيره: \" ... أبغض إلى رسول الله ﷺ \".\nفإذا عُلِمَ ذلك، فإنَّ تحسينَ ابن القَيِّم - ﵀ - له: لا يصحُّ، لما تقدم من حاله، والله أعلم.","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>٦ - باب ما جاء في ذَم الغناء</span>\n١١٠- (٨) عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: \"الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ في القَلْبِ\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (إغاثة اللهفان) ١، فقال: \"وقال شعبة: حدثنا الحكم، عن حماد، عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود ... \" فذكره.\nثم قال: \"وهو صحيحٌ عن ابن مسعود من قوله. وقد رُوِيَ عن ابن مسعود مرفوعًا، رواه ابن أبي الدنيا في ذَمِّ الملاهي قال: أخبرنا عصمة بن الفضل، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا سلاّم بن مسكين، حدثنا شيخٌ عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"الغناءُ ينبت النفاقَ في القلب كما ينبت الماءُ البقل\" \".\nقال: \"وقد تابع حَرَمِيَّ بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن: مسلمُ بن إبراهيم\" ثم ساقه من طريقه عند ابن الْمُنَادى في أحكام الملاهي، ثم قال: \"فمداره على هذا الشيخ المجهول. وفي رَفْعِهِ نظرٌ، والموقوف أصح\".\n_________\n(١/٢٤٨) .","vol":"3","page":224},{"text":"وقال في كتابه (الكلام على مسألة السماع) ١: \"صحَّ ذلك عنه - أي ابن مسعود - ومن الناس من يرفعه إلى النبي ﷺ، والصحيح أنه موقوف\".\nقلت: أما الموقوف على ابن مسعود، فقد أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ عن ابن أبي الدنيا، وذلك من طريقين:\nالطريق الأول: - وهو الذي ساقه ابن القَيِّم - عن غندر٣، عن شعبة، عن الحكم٤، عن إبراهيم٥، عن ابن مسعود٦.\nوهذا الإسناد صحيحٌ، إلا أنه منقطع بين إبراهيم وابن مسعود؛ لأنه لم يلقه على قول أكثر أهل العلم٧، ولكن احتملَ بعض الأئمة مراسيله وقَدَّمَها على مراسيل غيره، قال يحيى بن معين: \"مراسيل إبراهيم أحبُّ إليَّ من مراسيل الشَّعْبِيِّ\"٨. ونقل العلائي عن الإمام أحمد بن حنبل\n_________\n(ص ٤٧٣) .\n(١٠/٢٢٣) .\n٣ هو: محمد بن جعفر الهُذَلي، ثقةٌ صحيح الكتاب إلا أنَّ فيه غفلةً/ ع. (التقريب ٤٧٢) .\n٤ هو: ابن عتيبة، الكوفي.\n٥ هو: النخعي.\n٦ وانظر: ذم الملاهي: (ص ٣٨) ح ١٣.\n٧ انظر: المراسيل لابن أبي حاتم: (ص ٨-١٠)، وجامع التحصيل: (ص ١٦٨) .\n٨ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/١٨) .","vol":"3","page":225},{"text":"أنه قال: \"مرسلاتُ إبراهيم النخعي لا بأس بها\"١. ثم قال: \"وخَصَّ البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود دون غيره\"٢.\nوعلى كلِّ حالٍ فإن إبراهيم لم ينفرد برواية ذلك عن ابن مسعود، وإنما تابعه عليه محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، وهو:\nالطريق الثاني: أخرجه البيهقي - أيضًا - في (سننه) ٣ من طريق ابن أبي الدنيا، عن: علي بن الجعد٤، عن محمد بن طلحة٥، عن سعيد ابن كعب المرادي، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد٦، عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: \"الغناءُ ينبتُ النفاق في القلبِ كما ينبتُ الماءُ الزرعَ، والذِّكْرُ ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع\" ٧.\nوهذا الإسناد رجاله ثقاتٌ، إلا سعيد بن كعب؛ فإنه - فيما فتشت - لم يرو عنه غير محمد بن طلحة، وذكره ابن أبي حاتم في (الجرح\n_________\n١ جامع التحصيل: (ص ٩٩) .\n٢ المصدر السابق، وانظر (ص ١٦٨) .\n(١٠/٢٢٣) .\n٤ ابن عبيد الجوهري، البغدادي، ثقةٌ ثبتٌ رُمِي بالإرجاء، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٣٠هـ / خ د. (التقريب ٣٩٨) .\n٥ ابن مُصَرِّف اليامي، كوفيٌّ، صدوقٌ له أوهام، وأنكروا سماعه من أبيه لصغره، من السابعة، مات سنة ١٦٧هـ/ خ م د ت عس ق (التقريب ٤٨٥) .\n٦ ابن قيس النَّخَعي، أبو جعفر الكوفي، ثقةٌ، من السادسة/ بخ ٤. (التقريب ٤٩٣) .\n٧ وانظر: ذَمّ الملاهي: (ص ٣٨) ح ١٢.","vol":"3","page":226},{"text":"والتعديل) ١ فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٢، ساكتًا عنه أيضًا، فالظاهر - والله أعلم - أنه إلى الجهالة أقرب.\nولكن إذا ضُمَّ هذا الطريقٌ إلى طريق الحكم عن إبراهيم الماضي، تَقَوَّى كلّ منهما بالآخر، وقد تقدم أن ابن القَيِّم صَحَّحَ الموقوفَ، ونقل ابن حجر الهيثمي عن البيهقي قوله: \"إن وقفه عليه هو الصحيح\"٣.\nهذا فيما يتعلق بالرواية الموقوفة، وأما الرواية المرفوعة:\nفأخرجها أبو داود في (سننه) ٤، وابن المنادى في (أحكام الملاهي) ٥ من طريق:\nمسلم بن إبراهيم٦، حدثنا سلاّم بن مسكين، عن شيخ شَهِدَ أبا وائل٧ في وليمةٍ، فجعلوا يلعبون، يَتَلَعَّبُون، يُغَنُّونَ، فحلَّ أبو وائل\n_________\n(٢/١/٥٧) .\n(٨/٢٦٢) .\n٣ كَفُّ الرِّعَاعِ: (ص ٦٥) .\n(٥/٢٢٣) ح ٤٩٢٧ ك الأدب، باب كراهية الغناء والزمر.\n٥ انظر: إغاثة اللهفان: (١/٢٤٨) .\n٦ الأزدي الفراهيدي، أبو عمرو البصري، ثقةٌ مأمونٌ مُكْثِرٌ، عَمِيَ بآخرة، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٢٢هـ/ ع. (التقريب ٥٢٩) .\n٧ هو: شقيق بن سلمة.","vol":"3","page":227},{"text":"حُبْوَتَه١، وقال: سمعت عبد الله - يعني ابن مسعود - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الغناء ينبت النفاق في القلب\". هذا سياق أبي داود.\nوتابع مسلمَ بن إبراهيم على هذه الرواية: حَرَمِيُّ بن عمارة٢، قال: حدثنا سلاّم بن مسكين به٣، أخرجه عنه: ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٤ - ولفظه: \"الغِنَاءُ ينبت النِّفَاقُ في القلب، كما ينبت الماء البقل \".\nوهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، إلا أنَّ عِلَّتَهُ هذا الشيخ المجهول، فإنَّ مداره عليه، ولذلك ضَعَّفَهُ جماعةٌ، فقال الغزالي في (الإحياء) ٥: \" ... ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﷺ، وهو غير صحيح\". قال العراقيُّ في تخريجه لأحاديث الإحياء - عقب كلام الغزالي -: \"لأنَّ في إسناده من لم يُسَمِّ\"٦. وَضَعَّفَهُ ابن القَطَّان٧. وقال النوويُّ: \"لا يصحُّ\".\n١ قال أبو موسى في المجموع المغيث: (١/٣٩٦): \"الاحتباءُ: جلسة الأعراب ... وهو ضَمُّ الساقين إلى البطن بثوبٍ يلفونه عليهما\". وقال في (لسان العرب): (ص٧٦٥): \"الحِْبْوَة والحُبْوة: الثوب الذي يَحْتَبِي به\".\n٢ ابن أبي حفصة، العَتَكِي، البصري، أبو روح، صدوقٌ يَهِمْ، من التاسعة، مات سنة\n_________\n٢٠١هـ / خ م د س ق. (التقريب ١٥٦) .\n٣ وسبق تنبيه ابن القَيِّم على هذه المتابعة.\n(١٠/٢٢٣) .\n(٢/٢٨٣) .\n٦ المصدر السابق.\n٧ فيض القدير: (٤/٤١٣) .","vol":"3","page":228},{"text":"ووافقه الزركشي١. ورمز له السيوطي بالضعف في (الجامع الصغير) ٢. وَضَعَّفَهُ الشيخ الألباني٣. وقد سبق قولُ ابن القَيِّم ﵀: \"في رَفْعِه نَظرٌ\".\nفتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديث لا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ، وأنَّ الصواب وَقْفُهُ على ابن مسعود ﵁، وهذا ما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀.\nقال ابن حجر الهيتمي: \"ومثله لا يقال من قِبَلِ الرأي؛ لأنه إخبارٌ عن أمرٍ غيبي، فإذا صحَّ عن الصحابة فقد صحَّ عن النبي ﷺ، كما هو مقررٌ عند أئمة الحديث والأصول٤ ... وحينئذٍ فالحجة فيه دون سواه\"٥.\n_________\n١ فيض القدير: (٤/٤١٣) .\n٢ انظر: فيض القدير مع الجامع الصغير: (٤/٤١٣) ح ٥٨٠٩.\n٣ ضعيف الجامع: (ح٣٩٤١) .\n٤ انظر: حول ذلك: تدريب الراوي: (١/١٩٠) .\n٥ كفُّ الرِّعاع: (ص ٦٥ - ٦٦) .","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>٧ - باب في الأمر بتحسين الأسماء</span>\n١١١- (٩) عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي، أنه قال: \"إِنَّكُم تُدْعَونَ يَومَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُم وأَسْمَاءِ آبَائِكُم، فَأَحْسِنُوا أَسَمَاءَكُم\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"رواه أبو داود بإسناد حسن\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢. وأحمد في (مسنده) ٣، وابن حبان في (صحيحه) ٤، والبيهقي في (سننه) ٥، كلهم من طريق:\nهشيم، عن داود بن عمرو٦، عن عبد الله بن أبي زكريا٧، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ به.\nوهذا الإسناد لا يقلُّ عن درجة الحَسَنِ إذا سَلِمَ من الانقطاع. قال عنه النووي: \"إسناد جيدٌ\"٨. ولكنه إسناد منقطع كما بيَّنه غيرُ واحدٍ:\n_________\n١ تحفة المودود: (ص ١١١) .\n(٥/٢٣٦) ح ٤٩٤٨ ك الأدب، باب في تغيير الأسماء.\n(٥/١٩٤) .\n٤ الإحسان: (٧/٥٢٨) ح ٥٧٨٨.\n(٩/٣٠٦) .\n٦ الأزدي، الدمشقي، عاملُ واسط، صدوقٌ يخطئ، من السابعة/د. (التقريب١٩٩) .\n٧ الخُزاعي، أبو يحيى الشَّامي، واسم أبيه: إياس، وقيل: زيد، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ، من الرابعة، مات سنة ١١٩هـ/د. (التقريب٣٠٣) .\n٨ الأذكار: (ص٢٤٦) .","vol":"3","page":230},{"text":"قال أبو داود عقب إخراجه: \"ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء\". وقال البيهقي: \"هذا مرسلٌ، ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء\"١. وقال المنذري: \"عبد الله بن أبي زكريا: كنيته أبو يحيى ... ثقةٌ عابدٌ، لم يسمع من أبي الدرداء، فالحديث منقطع\"٢. وقال ابن حجر: \"رجاله ثقات، إلا أنَّ في سنده انقطاعًا بين عبد الله بن أبي زكريا - راويه عن أبي الدرداء - وأبي الدرداء؛ فإنه لم يدركه\"٣.\nوقد رمز له السيوطي في (الجامع الصغير) ٤ بالحُسْنِ، فلم يصب، وقد أورده الشيخ الألباني في (ضعيف الجامع) ٥ وقال: \"ضعيف\".\nفَتَبَيَّنَ من ذلك أنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - لا يُوافَقُ على الحكم بحُسْنِ هذا الإسناد؛ لما فيه من الانقطاع.\nولكن يشهد لمعنى هذا الحديث: ما صحَّ عنه ﷺ من تغييره بعض الأسماء إلى أسماء حسنة، وأيضًا: ما صحَّ من أن الناس يُنْسَبُونَ يوم القيامة إلى آبائهم.\nوقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذا المعنى، فقال - عند كلامه على حديث أبي الدرداء الذي معنا -: \"وفي هذا الحديث رَدٌّ على\n_________\n١ سنن البيهقي: (٩/٣٠٦) .\n٢ مختصر السنن: (٧/٢٥١) .\n٣ فتح الباري: (١٠/٥٧٧) . وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم: (ص١١٣) .\n٤ مع فيض القدير: (٢/٥٥٣) ح٢٥٣٣.\n(ح٢٠٣٥) .","vol":"3","page":231},{"text":"من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يُدْعَوْنَ بأمهاتهم لا آبائهم، وقد تَرْجَمَ البخاري في صحيحه لذلك، فقال: باب يُدْعَى الناس بآبائهم، وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"الغَادِرُ يُرْفَعُ له لواءٌ يومَ القيامة، يقال له: هذه غدرة فلان بن فلان\" ١.\nقال ابن حجر - ﵀ - في كلامه على هذا الحديث: \"فَتَضَمَّنَ الحديث: أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم\"٢.\nوأما الأحاديث التي فيها الأمر بتغيير الأسماء إلى أحسن منها: فقد أخرج البخاري - أيضًا - منها جملة٣.\nفثبتَ بذلك: أن حديث أبي الدرداء ﵁ وإن كان منقطعًا، فإن معناه قد صحَّ من جهات أخرى، وأن إطلاق ابن القَيِّم - ﵀ - الحكم بحسنِ إسناده فيه نظر، والله أعلم.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/٢٥٠) . وانظر: صحيح البخاري: ك الأدب، باب ما يُدْعى الناس بآبائهم ح٦١٧٧، ٦١٧٨. (فتح الباري١٠/٥٦٣) .\n٢ فتح الباري: (١٠/٥٦٣) .\n٣ صحيح البخاري: ك الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، ح٦١٩١ - ٦١٩٣. (فتح الباري ١٠/٥٧٥) .","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>٨ - باب ما جاء في الديك</span>\n١١٢- (١٠) عن زيد بن خالد ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"لا تَسُبُّوا الديك؛ فَإِنَّه يُوقِظُ للصَّلاةِ\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"صَحَّ عن النبي ﷺ ... \"١ فذكره.\nقلت: هذا الحديث يرويه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: عبد العزيز ابن محمد. وأحمد، والطيالسي في (مسنديهما) ٣، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥ من طريق: عبد العزيز٦ بن أبي سلمة. وعبد الرزاق في (المصنف) ٧ من طريق: معمر، كُلُّهم عن: صالح بن كيسان٨، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد الجُهَني: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تَسُبُّوا الديك؛ فَإِنَّه يُوقِظُ للصَّلاةِ\".\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٤٧١) .\n(٥/٣٣١) ح ٥١٠١، ك الأدب، باب ما جاء في الديك والبهائم.\n٣ حم: (٥/١٩٢-١٩٣)، طس: (ح٩٥٧) .\n(ص٥٢٥) ح٩٤٥.\n٥ الإحسان: (٧/٤٩٣) ح٥٧٠١.\n٦ ابن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، المدني، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيهٌ مصنِّفٌ، من السابعة، مات سنة ١٦٤هـ/ ع. (التقريب ٣٥٧) .\n(١١/٢٦٢) ح٢٠٤٩٨.\n٨ المدنيُّ، أبو محمد أو أبو الحارث، مُؤَدِّب ولدِ عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من الرابعة، مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين /ع. (التقريب ٢٧٣) .","vol":"3","page":233},{"text":"هذا لفظ أبي داود، ولفظ الطيالسي، وابن حبان، وأحدُ لفظي أحمد: \" ... فإنه يدعو إلى الصلاة \". ولفظ النسائي واللفظ الآخر لأحمد: \"فإنه يُؤَذِّنُ بالصلاة \".\nوعند عبد الرزاق ذكر سبب نهي النبي ﷺ عن ذلك، ولفظه: \"لَعَنَ رَجُلٌ دِيكًا صَاحَ عِنْدَ رسول الله ﷺ، فقال: \"لا تلعنه؛ فإنَّه يدعو للصلاة \".\nوقد رُوي عن صالح بن كيسان على أوجه أخر؛ فأخرجه الطيالسي في (مسنده) ١، فقال: \" ... عن عبد العزيز الماجشون، عن صالح، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه\". قال راوي المسند: \"وهذا أثبت عندي\". لكن سأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: \"ليس لابن أبي قتادة عن أبيه هاهنا معنى، وحديث صالح، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد ابن خالد: صحيحٌ\"٢.\nوأخرجه البزار في (مسنده) ٣ من طريق: مسلم بن خالد، عن صالح بن كيسان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود به.\nقال البزار: \"أخطأَ فيه مسلم بن خالد، والصواب: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله، عن زيد بن خالد\". وكذا قال أبو حاتم الرازي لما سُئل عنه٤.\n_________\n(ح٩٥٧) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (٢/٣٤٥) ح٢٥٥٩.\n٣ كشف الأستار: (٢/٤٣٣) ح٢٠٤٠.\n٤ علل ابن أبي حاتم: (٢/٢٧٧) ح٢٣٣٢.","vol":"3","page":234},{"text":"قلت: فعادَ الحديث إلى زيدِ بن خالد، وقد ثبَتَ صحته عنه ﵁، فقد تَقَدَّم تصحيح أبي حاتم - ﵀ - له، ونقلَ الحافظ ابن حجر تصحيح ابن حبان له وأقَرَّهُ١، وقال الإمام النووي ﵀: \"إسنادٌ صحيحُ\"٢. ورمز له السيوطي بالصحَّة في (الجامع الصغير) ٣. ونقل المناوي كلام النووي في تصحيح إسناده، ثم قال: \"وقال غيره: رجاله ثقات\"٤. وصححه الشيخ الألباني٥.\nفإذا تَقَرَّرَ ذلك، وأنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - قد وافَقَهُ على تصحيحه جماعة من العلماء، فإن قوله - ﵀ - في (المنار المنيف) ٦: \"وبالجملة: فكل أحاديث الدِّيك كذبٌ، إلا حديثًا واحدًا: \"إذا سَمِعْتُمْ صياح الدِّيَكَة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت مَلَكًَا \" فيه نظرٌ؛ فإنَّ تصحيحه هذا الحديث هنا يُسْتدركُ به على إطلاقه هذا الحكم في المنار، فلعله - ﵀ - غفل عن ذلك هناك. والله أعلم.\n_________\n١ فتح الباري: (٦/٣٥٣) .\n٢ رياض الصالحين: (ص٦٥٥) ح١٧٢٨.\n٣ مع فيض القدير: (٦/٣٩٩) ح٩٧٨٦.\n٤ المصدر السابق.\n٥ صحيح الجامع: (ح٧٣١٤)، والتعليق على المشكاة: (ح٤١٣٦) .\n(ص٥٦) .","vol":"3","page":235},{"text":"١٧-<span data-type=\"title\" id=toc-176> من كتاب الفرائض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>١- باب ما جاء في ميراث ذوي الأرحام</span>\n١١٣- (١) عن المقدام بن معدي كَرِب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ تَرَكَ كَلًاّ١ فإليَّ - وَرُبَّما قال: إلى الله وإلى رسوله - وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا وَارِثُ مَن لا وَارِثَ لَه: أَعْقِلُ له٢، وأَرِثُهُ، والخالُ وارثُ من لا وَارِثَ له: يَعْقِلُ عنه، وَيَرِثُهُ \".\nقال المنذري - ﵀ - عَقِبَ هذا الحديث: \"واخْتُلِفَ في هذا الحديث، فروي عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام. وروي عن راشد بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال، مُرْسَلًا\".\nقال: \"وقال أبو بكر البيهقي في هذا الحديث: كان يحيى بن معين يُضَعِّفُهُ، ويقول: ليس فيه حديث قويٌّ\"٣.\nوقد تعقب ابن القَيِّم ﵀ المنذري، فقال: \"فهذا ما رُدَّ به حديث الخالِ، وهي بأَسْرِهَا وجوهٌ ضعيفةٌ\".\nقال: \"أما قولهم: إن أَحَادِيثَهُ ضَعيفةٌ. فكلام فيه إجمالٌ، فإن أُرِيَد بها: أنها ليست في درجة الصحاح التي لا عِلَّة فيها: فصحيح، ولكن هذا لا يَمْنَعُ الاحتجاجَ بها، ولا يوجب انحطاطها عن درجة\n_________\n١ الكَلُّ: الثِّقَلُ، والعِيَالُ، وهو أيضًا: اليتيم. المصباح المنير: (٢/٥٣٨) .\n٢ العَقْلُ: الدِّيَة، وعَقَلْتُ له دَمَ فلان: إذا تركتُ القَوَدَ للدِيَة. المصباح المنير: (٢/٤٢٣) .\n٣ مختصر السنن: (٤/١٧٠) .","vol":"3","page":239},{"text":"الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان، فإنها قد تعددت طرقها، ورويت من وجوه مختلفة، وعرفت مخارجها، ورواتُها ليسوا بمجروحين ولا مُتَّهَمِين ... \"١.\nثمَّ ذكر - ﵀ - أنه يُروى كذلك من حديث: عمر بن الخطاب، وعائشة ﵄، ثم أخذ في بيان ما أُعِلَّت به، والجواب عن ذلك.\nقلت: حديث المقدام هذا مداره على راشد بن سعد٢، وَرُوِيَ عنه على أربعةِ أوجه:\nأولها: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، وسعيد بن منصور في (سننه) ٥، وابن حِبَّان في (صحيحه) ٦، والطبراني في (الكبير) ٧، والبيهقي في (سننه) ٨، كلهم من طريق: شعبة.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٧٠ - ١٧١) .\n٢ الْمَقْرَئي، الحمصي، ثقةٌ كثير الإرسالِ، من الثالثة، مات سنة ١٠٨هـ، وقيل ١١٣هـ/ بخ ٤. (التقريب ٢٠٤) .\n٣ د: (٣/٣٢٠) ح٢٨٩٩ ك الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام. س: الكبرى (٦/١١٦) ح٦٣٢٢. جه: (٢/٩١٤) ح ٢٧٣٨ ك الفرائض، باب ذوي الأرحام.\n(٤/١٣١، ١٣٣) .\n(٣/١/٧٢) ح ١٧٢.\n٦ الإحسان: (٧/٦١١) ح ٦٠٠٣.\n(٢٠/٢٦٤) ح ٦٢٥.\n(٦/٢١٤) .","vol":"3","page":240},{"text":"وأخرجه: أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، وابن الجارود في (المنتقى) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧ - من طريق أبي داود - كلهم من طريق: حماد بن زيد. كلاهما - حماد وشعبة - عن:\nبُدَيْل بن ميسرة، عن عليِّ بن أبي طلحة٨، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهَوْزَنيِّ٩، عن المقدام ﵁ به.\nواللفظ المذكور في مطلع البحث هو لفظ رواية شعبة، والسياق لأبي داود من بينهم، وأما لفظ رواية حماد بن زيد فهكذا: +\n_________\n١ د: (٣/٣٢٠) ح ٢٩٠٠. س: الكبرى (٦/١١٦) ح ٦٣٢١.\n(٤/١٣٣) .\n(ح ٩٦٥) .\n(٢٠/٢٦٥) ح ٦٢٦.\n(٤/٨٥) ح ٥٧، ٥٨.\n(٤/٣٤٤) .\n(٦/٢١٤) .\n٨ واسم أبي طلحة: سالم. مولى بني العباس، سكن حمص، أَرْسَلَ عن ابن عباس ولم يره، من السادسة، صدوقٌ قد يُخْطئ، مات سنة ١٤٣هـ / م د س ق. (التقريب٤٠٢) .\n٩ هو: عبد الله بن لُحَيّ، الحِمْصي، ثقةٌ مخضرم، من الثانية/ د س ق. (التقريب٣١٩) .\n١٠ فَسَّر أبو داود الضيعة عقب الحديث بِأَنَّهَا: العِيَال. قال المنذري في (مختصره ٤/١٧٠): \"وقال غيره: ضيعة أي عيالًا ذوي ضيعةً، أي تُركوا فَضُيِّعوا، وهو مصدر، يقال: ضَاعَ عيالُ الرجلِ، ضيعةً، وضياعًا بالفتح ... \". وانظر النهاية: (٣/١٠٧) .","vol":"3","page":241},{"text":"وأنا مولى من لا مولى له: أرث ماله، وأفكُّ عَانَه١، والخال مولى من لا مولى له: يرث ماله، ويفك عانه\". سياق أبي داود، والباقون بنحوه. وعند الدارقطني: \"ضياعًا\"، وعنده: \"عانيه\".\nوالحديث بهذا الإسناد حَسَّنَهُ أبو زرعة٢، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\" لكن تعقبه الذهبي، فقال: \"عليٌّ: قال أحمد: له أشياء منكرات. قلت: لم يخرج له البخاريُّ\"٣.\nقلت: وعليُّ بنُ أبي طلحة قال فيه أبو داود: \"هو إن شاء الله مستقيم الحديث\"٤. وقال النسائي: \"ليس به بأس\"٥ وَوَثَّقَهُ العجليُّ٦. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٧. وقال ابن القطان: \"ثقة\"٨.\nفالرجل على هذا صالحُ الأمر، مستقيم الحال، ووجود بعض المنكرات في حديثه لا يخرجُهُ عن حَدِّ الاحتجاج به، ولا يَنْزِلُ بحديثه عن درجة الحسن،\n_________\n١ قال الخطابي: \"يريد: عانيه، فحذف الياء، والعاني: الأسير\". (معالم السنن ٤/١٠٧) .\n٢ علل ابن أبي حاتم: (٢/٥٠) ح ١٦٣٦.\n٣ تلخيص المستدرك: (٤/٣٤٤) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٧/٣٣٩ - ٣٤٠) .\n٥ المصدر السابق.\n٦ المصدر السابق: (٧/٣٤١) .\n(٧/٢١١) .\n٨ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٤١) .","vol":"3","page":242},{"text":"ولا سيما إذا تُوبع على روايته - كما في هذا الحديث -،فالحكمُ ما حَكَمَ أبو زرعة - ﵀ - من تحسين الحديث بهذا الإسناد.\nالوجه الثاني من وجوه روايته عن راشد بن سعد: ما أخرجه النسائي في (الكبرى) ١،وأحمد في (مسنده) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣- وأشار إليه أبو داود٤ - من طريق:\nمعاوية بن صالح٥، عن راشد بن سعد، عن المقدام بن معدي كرب بنحو ما تَقَدَّمَ، إلا أن الطبراني ليس عنده ذكر الخال.\nهكذا رواه معاوية بن صالح، فأسقط منه أبا عامر الهوزني، وجعله عن: راشد، عن المقدام.\nوقد حكم الدارقطنيُّ - ﵀ - للرواية المتَّصِلَة، فنقل عنه صاحب (الجوهر النقي) ٦ أنه ذَكَرَ: أن شعبة وحمادًا وإبراهيم بن طهمان رووه عن بديل، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن راشد، عن أبي عامر، عن\n_________\n(٦/١١٥) ح ٦٣٢٠.\n(٤/١٣٣) .\n(٢٠/٢٦٦) ح ٦٢٨.\n٤ السنن: (٣/٣٢١) .\n٥ ابن حُدَير، الحَضْرَمي، أبو عمر أو أبو عبد الرحمن، الحِمْصي، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهامٌ، من السابعة، مات سنة ١٥٨هـ / ر م ٤. (التقريب ٥٣٨) .\n(٦/٢١٤) .","vol":"3","page":243},{"text":"المقدام. وأن معاوية بن صالح خالفهم، فلم يذكر أبا عامر بين راشد والمقدام، ثم قال الدارقطني: \"والأول أشبهُ بالصواب\". وَأَيَّدَ ابن القطَّان كلام الدارقطني هذا، فقال: \"وهو على ما قال؛ فإنَّ عليَّ بنَ أبي طلحة ثقة، وقد زاد في الإسناد من يتصلُّ به، فلا يضره إرسالُ من قَطَعَهُ ولو كان ثقةً، فكيف إذا كان فيه مقالٌ؟ فنَرَى هذا الحديث حديثًا صحيحًا\"١.\nالوجه الثالث: ما أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ٢، والطبراني في (الكبير) ٣ - وأشار إليه أبو داود أيضًا - من طريق:\nعبد الله بن سالم٤، عن الزُّبَيْدِي٥، عن راشد بن سعد، عن ابن عائذ٦ عن المقدام به، بنحو ما تقدم في حديث حماد بن زيد.\n_________\n١ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٤١) ح ١٣١٩.\n٢ الإحسان: (٧/٦١١) ح ٦٠٠٤.\n(٢٠/٢٦٥) ح ٦٢٧.\n٤ الأشعري، أبو يوسف الحمصي، ثقةٌ رُمِيَ بالنَّصْبِ، من السابعة، مات سنة ١٧٩هـ / خ د س. (التقريب ٣٠٤) .\n٥ هو: محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيْدي، أبو الوليد الحمصي، القاضي، ثقة ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهري، من السابعة/خ م د س ق. (التقريب ص ٥١١) .\n٦ سمَّاه ابنُ حبان - عقب إخراج روايته -: عبد الله بن عائذ، وبهذا الاسم ترجمة ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٢/٢/١٢٢) فقال: \"عبد الله بن عائذ الثمالي، أبو الحجاج، له صحبة ... \". وذكره في (٢/٢/١٠٢) باسم: عبد بن عبد الثمالي، وقال: \"روى عن النبي ﷺ\". وَجَزَم ابنُ حجر في (الإصابة ٢/٣٣٩) بأنهما واحد، يُقال له هذا وهذا.","vol":"3","page":244},{"text":"وقد اعتبر ابنُ حبان - ﵀ - هذه الرواية محفوظة أيضًا؛ فإنه لما أخرجَ رواية علي بن أبي طلحة المتقدمة، أعقبها رواية الزبيدي هذه، ثم قال: \"سمع هذا الخبر راشدُ بن سعد: عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام. وسمعه: عن عبد الله بن عائذ الأزدي، عن المقدام بن معدي كرب، فالطريقان جميعًا محفوظان، ومتناهما متباينان\".\nقلت: وأما قوله: \"متناهما متباينان\" لأنه أخرج رواية أبي عامر الهوزني من طريق شعبة، وقد تقدم لفظها، لكن قد رويت من طريق حماد بن زيد بنحو رواية ابن عائذ هذه، فلا اختلاف إذن.\nوعلى ما قاله ابن حبان، تكون هذه رواية أخرى لراشد بن سعد، تابع فيها ابن عائذ أبا عامر الهوزني المتقدمة روايته، وحينئذٍ لا يكون هذا من الاختلاف بين الروايات.\nالوجه الرابع: ما أخرجه النسائي في (الكبرى) ١ من طريق: ثور ابن يزيد، عن راشد بن سعد، عن النبي ﷺ، مرسلًا. وقد سبق في كلام المنذريِّ الإشارة إلى هذا المرسل، وأَنَّه جَعَلَ ذلك من الاختلاف على راشد.\nوهذا المُرْسل لا تُعَلُّ به الروايات المتصلة، فراشد بن سعد كان معروفًا - مع ثقته - بكثرة الإرسال، ولا مانع أن يكون رواه مرة مرسلًا، مع روايته إياه متصلًا من أكثر من وجه، كما تقدم.\n_________\n(٦/١١٦) ح ٦٣٢٣.","vol":"3","page":245},{"text":"فهذه أوجه روايته عن راشد بن سعد، وقد رَجَّحَ الدارقطني - كما تقدم - رواية عليِّ بن أبي طلحة على رواية معاوية بن صالح، وجمعَ ابنُ حبان بين رواية عليِّ بن أبي طلحة، ورواية الزبيدي، فلا تؤثر الرواية المرسلة على الروايات المتصلة، وبذلك يتبين أنه لا مجال لإعلال رواية راشد بن سعد هذه بالاختلاف، وأن الحديث من هذا الطريق حسنٌ كما تقدم تقريره.\nوثمة طريق آخر لحديث المقدام هذا من غير رواية راشد بن سعد، وهو ما أخرجه أبو داود في (سننه) ١ - ومن طريقه البيهقي٢ - من طريق: إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن حجر٣، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب٤، عن أبيه٥، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: \"أنا وارث من لا وارث له: أفك عانيه، وأرث ماله. والخال وارث من لا وارث له: يفك عانيه، ويرث ماله\".\nوهذا الإسناد ضعيفٌ: فيزيد بن حجر: مجهول، وكذا يحيى بن المقدام، وبينهما: صالح بن يحيى، ليِّن الحديث. وإذا كان كذلك، فإنَّ الاعتماد يكون على رواية راشد بن سعد المتقدمة.\n_________\n(٣/٣٢١) ح ٢٩٠١.\n(٦/٢١٤) .\n٣ الشَّامي، مجهول، من السابعة/ د. (التقريب ٦٠٠) .\n٤ الكِنْدي، الشَّامي، لَيِّنٌ، من السادسة/ د س ق. (التقريب ٢٧٤) .