{"ً":{"ٌ":115,"ٍ":"أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط","َ":3,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: أصل الزراري شرح صحيح البخاري\nالمؤلف: عبد القادر بن عبد الله الأسطواني (ت ١٣١٤ هـ)\nاعتنى به: دار الكمال المتحدة\nالناشر: عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري،  https://bukhari-pedia.net\nالنشرة: الأولى\nعدد أوراق المخطوط: ٣٧٥\nقدمه للشاملة: «عطاءات العلم» جزاهم الله خيرًا\nعمل المعتني بالكتاب: نسخنا الشرح من نسخته الفريدة، وهي نسخة المصنف، وضبطنا مواضع الإشكال ونبهنا على مواضع الوهم.\n[الكتاب مخطوط، وترقيمه موافق لأوراق المخطوط]","ْ":"[أصل الزراري شرح صحيح البخاري]\n\nشرح لصحيح البخاري ابتدأ فيه في غرة شوال سنة ست وسبعين ومائتين وألف، وافته المنية قبل إتمامه، وصل فيه إلى باب مواقيت الصلاة وفضلها وشرح منه الحديث الأول، وقد تحامل فيه ﵀ وعفا عنه على الحافظ ابن حجر ﵀ تحاملًا ممجوجًا، وجعل غاية همِّه في هذا الشرح الرد عليه، وإطلاق اللسان في تنقصه عفا الله عنه.","ٓ":"1.0","ٔ":3127,"ٕ":7,"ٖ":1770156293,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المصنف","level":1,"page":2},{"title":"في فضيلة أهل الحديث","level":2,"page":2},{"title":"في ذكر أول من دون الحديث والسنن","level":2,"page":2},{"title":"في التعريف ببعض مصطلحات المحدثين","level":2,"page":2},{"title":"في مكانة صحيح البخاري","level":2,"page":3},{"title":"في ذكر نسب البخاري","level":2,"page":3},{"title":"بيان شروح هذا الصحيح","level":2,"page":3},{"title":"إسناد المصنف ﵀ إلى الإمام البخاري","level":2,"page":3},{"title":"الكلام على البسملة","level":1,"page":4},{"title":"كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ","level":1,"page":4},{"title":"حديث: إنما الأعمال بالنيات","level":2,"page":4},{"title":"حديث: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي","level":2,"page":5},{"title":"حديث: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة","level":2,"page":5},{"title":"حديث: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة","level":2,"page":7},{"title":"حديث: كان رسول الله أجود الناس","level":2,"page":7},{"title":"حديث أبي سفيان: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش","level":2,"page":7},{"title":"كتاب الإيمان","level":1,"page":10},{"title":"باب قول النبي: بني الإسلام على خمس","level":2,"page":10},{"title":"باب دعاؤكم إيمانكم","level":2,"page":12},{"title":"حديث: بني الإسلام على خمس","level":3,"page":12},{"title":"باب أمور الإيمان","level":2,"page":12},{"title":"حديث: الإيمان بضع وستون شعبة","level":3,"page":12},{"title":"باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده","level":2,"page":13},{"title":"حديث: المسلم من سلم المسلمون من لسانه","level":3,"page":13},{"title":"باب أي الإسلام أفضل؟","level":2,"page":13},{"title":"حديث: يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟","level":3,"page":13},{"title":"باب إطعام الطعام من الإسلام","level":2,"page":13},{"title":"حديث: أن رجلا سأل النبي: أي الإسلام خير؟","level":3,"page":13},{"title":"باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه","level":2,"page":14},{"title":"حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه","level":3,"page":14},{"title":"باب حب الرسول من الإيمان","level":2,"page":14},{"title":"حديث: فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه","level":3,"page":14},{"title":"حديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده","level":3,"page":14},{"title":"باب حلاوة الإيمان","level":2,"page":14},{"title":"حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان","level":3,"page":14},{"title":"باب علامة الإيمان حب الأنصار","level":2,"page":15},{"title":"حديث: آية الإيمان حب الأنصار","level":3,"page":15},{"title":"باب [ابتداء تلقيبهم بالأنصار]","level":2,"page":15},{"title":"حديث: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا","level":3,"page":15},{"title":"باب من الدين الفرار من الفتن","level":2,"page":16},{"title":"حديث: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم","level":3,"page":16},{"title":"باب قول النبي: أنا أعلمكم بالله","level":2,"page":16},{"title":"حديث: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا","level":3,"page":16},{"title":"باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان","level":2,"page":16},{"title":"حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان.","level":3,"page":16},{"title":"باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال","level":2,"page":17},{"title":"حديث: يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار","level":3,"page":17},{"title":"حديث: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي","level":3,"page":17},{"title":"باب الحياء من الإيمان","level":2,"page":18},{"title":"حديث: دعه فإن الحياء من الإيمان","level":3,"page":18},{"title":"باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾","level":2,"page":18},{"title":"حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله","level":3,"page":18},{"title":"باب من قال: إن الإيمان هو العمل","level":2,"page":18},{"title":"حديث: أن رسول الله سئل: أي العمل أفضل؟","level":3,"page":19},{"title":"باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة","level":2,"page":19},{"title":"حديث: أن رسول الله أعطى رهطا وسعد جالس","level":3,"page":19},{"title":"باب إفشاء السلام من الإسلام","level":2,"page":20},{"title":"حديث: أن رجلا سأل رسول الله: أي الإسلام خير؟","level":3,"page":20},{"title":"باب كفران العشير وكفر دون كفر","level":2,"page":20},{"title":"حديث: أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن","level":3,"page":20},{"title":"باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا","level":2,"page":20},{"title":"حديث: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية","level":3,"page":20},{"title":"باب: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾","level":2,"page":21},{"title":"حديث: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار","level":3,"page":21},{"title":"باب ظلم دون ظلم","level":2,"page":21},{"title":"حديث: لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾","level":3,"page":21},{"title":"باب علامة المنافق","level":2,"page":22},{"title":"حديث: آية المنافق ثلاث","level":3,"page":22},{"title":"حديث: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا","level":3,"page":22},{"title":"باب قيام ليلة القدر من الإيمان","level":2,"page":22},{"title":"حديث: من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا","level":3,"page":22},{"title":"باب الجهاد من الإيمان","level":2,"page":22},{"title":"حديث: انتدب الله لمن خرج في سبيله","level":3,"page":22},{"title":"باب تطوع قيام رمضان من الإيمان","level":2,"page":23},{"title":"حديث: من قام رمضان إيمانا واحتسابا","level":3,"page":23},{"title":"باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان","level":2,"page":23},{"title":"حديث: من صام رمضان إيمانا واحتسابا","level":3,"page":23},{"title":"باب الدين يسر","level":2,"page":23},{"title":"حديث: إن الدين يسر","level":3,"page":23},{"title":"باب الصلاة من الإيمان","level":2,"page":23},{"title":"حديث: أن النبي كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده","level":3,"page":24},{"title":"باب حسن إسلام المرء","level":2,"page":25},{"title":"حديث: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه","level":3,"page":25},{"title":"حديث: إذا أحسن أحدكم إسلامه","level":3,"page":25},{"title":"باب أحب الدين إلى الله أدومه","level":2,"page":25},{"title":"حديث: مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا","level":3,"page":25},{"title":"باب زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":26},{"title":"حديث: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله","level":3,"page":26},{"title":"حديث: أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم","level":3,"page":27},{"title":"باب الزكاة من الإسلام","level":2,"page":27},{"title":"حديث: خمس صلوات في اليوم والليلة","level":3,"page":27},{"title":"باب اتباع الجنائز من الإيمان","level":2,"page":29},{"title":"حديث: من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا","level":3,"page":29},{"title":"باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر","level":2,"page":30},{"title":"حديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر","level":3,"page":30},{"title":"حديث: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر","level":3,"page":31},{"title":"باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة","level":2,"page":31},{"title":"حديث: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله","level":3,"page":31},{"title":"باب [منه]","level":2,"page":33},{"title":"حديث أبي سفيان مع هرقل","level":3,"page":33},{"title":"باب فضل من استبرأ لدينه","level":2,"page":33},{"title":"حديث: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات","level":3,"page":33},{"title":"باب أداء الخمس من الإيمان","level":2,"page":34},{"title":"حديث: مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى","level":3,"page":34},{"title":"باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى","level":2,"page":35},{"title":"حديث: الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى","level":3,"page":37},{"title":"حديث: إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة","level":3,"page":37},{"title":"حديث: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها","level":3,"page":37},{"title":"باب قول النبي: الدين النصيحة لله ولرسوله","level":2,"page":37},{"title":"حديث: بايعت رسول الله على إقام الصلاة","level":3,"page":38},{"title":"حديث: أما بعد فإني أتيت النبي قلت أبايعك على الإسلام","level":3,"page":38},{"title":"كتاب العلم","level":1,"page":38},{"title":"باب فضل العلم","level":2,"page":38},{"title":"باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه","level":2,"page":39},{"title":"حديث: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة","level":3,"page":39},{"title":"باب من رفع صوته بالعلم","level":2,"page":39},{"title":"حديث: تخلف عنا النبي في سفرة سافرناها فأدركنا","level":3,"page":39},{"title":"باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا","level":2,"page":40},{"title":"حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها","level":3,"page":40},{"title":"باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم","level":2,"page":40},{"title":"حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها","level":3,"page":40},{"title":"باب ما جاء في العلم وقوله تعالى ﴿وقل رب زدني علما﴾","level":2,"page":41},{"title":"حديث: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي","level":3,"page":42},{"title":"باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان","level":2,"page":43},{"title":"حديث: أن رسول الله بعث بكتابه رجلا","level":3,"page":43},{"title":"حديث: كتب النبي كتابا فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا","level":3,"page":44},{"title":"باب من قعد حيث ينتهي به المجلس","level":2,"page":44},{"title":"حديث: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة","level":3,"page":44},{"title":"باب قول النبي: رب مبلغ أوعى من سامع","level":2,"page":45},{"title":"حديث: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام","level":3,"page":45},{"title":"باب العلم قبل القول والعمل","level":2,"page":46},{"title":"باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة","level":2,"page":47},{"title":"حديث: كان النبي يتخولنا بالموعظة في الأيام","level":3,"page":47},{"title":"حديث: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا","level":3,"page":47},{"title":"باب من جعل لأهل العلم أياما","level":2,"page":47},{"title":"حديث: كان عبد الله يذكر الناس كل خميس","level":3,"page":47},{"title":"باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين","level":2,"page":47},{"title":"حديث: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين","level":3,"page":47},{"title":"باب الفهم في العلم","level":2,"page":48},{"title":"حديث: إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم","level":3,"page":48},{"title":"باب الاغتباط في العلم والحكمة","level":2,"page":48},{"title":"حديث: لا حسد إلا في اثنتين","level":3,"page":48},{"title":"باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر","level":2,"page":49},{"title":"حديث: بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل","level":3,"page":49},{"title":"باب قول النبي: اللهم علمه الكتاب","level":2,"page":50},{"title":"حديث: اللهم علمه الكتاب","level":3,"page":50},{"title":"باب متى يصح سماع الصغير","level":2,"page":51},{"title":"حديث: أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ","level":3,"page":51},{"title":"حديث: عقلت من النبي مجة مجها في وجهي","level":3,"page":51},{"title":"باب الخروج في طلب العلم","level":2,"page":51},{"title":"حديث: في رحلة سيدنا موسى إلى سيدنا الخضر","level":3,"page":52},{"title":"باب فضل من علم وعلم","level":2,"page":52},{"title":"حديث: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم","level":3,"page":52},{"title":"باب رفع العلم وظهور الجهل","level":2,"page":53},{"title":"حديث: إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم","level":3,"page":53},{"title":"حديث: من أشراط الساعة أن يقل العلم","level":3,"page":53},{"title":"باب فضل العلم","level":2,"page":54},{"title":"حديث: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن","level":3,"page":54},{"title":"باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها","level":2,"page":54},{"title":"حديث: أن رسول الله وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه","level":3,"page":54},{"title":"باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس","level":2,"page":55},{"title":"حديث: أن النبي سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي","level":3,"page":55},{"title":"حديث: يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن","level":3,"page":55},{"title":"حديث: ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته","level":3,"page":55},{"title":"باب تحريض النبي وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان","level":2,"page":56},{"title":"حديث: مرحبا بالقوم _أو: بالوفد - غير خزايا ولا ندامى","level":3,"page":56},{"title":"باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله","level":2,"page":57},{"title":"حديث عقبة: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب","level":3,"page":57},{"title":"باب التناوب في العلم","level":2,"page":57},{"title":"حديث عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار","level":3,"page":57},{"title":"باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره","level":2,"page":58},{"title":"حديث: أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف","level":3,"page":58},{"title":"حديث: أن النبي سأله رجل عن اللقطة","level":3,"page":58},{"title":"حديث: سئل النبي عن أشياء كرهها","level":3,"page":59},{"title":"باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث","level":2,"page":60},{"title":"حديث: أن رسول الله خرج فقام عبد الله بن حذافة","level":3,"page":60},{"title":"باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه","level":2,"page":60},{"title":"حديث: كان إذا سلم سلم ثلاثا وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا","level":3,"page":60},{"title":"حديث: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه","level":3,"page":60},{"title":"حديث: تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه","level":3,"page":60},{"title":"باب تعليم الرجل أمته وأهله","level":2,"page":61},{"title":"حديث: ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه","level":3,"page":61},{"title":"باب عظة الإمام النساء وتعليمهن","level":2,"page":61},{"title":"حديث: أشهد على النبي خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع","level":3,"page":61},{"title":"باب الحرص على الحديث","level":2,"page":62},{"title":"حديث: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد","level":3,"page":62},{"title":"باب كيف يقبض العلم","level":2,"page":62},{"title":"حديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا","level":3,"page":63},{"title":"باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟","level":2,"page":63},{"title":"حديث: قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال","level":3,"page":63},{"title":"باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه","level":2,"page":64},{"title":"حديث: أن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه","level":3,"page":64},{"title":"باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب","level":2,"page":64},{"title":"حديث: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس","level":3,"page":64},{"title":"حديث: فإن دماءكم وأموالكم عليكم","level":3,"page":65},{"title":"باب إثم من كذب على النبي ﷺ","level":2,"page":66},{"title":"حديث: لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار","level":3,"page":66},{"title":"حديث: من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار","level":3,"page":66},{"title":"حديث: من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار","level":3,"page":67},{"title":"حديث: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار","level":3,"page":67},{"title":"حديث: تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي","level":3,"page":67},{"title":"باب كتابة العلم","level":2,"page":68},{"title":"حديث أبي جحيفة: قلت لعلي: هل عندكم كتاب","level":3,"page":68},{"title":"حديث: إن الله حبس عن مكة القتل","level":3,"page":69},{"title":"حديث: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني","level":3,"page":71},{"title":"حديث: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده","level":3,"page":71},{"title":"باب العلم والعظة بالليل","level":2,"page":72},{"title":"حديث: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن","level":3,"page":72},{"title":"باب السمر بالعلم","level":2,"page":73},{"title":"حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها","level":3,"page":73},{"title":"حديث: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث","level":3,"page":74},{"title":"باب حفظ العلم","level":2,"page":74},{"title":"حديث: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله","level":3,"page":74},{"title":"حديث: ابسط رداءك","level":3,"page":75},{"title":"حديث: حفظت من رسول الله وعاءين","level":3,"page":75},{"title":"باب الإنصات للعلماء","level":2,"page":76},{"title":"حديث: أن النبي قال له في حجة الوداع: استنصت الناس","level":3,"page":76},{"title":"باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟","level":2,"page":77},{"title":"حديث: قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل","level":3,"page":77},{"title":"باب من سأل وهو قائم عالما جالسا","level":2,"page":81},{"title":"حديث: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله","level":3,"page":81},{"title":"باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار","level":2,"page":81},{"title":"حديث: رأيت النبي عند الجمرة وهو يسأل","level":3,"page":81},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾","level":2,"page":82},{"title":"حديث: بينا أنا أمشي مع النبي في خرب المدينة","level":3,"page":82},{"title":"باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس","level":2,"page":83},{"title":"حديث: يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم لنقضت الكعبة","level":3,"page":83},{"title":"باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا","level":2,"page":83},{"title":"حديث علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن","level":3,"page":83},{"title":"حديث: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله","level":3,"page":84},{"title":"حديث: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة","level":3,"page":84},{"title":"باب الحياء في العلم","level":2,"page":85},{"title":"حديث: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق","level":3,"page":85},{"title":"حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها.","level":3,"page":86},{"title":"باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال","level":2,"page":86},{"title":"حديث علي: كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد أن يسأل النبي","level":3,"page":86},{"title":"باب ذكر العلم والفتيا في المسجد","level":2,"page":86},{"title":"حديث: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة","level":3,"page":86},{"title":"باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله","level":2,"page":87},{"title":"حديث: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل","level":3,"page":87},{"title":"كتاب الوضوء","level":1,"page":88},{"title":"باب ما جاء في الوضوء","level":2,"page":89},{"title":"باب لا تقبل صلاة بغير طهور","level":2,"page":95},{"title":"حديث: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ","level":3,"page":95},{"title":"باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء","level":2,"page":96},{"title":"حديث: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء","level":3,"page":96},{"title":"باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن","level":2,"page":98},{"title":"حديث: لا ينفتل حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا","level":3,"page":98},{"title":"باب التخفيف في الوضوء","level":2,"page":99},{"title":"حديث: أن النبي نام حتى نفخ ثم صلى","level":3,"page":99},{"title":"باب إسباغ الوضوء","level":2,"page":100},{"title":"حديث: دفع رسول الله من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال","level":3,"page":100},{"title":"باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة","level":2,"page":101},{"title":"حديث وضوء عبد الله ابن عباس","level":3,"page":101},{"title":"باب التسمية على كل حال وعند الوقاع","level":2,"page":102},{"title":"حديث: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله","level":3,"page":102},{"title":"باب ما يقول عند الخلاء","level":2,"page":103},{"title":"حديث: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث","level":3,"page":103},{"title":"باب وضع الماء عند الخلاء","level":2,"page":104},{"title":"حديث: أن النبي دخل الخلاء فوضعت له وضوءا","level":3,"page":104},{"title":"باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء جدار أو نحوه","level":2,"page":105},{"title":"حديث: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره","level":3,"page":105},{"title":"باب من تبرز على لبنتين","level":2,"page":106},{"title":"حديث ابن عمر: لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله","level":3,"page":107},{"title":"باب خروج النساء إلى البراز","level":2,"page":108},{"title":"حديث: أن أزواج النبي كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع","level":3,"page":108},{"title":"حديث: قد أذن أن تخرجن في حاجتكن","level":3,"page":109},{"title":"باب التبرز في البيوت","level":2,"page":110},{"title":"حديث: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي","level":3,"page":110},{"title":"باب [الرخصة في ذلك]","level":2,"page":110},{"title":"حديث ابن عمر: لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا فرأيت","level":3,"page":110},{"title":"باب الاستنجاء بالماء","level":2,"page":110},{"title":"حديث أنس: كان النبي إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام","level":3,"page":110},{"title":"باب من حمل معه الماء لطهوره","level":2,"page":112},{"title":"حديث: كان رسول الله إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا","level":3,"page":112},{"title":"باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء","level":2,"page":112},{"title":"حديث: كان رسول الله يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء","level":3,"page":112},{"title":"باب النهي عن الاستنجاء باليمين","level":2,"page":113},{"title":"حديث: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء","level":3,"page":113},{"title":"باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال","level":2,"page":114},{"title":"حديث: إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه","level":3,"page":115},{"title":"باب الاستنجاء بالحجارة","level":2,"page":115},{"title":"حديث: ابغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا روث","level":3,"page":115},{"title":"حديث: أتى النبي الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار","level":3,"page":117},{"title":"باب الوضوء مرة مرة","level":2,"page":119},{"title":"حديث: توضأ النبي ﷺ مرة مرة","level":3,"page":119},{"title":"باب الوضوء مرتين مرتين","level":2,"page":119},{"title":"حديث: أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين","level":3,"page":119},{"title":"باب الوضوء ثلاثا ثلاثا","level":2,"page":119},{"title":"حديث: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين","level":3,"page":119},{"title":"باب الاستنثار في الوضوء","level":2,"page":124},{"title":"حديث: من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر","level":3,"page":124},{"title":"باب الاستجمار وترا","level":2,"page":125},{"title":"حديث: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر","level":3,"page":125},{"title":"باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين","level":2,"page":128},{"title":"حديث: تخلف النبي عنا في سفرة سافرناها فأدركنا","level":3,"page":128},{"title":"باب المضمضة في الوضوء","level":2,"page":128},{"title":"حديث: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين","level":3,"page":128},{"title":"باب غسل الأعقاب","level":2,"page":129},{"title":"حديث أبي هريرة: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم قال: ويل","level":3,"page":129},{"title":"باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين","level":2,"page":130},{"title":"حديث عبيد بن جريج: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا","level":3,"page":130},{"title":"باب التيمن في الوضوء والغسل","level":2,"page":132},{"title":"حديث: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها","level":3,"page":132},{"title":"حديث عائشة: كان النبي يعجبه التيمن في تنعله","level":3,"page":133},{"title":"باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة","level":2,"page":134},{"title":"حديث: رأيت رسول الله وحانت صلاة العصر فالتمس","level":3,"page":134},{"title":"باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان","level":2,"page":135},{"title":"حديث: عندنا من شعر النبي أصبناه من قبل أنس","level":3,"page":137},{"title":"حديث: أن رسول الله لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول","level":3,"page":137},{"title":"حديث: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا","level":3,"page":137},{"title":"حديث: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد","level":3,"page":139},{"title":"حديث: إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل","level":3,"page":140},{"title":"باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين","level":2,"page":141},{"title":"حديث: لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة","level":3,"page":146},{"title":"حديث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا","level":3,"page":147},{"title":"حديث علي: كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله","level":3,"page":147},{"title":"حديث زيد بن خالد: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟","level":3,"page":147},{"title":"حديث: إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء","level":3,"page":148},{"title":"باب الرجل يوضئ صاحبه","level":2,"page":149},{"title":"حديث: المصلى أمامك","level":3,"page":149},{"title":"حديث: كان مع رسول الله في سفر وأنه ذهب لحاجة له","level":3,"page":150},{"title":"باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره","level":2,"page":150},{"title":"حديث ابن عباس: أنه بات ليلة عند ميمونة","level":3,"page":152},{"title":"باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل","level":2,"page":153},{"title":"حديث: ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا","level":3,"page":154},{"title":"باب مسح الرأس كله","level":2,"page":155},{"title":"حديث عبد الله بن زيد في مسح الرأس كله","level":3,"page":155},{"title":"باب غسل الرجلين إلى الكعبين","level":2,"page":158},{"title":"حديث عبد الله بن زيد في وضوء النبي ﷺ","level":3,"page":158},{"title":"باب استعمال فضل وضوء الناس","level":2,"page":160},{"title":"حديث أبي جحيفة في وضوء النبي ﷺ","level":3,"page":161},{"title":"حديث: وإذا توضأ النبي كادوا يقتتلون على وضوئه","level":3,"page":162},{"title":"حديث السائب: ذهبت بي خالتي إلى النبي فقالت: يا رسول الله","level":3,"page":163},{"title":"باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة","level":2,"page":165},{"title":"حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي وفيه أنه أفرغ","level":3,"page":165},{"title":"باب مسح الرأس مرة","level":2,"page":166},{"title":"حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي وفيه: ومسح برأسه","level":3,"page":166},{"title":"باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة","level":2,"page":168},{"title":"حديث: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله جميعا","level":3,"page":169},{"title":"باب صب النبي وضوءه على المغمى عليه","level":2,"page":170},{"title":"حديث: جاء رسول الله يعودني فتوضأ وصب علي من وضوئه","level":3,"page":171},{"title":"باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة","level":2,"page":171},{"title":"حديث أنس: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار","level":3,"page":172},{"title":"حديث: أن النبي دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه","level":3,"page":172},{"title":"حديث: أتانا رسول الله فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ","level":3,"page":172},{"title":"حديث: هريقوا علي من سبع قرب","level":3,"page":173},{"title":"باب الوضوء من التور","level":2,"page":174},{"title":"حديث ابن زيد: رأيت النبي يتوضأ فدعا بتور من ماء","level":3,"page":174},{"title":"حديث: أن النبي دعا بإناء من ماء","level":3,"page":175},{"title":"باب الوضوء بالمد","level":2,"page":175},{"title":"حديث: كان النبي يغسل بالصاع إلى خمسة أمداد","level":3,"page":176},{"title":"باب المسح على الخفين","level":2,"page":177},{"title":"حديث سعد في مسح النبي على الخفين","level":3,"page":177},{"title":"حديث المغيرة في المسح على الخفين","level":3,"page":179},{"title":"حديث عمرو بن أمية: أنه رأى النبي يمسح على الخفين","level":3,"page":179},{"title":"حديث عمرو بن أمية: أنه رأى النبي يمسح على عمامته وخفيه","level":3,"page":180},{"title":"باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان","level":2,"page":181},{"title":"حديث: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين","level":3,"page":181},{"title":"باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق","level":2,"page":182},{"title":"حديث: أن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ","level":3,"page":183},{"title":"حديث: رأى رسول الله يحتز من كتف شاة","level":3,"page":183},{"title":"باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ","level":2,"page":184},{"title":"حديث سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله عام خيبر","level":3,"page":184},{"title":"حديث ميمونة: أن النبي أكل عندها كتفا ثم صلى ولم يتوضأ","level":3,"page":184},{"title":"باب: هل يمضمض من اللبن","level":2,"page":184},{"title":"حديث: أن رسول الله شرب لبنا فمضمض","level":3,"page":185},{"title":"باب الوضوء من النوم","level":2,"page":185},{"title":"حديث: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم","level":3,"page":185},{"title":"حديث: إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ","level":3,"page":186},{"title":"باب الوضوء من غير حدث","level":2,"page":187},{"title":"حديث: كان النبي يتوضأ عند كل صلاة","level":3,"page":187},{"title":"حديث سويد بن النعمان: خرجنا مع رسول الله عام خيبر","level":3,"page":187},{"title":"باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله","level":2,"page":188},{"title":"حديث: مر النبي بحائط من حيطان المدينة","level":3,"page":188},{"title":"باب ما جاء في غسل البول","level":2,"page":193},{"title":"حديث: كان النبي إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به","level":3,"page":193},{"title":"حديث: مر النبي ﷺ بقبرين","level":3,"page":194},{"title":"باب ترك النبي والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد","level":2,"page":194},{"title":"حديث: أن النبي رأى أعرابيا يبول في المسجد","level":3,"page":194},{"title":"باب صب الماء على البول في المسجد","level":2,"page":196},{"title":"حديث: دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء","level":3,"page":196},{"title":"حديث أنس في قصة الأعرابي","level":3,"page":197},{"title":"باب يهريق الماء على البول","level":2,"page":197},{"title":"حديث أنس: جاء أعرابي فبال","level":3,"page":197},{"title":"باب بول الصبيان","level":2,"page":198},{"title":"حديث: أتي رسول الله بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه","level":3,"page":198},{"title":"حديث أم قيس: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل","level":3,"page":198},{"title":"باب البول قائما وقاعدا","level":2,"page":200},{"title":"حديث: أتى النبي سباطة قوم فبال قائما","level":3,"page":201},{"title":"باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط","level":2,"page":202},{"title":"حديث حذيفة: رأيتني أنا والنبي نتماشى فأتى سباطة قوم","level":3,"page":202},{"title":"باب البول عند سباطة قوم","level":2,"page":204},{"title":"حديث حذيفة: ليته أمسك أتى الرسول سباطة","level":3,"page":204},{"title":"باب غسل الدم","level":2,"page":205},{"title":"حديث: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه","level":3,"page":205},{"title":"حديث: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي","level":3,"page":207},{"title":"باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة","level":2,"page":209},{"title":"حديث: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي فيخرج إلى الصلاة","level":3,"page":209},{"title":"حديث: كنت أغسله من ثوب رسول الله","level":3,"page":210},{"title":"باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره","level":2,"page":212},{"title":"حديث: كنت أغسله من ثوب رسول الله ثم يخرج إلى الصلاة","level":3,"page":212},{"title":"حديث عائشة: أنها كانت تغسل المني من ثوب النبي ثم أراه","level":3,"page":213},{"title":"باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها","level":2,"page":214},{"title":"حديث: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم","level":3,"page":215},{"title":"حديث: كان النبي يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم","level":3,"page":220},{"title":"باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء","level":2,"page":220},{"title":"حديث: ألقوها وما حولها فاطرحوه","level":3,"page":223},{"title":"حديث: خذوها وما حولها فاطرحوه","level":3,"page":224},{"title":"حديث: كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله","level":3,"page":225},{"title":"باب الماء الدائم","level":2,"page":227},{"title":"حديث: نحن الآخرون السابقون","level":3,"page":227},{"title":"باب إذا ألقى على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته","level":2,"page":231},{"title":"حديث: أن النبي كان يصلي عند البيت وأبو جهل","level":3,"page":233},{"title":"باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب","level":2,"page":238},{"title":"حديث: بزق النبي ﷺ في ثوبه","level":3,"page":240},{"title":"باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر","level":2,"page":241},{"title":"حديث: كل شراب أسكر فهو حرام","level":3,"page":242},{"title":"باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه","level":2,"page":244},{"title":"حديث سهل: ما بقي أحد أعلم به مني","level":3,"page":245},{"title":"باب السواك","level":2,"page":246},{"title":"حديث: أتيت النبي فوجدته يستن بسواك بيده","level":3,"page":246},{"title":"حديث: كان النبي إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك","level":3,"page":248},{"title":"باب دفع السواك إلى الأكبر","level":2,"page":248},{"title":"معلق ابن عمر: أراني أتسوك بسواك","level":3,"page":248},{"title":"باب فضل من بات على الوضوء","level":2,"page":249},{"title":"حديث: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة","level":3,"page":249},{"title":"كتاب الغسل","level":1,"page":252},{"title":"باب الوضوء قبل الغسل","level":2,"page":255},{"title":"حديث: أن النبي كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه","level":3,"page":256},{"title":"حديث: توضأ رسول الله وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه","level":3,"page":257},{"title":"باب غسل الرجل مع امرأته","level":2,"page":260},{"title":"حديث: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد","level":3,"page":260},{"title":"باب الغسل بالصاع ونحوه","level":2,"page":262},{"title":"حديث أبي سلمة: دخلت أنا وأخو عائشة","level":3,"page":262},{"title":"حديث: كان يكفي من هو أوفى منك","level":3,"page":263},{"title":"حديث: أن النبي وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد","level":3,"page":264},{"title":"باب من أفاض على رأسه ثلاثا","level":2,"page":264},{"title":"حديث: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا","level":3,"page":264},{"title":"حديث: كان النبي يفرغ على رأسه ثلاثا","level":3,"page":265},{"title":"حديث: كان النبي يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه","level":3,"page":266},{"title":"باب الغسل مرة واحدة","level":2,"page":267},{"title":"حديث: وضعت للنبي ماء للغسل فغسل يديه مرتين","level":3,"page":267},{"title":"باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل","level":2,"page":268},{"title":"حديث: كان النبي إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب","level":3,"page":269},{"title":"باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة","level":2,"page":270},{"title":"حديث: صببت للنبي غسلا فأفرغ بيمينه","level":3,"page":270},{"title":"باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى","level":2,"page":272},{"title":"حديث: أن النبي اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده","level":3,"page":272},{"title":"باب: هل يدخل الجنب يده في الإناء","level":2,"page":273},{"title":"حديث: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد تختلف","level":3,"page":274},{"title":"حديث: كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة غسل يده","level":3,"page":275},{"title":"حديث: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد من جنابة","level":3,"page":275},{"title":"حديث: كان النبي والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد","level":3,"page":275},{"title":"باب تفريق الغسل والوضوء","level":2,"page":276},{"title":"حديث: وضعت لرسول الله ماء يغتسل به فأفرغ على","level":3,"page":276},{"title":"باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل","level":2,"page":277},{"title":"حديث: وضعت لرسول الله غسلا وسترته فصب على يده","level":3,"page":277},{"title":"باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد","level":2,"page":278},{"title":"حديث: يرحم الله أبا عبد الرحمن كنت أطيب رسول الله فيطوف","level":3,"page":279},{"title":"حديث أنس: كان النبي يدور على نسائه في الساعة الواحدة","level":3,"page":280},{"title":"باب غسل المذي والوضوء منه","level":2,"page":282},{"title":"حديث علي: كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا","level":3,"page":282},{"title":"باب من تطيب ثم اغتسل وبقى أثر الطيب","level":2,"page":284},{"title":"حديث عائشة: أنا طيبت رسول الله ثم طاف في نسائه","level":3,"page":284},{"title":"حديث: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي وهو محرم","level":3,"page":284},{"title":"باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه","level":2,"page":285},{"title":"حديث: كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ","level":3,"page":285},{"title":"باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده","level":2,"page":286},{"title":"حديث ميمونة: وضع رسول الله وضوءا لجنابة فأكفأ بيمينه","level":3,"page":286},{"title":"باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب خرج كما هو ولا يتيمم","level":2,"page":288},{"title":"حديث: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما","level":3,"page":289},{"title":"باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة","level":2,"page":293},{"title":"حديث ميمونة: وضعت للنبي غسلا","level":3,"page":293},{"title":"باب من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل","level":2,"page":293},{"title":"حديث: كنا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثا","level":3,"page":293},{"title":"باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل","level":2,"page":295},{"title":"حديث: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض","level":3,"page":296},{"title":"باب التستر في الغسل عند الناس","level":2,"page":302},{"title":"حديث: ذهبت إلى رسول الله عام الفتح فوجدته يغتسل","level":3,"page":302},{"title":"حديث: سترت النبي وهو يغتسل من الجنابة","level":3,"page":302},{"title":"باب إذا احتلمت المرأة","level":2,"page":303},{"title":"حديث: نعم إذا رأت الماء","level":3,"page":303},{"title":"باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس","level":2,"page":306},{"title":"حديث: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس","level":3,"page":306},{"title":"باب الجنب يخرج ويمشى في السوق وغيره","level":2,"page":310},{"title":"حديث: أن النبي كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة","level":3,"page":311},{"title":"حديث: سبحان الله يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس","level":3,"page":312},{"title":"باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل","level":2,"page":312},{"title":"حديث: أكان النبي يرقد وهو جنب؟","level":3,"page":312},{"title":"باب نوم الجنب","level":2,"page":313},{"title":"حديث: نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب","level":3,"page":313},{"title":"باب الجنب يتوضأ ثم ينام","level":2,"page":315},{"title":"حديث: كان النبي إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ","level":3,"page":315},{"title":"حديث: استفتى عمر النبي أينام أحدنا وهو جنب","level":3,"page":315},{"title":"حديث: توضأ واغسل ذكرك ثم نم","level":3,"page":315},{"title":"باب إذا التقى الختانان","level":2,"page":316},{"title":"حديث: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل","level":3,"page":317},{"title":"باب غسل ما يصيب من فرج المرأة","level":2,"page":320},{"title":"حديث زيد: أنه سأل عثمان: أرأيت إذا جامع امرأته فلم يمن","level":3,"page":320},{"title":"حديث: يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي","level":3,"page":322},{"title":"كتاب الحيض","level":1,"page":324},{"title":"باب كيف كان بدء الحيض","level":2,"page":327},{"title":"حديث: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج","level":3,"page":328},{"title":"باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله","level":2,"page":329},{"title":"حديث: كنت أرجل رأس رسول الله وأنا حائض","level":3,"page":329},{"title":"حديث عروة: أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل رأس رسول الله","level":3,"page":329},{"title":"باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض","level":2,"page":330},{"title":"حديث: أن النبي كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن","level":3,"page":332},{"title":"باب من سمى النفاس حيضا","level":2,"page":332},{"title":"حديث أم سلمة: بينا أنا مع النبي مضطجعة في خميصة إذ حضت","level":3,"page":333},{"title":"باب مباشرة الحائض","level":2,"page":334},{"title":"حديث: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد.","level":3,"page":334},{"title":"حديث عائشة: كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد","level":3,"page":335},{"title":"حديث ميمونة: كان رسول الله إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه","level":3,"page":336},{"title":"باب ترك الحائض الصوم","level":2,"page":337},{"title":"حديث: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار","level":3,"page":337},{"title":"باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت","level":2,"page":340},{"title":"حديث: خرجنا مع النبي لا نذكر إلا الحج فلما جئنا","level":3,"page":343},{"title":"باب الاستحاضة","level":2,"page":344},{"title":"حديث: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة","level":3,"page":344},{"title":"باب غسل دم المحيض","level":2,"page":345},{"title":"حديث: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه","level":3,"page":345},{"title":"حديث: كانت إحدانا تحيض ثم تقترص الدم من ثوبها","level":3,"page":346},{"title":"باب الاعتكاف للمستحاضة","level":2,"page":346},{"title":"حديث: أن النبي اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم","level":3,"page":346},{"title":"حديث: اعتكفت مع رسول الله امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم","level":3,"page":347},{"title":"حديث: أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة","level":3,"page":347},{"title":"باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه؟","level":2,"page":348},{"title":"حديث: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه","level":3,"page":348},{"title":"باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض","level":2,"page":349},{"title":"حديث: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث","level":3,"page":349},{"title":"باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض","level":2,"page":352},{"title":"حديث: خذي فرصة من مسك فتطهري بها","level":3,"page":352},{"title":"باب غسل المحيض","level":2,"page":354},{"title":"حديث: خذي فرصة ممسكة، فتوضئي ثلاثا","level":3,"page":354},{"title":"باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض","level":2,"page":355},{"title":"حديث: انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك","level":3,"page":355},{"title":"باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض","level":2,"page":357},{"title":"حديث: دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي","level":3,"page":357},{"title":"باب: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾","level":2,"page":359},{"title":"حديث: إن الله ﷿ وكل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفة","level":3,"page":360},{"title":"باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة","level":2,"page":362},{"title":"حديث: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل","level":3,"page":362},{"title":"باب إقبال المحيض وإدباره","level":2,"page":363},{"title":"حديث: ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة","level":3,"page":365},{"title":"باب لا تقضي الحائض الصلاة","level":2,"page":365},{"title":"حديث: كنا نحيض مع النبي فلا يأمرنا به","level":3,"page":366},{"title":"باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها","level":2,"page":367},{"title":"حديث: حضت وأنا مع النبي في الخميلة فانسللت","level":3,"page":367},{"title":"باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر","level":2,"page":368},{"title":"حديث أم سلمة: بينا أنا مع النبي مضطجعة في خميلة","level":3,"page":368},{"title":"باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى","level":2,"page":368},{"title":"حديث حفصة: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين","level":3,"page":368},{"title":"باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض","level":2,"page":371},{"title":"حديث: لا إن ذلك عرق","level":3,"page":374},{"title":"باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض","level":2,"page":375},{"title":"حديث: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا","level":3,"page":375},{"title":"باب عرق الاستحاضة","level":2,"page":376},{"title":"حديث: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين","level":3,"page":376},{"title":"باب المرأة تحيض بعد الإفاضة","level":2,"page":378},{"title":"حديث: لعلها تحبسنا؟! ألم تكن أفاضت معكن","level":3,"page":378},{"title":"حديث ابن عباس: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت","level":3,"page":379},{"title":"باب إذا رأت المستحاضة الطهر","level":2,"page":379},{"title":"حديث: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة","level":3,"page":380},{"title":"باب الصلاة على النفساء وسنتها","level":2,"page":381},{"title":"حديث: أن امرأة ماتت في بطن فصلى عليها النبي فقام وسطها","level":3,"page":381},{"title":"باب [عين الحائض والنفساء طاهرة]","level":2,"page":382},{"title":"حديث ميمونة: أنها كانت تكون حائضا لا تصلي وهي مفترشة","level":3,"page":382},{"title":"[كتاب التيمم]","level":1,"page":383},{"title":"حديث: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر","level":2,"page":385},{"title":"حديث: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي","level":2,"page":389},{"title":"باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا","level":2,"page":392},{"title":"حديث عائشة: أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت","level":3,"page":393},{"title":"باب التيمم في الحضر","level":2,"page":395},{"title":"حديث: أقبل النبي من نحو بير جمل","level":3,"page":397},{"title":"باب: المتيمم هل ينفخ فيهما؟","level":2,"page":399},{"title":"حديث: إنما كان يكفيك هكذا","level":3,"page":400},{"title":"باب التيمم للوجه والكفين","level":2,"page":403},{"title":"حديث عمار وفيه: ثم مسح وجهه وكفينه","level":3,"page":403},{"title":"باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء","level":2,"page":406},{"title":"حديث: كنا في سفر مع النبي وإنا أسرينا","level":3,"page":409},{"title":"باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت","level":2,"page":419},{"title":"حديث عبد الله: لو رخصت لهم في هذا","level":3,"page":421},{"title":"حديث أبي موسى: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد","level":3,"page":421},{"title":"باب: التيمم ضربة","level":2,"page":422},{"title":"حديث شقيق: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى","level":3,"page":423},{"title":"باب [تابع لما سبق]","level":2,"page":425},{"title":"حديث: عليك بالصعيد فإنه يكفيك","level":3,"page":425},{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":427},{"title":"باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء","level":2,"page":428},{"title":"حديث: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري","level":3,"page":430},{"title":"حديث: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين","level":3,"page":442},{"title":"باب وجوب الصلاة في الثياب وقول الله تعالى ﴿خذوا زينتكم عند﴾","level":2,"page":445},{"title":"حديث: لتلبسها صاحبتها من جلبابها","level":3,"page":448},{"title":"باب عقد الإزار على القفا في الصلاة","level":2,"page":448},{"title":"حديث: عقد الإزار على القفا في الصلاة","level":3,"page":449},{"title":"حديث: رأيت النبي يصلي في ثوب","level":3,"page":450},{"title":"باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به","level":2,"page":450},{"title":"حديث: أن النبي صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه","level":3,"page":451},{"title":"حديث ابن أبي سلمة: أنه رأى النبي يصلي في ثوب واحد","level":3,"page":451},{"title":"حديث ابن أبي سلمة: رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد مشتملا","level":3,"page":451},{"title":"حديث: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ","level":3,"page":453},{"title":"حديث: فقال رسول الله أولكلكم ثوبان","level":3,"page":455},{"title":"باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه","level":2,"page":456},{"title":"حديث: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء","level":3,"page":456},{"title":"حديث: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه","level":3,"page":457},{"title":"باب إذا كان الثوب ضيقا","level":2,"page":458},{"title":"حديث: ما السرى يا جابر؟","level":3,"page":458},{"title":"حديث: كان رجال يصلون مع النبي عاقدي أزرهم على أعناقهم","level":3,"page":459},{"title":"باب الصلاة في الجبة الشامية","level":2,"page":460},{"title":"حديث: يا مغيرة خذ الإداوة","level":3,"page":461},{"title":"باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها","level":2,"page":462},{"title":"حديث جابر: أن رسول الله كان ينقل معهم الحجارة للكعبة","level":3,"page":462},{"title":"باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء","level":2,"page":463},{"title":"حديث: أوكلكم يجد ثوبين","level":3,"page":463},{"title":"حديث: لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوبا","level":3,"page":465},{"title":"باب ما يستر من العورة","level":2,"page":466},{"title":"حديث: نهى رسول الله عن اشتمال الصماء","level":3,"page":466},{"title":"حديث: نهى النبي عن بيعتين عن اللماس والنباذ","level":3,"page":467},{"title":"حديث: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان","level":3,"page":468},{"title":"باب الصلاة بغير رداء","level":2,"page":469},{"title":"حديث: دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفا به","level":3,"page":469},{"title":"باب ما يذكر في الفخذ","level":2,"page":470},{"title":"حديث أنس: أن رسول الله غزا خيبر فصلينا عندها","level":3,"page":474},{"title":"باب في كم تصلي المرأة في الثياب","level":2,"page":480},{"title":"حديث: لقد كان رسول الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء","level":3,"page":480},{"title":"باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها","level":2,"page":484},{"title":"حديث: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني","level":3,"page":484},{"title":"باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟","level":2,"page":486},{"title":"حديث: أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره","level":3,"page":487},{"title":"باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه","level":2,"page":488},{"title":"حديث: لا ينبغي هذا للمتقين","level":3,"page":488},{"title":"باب الصلاة في الثوب الأحمر","level":2,"page":490},{"title":"حديث: رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم","level":3,"page":490},{"title":"باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب","level":2,"page":491},{"title":"حديث: ما بقي بالناس أعلم مني هو من أثل الغابة","level":3,"page":492},{"title":"حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا","level":3,"page":495},{"title":"باب إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا سجد","level":2,"page":498},{"title":"حديث: كان رسول الله يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض","level":3,"page":498},{"title":"باب الصلاة على الحصير","level":2,"page":499},{"title":"حديث: قوموا فلأصل لكم","level":3,"page":500},{"title":"باب الصلاة على الخمرة","level":2,"page":504},{"title":"حديث: كان النبي يصلي على الخمرة","level":3,"page":504},{"title":"باب الصلاة على الفراش","level":2,"page":505},{"title":"حديث: كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته","level":3,"page":505},{"title":"حديث: أن رسول الله كان يصلي وهي بينه وبين القبلة","level":3,"page":508},{"title":"حديث: أن النبي كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة","level":3,"page":508},{"title":"باب السجود على الثوب في شدة الحر","level":2,"page":509},{"title":"حديث: كنا نصلي مع النبي فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر","level":3,"page":510},{"title":"باب الصلاة في النعال","level":2,"page":512},{"title":"حديث: أكان النبي يصلي في نعليه؟","level":3,"page":512},{"title":"باب الصلاة في الخفاف","level":2,"page":512},{"title":"حديث: رأيت النبي صنع مثل هذا","level":3,"page":512},{"title":"حديث: وضأت النبي فمسح على خفيه وصلى","level":3,"page":513},{"title":"باب إذا لم يتم السجود","level":2,"page":514},{"title":"حديث حذيفة: رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده","level":3,"page":514},{"title":"باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود","level":2,"page":515},{"title":"حديث: أن النبي كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض أبطيه","level":3,"page":515},{"title":"باب فضل استقبال القبلة","level":2,"page":516},{"title":"حديث: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا","level":3,"page":517},{"title":"حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله","level":3,"page":519},{"title":"حديث: من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا","level":3,"page":520},{"title":"باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق","level":2,"page":521},{"title":"حديث: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها","level":3,"page":523},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾","level":2,"page":524},{"title":"حديث: قدم النبي فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام","level":3,"page":525},{"title":"حديث: أصلى النبي في الكعبة","level":3,"page":526},{"title":"حديث: لما دخل النبي البيت دعا في نواحيه كلها","level":3,"page":528},{"title":"باب التوجه نحو القبلة حيث كان","level":2,"page":529},{"title":"حديث: كان رسول الله صلى نحو بيت المقدس ستة عشر","level":3,"page":529},{"title":"حديث: كان رسول الله يصلي على راحلته حيث توجهت","level":3,"page":531},{"title":"حديث: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به","level":3,"page":532},{"title":"باب ما جاء في القبلة","level":2,"page":538},{"title":"حديث عمر: وافقت ربي في ثلاث","level":3,"page":539},{"title":"حديث: بينا الناس بقباء في صلاة","level":3,"page":543},{"title":"حديث: صلى النبي الظهر خمسا فقالوا: أزيد في الصلاة؟","level":3,"page":547},{"title":"باب حك البزاق باليد من المسجد","level":2,"page":547},{"title":"حديث: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه","level":3,"page":547},{"title":"حديث: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه","level":3,"page":550},{"title":"حديث: أن رسول الله رأى في جدار القبلة مخاطا فحكه","level":3,"page":550},{"title":"باب حك المخاط بالحصى من المسجد","level":2,"page":551},{"title":"حديث: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه","level":3,"page":551},{"title":"باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة","level":2,"page":552},{"title":"حديث: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه","level":3,"page":552},{"title":"حديث: لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه","level":3,"page":552},{"title":"باب ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى","level":2,"page":553},{"title":"حديث: إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه","level":3,"page":553},{"title":"حديث: أن النبي أبصر نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة","level":3,"page":553},{"title":"باب كفارة البزاق في المسجد","level":2,"page":554},{"title":"حديث: البزاق في المسجد خطيئة","level":3,"page":554},{"title":"باب دفن النخامة في المسجد","level":2,"page":555},{"title":"حديث: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه","level":3,"page":555},{"title":"باب: إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه","level":2,"page":556},{"title":"حديث: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه","level":3,"page":556},{"title":"باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة","level":2,"page":558},{"title":"حديث: هل ترون قبلتي هاهنا؟! فوالله ما يخفى علي","level":3,"page":558},{"title":"حديث: إني لأراكم من ورائي كما أراكم","level":3,"page":559},{"title":"باب هل يقال: مسجد بنى فلان؟","level":2,"page":560},{"title":"حديث: أن رسول الله سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء","level":3,"page":560},{"title":"باب القسمة وتعليق القنو في المسجد","level":2,"page":561},{"title":"حديث: أتي النبي بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد","level":3,"page":561},{"title":"باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب فيه","level":2,"page":564},{"title":"حديث: وجدت النبي في المسجد معه ناس","level":3,"page":564},{"title":"باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء","level":2,"page":564},{"title":"حديث: أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد","level":3,"page":565},{"title":"باب إذا دخل بيتا يصلى حيث شاء أو حيث أمر ولا يتجسس","level":2,"page":566},{"title":"حديث: أين تحب أن أصلي لك من بيتك","level":3,"page":567},{"title":"باب المساجد في البيوت","level":2,"page":567},{"title":"حديث: أين تحب أن أصلي من بيتك؟","level":3,"page":568},{"title":"باب التيمن في دخول المسجد وغيره","level":2,"page":573},{"title":"حديث: كان النبي يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله","level":3,"page":574},{"title":"باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد","level":2,"page":575},{"title":"حديث: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا","level":3,"page":576},{"title":"حديث: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا","level":3,"page":577},{"title":"باب الصلاة في مرابض الغنم","level":2,"page":584},{"title":"حديث: كان النبي يصلي في مرابض الغنم","level":3,"page":584},{"title":"باب الصلاة في مواضع الإبل","level":2,"page":585},{"title":"حديث: رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره","level":3,"page":586},{"title":"باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله","level":2,"page":590},{"title":"حديث: أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع","level":3,"page":591},{"title":"باب كراهية الصلاة في المقابر","level":2,"page":593},{"title":"حديث: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا","level":3,"page":593},{"title":"باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب","level":2,"page":596},{"title":"حديث: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين","level":3,"page":598},{"title":"باب الصلاة في البيعة","level":2,"page":601},{"title":"حديث: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا","level":3,"page":602},{"title":"باب [ذم اتخاذ القبور مساجد على العموم]","level":2,"page":603},{"title":"حديث: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد","level":3,"page":603},{"title":"حديث: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد","level":3,"page":605},{"title":"باب قول النبي: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا","level":2,"page":605},{"title":"حديث: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي","level":3,"page":605},{"title":"باب نوم المرأة في المسجد","level":2,"page":607},{"title":"حديث: أن وليدة كانت سوداء","level":3,"page":607},{"title":"باب نوم الرجال في المسجد","level":2,"page":609},{"title":"حديث ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد","level":3,"page":610},{"title":"حديث: قم أبا تراب قم أبا تراب","level":3,"page":611},{"title":"حديث: رأيت سبعين من أصحاب الصفة","level":3,"page":612},{"title":"باب الصلاة إذا قدم من سفر","level":2,"page":613},{"title":"حديث: صل ركعتين","level":3,"page":613},{"title":"باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين","level":2,"page":614},{"title":"حديث: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس","level":3,"page":615},{"title":"باب الحدث في المسجد","level":2,"page":616},{"title":"حديث: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه","level":3,"page":617},{"title":"باب بنيان المسجد","level":2,"page":618},{"title":"حديث: أن المسجد كان على عهد رسول الله مبنيا باللبن","level":3,"page":621},{"title":"باب التعاون في بناء المسجد","level":2,"page":622},{"title":"حديث: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة","level":3,"page":626},{"title":"باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد","level":2,"page":628},{"title":"حديث: بعث رسول الله إلى امرأة أن مري غلامك النجار يعمل لي","level":3,"page":628},{"title":"حديث: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه","level":3,"page":628},{"title":"باب من بنى مسجدا","level":2,"page":629},{"title":"حديث: من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة","level":3,"page":629},{"title":"باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد","level":2,"page":633},{"title":"حديث: أمسك بنصالها","level":3,"page":633},{"title":"باب المرور في المسجد","level":2,"page":634},{"title":"حديث: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل","level":3,"page":634},{"title":"باب الشعر في المسجد","level":2,"page":634},{"title":"حديث: يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس","level":3,"page":635},{"title":"باب أصحاب الحراب في المسجد","level":2,"page":637},{"title":"حديث: لقد رأيت رسول الله يوما على باب حجرتي","level":3,"page":637},{"title":"باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد","level":2,"page":639},{"title":"حديث: ابتاعيها فأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق","level":3,"page":639},{"title":"باب التقاضي والملازمة في المسجد","level":2,"page":645},{"title":"حديث: ضع من دينك هذا","level":3,"page":645},{"title":"باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان","level":2,"page":648},{"title":"حديث: أفلا كنتم آذنتموني به دلوني على قبره","level":3,"page":648},{"title":"باب تحريم تجارة الخمر في المسجد","level":2,"page":650},{"title":"حديث: لما أنزل الآيات في الربا من سورة البقرة في الربا","level":3,"page":650},{"title":"باب الخدم للمسجد","level":2,"page":651},{"title":"حديث: أن امرأة كانت تقم المسجد","level":3,"page":652},{"title":"باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد","level":2,"page":653},{"title":"حديث: إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة","level":3,"page":654},{"title":"باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضا في المسجد","level":2,"page":658},{"title":"حديث: بعث النبي خيلا قبل نجد فجاءت برجل","level":3,"page":660},{"title":"باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم","level":2,"page":663},{"title":"حديث: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل","level":3,"page":663},{"title":"باب إدخال البعير في المسجد للعلة","level":2,"page":665},{"title":"حديث: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة","level":3,"page":665},{"title":"باب [فضل المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة]","level":2,"page":666},{"title":"حديث: أن رجلين من أصحاب النبي خرجا من عند النبي","level":3,"page":667},{"title":"باب الخوخة والممر في المسجد","level":2,"page":668},{"title":"حديث: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار","level":3,"page":668},{"title":"حديث: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر","level":3,"page":672},{"title":"باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد","level":2,"page":673},{"title":"حديث: أن النبي قدم مكة فدعا عثمان بن طلحة ففتح","level":3,"page":673},{"title":"باب دخول المشرك المسجد","level":2,"page":675},{"title":"حديث: بعث رسول الله خيلا قبل نجد فجاءت","level":3,"page":675},{"title":"باب رفع الصوت في المساجد","level":2,"page":675},{"title":"قول عمر: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما","level":3,"page":676},{"title":"حديث: أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد","level":3,"page":677},{"title":"باب الحلق والجلوس في المسجد","level":2,"page":678},{"title":"حديث: مثنى مثنى فإذا خشي الصبح صلى واحدة","level":3,"page":678},{"title":"حديث: مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر","level":3,"page":681},{"title":"حديث: ألا أخبركم عن الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله","level":3,"page":681},{"title":"باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل","level":2,"page":682},{"title":"حديث: رأى رسول الله مستلقيا في المسجد","level":3,"page":682},{"title":"باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس","level":2,"page":684},{"title":"حديث: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين","level":3,"page":685},{"title":"باب الصلاة في مسجد السوق","level":2,"page":685},{"title":"حديث: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته","level":3,"page":687},{"title":"باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره","level":2,"page":690},{"title":"حديث: شبك النبي ﷺ أصابعه","level":3,"page":690},{"title":"حديث: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا","level":3,"page":692},{"title":"حديث: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟","level":3,"page":693},{"title":"باب المساجد التي على طرق المدينة","level":2,"page":699},{"title":"حديث: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق","level":3,"page":699},{"title":"حديث: أن رسول الله كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر","level":3,"page":700},{"title":"باب سترة الإمام سترة من خلفه","level":2,"page":706},{"title":"حديث: أقبلت راكبا على حمار أتان","level":3,"page":706},{"title":"حديث: أن رسول الله كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة","level":3,"page":707},{"title":"حديث: أن النبي صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة","level":3,"page":708},{"title":"باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة","level":2,"page":709},{"title":"حديث: كان بين مصلى رسول الله وبين الجدار ممر الشاة","level":3,"page":710},{"title":"حديث: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها","level":3,"page":710},{"title":"باب الصلاة إلى الحربة","level":2,"page":711},{"title":"حديث: أن النبي كان يركز له الحربة فيصلي إليها","level":3,"page":711},{"title":"باب الصلاة إلى العنزة","level":2,"page":711},{"title":"حديث: خرج علينا رسول الله بالهاجرة فأتي بوضوء","level":3,"page":711},{"title":"حديث: كان النبي إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ومعنا","level":3,"page":712},{"title":"باب السترة بمكة وغيرها","level":2,"page":714},{"title":"حديث: خرج رسول الله بالهاجرة فصلى بالبطحاء","level":3,"page":714},{"title":"باب الصلاة إلى الأسطوانة","level":2,"page":714},{"title":"حديث: رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها","level":3,"page":715},{"title":"حديث: رأيت كبار أصحاب النبي يبتدرون السواري عند المغرب","level":3,"page":716},{"title":"باب الصلاة بين السواري في غير جماعة","level":2,"page":717},{"title":"حديث: دخل النبي البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال","level":3,"page":717},{"title":"حديث: أن رسول الله دخل الكعبة وأسامة بن زيد","level":3,"page":718},{"title":"باب","level":2,"page":719},{"title":"حديث: أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه","level":3,"page":719},{"title":"باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل","level":2,"page":720},{"title":"حديث: أن النبي كان يعرض راحلته فيصلي إليها","level":3,"page":720},{"title":"باب الصلاة إلى السرير","level":2,"page":721},{"title":"حديث عائشة: أعدلتمونا بالكلب والحمار لقد رأيتني","level":3,"page":722},{"title":"باب يرد المصلي من مر بين يديه","level":2,"page":723},{"title":"حديث: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس","level":3,"page":724},{"title":"باب إثم المار بين يدي المصلي","level":2,"page":726},{"title":"حديث: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان","level":3,"page":726},{"title":"باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي","level":2,"page":729},{"title":"حديث: لقد جعلتمونا كلابا؟ لقد رأيت النبي يصلي","level":3,"page":730},{"title":"باب الصلاة خلف النائم","level":2,"page":730},{"title":"حديث: كان النبي يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه","level":3,"page":730},{"title":"باب التطوع خلف المرأة","level":2,"page":731},{"title":"حديث: قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته","level":3,"page":731},{"title":"باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء","level":2,"page":732},{"title":"حديث: شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي","level":3,"page":732},{"title":"حديث: لقد كان رسول الله يقوم فيصلي من الليل","level":3,"page":735},{"title":"باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة","level":2,"page":736},{"title":"حديث: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله","level":3,"page":737},{"title":"باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض","level":2,"page":739},{"title":"حديث: كان فراشي حيال مصلى النبي فربما وقع ثوبه علي","level":3,"page":739},{"title":"حديث: كان النبي يصلي وأنا إلى جنبه نائمة","level":3,"page":739},{"title":"باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد؟","level":2,"page":740},{"title":"حديث: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار!","level":3,"page":740},{"title":"باب المرأة تطرح عن المصلى شيئا من الأذى","level":2,"page":741},{"title":"حديث: اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش","level":3,"page":741},{"title":"[كتاب مواقيت الصلاة]","level":1,"page":746},{"title":"حديث: مواقيت الصلاة وفضلها","level":2,"page":748}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":3,"1,3":5,"1,4":7,"1,5":9,"1,6":11,"1,7":13,"1,8":15,"1,9":17,"1,10":19,"1,11":21,"1,12":23,"1,13":25,"1,14":27,"1,15":29,"1,16":31,"1,17":33,"1,18":35,"1,19":37,"1,20":39,"1,21":41,"1,22":43,"1,23":45,"1,24":47,"1,25":49,"1,26":51,"1,27":53,"1,28":55,"1,29":57,"1,30":59,"1,31":61,"1,32":63,"1,33":65,"1,34":67,"1,35":69,"1,36":71,"1,37":73,"1,38":75,"1,39":77,"1,40":79,"1,41":81,"1,42":83,"1,43":85,"1,44":87,"1,45":89,"1,46":91,"1,47":93,"1,48":95,"1,49":97,"1,50":99,"1,51":101,"1,52":103,"1,53":105,"1,54":107,"1,55":109,"1,56":111,"1,57":113,"1,58":115,"1,59":117,"1,60":119,"1,61":121,"1,62":123,"1,63":125,"1,64":127,"1,65":129,"1,66":131,"1,67":133,"1,68":135,"1,69":137,"1,70":139,"1,71":141,"1,72":143,"1,73":145,"1,74":147,"1,75":149,"1,76":151,"1,77":153,"1,78":155,"1,79":157,"1,80":159,"1,81":161,"1,82":163,"1,83":165,"1,84":167,"1,85":169,"1,86":171,"1,87":173,"1,88":175,"1,89":177,"1,90":179,"1,91":181,"1,92":183,"1,93":185,"1,94":187,"1,95":189,"1,96":191,"1,97":193,"1,98":195,"1,99":197,"1,100":199,"1,101":201,"1,102":203,"1,103":205,"1,104":207,"1,105":209,"1,106":211,"1,107":213,"1,108":215,"1,109":217,"1,110":219,"1,111":221,"1,112":223,"1,113":225,"1,114":227,"1,115":229,"1,116":231,"1,117":233,"1,118":235,"1,119":237,"1,120":239,"1,121":241,"1,122":243,"1,123":245,"1,124":247,"1,125":249,"1,126":251,"1,127":253,"1,128":255,"1,129":257,"1,130":259,"1,131":261,"1,132":263,"1,133":265,"1,134":267,"1,135":269,"1,136":271,"1,137":273,"1,138":275,"1,139":277,"1,140":279,"1,141":281,"1,142":283,"1,143":285,"1,144":287,"1,145":289,"1,146":291,"1,147":293,"1,148":295,"1,149":297,"1,150":299,"1,151":301,"1,152":303,"1,153":305,"1,154":307,"1,155":309,"1,156":311,"1,157":313,"1,158":315,"1,159":317,"1,160":319,"1,161":321,"1,162":323,"1,163":325,"1,164":327,"1,165":329,"1,166":331,"1,167":333,"1,168":335,"1,169":337,"1,170":339,"1,171":341,"1,172":343,"1,173":345,"1,174":347,"1,175":349,"1,176":351,"1,177":353,"1,178":355,"1,179":357,"1,180":359,"1,181":361,"1,182":363,"1,183":365,"1,184":367,"1,185":369,"1,186":371,"1,187":373,"1,188":375,"1,189":377,"1,190":379,"1,191":381,"1,192":383,"1,193":385,"1,194":387,"1,195":389,"1,196":391,"1,197":393,"1,198":395,"1,199":397,"1,200":399,"1,201":401,"1,202":403,"1,203":405,"1,204":407,"1,205":409,"1,206":411,"1,207":413,"1,208":415,"1,209":417,"1,210":419,"1,211":421,"1,212":423,"1,213":425,"1,214":427,"1,215":429,"1,216":431,"1,217":433,"1,218":435,"1,219":437,"1,220":439,"1,221":441,"1,222":443,"1,223":445,"1,224":447,"1,225":449,"1,226":451,"1,227":453,"1,228":455,"1,229":457,"1,230":459,"1,231":461,"1,232":463,"1,233":465,"1,234":467,"1,235":469,"1,236":471,"1,237":473,"1,238":475,"1,239":477,"1,240":479,"1,241":481,"1,242":483,"1,243":485,"1,244":487,"1,245":489,"1,246":491,"1,247":493,"1,248":495,"1,249":497,"1,250":499,"1,251":501,"1,252":503,"1,253":505,"1,254":507,"1,255":509,"1,256":511,"1,257":513,"1,258":515,"1,259":517,"1,260":519,"1,261":521,"1,262":523,"1,263":525,"1,264":527,"1,265":529,"1,266":531,"1,267":533,"1,268":535,"1,269":537,"1,270":539,"1,271":541,"1,272":543,"1,273":545,"1,274":547,"1,275":549,"1,276":551,"1,277":553,"1,278":555,"1,279":557,"1,280":559,"1,281":561,"1,282":563,"1,283":565,"1,284":567,"1,285":569,"1,286":571,"1,287":573,"1,288":575,"1,289":577,"1,290":579,"1,291":581,"1,292":583,"1,293":585,"1,294":587,"1,295":589,"1,296":591,"1,297":593,"1,298":595,"1,299":597,"1,300":599,"1,301":601,"1,302":603,"1,303":605,"1,304":607,"1,305":609,"1,306":611,"1,307":613,"1,308":615,"1,309":617,"1,310":619,"1,311":621,"1,312":623,"1,313":625,"1,314":627,"1,315":629,"1,316":631,"1,317":633,"1,318":635,"1,319":637,"1,320":639,"1,321":641,"1,322":643,"1,323":645,"1,324":647,"1,325":649,"1,326":651,"1,327":653,"1,328":655,"1,329":657,"1,330":659,"1,331":661,"1,332":663,"1,333":665,"1,334":667,"1,335":669,"1,336":671,"1,337":673,"1,338":675,"1,339":677,"1,340":679,"1,341":681,"1,342":683,"1,343":685,"1,344":687,"1,345":689,"1,346":691,"1,347":693,"1,348":695,"1,349":697,"1,350":699,"1,351":701,"1,352":703,"1,353":705,"1,354":707,"1,355":709,"1,356":711,"1,357":713,"1,358":715,"1,359":717,"1,360":719,"1,361":721,"1,362":723,"1,363":725,"1,364":727,"1,365":729,"1,366":731,"1,367":733,"1,368":735,"1,369":737,"1,370":739,"1,371":741,"1,372":743,"1,373":745,"1,374":747,"1,375":749},"ٜ":{"1":[1,375]},"ٝ":["1,1","1,1","1,2","1,2","1,3","1,3","1,4","1,4","1,5","1,5","1,6","1,6","1,7","1,7","1,8","1,8","1,9","1,9","1,10","1,10","1,11","1,11","1,12","1,12","1,13","1,13","1,14","1,14","1,15","1,15","1,16","1,16","1,17","1,17","1,18","1,18","1,19","1,19","1,20","1,20","1,21","1,21","1,22","1,22","1,23","1,23","1,24","1,24","1,25","1,25","1,26","1,26","1,27","1,27","1,28","1,28","1,29","1,29","1,30","1,30","1,31","1,31","1,32","1,32","1,33","1,33","1,34","1,34","1,35","1,35","1,36","1,36","1,37","1,37","1,38","1,38","1,39","1,39","1,40","1,40","1,41","1,41","1,42","1,42","1,43","1,43","1,44","1,44","1,45","1,45","1,46","1,46","1,47","1,47","1,48","1,48","1,49","1,49","1,50","1,50","1,51","1,51","1,52","1,52","1,53","1,53","1,54","1,54","1,55","1,55","1,56","1,56","1,57","1,57","1,58","1,58","1,59","1,59","1,60","1,60","1,61","1,61","1,62","1,62","1,63","1,63","1,64","1,64","1,65","1,65","1,66","1,66","1,67","1,67","1,68","1,68","1,69","1,69","1,70","1,70","1,71","1,71","1,72","1,72","1,73","1,73","1,74","1,74","1,75","1,75","1,76","1,76","1,77","1,77","1,78","1,78","1,79","1,79","1,80","1,80","1,81","1,81","1,82","1,82","1,83","1,83","1,84","1,84","1,85","1,85","1,86","1,86","1,87","1,87","1,88","1,88","1,89","1,89","1,90","1,90","1,91","1,91","1,92","1,92","1,93","1,93","1,94","1,94","1,95","1,95","1,96","1,96","1,97","1,97","1,98","1,98","1,99","1,99","1,100","1,100","1,101","1,101","1,102","1,102","1,103","1,103","1,104","1,104","1,105","1,105","1,106","1,106","1,107","1,107","1,108","1,108","1,109","1,109","1,110","1,110","1,111","1,111","1,112","1,112","1,113","1,113","1,114","1,114","1,115","1,115","1,116","1,116","1,117","1,117","1,118","1,118","1,119","1,119","1,120","1,120","1,121","1,121","1,122","1,122","1,123","1,123","1,124","1,124","1,125","1,125","1,126","1,126","1,127","1,127","1,128","1,128","1,129","1,129","1,130","1,130","1,131","1,131","1,132","1,132","1,133","1,133","1,134","1,134","1,135","1,135","1,136","1,136","1,137","1,137","1,138","1,138","1,139","1,139","1,140","1,140","1,141","1,141","1,142","1,142","1,143","1,143","1,144","1,144","1,145","1,145","1,146","1,146","1,147","1,147","1,148","1,148","1,149","1,149","1,150","1,150","1,151","1,151","1,152","1,152","1,153","1,153","1,154","1,154","1,155","1,155","1,156","1,156","1,157","1,157","1,158","1,158","1,159","1,159","1,160","1,160","1,161","1,161","1,162","1,162","1,163","1,163","1,164","1,164","1,165","1,165","1,166","1,166","1,167","1,167","1,168","1,168","1,169","1,169","1,170","1,170","1,171","1,171","1,172","1,172","1,173","1,173","1,174","1,174","1,175","1,175","1,176","1,176","1,177","1,177","1,178","1,178","1,179","1,179","1,180","1,180","1,181","1,181","1,182","1,182","1,183","1,183","1,184","1,184","1,185","1,185","1,186","1,186","1,187","1,187","1,188","1,188","1,189","1,189","1,190","1,190","1,191","1,191","1,192","1,192","1,193","1,193","1,194","1,194","1,195","1,195","1,196","1,196","1,197","1,197","1,198","1,198","1,199","1,199","1,200","1,200","1,201","1,201","1,202","1,202","1,203","1,203","1,204","1,204","1,205","1,205","1,206","1,206","1,207","1,207","1,208","1,208","1,209","1,209","1,210","1,210","1,211","1,211","1,212","1,212","1,213","1,213","1,214","1,214","1,215","1,215","1,216","1,216","1,217","1,217","1,218","1,218","1,219","1,219","1,220","1,220","1,221","1,221","1,222","1,222","1,223","1,223","1,224","1,224","1,225","1,225","1,226","1,226","1,227","1,227","1,228","1,228","1,229","1,229","1,230","1,230","1,231","1,231","1,232","1,232","1,233","1,233","1,234","1,234","1,235","1,235","1,236","1,236","1,237","1,237","1,238","1,238","1,239","1,239","1,240","1,240","1,241","1,241","1,242","1,242","1,243","1,243","1,244","1,244","1,245","1,245","1,246","1,246","1,247","1,247","1,248","1,248","1,249","1,249","1,250","1,250","1,251","1,251","1,252","1,252","1,253","1,253","1,254","1,254","1,255","1,255","1,256","1,256","1,257","1,257","1,258","1,258","1,259","1,259","1,260","1,260","1,261","1,261","1,262","1,262","1,263","1,263","1,264","1,264","1,265","1,265","1,266","1,266","1,267","1,267","1,268","1,268","1,269","1,269","1,270","1,270","1,271","1,271","1,272","1,272","1,273","1,273","1,274","1,274","1,275","1,275","1,276","1,276","1,277","1,277","1,278","1,278","1,279","1,279","1,280","1,280","1,281","1,281","1,282","1,282","1,283","1,283","1,284","1,284","1,285","1,285","1,286","1,286","1,287","1,287","1,288","1,288","1,289","1,289","1,290","1,290","1,291","1,291","1,292","1,292","1,293","1,293","1,294","1,294","1,295","1,295","1,296","1,296","1,297","1,297","1,298","1,298","1,299","1,299","1,300","1,300","1,301","1,301","1,302","1,302","1,303","1,303","1,304","1,304","1,305","1,305","1,306","1,306","1,307","1,307","1,308","1,308","1,309","1,309","1,310","1,310","1,311","1,311","1,312","1,312","1,313","1,313","1,314","1,314","1,315","1,315","1,316","1,316","1,317","1,317","1,318","1,318","1,319","1,319","1,320","1,320","1,321","1,321","1,322","1,322","1,323","1,323","1,324","1,324","1,325","1,325","1,326","1,326","1,327","1,327","1,328","1,328","1,329","1,329","1,330","1,330","1,331","1,331","1,332","1,332","1,333","1,333","1,334","1,334","1,335","1,335","1,336","1,336","1,337","1,337","1,338","1,338","1,339","1,339","1,340","1,340","1,341","1,341","1,342","1,342","1,343","1,343","1,344","1,344","1,345","1,345","1,346","1,346","1,347","1,347","1,348","1,348","1,349","1,349","1,350","1,350","1,351","1,351","1,352","1,352","1,353","1,353","1,354","1,354","1,355","1,355","1,356","1,356","1,357","1,357","1,358","1,358","1,359","1,359","1,360","1,360","1,361","1,361","1,362","1,362","1,363","1,363","1,364","1,364","1,365","1,365","1,366","1,366","1,367","1,367","1,368","1,368","1,369","1,369","1,370","1,370","1,371","1,371","1,372","1,372","1,373","1,373","1,374","1,374","1,375","1,375"],"ٞ":{"2":[1,2,3,4],"3":[5,6,7,8],"4":[9,10,11],"5":[12,13],"7":[14,15,16],"10":[17,18],"12":[19,20,21,22],"13":[23,24,25,26,27,28],"14":[29,30,31,32,33,34,35],"15":[36,37,38,39],"16":[40,41,42,43,44,45],"17":[46,47,48],"18":[49,50,51,52,53],"19":[54,55,56],"20":[57,58,59,60,61,62],"21":[63,64,65,66],"22":[67,68,69,70,71,72,73],"23":[74,75,76,77,78,79,80],"24":[81],"25":[82,83,84,85,86],"26":[87,88],"27":[89,90,91],"29":[92,93],"30":[94,95],"31":[96,97,98],"33":[99,100,101,102],"34":[103,104],"35":[105],"37":[106,107,108,109],"38":[110,111,112,113],"39":[114,115,116,117],"40":[118,119,120,121],"41":[122],"42":[123],"43":[124,125],"44":[126,127,128],"45":[129,130],"46":[131],"47":[132,133,134,135,136,137,138],"48":[139,140,141,142],"49":[143,144],"50":[145,146],"51":[147,148,149,150],"52":[151,152,153],"53":[154,155,156],"54":[157,158,159,160],"55":[161,162,163,164],"56":[165,166],"57":[167,168,169,170],"58":[171,172,173],"59":[174],"60":[175,176,177,178,179,180],"61":[181,182,183,184],"62":[185,186,187],"63":[188,189,190],"64":[191,192,193,194],"65":[195],"66":[196,197,198],"67":[199,200,201],"68":[202,203],"69":[204],"71":[205,206],"72":[207,208],"73":[209,210],"74":[211,212,213],"75":[214,215],"76":[216,217],"77":[218,219],"81":[220,221,222,223],"82":[224,225],"83":[226,227,228,229],"84":[230,231],"85":[232,233],"86":[234,235,236,237,238],"87":[239,240],"88":[241],"89":[242],"95":[243,244],"96":[245,246],"98":[247,248],"99":[249,250],"100":[251,252],"101":[253,254],"102":[255,256],"103":[257,258],"104":[259,260],"105":[261,262],"106":[263],"107":[264],"108":[265,266],"109":[267],"110":[268,269,270,271,272,273],"112":[274,275,276,277],"113":[278,279],"114":[280],"115":[281,282,283],"117":[284],"119":[285,286,287,288,289,290],"124":[291,292],"125":[293,294],"128":[295,296,297,298],"129":[299,300],"130":[301,302],"132":[303,304],"133":[305],"134":[306,307],"135":[308],"137":[309,310,311],"139":[312],"140":[313],"141":[314],"146":[315],"147":[316,317,318],"148":[319],"149":[320,321],"150":[322,323],"152":[324],"153":[325],"154":[326],"155":[327,328],"158":[329,330],"160":[331],"161":[332],"162":[333],"163":[334],"165":[335,336],"166":[337,338],"168":[339],"169":[340],"170":[341],"171":[342,343],"172":[344,345,346],"173":[347],"174":[348,349],"175":[350,351],"176":[352],"177":[353,354],"179":[355,356],"180":[357],"181":[358,359],"182":[360],"183":[361,362],"184":[363,364,365,366],"185":[367,368,369],"186":[370],"187":[371,372,373],"188":[374,375],"193":[376,377],"194":[378,379,380],"196":[381,382],"197":[383,384,385],"198":[386,387,388],"200":[389],"201":[390],"202":[391,392],"204":[393,394],"205":[395,396],"207":[397],"209":[398,399],"210":[400],"212":[401,402],"213":[403],"214":[404],"215":[405],"220":[406,407],"223":[408],"224":[409],"225":[410],"227":[411,412],"231":[413],"233":[414],"238":[415],"240":[416],"241":[417],"242":[418],"244":[419],"245":[420],"246":[421,422],"248":[423,424,425],"249":[426,427],"252":[428],"255":[429],"256":[430],"257":[431],"260":[432,433],"262":[434,435],"263":[436],"264":[437,438,439],"265":[440],"266":[441],"267":[442,443],"268":[444],"269":[445],"270":[446,447],"272":[448,449],"273":[450],"274":[451],"275":[452,453,454],"276":[455,456],"277":[457,458],"278":[459],"279":[460],"280":[461],"282":[462,463],"284":[464,465,466],"285":[467,468],"286":[469,470],"288":[471],"289":[472],"293":[473,474,475,476],"295":[477],"296":[478],"302":[479,480,481],"303":[482,483],"306":[484,485],"310":[486],"311":[487],"312":[488,489,490],"313":[491,492],"315":[493,494,495,496],"316":[497],"317":[498],"320":[499,500],"322":[501],"324":[502],"327":[503],"328":[504],"329":[505,506,507],"330":[508],"332":[509,510],"333":[511],"334":[512,513],"335":[514],"336":[515],"337":[516,517],"340":[518],"343":[519],"344":[520,521],"345":[522,523],"346":[524,525,526],"347":[527,528],"348":[529,530],"349":[531,532],"352":[533,534],"354":[535,536],"355":[537,538],"357":[539,540],"359":[541],"360":[542],"362":[543,544],"363":[545],"365":[546,547],"366":[548],"367":[549,550],"368":[551,552,553,554],"371":[555],"374":[556],"375":[557,558],"376":[559,560],"378":[561,562],"379":[563,564],"380":[565],"381":[566,567],"382":[568,569],"383":[570],"385":[571],"389":[572],"392":[573],"393":[574],"395":[575],"397":[576],"399":[577],"400":[578],"403":[579,580],"406":[581],"409":[582],"419":[583],"421":[584,585],"422":[586],"423":[587],"425":[588,589],"427":[590],"428":[591],"430":[592],"442":[593],"445":[594],"448":[595,596],"449":[597],"450":[598,599],"451":[600,601,602],"453":[603],"455":[604],"456":[605,606],"457":[607],"458":[608,609],"459":[610],"460":[611],"461":[612],"462":[613,614],"463":[615,616],"465":[617],"466":[618,619],"467":[620],"468":[621],"469":[622,623],"470":[624],"474":[625],"480":[626,627],"484":[628,629],"486":[630],"487":[631],"488":[632,633],"490":[634,635],"491":[636],"492":[637],"495":[638],"498":[639,640],"499":[641],"500":[642],"504":[643,644],"505":[645,646],"508":[647,648],"509":[649],"510":[650],"512":[651,652,653,654],"513":[655],"514":[656,657],"515":[658,659],"516":[660],"517":[661],"519":[662],"520":[663],"521":[664],"523":[665],"524":[666],"525":[667],"526":[668],"528":[669],"529":[670,671],"531":[672],"532":[673],"538":[674],"539":[675],"543":[676],"547":[677,678,679],"550":[680,681],"551":[682,683],"552":[684,685,686],"553":[687,688,689],"554":[690,691],"555":[692,693],"556":[694,695],"558":[696,697],"559":[698],"560":[699,700],"561":[701,702],"564":[703,704,705],"565":[706],"566":[707],"567":[708,709],"568":[710],"573":[711],"574":[712],"575":[713],"576":[714],"577":[715],"584":[716,717],"585":[718],"586":[719],"590":[720],"591":[721],"593":[722,723],"596":[724],"598":[725],"601":[726],"602":[727],"603":[728,729],"605":[730,731,732],"607":[733,734],"609":[735],"610":[736],"611":[737],"612":[738],"613":[739,740],"614":[741],"615":[742],"616":[743],"617":[744],"618":[745],"621":[746],"622":[747],"626":[748],"628":[749,750,751],"629":[752,753],"633":[754,755],"634":[756,757,758],"635":[759],"637":[760,761],"639":[762,763],"645":[764,765],"648":[766,767],"650":[768,769],"651":[770],"652":[771],"653":[772],"654":[773],"658":[774],"660":[775],"663":[776,777],"665":[778,779],"666":[780],"667":[781],"668":[782,783],"672":[784],"673":[785,786],"675":[787,788,789],"676":[790],"677":[791],"678":[792,793],"681":[794,795],"682":[796,797],"684":[798],"685":[799,800],"687":[801],"690":[802,803],"692":[804],"693":[805],"699":[806,807],"700":[808],"706":[809,810],"707":[811],"708":[812],"709":[813],"710":[814,815],"711":[816,817,818,819],"712":[820],"714":[821,822,823],"715":[824],"716":[825],"717":[826,827],"718":[828],"719":[829,830],"720":[831,832],"721":[833],"722":[834],"723":[835],"724":[836],"726":[837,838],"729":[839],"730":[840,841,842],"731":[843,844],"732":[845,846],"735":[847],"736":[848],"737":[849],"739":[850,851,852],"740":[853,854],"741":[855,856],"746":[857],"748":[858]},"ٟ":[],"numbers":{"1":4,"2":5,"3":5,"4":5,"5":7,"6":7,"7":7,"8":12,"9":12,"10":13,"11":13,"12":13,"13":14,"14":14,"15":14,"16":14,"17":15,"18":15,"19":16,"20":16,"21":16,"22":17,"23":17,"24":18,"25":18,"26":19,"27":19,"28":20,"29":20,"30":20,"31":21,"32":21,"33":22,"34":22,"35":22,"36":22,"37":23,"38":23,"39":23,"40":24,"41":25,"42":25,"43":25,"44":26,"45":27,"46":27,"47":29,"48":30,"49":31,"50":31,"51":33,"52":33,"53":34,"54":37,"55":37,"56":37,"57":38,"58":38,"59":39,"60":39,"61":40,"62":40,"63":42,"64":43,"65":44,"66":44,"67":45,"68":47,"69":47,"70":47,"71":47,"72":48,"73":48,"74":49,"75":50,"76":51,"77":51,"78":52,"79":52,"80":53,"81":53,"82":54,"83":54,"84":55,"85":55,"86":55,"87":56,"88":57,"89":57,"90":58,"91":58,"92":59,"93":60,"94":60,"95":60,"96":60,"97":61,"98":61,"99":62,"100":63,"101":63,"102":63,"103":64,"104":64,"105":65,"106":66,"107":66,"108":67,"109":67,"110":67,"111":68,"112":69,"113":71,"114":71,"115":72,"116":73,"117":74,"118":74,"119":75,"120":75,"121":76,"122":77,"123":81,"124":81,"125":82,"126":83,"127":83,"128":84,"129":84,"130":85,"131":86,"132":86,"133":86,"134":87,"135":95,"136":96,"137":98,"138":99,"139":100,"140":101,"141":102,"142":103,"143":104,"144":105,"145":107,"146":108,"147":109,"148":110,"149":110,"150":110,"151":112,"152":112,"153":113,"154":115,"155":115,"156":117,"157":119,"158":119,"159":119,"160":123,"161":124,"162":125,"163":128,"164":128,"165":129,"166":130,"167":132,"168":133,"169":134,"170":137,"171":137,"172":137,"173":139,"174":139,"175":140,"176":146,"177":147,"178":147,"179":147,"180":148,"181":149,"182":150,"183":152,"184":154,"185":155,"186":158,"187":161,"188":162,"189":162,"190":163,"191":165,"192":166,"193":169,"194":171,"195":172,"196":172,"197":172,"198":173,"199":174,"200":175,"201":176,"202":177,"203":179,"204":179,"205":180,"206":181,"207":183,"208":183,"209":184,"210":184,"211":185,"212":185,"213":186,"214":187,"215":187,"216":188,"217":193,"218":194,"219":194,"220":196,"221":197,"222":198,"223":198,"224":201,"225":202,"226":204,"227":205,"228":207,"229":209,"230":210,"231":212,"232":213,"233":215,"234":220,"235":223,"236":224,"237":225,"238":227,"239":228,"240":233,"241":240,"242":242,"243":245,"244":246,"245":248,"246":248,"247":249,"248":256,"249":257,"250":260,"251":262,"252":263,"253":264,"254":264,"255":265,"256":266,"257":267,"258":269,"259":270,"260":272,"261":274,"262":275,"263":275,"264":275,"265":276,"266":277,"267":279,"268":280,"269":282,"270":284,"271":284,"272":285,"273":285,"274":286,"275":289,"276":293,"277":293,"278":296,"279":300,"280":302,"281":302,"282":303,"283":306,"284":311,"285":312,"286":312,"287":313,"288":315,"289":315,"290":315,"291":317,"292":320,"293":322,"294":328,"295":329,"296":329,"297":332,"298":333,"299":334,"300":334,"301":334,"302":335,"303":336,"304":337,"305":343,"306":344,"307":345,"308":346,"309":346,"310":347,"311":347,"312":348,"313":349,"314":352,"315":354,"316":355,"317":357,"318":360,"319":362,"320":365,"321":366,"322":367,"323":368,"324":368,"325":374,"326":375,"327":376,"328":378,"329":379,"330":379,"331":380,"332":381,"333":382,"334":385,"335":389,"336":393,"337":397,"338":400,"339":403,"340":405,"341":405,"342":406,"343":406,"344":409,"345":421,"346":421,"347":423,"348":425,"349":430,"350":442,"351":448,"352":449,"353":450,"354":451,"355":451,"356":451,"357":453,"358":455,"359":456,"360":457,"361":458,"362":459,"363":461,"364":462,"365":463,"366":465,"367":466,"368":467,"369":468,"370":469,"371":474,"372":480,"373":484,"374":487,"375":488,"376":490,"377":492,"378":495,"379":498,"380":500,"381":504,"382":505,"383":508,"384":508,"385":510,"386":512,"387":512,"388":513,"389":514,"390":515,"391":517,"392":519,"393":521,"394":523,"395":525,"396":525,"397":526,"398":528,"399":529,"400":531,"401":532,"402":539,"403":543,"404":547,"405":547,"406":550,"407":550,"408":551,"409":551,"410":552,"411":552,"412":552,"413":553,"414":553,"415":554,"416":555,"417":556,"418":558,"419":559,"420":560,"421":561,"422":564,"423":565,"424":567,"425":568,"426":574,"427":576,"428":577,"429":584,"430":586,"431":591,"432":593,"433":598,"434":602,"435":603,"436":603,"437":605,"438":605,"439":607,"440":610,"441":611,"442":612,"443":613,"444":615,"445":617,"446":621,"447":626,"448":628,"449":628,"450":629,"451":633,"452":634,"453":635,"454":637,"455":638,"456":639,"457":645,"458":648,"459":650,"460":652,"461":654,"462":660,"463":663,"464":665,"465":667,"466":668,"467":672,"468":673,"469":675,"470":676,"471":677,"472":678,"473":681,"474":681,"475":682,"476":685,"477":687,"478":690,"479":690,"480":690,"481":692,"482":693,"483":699,"484":700,"485":700,"486":700,"487":700,"488":700,"489":700,"490":700,"491":700,"492":700,"493":706,"494":707,"495":708,"496":710,"497":710,"498":711,"499":711,"500":712,"501":714,"502":715,"503":716,"504":717,"505":718,"506":719,"507":720,"508":722,"509":724,"510":726,"511":730,"512":730,"513":731,"514":732,"515":735,"516":737,"517":739,"518":739,"519":740,"520":741,"521":748},"number_max":521,"number_pages":{"4":1,"5":4,"7":7,"12":9,"13":12,"14":16,"15":18,"16":21,"17":23,"18":25,"19":27,"20":30,"21":32,"22":36,"23":39,"24":40,"25":43,"26":44,"27":46,"29":47,"30":48,"31":50,"33":52,"34":53,"37":56,"38":58,"39":60,"40":62,"42":63,"43":64,"44":66,"45":67,"47":71,"48":73,"49":74,"50":75,"51":77,"52":79,"53":81,"54":83,"55":86,"56":87,"57":89,"58":91,"59":92,"60":96,"61":98,"62":99,"63":102,"64":104,"65":105,"66":107,"67":110,"68":111,"69":112,"71":114,"72":115,"73":116,"74":118,"75":120,"76":121,"77":122,"81":124,"82":125,"83":127,"84":129,"85":130,"86":133,"87":134,"95":135,"96":136,"98":137,"99":138,"100":139,"101":140,"102":141,"103":142,"104":143,"105":144,"107":145,"108":146,"109":147,"110":150,"112":152,"113":153,"115":155,"117":156,"119":159,"123":160,"124":161,"125":162,"128":164,"129":165,"130":166,"132":167,"133":168,"134":169,"137":172,"139":174,"140":175,"146":176,"147":179,"148":180,"149":181,"150":182,"152":183,"154":184,"155":185,"158":186,"161":187,"162":189,"163":190,"165":191,"166":192,"169":193,"171":194,"172":197,"173":198,"174":199,"175":200,"176":201,"177":202,"179":204,"180":205,"181":206,"183":208,"184":210,"185":212,"186":213,"187":215,"188":216,"193":217,"194":219,"196":220,"197":221,"198":223,"201":224,"202":225,"204":226,"205":227,"207":228,"209":229,"210":230,"212":231,"213":232,"215":233,"220":234,"223":235,"224":236,"225":237,"227":238,"228":239,"233":240,"240":241,"242":242,"245":243,"246":244,"248":246,"249":247,"256":248,"257":249,"260":250,"262":251,"263":252,"264":254,"265":255,"266":256,"267":257,"269":258,"270":259,"272":260,"274":261,"275":264,"276":265,"277":266,"279":267,"280":268,"282":269,"284":271,"285":273,"286":274,"289":275,"293":277,"296":278,"300":279,"302":281,"303":282,"306":283,"311":284,"312":286,"313":287,"315":290,"317":291,"320":292,"322":293,"328":294,"329":296,"332":297,"333":298,"334":301,"335":302,"336":303,"337":304,"343":305,"344":306,"345":307,"346":309,"347":311,"348":312,"349":313,"352":314,"354":315,"355":316,"357":317,"360":318,"362":319,"365":320,"366":321,"367":322,"368":324,"374":325,"375":326,"376":327,"378":328,"379":330,"380":331,"381":332,"382":333,"385":334,"389":335,"393":336,"397":337,"400":338,"403":339,"405":341,"406":343,"409":344,"421":346,"423":347,"425":348,"430":349,"442":350,"448":351,"449":352,"450":353,"451":356,"453":357,"455":358,"456":359,"457":360,"458":361,"459":362,"461":363,"462":364,"463":365,"465":366,"466":367,"467":368,"468":369,"469":370,"474":371,"480":372,"484":373,"487":374,"488":375,"490":376,"492":377,"495":378,"498":379,"500":380,"504":381,"505":382,"508":384,"510":385,"512":387,"513":388,"514":389,"515":390,"517":391,"519":392,"521":393,"523":394,"525":396,"526":397,"528":398,"529":399,"531":400,"532":401,"539":402,"543":403,"547":405,"550":407,"551":409,"552":412,"553":414,"554":415,"555":416,"556":417,"558":418,"559":419,"560":420,"561":421,"564":422,"565":423,"567":424,"568":425,"574":426,"576":427,"577":428,"584":429,"586":430,"591":431,"593":432,"598":433,"602":434,"603":436,"605":438,"607":439,"610":440,"611":441,"612":442,"613":443,"615":444,"617":445,"621":446,"626":447,"628":449,"629":450,"633":451,"634":452,"635":453,"637":454,"638":455,"639":456,"645":457,"648":458,"650":459,"652":460,"654":461,"660":462,"663":463,"665":464,"667":465,"668":466,"672":467,"673":468,"675":469,"676":470,"677":471,"678":472,"681":474,"682":475,"685":476,"687":477,"690":480,"692":481,"693":482,"699":483,"700":492,"706":493,"707":494,"708":495,"710":497,"711":499,"712":500,"714":501,"715":502,"716":503,"717":504,"718":505,"719":506,"720":507,"722":508,"724":509,"726":510,"730":512,"731":513,"732":514,"735":515,"737":516,"739":518,"740":519,"741":520,"748":521}},"pages":[{"text":"كتاب أصل الزراري\nشرح صحيح البخاري لجامعه\nعبد القادر بن السيد عبد الله\nأفندي الأسطواني\nالأنصاري (^١)\n\nابتدأت به في غرة شوال سنة\nست وسبعين ومائتين وألف\n_________\nنُضد وقوبل بإشراف محمد طاهر شعبان\n (^١) (١٢٤٩ - ١٣١٤ هـ)","vol":"1","page":1},{"text":"<span id=\"b-١\"> </span>بسم الله الرحمن الرحيم\nوبه أستعين\nيا رب العالمين\nالحمد لله الذي نشر العلوم على يد أولي الألباب، وخصَّ مَن شاء بما شاء من الفضائل والنعم الجلباب، فألهمهم الفهم والإفهام، والضبط والصواب، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد الذي لا ينطق إلَّا بالصواب، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم الأنجاب.\nأمَّا بعد:\nفيقول العبد الفقير الفاني أبو عبد الرزاق عبد القادر بن المرحوم السيد عبد الله أفندي الأنصاريُّ الشهير بالأسطوانيِّ الحنفيُّ القادريُّ الدمشقيُّ غفر الله لهما بمنِّه، وستر عليهما بفضله، آمين:\nفإنِّي لمَّا قرأتُ «صحيح البخاري» على مشايخي الأعلام، وراجعتُ شروحه العِظام، فرأيتُ بعضَها مطوِّل مُمِلٌّ، وبعضَها مُقِلٌّ مُخِلٌّ؛ أردتُ أن أجمع تقرير أشياخي، وأجعلها شرحًا لـ «الصحيح»، فإنِّي وإن كنتُ لستُ من أهل هذا الشأن ولا للخوض في هذا الميدان، لكنِّي أتشبَّه بهم، وأقتدي بمَن قال:\nفتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهم... إنَّ التشبُّه بالكرام فلاح\nوالذي أوقعني في هذا التشبُّه بعض أصحابي الأحباب بإلحاحهم عليَّ بوضع شرح على هذا الكتاب، فاستعنتُ الله على ذلك، وسألتُه إلهام الصواب، والإتمام على أتم المرام، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به عباده المؤمنين، وإذا كمل إن شاء الله تعالى؛ فأسمِّيه:\n «أصل الزراري على صحيح البخاري»\nواللهَ أسأل، وبنبيه أتوسَّل أن يوفقَني لإتمامه، ويعينَني على إكماله؛ إنَّه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.\n\n <span id=\"b-٢\"> </span>مقدمة تشتمل على فصول:\n\nالأول:<span data-type=\"title\" id=toc-2> في فضيلة أهل الحديث:</span>\nروينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فرُبُّ حامل فقه ليس بفقيه...» الحديث، رواه البزار، وابن حبان، وكذا أبو داود بلفظ: «نضَّر الله امرأ سمع منَّا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلَّغ أوعى من سامع»، قال الترمذي: حسن صحيح.\nو(نضَّر)؛ بتشديد الضَّاد المعجمة، وقد تُخفَّف، والنَّضرة: الحُسن والبهجة؛ أي: خصَّه اللهُ بالحُسن والبهجة، وخصَّ الفقه؛ لأنَّ عليه مدار الأحكام؛ لِمَا روي: «من يُرد الله به خيرًا؛ يُفقهه في الدين»، رواه الشيخان، وغيرهما، وفي «الطبراني»: «اللهم ارحم خلفائي»، قلنا: يا رسول الله؛ من خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي، ويعلمونها الناس».\n\n <span id=\"b-٣\"> </span>الفصل الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-3> في ذكر أوَّل مَن دون الحديث والسُّنن</span>.\nفأوَّل مَن أمر بتدوين الحديث وجمْعِه عمرُ بن عبد العزيز خوفَ اندراسه، فإنَّه كتب إلى أهل الآفاق: (انظروا إلى حديث رسول الله فاجمعوه)؛ لأنَّ الصحابة والتابعين لم تكن تكتب الأحاديث، وإنَّما كانوا يؤدونها من حفظهم.\nولمَّا نشأ إمامنا الأعظم، والمجتهد الأفخم، سيِّد المجتهدين، وسند المحقِّقين الذي أقرَّ بأسبقيته وفضله المجتهدون أبو حنيفة النعمان ﵁، فألَّف بالفقه ودوَّنه وبوَّبه، وجعلَه مرتبًا على كتب وفصول؛ رآه الإمام مالك، فتبعه وألَّف «الموطأ»، ثم تبعه مَن بعده وهكذا، وإنَّما كان اشتغال الإمام الأعظم بالفقه للحديث السابق، ولأنَّ عليه مدار الأحكام من حلال وحرام، وهذا هو المسؤول عنه يوم القيامة؛ فليُحفظ.\n\n <span id=\"b-٤\"> </span>الفصل الثالث: في بيان تقسيم السنن المضافة إليه ﵇\nقولًا، وفعلًا، أو تقريرًا، وكذا وصفًا، وخَلقًا -ككونه ليس بالطويل، ولا بالقصير- وأيامًا -كاستشهاد حمزة، وقتل أبي جهل- إلى متواتر ومشهور، وصحيح، وحسن، وصالح، ومُضعَّف، وضعيف، ومسند، ومرفوع، وموقوف، وموصول، ومرسل، ومقطوع، ومنقطع، ومعضل، ومعنعن، ومؤنن، ومعلق، ومدَلَّس، ومُدْرَج، وعال، ونازل، ومسلسل، وغريب، وعزيز، ومعلَّل، وفرد، وشاذ، ومنكر، ومضطرب، وموضوع، ومقلوب، ومركب، ومنقلب، ومدبج، ومصحف، وناسخ، ومنسوخ، ومختلف.\nفالمتواتر: ما رواه جمع عن جمع.\nوالمشهور: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين.\nوالصحيح: ما اتصل سنده بعدول.\nوالحسن: ما عرف مخرجه.\nوالصالح: دون الحسن.\nوالمضعَّف: ما لم يُجْمع على ضعفه.\nوالضعيف: ما قَصُر عن درجة الحسن.\nوالمسند: ما اتصل سنده من رواته.\nوالمرفوع: ما أضيف إليه ﵇ من قول، أو فعل، أو تقرير.\nوالموقوف: ما قَصُر على الصحابي.\nوالموصول: ما اتصل سنده.\nوالمرسل: ما رفعه تابعي إليه ﵇، وهو قوي يصح الاحتجاج به عند الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد، والجمهور، ولم يحتج به الشافعي؛ لأنَّه لم يذكر الصحابي الذي رواه، ورُدَّ: بأنَّه لما كان قويًا عند التابعي من حيث إنه لم يَحْتَج إلى ذكر الصحابي، فكأنَّه لشدَّة تيقنه سمعه منه ﵇.\nوالمقطوع: ما جاء عن تابعي.\nوالمنقطع: ما سقط من رواته واحد.\nوالمعضل: ما سقط من رواته اثنان.\nوالمعنعن: الذي قيل فيه: عن فلان عن فلان.\nوالمؤنن: قول الراوي: حدثنا فلان أن فلانًا قال.\nوالمعلق: ما حذف من أول إسناده.\nوالمدلَّس -بفتح اللام المشددة-: أن يسقط اسم شيخه، ويرتقي إلى شيخ شيخه.\nوالمدرج: كلام يذكر عقب الحديث.\nوالعالي: القرب منه ﵇.\nوالنازل: بضده.\nوالمسلسل: ما ورد بحالة واحدة.\nوالغريب: ما انفرد راوٍ بروايته.\nوالعزيز: ما انفرد بروايته اثنان.\nوالمعلَّل: خبرُ ظاهره السلامة.\nوالفرد: ما رواه واحد عن واحد.\nوالشاذ: ما خالف الراوي.\nوالمنكر: الذي لا يعرف متنه.\nوالمضطرب: ما روي على أوجه مختلفة.\nوالموضوع: الكذب.\nوالمقلوب: المبدل بعض رواته.\nوالمركب: الذي ركب إسناده لمتن آخر.\nوالمنقلب: هو مقلوب لفظه على الراوي.\nوالمدبج -بالموحدة والجيم-: رواية القرينين.\nوالمصحَّف: الذي تغير بنقط الحروف.\nوالناسخ والمنسوخ؛ كحديث المارِّ، وكحديث قنوت الفجر، وغيرهما، فإنَّ قتلَ المارِّ، وقنوتَ الفجر قد نسخ عند الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد، والجمهور، وعند الشافعي: باق على أصله.\nوالمختلف؛ كحديث: «لا عدوى...»، وحديث: «فِرَّ من المجذوم...»، وجمع بينهما بأن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن جعل الله مخالطة المريض للصحيح سببًا لإعدائه، وقد يختلف.\nسئل المؤلف: متى يصير الرجل محدِّثًا؟\nفأجاب: إذا كتب أربعًا مع أربع كأربع مثل أربع في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع، وكل هذه الرباعيات لا تتم إلا بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها؛ هان عليه أربع، وابتلي بأربع، فإذا صبر؛ أكرمه تعالى في الدنيا بأربع، وأثابه في الآخرة بأربع.\nسُئل عنها؟\nأجاب: الأربعة التي يحتاج إلى كتْبها: هي أخبار الرسول ﵇، وشرائعه، والصحابة، والتابعين، وتواريخهم، وأزمنتهم، وأمكنتهم، وغير ذلك، ولا تتم إلا بأربع: معرفة الكتابة، والصرف، واللغة، والنحو، مع أربع: فهي القدرة، والصحة، والحرص، والحفظ، فإذا تم له ذلك؛ هان عليه أربع: الأهل، والمال، والولد، والوطن، وابتلي بأربع: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر؛ أكرمه في الدنيا بأربع: بعز القناعة، وبهيبة النفس، وبذلة العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربع: بالشفاعة، وبظل تحت العرش، وبالسقي من الحوض، ومجاورة الأنبياء عليهم","vol":"1","page":1},{"text":"السلام.\n\n <span id=\"b-٥\"> </span>الفصل الرابع: فيما يتعلق بالبخاري.\nاتفقت الأمة على أنَّه ليس بعد كتاب [الله] أصح من «صحيحي البخاري ومسلم»، واختلف في أرجحية أحدهما على الآخر، فرجح البعض منهم المغاربة: «صحيح مسلم» على «صحيح البخاري»، والجمهور: على ترجيح «البخاري» على «مسلم»؛ لأنَّه أكثر فوائد منه، كما بسطه الإمام بدر الدين العيني قدس سره، قال: (وهو أول كتاب صنف في الحديث الصحيح، وصنفه في ستة عشر سنة ببخارى، وقيل: بمكة، وقيل: في المسجد الحرام، [قال]: وما أدخلتُ فيه حديثًا إلا بعد أن صليت ركعتين، وتيقنت صحته، قال: ويجمع بأنه كان يصنف فيه بمكة، والمدينة، والبصرة، وبخارى) اهـ\n\n <span id=\"b-٦\"> </span>الفصل الخامس:<span data-type=\"title\" id=toc-6> في ذكر نسب البخاري</span>.\nفهو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة- بضم الميم، وكسر المعجمة- ابن بَرْدِزْبَه- بفتح الموحدة، وسكون الراء، بعدها دال مهملة مكسورة، فزاي ساكنة، فموحدة مفتوحة، فهاء؛ ومعناه بالفارسية: الزرَّاع- الجُعْفِيُّ؛ بضم الجيم، وسكون العين المهملة، بعدها فاء.\nوكان بَرْدِزْبَه فارسيًا على دين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجُعفيِّ والي بخارى، فنسب إليه نسبة ولاء، ويمان هذا هو جد المؤلف، وأما إبراهيم بن المغيرة؛ فلم أر من ترجمه.\nولد البخاري يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى- بضم الموحدة، وفتح الخاء المعجمة، وبعد الألف راء- وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، ألف هذا «الجامع»، و«الأدب المفرد»، و«بر الوالدين»، و«التاريخ الكبير»، و«الأوسط»، و«الصغير»، و«خلق أفعال العباد»، وله تأليف آخر، وبالجملة ففضائله كثيرة مشهورة.\n\n <span id=\"b-٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-7>بيان شروح هذا الصحيح:</span>\nشرحه الإمام أبو سليمان حمد الخطابي، وشرحه أبو جعفر أحمد الداودي، وشرحه المهلب، وشرحه أبو الحسن علي بن خلف المالكي المشهور بابن بطال، قال القسطلاني: (وغالب هذا الشرح في فقه مالك من غير تعرض لموضوع الكتاب) اهـ.\nقلت: هذا كلام واهٍ؛ لأنَّ ابن بطال مشهور بالعلوم، فكيف لا يتعرض لموضوع الكتاب.\nوشرحه أبو حفص عمر الإشبيلي، وأبو القاسم أحمد التيمي، وعبد الواحد ابن التين السفاقسي، وابن المُنَيِّر، والإمام قطب الدين عبد الكريم الحلبي الحنفي بشرح لطيف فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة، وشرحه الإمام شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني بشرح مفيد، قال ابن حجر العسقلاني: (لكن فيه أوهام؛ لأنَّه لم يأخذه إلَّا من الصحف). اهـ\nقلت: هذا كلام مردود، فالأوهام تحيط بقليل البضاعة والفهم، وأخذه من الصحف ليس مَعِيبًا؛ لأنَّه أتقن في التثبت خصوصًا في هذا الكتاب.\nوشرحه البرماويُّ أخذه من شرح الكرماني، كما قال في أوله.\nوشرحه الشيخ برهان الدين الحلبي، وسماه: «التلقيح».\nوشرحه ابن حجر العسقلاني، وسماه: «فتح الباري»، أخذه من شرح الحلبي حين كان بحلب، وقد اعتنى به الشافعية، واشتهر عندهم، ومدحوه غاية المدح، ولا غرو، فإن التطويل فيه غاية موجب للسآمة، والأوهام التي فيه لا تحيط بحصر، وقد ألف بعض الفضلاء كتابًا في ذلك سماه: «كشف الحجاب عن العوام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، ومن جملة ما طُعن به عليه: أنَّ من عادة البخاري تكرار الأحاديث في مواضع متعددة، وعادة العسقلاني يشرح الحديث في موضع، ثم يتركه في آخر، ويحيل على الأول، وهذا غاية السآمة، ويعتمد في الإعراب على الأقوال الشاذة الضعيفة، ويعتمد على أقوال الشافعي في القول القديم، ويرجح قولًا في باب، ويعتمد غيره في باب آخر، مع ما فيه من التطويل الممل وكثرة الأقوال المخل، وفي ذلك ألف بعض الأفاضل كتابًا سماه: «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل المخل».\nوشرحه الإمام الكبير علامة الدنيا والفاضل الهمام بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني الحنفي في خمس مجلدات كبار، وسماه: «عمدة القاري»، فإنه شرح نفيس ما سمع بمثاله ونظيره بما اشتمل عليه من الترتيب العجيب، والفوائد البديعة الغريبة، والأبحاث الرائقة العجيبة، شرع في تأليفه في رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئة، وفرغ منه في أواخر الثلث من ليلة السبت خامس شهر جماد الأولى سنة سبع وأربعين وثمان مئة بمدرسته التي أنشأها بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، وما قيل من أنه استمده من «فتح الباري» كان يستعيره ابن خضر؛ فباطل لا أصل له، بل هو كلام الحساد المتعصبين.\nونقل القسطلاني عن بعضهم: أنه ذكر لابن حجر ترجيح شرح البدر العيني بما اشتمل عليه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كل من تراجم الرواة بالكلام، وبيان الأنساب، واللغات، والإعراب، والمعاني، والبيان، واستنباط الأحكام، والأسئلة، والأجوبة، فقال: هذا شيء نقله من شرح لركن الدين. اهـ\nقلت: هذا كلام لم يقله كابل فضلًا عن فاضل، وإذا كان يعلم أنه موجود شرح لركن الدين، فلما نقل عنه وحذا حذه لما رأى من البلاغة والتحقيق، فهو كلام باطل لا أصل له.\nوما قيل: إن الإمام العيني بعد الجزء الأول لم يتكلم كما تكلم في أول كتابه؛ لأنَّه كان عنده قطعة من شرح ركن الدين؛ فهو كلام باطل؛ لأنَّ عادة البخاري تكرار الأحاديث، فإذا تكلم على حديث بما يتعلق به على عادته، وذكر في محل آخر، فإنه يقتصر الكلام عليه، ويبين المعاني، والمنطوق، والإعراب، وغيره بأخصر مما سبق، وهو لا عيب فيه.\nوبالجملة: فإنَّ الشافعية طبعهم ودأبهم القدح في الأئمة الحنفية؛ إما في كتبهم، أو في كلامهم، أو غير ذلك، وذلك من عدم الحياء والأدب (^١)، ولم أر أحدًا أطول لسانًا منهم أصلحهم الله تعالى، وأرضى عنهم أئمتنا الأعلام.\nومن حسن شرح البدر العيني أنه يبين في شرحه الخطأ الذي وقع فيه العسقلاني في «الفتح»، ويرده، وألف محمد بن المنصور المعزاوي أجوبة عن الاعتراضات على ابن حجر، قال القسطلاني: (لكنه لم يجب عن أكثرها).\nقلت: لما أنها في محل التحقيق والتدقيق.\nوقد ألف بعض الفضلاء كتابًا سماه: «السم القاتل العريني للطاعن على الإمام العيني»، وألف بعض آخر كتابًا سماه: «الطوب الرديني في قلب الطاعن على العيني»، وسبب ذلك أنه كان ابن حجر يدرس في الجامع المؤيدي، ففي شهر ربيع الأول سنة أحد وعشرين وثمان مئة ظهر بالمأذنة اعوجاج، فأمروا عليها بالهدم، فهدمت، فأنشأ يقول:\nلجامع مولانا المؤيد رونق... منارة تزهو من الحسن والزين\nتقول وقد مالت عليهم تمهلوا... فليس على جسمي أضر من العين\nفتحدث الناس في ذلك، فبلغ الشيخ الإمام بدر الدين العيني، فعارضه ارتجالًا حيث قصد بالعين التورية إليه، وشبهه بالعين الصائبة، فقال:\nمنارة كعروس الحسن إذ جليت... وهدمها بقضاء الله والقدر\nقالوا: أصيبت بعين قلت: ذا غلط... ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر\nوبعد ذلك حصل بينهما الاعتراضات والجوابات، وكان السبب من ابن حجر؛ لأنَّه ابتدأ في ذلك، وتكفيه أنه غيبة من الكبائر المنهي عنها، وكان الإمام العيني حسن الخلق، ذي مهابة وجلالة، وقدر وعز، وله تأليف في كل فن؛ الأصول، والفقه، والحديث، والنحو، والشعر، وغيرها ﵁.\nوعلى كلٍّ: فهو شرح عظيم الشأن، كثير الفوائد والمعان، لم يسبق ولا يسبق بنظيره؛ لما حواه من الترتيب العجيب، وليس الخبر كالعيان.\nوشرحه الشيخ أحمد القسطلاني، أخذه من شرح البدر العيني، كما يعلم ذلك من تتبع عبارتهما، وفي الحقيقة: كلهم عيال لشرح البدر العيني نفعنا الله به.\nوشرحه الإمام العلامة الشهاب أحمد المنيني العثماني، لكنه لم يكمل، وشرحه العلامة الشيخ إسماعيل العجلوني، لكنه لم يكمل أيضًا، فرأيتهما وطالعتهما، فرأيت شرح العجلوني لا فائدة فيه؛ لما اشتمل عليه من الأبحاث التي في غير محلها مع التطويل الممل، والتعطيل المخل، وقد أخذه من شرح القسطلاني، وأما شرح المنيني، فلو كمل؛ لكان مفردًا؛ لما فيه من التحقيق، والتدقيق، والأبحاث المفيدة الرائقة.\nوله شروح أخر أضربت عليها؛ خوف الإطالة، وفي هذا القدر كفاية.\n\n <span id=\"b-٨\"> </span>أمَّا إسنادي في هذا الكتاب إلى مؤلفه؛ فأرويه من طرق عديدة:\nفإني قرأته على الإمام العلامة والمحقق المدقق الفهامة رئيس العلماء الأعلام الملقب بالإمام الأعظم الصغير شيخ الإسلام والمسلمين خاتمة الفقهاء والمحدثين الشيخ عبد الله أفندي بن المرحوم علامة الأقطار والأمصار الشيخ سعيد الحلبي الأصل، الدمشقي الموطن، الحنفي.\nوقرأته على الإمام العلامة المحقق مفتي الشافعية السيد نور الدين عمر أفندي الغزي العامري.\nوقرأته على الإمام العلامة حاوي المعقول والمنقول الشيخ حسن الشطي الحنبلي.\nوقرأته على الإمام العلامة فقيه الزمان، ومحقق مذهب النعمان، الفاضل الكامل، ذي (^٢) التحارير الفائقة، والفوائد الرائقة، السيد أحمد أفندي بن المرحوم العلامة السيد عمر أفندي الإسلابولي الأصل، الدِّمشقي الموطن، الحنفي، شارح «الدرر والغرر».\nوقرأته على الإمام العلامة المدقق الفهامة الشيخ سليم بن الشيخ ياسين بن الإمام العلامة الكبير محرر مذهب محمد بن إدريس الشيخ حامد العطار.\n_________\n(^١) رحم الله المؤلف وعفا عنه، فقد وقع فيما رمى به الأئمة الشافعية رضوان الله عليهم أجمعين.\n (^٢) في الأصل: (ذوي).","vol":"1","page":2},{"text":"أما الأول؛ فيرويه عن والده المذكور، عن الإمام الشيخ محمد الكزبري، عن والده الشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشهاب أحمد المنيني، والشيخ علي الكزبري، وهؤلاء الثلاثة يروون عن الإمام العارف الشيخ عبد الغني النابلسي، والشيخ محمد الكاملي، عن نجم الدين محمد الغزي، عن والده الشيخ بدر الدين محمد الغزي، عن القاضي زكريا الأنصاري، عن ابن حجر العسقلاني.\nوأما الثاني؛ فيرويه عن الإمام الشيخ محمد الكزبري بالسند إلى القاضي زكريا المتقدم.\nوأما الثالث؛ فيرويه عن الإمام الشيخ مصطفى الأسيوطي المفتي الحنبلي، عن الشيخ أحمد البعلي الحنبلي، عن الشيخ أبي المواهب الحنبلي، عن والده الشيخ عبد الباقي الحنبلي، عن الشيخ محمد حجازي الواعظ، عن محمد بن أركماس، عن ابن حجر العسقلاني.\nوأما الرابع؛ فيرويه عن الشيخ عبد الرحمن الكزبري، عن والده الشيخ محمد، عن والده الشيخ عبد الرحمن بالسند المتقدم.\nوأما الخامس (^١)؛ فيرويه عن جده الشيخ حامد العطار، عن والده الشيخ أحمد العطار، عن الشيخ إسماعيل العجلوني والشهاب أحمد المنيني والشيخ محمد الغزي؛ وهم يروون عن الشيخ محمد أبي المواهب الحنبلي، عن النجم الغزي، عن البدر الغزي، عن القاضي زكريا، عن ابن حجر العسقلاني.\nوسند ابن حجر معلوم من «شرحه»؛ قال: (أرويه عن إبراهيم التنوخي، عن أحمد الصالحي، عن سراج الدين الزبيدي، عن أبي الوقت، عن الشيخ عبد الرحمن الداودي، عن عبد الله بن حمويه، عن الفربري، عن البخاري).\nولي طريق آخر لشيخي الرابع؛ أرويه عن شيخي أحمد أفندي، عن شيخه السيد محمد عابدين محشي «الدر المختار»، عن شيخه الشيخ شاكر مقدم سعد، عن الشيخ محمد الكزبري بالسند إلى القاضي زكريا، عن كمال الدين بن الهمام السيواسي، عن الإمام بدر الدين العيني، وسنده مذكور في خطبته، ولولا الإطالة؛ لفصَّلنا الإسنادات، وفي هذا القدر كفاية.\n\n <span id=\"b-٩\"> </span>(﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)\nولما كان من الواجب صناعةً على كلِّ مصنِّف ثلاثة أشياء: البسملة، والحمدلة، والصلاة، ومن الجائز أربعة أشياء: مدح الفن، وذكر الباعث، وتسمية الكتاب، وبيان كيفيَّته من التبويب وغيرها؛ فبدأ المصنَّفُ بالبسملة لذلك، ولأنَّها مفتتحة في كتاب الله تعالى، ولقوله ﵇: «كلُّ أمرٍ ذي بال لا يبدأُ فيه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم فهو أقطع»، وفي رواية: «بذكر الله»، وفي رواية: «أجذم»، وفي رواية: «أبتر»، والمراد بـ «الأمر»: أمر مقصود لم يجعل له الشارع مبدأً مخصوصًا، فإن جُعِلَ؛ فهي بحسب ما جعلها الشارع، والمراد بـ «الأقطع»: مقطوع اليد، والأجذم: مقطوع الأنف، والأبتر: مقطوع الذنب، فالكتاب ليس له يد ولا أنف ولا ذنب، فإذا لم يبدأ بالبسملة؛ يكون ناقص البركة؛ وهي عدم الانتفاع به، وورد: «كلُّ أمرٍ ذي بال لا يبدأُ فيه بالحمد لله؛ فهو أجذم»، وفي رواية: «أقطع»، وفي رواية: «بحمد الله»، روى ذلك أبو داود، وابن حبان، وأبو عَوانة، والنسائي، وابن ماجه.\nفـ (الحمدلة): مأمور بها كلُّ مصنِّف صناعةً وشرعًا؛ لهذه الأحاديث، فإذا لم يأت بها؛ يكون كتابه ناقص البركة، وكذا الصلاة عليه ﵇، أجيب في ذلك أجوبة، وكلَّها واهية لا يُعتَدُّ بها، والأحسن ما أجاب به الإمام بدر الدين العيني ﵁: (أنَّ المؤلف أتى بالحمدلة بعد البسملة في «مسودته»، كما ذكره في بقية مصنفاته، وسقطت من بعض المبيِّضين، واستمر على ذلك) انتهى؛ فليحفظ.\nوما قيل: إن المؤلِّف تلفَّظ بذلك، وإنَّه ليس في الحديث ما يدل على أنَّه لا يكون إلَّا بالكتابة ممنوع؛ لأنَّ المقصود من البسملة والحمدلة التبرُّك باسمه تعالى، ولا يحصل ذلك إلَّا بالكتابة؛ فافهم.\nولا معارضة بين حديث البسملة والحمدلة؛ لحمل حديث البسملة على الابتداء الحقيقي، وحمل حديث الحمدلة على الابتداء العوني؛ وهو ما قُدِّم أمام المقصود كما بيَّنت ذلك في شرحي على «الأزهرية».\nثمَّ إنَّ الباء حرف جرٍّ أصليّ، ولا بدَّ له من متعلَّق ومعنى، فمعناها: المصاحبة أو الاستعانة، ومتعلَّقها: إمَّا اسم أو فعل، وكلِّ منهما إمَّا خاص أو عام، وكلٌّ منهما إما مقدَّم أو مؤخَّر، فهذه احتمالات ثمانية، فاختير منها الفعل؛ لأنَّ الأصل في العمل له، وأن يكون مؤخَّرًا؛ لإفادة الحصر، وأن يكون خاصًّا؛ لأنَّ كلَّ شارعٍ في فنِّ يضمر ما جعل التسمية مبدأً له؛ وأمَّا ظهور المتعلَّق في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]؛ فلأنَّ الأهم ثَمَّة القراءة، بخلاف البسملة؛ فإنَّ الأهم فيها الابتداء.\nولفظ الجلالة: عَلَم على واجب الوجود المستحِقِّ لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم عند المحققين؛ منهم إمامنا الأعظم وأصحابه، وسيدي عبد القادر الكيلاني، وليس بمشتق، وعربيٌّ على الصحيح عندهم.\nو(الرحمن) و(الرحيم): اسمان مشتقان من الرحمة؛ وهي رقة القلب؛ وهي مستحيلة عليه تعالى، والمراد لازمها؛ وهو الإنعام، وقدَّم الرَّحمن؛ لأنَّه أبلغ من حيث إنَّه عام في الدنيا والآخرة، وأمَّا الرَّحيم؛ فمختص بالآخرة، وهل الاسم عين المسمَّى أو غيره فيه خلاف، وأما أسماؤه تعالى؛ فتوقيفية على الصحيح، وتمامه في شرحنا على «القدوري».\n\n <span id=\"b-١٠\"> </span>(١) (بَابُ<span data-type=\"title\" id=toc-10> كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ)</span>:\nكذا لأبي الوقت وابن عساكر والباقي، ولأبي ذرٍّ والأصيلي إسقاط لفظ (باب)، وهو بالرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، ويجوز فيه التنوين وعدمه، ويجوز في (باب) النصب بفعل محذوف؛ أي: اقرأ، والجر بحرف مقدر؛ أي: انظر إلى باب، ويجوز فيه الوقف بالسكون، ومعنى (الباب): النوع، وأصله: (بوَب)، وجمعه: أبواب.\nو(البدء)؛ بالهمز مع سكون الدال: من الابتداء؛ بمعنى: الظهور.\nو(الوحي): الإعلام، وفي الشرع: إعلام الله الأنبياء الشيء إمَّا بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام، ويجيء بمعنى الأمر؛ نحو: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ﴾ الآية [المائدة: ١١]، وبمعنى التسخير؛ نحو: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، ويعبر عن ذلك بالإلهام والإشارة؛ نحو: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١]، وقد يطلق على الموحى؛ كالقرآن والسنة، من إطلاق المصدر على المفعول.\nوالتصلية جملة خبرية، ولما كانت دعاء؛ صارت إنشاء، ومعناها: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد، اهـ\n (وَقَوْل اللهِ ﷿): كذا لأبوي ذر [والوقت] والأصيلي، ولابن عساكر: وقول الله سبحانه، ولغيرهم: وقول الله جلَّ ذكره، و(قول): مجرور، عطف على محل الجملة التي أضيف إليها الباب؛ أي: باب كيف كان ابتداء الوحي ومعنى قوله تعالى، ويجوز رفعه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: وقوله كذا.\n (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾) وحي إرسال فقط (﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾)؛ أي: كوحينا، فالكاف للتشبيه، (﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾) [النساء: ١٦٣]، زاد أبو ذر: الآية، وإنَّما خَصَّ نوحًا؛ لأنَّه أول مشرِّع، ورُدَّ بأنَّ أوَّلَ مشرِّعٍ آدمُ، ثم شيث، ثم إدريس، وقيل: إنَّما خصَّه؛ لأنَّه أول رسول أُوذيَ من قومه، وقيل: لأنَّه أول أولي العزم، ورُدَّ: بأن آدم من أولي العزم، أجيب بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، والأحسن في الجواب كما قاله البدر العيني: (إنما خصَّه؛ لأنَّه هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من ولده الثلاثة؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وهم سام وحام ويافث، فإن الناس هلكوا بالطوفان إلا أصحاب السفينة، قيل: كانوا ثمانية بالنساء، وقيل: أكثر، وكلهم ماتوا خلا نوحًا وبنيه وأزواجهم) انتهى؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-11>[حديث: إنما الأعمال بالنيات]</span>\n١ - (حدثنا الحميدي): بضم المهملة وفتح الميم؛ نسبة إلى جده الأعلى حميد، أو إلى حميدات قبيلةٌ، المتوفى سنة تسع عشرة ومئتين، وليس هو صاحب «الجمع بين الصحيحين»، ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير).\n (قال: حدثنا سفيان) بن عيينة التابعي المكي المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، ولأبي ذر عن الحموي: (عن سفيان).\n (قال: حدثنا يحيى بن سعيد): وهو ابن قيس (الأنصاري) المدني التابعي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومئة، ولأبي ذر: (عن يحيى).\n (قال: أخبرني): بالإفراد؛ لأنَّه قرأ على الشيخ وحده (محمد بن إبراهيم) بن الحارث (التيمي)؛ نسبة إلى تيم قريش، المتوفى سنة عشرين ومئة: (أنه سمع علقمة) أبا واقد؛ بالقاف (ابن وقَّاص) بتشديد القاف (الليثي) بالمثلثة؛ نسبة إلى ليث بن بكر، قيل: صحابي، وقيل: تابعي، المتوفى بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان، (يقول: سمعت) أمير المؤمنين ثاني خلفاء سيد المرسلين (عمر بن الخطاب) بن نُفَيل؛ بضم النون، وفتح الفاء، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ﵁؛ أي: سمعت كلامه حال كونه (على المنبر) النبوي المدني؛ وهو بكسر الميم من النبرة؛ وهي الارتفاع؛ أي: سمعته حال كونه (قال)، ولأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: (يقول): (سمعت رسول الله ﷺ)؛ أي: سمعت كلامه حال كونه (يقول)، فـ (يقول): في موضع نصب حالًا من (رسول الله ﵇)؛ لأنَّ (سمعت) لا يتعدَّى إلى مفعولين؛ فهي حال مبيِّنة للمحذوف المقدَّر بكلام؛ لأنَّ الذات لا تسمع، وأتى بالمضارع في رواية من ذكرها بعد سمع الماضي؛ إما بحكاية الحال وقت السماع، أو لإحضار ذلك في الذهن.\n (إنَّما الأعمال) الصادرة من المكلفين كاملة ومثاب عليها، (بالنيات) بالجمع، وفي بعض الروايات بالإفراد، وتقدير الكمال أو الثواب هو المطرد؛ لأنَّ كثيرًا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعًا بدون النية، ولأنَّ إضمار الثواب متفق عليه على إرادته، ولأنَّه يلزم بها من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان أقل إضمارًا، فهو أولى، ولأنَّ إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممنوع، ولأن العامل في قوله: (بالنيات) مقدر بإجماع النحاة، فلا يجوز أن يتعلَّق بـ (الأعمال)؛ لأنَّها رفع بالابتداء، فيبقى بلا خبر، فلا يجوز، فالمقدر إما مجزئة أو صحيحة أو مثيبة، فالمثيبة أولى لوجهين:\nأحدهما: أنَّ عدم النية لا يُبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل.\nالثاني: أنَّ قوله: (لكلِّ امرئ ما نوى) يدُلُّ على الثواب والأجر، وعلى كلٍّ فالحديث متروك الظاهر بالإجماع، والذوات لا تنتفي بلا خلاف، فيحتاج إلى الإضمار، وإنما يكون الإضمار على خلاف الأصل، فالمراد بـ (الأعمال) حكمها، والحكم نوعان: نوع يتعلق بالآخرة؛ وهو الثواب أو العقاب، ونوع يتعلق بالدنيا؛ وهو الصحة أو الفساد، والنوعان مختلفان المبنى؛ فالأول: على صدق العزيمة، والثاني: على وجود الأركان والشرائط، ولما اختلف الحكمان؛ صار الإثم بعد كونه مجازًا مشتركًا، ولا يكفي في تصحيحه ما هو المتفق عليه\n_________\n(^١) في الأصل: (أما الرابع)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":2},{"text":"وهو الحكم الأخروي، ولا دليل على ما اختلف فيه، فبقي الثواب أو العقاب، وانتفى الصحة أو الفساد، وهذا مذهب إمامنا الأعظم وأصحابه: أبي (^١) يوسف ومحمد وزفر، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، ومالك في رواية.\nوكذا الغسل، وعند الأوزاعي والحسن التيمم أيضًا، وقال عطاء ومجاهد: إن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية إلَّا أن يكون مسافرًا أو مريضًا، وقال مالك في رواية عنه وتلميذ الشافعي وتلميذه أحمد ابن حنبل: إنَّ النية في الأعمال كلِّها فرض لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه لما علمت، وتمامه في شرحنا على «القدوري».\nواختلف في (إنَّما) هل تفيد الحصر أم لا، وهل تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم، وأصلها: (إنَّ) التوكيدية، دخلت عليها (ما) الكافة؛ وهي حرف زائد، وقيل: إنَّ (ما) نافية.\nو(الباء) في (بالنيات) للمصاحبة أو للاستعانة، وقيل: للسببية، ولم يذكر سيبويه في معنى الباء إلَّا الإلصاق؛ لأنَّه معنى لا يفارقها.\nو(النِّيَّات) بتشديد الياء: جمع نِيَّة؛ مِن نوى ينوي من باب ضرب، وهي لغة: القصد، وشرعًا: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل، وإنما قال: (الأعمال)، ولم يقل الأفعال؛ لأنَّ الفعل يكون زمانه يسيرًا، ولم يتكرر، بخلاف العمل؛ فإنَّه على الاستمرار، ويتكرر.\n (وإنَّما لكلِّ امرِئ): بكسر الراء، والمرء مثلث الميم: الإنسان أو الرجل، كما في «القاموس».\n (ما نوى)؛ أي: الذي نواه أو نيته، وكذا لكل امرأة ما نوت؛ لأنَّ النساء شقائق الرجال، وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة، وحمله على التأسيس أولى؛ لإفادته معنى لم يكن في الأولى، وما ذكره بعض الشراح فليس بشيء؛ فافهم.\n (فمن كانت هِجرته): بكسر الهاء؛ أي: خروجه من أرضٍ إلى أرض، (إلى دنيا يصيبها): جملة محلها الجر؛ صفة لدنيا؛ أي يحصِّلُها، (أو إلى امرأة) ولأبي ذر: (أو امرأة)، (ينكحها) أي: يتزوجها كما في الرواية الأخرى، (فهجرته) بالكسر؛ أي: خروجه، (إلى ما هاجر إليه): من الدنيا والمرأة، والجملة: جواب الشرط في قوله: (فمن).\nوسبب هذا الحديث: قصة مُهاجر أمِّ قيس، المروية في «معجم الطبراني الكبير» بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش، ولفظه عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس؛ فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر؛ فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس.\nقال في «شرح الأربعين»: ولم نر له أصلًا بإسناد يصح.\nقال بعض الشراح: ولم يسم الرجل؛ فتأمل.\nوالمهاجرة المذمومة؛ إذا كانت على هذه الصفة، أما من هاجر من دار الكفر وتزوَّج (^٢) المرأة؛ فإنه لا يكون مذمومًا.\nو(الدُّنيا) بضم الدال: مقصورة غير منونة للتأنيث والعلمية، وقد تكسر وتنون، قال في «القاموس»: (الدنيا ضد الآخرة، وقد تنون، وجمعها: دنى) اهـ، وإنما سميت بذلك لدنوِّها؛ أي: قربها من الزوال.\nوفيه الرواية بالتحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة.\nوأخرجه المؤلف في (الإيمان)، و(العتق)، و(الهجرة)، و(النكاح)، وستأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى، واحتج بهذا الحديث الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد: في أنَّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج؛ أنَّه لا ينعقد عمرة؛ لأنَّه لم ينوها، وخالفهم (^٣) الشافعي، واحتج به أيضًا الإمام الأعظم، ومالك، والثوري: أنَّ الرجل يصح حجه عن غيره ولا يصح عن نفسه، خلافًا للشافعي، وأحمد، والأوزاعي.