\n٥ يحيى بن المقدام بن معدي كرب، مستور، من الرابعة/ د س ق. (التقريب ٥٩٧) .","vol":"3","page":246},{"text":"ثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى حديث آخر في توريث الخال، وهو حديث:\n١١٤- (٢) عمر بن الخطاب ﵁، أنه كتب إلى أبي عبيدة: أن رسول الله ﷺ قال: \"الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَن لا مَوْلَى له، والخَالَ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ \".\nوقد عزاه ابن القَيِّم إلى الترمذي - وأنه حَسَّنَه - وابن حبان، ثم رَدَّ القولَ بإعلاله، فقال: \"ولم يصنعْ من أَعَلَّ هذا الحديثَ بحكيم بن حكيم، وأنه مجهول شيئًا؛ فإنه قد رَوَى عنه: سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وعثمان بن حكيم أخوه. ولم يُعْلَمْ أن أحدًا جَرَحَهُ، وبمثل هذا يَرْتَفِعُ عنه الجهالة، ويحتجُّ بحديثه\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (الكبرى) ٣، وابن ماجه في (سننه) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، والدارقطني،\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٧١) .\n(٤/٤٢١) ح ٢١٠٣ ك الفرائض، باب ما جاء في ميراث الخال.\n(٦/١١٤) ح ٦٣١٧.\n(٢/٩١٤) ح ٢٧٣٧.\n(١/٢٨، ٤٦) .\n(ح ٩٦٤) .\n٧ الإحسان: (٧/٦١٢) ح ٦٠٠٥.","vol":"3","page":247},{"text":"والبيهقي في (سننيهما) ١، كلهم من طريق: سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث٢، عن حكيم بن حكيم٣، عن أبي أمامة٤ بن سهل بن حنيف، أنه قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة: أن عَلِّموا صبيانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي. قال: فكانوا يختلفون بين الأغراض. قال: فجاء سهم غَرْب٥، فأصاب غلامًا فقتله، ولم يُعْلَمْ للغلام أهلٌ إلا خاله، فكتبَ أبو عبيدة إلى عمر، فذكر له شأن الغلام: إلى من يَدْفَع عقله؟ فكتب إليه: إن رسول الله ﷺ قال: \"الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخالُ وارث من لا وارث له\". هذا لفظ ابن حبان، وابن الجارود، والبيهقي، وأحمد في رواية، والسياق لابن حبان، وعند الباقين: \"ولم يُعلم للغلام أصل\"، وأنه كان \"في حِجْرِ خال له\".\nوأما لفظ أحمد في الرواية الأخرى، وابن ماجه، والدارقطني، عن\n_________\n١ قط: (٤/٨٤) ح ٥٣. هق: (٦/٢١٤) .\n٢ ابن عبد الله بن عَيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، أبو الحارث المدني، صدوقٌ له أوهامٌ، من السابعة، مات سنة ١٤٣هـ / بخ ٤. (التقريب ٣٣٨) .\n٣ ابن عباد بن حنيف الأنصاري الأوسي، صدوقٌ، من الخامسة/٤. (التقريب ١٧٦) .\n٤ هو: أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، معروف بكنيته، معدودٌ في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي ﷺ، مات سنة ١٠٠هـ/ ع. (التقريب ١٠٤) .\n٥ سهم غَرَْب: أي لا يُعرف راميه. يقال: سهم غرب، بفتح الراء وسكونها، وبالإضافة وغير الإضافة. وقيل: بالسكون: إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح: إذا رماه فأصاب غيره. ولم يثبت بعضهم إلا الفتح. (النهاية ٣/٣٥٠ - ٣٥١) .","vol":"3","page":248},{"text":"أبي أمامة: أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فقتله، وليس له وارثٌ إلا خالٌ، فكتب في ذلك أبو عبيدة إلى عمر ... الحديث، بمثل ما تقدم.\nوأما الترمذي: فليس عنده إلا المرفوع فقط، دون باقي القصة.\nوهذا الإسناد لا بأسَ به في المتابعات؛ فإن عبد الرحمن بن الحارث تَكَلَّمَ فيه بعضهم، فقال الإمام أحمد: \"متروك\"١. وقال النسائي: \"ليس بالقوي\"٢ وَضَعَّفَهُ ابن المديني٣. لكن قال فيه ابن سعد: \"ثقة\"٤. وقال ابن معين: \"صالح\"٥. وقال مرة: \"ليس به بأس\"٦. وقال أبو حاتم: \"شيخ\"٧. وقال العجلي: \"مدنيٌّ ثقة\"٨. وقال ابن نمير: \"لا أُقْدِمُ على ترك حديثه\"٩ وذكره ابن حبان في (الثقات) ١٠، وقال: \"كان من أهل العلم\". ولذلك قال عنه الحافظ ابن حجر: \"صدوق له أوهام\". فمثله يُحَسَّنُ حديثُهُ إذا اعتضد.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٦/١٥٦) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ المصدر السابق.\n٤ المصدر السابق.\n٥ المصدر السابق.\n٦ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص ١٦٤) رقم ٥٨٦.\n٧ الجرح والتعديل: (٢/٢/٢٢٤) .\n٨ تهذيب التهذيب: (٦/١٥٦) .\n٩ المصدر السابق.\n١٠ (٧/٦٩ - ٧٠) .","vol":"3","page":249},{"text":"وأما حكيم بن حكيم - شيخه في هذا الإسناد -: فقد تقدم في كلام ابن القَيِّم - ﵀ - أن بعضهم أَعَلَّ الحديث بجهالته، ولم أر ذلك إلا لابن القطان؛ فإنه قال: \"لا يُعرف حاله\"١. وقال عنه ابن سعد: \"كان قليل الحديث ولا يحتجون به\"٢.\nولكن قال العجلي: \"ثقة\"٣. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٤. وصَحَّحَ له الترمذيُّ وابن خزيمة وغيرهما، كما قال ابن حجر٥ ﵀، وقال الذهبي: \"ثقة\"٦. وقال مرة: \"حسن الحديث\"٧. وقال ابن حجر: \"صدوق\"٨. هذا مع رواية جماعة عنه كما تقدم في كلام ابن القَيِّم ﵀، فمثله قد خَرَجَ عن وصفِ الجهالة، وحديثه لا يقلُّ - أيضًا - عن رتبة الحَسَنِ، كما وصفه بذلك الذهبي ﵀.\nوقد حَسَّنَ الترمذي هذا الحديث، وفي النسخة التي بين أيدينا قوله: \"حسن صحيح\". ولكن في (تحفة الأشراف) ٩: \"حسن\" فقط،\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٢/٤٤٩) .\n٢ المصدر السابق: (٢/٤٤٨) .\n٣ تاريخ الثقات: (ترتيب الهيثمي): (ص ١٢٩) .\n(٦/٢١٤) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٢/٤٤٩) .\n٦ المغني: (١/١٨٦) .\n٧ الكاشف: (١/١٨٥) .\n٨ كما تقدم في ترجمته له.\n(٨/٤) .","vol":"3","page":250},{"text":"وكذا نقل عنه الذهبي ﵀ في (الميزان) ١. وقال أبو بكر البزار: \"أحسن إسنادٍ فيه: حديث أبي أمامة بن سهل ... \"٢. يعني هذا. وقال الحافظ ابن حجر: \"حديثٌ حسنٌ\"٣. وقال الشيخ الألباني: \"إسناده حسن\"٤. وقال مرة: \"صحيح\"٥.\nفتلخص من ذلك: أن حديث أبي أمامة هذا، عن عمر ﵁ حديثٌ حسنٌ لغيره، وأنَّ الطعن فيه بجهالة حكيم بن حكيم لا ينتهض لإعلاله؛ لما تَقَدَّمَ من توثيق جماعةٍ له، ورواية آخرين عنه، بما يوجب رفع الجهالة عنه. وأما عبد الرحمن بن الحارث: فإنه وإن وَثَّقَهُ بعضهم، إلا أنَّ كلام من تكلم فيه يقتضي ثبوت بعض الضعف فيه، ولكن مثله مقبول في المتابعات والشواهد.\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديثًا آخر في هذا المعنى، وهو حديث:\n١١٥- (٣) عائشة ﵂، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"الخالُ وارثُ من لا وارث له\".\nعزاه ابن القَيِّم إلى الترمذي، وأنه قال: \"وقد أرسله بعضهم، ولم يَذْكُرْ فيه عن عائشة\".\n_________\n(١/٥٨٤) .\n٢ مسند البزار: (١/٣٧٦) .\n٣ فتح الباري: (١٢/٣٠) .\n٤ الإرواء: (٦/١٣٧) .\n٥ صحيح ابن ماجه: (ح٢٢١٢) .","vol":"3","page":251},{"text":"ثم قال ﵀: \"وهذا على طريقة منازعينا لا يضرُّ الحديث شيئًا، لوجهين:\nأحدهما: أنهم يحكمون بزيادة الثقة، والذي وصله ثقةٌ. وقد زاد، فيجبُ عندهم قبولُ زيادته.\nالثاني: أنه مُرْسَلٌ قد عَمِلَ به أكثر أهل العلم - كما قال الترمذي - ومثل هذا حجة عند من يرى المرسلَ حجة، كما نص عليه الشافعيِّ\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (الكبرى) ٣، والدارقطني في (سننه) ٤، كلهم من طريق: أبي عاصم٥.\nوأخرجه النسائي في (الكبرى) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، من طريق: مخلد بن يزيد٨. كلاهما عن:\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٧٢) .\n(٤/٤٢٢) ح ٢١٠٤.\n(٦/١١٥) ح ٦٣١٨.\n(٤/٨٥) ح٥٤، ٥٥.\n٥ هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، النبيل، البصري، ثِقَةٌ ثبْتٌ، من التاسعة، مات سنة ٢١٢هـ أو بعدها/ع.\n(٦/١١٥) ح٦٣١٩.\n(٤/٣٤٤) .\n٨ القرشي، الحرَّاني، صدوق له أوهامٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٣هـ /خ (التقريب٥٢٤) .","vol":"3","page":252},{"text":"ابن جريج، عن عمرو بن مسلم١، عن طاوس، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ، أن قال: \"الله ورسولُهُ مولى من لا مولى له، والخالُ وارثُ من لا وارثَ له\". هذا لفظ الحاكم، وعند الدارقطني: \"الله مولى ... \"، أما لفظ الترمذي ففيه ذكر الخال فقط، وهو الذي قدمناه.\nقال أبو عيسى الترمذي: \"حديث حسن غريب\". وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي ﵀.\nوقد رُوِيَ عن أبي عاصم من وجه آخر موقوفًا على عائشة ﵂، فأخرجه الدارمي في (مسنده) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والبيهقي في (سننه) ٤، ثلاثتهم عن: أبي عاصم، بالإسناد الماضي إلى عائشة ﵂ قولها، وعندهم: \"الله ورسوله ... \".\nزاد الدارقطني في روايته: \"فقيل لأبي عاصم: عن النبي ﷺ؟ فسكت. فقال له الشاذكوني: حَدِّثْنَا عن النبي ﷺ، فسكت\".\nوقد تابع أبا عاصم على هذه الرواية الموقوفة: عبد الرزاق، فأخرجه في (مصنفه) ٥: أخبرنا ابن جريج ... فذكره.\n_________\n١ الجندي، صدوقٌ له أوهامٌ، من السادسة / عخ م د ت س. (التقريب ٤٢٧) .\n(٢/٢٦٥) ح٢٩٨١ ك الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام.\n(٤/٨٥) ح٥٥، ٥٦.\n(٦/٢١٥) .\n(٩/٢٠) ح١٦٢٠٢.","vol":"3","page":253},{"text":"قال البيهقي: \"هذا هو المحفوظ، من قول عائشة موقوفًا عليها ... وقد كان أبو عاصم يرفعه في بعض الروايات عنه، ثم شكَّ فيه، فالرفع غير محفوظ\".\nكذا قال البيهقي ﵀، وقد تقدم أنَّ مخلد بن يزيد الجَزَرِي قد تابع أبا عاصم على هذه الرواية المرفوعة، ومخلد هذا \"صدوقٌ مشهورٌ\"١ من رجال مسلم، فأبو عاصم وإن كان تَوَقَّفَ مرَّةً في رفعه، فمتابعة مخلد له على الرفع تدلُّ على أن للمرفوع أصلًا، ولا مانع من أن يكون جاء عن عائشة على الوجهين.\nعلى أن النسائي - ﵀ - قد أعله \"بعمرو بن مسلم\"، وبالاختلاف فيه على ابن جريج، فقال: \"عمرو بن مسلم ليس بذاك القويِّ، وقد اخْتُلِفَ فيه على ابن جريج\". ونقله عنه المزيِّ في (تحفة الأشراف) ٢.\nأما عمرو بن مسلم فقد ضَعَّفَه أيضًا: أحمد، وابن معين في رواية، وابن خِرَاش. وقال السَّاجي: \"صدوقٌ يهم\"٣. وقال ابن معين مرة: \"لا بأس به\"٤. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٥. وقال الذهبي: \"صالح\n_________\n١ الذهبي: (الميزان): (٤/٨٤) .\n(١١/٤٢٦) .\n٣ تهذيب التهذيب: (٨/١٠٥) .\n٤ سؤالات ابن الجنيد لابن معين: (ص٣٤٦) رقم٣٠٣.\n(٧/٢١٧) .","vol":"3","page":254},{"text":"الحديث\"١. ومع ذلك، فهو من رجال مسلم، فمثله - والله أعلم - حديثه حسنٌ على أقل تقدير، وقد حسَّن له الترمذيُّ كما مضى، كما أنه لم ينفرد بروايةِ هذا الأصلِ، بل جاء من غير طريقه.\nوأما الاختلاف فيه على ابن جريج: فإن قيل: إن الكل محفوظٌ، فلا إشكالَ. وإن قيل بترجيح الوقف - كما سبق عن البيهقي، ونقَلَهُ ابن حجر٢ عن الدارقطني أيضًا - فليس الاعتماد عليه وحده، وإنما يكون الاعتمادُ على ما تقدم من المرفوعات، ويكون هذا الموقوف للاستشهاد.\nوأما ما أشار إليه الترمذي من كونه يُرْوَى مرسلًا - وهو ما نقله ابن القَيِّم عنه وأجاب عنه بما تقدم -: فقد أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٣: عن معمر، عن ابن طاوس٤، قال: سمعت بالمدينة أنَّ النبي ﷺ قال: \"الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخالُ وارثُ من لا وارثَ له\".\nفإنَّ هذا المرسلَ يعتضدُ بقول عائشة ﵂ الماضي، وبالأحاديث المسندة في الباب، وبعمل أهل العلم به، كما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀، ولا تناقض بينه وبين ما تقدم.\n_________\n١ الميزان: (٣/٢٨٩) .\n٢ التلخيص الحبير: (٣/٨٠-٨١) .\n(٩/١٩) ح١٦١٩٩.\n٤ هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، من السادسة، مات سنة ١٣٢هـ/ع. (التقريب ٣٠٨) .","vol":"3","page":255},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث توريثِ الخالِ حديثٌ حسنٌ كما قال ابن القَيِّم ﵀، وأنَّه وإن كان في بعض طرقه مقالٌ، فإنَّ في اجتماع هذه الطرق - مع تعدُّدِها، واختلاف مخارجها - ما يقَوِّي هذا الحديثَ ولا يجعله ينزل - بحال - عن درجة الحسن، وقد تَقَدَّم تحسين جماعةٍ له: فحسَّن الترمذيُّ حديثي عمر، وعائشة. وحسن أبو زرعة حديث المقدام، مع تصحيح الحاكم لحديثي عائشة والمقدام ﵃ أجمعين، وكذا حسَّن الحافظ ابن حجر حديث عمر. كلُّ ذلك يُؤكِّد ما قرَّرَه ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - من تحسين هذا الحديث، وهو ما ثبتَ من خلال هذه الدراسة، والله أعلم.","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>٢ - باب ما جاء في ميراث الذي يسلم على يدي الرجل</span>\n١١٦- (٤) عن تميم الداري ﵁، أنه قال: يا رسول الله، مَا السُّنَّة في الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يدي الرجلِ من المسلمين؟ قال: \"هُوَ أَوْلَى النَّاس بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ \".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - أن الذين رَدُّوا هذا الحديث، منهم من رَدَّهُ لِضَعْفِهِ، ومنهم من ذهب إلى كونه منسوخًا، ومنهم من تَأَوَّلَهُ - على تقدير صحته - بأن معناه: هو أحقُّ به: يواليه وينصره، ويبره ويصله ويرعى ذِمَامَهُ، ويغسله ويصلي عليه ويدفنه، فهذه أولويته به، لا أنها أولويته بميراثه، قال ابن القَيِّم: \"وهذا هو التأويل\"١.\nثم ردَّ على من قال بضعفه، فقال: \"وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح، فلا ينحطُّ عن أدنى درجاتِ الحسنِ\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه: الترمذيُّ، وابن ماجه في (سننيهما) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤ - ومن طريقه: ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ٥ - كلهم من طريق: وكيع - وعند الترمذي: عن أبي أسامة، وابن نمير، ووكيع -.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٨٥) .\n٢ المصدر السابق: (٤/١٨٦) .\n٣ ت: (٤/٤٢٧) ح ٢١١٢ باب ميراث الذي يسلم على يدي الرجل. جه: (٢/٩١٩) باب الرجل يسلم على يدي الرجل. كلاهما في ك الفرائض.\n(٤/١٠٣) .\n(٣٩/١٨١) . في ترجمة \"عبد الله بن موهب\".","vol":"3","page":257},{"text":"وأخرجه: أحمد في (مسنده) ١ - ومن طريقه: ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ٢ - والدارمي في (مسنده) ٣، وابن أبي حاتم في (علله) ٤ عن أبيه، كلهم من طريق: أبي نعيم.\nوأخرجه النسائي في (الكبرى) ٥ من طريق: عبد الله بن داود٦.\nوأخرجه أبو يعلى في (مسنده) ٧ - ومن طريقه ابن عساكر٨ - والدارقطني في (سننه) ٩ من طريق: علي بن مسهر١٠.\nوأخرجه النسائي في (الكبرى) ١١ - ومن طريقه: ابن عساكر في\n_________\n(٤/١٠٣) .\n(٣٩/١٨٢) .\n(٢/٢٧٢) ح ٣٠٣٧ ك الفرائض، باب الرجل يُوالي الرجل.\n(٢/٥٢) ح ١٦٤٢.\n(٦/١٣٤) ح ٦٣٨٠.\n٦ ابن عامر الهَمْدَاني، أبو عبد الرحمن الخريبي، كوفيُّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ، من التاسعة، مات سنة ٢١٣هـ / خ ٤. (القريب ٣٠١) .\n(١٣/١٠٢) ح ٧١٦٥.\n(٣٩/١٨٤) .\n(٤/١٨١) ح ٣٣.\n١٠ القرشي، الكوفي، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائبُ بعد أن أُضِرَّ، من الثامنة، مات سنة ١٨٩هـ/ ع. (التقريب ٤٠٥) .\n١١ (٦/١٣٣) ح ٦٣٧٩.","vol":"3","page":258},{"text":"(تاريخه) ١ - من طريق يونس بن أبي إسحاق٢.\nوأخرجه عبد الرزاق في (المصنف) ٣ من طريق: عبد الله بن المبارك، وأحمد في (مسنده) ٤ - وعنه ابن عساكر٥ - من طريق: إسحاق بن يوسف. والطبراني في (الكبير) ٦ من طريق: حفص بن غياث. والدارقطني في (سننه) ٧ من طريق: إسماعيل بن عياش. وابن عساكر٨ من طريق: يونس بن بكير٩ كلهم عن: عبد العزيز بن عمر١٠، عن عبد الله بن مَوْهَب١١، عن تميم\n_________\n(٣٩/١٨٥) .\n٢ السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوقٌ يَهِمُ قليلًا، من الخامسة، مات سنة ١٥٢هـ على الصحيح/ رم ٤. (التقريب ٦١٣) .\n(٩/٣٩) ح ١٦٢٧١.\n(٤/١٠٢) .\n(٣٩/١٨٦) .\n(٢/٤٥) ح ١٢٧٢.\n(٤/١٨١) ح ٣١.\n(٣٩/١٨٢) .\n٩ ابن واصل الشيباني، أبو بكر الكوفي، صدوقٌ يخطئ، مات سنة ١٩٩هـ/ خت م د ت ق. (التقريب ٦١٣) .\n١٠ ابن عبد العزيز بن مروان الأموي، أبو محمد المدني، نزيل الكوفة، صدوقٌ يخطئ، من السابعة، مات في حدود ١٥٠هـ / ع. (التقريب ٣٥٨) .\n١١ الشامي، أبو خالد، قاضي فلسطين لعمر بن عبد العزيز، ثقةٌ لكن لم يسمع من تميم الداري، من الثالثة/ ع. (التقريب ٣٢٥) .","vol":"3","page":259},{"text":"الداري ﵁ بنحو ما تقدم، وعند الطبراني: \"قلت: يا رسول الله، الرجل يسلم على يديَّ فيموت؟ \". وعند عبد الرزاق قوله ﷺ: \"من أسلم على يدي رجل فهو مولاه\" بدون سؤال تميم.\nوقد تابع عبد العزيز بن عمر على روايته هذه: أبو إسحاق السَّبيعي، فأخرجه النسائي في (الكبرى) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ ومن طريقه: البيهقي في (سننه) ٤ - كلهم من طريق: يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبد الله بن مَوْهَب، عن تميم الداري ﵁ به.\nوخالف هؤلاء جميعًا: يحيى بن حمزة، فرواه عن: عبد العزيز بن عمر، عن عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري به. فزاد في الإسناد \"قبيصة بن ذؤيب\" بين ابن موهب، وتميم الداري.\nأخرجه كذلك: أبو داود في (سننه) ٥ - ومن طريقه البيهقي٦-\n_________\n(٦/١٣٣) ح ٦٣٧٨.\n(٢/٤٥) ح ١٢٧٤.\n(٢/٢١٩) .\n(١٠/٢٩٧) .\n(٣/٣٣٣) ح ٢٩١٨ ك الفرائض، باب في الرجل يسلم على يدي الرجل.\n(١٠/٢٩٦) .","vol":"3","page":260},{"text":"والطبراني في (الكبير) ١، والبخاري في (تاريخه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) ٤، والبيهقي٥ من وجه آخر، كلهم من طريق: يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، أنه قال: سمعتُ عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب، أن تميمًا الداري ﵁ قال: يا رسول الله، ما السنة في الرجل ...؟ الحديث بنحو ما تقدم، وزاد ابن عساكر في روايته: \"قال عبد العزيز بن عمر: وشهدتُ عمرَ بن عبد العزيز قضى بذلك في رجلٍ أسلم على يدي رجلٍ، فماتَ وتركَ مالًا، وابنةً له، فأعطى عمر ابنته النِّصْفَ، والذي أسلم على يديه النصف\".\nوقد حَكَمَ البعض بتقديم رواية الجماعة المتقدمين، التي ليس فيها ذكرٌ لقبيصة، وخطَّأوا من وزاد فيه \"قبيصة\". فقال الترمذي: \"وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب، وبين تميم الداري: قبيصة بن ذؤيب، ولا يصحُّ\". وقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري ...؟ قال أبي: حدثني أبو نعيم، عن عبد العزيز، عن ابن موهب،\n_________\n(٢/٤٥) ح ١٢٧٣.\n(٣/١/١٩٨ - ١٩٩) .\n(٢/٢١٩) .\n(٣٩/١٧٩ - ١٨٠) .\n(١٠/٢٩٦) .","vol":"3","page":261},{"text":"قال: سمعت تميمًا الداري، عن النبي ﷺ. قال أبي: أبو نعيم أحفظُ وأتقنُ. قلت لأبي: يحيى بن حمزة أفهم بأهل بلده. قال: أبو نعيم في كل شيء أحفظُ وأتقن\"١. وقال الحافظ ابن حجر: \"تَفَرَّدَ يحيى بن حمزة بهذه الزيادة، وقد رواه بدونها من أسلفنا\"٢.\nومال آخرون إلى إثبات الرواية التي فيها ذِكْرُ قبيصة، فقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه حديث ابن موهب، عن تميم، فقال: \"قال يحيى بن حمزة: عن عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن قبيصة، عن تميم\"٣. وفي لفظ: \"إنما هو عن ابن موهب، عن قبيصة، عن تميم\"٤\nوسُئل ابن معين عن هذا الحديث؟ فقال: \"أهل الشام يقولون: عن قبيصة\"٥. وفي (تاريخ أبي زرعة الدمشقي) ٦: أنَّ ابنَ معين كتبَ إلى أبي نعيم: أن بينهما رجلًا. فأنكر ذلك أبو نعيم من كتابه. وكان أبو نعيم ينكر وجود قبيصة في الإسناد، ويقول: \"أنا سمعت عبد العزيز بن عمر، يذكر عن عبد الله بن موهب، قال: سمعتُ تميمًا الداري\". فلما احتجوا عليه برواية يحيى بن حمزة، قال: \"ومن يحيى بن حمزة حتَّى يُحْتَجَّ عليَّ به؟! \". فقيل له: يا أبا نعيم، لو قيل لك في نُبْلِ رِجَالِك: من\n_________\n١ علل ابن أبي حاتم: (٢/٥٢) ح ١٦٤٢.\n٢ تغليق التعليق: (٥/٢٢٦) .\n٣ علل أحمد: (٢/٨) رقم ٢٢.\n٤ جامع التحصيل: (ص ٢٦٤) .\n٥ الجرح والتعديل: (٢/٢/١٧٤) .\n(١/٥٧٠) .","vol":"3","page":262},{"text":"الأعمش؟ من فلان؟ ألم يكن القائلُ يستطيع أن يقول: لكلِّ قومٍ عِلْمٌ، ولكل قومٍ رجالٌ، وهم أعلم بما رووا؟ فسكت أبو نعيم١.\nوقال ابن القطان: \"ورواه يحيى بن حمزة عنه، فأدخل بينهما: قبيصة بن ذؤيب، وهو الأصوب\"٢. وكأنَّ أبا زرعة الدمشقي - ﵀ - يُرَجِّح ذلك أيضًا، فإنه قال: \"فوجهُ مدخل قبيصة بن ذؤيب في حديثه هذا - فيما نرى، والله أعلم - أن عبد العزيز بن عمر حَدَّثَ يحيى بن حمزة بهذا الحديث من كتابه، وحدثهم بالعراق حفظًا\"٣. يعني أن الرواية التي حَدَّث بها من كتابه أصحُّ، وهي التي فيها ذكر قبيصة.\nوإذا ما راعينا قول الإمام أحمد في عبد العزيز بن عمر: \"ليس هو من أهل الحفظ والإتقان\"٤. وقول ابن حبان: \"يخطئ\"٥. علمنا أن الوهم فيه من عبد العزيز هذا جائز، وأنه ربما أخطأ لمَّا حَدَّثَ من حفظه، فأسقط قبيصة من الإسناد، حتَّى إنَّ أبا نعيم - ﵀ - لما عُورض برواية يحيى بن حمزة هذه سكت.\nفإذا قُبلَ هذا الترجيح للرواية المتصلة، فإنه لم يبق سببٌ لإعلال\n_________\n١ تاريخ أبي زرعة الدمشقي: (١/٥٧٠ - ٥٧١)، وتاريخ دمشق: (٣٩/ ١٨٧ - ١٨٨) .\n٢ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٤٦) ح ١٣٢٤.\n٣ تاريخ أبي زرعة الدمشقي: (١/٥٧١) .\n٤ تهذيب التهذيب: (٦/٣٥٠) .\n٥ الثقات: (٧/١١٤) .","vol":"3","page":263},{"text":"الحديث بالانقطاع بين ابن موهب، وتميم الداري، كما أعله بذلك: يعقوب بن سفيان١، والشافعي٢ رحمهما الله؛ لأنَّ هذه الرواية - والحالة هذه - تصبحُ مرجوحةً.\nلكن يبقى بعد ذلك الكلام على بعض العلل التي رُمِي بها الحديث، فمن ذلك:\nإعلاله بالاضطراب: قاله ابن المنذر، وابن القطان٣. وهذا مبنيٌّ على ما تقدم من كونه رُوي مرةً مرسلًا، ومرةً متصلًا، ومع إمكان الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، لا يبقى وجهٌ للحكم باضطرابه، وقد أمكن ذلك كما تقدم.\nومن ذلك: جهالة عبد الله بن موهب. قال ابنُ معين وقد سئل عنه: \"لا أعرفه\"٤. وقال الشافعي: \"وابن موهب ليس بمعروف عندنا\"٥. وقال ابن القطان: \"وعلة هذا الحديث: الجهل بحال عبد الله بن موهب؛ فإنه لا تُعرف حاله وإن كان قاضي فلسطين، ولم يعرفه ابن معين\"٦.\n_________\n١ سنن البيهقي: (١٠/٢٩٦) .\n٢ المصدر السابق: (١٠/٢٩٧) .\n٣ انظر: نصب الراية: (٤/١٥٧) .\n٤ الجرح والتعديل: (٢/٢/١٧٤) .\n٥ سنن البيهقي: (١٠/٢٩٧) .\n٦ بيان الوهم والإيهام: (٣/٥٤٦) .","vol":"3","page":264},{"text":"قلت: وقد وَثقَهُ جماعةٌ؛ فقال العجلي: \"شاميٌّ ثقةٌ\"١. وقال يعقوب بن سفيان: \"ثقة\"٢. وقال الذهبي: \"صدوق\"٣. وقال ابن حجر - كما مر -: \"ثقة\". ولا شكَّ أن توثيق هؤلاء الأئمة له يدفع القول بجهالته.\nومما أُعِلَّ به أيضًا: ضعف عبد العزيز بن عمر: فنقل الخطابيُّ عن الإمام أحمد قوله: \"عبد العزيز - راويه - ليس من أهل الحفظ والإتقان\"٤. وقال ابن المنذر: \"لم يروه غير عبد العزيز بن عمر، وهو شيخٌ ليس من أهل الحفظ والإتقان\"٥.\nوأقول: عبد العزيز بن عمر وَثقَهُ - أيضًا - جماعةٌ؛ فقال ابن معين: \"ثقة\"٦. وقال مرة: \"ليس به بأس، ثقة\"٧. وقال النسائي: \"ليس به بأس\"٨. وقال أبو داود: \"ثقة\"٩. وقال يعقوب بن سفيان: \"ثقة\"١٠.\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٦/٤٧) .\n٢ المعرفة والتاريخ: (٢/٤٣٩) .\n٣ الكاشف: (٢/١٢١) .\n٤ معالم السنن: (٤/١٨٦) .\n٥ نصب الراية: (٤/١٥٧) .\n٦ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٣٦٧) .\n٧ سؤالات ابن الجنيد ليحيى: (ص ٣٠٨) رقم ١٤٤.\n٨ تهذيب التهذيب: (٦/٣٥٠) .\n٩ تهذيب التهذيب: (٦/٣٥٠) .\n١٠ المعرفة والتاريخ: (٢/٤٣٩) .","vol":"3","page":265},{"text":"وقال أبو زرعة: \"لا بأس به\"١. وقال أبو حاتم: \"يُكْتَبُ حديثه\"٢. وقال ابن عمار: \"ثقة، ليس بين الناس اختلاف\"٣. وقال ابن شاهين: \"ثقة ثقة، قاله أحمد ويحيى\"٤. وقال الذهبي: \"ثقة\"٥. فإذا ظهر ذلك، فإنه لا متعلق لأحدٍ على عبد العزيز في تضعيف هذا الحديث.\nويتلخص من ذلك أن ما أُعِلَّ به الحديث لا يضره، بل صححه الحافظ أبو زرعة الدمشقي ﵀، فقال: \"وهذا حديثٌ مُتَّصِلٌ حسنُ المخرج والاتصال، لم أر أحدًا من أهل العلم يدفعه\"٦. وقال مرة: \"ولم أر أبا مسهر لما تَحَدَّثَ بهذا الحديث أنكره، ولا رَدَّهُ\"٧. ولذلك - والله أعلم - قال البخاريُّ - ﵀ - وقد علقه في (صحيحه) ٨ بصيغة تمريض، فقال: ويذكر عن تميم الداري رفعه ... - قال: \"واختلفوا في صحة هذا الخبر\". فلم يقطع - ﵀ - بضعفه.\nثم إن البخاريَّ - ﵀ - قد ردَّ هذا الخبر لا لِعِلَّةٍ فيه، وإنما\n_________\n١ الجرح والتعديل: (٢/٢/٣٨٩) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/٢/٣٨٩) .\n٣ تهذيب التهذيب: (٦/٣٥٠) .\n٤ تاريخ الثقات: (ص ١٦٢) رقم ٩٣٢.\n٥ الكاشف: (٢/١٧٧) .\n٦ تاريخ أبي زرعة الدمشقي: (١/٥٧١) .\n٧ المصدر السابق.\n٨ ك الفرائض، باب إذا أسلم على يديه ... فتح الباري: (١٢/٤٥) .","vol":"3","page":266},{"text":"لمعارضته خبرًا آخر، فإنه قال في (تاريخه) ١ - بعد أن أخرجه -: \"ولا يصح، لقول النبي ﷺ: \"الولاء لمن أعتق\".\nوَرَدَّهُ الأوزاعي - أيضًا - من وجه آخر، فروى أبو زرعة الدمشقي بسنده إلى الوليد بن مسلم: أن الأوزاعي كان يدفع هذا الحديث، ولا يرى له وجهًا، ويحتجُّ على ذلك: بأنه لم يكن للمسلمين يومئذٍ ذمةٌ ولا خراجٌ٢.\nولكن تأويلّ هذا الحديث على الوجه الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀ - من أن المقصود بالأولوية: أولوية النصرة، والتأييد، والمعاونة، لا أولوية الميراث - يدفع هذا الإشكال، وقال ابن حجر بأن هذا اختيار الجمهور، قال: \"ورجحانه ظاهر\"٣.\nفتلخص من ذلك: أن هذا الحديث قد أُعِلَّ بما لا يؤثر فيه، وأنه بهذا الإسناد يصلُ إلى درجة الحَسَنِ - أو أدنى الحسن - كما قال ابن القَيِّم ﵀.\nثم ذكر ابن القَيِّم بعد ذلك شاهدًا لهذا الحديث، فقال: \"وأما تضعيفُ الحديث: فقد رُوِيَت له شواهد. منها: حديث أبي أمامة\".\nقلت: يشير - ﵀ - إلى: ما رُوي:\n_________\n١ الكبير: (٣/١/١٩٨ - ١٩٩) .\n٢ تاريخ أبي زرعة: (١/٥٧١) .\n٣ فتح الباري: (١٢/٤٧) .","vol":"3","page":267},{"text":"١١٧- (٥) عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من أَسْلَمَ على يدي رجلٍ، فله ولاؤه \".\nثم ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - أن هذا الحديث وإن رُدَّ بـ\"جعفر ابن الزبير\" فإنه قد رُوي من طريق آخر عند سعيد بن منصور١.\nقلت: حديثُ سعيد بن منصور هذا مُخَرَّجٌ في (سننه) ٢، وأخرجه أيضًا: الطبراني في (الكبير) ٣، والدارقطني في (سننه) ٤، وابن عدي في (الكامل) ٥ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٦ - كلهم من طريق: عيسى بن يونس٧، عن معاوية بن يحيى٨، عن القاسم بن عبد الرحمن٩، عن أبي أمامة ﵁ به. وعند الطبراني: \"فهو مولاه\" بدل: \"فله ولاؤه\".\n_________\n١ تهذيب السنن: (٤/١٨٦) .\n(٣/١/٧٨) ح ٢٠٠.\n(٨/٢٢٣) ح ٧٧٨١.\n(٤/١٨١) ح ٣٢.\n(٦/٤٠١) .\n(١٠/٢٩٨) .\n٧ ابن أبي إسحاق السٍّبيعي، أخو إسرائيل، كوفيٌّ نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ، من الثامنة، مات سنة ١٨٧هـ وقيل: ١٩١هـ / ع. (التقريب ٤٤١) .\n٨ الصَّدَفي، أبو روح الدمشقي، سكن الرَّي، ضعيفٌ، وما حَدَّثَ بالشام أحسن مما حدث بالرَّيِّ، من السابعة/ ت ق. (التقريب ٥٣٨) .\n٩ الدمشقي، أبو عبد الرحمن.","vol":"3","page":268},{"text":"وهذا الإسناد ضعيفٌ لأجل معاوية بن يحيى، فقد أجمعوا على ضعفه١، ولذلك فقد أعلَّ هذا الحديث به: ابنُ عدي، والدارقطني، والبيهقي، والهيثمي٢. وقال ابن أبي حاتم في (العلل) ٣: \"وسمعت أبا زرعة وقرأ علينا كتاب الفرائض، فانتهى إلى حديث كان عنده عن: عمرو الناقد، عن عيسى بن يونس، عن معاوية بن يحيى ... فامتنع أبو زرعة من فراءته علينا، ولم نسمعه منه\".\nقلت: ومعاوية بن يحيى وإن كان ضعيفًا، فقد ذهب بعضهم إلى أنَّ ما حَدَّثَ به بالشام أحسنُ حالًا من غيره٤، وإسناد هذا الحديث شاميٌّ، فالغالب أنه مما حَدَّثَ به بالشام، فلعل ذلك يُعطي هذا الحديث قوةً، وأنه - مع ضعف إسناده - إذا ضُمَّ إلى حديث تميم الداري المتقدم، تَقَوَّى كلُّ منهما بالآخر.\nوأما رواية جعفر بن الزبير٥ التي أشار إليها ابن القَيِّم آنفًا: فأخرجها ابن عديٍّ في (الكامل) ٦ - ومن طريقه البيهقي في (سننه) ٧ -\n_________\n١ انظر ترجمته في الميزان: (٤/١٣٨)، وتهذيب التهذيب: (١٠/٢١٩) .\n٢ مجمع الزوائد: (٥/٣٣٤) .\n(٢/٥٣) ح ١٦٤٦.\n٤ قاله أبو زرعة، انظر: الجرح والتعديل: (٤/١/٣٨٤) .\n٥ الحنفي، أو الباهلي، الدمشقي، نزيل البصرة، متروك الحديث، وكان صالحًا في نفسه، من السابعة، مات بعد ١٤٠هـ / ق. (التقريب ١٤٠) .\n(٢/١٣٥) .\n(١٠/٢٩٨) .","vol":"3","page":269},{"text":"من طريق: عيسى بن يونس، عن جعفر بن الزبير، وبالإسناد المتقدم في حديث معاوية.\nولكنَّ جعفر بن الزبير متروك الحديث عندهم١، فيكون الاعتماد في حديث أبي أمامة هذا على ما جاء من رواية معاوية بن يحيى الصدفي - على ما فيها من ضَعْفٍ - فإنها تصلح شاهدًا لحديث تميم الماضي، كما ذهب إلى ذلك ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.\n_________\n١ انظر تهذيب التهذيب: (٢/٩٠ - ٩٢) .","vol":"3","page":270},{"text":"١٨-<span data-type=\"title\" id=toc-179> من كتاب الأذكار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>١ - باب ما يقول من نسي التسمية في أول طعامه</span>\n١١٨- (١) عن عائشة ﵂، أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرَ اسْمَ الله تعالى، فَإِنْ نَسِيَ أن يَذْكُرَ اسم الله تعالى في أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْم اللهِ في أَوَّلِهِ وآخره\".\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"حديث صحيح\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: إسماعيل بن عُلَيَّة. والترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في (المسند) ٤ من طريق: وكيع. والدارمي في (مسنده) ٥ من طريق: معاذ بن هشام. والحاكم في (المستدرك) ٦ من طريق: عَفَّان بن مسلم. والبيهقي في (سننه) ٧ من طريق: روح، وكذا أحمد في رواية٨. والنسائي في (عمل اليوم والليلة) ٩ من طريق: المعتمر بن سليمان. والطيالسي في (مسنده) ١٠،\n_________\n١ زاد المعاد: (٢/٣٩٧) .\n(٤/١٣٩) ح ٣٧٦٧، ك الأطعمة، باب التسمية على الطعام.\n(٤/٢٨٨) ح ١٨٥٨. ك الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام.\n(٦/٢٠٨) .\n(٢/٢١) ح ٢٠٢٧.\n(٤/١٠٨) .\n(٧/٢٧٦) .\n(٦/٢٤٦) .\n(ص ٢٦١) ح ٢٨١، باب ما يقول إذا نسي التسمية ثم ذكر.\n١٠ ح ١٥٦٦.","vol":"3","page":273},{"text":"كلهم عن: هشام الدستوائي، عن بُدَيْل بن ميسرة، عن عبد الله بن عبيد ابن عُمَير١، عن أم كلثوم - وفي رواية أبي داود، وكذا الطيالسي: عن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم - عن عائشة ﵂ به.\nوأخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد والدارمي في (مسنديهما) ٣، وابن حبان في (صحيحه) ٤، أربعتهم عن: يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي بالإسناد المتقدم، إلا أنه ليس فيه ذكر لأم كلثوم، وفي هذه الرواية قصة.\nوهذا الإسناد منقطع؛ فإن عبد الله بن عبيد بن عمير لم يسمع من عائشة، كما قال ابن حزم٥ ﵀. ولا شكَّ أنَّ رواية الجماعة الذين ذكروا \"أم كلثوم\" أولى من رواية يزيد بن هارون الذي انفرد بإسقاطها، فتقدم عليها.\nوهذا الحديث قال فيه الترمذي: \"حسن صحيح\". وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي. مع تصحيح ابن حبان إياه.\n_________\n١ الليثي، الْمَكِّي، ثقة، من الثالثة، استشهد غازيًا سنة ١١٣ هـ/ م ٤. (التقريب ٣١٢) .\n(٢/١٠٨٦) ح ٣٢٦٤.\n٣ حم: (٦/ ١٤٣)، مي: (٢/٢١) ح ٢٠٢٦.\n٤ الإحسان: (٧/٣٢٣) ح ٥١٩١.\n٥ انظر: تهذيب التهذيب: (٥/٣٠٨) .","vol":"3","page":274},{"text":"قلت: لكن في الإسناد أم كلثوم، راوية الحديث عن عائشة ﵂، وقد وقع خلاف فيها، فقال الترمذي - ﵀ - عقب إخراجه حديثها: \"هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق ﵁\". قال ابن حجر عقبه: \"كذا في عدة أصول، ولا يعكر عليه إلا ما وقع في رواية أبي داود، عن عبد الله بن عبيد، عن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم\"١. وقال في (التقريب) ٢ - معقبًا على قول الترمذي -: \"فعلى هذا فهي تيمية لا ليثية\". وتردد فيها المزي فترجمها: \"الليثية أو المكية\"٣ لكن قال ابن حجر: \"فقول ابن عمير: عن امرأة منهم. قابل للتأويل، فينظر فيه، فلعل قوله: منهم أي كانت منهم بسبب: إما بالمصاهرة، أو بغيرها من الأسباب\"، قال: \"والعمدة على قول الترمذي\"٤. وقال في (النكت الظراف) ٥: \"ويمكن تأويل قوله: منهم. أي من أهل جوارهم\".\nوعلى كُلِّ حالٍ، فسواء أكانت ليثية أم تيمية، فإنها لا يُعْرَفُ لها حال ولا عينٌ، فلم يرو عنها غير: عبد الله بن عمير الليثي\" هذا، ولم يوثقها أحد فيما فتشت عنها، ولذلك ذكرها الحافظ الذهبي في آخر كتابه (الميزان) ٦ ضمن النساء المجهولات، فقال: \"تفرد عنها عبد الله بن عبيد بن عمير في التسمية على الأكل\".\n_________\n١ النكت الظراف: (١٢/ ٤٤٣) .\n(ص ٧٥٨) .\n٣ تهذيب الكمال: (٣٥/٣٨٢) .\n٤ تهذيب التهذيب: (١٢/٤٧٨) .\n(١٢/٤٤٣) .\n(٤/٦١٣) .","vol":"3","page":275},{"text":"وعلى هذا: فإنَّ الحُكْمَ على هذا السند متوقفٌ على العلم بحال أم كلثوم هذه، إلا أن يُحْمَل تصحيح من صححه على قول الذهبي ﵀: \"وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها\"١، ومع ذلك فالحديث له شواهد يمكن أن يَتَقَوَّى بها، فمن هذه الشواهد:\nحديث أُمَيَّة بن مَخْشِيِّ، ذكره ابن حجر في (فتح الباري) ٢ عقب حديث عائشة السالف، فقال: \"وله شاهد من حديث أمية بن مخشي ... \".\nقلت: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والطبراني في (معجمه الكبير) ٤ من طريق: عيسى بن يونس. وأخرجه: أحمد في (مسنده) ٥، والطبراني - أيضا - في (معجمه) ٦، والنسائي وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٧، والحاكم في (المستدرك) ٨، خمستهم من طريق: يحيى بن سعيد، كلاهما عن:\n_________\n١ الميزان: (٤/٦٠٤) .\n(٩/٥٢١) .\n(٤/١٤٠) ح ٣٧٦٨.\n(١/٢٦٨) ح ٨٥٥.\n(٤/٣٣٦) .\n(١/٢٦٨) ح ٨٥٤.\n٧ سي: (ص ٢٦٢) ح٢٨٢. ابن السني: (ص ٢١٨) ح٤٦١.\n(٤/١٠٨) .","vol":"3","page":276},{"text":"جابر بن صُبْح١، عن المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي٢، عن عمه أمية بن مخشي٣ - وكان من أصحاب النبي ﷺ - قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يأكل، فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: \"بسم الله أوله وآخره\". فضحك النبي ﷺ، ثم قال: \"ما زالَ الشيطان يأكلُ معه، فلما ذَكَرَ اسم الله - ﷿ - استقاء ما في بطنه\". لفظ رواية عيسى بن يونس.\nوقد وقع في رواية عيسى بن يونس: أن أُمَيَّة بن مخشي عمُّ الْمُثَنَّى، وفي رواية يحيى بن سعيد: أنه جده. وكأن ابن حجر - ﵀ - يُضَعِّفُ القول الثاني؛ فإنه قال: \"روي عن أمية بن مخشي وهو عمه، ويقال: جده\"٤.\nوالْمُثَنَّى بن عبد الرحمن تَفَرَّدَ عنه جابر بن صبح٥، لم يرو عنه غيره، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان٦، وقال علي بن المديني: \"مجهول\"٧. وقال الذهبي: \"لا يعرف\"٨. وسكت عنه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٩.\n_________\n١ الرَّاسبي، أبو بشر البصري، صدوق، من السابعة/ د ت س. (التقريب ١٣٦) .\n٢ مستور، من الثالثة / د س. (التقريب ٥١٩) .\n٣ صحابيٌّ، يكنى أبا عبد الله / د س. (التقريب ١١٥) .\n٤ تهذيب التهذيب: (١٠/ ٣٧) .\n٥ انظر: الميزان: (٣/ ٤٣٥) .\n٦ الثقات: (٧/ ٥٠٣) .\n٧ تهذيب التهذيب: (١٠/ ٣٧) .\n٨ الميزان: (٣/ ٤٣٥) .\n(٤/ ١/ ٣٢٦) .","vol":"3","page":277},{"text":"ومن هذا يعلم أن قول الحاكم ﵀: \"صحيح الإسناد\"، وموافقة الذهبي إياه غير مقبول منهما؛ إذ الجهل بحال الْمُثَنَّى يمنع من الحكم بصحة إسناده.\nوثَمَّةَ شاهد آخر من حديث ابن مسعود ﵁:\nأخرجه: ابن حبان في (صحيحه) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٣، ثلاثتهم من طريق: خليفة بن خياط، عن عمر بن علي المقدمي٤، عن موسى٥ الجهني، عن القاسم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود٦، عن أبيه٧، عن جده ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"من نَسِيَ أن يذكر الله في أول طعامه، فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره؛ فإنه يستقبل طعامًا جديدًا، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه \".\n_________\n١ الإحسان: (٧/ ٣٢٢) ح ٥١٩٠.\n(١٠/٢١٠) ح ١٠٣٥٤.\n(ص ٢١٧) ح ٤٥٩.\n٤ بصري، أصله واسطي، ثقة وكان يدلس تدليسًا شديدًا، من الثامنة، مات سنة ١٩٠ هـ/ ع. (التقريب ٤١٦) .\n٥ ابن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن، أبو سلمة الكوفي، ثقة عابد، لم يصح أنَّ القطان طَعَنَ فيه، من السادسة، مات سنة ١٤٤ هـ/ م ت س ق. (التقريب٥٥٢) .\n٦ المسعودي، أبو عبد الرحمن، الكوفي، ثقةٌ عابدٌ، من الرابعة، مات سنة ١٢٠ هـ أو قبلها/ خ ٤. (التقريب ٤٥٠) .\n٧ عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، الكوفي، ثقة، من صغار الثانية، مات سنة٧٩ هـ، وقد سمع من أبيه، لكن شيئًا يسيرًا / ع. (التقريب ٣٤٤) .","vol":"3","page":278},{"text":"وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير أنه يُخْشَى من عَدَمِ سماع عبد الرحمن بن عبد الله هذا الحديث من أبيه، فإنه قد تُكُلِّمَ في سماعه منه، واختلف الأئمة في ذلك، فمنهم من أثبت له السماع، ومنهم من نفاه، وقال علي بن المديني: \"سمع من أبيه حديثين: حديث الضبِّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة\"١.\nوفي الإسناد أيضًا: عمر بن علي الْمُقَدَّمي، وهو شديد التدليس، كما وصفه بذلك ابن حجر٢ ﵀، ولكنه صَرَّحَ هنا بالسماع، فانتفى بذلك احتمال تدليسه.\nوذكر له الشيخ الألباني شاهدًا ثالثًا٣: من رواية امرأة عن النبي ﷺ. وعزاه لأبي يعلى٤، وقال: \"بسند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، غير إبراهيم بن الحجاج، وهو ثقة\". ثم نقل عن الهيثمي قوله: \"رجاله ثقات\"٥. وصحح إسناده أيضًا: محقق المسند.\nفَتَحَصَّلَ من ذلك: أن حديثَ الباب وإن كان فيه ضعف، فإنه يَتَقَوَّى بهذه الشواهد، ويصير بذلك حسنًا على أقل أحواله. أما تصحيح\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٦/٢١٥ - ٢١٦) . وانظر: جامع التحصيل: (ص ٢٧٢) .\n٢ طبقات المدلسين: (ص ١٣٠) في الطبقة الرابعة، وانظر: تهذيب التهذيب: (٧/٤٨٦) .\n٣ إرواء الغليل: (٧/٢٧) .\n٤ المسند: (١٣/٧٨) ح٧١٥٣.\n٥ مجمع الزوائد: (٥/٢٢) .","vol":"3","page":279},{"text":"ابن القَيِّم - ﵀ - إياه فلا يوافق عليه، لما تقدم من الكلام في طرقه، فلعله - ﵀ - وقف عليه من طرق صحيحة غير هذه، أو قصد: أنه صحيح بشواهده، والله أعلم.\nوقد رمز له السيوطي بالصحة١، وصححه الشيخ الألباني٢، مع ما تقدم من تصحيح الترمذي والحاكم والذهبي لرواية عائشة ﵂.\n_________\n١ الجامع الصغير مع فيض القدير: (١/٢٩٦) ح٤٧٦.\n٢ إرواء الغليل: (٧/٢٤) ح ١٩٦٥، وصحيح الجامع رقم: (٣٨٠) .","vol":"3","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>٢ - باب ما يقول إذا دخل السوق</span>\n١١٩- (٢) عن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ دَخَل السُّوق فقال: لا إِلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، له الْمُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخير، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَدير: كُتِبَ له ألفُ ألفِ حسنة، ومُحِيَ عنه ألفُ ألفِ سيئة، وَرُفِعَ لَهُ ألفُ ألفِ درجة\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (تهذيب السنن) ١ ثم قال: \"حديثٌ معلولٌ، لا يثبتُ مثله، وذكر له الترمذيُّ طرقًا\". ثم ذكر هذه الطرق، وبيّن عِلَّةَ كل طريق منها:\nأما الطريق الأولى: فإنها أمثل طرقه، لكن فيها أزهر بن سنان، وهو لا بأس به، وقد تكلم فيه بعضهم.\nوأما الطريق الثانية: ففيها عمرو بن دينار٢، وقد ضُعِّفَ.\nوأما الطريق الثالثة: ففيها عمران بن مسلم، وهو منكر الحديث.\nقلت: هذا الحديث مداره على: سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله، عن جَدِّه عمر ﵁. وله عن سالم طرق:\n_________\n(٧/٣٣٦ - ٣٣٧) . وانظر: المنار المنيف: (ص٤١ - ٤٣) .\n٢ البصري، الأعور، قهرمان آل الزبير، أبو يحيى، ضعيفٌ، من السادسة / ت ق. (التقريب ٤٢١) .","vol":"3","page":281},{"text":"الطريق الأول: رواه عمرو بن دينار، عن سالم به.\nأخرجه: ابن ماجه في (سننه) ١، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ٣، والطبراني في (الدعاء) ٤، كلهم من طريق: حماد بن زيد.\nوأخرجه الترمذي في (جامعه) ٥ من طريق: المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد.\nوأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق: ثابت بن يزيد٧.\nوأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٨ - أيضًا - من طريق: عبد الله بن بكر السهمي٩، عن هشام بن حسان. جميعهم عن: عمرو بن دينار، عن سالم به.\n_________\n(٢/٧٥٢) ح ٢٢٣٥. ك التجارات، باب الأسواق ودخولها.\n٢ حم: (١/٤٧) . طس: (ح ١٢) .\n(ص٩٥) ح١٨٢. باب ما يقول إذا دخل السوق.\n(٢/١١٦٥) ح٧٨٩، باب القول عند دخول الأسواق.\n(٥/٤٩١) ح٣٤٢٩. ك الدعوات، باب ما يقول إذا دخل السوق.\n(٢/١١٦٦) ح٧٩١.\n٧ الأحول، أبو زيد البصري، ثقة ثَبْتٌ، من السابعة، مات سنة ١٦٩ هـ/ع. (التقريب ١٣٣) .\n(٢/١١٦٦) ح٧٩٠.\n٩ أبو وهب البصري، ثقةٌ، مات سنة ٢٠٨ هـ / ع. (التقريب ٢٩٧) .","vol":"3","page":282},{"text":"وخالف فضيل بن عياض١ عبد الله السهمي، فرواه عن: هشام بن حسان، عن سالم، عن ابن عمر٢. فأسقط منه \"عمرو بن دينار\" و\"عمر ابن الخطاب\".\nوخالفهما: سويد بن عبد العزيز، فرواه عن: هشام، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه٣، ولم يذكر فيه \"سالمًا\".\nوقد أُعِلَّ هذا الطريق بعلل:\nأولها: أنه مضطرب، قال الإمام الدارقطني - بعد أن ذكرَ أوجه الاختلاف فيه -: \"ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار\"٤.\nثانيها: ضعف عمرو بن دينار٥، وقد أَعَلَّهُ بذلك الدارقطني أيضًا٦.\nثالثها: نكارته، قال أبو حاتم: \"هذا حديث منكر جدًا، لا يحتمل سالم هذا الحديث\"٧.\n_________\n١ ابن مسعود التميمي، أبو علي، الزاهد المشهور، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ، من الثامنة، مات سنة ١٨٧ هـ، وقيل: قبلها/ خ م د ت س. (التقريب ٤٤٨) .\n٢ انظر: علل الدارقطني: (٢/٤٩) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ علل الدارقطني: (٢/٤٩) .\n٥ انظر أقوال العلماء فيه في: تهذيب التهذيب: (٨/٣٠ - ٣١) .\n٦ علل الدارقطني: (٢/٤٩) .\n٧ علل ابن أبي حاتم: (٢/١٧١) .","vol":"3","page":283},{"text":"الطريق الثاني عن سالم: رواه عنه محمد بن واسع١.\nأخرجه الترمذي في (جامعه) ٢، والدارمي في (مسنده) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والعقيلي في (الضعفاء) ٥ كلهم من طريق: يزيد بن هارون.\nوأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق: سعيد بن سليمان الواسطي. كلاهما عن:\nأزهر بن سنان٧، عن محمد بن واسع قال: قدمتُ مكة فلقيني أخي سالم بن عبد الله بن عمر، فَحَدَّثَنِي عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وزاد الدارمي والعقيلي قول محمد بن واسع: \"فقدمت خراسان فلقيتُ قتيبة بن مسلم، فقلت: إني أتيتك بهدية، فحدثته، فكان يركب في موكبه، فيأتي السوق، فيقوم فيقولها، ثم يرجع\".\nووقع في المستدرك: \"قدمت المدينة\" بدل \"مكة\". ولعله خطأ.\n_________\n١ ابن جابر بن الأخنس الأزدي، أبو بكر أو أبو عبد الله، البصري، ثقةٌ عابدٌ كثيرُ المناقب، من الخامسة، مات سنة ١٢٣ هـ/ م د ت س. (التقريب ٥١١) .\n(٥/٤٩١) ح ٢٤٢٨.\n(٢/٢٠٣) ح٢٦٩٥، ك الاستئذان، باب ما يقول إذا دخل السوق.\n(١/٥٣٨) .\n(١/١٣٣) .\n(٢/١١٦٧) ح٧٩٢.\n٧ البصري، أبو خالد القرشي، ضعيف، من السابعة/ ت. (التقريب ٩٧) .","vol":"3","page":284},{"text":"وأزهر بن سنان ضعيف، قال ابن معين: \"لا شيء\"١. ولَيَّنَه الإمام أحمد٢. وقال الساجي: \"فيه ضعف\"٣. وقال العقيلي: \"في حديثه وهم\"٤. وقال ابن حبان: \" ... منكر الرواية في قلته، لم يتابع الثقات فيما رواه\"٥. وقال الذهبي: \"فيه لين\"٦.\nقلت: ومع ضعف أزهر هذا، فقد خالفه فيه يزيد الدورقي صاحب الجواليق٧، فقد أخرج العقيلي في (ضعفائه) ٨ من حديث إبراهيم بن حبيب بن الشهيد٩، قال: حدثنا يزيد الدورقي أبو الفضل - صاحب الجواليق - قال: كان محمد بن واسع الأزدي لا يزال يجيء إلى دكان، فيقعد ساعة في أصحاب الجواليق، فنرى أنه يذكر ربه، فحدثنا، قال: كنت بخراسان مع قتيبة، فاستأذنته في الحج، فأذن لي، فلقيت سالم ابن عبد الله، فسمعته يذكر: أنه من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله ... قال: فلما رجعت إلى خراسان قال لي قتيبة: ما أفدتنا؟ فحدثته بهذا\n_________\n١ الجرح والتعديل: (١/١/ ٣١٤) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١/٢٠٤) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ تهذيب الكمال: (٢/٣٢٧) . ولم أجده في العقيلي.\n٥ المجروحين: (١/١٧٨) .\n٦ المغني: (١/٦٥) .\n٧ الجُوَالِقَ: وعاءٌ. والجمع: الجَوَالِقَ، بالفتح، والجَوَالِيق. (مختار الصحاح ١٠٦) .\n(١/١٣٤) .\n٩ الأزدي، أبو إسحاق البصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ٢٠٣ هـ/ س. (التقريب ٨٨) .","vol":"3","page":285},{"text":"الحديث. فكان قتيبة يركب في الأيام، فيقف في السوق فيقولها أربعين مرة، ثم ينصرف.\nفهو هنا موقوفٌ على سالم من قوله، ولم أقف - بعد البحث - على ترجمة يزيد صاحب الجواليق، لكن قدم العقيلي هذه الرواية على رواية أزهر السالفة، فقال: \"وهذا أولى من حديث أزهر\"١.\nوقد حكم الأئمة على رواية أزهر بالنكارة والضعف، فقد نقل أبو غالب الأزدي عن علي بن المديني أنه ضعّف أزهر بن سنان جدًا في حديث رواه عن محمد بن واسع، وأشار ابن حجر - ﵀ - إلى أن المقصود هو هذا الحديث٢.\nوحكم أبو حاتم على الحديث بالنكارة، وحمل ذلك على محمد بن واسع، فقال: \"روى عن سالم، عن ابن عمر حديثًا منكرًا\"٣. لكن تعقبه الذهبي ﵀، فقال: \"النكارة إنما هي من قِبَلِ الراوي عنه\"٤. يعني: أزهر بن سنان.\nفقد تَبَيَّنَ من ذلك أن حديث أزهر هذا ضعيف السَّنَد، وأنَّ الصَّوابَ وقفه على سالم بن عبد الله بن عمر، مع الحكم بنكارته: ربما من أجل متنه كما سيأتي، وربما من أجل المخالفة في إسناده، فإن المشهور أنه: عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله.\n_________\n١ الضعفاء: (١/١٣٤) .\n٢ تهذيب التهذيب: (١/٢٠٤) .\n٣ الجرح والتعديل: (٤/١/ ١١٣) .\n٤ الميزان: (٤/٥٨) .","vol":"3","page":286},{"text":"ومن أجل ذلك فقد حكم الترمذي على حديث أزهر هذا بالغرابة، فقال: \"هذا حديث غريب\".\nولهذا الحديث طريق ثالث:\nأخرجه الترمذي في (علله) ١ - وعلقه في (جامعه) ٢ - والعقيلي في (الضعفاء) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ من طريق:\nيحيى بن سليم الطائفي، عن عمران بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوعمران بن مسلم اختلف فيه الأئمة في هذا الحديث: هل هو عمران القصير أم غيره؟ فَفَرَّقَ البخاريُّ بينهما، وجعل الراوي هنا غير القصير، فقد سأله الترمذي: من عمران بن مسلم هذا، هو عمران القصير؟ فقال البخاري: \"لا، هذا شيخ منكر الحديث\"٥. وفرق بينهما العقيلي في (الضعفاء) ٦، وكذا ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٧.\nوخالفهم في ذلك الدارقطني ﵀، فقال: \"وقد قيل إن\n_________\n(٢/٩١٢) باب ما يقول إذا دخل السوق.\n(٥/٤٩٢) .\n(٣/٣٠٤) .\n(١/٥٣٩) .\n٥ علل الترمذي: (٢/٩١٢) .\n(٣/٣٠٤ - ٣٠٥) .\n(٣/١/٣٠٤ - ٣٠٥) .","vol":"3","page":287},{"text":"عمران بن مسلم هذا ليس بعمران القصير، ذكره أبو عيسى ... عن البخاري، وهو عندي عمران القصير ... ليس فيه شك\"١.\nوحاصل الخلاف في ذلك: أَنَّ عمران القصير من رجال الصحيح، أما الآخر - فكما قال البخاري -: منكر الحديث، ولكن مهما يكن من أمر فإن هذه الرواية قد ضَعَّفَها الأئمة، فقال الإمام البخاري - لما سأله عنها الترمذي -: \"هذا حديث منكر\"٢. وكذا قال أبو حاتم٣ ﵀.\nوقال ابن أبي حاتم: \"وهذا الحديث هو خطأ، إِنَّمَا أراد: عمران ابن مسلم، عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، عن سالم، عن أبيه. فغلط وجعل بدل عمرو: عبد الله بن دينار، وأسقط سالمًا من الإسناد\"٤. ثم ساقه بإسناده إلى عمران بن مسلم على الصواب.\nقلت: وعلى قول من ذهب إلى أن عمران هذا هو القصير، فَإِنَّه - أيضًا - ينفردُ بأشياء لا يرويها غيره٥. وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) ٦ لكنه قال: \"إلا أن في رواية يحيى بن سليم عنه بعض\n_________\n١ علل الدارقطني: ج٤ ق (٥٨/ أ) .\n٢ علل الترمذي: (٢/٩١٢) .\n٣ علل ابن أبي حاتم: (٢/١٨١) .\n٤ المصدر السابق.\n٥ انظر: تهذيب التهذيب: (٨/١٣٨) .\n(٧/٢٤٢) .","vol":"3","page":288},{"text":"المناكير ... \". وهذا الحديث هو من رواية يحيى بن سليم عنه، فيكون قد وقع فيه خطأ على ما بَيَّنَ ابن أبي حاتم ﵀، ويرجع الحديث بذلك إلى رواية عمرو بن دينار عن سالم المتقدمة، وقد تبين ما فيها من مقال.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أنَّ أسانيدَ هذا الحديثِ لا تخلو من مقال، قال العقيلي ﵀: \"والأسانيد فيه فيها لين\"١. وقد مضى معنا حكم جماعة من العلماء عليه بالنكارة، فقد تكون النكارة في متنه من جهة ذكر هذا العدد فيه على هذه الصورة، وقد أشار إلى ذلك الإمام الشوكاني بقوله: \" ... وإن كان في ذكر العدد على هذه الصفة نكارة\"٢. فقد علم أن من جملة القرائن التي يستدل بها على بطلان الحديث: اشتماله على الإفراط بالوعد العظيم على الفعل اليسير٣.\nوقد ضَعَّفَهُ أيضًا الأئمة: النسائي، والدارمي، وأبو زرعة كما في (كشف الخفاء) ٤. وقال العلامة أحمد شاكر: \"إسناده ضعيف جدًا\"٥. يشير إلى رواية عمرو بن دينار المتقدمة.\nوأما جعل البغوي له في (مصابيح السنة) ٦ من قسم الحسن،\n_________\n١ الضعفاء: (٣/ ٣٠٥) .\n٢ تحفة الذاكرين: (ص ٢٠٩) .\n٣ انظر: النكت على ابن الصلاح، لابن حجر: (٢/٨٤٣) .\n(٢/٢٤٨) ح٢٤٧٢.\n٥ التعليق على المسند: (١/٢٩٧) ح٣٢٧.\n(١/١١٨) .","vol":"3","page":289},{"text":"وكذا تحسين الشوكاني له١، ثم الشيخ الألباني٢: فلم أر أن الصواب قد حالفهم في ذلك، ويكون ابن القَيِّم - ﵀ - بذلك قد أصاب في إعلاله هذا الحديث، وقوله إنه \"لا يثبت مثله\" والله تعالى أعلم.\n_________\n١ تحفة الذاكرين: (ص ٢٠٩) .\n٢ في صحيح الجامع: (ح ٦٢٣١) .","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>٣ - باب من قال: يصلي على النبي ﷺ عند العطاس</span>\n١٢٠- (٣) عن عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تذكروني عند ثلاث: تسمية الطعام، وعند الذبح، وعند العطاس\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث دليلًا للقائلين بعدم استحباب الصلاة على النبي ﷺ عند العطاس، ثم قال: \"لا يصح ... وله ثلاث علل:\nإحداها: تَفَرُّدُ سليمان بن عيسى به، قال البيهقي: وهو في عِدَادِ من يَضَعُ الحديث.\nالثانية: ضَعْفُ عبد الرحيم العَمِّي.\nالثالثة: انقطاعه\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ من طريق: يحيى ابن يحيى، عن سليمان بن عيسى٣، عن عبد الرحيم بن زيد٤ العمي، عن أبيه٥، عن النبي ﷺ به.\n_________\n١ جلاء الأفهام: (ص ٢٣٧) .\n(٩/٢٨٦) .\n٣ هو: سليمان بن عيسى بن نجيح السجزي.\n٤ ابن الحواري، البصري، أبو زيد، متروك، كَذَّبَهُ ابن معين، من الثامنة، مات سنة ١٨٤ هـ / ق. (التقريب ٣٥٤) .\n٥ زيد بن الحواري، أبو الحواري، قاضي هَرَاة، ضعيف، من الخامسة/٤. (التقريب٢٢٣) .","vol":"3","page":291},{"text":"وقد ذكر البيهقي - ﵀ - العلل الثلاث، وأشار إلى عِلَّةٍ رابعة لم يَتَعَرَّض لها ابن القَيِّم ﵀، وهي: ضعف زيد العَمِّي، والد عبد الرحيم.\nأما العلة الأولى، وهي الكلام في سليمان بن عيسى: فإنه كما قال البيهقي، فقد قال الجوزجاني: \"كان كَذَّابًَا مُصَرِّحًَا\"١. وقال أبو حاتم: \"رَوَى أحاديث موضوعة، وكان كَذَّابًَا\"٢. وقال الذهبي: \"هالكٌ\"٣. وتتمة كلام البيهقي - كما في (السنن) ٤ له -: \"ولو عرف يحيى بن يحيى حالَه، لما استجازَ الرواية عنه\".\nوأما العِلَّةَ الثانية، وهي ضَعْفُ عبد الرحيم العَمِّي: فإن حاله أسوأ مما قال ابن القَيِّم ﵀، فقد كَذَّبَه ابن معين٥. وقال البخاري: \"تركوه\"٦. وقال النسائي: \"متروك\"٧. وقال أبو حاتم: \"ترك حديثه\"٨. وقال أبو زرعة: \"واهي، ضعيف الحديث\"٩. وقال\n_________\n١ أحوال الرجال: (ص ٢٠٧) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/١/ ١٣٤) .\n٣ الميزان: (٢/٢١٨) .\n(٩/٢٨٦) .\n٥ الميزان: (٢/٦٠٥) .\n٦ الضعفاء الصغير: (ص ١٥٧) .\n٧ الضعفاء والمتروكين: (ص ٦٩) .\n٨ الجرح والتعديل: (٢/٢/٣٤٠) .\n٩ المصدر السابق.","vol":"3","page":292},{"text":"الجوزجاني: \"غير ثقة\"١. وقال ابن حبان: \"يروي عن أبيه العجائب، لا يشك من الحديث صناعته أنها معمولة أو مقلوبة كلها ... \"٢. وقال الحافظ ابن حجر: \"متروك\".