\n\n <span id=\"b-١٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-12>[حديث: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي]</span>\n٢ - وبالسند إلى المؤلف، قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، المتوفى سنة ثماني (^٤) عشرة ومئتين، وفي (يوسف): تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه، (قال: أخبرنا مالك)؛ هو ابن أنس الأصبحي، صاحب «الموطأ»، المتوفى سنة تسع وسبعين ومئة، وهو أحد مشايخ محمد ابن إدريس الشافعي.\n (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام القرشي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة ببغداد، (عن أبيه)؛ أبي عبد الله عروة، المتوفى سنة أربع وتسعين، (عن عائشة) بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها ياء (أم المؤمنين ﵂): قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: في الاحترام، والإكرام، وتحريم نكاحهن، والخلوة بهن، والمسافرة معهن، وتحريم نكاح بناتهن، والنظر إليهن، وهل يقال للنبي: أبو المؤمنين؟ فيه خلاف، فالمانع استدل بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\nوأجاب المجيز بأن معناه: من رجالكم لصلبه. انتهى.\nوهل عائشة أفضل من فاطمة؟ فيه خلاف، والأصح: أن عائشة أفضل، وجمع بأن فاطمة أفضل في الدنيا وعائشة أفضل في الآخرة، ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، واختلف في وفاتها بعد الخمسين: إما سنة خمس، أو ست، أو سبع في رمضان، وعاشت خمسًا (^٥) وستين سنة، وتوفي عنها رسول الله وهي بنت ثماني عشرة، وأقامت عنده تسعًا (^٦)، وقيل: ثماني سنين، ولها في «البخاري» مئتان واثنان وأربعون حديثًا.\n (أن الحرث بن هشام) بغير ألف بعد الحاء (^٧): المخزومي؛ أسلم يوم الفتح، واستشهد بالشام سنة خمس عشرة، (﵁ سأل رسول الله ﷺ) قال القسطلاني: يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك فيكون من مسندها، وأن يكون الحرث أخبرها بذلك فيكون من مرسل الصحابة؛ وهو محكومٌ بوصله عند الجمهور. انتهى، قلت: والظاهر الأول؛ فليحفظ.\n (فقال: يا رسول الله؛ كيف يأتيك الوحي؟)؛ أي: صفة الوحي نفسه، أو صفة حامله، أو أعم، فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز.\n (فقال رسول الله ﷺ): ولأبوي ذر والوقت: (قال رسول الله ﵇): (أحيانًا)؛ أي: أوقاتًا؛ بالنصب على الظرفية، وعامله: (يأتيني) مؤخر عنه؛ أي: يأتيني الوحي إتيانًا (مثل) بالنصب: حال؛ أي: يأتيني مشابهًا صوتُه (صَلْصَلة الجرس)؛ بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة. و(الجرس)؛ بالجيم والمهملة: الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب، والصلصلة: صوت حفيف أجنحة الملك؛ لما في الرواية الأخرى: (كأنه سلسلة على صفوان)، وإنما يقدمه حتى يفرغ من العمل، فيأتيه وهو خال عن الشغل (وهو أشده علي) الواو للحال، (فيَفْصِم عني) الوحي والملك، بفتح المثناة التحتية، وسكون الفاء، وكسر المهملة، كذا لأبي الوقت، من باب ضرب، والمراد: أنه ينجلي ما يغشاه من الشدة.\n (وقد وعَيت) بفتح العين؛ أي: فهمت (عنه) عن الملك (ما قال)؛ أي: القول الذي قاله.\nواعلم أن الصوت له جهتان؛ جهة قوة، وجهة طنين، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين وقع التنفير عنه.\nوفي «الطبراني» مرفوعًا: إذا تكلم الله بالوحي؛ أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء؛ صعقوا وخروا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلما مرَّ بسماء؛ سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض.\n (وأحيانًا)؛ أي: أوقاتًا (يتمثَّل)؛ أي: يتصوَّر (لي) لأجلي (الملك) جبريل (رجلًا) كدحية أو غيره، منصوب بنزع الخافض على الصواب، وقيل: على المصدرية، وقيل: على التمييز، وقيل: على المفعولية، والملائكةُ: أجسامٌ علوية لطيفة تتشكل بأي شكل شاء.\nوقالت الفلاسفة: هي جواهر قائمة بنفسها، والحق: أنَّ تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا؛ بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر: أن القدر الزائد لا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، انتهى.\nولأبي الوقت: (يتمثل لي الملك على مثال رجل).\n (فيكلمني فأعي)؛ أي: أفهم (ما يقول)؛ أي: الذي يقوله، فالعائد محذوف، و(الفاء) في الكلمتين: للعطف المشير للتعقيب، ووقع التغاير بين قوله: (وعيت فأعي)؛ لأنَّ الوعي في الأول: حصل قبل الفصم ولا يتصور بعده، وفي الثاني: في حالة المكالمة ولا يتصور قبلها، ومن الوحي: الرؤيا الصادقة، قيل: إنَّ جبريل نزل على نبينا ﵇ أربعة وعشرين ألف مرة، وعلى آدم: اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس: أربعًا، وعلى نوح: خمسين، وعلى إبراهيم: اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربع مئة مرة، وعلى عيسى: عشرًا، كذا في القسطلاني عن «تفسير ابن عادل».\nوبالإسناد السابق: (قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته) ﷺ، والواو للقسم، واللام للتأكيد؛ أي: والله لقد أبصرته، (يَنزِل): بفتح أوله وكسر ثالثه، ولأبي ذر والأصيلي: (يُنزَل) بالضم والفتح، (عليه) ﵇، (الوحي في اليوم الشديد البرد فيَفصِم) بفتح المثناة التحتية وكسر الصاد، ولأبوي ذر والوقت: (فيُفصِم)؛ بضمها وكسر الصاد، من أفصم الرباعي؛ وهي لغة قليلة؛ أي: ينجلي (عنه) ﵇.\n (وإن جبينه): قيل: الجبين غير الجبهة؛ وهو ما فوق الصدغ، والصدغ: ما بين العين والأذن، والظاهر: أن الجبين هو أعلى الجبهة من جهة الرأس، (ليتفصد) بالفاء والصاد المهملة المشددة؛ أي: ليسيل (عرَقًا) بفتح الراء: رشح الجلد من كثرة التعب عند نزول الوحي؛ لأنَّه أمر طارئ زائد على الطباع البشرية.\nورواته مدنيون إلَّا شيخ المؤلف، وفيه تابعيان، والتحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلف في (بدء الخلق)، ومسلم في (الفضائل).\n\n <span id=\"b-١٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-13>[حديث: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة]</span>\n٣ - ٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا)، ولأبي ذر بواو العطف (يحيى) أبو زكريا بن عبد الله (ابن بُكير) بضم الموحدة؛ تصغير (بكر) المخزومي المصري، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ونسبه المؤلف لجده لشهرته به.\n (قال: حدثنا الليث) بالمثلثة؛ ابن سعد الفهمي عالم أهل مصر، من تابع التابعين، المتوفى سنة خمس وسبعين ومئة، وكان من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق، وما قيل: إنه مجتهد؛ تعصُّب، قال الشافعي: الليث أفقه من مالك. انتهى، إلَّا أنه كان حنفي المذهب؛ فليحفظ.\n (عن عُقَيل) بضم العين المهملة وفتح القاف مصغر، ابن خالد ابن عَقيل؛ بفتح العين، الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، الأموي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن ابن شهاب) أبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي صغير، ونسبه المؤلف لجده الأعلى لشهرته، المتوفى بالشام سنة ست وتسعين ومئة، (عن عروة بن الزُبير) بضم الزاي؛ مصغر ابن العوام، (عن عائشة أم المؤمنين) ﵂ وعن أبيها: (أنها قالت: أول ما بُدِئ به) بضم الموحدة وكسر الدال (رسول الله ﷺ من الوحي) أي: من أقسام الوحي، من ربه إليه: (الرؤيا الصالحة في النوم)، قيل: الحديث من المراسيل، والظاهر أنها سمعت ذلك من النبي ﵇، وإنما كانت الرؤيا من الوحي؛ لأنَّه لا مدخل للشيطان فيها، وفي رواية: (الصادقة) بدل (الصالحة)؛ وهي التي ليس فيها ضغث، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر، واحترز بقوله: (من الوحي) عما رآه من دلائل النبوة من غير وحي؛ كتسليم الحجر عليه كما في «مسلم»، وأوله ما سمعه من بحيرا الراهب\n_________\n(^١) في الأصل: (أبو).\n (^٢) في الأصل: (وتزويج).\n (^٣) في الأصل: (خالهم).\n (^٤) في الأصل: (ثمان).\n (^٥) في الأصل: (خمس).\n (^٦) في الأصل: (تسع).\n (^٧) كذا قال، وهكذا ترسم ولكن المحدِّثين يلفظونها: «الحارث».","vol":"1","page":3},{"text":"كما في «الترمذي».\n (فكان) بالفاء للأصيلي، ولأبوي ذر والوقت: بالواو؛ أي: النبي ﵇، (لا يرى رؤيا) بدون تنوين، وروي به، (إلا جاءت) وقعت (مثل)؛ بالنصب بمصدر محذوف؛ أي: إلا جاءت مجيئًا مثل (فلق الصبح)؛ كرؤياه دخول المسجد الحرام، والمعنى: أنها شبيهة له في الضياء والوضوح، وعبر بـ (فلق الصبح)؛ لأنَّ مبادئ النبوة الرؤيا، والفلق: الصبح، وهل أوحي إليه شيء من القرآن في النوم أم لا؟ والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة، وإنما ابتدئ ﵇ بالرؤيا؛ لئلا يفاجئه الملك.\n (ثم حبب إليه الخلاء) بالمد؛ مصدر بمعنى الخلوة؛ أي: الاختلاء؛ بالرفع، نائب فاعل، وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنَّها تريح القلب من الاشتغال بالدنيا والتفرغ لعبادة الله تعالى، (وكان) ﵇ (يخلو بغار حِراء)؛ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد، والأصيلي: فتحها والقصر، وهو مصروفِ إنْ أريد المكان، وممنوع منه إن أريد البقعة، فهي أربعة: التذكير، والتأنيث، والمد، والقصر، وحراء: جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، والغار نقب فيه؛ وهو الكهف.\n (فيتحنث فيه)؛ بالحاء المهملة وآخره مثلثة؛ أي: يتبع دين إبراهيم؛ (وهو التعبد الليالي ذوات العدد) مع أيامهن، واقتصر عليهن تغليبًا، و(الليالي): نصب على الظرفية، وأقل الخلوة: ثلاثة أيام، ثم سبعة، ثم شهر؛ لما عند المؤلف: جاورت بحراء شهرًا، وعند أبي إسحاق: أنه شهر رمضان، وما قيل: إنه أكثر فلم يصح، والخلوة: أمر مرتب على الوحي، وإنما خص حراء بالتعبد؛ لأنَّه له فضلٌ (^١)؛ من حيث إنه ينظر منه الكعبة، والنظر إليها عبادة، ولم يأت التصريح بصفة تعبده، وقيل: بالتفكر، والله أعلم.\n (قبل أن يَنزِع)؛ بفتح أوله وكسر الزاي؛ أي: يشتاق ويرجع (إلى أهله) عياله (ويتزود لذلك)؛ برفع الدال؛ أي: يتخذ الزاد للخلوة، (ثم يرجع إلى خديجة) ﵂ (فيتزود لمثلها)؛ أي: لمثل الليالي، وخص خديجة؛ لأنَّه كان يتزود من عندها دون غيرها، وفيه: أن الانقطاع عن الأهل ليس من السنة؛ أي: بالكلية.\n (حتى جاءه) الأمر (الحق) الوحي (وهو في غار حراء، فجاءه الملك) جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان، وهو ابن أربعين سنة؛ كما رواه ابن سعد، (فقال) له: (اقرأ) ما أتلوه عليك، (قال) ﵇، ولأبوي ذر والوقت: (قلت): (ما أنا بقارئ)، وفي رواية: (ما أحسن أن أقرأ)، و(ما): استفهامية على التحقيق؛ فإنَّ الأخفش جوَّز دخول الباء في خبرها، والدليل على أنَّها استفهامية الرواية الأخرى عن أبي الأسود في (المغازي): (قال: كيف اقرأ؟)، وقيل: إنَّ (ما) نافية، واسمها (أنا)، وخبرها (بقارئ).\n (قال) ﵇: (فأخذني) جبريل (فغطني)؛ بالغين المعجمة ثم المهملة؛ أي: ضمَّني وعصرني، وفي رواية: (فغتني)؛ بالمثناة الفوقانية؛ أي: حبسني، (حتى بلغ مني الجَهدَ)؛ بفتح الجيم ونصب الدال؛ أي: غاية الوسع، مفعولٌ حُذف فاعله، وروي: بضم الدال والرفع؛ أي: بلغ مني الجهد مبلغه، فهو فاعل (بلغ)، وهي الأوجه، (ثم أرسلني)؛ أي: أطلقني.\n (فقال: اقرأ، قلت) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (فقلت): (ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية)؛ أي: مرة ثانية، (حتى بلغ مني الجهد)؛ بالفتح والنصب، والضم والرفع؛ كما مر، (ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة)؛ أي: المرة الثالثة، وهذا من خصائصه ﵇، واستدل به: على أن المؤدب لا يضرب صبيًا أكثر من ثلاث ضربات.\n (ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾)؛ أي: بكلام ربك الذي أتلوه عليك، (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) [العلق: ١]؛ أي: الذي له الخلق، أو الذي خلق كل شيء، ولا دلالة فيه للشافعي على وجوب قراءة التسمية في ابتداء كل قراءة؛ لأنَّ المراد المقروء؛ وهو كلام الله تعالى، وعن علي: (أن أول ما نزل من القرآن: (﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١])، والجمهور: أن أول ما نزل منه هذه الآيات؛ فليحفظ.\n (﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾): خصه بالذكر؛ لشرفه، (﴿مِنْ عَلَقٍ﴾) [العلق: ٢]؛ بتحريك اللام: الدم الغليظ، والقطعة منه علقة، (﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾) [العلق: ٣]؛ الزائد في الكرم على كل كريم، (فرجع بها)؛ أي: بالآيات (رسول الله ﷺ) إلى أهله، والظاهر أن (رجع) مخفف؛ أي: أنَّه بمجرد سماعها وقراءتها حفظها، ويحتمل أنه مشدد؛ أي: صار يكررها حتى حفظها، فسار إلى أهله حال كونه (يرجُف)؛ بضم الجيم: يخفق ويضطرب، (فؤادُه): قلبه وحواسه؛ لما ظهر له من الأمر الخارق للعادة، (فدخل) ﵇ (على خديجة بنت خويلد) (^٢)؛ أم المؤمنين ﵂، فأعلمها بما وقع له، (فقال) ﵇: (زمِّلوني زمِّلوني)؛ بكسر الميم مع التكرار مرتين: من التزميل؛ وهو التلفف، (فزمَّلوه)؛ بفتح الميم، (حتى ذهب عنه الرَّوع)؛ بفتح الراء؛ أي: الخوف.\n (فقال) ﵇ (لخديجة) ﵂ (وأخبرها الخبر)؛ جملة حالية: (لقد)؛ أي: والله لقد (خشيت على نفسي) الموت من شدة الخوف أو المرض، (فقالت له) ﵇ (خديجة) ﵂، ولأبي ذر: (قالت)؛ بإسقاط الفاء: (كلا) نفي وإبعاد؛ أي: لا تقل ذلك، (والله ما يُخْزِيْك الله أبدًا)؛ بضم المثناة التحتية، وبالخاء المعجمة الساكنة، والزاي المكسورة، وبالمثناة التحتية الساكنة: من الخزي؛ أي: ما يفضحك الله، ولأبي ذر عن الكشميهني: (ما يَحزنك الله)؛ بفتح أوله وبالحاء المهملة وبالنون: من الحزن؛ ضد الفرح.\n (إِنك)؛ بكسر الهمزة؛ أي: المتصف بمكارم الأخلاق، (لتصل الرحم)؛ أي: القرابة، (وتحمل الكَلِّ)؛ بفتح الكاف وتشديد اللام: الثِّقْل؛ بكسر المثلثة وإسكان القاف؛ أي: تدفعه عن الضعيف والمنقطع، (وتَكسب المعدوم)؛ بفتح المثناة الفوقية؛ أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، و(كسب): يتعدى لواحد واثنين، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: (وتكسب)؛ بضم أوله من (أكسب)؛ أي: تكسب غيرك المال المعدوم، و(المعدوم): الرجل الفقير، وإنَّما سماه معدومًا؛ لكونه كالميت؛ من حيث العجز، والعديم: الذي لا عقل له.\n (وتَقري الضيف) بفتح أوله بلا همز؛ ثلاثيًا، وسمع بضمها؛ رباعيًا؛ أي: تهيئ له طعامًا، (وتعين على نوائب الحق)؛ أي: حوادثه، وإنما قالت: نوائب الحق؛ لأنَّها تكون في الحق والباطل، وفيه إشارة إلى فضل خديجة وحسن رأيها.\n (فانطلقت)؛ أي: مضت (به خديجة) ﵂؛ مصاحبة له، (حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة)؛ بنصب (ابن) الأخير بدلًا من (ورقة) أو صفة، ولا يجوز جره؛ لأنَّه يصير صفة لعبد العزى، وليس كذلك، وتكتب بالألف ولا تحذف؛ لعدم وقوعه بين علمين، وراء (ورَقة) مفتوحة، وتجتمع معه خديجة في أسد؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسد.\n (وكان) ورقة امرأ (قد) ترك عبادة الأوثان، و(تنصر)، وللأربعة: (وكان امرأ تنصر) (في الجاهلية)؛ بإسقاط (قد)، فإنَّه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأَعجب ورقة النصرانية للُقيه من لم يبدل شريعة عيسى ﵇، (وكان) ورقة (يكتب الكتاب العبراني)؛ أي: الكتابة العبرانية، وفي رواية: (الكتاب العربي).\n (فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب)؛ أي الذي شاء الله كتابته، و(العبراني)؛ بكسر العين: نسبة إلى (العِبْر)؛ بكسر العين وإسكان الموحدة، وزيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سميت بذلك؛ لأنَّ إبراهيم تكلم بها لما عبر الفرات فارًا من نمرود، وقيل: إن التوراة عبرانية، والإنجيل سريانية، وقيل: ما نزل من السماء وحي إلَّا عربي، وكانت الأنبياء تترجمه لقومها.\n (وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) حال كونه (قد عمي، فقالت له خديجة) ﵂؛ (يا بن العم؛ اسمع)؛ بهمزة وصل (من ابن أخيك)؛ تعني: النبي ﵇؛ لأنَّ الأب الثالث لورقة؛ هو الأخ للأب الرابع لمحمد ﵇.\n (فقال له) ﵇: (ورقة يا بن أخي: ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما)، وللأصيلي وأبي ذر: (بخبر ما) (رأى فقال له ورقة: هذا الناموس)؛ بالنون والسين المهملة: وهو صاحب السر الوحي، والمراد به جبريل (الذي نزل الله على موسى)، زاد الأصيلي: (ﷺ)، و(نزل)؛ بحذف الهمزة.\nوإنَّما خصَّ موسى مع كون ورقة نصرانيًّا؛ لأنَّ توراة موسى مشتمل على الأحكام، بخلاف الإنجيل؛ لأنَّه مشتمل على المواعظ، ولأنَّ نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين، بخلاف عيسى؛ فإنَّ اليهود ينكرون نبوته.\nوفي رواية عيسى: (يا ليتني فيها)؛ أي: في مدة النبوة أو الدعوى، (جَذَعًا)؛ بفتح الجيم والمعجمة وبالنصب: خبر كان مقدرة، أو على الحال من ضمير خبر ليت المقدر، وللأصيلي وأبي ذر: (جذع)؛ بالرفع: خبر ليت، والجذع: هو الصغير من البهائم، ثم استعير للإنسان؛ أي: شابًّا قويًّا، (ليتني)، وللأصيلي: (يا ليتني)، (أكون حيًّا) عند ظهور نبوتك.\n (إذ يخرجك قومك) من مكة، وفي رواية: (حين يخرجك قومك)، وإنما تمنَّى ورقة عود الشباب مع أنه مستحيل؛ لأنَّ التمني في الخير جائز ولو كان مستحيلًا، أو أنَّ التمني ليس مقصودًا على بابه.\n (فقال رسول الله ﷺ: أوَ)؛ بفتح الواو (مخرجيَّ هم)؛ بتشديد الياء مفتوحة؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مخرج، من الإخراج، فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة كسرة وفتحت ياء (مخرجي)؛ تخفيفًا، و(هم): مبتدأ، خبره: (مخرجي) مقدمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأنَّ الإضافة غير محضة بل لفظية.\n (قال) ورقة: (نعم؛ لم يأت رجل قَطُّ)؛ بفتح القاف وتشديد المهملة مضمومة، وقد تكسر وقد تخفف، (بمثل ما جئت به): من الوحي (إلا عودي)؛ لأنَّ الإخراج عن المألوف موجب لذلك، (وإن يدركْني)؛ بالجزم بأن الشرطية (يومُك)؛ بالرفع: فاعل (يدركني)؛ أي: يوم ظهور نبوتك؛ (أنصرْك)؛ بالجزم: جواب الشرط، (نصرًا): بالنصب على المصدرية (مُؤزَّرًا)؛ بضم الميم، وفتح الزاي المشددة، آخره راء مهملة مهموزًا؛ أي: قويًّا بليغًا؛ وهو صفة لـ (نصر)، وفيه إشارة: إلى أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام؛ فيكون مثل بحيرا، وفي «المغازي»: أنه قال: أشهد أنك نبي مرسل.\nوفي آخره: قال ﵇: «لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدقني»، وأخرجه البيهقي، ففيه إشارة إلى ثبوت صحبته، وقد ذكره ابن منده في «الصحابة»؛ فتأمل.\n (ثم لم يَنشب)؛ بفتح المثناة التحتية والمعجمة: أي: لم يلبث، (ورقةُ)؛ بالرفع: فاعل ينشب، (أن توفي)؛ بفتح الهمزة وتخفيف النون: وهو بدل اشتمال من (ورقة)؛ أي: لم تتأخر وفاته عن هذه القصة، واختلف في وقت موته؛ قيل: بمكة، وقيل: قتل ببلاد لخم.\n (وفتر الوحي)؛ أي: احتبس ثلاث سنين أو سنتين ونصف، وفي رواية: (حتى حزن ﵇ حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال).\n (قال ابن شهاب) الزهري: (وأخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمة)؛ بفتحتين: عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف المتوفى بالمدينة سنة أربع وتسعين، وأتى بالواو العاطفة؛ لبيان أنه مسند في (الأدب) و(التفسير) مع الإخبار عن عروة، وحينئذٍ؛ فهو من التعاليق حقيقة ومعنًى، كما ذكره الإمام الكرماني، وما قاله في «الفتح»، وتبعه القسطلاني؛ فقد ردَّه الإمام بدر الدين العيني بما يطول؛ فليحفظ: (أن جابر بن عبد الله) بن عمرو (الأنصاري)\n_________\n(^١) في الأصل: (فضلًا).\n (^٢) في حاشية الأصل: (هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أم المؤمنين، تزوجها ﵇ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي أم أولاده خلا إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها، حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح.\nقال آدم: مما فضل الله به ابني عليَّ أنْ زوجه خديجة كانت عونًا له على تبليغ أمر الله، وإن زوجتي كانت عونًا لي على المعصية، كذا قال الإمام بدر الدين العيني).","vol":"1","page":3},{"text":"الخزرجي، المتوفى بالمدينة سنة ثمان، أو أربع، أو تسع وسبعين؛ وهو آخرهم موتًا بالمدينة، (قال وهو يحدث عن فترة الوحي)؛ أي: عن حال احتباس الوحي عن النزول: (فقال) النبي ﵇ (في حديثه: بينا) أصله: (بين)، فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا؛ وهي ظرف زمان مقطوع عن الإضافة بالألف، (أنا أمشي)، وجواب (بينا) قوله: (إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري؛ فإذا الملك) جبريل (الذي جاءني بحراء جالس)؛ خبر المبتدأ، وهو الملك، ويجوز نصب (جالس) على الحال، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا (على كرسي)؛ بضم الكاف وقد تكسر: ما يُجلس عليه من الأعواد، (بين السماء والأرض) ظرف محله الجر صفة لـ (كرسي).\n (فرُعِبت)؛ بضم الراء وكسر العين المهملة: مبني للمفعول، وللأصيلي: (فرَعُبت)؛ بفتح الراء وضم العين؛ أي: فزعت (منه)؛ أي: من الملك جبريل، (فرجعت) إلى أهلي (فقلت) لهم: (زملوني زملوني) بالتكرار مرتين، ولكريمة: مرة واحدة، وفي رواية: (دثروني)، (فأنزل الله تعالى) ولأبوي ذر والوقت: (﷿): (﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾) [المدثر: ١]؛ أي: المتدثر وهو لابسُ الدثار؛ وهو الثوب الذي يلبس فوق القميص، قيل: إن التدثير والتزميل؛ بمعنى واحد، والظاهر أن بينهما فرقًا خفيفًا؛ فالتزمل: التلفف بالثوب، والتدثر: بسط الثوب عليه، فالفرق بين اللف والبسط؛ فليحفظ.\n (﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾) [المدثر: ٢] حذِّر من العذاب لمن لا يؤمن، ولا شك أنَّ الإنذار يكون عقب نزول الوحي؛ فليحفظ، (إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ﴾)؛ أي: الأوثان، (﴿فَاهْجُرْ﴾) [المدثر: ٥]، وللأربعة: (الآية).\n (فحَمِي)؛ بفتح الحاء المهملة وكسر الميم: أي: فكثر، (الوحي)؛ أي: نزوله، (وتتابع)، ولأبي ذر: (وتواتر)؛ وهما بمعنى واحد، قاله القسطلاني، قلت: ليس كما قال؛ فإن (التتابع): ظهور الشيء وبعده الآخر وهكذا، و(التواتر): ظهور الأشياء بعضها عقب بعض؛ بمهملة بفتح الميم؛ فليحفظ، وإنما لم يقتصر على قوله: فحمي؛ لأنَّه لا يفيد التواتر والتتابع.\n (تابعه)؛ أي: تابع يحيى بن بكير في رواية الحديث عن الليث (عبد الله بن يوسف) التنيسي، (و) تابعه (أبو صالح) عبد الله كاتب الليث، أو عبد الغفار بن داود البكري الحرَّاني، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، وكلاهما عن الليث، وروى عنهما المؤلف، قال القسطلاني: ووهم ابن حجر العسقلاني في «فتحه الباري»؛ حيث جعل القائل عبد الغفار، انتهى.\nقلت:. . . .\n (وتابعه)؛ أي: تابع عقيل بن خالد في هذا الحديث (هلال بن رداد)؛ بدالين مهملتين، الأولى مشددة الطائي، وليس له في الكتاب إلا هذا الموضع، (عن الزهري) محمد بن مسلم، (وقال يونس) بن يزيد الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية: التابعي، المتوفى سنة تسع وخمسين ومئة، (ومَعْمَر)؛ بفتح الميمين وسكون العين: أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحراني؛ مولاهم، المتوفى سنة أربع وخمسين ومئتين: (بَوادره)؛ بفتح الموحدة: جمع بادرة؛ وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، فوافقا عقيلًا، إلَّا أنهما قالا بدل (يرجف فؤاده): (ترجف بوادره)؛ وهما بمعنى واحد في المعنى؛ من حيث أنَّهما دالان على الفزع، ولأبي ذر وكريمة: (تواتر)، وهذا أول موضع ذكر المتابعة؛ وهي المشاركة في الرواية، فإن اتفقت رجال السند؛ تسمى: متابعة حقيقية تامة، وإن اختلفت الرجال؛ سميت: ناقصة، وقد تسمى: شاهدًا.\n\n <span id=\"b-١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-14>[حديث: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة]</span>\n٥ - وبه قال: (حدثنا) ولأبي الوقت: (أخبرنا) (موسى) أبو سلمة (بن إسماعيل) المِنْقَري؛ بكسر الميم، وإسكان النون، وفتح القاف، المتوفى في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا أبو عَوانة)؛ بفتح العين المهملة والنون: الوضاح بن عبد الله اليشكُري؛ بضم الكاف، المتوفى سنة ست وتسعين ومئة، (قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة)؛ أبو الحسن الكوفي الهمداني؛ بالميم الساكنة والدال المهملة، وأبو عائشة قيل: لا يُعرف اسمه؛ فتأمل.\n (قال: حدثنا سعيد بن جُبير)؛ بضم الجيم، وفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية: ابن هشام الكوفي الأسدي، من التابعين الكاملين، قتله الحجاج بن يوسف صبرًا في شعبان سنة ست وتسعين، ولم يَقتل بعده أحدًا، بل لم يعش بعده إلَّا أيامًا قليلة؛ بسبب دعائه عليه، ورؤي في المنام الحجاج فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني الله بكل قتيل قتلة، إلَّا سعيد بن جبير؛ فإنِّي قتلت فيه مئة قتلة، رحمه الله تعالى.\n (عن ابن عباس) ﵄؛ عبدِ الله حبرِ هذه الأمة، وترجمانِ القرآن، أبي الخلفاء، وأحدِ العبادلة الأربعة، المتوفى بالطائف، سنة ثمان وستين، عن إحدى وسبعين سنة، في أيام ابن الزبير، (في قوله تعالى) وللأصيلي: (﷿): (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾)؛ أي: القرآن (﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) [القيامة: ١٦] (قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل) القرآني (شدة)؛ مفعول (يعالج)، والجملة خبر (كان)، (وكان) ﵇ (مما)؛ أي: ربما (يحرك)، زاد في رواية به: (شفتيه) بالتثنية، وكان يكثر من ذلك حتى لا ينسى، أو لحلاوة الوحي في لسانه، قال ابن جبير: (فقال ابن عباس) ﵄: (فأنا أحركهما)؛ أي: شفتي (لك)، وفي رواية: (لكم)، (كما كان رسول الله ﷺ يحركهما)، وإنما لم يقل: (كما رأيت) الآتي؛ لأنَّ ابن عباس لم يدرك ذلك، (وقال سعيد)؛ هو ابن جبير: (أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه)، وإنما قال ابن جبير: (كما رأيت ابن عباس)؛ لأنَّه رأى ذلك منه، بخلاف ابن عباس؛ فإنَّه لم يره؛ لأنَّ نزول آية القيامة سابق على مولده؛ لأنَّه قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزول الآية في بدء الوحي، ويحتمل أنه أخبر ممن رآه، أو أنه ﵇ أخبره بذلك.\nوورد عند الطيالسي: أنَّ ابن عباس رأى النبيَّ يحركهما، وهذا الحديث يسمى: المسلسل بتحريك الشفة، لكنه لم يتصل تسلسله.\n (فأنزل الله تعالى)، ولأبوي ذر والوقت: (﷿): (﴿لَا تُحَرِّكْ﴾) يا محمد (﴿بِهِ﴾)؛ أي: بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾) قبل أن يتم وحيه (﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) [القيامة: ١٦]؛ أي: لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك، وفي رواية: (عجل به) من حبه إياه، (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾) في صدرك (﴿وقُرْآنَهُ﴾) [القيامة: ١٧]؛ أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف، والأصل: وقراءتك إياه.\nوما ذكره ابن حجر مأخوذ من «شرح الإمام الكرماني»؛ رده الإمام بدر الدين العيني، ويأتي في (التفسير): أنه كان يحرك به لسانه وشفتيه، فجمع بينهما، وبه اندفع ذلك، (قال) ابن عباس: (جمَعَه)؛ بفتح الميم والعين (لك صدرُك) بالرفع على الفاعلية، وللأربعة: (جمعه الله في صدرك)، وهذا تفسير قوله: (جمْعه)؛ بسكون الميم، ولأبوي ذر والوقت: (جمْعُه لك صدرُك)؛ بسكون الميم وضم العين مصدرًا، ورفع راء (صدرُك) فاعل به، (و) قال ابن عباس في تفسير ﴿قُرْآنَهُ﴾؛ أي: (تقرأَه)؛ بفتح الهمزة، وقال القاضي: إثبات قراءته في لسانك؛ وهو تعليل للنهي.\n (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) [القيامة: ١٨] وتفسيره، كما (قال) ابن عباس: (فاستمع له)؛ أي: لا تكون قراءتك مع قراءته، بل تابعة لها، (وأَنصت)؛ بهمزة القطع مفتوحة: من أنصت، وقد تكسر؛ من نصت إذا سكت؛ أي: تكون حال قراءتك ساكتًا.\n (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾) [القيامة: ١٩] فسره ابن عباس بقوله: (ثم إن علينا أن تقرأه)، وفسره غيره: ببيان ما أشكل عليك من معانيه؛ وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ كما في «البيضاوي»، وإنما قال عن وقت الخطاب؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى العمل؛ لأنَّه تكليف بما لا يطاق؛ كما في «شيخ زاده».\n (فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل)؛ ملك الوحي المفضل به على سائر الملائكة: (استمع، فإذا انطلق جبريل) ﵇، (قرأه النبي ﷺ؛ كما قرأ)، ولأبي ذر: (كما كان قرأ)، وفي رواية: (كما قرأه) بضمير المفعول؛ أي: القرآن، ولما كان النزول في رمضان جملة واحدة؛ شرع بذكر حديث تعاهد جبريل له في رمضان، في كل سنة فقال:\n\n <span id=\"b-١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-15>[حديث: كان رسول الله أجود الناس]</span>\n٦ - (حدثنا عبدان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة، وفتح المهملة: لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، عن ست وسبعين سنة، (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي، مولاهم المروزي، تابع التابعين؛ وهو من أتباع الإمام الأعظم، توفي سنة إحدى وثمانين ومئة، (قال أخبرنا يونس) بن يزيد بن مشكان الأيلي، المتوفى سنة تسع وخمسين ومئة؛ كما مر، (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب.\n (قال) أي: المؤلف، وفي «الفرع»: (ح) مهملة مفردة في الخط، مقصورة في النطق؛ لأجل الجمع بين الإسنادين:\n (وحدثنا بِشْر بن محمد)؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة: المروزي السختياني، المتوفى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قال: أخبرنا عبد الله)؛ هو ابن المبارك الحنفي، (قال: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه)، ولأبوي ذر والوقت: (نحوه عن الزهري) يعني: أنَّ ابن المبارك حدث به عبدان عن يونس وحده، وحدث به بشر عن يونس ومعمر معًا.\n (قال) أي: الزهري (أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر: أخبرنا (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بن عتبة؛ بضم العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة: ابن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، التابعي، المتوفى سنة تسع وتسعين، (عن ابن عباس) ﵄ (قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس)، بنصب (أجود) خبر (كان)؛ أي: أجودهم على الإطلاق، (وكان أجود ما يكون) حال كونه (في رمضان) برفع أجود؛ اسم (كان) وخبرها محذوف وجوبًا.\nوللأصيلي وأبي ذر: (أجود) بالنصب خبر (كان)، ولأبي ذر: (فكان أجود) بالفاء، وفيه إشارة إلى أن جوده ﵇ في رمضان أكثر من جوده في غيره، (حين يلقاه جبريل) ﵇، (وكان) جبريل (يلقاه)؛ أي: النبي ﵇.\nوجوز الإمام الكرماني أن يكون الضمير المرفوع لـ (النبي)، والمنصوب لـ (جبريل)، ورجح الأول: الإمام بدر الدين العيني؛ لقرينة قوله: (حين يلقاه جبريل) (في كل ليلة من رمضان)، مصدر رَمَضَ إذا احترق، ممنوع من الصرف للزيادة، (فيدارسه القرآن)، بالنصب مفعول ثان لـ (يدارسه)، والفاء عاطفة، وإنما يدارسه حتى يتقرر عنده ويرسخ؛ وهذا إنجاز وعده تعالى له في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦].\n (فلرسول الله)؛ مبتدأ، خبره قوله: (أجود بالخير من الريح المرسلة)؛ أي: المطلقة، وعبر بـ (المرسلة)؛ إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، كما أنه ﵇ دائم الجود، والفاء في (فلرسول): للسببية، واللام للابتداء، وزيدت على المبتدأ؛ للتأكيد.\n\n <span id=\"b-١٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-16>[حديث أبي سفيان: أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش]</span>\n٧ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان)؛ بفتح المثناة وتخفيف الميم واسمه: (الحكم بن نافع)؛ بفتح الحاء المهملة والكاف: الحمصي البهراني، مولى امرأة بهراء، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، وللأصيلي وكريمة: (حدثنا الحكم بن نافع) (قال: حدثنا شعيب)؛ هو ابن أبي حمزة؛ بالحاء المهملة والزاي: دينار القرشي، الأموي مولاهم، أبو بشر، المتوفى سنة اثنين وستين ومئة.\n (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) ﵁، (أن)؛ بفتح الهمزة: (عبد الله بن عباس) ﵄ (أخبره: أن)؛ بفتح الهمزة: (أبا سفيان)؛ بتثليث السين: يكنى أبا حنظلة، واسمه: صخر بالمهملة، ثم","vol":"1","page":4},{"text":"المعجمة (بن حرب)، بالمهملة والراء ثم الموحدة ابن أمية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الغزوات، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان ﵁.\n (أخبره: أن)؛ أي: بأن (هِرَقل)؛ بكسر الهاء وفتح الراء: غير منصرف للعلمية والعجمة، ولقبه قيصر، وأول من ضرب الدنانير، وملك الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبي ﵇، والظاهر أنه الموسكوف المسمى الآن بالروسية، وقيل: إنه الفراسة، (أرسل إليه)؛ أي: إلى أبي سفيان حال كونه (في)؛ أي: مع (ركب)؛ جمع راكب كصحب وصاحب؛ وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، كذا قيل (من قريش) صفة لـ (ركب)؛ بضم القاف بعدها راء ومثناة تحتية ساكنة: وهم ولد النضر بن كنانة، وإنما سميت قريشًا: لأنَّهم كانوا يفتشون الحاج خلَّتهم فيسدونها، وقيل: من القرش، وقيل: باسم دابة في البحر، والله أعلم، و(من) إما بيانية أو تبعيضية، وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا.\n (و) الحال أنهم (كانوا تُجَّارًا)؛ بضم المثناة الفوقية وتشديد الجيم، على وزن (كفار) وعلى وزن (كلاب): جمع تاجر (بالشام) بالهمز، وقد تترك، وقد تفتح الشين مع المد، وقد دخلها ﵇ مرتين قبل النبوة مع عمه أبي طالب حتى بلغ بصرى حين لقيه الراهب، ومرة في تجارة لخديجة إلى سوق بصرى، ومرتين بعد النبوة ليلة الإسراء وفي غزوة تبوك، وتمامه في «شرح الإمام بدر الدين العيني»، (في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادَّ)؛ بتشديد الدال من (مادد)، فأدغم الأول في الثاني من المثلين: وهو مدة صلح الحديبية سنة ست، التي ماد (فيها أبا سفيان) زاد الأصيلي: (ابن حرب)، (وكفار قريش)؛ أي: مع كفارهم على وضع الحرب عشر سنين، ونصب (كفار) على المفعول معه.\n (فأتوه)؛ أي: أرسل إليه في طلب إتيان الركب، (وهم) بالميم؛ أي: هرقل وجماعته، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: (وهو) (بإيلياء)؛ بهمزة مكسورة، فمثناتين آخر الحروف، أولاهما ساكنة، بينهما لام، آخره ألف مهموزة، بوزن كبرياء، [و] بالقصر، وهو بيت المقدس، (فدعاهم) هرقل حال كونه (في مجلسه وحوله)؛ بالنصب على الظرفية: خبر المبتدأ؛ وهو (عظماء الروم)؛ وهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وفي رواية: (وعنده بطارقته، والقسيسون، والرهبان)، (ثم دعاهم)؛ أي: أمر بإحضارهم؛ فلا تكرار، (ودعا ترجمانه) بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (بترجمانه)، وفي رواية: (بالترجمان)؛ بفتح المثناة الفوقية وضم الجيم فيهما، وقد تضم التاء فيهما اتباعًا؛ وهو المفسر لغة بلغة، فقال له: أيكم أقرب؟ ولم يسم الترجمان.\n (فقال) الترجمان: (أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل؟)، وفي رواية: (من هذا الرجل)، وفي رواية: (إلى هذا الرجل)، وفي رواية: (الذي خرج بأرض العرب)، (الذي يزعم)، وفي رواية: (يدعي) (أنه نبي، فقال) وفي رواية: (قال) (أبو سفيان: قلت) وفي رواية: (فقلت): (أنا أقربهم نسبًا) وفي رواية: (أنا أقربهم به نسبًا)؛ أي: من حيث النسب، وأقربيته أبي سفيان؛ لكونه من بني عبد مناف؛ وهو الأب الرابع للنبي ﵇ ولأبي سفيان، وإنَّما خص هرقل الأقرب؛ لأنَّه الأعلم الأتقن.\n (فقال)؛ أي: هرقل، وفي رواية: (قال): (أدنوه مني)؛ بهمزة قطع مفتوحة: من الدنو؛ وهو القرب حتى يمعن في السؤال، (وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره)؛ لئلا يستحوا أن يواجهوه بالتكذيب (إن كذب)؛ كما في رواية، (ثم قال) هرقل (لترجمانه: قل لهم)؛ أي: لأصحاب أبي سفيان (إني سائل هذا)؛ أي: أبا سفيان (عن هذا الرجل)؛ أي: النبي ﵇، (فإن كذبني) بالتخفيف، كذا قيل؛ (فكذِّبوه) بتشديد المعجمة المكسورة، (قال)؛ أي: أبو سفيان، وفي رواية بإسقاط لفظ: (قال).\n (فوالله؛ لولا الحياء) وفي رواية: (لولا أن الحياء)، (من أن يأثروا علي) بضم المثلثة وكسرها و(عليَّ) بمعنى (عني)؛ أي: رفقتي: يرون عني (كذبًا) بالتنكير، وفي رواية: (الكذب) (لكذبت عنه)؛ أي: لأخبرت عن حاله بكذب؛ لبغضي إياه، وفي رواية: (لكذبت عليه)، (ثم كان أول ما سألني عنه) بنصب (أول) خبر (كان)، واسمها ضمير الشأن، وفي رواية: برفع (أول) اسم (كان)، وخبره قوله: (أن قال: كيف نسبه) ﵇ (فيكم)، أهو من أشرافكم أم لا؟ قال أبو سفيان: (قلت: هو فينا ذو)؛ أي: صاحب (نسب) عظيم، فالتنوين للتعظيم، (قال) هرقل: (فهل قال هذا القول منكم) من قريش (أحد قط) بتشديد الطاء المضمومة مع فتح القاف، وقد يضمان، وقد تخفف الطاء وتفتح القاف، ولا تستعمل إلَّا في الماضي المنفي، وإنَّما استعمل هنا بغير نفي؛ لأنَّ الاستفهام حكمه حكم النفي، (قبله) بالنصب على الظرفية، وفي رواية: (مثله).\nقال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم يقله أحد قبله، (قال) هرقل: (فهل كان من آبائه مِن) بكسر الميم؛ حرف جر (مَلِك؟)؛ بفتح الميم وكسر اللام: صفة مشبهة، وفي رواية: (مَن) بفتح الميم؛ اسم موصول، و(مَلَك) فعل ماضي، وفي رواية: (فهل كان من آبائه ملك)، قال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم يكن، (قال) هرقل: (فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟) وفي رواية: (أيتبعه أشراف الناس؟) بإثبات همزة الاستفهام، وفي أخرى: (فأشراف الناس اتبعوه؟) قال أبو سفيان: (قلت): وفي رواية: (فقلت): (بل ضعفاؤهم)؛ أي: اتبعوه.\nقال ابن حجر: الأشراف هنا؛ أهل النخوة والتكبر، لا كل شريف، ليخرج مثل العمرين ممن أسلم قبل سؤال هرقل، واعترضه الإمام بدر الدين العيني؛ بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة، فقول أبي سفيان جرى على الغالب... إلى آخره، قلت: وهو وجيه؛ فليحفظ، وفي رواية: (تبعه منا الضعفاء والمساكين)، وأما ذوو الأنساب والشرف؛ فما تبعه منهم أحد، قال ابن حجر: وهو محمول على الأكثر الأغلب.\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّ هذا المحمل بعيد جدًا؛ لأنَّ كلامه لا يعطيه ولا يشير إليه، فالأولى الحمل على أنه لم يتبعه أحد في الظاهر، وفي باطن الأمر قد اتبعوه وأخفوه حتى يعلموا ما يقع؛ فافهم.\n (قال) هرقل: (أيزيدون أم ينقصون؟) بهمزة الاستفهام، وفي رواية: بإسقاطها؛ وهو جائز مطلقًا على الصحيح، قال أبو سفيان: (قلت: بل يزيدون، قال) هرقل: (فهل يرتد أحد منهم سخطة)؛ بفتح السين المهملة: منصوب على المفعول لأجله، أو على الحال؛ أي: ساخطًا، وجوَّز ابن حجر: ضم السين وفتح الخاء، ورده الإمام بدر الدين العيني بما يطول، نعم في رواية بضم السين وسكون الخاء، (لدينه بعد أن يدخل فيه؟) خرج من ارتد مكرهًا أو رغبة؛ كما وقع لابن جحش.\nقال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم يرتد، وإنما سأل عنه؛ لأنَّ من دخل في أمر محقق لا يرجع عنه، بخلاف دخوله في الباطل.\n (قال) هرقل: (فهل كنتم تتهمونه بالكذب) على الناس (قبل أن يقول ما قال؟)، قال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم نتهمه، وإنما عدل عن سؤال الكذب إلى سؤال التهمة؛ تقريرًا لهم على صدقه.\n (قال) هرقل: (فهل يغدر؟)؛ بدال مهملة مكسورة؛ أي: ينقض العهد، قال أبو سفيان: (قلت: لا) ينقض (ونحن منه)؛ أي: النبي ﵇ (في مدة)؛ أي: مدة صلح الحديبية أو غيبته، (لا ندري ما هو فاعل فيها)؛ أي: في المدة، وأشار بقوله: (لا ندري) إلى عدم الجزم بغدره، (قال) أبو سفيان: (ولم يمكني)؛ بالمثناة الفوقية أو التحتية، (كلمة أدخل فيها شيئًا) أنتقصه به (غير هذه الكلمة)، قيل: النقص أمر نسبي، فإن من يقطع بعدم غدره؛ أرفع درجة ممن يجوَّز ذلك، وقد كان ﵇ معروفًا عندهم بعدم الغدر، ولكن لما كان الأمر مغيبًا؛ أمن أبو سفيان أن يُنسَب في ذلك إلى الكذب، انتهى، و(غير) رفع صفة لـ (كلمة)، ويجوز فيها النصب؛ صفة لـ (شيئًا)، لكن الرواية على الأول.\n (قال) هرقل: (فهل قاتلتموه؟) إنَّما نَسب القتال إليهم ولم ينسبه له ﵇؛ لما علم أنَّه لا يبدأ قومه حتى يقاتلوه، قال أبو سفيان: (قلت: نعم) قاتلناه، (قال) هرقل: (فكيف كان قتالكم إياه؟) بفصل ثاني الضميرين، والاختيار ألا يجيء بالمنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل؛ وهو أفصح من (قتالكموه) باتصال الضمير، فلذا فصله؛ وهو الصواب، كذا قال الإمام بدر الدين العيني.\nقال أبو سفيان: (قلت) وفي رواية (قال): (الحرب بيننا وبينه سجال)؛ بكسر السين المهملة وبالجيم المخففة؛ أي: نُوَب، نوبة لنا ونوبة له؛ كما قال: (ينال منا وننال منه)؛ أي يصيب منا ونصيب منه، و(السجال)؛ بمعنى المساجلة: مرفوع خبر لـ (الحرب)، فما قاله ابن حجر غير وارد ومردود، والجملة: لا محل لها من الإعراب؛ لأنَّها مفسرة، وفي (الحرب بيننا وبينه سجال)؛ تشبيه بليغ.\n (قال) هرقل: (ما) وفي رواية: (بما) وفي أخرى: (فما) (ذا يأمركم؟)؛ أي: ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: (قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا)، وفي رواية: بحذف الواو؛ فيكون تأكيدًا لقوله وحده، والجملة من عطف الخاص على العام، (واتركوا ما يقول آباؤكم) من عبادة الأصنام، (ويأمرنا بالصلاة) المعهودة، وفي رواية بزيادة: (والزكاة)، (والصدق)؛ القول المطابق للواقع، وفي رواية: (بالصدقة)، (والعفاف)؛ بفتح العين: الكف عن المحارم، (والصلة) للأرحام، (فقال) هرقل (للترجمان: قل له)؛ أي: لأبي سفيان: (سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو) صاحب (نسب) عظيم؛ (فكذلك)، وفي رواية: بالواو (الرسل تبعث في نسب قومها)؛ لما علمه في الكتب.\n (وسألتك هل قال أحد) وفي رواية: بإسقاط (هل) (منكم هذا القول) وفي رواية: (قبله)، (فذكرت أن لا، فقلت) في نفسي: (لوكان أحد قال هذا القول لقلت: رجل يأتسي)؛ بهمزة ساكنة، بعدها مثناة فوقية مفتوحة، وسين مهملة مكسورة؛ أي: يقتدي (بقول قيل قبله)، وفي رواية: (يتأسى) بتقديم المثناة الفوقية على الهمزة المفتوحة وفتح السين المشددة.\n (وسألتك هل كان من آبائه مِن مَلك؟) وفي رواية: بفتح الميمين (فذكرت: أن لا، قلت) في نفسي، وفي رواية: (فقلت): (فلو) وفي رواية: (لو) (كان من آبائه من ملك؛ قلت: رجل يطلب ملك أبيه) بالإفراد، وإنما قال: (لأبيه) ولم يقل: (لآبائه)؛ بالجمع؛ لأنَّه يكون أعذر في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: (ملك آبائه).\nقال هرقل لأبي سفيان: (وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر) اللام جحودية؛ أي: لم يكن ليدع (الكذب على الناس) قبل النبوة، (ويكذب) بالنصب (على الله) بعد إظهارها، (وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه؛ وهم أتباع الرسل) غالبًا؛ كما مر.\nقال هرقل لأبي سفيان: (وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون؛ وكذلك أمر الإيمان)؛ فإنَّه يزيد (حتى يتم) وحيه؛ ولهذا آخر النزول كان قوله: ﴿اليوم أكملت﴾ الآية [المائدة: ٣]، (وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين) بالنون، وفي رواية: (حتى) بالمثناة الفوقية، (تخالط) بالمثناة الفوقية، (بَشَاشَتُه)؛","vol":"1","page":4},{"text":"بفتح الموحدة، والشين المعجمتين، وضم التاء (القلوبَ): بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (يخالط) بالمثناة تحت (بشاشةَ) بالنصب مفعول، و(القلوبِ): بالجرِّ على الإضافة، والمراد بـ (بشاشة القلوب): انشراح الصدور.\n (وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر)؛ لأنَّها تطلب الآخرة، (وسألتك بما يأمركم؟) بإثبات الألف مع (ما) الاستفهامية، (فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان)؛ جمع (وثن) بالمثلثة؛ وهو الصنم، (ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف)؛ أي: بأداء الصلاة المعهودة، وعدم الكذب، وأن تكفُّوا عن المحارم، قال هرقل لأبي سفيان: (فإن كان ما تقول حقًّا)؛ لأنَّه خبر محتمل للصدق والكذب؛ (فسيملك) أي: النبي ﵇ (موضع قدمي هاتين) أرض بيت المقدس، (وقد كنت أعلم أنه) أي: النبي ﵇ (خارج)، وفي رواية: (فإن كان ما تقول حقًّا؛ فإنه نبي)، وفي رواية: (هذه صفة نبي)، وإنما علم ذلك هرقل؛ لأنَّ النبي منعوت في كتبهم، (لم) وفي رواية: (ولم) (أكن أظن أنَّه منكم) أي: من قريش، (فلو أنَّي أعلم أني) وفي رواية: (أنني) (أخلُص)؛ بضم اللام؛ أي: أصل (إليه؛ لتجشمت)؛ بالجيم والشين المعجمتين؛ أي: لتكلفت (لقاءه) على ما فيه من المشقة، والمراد بالتجشم: الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كل مسلم، وفي رواية: (قال هرقل: ويحك! والله إنِّي لأعلم أنَّه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته)، (ولو كنت عنده) أي: النبي ﵇؛ (لغسلت عن قدميه)، وفي رواية: بإسقاط لفظ (عن)، وفي رواية: (لو علمت أنه هو؛ لمشيت إليه، حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه، ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة)، وفي رواية: (قدمه) بالإفراد، والمراد: المبالغة في الخدمة.\n (ثم دعا) هرقل (بكتاب رسول الله ﷺ)؛ أي: ثم دعا من أتى بكتابه ﵇، وجاز زيادة الباء؛ أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، وما قاله ابن حجر؛ ففيه نظر، (الذي بعث به دَِحيةُ)؛ بكسر الدال وفتحها ورفع التاء على الفاعلية: ابن خليفة الكلبي، وفي رواية: (مع دحية)، وهو مدفون في سطح المزة؛ قرية قرب دمشق، وكان البعث في آخر سنة ست بعد الرجوع من الحديبية، (إلى عظيم) أهل (بُصرى)؛ بضم الموحدة مقصورًا: مدينة حوران؛ أي: أميرها الحارث بن أبي شمر الغساني، (فدفعه إلى هرقل)، فيه مجاز؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عدي بن حاتم، وكان وصوله إليه في سنة سبع، (فقرأه) هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره؛ وهو الثابت عند الواقدي، (فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم) وتقديم سليمان اسمه على البسملة؛ حكاية الحال، أو خاف منها أن تسب فقدَّم اسمه فإذا سبَّت يقع على اسمه، وفيه دليل على استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا؛ كذا قيل، وقال بعض الفضلاء: إن السنة تصدير الاسم فيقول: من فلان إلى فلان؛ وهو قول الجمهور، مستدلين بما في «أبي داود» عن العلاء وكان عامل النبي على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه؛ فليحفظ.\n (من محمد عبد الله ورسوله)، وفي رواية: (من محمد بن عبد الله ورسول الله)، وإنما وصف نفسه بالعبودية؛ تعريضًا لبطلان قولهم في المسيح: إنه ابن الله؛ لأنَّ الرسل على السواء في أنهم عباده تعالى (إلى هرقل عظيم) أهل (الروم)؛ أي: المعظم عندهم، ويجوز في (عظيم) الجر بدل من سابقه، والرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، وإنما لم يصفه بالإمرة أو الملك؛ لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وذكر المدائني: أن القارئ لما قرأ: (من محمد رسول الله)؛ غضب أخو هرقل فاجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ فقال: لأنَّه بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، قال: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله؛ إنَّه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم واللهُ مالكي ومالكه، (سلامٌ) بالتنكير، وفي رواية بالتعريف، (على من اتبع الهدى)؛ أي: الرشاد، ومعناه: سلم من عذاب الله من أسلم، فليس المراد به التحية وإن كان اللفظ يشعر به، (أما بعدُ): بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة المنوية لفظًا، ويؤتى بها للفصل بين الكلامين، واختلف في أول من تكلم بها؛ فقيل: داود، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب، وقيل: يعقوب، والأرجح: أنه يعرب أو يعقوب، والأقوال كثيرة؛ (فإني أدعوك بدِعاية الإسلام)؛ بكسر الدال المهملة، وفي رواية: بداعية الإسلام؛ أي: بالكلمة الداعية إليه؛ وهي الشهادة والباء بمعنى (إلى)، (أسلِمْ)؛ بكسر اللام؛ (تسلَمْ) بفتحها (يؤتك الله أجرك مرتين) بالجزم في الأول على الأمر، وفي الثاني جواب له، والثالث بحذف حرف العلة جواب ثان له أيضًا، أو بدل منه، وإعطاء الأجر مرتين؛ لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد ﵇، وفي رواية: (أسلم؛ تسلم، أسلم؛ يؤتك) بتكرار (أسلم) مع زيادة الواو، (فإن توليت)؛ أي: أعرضت عن الإسلام؛ (فإن عليك) مع إثمك (إثم اليَرِيْسِين)؛ بمثناتين تحتيتين؛ الأولى مفتوحة والثانية ساكنة بينهما راء مكسورة، ثم سين مكسورة، ثم مثناة تحتية ساكنة، ثم نون: جمع (يريس)، على وزن (كريم)، وفي رواية: (الأريسين) بقلب المثناة الأولى همزة، وفي أخرى: (اليريسيِّين) بتشديد الياء بعد السين جمع (يريسي)، وفي رواية: (الأريسيِّين)؛ بتشديد الياء بعد السين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوله موضع الياء، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ فمعناه: أنَّ وزر الإثم لا يتحمله غيره والفاعل يتحمل من جهتين؛ جهة فعله وجهة تسببه، والأريسيون: الأكارون؛ أي: الفلاحون، والمراد بهم هنا: أهل مملكته الشامل للفلاحين وغيرهم على الأظهر، وفيه أقوال، وكلها بعيدة؛ فليحفظ، وفي قوله: (فإن توليت) استعارة تبعية.\n (و﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ﴾) وفي رواية: بإسقاط الواو، والمراد: أهل الكتابين، والظاهر أنه ﵇ أراد مخاطبتهم بذلك ولم يرد التلاوة؛ فهو من باب الالتفات؛ فافهم، (﴿تَعَالَوْا﴾) بفتح اللام (﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾)؛ أي: مستوية (﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾) لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل؛ وهي (﴿ألَّا نَعْبُدَ إلَّا اللهَ﴾)؛ أي: نوحده بالعبادة، (﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾)؛ أي: لا نجعل له شريكًا كما جعلتم، (﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾) فلا نقول: المسيح ابن الله، ولا: العزير ابن الله، ولا نطيع الأحبار، وروي: لمَّا نزلت: ﴿اتَّخَذُواأَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١]، قال عدي بن حاتم: ماكنا نعبدهم يارسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون، فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم، قال: هو ذاك، (﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾) عن التوحيد (﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾) [آل عمران: ٦٤]؛ أي: لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون.\nوكتب ذلك ﵇ قبل نزول الآية؛ فوافق لفظه لفظها، ونزلت في وفد نجران سنة الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان سنة ست، وقيل: نزلت في اليهود، وقيل: نزلت مرتين، وقيل: إنَّ هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب؛ تعظيمًا، وإنهم يتوارثونه، وقيل: إن ملكهم زمن المنصور قلاوون أخرج لسيف الدين قلج صندوقًا مصفحًا بالذهب فيه الكتاب، فقال: هذا كتاب نبيكم الذي أرسله إلى جدي قيصر، وأوصانا آباؤنا: أنه مادام عندنا؛ لا يزال الملك فينا.\nوفي سنة ست وسبعين ومئتين وألف وجد أحد الفرنج كتابًا في أرض مصر، وذهب به إلى الفرنج، فقالوا: إنه كتاب محمد إلى المقوقس، فاشتروه منه بستين ألف قرش، وأهدوه إلى الملك الأعظم؛ السلطان عبد المجيد خان-نصره الله تعالى- العثماني، فتبارك فيه وعظمه، وجمع العلماء لقراءته، فما (^١) أحد عرف قراءته؛ لأنَّه مكتوب بالكوفي، فرسم صفته وأرسله إلى والي ديارنا الشريفة الشامية، فأرسل الوالي إلى شيخ الحرم الأموي، وطلب منه مصحف عثمان ﵁، وأمر بعض عماله على ترجمته بالعربي، وأرسله إلى السلطان، والله تعالى أعلم.\n (قال أبو سفيان: فلما قال) هرقل (ما قال)؛ أي: الذي قاله من السؤال والجواب، (وفرغ من قراءة الكتاب) النبوي؛ (كثر عنده الصَّخَب)؛ بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحتين؛ أي: اللغط، (وارتفعت الأصوات) المختلفة؛ وهذا معنى اللغط، (وأُخرِجنا)؛ بضم الهمزة وكسر الراء؛ أي: أمر بإخراجنا، (فقلت لأصحابي حين أخرجنا): وفي رواية: (حين خلوت بهم): والله (لقد أَمِرَ)؛ بفتح أوله مقصورًا وكسر ثانيه؛ أي: عظم (أمْر ابن أبي كَبْشة) بسكون الميم؛ أي: شأنه، و(كَبْشة)؛ بفتح الكاف وسكون الموحدة، اسم مرتجل، وأراد بذلك: النبي ﵇؛ لأنَّها كنية أبيه من الرضاعة؛ الحارث بن عبد العزى، وكانت له بنت تسمى كبشة، فكُنِّي بها، قيل: إنه أسلم، أو هو والد حليمة مرضعته، أو نسبه إلى جدِّ جدِّه وهب؛ لأنَّ أمه آمنة بنت وهب، وأم جد وهب: قيلة بنت أبي كبشة، والظاهر الأول؛ (أنه يخافه)؛ بفتح الهمزة: مفعول لأجله، وقيل: بكسر الهمزة على الاستئناف، والمعنى: عظم أمره ﵇ لأجل أنه يخافه (ملك بني الأصفر)؛ وهم الروم؛ لأنَّ جدهم روم بن عيص بن إسحاق تزوج بنت ملك الحبشة؛ فجاء ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، قال أبو سفيان: (فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام) فأبرزت ذلك اليقين.\n (وكان ابن الناطور) بالمهملة؛ أي: حافظ البستان، وفي رواية: بالمعجمة، وفي رواية: بزيادة ألف آخره، والواو عاطفة، والقصة الآتية موصولة إلى ابن الناطور مروية عن الزهري، كذا قيل، وقوله: (صاحبَ) منصوب (إيلِياء)؛ بكسر الهمزة واللام، بينهما مثناة تحتية مع المد؛ وهي بيت المقدس؛ أي أميرها، ونصبه؛ إما على الاختصاص في رواية، أو على الحال، وفي رواية: أنَّه مرفوع صفة لابن الناطور؛ لأنَّ الإضافة معنوية؛ كذا قاله الإمام شهاب الدين الكرماني، واستظهره البرماوي، (وهرقلَ) بفتح اللام مجرور عطفًا على (إيلياء)؛ أي: صاحب هرقل أيضًا، وأطلق عليه الصحبة؛ إما بمعنى الاستقلال بالرأي، أو بمعنى التبع أو الصداقة، والظاهر الأول، (أُسقف)؛ بضم الهمزة: مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: (أُسْقُفًا) بضم الهمزة، وسكون السين، وضم القاف، وتخفيف الفاء، وفي رواية: (أسقفًّا) بتشديد الفاء، وفيه روايات؛ أي: مقدمًا (على نصارى الشام)؛ لكونه رئيس دينهم، أو ملكهم، أو قيم شريعتهم؛ وهو البترك الكبير المسمى بالباب؛ بفتح الموحدتين بينهما ألف، وما قيل؛ فهو بعيد، (يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء) وغلبة جنوده جنود فارس وإخراجهم في سنة عمرته ﵇ الحديبية؛ (أصبح خبيث النفس)؛ مما حل به من الهم، وفي رواية: (أصبح يومًا خبيث النفس)، (فقال) له (بعض بَطارقته)؛ بفتح الموحدة: جمع بطريق، بكسرها؛ وهو العالم بدينهم: (قد استنكرنا هيئتك)؛ لمخالفتها عادتك، (قال ابن الناطور): بالمهملة وفي رواية بالمعجمة (وكان هرقل) عالمًا وكان (حَزَّاءً)؛ بالمهملة وتشديد الزاي، آخره همزة منونة، منصوب؛ لأنَّه خبر (كان)؛ أي: كاهنًا (ينظر في النجوم) خبر ثان لـ (كان)؛ إن قلنا: إنه ينظر في الأمرين، أو تفسير لـ (حزاء)؛ لأنَّ الكهانة تؤخذ تارة من ألفاظ الشياطين وتارة من أحكام النجوم،\n_________\n(^١) في الأصل: (فلم).","vol":"1","page":5},{"text":"فكان هرقل يعلم حساب النجوم أن المولد بقِرَانِ العلويين ببرج العقرب؛ وهما يقترنان في كل عشرين سنة مرة إلى أن تستوفي الثلاثة بروجها في ستين سنة، وكان ابتداء العشرين الأول للمولد، وعند تمام العشرين الثانية مجيء جبريل، وعند الثالثة فتح خيبر، وليس المراد بهذا تقوية قول الحساب؛ بل البشارة به ﵇، والجملة اعتراضية.\n (فقال) هرقل (لهم)؛ أي: لبعض البطارقة (حين سألوه: إنِّي رأيت الليلة حين نظرت في النجوم مَلِك الختان)؛ بفتح الميم وكسر اللام، وفي رواية: بالضم ثم الإسكان (قد ظهر)؛ أي: غلب؛ لأنَّ في تلك الأيام كان ابتداء ظهوره؛ لأنَّه صالح الكفار بالحديبية ﵇، وأنزل الله سورة الفتح، (فمن) استفهامية (يختن من هذه الأمة؟)؛ أي: من أهل هذه الملل، وفي رواية: (الأمم) (قالوا: ليس يختن إلا اليهود)؛ لأنَّهم كانوا بإيلِياء (فلا يُهمنَّك) بضم المثناة تحت: من (أهم)؛ أي: لا يقلقنك (شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك) بالهمز وقد يترك؛ (فيقتلوا من فيهم من اليهود)، وفي رواية: (فليقتلوا)؛ باللام.\n (فبينما هم) بالميم، وأصله (بين)، فأشبعت الفتحة فصار (بينا)، فزيدت الميم، وفي رواية: بغير ميم، ومعناهما واحد، و(هم)؛ مبتدأ خبره (على أمرهم) مشورتهم (أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسَّان)؛ بالغين المعجمة والسين المهملة المشددة، واسم الملك الحارث ابن أبي شمر، و(غسان) اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد؛ فنسبوا إليه، ولم يسم الرجل ولا من أرسل به (يخبره عن خبر رسول الله ﷺ)، فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فقد اتبعه ناس وصدقوه وخالفه ناس؛ فكانت بينهم ملاحم في مواطن وتركتهم وهم على ذلك، (فلما استخبره هرقل) وأخبره؛ (قال) لجماعته: (اذهبوا فانظروا) إلى الرجل (أمختَتِن هو) بهمزة الاستفهام وفتح المثناة الفوقية الأولى وكسر الثانية (أم لا؟ فنظروا إليه)، وفي رواية: (فجردوه؛ فإذا هو مختتن)، (فحدثوه) أي: هرقل (أنه مختَتِن)؛ بفتح الفوقية الأولى وكسر الثانية، (وسأله عن العرب)؛ هل يختتنون؟ (فقال)؛ أي: الرجل: (هم يختتنون)، وفي رواية: (مختتنون)، والأول أشمل؛ كما قاله الإمامان العيني والعسقلاني، (فقال هرقل: هذا) الذي نظرته في النجوم (مُلْك هذه الأمة)؛ أي: العرب (قد ظهر) بضم الميم وسكون اللام، وفي رواية: بالفتح ثم الكسر، واسم الإشارة للنبي ﵇؛ وهو مبتدأ خبره (ملك)، و(قد ظهر) حال، وفي رواية: (وحده يملك) وتمامه في «شرح الإمام بدر الدين العيني».\n (ثم كتب هرقل إلى صاحب له) يسمى ضغاطر الأسقف (بروميَة) بالتخفيف، وفي رواية: (بالرومية)؛ وهي مدينة رئاسة الروم، قيل: إن دور سورها أربعة وعشرون ميلًا، (وكان نظيره)، وفي رواية: (وكان هرقل نظيره) (في العلم) الشامل للنجوم والكتب، لكن الأول أظهر.\n (وسار هرقل إلى حمص) مجرور بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث؛ وهي دار ملكه بالشام، وبها دفن خالد بن الوليد ﵁، (فلم يَرِم) هرقل؛ بفتح المثناة تحت وكسر الراء (حمص)؛ أي: لم يصل إليها، والظاهر أن يقال: وأراد هرقل المسير إلى حمص ولم يبرح (حتى أتاه كتاب من صاحبه) ضغاطر (يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ) أي: ظهوره (وأَنه نبي) بفتح الهمزة، وهذا يدل على أنَّ هرقل وصاحبه أقرَّا بنبوته، لكن هرقل لم يستمر على ذلك، بل رغب في الرئاسة، فأعرض عن الإسلام، وأما صاحبه؛ فأظهر الإسلام ودعاهم إليه فقتلوه.\n (فأذن) بالقصر؛ من الإذن، وفي رواية: (فآذن) بالمد؛ أي: أعلم (هرقل لعظماء الروم) جمع عظيم (في دَسْكَرَة)؛ بمهملتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، وفتح الكاف والراء، كائنة (له بحمص)؛ أي: فيها، والدسكرة: القصر حوله بيوت، (ثم أمر بأبوابها)؛ أي: الدسكرة (فغلِّقت) بتشديد اللام، وكان دخلها ثم أغلقها، وفتح أبواب البيوت التي حولها، وأذن للروم في دخولها، ثم أغلقها عليهم، (ثم اطلع) عليهم من مكانه العالي؛ خوفًا منهم أن يقتلوه فخاطبهم (فقال: يامعشر الروم؛ هل لكم) رغبة (في الفلاح والرَُّشَد)؛ بضم الراء ثم السكون أو بفتحتين: خلاف الغي، (وأن يثبت)؛ بفتح الهمزة: مصدرية (ملككم، فتُبَايعوا)؛ بمثناة فوقية مضمومة، ثم موحدة، بعدها ألف ومثناة تحتية: منصوب بحذف النون بـ (أن) مقدرة في جواب الاستفهام، وفي رواية: (فبايعوا) بإسقاط المثناة قبل الموحدة، وفي رواية: (نبايع) بنون الجمع ثم موحدة، وفي أخرى: (نتابع) بنون الجمع أيضًا، ثم مثناة فوقية، فألف، فموحدة، وفي رواية: (فتتابعوا) بمثناتين فوقيتين، وبعد الألف موحدة، وفي رواية: (فنتبع) (هذا النبي) وفي رواية: باللام، وفي أخرى: (ﷺ)، وإنما قال هذا؛ لما علم من الكتب: أن التمادي على الكفر سبب لذهاب الملك.\n (فحاصوا) بمهملتين؛ أي: نفروا (حيصة حمر الوحش)؛ أي: كحيصتها (إلى الأبواب) المعهودة، (فوجدوها قد غُلِّقت)؛ بضم الغين المعجمة وكسر اللام مشددة، وإنما شبه نفرتهم بنفرة حمر الوحش؛ لأنَّها أشد نفرة من سائر الحيوانات، وقول ابن حجر: (شبههم بالحمر لمناسبة الجهل)؛ فيه نظر ظاهر لا يخفى على من له أدنى نظر في علمي المعاني والبيان، (فلما رأى هرقل نفرتهم) وأنهم ربما قتلوه، (وأيس)؛ بهمزة ثم مثناة تحتية، جملة حالية بتقدير: قد، وفي رواية: بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنًى، والأول مقلوب من الثاني؛ أي: قنط (من الإيمان)؛ أي: من إيمانهم ومن إيمانه أيضًا؛ لكونه شح بملكه؛ (قال) هرقل لخدامه: (ردوهم عليَّ) بفتح المثناة تحت؛ أي: إلى محل الخطاب (وقال) لهم: (إنِّي قلت مقالتي آنفًا) بالمد مع كسر النون، وقد تقصر منصوب على الظرفية لا على الحال؛ كما توهم (أختبر)؛ أي: أمتحن (بها) الجملة حال (شدتكم)؛ أي: رسوخكم (على دينكم) إنَّما أضاف الدين إليهم؛ إشارة إلى أن له خاطرًا في الدخول في الإسلام ومنعه حب الرئاسة، (فقد رأيت) أي: شدتكم، فحذف المفعول؛ للعلم به، وفي رواية: (فقد رأيت منكم الذي أحببت)، (فسجدوا له)؛ حقيقة على عادتهم لملوكهم أو قبَّلوا الأرض بين يديه، (ورضوا عنه) بأن سكنت نفرتهم، (فكان ذلك آخرَ) بالنصب خبر (كان) (شأن هرقل) فيما يتعلق بهذه القصة أو فيما يتعلق في أمر الإيمان، فإنه قد وقعت له أمور من تجهيز الجيش إلى مؤتة سنة ثمان، وتبوك، ومحاربته للمسلمين؛ وهذا يدل على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي؛ مراعاة لمملكته وخوفًا من أن يقتلوه؛ كما قتلوا ضغاطر، لكن في «مسند أحمد»: أنه كتب من تبوك إلى النبي ﵇: أنَّي مسلم، قال النبي ﵇: «كذب؛ بل هو على نصرانيته..» الحديث، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٤].\n (رواه)؛ أي: حديث هرقل، وفي رواية بالواو، وفي رواية: (قال محمد -أي: البخاري- رواه) (صالح بن كَيسان)؛ بفتح الكاف: أبو محمد أو أبو الحارث الغِفَاري؛ بكسر الغين المعجمة مخفف الفاء، المدني، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة، عن مئة ونيف وستين سنة؛ كذا قيل، (و) رواه أيضًا (يونس) بن يزيد الأيلي (و) رواه (مَعمَر)؛ بفتح الميمين بينهما عين ساكنة: ابن راشد؛ الثلاثة عن الزهري، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.\n\nومناسبة الحديث هنا من حيث أوصاف من يوحى إليه، ومن قصة هرقل؛ لتضمنها حال النبي ﵇ في ابتداء الأمر، ولا يخفى مناسبة القصة؛ لما يذكره من<span data-type=\"title\" id=toc-17> كتاب الإيمان</span>؛ وهو أول فرض على المكلف، فقال:\n <span id=\"b-١٧\"> </span>«٢» [كتاب الإيمان]\n (بسم الله الرحمن الرحيم)\nواختلفت الروايات في تقديمها هنا على (كتاب) أو تأخيرها عنه ولكل وجه.\n (كتاب الإيمان) وإنما لم يقل في الأول: (كتاب بدء الوحي)؛ لأنَّه كالمقدمة، فـ (الكتاب) مصدر بمعنى: الكتب؛ وهو الجمع والضم، فاستعمل جامعًا للأبواب والفصول، وجمعه (كُتُب) بضمتين، و(كُتْب)؛ بسكون المثناة الفوقية، والضمُّ فيه بالنسبة إلى الحروف المكتوبة حقيقة، وبالنسبة إلى المعاني المرادة منها مجاز (^١)، وسميت الكتابة كتابة؛ لأنها جمع الحروف والكلمات.\nو(الإيمان) بكسر الهمزة لغةً: التصديق؛ أي: إذعان حكم المخبِر، وقبوله، وجعله صادقًا؛ (إفعال) من الأمن؛ فإن حقيقة (آمن به)؛ آمنه من التكذيب والمخالفة، وتعدَّى بـ (اللام) في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: بمصدق، وبـ (الباء) كما في قوله ﵇: «الإيمان أن تؤمن بالله...» الحديث؛ أي: تصدق، وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر عن غير إذعان وقبول؛ بل هو إذعان وقبول لذلك؛ بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرح به الغزالي، كذا قرره العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني.\n\n <span id=\"b-١٨\"> </span>(١) [بابُ الإِيمَانِ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»]\nهذا (باب قول النبي) الأعظم (ﷺ) في الحديث الآتي موصولًا: (بني الإسلام على خمس) وفي رواية: بإسقاط لفظ (باب)، وفي رواية: (باب الإيمان وقول النبي...) إلى آخره.\nو(الإسلام) لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق إلَّا بقبول الأحكام والإذعان؛ وذلك حقيقة التصديق، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فهما متحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم؛ فمفهوم الإيمان تصديق القلب، ومفهوم الإسلام إعمال الجوارح، وبالجملة: لا يصح أن يحكم على أحد أنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن؛ وهذا معنى الوحدة.\nفإن قيل: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] صريح في تحقق الإسلام بدون الإيمان.\nقلنا: المراد أن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى الانقياد في الظاهر من غير انقياد الباطن بمنزلة المتلفظ بالشهادة من غير تصديق في باب الإيمان؛ فافهم.\n (وهو)؛ أي: الإيمان عند المؤلف ومالك والثوري: (قول) باللسان؛ وهو النطق بالشهادتين (وفعل) وفي رواية: (وعمل) بدل (فعل)؛ وهو أعم من عمل القلب والجوارح؛ لتدخل الاعتقادات والعبادات؛ فهو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، والمراد أنَّ الأعمال شرط لكماله، وقالت الأئمة الماتريدية: الإيمان في الشرع هو التصديق بما جاء [به] النبي الأعظم ﵇ من عند الله تعالى والإقرار به؛ أي: بما جاء من عند الله باللسان، إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلًا، والإقرار قد يحتمله؛ كما في حالة الإكراه.\nفإن قيل: قد لا يبقى التصديق كما في حالة النوم والغفلة.\nقلنا: التصديق باق في القلب، والذهول إنَّما هو عن حصوله، ولو سلم، فالشارع جعل المحقق الذي لم يطرأ عليه ما يضاده في حكم الباقي، حتى كان المؤمن اسمًا لمن آمن في الحال أو المضي ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب، وهذا مذهب بعض العلماء منهم، وهو اختيار الإمامين فخر الإسلام وشمس الأئمة.\nوذهب جمهور المحققين منهم إلى أنَّه هو\n_________\n(^١) في الأصل: (مجازًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":5},{"text":"التصديق بالقلب، وإنَّما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا؛ لما أنَّ تصديق القلب أمر باطن لا بدَّ له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقرَّ بلسانه؛ فهو مؤمن عند الله وإن لم يكن مؤمنًا في أحكام الدنيا، ومن أقرَّ بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق؛ فبالعكس، وهذا اختيار الشيخ الإمام أبي منصور رضي الله تعالى عنه، والنصوص معاضدة لذلك؛ منها: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وتمامه في محله، وبهذا علم أن الإنسان إما مؤمن أو كافر، ولا واسطة بينهما عند أهل السنة، وأثبت المعتزلة واسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، والصحيح: أن المعتزلة فسقة؛ لأنَّهم على التوحيد، وبدعهم غير مكفرة بل مفسقة؛ فليحفظ.\nوإذا وجد من العبد التصديق والإقرار؛ صح أن يقول: أنا مؤمن حقًّا؛ لتحقق الإيمان، ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه إن كان للشك؛ فهو كافر لا محالة، وإن كان للتأدب، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الحال والآن، أو التبرك بذكره تعالى؛ فلا يضر، لكن الأولى تركه؛ لاحتمال توهم الشك، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين؛ فليحفظ.\n (و) الإيمان (يزيد) بالطاعة (وينقص) بالمعصية، عند المؤلف، وهو مذهب محمد بن إدريس الشافعي وأحمد ابن حنبل وغيرهم، واستدل المؤلف لهذا بثمان آيات؛ وكلها محمولة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وهل هو مخلوق أم لا؟ قيل وقيل، والأحسن ما قاله الإمام أبو الليث السمرقندي الحنفي: إن الإيمان إقرار وهداية، فالإقرار صنع العبد؛ وهو مخلوق، والهداية صنع الرب؛ وهو غير مخلوق؛ فليحفظ.\n (قال) وفي رواية: (وقال) (الله تعالى) بالواو في سورة (الفتح)، وفي رواية: (﷿): (﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾) [الفتح: ٤]، وقال في (الكهف): (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾) [الكهف: ١٣]؛ بالتوفيق، وهذه الآية ساقطة في رواية، وفي (مريم): (٧٦) قوله: (﴿وَيَزِيدُ اللهُ﴾) وفي روايةبالواو، وفي أخرى: (وقال: ﴿ويزيد الله﴾) (﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾) بالتوفيق.\n (وقال) في القتال، وفي رواية: (وقوله)، وفي أخرى: بإسقاطهما والابتداء بقوله: (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾) بالتوفيق (﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾) [محمد: ١٧]؛ أي: بيَّن لهم ما يتقون، وقال في (المدثر): (﴿وَيَزْدَادَ﴾) وفي رواية: (وقوله: ﴿ويزداد﴾) (﴿الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾) [المدثر: ٣١]؛ بتصديقهم أصحاب النار المذكورين بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ ... الآية [المدثر: ٣١]، (وقوله) تعالى في (براءة): (﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾) أي: السورة (﴿إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾) [براءة: ١٢٤]؛ بالعلم الحاصل بتدبرها (وقوله جل ذكره) في آل عمران: (﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾) [آل عمران: ١٧٣]؛ لعدمِ التفاتِهم إلى من ثبَّطهم عن قتال المشركين، بل ثبت يقينهم بالله تعالى، (وقوله تعالى) في الأحزاب: (﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾)؛ أي: لما رأوا البلاء (﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾) بالله ورسوله (﴿وَتَسْلِيمًا﴾) [الأحزاب: ٢٢] لأوامره.\nفاستدل المؤلف ومن وافقه بهذه الآيات على أن الإيمان يزيد وينقص، وقال رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وإمام الأئمة المعظم أبو حنيفة، وأصحابه؛ الإمام أبو يوسف، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين: إنَّ حقيقة الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لما مر أنَّه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان؛ وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له حقيقة التصديق، فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي؛ فتصديقه باق على حاله لا تغير فيه أصلًا، وهذه الآيات السابقة التي ظاهرها يدل على زيادة الإيمان؛ محمولة على ما قاله إمامنا الإمام الأعظم: إنهم كانوا آمنوا بالجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص.\nوحاصله: أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به؛ وهذا لا يتصور في غير عصر النبي الأعظم ﵇، وبهذا قال جمهور المتكلمين وكذا المحققون، وقيل: المراد بالزيادة: ثمرته، وإشراق نوره، وضياؤه في القلب؛ فإنَّه يزيد بالأعمال وينقص بالمعاصي باعتبار جهات هي غير ذات التصديق؛ بل بسبب تفاوت الإيمان باعتبار تلك الجهات يتفاوت المؤمنون عندنا.\nولهذا قال إمامنا الإمام الأعظم: (إيماني كإيمان جبريل لا مثل إيمانه)؛ لأنَّ المثليَّة تقتضي المساواة في كل الصفات، والشبيه لا يقتضيه، فلا أحد يسوِّي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء من كل وجه بل يتفاوت، غير أن ذلك التفاوت هل هو بزيادة ونقص في نفس ذات التصديق، أو هو يتفاوت لا بزيادة ونقص في نفس الذات، بل بأمور زائدة عليها؟ فنحن معاشر الحنفية ومن وافقنا نمنع التفاوت في نفس ذات التصديق، ونقول: إنَّ ما يتخايل من أنَّ القطع يتفاوت قوة إنَّما هو راجع إلى ظهوره وانكشافه، فإذا ظهر القطع بحدوث العالم بعد ترتب مقدماته؛ كان الجزم الكائن فيه كالجزم في حكمنا: الواحد نصف الاثنين، وإنما تفاوتهما باعتبار أنه إذا لوحظ هذا خصوصًا مع عزوب النظر؛ فيخيل أن الجزم أولى وليس بقوي في ذاته، إنَّما هو أجلى عند العقل، فنحن معاشر الحنفية ومن وافقنا نمنع ثبوت ماهية المشكك، ونقول: إن الواقع على أشياء متفاوتة فيه، فيكون التفاوت عارضًا لها خارجًا عنها، لا ماهية لها ولا جزء ماهية؛ لامتناع اختلاف الماهية واختلاف جزئها، وحاصله: أن الخلاف باق، وقد قال بذلك جمهور المتكلمين وبعض الأشاعرة منهم؛ إمام الحرمين وغيره من المحققين، والله تعالى أعلم.\nثم استدل أيضًا بقوله: (والحب في الله) مبتدأ (والبغض في الله) عطف عليه وقوله: (من الإيمان) خبر، وهذا لفظ حديث رواه أبو داود من حديث أبي أمامة، فإن الحب والبغض يتفاوتان؛ باعتبار ما يعرض عليهما من الجهات الخارجة.\n (وكتب عمر بن عبد العزيز) بن مروان، الأموي، أحد الخلفاء الراشدين، المتوفى في خامس وعشرين رجب، سنة إحدى ومئة، قيل: بدير سمعان بحمص، وقيل: بدمشق في القنوات، (إلى عَدِي بن عَدِي)؛ بفتح العين وكسر الدال المهملتين فيهما: ابن عَمرة بفتح العين، الكندي، التابعي، المتوفى سنة عشرين ومئة: (إن للإيمان)؛ بكسر الهمزة (فرائضَ)؛ بالنصب اسم (إن) مؤخر؛ أي: أعمالًا مفروضة (وشرائع)؛ أي: عقائد (وحدودًا)؛ أي: منهيات، (وسننًا)؛ أي: مندوبات، وفي رواية: (إن الإيمان فرائضُ) بالرفع خبر (إن)، وما بعده معطوف عليه، وفي رواية: (فرائع)؛ بالفاء في أوله والعين المهملة في آخره؛ وهو بمعنى: فرائض؛ فافهم.\n (فمن استكملها)؛ أي: الفرائض وما معها؛ فقد (استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها؛ لم يستكمل الإيمان)؛ وهذا لا يدل على ما استدل له؛ بل فيه دلالة على عدم قبول الإيمان الزيادة والنقصان؛ لأنَّه جعل الإيمان غير الفرائض وما بعدها، فإن قوله: (إن للإيمان فرائض...) إلخ؛ مثل قولك: (إن لزيد عمامة وجبة وإنبازًا)، وجعل أيضًا الكمالَ كمالَ الإيمان لا للإيمان، والمعنى: من استكملها بأن أتى بها على وجهها؛ فقد استكمل الإيمان، بأن وجد حلاوته وأشرق نوره عليه، ومن لم يستكملها؛ لم يجد ذلك فصار كالشجرة بلا ثمر، وهذا آخر كلامه مشعر بذلك؛ فليحفظ.\n (فإن أعش) لم أذق الموت؛ (فسأبينها)؛ أي: أوضحها (لكم)، والمراد: تفاريعها لا أصولها؛ لأنَّها معلومة لهم إجمالًا، وأراد بيانها تفصيلًا (حتى تعملوا بها، وإن أمت؛ فما أنا على صحبتكم بحريص) وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنَّ الحاجة لم تتحقق، أو أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها، ولكنه استظهر في نصحهم، وعرفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنه سيذكرها لهم مفصلًا إذا تفرغ لهم، فقد كان مشغولًا بالأهم، وهذا من تعاليق المؤلف المجزومة؛ وهي محكوم بصحتها، ووصله أحمد وابن أبي شيبة في كتاب «الإيمان» لهما من طريق عيسى بن عاصم.\n (وقال إبراهيم) الخليل، وفي رواية: (ﷺ) وقد عاش مئة وخمسًا وسبعين سنة، أو مئتين، ودفن بحبرون؛ بالحاء المهملة؛ كذا قيل: (﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) [البقرة: ٢٦٠]؛ أي: يسكن قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب رؤيتها، أو المطلوب سكونه بحصول متمناه من المشاهدة المحصلة للعلم البديهي بعد العلم النظري، وهذا قطع منه بالقدرة على إحياء الموتى كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أجنة ذات ثمار وانهار جارية، فنازعته نفسه في رؤيتيها، فإنَّها لا تسكن وتطمئن، حتى يحصل مناها، وكذا شأنها في كل مطلوب لها مع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق؛ إذ الغرض ثبوته، فهذا لا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا أَخَّرَ هذه الآية عن الآيات السابقة؛ فليحفظ.\n (وقال مُعاذُ)؛ بضم الميم والذال المعجمة، وفي رواية: (وقال معاذ بن جبل)؛ هو ابن عمرو الخزرجي الأنصاري، المتوفى سنة ثمانية عشر للأسود بن هلال: (اجلس بنا) بهمزة وصل (نؤمنْ) بالجزم (ساعة)؛ أي: حصة من الزمان؛ أي: نتذاكر الخير، وأحكام الآخرة، وأمور الدين؛ فإن ذلك من الإيمان؛ أي: من فروعه ولا دلالة فيه على قبول الزيادة، كما لا يخفى؛ فليحفظ، وهذا التعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة كالأول للأسود بن هلال.\n (وقال ابن مسعود) عبد الله، وجده غافل؛ بالمعجمة والفاء: الهذلي؛ نسبة إلى جده هذيل بن مدركة، المتوفى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين: (اليقين الإيمان كله)؛ أي: التصديق القلبي هو نفس ذات الإيمان، وإنما أكده بـ (كل) الدالة على التبعيض؛ باعتبار فروع الإيمان، وهذا التعليق طرف من أثر رواه الطبراني، وتتمته: (والصبر نصف الإيمان)؛ أي: ثواب الصبر على المشقة يعدل ثواب نصف الثواب الحاصل من الإيمان، فلا دلالة فيه أيضًا على التجزئة؛ كما قيل؛ فليحفظ؛ فافهم.\n (وقال ابن عمر) عبد الله","vol":"1","page":6},{"text":"وجدُّه الخطاب، أحد العبادلة السابقة للإسلام مع أبيه، المتوفى سنة ثلاث وسبعين (لا يبلغ العبد)؛ بالتعريف، وفي رواية: بالتنكير (حقيقة التقوى) التي أعلاها امتثال الأوامر واجتناب النواهي كلها، وأدناها وقاية الشرك (حتى يدع ما حاك) بالمهملة والكاف المخففة؛ أي: اضطرب (في الصدر) ولم ينشرح له، وفي رواية: بتشديد الكاف بدون ألف (ما حك)، وفي نسخة بالألف والتشديد من المحاكاة، وقد روى مسلم معناه من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع الناس عليه»؛ أي: من الأذى لإخوانك المؤمنين؛ والمعنى: لا يبلغ العبد التقوى الحقيقية العليا حتى يترك جميع المنهيات، حتى ما أضمره واضطرب في صدره من الأذى لإخوانه المؤمنين، فلا دالة فيه على الزيادة والنقصان، كما لا يخفى.\n (وقال مجاهد) بن جَبْر بفتح الجيم وسكون الموحدة، غيرُ مصغَّر على المشهور، المخزومي مولى عبد الله بن السائب المخزومي، المتوفى سنة مئة وهو ساجد، في تفسير قوله تعالى: (﴿شَرَعَ لَكُم﴾) وفي رواية: (﴿مِّنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣])؛ أي: (أوصيناك يا محمد وإياه)؛ أي: نوحًا (دينًا واحدًا).\nإنما خص نوحًا ﵇؛ لما قيل: إنه الذي جاء بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأول من جاء بتحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، لا يقال: إن (إياه) تصحيف، وإن الصواب: وأنبياءه، وكيف يفرد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة؟ لأنا نقول: إن نوحًا أفرد في الآية، وبقية الأنبياء عطف عليه، وهم داخلون فيما وصى به نوحًا وكلهم مشتركون في ذلك، فذكر واحد يغني عن الكل، على أن نوحًا أقرب مذكور في الآية، فليس بتصحيف، وهذا التعليق أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره» عن شبابة.\n (وقال ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهمافي تفسير قوله تعالى: (﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سبيلًا)؛ أي: طريقًا واضحًا (وسنةٌ)، لفٌّ ونشر مشوَّش، يعني: أن معنى ﴿شرعة﴾: سنة، ومعنى ﴿منهاجًا﴾: سبيلًا، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في «تفسيره».\n\n <span id=\"b-١٩\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-19>[بابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ]</span>\nوفي رواية: (باب) بالتنوين: (دعاؤكم إيمانكم)، وفي رواية: (لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧])، ومعنى الدعاء في اللغة: الأمان؛ من الأمن، ضد الخوف، والمعنى: لا يعتد الله بكم لولا دعاؤكم معه آلهة؛ وهو خطاب لكفار قريش، وجواب لولا محذوف تقديره: لولا دعاؤكم لما خلقكم ولما اعتنى بشأنكم، فلا دلالة فيه على أن الإيمان عمل، وقيل: معناه الغوث، وقد دعا؛ أي: استغاث، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ فتأمل.\nوهذا التعليق وصله ابن جرير من قول ابن عباس.\n\n <span id=\"b-٢٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-20>[حديث: بني الإسلام على خمس]</span>\n٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبيد الله) بالتصغير، وفي رواية: (وحدثنا) محمد بن إسماعيل؛ يعني: البخاري، حدثنا عبيد الله (بن موسى) بن باذام بالموحدة، وبالذال المعجمة، آخره ميم، العَبْسي بفتح العين وتسكين الموحدة، وكان شيعيًّا؛ وهو مقبول الرواية في غير الداعي إلى بدعتهم، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين بالإسكندرية.\n (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (حنظلة بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن الجمحي المكي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، (عن عكرمة بن خالد) بن العاص، المخزومي، القرشي، المتوفى بمكة بعد عطاء؛ وهو توفي سنة أربع عشرة ومئة، (عن ابن عمر) عبد الله بن الخطابرضي الله عنهم، وكان واسع العلم، توفي سنة ثلاث وسبعين، (قال: قال رسول الله ﷺ: بني الإسلام) الذي تقدم أنَّه الانقياد (على خمس)؛ أي: خمس دعائم، وقيل: (على) بمعنى (من)؛ أي: بني الإسلام من خمس؛ فتأمل.\n (شهادة أن لا إله إلا الله) بخفض (شهادة) بدل من (خمس)، وكذا ما بعدها، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهي، والنصب بتقدير: أعني، و(لا) هي النافية للجنس، و(إله) اسمها مركب معها تركيب مزج كـ (أحد عشر)، وفتحته فتحة بناء، وعند الزجاج: فتحة إعراب؛ لأنَّه عنده منصوب بها لفظًا وخبرها محذوف اتفاقًا تقديره: موجود، و(إلا) حرف استثناء، والاسم الكريم مرفوع على البدلية من الضمير المستكن في الخبر، وقيل: مرفوع على الخبرية لقوله: (لا)، وعليه جماعة، وهذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة على الموصوف، لا العكس؛ لأنَّ (إله) في معنى الوصف.\nوإنما قدم النفي على الإثبات فقيل: لا إله، ولم يقل: الله لا إله إلا هو، بتقديم الإثبات على النفي؛ لأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إله غيره؛ فقد فرَّغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله بالجوارح الظاهرة والباطنة.\n (و) شهادة (أن محمدًا رسول الله) وإنما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المراد بـ (الشهادة): تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من الاعتقادات، (وإقام الصلاة)؛ أي: الإتيان بها على وجهها المعلوم عند الفقهاء، (وإيتاء الزكاة)؛ أي: إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على الوجه المخصوص؛ كما يأتي، (والحج) إلى بيت الله الحرام، (وصوم) شهر (رمضان).\nوإنما لم يذكر الجهاد؛ لأنَّه فرض كفاية، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، ووجه الحصر في الخمسة؛ أن العبادة: إما قوليَّة أو غيرها، الأولى الشهادتان، والثانية: إما تَركيَّة أو فعليَّة، الأولى الصوم، والثانية إما بدنيَّة أو ماليَّة، الأولى الصلاة، والثانية الزكاة، أو مركَّبة منهما؛ وهي الحج، وفي رواية تأخير الحج عن صوم رمضان، وفي قوله: (بني... إلى آخره)؛ استعارة تبعية وبالكناية وتمثيلية، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٢١\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-21>[باب أمور الإيمان]</span>\nهذا (باب أمور الإيمان) الإضافة بمعنى اللام؛ أي: باب الأمور الثابتة للإيمان في تحقيق ثمراته وضيائه، وقيل: إن الإضافة بيانية بناء على أن الأعمال هي الإيمان، وفي رواية: (أمر الإيمان) بالإفراد على إرادة الجنس، (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على (أمور)، وفي رواية: (﷿): (﴿لَيْسَ البِرَّ﴾) الفعل الخير (﴿أَن تُوَلُّوا﴾) الخطاب لليهود والنصارى في دعوى القبلة، (﴿وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ﴾) قبلة النصارى (﴿وَالْمَغْرِبِ﴾) قبلة اليهود؛ أي: ليس البر مقصورًا على أمر القبلة، أو ليس البر ما أنتم عليه؛ فإنه منسوخ (﴿وَلَكِنَّ البِرَّ﴾) الذي يهتم به (﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾) القرآن أو أعم (﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾) تعالى أو حب المال (﴿ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾) المحاويج منهم، ولم يقيده؛ لعدم الإلباس، (﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾) جمع: مسكين؛ مَن لا شيء له، لقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: صاحب تراب، (﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾) المسافر، وقيل: الضيف، (﴿وَالسَّائِلِينَ﴾)؛ أي: الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال (﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾)؛ أي: تخليصها بمعاونة المكاتبين، أو فك الأسارى، أو ابتياع الرقاق لعتقها، (﴿وَأَقَامَ [الصَّلاةَ] وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) المفروضتين؛ أي: أداها في مصارفها، (﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾) عطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾، (﴿وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاء﴾) الفقر (﴿وَالضَّرَّاءِ﴾) نصب على المدح ولم يعطف؛ لفضل الصبر: المرض، هذا هو المشهور؛ فليحفظ، (﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾) وقت الجهاد (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾) في الدين وطلب البر (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]) عن الكفر وسائر الرذائل، وفي رواية بإسقاط قوله ﴿ولكن البر...﴾ إلى آخر الآية، وفي رواية بإسقاط: ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.\nوهذه الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، فمن عمل بها؛ فقد تحققت ثمرات الإيمان عنده، وأشرق نوره وضياؤه، وفي حديث أبي ذر عند عبد الرزاق: أنَّه ﵇ سئل عن الإيمان فتلا عليه هذه الآيات، ولم يذكره المؤلف؛ لأنَّه ليس على شرطه.\nوقال الله ﷿: (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾)؛ أي: فاز (﴿المُؤْمِنُونَ﴾ ... الآية) [المؤمنون: ١] بإسقاط واو العطف؛ لعدم الإلباس، قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: (﴿هم المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧]) تقديره: هم الموصوفون بقوله: (﴿قد أفلح﴾)، وفي رواية الأصيلي: (وقد أفلح) بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكر: (وقوله: ﴿قد أفلح﴾)، قلت: وهذا يرد ما قاله ابن حجر في «فتحه»: من احتمال التفسير مع ما فيه من البعد، أفاده القسطلاني، ويجوز في قوله: (الآية)؛ النصب بتقدير: اقرأ، والرفع مبتدأ خبره محذوف.\n\n <span id=\"b-٢٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-22>[حديث: الإيمان بِضعٌ وستونَ شعبة]</span>\n٩ - وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) بن جعفر المُسْنَدي؛ بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح النون، سمي به؛ لأنَّه كان يطلب المسندات، أو لأنَّه؛ أول من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر، وفي رواية: (الجعفي) المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة، (قال: حدثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي؛ بفتح العين المهملة والقاف: نسبة إلى العقد؛ قوم من قيس؛ قبيلة من اليمن، أو بطن من الأزد، المتوفى سنة خمس ومئتين، (قال: حدثنا سليمان بن بلال) القرشي المدني، المتوفى سنة اثنين وسبعين ومئة، (عن عبد الله بن دينار) القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، (عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، المتوفى سنة إحدى ومئة، (عن أبي هريرة) ﵁ تصغير (هرة): عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المختلف في اسمه على أكثر من ثلاثين قولًا، المتوفى بالمدينة سنة تسع وخمسين، (عن النبي) الأعظم (صلى الله) تعالى (عليه وسلم): أنه (قال: الإيمان) بالرفع مبتدأ، وخبره (بضع)؛ بكسر الموحدة وقد تفتح.\nقال الفراء: هو خاص","vol":"1","page":6},{"text":"بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال: بضع ومئة ولا بضع وألف، انتهى، وفي «القاموس»: هو ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربع، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوز العشر؛ ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال ذلك، انتهى، ويكون مع المذكر بهاء، ومع المؤنث بغير هاء، فتقول: بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امراة، ولا تعكس، وفي رواية: (بضعة).\n (وستون شعبة) بتأنيث بضعة على تأويل الشعبة بالنوع؛ إذا فسرت الشعبة بالطائفة من الشيء، وقال الإمام شهاب الدين الكرماني: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجر: بل هي في بعضها، واعترضه الإمام بدر الدين العيني، ورجح قول الكرماني، وقال: إنه الصواب، ورجح القسطلاني قول ابن حجر؛ تعصبًا.\nوقد وقع عند مسلم عن عبد الله بن دينار: (بضع وستون أو بضع وسبعون) على الشك، وعند أصحاب «السنن»: (بضع وسبعون) من غير شك، وهل المراد حقيقة العدد أم المبالغة؟ قيل: الظاهر أنه معنى التكثير، ويكون ذكر البضع؛ للترقي؛ يعني: أن شعب الإيمان أعداد مبهمة ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التحديد؛ لم يبهم، وقيل: المراد حقيقة العدد، ويكون النص وقع أولًا على البضع والستين؛ لكونه الواقع، ثم تجددت العشرة الزائدة، فنص عليها؛ فتأمل.\n (والحياء) بالمد، وهو شرعًا: خلق يَبعث على اجتناب القبيح وفعل الحسن؛ وهو مبتدأ، خبره (شعبة)، وقوله: (من الإيمان) صفة لـ (شعبة)، وإنما خصه بالذكر؛ لأنَّه كالداعي إلى باقي الشعب؛ لأنَّه يبعث على الخوف من فضيحة الدنيا والآخرة، وانظر إلى قول الرسول الأعظم ﵇: «استحيوا من الله حق الحياء»، قالوا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء؛ أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحى من الله حق الحياء».\nلا يقال: إن الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا، إلا أن استعماله على وَفق الشرع؛ يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فمن ثَمَّ كان من الإيمان، وقد زاد مسلم على ما هنا: (فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، واستدل بهذا القائلون: بأن الإيمان فعل الطاعات بأسرها، والقائلون: بأنه مركب من التصديق، والإقرار، والعمل جميعًا.\nوأجيب بأن المراد شعب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان؛ فإن إماطة الأذى عن الطريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتى يكون فاقده غير مؤمن، فلا بد في الحديث من تقدير مضاف، فالمراد: ثمرات الإيمان؛ لأنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان؛ لما مر أن حقيقة الإيمان؛ هو التصديق، ولأنه قد ورد في الكتاب والسنة عطف الأعمال على الإيمان؛ كقوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: ١٠٧]) مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه.\nوورد أيضًا: جعل الإيمان شرط صحة الأعمال؛ كما في قوله تعالى: (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢]) مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشرط؛ لامتناع اشتراط الشيء بنفسه، وورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال؛ كما في قوله تعالى: (﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]) على ما مر؛ من أن العبد لا يخرج بالمعصية عن الإيمان مع القطع بأنَّه تحقق للشيء بدون ركنه؛ فهذا دليل على أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ كما علمت؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٣\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-23>[بابٌ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ]</span>\n (باب) بالتنوين: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وسقط لفظ (باب) للأصيلي.\n\n <span id=\"b-٢٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-24>[حديث: المسلمُ مَنْ سلمَ المسلمونَ مِنْ لسانهِ]</span>\n١٠ - وبه قال: (حدثنا آدم بن أبي إياس)؛ بكسر الهمزة، وتخفيف المثناة التحتية، آخره سين مهملة، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا شعبة) ولابن عساكر: (عن شعبةَ)؛ غير منصرف، ابن الحجاج بن الورد الواسطي، المتوفى بالبصرة سنة ستين ومئة، (عن عبد الله بن أبي السَّفَر) بفتح المهملة والفاء، وحُكي إسكانها؛ ابن يُحمد؛ بضم المثناة التحتية وفتح الميم أو بكسرها، الهمداني الكوفي، المتوفى في خلافة مروان بن محمد، (و) عن (إسماعيل) وفي رواية: (ابن أبي خالد)؛ أي: الأحمسي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة، كلاهما (عن الشعبي) بفتح المعجمة، وسكون المهملة، وكسر الموحدة؛ نسبة إلى (شَعب) بطن من همدان، أبي عمرو عامر بن شراحيل، الكوفي التابعي، قاضي الكوفة، المتوفى بعد المئة، (عن عبد الله بن عمرو) ابن العاصي القرشي السهمي، المتوفى بمكة، أو الطائف، أو مصر، سنة خمس وسبعين، وكان أسلم قبل أبيه، وكان بينه وبينه في السن إحدى عشرة سنة كما جزم المزي، قاله القسطلاني، «عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: المسلم)؛ الذي وجد حلاوة الإيمان (من سلم المسلمون) وكذا المسلمات وأهل الذمة إلَّا في حدٍّ، أو تعزير، أو تأديب (من لسانه ويده)؛ وهذا من جوامع كلمه ﵇، والذي وجد حلاوة الإيمان؛ هو الذي وجد فيه هذه الصفة وباقي الصفات التي هي الأركان، وعبَّر باللسان دون القول؛ ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاءً بصاحبه، وقدَّمه على اليد؛ لأنَّ إيذاءه أكثر وقوعًا وأشد نكاية، ولله در القائل:\nجراحاتُ السنانِ لها التئامُ... ولا يلتام ما جرحَ اللِّسانُ\nوخص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها؛ لأنَّ سلطنة الأفعال إنَّما تظهر بها، والظاهر أنَّ المراد من الحديث؛ ما هو أعم من الجارحة، كالاستيلاء على حق الغير من غير حق؛ فإنَّه إيذاء، لكنه ليس باليد الحقيقي؛ فتأمل، (والمهاجر) معطوف على ما قبله؛ أي: المهاجر حقيقة (من هجر)؛ أي: ترك (ما نهى الله عنه) كأنَّ المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يتَّكلوا على مجرد الانتقال من دارهم، وأوقع ذلك بعد انقطاع الهجرة؛ تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك.\n (قال أبو عبد الله»؛ أي: البخاري، وفي رواية: بإسقاطها: (وقال أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين، الكوفي، قيل: كان مُرجئيًّا، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة في صفر، (حدثنا داود) وفي رواية: (هو ابن أبي هند)؛ أي: المتوفى سنة أربعين ومئة، (عن عامر) الشعبي السابق قريبًا، (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) في رواية: (هو ابن عمرو (^١»، وفي أخرى: (يعني: ابن عمرو) (عن النبي» الأعظم (ﷺ، وقال عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالمهملة، من بني سامة بن لؤي القرشي البصري، المتوفى في شعبان سنة سبع وثمانين ومئة (عن داود) بن أبي هند السابق (عن عامر)؛ أي: الشعبي، (عن عبد الله) بن عمرو بن العاص (عن النبي) الأعظم (ﷺ)، وهذا التعليق وصله إسحاق ابن راهويه في «مسنده».\n\n <span id=\"b-٢٥\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-25>[بابٌ أيُّ الإسلامِ أفضل</span>؟]\n (باب) بالتنوين (أيُّ الإسلام أفضل؟)\n\n <span id=\"b-٢٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-26>[حديث: يا رسولَ اللهِ أيُّ الإسلامِ أفضلُ</span>؟]\n١١ - وبه قال: (حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي) بجر الياء؛ صفة لـ (سعيد) الثاني المتوفى سنة سبع وأربعين ومئتين، وسقط عند الأصيلي: (ابن سعيد القرشي) (قال: حدثنا أبي) يحيى بن سعيد المتوفى سنة أربع وسبعين ومئة (قال: حدثنا أبو بُرْدة) بضم الموحدة وسكون الراء، واسمه: بُريد بالتصغير (بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بُردة)؛ بضم الموحدة؛ جدّ الذي قبله، وافقه في الكنية لا في الاسم، واسمه عامر، المتوفى بالكوفة سنة ثلاث ومئة، (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس بن سُليم؛ بضم السين، الأشعري نسبة إلى الأشعر؛ لأنَّه ولد أشعر، المتوفى بالكوفة سنة خمس وأربعين، (﵁ قال: قالوا)، وعند مسلم: (قلنا) وعند ابن منده: (قلت): (يا رسول الله؛ أي) وشرطها: أن تدخل على متعدد؛ وهو هنا مقدر: بذوي؛ أي: أيُّ أصحاب (الإسلام أفضل؟)، وعند مسلم: (أي المسلمين أفضل؟) (قال) ﵇: (من سلم المسلمون من لسانه ويده)؛ أي: أفضل من غيره؛ لكثرة ثوابه من حيث الأعمال الخالصة لوجهه تعالى، فيضيء نورها في وجهه؛ كما قدمنا.\n\n <span id=\"b-٢٧\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-27>[بابٌ إطعامُ الطعام مِنَ الإسلامِ]</span>\nهذا (باب) بالتنوين، وهو ساقط عند الأصيلي (إطعام الطعام من الإسلام)، وللأصيلي: (من الإيمان)؛ أي: من خصاله.\n\n <span id=\"b-٢٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-28>[حديث: أن رجلًا سأل النبيَّ: أي الإسلام خير</span>؟]\n١٢ - وبه قال: (حدثنا عَمرو بن خالد)؛ بفتح العين، ابن فَرُّوخ؛ بفتح الفاء، وتشديد الراء مضمومة، آخره معجمة، الحرَّاني البصري، المتوفى بها سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا الليث) بالمثلثة؛ ابن سعد الفهمي، وفهم؛ من قيس عيلان المصري، الإمام الجليل المشهور، القلقشندي المولد، الحنفي المذهب على التحقيق، وما قاله القسطلاني: من أنَّ المشهور أنَّه كان مجتهدًا فتعصب؛ لأنَّه لم يشتهر إلَّا عنده، المتوفى في نصف شعبان، سنة خمس وسبعين ومئة، (عن يزيد) أبي رجاء بن أبي حبيب، التابعي الجليل، مفتي مصر، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، (عن أبي الخير) مرثَد؛ بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة: ابن عبد الله اليزني؛ نسبة إلى ذي يزن، المتوفى سنة تسعين (عن عبد الله\n_________\n(^١) في الأصل: (عمر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":7},{"text":"ابن عمرو) أي: ابن العاصي (﵄: أن) بفتح الهمزة (رجلًا) هو أبو ذر؛ فليحفظ، (سأل النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ: أي) خصال (الإسلام خير؟ قال) وفي رواية: (فقال)؛ أي: النبي ﵇: (تطعم) الخلق (الطعام)، و(تطعم) محله رفع خبر مبتدأ محذوف؛ بتقدير: (أن)؛ أي: وهو أن تطعم الطعام، فـ (أن) مصدرية، والتقدير: هو إطعام الطعام، ولم يقل: تؤكِل الطعام ونحوه؛ لأنَّ لفظ الإطعام يشمل الأكل، والشرب، والإعطاء، (وتَقرأُ)؛ بفتح التاء وضم الهمزة: مضارع (قرأ)، (السلام على من عرفت ومن لم تعرف) من المسلمين، فلا تخص به أحدًا؛ تكبرًا وتجبرًا، بل عُمَّ به كل أحد؛ لأنَّ المؤمنين إخوة، وحذف العائد في الموضعين؛ للعلم به، والتقدير: على من عرفتَه ومن لم تعرفه، وإنَّما لم يقل: وتسلم؛ حتى يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن للسلام.\n\n <span id=\"b-٢٩\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-29>[بابٌ من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين، وهو ساقط في رواية (من الإيمان أن يحب لأخيه) المسلم وكذا المسلمة مثل (ما) أي: الذي (يحب لنفسه).\n\n <span id=\"b-٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-30>[حديث: لا يومنُ أحدكمْ حتَّى يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسهِ]</span>\n١٣ - وبه قال: (حدثنا مُسَدَّد)؛ بضم الميم، وفتح السين، وتشديد الدال المهملتين: ابن مُسرهد [بن مسربل] بن مرعيل (١) بن أرندل بن سرندلبن عرندل (٢) بن ماسك بن مستورد (٣) الأسدي البصري، المتوفى في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومئتين.\n (قال: حدثنا يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ؛ بفتح الفاء، وتشديد الراء مضمومة، آخره خاء معجمة، غير منصرف؛ للعجمة والعلمية، القطان التميمي البصري المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، (عن شعبة) بضم المعجمة؛ ابن الحجاج الواسطي البصري المتقدم، (عن قتادة) بن دِعامة- بكسر الدال- ابن قتادة السدوسي؛ نسبة لجده الأعلى، الأكمه البصري، التابعي، المتوفى بواسط سنة سبع عشرة ومئة، (عن أنس)؛ هو ابن مالك بن النضر -بالنون والضاد المعجمة-: الأنصاري النجَّاري، خادم رسول الله ﵇ تسع سنين، آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، (﵁، عن النبي) الأعظم (ﷺ)، ثم عطف على شعبة قوله: (وعن حسين)؛ بالتنوين: ابن ذكوان (المعلم) البصري (قال: حدثنا قتادة) بن دِعامة المتقدم؛ فكأنه قال: عن شعبة وحسين، كلاهما عن قتادة، وأفردها؛ تبعًا لشيخه، وليست طريقة حسين معلَّقة؛ بلموصولة؛ كما رواها أبو نُعيم، وما قيل: إن قتادة مدلس ولم يصرح بالسماع؛ مردود، فإنَّه صرح أحمد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس؛ فليحفظ.\n (عن أنس) وفي رواية: (عن أنس بن مالك) (عن النبي) الأعظم (ﷺ قال: لا يؤمن) وفي رواية: (أحدكم) وفي أخرى: (أحد)، وفي أخرى: (عبدٌ الإيمان الكامل) (حتى يحب لأخيه) المسلم وكذا المسلمة مثل (ما يحب لنفسه)؛ أي: الذي يحب لنفسه من الخير، وهذا وارد مورد المبالغة، وإلَّا فلا بد من بقية الأركان، ولم ينص على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه؛ لأنَّ حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، ويدخل في عموم (أخيه) الذميُّ؛ بأن يحب له الإسلام ويبغض له الكفر، ويؤيِّده حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدَّ خمسًا قال: «اتَّق المحارم؛ تكن أعبد الناس، وارض بما قسم لك؛ تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك؛ تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك؛ تكن مسلمًا...» الحديث، رواه الترمذي وغيره.\n========\n (١) في الأصل: (مرعيل)، والمثبت موافق لما في المصادر.\n (٢) في الأصل: (عزندل)، والمثبت موافق لما في المصادر.\n (٣) في الأصل: (مستودد)، والمثبت موافق لما في المصادر.\n\n <span id=\"b-٣١\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-31>[بابٌ حبُّ الرسول من الإيمان]</span>\n (بابٌ) بالتنوين: (حب الرسول) الأعظم نبينا محمد (ﷺ من الإيمان).\n\n <span id=\"b-٣٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-32>[حديث: فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه]</span>\n١٤ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع المتقدم (قال: أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة الحمصي، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (أبو الزِّناد)؛ بكسر الزاي وبالنون: عبد الله بن ذكوان المدني، القرشي، التابعي، المتوفى سنة ثلاثين ومئة، (عن الأعرج) أبي داود عبد الرحمن بن هرمز التابعي المدني القرشي، المتوفى بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومئة على الأصح، (عن أبي هريرة) نقيب أهل الصُّفَّة (﵁: أن) بفتح الهمزة (رسول الله) وفي رواية: (عن النبي) أي: الأعظم (ﷺ قال: فو) الله (الذي) بالفاء، وفي رواية: (والذي) (نفسي) أي: روحي (بيده)؛ أي: بقدرته، أو هو من المتشابه المفوَّض علمه إلى الله تعالى، والأول أعلم، والثاني أسلم.\nوروي عن إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم -وحيث أطلق لا يراد به إلَّا أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، وأسكنه في أعلى الجنان- يلزم من تأويلها بالقدرة عين التعطيل، فالسبيل إليه كأمثاله: الإيمان به على ما أراد سبحانه، ونكف عن الخوض في تأويله فنقول: له يد على ما أراد لا كيَد المخلوق؛ وهكذا، انتهى.\nوأقسم تأكيدًا، وفيه إشارة إلى جواز القسم على الأمر المهم للتأكيد وإن لم يكن هناك مستحلِف، والمقسَم عليه هنا قوله: (لا يؤمن أحدكم)؛ أي: لا يجد حلاوة الإيمان (حتى أكون أحب إليه) (أفعل) تفضيل بمعنى المفعول، وهو هنا مع كثرته -على غير قياسٍ- منصوب خبرًا لـ (أكون)، وفصل بينه وبين معموله بقوله: (إليه)؛ لأنَّه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره، (من والده) أبيه؛ أي: وأمه، وإنَّما خصَّ الأب واكتفى به؛ لما أنه يعلمه طريق الحق المستقيم، والاختلاط بالأولياء، والعلماء، والصالحين، وأحكام الله تعالى، بخلاف الأم، فهو أحق بالمحبة من الأم؛ فلذا اكتفى ﵇ به، (وولده) ذكرًا أو أنثى، وعند النسائي: قدم الولد على الوالد؛ وذلك لمزيد الشفقة والرحمة، وأنه بضعة منه، وأنه يخلفه في داره، وعرضه، وماله، ويدعوله بعد موته، فهي صدقة جارية، فلا شك في كونه محبوبًا.\n\n <span id=\"b-٣٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-33>[حديث: لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده]</span>\n١٥ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (يعقوب) أبو يوسف (بن إبراهيم) بن كثير الدورقي العبدي المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قال: حدثنا ابن عُلَيَّة)؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة تحت؛ نسبة إلى أمه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهم البصري الأسدي، أسد خزاعة، الكوفي الأصل، المتوفى ببغداد سنة أربع وتسعين ومئة، (عن عبد العزيز بن صُهَيْب)؛ بضم الصاد المهملة، وفتح الهاء، وسكون المثناة تحت، آخره موحدة: البُناني؛ بضم الموحدة وبالنون؛ نسبة إلى (بنانه)؛ بطن من قريش، التابعي كأبيه، (عن أنس) وفي رواية: (ابن مالك)، (عن النبي) الأعظم، وفي رواية: (عن أنس قال: قال النبي)؛ أي: الأعظم (ﷺ)، ولفظ متن هذا السند؛ كما رواه ابن خزيمة عن يعقوب بهذا الإسناد: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله).\n (ح) علامة للتحويل: (وحدثنا آدم) بن أبي إياس بالواو، عطف على السند السابق، العاري عن المتن، الموهمة لاستواء السندين في المتن الآتي، وليس كذلك؛ فليحفظ، (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دِعامة، (عن أنس) أنه (قال: قال النبي) الأعظم، وفي رواية: (قال رسول الله) (ﷺ: لا يؤمن أحدكم)؛ أي: لا يجد حلاوة الإيمان (حتى أكون أحبَّ) بالنصب (إليه من والده) أبيه وأمه أو أعم (وولده) ذكرًا أو أنثى (والناس أجمعين)؛ هذا من باب عطف العام على الخاص، وتدخل النفس في عموم الناس؛ لما يأتي في حديث عبد الله بن هشام من التنصيص على ذكر النفس، والمراد هنا: المحبة الإيمانية؛ وهي اتباع المحبوب، لا الطبيعية، ومن ثم لم يحكم بإيمان أبي طالب مع حبه له ﵇، على ما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٣٤\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-34>[بابُ حلاوةِ الإيمان]</span>\n\nهذا (باب حلاوة الإيمان) والمراد: أن الحلاوة من ثمراته؛ فهي أصل زائد عليه، وسقط لفظ (باب) عند الأصيلي.\n <span id=\"b-٣٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-35>[حديث: ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان]</span>\n١٦ - وبه قال: (حدثنا محمد بن المثنى) بالمثلثة ابن عبيد العنَزي؛ بفتح النون بعدها زاي؛ نسبة إلى عنَزة بن أسد؛ حي من ربيعة، البصري، المتوفى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين، (قال: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصلت (الثقفي) بالمثلثة، بعدها قاف، ثم فاء؛ نسبة إلى ثقيف، البصري، المتوفى سنة أربع وتسعين ومئة.\n (قال: حدثنا أيوب) بن أبي تميم، واسمه: كيسان السختياني؛ بفتح المهملة؛ نسبة لبيع السختيان؛ وهو الجلد، البصري، المتوفى بها سنة إحدى وثلاثين ومئة.\n (عن أبي قِلابة)؛ بكسر القاف وبالموحدة: عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر، البصري المتوفى بالشام سنة أربع ومئة، (عن أنس) وفي رواية: (ابن مالك) (﵁ عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: ثلاث)؛ أي: ثلاث خصال، مبتدأ خبره جملة (من كن فيه؛ وجد)؛ أي: أصاب (حلاوة الإيمان)؛ ولذلك اكتفى بمفعول واحد، والمراد بـ (حلاوة الإيمان): استلذاذه بالطاعات وانشراح الصدر لها؛ بحيث يخالط لحمه ودمه، فيتنور وجهه، ويحصل له التوفيق الإلهي، فيترك المنهيات ويفعل المأمورات؛ (أن يكون الله) تعالى (ورسوله) ﵇ (أحب) أفرد الضمير فيه؛ لأنَّه أفعل تفضيل، وهو إذا وُصل بـ (من) أفرد دائمًا (إليه مما) إنَّما قال: (مما) ولم يقل: (ممن)؛ ليعم العاقل وغيره، (سواهما) عبر بالتثنية؛ إشارة إلى أن المعتبر: هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما؛ فإنَّها وحدها لاغية إذا لم تربط بالأخرى، ولا يعارض تثنية الضمير هنا بقصة","vol":"1","page":7},{"text":"الخطيب؛ حيث قال:\nومن يعصهما؛ فقد غوى، فقال له ﵇: «بئس الخطيب أنت»، فأمره بالإفراد؛ إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية، وقيل: إنه من الخصائص فيمتنع من غيره ﵇، والمراد بـ (الحب) هنا العقلي؛ وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، ويستدعي اختياره، وإن كان على خلاف هواه؛ فتأمل.\n (وأن يحب) المتلبس بها (المَرء) بفتح الميم حال كونه (لا يحبه إلا لله) ﷿، (وأن يكره) المكروه ضد المحبوب (أن يعود)؛ أي: العود (في الكفر كما يكره أن يُقذَف)؛ بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي: مثل كرهه القذف (في النار)؛ وهذا نتيجة حلاوة الإيمان بظهور نوره، وضياء محاسنه، وقبح الكفر وشينه، وإنما عَدَّى (العَوْد) بـ (في) ولم يُعَدِّه بـ (إلى).\nأجاب الإمام شهاب الدين الكرماني: بأنه ضمِّن معنى الاستقرار؛ كأنَّه قال: أن يعود مستقرًا فيه، وارتضاه ابن حجر العسقلاني وأجاب به، واعترضه الإمام بدر الدين العيني: بأنَّ هذا تعسف، وإنما (في) هنا؛ بمعنى (إلى) كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣]؛ أي: لتصيرنَّ إلى ملتنا، قلت: وهو وجيه، كما لا يخفى على من له أدنى حظ في العلم، فرحم الله هذا الإمام ما أعلمه في المنطوق، والمفهوم، والحجة، والبرهان، وما ذاك إلا من الحنان المنان، اللهم إنِّي أسألك بسيدنا النبي الأعظم ﵇ وبقدوتنا الإمام الأعظم ﵁؛ أن يطيل عمري في طاعتك، ويرزقني العلم النافع، والرزق الواسع، ويقهر أعدائي قهرًا يمنع عنهم الراحة والقرار، ويضيِّق عليهم فسيح الأرض، وواسع الأقطار، وأن يدخلني الجنة، وأن يكثر أولادي ويجعلهم من الصالحين، آمين.\n\n <span id=\"b-٣٦\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-36>[بابٌ علامة الإيمان حب الأنصار]</span>\nولما ذكر المؤلف حلاوة الإيمان؛ أراد أن يبين علامته؛ فقال: (باب) بالتنوين: (علامة) حلاوة (الإيمان حب الأنصار) فـ (علامة) مبتدأ، خبره (حب)، وسقط التنوين للأصيلي ونسخة، فقوله: (علامة) مجرور بالإضافة.\n\n <span id=\"b-٣٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-37>[حديث: آية الإيمان حب الأنصار]</span>\n١٧ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي؛ نسبة لبيع الطيالسة، البصري، المتوفى سنة عشرين ومئتين، (قال: حدثنا شعبة)؛ هو ابن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن عبد الله) بفتح العين فيهما (بن جَبْر) بفتح الجيم وسكون الموحدة، الأنصاري المدني (قال: سمعت أنسًا) وفي رواية: (أنس بن مالك) (﵁ عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: آية)؛ أي: علامة حلاوة (الإيمان)؛ بالهمزة الممدودة والمثناة التحتية المفتوحة (حب الأنصار)؛ الأوس والخزرج، جمع قلة على وزن (أفعال)؛ لأنَّه معرفة، فلا فرق بين القلة والكثرة؛ فليحفظ.\nوإنما قدَّرنا مضافًا؛ لظهور المراد على أنَّ العلامة في الشيء غير داخلة في حقيقته، فلا دلالة فيه على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ بل فيه دلالة واضحة على أن الأعمال خارجة عن الإيمان؛ وهي من ثمراته، وأما جواب بعضهم عن هذا؛ فلا ينهض دليلًا لمدّعاه، على أنَّه قد أجيب عنه بما يطول؛ فتأمل.\n (وآية) بالمد؛ أي: علامة (النفاق)؛ وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر (بغض الأنصار)؛ من حيث إنهم أنصاره ﵇، وهذا من أعلام النبوة؛ حيث أنبأنا أنه سيوجد بعدَه منافقون يُبغضون أنصاره، وإنما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة؛ لما فازوا به من نصره ﵇، والسعي في إظهاره، مع معاداتهم جميع من وجد من قبائل العرب والعجم، وإنما عبر بالنفاق ولم يعبر بالكفر؛ لأنَّه ليس بكافر في الظاهر.\n\n <span id=\"b-٣٨\"> </span>(١١) [باب]\n (بابٌ) بالتنوين بدون ترجمة، ولفظ الباب؛ ساقط في رواية، فالحديث التالي من جملة الترجمة السابقة، وعلى روايةٍ إثباتُه؛ فهو كالفصل عن ما قبله مع تعلقه به.\n\n <span id=\"b-٣٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-39>[حديث: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا]</span>\n١٨ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي (قال: أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة القرشي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو إدريس عائذ الله) بالمعجمة؛ اسم علم؛ أي: ذو عياذة بالله، فهو عطف بيان لقوله: (أبو إدريس) (بن عبد الله) الصحابي، ابن عمر الخولاني، الدمشقي، الصحابي؛ لأنَّ مولده كان عام حنين، التابعي من حيث الرواية، المتوفى بالشام بقرية داريا الكبرى سنة ثمانين: (أن عُبادة) بضم العين (بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي، المتوفى بالرملة سنة أربع وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، (﵁ وكان شهد بدرًا)؛ أي: وقعتها، فالنصب بقوله: (شهد) وليس مفعولًا فيه؛ كذا قيل؛ وهي بئرٌ سميت باسم بانيها؛ بدر من بني النضر، (وهو أحد النقباء) جمع نقيب؛ وهو الناظر على القوم، وكانوا اثني عشر رجلًا (ليلة العقبة)؛ بمنى؛ أي: فيها، و(الواو) في (وهو) كواو (وكان) هي الداخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ولا ريب أنَّ كون شهودِ عُبادةَ بدرًا وكونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواو للحال ولا للعطف؛ كذا قاله شيخ الإسلام بدر الدين العيني.\nقيل: إن هذا ذكره ابن هشام في «المغني» معزيًا للفاضل الزمخشري، واعترضه ابن مالك في «شرح التسهيل»، وأجاب عنه نجم الدين سعيد، واعترضه الدماميني، وأجاب عنه الإمام العلامة الشُّمُنِّي الحنفي، وقد تبع جار الله الزمخشري في ذلك أبو البقاء الحنفي العكبري وقوَّاه؛ فليحفظ.\nقيل: ويَحتمل أن يكون قائل ذلك أبا إدريس؛ فيكون متصلًا، وإن حُمل على أنه سمع ذلك من عُبادة أو الزهري؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراض بين (أن) وخبرها الساقط من أصل الرواية، ولعلها سقطت من ناسخ بعدَه؛ بدليل ثبوتها عند المؤلف في (باب من شهد بدرًا)، والتقدير هنا: أنَّ عُبادة أخبر: (أن رسول الله ﷺ قال وحولَه) بالنصب على الظرفية (عِصابة)؛ بكسر العين؛ ما بين العشرة إلى الأربعين، وقوله: (من أصحابه) صفة لـ (عصابة)، والجملة اسمية، و(عصابة) مبتدأ، خبرُه (حولَه) مقدمًا، وإنما قال: (وهو أحد النقباء وإنه شهد بدرًا)؛ للتقوية والترجيح: (بايعوني)؛ أي: عاقدوني (على) التوحيد (ألَّا تشركوا بالله شيئًا)؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عام؛ لأنَّه نكرة وهي سياق النهي كالنفي تعم، وقدَّمه؛ لأنَّه الأصل (و) على أن (لا تسرقوا) فيه حذف المفعول؛ ليدل على العموم (ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم) خصهم بالذكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإملاق، أو لأنَّ قتلهم؛ أكبر من قتل غيرهم؛ وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو إنه قتل وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر، (ولا تأتوا) بحذف النون، وفي رواية: بإثباتها، (ببهتان)؛ أي: بكذب يبهت سامعه؛ أي: يدهشه؛ لفظاعته كالرمي بالزنا، وقوله: (تفترونه) من الافتراء؛ أي: تختلقونه (بين أيديكم وأرجلكم)؛ أي: من قِبل أنفسكم، فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأنَّ معظم الأفعال بهما (ولا تعصوا في معروف) قيَّد به مع أنه ﵇ لا (يأمر) به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره؛ للاهتمام به، (فمن وفى)؛ أي: ثبت على العهد، و(وفى) بالتخفيف، وفي رواية: بالتشديد (منكم؛ فأجره على الله) فضلًا ووعدًا بالجنة؛ كما وقع التصريح به في «الصحيحين»، وفي رواية الصنابحي عن عبادة، وعبر بلفظ (على) وبـ (الأجر)؛ للمبالغة في تحقق وقوعه؛ لأنَّه لا يجب على الله شيء عندنا، (ومن أصاب) منكم أيها المؤمنون (من ذلك شيئًا) غير الشرك بنصب (شيئًا) مفعول (أصاب) الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط، والجار للتبعيض، (فعوقب)؛ أي: به كما رواه أحمد؛ أي: بسببه (في الدنيا)؛ أي: بأن أقيم عليه الحد؛ (فهو)؛ أي: العقاب مع التوبة النصوحة (كفارة له) فلا يعاقب عليه في الآخرة، أما إذا لم يتب؛ فإنَّه يعاقب في الآخرة؛ لأنَّ الحدود شرعت لنفع الكافة من صيانة الأنساب، والأعراض، والأموال، وإقامة الحدود مع عدم التوبة؛ لا يفيد المقصود، فلا يكون الحد مطهرًا من الذنب؛ بل المطهر إنَّما هو التوبة عملًا بآية قُطاع الطريق؛ حيث قال الله تعالى بعد ذكر أحكامهم: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ*إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].\nفأخبر تعالى أن آخر فعلهم؛ عقوبة دنيوية وأخروية، إلَّا من تاب؛ فإنَّها تسقط عنه الأخروية بالإجماع؛ للإجماع على أن التوبة لا تُسقط الحد في الدنيا، ويدل لهذا حديث أبي هريرة المروي عند البزار والحاكم وصححه أنه ﵇ قال: «لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا».\nوأما حديث علي وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعوقب فيه في الدنيا؛ فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة»؛ محمول على أنه عند العقوبة قد تاب عن الذنب، على أن قوله: (أن يثني... إلى آخره)؛ دليل على أنه إذا لم يتب يعاقب في الآخرة؛ فافهم.\nو(شيئًا): نكرةٌ؛ وهي تفيد العموم، فيشمل إصابة الشرك وغيره، وأجيب بأن المراد بالشرك؛ الإشراك بالله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وما قيل: إنه الشرك الأصغر وهو الرياء؛ فممنوع؛ لأنَّ الشارع إذا أطلق الشرك إنَّما يريد به ما يقابل التوحيد؛ فليحفظ.\n (ومن أصاب من ذلك) المذكور (شيئًا) غير الشرك؛ كما مر، (ثم ستره الله) وفي رواية: (عليه)؛ (فهو) مفوض (إلى الله) ﷿ (إن شاء عفا عنه) بفضله (وإن شاء عاقبه) بعدله (فبايعناه)؛ أي: عاقدناه (على ذلك) المذكور.\nقيل: مفهومه يتناول من تاب ومن لم يتب، وإنه لم يتحتم دخوله النار؛ بل هو في مشيئة الله تعالى، قلت: يُعارض هذا المفهوم قولُه تعالى في آية قطاع الطريق: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، فالاستثناء راجع إلى عذاب الدنيا والآخرة؛ حتى لو تاب قبل القدرة عليه بعد ما خاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ شيئًا، سقط عنه حق","vol":"1","page":8},{"text":"الدنيا والعقاب في الآخرة، وهذا هو التحقيق؛ كذا في «النهر الفائق شرح كنز الدقائق»، قلت: لكن لا يأمن من مكر الله؛ لأنَّه لم يطلع على قبول توبته، ومن كرمه قبولها.\nونقل العلامة البيرمي في «شرحه على الأشباه» عن «الجواهر»: رجل شرب الخمر وزنى ثم تاب ولم يحد في الدنيا، هل يحد له في الآخرة؟ قال: الحدود حقوق الله تعالى إلَّا أنه تعلق بها حق الناس؛ وهو الانزجار، فإذا تاب توبة نصوحة؛ أرجو ألَّا يحد في الآخرة، فإنَّه لا يكون أكثر من الكفر والردة، وإنَّه يزول بالإسلام والتوبة، انتهى؛ أي: فإن المرتد إذا تاب، فإنه لا يعاقب في الدنيا والآخرة، أما إذا قتل على ارتداده؛ فلا يكون قتله كفارة له؛ لعدم توبته ولبقائه على الشرك، وأخبر سبحانه: بأنَّه لا يغفر أن يشرك به، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٠\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-40>[بابٌ من الدِّين الفرار من الفتن]</span>\n (باب) بالتنوين: (من الدين الفرار من الفتن) إنَّما لم يقل: من الإيمان؛ لمراعاة لفظ الحديث، وليس المراد الحقيقة؛ لأنَّ الفرار ليس بدين، فالتقدير: الفرار من الفتن شعبة من شعب الإيمان، ويدل عليه أداة التبعيض.\n\n <span id=\"b-٤١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-41>[حديث: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم]</span>\n١٩ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مَسلَمة)؛ بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة: ابن قعنب الحارثي البصري، ذو الدعوة المجابة، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، (عن مالك) هو ابن أنس (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري المازني المدني، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، (عن أبيه) عبد الله، (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري (الخُدْري)؛ بضم الخاء وسكون المهملة: نسبة إلى (خدرة) جده الأعلى أو بطن، المتوفى بالمدينة سنة أربع وستين أو أربع وسبعين، وفي رواية: (﵁): (أنه قال: قال رسول الله ﷺ: يوشِك)؛ بكسر المعجمة، قيل: فتحها رديء، من أفعال المقاربة؛ أي: يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنمًا) بالنصب؛ خبر (يكون)، وفي رواية: بنصب (خيرَ) خبرًا مقدمًا، ورفع (غنمٌ) اسمًا مؤخرًا، و(الغنم): اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث جميعًا، وعلى الذكور وحدهم، وعلى الإناث وحدهن، فإذا صغرتها؛ ألحقتها الهاء، (يتَّبع بها)؛ بتشديد المثناة الفوقية: (افتعال) من (اتبع اتباعًا)، ويجوز إسكانها من (تَبِع) بكسر الموحدة (يتبَع) بفتحها؛ أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ)؛ بمعجمة فمهملة مفتوحتين: جمع شَعَفة؛ بالتحريك، وهو بالنصب مفعول (يتَّبع)؛ أي: رؤوس (الجبال ومواقِعَ)؛ بكسر القاف، بالنصب عطف على (شعَفَ)؛ أي: مواضع نزول (القطر)؛ أي: المطر؛ أي: بطون الأودية والصحارى حال كونه (يفر بدينه)؛ أي: يهرب بسببه أو مع دينه (من الفتن)؛ طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي، فالعزلة في أيام الفتن فضيلة، إلَّا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة؛ فإنَّه يجب عليه السعي في إزالتها؛ إما فرض عين أو فرض كفاية بحسب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة؛ فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط؛ فقال الشيخ الإمام ركن الدين الكرماني: المختار في عصرنا تفضيل الانعزال؛ لندور خلو المحافل من المعاصي، وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: قلت أنا موافق فيما قال: فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلَّا الشرور، انتهى، قلت: بل ينبغي أن يقال: إن العزلة في زماننا واجبة؛ لما يحصل من المعاصي، وارتكاب الآثام، وإباحة المحرمات، وسب الدين الذي يخرج به من الإيمان، وغير ذلك من المنكرات، وقال الشافعي: الأفضل الاختلاط إلا لفقيه لا يسلم دينه بالاختلاط.\n\n <span id=\"b-٤٢\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-42>[باب قول النبي: أنا أعلمكم بالله]</span>\n (باب قول النبي) الأعظم (ﷺ) بالإضافة، وسقط في رواية لفظ (باب)، ومقول قوله ﵇: (أنا أعلمكم بالله) وفي رواية: (أنا أعرفكم بالله)، والفرق بينهما: أن المعرفة هي إدراك الجزئي، والعلم إدراك الكلي.\n (و) باب بيان (أن المعرفة)؛ بفتح الهمزة ويجوز الكسر على الاستئناف، (فعل القلب)، فالإيمان بالقول وحده؛ لا يكون إلا بانضمام الاعتقاد إليه، خلافًا للكرَّامية، والاعتقاد؛ فعل القلب؛ (لقوله تعالى) وفي رواية: (لقوله ﷿): (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) [البقرة: ٢٢٥]؛ أي: عزمت عليه، وفيه دليل للجمهور من أن أفعال القلوب إذا استقرت؛ يؤاخذون بها، ويعارضه قوله ﵇: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل»، وأجيب: بأنه محمول على إذا لم يستقر، وذلك معفو عنه؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، بخلاف الاستقرار.\n\n <span id=\"b-٤٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-43>[حديث: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا]</span>\n٢٠ - وبه قال: (حدثنا محمد بن سلَام)؛ بالتخفيف والتشديد، وقيل: إن التشديد لحن، وتمامه في «شرح الشيخ الإمام بدر الدين العيني»، واسم أبيه: الفرج السلمي، زاد في رواية: (البِيْكَندِي)؛ بموحدة مكسورة، ثم مثناة تحتية ساكنة، ثم كاف مفتوحة، ثم نون ساكنة؛ نسبة إلى بيكند؛ بلدة على مرحلة من بخارى، توفي سنة خمس وعشرين ومئتين (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (عَبْدة)؛ بسكون الموحدة، قيل: هو لقبه، واسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب الكلابي الكوفي، المتوفى بها في رجب سنة ثمان وثمانين ومئة، (عن هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم)؛ أي: أمر الناس بالعمل (أمرهم من الأعمال بما) وفي رواية: (ما) (يطيقون)؛ أي: يطيقون الدوام عليه، فخير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قلَّ، والكثرة تؤدي إلى القطع؛ وهو نقض العهد صورة، و(أمرهم) الثانية جواب أول للشرط، والثاني قوله: (قالوا: إنا لسنا كهَيئتك)؛ بفتح الهاء؛ وهي الصورة والحالة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته ﵇، فلا بد من التأويل، فالمراد من (هيئتك): كمثلك؛ أي: كذاتك أو كنفسك، وزيد لفظ الهيئة؛ للتأكيد؛ نحو: مثلك لا يبخل، أو [حال] من (لسنا)؛ أي: ليس حالنا كحالك، فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه، فاتصل الفعل بالضمير، فقيل: لسنا كهيئتك، قاله الشيخ الإمام ركن الدين الكرماني، (يا رسول الله؛ إن الله قد غفر لك)؛ أي: عفا عنك (ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر)؛ أي: منه، والمراد: ترك الأَولى والأفضل بالعدول إلى الفاضل وترك الأفضل، كأنَّه ذنب؛ لجلالة قدر الأنبياء ﵈، قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ وهو أولى مما قال القسطلاني نقلًا عن البرماوي؛ فليحفظ.\n (فيغضب)؛ على صورة المضارع، والمراد منه: حكاية الحال الماضية (حتى يُعرف)؛ بصيغة المجهول، وفي أكثر الروايات؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (فغضب حتى عُرف) (الغضبُ) بالرفع (في وجهه) ﵇، وفيه دليل على جواز الغضب عند رد أمر الشرع، ونفوذ الحكم في حال الغضب والتغير، (ثم يقولُ)؛ بالرفع عطفًا على (يغضب): (إن أتقاكم)؛ أي: أكثركم تقوًى (أعلمكم بالله) ﷿ (أنا) فـ (أتقاكم) اسم (إن)، و(أعلمكم) عطف عليه، و(أنا) خبرها، والمعنى: كأنَّهم قالوا: أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل ومع هذا تواظب على الأعمال، فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا؟! فرد عليهم بقوله: أنا أولى بالعمل؛ لأنِّي أتقاكم وأعلمكم، وأشار بالأول إلى القوة العملية، وبالثاني إلى القوة العلمية، واستدل بهذا على أن أول فرض على المكلف معرفة الله ﷾، وفيه دليل على أن الرجل يجوز له الإخبار بفضيلة نفسه إذا دعت إلى ذلك حاجة؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٤\"> </span>(١٤) <span data-type=\"title\" id=toc-44>[باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان]</span>\n (باب) ذكر كراهة (من كره أن يعود)؛ أي: العود (في الكفر كما يكره أن يلقى)؛ أي: ككراهة الإلقاء (في النار من الإيمان)؛ أي: من شُعَبه، ولفظ (باب) ساقط في رواية، ويجوز فيه التنوين، وإضافته لتاليه، وعلى كل تقدير؛ فـ (مَن) مبتدأ و(من الإيمان) خبره و(أن) في الموضعين مصدرية، وكذا (ما) و(من) موصولة، و(كره أن يعود) صلتها، وسقط في رواية (من الإيمان).\n\n <span id=\"b-٤٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-45>[حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان]</span>\n٢١ - وبه قال: (حدثنا سليمان بن حَرْب)؛ بفتح المهملة، وسكون الراء، آخره موحدة: ابن بَجِيْل؛ بفتح الموحدة، وكسر الجيم، وسكون المثناة التحتية، آخره لام: الأزدي الواشِحي؛ بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة؛ نسبة إلى بطن من الأزد، البصري قاضي مكة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج (عن قتادة) بن دِعامة (عن أنس) وفي رواية: عن أنس بن مالك (﵁ عن النبي) الأعظم (ﷺ قال): خصال (ثلاث) أو ثلاث خصال، فعلى الأول (ثلاث) صفة لمحذوف، وعلى الثاني مبتدأ، وسوَّغ الابتداء به إضافته إلى الخصال، والجملة خبره؛ وهي (من كن فيه وجد)؛ أي: أصاب (حلاوة الإيمان) باستلذاذه الطاعات وتحمل المشقات في أمر الدين، وهل هذه الحلاوة محسوسة أو معنوية؟ فيه خلاف، والأرجح الأول، ويدل له قول بلال: (أحد أحد) حين عُذِّب في الله؛ إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وعند موته قالوا أهله: واكرباه، وهو يقول: (واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه)، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، (من كان الله) يجوز في إعرابه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلًا من (ثلاث) أو بيانًا، ويجوز أن [يكون] خبرًا لقوله: (ثلاث) على تقدير كون الجملة الشرطية صفة لـ (ثلاث)، والثاني: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: الأول مِن الذين فيهم الخصال من كان الله (ورسوله أحب إليه مما سواهما) من نفسه، وولده، ووالده، وأهله، وماله، وكل شيء، ولهذا قال: (مما) ولم يقل: ممن؛ ليعم من يعقل ومن لا يعقل.","vol":"1","page":8},{"text":"(و) الثاني منها: (من أحب عبدًا) وفي الرواية السابقة: (أن يحب المرءَ) (لا يحبه إلا لله) زاد في رواية: (﷿) (و) الثالث منها: (من يكره أن يعود) أي: العود (في الكفر بعد إذ أنقذه الله)؛ أي: خلَّصه ونجَّاه، زاد في رواية: (منه) (كما يكره أن يلقى في النار) وفي الرواية السابقة: (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف فيالنار)، ولا تكرير في سياق الحديث هنا؛ لأنَّ المبوّب له حلاوة الإيمان فيما سبق، وهنا المحبة لله وكراهة الكفر؛ فتأمل، وفيه دليل واضح لإمامنا الإمام الأعظم ومَن قال بقوله، على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإنَّما الذي يزيد وينقص ثمراته، مثال ذلك: أن المؤمن الفاسق بارتكابه المعاصي إيمانه كإيمان العالم، لكن الفاسق لا يجد حلاوته؛ بسبب ارتكابه المعاصي، وأما العالم؛ فيجد حلاوته؛ بسبب امتثاله أوامر الله تعالى، وذلك كالبيضة الفضة التي عليها الوسخ فإنَّها سوداء، فإذا جُليت مرة؛ تضيء شيئًا قليلًا، وفي المرة [الثانية] يظهر نورها أكثر من الأول...؛ وهكذا، فالإيمان كالفضة، وظهور نوره وحلاوته بأداء الطاعات، وعدم ذلك بارتكاب المعاصي، كما لا يخفى على من له أدنى حظٌّ في العلم؛ فليُحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٦\"> </span>(١٥) <span data-type=\"title\" id=toc-46>[باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال]</span>\n (باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) التي هي ثمرات الإيمان، فالتفاضل الحاصل بسبب الأعمال، وسقط لفظ (باب) عند الأصيلي.\n\n <span id=\"b-٤٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-47>[حديث: يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار]</span>\n٢٢ - وبه قال: (حدَّثنا إسماعيل) بن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت الإمام مالك، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، وقد تُكُلِّم فيه؛ كما أوضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني ﵀، (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس، (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة -بفتح العين عَمرو- (المازني) المدني، المتوفى سنة أربعين ومئة، (عن أبيه) يحيى، (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخُدري) بالدال المهملة (﵁، عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: يدخل أهل الجنة الجنة)؛ أي: فيها، وعبر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحض للحال؛ لتحقق وقوع الإدخال، (و) يدخل (أهل النار النار)؛ أي: فيها، (ثم) بعد دخولهم فيها (يقول الله تعالى) وفي رواية: (﷿)، للملائكة: (أخرجوا)؛ بهمزة قطع مفتوحة: أمر من الإخراج، زاد في رواية: (من النار) (مَن) أي: الذي (كان في قلبه) زيادة على أصل التوحيد (مثقال حبة) وقد جاء في «الصحيح» بيان ذلك، ففي رواية فيه: «أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن كذا»، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد.\nقال الإمام القاضي عِياض: هذا هو الصحيح؛ لأنَّ معنى الخير هنا أمر زائد على الإيمان؛ لأنَّ مجرَّده لا يتجزَّأ، وإنما ينجزئ الأمر الزائد عليه؛ وهي الأعمال الصالحة؛ من ذكر خفي، أو شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونية صادقة في عمل؛ كذا في «عمدة القاري»، وهذه الجملة محلها النصب مفعولَ (أخرجوا) و(مَن) موصولة، وقوله: (كان في...) إلى آخره صلتها، و(مثقال حبة) كلام إضافي مرفوع؛ لأنَّه اسم (كان)، وخبره قوله: (في قلبه) مقدَّمًا، ويجوز أن يكون (اخرجوا) بضم الهمزة من الخروج، وعليه يكون (مَن) منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: اُخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة، (من خردل من إيمان)؛ بالتنكير؛ لأنَّ المقام يقتضي التقليل، والقلة هنا: باعتبار انتفاء الزيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يحب الإيمان به كافٍ؛ لأنَّه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية: (من الإيمان) بالتعريف.\nوهذا قوله: (من خردل من إيمان)، من باب التمثيل، فيكون عيارًا في المعرفة وليس عيارًا في الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، لكن ما يشكل من المعقول قد يُرَدُّ إلى عيار محسوس؛ ليُفهم، ويُشبَّه به؛ ليُعلم، والتحقيق فيه: أن يُجعل عمل العبد وهو عرَض في جسم على مقدار العمل عنده تعالى، ثم يُوزن، ويدلُّ عليه ما جاء مبينًا في قوله: (وكان في قلبه من الخير ما يزن برة)، أو تُمثَّل الأعمال بجواهر؛ فتُجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة، أو الموزون الخواتيم، فإن كانت خاتمة عمله حسنًا؛ جوزي بخير، وإن كانت خاتمة عمله شرًّا؛ جُوزي بشر.\nوذكر القاضي عياض: أن المعنى في قوله: (من إيمان) ومن خير وما جاء منه؛ أي: من اليقين، إلَّا أنَّه قال: المراد الثواب؛ أي: ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل، فإن أتبعه بالعمل؛ عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذلك؛ نقص ثوابه، فإن قيل: كيف تعلمون (^١) ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ قلت: لعله بعلامات؛ كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد؛ كذا في «عمدة القاري».\nقال القسطلاني: قال الغزالي: من أيقن بالإيمان وحال بينه وبين النطق به الموت؛ فهو ناج مستدلًا بقوله: (أخرجوا...) إلى آخره، وأما من قدر على النطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه؛ فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصلاة؛ فلا يخلد في النار، ويحتمل خلافه، ورجح غيره الثاني، فيحتاج إلى تأويل قوله: (في قلبه) فيقدر فيه محذوف تقديره: منضمًا إلى النطق به مع القدرة عليه.\nومنشأ الاحتمالين: الخلاف في أن النطق بالإيمان شطر، فلا يتم الإيمان إلَّا به؛ وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام، أو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط؛ وهو مذهب جمهور المحققين؛ وهو اختيار الشيخ الإمام أبي منصور، والنصوص معاضدة لذلك، قاله المحقق الثاني سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى.\n (فيخرجون منها)؛ أي: من النار حال كونهم (قد اسودوا)؛ أي: صاروا سودًا من تأثير النار (فيُلقون)؛ بضم المثناة التحتية: مبنيًّا للمفعول (في نهر الحيا) بالقصر، وفي رواية: بالمد، قيل: ولا معنى له؛ أي: المطر (أو الحياة) بالمثناة الفوقية آخره؛ وهو النهر الذي مَن غُمس فيه حيي، وهو غير الكوثر، كما لا يخفى، (شك مالك) وفي رواية: (يشك) بالمثناة التحتية أوله؛ أي: في أيهما الرواية، وجملة (شك) اعتراض بين قوله: (فيلقون في نهر الحياة) السابق، وبين لاحقه؛ وهو قوله: (فينبتون) ثانيًا (كما تنبت الحِبة)؛ بكسر المهملة وتشديد الموحدة؛ أي: كنبات بزر العشب، فـ (أل) للجنس أو للعهد، والمراد: البقلة الحمقاء؛ لأنها تنبت سريعًا، (في جانب السيل، ألم تر) خطابٌ لكل من يأتي منه الرؤية (أنها تخرج) حال كونها (صفراء) تسر الناظر، وحال كونها (ملتوية) متمثلة منثنية، فالتشبيه؛ من حيث الإسراع والحسن، والمعنى: من كان في قلبه مثقالُ حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متنجدًا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متمايلة، وحينئذٍ فيتعين كون (أل) في الحبة للجنس؛ كذا قيل؛ فتأمل.\nوبه قال: (قال وُهَيب)؛ بضم أوله، وفتح ثانيه مصغَّرًا، آخره موحدة: ابن خالد بن عجلان الباهلي البصري: (حدثنا عمرو)؛ بفتح العين: ابن يحيى المازني السابق: (الحياةِ) بالجر على الحكاية؛ وهو موافق لمالك في روايته لهذا الحديث، عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشك كما شك مالك أيضًا.\n (وقال) وهيب أيضًا في روايته: مثقال حبة من (خردل من خير) بدل من إيمان، فخالف مالكًا في هذه اللفظة؛ وهذا من تعاليق المؤلف، أخرجه في (الرقاق)، وفيه الرد على المرجئة القائلين: بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، فلا يدخل النار العاصي، وعلى المعتزلة القائلين بأن المعاصي موجبة للخلود في النار.\n\n <span id=\"b-٤٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-48>[حديث: بينا أنا نايم رأيت الناس يعرضون علي]</span>\n٢٣ - وبه قال: (حدثنا محمد بن عبيد الله) مصغرًا: ابن محمد بن زيد القرشي الأموي المدني، مولى عثمان بن عفان ﵁ (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة، التابعي، المدني، المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئة، (عن صالح) أبي محمد بن كيسان الغفاري المدني التابعي، المتوفى بعد أن بلغ من [العمر] مئة وستين سنة، وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين، (عن ابن شهاب): هو الزهري (عن أبي أُمامة)؛ بضم الهمزة: أسعد المختلَف في صحبته، ولم يصح له سماع، وإنما ذُكر في الصحابة لشرف الرؤية (بن سهل) وفي رواية: زيادة: (ابن حُنيف)؛ بضم المهملة، المتوفى سنة مئة عن نيف وتسعين سنة: (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ حال كونه (يقول: قال رسول الله ﷺ: بينا)؛ بغير ميم، أصله: (بين)؛ أشبعت الفتحة فصارت ألفًا، (أنا نائم؛ رأيت الناس) من الرؤيا الحلمية على الأظهر، أو من الرؤيا البصرية فتطلب مفعولًا واحدًا؛ وهو (الناس)، وحينئذٍ فيكون قوله: (يعرضون علي) جملة حالية، أو علميَّة من الرأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: (الناس يعرضون علي)؛ أي: يظهرون لي، (وعليهم قُمُص)؛ بضم الأَوَّلَين جمع (قميص) والواو للحال، (منها)؛ أي: من القمص (ما)؛ أي: الذي (يبلغ الثُّدِيَّ)؛ بضم المثلثة، وكسر المهملة، وتشديد المثناة التحتية: جمع (ثدي)، يذكر ويؤنث للمرأة والرجل، والحديث يردُّ على خَصِّه بالمرأة، وهو منصوب مفعول (يبلغ)، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الموصول، وفي رواية: (الثَّدْي) بفتح المثلثة وإسكان الدال، (ومنها)؛ أي: من القمص (ما دون ذلك)؛ أي: لم يصل للثدي لقصره.\n (وعُرِض علي)؛ بضم العين وكسر الراء: مبنيًّا للمفعول (عمر بن الخطاب) بالرفع نائب عن الفاعل، رضي الله تعالى عنه (وعليه قميص يجرُّه)؛ لطوله (قالوا)؛ أي: الصحابة، وفي رواية: قال؛ أي: عمر بن الخطاب أو غيره (فما أوَّلتَ)؛ أي: فما عبَّرت\n_________\n(^١) في الأصل: (تعملون).","vol":"1","page":9},{"text":"(ذلك يا رسول الله؟ قال) ﵇: أولت (الدينَ)؛ بالنصب: معمول (أولت).\nقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من الصدِّيق؛ لأنَّ المراد بالأفضل الأكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثواب، فمن كان دينه أكثر؛ فثوابه أكثر، وهو خلاف الإجماع، قال: قلت: لا يلزم ذلك؛ لأنَّ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع، وعلى تقدير الحصر؛ فلم يخص الفاروق بالثالث ولم يقصره عليه، ولئن سلمنا التخصيص؛ فهو معارَض بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التواتر المعنوي الدالة على أفضلية الصدِّيق، فلا تعارضها الآحاد، ولئن سلمنا التساوي بين الدليلين؛ لكن إجماع أهل السنة والجماعة على أفضليته، وهو قطع، فلا يعارضه الظني، وقد أنكر ذلك الشيعة والخوارج، قلنا: لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال، والأصل إجماع أهل السنة والجماعة) انتهى.\nوفي الحديث: التشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدين بالقميص؛ لأنَّه يستر العورة، وكذلك الدين يستره من النار، وفيه التفاضل في أهل الإيمان بالأعمال، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٩\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-49>[باب الحياء من الإيمان]</span>\nهذا (باب) بالتنوين: (الحياءَ) بالمد والرفع، مبتدأ، خبره (من الإيمان)، وحديثه سبق، وفائدة سياقه هنا: أنه ذكر الحياء هناك بالتبعية وهنا بالقصد، مع فائدة تغاير الطريق، أفاده في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٥٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-50>[حديث: دعه فإن الحياء من الإيمان]</span>\n٢٤ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التِّنِّيسي السابق (قال: أخبرنا)، وفي رواية: (حدثنا) (مالك) وفي رواية: (مالك بن أنس)، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، التابعي، المتوفى بالمدينة سنة ست ومئة، (عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵁: (أن رسول الله ﷺ مر) أي: اجتاز (على رجل من الأنصار وهو) أي: حال كونه (يعظ أخاه) من الدين، والرجلان لم يسمَّيا (في) شأن (الحياء) بالمد؛ وهو تغير وانكسار يحصل عند خوفِ ما يُعاب أو يذم، وهو من خصائص الإنسان، والوعظ: النصح، والتخويف، والتذكير، ومعناه كما قال التميمي: الزجر؛ أي: يزجره ويقول له: لا تستحي؛ لأنَّه كان كثير الحياء، وذلك يمنعه من استيفاء حقه، فوعظه أخوه على ذلك، ووقع هنا كلام بين ابن حجر وإمامنا الشيخ بدر الدين العيني في الرواية؛ كما بينه القسطلاني.\n (فقال) له (رسول الله ﷺ: دعه)؛ أي: اتركه على حيائه، (فإن الحياء من الإيمان)؛ أي: شعبة من شعب الإيمان، فـ (مِن) للتبعيض؛ كما مر، فالحياء يمنع من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه.\nفإن قلت: إذا كان الحياء بعض الإيمان، فإذا انتفى الحياء؛ انتفى بعض الإيمان، وإذا انتفى بعض الإيمان؛ انتفت (^١) حقيقة الإيمان؛ فينتج من هذه المقدمات انتفاء الإيمان عن من لم يستح، وانتفاء الإيمان كفر.\nقلت: لا نسلم صدق كون الحياء من حقيقة الإيمان؛ لأنَّ المعنى: فإنَّ الحياء من مكملات الإيمان، وفي الكمال لا يستلزم الحقيقة، نعم؛ الإشكال قائم على قول من يقول: الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا لم يقل به المحققون؛ كما قدمناه، أفاده في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٥١\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-51>[باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾]</span>\n (باب) بالتنوين والإضافة كما في «فرع اليونينية»، قال ابن حجر: والتقدير: (بابٌ في تفسير قوله)، و(بابُ تفسير قوله)، ونظر فيه إمامنا الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن المصنف لم يضع الباب لتفسير الآية، بل غرضه بيان أمور الإيمان، وبيان أن الأعمال من الإيمان، مستدلًّا على ذلك بالآية والحديث، فـ (باب) بمفرده لا يستحق إعرابًا؛ لأنَّه كتعديد الأسماء من غير تركيب، والإعراب لا يكون إلَّا بعد العقد والتركيب، اهـ، وقد سلمه القسطلاني؛ فليحفظ.\n (﴿فَإِن تَابُوا﴾)؛ أي: المشركون عن شركهم بالإيمان، (﴿وَأَقَامُوا﴾) أي: أدوا (﴿الصَّلاةَ﴾) على وجهها المعهود، (﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾) أعطوها؛ (﴿فَخَلُّوا﴾) أي: أطلقوا (﴿سَبِيلَهُمْ﴾) [التوبة: ٥] جواب شرط؛ أعني: ﴿فإن تابوا﴾، والمعنى: كفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم؛ لأنَّهم عصموا دماءهم وأموالهم بالرجوع عن الكفر إلى الإسلام وشرائعه، وفيه الرد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير محتاج إلى الأعمال.\n\n <span id=\"b-٥٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-52>[حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله]</span>\n٢٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد)؛ أي: ابن عبد الله، زاد في رواية: (المُسنَدي)؛ بضم الميم وفتح النون؛ وقد مر، (قال: حدثنا أبو رَوْح)؛ بفتح الراء وسكون الواو، واسمه (الحَرَمِي)؛ بفتح الحاء والراء المهملتين، وكسر الميم، وتشديد المثناة التحتية بلفظ النسبة، تثبت فيه (أل) وتحذف، وليس نسبة إلى الحرم؛ كما تُوُهِّم، (بن عُمارة)؛ بضم العين المهملة وتخفيف الميم؛ ابن أبي حفصة نابت؛ بالنون، العتكي البصري، المتوفى سنة إحدى وثمانين (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن واقد بن محمد) بالقاف، زاد في رواية: (يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر)، (قال: سمعت أبي) محمد بن زيد بن عبد الله (يحدث عن ابن عمر) بن الخطاب، عبد الله ﵄، فواقد روى هنا عن أبيه عن جد أبيه: (أن رسول الله ﷺ قال: أُمرت)؛ بضم الهمزة، مبنيٌّ لما لم يُسم فاعله (أنْ)؛ أي: أمرني الله تعالى بأن (أقاتل الناس)؛ أي: بمقاتلة الناس؛ وهو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بـ (الناس): المشركون، ويدل له رواية النسائي بلفظ: «أمرت أن أقاتل المشركين»، أو المراد: أهل الكتاب (حتى) أي: إلى أن (يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، والتصديق بالرسالة يتضمن التصديق بكل ما جاء به، (و) حتى (يقيموا الصلاة)؛ أي: يؤدوها بشروطها، (و) حتى (يؤتوا الزكاة)؛ أي: يعطوها لمستحقها.\nوفي (الجهاد) الاقتصار على قول: (لا إله إلا الله)، قاله وقت قتاله للمشركين الذين لا يقرُّون بالتوحيد، وأما حديث الباب؛ ففي أهل الكتاب المُقرِّين به الجاحدين لنبوته، وأما في (أبواب القِبلة): «وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قِبلتَنا، وذبحوا ذبيحتنا»؛ ففي مَن دخل الإسلام ولم يعمل الصالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيقاتَلوا حتى يرجعوا.\n (فإذا فعلوا ذلك) أو أعطوا الجزية، وأطلق الفعل على القول؛ لأنَّه فعل اللسان أو من باب التغليب؛ (عصموا)؛ أي: حفظوا ومنعوا (مني دماءهم وأموالهم)، فلا تُهدر دماؤهم، ولا تستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإسلام (إلا بحق الإسلام) مِنْ قتْلِ نفس، أو حدٍّ، أو غرامة، (وحسابهم) بعد ذلك (على الله) في أمر سرائرهم، وأما نحن؛ فإنَّما نحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، وأما أمور الآخرة؛ فمفوَّضٌ إلى الله، ولفظة (على) مشعرةٌ بالإيجاب؛ فظاهره غير مراد، فإما أن يكون المراد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيء، خلافًا للمعتزلة القائلين: بوجوب الحساب عقلًا، واقتُصر على الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الأولى بدنيَّة عماد الدين، والثانية مالية قنطرة الإسلام.\nويؤخذ من هذا الحديث: أن تارك الصلاة عمدًا معتقدًا وجوبها بترك فرض واحد؛ يُقتل حدًّا، وهو مذهب الشافعي، وفيه أنه لا يصح الاستدلال؛ لأنَّ المأمور فيه هو القتال، ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل؛ لأنَّ المفاعلة تستلزم وقوع الفعل من الجانبين، ولم يقل: مانع الزكاة، مع أن الحديث يشمله، ومذهب إمامنا الأعظم رئيس المجتهدين: أن تارك الصلاة يحبس إلى أن يحدث توبة ولا يقتل.\n\n <span id=\"b-٥٣\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-53>[باب من قال: إنَّ الإيمان هو العمل]</span>\n\n (باب) مضاف إلى ما بعده، ولا يجوز غيره، وارتفاعه؛ على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب (من قال: إنَّ الإيمان هو العمل) ردًّا على المرجئة القائلين: بأن الإيمان قول بلا عمل (لقوله تعالى) وفي رواية: (﷿): (﴿وَتِلْكَ﴾) مبتدأ، خبره قوله: (﴿الجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾)؛ أي: صُيِّرت لكم ميراثًا، فأطلق الإرث مجازًا عن الإعطاء؛ لتحقق الاستحقاق، أو المورِّث الكافر وكان له نصيب منه؛ ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن، (﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾) [الزخرف: ٧٢]؛ أي: تؤمنون، و(ما) مصدرية؛ أي: بعملكم، أو موصولة؛ أي: بالذي كنتم تعملونه، و(الباء) للملابسة؛ أي: أورثتموها ملابسة لأعمالكم؛ أي: لثوابها، أو للمقابلة؛ نحو: أُعطيت الشاة بالدرهم، ولا تنافي بين ما في الآية وبين حديث: «لن يدخل أحد الجنة بعمله»؛ لأنَّ المثبَت في الآية: الدخول بالعمل المقبول، والمنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عنه، والقبول من رحمة الله، فرجع الأمر إلى أن الدخول برحمته تعالى.\n (وقال عِدَّة)؛ بكسر العين وتشديد الدال؛ أي: عدد (من أهل العلم) كأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومجاهد، (في قوله تعالى) وفي رواية: (﷿): (﴿فَوَرَبِّكَ﴾) يا محمد (﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾)؛ أي: المقتسمين، وجواب القسم مؤكدًا باللام (﴿أَجْمَعِينَ﴾) [الحجر: ٩٢] تأكيد للضمير في ﴿لَنَسْأَلنَّهُمْ﴾ مع الشمول في إفراد المخصوصين (﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]؛ عن لا إله إلا الله) وفي رواية: (عن قول: لا إله إلا الله).\nقال النووي: المعنى: لنسألنَّهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف، فقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل، اهـ.\nقلت: وردَّ عليه ابن حجر في «فتحه»، واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وحاصله: أن دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تُقبل؛ لأنَّ الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره، فإن استدل بحديث الترمذي؛ فقد ضعف من جهة ليث، وليس التعميم في قوله: (أجمعين) حتى يدخل فيه المسلم\n_________\n(^١) في الأصل: (انتفى).","vol":"1","page":9},{"text":"والكافر؛ لكونه مخاطبًا بالتوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف.\nفالمانع من الثاني يقول: إنَّما يُسألون عن التوحيد فقط للاتفاق عليه، وإنَّما التعميم هنا في قوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فتخصيص ذلك بالتوحيد تحكُّمٌ، ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؛ لأنَّ في القيامة مواقف مختلفة وأزمنة متطاولة، ففي موقف أو زمان يُسألون، وفي آخرَ لا يُسألون، أو لا يُسألون سؤال استخبار، بل سؤال توبيخ وتقريع، اهـ؛ فليحفظ.\n (وقال) وفي رواية بدونها (﴿لمثل هذا﴾)؛ أي: لنيل مثل هذا الفوز (﴿فليعمل العاملون﴾) [الصافات: ٦١]؛ أي: فليؤمن المؤمنون، وهذا يشير إلى أنَّ الإيمان هو العمل، لكن اللفظ عام، ودعوى التخصيص بلا دليل لا تُقبل، إلَّا أنَّ إطلاق العمل على الإيمان صحيح؛ من حيث إنَّ الإيمان هو عمل القلب، ولا يلزم أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض المصنف جواز إطلاق العمل على الإيمان الذي هو عمل القلب؛ وهو التصديق؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٥٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-54>[حديث: أنَّ رسولَ الله سُئِل: أيُّ العمل أفضل</span>؟]\n٢٦ - وبه (حدثنا أحمد ابن يونس) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله اليربوعي، التميمي، الكوفي، المتوفى في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومئتين.\n (و) كذا حدثنا (موسى بن إسماعيل) المِنْقَري؛ بكسر الميم المتقدم (قالا) بالتثنية: (حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المتقدم، (قال: حدثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزُّهري، (عن سعيد بن المُسيِّب)؛ بضم الميم، وكسر المثناة التحتية، والفتح فيها أشهر، وكان يكرهه، ابن حَزْن؛ بفتح المهملة وسكون الزاي، التابعي، المتوفى سنة ثلاث وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجده صحابيان، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ سُئل) بالبناء للمفعول في محل رفع خبر (أن)، وأبهم السائل؛ وهو أبو ذر، وحديثه في العتق: (أي العمل أفضل؟)؛ أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى؛ وهو مبتدأ وخبر، (قال) وفي رواية: (فقال) ﵇: هو (إيمان بالله ورسوله، قيل) مجهول (قال)، أصله: (قَوِل) نقلت كسرة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار (قِوْل)؛ بكسر القاف وسكون الواو، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار (قِيل)، والقائل هو السائل الأول: (ثم ماذا؟)؛ أي: أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قال) ﵇: هو (الجهاد في سبيل الله)؛ لإعلاء كلمة الله (قيل: ثم ماذا) أفضل؟ (قال) ﵇: هو (حج مبرور)؛ أي: مقبول؛ أي: لا يخالطه إثم ولا رياء، وعلامة قبوله: أن يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما كان قبله، وفي حديث أبي ذر ذكر العتق ولم يذكر الحج، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم بالبر ثم الجهاد، وفي الحديث السابق السلامة من اليد واللسان.\nوقد أجيب: بأن اختلاف الأجوبة في ذلك؛ لاختلاف أحوال الأشخاص، وإنَّما قدم الجهاد على الحج؛ للاحتياج إليه أول الإسلام، وإنَّما عرَّفه دون أخويه؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجنس كالنكرة في المعنى، أو لأنَّ الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما فنُوِّنا للإفراد، والجهاد قد يتكرر فعُرِّف، والتعريف للكمال هنا.\n\n <span id=\"b-٥٥\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-55>[باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة]</span>\n (باب) بالتنوين يجوز فيه وجهان؛ الإضافة إلى الجملة بعده، وتكون (إذا) ظرفية محضة والتقدير: (باب حين عدم كون الإسلام... إلى آخره)، وأن ينقطع عن الإضافة، وتكون (إذا) متضمنة معنى الشرط، والجزاء محذوف، والتقدير: باب (إذا لم يكن)؛ أي: إن لم يكن (الإسلام على الحقيقة) الشرعية (وكان على الاستسلام)؛ أي: الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلام، (أو) كان على (الخوف من القتل) لا ينتفع به ولا ينجيه في الآخرة، وعلى كلٍّ: فارتفاع (باب) على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب إلى آخره، (لقوله تعالى) وفي رواية: (﷿): (﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ﴾)؛ بفتح الهمزة: أهل البدو، ولا واحد له من لفظه، وسمِّيت العرب؛ لأنَّه نشأ أولاد إسماعيل ﵇ بعربة؛ وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، ومقول قولهم: (﴿آمَنَّا﴾) نزلت في نفر من أسد بن خزيمة قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله ﵇: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون الصدقة ويمنون، فقال الله لرسوله: (﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾)؛ لأنَّ الإيمان تصديق مع طمأنينة قلب (﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾)؛ لأنَّ الإسلام انقياد ودخول في السلم والخروج عن أن يكون حربًا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]؟ فإنَّ كل ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب؛ فهو إسلام، وما واطأ القلب فيه اللسان؛ فهو إيمان.\nوالمعنى: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا؛ لأنَّكم لم تؤمنوا، وفيه حجة على الكرَّامية المرجئة في قولهم: الإيمان إقرار باللسان فقط ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ولم يقل: كتب في ألسنتهم؛ وكذا الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشهادتين.\n (فإذا كان) الإسلام (على الحقيقة) الشرعية المرادف للإيمان النافع عند الله؛ (فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾) [آل عمران: ١٩]؛ أي: لا دين مرضي عنده سواه، وفتح الكِسائي همزة ﴿إن﴾ على أنه بدل من ﴿أنه﴾ بدل كل من كل؛ إِنْ فُسِّر الإسلام بالإيمان، وبدل اشتمال؛ إِنْ فُسِّر بالشريعة، واستدل المؤلف بهذا على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وعلى أن الإسلام والإيمان مترادفان، وهو قول جماعة من المحدثين، وجمهور المتكلمين، والمعتزلة، واستدلوا بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، والأصل في الاستثناء: كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون الإسلام هو الإيمان.\nواعتُرض بقوله تعالى: ﴿قلْ لم تؤْمُنوا ولكِنْ قُولوا أَسْلَمنا﴾، وأجيب: بأنَّ الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية؛ بمعنى الانقياد في الظاهر دون الباطن، وبالجملة: لا يصح في الشرع أن يحكم على أنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا.\nوظاهر كلام أئمتنا: أنهم أرادوا عدم تغايرهما؛ بمعنى: أنه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم لما ذكر في «الكفاية شرح الهداية» من أن الإيمان: هو تصديق الله فيما أخبر به من أوامره ونواهيه، والإسلام: هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وذلك لا يتحقق إلَّا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فلا يتغايران، ومن أثبت التغاير؛ يقال له: ما حُكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابت للآخر؛ والأظهر بطلان قوله، وقدمنا ما يتعلق بهذا؛ فافهم.\nواستُدِلَّ أيضًا بقوله تعالى: (﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾)؛ أي: من يطلب (﴿غَيْرَ الإِسْلامِ﴾)؛ أي: غير التوحيد والانقياد لله تعالى (﴿دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾) [آل عمران: ٨٥] جواب الشرط، فلو كان الإيمان غير الإسلام؛ لم يقبل قط، فتعيَّن أن يكون عينه؛ لأنَّ الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام لقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾، فينتج أن الإيمان هو الإسلام، وسقط في رواية قوله: (﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾ ... إلى آخره).\n\n <span id=\"b-٥٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-56>[حديث: أن رسول الله أعطى رهطًا وسعد جالس]</span>\n٢٧ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (شعيب)؛ هو ابن أبي حمزة الأموي، (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد)؛ بسكون العين (بن أبي وقَّاص)؛ بتشديد القاف مالك القرشي، المتوفى بالمدينة سنة ثلاث ومئة، (عن) أبيه (سعد) المذكور، أحد العشرة المبشرين بالجنة، المتوفى آخرهم بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين، وحُمِل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، (﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أعطى) شيئًا من الدنيا (رهطًا) من المؤلَّفة لما سألوه؛ ليتألَّفهم لضعف إيمانهم، و(الرهط): العدد من الرجال لا امرأة فيهم من ثلاثة إلى عشرة، لا واحد له من لفظه، وجمعه: أرهط، وأراهط، وأرهاط، وأراهيط، (وسعد جالس) جملة اسمية وقعت حالًا، ولم يقل: وأنا جالس؛ تواضعًا أو من باب الالتفات من التكلم إلى الغَيبة، قال سعد: (فترك رسول الله ﷺ رجلًا) من الرهط؛ وهو جعيل بن سراقة الضمري المهاجري (هو أعجبهم إليَّ)؛ أي: أفضلهم أو أحبهم إليّ، والجملة نصب صفة لـ (رجلًا)، وإنما قال: (إليَّ)؛ على طريق الالتفات، (فقلت: يا رسول الله؛ مالك عن فلان؟)؛ أي: أيُّ سبب لعدولك عنه إلى غيره، و(فلان)؛ كناية عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذكر، (فوالله؛ إنِّي لأَراه مؤمنًا) بفتح الهمزة؛ أي: أعلمه، وفي رواية: بضمها؛ بمعنى أظنه، (فقال) وفي رواية: (قال)؛ أي: ﵇: (أوْ مسلمًا)؛ بسكون الواو، إضرابٌ عن قول سعد، ومعناه: النهي عن القطع بإيمانه، لا إنكاره مؤمنًا، قال سعد: (فسكتُّ) سكوتًا (قليلًا ثم غلبني ما)؛ أي: الذي (أعلم منه) من المحبة (فعدت)؛ أي: فرجعت (لمقالتي) مصدر ميمي بمعنى القول؛ أي: لقولي، وفي رواية: بسقوط (لمقالتي)، (فقلت): يا رسول الله؛ (ما لك) عدلت (عن فلان؟ فوالله؛ إنِّي لَأراه)؛ أي: أعلمه وأظنه (مؤمنًا، فقال) ﵇: (أو مسلمًا، فسكت) سكوتًا (قليلًا)، وفي رواية: سقط لفظ (فسكت قليلًا) (ثم غلبني ما)؛ أي: الذي (أعلم منه) من الصحبة (فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ)؛ أي: لمقالته، وإنما لم يقبل قولَه؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشهادة؛ بل هو مدح له، وفي رواية: سقط السؤال والجواب الثاني.\n (ثم قال) ﵇: (يا سعد؛ إنِّي لأعطي الرجل) الضعيف الإيمان العطاء أتألَّف به قلبه (وغيرُه أحب إليَّ منه) جملة حالية، وفي رواية: (أعجب إلي منه)، وفيه إشارة إلى إيمان جعيل، وقبول قول سعد فيه؛ (خشية أن يَكُبَّه الله)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الكاف، ونصب الموحدة بـ (أنْ)؛ أي: لأجل خشية كب الله إياه؛ أي: إلقائه منكوسًا (في النار) لكفره؛ إما بارتداده إن لم يُعْطَ أو لكونه ينسب النبي إلى البخل، وأما من قوي إيمانه؛ فهو أحب إلي، فأَكِلُه إلى الإيمان ولا أخشى عليه الكفر.\nوفيه دلالة على جواز الحلف على الظن، وجواز الشفاعة إلى الولاة،","vol":"1","page":10},{"text":"ومراجعة الشفيع، وأن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة، وأن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم، وأنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلَّا ما نص عليه، وأن الإقرار باللسان لا ينفع إلا مع الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماع؛ كما قدمناه.\n (ورواه)؛ أي: الحديث بالواو العاطفة، وفي رواية: بدونها (يونس) بن يزيد الأيلي (وصالح) هو ابن كيسان المدني (ومَعْمَر)؛ بفتح الميمين؛ ابن راشد البصري (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم، المتوفى سنة اثنين وخمسين ومئة، والأربعة (عن الزهري) محمد بن مسلم بإسناده هذا.\n\n <span id=\"b-٥٧\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-57>[بابٌ إفشاءُ السلامِ من الإسلام]</span>\n (باب) بالتنوين: (السلام من الإسلام)؛ أي: هذا باب بيان أن السلام من شعب الإسلام، وفي رواية: (إفشاء السلام من الإسلام)؛ وهو بكسر الهمزة؛ أي: إذاعة السلام ونشره، (وقال عمار) أبو اليقظان بالمعجمة؛ ابن ياسر بن عامر، المقتول بصفين مع علي في صفر سنة سبع وثلاثين، ومقول قوله: (ثلاث)؛ أي: ثلاث خصال (من جمعهن؛ فقد جمع الإيمان)؛ أي: حلاوته، وأشرق نوره عليه؛ أحدها: (الإنصاف)؛ وهو العدل (من نفسك)؛ باجتنابها النواهي (^١) وامتثالها الأوامر، وفي رواية بسقوط لفظ: (فقد)، (و) الثاني: (بذل السلام) بالمعجمة (للعالَم)؛ بفتح اللام؛ أي: لكل مؤمن عرفتَه أو لا، وخرج الكافر بدليل آخر، وفيه الحض على التواضع ومكارم الأخلاق، (و) الثالث: (الإنفاق من الإقتار)؛ بكسر الهمزة؛ أي: في حالة الشدة؛ الفقر، وفيه غاية الكرم؛ وهو شامل للإنفاق على العيال والأجانب.\n\n <span id=\"b-٥٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-58>[حديث: أن رجلًا سأل رسول الله: أيُّ الإسلام خير</span>؟]\n٢٨ - وبه قال: (حدثنا قتيبة) تصغير قِتبة؛ بكسر القاف، واحدة الأقتاب؛ وهي الأمعاء، وبها سُمِّي الرجل قتيبة، وكنيته: أبو رجاء، واسمه: علي بن سعيد بن جميل البغلاني؛ نسبة إلى بغلان؛ بفتح الموحدة وسكون المعجمة؛ قرية من قرى بلخ، المتوفى سنة أربعين ومئتين (قال: حدثنا الليث) بن سعد، (عن يزيد بن أبي حبيب) بالمهملة أوله، البصري، (عن أبي الخير) مَرثد بالمثلثة وفتح الميم، (عن عبد الله بن عمرو): هو ابن العاصي ﵁: (أن رجلًا): هو أبو ذر (سأل رسول الله ﷺ: أي) خصال (الإسلام خير؟ قال) ﵇: (تطعم) الخلق (الطعام، وتَقرأُ)؛ بفتح التاء وضم الهمزة، (السلام على من عرفتَه)؛ أي: على الذي عرفته، (و) على (مَن لم تعرفه) من المسلمين، فلا تخص به أحدًا؛ تكبرًا وتجبرًا؛ لأنَّ المؤمنين إخوة، وإنَّما لم يقل: وتؤكل الطعام؛ حتى يشمل الإعطاء والشرب وغيرهما؛ وقد تقدم.\nوإنما أعاده؛ لِمَا اشتمل عليه مع المغايرة بين المشايخ المغايرة الإسنادية.\n\n <span id=\"b-٥٩\"> </span>(٢١) <span data-type=\"title\" id=toc-59>[باب كفران العشير وكفر دون كفر]</span>\nهذا (باب) بدون تنوين؛ لإضافته لقوله: (كفران العشير)؛ وهو الزوج، وإنَّما سمي عشيرًا؛ لأنَّه معاشر؛ أي: مخالط، و(أل) فيه للجنس، والكفران من الكَفر؛ بالفتح؛ وهو الستر، ولهذا سُمي ضِدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه يستر الحق؛ أي: التوحيد، ولما كان الكفر يتفاوتمعناه؛ قال: (وكفر دون كفر)؛ أي: أقرب من كفر، فأخذُ أموال الناس بالباطل دونَ قتل النفس بغير حق، وفي رواية: (وكفر بعد كفر) والمعنى واحد، والجمهور على جر (وكفر) عطفًا على (كفران)، وفي رواية: (وكفر) بالرفع على القطع، وإنما خص كفران العشير من أنواع الذنوب؛ لقوله ﵇: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، فَقَرَنَ حق الزوج على الزوجة بحق الله تعالى، فَكُفْرُ نعمة الزوج هو كفر نعمة الله تعالى.\n (فيه)؛ أي: في الباب حديث (أبو سعيد) سعد بن مالك (عن النبي) الأعظم (ﷺ)؛ كما أخرجه المؤلف في (الحيض).\n\n <span id=\"b-٦٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-60>[حديث: أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن]</span>\n٢٩ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي المدني، (عن مالك): هو ابن أنس، (عن زيد بن أسلم) مولى عمر بن الخطاب ﵁، المكنى بأبي أسامة، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومئة، (عن عطاء بن يسار)؛ بمثناة تحتية ومهملة مخففة، القاص المدني الهلالي، مولى أم المؤمنين ميمونة، المتوفى سنة ثلاث ومئة، وقيل: أربع وتسعين، (عن ابن عباس) ﵄ (قال: قال النبي) الأعظم، وفي رواية: (عن النبي) (ﷺ: أُريت النار)؛ بضم الهمزة مبنيًا للمفعول من الرؤية؛ بمعنى أُبصرت، وتاء المتكلم هو المفعول الأول أقيم مقام الفاعل، (والنار (^٢» مفعول ثان؛ أي: أراني الله النار، وفي رواية: (فرأيت)، وفي أخرى: (ورأيت)، والظاهر أنها في ليلة الإسراء (فإذا أكثر أهلها)؛ أي: أهل النار (النساء)؛ برفع (أكثر) و(النساء)؛ مبتدأ وخبر، وفي رواية: بنصب (أكثر) و(النساء) مفعولي (رأيت)، وفي رواية: (رأيت النار فرأيت أكثر) بالرفع، وفي رواية: (أُريت النار أكثر أهلها النساء) فـ (رأيت)؛ بمعنى أُعلمت، و(التاء) و(النار) و(النساء)؛ مفاعيله، و(أكثر) بدل من (النار).\n (يكفرن)؛ بمثناة تحتية مفتوحة أوله؛ جملة مستأنفة، وفي رواية: (بكفرهن)؛ أي: بسبب كفرهن، (قيل): يا رسول الله؛ (أيكفرن بالله؟) الهمزة للاستفهام (قال) ﵇: لا؛ بل (يكفرن العشير)؛ أي: الزوج، فـ (أل) للعهد، أو المعاشر مطلقًا فتكون للجنس، (ويكفرن الإحسان).\nقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: كفران العشير ليس لذاته؛ بل الكفران له؛ هو الكفران لإحسانه، فالجملة الثانية في الحقيقة بيان للجملة الأولى، وكفران العشير والإحسان قيل: من الكبائر.\n (لو) وفي رواية: (إن) (أحسنت) يا مَن يتأتى منه العلم (إلى إحداهن الدهرَ) منصوب على الظرفية، و(الدهر)؛ الزمان؛ أي: مدة عمرك، وإفادة (لو) امتناع الشيء لامتناع غيره، فلِمَ (^٣) صحَّ (إنْ) في الرواية الثانية؟ وأجيب: بأنَّ (لو) هنا؛ بمعنى (إنْ) في مجرد الشرطية فقط، لا بمعناها الأصلي؛ فافهم، (ثم رأت منك شيئًا) منصوب مفعول (رأت)؛ أي: شيئًا قليلًا لا يوافق مزاجها أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها، فالتنوين فيه للتعليل أو للتحقير (قالت: ما رأيت منك خيرًا) مفعول (رأيت) (قطُّ)؛ بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر ظرف زمان؛ لاستغراق ما مضى.\nوفيه: وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطاعة، ومراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع، وجواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق.\n\n <span id=\"b-٦١\"> </span>(٢٢) [باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها]\nهذا (باب) بالتنوين، وهو ساقط في رواية: (المعاصي) مصدر ميمي؛ وهي مخالفة الشرع، ويجوز في (باب) الإضافة إلى ما بعده (من أمر الجاهلية)؛ وهي زمان الفترة قبل الإسلام، سُمِّيت بذلك؛ لكثرة جهالتهم، (ولا يُكْفَر)؛ بفتح المثناة تحت وسكون الكاف، وفي رواية: بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف، وتشديد الفاء مفتوحة (صاحبها بارتكابها)؛ أي: باكتسابها والإتيان بها، فلا ينسب إلى الكفر (إلا بالشرك)؛ أي: بارتكاب الشرك بالله تعالى، خلافًا للمعتزلة القائلين: بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر؛ بل هو فاسق، وللخوارج القائلين: بتكفيره، والذي حققه العلماء في كتب التوحيد أن المعتزلة فسقة؛ لأنَّهم من أهل التوحيد، وقيد بـ (الارتكاب)؛ للاحتراز عن الاعتقاد، فلو اعتقد حِلّ حرام معلوم من الدين بالضرورة يكفر؛ (لقول النبي) الأعظم (ﷺ) لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية)؛ أي: فعلت فعلًا من أفعال الجاهلية بأن عيرته بأمه (وقول الله تعالى) وفي رواية: (﷿) وفي أخرى: (وقال الله): (﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾) نزلت في قضية وحشي قاتل حمزة، إلى أن قال للنبي ﵇: إنِّي أشركت بالله، وقتلت النفس، وزنيت، فهل يقبل الله مني توبة؟ فأنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطًا فلعلي لا أعمل صالحًا أنا في جوارك (^٤) حتى أسمع كلام الله، فنزلت هذه الآية، والمراد بـ (الشرك): الكفر؛ لأنَّ من جحد نبوة نبينا ﵇ كان كافرًا ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بالإجماع، (﴿وَيَغْفِرُ﴾) الله (﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾) أي: الشرك (﴿لِمَن يَشَاءُ﴾) [النساء: ٤٨] الغفران له، فكل من مات على التوحيد؛ غير مخلد في النار، وإن ارتكب جميع المعاصي غير الشرك.\nوهذا أعظم دليل على بطلان قول مَن قال: إنَّ المغفرة لأهل بيت النبوة محقَّقةٌ لهم وإنَّ ذنوبهم صورية لا معنوية، وإنَّ ذنوبهم مغفورة لهم بدون توبة، وإنَّه لا أحد منهم يدخل النار، وألَّف في ذلك رسالة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، والمراد بـ ﴿الرِّجْسَ﴾: الزكاة؛ كما بُيِّن في محلِّه، ولم يلتفت إلى قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا [العَذَابُ] ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، قال القرطبي: فتُحَدُّ حدَّين، وقال تعالى لنوح: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] فأخرجه من نسبه؛ لأنَّه أشرك بالله تعالى، وقد ردَّيتُ عليه بكلام آخر أوضحته في «شرحي على مختصر القدوري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-62>[حديث: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية]</span>\n٣٠ - وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب)؛ بالموحدة الأزدي البصري (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (عن واصل) بن حَيَّان بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية المشددة، وفي رواية: (عن واصل الأحدب)، وفي رواية: (هو الأحدب)؛ أي: الأسدي الكوفي، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، (عن المعرور)؛ بعين مهملة ورائين مهملتين بينهما واو، وفي رواية زيادة: (ابن سويد) بضم السين؛ أبو أمية الأسدي الكوفي (قال) وفي رواية: (وقال): (لقيت أبا ذر) بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء؛ جندب- بضم الجيم والدال المهملة وقد تفتح- ابن جُنادة- بضم الجيم- الغفاري؛ نسبة إلى قبيلة من كنانة، القائل: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال، المتوفى (بالرَّبَذَة) سنة اثنتين وثلاثين؛ وهي بفتح الموحدة والراء المشددة، والذال المعجمة؛ موضع بينه وبين المدينة ثلاث مراحل، قريبة من ذات عرق، (وعليه)؛ أي: لقيته حال كونه عليه (حُلَّة)؛ بضم المهملة واللام المشددة؛ وهي إزار ورداء، ولا يسمى حُلَّة حتى يكون ثوبين، وسميت بذلك؛ لحلول أحد الثوبين على الآخر، (وعلى غلامه) قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: واسم هذا الغلام لم يبين في الروايات، ويحتمل أن يكون أبا مرواح مولى أبي ذر (حُلَّة)؛ أي: وحال كون غلامه عليه حُلَّة؛ فهي ثلاثة أحوال، (فسألته عن ذلك)؛ أي: عن تساويهما في لبس الحُلَّة، وإنما سأله عن ذلك؛ لأنَّ عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون ثياب سيده، والذي فعله أبو ذر؛ كان خلاف المألوف، (فقال) أبو ذر: (إني ساببت)؛ بموحدتين؛ أي: شاتمت (رجلًا)؛ هو بلال المؤذن مولى أبي بكر ﵄ (فعيرته) بالعين\n_________\n(^١) في الأصل: (النواهم).\n (^٢) في الأصل: (والناس).\n (^٣) في الأصل: (فلما).\n (^٤) في الأصل: (جورك).","vol":"1","page":10},{"text":"المهملة؛ أي: نسبْته إلى العار (بأمه)، وفي (الأدب): (وكانت أمه أعجمية؛ فنلت منها)، وفي رواية: (فقلت له: يا ابن السوداء)، (فقال لي النبي) الأعظم (ﷺ: يا أبا ذر؛ أعيرته بأمه؟!)؛ بالاستفهام الإنكاري التوبيخي، وهذا كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية فيه، ولذا قال له ﵇: (إنك امرؤٌ)؛ بالرفع خبر (إنَّ)، وحركةُ عينِ كلمتِه تابعةٌ للامها في الأحوال الثلاث؛ كما وضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ فراجعه (فيك جاهلية)؛ بالرفع مبتدأٌ قُدِّم خبرُه؛ وهو (فيك).\nوروي: أنه لمَّا شكاه بلال؛ قال له ﵇: «شتمت بلالًا وعيرته بسواد أمه؟!» قال: نعم، قال: «حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية»، فألقى أبو ذر خده على التراب، ثم قال: لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه؛ فوطئ خده؛ كذا في «القسطلاني».\n (إخوانكم) في الإسلام (خَوَلكم)؛ بفتح أوله المعجمة والواو؛ أي: خدمكم أو عبيدكم، وقدم الخبر على المبتدأ؛ للاهتمام بشأن الأخوة، ويجوز أن يكونا خبرين؛ أي: هم إخوانكم هم خولكم، وأعربه الزركشي بالنصب؛ أي: احفظوا، قال: وقال الإمام أبو البقاء العكبري (^١) الحنفي: إنَّه أجود، اهـ.\nورواه المؤلف في (حسن الخلق): «هم إخوانكم»، قلت: وهو لا يرجِّح تقدير الرفع كما قيل؛ لأنَّ هذا الحديث هنا لم يصرح بقوله: هم إخوانكم، وهذه الاحتمالات مبنية على هذه الرواية المذكورة هنا، وفيما يأتي يتعيَّن الرفع ويرتفع الاحتمال؛ فافهم.\n (جعلهم الله تحت أيديكم)؛ مجاز عن القدرة أو الملك، (فمَن) موصولة مبتدأ (كان أخوه): اسم (كان) (تحت يده): منصوب خبر (كان)، والجملة صلة الموصول، وقوله: (فليطعمه)؛ بضم المثناة التحتية: خبر المبتدأ، والفاء لتضمنه معنى الشرط، و(الفاء) في (فمَن)؛ فإنها عاطفة على مقدَّر؛ تقديره: وأنتم مالكون إياهم فمن... إلخ، (مما يأكل) يجوز أن تكون (ما) موصولة والعائد محذوف؛ تقديره: مِن الذي تأكله، وأن تكون مصدرية؛ أي: مِن أكله، وإنما لم يقل: مما يطعم؛ رعاية للمطابقة؛ لأنَّ الطعم يجيء بمعنى الذوق، (وليُلبسه)؛ بضم المثناة التحتية (مما) أي: من الذي (يلبس)؛ أي: يلبسه؛ بفتح المثناة التحتية، ويجوز في (الفاء) في (فمَن) أن تكون سببية؛ كما في ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، و(مِن) للتبعيض، فإذا أطعمه مما يقتاته؛ كان قد أطعمه مما يأكله، ولا يلزمه أن يطعمه من كل مأكوله (^٢) على العموم، لكن يستحب له ذلك.\n (ولا تكلفوهم ما) أي: الذي (يغلبهم)؛ أي: تعجز قدرتهم عنه، والنهي فيه للتحريم، (فإن كلفتموهم)؛ أي: ما يغلبهم؛ (فأعينوهم) عليه، ولا يخفى أنه يلحق بالعبد الدابة، والخادم، والأجير، والضيف، ويستفاد من الحديث: النهي عن سب العبيد وتعييرهم، والحث إلى الإحسان إليهم والرفق بهم، قال القسطلاني: وإن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنَّما هو بالتقوى، فلا يفيد الشريفَ النَّسبِ نسبُه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويفيد الوضيعَ النَّسبِ التقوى (^٣)، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، اهـ.\nقلت: وهذا موافق لما قدمته لك، وهو يدل على بطلان قول هذا المتعصِّب الذي قد أحدث في الشريعة أمرًا يوصل إلى هتك الشريعة في حق أهل البيت، والله الموفق، وفيه الحث على التواضع وعدم الترفع على المسلم وإن كان عبدًا، وفيه جواز إطلاق الأخ على الرقيق، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٣\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-63>[باب: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾]</span>\nهذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية (﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾)؛ أي: تقاتلوا، والجمع باعتبار المعنى، فإن كل طائفة جمع؛ (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾) [الحجرات: ٩] بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى، وفي رواية: (﴿اقتتلوا...﴾؛ الآية)، (فسماهم المؤمنين)، وفي رواية: (مؤمنين مع تقاتلهم)، فعُلِمَ أنَّ صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، ولا يخلد في النار، وفيه: دلالة على وجوب قتال الفئة الباغية على إمام الحق بغير حق؛ وهو مذهب إمامنا الأعظم رئيس المجتهدين ﵁.\n\n <span id=\"b-٦٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-64>[حديث: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار]</span>\n٣١ - وبه قال: (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العَيْشي؛ بفتح العين المهملة، وسكون المثناة التحتية، وبالشين المعجمة، البصري، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم أبو إسماعيل، الأزرقي، الأزدي، البصري، المتوفى سنة تسع وسبعين ومئة (قال: حدثنا أيوب)؛ هو السختياني، (ويونس) بن عبيد بن دينار، البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة؛ كلاهما (عن الحسن) أبي سعيد بن أبي الحسن الأنصاري، المتوفى سنة ست عشرة ومئة، (عن الأحنف)، من الحنف-وهو الاعوجاج في الرجل- بالمهملة والنون: أبي بحر الضحاك، (بن قيس) بن معاوية المخضرم، المتوفى بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير، (قال: ذهبت لأنصُر) أي: لأجل أن أنصر (هذا الرجل): هو علي بن أبي طالب؛ كما في «مسلم»، وللمؤلف في (الفتن): أريد نصرة ابن عم رسول الله ﷺ، وكان ذلك يوم وقعة الجمل، (فلقيني أبو بَكْرة) نُفَيع-بضم النون وفتح الفاء- ابن الحارث بن كَلَدة؛ بالكاف واللام المفتوحتين، المتوفى بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، (فقال) لي: (أين تريد؟ قلت)، وفي رواية: (فقلت): أريد مكانًا؛ لأنَّ السؤال عن المكان والجواب بالفعل؛ فيؤوَّل بذلك، (أنصر) أي: لكي أنصر (هذا الرجل، قال: ارجع) وكان منعه اجتهادًا منه، فهو مثاب عليه، (فإني سمعت رسول الله ﷺ) حال كونه (يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما)، وفي رواية: (إذا توجه المسلمان بسيفيهما) فضرب كل واحد منهما الآخر؛ (فالقاتل والمقتول في النار)؛ أي: يستحقَّانها، وأمرهما مفوض إليه تعالى؛ كما في حديث عبادة: «فإن شاء؛ عفا عنهما، وإن شاء؛ عاقبهما، ثم أخرجهما من النار، فأدخلهما الجنة»؛ كما ثبت في حديث أبي سعيد، وفيه إشارة إلى مذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب، وأجيب بالمنع؛ لما علمت.\nوهذا الحديث ليس عامًا، فإن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة؛ لأنَّ قتالهم عن اجتهاد وظنِّ صلاح، فهما مأجوران، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد (^٤)، والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة: الإمساك عما صدر بين الصحابة وحسن الظن بهم، فإنَّهم مجتهدون، وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، والجمهور على أن عليًّا ﵁ وأشياعه كانوا مصيبين؛ لأنَّه كان أحقَّ الناس بها وأفضل من على وجه الأرض حينئذٍ؛ فتأمل، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بَكْرة في ذلك، وشهد مع عليٍّ باقي حروبه، والله أعلم.\nقال أبو بكرة: (فقلت) وفي رواية: (قلت): (يا رسول الله؛ هذا القاتل) يستحق النار؛ لكونه ظالمًا (فما بال المقتول)؛ وهو مظلوم؟ (قال) ﵇: (إنه كان حريصًا)؛ أي: شجيعًا (على قتل صاحبه)، وإنما أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة، في سلك القتل وهو كبيرة؛ لمجرد كونهما في النار فقط، وإن تفاوتا صغرًا وكبرًا، وفيه دلالة على أن من عزم على المعصية بقلبه ووطَّن في نفسه عليها؛ أَثِمَ في اعتقاده وعزمه، ولهذا جاء بلفظ (الحرص).\nويُحمل قوله ﵇: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلموا أو تعملوا به»، والحديث الآخر: «إذا هم عبدي بسيئة؛ فلا تكتبوها عليه» على أن ذلك فيما لم يوطِّن نفسه عليها، وإنما مرَّ ذلك من غير استقرار، ويُسمَّى هذا: همًّا، وبه يفرَّق بين الهمِّ والعزم، وإن عزم؛ تكتب سيئة، فإذا عملها؛ كتبت معصية ثانية؛ كذا حققه الشيخ الإمام بدر الدين العيني ﵁.\n\n <span id=\"b-٦٥\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-65>[باب ظلم دون ظلم]</span>\nهذا (باب) بالتنوين: (ظلم دون ظلم)؛ أي: بعضه أخف من بعض، وهذه الترجمة لفظ رواية حديث رواه أحمد ابنحنبل من (كتاب الإيمان) من حديث عطاء بن أبي رباح.\n\n <span id=\"b-٦٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-66>[حديث: لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾]</span>\n٣٢ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، الباهلي، البصري السابق، (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج.\n (ح) مهملة؛ للتحويل، وأكثر الروايات بدونها، وعليه شرح الشيخ الإمام بدر الدين العيني (قال) يعني: المؤلف: (وحدثني) بالإفراد (بِشْر)؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة، وفي رواية: (ابن خالد) أبو محمد العسكري، المتوفى سنة ثلاث وخمسين ومئتين، (قال: حدثنا محمد)، وفي رواية: (محمد بن جعفر)؛ أي: الهذلي البصري المعروف بغُنْدر، المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومئة، (عن شعبة)؛ هو ابن الحجاج، (عن سليمان) بن مهران الأعمش، الأسدي الكاهلي، الكوفي، ولد يوم قتل الحسين؛ يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، وعند المؤلف: سنة ستين، المتوفى سنة ثمان ومئة، (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النَّخَعي أبي عمران الكوفي، الفقيه الثقة، المتوفى وهو مختف من الحجاج سنة ست وتسعين، (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله، المتوفى سنة اثنتين وستين، وقيل: وسبعين، (عن عبد الله) بن مسعود ﵁: (لما نزلت) وفي رواية: قال: لما نزلت هذه الآية: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾) [الأنعام: ٨٢] واللبس: الخلط؛ أي: لا تخلطوا إيمانكم بظلم؛ أي: عظيم؛ وهو الشرك؛ إذ لا أعظم منه، وورد التصريح به عند المؤلف: قلنا: يا رسول الله؛ أيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، بل ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ بشرك،\n_________\n(^١) في الأصل: (العبكري).\n (^٢) في الأصل: (مالوله).\n (^٣) في الأصل: (بالتقوى).\n (^٤) في الأصل: (من أصاب له أجران ومن أخطأ له أجر واحد) والوجه اقتران الجواب بالفاء.","vol":"1","page":11},{"text":"ألم تسمعوا إلى قول لقمان...؛ فذكر الآية الآتية.\nونقل القسطلاني عن التميمي: أنَّه منع تصور خلط الإيمان بالشرك، وحمله على عدم حصول الصفتين لهم، كفر متأخر عن إيمان متقدم؛ أي: لم يرتدوا، أو المراد: أنَّهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا؛ أي: لم ينافقوا، قال: وهذا أوجه؛ فتأمل.\n (قال أصحاب رسول الله) وفي رواية: (النبي ﷺ): (أيُّنا لم يظلم؟)؛ أي: نفسه؛ كما في الرواية السابقة مبتدأ وخبره، والجملة مقول القول، (فأنزل الله)، وفي رواية زيادة: (﷿) عقب ذلك: (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])، وإنما حملوه على العموم؛ لأنَّ قوله: ﴿لَظُلْمٌ﴾ نكرة، وهي في سياق النفي فتعُم، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة ﵃ من هذه الآية، فبين لهم النبي ﵇: أن ظاهره غير مراد؛ بل هو من العام الذي أريد به الخاص.\nوالمراد بالظلم: الشرك، ومعنى الظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، وإنما فهموا حصر الأمن والاهتداء فيمن لم يلبس إيمانه حتى ينتفيا عمن لبس؛ مِن تقديم ﴿لَهُمُ﴾ على ﴿الأَمْنُ﴾ في قوله: ﴿لَهُمُ الأَمْنُ﴾؛ أي: لهم لا لغيرهم، ومِن تقديم ﴿وَهُم﴾ على ﴿مُهْتَدُونَ﴾.\nوفي الحديث: أنَّ المعاصي لا تسمى شركًا، وأنَّ من لم يشرك بالله شيئًا؛ فله الأمن وهو مهتد، وإن عُذِّبَ؛ فإنَّ مآله إلى الجنة، وأن درجات الظلم تتفاوت، وأن العام يطلق ويراد به الخاص (^١)، والمفسر يقضي على المجمل، وأن النكرة في سياق النفي تعُم، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره.\n\n <span id=\"b-٦٧\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-67>[باب علامة المنافق]</span>\nهذا (باب علامات المنافق) وسقط لفظ (باب) عند الأصيلي، وإنما لم يعبر بآيات الموافق للحديث؛ إشارة إلى أنه ورد بلفظ علامات؛ كما في «صحيح أبي عوانة»؛ فافهم، والعلامات: جمع علامة؛ وهي ما يستدل به على الشيء، والنفاق: مخالفة الظاهر للباطن، فإن كان في اعتقاد الإيمان؛ فهو نفاق الكفر، وإلَّا؛ فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه؛ كما أوضحه في «عمدة القاري»، و(المنافق) من باب المفاعلة للاثنين؛ لكنها هنا من باب (خادع) و(طارق)؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٦٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-68>[حديث: آية المنافق ثلاث]</span>\n٣٣ - وبه قال: (حدثنا سليمان أبو الربيع) بن داود الزهراني العتكي، المتوفى بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم، المدني، المتوفى ببغداد سنة ثمانين ومئة (قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل) الأصبحي التميمي المدني، المتوفى بعد الأربعين، (عن أبيه) مالك جد مالك الإمام، المتوفى سنة ثنتي عشرة ومئة.\nومعنى قولهم في مالك: (إمام الأئمة)؛ أي: أئمة مذهبه والآخذين عنه كالشافعي، وأما إمام الأئمة على الإطلاق الذي إذا قيل: الإمام الأعظم؛ انصرف إليه؛ رئيس المجتهدين بلا نزاع الإمام المقدم التابعي الجليل أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، وأسكنه في أعلى الجنان، فإنَّ الإمام مالك أخذ عنه الفقه، والإمام الشافعي أخذ عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام الأعظم، والإمام أحمد أخذ عن الشافعي، فهو البحر، وكلهم اغترفوا منه، قدس الله روحه ونوَّر ضريحه.\n (عن أبي هريرة) ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: آية المنافق)؛ أي: علامته، واللام للجنس، و(آية) مبتدأ، وقوله: (ثلاث) خبره؛ لأنَّه اسم جمع، ولفظه مفرد، والتقدير: آية المنافق معدودة بالثلاث.\nقال ابن حجر العسقلاني: (وإنما أفرد إما على إرادة الجنس أو أن العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق) انتهى، واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني فقال: (كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك؟ لأنَّ التاء فيها كالتاء في «تمرة»، والآية والآي؛ كالتمرة والتمر، قال: وقوله: «إنما تحصل...» إلى آخره؛ يُشعر بأنه إذا وجد واحد فيه من الثلاث لا يطلق عليه منافق، وليس كذلك؛ بل يطلق عليه اسم المنافق، غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها؛ يكون منافقًا كاملًا) انتهى.\nأحدها: (إذا حدَّث) غيرَه في كلِّ شيء؛ (كذب) -بتخفيف الذال الممعجمة- عليه وأخبره بخلاف الواقع.\nالثانية منها: (وإذا أوعد) غيرَه بشيء في المستقبل؛ (أخلف) في وعده فلم يف به، وهو من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الوعد نوع من التحديث؛ لكنه أفرده؛ لزيادة قبحه، وخلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عَرَض له مانع أو بدا له رأي؛ فهذا لم يوجد منه صورة النفاق، ويدل لذلك ما في «أبي داود»: «إذا أوعد الرجل أخاه ومِن نيَّته أن يفي له، فلم يف؛ فلا إثم عليه»، ولا يخفى أنَّ هذا في الوعد بالخير، أما في الشر أو الإيذاء؛ فيجب؛ أي: يفترض إخلافه؛ فليحفظ.\n (و) الثالثة منها: (إذا اؤتمن) -بصيغة المجهول، من الائتمان- أمانة؛ (خان) بأن تصرف فيها من غير إذنه.\nوإنما اقتصر على هذه الثلاث؛ أنَّ الديانة ثلاثة: قول، وفعل، ونية، ففساد القول بالكذب، وفساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف، وحينئذ لا تعارض بين ما يأتي بلفظ: «أربع من كن فيه...»، والرابعة: إذا عاهد غدر؛ لأنَّ معنى الغدر: الخيانة، فإذا وجدت هذه الخصال في مسلم؛ فهل يكون منافقًا؟ أجيب: بأنها خصالُ نفاقٍ لا نفاقٌ، إما على المجاز، أو أنَّ المراد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو المراد: مَن اتصف بها وصارت عادة له، يدل له التعبير بـ (إذا) المفيدة لتكرار الفعل، أو المراد: الإنذار والتحذير عن ارتكابها، أو أنه ورد في رجل معين وكان منافقًا، أو المراد: المنافقون في زمنه ﵇.\n\n <span id=\"b-٦٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-69>[حديث: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا]</span>\n٣٤ - (تابعه)؛ أي: تابع سفيانَ الثوري (شعبةُ) بن الحجاج في روايته (عن الأعمش)، وقد وصله في (المظالم)، وفائدة هذه المتابعة؛ كون الحديث مرويًّا من طريق آخر.\n\n <span id=\"b-٧٠\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-70>[بابٌ قيامُ ليلة القدرِ من الإيمان]</span>\nهذا (باب) بالتنوين، وهو ساقط في رواية (قيام ليلة القدر من الإيمان)؛ أي: شعبه.\n\n <span id=\"b-٧١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-71>[حديث: من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا]</span>\n٣٥ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع البَهراني؛ بفتح الموحدة، الحمصي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قال: أخبرنا شعيب)؛ هو ابن أبي حمزة (قال: حدثنا أبو الزناد)؛ بالنون عبد الله بن ذكوان القرشي، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ: مَن يَقم ليلة القدر) للطاعة، و(يَقم)؛ بفتح المثناة تحت: من (قام يقوم)، وقع هنا متعديًا، ويدل له حديث الشيخين: «من قامه...» إلى آخره، (إيمانًا) أي: تصديقًا (واحتسابًا) لوجهه تعالى لا للرياء، منصوبان على المفعول له، والأوجه أن يكونا على الحال، مصدرًا؛ بمعنى الوصف؛ أي: مؤمنًا محتسبًا؛ (غفر له ما تقدم من ذنبه) إلا حقوق العباد؛ فإنَّها لا تسقط إلَّا بالأداء أو الرضا بالإجماع، وفيه دلالة على جعل الأعمال إيمانًا؛ أي: من ثمراته، و(ليلة) منصوب مفعول به لا فيه؛ كذا قيل، وجملة (غفر له) جواب الشرط، وقد وقع ماضيًا وفعل الشرط مضارعًا؛ وهو جائز على قول البعض، على حدِّ قوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم [مِّنَ السَّمَاءِ] آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤]، وإنما عبر بالمضارع هنا وفي قيام رمضان بالماضي؛ لأنَّ قيام رمضان وصيامه محقَّقَا الوقوع، بخلاف ليلة القدر؛ لعدم تعيُّنها، وقيل: استعمل لفظ الماضي في الجزاء مع أن المغفرة في زمن الاستقبال؛ إشارة إلى تحقق وقوعه على حدِّ قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١].\n\n <span id=\"b-٧٢\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-72>[باب الجهاد من الإيمان]</span>\nهذا (باب) بالتنوين: (الجهاد) قتال الكفار؛ لإعلاء كلمته تعالى، شعبة (من) شعب (الإيمان)؛ أي: ثمرة من ثمراته، ولفظ (باب) ساقط عند الأصيلي كعادته.\n\n <span id=\"b-٧٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-73>[حديث: انتدب الله لمن خرج في سبيله]</span>\n٣٦ - وبه قال: (حدثنا حرمي بن حفص) بن عمر العَتَكي؛ بفتح المهملة والمثناة الفوقية؛ نسبة إلى العتيك بن الأسد، القَسْمَلي؛ بفتح القاف، وسكون المهملة، وفتح الميم؛ نسبة إلى قَسْمَلة؛ قبيلة من الأزد، البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي؛ نسبة إلى عبد القيس، البصري، الثقفي؛ نسبة إلى ثقيف، المتوفى سنة سبع وسبعين ومئة (^٢) (قال: حدثنا عُمارة)؛ بضم العين المهملة: ابن القعقاع بن شبرمة، الكوفي الضبي؛ نسبة إلى ضبة بن أد بنِ طابخة (قال: حدثنا أبو زرعة) هرم أو عبد الرحمن أو عمرو أو عبد الله (بن عمرو) وفي رواية زيادة: (ابن جرير) البَجَلي؛ بفتح الموحدة والجيم؛ نسبة [إلى] بجيلة بنت صعب (قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: انْتَدب الله)؛ بنون ساكنة، ومثناة فوقية مفتوحة، ودال مهملة، من ندبت فلانًا؛ فانتدب؛ أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: ندبه إلى الأمر؛ دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل؛ كما رواه المؤلف، وفي رواية زيادة: (﷿) (لمن خرج في سبيله) حال كونه (لا يُخرجه إلا إيمانٌ) وفي رواية: (إلا الإيمان)، وفي رواية: (إلا إيمانًا)، (بي وتصديقٌ برسلي) بالرفع فيهما؛ فاعل (لا يخرجه)، وبالنصب فيهما مفعول له؛ أي: لا يخرجه المخرجُ، فالاستثناءُ مفرَّغٌ، وإنما قال: (بي) ولم يقل: به؛ للالتفات من الغَيبة إلى التكلم، وذكر ركن الدين الكرماني أن في رواية: (أو تصديق) بدل الواو، فهي بمعناها، وأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله، وهو مستلزم للإيمان بالله، واعترضه ابن حجر: بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ (أو)، انتهى.\nقلت: بل هو ثابت في «أصل فرع اليونينية» كهي (أو) بالألف قبل الواو، وعلى الألف (لا س) علامة سقوط الألف عند من رقم له\n_________\n(^١) في الأصل: (العام)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (سبع وسبعين ومئتين وألف)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":11},{"text":"بالسين؛ وهو ابن عساكر الدمشقي؛ فليحفظ.\n (أن أَرجعه)؛ بفتح الهمزة من (رجع)، و(أنْ) مصدرية، والأصل: بأن أرجعه؛ أي: برجوعه إلى بلده، وفي رواية: بضم الهمزة (بما نال)؛ أي: بالذي أصابه من النيل وهو العطاء، (من أجر) فقط إن لم يغنموا، (أو) أجر مع (غنيمة) إن غنموا، أو أنَّ (أو) بمعنى الواو، وعبَّر بالماضي موضع المضارع؛ لتحقق وعده تعالى، (أو) أنْ (أدخله الجنة) مع المقربين بلا حساب ولا عقاب؛ لأنَّ الشهادة تكفرها، أو عند موته لقوله: ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].\n (ولولا أن أشق) أي: لولا المشقة (على أمتي ما قعدت خلفَ) بالنصب على الظرفية؛ أي: ما قعدت بعد (سرية)؛ بل كنت أخرج معها بنفسي؛ لعظم أجرها، وسبب المشقة: صعوبة تخلفهم بعده، ولا قدرة لهم على المسير معه، وشفقة عليهم، و(لولا) امتناعية، و(أنْ) مصدرية في موضع رفع بالابتداء، و(ما) وقعت جواب (لولا)، وأصله (لما) فحُذِفت اللام، (ولوددت)؛ أي: والله لوددت؛ أي: أحببت (أني أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل)؛ بضم الهمزة في الكل، وفي رواية: بالفاء.\nوإنما ختم بقوله: (ثم أُقتل) والقرار إنَّما هو على حالة الحياة؛ لأنَّ المراد الشهادة، فختم الحال عليها أو الإحياء للجزاء من المعلوم، و(ثم) للتراخي في الرتبة أو الزمان، وتمنِّيه ﵇ المراد به: حصول ثواب الشهادة، لا تمني المعصية للقاتل، وفيه استحباب طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ويعارضه قوله ﵇: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية»، إلا أن يُحمل الأول على طلب الثواب، والثاني على هجوم العدو مع عدم قدرة الدفع؛ فتأمل.\n\n <span id=\"b-٧٤\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-74>[بابٌ تطوع قيام رمضان من الإيمان]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (تطوُّعُ) (تفعُّل)، ومعناه: التكليف بالطاعة، والمراد به هنا: التنفل؛ وهو رفعٌ بالابتداء، وقوله: (قيامِ رمضان) مضاف إليه، و(رمضان) ممنوع من الصرف؛ للعلمية والألف والنون، وفي رواية: بدون التنوين في (باب) مضافًا لما بعده، وفي رواية: زيادة لفظ (شهر)، وفي رواية: سقوط لفظ (باب) (من الإيمان)؛ أي: من ثمراته.\n\n <span id=\"b-٧٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-75>[حديث: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا]</span>\n٣٧ - وبه قال: ([حدثنا] إسماعيل) بن أبي أويس المدني الأصبحي (قال: حدثني) بالإفراد (مالك): هو ابن أنس وهو خاله، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف، أبو إبراهيم، القرشي المدني الزهري، وأمه أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان بن عفان لأمه، المتوفى بالمدينة سنة خمس ومئة، قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ وهو الصحيح، قاله ابن حجر العسقلاني، (عن أبي هريرة) ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: مَن قام) بالطاعة صلاة التراويح وغيرها في ليالي (رمضان) حال كون قيامه (إيمانًا)؛ أي: مؤمنًا مصدقًا بالله، (و) حال كونه (احتسابًا)؛ أي: محتسبًا له تعالى لا للرياء؛ (غُفِر له ما تقدم من ذنبه) إلا حقوق العباد، فالمغفورة؛ الذنوب الصغائر، وأما الكبائر؛ فلا تسقط إلا بالتوبة أو الحد، وما ورد من الغفران في قيام رمضان، وفي صومه، وليلة القدر، وكفارة صوم يوم عاشوراء سنة، ويوم عرفة سنتين، وما بين الرمضانين للذنوب بواحد، فما الذي يكفره الآخر؟ فإن كل واحد يكفر الصغائر، فإن لم توجد؛ فإنَّه يرفع له درجات، ويكتب له حسنات، ويخفف عنه في الموقف، ويسهل عليه الصعود على الصراط، وفضل واسع.\n\n <span id=\"b-٧٦\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-76>[باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين، وهو ساقط عند الأصيلي كعادته: (صوم رمضان) حال كونه (احتسابًا) أي: محتسبًا (من الإيمان)؛ أي: من ثمراته، ولم يقل: (وإيمانًا)؛ اختصارًا أو لاستلزام الاحتساب الإيمان.\n\n <span id=\"b-٧٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-77>[حديث: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا]</span>\n٣٨ - وبه قال: (حدثنا ابن سلَام)؛ بتخفيف اللام، وفي رواية: (البيكندي)، وفي أخرى: (محمد بن سلام) (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (محمد بن فُضَيل)؛ بضم الفاء وفتح المعجمة: ابن غزوان الضبي مولاهم، الكوفي، المتوفى سنة تسع وخمسين ومئة (قال: حدثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري قاضي المدينة، (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ: مَن صام رمضان) كله عند قدرته عليه، أو بعضه عند مرضه ونيِّته إكماله حال كون صيامه (إيمانًا و) حال كونه (احتسابًا)؛ أي: مؤمنًا محتسبًا مصدقًا به مخلصًا به؛ (غُفِر له ما تقدم من ذنبه) الصغائر، والكبائر بالتوبة والحدِّ، ونصب (رمضان) على الظرفية، وأتى بـ (احتسابًا) بعد (إيمانًا)؛ للتوكيد.\n\n <span id=\"b-٧٨\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-78>[بابٌ الدين يسر]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين، وهو ساقط عند الأصيلي: (الدينُ) مبتدأ؛ أي: الإسلام، فـ (أل) للعهد، وقوله: (يسرٌ) خبر؛ أي: عينه ذو يسُْرة؛ بضم السين وسكونها؛ ضد العسر، ومعناه التخفيف، (وقولِ) بالجر معطوف على ما أضيف إليه الباب، وفي رواية: بالرفع (النبي) الأعظم (ﷺ: أحبُّ الدينِ) مبتدأ؛ بمعنى المحبوب؛ أي: أحب خصال دين الإسلام (إلى الله) تعالى الملةُ (الحنيفيةُ) خبر؛ أي: المائلة عن الباطل إلى الحق، والمراد بالحنيفية: الإبراهيمية (السمحةُ)؛ أي: السهلة المخالفة لأديان الأمم السالفة، بالرفع صفة (الحنيفية).\nوهذا التعليق وصله المؤلف في «الأدب»، وأحمد، والطبراني، وإنما ذكره ترجمة؛ لأنَّه ليس على شرطه.\n\n <span id=\"b-٧٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-79>[حديث: إنَّ الدين يسر]</span>\n٣٩ - وبه قال: (حدثنا عبد السلام بن مُطَهَّر)؛ بضم الميم وفتح الطاء المهملة، والهاء المشددة: ابن حسام الأزدي البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عمر بن علي) بن عطاء المقدمي البصري المتوفى سنة تسعين ومئة، (عن مَعْن بن محمد)؛ بفتح الميم وسكون العين المهملة: ابن معن (الغِفاري)؛ بكسر الغين المعجمة؛ نسبة إلى غِفار الحجاز، فإن قيل: ما حكم حديث رواية عمر بن علي المدلِّس بالعنعنة عن معن؟ أجيب: بأنها محمولة على ثبوت سماعه من جهة أخرى كجميع ما في «الصحيحين» عن المدلسين؛ كما أوضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني، (عن سعيد بن أبي سعيد) واسمه كيسان (المَقْبُري)؛ بفتح الميم، وسكون القاف، وضم الموحدة؛ نسبة إلى مقبرة بالمدينة، المدني، أبي سعْد؛ بسكون العين، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنينسنة خمس وعشرين ومئة، وكان سماع معن عن سعيد قبل اختلاطه، (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: إن الدين يسر).\nقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: أي: ذو يسر، وذلك لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرط، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتأويل، أو الدين يسر؛ أي: عينه، على المبالغة، فكأنَّه لشدة اليسر وكثرته نفس اليسر؛ كما يقال الإمام الأعظم فقه (^١)؛ لأنَّه صار عين الفقه، ومنه رجل عَدْل، و(اليسر)؛ بالضم والفتح؛ نقيض العسر، ومعناه: التخفيف، إما بالنسبة إلى ذاته، أو بالنسبة إلى سائر الأديان؛ وهو الظاهر؛ لأنَّ الله تعالى رفع عن هذه الأمة الأضر الذي كان على من قبلهم، كعدم جواز الصلاة إلَّا في المسجد، وعدم الطهارة بالتراب، وقطع الثوب الذي يصيبه النجاسة، وقبول التوبة بقتل أنفسهم، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، انتهى؛ فليحفظ.\nوالتأكيد بـ (إنَّ)؛ ردًّا على منكرِ يُسرِ هذا الدين على تقدير كون المخاطب منكِرًا، وإلَّا؛ فعلى تقديره تنزيله منزلة المنكِر، وإلَّا؛ فعلى تقدير: المنكرين غير المخاطب، وإلَّا؛ فلكون القضية ممَّا يهتم بها، انتهى.\n (ولن يشادَّ هذا الدينَ أحد) وفي رواية: بإسقاط لفظ (هذا)؛ بالشين المعجمة وإدغام سابق المثلين في لاحقه؛ من المشاددة؛ وهي المغالبة؛ أي: لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق (إلا غلبه) الدينُ، وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، و(يشاد) منصوب بـ (لن)، و(الدين) نُصب بإضمار الفاعل؛ أي: لن يشادَّ الدينَ أحدٌ، وفي رواية: برفع (الدين) على أنَّ (يُشادَّ) مبني لما لم يسم فاعله، واعترض بأن أكثر الروايات بالنصب، وجمع بينهما بالنسبة إلى روايات المشارقة والمغاربة.\n (فسددوا) بالمهملة من السَّداد؛ وهو التوسط بالعمل؛ أي: الزموا السداد من غير إفراط ولا تفريط، (وقاربوا) بالموحدة؛ أي: في العبادة، إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل؛ فاعملوا بما يقرب منه، (وأبشروا)؛ بقطع الهمزة من الإبشار، وفي لغة: بضم الشين من البشرى؛ بمعنى الإبشار؛ أي: أبشروا بالثواب على العمل، وأبهم المبشَّر به؛ للتنبيه على تعظيمه، وسقط (وأبشروا) في رواية، (واستعينوا)؛ أي: اطلبوا الإعانة (بالغدوة): سير أول النهار إلى الزوال أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، كالغداة والغدية (والروحة): اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وضبطهما الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ بفتح الراء في (الرَّوحة) وضم الغين المعجمة في (الغُدوة)، قال: وهو الصحيح، وتبعه على ذلك ابن الأثير في «النهاية»، وضبطهما الشيخ ركن الدين الكرماني وتبعه ابن حجر؛ بفتح أولهما، قلت: والمشهور الأول، كما لا يخفى؛ فافهم، (وشيءٍ)؛ أي: واستعينوا بشيء (من الدُّلْجة)؛ بضم الدال المهملة وإسكان اللام: سير آخر الليل أو الليل كله، ومن ثَم عبر بـ (مِن) التبعيضية، وقد أوضحه في «عمدة القاري»؛ ولأن عمل الليل أشرف من عمل النهار، وفي هذا استعارة الغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٠\"> </span>(٣٠) <span data-type=\"title\" id=toc-80>[باب الصلاة من الإيمان]</span>\nهذا (باب) بالتنوين وترْكِه بإضافته إلى الجملة بعده؛ لأنَّ قوله: (الصلاة) مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: (من الإيمان)؛ أي: الصلاة شعبة من شعب الإيمان، ولفظ (باب) ساقط عند الأصيلي كعادته، (وقول الله تعالى) وفي رواية: (﷿)، ويجوز فيه الجر عطفًا على المضاف إليه، والرفع عطفًا على لفظ (الصلاة): (﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالخطاب؛ لأنَّ المقام يقتضي الغَيبة؛ لكنه قصد تعميم الحكم للأمة الأحياء والأموات،\n_________\n(^١) في الأصل: (فقيه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":12},{"text":"فذكر الأحياء المخاطبين؛ تغليبًا لهم على غيرهم (يعني: صلاتكم) بمكة (عند البيت) المراد به: الكعبة؛ لأنَّها المرادة عند الإطلاق.\nوقال ابن عباس: كان يصلي ﵇ إلى بيت المقدس؛ لكنه لا يستدبر الكعبة؛ بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون: أنه كان إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة؛ استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنَّه يجمع بين القولين.\n\n <span id=\"b-٨١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-81>[حديث: أن النبي كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده]</span>\n٤٠ - وبه قال: (حدثنا عمرو بن خالد)؛ بفتح العين: ابن فروخ الحنظلي الحراني، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا زُهَير)؛ بضم أوله وفتح ثانيه مصغرًا: ابن معاوية بن حُديج بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، آخره جيم، الجُعفي الكوفي، المتوفى سنة اثنتين وسبعين ومئة (قال: حدثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي التابعي، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة، (عن البرَاء)؛ بتخفيف الراء والمد على المشهور، وفي رواية: (عن البراء بن عازب) بن الحارث الأنصاري الأوسي، المتوفى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين: (أن النبي) الأعظم (ﷺ كان أولَ ما قدِم)؛ بكسر الدال ونصب (أول) على الظرفية، لا خبر (كان)، كما وهم الزركشي؛ فإنَّ خبر (كان) قوله: (نزل) في أول قدومه (المدينة)؛ أي: مدينة النبي الأعظم ﵇، فـ (أل) للعهد، وتسمى طيبة؛ أي: في هجرته من مكة (نزل على أجداده أو قال)؛ أي: أبو إسحاق (أخواله من الأنصار): (مِن) للبيان، وهذا شكٌّ من أبي إسحاق.\nوالمراد بالأجداد: هم من جهة الأمومية، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز؛ لأنَّ هاشمًا جدَّ أب النبي الأعظم ﵇ زوِّج من الأنصار، ونزوله ﵇ كان في بيت جدِّي الصحابي الجليل أبي أيوب خالد بن زيد ﵁، وأقام عنده سبعة أشهر، وبعث وهو عنده، وهذه فضيلة عظيمة؛ حيث اختار النبي النزول في بيت جدي ﵁.\n (وأنه)؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (صلَّى قِبَل)؛ بكسر القاف وفتح الموحدة، والجملة رفع خبر (أنَّ) (بيت المقدس) مصدر ميمي كـ (المرجع)، منصوب على الحال؛ أي: حال كونه متوجهًا إليه (ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا) على الشك في رواية زهير هنا، وجزم مسلم بالأولى، فيتعيَّن اعتمادها؛ وهي الصحيحة، قبل بدر بشهرين، وجزم القاضي ومالك بن أنس بصحة الثانية، والجمع بينهما: أنَّ من جزم بالأولى؛ أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، والمعنى: الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بالثانية؛ عدَّهما معًا، ومن شكَّ؛ تردد في ذلك وكان القدوم في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، وسقط في روايةٍ قوله: (شهرًا) الأول.\n (وكان) النبي الأعظم ﵇ (يعجبه) خبر (كان) (أن تكون قبلتُه قِبَل)؛ بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: كون قبلته جهةَ (البيت) الحرام؛ أي: كان يحب ذلك فـ (أن تكون) في محل رفع فاعل (يعجبه)، و(أنْ) مصدرية، والتقدير كما علمته، (وأنَّه)؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي الأعظم ﵇، عطفًا على (أنه) السابقة (صلى أول صلاة صلاها)؛ متوجِّهًا إلى الكعبة، وجملة (صلى) من الفعل والفاعل محلُّها رفع خبر (أنَّ)، وبنصب (أولَ) مفعول (صلى) (صلاة العصر) بدل منه، وأعربه ابن مالك: بالرفع، وسقط لفظ (صلى) في رواية.\nوجاء في «الترمذي»، و«النسائي»، و«الشيخين» في (الصلاة): عن ابن عمر قال: (بينا الناس في صلاة الصبح)، وفي «مسلم» عن أنس: (أنها الصبح)، والجمع بين الروايتين: أنَّ التي صلاها مع النبي العصر، مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة؛ وهي العصر، فهذا رواية البراء، وأما رواية ابن عمر وأنس: أنَّها الصبح؛ فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم، ومال بعض المتأخِّرين إلى ترجيح رواية الصبح؛ لأنَّها جاءت عن صحابيَّين، لكن الصواب أنَّها العصر؛ كما أوضحه في «عمدة القاري».\n (وصلى معه)؛ أي: مع النبي الأعظم ﵇ (قومٌ) مرفوع فاعل؛ وهو موضوع للرجال دون النساء، ولا واحد له من لفظه، وقد تدخلن النساءُ فيه على سبيل التبَع، (فخرج رجل ممن صلى معه)؛ وهو عبَّاد بن بشر بن قيظي، أو عباد بن نَهِيك-بفتح النون وكسر الهاء- ابن أساف الخطمي، أو عباد بن وهب؛ وهي أقوالٌ ثلاثةٌ، أصحها أوسطها، (فمر على أهل مسجد) من بني سلمة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين في صلاة العصر (وهم راكعون) يَحتمل أن يراد حقيقة الركوع، وأن يراد به الصلاة؛ من إطلاق الجزء وإرادة الكل، قلت: والظاهر الأول، (فقال) لهم: (أشهد) أي: أحلف (بالله؛ لقد صليت مع رسول الله) وفي رواية: (مع النبي) الأعظم (ﷺ قِبَل مكة)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، واللام: للتأكيد، و(قد) للتحقيق، وجملة (أشهد) اعتراض بين القول ومقوله، (فداروا)؛ أي: سمعوا كلامه فداروا، فالفاء فصيحة (كما هم) عليه (قِبَل البيت) الحرام، ولم يقطعوا الصلاة؛ بل أتموها إلى جهة الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين.\nوهذه الكاف تحتمل وجهين؛ الأول: أن تكون للاستعلاء؛ كما في نحو: كن كما أنت، والتقدير هنا: فداروا على ما هم عليه، وفي إعرابه أوجه؛ الأول: أن تكون (ما) موصولة، و(هم) مبتدأ، وخبره محذوف؛ وهو (عليه)، الثاني: أن تكون (ما) زائدة ملغاة، والكاف زائدة، و(هم) ضمير مرفوع أنيب عن المجرور؛ كما [في] قولك: ما أنا كأنت، والمعنى: فداروا في الحال مماثلين لأنفسهم في الماضي، الثالث: أن تكون (ما) كافة، و(هم) مبتدأ، وحذف خبره؛ وهو (عليه) أو (كائنون)، الرابع: أن تكون (ما) كافة أيضًا، و(هم) فاعل، والأصل: كما كانوا، ثم حذفت (كان)؛ فانفصل الضمير، الوجه الثاني: أن تكون الكاف كاف المبادرة، والمعنى: فداروا مبادرين في حالهم التي هم عليها، والوجه الأول هو الأحسن، أفاده في «عمدة القاري»؛ وهو في غاية التحقيق،\nوفيه دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب؛ أي: القرآن، وبه قال إمامنا الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور، وللشافعي فيه قولان، وكذا أحمد، وأجازه مالك.\nوفيه دليل على جواز الاجتهاد بالقبلة؛ وهو مذهب الإمام الأعظم، وجواز الاجتهاد بحضرة الرسول، وفيه خلاف.\nوفيه دليل على أنَّ من صلَّى بالاجتهاد إلى غير القبلة ثم تبين له الخطأ بعدما فرغ؛ لا يلزمه الإعادة؛ لأنَّه فعل ما عليه؛ لأنَّ أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنِّهم بقاء الأمر؛ فلم يؤمروا بالإعادة؛ وهو مذهب الإمام الأعظم.\nوفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين؛ بل إلى أربع جهات، كمن صلى إلى جهة باجتهاد ثم تبدل اجتهاده إلى أخرى؛ يستدير... وهكذا حتى لو صلى أربع ركعات كل ركعة إلى جهة؛ فإنه جائز؛ وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال الشافعي.\n (وكانت اليهود قد أعجبهم) أي: النبي الأعظم ﵇ و(هم) منصوب على المفعولية؛ (إذ كان) ﵇ (يصلي قِبَل بيت المقدس)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليه، و(إذ) ظرف بمعنى: حين)، والمعنى: أعجب اليهود حين كان يصلي ﵇ قِبَل بيت المقدس، و(إذ) إنَّما تقع بدلًا عن المفعول؛ كما في قوله: ﴿إذ انتبذت﴾ [مريم: ١٦]، وهنا المفعول هو الضمير المنصوب؛ فلا يصح أن يكون بدلًا منه؛ لفساد المعنى، والضمير المستتر في (أَعجب)؛ ضمير الفاعل؛ فافهم، والإضافة في (بيت المقدس)؛ من إضافة الموصوف إلى صفته كـ (صلاة الأولى)، والمشهور فيه الإضافة، وقد جاء على الصفة: (البيت المقدس)، قال أبو علي: تقديره: بيت مكان الطهارة، (وأهلُ الكتاب) بالرفع عطفًا على اليهود؛ وهو من عطف العام على الخاص، وقال ركن الدين الكرماني: أو المراد بهم النصارى فقط، خاص عطف على خاص، قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنَّ النصارى لا يصلُّون لبيت المقدس، فكيف يعجبهم؟ واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأن الكرماني لما قال: المراد به: النصارى فقط؛ قال: وجعلوا تابعة؛ لأنَّهم لم يكن قبلتهم، بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود، على أن نفس الحديث يشهد بإعجاب النصارى أيضًا؛ لأنَّ قوله: (وأهل الكتاب) إذا كان عطفًا على (اليهود)؛ يكونون داخلين فيما وصف به اليهود، فالنصارى من جملة أهل الكتاب، فهم أيضًا داخلون فيه، والأظهر أن يكون (وأهلَ الكتاب)؛ بالنصب على أن الواو فيه بمعنى (مع)؛ أي: كان يصلي قِبَل بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهذا وجه صحيح، ولكن يحتاج إلى تصحيح الرواية بالنصب، وفي هذا الوجه أيضًا يدخل فيه النصارى؛ لأنَّهم من أهل الكتاب، انتهى؛ وهو في غاية التحقيق؛ فليحفظ.\n (فلما ولَّى) ﵇ (وجهَه قِبَل البيت)؛ أي: أقبل ﵇ وجهَه نحو الكعبة؛ (أنكروا ذلك)؛ أي: أنكر أهل الكتاب توجيهه إليها، فعند ذلك نزلت: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ ... الآية [البقرة: ١٤٢]؛ كما صرح به المؤلف في رواية من طريق إسرائيل.\n (قال زهير) بالتصغير؛ يعني: ابن معاوية: (حدثنا أبو إسحاق) يعني: الهمداني السبيعي، (عن البراء) بن عازب (في حديثه هذا) وفي رواية: (أبو إسحاق في حديثه عن البراء): (أنه مات على القبلة) أي: المنسوخة (قبل أن تحوَّل) أي: قبل التحويل إلى الكعبة (رجالٌ) عشرة؛ منهم: عبد الله بن شهاب الزهري القرشي مات بمكة، والبراء بن معرور الأنصاري بالمدينة (وقُتِلوا)؛ بضم أوله وكسر ثانيه.\nوفائدة ذِكر القتل: بيان كيفية موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أن الواو بمعنى (أو)؛ فيكون شكًّا؛ لكن القتل فيه نظر؛ فإن تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، وإنما يوجد في باقي الروايات ذكر الموت فقط، أفاده القسطلاني، قلت: احتمال الشك بعيد، ومراده أنه مات رجال وسبب موتهم كان القتل.","vol":"1","page":12},{"text":"وقوله: إن التحويل كان قبل نزول القتال؛ لا ينافي ذكر القتال؛ لأنَّ القتال كان في جميع الأمم الماضية، وليس المعنى أنهم قُتلوا قصاصًا؛ بل في وقعة من الوقعات، وجُلُّ سؤال زهير عن هذا؛ فتأمل.\n (فلم ندر ما نقول فيهم؛ فأنزل الله تعالى) وفي رواية: (﷿): (﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها، وقال الكرماني: يَحتمل أن يكون المؤلف ذكر قول زهير معلقًا، واعترضه ابن حجر بأن المؤلف ساقه في (التفسير) موصولًا مع جملة الحديث، وردَّه الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأنَّ صورته صورة تعليق، وأنَّه لا يلزم من سوقه في (التفسير) جملة واحدة أن يكون هذا موصولًا غير معلق، انتهى؛ فليحفظ.\nوفي الحديث دليل على صحة نسخ الأحكام؛ وهو مجمع عليه، خلافًا لليهود، ووجوب الصلاة إلى القبلة، والإجماع على أنَّها الكعبة، وعلى شرف النبي الأعظم ﷺ وكرامتِه على ربه؛ حيث يعطي له ما يحبه من غير سؤال.\n\n <span id=\"b-٨٢\"> </span>(٣١) <span data-type=\"title\" id=toc-82>[باب حسن إسلام المرء]</span>\nهذا (باب حسن إسلام المرء) بإضافة (باب) لما بعده، وهو ساقط عند الأصيلي.\n\n <span id=\"b-٨٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-83>[حديث: إذا أسلم العبد فحسُنَ إسلامه]</span>\n٤١ - وبه قال: (قال مالك) وفي رواية: (وقال)، وفي أخرى: (قال: وقال مالك) هو ابن أنس: (أخبرني) بالإفراد (زيد بن أسلم) أبو أسامة القرشي المكي، مولى عمر بن الخطاب: (أن عطاء بن يسار)؛ بفتح المثناة تحت والسين المهملة: أبا محمد المدني، مولى أم المؤمنين ميمونة (أخبره أن أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري)؛ بالدال المهملة ﵁ (أخبره: أنه سمع رسول الله ﷺ) حال كونه (يقول) بالمضارع حكاية حالٍ ماضية: (إذا أسلم العبد) وكذا الأَمة، وخصَّ الذكر؛ تغليبًا، (فحسن إسلامه) أو إسلامها بالدخول فيه ظاهرًا وباطنًا، أو المراد: المبالغة في الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة؛ (يُكَفِّر)؛ بضم المثناة تحت، وفتح الكاف، مع تشديد الفاء المكسور،: من التكفير؛ وهو التغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطاعات، وقال الفاضل جار الله الزمخشري: التكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب زائد أو بتوبة، انتهى (الله عنه) وعنها، جزاء الشرط؛ أعني: (إذا)، ويجوز فيه الرفع والجزم، وذلك إذا كان فعل الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا، وعند الجزم يلتقي الساكنان، فتحرك بالكسر؛ لأنَّه الأصل، ولكن الرواية هنا بالرفع، وفي روايةٍ: (كَفَّر الله) بصيغة الماضي، فوافق فعل الشرط؛ فليحفظ، (كلَّ سيئة) منصوب مفعول (يُكَفِّر) (كان زلَفها) بتخفيف اللام المفتوحة، وفي رواية: بتشديد اللام، وفي أخرى: (أَزْلَفها) بزيادة همزة مفتوحة؛ وهما بمعنًى واحد؛ أي: أسلفها وقدمها، (وكان بعد ذلك)؛ أي: بعد حسن الإسلام (القصاصُ) بالرفع اسم (كان) على أنَّها ناقصة، أو فاعل على أنَّها تامة، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع؛ (الحسنةُ) بالرفع مبتدأ، خبره (بعشر)؛ أي: تُكتب أو تُثبت في الصحف أو في الميزان بعشر (أمثالها) حال كونها منتهية (إلى سبع مئة ضِعف)؛ بكسر الضاد: المثل إلى ما زاد، يقال: لك ضعفه؛ يريدون: مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنَّه زيادة غير مخصوصة؛ كذا في «القاموس».\nوزعم بعض الشافعية أنَّ التضعيف لا يتجاوز سبع مئة، وأجيب: بأنه أخرج المؤلف في (الرقاق) من حديث ابن عباس: «كتب الله له عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة»، وهو يرد عليه.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ فالمراد: أنه يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء؛ بأن يجعلها سبع مئة، أو أنه يضاعف السبع مئة بأن يتجاوزها بأضعاف، لما في «أبي عاصم» عن أبي هريرة أنه قال: (إن الله يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة).\nوفي حديث مالك مما أسقطه المؤلف: أن الكافر إذا حَسُن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، فالله من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام؛ فبالأَولى أن يتفضَّل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب، وإنما أسقط المؤلف هذه الزيادة؛ لأنَّ القاعدة: أنَّ الكافر لا يُثاب على طاعته في شركه، وردَّه النووي بأن الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الإجماع: أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة القربى؛ كصدقة، وصلة رحم، وإعتاق، ثم أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتب له، والحديث الآتي يدل عليه، فدعوى أنه مخالف للقواعد غير مسلَّمة.\nوأما قول الفقهاء: لا تصح عبادةٌ من كافر، ولو أسلم؛ لم يعتدَّ بها؛ فمرادهم: لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرُّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل: بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة؛ فهو مجازف، فيرَدُّ قوله بهذه السنة الصحيحة.\n (والسيئةُ) بالرفع مبتدأ خبره (بمثلها) أي: لا يُزاد عليها (إلَّا أن يتجاوز الله) سبحانه (عنها)؛ أي: عن السيئة فيعفو عنها، وفيه دليل ظاهر لأهل السنة: أنَّ العبد تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أخذه، وهو يردُّ قول القائل: إن ذنوب أهل البيت مغفورة لهم بدون توبة، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين: أن مرتكب الكبيرة في النار، وقال ابن حجر: أول الحديث يردُّ على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأنَّ الحُسن تتفاوت درجاته.\nقلت: هذا كلام ساقط؛ لأنَّ الحُسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما؛ لأنَّ الذات من حيث هو هو لا يقبل ذلك؛ كما عرف في موضعه، أفاده الشيخ الإمام بدر الدين العيني قُدِّس سرُّه، قلت: وقدمنا ما يتعلق بذلك أول الكتاب؛ فيراجع.\n\n <span id=\"b-٨٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-84>[حديث: إذا أحسن أحدكم إسلامه]</span>\n٤٢ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: (حدثني) (إسحاق بن منصور) بن أبي بَهرام؛ بفتح الموحدة على المشهور، أبو يعقوب الكَوسج، من أهل مرو، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (عبد الرزاق) بن همَّام بن نافع اليماني الصنعاني، المتوفى سنة إحدى عشرة ومئتين، وكان شيعيًّا (قال: أخبرنا مَعْمَر)؛ بميمين مفتوحتين: ابن راشد، أبو عروة البصري، وتقدم، (عن همَّام)؛ بتشديد الميم، وفي رواية: (عن همَّام بن مُنَبِّه)؛ بضم الميم، وفتح النون، وتشديد (^١) الموحدة، بن كامل أبي عقبة اليماني الذماري الأبناوي (^٢)، التابعي، المتوفى بصنعاء سنة إحدى عشرة ومئة، (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أحسن أحدكم إسلامه) باعتقاده، وإخلاصه، وبدخوله فيه بالباطن والظاهر، وفي رواية: (إذا أحسن إسلام أحدكم)، والخطاب فيه بحسب اللفظ، وإن كان للحاضرين من الصحابة؛ لكن الحكم عام؛ لما علم أن حكمه ﵇ على الواحد حكم على الجماعة إلَّا بدليل منفصل، وكذا حكم تناوله النساء، وكذا فيما إذا قال: إذا أسلم المرء أو العبد؛ فإن المراد منه: الرجال والنساء جميعًا بالاتفاق، بقي كيفية التناول أهي حقيقة شرعية أم عرفية أو مجاز أو غير ذلك؟ أفاده في «عمدة القاري»، قلت: والظاهر الأول، والله أعلم.\n (فكلُّ) الفاء في جواب (إذا) (حسنة يعملها) مبتدأ، خبره قوله: (تُكتب له بعشر أمثالها) حال كونها منتهية (إلى سبع مئة ضِعف)؛ بكسر الضاد المعجمة؛ أي: مثل، وأتى هنا بـ (كل)، وفي الحديث السابق بـ (أل)، ولا فرق بينهما في المعنى؛ لأنَّ (أل) هناك للاستغراق، و(كل) أيضًا للاستغراق.\n (وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها) زاد مسلم: (حتى يلقى الله)، ولا فرق في إطلاق الحسنة والسيئة بالحديث السابق، والتقييد هنا بقوله: (يعملها)؛ لأنَّ المطلق محمول على المقيد، وزاد هنا لفظ (تُكتب)، وأسقطها في الحديث السابق، فهي مقدرة؛ لأنَّ الجارَّ لا بُدَّ له مِن متعلق؛ وهو (تُكتب) أو نحوها، والباء في (بمثلها) للمقابلة، أفاده في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٨٥\"> </span>(٣٢) <span data-type=\"title\" id=toc-85>[بابٌ أحب الدين إلى الله أدومه]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (أحبُّ الدين إلى الله) زاد في رواية: (﷿) (أدومُه) خبر عن (أحبُّ)، ومحبة الله للدين: إيصال الثواب عليه، و(أحب) و(أدوم) كل منهما (أَفعل) تفضيل من الدوام؛ وهو شمول الأزمنة؛ أي: التأبيد، والمراد: الدوام العرفي؛ وذلك قابل للكثرة والقلة.\n\n <span id=\"b-٨٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-86>[حديث: مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا]</span>\n٤٣ - وبه قال: ([حدثنا] محمد بن المثنَّى)؛ بالمثلثة والنون المفتوحة المشددة: أبو موسى البصري المعروف بالزَّمِن؛ مرَّ، (قال: حدثنا يحيى)؛ هو ابن سعيد القطان الأحول؛ كما مرَّ، (عن هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوَّام؛ وقد مرَّ، (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂: (أنَّ النبي) الأعظم (ﷺ دخل عليها): جملة محلها الرفع خبر (أنَّ)، (و) الحال (عندها امرأة، فقال) بالفاء وفي رواية: بحذفها، فيكون جملة اسمية استئنافية؛ أعني: جواب سؤال مقدر، كأنه يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَن هذه؟) مبتدأ وخبر؛ أي: المرأة (قالت) أي: عائشة: هي (فلانةُ) خبر لمبتدأ محذوف، غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه كناية عن كل علم مؤنث (^٣)؛ وهي الحولاء -بالحاء المهملة والمد- بنت تويت؛ بمثناتين مصغرًا، من بني أسد، وكانت صالحة عابدة مهاجرة ﵂.\n (تَذكر)؛ بفتح المثناة الفوقية؛ أي: عائشة، وفي رواية: بالمثناة التحتية المضمومة، مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وقوله: (من صلاتها) في محل رفع مفعول نائب عن الفاعل، والمعنى: يذكرون أن صلاتها كثيرة، وفي رواية زيادة: (لا تنام بالليل)، وعلى الأول: هي محلها النصب على المفعولية، ولعل عائشة أَمِنت عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مسند الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأة، فلما قامت؛ قال ﵇: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله؛ هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة، فظاهر هذه الرواية أنَّ مدحها كان في غيبتها بعد أن خرجت\n_________\n(^١) في الأصل: (وسكون)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (الأنباري)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) (كل علم مؤنث): ضرب عليها في الأصل.","vol":"1","page":13},{"text":"المرأة.\n (قال) ﵇: (مَهْ)؛ بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسم للزجر؛ بمعنى: (اكفف)، فإنْ وصلتَ (^١)؛ نَوَّنتَه كان نكرة، وإذا حُذف؛ كان معرفة.\nفنهاها ﵇ عن مدح المرأة بما ذكرته أو عن تكلف عمل ما لا يطاق.\nوعند مالك: وفيه: (فقيل له: هذه الحولاء لا تنام الليل، فكره ذلك رسول الله ﷺ حتى عُرفتِ الكراهة في وجهه)، فهذا يدل للاحتمال الثاني.\nولذا قال: (عليكم) من العمل (بما) بموحدة، وفي رواية بدونها (تطيقون)؛ أي: بالذي تطيقون المداومة عليه، وحذف العائد للعلم به، ويفهم منه النهي عن تكليف ما لا يطاق، وسبب وروده خاص بالصلاة، لكن اللفظ عام فيشمل جميع الأعمال، وعدل عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال؛ طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذكور على الإناث في الذِّكْر، أفاده في «عمدة القاري»، (فوالله لا يمَل الله) من الملالة؛ وهي السآمة والضجر (حتى) أنْ (تَمَلُّوا)؛ بفتح الميم في الموضعين؛ وهو من باب المشاكلة والازدواج؛ وهو أن يكون إحدى اللفظين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها، والملال: ترك الشيء استثقالًا وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه، وهذا من صفات المخلوق لا الخالق ﷿، فيحتاج إلى التأويل، فقال المحققون: هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالًا؛ عبَّر عن ذلك بالمَلال من باب تسمية الشيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتى تمَلُّوا سؤاله.\n (وكان أحبَّ الدين)؛ أي: الطاعة، ومنه الحديث في صفة الخوارج: «يمرقون من الدين»؛ أي: من طاعة الأئمة، ويجوز أن يكون فيه حذفًا؛ تقديره: أحب الأعمال الدين (إليه)؛ أي: إلى النبي الأعظم ﵇، وفي رواية: (إلى الله)، وليس بين الروايتين تخالف؛ لأنَّ ما كان أحب إلى الله؛ كان أحب إلى رسوله، وفي رواية: (وكان أحبُّ) بالرفع اسم (كان)، (ما داوم) من المداومة؛ وهي المحافظة؛ أي: حافظ وواظب (عليه صاحبه) وإن قَلَّ، فبالمداومة على القليل تستمر الطاعة، بخلاف الكثير الشاق، وربما يزيد القليل الدائم على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة، والمجرور محله نصب خبر (كان)، و(صاحبه) مرفوع بـ (داوم)، وكلمة (ما) للمدة، والتقدير: مدة دوام صاحبه عليه، وفي الحديث دلالة على استعمال المجاز؛ وهو إطلاق المَلل عليه تعالى، وجواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه وهو مذهب الإمام الأعظم، وقال الشافعي: يكره، وفيه بيان شفقته ﵇ ورأفته بأمته، وفيه دليل على أن صلاة الليل كلِّه مكروهة، ونفاها مالك ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٧\"> </span>(٣٣) <span data-type=\"title\" id=toc-87>[باب زيادة الإيمان ونقصانه]</span>\n (بابُ زيادةِ الإيمان ونقصانه) بإضافة (باب) لتاليه قطعًا، (وقولِ الله تعالى) بالجرِّ عطفًا على ما قبله، وفي رواية: (﷿): (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) هو الدلالة الموصلة إلى البغية، أو الدلالة مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢]؛ أي: لتدل، والمعنى: زدناهم دلالة على ما أنزلناه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وقوله: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا﴾ [المدثر: ٣١]) قال البيضاوي: بالإيمان به، انتهى، فيكون المراد بالازدياد: الازدياد بحسب الكمية لازدياد متعلَّقه، فإنَّ الإيمان قد كان يزداد به يومًا فيومًا في زمان الوحي بحسب ازدياد ما يجب الإيمان به؛ فإنَّ مَن آمن بجميع ما جاء من عند الله قبل نزول ما يدل على عدد الزبانية إذا نزل عليهم قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] فآمنوا به أيضًا؛ فلا شك أنه يزداد إيمانهم بحسب الكمية لازدياد متعلقه؛ كذا قرره شيخ زاده.\n (وقال) بلفظ الماضي، ولم يقل: (وقوله) موافقة لأخويه؛ لبيان غرضه: (﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣])؛ أي: أكملت لكم شرائع دينكم؛ لأنَّها نزلت يوم كملت الفرائض، والسنن، واستقرار الدين، ولم يقل أحد: إن الدين كان ناقصًا إلى وقت نزول هذه الآية حتى أكمله في هذا اليوم، وإنما المراد: إكمال شرائع الدين في هذا اليوم؛ لأنَّ الشرائع نزلت شيئًا فشيئًا طول مدة النبوة، فلما كملت الشرائع؛ قبض الله نبيه ﵇، وليس المراد: التوحيد؛ لوجوده قبل نزول الآية، فإنِ ادَّعى أحدٌ أن الأعمال من الإيمان؛ فليس يتصور؛ لأنَّه يلزم أن يكون كمال الإيمان في هذا اليوم، وقبله كان ناقصًا؛ لأنَّ الشرائع التي هي الأعمال ما كملت إلا في هذا اليوم؛ كذا في «عمدة القاري».\nوقال الفاضل الزمخشري: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على الشرائع، وقوانين القياس، وأصول الاجتهاد، انتهى، ومثله ذكر البيضاوي.\nفإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذكر، فما وجه استدلال المؤلف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أجيب: بأن الكمال مستلزم للنقص وهو يستدعي قبوله الزيادة.\nومن ثَم قال: (فإذا ترك) وفي رواية: (فإذا تركت) (شيئًا من الكمال؛ فهو نقص)، فيلزم من هذا أن يكون إيمان من مات من الصحابة قبل نزول الفرائض أو بعضها ناقصًا، ولا قائل به؛ لأنَّ الإيمان لم يزل تامًّا، وأجاب القسطلاني: بأنَّ النقص بالنسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، فالأكمليَّة أمر نسبيٌّ، انتهى.\nقلت: لا نسلِّم أنَّ إيمانهم ناقص؛ لأنَّ من مات قبل نزول الفرائض على صحبته؛ فهو كامل الإيمان؛ لأنَّ الواجب عليه الإيمان بالله وبرسوله وما جاء به إجمالًا، وقد حصل منه ذلك، فلا يكون إيمانه ناقصًا؛ بل هو تامٌّ، كمن مات بعد نزول الفرائض على صحبته، وقوله: (صوريٌّ نسبيٌّ)؛ أي: بحسب الصورة والنسبة، ولا شكَّ أنَّ من نسب إلى النقص؛ فهو ناقص لا محالة، فإن قيل: مَن نسب إلى النقص لا يلزم أن يكون ناقصًا؛ قلنا: بل هو ناقص؛ إمَّا على النقص التام، أو نقص في بعض الجهات، فرجع الأمر إلى نقص إيمانهم، ولا قائل به، فتحصَّل من هذا: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مَن مات قبل نزول الفرائض من الصحابة؛ فهو كامل الإيمان، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-88>[حديث: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله]</span>\n٤٤ - وبه قال: (حدثنا مُسلِم) بضم الميم وكسر اللام مخففًا (بن إبراهيم) أبو عمرو البصري الأزدي الفَرَاهِيدي؛ بفتح الفاء والراء، وبالهاء المكسورة، والمثناة التحتية، والدال المهملة وقيل: معجمة؛ بطن من الأزد مولاهم، القصاب أو الشحام، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قال: حدثنا هِشام)؛ بكسر الهاء: ابن أبي عبد الله سندر، الرَّبَعي بفتح الراء والموحدة؛ نسبة إلى ربيعة بن نزار بن معَدِّ بن عدنان، البصري، الدَّسْتَُوائي؛ بفتح الدال وسكون السين المهملتين، بعدهما مثناة فوقية مفتوحة أو مضمومة، مهموز من غير نون، نسبة إلى كورة من كور الأهواز؛ لبيعه الثياب المجلوبة منها، المتوفى سنة أربع وخمسين ومئة، وكان يُرمى بالقدر؛ لكنه لم يكن داعية، (قال: حدثنا قتادة) هو ابن دِعامة، (عن أنس) هو ابن مالك ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ قال: يَخرج من النار)؛ بفتح المثناة تحت: من الخروج، وفي رواية: بضم المثناة؛ من الإخراج في جميع الحديث، فقوله: (مَن قال) محلُّه رفع على الوجهين، فالرفع على الأول على الفاعلية، وعلى الثاني على النيابة عن الفاعل، و(مَن) موصولة، وما بعدَها جملة صلتها، ومقول القول: (لا إله إلا الله)؛ أي: مع قول: محمد رسول الله، فالمراد المجموع، وصار الجزء الأول منه علمًا للكل؛ كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: قرأت السورة، أو كان هذا قبل مشروعية ضمِّها إليه؛ كذا ذكر الاحتمالين الشيخ الإمام بدر الدين العيني.\nقلت: الظاهر هو الاحتمال الأول، ولذا نظر القسطلاني في الاحتمال الثاني، ولم يذكر وجهه، ولعل وجهه: أن الإيمان لا يكون إلَّا بتصديق التوحيد بالله وبرسوله معًا، وأنَّ ذلك هو الذي يطلق عليه الإيمان، وقد يجاب: بأنَّ قوله: (قبل المشروعية)؛ أي: حال قيام النبوة؛ فإنَّ النبي أولًا شرع لهم التوحيد لله؛ ردًّا عليهم من عبادة الأوثان، ثم بين لهم: أنِّي نبي مرسل إليكم، على أن المصدق بالله تعالى يلزمه التصديق برسوله؛ لأنَّه جاء من عند الله، فالإيمان بها إيمان إجمالًا، وهو كافٍ؛ كما قدمناه؛ فليحفظ.\n (وفي قلبه وزن شعيرة) واحدة الشعير (من خيرٍ)؛ أي: من إيمان؛ كما في الرواية الأخرى، والتنوين فيه للقليل؛ ترغيبًا في تحصيله، والمراد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ﵇، والجملة اسميَّةٌ حالٌ، وفيه استعارة بالكناية؛ لأنَّ الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، والإيمان معنى، ولكنه شبه الإيمان بالجسم، فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم؛ وهو الوزن.\n (ويخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله) محمد رسول الله (وفي قلبه وزن بُرَّة)؛ بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة: واحدة البُرِّ؛ وهي القمحة، (من خيرٍ، ويخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله) محمد رسول الله (وفي قلبه وزن ذَرَّة)؛ بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة: واحدة الذَّرِّ؛ وهو كما في «القاموس»: صغار النمل، ومئة منها زنة حبة شعير، انتهى.\nوقيل: إنَّ الذر: الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، وعن ابن عباس: إذا وضعت كفَّك على التراب ثم نفضتها، فما سقط من التراب؛ فهو ذرة.\n_________\n(^١) أي: بأن قلت: مهٍ مهٍ.","vol":"1","page":13},{"text":"وإنما قدَّم الشعيرة على البُرَّة؛ لأنَّها أكبر جرمًا منها، وأخَّر الذرة؛ لصغرها، فهو من باب الترقِّي في الحكم وإنْ كان من باب التنزُّل في الصورة.\nوقوله: (من خير) المراد به: الثمرات، وكذا في روايةِ: (من إيمان)؛ أي: أنَّ ثمرات الإيمان لا نزاع في أنَّها تزيد وتنقص، والمراد بالثمرات: مراتب العلوم الحاصلة المستلزمة للتصديق لكلِّ واحد من جزئيات الشرع، وأمَّا حقيقة التصديق؛ فشيء واحد لا يقبل الزيادة ولا النقصان.\nقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: إن كان المراد من الإيمان: التصديق؛ فلا يقبل الزيادة والنقصان، وإن كان الطاعات؛ فيقبلهما، والأصل هو التصديق والقول بلا إله إلا الله؛ لإجراء الأحكام في الدنيا، والناس إنَّما يتفاضلون في التصديق التفصيلي، لا في مطلق التصديق، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] حكاية عن إبراهيم، وكيف يمكن أن يقال في حقه: زاد تصديقه بالمعاينة؟ لأنَّ القول بهذا يستلزم القول بنقصان تصديقه قبل ذلك؛ وذا لا يجوز في حقه ﵇، وإنما مراده من هذا: أن يضم إلى علمه الضروري العلمَ الاستدلالي؛ ليزيد سكونًا؛ لأنَّ تضافر (^١) الأدلة أسكن للقلب؛ فليحفظ.\nويستفاد من الحديث: أنَّ صاحب الكبيرة من الموحِّدِين لا يَكفر بفعلها ولا يخلد بالنار، وفيه دخول عصاة الموحِّدين النار وأنَّ مآلهم إلى الجنة، وأنَّه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة ولا الكلمة من غير اعتقاد، والله تعالى أعلم.\nاللهم إنِّي أسألك بنبينا محمد ﵇ وبقدوتنا الإمام الأعظم؛ أن ترزقني علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبَّلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، ودخول الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه.\n (قال أبو عبد الله) يعني: المؤلِّف، وفي رواية: بإسقاطها: (قال أَبَان)؛ بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة: ابن يزيد العطار البصري، ووزنه: (فَعَال) كـ (غَزَال)، منصرفٌ، والهمزة فاء الكلمة أصليةٌ، والألف زائدة، وهو المشهور وقول الأكثرين والصحيح، وقيل: إنه غير منصرف؛ لأنَّه على وزن (أَفْعَل) منقول من (أبان يبين)، ولو لم يكن منقولًا؛ لوجب أن يقال فيه: (أَبْيَن) بالتصحيح، وهو قول ابن مالك؛ فافهم.\n (حدثنا قتادة) هو ابن دِعامة قال: (حدثنا أنس) هو ابن مالك، (عن النبي) الأعظم (ﷺ: «من إيمان» مكان «خير») وفي رواية: (من خير)، وهذا من تعليقات المؤلِّف، وقد وصله الحاكم، وإنما ذكره المؤلِّف؛ للتنبيه على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس؛ لأنَّ قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه، وعلى تفسير المتن بقوله: (من إيمان) بدل قوله: (من خير).\n\n <span id=\"b-٨٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-89>[حديث: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم]</span>\n٤٥ - وبه قال: (حدثنا الحسن بن الصَّبَّاح)؛ بتشديد الموحدة: ابن محمد، وللأصيلي: (البزار) بالزاي بعدها راء، الواسطي، المتوفى ببغداد سنة ستين ومئتين: أنه (سمع جعفر بن عون) بن أبي جعفر المخزومي، المتوفى بالكوفة سنة سبع ومئتين قال: (حدثنا أبو العُميْس)؛ بضم العين المهملة، وسكون المثناة التحتية، آخره سين مهملة، الهذلي المسعودي الكوفي، المتوفى سنة خمسين (^٢) ومئة (قال: أخبرنا قيس بن مُسلِم)؛ بضم الميم وكسر اللام مخفَّفًا، الكوفي العابد، المتوفى سنة عشرين ومئة، (عن طارق بن شهاب)؛ أي: ابن عبد شمس الصحابي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين (^٣)، (عن عمر بن الخطاب) ﵁: (أنَّ رجلًا من اليهود)؛ هو كعب الأحبار قبل أن يُسلم، كما قاله الطبراني، واليهودُ: علم [على] قوم موسى؛ من (هادوا)؛ أي: مالوا، أو من (هاد)؛ إذا رجع؛ لأنَّهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة وغير ذلك، كما بسطه في «عمدة القاري».\n (قال له) أي: لعمر: (يا أمير المؤمنين) فيه دلالة على أن ذلك كان بعد موت الصديق الأكبر؛ (آيةٌ) مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرة؛ لتخصصه بالصفة؛ وهي (في كتابكم) القرآن (تقرؤونها) جملة محلها رفع صفةٍ أخرى، والخبرُ قولُه: (لو علينا معشر اليهود نزلت)؛ أي: لو نزلت علينا؛ لأنَّ (لو) لا تدخل إلا على الفعل، فحذف الفعل؛ لدلالة الفعل المذكور عليه، كذا قاله الشرَّاح، ويمكن أن يجعل الجارُّ والمجرور متعلقًا بالفعل المذكور، وتكون (لو) فقط كأنها داخلة عليه، ويتوفر عليها صفتها من اختصاصها بالفعل، والظاهر الاقتصار عليه، قاله الشيخ إسماعيل العجلوني؛ فتأمل، و(معشر) منصوب على الاختصاص، أو أعني معشر اليهود، والمعشر: الجماعة الذين شأنهم واحد، ويجمع على معاشر؛ (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) أصله: (عودًا) من العود، سُمي به؛ لأنَّه في كل عام يعود، والمعنى: نعظِّمه في كل سنة ونُسَرُّ فيه؛ لعظم ما حصل فيه من كمال الشريعة المطهرة، (قال) أي: عمر: (أي آية) هي؟ فالخبر محذوف (قال) أي: كعب: (﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) قال البيضاوي: بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد، (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بالهداية والتوفيق، أو بفتح مكة وهدم منارات الجاهلية، (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ﴾)؛ أي: اخترته لكم (﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) من بين الأديان؛ وهو الدين عند الله تعالى.\n (قال) وفي رواية: (فقال) (عمر) ﵁: (قد عرفنا ذلك اليوم والمكان) وكان ذلك في حجة الوداع، وعاش بعدها ﵇ ثلاثة أشهر، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني ﵁ (الذي نزلت) وفي رواية: (أنزلت) (فيه على النبي) الأعظم، وفي رواية: (على رسول الله) (ﷺ، وهو قائم)؛ أي: والحال أنَّه قائم (بعرفةَ) الباء: ظرفية، غير منصرف؛ للعلميَّة والتأنيث، والباء متعلقة بـ (قائم) أو بـ (نزلت) (يومَ جمعةٍ) وفي رواية: (يومَ الجمعة)، وإنَّما لم تمنع من الصرف؛ لأنَّها صفة أو غير صفة وليست علمًا، ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها؛ وهي بفتح الميم، وضمها، وإسكانها، فالساكن بمعنى المفعول، والمتحرك بمعنى الفاعل، وهذه قاعدة كلية، والمعنى: إما جامع للناس أو مجموع له، وإنما لم يقل عمر: جعلناه عيدًا؛ ليطابق جوابه السؤال؛ لأنَّه جاء في «الصحيح»: أن النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلَّا من أول النهار، ولهذا قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبَلة، ولا شك أن اليوم التالي ليوم عرفة عيد للمسلمين، فكأنه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه.\nويظهر من هذه الرواية ورواية إسحاق ولفظه: (يوم جمعة يوم عرفة)، وللطبراني: (وهما لنا عيد): أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا؛ وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنَّه ليلة العيد، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني رحمه [الله] تعالى.\n\n <span id=\"b-٩٠\"> </span>(٣٤) <span data-type=\"title\" id=toc-90>[باب الزكاة من الإسلام]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (الزكاة من الإسلام)؛ أي: من شعبه؛ مبتدأ وخبر، ويجوز بالإضافة إلى الجملة بعده، (وقولُِه) بالرفع والجر، وللأصيلي: (﷿) ولابن عساكر: (سبحانه): (﴿وَمَا أُمِرُوا﴾)؛ أي: وما أُمِر أهل الكتاب في التوراة والإنجيل (﴿إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾)؛ أي: ليوحِّدوه، والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فيدخل فيه جميع الناس (﴿مُخْلِصِينَ﴾) حال من ضمير (يعبدوا) (﴿لَهُ الدِّينَ﴾) منصوب به، والإخلاص: ما صفا عن الكدر وخلص من الشوائب، والرياء: آفة عظيمة تقلب الطاعة معصية، فالإخلاص رأس جميع العبادات، (﴿حُنَفَاءَ﴾) حال ثانية؛ جمع حنيف؛ وهو المائل عن الضلال إلى الهدى، (﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾) عطف خاص على عام؛ أي: يؤدوها على وجهها (﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾)؛ أي: يعطوها إلى مصارفها، ولكنهم خالفوا حكمه، فقال بعضهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال بعضهم: عيسى ابن الله، وقال بعضهم: عيسى هو الله، وقال بعضهم: ﴿ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وعامَّة اليهود مشبِّهة، انتهى؛ فليحفظ، (﴿وَذَلِكَ﴾)؛ المذكور من هذه الأشياء هو (﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥])؛ أي: دين الملة القيمة؛ أي: المستقيمة التي لا اعوجاج فيها.\n\n <span id=\"b-٩١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-91>[حديث: خمس صلوات في اليوم والليلة]</span>\n٤٦ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس الأصبحي المدني، ابن أخت مالك الإمام، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين (قال: حدثني) بالإفراد، وللأصيلي: (حدثنا) (مالك بن أنس) الإمام، وسقط في روايةٍ قوله: (بن أنس)، (عن عمه أبي سُهيل)؛ بضم السين نافع (بن مالك) بن أبي عامر المدني، (عن أبيه) مالك بن أبي عامر، المتوفى سنة اثنتي عشرة ومئة: (أنه سمع طلحة بن عبيد الله) بن عثمان القرشي التيمي، أحد العشرة المبشرة بالجنة، المقتول يوم الجمل لعشرٍ خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة بعد أن استُخرج طريًّا كما مات من قنطرة القرة بأمر ابنته بعد ثلاثين سنة؛ بسبب رؤيتها له في المنام، وأنه يشكو إليها النداوة ﵁ (يقول: جاء رجل) هو ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (إلى رسول الله ﷺ من أهل نَجْد)؛ بفتح النون وسكون الجيم، قال الجوهري: نجد من بلاد العرب، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق؛ فهو نجد، وهو مذكَّر، كذا في «عمدة القاري» وتمامه فيه، وفي رواية: (جاء رجل من أهل نجد إلى رسول الله ﷺ) (ثائر) بالمثلثة؛ أي: منتفش ومنتشر شعر (الرأس) من عدم الرفاهية، أطلق اسم الرأس على الشعر؛ لأنَّ الشعر منه ينبت، كما يطلق اسم السماء على المطر؛ لأنَّه من السماء ينزل، أو لأنَّه جعل نفس الأمر ذا ثوران على طريق المبالغة، وفي (ثائر) يجوز الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى أنه صفة لـ (رجل)، والنصب على أنه حال، ولا يضر إضافته؛ لأنَّها لفظية؛ فليحفظ.\n (نسمع) بنون الجمع (دَوِيَّ صوتِه)؛ بفتح الدال، وكسر الواو، وتشديد الياء، منصوبٌ مفعولًا به (ولا نفقه)؛ أي: لا نفهم، بنون الجمع كذلك (ما يقول)؛ أي: الذي يقوله، في محل نصب على المفعولية، وفي رواية: (يُسمَع ولا يُفقَه)؛ بضم المثناة التحتية فيهما؛ مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، و(دوي) و(ما يقول) نائبان\n_________\n(^١) في الأصل: (تظاهر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (عشرين)، وليس بصحيح، والمثبت من المصادر.\n (^٣) في الأصل: (ثلاث وعشرين ومئة)، وليس بصحيح، والمثبت من المصادر.","vol":"1","page":14},{"text":"عنه، والأولى هي المشهورة وعليها الاعتماد، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وقال: الدَّوِيُّ: بُعْدُ الصوت في الهواء وعلوه، ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء كدَوِيِّ النحل، انتهى.\n (حتى دنا) أي: إلى أن قرُب فهمناه؛ (فإذا) للمفاجأة (هو) مبتدأ (يسأل عن الإسلام) خبره؛ أي: عن أركانه وشرائعه بعد التوحيد والتصديق، أو عن حقيقته؛ واستبعده في «عمدة القاري»؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابق للسؤال وهو قوله: (فقال رسول الله ﷺ): هو (خمسُ صلوات في اليوم والليلة)، أو خذْ خمسَ صلوات، ويجوز الجرُّ بدلًا من (الإسلام)، وفيه حذف أيضًا؛ تقديره: إقامة خمس صلوات؛ لأنَّ عين الصلوات الخمس ليست عين الإسلام، بل إقامتها من شرائع الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة؛ لأنَّه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنَّما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها فلم ينقلها الراوي؛ لشهرتها، وذكر هذا الأخير الكرماني، ومشى عليه القسطلاني، واستبعده الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ لأنَّه يلزم نسبة الراوي الصحابي إلى التقصير في إبلاغ كلام الرسول وقد نَدب النبيُّ الأعظم ﵇ إلى ضبط كلامه، وحفظه، وإبلاغه مثل ما سمعه منه في حديثه المشهور، قلت: وهو وجيه؛ فليحفظ.\n (فقال) الرجل المذكور، وفي رواية: (قال): (هل عليَّ غيرُها؟) بالرفع مبتدأ مؤخر، خبره (عليَّ)، (قال) ﵇: (لا) شيء عليك غيرها.\nوفيه دليل على أن الوتر سنة؛ وهو قول الإمام أبي يوسف، والإمام محمد الشيباني، والإمام الشافعي، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: إن الوتر واجب؛ لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، و﴿الوُسْطَى﴾ هي: الوتر، ولقوله ﵇: «اجعلوا آخر صلاتكم وترًا» رواه الشيخان، ولقوله ﵇: «إن الله زادكم صلاة ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر»، وعن عبد الله بنبريدة عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوتر حق، فمن لم يوتر؛ فليس مني»، قاله ثلاثًا، وقال ﵇: «من نام عن وتر أو نسيه؛ فليقضه (^١) إذا ذكره» رواها أبو داود وغيره، والحاكم وصححها، والأمرُ وكلمةُ (عَلَى) و(حق) للوجوب، ووجوب القضاء فرعُ وجوب الأداء.\nوفي الحديث أيضًا دلالة على أن صلاة العيدين سنة؛ وهو قول الإمام أبي يوسف، والإمام محمد، والإمام الشافعي، وقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم: إنَّها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، والمراد بها: صلاة العيد، كما قاله المفسرون، ولقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقد واظب عليها النبي الأعظم ﵇ من غير ترك؛ وهذا دليل الوجوب، بل والفرضية، ولهذا قال الإمام أبو موسى الضرير: إنَّها فرض كفاية، وهو قول الإصطخري من الشافعية، وقول حماد بن زيد من أصحاب إمامنا الأعظم أيضًا.\nوالجواب عن الحديث: أنه إنَّما لم يذكر الوتر للأعرابي؛ لأنَّه لم يكن واجبًا يومئذٍ بدليل أنه لم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يُفرض، فالوتر مثلُه، فلا حجة في الحديث، وإنما لم يذكر له صلاة العيدين؛ لأنَّه كان من أهل البادية، وهي لا تجب عليهم ولا على أهل القرى، فلا حجة فيه أيضًا.\n (إلا أن تطوع) استثناء متصل، وهو الأصل في الاستثناء، فيُستَدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل؛ وجب عليه إتمامه، وبقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وإبطال العمل: نقض العهد، وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع فيه صحيحًا كان الحج أم فاسدًا، فلا يمتاز عن غيره.\nوالمعنى: أي: إلَّا أن تَشرع في التطوع؛ فيصير واجبًا كما يصير واجبًا بالنذر، فإذا أفسده؛ وجب عليه قضاؤه، وقد روى أحمد في «مسنده» عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأُهديت لنا شاة؛ فأكلنا، فدخل علينا النبي ﵇، فأخبرناه، فقال: «صوما يومًا مكانه»، وفي لفظ آخر: «أبدلا يومًا مكانه»، وروى الدارقطني عن أم سلمة: أنها صامت يومًا تطوعًا، فأفطرت، فأمرها النبي ﵇ أن تقضيَ يومًا مكانه، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، ولولا الإطالة لأوردناها، وبالجملة: فالأمر بالقضاء أمرٌ للوجوب، فدل على أن الشروع ملزِم، وأن القضاء بالإفساد واجب، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه.\nوقال الشافعي: لا تلزم النوافل بالشروع فيها، بل يستحب إتمامها؛ لما روى النسائي: أن النبي الأعظم ﵇ كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي «البخاري»: أنه أمر جويرية (^٢) بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل بظاهره على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النص في الصوم، والباقي بالقياس.\nقلنا معشر الحنفية: لا دلالة له على ما ذكر؛ فإن حديث النسائي لا يدل على أنه ﵇ ترك القضاء بعد الإفطار، وإفطاره كان عن عذر، وحديث جويرية إنَّما أمرها بالفطر؛ لما تحقق عنده من العذر الموجب للإفطار؛ كضعف بنيتها أو لأجل الضيافة أو غير ذلك، وأنه أمرها بالقضاء، والأمر بالقضاء مستفاد من غير هذا الحديث كالذي شاهده لنا من حمل المطلق على المقيد، وإذا وقع تعارض بين الأخبار؛ فالترجيح معنا لثلاثة أوجه؛ أحدها: إجماع الصحابة، والثاني: أن أحاديثنا مثبتة وأحاديثه نافية، والقاعدة: أن المُثبِت مقدَّم على النافي، والثالث: أنه الاحتياط في العبادة لله تعالى؛ حيث قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فإن إبطال العمل نقض العهد واستهزاء وسخرية، ألا ترى أن المخلوق لو أمرك بأمر وشرعت فيه ولم تتمه؛ هل يرضى منك أم يسخط؟ فإذا تممته ثم أفسدته وضيعت ماله؛ هل يفرح أم يغضب؟ هذا في المخلوق، فما بالك في الخالق جل وعلا سبحانه.\nواعلم أن الواجب عندنا دون الفرض وأعلى من السنة، والفرق بينها ظاهر في كتب الفروع، وعند الشافعي: الفرض والواجب سيان إلا في الحج؛ فوافقنا فجعل فيه فرضًا وواجبًا وسنة؛ فافهم.\n (قال) وفي رواية: (فقال) (رسول الله ﷺ: وصيام رمضان) كلام إضافي مرفوع عطفًا على قوله: (خمس صلوات)، وفي رواية: (وصوم)، (قال) الرجل: (هل عليَّ غيره؟ قال) ﵇: (لا)؛ أي: ليس عليك غيره (إلا أن تطوع)؛ أي: إلا إذا تطوعت؛ فيلزمك إتمامه، وإذا أفسدته؛ يلزمك قضاؤه، وما قيل: إن في استدلالنا نظر؛ لأنَّا لا نقول بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع؛ لتباينهما، وأن الاستثناء عندنا من النفي ليس للإثبات، بل مسكوت عنه؛ ممنوع؛ لما علمت من ثبوت النص في الصوم أنه يجب قضاؤه بالإفساد، وإتمامه بالشروع، والباقي بالقياس عليه، على أن الاستثناء هنا متصل لا منقطع، فإنَّ الواجب عندنا فرض أيضًا، لكن يفرق بينهما من حيث الاعتقاد والتكفير، فإنَّ الوتر واجب وهو فرض عملي لا اعتقادي ولا يكفر جاحده، وإنَّ الصبح فرض علمي اعتقادي يكفر جاحده، فصار بينهما موافقة لا مباينة، فكان الاستثناء متصلًا، كما لا يخفى.\nوأما قوله: فالاستثناء من النفي مسكوت عنه؛ فمعناه هنا: أنَّه لما ذكر النبيُّ للرجل الصلاة والصوم، وكان لم يصل ولم يصم، وفي عقله أنهما ثابتان، فما سيق له لنفي ما عداهما؛ فيلزمه الصلاة والصوم، وهذا بطريق الإشارة، أو أنهما يثبتان بطريق الضرورة؛ لأنَّ وجودهما لما كانا ثابتين في عقله يلزم من نفيهما ثبوتهما ضرورة، والتقدير: لا صلاة ولا صوم غير الخمس ورمضان ثابت، فيكون كالتخصيص بالوصف، وليس له دلالة على نفي الحكم عما عداه عندنا، فلا دلالة للكلام على ثبوتهما منطوقًا ولا مفهومًا، بل بالإشارة أو بالضرورة لا بالعبارة عندنا، وتمامه في كتب الأصول؛ فليحفظ.\n (قال) الراوي طلحة بن عبيد الله: (وذكر له)؛ أي: للرجل (رسولُ الله ﷺ الزكاة)، وإنما قال ذلك الراوي؛ لأنَّه إمَّا نسي نص النبي ﵇ أو التبس عليه، وفي رواية: (الصدقة)، والمراد بها: الزكاة، (قال) وفي رواية: (فقال)؛ أي: الرجل المذكور: (هل عليَّ غيرها؟) خبر ومبتدأ (قال) ﵇: (لا) ليس عليك غيرها (إلا أن تطوع)، ولم يذكر الحج، وقدمنا في الجواب: أنه لم يكن فُرِض، أو أنه علم حاله أنه لم يجب عليه الحج؛ لعدم استطاعته، (قال) الراوي: (فأدبر الرجل) الأعرابي، من الإدبار؛ أي: تولى (وهو يقول)؛ أي: والحال أنه يقول: (والله لا أزيد) في التصديق والقبول (على هذا) المذكور (ولا أنقص) منه\n_________\n(^١) في الأصل: (فليقضيه)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (جويرة)، وكذا في الموضع اللاحق.","vol":"1","page":14},{"text":"شيئًا، وفي رواية: (والذي أكرمك إنِّي لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئًا)؛ أي: قبلت كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول، أو لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافد قومه؛ ليتعلم ويعلمهم، وقيل غير ذلك.\n (قال رسول الله ﷺ) حين سمعه: (أفلح)؛ أي: الرجل؛ أي: فاز (إن صدق) في كلامه، وعند مسلم: «أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق»، وإنَّما أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر له المنهيات، والمندوبات، والواجبات؛ لأنَّه جاء في رواية المؤلف في (الصيام) قال: (فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام)؛ فهي داخلة في عمومه، لكن يعكر عليه قوله في آخره: (فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا)؛ فيقتصر على الفرائض والمنهيات، وأما النوافل؛ فيحتمل أنه كان قبل شرعها، والفلاح راجع إلى الزيادة والنقصان؛ يعني: أنه إذا لم يزد ولم ينقص؛ كان مفلحًا؛ لأنَّه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه؛ كان مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك أنه لا يكون مفلحًا؛ لأنَّ هذا مما يعرف بالضرورة، فإنَّه إذا أفلح بالفرض؛ ففلاحه بالمندوب مع الفرض أولى، وفي الحديث دلالة على عدم فرض صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان، وهو بالإجماع.\nواختلف في صوم يوم عاشوراء، هل كان فرضًا قبل رمضان؟ فعند إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم: أنه كان فرضًا، والأظهر عند الشافعي: أنه لم يكن فرضًا، وأن السفر من بلد إلى أخرى لأجل تعلم العلم مندوب، وأن الحلف بالله من غير استحلاف ولا ضرورة يجوز؛ لأنَّه لم ينكر عليه النبي ﵇، وفيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل، واستعمال (رمضان) من غير (شهر)، وفيه دلالة على جواز الحلف بالآباء مع ورود النهي عنه، ولعله كان قبل ورود النهي، أو بأنها جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم: (عَقرى حَلقى) و(تربت يمينك)، والنهي إنَّما ورد في القاصد بحقيقة الحلف؛ لما فيه من تعظيم المحلوف به، وهذا هو الراجح عند العلماء، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٩٢\"> </span>(٣٥) <span data-type=\"title\" id=toc-92>[باب اتباع الجنائز من الإيمان]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (اتباع الجنائز من الإيمان)؛ أي: شعبة من شعبه، مبتدأ وخبر، ويجوز في (باب) الإضافة للجملة بعده، و(اتِّباع)؛ بتشديد التاء مصدر (اتبع) من باب الافتعال، و(الجنائز): جمع جَِنازة؛ بالجيم المفتوحة والمكسورة، والكسر أفصح، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش وعليه الميت، وقيل: عكسه، مشتقة من (جنز)؛ إذا ستر.\n\n <span id=\"b-٩٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-93>[حديث: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا]</span>\n٤٧ - وبه قال: (حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المَنْجُوفي) نسبة لجدِّ أبيه مَنْجُوف؛ بفتح الميم، وسكون النون، وضم الجيم، آخره فاء، ومعناه: الموسع، وكنيته أبو بكر السدوسي البصري، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قال: حدثنا رَوح)؛ بفتح الراء وبالحاء المهملتين: ابن عبادة بن العلاء البصري، المتوفى سنة خمس ومئتين (قال: حدثنا عوف)؛ بالفاء: ابن أبي جميلة بَنْدُوْيَه؛ بفتح الموحدة، وبالنون الساكنة، والدال المهملة المضمومة، وواو ساكنة، ومثناة تحتية مفتوحة، العبدي الهجري البصري، المتوفى سنة ست وأربعين ومئة، ونسب إلى التشيع، (عن الحسن) هو البصري (ومحمدٍ) بالجر عطفًا على (الحسن)، وللأصيلي: (ومحمدٌ) بالرفع، هو ابن سيرين أبو بكر الأنصاري، مولاهم البصري التابعي الجليل، المتوفى سنة عشر ومئة، بعد الحسن بمئة وعشرين يومًا؛ كلاهما (عن أبي هريرة) ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: من اتَّبع)؛ بتشديد التاء المثناة فوق، وفي رواية: (تَبِع) بدون ألف وكسر الموحدة؛ أي: لحق، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠]؛ أي: لحقهم، وقال: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥]؛ أي: لحقه، وفي «العباب»: تَبِعت القوم بالكسر: أتبَعهم تَبَعًا وتبَاعة؛ بالفتح؛ إذا مشيت خلفهم، أو مرُّوا بك فمضَيت معهم، واتَّبعت القوم؛ مثل تبعتهم؛ إذا كانوا سبقوك فلحقتهم، انتهى.\n (جنازةَ مسلم) (من) موصولة مبتدأ، و(اتبع) جملة من الفعل والفاعل، و(جنازة مسلم) كلام إضافي مفعوله، والجملة صلة الموصول، وفيه حجة ظاهرة لإمامنا الإمام الأعظم في أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، وهو مذهب الأوزاعي وقول علي بن أبي طالب، وهو حجة على الشافعية في زعمهم أن المشي أمامها أفضل من خلفها، والركوب وراء الجنازة لا بأس به، لكن المشي أفضل عندنا، وقالت الشافعية: لا فرق بين الراكب والماشي، والحديث حجة عليهم؛ لأنَّه بسياق المشي لا الركوب؛ فهو حجة لنا أيضًا، حال كون ذلك (إيمانًا واحتسابًا)؛ أي: مؤمنًا محتسبًا، لا مكافأة ولا مخافة، (وكان معه)؛ أي: مع المسلم، وفي رواية: (كان معها)؛ أي: مع الجنازة (حتى) أن (يُصلِّي عليها) على صيغة المعلوم؛ بكسر اللام، والضمير يرجع إلى (من)، وفي (عليها) إلى (الجنازة)، وفي رواية: بفتح اللام على صيغة المجهول، والجار والمجرور في (عليها) نائب عن الفاعل، و(حتى) للغاية، و(أن) الناصبة بعدها و(يصلى) (ويفرغ) منصوبان بها بالبناء للفاعل أو للمفعول، وقوله: (من دفنها) نائب عن الفاعل، وللأصيلي: (يصلِّ) بحذف الياء وكسر اللام، وخبر المبتدأ -أعني: (مَن) الموصولة- قولُه: (فإنه يرجع من الأجر بقيراطين)، ودخلت الفاء؛ لتضمنه معنى الشرط، و(مِن) بيانية، ومجرورها حال، مثنى (قيراط)؛ اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير، بيَّنه بقوله: (كل قيراط مثل) جبل (أُحُد) مبتدأ وخبر؛ بضمتين: بالمدينة، سمِّي به؛ لتوحُّده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، وهو في جانب المدينة من جهة الشمال على نحو ميلين منها، وفي الحديث: «أُحد يحبُّنا ونحبُّه، وهو على باب الجنة، وغيره يبغضنا ونبغضه، وهو على باب النار»، وفيه قبر هارون ﵇، وفيه قبض وواراه أخوه موسى ﵉، وكانا قد مرَّا به حاجَّين أو معتمرَين؛ فليحفظ.\nوأصل (قيراط): قرَّاط؛ بتشديد الراء، بدليل جمعه على قراريط، فأبدل من إحدى الراءين؛ كما في الدينار؛ وهو في اللغة: نصف دانق، والدانق: سدس درهم، وهو يختلف باختلاف البلدان، فأهل الشام يجعلون القيراط جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا، وعند الفقهاء: القيراط جزء من عشرين جزءًا من الدينار، وكل قيراط ثلاث حبات، فيكون الدينار ستين حبة، وكل حبة أربع أرزات، فيكون مئتين وأربعين أرزة.\nوالحاصل: أن القيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى، وهذا الحديث يدل على عظم مقداره هنا، ولا يلزم منه أن يكون هذا هو القيراط المذكور في «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراط»، بل يجوز أن يكون أقل منه، بل الظاهر أن القيراط في الأجر أعظم من القيراط المذكور في نقص الأجر؛ لأنَّه من قبيل المطلوب تركه، والأول من قبيل المطلوب فعله، وعادة الشرع تعظيم الحسنات وتضعفها دون السيئات؛ كرمًا منه تعالى، ورحمة، ولطفًا، فحصول القيراطين مقيد بالصلاة، والاتباع، وحضور الدفن، فلو اتبع حتى دفنت ولم يصل عليها؛ لم يحصل القيراطان؛ جمعًا بين الروايتين، وحملًا للمطلق على المقيد، والظاهر أنه يكفي الاتباع في أكثر الطريق لا في جميعه مع ما يجده من المشقة من الازدحام، واختلاط النساء بالرجال، وصياحهن، وغيره من المنكرات، فلو تباعد عن الجنازة؛ هل يكون متبعًا أم لا؟ والظاهر أنه إن كان بحال لا تخفى الجنازة عن بصره؛ يكون متبعًا، أو إن يعدُّه العرف متبعًا؛ فيكون محصلًا لهذين القيراطين.\nقال في «البحر الرائق»: (وإن كان مع الجنازة نائحة أو صائحة؛ زجرت، فإن لم تنزجر؛ فلا بأس بأن تتبع الجنازة، ولا يمتنع لأجلها؛ لأنَّ الاتباع سنة فلا يترك ببدعة من غيره، فإن النبي ﵇ استمع بواكي حمزة ﵁؛ كما في «المجتبى»)، فأفاد بقوله: (لا بأس) أن تركه أولى، لكن لا يُترك أصلًا، بل يتبع إما أكثر الطريق، كما قلنا، أو يتباعد، كما قلنا، والله تعالى أعلم.\n (ومن صلى عليها)؛ أي: على الجنازة، مبتدأ، (ثم رجع) إلى منزله أو اشتغل بعمل ينافيها (قبلَ أن تدفن) بنصب (قبل) على الظرفية، و(أن) مصدرية؛ أي: قبل الدفن؛ (فإنه يرجع) خبر المبتدأ (بقيراط) واحد من الأجر، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ثم حضر الدفن؛ لم يحصل له القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصلِّ أو اتبعها ولم يصلِّ؛ فليس في الحديث حصول القيراط له، وإنما يحصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة، وعن أشهب: أنه كره اتباع الجنائز والرجوع قبل الصلاة، وإطلاق الحديث يخالفه، وفي رواية مسلم: «من صلى على جنازة ولم يتبعها؛ فله قيراط، ولو تبعها ولم يصل ولم يحضر الدفن؛ فلا شيء له»، والله أعلم.\n (تابعه)؛ أي: تابع رَوحًا في الرواية عن عوف (عثمانُ) بن الهيثم بن جهم البصري (المؤذن) بمسجدها، المتوفى لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة عشرين ومئتين، وفي رواية: (قال أبو عبد الله: تابعه عثمان المؤذن) (قال: حدثنا عوف) الأعرابي (عن محمد) بن سيرين ولم يروه عن الحسن، (عن أبي هريرة) ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ نحوَه) بالنصب؛ أي: بمعنى ما سيق، لا بلفظه.\nوهذه المتابعة وصلها أبو نعيم في «مستخرجه»، وإنما ذكر المؤلف رواية المنجوفي أولًا مع أنها أنزل من رواية عثمان؛ لأنَّ رواية المنجوفي موصولة وهي أشد اتفاقًا من رواية عثمان، وإنما ذكر المتابعة؛ للتنبيه بروايته على أن الاعتماد في هذا","vol":"1","page":15},{"text":"السند على محمد بن سيرين؛ لأنَّ عوفًا ربما كان ذكره، وربما كان حذفه مرة فأثبت الحسن.\n\n <span id=\"b-٩٤\"> </span>(٣٦) <span data-type=\"title\" id=toc-94>[باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر]</span>\nهذا (باب خوف المؤمن من أن يحْبَط) على صيغة المعلوم، من باب (عَلِم يعْلَم)؛ وهو البطلان، وقال النووي: المراد بالحبط: نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر، فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعل عالمًا بأنه يوجب الكفر، قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: وفيه نظر؛ لأنَّ الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر وبالفعل الموجب للكفر وإن لم يعلم أنه كفر، انتهى، قلت: وهو ظاهر؛ فليحفظ.\n (عمله)؛ أي: مِن حبط عمله، فـ (أن) مصدرية، و(مِن) في رواية ساقطة، و(أن) توجد، لكنها مقدرة؛ لأنَّ المعنى عليها، المراد: ثواب عمله، فالمضاف محذوف (وهو لا يشْعُر) به، جملة اسمية وقعت حالًا من باب (نَصَر ينْصُر)؛ أي: لا يعلم ولا يفطن به.\nلا يقال: إن ما قاله المؤلف يقوِّي مذهب الإحباطية؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسيئات وإذهابُها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مراد المؤلف: إحباط ثواب ذلك العمل فقط؛ لأنَّه لا يثاب إلا على ما أخلص فيه، قاله القسطلاني.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ إحباط ثواب العمل يكون غالبًا بسبب الرياء، وقد نص أئمتنا الأعلام على أن الرياء لا يدخل في الفرائض والواجبات؛ بمعنى: أنه لا يحبط ثوابها، وإنما يحبط الثواب في النوافل والطاعات المندوبة، فإن أخلص فيها؛ يبقى ثوابه الموعود به، وإن لم يخلص؛ حبط ثوابه، والمراد: أنه ينقص عن قدره المعلوم، لا يذهب بالكلية؛ لأنَّه تعالى وعد بعدم إضاعة ثواب الأعمال، والله أعلم.\nومراد المصنف هنا: الرد على المرجئة القائلين: بأن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط المطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.\n (وقال إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي)؛ تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفي، المتوفى سنة اثنتين وتسعين شهيدًا، قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه: (ما عرضت قولي على (^١) عملي إلا خشيت أن أكون مكذَّبًا)؛ بفتح الذال المعجمة؛ أي: أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنما قال ذلك؛ لأنَّه كان يعظ الناس، وفي رواية: بكسر الذال؛ وهي رواية الأكثر؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، ومعناه: أنه لم يبلغ غاية العمل مع وعظه للناس، وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، فخشي أن يكون مكذِّبًا؛ أي: مشابهًا لهم، وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟ [البقرة: ٤٤].\nوهذا التعليق وصله المؤلف في «تاريخه» عن أبي نعيم، وأحمد ابن حنبل في «الزهد»، عن ابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي حيان التيمي، عن إبراهيم المذكور.\n (وقال ابن أبي مُليكة)؛ بضم الميم: عبد الله-بفتح العين- ابن عبيد الله؛ بضمها، واسم أبي مليكة: زهير القرشي التيمي، المكي، الأحول، المؤذن، القاضي لابن الزبير، المتوفى سنة سبع عشرة ومئة: (أدركت ثلاثين) صحابيًّا (من أصحاب النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) أجلَّهم السيدة عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسور بن مَخرمة (كلهم يخاف) أي: يخشى (النفاق) في الأعمال (على نفسه)؛ لأنَّ أعمارهم طالت حتى رأَوا من التغيير ما لم يعهدوه، مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت، أو لأنَّه قد يَعرِض للمؤمن في عمله ما يشق به مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنما ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوىرضي الله عنهم (ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل) ﵉؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى الطبراني في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة ﵂ بإسناد ضعيف: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ كان مؤمنًا كإيمان جبريل ﵇»، ونقل هذا عن إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل أنه قال: (إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول: إيماني مثل إيمان جبريل)؛ لأنَّ المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضي ذلك، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعض الصفات، لا يقال: إن الحديث ضعيف؛ لأنا نقول: اتصافه بالضعف حين وصوله إلينا، وحين وصوله للإمام الأعظم لا شك أنه صحيح يُعتمد عليه؛ لأنَّ الضعف لا يكون إلا بعد التابعين؛ لأنَّ النبي ﵇ قد أثبت لهم الخيرية بقوله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»؛ وهم التابعون ﵃ أجمعين.\nوما قيل: إن في هذا الأثر إشارة إلى أنهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يفهم ذلك من حالهم، وإنما المفهوم من حالهم: أنهم كانوا خائفين سوء الخاتمة؛ لعدم العصمة، ويؤيده ما روي عن عائشة: أنها سألت النبي الأعظم ﵇ عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فقال: «هم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويخافون ألَّا يُتقبل منهم»، وقول بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]: أعمال كانوا يحتسبونها حسنات بُدِّلت سيئات، والله أعلم.\n (ويُذكَر) على صيغة المجهول، لا يقال: إن هذه الصيغة تدل على الضعف؛ لأنَّها بصيغة التمريض؛ لأنَّ عادة المؤلف أن صيغة التمريض لا تدل على الضعف، بل يأتي بها إذا وقع تغيير من حيث النقل بالمعنى أو من حيث الاختصار، على أن هذا الأثر صحيح، (عن الحسن) البصري، وقد وصله جعفر الفريابي في كتاب «صفة المنافق» له من طرق متعددة: (ما خافه)؛ أي: النفاق، وفي رواية: (عن الحسن أنه قال)، وفي أخرى: (وما خافه) (إلا مؤمن ولا أَمِنه)؛ بفتح الهمزة وكسر الميم (إلا منافق)، وجعل النووي الضمير في (خافه) و(أَمِنه) لله تعالى، وتبعه الكرماني، قلت: وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ سياق الحسن البصري المروي عند الفريابي؛ حيث قال: (حدثنا قتيبة: حدثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو؛ ما مضى مؤمن قط وما بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن)، وهو عند أحمد بلفظ: (والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، ولا أمنه إلا منافق)؛ يعيِّنُ إرادة المؤلف الأول؛ أعني: النفاق، وإليه أشار الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وتبعه القسطلاني؛ فليحفظ.\n (وما يُحذَر) على صيغة المجهول؛ بتخفيف الذال المعجمة وتشديدها؛ كذا في «عمدة القاري»، و(ما) مصدرية، والجملة محلها الجرُّ عطفًا على حذف المؤمن؛ أي: وباب ما يحذر (من الإصرار على القتال والعصيان من غير توبة)، وفي رواية: (على النفاق) بدل (القتال)، وعليها شرح الإمام البدر العيني؛ وهي المناسِبة لما قدَّمه المؤلف، وفي الأولى مناسبة للحديث الآتي، وما قاله في «الفتح» من (الرواية الثانية لم تثبت)، فقد رده القسطلاني بأنها ثبتت عن أبي ذر والسميساطي؛ كما رقم له بـ «فرع اليونينية»، وما بين الترجمتين من الأثار اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفصل بها بينهما؛ لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان الآتيان؛ فالأول للثانية، والثاني للأولى؛ فهو لف ونشر مشوش؛ أي: غير مرتب، ومراد المؤلف: الرد على المرجئة؛ حيث قال: (لقول الله تعالى) وفي رواية: (﷿)، وفي أخرى: (لقوله ﷿): (﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾) ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين؛ لقوله ﵇ فيما رواه الترمذي من حديث الصديق الأكبر ﵁: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» (﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾) [آل عمران: ١٣٥] حال مِن ﴿يُصِرُّوا﴾؛ أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به، وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ويل للمصرين؛ الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ أي: يعلمون أن من تاب؛ تاب الله عليه، ثم لا يستغفرون، قاله مجاهد وغيره.\n\n <span id=\"b-٩٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-95>[حديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر]</span>\n٤٨ - وبه قال: (حدثنا محمد بن عرعرة)؛ بالعينين والراءين المهملات، غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، ابن البَرِنْد؛ بكسر الموحدة والراء وبفتحهما وبسكون النون، البصري، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن زُبَيد)؛ بضم الزاي، وفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة: ابن الحارث بن عبد الكريم اليامِي؛ بالمثناة تحت، وميم مخففة مكسورة، الكوفي، المتوفى سنة اثنين وعشرين ومئة (قال: سألت أبا وائل)؛ بالهمزة بعد الألف: شقيق بن سلمة الأسدي؛ أسد خزيمة، الكوفي، التابعي، المتوفى سنة تسع وتسعين أو اثنين وثمانين (عن) قول (المُرجِئة)؛ بضم الميم، وكسر الجيم، ثم همزة؛ نسبة إلى الإرجاء؛ وهو التأخير؛ لأنَّهم أخروا الأعمال عن الإيمان؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، هل هم مصيبون فيه أم مخطئون؟ (فقال) أبو وائل في جوابه لزُبَيد: (حدثني) بالإفراد (عبد الله) بن مسعود ﵁: (أن) أي: بأن (النبي) الأعظم (ﷺ قال: سِبَاب)؛ بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة، مصدر مضاف للمفعول؛ أي: شتم (المسلم) والتكلم في عِرضه بما يَعيبه ويؤلمه (فسوق)؛ أي: فجور وخروج عن الحق، ويَحتمل أن يكون على بابه من المفاعلة؛ أي: تشاتمهما فسوق، قلت: وهذا هو الظاهر لما في «المطالع»: (السباب: المشاتمة؛ وهي من السب؛ وهو القطع، وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب؛ وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه) انتهى، وهذا صريح بأن السباب ليس بمصدر؛ فافهم.\n (وقتاله) أي: مقاتلته\n_________\n(^١) ضرب على (على) في الأصل، ولعل الصواب ثبوتها.","vol":"1","page":15},{"text":"(كفر)؛ أي: فكيف يحكم بتصويب قولهم: إن مرتكب الكبيرة غير فاسق مع حكم النبي الأعظم ﵇ على من سب المسلم بالفسق ومن قاتله بالكفر، وقد عُلِم بهذا خطؤهم ومطابقة جواب أبي وائل لسؤال زُبَيد عنهم، وليس المراد بالكفر هنا حقيقته التي هي الخروج عن الملة، وإنما أطلق عليه الكفر؛ مبالغة في التحذير، معتمدًا على ما تقرَّر في القواعد على عدم كفره بمثل ذلك، أو أطلقه عليه؛ لشبهه به؛ لأنَّ قتال المسلم من شأن الكافر، أو المراد: الكفر اللغوي؛ وهو الستر؛ لأنَّه بقتاله له ستر ما له عليه من حق الإعانة والنصرة وكف الأذى، ولا نعني بهذا إلا هذا، فقد قال أئمتنا الأعلام: لا يُفتى بتكفير مسلم مهما أمكن، ولو وُجِدَ مئة قول بتكفيره وقولٌ واحد بعدم تكفيره؛ فالمفتى به عدم التكفير؛ لأنَّ تكفير المسلم أمر صعب، وهذا في غاية الاحتياط؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٩٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-96>[حديث: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر]</span>\n٤٩ - وبه قال: (أخبرنا قتيبة بن سعيد) السابق، وفي رواية: بإسقاط (ابن سعيد)، وفي أخرى: (هو ابن سعيد) قال: (حدثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني، وقد مر، (عن حُميد)؛ بضم الحاء المهملة: ابن أبي حُميد، واسم أبي حُميد تِيْر؛ بكسر المثناة الفوقية، وسكون المثناة التحتية، آخره راء مهملة؛ أي: السهم، الخزاعي البصري، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومئة، (عن أنس) وفي رواية: (ابن مالك)، وفي أخرى: (حدثنا أنس)، وفي أخرى: (حدثني أنس)، وبهذا يحصل الأمن من تدليس حُميد (قال: أخبرني) بالإفراد (عبادة بن الصامت) ﵁: (أن رسول الله ﷺ خرج)؛ أي: من الحجرة، والجملة خبر (أنَّ) (يخبر) جملة مستأنفة، والأولى أن يكون حالًا مقدرة؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧]؛ أي: مقدرين الخلود؛ كما حققه في «عمدة القاري»، (بليلة القدر) أي: بتعينها (فتلاحَى)؛ بفتح الحاء المهملة: من التلاحِي؛ بكسرها؛ أي: تنازع (رجلان من المسلمين)؛ هما عبد الله بن أبي حَدْرَد؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وفتح الراء، آخره دال أخرى، وكعب بن مالك؛ كان على عبد الله دين لكعب يطلبه، فتنازعا فيه ورفعا صوتيهما في المسجد (فقال) ﵇: (إني خرجت لأخبرَكم) بنصب الراء بـ (أن) المقدرة بعد لام التعليل، وهذا مقول القول، والضمير مفعول (أخبر) أول، وقوله: (بليلة القدر) سد مسد الثاني والثالث؛ لأنَّ التقدير: أخبركم بأن ليلة القدر هي الليلة الفلانية، (وإنه)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشأْن (تلاحى) تنازع (فلان) ابن أبي حدرد (وفلان) كعب بن مالك في المسجد وشهر رمضان، وزادت منازعتهما على القدر المباح في المسجد، فكانت لغوًا، وهو ليس بمحلٍّ للغو، مع ما كان في الزيادة من رفع الصوت بحضرة النبي الأعظم ﵇؛ فافهم.\n (فرُفعت)؛ أي: رُفع بيانها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، يدل عليه ما في رواية مسلم من حديث أبي سعيد: «فجاء رجلان يحتقَّان -بتشديد القاف؛ أي: يدعي كل منهما أنه محق- معهما الشيطان، فنسيتها»، فيعلم من هذا الحديث: أن سبب الرفع: النسيان، ومن حديث الباب: التلاحي، ويَحتمل أن يكون من كل منهما، والله أعلم، (وعسى أن يكون) رفعها (خيرًا لكم)؛ لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، وشذَّ قوم فقالوا برفعها، وهو غلط، ويدل عليه قوله: (التمسوها)؛ أي: اطلبوها؛ لأنَّ لو كان المراد رفع وجودها؛ لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية: (فالتمسوها) (في) ليلة (السبع) -بتقديم السين على الموحدة- والعشرين من رمضان، (والتسع) -بتقديم المثناة فوق على السين المهملة- والعشرين منه، (والخمس) والعشرين منه، والتقييد بالعشرين وبرمضان استفيد من الأحاديث الأُخَر الدالة عليهما، لا يقال: كيف يأمر (^١) بطلب ما رفع علمه؟ لأنَّا نقول: المراد طلب التعبد في مظانها، وربما يقع العمل مصادفًا لها؛ لا أنَّه مأمور بطلب العلم بعينها، وفيه ذم الملاحاة والخصومة، وأنها سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، والحث على طلب ليلة القدر.\n\n <span id=\"b-٩٧\"> </span>(٣٧) <span data-type=\"title\" id=toc-97>[بابُ سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة]</span>\nهذا (بابُ) بدون تنوين؛ لإضافته إلى قوله: (سؤالِ جبريلَ النبيَّ) الأعظم (ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان) بإضافة (سؤال) لـ (جبريل) من إضافة المصدر إلى فاعله، و(جبريل) لا ينصرف؛ للعلمية والعجمة، و(النبي) منصوب مفعول المصدر، و(عن الإيمان) متعلق بالسؤال، (و) عن (علمِ) وقت (الساعة) قُدِّر بالوقت؛ لأنَّ السؤال لم يقع عن نفس الساعة، بل عن وقتها بقرينة ذِكْر: (متى الساعة؟) (وبيانِ) بالجر عطفًا على (سؤال جبريل) (النبي) الأعظم (ﷺ له)؛ أي: لجبريل أكثر المسؤول عنه؛ لأنَّه لم يبين وقت الساعة؛ لأنَّ حكم معظم الشيء حكم كله، أو أن قوله عن الساعة: «لا يعلمها إلا الله» بيانٌ له؛ كما حققه في «عمدة القاري».\n (ثم قال) ﵇، وعطف الفعلية على الاسمية؛ لأنَّ الأسلوب يتغير بتغير المقصود؛ فإنَّ المقصود من الكلام الأول: الترجمة، ومن الثاني: كيفية الاستدلال، فلتغايرهما تغاير الأسلوبان، وفيه خلاف عند النحاة: (جاء جبريل) ﵇ (يعلمكم دينكم، فجعل) ﵇ (ذلك كله دينًا)، ويدخل فيه اعتقاد وجود الساعة وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى؛ لأنَّهما من الدين، (وما بيَّن النبي) الأعظم (ﷺ لوفد عبد القيس من الإيمان)؛ أي: مع ما بيَّن للوفد أن الإيمان هو الإسلام؛ حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام، (وقوله تعالى) وفي رواية: (وقول الله تعالى)، وفي أخرى: (﷿): (﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾) أي: يطلب (﴿غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا﴾) من الأديان (﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾) [آل عمران: ٨٥]؛ أي: مع ما دلت عليه هذه الآية أن الإسلام هو الدين؛ لأنَّه لو كان غيره لم يقبل، فاقتضى ذلك أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وهو اختيار المؤلف وجماعة من المحدثين، وهو مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وهو المنصوص عن الشافعي، وقال أحمد ابن حنبل بتغايرهما؛ وقدمنا الكلام فيه.\n\n <span id=\"b-٩٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-98>[حديث: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله]</span>\n٥٠ - وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن سهم المشهور بابن عُلَيَّة؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة التحتية؛ وهي أمه (قال: أخبرنا أبو حَيَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، يحيى بن سعيد بن حيان (التيمي)؛ نسبة إلى تيم الرباب، الكوفي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة، و(حيان)؛ إما مشتق من الحياة فلا ينصرف، أو من الحين فينصرف؛ كما مر، (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي، (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ بارزًا) أي: ظاهرًا (يومًا للناس) غير محتجب عنهم، و(يومًا) نصب على الظرفية، وفي رواية أبي داود عن أبي فروة: (كان ﵇ يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﵇ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه، وكنا نجلس بجنبيه) (فأتاه رجل)؛ أي: مَلَك في صورة رجل، وفي رواية: (جبريل)، وفي «النسائي»: عن أبي فروة: (فإنا لجلوس عنده؛ إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأنَّ ثيابه لم يمسها دنس)، وفي رواية مسلم من حديث عمر: (بينما نحن ذات يوم عند رسول الله ﷺ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر -وفي رواية ابن حبان (^٢): شديد سواد اللحية- لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﵇، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه)، ولسليمان التيمي: (ليس عليه سحناء؛ أي: هيئة سفر، وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين يدي النبي ﵇ كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي ﵇) (فقال) بعد أن سلم: (يا محمد)، كما في «مسلم»، وإنما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب؛ تعمية بحاله، أو لأنَّ له حالة المعلم، وللمؤلف في (التفسير): (فقال: يا رسول الله)؛ (ما الإيمان؟)؛ أي: ما متعلقاته؟ وقد وقع السؤال بـ (ما) ولا يُسأل بها إلَّا عن الماهية، (قال) ﵇: (الإيمان) كرره؛ للاعتناء بشأنه (أن تؤمن بالله)؛ أي: تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة له تعالى والمستحيلة عليه تعالى، والظاهر أنه ﵇ علم أنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن حقيقته، وإلَّا فكان الجواب: الإيمان التصديق، وإنما فسر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المراد من المحدود: الإيمان الشرعي، ومن الحد: اللغوي، حتى لا يلزم تفسير الشيء بنفسه.\nفإن قلت: لو كان حدًّا؛ لم يقل جبريل في جوابه: (صدقت)؛ كما في «مسلم»؛ لأنَّ الحد لا يقبل التصديق، أجيب: بأن قوله: (صدقت) تسليم، والحد يقبل التسليم ولا يقبل المنع؛ لأنَّ المنع طلب الدليل، والدليل إنَّما يتوجه للخبر، والحد تفسير لا خبر، وتمامه في «القسطلاني».\n (وملائكته) جمع ملك، وأصله: ملائك (مفعل) من الألوكة؛ بمعنى: الرسالة، زيدت فيه التاء؛ لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع، وهم أجسام علوية نورانية مشكَّلة بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم: هو التصديق بوجودهم تفصيلًا فيما عُلم تعيينه كجبريل، أو إجمالًا فيما لم يعلم؛ كالأنبياء ﵈، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]؛ أي: وأن تؤمن بملائكته، (و) أن تؤمن (بلقائه)؛ أي: برؤيته تعالى في الآخرة، قاله الخطابي، واعترضه\n_________\n(^١) في الأصل: (يؤمر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (حيان)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":16},{"text":"النووي: بأن أحدًا لا يقطع لنفسه بها إنَّما هي مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له، وأجاب الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأن المراد أنها حق في نفس الأمر، أو المراد: الانتقال من دار الدنيا، انتهى.\n (و) أن تؤمن (برسله) ﵈، وفي رواية: (ورسله) بإسقاط الموحدة؛ أي: التصديق بأنهم صادقون فيما أَخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذكر؛ لتأخير إيجادهم لا لأفضلية الملائكة، وفي رواية زيادة: (وكتبه)؛ أي: تصدق بأنها كلام الله، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ، (و) أن (تؤمن)؛ أي: تصدق (بالبعث) من القبور وما بعده؛ كالصراط، والميزان، والجنة، والنار، أو المراد بعثة الأنبياء، قال في «عمدة القاري»: والأول أظهر، وقيل: إن قوله: (بلقائه) مكرر؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث، وتغاير تفسيرهما يحقق أنَّها ليست مكررة، وإنما أعاد (تؤمن)؛ لأنَّه إيمان بما سيوجد، وما سبق إيمان بالموجود في الحال؛ فهما نوعان.\nثم (قال) أي: جبريل: يا رسول الله؛ (ما الإسلام؟ قال) ﵇: (الإسلام) أعاده تفخيمًا لأمره: (أن تعبدَ الله)؛ أي: تطيعه فيما أمر ونهى، أو تنطق بالشهادتين، قلت: والأول أظهر، (ولا تشركَ به)؛ بالفتح، وفي رواية: بالضم، زاد الأصيلي: (شيئًا)، (و) أن (تقيم) أي: تديم أداء (الصلاة) المكتوبة؛ كما صرح به مسلم، أو تأتي بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاص على العام، (و) أن (تؤدي) أي: تعطي (الزكاة المفروضة) قيَّد بها؛ احترازًا من صدقة النافلة؛ فإنَّها زكاة لغوية، أو من المعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزركشي: والظاهر أنها للتأكيد، (و) أن (تصوم رمضان) ولم يذكر الحج، إما ذهولًا أو نسيانًا من الراوي، ويدل له مجيئه في رواية كهمس: (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، وقيل: لأنَّه لم يكن فرض، ورُدَّ بأن في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلم: أن الرجل جاء في آخر عمره ﵇، ولم يذكر الصوم في رواية عطاء الخراساني، واقتصر في حديث أبي عامر على الصلاة والزكاة، ولم يزد في حديث ابن عباس على الشهادتين، وزاد سليمان التيمي بعد ذكر الجميع: الحج، والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد حصل هنا الفرق بين الإسلام والإيمان، فجعل الإسلام عمل الجوارح، والإيمان عمل القلب.\nفالإيمان لغة: التصديق مطلقًا، وفي الشرع: التصديق والنطق معًا، فأحدهما ليس بإيمان، أما التصديق؛ فإنه لا ينجي وحده من النار، وأما النطق؛ فهو وحده نفاق، فتفسيره في الحديث: الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل، إنَّما فسر به إيمان القلب والإسلام في الظاهر، لا الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي، والمؤلف يرى أنهما والدين عبارات عن واحد، والمتَّضح: أن محلَّ الخلاف إذا أُفرد لفظ أحدهما، فإن اجتمعا؛ تغايرا كما وقع هنا، كذا قرره القسطلاني، قلت: فيه نظر؛ فإنَّ الإسلام هو الخضوع والانقياد؛ بمعنى: قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].\nوبالجملة: لا يصح في الشرع أن يحكم على واحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، والمراد بعدم تغايرهما: أنَّه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم؛ لما في ذكره في الكفاية من [أنَّ] الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر به من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيَّتِه، وذلك لا يتحقق إلَّا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران، ومن أثبت حدَّ التغاير يقال له: ما حُكْم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا؛ فهو ليس بثابت للآخر، والأظهر بطلان قوله؛ وقدمنا بقية الكلام؛ فافهم.\nثم (قال) جبريل: يا رسول الله؛ (ما الإحسان؟) (ما) استفهامية مبتدأ، والإحسان خبره، و(أل) فيه للعهد؛ أي: ما الإحسان المتكرر في القرآن المترتب عليه الثواب؟ (قال) ﵇ مجيبًا له: الإحسان (أن تعبد الله)؛ أي: عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك له (كأنك تراه)؛ أي: مثل حال كونك رائيًا له، (فإن لم تكن تراه) سبحانه؛ فاستمر على إحسان العبادة، (فإنه) تعالى (يراك) دائمًا، والإحسان: الإخلاص أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كلمه ﵇؛ لأنَّه شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة.\nثم (قال) جبريل: يا رسول الله؛ (متى) تقوم (الساعة؟) (أل) للعهد، والمراد يوم القيامة (قال) ﵇: (ما) أي: ليس (المسؤول) زاد في رواية: (عنها) (بأعلم من السائل)؛ بزيادة الموحدة في (أعلم)؛ لتأكيد معنى النفي، والمراد: نفي علم وقتها؛ لأنَّ علم مجيئها مقطوع به، فهو علم مشترك، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم إلا أن المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعدُ: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، فلما وقع الجواب بأنه لا يعلمها إلَّا الله؛ كفُّوا، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى وجبريل؛ كما في «نوادر الحميدي» عن الشعبي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، (وسأخبرك عن أَشراطها)؛ بفتح الهمزة، جمع شرط؛ بالتحريك؛ أي: علامتها السابقة عليها أو مقدماتها، لا المقارنة لها؛ وهي (إذا ولدت الأمة) أي: وقت ولادة الأمة (ربَّها)؛ أي: مالكها وسيدها، وهو هنا كناية عن كثرة أولاد السراري حتى تصير الأم كأنها أمة لابنها؛ من حيث إنَّها ملك لأبيه، أو أن الإماء تلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعايا، والملك سيد رعيته، أو كناية عن فساد الحال؛ لكثرة بيع أمهات الأولاد، فيتداولهن المُلَّاك، فيشتري الرجل أمه وهو لا يشعر، أو كناية عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمه معاملة السيدِ أمتَه في الإعانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه (ربها)؛ مجازًا لذلك.\nوعورض بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأمة إلَّا أن يقال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلف في (التفسير): (ربَّتها) بتاء التأنيث على معنى النسمة؛ ليشمل الذكر والأنثى، وقيل: كراهة أن يقول: (ربَّها)؛ تعظيمًا للفظ (الرب)، وعبر بـ (إذا) الدالة على الجزم؛ لأنَّ الشرط محقَّق الوقوع، ولم يعبر بـ (إنْ)؛ لأنَّه لا يصح أن يقال: إنْ قامت القيامة؛ كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا؛ لأنَّه يشعر بالشك فيه؛ كذا حققه في «عمدة القاري»، وتمامه فيه.\nقلت: وهذه الاحتمالات كلها واقعة الآن في زماننا، نعوذ بالله من الجهل والغفلة، اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، والتوفيق لما تحبه وترضاه.