\nوأما أبوه زيد: فإنه وإن كان أحسن حالًا من ولده، إلا أنه قد ضُعِّفَ أيضًا، فقال ابن معين: \"ليس بشيء\"٣. وقال أبو حاتم: \"ضعيف الحديث، يُكْتَبُ حديثه ولا يحتجُّ به\"٤. وقال ابن حبان في ترجمة ابنه: \" ... فأما ما روى عن أبيه: فالجرحُ ملزقٌ بأحدهما أو بهما\"٥.\nوقد سبق التنبيه على أنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - لم يذكر سوى ثلاث علل، ولم يذكر ضعف \"زيد العمي\" والد عبد الرحيم، ولعل السبب في ذلك هو أنه أورد الحديث من رواية: عبد الرحيم بن زيد، عن النبي ﷺ، بدون ذكر أبيه، ولكن الحديث في (سنن البيهقي): عن عبد الرحيم بن زيد، عن أبيه، عن النبي ﷺ، وهو الصواب.\nوأما العلة الثالثة، وهي انقطاعه: فلم يذكر ابن القَيِّم - ﵀ - وجهه، ولعل موضعه: بين زيد العمي والنبي ﷺ، فإن زيدًا هذا لم\n_________\n١ أحوال الرجال: (ص ١٩٧) .\n٢ المجروحين: (٢/١٦١) .\n٣ رواية الدقاق عن ابن معين: (ص ٤٠) رقم ٤٧.\n٤ الجرح والتعديل: (١/٢/٥٦٠) .\n٥ المجروحين: (٢/١٦١) .","vol":"3","page":293},{"text":"يدرك النبي ﷺ قطعًا، بل تُكُلِّم في روايته عن مرة الهمداني١.\nفَتَلَخَّصَ من ذلك: أن الحديث لا يصحُّ كما قال ابن القَيِّم ﵀، بل قال الشيخ الألباني: \"موضوع\"٢.\n_________\n١ انظر: (المراسيل) لابن أبي حاتم: (ص ٦٥) .\n٢ السلسلة الضعيفة: (ح ٥٣٩) .","vol":"3","page":294},{"text":"١٩-<span data-type=\"title\" id=toc-183> من كتاب الفضائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>١ - باب في فضل الصلاة على النبي ﷺ</span>\n١٢١- (١) عن عامر بن ربيعة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"مَنْ صَلَّى عَلَيّ صَلاةً لَمْ تَزَل الملائكةُ تُصَلِّي عليه ما صَلَّى عَلَيَّ، فَلْيُقِلَّ عَبدٌ من ذلك أو لِيُكْثِرْ\".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث من طريق الإمام أحمد، بإسناد فيه عاصم بن عبيد الله، ثم أورده من طريق عبد الرزاق: عن عبد الله بن عمر العمري بلفظ قريب، ثم قال: \"وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن عمر العُمَرِي، وإن كان في حديثهما بعض الضعف، فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين، يدلُّ على أن له أصلًا، وهذا لا ينزل عن وسط درجات الحسن\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٣، وإسماعيل بن محمد الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) ٤ وإسماعيل بن إسحاق القاضي في (فضل الصلاة على\n_________\n١ جلاء الأفهام: (ص ٢٩) ح ٤٦، ٤٧.\n(١/ ٢٩٤) ح ٩٠٧، ك إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ.\n٣ حم: (٣/ ٤٤٥) . طس: (ح ١١٤٢) .\n(٢/ ٦٨٦) ح ١٦٥٢، باب الترغيب في الصلاة على النبي ﷺ.","vol":"3","page":297},{"text":"النبي) ١ - وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٢ من طريق الطيالسي - كلهم من طريق: شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ به. واللفظ المذكور هو لفظ الإمام أحمد، وفيه قول عامر بن ربيعة: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول ... فذكره، وألفاظ الباقين بنحوه.\nوهذا الإسناد ضعيف من أجل عاصم بن عبيد الله؛ فإن الجمهور على ضعفه٣، بل قال فيه البخاري٤، وأبو زرعة، وأبو حاتم٥: \"منكر الحديث\". وقال الدارقطني: \"مدنيٌّ يترك هو مُغَفَّلٌ\"٦.\nقلت: وكأنَّ الكلام فيه من قِبَلِ حفظه، فقد كان يخطئ ويَهِمُ، ومع ذلك فقد احتمله البعضُ، قال العجلي: \"لا بأس به\"٧. وقال ابن عدي: \"روى عنه ثقات الناس واحتملوه، وهو مع ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حديثه\"٨. وقد جعله بعضُ الأئمة في مرتبة عبد الله بن محمد بن عقيل،\n_________\n١ انظره مع تخريج الألباني: (ص ٢٧) ح٦.\n(١/ ١٨٠) .\n٣ انظر ترجمته في: الميزان: (٢/٣٥٣ - ٣٥٤) . وتهذيب التهذيب: (٥/٤٦ - ٤٩) .\n٤ الضعفاء الصغير: (ص ١٨٠) .\n٥ الجرح والتعديل: (٣/ ١/ ٣٤٨) .\n٦ سؤالات البرقاني للدار قطني: (ص ٤٩) رقم ٣٣٩.\n٧ الثقات: (بترتيب الهيثمي): (ص ٢٤١) .\n٨ الكامل: (٥/ ٢٢٨) .","vol":"3","page":298},{"text":"فقال يحيى القطان: \"هو عندي نحو ابن عقيل\"١. وقال الإمام أحمد: \"ما أَقْرَبُهُمَا\"٢. والمعلوم أنَّ ابن عقيل صدوقٌ، قد احتمله بعض الأئمة، وقال البخاريُّ ﵀: \"كان أحمد، وإسحاق، والحميدي يحتجون بحديثه\"٣. وقال الذهبي: \"حديثه في مرتبة الحسن\"٤. فهذا حال عبد الله بن عقيل، وإذا كان عاصم - بمقتضى كلام هؤلاء الأئمة - في رتبته، فإن حاله يكون كحاله، وأمره يحتمل كأمره.\nوقد روى عنه شعبة مع تشدده في الرجال، ولم يكن يروي إلا عن ثقة إلا في النادر، قال السخاوي: \" ... وعلى كل حال: فهو لا يروي - يعني شعبة - عن متروك، ولا من أجمع على ضعفه\"٥. وهذا الحديث من روايته عنه.\nوأيضًا: فالترمذي - ﵀ - يصحح كثيرًا من حديثه، ولذلك فقد جعله الحافظ ابن رجب الحنبلي - ﵀ - في قسم المختلف فيهم: هل هم ممن غلب على حديثهم الوهم والغلط أم لا؟ ٦.\nوما دامَ الرجلُ بهذه المثابة، وأنَّ بعضَ الأئمةِ قد احتملوه، ولم يُجْمِع أهل هذا الشأن على ضعفه، وروى عنه أئمة معتبرون،\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٥/ ٤٧) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ شرح علل الترمذي: (ص ٢٤٩)، والميزان: (٢/ ٤٨٤) .\n٤ الميزان: (٢/ ٤٨٥) .\n٥ فتح المغيث: (١/ ٣١٤) .\n٦ شرح علل الترمذي: (ص ٢٤٩) .","vol":"3","page":299},{"text":"وصَحَّحَ - مع ذلك - له مثل الترمذي، فإن حديثه يكون مُحْتَمَلًا، وبخاصة إذا تابعه غيره ممن هو مثله أو أعلى منه رتبة، وسيأتي أنه توبع على هذه الرواية.\nولذلك فقد قَبلَ هذا الحديث بعضهم، وجعله حسنًا، فقال المنذري ﵀: \"وعاصم وإن كان واهي الحديث، فقد مشاه بعضهم وصحح له الترمذي، وهذا الحديث حسن في المتابعات\"١. وَحَسَّنَه كذلك الحافظ ابن حجر٢. ووافقهما على ذلك السخاوي٣ ﵀.\nوقد ذكر السخاويُّ أن عاصمًا اختلف عليه في هذا الحديث، فقيل: عنه، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه كما مضى. وقيل: عنه، عن عبد الله بن عامر، عن عمر بن الخطاب ﵁. لكن صحح السخاوي كونه عن عامر بن ربيعة، فقال: \"وهو أصح\"٤.\nوقد تُوبعَ عاصمٌ على رواية هذا الحديث، تابعه: عبد الرحمن بن القاسم٥، وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه\n_________\n١ الترغيب والترهيب: (٢/ ٥٠٠) ح ١٩.\n٢ القول البديع: (ص ١٢١) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ المصدر السابق: (ص ١١٤) .\n٥ ابن محمد بن بكر الصديق، التيمي، أبو محمد المدني، ثقة جليل، من السادسة، مات سنة ١٢٦ هـ، وقيل بعدها / ع. (التقريب ٣٤٨) .\n(٢/ ٢١٥) ح ٣١١٥.","vol":"3","page":300},{"text":"أبو نعيم في (الحلية) ١ - عن:\nعبد الله بن عمر٢، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"من صَلَّى عليّ صلاةً، صَلَّى الله عليه، فأكثروا أو أَقِلُّوا\". وعند أبي نعيم: \"من صَلَّى عليّ صَلاةً، صَلَّى الله عليه عشرًا ... \".\nوقد سقط من مصنف عبد الرزاق \"عبد الرحمن بن القاسم\" وجاء تامًا في (الحلية)، وكذا ساقه ابن القَيِّم - ﵀ - من طريق عبد الرزاق تامًا٣.\nفهذه متابعة جيدةٌ من عبد الرحمن بن القاسم - وهو إمام جليل - لعاصم بن عبيد الله، وهي وإن اختلف لفظها قليلًا عن لفظ رواية عاصم، إلا أن المعنى متقارب، وتشهد لها في الجملة.\nوأما وجود عبد الله العمري في سند هذه المتابعة فإنه لا يَضُرُّ؛ لأنَّه وإن ضُعِّفَ، إلا أن أمره قد احْتُمِل، قال الحافظ الذهبي ﵀: \"وحديثه يتردد فيه الناقد، أما إن تَابَعَه شيخ في روايته: فذلك حسن قوي إن شاء الله\"٤. ولَمَّا لم ينفردْ برواية هذا الحديث، وإنما جاء من وجهٍ\n_________\n(١/ ١٨٠) .\n٢ ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، العمري، المدني، ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة ١٧١ هـ/ م ٤. (التقريب ٣١٤) .\n٣ جلاء الأفهام: (ص ٢٩) ح ٤٧.\n٤ سير أعلام النبلاء: (٧/ ٣٤١) .","vol":"3","page":301},{"text":"آخر كما تقدم، فإنَّ الأمر يكون على ما وصف الذهبي إن شاء الله، ويتأيد حينئذ قول ابن القَيِّم ﵀: \" ... فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين، يدلُّ على أن له أصلًا\".\nوقد قَوَّى الشيخ الألباني - ﵀ - حديث عاصم السابق بهذه المتابعة، فقال: \"ثم وجدتُ لعاصم متابعًا عند أبي نعيم في (الحلية)، فالحديث حسن على الأقل\"١. وحَسَّنَه كذلك في صحيح ابن ماجه٢.\nفتلخص من ذلك: أن الحديثَ وإن كان فيه بعض الضعف، فإنَّه يَتَقَوَّى بمجيئه من وجهين مختلفين، وأن ذلك لا يقل عن وسط درجات الحسن، كما قال ابن القَيِّم ﵀.\n_________\n١ تخريج أحاديث فضل الصلاة على النبي ﷺ لإسماعيل القاضي: (ص ٢٧) ح٦.\n(ح ٣٧٩) .","vol":"3","page":302},{"text":"٢ - باب ما جاء في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة\n١٢٢- (٢) عن النبي ﷺ، أنه قال: \"مَنْ قَرَأ سورةَ الكهف يوم الجمعة، سَطَعَ له نور من تحتِ قدمه إلى عَنَانِ١ السَّمَاء، يُضيء به يوم القيامة، وغُفِرَ له ما بين الجمعتين \".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث ضمن كلامه على خصائص يوم الجمعة، وصدره بصيغة التمريض: \"رُوِي\" ثم قال: \"وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري، وهو أشبه\"٢.\nقلت: أما حديث أبي سعيد، فقد أخرجه: الحاكم في (المستدرك) ٣ - وعنه البيهقي في (سننه) ٤ - من طريق: نعيم بن حماد٥، عن هشيم، عن أبي هاشم٦، عن أبي مجلز٧،\n_________\n١ العَنَانُ: السَّحَاب، وزنًا ومعنىً، واحدته: عَنَانَة، وقيل: ما عَنّ لك منها، أي اعترض وبدا لك إذا رفعت رأسك. (النهاية ٣/ ٣١٣، المصباح المنير ص ٤٣٣ - عنن) .\n٢ زاد المعاد: (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨) .\n(٢/ ٣٦٨) .\n(٣/ ٢٤٩) .\n٥ ابن معاوية بن الحارث الخُزَاعي، أبو عبد الله المروزي، نزيل مصر، صدوق يخطئ كثيرًا، فقيه عارف بالفرائض، من العاشرة، مات سنة ٢٢٨ هـ على الصحيح / خ مق د ت ق. (التقريب ٥٦٤) .\n٦ الرُّمَّاني، الواسطي، واسمه: يحيى بن دينار، ثقة، من السادسة، مات سنة ١٢٢ هـ/ ع. (التقريب ٦٨٠) .\n٧ هو: لاحق بن حميد بن سعيد السَّدوسي، البصري، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ١٠٦ هـ وقيل: ١٠٩هـ/ ع. (التقريب ٥٨٦) .","vol":"3","page":303},{"text":"عن قيس بن عباد١: عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قَرَأَ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين \".\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\". لكن تعقبه الذهبي فقال: \"نعيم ذو مناكير\".\nوقد تابع نعيمَ بن حماد على هذه الرواية: يزيدُ بن مخلد بن يزيد٢، عن هشيم، وقال فيه: \"أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق\". أشارَ إلى هذه المتابعة: البيهقي في (سننه) ٣.\nوخالفهما: سعيد بن منصور، وأبو النعمان، وأبو عبيد، وأحمد بن خلف البغدادي، فرووه عن هشيم، فجعلوه موقوفًا على أبي سعيد من قوله.\nأما حديث سعيد بن منصور: فهو في (سننه)، كما أشار البيهقي - ﵀ - إلى ذلك٤. ورواية أبي عبيد: أخرجها في (فضائل القرآن) ٥ له، قال: حدثني هشيم. وأخرج الدرامي في (مسنده) ٦ رواية\n_________\n١ الضبعي، أبو عبد الله البصري، ثقة مخضرم، من الثانية، مات بعد سنة ٨٠ هـ، ووهم من عده من الصحابة / خ م د س ق. (التقريب ٤٥٧) .\n٢ له ترجمة في الجرح والتعديل: (٤/ ٢/ ٢٩١) وسكت عنه ابن أبي حاتم.\n(٣/ ٢٤٩) .\n٤ في سننه: (٣/٢٤٩) . ولم أقف عليه في القسم المطبوع من سنن سعيد بن منصور.\n(٢/٥٢) ح ٤٥٩.\n(٢/٣٢٦) ح٣٤١٠.","vol":"3","page":304},{"text":"أبي النعمان١: حدثنا هشيم. وأما رواية أحمد بن خلف: فأخرجها ابن الضريس في (فضائل القرآن) ٢ عن هشيم، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٣ بإسناده إلى هشيم. وجاء عند هؤلاء: \" ... أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق\".\nفهؤلاء الأربعة قد رووه موقوفًا، وفيهم إمامان جليلان: سعيد ابن منصور، وأبو عبيد، وأما أبو النعمان: فهو ثقة أيضًا، إلا أنه تغير بآخرة. وأحمد بن خلف: ذكره الخطيب في (تاريخه) ٤، وقال: \"وهو شيخ غير مشهور عندنا\".\nولا شَكَّ أن رواية من وقفه أرجحُ من الأخرى؛ إذ هم أوثق، وأشهر، وأثبت ممن رفعوه، فنعيم بن حماد - أحد رواة الرفع - كثير الخطأ، ويزيد بن مخلد - مُتَابِعُهُ - شبه المجهول، فلا يقاومان هؤلاء الأئمة.\nوقد وقع في بعض ألفاظه: \"ليلة الجمعة\" بدل: \"يوم الجمعة\"، وانفرد بذلك أبو النعمان دون سائر من رواه، وذلك فيما أخرجه الدارمي، ولعل ذلك من تخليط أبي النعمان المعروف بـ\"عارم\"؛ فإنه اختلط في آخر حياته.\n_________\n١ هو: محمد بن الفضل السدوسي، لقبه: عارم، ثقة تغير في آخر عمره، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٢٣ أو ٢٢٤ هـ /ع. (التقريب ٥٠٢) .\n(ص ١٦٤) ح ٢١٢.\n(٤/ ١٣٤ - ١٣٥) .\n(٤/ ١٣٤) .","vol":"3","page":305},{"text":"ووقع فيه اختلاف آخر، إذ إن سائر الروايات قد وردت بلفظ: \" ... ما بينه وبين البيت العتيق\". وخالف نعيم بن حماد وحده، فقال: \"ما بين الجمعتين\"، ولعلَّ ذلك من مناكيره؛ فإنه لم يوافقه على هذه اللفظة أحد، حتى أن يزيد بن مخلد - الذي تابعه على رفع هذا الحديث - جاء به موافقًا للفظ الجماعة، مما يؤكد أن نعيم بن حماد قد أخطأ في متنه كما أصابه الخطأ في سنده.\nوقد تُوبع هشيمٌ على معنى هذا الحديث، تابعه: سفيان الثوري، وشعبة.\nأما حديث سفيان: فأخرجه النسائي في (عمل اليوم والليلة) ١، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ - وأشار إليه البيهقي٤ - كلهم من طريق: سفيان، عن أبي هاشم، بالإسناد الماضي إلى أبي سعيد ﵁ أنه قال: \"من قَرَأَ سورة الكهف كما أنزلت، ثم أدرك الدجال، لم يُسَلَّطْ عليه، أو لم يكن له عليه سبيل، ومن قرأ سورة الكهف كان له نورًا من حيث قرأها ما بينه وبين مكة\". هذا لفظ النسائي، ونحوه لفظ عبد الرزاق، والحاكم، ووقع في أوله عند عبد الرزاق: \"من توضأ ثم فرغ من وضوئه،\n_________\n(ص ٥٢٩) ح ٩٥٤.\n(٣/ ٣٧٨) ح ٦٠٢٣.\n(١/ ٥٦٤)، (٤/ ٥١١) .\n(٣/ ٢٤٩) .","vol":"3","page":306},{"text":"ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. خُتِمَ عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلا تكسر إلى يوم القيامة، ومن قرأ سورة الكهف ... \".\nوهذا وإن لم يكن فيه النص على \"يوم الجمعة\"، إلا أنه في جملته يشهد لحديث هشيم الماضي، ويؤكد صحة من أتى به عنه موقوفًا، فقد اتفق عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي على روايته عن سفيان موقوفًا على أبي سعيد.\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\nوأما شعبة: فقد اختلف عليه فيه، فأخرجه النسائي في (اليوم والليلة) ١ من طريق: غندر، عن شعبة، به موقوفًا. وأخرجه النسائي٢ أيضًا، والطبراني في (الأوسط) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، ثلاثتهم من طريق: يحيى بن كثير٥، عن شعبة به مرفوعًا. ولفظه بنحو لفظ حديث الثوري، إلا أن عندهم: \" ... ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج\n_________\n(ص ٥٢٨) ح ٩٥٣.\n(ص ٥٢٨) ح ٩٥٢.\n(٢/٢٧١) ح ١٤٧٨.\n(١/٥٦٤) .\n٥ ابن درهم العنبري مولاهم، البصري، أبو غسان، ثقة، من التاسعة، مات سنة ٢٠٦ هـ/ ع. (التقريب ٥٩٥) .","vol":"3","page":307},{"text":"الدجال ... \". وعند الطبراني زيادة دعاء الوضوء الماضي في حديث الثوري.\nقال النسائي عقبه: \"الصواب في هذا الحديث موقوف\"١. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث مرفوعًا عن شعبة إلا يحيى بن كثير\". ومال الدارقطني إلى ترجيح الوقف أيضًا، فقال: \" ... وقيل ... عن يحيى، عن شعبة مرفوعًا، ولم يثبت، ورواه غندر وأصحاب شعبة، عن شعبة موقوفًا\"٢.\nفَتَبَيَّنَ من ذلك صِحَّة رواية الوقف عن شعبة، وبذلك توافق رواية الثوري وهشيم المتقدمتين، ويترجح بذلك كون الموقوف عن أبي سعيد أصحّ.\nفإذا ثبت أنَّ الصواب في هذا الحديث الوقف، فإنَّه يكون من قبيل المرفوع، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ومثله لا يقال من قبل الرأي، فله حكم المرفوع\"٣.\nهذا فيما يتعلق بحديث أبي سعيد.\nوأما اللفظ الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀، وهو: \"من قَرَأَ سورة\n_________\n١ وهذه العبارة ليست في المطبوع من (اليوم والليلة) لكن استدركها المحقق من هامش إحدى النسخ، وكذا نقلها عن النسائي: الهيثمي في مجمع الزوائد: (١/ ٢٣٩) .\n٢ العلل: ج٤ (ق ٢/ أ) .\n٣ النكت الظراف: (٣/٤٤٧) .","vol":"3","page":308},{"text":"الكهف يوم الجمعة، سَطَعَ له نورٌ من تحتِ قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغُفِرَ له ما بين الجمعتين\". فليس هذا من حديث أبي سعيد كما هو المتبادر من كلام ابن القَيِّم، وإنما هو من حديث ابن عمر ﵄.\nوقد عزاه ابن كثير في (تفسيره) ١ إلى ابن مردويه، فقال: \"وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره - بإسناد له غريب - عن خالد بن سعيد بن أبي مريم٢، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه قال ... \" فذكره، وقال: \"وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف\".\nوأورده المنذري في (الترغيب والترهيب) ٣، قال: \" ... بإسناد لا بأس به\".\nوترجيحُ الحافظ ابن كثير كونه موقوفًا لا يضره، بل يُقال فيه ما قيل في حديث أبي سعيد المتقدم: من أنه موقوف له حكم الرفع.\nفالحاصل: أن حديثَ ابن عمر هذا يصلح شاهدًا في الجملة لحديث أبي سعيد المتقدم، وبخاصة ما جاء في لفظ رواية نعيم بن حماد،\n_________\n(٣/٧٠) .\n٢ المدني، مولى ابن جدعان، مقبول، من الرابعة/د ق. (التقريب ١٨٨) .\n(١/ ٥١٣) ك الجمعة، باب الترغيب في قراءة سورة الكهف ... ليلة الجمعة ويوم الجمعة.","vol":"3","page":309},{"text":"عن هشيم عند الحاكم: \"أضاء له من النور ما بين الجمعتين\". فإنَّ كلًا منهما يشهد للآخر، ويتقوى به.\nويتلخص من ذلك: أن الحديثَ الذي أشارَ إليه ابنُ القَيِّم من رواية أبي سعيد صحيحُ الإسنادِ، إلا أنَّ الصوابَ فيه الوقفُ كما اختاره ﵀، ومع ذلك فإنَّ له حكم الرفع كما مضى. وله شاهدٌ من حديث ابن عمر، والراجحُ فيه الوقف أيضًا، فيكونُ هو الآخر في حكم المرفوع، وبمجموعهما يتأكد ثبوت الحديث، والله أعلم.","vol":"3","page":310},{"text":"٢٠-<span data-type=\"title\" id=toc-186> من كتاب التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>١ - باب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾</span>\n١٢٣- (١) عن أُبَيِّ بن كعب ﵁، قال: \"كُلُّ حرفٍ في القرآنِ في القُنُوتِ: فهو الطاعة \".\nأورد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث مستدلًا به على ما قاله من رَفْع ابن حبان الموقوفات، فقال: \"كما رَفَعَ قولَ أُبَيِّ بن كعب ... وهذا لا يُشْبهُ كلام رسولِ الله ﷺ، وغايته أن يكون كلام أُبَيٍّ\"١.\nقلت: هذا الحديث مداره على: دَرَّاج٢، عن أبي الهيثم٣، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا.\nأخرجه أحمد، وأبو يعلى في (مسنديهما) ٤ من طريق: حسن بن موسى٥، عن ابن لهيعة، عن دَرَّاج به.\n_________\n١ أحكام أهل الذمة: (٢/ ٦٢٣) .\n٢ ابن سمعان، أبو السَّمْح، قيل: اسمه عبد الرحمن، وَدَرَّاج لقب، السهمي مولاهم، المصري، صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف، من الرابعة، مات سنة ١٢٦هـ/ بخ ٤. (التقريب ٢٠١) .\n٣ هو: سليمان بن عمرو بن عبد - أو عبيد- الليثي، المصري، ثقة، من الرابعة/ بخ٤. (التقريب ٢٥٣) .\n٤ حم: (٣/ ٧٥)، يع: (٢/ ٥٢٢) ح ١٣٧٩.\n٥ الأشيب، أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة، مات سنة ٢٠٩ أو٢١٠هـ/ ع. (التقريب ١٦٤) .","vol":"3","page":313},{"text":"وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ١، وابن أبي حاتم في (تفسيره) - كما ساقه عنه ابن كثير٢ - كلاهما من طريق: ابن وهب.\nوأخرجه الطبراني في (الأوسط) ٣ من طريق: رشدين بن سعد٤، كلاهما عن: عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج به.\nولفظه عند الجميع: \"كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\". إلا أنه جاء عند الطبراني بلفظ: \"كلُّ قنوت في القرآن فهو طاعة\".\nقال الطبراني عقب روايته: \"لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا رشدين\".\nوهذا الحديث ضعيفٌ، ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من الأئمة، وذلك أن مداره على دَرَّاج أبي السمح، وقد ضَعَّفه الأكثرون، فقال الإمام أحمد: \"حديثه منكر\"٥. وقال النسائي: \"ليس بالقوي\"٦. وقال مرة: \"منكر\n_________\n١ الإحسان: (١/ ٢٦٤) ح ٣٠٩.\n٢ تفسير القرآن العظيم: (١/١٦٠-١٦١) .\n(٢/٤٨٠) ح ١٨٢٩.\n٤ ابن مفلح المهري، أبو الحجاج المصري، ضعيف، رَجَّحَ أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: \"كان صالحًا في دينه فأدركته غفلة الصالحين فَخَلَّطَ في الحديث\"، من السابعة، مات سنة ١٨٨ هـ / ت ق. (التقريب ٢٠٩) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٣/٢٠٨) .\n٦ الضعفاء والمتروكين: (ص ٣٩) .","vol":"3","page":314},{"text":"الحديث\"١. وقال الدارقطني: \"ضعيف\"٢ ومرة قال \"متروك\"٣. وقال فضلك الرازي: \"ليس بثقة ولا كرامة\"٤.\nوضَعَّفَه الإمام أحمد، وأبو داود في روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد خاصة٥.\nوَوَثَّقَه مع ذلك: ابن معين٦، وابن حبان٧، وابن شاهين٨. وقال عثمان الدارمي: \"صدوق\"٩.\nويَتَبَيَّنُ من هذا أنَّ جانب الضَّعْفِ أقوى في حقِّ دَرَّاج هذا، وبخاصة في روايته عن: أبي الهيثم، عن أبي سعيد كما قال أحمد، وأبو داود. واختاره ابن حجر.\nوهذا الحديث من روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، فيكون ضعيفًا، ولذلك قال الحافظ ابن كثير ﵀:\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٣/٢٠٨) .\n٢ سؤالات الحاكم للدارقطني: (ص ١٧٠) رقم ٢٦١.\n٣ سؤالات البرقاني: (ص ٢٩) رقم ١٤٢.\n٤ تهذيب التهذيب: (٣/٢٠٨) .\n٥ تهذيب التهذيب: (٣/٢٠٨ - ٢٠٩) .\n٦ تاريخ الدوري عن ابن معين: (٢/ ١٥٥) .\n٧ الثقات: (٥/ ١١٤) .\n٨ الثقات: (ص ٨٣) .\n٩ تاريخ الدارمي عن ابن معين: (ص ١٠٧) رقم ٣١٥.","vol":"3","page":315},{"text":"\"في هذا الإسناد ضعفٌ، لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكرٌ، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها، فإن السند ضعيف\"١. وهذا الكلام من ابن كثير - ﵀ - يؤكد أَنَّ الضعف فيه من دَرَّاج.\nومع ذلك، فإنَّ في أكثر طرق هذا الحديث من يُضَعَّف غير دَرَّاج هذا؛ ففي إسناد أحمد وأبي يعلى: \"ابن لهيعة\"، وليس الحديث من رواية أحد من العبادلة عنه، وفيه ضعف في غير روايتهم عنه، ولذلك قال الهيثمي: \"وفي إسناد أحمد وأبي يعلى: ابن لهيعة، وهو ضعيف\"٢.\nأما إسناد الطبراني، ففيه: \"رشدين بن سعد\"، وهو ضعيف أيضًا.\nوقال الشيخ الألباني: \"ضعيف\"٣.\nفتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديث ضعيف الإسناد، وأنَّ رفعه لا يصحُّ، كما قال ابن كثير ﵀، واختاره ابن القَيِّم أيضًا.\nفإذا تَبَيَّنَ ذلك، فإن لنا مع ابن القَيِّم - ﵀ - وقفات:\nالأولى: في نسبته رفع هذا الحديث إلى ابن حبان، ولا أدري ما وجه ذلك؟ فقد شارك ابن حبان في روايته مرفوعًا جماعة، وفيهم من هو متقدم على ابن حبان.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم: (١/ ١٦١) .\n٢ مجمع الزوائد: (٦/٣٢٠) .\n٣ ضعيف الجامع: (ح٤٢٣٠) .","vol":"3","page":316},{"text":"الثانية: لم يُنَبِّهْ - ﵀ - على ضعف إسناده، بل أشارَ - فقط - إلى رجحان وقفه، وهذا لا يُغْني عن بيان ضعف سنده.\nالثالثة: نسبته هذا الحديث إلى أُبَيِّ بن كعب، وقد علمنا أنه مرويٌّ عن أبي سعيد ﵁، ولم أقف على من نسبه إليه غيره، ولم أجده من روايته بعد البحث، فلعله وَهِمَ في ذلك ﵀.\nوقد أوردَ ابن كثير - ﵀ - هذا الحديث في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] .\nثم ذكر معاني ﴿قَانِتُونَ﴾، وأن اختيار ابن جرير: أنها بمعنى \"مطيعون\". وأن هذا القول يجمع الأقوال كلها، ثم أورد هذا الحديث في بيان معنى القنوت في القرآن، وذكر أنه لا يصح مرفوعًا كما تقدم من قوله، والله أعلم.","vol":"3","page":317},{"text":"٢١-<span data-type=\"title\" id=toc-188> من كتاب التوحيد والأسماء والصفات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>١ - باب في علو الله - عزوجل - واستوائه على عرشه</span>\n١٢٤- (١) عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كُنْتُ في البَطْحَاءِ في عِصَابِةٍ فيهم رسول الله ﷺ، فَمَرَّتْ بهم سحابةٌ، فَنَظَر إليها، فقال: \"ما تُسَمُّونَ هذه؟ \" قالوا: السَّحَاب. قال: \"والْمُزْن؟ \" ١. قالوا: والمزن. قال: \"والعَنَان؟ \" ٢. قالوا: والعنان - قال أبو داود في حديثه: لم أَتْقنْ العنان جيدًا - قال: \"هل تدرون ما بُعْد ما بين السماء والأرض؟ \". قالوا: لا ندري. قال: \"إنَّ بُعْدَ ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك\" حتى عَدَّ سبع سموات \"ثم فوق السابعة بحرٌ، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوْعَالٍ٣، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله - ﵎ - فوق ذلك\".\nذكر ابن القَيِّم - ﵀ - أن هذا الحديث قد رُدّ بأن في إسناده \"الوليد بن أبي ثور\" وهو ضعيف، وبحديث أبي هريرة الذي رُوي بمعنى حديث العباس، ولكن جاء فيه أن ما بين الأرض والسماء خمسمائة سنة.\n_________\n١ الْمُزْن: هو الغَيْم والسَّحاب، واحدته: مُزْنَةٌ، وقيل: هي السحابة البيضاء. (النهاية ٤/٣٢٥) .\n٢ تقدم معناه في ص (٣٠٣) .\n٣ الوَعِلُ: الشاةُ الجَبَلِيَّة الذَّكَر، والأنثى منها: أَرْوِيَّة، والجمع: أَوْعَالٌ. (المجموع المغيث ٣/٤٣٥) مادة: وعل.","vol":"3","page":321},{"text":"ثم أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك: بأنَّ الوليدَ لم ينفرد به، بل تَابَعَهُ عليه جماعةٌ، منهم: إبراهيم بن طهمان، وعمرو بن أبي قيس، فلا تعلق على الوليد في ذلك.\nوبأن معارضته بحديث أبي هريرة: فاسدةٌ؛ لأن الترمذيَّ ضَعَّفَهُ، وأنَّ جماعةً قالوا بعدم سماع الحسن من أبي هريرة١.\nوساقه - ﵀ - مرة من طريق أبي داود، ثم قال: \"حديث حسن صحيح\"٢. وقال مرة: \"رواه أبو داود بإسناد جيد\"٣.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والدارمي في (الرد على بشر المريسي) ٦، وابن أبي شيبة في (العرش) ٧، وعلقه ابن خزيمة في (التوحيد) ٨، والآجري في (الشريعة) ٩، واللالكائي في (شرح اعتقاد أهل السنة) ١٠، والعقيلي في\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ٩١ - ٩٣) .\n٢ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص ٩٣) .\n٣ مختصر الصواعق: (٢/ ٣٥٦) .