\n (و) من أشراط الساعة (إذا تطاول رُعاةُ الإبل) بضم الراء جمع راع (البُهمُ)؛ بالرفع؛ صفة للرعاة، وبالجر؛ صفة للإبل، ففيه روايتان، وهو بضم الباء الموحدة، جمع (بهيم) على الأولى، وجمع (بهماء) على الثانية، وفي رواية: بفتح الباء الموحدة، فلا وجه له هنا، جمع (بهيمة)؛ صغار الضأن والمعز، والمراد بالبهم: الأسود الذي لا يخالطه لون غيره؛ وهو شر الإبل.\nوالمعنى؛ أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان وتكاثرهم باستيلائهم على الأمر، وتملكهم البلاد بالقهر المقتضي لتبسطهم بالدنيا، فهو عبارة عن ارتفاع الأسافل كالعبيد والسفلة من الجمَّالين والزراعين وغيرهم، وقد عَدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثة، فإما أن يكون على أنَّ أقل الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط الساعة.\nوعلمُ وقتها داخل (في) جملة (خمس) من الغيب (لا يعلمهنَّ إلَّا الله، ثم تلا النبي) الأعظم (ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤])؛ أي: علم وقتها، وفي رواية: (﴿وَيُنَزِّلُ﴾ .. الآيةَ)؛ بالنصب بتقدير: اقرأ، وبالرفع مبتدأ خبره محذوف؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السورة، ولمسلم: (إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾)، والجار والمجرور متعلق بمحذوف كما قدرناه، فهو على حد قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات، وتمام الآية: ﴿وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾؛ أي: في أيامه المقدَّر له والمحل المعيَّن له، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ أذكرًا أم أنثى؟ تامًا أم ناقصًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾؟ من خير أو شر، وربما يعزم على شيء ويفعل خلافه، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾؟ أي: كما لا تدري في أي وقت تموت؟\nقال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة؛ لهذا الحديث، فمن ادَّعى علم شيء منها غير مستند إلى الرسول ﵇؛ كان كاذبًا في دعواه، انتهى.\n (ثم أدبر) من الإدبار؛ أي: رجع الرجل السائل، (فقال) ﵇: (ردوه)، وفي رواية: (فأخذوا ليردوه) (فلم يروا شيئًا) لا عينه ولا أثره، ولعل قوله: (ردوه) على إيقاظ للصحابة؛ ليتفطنوا إلى أنه ملَك لا بشر، (فقال) ﵇: (هذا) ولكريمة: (إن هذا) (جبريل) ﵇ (جاء يُعلِّم الناس دينهم)؛","vol":"1","page":16},{"text":"أي: قواعد دينهم، وهي جملة وقعت حالًا مقدرة؛ لأنَّه لم يكن معلمًا وقت المجيء، وأسند التعليم إليه وإن كان سائلًا؛ لأنَّه لما كان السبب فيه أسنده إليه، أو أنه كان من غرضه.\nوللإسماعيلي: «أراد أن تعلموا؛ إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامر: «والذي نفس محمد بيده؛ ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة»، وفي رواية سليمان التيمي: «ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولَّى».\n (قال أبو عبد الله) المؤلف: (جعل)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (ذلك) المذكور (كله من الإيمان)؛ أي: من ثمرات الإيمان، وفي الحديث بيان عظم الإخلاص والمراقبة، وفيه أن العالم إذا سئل عما لا يعلمه؛ يقول: لا أدري، ولا ينقص ذلك من جلالته، بل يدل على ورعه، وتقواه، ووفور علمه؛ فإنَّ النبي الأعظم ورد عنه أنه قال: «لا أدري حتى أسأل جبريل»، وجبريل قال: «لا أدري حتى أسأل ميكائيل...» وهكذا إلى رب العزة ﷻ، ونُقل قول: (لا أدري) عن إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، وعن الإمام مالك، وعن الإمام الشافعي، وعن الإمام أحمد ابن حنبل ﵃، وقال مالك: قول: لا أدري؛ نصف العلم، وتوقف إمامنا الإمام الأعظم في اثنتي عشر مسألة، والإمام مالك في ثماني عشرة مسألة، وهذا من ورعهما وتقواهما، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وفيه: أن الملائكة تَمثَّل بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم، كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي ﵇ في صورته التي خلق عليها غير مرتين، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٩٩\"> </span>(٣٨) <span data-type=\"title\" id=toc-99>[باب منه]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين بدون ترجمة؛ لتعلقه بالترجمة السابقة؛ من حيث اشتراكهما في جعل الإيمان دِينًا.\n\n <span id=\"b-١٠٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-100>[حديث أبي سفيان مع هرقل]</span>\n٥١ - وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن حمزة)؛ بالزاي: ابن محمد بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي المدني، المتوفى بالمدينة سنة ثلاثين ومئتين (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، (عن صالح) هو ابن كيسان الغفاري، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله)؛ بفتحها، ابن عتبة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة: (أن عبد الله بن عباس أخبره قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سفيان)؛ بتثليث أوله، وللأصيلي: (ابن حرب): (أن هرقل) عظيم الروم (قال له) أي: لأبي سفيان في قصته المذكورة سابقًا: (سألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟)، وفي الرواية السابقة: الاستفهام بالهمزة؛ وهو القياس؛ لأنَّ (أَم) المتصلة مستلزمة للهمزة، وأجيب بأن (أم) هنا منقطعة؛ أي: بل ينقصون، فيكون إضرابًا عن سؤال الزيادة واستفهامًا عن النقصان، على أن جار الله الزمخشري أطلق أنَّها لا تقع إلا بعد الاستفهام؛ فهو أعم من الهمزة؛ فافهم.\n (فزعمت) وفي السابقة: (فذكرت) (أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم)؛ أي: أمر الإيمان؛ كما في الرواية السابقة، (وسألتك هل يرتد) وفي السابقة: (أيرتد) بالهمزة (أحد سَخطة)؛ بفتح السين، وفي رواية: (أحد منهم سَخطة)؛ أي: ساخطًا؛ أي: كراهة، منصوب على الحال أو على المفعول لأجله، (لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت) في السابقة: (فذكرت) (أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يَسخَطه أحد)؛ بفتح المثناة التحتية والخاء، ولم يذكر هذه اللفظة وتاليها في الرواية السابقة.\nواقتصر هنا على هذه القطعة؛ لبيان غرضه منها هنا؛ وهي تسمية الدين إيمانًا، ونحو هذا الحذف يسمونه خرمًا، والصحيح جوازه من العالم إذا كان ما تركه غير متعلِّق بما رواه؛ بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة، والظاهر أنَّ الخرم وقع من الزهري لا من المؤلف؛ كما قاله القسطلاني تبعًا للكرماني، واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأنه كيف يكون الخرم من الزهري وقد أخرجه البخاري بتمامه بهذا الإسناد في (كتاب الجهاد)؟ وليس الخرم إلَّا من البخاري، انتهى.\nقلت: وهو ظاهر؛ لأنَّ عادة البخاري الخرم في بعض الأحاديث؛ لبيان غرضه واستدلاله كما وقع هنا، فلا شكَّ أن الخرم وقع هنا من المؤلف؛ لأنَّ سياقه في (الجهاد) بتمامه بهذا الإسناد؛ دليل واضح على ذلك، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٠١\"> </span>(٣٩) <span data-type=\"title\" id=toc-101>[باب فضل من استبرأ لدينه]</span>\nهذا (باب فضل من استبرأ لدينه)؛ أي: الذي طلب البراءة؛ لأجل دينه من الذم الشرعي أو من الإثم، وإنما قال: (لدينه) ولم يقل: لعرضه؛ لأنَّه لازمٌ له، والاستبراء للدين من الإيمان.\n\n <span id=\"b-١٠٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-102>[حديث: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات]</span>\n٥٢ - وبه قال: (حدثنا أبو نعيم)؛ بضم النون: الفضل بن دُكَين؛ بضم الدال المهملة وفتح الكاف؛ وهو لقبه، واسمه عمرو بن حماد، القرشي التيمي الطلحي، المتوفى بالكوفة سنة ثمان أو تسع عشرة ومئتين (قال: حدثنا زكريا) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون، الهمداني الوادعي الكوفي، المتوفى سنة سبع أو تسع وأربعين ومئة (عن عامر) هو الشعبي، وفي «فوائد أبي الهيثم» من طريق يزيد بن هارون عن زكريا قال: (حدثنا الشعبي)، وبهذا حصل الأمن من تدليس زكريا؛ كذا في «عمدة القاري»: أنه (قال: سمعت النعمان بن بشير)؛ بفتح الموحدة وكسر المعجمة: ابن سعْد؛ بسكون العين، الأنصاري الخزرجي، وأمه عمرة بنت رواحة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، المقتول سنة خمس وستين، وقول القابسي وابن معين عن أهل المدينة: لا يصح للنعمان سماع من النبي ﵇؛ يرده قوله هنا: (سمعت النعمان بن بشير) (يقول: سمعت رسول الله) وفي رواية: (النبي) الأعظم (ﷺ)، وعند مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه (يقول: الحلالُ بيِّنٌ) مبتدأ وخبر؛ أي: ظاهرٌ بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة، (والحرامُ بيِّنٌ) مبتدأ وخبره؛ أي: ظاهرٌ بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة، (وبينهما) خبر، أمورٌ (مشبَّهاتٌ) مبتدؤه؛ بتشديد الموحدة المفتوحة؛ أي: شُبِّهت بغيرها ممَّا لم يتبيَّن به حكمها على التعيين، وفي رواية: (مشتَبِهات)؛ بمثناة فوقية مفتوحة وموحدة مكسورة؛ أي: اكتسبت الشبهة من وجهين متعارضين، بقي ثلاث روايات فيها مذكورة مع معانيها بغاية الإيضاح في «عمدة القاري»؛ فيراجع، (لا يعلمها)؛ أي: لا يعلم حكمها (كثير من الناس) وفي رواية الترمذي: (لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام؟) وقليل من الناس يعلم حكمها؛ وهم العلماء، إما بنص، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نصٌّ ولا إجماع؛ اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به؛ صار حلالًا أو حرامًا، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه؛ فهل يؤخذ بالحل أو الحرمة أم بالتوقف؟ فيه ثلاثة مذاهب؛ وهي مخرَّجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب:\nأحدها: أنه لا يحكم بتحليل ولا تحريم ولا غيرها؛ لأنَّ التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، وهو الأصح؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وفي «البدائع»: وهو المختار، وهو قول الشافعية.\nالثاني: أن الحكم الحل والإباحة، وهو قول بعض أئمتنا، وهو قول الإمام الكرخي، ومشى عليه الإمام المرغيناني في «الهداية»، والإمام الجليل قاضيخان في «الفتاوى».\nالثالث: المنع، وهو قول بعض أصحاب الحديث.\nالرابع: الوقف؛ بمعنى: أنه لا بدَّ لها من حكم، لكنا لم نقف عليه بالعقل، وهو قول بعض أئمتنا.\nوقد يكون الدليل غير خال عن الاحتمال، فالورع تركه لا سيما على القول: بأن المصيب واحد، وهو المشهور في مذهب إمامنا الإمام الأعظم والإمام مالك، ومنه ثار القول في مذهبهما بمراعاة الخلاف أيضًا، وكذا روي عن الشافعي: أنه كان يراعي الخلاف؛ حيث لا يفوت به سنة عندهم.\nفعلى هذا: ساغ لنا إذا سُئِلنا عن مذهبنا أن نقول: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب؛ بناء على أن الحق واحد، وقال الشافعي: إن الحق متعدد، فلا يجوز له أن يقول ذلك، والله تعالى أعلم.\n (فمَن) موصولة مبتدأ (اتقى) أي: حَذِرَ (المشبَّهات)؛ بالميم وتشديد الموحدة، وفي رواية: (المشْتَبِهات)؛ بالميم والمثناة الفوقية بعد الشين الساكنة، وفي أخرى: (الشُّبهات) بإسقاط الميم، وضم الشين، وبالموحدة: جمع شبهة؛ وهي الالتباس، وأصل (اتقى): اوتقى؛ من وقى وقاية، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، صلة الموصول، وقوله: (استبرأ) خبره، وفي رواية: (فقد استبرأ) بالهمز بوزن (استفعل) (لدينه) المتعلق بخالقه، (وعرضه) المتعلق بالخلق؛ أي: حصل البراءة لدينه من الالتباس، ولعرضه من طعن الناس، وفي رواية: (لعرضه ودينه)، (ومَن) شرطية، وفعل الشرط قوله: (وقع في الشُّبهات) التي أشبهت الحرام من وجه والحلال من آخر؛ بمعنى: التبس أمرها، وفي رواية: (المشْتَبِهات)؛ بالميم، وسكون الشين، وفوقية قبل الموحدة، وفي أخرى: (المشبَّهات)؛ بالميم والموحدة المشددة، وجواب [من] محذوف في جميع النسخ، وثبت","vol":"1","page":17},{"text":"في رواية الدارمي عن أبي نُعيم شيخ المؤلف فيه، ولفظه قال: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) (كراعٍ)؛ أي: مثله مثل راع، وفي رواية: (كراعي بالياء)، (يرعى): جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل؛ للتنبيه بالشاهد على الغائب، أو أن تكون (مَن) موصولة لا شرطية مبتدأ، والخبر (كراع يرعى)، وحينئذٍ لا حذف، والتقدير: الذي وقع في الشبهات كراع يرعى مواشيه.\n (حول الحمى)؛ بكسر الحاء المهملة وفتح الميم: المحمي، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمراد: موضع الكلأ الذي مُنع منه الغير وتُوعِّد على من رعى فيه، (يوشك)؛ بكسر المعجمة؛ أي: يقرب، (أن يواقعه)؛ أي: يقع فيه، وعند ابن حبان: اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك؛ استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه؛ كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه.\n (ألا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف تنبيه أن الأمر كما تقدم، (وإن لكل ملِك)؛ بكسر اللام من ملوك العرب (حمى)؛ مكانًا مخصبًا حظره لرعي مواشيه وتوعَّد من رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة، وسقط قوله: (ألا وإن) في رواية (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، (إنَّ) وفي رواية: (وإن)، (حمى الله) تعالى، وفي رواية زيادة: (في أرضه)، (محارمه) وفي رواية: (معاصيه) بدل (محارمه)؛ أي: المعاصي التي حرمها؛ كالزنا ونحوه، فهو من باب التمثيل والتشبيه بالشاهد عن الغائب، فشبه المكلفَ بالراعي، والنفسَ بالبهيمة؛ بالأنعام، والمشبهات بما حول الحمى، والمحارم بالحمى، وتناول المشبهات بالرتع حول الحمى، ووجه التشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك.\n (ألا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام، إن الأمر كما ذكر، (وإن في الجسد مضغة) بالنصب اسم (إن) مؤخر؛ أي: قطعة من اللحم، وسميت بذلك؛ لأنها تُمضَغ في الفم لصغرها، أو لأنَّ أول نقطة تكون من النطفة، (إذا صلحت)؛ بفتح اللام وضمها، والفتح أفصح؛ أي: المضغة، (صلح الجسد كله)؛ لأنَّه مركب عليها، وسقط لفظ (كله) في رواية، (وإذا فسدت)؛ أي: المضغة (فسد الجسد كله)؛ لأنَّه مركب عليها.\n (ألا)؛ بالفتح والتخفيف، (وهي)؛ أي: المضغة (القلب)؛ أي: الفؤاد، وقيل: القلب أخص من الفؤاد، وإنما سمي به؛ لتقلبه في الأمور، وقيل: لأنَّه خالص ما في الإنسان، وخالص كل شيء قلبه، وأصله مصدر ثم نُقل وسمي به هذا العضو؛ لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه، وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:\nما سمِّي القلبُ إلَّا من تقلُّبه... فاحذرْ على القلبِ من قلبٍ وتحويلِ\nقيل: إن القلب محل العقل، وهو قول بعض المتكلمين، والشافعية، والفلاسفة، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم: إن العقل في الدماغ، وهو قول جمهور المتكلمين والأطباء.\nوقال الإمام النووي: ليس في الحديث دلالة على أن العقل في القلب، واستدل به أيضًا على أن من حلف لا يأكل لحمًا فأكل قلبًا؛ حنث، قلت: ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يحنث، وإليه مالَ الصيدلاني المروزي، والأصح: أنه لا يحنث؛ لأنَّه لا يسمى لحمًا اهـ.\nفعُلِم منه: أن بعض الشافعية قالوا: العقل في القلب، وبعضهم قالوا: إنه في الدماغ، وظاهر عبارة أئمتنا الأعلام: أن العقل مقره في القلب، وسلطانه ونوره وشعاعه في الدماغ، وبهذا يحصل التوفيق بين القولين؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٠٣\"> </span>(٤٠) <span data-type=\"title\" id=toc-103>[باب أداء الخمس من الإيمان]</span>\nهذا (باب) بالتنوين (أداء الخُمُس)؛ بضم المعجمة والميم، (من الإيمان) مبتدأ وخبره؛ أي: من شعبه، ويجوز إضافة الباب لما بعده.\n\n <span id=\"b-١٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-104>[حديث: مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى]</span>\n٥٣ - وبه قال: (حدثنا علي بن الجَعْد)؛ بفتح الجيم وسكون العين، أبو الحسن ابن عُبيد؛ بضم العين، الجوهري، الهاشمي، البغدادي، المتوفى فيها سنة ثلاثين ومئتين، (قال: أخبرنا شعبة)؛ هو ابن الحجاج، (عن أبي جمرة)؛ بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران بالصاد المهملة، الضُّبَعي؛ بضم الضاد المعجمة، بعدها موحدة مفتوحة، بعدها عين مهملة، البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، والضُّبَعي: نسبة لبطن من عبد القيس.\n (قال: كنت أقعد) بلفظ المضارع حكاية حالٍ ماضية؛ استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين، (مع ابن عباس) ﵄؛ أي: عنده زمن ولايته بالبصرة من قِبَل علي بن أبي طالب، (يُجلسني)؛ بضم أوله من غير فاء، مِن أجلس، وفي رواية: بالفاء؛ أي: يرفعني بعد أن أقعد.\n (على سريره) عطف على (أقعد)؛ لأنَّ الجلوس على السرير بعد القعود، وروى المؤلف في (العلم) السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس)، والترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، فقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عن من تكلم بها، وفيه دليل على جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ كما قاله القاضي.\nقلت: قال أئمتنا الأعلام: والواحد يكفي للتزكية والرسالة والترجمة؛ لأنَّها خبر وليست بشهادة حقيقية، ولهذا لا يشترط لفظة الشهادة؛ فليحفظ.\n (فقال: أقم)؛ أي: توطن (عندي)؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خفي عليه من السائلين، (حتى) أن (أجعل لك سهمًا)؛ أي: نصيبًا (من مالي)، سبب الجعل الرؤيا التي رآها في العمرة؛ كما سيأتي في الحج، قال أبو جمرة: (فأقمت معه)؛ أي: عنده مدة (شهرين) بمكة، وإنما عبر بـ (مع) المقتضية للمصاحبة دون (عند) المقتضية لمطابقة (أقم عندي)؛ للمبالغة.\nوفي رواية مسلم بعد قوله (وبين الناس): (فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلت: يا بن عباس: إنِّي انتبذت (^١) في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشربْ منه وإن كان أحلى من العسل).\n (ثم قال: إنَّوَفْد)؛ أي: جماعة (عبد القيس) أبو القبيلة، وهو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحة، وفاء ساكنة، وصاد مهملة مفتوحة، ابن دُعْمي؛ بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة، ابن جَديلة؛ بفتح الجيم، ابن أسد بن ربيعة بن نزار، كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشج، ويُروى أنهم أربعون، فيحتمل أن يكون لهم وفادتان، أو أن الأشراف أربعة عشر والباقي تبع، وأسماؤهم وبيانهم موضح في «عمدة القاري» غاية الإيضاح.\n (لما أتوا النبي) الأعظم (ﷺ) عام الفتح قبل خروجه من مكة، وكان سبب وفودهم كما في «عمدة القاري» إسلام منقذ بن حبان، وتعلمه الفاتحة وسورة اقرأ، وكتابته ﵇ لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما رحل إلى قومه؛ كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ وهو الأشج: إنِّي أنكرت فعل بعلي منذ قدم مِن يثرب؛ إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة، يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرة ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا في (^٢) ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، وقرأ عليهم الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله ﵇، فلما قدموا؛ (قال) ﵇ (مَن القوم؟ أو) قال (مَن الوفد؟) شك شعبة أو أبو جمرة، (قالوا) نحن (ربيعة)؛ أي: ابن نزار بن معَدِّ بن عدنان، وإنما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبر عن البعض بالكل؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدل له ما في المؤلف في (الصلاة)، فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة.\n (قال) ﵇: (مرحبًا بالقوم أو) قال (بالوفد)، وأول من قال: مرحبًا: سيف بن ذي يزن، وانتصابه على المصدرية بفعل مضمر؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضم؛ أي: سعة، حال كونهم (غير خزايا) جمع خزيان على القياس؛ أي: غير أذلاء أو غير مستحيين لقدومكم مبادرين دون حرب يوجب استحياءكم، و(غير) بالنصب حال، ويروى: بالخفض صفة لـ (القوم).\n (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، وإنما جُمع كذلك؛ اتباعًا لـ (خزايا) للمشاكلة والتحسين، وذكر القزاز: أن (ندمان) لغة في (نادم)، فجمعه المذكور على هذا قياس، (فقالوا)، وللأصيلي: (قالوا): (يا رسول الله؛ إنا لا نستطيع أن نأتيك)؛ أي: الإتيان إليك، (إلا في الشهر الحرام) سُمي الشهر شهرًا؛ لشهرته وظهوره، وحرامًا؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمراد الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، والمراد شهر رجب، كما صُرِّح به في رواية البيهقي.\nوفي رواية: (إلا في شهر الحرام)، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع، والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف؛ أي: ومسجد الوقت الجامع، وشهر الوقت الحرام.\nوقول ابن حجر: هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، رده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز؛ كما عُرِف في موضعه؛ فليحفظ، وفي رواية: (إلا في أشهر الحُرُم)، تقديره: في أشهر الأوقات الحُرُم، و(الحُرُم)؛ بضمتين جمع حرام، وفي رواية: (إلا في كل شهر حرام).\n (و) الحال (بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَرَ)؛ بضم الميم وفتح المعجمة، مخفوض بالمضاف بالفتحة؛ للعلمية والتأنيث، وهذا مع قولهم: (يا رسول الله)، يدل على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق.\n (فمرنا بأمرٍ فصْلٍ)؛ بالصاد المهملة وبالتنوين في الكلمتين على الوصفية، لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى: المفصَّل المبين، وأصل (مرنا): أأمرنا؛ بهمزتين؛ من أمر يأمر،\n_________\n(^١) في الأصل: (أنتبذ).\n (^٢) في الأصل من دون (في) والسياق يقتضيها.","vol":"1","page":17},{"text":"فحذفت الهمزة الأصلية؛ للاستثقال، فصار (أمرنا)، فاستغني عن همزة الوصل فحذفت، فبقي (مُر) على وزن (عُل)؛ لأنَّ المحذوف فاء الفعل.\n (نخبر به مَن)؛ أي: الذي استقرَّ، (وراءَنا)؛ أي: خلفنا مِن قومنا الذين خلَفناهم في بلادنا، و(نخبر) بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازم، والجملة في محلِّ جرِّ صفة لـ (أمر)، (وندخل به الجنة) إذا قُبِل بفضله تعالى، ويجوز الجزم والرفع في (ندخل) كـ (نخبر)؛ عطفًا عليها، لكن يتعيَّن الرفع في هذه على رواية إسقاط الواو، وتكون الجملة مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب.\n (وسألوه) ﵇ (عن الأشربة)؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى الأول: المحذوف المضاف، وعلى الثاني: الصفة.\n (فأمرهم) ﵇ (بأربع)؛ أي: بأربع جمل أو خصال، (ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده) تفسيرٌ لقوله: (فأمرهم بأربع)، ومن ثَم حذف العاطف، (قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال) ﵇: هو (شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله)؛ برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف، ويجوز الجرُّ على البدلية، (وإقام الصلاة)؛ أي: أدائها بأوقاتها على الوجه المعلوم.\n (وإيتاء الزكاة)؛ أي: إعطاؤها في مصارفها، (وصيام رمضان) فيه دليلٌ على عدم كراهة قول رمضان من غير تقييد بالشهر، (و) الخامس (أن تعطوا من المغنم الخُمُس)؛ بضم الخاء المعجمة والميم، وإنما أمرهم بأربع وذكر لهم خمسًا؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّارَ مُضر وكانوا أهلَ جهاد وغنائم، فزاد الخامس لذلك، ولم يذكر لهم الحجَّ؛ لكونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وفيه خلاف، فعند الإمام أبي يوسف؛ وهو رواية عن إمامنا الإمام الأعظم: وجوبه على الفور، وعليه الفتوى، وهو مذهب مالك، وعند الإمام محمَّد الشيباني؛ وهو رواية أيضًا عن الإمام الأعظم: أنَّه على التراخي، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنَّه ﵇ كان قادرًا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحجَّ إلَّا في سنة عشر.\nوأجيبَ: بأنَّه ﵇ كان عالمًا بإدراكه فلذلك أخَّره، بخلاف غيره مع ورود الوعيد في تأخيره بعد الوجوب، أو لشهرته عندهم، أو لكونه لم يكن فُرِض؛ لأنَّ قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكَّة، وهو فُرِض في سنة تسع على قول، والأصحُّ: أنَّه فُرِض سنة ست كما سيأتي، أو لكونه لم يكن سبيل لهم إليه من أجل كفَّار مُضر.\nثم عطف المؤلف على قوله: (وأمرهم) قوله: (ونهاهم عن أربع: عن الحَنْتَم)؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، وهي الجرَّة أو الجِرار الخُضر أو الحمر، أعناقها على جنوبها، أو متخذَة من طين، وشعر، ودم، أو (الحنتم): ما طُلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره، وسقطت (عن) الثانية لكريمة.\n (و) عن الانتباذ في (الدُّباء)؛ بضمِّ المهملة، وتشديد الموحدة، والمدِّ؛ اليقطينُ الكبير الأبيض، (و) عن الانتباذ في (المزفَّت)؛ بالزاي والفاء: ما طلي بالزِّفت، (وربما قال: المقيَّر)؛ بالقاف والمثناة التحتية المشددة المفتوحة؛ وهو ما طلي بالقار، ويقال له: القير؛ وهو نبت يحرق إذا يبس، تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت.\n (وقال: احفظوهن وأخبروا بهن)؛ بفتح الهمزة، (مَن وراءَكم)؛ أي: الذين كانوا أو استقروا، فـ (مَن) موصولة مبتدأ، و(وراءكم) خبره، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يُسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها مَن لم يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء، مع النهي عن شرب كلِّ مُسكر، ففي «مسلم»: «كنتُ نهيتُكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا»، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، وهو قول الشافعي، وذهب مالك، وأحمد، وإسحاق إلى أن النهي باقٍ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لتصريح النسخ؛ كما علمت، والله أعلم.\nوفي الحديث استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، وفيه استحباب قول: مرحبًا للزائرين، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي) دليل على جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ كما قاله ابن التين، قلت: مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل ومَن قال بقوله: أنَّ الاستئجار على الطاعات لا يصح، واستثنى المتأخرون تعليم القرآن، فجوَّزوا الاستئجار عليه؛ لخوف الضياع، والأذان والإمامة؛ للعلة المذكورة؛ لأنَّهما من شعائر الدين، فهذه الثلاثة مستثناة للضرورة.\nقال في «الهداية»: الأصل أنَّ كل طاعة يختصُّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا؛ لقوله ﵇: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به...» الحديث، فالاستئجار على الطاعات مطلقًا لا يصح عند أئمتنا الأعلام، اهـ.\nفالمُفتَى به: جواز أخذ الأجرة؛ استحسانًا، على تعليم القرآن، لا على القراءة المجرَّدة كما صرح به أئمَّة المذهب، وهو قول أحمد، وعطاء، والضحَّاك، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخلي، فقارئ القرآن بالأجرة لا يستحق الثواب لا للميت ولا للقارئ؛ لأنَّ الاستئجار على قراءة القرآن باطلة، ولم يفعلها أحد من الخلفاء، وكذا الوصية بذلك باطلة.\nوهذا كله مع قطع النظر عما يحصل في زماننا من المنكرات التي يتوصَّلون إليها بحيلة قراءة القرآن والتهاليل؛ من الغناء، والرقص، واللهو، واللعب في بيوت الأيتام، ودق الطبول، وإقلاق الجيران، والاجتماع بحسان المردان، فكل من له معشوق لا يتيسر له الاجتماع به إلَّا في ذلك المكان فيجلس كلٌّ منهم بجنب معشوقه بعد إلقاء العمائم وثقيل الثياب، ويظهرون أنواع الخلاعات والرقص بما يسمونه الحربية، ويهيج بهم الهيام بسماع الغناء بأصوات حسان، وتخلع الولدان، فعند ذلك تذهل العقول ولا يدري شيخهم ما يقول، وتجتمع النسوان من كل مكان، ثم يأكلون الطعام الحرام في بيوت الأيتام، ثم يهبون ما تحصّل منهم في تلك الأوقات الخاسرات إلى روح مَن كان سببًا في اجتماعهم على هذه المنكرات، نعوذ من الجهل العظيم بالله الكريم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم الحليم.\n\n <span id=\"b-١٠٥\"> </span>(٤١) <span data-type=\"title\" id=toc-105>[باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى]</span>\nهذا (باب ما جاء)؛ أي: الذي جاء في الحديث (أن الأعمال)؛ بفتح الهمزة: فاعل (جاء)، وفي رواية: بكسرها، وفي أخرى: (أن العمل)، (بالنية)؛ بالتشديد المثناة التحتية، (والحِسْبة)؛ بكسر الحاء وسكون السين المهملتين: اسم من الاحتساب؛ وهو الأجر والثواب، (ولكل امرئ ما نوى)؛ أي: الذي نواه، ولفظ (الحسبة) من حديث أبي مسعود الآتي، وأدخلها بين الجملتين تنبيهًا على أنَّ التبويب شامل لثلاث تراجم: الأعمال بالنية، والحِسبة، ولكل امرئ ما نوى، وفي رواية: (قال أبو عبد الله البخاري)، وفي أخرى إسقاطها.\n (فدخل فيه)؛ أي: في الكلام السابق، (الإيمان) بناء على ما اختاره المؤلف من أن الإيمان؛ عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية؛ لأنَّ الشارع قال: (الأعمال بالنية) وهي حركات البدن ولا دخل للقلب فيه، وأما الإيمان بمعنى معرفة الله؛ فكذلك لا تحتاج إلى نية؛ لأنَّ المعرفة لو توقفت على النية؛ لزم أن يكون عارفًا بالله قبل معرفته، وهو محال وكذا التسبيح وسائر الأذكار والتلاوة لا يحتاج شيء منها إلى نية التقرب.\n (و) كذا (الوضوء) بناء على ما ذهب إليه المؤلف، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعند إمامنا الإمام الأعظم، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، لا يدخل.\nوقالوا: الوضوء ليس عبادة مستقلة، وإنما هو وسيلة إلى الصلاة، والنبي الأعظم ﵇ حين علَّم الأعرابي الجاهل الوضوء لم يعلِّمه النية، ولو كانت فرضًا؛ لعلَّمه، وقال الخصم: ونوقضوا بالتيمم، فإنَّه وسيلة وقد اشترط فيه النية عندنا.\nقلنا: هذا التعليل ينتقض بتطهير الثوب والبدن عن الخبث؛ فإنَّه طهارة ولم يشترط فيها النية، فإن قالوا: الوضوء تطهير حكمي يثبت شرعًا، غير معقول؛ لأنَّه لا يعقل في المحل نجاسة تزول بالغسل؛ لأنَّ الأعضاء طاهرة حقيقةً وحُكمًا، أما حقيقة فظاهرٌ، وأما حكمًا فلأنه لو صلى إنسان وهو حاملُ مُحدِثٍ؛ جازت صلاته، وإذا ثبت أنه تعبُّدي وحكم الشرع بالنجاسة في حق الصلاة فجعلها كالحقيقة، كان مثل التيمم؛ حيث جعل الشارع ما ليس بمطهر حقيقة مطهرًا حكمًا، فيشترط فيه النية كالتيمم؛ تحقيقًا لمعنى التعبد؛ لأنَّ العبادة لا تتأدّى بدون النية، بخلاف غسل الخبث؛ فإنَّه معقول؛ لما فيه من إزالة عين النجاسة عن البدن أو الثوب، فلا تتوقف على النية.\nقلنا: الماء مطهر بطبعه؛ لأنَّه خلق مطهرًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، كما أنه مزيل للنجاسة ومطهر بطبعه، وإذا كان كذلك؛ تحصل الطهارة باستعماله، سواء نوى أو لم ينوِ، كالنار يحصل بها الإحراق وإن لم يقصد، والحدث يعم البدن؛ لأنَّه غير متجزئ، فيسري إلى جميع الأعضاء، ولهذا يوصف به كله، فيقال: فلان محدث لسائر الصفات؛ لأنَّه ليس بعضُ الأعضاء أولى بالسراية من بعض؛ لأنَّه لو خصص بعض الأعضاء بالحدث؛ لخص موضع خروج النجاسة بذلك؛ لأنَّه","vol":"1","page":18},{"text":"أولى المواضع به لخروج النجاسة منه، لكنه لم يخص، فإنَّه لا يقال: مخرجه محدث، فإذا لم يخص المخرج بذلك؛ فغيره أولى، وإذا ثبت أنَّ البدن كله موصوف بالحدث؛ كان القياس غسل كله، إلَّا أنَّ الشارع اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة التي هي الأمهات للأعضاء؛ تيسيرًا، وأسقط غسل الباقي فيما يكثر وقوعه كالحدث الأصغر؛ دفعًا للحرج، وفيما عداه؛ وهو الذي لا يكثر وجوده كالحدث الأكبر مثل الجنابة، والحيض، والنفاس، أقرَّ على الأصل؛ حيث أوجب غسل البدن فيها.\nفثبت بما ذكرنا: أنَّ ما لا يعقل معناه وصف كل البدن بالنجاسة مع كونه طاهرًا حقيقة وحكمًا دون تخصيص المخرج، وكذا الاقتصار على غسل بعض البدن؛ وهو الأعضاء الأربعة بعد سراية الحدث إلى جميع البدن غير معقول، وكونهما مما لا يعقل لا يوجب تغيير صفة المطهر، فبقي الماء مطهرًا كما كان، فيطهر مطلقًا، والنية لو اشترطت إنَّما تشترط للفعل القائم بالماء؛ وهو التطهير، لا الوصف القائم بالمحل؛ وهو الحدث؛ لأنَّه ثابت بدون النية، وقد بينّا أنَّ الماء فيما يقوم به من صفة التطهير لا يحتاج إلى النية؛ لأنَّه مطهر طبعًا، بخلاف التراب؛ لكونه ملوِّثًا بالطبع، وإنما صار مطهرًا شرعًا حال إرادة الصلاة بشرط فقد الماء، فإذا وجدت نية إرادة الصلاة؛ صار مطهرًا، وبعد إرادة الصلاة وصيرورته مطهرًا شرعًا مستغنى عن النية كما استغنى الماء عنها بلا فرق بينهما، والله أعلم.\n (و) كذا (الصلاة) فلا خلاف في أنَّها لا تصحُّ إلَّا بالنية، ووقتها أول العبادات، ولكن الأول حقيقي وحُكمي، أما الحقيقي؛ ففي «الخلاصة» أجمع أصحابنا: أن الأفضل أن تكون مقارنة للشروع، ولا يكون شارعًا بمتأخرة عنها؛ لأنَّ ما مضى لا يقع عبادة؛ لعدم النية، فكذا الباقي؛ لعدم التجزُّئ.\nوأما الحكمي؛ ففي «الأشباه» قالوا: لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر مثلًا مع الإمام، ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة، إلَّا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية، وشرع في الصلاة؛ جازت صلاته بتلك النية، هكذا روي عن أئمتنا الثلاثة الأعلام.\nوفي «التجنيس والمزيد»: إذا توضأ في منزله ليصلي العصر، ثم حضر المسجد، وافتتح الصلاة بتلك النية؛ فإن لم يشتغل بعمل آخر؛ تكفيه، هكذا قال الإمام محمد؛ لأنَّ النية المتقدمة تكفيها إلى وقت الشروع حكمًا، انتهى.\nوالمراد بما ليس من جنسها كل ما يدل على الإعراض عنها؛ كأكل وكلام مباح وغيرهما، وأما المشي إلى مقام الصلاة، فإنَّه مغتفر؛ لأنَّه من أفعالها حكمًا، فإنَّه غير قاطع لها، كما في «فتح القدير»، ولا تشترط بقاء النية مع كل ركن؛ للحرج، كذا في «البناية»، وكذا في بقية العبادات، وفي «القنية» لا يلزم نيته العبادة في كل جزء، إنَّما يلزمه في جملة ما يفعله في كل حال، انتهى، وفي «العناية»: افتتح المكتوبة ثم ظن أنَّها تطوع فأتمها على نية التطوع؛ أجزأته عن المكتوبة، انتهى.\nوالحاصل أن المذهب المعتمد: أن العبادة ذات أفعال تكتفي بالنية في أولها، ولا يحتاج في كل فعل اكتفاءً بانسحابها عليها، كذا في «الأشباه والنظائر» للإمام العلامة زين بن نجيم ﵁، وأما محلها؛ فالقلب في كل موضع، ولا يكفي التلفظ بها باللسان دون القلب، وفي «القنية» و«المجتبى»: ومن لا يقدر أن يُحضِر قلبه لينوي بقلبه أو يشك في النية؛ يكفيه التكلُّم بلسانه، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، انتهى، ثم قال فيها: ولا يؤاخذ بالنية حال سهوه؛ لأنَّ ما يفعله من الصلاة فيما يسهو معفوٌ عنه، وصلاته مُجْزئة وإن لم يستحق بها ثوابًا، اهـ.\nوهل يستحب التلَفُّظ بها ليكون مقررًا لما في القلب، أو يسن، أو يكره؟ فيه أقوال: فاختار في «الهداية» الأول لمن لم تجتمع عزيمته، قال في «فتح القدير»: ولم ينقل عن النبي الأعظم ﷺ وأصحابه التلفظ بالنية لا في حديث صحيح ولا ضعيف، وزاد في «الحلية»: (ولم ينقل عن الأئمة الأربعة).\nوفي «المفيد»: وكره بعض مشايخنا النطق باللسان، ورآه الآخرون سنة، وفي «المحيط»: الذكر باللسان سنة، فينبغي أن يقول: اللهم إنِّي أريد صلاة كذا فيسرها لي وتقبلها مني، ونقلوا في كتاب الحج: أن طلب التيسير لم ينقل إلا في الحج، بخلاف بقية العبادات، وفي «المجتبى» و«المختار»: أنه مستحب، انتهى.\n (و) كذا (الزكاة) لكن فيها تفصيل؛ وهو أن صاحب النصاب الحولي إذا دفع زكاته إلى مستحقها؛ لا يجوز له ذلك إلا بنية مقارنة للأداء، أو عند عزل ما وجب منها؛ تيسيرًا له، وأما إذا كان له دين على فقير فأبراه عنه؛ سقط زكاته عنه نوى الزكاة أو لا، ولو وهب دينه من فقير ونوى عن زكاةِ دينٍ آخر أو نوى زكاة عين له؛ لا يصح، ولو غلب الخوارج على بلدة فأخذوا الزكاة؛ سقطت عن أرباب الأموال، بخلاف العشر؛ فإنَّ للإمام أن يأخذه ثانيًا؛ لأنَّ التقصير هنا من جهة رب المال؛ حيث مر بهم، وهناك التقصير في الإمام؛ حيث قصر فيهم، وقال الشافعي: السلطان إذا أخذ الزكاة فإنَّها تسقط ولو لم ينو رب المال؛ لأنَّ السلطان قائم مقامه.\nقلت: وكان ينبغي على أصله ألَّا تسقط إلَّا بالنية منه؛ لأنَّ السلطان قائم مقامه في دفعها إلى المستحقين، لا في النية، ولا حرج في اشتراط النية عند أخذ السلطان، انتهى.\n (و) كذا (الحج) ولا خلاف فيه أنه لا يصح إلا بالنية؛ لأنَّه داخل في عموم الحديث، والنية فيه سابقة على الأداء عند الإحرام؛ وهو النية مع التلبية، أو ما يقوم مقامها من سَوق الهدي، فلا يمكن فيه القران والتأخير؛ لأنَّه لا يصح أفعاله إلا إذا تقدم الإحرام؛ وهي ركن فيه أو شرط على قولين لأئمتنا الأعلام، ولو طاف طالبًا لغريم؛ لا يجزئه، ولو وقف بعرفات كذلك؛ أجزأه، والفرق: أن الطواف عُهِدَ قربة مستقلة، بخلاف الوقوف.\nولو طاف بنية التطوع في أيام النحر؛ وقع عن الفرض عندنا، وقال الشافعي: إذا نوى الحج عن الغير؛ ينصرف إلى حج نفسه ويجزئه عن فرضه، واستدل بحديث شبرمة المروي في «أبي داود»، عن ابن عباس: أن النبي الأعظم ﵇ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة؟»، قال: أخ له أو قريب له، قال: «حججت عن نفسك؟»، قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».\nوقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: ويجوز حج الصَّرَورة؛ بالصاد المهملة، وتخفيف الراء؛ وهو الذي لم يحج عن نفسه حجة الإسلام يحج عن غيره؛ لعموم هذا الحديث، ولما رواه الشيخان: أن امرأة من خَثْعم قالت: يا رسول الله؛ إن أبي أدركته فريضة الحج، وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم حجي عن أبيك»، من غير استفسار هل حججت أم لا، وهذا الحديث أصح من حديث شبرمة، على أن الدارقطني قال: الصحيح من الرواية: «اجعلها عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، قالوا: كيف يأمره بالحج والإحرامُ وقع عن الأول؟\nقلنا: يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام، حين لم يكن الإحرام لازمًا، على ما روي عن بعض الصحابة: أنه تحلل في حجة الوداع من الحج بأفعال العمرة، فكان يمكنه فسخ الأول وتقديم حج نفسه، والزيادات التي رواها البيهقي لم تثبت، اهـ؛ فليحفظ.\n (و) كذا (الصوم) وفيه خلاف، فمذهب إمامنا الأعظم: أنه لا يصح الصوم إلا بالنية، وهو لا يخلو إما أن يكون فرضًا أو نفلًا، فإن كان فرضًا فلا يخلو إما أن يكون أداء رمضان أو غيره، فإن كان أداء رمضان؛ فإنَّه يصح بنية متقدمة من غروب الشمس، وبمقارنة، وهو الأصل، وبمتأخرة عن الشروع إلى ما قبل نصف النهار الشرعي، وإن كان غير أداء رمضان من قضاء، أو نذر، أو كفارة؛ فتصح بنية متقدمة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وتصح بنية مقارنة لطلوع الفجر؛ لأنَّ الأصل القِران، كما في «فتاوى الخانية»، وإن كان نفلًا؛ فحكمه حكم أداء رمضان، وتصح نية عبادة في ضمن عبادة أخرى.\nقال في «القنية»: نوى في الصلاة المكتوبة أو النافلة الصوم تصح نيته ولا تفسد صلاته، انتهى، وعن إمامنا زفر ﵀ روايتان: أحدهما: أن أداء رمضان لا يحتاج إلى نية أصلًا، وهو قول عطاء ومجاهد، والثانية: أنه لا بد فيه من النية، وتكفيه النية من أول الشهر فقط، ولا يحتاج أن ينوي كل ليلة.\nونصّ أئمتنا الأعلام على أنَّ قول زفر ضعيف لا يعوَّل عليه، وأنه لا بد في كل يوم من نية؛ كما ذكرنا، غير أنه لا يشترط تعيين الرمضانية في الأداء، حتى لو صام رمضان بنية قضاء، أو نذر عليه، أو تطوع؛ يجزئه عن فرض رمضان أداء؛ لأنَّه معيار لا يسع غير المؤدَّى، بخلاف قضاء رمضان؛ فإنَّه يشترط فيه التعيين.\nوقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا بد فيه من النية، ويشترط تبييتها من الليل، وتعيين الرمضانية.\n (و) كذا (الأحكام) جمع حكم، والمراد بها المعاملات؛ كالبيع، والشراء، والهبة، والوديعة، واللقيط، واللقطة،","vol":"1","page":18},{"text":"والمناكحات؛ كالنكاح، والطلاق، والعدة، والإجارات، والمخاصمات، والدعاوى، وغيرها، فإنه لا يشترط في جميع ذلك النية، لكن إن نوى؛ يثاب على ذلك العمل، وإن لم ينو (^١)؛ لا يثاب ومضى فعله على الصحة.\nفنحن لا ندعي أن النية لا توجد في مثل هذه الأشياء، وإنما ندعي عدم اشتراطها، ومؤدي الدين إذا قصد براءة الذمة وذلك عبادة؛ برئت ذمته، وحصل له الثواب، ولا نزاع فيه، وإذا أدى من غير براءة الذمة؛ هل يقول أحد: إن ذمته لم تبرأ؟\n (وقال) وفي رواية: (وقال الله تعالى)، وفي رواية: (﷿) (^٢): (﴿قُلْ كُلٌّ﴾) أي: كل أحد، (﴿يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤])، قال الليث: (الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله)، والمعنى: أن كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعمة، واليأس عند الشدة، والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، ويدل عليه قوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤]، وقال الزجاج ومجاهد: أي: مذهبه وطريقته، وفسره المؤلف بقوله: (على نيته) وهو مروي عن الحسن البصري، ومعاوية بن قرة المزني، وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حميد والطبري عنهم.\n (ونفقة الرجل على أهله)؛ زوجته، وأولاده، وكل من تلزمه النفقة عليه، (يحتسبها صدقة) حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ (يحتسبها) حال متوسطة بين المبتدأ والخبر، وفي رواية: بحذف الواو، وجملة (نفقة...) إلخ ساقطة في رواية.\n (وقال النبي) الأعظم (ﷺ) في حديث ابن عباس المروي عند المؤلف، ولفظه: «لا هجرة بعد الفتح» (ولكن) طلب الخير (جهاد ونية) «وإذا استُنفرتم؛ فانفروا»، أخرجه هنا معلقًا، وأخرجه مسندًا في (الحج)، و(الجهاد)، و(الجزية).\n\n <span id=\"b-١٠٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-106>[حديث: الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى]</span>\n٥٤ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)؛ بفتح الميمين واللام، (قال: أخبرنا)، وفي رواية: (حدثنا)، (مالك)؛ هو ابن أنس، (عن يحيى بن سعيد)؛ هو الأنصاري، (عن محمد بن إبراهيم)؛ هو ابن الحارث التيمي، (عن علقمة بن وقَّاص)؛ بتشديد القاف: الليثي، (عن عمر)؛ هو ابن الخطاب ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: الأعمال) الصادرة من المكلفين تكمُل ويثاب عليها، (بالنية) بالإفراد وحذف (إنما)، فإن لم ينو (^٣) فيها؛ تكون غير كاملة ولا يثاب عليها؛ لأنَّ الكمال والثواب منوط بالنية، وتقدير الكمال والثواب هو المطَّرد، ولأنه متفق عليه، وهذه الصيغة لا تفيد الحصر؛ لأنها غير محصورة بـ (إنما)، على أن الصيغة المصدرة بـ (إنما) اختلف فيها هل تفيد الحصر أم لا؟ فهذه عدم إفادتها الحصر بالأَولى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: كاملة ومثاب عليها.\nوما قيل: إن الأحسن تقدير صحيحة أو مجزئة؛ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل يدل عليه، ولو سُلِّم فيلزم منه نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو لا يجوز، فتقدير الكمال أحسن وأولى؛ فافهم.\n (ولكل امرئ ما نوى)؛ أي: الذي نواه إذا كان المحل قابلًا؛ كما تقدم، (فمن كانت هجرته)؛ بكسر الهاء: خروجه من أرض إلى أخرى (إلى الله ورسوله) نية وعقدًا (فهجرته إلى الله ورسوله) حكمًا وشرعًا، وإنَّما أبرز الضمير؛ لقصد الاستلذاذ بذكره تعالى ورسوله ﵇، (ومن كانت هجرته لدنيا) وفي رواية: (إلى دنيا) (يصيبها) يحصِّلها (أو امرأة يتزوَّجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)؛ أي: إلى ما ذكر.\nفإن قلت: قد استعمل (دنيا) بالتأنيث مع كونه منكَّرًا، وأجيب: بأن (دنيا) جعلت عن الوصفية غالبًا، وأجريت مجرى ما لم يكن قط وصفًا مما وزنه: (فُعْلى) كرجعى وبهمى، فلهذا ساغ فيها ذلك، ومراد المؤلف بهذا الحديث الرد على المرجئة؛ حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب، والجملة الأولى سقطت عند المؤلف من رواية الحميدي أول الكتاب، فذكر في كل باب ما يناسبه.\n\n <span id=\"b-١٠٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-107>[حديث: إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة]</span>\n٥٥ - وبه قال: (حدثنا حجاج بن مِنهال)؛ بكسر الميم، وفي رواية: بالتصريف فيهما، وفي أخرى: بتنكير الأول وتعريف الثاني، أبو محمد الأَنْماطي؛ بفتح الهمزة وسكون النون، نسبة إلى الأنماط؛ ضرب من البسط، السُّلَمي؛ بضم المهملة وفتح اللام، المتوفى بالبصرة سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومئتين.\n (قال: حدثنا شعبة)؛ هو ابن الحجاج، (قال: أخبرني) بالإفراد (عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، المتوفى سنة ست عشرة ومئة، (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) بن حصين الأنصاري الخَطْمي؛ بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة، المتوفى زمن ابن الزبير، (عن ابن مسعود) عقبة بن عمرو؛ بفتح العين وسكون الميم، ابن ثعلبة الأنصاري، الخزرجي، البدري، المتوفى بالكوفة قبل الأربعين، سنة إحدى وثلاثين، أو اثنين وأربعين.\n (عن النبي) الأعظم (ﷺ قال: إذا أنفق الرجل) ومثله المرأة نفقة من دراهم أو غيرها، (على أهله)؛ زوجته، وولده، ومَن تجب نفقته عليه حال كون الرجل والمرأة (يحتسبها)؛ أي: يريد بها وجه الله (فهو)؛ أي: الإنفاق، وفي رواية: (فهي)؛ أي: النفقة، (له صدقة)؛ أي: كالصدقة في الثواب، لا حقيقة، وإلا حرمت على الهاشمي والمطلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، وإطلاق الصدقة على النفقة مجاز، أو المراد بها الثواب، كما علمت.\nفالتشبيه واقع على أصل الثواب لا في الكمية ولا في الكيفية، وأفاد أن الثواب في الإنفاق إنَّما يحصل بقصد القربة، سواء كانت واجبة أم مباحة، وأنَّ مَن لم يقصد القربة؛ لم يحصّل الثواب الكامل، وأنَّ براءة ذمته من النفقة الواجبة عليه، وحذف المعمول؛ ليفيد العموم؛ أي: أيَّ نفقة كانت كثيرة أم قليلة؛ كذا قرره في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٠٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-108>[حديث: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها]</span>\n٥٦ - وبه قال: (حدثنا الحَكَم)؛ بفتح الكاف، هو أبو اليمان، (ابن نافع قال: أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة القرشي، (عن الزهري) أبي بكر محمد بن شهاب، (قال: حدثني) بالإفراد، (عامر بن سعْد)؛ بسكون العين، (عن سعد بن أبي وقَّاص)؛ بتشديد القاف: المدني أحد العشرة، (أنه أخبره: أن رسول الله ﷺ قال) مخاطبًا لكلِّ مَن يصحُّ منه الإنفاق: (إنك) ظاهره الخطاب لسعد، (لن تنفق نفقة) قليلة أو كثيرة، (تبتغي)؛ أي: تطلب، (بها وجه الله) تعالى؛ أي: ذاته بإخلاص وطيب نفس من غير رياء، ولا سمعة، ولا مَنٍّ، و(الباء) في (بها) للمقابلة، أو بمعنى (على)، ووقع في بعض النسخ: (عليها) بدل (بها)، أو للسببية؛ أي: لن تنفق نفقة تبتغي بسببها وجه الله تعالى (إلا) نفقة (أُجرت عليها)؛ بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية: (إلَّا أجرت بها).\n (حتى) ابتدائية (ما تجعل)؛ أي: الذي تجعله، مبتدأ، (في فم امرأتك) والخبر محذوف تقديره: فأنت مأجور فيه، وما ذكره ابن حجر: من أنَّ (حتى) هنا عاطفة، وما بعدها منصوب المحل، ردَّه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، وفي رواية: (في فِي امرأتك) وهي رواية الأكثرين؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني.\nوقال القاضي عياض: حذف الميم هو الصواب، وبالميم لغة قليلة، والمستثنى محذوف؛ كما علمت؛ لأنَّ الفعل لا يقع مستثنى، والتقدير: لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلَّا نفقة أُجرت عليها، ويكون (أُجرت عليها) صفة للمستثنى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النفقة التي يثاب عليها؛ التي تكون ابتغاء وجه الله تعالى، وإلَّا لا يثاب عليها الثواب الكامل.\nوالاستثناء متَّصل؛ لأنَّه من الجنس، والتنكير في (نفقة) في سياق النفي، فيعم القليل والكثير، والخطاب للعموم، كذا قرره في «عمدة القاري».\nوالمرائي بعمل الواجب غير مثاب وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماوي كالكرماني، واعترضهما الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن سقوط العقاب مطلقًا غير صحيح؛ بل الصحيح التفصيل فيه؛ وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط؛ لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنه كان مأمورًا أن يأتي بما عليه بالإخلاص وترك الرياء، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص؛ لأنَّه مأمور به، وتارك المأمور به يعاقب.\nقلت: وهو وجيه، وإنما خص المرأة بالذكر؛ لأنَّ عود منفعتها إلى المنفق الزوج، ومع ذلك فله الثواب، فغيرها يثاب عليه من باب أولى، هذا الحديث قطعة من حديث طويل، أخرجه المؤلف في (الجنائز) وغيرها، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-١٠٩\"> </span>(٤٢) <span data-type=\"title\" id=toc-109>[باب قول النبي: الدين النصيحة لله ولرسوله </span>ولأئمّة المسلمين]\nهذا (باب قول النبي) الأعظم (ﷺ) مبتدأ، وخبر، ومضاف، (الدين النصيحة)؛ أي: عماد الدين أن يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، (لله) تعالى ظاهرًا وباطنًا، لا خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته، مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، و(اللام) في (لله) صلة؛ لأنَّ الفصيح أن يقال: نصح له، (و) النصيحة (لرسوله) ﵇ بأن يصدِّق برسالته، ويؤمن بجميع ما جاء به، ويمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نَهى عنه.\n (و) النصيحة (لأئمَّة المسلمين) بإعانتهم على الحقِّ وكفِّهم عن الباطل، وأمَّا أئمَّة الاجتهاد؛ فتقليدهم في الأحكام، وإظهار علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم، (و) نصيحة (عامتهم) بإرشادهم في آخرتهم ودنياهم، وكفَّ الأذى عنهم، وتعليم ما جهلوا فيه، وإنَّما ترك اللام فيه؛ لأنَّهم كالاتباع للأئمَّة لا استقلال لهم، وإعادة اللام تدل على الاستقلال.\nوهذا الحديث وصله مسلم عن تميم الداري، وزاد فيه: (النصيحة لكتاب الله)، وذلك بتعلُّمِه وتعليمه، وإقامة حروفه، والإيمان بأنه كلام الله، وتنزيهه، والتصديق بما فيه، والتسليم لمشابهه، وإقامة حدوده.\nوإنَّما لم يذكره المؤلف مسندًا وذكره ترجمة؛ لكونه ليس على شرطه؛ لأنَّ راويه تميم، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالح؛ وهو منسوب إلى النسيان وسوء الحفظ، والله أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: (ينوي).\n (^٢) في الأصل تأخر قوله: (وفي رواية ﷿) عن قوله الآتي: (﴿قُلْ كُلٌّ﴾).\n (^٣) في الأصل: (ينوي).","vol":"1","page":19},{"text":"(وقوله تعالى) وفي رواية: (﷿)، وفي أخرى: (وقول الله في سورة براءة): (﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾) [التوبة: ٩١] بالإيمان بهما وإطاعتهما في السر والعلانية.\n\n <span id=\"b-١١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-110>[حديث: بايعت رسول الله على إقام الصلاة]</span>\n٥٧ - وبه قال: (حدثنا مُسَدَّد): هو ابن مُسرهِد، (قال: حدثنا يحيى): هو ابن سعيد القطان، (عن إسماعيل) بن أبي خالد البَجَلي التابعي، (قال: حدثني) بالإفراد (قيس بن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي المعجمة، البَجَلي؛ بفتح الموحدة والجيم، نسبة إلى بَجيلة بنت صعب، الكوفي التابعي المخضرم، المتوفى سنة أربع وثمانين أو ثمان وتسعين، (عن جرير بن عبد الله) بن جابر البَجَلي الأحمسي؛ بالحاء والسين المهملتين، المتوفى سنة إحدى وخمسين، (قال: بايعت رسول الله ﷺ)؛ أي: عاهدته وعاقدته، وكان قُدُومه عليه سنة عشر في رمضان، وأسلم، وبايعه (على إقام الصلاة)؛ أي: أدائها على وجهها، (وإيتاء)؛ أي: إعطاء (الزكاة و) على (النصح لكل مسلم) ومسلمة.\nوفيه تسمية النصح دينًا وإسلامًا؛ لأنَّ الدين يقع على العمل كما يقع على القول، وهو فرض كفاية على قدر الطاقة إذا علم أنه يقبل نصحه ويأمن على نفسه المكروه، فإن خشي؛ فهو في سعة، فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يُبيِّنه بائعًا كان أو أجنبيًا، وعلى أن ينصح نفسه بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وحذف التاء من (إقامة)؛ تعويضًا عنها بالمضاف إليه، ولم يذكر الصوم وغيره؛ لدخوله في السمع والطاعة في الرواية الأخرى؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١١١\"> </span>[حديث: أما بعد أتيت النبي قلت أبايعك على الإسلام]\n٥٨ - وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السَّدوسي؛ بفتح السين الأولى، نسبة إلى سدوس بن شيبان البصري، المعروف بعارم؛ بمهملتين، المختلط بأخرة، المتوفى بالبصرة سنة أربع عشرة ومئتين، والعارم: الشرير المفسد، فهو لقب رديء (قال: حدثنا أبو عوانة)؛ بفتح العين والنون: الوضاح اليشكري، (عن زياد بن عِلاقة)؛ بكسر العين المهملة وبالقاف: ابن مالك الثعلبي؛ بالمثلثة والمهملة، الكوفي، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئة (قال: سمعت جرير بن عبد الله) البَجَلي الأحمسي السابق آنفًا ﵁؛ أي: سمعت كلامه؛ فالمسموع هو الصوت والحروف، فلما حذف هذا؛ وقع ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: (يقول يومَ)؛ بالنصب على الظرفية، أضيف إلى الجملة؛ أعني: قوله: (مات المغيرة بن شعبة) سنة خمسين من الهجرة، وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاويةَ كاتبِ الوحي، واستناب عند موته ولده عروة، وقيل: استناب جريرًا ولذا خطب، وقد (قام) على المنبر (فحمِد الله)؛ أي: أثنى عليه بالجميل، وجملة (قام) استئنافية لا محل لها، (وأثنى عليه)؛ أي: ذكره بالخير، ويَحتمل أن يُراد بـ (الحمد) وصفه متحليًا بالكمالات، وبـ (الثناء) وصفه متخليًا عن النقائص، فالأول إشارة إلى الصفات الوجودية، والثاني إلى الصفات العدمية؛ أي: التنزيهات؛ كذا في «عمدة القاري»، (وقال: عليكم باتقاء الله) اسم فعل؛ بمعنى: الزموا اتقاء الله (وحده)؛ أي: حال كونه منفردًا (لا شريك له) في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في صفاته، (والوَقارِ)؛ أي: الرزانة؛ بفتح الواو: مجرور بالعطف على (اتقاء)؛ أي: وعليكم بالوقار (والسكينة)؛ أي: السكون، وإنَّما أمرهم بذلك؛ لأنَّ الغالب أنَّ وفاة الأمراء يؤدي إلى الفتنة، والهرج، والاضطراب، والمرج (حتى يأتيكم أمير) بدل أميركم المغيرة المتوفى، (فإنما يأتيكم الآنَ)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: المدة القريبة من الآن، فيكون الأمير زيادًا؛ إذ ولَّاه معاوية بعد وفاة المغيرة بالكوفة، أو المراد: الآن حقيقةً، فيكون الأمير جريرًا بنفسه؛ لما روي: أنَّ المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته؛ على ما ذكرنا، كذا في «عمدة القاري»، و(حتى) للغاية، والفعل بعدها منصوب بـ (أن) مقدرة بعد (حتى)، ومفهوم الغاية من (حتى) هنا -وهو أنَّ المأمور به وهو الاتقاء- ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا؛ بل يلزم عند مجيء الأمير بالطريق الأولى، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة ألَّا يعارضه مفهوم الموافقة، انتهى، «قسطلاني» بزيادة.\n (ثم قال) جرير: (استعفوا)؛ بالعين المهملة؛ أي: اطلبوا العفو (لأميركم) المتوفى من الله تعالى، (فإنه)؛ أي: الأمير، و(الفاء) للتعليل (كان يحب العفو) عن ذنوب الناس، فالجزاء من جنس العمل، وفي رواية: (استغفروا لأميركم)؛ بغين معجمة؛ أي: اطلبوا الغفران له من الله، (ثم قال: أما بعدُ)؛ بالبناء على الضم: ظرف زمان حذف منه المضاف إليه ونوي معناه، وفيه معنى الشرط، تلزم الفاء في تاليه، والتقدير: أمَّا بعد كلامي هذا؛ (فإنِّي أتيت النبي) الأعظم (ﷺ قلت) وإنما لم يأت بأداة العطف؛ لأنَّ الجملة من الفعل والفاعل بدل من (أتيت) أو هي استئناف، وفي رواية: (فقلت له): (يا رسول الله؛ أبايعك على الإسلام، فشَرَطَ) ﵇ (عليَّ)؛ بتشديد المثناة؛ أي: الإسلام (والنصحِ)؛ بالجرِّ عطفًا على قوله: (الإسلام)، وبالنصب عطفًا على المقدر؛ أي: شَرَطَ عليَّ الإسلام وشَرَطَ النصح (لكل مسلم) ومسلمة، وذمي؛ بدُعائه إلى الإسلام وإرشاده إلى الصواب إذا استشار، فالتقييد بـ (المسلم) أغلبي، (فبايعته على هذا) المذكور من الإسلام والنصح، (ورب هذا المسجد)؛ أي: مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثَمَّ، أو أشار به إلى المسجد الحرام، ويؤيِّده ما في «الطبراني» بلفظ: (ورب الكعبة)؛ تنبيهًا على شرف المقسم به؛ ليكون أقرب إلى المطلوب، كذا في «عمدة القاري»، قلت: لكن ظاهر السياق يدل على أنه كان في مسجد الكوفة؛ فتأمل، (إني لناصح لكم) فيه إشارة إلى أنَّه وفَّى بما بايع به النبي ﵇، وأنَّ كلامه عارٍ عن الأغراض النفسانية، والجملة جواب القسم مؤكد بـ (أن) واللام، والجملة اسمية.\n (ثم استغفر) الله تعالى (ونزل) عن المنبر، أو معناه: قعد؛ لأنَّه في مقابلة قام، كذا في «عمدة القاري»، قلت: والظاهر الأول؛ لأنَّ النزول لا يستعمل بمعنى القعود وإن كان يطلق عليه لغة؛ فافهم، والله أعلم.\nاللهم إنِّي أسألك بجاه حبيبك ونبينا محمد وبقدوتنا الإمام الأعظم عليهما الصلاة والسلام أن تمُنَّ علينا بالعلم والعمل، اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، ودخول الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين.\n\n <span id=\"b-١١٢\"> </span>«٣» <span data-type=\"title\" id=toc-112>[كتاب العلم]</span>\nهذا (كتاب العلم)؛ أي: في بيان ما يتعلق به، وقدَّمه على غيره؛ لأنَّ مدار تلك الكتب كلِّها على العلم، وهو مصدر (علمت وأعلم علمًا)؛ نقيض الجهل، وهو إدراك الكليات، والمعرفة: إدراك الجزئيات، فلا يجوز أن يقال: الله عارف كما يقال: عالم، واختُلف في حدِّه؛ فقيل: إنه لا يُحدُّ؛ لعسر تحديده، وقيل: لا يُحدُّ؛ لأنَّه ضروري؛ إذ لو لم يكن ضروريًّا؛ لزم الدور، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وقيل: إنه يُحدُّ؛ واختُلف في حدِّه؛ والأصحُّ: أنَّه صفة من صفات النفس توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية، فقوله: (صفة) جنس؛ لتناوله لجميع صفات (^١) النفس، وقوله: (يوجب تمييزًا) احتراز عما لا يوجب تمييزًا كالحياة، وقوله: (لا يحتمل النقيض) احتراز عن مثل الظن، وقوله: (في الأمور المعنوية) يخرج إدراك الحواس؛ لأنَّ إدراكها في الأمور الظاهرة المحسوسة، كذا قرره في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١١٣\"> </span>(١) <span data-type=\"title\" id=toc-113>[باب فضل العلم]</span>\n (بسم الله الرحمن الرحيم) وفي رواية: ثبوتها قبل (كتاب).\n (باب فضل العلم) وإنما قال: (فضل العلم)، ولم يقل: فضل العلماء؛ لأنَّ بيان فضل العلم يستلزم بيان فضل العلماء؛ لأنَّ العلم صفة قائمة بالعالم، فذِكْر بيان فضل الصفة يستلزم بيان فضل من هي قائمة به.\n (وقول الله تعالى)؛ بالجرِّ عطفًا على المضاف إليه، إمَّا (فضل العلم) أو على (العلم) في (كتاب العلم) بناء على إثبات الباب وحذفه، وقال ابن حجر: ضبطناه في الأصول بالرفع على الاستئناف، قلت: هذا ليس بشيء، كما لا يخفى على أنه قد رده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بما يطول، إلى أن قال: فتعين بطلان دعوى الرفع؛ فليحفظ: (﴿يَرْفَعِ﴾)؛ بالكسر في الفرع والتلاوة؛ للساكنين (﴿اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾) بالنصر وعلوِّ الكلمة، ودخول الجنة في الآخرة (﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾)؛ منصوب بالكسرة، مفعول ﴿يَرْفَعِ﴾؛ أي: ويرفع العلماء منكم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل، قال ابن عباس: درجات العلماء فوق المؤمنين بسبع مئة درجة، ما بين الدرجتين خمس مئة عام، (﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾) [المجادلة: ١١] تهديد لمن لم يمتثل الأمر أو استكرهه.\n (وقوله) ﷿: (﴿رَّبِّ﴾) وللأصيلي: ﴿وقل رب﴾، (﴿زِدْنِي عِلْمًا﴾) [طه: ١١٤]؛ أي: سَلْهُ الزيادة منه؛ أي: بالقرآن؛ لأنَّه ﵇ كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد به علمًا، وإنما اقتصر على هاتين (^٢) الآيتين في الاستدلال لما ترجم له؛ إمَّا لأنَّ القرآن العظيم أعظم الأدلة، أو لأنَّه لم يقع له حديث من هذا النوع على شرطه؛ لأنَّه أوَّلًا كان يكتب الأبواب والتراجم ثم يلحق فيها ما يناسبها من الأحاديث التي على شرطه، ولو لم يكن من فضيلة العلم وأهله إلَّا آية ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١٨] فبدأ الله\n_________\n(^١) في الأصل (الصفات)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل (هذين)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":19},{"text":"تعالى بنفسه، ثم ثنَّى بملائكته، وثلَّث بأهل العلم؛ لكفى.\nوفي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء»، وغاية العلم العمل، والعالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر، فمن عمل به سَعِدَ في الدنيا والآخرة.\n\n <span id=\"b-١١٤\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-114>[باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه]</span>\nهذا (باب) مضاف إلى (مَن) الموصولة (سُئِل) على صيغة المجهول؛ بضم السين وكسر الهمزة: جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل، صلةٌ لها (عِلمًا) بالنصب مفعولٌ ثان، (وهو مشتغلٌ في حديثه) جملة وقعت حالًا من الضمير، (فأتمَّ الحديثَ، ثُمَّ أجاب السائل) عطفه بـ (ثم)؛ لأنَّ السؤال حصل عقيب الاشتغال بالحديث، والجوابُ بعد الفراغ منه.\n\n <span id=\"b-١١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-115>[حديث: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة]</span>\n٥٩ - وبه قال: (حدثنا محمد بن سِنان)؛ بكسر السين المهملة وبالنونين: أبو بكر الباهلي البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال: حدثنا فُلَيح)؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون المثناة التحتية، آخره حاء مهملة، وهو لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته أبو يحيى، ابن سليمان الخزاعي المدني، المتوفى سنة ثمان وستين ومئة.\n (ح) للتحويل، قال المؤلف: (وحدثني) بالإفراد، وفي رواية: (قال: وحدثنا) (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي المدني، أبو إسحاق، المتوفى سنة ست أو خمس وثلاثين بالمدينة (قال: حدثنا محمد بن فليح) المذكور، المتوفى سنة سبع وتسعين ومئة (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (أبي) هو فُليح المذكور (قال: حدثني) بالإفراد (هلال بن علي) ويقال له: هلال بن أبي ميمون، وهلال بن أبي هلال، وهلال ابن أسامة؛ نسبة إلى جده، وقد يُظَنُّ أنَّهم أربعة، والكلُّ واحدٌ، الفهري القرشي المدني، المتوفى في آخر خلافة هشام، كذا في «عمدة القاري»، (عن عطاء بن يسار) مولى ميمونة بنت الحارث، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁ أنه (قال: بينما) أصله (بين) فزيدت عليه (ما)، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة (النبي) الأعظم (ﷺ في مجلس) حال كونه (يحدِّث القوم) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول خبر عن المبتدأ؛ وهو (النبي)، و(القوم): الرجال دون النساء وتدخلن تَبَعًا، وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: الحديث؛ (جاءه)؛ أي: النبي ﵇ (أعرابي) منسوب إلى الأعراب؛ بفتح الهمزة: سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، قال في «عمدة القاري»: ولم يُعرف اسم هذا الأعرابي، قلت: قيل: إنَّ اسمه رُفيع؛ فتأمَّل، وفيه استعمال (بينما) بدون (إذ) و(إذا)؛ وهو فصيح، انتهى، (فقال: متى الساعة؟) استفهام عن الوقت التي تقوم فيه القيامة، وسميت بذلك؛ لأنَّها تَفْجَأ الناس في ساعة، فيموت (^١) الخلق كلهم بصيحة واحدة، و(الساعة): القيامة، وأصلها (سوعة)، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.\n (فمضى) أي: اشتغل (رسول الله ﷺ يحدِّث)؛ أي: القوم، وفي رواية: (يحدثه) بالهاء؛ أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضمير المنصوب على الأعرابي، وفي رواية: (بحديثه)، (فقال بعض القوم: سمع) ﵇ (ما) أي: الذي (قال)؛ أي: قاله الأعرابي، (فكره) ﵇ (ما) أي: الذي (قال)؛ أي: قاله الأعرابي، فحذف العائد، والجملة مفعول (سمع)، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: سمع قوله، (وقال بعضهم: بل لم يسمع) النبي ﵇ قوله، و(بل) حرف للإضراب، وَلِيَها هنا جملة؛ أعني قوله: (لم يسمع)؛ فكان الإضراب بمعنى الإبطال، والجملة اعتراض بين (فمضى) وبين قوله: (حتى إذا قضى)؛ أي: كمَّل وتمَّم ﵇ (حديثَه)، وقوله: (حتى إذا) يتعلَّق بقوله: (فمضى يحدِّث) لا بقوله: (لم يسمع)، وإنَّما لم يجبه ﵇؛ لأنَّه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها، أو كان ينتظر الوحي، أو كان مشغولًا بجواب سائل آخر، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم، أو القاضي، أو المفتي رعاية تقدم الأسبق فالأسبق في السؤال.\n (قال) ﵇: (أين أُراه)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظن أنَّه قال: أين (السائل)؛ بالرفع مبتدأ مؤخر، خبره (أين) مقدمًا، و(أُراه) معترضة بين المبتدأ وخبره، وقول ابن حجر: إنَّه مرفوع على الحكاية، خطَّأه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، (عن الساعة)؛ أي: عن زمانها، والشكُّ من محمد بن فُليح، و(أين) سؤال عن المكان، بُنِيَ؛ لتضمُّنه حرف الاستفهام، (قال) الأعرابي: (ها أنا) السائل (يا رسول الله)، فالسائل المقدر خبر المبتدأ الذي هو (أنا)، و(ها) بالمد: حرف تنبيه، (قال) ﵇: (إذا ضُيِّعت الأمانة) (إذا) تتضمن معنى الشرط، ولذا جاء جوابها بالفاء وهو قوله: (فانتظر الساعة، قال) الأعرابي: (كيف إضاعتُها)؛ أي: الأمانة يا رسول الله؟ (قال) ﵇ مجيبًا له: (إذا وُسِّد)؛ بضم الواو مع تشديد السين؛ أي: فُوِّض وأُسْنِد (الأمرُ) المتعلِّق بالدين كالخلافة، والقضاء، والإفتاء (إلى غير أهله)؛ أي: بولاية غير أهل الدين والأمانات؛ لغلبة الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به؛ (فانتظر الساعة) (الفاء) للتفريع أو جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فانتظر الساعة، وليست هي جواب (إذا) التي في قوله: (إذا وُسِّد)؛ لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشرط، وإنَّما قال: (إلى غير أهله) ولم يقل: لغير أهله؛ ليدل على معنى تضمين الإسناد.\nوفيه أنَّ الأئمة إذا قَلَّدوا الأمر لغير أهل الدين؛ فقد ضيَّعوا الأمانات؛ لأنَّ الله ائتمنهم على عباده وفرض عليهم النصح، وفيه أنَّ الساعة لا تقوم حتى يؤتمن الخائن، وفيه وجوب تعليم السائل ومراجعة العالم عند عدم فهم السائل، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-١١٦\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-116>[باب من رفع صوته بالعلم]</span>\nهذا (باب) مضاف إلى (مَن) الموصولة (رَفَعَ صوتَه بالعلم) جملة، صلتها؛ أي: من رفع صوته بكلام يدل على العلم، فهو من باب إطلاق اسم المدلول على الدال، وإلَّا فالعلم صفة معنوية لا يتصور رفع الصوت به، أفاده في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-117>[حديث: تخلف عنَّا النبي في سفرة سافرناها فأدركنا]</span>\n٦٠ - وبه قال: (حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل) واسمه محمد، وعارم لقبه، السدوسي البصري، المتوفى سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومئتين، وسقط في رواية: (عارم بن الفضل)، وعليها شَرَحَ إمامُنا الشيخ بدر الدين العيني (قال: حدثنا أبو عَوانة)؛ بفتح العين المهملة: الوضاح اليشكري، (عن أبي بِشْر)؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة: جعفر بن إياس اليشكري المعروف بابن أبي وحشية، الواسطي، وقيل: البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئة، (عن يوسف)؛ بتثليث السين المهملة مع الهمز وتركه، (بن ماهَك)؛ بفتح الهاء، غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، لأنَّه بالفارسية تصغير (ماه)؛ وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم إذا صغروا الاسم؛ جعلوا في آخره الكاف، وفي رواية بالصرف، فلوحظ فيه معنى الصفة؛ لأنَّ التصغير من الصفات، فيصير الاسم بعلَّة واحدة؛ وهي غير مانعة، ورُوي بكسر الهاء مصروفًا، اسم فاعل من (مهكتَ الشيء مهكًا)؛ إذا بالغتَ في سحقه، وعلى قول الدارقطني: إن ماهك اسم أمه، يتعيَّن عدم صرفه؛ للعلمية والتأنيث، لكن الأكثرون على خلافه، وأنَّ اسمها مُسيكة ابنة بُهْز؛ بضم الموحدة، وسكون الهاء، وبالزاي، الفارسي المكي، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (عن عبد الله بن عَمرو)؛ بفتح العين؛ هو ابن العاصي ﵄ (قال: تخلَّف)؛ بتشديد اللام؛ أي: تأخَّر خلفنا (النبي) الأعظم، وفي رواية: (تخلَّف عنا النبي) الأعظم (ﷺ في سَفرة) بفتح السين المهملة (سافرناها) من مكة إلى المدينة؛ كما في «مسلم»، (فأدركَنا)؛ بفتح الكاف؛ أي: لحق بنا النبي ﵇، (وقد أرهقتنا) بتأنيث الفعل؛ أي: غشيتنا (الصلاةُ) وقتها، أو حملتنا الصلاة أدائها، أو أعجلتنا لضيق وقتها، و(الصلاة) بالرفع فاعل، وروي: (أَرْهَقْنا) بالتذكير وسكون القاف؛ لأنَّ تأنيث (الصلاة) غير حقيقي، و(الصلاةَ) بالنصب مفعول؛ أي: أخرناها، و(نا) ضمير رفع، وفي الرواية الأولى: ضمير نصب، وهذه الصلاة هي صلاة العصر؛ كما في «مسلم»، ى (ونحن نتوضأ) جملة اسمية وقعت حالًا، (فجعلنا) من أفعال المقاربة، ويستعمل استعمال (كاد)؛ أي: كِدْنا (نمسح)؛ أي: نغسل غسلًا خفيفًا؛ أي: مبقعًا حتى يُرى كأنَّه مسح؛ كذا حققه في «عمدة القاري»، (على أرجلنا) جمع رِجل؛ لمقابلة الجمع، وإلَّا فليس لكلٍّ إلَّا رجلان، لا يقال: إنَّه يلزم أن يكون لكلِّ واحدٍ رجلٌ واحدة؛ لأنَّ المراد جنس الرِّجْل سواء كانت واحدة أو ثنتين، (فنادى) ﵇ (بأعلى صوته: ويلٌ) بالرفع على الابتداء؛ وهي كلمة عذاب وهلاك، وقيل: إنه اسمُ وادٍ في جهنم، وقيل: صديد أهل النار، والتحقيق الأول؛ فليحفظ (للأعقاب) جمع عقب؛ وهو المستأخر الذي يُمسك شِراكَ النعل؛ أي: ويل لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، أو العقب هي المخصوصة بالعقوبة، وتمامه في «عمدة القاري» (من النار) قالها (مرتين أو ثلاثًا) شكٌّ من ابن عَمرو، و(أل) للعهد، والمراد: الأعقاب التي رآها لم ينلها المطهر، أو للجنس، فيكون المراد: كلَّ عقب لم يعمها الماء.\nوإنَّما أخَّرت الصحابة الصلاة عن الوقت المستحب؛ محافظةً وطمعًا أن يصلُّوها مع النبي ﵇، وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وفيه وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأن الجسد يعذب، وجواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم، وفيه أن العالم ينكر ما يرى من التضييع للفرائض والسنن ويغلظ القول في ذلك، ويرفع صوته للإنكار، وغير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وأولادًا كثيرة، يا أرحم الراحمين.\n_________\n(^١) في الأصل (فتموت)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":20},{"text":"<span id=\"b-١١٨\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-118>[باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا </span>وأنبأنا]\nهذا (باب قول المحدِّث) اللغوي؛ وهو الذي يحدِّث غيرَه، لا الاصطلاحي؛ وهو الذي يشتغل بالحديث النبوي: (حدثنا أو أخبرنا) وفي رواية: (وأخبرنا)، (وأنبأنا)، هل فيه فرقٌ أم الكلُّ واحد؟ وفي رواية: إسقاط (وأنبأنا)، وفي أخرى: إسقاط (وأخبرنا).\n (وقال) لنا (الحُمَيْدِي)؛ بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، فياءُ تصغير، وياء نسبة: أبو بكر عبد الله بن الزبير، القرشي الأسدي المكي: (كان ابن عُيَيْنَة)؛ بضم العين المهملة، ومثناتين تحتيتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، وفتحِ النون: سفيان، وفي رواية: (وقال لنا الحميدي): («حدثنا» و«أخبرنا» و«أنبأنا» و«سمعتُ» واحدًا)؛ أي: بمعنًى واحد، لا فرقَ بين هذه الألفاظ الأربعة عند المؤلف، زاد القاضي عِياض: (وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان، وأنه لا خلاف [في] ذلك) وإليه مال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وصححه ابن الحاجب، وقال الحاكم: إنه مذهب الأئمة الأربعة، والزهري، ويحيى القطان وغيرهم، وقيل: بالمنع في القراءة على الشيخ إلَّا مقيَّدًا؛ مثل: حدثنا فلان قراءةً عليه، وأخبرنا قراءةً عليه، وقيل: بالمنع في (حدثنا)، وبالجواز في (أخبرنا)، وبه قال الشافعي، ومسلم، وابن جريج، والأوزاعي، والنسائي، وهذا اصطلاح بينهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وخصُّوا قراءةَ الشيخ بـ (حدثنا).\nوفصَّل المتأخِّرون أنَّه متى سمع وحدَه من الشيخ؛ أفرد فقال: حدثني، أو أخبرني، أو سمعتُ، ومتى سمع مع غيره؛ جَمَعَ فقال: حدثنا أو أخبرنا، ومتى قرأ بنفسه على الشيخ؛ أفرد فقال: أخبرني، وخصُّوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ مَن يخبره، وكله مستحسن، وليس بواجبٍ عندَهم، وتمامه في «عمدة القاري».\n (وقال ابن مسعود) عبد الله ﵁: (حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق) في نفس الأمر (المصدوق) بالنسبة إلى الله تعالى، أو إلى الناس، أو بالنسبة إلى ما قاله غيره -أي: جبريل- له، وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في (القدر).\n (وقال شَقيق)؛ بفتح المعجمة: أبو وائل بن مسلمة الأسدي الكوفي التابعي، (عن عبد الله)؛ أي: ابن مسعود، وإذا أُطلق كان هو المراد من بين العبادلة، كما أنه إذا أُطلق الإمام الأعظم؛ كان المراد به أبا حنيفة النعمان التابعي الجليل، وكذا إذا أُطلق إمام الأئمة كان هو المراد أيضًا، ﵁؛ فليحفظ.\nوقيل لمالك: إمام الأئمة؛ أي: أئمة مذهبه لا إمام المجتهدين؛ لأنَّ إمام المجتهدين على الإطلاق ورئيسهم بلا نزاع إمامنا الأعظم، التابعي الجليل؛ لأنَّه شيخ مالك، ومالك شيخ الشافعي، والشافعي شيخ أحمد ابن حنبل؛ فليحفظ، ولا تغترَّ بقول بعض الناس؛ فإنَّه ناشئ عن تعصبهم وتعنتهم، وإنَّما هذا هو التحقيق؛ فليحفظ.\n (سمعتُ النبي) الأعظم، وفي رواية: (سمعت من النبي) الأعظم (ﷺ كلمة) وهذا وصله المؤلف في (الجنائز).\n (وقال حذيفة) بن اليمان صاحب سِرِّ رسول الله ﵇ في المنافقين، العبسي الأنصاري، واسم اليمان حِسْل؛ بكسر الحاء وسكون السين المهملتين، المتوفى بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلة، ومقول قوله: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين)، وهذا وصله المؤلف في (الرقاق).\nفاستدل المؤلف بهذه التعاليق الثلاثة؛ حيث إن الصحابي تارة يقول: حدثنا، وتارة يقول: سمعت، على عدم الفرق بينهما، ثم عطف عليها ثلاثة أخرى فقال: (وقال أبو العالية)؛ بالمهملة والمثناة التحتية: رُفيع؛ بضم الراء وفتح الفاء: ابن مهران؛ بكسر الميم، الرياحي؛ بالمثناة التحتية والحاء المهملة، أسلم بعد موت النبي الأعظم ﵇ بسنتين، وتوفي سنة تسعين، كذا قاله الكرماني، وتبعه ابن حجر والقسطلاني، وردَّه الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وقال: إنه البرَّاء؛ بتشديد الراء، واسمه زياد بن فيروز البصري القرشي، المتوفى سنة تسعين؛ فافهم، (عن ابن عباس) عبد الله ﵄، (عن النبي) الأعظم (ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿)، وهذا وصله المؤلف في (التوحيد).\n (وقال أنس) بن مالك ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ يرويه عن ربه ﷿)، وفي رواية: (فيما يرويه عن ربه)، وفي أخرى: (﵎) بدلًا عن قوله: (﷿)، وهذا وصله المؤلف في (التوحيد) أيضًا.\n (وقال أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ يرويه عن ربكم ﷿)؛ بكاف الخطاب مع ميم الجمع، وهذا وصله المؤلف في (التوحيد) أيضًا.\nواستدل المؤلف بهذه التعاليق الثلاثة على حكم المعنعن، وأن حكمه الوصل عند ثبوت السلامة واللُّقِي، وهو مذهب جمهور المحدِّثين وغيرهم، وردَّه مسلمٌ ولم يشترط ذلك، وعلى أنَّ رواية النبي الأعظم ﵇ إنَّما هي عن ربه سواء صرح بذلك الصحابي أم لا؛ لأنَّ ابن عباس روى عنه حديثه المذكور في موضع آخر، ولم يذكر فيه عن ربه، ولفظُ الرواية شاملٌ لجميع الأقسام المذكورة، وكذا لفظ العنعنة؛ لاحتماله كلًّا من هذه الألفاظ الثلاثة.\n\n <span id=\"b-١١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-119><span data-type=\"title\" id=toc-121>[حديث: إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها]</span></span>\n٦١ - وبه قال: (حدثنا قتيبة)، وفي رواية: (ابن سعيد) (قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر) هو ابن أبي كثير الأنصاري، (عن عبد الله بن دينار) القرشي العدوي المدني مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (قال: قال رسول الله الله ﷺ: إنَّ مِنَ الشَّجر)؛ بفتح المعجمة؛ وهو ما كان على ساق من نبات الأرض، والمراد: مِن جنسه (شجرةً) بالنصب اسم (إنَّ)، وخبرها الجار والمجرور، و(مِن) للتبعيض، وقوله: (لا يسقط ورقها) في محل نصب صفة لـ (شجرة)، وهي صفة سلبية تبين أن موصوفها مختصٌّ بها دون غيرها، (وإنَّها)؛ بكسر الهمزة عطف على (إنَّ) الأولى (مَثَلُ المسلم)؛ بفتح الميم والثاء المثلثة معًا، وفي رواية: بكسر الميم وسكون الثاء؛ كـ (شَبَه) و(شِبْه) لفظًا ومعنًى، واستعير (المثل) هنا كاستعارة (الأسد) لـ (المقدام) للحال العجيبة أو الصفة الغريبة، كأنَّه قال: حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة، أو صفته الغريبة كصفتها، فـ (المسلم) هو المشبَّه و(النخلة) هي المشبَّه بها، وقوله: (فحدِّثوني) فعل أمر؛ أي: إنْ عرفتموها؛ فحدِّثوني (ما هي) مبتدأ وخبر، والجملة سدتْ مسدَّ مفعولي التحديث، (فوقع الناس في شجر البوادي) جمع بادية؛ خلاف الحاضرة؛ أي: ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي، وجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع، وذهلوا عن النخلة، وفي رواية: (البواد) بحذف المثناة التحتية، وهي لغة.\n (قال عبد الله) بن عمر بن الخطاب ﵄: (ووقع في نفسي) أي: فكري (أنَّها) أي: الشجرة المسؤول عنها (النخلةُ)؛ بالرفع خبر (أن)، وبفتح الهمزة؛ لأنَّها فاعل (وقع)؛ (فاستحييت)، زاد في رواية: (فأردتُ أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم)، وفي أخرى: (فإذا أنا عاشرُ عشرة أنا أحدثهم)، وفي أخرى: (ورأيتُ أبا بكر وعمرَ لا يتكلَّمان، فكرهت أن أتكلم)، وفي أخرى: (قال عبد الله: فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي فقال: لإنْ كنتَ قلتَها؛ أحبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا)، زاد في أخرى: (أحسبه قال: حمر النعم).\n (ثم قالوا: حدِّثْنا) بكسر الدال المهملة وسكون المثلثة (ما هي يا رسول الله، قال) ﵇: (هي النخلة) مبتدأ وخبر، والجملة وقعت مقول القول؛ واحدة النخل، والنخل والنخيل بمعنى واحد، الواحدة: نخلة.\nوفي (التفسير): (قال عبد الله: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، ولا ولا ولا)، ذكر النفي ثلاث مرات على الاكتفاء، وتفسيرُه؛ أي: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها.\nوأما وجه الشبه؛ فقد اختلف فيه: فقيل: وجه الشبه: أن النخلة إذا قَطَعتَ رأسها؛ ماتت، بخلاف باقي الشجر، وقيل: لأنها لا تحمل حتى تلقح، وقيل: لأنَّها تموت إذا غرقت أو فسد ما هو كالقلب لها، وقيل: لأنَّ لطلعها رائحة المني، وقيل: لأنَّها تعشق كالإنسان، والصحيح: هو كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجودها على الدوام، فإنَّه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد اليُبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها، وورقها، وأغصانها، فيستعمل جذوعًا، وحطبًا، وعصيًّا، وحصرًا، وحبالًا، وأواني، وغير ذلك، ثم آخرها نواها ينتفع به علفًا للإبل، ثم جمال ثباتها وحسن ثمرتها، وكلها منافع، وكذلك المؤمن خيرٌ كله؛ من كثرة الطاعات، ومكارم الأخلاق، ومواظبته على صلاته، وصيامه، وذكره، والصدقة، وسائر الطاعات، وإنما كان هذا هو الصحيح؛ لأنَّ التشبيه إنَّما وقع بالمسلم، والأقوال السابقة تشمل المسلم والكافر؛ فهي ضعيفة، والمعتمد هذا، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٢٠\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-120>[باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم]</span>\nهذا (باب طرحِ)؛ بالجر للإضافة؛ أي: إلقاء (الإمام المسألةَ) بالنصب مفعول المصدر (على أصحابه؛ ليختبر) أي: ليمتحن (ما) أي: الذي (عندهم) من الاختبار؛ وهو الامتحان (من العلم) (من) بيانية.\n\n <span id=\"b-١٢١\"> </span>[حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها]\n٦٢ - وبالسند إليه قال:","vol":"1","page":20},{"text":"(حدثنا خالد بن مَخْلد)؛ بفتح الميم وسكون الخاء: أبو الهيثم القَطَواني؛ بفتح القاف والطاء؛ نسبة لموضع بالكوفة، البجلي مولاهم، الكوفي، تُكُلِّم فيه، وقال ابن عدي: لا بأس به، المتوفى في المحرم سنة ثلاث عشرة ومئتينقال: (حدثنا سليمان) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي المدني، الفقيه المشهور، وكان بربريًا حسنَ الهيئة، توفي سنة اثنتين وسبعين ومئة في خلافة هارون الرشيد بالمدينةقال: (حدثنا عبد الله بن دينار) القرشي العدوي المدني، (عن) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄، (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه قال: (إن من الشجر) أي: من جنسه (شجرةً) بالنصب، وزاد المؤلف: (قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فقال: كنا عند النبي ﵇ فأُتي بجمارة، فقال: إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها) صفة لـ (شجرة) مختصَّة بها دون غيرها، وفي رواية زيادة: (ولا يتحات)، (وإنَّها)؛ بكسر الهمزة، (مِثْل)؛ بكسر الأول وسكون الثاني، وبفتحهما؛ على ما مرَّ؛ أي: شِبْه (المسلم)، وفي رواية: «مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات» (حدِّثوني) بدون فاء؛ أي: إن عرفتموها؛ حدثوني (ما هي؟) مبتدأ وخبر (فوقع الناس في شجر البوادي)؛ أي: ذهبت أفكارهم إليها دون النخلة، (قال) عبد الله بن عمر: (فوقع في نفسي)؛ بالفاء، وفي السابقة بالواو، وفي رواية: (فألقى الله في روعي) (أنها النخلة)، وفي رواية: (بينا نحن عند النبي ﵇ جلوس؛ إذ أُتي بجمار نخلة، فقال ﵇: «إنَّ مِنَ الشجر لَمَا بركتُه كبركة المسلم»، فظننتُ أنَّه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم، فسكتُّ)، وفي رواية: (فاستحييت).\n (ثم قالوا: حدِّثنا) المراد منه الطلب والسؤال (ما هي يا رسول الله؟)، وفي رواية: (قال: كنا عند رسول الله ﵇ ذات يوم، فقال: «إنَّ مثل المؤمن كمثل شجرة لا يسقط لها أنملة (^١) أتدرون ما هي؟» قالوا: لا. قال: هي النخلة)، زاد في هذه الرواية: «لا يسقط لها أنملة ولا يسقط لمؤمن دعوة»، ووجه الشبه بين النخلة والمسلم؛ من حيث عدم سقوط الورق وعدم سقوط الدعوة، والبركة في كل منهما في جميع الأجزاء.\nوفي الحديث استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه؛ ليختبر أفهامهم، وفيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم، واستحباب الحياء ما لم يؤدي إلى تفويت المصلحة، وفيه جواز اللغز مع بيانه، وما رواه أبو داود عن النبي ﵇: أنه نهى عن الأغلوطات -أي: صعاب المسائل- محمول على ما إذا خرج على سبيل تعنت المسؤول، أو تعجيزه، أو تخجيله، وفيه جواز طلب الأمثال، وفيه أن التشبيه لا عموم له، وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه مَن هو دونه.\nوفيه دلالة على فضيلة النخل، قال المفسرون: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: رأسها ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ [حِينٍ]﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] وقت، فشبه الله الإيمان بالنخلة؛ لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله بارتفاع فروعها، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والثمر، وقد ورد ذلك صريحًا فيما رواه البزار عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله ﵇ فذكر هذه الآية، فقال: «أتدرون ما هي؟» قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليَّ أنَّها النخلة، فمنعني أن أتكلَّم؛ لمكان سِنِّي، فقال ﵇: «هي النخلة»، وروي في حديث مرفوع لكنه لم يثبت: أنَّ النخلة خلقت من بقية طينة آدم ﵇، فهي كالعمَّة للأناسيِّ، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-١٢٢\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-122>[باب ما جاء في العلم وقوله تعالى ﴿وقل رب زدنى علمًا﴾]</span>\n (باب ما جاء في العلم وقول الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾) [طه: ١١٤]؛ أي: سل الله زيادة، وهذا ساقط في أكثر الروايات، ثابت في رواية.\nهذا (باب) في بيان حكم (القراءة والعرض على المحدِّث) متعلِّق بهما على التنازع؛ أي: بأن يقرأ عليه الطالب من حفظه أو كتاب، أو يسمعه عليه بقراءة غيره من كتابٍ أو حفظٍ، والمحدِّثُ حافظٌ للمقروء أو غيرُ حافظ مع تتبُّع أصلِه بنفسه أو ثقة ضابط غيره، واحترز به عن عرض المناولة؛ وهو العاري عن القراءة، وذلك بأنْ يعرض الطالب مرويَّ شيخه اليقظ العارف عليه، فيتأمَّله الشيخ، ثم يعيده عليه ويأذن له في روايته عنه.\n (ورأى الحسن) البصري (وسفيان) الثوري (ومالك) بن أنس الإمام (القراءة) على المحدِّث (جائزة) في صحة النقل عنه، وادَّعى القاضي عياض عدم الخلاف في صحة الرواية بها، وروى الحاكم من طريق مطرِّف قال: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة، فما رأيتُه قرأ «الموطأ» على أحد؛ بل يقرؤون عليه، وسمعتُه يأبى أشدَّ الإباء على مَن يقول: لا يجزئه إلَّا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزئك هذا في الحديث ويجزئك في القرآن، والقرآن أعظم؟!\n (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف: (سمعت أبا عاصم) النبيل (يذكر عن سفيان) الثوري (ومالك) الإمام (أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا)، وفي رواية: (جائزة)؛ أي: القراءة؛ لأنَّ السماع لا نزاع فيه، وفي رواية: (حدثنا عُبيد الله بن موسى)؛ بضم العين، (عن سفيان) الثوري (قال: إذا قُرئ) على المحدِّث؛ (فلا بأس أن يقول: حدَّثَني) بالإفراد (وسمعتُ) منه، فالقراءة والسماع سواء.\n (واحتجَّ بعضُهم)؛ هو الحميدي شيخ المؤلف (في القراءة على العالم)؛ أي: في صحة النقل عنه (بحديث ضِمام بن ثعلبة)؛ بكسر الضاد المعجمة، وثعلبة؛ بالمثلثة، ثم المهملة، وبعدَ اللام موحدة، وفي رواية: أنَّه (قال للنبي) الأعظم (ﷺ: آللهُ)؛ بهمزة الاستفهام مبتدأ خبره قوله: (أمرك أن)؛ أي: بأنْ (تصلي) بالمثناة الفوقية، وفي رواية: بنون الجمع (الصلوات؟)، وفي رواية: بالإفراد، (قال) ﵇: (نعم) أمرنا أن نصلي، (قال) الحميدي: (فهذه قراءة على النبي) الأعظم (ﷺ)، وفي رواية: (فهذه قراءة على العالم)؛ (أخبر ضِمام قومه بذلك، فأجازوه)؛ أي: قبلوه منه، وليس المراد الإجازة المصطلحة عليها بين أهل الحديث، لا يقال: إجازة قومه لا حجة فيه؛ لأنَّهم كفرة؛ لأنا نقول: المراد الإجازة بعد الإسلام، أو لأنَّ فيهم مسلمون يومئذ.\nفإن قلتَ: قولُه: (أخبر قومه بذلك) ليس في الحديث الذي ساقه المؤلف هنا، فكيف يحتجُّ به؟ قلت: لم يقع في هذا الطريق، وإنما وقع في طريق آخر ذكرها أحمد وغيره من طريق أبي إسحاق قال: حدثني محمد بن الوليد، عن كُريب، عن ابن عباس قال: بعث [بنو] سعد بن بكر (^٢) ضِمامَ بن ثعلبة... فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: [أنَّ] ضِمامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: إنَّ الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى في ذلك اليوم وفي حاضريهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا.\n (واحتج مالك) الإمام (بالصَّكِّ)؛ بفتح المهملة وتشديد الكاف: الكتاب، فارسي معرب، جمعه: أصك وصكاك، والمراد به: المكتوب الذي يكتب فيه إقرار المقر (يُقرأ على القوم)؛ بضم المثناة التحتية مبنيًّا للمفعول، (فيقولون)؛ أي: الشاهدون لا القوم؛ لأنَّ المراد منهم من يعطي الصك؛ وهم المقرُّون بالديون أو غيرها، فلا يصح لهم أن يقولوا. قسطلاني: (أشهدَنَا فلانٌ) بالتنوين (ويقرأ ذلك قراءة عليهم)، وفي رواية: (وإنما ذلك قراءة عليهم)، فتسوغ الشهادة عليهم بقولهم: نعم، بعد قراءة المكتوب عليهم، مع عدم تلفظهم بما هو مكتوب، وهذه حجة؛ لأنَّ الإشهاد أقوى حالات الإخبار، (ويُقرَأ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أيضًا (على المقرئ) المعلم للقرآن، (فيقول القارئ) عليه: (أقرأني فلانٌ) بالتنوين.\nوقاس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن، فروى الخطيب البغدادي من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكًا، وسئل عن الكتب التي تعرض عليه: أيقول الرجل: حدثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن، أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول: أقرأني فلان، فكذلك إذا قرأ على العالم؛ صح أن يروي عنه، كذا في «عمدة القاري».\nوبه قال: (حدثنا محمد بن سلَام)؛ بتخفيف اللام، البيكندي (قال: حدثنا محمد بن الحسن)؛ بفتح الحاء المهملة، ابن عمران (الواسطي) قاضي واسط، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة، وليس له في «البخاري» غير هذا، (عن عَوف)؛ بفتح العين آخره فاء، هو ابن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، (عن الحسن) هو البصري (قال: لا بأس)؛ أي: في صحة النقل عن المحدث (بالقراءة على العالم)؛ أي: الشيخ، متعلق بالقراءة، لا خبر لقوله: (لا بأس)؛ فليحفظ.\nوهذا الأثر رواه الخطيب بأتمَّ سياقًا منه من طريق أحمد ابن حنبل، عن محمد بن الحسن الواسطي، عن عوف الأعرابي: أن رجلًا سأل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ منزلي بعيد والاختلافُ يشقُّ عليَّ، فإن لم تكن ترى بأسًا؛ قرأت عليك، قال: ما أبالي قرأتُ عليك أو قرأتَ عليَّ، قال: فأقول: حدَّثني الحسن؟ قال: نعم؛ حدَّثني الحسن، كذا في «عمدة القاري».\nوبه قال: (حدثنا عُبيد الله)؛ بضم العين، وفتح الموحدة، مصغرًا (ابن موسى) بن باذام العبسي؛ بالمهملتين، (عن سفيان) الثوري أنَّه (قال: إذا قُرِئ)؛ بضم القاف، وكسر الراء، وفي رواية: (إذا قرأت)، وفي أخرى: (إذا قرأ) (على المحدِّث؛ فلا بأس) على القارئ (أن يقول: حدَّثني) كما جاز أن يقول: أخبرني، فهو مشعرٌ بأنَّه لا تفاوت عنده بين (حدثني) و(أخبرني)، وبين أن يقرأ على الشيخ أو يقرأ الشيخ عليه، كذا في «عمدة القاري».\n (قال) أي: المؤلف: (وسمعت)، وفي رواية: (قال أبو عبد الله: سمعت) بغير واو (أبا عاصم)؛ هو الضحَّاك بن مَخْلد؛ بفتح الميم، الشيباني البصري، المشهور بالنَّبِيل؛ بفتح النون، وكسر الموحدة، وسكون المثناة التحتية، آخره لام، لقب به؛ لأنَّه كان يلازم الإمام زفر، وكان حسنَ الحال في كسوته، فجاء النبيل يومًا إلى بابه، فقال الخادم\n_________\n(^١) في الأصل: (أبلمة)، وكذا في الموضع السابق.\n (^٢) زيد في الأصل: (بن)، ولا يصح.","vol":"1","page":21},{"text":"للإمام زفر: أبو عاصم بالباب، فقال له: أيهما؟ فقال: ذاك النبيل. أو لكبر أنفه، توفي في ذي الحجة، سنة تسع ومئتين، عن تسعين سنة وستة أشهر، (يقول عن مالك) الإمام (و) عن (سفيان) الثوري: (القراءة على العالم)؛ أي: الشيخ، (وقراءته)؛ أي: الشيخ (سواء)؛ أي: متساوية في الرتبة في صحة النقل وجواز الرواية.\nوقال إمامنا الإمام الأعظم: قراءة الطالب على الشيخ أرجح من قراءته بنفسه؛ لأنَّه أضبط، وهو قول ابن أبي ذئب والإمام مالك، كما ذكره الدارقطني عنه، وقيل: إن قراءة الشيخ بنفسه أرجح\n\n <span id=\"b-١٢٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-123>[حديث: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي]</span>\n٦٣ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التِّنِّيسي (قال: حدثنا الليث) بن سعد الفهمي، وهو من أتباع إمامنا الإمام الأعظم، (عن سعيد) بن أبي سعيد؛ بكسر العين فيهما، (هو المقبُري)؛ بضم الموحدة، ولفظ (هو) سقط في رواية.\n (عن شريك)؛ بفتح المعجمة، (ابن عبد الله بن أبي نَمِر)؛ بفتح النون وكسر الميم، القرشي المدني، المتوفى سنة أربعين ومئة، (أنه سمع أنس بن مالك) ﵁؛ أي: كلامه حال كونه، (يقول: بينما) أصله: (بين) زيدت عليها (ما) ظرف زمان، وفي رواية: (بينا)؛ بغير ميم (نحن) مبتدأ خبره قوله: (جلوس)؛ جمع جالس، (مع النبي) الأعظم (ﷺ في المسجد)؛ أي: مسجد رسول الله ﵇، فـ (أل) للعهد، (دخل رجل) جواب (بينما)، وفي رواية: (إذ دخل رجل)، لكن الأصمعي لا يستفصح (إذ) و(إذا) في جواب (بينا) و(بينما).\n (على جَمَل) صفة لـ (رجل)، زوج الناقة؛ بفتح الجيم والميم، [و] تسكين الميم لغة، وبه قرأ ابن السماك: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمْلُ﴾؛ بسكون الميم، جمعه جمال، وجمالة، وجمالات، وجمائل، وأجمال.\n (فأناخه)؛ أي: أبركه على ركبتيه، أصله: فأنْوَخه، قلبت الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى ما قبلَها، (في) رحبة (المسجد) أو ساحته، (ثم عَقَلَه)؛ بفتح العين المهملة والقاف المخففة؛ أي: شدَّ على ساقه مع ذراعه حبلًا بعد أن ثنى ركبتيه، وفيه جواز إدخال البعير في المسجد، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها، وهو قول الإمام محمد الشيباني شيخ الإمام الشافعي.\nوقال إمامنا الإمام الأعظم والإمام أبو يوسف: إنَّ أبوالها نجسة نجاسةً مخففة، ولا دليل في الحديث على الطهارة؛ لأنَّه روى أبو نُعيم: (أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه، ثم عَقَله فدخل المسجد)، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس: (فأناخ بعيره على باب المسجد فعَقَله، ثم دخل)، وهذا يدل على أنَّه لم يدخل المسجد؛ فتأمل.\n (ثم قال لهم: أيُّكم) استفهام مرفوع على الابتداء، خبره (محمد؟ والنبي) الأعظم (ﷺ مُتَّكِئٌ)؛ بضم الميم آخره همزة اسم فاعل، أصله: موتكئ، قُلبت الواو تاء، وأُدغمت التاء في التاء؛ أي: استوى على وِطاء، والجملة اسمية وقعت حالًا.\n (بين ظهرانيهم)؛ بفتح الظاء المعجمة والنون؛ أي: بين أصحابه، وزيد لفظ (الظهر)؛ ليدل على أنَّ ظهرًا منهم قُدَّامَه وظهرًا منهم وراءَه، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، والألف والنون للتأكيد، وقيل: زيدت الألف والنون على (ظهر) عند التثنية، ثم كثر حتى استُعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا؛ أي: فهو ممَّا أُريد بلفظ التثنية فيه معنى الجمع، واستُشكل ثبوت النون مع الإضافة، ودُفع بأنَّه ملحق بالمثنى لا أنَّه مثنًى حقيقةً، وحذفت منه نون التثنية فصار (ظهرانيهم).\n (فقلنا: هذا الرجل) مبتدأ وخبر، (الأبيض) صفة لـ (رجل)، وقوله: (المتكئ) بالرفع صفة لـ (رجل) أيضًا، والمراد بـ (الأبيض): هو البياض المشرب بحمرة، كما دل عليه رواية الحارث ابن عمير قال: (الأمغر)، فُسِّر بالحمرة مع بياضٍ صافٍ، ولا تنافي بين وصفه هنا بالبياض وبين ما ورد أنَّه ليس بأبيض، ولا آدم؛ لأنَّ المنفي البياض الخالص كلون الجصِّ كريه المنظر، كلون [البرص] (^١)، كذا في «عمدة القاري».\n (فقال له) ﵇ (الرجل) المذكور: (أَبنَ عبد المطلب)؛ بفتح الهمزة والنون: منادى مضاف، أصله: يا ابن عبد المطلب، فحذف حرف النداء، وفي رواية: (يا ابن عبد المطلب)، وفي رواية: بكسر الهمزة وفتح النون.\n (فقال له النبي) الأعظم (ﷺ: قد أجبتك)؛ أي: سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق، وإنَّما لم يجبه بنعم؛ لأنَّه أخلَّ بما يجب من رعاية التعظيم والأدب؛ حيث قال: (أيُّكم محمد؟)، وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فحقُّه أن يخاطبه بالرسالة أو بالنبوة، فلما قال: (أيُّكم محمد؟)؛ علم ﵇ أنَّه باقٍ على جفاء الجاهلية، فلم ينكر عليه ولم يرد عليه، أو أنَّه لم يكن آمَنَ، أو كان ذلك قبل النهي عن مخاطبته ﵇ بذلك، أو لم يبلغه.\nوقال أيضًا: (ابن عبد المطلب) وكان ﵇ يكره الانتساب إلى الكفار، لعله أراد تطابق الجواب للسؤال بقوله: أيُّكم بابن عبد المطلب؟ فأجابه ﵇: أنا ابن عبد المطلب، وإنَّما كره هنا ذلك وقال يوم حنين: أنا ابن عبد المطلب؛ للإشارة إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته فذكرهم بها، وبخروج الأمر على الصدق.\n (فقال الرجل) المذكور (للنبي) الأعظم (ﷺ)، وسقط في رواية قوله: (الرجل...) إلخ، وفي أخرى: لفظ (الرجل) فقط، (إني سائلُك) جملة اسمية مؤكدة بـ (إن) مقول القول، (فمشدِّدٌ عليك في المسألة)؛ بكسر الدال الأولى المثقلة، والفاء عاطفة على (سائلك)، (فلا تجِدْ)؛ بكسر الجيم والجزم على النهي، وهي من الوجدة؛ أي: لا تغضب، (عليَّ في نفسك، فقال) ﵇ له: (سل عمَّا بدا) من البُدُوِّ؛ أي: ظهر، (لك، فقال) الرجل المذكور: (أسألك بربك)؛ أي: بحقِّ ربِّك، الباء للقسم، (ورب من قبلك، آللهُ)؛ بهمزة الاستفهام الممدودة والرفع على الابتداء، وقوله: (أرسلك) خبره، وعند مسلم: (فبالذي خلق الأرض ونصب هذه الجبال، آللهُ أرسلك)، (إلى الناس كلهم) الإنس والجن، (فقال) ﵇، وفي رواية: (قال).\n (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله، (نعم) الميم بدل عن حرف النداء، وذكر ذلك؛ ليدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن به؛ كأنه ينادي تعالى متشهدًا على ما قاله في الجواب، وهذه الأيمان المذكورة إنَّما ذكرت للتأكيد وتقرير الأمر.\n (قال) وفي رواية: (فقال الرجل المذكور)، (أَنْشُدُك)؛ بفتح الهمزة، وإسكان النون، وضم المعجمة؛ أي: أسألك، (بالله) الباء للقسم، (آللهُ أمرك)؛ بمدِّ الهمزة، وفيه همزتان الأولى للاستفهام والثانية للجلالة، (أن نصلي الصلوات الخمس)؛ بنون الجمع، وفي رواية: بتاء الخطاب، وفي رواية: الصلاة بالإفراد؛ أي: جنس الصلاة، وكلُّ ما وجب عليه فهو واجب على أمته حتى يقوم دليل الخصوصية، وفي رواية ثابت عن أنس بلفظ: (أن علينا خمس صلوات يومَنا وليلتَنا)؛ فافهم.\n (في اليوم والليلة، قال) ﵇: (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله، (نعم، قال) الرجل المذكور: (أنشدك)؛ أي: أسألك (بالله) باؤه للقسم، (آللهُ) بالمدِّ، (أمرك أن تصوم)؛ بتاء الخطاب، وفي رواية: بالنون، (هذا الشهر من السنة)؛ أي: رمضان من كلِّ سنة، فـ (اللام) فيهما للعهد، والإشارة لنوعه لا لعينه.\n (قال) ﵇: (اللهمَّ)؛ أي: يا الله، (نعم، قال) الرجل المذكور: (أَنشدك) أسألك (بالله، آللهُ)؛ بالمدِّ، (أمرك أن تأخذ)؛ بتاء المخاطب؛ أي: بأن تأخذ، (هذه الصدقة) المعهودة؛ وهي الزكاة، (من أغنيائنا فتقسمَها)؛ بتاء المخاطب المفتوحة، والنصب عطفًا على (أن تأخذ)، (على فقرائنا) من تغليب الاسم للكل بمقابلة الأغنياء؛ إذ خرج مخرج الأغلب؛ لأنَّهم الأغلب من الأصناف الثمانية.\n (فقال النبي) الأعظم (ﷺ) له: (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله، (نعم)؛ أي: اشهد على ما قلت في الجواب، قال أكثر الشُّرَّاح: ولم يتعرَّض للحجِّ؛ لأنَّه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم.\nقال في «عمدة القاري»: وهو مذكور في «صحيح مسلم بن الحجاج القشيري»، فقد وقع فيه ذكر الحجِّ ثابتًا عن أنس ابن مالك، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضًا عند مسلم، وقيل: إنَّما لم يذكره؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، أو لأنَّه لم يكن من أهل الاستطاعة.\n (فقال الرجل) المذكور لرسول الله ﵇: (آمنتُ بما)؛ أي: بالذي، (جئتَ به) من الوحي، واختُلف هل كان مسلمًا عند قدومه أم [لا]؛ فقال جماعة: إنَّه كان مسلمًا قبل وفوده، وإليه ذهب المؤلف وبوَّب له: باب القراءة والعرض على المحدِّث، مستدلًا بقوله: (آمنت بما جئت به)، وبقوله: (وأنا رسول من) مبتدأ وخبر مضاف إلى (مَن) بفتح الميم (ورائي)؛ أي: مَن خلفي، (مِن)؛ بكسر الميم، (قومي)، وإنَّ هذا إخبارٌ، ورجَّحَه القاضي عياض، وقال جماعة: إنَّه لم يكن مسلمًا وقت قدومه، وإنَّما كان إسلامه بعدَه؛ لأنَّه كان متثبتًا، ويدل عليه ما في حديث ابن عباس رواه ابن إسحاق: (أنَّ بني سعد بن بكر بعثوا ضِمام بن ثعلبة...) الحديث، وفي آخره: (حتى إذا فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله).\nوأجابوا عن قوله: (آمنت): بأنَّه إنشاء وابتداء الإيمان، لا إخبار بإيمانٍ تقدم، وكذلك قوله: (وأنا رسول مَن ورائي)، وبأنَّه لا يلزم مِن تبويب المؤلف له أنَّه كان مسلمًا؛ لأنَّ العرض على المحدث هو القراءة عليه أعمّ من أن يكون تقدمت له أو ابتدأها.\nوقالوا: قد بوَّب أبو داود عليه: باب المشرك يدخل المسجد، وهو يدل على أنَّه لم يكن مسلمًا قبل قدومه، والظاهر: أنَّه قبل قدومه لم يكن\n_________\n(^١) في الأصل: (البربر).","vol":"1","page":21},{"text":"الإيمان محققًا عنده، فلمَّا سأل النبيَّ ﵇؛ تحقَّق عنده وجدَّد إيمانه؛ فليحفظ.\n (وأنا ضِمام بن ثعلبة)؛ بكسر الضاد المعجمة، وبالثاء المثلثة، والباء الموحدة المفتوحة، (أخو بني سعد بن بكر) بن هوازن، وهم أخوال رسول الله ﵇، قدم على النبي الأعظم ﵇، بعثه إليه بنو سعد، فسأل عن الإسلام، ثم رجع إليهم فأخبرهم به فأسلموا.\nوقال ابن عباس: ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضِمام، وكان قدومه سنة تسع، قاله ابن إسحاق والطبري، وقال الواقدي: كان سنة خمس، وفيه نظر لما في «مسلم»: أنَّ قدومه كان بعد نزول النهي عن السؤال في القرآن، وهو في (المائدة)، ونزولها متأخِّرٌ جدًّا، وبما قد عُلِمَ أنَّ إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه كان بعد فتح مكة.\nوبما في حديث ابن عباس: أنَّ قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد في الإسلام إلا بعد وقعة خيبر، وكان في شوال سنة ثمان، فالمعتمد: أنَّ قدوم ضِمام كان في سنة تسع، وبه جزم أبو عبيدة وغيره؛ فافهم.\nوفي الحديث دليل لما ذهب إليه العلماء من أنَّ العوام المقلِّدين مؤمنون، وقبول خبر الواحد، وجواز تسمية الأدنى للأعلى دون أنْ يُكنِّيه إلَّا أنَّه نُسخ في حقِّه ﵇، وجواز الاتِّكاء بين الناس في المجالس، وجواز تعريف الرجل بصِفته من البياض والحمرة، والطول والقصر، والاستحلاف على الخبر؛ ليُعلم اليقين، وفيه التعريف بالشخص، وفيه النسبة إلى الأجداد.\nفائدة: هل النجدي السائل في حديث طلحة بن عبيد الله السابق هو ضِمام بن ثعلبة أو غيره، قال جماعة: إنَّه هو إيَّاه، والنجدي هو ضِمام بن ثعلبة، وإليه مال ابن عبد البر والقاضي عياض، وقيل: غيره، والله أعلم.\n (رواه)؛ أي: هذا الحديث، وفي رواية: (ورواه) بالواو (موسى) بن إسماعيل، كما في رواية أبو سلمة المنقري التَّبُوذَكِي، (و) رواه أيضًا (علي بن الحُميد)؛ بضم الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية، بن مصعب المَعْنِي؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر النون، بعدها ياء؛ نسبة إلى مَعَن بن مالك، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين؛ كلاهما (عن سليمان) زاد في رواية: (ابن المغيرة) أبي سعيد القيسي البصري، المتوفى سنة خمسين أو خمس وستين ومئة، وفي رواية: (أخبرنا سليمان)، (عن ثابت) هو البُنانيُّ؛ بضم الموحدة وبالنونين؛ نسبة إلى (بنانة) بطن من قريش، أو اسم أمه (بنانة)، واسم أبيه: أسلم، العابد البصريُّ، المتوفَّى سنة ثلاث وعشرين ومئة.\n (عن أنس) بن مالك ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ بهذا)؛ أي: بمعناه، وفي رواية: (مثله)، وحديث موسى بن إسماعيل موصولٌ في «صحيح أبي عَوانة»، وحديث علي بن الحُميد موصولٌ عند الترمذي أخرجه عن المؤلف.\n\n <span id=\"b-١٢٤\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-124>[باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان]</span>\nهذا (باب ما يُذكَر)؛ بضم المثناة التحتية وفتح الكاف، (في المناولة) من النوال وهو العطاء، وهي نوعان:\nأحدهما: المقرونة بالإجازة؛ وهي أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلًا ويقول: هذا سماعي وأجزت لك روايته عني، وهذه حالة محل السماع عند مالك والزهري وغيرهما، فيجوز إطلاق (حدثنا) و(أخبرنا) فيها، والصحيح: أنَّه منحطٌّ عن درجته، وعليه الأكثر.\nوالآخر: المناولة المجرَّدة عن الإجازة، وهي بأنْ يُناوله أصل السماع كما علمت، ولا يقول له: أجزت لك الرواية عني، وهذه لا تجوز الرواية بها على الصحيح، ومراد المؤلف القسم الأول، وهو غير العرض السابق؛ فافهم.\n (وكتابِ أهل العلم بالعلم) بجرِّ (كتاب) عطفًا على قوله: (في المناولة)، (إلى) أهل (البُلْدان)؛ بضمِّ الموحدة وسكون اللام، جمع بلد، وأهل القرى وغيرهما، وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، وهي نوعان؛ أحدهما: المقرونة بالإجازة، وثانيهما: الخالية عنها، والصحيح في الثانية: أنَّه يجوز الرواية بها؛ بأن يقول: كتب إليَّ فلان قال: حدثنا بكذا.\nوقد سوَّى المؤلف الكتابة المقرونة بالإجازة بالمناولة، ورجَّح قوم المناولة عليها؛ لحصول المشافهة بها بالإذن دون المكاتبة، وجوَّز جماعة الإخبار فيهما، والأَولى ما عليه المحقِّقون من اشتراط بيان ذلك.\n (وقال أنس) وفي رواية: (أنس بن مالك)، كما وصله المؤلف في (فضائل القرآن): (نسخ عثمان) وفي رواية: (عثمان بن عفان) أحد الخلفاء والعشرة، المتوفى شهيد الدار يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، عن تسعين سنة، ومدَّةُ خلافته ثنتي عشرة سنة ﵁ (المصاحف)؛ بفتح الميم جمع مصحف، ويجوز في ميمه الحركات الثلاث، مأخوذة من أصحف؛ أي: جمعت فيه الصُّحُف؛ بضمتين جمع صحيفة؛ وهي الكتابة، قال المؤلف في (فضائل القرآن): إنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية، وفيه: ففزع (^١) حذيفةُ من اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدركْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهماأنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وفيه: حتى إذا نسخوها ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة (فبعث بها)؛ أي: أرسل عثمان بالمصاحف (إلى الآفاق)؛ بمدِّ الهمزة، جمع أفق؛ أي: أرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف ممَّا نسخوا، وفي غير «البخاري»: أنَّ عثمان أرسل مصحفًا إلى الشام، ومصحفًا إلى الحجاز، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، وأبقى عنده مصحفًا؛ لتجتمع الناس على قراءة ما يُعلم ويُتقن.\nوقيل: هي أربعة، بعث واحدًا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وحبس عنده آخر، وعليه الأكثر، وقيل: إنها سبعة، ودلالة هذا على تجويز الرواية بالمكاتبة ظاهرة، فإنَّ عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها، والمستفاد من بعثه المصاحف إنَّما هو قبول إسنادِ صورة المكتوب بها، لا أصل ثبوت القرآن؛ فإنَّه متواتر عندهم؛ فافهم.\n (ورأى عبد الله بن عمر) هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المدني، المتوفى سنة إحدى وسبعين ومئة، وقال ابن حجر العسقلاني: عبد الله هذا هو ابن عَمرو ابن العاص، مستدلًا بكلامٍ أوهنَ من العنكبوت، ولا يقوله من سكن البيوت، فلا يعول عليه، وقد ردَّه الشيخ الإمام بدر الدين العيني بما يطول، ونقله عنه القسطلاني وأقرَّه، والصواب: ما قلناه، وبه جزم الكرماني وقطب الدين وغيرهما؛ فليحفظ.\n (و) كذا رأى (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (ومالك)، وللأصيلي: (مالك بن أنس) الإمام، (ذلك جائزًا) إشارة إلى كل واحد من المناولة والكتابة باعتبار ووردت الإشارة بذلك إلى المثنى كما في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]؛ أي: ما ذكر من الفارض والبكر، فأشار بذلك إلى المثنى، أفاده في «عمدة القاري»، وفيه كلام يتعلَّق بالمناولة، وأنَّها ثمانية أقسام؛ فراجِعْها فإنَّها مفيدة، ولولا الإطالة لذكرتها؛ فافهم.\n (واحتج بعض أهل الحجاز) هو الحُميدي شيخ المؤلف، وإنَّما سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّها حجزت بين نجد والغور، وقيل: هي مكة والمدينة ويمامة وقراها (في) صحة (المناولة بحديث النبي) الأعظم (ﷺ؛ حيث كتب)؛ أي: أمر بالكتابة (لأمير) وفي رواية: (إلى أمير)، (السَّرِيَّة)؛ بفتح السين المهملة وتشديد المثناة التحتية؛ قطعة من الجيش، وهو عبد الله بن جحش المجدع، أخ زينب أم المؤمنين (كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا) وفي رواية عروة: أنه قال: (إذا سرت يومين فافتح الكتاب)، وفي أخرى: (لا نقرأ) بنون الجمع مع حذف الضمير، ويلزم منه كون (نبلغ) بالنون أيضًا؛ كذا قيل.\n (فلما بلغ ذلك المكان) وهو نخلة بين مكة والطائف، (قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي) الأعظم (ﷺ)، ولم يذكره المؤلف موصولًا في كتابه هذا، لكن وصله الطبراني بإسنادٍ حسن، وذكره ابن إسحاق في «المغازي» مرسلًا، وساقه إمامنا بدر الدين العيني في «شرحه»؛ فيراجع، والدلالة منه ظاهرة، فإنه جاز له الإخبار بما في الكتاب بمجرد المناولة، ففيه المناولة ومعنى الكتابة.\n\n <span id=\"b-١٢٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-125>[حديث: أن رسول الله بعث بكتابه رجلًا </span>وأمره أن يدفعه إلى]\n٦٤ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل بن عبد الله) هو ابن أبي أويس المدني، (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعْد)؛ بإسكان العين؛ سبط عبد الرحمن بن عوف، (عن صالح) هو ابن كَيسان الغِفاري المدني، (عن ابن شهاب) محمد ابن مسلم الزُّهري، (عن عُبيد الله)؛ بالتصغير، (ابن عبد الله)؛ بالتكبير، (ابن عُتْبَة)؛ بضم المهملة، وإسكان المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، (ابن مسعود: أنَّ عبد الله بن عباس) ﵄ (أخبره: أنَّ رسول الله ﷺ بعث بكتابه رجلًا)؛ أي: بعث رجلًا متلبِّسًا بكتابه مصاحبًا له، و(رجلًا) منصوب على المفعولية؛ وهو عبد الله بن حُذافة السَّهْميِّ، كما صرح به المؤلف في (المغازي)؛ بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة، وبعدَ الألف فاء، ابن قيس القرشي، أخ خنيس بن حذافة، زوج حفصة، المتوفى في خلافة عثمان، ﵄.\n (وأمره) ﵇ (أن يدفعه)؛ أي: بأن يدفعه، و(أنْ) مصدريَّة؛ أي: يدفعه، (إلى عظيم البحرين) هو المنذر بن ساوَى؛ بالسين المهملة وفتح الواو، والبحرين؛ بلد بين البصرة وعمان، وهي بلفظ التثنية، وإنَّما ثنَّوها؛ لأنَّ في ناحية قراها بحيرة على باب الإحياء وقرى هجر، بينهما وبين البحر الأخضر\n_________\n(^١) في الأصل: (ففرغ).","vol":"1","page":22},{"text":"عشرة فراسخ، وقدر البحيرة ثلاثة أميال في مثلها.\nوقد صالح النبي ﵇ أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث العلاء إلى المنذر بن ساوَى، فصدَّق وأسلم، وإنَّما قال: (عظيم البحرين) ولم يقل: ملك البحرين؛ لأنَّه لا ملك ولا سلطنة للكفار، فإنَّ الكل لرسول الله ﵇ ولمن ولَّاه.\n (فدفعه) معطوف على مقدر؛ أي: فذهب به إلى عظيم البحرين فدفعه إليه ثم دفعه (عظيم البحرين إلى كسرى)؛ بفتح الكاف وكسرها، والكسر أفصح، فارسي معرب (خسرو)، جمعه أكاسرة على غير قياس، وهو لقب لكلِّ مَن مَلَك الفرس، كما أنَّ (قيصر) لقب لكلِّ مَن مَلَك الروم؛ وهو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وليس هو أنوشروان.\n (فلمَّا قرأه) وفي رواية: بحذف الهاء؛ أي: قرأ كسرى الكتاب، (مزَّقَه) جواب (لمَّا)؛ أي: قطعه شقفًا، قال ابن شهاب الزُّهري: (فحسبتُ)؛ أي: ظننت، (أنَّ ابن المسيب)؛ بفتح المثناة التحتية وكسرها، قيل: الرواية بالفتح، (قال:) ولما مزقه وبلغ النبي ﵇ ذلك غضب، (فدعا عليهم رسول الله ﷺ أنْ)؛ أي: بأن (يُمزَّقوا)؛ أي: بالتمزيق، فـ (أنْ) مصدريَّة، (كلَّ مُمَزَّق)؛ بفتح الزاي في الكلمتين؛ أي: يُمزَّقوا غايةَ التمزيق، فسلَّطَ الله على كسرى ابنه شيرويه، فقتله بأنْ مزَّقَ بطنه سنة سبع، فتمزق ملكه كلَّ ممزق، وزال من جميع الأرض، واضمحل بدعوته ﵇، وقال ﵇: «إذا مات كسرى فلا كسرى بعدَه»، وكان ملكه سبعًا وأربعين سنة وسبعة أشهر، وكتب كسرى إلى باذان عامله في اليمن: إنَّه بلغني أنَّ رجلًا من قريش يزعم أنَّه نبيٌّ، فسِرْ إليه فاستتبه، فإن تاب، وإلَّا فابعث إليَّ برأسه، فبعث باذان بكتابه إلى النبي ﵇، فكتب إليه ﵇: إنَّ الله وعدني بقتل كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها، وهي ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع، فلمَّا أتى باذان الكتاب قال: إنْ كان نبيًّا سيكون كما قال، فسلَّط الله عليه ابنه شيرويه، فقتله في اليوم الذي قال رسول الله ﵇، فلمَّا بلغ باذان بعث بإسلامه وإسلام مَن معه من الفرس، وتمامه في «عمدة القاري».\nوفي الحديث جواز الكتابة بالعلم إلى البلدان، وجواز الدعاء على الكفار، ووجه الدلالة من الحديث: أنَّه ﵇ لم يقرأ الكتاب على رسوله، ولكن ناوله إيَّاه، وأجاز له أنْ يُسند ما فيه عنه.\n\n <span id=\"b-١٢٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-126>[حديث: كتب النبي كتابًا فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا </span>إلا]\n٦٥ - وبه قال: (حدثنا محمد بن مُقاتل) بصيغة الفاعل من المقاتلة بالقاف والمثناة الفوقية، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين، وفي رواية: (أبو الحسن المروزي)، (قال: أخبرنا)، وفي رواية: (حدثنا)، (عبد الله)؛ أي: ابن المبارك؛ لأنَّه إذا أُطلق (عبد الله) فيمَن بعدَ الصحابة؛ فالمراد هو، كما أنَّه إذا أُطلق الإمام الأعظم؛ فالمراد به أبو حنيفة، التابعي الجليل، رئيس المجتهدين ﵁.\n (قال: أخبرنا شُعبة)؛ هو ابن الحَجَّاج، (عن قَتادة) بن دِعامة السدوسي، (عن أنس بن مالك)، وسقط (ابن مالك) في رواية، ﵁، (قال: كتب النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: كتب الكاتب بأمره، وقيل: إنَّه ﵇ كتب بيده الشريفة، وسيأتي تحقيقه، (كتابًا) مفعول (كتب)؛ لأنَّه اسم لا مصدر؛ أي: إلى العجم أو إلى الروم، كما صرح بهما المؤلف في (كتاب اللباس)، (أو أراد أن يكتب) شكٌّ من الراوي أنس؛ أي: أراد الكتابة، فـ (أنْ) مصدريَّة، (فقيل له) ﵇ (إنَّهم)؛ أي: الروم أو العجم (لا يقرؤون كتابًا إلَّا مختومًا)؛ خوفًا من كشف أسرارهم، و(مختومًا) نُصب على الاستثناء؛ لأنَّه من كلام غير موجب، (فاتخذ) ﵇ (خاتمًا مِن فِضَّة) مفعول (اتخذ)، و(مِن)؛ بكسر الميم؛ بيانيَّة، و(الفاء) مكسورة، (نقْشُه)؛ بسكون القاف: مبتدأ، (محمَّدٌ رسولُ الله) جملة اسمية من المبتدأ والخبر؛ خبر المبتدأ الأول، والرابط كون الخبر عين المبتدأ، كأنَّه قيل: نقْشُه هذا المذكور.\nونقل الشيخ الإمام علاء الدين في «شرحي التنوير والملتقى»: أنَّ نقش خاتمه ﵇ كان ثلاثة أسطر، لفظ الجلالة أعلاه، وتحتها (محمد)، وتحته (رسول)، اهـ؛ فليحفظ، وانظر الهامش.\nالله\nمحمد\nرسول\n (كأني أنظر إلى بياضه) وأصل (كأنَّ) للتشبيه، ولكنها هنا للتحقيق، ذكره الكوفيون والزجاج، ومع هذا لا تخلو عن معنى التشبيه، والجملة محلها رفع خبر (كأنَّ)، حال كونه (في يده) الشريفة، وهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، فإنَّ الخاتم ليس في اليد؛ بل في إصبعها، وفيه القلب؛ لأنَّ الإصبع في الخاتم، لا الخاتم في الإصبع، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقال شعبة (فقلت لقَتادة) بن دِعامة: (مَن قال) جملة اسمية، و(من) استفهامية، (نقشه محمد رسول الله) مقول القول، (قال: أنسٌ) قاله.\nوفي الحديث جواز كتابة العلم إلى البلدان، وجواز الكتاب إلى الكفار، وختم الكتاب للسلطان، والقضاة، والحكام، والنُّظَّار، وفيه جواز استعمال خاتم الفِضَّة للرجال، قال القاضي عياض: وهو بالإجماع، وأجمعوا على تحريم لبس خاتم الذهب للرجال، وشَذَّ قول ابن حزم؛ حيث أباحه، وبعضهم كرهه، قال النووي: هذان القولان باطلان.\nوفيه جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله فيه؛ بل فيه كونه مندوبًا، وهو قول أئمتنا الأعلام ومالك وغيرهم، ولكن يجعله في كمه أو بيمينه إذا دخل الخلاء أو استنجى.\nوكان نقشُ خاتم الصديق الأكبر: نعم القادر الله، وعمر: كفى بالموت واعظًا، وعثمان: ليصبرن أو لتندم، والصديق الأصغر: الملك لله، وخاتم إمامنا الإمام الأعظم: قل الخير وإلَّا فاسكت، مقتبس من قوله ﵇: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرًا وإلَّا فيسكت»، وخاتم الإمام أبي يوسف: مَن عمل برأيه؛ فقد ندم، والإمام محمد: من صبر ظَفِر؛ بفتح الظاء المعجمة وكسر الفاء، كذا في «شرح الملتقى» للإمام الشيخ علاء الدين المفتي بدمشق الشام، والإمام والخطيب بجامعها جامع بني أمية، جعله عمارًا إلى قيام الساعة.\n\n <span id=\"b-١٢٧\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-127>[باب من قعد حيث ينتهي به المجلس]</span>\nهذا (باب) حكم (مَن) موصولة، وجملة (قعد) صلتها، (حيث) بالبناء على الضم منصوب على الظرفية المكانية، (ينتهي به المجلس) فاعل، (ومَن رأى فرجة) عطف على (مَن قعد)؛ بضم الفاء وفتحها لغتان، وهي الخلل بين الشيئين، وفُرِّق بينهما: فالضم: اسم للخلل بين الشيئين، والفتح: للتفصي من الهمِّ.\n (في الحلقة)؛ بسكون اللام وفتحها، والأول أشهر، والثاني استعمال العوام، وهي كلُّ مستدير خالي الوسط، والجمع حَلَق؛ بفتح الحاء واللام، (فجلس فيها)؛ أي: في الفرجة، وفي رواية: (إليها)، وإنَّما قال: (في الحلقة) ولم يقل: في المجلس؛ ليطابق لفظ الحديث، وقال في الأول: (به المجلس)؛ لأنَّ الحكم فيهما واحد.\n\n <span id=\"b-١٢٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-128>[حديث: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة]</span>\n٦٦ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس المدني، (قال: حدثني) بالإفراد، (مالك) الإمام، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري البخاري، ابن أخ أنس لأمه، التابعي المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومئة.\n (أن أبا مُرَّة)؛ بضم الميم وتشديد الراء، اسمه: يزيد، (مولى عقيل)؛ بفتح العين، (بن أبي طالب)، وقيل: مولى أخيه علي، وقيل: مولى أختهما أم هانئ، (أخبره عن أبي واقد)؛ بالقاف المكسورة والدال المهملة، اسمه: الحارث بن عوف أو الحارث بن مالك، أو عوف بن الحارث والأول أصح، الصحابي (الليثي)؛ بالمثلثة، البدري في قول، المتوفى بمكة سنة ثمان وستين، وصرَّح أبو مُرَّة عند النسائي فقال: (عن أبي مُرَّة: أنَّ أبا العالية واقد حدَّثه) (أنَّ رسول الله ﷺ بينما) أصله: (بين) زيدت فيه لفظة (ما)، وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلى الجملة، وفي رواية: (بينا) بدون (ما) وأصلها: (بين)، فأشبعت فتحة النون بالألف، والعامل فيه معنى المفاجأة (هو) مبتدأ، خبره (جالس) حال كونه (في المسجد) النبوي، (والناس معه) جملة حالية، (إذ أقبل) جواب (بينما)، وقدَّمنا: أنَّ الأصمعيَّ لا يستفصح مجيء (إذ) و(إذا) في جواب (بين)، (ثلاثة) فاعل (أقبل)، (نفر) بالتحريك؛ عدة رجال، من الثلاثة إلى العشرة، والمراد: ثلاثة رجال من الطريق، فدخلوا المسجد كما في حديث أنس: (فإذا ثلاثةُ نفرٍ مارين)، ولم يتعرف أسماؤهم ولا واحدًا.\n (فأقبل اثنان) منهم (إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد) منهم، (قال: فوقفا على) مجلس (رسول الله ﷺ)؛ أي: اشترفا عليه، وقال ابن حجر: (على) بمعنى (عند)، وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّها لم تجئ بمعناها؛ فليحفظ، وفي رواية: (فلما وقفا سلما).\n (فأمَّا)؛ بفتح الهمزة وتشديد الميم: تفصيليَّة، (أحدهما) بالرفع مبتدأ، خبره قوله: (فرأى فُرجة)؛ بضم الفاء، (في الحلقة فجلس فيها) وأتى بالفاء في (فرأى)؛ لتضمُّن (أمَّا) معنى الشرط، وفي رواية: (فَرجة)؛ بفتح الفاء، كما مرَّ.\n (وأمَّا الآخَر)؛ بفتح الخاء؛ أي: الثاني، (فجلس خلفَهم) بالنصب على الظرفية، لعلَّه لم يجد فرجة؛ فتأمَّل، (وأمَّا الثالث؛ فأدبر) من الإدبار؛ أي: التولِّي، حال كونه (ذاهبًا)؛ أي: أدبر مستمرًا في ذهابه ولم يرجع.\n (فلمَّا فرغ رسول الله ﷺ) مِن حديثه، (قال: ألَا)؛ بالتخفيف حرف تنبيه، ويَحتمل أنْ تكون (الهمزة) للاستفهام و(لا) للنفي، (أُخبِرُكم عنِ النفر الثلاثة)، فقالوا: أخبرنا عنهم يا رسول الله، فقال: (أمَّا)؛ بالتشديد للتفصيل، (أحدُهم فآوى) بهمزة مقصورة؛ أي: لجأ، (إلى الله تعالى)، أو دخل مجلس رسول الله ﵇ (فآواه)؛ بالمد، (الله إليه)؛ أي: جازاه بنظير فِعْله، بأنْ جعله في رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظِلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله","vol":"1","page":22},{"text":"تعالى مجازٌ؛ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمراد لازِمُه، وهو إرادة إيصال الخير، ويسمَّى هذا المجاز: مشاكلةٌ ومقابلةٌ.\n (وأمَّا الآخَر)؛ بفتح الخاء، (فاستحى)؛ أي ترك المزاحمة؛ حياءً من رسول الله ﵇ ومن أصحابه، وعند الحاكم: ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس، قال في «عمدة القاري»: معناه: استحى مِنَ الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، اهـ؛ فليحفظ.\n (فاستحيى اللهُ منه)؛ أي: جازاه بمثل فعله؛ بأنْ رحمه ولم يعاقبه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يَعتري الإنسان مِن خوفِ ما يُذَمُّ به، وهذا محالٌ على الخالق ﵎، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب للاستحياء، فيكون هذا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، كما في «عمدة القاري».\n (وأمَّا الآخَر)؛ أي: الثالث، (فأعرض) عن مجلس النبي الأعظم ﵇ ولم يلتفت إليه؛ بل ولَّى مُدبرًا، (فأعرض الله عنه)؛ أي: جازاه؛ بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب المشاكلة؛ لأنَّ الإعراض: هو التفات إلى جهة أخرى، وذاك لا يليق في حقِّ الله تعالى، فيكون مَجازًا عن السُّخط والغضب، المجاز عن إرادة الانتقام.\nوالمراد في مثل هذه الإطلاقات: غاياتها ولوازمها، والعلاقة بين الحقيقي والمجازي اللزوم، والقرينة الصارفة هو العقل، وفي رواية: («وأمَّا الآخَر؛ فاستغنى فاستغنى الله عنه»)، ويَحتمل أنَّه كان منافقًا، فاطلع النبي الأعظم ﵇ عليه وعلى حاله وأمْره، وتمامُه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\nوفي الحديث الثناءُ على مَن زاحم في طلب الخير، وجوازُ التخطِّي لسَدِّ الخلل ما لم يؤذ (^١)، وأنَّ مَن سبق إلى موضع من المسجد فهو أحقُّ به، وأنَّ من الأدب أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، وأنَّ الإنسان إذا فعل قبيحًا؛ جاز أن يُنسب إليه، وأنَّ مَن أعرض عن مجالسة العلماء؛ فإنَّ اللهَ يُعرض عنه، وفيه استحبابُ التحلُّقِ للعلم والذِّكر وغير ذلك، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٢٩\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-129>[باب قول النبي: رب مبلغ أوعى من سامع]</span>\nهذا (باب قول النبي) الأعظم (ﷺ: رُبَّ مُبَلَّغٍ) -بفتح اللام فقط- إليه عني يكونُ (أوعى)؛ أي: أفهم لما أقوله، (مِن سامعٍ) منِّي، و(قَوْلِ) مجرورٌ بالإضافة، و(رُبَّ) حرفُ جرٍّ يُفيد التقليل، لكنَّه كثُر استعماله في التكثير؛ بحيث غلب حتى صارت كأنَّها حقيقة فيه.\nوقال الكوفيُّون: إنَّها اسم، وتنفرد (رُبَّ) عن أحرف الجرِّ بوجوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إن كان ظاهرًا، وغلبةِ حذف معدَّاها ومضيه، وبزيادتها في الإعراب دون المعنى، ومحلُّ مجرورها رفعٌ على الابتداء، نحو قوله هنا: (رُبَّ مُبَلَّغٍ)، فإنَّه وإنْ كان مجرورًا بالإضافة لكنَّه مرفوعُ المحل على الابتداء، وخبره (يكون) المقدَّر، و(أوعى) صفة للمجرور، وأمَّا نحو: رُبَّ رجلٍ لقيت؛ فنصب على المفعولية، وفي نحو: رُبَّ رجل صالح لقيت؛ رفع أو نصب، وعلى مذهب الكوفيِّين: أنَّ (رُبَّ مُبَلَّغٍ)؛ كلامٌ إضافي مبتدأٌ، وقوله: (أوعى مِنْ سامعٍ) خبرُه.\nوفي (رُبَّ) ستةَ عشَرَ لغةً: ضمُّ الراء وفتحُها وكلاهما مع التشديد والتخفيف، وهذه الأربعة مع تاء التأنيث الساكنة، أو محرَّكة، ومع التجرُّد منها، فهذه اثنتي عشرة، والضمُّ والفتحُ مع إسكان الباء، وضمُّ الحرفين مع التشديد ومع التخفيف، أفاده في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-130>[حديث: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام]</span>\n٦٧ - وبه قال: (حدثنا مُسَدَّد) هو ابن مُسرهِد، (قال: حدثنا بِشْر)؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ابن الفضل بن لاحق الرقاشي البصري، أبو إسماعيل الذي كان يصلي كل يوم أربعمئة ركعة، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة.\n (قال: حدثنا ابن عون)؛ بالنون: عبد الله بن أرطبان البصري، مولى عبد الله بن مغفل الصحابي الذي قال في حقِّه خارجة: (صحبت ابن عون أربعًا وعشرين سنة، فما أعلم أنَّ الملائكة كتبت عليه خطيئة)، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، وقيل: سنة خمسين ومئة.\n (عن ابن سيرين)؛ هو محمد، (عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرَة) نُفَيع؛ بضم النون وفتح الفاء، ابن الحارث، أبو عمرو الثقفي البصري، أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة، المتوفى سنة ست وتسعين، (عن أبيه) أبي بَكْرة نُفَيع بن الحارث، (ذَكَرَ)؛ أي: أبو بَكْرة؛ أي: أنَّه كان يُحدِّثهم فذكر، (النبيَّ) الأعظم، بالنصب مفعول (ذكر)، (ﷺ)، وفي رواية: (أنَّ النبيَّ ﷺ)، وفي أخرى: (ذُكِر- بضمِّ أوله وكسر ثانيه- النبيُّ ﷺ) بالرفع نائبٌ عن الفاعل؛ أي: قال أبو بَكْرة حال كونه قد ذكر النبي ﵇، وفي «النسائي» قال: (وذكر) بالواو، إمَّا للحال أو للعطف، على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا، أفاده في «عمدة القاري».\n (قعد) ﵇ (على بعيره) بمِنى يوم النَّحْر في حجة الوداع، وإنَّما قعد عليه وورد النهي عن اتخاذ ظهورها منابر؛ لأجل الحاجة إلى إسماع الناس، والنهي محمول على ما إذا لم تدعُ الحاجة إليه، على أنَّه ﵇ هو المشرِّع، فلا يبعد أن يكون فعله ناسخًا للنهي؛ فليحفظ.\n (وأمسك إنسان بخطامه)؛ بكسر الخاء، (أو بزمامه) وهما بمعنى واحد، وهو الخيط الذي يُشد فيه البُرَة؛ بضم الموحدة وفتح الراء؛ حلقة من صفر تُجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي: يُجعل في أحد جانبي المنخرين، والشكُّ من الراوي، قيل: الممسك هنا أبو بَكْرة؛ لرواية الإسماعيلي عنه: (وأمسكت أنا بخطامها (^٢) أو زمامها)، وقيل: بلال؛ لرواية النسائي عن أم الحصين قالت: (حججتُ فرأيتُ بلالًا يقود بخطام راحلة النبي ﷺ)، وقيل: عمرو بن خارجة؛ لما في السنن عنه قال: (كنتُ آخذُ بزمام ناقته ﵇).\nقلت: ورجَّح الشيخ الإمام بدر الدين العيني أنَّ الممسك هو عمرو بن خارجة؛ لأنَّه أخبر عن نفسه، قلت: ويَحتمل تعدُّد الإمساك بأنْ مسك هذا حصة، وهذا أخرى، وهذا أخرى، وكلُّ مَن رأى الممسك أخبر عنه، وإنَّما أمسك؛ لصون البعير عن الاضطراب والتشويش على راكبه ﵇.\n (ثم قال) ﵇، وفي رواية: (فقال)، (أيُّ يوم هذا؟) برفع (أيُّ)، والجملة وقعت مقول القول، (فسكتنا) عطف على (قال)، (حتى) بمعنى (إلى)، (ظنَّنا أنَّه سيسميه سوى اسمه)؛ بفتح همزة (أنَّه) في محلِّ نصب على المفعوليَّة.\n (قال: أليس) فالهمزة ليست للاستفهام الحقيقي؛ بل لنفي ما بعدها، وما بعدها منفي، فيكون إثباتًا؛ لأنَّ نفي النفي إثبات، فيكون المعنى: هو (يوم النحر) كما في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]؛ أي: الله كاف عبده.\n (قلنا) وفي رواية: (فقلنا)، (بلى) حرف يختصُّ بالنفي ويفيد إبطالَه، وهو هنا مقول القول أُقيم مُقام الجملة التي هي مقول القول، (قال) ﵇ (فأيُّ شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظنَّنا أنَّه)؛ بفتح الهمزة، (سيسمِّيه) أتى بالسين؛ للتوكيد، (بغير اسمه) المعلوم، (فقال) ﵇، وفي رواية: (قال): (أليس بذي الحجة؟)؛ بكسر الحاء المهملة وفتحها والكسر أفصح، وكذا ذو القعدة؛ بكسر القاف.\n (قلنا: بلى)، وسقط في رواية السؤال عن الشهر والجواب الذي قبله، فقال: (أيُّ يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظنَّنا أنَّه سيسميه سوى اسمه، قال: أليس بذي الحجة؟)، فهو من إطلاق الكلِّ على البعض، وفي رواية: (فأيُّ بلد هذا؟ فسكتنا حتى ظنَّنا أنَّه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس بمكَّة؟)، وفي رواية بالسؤال عن الشهر والجواب الذي قبله مع السؤال عن البلد، وهذه الثلاثة ثابتةٌ عند المؤلف في (الأضاحي) و(الحج)، كما بسطه هنا في «عمدة القاري».\n (قال) ﵇ (فإنَّ دماءكم)؛ أي: سفك دمائكم بغير حق، (وأموالكم)؛ أي: أخذها بغير حق، (وأعراضَكم) جمع عِرْض؛ بكسر العين: موضعُ المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه، أو أصله، أو فرعه؛ أي: ثلب أعراضكم بغير حق (بينكم حرام) خبر (إنَّ) مرفوع، (كحرمة يومكم هذا)؛ هو يوم النحر، (في شهركم هذا)؛ هو ذو الحجة، (في بلدكم هذا)؛ هي مكة المكرمة، وإنَّما شبه الثلاثة بالثلاثة؛ لاشتهار الحرمة فيها عندهم، بخلاف الأموال، والدماء، والأعراض؛ فإنَّهم في الجاهلية كانوا يستبيحونها، وما قاله ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».\n (ليبلغِ)؛ بكسر الغين المعجمة؛ لأنَّه أمرٌ، ولكنَّه لما وصل بما بعده حرك بالكسر؛ لأنَّه الأصل، (الشاهد)؛ أي: الحاضر في المجلس، (الغائب) عنه، والمراد: إمَّا تبليغ القول المذكور أو تبليغ جميع الأحكام.\n (فإن الشاهد عسى أن يبلِّغَ) في محلِّ رفع خبر (إنَّ)، (مَنْ)؛ أي: الذي، (هو أوعى)؛ أي: أفهم، (له)؛ أي: للحديث، (منه) صلة لأفعل التفضيل، أعني قوله: (أوعى)، وإنَّما فصل بينهما بقوله: (له)؛ لأنَّ الظروف يُتوسَّع فيها ما لا يُتوسَّع في غيرها.\nويؤخذ من الحديث وجوبُ تبليغ العلم على العالم، وأنَّ حامل الحديث يجوز الأخذ عنه وإن كان جاهلًا بمعناه، وجوازُ القعود على ظهر الدواب، كما مرَّ، وأنَّ الخطبة تكون على موضع عالٍ، ومساواةُ المال والدموالعرض في الحرمة، وفيه الحث على التأدُّب مع الكبير؛ حيث يسألهم فيقولون: اللهُ ورسولُه أعلم، ﵃ أجمعين.\n_________\n(^١) في الأصل: (يؤذي).\n (^٢) في الأصل: (بخضامها).","vol":"1","page":23},{"text":"<span id=\"b-١٣١\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-131>[باب العلم قبل القول والعمل]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين، وهو ساقط في رواية، (العلم قبل القول والعمل) يعني: أنَّ الشيء يُعلم أولًا ثم يُقال ويُعمل به، فالعلم مقدَّم عليهما بالذات وبالشرف؛ لأنَّه عمل القلب، وهو أشرف أعضاء البدن، (لقول الله تعالى)، وللأصيلي: (﷿): (﴿فَاعْلَمْ﴾)؛ أي: يا محمد، (﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فبدأ) الله تعالى (بالعلم) أولًا ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، وهو قول وعمل، والخطاب وإن كان للنبي الأعظم ﵇، لكنَّه عامٌّ متناولٌ لأمَّته، والأمر للدوام، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب: ١]؛ أي: دُمْ على التقوى.\n (وأنَّ العلماء) يجوز في (أنَّ) فتح همزتها عطفًا على سابقه وكسرُها على الحكاية، (هم ورثة الأنبياء) ﵈؛ أي: مسميين بذلك، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا (^١) مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]؛ أي: وهم العلماء (وَرَّثوا)؛ بفتح الواو مع تشديد الراء المفتوحة؛ أي: الأنبياء، أو بفتح الواو مع كسر الراء المخففة؛ أي: العلماء، ويجوز ضم الواو وتشديد الراء المكسورة أيضًا؛ أي: العلماء، وما قاله ابن حجر فليس بصحيح، كما نبَّه عليه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (العلم، مَن أخذه أخذ) من ميراث النبوة (بحظ)؛ أي: نصيبٍ (وافر)؛ أي: كثير كامل، وهذا قطعة من حديث أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي الدرداء: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا؛ سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتَها رضًىلطالب العلم، وإنَّ العالم تستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنَّما ورثوا العلم، فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» اهـ، وتُكُلِّم في سنده كما هو مبسوطٌ في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (ومن سلك طريقًا) حال كونه (يطلب به)؛ أي: السالك، على حدِّ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، (علمًا) نكَّره؛ ليتناول العلوم الدينية، وليشمل الكثير والقليل، (سهَّل الله له طريقًا)؛ أي: في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفِّقَه للأعمال الصالحة الموصلة (إلى الجنة)، أو هو بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأنَّ طلبه موصل إلى الجنة.\nوفي «مسند الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبير قال: قال رسول الله ﷺ: (ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يأخذ بالعجب؛ لصافحته الملائكة معاينة، ولكن يأخذ بالعجب ويريد أن يقهر مَن هو أعلم منه).\nوهذه الجملة التي ساقها المؤلف أخرجها مسلم من حديث الأعمش، عن أبي صالح، والترمذي، وقال: حسن، ولم يقل: صحيح؛ لتدليس الأعمش، لكن في رواية مسلم عن الأعمش: (حدثنا أبو صالح)، فانتفت تهَمة تدليسه، كما بسطه في «عمدة القاري».\n (وقال) الله (جلَّ ذكره)، وفي رواية: (جلَّ وعزَّ): (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ﴾)؛ أي: يخافه، (﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾)؛ أي: من علم قدرته وسلطانه، (﴿العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨])، قاله ابن عباس، وقرئ: برفع الجلالة ونصب ﴿العُلَمَاءُ﴾، وهي قراءة الإمام الأعظم وعمر بن عبد العزيز ﵄؛ لأنَّ الخشية فيها تكون استعارة، والمعنى: إنَّما يُجِلُّهم ويعظِّمُهم.\nومن لوازم الخشية التعظيم، فيكون من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، فإن قلت: خشية الله مقصورة على العلماء بقضية كلام هذه الآية، وقد ذكر الله أيضًا: أنَّ الجنة لمن يخشى وهو: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، فيلزم من ذلك ألَّا تكون الجنةُ إلَّا للعلماء خاصَّةً.\nأجاب شيخ الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأنَّ المراد من العلماء الموحِّدون، وأنَّ الجنة ليست إلَّا للموحدين الذين يخشون الله تعالى؛ أي: يخافونه (^٢)، ومَنِ ازداد علمًا؛ ازدادَ مِنَ الله خوفًا، وفي الحديث: «أعلمُكم بالله أشدُّكم له خشيةً»، وقال ﵇ أيضًا: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له».\n (وقال) الله تعالى: (﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾)؛ أي: الأمثال المضروبة، (﴿إِلَّا العَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]) الذين يعقلون عن الله تعالى، وروى جابر: أنَّ النبي الأعظم قرأ هذه الآية قال: «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه»، (﴿وَقَالُوا﴾)؛ أي: الكفَّار حين دخولهم النار: (﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾) الإنذار سماع قبول للحق، وإنَّما حذف المفعول؛ لأنَّه كالفعل اللازم، (﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾) كلامَ الرسل عقلَ متأملين، (﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١])؛ أي: في جملتهم في النار، والمراد من (العقل) هنا: العلم؛ لأنَّهم تمنَّوا أن لو كان لهم عقل؛ لما دخلوا النار، وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: «أنَّ لكل شيء دِعامة، ودِعامة المؤمن عقلُه، فبقدر ما يعقل يعبد ربَّه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا...﴾؛ الآية».\nوروى أنس مرفوعًا: «أنَّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنَّما يرتفع العباد غدًا في الدرجات وينالون الزلفى من ربِّهم على قدر عقولهم».\n (وقال) الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ (﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]) نفى المساواة بين العلم والجهل، فيقتضي نفي المساواة أيضًا بين العالم والجاهل، وفيه مدح للعلم وذم الجهل.\n (وقال النبي) الأعظم (ﷺ) فيما أخرجه ابن أبي عاصم بهذا اللفظ في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن أبيه مرفوعًا بإسناد حسن، ووصله المؤلف بعد بابين (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)، وفي رواية: (يفهِّمه)؛ بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم، فالفقه لغة: الفهم، قال تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨]؛ أي: يفهموا، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به يسمى فقيهًا، («وإنما العلم بالتعَلُّم»)؛ بفتح العين وتشديد اللام المضمومة، وفي رواية: (بالتعلِيم) بكسر اللام وبالمثناة التحتية.\nوليس هذا من كلام المؤلف، كما قاله الكرماني؛ بل هو حديث أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية، ولفظه: «يا أيها الناس؛ تعلموا العلم، إنَّما العلم بالتعلُّم، والفقه بالتفقه، ومَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» إسناده حسن، ورواه أبو نعيم من حديث أبي الدرداء، ولفظه: «إنَّما العلم بالتعلُّم، وإنَّما الحلم بالتحلُّم، ومَن يتحرَّ الخير؛ يعطَه»؛ فافهم.\n (وقال أبو ذر) جندب بن جنادة الغفاري فيما وصله الدارمي في «مسنده» وغيره من حديث أبي مرثد، كما بسطه في «عمدة القاري»، وذلك لما قال له رجل والناس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنهَ عن الفُتيا؟ وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشام في تأويل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذرٍّ: نزلت فينا وفيهم، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذرٍّ، وحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة؛ بفتح الراء المهملة، والباء الموحدة، والذال المعجمة، إلى أن مات: (أرقيبٌ أنت عليَّ؟) (لو وضعتم الصمصامة)؛ بالمهملتين، الأولى مفتوحة؛ أي: السيف الصارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد، (على هذه، وأشار) بقوله: (هذه) (إلى قفاه)، وفي رواية: (إلى القفا) وهو مقصور: مؤخَّرُ العنق، يُذَكَّر ويؤنَّث، (ثم ظننت أنَّي أُنْفِذ)؛ بضم الهمزة، وكسر الفاء، آخره معجمة؛ أي: أقدر على إنفاذ، (كلمة)؛ أي: تبليغها، (سمعتها من النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ قبل أن تُجِيزوا)؛ بضم المثناة فوق، وكسر الجيم، وبعد التحتية زاي معجمة، الصمصامة (عليَّ)؛ أي: على قفاي؛ أي: قبل أن تقطعوا رأسي، (لأنفذتها)؛ بفتح الهمزة والفاء وإسكان الذال المعجمة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا؛ حرصًا على تعليم العلم لطلب الثواب، ولأمر النبي ﵇ بالتبليغ عنه، وللوعيد في حقِّ الكتمان.\nوزاد في رواية: (وقول النبي ﷺ: «ليبلغ الشاهد الغائب») وتقدم قريبًا، وفيه دليل على أنَّ أبا ذرٍّ كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا، و(لو) هنا لمجرَّد الشرط كـ (إن) من غير ملاحظة الامتناع، أو المراد: أنَّ الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أولى، كقوله: نِعْمَ العبد صهيب لو لم يخفِ الله؛ لم يعصه.\nوفيه جواز الشِّدَّة وتحمُّل الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى، كما قال أبو هريرة: (لو حدثتكم بكل ما في جوفي؛ لرميتموني بالبعر)، قال الحسن: صدق، وأراد بذلك ما يتعلَّق بالفتن ممَّا لا يتعلَّق بذكره مصلحةٌ شرعية، وإلَّا لما كتمه، وسيأتي في محلِّه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.\n (وقال ابن عباس) رضي الله عنهمافيما وصله ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن، (﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨٩])؛ أي (حلماء) جمع حليم؛ باللام وضم الحاء المهملة؛ وهو الطمأنينة عند الغضب، (فقهاء) جمع فقيه؛ وهو العالم بالأحكام الشرعيَّة العلميَّة من أدلتها التفصيليَّة، وفي رواية: (حكماء) جمع حكيم، وهي الفقه في الدين، وقيل: صحة القول، والعقد، والفعل، (علماء) جمع عالم، وهذا تفسيره.\nوقال في «عمدة القاري»: (الرباني\n_________\n(^١) في الأصل: (اصطفيانهم).\n (^٢) في الأصل: (يخافوه).","vol":"1","page":23},{"text":"منسوب إلى الرب، وأصله: «ربي»، فزيدت فيه الألف والنون؛ للتأكيد والمبالغة في النسبة، العالي الدرجة في العلم بأن يكون عالمًا ومعلمًا، وإنَّما سمِّي العلماء ربانيين؛ لأنَّهم يربون العلم؛ أي: يقومون به)، وتمامه فيه.\nوقال المؤلف حكاية عن بعضهم: (ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره)؛ أي: بجزئيات العلم قبل كلياته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بمقدماته قبل مقاصده، وإنَّما لم يذكرِ المؤلف حديثًا موصولًا في هذا الباب؛ إمَّا أنه لم يثبت عنده بشرطه أو اكتفى بما ذكره تعليقًا؛ لأنَّ المقصود من الباب بيان فضيلة العلم، ويُعلم ذلك من المذكور آية، وحديثًا، وإجماعًا سكوتيًا من الصحابةرضي الله عنه، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-١٣٢\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-132>[باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة]</span>\nهذا (باب ما كان)؛ أي: باب كون، (النبي) الأعظم (ﷺ) فـ (الباب) مضاف إلى الجملة بعدَه، و(ما) مصدريَّة، (يتخولهم)؛ بالخاء المعجمة واللام؛ أي: يتعهدهم، والمراد: أصحابهرضي الله عنهم، (بالموعظة) بالنصح والتذكر بالعواقب، (والعلم) من عطف العام على الخاص، وذكره الموعظة؛ لكونها مذكورة في الحديث، وأمَّا العلم؛ فاستنباطًا، (كي لا يَنفِروا)؛ أي: لئلا يملُّوا عنه ويتباعدوا منه؛ بفتح المثناة التحتية وكسر الفاء.\n\n <span id=\"b-١٣٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-133>[حديث: كان النبي يتخولنا بالموعظة في الأيام]</span>\n٦٨ - وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفِريابي؛ بكسر الفاء، وسكون الراء بعدها مثناة تحتية وبعد الألف موحدة، نسبة إلى فِرياب؛ مدينة من نواحي بلْخ، أبو عبد الله الضَّبِّيُّ؛ بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة، المتوفى في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومئتين.\nوقال الكرماني: هو محمد بن يوسف البيكنديُّ، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه وهم؛ لأنَّ المؤلف حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به إلَّا الفِريابي وإن كان يروي عنِ البيكندي؛ فليحفظ.\n (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا)، (سفيان) هو الثوري، (عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الكوفي، وفي رواية: (أحمد عن الأعمش قال: سمعت شقيقًا)، وعند المؤلف في (الدعوات): (قال الأعمش: حدثنا شقيق)، فانتفت تهَمة تدليس الأعمش؛ فليحفظ.\n (عن ابن مسعود) عبد الله ﵁ أنَّه (قال: كان النبي) الأعظم (ﷺ يتخوَّلنا) جملة محلُّها النصب خبر (كان)؛ بالخاء المعجمة واللام؛ أي: يتعهدنا؛ أي: يراعي الأوقات في التذكير ولا يفعله كل يوم، وفي رواية: (يتخوننا) بالنون موضع اللام؛ أي: يتعهدنا، وفي رواية: (يتحولهم)؛ بالحاء المهملة؛ أي: يطلب أحوالهم التي ينشَطون فيها للموعظة، وصوَّبها أبو عمرو الشيباني، وتمامه في «عمدة القاري».\n (بالموعظة في الأيام) صفة لـ (الموعظة)؛ أي: أنَّه يعظهم في أوقات معلومة، ولم يكن يستغرق الأوقات، (كراهةَ) بالنصب مفعول له؛ أي: لأجل كراهة (السآمة) بالمدِّ؛ أي: الملالة من الموعظة، (علينا)، وفي رواية: (كراهية) بزيادة مثناة تحتية، والجارُّ والمجرور إمَّا متعلِّق بـ (السآمة) على تضمين (السآمة) معنى المشقَّة؛ أي: كراهة المشقَّة علينا، وإمَّا صفة؛ أي: كراهة السآمة الطارئة علينا، وإمَّا حالٌ (^١)؛ أي: كراهة السآمة حال كونها طارئة علينا، وإمَّا يتعلَّق بمحذوف؛ أي: كراهة السآمة شفقةً علينا، أفاده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٣٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-134>[حديث: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا]</span>\n٦٩ - وبه قال: (حدثنا محمد بن بَشَّار)؛ بفتح الموحدة وتشديد المعجمة: ابن عثمان بن داود، أبو بكر الملقب ببُنْدار؛ بضم الموحدة، وإسكان النون، وبالدال المهملة: العبدي نسبة إلى عبد مضر بن كِلاب البصري، المتوفى في رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين عن خمس وثمانين سنة.\n (قال: حدثنا يحيى) وفي رواية: (ابن سعيد)؛ أي: القطَّان الأحول، (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (قال: حدثني) بالإفراد، (أبو التَّيَّاح)؛ بفتح المثناة الفوقية، وتشديد المثناة التحتية، آخره مهملة: يزيد بن حُميد؛ بالتصغير، الضُّبَعي؛ بضم المعجمة وفتح الموحدة، نسبةً إلى ضُبَعة بن يزيد، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة.\n (عن أنس)؛ أي: ابن مالك، كما في رواية، (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: يسِّروا) أمرٌ من اليسر نقيض العسر؛ أي: سهل، والجملة مقول القول، (ولا تعسِّروا) نهيٌ، من عسَّر تعسيرًا، لا يقال: الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده؛ لأنَّ المقصود التصريح بما لزم ضمنًا للتأكيد، ولو اقتصر على (يسِّروا) وهو نكرة؛ لصدق ذلك على مَن يسَّرَ مرَّةً وعسَّرَ في معظم الحالات، فإذا قال: ولا تعسِّروا؛ انتفى التعسير في جميع الحالات من جميع الوجوه.\n (وبشِّروا) أمرٌ مِن البشارة؛ وهي: الإخبار بالخير، نقيض النذارة؛ وهي: الإخبار بالشَّرِّ، (ولا تُنَفِّروا) نهيٌ مِن نفَّر بالتشديد؛ أي: بشِّروا المؤمنين أو الناس بفضل الله وسَعَة رحمته، ولا تُنَفِّروهم بذكر عِقابه وعذابه الأليم.