\n٤ د: (٥/٩٣) ح ٤٧٢٣ ك السنة، باب في الجهمية. جه: (١/٦٩) ح١٩٣ المقدمة.\n(١/٢٠٧) .\n(ص ٩٠ - ٩١) .\n(ص ٥٥) ح ٩.\n(١/٢٣٦) .\n(ص ٢٩٢) .\n١٠ (٣/٣٩٠) ح ٦٥١.","vol":"3","page":322},{"text":"(الضعفاء) ١، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٢، كلهم من طريق: الوليد ابن أبي ثور٣، عن: سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة٤، عن الأحنف ابن قيس٥، عن العباس ﵁ به. واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، ومثله لفظ: ابن ماجه، وابن أبي شيبة، واللالكائي، والآجري، إلا أنه جاء عند ابن أبي شيبة: \"ثمانية أملاك، أو أوعال\". وأما الدارمي فقد وقع عنده: \" ... بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وكذلك غلظ كل سماء\". وكذا لفظ الإمام أحمد، وزاد: \"وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء\".\nقلت: وفي هذا الإسناد الوليد بن أبي ثور، وقد ضَعَّفَهُ الأئمة: ذأحمد، وصالح جزرة، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن نمير٦. وقال العقيلي: \"يُحَدِّث عن سماك بمناكير لا يتابع عليها\"٧. وقال ابن حبان: \"منكر الحديث جدًا، في أحاديثه أشياء لا تشبه أحاديث الأثبات ... \"٨.\n_________\n(٢/٢٨٤) في ترجمة \"عبد الله بن عميرة\".\n(١/٩) ح٦.\n٣ هو: الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني، الكوفي، وقد ينسب لجده، ضعيف، من الثامنة، مات سنة ١٧٢ هـ/ بخ د ت ق. (التقريب ٥٨٢) .\n٤ كوفي، مقبول، من الثانية / د ت ق. (التقريب ٣١٦) .\n٥ ابن معاوية بن حصين التميمي السعدي، أبو بحر، اسمه الضَّحَّاك، وقيل: صخر، مخضرم، ثقة، قيل: مات سنة ٦٧ هـ، وقيل ٧٢ هـ/ع. (التقريب٩٦) .\n٦ انظر: الميزان: (٤/٣٤٠ - ٣٤١)، وتهذيب التهذيب: (١١/ ١٣٨) .\n٧ كذا في التهذيب: (١١/ ١٣٨)، ولم أجده في الضعفاء للعقيلي، انظره: (٤/٣١٩) .\n٨ المجروحين: (٣/ ٧٩) .","vol":"3","page":323},{"text":"ولذلك فقد أعلَّ الحديثَ به: ابن الجوزي١ ﵀، والمنذري، فقال: \"وفي إسناده: الوليد بن أبي ثور، ولا يحتجُّ بحديثه\"٢.\nولكن الوليد بن أبي ثور لم ينفرد بروايته عن سماك، وإنما تابعه جماعةٌ كما تقدم من كلام ابن القَيِّم ﵀، فمن هؤلاء:\n١- عمرو بن أبي قيس٣: أخرجه من طريقه: أبو داود في (سننه) ٤، والترمذي في (جامعه) ٥، وابن أبي عاصم في (السنة) ٦، وابن خزيمة في (التوحيد) ٧، وأبو الشيخ في (العظمة) ٨، واللالكائي في (شرح اعتقاد أهل السنة) ٩، من طرق، عن: عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة به، ولفظه عندهم كلفظ حديث أبي داود المتقدم من رواية الوليد بن أبي ثور، إلا أنه وقع عند أبي الشيخ: \"والله - ﵎ - فوق ذلك بعلمه على العرش\". ولم أر كلمة \"بعلمه\" إلا عنده.\n_________\n١ العلل المتناهية: (١/ ١٠) .\n٢ تهذيب السنن: (٧/ ٩٣) .\n٣ الرازي، الأزرق، كوفي نزل الري، صدوق له أوهام، من الثامنة / خت ٤. (التقريب ٤٢٦) .\n(٥/ ٩٤) ح ٢٧٢٤.\n(٥/ ٤٢٤) ح ٣٣٢٠ ك التفسير، من سورة الحاقة.\n(١/ ٢٥٣) ح ٥٧٧.\n(١/ ٢٣٤) ح ١٤٤.\n(٢/ ٥٦٦) ح ٢٠٤.\n(٣/ ٣٨٩) ح ٦٥٠.","vol":"3","page":324},{"text":"وعمرو بن أبي قيس: صدوق، لكن في حديثه بعض الخطأ، ويَهِمُ قليلًا١، ومثله لا بأس بحديثه في المتابعات، وقد قال الترمذي عقبه: \"حديث حسن غريب\".\n٢- إبراهيم بن طهمان: أخرجه من طريقه: أبو داود في (سننه) ٢، والآجري في (الشريعة) ٣، والبيهقي في (الأسماء والصفات) ٤ ثلاثتهم من طريق: إبراهيم بن طهمان، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة به، ولفظه بنحو ما تقدم في حديث الوليد بن أبي ثور، وهذه متابعة جيدة- أيضًا - للوليد بن أبي ثور، عن سماك.\n٣- شعيب بن خالد٥: أخرجه من طريقه: أحمد في (مسنده) ٦، وابن أبي شيبة في (العرش) ٧ عن محمد بن أبان. والحاكم في (المستدرك) ٨ عن إسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن:\n_________\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٨/ ٩٤) .\n(٥/٩٤) ح ٢٧٢٥.\n(ص ٢٩٢) .\n(ص ٥٢٦) .\n٥ البجلي، الرازي، القاضي، ليس به بأس، من السابعة / د. (التقريب ٢٦٧) .\n(١/٢٠٦) .\n(ص ٥٥) ح١٠.\n(٢/ ٤١٢) .","vol":"3","page":325},{"text":"عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء١، عن عمه شعيب بن خالد، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ به بإسقاط الأحنف بن قيس، ونَبَّهَ ابن أبي شيبة في حديثه على ذلك، فقال: \"ولم يَذْكُر عبد الرزاق في حديثه الأحنف\".\nوقد أخرجه الحاكم٢ مرة أخرى بالإسناد نفسه، فذكر فيه الأحنف بن قيس! وقد وقع عندهم أن المسافة بين السماء والأرض خمسمائة سنة.\nوهذه المتابعة في إسنادها يحيى بن العلاء الرازي، وقد كذبه بعضهم، ورمي بالوضع.\nولذا لما قال الحاكم عقبه: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"! تَعَقَّبَهُ الذهبي ﵀، فقال: \"يحيى واهٍ\". وقال ابن الجوزي ﵀ - بعد أن أخرجه من طريق الإمام أحمد -: \"هذا حديث لا يصحُّ، قال بعض الحفاظ: تَفَرَّدَ به يحيى بن العلاء، قال أحمد، هو كذاب يضع الحديث. وقال يحيى: ليس بثقة ... \"٣. وقال الذهبي - بعد أن أخرجه أيضًا من طريق أحمد -: \"ويحيى بن العلاء متروك الحديث\"٤.\n_________\n١ البجلي، أبو عمرو أو أبو سلمة، الرَّازِي، رُمي بالوضع، من الثامنة، مات قرب ١٦٠ هـ/ د ق. (التقريب ٥٩٥) .\n٢ المستدرك: (٢/٥٠١) .\n٣ العلل المتناهية: (١/ ٨ - ٩) ح ٥.\n٤ العلو: (ص ٥٠) .","vol":"3","page":326},{"text":"فإذا عُرف حالُ هذه المتابعة، وأن مدارها على يحيى هذا، فإنَّه لا قيمةَ لها في تقوية رواية الوليد بن أبي ثور، إذ وجودها - والحالة هذه - كعدمها.\n٤- شريك: وأشار إلى روايته الترمذي، فقال: \"وروى شريك، عن سماك بعض هذا الحديث، وأوقفه ولم يرفعه\".\nقلت: أخرج رواية شريك هذه: ابن خزيمة في (التوحيد) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢ من طرق، عن شريك، عن سماك بإسناد الوليد ابن أبي ثور الماضي، إلى العباس ﵁ في قوله ﷿: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] قال: \"ثمانية أملاك، على صورة الأوعال، بين أظلافهم إلى ركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة\". وفي رواية ابن خزيمة: \"قال شريك مرة: ومناكبهم ناشبة بالعرش\".\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي! وفيه نظر؛ فإن عبد الله بن عميرة لم يخرج له مسلم كما تَقَدَّم في ترجمته.\nفهذه المتابعاتُ للوليد بن أبي ثور يزول بها ما يخشى من التَّفَرُّدِ في هذا الحديث عن سماك بن حرب.\n_________\n(١/ ٢٥١) ح ١٥٨.\n(٢/ ٥٠٠) .","vol":"3","page":327},{"text":"ولكن هل يصحُّ إسناد هذا الحديث بعد وجود هذه المتابعات؟ كلاّ فإنه لا يزال مُعَلًاّ.\nوبيان ذلك: أن مدار هذا الحديث على عبد الله بن عميرة، وقد تَفَرَّد عنه سماك بن حرب، لم يرو عنه أحد غيره، ولم يوثقه مع ذلك أحد إلا ابن حبان١، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا٢. ولذلك قال عنه إبراهيم الحربي: \"لا أعرفه\"٣ وقال الذهبي: \"فيه جهالة\"٤. وقال مرة: \"لا يعرف\"٥. وتوثيق ابن حبان هنا لا ينفعه شيئًا، لما عرف من عادته في توثيق المجهولين، علمًا بأنه قد اشتبه عليه رجل بآخر؛ فإنه جعل \"عبد الله بن عميرة القيسي أبا المهاجر\"، هو نفسه \"عبد الله بن عميرة الكوفي\" الذي معنا، وهما عند البخاري٦، وابن أبي حاتم٧ اثنان، فلينظر في ذلك. وقد قال فيه الحافظ ابن حجر \"مقبول\" يعني: حيث يُتَابع، ولم يتابع هنا، فهو لين الحديث.\nفالحاصلُ: أن الرَّجُلَ مجهول، وبذلك أَعَلَّ الذهبي الحديث، فقال: \"تَفَرَّدَ به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة\"٨.\n_________\n١ الثقات: (٥/ ٤٢) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/ ٢/ ١٢٤) .\n٣ تهذيب التهذيب: (٥/ ٣٤٤) .\n٤ الميزان: (٢/ ٤٦٩) .\n٥ المغني: (١/ ٣٥٠) .\n٦ التاريخ الكبير: (٣/ ١/ ١٥٩) رقم ٤٩٤، ٤٩٥.\n٧ الجرح والتعديل: (٢/ ٢/ ١٢٤ - ١٢٥) رقم ٥٧٢، ٥٧٣.\n٨ العلو: (ص ٥٠) .","vol":"3","page":328},{"text":"فإذا أُضِيف إلى ذلك: تَفَرُّدُ سماك عنه، كانت تلك عِلَّة أخرى، فقد قال الإمام النسائي - ﵀ - في حق سماك: \"إذا انفرد بأصل لم يكن حُجَّةً؛ لأنَّهُ كان يُلَقَّنُ فيتلقن\"١. وقال يعقوب بن شيبة: \"ومن سمع منه قديمًا، مثل: شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم\"٢. وليس هذا الحديث من رواية واحد من هؤلاء القدامى عن سماك، وكان قد اختلط بآخره كما مَرَّ.\nوثمةَ عِلَّةٌ أخرى في هذا الإسناد أيضًا، قال البخاريُّ - ﵀ - في ترجمة عبد الله بن عميرة هذا: \"لا نعلم له سماعًا من الأحنف\"٣. فإذا ثبت ذلك، فإنه يكون منقطعًا.\nوأيضًا قد اختلف في ألفاظ هذا الحديث، فروى \"إما واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة\" وروي: \"خمسمائة سنة\" وروي: \"ثلاث وستين سنة\". ووقع عند أبي الشيخ: \"والله فوق ذلك بعلمه ... \" وغيره لا يذكر هذه اللفظة. هذا مع رواية بعضهم له عن سماك موقوفًا، وهذا لا شك اختلاف يورث ضعفًا في الحديث.\nفتلخص من ذلك: أن هذا الحديثَ ضعيفُ الإسنادِ، لا يثبت مثله، ولم يُصِبْ ابنُ القَيِّم - ﵀ - في تصحيحه إياه أو حتى تحسينه؛ إذ قد تَبَيَّن من خلال هذه الدراسة أن الأمرَ على خلاف ذلك،\n_________\n١ تهذيب التهذيب: (٤/ ٢٣٤) .\n٢ المصدر السابق.\n٣ التاريخ الكبير: (٣/ ١/ ١٥٩) .","vol":"3","page":329},{"text":"وقد ضَعَّفه الذهبي كما مضى، وضَعَّفَ ابن الجوزي بعض طرقه١، وأورده العقيلي في (ضعفائه) ٢ في ترجمة ابن عميرة، ونقل كلام البخاري في عدمِ سماعه من الأحنف. وقال الشيخ الألباني: \"إسناده ضعيف\"٣ والله أعلم.\n_________\n١ العلل المتناهية: (١/ ٨ - ١٠) .\n(٢/٢٨٤) .\n٣ ظلال الجنة: (١/ ٢٥٤)، وتخريج الطحاوية: (ص٣١٠) .","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>٢ - باب آخر منه</span>\n١٢٥- (٢) عن جبير بن مطعم ﵁، أن النبي ﷺ قال: \" ... إِنَّ عرشه على سمواته لهكذا\" وقال بأصبعه مثل القبة عليه. \"وإنَّه لَيَئِطُّ١ به أطيط الرَّحْلِ بالراكبِ\".\nتناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، وتَوَسَّعَ في الكلام عليه، والردِّ على من ضَعَّفَهُ، والجواب عن العلل التي أُعِلَّ بها، وخلص إلى القول بثبوت الحديث، وأنه حديث حسن. وستأتي أجوبته - ﵀ - أثناء هذا البحث إن شاء الله تعالى.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، عن أحمد بن سعيد٤ وجماعة واللفظ لأحمد.\nوأخرجه ابن أبي عاصم في (السنة) ٥، واللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ٦، والبيهقي في (الأسماء والصفات) ٧، والذهبي\n_________\n١ الأطّ والأَطِيطُ: نقيضُ صوت الْمَحَامِل والرِّحَالِ إذا ثَقُلَ عليها الركبان، وأطّ الرَّحْلُ والنَّسْعُ، يَئِطُّ أطًّا وأطِيطًا: صَوَّتَ. (لسان العرب ص: ٩٢، مادة: أطط) .\n(٧/ ٩٤ - ٩٨) .\n(٥/ ٩٤) ح ٤٧٢٦ ك السنة، باب في الجهمية.\n٤ ابن إبراهيم الرِّباطي المروزي، أبو عبد الله الأشقر، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٤٦ هـ/ خ م د ت س. (التقريب ٧٩) .\n(١/ ٢٥٣) ح ٥٧٦.\n(٣/ ٣٩٤) ح ٦٥٦.\n(ص ٥٢٦) .","vol":"3","page":331},{"text":"في (العلو) ١ كلهم من طريق: أحمد بن الأزهر٢.\nوأخرجه الدارقطني في (الصفات) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، من طريق: علي بن المديني، ويحيى بن معين كليهما.\nوأخرجه الدارقطني في (الصفات) ٥ - أيضًا - من طريق: محمد ابن يزيد المعروف بأخي كَرْخَويه - قال الدارقطني: \"وكان من الثقات\"-\nوأخرجه ابن خزيمة في (التوحيد) ٦ من طريق: محمد بن بشار٧. كلهم عن:\nوهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن يعقوب ابن عتبة٨، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم٩، عن أبيه١٠، عن\n_________\n(ص ٣٧) .\n٢ ابن منيع، أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٦٣ هـ / س ق. (التقريب ٧٧) .\n(ص ٥٢) ح ٣٩.\n(٢/ ١٣٢) ح ١٥٤٧.\n(ص ٥٠) ح ٣٨.\n(١/ ٢٣٩) ح ١٤٧.\n٧ ابن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٥٢ هـ / ع. (التقريب ٤٦٩) .\n٨ ابن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ثقة، من السادسة، مات سنة ١٢٨ هـ / د س ق. (التقريب ٦٠٨) .\n٩ مقبول، من السادسة / د. (التقريب ١٣٨) .\n١٠ هو: محمد بن جبير بن مطعم، ثقة عارف بالنسب، من الثالثة، مات على رأس المائة / ع. (التقريب ٤٧١) .","vol":"3","page":332},{"text":"جده جبير بن مطعم ﵁.\nوأخرجه الآجري في (الشريعة) ١ عن حفص بن عبد الرحمن٢، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بالإسناد السابق إلى جبير بن مطعم.\nولفظه: أتى رسول الله ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال ... فذكر حديث الاستسقاء، وفيه قوله ﷺ: \"ويحك!! أَتَدْرِي ما الله؟ إن عرشه على سمواته لهكذا\" - وقال بأصبعه مثل القُبَّة عليه - \"وإنه ليئطُ به أطيطَ الرَّحْلِ بالرَّاكِبِ\". هذا سياق أبي داود، وعند ابن خزيمة: \"إن الله على عرشه، وعرشه على سمواته، وسمواته على أرضه هكذا ... \". ولفظ الآجري: \" إنه لفوق سماواته، وهو على عرشه\"، وقريب منه لفظ البيهقي. وجاء عند اللالكائي مختصرًا بدون ذكر القبة والأطيط، ولفظه: \"إنه لفوق سماواته على عرشه\".\nوقد رُوِيَ هذا الحديثُ على وجه آخرَ، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٣ عن: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وعبد الأعلى. وابن أبي شيبة في كتاب (العرش) ٤ عن: عبد الأعلى. وأبو الشيخ في (العظمة)\n_________\n(ص ٢٩٣) .\n٢ ابن عمر، أبو عمر البَلْخِي الفقيه، النيسابوري قاضيها، صدوقٌ عابدٌ، رُمِيَ بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة١٩٩هـ/ قد س. (التقريب ١٧٢) .\n(٥/ ٩٤ - ٩٦) ح ٤٧٢٦.\n(ص ٥٦) ح ١١.\n(٢/ ٥٥٤) ح ١٩٨.","vol":"3","page":333},{"text":"عن: محمد بن المثنى. وابن أبي عاصم في (السنة) ١ عن: ابن المثنى، وعبد الأعلى. والدارمي في (الرد على بشر المريسي) ٢ عن: ابن بشار. كلهم عن: وهب بن جرير بالإسناد السابق، لكنهم قالوا فيه: عن: محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، وجبير بن محمد، كلاهما عن محمد بن جبير به. وجاء عند الدارمي مختصرًا ليس فيه قصة الأعرابي.\nقال أبو داود - عقب إشارته إلى هذا الخلاف في إسناده -: \"والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح - يعني: عن يعقوب، عن جبير - وافقه عليه جماعة، منهم: يحيى بن معين وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضًا\"٣. وَصَوَّبَ الدارقطني - أيضًا - ما صَوَّبَه أبو داود هنا٤، وكذا صَوَّبَه المزي٥.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بعدَّة علل، أجمل ذلك المنذري في (تهذيب السنن) ٦، فقال: \"قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه. ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة\".\n_________\n(١/ ٢٥٢) ح ٥٧٥.\n(ص ١٠٥) .\n٣ سنن أبي داود: (٥/ ٩٦) .\n٤ الصفات: (ص ٥٣) .\n٥ تهذيب الكمال: (٤/ ٥٠٦) .\n(٧/ ٩٧ - ١٠١) .","vol":"3","page":334},{"text":"قال المنذري: \"ومحمد بن إسحاق مُدَلِّس، وإذا قال المدلس: عن فلان. ولم يقل: حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، لا يحتجُّ بحديثه، وإلى هذا أشار البزار، مع أن ابن إسحاق إذا صَرَّحَ بالسماع: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه، فكيف إذا لم يصرح به\". قال: \"وقد رواه يحيى بن معين وغيره، فلم يذكروا فيه لفظة: به\"١. قال: \"وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي٢: وقد تَفَرَّدَ به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي الأخنسي، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم ... وليس لهما في صحيحي ... البخاري ... ومسلم رواية. وانفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب. وابن إسحاق: لا يحتجُّ بحديثه، وقد طعن فيه غير واحد من الأئمة، وَكَذَّبَه جماعة منهم\".\nفهذا حاصلُ ما أُعِلَّ به هذا الحديث، وقد تناول ابنُ القَيِّم هذه العلل بالجواب، فكان حاصل ما أجاب به:\nأولًا: أما الطَّعْنُ في محمد بن إسحاق: فإنَّه مردود، قال: \"إن ابن إسحاق بالموضع الذي جعله الله: من العلم والأمانة\"٣. ثم أخذ في نقل أقوال الأئمة في الثناء على محمد بن إسحاق ومدحه، وأن الترمذي صحح\n_________\n١ كما عند ابن أبي عاصم: (ح ٥٧٥)، والدارقطني: (ح ٣٩)، والآجري: (ص٢٩٣) .\n٢ هو ابن عساكر، وقد ألف في تضعيف هذا الحديث جزءًا سماه (تبيان الوهم والتخليط فيما أخرجه أبو داود من حديث الأطيط) . أفاد ذلك محقق كتاب (العرش) لابن أبي شيبة.\n٣ تهذيب السنن: (٧/ ٩٤) .","vol":"3","page":335},{"text":"له حديثًا لم يأت إلا من طريقه، وهو حديث سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدة ... الحديث، قال ابن القَيِّم: \"فهذا حكم قد تَفَرَّدَ به ابن إسحاق في الدنيا، وقد صححه الترمذي\".\nوأما القول بتكذيبه: فإن ذلك مبنيٌّ على ما حُكي عن هشام بن عروة، إذ قال: \"حَدَّثَ عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدْخِلْتُ عليها وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيتُ الله\".\nوأجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك: بأن سليمان بن داود الشاذكوني - راوي هذه الحكاية - اتُّهِم بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل روايته. ثم إن هشامًا نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع، وفي هذا يقول الإمام أحمد: \"لعله سمع منها في المسجد، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ فقد كانت امرأة كبرت وأسنت\"١. وقد رَدَّ الحافظ الذهبي - ﵀ - هذه الحكاية بنحو ذلك٢.\nقلت: ولعلَّ الذي تطمئنُ إليه النفسُ في أمر ابن إسحاق: ما قرره الذهبيُّ ﵀؛ حيث قال: \" ... له ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السِّير، وأمَّا في أحاديث الأحكام: فينحطُّ حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شَذَّ فيه، فإنه يعد منكرًا\"٣. وقال مرة: \"فالذي\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/٩٤) .\n٢ سير أعلام النبلاء: (٧/ ٤٩) .\n٣ المصدر السابق: (٧/ ٤١) .","vol":"3","page":336},{"text":"يظهر لي: أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفرد به: ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا\"١.\nقلت: وهذا الحديثُ من هذا القبيل؛ فإنَّ مداره على ابن إسحاق وحده، وإذا كان ما ينفرد به في الأحكام على هذه الصفة التي حكى الذهبيُّ - صاحب الاستقراء التام في الرِّجال - فإن ما ينفرد به في العقائد أولى أن يُتَوَقَّفَ فيه.\nوعلى هذا، فإن إطلاق ابنِ القَيِّم القول بتوثيقِهِ، والاحتجاجِ بروايته لا يخلو من نظر.\nثانيًا: وأما القولُ بأنَّ ابنَ إسحاقَ عنعنه، ولم يُصَرِّحْ بسماعه من يعقوب بن عتبة: فأجاب ابن القَيِّم بقوله: \"فعلى تقدير العلم بهذا النفي: لا يخرج الحديث عن كونه حسنًا، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة الْمُدَلِّس: كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر كثيرة لذلك\"٢. كذا قال ابن القَيِّم ﵀! وهاهنا وقفات:\n- الأولى: هل عنعنة الراوي عن شيخه تحمل على الاتصال بمجرد ثبوت اللقاء؟ الجمهور على أن ذلك لا يكون متصلًا إلا بشرط عدم\n_________\n١ الميزان: (٣/ ٤٧٥) .\n٢ تهذيب السنن: (٧/ ٩٨) .","vol":"3","page":337},{"text":"كون المعنعن مُدَلِّسًَا١، وهذا شرط أساسي، قال الحافظ الذهبي ﵀: \"ثم بتقدير تيقن اللقاء، يشترط أن لا يكون الراوي عن شيخه مدلسًا ... فإن كان مدلسًا: فالأظهر أنه لا يحمل على السماع\"٢. ولما كان ابن إسحاق مدلسًا، فإن عنعنته لا تحمل هنا على الاتصال، خلافًا لما اختاره ابن القَيِّم ﵀.\n- الثانية: فإذا ثبت أن ابن إسحاق من المدلسين، فهل يحتج بما قال فيه: \"عن\"، ولم يصرح بسماعه؟ قال النووي ﵀: \" والصحيح التفصيل: فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع: فمرسل، وما بينه فيه: كسمعت وحدثنا ... فمقبول محتج به\"٣. وقال العلائي: \"الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول: الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرح فيه بالسماع، دون ما رواه بلفظ محتمل\"٤. وقال ابن حجر: \"وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلًا: أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح\"٥. فظهر من ذلك عدم الاحتجاج برواية المدلس ما لم يصرح بالسماع أو التحديث، خلافًا لما قاله ابن القَيِّم هنا.\nوأما ما ذهب إليه - ﵀ - من القول بالاحتجاج في\n_________\n١ انظر: تدريب الراوي: (١/ ٢١٤ - ٢١٥) .\n٢ الموقظة: (ص ٤٥) .\n٣ تدريب الراوي: (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠) .\n٤ جامع التحصيل: (ص ١١١ - ١١٢) .\n٥ نزهة النظر مع النخبة: (ص ٤٣) .","vol":"3","page":338},{"text":"الصحيح بعنعنة المدلسين، كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار: فقد أجيب عن ذلك بأنه محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى١، على أن هذا قد نوزع فيه أيضًا٢.\nوبعد ذلك كله: فإن ابن إسحاق قد عده الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الطبقة الرابعة٣ من طبقات المدلسين، وهم: \"الذين اتُّفِقَ على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل\"٤.\nفإذا ثبت ذلك، فإن عنعنة ابن إسحاق وعدم تصريحه بالسماع في هذا الحديث تبقى علة لا يمكن دفعها، خلافًا لابن القَيِّم ﵀.\nثالثًا: أما عن تَفَرُّدِ جبير بن محمد به: فقد أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك: بأن محمد بن جبير ثقة، وعدم رواية أصحاب الصحيحين عنه ليس بعلة٥. كذا وقع عند ابن القَيِّم \"محمد بن جبير\"، وقد تَقَدَّمَ أن كلام ابن عساكر في ابنه \"جبير بن محمد بن جبير\". ولا أدري: هل هذا خطأ طباعي، أم أن ابن القَيِّم فعلًا أراد محمد بن جبير؟\n_________\n١ تدريب الراوي: (١/ ٢٣٠) . وانظر الكلام على ذلك فيما تقدم (ص ٣١٩ - ٣٢١) .\n٢ انظر: النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٣٥) .\n٣ طبقات المدلسين: (ص ١٣٢) .\n٤ المصدر السابق: (ص ٢٤) .\n٥ انظر: تهذيب السنن: (٧/ ٩٨) .","vol":"3","page":339},{"text":"وعلى كلِّ حال، فإنَّ جبير بن محمد مما يُعَلُّ به هذا الحديث، كما ذُكِر عن ابن عساكر؛ فإنه لم يرو عنه إلا: يعقوب بن عتبة، وحصين ابن عبد الرحمن١، ولم يوثقه مع ذلك أحد إلا ابن حبان، فإنه ذكره في (ثقاته) ٢.\nوهو بهذه المثابة مجهول الحال، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر: \"مقبول\"، يعني: حيث يتابع، ولم يتابعه أحد على هذا الحديث، فهو إذن لين الحديث.\nثم أخذ ابن القَيِّم في الجواب عن باقي علل هذا الحديث: كالقول باضطراب إسناده ومتنه وغير ذلك، فذهب إلى أن زيادة لفظة (به) من باب زيادة الثقات، وذلك لا يوجبُ رَدَّ الحديث٣.\nوالذي يتلخصُ من ذلك: أن هذا الحديثَ ضعيفُ السَّنَدِ، غريبُ المتن:\n_________\n١- لتفرد ابن إسحاق به، وقد عُرف القول فيما ينفردُ به.\n٢- وعنعنته إياه، وهو مدلس.\n٣- وضعفِ جبير بن محمد، إلى غير ذلك مما أعل به.\nوأما جواب ابن القَيِّم عن هذه العلل: فإنه لا يُغْنِي عن ضعف\n١ انظر: تهذيب التهذيب: (٢/ ٦٣) .\n(٦/ ١٤٨) .\n٣ تهذيب السنن: (٧/ ٩٨) .","vol":"3","page":340},{"text":"الحديث شيئًا، - كما تقدم –؛ فإن جمعًا من الأئمة على إعلاله، وقد تقدم من ذلك قول: البزار، وابن عساكر، والمنذري، وأعَلَّهُ أيضًا: البيهقي ﵀، فقال: \"وهذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق ... \"١. فذكر نحوًا من الكلام المتقدم.\nوقال الحافظ الذهبي: \"هذا حديثٌ غريبٌ جدًا فردٌ، وابن إسحاق حجةٌ في المغازي إذا أَسْنَدَ، وله مناكيرُ وعجائبُ، فالله أعلم أقالَ النبيُّ ﷺ هذا أم لا ... \"٢. واسْتَغْرَبَهُ كذلك الحافظ ابن كثير٣ ﵀. وقال الشيخ الألباني: \"إسناده ضعيف، ورجاله ثقات. لكن ابن إسحاق مُدَلِّس، ومثله لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه ... \"٤.\nوالخطابي - ﵀ - مع أنه أخذَ في تأويل هذا الحديث، إلا أنه - فيما يبدو - قد اختار إعلاله؛ إذ قال: \"وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ٥ ... ولم يُدْخِلْهُ في الجامع الصحيح\"٦.\nثم توجَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - بعد ذلك إلى نفي تَفَرُّدِ ابنِ\n_________\n١ الأسماء والصفات: (ص ٥٢٨) .\n٢ العلو للعلي الغفار: (ص ٣٩) .\n٣ تفسير القرآن العظيم: (١/ ٣١٠) .\n٤ ظلال الجنة في تخريج السنة: (ص ٢٥٢) .\n(١/ ٢/ ٢٢٤) .\n٦ معالم السنن: (٧/ ٩٧) .","vol":"3","page":341},{"text":"إسحاق برواية هذا المعنى، فقال: \"وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النبي ﷺ من غير حديث ابن إسحاق. فقال محمد بن عبد الله الكوفي - المعروف بمُطَيَّن-: حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان، قالا: حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن:\n١٢٦- (٣) عمر ﵁، أنه قال: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امرأةٌ، فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنِي الجنة. فَعَظَّمَ أَمْرَ الرَّبِّ، ثم قال: \" إِنَّ كُرْسِيَّه فوقَ السموات والأرض، وأنه يقعدُ عليه، فما يَفْضُل منه مقدار أربع أصابع\" ثم قال بأصابعه فجمعها، \"وأنَّ له أطيطًا كأطيط الرحل \" ١.\nثم قال ابن القَيِّم ﵀: \"فإن قيل: عبد الله بن الحكم، وعثمان لا يعرفان. قيل: بل هما ثقتان مشهوران: عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الحكم القطواني، وهما من رجال الصحيح\"٢.\nقلت: هذا الحديث أخرجه هكذا مسندًا: ابن أبي عاصم في (السنة) ٣ عن: إسماعيل بن سالم الصائغ. والبزار في (مسنده) ٤ عن: الفضل بن سهل. وابن خزيمة في (التوحيد) ٥ عن: يعقوب بن إبراهيم\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ٩٨) .\n٢ المصدر السابق: (٧/ ٩٩) .\n(١/ ٢٥١) ح ٥٧٤.\n(١/ ٤٥٧) ح ٣٢٥.\n(١/ ٢٤٤) ح ١٥٠، ١٥١.","vol":"3","page":342},{"text":"الدورقي. والطبراني١ عن: عبيد الله بن أبي زياد القطواني. وأبو الشيخ في (العظمة) ٢ عن: أبي بكر ابن إسحاق، والحسن بن ناصح. والدارقطني في (الصفات) ٣ عن: أحمد بن منصور بن سيار، كلهم عن: يحيى بن أبي بكير٤، عن إسرائيل٥، عن أبي إسحاق٦ السبيعي، عن عبد الله بن خليفة٧، عن عمر ﵁ به بنحو ما تقدم.\nواللفظ الذي أورده ابن القَيِّم - ﵀ - هو لفظ ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٨، من الطريق التي ذكرها ابن القَيِّم.