\nلا يقال: كان المناسبُ أن يقال بدل (ولا تُنَفِّروا): (ولا تُنْذِروا)؛ لأنَّ الإنذار نقيض التبشير لا التنفير؛ لأنَّا نقول: المقصود من الإنذار التنفير، فصرح بما هو المقصود منه.\nلا يقال: إنَّه كان يقتصر على قوله: (ولا تعسِّروا ولا تُنفِّروا)؛ لأنَّا نقول بعموم (^٢) النكرة في سياق النفي؛ لأنَّه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير، ولا من عدم التنفير ثبوت التبشير (^٣)، فجمع بين هذه الألفاظ؛ لثبوت هذه المعاني، ولأنَّ المحلَّ محلُ إطناب لا اختصار.\nوبين (يسِّروا) وبين (بشِّروا) الجناس الخطي، والجناس بين اللفظين تشابههما في اللفظ، وهذا من الجناس التام المتشابه، وهو باب من أنواع البديع الذي يزيد في الكلام البليغ حُسْنًا وطلاقة، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٣٥\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-135>[باب من جعل لأهل العلم أيامًا]</span>\n\nهذا (باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة) بالجمع في الأول والإفراد في الثاني، وفي رواية: بالجمع فيهما، وفي آخر: بالإفراد فيهما، و(باب) خبرٌ لمبتدأ محذوف ومضافٌ لما بعده.\n <span id=\"b-١٣٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-136>[حديث: كان عبد الله يذكر الناس كل خميس]</span>\n٧٠ - وبه قال: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن إبراهيم ابن أبي شيبة بن خواستي؛ بضم المعجمة، وبعد الألف سين مهملة، ثم تاء مثناة فوقية: أبو الحسن العبسي الكوفي، المتوفى لثلاث بقين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومئتين.\n (قال: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط بن هلال الضبي الكوفي، المتوفى سنة ثمان وثمانين ومئة، وقيل: سبع، (عن المنصور) بن المعتمر بن عبد الله، الممتنع من تولي القضاء، الصائم أربعين سنة مع قيام ليلها، المتوفى سنة ثلاث أو اثنين وثلاثين ومئة، وعمش من البكاء.\n (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه (قال: كان عبد الله) بن مسعود ﵁، (يُذَكِّر الناس) جملةٌ محلها النصب خبر (كان)، (في كل) يوم (خميس، فقال له)؛ أي: لابن مسعود (رجل)، قال في «عمدة القاري»: إنَّه يزيد بن عبد الله النخعي: (يا أبا عبد الرحمن) هو كنية عبد الله بن مسعود، (لَوددتُ) اللام: جواب قسم محذوف؛ أي: والله لَأحببتُ، (أنَّك)؛ بفتح الهمزة؛ لأنَّه مفعول، (ذكَّرتنا) بتشديد الكاف، محلُّه الرفع خبر (أنَّ)، (كل يوم) منصوبٌ على الظرفية؛ أي: في كلِّ يوم، (قال) عبد الله: (أَمَا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف الميم: حرفُ استفتاح بمنزلة (أَلَا)، وتكثر قبل القسم، أو بمعنى: حقًّا، وما قاله الكرماني أنَّها حرف تنبيه ردَّه في «عمدة القاري»، (إنَّه)؛ بكسر الهمزة، والضمير فيه للشأن، أو بفتحها على أنَّ (أَمَا) بمعنى: حقًّا، (يمنعني) فعل ومفعول، (من ذلك)؛ أي: الذكر كل يوم، (أنِّي)؛ بفتح الهمزة: فاعل (يمنعني)، (أكره) جملةٌ محلها الرفع خبر (أنَّ)، (أنْ أُمِلَّكم)؛ بضم الهمزة، وكسر الميم، وتشديد اللام المفتوحة، و(أنْ) مصدريَّة؛ أي: أكره إملالكم وضجركم، (وإنِّي)؛ بكسر الهمزة، (أتخوَّلُكم)؛ بالخاء المعجمة، جملةٌ محلها الرفع خبر (إنَّ)؛ أي: أتعهدكم، (بالموعظة كما) الكاف: للتشبيه و(ما) مصدريَّة، (كان النبي) الأعظم (ﷺ يتخوَّلنا)؛ أي: يتعهدنا (بها)؛ أي: بالموعظة، (مخافةَ السآمة علينا) يتعلَّق بـ (المخافة) أو يتعلَّق بـ (السآمة)، وفيه من الاقتداء بالنبي الأعظم ﷺ والمحافظة على سنته.\n\n <span id=\"b-١٣٧\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-137>[باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين]</span>\nهذا (باب) بالتنوين (مَن) موصولة؛ أي: الذي (يُرِدِ الله به خيرًا) بالنصب مفعول (يُرِد) المجزوم؛ لأنَّه فعل الشرط؛ لأنَّ الموصول متضمِّنٌ معنى الشرط، وكُسِرَ؛ لالتقاء الساكنين، وجواب الشرط (يفقهْه)؛ بسكون الهاء، (في الدين)، وفي رواية: سقط قوله: (في الدين).\nوالفقه لغةً: الفَهْم، يقال: فُقِه الرجل بالكسر: إذا فهم، وبالضم: إذا صار فقيهًا، ثم خُصَّ بعلم الشريعة؛ لأنَّه مستنبط من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، فيقال فيه اصطلاحًا: العلمُ بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة من أدلتها التفصيليَّة.\n\n <span id=\"b-١٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-138>[حديث: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين]</span>\n٧١ - وبه قال: (حدثنا سعيد بن عُفَير)؛ بضم\n_________\n(^١) في الأصل: (حالًا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (لعموم).\n (^٣) في الأصل: (ولا من عدم التعسير ثبوت التيسير).","vol":"1","page":24},{"text":"العين المهملة، وفتح الفاء، وسكون المثناة التحتية، آخره راء، ابن كثير المصري، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا ابن وهب)؛ بسكون الهاء، واسمه عبد الله بن وهب بن مسلم المصري أبو محمد القرشي الفهري، المتوفى بمصر سنة سبع وتسعين ومئة، لأربع بقين من شعبان.\n (عن يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (قال: قال حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف، وحاء (حُميد) مضمومة، وفي رواية: (حدثني- بالإفراد- حُميد بن عبد الرحمن قال): (سمعت معاوية) بن أبي سفيان، صخر بن حرب الأموي كاتب وحي رسول الله ﷺ، ومناقبه كثيرة جمَّة، توفي في رجب سنة ستين عن ثمان وسبعين سنة؛ أي: سمعت قولَه حالَ كونِه (خطيبًا) حالَ كونِه (يقول: سمعت النبي) الأعظم، وفي رواية: (سمعت رسول الله) (ﷺ)؛ أي: كلامَه حالَ كونِه (يقول: مَن يُرِدِ الله) ﷿؛ بضمِّ المثناة التحتية وكسر الراء، من الإرادة وهي صفة مخصِّصةٌ لأحد طرفي المقدور بالوقوع، (به خيرًا)؛ أي: جميع الخيرات، أو خيرًا عظيمًا، و(مَن) موصولة تتضمَّن معنى الشرط، و(يُرِد) فعل الشرط، وجزاؤه (^١) قوله: (يفقهْه)؛ بسكون الهاء؛ أي: يجعله فقيهًا (في الدين) والفقه (^٢) لغةً: الفَهْم، ولا يناسب هنا إلَّا المعنى اللغوي؛ ليتناول فهم كلِّ علم من علوم الدين، وإنَّما نكَّر (خيرًا)؛ لفائدة التعميم؛ لأنَّ النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي فتعمُّ، والتنوين فيه للتعظيم، أو التنكير للتعظيم.\n (وإنَّما أنا قاسم)؛ أي: أقسم بينكم بتبليغ الوحي، و(إنَّما) أداة حصر، و(أنا) مبتدأ، و(قاسم) خبرُه، وقوله: (والله يعطي) مبتدأ وخبره، والجملة: حال؛ أي: يعطي كل واحد منكم من الفهم على قدر ما تعلقت به إرادته تعالى، فالتفاوت في أفهامكم منه تعالى، وهنا كلام طويل يُطلب من «شرح الشيخ الإمام بدر الدين العيني» رحمه الله تعالى.\nفإن قلت: الحصر بـ (إنَّما) مع أنَّه ﵇ له صفات أخرى سوى قاسم.\nأُجيب: بأنَّ هذا ورد ردًّا على مَن يعتقد أنَّه ﵇ يعطي ويقسم، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السامع، لا كل صفة من الصفات، وفيه حذف المفعول.\n (ولن تزال هذه الأمة قائمة) (لن): ناصبة للنفي، و(تزال): من الأفعال الناقصة، و(هذه الأمة) جملة اسمية: اسمُها، و(قائمة) بالنصب: خبرُها، (على أمر الله)؛ أي: على الدين الحق، (لا يضرهم من)؛ أي: الذي، (خالفهم حتى يأتي أمر الله) والجملة حال، و(حتى) غاية لقوله: (لن تزال).\nأراد بهذا أنَّ أمَّتَه آخرُ الأمم وأنَّ عليها تقوم الساعة وإنْ ظهرتْ أشراطُها وضعف الدين، فلا بُدَّ أن يبقى من أُمَّتِه مَن يقوم به، وقوله ﵇: «لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحدٌ: الله الله»، وقوله: «لا تقوم الساعة إلَّا على أشرار الخلق» إنَّما ذلك عند القيامة، وبيانه ما جاء في حديث أبي أمامة أنَّه ﵇ قال: «لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خالفهم»، قيل: وأين هم يا رسول الله؟ قال: «ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس»، قال إمامنا الإمام الأعظم والإمام المؤلف: هم أهل العلم.\nوفي الحديث: دلالة على حجة الإجماع، وفيه: فضل الفقه في الدين على سائر العلوم؛ لأنَّ عليه مدار الأحكام، وفيه: فضل العلماء على سائر الناس، وفيه: إخباره ﵇ بالمغيَّبات، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٣٩\"> </span>(١٤) <span data-type=\"title\" id=toc-139>[باب الفهم في العلم]</span>\nهذا (باب الفهم)؛ بسكون الهاء وفتحها لغتان، (في العلم)؛ أي: العقل والمعرفة، كذا فسَّره الليث، وفسَّر (الفهم) بالعلم ابن حجر والبِرماوي تبعًا للكرماني، وهو غير صحيح، كما بسطه الشيخ الإمام بدر الدين العيني رحمه الله تعالى؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٤٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-140>[حديث: إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم]</span>\n٧٢ - وبه قال: (حدثنا علي) وفي رواية: (ابن عبد الله)؛ أي: المديني، المتوفى في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومئتين، (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عُيينة، (قال: قال لي ابن أبي نَجيح)؛ بفتح النون: هو عبد الله بن يسار المكي، قيل: يُرمَى بالقدر، لكن وثَّقه أبو زرعة وغيره، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئة، وفي «مسند الحميدي»: (عن سفيان حدثني ابن أبي نَجيح)، (عن مجاهد) هو ابن جَبْر؛ بفتح الجيم وسكون الموحدة، وقيل: جُبير؛ بالتصغير، المخزومي الإمام المتفق على جلالته وتوثيقه، المتوفى سنة مئة، (قال: صحبت ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (إلى المدينة)؛ أي: مدينة النبي الأعظم ﵇، (فلم أسمعه) حال كونه (يحدث عن رسول الله ﷺ إلَّا حديثًا واحدًا) أراد به الحديث الذي بعده متصلًا به، (قال: كنا)، وفي رواية: بإسقاط لفظ (قال)، (عند النبي) الأعظم (ﷺ) في مجلسٍ، (فأُتي)؛ بضم الهمزة، (بجُمَّار)؛ بضمِّ الجيم وتشديد الميم، وهو شحم النخيل.\n (فقال) ﵇: (إنَّ من الشجر) كل ما له ساق من نبات الأرض، (شجرةً) بالنصب اسم (إنَّ)، وخبرُها الجار والمجرور، و(مِن) للتبعيض، (مَثَلها كمَثَل)؛ بفتح الميم والمثلثة فيهما؛ أي: صفُتها العجيبة كصفة (المسلم) في النفع، قال ابن عمر: (فأردتُ أن أقول) في جواب قول الرسول ﷺ: «حدثوني ما هي؟»، كما صرّح به في رواية، (هي النخلة) مبتدأٌ وخبرُه، والجملة مقول القول، (فإذا أنا أصغر القوم)، (ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان)، كما في رواية، (فسكتُّ)؛ بضمِّ التاء على صيغة المتكلِّم؛ تعظيمًا لهما.\n (قال)، وفي رواية: (فقال)، (النبي) الأعظم (ﷺ: هي النخلة) مبتدأ وخبره، والجملة مقول القول، ووجه المناسبة في الحديث للترجمة من كون ابن عمر لما ذَكر النبيُّ ﵇ المسألة عند إحضار الجُمَّار إليه؛ فَهِم أنَّ المسؤول عنه النخلة، بقرينة الإتيان بجُمَّارها، وبقية (^٣) مباحثه تقدمت مرارًا؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٤١\"> </span>(١٥) <span data-type=\"title\" id=toc-141>[باب الاغتباط في العلم والحكمة]</span>\nهذا (باب الاغتباط في العلم والحكمة) الاغتباط: افتعال من الغبطة، وهي: أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، والحسد: أن يتمنى زوال ما فيه، والحكمة: معرفة الأشياء على ما هي عليه، فهي مرادفة للعلم، فالعطف عليه من باب العطف التفسيري.\n (وقال عمر) بن الخطاب (﵁) فيما أخرجه أبو عمرو بإسناد صحيح من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه، وأخرجه الخوزي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، كما بسطه في «عمدة القاري»: (تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا)؛ بضمِّ المثناة الفوقيَّة، وفتح السين المهملة، وتشديد الواو؛ أي: قبل أن تصيروا (^٤) سادة، وتعلموا العلم ما دُمتُم صغارًا قبل السيادة والرئاسة؛ لأنَّ مَن سوَّده الناس يستحي أن يَقعُد مقعد المتعلِّم؛ خوفًا على رئاسته عند العامة، فيبقى على جهله، وقيل: معناه: قبل أن تتزوَّجوا، وقيل: معناه: قبل أن تَسْوَدَّ لحيتكم، والمعنى الأول أعم، وتمامه في «عمدة القاري».\nوفي رواية الكشميهني زاد قوله: (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، وفي رواية: (قال محمد بن إسماعيل)؛ أي: المؤلف: (وبعد أن تُسَوَّدوا)؛ بضمِّ المثناة الفوقيَّة، وفتح السين المهملة، وتشديد الواو، عطف على قول عمر ﵁؛ أي: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا وتفقهوا بعد أن تُسَوَّدوا؛ أي: بعد أن تصيروا سادةً كبارًا؛ لأنَّه لا يجوز ترك التفقه بعد السيادة إذا فاته قبلَها حتى يمضي عمره باشتغاله في العلم لينال الشهادة الواردة في الأحاديث الجمَّة.\nويدل لذلك أيضًا: أنَّ المؤلف أكَّد ذلك بقوله: (وقد تعلَّم أصحاب النبي) الأعظم (ﷺ) العلم (في كبر سنهم)؛ لأنَّ الناس الذين آمنوا بالنبي ﵇ وهم كبارٌ ما تفقَّهوا إلَّا في كبر سنهم، وما ذكره الكرماني وتبعه القسطلاني كلُّه تعسُّفٌ وخروجٌ عن مقصود المؤلف، مع ما فيه من التكلف الذي لا حاجة إليه، كما نبَّه عليه الشيخ الإمام بدر الدين العيني رضي الله تعالى عنه ونفعنا به في الدارين؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٤٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-142>[حديث: لا حسد إلا في اثنتين]</span>\n٧٣ - وبه قال: (حدثنا الحُميدي)؛ بضم الحاء المهملة: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عبس المكي، المتوفى سنة تسع عشرة ومئتين، (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عُيينة، (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (إسماعيل بن أبي خالد على غير ما)؛ أي: على غير اللفظ الذي، (حدَّثَناهُ الزهريُّ) محمد بن مسلم بن شهاب، المسوق روايته عند المؤلف في (التوحيد)، يعني: أنَّ ابن عُيينة ذكر أنَّ الزهريَّ حدَّثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدَّثه به إسماعيل، [و] (الزهريُّ) بالرفع فاعلُ (حدَّث)، و(نا) مفعولُه، والضمير يرجع إلى الحديث.\nوالغرض من هذا: الإشعارُ بأنَّه سمع ذلك من إسماعيل على وجهٍ غير الوجه الذي سمع من الزهري، إمَّا مغايرةً في اللفظ أو في الإسناد أو غير ذلك، وفائدته: التقوية والترجيح بتعداد الطرق، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الروايتين وما بينهما من التخالف\n_________\n(^١) في الأصل: (جزاءه).\n (^٢) في الأصل: (والفهم).\n (^٣) في الأصل: (وبقيته).\n (^٤) في الأصل: (تصير).","vol":"1","page":24},{"text":"في اللفظ.\n (قال)؛ أي: إسماعيل بن [أبي] خالد، (سمعت قيس بن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي، (قال: سمعت عبد الله بن مسعود) ﵁؛ أي: كلامَه حالَ كونِه (قال: قال النبي) الأعظم (ﷺ: لا حسدَ)، فـ (لا) لنفي الجنس، و(حسد) اسمه مبني على الفتح، وخبرُه محذوف؛ أي: جائز، (إلَّا في اثنتين) بتاء التأنيث؛ أي: خصلتين، وللمؤلف: (اثنين) بغير تاء؛ أي: شيئين (رجلٌ) بالرفع على تقدير: إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المضاف اكتسب المضاف إليه إعرابَه، والنصب على إضمار (أعني رجلًا)، وهي رواية ابن ماجه، والجرُّ على أنَّه بدل من (اثنين) (^١)، وعلى رواية (اثنتين) بالتاء؛ فهو بدل أيضًا على تقدير حذف المضاف؛ أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ (اثنتين) معناه: خصلتين، كما مر، (آتاه الله) بالمدِّ؛ أي: أعطاه (مالًا) من الحلال (فسُلِّط) بضمِّ السين، وفي رواية: (فسلَّطه) بالهاء، وعبَّر بـ (سلَّط)؛ ليدُلَّ على قهر النفس المجبولة على الشُّحِّ (على هلَكَته) بفتح اللام والكاف؛ أي: إهلاكه (في الحق) لا في التبذير.\n (ورجلٌ) بالأوجه الثلاثة (آتاه الله) بالمدِّ أيضًا؛ أي: أعطاه، (الحكمة)؛ أي: القرآن، كما في حديث أبي هريرة: «لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه- وفي رواية: ينفقه- في الحق»، (فهو يقضي بها) بين الناس، (ويعلمها) لهم، أطلق الحسد وأراد الغبطة، من باب إطلاق اسم المسبب على السبب، ومعنى الحسد هنا: شدة الحرص والرغبة، كنَّى بالحسد عنهما؛ لأنَّهما سببه والداعي إليه، ولهذا سماه المؤلف اغتباطًا، ويدُلُّ له ما ذكره المؤلف في (فضائل القرآن) من حديث أبي هريرة ولفظه: «فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل»، فلم يتمنَّ السلب، وإنَّما تمنَّى أن يكون مثلَه، وقد تمنَّى ذلك الصالحون والأخيار.\nوفيه قول بأنَّه تخصيصٌ لإباحة نوع من الحسد، وإخراجٌ له عن جملة ما حُظر منه، كما رُخِّص في نوع من الكذب وإن كانت جملتُه محظورة، فالمعنى: لا إباحة في شيء من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله؛ أي: لا حسد محمودٌ إلَّا هذا، وقيل: إنَّه استثناء منقطع بمعنى: لكن في اثنين، وإذا أنعم الله على أخيك نعمةً فكرهتها وأحببتَ زوالَها فهو حرام، إلَّا نعمة أصابها كافر، أو فاجر، أو مَن يستعين بها على فتنة أو فساد، ويُستدَلُّ بهذا الحديث على أنَّ الغنيَّ الشاكر الذي قام بشروط المال أفضلُ من الفقير الصابر، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٤٣\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-143>[باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر]</span>\nهذا (باب ما ذَكر في ذهاب)؛ بالفتح (موسى) وفي رواية زاد: (ﷺ) هو ابن عمران بن يصهر بن قاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قيل: عاش مئة وعشرين (^٢) سنة، وقيل: مئة وستين (^٣) سنة، وكانت وفاته في التيْه في سابع آذار لمضيِّ ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطُّوفان، وموسى: معرَّب موشى؛ بالشين المعجمة، سمَّته به آسية بنت مُزاحم امرأة فرعون لمَّا وجدوه في التابوت، وهو اسم اقتضاه حاله؛ لأنَّه وجد بين الماء والشجر، فـ (مو) بلغة القبط: الماء، و(شى): الشجر، فعُرِّب فقيل: موسى.\n (في البحر) خلاف البَرِّ، سُمِّي به؛ لعمقه واتِّساعه، وهو ملتقى بحر فارس والروم، وقيل: بحر المغرب وبحر الزُّقاق، فبحر فارس ينبعث من بحر الهند شمالًا، وبحر الروم: هو بحر إفريقية والشام يمتد من البحر الأخضر إلى المشرق، وبحر إفريقية: هو بحر طرابلس الغرب، وبحر الغرب: هو البحر الأخضر الذي لا يُعرف منه إلَّا ما يلي الغرب؛ لأنَّ المراكب لا تجري فيه، وبحر الزُّقاق بين طَنجة وبرِّ الأندلس.\n (إلى الخَضِر ﵉)؛ بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، وقد تسكَّن الضاد مع كسر الخاء وفتحها، واسمه بَلْيا؛ بفتح الموحدة، وسكون اللام، آخره مثناة تحتية، ويقال: إبَلْيا بزيادة الهمزة، وقيل: اسمه خضر، وقيل: أرميا، وقيل: اليسع، وقيل: عامر، والمشهور الأول، وهو ابن مَلْكان؛ بفتح الميم وإسكان اللام، ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، وقيل: خضرون بن عمائيل بن الغنز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وقيل: هو ابن حلفياء، وقيل: ابن قابيل ابن آدم، وقيل: ابن آدم لصلبه.\nوكان في زمن ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمن إبراهيم، وكان وزيره، وإنَّه شرب من ماء الحياة، والصحيح: أنَّه كان متقدِّمًا على زمن ذي القرنين.\nوهو نبيٌّ على الصحيح، وقيل: إنَّه وليٌّ، وقيل: إنَّه من الملائكة، وهو غريب، وقيل: إنَّه مرسَل، فهو نبيٌّ معمَّر محجوبٌ عن الأبصار على الصحيح، وأنَّه باق إلى يوم القيامة، قيل: لأنَّه دَفن آدم بعد خروجهم من الطوفان، فنالتْه دعوة أبيه آدم بطول الحياة، وقيل: لأنَّه شرب من عين الحياة، والقول بحياته قولُ جمهور العلماء، والصالحين، والعامة، وأنكر حياته المؤلف وغيرُه من المحدِّثين، وقيل: لا يموت إلَّا في آخر الزمان حتى يرتفع القرآن، وفي «مسلم»: (أنَّ الدجَّال يقتل رجلًا) قال الراوي: إنَّه الخَضِر.\n (فإن قلت): إنَّ الترجمة تُفيد أنَّ موسى ركب البحر لمَّا توجَّه في طلب الخَضِر، مع أنَّه ثبت عند المؤلف أنَّه خرج إلى البحر وإنَّما ركب في السفينة هو والخَضِر بعد أن التقيا.\n (أجيب): بما روى عبدُ بن حُميد عن أبي العالية: (أنَّ موسى التقى بالخَضِر في جزيرة من جزائر البحر) اهـ، والتوصُّل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلَّا بسلوك البحر، وبما رواه أيضًا من طريق الرَّبيع بن أنس قال: (انجابَ الماء عن مسلك الحوت فصار طاقة مفتوحة فدخلها موسى على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخَضِر)، فهذان الأثران الموقوفان برجال ثقات يوضِّحان أنَّه ركب البحر إليه، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (و) باب (قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾) حكايةً عن خطاب موسى الخَضِر ﵉، سأله أن يعلِّمَه من العلم الذي عنده ممَّا لم يقف عليه موسى، وكان له ابتلاءً؛ حيث لم يَكِل العلم إلى الله تعالى، وهو لا ينافي نبوَّتَه وكونَه صاحبَ شريعةٍ؛ لأنَّه راعى الأدب والتَّواضع فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له.\n (﴿عَلَى أن تُعَلِّمَنِ...﴾)؛ أي: على شرط أن تعلمني، وهو في موضع الحال من الكاف، (الآية [الكهف: ٦٦]) بالنصب على تقدير: اذكر الآية، وبالرفع على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: الآية بتمامها، وزاد الأصيلي باقي الآية؛ وهو قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]؛ أي: علمًا ذا رُشْد، وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرو وغيرُهما: بفتحهما (^٤)، وهما لغتان، وهو مفعول ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائد محذوف، وكلاهما منقول من (عَلِمَ) الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون علة لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، أو مصدرًا بإضمار فعله.\n\n <span id=\"b-١٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-144>[حديث: بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل]</span>\n٧٤ - وبه قال: (حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (محمد بن غُرَير)؛ بغين معجمة مضمومة، وراء مكررة، الأولى منهما مفتوحة، بينهما مثناة تحتية ساكنة، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو عبد الله القرشي (الزهريِّ) المدني، نزيل سمرقند.\n (قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد، أبو يوسف القرشي المدني الزهري، المتوفى ببغداد، سنة ثمان ومئتين في شوال، (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (أبي): إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو يعقوب القرشي المدني الزهري، شيخ محمد بن إدريس الشافعي (عن صالح) بن كَيسان؛ بفتح الكاف، التابعي، المتوفى وهو ابن مئة ونيف وستين سنة، ابتدأ بالتعليم وهو ابن تسعين سنة، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (حدَّث)، وفي رواية: (حدثه)، (أنَّ عُبيد الله)؛ بالتصغير، (ابن عبد الله)؛ بالتكبير، ابن عُتبة (أخبره عن ابن عباس) عبد الله ﵁، (أنَّه تمارى)؛ أي: تجادل وتنازع، (هو)؛ أي: ابنُ عباس، (والحُرُّ)؛ بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، (ابن قَيْس)؛ بفتح القاف، وسكون التحتية، آخره مهملة، (ابن حِصْن)؛ بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين، الصحابي (الفَزاري)؛ بفتح الفاء، والزاي، ثم الراء، نسبةً إلى فزارة بن شيبان (في صاحب موسى) ﵇، هل هو الخَضِر أم غيره؟ (فقال ابن عباس) ﵄: (هو خضر)؛ بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه،\n_________\n(^١) في الأصل: (اثنتين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (عشرون).\n (^٣) في الأصل: (ستون).\n (^٤) أي: فتح الراء والشين؛ أي: (رَشَدًا).","vol":"1","page":25},{"text":"وإنَّما لم يُدخل على (خضر) آلة التعريف وفي الترجمة ذكره معرَّفًا مع أنَّه عَلَمٌ؛ لأنَّ بعض الأعلام دخول التعريف عليه لازم؛ نحو: النجم والثريا، وبعضها غير لازم؛ نحو: الحارث، والخضر من هذا القسم، والعَلَم إذا لُوحظ فيه معنى الوصف؛ يجوز إدخال التعريف عليه؛ كالعباس والحسن وغيرهما، ولم يذكر مقالة الحُرِّ بن قيس، قال بعضهم: لم أقف على شيءٍ من طرق هذا الحديث، قلت: مقالته قد تمت، وما بعدها إنَّما كان قول أُبيٍّ بحضور الحُرِّ بن قيس وعبد الله بن عباس، فالحديث مقالة الجميع؛ فافهم.\n (فمر بهما)؛ أي: بابن عباس والحُرِّ بن قيس (أُبيُّ بن كعب)؛ أي: ابن المنذر الأنصاري، أقرأ هذه الأمة، المتوفى سنة تسع عشرة، وقيل: عشرين، وقيل: ثلاثين بالمدينة، كذا في «عمدة القاري»، وفي خارج باب الشرقي [في] ديارنا الشامية قبةٌ مُهابةٌ وتحتَها قبرٌ جليلٌ عظيمٌ، المشهور عند العامَّة أنَّه أُبيُّ بن كعب، يُقصد بالزيارة، والدعاءُ عنده لا يُرَدُّ؛ فتأمَّل، (فدعاه) أي: ناداه (ابن عباس) ﵄، وروي: (فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: يا أبا الطُّفيل؛ هلمَّ إلينا)، (فقال: إنِّي تماريت) أي: اختلفتُ (أنا وصاحبي هذا) الحُرُّ بن قيس، وأتى بتأكيد المعطوف عليه بالضمير المنفصل؛ لتحسين العطف، ويجوز أن ينتصب على المفعول معه، (في صاحب موسى) ﵇ (الذي سأل موسى) ربَّه، وزاد في رواية: (ﷺ) (السبيل)؛ أي: الطريق الموصل (إلى لُقِيِّه)؛ بضم اللام، وكسر القاف، وتشديد المثناة التحتية؛ أي: إلى الاجتماع معه؛ حيث قال: (ادللني اللَّهُمَّ عليه)، (هل سمعت النبي) الأعظم (ﷺ يذكر شأنه؟) جملة حالية، (قال) أُبيُّ بن كعب: (نعم؛ سمعت رسول الله)، وفي رواية: (النبي) الأعظم (ﷺ)، زاد في رواية: (يَذكر شأنَه) حالَ كونِه (يقول: بينما) بالميم (موسى) ﵇ (في ملأ) بالقصر: الجماعة أو الأشراف (من بني إسرائيل) هم أولاد يعقوب ﵇؛ لأنَّ إسرائيل هو اسم يعقوب، وأولاده اثنا عشر؛ وهم: يوسف، وبنيامين، وداني، ويفتالي، وزابلون، وجاد، ويساخر، وأشير، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وهم الذين سماهم ﴿الأسباط﴾ [البقرة: ١٣٦]، وسمُّوا بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم وَلد قبيلة، والأسباط في كلام العرب: الشجر الملتف (^١) الكثير الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل؛ كالشعوب من العجم والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل من هؤلاء المذكورين؛ (جاءه رجل) جواب (بينما)، وفي رواية: (إذ جاءه رجل)، والفصيح في جوابه ترك (إذ) و(إذا)، قال بعضهم: لم أقف على تسمية الرجل، قلت: لعلَّه جبريل جاءه بصفة رجل، كما جاء لنبينا ﵇ بصفة أعرابي؛ كما تقدَّم؛ فافهم، (فقال) لموسى ﵇: (هل تعلم أحدًا أعلم) بالنصب صفة لـ (أحد) (منك؟ قال)، وفي رواية: (فقال)، (موسى: لا) أعلم أحدًا أعلم مني، وجاء في (التفسير): «فسأل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه»؛ أي: عتب مخصوص، s) زاد الأصيلي: (﷿) (إلى موسى) ﵇: (بلَى)؛ بفتح اللام، وفي رواية: (بل)، وهي للإضراب؛ أي: أوحى الله إليه: لا تقل: لا؛ بل (عبدنا خضر) أعلم منك؛ أي: قل: الأعلم عبد خضر، وعلى هذه الرواية فالمناسب أن يقول: عبد الله أو عبدك، وأجيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عن الله تعالى، فموسى أعلم على الجملة، والعموم ممَّا لا يمكن جهل الأنبياء بشيء منه، والخضر أعلم على الخصوص ممَّا أُعلم من الغيوب وحوادث القدر ممَّا لا يعلمُ الأنبياءُ منه إلَّا ما أُعلموا من غيبه، ولهذا قال له الخضر: «إنَّك على علم من علم الله علَّمك لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه»، وهذا مثلُ قول نبينا الأعظم ﷺ: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربي»، وإنما أُلجئ موسى للخضر؛ للتأديب لا للتعليم.\n (فسأل موسى) ﵇ (السبيل) أي: الطريق الموصل (إليه)؛ أي: إلى الخضر، فقال: اللَّهُمَّ ادللني عليه، (فجعل الله له) أي: لأجله (الحوتَ) بالنصب مفعول (جعل) أول، والحوت: السمكة (آيةً)؛ أي: علامة، بالنصب مفعول ثان، (وقيل له): يا موسى؛ (إذا فقَدت)؛ بفتح القاف؛ أي: لم تجد (الحوت؛ فارجع، فإنك ستلقاه)، وذلك لمَّا قال موسى: أين أطلُبُه؟ قال تعالى له: على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل، فحيث فقدتَه؛ فهو هناك، فقيل: أخذَ سمكةً مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت؛ فأخبرني.\n (وكان) وفي رواية: (فكان) (يتَّبع)؛ بتشديد المثناة الفوقية (أثر الحوت في البحر)؛ أي: ينتظر فقدانه، فرقد موسى ﵇، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، قيل: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، فلمَّا أصاب السمكة روح الماء وبرده؛ عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء، فاستيقظ موسى وطلب من يوشع الخبز والحوت؛ ليأكل منه.\n (فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون بن إليشامع بن عميهوذ بن بارص بن بعدان بن تاجن بن تالخ بن راشف بن رافح بن بريعا بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب ﵇، و(يُوشَع)؛ بضم المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة، و(نون) مصروف كنوح، وإنَّما قال: فتاه)؛ أي: صاحبه؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ عنه العلم: (﴿أرأيت﴾)؛ أي: أخبرني، وهو مقول القول (﴿إذ﴾) بمعنى حين، وفيه حذفٌ؛ تقديره: أرأيت ما دهاني إذ (﴿أوينا﴾) أي: رقدنا (﴿إلى الصخرة﴾)؛ الحجر الكبير، وهي التي دون نهر الزيت بالمغرب، (﴿فإنِّي﴾) الفاء تفسيرية (﴿نسيت الحوت﴾)؛ أي: نسيت تفقده وما يكون منه، مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة من لقاء الخضر، (﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾)؛ أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشيطان، وإنَّما نسبه له؛ هضمًا لنفسه، فهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، أو دهش لمَّا رأى من الآيات الباهرة، (﴿قال﴾) أي: موسى: (﴿ذلك﴾) مبتدأ؛ أي: فقدان الحوت، وقوله: (﴿ما كنا نبغي﴾) خبره، و﴿ما﴾ موصولة، و﴿كنا نبغي﴾ صلتها؛ أي: ذلك الذي كنا نطلبه علامة على المقصود، (﴿فارتدا﴾) رجعا (﴿على آثارهما﴾)؛ أي: من الطريق الذي سلكاه، يقصَّان (﴿قَصصًا﴾) بالنصب على المصدرية؛ أي: يتبعان آثارهما اتِّباعًا، (﴿فوجدا﴾) [الكهف: ٦٣ - ٦٤] (خضرًا) ﵇ (فكان من شأنهما) أي: موسى والخضر (الذي قصَّ اللهُ ﷿ في كتابه)، وفي رواية: (ما قصَّ الله...) إلى آخره، من قوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٦ - ٨٣].\nوفي الحديث: جواز التماري في العلم من غير تعنُّت، وفيه: الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع، وفيه: طلب العالم الزيادة من العلم، وفيه: ندب التواضع، وفيه: حمل الزاد وإعداده في السفر، وهو لا ينافي التوكل، خلافًا لمن نفاه، وفيه: قبول خبر الواحد الصدوق، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-١٤٥\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-145>[باب قول النبي: اللهم علمه الكتاب]</span>\nهذا (باب قول النبي) الأعظم (ﷺ: اللهم علمه)؛ أي: فهِّمْه أو حفِّظْه (الكتاب)؛ أي: القرآن، والضميرُ يرجع لابن عباس؛ لتقدُّمِ ذكرِه مِن غلبته للحُرِّ بن قيس بدعائه ﵇، وهذا لفظ حديث وضعه ترجمةً على صورة التعليق، ثم ساقه مُسندًا، وهل يُقال لمثله: مرسلًا أم لا؟ فيه خلاف.\n\n <span id=\"b-١٤٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-146>[حديث: اللهم علمه الكتاب]</span>\n٧٥ - وبه قال: (حدثنا أبو مَعْمَر)؛ بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة مهملة، آخره راء، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج البصري المُقْعَد -بضم الميم، وسكون القاف، وفتح العين- المنقري القدري، الموثق من ابن معين، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري، أبو عبيدة البصري، المتوفى بها في المحرَّم سنة ثمانين ومئة (قال: حدثنا خالد) بن مهران الحذَّاء، أبو المَنازل؛ بفتح الميم، ولم يكن بحذَّاء وإنَّما كان يجلس إليهم ينظر شغلهم في النعل، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة (عن عِكرمة)؛ بكسر العين، مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني، البربري الأصل، المتوفى بالمدينة سنة خمس أو ست أو سبع أو خمس عشرة ومئة عن ثمانين سنة، (عن ابن عباس) عبد الله ﵁ (قال: ضمَّني رسولُ الله) وفي رواية: (النبي) الأعظم (ﷺ) إلى نفسه أو إلى صدره، كما في رواية مُسَدَّد عن عبد الوارث، (وقال) عطف على (ضمَّ): (اللَّهُمَّ) أصله: يا اللهُ، فحذف حرف النداء وعوض\n_________\n(^١) في الأصل: (الملتفت)، وهو تحريف.","vol":"1","page":25},{"text":"الميم، ولا يجوز الجمع بينهما، وما ورد مؤول، (عَلِّمْه) بمعنى: عرِّفْه، لا يقتضي إلَّا مفعولين: الأول: الضمير، والثاني: قوله: (الكتابَ) بالنصب؛ أي: القرآن، فـ (أل) للعهد؛ أي: اللفظ باعتبار دلالته على معانيه.\nوفي «الترمذي» و«النسائي»: أنَّه ﵇ دعا له أن يؤتى الحكمة مرَّتين، وفي «معجم الصحابة»: مسح على رأسه وقال: «اللَّهُمَّ فقِّهْه في الدين، وعلِّمْه التأويل»)، وفي رواية: قال: «اللَّهُمَّ علِّمْه الحكمة وتأويل الكتاب»، فقيل: المراد بـ (الحكمة): القرآن والسنة، وقيل: المراد بها: السنة، ويدُلُّ له هذه الروايات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]؛ أي: القرآن والسنة، وإنَّما دعا له لما يأتي عند المؤلف عنه قال: (دخل النبي ﵇ الخلاء فوضعتُ له وَضوءًا)، زاد مسلم: (فلما خرج قال: «مَن وضع هذا؟»، فأخبر)؛ أي: أخبرتْه ميمونةُ؛ لأنَّ ذلك في بيتها، وحقَّقَ الله إجابة دعوة نبيه ﵇، فكان حبْر هذه الأمة وترجُمان القرآن، وفي الحديث دلالة على استحباب ضم الطفل وهو بالإجماع، وأما معانقة الرجل الرجل القادم من سفرٍ وغيره؛ فقال في «ملتقى الأبحر»: ويكره للرجل أن يقبِّل الرجل أو يعانقَه في إزار بلا قميص، وهو قول الإمام الأعظم والإمام محمد، وعند الإمام أبي يوسف لا يكره، انتهى.\nقلت: والخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، أما إذا كان عليهما قميص أو جُبَّة؛ فلا كراهة بالإجماع، وقال الشيخ الإمام أبو منصور: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأمَّا على وجه البِرِّ والكرامة؛ فلا كراهة عندهم، كذا في شرحه المشهور بـ «دامات أفندي»، قلت: والإزار: هو ما يَستر العورة من السُّرَّة إلى الرُّكبة، والقميص: ما يَستُر البدن، وحَدُّ الشهوة من الشيخ: تحرُّكُ قلبِه، ومن الشابِّ: تحرُّكُ آلتِه، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٤٧\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-147>[بابٌ متى يصح سماع الصغير]</span>\nهذا (باب) بالتنوين: (متى) استفهاميَّة (يصح سماع الصغير)، وللكشميهني: (الصبي الصغير)، ومراد المؤلف: الاستدلال على أنَّ البلوغ ليس بشرط في التحمُّل، واختُلف في السِّنِّ؛ فقال ابن هارون: إذا فَرَّق بين البقرة والدابة، وقال ابن حنبل: إذا عقل وضبط، وقال ابن معين: أقله خمس عشرة سنة، وقال عياض: أقله خمس، والذي يعتمد عليه التمييز، فإن فَهِمَ الخطاب ورَدَّ الجواب؛ كان مميِّزًا صحيحَ السماع وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك؛ لم يصحَّ سماعُه وإن كان ابنَ خمسين، وتمامُه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٤٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-148>[حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ </span>قد ناهزت الاحتلام]\n٧٦ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) هو ابن عبد الله المشهور بابن أبي أويس، كما في رواية (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله)؛ بالتكبير، (بن عُتْبَة)؛ بضم العين، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، (عن عبد الله بن عباس) ﵄، (قال: أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمارٍأَتَانٍ)؛ بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية، آخره نون؛ وهي الأنثى من الحمر، وإنما لم يقل: حمارة؛ لأنَّ الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين، كما قاله الصاغاني، فلو قال: على حمارة؛ لربما كان يُفهم أنَّه أقبل على فرس هجين، وليس كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّة، و(أتانٍ) بالجر والتنوين كسابقه على النعت، أو بدل الغلط، أو بدل البعض من كلٍّ؛ لأنَّ الحمار يطلق على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل، نحو: ﴿شَجَرَةٍ... زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، وفي رواية: بإضافة (حمار) إلى (أتان)؛ أي: حمار هذا النوع وهو الأتان، كذا في «عمدة القاري»، وهذا أوجه وأحسن مما ذكره الكرماني، والدماميني، والبِرماوي؛ لأنَّه مخالف لما قاله أهل اللغة، كما لا يخفى على مَن تتبع.\n (وأنا يومئذ) الواو: للحال، و(أنا) مبتدأ، وخبرُه قوله: (قد ناهزت)؛ أي: قاربت، (الاحتلام) وهو يسمى مراهق، و(الاحتلام): البلوغ الشرعي، مشتق من الحلُم؛ بالضم: ما يراه النائم، (ورسول الله ﷺ) الواو: للحال، مبتدأ، خبرُه قوله: (يصلي)، وفي رواية البزار: (المكتوبة)، ولم أقف على تعيين هذه الصلاة (بمنًى) منصوب على الظرفية بالصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأحسن صرفها وكتابتها بالألف، سمِّيت بها؛ لما يمنى بها من الدماء؛ أي: تراق، وهو موضع بمكة يذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات، (إلى غير جدار) في محل نصب على الحال، وفيه حذفٌ؛ تقديره: يصلِّي غير متوجِّهٍ إلى جدار؛ بكسر الجيم: الحائط، والمراد به: السترة؛ يعني: إلى غير سترة أصلًا، ويدل له ما في رواية البزار بلفظ: (والنبي ﵇ يصلي المكتوبة ليس شيء يستره)، (فمررت بين يدي) أي: قُدَّام (بعض الصف) فالتعبير بـ (اليد)؛ مجاز؛ لأنَّ الصف لا يد له، والمراد بـ (بعض الصف): صف من الصفوف أو بعض من الصف الواحد، (وأرسلتُ)؛ بضم التاء: فعل وفاعل، ومفعوله قوله: (الأتانَ تَرتَعُ)؛ بتاءين مثناتين فوقيَّتين مفتوحتين، وضم العين المهملة؛ أي: تأكل ما تشاء، أو تسرع في المشي، والأول أصوب، و(ترتعُ) مرفوع، والجملة محلُّها النصب على الحال من الأحوال المقدَّرة؛ أي: مقدار رتعها، (ودخلت الصف) وفي رواية: (فدخلت -بالفاء- في الصف) (فلم ينكِر)؛ بكسر (^١) الكاف على صيغة المعلوم (ذلك عليَّ)؛ أي: فلم ينكر النبي الأعظم ﵇ عليَّ ذلك ولا غيره، وفي رواية: بلفظ المجهول،؛ أي: لم ينكر أحد لا رسول الله ﵇ ولا غيره ممن كانوا معه.\nواستدل المؤلف بهذا على أنَّ التحمُّل لا يُشترط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد، والفاسق، والكافر، وفيه دليل على جواز مَن عَلِمَ الشيءَ صغيرًا وأدَّاه كبيرًا بالإجماع، وكذا الفاسق والكافر إذا أدَّيا حالَ الكمال.\nوفيه جواز الركوب لصلاة الجماعة، وأنَّ مرور الحمار غير قاطع للصلاة، وعليه بوَّب أبو داود، وما ورد محمولٌ على قطع الخشوع، وفيه صحة صلاة الصبي، وأنَّه إذا فُعِل بين يدي النبي عليه [السلام] شيء ولم ينكره؛ فهو حجة، وأنَّ سُترة الإمام سُترةٌ لمن خلفه، وعليه بوَّب المؤلِّف وهو بالإجماع، والمرور بين يدي المصلي مكروه إذا كان إمامًا أو منفردًا وصليا إلى سُترة، وأمَّا المأموم؛ فلا يضرُّه؛ لأنَّه خلف الإمام وهو سُترة لمن خلفه، وسيأتي بقيَّة مباحثه إن شاء [الله تعالى].\n\n <span id=\"b-١٤٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-149>[حديث: عقلت من النبي مجة مجها في وجهي </span>وأنا ابن خمس سنين]\n٧٧ - وبه قال: (حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (محمد بن يوسف) هو البيكندي أبو أحمد، وما قيل: إنَّه الفِريابي؛ فمردودٌ بعدم الرواية عن أبي مُسْهِر الآتي، (قال: حدثنا أبو مُسْهِر)؛ بضم الميم، وإسكان السين المهملة، وكسر الهاء، آخرُه راء، عبد الأعلى بن مُسْهِر الغسَّاني الدمشقي، المتوفى ببغداد سنة ثمان عشرة ومئتين (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (محمد بن حَرْب)؛ بفتح الحاء وإسكان الراء المهملتين، آخره موحدة، هو الأبرش؛ أي: الذي فيه نكت صغار تخالف لونه، الخولاني الحمصي، أبو عبد الله قاضي دمشق، المتوفى سنة أربع وسبعين ومئة، وما قيل: إنَّه تفرَّد أبو مُسْهِر برواية هذا الحديث عن ابن حرب؛ مردودٌ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِر كما عند النَّسائي والبيهقي (قال: حدثني) بالإفراد (الزُّبَيدي)؛ بضم الزاي وفتح الموحدة: أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الشامي، قاضي حمص، المتوفى بالشام سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة عن سبعين سنة، (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب، (عن محمود بن الرَّبيْع)؛ بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم وأبو محمد، المدني، المتوفى ببيت المقدس سنة تسع وتسعين، عن ثلاث وتسعين سنة (قال: عَقَلت)؛ بفتح العين المهملة، بابه (ضرب)؛ أي: عرفت أو حفظت (من النبي) الأعظم (ﷺ مَجَّةً) بالنصب على المفعولية؛ بفتح الميم والتنوين (مجَّها) من فيه؛ أي: رمى بها حال كونها (في وجهي)، وقيل: المَجُّ: إرسال الماء من الفم مع نفخ، (وأنا ابن خمس سنين) مبتدأ وخبره، والجملة معترضة وقعت حالًا، إمَّا من التاء في (عَقَلتُ) أو من الياء في (وجهي)، (من) ماء (دَلْو)؛ بفتح الدال المهملة وإسكان اللام، وفي رواية النَّسائي: (من دلو معلق)، وفي (الرِّقاق) عن معمر: (من دلو كانت في دارهم)، وفي (الصلاة): (من بئر)، ولا تعارض بين هذه الروايات؛ لحمل ذلك على أنَّه أخذ بالدلو من البئر وتناوله ﵇ من الدلو؛ وهو وعاء يتخذ من جلد يستسقى فيه الماء في الآبار، وفي الحديث بركة النبي الأعظم ﵇ وسماع الصغير وضبطه بالسنن، وجواز ملاعبة الصبيان.\n\n <span id=\"b-١٥٠\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-150>[باب: الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ</span>.]\nهذا (باب الخروج) أي: السفر (في طلب العلم)؛ أي: لأجل طلبه برًّا وبحرًا، (ورحل) بالحاء المهملة (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي المشهور ﵁، (مسيرةَ شهر إلى عبد الله بن أُنيس)؛ بضم الهمزة، مصغر أنس، ابن سعد الجُهَني؛ بضم الجيم وفتح الهاء، المتوفى بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية ﵄ (في)؛ أي: لأجل (حديث واحد) فلفظ\n_________\n(^١) في الأصل: (بفتح)، ولا يستقيم مع قوله: (على صيغة المعلوم).","vol":"1","page":26},{"text":"(في) للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، والحديث ذكره المؤلف في (المظالم) بلفظ: ويذكر عن جابر عن عبد [الله] ابن أنيس سمعت النبي الأعظم ﷺ يقول: «يَحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب: أنا الملك أنا الديان».\nزاد أحمد وأبو يعلى: (لا ينبغي لأهل الجنة أن تدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه حتى اللطمة، قال: وكيف وإنَّما يأتي عراة غرلًا بهمًا، قال: بالحسنات والسيئات)، والعراة: جمع عار، والغرل: بضم الغين المعجمة وإسكان الراء جمع أغر، وهو الأقلف، وبهمًا: بضم الموحدة؛ أي: ليس معهم شيء، أو أصحاء ليس فيهم عاهات كالعمى والعور وغيرهما، وإنَّما هي أجساد صحيحة للخلود إمَّا في الجنة وإمَّا في النار، وقوله: (فيناديهم) المعنى: يجعل ملكًا يناديهم أو يخلق صوتًا ليسمعه الناس، وأمَّا كلام الله؛ فليس بحرف ولا صوت.\n (فإن قلت): إنَّ المؤلف نقض قاعدته؛ حيث عبر هنا بقوله: (ورحل) بصيغة الجزم المقتضية للتصحيح، وفي المظالم بقوله: (ويذكر) بصيغة التمريض.\n (قلت): لأنَّ عند المؤلف (يذكر) معناه الجزم أيضًا لا التمريض، ولعله ذكره هناك؛ لأنَّ الصوت ممَّا يُحتاج إلى تأويله في نسبته إلى الربِّ جلَّ وعزَّ؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٥١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-151>[حديث: في رحلة سيدنا موسى إلى سيدنا الخضر]</span>\n٧٨ - وبه قال: (حدثنا أبو القاسم خالد بن خَلِيٍّ)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام مخففةً، بعدَها مثناة تحتيَّة مشدَّدة، الكلاعي، قاضي حمص، كما في رواية، (قال: حدثنا محمد بن حرب)؛ بفتح الحاء المهملة وسكون الراء آخره موحدة، الخولاني الحمصي.\n (قال: حدثنا الأوزاعي)، وسقط (حدثنا) في رواية، بفتح الهمزة، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أحد أتباع التابعين، نسبة إلى (أوزاع) قرية بدمشق خارج باب الفراديس، أو بطن من حمير، أو من همْدان؛ بسكون الميم، المتوفى فجأة في الحمام، سنة سبع وخمسين ومئة، عن تسع وستين، ولد ببعلبك ودفن ببيروت، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه.\nقال: (أخبرنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، (عن عبيد الله)؛ بالتصغير، (بن عبد الله)؛ بالتكبير، (ابن عتبة)؛ بضم العين، (ابن مسعود عن) عبد الله (بن عباس) ﵄، (أنَّه تمارى) من التماري؛ وهو التنازع والتجادل، (هو)؛ أي: عبد الله بن عباس، (والحُرُّ بن قيس بن حصن الفزاري) نسبة إلى فزارة بن شيبان (في صاحب موسى) بن عمران ﵇، هل هو الخضر أم غيره، زاد في الرواية السابقة: (قال ابن عباس: هو خضر)، ولفظ (هو) ساقط، في رواية: (وإنِّي) بضمير الفصل؛ لأنَّه لا يُعطف على الضمير المرفوع المتَّصل إلَّا بعد تأكيده بالمنفصل، وعلى روايةٍ إسقاط (هو)، فعطْفُه على المرفوع المتَّصل بغير تأكيد ولا فصل جائز عند الكوفيِّين.\n (فمرَّ بهما أُبَيُّ بن كعب) هو الأنصاري، (فدعاه ابن عباس)؛ أي: ناداه فجاء، (فقال) له: (إنِّي تماريتُ)؛ أي: اختلفت، (أنا وصاحبي هذا)؛ أي: الحُرُّ بن قيس، (في صاحب موسى الذي سأل) موسى ربه، (السبيل إلى لُقِيِّه)؛ بضم اللام، وكسر القاف، وتشديد المثناة التحتية، مصدر بمعنى اللقاء، يقال: لَقِيتُه لِقاءً بالمدِّ، ولِقًا بالقصر، ولُقِيًّا بالتشديد؛ حيث قال: اللهم ادللني عليه.\n (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه)؛ أي: قصته، (فقال أُبَيٌّ) بن كعب: (نعم سمعت النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، (ﷺ يذكر شأنه) قصته لأصحابه، (يقول: بينما)؛ بالميم، (موسى) ﵇، (في ملأ) جماعة، (من بني)؛ أي: ذرية، (إسرائيل) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وعند مسلم: «بينما موسى في قومه يُذَكِّرُهم أيامَ الله».\n (إذ جاءه رجل) قيل: لم يسمَّ، قلت: ولعله جبريل، (فقال)، وفي رواية: (قال): (أتعلم) بهمزة الاستفهام، وفي رواية: بحذفها، وفي أخرى: (هل تعلم)، (أحدًا أعلمَ) بنصبهما مفعولًا وصفة، وفي رواية: (أن أحدًا أعلمُ)، (منك، قال موسى: لا) لما في اعتقاده من دلائل النبوة.\n (فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى)، وفي رواية: (بل)، وهي للإضراب؛ أي: أوحى إليه: لا تقل: لا؛ بل (عبدنا خضر)؛ أي: قل الأعلم عبدنا خضر، على سبيل الحكاية عن قوله تعالى، وعلمُ الخضر في شيء خاص، وعلمُ موسى في العموم.\n (فسأل) موسى ربه (السبيل إلى لُقِيِّه) وفي السابقة: (إليه) بدل (لُقِيِّه)، وزيادة (موسى)، (فجعل الله له)؛ أي: لأجله، (الحوت) دابة، منصوبان على أنَّهما مفعولا جعل، (آية) علامة دالة له على مكانه، (وقيل له: إذا فقَدت الحوت)؛ بفتح القاف، (فارجع فإنك ستلقاه)؛ أي: الخضر، (فكان موسى يتَّبع)؛ بتشديد المثناة الفوقية، (أثر الحوت في البحر)، وفي رواية: في الماء؛ أي: ينتظر فقدانه، إلى أن قعد موسى عند الصخرة ورقد ثم انتبه.\n (فقال فتى موسى) يوشع بن نون، (لموسى) بعد أن توضأ يوشع من ماء عين الحياة ووقع منه على الحوت فصار حيًّا، فانسل من المكتل وذهب في البحر: (أرأيت) أخبرني، (إذ أوينا)؛ أي: حين نزلنا، (إلى الصخرة) ونمت عندها، (فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلَّا الشيطان أن أذكره)؛ أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشيطان، قاله اعتذارًا لموسى.\n (قال موسى: ذلك)؛ أي: فقدان الحوت، (ما كنا نبغي)؛ أي: نطلب من العلامة الدالة على اجتماعي بالخضر، (فارتدا) رجعا، (على آثارهما)؛ أي: على الطريق الذي سلكاه يقصَّان، (قَصصًا، فوجدا خضرًا) على طِنفسة على وجه الماء أو نائمًا مسجى بثوب، وإنَّما سُمِّيَ خضرًا (^١) قيل: لأنَّه كلَّما قعد على شيء اخضرَّ بعد أن كان يابسًا، أو لحُسْنه وإشراق وجهه، أو لأنَّه كلَّما صلَّى في مكان اخضرَّ ما حولَه، وكنيته أبو العبَّاس.\n (فكان من شأنهما)؛ أي: من قصة موسى والخضر، (ما)؛ أي: الذي، (قصَّ الله في كتابه) بسورة الكهف ومطابقته للترجمة من حيث إنَّ موسى خرج إلى طلب الخضر، وهو ظاهر؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٥٢\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-152>[باب فضل من عَلِمَ وعلَّم]</span>\nهذا (باب فضل من علِم)؛ بتخفيف اللام المكسورة؛ أي: مَن صار عالمًا، (وعلَّم) غيرَه؛ بفتحها مشدَّدة.\n\n <span id=\"b-١٥٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-153>[حديث: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم]</span>\n٧٩ - وبه قال: (حدثنا محمد بن العلاء)؛ بالمهملة والمدِّ، المكنى بأبي كُريب؛ بضم الكاف، مصغَّر (كرب) بالموحدة، الهمداني؛ بسكون الميم والدال المهملة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومئتين، (قال: حدثنا حماد بن أُسامة)؛ بضم الهمزة: ابن يزيد الهاشمي القرشي الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومئتين عن ثمانين سنة، (عن بُرَيد بن عبد الله)؛ بضم الموحدة، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية، آخره دال مهملة، ابن أبي بُرْدة ابن أبي موسى الأشعري.\n (عن أبي بُرْدة)؛ بضمِّ الموحدة وإسكان الراء، ابن أبي موسى الأشعري، (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري، وإنَّما لم يقل: عن أبيه؛ لأجل التفنن في الإسناد، (عنِ النبي) الأعظم (ﷺ قال: مَثَل)؛ بفتح الميم والثاء المثلثة؛ أي: الصفة العجيبة، (ما بعثني الله به من الهدى) الرشاد والدلالة يذكَّر ويؤنَّث، وهو لغة: المعرفة، واصطلاحًا: الدلالة الموصلة إلى البُغية، (والعلم)؛ بالجر عطفًا على (الهدى)، وهو صفة توجب تمييزًا لا يَحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعيَّة، (كمَثَل)؛ بفتح الميم والمثلثة: خبر للمبتدأ الذي هو لفظ (مَثَل)، (الغيث)؛ المطر، (الكثير أصاب) الغيث، (أرضًا)، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها نصب على الحال بتقدير (قد)، (فكان منها)؛ أي: من الأرض أرض (نَقِيَّة)؛ بفتح النون، وكسر القاف، وبالمثناة التحتية المشددة؛ أي: طيبة، كما في رواية في «مسلم».\n (قَبِلت الماء)؛ بفتح القاف وكسر الموحدة، من القبول، ولا خلاف في هذا، خلافًا لمن وهم، (فأنبتت الكَلَأ)؛ بفتح الكاف واللام آخره مهموز مقصور: النبات يابسًا ورطبًا، (والعشب) النبات الرطب، وهو بالنصب عطفًا على المفعول، (الكثير) بالنصب صفة للعشب، وهو من ذكر الخاصِّ بعد العام، (وكانت)، وفي رواية: (وكان) عطف على (فكان)، وقوله: (منها) خبر (كان) مقدَّمًا، وقوله: (أجادب) بالرفع اسم (كان) مؤخرًا، وهو بالدال المهملة جمع جدب؛ بفتح الدال المهملة على غير قياس، وفي رواية (أجاذب)؛ بالذال المعجمة، قال الأصيلي: والصواب: بالمهملة، وفي رواية: (إخاذات)؛ بكسر الهمزة، ومعجمة مخففة، ومعجمة، وفي أخرى: (أحارب)؛ بحاء مهملة وراء مهملة، والمراد بها الأرض التي لا تشرب لصلابتها فلا تُنبت شيئًا.\n (أمسكت الماء) جملة محلُّها الرفع صفة (أجادب)، (فنفع الله بها)؛ أي: بالأجادب، وللأصيلي: (به)، (الناس) فيكون الضمير المذكور للماء، (فشربوا) من الماء، (وسَقَوا) دوابَّهم؛ بفتح السين والقاف وسكون الواو، (وزرعوا) ما يصلح للزرع، وعند مسلم والنسائي: (ورعَوا من الرعي).\n (وأصاب منها)؛ أي: الغيث، (طائفةً) بالنصب مفعوله، (أخرى) صفة (طائفة)؛ أي: قطعة أخرى من الأرض، وفي رواية: (وأصابت)؛ أي: أصابت طائفة أخرى، كما صرح به النسائي، (إنَّما هي قِيعان)؛ أي: ما هي إلَّا قِيعان؛ بكسر القاف، جمع قاع: وهو الأرض المتسعة، وقيل: اللمساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في الحديث، وأصل قِيعان: قوعان، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار\n_________\n(^١) في الأصل: (خضر).","vol":"1","page":26},{"text":"ما قبلها.\n (لا تُمسك ماء) في محل رفع صفة (قِيعان)، (ولا تُنبت كلأ) صفة أيضًا؛ بضم المثناة الفوقية فيهما، (فذلك)؛ أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة محله رفع مبتدأ، (مَثَل) خبره؛ بفتح الميم والمثلثة، (مَن) موصولة محلُّها (^١) الجرُّ بالإضافة، (فقُه)؛ بضم القاف وقد تكسر؛ أي صار فقيهًا، (في دين الله) تعالى، (ونفعه ما)، وفي رواية: (بما)؛ أي: بالذي، (بعثني الله) سبحانه، (به، فعلِم) ما جئتُ به، (وعلَّم) غيرَه.\nوهذا على قسمين؛ الأول: العالم العامل المعلِّم، كالأرض الطيبة شربت فانتفعت بنفسها وأنبتت فنفعت غيرها.\nوالثاني: الجامع للعلم، المستغرق لأوقاته فيه، المعلِّم غيرَه، لكنه لم يعمل بنوافله، كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري».\n (ومَثَل)؛ بفتح الميم والمثلثة، (مَن) موصولة، (لم يرفع بذلك رأسًا) يعني: تكبر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره؛ بأن دخل الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلِّمه، كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها.\n (ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)؛ أي: مَن لم يدخل في الدين أصلًا؛ بل بلغه فكفر به، كالأرض الصمَّاء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به، شبَّه ﵇ ما جاء به من الدين بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم، وكذا حال الناس قبل مبعثه ﵇، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت كذلك علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبَّه السامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث، وتمامه في «عمدة القاري».\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلِّف، وهو ساقط في رواية، (قال إسحاق) بن إبراهيم بن مَخْلَد، بفتح الميم، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح اللام: أبو يعقوب الحنظلي المِروزي المشهور بابن راهَوَيه؛ بالهاء والواو المفتوحتين آخره تحتية ساكنة، وقيل: بضم الهاء وفتح التحتية، المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومئتين، أو هو إسحاق ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري نزيل المدينة، المتوفى سنة اثنين وثلاثين ومئتين، أو هو إسحاق بن منصور بن بَهْرام الكوسج المِروزي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين، والظاهر الأول؛ لأنَّه أطلق، فالمراد هو كذا قيل.\n (وكان منها طائفة)؛ أي: قطعة من الأرض، (قيَّلت الماء)؛ بالمثناة التحتية المشدَّدة، بدل قوله: (قبلت)؛ بالموحدة، وجزم الأصيلي أنَّها تصحيف من إسحاق، وصوَّبها غيرُه، و(قيلت) من القيلولة؛ أي: شربت نصف النهار، وزاد في رواية هنا: (قاع)؛ أي: قِيعان المذكور في الحديث، جمع قاع؛ أرض (يعلوه الماء) ولا يستقرُّ فيه.\n (والصفصف المستوي من الأرض) هذا ليس في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء في تفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن العظيم، ووقع فيه: ﴿قاعًا صفصفًا﴾ [طه: ١٠٦]، وما فسَّره المؤلف هو قول أكثر أهل اللغة، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٥٤\"> </span>(٢١) <span data-type=\"title\" id=toc-154>[باب رفع العلم وظهور الجهل]</span>\nهذا (باب رفع العلم وظهور الجهل) الأول مستلزم للثاني، وأتى به للإيضاح، (وقال ربيعة) الرأْي؛ بإسكان الهمزة، ابن عبد الرحمن فرُّوخ؛ بالراء المشدَّدة المضمومة والخاء المعجمة، المدني الربعي، قتل بالأنبار في دولة بني العباس، (لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم)؛ أي: الفهم، (أن يضيِّعَ نفسه) بترك الاشتغال أو بعدم إفادته لأهله؛ لئلَّا يموت العلم، وفي رواية: بحذف (أنْ)، وهذا الأثر وصله البيهقي في «المدخل» والخطيب في «الجامع»، و(ينبغي) تُستعمل بمعنى الوجوب وبمعنى الندب.\n\n <span id=\"b-١٥٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-155>[حديث: إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم]</span>\n٨٠ - وبه قال: (حدثنا عِمران بن مَيسرة)؛ بكسر العين وفتح ميم ميسرة: ضد الميمنة، أبو الحسن المنقري البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التيمي البصري، (عن أبي التَّيَّاح)؛ بفتح الفوقية، وتشديد التحتية، آخره مهملة، يزيد بن حُميد الضبعي، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة.\n (عن أنس)، زاد في رواية: (ابن مالك)، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ: إنَّ) للتوكيد؛ بكسر الهمزة، (من أشراط)؛ بفتح الهمزة، (الساعة)؛ أي: القيامة؛ أي: علامتها، والجار والمجرور خبر مقدم، (أنْ) مصدريَّة (يُرفعَ العلم)؛ بضم المثناة التحتية في محل نصب اسمها مؤخَّرًا (^٢)؛ أي: رفع العلم بموت حملته وقبض العلماء، وليس المراد محوه من صدور الحفاظ وقلوب العلماء، وعند النسائي: بحذف (أنْ) فيكون محل (أن يرفع العلم) رفعًا على الابتداء، وخبره (من أشراط الساعة) مقدم.\n (و) أن (يَثبت الجهل)؛ بفتح المثناة التحتية، من الثبوت؛ بالمثلثة ضد النفي، وعند مسلم: (ويبث) من البث؛ بموحدة فمثلثة: وهو الظهور والفشو، (و) أن (يُشرب)؛ بضم المثناة التحتية، (الخمر) قيل: المراد كثرة شربه؛ لما عند المؤلِّف في (النكاح): «ويكثر شرب الخمر»، قلت: هذا غير مراد، وإنَّما المراد شربُه مطلقًا هو جزء العلة من الأشراط، وما عند المؤلِّف في (النكاح) لا يستلزم نفي مطلق الشرب أن يكون من أشراطها؛ لأنَّ المقيَّد بحكمٍ لا يستلزم نفي الحكم المطلق، والأصل إجراء كلِّ لفظٍ على مقتضاه، ولا تنافيَ بين حكمٍ يمكن حصوله معلقًا بشرطٍ تارة وبغيره أخرى؛ كالملك فإنَّه يوجد بالشراء والهبة وغيرهما.\nوما قيل: إنَّ المطلق محمولٌ على المقيَّد لأنَّ المقام مقام الاحتياط والحمل على الكثرة أولى، ممنوعٌ؛ لأنَّ حمل المطلق على المقيَّد مسلَّم في غير هذا المحلِّ؛ لأنَّ الشارع أمرنا باجتنابه بالكلِّيَّة، ولم يفصل بين قليله وكثيره، وحمل المطلق على المقيد غيرُ جائز هنا، وقوله: لأنَّ المقام مقام الاحتياط، هذا شاهد ودليل عليه؛ لأنَّه إذا كان المقام مقام الاحتياط؛ فالمنع منه بالكُلِّيَّة فرضٌ، فيجب الحمل على الشرب مطلقًا؛ فافهم؛ وليحفظ.\n (و) أن (يظهر الزنا) بالقصر لغة حجازيَّة وبالمدِّ لغة نَجْدِيَّة، والنسبة إلى الأول: زنوي، وإلى الآخر: زناوي؛ أي: يفشو وينتشر، وصرَّح في رواية مسلم: (ويفشو الزنا).\nفوجود هذه الأربعة هو العلامة لوقوع الساعة؛ أي: القيامة: وهي واقعةٌ في هذا الزمان، اللَّهُمَّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، وأعذنا من خِزْيِ الدنيا وعذاب الآخرة.\n\n <span id=\"b-١٥٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-156>[حديث: من أشراط الساعة أن يقل العلم]</span>\n٨١ - وبه قال: (حدثنا مُسَدَّد)؛ بضم الميم، وفتح السين والدال المهملتين: ابن مُسَرْهِد، (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان، (عن شعبة) هو ابن الحجاج، (عن قتادة)؛ بفتح القاف والمثناة الفوقية: ابن دِعامة، (عن أنس)، زاد الأصيلي: (ابن مالك)، (قال: لَأُحدِّثَنَّكم)؛ بفتح اللام؛ أي: والله لَأحدِّثَنَّكم، فلذا أكد بالنون، وبه صرَّح أبو عَوانة، عن هشام، عن قتادة، (حديثًا لا يحدِّثكم أحدٌ بعدي)، وعند مسلم: بحذف الكاف والميم، وعند المؤلِّف من طريق هشام: بحذف لفظ (أحد)، ومن أين عَرَف أنَّ أحدًا لا يحدِّث بعدَه، ولعلَّه عرفه بإخبار النبي الأعظم ﵇ له، أو قال بناءً على ظنِّه أنَّه لم يسمع الحديثَ غيرُه من النبي الأعظم ﵇، ويَحتمل أنَّه قال ذلك لأهل البصرة خاصَّةً؛ لأنَّه آخر مَن مات مِن الصحابة عندهم.\n (سمعت رسول الله)، وفي رواية: (النبي الأعظم)، (ﷺ)؛ أي: كلامَه حالَ كونه (يقول: مِن)، وفي رواية: (إنَّ مِن)، (أشراط)؛ بفتح الهمزة، جمع شرط بالتحريك؛ أي: علامات، (الساعة) القيامة، (أن يقِلَّ)؛ بكسر القاف، من القلة، (العلم) والجملة رفع على الابتداء، و(أن) مصدريَّة، و(مِن أشراط الساعة) خبر مقدم، والتقدير: (من أشراط الساعة قِلَّةُ العلم)؛ أي: بموت أهله، وعند المؤلِّف: أن يرفع العلم، ولا تنافيَ بينهما؛ لأنَّ القِلَّة قد تطلق ويراد بها العدم، أو كان ذلك باعتبار زمانين؛ كأن يقال: القِلَّة في ابتداء أمر الأشراط، والعدم انتهاؤه، كذا قال في «عمدة القاري»، وتمامه فيه.\n (و) أن (يظهر الجهل) وقِلَّةُ العلم مستلزمة لظهور الجهل، (و) أن (يظهر الزنا)؛ بالقصر والمدِّ؛ أي: يفشو، (و) أن (تكثر النساء و) أن (يقل الرجال)؛ لكثرة القتل، فبموت الرجال فتكثر النساء وبقلَّتهم يكثر الفساد والجهل، وأشار بهذا إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل عدة موطوءات، أو أنَّه تكثر ولادة الإناث، وتقل ولادة الذكور؛ لأنَّ النساء حبائل الشيطان، وهن ناقصات عقل ودين.\n (حتى)؛ أي: إلى أن (يكون لخمسين امرأة القَيِّمُ) بالرفع اسم (يكون)، وقوله: (الواحدُ) صفتُه، مَن يقوم بأمرهِنَّ، وهل المراد حقيقةُ العدد أو مجازٌ عن الكثرة والمبالغة بأنَّ الأربعة كمال النصاب فاعتبر الكمال، وزيادة واحدة مبالغة، أو لأنَّ الأربعة تنسحب إلى عشرة وهي إلى خمسين إلى\n_________\n(^١) في الأصل: (محله)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل (مؤخر).","vol":"1","page":27},{"text":"مئة إلى ألف تأكيدًا للكثرة ومبالغة فيها، ويَحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي لا يبقى فيه مَن يقول: الله الله، فيتزوَّج الرجلُ الواحدُ بغير عدد جهلًا بالحكم الشرعي.\nقلت: لا يلزم ذلك أن يكون في ذلك (^١) الزمان؛ لأنَّ ذاك هو زمان يوم القيامة، وكلامُنا في علاماتها، فالظاهرُ أن يكون ذلك بكثرة الشيعة والروافض وغيرهم من الفِرَق الضَّالَّة، ومِن عقائدهم: أنَّهم لا ينكحون؛ بل يتمتَّعون، فيأخذ الخنزير الواحد منهم هذا العدد بحكم المتعة، ويظنُّون أنفسَهم أنَّهم على الحقِّ جهلًا، وزيفًا، وخروجًا عن السُّنَّة المطهَّرة؛ فتأمَّل.\nوإنَّما قال: (القَيِّم) بالتعريف؛ إشعارًا بما هو المعهود من كون الرجال قوَّامين (^٢) على النساء، وإنَّما كان اختلال هذه الأمور من علاماتها؛ لأنَّ الخلائق لا يُتركون سُدى، ولا نبي بعد هذا الزمان، فيتعيَّن خراب العالم وهو قرب القيامة.\n\n <span id=\"b-١٥٧\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-157>[باب فضل العلمِ]</span>\nهذا (باب فضل العلم) لا يقال: تقدم هذا الباب بعينه في أول (كتاب العلم) فذِكره هنا تَكرار؛ لأنَّا نقول: الذي قدَّمه هناك في بيان فضل العلماء، وهنا على فضل العلم، وما قيل: إنَّ المراد هنا الزيادة، ممنوع، كما نبَّه عليه وردَّه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٥٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-158>[حديث: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن]</span>\n٨٢ - وبه قال: (حدثنا سعيد بن عُفَير)؛ بضم العين المهملة، وفتح الفاء، وإسكان المثناة التحتية، آخره راء، (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية بالجمع، (الليث) بن سعد الحنفي، من أتباع إمامنا الإمام الأعظم التابعي الجليل المعظم، (قال: حدثني) بالإفراد، (عُقَيل)؛ بضم العين المهملة، وفتح القاف، وسكون المثناة التحتيَّة: ابن خالد الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن حمزة)؛ بالمهملة والزاي، (ابن عبد الله)؛ بالتكبير، (بن عمر) بن الخطاب، المكنى بأبي عُمارة؛ بضم العين المهملة، القرشي العدوي المدني التابعي، (أنَّ ابن عمر) ﵄، (قال: سمعت رسول الله)؛ أي: كلامَه، (ﷺ) حالَ كونه (قال)، وفي رواية: (يقول)، (بينا) أصله: (بين)، فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، وقد تدخل عليها (ما)، فيقال: (بينما)، وهنا بغير ميم.\n (أنا) مبتدأ، وقوله: (نائم) خبرُه، (أُتيت)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، وهو جواب (بينا) وعامل فيه، (بقَدَح)؛ بفتحتين: وعاءٌ يشرب فيه، (لبنٍ) متعلِّقٌ بـ (أُتيت)، (فشربت)؛ أي: من اللبن، (حتى إنِّي)؛ بكسر الهمزة على كون (حتى) ابتدائيَّة، وبفتحها على كونها جارَّة، وياء المتكلِّم اسم (إنَّ)، وخبرُها قوله: (لَأَرى)؛ بفتح الهمزة من الرؤية.\n (الرِّيّ)؛ بكسر الراء المهملة، وتشديد المثناة التحتية، كذا في الرواية، وحكى الجوهري الفتح أيضًا، وقيل: بالكسر الفعل، وبالفتح المصدر، كما أوضحه في «عمدة القاري»، وأصله: الروي اجتمعت الواو مع الياء وسُبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.\n (يخرج في أظفاري) وفي رواية: (من أظفاري)، وفي أخرى: (من أطرافي)، والجارُّ والمجرور محلُّه نصب مفعول ثان لـ (أرى)، إن قدرت الرؤية بمعنى العلم، أو حال إن قدرت بمعنى الإبصار، ولفظ (في) [في] المتن يجوز أن تكون بمعنى (على)؛ أي: على أظفاري، ويكون بمعنى يظهر عليها، و(الظفر) إمَّا منشأ الخروج أو ظرفه.\n (ثم أَعطيت)؛ بفتح الهمزة، (فضلي)؛ أي: الفضل الذي بقي بعد شُربي من اللبن، (عمرَ بن الخطاب) ﵁، بالنصب مفعول ثان لـ (أَعطيت)، (قالوا)؛ أي: الصحابة، (فما أوَّلتَه) (الفاء) زائدة؛ أي: عبَّرتَه، (يا رسول الله) منادى منصوب، (قال): أوَّلتُه، (العلم)؛ بالنصب والرفع روايتان، أمَّا النصب؛ فعلى المفعولية تقديره: أوَّلتُه العلم، وأمَّا الرفع؛ فعلى أنَّه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: المؤوَّل به العلم.\nوالمراد بـ (اللبن) هو الحليب في عرفنا، ووجه تفسيره بالعلم؛ الاشتراك في كثرة النفع بهما وكونهما سببًا للصلاح، ذاك في الأشباح، والآخر في الأرواح، وهل كان هذا الشرب وما يتعلَّق به واقعًا حقيقة؟\nأجاب الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأنَّه واقع حقيقة ولا محذور فيه إذ هو ممكن، ورؤيا الأنبياء حق، وفيه فضيلة عمر ﵁ وجواز تعبير الرؤيا؛ لأنَّها جزء من أجزاء النبوَّة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٥٩\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-159>[باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها]</span>\nهذا (باب الفتيا)؛ بضم الفاء: اسم، وكذا الفتوى، وهو الجواب في الحادثة، (وهو)؛ أي: المفتي، (واقف)؛ أي: راكب، (على ظهر الدابَّة)؛ وهي كلُّ ما دَبَّ على وجه الأرض، والمراد بها ما تُركب عادة، ولفظ (ظهر) ساقط في رواية.\n (وغيرها)؛ أي: غير الدابة من الوقوف على الأرض أو ماشيًا عليها، وفي رواية: (أو غيرها)، وهذا وجه المناسبة بين الترجمة والحديث خلافًا لما زعمه بعضهم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٦٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-160>[حديث: أن رسول الله وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه]</span>\n٨٣ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس ابن أخت مالك، (قال: حدثني) بالإفراد، (مالك) بن أنس الإمام، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عيسى بن طلحة بن عُبيد الله)؛ بالتصغير؛ بضم العين: القرشي التيمي التابعي، المتوفى سنة مئة.\n (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) الجمهورُ على كتابته بالمثناة آخره، وهو الفصيح، والأعياص جمع عِيص؛ بكسر العين المهملة: الشجر الكثير الملتفُّ، والأعياص مِن قريش أولاد أُميَّة بن عبد شمس الأكبر؛ وهم أربعة: العاصي، وأبو العاصي، والعيص، وأبو العيص، والعيصان من معادن بلاد العرب.\n (أنَّ رسول الله ﷺ وقف) جملةٌ محلُّها الرفع خبر (أنَّ)، (في حِجة)؛ بكسر الحاء المهملة وفتحها، والمعروف من الرواية الفتح، (الوَداع)؛ بفتح الواو، اسم: التوديع، ولا يجوز الكسر، خلافًا لما زعمه بعضهم، (بمنى) في محلِّ نصب على الحال، وهي قرية قرب مكة، يُذبح فيها الهدايا، وتُرمى فيها الجمرات، وهو مقصور بالصرف وعدمه، والأول أحسن كما تقدم.\n (للناس) حال كونهم، (يسألونه) ﵇، فهو حال من ضمير وقف، ويَحتمل أن يكون من الناس؛ أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًا لعِلَّة الوقوف، كذا قرَّره في «عمدة القاري».\n (فجاءه رجل) قيل: لم يُعرف اسمه، وفي رواية: (فجاء رجل)، (فقال): يا رسول الله، (لم أشعُر)؛ بضم العين؛ أي: لم أعلم؛ أي: لم أفطنه، (فحلقت) رأسي، و(الفاء) سببية، (قبل أن أذبح)؛ أي: الهدي، (فقال) رسول الله ﵇، (اذبح) هديك، (ولا حرج)؛ أي: ولا إثم عليك.\n (فجاء آخر)؛ أي: رجل غير الأول، (فقال): يا رسول الله، (لم أشعُر)؛ بضم العين؛ أي: لم أفطن، (فنحرت) هديي، من النحر في اللبة، مثل الذبح في الحلق، والفاء سببية أيضًا، كأنَّه جعل الحلق والنحر كلًّا منهما سببًا عن عدم شعوره، وكأنَّه يعتذر لتقصيره، (قبل أن أرمي) الجمرة، (أنْ) مصدريَّة: أي: قبل الرمي. (قال) ﵇، وفي رواية: (فقال): (ارمِ) الجمرة، (ولا حرج)، فـ (لا) لنفي الجنس، و(حرج) اسمُها مبنيٌّ على الفتح، وخبرُها محذوف تقديرُه: لا حرج عليك.\n (فما سُئل)؛ بصيغة المجهول، (النبيُّ) الأعظم (ﷺ عن شيء) من أعمال يوم العيد؛ من الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، (قُدِّمَ ولا أُخِّر)؛ بضم أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف؛ أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مكررة على الفصيح، وحسُن ذلك هنا؛ لأنَّه وقع في سياق النفي، وتمامه في «عمدة القاري».\n (إلَّا قال) ﵇ للسائل: (افعل) ذلك كما فعلتَه قبلُ أو متى شئت، (ولا حرج) عليك، ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد منكم خلاف السُّنَّة، وكانت السُّنَّة خلاف هذا، وأسقط عنهم الحرج وأعذرهم؛ لأجل النسيان وعدم العلم، والدليل عليه قول السائل: (فلم أشعر).\nوجاء ذلك مصرَّحًا في حديث علي بن أبي طالب ﵁، أخرجه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح: أنَّ رسول الله ﵇ سأله رجل في حجته فقال: إنِّي رميت وأفضت ونسيت فلم أحلق، قال: «فاحلق ولا حرج»، ثم جاء رجل آخر فقال: إنِّي رميت وحلقت ونسيت أن أنحر، فقال: «انحر ولا حرج»، فدلَّ ذلك أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم إنَّما كان لأجل النسيان والجهل بأمر المناسك؛ لأنَّ السائلين كانوا ناسًا أعرابًا لا عِلم لهم بالمناسك، فأجابهم ﵇ بقوله: «لا حرج»؛ يعني: فيما فعلتم بالنسيان وبالجهل، فإنَّه أباح لهم ذلك فيما بعدُ.\nوممَّا يؤيِّد هذا قولُ حبْر الأُمَّة ابن عباس ﵄: مَن قدَّم شيئًا من حجه أو أخَّره؛ فليُهرق لذلك دمًا، والحال أنَّه أحد رواة الحديث المذكور، فلو لم يكن معنى الحديث عنده على ما ذكرنا؛ لما قال بخلافه، والدليل على هذا ما رواه أبو سعيد الخدري كما أخرجه الحافظ الطحاوي، قال: سُئل رسول الله ﵇ وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرميَ، قال: «لا حرج»،\n_________\n(^١) في الأصل (تلك).\n (^٢) في الأصل (قوامون).","vol":"1","page":27},{"text":"وعن رجل ذبح قبل أن يرميَ، قال: «لا حرج»، ثم قال: «عباد الله؛ وضع الله عنكم الحرج والضيق، فتعلَّموا مناسككم؛ فإنَّها من دينكم».\nقال الحافظ الطحاوي: أفلا يرى إلى أنَّه أمرهم بتعلُّم مناسكهم؛ لأنَّهم كانوا لا يُحسنونها، فدل ذلك على أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، فعلم ما قرَّرناه: أنَّ الترتيب في أعمال الحج واجبٌ يتعلَّق الدمُ بتركه، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، والإمام مالك، وابن جُبير، والحسن، والنَّخَعي، وقتادة وغيرهم، فلو حلق قبل أن يذبح؛ فعليه دمٌ، وإن كان قارنًا؛ فعليه دمان عندنا.\nوقال الإمام زفر: إذا حلق قبل أن ينحر؛ فعليه ثلاثة دماء؛ دمان (^١) للقِران، ودم للحلق قبل النحر، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد: عليه دمٌ واحد، وقال الإمام الشافعي وأحمد ابن حنبل: الترتيب في الأعمال المذكورة في الحديث سُنَّة، فلا شيء بتركه، واستدلا بالحديث المذكور، وقالا: معنى قوله: «لا حرج»؛ أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب، ولا في ترك الفدية، ولا حجة لهما في الحديث؛ لما علمتَ أنَّه أسقط الحرج للنسيان وعدم العلم، ولعله لم يبلغهما الأحاديث الواردة في ذلك؛ فتأمَّل.\nوفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا، وماشيًا، وواقفًا، وجواز الجلوس على الدابة وهي واقفة للحاجة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٦١\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-161>[باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس]</span>\nهذا (باب من أجاب الفتيا)؛ أي: باب في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي في فتياه، (بإشارة اليد والرأس)، والمناسبة بين البابين ظاهرة، ولفظ (باب) ساقط عند الأصيلي كعادته.\n\n <span id=\"b-١٦٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-162>[حديث: أن النبي سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي]</span>\n٨٤ - وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلَمة؛ بفتح اللام: التبوذكي البصري، (قال: حدثنا وُهَيب)؛ بضم الواو، وفتح الهاء، وسكون التحتية، آخره موحَّدة: ابن خالد الباهلي البصري، المتوفى سنة خمس أو تسع وستين، (قال: حدثنا أيوب) السختياني البصري، (عن عكرمة)؛ بكسر العين وإسكان الكاف: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، (أنَّ النبي) الأعظم (ﷺ سُئل)؛ بضم السين المهملة، (في حجته)؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها؛ أي: الوداع، (فقال)؛ أي: السائل: (ذبحت) هديي، (قبل أن أرمي) الجمرة هل علي حرج؟ (فأومأ)؛ أي: أشار ﵇، وفي رواية: (قال: فأوما) (بيده) الكريمة حال كونه قد (قال)، وفي رواية: (فقال): (لا حرج) عليك، وللأصيلي: (ولا حرج) بالواو؛ أي: امض (^٢) في فعلك لا حرج عليك؛ لأنَّك جاهل ناسي، و(على) حالية، قال: يكون جمع بين الإشارة والنطق، ويَحتمل أن يكون (قال) بيانًا لقوله: (فأومأ)، ويكون من إطلاق القول على الفعل، كذا في «عمدة القاري».\n (وقال) ذلك السائل أو غيره: (حلقت) رأسي، (قبل أن أذبح) هديي؛ أي: قبل ذبحه، فـ (أن) مصدريَّة، (فأومأ)؛ أي: أشار ﵇، (بيده) الشريفة، (ولا حرج)؛ أي: امض في فعلك ولا إثم عليك؛ لأنَّك لا تعلم المناسك وأحكامَها.\nوهذه الأحاديث مطلقة، وما رويناه مقيَّد، فيُحمل المطلق على المقيَّد، على أنَّ الأحاديث التي استدل بها إمامنا الأعظم مثبتة، وغيرَها نافية، ومن القواعد المقرَّرة عند المحقِّقين: أنَّ المثبت مقدَّم ومرجَّح على النافي؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٦٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-163>[حديث: يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن]</span>\n٨٥ - وبه قال: (حدثنا المكي بن إبراهيم) بن بَشِير؛ بفتح الموحدة، وكسر المعجمة، آخره راء: ابن فرقد، أبو السكن البلخي، المتوفى سنة أربع عشرة ومئتين ببلخ عن ثمان وثمانين سنة، (قال: أخبرنا حنظلة) زاد الأصيلي: (بن أبي سفيان)؛ أي: ابن عبد الملك.\n (عن سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، (قال: سمعت أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر؛ أي: كلامَه، (عنِ النبي) الأعظم (ﷺ قال: يُقبَض)؛ بضمِّ أوَّله على صيغة المجهول، (العلمُ)؛ أي: بموت العلماء، وهو تفسير لقوله في الرواية المارَّة: (يُرفع العلم).\n (ويَظهر)؛ بفتح أوَّله على صيغة المعلوم، (الجهل)، وظهوره لازمُ قبضِ العلم، فذِكره تأكيدٌ وإيضاح، (والفتنُ) بالرفع عطفًا على الجهل، وفي رواية: بإسقاط لفظ (الجهل)، (ويَكثر)؛ بفتح أوَّله بصيغة المعلوم، (الهَرْج)؛ بفتح الهاء، وسكون الراء، آخره جيم: الفتنة والاختلاط والقتال.\n (قيل: يا رسول الله؛ وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرَّفها) بتشديد الراء، (كأنَّه يريد القتل)، فكأن الراوي فهم من تحريف يده وحركتها كالضارب أنَّه يريد القتل، والظاهر أنَّ هذا زيادة من الراوي عن حنظلة، وفيه إطلاق القول على الفعل، و(الفاء) في (فحركها) تفسيريَّة، مفسِّرة لقوله: (هكذا)، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٦٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-164>[حديث: ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته]</span>\n٨٦ - وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي، (قال: حدثنا وُهيب) هو ابن خالد الباهلي، (قال: حدثنا هشام) هو ابن عروة بن الزبير بن العوَّام، (عن فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام بن عروة وبنت عمِّه.\n (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير، وكان عبد الله بن أبي بكر شقيقها، وعائشة وعبد الرحمن أخواها لأبيها، وهي ذات النطاقين، المتوفاة في مكة في جماد الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير، وقد بلغت المئة ولم يسقط لها سِنٌّ ولم يتغيَّر لها عقل، أنَّها (قال: أتيت عائشة) بالنصب مفعول، ومنع التنوين منه؛ لأنَّه غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، أم المؤمنين ﵂.\n (وهي تصلي) جملة اسمية وقعت حالًا من عائشة، (فقلتُ) لها: (ما شأن الناس) قائمين فزعين، (فأشارت) عائشة (إلى السماء) تعني: انكسفت الشمس، (فإذا الناس)؛ أي: بعضهم، (قيام) لصلاة الكسوف، و(إذا) للمفاجأة، وما بعده مبتدأ وخبر، (فقالت)؛ أي: عائشة: (سبحان الله) مفعول مطلق التُزِمَ إضمارُ فعله، تقديره: أُسَبِّحُ الله سبحان؛ أي: تسبيحًا، معناه: أنزِّهُه.\n (قلت: آية؟) بهمزة الاستفهام وحذفها، خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؛ أي: علامة لعذاب الناس كأنَّها مقدمة له، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أو علامة لقرب زمان القيامة، (فأشارت) عائشة (برأسها؛ أي: نعم) تفسير لقوله: (إشارة).\nوقال أهل الهيئة: إنَّ الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يرى حينئذٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نورَ له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر عند كون النيِّرين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، وهذا إن كان غرضهم أنَّ الله تعالى أجرى سُنَنَه بذلك كما أَجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنَّه واجب عقلًا وله تأثيرٌ بحسب ذاته؛ فهو باطل؛ لما عُلم أنَّ جميع الحوادث مسندَةٌ إلى إرادة الله ولا مؤثِّر في الوجود إلَّا الله تعالى.\nقالت أسماء: (فقمت) في الصلاة، (حتى) إلى أن (علاني)؛ بالعين المهملة وتخفيف اللام، من علوت الرجل غلبتُه، وفي رواية: (تجلَّاني)؛ بالفوقية والجيم وتشديد اللام؛ أي: علاني؛ أي: غلبني، (الغَشي)؛ بفتح المعجمة الأولى وسكون الثانية، آخره مثناة خفيفة، وبكسر الشين المعجمة وتشديد الياء أيضًا، بمعنى: الغشاوة، وهي الغطاء.\nوفي الأصل: تحرك الخلط الصفراوي يصعد بخاره للدماغ بسبب الحركة، وهنا بطول القيام، والمراد به هنا الحالة الغريبة القريبة منه، فأطلقت (الغشي) عليها مجازًا، ولهذا قالت: (فجعلتُ) من الأفعال الناقصة، و(التاء) اسمه، وقوله: (أصبُّ على رأسي الماء) جملة من الفعل والفاعل المستتر والمفعول: محلُّها النصب خبر (جعل)، وإنَّما صبَّتْ في تلك الحالة الماء البارد؛ لأنَّه يُطفئ حرارة البخار، ويُسكِن تهيُّج الصفراء، ويجلو البصر.\n (فحمِد الله) ﷿ (النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: قال: الحمد لله، (وأثنى عليه) بأن شكره وذكره بصفات الكمال، فهو من عطف العام على الخاص، (ثم قال) ﵇، (ما) نافية، (مِن) زائدة للتأكيد، (شيء) اسم (ما)، (لم أكن) جملةٌ محلُّها رفع صفة لـ (شيء)، (أُريته)؛ بضم الهمزة، جملةٌ محلُّها النصب خبر (لم أكن)، ولا يصحُّ جعلها حالًا خلافًا لمن زعمه.\n (إلَّا رأيتُه) استثناء مفرَّغ، فتُلغى فيه (إلَّا) من حيث العمل لا من حيث المعنى؛ أي: رؤيته عين حقيقة؛ بأنْ كُشف له وأُزيلت الحجب عنه، فرأى ربَّه ﷿ بلا كيف ولا كيفيَّة؛ لأنَّه ممَّا لم يمنعه العقل، وكذا كلُّ شيء يصحُّ شرعًا رؤيته، حال كوني، (في مَقامي)؛ بفتح الميم الأولى وكسر الثانية؛ أي: مكاني، زاد في رواية: (هذا) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو هذا، ويؤوَّل بالمشار إليه.\n (حتى الجنة والنار) يجوزُ فيهما الرفع، والنصب، والجرُّ، أمَّا الرفع؛ فعلى أنَّ (حتى) ابتدائية، و(الجنة) مبتدأ محذوف الخبر، و(النار) عطفٌ عليه؛ أي: حتى الجنة مرئية، وأمَّا النصب؛ فعلى أن تكون (حتى) عاطفة عطفت (الجنة) على الضمير المنصوب في (رأيته)، وأمَّا الجر؛ فعلى أن تكون (حتى) جارَّة فرآهما حقيقةً أو صُوِّرتا له في الحائط كما يتمثَّل المرئيات في المرآة، ويدلُّ له ما في المؤلف في (الكسوف): فقال ﵇: «الجنة والنار ممثلين في قبلة هذا الجدار»، وفي «مسلم»: «إنِّي صُوِّرتْ لي الجنة والنار، فرأيتُهما دون (^٣) هذا الحائط»، وتمامه في «عمدةالقاري».\n_________\n(^١) في الأصل (دمين) والصواب أنها بدل من (ثلاثة) المبتدأ.\n (^٢) في الأصل (امضي).\n (^٣) في الأصل: (بدور) تبعًا لـ «عمدة القاري».","vol":"1","page":28},{"text":"(فأُوحي)؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول (إليَّ: أنَّكم)؛ بفتح الهمزة: مفعول (أوحي) نائب عن الفاعل (تُفتنون) جملة محلُّها الرفع خبر (أنَّ)؛ أي: تُمتحنون وتُختبرون (في قبوركم) وهو دليل على ثبوت عذاب القبر، (مثلَ أو قريبًا)؛ بحذف التنوين في الأول وإثباته في الثاني، وفي رواية: بحذفه فيهما مع حذف الألف، وفي أخرى: بإثباته فيهما مع ثبوت الألف.\n (لا أدري أيُّ ذلك) لفظ (مثل أو قريبًا)، (قالت أسماء؟)، و(أيُّ) مرفوع على الابتداء، خبرُه قوله: (قالت أسماء)، وضميرُ المفعول محذوف؛ أي: قالته، ويجوز أن تكون (أي) استفهاميَّة وموصولة، فإن كانت استفهاميَّة؛ يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون (أي) مبنيَّة على الضم مبتدأ حذف صدر صلتها؛ تقديره: لا أدري أي ذلك هو قالته، وإن كانت موصولة؛ تكون (أي) منصوبة إمَّا مفعول لـ (أدري) أو بـ (قالت) سواء كانت موصولة أو استفهاميَّة، وتمامه في «عمدة القاري».\n (من فتنة المسيح)؛ بالحاء المهملة، إنَّما سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّه يمسح الأرض، أو لأنَّه ممسوح إحدى العينين، وفرَّق بعضهم بينه وبين عيسى ابن مريم بأن يقال فيه: المسِّيح كـ (سكِّيت)؛ بتشديد السين المهملة؛ لأنَّه مُسح خلقه؛ أي: شوِّه، ويقال لعيسى: مسيح؛ بالتخفيف، وقال آخرون: يقال له: بالخاء المعجمة؛ لأنَّه خلق خلقًا ملعونًا، وبالمهملة لعيسى؛ لأنَّه خلق خلقًا حسنًا.\n (الدَّجَّال)؛ بتشديد المعجمة، (فَعَّال) من الدَّجَل؛ وهو الكذب وخلط الحقِّ بالباطل، وتقدير الرواية الأولى: مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان (مثل) مضافًا إليه وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف؛ لدلالة ما بعدَه.\nوأمَّا وجه الثانية: فهو أن يكون (مثل) أو (قريب) كلاهما مضافان إلى (فتنة المسيح)، ويكون قوله: (لا أدري أيُّ ذلك قالت أسماء؟) معترضة بين المضاف والمضاف إليه، مؤكِّدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة (أو).\nوأمَّا وجه الثالثة: فهو أن يكون (مِثلًا) منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، و(أو قريبًا) عطفًا عليه، والتقدير: تُفتنون في قبوركم فتنةً مِثلًا -أي: مماثلًا- من فتنة المسيح الدجَّال أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح الدجال، وتمامه في «عمدة القاري».\n (يقال) للمفتون: (ما علمك) مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وإنَّما عُدِل عن خطاب الجمع إلى المفرد؛ لأنَّ السؤال عن العلم يكون لكلِّ واحد بانفراده واستقلاله، وتمامه في «عمدة القاري».\n (بهذا الرجل) ﵇، ولم يقل: بي؛ لأنَّه حكاية عن قول الملكين السائلين المسمِّيَيْن بمنكر ونكير، ولم يقولا (^١) له: رسول الله؛ لئلَّا يلقَّنَ منهما إكرامَ الرسول، فيُعظِّمُه تقليدًا لهما لا اعتقادًا، (فأمَّا) للتفصيل وفيه معنى الشرط فلذا دخلت الفاء في جوابها، (المؤمن أو الموقن)؛ أي: المصدِّق بنبوة النبي الأعظم ﵇، (لا أدري بأيهما)، وفي رواية: (أيُّهما المؤمن أو الموقن)، (قالت أسماء) الشك من فاطمة بنت المنذر، (فيقول) جواب (أمَّا)؛ أي: المقبور المفتون: (هو محمَّد) مبتدأٌ وخبر، (هو رسول الله) مبتدأٌ وخبر، هو (جاءنا) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو جاءنا (بالبينات)؛ أي: المعجزات الدالة على نبوته (والهدى)؛ أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، (فأجبنا)؛ أي: قبلنا نبوَّته معتقدين حقيتها معترفين بها، (واتَّبعنا) فيما جاء به إلينا، أو الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل، وفي رواية: زيادة الهاء في آخرهما، وحذف ضمير المفعول من الأولى للعلم به، (هو محمد)، وفي رواية: (وهو محمد ﷺ).\n (ثلاثًا) منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن: هو محمَّد قولًا ثلاثًا؛ أي: ثلاث مرات، ولفظ (ثلاثًا) ذُكر للتأكيد، فلا يكون المقول إلَّا ثلاث مرات، فاندفع أن يقال: يلزم أن يكون (هو محمد) مقولًا تسع مرَّات؛ فافهم.\n (فيقال) له: (نَمْ) فعل أمر، حال كونك، (صالحًا)؛ أي: منتفِعًا بإيمانك وعملك، (قد علمنا إنْ)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشأن، (كنت لموقنًا به)؛ أي: إنَّك موقنٌ به، و(اللام) هي الفارقة بين المخففة والنافية عند البصريين، وقال الكوفيُّون: (إنْ) بمعنى (ما)، و(اللام) بمعنى (إلَّا)، كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]؛ أي: ما كل نفس إلَّا عليها حافظ، ويكون التقدير هنا: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السفاقسي بفتح الهمزة على جعلها مصدريَّة؛ أي: علمنا كونك موقنًا به، بناءً على أنَّ (اللام) اجتُلبتْ للفرق، لا للابتداء.\n (وأمَّا المنافق)؛ أي: غير المصدق بقلبه لنبوَّته، (أو المرتاب)؛ أي: الشاكُّ، وأصله: مرتيب؛ بفتح المثناة التحتية في المفعول وكسرها في الفاعل من الريب، قالت فاطمة: (لا أدري أيُّ ذلك قالت أسماء) ﵂، (فيقول) (الفاء) في جواب (أمَّا)؛ أي: المفتون: (لا أدري، سمعتُ الناسَ) حالَ كونهم (يقولون شيئًا فقلتُه)؛ أي: قلت ما كان الناس يقولونه، وفي رواية: وذكر الحديث بتمامه؛ وهو أنَّه يقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، نسأل الله العافية.\nوفي الحديث دليل على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وسأل اليهود عمر عن قوله تعالى (^٢): ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]: وأين تكون النار، فقال لهم عمر: أرأيتُم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، فقالوا له: لقد نزعت ممَّا في التوراة، وفيه سؤال منكر ونكير، وخروج الدجَّال، وسُنِّيَّة صلاة الكسوف، وحضور النساء الجماعات، وجواز السؤال من المصلي.\nوفيه دليل على امتناع الكلام في الصلاة ولو كلمة، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم وأتباعهرضي الله عنه، وفيه جواز الإشارة ولا كراهة فيها إذا كانت لحاجة، وهو مذهبنا أيضًا، وجواز العمل اليسير في الصلاة وأنَّه لا يبطلها، وهو مذهبنا، وأنَّ الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل والفهم باقيًا، وهو مذهبنا، وأمَّا صبُّ الماء؛ فالمراد به بعمل قليل؛ بحيث لا يعدُّه الناظر كثيرًا، وإلَّا لفسدت الصلاة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٦٥\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-165>[باب تحريض النبي وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان</span>...]\nهذا (باب تحريض) وهو بالضاد المعجمة وكذا بالمهملة، بمعنًى واحد، وهو الحث على الشيء، خلافًا لمن زعم أنَّ المهملة تصحيف؛ فافهم، (النبي) الأعظم (ﷺ وفد) جماعة، (عبد القيس) القبيلة المشهورة، (أنْ يحفظوا الإيمان والعلم) عطف خاص على عام، (ويخبروا به مَن وراءَهم) من الناس.\n (وقال مالك بن الحُويرث)؛ مصغَّر الحارث؛ بالمثلثة، ابن حشيش؛ بفتح المهملة وبالشين المعجمة المكررة، وقيل: بضم المهملة، ابن عوف بن جندع الليثي، أبو سليمان، المتوفى بالبصرة سنة أربع وتسعين، ممَّا وصله المؤلف في (الصلاة)، ومسلم كذلك.\n (قال لنا النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، (ﷺ)؛ أي: لمَّا قدم عليه في ستةٍ مِن قومه، وأسلم، وأقام عنده أيامًا، وأذن له بالرجوع: (ارجعوا إلى أهليكم) جمع الأهل، وهو يُجمع مكسَّرًا على (الأهال) و(الأهالي)، ومُصَحَّحًا بالواو والنون نحو: (الأهلون)، وبالألف والتاء نحو: (الأهلات)، (فعلِّموهم) أمر دينهم، وفي رواية: (فعِظوهم)؛ أي: ذكِّروهم.\n\n <span id=\"b-١٦٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-166>[حديث: مرحبًا بالقوم -أو: بالوفد- غير خزايا ولا ندامى]</span>\n٨٧ - وبه قال: (حدثنا محمد بن بَشَّار)؛ بفتح الموحدة والشين المعجمة، ابن عثمان البصري، (قال: حدثنا غُندَر)؛ بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة، محمد بن جعفر الهذلي البصري، (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجَّاج، (عن أبي جمرة)؛ بالجيم والراء، نصر بن عمران البصري، أنَّه (قال: كنت أترجم)؛ أي: أعبِّر، (بين ابن عباس) زمن ولايته بالبصرة مِن قِبَل علي بن أبي طالب (وبين الناس) فأعبِّرُ لهم ما يقول ابن عباس، وله ما يقولونه، (فقال) ابن عباس: (إنَّ وفدَ) جماعة، (عبد القيس) بن أَفْصَى؛ بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وفتح الصاد المهملة، أربعة عشر رجلًا، والوفد: اسمٌ جمع، لا جمعٌ لـ (وافد)، وهم القوم يأتون رُكبانًا، (أتَوا النبي) الأعظم عام الفتح، وفي الرواية السابقة: (لما أتَوا [رسول] الله)، (ﷺ قال) لهم: (مَنِ الوافد أو) قال لهم:\n_________\n(^١) في الأصل: (يقولان).\n (^٢) زيد في الأصل: (في).","vol":"1","page":28},{"text":"(مَنِ القوم؟) بالشكِّ مِن شعبة أو شيخه (قالوا) نحن (ربيعة) بن نزار بن مَعَد بن عدنان؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، (فقال) ﵇، وفي رواية: (قال): (مرحبًا بالقوم أو بالوفد) على الشك أيضًا، وفي رواية بحذفهما، وانتصابُه على المصدريَّة بفعلٍ مضمر (غير) بالنصب حال، وبالجرِّ صفة (خزايا)؛ أي: مذَلِّين ولا مهانِين بالقتل والسَّبِي (ولا ندامى) جمع نادم على القياس؛ كما قدَّمناه، وعند النسائيِّ قال: «مرحبًا بالوفد ليس الخزايا النادمين».\n (قالوا): يا رسول الله؛ (إنا نأتيك من شُقَّة)؛ بضمِّ الشين المعجمة؛ أي: سفرة، (بعيدة) وكانوا ينزلون البحرين، (وبيننا وبينك هذا الحي من كفَّار مُضر)؛ بضمِّ الميم ممنوعٌ من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، وأصل الحي: منزل القبيلة، ثم سُمِّيت به؛ اتِّساعًا، (ولا نستطيع أن نأتيك)؛ أي: الإتيان إليك (إلَّا في شهرٍ حرامٍ)؛ بتنكيرها؛ أي: رجب، كما صرَّح به البيهقي، وفي رواية: (في شهر الحرام)؛ بتعريف الثاني، (فمرنا بأمر) زاد في (الإيمان): (فصل) (نخبر به) بالرفع على الصفة لقوله: (أمر)، وبالجزم جوابًا للأمر (مَن وراءَنا)؛ أي: الذي استقرَّ خلفنا من قومنا، (ندخل به الجنة)؛ بإسقاط واو العطف الثابتة في (كتاب الإيمان) مع الرفع على الحال المقدَّرة؛ أي: نخبر مقدِّرين دخول الجنة، أو على الاستئناف، أو البدلية، أو الصفة بعد الصفة، والجزم جوابًا للأمر بعد جواب، وفي رواية: (وندخل) بإثبات الواو كالأولى، وعليها؛ فلا يتأتَّى الجزم في الثاني مع رفع الأول، كذا قرَّره في «عمدة القاري».\n (فأمرهم) ﵇ (بأربع) جمل أو خصال، (ونهاهم عن أربع، أمرهم: بالإيمان بالله ﷿ وحده، قال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)؛ برفع (شهادة): خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز الجرُّ على البدليَّة، (وإقام الصلاة) المفروضة؛ أي: أداؤها، (وإيتاء الزكاة)؛ أي: إعطاؤها، (وصوم رمضان، و) زاد الخامس: أن (تعطوا الخُمُس مِنَ المغنم)، وصرَّح بـ (أن) أحمدُ؛ لكونهم كانوا مجاورين كفَّار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم، فزاد الخامس لذلك، (ونهاهم عن الدُّبَّاء)؛ بضم الدال المهملة وتشديد الموحَّدة والمدِّ: القرع؛ أي: عن الانتباذ بهذه الأشياء، ثم ثبتت الرخصة بما في «مسلم»: «كنت نهيتكم عنِ الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا»، (و) عن (الحَنْتم)؛ بفتح الحاء المهملة وسكون النون: جِرار متخذةٌ من طين، ودم، وشعر، أو مطلية بما يسدُّ الخَرْق، (و) عن (المُزَفَّت)؛ أي: المطليِّ بالزفت، (قال شعبة: ربما)، وفي رواية: (وربما) (قال) أبو جمرة: عن (النَّقِير)؛ بفتح النون وكسر القاف؛ أي: الجذع المنقور، (وربما قال): عن (المقيَّر)؛ أي: المطليِّ بالقار، وليس المراد أنَّه كان يتردَّد في هاتين اللفظتين؛ ليثبت إحداهما دون الأخرى؛ لأنَّه على هذا التقدير يلزم التَكرار؛ بلِ المراد أنَّه كان جازمًا بذكر الألفاظ الثلاثة الأُوَل، شاكًّا في الرابع؛ وهو النقير، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وكان أيضًا شاكًّا في التلفُّظ بالثالث؛ أعني المزفَّت، فكان تارة يقول: المزفت، وتارة يقول: المقيَّر، والدليل عليه: أنَّه جزم بالنقير في الباب السابق، ولم يتردَّد إلَّا في المزفَّت والمقيَّر فقط، كذا قرره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (قال: احفظوه)؛ أي: المذكور، (وأخبروه)؛ بفتح الهمزة وكسر الموحَّدة، وفي رواية: بحذف الضمير، وفي أخرى: (وأخبروا به) (مَن وراءَكم) من قومكم، وتمامه قدَّمناه.\n\n <span id=\"b-١٦٧\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-167>[باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله]</span>\nهذا (باب الرحلة)؛ بكسر الراء؛ أي: الارتحال، وبالضم: جودة الشيء (في المسألة النازلة) بالمرء، (وتعليمِ أهله) بالجرِّ عطفًا على الرحلة، قال في «عمدة القاري»: والصواب حذف هذه الجملة؛ لأنَّه يأتي آخر الباب.\n\n <span id=\"b-١٦٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-168>[حديث عقبة: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب]</span>\n٨٨ - وبه قال: (حدثنا محمد بن مقاتل) المروزي، وفي رواية: (ابن مقاتل أبو الحسن) (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (قال: أخبرنا عُمر بن سعِيد)؛ بضم العين في الأول وكسرها في الثاني (بن أبي حُسَين)؛ بضم الحاء وفتح السين المهملتين؛ مصغرًا، النوفلي المكي (قال: حدثني) بالإفراد (عَبْد الله)؛ بفتح العين وسكون الموحدة (ابن أبي مُليكة)؛ بضم الميم: زهير التيمي القرشي الأحول المكي، ونسبه لجده؛ لشهرته به، وإلَّا فأبوه عُبيد الله؛ بضم العين، (عن عُقْبَة)؛ بضم العين، وسكون القاف، وفتح الموحدة (بن الحارث) بن عامر القرشي المكي، أبو سِروعة؛ بكسر السين المهملة، وحكي فتحها، قال أبو عمران: ابن أبي مليكة لم يسمع من عقبة، وهو سهوٌ؛ لما سيأتي عند المؤلف في (النكاح): أنَّ ابن أبي مليكة قال: حدثنا عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وسمعته من عقبة، فهذا صريح في سماعه من عقبة: (أنَّه)؛ أي: عقبة بن الحارث (تزوَّج ابنةً) وللأصيلي: (بنتًا) (لأبي إِهاب بن عَزِيز)؛ بكسر الهمزة، وفتح العين المهملة، وكسر الزاي، وسكون التحتية: ابن قيس بن سويد التيمي الدارمي، واسم ابنته: غَنِيَّة؛ بفتح المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتية، وكنيتها: أم يحيى، (فأتته امرأة) قال في «عمدة القاري»: لم أقف على اسمها، (فقالت: إنِّي أرضعت عقبة) بن الحارث (والتي تزوَّج بها)؛ أي: غَنِيَّة، وفي رواية: بحذف (بها)، (فقال لها عقبة: ما أعلم أنكِ) بكسر الكاف (أرضعتني)، وفي رواية: (أرضعتيني)؛ بزيادة تحتية قبل النون، (ولا أخبرتني) وفي رواية: (ولا أخبرتيني)؛ بزيادة تحتية قبل النون (^١)، (فركب) عقبة (إلى رسول الله ﷺ) حال كونه (بالمدينة)؛ أي: فيها، وكان ركوبه من مكة، (فسأله)؛ أي: سأل عقبة النبيَّ الأعظم ﵇ عن الحكم، (فقال) وفي رواية: (قال) (رسول الله) وفي رواية: (قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ: كيف) تباشرها (وقد قيل): إنك أخوها من الرضاعة؟! (ففارقها عقبة) بن الحارث؛ أي: طلقها احتياطًا وورعًا، لا حكمًا بثبوت الرضاع وفساد النكاح؛ لأنَّه ليس قول المرأة الواحدة شهادةً يجوز الحكم بها في أصل من الأصول، وإنَّما يثبت الرضاع بما يثبت به المال؛ وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وهذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم ﵁.\n (ونَكحت) غَنِيَّة بعد فراق عقبة، ومُضِيِّ عِدتها (زوجًا غيره) هو ظُرَيب؛ بضم المعجمة، وفتح الراء، آخره موحدة: ابن الحارث، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٦٩\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-169>[باب التناوب في العلم]</span>\nهذا (باب التناوب) بالجرِّ؛ للإضافة (في العلم)، والتناوب (تفاعل) من ناب؛ أي: قام مقامي؛ بأن يأخذ هذا مرة ويذكره لهذا، والآخر مرة ويذكره له.\n\n <span id=\"b-١٧٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-170>[حديث عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار]</span>\n٨٩ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) هو الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة؛ بالمهملة والزاي، (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب،\n (ح) مهملة للتحويل: (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، وهو ساقط في رواية، (وقال ابن وهب) عبد الله المصري فيما وصله ابن حبَّان في «صحيحه» عن ابن قتيبة، عن حرملة، عن عبد الله بن وهب: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) الزهري المذكور في الموصول، فغاير بين اللفظين؛ تنبيهًا على قوَّة محافظته على ما سمعه من شيخه، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (ابن أبي ثور)؛ بالمثلثة، القرشي النوفلي التابعي، (عن عبد الله بن عباس، عن عمر) بن الخطاب ﵁ أنَّه (قال: كنت أنا وجارٌ)؛ بالرفع عطفًا على الضمير المنفصل المرفوع، أعني: أنا، وإنَّما أظهره؛ لصِحَّة العطف حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، هذا قول البصريين، وعند الكوفيين: يجوز من غير إعادة الضمير، ويجوز فيه النصب على معنى المعية، واسمه: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، (لي) جارٌ ومجرور في محل رفع أو نصب صفة لـ (جار)، (مِن) بيانية (الأنصار) جمع ناصر أو نصير، عبارة عن الصحابة الذين آووا ونصروا رسول الله ﵇ من أهل المدينة، وهو اسم إسلامي سمَّى الله به الأوس والخزرج (في بني) في محل نصب خبر (كان)؛ أي: مستقرِّين، أو نازلين، أو كائنين فيها، وفي رواية: (من بني) (أمية بن زيد)؛ أي: في هذه القبيلة ومواضعهم؛ يعني: في ناحية بني أمية، سُمِّيت البقعة باسم مَن نزلها، (وهي)؛ أي: القبيلة، وفي رواية: (وهو)؛ أي: الموضع (من عوالي) خبر (هي) (المدينة) جمع عالية، وهي عبارة عن قرًى بقرب المدينة من فوقها في جهة الشرق، وأقرب العوالي إلى المدينة على ميلين، أو ثلاثة، أو أربعة، وأبعدها ثمانية، وتمامه في «عمدة القاري» (وكنا نتناوب) جملة محلها النصب خبر كان (النزول) بالنصب مفعوله (على رسول الله ﷺ ينزل) جملة محلها الرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: جاري (يومًا) بالنصب على الظرفية، (وأنزل يومًا) من العوالي إلى رسول الله ﵇؛ لتعلُّم العلم، (فإذا نزلت) أنا؛ (جئته) جواب (فإذا)؛ لما فيها من معنى الشرط (بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره) من الشرائع، (وإذا نزل) جاري؛ (فعل) معي (مثل ذلك) فيأتيني بخبر يومه من الوحي وغيره، (فنزل صاحبي الأنصاريُّ) بالرفع صفة لـ (صاحبي) المرفوع،\n_________\n(^١) في الأصل: (الفوقية)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":29},{"text":"(يوم نوبته)؛ أي: يومًا من أيام نوبته، فسمع أنَّ النبيَّ الأعظم ﵇ اعتزل نساءه، فرجع إلى العوالي فجاء، (فضرب بابي) فالفاء تسمَّى فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن شرط مقدر (ضربًا شديدًا، فقال: أثَمَّ هو)؛ بفتح المثلثة وتشديد الميم: اسم يُشار به إلى المكان البعيد، وهو ظرف لا ينصرف، (ففزِعت)؛ بكسر الزاي؛ أي: خِفت لأجل الضرب الشديد؛ لأنَّه كان على خلاف عادته، فـ (الفاء) تعليلية، وللمؤلف في (التفسير): (قال عمر: كنا نتخوَّف مَلِكًا من ملوك غسان ذُكر لنا أنَّه يريد أن يسير إلينا وقد امتلأت صدورنا منه، فتوهَّمت لعلَّه جاء إلى المدينة، فخفته لذلك)، (فخرجت إليه فقال: قد حدث أمر عظيم) أراد به اعتزاله ﵇ عن أزواجه الطاهرات، وإنَّما وصفه بالعظمة؛ لكونه مَظِنَّة الطلاق وهو عظيم، لا سيما بالنسبة إلى عمر؛ فإنَّ بنته إحدى زوجاته، وفي أصل الحديث بعد قوله: (أمر عظيم): (طلق رسول الله ﵇ نساءه، قلت: قد كنتُ أظنُّ أنَّ هذا كائنٌ حتى إذا صليت الصبح شددتُ عليَّ ثيابي ثم نزلت)، (فدخلت على حفصة) أمِّ المؤمنين، فالداخل أبوها عمر، لا الأنصاري، و(الفاء) تفصيحية أفصحت عن المقدر؛ أي: نزلت من العوالي فجئت إلى المدينة فدخلت على حفصة؛ (فإذا هي تبكي) مبتدأ وخبره، (فقلت) لها: (طلقكُنَّ) وفي رواية: (أطلقكُنَّ) (رسول الله ﷺ؟ قالت)؛ أي: حفصة: (لا أدري)؛ أي: لا أعلم، ومفعوله محذوف؛ أي: أنَّه طلق، (ثمَّ دخلتُ على النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: فخرجت من عندها ودخلت عليه، (فقلت وأنا قائم): يا رسول الله؛ (أَطلقتَ نساءك؟)؛ بهمزة الاستفهام مفتوحة، (قال) ﵇: (لا، فقلت) وللأصيلي: (قلت): (الله أكبر!) وقع موقع التعجُّب من كون الأنصاري ظنَّ أنَّ اعتزالَه ﵇ عن نسائه طلاقٌ أو ناشئٌ عنه، فلمَّا رأى عمرُ أنَّ صاحبه لم يصب في ظنِّه؛ تعجَّب منه بلفظ: (الله أكبر).\nوإيراد هذا الحديث هنا للتناوب (^١) في العلم، وفيه: جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهنَّ، وفيه: أنَّ لطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين به، وفيه: قبول خبر الواحد، وفيه: توقيت يوم للعلم ويوم للمعيشة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٧١\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-171>[باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره]</span>\nهذا (باب الغضب) بالإضافة، وهو انفعال يحصُل من غليان الدم لشيءٍ دخل في القلب (في) حالة (الموعظة)؛ أي: الوعظ (و) في حالة (التعليم إذا رأى) الواعظ أو المعلِّم (ما يكره)؛ أي: الذي يكرهه، فحذف العائد.\nأراد المؤلف الفرق بين قضاء القاضي وهو غضبان، وبين تعليم العلم أو تذكير الوعظ؛ فإنَّه بالغضب أجدر وخصوصًا بالموعظة، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وتبعه ابن المُنَيِّر والبِرماوي، واعترضه الدَّماميني؛ حيث قال: أمَّا الوعظ؛ فمُسَلَّم، وأمَّا تعليم العلم؛ فلا نُسَلِّم أنَّه أجدر بالغضب؛ لأنَّه ممَّا يدهش الفكر، فقد يفضي التعليم به إلى خلل، والمطلوبُ كمالُ الضبط.\nقلت: وهو مردودٌ؛ فإنَّ الغضب يقوِّي القلب ويحسِّنه، ويخرج الجواب منه سريعًا على الصواب، ويتفتَّح الفكر به، ويزول عن العقل جميع العوارض المخلَّة للتعليم، فيصير جوهره مضيئًا بسبب غليان الدم، فيحصل به كمال الضبط، ولا يفضي إلى خلل؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٧٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-172>[حديث: أيُّها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف]</span>\n٩٠ - وبه قال: (حدثنا محمد بن كَثير)؛ بفتح الكاف وبالمثلثة، العبْدي؛ بسكون الموحدة، البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال: أخبرنا) ولأبي ذر: (أخبرني) (سفيان) هو الثوري، (عن ابن أبي خالد): هو إسماعيل البجلي الكوفي الأحمسي التابعي الطحان، (عن قيس بن أبي حازم)؛ بالمهملة والزاي: أبو عبد الله الأحمسي الكوفي البجلي المخضرم، (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري) الخزرجي البدري أنَّه (قال: قال رجل) قيل: هو حزم بن أبي كعب: (يا رسول الله؛ لا أكاد أدرك الصلاة) قال ابن الحاجب: إذا دخل النفي على (كاد)؛ فهو كالأفعال على الأصح، (مما يطول بنا) (مِن) للتعليل، و(ما): مصدريَّة، وفي رواية: (ممَّا يطول لنا)، وفي أخرى: (ممَّا يطيل)، فالأُولى من التطويل، وهذه من الإطالة (فلان) فاعله، كناية عن اسم سمَّى به المحدث عنه، ويقال لغير الآدمي: الفلان، بالتعريف، وهو معاذ بن جبل ﵁، وفي رواية المؤلف عن الفِريابي: (لأتأخَّر عن الصلاة)، وجاء عند المؤلف أيضًا: (إنِّي لأدع الصلاة)، فهاتان الروايتان يُنبئان أنَّ المعنى: أنِّي أتأخَّر عن الصلاة مع الجماعة، ولا أكاد أُدركها لأجل تطويل فلان، (فما رأيت النبيَّ) الأعظم (ﷺ في موعظة أشدَّ غضبًا) بالنصب على التمييز (من يومئذٍ) وفي رواية: (منه من يومئذٍ)، ولفظ (من) صلة (أشد)، والضمير راجع إليه ﵇، فيلزم أن يكون المفضَّل والمفضَّل عليه شيئًا واحدًا، أُجيب: إنَّما جاز ذلك باعتبارين؛ فهو مفضَّل باعتبار يومئذٍ، ومفضَّل عليه باعتبار سائر الأيام، كذا في «عمدة القاري».\n (فقال) ﵇: (يا أيها الناس؛ إنَّكم منفِّرون) عن الجماعات، وفي رواية بإسقاط حرف النداء، وفي أخرى: (إنَّ منكم منفِّرين)، وإنَّما خاطب الكلَّ ولم يُعيِّن المطوِّل؛ كرمًا ولطفًا به حتى لا يحصُل له الخجل، وكانت هذه عادته ﵇، (فمَن صلَّى بالناس)؛ أي: ملتبسًا بهم إمامًا لهم؛ (فليخفف) جواب (مَن) الشرطيَّة، بأن يقتصر على الفاتحة وسورة من قصار المفصَّل، وهذا أدنى التخفيف، ويزيد على ذلك برضا القوم، (فإنَّ فيهم المريض) (الفاء) للتعليل، و(المريض) منصوب؛ لأنَّه اسم (إنَّ) وما بعده عطف عليه، وخبرها قوله: (فيهم) مقدَّمًا؛ وهو الذي ليس بصحيح، (والضعيف)؛ أي: النحيف أو المسنُّ (وذا) بالنصب؛ أي: صاحب (الحاجة) وفي رواية: (وذو الحاجة) بالرفع: مبتدأٌ خبرُه محذوف، والجملة عطف على الجملة المتقدِّمة، أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما غضب ﵇؛ لأنَّه كره التطويل في الصلاة من أجل أنَّ فيهم المريض ونحوه، فأراد الرِّفق والتيسير بأُمَّتِه، ولم يكن نهُيهه عن التطويل لحرمته؛ لأنَّه كان يصلِّي في مسجده ويقرأ بالطِّوال كـ (يوسف)، وكان يقصر فيقرأ بالفجر المعوذتين لما سمع بكاء الصبي ونحوه.\nفالمراد الإرشاد بأن يكون الإمام حكيمًا ينظر في القوم، فإن كان مرادُهم التخفيف؛ خفَّف، وإن كان مرادُهم التطويل؛ طوَّل، وإنَّما اقتصر على هذه الثلاثة؛ لأنَّه متناول لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف؛ لأنَّه المقتضى له إما في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته وهو الضعيف، أو بحسب العارض وهو المريض، أو لا في نفسه؛ وهو ذو الحاجة.\nوفي الحديث جواز التأخير عن صلاة الجماعة الأولى، وذكر الإنسان بفلان، والغضب لأمر منكر، والإنكار على مَن ارتكب منهيًّا، والتعزير على إطالة الصلاة إذا لم يرض القوم.\n\n <span id=\"b-١٧٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-173>[حديث: أن النبي سأله رجل عن اللُّقَطَة]</span>\n٩١ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) أبو جعفر المسنَدي؛ بفتح النون (قال: حدثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي، كما في رواية (قال: حدثنا سليمان بن بلال المديني) وفي رواية: (المدني)، فالأوَّل: منسوب إلى مدينة المنصور، والثاني: إلى مدينة الرسول، ويقال: (مدائني) إلى مدائن كسرى، (عن ربيعة) المشهور بالرأي؛ بالتشديد والتخفيف، منسوب إلى الرأي (بن أبي عبد الرحمن) شيخ مالك الإمام، (عن يزيد) من الزيادة (مولى المنبعث)؛ بالنون، والموحدة، والمهملة، والمثلثة، المدني، (عن زيد بن خالد الجُهَني)؛ بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون، نزيل الكوفة المتوفَّى بها، أو المدينة، أو مصر، سنة ثمان وسبعين عن خمس وثمانين، والظاهر الأول، منسوب إلى جهينة، وكنيته: أبو طلحة، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو زرعة، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح: (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ سأله رجل) هو عُمير والد مالك، كذا في «عمدة القاري»، وقيل: بلال المؤذِّن، وقيل غيرهما، وهو بعيد، (عن اللُّقَطة)؛ بضم اللام وفتح القاف وقد تسكن: الشيء الملقوط، (فقال له) ﵇، ولكريمة: (قال): (اعرف)؛ بكسر الهمزة: من المعرفة (وِكاءَها) بالنصب مفعول (اعرف)؛ بكسر الواو ممدودًا: ما يُشَدُّ به رأس الصرَّة والكيس، أو الخيط الذي يُشَدُّ به الوعاء، (أو قال: وِعاءَها)؛ بكسر الواو: الظرف، والشك إمَّا مِن زيد أو ممَّن دونه من الرواة، (وعِفاصَها)؛ بكسر العين المهملة وبالفاء؛ الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خِرقة أو نحوهما، وهذا دليل على أنَّ لقطةَ الحلِّ والحرم سواءٌ، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور، خلافًا للشافعي، وإنَّما أمره بذلك؛ ليعرف صدق مدعيها أو كذبه،\n_________\n(^١) في الأصل: (التناوب)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":29},{"text":"وهذا يفيد الأمر بالتقاط اللقطة.\nقال في «فتاوي الولوالجي»: اختُلف في رفعها؛ فقال بعضهم: رفعُها أفضل من تركها، وقال بعضهم: يحِلُّ رفعُها وتركها أفضل، وفي «شرح الحافظ الطحاوي»: إذا وجد لقطة؛ فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه، وإذا لم يأمن على نفسه؛ لا يرفعها، ولو رفعها ووضعها في مكانه وهلكت؛ فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم.\nوقال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان، فإن ذهب عن مكانه، ثم أعادها ووضعها فيه فهلكت؛ فإنَّه يضمن، وقال بعضهم: يضمن مطلقًا، وهو خلاف ظاهر الرواية، وفي «شرح الأقطع»: يستحب أخذ اللقطة ولا يجب، وفي «الخلاصة»: إن خاف ضياعها؛ يفترض الرفع، وإن لم يخف؛ يباح رفعُها، أجمع العلماء عليه، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب عن الإمام الأعظم، انتهى.\nوعند مالك: قيل: يكره أخذها، وقيل: هو الأفضل، وعند الشافعي: قيل: يستحب الأخذ، وقيل: يجب، وقيل: إن خاف عليها؛ وجب، وإن أمن؛ استُحب، وعن أحمد: يُندب تركها.\n (ثم عَرِّفها) للناس بذكر بعض صفاتها في المحافل (سَنَةً) منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي: مدة سنة، وفي حديث أُبيٍّ ثلاث سنين، وفي بعض طرقه بالشك في سنة أو ثلاث، ويُحمل إمَّا بطرح الشك والزيادة، أو هي قصتان؛ الأولى للأعراب، والثانية لأُبيٍّ، وهذا يختلف بقِلَّة الشيء الملقوط وكَثرته، قال أصحابنا: يعرِّفها إلى أن يغلب على ظنِّه أنَّ ربَّها لا يطلبُها، وهو الصحيح؛ لأنَّ ذلك يختلف بقِلة المال وكَثرته، وروى الإمام محمد عن الإمام الأعظم: أنَّه إن كانت أقل من عشرة دراهم؛ عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا؛ عرَّفها حولًا؛ أي: سنةً، وهو قول مالك والشافعي، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنَّها إن كانت مئتي درهم فصاعدًا؛ عرَّفها حولًا، وفيما فوق العشرة إلى مئتين شهرًا، وفي العشرة جمعة، وفي ثلاثة دراهم ثلاثة أيام، وفي درهم يومًا.\nوإن كانت ثمرة ونحوها؛ يتصدَّق بها مكانها، وإن كان محتاجًا؛ أكلها مكانها، وفي «الهداية»: إذا كانت اللقطة شيئًا يعلم أنَّ صاحبَها لا يطلبُها؛ كالنواة وقشور الرُّمَّان؛ يكون إلقاؤُه مباحًا، فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، لكنَّه باق على ملك مالكه؛ لأنَّ التمليك من المجهول لا يصحُّ، وفي «الواقعات»: المختار في قشور الرُّمَّان والنواة أنَّه يملكها، وفي الصيد: لا يملكه.\nوإن جمع سنبلًا بعد الحصاد؛ فهو له لإجماع الناس على ذلك، وإن سلخ شاة ميتة؛ فهو له ولصاحبها أن يأخذه منه، وكذا الحكم في صوفها.\nفإن وصف اللقطة وبيَّنها مالكها؛ قال أئمتنا: حلَّ للملتقط أن يدفعها إليه من غير أن يُجبر عليه في القضاء، وقال مالك والشافعي: يُجبر على دفعها؛ لما في «مسلم»: «فإن جاء صاحبها فعرَّف عِفاصها وعددها؛ فأَعْطِها إيَّاه».\nقلنا: هذا مدَّعٍ وعليه البيِّنة؛ لقوله ﵇: «البيَّنة على المدَّعي»، والعلامة لا تدُلُّ على المِلك ولا على اليد؛ لأنَّ الإنسان قد يقف على مال غيره ويخفى عليه مال نفسه، فلا عبرة بهذا، والحديث محمول على الجواز لا الوجوب؛ توفيقًا بين الأخبار؛ لأنَّ الأمر قد يراد به الإباحة، وبه نقول.\n (ثم استمتِعْ بها)؛ بكسر التاء الثانية وتسكين العين؛ أي: إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًّا؛ يتصدَّق بها على فقير أجنبي أو قريب منه، هذا قول إمامنا الإمام الأعظم، وبه قال سعيد بن المسيِّب والثوري، ورُوي ذلك عن عليٍّ وابن عباس؛ لقوله ﵇: «فليتصدَّق به»، ومحلُّ الصدقة الفقراء، وقال مالك: يستحب أن يتصدق بها، وأباح الشافعي للغني الواجد؛ لحديث أُبَيِّ بن كعب وبظاهر حديث الباب، قلنا: بأنَّ هذا وأمثاله حكايةُ حال، فيجوز أنَّه ﵇ عَرَفَ فقرَه إمَّا لديون عليه، أو قِلَّة مالِه، أو يكون إذنًا منه ﵇ بالانتفاع، وهو جائز من الإمام على سبيل القرض، أو أنَّه عَرَفَ أنَّه كان في مال كافر حربيٍّ، (فإن جاء ربها)؛ أي: مالكُها، ولا يُطلق الرَّبُّ على غير الله إلَّا مضافًا مقيَّدًا؛ (فأَدِّها) جواب الشرط؛ أي: أعْطِها (إليه) وهذا حُجَّةٌ على الكرابيسي من الشافعيَّة؛ حيث قال: لا يلزمُه ردُّها بعد التعريف ولا ردُّ بدلها، وهو قول داود ومالك في الشاة.\nوالحديث دليل ظاهر على أنَّ صاحب اللُّقَطة إذا جاء؛ فهو أحقُّ بها من مُلتقطها إذا أَثبت أنَّه صاحبُها، فإنْ وجدها قد أكلها الملتقط بعد التعريف وأراد أن يُضَمِّنَه قيمتَها؛ كان له ذلك، وإن كان قد تصدَّق بها؛ فصاحبُها مُخَيَّرٌ بين التضمين وبين أن يتركَ على أجرها، رُوي ذلك عن عمر، وعليٍّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وقول إمامنا الأعظم، وطاووس، وعِكرمة، وسفيان الثوري، والحسن ابن حيٍّ؛ فليحفظ.\n (قال): يا رسول الله؛ (فضالَّةُ الإبل؟) مبتدأٌ مضاف خبرُه محذوف؛ أي: ما حكمُها؟ أكذلك أم لا؟ فهو من إضافة الصفة للموصوف، والضالَّةُ لا يقع إلَّا على الحيوان، يقال: ضلَّ الإنسان والبعير، وأمَّا الأمتعة ما سوى الحيوان؛ فيقال له: لُقَطَة، (فغضب) ﵇ (حتى احمرَّت وجنتاه) تثنية وَُِجْنَة؛ وهي ما ارتفع من الخَدِّ؛ بفتح الواو، وكسرها، وضمها، وأُجنة؛ بضمِّ الهمزة، (أو قال: احمرَّ وجهُه) شكٌّ من الراوي، وإنَّما غضب؛ لسوء فهم السائل؛ حيث قاسَ الشيءَ على غيرِ نظيره؛ لأنَّ اللُّقَطة شيءٌ سقط من صاحبه، وأمَّا الإبل؛ فمخالِفةٌ للُّقَطَة اسمًا وصفةً، (فقال) ﵇: (ومالَكَ ولها؟) وفي رواية: بإسقاط الواو، وفي أخرى: (فمالَكَ ولها؟) بـ (الفاء) عِوضًا عن (الواو)؛ أي: ما تصنع بها؛ أي: لِمَ تأخذُها ولم تتناولها؟ وإنَّها مستقلة بأسباب تعيُّشها، ففيه نهيٌ عن أخذها (معها سِقاؤها)؛ بكسر السين المهملة؛ مبتدأ، وخبرُه مقدَّم؛ أي: أجوافها؛ فإنَّها تشرب فتكتفي بها أيامًا، والمراد: اللبن والماء (وحِذاؤُها)؛ بكسر الحاء المهملة والمدِّ؛ أي: خِفُّها التي تمشي عليه؛ (ترد الماء) جملة بيانيَّة لا محلَّ لها من الإعراب، أو محلُّها الرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ترد الماء، (وترعى الشجر؛ فذرها)؛ أي: دعها، فـ (الفاء) جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فدعها (حتى يلقاها ربُّها): مالكُها، استدلَّ به مالك، والشافعي، وأحمد على أنَّه لا يجوز التقاط الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وقال الإمام الأعظم: يجوزُ التقاط البهيمة مطلقًا من أيِّ جنسٍ كان؛ لأنَّها مالٌ يُتَوَهَّم ضياعُه، والحديث محمول على أنَّه كان في ديارهم؛ لأنَّه كان لا يُخاف عليها من شيء، ونحن نقول في مثله: يتركها، وهذا لأنَّ بعض البلاد الدوابُّ يسيِّبها أهلها في البراري حتى يحتاجوا إليها، فيمسكوها وقت الحاجة، ولا فائدة في التقاطها حينئذٍ، ويدُلُّ على ما قلناه: ما رواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب قال: كان ضوالُّ الإبل في زمن عمر إبلًا مؤبلةً تَناتَج (^١) لا يمسها أحد، حتى إذا كان عثمان؛ أمر بمعرفتها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها؛ أُعطي ثمنَها؛ فليحفظ.\n (قال): يا رسول الله؛ (فضالَّة الغنم): اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا، مبتدأ مضاف، وخبره محذوف؛ أي: ما حكمُها؟ أهي مثل ضالَّة الإبل أم لا؟ (قال) ﵇: ليست كضالَّة الإبل؛ بل هي (لك) إن أخذتَها، ففيه حذف، (أو لأخيك) من اللاقطين إن لم تأخذْها، أو المراد من الأخ: صاحبُها؛ أي: أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر، (أو للذئب)؛ بالهمز، وقد تخفَّف بقلبها مثناة، والأنثى: ذئبة؛ أي: فيأكلها إن لم تأخذْها، فيكون محلُّ (لكَ) رفعٌ؛ لأنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وكذا (لأخيك) و(للذئب)، وفيه إشارة إلى الإذن بأخذها، فاستدل به المازريُّ لعدم الغرامة؛ لأنَّ قوله: (هي لك) ظاهرُه التمليك، والمالك لا يغرم، وأجيب للإمام الأعظم والإمام الشافعي: بأنَّ اللام للاختصاص؛ أي: إنَّك تختص بها، ويجوز لك أكلُها وأخذُها، وليس فيه تعرُّض للغرم ولا لعدمه؛ بل بدليل آخر؛ وهو قوله: فإنْ جاء ربُّها يومًا؛ فأدِّها إليه؛ فليحفظ، وفي الحديث إبطال قول مدَّعي علم الغيب.\n\n <span id=\"b-١٧٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-174>[حديث: سئل النبي عن أشياء كرهها]</span>\n٩٢ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كُريب الكوفي (قال: حدثنا أبو أسامة) حمَّاد بن أسامة الكوفي، (عن بُرَيد)؛ بضم الموحدة وفتح الراء، (عن أبي بُرْدة)؛ بضم الموحدة وسكون الراء، عامر بن أبي موسى الأشعري، (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (قال: سُئل)؛ بضم السين المهملة وكسر الهمزة، (النبيُّ) الأعظم (ﷺ عن أشياءَ) ممنوعٌ مِنَ الصرف؛ لأنَّه أشبه (فعلاء)، (كَرِهَها (^٢»؛ لأنَّه رُبَّما كان فيها شيء سبب (^٣) لتحريمه على المسلمين، فيلحقهم به المشقَّة، أو رُبَّما كان في الجواب ما يكره السائل؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].\n_________\n(^١) في الأصل (تنتاج)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (كرها)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (سببًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":30},{"text":"(فلما أُكثر)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول؛ أي: فلما أكثر الناس السؤال (عليه) ﵇؛ (غضب) جواب (لما) وسبب غضبه تعنُّتهم في السؤال وتكلُّفهم فيما لا حاجة إليه، ولهذا قال ﵇: «إن أعظم المسلمين جرمًا (^١) من سأل عن شيء، فحرم من أجل مسألته»، أخرجه المؤلف، (ثم قال) ﵇ (للناس: سلوني) وسقط (للناس) في رواية، (عما شئتم)؛ بالألف: وللأصيلي: بحذفها؛ لأنَّه يجب حذف ألف (ما) الاستفهامية إذا جُرَّت وإبقاء الفتحة؛ دليلًا عليها؛ للفرق بين الاستفهام والخبر، وهذا كان منه ﵇ بوحي من ربه تعالى، (قال رجل) هو عبد الله بن حذافة الرسول إلى كسرى: (من أبي) يا رسول الله؟ (قال) ﵇: (أبوك حُذَافَة)؛ بضم الحاء (^٢)، والذال المعجمة وفاء مفتوحتين، القرشي السهمي، المتوفى في خلافة عثمان ﵁، وإنما سأله؛ لأنَّه كان ينسب إلى غير أبيه، وإنما عرف ﵇ أنَّه ابنه إما بالوحي، أو بحكم الفراسة، أو بالقياس، أو الاستحقاق، والظاهر الأول، (فقام) رجل (آخر) هو سعد بن سالم، (فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال) وفي رواية: (قال ﵇): (أبوك سالم مولى شيبة) بن ربيعة، وهو صحابيٌّ، وإنَّما سأله؛ لأنَّه قيل في نسبه لغير أبيه، وجوابه ﵇ بوحي من ربه تعالى، (فلما رأى) أي: أبصر (عمر) بن الخطاب (ما [في] وجهه) ﵇ من أثر الغضب، و(ما) موصولة، والجملة محلها النصب مفعول (رأى)؛ (قال: يا رسول الله؛ إنا نتوب إلى الله ﷿) من الأسئلة المكروهة مما لا يرضاه رسول الله ﵇، وفيه: فَهْم عمر ﵁ وفضل علمه، وفيه: كراهة السؤال للتعنُّت، وفيه: معجزة النبيِّ الأعظم ﵇.\n\n <span id=\"b-١٧٥\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-175>[باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث]</span>\nهذا (باب من بَرَك)؛ بفتحتين وتخفيف الراء (على ركبتيه عند الإمام أو المحدث) وإسناد البرك للإنسان مجاز؛ لأنَّ (برك) حقيقة في البعير.\n\n <span id=\"b-١٧٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-176>[حديث: أن رسول الله خرج فقام عبد الله بن حذافة]</span>\n٩٣ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (شعيب) بن أبي حمزة؛ بالمهملة والزاي، (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁: (أن رسول الله ﷺ خرج) من حجرته، فسئل، فأكثروا عليه، فغضب فقال: (سلوني)، (فقام عبد الله بن حذافة) السهمي المهاجري (فقال): يا رسول الله؛ (من أبي) حتى ألحق به؟ (فقال) ﵇، وفي رواية: (قال: من أبي؟ فقال): (أبوك حذافة) وفي مسلم: أنه كان يدعى لغير أبيه، ولما سمعت أمه سؤاله؛ قالت: ما سمعت بابن أعقَّ منك، أأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهليَّة فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به، انتهى، قلت: وجوابه ﵇ له بوحي من ربه تعالى، (ثم أكثر أن يقول) ﵇: (سلوني)؛ لأنَّه أوحي إليه به؛ إذ لا يعلم كل ما يسئل عنه من المغيَّبات إلَّا بإعلام الله تعالى له، (فبَرَك)؛ بفتحتين وتخفيف الراء (عمر) ﵁ (على ركبتيه) يقال: برك البعير إذا استناخ، واستعمل في الإنسان؛ مجازًا، (فقال) عمر: (رضينا بالله ربًّا)؛ أي: رضينا بما عندنا من كتاب الله، (وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا)؛ أي: رضينا بما عندنا من سنة نبيِّنا واكتفينا بها عن السؤال أبلغ كفاية، وإنما قال ذلك عمر؛ أدبًا وإكرامًا للنبيِّ الأعظم ﵇ وشفقة للمسلمين؛ لئلَّا يؤذوا النبيَّالأعظم، فيدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وانتصاب (ربًّا) و(دينًا) و(نبيًّا) على التمييز، ويجوز على المفعولية؛ لأنَّ (رضي) إذا عُدِّي بالباء؛ يتعدَّى لمفعول واحد، والمراد بالدين: التوحيد، (فسكت) النبيُّ الأعظم ﵇ حين سمع مقالة عمر، وفي رواية: (فسكن غضبه)، وإنما قال: (بالإسلام) ولم يقل: بالإيمان؛ لأنَّ الإسلام والإيمان واحد لا تغاير بينهما؛ كما قدمناه.\n\n <span id=\"b-١٧٧\"> </span>(٣٠) <span data-type=\"title\" id=toc-177>[باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه]</span>\nهذا (باب من أعاد الحديث) في أمور الدين (ثلاثًا؛ ليُفهَم)؛ بضم التحتية وفتح الهاء (عنه) وفي رواية: حذف (عنه) وكسر الهاء، وفي أخرى: كذلك مع فتحها، (فقال: ألا)؛ بالتخفيف: حرف تنبيه، وفي رواية: (فقال النبيُّ) الأعظم (ﷺ: ألا) (وقولُ) مرفوع هنا على الحكاية (الزُّور)؛ بضم الزاي: الكذب؛ أي: الشهادة بالكذب؛ فلذا أنَّث الضمير بقوله: (فما زال يكررها)؛ أي: فما دام يكررها في مجلسه لا مدة عمره، وهذا طرف من حديث وصله بتمامه في (الشهادات)، (وقال ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ: هل بلغت؟ ثلاثًا)؛ أي: قال: (هل بلغت؟) ثلاث مرَّات، وهذا التعليق وصله في (خطبة الوداع).\n\n <span id=\"b-١٧٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-178>[حديث: كان إذا سلم سلم ثلاثًا وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا]</span>\n٩٤ - وبه قال: (حدثنا عَبْدة)؛ بفتح المهملة وسكون الموحدة، ابن عبد الله الخزاعي البصري أبو سهل الكوفي الأصل، المتوفى سنة ثمان وخمسين ومئتين (قال: حدثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث التيمي العنبري البِصري أبو سهل، المتوفى سنة سبع ومئتين، (قال: حدثنا عبد الله بن المُثَنَّى)؛ بضم الميم، وفتح المثلثة، وتشديد النون المفتوحة، ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري القاضي بالبصرة (قال: حدثنا ثُمامة)؛ بضم المثلثة وتخفيف الميمين، زاد في رواية: (ابن عبد الله)؛ أي: ابن أنس بن مالك الأنصاري البصري، (عن) جده (أنس)؛ أي: ابن مالك ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ أنه كان إذا سلَّم)؛ بتشديد اللام، على الناس، وهذا يشعر بالاستمرار؛ لأنَّ (كان) تدل على الثبوت والدوام واسمها مستتر فيه، والجملة بعدها خبرها (سلم ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، ومعناه: أنه إذا أتى على قوم؛ سلَّم عليهم للاستئذان، وإذا دخل؛ سلَّم للتحية، وإذا قام؛ سلَّم للوداع، وكلها مسنونة، هكذا يجب أن يفهم، كما أوضحه إمامنا الشيخ بدر الدين العيني، (وإذا تكلم) ﵇ (بكلمة)؛ أي: بكلام من إطلاق البعض على الكل؛ (أعادها ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّات، وإعادته إما لأنَّ [في] الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه، فيكرره ليفهم، وإما أن يكون القول فيه بعض إشكال، فيتظاهر بالبيان، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٧٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-179>[حديث: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه]</span>\n٩٥ - وبه قال: (حدثنا عبدة بن عبد الله) زاد في رواية (الصفَّار)، وسقط (ابن عبد الله) في رواية؛ أي: السابق (قال: حدثنا عبد الله بن المثنى) هو الأنصاري (قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله) بن أنس، وفي رواية: ثمامة ابن أنس، فنسبه لجدِّه، (عن أنس) بن مالك ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ أنه كان إذا تكلم بكلمة)؛ أي: كلام، وعبر بـ (كان)؛ لدلالتها على الثبوت والدوام بخلاف (صار)؛ فإنها تدل على الانتقال، (أعادها)؛ أي: الكلمة المفسَّرة بالكلام (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات (حتى تُفهَم منه)؛ أي: حتى تُعقل منه، كما في رواية الترمذي، وهو على صيغة المجهول، و(حتى) هنا مرادفة لكي التعليلية، (و) كان ﵇ (إذا أتى على قوم فسلم عليهم) هذا ليس جواب (إذا) وإنما هو عطف على قوله: (أتى) من تتمة الشرط، والجواب هو قوله: (سلم عليهم ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات: الأولى: للاستئذان، والثانية: للتحية، والثالثة (^٣): للوداع، وهذا الحديث سقط في رواية، ولا يخفى الاستغناء عنه بالثاني،؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٨٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-180>[حديث: تخلَّف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه]</span>\n٩٦ - وبه قال: (حدثنا مسدَّد) بن مسرهد (قال: حدثنا أبو عَوانة)؛ بفتح العين المهملة، الوضَّاح اليشكري، (عن أبي بشر)؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن إياس، (عن يوسف بن ماهَِك)؛ بكسر الهاء وفتحها ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وللأصيلي: بالصرف؛ لأجل الصفة، (عن عبد الله بن عمرو)؛ أي: ابن العاص ﵁ (قال: تخلَّف رسول الله ﷺ)؛ أي: تأخر خلفنا (في سفر سافرناه) وفي السابقة: (في سفرة سافرناها) كما في رواية هنا، وهو من مكة إلى المدينة، كما في «مسلم»، (فأدركَنا)؛ بفتح الكاف؛ أي: النبيُّ الأعظم ﵇ (وقد أرهقْنا)؛ بإسكان القاف (الصلاةَ) بالنصب على المفعولية؛ أي: ضاق وقتها، وفي رواية: (أرهقتنا) بزيادة مثناة للتأنيث وفتح القاف، و(الصلاةُ): بالرفع على الفاعلية (صلاةَُ العصر) بالنصب أو الرفع على البدلية من (الصلاة) (ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا)؛\n_________\n(^١) في الأصل: (حرمانًا)، والمثبت موافق لما في «الصحيح».\n (^٢) في الأصل: (الهمزة)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (والثالث)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":30},{"text":"أي: نغسل غسلًا خفيفًا للاستعجال، (فنادى) ﵇ حين رآنا (بأعلى صوته: ويلٌ) بالرفع على الابتداء: كلمة عذاب أو وادٍ في جهنم (للأعقاب من النار)؛ أي: لأصحابها المقصِّرين في غسلها (مرتين أو ثلاثًا) شك من الراوي، وتقدم في باب (من رفع صوته بالعلم)؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-١٨١\"> </span>(٣١) <span data-type=\"title\" id=toc-181>[باب تعليم الرجل أمته وأهله]</span>\nهذا (باب تعليم الرجل أمته وأهله) من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ أمة الرجل من أهل بيته وخصَّها بالذكر؛ لأنَّها على الجهل المحض.\n\n <span id=\"b-١٨٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-182>[حديث: ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه]</span>\n٩٧ - وبه قال: (أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (محمد) هو ابن سلام، كما في رواية، بتخفيف اللام، وفي رواية: إسقاط (هو)، وفي أخرى: (حدثني محمد بن سلام) (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (المُحارِبيُّ)؛ بضم الميم والمهملة وكسر الراء: عبد الرحمن بن محمد بن زياد، الكوفي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة (قال: حدثنا صالح ابن حَيَّان)؛ بفتح المهملة وتشديد التحتية، ونسبه لجدِّه الأعلى؛ لشهرته به، وإلَّا؛ فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، ولقبه حيٌّ، الهمداني الكوفي، المتوفى سنة ثلاث وخمسين ومئة (قال)؛ أي: صالح: (قال عامر) بن شراحيل (الشَّعْبي)؛ بفتح المعجمة وإسكان المهملة وبالموحدة: (حدثني) بالإفراد (أبو بُردة)؛ بضم الموحدة، عامر الأشعري قاضي الكوفة، (عن أبيه) هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ: ثلاثةٌ) مبتدأ؛ أي: ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة (لهم) مبتدأ (أجران) خبر، والجملة خبر الأول؛ (رجل) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أولهم أو الأول رجل وكذا امرأة (من أهل الكتاب) صفة (رجل)، (أل) فيه للعهد؛ أي: التوراة والإنجيل، أو الإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]، فالآية: موافقة لهذا الحديث وهي نزلت في طائفة آمنوا منهم؛ كعبد الله بن سلام وغيره حال كونه قد (آمن بنبيه) موسى أو عيسى عليهما [السلام]، (وآمن بمحمد) النبيِّ الأعظم (ﷺ)؛ أي: أنهم بقوا على ما بعث به نبيهم من غير تبديل ولا تحريف حتى بُعِث نبينا ﵇، فآمنوا به أو الأمر على عمومه؛ أي: وإن كانوا محرِّفين مبدِّلين؛ لأنَّه ﵇ كتب إلى هرقل: «أسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين»، وهو: كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وببعثته ﵇ انقطعت دعوة عيسى ﵇، فدخل جميع الكفار أهل الكتاب وغيرهم تحت دعوة النبيِّ الأعظم ﵇، سواء بلغتهم الدعوة أو لا، ولهذا يقال لهم: أهل الدعوة، وأما من لم تبلغه الدعوة؛ فلا تطلق عليهم بالفعل، وأما بالقوَّة؛ فليسوا خارجين عنها، فهذا مختص بمن آمن منهم في عهد البعثة غير شامل لمن آمن منهم في زماننا؛ لأنَّ عيسى ﵇ ليس نبيهم بعد البعثة؛ بل نبيهم النبيُّ الأعظم ﵇، فلا يحصل لهم به (^١) إلَّا أجر واحد، وأما الآخران؛ فهو باق إلى يوم القيامة، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري».\n (و) الثاني (العبد المملوك)؛ أي: جنسه: وإنما وصفه بالمملوك؛ لأنَّ كل الناس عباد الله، فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للناس، (إذا أدى حقَّ)؛ بالنصب: مفعول (أدى) (الله تعالى)؛ أي: امتثل أوامره ففعلها، واجتنب نواهيه فتركها، (و) أدى (حق مواليْه)؛ بإسكان التحتية، جمع مولى، وإنما جمعه؛ لأنَّه لما كان المراد من العبد: جنس العبد؛ فجمع حتى يكون التوزيع لكل عبد مولى؛ لأنَّ مقابلة الجمع بالجمع مفيدة للتوزيع، أو أراد: أن استحقاق الأجرين إنَّما هو عند أداء حق مواليه لو كان مشتركًا بين جماعة، والمراد من حقِّهم: خدمتهم.\nفإن قلت: أجر المماليك ضعف أجر السادات؛ قلت: المراد: ترجيح العبد المؤدِّي للحقَّين على العبد المؤدي لأحدهما.\nفإن قلت: يلزم على هذا أن يكون الصحابيُّ الذي كان كتابيًّا راجحًا على أكابر الصحابة، وهو خلاف الإجماع.\nقلت: الإجماع خصصهم وأخرجهم من هذا الحكم، ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابيًّا، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (و) الثالث (رجل كانت عنده أمة) زاد في رواية: (يطؤها)؛ بالهمزة، و(أمة)؛ بالرفع: اسم (كانت)، وإذا لم يطأها؛ هل له أجران؟ قلت: نعم؛ إذ المراد من قوله: (يطؤها) محل وطئها سواء صارت موطوءة أو لا؛ فافهم.\n (فأدَّبها) لتُحسِن الأحوال والأخلاق (فأحسن تأديبها) من غير عنف وضرب؛ بل بالرفق واللطف، (وعلَّمها) الأمور الشرعيات (فأحسن تعليمها) فالأول: دنيوي، والثاني: ديني، (ثم أعتقها فتزوجها) زاد في رواية: (أصدقها)؛ أي: أعطاها صداقها، (فله) أي: الرجل الأخير (أجران) وإنما لم يقتصر على قوله: (لهم أجران) مع كونه داخلًا في الثلاثة بحكم العطف؛ لأنَّ الجهة متعددة وهي: التأديب، والتعليم، والعتق، والتزوُّج، وكانت مظنَّة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك، فأعاده إشارة إلى أن المعتبَر من الجهات أمران، وإنما لم يعتبر إلَّا الأمرين ولم يعتبر الكل؛ لأنَّ التأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي، والأولاد، وجميع الناس، فلم يكن مختصًّا بالإماء، فلم يبق إلا اعتبار الجهتين؛ العتق والتزوج، وإذا كان المعتبَر أمرين؛ فما فائدة ذكر الأخيرين؟ لأنَّ التأديب والتعليم أكمل للأجر؛ لأنَّ تزوُّج المرأة المؤدبة المعلَّمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\nوإنما عرَّف (العبد) ونكَّر (رجل)؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجنس كالنكرة في المعنى، وكذا الإتيان في العبد بـ (إذا) دون القسم الأول؛ لأنَّها ظرف، و(آمن) حال وهي في حكم الظرف، وتمامه في القسطلاني معزوًّا (^٢) للكرماني، واعترضه ابن حجر، ورده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بما يطول؛ فليحفظ.\n (ثم قال عامر) الشعبيُّ لراويه صالح المذكور: (أعطيناكها)؛ أي: أعطينا المسألة أو المقالة إياك (بغير شيء)؛ أي: بغير أخذ مال منك على جهة الأجرة عليه، وإلَّا؛ فلا شيء أعظم من الأجر الأخروي الذي هو ثواب التبليغ والتعليم، كذا قاله في «عمدة القاري»، وتبعه في الفتح، قال القسطلاني: وهو الراجح، والخطاب لرجل من أهل خراسان، سأل الشعبي عمن يعتق أمته، ثم يتزوجها، فأجابه بهذا الحديث، كما بسطه في «عمدة القاري»، وسيأتي عند المؤلف في باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦].\n (قد) وللأصيلي: (وقد) بالواو، ولغيره كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (فقد) (كان يُركَب) على صيغة المجهول؛ بضم التحتية؛ أي: يرحل (فيما دونها)؛ أي: فيما دون هذه المسألة (إلى المدينة): (أل) للعهد،؛ أي: مدينة النبيِّ الأعظم ﵇، وسؤال الخراسانيمن الشعبيِّ ليس للتعليم؛ بل كان لما قاله أهل خراسان: من أنه إذا أعتق أمته، ثم تزوجها؛ فهو كالراكب بدنة أو كالراكب هدية، فأجابه بالحديث، كما بسطه في «عمدة القاري» معزوًّا لرواية مسلم.\nوالتخصيص لهذه الثلاثة لا ينفي ما عداه؛ لأنَّ الصحيح أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وهو مذهب الجمهور ومال الإمام صدر الدين المرغيناني إلى أن التنصيص بعدد محصور يدل على نفي الحكم عن غيره مستدلًّا بقوله ﵇: «خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم»، قلت: هذا قول، والصحيح من المذهب: أنه لا يدل على النفي فيما عداه وإن كان في عدد محصور، والحكم في غير المذكور إنَّما يثبت بدلالة النص، فلا يوجب إبطال العدد المنصوص، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٨٣\"> </span>(٣٢) <span data-type=\"title\" id=toc-183>[باب عظة الإمام النساء وتعليمهن]</span>\nهذا (باب عِظة)؛ بكسر العين المهملة؛ بمعنى: الوعظ؛ لأنَّه مصدر (وعظ) حذفت الواو فعوضت عنها الهاء (الإمام)؛ أي: الأعظم وهو السلطان أو نائبه (النساءَ) فيذكرهنَّ العواقب (وتعليمهنَّ) أمور الدين.\n\n <span id=\"b-١٨٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-184>[حديث: أشهد على النبي خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع]</span>\n٩٨ - وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي البصري (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجَّاج، (عن أيوب) السختياني (قال: سمعت عطاء)؛ أي: ابن أبي رباح سلمان المكي القرشي الحبشي، الحاج سبعين حجة، القائل: (إن وافق يوم عيد يوم جمعة؛ يصلى العيد فقط، ولا ظهر ولا جمعة في ذلك اليوم)، المتوفى سنة خمس أو أربع عشرة ومئة عن ثمانين سنة (قال: سمعت) عبد الله (ابن عباس) ﵄ (قال: أشهد على النبيِّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ، أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس) يعني: أنَّ الراوي تردَّد في لفظ (أشهد) هل هو من قول ابن عباس أو من قول عطاء؟ وأخرجه أحمد جازمًا بلفظ (أشهد) عن كلِّ منهما، وعبر بلفظ الشهادة؛ تأكيدًا لتحققه: (أن رسول الله ﷺ خرج) جملة محلها الرفع خبر (أن)؛ أي: من بين صفوف الرجال إلى صف النساء (ومعه بلال) جملة اسمية وقعت حالًا، وفي رواية: بإسقاط الواو؛ كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وبلال هو ابن أبي رَبَاح؛ بفتح الراء وتخفيف الموحدة، الحبشي القرشي، واشتهر باسم أمه حمامة؛ بفتح المهملة، (فظن) ﵇ (أنه لم يسمع النساء) حين أسمع الرجال، وسقط في رواية لفظة (النساء)، و(أن) مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي (ظن)، (فوعظهنَّ) بقوله: «إني رأيتكنَّ أكثر أهل النار؛ لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير»، فيه: دليل على جواز حضورهنَّ المساجد ومجالس الوعظ، لكن بشرط أمن الفتنة وعدم المفسدة، (وأمرهنَّ بالصدقة) (أل) للعهد الخارجي، وهي صدقة التطوُّع، وإنما أمرهنَّ؛ لما رآهنَّ أكثر أهل النار على ما جاء في «الصحيح»: «تصدقن يا معشر النساء إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النار»،\n_________\n(^١) في الأصل: (في)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (معزيًّا)، وكذا في الموضع اللاحق.","vol":"1","page":31},{"text":"أو لأنَّه وقت حاجة والصدقة كانت يومئذٍ أفضل وجوه البر، (فجعلت) من أفعال المقاربة؛ مثل كاد، وقوله: (المرأة)؛ بالرفع: اسمها، وقوله: (تلقي) خبرها بغير (أن) متأوَّل باسم الفاعل (القُرْط)؛ بالنصب مفعول (تلقي) من الإلقاء؛ بضم القاف، وإسكان الراء، آخره مهملة: ما يعلق بشحمة الأذن (والخاتمَ)؛ بالنصب عطفًا على المفعول (وبلال) مبتدأ (يأخذ في طرف) وفي رواية: (أطراف) (ثوبه) خبره، والجملة حالية، والمفعول محذوف؛ أي: ما يلقينه؛ ليصرفه ﵇ مصارفه؛ لأنَّه يحرم عليه الصدقة.\n (وقال إسماعيل) وفي رواية: (قال أبو عبد الله -أي: المؤلف-: وقال إسماعيل) هو ابن عليَّة، (عن أيوب) السختياني، (عن عطاء)؛ أي: ابن أبي رباح، (وقال: عن ابن عباس) وفي رواية: (قال ابن عباس): (أشهد على النبيِّ) الأعظم (ﷺ) فجزم بأن لفظ (أشهد) من كلام ابن عباس فقط، وهذا من تعاليقه؛ لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن علية؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلف سنة أربع وتسعين ومئة، ووصله المؤلف في (الزكاة)، وفيه: دليل على أن الصدقة تنجي من النار، وجواز الصدقة من المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم، وقال مالك: لا يجوز الزيادة على الثلث إلَّا برضا الزوج، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٨٥\"> </span>(٣٣) <span data-type=\"title\" id=toc-185>[باب الحرص على الحديث]</span>\nهذا (باب الحرص على) تحصيل (الحديث) النبوي.\n\n <span id=\"b-١٨٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-186>[حديث: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد]</span>\n٩٩ - وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمرو القرشي العامري الأويسي المديني (قال: حدثني) بالإفراد (سليمان) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي المدني، (عن عَمرو بن أبي عَمرو)؛ بفتح العين فيهما، ميسرة مولى المطلب المخزومي القرشي المدني، المتوفى في خلافة المنصور سنة ست وثلاثين ومئة، (عن سعيد بن أبي سعيد المقبَُري)؛ بضم الموحدة وفتحها، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁: (أنه)؛ بفتح الهمزة (قال) جملة محلها الرفع خبر (أن): (قيل: يا رسول الله) كذا في رواية أبي ذر وكريمة، وليس في رواية الباقين لفظة (قيل)، وإنما هو: (أنه قال يا رسول الله) قال عياض: و(قيل): وهم، والصواب سقوطها كما عند الأصيلي والقابسي؛ لأنَّ السائل هو أبو هريرة نفسه، واعتمده الشيخ الإمام بدر الدين العيني وأيَّده بما عند المؤلف في (الرقاق): (أنه قال: قلت: يا رسول الله)، فهذا يدل على أن لفظة (قلت) تصحفت بـ (قيل)، وفي رواية: (أنه سأل)، وفي أخرى: (أن أبا هريرة قال: يا رسول الله): (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟) بنصب (يوم) على الظرفية، و(من) استفهامية مبتدأ، وما بعده خبره؛ أي: الذين يدخلون الجنة بغير حساب أو برفع الدرجات فيها، فالاشتراك إنَّما هو في مطلق السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص، فالتفضيل بحسب المراتب، (قال رسول الله ﷺ: لقد) (اللام) فيه جواب قسم محذوف؛ أي: والله، والأولى أن تكون لام التأكيد (ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألَُني)؛ بضم اللام وفتحها على حد قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّاتَكُونَ﴾ [المائدة: ٧١]؛ بالرفع والنصب لوقوع (أن) بعد الظن (عن هذا الحديث أحدٌ)؛ بالرفع فاعل (يسألني) (أولُ منك)؛ برفع (أولُ) على أنه صفة لـ (أحد) أو بدل منه، وبالنصب على الظرفية، وقال القاضي: على المفعول الثاني لـ (ظننت)، قال في «المصابيح»: ولا وجه له، وقال الشيخ أبو البقاء: على الحال؛ أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضر كونه نكرة؛ لأنَّها في سياق النفي فتكون عامة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ (لِما رأيت)؛ بكسر اللام؛ أي: الذي رأيته (من حرصكَ)؛ بفتح الكاف (على الحديث) متعلق بالحرص، و(ما) موصولة، والعائد محذوف، و(من) بيانية؛ أي: للذي رأيته من حرصك، أو تكون (ما) مصدرية، و(من) تبعيضية ويكون مفعول (رأيت)؛ أي: لرؤيتي بعض حرصك (أسعد الناس) التقييد به لا ينفي السعادة عن الجن والملك؛ لأنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة عند الجمهور (بشفاعتي يوم القيامة) مبتدأ مضاف، والجار والمجرور متعلق بـ (أسعد)، و(يوم) منصوب على الظرف، وقوله: (من قال) محله رفع خبر المبتدأ، و(من) موصولة؛ أي: الذي قال: (لا إله إلا الله)؛ أي: مع محمد رسول الله، فالمراد: الكلمة بتمامها، والإيمان: التصديق القلبي على الأصح، وقول الكلمة لإجراء الأحكام عليه، فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة؛ يكون سعيدًا بشفاعته إذا لم يكن مع التصديق مناف، فالمعتبر في الشرع: القول اللساني، والمعتبر عند الله: القول النفساني (خالصًا) وفي رواية: (مخلصًا) من الإخلاص: وهو في الإيمان ترك الشرك، وفي الطاعة ترك الرياء (من قلبه أو نفسه) الشك من أبي هريرة قاله الكرماني، وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: التعيين غير لازم؛ لأنَّه يحتمل أن يكون من أحد الرواة ممن هم دونه؛ فليحفظ.\nفإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب فما فائدة قوله: (من قلبه)؟ أجيب: بأنَّه ذكر؛ للتأكيد، وفي الحديث: دليل على أن الشفاعة مختصة بأهل الإخلاص، وورد أنَّها لأهل الكبائر، فالمراد: أنها أقسام؛ لأنَّها تكون للإراحة من هول الموقف وإدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي قوم استوجبوا النار، فيشفع بهم، فلا يدخلوها، وفي قوم دخلوا النار، فيشفع بهم، فيخرجون منها، وتكون لزيادة الدرجات في الجنة، ومذهب أهل السنة: جواز الشفاعة ووجوبها بصريح الآيات والأخبار المتواترة لمذنبي (^١) المؤمنين، وأنكرها المعتزلة والخوارج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، قلنا: هي واردة في الكفار، وأما الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة؛ فأثبتها المعتزلة وسيأتي تمامه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-١٨٧\"> </span>(٣٤) <span data-type=\"title\" id=toc-187>[باب كيف يقبض العلم]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين، وتركه مضافًا لقوله: (كيف يقبض العلم؟!) أخرج مخرج التعجب، والقبض نقيض البسط، والمراد منه: الرفع؛ أي: كيفية رفع العلم، و(كيف) استفهامية وهو الغالب فيها، وتكون شرطًا فتقتضي فعلين.\n (وكتب) زاد في رواية: (قال -أي: المؤلف-: وكتب) (عمر بن عبد العزيز) أحد الخلفاء الراشدين (إلى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أبي بكر) بن محمد بن عمرو (ابن حَزْم)؛ بفتح المهملة وإسكان الزاي، الأنصاري المدني، المتوفى سنة اثنتين ومئة، في خلافة هشام بن عبد الملك، عن أربع وثمانين سنة، ونسبه المؤلف لجده؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية: (انظر ما كان)؛ أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية: (انظر ما كان عندك)؛ أي: في بلدك، فـ (كان) على الأولى تامة، وعلى الثانية ناقصة، و(عندك): الخبر (من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنِّي خفت دُروس)؛ بضم الدال (العلم)؛ أي: تركه، (وذهاب العلماء) بالموت، وفيه: إشارة إلى أن تدوين الحديث النبوي ابتدأ في أيام عمر بن عبد العزيز، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر -وكان على رأس المئة الأولى- ذهاب العلم بموت العلماء؛ رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاء، فأمر بذلك، (ولا يُقبلْ)؛ بضم التحتية وإسكان اللام، وفي رواية: بالرفع على أنَّ (لا) نافية، وفي أخرى: بمثناة فوقية على الخطاب مع الجزم (إلا حديث النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: بعد القرآن العظيم، (وليُفشوا)؛ بضم التحتية على صيغة الأمر، من الإفشاء؛ وهو الإشاعة، ويجوز تسكين اللام كما في روايةٍ (العلمَ)؛ بالنصب مفعوله، (وليَجلسوا)؛ بفتح التحتية، من الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية: (واجلسوا)؛ بصيغة الأمر، وفي أخرى: (ولتفشوا ولتجلسوا)؛ بالمثناة الفوقية فيهما (حتى يُعلَّم)؛ بضم التحتية وتشديد اللام على صيغة المجهول من التعليم، وفي رواية: (حتى يَعلَم)؛ بفتح التحتية واللام، من العلم (من لا يَعلم)؛ بصيغة المعلوم من العلم، و(من): موصولة محلها رفع فاعله، وبصيغة المجهول من التعليم، فتكون (من): مفعولًا ناب عن الفاعل؛ (فإنَّ العلم لا يَهلِك)؛ بفتح أوله وكسر اللام؛ أي: لا يضيع، وفتح اللام لغة (حتى يكون سرًّا)؛ أي: خفية، وأراد به كتمان العلم، ووقع هذا التعليق موصولًا عقبه هنا، ولفظه: (حدثنا)، وفي رواية: (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف: (حدثنا العلاء بن عبد الجبار): أبو الحسن البصري العطار الأنصاري، المتوفى سنة اثنتي عشرة ومئتين (قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي)، المتوفى سنة سبع وستين ومئة (^٢)، (عن عبد الله بن دينار): القرشي المدني، مولى ابن عمر ﵄ (بذلك)؛ يعني: حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله: (ذهاب العلماء).\nقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: يحتمل أن يكون من كلام عمر، ولكنه لم يدخل في هذه الرواية، ويحتمل\n_________\n(^١) في الأصل: (لمذنبين)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (ومئتين)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":31},{"text":"ألَّا يكون من كلامه، وهو الأظهر، وبه صرح أبو نعيم في «المستخرج»، فإذا كان كذلك؛ يكون من كلام المؤلف، أورده عقيب كلام عمر بعد انتهائه، انتهى، ثم قال: وإنما أخَّر إسناد عمر عن كلامه وعادته تقديم الإسناد؛ لأنَّه قد ظفر بإسناده بعد وضع هذا الكلام، فألحقه بالأخير، على أنَّا قلنا: إنَّ هذا الإسناد ليس بموجود عند جماعة، أو للفرق بين إسناد الأثر وإسناد الخبر؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-188>[حديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا]</span>\n١٠٠ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس) بضم الهمزة والسين المهملة (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) ﵄: أنَّه (قال: سمعت رسول الله ﷺ) أي: كلامه حال كونه (يقول): عبَّر بالمضارع حكاية لحال الماضي، وذلك في حجة الوداع كما عند أحمد والطبراني: (إنَّ الله لا يقبض العلم): جملة محلها الرفع خبر (إنَّ)؛ أي: من الناس (انتزاعًا)؛ بالنصب على الحال أو المفعولية المطلقة (ينتزعه) -وفي رواية: (ينزعه) (^١) - بزيادة مثناة فوقية بين النون والزاي (من العباد) بأن يمحوه من صدورهم أو يرفعه إلى السماء، والمحو من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه، (ولكن يقبض العلم بقبض) أرواح (العلماء) وموت حملته، وهذا من قبيل إقامة الظاهر موضع المضمر؛ لزيادة التعظيم كما في قوله: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وكان مقتضى الظاهر: أن يقال: هو الصمد، ولكن يقبضه، (حتى) ابتدائية (إذا لم يُبقِ)؛ بضم التحتية وكسر القاف: من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى؛ أي: حتى إذا لم يُبقِ الله تعالى (عالمًا)؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (يَبق)؛ بفتح التحتية، من البقاء، و(عالمٌ)؛ بالرفع على الفاعلية، وفي رواية مسلم: (حتى إذا لم يترك عالمًا).\nفإن قلت: (إذا) للاستقبال، و(لم) لقلب المضارع ماضيًا، فكيف يجتمعان؟!\nقلت: لما تعارضا؛ تساقطا فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار.\n (اتخذ الناسُ)؛ بالرفع على الفاعلية (رُؤُوسًا)؛ بضم الراء والهمزة، والتنوين، جمع: رأس، ولأبي ذر كما في «عمدة القاري»: (رُؤَسَاء)؛ بفتح الهمزة، وفي آخره همزة آخر مفتوحة، جمع: رئيس، والأول: أشهر؛ فليحفظ (جُهَّالًا)؛ بضم الجيم وتشديد الهاء، جمع: جاهل؛ بالنصب صفة لـ (رؤوسًا)، (فسُئلوا)؛ بضم السين المهملة، والضمير مفعول ناب عن الفاعل؛ أي: فسألهم السائلون، (فأفتوا) لهم (بغير علم) وعند المؤلف في (الاعتصام): (فأفتوا برأيهم) (فضلُّوا) من الضلال؛ أي: في أنفسهم، (وأضلُّوا) من الإضلال؛ أي: أضلُّوا السائلين.\nفإن قلت: الإضلال ظاهر، وأما الضلال؛ فإنما يلزم أن لو عُمل بما أُفتيَ وقد لا يعمل به؟\nقلت: إن إضلاله للغير ضلال له، عمل بما أفتى به أو لم يعمل، والمراد بالجهل: القدر المشترك بين المركب؛ وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به، وبين البسيط؛ وهو عدم العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به المتناول لهما، وهو عامٌّ يتناول القضاة والنوَّاب؛ لأنَّ الحكم بالشيء مستلزم للفتوى به.\n (قال الفرَبْري)؛ بكسر الفاء وفتحها، مع فتح الراء وإسكان الموحدة، نسبة إلى فربر: قرية من قرى بخارى على طرق جيحون، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر، المتوفى سنة عشرين وثلاثمئة، عن تسع وثمانين سنة، فسمع من المؤلف مرتين: مرة بفربر، وأخرى ببخارى، وسمع من قتيبة، فشارك المؤلف في الرواية عنه: (حدثنا عباس)؛ بالموحدة والمهملة، وفي رواية: بإسقاط (قال: الفربري): (قال: حدثنا قتيبة): ابن سعيد أحد مشايخ المؤلف: (قال: حدثنا جَرير) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الرازي الكوفي، (عن هشام): ابن عروة بن الزبير بن العوام (نحوه)؛ أي: نحو حديث مالك، ورواية الفربري هذه أخرجها مسلم عن قتيبة، عن جرير، عن هشام به، واستدل به بجواز خلوِّ الزمان عن المجتهد، وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنابلة، وأن الرئاسة الحقيقية هو الفتوى، وهذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقول النبيِّ الأعظم ﵇: «لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٨٩\"> </span>(٣٥) <span data-type=\"title\" id=toc-189>[باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (هل) للاستفهام (يُجعَل) بصيغة المجهول (للنساء يومٌ) بالرفع مفعوله ناب عن الفاعل (على حِدَة)؛ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدال؛ أي: على انفراده (في العلم) وفي رواية: (يَجعَل)؛ بصيغة المعلوم؛ أي: يجعل الإمام، و(يومًا)؛ بالنصب مفعوله.\n\n <span id=\"b-١٩٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-190>[حديث: قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال]</span>\n١٠١ - وبه قال: (حدثنا آدمُ): ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة أو وزن الفعل، وهو ابن أبي إياس (قال: حدثناشعبة): هو ابن الحجاج (قال: حدثني) بالإفراد (ابن الأَصبهاني)؛ بفتح الهمزة، وقد تكسر، وقد تبدل باؤها فاء، عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي وأصبهان: مدينة بعراق العجم (قال: سمعت أبا صالح ذَكْوان)؛ بفتح الذال وسكون الكاف، غير منصرف، حال كونه (يحدِّث عن أبي سعيد الخدري): سعد بن مالك ﵁ (قال)؛ أي: أبو سعيد: (قال النساء) وفي رواية: بإسقاط (قال) الأولى، وفي آخر: (قالتْ النساء)؛ بتاء التأنيث، وكلاهما جائز في فعل اسم الجمع (للنبيِّ) الأعظم (ﷺ: غلبَنا)؛ بفتح الموحدة (عليك الرجالُ)؛ بالرفع فاعله؛ أي: بملازمتهم لك كل الأيام يتعلمون أمور الدين ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم، (فاجعل) عطف على محذوف، تقديره: انظر لنا؛ أي: عيِّن (لنا يومًا) من الأيام تعلمنا فيه يكون منشؤه (من نفسك)؛ أي: من اختيارك لا من اختيارنا، أطلق الجعل والمراد لازمه؛ وهو التعيين.\nفإن قلت: عطف الجملة الخبرية وهي (فوعدهنَّ) على الإنشائية وهي (فاجعل لنا)؛ ممنوع عند جماعة.\nأجيب: بأن العطف ليس على قوله: (فاجعل لنا يومًا)، بل العطف على جميع الجملة من قوله: (غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك)، كذا قرره في «عمدة القاري».\n (فوعدهنَّ) ﵇ (يومًا) مفعول ثانٍ لـ (وعد)؛ أي: ليعلمهن فيه (لقيهنَّ فيه)؛ أي: في اليوم الموعود به، واللقاء إما بمعنى الرؤية، وإما بمعنى الوصول، والجملة محلها النصب صفة لـ (يومًا)، ويجوز أن يكون استئنافًا، (فوعظهن)؛ أي: فوفى ﵇ بوعده ولقيهن ووعظهن بمواعظ، فالفاء فصيحة، (وأمرهنَّ) بأوامر دينية؛ (فكان): الفاء فصيحة (فيما قال لهن)؛ أي: الذي قاله لهن، خبر (كان)، وقوله: (ما منكن امرأة): اسم (كان)، وفي رواية: (ما منكن من امرأة)، و(من): زائدة لفظًا، و(امرأة): مبتدأ، و(منكن): حال منها مقدم عليها، وخبر المبتدأ الجملةُ التي بعد أداة الاستثناء المفرَّغ (^٢)، إعرابه على حسب العوامل (تقدم ثلاثة من وُلْدها)؛ بضم الواو وسكون اللام، جمع ولد، وهو يقع على الذكر والأنثى، وفي رواية: (ثلاثًا)؛ بدون هاء؛ أي: ثلاث نسمة، وهي تطلق على الذكر والأنثى أيضًا (إلا كان) التقديم (لها حجابًا)؛ بالنصب خبر (كان)، وفي رواية: (حجابٌ)؛ بالرفع، على أنَّ (كان) تامة؛ أي: وُجِد لها حجابٌ (من النار) وعند المؤلف في (الجنائز): (إلا كن لها حجابًا)، على تقدير الأنفس، وفي (الاعتصام): (إلا كانوا لها حجابًا)؛ أي: الأولاد.\nفإن قلت: كيف يقع الفعل مستثنًى؟\nقلت: على تقدير الاسم؛ أي: ما امرأة مقدمة إلا كائنًا لها حجاب، كذا في «عمدة القاري».\n (فقالت امرأة) هي أم سليم كما عند أحمد والطبراني، أو أم أيمن كما عند الطبراني في «الأوسط»، أو أم بشر كما بيَّنه المؤلف.\nقلت: وهو محمول على تعدُّد القصة، والظاهر الأول.\n (و) من قدم (اثنين) ولكريمة: (واثنتين)؛ بالتأنيث، (فقال) ﵇: (و) من قدم (اثنين) ولكريمة: (واثنتين) أيضًا؛ يعني: أن حكم الاثنين حكم الثلاثة؛ لاحتمال أنه أوحي إليه في الحين بأن يجيب بذلك وهو غير ممتنع، والرجل كالمرأة؛ لأنَّ حكم المكلفين على السواء، إلا إذا دل دليل على الخصوص، وعند المؤلف في (الرقاق) من حديث أبي هريرة ما يدل على أن الواحد كالاثنين، وهو قوله ﵇: «يقول الله ﷿: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة»، وأي صفي أعظم من الولد؛ فتأمل.\n١٠٢ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: بالإفراد (محمد بن بشار) الملقب ببندار (قال: حدثنا غُندر)؛ بضم الغين المعجمة: محمد بن جعفر البصري (قال: حدثنا شعبة): ابن الحجاج، (عن عبد الرحمن ابن الأصبهاني، عن) أبي صالح (ذكوان) فأفاد المؤلف هنا تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية المارة، (عن أبي سعيد)؛ أي: الخدري، كما في رواية، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ بهذا)؛ أي: بالحديث السابق.\n (وعن عبد الرحمن ابن الأصبهاني) الواو عاطفة على قوله: (عن عبد الرحمن)، فالحاصل: أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين، فهو موصول، وزعم الكرماني أنه معلق، قال القسطلاني: وهو وهم، وإليه أشار في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (قال: سمعت أبا حازم)؛ بالمهملة والزاي: سلمان الأشجعي الكوفي، المتوفى في خلافة عمر بن عبد العزيز، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (قال) وفي رواية: بالواو عطفًا على محذوف؛ تقديره: مثله؛ أي: مثل حديث أبي سعيد، وقال: (ثلاثة لم يبلغوا الحِنث)؛ بكسر المهملة وبالمثلثة؛ أي: الإثم؛ والمعنى: أنهم ماتوا قبل بلوغهم التكليف، فلم تكتب عليهم الآثام، وإنما خص الحكم بالذين لم يبلغوا وهم الصغار؛ لأنَّ قلب الوالدين على الصغير أرحم وأشفق دون الكبير؛ لأنَّ الغالب على الكبير عدم السلامة من مخالفة والديه وعقوقهم، وفي «الترمذي» و«ابن ماجه» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قدم ثلاثة من الولد\n_________\n(^١) في الأصل: (بنزعه).\n (^٢) في الأصل: (مفرغ)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":32},{"text":"لم يبلغوا الحنث؛ كانوا له حصنًا حصينًا من النار»، فقال أبو ذر: قدمت اثنين، قال: «واثنين»، قال أُبيُّ بن كعب: قدمت واحدًا، قال: «وواحدًا»، قال الترمذي: غريب، فهذا يدل صريحًا على أن الواحد كالاثنين والثلاثة.\nوفي الحديث: دليل على أن أولاد المؤمنين في الجنة، وهو قول الجمهور، وأمَّا أطفال الأنبياء؛ ففي الجنة بالإجماع، وسيأتي تمامه.\n\n <span id=\"b-١٩١\"> </span>(٣٦) <span data-type=\"title\" id=toc-191>[باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه]</span>\nهذا (باب من سمع شيئًا) فلم يفهمه كما في روايةٍ (فراجع) الذي سمعه منه، وللأصيلي: (فراجع فيه)، وفي رواية: (فراجعه) (حتى يعرفه)؛ أي: يعرف ما سمعه كما هو في حقه.\n\n <span id=\"b-١٩٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-192>[حديث: أنَّ عائشة كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه]</span>\n١٠٣ - وبه قال: (حدثنا سعيد ابن أبي مريم): الجمحي البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، ونسبه لجدِّ أبيه، فإن أباه الحكم بن محمد بن أبي مريم (قال: أخبرنا نافع بن عمر) وفي رواية: (ابن عمر الجمحي): وهو ابن عبد الله القرشي المكي، المتوفى سنة تسع وستين ومئة بمكة (قال: حدثني) بالإفراد (ابن أبي مُليكة)؛ بضم الميم: عبد الله -بالتكبير- ابن عبيد الله -بالتصغير-: (أنَّ عائشة) بفتح الهمزة، وأصله: بأنَّ عائشة (زوج النبيِّ) الأعظم (ﷺ) ورضي عنها (كانت) محله الرفع خبر (أنَّ) (لا تسمع) وفي رواية: (لا تستمع)؛ بمثناتين فوقيتين، بينهما مهملة (شيئًا) مجهولًا موصوفًا بصفة (لا تعرفه إلَّا راجعت فيه) النبيِّ الأعظم ﵇ (حتى) أي: إلى أن (تعرفه) وإنما جمع بين (كانت) الماضي وبين (لا تسمع) المضارع؛ استحضارًا للصورة الماضية وحكاية عنها، (وأنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ): عطف على قوله: (أنَّ عائشة) (قال): جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) (مَن): موصولة مبتدأ، و(حوسب): جملة صلتها و(عذب): خبر المبتدأ؛ أي: استحق العذاب، (قالت عائشة) ﵂: (فقلت): عطف على (قال) ... إلخ: (أ) كان كذلك (وليس يقول الله تعالى) وإنما قدر؛ لأنَّ همزة الاستفهام تقتضي الصدارة، وحرف العطف يقتضي تقدم الصدارة، و(يقول): خبر (ليس)، واسمها ضمير الشأن، أو أن (ليس) بمعنى (لا)؛ أي: أولا يقول الله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا﴾) مفعول مطلق (﴿يَسِيرًا﴾) [الانشقاق: ٨]: صفته؛ أي: سهلًا لا يناقش فيه، (قالت)؛ أي: عائشة: (فقال) أي: النبيُّ الأعظم ﵇: (إنما ذلكِ)؛ بكسر الكاف خطاب للمؤنث، والأصل فيه (ذا): وهو اسم يشار به إلى المذكر، فإن خاطبت؛ جئت بالكاف، فقلت: ذاك وذلك، فاللام زائدة، والكاف للخطاب، وفيها أن ما يومئ إليه بعيد، ولا موضع لها من الإعراب، وهو ههنا مبتدأ، وخبره قوله: (العَرض)؛ بفتح العين، من عرضت عليه كذا؛ أي: أظهرته وأبرزته، (ولكن) للاستدراك (من) موصولة متضمن معنى الشرط، وقوله: (نوقش) فعل الشرط (الحسابَ)؛ بالنصب مفعول (ناقش) ثانٍ، والأول الضمير في (نوقش) ناب عن الفاعل؛ أي: من ناقشه الله الحساب، والمناقشة: الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء؛ أي: من استقصي حسابه؛ (يهلِكْ)؛ بكسر اللام وإسكان الكاف، جواب الشرط، ويجوز رفع الكاف؛ لأنَّ الشرط إذا كان ماضيًا؛ جاز في الجواب الوجهان، والحديث عام في تعذيب من حوسب، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين، فالمراد من الحساب في الآية: العَرض؛ يعني: الإبراز والإظهار، وهو أن يعرف ذنوبه، ثم يتجاوز عنه.\nوفي الحديث: فضل عائشة، وأنه ﵇ لم يتضجر من المراجعة.\nوفيه: إثبات الحساب والعرض، وإثبات العذاب يوم القيامة، وتفاوت الناس في الحساب، وظاهر قول ابن أبي مُليكة -أنَّ عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلَّا راجعت فيه-: الإرسال؛ لأنَّ ابن أبي مليكة تابعيُّ لم يدرك مراجعتها النبيَّ الأعظم ﵇، لكن قولها: (فقلت: أوليس) يدل على أنه موصول، كذا حققه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-١٩٣\"> </span>(٣٧) <span data-type=\"title\" id=toc-193>[باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (ليبلِّغِ العلمَ)؛ بالنصب (الشاهدُ)؛ بالرفع (الغائبَ)؛ بالنصب؛ أي: ليبلغ الحاضر الغائب العلم، فـ (الشاهد): فاعل، و(الغائب): مفعول أول له وإن تأخر في الذكر، و(العلم): مفعول ثان، واللام في (ليبلغ): لام الأمر، وفي الغين الكسر على الأصل في حركة التقاء الساكنين، والفتح لخفته (قاله)؛ أي: رواه عبد الله (ابن عباس) ﵄، فما وصله المؤلف في (الحج)، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) ولفظه كما في «عمدة القاري»: (أنَّ رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر، فقال: «أيها الناس؛ أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، وفي آخره: «اللهم؛ هل بلَّغت»، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده؛ إنها لوصية إلى أمته، فليبلغِ الشاهد الغائب)؛ أي: العلم، فالعلم مقدر في الحديث، وليس هو رواية بالمعنى، كما زعمه بعضهم؛ لأنَّ العلم المأمور بتبليغه مقدر في الحديث، ومعلوم علمًا بديهيًّا، والقرينة تعيِّنه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-١٩٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-194>[حديث: إن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس]</span>\n١٠٤ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (الليث): ابن سعد المصري (قال: حدثني) بالإفراد (سعِيد)؛ بكسر العين: المقبري، وفي رواية: (سعيد بن أبي سعيد)، وفي أخرى: (هو ابن أبي سعيد)، (عن أبي شُرَيح) بضم المعجمة، وفتح الراء، وبالمهملة، اسمه خويلد بن عمرو بن صخر على الأصح-كما في «عمدة القاري» - الخزاعي العدوي الكعبي، المتوفى سنة ثمان وستين، الصحابي ﵁: (أنَّه قال لعَمرو بن سعِيد)؛ بفتح العين في الأول، وكسرها في الثاني: ابن العاصي بن أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أمَّنه سنة سبعين من الهجرة، قال في «عمدة القاري»: (وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان، ووالده مختلف في صحبته) انتهى (وهو يبعث البُعوث)؛ بضم الموحدة، جمع البعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسمية وقعت حالًا؛ والمعنى: يرسل الجيوش (إلى مكة)؛ لقتال عبد الله بن الزبير، وذلك أنَّه لمَّا توفي معاوية؛ وجه يزيد إلى عبد الله بن الزبير يستدعي منه بيعته، فخرج من مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم يأخذ ببيعة عبد الله، فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتى يؤتى به موثَّقًا في وثاق، فأتى ابن الزبير إلى الحرم، وقال: إنِّي عائذ بالبيت، فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث إليه هذه البعوث.\nقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: وابن الزبير عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنَّه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبيِّ الأعظم ﵇، ونقل ذلك عن مالك، وكان امتناعه سنة إحدى وستين من الهجرة.\n (ائذن لي) أمر من (أذن يأذن)، وأصله: اأْذن، قلبت الهمزة الثانية ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، يا (أيها الأمير) حذف منه حرف النداء (أحدثْك)؛ بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر (قولًا)؛ بالنصب مفعول ثان لـ (أحدث) (قام به النبيُّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ): جملة محلها النصب صفة (قولًا) (الغدَ)؛ بالنصب على الظرفية؛ وهو اليوم الثاني (من يوم الفتح)؛ يعني: فتح مكة، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة (سمعته أذناي): فاعله، وأصله: أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم؛ سقطت نون التثنية، والجملة محلها النصب صفة أخرى لـ (القول)، (ووعاه قلبي)؛ أي: حفظه وتحقق فهمه، وتثبت في تعقُّل معناه، وفي قوله: (سمعته أذناي): إشارة منه إلى مبالغته في حفظه ونفي عن أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير: (وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه)، (وأبصرته عيناي): أصله: عينان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم؛ سقطت نون التثنية، وهذا زيادة في تحقُّق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأنَّ سماعه ليس اعتمادًا على الصوت بل بالرؤية، وكل ما في الإنسان من الأعضاء اثنان؛ كالأذن والعين؛ فهو مؤنث، بخلاف الأنف ونحوه، كما في «عمدة القاري» (حين تكلَّم) النبيُّ الأعظم ﵇، و(حين): منصوب على الظرفية، وهو ظرف لـ (قام) و(سمعت) و(وعاه) و(أبصرت) (به) أي: بالقول الذي أحدثك؛ (حمد الله) تعالى: جملة وقعت بيانًا لـ (تكلم)، (وأثنى عليه) عطف على (حمد) من عطف العام على الخاصِّ، (ثم قال) ﵇: (إنَّ مكة حرمها الله) ﷿: جملة محلها الرفع خبر (إنَّ)؛ أي: من يوم خلق الله السماوات والأرض، ولا تنافي بين هذا وبين ما روي: أنَّ إبراهيم عليه","vol":"1","page":32},{"text":"السلام حرمها؛ لأنَّ المراد أنه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطوفان واندرست حرمتها، وتمامه في «عمدة القاري»، (ولم يحرمها الناس) من قبل أنفسهم، فتحريمها ابتدائي من غير سبب يعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لغيره، بل بوحي منه تعالى، ثم بيَّن التحريم بقوله: (فلا يحل لامرئ): الفاء في جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان كذلك؛ فلا يحل لامرِئ؛ بكسر الراء والهمزة؛ لأنَّ عينه دائمًا تابعة للامه في الحركة.\n (يؤمن بالله واليوم الآخر): يوم القيامة؛ لأنَّ من آمن بالله؛ لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر؛ لزمه القيام بما وجب عليه واجتناب ما نهي عنه (أن يسفِك)؛ بكسر الفاء وضمها، و(أن) مصدرية، وهو فاعل (لا يحل)؛ والتقدير: فلا يحل سفك دم (بها)؛ أي: بمكة، والباء بمعنى (في)؛ أي: فيها، كما في رواية، وقوله: (دمًا): مفعول (يسفِك)، والسفك: صب الدم، والمراد به القتل، وهذا دليل واضح لإمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم على أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل؛ لأنَّه عام يدخل فيه هذه الصورة، ولو أنشأ القتل في الحرم؛ يقتل فيه، ولو قتل في البيت؛ لا يقتل فيه، هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وعطاء، والشعبي، وابن عباس، وغيرهم، فيُضيَّق (^١) عليه حتى يخرج منه.\nوقال مالك والشافعي فيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه: أنه يقام عليه فيه، ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثم شنع على مالك والشافعي، فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة، والكتاب، والسنة.\n (و) أن (لا يَعْضِدَ)؛ بفتح التحتية، وإسكان العين المهملة، وكسر الضاد المعجمة، آخره دال مفتوحة؛ وهو القطع، والمِعضد؛ بكسر الميم: الآلة؛ كالسيف والفأس؛ أي: لا يقطع، (بها)؛ أي: فيها، كما في رواية، أي: في مكة، فهو منصوب عطفًا على (أن يسفِك)، و(لا) زيدت لتأكيد معنى النفي؛ فمعناه: لا يحل أن يعضد بها، (شجرةً)؛ بالنصب مفعول (يعضد)؛ أي: من جنس من له ساق من النبات، وفي رواية: (لا يعضد شوكه)، وفي أخرى: (لا يخيط شوكها).\nففيه: دليل على حرمة قطع شجر الحرم، قال أئمتنا الأعلام: ومن قطع حشيش الحرم أو شجره غير مملوك ولا من جنس ما ينبته الناس مملوكًا أو غير مملوك؛ ضمن قيمته، قيد بغير المملوك؛ لأنَّه إذا كان مملوكًا؛ فعليه قيمتان: قيمة للمالك، وقيمة للشرع، وبعض أصلها في الحرم ككلها، نعم؛ يعتبر أغصانها في حق صيد عليها، فلو كان رأسه في الحل وقوائمه في الحرم فضربه في رأسه؛ ضمن، وبعكسه لا يضمن، كذا في «الدر المنتقى» عن «الشرنبلالية» عن «البرهان»، إلَّا إذا جف وانكسر؛ فلا يضمن؛ لعدم النماء، وكذا يحرم رعي حشيشه عند الإمام الأعظم والإمام محمد.\nوقال أبو يوسف: لا يحرم؛ لضرورة الزائرين، ويحرم قطعه إلا الإذخر معروف، ولا بأس بكمأة الحرم؛ لأنَّها ليست بنبات، بل هي شيء مودوع في الأرض، فهي كحجره، كذا في «الدر» عن «المحيط»، هذا مذهب الإمام الأعظم.\nوقال مالك: يجوز قطع شجره، ولا يأثم، ولا فدية عليه، وقال الشافعي: الواجب في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، ويجوز عند الشافعي رعي البهائم في كلاء الحرم، وبه قال أحمد.\n (فإن) ترخص (أحدٌ)؛ بالرفع بفعل محذوف مقدر يفسره قوله: (ترخص): وإنما حذف؛ لئلا يجمع بين المفسر والمفسر (لقتال): اللام للتعليل؛ أي: لأجل قتال (رسول الله ﷺ فيها)؛ أي: في مكة؛ والمعنى: إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة والقتال رخصة؛ تتعاطى عند الحاجة، مستدلًا بقتاله ﵇ فيها.\n (فقولوا) له: ليس الأمر كذلك، وفي هذا دليل لإمامنا الإمام الأعظم: على أن مكة فتحت عنوة، وهو مذهب الجمهور، وبه قال مالك والأوزاعي، وأنه ﵇ منَّ على أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم، ولم يقسمها ولا جعلها فيئًا، وقال الشافعي وأحمد: فتحت صلحًا (^٢)، والحديث حجة عليهما (إنَّ الله) تعالى (قد أذن): خبر (إنَّ) (لرسوله) ﵇؛ خصوصية له (ولم يأذن لكم): عطف على ما قبله، (وإنما أذن): روي بصيغة المجهول والمعلوم؛ أي: أذن الله (لي) في القتال فقط (فيها)؛ أي: في مكة (ساعةً)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: في ساعة (من نهار): وهي من طلوع الشمس إلى العصر، كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد، فأحلت له ﵇ في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حَرَّم الناس، كذا في «عمدة القاري».\n (ثم عادت حرمتُها)؛ بالرفع فاعله (اليومَ)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: الحكم الذي في مقابلة الإباحة، وهو الحرمة المستفاد من لفظ الإذن في اليوم المعهود وهو يوم الفتح، فإنَّ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره (كحرمتها بالأمس): اليوم الذي قبل يوم الفتح، (وليبلِغ)؛ بكسر اللام وتسكينها (الشاهدُ)؛ بالرفع فاعله؛ أي: الحاضر (الغائبَ)؛ بالنصب مفعوله، فالتبليغ عن النبي الأعظم ﵇ فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط عن الكل، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يتركبان على ما يستمع، فإن كان ما يخصه؛ تعين عليه، وإن كان يتعلق به أو بغيره؛ كان العمل فرض عين.\n (فقيل لأبي شُريح) المذكور: (ما قال عمرو؟)؛ أي: ابن سعيد المذكور في جوابك، فقال: (قال) عمرو: (أنا أعلم منك يا أبا شُريح إنَّ مكة)؛ يعني: صح سماعك وحفظك، لكن لم تفهم المعنى، فإن مكة (لا تُعيذ)؛ بضم الفوقية من الإعاذة؛ أي: لا تعصم (عاصيًا) من إقامة الحدود عليه، وفي رواية: (إنَّ الحرم لا يُعيذ)؛ بالتحتية المضمومة، عاصيًا (ولا فارًّا)؛ بالفاء وتشديد الراء (بدم): الباء للمصاحبة؛ أي: مصاحبًا ومتلبسًا به؛ أي: ملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه، والفرار: الهروب، (ولا فارًّا)؛ بالفاء والراء المشددة أيضًا (بخَرْبة)؛ بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة؛ وهي السرقة، كما في رواية المستملي، حيث قال: (ولا فارًا بخربة)؛ يعني: السرقة، وفي رواية: (بخُربة)؛ بضم المعجمة؛ أي: الفساد، وأصل الخربة: سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة، والباء للسببية؛ أي: بسبب الخربة، وما قاله عمرو ليس بجواب؛ لأنَّه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه.\nوإنما أنكر عليه أبو شُريح بعثه الخيل إلى مكة واستباحته حرمتها بنصب الحرب عليهما، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح نفسه، ولا ينصب الحرب عليهما بقتال بعدما حرمها النبي الأعظم ﵇.\nواختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث، هل يكون أولى بتأويله مما يأتي بعده أم لا؛ فقيل: تأويل الصحابي أولى؛ لأنَّه الراوي، وقيل: لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل، ومذهب إمامنا الإمام الأعظم اتباع عمله لا روايته، فإن كان الحديث عامًا فعمل بخصوصه، أو مشتركًا فعمل بأحد معنييه؛ لا يمنع العمل به؛ لأنَّه تأويل؛ كحديث ابن عمر: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا»، يحتمل التفريق بالأقوال والأبدان، فحمله ابن عمر على الأبدان ولم يأخذ به، والامتناع عن العمل به كالعمل بخلافه؛ كحديث ابن عمر في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، قال مجاهد: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره فعله، فدل على نسخه، وحديث أبي هريرة في ولوغ الكلب سبعًا، فحمله أبو هريرة على الثلاث؛ لثبوت نسخه عنده، فالحمل عليه تحسين الظن في حق الصحابي، ومذهب الشافعي اتباع رواية الصحابي لا عمله؛ كحديث ابن عمر وأبي هريرة، فإنه أخذ بالرواية وترك عملهم، ولا ريب أن الصحابي الراوي للحديث أولى بتأويله، وأعلم بمخرجه وسببه وناسخه وغير ذلك، والله تعالى أعلم.\nوفي الحديث: جواز القياس، وخص (^٣) النبي الأعظم ﵇ بخصائص، وجواز النسخ وغير ذلك، كما في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٩٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-195>[حديث: فإن دماءكم وأموالكم عليكم]</span>\n١٠٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب): أبو محمد الحَجَبي -بفتح الحاء المهملة والجيم المعجمة آخره باء موحدة- البصري، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئتين، قال: (حدثنا حَمَّاد)؛ بفتح الحاء وتشديد الميم: ابن زيد البصري، (عن أيوب): السختياني، (عن محمد): بن سيرين، (عن ابن أبي بَكرة)؛ بفتح الموحدة: عبد الرحمن، (عن) أبيه (أبي بَكرة): نُفيع؛ بضم النون، قال أبو بَكرة حال كونه (ذُكر النبي) الأعظم (ﷺ)؛ بضم الذال المعجمة مبنيًا للمفعول، وروي: للفاعل، وليس هذا من الذكر بعد النسيان.\n (قال): وللأصيلي: (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ في حجة الوداع؛ أي: يوم الحديث السابق في باب (رُبَّ\n_________\n(^١) في الأصل (فيضق).\n (^٢) في الأصل: (صحلها).\n (^٣) في الأصل: (وخصائص).","vol":"1","page":33},{"text":"مبلغ أوعى من سامع)، واقتصر منه هنا على التبليغ؛ لأنَّه المقصود، فقال: (فإنَّ): الفاء عاطفة على محذوف من الحديث السابق (دماءكم وأموالكم، قال محمد)؛ أي: ابن سيرين أحد الرواة: (وأحسبه)؛ أي: وأظن ابن أبي بكرة (قال: وأعراضَكم)؛ بالنصب عطفًا على (أموالكم)، وهو جمع عِرْض؛ بكسر العين وسكون الراء، محل المدح والذم (عليكم حرام)؛ أي: فإن سفك دمائكم بغير حق، وأخذ أموالكم بغير حق، وثلب أعراضكم بغير حق عليكم حرام، وفي رواية: (بينكم حرام).\n (كحرمة يومكم هذا): وهو يوم النحر، (في شهركم هذا): وهو ذو الحجة، (أَلا)؛ بالتخفيف (ليبلِغِ)؛ بكسر الغين، أمر (الشاهدُ)؛ أي: الحاضر منكم (الغائبَ)؛ بالنصب على المفعولية، وكسر لام لـ (يبلغ) الثانية؛ للساكنين، (وكان محمد)؛ يعني: ابن سيرين (يقول: صدق رسول الله ﷺ كان ذلك)؛ أي: وقع ذلك التبليغ المأمور به من الشاهد إلى الغائب، (أَلا)؛ بتخفيف اللام؛ أي: يا قوم (هل بلَّغت، مرتين)؛ أي: قال هل بلغت مرتين، لا أنه قال الجميع مرتين؛ لأنَّه لم يثبت.\n\n <span id=\"b-١٩٦\"> </span>(٣٨) <span data-type=\"title\" id=toc-196>[باب إثم من كذب على النبي ﷺ]</span>\nهذا (باب إثم من كَذب)؛ بفتح الكاف وتخفيف الذال المعجمة (على النبي) الأعظم (ﷺ): والكذب: الإخبار عن الأمر على خلاف ما هو عليه عمدًا أو سهوًا، هذا مذهب الأشعرية، وقالت المعتزلة: يشترط تعمده، فإذا أخبر ساهيًا؛ فليس بكذب عندهم.\n\n <span id=\"b-١٩٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-197>[حديث: لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار]</span>\n١٠٦ - وبه قال: (حدثنا علي بن الجَعْد)؛ بفتح الجيم، وإسكان العين، آخره دال مهملتين: الجوهري البغدادي (قال: أخبرنا شعبة): ابن الحجاج (قال: أخبرني)؛ بالإفراد (منصور): ابن المعتمر (قال: سمعت رِبْعِيَّ)؛ بكسر الراء، وإسكان الموحدة، وكسر المهملة، وتشديد التحتية (ابن حِراش)؛ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة: ابن جحش -بفتح الجيم، وإسكان المهملة، آخره معجمة- ابن عمرو الغطفاني العبسي -بالموحدة- الكوفي، الذي لم يكذب قط، الحالف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أو النار، فما ضحك إلا بعد موته، المتوفى في خلافة عمر بن عبد العزيز أو سنة أربع ومئة.\n (يقول: سمعت عليًّا): ابن أبي طالب الصديق الأصغر، أحد الخلفاء الراشدين، تولى الخلافة خمس سنين، وتوفي بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة، وكان ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيف مسموم على دماغه ليلة الجمعة، وأخفي قبره؛ خوفًا من الخوارج، الهاشمي المكي ابن عم رسول الله ﵇ وختنه على بنته فاطمة الزهراء، واسم أبي طالب: عبد مناف على المشهور، وأم علي: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكنيته: أبو الحسن، وكناه ﵇: أبا تراب.\nوفي سفح جبل قاسيون في ديارنا الشريفة الشامية مدفن منور فيه قبور، عليها مهابة وجلالة، وبينهم قبر محجر، وعليه شاهدة مكتوب عليها أسطر، وفيها اسم علي، والله أعلم هل هو أم من أولاده؟ لكن قد أتى سيدنا العارف الكبير الشيخ عبد الغني النابلسي ذلك الموضع، واعتمد أنه قبره وصور على حجرته صورة الكأس المعلوم، وقال: إنِّي شممت رائحة النبوة من هنا، وهذا المدفن تجاه مدفن أبي بكر بن قوام الولي الكبير.\nوأخبرني رجل ثقة: أن قبره في أعالي سفح الجبل فوق المدفن بخطوات، فذهبت إلى هناك ورأيت قبرًا واحدًا عليه حجر واحد، وإني رأيت عليه مهابة وجلالة، وأظنه أنه هو، والله أعلم.\nأي: سمعت عليًّا حال كونه (يقول: قال رسول الله ﷺ: لا تكذبوا عليَّ): نهي بصيغة الجمع، وهو عام في كل كذب مطلق في كل نوع منه في أحكام الدين وغيرها، سواء كان عليه أو له.\nوالكذب على الله تعالى داخل تحت الكذب على رسوله.\nفإن قلت: الكذب من حيث هو معصية، فما فائدة لفظة: (عليَّ)، فإن الحكم عام في كل من كذب على أحد؟\nأجيب: بأنه لا شك أن الكذب عليه ﵇ أشد من الكذب على غيره؛ لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة، فخصص بالذكر لذلك، أو الكذب عليه كبيرة، وعلى غيره صغيرة، والصغائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر، وما قيل إنه لا يتصور أن يكذب له؛ لأنَّه ﵇ نهى عن مطلق الكذب، ففيه نظر؛ لأنَّ الكذب عليه: هو ما يذكر من أحواله وصفاته؛ من نومه، ومأكله، وملبسه، وغير ذلك على خلافها فيه، والكذب له: هو ما يقال: إنه قال في حق كذا وكذا، وأمر لكذا كذا، وغير ذلك مما لم يعهد له فافترقا؛ فافهم.\n (فإنَّه)؛ أي: الشأن (من كذب)؛ بالتخفيف (عليَّ) أو لي؛ (فليلج النار): جواب النهي، ولذا دخلته الفاء، والضمير في (إنَّه) للشأن، وهو اسم (إنَّ)، وقوله: (من كذب عليَّ): محله رفع خبر (إنَّ)، و(من): موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: (فليلج النار): جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء؛ أي: ليدخل النار، و(النار): منصوب؛ بتقدير: (في)؛ لأنَّ أصله لازم؛ أي: ليدخل في النار، هذا جزاؤه وقد يجازى به.\nوقد يعفو الله عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار، وكذا كلما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فإن جوزي وأدخل النار؛ فلا يخلد فيها، بل يخرج بفضله تعالى ولو بعد مدة طويلة، وأتى بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم: «من يكذب عليَّ؛ يلج النار»، ولابن ماجه: «فإنَّ الكذب عليَّ يولج النار»، وقيل: دعاء عليه، ثم أخرج مخرج الذم، كذا قيل.\nوفي الحديث: دليل على تعظيم حرمة الكذب على النبي الأعظم ﵇ وأنه كبيرة، والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا إذا استحله، ولا فرق في تحريم الكذب على النبي الأعظم بين ما كان في الأحكام وغيره كالترهيب والترغيب؛ فكله حرام بإجماع المسلمين، خلافًا للكرامية في زعمهم أنه يجوز الوضع عليه في الترغيب والترهيب، وتابعه كثير من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، ومنهم من زعم أنه جاء في رواية: (من كذب عليَّ متعمدًا؛ ليضل به)، وتمسكوا بهذه الزيادة أنَّه كذب له لا عليه، وهذا فاسد.\nوإنَّ من روى حديثًا وعلم أو ظن أنه موضوع؛ فهو داخل في هذا الوعيد، وإن من روى حديثًا ضعيفًا لا يذكره بصيغة الجزم، بل يقول: روي، وجاء، ونقل، وإن مما يظن دخوله في النهي اللَّحنُ وشبهه، ولهذا قالوا: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو، واللغة، والأسماء ما يسلم من قول ما لم يقل، فإذا صح في الرواية ما هو خطأ ما حكمه؟، والجمهور على روايته على الصواب ولا يغيِّره في الكتاب، بل يكتب في الهامش: كذا وقع، وصوابه: كذا، وهو الصواب، وقيل: يغيِّره ويصلحه.\nوالواضعون قسمان: أحدهما: قوم زنادقة؛ كالمغيرة بن سعيد الكوفي وغيره، وضعوا: أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي إن شاء الله، والثاني: قوم تعصبوا لعلي، فوضعوا فيه أحاديث، وقوم تعصبوا لمعاوية، وقوم تعصبوا لإمامنا الأعظم.\nقال ابن الصلاح قال: رويت عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة الإمام الأعظم، فوضعت هذا الحديث، قال يحيى: نوح هذا ليس بشيء، لا يكتب حديثه، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-١٩٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-198>[حديث: من كذب علي فليتبوَّأ مقعده من النار]</span>\n١٠٧ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد): هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري (قال: حدثنا شعبة): بن الحجاج، (عن جامع بن شداد): المحاربي أبو صخر الكوفي، المتوفى سنة ثماني عشرة ومئة، (عن عامر بن عبد الله بن الزبير): بن العوَّام الأسدي القرشي أبو الحارث المدني، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئة، (عن أبيه): عبد الله بن الزبير بن العوَّام أبو بكر، الصحابي بن الصحابي، أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت الصديق الأكبر بقباء، وأتت به النبي الأعظم ﵇ فوضعه في حجره، ودعا بثمرة فمضغها ثم تفل في فيه وحنَّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي الأعظم ﵇، ثم دعا (^١) له، وكان أطلس لا لحية له، بويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان (^٢) ما عدا الشام، وجدد عمارة الكعبة، وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج، وبقي في الخلافة إلى [أن] حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنين وسبعين، ولم يزل يحاصره (^٣) إلى أن أصابته رمية الحجر، فمات وصلبَ جثته وحمل رأسه إلى خراسان (^٤) ﵁.\nأنَّه (قال: قلت للزُّبير)؛ بضم الزاي: بن العوَّام -بتشديد الواو-، القرشي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وحواري النبي الأعظم ﵇، وكان يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف عنه فلحقه جماعة من الغزاة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة، ودفن سنة ست وثلاثين، ثم حول إلى البصرة، وقبره\n_________\n(^١) في الأصل: (دعى).\n (^٢) في الأصل: (وخرسان).\n (^٣) في الأصل: (يحاصله).\n (^٤) في الأصل: (خرسان).","vol":"1","page":33},{"text":"مشهور بها، وكان له أربع نسوة، ودفع الثلث فأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومئتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئة ألف.\n (إنِّي لأسمعك تحدث)؛ أي: لأسمع تحديثك، وحذف مفعوله، وفي رواية إسقاط: (إنِّي)، (عن رسول الله ﷺ كما يحدث): الكاف للتشبيه، و(ما): مصدرية؛ أي: كتحديث (فلان وفلان): سمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله بن مسعود، (قال)؛ أي: الزبير: (أَمَا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه (إِنِّي)؛ بكسر الهمزة (لم أفارقه) ﵇، جملة من الفعل والفاعل والمفعول، محلها الرفع خبر: (إنَّ)، زاد في رواية: (منذ أسلمت)، وأراد به عدم المفارقة الصرفية؛ أي: ما فارقته سفرًا وحضرًا، وهجرته إلى الحبشة كانت قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي: ما فارقته عند ظهوره، أو المراد في أكثر الأحوال.\n (ولكني): وفي رواية: (لكنني)؛ بنونين، ويجوز في (أن) وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق، وهي للاستدراك، وشرطه التوسط بين كلامين متغايرين، وهما هنا لازم عدم المفارقة السماع، ولازم السماع التحديث عادة، ولازم الحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث، والمناسب لـ (سمعت) (قال)؛ ليوافقا ماضيًا لكن عدل (^١) إلى المضارع؛ استحضارًا لصورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قائل به الآن.\n (سمعته) ﵇ (يقول: من): موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: (كَذب)؛ بفتح الكاف وتخفيف الذال (عليَّ)؛ بفتح التحتية، أو لي صلة الموصول، وقوله: (فليتبوأ): جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء بكسر اللام هو الأصل، وبالسكون هو المشهور، وهو أمر من التبوُّء؛ وهو اتخاذ المباءة (^٢)؛ أي: المنزل؛ أي: فليتخذ.\n (مقعدَه)؛ بالنصب مفعول لـ (يتبوأ) (من): هي بمعنى (في)؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: في (النار): والأمر هنا معناه الخبر، يريد: أن الله يبوِّئه مقعده من النار، وقيل: الأمر بالتبوء تهكم وتغليظ، وقيل: الأمر على حقيقته؛ أي: من كذب فليأمر نفسه بالتبوء، والظاهر والأولى أن يكون الأمر أمر تهديد، أو يكون دعاء على معنى بوأه الله مكانًا في النار.\nواختلف في الكذب؛ فقيل: معناه الخصوص؛ أي: الكذب في الدين، كأن ينسب إليه تحريم حلال أو تحليل حرام، وقيل: كان ذلك في رجل بعينه كذب عليه ﵇، واحتجاج الزبير ينفي التخصيص، فهو عام في كل كذب في الدين والدنيا، ومن قصد الكذب على النبي الأعظم ﵇ ولم يكن في الواقع كذبًا؛ فإنَّه يأثم بسبب قصده للكذب لا بسبب الكذب؛ لأنَّ قصد المعصية معصية، وإنما توقف الزبير في الرواية والإكثار منها؛ لأجل خوفه الغلط والنسيان، والغالط والناسي وإن كان لا إثم عليه فقد ينسب إلى تفريط؛ لتساهله، وأمَّا من أكثر منهم؛ فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت وإطالة أعمارهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان.\nوالحديث بعمومه يتناول العامد، والساهي، والناسي في إطلاق اسم الكذب عليهم، غير أن الإجماع انعقد على أن الناسي لا إثم عليه، كذا قرره الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري» قدس سره.\n\n <span id=\"b-١٩٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-199>[حديث: من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار]</span>\n١٠٨ - وبه قال: (حدثنا أبو مَعْمَر)؛ بفتح الميمين وسكون العين: عبد الله بن عمرو، المشهور بالمقعد المنقري البصري (قال: حدثنا عبد الوارث): بن سعيد التميمي البصري، (عن عبد العزيز): بن صهيب البصري (قال: قال أنس): هو ابن مالك ﵁، وفي رواية: بإسقاط (قال) الأولى.\n (إنَّه)؛ بكسر الهمزة والتشديد؛ أي: الشأن (ليمنعني): اللام للتأكيد، والجملة محلها الرفع خبر (إنَّ) (أَنْ)؛ بفتح الهمزة وتخفيف النون (أحدثكم): فهي ومعمولها في محل نصب مفعول أول (ليمنعني)؛ لأنَّ منع يتعدى لمفعولين، و(أن): مصدرية؛ والتقدير: ليمنعني تحديثكم (حديثًا)؛ بالنصب مفعول مطلق، والمراد به الجنس (كثيرًا): صفة له (أنَّ)؛ بفتح الهمزة وتشديد النون (النبي) الأعظم (ﷺ قال): فـ (أن) واسمها وخبرها في محل رفع فاعل (يمنعني) (من تعمد عليَّ كذبًا) عام في جميع أنواع الكذب؛ لأنَّ النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي تعم، فـ (من): موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: (تعمد عليَّ كذبًا): صلته، والمراد من قوله: (أحدثكم حديثًا): هو حديث النبي الأعظم ﵇؛ لأنَّه هو المراد في عرف الشرع عند الإطلاق، كما أنه إذا أطلق الإمام الأعظم؛ فالمراد به هو أبو حنيفة النعمان التابعي الجليل رأس المجتهدين.\nوقوله: (فليتبوأ): جواب الشرط؛ أي: فليتخذ (مقعدَه)؛ بالنصب مفعوله (من)؛ أي: في (النار): أمر تهديد أو دعاء كما مر، وكثرة الحديث وإن كان صادقًا فيه ينجر إلى الكذب غالبًا عادة، ومن حام حول الحمى؛ أوشك أن يقع فيه، فالتعليل للاحتراز عن الانجرار إليه، ولو كان وقوعه على سبيل الندرة، فأفاد أنس أن توقيه من التحديث لم يكن للامتناع من أصل التحديث للأمر بالتبليغ، وإنما هو لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ.\n\n <span id=\"b-٢٠٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-200>[حديث: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار]</span>\n١٠٩ - وبه قال: (حدثنا المكي): وفي رواية: بالإفراد والتنكير (بن إبراهيم): البلخي (قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد)؛ بالتصغير: أبو خالد الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، المتوفى سنة ست أو سبع وأربعين ومئة، (عن سَلَمَة)؛ بفتح المهملات (ابن الأكوع): سنان بن عبد الله الأسلمي المدني، المتوفى سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة، المدفون بالمدينة، الذي كلَّمه الذئب، قال سلمة: رأيت الذئب قد أخذ ظبيًا فطلبته حتى نزعته منه، فقال: ويحك ما لي وما لك، عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك فنزعته مني، قال: قلت: أيا عباد الله إن هذا لعجب ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب منه أن رسول الله ﵇ في أصول الحل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان، قال: فلحقت برسول الله ﵇ فأسلمت.\n (قال سمعت النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: كلامه حال كونه (يقول: من): موصولة تتضمن معنى الشرط (يقل): أصله: يقول، حذفت الواو؛ للجزم لأجل الشرط، (ما لم أقل)؛ أي: الذي لم أقله، وهذا اللفظ خاص بالقول، لكن لا شك أن الفعل في معناه؛ لاشتراكهما في علة الامتناع وهو الجسارة على الشريعة، ومشرعها ﵇.\n (فليتبوَّأ): جواب الشرط؛ أي: فليتخذ (مقعدَه): مفعوله (من) في (النار): واحتج بظاهره من منع رواية الحديث بالمعنى، والجمهور على عدم المنع؛ لأنَّ المراد من النهي الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم، على أن الإتيان باللفظ أولى بلا شك.\n\n <span id=\"b-٢٠١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-201>[حديث: تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي]</span>\n١١٠ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (موسى): هو ابن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري (قال: حدثنا أبو عَوانة)؛ بفتح العين: الوضاح اليشكري، (عن أبي حَصِين)؛ بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين: عثمان بن عاصم الكوفي، المتوفى سنة سبع أو ثمان وعشرين ومئة، (عن أبي صالح): ذكوان السمان الزيات المدني، (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر، (عن النبي) الأعظم (ﷺ قال: تَسَمُّوا)؛ بفتح التاء والسين وتشديد الميم، أمر بصيغة الجمع من باب التفعل (باسمي): محمد وأحمد، (ولا تَكْتَنوا)؛ بفتح التائين، بينهما كاف ساكنة، وفي رواية الأربعة: (ولا تكَنُّوا)؛ بفتح الكاف وتشديد النون بدون تاء ثانية، من باب التفعل، وأصله: لا تتكنوا، فحذفت أحد التائين، أو بضم التاء، وفتح الكاف، وضم النون المشددة، من باب التفعيل، أو بفتح التاء وإسكان الكاف، والكل من الكناية، وهي في الأصل: أن يتكلم بشيء ويريد (^٣) به غيره.\nوالاسم العلم إما أن يكون مشعرًا بمدح أو ذم، وهو اللقب، وإما ألَّا يكون، فإما أن يصدر؛ بنحو الأب أو الأم وهو الكنية، أو لا وهو الاسم، فاسم النبي الأعظم ﵇: محمد، وكنيته: أبو القاسم، ولقبه: رسول الله وسيد المرسلين مثلًا ﵇.\n (بكنيتي): وهو من عطف المنفي على المثبت، واستدل بهذا أهل الظاهر على منع التكني بكنيته ﵇ مطلقًا، قال الشافعي: ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمدًا أم لا، ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم كيلا يكون سببًا للتكنية، وقال قوم: يجوز التكني بأبي القاسم لغير من اسمه محمد أو أحمد، ويجوز التسمية بأحمد ومحمد ما لم يكن له كنية بأبي القاسم.\nوقال إمامنا الإمام الأعظم والجمهور: إن النهي منسوخ في الإباحة، وبه قال مالك لما في «أبي داود» من حديث محمد بن الحنفية قال: قال علي: قلت: يارسول الله؛ إنْ وُلِدَ لي وَلَدٌ من بعدك أنسميه باسمك ونكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم».\nوقال أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، وقال ابن جرير: النهي في الحديث للتنزيه والأدب لا للتحريم، وقيل: النهي مقصور على حياة النبي الأعظم؛ لأنَّه ذكر أن سبب الحديث أن رجلًا نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النبي الأعظم، فقال: لم أعنك وإنما دعوت فلانًا، وقيل:\n_________\n(^١) في الأصل: (عدم).\n (^٢) في الأصل: (المناءة).\n (^٣) في الأصل: (وتريد).","vol":"1","page":34},{"text":"إن سبب النهي أن اليهود تكنوا به وكانوا ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي الأعظم؛ قالوا: لم نعنك؛ إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى.\n (ومن): موصولة تتضمن معنى الشرط (رآني في المنام): وهو ثلاثة أقسام: رؤيا من الله تعالى، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا مما حدث به المرء نفسه، والأحاديث في هذا الباب نفت القسم الثاني، وكذا لا يجوز أن تكون رؤيته ﵇ من القسم الثالث؛ لأنَّ الاجتماع بين الشخصين يقظة ومنامًا؛ لحصول الاتحاد إما في الذات، أو في الصفة، أو في الأحوال، أو في الأفعال، أو في المراتب، فمن حصل له هذه؛ ثبتت المناسبة بينه وبين الأرواح الماضية فيجتمع بهم، ولا كذلك النبي الأعظم؛ لأنَّ حديث المرء نفسه ليس مما يقدر أن يحصل مناسبة بينه وبين النبي الأعظم ﵇، فثبتت أن رؤياه ﵇ من الله تعالى.\nوقوله: (فقد رآني): جواب الشرط، وفي رواية: (فقد رأى الحق)، وفي أخرى: (فسيراني في اليقظة)، وفي أخرى: (فكأنما رآني في اليقظة)، وحقيقة الرؤيا: إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يد الملك أو الشيطان، ونظيره في اليقظة: الخواطر، وقيل: هي اعتقادات فما يريه الملك الموكل بها يطلعه على قصص بني آدم من اللوح، فهو ينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلًا، فإذا نام؛ تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة؛ ليكون له بشارة، أو نذارة، أو معاينة؛ ليكون على بصيرة من الأمر.\n (فإنَّ الشيطان): الفاء للتعليل، و(الشيطان): اسم (إنَّ)، وخبرها قوله: (لا يتمثل في صورتي): وفي رواية: (فإنَّه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي)، وهذا تفسير للأول؛ لأنَّ معنى قوله: (فقد رآني)؛ أي: رأى الحق، ورؤياه ليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيه الشيطان، فرؤياه حق صحيحة.\nالحديث على ظاهره، والمراد: أن من رآه؛ فقد أدركه ﵇ ولا مانع منه، وقيل: إن رآه بصفته المعلومة؛ فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته؛ فهو إدراك المثال، فتكون رؤيا تأويل، والصحيح الثاني.\nفمعنى قوله: (فقد رآني)؛ أي: فقد رأى مثالي في الحقيقة؛ لأنَّ المرئي في المنام مثاله، وليس المراد أنه رأى جسمي وبدني، بل رأى مثالًا (^١)، صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى، فالملك الموكل يمثل بالموجود ما في اللوح المحفوظ من المناسبة، ومعنى قوله: (فسيراني في اليقظة): وكأنما رآني في اليقظة سيرى تفسير ما رأى؛ لأنَّه حق، وقيل: سيراه في القيامة، وقيل: أهل عصره بمن لم يهاجر، فتكون الرؤية في المنام علمًا له على رؤيته في اليقظة.\nوقوله: (فإنَّ الشيطان لا يتمثل بصورتي)؛ أي: في صفتي، وهي صفة الهداية، وقيل: هي على الحقيقة، وهي التخطيط (^٢) المعلوم المشاهد له ﵇، وهذا ظاهر، فقالوا: رؤيته ﵇ هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة لصورته الثابتة حليتها بالنقل الصحيح، حتى لو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحسن؛ لم يكن رآه ﵇، كأن يراه طويلًا، أو قصيرًا، أو أشقر، أو شيخًا، أو شديد السمرة، ونحو ذلك.\nومثله ﵇ بقية الأنبياء والملائكة؛ فإنَّها حق لا يتمثل الشيطان بهم، وقد منَّ الله علي في رؤيتي له ﵇، ورؤيتي لموسى ﵇، ورؤيتي لعلي بن أبي طالب، والحمد [لله] تعالى على ذلك.\n (ومن كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار): ومقتضى الحديث استواء تحريم الكذب عليه في كل حال، سواء كان في اليقظة أو في النوم، وإذا كانت رؤياه حقًا فهل يطلق [عليه] الصحابي؟\nأجيب: بأنه لا يطلق عليه ذلك؛ لأنَّ المراد من الرؤية المعهودة الجارية على العادة أو الرؤية في حياته في الدنيا فلا يصدق عليه الصحابي إلا وهو مسلم رآه ﵇، وأما الحديث المسموع في المنام؛ فهو ليس بحجة؛ لأنَّه يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطًا عند السماع، والنوم ليس حاله الضبط، وحديث: (من كذب عليَّ) في غاية الصحة حتى أطلق عليه جماعة: أنه متواتر، ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها.\nأجيب: بأن المراد من إطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٠٢\"> </span>(٣٩) <span data-type=\"title\" id=toc-202>[باب كتابة العلم]</span>\nهذا (باب كتابة العلم): ولا يخفى أنه مستحب، بل واجب في زماننا؛ لقلة اهتمام الناس بالحفظ، كما في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٠٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-203>[حديث أبي جحيفة: قلت لعلي: هل عندكم كتاب]</span>\n١١١ - وبه قال: (حدثنا ابن سلَام): محمد أبو عبد الله البيكندي، وهو بتخفيف اللام، وقد تشدد، وفي رواية: (محمد بن سلام) (قال: أخبرنا وكيع): بن الجراح بن مليح الكوفي المفتي على مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، قال حماد بن زيد: إنَّه أرجح من سفيان، المتوفى يوم عاشوراء سنة تسع وتسعين ومئة عن إحدى وسبعين سنة، (عن سفيان): ابن عُيينة -بضم العين- أو الثوري، وجزم بالأول في «عمدة القاري»، وجزم بالثاني ابن حجر؛ لشهرة وكيع بالرواية عنه، وردَّ بأن وكيعًا مشهور بالرواية عن السفيانين كليهما، ونص في «الأطراف» على أنَّه ابن عيينة؛ فليحفظ.\n (عن مُطَرِّف)؛ بضم الميم، وفتح الطاء، وكسر الراء المشددة، آخره فاء: ابن طَريف -بطاء مهملة مفتوحة-، أبو بكر الكوفي الحارثي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومئة، (عن الشَّعْبي): عامر؛ بفتح المعجمة وسكون المهملة، (عن أبي جُحَيْفة)؛ بضم الجيم، وفتح المهملة، وسكون التحتية، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي -بضم السين المهملة، وتخفيف الواو وبالمد-، الكوفي، وكان علي ﵁ يكرمه ويحبه، وجعله على بيت المال، وهو من صغار الصحابة، المتوفى سنة اثنين وسبعين، (قال: قلت لعلي): الصديق الأصغر، زاد الأصيلي: (ابن أبي طالب ﵁).\n (هل): للاستفهام (عندكم): الخطاب لعلي إما للتعظيم، أو لإرادته مع سائر أهل البيت النبوي، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع (كتاب)؛ بالرفع مبتدأ، وخبره: (عندكم) مقدمًا؛ أي: مكتوب أخذتموه عن النبي الأعظم ﵇ مما أوحي إليه، ويدل لهذا ما عند المؤلف في (الجهاد): (هل عندكم شيء من الوحي)، وإنما سأله أبو جحيفة؛ لأنَّ الشيعة كانوا يزعمون أن النبي ﵇ خص أهل البيت، لا سيما علي بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره.\n (قال) علي: (لا) كتاب عندنا (إلا كتاب الله)؛ بالرفع بدل من المستثنى منه، وهو استثناء متصل؛ لأنَّ المفهوم من الكتاب كتاب أيضًا؛ لأنَّه من جنسه، وما زعمه ابن حجر من أنه منقطع؛ رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (أو فهم)؛ بالرفع عطفًا على (كتاب)، ولو كان الاستثناء منقطعًا كما زعمه؛ لكان قوله: (أو فهم) منصوبًا، والرواية بالرفع؛ فليحفظ، والفهم: جودة الذهن بمعنى العلم (أعطيَه)؛ بفتح التحتية على صيغة المجهول، أسند إلى قوله: (رجل): مفعول أول نائب عن الفاعل، والضمير المنصوب مفعول ثان (مسلم)؛ بالرفع صفة لـ (رجل) من فحوى الكلام ويدركه من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات، وما قاله ابن المنير رده في «عمدة القاري».\nويدل لهذا قوله: (أو ما): عطف على (كتاب الله)، و(ما): موصولة مبتدأ بمعنى الذي، وقوله: (في هذه الصحيفة): خبره؛ وهي الورقة المكتوبة، وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه منفردًا بسماع ذلك، وفي «النسائي»: (فأخرج كتابًا من قراب سيفه)، واقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده؛ بل بالقتل تارة، وبالدية أخرى، وبالعفو تارة أخرى.\n (قال) أبو جحيفة: (قلت: وما): وفي رواية: (فما)، وكلاهما للعطف استفهام مبتدأ؛ أي: أي شيء (في هذه الصحيفة): خبر المبتدأ (قال) الصديق الأصغر: (العقل)؛ بالرفع مبتدأ حذف خبره؛ أي: فيها العقل، والمضاف فيه محذوف أيضًا؛ أي: حكم العقل؛ أي: الدية، وإنما سميت به؛ لأنَّهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال؛ وهو الحبل، والمراد أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها، وأسنانها، كما في «عمدة القاري».\nوفي رواية «الصحيحين» من طريق يزيد التيمي: فإذا فيها: «المدينة حرام...»؛ الحديث، ولمسلم عن أبي الطفيل: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله...»؛ الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر: فإذا فيها: «المؤمنون يتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم...»؛ الحديث، ولأحمد من طريق ابن شهاب: فإذا فيها: (فرائض الصدقة)، والجمع بين هذه الأحاديث أنَّ الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كل من\n_________\n(^١) في الأصل: (مثال).\n (^٢) في الأصل: (التخلطيط).","vol":"1","page":34},{"text":"الرواة ما حفظه.\n (وفكاكُ)؛ بالرفع عطف على (العقل)، وهو بفتح الفاء وكسرها؛ هو ما يفتك ويخلص به (الأسير): فعيل بمعنى المأسور من أسره؛ إذا شده بالأسارى؛ وهو القِد؛ بكسر القاف وبالمهملة، ويقال: القيد، والمراد حكمه والتَّرغيب في تخليصه، وأنَّه من أنواع البر فينبغي الاهتمام به.\n (ولا يقتلُ)؛ بضم اللام (مسلم بكافر): وفي رواية: (وأن لا يقتل)؛ بزيادة (أن) الناصبة، وهي مصدرية في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ تقديره: وفيها أن لا يقتل؛ أي: وفيها عدم قتل مسلم بكافر؛ يعني: حرمة قصاص المسلم بالكافر، وعلى الرواية الأولى بحذف (أن)، فإنَّه جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية؛ أعني: قوله: (العقل)؛ لأنَّ تقديره: وفيها العقل؛ والتقدير: وفيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، فهو عطف جملة على جملة.\nاستدل بظاهر الحديث مالك، والشافعي، وأحمد على أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصًا، وبه قال الأوزاعي، والليث، والثوري، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل والإمام أبو يوسف في رواية، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن بن زياد: يقتل المسلم بالكافر، وبه قال النخعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وعثمان البتِّي، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز.\nوقالوا: ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد لهم عمومات قول الله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله جل ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله ﷾: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فإنَّ هذه الآيات تدل صريحًا على أن المسلم يقتل بالكافر؛ لأنَّ ذلك عام في شريعة من قبلنا وفي شريعتنا؛ لأنَّ الله تعالى قد قصه علينا وقرره النبي الأعظم ﷺ من غير إنكار ولا تخصيص، فلزمنا العمل به.\nوالمراد بالسلطان: القصاص في العمد، والدية في الخطأ، واتفق الإمام الأعظم، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد، كما يقتل العبد به، وهو قول داود، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄، وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والحكم؛ لما رواه الحسن بن سمرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل عبده؛ قتلناه»، أخرجه أبو داود والنسائي، وهو حجة على منع ذلك، ولا دليل لهم في قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا...﴾؛ الآية؛ لأنَّ المراد بالسلطان: القصاص، كما مر؛ فافهم.\nوقول النبي الأعظم ﵇: «العمد قود»، وما رواه الدارقطني عن ابن عمر: أن رسول الله ﵇ أتي برجل من المسلمين قد قتل معاهدًا من أهل الذمة، فأمر به فقتل، وقال: «أنا أولى من وفَّى بذمته»، واعترض بأن الدارقطني قال: لم يسنده إلَّا إبراهيم بن يحيى، وهو متروك، والصواب إرساله، وبأن المقتول كان عمرو بن أمية الضمري، وأنه عاش بعد النبي ﵇.\nوأجيب: بأن الحديث رواه مالك في «الموطأ»، واحتج به محمد، والمرسل حجة عندنا، وأمَّا المقتول؛ فيحتمل أنهما اثنان، قتل أحدهما، وعاش الآخر بعد النبي ﵇.\nوالمراد من قوله: (ولا يقتل مسلم بكافر): الكافر: الحربي؛ لأنَّ الحديث لم يكن مفردًا لكنه كان موصولًا بغيره، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر، فإن في روايتهما: (لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)، وهذا لا يدل على ما قالوه؛ لأنَّ ذا العهد كافر، فدل على أن الكافر الذي منع النبي ﵇ أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الحربي الذي لا عهد له، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي.\nويدل لذلك أن أصل الحديث كان في خطبته ﵇ يوم فتح مكة، وكان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل في الجاهلية، فقال ﵇: «ألا كل دم كان لفي الجاهلية؛ فهو موضوع تحت قدميَّ هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»، وعهد الذمة كان بعد فتح مكة، كما قاله أهل المغازي فكأنَّ قوله يوم الفتح: «لا يقتل مؤمن بكافر»؛ منصرفًا إلى الكفار والمعاهدين؛ لأنَّه لم يكن هناك ذمي ينصرف إليه الكلام، ويدل لذلك: (ولا ذو عهد في عهده»، نعطف (ذو العهد) وهو الذمي على (المسلم)؛ وتقديره: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد بكافر حربي؛ لأنَّ الذمي إذا قتل ذميًا؛ يقتل به.\nفعلم بهذا أن المراد به الحربي؛ إذ هو لا يقتل به مسلم ولا ذمي، ووقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي فكذا يقتل إذا قتله، وأن قوله: (ولا ذو عهد في عهده) من باب عطف الخاص على العام، وأنه يقتضي تخصيص العام؛ لأنَّ الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له، والأعلى وهو الذمي، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلَّا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.\nواعترض بأن الواو ليست للعطف، بل للاستئناف، وما بعده جملة مستأنفة، وردَّ بأن الأصل في الواو العطف، ودعوى الاستئناف تحتاج إلى دليل ولا دليل، وأن ذو العهد مفرد وقد عطف على الجملة فيأخذ الحكم منها؛ لأنَّ المعطوف الناقص يأخذ الحكم من المعطوف عليه التام، وأنَّ المعنى يأبى ذلك فإنَّ المراد بسوق الكلام الأول نفي القتل قصاصًا لا نفي القتل مطلقًا، فكذا الثاني تحقيقًا للعطف؛ لأنَّه لا يجوز ذلك في المفرد، لا يقال: معناه: لا يقتل مسلم بكافر ولا بذي عهد؛ أي: لا يقتل بكافر حربي ولا بذي عهد؛ لأنَّا نقول: لو أريد ذلك المعنى؛ كان لحنًا، إذ لا يجوز عطف المرفوع على المجرور فلا يجوز نسبة الرسول ﵇ إليه؛ لأنَّه أفصح العرب، ولا يقال: روي: (ذي عهد)؛ بالجر في بعض طرقه، فيكون معطوفًا على الكافر؛ لأنَّا نقول: إن صح ذلك؛ فهو جر بالمجاورة لا بالعطف، ومثله جائز؛ كقوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ بالجر للمجاورة، فحملناه عليه توفيقًا بين الروايتين، والله تعالى أعلم، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-204>[حديث: إن الله حبس عن مكة القتل]</span>\n١١٢ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النون (الفضل بن دُكَين)؛ بضم الدال المهملة وفتح الكاف (قال: حدثنا شَيْبان)؛ بفتح المعجمة، وسكون التحتية، بعدها موحدة: ابن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي البصري الثقة، المتوفى ببغداد سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، (عن يحيى): بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، المتوفى سنة تسع وعشرين، أو اثنين وثلاثين ومئة، (عن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر، وللمؤلف في (الديات): (حدثنا أبو سلمة قال: حدثنا أبو هريرة): (أنَّ)؛ بفتح الهمزة وتشديد النون (خُزاعة)؛ بضم الخاء المعجمة بعدها زاي: حي من الأزد، منصوب اسم (أنَ)، ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث.\nوقوله: (قتلوا رجلًا): جملة من الفعل والفاعل والمفعول، محلها الرفع خبر (أنَّ) (من بني ليث): قبيلة (عامَ)؛ بالنصب على الظرفية (فتح مكة): ممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث (بقتيل): الباء للسببية؛ أي: بسبب قتيل (منهم): من خزاعة (قتلوه)؛ أي: قتل بنو ليث ذلك الخزاعي، وفي «السيرة» لابن إسحاق: أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأقرع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال ﵇: «يا معشر خزاعة؛ ارفعوا أيديكم عن القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا؛ فأهله بخير النظرين»، وذكر الحديث، قال بعضهم: فعلى هذا يكون قوله: (أن خزاعة قتلوا)؛ أي: واحدًا منهم، فأطلق عليه اسم الحي مجازًا؛ فتأمل.\n (فأُخبِر)؛ بضم الهمزة وكسر الموحدة على صيغة المجهول (بذلك النبي) الأعظم؛ بالرفع مفعول نائب عن الفاعل (ﷺ فركب راحلته)؛ أي: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها، والهاء فيه للمبالغة، (فخطب)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، (فقال) في خطبته، والفاء للتفسير: (إنَّ الله) ﷿، اسم (إن) (حبس)؛ أي: منع (عن مكة القَتلَ)؛ بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية، بالنصب مفعول (حبس) (أو الفِيْل)؛ بالفاء المكسورة وسكون التحتية: الحيوان المشهور الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١] السورة، فأرسل الله على أصحابه ﴿طَيْرًاأَبَابِيلَ*تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٣ - ٤] حين وصلوا إلى بطن الوادي بالقرب من مكة، فالمراد من حبس الفيل: أهل الفيل.\nوأشار بذلك إلى القصَّة للحبشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل فمنعها الله منهم، وسلَّط عليهم الأبابيل مع أنَّ أهل مكة إذ ذاك كانوا كفَّارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد، لكن غزو النبي الأعظم ﵇ إيَّاها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، كما في «عمدة القاري».\n (شكَّ أبو عبد الله): المؤلف، وفي رواية: هي ساقطة، وفي أخرى: (قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم)، وأراد أن الشكَّ فيه من شيخه، (واجعلوا)؛ بصيغة الأمر، وللأصيلي: (واجعلوه)؛ بضمير النصب؛ أي: اجعلوا اللفظ على الشكِّ، (الفيل)؛ بالفاء، أو (القتل)؛ بالقاف، وفي (الديات) عند المؤلف: (الفيل)؛ بالفاء من غير شكٍّ، وقال الكرماني: (الفتك) بدل (القتل) بالفاء المثناة فوق أي سفك الدم على غفلة قال في «عمدة القاري» (ووجهه ظاهر، لكن لا أعلم أنه روي كذلك) اهـ.\n (وسُلِّط عليهم)؛ بضم السين على صيغة المجهول (رسول الله): مفعول ناب عن الفاعل (ﷺ والمؤمنون): رفع بالواو عطف عليه، وفي رواية: (وسَلَّط)؛ بفتح السين بصيغة المعلوم، وفيه ضمير يرجع إلى الله وهو فاعله، و(رسول الله): مفعوله، و(المؤمنين): منصوب بالياء عطف عليه.\n (أَلا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام، للتنبيه، فيدل على تحقق ما بعدها أن الله حبس عنها، (وإنَّها): ولأبي ذر: (فإنَّها)؛ بالفاء عطف على مقدر؛ لأنَّ (أَلا) لها صدر الكلام، والمقتضى أن يقال: أَلا إنَّها؛ بدون الواو، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]؛ والتقدير: أَلا","vol":"1","page":35},{"text":"إنَّ الله حبس عنها، وإنَّها (لم تَحِل) بفتح أوله وكسر ثانيه (لأحد قبلي، ولا تحلُّ)؛ بضم اللام، وفي رواية: (ولم تحل)، وفي أخرى: (ولن تحل)، وهي أليق بالمستقبل (لأحد بعدي) ومعنى حلال مكة: حلال القتال فيها، ومن القواعد: أَنَّ (لم) تقلب المضارع ماضيًا، ولفظ (بعدي) للاستقبال، فكيف يجتمعان؟\nأجاب في «عمدة القاري»: بأن معناه: لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل.\n (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام؛ للتنبيه (وإنَّها) عطف على مقدر كما سبق (أحلت لي ساعة) أي: في ساعة (من نهار): من طلوع الشمس إلى العصر، كما مر عند أحمد، (أَلا)؛ بالفتح والتخفيف (وإنَّها)؛ بالعطف على مقدر؛ كالسابقة (ساعتي) أي: في ساعتي (هذه)؛ أي: التي أتكلم فيها بعد الفتح.\nقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: الذي أُحلَّ له ﵇ وخصَّ به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده ﵇ بغير إحرام، وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وهو قول الإمام الأعظم، وصاحبيه، ومالك، والشافعي، وقال الطبري: الذي أُحلَّ له ﵇ قتال أهلها ومحاربتهم، ولا يحلُّ لأحد بعده ﵇.\n (حرام) مرفوع؛ لأنَّه خبر لقوله: (إنَّها)، لا يقال: إنَّه ليس بمطابق للمبتدأ، والمطابقة شرط؛ لأنَّا نقول: إنه مصدر في الأصل، فيستوي فيه التذكير والتأنيث، والإفراد والجمع، أو هو صفة مشبهة، ولكن وصفيَّته زالت؛ لغلبة الاسمية عليه، فتساوى فيه التذكير والتأنيث، كذا في «عمدة القاري».\n (لا يُختلى) بضم أوله بصيغة المجهول؛ أي: لا يُجزُّ ولا يُقطع، وفي رواية: (لا يعضد)، وفي أخرى: (لا يخبط) (شوكها) وفي رواية: (خلاها)، والخلى؛ بالقصر: الرطب من الحشيش، ومعنى الجميع متقارب، وهذا دالٌّ على منع قطع الأشجار بالأولى.\nويستثنى من الشوك المؤذي؛ كالعوسج؛ فلا بأس بقطعه؛ كالحيوان المؤذي، وكذا لا بأس بقطع اليابس؛ كما في الصيد الميت؛ لأنَّه حطب، فيجوز الانتفاع به، وكذا المنكسر؛ لعدم النماء، أو ذهب بحفر كانون، أو ضرب فسطاط؛ لعدم إمكان الاحتراز عنه، وكذا ما لو ذهب بمشيه أو مشي دوابِّه؛ لعدم الاحتراز عنه.\n (ولا يُعضَد)؛ بضم أوله وفتح الضاد المعجمة بصيغة المجهول؛ أي: لا يقطع (شجرها) وهو اسم للقائم الذي بحيث ينمو، فإذا جفَّ؛ فهو حطب، وأشار بالقطع إلى أنه ليس في المقلوع ضمان، وإلى أنه يملكه بأداء الضمان كما في حقوق العباد، ويكره الانتفاع به بيعًا وغيره، ولا يكره للمشتري، والمراد بالحشيش والشجر الغيرُ المملوك؛ يعني: النابت بنفسه سواء كان مملوكًا (^١) أو لا، حتى قالوا: لو نبت في ملكه أم غيلان فقطعها إنسان؛ فعليه قيمة لمالكها، وأخرى لحق الشرع، وكذا ليس من جنس ما ينبته الناس، فلو كان من جنسه؛ فلا شيء عليه؛ كالمقلوع والورق الذي لم يضر بالشجر، ولهذا حل قطع الشجر المثمر؛ لأنَّ إثماره أقيم مقام الإنبات، وقدمناه وسوف يأتي.\n (ولا تُلتقط) بضم أوله مبنيٌّ للمجهول (ساقطتها (^٢»)؛ أي: ما سقط فيها بغفلة المالك، وأراد بها: اللقطة، وفي رواية: (ولا يحل لقطتها)، والالتقاط: الأخذ من الأرض (إلا لمنشد)؛ أي: لمعرِّف، وفي رواية: (ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها)، وأصل الإنشاد: رفع الصوت، فالمنشد: المعرِّف، وأمَّا الطالب؛ فيقال له: ناشد، فاللقطة: أمانة إن أشهد أنه أخذها؛ ليردها على صاحبها وإن لم يضمن، ويكفي في الإشهاد قوله: [من] سمعتموه ينشد لقطة؛ فدلوه عليَّ، ويعرفها في مكان أخذها، وفي مجامع الناس مدة يغلب على ظنه عدم طلب صاحبها بعدها، وهو الصحيح، وعليه الفتوى.\nوقال شمس الأئمة الحلواني: يكتفى عن التعريف بالإشهاد وبعد التعريف يتصدق بها إن شاء، فإن جاء ربها؛ فهو بالخيار إن شاء أجازه وثوابه له، وإن شاء ضمن الملتقط وضمن الفقير، وهذا كله إن كانت هالكة، فلو كانت قائمة؛ أخذها منه، وأيُّهما ضمن؛ لا يرجع على الآخر.\nولقطة الحل والحرم عندنا سواء، فلا فرق بين مكان ومكان، ولقطة ولقطة، وهذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور؛ لإطلاق قوله ﵇: «اعرف عفاصها ووكاءها، وعرِّفها سنة»، كما قدمناه في باب (الغضب) في (الموعظة)، وما في الباب لا يعارضه؛ لأنَّ معناه: أنَّه لا يحل إلَّا لمن يعرِّف ولا يحلِّ لنفسه، وتخصيص مكة حينئذ؛ لدفع توهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهر أن ما وجد بها من لقطة؛ فالظاهر أنه للغرباء، وقد تفرَّقوا، فلا يفيد التعريف فيسقط، وتمامه في «فتح القدير».\nوللملتقط أن ينتفع باللقطة بعد التعريف إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًّا؛ تصدق بها على فقير، وكذا على أبويه أو ولده أو زوجته لو كانوا (^٣) فقراء، فإن كانت اللقطة حقيرة؛ كالنوى وقشور الرمان والسنبل بعد الحصاد؛ فينتفع بها بدون تعريف؛ لأنَّ تركها إباحة للآخذ دلالة، وللمالك أخذها، وفي شرح «النقاية» للقهستاني: أنَّه يملكها الآخذ على المختار، فليس للمالك أخذها منه، ولا يجب دفع اللقطة إلى مدِّعيها إلا ببينة، ويحل أن يبين (^٤) علامتها من غير جبر، كذا في «البحر» و«المنح» و«الدر» وغيرها.\nوقال الشافعي: يجب تعريف لقطة الحرم؛ لحديث الباب.\nقلنا: هذا لا يفيد؛ لأنَّ معنى قوله: (إلا لمنشد)؛ أي: أنَّه يعرِّفها كما يعرِّفها في سائر البقاع حولًا كاملًا حتى يغلب على ظنه أنه إذا نادى عليها وقت الموسم؛ لا يظهر صاحبها، أو المراد لا تحل ألبتة، فكأنَّه قيل له: إلَّا لمنشد، فقال: إلَّا لمنشد؛ أي: لا يحل له منها إلَّا إنشادها، فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنَّها حرام، وأنه لا ينفر صيدها، وغيرهما، أو معناه المبالغة في التعريف؛ لأنَّ الحاج قد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بخلاف غيرها من البلاد؛ لأنَّ الناس يتناوبون إلى مكة، أو معناه: أنه ليقطع وهم من يظن أنه يستغنى عن التعريف هنا؛ لأنَّ الغالب أن الحجاج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها؛ فيقول القائل: لا حاجة إلى التعريف، فذكر النبيُّ الأعظم ﵇ أن التعريف فيها ثابت، كغيرها من البلاد، أو معناه: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أضل كذا، فيجوز له أن يرفعها إذا رآها؛ ليردها على صاحبها، والله أعلم.\n (فمن) موصولة تتضمن معنى الشرط (قُتل)؛ بضم أوله على صيغة المجهول؛ (فهو بخير النظرين)؛ أي: أفضلهما، وفي رواية: (بخير)؛ بالتنوين وإسقاط (النظرين)، وهذا التركيب يحتاج إلى تقدير، فيقدَّر فيه مبتدأ محذوف، وحذفه سائغ شائع، والتقدير: فمن أهله قتل؛ فهو بخير النظرين، فـ (من) مبتدأ، و(أهله قتل): جملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، وقوله: (فهو) مبتدأ، وقوله: (بخير النظرين): خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير في (قتل) يرجع إلى الأهل المقدر، وقوله: (هو) يرجع إلى (من)، و(الباء) في قوله: (بخير النظرين) يتعلق بمحذوف تقديره: فهو مرضي بخير النظرين، أو عامل أو مأمور ونحوه، هذا هو التحقيق في هذا المقام، وما قاله ابن [حجر] كالخطابي، والبرماوي كالدماميني، فقد رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (إما) بكسر الهمزة؛ للتفصيل (أن) بفتح الهمزة مصدرية (يُعقل)؛ بضم أوله مبني للمفعول: من العقل وهو الدية؛ أي: يأخذونها (^٥) من القاتل، (وإما) بالكسر (أن)؛ بالفتح (يقاد): مبني للمفعول؛ أي: يقتصُّ (أهل القتيل) من القاتل، وفي رواية: (إما أن يقتل وإما أن يفاد)؛ بالفاء: من المفاداة، وفي أخرى: إما أن يأخذوا العقل أو يقتلوا، ومذهب الإمام الأعظم وصاحبيه، والنخعي، والثوري، وابن ذكوان، وابن شبرمة، والحسن ابن حي: أن لوليِّ المقتول القتل أو العفو، وليس له الدية إلَّا برضا الجاني، وبه قال مالك، فقوله: (بخير النظرين) للقاتل إشارة إلى أن الرفق بالقاتل (^٦) مطلوب، حتى كان العفو مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون المعنى: فهو بخير النظرين من رضا القاتل ورضا نفسه، فإن [كان] رضا القاتل خيرًا له وقد اختار الفداء؛ فله ذلك، وإن [كان] رضانفسه (^٧) بالاقتصاص خيرًا له؛ فله ذلك، وينبغي ألَّا يقف عند رضا نفسه ألبتة؛ لأنَّ القاتل باختيار الدية قد يكون خيرًا له، فيؤول وجوب الدية إلى رضا القاتل.\nوقال الشافعي وأحمد: ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس له إجبار الجاني على أحدهما.\n (فجاء رجل من أهل اليمن): هو أبو شاه؛ بشين معجمة وهاء بعد الألف، في الوقف والدرج، ولا يعرف اسمه، وإنما يعرف بكنيته، وهو كلبي يمني، كما في «عمدة القاري»، (فقال: اكتب لي) أي: الخطبة التي سمعتها منك (يا رسول الله، فقال) ﵇: (اكتبوا لأبي\n_________\n(^١) في الأصل: (مملولًا)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (ساقطها)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (كان)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (بين)، وهو تحريف.\n (^٥) في الأصل: (يأخذوها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٦) في الأصل: (للقاتل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٧) في الأصل: (بنفسه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":35},{"text":"فلان) أي: لأبي شاه، وفيه دليل على أنَّه ﵇ لم يكتب بيده الشريفة، وهو قول الجمهور؛ لأنَّه أبلغ في المعجزة على الكفار، وفيه: دليل على جواز تسمية فلان لمن كان اسمه غيره وندائه وخطابه به، فيقال لمن اسمه حسن مثلًا: ياشيخ فلان أو يا أبا (^١) فلان وغيرذلك؛ فليحفظ.\n (فقال رجل من قُريش)؛ بضم القاف مشتق من القرش؛ دابة في البحر، وهو العباس بن عبد المطلب عمُّ النبيِّ الأعظم ﵇: قل يا رسول الله: لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها (إلا الإذْخِر)؛ بكسر الهمزة، وإسكان الذال، وكسر الخاء المعجمتين: نبت معروف طيب الرائحة (يا رسول الله) فهو استثناء منصوب على الاستثناء، ويجوز فيه البدل مما قبله؛ لكونه واقعًا بعد النفي، كما في «عمدة القاري»؛ (فإنا نجعله في بيوتنا) للسقف فوق الخشب، أو يخلط بالطين؛ لئلَّا ينشق إذا بني به (وقبورنا) نسدُّ به فرج اللَّحد المتخللة بين اللبنات، (فقال النبيُّ) الأعظم (ﷺ) بوحي أوحي إليه في الحال أو قبل ذلك أو أنه إن طلب منه أحد استثناء شيء منه؛ فاستثنى: (إلا الإذخر) وللأصيلي: (إلا الإذخر) مرتين، فتكون الثانية تأكيدًا للأولى، وزاد في رواية هنا وهي: (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (يقال: يقاد؛ بالقاف، فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ فقال: كتب له هذه الخطبة) وهي ثابتة في «مسلم»، قال الوليد-يعني: ابن مسلم راوي الحديث-: قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من النبيِّ ﵇.\nوفي الحديث: دليل على استحباب قيام الخطيب على موضع عال حال الخطبة.\nوفيه: دلالة أيضًا واضحة على أن مكة فتحت عنوة وأن التسليط الذي وقع للنبيِّ الأعظم ﵇ مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل، وهو الحبس على القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا للشافعي، واستدل الأصوليُّون بالحديث على أن النبيَّ الأعظم ﵇ كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نصَّ فيه، قالوا: وهو الأصح، وبه قال الإمام أبو يوسف قاضي القضاة، والشافعي، وأحمد، ومنعه بعضهم وقالوا: إنه بالوحي.\n\n <span id=\"b-٢٠٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-205>[حديث: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني]</span>\n١١٣ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله): ابن المديني (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة (قال: حدثنا عمرو): ابن دينار أبو محمد، المكي الجمحي أحد الأئمة المجتهدين، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة (قال: أخبرني) بالإفراد (وهب بن مُنَبِّه)؛ بضم الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة المشددة، ابن كامل الصنعاني الأبناوي الذماري، المتوفى سنة أربع عشرة ومئة، (عن أخيه): همام بن منبه أبو عقبة، وكان أكبر من وهب المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئة (قال سمعت أبا هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁؛ أي: كلامه حال كونه (يقول ما) للنفي؛ (من): ابتدائية (أصحاب النبيِّ) الأعظم (ﷺ أحدٌ)؛ بالرفع اسم (ما) النافية (أكثرَ)؛ بالنصب خبرها، وروي بالرفع صفة لـ (أحد)، والأوجه: الأول، قاله في «عمدة القاري» (حديثًا)؛ بالنصب على التمييز، (عنه) ﵇ (مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو)؛ أي: ابن العاصي ﵄، (فإنه كان يكتب و) أنا (لا أكتب)؛ أي: لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو وهو الكتابة لم يكن مني، والخبر محذوف بقرينة باقي الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه العادة من أن الشخصين إذا لازما شيخًا مثلًا وسمعا منه الأحاديث؛ يكون الكاتب أكثر حديثًا من غيره، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلًا نظرًا إلى المعنى؛ لأنَّ (حديثًا) وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه، فكأنه قال: ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله بن عمرو، وإنما قلَّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل عن النبيِّ الأعظم ﵇؛ لأنَّه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلًا بخلاف أبي هريرة؛ فإنَّه سكن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة.\nوقيل: كان السبب في كثرة حديث أبي هريرة دعاء النبيِّ الأعظم ﵇ له بعدم النسيان، والسبب في قلة حديث عبد الله بن عمرو أنه كان قد ظفر بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، وكان ينظر فيها ويحدِّث منها؛ فتَجنَّب الأخذ عنه كثير من التابعين.\nقال المؤلف: روى عن أبي هريرة نحو من ثمان مئة رجل، وروى عن رسول الله ﵇ خمسة آلاف وثلاثمئة حديث، ووجد لعبد الله بن عمرو سبع مئة حديث اتفقا على سبعة عشر، وانفرد المؤلف بمئة، ومسلم بعشرين.\n (تابعه) أي: تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام (مَعمَر)؛ بفتح الميمين، ابن راشد، (عن همام): ابن منبه، (عن أبي هريرة) ﵁، وأخرج هذه المتابعة عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر المروزي، وما قاله الكرماني ردَّه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٠٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-206>[حديث: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده]</span>\n١١٤ - وبه قال: (حدثنا يحيى بن سليمان): ابن يحيى بن سعيد الجعفي الكوفي، أبو سعيد، سكن مصر ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين (قال حدثني) بالإفراد، (ابن وهب): عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي، (عن أبي شهاب): محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله)؛ بالتكبير، ابن عُتبة-بضم العين-ابن مسعود، أبو عبد الله أحد الفقهاء السبعة.\n (عن ابن عباس): عبد الله ﵄ (قال: لما): ظرف بمعنى: حين (اشتد) أي: قوي (بالنبيِّ) الأعظم (ﷺ وجعه)؛ بالرفع فاعل (اشتد)؛ أي: في مرض موته، وللمؤلف أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل وفاته بأربعة أيام، (قال): جواب (لما): (ائتوني): مقول القول (بكتاب) فيه حذف؛ لأنَّ الظاهر: أن يقال: ائتوني بما يكتب به الشيء؛ كالدواة والقلم، والكتاب بمعنى: الكتابة، والتقدير: ائتوني بأدوات الكتابة، أو يكون أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو: الكاغد والكتف، وقد صرَّح مسلم بالتقدير المذكور والمراد بالكتف: عظمه؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيه؛ (أكتبْ لكم): مجزوم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف (كتابًا) بالنصب على المفعولية؛ أي: أمرنا بالكتابة، نحو: كسا الخليفة الكعبة؛ أي: أمر بالكسوة، ويحتمل أن يكون على حقيقته، وقد ثبت أنه ﵇ كتب بيده، ولكن في «مسند أحمد» من حديث على أنه المأمور بذلك، ولفظه: أمرني النبيُّ الأعظم ﵇ أن آتيه بطبق؛ أي: كتف يكتب ما لا تضل أمته بعده.\nقلت: وفيه إشارة للرد على الروافض والشيعة؛ حيث كان المأمور عليًّا بالكتابة.\n (لا تضلوا) وفي رواية: (لن تَضِلوا)؛ بفتح أوله وكسر الضاد المعجمة، من الضلالة ضد: الرشاد، وعلى الرواية الأولى: نفي وليس بنهي، وحذفت منه النون؛ لأنَّه بدل من جواب الأمر (بعده)؛ بالنصب على الظرفية، يحتمل أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن؛ كحرب الجمل وصفين، أو أراد أن يبيِّن كتابًا فيه مهمات الأحكام؛ ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر له ﵇ أن المصلحة تركه أو أوحيإليه به، ويدل للأول: أنه ﵇ قال في أوائل مرضه عند عائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، أخرجه مسلم، وللمؤلف معناه، ومع ذلك فلم يكتب.\n (قال عمر): ابن الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة: (إنَّ النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ غلبه الوجع): مقول قول عمر، جملة من الفعل، والمفعول والفاعل محلها رفع خبر (إن)، (و) الحال (عندنا) خبر مقدم (كتاب الله): مبتدأ مؤخر مضاف للجلالة؛ أي: القرآن (حسبنا) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو حسبنا؛ أي: كافينا؛ فهو تبيان لكل شيء، فقصد عمر ﵁ التخفيف على النبيِّ الأعظم ﵇ حين غلبه الوجع، ولو كان مراده ﵇ أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم، أو خشي أن يكتب أمورًا يعجزونعنها؛ فيستحقون (^٢) العقوبة عليها؛ لأنَّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، أو خشي أن يكتب مما لا عزيمة له فيه؛ فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كانت الصحابة تراجعه في بعض الأمور؛ كما في يوم الحديبية والصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة؛ فلا يراجعه أحد.\nوأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي، وأجمعوا\n_________\n(^١) في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (يعجزوا عنها فيستحقوا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":36},{"text":"على أنه لا يقر عليه، ومعلوم أنه ﵇ درجته فوق الخلق؛ فلم ينزه عن العوارض البشرية فقد سها في الصلاة؛ فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه؛ فيتوقف في هذه الحالة حتى يتبين حقيقته؛ فلهذا توقف عمر في ذلك وتركه ﵇ ولم ينكر عليه، وهو دليل على استصوابه، فالأمر في (ائتوني) وإن كان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الصلح، فكرهوا أن يكلِّفوه من ذلك ما يشقُّ عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ولهذا قال عمر: (حسبنا كتاب الله).\n (فاختلفوا)؛ أي: الصحابة في ذلك وظهر لطائفة أخرى أن الأولى: أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمَّنه من زيادة الإيضاح، (وكثُر)؛ بضم المثلثة، (اللَّغط)؛ بتحريك اللام والغين المعجمة، الصوت والجلبة، فاختلفوا والحال أنهم قد كثر لغطهم بسبب ذلك فلما رأى ﵇ ذلك؛ (قال)، وفي رواية: (فقال)؛ بفاء العطف، وفي أخرى: (وقال)؛ بواوه: (قوموا عني)؛ أي: قوموا متبعدين عن جهتي، (ولا ينبغي) لا يطلب، (عندي التنازعُ)؛ بالرفع فاعل (ينبغي)؛ أي: الاختلاف والتجادل، وهو دليل على أن أمره الأول كان على الاختيار وأن ما اختاره عمر صوابًا، ولهذا عاش ﵇ بعد ذلك أيامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا؛ لم يتركه؛ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يترك التكليف؛ لمخالفة من خالف؛ فليحفظ.\n (فخرج ابن عباس يقول) ظاهره: أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس كذلك؛ بل قول ابن عباس إنَّما كان تقوله عندما تحدث بهذا الحديث لما عند المؤلف في (الاعتصام)، قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول وكذا لأحمد ولأبي نعيم، قال عبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول، ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث؛ خرج من المكان الذي كان فيه وهو يقول، وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأنَّ عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنَّه ولد بعد النبي الأعظم ﵇ بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى.\n (إن الرَّزِيَّئة)؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها تحتية ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشديد الياء التحتية ومعناها: المصيبة، (كل الرزيئة)؛ بالنصب على النيابة عن المصدر، ومثل هذا يعد من المفاعيل المطلقة أو على التأكيد.\n (ما): موصولة؛ بمعنى: الذي، (حالُ): صلتها محله الرفع خبر (إن) حجز؛ أي: صار حاجزًا، (بين رسول الله ﷺ وبين كتابه)؛ فكان ابن عباس من الطائفة التي ظهر لها أن يكتب؛ لما فيه من الامتثال وزيادة الإيضاح.\nوفيه: دليل على أن عمر أفقه من ابن عباس؛ حيث اكتفى بالقرآن.\nوفيه: دليل على إباحة الاجتهاد؛ لأنَّه وكَّلهم إلى أنفسهم.\nوفيه: بطلان ما زعمه الشيعة من وصاية النبي الأعظم ﵇ بالإمامة؛ لأنَّه لو كان عند علي عهد من النبي ﵇؛ لأحال عليها.\nوفيه: دلالة على أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة وكذا غيره.\nوفيه: دلالة على جواز كتابة الحديث، ويعارضه ما في مسلم مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن».\nوأجيب: بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التِبَاسهِ بغيره والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخ؛ للنهي عند الأمن من الالتباس، أو النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك.\nوكره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الضياع؛ دونوه، وأول من دوَّن الحديث: ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، وأوَّل من دوَّن الفقه ورتبه: إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، ولما رآه مالك؛ شرع في «الموطأ» ودوَّنه ورتَّبه، وتبعه بعد ذلك المحدثون والفقهاء وغيرهم، ففضله عامٌّ على الجميع، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مسكنه ومأواه.\n\n <span id=\"b-٢٠٧\"> </span>(٤٠) <span data-type=\"title\" id=toc-207>[باب العلم والعظة بالليل]</span>\nهذا (باب) تعليم (العلم والعِظة)؛ بكسر العين؛ أي: الوعظ، وفي بعض النسخ: (واليقظة) وهو أنسب للترجمة كما قاله في «عمدة القاري»، (بالليل)؛ ليدل على الاجتهاد وشدة التحصيل.\n\n <span id=\"b-٢٠٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-208>[حديث: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن]</span>\n١١٥ - وبه قال: (حدثنا صدقة): ابن الفضل المروزي، أبو الفضل المنفرد بالإخراج عنه المؤلف عن الستة، المتوفى سنة ثلاث أو ست وعشرين ومئتين، (قال: أخبرنا ابن عُيينة)؛ بضم العين: سفيان، (عن مَعْمَر)؛ بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، ابن راشد، (عن الزهري): محمد بن مسلم، (عن هند) بنت الحارث الفِرَاسية؛ بكسر الفاء وبالسين المهملة، ويقال: (القُرشِية)؛ بضم القاف وكسر الشين المعجمة، زوجة معبد بن المقداد، وفي رواية: (عن امرأة)، فالزهري تارة سمَّاها باسمها، وتارة أبهمها.\n (عن أم سَلَمَة)؛ بفتح اللام والسين المهملة، هند أو رملة زوج النبي الأعظم ﵇، بنت أبي أمية حذيفة، أو ابنة سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كانت عند أبي سلمة فتوفى عنها، فتزوجها النبي الأعظم ﵇ في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة تسع وخمسين في خلافة يزيد بن معاوية، وولايته كانت في رجب سنة ستين، وتوفي سنة أربع وستين في ربيع، وكان لها حين توفيت أربع وثمانون سنة، وصلى عليها أبو هريرة في الأصحِّ، ودفنت بالبقيع اتفاقًا.\n (وعمروٍ): هو ابن دينار؛ بالجر عطفًا على معمر، يعني ابن عيينة، يروي عن معمر بن راشد وعن عمرو بن دينار، (و) عن (يحيى بن سعيد) الأنصاري، ومن زعم أنه يحيى بن سعيد القطان؛ فقد أخطأ؛ لأنَّه لم يسمع من الزهري ولا لقيه، فهؤلاء الثلاثة يروون (عن) ابن شهاب (الزهري)، ويجوز في (عمرو) الرفع؛ كما في رواية على أن يكون استئنافًا، وعادة ابن عيينة يحدث بحذف صيغة الأداة، و(يحيى) يجوز فيه الجر والرفع عطفًا على (عمرو).\n (عن هند)، وفي رواية: (عن امرأة)؛ كما مر، (عن أم سلمة) ﵂ أنها (قالت: استيقظ)؛ بمعنى: تيقظ، فالسين ليست للطلب هنا، ومعناه: انتبه من النوم، (النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، (ﷺ ذات ليلة)؛ أي: في ليلة، ولفظة (ذات) مقحمة للتأكيد، قال الفاضل جار الله الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه، وكان ﵇ في بيت أم سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (فقال): عطف على (استيقظ)، (سبحان الله): مقول القول، و(سبحان) علم للتسبيح، وانتصابه على المصدرية، والتسبيح لغة: التنزيه؛ أي: أنزِّه الله تنزيهًا عما لا يليق به، واستعماله هنا للتعجب؛ لأنَّ العرب قد تستعمله في مقام التعجب.\n (ماذا) فيه أوجه؛ لأنَّه إما أن تكون (ما) استفهامًا و(ذا) إشارة نحو: ماذا الوقوف.\nأو تكون (ما) استفهامًا و(ذا) موصولة؛ بمعنى: الذي.\nأو تكون (ماذا) بتمامها استفهامًا.\nأو تكون (ما) نكرة موصوفة؛ بمعنى: شيء.\nأو تكون (ما) زائدة و(ذا) للإشارة.\nأو تكون (ما) استفهامًا و(ذا) زائدة، كما أوضحه في «عمدة القاري».\n (أُنزل)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، وفي رواية: (أنزل الله)، (الليلةَ)؛ بالنصب على الظرفية للإنزال، والإنزال لغة: الإيواء، كما يقال: أنزل الجيش بالبلد، أو تحريك الشيء من علو إلى سفل، والمعنيان لا يتحقَّقان في أنزل الله؛ فهو مستعمل في معنى مجازي؛ بمعنى: أعلم الله الملائكة بالأمر المقدر، وكذا المعنى في أنزل الله القرآن، فمن قال: إن القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله: أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال: إن القرآن هو الألفاظ؛ فإنزاله مجرَّد إثباته في اللوح المحفوظ؛ لأنَّ الإنزال إنَّما يكون بعد الوجود، والمراد بإنزال الكتب السماوية: أن يتلقاها الملك من الله تلقيًا روحانيًا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها على الأنبياء ﵇، وكان ﵇ أوحي إليه في يومه ذاك بما سيقع بعده.\n (من الفتن) فعبَّر عنه بالإنزال، (وماذا) فيه الأوجه المارة، (فُتح من الخزائن)؛ بضم الفاء، عبَّر عن العذاب بـ (الفتن)؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرحمة بـ (الخزائن)؛ لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩]، يعني: أن النبي الأعظم ﵇ رأى في تلك الليلة المنام،","vol":"1","page":36},{"text":"وفيه: أنه سيقع بعده فتن وأنه يفتح لأمته الخزائن، وعرف عند الاستيقاظ حقيقته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة قبل النوم أو بعده، وقد وقع الفتن كما هو مشهور وفتحت الخزائن؛ حيث سلطت الصحابة على فارس والروم وغيرهما، وهذا من المعجزات؛ حيث أخبر بأمر قبل وقوعه؛ فوقع مثل ما أخبر ﵇.\n (أيقِظوا)؛ بفتح الهمزة أمر من الإيقاظ؛ بكسرها؛ أي: نبهوا، (صواحبَ)؛ بالنصب على المفعولية، وأراد بها زوجاته ﵇، وفي رواية: (صواحبات) جمع: صاحبة، (الحُجَر)؛ بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع: حجرة، وأراد بها منازل زوجاته، وإنما خصَّهن بالإيقاظ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، أخبرت بذلك أم سلمة، فإن تلك الليلة كانت ليلتها؛ كما مر، وما زعمه الكرماني رده في «عمدة القاري».\n (فرُبَّ) أصلها للتقليل، وقد تستعمل للتكثير كما هنا، وترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، وفيها لغات قدمناها، وفعلها التي تتعلق به ينبغي أن يكون ماضيًا ويحذف غالبًا، (كاسية) على وزن (فاعلة)، من كسا، ولكنه؛ بمعنى: مكسوة (في الدنيا) أثوابًا رقيقة لا تمنع من إدراك البشرة أو النفيسة، (عاريَة)؛ بتخفيف الياء؛ أي: معاقبة (في الآخرة) بفضيحة التعري، أو عارية من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ على الصدقة وحضَّهنَّ على ترك الإسراف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك، وهذه البلوى عامة في الأزمان قديمًا وحديثًا.\nوقال الطيبي: هذا كالبيان لموجب استيقاظ الأرواح؛ أي: لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله ﵇، ألَا رب كاسية حلة الزوجية المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها؛ إذ لم تضمها مع العمل، قال تعالى: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، كذا في «عمدة القاري».\nوهو دليل واضح على بطلان قول من قال في زماننا ضمن رسالته التي ألَّفها: (إن ذنوب أهل بيت النبوة صوري لا معنوي، وإن ذنوبه مغفورة لهم بلا توبة، وليسوا داخلين تحت المشيئة)؛ فقد ضل وأضل وابتدع وأبدع، وما استند فيه فهو حجة عليه، وسيأتي الكلام عليه في محله.\nقال في «عمدة القاري»: وأكثر الروايات بجر (عارية) على النعت وهو الأحسن عند سيبويه؛ لأنَّ (رب) عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية والفعل الذي يتعلق (رب) به محذوف، واختار الكسائي أن يكون (رب) اسمًا (^١) مبتدأ والمرفوع خبرها، وفعلها الذي تتعلق به محذوف غالبًا كما سبق، والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها.\nوفي الحديث: أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة والذكر، ولا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة، وجواز قول: (سبحان الله)؛ تعجبًا، واستحباب ذكر بعد الاستيقاظ ليلًا ونهارًا، لكن في الليل أبلغ يدل له قوله ﵇: «من تعارى من الليل فقال: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله، وصلى؛ قبلت صلاته»، وسيأتي تمامه إن شاء ربي.\nاللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وأولادًا كثيرة، وجاهًا عريضًا، ودخول الجنة، وتمام هذا الشرح بجاه نبيك محمد، ويحيى، وجميع الأنبياء، وأصحابهم، والأولياء وأحزابهم صلى الله تعالى عليهم وسلم.\n\n <span id=\"b-٢٠٩\"> </span>(٤١) <span data-type=\"title\" id=toc-209>[باب السَّمَر بالعلم]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين مقطوعًا على الإضافة، (السَّمَر)؛ بفتح السين المهملة والميم: المسامرة وهي الحديث في الليل، فـ (السمر): مبتدأ، وقوله: (في العلم): في محل الصفة، والخبر محذوف؛ تقديره: هذا باب فيه السمر في العلم، وفي رواية: بإضافة الباب إلى السمر؛ أي: هذا باب في بيان السمر بالعلم، وقد كان التحدث بعد العشاء منهيًّا عنه، والمذكور في الباب هو (السمر في العلم)، ونبَّه المؤلف على أن السمر المنهي عنه إنما: هو فيما لا خير فيه كما في زماننا؛ لاشتماله على الغيبة التي صارت فاكهة المجالس وغيرها من المنهيات كسماع الآلات واللعب بالمقامرة، وأما السمر بالخير؛ فليس بمنهي عنه؛ بل هو مرغوب فيه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-210>[حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها]</span>\n١١٦ - وبه قال: (حدثنا سعيد بن عُفَير)؛ بضم العين المهملة وفتح الفاء، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (الليث): هو ابن سعد، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، (عبد الرحمن بن خالد)، زاد في رواية: (ابن مسافر)؛ أي: أبو خالد الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك، كانت ولايته على مصر سنة ثمان عشرة ومئة، وشهد جده فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، وجده مسافر قد دفن في ديارنا الشريفة الشامية في قهوة الجنينة الكبرى عند جامع يلبغا، والجاري على لسان الأعوام ابن مسافر، ولعلَّه خالد أو عبد الرحمن المذكور فنسب لجده؛ لشهرته به، والظاهر: الأول فيحرر.\n (عن ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري، (عن سالم)؛ أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، (وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة)؛ بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، واسمه عبد الله بن حذيفة أو عدي بن كعب ابن حذيفة القرشي العدوي، (أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄.\n (قال: صلى بنا النبي) الأعظم، وفي رواية: (لنا رسول الله)؛ باللام بدل الموحدة يعني: صلى إمامًا لنا، وإلا؛ فالصلاة لله لا لهم، (ﷺ العِشاء)؛ بكسر العين المهملة وبالمد؛ أي: صلاة العشاء التي وقتها بعد غروب الشفق، وبفتح العين والمد: الطعام.\n (في آخر حياته)، وفي رواية جابر: (إن ذلك كان قبل موته ﵇ بشهر)، (فلما سلم) من الصلاة، (قام) جواب لما، (فقال: أرَأيتكم)؛ بهمزة الاستفهام وفتح الراء؛ أي: أخبروني، فهو من إطلاق السبب على المسبب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة؛ أي: قد رأيتم ذلك فأخبروني، وما زعمه ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري» بما يطول.\n (ليلتكم)؛ أي: شأن ليلتكم أو خبر (ليلتكم)، (هذه) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة، وتاء (أرأيتكم): فاعل، والكاف: حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، و(ليلتَكم)؛ بالنصب مفعول ثان لـ (أخبروني)، والاستفهام ليس بحقيقي؛ فلا يحتاج إلى جواب، خلافًا لمن زعمه، و(أرأيتُكم) لا تستعمل إلَّا في الاستخبار عن الأمر العجيب؛ بفتح التاء للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، فإن أردت معنى الرؤية؛ أنثت وجمعت، والفرق بين الخطاب واسم الخطاب الثاني يدلُّ على عين ومعنى الخطاب وصرفه لا يدل إلا على الخطاب كالتنوين وياء النسبة، وتوضيحه في «عمدة القاري».\n (فإن رأس)، وللأصيلي: (فإن على رأس)، (مئة سنة منهما)؛ أي: من تلك الليلة، (لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) ممن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المراد بالأرض: البلدة التي هو فيها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] يريد المدينة المنورة، وقوله: (ممن هو على ظهر الأرض) احتراز عن الملائكة، والمراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنة سواء قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مئة، فوعظهم ﵇ بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة.\nواستدل (^٢) به المؤلف وغيره على موت الخضر والجمهور على خلافه، ومن قال به؛ أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر فلا يدخل في الحديث، ومن قال: إن معنى الحديث لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه؛ فالحديث عام أريد به الخصوص، ولا يرد عيسى ﵇ وإبليس لعنه الله؛ لأنَّ المراد ممن على ظهر الأرض أمة محمد النبي الأعظم ﵇، وكل من على ظهرها من المسلمين والكفار أمته؛ أمَّا الأول: فإنَّهم أمة إجابة، وأما الثاني؛ فإنَّهم أمة دعوة، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمة، وأما الشيطان فإنه ليس من بني آدم، كذا قرره الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وأجاب القسطلاني: بأن المراد أرضه التي نشأ بها ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز، وتهامة، ونجد، فليست (أل) للاستغراق، فالخضر في غير هذه الأرض المعهودة فلا يدخل تحت الحديث.\nقلت: وهو مأخوذ من كلام الكرماني وأجاب عن عيسى: بأنه في السماء، وعن إبليس بأنه في الهواء أو النار وهو تعسُّفٌ، والتحقيق ما ذكره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\nواستدل من الحديث: جواز السمر في الليل ويعارضه ما عند المؤلف عن أبي برزة: (أن رسول الله ﵇ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها)؛ فهذا يدل على المنع مطلقًا فالحديث المتقدم\n_________\n(^١) في الأصل: (أسماء).\n (^٢) في الأصل: (وستدل).","vol":"1","page":37},{"text":"يدل على الجواز فيخص العموم فيما عدا العلم والخبر وما عداهما؛ فذهب الأكثر إلى كراهته منهم أبو هريرة وابن عباس، وكتب عمر ﵁: أن لا ينام قبل أن يصليها فمن نام؛ فلا نامت عينه، وهو قول أئمتنا الأعلام، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، ورخص طائفة فيه روي ذلك عن علي: أنه كان ربما غفي قبل العشاء.\nوكان ابن عمر ينام ويوكِّل من يوقظه، وعن عروة وابن سيرين: أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء، واحتجَّ لهم بأن الكراهة لمن خشي تفويتها وتفويت الجماعة فيها.\n\n <span id=\"b-٢١١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-211>[حديث: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث]</span>\n١١٧ - وبه قال: (حدثنا آدم): هو ابن أبي إياس، (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (قال: حدثنا الحَكَم)؛ بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين، ابن عُتَيْبَة؛ بضم العين المهملة، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، بعدها موحدة مفتوحة، تصغير عتبة ابن النهاس الكندي الفقيه الكوفي، المتوفى سنة أربع عشرة أو خمس عشر ومئة.\n (قال: سمعت سعيد بن جُبير)؛ بضم الجيم، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنه (قال: بِتُّ)؛ بكسر الموحدة وتشديد المثناة، من البيتوتة، أصله: من بَيَتت (^١)؛ بفتح الموحدة والتحتية، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: باتت؛ فالتقى ساكنان فحذفت الألف فصار: بتت، فأدغمت التاء في التاء، ثم أبدلت كسرة من فتحة الموحدة؛ لتدل على الموحدة المحذوفة فصار: (بت) على وزن (فلت)، والجملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول.\n (في بيت خالتي ميمونة) عطف بيان، (بنتِ الحارثِ)؛ بالجر، صفة لميمونة الممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، (زوجِ النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ بالجرِّ صفة بعد صفة أم المؤمنين الهلالية تزوجها ﵇ سنة ست أو سبع من الهجرة، وتوفيت سنة إحدى وخمسين أو ست وستين بسرف، وصلى عليها ابن عباس، وهي آخر أزواجه؛ لأنَّه لم يتزوج بعدها، وهي أخت لُبَابة؛ بضم اللام، وتخفيف الموحدة، وبعد الألف موحدة أخرى، بنت الحارث زوجة العباس وأم أولاده، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان ﵇ يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد ﵁.\n (وكان النبي) الأعظم (ﷺ): الواو للحال، وقوله: (عندها): خبر (كان)، (في ليلتها)؛ أي: المختصة بها بحسب قسم النبي الأعظم ﵇ بين الأزواج، (فصلى النبي) الأعظم (ﷺ العِشاءَ)؛ بالنصب، بكسر العين والمد؛ أي: صلاة العشاء في المسجد، (ثم جاء) من المسجد، (إلى منزله) في تلك الليلة، المراد به: بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية، و(الفاء) في (فصلى): هي التي تدخل بين المجمل والمفصل؛ لأنَّ التفصيل إنَّما هو عقيب الإجمال؛ لأنَّ صلاة النبي ﵇ العشاء ومجيئه إلى منزله كان قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها، أفاده في «عمدة القاري».\n (فصلى) ﵇ عقب دخوله، (أربع ركعات)؛ فـ (الفاء) للتعقيب، ثم عطف عليه قوله: (ثم نام)؛ ليدل على أن نومه لم يكن عقيب الصلاة على الفور؛ بل على التراخي، (ثم قام)؛ أي: انتبه من النوم، (ثم قال) لميمونة: (نام الغُلَيِّم)؛ بضم الغين المعجمة، وفتح اللام، وتشديد التحتية، تصغير غلام من باب الشفقة، وأراد به: عبد الله بن عباس، وفي رواية: (نام الغلام)، وهذا يحتمل الإخبار لميمونة، ويحتمل الاستفهام من ميمونة، وحذف حرف الاستفهام بقرينة المقام وهذا الأظهر، كما في «عمدة القاري».\n (أو) قال: (كلمة): فهي منصوبة بفعل محذوف، (تشبهها)؛ أي: تشبه كلمة (نام الغليم)، والشكُّ من الراوي ابن عباس وغيره، وعبَّر بـ (كلمة) ومقول القول يجب أن يكون كلامًا؛ لأنَّ الكلمة قد تطلق على الكلام مجازًا نحو: كلمة الشهادة والتأنيث باعتبار الكلمة أو باعتبار كونها جملة.\n (ثم قام) ﵇ في الصلاة، والمراد: أنه شرع في الصلاة، (فقمت عن يَساره)؛ بفتح التحتية وكسرها؛ أي: شماله، وحكي التشديد للسين لغة فيه عن ابن عباد، كما أوضحه في «عمدة القاري»، (فجعلني عن يمينه)؛ أي: فحوَّلني إلى اليمين، (فصلى)، وفي رواية: (وصلى)، (خمس ركعات)، وفي رواية: (عشرة ركعة).\n (ثم صلى ركعتين): فالجملة إحدى عشر ركعة؛ لأنَّه صلى أربعًا، ثم خمسًا، ثم ركعتين، وجاء عند المؤلف: (فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة)، وجاء (أنها كانت ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن؛ فقام فصلى ركعتين)، وهي أكثر الروايات، ويجمع بينهما بأن من روى: (أحد عشرة)؛ أسقط الأوليين وركعتي الفجر، ومن أثبت الأوليين؛ عدها ثلاث عشرة، ووقع هذا الاختلاف في «مسلم»، وقيل: إنَّ أكثر الروايات على أنه لم يصل قبل النوم وأنه صلى بعده ثلاث عشرة ركعة، فيحتمل أن نوم ابن عباس عنده ﵇ كان وقوعًا (^٢) فذكر ذلك بعض من سمعه، قال في «عمدة القاري»: والمشهور أنها كانت واقعة واحدة.\n (ثم نام) ﵇ (حتى سمعت) (حتى) للغاية هنا تقديره: (إلى أن سمعت)، (غَطِيطه)؛ بفتح المعجمة وكسر الطاء: صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله، وما قاله ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».\n (أو خَطِيطه)؛ بفتح المعجمة وكسر الطاء، بمعنى: الغطيط، وما قاله ابن بطال وتبعه عياض رده في «عمدة القاري»، والشكُّ من الراوي، ثم استيقظ ﵇، (ثم خرج) من المنزل، (إلى الصلاة) ولم يتوضأ.\nفهذا من خصائصه ﵇؛ لأنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث؛ لأحس به بخلاف غيره من الناس، وفي رواية: (ثم اضطجع فنام حتى نفخ فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ)، وما قاله الكرماني رده في «عمدة القاري»، وكذا سائر الأنبياء ﵈ كذلك، كما أخرجه المؤلف في (الإسراء).\nوأما نومه ﵇ في الوادي إلى أن طلعت الشمس؛ فلا ينافي هذا؛ لأنَّ الفجر والشمس إنَّما يدركان بالعين لا بالقلب، وقلبه كان مشغولًا بمراقبة ربه تعالى، ومن زعم أنه كان في وقت ينام قلبه فصادف ذلك؛ فهو بعيد.\nوفي الحديث: جواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا، وجاء في رواية: (أنها كانت حائض (^٣».\nوفيه: أن صلاة الليل تسع ركعات؛ فإنَّ الأخيرتين سنة الصبح، والستة منها نافلة، وختمها بالوتر ثلاث ركعات.\nوفيه: أن صلاة الصبي صحيحة.\nوفيه: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وهو مذهبنا.\nوفيه: جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة وهو مذهبنا.\nوفيه: جواز الجماعة في النافلة بواحد، ويكره إن كان على سبيل التداعي عند إمامنا الإمام الأعظم ﵁.\nومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (نام الغليم)، أو ارتقاب ابن عباس لأحواله ﵇؛ إذ لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم، وما زعمه ابن حجر وأتعب نفسه فيه فقد رده في «عمدة القاري» بما يطول، وهو موافق مقبول لأهل الأصول، فرحم الله هذا الإمام ما أغزر علمه وأوفر فهمه، ولا شك أنه علَّامة الأمصار (^٤) والأقطار المستمدُّ من فيض ربه المدرار عليه رحمة ربنا الكريم الغفار.\n\n <span id=\"b-٢١٢\"> </span>(٤٢) <span data-type=\"title\" id=toc-212>[باب حفظ العلم]</span>\nهذا (باب حفظ العلم)، ولفظ (باب) ساقط عند الأصيلي.\n\n <span id=\"b-٢١٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-213>[حديث: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله]</span>\n١١٨ - وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأوسي المدني، (قال: حدثني)؛ بالإفراد (مالك): ابن أنس الإمام، (عن ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري، (عن الأعرج): عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر، (قال: إن الناس): مقول قال، (يقولون): جملة محلها رفع خبر (إن)، (أكثر أبو هريرة): جملة من الفعل والفاعل مقول (يقولون)؛ أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، أو وضع المظهر موضع المضمر؛ لأنَّ الظاهر أن يقول: أكثرت، وزاد المؤلف في (البيوع): (ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه)، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار.\n (ولولا آيتان)؛ أي: موجودتان، (في كتاب الله) ﷿، (ما) جواب (لولا) حذف منه اللام وهو جائز، (حدثت حديثًا)؛ بالنصب على المفعولية، قال الأعرج: (ثم يتلو)؛ أي: أبو هريرة، (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله) تعالى: (﴿الرَّحِيم﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]).\nوإنما ذكر يتلو بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة التلاوة كأنه فيها، والمعنى: لولا أن الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم؛ لما حدثتكم أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا؛ وجب الإظهار والتبليغ؛ فلهذا حصل مني الإكثار؛ لكثرة ما عندي من الحديث، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: (إن إخواننا)؛ جمع: أخ، ولم يقل: إخوانه؛ ليرجع الضمير على أبي هريرة؛ لغرض الالتفات، ولم يقل: إخواني؛ لأنَّه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب،\n_________\n(^١) في الأصل: (يبتت).\n (^٢) في الأصل: (دفوعا).\n (^٣) في الأصل (حائضة) وهذا خطأ.\n (^٤) في الأصل (الإعصار) والسياق يقتضي ما أُثبت.","vol":"1","page":37},{"text":"وحذف العاطف على جعله جملة استئنافية كالتعليل للإكثار جوابًا للسؤال عنه.\n (من المهاجرين) (من) بيانية؛ أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، (كان يَشغَلهم)؛ بفتح أوله وثالثه من باب (فتح يفتح)، وحكي ضم أوله من الرباعي؛ أي: الإشغال، وهو غريب، كما في «عمدة القاري»، (الصَّفْق)؛ بالرفع فاعل، والجملة خبر (إن)؛ بفتح الصاد المهملة وإسكان الفاء كناية عن التبايع؛ لأنَّهم كانوا يضربون بالأيدي عند عقد البيع، (بالأسواق) جمع: سوق يذكر ويؤنث، سمي به؛ لقيام الناس على سوقهم فيه.\n (وإن إخواننا من الأنصار): الأوس والخزرج أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله ﵇، ونصروه بأنفسهم وأموالهمرضي الله عنه، (كان يشغلهم العمل في أموالهم) يريد به الزراعة، وفي «مسلم»: (كان يشغلهم عمل أرضهم)، وفي رواية: (كان يشغلهم على أراضيهم)، (وإن أبا هريرة) عدل عن قوله: إني؛ لقصد الالتفات، وعند المؤلف في «البيوع»: (وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة)، (كان يلزم رسول الله ﷺ) من الملازمة، (بِشبَع)؛ بكسر المعجمة وفتح الموحدة، وفي رواية: (لشبع) باللام، وكلاهما؛ أي: الموحدة واللام؛ للتعليل، وروي: (ليشبع)؛ بلام كي، و(بشبع)؛ بصورة المضارع المنصوب؛ أي: لأجل شبع، (بطنه)؛ يعني: أنه كان يلازم قانعًا بالقوت لا مشتغلًا بالتجارة ولا بالزراعة ﵁.\n (ويحضر ما لا يحضرون)؛ أي: من أحوال النبي الأعظم ﵇، فيشاهد ما لا يشاهدون، (ويحفظ ما لا يحفظون) من أقواله ﵇، فيسمع ما لا يسمعون، فهذا إشارة إلى المسموعات، وذاك إلى المشاهدات.\nلا يقال هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة: (ما من أصحاب النبي ﵇ أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب)؛ لأنَّا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملًاوأبو هريرة أكثر رواية.\nفإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملًا وهو داخل تحت عموم المهاجرن.\nأجيب: هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة السماع، والله أعلم.\nويؤخذ من الحديث: طلب حفظ العلم والمواظبة على طلبه.\nوفيه: فضل أبي هريرة، وفيه طلب التقلل من الدنيا وفضله، وإيثار العلم على طلب المال.\nوفيه: جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر وأمن الإعجاب، وجواز التجارة والزراعة، وجواز الاقتصار على الشبع، وفيه تفصيل:\nفالأكل فرض: وهو ما يدفع به الهلاك عن نفسه.\nومندوب: وهو ما زاد ليتمكن من الصلاة قائمًا ويسهل الصوم.\nومباح: وهو ما يزاد على الشبع لزيادة قوة البدن.\nوحرام: وهو الزائد عليه إلا لقصد التقوى على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف الحاضر فلا بأس بأكله فوق الشبع لذلك، ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة المفروضة قائمًا، فلو على وجه لا يضعفه؛ فمباح ورياضة هذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، الذي غفر الله له ولمن اتبعه على مذهبه إلى يوم القيامة.\n\n <span id=\"b-٢١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-214>[حديث: ابسط رداءك]</span>\n١١٩ - وبه قال: (حدثنا أحمد بن أبي بكر) القاسم أو زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري العوفي، زاد في رواية: (أبو مصعب) كنيته، قاضي المدينة المتوفى سنة اثنين وأربعين ومئتين عن اثنين وتسعين سنة، (قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار) المدني الأنصاري المفتي بالمدينة المتوفى سنة اثنين وثمانين ومئة.\n (عن ابن أبي ذِئب)؛ بكسر الذال المعجمة، محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي المدني العامري، قال ابن حنبل: كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلَّا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه، المتوفى بالكوفة سنة تسع وخمسين ومئة عن تسع وسبعين سنة، (عن سعيد) بن أبي سعيد (المَقبُري)؛ بفتح الميم وضم الموحدة، المدني.\n (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁، (قال: قلت: يا رسول الله)، وفي رواية: (قلت لرسول الله ﷺ)، (إني أسمع منك حديثًا كثيرًا): صفة لقوله: (حديثًا)؛ لأنَّه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل، (أنساه): جملة محلها النصب صفة أخرى لقوله: (حديثًا)، والنسيان جهل بعد العلم، والفرق بينه وبين السهو: أن النسيان زوال العلم عن الحافظة والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبَّه صاحبه بأدنى تنبيه، والخطأ ما لا يتنبه به، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلة عن الحفظ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض، كما أوضحه في «عمدة القاري».\n (قال)، وفي رواية: (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ لأبي هريرة: (ابسط رِداءك)؛ بكسر الراء، (فبسطته): عطف على (ابسط)، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف، والذي يمنعه يقدَّر شيئًا والتقدير لما قال ابسط رداءك: امتثلت أمره فبسطه، (قال: فغرف) ﵇، (بيديه) ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه؛ لأنَّه لم يكن إلَّا إشارة محضة، فكأنَّه أخذ شيئًا من فيض فضل الله تعالى ورمى به في رداء أبي هريرة، ومثل ذلك في عالم الحسِّ.\n (ثم قال ﵇) له (ضمُّه)؛ بالهاء مع ضم الميم؛ تبعًا للضاد، وفتحها وهي رواية أبي ذر وكسرها؛ لأنَّ الساكن إذا حرِّك؛ حرِّك بالكسر، وفك الإدغام فيصير: اضممه، وفي رواية: (ضم) بلا هاء وعلى الأولى فالضمير فيه يرجع إلى الحديث، يدل له ما روي (فغرف بيديه ثم قال: ضم...)؛ الحديث.\n (فضممته)؛ أي: الرداء حال المقالة فقط، (فما نسيت شيئًا بعده)؛ أي: بعد الضم، وفي رواية: بدون الهاء بضم الدال؛ لقطعه عن الإضافة فبني على الضم، وفي بعض طرق الحديث عند المؤلف: («لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا»، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي ﵇ مقالته ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق؛ ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا).\nوفي «مسلم»: (أيُّكم يبسط ثوبه فيأخذ)؛ فذكره بمعناه، ثم قال: (فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به)، ففي قوله: (بعد ذلك اليوم): دليل على العموم، وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئًا سمعه منه ﵇، لا أن ذلك خاص بتلك المقالة، كما يعطيه ظاهر قوله: (من مقالته تلك) ويعضد العموم تنكير شيئًا بعد النفي، فإنَّه يدل على العموم؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي تدل عليه، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره.\nفإن قلت: ما هذه المقالة؟!\nقلت: هي مبهمة في جميع الطرق، إلا أنَّه صرح بها أبو نعيم في «الحلية» قال: قال ﵇: «ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة»، كذا قرره في «عمدة القاري»، وما زعمه ابن حجر فليس بشيء؛ فافهم.\nوفي الحديث: معجزة النبي الأعظم ﵇، كما لا يخفى.\nوبه قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) المدني، (قال: أخبرنا ابن أبي فُدَيك)؛ بضم الفاء وفتح الدال المهملة، أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، دينار المدني الليثي، المتوفى سنة مئتين، (بهذا)؛ أي: بهذا الحديث، فساقه المؤلف في (علامات النبوة) بهذا الإسناد بعينه، (أو قال)، وفي رواية: (قال)؛ أي: ابن أبي فديك.\n (غرف بيده فيه)؛ بالإفراد مع زيادة فيه، والضمير للثوب، وفي رواية وعليها كتب صاحب «عمدة القاري» قال: (يحذف بيده إلى فيه) من الحذف؛ بالحاء المهملة، والذال المعجمة، والفاء؛ أي: يرمي، والذي في (علامات النبوة) ليس فيه إلَّا الغرف، فادعى ابن حجر أن رواية (يحذف) تصحيف، ورده في «عمدة القاري» بأن صاحب «المطالع» لم ينبه عليه وأنه لم يثبت أنه تصحيف، فيطلب منه الدليل ولم يوجد، وسقط في رواية قوله: (حدثنا إبراهيم...) إلخ والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-215>[حديث: حفظت من رسول الله وعاءين]</span>\n١٢٠ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (أخي): عبد الحميد بن أبي أويس، (عن ابن أبي ذئب): محمد بن عبد الرحمن القرشي المدني السابق قريبًا، (عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبُري)؛ بضم الموحدة، (عن أبي هريرة) ﵁، (قال: حفظت عن)، وفي رواية: (من)، (رسول الله ﷺ)، وهي أصرح لتلقينه من النبي الأعظم ﵇ بلا واسطة.\n (وعاءين)؛ بالنصب مفعول (حفظت)، تثنية وِعاء؛ بكسر الواو مع المد الظرف الذي يحفظ فيه الشيء، جمعه: أوعية، وهو من ذكر المحل وإرادة الحال فيه، والمراد نوعين","vol":"1","page":38},{"text":"من العلم.\n (فأما) للتفصيل، (أحدهما)؛ أي: أحد الوعاءين من نوعي العلم؛ (فبَثثته): جواب (أما)، ودخلت عليه الفاء؛ لتضمنها معنى الشرط، وهو بموحدة مفتوحة ومثلثتين بعدهما مثناة فوقية؛ أي: نشرته وكشفته، زاد الإسماعيلي: (في الناس)، (وأما) الوعاء (الآخر) منهما، (فلو بثثته)؛ أي: نشرته وكشفته للناس؛ (قطع): جواب (لو)، وفي رواية: (لقطع) باللام، (هذا البلعومُ): مرفوع بإسناد قطع إليه، وهو مفعول ناب عن الفاعل، وفي رواية الإسماعيلي: (لقطع هذا) يعني رأسه، فكنى به عن القتل، فأراد بالأول: الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت؛ لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وبالثاني: ما كتمه من أخبار الفتن، وأشراط الساعة، وما عرف به النبي الأعظم ﵇ من فساد الدين على يد أغيلمة سفهاء قريش.\nوكان أبو هريرة يقول: (لو شئت ان أسميهم بأسمائهم لسميتهم لكني خشيت على نفسي) فلم يصرح بهم، فالأمر بالمعروف على هذا، وكان يقول: (أعوذ بالله من رأس سنة ستين وإمارة الصبيان)، يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، فاستجاب الله دعاءه فمات قبلها، فإنه لو حدث بهذه الأحوال؛ لقطع البلعوم.\nوقالت المتصوفة: المراد بالأول: علم الأحكام والإطلاق، وبالثاني: علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان.\nقال القسطلاني في «شرحه»: لكن في كون هذا هو المراد نظر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما وسع أبو هريرة كتمانه مع ما ذكره من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ...﴾ [البقرة: ١٥٩] إلى آخر الآيتين الدالة على ذم كتمان العلم، وأيضًا فإنَّه نفى بثه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك، وأبو هريرة لم يكشف مستوره؟! فمن أين علم أن الذي كتمه هو هذا؟!\nفمن ادعى ذلك؛ فعليه البيان، فقد ظهر أن الاستدلال به لهم فيه نظر ظاهر، انتهى كلامه.\nقلت: وكذا قوله ﵇: «من كتم علمًا؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام؛ لما وسعه كتمها بحكم الآية والحديث الدالة على ذم الكتمان، ولا ريب أن أبا هريرة أعلم وأحرى بالأحكام، فلو كان المراد به ذلك؛ لكشفه ونشره بين الناس ودخل تحت الأحاديث الدالة على فضل العلم وتعليمه.\nوقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (إن كان المراد من الثاني هو ما قالته المتصوفة يشترط فيه أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال) انتهى.\nقلت: فأشار به إلى أنه لو كان مطابقًا للشريعة المطهرة؛ فلا يتصور كتمانه من أبي هريرة، وإن كان غير مطابق لها؛ فهو ما قدمناه من أمور الفتن وحكام الجور وغيرها.\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، كما في رواية المستملي، (البُلعوم)؛ بضم الموحدة، (مجرى الطعام)؛ أي: في الحلق وهو المري، كذا فسره القاضي والجوهري، وقال الفقهاء: الحلقوم: مجرى النفس، والمري: مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وقال ابن بطال: البلعوم: الحلقوم وهو مجرى النفس إلى الرئة، والمري: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة فتصل بالحلوق، والمقصود: أنه كنى بذلك عن القتل، كما في «عمدة القاري».\nقلت: وما قدمناه هنا يدل على بطلان قول من قال في زماننا: أن ذنوب أهل البيت النبوي صوري لا معنوي؛ أي: بحسب الصورة ذنب لا في المعنى، وأن المغفرة لهم محققة بدون توبة، وأنهم خير الخلق بدون استثناء الأنبياء والمفضلين من الصحابة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وبقول الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في «الفتوحات».\nقلت: وهذا باطل؛ لأنَّه لم يوجد قول لأحد من المذاهب الأربعة المجمع عليها بذلك، وقد قال النبي الأعظم ﵇: «من أحدث شيئًا لم يكن في الشريعة فهو رد»، والآية المستدل بها معناها أنَّه تحرم عليهم الصدقة؛ لأنَّها أوساخ الناس، والتمييز بالعمائم، والتعظيم، والاحترام وغير ذلك، وما ذكره من معناها فهو مردود؛ لأنَّه لم يقل به أحد من المفسرين قديمًا وحديثًا.\nوقال ﵇: «من فسَّر القرآن برأيه كبَّه الله في النار يوم القيامة»، ويدل لهذا قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، فابن نوح لما التجأ (^١) إلى الجبل وأنه يعصمه من الماء عند الغرق؛ أخرجه الله تعالى من أهله وجعله في النار، وكذا أبو طالب عمُّ المصطفى ﵇، وكذا أبو جهل، وأبو لهب؛ فإنَّهم جميعًا في النار، كما نطق بذلك الكتاب والسنة، فلو كانت الذنوب مغفورة لهم بدون توبة؛ لغفر لهم وأدخلوا الجنة، وهذا يدل على بطلان قوله أيضًا: من أنه لا يختم لأحد منهم بالكفر، وأن الله شاء المغفرة لهم، وبطلان هذا ظاهر؛ فإنَّ الموت على الإيمان أو على الكفر لا يعلمه أحد أصلًا؛ لقوله ﵇: «إن العبد ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار»، رواه الشيخان.\nوقال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، ومشيئته تعالى مختصَّة به لا يعلمها أحد من خلقه، وهو مذهب أهل السنة والجماعة من الماتريدية والأشعرية وإجماع المسلمين، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجميع الآيات الدالة على المغفرة مقرونة بالمشيئة، وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].\nقال الإمام القرطبي: (لو فعل أحدٌ منهم شيئًا يوجب الحدَّ مرة؛ يُحدُّ مرتين؛ لهذه الآية، وقال ﵇: «من أبطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه»، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فَلَاأَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]).\nوأما قول الشيخ الأكبر فقد قال علماؤنا الأعلام: يحرم مطالعة كتب الشيخ الأكبر وقد أتى أمر سلطاني بالنهي عن بيعها، وشرائها، ومطالعتها، وقال الإمام الشعراني: في العهود الصغرى أخذ علينا العهود أن نمنع الناس من مطالعة كتب الشيخ الأكبر؛ لعدم فهم معناها، اهـ.\nفالتفاضل الحقيقي بين الناس إنَّما هو بالتقوى، فلا يفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويفيد الوضيع النسب بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقد ألف رسالة في ذلك وذكر الأحاديث الواردة في حق أهل البيت منها منكر، ومنها ضعيف، ومنها موضوع من الشيعة، وقد ركب فيها متن عمياء وخبط خبط عشواء، وقال فيها ولا يدري ما يقول، وقد وافقه عليها بعض ممن يدعي العلم، وكتب له عليها فضلَّ وأضلَّ، وجمهور العلماء الأعلام ورئيسهم الإمام محقق المعقول والمنقول شيخ الإسلام والمسلمين شيخنا الشيخ عبد الله أفندي الحلبي أدمنا بحياته فلم يلتفت إليها، ولا عرجوا عليها، بل ردوها ولم يكتب أحدٌ عليها، ووقع خبط بين العلماء بديارنا الشريفة الشامية من أجل هذه الرسالة البدعة المنكرة، وأجمع الجمهور على بطلانها وردِّها ولله الحمد والمنة.\nاللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة بجاه الأنبياء وأصحابهم والمجتهدين وأتباعهم، وأن يحفظنا من الزيغ والضلال، ويوفقنا لما يحب ويرضى إنه على كل شيء قدير، وصلى الله عليهم أجمعين.\n\n <span id=\"b-٢١٦\"> </span>(٤٣) <span data-type=\"title\" id=toc-216>[باب الإنصات للعلماء]</span>\nهذا (باب الإنصات)؛ بكسر الهمزة: السكوت والاستماع، (للعلماء)؛ أي: لأجل ما يقولونه، فاللام للتعليل.\n\n <span id=\"b-٢١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-217>[حديث: أن النبي قال له في حجة الوداع: استنصت الناس]</span>\n١٢١ - وبه قال: (حدثنا حَجاج)؛ بفتح الحاء، ابن منهال الأنماطي، (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (قال: أخبرني)؛ بالإفراد، (علي بن مُدْرِك)؛ بضم الميم وكسر الراء، النخعي الكوفي، المتوفى سنة عشرين ومئة، (عن أبي زُرْعَة)؛ بضم الزاي، وسكون الراء،\n_________\n(^١) في الأصل (التجئ).","vol":"1","page":38},{"text":"وفتح العين، واسمه: هَرْم؛ بفتح الهاء وسكون الراء، ابن عمر بن جرير.\n (عن جَرير)؛ بفتح الجيم، ابن عبد الله البجلي جد أبي زرعة الراوي عنه هنا لأبيه، وكان بديع الجمال، طويل القامة، وكان نعله ذراعًا، (أن النبي) الأعظم (ﷺ قال): جملة محلها الرفع خبر (إن)، (له) وعند المؤلف في (حجة الوداع): (أن النبي ﵇ قال لجرير)، (في حَجة)؛ بفتح الحاء وكسرها، (الوَداع)؛ بفتح الواو وكسرها، والمشهور: الفتح فيهما، وإنَّما سمِّيت بحجة الوداع؛ لأنَّ النبي الأعظم ﵇ ودَّع الناس فيها، والمقالة كانت عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره.\n (استنصت): أمر من الإستنصات، (استفعال) من الإنصات، ومعناه: طلب السكوت، (الناس) والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعول مقول القول، وقد أنكر بعضهم لفظة (له) من قوله: قال له في حجة الوداع، معللًا بأن جريرًا أسلم قبل وفاته ﵇ بأربعين يومًا، وتوقف المنذري؛ لثبوتها في الطرق الصحيحة، وقد ذكر غير واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشر، فأمكن حضوره مسلمًا لحجة الوداع، وحينئذ فلا خلل في الحديث كما أوضحه في «عمدة القاري».\n (فقال) ﵇ بعد أن أنصتوا: (لا ترجعوا)؛ أي: لا تصيروا، (بعدي)؛ أي: بعد موتي أو موقفي هذا، (كفارًا) نصب خبر لا ترجعوا المفسر بلا تصيروا، فيكون من الأفعال الناقصة؛ أي: لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار، أو دوموا مسلمين أولا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال.\n (يضربُ بعضكم رقاب) جمع: رقبة، (بعض)؛ بالرفع في (يضرب) على الصفة لـ (كفارًا)؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفارًا متصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضهم رقاب بعض آخرين، أو على الحال من ضمير (ترجعوا)؛ أي: لا ترجعوا (^١) بعدي كفارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض، أو على الاستئناف كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض، فمعناه:\nعلى الأول: لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدِّين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق.\nوعلى الثاني: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل، ولا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشرِّ وإثارة الفتن من غير إشفاق بعض على بعض.\nوعلى الثالث: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقٍّ، فإنَّه فعل الكفار، وجوَّز الإمام أبو البقاء وابن مالك جزم (يضرب) على أنه بدل من (لا ترجعوا) وأن يكون جزاء الشرط مقدرًا (^٢)؛ أي: فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، أو أن يكون جواب النهي، والمعنى: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا.\nوقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠١]؛ أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه، كما جاء في حديث أبي بكرة: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» وذكر الحديث، ثم قال: «ليبلِّغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارًا...»؛ الحديث، فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض.\nفإن قلت: رقاب جمع: رقبة، وليس لكل شخص إلا رقبة واحدة، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنه.\nقلت: البعض وإن كان مفردًا، لكنه في معنى الجمع، كأنه قال: لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع.\nوفي الحديث: وجوب الإنصات عند قراءة الحديث والعلم وغيره من العلوم الشرعية.\nوفيه: تعلق بعض المبتدعة في إنكار حجة الوداع؛ لأنَّه نهى الأمة بأسرها عن الكفر ولولا جواز إجماعها عليه؛ لما نهاها، والجواب أن الامتناع إنَّما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ومن المعلوم أنه ﵇ معصوم، كذا حققه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢١٨\"> </span>(٤٤) <span data-type=\"title\" id=toc-218>[باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم </span>فيكل العلم إلى الله]\nهذا (باب ما)؛ أي: الذي، (يستحب للعالم إذا): شرطية، (سُئِل) بالبناء للمجهول، (أيُّ الناس)؛ أي: شخص من أشخاص الناس، (أعلم) من غيره، (فيكل) الفاء في جواب (إذا)، وأصله: يوكل حذفت الواو؛ لوقوعها بين الياء والكسرة؛ أي: فهو يكل، (العلم إلى الله) تعالى، والجملة بيان لما يستحب، أو (إذا) ظرف لـ (يستحب) والفاء تفسيرية على أن (يكل) في تقدير المصدر بتقدير أن؛ أي: ما يستحب وقت السؤال هو الوكول إلى الله تعالى، وصرَّح بـ (أن) في رواية، كما في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-219>[حديث: قام موسى النبي خطيبًا في بني إسرائيل]</span>\n١٢٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسنَدي؛ بفتح النون، (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عُيينة؛ بضم العين، (قال: حدثنا)، وفي رواية: (أخبرنا)، (عَمرو)؛ بفتح العين، ابن دينار، (قال: أخبرني)؛ بالإفراد، (سعيد بن جُبَير)؛ بضم الجيم وفتح الموحدة.\n (قال: قلت لابن عباس) عبد الله ﵄، فالسائل هنا سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس، وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس فمرَّ بهما ابن كعب فسأله ابن عباس، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر، وجاء أن السائل غير ابن جبير، قال سعيد: (كنت عند ابن عباس وعنده قوم من اليهود فقال بعضهم: يا أبا عبد الله...) إلخ، فقال ابن عباس: (كذب...) إلخ.\n (إن نَوْفًا)؛ بفتح النون وسكون الواو آخره فاء، ابن فَضَالة؛ بفتح الفاء والضاد المعجمة، أبو يزيد القاص، (البِكالي)؛ بالنصب صفة لـ (نوفًا)، بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف نسبة إلى بكال بطن من حمير، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وهمزةإن مكسورة، و(نوفًا)؛ بالنصب اسمها، وهو منصرف في اللغة الفصيحة، وفي بعضها غير منصرف، وكتبت بدون ألف؛ لأنَّه أعجمي، لكن الأفصح: الصرف؛ لأنَّ سكون وسطه يقاوم إحدى العلتين فيبقى الاسم بعلة واحدة كنوح ولوط، كما بسطه في «عمدة القاري».\n (يزعم): جملة من الفعل والفاعل محلها الرفع خبر (إن)، والزعم بمعنى: القول فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله: (أن)؛ بفتح الهمزة، (موسى): ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وإن كان الزعم بمعنى: الظن فأن مع اسمها وخبرها سدت مسد المفعولين؛ أي: موسى صاحب الخضر.\n (ليس بموسى بني إسرائيل) الباء زائدة للتأكيد، وهي جملة محلها الرفع خبر (أن)، وفي رواية: بحذف الباء الموحدة من موسى؛ أي: المرسل لبني إسرائيل؛ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، و(موسى) وإن كان علمًا؛ لا يضاف، لكنَّه نكر بأن أوِّل بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه.\n (إنما هو موسًى)؛ بالتنوين؛ لكونه نكرة فانصرف؛ لزوال العلمية وعدمه وهو ظاهر، (آخر) غير منصرف؛ للوصفية الأصلية ووزن الفعل فلا ينون على كل حال، وغلبت عليه الاسمية المحضة، فاضمحل عنه معنى التفضيل بالكلية، يعني: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون التحتية، وبالشين المعجمة، وميشا يعني: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وهو أول موسى وهو نبي أيضًا مرسل، وزعم أهل التوراة أنه صاحب الخضر.\n (فقال) ابن عباس: (كذب عدو الله) نوف ومن تبعه في هذه المقالة، وهذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل، بخلاف قوله: ولم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق؛ فيطلقون أمثال هذا الكلام؛ لقصد الزجر والتنفير عنه، وحقيقته غير مرادة، وكان ذلك منه حال الغضب وألفاظ الغضب تطلق ولا يراد بها حقائقها.\n (حدثنا)، وفي رواية: (حدثني)، (أبيُّ بن كعب)؛ بالرفع فاعل التحديث، وهو الصحابي المشهور ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: قام موسى) ابن عمران، (النبي)؛ بالرفع صفة (موسى)، (ﷺ) حال كونه، (خطيبًا في بني إسرائيل)، أولاد يعقوب ﵇، وهم اثني عشر الذين سماهم الأسباط، كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل منهم.\n (فسُئل)؛ بضم السين المهملة، (أيُّ الناس أعلم): مبتدأ مضاف وخبره، والتقدير:\n_________\n(^١) في الأصل: (ترجوا).\n (^٢) في الأصل: (مقدر).","vol":"1","page":39},{"text":"أعلم منهم، كما في قولك: الله أكبر؛ أي: من كل شيء، (فقال) موسى: (أنا أعلم) الناس؛ أي: فيما ظهر لي، واقتضاه شاهد الحال أو دلالة النبوة، وهذا أبلغ من الرواية السابقة، هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فإنه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البت.\n (فعتب الله عليه)؛ أي: لم يرض قوله شرعًا، وعن أُبي قال: (أعجب موسى بعلمه فعاتبه الله بما لقي من الخضر)، وهو من باب التنبيه لموسى والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه، والعجب بحالها فيهلك، (إذ)؛ بسكون الذال للتعليل، (لم يُرد)؛ بضم الدال اتباعًا لضمة الراء، والفتح للخفة، والكسر على الأصل من أن الساكن إذا حرك يحرك بالكسر، ويجوز فك الإدغام أيضًا.\n (العلم)؛ بالنصب مفعول (يرد)، (إليه)، وفي رواية: (إلى الله تعالى) فكان ينبغي أن يقول: الله أعلم، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وسئل النبي الأعظم ﵇ عن الروح وغيره فقال: لا أدري حتى أسأل الله ﷿، والعتب؛ بمعنى: المؤاخذة وتغير النفس وهما في حق الله تعالى محال فيراد به: لم يرض قوله شرعًا.\n (فأوحى الله) تعالى (إليه)؛ أي: إلى موسى، (أن)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأن، (عبدًا)؛ أي: الخضر، وفي رواية: بكسر الهمزة على تقدير فقال إن عبدًا، (من عبادي) محله النصب صفة عبدًا، (بمجمع البحرين): الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: كائنًا بمجمع البحرين؛ أي: ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق، وقال أبي بن كعب: إنه بإفريقية وقيل: بطنجة، كما بسطه في «عمدة القاري».\n (هو)؛ أي: العبد المسمى: بالخضر، (أعلم منك) جملة اسمية محلها رفع خبر (إن)؛ أي: بشيء مخصوص، كما يدل عليه قول الخضر الآتي: إنِّي على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر بما اختص به من الرسالة، وسماع الكلام، والتوراة، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى ﵇، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبي؛ بل ولي، فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به، والقائل بخلافه كافر بالإجماع؛ لأنَّه معلوم من الشرع بالضرورة.\n (قال رب) أصله: يا رب، فحذف حرف النداء، وياء المتكلم للتخفيف اكتفاء بالكسرة، وفي رواية: (يا رب)، (وكيف لي به) بالواو، وفي رواية: بالفاء؛ أي: كيف الالتقاء لي بذلك العبد، و(لي): في محل رفع خبر مبتدأ محذوف وهو الالتقاء المقدر، و(كيف) وقع حالًا، والتقدير: على أيِّ حالة الالتقاء وبه يتعلق بالمقدر، والفاء على الرواية الثانية زائدة، والفاء في قوله: (فقيل) عاطفة، (له: احمل) أمر وفاعله مستتر.\n (حوتًا): مفعوله والجملة مقول القول، (في مِكَتل)؛ بكسر الميم وفتح الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا كما في «العباب» وهو في محل نصب صفة لـ (حوتًا)؛ أي: حوتًا كائنا في مكتل، (فإذا) للشرط، (فَقَدته)؛ بفتح الفاء والقاف؛ أي: الحوت جملة فعل الشرط، (فهو ثَمَّ)؛ بفتح المثلثة ظرف؛ بمعنى: هناك جملة وقعت جواب الشرط فلذا دخلته الفاء؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، (فانطلق): موسى، (وانطلق معه بفتاه): التصريح بالمعية للتأكيد وإلا فالمصاحبة مستفادة من الباء في (بفتاه)، وفي رواية: بإسقاط لفظ (معه).\n (يُوشَع)؛ بضم التحتية وفتح المعجمة، مجرور بالفتحة عطف بيان لـ (فتاه) غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، (ابن نون): مجرور بالإضافة منصرف كنوح ولوط على الأفصح، وهو من أولاد يوسف بن يعقوب ﵇ وكان يخدمه، وقيل: يأخذ عنه العلم، (وحملا حوتًا في مكتل)، كما وقع الأمر به وقد قيل: كانت السمكة مشوية مملوحة وقيل شق سمكة.\n (حتى) للغاية، (كانا عند الصخرة) الحجر الكبير التي دون نهر الزيت بالمغرب الموعود بلقي الخضر عنده، (وضعا رؤوسهما) على الصخرة، (وناما)، وفي رواية: (فناما) بالفاء وكلاهما للعطف على (وضعا)، وفيه غاية التواضع لله تعالى، (فانسلَّ الحوت) المشوي المملوح، (من المكتل)؛ لأنَّه أصاب الحوت من ماء عين الحياة التي في أصل الصخرة لا يصيب مائها لشيء إلا حييى، فتحرك الحوت وانسلَّ من المكتل فدخل البحر، كذا في طريق للمؤلف.\n (فاتخذ سبيله)؛ أي: طريقه، (في البحر سربًا)؛ أي: مسلكًا؛ بالنصب على المصدرية أو المفعولية وفي رواية: عند المؤلف: (فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق)، (وكان) إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا، (لموسى وفتاه عجبًا)؛ بالنصب خبر كان، وجاء عند المؤلف: (فكان للحوت سربًا ولموسى عجبًا)؛ فيجوز أن يكون من قول يوشع ومن قول موسى ثم قال موسى: (عجبت من هذا عجبًا)، فيحسن على هذا الوقف على البحر ويتبدى عجبًا، كذا قاله الزجاج، وقال غيره: يجوز أن يكون إخبارًا من الله تعالى؛ أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجبًا، كذا في «عمدة القاري».\n (فانطلقا بقيةً)؛ بالنصب على الظرفية، (ليلتِهما)؛ بالجر على الإضافة، (ويومِهما)؛ بالجر عطفًا على ليلتهما والنصب على إرادة سير جميع اليوم، وعند المؤلف في «التفسير» و«مسلم»: (فانطلقا بقية يومهما وليلتهما)، قال القاضي: وهو الصواب لقوله: (فلما أصبح) ولا يقال: أصبح إلا عن ليل، وفي رواية: (حتى إذا كان من الغد)، وما زعمه ابن حجر رده في «عمدة القاري».\n (قال موسى): جواب (لما)، (لفتاه آتنا غدَائَنا)؛ بفتح الغين مع المد، الطعام يؤكل أول النهار؛ بالنصب على المفعولية، واللام في (لقد) للتأكيد وقد للتحقيق، (لقينا من سفرنا هذا نصَبًا)؛ بفتح النون والصاد، بالنصب مفعول (لقينا)؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقية والذي يليها ويدل عليه قوله: (ولم يجد موسى) ﵇، (مسًّا)، وفي رواية: (شيئًا) بالنصب مفعول (تجد) (من النصب): في محل نصب صفة (مسًّا)؛ أي: مساء حاصلًا أو واقعًا من النصب؛ أي: التعب.\n (حتى): للغاية؛ أي: إلى أن، (جاوز المكان الذي أمر به)؛ أي: أمره الله بلقي الخضر فألقى عليه الجوع والنصب، (فقال)، وفي رواية: (قال)، (له فتاهُ)؛ بالرفع فاعل (قال): (أرأيت)؛ أي: أخبرني ما دهاني، (إذ): ظرف بمعنى: حين، (أوينا)؛ أي: رقدنا، (إلى الصخرة) عندها، (فإني نسيت الحوت)؛ أي: فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت و(الفاء): تفسيرية زاد في رواية: (وما أنسانيه)؛ أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وإنما نسبه للشيطان هضمًا لنفسه.\n (قال موسى ذلك): مبتدأ؛ أي: فقدان الحوت، (ما): موصولة (كنا نبغي): خبر المبتدأ والعائد محذوف؛ أي: نبغيه؛ أي: نطلب؛ لأنَّه علاه وجدان المقصود ويجوز حذف الياء من (نبغي) للتخفيف وبها قرئ، (فارتدَّا): رجعا (على آثارهما): في الطريق الذي جاءا فيه يقصَّان، (قصصًا) فهو منصوب على المصدرية؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعًا، (فلما أتيا إلى الصخرة)، وفي نسخة: (انتهيا) زاد مسلم: (فأراه مكان الحوت، فقال: ههنا وصف لي) وإلى هنا انتهى كلام يوشع؛ فافهم.\n (إذا): للمفاجأة، (رجل): مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله: (مسجًّى)؛ أي: مغطًّى، (بثوب) والخبر محذوف؛ أي: نائم، (أو قال: تسجى بثوبه) شكٌّ من الراوي، ويروى أنهما اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممرِّه فصار طريقًا فأتيا جزيرة فوجدا (^١) الخضر قائمًا يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر؛ أي: وسطه.\n (فسلم موسى) ﵇، (فقال الخضر: وأنَّى)؛ بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة؛ أي: كيف، (بأرضك السلام)؛ أي: السلام بهذه الأرض عجيب، ويؤيده ما في التفسير: هل بأرض من سلام، وكأنها كانت داركفر وكانت تحيتهم بغير السلام، وقد تكون (أنى)؛ بمعنى: أين، فهي ظرف مكان و(بأرضك) محله النصب على الحال من السلام.\n (فقال)، وفي رواية: (قال): (أنا موسى فقال) له الخضر: أنت (موسى بني إسرائيل): فهو خبر لمبتدأ محذوف، (قال: نعم) أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كل غيب؛ لعرف موسى قبل أن يسأله.\n (قال: هل): للاستفهام، (أتبِعُك على أن): مصدرية؛ أي: على اتباعي إياك، (تعلمني مما علمت)؛ أي: من الذي علمك الله علمًا، (رشدًا) فهو منصوب صفة لمصدر\n_________\n(^١) في الأصل: (فوجد).","vol":"1","page":39},{"text":"محذوف.