\nوفي هذا الحديث عِدُّة علل:\n_________\n١ أخرجه من طريقه: أبو العلاء الهمداني في فتياه حول الصفات (١٠٠/ ١)، والضياء المقدسي في المختارة: (١/٥٩)، وأبو محمد الدشتي في إثبات الحد: (١٣٤ - ١٣٥) . أفاد ذلك الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة: (٢/٢٥٧) ح٨٦٦.\n(٢/ ٥٤٨) ح١٩٣.\n(ص ٤٨) ح٣٥.\n٤ واسم أبي بكير: نسر، الكرماني، كوفي الأصل، نزل بغداد، ثقة، من التاسعة، مات سنة ٢٠٨ هـ أو ٢٠٩ هـ/ع. (التقريب ٥٨٨) .\n٥ ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، ثقة تُكُلِّم فيه بلا حجة، من السابعة، مات سنة ١٦٠ هـ وقيل بعدها / ع. (التقريب ١٠٤) .\n٦ هو: عمرو بن عبد الله بن عبيد - ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شعيرة - الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بآخرة، مات سنة ١٢٩هـ/ع. (التقريب٤٢٣) .\n٧ الهمداني، مقبول، من الثانية / فق. (التقريب ٣٠١) .\n(١/ ٤) ح ٣ باب ذكر الاستواء على العرش.","vol":"3","page":343},{"text":"أولها: جهالة عبد الله بن خليفة، راويه عن عمر: فقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ١ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وانفرد ابن حبان بتوثيقه٢ على قاعدته، فيكون بهذه المثابة مجهول الحال، إذ انتفت جهالة عينه برواية أبي إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق٣ عنه، ولذلك قال عنه الذهبي ﵀: \"لا يكاد يعرف\"٤. وقال الحافظ ابن كثير: \"ليس بذاك المشهور\"٥. وقال فيه الحافظ ابن حجر: \"مقبول\" يعني: حيث يتابع، وإلا يكون لين الحديث، وهو لم يتابع هنا، إذ مدار الحديث عليه وحده.\nالعلة الثانية: اضطرابُه سندًا ومتنًا: فقد رُوي عن عبد الله بن خليفة، عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرجه كذلك الدارمي في (الرد على المريسي) ٦ من طريق: عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل به، وفيه: \" ... وإنه ليقعدُ عليه، فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع - وَمَدَّ أصابعه الأربع - وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله\". وأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٧ من طريق: وكيع، عن إسرائيل به، ولفظه\n_________\n(٢/ ٢/ ٤٥) .\n٢ الثقات: (٥/ ٢٨) .\n٣ تهذيب التهذيب: (٥/ ١٩٨) .\n٤ الميزان: (٢/ ٤١٤) .\n٥ تفسير القرآن العظيم: (١/ ٣١٠) .\n(ص ٧٤) .\n(١/ ٤) ح ٢.","vol":"3","page":344},{"text":"عن النبي ﷺ: \"الكرسيُّ الذي يجلس عليه ﷿، ما يفضل منه ... \".\nوقد وقع الحديث عند ابن خزيمة بالشك، ففيه: \" ... عبد الله بن خليفة - أظنه عن عمر - أن امرأة ... \" قال ابن خزيمة ﵀: \"ما أدري: الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحيى بن أبي بكير، أم من إسرائيل، قد رواه وكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة مرسلًا، ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن\"١.\nوقد روي مع ذلك موقوفًا على عمر ﵁، رواه كذلك: الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁ أنه قال: \" إذ جَلَسَ - ﵎ - على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد\". أخرجه من هذا الطريق: عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (السنة) ٢، وقد أشار البزار - ﵀ - إلى هذه الرواية الموقوفة، فقال: \"وقد روى الثوري هذا الحديث عن: أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر موقوفًا\"٣.\nوقد أَعَلَّ الأئمة هذا الحديث من أجل هذا الاضطراب، فقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٤: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وإسناده مضطرب جدًا ... وتارة يرويه ابن خليفة: عن عمر،\n_________\n١ التوحيد: (١/ ٢٤٥) .\n(ص ٧٩) ح ٤٠٢، باب ذكر الكرسي.\n٣ مسند البزار: (١/ ٤٥٨) .\n(١/ ٥ - ٦) .","vol":"3","page":345},{"text":"عن رسول الله ﷺ. وتارة يقفه على عمر. وتارة يوقف على ابن خليفة. وتارة يأتي: فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع. وتارة يأتي: فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، وكل هذا تخليط من الرواة، فلا يُعَوَّل عليه\". وقال الحافظ ابن كثير: \" ... منهم من يرويه عنه، عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها\"١.\nالعلة الثالثة: أن أبا إسحاق السَّبيعي عَنْعَنَهُ، وهو مُدَلِّسٌ: وقد ذكره الحافظ ابن حجر - ﵀ - ضمن الطبقة الثالثة من المدلسين٢، والراجح في شأنهم: عدم قبول رواياتهم إلا إذا صرحوا بالسماع.\nوعلة رابعة: ذكرها الحافظُ ابن كثير ﵀، فقال: \"وفي سماعه - يعني عبد الله بن خليفة - من عمر نظر\"٣.\nوكأن ابن خزيمة - ﵀ - رَجَّحَ كونه مرسلا، ولذلك قال: \"وليس هذا الخبر من شرطنا؛ لأنه غير متصل الإسناد. لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل والمنقطعات\"٤.\nفإذا تَبَيَّنَ ضعف هذا الحديث، فإن الهيثمي - ﵀ - لم يُصِبْ\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم: (١/ ٣١٠) .\n٢ طبقات المدلسين: (ص ١٠١) .\n٣ تفسير القرآن العظيم: (١/ ٣١٠) .\n٤ التوحيد: (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) .","vol":"3","page":346},{"text":"حين قال: \"رجاله رجال الصحيح\"١. فإنَّ عبد الله بن خليفة لم يخرج له أحد من أصحاب السنن الأربعة، فضلًا عن الصحيحين، ومثله قول أبي محمد الدّشتي في كتاب إثبات الحدِّ: \"حديث صحيح، رواته على شرط البخاري ومسلم\". نقل ذلك عنه الشيخ الألباني، ثم قال: \"وهو خطأ بَيّنٌ مزدوج، فليس الحديث بصحيح، ولا رواته على شرطهما ... فأنّى للحديث الصحة؟! بل هو حديث منكر عندي\"٢.\nفتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديثَ ضعيفُ السَّنَدِ، مضطربٌ سندًا ومتنًا، فمثله لا يصلح الاعتماد عليه في تقوية حديث ابن إسحاق الماضي. ومن ذلك يتضح عدم إصابة ابن القَيِّم - ﵀ - حينما حاول تقوية هذا الحديث، حيث أخذ يقوي أمر عبد الله بن الحكم القطواني، وعثمان بن أبي شيبة، والحديث معلول من جهات أخرى كما تقدم.\nوبالجملة: فقد نفى الحافظ الذهبي - ﵀ - ثبوتَ لفظ الأطيط في أي خبر، فقال: \"لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت\"٣.\nوابن القَيِّم - ﵀ - أورد ذلك في مقام الاستدلال على علوِّ الله ﷿ واستوائه على عرشه، وفيما صحَّ من الأحاديث والآثار في هذا الباب كفايةٌ، وقد ساق ابن القَيِّم بعد هذين الحديثين جملة من\n_________\n١ مجمع الزوائد: (١/ ٨٤) .\n٢ السلسلة الضعيفة: (٢/ ٢٥٧) ح ٨٦٦.\n٣ العلو: (ص ٣٩) .","vol":"3","page":347},{"text":"الأحاديث الصحيحة في إثبات ذلك١، ولسنا بحاجة إذن إلى الاحتجاج بما اشتمل على بعض الألفاظ المنكرة.\nيوضح ذلك ويبينه: قول الذهبي - ﵀ - عقب هذا الحديث: \"وقولنا في هذه الأحاديث: أننا نؤمن بما صح منها، وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال، واختلف العلماء في قبوله وتأويله: فإنا لا نَتَعَرَّضُ له بتأويل، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث - يعني حديث الأطيط - إنما سُقْنَاه لما فيه مما تواتر من علو الله - تعالى - فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب\"٢.\n_________\n١ تهذيب السنن: (٧/ ٩٩ - ١٠١) .\n٢ العلو: (ص ٣٩) .","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>٣ - باب ما جاء في نهي النبي صلى الله عليه عن اتخاذ قبره عيدا</span>\n...\n٣ - باب ما جاء في نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره عيدا\n١٢٧- (٤) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم قبورًا، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيّ، فإن صَلاتَكُم تَبْلُغُنِي حيث كُنْتُم\".\nقال ابن القَيِّم ﵀ - وقد ساقه بإسناد أبي داود -: \"هذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير\"١.\nقلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والحسين بن أحمد بن إبراهيم بن نفيل في (جزئه) ٤، من طرق، عن: عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به.\nقال المنذري في (تهذيب السنن) ٥: \"في إسناده عبد الله بن نافع الصائغ ... \".\nثم نقل كلام الأئمة في تضعيفه، وتوثيق ابن معين وأبي زرعة له.\n_________\n١ إغاثة اللهفان: (١/ ١٩١) .\n(٢/ ٥٣٤) ح ٢٠٤٢، ك المناسك، باب زيارة القبور.\n(٢/ ٣٦٧) .\n٤ كما أفاده ابن القَيِّم - ﵀ - في جلاء الأفهام: (ص ١٧) .\n(٢/ ٤٤٧) .","vol":"3","page":349},{"text":"قلت: وعبد الله بن نافع هذا قد تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه١، ومع ذلك فقد وَثَّقَهُ بعض الأئمة، فقال النسائي: \"ثقة\"٢. ومرة قال: \"ليس به بأس\"٣. وقال ابن معين: \"ثقة\"٤. وقال أبو زرعة: \"لا بأس به\"٥. وقال العجلي: \"ثقة\"٦.\nوقال الدارقطني: \"يعتبر به\"٧. وقال الخليلي: \"ثقة\"٨. وقال ابن قانع: \"مدني صالح\"٩. وذكره ابن حبان في (الثقات) ١٠ وقال: \"وكان صحيحَ الكِتَابِ، وإذا حَدَّثَ من حفظه رُبَّمَا أَخْطَأ\".\nفهذه أقوالُ الأئمةِ في عبد الله بن نافع، ويظهر منها أن الرَّجُلَ قد وَثَّقَهُ أئمةٌ معتبرون، فما قِيل من ضعفٍ في حفظه فإنه لا يُرَدُّ حديثه لأجله، اللهم إلا إذا خالفه من هو أحفظ منه وأثبت، فحينئذ يتوقف في حديثه.\n_________\n١ انظر ترجمته في: الميزان: (٢/ ٥١٣)، وتهذيب التهذيب: (٦/ ٥١) .\n٢ تهذيب التهذيب: (٦/ ٥١) .\n٣ تهذيب التهذيب: (٦/ ٥١) .\n٤ تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص ١٥٣) رقم ٥٣٢.\n٥ الجرح والتعديل: (٢/٢/١٨٤) .\n٦ تاريخ الثقات: (ص ٢٨١) .\n٧ سؤالات البرقاني للدارقطني: (ص ٤٠) رقم ٢٥٦.\n٨ الإرشاد: (١/ ٣١٦) .\n٩ تهذيب التهذيب: (٦/ ٥٢) .\n١٠ (٨/ ٣٤٨) .","vol":"3","page":350},{"text":"وقد رُوِيَ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ﵁، فأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ١ من طريق: عبد الله بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: \"لا تتخذوا قَبْرِي عيدًا، لَعَنَ اللهُ قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد يُصَلُّون إليها، وصلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا\".\nوفي إسناده: عبد الله بن هشام، قال عنه أبو حاتم: \"متروك الحديث\"٢.\nوللحديث شاهد من حديث عليِّ بن أبي طالب ﵁، أخرجه ابنُ أبي شيبة في (مصنفه) ٣ - وعنه أبو يعلى في (مسنده) ٤ - والضياء المقدسي في (المختارة) كما أفاده ابن القَيِّم٥ ﵀، كلهم من طريق: جعفر بن إبراهيم، عن علي بن عمر، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين: أَنَّهُ رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فيدعو. فنهاه، وقال: ألا أُحَدِّثُكَ حديثًا سمعته من أبي، عن جَدِّي، عن رسول الله ﷺ؟ قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا،\n_________\n(٦/ ٢٨٣) .\n٢ الجرح والتعديل: (٢/٢/١٩٣) .\n(٢/٣٧٥) .\n(١/٣٦١) ح ٤٦٩.\n٥ انظر إغاثة اللهفان: (١/ ١٩١) .","vol":"3","page":351},{"text":"وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم\".\nقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) ١: \"فيه جعفر بن إبراهيم الجعفري، ذكره ابن أبي حاتم٢، ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجاله ثقات\".\nقلت: \"وعليُّ بن عمر\" هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال فيه ابن حجر: \"مستور\"٣. فيكون هذا الإسناد - والحالة هذه - ضعيفًا، إلا أنه يصلح للاستشهاد به، وإذا انضم إلى حديث أبي هريرة السابق أعطاه قوة، وتَبَيَّنَ أن للحديث أصلًا عن النبي ﷺ.\nوقد أورد ابن القَيِّم - ﵀ - بعد ذلك حديثين مرسلين من رواية: أبي سعيد مولى المهري، والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بلفظ قريب من اللفظ الماضي، ثم قال: \"فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين، يَدُلاّنِ على ثبوتِ الحديث، لاسيما وقد احتجَّ به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن رُوِيَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تَقَدَّمَ مسندًا؟ \"٤.\n_________\n(٤/ ٣) .\n٢ انظر: الجرح والتعديل: (١/ ١/ ٤٧٤)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٦٠) .\n٣ التقريب: (ص ٤٠٤) .\n٤ إغاثة اللهفان: (١/ ١٩٢) .","vol":"3","page":352},{"text":"فَتَلَخَّصَ من ذلك: أَنَّ حديثَ أبي هريرة الماضي حديثٌ حسنُ الإسناد، كما حَكَمَ ابن القَيِّم - ﵀ - عليه، وأنه قد يعتضد بهذه الشواهد - المسند منها والمرسل - فيصبح صحيحًا لغيره، فإن وقف عند كونه حسنًا، فحسبه ذلك.\nوقد حسنه - أيضًا -: الحافظ ابن حجر١، والشيخ الألباني ﵀، فقال: \"رواه أبو داود وأحمد بسند حسن\"٢. وقال مرة: \"وسنده حسن، ومن صححه فقد ذهل أو تساهل، نعم الحديث صحيح باعتبار ما له من الشواهد ... \"٣.\nقلت: وصحح النووي إسناده٤، وهو غير مُسَلَّم لما مضى بيانه، والله أعلم.\n_________\n١ كما في الفتوحات الربانية: (٣/ ٣١٣) .\n٢ تحذير الساجد: (ص ١٤٢) .\n٣ التعليق على المشكاة: (١/ ٢٩٢) .\n٤ الأذكار: (ص ٩٧) .","vol":"3","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>٤ - باب ما جاء في أطفال المشركين</span>\n١٢٨- (٥) عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول وهو على المنبر: قال رسول الله ﷺ: \" لا يزالُ أمرُ هذه الأمَّة مواتيًا١ - أو مقاربًا - ما لم يتكلموا في الولدان والقدر\". قال أبو حاتم - يعني ابن حبان -: \"الولدان. أراد بهم: أطفال المشركين\".\nعزا ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث إلى (صحيح ابن حبان)، ثم قال: \"وأَمَّا حديث أبي رجاءٍ العطاردي، عن ابن عباس: ففي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والنَّاس إنما رووه موقوفًا عليه، وهو الأشبهُ، وابن حِبَّان كثيرًا ما يرفعُ في كتابه ما يَعْلَمُ أئمة الحديث أنه موقوف\"٢.\nوقال في موضع آخر: \"في القلب من رَفْعِهِ شيءٌ، وإن أَخْرَجَهُ ابن حبان في (صحيحه)، وهو يدلُّ على ذَمِّ من تَكَلَّمَ فيهم بغير علم، أو ضَرَبَ النُّصوصَ بعضها ببعض فيهم ... وأما من تَكَلَّمَ فيهم بعلمٍ وحقٍّ: فلا\"٣.\n_________\n١ المواتاة: حسنُ المطاوعة والموافقة، وأصله الهمز فخفف وكثر، حتى صار يقال بالواو الخالصة، وليس بالوجه. (النهاية ١/ ٢٢) .\n٢ أحكام أهل الذمة: (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٣) .\n٣ طريق الهجرتين: (ص ٦٧٤) .","vol":"3","page":354},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، كلاهما من طريق: الحسن بن سفيان، عن محمد بن أبان الواسطي٣ ويزيد بن صالح اليشكري٤.\nوأخرجه الحاكم في (مستدركه) من طريق: أبي داود السجستاني، عن سليمان بن حرب٥ وشيبان بن أبي شيبة٦. كلهم من طريق: جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي٧، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، باللفظ المتقدم، ووقع عند الحاكم: \"مُؤَامرًا\" بدل \"مواتيًا\".\nقال أبو عبد الله الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم\n_________\n١ الإحسان: (٨/ ٢٥٥) ح ٦٦٨٩.\n(١/٣٣) .\n٣ الطَحَّان، صدوقٌ تَكَلَّمَ فيه الأزدي، من العاشرة، مات سنة ٢٣٨ هـ/خ. (التقريب ٤٦٥) .\n٤ أبو خالد، الفَرَّاء، النيسابوري، قال أبو حاتم: \"مجهول\"، فرده الذهبي بقوله: \"بل مشهور صدوق\". وَوَثَّقَه ابن حبان. الجرح والتعديل: (٤/٢/٢٧٢)، ثقات ابن حبان: (٩/٢٧٥)، المغني في الضعفاء: (٢/٧٥٠) . (وانظر الميزان: ٤/ ٤٢٩) .\n٥ الأزدي، البصري، قاضي مكة، ثقة إمام حافظ /ع. (التقريب ٢٥٠) .\n٦ هو: شيبان بن فروخ الحبطي الأبلي، صدوق يهم ورمي بالقدر/ م د س. (التقريب٢٦٩) .\n٧ هو: عمران بن ملحان - ويقال: ابن تيم - مشهور بكنيته، مخضرم، ثقة، مُعَمَّر، مات سنة ١٠٥هـ/ ع. (التقريب٤٣٠) .","vol":"3","page":355},{"text":"له علة، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي - ﵀ -. قال الشيخ الألباني: \"وهو كما قالا\"١.\nوساقه الحافظ الذهبي - ﵀ - في ترجمة ابن حبان من (سير النبلاء) ٢ بإسناده إليه، ثم قال: \"هذا حديث صحيح، ولم يخرج في الكتب الستة\".\nوعزاه الهيثمي إلى البزار والطبراني، ثم قال: \"ورجال البزار رجال الصحيح\"٣.\nفقد صحح الحديث مرفوعًا - كما نرى -: ابن حبان، والحاكم، والذهبي، والهيثمي، والألباني، ولم يقل أحد منهم: بأن رفعه خطأ.\nوحينئذ فلا وجه لما قاله ابن القَيِّم من أن الصواب وقفه على ابن عباس، وأما قوله: \"والناس إنما رووه موقوفًا عليه\" فلم أقف بعد البحث على من رواه كذلك.\nوأما تضعيفه من قِبَلِ ابن حبان، وأنه هو الذي رفعه: فغير مقبول أيضًا، وقد رواه الحاكم – كما سلف - من غير طريق ابن حبان، والبزار - وهو متقدم على ابن حبان - فكلهم جاء به مرفوعًا، فلم يبق متعلق في ذلك على ابن حبان، والله أعلم.\n_________\n١ السلسلة الصحيحة: (٤/ ١٩ - ٢٠) ح ١٥١٥.\n(١٦/ ١٠٣ - ١٠٤) .\n٣ مجمع الزوائد: (٧/ ٢٠٢) .","vol":"3","page":356},{"text":"الخاتمة\nفي نهاية دراستي هذه لابن القَيِّم وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها، وبعد هذا التجوال في تراثه وآثاره النافعة، أسجل خلاصة ما تَضَمَّنَهُ بحثي هذا وأهمَّ النتائج التي أسفرتْ عنها هذه الدراسة:\n١- أَنَّ هذا الدِّين محفوظ بحفظ الله - ﷿ - له، وأنَّ من مظاهر هذا الحفظ: أولئك الأعلام الأفذاذ، والجهابذة الحُفَّاظ، الذين هَيَّأَهُم اللهُ - سبحانه - للذود عن دينه، ونُصْرَةِ شَرِيعَتِهِ، وأنَّ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ تأييدًا خَاصًَّا من الله ﷿.\n٢- أنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - كان واحدًا من أولئك الأعلام الذين نَصَرَ الله بهم الحق وهزم الباطل، وأظهر بهم السنة وقَمَعَ البدعة.\n٣- كانت العلاقة وثيقة بين ابن القَيِّم وبين العصر الذي عاش فيه تأثرًا وتأثيرًا؛ لذا فقد كان للأوضاع السياسية، والاجتماعية، والدينية الْمُتَرَدِّيَةِ آنذاك أكبر الأثر على تَوَجُّهَاتِ ابن القَيِّم ودعوته الإصلاحية.\n٤- أن ابن القَيِّم ولد في أُسْرَةٌ طَيِّبَة، وأن والده كان من أهل العلم والفضل، مما كان له - بتوفيق الله - أثر كبير في النشأة الصالحة لابن القَيِّم ﵀، وسلوكه طريق العلم وأهله.\n٥- لقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - متحليًا بمحاسن الأخلاق، وجميل العادات، مع الاجتهاد في الطاعة والجدِّ في العبادة، وذلك بشهادة كل من عرفه وعايشه، فجمع - ﵀ - بذلك بين العلم والعمل،","vol":"3","page":359},{"text":"فبورك له في علمه ودعوته، وعمَّ النفع بهما، وَسَرَتْ بركة ذلك في الأجيال من بعده إلى يومنا هذا.\n٦- عاش ابن القَيِّم حياته مجاهدًا من أجل تحقيق أهداف نبيلة وغايات جليلة، تمثلت في: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسُّنَّة الصحيحة، ونبذ ما سوى ذلك من البدع الْمُحْدَثَةِ والآراءِ المستحدثة، ومحاربة التَّعَصُّبِ المذهبيِّ، والتقليد الأعمى. ولقد كان ملتزمًا ذلك في حياته كلها عملًا وسلوكًا، فأحيا الله على يديه - ومن قبله شيخه ابن تَيْمِيَّة - الدعوة السلفية النَيِّرَة في تلك الحقبة المظلمة.\n٧- تَعَرَّضَ ابن القَيِّم - ﵀ - في مسيرته الإصلاحية لمحنٍ شديدة وابتلاءات عديدة، نتيجة لصدعه بالحق، وقيامه في وجه الباطل، فلم يزده ذلك إلا ثباتًا على مبادئه، وصلابةً في مواجهة أعداء السُّنَّة وأهلها، فضرب - ﵀ - بذلك أروع الأمثلة في الصبر والثبات وتحمل الأذى في ذات الله ﷿.\n٨- أما عن حياته العلمية: فقد بَرَّزَ وتفوق - ﵀ - في علوم عديدة، بشهادة الأئمة الأعلام له بذلك، وهنا نقف على حقيقة مهمة، وهي: صعوبةُ الحُكْمِ على ابن القَيِّم - ﵀ - بالتَّخَصُّصِ في فَنٍّ بعينه على حساب الفنون الأخرى؛ فقد شُهِدَ له بالتفوق في سائر العلوم والتقدم فيها.\n٩- لقد كان لتتلمذ ابن القَيِّم - ﵀ - على خيرةِ علماءِ عصرهِ وأعلام وقته - مع ولوعه باقتناء الكتب وجمعها - أثر كبير في تفوقه وبروزه العلمي.","vol":"3","page":360},{"text":"١٠- وبعد هذه الرحلة المباركة في خدمة هذا الدين، ترك ابن القَيِّم - ﵀ - كتبًا ومؤلفات مباركة، عَمَّ النفع بها على مَرِّ العصور والأزمان، حتى وقتنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فانقطع عمله - ﵀ - من الدنيا، إلا من هذا العلم النافع، فلا زال النفع به مستمرًا، جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا.\n١١- ولقد توافرت لمؤلفات ابن القَيِّم - ﵀ - خصائص وميزات عديدة، كان لها أثر كبير في رِفْعَةِ شأنها وذيوعِ صيتها، وعشقِ القلوب لها، مع انتفاعِ البعيد والقريب بها.\n١٢- وفيما يتعلق بجانب الحديث وعلومه - موضوع هذه الدراسة - تبرز بعض الحقائق المهمة، فمن ذلك:\n- تَمَكُّنُ ابن القَيِّم - ﵀ - من قواعد (مصطلح الحديث)، ومعرفته التامة بها، وتطبيقه لتلك القواعد واستفادته منها أثناء دراسته للأحاديث النبوية ومناقشتها.\nبل إن له فضل السبق والتميز في بعض قضايا المصطلح؛ ككلامه في تقسيم الحديث الحسن إلى ثلاث مراتب، كما مرّ معنا.\n- معرفته التامة بقواعد \"الجرح والتعديل ونقد الرواة\" ورسوخ قدمه في ذلك، كما سبق بيانه عند الكلام على إفاداته في هذا الباب، ومَنْ وَقَفَ على ما أضافه من ضوابط وتفصيلات في مسألة \"طلب تفسير الجرح\"، - مثلا - عَلِمَ إمامة الرجل في هذا الفنِّ.","vol":"3","page":361},{"text":"- لابن القَيِّم - ﵀ - في نقد رواة الأحاديث، والكلام على الرجال جرحًا وتعديلًا منهج مميزٌ، مع معرفة تامة بأقوال أئمة الشأن في الرواة: عالمًا بمراميها، مُرَجِّحًَا بين مختلفها، موفقًا بين ما ظاهره التعارض منها.\n- ومع كل ذلك: نرى اجتهاد ابن القَيِّم - ﵀ - في إصدار أحكامٍ جامعةٍ على كثير من الرواة، وبيان مرتبتهم ومنزلتهم من القبول أو الردِّ؛ بما يدلُّ على شخصية مستقلة، وقدمٍ راسخةٍ، وإمامةٍ وتقدُّم في هذا الفن.\nوحسبه في هذا الباب شرفًا أن يعتمد على أقواله في الرجال مثل الحافظ ابن حجر، كما تقدَّمَ نقل أمثلة لذلك عند الكلام على \"أهمية أقوال ابن القَيِّم في الجرح والتعديل\"، بل لعل قوله - ﵀ - في العلاء ابن إسماعيل: (مجهول)، يُعَدُّ المصدر الوحيد - فيما أعلم - للحكم على هذا الرجل.\n- ظهرت ثمرة تمكن ابن القَيِّم من قواعد علوم الحديث في تطبيقه لتلك القواعد واستفادته منها في الحكم على المرويات ونقدها، بعد بذل الجهد في تخريجها وجمع طرقها.\nوبذلك تبرز قيمة هذه القواعد وفائدتها في تحقيق الهدف الأسمى والمطلوب الأعلى، وهو: تمييز صحيح الأخبار من سقيمها، ومعلولها من سليمها.","vol":"3","page":362},{"text":"١٣- لم تقف جهود ابن القَيِّم عند هذا الحدِّ في مجال علوم الحديث وفنونه المختلفة، بل كانت له إسهامات مميزةٌ في جوانب أخرى، تمثل ذلك في: شرح الحديث، وبيان غريبه، واستنباط فقهه وأحكامه، واستخراج فوائده، والكشف عن دقائقه.\nوبذلك يقدِّم لنا - ﵀ - مثالًا يُحْتَذى في الجمع بين: المعرفة بقواعد الحديث وقوانين روايته، والفقه فيه ومعرفة أحكامه ودرايته. وذلك - لا شكَّ - من أعظم المقاصد، وأسمى المطالب.\n١٤- وتأكيدًا للجانب العملي التطبيقي في إبراز جهود ابن القَيِّم في خدمة السنة النبوية وعلومها، فقد تناول هذا البحث مجموعة من الأحاديث التي حكم عليها ابن القَيِّم بتصحيح أو تضعيف أو غير ذلك، وتمت دراستها في ضوء أقوال الأئمة المعتبرين وحكمهم عليها، وقد بلغ عدد الأحاديث المدروسة حوالي مائة وأربعين حديثًا، أصاب ابن القَيِّم - ﵀ - في الحكم على أكثرها، وجاء حكمه مرجوحًا في عدد قليل منها، ولا يضره ذلك ولا يقلل من مكانته؛ فإن ذلك يُعَدُّ قليلًا في جنب ما وُفِّقَ وسُدِّد فيه ﵀.\n١٥- هذه الأحكام التي صدرت من هذا الإمام الجهبذ، تعد خدمةً جليلةً في مجال نقد المرويات الحديثية، وبيان درجتها، وتمييز صحيحها من غيره، وتمثل حلقة في سلسلة الجهود المباركة لأئمة النقد وفرسانه على مرِّ العصور.","vol":"3","page":363},{"text":"وفي النية - إن شاء الله - حَصْرُ كُلِّ الأحاديث التي تَكَلَّم عليها في جميع مؤلفاته، وتصنيفها، وإخراجها مطبوعة بحول الله وقوته، خدمة للسنة النبوية المشرفة، ولبنة تضاف إلى البناء الموسوعي في مجال نقد المرويات الحديثية والحكم عليها.\n١٦- وأخيرًا: فإنه لا يفوتني أن أُسَجِّل توصيةً واقتراحًا ظهرت لي أهميته خلال رحلتي مع هذا الإمام العلامة، وهو: أنَّ تراثَ ذلك الإمام البحر لا يزال في حاجة مَاسَّة إلى خدمة أهل العلم وطلابه، وذلك باستخراج مكنون فوائده، وتقريب علومه للناس عامة، وأحسب أن ما قام به الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: (تقريب فقه ابن القَيِّم) يمثل نموذجًا يُحْتَذَى في بقية علوم ابن القَيِّم.\nفإنَّ استخراج الفوائد المتعلقة بكلِّ فَنٍّ من كُتب ابن القَيِّم المختلفة، وضَمِّ ما توافَقَ من ذلك في شكل موسوعي، أمرٌ تتطلبه ظروف الحياة العلمية في وقتنا الحاضر.\nولذلك فإنني أهيبُ بالهيئات العلمية المتخصصة - وعلى رأسها أقسام الدراسات العليا في هذه البلاد المباركة - أن توجه جهود باحثيها إلى خدمة علوم هذا الإمام وتراثه المبارك.\nوَيُقَال مثل ذلك عن كتبه ومؤلفاته؛ فإن الكثير منها لا يزال بحاجة إلى تحقيق عِلْمِيٍّ يليقُ بمكانة هذا الإمام، ويتيح فرصًا أكثر للانتفاع بها.","vol":"3","page":364},{"text":"ولذلك فإنني ألفت أنظار أهل العلم الغيورين على تراث هذا الإمام، المحبين له ولعلومه، إلى أن يولوا هذا الأمر عنايتهم.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>مصادر ومراجع</span>\n...\nالمصادر المطبوعة\n١- ابن قيم الجوزية - حياته وآثاره.\nد/ بكر بن عبد الله أبو زيد. نشر المكتب الإسلامي - بيروت، ومكتبة الرشد - الرياض، ط٢، ١٤٠٣هـ.\n٢- ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف.\nد/ عبد الله محمد جار النبي. نشر مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، ط١، ١٤٠٦هـ.\n٣- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.\nلابن القيم. تصحيح لجنة بإشراف الناشر - نشر دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤٠٤هـ.\n٤- الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة.\nلأبي الحسنات، محمد بن عبد الحي، اللكنوي، الهندي (ت١٣٠٤هـ) . تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة - نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط٢، ١٤٠٤هـ.","vol":"3","page":469},{"text":"٥- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان.\nترتيب علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت ٧٣٩هـ) . تحقيق: كمال يوسف الحوت - نشر دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ.\n٦- أحكام أهل الذمة.\nلابن القيم. تحقيق: د/ صبحي الصالح - نشر دار العلم للملايين، بيروت، ط٢، ١٤٠١هـ.\n٧- أحوال الرجال.\nلأبي إسحاق، إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت ٢٥٩هـ) . تحقيق: السيد صبحي السامرائي - نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٨- اختصار علوم الحديث.\nللحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، (مطبوع مع الباعث الحثيث) .\n٩- اختلاف الحديث.\nللإمام الشافعي محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ) . تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٦هـ.","vol":"3","page":470},{"text":"١٠- آداب الزفاف في السنة المطهرة.\nلمحمد ناصر الدين الألباني. نشر مكتبة التراث الإسلامي، عمان الأردن، ط٢، للطبعة الجديدة بالقاهرة، ١٤٠٩هـ.\n١١- الأدب المفرد.\nللإمام البخاري، محمد بن إسماعيل (ت ٢٥٦هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٢- الأذكار النووية.\nللنووي، محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦هـ) . تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - نشر دار الملاح، ١٣٩١هـ.\n١٣- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.\nللشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني. إشراف/ زهير الشاويش - نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٣٩٩هـ.\n١٤- الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار\nلابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد (ت ٤٦٣هـ) . تحقيق: علي النجدي ناصف - نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٣٩٣هـ.","vol":"3","page":471},{"text":"١٥- الاستيعاب في أسماء الأصحاب.\nلأبي عمر بن عبد البر. مطبوع بهامش الإصابة - (انظر الإصابة) .\n١٦- الأسماء والصفات.\nللبيهقي، أحمد بن علي بن الحسين (ت ٤٥٨هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥هـ.\n١٧- الإصابة في تمييز الصحابة.\nلابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (ت ٨٥٢هـ) . نشر مطبعة السعادة، مصر، ط١، ١٣٢٨هـ.\n١٨- أصول التخريج ودراسة الأسانيد.\nللدكتور/ محمود الطحان. نشر مكتبة الرشد، الرياض، السعودية، ط٥، ١٤٠٣هـ.\n١٩- الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار.\nلأبي بكر محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) . تعليق: راتب حاكمي - نشر مطبعة الأندلس، حمص، ط١، ١٣٨٦هـ.\n٢٠- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين.\nللرازي، فخر الدين محمد بن عمر (ت ٦٠٦هـ) . تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، ومصطفى الهواري - نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٨هـ.","vol":"3","page":472},{"text":"٢١- إعلام الموقعين عن رب العالمين.\nلابن القيم، شمس الدين، محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١هـ) . تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، نشر دار الجيل، بيروت.\n٢٢- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان.\nلابن القيم. تحقيق: محمد عفيفي - نشر المكتب الإسلامي، الرياض، السعودية، ومكتبة فرقد الخاني، ط١، ١٤٠٦هـ.\n٢٣- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.\nلابن القيم. تحقيق: محمد حامد الفقي - نشر دار المعرفة، بيروت، ط٢، ١٣٩٥هـ.\n٢٤- الاقتراح في بيان الاصطلاح.\nلتقي الدين بن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ) . تحقيق: قحطان الدوري - نشر مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٤٠٢هـ\n٢٥- الإلزامات والتتبع.\nللدارقطني، علي بن عمر (ت ٣٨٥هـ) . تحقيق: مقبل بن هادي الوادعي - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، ١٤٠٥هـ.","vol":"3","page":473},{"text":"٢٦- الإلمام بأحاديث الأحكام.\nلتقي الدين ابن دقيق العيد. تعليق: محمد سعيد المولوي - نشر دار الثقافة الإسلامية، الرياض، ط١، ١٣٨٣هـ.\n٢٧- الأمثال في القرآن الكريم.\nلابن القيم. تحقيق: سعيد محمد نمر الخطيب - نشر دار المعرفة، بيروت، ١٩٨١م.\n٢٨- الأمصار ذوات الآثار.\nللحافظ الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: قاسم علي سعد - نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت، ١٤٠٦هـ.\n٢٩- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث.\nلأحمد محمد شاكر. نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢ (مطبوع مع اختصار علوم الحديث) .\n٣٠- البداية والنهاية:\nلابن كثير، عماد الدين أبي الفداء (ت ٧٧٤هـ) . تحقيق: د/ أحمد أبو ملحم، د/ علي نجيب عطوي وآخرون - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.","vol":"3","page":474},{"text":"٣١- بدائع الفوائد.\nلابن القيم. نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٣٢- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.\nللشوكاني، محمد بن عليّ بن محمد (ت١٢٥٠هـ) . نشر الشيخ معروف باسندوه، القاهرة، ط١، ١٣٤٨هـ.\n٣٣- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس.\nلأحمد بن يحيى الضَّبِّي (ت ٥٩٩هـ) . نشر دار الكاتب العربي، بيروت ١٩٦٧م.\n٣٤- بغية الملتمس في سباعيات حديث مالك بن أنس.\nللعلائي، صلاح الدين خليل بن كيكلدي (ت ٧٦١هـ) . تحقيق: حمدي السلفي - نشر عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤٠٥هـ.\n٣٥- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.\nلجلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١هـ) . تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم - نشر دار الفكر، ط٤، ١٣٩٩هـ.\n٣٦- بلوغ المرام من أدلة الأحكام.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: محمد حامد الفقي - نشر دار النهضة.","vol":"3","page":475},{"text":"٣٧- التاج المكلل من جواهر الطراز الآخر والأول.\nلصديق حسن خان (ت ١٣٠٧هـ) . تحقيق: عبد الحكيم شرف الدين - نشر المطبعة الهندية، بمباي - الهند، ط٢، ١٣٨٣هـ.\n٣٨- التاريخ.\nليحيى بن معين، برواية الدوري عنه. تحقيق: د/ أحمد نور سيف - نشر مركز البحث العلمي لإحياء التراث، بجامعة أم القرى، ط١، ١٣٩٩هـ.\n٣٩- تاريخ أبي زرعة الدمشقي.\nلعبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان، البصري (ت ٢٨١هـ) . تحقيق: شكر الله قوجاني.\n٤٠- تاريخ أسماء الثقات.\nلابن شاهين، أبي حفص عمر بن شاهين (ت ٣٨٥هـ) . تحقيق: صبحي السامرائي - نشر الدار السلفية، الكويت، ط١، ١٤٠٤هـ.\n٤١- تاريخ بغداد.\nلأبي بكر، أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب (ت ٤٦٣هـ) . نشر دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"3","page":476},{"text":"٤٢- تاريخ الثقات.\nللحافظ، أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي (ت ٢٦١هـ) (بترتيب الهيثمي) . تحقيق: عبد المعطي قلعجي - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٤٣- تاريخ الدارمي عن ابن معين في تجريح الرواة وتعديلهم.\nلعثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠هـ) . تحقيق: د/ أحمد نور سيف - نشر مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى بمكة.\n٤٤- التاريخ الكبير.\nلأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت (عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الهند، ١٣٦١هـ) .\n٤٥- تأويل مختلف الحديث.\nلأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦هـ) . تصحيح: محمد زهري النجار - نشر دار الجيل، بيروت، ١٣٩٣هـ.","vol":"3","page":477},{"text":"٤٦- تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد.\nللشيخ: محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط٣، ١٣٩٨هـ.\n٤٧- تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي.\nللمباركفوري (ت ١٢٥٣هـ) . تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان - نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط٢، ١٣٨٤هـ.\n٤٨- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف.\nللحافظ جمال الدين، أبي الحجاج المزي (ت ٧٤٢هـ) . تحقيق: عبد الصمد شرف الدين - نشر الدار القيمة، بمباي، الهند، ط١، ١٤٠٣هـ.\n٤٩- تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين.\nللشوكاني، محمد بن علي بن محمد (ت ١٢٥٠هـ) . تحقيق: محمد بن محمد زبارة - نشر شركة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط٢، ١٣٧٥هـ.\n٥٠- تحفة المودود بأحكام المولود.\nلابن القيم. تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - نشر مكتبة دار البيان، دمشق، ط١، ١٣٩١هـ.","vol":"3","page":478},{"text":"٥١- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي.\nلجلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١هـ) . تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف - نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة، ط٢، ١٣٨٥هـ.\n٥٢- تذكرة الحفاظ.\nلأبي عبد الله الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) . نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط١.\n٥٣- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم.\nلابن جماعة، إبراهيم بن سعد الله (ت ٧٣٣هـ) . تحقيق: السيد محمد هاشم الندوي - نشر دائرة المعارف العثمانية، الهند، ١٣٥٤هـ (وعنها صورته دار الكتب العلمية - بيروت) .\n٥٤- الترغيب والترهيب.\nللأصبهاني، أبي القاسم إسماعيل بن محمد (ت ٥٣٥هـ) . تحقيق: محمد بسيوني زغلول - نشر مكتبة النهضة الحديثة.\n٥٥- الترغيب والترهيب من الحديث الشريف.\nلزكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت ٦٥٦هـ) . تحقيق: مصطفى محمد عمارة - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٦هـ.","vol":"3","page":479},{"text":"٥٦- التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح.\nلأبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ) . تحقيق: د/ أبو لبابة حسين - نشر دار اللواء، الرياض، ط١، ١٤٠٦هـ.\n٥٧- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.\nلابن حجر العسقلاني، (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري، ومحمد أحمد عبد العزيز - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٥٨- تغليق التعليق على صحيح البخاري.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: سعيد موسى القزقي - نشر المكتب الإسلامي، دار عمار، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٥٩- تفسير القرآن العظيم.\nلابن كثير، عماد الدين (ت ٧٧٤هـ) . تصحيح: نخبة من العلماء - نشر دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n٦٠- تقريب التهذيب.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: محمد عوامة - نشر دار الرشيد، حلب، سوريا، ط١، ١٤٠٦هـ.","vol":"3","page":480},{"text":"٦١- التقريب والتيسير.\nللإمام النووي، محيي الدين يحيى بن شرف (ت ٦٧٦هـ) . نشر مكتبة خاور، باكستان، لا هور، ١٣٩٩هـ.\n٦٢- التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح.\nللحافظ عبد الرحيم بن الحسين، العراقي (ت ٨٠٦هـ) . تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان - نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط١، ١٣٨٩هـ.\n٦٣- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني - نشر المدينة المنورة، ١٣٨٤هـ.\n٦٤- تمام المنة في التعليق على فقه السنة.\nلمحمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتبة الإسلامية، الأردن، ودار الراية، الرياض، ط٢، ١٤٠٨هـ.\n٦٥- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد.\nلأبي عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣هـ) . تحقيق: مجموعة من المحققين - نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، (ج١ - ٢١) من سنة ١٣٨٧ - ١٤١٠هـ.","vol":"3","page":481},{"text":"٦٦- التمييز.\nللإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ) . تحقيق: د/ محمد مصطفى الأعظمي - نشر شركة الطباعة السعودية، الرياض، ط٢، ١٤٠٢هـ.\n٦٧- تهذيب التهذيب.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . نشر دار الفكر العربي، صورة عن طبعة دائرة المعارف النظامية بالهند، ط١، ١٣٢٧هـ.\n٦٨- تهذيب سنن أبي داود.\nلابن القيم. تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي - نشر دار المعرفة، بيروت.\n٦٩- تهذيب الكمال في أسماء الرجال.\nللمزي، جمال الدين، أبي الحجاج يوسف المزي (ت ٧٤٢هـ) . تحقيق: بشار عواد - نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٧٠- التوحيد وإثبات صفات الرب عزوجل.\nلأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١هـ) . تحقيق: د/ عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان - نشر دار الرشيد، الرياض، ط١، ١٤٠٨هـ.","vol":"3","page":482},{"text":"٧١- الثقات.\nلأبي حاتم، محمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ) . نشر مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، ما بين (١٣٩٣ - ١٤٠٣هـ) ط١.\n- (الثقات) لابن شاهين = تاريخ أسماء الثقات.\n- (الثقات) للعجلي = تاريخ الثقات.\n٧٢- جامع الأصول في أحاديث الرسول.\nلأبي السعادات، المبارك بن محمد بن الأثير (ت ٦٠٦هـ) . تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - نشر مكتبة دار البيان، بيروت وغيرها، ١٣٩٢هـ.\n٧٣- جامع البيان عن تأويل آي القرآن.\nللطبري، محمد بن جرير (ت ٣١٠هـ) . تحقيق: محمود محمد شاكر، وأحمد محمد شاكر - نشر دار المعارف، القاهرة.\n٧٤- جامع التحصيل في أحكام المراسيل.\nلصلاح الدين العلائي (ت ٧٦١هـ) . تحقيق: حمدي السلفي - نشر وزارة الأوقاف بالعراق، ١٣٩٨هـ.","vol":"3","page":483},{"text":"٧٥- جامع الترمذي.\nلأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت ٢٧٩هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر، وجماعة - نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط٢، ١٣٩٨هـ.\n٧٦- الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير.\nللسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١هـ) . نشر دار المعرفة، بيروت، ط٢، ١٣٩١هـ (ومعه: فيض القدير شرح الجامع الصغير) .\n٧٧- الجرح والتعديل.\nلأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) . تحقيق: عبد الرحمن المعلمي اليماني - نشر دار الكتب العلمية، بيروت (صورة عن الطبعة الأولى في دائرة المعارف العثمانية، الهند، ١٢٧١هـ) .\n٧٨- جزء القراءة خلف الإمام.\nللإمام البخاري (ت ٢٥٦هـ) . تحقيق: فضل الرحمن الثوري - نشر المكتبة السلفية، لاهور - باكستان، ط١، ١٤٠٠هـ.\n٧٩- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.\nلابن القيم. نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.","vol":"3","page":484},{"text":"٨٠- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين.\nللألوسي، نعمان بن محمود خير الدين (ت ١٣١٧هـ) . نشر مطبعة المدني، القاهرة، ١٣٨١هـ.\n٨١- الجمع بين رجال الصحيحين.\nلأبي الفضل محمد بن طاهر بن القيسراني (ت ٥٠٧هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، ١٤٠٥هـ. - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء.\n٨٢- الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد.\nلابن عبد الهادي، يوسف بن الحسن بن عبد الهادي، الدمشقي (ت٩٠٩هـ) .\nتحقيق: د/ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين - نشر مكتبة الخانجي، القاهرة، ط١، ١٤٠٧هـ.\n٨٣- الجوهر النقي في الرد على البيهقي.\nلعلاء الدين بن علي بن عثمان المارديني، ابن التركماني (ت ٧٤٥هـ) . نشر دار الفكر، بيروت (مطبوع مع سنن البيهقي) .\n٨٤- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.\nلابن القيم. تحقيق: د/ السيد الجميلي - نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط٢، ١٤٠٦هـ.","vol":"3","page":485},{"text":"٨٥- حجة النبي ﷺ.\nلابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ) . تحقيق: د/ ممدوح حقي - نشر دار اليقظة العربية، بيروت، ط٢، ١٩٦٦م.\n٨٦- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة.\nللسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١هـ) . تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم - نشر دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ط١، ١٣٨٧هـ.\n٨٧- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء.\nلأبي نعيم، أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠هـ) . نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط٣، ١٤٠٠هـ.\n٨٨- حياة شيخ الإسلام ابن تيمية.\nلمحمد بهجة البيطار. نشر المكتب الإسلامي، ط٢.\n٨٩- الداء والدواء.\nلابن القيم. تحقيق: محمد جميل غازي - نشر مطبعة المدني، القاهرة، ١٣٩٨هـ.","vol":"3","page":486},{"text":"٩٠- الدارس في تاريخ المدارس.\nللنعيمي، عبد القادر بن محمد الدمشقي (ت ٩٢٧هـ) . تحقيق: جعفر الحسني - نشر الثقافة الدينية، ١٩٨٨م.\n٩١- دراسات في علوم الحديث.\nللدكتور/ العجمي دمنهوري. نشر دار الطباعة المحمدية، القاهرة، ط١، ١٤٠٣هـ.\n٩٢- الدراية في تخريج أحاديث الهداية.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني - نشر دار المعرفة، بيروت.\n٩٣- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: محمد سيد جاد الحق - نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n٩٤- الدعاء.\nلأبي القاسم، سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠هـ) . تحقيق: د/ محمد سعيد بن محمد حسن البخاري - نشر دار البشائر الإسلامية، ط١، ١٤٠٧هـ.\n٩٥- الدليل الشافي على المنهل الصافي.\nلابن تَغْري بردي، (ت ٨٧٤هـ) . تحقيق: فهيم محمد شلتوت - نشر مركز البحث العلمي، كلية الشريعة، مكة المكرمة.","vol":"3","page":487},{"text":"٩٦- ذم الملاهي.\nلابن أبي الدنيا، أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد (ت ٢٨١هـ) . تحقيق: محمد عبد القادر عطا - نشر دار الاعتصام، القاهرة، ١٣٨٧م.\n٩٧- الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام.\nللدكتور/ بشار عواد. نشر مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، ط١، ١٩٧٦م\n٩٨- ذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب.\nليوسف بن حسن بن عبد الهادي (ت ٩٠٩هـ) . تحقيق: محمود بن محمد الحداد - نشر دار العاصمة، الرياض، ط١، ١٤٠٨هـ.\n٩٩- ذيل تذكرة الحفاظ.\nلأبي المحاسن محمد بن علي بن الحسن الحسيني، الدمشقي (ت ٧٦٥هـ) . نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٠٠- ذيل تذكرة الحفاظ.\nللحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ) . نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.","vol":"3","page":488},{"text":"١٠١- ذيل طبقات الحنابلة.\nلأبي الفرج، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ) . تحقيق: محمد حامد الفقي - نشر مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٧٢هـ.\n١٠٢- ذيل العبر في خبر من غبر.\nلأبي المحاسن الدمشقي، محمد بن علي بن الحسن الحسيني (ت ٧٦٥هـ) .\nتحقيق: أبي هاجر محمد بسيوني زغلول - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n١٠٣- رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.\nتحقيق: محمد حامد الفقي - نشر حديث أكادمي، فيصل آباد، باكستان، ١٤٠٢هـ.\n١٠٤- الرد الوافر.\nلابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢هـ) . تحقيق: زهير الشاويش - نشر المكتب الإسلامي.\n١٠٥- الرسالة.\nللإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر. (بدون تاريخ طبع، وبدون ناشر) .","vol":"3","page":489},{"text":"١٠٦- رسالة في الرد على الرافضة.\nلأبي حامد محمد المقدسي (ت ٨٨٨هـ) . تحقيق: عبد الوهاب خليل الرحمن - نشر الدار السلفية، الهند، ط١، ١٤٠٣هـ.\n١٠٧- الرفع والتكميل في الجرح والتعديل.\nلمحمد بن عبد الحي اللكنوي (ت ١٣٠٤هـ) . تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة - نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا، ط٣، ١٤٠٧هـ.\n١٠٨- الروح.\nلابن القيم. نشر مكتبة المدني، جدة، السعودية.\n١٠٩- الروض الأنف في شرح السيرة النبوية.\nلعبد الرحمن السهيلي (ت ٥٨١هـ) . تحقيق: عبد الرحمن الوكيل - نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة، ١٣٩٠هـ.\n١١٠- روضة المحبين ونزهة المشتاقين.\nلابن القيم. تحقيق: د/ السيد الجميلي - نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط٢، ١٤٠٧هـ.","vol":"3","page":490},{"text":"١١١- رياض الصالحين.\nللنووي، محيي الدين، يحيى بن شرف (ت٦٧٦هـ) . تحقيق: عبد العزيز رباح وأحمد الدقاق - نشر دار المأمون للتراث، بيروت، ط٢.\n١١٢- زاد المعاد في هدي خير العباد.\nلابن القيم. تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عبد القادر الأرنؤوط - نشر مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار، ط٣، ١٤٠٦هـ.\n١١٣ - سبل السلام شرح بلوغ المرام.\nللصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير (ت ١١٨٢هـ) . تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي - نشر دار الجيل، ١٤٠٠هـ.\n١١٤- سلسلة الأحاديث الصحيحة.\nلمحمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، ط٢، ١٣٩٩هـ.\n١١٥- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.\nلمحمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط٤، ١٣٩٨هـ.","vol":"3","page":491},{"text":"١١٦- السلوك لمعرفة دول الملوك.\nللمقريزي، أبي العباس، أحمد بن علي (ت ٨٤٥هـ) . تحقيق: محمد مصطفى زيادة - نشر مطبعة لجنة التأليف والنشر والترجمة، القاهرة، ط١، ١٩٥٨م.\n١١٧- السنن.\nلأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ) . تحقيق: عزت عبيد الدعاس - نشر محمد علي السيد، حمص، سوريا، ط١، ١٣٨٨هـ.\n١١٨- السنن.\nلأبي عبد الله، محمد بن يزيد بن ماجه، القزويني (ت ٢٧٥هـ) . تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي - نشر دار إحياء الكتب العربية.\n١١٩- السنن.\nللإمام علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٥٨هـ) . نشر دار الفكر، بيروت. (معه: التعليق المغني) .\n١٢٠- السنن.\nلسعيد بن منصور (ت ٢٢٧هـ) . تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n١٢١- السنن الصغرى (المجتبى) .\nللإمام أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣هـ) . نشر إحياء التراث العربي، بيروت.","vol":"3","page":492},{"text":"١٢٢- السنن الكبرى.\nلأبي بكر، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت ٤٥٨هـ) . نشر دار الفكر، بيروت.\n١٢٣- السُّنَّة.\nللإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل - عن أبيه. تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n١٢٤- السُّنَّة.\nلابن أبي عاصم، الضحاك بن مخلد الشيباني (ت ٢٨٧هـ) . نشر المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٠هـ.\n١٢٥- سؤالات الآجري أبا داود في الجرح والتعديل ج٣.\nتحقيق: محمد علي قاسم العمري - نشر المجلس العلمي، إحياء التراث الإسلامي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط١، ١٤٠٣هـ.\n١٢٦- سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين.\nلإبراهيم بن عبد الله الختلي (ت ٢٦٠هـ) . تحقيق: د/ أحمد محمد نور سيف - نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ط١، ١٤٠٨هـ.\n١٢٧- سؤالات البرقاني للدارقطني.\nتحقيق: د/ عبد الرحيم القشقري - نشر أحمد ميان تهانوي، لاهور، باكستان، ط١، ١٤٠٤هـ.","vol":"3","page":493},{"text":"١٢٨- سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني.\nتحقيق: د/ موفق بن عبد الله بن عبد القادر - نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.\n١٢٩- سؤالات حمزة السهمي للدارقطني وغيره من المشايخ.\nتحقيق: د/ موفق بن عبد الله - نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.\n١٣٠- سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني في الجرح والتعديل.\nتحقيق: د/ موفق بن عبد الله - نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.\n١٣١- سير أعلام النبلاء.\nللحافظ أبي عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: بشار عواد، وشعيب الأرنؤوط وغيرهما - نشر مؤسسة الرسالة ما بين سنة (١٤٠١ - ١٤٠٥هـ) .\n١٣٢- السيرة النبوية.\nلابن هشام. تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي - القاهرة، ط٢، ١٣٧٥هـ.\n١٣٣- شذرات الذهب في أخبار من ذهب.\nلأبي الفلاح، عبد الحيِّ بن العماد (ت ١٠٨٩هـ) . نشر المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.","vol":"3","page":494},{"text":"١٣٤- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.\nلأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي (ت ٤١٨هـ) .\nتحقيق: د/ أحمد سعد حمدان - نشر دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض.\n١٣٥- شرح ألفية العراقي.\nللعراقي عبد الرحيم بن الحسين (ت ٨٠٦هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٣٦- شرح السنة.\nلأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي (ت ٥١٠هـ) .\nتحقيق: شعيب الأرنؤوط، ومحمد زهير الشاويش - نشر المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٠هـ.\n١٣٧- شرح صحيح مسلم.\nللإمام النووي، محيي الدين، يحيى بن شرف (ت ٦٧٦هـ) . نشر مكتبة الرياض الحديثة.\n١٣٨- شرح علل الترمذي.\nلزين الدين، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ) . تحقيق: صبحي جاسم الحميد - نشر وزارة الأوقاف بالعراق.","vol":"3","page":495},{"text":"١٣٩- شرح معاني الآثار.\nللطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة (ت ٣٢١هـ) . تحقيق: محمد زهري النجار - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٣٩٩هـ.\n١٤٠- شرح المواهب اللدنية.\nللزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف (ت ١١٢٢هـ) . نشر دار المعرفة، بيروت، ط٢، ١٣٩٣هـ.\n١٤١- شرف أصحاب الحديث.\nللخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت ٤٦٣هـ) . تحقيق: محمد سعيد أوغلي - نشر دار إحياء السنة النبوية، أنقرة، تركيا.\n١٤٢- الشريعة.\nلأبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت ٣٦٠هـ) . تحقيق: محمد حامد الفقي - نشر باكستان، حديث أكادمي، فيصل آباد، ط١، ١٤٠٣هـ.\n١٤٣- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.\nلابن القيم. نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ.","vol":"3","page":496},{"text":"١٤٤- الشمائل المحمدية.