\nروي أنه قال له الخضر: كفى بالتوراة علمًا وببني إسرائل شغلًا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا، و(من) في (مما علمت) للتبعيض، فطلب تعليم بعض ما علِّم، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا لك في العلم؛ بل أطلب منك أن تفيدني بعض ما علِّمت.\nقال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، انتهى.\nوقال الإمام الزمخشري: لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله، وإنما يغضُّ منه أن يأخذ ممن دونه، قال الكرماني: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولا يته.\nأجاب في «عمدة القاري»: بأن الزمخشري قائل بنبوته كما ذهب إليه الجمهور؛ بل هو رسول وينبغي اعتقاد ذلك؛ لئلَّا يتوسل به أهل الزيغ والضلال والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم أن الولي أفضل من النبي نعوذ بالله من ذلك.\nوقال ابن حجر: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنَّه يستلزم نفي ما أوجب.\nوأجابه في «عمدة القاري»: بأن هذه الملازمة ممنوعة فلو بين وجهها؛ لأجيب عن ذلك، والله تعالى أعلم؛ فافهم.\n (قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا)؛ لأنك ترى أمورًا منكرة بحسب الظاهر ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، (يا موسى؛ إنِّي على علم من علم الله علمنيه) (من) للتبعيض، والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعولين أحدهما: ياء المفعول والثاني: الضمير الذي يرجع إلى العلم، محلها الجر صفة لـ (علم)، (لا تعلمه أنت): صفة أخرى، فالأولى من الصفات الإيجابية والثانية من الصفات السلبية.\n (وأنت على علم): مبتدأ وخبر عطف على قوله: (إني على علم)، (علمك الله): جملة من الفعل، والفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: علَّمك الله إياه، والجملة صفة لعلم، وفي رواية: (علمكه الله) بهاء الضمير الراجع إلى العلم، (لا أعلمه): صفة أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، قاله القسطلاني.\n (قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا)؛ بالنصب مفعول ثاني لـ (ستجدني)، وقوله: (إن شاء الله) معترض بين المفعولين؛ أي: غير منكر.\nوفيه: دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى خلافًا للمعتزلة.\n (ولا أعصي لك أمرًا): في محل نصب عطفًا على (صابرًا)؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر؛ فإنَّ مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد بلا خلف، أفاده البيضاوي وغيره.\n (فانطلقا) على السَّاحل حال كونهما، (يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة)؛ أي: مركب، وأول من أحدثه نوح ﵇ قبل الطوفان، فكان كل يوم يشتغل بها فيأتي قومه بالليل فيخرِّبوها، فيأتي نهارًا يجدِّدها إلى أن خلق الله له الكلاب تحرسها إلى أن تمَّت وركب فيها.\n (فمرت بهما سفينة): (فعيلة)؛ بمعنى: (فاعلة) كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره وتشقه، (فكلموهم)؛ أي: كلَّم موسى والخضر أصحاب السفينة، والجمع إمَّا للتعظيم أو لما فوق الواحد، وما قيل: إنهم ثلاثة موسى، والخضر، ويوشع؛ يردُّه تثنية الضمير في (فانطلقا يمشيان ليس لهما، فمرت بهما) فإنه راجع إلى موسى والخضر؛ فليحفظ.\n (أن)؛ أي: لأن، (يحملوهما)؛ أي: لأجل حملهم إياهما معهم فيها، (فعُرف)؛ بضم العين، (الخضر)؛ أي: عرف أهل السفينة الخضر كأنه معلوم عندهم يرونه في بعض الأوقات، لما روي عن النبي الأعظم ﵇ أنه قال: «كان الخضر ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه»، كذا في «حواشي شيخ زاده».\n (فحملوهما)؛ أي: موسى والخضر، (بغير نَول)؛ بفتح النون؛ أي: بغير أجرة، والنول بالواو: الجعل، وأما يوشع؛ فإنه لم يركب معهما، فتركاه قبيل الصخرة؛ لأنَّه لم يقع له ذكر بعد ذلك، وما قيل: إنه روي: (فحملوهم)؛ بالجمع وهو يقتضي أنه ركب معهم: ممنوع بإعادة ضمير التثنية فيما سبق عليهما، أو للتعظيم، أو لما فوق الواحد؛ فافهم.\n (فجاء عُصفور)؛ بضم العين طير مشهور سمي به؛ لأنَّه عصى وفر، وقيل: إنه الصرد، (فوقع على حرف) طرف، (السفينة فنقر نقرةً)؛ بالنصب على المصدرية، (أو نقرتين) عطف عليه، (في البحر)؛ أي: شرب منه، وهو يدل على أن البحر عذب؛ لأنَّ الملح لا يشربه الحيوان بأنواعه.\n (فقال الخضر) حين رأى نقرة العصفور، وقد رآها موسى أيضًا، (يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله)؛ أي: معلوماته، (إلا كنقرة هذا العصفور في البحر)، وعند المؤلف: (ما علمي وعلمك في جنب الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر)؛ أي: في جنب معلوم الله، فيطلق العلم ويراد به المعلوم، من إطلاق المصدر وإرادة الفعل، وقيل: إن (إلا)؛ بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر؛ لأنَّ علم الله لا ينقص بحال، وقيل: (نقص)؛ بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النقص أخذ خاص، والمقصود منه التشبيه في القلة والحقارة لا المماثلة في كل الوجوه، كما بسطه في «عمدة القاري».\n (فعمَد)؛ بفتح الميم، كضرب، (الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه)، وعند المؤلف: (فوتد فيها وتدًا)، وجاء أيضًا: (فعمد إلى قدوم فخرق به)، وقيل: (أخذ فأسًا فخرق لوحًا حتى دخلها الماء فحشاها موسى بثوبه)، والذي ذكره المفسرون أنه قلع لوحين مما يلي الماء ولعلَّه كان شقين.\n (فقال) له (موسى) ﵇: هؤلاء (قومٌ): مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ما علمت، أو هم قوم، (حملونا): جملة صفة لـ (قوم)، (بغير نَول)؛ بفتح النون: الجعل، والمراد به الأجرة، (عمَدت)؛ بفتح الميم، (إلى سفينتهم فخرقتها لتُغرِق)؛ بضم الفوقية وكسر الراء، على الخطاب مضارع أغرق؛ أي: لأنَّ تغرق (أهلهَا)؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (لتَغرَق)؛ بفتح الفوقية وفتح الراء، على الغيبة مضارع غرق، و(أهلُها)؛ بالرفع على الفاعلية.\n (قال) له الخضر: (ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبرًا)؛ فذكره بما قال له من قبل، (قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت)؛ أي: بالذي نسيته، أو بشيء نسيته؛ يعني: وصيته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، وقيل: أراد بالنسيان: الترك؛ أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة.\nفإن قلت: قول الخضر: (إنك لن تستطيع معي صبرًا)، وقول موسى: (ستجدني إن شاء الله صابرًا) يستلزم صدور الكذب من أحدهما، فإن كل واحد من القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وصدوره من أحدهما ينافي عصمة الأنبياء.\nقلت: وأجيب: بأنه لم يحصل صدور الكذب من واحد منهما، أما من الخضر؛ فلتحقق عدم الصبر من موسى باستخباره عما رأى من الخضر وأنكره نظرًا لظاهره، وأما من موسى؛ فإنه قد استثنى في جوابه (وقال: ستجدني إن شاء الله صابرًا) فإن التعليق بالمشيئة يدفع الحنث وينافي الكذب، كمن قال لآخر: آتيك غدًا إن شاء الله تعالى، ولم يأته في الغد لا يكون كذبًا.\nوقال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة؛ تنحى موسى بناحية ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت أتلو في بني إسرائيل كتاب الله غدوة وعشية وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى تريد أن أخبرك بما حدَّثت به نفسك، قال: نعم، قال: قلت: كذا وكذا، قال: صدقت، زاد في رواية أبي ذر: (ولا ترهقني من أمري عسرًا)؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر علي متابعتك، (فكانت) المسألة، (الأولى من موسى) ﵇، (نسيانًا)؛ بالنصب خبر كان.\nوقال ابن عباس: إنَّما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، وفي رواية: (نسيانُ)؛ بالرفع على أن (كانت): تامة، و(الأولى): مبتدأ، و(نسيان): خبره، أو يكون (كانت): زائدة والتقدير: فالأولى من موسى نسيان، (فانطلقا)؛ أي: موسى والخضر بعد خروجهما من السفينة.\n (فإذا): للمفاجئة، (غلام)؛ بالرفع","vol":"1","page":40},{"text":"مبتدأ، وقد تخصَّص بالصفة وهي قوله، (يلعب مع الغلمان) والخبر محذوف تقديره: فإذا غلام يلعب مع الغلمان بالحضرة أو نحوها، وكانوا عشرة وهو أظرفهم وأوضأهم، قال ابن عباس: كان الغلام لم يبلغ الحنث، وقال الضحاك: كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وقال الكلبي: كان الغلام يسرق المتاع بالليل فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه فيحلفان دونه شفقة عليه، ويقولان: لقد بات عندنا، واختلف في اسمه: فقال الضحاك: جيسون، وقال شعبة: جيسور، وقال وهب: كان اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.\n (فأخذ الخضر برأسه من أعلاه)؛ أي: مسك الخضر رأس الغلام فجرِّه، (فاقتلع رأسه بيده) وعند المؤلف في (بدء الخلق): (فأخذ الخضر برأسه، فقطعه بيده هكذا) أومأ سفيان بأطراف أصابعه (كأنه يقطف شيئًا)، وفي «التفسير»: ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا مع الغلمان؛ فاقتلع رأسه فقتله، وجاء فوجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.\nوقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله، وقيل: رفعه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل: أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، والفاء في (فاقتلع) للدلالة على أنه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حال.\n (فقال موسى) للخضر ﵉، (أقتلت نفسًا زكيَّة)؛ بتشديد التحتية؛ أي: طاهرة من الذنوب، وهي أبلغ من زاكيَة بالتخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية التي لم تذنب قطٌّ، والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولهذا اختار قراءة التخفيف، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، والهمزة في (أقتلت) ليست للاستفهام الحقيقي، فهي كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦].\nوكانت قصة الغلام في أُبُلَّة؛ بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء، مدينة بالقرب من البصرة وعبادان، وقيل: بأَيْلا؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية واللام الممدودة، مدينة على ساحل بحر القلزم على طريق الحاج المصري، وزعم قوم: أن الغلام كان بالغًا يعمل الفساد واحتجوا بقوله: (بغير نفس) الباء للمقابلة، والقصاص إنَّما يكون في حق البالغ ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتقاد به، نبه على أن القتل إنَّما يباح حدًّا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتفٍ.\nوأجاب الجمهور: بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، ولعله كان يجب على الصبي كما يجب في شرعنا عليه غرامة المتلفات، أو المراد به: التنبيه على أنه قتل بغير حق.\n (قال) الخضر لموسى ﵉ (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا)؛ بزيادة (لك) في هذه المرة زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.\n (قال) سفيان (بن عُيينة)؛ بضم العين، (وهذا)؛ أي: زيادة (لك)، (أوكد)، واستدل عليه بزيادة (لك) في هذه المرة، كذا في «الكشاف»، ولما سمع الخضر مقالة موسى؛ اقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، فإذا في عظم كتفه؛ مكتوب: كافر لا يؤمن بالله أبدًا، وفي «مسلم»: (وأما الغلام؛ فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك؛ أرهقهما طغيانًا وكفرًا)، قال المؤلف: (وكان ابن عباس يقرأ: وكان أبواه مؤمنين وهو كان كافرًا)، وعنه: (أنه قرأ: وأما الغلام؛ فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين)، كذا في «عمدة القاري».\n (فانطلقا): موسى والخضر (حتى أتيا)، وفي رواية: (حتى إذا أتيا) موافقة للقرآن، (أهل قرية): هي أنطاكية، كما قاله ابن عباس، وقيل: قرية من قرى الروم يقال لها: ناصرة وإليها تنسب النصارى، وقيل: إنها باجروان مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها عين الحياة، قال أبي بن كعب: وكان أهلها لئام وافياها بعد غروب الشمس.\n (استطعما أهلها)؛ أي: سألاهم الطعام، فإن آخر كسب الجائع الإقدام على المسألة والاستطعام، وهو أمر مباح في كل الشرائع، وربما يجب ذلك عند خوف التلف والضرر الشديد، (فأبوا أن يضيِّفوهما)؛ أي: من أن يضيفوهما، فـ (أن) مصدرية؛ أي: من تضييفهما، و(أبوا)؛ بالموحدة من الإباء وهو الامتناع؛ أي: امتنعوا من استطعامهما، وروي أن أهل القرية لما سمعوا نزول هذه الآية؛ استحيوا وجاؤوا إلى النبي الأعظم ﵇ بحمل من الذهب، وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء الموحدة تاء مثناة فوقية حتى تصير القراءة هكذا فأتوا أن يضيفوهما؛ أي: إتيان أهل القرية إليهما لأجل الضيافة، وقالوا غرضنا منه أن يدفع عنا هذا اللؤم، فامتنع النبي الأعظم ﵇، وقال: إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله وهو يوجب القدح في الآلهية فعلمنا به أن تغيير النقطة الواحدة يوجب بطلان (^١) الربوبية، كذا في «حواشي شيخ زاده»، ولم يجدوا تلك الليلة في تلك القرية قرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة.\n (فوجدا فيها)؛ أي: في القرية، (جِدارًا)؛ بكسر الجيم، وكانا قد التجأا (^٢) إليه في تلك الليلة وهو على شاطئ الطريق، قيل: كان سمكه مئتي ذراع بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا.\n (يريد أن): مصدرية، (ينقض)؛ أي: يريد الانقضاض؛ أي: الإسراع بالسقوط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز؛ لأنَّه لا إرادة له حقيقة، والمراد هنا المشارفة على السقوط، وقال الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، وعند المؤلف: (مائل وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف)، (قال الخضر بيده)؛ أي: أشار بها، وفي رواية: (فمسحه بيده)، (فأقامه) كالطين يمسحه القلال فاستوى، وعن ابن عباس: أنه هدمه ثم بناه، وقيل: أقامه بعود عمده به، وفيه إطلاق القول على الفعل، وفي رواية: (يريد أن ينقضَّ فأقامه).\n (قال موسى)، وفي رواية: (فقال له موسى)؛ أي: للخضر (لو شئت لاتَّخَذت)؛ بهمزة وصل، وتشديد الفوقية، وفتح الخاء، على وزن: (افتعلت) من تخذ؛ كاتبع وليس من الأخذ عند البصريين، وفي رواية: (لتخذت)؛ أي: لاتخذت، (عليه أجرًا): فيكون لنا قوتًا وبلغة على سفرنا إذ استضفناهم؛ فلم يضيفونا، فكأنه لما رأى الحرمان، ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، (قال) الخضر لموسى: (هذا فراق بيني وبينك): بإضافة الـ (فراق) إلى الـ (بين) إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، والإشارة في قوله: (هذا) إلى الفراق الموعود بقوله: (فلا تصاحبني)، أو تكون الإشارة إلى السؤال الثالث؛ أي: هذا الاعتراض سبب للفراق أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق، أفاده في «عمدة القاري».\n (قال النبي) الأعظم (ﷺ: يرحم الله موسى) إخبار، ولكن المراد منه الإنشاء لأنَّه دعاء له بالرحمة، (لودِدْنا)؛ بكسر الدال الأولى وسكون الثانية، واللام فيه جواب قسم محذوف وكلمة (لو) هنا؛ بمعنى: أن الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، والتقدير: والله، (لو صبر)؛ أي: صبر موسى؛ أي: لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، (حتى يقصُّ) على صيغة المجهول، (علينا من أمرهما): مفعول ما لم يسمى فاعله.\nوهذه القصة كانت حين كان موسى في التيه، فلما فارقه الخضر؛ رفع إلى قومه وهم في التيه وقيل: كانت قبل خروجه من مصر، وما فعله الخضر كله كان بوحي يدل عليه قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]؛ لأنَّ هذه الأفعال لا يجوز لأحد أن يفعلها إلا بالوحي.\nوفي الحديث: إثبات كرامات الأولياء، وصحة الولاية، وجواز الإجارة، وركوب البحر والتزود للسفر، وهو لا ينافي التوكل خلافًا لمن نفاه، والحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه.\nوفيه: إذا تعارضت مفسدتان؛ يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما.\nوفي شهر ذي القعدة سنة ست وسبعين ومئتين وألف، وقع القتال بين الطائفة الدروز وبين النصارى التي في قرية زحلة، وقرى البقاع، وجبل بيروت فانتصرت الدروز عليهم وصار الواحد منهم يقاوم المئة من النصارى، وخشي الوالي الذي (^٣) بدمشق أحمد\n_________\n(^١) في الأصل: (بصلان).\n (^٢) في الأصل: (التجأ).\n (^٣) في الأصل: (التي).","vol":"1","page":40},{"text":"رفعت باشا على دمشق فحصن القلعة، ووقع بينه وبين أهل الديوان مشاورات، ولو بسطنا الكلام؛ لمُلِئ كراريس، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكان ذلك بسبب طلوع النجم عند قمر ذي (^١) القعدة فحصل بينهما قران، وخرج كوكب الذنب من قبل القبلة والأول بين المغرب والشمال، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n <span id=\"b-٢٢٠\"> </span>(٤٥) <span data-type=\"title\" id=toc-220>[باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا]</span>\nهذا (باب من)؛ أي: الذي (سأل وهو قائم عالمًا) بالنصب مفعول (سأل)، (جالسًا): صفته، والواو للحال؛ يعني: أن سؤال القائم العالمَ الجالسَ ليس من باب من يتمثل له الناس قيامًا، بل هو جائز إذا سلمت النفس فيه من الإعجاب.\n\n <span id=\"b-٢٢١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-221>[حديث: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله]</span>\n١٢٣ - وبه قال: (حدثنا عثمان): هو ابن أبي شيبة (قال: أخبرني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (جَرير)؛ بفتح الجيم، هو ابن عبد الحميد، (عن منصور): هو ابن المعتمر، (عن أبي وائل)؛ بالهمز، شقيق بن سلمة، (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، (قال: جاء رجل) لم يسمَّ (إلى النبي) الأعظم (ﷺ) إنَّما عدَّاه بكلمة الانتهاء مع أن (جاء) متعدٍّ بنفسه؛ إشعارًا بأن المقصود: بيان انتهاء المجيء إليه، (فقال) عطف على فـ (جاء): (يا رسول الله؛ ما القتال): مبتدأ وخبره وقع مقول القول (في سبيل الله؟)؛ أي: طريقه المرضي، (فإن أحدنا) الفاء للتفصيل (يقاتل غضبًا)؛ بالنصب على أنه مفعول له، والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب؛ لإرادة الانتقام، (ويقاتل حَميَّةً)؛ بفتح الحاء وتشديد التحتية، بالنصب على أنه مفعول له، وهي المحافظة على الحرم، أو هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن العشيرة، والأول إشارة إلى مقتضى القوة الغضبية، والثاني: إلى مقتضى القوة الشهوانية، أو الأول: لأجل دفع المضرة، والثاني: لأجل جلب المنفعة.\n (فرفع) النبي الأعظم ﵇ (إليه)؛ أي: إلى السائل (رأسه) الشريف (قال)؛ أي: أبو موسى أو من دونه: (وما رفع إليه رأسه إلا أنه) أي: السائل (كان قائمًا) وهو استثناء مفرغ، و(أن) مع اسمها وخبرها في تقدير المصدر؛ أي: ما رفع لأمر من الأمور إلَّا لقيام الرجل، (فقال) ﵇: (من قاتل لتكون)؛ أي: لأن تكون، واللام: لام كي (كلمة الله)؛ أي: دعوته إلى الإسلام، وقيل: هي قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (هي العليا): إما ضمير فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله تعالى في العلو، وأنها المختصة به دون سائر الكلام؛ (فهو) مبتدأ (في سبيل الله) خبره (﷿)، والجملة خبر لقوله: (مَن)، وإنما دخلت الفاء لتضمن (من) معنى الشرط، ويدخل فيه من قاتل لطلب الثواب في الآخرة، أو لطلب رضا الله تعالى، كما في «عمدة القاري».\nقال: فإن قلت: السؤال عن ماهية القتال، والجواب ليس عنها، بل عن المقاتلة.\nقلت: فيه الجواب وزيادة، أو أن القتال بمعنى: اسم الفاعل؛ أي: المقاتلة؛ بقرينة لفظ (فإن أحدنا)، فيكون عبر (بما) عن العاقل، والجواب جمع معنى السؤال لا بلفظه؛ لأنَّ الغضب والحمية قد يكونان لله أو لغرض الدنيا، فأجابه بالمعنى مختصرًا.\nوفي الحديث: أنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفًا وكذا طالب الحاجة.\nوفيه: أن الأعمال إنَّما تحسب بالنية الصالحة، وأن الإخلاص شرط في العبادة، فمن كان الباعث له الدنياوي؛ فلا شك في بطلان عمله، ومن كان الباعث الديني أقوى من الدنياوي فقيل: بإبطال العمل، والجمهور: أن العمل صحيح، لا سيما في الفرائض؛ فإنَّ أئمتنا قالوا: لا رياء في الفرائض؛ أي: لا يدخلها الباعث الدنياوي، وقالوا: إذا ابتدأ العمل لله ثم عرضه الإعجاب؛ فإنَّه لا يضره ويكون مثابًا عليه ثوابًا كاملًا، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٢٢\"> </span>(٤٦) <span data-type=\"title\" id=toc-222>[باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار]</span>\nهذا (باب السؤال) (^٢) من المستفتي (والفُتيا)؛ بضم الفاء من المفتي والفتوى؛ بفتح الفاء: الجواب عن حكم الحادثة (عند رمي الجِمار)؛ بكسر الجيم جمع: جمرة، وهي الحصاة، والمراد: جمرات المناسك.\n\n <span id=\"b-٢٢٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-223>[حديث: رأيت النبي عند الجمرة وهو يُسأل]</span>\n١٢٤ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعَيْم)؛ بضم النون وفتح العين: الفضل بن دكين (قال: حدثنا عبد العزيز) بن عبد الله (ابن أبي سلمة) الماجَِشُون؛ بفتح الجيم وكسرها، وضم الشين المعجمة، آخره النون، المدني التيمي، وإنما نسبه لجده؛ لشهرته به، وإنما سمي به؛ لأنَّ وجنتيه كانتا حمراوين، فسمي بالفارسية: المايكون، ثم عربه أهل المدينة بالماجشون، وقيل: إن سُكَينة-بضم المهملة- بنت الحسين بن علي ﵄ لقبته بذلك، المتوفى ببغداد سنة أربع وستين ومئة، وصلى عليه المهدي، ودفن في مقابر قريش، (عن الزهري) محمد بن مسلم، (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشي التيمي، (عن عبد الله بن عمرو)؛ أي: ابن العاصي ﵁، (قال: رأيت النبي) الأعظم (ﷺ عند الجمرة)؛ أي: جمرة العقبة؛ لأنها إذا أطلقت كانت هي المرادة، فـ (أل) للعهد أو (أل) للجنس فيشمل كل جمرة كانت من الجمرات الثلاث، (وهو) في حجة الوداع واقف (يُسأل)؛ بضم أوله على صيغة المجهول والواو للحال، (فقال رجل) لم يسمَّ: (يا رسول الله؛ نحرت) هديي (^٣) (قبل أن أرمي) الجمرة، و(أن) مصدرية؛ أي: قبل الرمي، (قال) ﵇، وفي رواية: (فقال): (ارم ولا حرج) عليك.\n (قال) رجل (آخر) لم يسمَّ، وفي رواية: (وقال)، وفي أخرى: (فقال)، وكلاهما للعطف على ما تقدم: (يا رسول الله؛ حلقت) رأسي (قبل أن أنحر) الهدي، (قال) ﵇: (انحر) هديك (ولا حرجَ) عليك، فـ (لا) لنفي الجنس، و(حرج): اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره: عليك.\n (فما سُئل) ﵇، بصيغة المجهول (عن شيء) من أعمال الحج (قُدم ولا أُخر)؛ بضم أولهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف؛ أي: ولا قدم ولا أخر (إلا قال) للسائل: (افعل) ذلك (ولا حرج) عليك، ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم فعلتموه على الجهل منكم لا على قصد منكم خلاف السنة، وكانت السنة خلاف ذلك؛ فإنَّ الترتيب بين أفعال المناسك واجب عندنا يتعلق الدم بتركه، كما قدمناه في باب (الفتيا وهو واقف على ظهر الدابة).\nواعترض بأنه ليس في الحديث معنى ما ترجم له؛ لأنَّ قوله: عند الجمرة ليس فيه إلا السؤال وهو بموضع الجمرة وليس فيه أنه في خلال الرمي، وأجاب في «عمدة القاري»: بأن قوله: (عند رمي الجمار) أعم من أن يكون مقارنًا لشروعه في رمي الجمار، أو في خلال الرمي، أو عقيب الفراغ منه، انتهى؛ فليحفظ.\n_________\n(^١) في الأصل (ذا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (السواء).\n (^٣) في الأصل (هدي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":41},{"text":"<span id=\"b-٢٢٤\"> </span>(٤٧) <span data-type=\"title\" id=toc-224>[باب قول الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾]</span>\n\nهذا (باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]) وأراد بهذه الآية التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًا ولا غيره.\n <span id=\"b-٢٢٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-225>[حديث: بينا أنا أمشي مع النبي في خرب المدينة]</span>\n١٢٥ - وبه قال: (حدثنا قيس بن حفص) بن القعقاع؛ بعين مهملة بين القافين، الدارمي أبو محمد البصري، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا عبد الواحد): هو ابن زياد أبو بشر البصري، (قال: حدثنا الأعمش سليمان)، وفي رواية زاد: (ابن مهران) (عن إبراهيم): هو ابن يزيد النخعي، (عن علقمة): هو ابن قيس النخعي، (عن عبد الله): هو ابن مسعود ﵁.\n (قال بينا) أصلها: بين؛ فأشبعت الفتحة بالألف، والعامل فيها: جوابها وهو قوله: (فمرَّ...) إلخ: لا يقال: الفاء الجزائية تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يعمل مرَّ في (بينا)؛ لأنا نقول: بين الفاء وإذا أخوة؛ حيث استعملت الفاء هنا موضع إذا، والغالب أنَّ جواب (بينا) يكون بإذا أو إذا، وإن كان الأصمعي يستفصح تركهما، وتمامه في «عمدة القاري».\n (أنا أمشي مع النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: مصاحبًا له (في خِرَب المدينة) المنورة؛ بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء، آخره موحدة، جمع: خربة، أو بفتح الخاء، وكسر الراء؛ جمع: خرب؛ مثل: كلمة وكلم يستوي فيه المفرد والجمع، وتحقيقه في «عمدة القاري»، وما زعمه ابن حجر مخالف لأهل اللغة، وعند المؤلف في غير هذا الموضع: (حَرْث بالمدينة)؛ بالحاء المهملة المفتوحة، وسكون الراء، والثاء المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه.\n (وهو) ﵇ (يتوكأ)؛ أي: يعتمد، والجملة إسمية وقعت حالًا (على عَسِيْب)؛ بفتح العين، وكسر السين المهملتين، وسكون التحتية، وهو العصا من جريد النخل (معه): صفة لـ (عسيب)، (فمر بنفَر)؛ بفتح الفاء: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة (من اليهود)؛ باللام وبدونها معرفة، والمراد به: اليهوديون فحذفوا النسبة؛ للفرق بين المفرد والجمع، وسمُّوا بذلك؛ لتهوُّدهم؛ أي: تمايلهم في قراءة التوراة، وهذا بيان لـ (النفر).\n (فقال بعضهم لبعض سلوه)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (عن الروح)، وعن فئة فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها، (وقال) وفي رواية: (فقال) (بعضهم: لا تسألوه لا يجيء)؛ بالرفع على الاستئناف، والجزم على جواب النهي، والنصب على معنى: أن (بشيء تكرهونه)، فإنهم قالوا: إن فسَّر ذلك كله؛ فليس بنبي، وإن لم يفسر ذلك؛ فليس بنبي، وإن فسَّر البعض وأمسك عن البعض؛ فهو نبي، وذلك يكرهونه؛ لأنَّه مذكور عندهم في التوراة، وهو دليل على نبوته.\n (فقال بعضهم) لبعض والله: (لنسألنه) عن ذلك، فهو جواب قسم محذوف، (فقام رجل منهم) لم يسم، (فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟) وما الفئة التي فقدوا أول الزمان، وما الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها، وسؤالهم عن الروح مشكل؛ لأنَّ الروح جاء في القرآن على معان منها: القرآن، وجبريل، أو الملائكة، أو عيسى، أو ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله إلى يوم القيامة، وكان ابن عباس يكتم أمر الروح، والتحقيق أنَّ سؤالهم كان عن روح بني آدم وغيره من الحيوان؛ لأنَّه مذكور عندهم في التوراة أنَّه لا يعلمه إلا الله.\n (فسكت) ﵇ لمَّا سألوه، قال ابن عباس (فقلت) في نفسي: (إنه يوحى إليه) في ذلك؛ أي: أوحي إليه، وعبَّر بالمضارع عن الحال، (فقمت) عنه حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم، (فلما انجلى)؛ أي: انكشف وذهب (عنه) ﵇ الغمُّ الذي كان يغشاه حال الوحي على عادته ﵇.\n (فقال) وفي رواية: (قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ (^١) أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ﴾ ... [الكهف: ٩]) إلى آخر القصة، و(قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ﴾ ... [الكهف: ٨٣]) إلى آخر القصة، وقال: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾)؛ بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية: بدونها (﴿عَنِ الرُّوحِ قُلِ﴾) يا محمد لهم (﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾)؛ أي: من الأمور التي اختصَّ الله بعلمها.\nوالأكثر على أنَّ النبي الأعظم ﵇ لم يكن عالمًا به، لكن قال جماعة: ليس في الآية دليل على أن الروح لا تعلم، ولا على أن النبي الأعظم ﵇ لم يكن يعلمها، فاختلفوا فيها فقيل: إنَّها جسم لطيف خلقه الله تعالى وأجرى العادة بأنَّ الحياة لا تكون مع فقده، فإذا شاء موته؛ أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حيًّا فلا يحيى إلا بحياة تختصُّ به، وهو ممَّا يصحَّ عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم، وبكونه في مكان في العالم أو في حواصل طيور (^٢) خضر.\nوقيل: إنَّه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان، وأذنان، ويدان، ورجلان في داخل الجسم يقابل كلُّ جزء منه وعضو نظيره من البدن، وهو خيال، وقيل: إنَّها جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيِّز وإنَّه ليس بداخل الجسم ولا خارج عنه، وليس متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، واعترض عليه بوجوه.\nوالذي اعتمده أهل السنة من المتكلَّمين: أنَّها جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه، وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولًا، واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا؟ والأصح أنَّهما متغايران؛ لأنَّ النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله: أنا، وأكثر الفلاسفة لم يفرَّقوا بينهما، وقال بعض الحكماء والغزالي: النفس المجردة؛ أي: غير جسم ولا جسماني.\n («وما أوتوا»)؛ بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصحيحين»، وفي رواية: (﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾)؛ بالخطاب؛ موافقةً للمرسوم (﴿مِّنَ العِلْمِ﴾)، وهو خطاب عامٌّ؛ لأنَّه ﵇ لمَّا قال لهم ذلك؛ قالوا: (نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؛ فقال: «بل نحن وأنتم»)، وقيل: خطاب لليهود خاصة؛ لأنَّهم قالوا للنبي الأعظم ﵇: (قد أوتينا التوراة فيها، وقد تلوت ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩])، فقيل لهم: إن َّعلم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى، ولذا قال (﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]): استثناء من (العلم)؛ أي: إلا علمًا قليلًا، أو من الإيتاء؛ أي: إلا إيتاءً قليلًا، أو من الضمير؛ أي: إلا قليلًا منكم.\n (قال الأعمش)؛ أي: سليمان بن مهران: (هكذا في)، وفي رواية: (كذا في)، وفي أخرى: (هكذا هي في) (قراءتنا)؛ يعني: (أوتوا)؛ بصيغة الغائب، قال في «عمدة القاري»: وليست هذه القراءة في السبعة، ولا في المشهور في غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءة من قراءة الأعمش، وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن الأعمش، وهي مخالفة للثابت في المصحف؛ فهي قراءة شاذة.\nواختلف الأصوليِّون فيما نقل آحادًا، ومنه: القراءة الشاذة؛ كمصحف ابن مسعود وغيره هل هو حجَّة أم لا؟\nفأثبته إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، ونفاه الشافعي، وبنى عليه الإمام الأعظم وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين؛ بما نقل عن مصحف ابن مسعود من قوله: (ثلاثة أيام متتابعات)، فإذا لم يثبت كونه قرآنًا؛ فلا أقلَّ من كونه خبرًا، وقال الشافعي: إنَّ الراوي له إن ذكر أنه قرآن؛ فخطأ، وإلَّا فهو متردِّد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا له،\n_________\n(^١) في الأصل: (حسبتم).\n (^٢) في الأصل: (صيور).","vol":"1","page":41},{"text":"فلا يكون حجَّة بالاحتمال ولا خبرًا.\nوقال الغزالي والرازي: خبر الواحد دليل على أنَّه كذب، وهو خطأ قطعًا، وهو لا يجوز العمل به، وردَّ بأن هذا خبر صحابي أو خبر عنه، وقول الصحابي حجة عنده، وأيُّ دليل قام على أنَّه خبر مقطوع بكذبه؛ فهو ممنوع؛ فليحفظ.\nوقال عياض: (القراءة الشاذة لا يحتجُّ بها في حكم، ولا يقرأ بها في صلاة)، وكأنَّه مذهب مالك.\nأقول: والقرآن الذي تجوز فيه الصلاة اتفاقًا: هو المضبوط في مصاحف (^١) الأئمة التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار، وهو الذي أجمع عليها الأئمة العشرة، وهو المتواتر جملة وتفصيلًا؛ فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذٍّ، وإنَّما الشاذُّ ما وراء العشرة، وهو الصحيح، كذا قاله زين الدين قاسم في فتاويه، فإن قرأ في الصلاة بالشاذِّ؛ فإن كان المقروء من مكان القصص، والأمر، والنهي؛ تفسد صلاته، وإن كان ذكرًا أو تنزيهًا؛ فلا تفسد ولا يجزئ لو اقتصر عليه، فإن قرأ بغيره؛ صحَّت وإلا فسدت، كذا حقَّقه في «البحر والنهر»، وسيأتي في محله إن شاء سبحانه.\n\n <span id=\"b-٢٢٦\"> </span>(٤٨) <span data-type=\"title\" id=toc-226>[باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس]</span>\nهذا (باب من): موصولة بمعنى الذي (ترك بعض الاختيار)؛ أي: فعل الشيء المختار أو الإعلام به (مخافة)؛ بالنصب على التعليل بدون تنوين؛ أي: لأجل خوف (أن يقصر)، و(أن): مصدرية في محل جر بالإضافة (فِهم)؛ بالرفع فاعل (يقصر)؛ بكسر الفاء، (بعض الناس عنه فيقعوا): عطف على (يقصر)، فلذا سقط منه النون التي هي علامة للنصب، (في أشدِّ منه)؛ أي: من ترك الاختيار، وفي رواية: (في أشرِّ منه)، وفي أخرى: (في شرٍّ منه) بالراء فيهما، وبالهمزة في الأولى، وتركها في الثانية.\n\n <span id=\"b-٢٢٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-227>[حديث: يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم لنقضت الكعبة]</span>\n١٢٦ - وبه قال: (حدثنا عبيد الله)؛ بالتصغير (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي، (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي؛ بفتح المهملة، وكسر الموحدة، بعدها مثناة تحتية، الهمداني الكوفي منسوب إلى سبيع بن سبع، المتوفى سنة ستين ومئة عن ستين سنة، (عن أبي إسحاق): جد إسرائيل المذكور.\n (عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أدرك زمن النبي الأعظم ﵇ ولم يره، وحجَّ ثمانين حجَّة، توفي بالكوفة سنة خمس وسبعين، وكذا ابنه عبد الرحمن حجَّ ثمانين حجَّة وعمرة، وكان يقول في تلبيته: أنا الحاجُّ بن الحاجِّ، وكان يصلي كلَّ يوم سبع مئة ركعة، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمَّون آل الأسود أهل الجنة، مات سنة خمس وتسعين رحمهما الله تعالى أنَّه (قال: قال لي ابن الزُبير)؛ بضم الزاي: عبد الله الصحابي المشهور (كانت عائشة) ﵂ «تسرُّ)؛ من الأسرار خلاف الإعلان.\nفإن قلت: قوله: (كانت) للماضي و(تسرُّ) للمضارع فكيف اجتمعا؟!\nقلت: (تسرُّ) تفيد الاستمرار وذكر بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة الأسرار، وهو جملة محلها النصب خبر (كانت) أفاده في «عمدة القاري».\n (إليك كثيرًا)؛ بالنصب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: أسرارًا كثيرًا، وفي رواية: (تسرُّ إليك حديثًا كثيرًا)، (فما): استفهامية مبتدأ، (حدَّثتك): جملة من الفعل، والفاعل، وهو الضمير فيه الراجع إلى عائشة، والمفعول؛ وهو الكاف محلها رفع خبر المبتدأ، (في) شأن (الكعبة)؛ مشتقة من الكعوب؛ وهو النشوز من الأرض؛ بمعنى: مرتفعة، أو لتربعها، قال الأسود: (قلت)، وفي رواية: (فقلت): (قالت لي) مقول القول: (قال النبي) الأعظم (ﷺ: يا عائشة لولا)؛ لربط امتناع الثانية بوجود الأولى (قومكِ)؛ بكسر الكاف، كلام إضافيٌّ مبتدأ (حديثٌ)؛ بالتنوين خبر (عهدهم)؛ بالرفع على إسناد حديث إليه؛ لأنَّه صفة مشبهة، وهو أيضًا يعمل عمل فعله، وفي رواية: (لولا أنَّ قومك)؛ بزيادة (أنَّ)، وليس بمشهور، كما في «عمدة القاري».\nقال: فإن قلت: يجب كون خبر لولا كونًا مطلقًا محذوفًا، كما قاله النحاة، فما باله هنا لم يحذف؟!\nقلت: إنَّما يجب الحذف إذا كان الخبر عامًا، وأمَّا إذا كان خاصًا؛ فلا يجب حذفه، قال الشاعر:\nولولا الشعر بالعلماء يزري... لكنت اليوم أشعر من لبيد\n (قال)، وفي رواية: (فقال): (ابن الزبير بكفر) أراد أنَّه: ذكره ابن الزبير بقولها فكأنَّ الأسود نسي ذلك، وأمَّا وقوله: (لنقضت...) إلخ؛ فيحتمل ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر ورواه المؤلف في (الجهاد) والترمذي بتمامه إلا قوله: (بكفر)، فقال: بدَّله بجاهلية، فمقصود الأسود إنِّي لمَّا رويت أوَّل الحديث؛ بادر ابن الزبير إلى رواية آخره؛ إشعارًا بأنَّ الحديث معلوم عنده؛ لأنَّه رواه عن عائشة، فلا حاجة إلى ما قاله الكرماني، كما بسطه في «عمدة القاري»، وقوله: (بكفر) يتعلق بقوله: (حديث عهدهم)، ولكنه من كلام ابن الزبير لا يقال: إنَّه موقوف؛ لأنا نقول: السياق يدلَّ على رفعه، ومن علم أنَّ ابن الزبير روى الحديث المذكور عن عائشة؛ لم يحتج (^٢) إلى السؤال والجواب؛ فافهم.\nوقوله: (لنقضت الكعبة): جواب لولا، ورددتها إلى قواعد إبراهيم ﵇، (فجعلت): عطف على (نقضت) (لها بابين بابٌ)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أحدهما باب، وبالنصب بدله أو بيان لبابين (يدخل الناس): جملة وقعت صفة لـ (باب)، وضمير المفعول محذوف تقديره: يدخله الناس، وفي رواية (يدخل الناس منه)، (وباب يخرجون) وفي رواية: (منه) وعليها لا يقدَّر وعلى الأولى يقدَّر، وفي رواية: (بابًا) في الموضعين؛ بالنصب على البدل أو البيان، كما تقدم.\n (ففعله)؛ أي: فعل النقض والبابين (ابن الزبير)، وهذه المرة السادسة من بناء البيت؛ لأنَّه بَنَتْهُ أولًا الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ العمالقة، ثمَّ جُرْهُم، ثمَّ قريش في الجاهلية، وحضر النبيُّ الأعظم ﵇ هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين أو خمس وعشرين سنة، وفيه سقط على الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير، ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمرَّ، وروي أن هارون سأل مالكًا عن هدمها وردُّها إلى بناء ابن الزبير، فقال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناءه، فتذهب هيبته من صدور الناس.\nوفي الحديث دليل: على أنَّه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذَّر الجمع بينهما؛ تركت المصلحة؛ لأجل المفسدة؛ لأنَّه ﵇ أخبر أنَّ ردَّ الكعبة إلى قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن يعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا؛ لما كانوا عليه من تعظيم البيت، فتركها ﵇ لذلك.\nوفيه: المطابقة للترجمة، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٢٢٨\"> </span>(٤٩) <span data-type=\"title\" id=toc-228>[باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا]</span>\nهذا (باب من)؛ أي: الذي (خصَّ بالعلم قومًا دون قوم)؛ أي: غير قوم هذا هو الصواب (كراهية)؛ بتخفيف التحتية بالنصب على التعليل مضاف لقوله: (أن لا يفهموا)، و(أن): مصدرية، والتقدير: لأجل كراهية عدم فهم القوم الذين هم غير القوم الذين خصَّهم بالعلم، وهذه الترجمة والتي سبقت متقاربتان غير أنَّ الأولى في الأفعال، وهذه في الأقوال قاله في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٢٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-229>[حديث علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن </span>يكذب الله ورسوله]\n١٢٧ - (وقال علي): الصديق الأصغر ابن أبي طالب ﵁: (حدِّثوا)؛ بصيغة الأمر؛ أي: كلِّموا، (الناس بما يعرفون)؛ أي: يفهمون، والمراد: كلِّموهم على قدر عقولهم، وفي كتاب «العلم» لابن أبي إياس وفي آخره: ودعوا ما ينكرون؛ أي: ما يشتبه عليهم فهمه، وعند «مسلم»: قال ابن مسعود: (ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).\nففيه دليل: على أنَّ المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامَّة.\n (أتحبون)؛ بالخطاب و(الهمزة): للاستفهام، (أن يُكذب)؛ بضم أوله على صيغة المجهول (الله ورسوله)؛ لأنَّ الشخص إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصوره؛ يعتقد استحالته؛ جهلًا، فلا يصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله ورسوله؛ يلزم تكذيبهما.\nوبه قال: (حدثنا عبيد الله)؛ بالتصغير (ابن موسى): العبسي مولاهم ابن باذام، وفي رواية: (حدثنا به)، (عن معروف بن خَرَّبُوذ)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء، وضم الموحدة، آخره ذال معجمة، المكي مولى قريش، وسقط في رواية لفظ: (ابن خَرَّبوذ)، قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، (عن أبي الطُّفيل)؛ بضم الطاء المهملة وفتح الفاء: عامر بن واثلة -بالمثلثة- بن\n_________\n(^١) في الأصل: (المصاحف).\n (^٢) في الأصل (يحتاج).","vol":"1","page":42},{"text":"عبد الله الكناني الليثي، ولد عام أحُد، وسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة وأقام بها إلى أن توفي بها سنة عشر ومئة أو سنة خمس وثلاثين ومئة، فقيل: صحابي، وقيل: تابعي، وهو آخر الصحابة موتًا إلا أنه كان فيه تشيع، (عن علي): الصديق الأصغر (بذلك)؛ أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلف؛ لأنَّه يلحق بالثلاثيات، من حيث أن الراوي الثالث منه صحابي وهو أبو الطُّفيل المذكور، وعلى قول من يقول: إنه تابعي؛ ليس منها، وإنما أخر الإسناد عن ذكر المتن، إما لأنَّه لم يظفر بالإسناد إلا بعد وضع الأثر معلقًا، أو لضعف الإسناد بسبب ابن خَرَّبوذ، أو للتفنن وبيان الجواز، ولهذا وقع في بعض النسخ مقدمًا على المتن، وسقط هذا الأثر كله من رواية الكشميهني، كذا وضحه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-230>[حديث: ما مِن أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]</span>\n١٢٨ - وبه قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم): المشهور بابن راهويه (قال: حدثنا): وفي رواية: أخبرنا (مُعاذ)؛ بضم الميم (ابن هِشَام)؛ بكسر الهاء وفتح المعجمة المخففة: ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي؛ بفتح الدال، وضم الفوقية، آخره همزة، المتوفى بالبصرة سنة مئتين (قال: حدثني)؛ بالإفراد (أبي) هشام المذكور، (عن قتادة): هو ابن دعامة (قال: حدثنا أنس بن مالك) ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ ومُعاذ)؛ بضم الميم؛ أي: ابن جبل الصحابي المشهور، وهو بالرفع مبتدأ.\nوقوله: (رديفه)؛ أي: راكب خلفه، خبر المبتدأ (على الرَّحْل)؛ بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين، وهو للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، والقتب -محرك-: رحل صغير على قدر السنام، وعند المؤلف في (الجهاد): أن معاذًا كان رديفه ﵇ على حمار، ولعل القصة متعددة، والمراد بالرحل هنا: ما يتخذ لدفع البرد من اللباد الصوف المسمَّى بالكوبان.\n (قال) ﵇: (يا معاذ بن جبل): يجوز في (معاذ): النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، أو الرفع على أنه منادى مفرد علم، وأما (ابن)؛ فهو منصوب بلا خلاف، وتمامه في «عمدة القاري».\n (قال)؛ أي: معاذ: (لَبيك يا رسول الله)؛ بفتح اللام، تثنية لَبَّ؛ ومعناه: الإجابة؛ أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، فالتثنية للتأكيد، وتمامه في «عمدة القاري» َ، (وسعديك)؛ بفتح السين المهملة، تثنية سعد؛ والمعنى: إسعادًا بعد إسعاد لطاعتك، فثنى للتأكيد، وهما من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها، وقال الفراء: نصبت على المصدر.\n (ثلاثًا): يتعلق بقول كل واحد من النبي الأعظم ﵇ ومعاذ؛ أي: ثلاث مرات؛ يعني: النداء والإجابة، قيل: ثلاثًا، وصرح بذلك في رواية مسلم، وتمامه في «عمدة القاري»، (قال) ﵇: (ما من أحد): فـ (ما) للنفي، و(من): زائدة للتأكيد، و(أحد): اسم (ما).\nوقوله: (يشهد): خبرها (أن) مفسرة (لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله صدقًا)؛ بالنصب على الحال؛ أي: صادقًا، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: شهادة صدقًا (من قلبه): متعلق بقوله: (صدقًا)، أو بقوله: (يشهد)، فعلى الأول الشهادة لفظية؛ أي: يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، وعلى الثاني قلبية؛ أي: يشهد بقلبه ويصدق بلسانه، واحترز به عن شهادة المنافقين.\n (إلَّا حرمه الله على النار): ومعنى التحريم: المنع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء: ٩٥]، وهل في المعنى فرق بين (حرمه الله على النار) و(حرم الله عليه النار)؟\nأجيب: بأنه لا اختلاف إلا في المفهومين، وأمَّا المعنيان؛ فمتلازمان، وهل تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن: ﴿حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]؟\nأجيب: بأنه يحتمل أن يقال: النار منصرفة، والجنة منصرف عنها، والتحريم إنَّما هو على المنصرف أنسب، فَرُوْعيَ المناسبة.\nفإن قيل: ظاهر الحديث يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد مع أن الأدلة القطعية دلت على أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون في النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة.\nوأجيب: بأن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبًا ثم مات على ذلك، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، فإنَّ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية، أو أن المراد بتحريمه على النار: تحريم خلوده فيها لا أصل الدخول فيها، أو أنَّ المراد: تحريم جملته؛ لأنَّ النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، وتمامه في «عمدة القاري».\n (قال) معاذ: (يا رسول الله؛ أفلا): بهمزة الاستفهام وفاء العطف المحذوف معطوفها؛ والتقدير: أقلتَ ذلك، فلا (أخبر به)؛ أي: بما قلتَ (الناسَ)؛ بالنصب، مفعول (أخبر) (فيستبشروا)؛ بالنصب، بحذف النون؛ لأنَّ الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي، والاستفهام، والعرض؛ والتقدير: فإن يستبشروا، وفي رواية: (فيستبشرون)؛ بإثبات النون؛ والتقدير: فهم يستبشرون.\n (قال) ﵇: (إذا): جواب وجزاء؛ أي: إن أخبرتهم (يتَّكلوا)؛ بمثناة فوقية مشددة؛ أي: يعتمدوا، كأنه قال: لا تخبرهم؛ لأنَّهم يتَّكلوا على الشهادة المجردة، فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة، وفي رواية: (ينْكُلوا)؛ بنون ساكنة وضم الكاف، من النكول وهو الامتناع؛ أي: يمتنعوا عن العمل؛ اعتمادًا على الكلمة.\nوروى البزار في هذه القصة: أنه ﵇ أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: لا تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله؛ أنت أفضل الناس رأيًا، إنَّ الناس إذا سمعوا ذلك؛ اتَّكلوا عليها، قال: «فرُدَّه»، فرَدَّه، وهذا من موافقات عمر ﵁، واستنبط منه في «عمدة القاري»: جواز الاجتهاد بحضرته ﵇؛ فليحفظ.\n (وأخبر): وفي رواية: (فأخبر) بالفاء، وفي أخرى: (أخبر) بدون واو، (بها)؛ أي: بهذه المقالة، وهذا مدرج من أنس ﵁، (معاذ عند موته)؛ أي: موت معاذ ﵁ أو عند موت النبي ﵇، فالضمير يحتمل رجوعه لكلٍّ منهما، بأنْ أخبر به جماعة عند موت النبي الأعظم ﵇، ولآخرين عند موت نفسه، ولا منافاة بينهما خلافًا لمن زعمها.\n (تَأَثُّمًا)؛ بفتح الفوقية والهمزة، وتشديد المثلثة، نصب على أنَّه مفعول له؛ أي: مخافة التأثم إن كتم ما أمر الله به من التبليغ؛ حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى...﴾؛ الآية [البقرة: ١٥٩].\nفإذا تأثم من الكتمان؛ فكيف لا يتأثم من مخالفة النبي الأعظم ﵇ في التبشير.\nقلنا: النهي كان مقيدًا بالاتَّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وصنيع معاذ أن النهي كان للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو أن المنع لم يكن إلا من العوام؛ لأنَّه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص؛ خوفًا من أن يسمع ذلك من لا علم له، فيتَّكل عليه، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به الخواص دون العوام، وتمامه في «عمدة القاري».\nوفي الحديث: بشارة عظيمة للموحدين؛ وجواز ركوب الاثنين على الدابة، والإجابة بـ (لبيك وسعديك)، والتخصيص لقوم بالعلم؛ حيث فيهم الضبط والفهم، ومنع قوم بعدمه؛ حيث عدم فيهم الفهم ووجد فيهم التقصير والاتِّكال، وهو محل المطابقة للترجمة.\n\n <span id=\"b-٢٣١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-231>[حديث: من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة]</span>\n١٢٩ - وبه قال: (حدثنا مسدد)؛ بضم الميم: ابن مسرهد، (قال: حدثنا مُعْتمر)؛ بضم الميم وسكون العين: ابن سليمان بن طرخان البصري، نزيل بني تميم، وهو مولى بني مرة، المتوفى سنة سبع وثمانين ومئة، عن إحدى وثمانين سنة، (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان البصري، نزيل بني مرة، ثم بني تميم؛ بسبب ادِّعائه بالقدر، ثم تاب وصار من العبَّاد، يصلي الليل كلَّه بوضوء العشاء، وكان هو وابنه مُعْتمر يدوران بالليل في المساجد، فيصليان في هذا مرة وفي ذاك أخرى، المتوفى بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومئة.\n (قال: سمعت أنسًا) وفي رواية: (أنس بن مالك)، (قال)؛ أي: أنس: (ذُكِر لي) على صيغة المجهول، ولم يسمِّ أنس من ذكر له ذلك، وسيأتي في (الجهاد): أن الذي حضر ذلك من معاذ: عمرو بن ميمون الأودي، أحد المخضرمين، ورواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن سمرة الصحابي: أنَّه سمع ذلك من معاذ أيضًا، فيحتمل أن يكون الذاكر لأنس إما عمرو بن ميمون وإما عبد الرحمن بن سمرة، فالذاكر لأنس معلوم عنده غير أنه أبهمه عند روايته، وليس ذلك قادحًا في رواية الصحابي، وليس بتعليق أصلًا كما زعم، كما أوضحه في «عمدة القاري».\n (أن النبي) الأعظم (ﷺ قال لمعاذ) زاد في رواية: (ابن جبل): (مَن) استفهامية مبتدأ (لقي الله): مقول القول، والمعنى: من لقي الأجل الذي قدَّره الله؛ يعني: الموت، (لا يشرك به شيئًا): جملة وقعت حالًا، والمعنى: مات حال كونه موحدًا حين الموت، وقوله: (دخل الجنة): خبر المبتدأ، وإن لم يعمل صالحًا، إمَّا قبل دخوله النار وإمَّا بعده بمشيئة الله تعالى، إن شاء؛ عفا عنه بفضله، وإن شاء؛ عذَّبه بعدله، ثم أدخله الجنة.\nفإن قلت: التوحيد بدون","vol":"1","page":42},{"text":"إثبات الرسالة كيف ينفعه؟ فلا بد من انضمام: (محمد رسول الله) إلى قول: (لا إله إلا الله).\nقلت: هذا مثل من توضأ؛ صحت صلاته؛ أي: عند حصول شرائط الصحة؛ فمعناه: من لقي الله موحدًا عند الإيمان بسائر ما يجب الإيمان به، أو علم ﵇ أن من الناس من يعتقد أن المشرك يدخل الجنة، فقال ذلك؛ ردًا لقوله، وما قاله ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (قال) معاذ، وفي رواية: (فقال): (أَلا)؛ بفتح الهمزة للتنبيه، (أبشر الناسَ)؛ بالنصب مفعوله؛ أي: بذلك، (قال) النبي الأعظم ﵇: (لا) تبشرهم، ثم استأنف فقال: (أخاف أن يتَّكلوا)؛ بمثناة فوقية مشددة؛ أي: أخاف اتِّكالهم على مجرد الكلمة، فـ (أن) مصدرية، وفي رواية: (لا، إنِّي أخاف أن يكلوا) بإسقاط المثناة الفوقية، فكلمة النهي ليست داخلة على (أخاف)، وفي رواية: (لا، دعهم فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا)، ومراد النبي الأعظم ﵇: عدم الاتكال على مجرد الكلمة، بل ينبغي لهم العمل؛ فإنَّ العمل دليل على النجاة، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خلق له.\nوفي ختام ذو (^١) القعدة ختام سنة ست وسبعين ومئتين وألف: أخذت الدروز قرية زحلة وأحرقوها، ونهبوا أموالهم، وخربوا ديورهم، وقتلوا أهلها قتلة أشر قتلة، ولا ريب أنهم أهل الحرب؛ لأنَّهم ذو منعة، ناقضين العهود والمواثيق، لم يعطوا ما عليهم من الحقوق، فدمهم هدر، وأموالهم ونساؤهم وذراريهم تملك وتباع، ولله الحمد والمنة، ولقد أضاءت دمشقنا بهذه البشارة لما وردت، وفرحت الناس بذلك لما يرون منهم من إذلال المسلمين.\n\n <span id=\"b-٢٣٢\"> </span>(٥٠) <span data-type=\"title\" id=toc-232>[باب الحياء في العلم]</span>\nهذا (باب الحياء)؛ بالمد، وهو تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يعاب أو يذم، (في) تعلُّم (العلم) وتعليمه، هل هو مذموم أو ممدوح؟ فأشار إلى الأول بالأثر، وإلى الثاني بالحديث، وأطلق عليه الحياء؛ مجازًا.\n (وقال مجاهد) بن جبر التابعي مما وصله أبو نعيم في «الحلية» بإسناد صحيح على شرط المؤلف: (لا يتعلم العلم مستحْيِيْ)؛ بإسكان الحاء المهملة، وبيائين؛ ثانيهما ساكنة، من استحى يستحي، فهو مستحيي على وزن (مستفعل)، ويجوز فيه: مستحي؛ بياء واحدة من استحى، فهو مستحي على وزن (مستفع)، ويجوز: مستح؛ بدون الياء على وزن (مستف)، فحذفت منه عين الفعل ولامه، وتمامه في «عمدة القاري»، و(لا) هذه نافية، والفعل بعدها مرفوع، (ولا مستكبر)؛ أي: متعظم في نفسه، فآفات العلم أعظمها: الاستنكاف، وثمرته: الجهل والذلة في الدنيا والآخرة، فالحياء هنا مذموم، وسئل إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم ﵁: بمَ حصلت هذا العلم العظيم الذي شاع في الأمصار والأقطار؟ فقال: ما بخلت بالإفادة ولا استنكفت عن الاستفادة، رضي الله تعالى عنه.\n (وقالت عائشة) ﵂ مما وصله أبو داود ومسلم، وهو عطف على (وقال مجاهد)، فكلُّ واحد تعليق على حدة، ليس لأحدهما تعلق بالآخر، خلافًا لمن زعمه، (نِعم النساءُ نساءُ الأنصار)؛ برفع (نساء) في الموضعين، فالأولى: على الفاعلية، والثانية: على أنها مخصوصة بالمدح، والمراد من نساء الأنصار: نساء أهل المدينة، كذا قاله في «عمدة القاري».\n (لم يمنعهن الحياءُ)؛ بالرفع فاعله عن (أن يتفقهن)؛ أي: عن التفقه (في) أمور (الدين) فـ (أن) مصدرية، فالحياء هنا مذموم؛ لكونه سببًا لترك أمور الشرع المطلوب تعلمها وتحصيلها.\n\n <span id=\"b-٢٣٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-233>[حديث: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق]</span>\n١٣٠ - وبه قال: (حدثنا محمد بن سلَام)؛ بتخفيف اللام، البيكندي، (قال: أخبرنا) وفي رواية: (أنبأنا)، (أبو معاوية): محمد بن خازم؛ بالمعجمتين، التميمي، (قال: حدثنا هشام): زاد في رواية: (ابن عروة)، (عن أبيه): عروة بن الزبير بن العوام، (عن زينب بنت): وفي رواية: (ابنة)، (أم سلمة): نسبة لأمها؛ لشرفها؛ لأنَّها ربيبته ﵇، وإلَّا فأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أبي سلمة، توفيت (^٢) سنة ثلاث وسبعين.\n (عن أم سلمة): هند بنت أبي أمية زوج النبي الأعظم ﵇، (قالت: جاءت أم سُلَيم)؛ بضم السين المهملة وفتح اللام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة والنون، النجارية الأنصارية، واسمها: سهلة، أو رميلة، أو رميثة؛ بالراء فيهما وبالمثلثة في الثاني، تزوجها مالك بن النضر؛ بالضاد المعجمة، أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسًا، ثم قتل عنها مشرك، فأسلمت، فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت، ودعته إلى الإسلام، فأسلم، فقالت: إنِّي أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا؛ لإسلامك، فتزوجها.\n (إلى رسول اله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إن الله) ﷿ (لا يستحيي): جملة محلها الرفع خبر (إن)، وهو باليائين على أفصح، (من الحق): ضد الباطل؛ أي: لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما تستحي النساء عادة من السؤال عنه؛ لأنَّ نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، فالحياء محال على الله ﷿ فيكون هذا جاريًا على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية، كما في حديث سلمان قال: قال ﵇: «إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع العبد يديه؛ أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا»، وتمامه في «عمدة القاري».\n (فهل): للاستفهام، يجب (على المرأة)، وكذا على الرجل؛ لأنَّ حكمه ﵇ على الواحد كحكمه على الجماعة إلا إذا دلَّ دليل على التخصيص، (من): زائدة، (غُسل)؛ بضم الغين المعجمة، وفي رواية: بفتح الغين وبالكسر: اسم ما يغسل به كالصابون، وأكثر أهل اللغة على أن الغسل بالفتح والضم: مصدران، وبعضهم فرق بينهما بأن الفتح: مصدر، والضم: اسم للفعل المشهور؛ أي: هل غسل يجب على المرأة (إذا) هي (احتلمت) مشتق من الحُلُم؛ بالضم، وهو ما يراه النائم؛ أي: رأت في منامها أنها تجامع، (قال) وفي رواية: (فقال)، (النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، (ﷺ): يجب عليها الغسل (إذا): ظرف بمعنى: حين (رأت الماء)؛ أي: المني إذا انتبهت، ويجوز أن تكون (إذا) شرطية؛ تقديره: إذا رأته؛ وجب عليها الغسل، و(الماء): منصوب بقوله: (رأت) من رؤية العين، وجعل المني شرطًا للغسل؛ يدل على أنَّها إذا لم تر الماء؛ لا غسل عليها كالرجل، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وعليه الفتوى.\nوقيل: يلزمها الغسل بالاحتلام وإن لم تر الماء إذا وجدت اللذة؛ لأنَّ الماء ينزل من صدرها إلى رحمها بخلاف الرجل؛ حيث يشترط ظهور المني حقيقة.\nقالت زينب: (فغطت أم سُلَيم) ﵂، فالحديث ملفق من رواية صحابيتين، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون من أم سلمة على سبيل الالتفات، كأنها جردت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التغطية؛ إذ أصل الكلام: فغطيْتُ، قال عروة أو غيره من الرواة: (تعني وجهَها)؛ بالمثناة الفوقية، ونصب (وجهَها) وهذا إدراج من عروة ظاهر، أو من غيره فيكون إدراج في إدراج.\n (وقالت) أم سلمة: (يا رسول الله؛ وتحتلم المرأة؟) بحذف همزة الاستفهام، وللكشميهني: (أو تحتلم)؛ بإثباتها، عطف على مقدر يقتضيه السياق؛ أي: أتقول ذلك أو أترى المرأة الماء وتحتلم؟ (قال) ﵇: (نعم)؛ تحتلم وترى الماء، (ترِبت يمينكِ)؛ بكسر الراء والكاف: فعل وفاعله، والجملة خبرية؛ أي: افتقرت وصارت على التراب، فهي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر بها كما يقولون: قاتله الله، وقيل: أراد بها المثل، يرى المأمور بذلك الجد، وأنه إن خالفه؛ فقد أساء، وما زعمه ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».\n (فبم): أصله: فبما؛ فحذفت الألف، (يشبهها ولدها؟)؛ بالرفع فاعل، وفي «الصحيح» من حديث أنس: «فمن أين يكون الشبه؟ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيها علا أو سبق يكون منه الشبه»، وفي حديث عائشة: «وهل يكون الشَّبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل؛ أشبه الولد أخواله، وإذا علا الرجل ماءها؛ أشبه أعمامه.\nوهذا الحديث جاء عن جماعة\n_________\n(^١) في الأصل: (ذا).\n (^٢) في الأصل: (توفت).","vol":"1","page":43},{"text":"من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم؛ منهن: خولة بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه، وبسرة، ذكره ابن أبي شيبة، وسهلة بنت سهيل، رواه الطبراني، والأحاديث فيه عن أم سلمة وعائشة وأنس، ولم يخرج المؤلف غير حديث أم سلمة، وأخرج مسلم أحاديث الثلاثة، فيحتمل حضورهن معًا في هذه القصة، ويحتمل تعدد القصة والله أعلم.\nوفي الحديث: إثبات أن المرأة لها ماء.\nوفيه: إثبات القياس وإلحاق النظير بالنظير، وقد بين في «عمدة القاري» مذهب الشافعي وأوضحه؛ لغلط جماعة من الشافعية فيه؛ فراجعه إن شئت.\n\n <span id=\"b-٢٣٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-234>[حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها</span>.]\n١٣١ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل): بن أبي أويس، ابن أخت مالك الإمام، (قال: حدثني)؛ بالإفراد (مالك): الإمام (عن عبد الله بن دينار): القرشي العدوي، (عن عبد الله بن عمر): بن الخطاب ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: إن من الشجر)؛ أي: من جنسه، (شجرة)؛ بالنصب اسم (إن)، وخبرها: الجار والمجرور، (لا يسقط ورقها): صفة لـ (شجرة)، (وهي): وللأصيلي: بحذف الواو، (مَثَلُ المسلم)؛ بفتح الميم والمثلثة، وفي رواية: (مِثْل) بكسر الميم وسكون المثلثة، (حدِّثوني ما هي؟) مبتدأ وخبر، والجملة سدَّت مسدَّ المفعولين، (فوقع الناس في شجر البادية)، فبعضهم يقول: شجرة كذا، وبعضهم يقول: شجرة كذا، (ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبد الله: فاستحييت) أن أقول أنها النخلة؛ لأنَّ في القوم من هو أكبر مني، كأبي بكر وعمر، (فقالوا)؛ أي: الصحابة، وفي رواية: (قالوا): (يا رسول الله؛ أخبرنا بها)؛ أي: أعلمنا بهذه الشجرة.\n (فقال رسول الله ﷺ: هي النخلة) مبتدأ وخبر، والجملة: مقول القول، (قال عبد الله: فحدثت أبي) عمر بن الخطاب، (بما)؛ أي: بالذي (وقع في نفسي) من أنَّها النخلة، (فقال: لَأن)؛ بفتح اللام موطئة للقسم المقدر، (تكون قلتها): بالماضي مع قوله (تكون) (^١) المضارع؛ لأنَّ الغرض منه لأنَّ تكون (^٢) في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي، (أحب)؛ بالمهملة بالرفع: خبر المبتدأ المنسبك من (أن) وصلتها، (إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا)؛ أي: من حمر النعم وغيرها، ولفظ (كذا) موضوع للعدد المبهم، وهو من الكنايات، وفي تمني عمر أن يجاوب ابنه النبيَّ الأعظم ﵇ بما وقع في نفسه فيه من القصة: أن الرجل يباح له الحرص على ظهور ابنه في العلم على الشيوخ وسروره بذلك.\nوقيل: إنَّما تمنى ذلك رجاء أن يسر النبي الأعظم ﵇ بإصابته، فيدعو له.\nوفيه: أن الابن الموفق العالم أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله: (لأن تكون...) إلخ، ولقول النبي الأعظم ﵇: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وقد كان ابن عمر يمكنه إذا استحى ممن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره سرًا؛ ليخبر به عنه، فيجمع بين المصلحتين، فاستلزم حياؤه تفويت ذلك.\n\n <span id=\"b-٢٣٥\"> </span>(٥١) <span data-type=\"title\" id=toc-235>[باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال]</span>\nهذا (باب من استحى) من الشيخ أن يسأل منه بنفسه، (فأمر غيره بالسؤال) من الشيخ العالم.\n\n <span id=\"b-٢٣٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-236>[حديث علي: كنت رجلًا مذاء فأمرت المقداد أن يسأل النبي]</span>\n١٣٢ - وبه قال: (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر بن الربيع الخُريْبي نسبة إلى خُريْبة؛ بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: محلة بالبصرة، الهمداني، الكوفي الأصل، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين.\n (عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن مُنْذر)؛ بضم الميم، وسكون النون، وكسر الذال المعجمة: بن يَعلى؛ بفتح التحتية، وسكون العين المهملة، وفتح اللام، (الثوري)؛ بالمثلثة، الكوفي الثقة، (عن محمد بن الحنفية)؛ أي: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم، والحنفية: أمه، وهي خولة بنت جعفر الحنفي اليمامي، وكانت من سبي بني حنيفة، ولد لسنتين بقيا من خلافة عمر ﵁، المتوفى سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين، أو أربع عشرة ومئة، ودفن باليقيع.\n (عن) أبيه (علي) الصديق الأصغر، وللأصيلي زيادة: (ابن أبي طالب) (قال) علي: (كنت رجلًا)؛ بالنصب خبر (كان)، (مذَّاءً)؛ بالنصب صفته على وزن (فَعَّال)؛ بالتشديد؛ للمبالغة في كثرة المذي، والمَذْيُّ؛ بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر الذال، وتشديد الياء التحتية، وبكسر الذال، وتخفيف الياء التحتية؛ وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، والوَدْي؛ بفتح الواو وسكون الدال المهملة: البلل اللزج، يخرج من الذكر بعد البول؛ أي: عقبه، (فأمرت المِقْداد)؛ بكسر الميم وسكون القاف وبالمهملتين: بن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، ويقال له: ابن الأسود؛ لأنَّ الأسود بن عبد يغوث ربَّاه، أو تبنَّاه، أو حالفه، أو تزوج بأمِّه، وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام، وسادس ستة، شهد بدرًا، المتوفى بالجرف، وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، عن سبعين سنة.\n (أن يسأل)؛ أي: بأن يسأل، فـ (أن) مصدرية، (النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: بالسؤال منه ﵇، (فسأله) عن حكم المذي، (فقال) النبي الأعظم ﵇: (فيه)؛ أي: في المذي، (الوضوء) لا الغسل، فيجب بخروجه الوضوء، ويجب غسله؛ لأنَّه نجس، وهذا بالإجماع إلا في رواية عن أحمد أنه أوجب الغسل، والحديث حجة عليه.\nوأطلق إمامنا الإمام الأعظم والشافعي في ذلك؛ أي: سواء كان خروجه عن ملاعبة أو استنكاح أو غيره، وقيده مالك بما كان عن ملاعبة، فإن كان عن استنكاح أو علة؛ فلا وضوء فيه، وإطلاق الحديث يردُّه، وما استدل به من أن السؤال كان عن الخارج على وجه اللذة؛ لقوله في حديث: «إذا دنى من أهله» فيه نظر؛ لأنَّ السؤال مطلق، ففي «الصحيح»: سأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: «اغسل ذكرك وتوضأ»، فلا فرق بين المعتاد وغيره، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح.\nواستدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وهو خطأ، ففي «النسائي» وغيره: أن السؤال وقع على حاضر، وكذا في «الموطأ» كما أوضحه في «عمدة القاري».\nوفي الحديث: استحباب حسن المعاشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي ألَّا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة، وأختها، وغيرهما من أقاربها؛ لأنَّ المذي يكون غالبًا عند ملاعبة الزوجة، ولهذا ترك علي السؤال وأمره غيره، وفي بعض الروايات: (أمر عمار بن ياسر)، وفي بعضها: أنه سأل بنفسه، فيحتمل أنه أرسلهما، ثم سأل بنفسه وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٣٧\"> </span>(٥٢) <span data-type=\"title\" id=toc-237>[باب ذكر العلم والفتيا في المسجد]</span>\nهذا (باب) جواز (ذكر العلم والفِتيا)؛ بكسر الفاء، -والفَتوى؛ بفتحها- جواب حكم الحادثة، (في المسجد) وإن ذلك إلى رفع الصوت.\n\n <span id=\"b-٢٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-238>[حديث: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة]</span>\n١٣٣ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (قُتيبة)؛ بضم القاف، وفي رواية زاد: (ابن سعِيد)؛ بكسر العين، (قال: حدثنا الليث)، زاد في رواية: (ابن سعد)، (قال: حدثنا نافع) بن سَرْجَس؛ بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، آخره سين أخرى، وهو (مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب): أصله من المغرب، أو من نيسابور، أو من سبي كابل، أو من جبال طالقان، أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، المتوفى بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة.\n (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (أن رجلًا)، قال في «عمدة القاري»: لم أقف على اسمه، (قام في المسجد)؛ أي: النبوي في محل رفع خبر (إن)، (فقال: يا رسول الله؛ من أين): استفهام عن المكان (تأمرنا أن نُهِلَّ)؛ أي: بأن نهل، و(أن) مصدرية، والتقدير: بالإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية في الحج والمراد به هنا الإحرام مع التلبية، فالسؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكاني.\n (فقال رسول الله ﷺ: يُهِلُّ)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل المدينة): جملة وقعت مقول القول (من) ابتدائية؛ أي: ابتداء إهلالهم من (ذي الحُلَيفة)؛ بضم الحاء المهملة وفتح اللام، تصغير الحلَفة؛ باللام المفتوحة؛ كالقصبة\n_________\n(^١) في الأصل: (يكون).\n (^٢) في الأصل: (يكون).","vol":"1","page":43},{"text":"وهي تنبت في الماء، وجمعها: حلفاء، وقيل: هي سَلسَة غليظة المسِّ لا يكاد أحد يقبض عليها؛ مخافة أن تقطع يده، وقد تأكل منها الغنم والإبل أكلًا قليلًا، وهي أحب شجرة إلى البقر، والواحدة منها حلفاة، وهي موضع بينه وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع، ومنه إلى مكة عشر مراحل، وهي الشجرة، وفي موضع آخر: منها إلى المدينة خمسة أميال ونصف مكتوب على الميل الذي وراءها: قريب من ستة أميال من البريد، ومن هذا البريد أهلَّ النبي الأعظم ﵇، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان للنبي الأعظم ﵇، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس والآخر مسجد المعرس، وهي أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النبي الأعظم ﵇.\n (ويُهلُّ)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل الشام): عطف على قوله: (يُهلُّ أهل المدينة)، وكذا قوله: (ويُهلُّ أهل نجد): عطف عليه، والتقدير في الكل: ليهل؛ لأنَّه وإن كان في الظاهر على صورة الخبر، ولكنه في المعنى على صورة الأمر، والشآم؛ بالهمز وتركه، وهو طولًا من العريش إلى الفرات، وعرضًا من أيلة إلى بحر الروم.\n (من الجُحْفة)؛ بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي الحليفة، وكان اسمها مَهْيَعة؛ بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتية، سماها النبي الأعظم ﵇ بذلك فأجحف السيل بأهلها؛ أي: أذهبه فسميت جحفة، وهي على ستة أو سبعة مراحل من مكة، وكانت قرية كبيرة جامعة بها منبر بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خم على ثلاثة أميال منها، وهي ميقات المتوجهين من الشام، ومصر، والمغرب، وهي على ثمانية مراحل من المدينة، وكان أهلها العماليق بني عبيل، وهم أخوة عاد من يثرب.\n (ويُهلُّ)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل نَجْد)؛ بفتح النون وضمها لغتان، وسكون الجيم، آخره دال مهملة، لغة: ما أشرف من الأرض واستوى، وسمِّيت نجد؛ لعلوه، أو لصلابة أرضه، وكثرة حجارته، وصعوبته، أو لفزع من يدخله؛ لاستيحاشه، وهو مذكَّر، ولو أريد البلد؛ أنِّث، وهي سبعة مواضع: الحجاز: والشام، والعذيب، والطائف، والمدينة، واليمامة، والبحرين إلى عمان، ونجد المشهورة فيها خلاف والأكثر على أنَّها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام، وقيل: إن نجد ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق، وتمامه في «عمدة القاري».\n (من قَرْن)؛ بفتح القاف وسكون الراء، جبل مدور أملس كأنه هضبة مطلٌّ على عرفات، فمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد؛ فميقاته قرن المنازل، وهو شرق مكة ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا، وقيل: من قال: بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه.\nوقال ابن الأثير: الفتح ليس بصحيح، فضبط الجوهري لها بفتح الراء خطأ، وزعم الجوهري أيضًا: أن أويسًا (^١) القرني بفتح القاف منسوب إليه وهو خطأ أيضًا، والصواب: سكون الراء، وإن أويسًامنسوب إلى قبيلة يقال لها بنوا قرن؛ فليحفظ.\n (وقال ابن عمر): عطف على لفظ (عن عبد الله بن عمر) عطفًا من جهة المعنى كأنه قال: قال نافع: قال ابن عمر، وقال: (ويزعمون): عطف على مقدر؛ وهو قال رسول الله ﷺ ذلك، ولا بدَّ من هذا التقدير؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين القول ومقوله، والمراد من الزعم: إما القول المحقق، أو المعنى المشهور له؛ لأنَّه لا يراد من هؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأنَّ هذا ليس مما يقال بالرأي، كذا قرَّره الإمام بدر الدين في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (أن رسول الله ﷺ)؛ بفتح الهمزة، فـ (أن) مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي (زعم)، وفي رواية مالك قال: (وبلغني أن رسول الله ﷺ)، (قال: ويُهل)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل اليمن من يَلَمْلَم)؛ بفتح الياء التحتية وفتح اللامين، جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، فإن أريد الجبل؛ فمنصرف، وإن أريد البقعة؛ فغير منصرف ألبتة، بخلاف قرن، فإنه على إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل وسطه، وتمامه في «عمدة القاري».\n (وكان ابن عمر) ﵄ (يقول): جملة محلها النصب خبر (كان): (لم أفقه)؛ أي: لم أفهم ولم أعرف، وفي رواية في (الحج): (لم أسمع) (هذه)؛ أي: هذه المقالة (من رسول الله ﷺ) وهي: (يُهلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم)، ففي الحديث: بيان المواقيت الثلاثة بالقطع، والرابع شك فيه ابن عمر، وقد ثبت هذا أيضًا بالقطع في حديث ابن عباس أخرجه الشيخان وآخرون، وفي رواية مسلم عن جابر وزاد فيه مسلم: (ومهلُّ العراق ذات عرق)، وهو قول الجمهور، وأخرج هذه الزيادة أبو داود بالجزم عن عائشة، وكذا أخرجه النسائي؛ كل منهما برجال ثقات، فصارت ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق بالنصِّ القطعي.\nوزعم قوم أن أهل العراق لا وقت لهم محتجين بالحديث، ورُدَّ بأن الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي أخرج في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق أربعة أحاديث عن الصحابة؛ وهم ابن عمر، وأنس، وجابر، وعائشة، وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي، والحارث بن عمرو عند أبي داود، وعمرو بن العاص عند الدارقطني.\nوقال الشافعي: ميقات أهل العراق من العقيق؛ لحديث الترمذي عن ابن عباس: (وقَّت النبي ﵇ لأهل المشرق العقيق)، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف لا يحتجُّ به.\nوقال الشافعي في «الأم»: (ذات عرق لأهل العراق كان باجتهاد ابن عمر لا بالنص؛ لحديث الباب)، ورُدَّ بأنه ثبت ذلك بالنصِّ لا بالاجتهاد، كما علمت من الأحاديث الطافحة الدالة على ثبوته بالنص، وفيه أيضًا من معجزات النبي الأعظم ﵇؛ حيث أخبر أنه سيكون عراق ولهم مهل، ويسلمون ويحجون فكان ذلك، ووقَّت لأهل الشام الجحفة ولم يكن فتح، وقطع بلد الخليل لتميم الداري وكتب له بذلك، ولم يكن الشام إذ ذاك؛ فكان ذلك.\nوفي الحديث: أيضًا أن هذه المواقيت لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجًّا أو عمرة، فإن جاوزها بغير إحرام؛ يلزمه دم ولا يفسد حجُّه، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في (الحجِّ) إن شاء الله تعالى بعونه، وقوَّته، وتوفيقه، فهو القادر على كل شيء.\n\n <span id=\"b-٢٣٩\"> </span>(٥٣) <span data-type=\"title\" id=toc-239>[باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله]</span>\nهذا (باب من أجاب) الشخص (السائل) الذي سأل عنه (بأكثر)، وفي رواية: (أكثر)، (مما سأله) فلا يلزم مطابقة الجواب للسؤال؛ بل إذا كان السؤال خاصًّا والجواب عامًّا؛ جاز، وقولهم: (يجب أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال) فمعناه: أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول عنه، وليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٤٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-240>[حديث: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل]</span>\n١٣٤ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بمد الهمزة، ابن أبي إياس، (قال: حدثنا ابن أبي ذِئْب)؛ بكسر الذال المعجمة وبالهمزة الساكنة، محمد بن عبد الرحمن المدني، (عن نافع): مولى ابن عمر، (عن ابن عمر): عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، (عن النبي) الأعظم (ﷺ)؛ للتحويل، (وعن الزهري): محمد بن مسلم بن شهاب، (عن سالم): هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، (عن ابن عُمر)؛ بضم العين، عبد الله فهو والد سالم المذكور، (عن النبي) الأعظم (ﷺ)، وفي رواية: بإسقاط حرف الجر وكلاهما عطف على قوله: (عن نافع)، فهما إسنادان أحدهما عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، والآخر عن آدم، عن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.\n (أن رجلًا)، قال في «عمدة القاري»: لم أقف على اسمه، (سأله) ﵇، جملة محلها الرفع خبر (أن)، (ما) استفهامية أو نكرة موصوفة أو موصولة، محلها النصب مفعول ثان لـ (سأل) (يَلْبِس)؛ بفتح التحتية\n_________\n(^١) في الأصل (أويس).","vol":"1","page":44},{"text":"والموحدة، مضارع: لبس؛ بكسر الموحدة.\n (المحرم) بالحج أو العمرة، وأصله: الداخل في الحرمة؛ لأنَّه يحرم عليه به ما كان حلالًا له قبله من صيد ونحوه، (فقال) ﵇: (لا يلبسُ) من اللُّبس؛ بضم اللام من باب (علم يعلم)، وأما اللَّبس -بالفتح-؛ فهو من باب (ضرب يضرب)، يقال: لبست عليه الأمر، إذا خلطت عليه ومنه التباس الأمر وهو اشتباهه، روي بالرفع على أن لا نافية، وبالجزم على أنها ناهية؛ أي: المحرم.\n (القميصَ)؛ بالنصب على المفعولية وهو معروف يتخذ من القطن أو الصوف جمعه: قمص وأقمصة وقمصان، وهو مذكَّر وقد يؤنَّث، (ولا العِمامة)؛ بكسر العين واحدة العمائم، وعمَّمته ألبسته العمامة، وعمِّمَ الرجل سوِّد؛ لأنَّ العمائم تيجان العرب، كما قيل في العجم توِّج واعتمَّ بالعمامة وتعمَّم بها بمعنى، وفلان حسن العمَّة؛ أي: الاعتمام، كذا في «عمدة القاري» عن الجوهري.\n (ولا السراويل): أعجمية عرِّبت وجاء على لفظ الجمع وهي واحدة يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي إلا التأنيث ويجمع على: السراويلات، وقد يقال: هو جمع ومفرده سروالة وهو غير منصرف على الأكثر، وقال سيبويه: سراويل واحدة أعجمية، فأعربت فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سمَّيت بها رجلًا؛ لم تصرفها، ومن النحاة من لا يصرفه أيضًا في النكرة ويزعم أنه جمع: سروال والسراوين؛ بالنون لغة، والشراويل؛ بالشين المعجمة لغة أيضًا أفاده في «عمدة القاري».\n (ولا البُرْنُس)؛ بضم الموحدة، وسكون الراء، وضم النون، ثوب رأسه منه ملتزق به، وقيل: قلنسوة طويلة، وكان النسَّاك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من البِرس؛ بكسر الموحدة، وهو القطن والنون زائدة، وقيل: غير عربي، وكل ما جُبَّ فيه موضع لإخراج الرأس منه؛ فهو جبة، وكل ما خيط أو نسج في طرفه ليستمسك على اللَّابس؛ فهو برنس كالقفار ونحوها، وتمامه في «عمدة القاري».\n (ولا ثوبًا)؛ بالنصب عطف على قوله (القميص)، وروي بالرفع على تقدير فعل ما لم يسم فاعله؛ أي: ولا يلبس ثوب، (مسَّه الوَرْس): فعل، ومفعول، وفاعل، والجملة محلها النصب أو الرفع صفة لـ (ثوب)؛ بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب ويتَّخذ منه الغمرة للوجه مثل: حب السمسم فإذا جف عند إدراكه؛ يفتق فيغض منه الورس، وتمامه في «عمدة القاري».\n (أو الزعفران)، وللأصيلي: (مسه الزَّعْفَران أو الورس) وهو بفتح الزاي والفاء وسكون العين بينهما نبت معروف يصبغ به، يقال: إن الكركمَ عروقه، وإذا كان في مكان لا يدخله سام أبرص وإنما عدل عن طريقة أخواته؛ لأنَّ الطيب حرام على الرجل والمرأة، فأراد أن يعمِّم الحكم للمحرم والمحرمة، بخلاف الثياب المذكورة؛ فإنَّها حرام على الرجال فقط، كذا في «عمدة القاري».\n (فإن لم يجد النَّعْلين): تثنية نعل وهي الحِذَاء؛ بكسر الحاء المهملة، والمد، وفتح النون، وسكون العين المهملة، جمعه: نعال، وكل ما وقيت به القدم من الأرض فهو نعل.\n (فلِيلبس)؛ بكسر اللام وسكونها (الخفين) تثنية خفٍّ معروف جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء، (ولِيقطعهما)؛ بكسر اللام وسكونها عطف على (فليلبس)؛ أي: الخفين، (حتى) للغاية؛ أي: أن (يكونا)؛ أي: غاية قطعهما (تحت الكعبين) تثنية: كعب، والمراد به هنا: المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لا العظم الناتئ عند مفصل الساق؛ فإنَّه في الوضوء، وهذا مذهب إمامنا المعظم الإمام الأعظم.\nوقال الشافعي: إنه العظم الناتئ عند مفصل الساق، وجملة (تحت الكعبين): خبر (يكونا): المنصوب بحذف النون، والواو في (وليقطعهما) لا تدل على الترتيب، ومعناها الشركة والجمع مطلقًا من غير دلالة على تقديم أو مصاحبة، كما نص عليه سيبويه، وله شواهد في القرآن العظيم وإنما أجاب بما لا يلبس عمَّا يلبس؛ لأنَّ المتروك منحصر والملبوس لا ينحصر؛ لأنَّ الإباحة هي الأصل فحصر ما يترك؛ ليبيِّن أن ما سواه مباح، وهو من بديع كلامه وفصاحته.\nوقد راعى (^١) المفهوم أيضًا فإنه لو أجاب بما يلبس؛ لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه فانتقل إلى ما لا يلبس؛ لأنَّ مفهومه مستعمل منطوقه، فكان أفصح، ونبَّه بـ (القميص) و(السراويل) على كل ما يعمُّ العورة من المخيط وبـ (العمائم) و(البرانس) على كل ما يغطى به الرأس مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام وإنما كان لهم؛ لأنَّ النساء مأمورات بستر رؤوسهن، وبـ (الورس) و(الزعفران) على ما سواهما من أنواع الطيب وهو حرام على الرجل والمرأة والخصوص للرجال؛ من حيث أن الألفاظ كلها للمذكَّرين، والعموم من الأدلة الخارجة عن هذا الحديث، ويدل له رواية قوله: (ولا ثوبُ)؛ بالرفع، وحكمة تحريم اللباس على المحرم: التذلل والخضوع، وفي الطيب: ترك زينة الدنيا، وقطع الخف عند عدم وجود النعل واجب عند إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، فإن لم يقطعه؛ فعليه الفدية؛ للأمر بالحديث.\nوقال الشافعي: إذا لم يجد النعل؛ لا يجب قطع الخف، والحديث حجَّة عليه أيضًا، وقال أحمد: يجوز لبس الخف بدون قطع، وزعم أصحابه: أن القطع إضاعة؛ لما روى مسلم: (فإن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخفين)، ولا دليل في هذا؛ لأنَّ الجمهور على أن المطلق محمول على المقيَّد، وزيادة الثقة مقبولة يجب الإيمان بها، والإضاعة منهي عنها فيما لم يأمر الشرع به، ودعوى النسخ باطلة؛ لما في «صحيح ابن خزيمة» وغيره من بطلانها، كما أوضحه في «عمدة القاري».\nفالحديث حجَّة عليه أيضًا، وهو القول بالرأي بعينه، ومنازعة السنة به؛ فليحفظ.\nوقال مجاهد، وهشام بن عروة، وعروة، وابن الزبير، ومالك في رواية: لا يجوز لبس الثوب الذي مسَّه ورس أو زعفران للمحرم سواء كان مغسولًا أو لم يكن؛ لإطلاق الحديث.\nوقال إمامنا الإمام الأعظم، ومالك في رواية، وأبو يوسف، ومحمد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض؛ لأنَّه ورد في حديث ابن عمر المذكور: (إلا أن يكون غسيلًا)، وأخرج هذه الزيادة الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» وساقه بتمامه برجال ثقات، وزعم ابن حزم أنه لا يعلم صحته، وزعمه باطل؛ لأنَّ نفي علمه لا يستلزم النفي عن غيره؛ فافهم.\nوفي حديث ابن عباس: «من لم يجد إزارًا؛ فليلبس السراويل»، فأخذ به إمامنا الأعظم والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، إلا أن إمامنا الأعظم ومالك أوجبا عليه الفدية بدليل آخر، والشافعي وأحمد أخذا بظاهره؛ فلم يجب عليه الفدية عندهما.\nقال في «البدائع»: المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر فيه؛ فعل، فإن لبسه ولم يفتقه؛ فعليه دم في قول أئمتنا، وإن لم يجد رداء وله قميص؛ فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به؛ لأنَّه لمَّا شقَّه؛ صار بمنزلة الرداء، وكذا إذا لم يجد الإزار؛ فلا بأس أن يفتق سراويله خلاف موضع التكة ويأتزر به؛ لأنَّه إذا فتقه؛ صار بمنزلة الإزار، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٤١\"> </span>«٤» <span data-type=\"title\" id=toc-241>[كتاب الوضوء]</span>\nولما فرغ المؤلف من كتاب (العلم) شرع يذكر العبادات مرتِّبًا لها على ترتيب حديث: «بني الإسلام»، وقدَّم الطهارة؛ لأنَّها مفتاح الصلاة، ولأن أوَّل شيء يسأل عنه العبد في القبر الطهارة فقال:\n (بسم الله الرحمن الرحيم)\n_________\n(^١) في الأصل: (راع).","vol":"1","page":44},{"text":"(كتاب الوُضوء)؛ بضم الواو من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة اسم للفعل، وبفتح الواو: اسم للماء الذي يُتوضَّأ به، وهو المشهور، وحكي: فتح الواو فيهما، وحكي أيضًا: ضم الواو فيهما، وشرعًا: غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والصحيح: أنه ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما الذي اختصت به: هو الغرة والتحجيل، ذكره العلامة نوح أفندي.\n\nوفي رواية عقب البسملة: (كتاب الطَّهَارة<span data-type=\"title\" id=toc-242> باب ما جاء في الوضوء)</span>، وهذا أنسب؛ لأنَّ الطهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بلفظ عام حتى يشمل جميع أقسام ذلك الكتاب، وهي بفتح الطاء مصدر: طهر؛ بفتح الهاء أفصح من ضمها، وبكسرها: الآلة كالماء والتراب، وبضمها: اسم لما فضُل بعد التطهير، وحكي: الضم فيهما، وحكي أيضًا: الفتح فيهما، وهي النظافة.\nوشرعًا: زوال حدث أو خبث، وهو تعريف صحيح؛ لصدقه بالوضوء وغيره كالغسل من الجنابة، أو الحيض، أو النفاس؛ بل وبالتيمم أيضًا.\nوالحدث: مانعية شرعية قائمة بالأعضاء إلى غاية استعمال المزيل، والخبث: عين مستقذرة شرعًا.\nوأمَّا سبب وجوبها؛ فقيل: الحدث والخبث، قيل: وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، وقيل: سببها: إقامة الصلاة، وصححه في «الخلاصة»، لكن نسبه في «العناية» إلى أهل الظاهر، وصرَّح في «غاية البيان» بفساده؛ لصحة الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات مادام متطهِّرًا.\nوقيل: سببها: إرادة الصلاة، وصححه في «الكشف»، واعترضه في «الفتح والتبيين»، وقيل: سببها: وجوب الصلاة لا وجودها؛ لأنَّ وجودها مشروط بها فكان متأخرًا عنها، والمتأخر لا يكون سببًا للمتقدم، كما في «العناية»، والذي اختاره الأكثر من أهل المذهب أن سببها: إرادة ما لا يحل إلَّا بها من صلاة ومسِّ مصحف كما في «البحر الرائق».\nوهل الحدث حلَّ في جميع البدن كالجنابة حتى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه أو مختص بأعضاء الوضوء؟ اختلف فيه، والأصحُّ: المنع كما في «الدر المختار»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».\n\n <span id=\"b-٢٤٢\"> </span>(١) [باب ما جاء في الوضوء]\nهذا (باب ما جاء) من اختلاف العلماء (في) معنى (قول الله تعالى:)، وفي رواية: (بابٌ)؛ بالتنوين، (في الوضوء وقول الله ﷿)، وفي أخرى: (باب ما جاء في الوضوء وقول الله ﷿) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾)؛ فـ (يا) حرف نداء للبعيد حقيقة أو حكمًا، وقول الداعي: يا الله استقصار منه لنفسه واستبعاد عن مظانِّ القبول لعمله، و(أي) موصولة عند الأخفش حذف صدر صلتها، والمعنى: يا من هم الذين، أو نكرة مقصودة مبنية على الضم فهي وصلة لما فيه أل نحو يا أيها الرجل، ومنه الآية، و(الهاء) تكون للتنبيه فهي نعت؛ أي: في النداء، و(الذين): اسم موصول موضوع للجمع وليس هو جمع الذي؛ لأنَّه عام لذي العلم وغيره، والذي يختصُّ بذوي العلم ولا يكون الجمع أخصُّ من مفرده، وهو إما أن يكون صفة لـ (أي) أو يكون موصوفها محذوفًا تقديره: يا أيها الناس الذين آمنوا، فالمجموع كله: هو صفة؛ أي: لا المقدر وحده ولا الموصول وحده، فسقط اعتراض اللاقاني على حافظ الدين النسفي.\nو(آمنوا): فعل ماض للجمع المذكر الغائبين من: (آمن يؤمن إيمانًا)، وإنَّما قال: (آمنوا) ولم يقل: آمنتم؛ ليدخل كل من آمن إلى يوم القيامة، ولو قال: آمنتم؛ لاختص بمن كان في عصره ﵇.\nوافتتح المؤلف بهذه الآية؛ للتبرك ولأنها أصل في استنباط المسائل، وإن كان حق الدليل أن يؤخر عن المدلول؛ لأنَّ الأصل في الدعوى: تقديم المدعى.\n (﴿إِذَا﴾) ظرفية تتضمن معنى الشرط فلذا دخلت الفاء في جوابها، (﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾)؛ أي: أردتم القيام إليها وأنتم محدثون، يدل لذلك ما في «مسلم» عن بريد: (أنه ﵇ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه فقال: «عمدًا صنعته»)، ورواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي والترمذي فثبت أن في الآية مقدَّرًا، وروى الحافظ الطحاوي والرازي والطبراني عن عبد الله بن علقمة عن أبيه قال: كان ﵇ إذا أجنب أو أهراق الماء إنَّما نكلِّمه؛ فلا يكلِّمنا ونسلِّم عليه؛ فلا يسلِّم علينا حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...﴾؛ الآية، فدلَّ على أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، وأن التقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، وبهذا يظهر فساد قول أهل الظاهر: أن الوضوء واجب في حق المحدث، سنة في حق الطاهر، فكل من قام إليها؛ فعليه أن يتوضأ.\nواستدلُّوا بحديث ابن حنظلة: (أنه ﵇ أمره بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلمَّا شقَّ عليه؛ وضع عنه الوضوء إلا من حدث)، وهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ويردُّه قوله ﵇: «المائدة من آخر القرآن نزولًا فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها» على أن الجمهور على أن المطلق محمول على المقيد؛ فافهم؛ وتمامه في «عمدة القاري».\nواعلم أن إمامنا الشيخ بدر الدين العيني قد تكلم على هذه الآية في «شرحه» كعادته في الآحاديث كلامًا تحقيقيًّا لم يسبق إليه أصلًا لما هو في غاية التحقيق والتدقيق، وترتيب المعاني، والاستنباط، والاختلاف الواقع بين العلماء، فرحم الله هذا المؤلف ما أغزر علمه وأوفر فهمه قدَّس سره العزيز.\nوإنَّما أضمر الحدث في الآية؛ كراهة أن يفتتح آية الطهارة بذكر الحدث، كما في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ حيث لم يقل هدى للضالين الصائرين إلى التقوى بعد الضلال؛ كراهة أن يفتتح بذكر الضلالة، فالحدث شرط بدلالة النصِّ وصيغته أمَّا الأول: فقوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾؛ أي: من مضاجعكم، وهو كناية عن النوم وهو حَّدث، وأما الثاني: فلأنه ذكر في (التيمم) الذي هو بدل عنه، والبدل إنَّما وجب بما وجب به الأصل، فكأن ذكر الحدث في الحديث ذكر في المبدل.\nوقوله: (إلى الصلاة): يتناول سائر الصلوات المفروضات، والسنن المؤكدات، والنوافل؛ لأنَّ الصلاة اسم للجنس؛ فاقتضى أن يكون من شرط الصلاة الطهارة أيُّ صلاة كانت.\nواستدل طائفة بظاهر الآية: أن الوضوء والتيمم لا يجزئ إلا بعد دخول الوقت، وهو فاسد؛ لأنَّه لم يوقِّت في النص دخول الوقت، ويؤيِّده حديث النسائي عن أبي هريرة أن النبي الأعظم ﵇ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح؛ فكأنَّما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية؛ فكأنَّما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة؛ فكأنمَّا قرب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنَّما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام؛ حضرت الملائكة يستمعون الذكر».\nفهذا نصٌّ على جواز الوضوء والتيمم بالقياس عليه للصلاة قبل دخول وقتها؛ لأنَّ خروج الإمام قبل الوقت ضرورة، وإنما صرَّح بذكر الحدث في (الغسل) و(التيمم) دون (الوضوء)؛ ليعلم أن الوضوء يكون سنة ويكون فرضًا، والحدث شرط في الفرض دون السنة؛ فيكون الغسل على الغسل والتيمم على التيمم عبثًا لا فائدة فيه، وأن الوضوء على الوضوء نور على نور.\n (﴿فَاغْسِلُوا﴾): أمر للجمع المذكر الحاضرين، من: (غسل يغسل غَسلًا وغُسلًا)؛ بالفتح والضم كلاهما مصدران، وقيل: بالفتح مصدر، وبالضم اسم للاغتسال وللماء الذي يغسل به، وبالكسر ما يغسل به من صابون ونحوه.\nوفي الشرع: الغسل: إمرار الماء على الموضع وسيلانه مع التقاطر ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء بأن استعمله استعمال الدهن؛ لم يجز في «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم، وكذا لو توضَّأ بالثلج ولم يقطر منه شيء؛ لم يجز، وقال الإمام أبو يوسف: يجوز ذلك؛ لأنَّ الغسل عنده مجرَّد بلِّ المحلِّ بالماء سال أو لم يسل، يقال له: غسل فينبغي للمتوضئ بالشِّتاء أن يبلَّ أعضاءه بالماء شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها، وعلى القولين ليس الدَّلك من مفهومه، وإنما هو مندوب، وفي «الخلاصة»: أنَّه سنة.\nوقال مالك بفرضيته، فقد زاد على النصِّ وهو غير جائز، والأمر يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته النية أو لم تقارنه؛ لأنَّ الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة، وهو إمرار الماء على الموضع وليس هو عبارة عن النية، فمن شرط النية فيه؛ فقد زاد على النصِّ، والزيادة غير مقبولة شرعًا، فما قيل: إن فيه وجوب النية ممنوع باطل.","vol":"1","page":45},{"text":"(﴿وُجُوهَكُمْ﴾)؛ بالنصب مفعول ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الذي هو جواب الشرط، جمع وجه أو أوجه، لغة: مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحدُّه طولًا: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن سواء كان عليه شعر أم لا، والجبهة: اسم لما يصيب الأرض حالة السجود، والمراد بأسفل الذقن: مجتمع اللحيين، وهما عظما الحنك، ويسميان: الفكين وعليهما منابت الأسنان السفلى، وهذا الحدُّ أولى من قول بعض الشرَّاح والمتون: من قصاص شعره إلى أسفل الذقن؛ لأنَّه يعمُّ الأغمَّ، وهو ما نزل شعره حتى ضيق الجبهة؛ فلا يكفيه الغسل من القصاص.\nوالأصلع: هو ما انحسر مقدَّم شعر رأسه، فلو مسح على صلعته؛ جاز على الأصح، كما في «الخلاصة».\nوالأنزع: هو ما انحسر شعره من جانبي جبهته؛ فلا يجب غسلهما كما في «الدرر» و«النهر».\nوالأقرع: هو ما ذهب شعر رأسه، وهو ظاهر؛ فليحفظ.\nوحدُّه عرضًا: ما بين شحمتي الأذنين؛ أي: ما لان منهما، والأُذُن؛ بالضمِّ ولك إسكانها تخفيفًا، والشحمة: معلق القُرط؛ بضم القاف: السوار الصغير المسمى: بالحَلَق؛ بفتحتين، والحدُّ (^١) يشير إلى أن الغاية غير داخلة في المغيا لا طولًا ولا عرضًا، وهو كذلك فيفترض غسل ما بين العذار والأذن من البياض؛ لدخوله في الحدِّ، وهو قول الإمام الأعظم ومحمد وبه يفتى، كما في «الدر».\nوقال الإمام أبو يوسف: لا يفترض غسله والخلاف في الملتحي، أمَّا الأمرد، والمرأة، والكوسج؛ فيفترض عليه الغسل اتفاقًا، كما في شروح «ملتقى الأبحر»، والعِذار؛ بكسر العين: الشعر النابت على الخد ويخرج الأذنان؛ لعدم دخولهما في الحدِّ اتفاقًا، وشمل الحد غسل المياقي جمع: موق وهو مؤخر العين، والماق مقدمها؛ لأنَّه يجتمع فيهما غالبًا الرمص، وهو ما جمد من الوسخ ولونه أصفر يخرج من العين حين رطوبتها، فيجب إزالته وإيصال الماء تحته إن كان يبقى حال تغميض العين، فلو في داخل العين بحيث لو غمَّض عينيه يبقى داخلًا؛ فلا يجب للحرج، كذا في «البحر».\nوشمل الحدُّ ما يظهر من الشفتين عند الانضمام؛ لأنَّه تبع للوجه، فيفترض غسلهما على المعتمد، وقيل: لا؛ لأنَّهما تبع للفم، والمراد بالانضمام: هو الطبيعي المعتاد لا بشدَّة وتكلُّف، وكذا لو غمَّض عينيه شديدًا؛ لا يجوز، لكن ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم الجواز، كما في شرح «نظم الكنز»؛ للحرج والضَّرر؛ لأنَّ العين شحم لا يقبل الماء ومن تكلَّف من الصحابة فيه كُفَّ بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر ﵄، كما في «المبسوط»، حتَّى لو اكتحل بكحلٍ نجسٍ؛ لا يجب غسله، كما صرح به في «حواشي المراقي».\nولا يجب غسل ما تحت ونيم ذباب، وبرغوث، وحنَّاء، ودرن، ودهن، وتراب، وطين؛ لأنَّ الماء يخرقه وللحرج، ولا أصول اللحية والشارب إذا كانا كثيفين أما إذا بدت البشرة فيهما؛ فيجب غسلها، فالمسترسل من الشعر عن دائرة الوجه لا يجب غسله ولا مسحه اتفاقًا عندنا، كما في «النهر الفائق»، نعم يسنُّ مسحه كما في «المنية»؛ بل يسن غسله كما في «الحلية».\nويجب غسل جلد السمك، والخبز الممضوغ الجاف، والدرن اليابس في الأنف، بخلاف الرطب، كما في «القهستاني»، وكذا يجب غسل الشمع والشحم، كما في «الإمداد»، وما ذكرناه من الحد يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين بالآية؛ لأنَّهما لا يواجه بهما، فمن قال: بوجوبهما في الوضوء؛ فقد زاد على النصِّ، وهو غير جائز، نعم يسن غسلهما ويفترض في الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس؛ لأنَّهما من تمام البدن، كما في المتون والشروح.\n (﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾)؛ بالنصب على العطف على (وجوهكم)؛ أي: اغسلوا أيديكم، جمع: يد، وأصلها: يدي على وزن: (فعْل)؛ بسكون العين، وجمع الأيدي: أيادي (^٢)، مثل (أكرع وأكارع) وهي من أطراف الأصابع إلى المنكب، وفي هذا وغيره مقابلة الجمع بالجمع وهي تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كقولهم: ركب القوم دوابهم، فمعناه: وجوب غسل يد واحدة من كل مكلف.\nوأجيب: بأن غسل يد واحدة ثابت في النص، واليد الأخرى ثابتة إمَّا بدلالة النص، أو بفعل الرسول ﵇ المتواتر.\n (﴿إِلَى المَرَافِقِ﴾)، جمع: مِرْفَق؛ بكسر الميم وفتح الفاء وعلى العكس: مجتمع طرف الساعد والعضد، والأول اسم الآلة والثاني اسم المكان، ويجوز فتح الميم والفاء على أن يكون مصدرًا أو اسم مكان على الأصل.\nواختلف هل الغاية داخلة في المغيَّا أم خارجة عنها؟ فقال الإمام الأعظم، وأبو يوسف، ومحمد، والحسن، والشافعي، وأحمد، ومالك في رواية: أن الغاية داخلة؛ فيفترض غسل المرفقين والكعبين، وقال الإمام زفر، وداود، ومالك في رواية أشهب: أن الغاية غير داخلة؛ فلا يفترض غسلهما، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالليل غير داخل في الصوم بالإجماع، فكذا هذا.\nقلنا: إن الغاية إذا كانت لإسقاط ما وراءها تدخل، ومتى كانت لمد الحكم إليها؛ لا تدخل، وهذه الغاية لإسقاط ما وراءها؛ لأنَّه لو اقتصر على وأيديكم وأرجلكم؛ لتناول إلى الإبط وإلى الفخذ؛ لأنَّ اليد اسم لهذه الجملة من رؤوس الأصابع إلى الإبط، فلمَّا قال: ﴿إِلَى المَرَافِقِ﴾؛ خرج عن أن يكون المرفق والكعبان داخلين تحت السقوط؛ لأنَّ الحد لا يدخل في المحدود فبقيت الغاية داخلة بمطلق الاسم، فبقي الغسل ثابتًا في اليد مع المرفق والرجل مع الكعب، والغاية في الصوم؛ لمدِّ الحكم، فيتناول إمساك ساعة، فإن من حلف لا يصوم؛ يحنث بصوم ساعة، فلم تدخل.\nقال في «البحر»: وهذا الفرق غير مطَّرد لانتقاضه بالغاية في اليمين، فإنَّ ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم عدم الدخول؛ كما لو حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام؛ لا يدخل العاشر مع تناول العدد، كما في «جامع الفصولين»، وكذلك رأس السمكة في قوله: لا آكل السمكة إلى رأسها؛ فإنَّها لا تدخل مع التناول المذكور، انتهى.\nوأجاب في «فتح القدير»: بأن الكلام هنا على مقتضى اللغة والأيمان مبنية على العرف عندنا، وجاز أن يخالف العرف اللغة، اهـ؛ فتأمل.\nوقيل: إن (إلى) بمعنى: مع؛ أي: مع المرافق، ورُدَّ بأنهم قالوا: اليد من رؤوس الأصابع إلى المنكب، فإذا كانت (إلى) بمعنى: مع؛ وجب غسل اليد إلى المنكب؛ لأنَّه كأغسل القميص وكمَّه، وغايته أنَّه كإفراد فرد من العام، إذ هو تنصيص على بعض متعلِّق الحكم بتعلُّق عين ذلك الحكم، وذلك لا يخرج غيره، ولو أخرج؛ كان بمفهوم اللقب، وهو ليس بحجة.\nوقال العلَّامة جار الله الزمخشري والعلَّامة التفتازاني: إنَّ (إلى) تفيد الغاية مطلقًا، فأمَّا دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ فأمر يدور مع الدليل، فما فيه دليل الخروج قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وما فيه دليل الدخول آية «الإسراء» للعلم بأنه لا يسرى به إلى المسجد الأقصى من غير أن يدخله، وما نحن فيه لا دليل على أحد الأمرين، فقالوا: بدخولهما احتياطًا؛ لأنَّهم لم يروا عنه ﵇ قطُّ عدم غسلهما، فلا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.\nقال في «البحر»: والحقُّ أنَّ شيئًا مما ذكروه لا يدلُّ على الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيَّتهما، قال الشافعي في «الأم»: لا نعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجر في «الفتح»: فعلى هذا فأهل الظاهر، ومالك، والإمام زفر محجوجون بالإجماع، انتهى.\nوردَّه في «النهر الفائق»: بأن قوله: (لا أعلم مخالفًا) ليس حكاية منه؛ للإجماع الذي يكون غيره محجوجًا به، فقد قال الإمام اللامشي في «أصوله»: لا خلاف في أن جميع المجتهدين لو اجتمعوا على حكم واحد ووجد الرضا من الكل نصًا؛ كان ذلك إجماعًا، أمَّا إذا نصَّ البعض وسكت الباقون -لا عن خوف بعد اشتهار القول- فعامة أهل السنة على أن ذلك يكون إجماعًا، وقال الشافعي: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول لا أعلم فيه خلافًا، وقال أبو هاشم من المعتزلة: لا يكون إجماعًا ويكون حجَّة، وقيل: لا يكون حجَّة أيضًا، انتهى، ولهذا لم يحتج في «عمدة القاري» بالإجماع.\nوقال في «شرح المنية»: إنَّ غسل المرفقين والكعبين ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي لا يكفَّر جاحده، فقال في «النهر» أيضًا: ولهذا لا يحتاج إلى دعوى الإجماع؛ لأنَّ الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع، فيحتاج إلى الإجماع، اهـ.\nوقال في «عمدة القاري»: والدليل على دخولهما في الغسل ما في «مسلم» من\n_________\n(^١) في الأصل: (الجد).\n (^٢) في الأصل (أياد).","vol":"1","page":45},{"text":"حديث أبي هريرة: (أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في الساقين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ)، ولم ينقل تركها، فكان فعله بيانًا أنه مما يدخل، وقوله: (حتى أشرع)؛ أي: أدخل وروي: (حتى أسبغ)، وقدَّمنا أن هذا لا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.\nوروي: (أن عمَّارًا تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا إلى المناكب مع رسول الله ﵇)، وكان ذلك بعموم الآية، ولم ينكر عليه من جهة اللغة؛ لأنَّه من أهل اللغة، فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب، فثبت بذلك أن الاسم يتناول إلى المنكب، وذكر التحديد بعده يقتضي ذلك إسقاط ما وراءها، وتمامه في «عمدة القاري».\nوالغايات أربعة: غاية مكان، وغاية زمان، وغاية عدد، وغاية فعل، فغاية المكان من هذا الحائط إلى هذا الحائط، وغاية الزمان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وكلاهما لا يدخلان في المغيا، وغاية العدد عليه من درهم إلى عشرة، فهي لا تدخل عند الإمام الأعظم والإمام زفر، وعند الإمام أبي يوسف والإمام محمد تدخل، وغاية الفعل: نحو أكلت السمكة حتى رأسها، فإن نصبت السين؛ دخلت وتكون (حتى)؛ بمعنى: الواو عاطفة، وإن خفضتها؛ لم تدخل وتكون (حتى)؛ بمعنى: إلى، كذا قاله الحدادي في «الجوهرة»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب» «شرح مختصر الإمام القدوري»، وظاهر ما قدمناه: يفيد الوجوب لا الافتراض؛ فتأمل، والله أعلم.\nوفي «الظهيرية»: من قطعت يداه ورجلاه وبوجهه جراحة يصلي بلا وضوء ولا تيمم ولا يعيد في الأصح، اهـ.\nومثله: في أكثر الكتب، وأمَّا فاقد الطهورين؛ ففي «الدر» عن «الفيض» وغيره: أنه يتشبه بالمصلين وجوبًا، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلا؛ يومئ قائمًا ولا يقرأ ثم يعيد وهو قول الصاحبين، اهـ.\nوبه ظهر أن تعمد الصلاة بلا طهر غير مكفِّر كصلاته لغير القبلة أو مع ثوب نجس، وهو ظاهر المذهب كما في «الخانية» وغيرها، وقال بعضهم: المختار أنه يكفر بالصلاة بغير طهارة لا بالصلاة بالثوب النجس وإلى غير القبلة؛ لجواز الأخيرتين حال العذر بخلاف الأولى فإنه لا يؤتى بها بحال؛ فيكفَّر، اهـ، كما في حواشي شيخ شيخنا، ويجب غسل كل ما كان مركبًا على أعضاء الوضوء كالأصابع الزائدة والكف الزائد، فإن كان خلق على العضو؛ غَسَلَ ما يحازي محلَّ الفرض ولا يلزمه غسل ما فوقه، كذا في «الينابيع».\nوقشرة القرحة إذا ارتفعت ولم يصل الماء إلى ما تحتها؛ لا بأس به في الوضوء والغسل؛ لأنَّها متصلة بالجلد اتصال الخلقة، كذا في «الجوهرة» وفي «المجتبى»، ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إن كان واسعًا، وفي الضيِّق اختلاف المشايخ؛ فروى الحسن عن الإمام الأعظم: عدم اشتراط النزع والتحريك، ومثله في «الخانية»، لكن المختار من الرواية: أنه يجب تحريك الخاتم الضيق؛ لأنَّ النبي الأعظم ﵇ كان يحرِّك خاتمه إذا توضأ، ولو انضمَّت الأصابع أو طال الظفر فغطَّى الأنملة؛ وجب غسل ما تحته، ولا يمنع درن تحت الأظفار سواء كان قرويًا أو مدنيًا في الأصح، وعليه الفتوى، وقيل: درن المدني يمنع؛ لأنَّه من الودك بخلاف القروي؛ لأنَّه من التراب، وتمامه في «شرحنا»، والله تعالى أعلم.\n (﴿وَامْسَحُوا﴾): أمر من: (مسح يمسح مسحًا)؛ أي: (فعَل يفعَل)؛ بالفتح فيهما، يقال: مسح الأرض مساحة؛ زَرَعها، ومسح المرأة؛ جامعها، وفي الشرع: المسح: الإصابة باليد المبتلَّة، ويجيء بمعنى: الغسل، كما يأتي.\n (﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾): الجار والمجرور محله النصب على المفعولية، وهو يدل على فرضية المسح على الرأس، واختلف في المفروض منه، فقال الإمام أبو الحسن القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهي ما بين النزعتين من الشعر، كما في «شرح الإرشاد»، وقيل: مقدَّم الرأس، كما في «ضياء الحلوم»، وهي -أي: الناصية-: ربع الرأس، وهو ما اختاره في «الهداية»، و«التبيين»، و«شرح الوقاية».\nوقال في «البحر»: الناصية: ليست قدر ربع الرأس بدليل أن صاحب «البدائع» وغيره نقلوا عن الإمام الأعظم روايتين؛ في رواية: المفروض مقدار الناصية، وفي رواية: الربع، ولا تغاير بين الروايتين؛ لأنَّ الإمام الإسبيجابي روى: أن المفروض مقدار الناصية ثم قال: هذا إذا كانت الناصية تبلغ ربع الرأس، وإن لم تبلغ؛ لا يجوز، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنه الربع، وروى الكرخي والحافظ الطحاوي: أنه مقدار الناصية، فعلى هذا من روى: الربع؛ روى: الناصية.\nوروى هشام عن الإمام: أن المفروض مقدار ثلاثة أصابع، وهي ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم وعليها جرى في «النهاية»، لكن المعتمد رواية: الربع، وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام، وابن أمير حاج، والمقدسي، وصاحب «البحر» و«النهر»، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وعليه الفتوى؛ لأنَّ الباء في ﴿برؤوسكم﴾ للإلصاق عند المحققين وأنه المجمع عليه، بخلاف غيره، والفعل الذي هو المسح قد تعدَّى إلى الآلة وهي اليد؛ لأنَّ الباء إذا دخلت على الآلة تعدى الفعل إلى كل ممسوح؛ كمسحت رأس اليتيم بيدي، أو على المحلِّ تعدَّى الفعل إلى الآلة، والتقدير: وامسحوا أيديكم برؤوسكم، فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه؛ فتعين الربع مرادًا في الآية وهو المطلوب.\nوقال مشايخنا: الآية مجملة محتاجة للبيان وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة بن شعبة: (أن النبي الأعظم ﵇ توضَّأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)، وعند ابن ماجه عن المغيرة: (أنه ﵇ أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته وخفَّيه)، ورواه النسائي، وروى أبو داود عن أنسٍ قال: (رأيت رسول الله ﵇ يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه)، وسكت أبو داود، وما سكت عليه؛ فهو حسن عنده، وروى البيهقي عن عطاء: (أنه ﵇ توضأ فحسر العمامة ومسح مقدَّم رأسه، -أو قال-: ناصيته)، وهو حجَّة أيضًا وإن كان مرسلًا سيما وقد اعتضد بالمتصل، وتمام مسح المقدم: هو الربع المفسر للناصية.\nفإن قلت: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين وهو الناصية فلا يوافق الدليل؟!\nأجيب: بأن الحديث يحتمل معنيين بيان المجمل وبيان المقدر، وخبر الواحد يصلح بيانًا للمجمل في الكتاب، والإجمال في المقدار دون المحل؛ لأنَّه الرأس وهو معلوم، فلو كان المراد منه مطلق البعض؛ لا يحتاج إلى البيان، فإن المسح على أدنى ما ينطلق عليه الاسم غير ممكن إلا بزيادة غير معلومة، وإن الله أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح مطلق البعض؛ لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.\nفإن قلت: لا نسلِّم أن الكتاب مجمل؛ لأنَّ المجمل ما لم يمكن العمل به إلا ببيان، والعمل بالنصِّ ممكن؛ لحمله على الأقل.\nقلت: لا نسلِّم أن العمل به ممكن قبل البيان، والأقل لا يكون أقل من شعرة، والمسح عليها لا يكون إلَّا بزيادة عليها، وما لا يمكن إلَّا به فهو فرض، والزيادة غير معلومة فتحقَّق الإجمال في المقدار.\nفإن قلت: سلَّمنا أنه مجمل والخبر بيان له، ولكن الدليل أخصُّ من المدلول؛ لأنَّ المدلول مقدار الناصية، وهي الربع والدليل يدلُّ على تعيين الناصية.\nقلنا: البيان فيه؛ لما فيه الإجمال، فكأن الناصية بيان للمقدار لا للمحل المسمى: ناصية؛ إذ لا إجمال في المحل، فكان من باب ذكر الخاص وإرادة العام، وهو مجاز شائع، فكانا متساويين في العموم.\nفإن قلت: لا نسلِّم أن مقدار الناصية فرض؛ لأنَّ الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وخبر الواحد لا يفيد القطع ولئن سلَّمناه، ولكنَّ لازمه -وهو تكفير الجاحد- منتف فينتفي الملزوم.\nقلت: الأصل في هذا أن الخبر الواحد إذا لحق بيانًا للمجمل؛ كان الحكم بعده مضافًا إلى المجمل دون البيان، والمجمل من الكتاب دليل قطعي، ولا نسلِّم انتفاء اللازم؛ لأنَّ الجاحد من لا يكون مؤولًا، وموجب القول أو الجميع مؤول يعتمد شبهة","vol":"1","page":46},{"text":"قوية، وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين، ألا ترى أنَّ أهل البدع لا يُكَفَّرون بما منعوا مما دلَّ عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة؛ لتأويلهم، وتمامه في «عمدة القاري» و«منهل الطلاب».\nوقال مالك: المفروض في مسح الرأس ثلثيه، وفي رواية: الثلث، وفي أخرى: مسح كله فرض، وهو المعتمد عنده؛ لأنَّ الباء: زائدة، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، فتعيَّن مسح الجميع، وبه قال أحمد بن حنبل، ويدل لذلك ما رواه مالك من حديث عبد الله بن يزيد بن عاصم: (أنَّه سئل عن وضوئه ﵇، فأكفأ على يديه)، وفي آخره: (ثم أدخل يده في التَّور، فمسح رأسه، فأقبل بها وأدبر مرة واحدة، ثمَّ غسل رجليه)، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين، والقول بزيادتها ضعيف، ويصان كلام الباري عن الزيادة التي لا فائدة فيها، فإنَّه مهما أمكن حمل كلامه تعالى على المعنى؛ يصار إليه ولا يعدل عنه، وإنَّ الحديث الذي رواه ليس بقوي؛ لأنَّ فيه راوٍ ساقط مجهول، وحديث المغيرة وأنس أقوى؛ لأنَّه مروي في الكتب الستة من طرق متعددة، حتَّى قيل: إنَّه بلغ مبلغ المتواتر.\nوقال الشافعي: المفروض في مسح الرأس: مسح بعض شعرة أو ثلاث شعرات؛ لأنَّ الباء عنده معناها: التبعيض، وبشعرة أو ثلاث يطلق عليه البعض، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين كما مرَّ، والتبعيض ليس معنًى أصليًّا؛ بل يحصل في ضمن الإلصاق.\nوقال ابن جني وابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض؛ فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه، وأثبت ابن مالك والفارسي التبعيض، وهو ضعيف، كما نصَّ عليه المحققون، وأنَّه لم يرو في الأحاديث الصحاح ولا الضعاف: أنَّه ﵇ مسح شعرة أو ثلاث شعرات، ولا أحد من الصحابة والتابعين، فالقول: بالتبعيض ضعيف واهٍ لا يعتمد عليه، كما نصَّ عليه المحققون، والله تعالى أعلم.\n (﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾): يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع؛ وهي قراءة نافع والأعمش، والنصب قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، وابن عامر، والكسائي وغيرهم، والجر قراءة أنس، وعلقمة، وأبو جعفر، والمشهور قراءة النصب والجر، فالرفع على معنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، والنصب عطفًا على المغسول، والجر عطفًا على الممسوح.\nففيه ثلاثة مذاهب:\nأحدها: مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة: أنَّ وظيفة الرجلين الغسل لا غير.\nالثاني: مذهب الإمامية من الشيعة وغيرهم: أنَّ الفرض المسح لا غير.\nالثالث: مذهب الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، والشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، والمتصوفة: أنَّه مخير بين الغسل والمسح.\nوالقراءتان متعارضتان فهو في حكم المجمل المفتقر إلى البيان.\nوقد ورد البيان عن النبي الأعظم ﵇ قولًا وفعلًا، أما الأول: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة في الكتب المروية عن جابر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن الحارث، وابن الوليد، وابن سفيان، وأبي أمامة، والصديق الأكبر، وأنس بن مالك وغيرهم: (أنه رأى قومًا يتوضؤون، فبقي على أقدامهم قدر الدرهم لم يصبه الماء، فقال ﵇: «ويل للأعقاب من النار»، فكان أحدهم ينظر، فإن رأى موضعًا لم يصبه الماء؛ أعاد الوضوء)، أخرجها الحافظ الطحاوي، والمؤلف، ومسلم، والدارمي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم، والطبراني، والحاكم، وأبو عوانة، وأبو داود وغيرهم، كما بسطها الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري».\nوأما الثاني: فالأحاديث الصحيحة أيضًا المستفيضة بالنقل المتواتر عن عثمان بن عفان، وعلي الصديق الأصغر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد، والربيع، وعمرو بن عنبسة (^١) وغيرهم: (أنَّه ﵇ غسل رجليه في الوضوء)، كما بسطها في «عمدة القاري»، ولم يثبت في الأحاديث الصحاح أنَّه ﵇ مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، وما روى ابن خزيمة: (أنَّ النبي ﷺ توضأ ومسح بالماء على رجليه)؛ فمنكر لا تقوم به حجَّة، وروي مثله في مسح الرجلين، وكلها ضعيفة؛ بعضها فيه مجهول، وبعضها منسوخ، وبعضها فيه ابن لهيعة، وبالجملة؛ فهي لا يحتج بها، كما بسطها في «عمدة القاري»، والوعيد الذي في الأحاديث الصحاح لا يجوز أن يستحق إلا بترك المفروض، فهذا يوجب استيعاب الرجل بالغسل.\nوأمَّا قراءة الجر؛ فأجيب عنها بأجوبة:\nمنها: أنَّها جرت على مجاورة (رؤوسكم)، وإن كانت منصوبة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] على جوار ﴿يوم﴾ وإن كان صفة لـ ﴿عذاب﴾، وقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ بجر (خرب) وإن كان مرفوعًا صفة لـ (جحر)، وللنحاة باب مستقل في ذلك.\nومنها: أنَّها عطفت على الرؤوس؛ لأنَّها تغسل بصب الماء عليها، فكأنَّ مظنة الإسراف المنهي عنه لا لتمسح، ولكنَّه؛ لينبِّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية؛ ليعلم أنَّ حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنَّه لا غاية في الممسوح، قاله في «الكشاف».\nومنها: أنَّه محمول على حالة اللبس للخف، والنصب على الغسل عند عدمه.\nومنها: أنَّ المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه؛ إذا توضأ، قاله أبو زيد وأبو علي الفارسي.\nوالتوفيق بين القراءتين يمكن أن يحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتان، وقراءة الجر على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين؛ توفيقًا بين القراءتين، وعملًا بهما بالقدر الممكن.\nوقد يقال: إن قراءة الجر معارضة لقراءة النصب، فلا حجة فيهما إذن؛ لوجود المعارضة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾): قال جمهور أهل اللغة: الكعبان: العظمان الناتئان في آخر الساق مع القدم، وكلُّ مفصل للعظام؛ فهو كعب إلا أنَّ هذين الكعبين ظاهران عن يمنة القدم ويسرته؛ فلذلك لم يحتج أن يقال: الكعبان اللذان من صفتهما كذا وكذا.\nوقالت الإمامية من الشيعة وكل من يرى المسح: إنَّ الكعب: عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق؛ حيث يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك، وهو مردود؛ لأنَّه لو كان كما قالوه؛ لكان في كلِّ رجل كعب واحد، فكان ينبغي أن يقول: إلى الكعاب؛ لأنَّ الأصل: أنَّ ما يوجد من خلق الإنسان مفردًا، فتثنيته بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ومتى كان مثنًّى؛ فتثنيته بلفظ التثنية، فلمَّا لم يقل: إلى الكعاب؛ عُلِم أن المراد ما ذكره جمهور أهل اللغة، كما علمت.\nويدلُّلما قلناه حديث عثمان بن عفان: (أنَّه ﵇ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثمَّ اليسرى كذلك)، أخرجه مسلم، فدلَّ على أنَّ في كلِّ رجل كعبين، وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف: (فقد رأيت الرجل يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه)، رواه أبو داود والمؤلف، وحديث طارق قال: (رأيت رسول الله ﵇ في سوق ذي المجاز وعليه جبَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس؛ قولوا؛ لا إله إلا الله؛ تفلحوا» ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمي عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس؛ لا تطيعوه؛ فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه بالحجارة، قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب)، وهذا يدل: على أنَّ الكعب: هو العظم الناتئ في جانب القدم؛ لأنَّ الرمية إذا كانت من وراء الماشي؛ لا تصيب ظهر القدم.\nفإن قلت: روى هشام بن عبد الله الرازي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أنَّه قال: إن الكعب في ظهر القدم عند معقد الشراك.\nقلت: اتفق جميع الشرَّاح وأصحاب المناسك على أنَّ ذلك سهو من هشام في نقله عن الإمام محمد؛ لأنَّه قال ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين\n_________\n(^١) في الأصل: (عبسة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":46},{"text":"حيث يقطع خفيه أسفل الكعبين، وأشار الإمام محمد بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام إلى الطهارة؛ فليحفظ.\nوقال ابن بطال في «شرحه»: إنَّه مذهب الإمام الأعظم.\nوأجيب: بأن هذا جهل من ابن بطال بمذهب الإمام الأعظم؛ لأنَّه لم يقل به أحد من أصحابه، فهذه جرأة وسوء أدب وافتراء؛ فليحفظ.\nواعلم: أن الترتيب بين أفعال الوضوء اختلف فيه؛ فقال إمامنا الإمام الأعظم: إنَّه سنَّة، واختار القدوري أنَّه مستحب، واختار غيره أنَّه واجب، والمعتمد الأول؛ لمواظبة النبي الأعظم ﵇ على ذلك مع الترك أحيانًا، والمواظبة مع الترك تفيد السُّنِّيَّة.\nوروى المؤلِّف وأبو داود: أنَّه ﵇ تيمَّم فبدأ بذراعيه قبل وجهه، فلما ثبت عدم الترتيب في التيمم ثبت في الوضوء؛ لأنَّ الخلاف فيهما واحد، ولأنَّ الواو في الآية لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا ولا معية؛ بإجماع أهل اللغة كما نصَّ عليه رئيس الصنعة سيبويه، وروي في «السنن»: أنَّه ﵇ نسي مسح رأسه ثمَّ تذكر فمسحها ولم يُعِد غسل رجليه، وهو مرسل يصح الاحتجاج به عندنا.\nوقال الشافعي: إنَّ الترتيب فرض للآية؛ حيث عقَّب القيام بغسل الوجه بالفاء؛ وهي للترتيب، ومتى وجب تقديم الوجه؛ تعيَّن الترتيب وهو منقوض؛ لأنَّ الفاء وإن اقتضت التشريك، لكن المعطوف على ما دخلت عليه الفاء بالواو مع ما دخلت كالشيء الواحد؛ فأفادت ترتيب غسل هذه الأعضاء على القيام إلى الصلاة، لا ترتيب بعضها على بعض، وهذا مما يُعلم بالبديهة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فللقاتل أن يبدأ بأيِّهما شاء بالإجماع، وكذا لو قال لغلامه: إذا دخلت السوق؛ فاشتر لحمًا، وخبزًا، وموزًا؛ لا يلزمه شراء اللحم أولًا، واستُدلَّ للشافعي بحديث: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع طهوره مواضعه، فيغسل يديه ثم يغسل به وجهه ثم ذراعيه...» الحديث، وكلمة: (ثمَّ)؛ للترتيب وهو منقوض؛ لأنَّ النووي قال: (إنَّه حديث ضعيف لا يُحتجُّ به)، على أن كلمة: «ثمَّ»؛ للتراخي ولم يقل به أحد وصار بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]؛ أي: وصورناكم.\nواستُدلَّ للشافعي أيضًا بأن الله تعالى ذكر ممسوحًا بين مغسولات، والأصل: جمع المتجانس على نسق واحد، ثم عطف غيرهما، لا يُخرَج عن ذلك إلا لفائدة، وهي هنا وجوب الترتيب، وهو منقوض؛ لما نص عليه المفسرون من أن الفائدة هنا التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء على الأرجل؛ لما أنَّها مظنة الإسراف، والحاصل: أن الدليل قائم على عدم الافتراض؛ لأنَّه الأصل ومدعيه مطالب بالدليل؛ فليحفظ.\nفائدة: استُدِل بهذه الآية على أن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، وأمَّا قبل ذلك؛ فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السِّيَر على أن غسل الجنابة فرض على النبي الأعظم ﵇ بمكة؛ كما افترضت الصلاة، وأنَّه لم يصل قط إلا بوضوء، وروى الحاكم في «المستدرك» من حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي ﵇ وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: «ائتوني بوضوء؛ فتوضأ»، فهو دليل على وجود الوضوء قبل الهجرة، وأنه فرض.\nوزعم ابن الجهم بأنَّه كان قبل الهجرة مندوبًا، وزعم ابن حزم بأنَّه لم يشرع إلا بالمدينة.\nورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في «المغازي» التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة عنه: أن جبريل علَّم النبي ﵇ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل، ووصله أحمد وابن ماجه من رواية راشد بن سعيد، وأخرجه الطبراني من طريق الليث بن عقيل موصولًا، والله أعلم.\n (قال أبو عبد الله) يعني: المؤلف: (وبيَّن)؛ بتشديد التحتية، وللأصيلي: (قال: وبين) (النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: في حديث ابن عباس الآتي موصولًا في باب (أن النبي الأعظم ﵇ توضأ مرة مرة) (أن فرض الوضوء)؛ المجمل في الآية المذكورة (مرة) للوجه ومرة لليدين و(مرة) للرأس ومرة للرجلين، وروي فيهما الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى الخبرية لـ (أن) وهو أقوى الأوجه، وأمَّا النصب؛ فعلى أوجه:\nأحدها: أنَّه مفعول مطلق؛ أي: فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلة واحدة.\nوالثاني: أنَّه ظرف؛ أي: فرض الوضوء ثابت في الزمان المسمَّى بالمرة، ذكر هذا الوجه الكرماني، قال في «عمدة القاري»: وفيه بعد، وأقرَّه البرماوي.\nالثالث: أنَّه حال سدت مسد الخبر كقراءة بعضهم ﴿ونحن عصبة﴾؛ بالنصب.\nالرابع: أنه نصب على لغة من ينصب الجزأين لـ (أن) كقوله: إنَّ حُرَّاسنَا أسدًا، كذا قرره في «عمدة القاري»، قال: (وفائدة التكرار: إما التأكيد أو إرادة التفصيل؛ أي: فرض الوضوء غسل مرة للوجه... إلى آخره، فالتفصيل بالنظر إلى أجزاء الوضوء، أو المعنى: فرض الوضوء في كل وضوء مرة في هذا الوضوء فالتفصيل بالنظر إلى جزئياته) انتهى.\n (وتوضأ) ﵇ (أيضًا)؛ بفتح الهمزة مصدر (أضَّ) إذا رجع، كما في الحديث؛ أتى بيانه موصولًا في باب على حدة، (مرتين مرتين)؛ بالتكرار، وفي رواية بدونه، ووجه انتصابهما مثل انتصاب (مرة) كما سبق قريبًا.\n (وتوضأ) ﵇ أيضًا (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وفي رواية: (وثلاثًا ثلاثًا)، وفي رواية: (وثلاثة) بالهاء، فأشار المؤلف بهذين التعليقين إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به لا يقتضي المرة ولا التكرار، بل هو محتمل لهما فبيَّن النبي الأعظم ﵇ أن المراد منه: المرة؛ حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها، لأنَّه لو لم يكن الفرض إلا مرة واحدة؛ لم يجز الاجتزاء بها، وأشار بقوله: (مرتين) و(ثلاثًا) إلى أن الزيادة عليها مندوب إليها؛ لأنَّ فعل الرسول ﵇ يدل على الندب غالبًا إذا لم يكن دليل على الوجوب بكونه بيانًا للواجب.\nقال في «عمدة القاري»: وبيان النبي الأعظم ﵇ أن فرض الوضوء مرة مرة؛ وقع في حديث ابن عباس: أنه ﵇ توضأ مرة مرة، وهو بيان بالفعل لما أجمل في الآية، وحديث أبي بن كعب: أنه ﵇ دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ففيه بيان بالقول والفعل، وهذا أخرجه ابن ماجه، ولكنه ضعيف، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، وتمامه فيه، قلت: يحتمل أنه صار حسنًا لغيره لتعدد طرقه وعدم اشتداد ضعفها؛ فليحفظ.\n (ولم يزد)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (على ثلاث) بدون التاء، وهي الرواية الصحيحة، كما في «عمدة القاري»، وهو القياس؛ لأنَّ المعدود مؤنث، وفي رواية بالتاء، فإما أوله بـ (أشياء) وإما لأنَّه محذوف، كذا قيل.\nقال في «عمدة القاري»: المعنى أنه لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوء النبي الأعظم ﵇ أنه زاد على ثلاث؛ بل ورد عنه ﵇ ذم من زاد عليها، وهو ما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب: أن النبي ﵇ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «من زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، وإسناده جيد، وكيف يكون ظالمًا بالنقصان وقد ورد في الأحاديث الوضوء مرة مرة ومرتين كما سبق؟\nوأجيب عنه بأجوبة:","vol":"1","page":47},{"text":"الأول: أن فيه حذفًا؛ تقديره: أو نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حماد مرفوعًا: «الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث؛ فقد أخطأ»، وهو مرسل، ورجاله ثقات.\nالثاني: أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم اقتصروا على قوله: «فمن زاد» فقط، كذا رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي عليه السلامن فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هذا الوضوء فمن زاد على هذا؛ فقد أساء، وتعدى، وظلم»، ورواه ابن ماجه في «سننه» وأحمد في «مسنده» والنسائي في «سننه» بلفظ: «فقد أساء وتعدى وظلم».\nالثالث: أنَّه يكون ظالمًا لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن كان مرة مرة أو مرتين مرتين.\nالرابع: أنَّه يكون ظالمًا إذا اعتقد خلاف السنية في الثلاث، ويقال: الإساءة ترجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان؛ لأنَّ الظلم: وضع الشيء في غير محله، قلت: وكذا الزيادة على الثلاث أيضًا وضع الشيء في غير محله، وأيضًا هذا إنَّما يتمشى على رواية تقديم الإساءة على النقصان؛ فافهم.\nقال في «منهل الطلاب»: (واختلف في تأويله؛ فقيل: من زاد على أعضاء الوضوء بأن مسح الحلقوم أو نقص عنها، أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه، أو زاد على الثلاث معتقدًا أنَّ إكمال السنة لا يحصل بالثلاث).\nقال في «الحلية»: (والظاهر: أنَّه لو نقص غسلهما عن الثلاث كان آتيًا بالسنة تاركًا لكمالها)، ووافقه في «النهر» وهو جارٍ على القول بأن الأولى فرض، والثانية سنة، والثالثة إكمال، كما في «الكشف»، والصحيح: أنَّه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاثة سنة؛ لا يلحقه الوعيد، كذا في «البدائع»، واقتصر عليه في «الهداية»، ومشى عليه في «الدر المختار»، وفي «البحر»: السنة تكرار الغسلات المستوعبات لا الغرفات، والمرة الأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان مؤكدتان على الصحيح، كما في «السراج»، واختاره في «المبسوط»، وأيَّده في «النهر».\nولو اقتصر على مرة واحدة؛ ففي إثمه قولان: قيل: يأثم؛ لترك السنة، وقيل: لا يأثم؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِر به، كذا في «السراج»، واختار في «الخلاصة» أنه إن اعتاده؛ أثم، وإلا؛ فلا، ومشى عليه في «الدر»، وهو محمل القولين، كما في «الفتح» و«النهر»، أمَّا إذا لم يجعله عادة له بأن اقتصر على واحدة أحيانًا، أو فعله؛ لعزة الماء، أو لعذر البرد، أو لحاجة؛ فلا يكره، كما في «الخلاصة».\nوأمَّا إن زاد على الثلاث لطمأنينة القلب؛ فمندوب؛ لأنَّه أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وهذا في غير الموسوس، أمَّا هو؛ فيلزمه قطع مادة الوسواس عنه، وعدم الالتفات إلى التشكيك؛ لأنَّه فعل الشيطان، وقد أمرنا بمخالفته، ويؤيده ما ذكره في «التاترخانية»: (أنَّه لو شك في بعض وضوئه؛ أعاده إلا إذا كان بعد الفراغ منه، أو كان الشك عادة له، فإنه لا يعيده ولو قبل الفراغ؛ قطعًا للوسوسة عنه) انتهى.\nوأمَّا إذا زاد بنية وضوء آخر بعد الفراغ من الأول؛ فلا بأس به؛ لأنَّه نور على نور، وكذا إن نقص؛ لحاجة لا بأس به، كما في «المبسوط»، وفي «التاترخانية»: (لو زاد على الثلاث؛ فهو بدعة، وهذا إذا لم يفرغ من الوضوء، أمَّا لو فرغ ثم استأنف الوضوء؛ فلا يكره بالاتفاق) انتهى، ومثله في «الخلاصة»، وعارض دعوى الاتفاق في «البحر» بما في «السراج» من أنَّه مكروه في مجلس واحد قبل أن يؤدي بالأول عبادة، ووفَّق في «النهر» بأن ما مرَّ فيما إذا أعاده مرة واحدة وما في «السراج» فيما إذا كرره مرارًا، انتهى، قيل: وهو بعيد، وتمامه في «شرحنا»، والله تعالى أعلم.\n (وكرِه)؛ بكسر الرَّاء مخففة وبفتحها مشددة، والمكروه: ضد المحبوب، يقال: كَرِه الشيء يكرهه -من باب (سَمِع) - كَرهًا ويضم، وكراهية؛ بالتخفيف والتشديد؛ إذا لم يحبه، كما في «القاموس».\nوالمكروه نوعان: مكروه تحريمًا؛ وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة، وهو ما تَرْكُه واجب ويثبت بما يثبت به الواجب، كما في «فتح القدير»، ومكروه تنزيهًا؛ وهو ما تركه أولى من فعله، وكثيرًا ما يطلقونه، فلا بد من النظر في الدليل، فإن كان نهيًا ظنيًّا؛ يحكم بكراهة التحريم ما لم يوجد صارف عنه إلى التنزيه، وإن لم يكن الدليل نهيًا، بل كان مفيدًا للترك الغير الجازم؛ فهي تنزيهية، قاله صاحب «البحر».\nثم المكروه تنزيهًا إلى الحلِّ أقرب اتفاقًا كما في «البرهان»، وأمَّا المكروه تحريمًا؛ فالمشهور عن الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: أنه إلى الحرام أقرب؛ بمعنى: أنه ليس فيه عقوبة بالنار، بل بغيرها كحرمان الشفاعة، وعند الإمام محمد: هو حرام، ولم يطلقه عليه؛ لعدم النص الصريح فيه، كذا في شروح «الملتقى».\n (أهل العلم) أي: المجتهدون منهم (الإسراف)؛ وهو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير؛ فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي (فيه)؛ أي: في الوضوء، أشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار أحد التابعين قال: (كان يقال: في الوضوء إسراف، ولو كنت على شاطئ نهر)، وأخرج ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ مرَّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟»، قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم؛ ولو كنت على نهر جارٍ».\n (وأن يجاوزوا) أي: أهل العلم (فعل النبي) الأعظم (ﷺ)، بالعطف على قوله: (الإسراف فيه)، وهو عطف تفسير للإسراف؛ إذ ليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعله ﵇؛ أي: الثلاث، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: (ليس بعد الثلاث شيء).\nواختلف في الكراهة؛ فقال شمس الأئمة الحلواني: إنها تحريمية، وعليه مشى الإمام الجليل قاضيخان، واستوجهه في «الحلية»، و«البحر»، و«النهر»، ومشى عليه في «الدر»؛ حيث قال: (والإسراف؛ ومنه: الزيادة على الثلاث في الماء مكروه تحريمًا، ولو بماء النهر والمملوك له) انتهى.\nأقول: وذكر المحقق في «فتح القدير» أن ترك التقتير والإسراف من المندوبات، ومثله في «البدائع» وغيرهما؛ فأفاد أن الكراهة تنزيهية، وتقدم أن حديث: «من زاد على هذا أو نقص؛ فقد تعدى وظلم» محمول على الاعتقاد عندنا، كما صرح به في «الهداية» وغيرها، وقال في «البدائع»: (إنه الصحيح، حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد) انتهى، وهو صريح في عدم كراهة التحريم؛ فلا ينافي كراهة التنزيه، ويؤيد هذا ما في «الدر» معزوًّا (^١) للقهستاني عن «الجواهر»: من أن الإسراف في الماء الجاري جائز؛ لأنَّه غير مضيع، انتهى والجائز: قد يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، فيشمل المكروه تنزيهًا، وتقدم ما يفيد أن الكراهة تنزيهية لا تحريمية، وأوضحناه في شرحنا؛ فتأمل.\nوأما الماء الموقوف على من يتطهر به، ومنه ماء المدارس؛ فالإسراف فيه حرام، كما في «الدر»؛ لأنَّ الزيادة غير مأذون بها؛ لأنَّه إنَّما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك كما في «الحلية»، قال العلامة الرحمتي: (وينبغي تقييده بما ليس بجارٍ؛ كالذي في صهريج، أو حوض، أو نحو إبريق، أما الجاري؛ كماء مدارس دمشق وجوامعها؛ فهو من المباح كماء النهر) انتهى، وأقرَّه شيخ شيخنا السيد محمد محشي «الدر» وارتضاه.\n_________\n(^١) في الأصل: (معزيًّا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":47},{"text":"وقد يقال: إنَّ الظاهر: أن الكراهة التنزيهية في الماء الراكد، أمَّا الجاري؛ فلا كراهة أصلًا، والله أعلم، وقالت الشافعية: إنَّ الكراهة تنزيهية على الأصح، وقيل: تحريمية، وقيل: خلاف الأَولى، وحكى الدارمي عن قوم من الشافعية: أنَّ الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء؛ كالزيادة في الصلاة، قال العجلوني: (وهو مردود بأنه قياس فاسد، وخطأ ظاهر، ومخالف لما عليه العلماء)، وقال أحمد وإسحاق: لا تجوز الزيادة على الثلاث، وقال ابن المبارك: إنَّه يأثم.\nقيل: مراد المؤلف: الإجماع على الكراهة في منع الزيادة على الثلاث وفيه نظر؛ لأنَّ الشافعي قال في «الأم»: (لا أحب الزيادة عليها؛ فإن زاد؛ لم أكرهه)، واعترض بأن المؤلف لم يذكر حديثًا في الباب، وأجيب: بأن قوله: (وبيَّن النبي ﵇...) إلخ: حديث؛ لأنَّ المراد من (الحديث) أعم من قول الرسول، غاية ما في الباب: أنه ذكره على سبيل التعليق، وكذا قوله: (وتوضأ...) إلخ: حديث؛ لما ذكرنا، ولا شك أن كلًّا منهما بيان للسنة، وهو المقصود من الباب، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٤٣\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-243>[باب لا تقبل صلاة بغير طهور]</span>\nهذا (باب) بالتنوين: (لا تُقبل)؛ بضم المثناة الفوقية، مبني لما لم يسم فاعله (صلاةٌ)؛ بالرفع نائب عن الفاعل، وفي رواية: (لا يقبل الله صلاة) (بغير طُهور)؛ بضم الطاء: الفعل الذي هو المصدر، والمراد به هنا ما هو أعم من الوضوء والغسل، وما زعمه الكرماني من تخصيصه بالوضوء؛ فليس بصواب؛ فافهم، وأمَّا بفتح الطاء؛ فهو الماء الذي يتطهر به.\nوهذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر بزيادة قوله: «ولا صدقة من غلول»، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق أبي المليح عن أبيه عن النبي الأعظم ﵇ قال: «لا يقبل الله ﷿ صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور»، وله طرق كثيرة ليس فيها شيء على شرط المؤلف؛ فلهذا عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة مع أنَّ حديث ابن عمر مطابق لما ترجم له، وحديث أبي هريرة يقوم مقامه، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-244>[حديث: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ]</span>\n١٣٥ - وبه قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي)؛ بالحاء المهملة والظاء المعجمة، المشهور بابن راهويه (قال: أخبرنا عبد الرزاق): هو ابن همام (قال: أخبرنا مَعمَر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين ساكنة مهملة، ابن راشد، (عن همَّام)؛ بتشديد الميم الأولى (بن مُنَبِّه) بضم الميم، وفتح النُّون، وتشديد الموحدة المكسورة: (أنه سمع أبا هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁ (يقول) جملة وقعت حالًا (قال رسول الله ﷺ: لا تُقبل) بضم المثناة الفوقية، مبني لما لم يسم فاعله (صلاةُ)؛ بالرفع نائب فاعل، كذا في أكثر الروايات، وفي رواية هنا وفي (ترك الحيل): (لا يقبل الله صلاةَ)؛ بالنصب على المفعولية، والمراد بالقبول هنا: ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، فحقيقة القبول: وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي هو القبول؛ عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله ﵇: «من أتى عرَّافًا؛ لم تقبل له صلاة»؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل، ولكن يتخلف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا، قال: ابن عمر؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والتحقيق هنا: أنَّ القبول يراد به شرعًا حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة بدليل صحة صلاةِ العبد الآبق وشارب الخمر ما دام في جسده شيء منها، والصلاةِ في الدار المغصوبة، وأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، والمراد بالحائض: من بلغت سن الحيض؛ فإنَّها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول يفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء.\nوقوله: «لا يقبل...» إلخ: عام في عدم القبول في جميع المُحدِثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا: يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس، وقيل: إن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر؛ فهما متغايران؛ أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ فالقبول على هذا أخص من الصحة؛ فكل مقبول صحيح ولا عكس؛ فليحفظ.\nوقوله: (مَن)؛ موصولة مضافة لما قبلها وصلتها قوله: (أحدث)؛ أي: وُجِد منه الحدث، أو أصابه الحدث، أو دخل في الحدث، من الحدوث؛ وهو كون الشيء لم يكن، قال الصغاني: (وقول الفقهاء: أحدث؛ أي: أتى منه ما نقض طهارته؛ فلا تعرفه العرب) انتهى.\nقلت: وفيه أن الحدث: الشيء الحادث؛ فيطلق على كل ما نقض الوضوء؛ لحدوثه، وهذا بموضوعه يطلق على الأكبر؛ كالجنابة، والحيض، والنفاس، والأصغر؛ كنواقض الوضوء، وقد يسمَّى المنع المترتب عليه: حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع إلا أن يكون رافعًا، وكان الشارع جعل أمد المنع المترتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر، وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم، لكنه مخصوص بحالة ما أو بوقت ما، وليس ذلك ببدع؛ فإنَّ الأحكام قد تختلف باختلاف محلِّها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكلِّ صلاة؛ فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتفائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة ألَّا يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذلك الوجوب، كما عرف.\nوذكر الفقهاء أن الحدث: وصف حكميٌّ مقدَّر قيامه بالأعضاء على معنى الوصف الحسي، ويُنْزِلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول: بأنَّ التيمم لا يرفع الحدث؛ يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب عليه التيمم زائل.\n (حتى) للغاية؛ بمعنى: إلى أن (يتوضأ) بالماء أو ما يقوم مقامه؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِر به، على أنَّ التيمم من أسمائه الوضوء، قال ﵇: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، رواه النسائي بإسناد صحيح عن أبي ذر، فأطلق الشارع على التيمم أنَّه وضوء؛ لكونه قام مقامه، وهذا نفي القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا؛ فإن لفظ: (صلاة) اسم جنس؛ فيعم، والمراد أنَّه قد أتى بباقي شروط الصلاة، والضمير في (يتوضأ) يرجع إلى من أحدث، وسمَّاه محدثًا وإن كان طاهرًا باعتبار ما كان؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وإنما اقتصر على الوضوء؛ نظرًا لكونه الأصل، أو لكثرة وقوعه، وهذا آخر الحديث والباقي إدراج من همَّام؛ حيث قال: (قال رجل) لم يعرف اسمه (من حَضْرمَوت)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الميم، اسم بلد باليمن وقبيلة أيضًا، وهو من المركَّب المزجي، فهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، والأول منه مبني على الفتح على الأصح، والثاني المنع من الصرف، وقيل: ببنائهما على الفتح، وقيل: بإعرابهما فيقال: هذا حضرُموتِ برفع الرَّاء وجر التاء، ويجوز فيه الإضافة،","vol":"1","page":48},{"text":"وقال العلَّامة الزمخشري: (فيه لغتان؛ التركيب ومنع الصرف، والثانية: الإضافة، فإذا أضيف؛ جاز في المضاف إليه الصرف وتركه)، وتمامه في «عمدة القاري»: (ما الحدث)؛ مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وفي رواية: (فما الحدث) (يا أبا هريرة؟) وفي بعض النسخ بحذف الهمزة؛ للتخفيف (قال) أي: أبو هريرة: (فُسَاء)؛ بضم الفاء، وفتح السين المهملة، والمد، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو فساء؛ أي: الحدث فساء، (أو ضُراط)؛ بضم الضَّاد المعجمة، وهما مشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر، يمتاز الأول بكونه بدون صوت، والثاني مع الصوت، وإنَّما اقتصر على هذين مع أن المراد كل خارج من السبيلين، أو ما يكون مظنَّة له كزوال العقل؛ تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، أو لأنَّهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، أو لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك.\nقال في «عمدة القاري»: وفيه بعد، والأقرب أن يقال: إنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، كما ورد نحو ذلك في حديث آخر: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، وفي الحديث دلالة على [أنَّ] الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وسجدة التلاوة والشكر وغيرهما، وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري: أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أنَّ قولهما قال به بعض الشافعية؛ فلو صلَّى محدثًا متعمدًا بلا عذر؛ أثم ولا يكفر عند الجمهور، وروي عن الإمام الأعظم أنَّه يكفر لتلاعبه وقد سبق؛ فافهم، لكن قد يفرق بين صلاة الجنازة والصلاة المطلقة؛ بأن الأولى: دعاء حقيقة، والثانية: ذات الأركان والأفعال، وهو دليل على [أنَّ] تعمد صلاة الجنازة بغير طهور غير مكفِّر؛ لأنَّها دعاء، والصلاة المطلقة المختار أنه يكفر، كما حررناه فيما سبق.\nقال بعض الشراح: هذا الحديث رد على من يقول: إذا سبقه الحدث؛ يتوضأ، ويبني على صلاته.\nقلت: هذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، وهو رواية عن مالك، وبه قال الشافعي في القديم، وهو ليس يرد عليهم، كما زعم؛ لأنَّ من سبقه الحدث في صلاته إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته؛ يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء، على أنه قد ورد في الحديث عنه ﵇ أنه قال: «من أحدث في صلاته؛ فلينصرف، فليتوضأ، ثم يتم صلاته»، وسيأتي في محلِّه بقية الكلام.\nوقال الكرماني: (وفيه: أنَّ الطواف لا يجزئ بغير طهور؛ لأنَّ النبي ﵇ سمَّاه صلاة؛ فقال: «الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام»).\nقلت: الأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، واشتراط الطهارة في الطواف بخبر الواحد زيادة على النص، وهي نسخ؛ فلا يثبت به، غير أنَّا نقول بوجوبها؛ لخبر الواحد، ومعنى الحديث: الطواف كالصلاة، والتشبيه في الثواب دون الحكم؛ لأنَّ التشبيه لا عموم له ألا ترى أن الإنحراف فيه، والمشي، والكلام وغيرهما فيه لا يفسده؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٤٥\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-245>[باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء]</span>\nهذا (بابُ فضلِ الوُضوء)؛ بضم الواو بجر (فضل) بالإضافة إلى (باب)، وبرفعه بلا إضافة خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا، وعليه؛ فـ (باب) بالتنوين (والغرَّ المحجلين)؛ بالجر للمستملي عطفًا على الوضوء؛ أي: وفضل الغر المحجلين، كما صرح به الأصيلي، وفي أكثر الروايات كما في «عمدة القاري»: (والغرُّ المحجلون)؛ بالرفع إمَّا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وإما بالعطف على (فضل) المرفوع في الرواية، وإما على الحكاية، وأيَّده في «عمدة القاري» بأنه وقع في رواية مسلم: (أنتم الغرُّ المحجَّلون)، وعليها فـ (الغر): مجرور بكسرة مقدَّرة عطفًا على المجرور السابق، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، و(المحجَّلون): نعت لـ (الغر) مجرور بياء مقدرة في الآخر، منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الحكاية، وإمَّا على أن يكون (الغر) خبرًا لمبتدأ محذوف؛ نحو: أنتم، يقدر بعد الواو، أو أن يكون (الغر) مبتدأ، و(المحجلون) صفته، وخبره محذوف؛ أي: مفضلون على غيرهم، أو الخبر قوله: (من آثار الوُضوء)؛ أي: منشؤهم آثار الوضوء، و(من)؛ للسببية، أو لابتداء الغاية، و(الوُضوء): بضم الواو وفتحها، والواو في (والغر) عاطفة؛ لأنَّ التقدير: باب فضل الوضوء وباب هذه الجملة، وجعلها ابن حجر استئنافية، وتبعه الشيخ إسماعيل، وردَّه في «عمدة القاري» بأن فيه ركاكة، وتبعه البرماوي والدماميني؛ حيث قال: (لا يصح؛ لعدم صحة الحمل؛ لعدم الفائدة).\nوقال الزركشي: (و«الغرُّ المحجلون» بالرفع، وإنما قطعه عمَّا قبله؛ لأنَّه ليس من جملة الترجمة)، وردَّه في «عمدة القاري» بأنَّه ليس كما قال، بل هو من جملة الترجمة؛ لأنَّه هو الذي يدل عليها صريحًا؛ لمطابقة ما في حديث الباب إياها، كما ستقف عليه، انتهى، وتبعه على ذلك البرماوي، وانتصر للزركشي الدمامينيُّ تعصُّبًا، وردَّه الشيخ إسماعيل بما يطول؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٤٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-246>[حديث: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء]</span>\n١٣٦ - وبه قال: (حدثنا يحيى بن بُكَيْر)؛ بضم الموحدة، وفتح الكاف، وإسكان التحتية، المصري (قال: حدثنا الليث): هو ابن سعد المصري، (عن خالد): هو ابن يزيد، من الزيادة، الإسكندراني البربري الأصل، أبو عبد الرحيم، المصري التابعي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، (عن سعيد) بكسر العين (ابن أبي هلال) الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، ولد بمصر، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، (عن نُعَيْم)؛ بضم النُّون، وفتح العين، وسكون التحتية، ابن عبد الله أو محمد المدني العدوي (المُجمِر)؛ بضم الميم الأولى وكسر الثانية: اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، وقيل: بتشديد الميم الثانية من التجمير؛ وهو التبخير، سمي به نعيم وأبوه أيضًا؛ لأنَّهما كانا يبخران مسجد النبي الأعظم ﵇، فهو صفة لهما حقيقة، فلا تصح دعوى المجاز في نعيم كما زعمه النووي؛ فليحفظ.\n (قال: رَقِيت)؛ بكسر القاف؛ أي: صعدت، وفي «المطالع»: (أنه بفتح القاف بالهمز وبدونه) انتهى، فهي ثلاث لغات، واللغة الصحيحة المشهورة: كسر القاف، كذا في «عمدة القاري» (مع أبي هريرة) ﵁ (على ظهر المسجد)؛ أي: مسجد النبي الأعظم ﵇، فـ (أل) للعهد، (فتوضأ) بالفاء، وفي رواية: (ثم توضأ)، وفي أخرى: (توضأ) بدون حرف عطف، وفي أخرى: (وتوضأ) بواو العطف، وفي رواية: (يومًا): بدل (توضأ)، واتفق الشراح على","vol":"1","page":48},{"text":"أنه تصحيف.\nوقال العجلوني: (المعنى صحيح فلا ينبغي الجزم بالتصحيف؛ فتأمل).\nقلت: تأملته فوجدت المعنى غير مستقيم؛ لأنَّه تفوت المناسبة بين قولهما، وسياق الحديث يدل على ما قلنا؛ فافهم.