\nلأبي عيسى الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة (ت ٢٧٩هـ) . تعليق: محمد عفيف الزعبي - نشر دار العلم للطباعة والنشر، جدة، ط١، ١٤٠٣هـ.\n١٤٥- صحيح ابن خزيمة.\nلأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١هـ) . تحقيق: د/ محمد مصطفى الأعظمي - نشر شركة الطباعة السعودية المحدودة، الرياض، ط٢، ١٤٠١هـ.\n١٤٦- صحيح البخاري.\nلأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ) . تصحيح: محب الدين الخطيب - نشر وتوزيع إدارة البحوث والإفتاء، الرياض (مطبوع مع فتح الباري) .\n١٤٧- صحيح الجامع الصغير وزيادته.\nللشيخ محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، ط١، ١٣٨٨هـ.\n١٤٨- صحيح سنن ابن ماجه.\nلناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ.","vol":"3","page":497},{"text":"١٤٩- صحيح مسلم.\nلأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ) . تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي - توزيع إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ١٤٠٠هـ.\n١٥٠- الصفات.\nلعليّ بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) . تحقيق: د/ علي بن محمد بن ناصر فقيهي - ط١، ١٤٠٣هـ.\n١٥١- صفة صلاة النبي ﷺ.\nللشيخ محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، ط٨، ١٣٩٧هـ.\n١٥٢- الصلاة، وحكم تاركها.\nلابن القيم. تحقيق: تيسير زعيتر - نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط٢، ١٤٠٥هـ.\n١٥٣- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.\nلابن القيم. تحقيق: د/ علي بن محمد الدخيل الله - نشر دار العاصمة، الرياض، ط١، ١٤٠٨هـ. (قطعة منه في أربعة مجلدات) .","vol":"3","page":498},{"text":"١٥٤- الضعفاء الصغير.\nلمحمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ) . تحقيق: بوران الضناوي - نشر عالم الكتب، بيروت، ط١، ١٤٠٤هـ.\n١٥٥- الضعفاء الكبير.\nلأبي جعفر، محمد بن عمرو بن موسى العقيلي (ت ٣٢٢هـ) . تحقيق: عبد المعطي قلعجي - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٤هـ.\n١٥٦- الضعفاء والمتروكين.\nلأبي الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) . تحقيق: د/ موفق بن عبد الله بن عبد القادر - نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.\n١٥٧- الضعفاء والمتروكين.\nلأبي عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣هـ) . تحقيق: محمود إبراهيم زايد - نشر دار الوعي، حلب.\n١٥٨- الضعفاء والمتروكين.\nلأبي الفرج بن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت ٥٩٧هـ) .\nتحقيق: عبد الله القاضي - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٦هـ.","vol":"3","page":499},{"text":"١٥٩- ضعيف الجامع الصغير وزيادته.\nللشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، ط٢، ١٣٩٩هـ.\n١٦٠- ضعيف سنن ابن ماجه.\nللشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٨هـ.\n١٦١- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.\nلمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢هـ) . نشر مكتبة الحياة، بيروت.\n١٦٢- طبقات الحفاظ.\nلجلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١هـ) . مراجعة: لجنة من العلماء بإشراف الناشر - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ.\n١٦٣- طبقات الشافعية.\nلأبي بكر بن قاضي شهبة (ت ٨٥١هـ) . تحقيق: د/ عبد العليم خان - نشر مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند، ط١، ١٣٩٨هـ.\n١٦٤- الطبقات الكبرى.\nلابن سعد، محمد بن سعد بن منيع البصري (ت ٢٣٠هـ) . نشر دار صادر، بيروت.","vol":"3","page":500},{"text":"- طبقات المدلسين = تعريف أهل التقديس.\n١٦٥- طبقات المفسرين.\nللداودي، محمد بن علي بن أحمد (ت ٩٤٥هـ) . تحقيق: علي بن محمد عمر - نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط١، ١٣٩٢هـ.\n١٦٦- طرح التثريب في شرح التقريب.\nلأبي زرعة العراقي (ت ٨٢٦هـ) . نشر دار المعارف، سوريا، حلب.\n١٦٧- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.\nلابن القيم. تحقيق: محمد حامد الفقي - نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦٨- طريق الهجرتين وباب السعادتين.\nلابن القيم. تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري - نشر إدارة الشؤون الدينية بدولة قطر، ١٣٩٧هـ.\n١٦٩- ظلال الجنة في تخريج السنة.\nللشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٠هـ.","vol":"3","page":501},{"text":"١٧٠- عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.\nلابن العربي المالكي (ت ٥٤٣هـ) . نشر دار العلم للجميع، سوريا.\n١٧١- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين.\nلابن القيم. تحقيق: زكريا علي يوسف - نشر مطبعة الإمام، القاهرة.\n١٧٢- العرش وما روي فيه.\nلابن أبي شيبة، محمد بن عثمان العبسي (ت ٢٩٧هـ) . تحقيق: محمد بن حمد الحمود - نشر مكتبة المعلا، الكويت، ط١، ١٤٠٦هـ.\n١٧٣- عشرة النساء.\nللإمام النسائي، أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣هـ) . تحقيق: عمرو علي عمر - نشر مكتبة السنة، القاهرة، ط١، ١٤٠٨هـ.\n١٧٤- العصر المماليكي في مصر والشام.\nللدكتور/ سعيد عاشور. نشر دار النهضة العربية، ط١، ١٩٦٥م.","vol":"3","page":502},{"text":"١٧٥- العظمة.\nلأبي الشيخ الأصبهاني، عبد الله بن محمد إدريس (ت ٣٦٩هـ) . تحقيق: د/ رضاء الله بن محمد إدريس - نشر دار العاصمة، الرياض، ط١، ١٤٠٨هـ.\n١٧٦- العلل.\nلابن المديني، علي بن عبد الله السعدي (ت ٢٣٤هـ) . تحقيق: د/ محمد مصطفى الأعظمي - نشر المكتب الإسلامي، ١٩٨٠م.\n١٧٧- علل الترمذي الكبير.\nلأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت ٢٧٩هـ) . ترتيب: أبي طالب القاضي.\nتحقيق ودراسة: حمزة ديب مصطفى - نشر مكتبة الأقصى، عمان، الأردن، ط١، ١٤٠٦هـ.\n١٧٨- علل الحديث.\nلأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) . نشر دار المعرفة، بيروت.\n١٧٩- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية.\nلأبي الفرج بن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) . تحقيق: إرشاد الحق الأثري - نشر إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد، باكستان، ط١، ١٣٩٩هـ.","vol":"3","page":503},{"text":"١٨٠- العلل الواردة في الأحاديث النبوية.\nللدارقطني، علي بن عمر (ت ٣٨٥هـ) . تحقيق: د/ محفوظ الرحمن السلفي - نشر دار طيبة، الرياض، الأجزاء (١ - ٧)، ط١ (سنة ١٤٠٥ - ١٤٠٩هـ) .\n١٨١- العلل ومعرفة الرجال.\nللإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) . تحقيق: د/ طلعت بيكيت، د/ إسماعيل أوغلي - نشر المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، ١٩٨٧م.\n١٨٢- عمل اليوم والليلة.\nللنسائي، أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣هـ) . تحقيق: د/ فاروق حمادة - نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٦هـ.\n١٨٣- عمل اليوم والليلة.\nلأبي بكر، أحمد بن محمد المعروف بـ \"ابن السُّنِّي\" (ت ٣٦٤هـ) . تحقيق: بشير محمد عيون - نشر مكتبة دار البيان، دمشق، ط١، ١٤٠٧هـ.\n١٨٤- العلو للعليّ الغفار.\nللذهبي (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان - نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط٢، ١٣٨٨هـ.","vol":"3","page":504},{"text":"١٨٥- فتح الباري شرح صحيح البخاري.\nلابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (ت ٨٥٢هـ) . توزيع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (انظر: صحيح البخاري) .\n١٨٦- فتح المغيث شرح ألفية الحديث.\nلمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢هـ) . تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي - نشر مطبعة الأعظمي، الهند (ج١) .\n١٨٧- الفتوحات الربانية على الأذكار النووية.\nلمحمد بن علان الصديقي الشافعي (ت ١٠٥٧هـ) . نشر جمعية النشر والتأليف الأزهرية، القاهرة، ط١، ١٣٤٨هـ.\n١٨٨- الفروسية.\nلابن القيم. تحقيق: عزت العطار الحسيني - نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٨٩- فصل المقال في شرح كتاب الأمثال.\nلأبي عبيد البكري. تحقيق: د/ إحسان عباس، د/ عبد المجيد عابدين - نشر دار الأمانة، مؤسسة الرسالة، ١٣٩١هـ.","vol":"3","page":505},{"text":"١٩٠- الفصل للوصل المدرج في النقل.\nللخطيب البغدادي، أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت (ت٤٦٣هـ) . تحقيق: عبد السميع محمد الأنيس - نشر: دار ابن الجوزي - السعودية. ط١، ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\n١٩١- الفوائد.\nلابن القيم. نشر المكتبة القيمة، القاهرة، ط١، ١٤٠٠هـ.\n١٩٢- فيض القدير شرح الجامع الصغير.\nلمحمد بن عبد الرؤوف المناوي. نشر دار المعرفة، بيروت، ط٢ (مطبوع مع الجامع الصغير) .\n١٩٣- القراءة خلف الإمام.\nللبيهقي، أحمد بن الحسين بن علي (ت ٤٥٨هـ) . تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد زغلول - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n١٩٤- قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث.\nلمحمد جمال الدين القاسمي. تحقيق: محمد بهجة البيطار - نشر دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.","vol":"3","page":506},{"text":"١٩٥- القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع.\nلمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢هـ) . نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n١٩٦- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة.\nللذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) . مراجعة: لجنة بإشراف الناشر - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٣هـ.\n١٩٧- الكامل في ضعفاء الرجال.\nلابن عدي، أحمد بن عبد الله الجُرْجَاني (ت ٣٦٥هـ) . تحقيق: لجنة بإشراف الناشر - نشر دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠٤هـ (وط ٣، ١٤٠٩هـ) .\n١٩٨- كشف الأستار عن زوائد البزار.\nلنور الدين، علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ) . تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي - نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٤هـ.\n١٩٩- الكفاية في علم الرواية.\nللخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) . تحقيق: محمد الحافظ التيجاني - نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة، ط١.","vol":"3","page":507},{"text":"٢٠٠- كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع.\nللهيثمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي (ت ٩٧٤هـ) . تحقيق: محمد عبد القادر عطا - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٦هـ.\n٢٠١- الكلام على مسألة السماع.\nلابن القيم. تحقيق: راشد بن عبد العزيز الحمد - نشر دار العاصمة، الرياض، ط١، ١٤٠٩هـ.\n٢٠٢- الكنى والأسماء.\nللدولابي، محمد بن أحمد بن حماد (ت ٣١٠هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، ١٤٠٣هـ.\n٢٠٣- الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات.\nلمحمد بن أحمد المعروف بابن الكيال (ت ٩٣٩هـ) . تحقيق: عبد القيوم عبد رب النبيِّ - نشر المجلس العلمي بجامعة أم القرى، مكة، ١٤٠١هـ.\n٢٠٤- لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ.\nلتقي الدين محمد بن فهد المكي (ت ٨٧١هـ) . نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.","vol":"3","page":508},{"text":"٢٠٥- لسان العرب.\nلابن منظور (ت ٧١١هـ) . تحقيق: عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهشام محمد الشاذلي - نشر دار المعارف، القاهرة.\n٢٠٦- لسان الميزان.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . نشر مؤسسة الأعظمي للمطبوعات، بيروت، ط٢، ١٣٩٠هـ.\n٢٠٧- المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين.\nلمحمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ) . تحقيق: محمود إبراهيم زايد - نشر دار المعرفة، بيروت.\n٢٠٨- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.\nلنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ) . نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط٣، ١٤٠٢هـ.\n٢٠٩- المجموع شرح المهذب.\nللنووي، يحيى بن شرف (ت ٦٧٦هـ) . تحقيق: محمد نجيب المطيعي - نشر مكتبة الإرشاد، جدة، السعودية.","vol":"3","page":509},{"text":"٢١٠- مجموع الفتاوى.\nلشيخ الإسلام ابن تيمية. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد العاصمي النجدي، وولده محمد - طبعة الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين.\n٢١١- المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث.\nلأبي موسى المديني (ت ٥٨١هـ) . تحقيق: عبد الكريم الغرباوي - من مطبوعات مركز البحث العلمي، بجامعة أم القرى، ط١، ١٤٠٦هـ.\n٢١٢- الْمُحَلَّى.\nلابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد (ت ٤٥٦هـ) . نسخة مقابلة على نسخة الشيخ/ أحمد شاكر - نشر المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.\n٢١٣- مختار الصحاح.\nلمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت ٦٦٦هـ) . نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ١٩٦٧م.\n٢١٤- مختصر سنن أبي داود.\nللمنذري، محمد بن عبد العظيم بن عبد القوي (ت ٦٥٦هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي - نشر دار المعرفة، بيروت.","vol":"3","page":510},{"text":"٢١٥- مختصر (الشمائل المحمدية) - للترمذي.\nاختصره: الشيخ الألباني. نشر المكتبة الإسلامية، عمان - الأردن، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٢١٦- مختصر (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) - لابن القيم.\nاختصره: محمد الموصلي. نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٢١٧- مختصر طبقات الحنابلة.\nللشطي، محمد بن عمر بن محمد (ت ١٣٧٩هـ) . نشر دمشق، ١٣٣٩هـ.\n٢١٨- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.\nلابن القيم. مراجعة: لجنة من العلماء بإشراف الناشر - نشر دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٠٣هـ.\n٢١٩- مدينة دمشق - دراسة في جغرافية المدن.\nللدكتور/ صفوح خير. من منشورات وزارة الثقافة والسياحة - سوريا، ١٩٦٩م.\n٢٢٠- المراسيل.\nلأبي داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ) . تحقيق: شعيب الأرنؤوط - نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٨هـ.","vol":"3","page":511},{"text":"٢٢١- المراسيل.\nلأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧هـ) . تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني - نشر مؤسسة الرسالة، ١٣٩٧هـ.\n٢٢٢- مسائل الإمام أحمد بن حنبل - رواية ابنه عبد الله.\nتحقيق: علي سليمان المهنا - نشر مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط١، ١٤٠٦هـ.\n٢٢٣- المستدرك على الصحيحين.\nلأبي عبد الله الحاكم، محمد بن محمد (ت ٤٠٥هـ) . نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٢٤- المسند.\nللإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) . نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط٢، ١٣٩٨هـ.\n٢٢٥- المسند.\nللإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر - نشر دار المعارف، القاهرة، ط٤، ١٣٧٣هـ.\n٢٢٦- مسند أبي عوانة.\nليعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت ٣١٠هـ) . طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند، ١٣٦٢هـ.","vol":"3","page":512},{"text":"٢٢٧- مسند إسحاق بن راهويه (مسند أم المؤمنين عائشة) .\nلابن راهويه، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد (ت ٢٣٨هـ) . تحقيق د/ عبد الغفور البلوشي.\nنشر مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ط١، ١٤١٠هـ (ج٢ - ٣) .\n٢٢٨- مسند البزار.\nلأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، تحقيق: د/ محفوظ الرحمن زين الله - نشر مؤسسة علوم القرآن، بيروت، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط١، ١٤٠٩هـ (الأجزاء ١ - ٩) .\n٢٢٩- مسند الدارمي.\nلأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت ٢٥٥هـ) . تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني - نشر السنة، ملتان، باكستان.\n٢٣٠- مسند أبي داود الطيالسي.\nلسليمان بن داود (ت ٢٠٤هـ) . نشر دار المعرفة، بيروت.\n٢٣١- مسند الشافعي.\nنشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٠هـ.\n٢٣٢- مسند أبي يعلى الموصلي.\nلأحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت ٣٠٧هـ) . تحقيق: حسين سليم أسد - نشر دار المأمون للتراث، دمشق، بيروت، ط١ (١٤٠٤هـ إلى ١٤٠٩هـ) .","vol":"3","page":513},{"text":"٢٣٣- مشكاة المصابيح.\nلمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، توفي بعد (٧٣٧هـ) . تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني - نشر المكتب الإسلامي، ط٢، ١٣٩٩هـ\n٢٣٤- مصابيح السنة.\nللبغوي، أبي محمد، الحسين بن مسعود الفراء (ت ٥١٦هـ) . نشر مطبعة بولاق، القاهرة، تم طبعه ١٢٩٤هـ.\n٢٣٥- مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه.\nأحمد بن أبي بكر، شهاب الدين البوصيري (ت ٨٤٠هـ) . تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي - نشر الدار العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ١٤٠٢هـ.\n٢٣٦- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير.\nلأحمد بن محمد بن علي الفيومي (ت ٧٧٠هـ) . نشر المكتبة العلمية، بيروت.\n٢٣٧- المصنف.\nلعبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت ٣٣٥هـ) . تحقيق: عبد الخالق الأفغاني - نشر الدار السلفية، بمباي، الهند، ١٣٩٩هـ.\n٢٣٨- المصنف.\nلعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) . تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي - ١٣٩٠هـ.","vol":"3","page":514},{"text":"٢٣٩- معالم السنن.\nلأبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٨هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي - نشر دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت (مطبوع مع مختصر المنذري، وتهذيب ابن القيم) .\n٢٤٠- معالم وأعلام في بلاد العرب.\nلأحمد قدامة. دمشق، سوريا، ١٣٨٥هـ.\n٢٤١- المعجم الأوسط.\nللحافظ أبي القاسم الطبراني، سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠هـ) . تحقيق: محمود الطحان - نشر مكتبة المعارف، الرياض (الأجزاء ١ - ٣) ط١ (١٤٠٥ - ١٤٠٧هـ) .\n٢٤٢- معجم البلدان.\nلياقوت بن عبد الله الحموي (ت ٦٢٦هـ) . نشر دار صادر، دار بيروت، بيروت.\n٢٤٣- معجم الشيوخ - المعجم الكبير.\nلشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: د/ محمد الحبيب الهيلة - نشر مكتبة الصديق، الطائف، السعودية، ط١، ١٤٠٨هـ.","vol":"3","page":515},{"text":"٢٤٤- المعجم الصغير.\nلأبي القاسم الطبراني، سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠هـ) . نشر دار الكتب العلمية، ١٤٠٣هـ.\n٢٤٥- المعجم الكبير.\nلأبي القاسم الطبراني، سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠هـ) . تحقيق: حمدي السلفي - نشر الدار العربية للطباعة والنشر، ط١، (ما بين ١٩٧٨م - ١٩٨٣م) .\n٢٤٦- المعجم المختص بالمحدثين.\nللذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: د/ محمد الحبيب الهيلة - نشر مكتبة الصديق، الطائف، السعودية، ط١، ١٤٠٨هـ.\n٢٤٧- معرفة علوم الحديث.\nلأبي عبد الله الحاكم، محمد بن محمد (ت ٤٠٥هـ) . تحقيق: معظم حسين - نشر دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط٢، ١٣٩٧هـ.\n٢٤٨- المعرفة والتاريخ.\nلأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧هـ) . تحقيق: د/ أكرم ضياء العمري - نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠١هـ.","vol":"3","page":516},{"text":"٢٤٩- المغني في الضعفاء.\nللحافظ شمس الدين الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) .\nتحقيق: د/ نور الدين عتر.\n٢٥٠- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة.\nلابن القيم. تحقيق: فكري أبي النصر - نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٥١- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة.\nللسخاوي، محمد بن عبد الرحمن (ت ٩٠٢هـ) . تحقيق: محمد عثمان الخشت - دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥هـ.\n٢٥٢- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث.\nلأبي عمرو، عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (ت ٦٤٣هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨هـ.\n٢٥٣- منادمة الأطلال ومسامرة الخيال.\nلعبد القادر بدران (ت ١٣٤٦هـ) . نشر المكتب الإسلامي، دمشق.\n٢٥٤- من كلام أبي زكريا بن معين في الرجال رواية أبي خالد الدقاق:\nتحقيق: د/ أحمد نور سيف - نشر دار المأمون للتراث، ط١.","vol":"3","page":517},{"text":"٢٥٥- المنار المنيف في الصحيح والضعيف.\nلابن القيم. تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة - نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا، ط٢، ١٤٠٢هـ.\n٢٥٦- المنتقى.\nلابن الجارود، عبد الله بن علي (ت ٣٠٧هـ) . نشر حديث أكادمي، فيصل آباد، باكستان، ١٤٠٣هـ.\n٢٥٧- المهذب في اختصار (السنن الكبير) للبيهقي.\nاختصره: الذهبي (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: حامد إبراهيم أحمد، ومحمد حسين العقبي، وزكريا علي يوسف، مطبعة الإمام - القاهرة.\n٢٥٨- موضح أوهام الجمع والتفريق.\nلأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) . نشر دار الكتب العلمية، بيروت (مصورة عن طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند) ١٣٧٨هـ.\n٢٥٩- الموضوعات من الأحاديث المرفوعات.\nلأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) . تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان - نشر المكتبة السلفية، السعودية، المدينة المنورة، ط١، ١٣٨٦هـ.","vol":"3","page":518},{"text":"٢٦٠- موطأ مالك.\nتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي - نشر دار إحياء التراث العربي.\n٢٦١- الموقظة في علم مصطلح الحديث.\nللذهبي (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة - نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، سوريا، حلب، ط١، ١٤٠٥هـ.\n٢٦٢- ميزان الاعتدال في نقد الرجال.\nلأبي عبد الله الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) . تحقيق: علي محمد البجاوي - نشر دار المعرفة، بيروت، ١٣٨٢هـ.\n٢٦٣- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.\nلابن تغري بردي (ت ٨٧٤هـ) . نشر المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة\n٢٦٤- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر.\nلابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي (ت ٨٥٢هـ) . نشر المكتبة العلمية، بيروت (ومعه: نزهة النظر) .\n٢٦٥- نزهة النظر شرح نخبة الفكر.\nلابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. انظر: (نخبة الفكر) .","vol":"3","page":519},{"text":"٢٦٦- النزول.\nلعلي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) . تحقيق: د/ علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، ط١، ١٤٠٣هـ.\n٢٦٧- نصب الراية لأحاديث الهداية.\nللزيلعي عبد الله بن يوسف (ت ٧٦٢هـ) . تصحيح: إدارة المجلس العلمي - نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط٢، ١٣٩٣هـ.\n٢٦٨- النكت على كتاب ابن الصلاح.\nلابن حجر العسقلاني. تحقيق: د/ ربيع بن هادي المدخلي - نشر المجلس الأعلى لإحياء التراث، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤٠٤هـ.\n٢٦٩- النهاية في غريب الحديث.\nلابن الأثير المبارك بن محمد (ت ٦٠٦هـ) . تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود الطناحي - نشر المكتبة الإسلامية.\n٢٧٠- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.\nللشوكاني، محمد بن علي (ت ١٢٥٥هـ) . نشر دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣م.\n٢٧١- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.\nلابن القيم. نشر الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٣٩٦هـ","vol":"3","page":520},{"text":"٢٧٢- هدي الساري مقدمة فتح الباري.\nلابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن باز - نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية بالسعودية.\n٢٧٣- الوابل الصيب من الكلم الطيب.\nلابن القيم. تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - نشر مكتبة دار البيان، دمشق، ط٢، ١٣٩٩هـ.\n٢٧٤- الوافي بالوفيات.\nللصفدي، خليل بن أيبك (ت ٧٦٤هـ) . تحقيق: س. ديد رينغ - نشر فرانز شتاير، ١٣٩٤هـ.\n٢٧٥- الوفيات.\nلتقي الدين أبي المعالي محمد بن رافع السلامي (ت ٧٧٤هـ) . تحقيق: صالح مهدي عباس - نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٠٢هـ.","vol":"3","page":521},{"text":"المخطوطات\n٢٧٦- البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير.\nلابن الملقن، عمر بن علي (ت ٨٠٤هـ) .\nنسخة محفوظة بمكتبة المخطوطات، الجامعة الإسلامية، تحت رقم (٢٢٤٧، ٢٢٤٨)، ومصورة عن المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة. (أربعة أجزاء في مجلدين) .\n٢٧٧- العلل الواردة في الأحاديث النبوية.\nلأبي الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) .\nنسخة بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية تحت رقم (٢١٧ - ٢٢٣)، ومصورة عن \"دار الكتب المصرية\". وتقع في خمس مجلدات.\n٢٧٨- فوائد في الكلام على حديث الغمامة، وحديث الغزالة\nلابن القيم.\nنسخة محفوظة بمكتبة الشيخ حماد الأنصاري باسم: (رسالة في الأحاديث الموضوعة)، مصورة عن نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم (٥٤٨٥) ق ١٠٠/١ - ١١٧/٢) .","vol":"3","page":522},{"text":"٢٧٩- المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي.\nلابن تغري بردي، أبي المحاسن، يوسف بن تغري بردي (ت٨٧٤هـ) .\nنسخة محفوظة في مكتبة عارف حكمت، بالمدينة المنورة، ٣ مجلدات. رقم عام: (٣٩٨٣ - ٣٩٨٥)، رقم التصنيف: (٢٣٧/٩٠٠ - ٢٣٩/٩٠٠) .","vol":"3","page":523}]}