\nولم يبيِّن هنا كيفية الوضوء، وفي رواية مسلم من طريق عمارة بن غزيَّة عن نعيم قال: (فتوضأ، فغسل وجهه، ويديه فرفع في عضديه، وغسل رجليه فرفع في ساقيه)، وزاد فيه أنَّ أبا هريرة قال: (هكذا رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ)، فأفاد رفع الوضوء، وفيه الرد على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة، بل هو من روايته ورأيه معًا كذا قيل.\n (فقال) وفي رواية: (قال) بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثمَّ ماذا؟ فقال: قال (إني) بكسر الهمزة (سمعت النبي) الأعظم؛ مقول القول، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ يقول)؛ جملة وقعت حالًا من (النبي)، وإنَّما عبر بالمضارع؛ لأجل الاستحضار للصورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها، وإلا؛ فالأصل أن يقال: قال؛ بلفظ الماضي: (إن)؛ بكسر الهمزة مقول القول (أمتي)؛ اسم إن، والمراد بها: أمة الإجابة؛ لأنَّ الأمة في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وهي في اللغة: الجماعة، وكل جنس من الحيوان أمة، ففي الحديث: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم؛ لأمرت بقتلها»، ويستعمل في اللغة لمعان كثيرة: الطريقة، والدين، والحين، والملك، والرجل الجامع للخير، والرجل المنفرد بدينه، والأمة: أتباع الأنبياء ﵈، وأمة محمد ﵇ تطلق على معنيين: أمَّة الدعوة؛ وهي من بعث إليهم، وأمة الإجابة؛ وهي من صدَّقه وآمن به، وهذه هي المرادة هنا، كما قلنا، كذا في «عمدة القاري».\n (يُدعون)؛ بضم أوله على صيغة المجهول، في محل رفع خبر (إنَّ)، وأصله: يدعوون؛ بواوين، تحركت الأولى، وانفتح ما قبلها؛ قلبت ألفًا، فاجتمع ساكنان الألف والواو بعدها، فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين، فصار (يدعون)، وهو إمَّا من الدعاء؛ بمعنى: النداء؛ أي: يدعون إلى الموقف؛ للحساب، وإما من الدعاء؛ بمعنى: التسمية؛ نحو: دعوت ابنِي عبدَ الرزاق؛ أي: سميته به، (يوم القيامة)؛ بالنصب على الظرفية، و(يوم) من الأسماء الشاذة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب (ويح) و(ويل)، وهو اسم لبياض النهار من طلوع الفجر الصَّادق إلى غروب الشمس، و(القيامة): (فعالة) من قام يقوم، وأصلها: قوامه، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها (غُرًَّا)؛ بالنصب حال من ضمير (يدعون)، أو مفعول ثان لـ (يدعون) على تضمنه معنى: يسمَّون، وهو بضم الغين المعجمة وتشديد الرَّاء، جمع أغر؛ أي: ذو غُرَّة؛ بالضم: وهي بياض في جبهة الفرس، والأغر من الخيل: الذي غرته أكثر من الدرهم، والتحقيق: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض، والأغر: الأبيض من كل شيء، والمراد بها: النور الكائن في وجوه أمَّة النبي الأعظم ﵇ (مُحَجَّلين)؛ بالنصب حال بعد حال، أو مفعول ثان، أو صفة لـ (غرًا): جمع مُحَجَّل؛ بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم المفتوحة: اسم مفعول من التحجيل؛ وهو بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: في ثلاث قوائم منهنَّ دون الأخرى؛ في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والأحجال: جمع حَجل؛ بالفتح؛ وهو القيد والخلخال أيضًا، والحِجل؛ بالكسر لغة فيهما، والأصل فيه: القيد، والحجلان: مشيه للقيد، والمراد به هنا أيضًا: النور في اليدين والرجلين؛ كالغرة في الوجه، فيُدعَون يوم القيامة وهم بهذه الصفة، و(يدعون): يتعدى في المعنى بالحرف، والتقدير: إلى يوم القيامة؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، واعتُرِض بأن حذف الحرف ونصب المجرور غير مقيس، ورُدَّ بأن نجعل: (يوم القيامة) ظرفًا؛ أي: يدعون فيه غرًا محجلين (من) للتعليل؛ أي: لأجل (آثار)؛ بالمد: جمع أثر، وهو بقية الشيء (الوضوء)؛ بضم الواو وفتحها، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما، أو (من): للسببية؛ أي: بسبب آثار الوضوء؛ كما في قوله: ﴿مِمَّا خَطَايَاهُمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]؛ أي: بسبب خطاياهم أغرقوا، وهو متعلق بـ (محجلين) أو بـ (يدعون) على الخلاف في التنازع بين الكوفيين والبصريين.\n (فمن) موصولة تتضمن معنى الشرط (استطاع) أي: قدر (منكم) الخطاب للمؤمنين، (أن) مصدرية (يطيل غرته)؛ أي: الإطالة، وذلك بأن يغسل قدرًا زائدًا عن دائرة الوجه واليدين والرجلين؛ بأن يجاوز القدر المفروض في ذلك؛ (فليفعل)؛ أي: الغرة أو الإطالة، ففيه الاختصار؛ حيث حذف المفعول، واقتصر على الغرة، ولم يذكر التحجيل؛ للعلم به، ففيه: الاكتفاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحر والبرد، والدليل على أن المراد كلاهما: ما في رواية مسلم: (فليطل غرته وتحجيله).\nواقتصاره على الغرة؛ وهي مؤنثة، دون التحجيل؛ وهو مذكر؛ لأنَّ محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وقيل: إنه من باب التغليب، ورُدَّ بأنه ليس بتغليب حقيقي؛ لأنَّه لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء ويغلبا أحدهما على الآخر؛ كالقمرين، وهذا على تقدير كون قوله: (فمن استطاع...) إلخ من الحديث؛ لأنَّ المرفوع منه إلى قوله: «من آثار الوضوء»، والباقي إدراج في آخر الحديث من أبي هريرة، وقد أنكر ذلك بعضهم، ورد بما رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره: قال نعيم: (لا أدري قوله: «فمن استطاع...» إلخ من قول النبي ﵇ أو من قول أبي هريرة)، وقد روى ذلك الحديث عشرة من الصحابة، وليس في رواية واحد منهم هذه الجملة، فهو دليل ظاهر على أنَّه إدراج.\nوفي الحديث التشبيه البليغ؛ حيث شبَّه النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية؛ بأن كنى بالغرة عن نور الوجه.\nوادعى ابن بطال وعياض وابن التين: اتفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة؛ لأنَّه قد ثبت عن فعل النبي الأعظم ﵇ وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والشافعي وغيرهم، فهم محجوجون بالإجماع، وقد ثبت عن ابن عمر من فعله؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة.\nواستدل ابن بطال ومن تبعه بقوله ﵇: «فمن زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، وهو استدلال فاسد؛ لأنَّ المراد به: الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب أو الثواب المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأوهام ابن بطال كثيرة بيَّنها مع ردِّها في «عمدة القاري».\nوفي الحديث: جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد؛ فإنَّ حرمة الأعلى كحرمة الداخل، وقد كره ذلك جمع؛ منهم الإمام الأعظم؛ لأنَّ ماء الوضوء مستعمل، وهو نجس في رواية، فينبغي حفظ المسجد عنه، ولأن إلقاء النخامة، والبصاق، والاستنشاق مما يستقذر وتعافه الطباع، فبالأولى أن يحفظ بيت العبادة عن المستقذرات،","vol":"1","page":49},{"text":"إلا إذا كان في المسجد مكان معد للوضوء من زمن الواقف؛ فلا كراهة.\nوقال ابن المنذر: (أباح كل من يحفظ العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس؛ فإنه يكره، فالمقصود حفظ المسجد من الغسالة وغيرها من الأوخام، وينبغي لمريد الوضوء في المسجد أن يتوضأ بإناء، ويجمع الماء فيه، ثم يلقيه في محلِّه المعدِّ له).\nواستُدِل بالحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وعند المؤلف: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غرًَّا محجَّلين من آثار الوضوء»، وقال بعضهم: ليس الوضوء مختصًّا بهذه الأمة، وإنَّما الذي اختصَّت به الأمَّة الغرَّة والتحجيل، وهو المشهور؛ لقوله ﵇: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»، وأجاب: بأن الحديث ضعيف، ولو صحَّ؛ لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أمتهم بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم؛ حيث استووا مع الأنبياء في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرَّة والتحجيل، ولكن ورد في حديث جريج عند المؤلف: (أنَّه قام، فتوضأ وصلى، ثم كلَّم الغلام)، وثبت عند المؤلف أيضًا في قصة سارة: لمَّا همَّ الملك بالدنو منها؛ قامت تتوضأ وتصلي، وفيهما دلالة على أنَّ الوضوء كان مشروعًا لهم، وعلى هذا؛ فيكون خاصيَّة هذه الأمة الغرَّة والتحجيل الناشئين عن الوضوء، لا أصل الوضوء.\nونقل الزناتي: (أن الغرَّة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ؛ كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب)، وهو نقل غريب، وظاهر الأحاديث تقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم، وعند ابن حبان في «صحيحه»: يا رسول الله؛ كيف تعرف من لم تره من أمتك؟ قال: «غر محجلون بلق من آثار الوضوء»، كذا في «عمدة القاري».\nووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصحَّحه: «أمتي يوم القيامة غرٌّ من السجود، محجَّلة من الوضوء»، قيل: هو معارض؛ لظاهر الحديث، ورُدَّ بعدم ظهور وجه المعارضة، وعليها فحديث جريج وسارة يرُدُّه؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٤٧\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-247>[باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (لا يَتوضأ)؛ بفتح أوله على البناء للفاعل، وفي رواية: (باب من لا يتوضأ)؛ بالإضافة للموصولة، وضمير الفاعل يرجع إلى المتوضئ، و(لا): نافية، (من) للتعليل؛ أي: لأجل (الشك حتى يستيقن) الحدث، والسين: للطلب، والشك: خلاف اليقين، واليقين: العلم، واصطلاحًا: الشك: ما يستوي فيه طرف العلم والجهل بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر، فإن ترجَّح أحدهما على الآخر؛ فهو ظنٌّ والمرجوح وهمٌ، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٤٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-248>[حديث: لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا]</span>\n١٣٧ - وبه قال: (حدثنا علي): هو ابن عبد الله المشهور بابن المديني (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة (قال: حدثنا الزهري): محمد بن مسلم، (عن سعيد بن المسيَّب)؛ بفتح المثناة التحتية، (وعن عَبَّاد) بفتح العين المهملة، وتشديد الموحدة (بن تميم) بن زيد بن عاصم الأنصاري المدني، قيل: صحابي، والمشهور: أنه تابعي، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: (وعن عباد) وهو غلط قطعًا؛ لأنَّ سعيدًا لا رواية له عن عباد أصلًا، والعطف صحيح؛ لأنَّ الزهري يروي عن سعيد وعباد كليهما، وكلاهما يرويان (عن عمه)؛ أي: عمُّ عباد المذكور، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب النجاري الأنصاري المازني المدني، له ولأبيه ولأخيه حبيب صحبة، قتل في ذي الحجة بالحرة سنة ثلاث وستين عن سبعين سنة: (أنه شكا)؛ بالألف، وهو في محل رفع خبر (أن)، وهو على صيغة المعلوم، والضمير فيه يرجع إلى عبد الله بن زيد؛ لأنَّه الشاكي، وبه صرح ابن خزيمة، والشكاية: الإخبار بسوء الفعل (إلى رسول الله ﷺ الرجلَ)؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية أنه بصيغة المجهول، و(الرجل)؛ بالرفع مفعول ناب عن الفاعل، وما قاله النووي وزعمه الكرماني؛ فغلط؛ فتفحص، (الذي يُخيَّل)؛ بالخاء المعجمة على صيغة المجهول؛ أي: يشبه ويخايل، والموصول مع صلته: صفة لـ (الرجل) على الوجهين، وسقط لفظ: (الذي) في رواية، وعليها؛ فالجملة حال من (الرجل) (أنه يجد) محله الرفع خبر (أن)، (الشيءَ)؛ بالنصب مفعوله؛ أي: الحدث خارجًا من دبره، وأمَّا القبل؛ فهو اختلاج لا ريح، فغير ناقض وإن تيقن به (في الصلاة)، و(أنَّ) مع اسمها وخبرها: مفعول لقوله: (يخيل) ناب عن الفاعل.\n (فقال) ﵇ له: (لا يَنْفَتِل)؛ بفتح التحتية، وسكون النُّون، وفتح الفاء، وكسر الفوقية، بعدها لام، من الانفتال؛ وهو الانصراف، بالرفع على أن (لا) نافية، والجزم على أنها ناهية، (أو لا ينصرف) بالوجهين، والشك من الراوي وممن دونه، وفي رواية: (لا ينصرف) من غير شك (حتى) للغاية؛ أي: إلى أن (يسمعَ)؛ بالنصب؛ بتقدير: (أن) الناصبة (صوتًا)؛ أي: من الدبر، وزاد في رواية: (خارجًا)، (أو يجد ريحًا)؛ أي: من دبره أيضًا، وفي «صحيح ابن خزيمة»، و«ابن حبان»، و«الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵇ قال: «إذا جاء أحدَكم الشيطانُ، فقال: إنك أحدثت؛ فليقل: كذبت، إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه»؛ أي: فليقل: (كذبت) في نفسه لا ينطق بلسانه؛ لأنَّه يفسد عليه صلاته، والمراد: تحقق وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع؛ لأنَّ الأصم لا يسمع شيئًا، والأخشم -الذي راحت منه حاسة الشم- لا يشم أصلًا، وخصَّ النوعين بالذكر وإن كان غيرهما كذلك؛ لأنَّه خرج على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وإنَّما عبَّر بالوجدان دون الشم؛ ليشمل ما لو لمس المحل بيده ثم شم يده، وفيه دليل على أن لمس الدبر غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.\nوهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الفقه: وهي أنَّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلافها، ولا يضر الشك الطارئ عليها، واتفق العلماء عليها، فمن تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث؛ يحكم ببقائه على طهارته سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهو بالإجماع إلا عن مالك روايتان؛ أحدهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى: يلزمه بكل حال، وحكيت الأولى عن الحسن البصري، والأولى والثانية عن بعض الشافعية، وروي عن مالك أيضًا: أنَّه لا وضوء عليه.\nفإن تيقن الحدث وشكَّ في الطهارة؛ فإنه محدث يلزمه الوضوء بالإجماع.\nوعلى هذا الأصل مَن شَكَّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم، أو الصلاة، أو الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات وما أشبهها؛ فكل هذه الشكوك لا تأثير لها والأصل عدم الحادث.\nواستدلَّ بعضهم بالحديث على أنَّ رؤية المتيمم الماء في صلاته لا تنقض طهارته، وهو استدلال فاسد لا يصح؛ لأنَّه ليس من باب ما ذكر؛ لأنَّ المقصود به جنس الخارج من البدن فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للكلام.\nنكتة: جاء رجل إلى الإمام الأعظم فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنَّك طلقتها، فتركه وذهب إلى سفيان الثوري فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلقتها؛ فقد راجعتها، وإلَّا؛ فلا تضرك المراجعة، فتركه وذهب إلى شريك فسأله، فقال: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه وذهب إلى الإمام زفر فسأله، فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، وقص عليه القصة، فقال في جواب الإمام الأعظم: الصواب قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك؛ ضحك مليًّا، ثم قال: لأضربنَّ لهم مثلًا؛ رجل مر بمشعب يسيل دمًا فشك في ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قال له الإمام الأعظم:","vol":"1","page":49},{"text":"ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله، فإن كان نجسًا؛ فقد طهرته، وإلا؛ فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُلْ عليه ثم اغسله، انتهى.\nفانظر إلى فقه الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وإلى جودة الإمام زفر، وحسن ضرب المثل ﵃ أجمعين.\n\n <span id=\"b-٢٤٩\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-249>[باب التخفيف في الوضوء]</span>\nهذا (باب) جواز (التخفيف في الوضوء) مع إسباغه.\n\n <span id=\"b-٢٥٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-250>[حديث: أن النبي نام حتى نفخ ثم صلى]</span>\n١٣٨ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (علي بن عبد الله) المديني (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة، (عن عَمرو): هو ابن دينار المكي أنَّه (قال: أخبرني) بالإفراد (كُرَيْب)؛ بضم الكاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: ابن أبي مسلم القرشي، مولى عبد الله بن عباس، المكنى بأبي رِشْدِيْن -بكسر الرَّاء، وسكون الشين المعجمة، وكسر الدَّال المهملة، وسكون التحتية، آخره نون-، المتوفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من أفراد الكتب الستة؛ فافهم، (عن ابن عباس) ﵄: (أنَّ النبي) الأعظم (ﷺ نام): جملة محلها الرفع خبر (أنَّ)؛ أي: مضجعًا (حتى) للغاية؛ أي: إلى أن (نَفَخ)؛ بفتح النُّون والخاء؛ أي: خيشومه وهو المعبر عنه بالغطيط، (ثم صلى): وفي رواية: بإسقاط (ثم صلى) (وربما): أصله للتقليل، وقد تستعمل للتكثير، وهنا تحتمل الأمرين، (قال) أي: سفيان: (اضطجع) ﵇ (حتى) أي: إلى أن (نفخ، ثم قام فصلى): والاضطجاع: وضع الجنب بالأرض لغة، والمراد به: النوم، فبين قوله: (نام حتى نفخ) وبين قوله: (اضطجع حتى نفخ) مساواة، والمراد أنَّ سفيان قال: (اضطجع حتى نفخ) بدل قوله: (نام حتى نفخ)، ولفظة (قام) لا بد منها في الروايتين؛ لأنَّ التقدير في الأولى: نام حتى نفخ ثم قام فصلى، وتقدير الثانية: اضطجع حتى نفخ ثم قام فصلى، فما زعمه الكرماني وابن حجر ليس بشيء، كما لا يخفى.\nقال ابن المديني: (ثم حدثنا به)؛ أي: بالحديث (سفيان) ابن عيينة تحديثًا (مرةً بعد مرة)؛ فهو بالنصب صفة لمصدر محذوف، وقوله: (بعد مرة): كلام إضافي صفة لـ (مرة)؛ يعني: أنَّه كان يحدثهم به تارة مختصرًا وتارة مطولًا، (عن عَمرو) أي: ابن دينار، (عن كُريب): مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنَّه (قال: بِتُّ)؛ بكسر الباء الموحدة، من بات يبيت بيتوتة (عند خالتي): أم المؤمنين (ميمونة): غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، بنت الحارث الهلالية، وأختها لُبابة -بضم اللام وبالموحدتين- زوجة العباس عم النبي الأعظم ﵇ أم عبد الله والفضل وغيرهما (ليلةً)؛ بالنصب على الظرفية، (فقام النبي) الأعظم (ﷺ) مبتدئًا (من الليل): فمعنى (من) الابتداء، أو قام من مضيِّ زمن من الليل، وفي رواية: (فنام) من النوم، وصوبها القاضي عياض؛ لقوله: (فلمَّا): الفاء للعطف المحض، خلافًا لما زعمه ابن حجر (كان)؛ أي: وجد، فهي تامة (في): وفي رواية: (من) (بعض الليل): ولفظة (في) زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١]؛ أي: اركبوها، ولفظة: (من) في الرواية الأخرى زائدة أيضًا، وجواب (لمَّا) قوله: (قام النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ): وقيل: إنَّ (كان) ناقصة، واسمها عائد لـ (الرسول).\n (فتوضأ): وضوءه للصلاة (من شَنٍّ)؛ بفتح الشين المعجمة وتشديد النُّون؛ أي: من قربة خلقة (معلقٍ)؛ بالجر صفة لـ (شَنٍّ) على تأويله بالجلد، وفي رواية: (معلقة)؛ بالتأنيث؛ لتأويله بالقربة (وضوءًا خفيفًا)؛ بنصب الأول على المصدرية، ونصب الثاني على أنَّه صفته، (يخففه عَمرو)؛ أي: ابن دينار، وهذا إدراج من سفيان بين كلام ابن عباس، والمراد به أن يكون بين الوضوءين، وليس المراد منه ترك الإسباغ، بل الاكتفاء بالمرة الواحدة مع الإسباغ، (ويقلله)؛ أي: عمرو (^١) بالاقتصار على مرة مرة، فالتخفيف يقابله التثقيل، فهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، فهو من باب الكمِّ، وليس فيه دليل على وجوب الدلك كما زعمه ابن بطال؛ لأنَّ قوله: (يخففه) ينافي الدلك، فكيف يكون فيه دليل على وجوبه؟ ولا شك أنَّ وجوب الدلك زيادة على النص؛ وهو غير جائز، فلا يعول عليه، والجملتان محلهما النصب صفتان لقوله: (خفيفًا).\n (وقام) ﵇ (يصلي): وفي رواية: (فصلى)، والجملة محلها النصب على الحال من الضمير الذي في (قام) (فتوضأت)؛ أي: وضوءًا خفيفًا (نحوًا)؛ بالنصب صفة لمصدر محذوف؛ أي: توضأ نحوًا (مما توضأ) ﵇، و(ما) يجوز أن تكون موصولة أو أن تكون مصدرية، وفي رواية تأتي: (فقمت فصنعت مثل ما صنع)، وهي ترُدُّ على الكرماني؛ حيث زعم هنا أنَّه لم يقل: (مثلًا)؛ لأنَّ حقيقة مماثلته ﵇ لا يقدر عليها أحد غيره، انتهى.\nولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه؛ فافهم.\nقال ابن عباس: (ثم جئت فقمت عن يساره)؛ أي: مجاوزًا، فمعنى (عن): المجاوزة وتحتمل الظرفية، (وربما قال سفيان) ابن عيينة: (عن شِماله)؛ بكسر الشين المعجمة: الجارحة، خلاف اليمين، وبالفتح: الريح التي تهب من ناحية القطب، وهي خلاف الجنوب، وهذا إدراج من علي ابن المديني، (فحولني)؛ بالحاء المهملة، من التحويل؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (فجعلني عن يمينه، ثم صلى) ﵇ (ما شاء الله): وذلك بأن جذبه فأداره من خلفه لا من قدامه؛ لئلا يمر بين يديه فإنَّه مكروه، ولم يذكر كيفية التحويل، ففي رواية: (أخذ برأسه فجعله عن يمينه)، وفي أخرى: (وضع يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني يفتلها)، وفي أخرى: (فأخذ برأسي من ورائي)، وفي بعضها: (بيدي أو عضدي)، والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، وكلها عند المؤلف، فيستفاد منه أنَّ السُّنة أن يقوم المقتدي الواحد عن يمين الإمام، وهو مذهب الإمام الأعظم كما هو المنصوص عليه في كتب المذهب متونًا وشروحًا وفتاوًى، فإن وقف عن يساره أو خلفه؛ جاز ويكون مسيئًا، فما زعمه ابن بطال من أنَّ مذهب الإمام الأعظم: أن يقوم الواحد خلف الإمام؛ خطأ ظاهر، ووهم عاهر، وافتراء وجرأة، وسوء أدب، وجهل بالأحكام، وهو دليل على قلة علمه وأدبه.\n (ثم اضطجع) ﵇ (فنام حتى) أي: إلى أن (نفخ ثم أتاه المنادِي)؛ بكسر الدَّال؛ أي: المؤذن بلال أو غيره (فآذنه)؛ بالمد؛ أي: أعلمه، وفي رواية: (يؤذنه)؛ بلفظ المضارع بدون الفاء، وفي أخرى: (فناداه) (بالصلاة)؛ أي: صلاة الفجر، كما لا يخفى، (فقام) أي: المنادِي (معه) ﵇ (إلى الصلاة): ويجوز أن يقال: فقام النبي ﵇ مع المنادي إلى الصلاة، وما زعمه الكرماني؛ فليس بشيء، (فصلى) ﵇ (ولم يتوضأ) من النوم، قال سفيان بن عيينة: (قلنا لعمرو) أي: ابن دينار: (إن ناسًا)؛ بغير همز في الأول؛ أي: جماعة (يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه)؛ أي: ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام، وهذا حديث صحيح كما سيأتي من وجه آخر، ففيه: دليل على أنَّ النوم ليس حدثًا، بل مظنته والنبي الأعظم ﵇ كان لا ينام قلبه، فلو أحدث؛ لعلم بذلك، ولهذا تارة كان يتوضأ إذا قام من النوم، وتارة لا يتوضأ.\n (قال عمرو) المذكور: (سمعت عبيد بن عمير)؛ بالتصغير فيهما؛ أي: ابن قتادة الليثي المكي، قاضي مكة، مات قبل ابن عمر، وعبيد هذا من كبار التابعين، وقيل: إنَّه رأى النبي الأعظم ﵇، وعمير من الصحابة (يقول: رؤيا الأنبياء وحي): رواه مسلم مرفوعًا عن أنس في (التوحيد)، والرؤيا: مصدر؛ كـ (الرجعى)، تختص برؤيا المنام، كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين، فإذا كانت وحيًا؛ فيترتب عليها ما يترتب على الوحي يقظة؛ لأنَّها حق.\n (ثم قرأ) أي: عبيد بن عمير: (﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي\n_________\n(^١) في الأصل: (عمر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":50},{"text":"أَذْبَحُكَ﴾) [الصافات: ١٠٢]: وجه الاستدلال بالآية من جهة أنَّ الرؤيا لو لم تكن وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ولده؛ لأنَّه محرَّم، فلولا أنَّه أبيح له في الرؤيا بالوحي؛ لما ارتكب الحرام؛ لأنَّه معصوم عنه كغيره من الأنبياء.\nواختلف في الذبيح؛ فقيل: إنَّه إسحاق، وقيل: إسماعيل وهو الأصح، وقال الداودي: قول ابن عمير لا تعلق له بالباب، ورُدَّ بأنَّه ما زاده إلا لأجل أنَّ فيه من نوم العين دون نوم القلب، ولم يلتزم المؤلف ألَّا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، وهذا لم يشترطه أحد.\nوفي الحديث: أنَّ نومه ﵇ مضطجعًا لا ينقض الوضوء، وكذا سائر الأنبياء ﵈؛ لأنَّ يقظة قلوبهم تمنع عنهم الحدث، وما روي أنَّه ﵇ توضأ بعد النوم؛ فذلك لعلمه أنَّه استثقل يومًا فاحتاج إلى الوضوء معه، أو أنَّه أحس بالحدث.\nوفيه: جواز مبيت من لم يحتلم عند مَحرَمِه.\nوفيه: مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي: أنَّها كانت حائضًا.\nوفيه: جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها.\nوفيه: جواز ائتمام واحد بواحد، وجواز ائتمام صبي ببالغ.\nوفيه: أنَّ أقل الوضوء المجزئ إذا أسبغ مرة مرة مع التقاطر ولو قطرة واحدة.\nوفيه: التعليم بالصلاة إذا كان بحركة، لا بحركات، فإنَّه مبطل.\nوقال الداودي: فيه: أنَّ النوم الخفيف غير ناقض، ورُدَّ بأنَّه لا دلالة على ما قاله، فإنَّ نومه ﵇ ليس خفيفًا، بل هو نوم معتاد وهو ناقض في حقِّنا.\nوفيه: أنَّ النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنَّه ﵇ لم يتكلم.\nوفيه: دليل على منع الكلام في الصلاة مطلقًا ولو حرفًا واحدًا مفهمًا، وهو مذهب الإمام الأعظم، وهو حجة على الشافعي في إباحته الكلمة؛ لأنَّه لا دليل عليه.\nوفيه: أنَّ الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥١\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-251>[باب إسباغ الوضوء]</span>\nهذا (بابُ إسباغِ الوضوء)؛ أي: إتمامه، وإبلاغه مواضعه، وإيفاء كل عضو حقه من غسل ومسح.\n (وقال) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب فيما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» موصولًا بسند صحيح: (إسباغ الوضوء: الإنقاء): من تفسير الشيء بلازمه؛ لأنَّ الإسباغ لغةً: الإتمام والاتساع، والإتمام يستلزم الإنقاء عادة، ويدل له ما رواه ابن المنذر بإسناد صحيح: أنَّ ابن عمر كان يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات؛ لأنَّه كان يقصد بذلك الإنقاء، واقتصاره في ذلك على الرجلين؛ لأنَّهما محل الأوساخ غالبًا لاعتيادهم المشي حفاة، بخلاف بقية الأعضاء، وقد سبق أنَّ الزيادة على الثلاث ظلم وتعد، وأجيب: بأنَّ ذلك فيمن لم ير الثلاث سنة، وأمَّا إذا رآها وزاد على أنَّه من باب الوضوء على الوضوء؛ يكون ذلك نورًا على نور، كذا قرره في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-252>[حديث: دفع رسول الله من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال]</span>\n١٣٩ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلمَة)؛ بفتح الميمين وسكون السين المهملة: القعنبي، (عن مالك): هو ابن أنس، (عن موسى بن عُقبة)؛ بضم العين: ابن أبي عَيَّاش -بفتح العين وتشديد التحتية- أبو محمد المدني، مولى الزبير بن العوام، أو مولى أم خالد زوجة الزبير، القرشي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن كُريب)؛ بضم الكاف: ابن أبي مسلم القرشي (مولى ابن عباس) ﵄، (عن أُسَامة)؛ بضم الهمزة وفتح السين المهملة (بن زيد) بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني، الحبِّ بن الحبِّ، مولى النبي الأعظم ﵇، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن -واسمها بركة-، المتوفى بوادي القرى سنة أربع وخمسين على الأصح عن خمس وخمسين سنة، وقد ذكر اسم أبيه في القرآن العظيم: (أنَّه سمعه) جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) (يقول) جملة في محل نصب على الحال، ومقول القول قوله: (دفع) أي: أفاض ورجع (رسول الله ﷺ من) وقوف (عرفة) بعرفات؛ لأنَّ (عرفة) اسم الزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة على الصحيح، فالمضاف فيه يكون محذوفًا، وقيل: عرفة وعرفات كلاهما اسمان للمكان المخصوص، يقال: هذا يوم عرفةَ، غير منون، وعليه فلا حاجة إلى التقدير، ولا تدخلهما الألف واللام، وعرفات: الموضع الذي يقف فيه الحاج يوم عرفة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهي اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، لا واحد لها، وليس بعربي محض، وقول الناس: نزلنا عرفة، شبيه بمولَّد، وإنَّما سميت به؛ لأنَّ آدم ﵇ عرف حواء بها، فإنَّ الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فتعارفا في الموقف، أو لأنَّ جبريل عرَّف إبراهيم ﵉ المناسك هناك، أو للجبال التي فيها، والجبال التي هي الأعراف، وكل باب: عرف، ومنه: عرف الديك، أو لأنَّ الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها، أو لأنَّها مكان مقدس معظم قد عُرِّف؛ أي: طُيِّب، كذا في «عمدة القاري».\n (حتى إذا كان) أي: النبي الأعظم ﵇ (بالشِّعْب)؛ بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة: الطريق في الجبل المعهود للحاج، و(حتى): ابتدائية أو حرف جر، والباء في (بالشِّعب): ظرفية، و(إذا): ظرفية محلها الجر بـ (حتى) الجارة، وعلى الأول فموضعها النصب، والعامل فيه قوله: (نزل)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ عن دابته، (فبال ثم توضأ)؛ أي: بماء زمزم، كما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في «زوائد مسند أبيه» بسند حسن من حديث علي، وفيه رَدٌّ على من منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب؛ فافهم.\n (ولم يسبغ الوضوء)؛ أي: خففه؛ لما في «مسلم»: (فتوضأ وضوءًا خفيفًا)، أو معناه: توضأ مرة مرة بالإسباغ، أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته، وما قيل: إنَّ معناه: الوضوء اللغوي؛ فبعيد، وأبعد منه ما قيل: إنَّه الاستنجاء؛ لما يأتي عند المؤلف في باب (الرجل يوضئ صاحبه) من قوله: (فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ)؛ لأنَّه لا يجوز أن يصب عليه أسامة إلَّا وضوء الصلاة، وفي آخره قال أسامة: (الصلاة يا رسول الله)، وإنَّما لم يسبغ الوضوء؛ إما ليذكر الله؛ لأنَّهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة، أو لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، أو لاستصحابه الطهارة في طريقه، وتمامه في «عمدة القاري».\n (فقلت: الصلاةَ)؛ بالنصب على الإغراء، أو على تقدير: أتريد الصلاة؟ ويؤيده رواية تأتي: (فقلت: أتصلي يا رسول الله؟)؛ يعني: أتريد الصلاة؟ والأَولى أن يقدر: تصلي الصلاة (يا رسول الله): ويجوز فيه الرفع على تقدير: حانت الصلاة أو حضرت.\n (فقال) وفي رواية: (قال): (الصلاةَ)؛ بالرفع على الابتداء، وخبره قوله: (أَمامَك)؛ بفتح الهمزة؛ أي: قدامك؛ لأنَّه منصوب على الظرفية؛ والمعنى: وقت الصلاة أمامك أو مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل، وهو أعم من كونه في المكان أو الزمان، ومراده أنَّ سنة الصلاة لمن دفع من عرفة أن يصلي العشاءين بالمزدلفة، ولم يعلم أسامة ذلك؛ إذ كان في حجة الوداع، وهي أول سُنَّة سَنَّها ﵇ في الجمع بين الصلاتين في المزدلفة.\nففيه: مشروعية الوضوء للدوام على الطهارة؛ لأنَّه ﵇ لم يقيد بذلك الوضوء، وقيل: المراد أنَّ موضع هذه الصلاة المزدلفة وهي أمامك، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس ببيان فعله ﵇.\nوفيه: دليل على أنَّه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأنَّ عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه ﵇ بفعله وبيَّنه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان؛ لما أخَّرها عن وقتها الموقَّت لها في سائر الأيام، وما زعمه الكرماني رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (فركب) أي: النبي الأعظم ﵇ دابته من الشِّعب وسار (فلمَّا جاء المُزدلفةَ)؛ بضم الميم، من الإزدلاف؛ وهو التقرب والاجتماع، وهي بالنصب على المفعولية، وهي موضع مخصوص بين عرفات ومنًى، سمِّيت بها؛ لأنَّ الحجاج يزدلفون فيها إلى الله تعالى؛ أي: يتقربون بالوقوف فيها إليه، وتسمى أيضًا: جمعًا؛ لأنَّ آدم اجتمع فيها على حواء ﵉ وازدلف إليها؛ أي: دنا منها، وتمامه في","vol":"1","page":50},{"text":"«عمدة القاري».\nوجواب (لمَّا) قوله: (نزل) أي: النبي الأعظم ﵇ عن دابته (فتوضأ)؛ أي: بماء زمزم كما سبق، (فأسبغ الوضوء)؛ أي: أتمه وأكمله؛ أخذًا بالأفضل على عادته، وهذا موضع المطابقة للترجمة، وفيه: دليل على استحباب إعادة الوضوء من غير أن يفصل بينهما بعبادة؛ لأنَّه نور على نور حيث تبدل المجلس، أمَّا إذا لم يتبدل المجلس أو لم يؤدِّ بالأول عبادة؛ فهو إسراف مكروه، وما زعمه بعضهم من أنَّه يحتمل أنَّه أحدث؛ فبعيد؛ لأنَّه ﵇ دائم على الطهارة الكاملة؛ فليحفظ.\n (ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب)؛ أي: قبل حط رحالهم كما صرح به المؤلف في رواية، ويدل له قوله: (ثم أَناخ) بفتح الهمزة؛ أي: أبرك (كل إنسان) أي: من الجماعة (بعيره في منزله)؛ أي: مكانه؛ خشية ما يحصل منها من التشويش أو لإراحتها، والظاهر أنَّ (ثم) هنا وفي قوله: (ثم أقيمت العِشاء) ليست للتراخي، و(العِشاء)؛ بكسر العين وبالمد، والمراد به: صلاة العشاء التي وقتها من غروب الشفق إلى طلوع الفجر، (فصلَّى) بتشديد اللام (ولم يصلِّ بينهما)؛ أي: بين الصلاتين سنة المغرب ولا سنة العشاء القبلية، ففيه: دليل ظاهر على المنع من التطوع بينهما؛ لأنَّه يخل بالجمع، ولو تطوع أو تشاغل بشيء؛ فإنَّه مكروه وعليه إعادة (^١) الإقامة لوقوع الفصل، وهو مذهب الإمام الأعظم ﵁، كما نص عليه الإمام المرغيناني في «الهداية»، وقال الإمام زفر: يعيد الأذان أيضًا، كما في «شرح الكنز».\nوفيه أيضًا: دليل ظاهر على (^٢) أنَّ تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء واجب، حتى لو صلى المغرب في الطريق؛ لم يجز وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال الإمام محمد، والإمام زفر، والجمهور.\nوقال الشافعي: لو جمع بينهما في وقت المغرب في عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها؛ جاز الجميع وإن كان خلاف الأفضل، وبه قال الإمام أبو يوسف، وجماعة من الصحابة والتابعين، والأوزاعي، وأشهب، وهذا الجمع يسمى جمع التأخير، ولا يشترط فيه سوى المكان والإحرام.\nوالسبب في هذا الجمع بمزدلفة: النُّسك؛ فلهذا يجمع المزدلفي، وعند الشافعي: السفر فلا يجمع المزدلفي، فليس لنا أن نجمع بين صلاتين في وقت واحد إلَّا هنا وفي عرفة للحاج لا لغيرهم بشرط الإمام والإحرام، فيجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم كما يأتي في (الحج) إن شاء سبحانه.\nوقال ابن بطال: فيه: أنَّ يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما؛ لقوله: (ثم أناخ)، ولكنه لا يتكلم.\nقلت: ليس فيه ما يدل على عدم جواز التكلم بينهما، ولا ما يدل على عدم القطع اليسير وعلى قطع الكثير؛ بل فيه دليل ظاهر على عدم القطع مطلقًا يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنَّهم لم يشتغلوا بشيء سوى إناخة البعير وهو عمل يسير لا يعد قاطعًا؛ فافهم.\nواستدل به الشافعي على أنَّ الفوائت لا يؤذَّن لها، لكن يقام.\nقلت: هذا الاستدلال فاسد؛ لأنَّ تأخير المغرب إلى العشاء ليس بقضاء، وإنَّما هو أداء؛ لأنَّ وقته قد تحول إلى وقت العشاء؛ لأجل العذر المرخص، فكيف يصح القياس عليه؟! وإنَّه قياس مع الفارق؛ فليحفظ.\nوقيل: فيه: دليل لمن لا يتنفَّل في السفر، ورُدَّ بأنَّه ليس فيه دلالة على ذلك، بل في ترك التنفل بينهما، أما تركه مطلقًا؛ فلا دلالة فيه، كما لا يخفى.\nواتفق الفقهاء على اختيار التنفل في السفر إلا إذا ضاق وقت المكتوبة سواء كان سفرًا أو حضرًا، فيترك التنفل ويشرع بالفرض، ولو اقتصر على الفرائض؛ جاز حتى يكون مؤديًا الفرض بوقته.\nولم يذكر في الحديث الأذان، ومذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمد، وسعيد بن جبير، والثوري: أنَّ الجمع بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وهو المروي عن جابر، وابن عمر، وأبي أيوب الأنصاري.\nوفي الحديث: تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان؛ لما كان فيه من الشغل؛ لقول أسامة: (الصلاة يا رسول الله)، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥٣\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-253>[باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة]</span>\nهذا (باب) جواز (غَسل) بفتح الغين المعجمة (الوجه باليدين من غَرفة واحدة)؛ بفتح الغين المعجمة، بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف؛ وهي ملء الكف، وفي «العباب»: غرفت الماء بيدي غرفًا، والغرفة: المرة الواحدة، والغُرفة؛ بالضم: اسم للمغروف منه؛ لأنَّك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، ومراد المؤلف: التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعًا في الوضوء، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ الأول فيه بعض وصف الوضوء، وفي هذا وصفه بتمامه، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-254>[حديث وضوء عبد الله ابن عباس]</span>\n١٤٠ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم)؛ أي: ابن أبي زهير أبو يحيى البغدادي، المعروف بصاعقة، لُقِّب به؛ لسرعة حفظه، وكان بزازًا، المتوفى سنة خمس وخمسين ومئتين في شعبان (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (أبو سَلَمة) بفتح السين واللام (الخُزاعي) بضم الخاء المعجمة (منصور بن سَلمة)؛ بفتح المهملة: البغدادي، المتوفى بالمصيصة سنة عشرين ومئتين، أو عشر، أو سبع، أو تسع ومئتين (قال: أخبرنا ابن بلال؛ يعني: سليمان): أبو محمد المدني، والعناية تحتمل من كلام المؤلف أو من كلام ابن عبد الرحيم، والظاهر الأول، (عن زيد بن أَسْلم)؛ بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، (عن عطاء بن يَسار)؛ بفتح التحتية أوله بعدها سين مهملة، (عن ابن عباس) عبد الله ﵄ (أنَّه) أي: ابن عباس (توضأ): زاد أبو داود في أوله: (أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﵇ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء)، (فغسل وجهه): من عطف المفصل على المجمل، ثم بين الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أخذ غَرفة) بفتح الغين (من ماء) بالمد (فمضمض): وفي رواية: (فتمضمض)؛ بالمثناة الفوقية (بها واستنشق): وإنَّما ترك العاطف؛ لأنَّه بيان لغسل الوجه، فإن كان بيانًا والمضمضة والاستنشاق ليسا من غسل الوجه، وأجيب: بأنَّه أعطى لهما حكم الوجه؛ لكونهما في الوجه.\nوالمضمضة: تحريك الماء في الفم، وعند الفقهاء: استيعاب الماء جميع الفم، والإدارة والمج ليسا بشرط، فلو شرب الماء عبًّا -بالعين المهملة-؛ أجزأه، ولو مصًّا؛ لا يجزئه، كما في «فتح القدير»، لكن الأفضل أن يمجه؛ لأنَّه ماء مستعمل، كما في «السراج».\nوالاستنشاق: جذب الماء بريح الأنف إليه، وعند الفقهاء: إيصال الماء إلى المارن؛ وهو ما لان من الأنف، فالجذب ليس شرطًا فيه شرعًا بخلافه لغة، كما في «النهر الفائق».\nولفظ الراوي يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق منها ثلاثًا، والثاني: أن يجمع بينهما أيضًا بغرفة لكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، والوجهان قول للشافعي، وقال أحمد: إنَّه مخير بين أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا من غرفة أو بثلاث غرفات، فإنَّ عبد الله بن زيد روى عن النبي الأعظم ﵇: (أنَّه مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من غرفة واحدة)، وروى ابن ماجه: (أنَّه ﵇ توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحدة)، وإن أفرد لكل عضو ثلاث غرفات؛ جاز؛ لأنَّ الكيفية في الغسل غير واجبة، كذا في «المغني الحنبلي».\nوالسنة عندنا: أن يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، يأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا، ولو تمضمض ثلاثًا بغرفة واحدة؛ أقام السنة في المضمضة لا سنة التكرار، وأمَّا الاستنشاق؛ فلا يصح أن يكون التثليث من غرفة واحدة؛ لعدم انطباق الأنف على باقي الماء فيصير الباقي مستعملًا، كما في «الجوهرة» و«الشرنبلالية».\nويدل لما قلنا ما رواه الترمذي عن علي الصديق الأصغر: أنَّه غسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم،\n_________\n(^١) في الأصل: (أعاد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (إلى)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":51},{"text":"ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومدلوله ظاهر، وهو أن يتمضمض ثلاثًا يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا، ثم يستنشق كذلك.\nويدل لذلك ما رواه الطبراني عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده كعب: أنَّ النبي الأعظم ﵇ توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا، ورواه أبو داود في «سننه» وسكت عنه، وما سكت عنه؛ فهو صحيح، وأمَّا ما في حديث الباب وغيره مما ورد من أنَّه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد؛ فهو محمول على بيان الجواز، ويحتمل أنَّه فعل ذلك بكف واحد بمياه متعددة، والمحتمل لا تقوم به حجة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه؛ توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين، كما في الوجه، وقد يقال: إنَّه فعلهما باليد اليمنى؛ ردًّا على من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنَّ الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في «المبسوط».\nوالسنة: أن يكون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، وقال بعضهم: المضمضة باليمنى، والاستنشاق باليسرى؛ لأنَّ الفم مطهرة، والأنف مقذرة، واليمين للأطهار، واليسار للأقذار، ولنا ما روى الحسن بن علي ﵄: أنَّه استنثر بيمينه، فقال معاوية له: جهلت السنة، فقال: كيف أجهل والسنة من بيوتنا خرجت، أمَا علمت أنَّ النبي ﷺ قال: «اليمين للوجه، واليسار للمقعدة»، كذا ذكره «صاحب البدائع».\nوالترتيب بينهما سنة، كما في «الخلاصة»؛ لأنَّه لم ينقل عن النبي الأعظم ﵇ في صفة وضوئه إلا هكذا، فالمضمضة والاستنشاق في الوضوء سنة، وفي الغسل فرض؛ لأنَّهما من تمام البدن، ولا حرج في غسلهما، هذا مذهب الإمام الأعظم ومن قال بقوله، وقال مالك والشافعي: إنَّهما سنتان في الوضوء والغسل معًا، والمشهور عن أحمد: أنَّهما واجبتان فيهما كمذهبنا، وذهب داود إلى أنَّ الاستنشاق فرض في الوضوء والغسل، وأنَّ المضمضة سنة فيهما، والله تعالى أعلم.\n (ثم أخذ غَرفة) -بفتح الغين المعجمة- واحدة (من ماء)؛ بالمد، و(من): للبيان مع إفادة التبعيض، (فجعل بها هكذا): وإنَّما عطف بـ (ثم)؛ لوجود المهلة بين الغَرفتين، ثم بيَّن الإشارة بقوله: (أضافها)؛ أي: الغرفة، فترك العاطف؛ لبيان الإشارة (إلى يده الأخرى): بأن جعل الماء في يديه معًا؛ لكونه أمكن في الغسل، (فغسل بها) أي: بالغرفة (وجهه) وللأصيلي: (فغسل بهما)؛ أي: باليدين، وظاهره أنَّه غسله مرة واحدة، وكذا فيما سيأتي؛ اقتصارًا على أدنى الوضوء، وعلى هذا فالظاهر أنَّ الغرفة الأولى تمضمض بها مرة، واستنشق بها مرة؛ ليطابق الجميع، كذا قيل، (ثم أخذ غَرفة) بفتح المعجمة (من ماء)؛ بالمد، و(من): للبيان مع إفادة التبعيض كما قلنا، (فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة) أخرى (من ماء) أيضًا (فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه)؛ يعني: بعد أن قبض قبضة من الماء، (ثم نفض يده)، كما في رواية أبي داود مع زيادة: (مسح أذنيه)، ففي الحديث حذفٌ دل عليه ما رواه أبو داود، وقد خفي هذا على الكرماني فقدر المحذوف، زاد النسائي: (ومسح أذنيه مرة واحدة، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه)، وزاد ابن خزيمة: (وأدخل أصبعيه فيهما) انتهى.\nولا يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّ الماء ما دام على العضو لا يوصف بالاستعمال، فإذا انفصل عنه؛ صار مستعملًا سواء استقر في مكان أو لا على المعتمد، وعليه الفتوى، وقيل: لا يوصف بالاستعمال إلَّا إذا استقر في مكان، والثمرة تظهر فيما لو وضع أحد يده مثلًا تحت ماء الوجه فغسلها به؛ فعلى الأول لا يجزئه، وعلى الثاني يجزئه، والأصح الأول.\n (ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ)؛ أي: صبه قليلًا قليلًا حتى صار غسلًا (على رجله اليمنى): فالمراد بالرش: الغسل؛ بدليل قوله: (حتى)؛ أي: إلى أن (غسلها) لكن عبر عنه بالرش؛ احترازًا عن الإسراف الذي هو مظنة الرجلين، ووقع في رواية أبي داود والحاكم: (فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه؛ يد فوق القدم، ويد تحت النَّعل)، والجواب: أنَّ المراد بالمسح الغسل؛ لأنَّ المسح في كلام العرب يكون غسلًا، كما قاله ابن الأعرابي وأبو زيد الأنصاري.\nوأمَّا قوله: (تحت النَّعل)؛ فمحمول على التجوز عن القدم على أنَّ هذه الرواية شاذة رواها هشام بن سعد، وهو ممن لا يحتج به عندهم عند الانفراد، فكيف إذا خالفه غيره؟! كذا في «عمدة القاري».\n (ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله)؛ بغين معجمة وسين مهملة، من الغسل، كذا وقع في الأصول، وقال ابن التين: إنَّه بالعين المهملة، قال في «عمدة القاري»: إنَّه غريب، وتكلف، وتصحيف، والصواب ما في الأصول: (فغسل بها رجله)، قال زيد بن أسلم أو من هو دونه من الرواة: (يعني: اليسرى): وفي رواية: (فغسل بها؛ يعني: رجله اليسرى).\n (ثم قال) أي: ابن عباس: (هكذا رأيت رسول الله): ولأبي الوقت: (النبي) الأعظم (ﷺ يتوضأ): جملة محلها النصب على الحال، وعبَّر بالمضارع؛ لأجل حكاية الحال الماضية، وفي رواية: (توضأ)؛ بحذف التحتية، وفي الحديث: البداءة باليمين، وهو مستحب على الصحيح، كما صرح به الإمام القدوري، وتبعه صاحب «الملتقى»، و«التنوير»، وغيرهما.\nقال ابن قدامة في «المغني»: التيامن مستحب، ولا نعلم قائلًا بخلافه، ولأنَّه لا يعقل فيها إلَّا شرف اليمين، وذلك لا يقتضي عدمه العقاب، واختار المحقق الكمال بن الهمام في «فتح القدير»: أنَّه سنة، وتبعه العلامة الشرنبلاليُّ في كتبه، فيستحب التيامن في الوضوء والغسل، وكذا في التيمم، وكذا في مسح الخف، كما حرره في «منهل الطلاب»، وأمَّا الأذنان والخدان؛ فلا يستحب التيامن فيهما؛ لأنَّ الأذنين تبع للرأس وهو عضو واحد، والخدين تبع للوجه وهو عضو واحد، فإن كان المتوضئ أقطع؛ بأن كان له يد واحدة أو كان في إحدى يديه علة ولا يمكنه مسحهما معًا؛ فيستحب له أن يبدأ بالأذن اليمنى ثم باليسرى، وكذا يستحب له أن يبدأ بغسل الخد الأيمن ثم بالأيسر، كما يستفاد من كلام السراج، فقولهم: لا يستحب التيامن فيهما؛ مقيَّد بالصحة، كذا في «منهل الطلاب»، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٥٥\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-255>[باب التسمية على كل حال وعند الوقاع]</span>\nهذا (باب) طلب (التسمية) وهي قول: بسم الله (على كل حال)؛ يعني: سواء كان طاهرًا، أو محدثًا، أو جنبًا (وعند الوِقاع)؛ بكسر الواو؛ أي: الجماع، وهو من عطف الخاص على العام؛ للاهتمام به.\nوالحديث المسُوق هنا شاهد للخاص لا للعام، لكن لمَّا كان حال الوِقاع أبعد حالًا من ذكر الله ومع ذلك تسن التسمية فيه؛ ففي غيره أولى، ولهذا ساقه المؤلف هنا؛ لمشروعية التسمية عند الوضوء، ولم يسق حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، مع كونه أبلغ في الدلالة؛ لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعون فيه وبفرض صحته، فهو محمول على الكمال؛ كحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وأصح ما في التسمية حديث أنس: أنَّه ﵇ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، وقال: «توضؤوا بسم الله...»؛ الحديث، ويقرب منه حديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله...»، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-256>[حديث: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله]</span>\n١٤١ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) أي: ابن المديني (قال: حدثنا جرير): هو ابن عبد الحميد، (عن منصور):","vol":"1","page":51},{"text":"هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم وسكون العين المهملة: رافع الأشجعي مولاهم، الكوفي التابعي، المتوفى سنة مئة، (عن كُريب)؛ بضم الكاف: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) ﵄ (يَبلُغ)؛ بفتح أوله وضم ثالثه، من البلاغ، والجملة محلها النصب على الحال من ابن عباس، وقوله: (به) صلة (يبلغ)؛ أي: يصل ابن عباس بالحديث (النَّبيَّ) الأعظم بالنصب على المفعولية (ﷺ): وهذا كلام كُريب، وغرضه أنَّه ليس موقوفًا على ابن عباس، بل هو مسند إلى النبيِّ الأعظم ﵇، لكنه يحتمل أن يكون بالواسطة بأن سمعه من صحابيِّ سمعه من النبيِّ الأعظم ﵇، وأن يكون بدونها، ولمَّا لم يكن قاطعًا بأحدهما أو لم يرد بيانه؛ ذكره بهذه العبارة، كذا في «عمدة القاري»، وما قيل باحتمال أنَّه من كلام ممن دونه؛ فبعيد؛ فتأمل.\n (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇: (لو): هي لمجرد الربط، تفيد ترتيب الوجود عند الوجود (أنَّ أحدكم)؛ بفتح الهمزة، وهي مع معمولها في محل الرفع على الفاعلية لـ (ثبت) محذوفًا الواقع شرط (لو) الشرطية، وجوابها قوله: (لم يضره) الآتي؛ والتقدير: لو ثبت قول أحدكم وقت إتيان أهله: اللَّهم... إلخ، ويجوز جعل المصدر المقدر مبتدأ والخبر محذوف، (إذا أتى أهله)؛ أي: زوجته، ومثلها الأمة؛ أي: جامعها، وهو كناية عن الجماع، و(إذا): ظرف لقوله: (قال: بسم الله): خبر (أنَّ)، ولو أضاف إليها: الرحمن الرحيم؛ لكان حسنًا، (اللهم) أي: يا الله (جنِّبنا)؛ بتشديد النُّون المكسورة، أمر من جنَّبَ الشيء: أبعده، ومنه: الجُنُب؛ لبعده عن ذكر الله، وأجنب: تباعد، وقرأ طاووس وغيره: (وأجنبني) [إبراهيم: ٣٥]؛ بقطع الهمزة، وتمامه في «عمدة القاري»، (الشيطان)؛ بالنصب مفعول ثان لـ (جَنِّب)، وهو كل عاتٍ متمرد من الإنس، والجن، والدواب، والعرب تسمي الحية: شيطانًا، ونونه أصلية، وقيل: زائدة، فإن جعلته (فيعالًا) من قولهم: تشيطن الرجل؛ صرفته، وإن جعلته من (تشيَّط)؛ لم تصرفه؛ لأنَّه (فعلان)، واختلف في اشتقاقه؛ فقيل: من شاط يشيط؛ إذا هلك، ووزنه (فعلان)، وقيل: من شطن؛ أي: بعد؛ لبعده من الصلاح والخير، وتمامه في «عمدة القاري».\n (وجنب) أي: أبعد (الشيطانَ) بالنصب على المفعولية (ما) موصولة (رزقتنا)؛ أي: الذي رزقناه، فـ (ما) موصولة محلها النصب مفعول ثان، والمراد به: الولد؛ لأنَّ اللفظ أعم، لأنَّه يطلق على المطر وعلى الحظ، وفي «العباب»: الرزق: ما ينتفع به، وقيل: الرَّزق؛ بالفتح: المصدر الحقيقي، وبالكسر: الاسم، وقيل: الرزق: كل شيء يؤكل؛ وهو باطل؛ لأنَّ الله أمرنا أن ننفق مما رزقنا، فقال: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ [المنافقون: ١٠]، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل؛ لما أمكن إنفاقه، وقيل: هو ما يملك؛ وهو باطل؛ لأنَّ الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا وزوجة صالحة، وهو لا يملك الولد والزوجة.\nوفي عرف الشرع: فقال أهل السنة: إنَّه اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان فيأكله، وذلك قد يكون حلالًا وقد يكون حرامًا، مباحًا أو مملوكًا أو غير مملوك، وكلٌّ يستوفي رزق نفسه حلالًا كان أو حرامًا، ولا يُتصوَّر ألَّا يأكل إنسان رزقه أو يأكل غير رزقه.\nوقالت المعتزلة: الرزق: ما ينتفع به، فالحرام لا يكون رزقًا له، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد يعيش الإنسان طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: طول عمره لم يكن يأكل من رزقه شيئًا، وهو باطل، وتمامه في كتب الكلام.\n (فقُضِي)؛ بضم القاف وكسر الضَّاد، على البناء للمفعول، من القضاء، وله معان كثيرة؛ منها: الحكم، والفراغ، والقتل، والموت، والأداء، والإبلاغ، والقدر، والمناسب هنا: إما حكم أو قدر، (بينهما)؛ أي: بين الأحد والأهل، وفي رواية: (بينهم) بالجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو بالنظر إلى معنى الجمع من الأهل (ولدٌ) ذكرًا كان أو أنثى (لم يضرُّه) الشيطان، بضم الرَّاء؛ لأجل ضمة ما قبلها، والفتح للخفة وفك الإدغام؛ أي: لا يكون للشيطان على الولد سلطان ببركة اسمه ﷿؛ بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، أو المعنى: أنَّ الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه، وهذا أقرب، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته أو لم يفتنه بالكفر.\nوروى ابن جرير في «تهذيب الآثار» بسنده عن مجاهد قال: «إذا جامع الرجل أهله ولم يسمِّ؛ انطوى الجان على إحليله فجامع معه»، فذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ففيه الملازمة لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته، وقد جعل الله ذِكْرَ اسمه حجابًا لذلك، أعاذنا الله منه، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعلى خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل؛ وسوس، وإذا ذكر الله؛ خنس، ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل، وتنحل بالذكر والصلاة.\nوصفتها: أنَّها سنة، وليست بواجبة فلو تركها عمدًا؛ صح وضوؤه، وهو قول الإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، والجمهور، ورواية عن أحمد، وأخرى أنَّها واجبة، وهو قول أهل الظاهر، وقال إسحاق ابن راهويه: إنَّها واجبة إن تركها عمدًا؛ بطلت طهارته، وإن سهوًا؛ لا تبطل، وروي عن الإمام الأعظم: أنَّها ليست بمستحبة، وروي عن مالك: أنَّها بدعة، وفي رواية: أنَّها مباحة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٥٧\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-257>[باب ما يقول عند الخلاء]</span>\nهذا (باب ما يقول)؛ أي: الذي يقوله الشخص (عند) إرادة دخول (الخَلاء)؛ بفتح الخاء المعجمة وبالمد: موضع قضاء الحاجة، سمي به؛ لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة؛ وهو الكنيف والحش والمرتفق، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك، وأما الخلى؛ بالقصر: فهو الحشيش الرطب والكلأ، وبالكسر والمد: العيب في الإبل كالحران في الخيل، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-258>[حديث: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبايث]</span>\n١٤٢ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عبد العزيز بن صُهيب) بضم الصَّاد المهملة (قال: سمعت أنسًا)؛ أي: ابن مالك حال كونه (يقول) أتى به مضارعًا مع (سمعت) الماضي؛ استحضارًا لصورة القول: (كان النبي) الأعظم (ﷺ) وأتى بـ (كان) للدلالة على الثبوت والدوام (إذا) ظرف بمعنى: حين (دخل الخلاء)؛ بالنصب بتقدير (في)؛ أي: أراد الدخول في الخلاء، كما سيأتي التصريح به في التعليق آخر الباب؛ لأنَّ اسم الله تعالى مستحب الترك بعد الدخول، وإنما يذكر في الخلاء بالقلب لا باللسان، ويكره الدخول في الخلاء ومعه شيء مكتوب فيه اسم الله أو قرآن، لما في «أبي داود» و«الترمذي»: عن أنس قال: (كان ﵇ إذا دخل الخلاء؛ نزع خاتمه)؛ أي؛ لأنَّ نقشه (محمد رسول الله)، ففيه دليل على استحباب (^١) تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله، وكذا سائر الرسل والقرآن، وكذا كل ما عليه معظَّم من اسم الله أو نبي أو ملك، فإن خالف؛ كره؛ لترك التعظيم، ومنه يعلم كراهة استعمال نحو إبريق في خلاء مكتوب عليه شيء من ذلك، وطشت تغسل فيه الأيدي، ومحل الكراهة إن لم يكن مستورًا، فإن كان في جيبه؛ فلا بأس به، وفي «القهستاني» عن «المنية»: الأفضل ألَّا يدخل الخلاء وفي كمه مصحف إلَّا إذا اضطر، ونرجو ألَّا يأثم بلا اضطرار، انتهى، وفي «شرح المنية»: الخاتم المكتوب فيه شيء من ذلك إذا جعل فصه إلى باطن كفه قيل: لا يكره، والتحرز أولى، انتهى.\nويدخل الخلاء برجله اليسرى؛ لأنَّه محل مستقذر، ويخرج باليمنى، فإذا أراد أن يدخل؛ (قال) وفي رواية: (يقول) وهي\n_________\n(^١) في الأصل: (كراهة)، ولا يستقيم معها المعنى.","vol":"1","page":52},{"text":"في محل نصب خبر (كان)، وهي أولى؛ لأنَّها تفيد تكرار الفعل، وأنَّه عادة له هنا بخلاف الأولى: (اللهم)؛ أي: يا الله، وهذا إذا كان المكان معدًّا لذلك كالكنيف، فإن كان في الصحراء أو غيره مما لم يكن معدًّا لذلك؛ فيقول وقت الجلوس قبل كشف العورة: (إني أعوذ) جملة محلها الرفع خبر (إن)؛ أي: ألوذ وألتجئ (بك من الخُبُث)؛ بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة، وقد تسكَّن؛ وهي رواية، وقال الخطابي: تسكين الباء غلط، والصواب الضم، وأنكره في «عمدة القاري» بأنَّ أبا عبيد حكى تسكين الباء وكذا الفارسي والفارابي، جمع خبيث، مثل عَتِيق وعُتُق، (والخبائث) جمع الخبيثة (^١)؛ أي: ذكران الشياطين وإناثهم؛ لأنَّهم يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله، فقدم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقد قال النبي الأعظم ﵇: «إن هذه الحشوش محتضرة-أي: للجان والشياطين- فإذا دخل أحدكم الخلاء؛ فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فكان ﵇ يستعيذ؛ إظهارًا للعبودية وتعليم الأمَّة، وإلا فهو ﵇ محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا على سارية من سواري المسجد، واستُدِل بهذا على أنَّ إبليس نجس العين، ورُدَّ بأنَّ في «شرح السنة»: أنه ﵇ أمسك إبليس في الصلاة ولم يقطعها؛ فهو يدل على أنَّه طاهر العين، لكنه نجس الفعل من حيث الطبع.\nويستحب أن يقول: (بسم الله) مع التعوذ؛ لما رواه المعمري عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ: «إذا دخلتم الخلاء؛ فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وإسناده على شرط مسلم، وفي «كتاب ابن عدي» بسند فيه ضعف: كان ﵇ إذا دخل الكنيف؛ قال: «بسم الله» ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، ففيه زيادة التسمية وتقديمها على (^٢) التعوذ، فالسنة هنا تقديم التسمية على التعوذ، عكس المعهود في التلاوة على الصحيح، وقيل: بالاكتفاء بأحدهما تحصل السنة والجمع أفضل.\nوالشياطين على نوعين: جني وإنسي؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وشيطان الإنس أعظم من شيطان الجن؛ لأنَّه من التعوذ يفر ويهرب، أمَّا شيطان الإنس؛ فلو قرأت عليه التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان؛ لم يفر ولم يتحرك من مكانه؛ بل لو رآه شيطان الجن؛ لفر وهرب منه؛ لأنَّه لا يخلو من أذاه، لأنَّه ربما تحيَّل عليه وركبه كما تركب الدابة في زماننا.\nولو أتى بالبسملة كلها؛ فحسن، كما في «السراج»، لكن الأحسن: بسم الله، كما في «النتف» موافقة للحديث.\nوأفاد الحديث أن يقول: (أعوذ)، وفي رواية وهيب: (فليتعوذ)، وهو شامل لألفاظ الاستعاذة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فالأولى أن يقول ذلك موافقة للقرآن، وقد يفرق بأن ذلك مخصوص بقراءة القرآن، وذاك مخصوص بدخول الخلاء.\n (تابعه) وفي رواية: (قال أبو عبد الله: تابعه)؛ أي: تابع آدمَ بن أبي إياس (ابنُ عَرعَرة)؛ بتكرار العين المفتوحة والرَّاء المهملات، واسمه محمد؛ أي: في رواية الحديث (عن شعبة) كما رواه المؤلف في (الدعوات) موصولًا، والحاصل: أن ابن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم عن شعبة، وهذه هي المتابعة التامة وفائدتها التقوية.\n (وقال غُنْدَر)؛ بضم الغين المعجمة، وسكون النُّون، وفتح الدَّال المهملة على المشهور وبالرَّاء، ومعناه: المشغب، وهو لقب محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة، (عن شعبة) كما وصله البزار في «مسنده» بلفظ: (إذا أتى الخلاء) فهو تعليق لا متابعة، ورواه أحمد بن خليل عن غندر بلفظ: (إذا دخل) فيكون متابعة.\n (وقال موسى)؛ أي: ابن إسماعيل التبوذكي مما وصله البيهقي، (عن حماد) هو ابن سلمة بن دينار الربعي، وكان يعد من الأبدال، وعلامة الأبدال ألَّا يولد له، تزوج سبعين امرأة، فلم يولد له، المتوفى سنة سبع وستين ومئة، بلفظ: (إذا دخل)؛ أي: الخلاء، وهذه المتابعة ناقصة لا تامة.\n (وقال سعيد بن زيد)؛ أي: ابن درهم الجهضمي، أبو الحسن الأزدي البصري أخو حماد بن زيد بن درهم، مما وصله المؤلف في «الأدب المفرد» بلفظ: (حدثنا عبد العزيز)؛ أي: ابن صهيب... إلى أنس قال: كان النبي الأعظم ﵇ (إذا أراد أن يدخل)؛ أي: الخلاء...؛ الحديث، زاد في رواية: (قال أبو عبد الله -يعني المؤلف-: ويقال: الخبْث) يعني: بسكون الموحدة.\nوقد تكلم بعضهم في سعيد بن زيد بضعفه، وروى له المؤلف هنا فقط هذا التعليق استشهادًا، مات سنة وفاة ابن سلمة، وهذه الألفاظ معناها متقارب يرجع إلى معنى واحد؛ وهو أنَّ التقدير: كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول في الخلاء لا بعده، وجاء بلفظ (الغائط) موضع (الخلاء) عند الإسماعيلي في «معجمه»، وجاء لفظ (الكنيف)، ولفظ (المرفق)، فالأول في حديث علي بسند صحيح مرفوعًا: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله»، والثاني في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه مرفوعًا: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم» وسنده ضعيف.\nولم يذكر المؤلف ما يقول إذا خرج من الخلاء، وقد جاء فيه، لكن ليس على شرط المؤلف، فروي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط؛ قال: «غفرانك» أخرجه ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم، قال أبو حاتم الرازي: هذا أصح شيء في الباب.\nوروى ابن ماجه من حديث أنس قال: كان النبي الأعظم ﵇ إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، وروى النسائي من حديث أبي ذر مثله، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعًا: «الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك عليَّ ما ينفعني»، وروى الدارقطني أيضًا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى عليَّ قوته، وأذهب عني أذاه».\nوالحكمة في قول: (غفرانك) أنَّه إنَّما يستغفر من ترْكه ذكر الله تعالى مدة لبثه في الخلاء، ويقرب منه ما قيل: إنَّه لشكر النعمة التي أنعم عليه بها؛ إذ أطعمه وهضمه، فحق على من خرج سالمًا مما استعاذه منه أن يؤدي شكر النعمة في إعاذته وإجابة سؤاله وأن يستغفر الله؛ خوفًا ألَّا يؤدي شكر تلك النعمة، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٥٩\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-259>[باب وضع الماء عند الخلاء]</span>\nهذا (باب وضع الماء عند الخلاء)؛ ليستعمله المتوضئ بعد خروجه منه.\n\n <span id=\"b-٢٦٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-260>[حديث: أن النبي دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا]</span>\n١٤٣ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسنَدي؛ بفتح النُّون (قال: حدثنا هاشم بن القاسم) أبو النضر؛ بالنُّون والضَّاد المعجمة، التميمي الليثي الكناني الخراساني، نزيل بغداد، الملقب بقيصر، المتوفى بها سنة سبع ومئتين عن ثلاث وسبعين سنة (قال: حدثنا ورْقاء)؛ بسكون الرَّاء مع المد: مؤنث الأورق، ابن عمر اليشكري الكوفي، أبو بشر، المتوفى سنة تسع وستين ومئة، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن أبي يزيد) من الزيادة، المكي، قارظ؛ بالقاف، والرَّاء، والظاء المعجمة، حلفاء بني زهرة، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة، ووقع في رواية الكشميهني: (عبيد الله بن أبي زائدة)، قال في «عمدة القاري»: وهو غلط، والصحيح: ابن أبي يزيد، ولا يعرف اسمه، انتهى؛ فليحفظ.\n (عن) عبد الله (ابن عباس) ﵄: (أن النبي) الأعظم (ﷺ دخل الخلاء)؛ بالخاء المعجمة والمد، بيت التغوط، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر (أن)، (فوضعتُ) بضم التاء (له وَضوءًا)؛ بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، وبالضم المصدر، وهو بالنصب على المفعولية، والجملة معطوفة على الجملة السابقة، وما قيل: إنَّه ناوله إياه ليستنجي به؛ فممنوع؛ لأنَّ فيه\n_________\n(^١) في الأصل: (الخبيث)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وتأخيرها عن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":52},{"text":"تعرضًا للاطلاع (^١) على عورته ﵇، ويدل لهذا قوله: (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ بعد الخروج من الخلاء، وفي رواية: (فقال): (مَن) استفهامية مبتدأ خبره قوله: (وضع هذا؟)؛ أي: الوضوء في هذا المكان، (فأُخْبِر) -أي: النبي الأعظم ﵇ أنَّه ابن عباس-؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، عطف على ما قبله، وقد علم أن في عطف الاسمية على الفعلية أقوالًا، والمفهوم من كلام النحاة جواز ذلك، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني والعجلوني.\nوقوله: (على ما قبله)؛ أي: على (قال) أو (فوضعت)، لا على (من وضع هذا؟)؛ لفساد المعنى، والمخبرة: ميمونة بنت الحارث زوج النبي الأعظم ﵇ وخالة ابن عباس؛ لأنَّ وضع الوضوء كان في بيتها.\n (فقال) ﵇: (اللهم) أصله: يا الله، فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم، (فقِّهْهُ في الدين) من الفقه، وهو لغة: الفهم، تقول: فقِه الرجل؛ بالكسر، ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه، و(الدين)؛ أي: الإسلام؛ أي: شرائع الإسلام، وإنَّما دعا له لأجل وضعه؛ لكونه ﵇ تفرَّس فيه الذكاء والفطنة، فالمناسب أن يدعو (^٢) له بالتفقه في الدين؛ ليطلع به على أسرار الفقه في الدين فينتفع وينفع، لأنَّ وضعه عند الخلاء كان أيسر له ﵇؛ لأنَّه لو وضعه في مكان بعيد منه؛ كان احتاج إلى طلب الماء، وفيه مشقة ما، ولو دخل به إليه كان تعرضًا للاطلاع على حاله وهو يقضي حاجته، فلما رأى ابن عباس هذه الحالة أوفق وأيسر؛ استشهد به ﵇ على غاية ذكائه مع صغر سنه، فدعا له بما دعا به، وقد حقق الله دعاءه ﵇؛ حيث صار فقيه الأمة، ففيه: دليل قاطع على إجابة دعاء النبي الأعظم ﵇.\nوفيه: استحباب المكافأة بالدعاء، ويدل له قوله ﵇: «من أهدى (^٣) لكم معروفًا؛ فكافئوه وإلا فادعوا له».\nوفيه: أن حمل الخادم الماء إلى المغتسل غير مكروه، وأن الأولى عدمه؛ ليقيم الإنسان العبادة بنفسه من غير إعانة غيره عليها.\nوفيه: دليل على أن وضع الماء عند الخلاء للاستنجاء.\nوفيه: ردٌّ على من ينكر الاستنجاء بالماء، وأجاب: بأن وضع ذلك الوضوء للنساء، وأما الرجال؛ فيتمسحون بالحجارة، وهو ممنوع.\nونقل ابن التين عن مالك: أنَّه ﵇ لم يستنج عمره بالماء، وهو ممنوع، فقد عقد المؤلف لذلك بابًا مستقلًا سيأتي، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله ﵇ خرج من غائط قط إلا مس ماء)، وفي «جامع الترمذي» من حديثها أنها قالت: (مُرْن أزواجكن أن يغتسلوا إثر الغائط والبول فإنَّه ﵇ كان يفعله)، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة: (أنَّه ﵇ قضى حاجته ثم استنجى من تور)، والجمهور على أنَّ الأفضل الجمع بين الماء والحجر.\nواستُدِل بالحديث على أنَّ الوضوء من الأواني أفضل من المشارع والبرك، قال القاضي عياض: هذا لا أصل له، ولم ينقل أنَّه ﵇ وجدها فعدل عنها إلى الأواني، كذا في «عمدة القاري»، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٢٦١\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-261>[باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلَّا عند البناء جدار أو نحوه]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (لا تُسْتَقبلُِ القبلةُ) روي: بضم التاء المثناة من فوق على صيغة المجهول، وبرفع (القبلة) مفعول ناب عن الفاعل، وروي: (يَسْتَقبل)؛ بفتح المثناة التحتية على صيغة المعلوم وبنصب (القبلةَ) على المفعولية، ولام (يستقبل) يجوز فيها الضم على أن (لا) نافية، والكسر على أن تكون ناهية.\nوإنما اقتصر على الاستقبال مع أنَّ الحديث فيه كلا الأمرين؛ توقف فيه العجلوني، قلت: لأنَّ الاستقبال لا خلاف فيه، وأما الاستدبار؛ ففيه خلاف سيأتي، فاقتصر على المتفق عليه وترك المختلف فيه؛ تأمَّل.\n (بغائط) الباء: فيه ظرفية أو للإلصاق، وهو: اسم للعذرة نفسها؛ لأنَّهم يلقونها بالغيطان، (أو بول) فـ (أو) للتنويع، يدل عليه رواية ابن عساكر: (لا يستقبل بغائط ولا بول)، والغائط: أصله: المطمئن من الأرض الواسع يأتونه لقضاء الحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث؛ كراهة لذكره؛ لأنَّ عادة العرب استعمال الكناية، ثم استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط؛ لتفرقته في الحديث بينهما، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإنَّ الحكم عام، (إلا عند البِناء)؛ بكسر الباء الموحدة، استثناء من قوله: (لا يستقبل القبلة) (جدارٍ)؛ بالجرِّ بدل من (البناء) (أو نحوه)؛ أي: نحو الجدار كالأحجار الكبار، والسواري، والأساطين، وفي رواية: (أو غيره) بدل (أو نحوه)، وهما متقاربان في المعنى.\nوقال الإسماعيلي ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور، وأجاب: بأنَّه أراد بالغائط معناه اللغوي لا العرفي، فصح الاستثناء، ورُدَّ بأنَّهم استعملوه للخارج، وغلب المعنى العرفي على المعنى الأصلي، فصار حقيقة عرفية غلبت على الحقيقة اللغوية، فهجرت حقيقته اللغوية.\nوقال ابن بطال: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر الآتي؛ لأنَّ الحديث كله واحد، ورُدَّ بأنَّ على هذا كان ينبغي أن يذكر حديث ابن عمر في هذا الباب، وعدم ذكره دليل على أنَّ الحديث مخصوص ببابه، وبعيدٌ أن يترجم لشيء في باب ويحيل المطابقة له في حديث مذكور في باب آخر، فإنَّه معيب عند المؤلفين، لا يقال: إنَّ الغائط مشعر بأنَّ الحديث ورد في الصحارى لأنَّا نقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وكلُّ من توجه إلى نحو الكعبة يطلق عليه أنَّه مستقبل الكعبة سواء كان في الصحراء أو في الأبنية، فإن كان في الأبنية فالحائل بينه وبين القبلة الأبنية، وإن كان في الصحارى؛ فهو الجبال والتلال، والصواب أن يقال: إنَّ الحديث عنده عام مخصوص وعليه يوجه الاستثناء، كذا قاله في «عمدة القاري»، وما قاله العجلوني في شرحه؛ فليس بشيء؛ لأنَّه محاولة وخروج عن الظاهر ومنشؤه التعصب؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٦٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-262>[حديث: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره]</span>\n١٤٤ - وبه قال: (حدثنا آدم) -بالمد- هو ابن أبي إياس (قال حدثني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (ابن أبي ذئب)؛ بالهمز، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام، المدني العامري (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (الزهري) محمد بن مسلم، (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة (الليثي) ثم الجُنْدُعي؛ بضم الجيم، وسكون النُّون، وضم الدَّال المهملة، آخره عين مهملة، المدني الشامي التابعي، المتوفى سنة سبع أو خمس ومئة عن اثنين وثمانين سنة، (عن أبي أيوب) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف (الأنصاري) النجاري الخزرجي، شهد بدرًا والعقبة الثانية، وعليه نزل النبي الأعظم ﵇ حين قدم المدينة شهرًا، وهو من كبار الصحابة ونجبائهم، المتوفَّى غازيًا بالروم في دار الخلافة القسطنطينية، سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، أو اثنتين وخمسين، وعليه الأكثر، وقبره هناك مشهور يزار ويُتَبرك به، معظَّم وعليه من المهابة ما يليق به، يستسقون به فيسقون، وقد بنى عليه قبة عظيمة السلطان سليم خان ﵁، وهو جدي وإليه أنسب، ولله الحمد والمنة.\n (قال: قال رسول الله ﷺ: إذا) للشرط ولذا دخلت الفاء في جوابها (أتى) من الإتيان، وهو المجيء؛ أي: جاء (أحدُكم الغائطَ)؛ بالنصب مفعول (أتى)؛ أي: المكان المطمئن لقضاء الحاجة أو الحاجة نفسها؛ أي: قارب ظهورها، والغائط يشمل البول؛ كما قدمناه، وجواب (إذا) قوله: (فلا يَسْتَقبلُِ)؛ بالتحتية والبناء للفاعل لا غير، واللام مكسورة على أن (لا) ناهية، ومضمومة على أنها نافية؛ روايتان (القبلةَ)؛ بالنصب على المفعولية والمراد بها الكعبة، (ولا يُولِّها)؛ أي: القبلة؛ بضم التحتية وتشديد اللام، مجزوم بحذف الياء على النهي، وقد يرفع على أنَّه نفي بمعنى النهي (ظهرَه)؛ بالنصب مفعول ثان؛ أي: لا يجعلها\n_________\n(^١) في الأصل: (للاضطلاع).\n (^٢) في الأصل: (يدعي)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (أردى)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":53},{"text":"مقابل ظهره، وفي رواية مسلم: (ولا يستدبرها ببول أو غائط) وهو عام فيشمل الصحارى والبنيان، فلذا قال إمامنا الإمام الأعظم: يكره تحريمًا استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط مطلقًا؛ أخذًا بعموم الحديث، وهو مذهب مجاهد، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الراوي أبي أيوب، وهو حجة على الشافعي في إباحته بالبنيان؛ لأنَّ المنع لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحارى والبنيان، فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل؛ فالحائل موجود أيضًا في الصحارى كالجبال والأودية لا سيما عند من يقول بكروية الأرض، فإنَّه لا موازاة إذ ذاك بالكلية، ولأنَّ المصلي في البيت يعتبر مستقبل القبلة ولا تجعل الحائط حائلًا، فكيف إذا كشف العورة في البيت لا تجعل الحائط حائلًا؟! وما ذاك إلا مخالفة للنص، ويستثنى من المنع ما لو كانت الريح تهب عن يمين القبلة أو شمالها، فإنَّهما لا يكرهان للضرورة، وإذا اضطر إلى أحدهما ينبغي أن يختار الاستدبار، لأنَّ الاستقبال أقبح فتركه أدل على التعظيم، كذا في «شرح النقاية» وبه قال الشافعي.\nوكذا يكره إمساك صبي نحو القبلة للبول؛ لأنَّ كل ما كره فعله لبالغ كره أن يفعله بصغير، والنهي مخصوص بخروج الغائط والبول لا بكشف العورة، فلو استقبلها لأجل التطهير، أو حال الجماع، أو حال خروج الدم، أو الريح أو غيرها؛ فلا يكره تحريمًا؛ بل يندب تركه؛ لأجل التعظيم، كما نصَّ عليه ابن أمير حاج في «الحلية»، والتمرتاشي في «شرح الجامع الصغير»؛ فليحفظ.\nولو اشتبهت عليه القبلة؛ استظهر في «منهل الطلاب» تبعًا لشيخ شيخه أنَّه يلزمه.\nوإذا جلس مستقبلًا أو مستدبرًا للقبلة غافلًا فتذكر؛ فإنَّه ينحرف عنها ندبًا إجلالًا لها إن أمكن، وإلا فلا بأس به؛ لحديث الطبري: «من جلس يبول قبالة القبلة فذكرها فانحرف عنها إجلالًا لها؛ لم يقم من مجلسه حتى يغفر له»، كذا في «إمداد الفتاح» و«الدر المختار»، والمراد: أنَّه ينحرف بجملته أو بقلبه حتى يخرج عن جهتها، والكلام في الإمكان فليس في الحديث دلالة على أنَّ المنهي عنه استقبال العين، كما لا يخفى.\nلكن قال بعضهم: ورأيت في «التبيين» ما يفيد أنه يكفي في ذلك الانحراف اليسير؛ فتأمل، وقيد الإجلال لا بد منه في المغفرة، وبحث في «النهر» وجوبه، وقال في «النهاية»: فإن لم يفعل؛ لم يكن به بأس، انتهى.\nقال الحلبي: وكأنَّه لم يجب؛ لأنَّه وقع معفوًا عنه للسهو وهو فعل واحد، انتهى، والمراد غفران ما شاء الله من ذنوبه الصغائر، وقول «النهاية»: لا بأس به؛ المراد: نفي الكراهة أصلًا، ويحتمل أنَّ المعنى: وإن لم ينحرف مع الإمكان فلا بأس به، وحينئذٍ فالمراد به خلاف الأولى كما هو الشائع في استعماله، ولعلَّه جرى على الرواية الأخرى؛ لأنَّه روي عن الإمام الأعظم روايات؛ أحدها: المنع مطلقًا، وهو ظاهر الرواية عنه وعليه الفتوى، والثانية: الإباحة مطلقًا، والثالثة: كراهة الاستقبال فقط، والرابعة: كراهة الاستدبار أيضًا إلَّا إذا كان ذيله مرخيًّا، كذا في «منهل الطلاب».\n (شَرِّقوا أو غَرِّبوا)؛ بفتح أولهما المعجم، وتشديد ثانيهما المكسور؛ أي: لكن خذوا إلى جهة المشرق أو المغرب، وهو جواب سؤال نشأ عن النهي المذكور، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، قيل: الخطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب؛ فإنه لا يشرِّق ولا يغرِّب.\nوقيل: إنَّما ذلك في المدينة وما أشبهها كأهل الشام واليمن، وأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب؛ فإنَّه يتيامن أو يتشاءم، وقيل: البيت قبلة لمن في المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لسائر أهل الأرض، وقالوا: ما بين المشرق والمغرب قبلة فيما يحازي الكعبة أنَّه يصلي إليه من الجهتين ولا يشرق ولا يغرب يحازي كل طائفة الأخرى في هذا، وأخرج ابن ماجه وأبو داود عن معقل بن أبي معقل: أنَّه نهى النبيُّ ﵇ أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط، وأراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، فالنهي إمَّا لاحترام بيت المقدس؛ حيث كان قبلة لنا مرة، أو يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ من استقبله فقد استدبر الكعبة، وصرح في «منهل الصلاح»: بكراهة استقبال بيت المقدس، وبه قال إبراهيم، وابن سيرين، وبعض الشافعية، فما قاله الخطابي من دعوى الإجماع على عدم الكراهة؛ خطأ.\nوقال مالك والشافعي: إنَّه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان؛ لحديث ابن عمر الآتي وحديث جابر: (نهانا رسول الله ﵇ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فدل حديث ابن عمر على جواز الاستدبار في الأبنية، وحديث جابر على جواز الاستقبال، ورُدَّ بأن حديث ابن عمر محمول على الخصوصية بالنبي الأعظم ﵇، ولأنَّه يحتمل أنَّه رآه حال الاستنجاء، والدليل إذا كان محتملًا يسقط الاستدلال به، كما سيأتي.\nوأمَّا حديث جابر؛ فقال ابن حزم: إنَّه ضعيف؛ لأنَّه رواه أبان بن صالح، وهو ليس بمشهور، وقال أحمد ابن حنبل وأبو عمرو: إن حديث جابر ليس بصحيح؛ لأنَّ أبان ضعيف، وقول الحاكم: إنَّه صحيح على شرط مسلم؛ مردود؛ لأنَّ أبان -راويه عن مجاهد عن جابر- لم يخرج له مسلم شيئًا، والحديث حديثه وعليه يدور، وزعمهم بأن حديث جابر ناسخ لحديث الباب خطأ مردود؛ لأنَّ حديث أبي أيوب صحيح، وحديث جابر ضعيف، فكيف ينسخ الضعيف الصحيح؟! هذا لا يقوله عاقل على أنَّه لا يصار إلى الحديث الضعيف إلَّا عند تعذُّر الجمع بينهما، وهو ممكن هنا كما سيأتي، على أنَّه محمول على أنَّه رآه في بناء أو نحوه؛ لأنَّ ذلك هو المعهود من حاله ﵇ لمبالغته في التستر، ولعلَّه رآه حال الاستنجاء وهو محتمل فيسقط الاستدلال به.\nواستنبط ابن التين من الحديث منع استقبال النَّيِّرين في حالة الغائط والبول، وكأنَّه قاسه على الاستقبال، وليس القياس بظاهر، وإن كان الحكم كذلك فقد نص أئمتنا على كراهة استقبالهما؛ أي: عين الشمس والقمر احترامًا لهما؛ لأنَّهما آيتان عظيمتان من آيات الله كما في «الإمداد»؛ أي: لأجل بول أو غائط، كما في «الدر»، ومفاده: أنَّه لو كان الاستقبال لأجل التطهير؛ لا يكره، كما قدمناه، وإطلاق الكراهة يقتضي التحريم واقتصارهم على الاستقبال يفيد أنَّه لا يكره الاستدبار، كذا قاله بعضهم، واستظهر شيخ شيخنا أنَّ الكراهة هنا للتنزيه؛ لأنَّه لم يرد فيه نهي، لكن سيدي العارف الشيخ عبد الغني النابلسي نقل أنَّه لا يقعد مستقبلًا ولا مستدبرًا لهما؛ للتعظيم، انتهى.\nفهذا يفيد كراهة استدبارهما حال قضاء الحاجة وهو الظاهر، والمراد أنَّه يكره استقبال عينهما مطلقًا سواء كان في الصحراء أو في البنيان لا جهتهما ولا ضوئهما، وأنَّه لو كان ساتر يمنع عن العين ولو سحابًا فلا كراهة كما في «شرح مقدمة أبي الليث»، والظاهر: أنَّ الكراهة إذا لم يكونا في كبد السماء، وإلا فلا استقبال للعين، وهذا كله مستفاد من قوله: (عين...) إلخ، مع صريح النقل في ذلك كذا في «منهل الطلاب».\n\n <span id=\"b-٢٦٣\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-263>[باب من تبرز على لبنتين]</span>\nهذا (باب) حكم (من) موصولة وصلتها قوله: (تبرَّز)؛ بتشديد الرَّاء وبالزاي، من التبرز وهو التغوط، وأصل التبرز: الخروج إلى البَراز للحاجة، والبراز؛ بفتح الموحدة: اسم للفضاء الواسع من الأرض، فكنوا به عن حاجة الإنسان، (على لَبِنتين) تثنية لَبِنة؛ بفتح اللام وكسر الموحدة، ويجوز تسكينها مع فتح اللام وكسرها، ويجوز فيه الأوجه الثلاثة كـ (كتف)، وقال الجوهري:","vol":"1","page":53},{"text":"مثل كلمة وكلم، وهو الطوب النيء، والذي يوقد عليه النار يسمى الآجر؛ بالمد، وتمامه في «عمدة القاري»، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال؛ أي: جالسًا، لا متعلق بـ (تبرز)؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٦٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-264>[حديث ابن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله]</span>\n١٤٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ أي: التِّنِّيسي؛ بكسر المثناة الفوقية وتشديد النُّون (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الإمام، (عن يحيى بن سعِيد)؛ بكسر العين المهملة الأنصاري المدني، (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، الأنصاري النجاري -بالنُّون والجيم- المازني، المتوفى بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومئة، (عن عمه)؛ أي: عم محمد بن يحيى (واسع بن حَبَّان)؛ بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ بن عمرو الأنصاري النجاري -بالنُّون- المازني، ولواسع رؤية؛ فلذا ذُكِر في الصحابة، ولأبيه منقذ -اسم فاعل من أنقذ؛ بالمعجمة- وجده عمرو صحبة، وحَبَّان: إن أخذته من حَبِن؛ بفتح المهملة وكسر الموحدة: إذا طرأ له السقي؛ صرفته، وإذا أخذته من حب؛ منعته؛ فليحفظ.\n (عن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄: (أنَّه)؛ أي: عبد الله بن عمر كما صرح به مسلم (كان) في محل رفع خبر (أنَّ) (يقول) في محل نصب خبر (كان): (إنَّ) بكسر الهمزة (ناسًا) مقول القول؛ أي: جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، ومعقل الأسدي، وغيرهم ﵃ ممن ذهب إلى أنَّ الاستقبال والاستدبار عند الحاجة في الصحراء أو في البنيان منهي عنه؛ لعموم الحديث السابق (يقولون) في محل رفع خبر (إنَّ): (إذا قعدت) خطاب عامٌّ لكل من يتأتَّى منه القعود (على حاجتك) لفظة (على) إما للاستعلاء أو للتعليل، وهو كناية عن قضاء الحاجة قاعدًا أو قائمًا، وعبَّر بالقعود؛ لأنَّه الغالب؛ (فلا تستقبل القبلةَ)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: الكعبة (ولا بيتَ المقدس)؛ بالنصب عطفًا على القبلة والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع؛ أي: صخرته؛ لأنَّها هي التي كانت قبلة، وفيه لغتان مشهورتان: فتح الميم وسكون القاف وكسر الدَّال المخففة، وضم الميم وفتح القاف والدَّال المشددة، والمشدد معناه: المطهر، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، ومعناه: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره: إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها أو من الذنوب.\nوهذا دليل على أنَّ الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف، وكلامه يدل على إنكاره على من يقول: إنَّ استقبال بيت المقدس عند الحاجة غير جائز، فلذا قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره، يدل لهذا ما روى مروان الأصغر عن ابن عمر: أنَّه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن؛ أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنَّما نهي عن هذا في الفضاء، وأمَّا إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك؛ فلا بأس.\nقلت: وهذا لا يدل على النسخ؛ بل على التسليم، غاية الأمر أنَّه يقول: لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويجيزهما في البنيان، كما هو مشهور مذهبه؛ للساتر، وقوله: (لا بأس) يدل على أنَّ النهي موجود لكن أخف من النهي عن القبلة؛ فتأمل، لأنَّ بيت المقدس معظَّم محتَرم؛ حيث إنَّه كان قبلة لنا مرة، أو من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ من استقبله بالمدينة؛ فقد استدبر الكعبة؛ كما قدمناه.\n (فقال عبد الله بن عمر) ﵄، وهذا ليس جوابًا لواسع كما زعمه الكرماني؛ بل هو من كلام ابن عمر لما تقدم من تصريح رواية مسلم بذلك، فالفاء: سببية؛ لأنَّ ابن عمر أورد القول الأول منكِرًا له، ثم بين السبب في إنكاره بما رآه من فعله ﵇، وقدم عليه القسم مع ما بعده؛ لتحقيق خبره.\nولما أراد واسع الراوي عنه التأكيد أيضًا؛ أعاد قوله: (فقال ابن عمر): (لقد) اللام فيه: جواب قسم محذوف؛ أي: والله لقد (ارتقيتُ)؛ بضم التاء؛ أي: صعدت، وفي رواية: (رقيت)، والقسم المقدَّر وجوابه: مقول (فقال)، (يومًا)؛ بالنصب على الظرفية، ولفظ: (يومًا) سقط في رواية (على ظهر بيت لنا) متعلق بـ (ارتقيت)، وفي رواية تأتي: (على ظهر بيتنا)، وفي أخرى تأتي: (على ظهر بيت حفصة)؛ يعني: أخته، كما صرَّح به في رواية مسلم، ويدلُّ له رواية ابن خزيمة: (فدخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت)، والجمع بينهما بأنَّه بيت حفصة الذي أسكنها فيه النبي الأعظم ﵇، فالإضافة إليها ظاهرة، ونسب إليه إما باعتبار أنَّها أخته أو باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنَّه ورثها لكونه شقيقها دون إخوته، (فرأيت)؛ أي: أبصرت، فلا يقتضي إلا مفعولًا وحدًا وهو قوله: (النبي) الأعظم (ﷺ على لَبِنتين) في محل نصب على الحال من (النبي) ﵇؛ أي: مستعليًا عليهما أو للتعليل، (مستقبلًا) بالنصب حال منه ويجوز أن يكونا حالين مترادفين ومتداخلين (بيتَ) مفعول (مستقبلًا) مضاف إلى قوله: (المقدس)؛ أي: ومستدبر الكعبة؛ للزومه عادة، وفي رواية تأتي: (مستقبل الشام مستدبر القبلة)، وعند ابن حبان: (مستقبل القبلة مستدبر الشام)، ولعلَّه مقلوب أو على تعدد القصة، والظاهر الأول؛ (لحاجته) اللام للتعليل؛ أي: لأجل حاجته أو للوقت؛ أي: وقت حاجته وهي التبرز، وعند الحكيم الترمذي: (فرأيته في كنيف)، وفي رواية ابن خزيمة: (فأشرفت على رسول الله ﵇ وهو على خلائه)، وفي رواية أخرى: (فرأيته يقضي حاجته محجوبًا بلَبِن)، ونَظَرُ ابن عمر له ﵇ وهو في تلك الحالة محمول على أنَّه وقعت منه تلك اتفاقًا للضرورة من غير قصد، كما يدل له الرواية الآتية، أو قصد ذلك فرأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمَّلَ قعوده، فعرف كيف هو جالس، فنقل ما شاهد.\nوهذا يرد على من قال: بالجواز مطلقًا، يحتمل أنَّه رآه بالفضاء، وكونه على لَبِنتين لا يدل على البناء؛ لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما على الأرض، ويردُّ هذا الاحتمال أيضًا أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود وغيره، فاستدلَّ بذلك مالك والشافعي على جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان، وأنَّه مخصص لعموم النهي، كما ذكرناه في الباب قبله.\nقلت: بل النهي باق على عمومه، وأن الحديث مخصوص بالنبي الأعظم ﵇، ويدل لذلك إنكار أبي أيوب، وأبي هريرة، ومعقل، وغيرهم على ابن عمر الاستقبال بالساتر، ويحتمل أنَّ ابن عمر رأى النبي الأعظم ﵇ وهو يستنجي بالأحجار مستقبلًا وهو جائز، ويحتمل أنَّ في أعالي السطح قذرًا فخشي النبي ﵇ أن يصيبه فارتفع على لبنتين لا للحاجة؛ بل للقذر، وعلى فرض كونه للحاجة يحتمل أنَّه كان في مهب الريح؛ لأنَّه العادة في المكان المرتفع، فلو استقبل الريح لا شك أنَّه يعود عليه الخارج، فاختار ﵇ استقبال بيت المقدس فيكون مستدبر الكعبة؛ لأنَّه أخف من استقبال القبلة؛ لأنَّه أقبح، على أنَّ حديث أبي أيوب راجح على حديث ابن عمر؛ لأنَّه قول وذاك فعل، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، وهو مثبت وذاك منفي، والمثبت مقدم على النافي عند المدققين، فالمصير إلى حديث أبي أيوب متعين لوجود الاحتمالات في حديث ابن عمر والدليل إذا طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، على أنَّ حديث أبي أيوب محرِّم، وحديث ابن عمر مبيح، والمحرِّم مقدم على المبيح عند الأصوليين فتعيَّن المصير إليه وسقط الاستدلال به؛ فليحفظ.\n (وقال) أي: ابن عمر: (لعلَّك) الخطاب لواسع، وغلط من زعم أنَّه مرفوع، قاله ابن حجر، (من الذين يصلون على أوراكهم) جمع: ورك، كـ (كتف) مؤنثة، ففيها لغاتها، والوركان: العظمان على طرف عظم الفخذين، كما في «عمدة القاري»؛ أي: الذين لا يعرفون السنة، إذ لو كنت عارفًا بها؛ لعرفت جواز استقبال بيت المقدس ولما التفتَّ إلى قولهم.\nوإنَّما كنَّى عن الجاهلين","vol":"1","page":54},{"text":"بـ (الذين يصلون على أوراكهم)؛ لأنَّ المصلي على الورك لا يكون إلا جاهلًا بالسنة وإلا لما صلى عليه، والسنة في السجود التخوية؛ أي: لا يلصق الرجل بالأرض؛ بل يرفع عنها.\n (فقلت: لا أدري والله)؛ أي: قال واسع: لا أدري أنا منهم أم لا، أو لا أدري السنة في الاستقبال، فجواب القسم محذوف لدلالة المذكور عليه، أو المذكور قدم من تأخير كما قيل بنظيره في نحو: أقوم إن قام زيد.\n (قال مالك)؛ أي: ابن أنس في تفسير الصلاة على الورك: (يعني)؛ أي: ابن عمر بقوله ذلك (الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض يسجد) جملة في محل نصب على الحال، (وهو لاصق بالأرض) والجملة أيضًا محلها النصب على الحال، فتفسير الصلاة على الورك هو اللصوق بالأرض حالة السجود، وهو خلاف السنة؛ لأنَّ السنة أن يجافي؛ أي: يباعد بطنه عن فخذيه، وعضديه عن إبطيه؛ لأنَّه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض في غير زحمة، وعلى كلٍّ فصلاته صحيحة، وزعم بعضهم: أنَّ صلاته كذلك باطلة، ولعلَّه نظر إلى عدم نصب أصابعه على الأرض ولفظ (قال مالك) إن كان من قول المؤلف؛ نقْله منه يكون تعليقًا، وإن كان من قول عبد الله؛ يكون داخلًا تحت الإسناد المذكور، كذا في «عمدة القاري» ومثله في «الكرماني».\nقلت: والظاهر: أنَّ لفظ: (قال مالك) من قول المؤلف ومقوله -وهو (يعني...) إلخ- من قول ابن عمر، يدل لذلك سياق مسلم، وفي أوله عنده: (عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد؛ فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي؛ انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس...)؛ فذكر الحديث، فكأن ابن عمر رأى منه في حالة السجود شيئًا لم يتحققه فسأله عنه بالعبارة المذكورة وكأنَّه بدأ بالقصة الأولى؛ لأنَّها من روايته المرفوعة.\nوقال العجلوني: لفظ (قال مالك) من قول المؤلف، ومقوله من قول مالك، انتهى.\nوهو غير ظاهر؛ لخفائه ومنشأ ذلك القول التعصب على الإمام بدر الدين العيني؛ فافهم.\nوفي الحديث: استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل.\nومن الآداب: أن يكون المستنجي بعيدًا إذا كان في براح من الأرض أو ضرب حجاب أو ستر وأعماق الآبار والحفائر، وألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض جاء ذلك في حديث أبي داود عن أنس، وتغطية الرأس كما كان الصديق الأكبر يفعله، وترك الكلام كفعل عثمان ﵁، والاستنجاء باليسار، وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب، رواه ابن حبان، والاستجمار، واجتناب الروث والرمة، وألا يتوضأ في المغتسل، وينزع خاتمه إذا كان فيه اسم الله كما رواه النسائي، وألا يبول قائمًا، ولا في طريق الناس ولا ظلهم، ولا في الماء ومساقط الثمار وضفة الأنهار، وأن يتكئ على رجله اليسرى، وينثر ذكره ثلاثًا، وتمامه في كتب الفروع.\n\n <span id=\"b-٢٦٥\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-265>[باب خروج النساء إلى البراز]</span>\nهذا (باب خروج النساء) من إضافة المصدر إلى فاعله (إلى البَراز)؛ بفتح الباء الموحدة، وبراء وزاي، بينهما ألف: اسم للفضاء الواسع من الأرض، ويكنى به عن الحاجة؛ سميت باسم الصحراء كما سميت بالغائط، وقال الخطابي: وكسر الموحدة غلط؛ لأنَّ البِراز؛ بالكسر: مصدر بارزت الرجل مبارزة، واعترضه ابن حجر بأنَّه يطلق بالكسر على نفس الخارج، فمن فتح؛ أراد الفضاء من إطلاق اسم المحل على الحال، ومن كسر؛ أراد نفس الخارج، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ ابن الأعرابي قال: برِز بالكسر: إذا ظهر بعد خمول، وبرَز بالفتح: إذا خرج إلى البراز الغائط، وهو الفضاء الواسع، ويقول الفراء: (هو الموضع الذي ليس به خمر من شجر ولا غيره، والبراز: الحاجة)، وتمامه فيه، فالحقُّ ما قاله الخطابي، وكلامه في غاية التوجيه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في اللغة.\n\n <span id=\"b-٢٦٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-266>[حديث: أن أزواج النبي كنَّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع]</span>\n١٤٦ - وبه قال: (حدثنا يحيى بن بُكَير)؛ بضم الموحدة وفتح الكاف، بالتصغير (قال: حدثنا الليث)؛ أي: ابن سعد الفهمي من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق (قال: حدثني) بالإفراد (عُقيل)؛ بضم العين المهملة مصغرًا، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عروة): هو ابن الزبير، (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂: (أنَّ أزواج النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: ومنهن عائشة؛ بناء على أنَّ المتكلم يدخل في عموم كلامه أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا، لكن المرجح أنه لا يدخل، ولذا لو أمر الإمام بصيام ثلاثة؛ فيجب أو يندب صومها عليهم دونه؛ فتأمَّل، (كُنَّ)؛ بتشديد النُّون، والجملة محلها الرفع خبر (أنَّ) (يخرجن): جملة محلها النصب خبر (كان) (بالليل): الباء ظرفية؛ أي: فيه (إذا) ظرفية (تبرَّزن)؛ أي: إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط، وأصله من (برَز) بفتح عين الفعل؛ إذا خرج إلى البَراز للغائط؛ وهو الفضاء الواسع (إلى المَناصِع)؛ بفتح الميم وكسر الصَّاد المهملة، جمع مَنْصَع (مَفْعَل) كـ (مَقْعَد) من النصوع؛ وهو الخلوص، وهي المواضع خارج المدينة من جهة البقيع يتخلى فيها للحاجة، وسميت بالمناصع؛ لخلوصه عن الأبنية والأماكن، وتمامه في «عمدة القاري»، والجار والمجرور يتعلق بـ (يخرجن)، وقول الكرماني: إنه يتعلق بـ (تبرزن)؛ بعيد وإن تبعه العجلوني تعصبًا؛ فافهم.\n (وهو) مبتدأ؛ أي: المناصع (صعيدٌ)؛ بالتنوين: التراب أو وجه الأرض (أَفْيَح)؛ بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وبالتحتية المفتوحة، وبالحاء المهملة، صفة وموصوف، خبر المبتدأ؛ أي: واسع، وأفرد الضمير مع رجوعه إلى المناصع؛ لأنَّها صارت علمًا للموضع، وهذه الجملة تفسير لـ (المناصع)، وهو يحتمل أن يكون من عائشة، أو من عروة، أو ممن دونه من الرواة، كما في «عمدة القاري»، واستظهر ابن حجر أنَّه من عائشة، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا دليل على الظاهر؛ فافهم.\n (فكان) بالفاء وفي رواية: بالواو (عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵁ (يقول) جملة محلها النصب خبر (كان): (للنبي) الأعظم (ﷺ: احجب نساءك) مقول القول؛ أي: امنعهن من الخروج من البيوت؛ بدليل قول عمر لسودة بعد نزول آية الحجاب: (قد عرفناك يا سودة)، ويحتمل أنَّه أراد الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر على ما أراد؛ أحب أيضًا أن تحجب أشخاصهن مبالغة في التستر، فلم يُجَب؛ للضرورة، قال ابن حجر: وهذا أظهر الاحتمالين، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا الاحتمال لا يدل عليه هذا الحديث؛ بل حديث آخر، وإنَّما الأظهر الاحتمال الأول بشهادة سياق الكلام، وأطال الكلام في ذلك؛ فراجعه فإنه في غاية التحقيق والتدقيق، ولعمري إنَّه الصواب؛ فافهم.\n (فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل)؛ أي: ما قاله عمر من حَجْبهن، والجملة محلها النصب خبر (كان)، وفيه دليل على أنَّه ﵇ كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنَّه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية، وكذا في الإذن لهنَّ بالخروج.\n (فخرجت سودةُ بنتُ)؛ بالرفع صفة لـ (سودة) (زَمَعَةَ)؛ بالجرِّ على الإضافة ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، وهي بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات، وقال ابن الأثير في «النهاية»: وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، ابن قيس القرشية العامرية (زوجُ النبي) الأعظم برفع (زوج) صفة، أو بدل، أو عطف بيان من (سودة) (ﷺ) أسلمت قديمًا وبايعت، وكانت تحت ابن عمٍّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلما قدما مكة؛ مات زوجها، فتزوجها النبي الأعظم ﵇ ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، قبل","vol":"1","page":54},{"text":"أن يعقد (^١) على عائشة ﵄، وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت؛ أراد طلاقها، فسألته ألَّا يفعل، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها، توفيت آخر خلافة عمر أو زمن معاوية ﵄ سنة أربع وخمسين بالمدينة، (ليلةً)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: خرجت في ليلة (من الليالي عِشاءً)؛ بكسر العين المهملة، وبالمد والنصب بدل من قوله (ليلة)، والمراد به: ما بعد الغروب وقت العتمة، (وكانت) أي: سودة (امرأة طويلة)؛ أي: فلا تخفى، (فناداها عمر) أي: ابن الخطاب بعد أن عرفها قائلًا في ندائه: (ألَا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف استفتاح، ينبَّه بها على تحقق ما بعده (قد عرفناكِ) بكسر الكاف (يا سودةُ) منادى مفرد معرفة، مبني على الضم؛ (حِرصًا)؛ بكسر الحاء المهملة؛ بالنصب على أنَّه مفعول له، والعامل فيه (فناداها)، (على أن يُنزَل)؛ بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول، و(أن) مصدرية، وسقط لفظ (على) للأصيلي، وفي رواية: (أن يَنزِل)؛ بفتح التحتية على صيغة المعلوم، و(أن) مصدرية؛ أي: على نزول (الحجابُ)؛ بالرفع على الروايتين؛ أي: حكم احتجاب النساء عن الرجال، (فأنزل الله آية الحجاب) وفي رواية: (فأنزل الله الحجاب)؛ أي: وتسترهن بالثياب، و(آية الحجاب) يحتمل أن يراد به: الجنس فيتناول الآيات الثلاثة؛ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...﴾ (^٢) الآية [النور: ٣٠]، ويحتمل أن يراد بها العهد من واحدة من هذه الثلاث.\nوقيل: المراد بـ (الحجاب) في قوله: (حرصًا على الحجاب) استتارهن بالثياب حتى لا يُرَى منهن شيء عند خروجهن، وأمَّا (الحجاب) الثاني؛ فهو إرخاؤهنَّ الحجاب بينهنَّ وبين الناس، انتهى.\nوعليه فالمراد بـ (آية الحجاب): قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا...﴾ الآية بخصوصها، لكن الأظهر أن يكون المراد بـ (آية الحجاب) ما في رواية أبي عوانة في «صحيحه» من طريق الزبيدي عن ابن شهاب: (فأنزل الله الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ...﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣])، فهذه الرواية فسرت المراد من آية الحجاب صريحًا، وسيأتي أنَّ سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أوْلَمَ عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحى النبي الأعظم ﵇ أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، وسيأتي أيضًا حديث عمر ﵁: (قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنَّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب)، وروى جرير في «تفسيره» من طريق مجاهد قال: (بينا النبي الأعظم ﵇ يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم؛ إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي الأعظم ﵇ ذلك، فنزلت آية الحجاب)، وطريق الجمع بين هذه أنَّ أسباب نزول الحجاب قد تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، أو المراد بـ (آية الحجاب) في بعضها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nوالحجب ثلاثة؛ الأول: هو الأمر بستر وجوههن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...﴾ الآية، فالحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادةٍ ولا غيرها.\nالثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهنَّ وبين الناس، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.\nالثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية، فإذا خرجن لا يظهر شخصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قبة لما توفيت.\nوكان لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات؛ الأولى: بالظلمة؛ لأنَّهن كنَّ يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في هذا الحديث، وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك: (فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع؛ وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا...)؛ الحديث، ثم نزل الحجاب فتسترنَّ بالثياب، لكن ربما كانت أشخاصهنَّ تتميز، ولهذا قال عمر: (قد عرفناك يا سودة)، وهذه هي الحالة الثانية، ثم لمَّا اتُّخذتِ الكنف في البيوت؛ منعنَّ عن الخروج منها وهي الحالة الثالثة، يدل عليه حديث عائشة أيضًا في قصة الإفك فإن فيها: (وذلك قبل أن تتخذ الكنف)، وكانت قصة الإفك قبل نزول الحجاب.\nوقال قتادة: الحجاب كان في السنة الخامسة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة، وقال ابن معبد: في السنة الرابعة في ذي القعدة، كذا قرره في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٦٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-267>[حديث: قد أذن أن تخرجن في حاجتكن]</span>\n١٤٧ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: (وحدثنا)، وفي أخرى: (حدثني) (زكرياء) هو ابن يحيى بن صالح اللؤلؤ البلخي الحافظ، المتوفى ببغلان، ودفن عند قتيبة بن سعيد سنة ثلاثين ومئتين (قال: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي، (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) ﵂، (عن النبي) الأعظم (ﷺ قال)؛ أي: بعد نزول الحجاب: (قد أُذن)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، والآذن هو الله تعالى، وبنى الفعل للمفعول؛ للعلم بالفاعل، وفي رواية إسقاط لفظة (قد) وهذا مقول القول، (أن)؛ أي: بأن (تَخرجن)؛ بفتح الفوقية أوله، فـ (أن) مصدرية، والتقدير: بخروجكنَّ (في حاجتكنَّ) متعلق بـ (تخرجن).\n (قال هشام)؛ أي: ابن عروة المذكور، وهذا إما تعليق من المؤلف وإما مقول هشام أو عروة، وما قيل بأنه مقول أبي أسامة؛ فبعيد، كما لا يخفى: (تعني)؛ أي: تقصد عائشة بالحاجة، وفي رواية: (يعني النبي ﷺ): (البَرازَ)؛ بفتح الموحدة؛ أي: الخروج إلى البراز، وهو بالنصب بقوله: (تعني)، ودلَّ قوله: (قد أذن أن تخرجن) على أنَّه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، وإنَّما أراد أن يتسترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين، قاله الداودي.\nوهذا الحديث طرف من حديث يأتي إن شاء الله في (التفسير) بطوله، وحاصله: أنَّ سودة خرجت بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر ﵁ فقال: يا سودة؛ أما والله لا تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت فشكت ذلك إلى النبي الأعظم ﵇ وهو يتعشى، فأوحى الله تعالى إليه فقال: «إنَّه قد أُذِن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ»؛ أي: لضرورة عدم الأخلية في البيوت، فلمَّا اتُّخِذت فيها الكنف؛ منعهنَّ من الخروج إلا لضرورة شرعية، ففيه والذي قبله فضل عمر، فإنَّه تعالى أيَّد به الدين، وهذه إحدى ما وافق فيها ربَّه، والثانية: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، والثالثة قوله: (لو اتخذتَ من مقام إبراهيم مصلًّى)، وهذه الثلاثة ثابتة في «الصحيح»، والرابعة: موافقته في أسرى بدر، والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في «مسلم»، والسادسة: موافقته في آية المؤمنين.\nوروى أبو داود الطيالسي في «مسنده» من حديث علي بن زيد: وافقت ربي لما نزلت: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقلت أنا: ﴿تبارك الله أحسن الخالقين﴾، فنزلت، والسابعة: موافقته في تحريم الخمر، كما سيأتي في محلِّه، والثامنة: موافقته في قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ...﴾؛ الآية [البقرة: ٩٨]، ذكره العلَّامة الزمخشري، وفي «جامع الترمذي» مصحَّحًا عن ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قطُّ فقالوا فيه وقال عمر فيه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، وقال ابن العربي: إنَّه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنًى في أحد عشرة موضعًا.\nوفي الحديث: جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق، وجواز وعظ الإنسان أمَّه في البر، وجواز الإغلاظ في القول والعتاب إن كان قصده الخير.\nوفيه: التزام النصيحة لله ولرسوله، وجواز تصرف النساء فيما لهن حاجة إليه؛ لأنَّ الله أذن لهنَّ في الخروج إلى البَراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز ذلك لهنَّ؛ جاز لهنَّ الخروج إلى غيره من مصالحهنَّ الضرورية، وقد أمر ﵇ بالخروج إلى العيدين، ولكن في هذا الزمان لما كثر الفساد ولا يؤمن عليهنَّ من الفتنة؛ ينبغي أن يمنعن من الخروج إلا عند الضرورة الشرعية، كذا في «عمدة القاري».\nهذا في زمانه فكيف في زماننا؟! فلا يبعد القول بالوجوب؛ لكثرة الفساد، وأهل الفسق والملاهي، واتباع الشهوات، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما من أهله، وقد صار الأمر بالمعروف منكرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنَّه على ما يشاء قدير.\n_________\n(^١) في الأصل: (عقد).\n (^٢) في الأصل: ﴿يغضضن من أبصارهن﴾، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":55},{"text":"<span id=\"b-٢٦٨\"> </span>(١٤) <span data-type=\"title\" id=toc-268>[باب التبرز في البيوت]</span>\nهذا (باب التبرز) مصدر (تبرَّز)؛ أي: قضاء الحاجة (في البيوت) أشار بهذه الترجمة إلى [أن] خروج النساء للبراز لم يستمر؛ بل اتُّخِذت بعد ذلك الأخلية والمرتفعات في البيوت، فاستُغنِي عن الخروج إلا لضرورة.\n\n <span id=\"b-٢٦٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-269>[حديث: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي]</span>\n١٤٨ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (إبراهيم بن المنذر)؛ بضم الميم، وسكون النُّون، وكسر الذال المعجمة، بلفظ اسم الفاعل من الإنذار، الحراني القرشي (قال: حدثنا أنس بن عِياض)؛ بكسر العين المهملة، أبو ضمرة الليثي المدني، المتوفى سنة مئتين عن ست وتسعين سنة، (عن عبيد الله)؛ بالتصغير، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان القرشي المدني، المتوفى سنة سبع وأربعين ومئة، (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، (عن) عمه (واسع بن حبان) المذكور (عن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄، (قال)؛ أي: عبد الله: (ارتقيتُ)؛ أي: صعدت (فوق ظهر بيت حفصة)؛ يعني: أخته كما صرح به مسلم (لبعض حاجتي)، ولفظ: (ظهر) ساقط في رواية، وفي الرواية السابقة: (على ظهر بيتٍلنا)، وفي رواية تأتي: (على ظهر بيتنا)، وطريق الجمع: أن إضافة البيت إليه مجازٌ؛ لكونها أخته، وإضافته إليها باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي الأعظم ﵇ فيه - [لا] (^١) في بيت عمر- يعرف بها، واستمر في يدها إلى أن ماتت فورثه عنها، وإضافته إلى نفسه باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنَّه ورثها دون إخوته؛ لكونها كانت شقيقته، (فرأيت)؛ أي: أبصرت، فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا (رسول الله ﷺ) حال كونه (يقضي حاجته) فالجملة محلها النصب على الحال، وحال كونه (مستدبر القبلة)؛ أي: جاعلها خلفه؛ أي: بالاستنجاء، كما يدل عليه حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، أو كان في مهبِّ الريح فخشي أن يعود عليه أو غير ذلك، وعلى كلِّ؛ فحديث النهي مقدَّم على هذا من وجوه ذكرناها في الباب قبله، (مستقبل الشأم)؛ بالهمز وترْكه؛ أي: جاعلها قدَّامه، لا يقال: شرط الحال أن يكون نكرة؛ لأنَّا نقول: إضافته لفظية لا تفيد التعريف، وفائدة ذكره: التأكيد والتصريح به، وإلا فمستقبل الشام في المدينة مستدبر القبلة قطعًا، وفي الرواية السابقة: (مستقبلًا بيت المقدس)، وكذا في الرواية الآتية، ولا منافاة فإنَّ العبارة مختلفة والمعنى واحد؛ لأنَّهما في جهة واحدة.\n\n <span id=\"b-٢٧٠\"> </span>[بابٌ]\nهذا (بابٌ) بالتنوين، وهو ساقط في رواية، بغير ترجمة.\n\n <span id=\"b-٢٧١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-271>[حديث ابن عمر: لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا فرأيت]</span>\n١٤٩ - وبه قال: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن يوسف الدورقي (قال: حدثنا يزيد)؛ أي: ابن هارون -كما صرح به الأصيلي وأبو الوقت- ابن زاذان؛ بالزاي والذال المعجمة، أبو خالد الواسطي الذي كان يحضر مجلسه ببغداد سبعون ألفًا، المتوفى بواسط سنة ست ومئتين عن ثمانٍ وثمانين سنة، (قال: أخبرنا يحيى)؛ أي: ابن سعيد الأنصاري المدني الذي روى عنه مالك هذا الحديث كما سبق، «عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: (أن عمه واسع بن حبان) المذكور (أخبره: أن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄، (أخبره قال: لقد ظهرت)؛ بالظاء المشالة؛ أي: علوت وارتفعت، مؤكد بـ (قد) واللام، (ذات يوم)؛ أي: يومًا، من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أي: ظهرت في زمان هو مسمى لفظ اليوم وصاحبه، ويحتمل أن يكون من إضافة العام إلى الخاص؛ أي: ظهرت نفس اليوم، فيفيد التأكيد؛ أي: اليوم نفسه، وإنَّما لم ينصرف (ذات يوم) و(ذات مرة)؛ لأنَّ إضافتها من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم كما ذكرنا؛ ولأنَّ (ذات) ليس لها تمكُّن في ظروف الزمان؛ لأنَّه ليس من أسماء الزمان.\nوزعم السهيلي: أن (ذات مرة) و(ذات يوم) لا يتصرفان في لغة خثعم ولا غيرها، وحكي عن سيبويه: أنَّه ادَّعى جواز التصرف في لغة خثعم، كذا في «عمدة القاري».\n (على ظهر بيتنا) متعلق بـ (ظهرت)، (فرأيت)؛ أي: أبصرت، فلا يطلب إلا مفعولًا واحدًا (رسول الله ﷺ) حال كونه (قاعدًا على لَبِنتين)؛ بفتح اللام وكسر الموحدة، تثنية: لَبِنة: الطوب النيء (مستقبلَ بيتِ المقدس)؛ بالنصب على الحال، حال بعد حال مترادفة أو متداخلة، واستغنى هنا عن (مستدبر القبلة) كما وقع في الرواية السابقة؛ لأنَّه لازم لمستقبل بيت المقدس بالمدينة، وعبَّر هنا بـ (بيت المقدس)، وفي السابقة بـ (الشام)؛ للتفنن، وإلَّا فالمراد منهما واحد، وقعوده ﵇ كان إما للاستنجاء، واختاره لكونه خاليًا من الناس؛ لأنَّ كشف العورة له حرام، أو إمَّا للبول أو الغائط؛ حيث كان في مهبِّ الريح، فاختار استدبار القبلة؛ لأنَّه أخفُّ، فإنه لو شرَّق أو غرَّب؛ عاد عليه الخارج بسبب الريح، فارتكب أخفَّ الضررين؛ أحدهما: هذا، والثاني: حرمة استقبال القبلة واستدبارها؛ لأنَّه قول منصوص عليه من النبي الأعظم ﵇، وهو أولى من الفعل عند المحققين، وذكرنا بقية الكلام عليه في باب (لا يستقبل القبلة بغائط أو بول)؛ فافهم، والله أعلم.\nوفي يوم الاثنين العشرون من ذي الحجة آخر سنة ست وسبعين ومئتين وألف قامت الإسلام على النصارى في ديارنا الشريفة الشامية، فأحرقوا بيوتهم وكنائسهم، وهدموا أماكنهم، ونهبوا أموالهم، وقتلوا بعضهم، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.\n\n <span id=\"b-٢٧٢\"> </span>(١٥) <span data-type=\"title\" id=toc-272>[باب الاستنجاء بالماء]</span>\nهذا (باب) حكم (الاستنجاء بالماء) المطلق، (استفعال)؛ أي: طلب الإنجاء، والهمزة للسلب والإزالة؛ كالاستعتاب؛ لطلب الإعتاب لا العتب، وهو إزالة النجو؛ أي: الأذى الباقي في فم المخرج، وأكثر ما يستعمل في الماء، وقد يستعمل في الأحجار، وأصله من النجو؛ وهو القَشْر والإزالة، وقيل: من النجوة؛ لاستتارهم به أو لارتفاعهم وتجافيهم عن الأرض عند ذلك، أو من النجو؛ بمعنى: القطع؛ لأنَّه يقطع عنه الأذى بالماء أو الحجر، والنجو: ما يخرج من البطن، يقال: نجا وأنجى؛ إذا أحدث، وفي اصطلاح الفقهاء: هو إزالة النجو عن أحد المخرجين بالماء أو بالحجر، وظاهره: أن النجاسة تزول بالحجر بالكلية حتى لو دخل الماء القليل لا ينجسه، وهو قول في المذهب كما في «السراج» وغيره، لكن ذكر في «البزازية» و«الخلاصة» وغيرهما: أن حكم النجاسة بعد الحجر باقٍ حتى لو دخل الماء القليل نجَّسه؛ بناء على أنَّ الحجر مخفِّف لا قالع، كما في «فتح القدير» فهما قولان مصحَّحان كما في «منهل الطلاب».\nوالفرق بين الاستنجاء والاستبراء والاستنقاء: أنَّ الاستنجاء: استعمال الماء أوالحجر، والاستبراء: نقل الأقدام والركض بها ونحو ذلك حتى يستيقن بزوال أثر البول، والاستنقاء: هو النقاوة؛ وهو أن يدلك بالأحجار حال الاستجمار، أو بالأصابع حال الاستنجاء بالماء حتى تذهب الرائحة الكريهة، هذا هو الأصحُّ في الفرق بينها كما في «المقدمة الغزنوية».\nوأشار المؤلف بهذه الترجمة كما في «عمدة القاري» الرد على من كره الاستنجاء بالماء، وقال: إنه للنساء، وعلى من نفى وقوعه من النبي الأعظم ﵇.\n\n <span id=\"b-٢٧٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-273>[حديث أنس: كان النبي إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام]</span>\n١٥٠ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد هِشام) بكسر الهاء (بن عبد الملك) الطيالسي البصري، (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (عن أبي مُعاذ)؛ بضم الميم وبالذال المعجمة، (واسمه عطاء بن أبي ميمونة) البصري التابعي مولى أنس بن مالك أو عمران بن حصين، المتوفى بعد الطاعون في البصرة، سنة إحدى وثلاثين ومئة، وفي نسخة: الاقتصار على قوله: (عن أبي معاذ)، قيل: إنه يرى القدر، (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ حال كونه (يقول) فالجملة حال محلها النصب: (كان) أتى بها؛ لأنَّها تشعر في مثل هذا بالتكرار والاستمرار لمدخولها (النبي) الأعظم (ﷺ)، وفي رواية: (رسول الله)، وعلى الروايتين فهو مرفوع بـ (كان) على أنَّه اسمها (إذا خرج)؛ أي: من بيته أو من بيت غيره (لحاجته) اللام: للتعليل؛ أي: لأجل قضائها، وهي البول أو الغائط، وجملة قوله: (أجيء أنا وغلام) خبر (كان) حذف منه العائد؛ تقديره: أجيئه أنا وغلام معي، ويدل عليه الرواية الآتية: (تبعته أنا وغلام منَّا)؛ أي: من الأنصار، وكلمة (إذا) للظرف المحض، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط، وجوابه: قوله: (أجيء) والجملة تكون في محل نصب على أنَّها خبر (كان)، وكلمة (أنا) مرفوع (أبرز) (^٢)؛ ليصح عطف (غلام) على ما قبله؛ لئلَّا يلزم عطف اسم على فعل،\n_________\n(^١) (لا): ليس في الأصل، ولعل الصواب إثباتها.\n (^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (أجيء).","vol":"1","page":55},{"text":"ويجوز: وغلامًا؛ بالنصب على أن تكون الواو بمعنى: (مع) لكن إن ساعدته الرواية.\nوفي رواية مسلم: (وغلام نحوي)؛ أي: مثلي؛ أي: يقاربني في السن، وصرح بكونه من الأنصار الإسماعيلي في روايته، ووقع في رواية: (فأتبعه وأنا غلام) بتقديم الواو، فالجملة حالية، لكن قال الإسماعيلي: إنَّ الصحيح (أنا وغلام) كالمشهور، والغلام: هو الذي طرَّ شاربه، وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشبَّ.\nوحكى الزمخشري في «أساس البلاغة»: أن الغلام: هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإنْ أجري عليه بعدما صار ملتحيًا اسم الغلام؛ فهو مجاز، وقيل: هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، والجمع: أغلمة، وغلمة، وغلمان، والأنثى: غلامة، وتصغير الغلمة: أغيلمة على غير مكبرة، لكن قال ابن التياني: لا يقال للأنثى: غلامة إلا في كلام قد ذهب في ألسنة الناس، وتمامه في «عمدة القاري».\nولم يسمِّ الغلام، وقيل: هو ابن مسعود، ويدل عليه ما يأتي في الباب بعده، فيكون سمَّاه غلامًا مجازًا لما مرَّ عن الزمخشري.\nوقال النبي الأعظم ﵇ لابن مسعود بمكة وهو يرعى الغنم: «إنك لغلام معلَّم»، وعلى هذا فقول أنس: (وغلام منَّا)؛ أي: من الصحابة، أو من خدم النبي الأعظم ﵇، لكن يبعده ما في رواية مسلم من أن أنسًا وصفه فيها بالصغر.\nوأمَّا رواية الإسماعيلي: (من الأنصار)؛ فلعلَّها من تصرِّف الراوي؛ حيث رأى في الرواية (منَّا)، فحملها على القبيلة فرواها بالمعنى، أو لأنَّ إطلاق (أنصار) على جميع الصحابة سائغ، وإن كان خصَّه العرف بالأوس والخزرج.\nوقيل: هو أبو هريرة، وسماه أنصاريًّا مجازًا، ويدل له: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: (كان ﵇ إذا أتى الخلاء؛ أتيته بماء في ركوة، فاستنجى)، ويؤيده ما رواه المؤلف في (ذكر الجن) من حديث أبي هريرة: (أنَّه كان يحمل مع النبيِّ الإداوة لوضوئه وحاجته)، ولا ينافيه ما في رواية مسلم من قول أنس: (أصغرنا)؛ لجواز وصفه بذلك؛ لقرب عهده بالإسلام، لكن يُبعده أن إسلام أبي هريرة بعد بلوغ أنس، وأبو هريرة كبير فكيف يقول أنس: (وغلام نحوي)؟! كما في رواية مسلم السابقة.\nوقيل: هو جابر بن عبد الله، فعند مسلم في حديث جابر الطويل: أنه ﵇ انطلق لحاجته فأتبعه جابر بإداوة لا سيما وهو أنصاري؛ فتأمل.\nوجملة قوله: (معنا إداوة) من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر، حال من فاعل (أجيء) وما عطف عليه بدون الواو؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، ولفظة (مع) اسم معناه: الصحبة؛ أي: في صحبتنا إداوة، وهي متحركة وساكنة، غير أن المتحركة العين تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة العين تكون حرفًا لا غير، وهنا يجوز تسكين العين، وكذا في (معكم) وعند اجتماعه بالألف واللام: تفتح العين وتكسر فيقال: معَِ القوم، فتحًا وكسرًا، وقد تسكن وتنون فيقال: جاؤوا معًا، والصحيح: أنها اسم مطلقًا، والإداوة؛ بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، وقيل: هي المطهرة، والجمع: الإداوى، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، (من) بيانية (ماء) بالمد، والجملة محلها الرفع صفة (إداوة)؛ (يعني)؛ أي: يقصد أنس بقوله هذا (ليستنجي): اللام: للتعليل للمجيء، وفي رواية: إسقاطها، فالجملة صفة (ماء) أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا (به)؛ أي: بالماء الموضوع بالإداوة، وفاعل (يستنجي) النبي الأعظم ﵇، فهذا من كلام أنس ﵁، والرواية الثالثة للمؤلف الآتية عن قريب تدل على هذا، وبهذا يُرَدُّ على عبد الملك البوني في قوله: (هذا مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا فلا حجة فيه)، حكاه عنه ابن التين، وإليه ذهب الكرماني، وكذا يُرَدُّ على بعضهم في قوله: قائل هذا (يعني) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ المؤلف، قاله في «عمدة القاري»، وتبعه العجلوني في «شرحه» وغيره، وأراد بقوله: (بعضهم): هو ابن حجر العسقلاني، فإنه زعم في «شرحه» أنَّه هشام، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ لا دليل يدلُّ على ما قاله، ومن هنا وقع إشكال؛ وهو أنَّه ليس في الحديث مطابقة للترجمة؛ لأنَّ قوله: (فيستنجي به): ليس من قول أنس، بل من قول الوليد، وقد رواه ابن حرب عن شعبة، ولم يذكر (فيستنجي به)، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه.\nوقال ابن المسيب وابن قانع: الاستنجاء بالماء وضوء النساء؛ لأنَّ الاستنجاء بالأحجار في حقهنَّ متعذر، وأمَّا الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، وأنكر مالك أن يكون النبي الأعظم ﵇ استنجى بالماء.\nوعن ابن حبيب من المالكية: أنه منع الاستنجاء بالماء؛ لأنَّه مطعوم.\nوقيل (^١): لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، وهو قول الشيعة والزيدية، وهذا كله مردود، فقد احتج الإمام الحافظ الطحاوي على الاستنجاء بالماء بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية؛ قال النبي ﵇: «يا أهل قباء؛ ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: ما منَّا أحدٌ إلا وهو يستنجي بالماء».\nوذكر المؤلف فيما يأتي عن شعبة بلفظ: (يستنجي بالماء)، ثم ذكر من تابعه على لفظة: (فيستنجي)، وفي رواية الإسماعيلي عن شعبة: (فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء، فيستنجي منها النبي ﵇)، وفي رواية المؤلف عن عطاء بن أبي ميمونة: (إذا تبرَّز لحاجته؛ آتيه بماء فيغسل به)، وفي رواية مسلم عن أنس: (فخرج علينا وقد استنجى بالماء) وكذا عند أبي عوانة في «صحيحه»: (فيخرج علينا وقد استنجى بالماء)، فتبيَّن بهذه الروايات أنَّ حكاية الاستنجاء بالماء من قول أنس راوي الحديث، وقد غفل ابن حجر هنا، وبيَّنها في «عمدة القاري»، وما أجابوا به عنه فليس بشيء؛ بل هو خبط وخلط؛ فليحفظ.\nومما يرد على ما قالوه: ما رواه المؤلف من حديث ابن عباس: (أنه ﵇ دخل الخلاء، فوضعتُ له وضوءًا..)؛ الحديث كما مر، وما رواه مسلم في «صحيحه» لمَّا عد الفطرة عشرة؛ عد منها: (انتقاص الماء)، وفسر بالاستنجاء، وما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن جرير عن أبيه: (أنه ﵇ دخل الغيضة، فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء، فاستنجى بها، ومسح يده بالتراب)، وما رواه ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله ﵇ خرج من غائط قطُّ إلا مسَّ ماء)، وما رواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة عن معاذ عن عائشة أنَّها قالت: (مُرْن أزواجكنَّ أن يغسلوا أثر الغائط والبول فإنَّ النبيَّ ﵇ كان يفعله) وقال: حسنٌ صحيحٌ، فهذه الأحاديث قاضية بالردِّ على مالك وغيره في إنكارهم أنَّه ﵇ استنجى بالماء.\nوقال أحمد ابن حنبل: (لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث)، قال: فحديث عائشة؟ قال: (لا يصح؛ لأنَّ غير قتادة لا يرفعه)؛ وهو مردود؛ لأنَّ قتادة بإجماع الحفاظ إذا انفرد برفع حديث؛ يقبل منه؛ لأنَّه إمام حافظ لا سيما وقد اعتضد بغيره من الأحاديث كما علمتَها، ويدل له: ما رواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: (أنَّه ﵇ قضى حاجته ثم استنجى من تور)، وما رواه ابن ماجه عن عائشة: (أنَّه ﵇ كان يغسل مقعدته ثلاثًا)، وفي لفظ: «استنجوا بالماء البارد، فإنَّه مصحَّة للبواسير»، وما رواه ابن حبيب عن أبي عيَّاش أنَّه ﵇ قال: «استنجوا بالماء فإنَّه أطهر وأطيب»، والأحاديث في ذلك كثيرة، وهي قاضية على من أنكر ذلك، فثبت بذلك مذهب الجمهور من السلف والخلف، وقد أجمعت عليه أئمة الفتوى من أهل الأمصار، وقالوا: إنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر؛ فيقدِّم الحجر أوَّلًا ثم يستعمل الماء، فتخفُّ النجاسة وتقلُّ مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنَّه معفو عنه في حقِّ نفسه، وتصحُّ معه الصلاة كسائر النجاسات المعفو عنها.\nهذا ملخص ما ذكره الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «شرحه»؛ «عمدة القاري» فقد أطال الكلام في هذا المقام، وبيَّنه، ووضحه غاية الإيضاح،\n_________\n(^١) في الأصل: (وقال)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":56},{"text":"ولم يسبقه أحد بمثله من أهل هذا الميدان، وقد اقتصر في «الفتح» ابن حجر ولم يبيِّن المقام، وفي مثل هذا يجب البيان، كما فعل إمامنا إمام أهل هذا الشأن؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٧٤\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-274>[باب من حمل معه الماء لطهوره]</span>\nهذا (باب مَن) موصولة أو موصوفة، (حُمِل)؛ بضم الحاء المهملة وكسر الميم المخففة، مبني للمفعول (معه) متعلق بـ (حمل) (الماءُ)؛ بالرفع نائب الفاعل (لطُهوره) متعلق بـ (حُمِل)، وفي رواية: بدون الضمير في آخره؛ أي: لأجل أن يتطهر به، وهو بضم الطاء هنا؛ لأنَّ المراد به: الفعل الذي هو المصدر، وأمَّا بفتح الطاء؛ فهو اسم للماء الذي يتطهر به، وقد حكي الفتح فيهما، وكذا الضم فيهما، ولكنَّ الضم هنا اللغة المشهورة، والطهارة: النظافة والتنزه لغةً.\n (وقال أبو الدَرْدَاء)؛ بدالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، عويمر بن مالك بن عبد الله بن قيس، أو عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، القاضي بدمشق في خلافة عثمان ﵄، المتوفى بدمشق سنة إحدى أو اثنتين (^١) وثلاثين، -وقبره بباب الصغير، كما قاله في «عمدة القاري»، والمشهور: أنه عندنا بقلعة دمشق يزار ويتبرك به، والله أعلم- مما وصله المؤلف في (المناقب) عن علقمة بن قيس قال: دخلت الشام فصليت ركعتين، فقلت: اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا، فرأيت شيخًا مقبلًا فلما دنا؛ قلت: أرجو أن يكون استجاب لي، قال: من أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، قال: (أليس) وفي (المناقب): (أفلم يكن) (فيكم): فالخطاب فيه لأهل العراق، ويدخل فيه علقمة، قال لهم حين كانوا يسألونه مسائل وأبو الدرداء كان يكون بالشام؛ أي: لم تسألون عن عبد الله بن مسعود وهو في العراق وبينكم لا تحتاجون مع وجوده إلى أهل الشام وإلى مثلي، وأراد المؤلف بسياق هذا الطرف من الحديث هنا مع حديث أنس: التنبيه على ما ترجم له من حمل الماء إلى الكنيف لأجل التطهير: (صاحب النعلين)؛ أي: صاحب نعلي النبي الأعظم ﵇، لأنَّ عبد الله كان يُلبسهما إياه إذا قام، فإذا جلس؛ أدخلهما في ذراعيه، وإسناده النعلين إليه مجاز؛ لأجل الملابسة، وفي الحقيقة صاحب النعلين هو النبي الأعظم ﵇، وكذا يقال فيما بعده؛ فافهم، (والطَّهور)؛ بفتح الطاء لا غير؛ أي: صاحب الماء الذي يتطهَّر به النبي الأعظم ﵇، (والوِسادة؟!)؛ بكسر الواو، بعدها سين مهملة، آخره دال مهملة: المخدَّة، والجمع: وُسد ووسائد؛ أي: صاحب الوسادة والمطهرة؛ يعني: عبد الله بن مسعود، وفي رواية: (صاحب السِّواد)؛ بكسر السين؛ أي: السر، فكان ابن مسعود يمشي مع النبي الأعظم ﵇ حيث ينصرف، ويخدمه، ويحمل مطهرته، وسواكه، ونعليه، وما يحتاج إليه، فلعلَّه أيضًا كان يحمل وسادة إذا احتاج إليه، وأمَّا أبو عمر؛ فإنه يقول: (كان يعرف بصاحب السِّواد)؛ أي: صاحب السِّر؛ لقوله: (إذنك أن ترفع الحجاب وتسمع سِوادي حتى أنهاك)؛ أي: سراري، وهو من إدناء السواد من السواد (^٢)؛ أي: الشخص من الشخص، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٢٧٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-275>[حديث: كان رسول الله إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا]</span>\n١٥١ - وبه قال: (حدثنا سليمان بن حَرْب)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الرَّاء، آخره موحدة، الواشحي (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (عن أبي مُعَاذ) بضم الميم وفتح العين المهملة (هو عطاء) بالمد (بن أبي ميمونة)؛ بتاء آخره، البصري، مولى أنس بن مالك، وفي رواية: الاقتصار على (عن عطاء بن أبي ميمونة) (قال: سمعت أنس بن مالك)، وفي رواية الاقتصار على قوله: (سمعت أنسًا ﵁) حال كونه (يقول): فالجملة محلها النصب على الحال، وإنما ذكر بلفظ المضارع مع أن حقَّ الظاهر أن يكون بلفظ الماضي؛ لإرادة استحضار صورة القول تحقيقًا وتأكيدًا له، كأنَّه يبصِّر الحاضرين ذلك: (كان النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)، أتى بـ (كان)؛ للإشعار بالاستمرار على ذلك واعتياده له، (إذا خرج)؛ أي: من بيته أو من بيت غيره (لحاجته)؛ أي: للبول أو الغائط؛ (تَبِعته)؛ بفتح المثناة الفوقية وكسر الموحدة، و(أتبعته)؛ بالهمز بمعنى: واحد، كما قاله الأخفش، وفرَّق ابن طريف بينهما فقال: المشهور: (تبعته): سرت في أثره، و(أتبعته): لحقته، وبه فسرنا: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]؛ أي: لحقوهم، والجملة محلها النصب على أنها خبر (كان).\nفإن قلت: (إذا): للاستقبال، و(خرج) للمضي، فكيف يصح هنا؛ إذ الخروج قد وقع؟\nوأجيب: بأنَّ (إذا) هنا لمجرد الظرفية، فيكون المعنى: تبعته حين خرج، أو هو حكاية للحال الماضية، ووقع هنا خلل للكرماني، فنسبه العجلوني لصاحب «عمدة القاري» وأساء الأدب معه، وهو بريء منه بلا ريب؛ فليحفظ.\n (أنا وغلام)؛ بواو العطف على الصحيح، فما وقع في رواية الإسماعيلي: (فاتَّبعته وأنا غلام بتقديم الواو على أن تكون الجملة حالية، فغير صحيح، كما نبه عليه في «عمدة القاري» وتبعه ابن حجر وغيره؛ فليحفظ، (منا)؛ أي: من الأنصار، وبه صرَّح الإسماعيلي في روايته، أو من قومنا، أو من خواص رسول الله ﵇، أو من جملة المسلمين، قاله الكرماني، وقال في «عمدة القاري»: الكل بمعنى واحد؛ لأنَّ قوم أنس هم الأنصار، وهم من خواص النبي الأعظم ﵇، ومن جملة المسلمين، انتهى.\nوما قاله العجلوني فليس بظاهر، ومنشؤه التعصب فليس بشيء؛ فليحفظ.\n (معنا) خبر مقدم (إداوةٌ)؛ بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، وهي بالرفع مبتدأ مؤخر، والجملة محلها نصب على الحال بدون الواو، أو مستأنفة، و(مع): اسم معناه: الصحبة، كما مر؛ أي: في صحبتنا إداوة، (من ماء)؛ بالمد، و(من) للبيان؛ أي: لأجل أن يستنجي به.\nوفي الحديث: طلب التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، واتخاذ آنية الوضوء كالإداوة وغيرها، وحمل الماء معه إلى الكنيف، وخدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك، وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة.\nوفي الحديث أيضًا: جواز الاستعانة بغيره في أسباب العبادة، وجواز استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إذا أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا فيحصل الشرف لهم بذلك، وفي المماليك الأرقاء أولى، وأنَّه لا كراهة فيه، وقد فعله عثمان بن عفان وغيره من الصحابة والتابعين، وهذا شامل للصغير والكبير، ففيه: أنَّه يجوز للمعلم استخدام الصغير بإذن أبيه صريحًا أو دلالة سواء كان معلم قرآن، أو حديث، وفقه، ونحوٍ وغيرها، ويحرَّر.\n\n <span id=\"b-٢٧٦\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-276>[باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء]</span>\nهذا (باب حمل العَنَزة)؛ بفتح العين المهملة، وفتح النُّون، بعدها زاي، وهي عصًا أقصر من الرمح، في طرفها الأسفل زُجٌّ من حديد يتوكأ عليها الشيخ، (مع) حمل (الماء في الاستنجاء)؛ لأجل الطهور.\n\n <span id=\"b-٢٧٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-277>[حديث: كان رسول الله يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إداوةً من ماء]</span>\n١٥٢ - وبه قال: ([حدثنا] محمد بن بشَّار)؛ بالموحدة وتشديد المعجمة، المشهور لقبه ببندار (قال: حدثنا محمد بن جعفر) الملقب بغندر (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عطاء) بالمد (بن أبي ميمونة) البصري التابعي: أنَّه (سمع أنس بن مالك) مولاه ﵁ حال كونه (يقول: كان النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ يدخل الخلاءَ)؛ بالمد: هو المتبرَّز، والمراد به: الفضاء، يدلُّ عليه الرواية الأخرى: (كان إذا خرج لحاجته)، ويدل عليه حمل العنزة مع الماء، فإنَّ الصلاة إليها إنَّما تكون حيث لا سترة غيرها، على أنَّ الأخلية التي هي الكنف في البيوت يتولى خدمته فيها عادة أهله، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، و(الخلاءَ): منصوب؛ بتقدير: (في)؛ أي: في الخلاء، كدخلت الدار، والجملة في محل نصب على أنَّها خبر (كان)، (فأحمل أنا وغلام) يحتمل أنَّه عبد الله بن مسعود، أو أبو هريرة، أو جابر بن عبد الله، كما سبق (إداوة)؛ بكسر الهمزة: المطهرة (من ماء)؛ أي: مملوء منه، (وعَنَزةً)؛ بالنصب عطفًا على (إداوة)؛ أي: ويحمل أيضًا، وفي «مفاتيح العلوم»: هذه الحربة-وتسمى العنزة- كان النجاشي أهداها للنبي الأعظم ﵇، فكانت تقام بين يديه، وتوارثها من بعده الخلفاء ﵃.\n_________\n(^١) في الأصل: (اثنين).\n (^٢) في الأصل: (السوادي).","vol":"1","page":56},{"text":"وفي «الطبقات»: (أهدى النجاشي إلى النبي الأعظم ﵇ ثلاث عنزات، فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى عليًّا واحدة، وأعطى عمر واحدة).\n (يستنجي) أي: النبي الأعظم ﵇ (بالماء) جملة مستأنفة كأن قائلًا يقول: ما كان يفعل بالماء؟ قال: يستنجي به، والحكمة في حمل العنزة: ليصلي إليها في الفضاء، أو ليتقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنَّهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حال، ومن أجل هذا اتخذ الأمراء المشي أمامهم بها، أو للاتقاء من السبع والمؤذيات من الحيوانات، أو لنبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية عود الرشاش عليه، أو لتعليق الأمتعة بها، أو للتوكأ عليها، كذا في «عمدة القاري».\nوما قاله ابن حجر من أنَّها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، فبعيد؛ لأنَّ ضابط السترة في هذا مما يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك، وكأنَّه فهم ذلك من تبويب المؤلف وهو فهم الأولاد الصغار لا الفحول الكبار، وما ذاك إلا لقصور الذهن والذكاء، وقلة البضاعة والغَناء؛ فافهم.\n (تابعه) أي: تابع محمد بن جعفر (النَّضْرُ)؛ بفتح النُّون، وسكون الضَّاد المعجمة: ابن شُميل -بضم المعجمة- المازني البصري أبو الحسن، من تبع التابعين، الساكن بمرو، إمام العربية والحديث، وأول من أظهر السنة بمرو، المتوفى آخر سنة ثلاث أو أربع ومئتين عن نيف وثمانين سنة، (وشاذانُ)؛ بالرفع عطفًا على (النضر)؛ أي: تابع محمدَ بن جعفر شاذانُ، وهو بالشين المعجمة والذال المعجمة، آخره نون، لقب الأسود بن عامر الشامي ثم البغدادي أبو عبد الرحمن، المتوفى سنة ثمان ومئتين، (عن شعبة) فأما متابعة الأول؛ فموصولة عند النسائي، والثانية؛ فموصولة عند المؤلف في (الصلاة) بواسطة، فهي متابعة ناقصة، وفائدتها التقوية، وزعم الكرماني أنَّ الظاهر أنَّه تعليق؛ لأنَّ المؤلف كان ابن تسع سنين حين مات النضر، وزاد في رواية كريمة فقط قوله: (العنزة عصًا) بالتنوين (عليه زُجٌّ)؛ بضم الزاي المعجمة وبالجيم المشددة: السنان، وفي «العباب»: الزجُّ: نصل السهم والحديدة في أسفل الرمح، والجمع: زججة وزجاج، ولا يقال: أزجَّة، والعنزة: اختلف أهل اللغة هل هي قصيرة أو طويلة؟ صحح الأول القاضي عياض، والثاني النووي، وجزم القرطبي بأنَّها عصًا مثل نصف الرمح أو أكثر، وفيها زجٌّ، وقال ابن التين: إنَّها أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيه زجٌّ، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٧٨\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-278>[باب النهي عن الاستنجاء باليمين]</span>\nهذا (باب النهي) الوارد في الحديث (عن الاستنجاء باليمين)؛ أي: باليد اليمنى، وهل النهي للتنزيه أو للتحريم؟ تردد فيه ابن حجر وبيَّنه في «عمدة القاري»: بأنَّ النهي عند الجمهور للتنزيه، وعند أهل الظاهر أنَّه للتحريم، وهو قول بعض الحنابلة والشافعية، وتمامه فيه؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٧٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-279>[حديث: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء]</span>\n١٥٣ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع وفي رواية: بالإفراد (مُعاذ) بضم الميم وبالذال المعجمة (ابن فَضَالة)؛ بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، البصري الزهراني أبو زيد (قال: حدثنا هشام)؛ بكسر الهاء، ابن عبد الله (هو الدَّسْتوائي)؛ بفتح الدَّال وسكون السين المهملتين، والمثناة فوق، آخره همزة بدون نون، وقيل: بالقصر وبالنُّون؛ نسبة إلى دستوا قرية، وقيد به؛ لإخراج هشام بن حسان؛ لأنَّهما بصريان مشهوران من طبقة واحدة، فقيد به؛ لدفع الالتباس وغرض التعريف، وأتى بهذه العبارة اقتصارًا على ما ذكره شيخه، واحترازًا عن الزيادة على لفظه، وما قيل من أنَّه من كلام المؤلف؛ فبعيد؛ لأنَّه خلاف عادته؛ فافهم.\n (عن يحيى بن أبي كثير)؛ بالمثلثة، أبو نصر الطائي، (عن عبد الله بن أبي قتادة): أبو إبراهيم البلخي، المتوفى سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة خمس ومئة، (عن أبيه) وفي رواية: (عن أبي قتادة) بدل (عن أبيه)، واسم أبي قتادة: الحارث، أو النعمان، أو عمرو بن رِبْعي -بكسر الرَّاء وسكون الموحدة-، السَّلَمي -بفتحتين- الخزرجي المدني، المشهور بفارس النبي الأعظم ﵇، شهد أحدًا وما بعدها، واختُلِف في شهوده بدرًا، والمشهور: أنه لم يشهدها، فهو صحابي قطعًا، فما زعمه الكرماني من أنَّه تابعي؛ خطأ لا محالة، المتوفى بالمدينة أو بالكوفة سنة أربع وخمسين عن سبعين سنة، (قال: قال رسول الله ﷺ: إذا شرِب) بكسر الرَّاء (أحدُكم): فاعله، ومفعوله محذوف؛ ليعم الماء وغيره، أو هو منزل منزلة اللازم؛ (فلا يتنفسْ)؛ بالجزم فيه، وفي الفعلين بعده على النهي وبالرفع فيهما على النفي بمعنى النهي، والتنفس: (تفعل)؛ وهو خروج النفس من الفم، وكل ذي رئة يتنفس، وذوات الماء لا رئات لها، والفاء في جواب الشرط، كما في «عمدة القاري»، (في الإِناء)؛ بكسر الهمزة: الوعاء، جمعها: آنية، وجمع الآنية: الأواني؛ مثل: سقاء وأسقية وأساقي، وأصله غير مهموز، فأصله: إناي، قلبت الياء همزة؛ لوقوعها في الطرف بعد ألف ساكنة، وهو نهي ويحتمل النفي، وعلى كل فالنهي للأدب؛ لأنَّه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق فيخالط الماء فيعافه الشارب، وربما يروح بنكهة التنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه يعد من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعة ثم تنفست فيها ثم عادت فشربت، فإن شرب وتنفس في الإناء من غير أن يَبِيْنَه عن فيه؛ فهو مكروه، أمَّا لو شرب في نفس واحد ولم يتنفس فيه؛ فلا يكره؛ لأنَّه إنَّما نهي عن التنفس في الإناء وهذا ليس كذلك، وكرهه جماعة، وقالوا: إنه شرب الشيطان.\nوإنما السنة: أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسًا من الإناء؛ نحَّاه عن فيه، ثم عاد مصًّا له غير عبٍّ إلى أن يأخذ ريَّه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه؛ تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وأذى كبده، وهو فعل البهائم.\nوقد قيل: إنَّ في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر، فينفي ما على القلب من الهمَّ أو القذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة؛ هلك الآدمي، ويخشى من كثرة التنفس في الإناء أن يصحبه شيء مما في القلب فيقع في الماء ثم يشربه فيتأذى به، وقيل: علة الكراهة أن كل عبَّة شربة مستأنفة، فيستحب الذكر في أولها، والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل بينهما؛ فقد أخلَّ بعدَّة سنن، ولم يبيِّن في الحديث عدد التنفس خارج الإناء، وقد بيَّنه في الحديث الآخر بالتثليث، ففي الترمذي محسَّنًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسمُّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوه إذا أنتم رفعتم».\nوقد اختلف العلماء في أيِّ هذه الأنفاس الثلاثة أطول على قولين؛ أحدهما: الأول، والثاني: أن الأول أقصر، والثاني أزيد منه، والثالث أزيد منها، فيجمع بين السنة والطب، وهو الصحيح؛ لأنَّه إذا شرب قليلًا قليلًا؛ وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث: «مُصُّوا الماء مصًّا ولا تعبوه عبًّا، فإنَّه أهنأ وأمرأ وأبرأ».\nفإن قلت: قد صح عن أنس: أنه ﵇ كان يتنفس في الإناء ثلاثًا.\nقلت: المعنى: أنه يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم لا التنفس في الإناء، لا سيما مع قوله: (هو أهنأ وأمرأ وأبرأ)، وفعله بيان للجواز، أو النهيُّ خاص بغيره؛ لأنَّ ما يتقذر من غيره يستطاب منه.\nوهل الحكم مقصور على الماء أم غيره من الأشربة كذلك مثله؟\nأجيب: بأن النهي المذكور غير مختصٍّ بشرب الماء، بل غيره من الأشربة، وكذا الطعام مثله، فكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ.\nوفي «جامع الترمذي» مصحَّحًا عن أبي سعيد الخدري: أنَّه ﵇ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: «أهرقها»، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: «فأبِنْ القدح إذًا عن فيك»، ويدل على هذا العموم حذف المفعول في قوله: (وإذا شرب)؛ لأنَّ حذف المفعول ينبئ عن العموم، كما مر؛ فافهم.\n (وإذا أتى الخلاء)؛ بالمد، المتوضأ، ويطلق على الفضاء أيضًا؛ أي: للبول كما دلت عليه الرواية الآتية في الباب بعده؛ (فلا): الفاء في جواب الشرط (يمسَّ)؛ بفتح السين؛ لخفة الفتحة، وكسرها؛ لأنَّ الساكن إذا حرك؛ حرك بالكسر وفك الإدغام، وإنما لم يظهر الجزم فيها؛ لأجل الإدغام، وعند الفك يظهر الجزم، تقول: فلا يمسِس (ذكره","vol":"1","page":57},{"text":"بيمينه)؛ لرفع قدر اليمين، ولأنَّه لو باشر النجاسة بها؛ يتذكر عند تناوله الطعام، وما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك، والنهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا لأهل الظاهر، ولبعض الحنابلة، ولبعض الشافعية، كما مر.\nوالحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول فقط، فكيف الحكم في غير هذه الحالة؟\nوأجيب: بأنَّه روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة قالت: (كانت يد رسول الله ﵇ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذًى)، وأخرجه بقيَّة الجماعة أيضًا، وروي أيضًا من حديث حفصة زوج النَّبيِّ الأعظم ﵇ قالت: (كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)، فظاهر هذا: يدلُّ على عموم الحكم على أنَّه قد روي النَّهي عن مسِّه باليمين مطلقًا غير مقيَّد بحالة البول، فمن النَّاس من أخذ بهذا المطلق، ويدلُّ له حديث الباب الآتي بعده فيشمل الُقُبل والدبر، ومنهم من حمله على الخاص بعد أن نظر في الروايتين، هل هما حديثان أو حديث واحد؟ فإن كانا حديثًا واحدًا مخرجه واحد اختلفت فيه الرواة؛ فينبغي حمل المطلق على المقيَّد؛ لأنَّها تكون زيادة من عدلٍ في حديث واحد، فيقبل، وإن كانا حديثين؛ فالأمر في حكم الإطلاق والتقييد على ما ذكر؛ فافهم.\n (ولا يتمسح)؛ أي: لا يستنجي من التفعُّل، أشار به إلى أنَّه لا يتكلَّف المسح (بيمينه)؛ لأنَّ باب التفعل للتكليف غالبًا والنهي فيه للتنزيه عند الجمهور، كما ذكرنا، واستشكل أنه متى استجمر بيساره؛ استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسه بيساره؛ استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، وأجاب في «البحر الرائق»: بأنَّ الصواب أن يأخذ الذكر بشماله فيمرُّه على جدار أو موضع نائٍ من الأرض، وإن تعذر يقعد ويمسك الحجر بين عقبيه فيمرُّ العضو عليه بشماله، فإن تعذَّر يأخذ الحجر بيمينه ولا يحركه ويمر العضو عليه بشماله.\nقال الإمام نجم الدين: وفيما أشار إليه من إمساك الحجر بعقبه حرج وتكلف، بل يستنجي بجدار إن أمكن، وإلا؛ فيأخذ الحجر بيمينه ويستنجي بيساره، انتهى.\nوفي «المجتبى» عن «النظم»: أنه يستنجي بثلاثة أمدار، فإن لم يجد؛ فبالأحجار، فإن لم يجد؛ فبثلاثة أكف من تراب لا بما سواها من الخرقة والقطن ونحوهما؛ لأنَّه ورد في الحديث أنه يورث الفقر، انتهى، واعترضه في «الحلية» بأنه مخالف لعامَّة كتب المذهب من أنَّ المكروه المتقوم لا مطلقًا، انتهى، وما أجاب به ابن حجر عن الإشكال؛ فليس بجيد؛ فافهم.\nقال في «غاية البيان»: فإن استنجى باليمين؛ يجزئه ويكره.\nقال في «البحر»: والتحقيق أنَّ الاستنجاء لا يكون إلا سنة فينبغي أنَّه إذا استنجى بالمنهي عنه ألَّا يكون مقيمًا للسُّنة أصلًا، فقولهم بالإجزاء مع الكراهة تسامح؛ لأنَّ مثل هذه العبارة تستعمل في الواجب وليس به هنا، انتهى.\nواعترضه في «النهر» بأنَّ المسنون هو الإزالة، ونحو الحجر لم يقصد لذاته، بل لأنَّه مزيل، غاية الأمر أنَّ الإزالة بهذا الخاص منهي عنها، وذا لا ينفي كونه مزيلًا، ونظيره لو صلَّى السُّنة في أرض مغصوبة؛ كان آتيًا بها مع ارتكاب المنهي عنه، انتهى.\nوأصل الجواب مصرح به في «الكافي» حيث قال: لأنَّ النهي في غيره فلا ينفي مشروعيته، كما لو توضأ بماء مغصوب، أو استنجى بحجر مغصوب.\nقال شيخ شيخنا: والظاهر: أنه أراد بالمشروعية الصحة، لكن يقال عليه: إنَّ المقصود من السنة الثواب، وهو منافٍ للنهي، بخلاف الفرض، فإنَّه مع النهي يحصل به سقوط المطالبة، كمن توضأ بماء مغصوب؛ فإنَّه يسقط به الفرض وإن أثم، بخلاف ما إذا جدَّد به الوضوء؛ فالظاهر: أنَّه وإن صحَّ لم يكن له ثواب، انتهى.\nقلت: وفيه نظر لما قدمنا أنَّ الاستنجاء المسنون: هو إزالة القذر والتنقية، وهو بالمنهي عنه قد أدَّى السنة فيثاب عليه بلا ريب، لكن عليه كراهة من جهة أنَّه قد فعل المنهي عنه، كما إذا توضأ بماء مغصوب؛ فإنَّه يكون آتيًا بالفرض مثابًا عليه من جهة أنَّه قد فعل المأمور به وهو الوضوء، وإن كان عليه كراهة من حيث إنَّه قد فعل المنهي عنه، فالنهي إنَّما هو في معنًى في غيره لا في ذاته، ولا فرق بين الفرض والسُّنة، لا يقال: إن المقصود من السنة: الثواب؛ وهو مناف للنهي؛ لأنَّا نقول: الجهة فيه منفكَّة، فإن فعل السنة؛ يثاب عليها في ذاتها مع قطع النظر عن كونه آتيًا بشيء منهي عنه، وعليه كراهة من حيث إنه أتى بشيء منهي عنه فكيف يقال: إنه لم يكن له ثواب، بل هو مثاب على فعل المأمور به وإن كان ملامًا على فعل المنهي عنه، وكذا تجديد الوضوء يثاب عليه من جهة أنَّه قد فعل قربة، ملامٌ من حيث إنه قد فعل المنهي عنه؛ وهو تجديد الوضوء بماء مغصوب وفضاء واسع، كذا في «منهل الطلاب».\nويستثنى من النهي بالاستنجاء باليمين ما لو كان في يده اليسرى عذر يمنع الاستنجاء بها، جاز أن يستنجي بيمينه من غير كراهة، كما في «البحر»، و«الجوهرة»، و«شرح الهاملية»، وكذا لو كانت يده اليسرى مشلولة ولم يجد ماءً جاريًا ولا صابًّا؛ ترك الماء، كما في «الدر المختار»، فإن وجد ماءًا جاريًا؛ دخل فيه وغسل باليمين، أو أخذ منه باليمين وغسل، ثم غسلها في الجاري، أو أخذ ماءًا آخر غسل به إلى أن يطهر، ومثل الجاري الراكد الكثير، كذا في «الحلية»، وقال في «الإمداد»: فإن وجد صابًّا كخادمٍ وزوجةٍ؛ لا يتركه، انتهى، قلت: وهو خلاف ما يقتضيه الاستثناء؛ فإنَّه يفيد عدم الكراهة باليمين حال العذر، وهو كذلك، فإن حصل عذر باليمين؛ سقط عنه الاستنجاء، كما صرح به في «حواشي الحموي» عن «المحيط»، والمعتمد أن القادر بقدرة غيره لا يعد قادرًا عند الإمام الأعظم، وعليه الفتوى، خلافًا لصاحبيه.\nولو كانت يداه مشلولتين؛ سقط أصلًا، كما في «الدر»؛ أي: سقط عنه الاستنجاء بالماء والحجر جميعًا؛ كمريض، لما في «الفتاوى التاترخانية»: الرجل المريض إذا لم تكن له امرأة ولا أمة وله ابن أو أخ وهو لا يقدر على الوضوء؛ قال: يوضِّئه ابنه أو أخوه غير الاستنجاء، فإنه لا يمس فرجه، ويسقط عنه، والمرأة المريضة إذا لم يكن لها زوج وهي لا تقدر على الوضوء ولها بنت أو أخت؛ توضِّئها ويسقط عنها الاستنجاء، انتهى، ولا يخفى أن هذا التفصيل يجري فيمن شلت يداه؛ لأنَّه في حكم المريض، كما في «منهل الطلاب».\n\n <span id=\"b-٢٨٠\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-280>[بابٌ: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (لا يمسكُ): روي بالرفع على أنَّ (لا) نافية، وبالجزم على أنها ناهية، وفي رواية: (لا يمس) (ذكره إذا بال)، واستشكل بأن حكم هذه الترجمة قد سبق في الحديث السابق، فما فائدة هذه الترجمة؟، وأجيب: بأنَّ فائدتها اختلاف الإسناد مع التنبيه على ما وقع في لفظ المتن من الخلاف، وبيان اختلاف الأحكام من أنَّه في الباب الأول بيان كراهة الاستنجاء باليمين، وهنا على بيان كراهة مس الذكر عند البول، لا يقال: إنَّ النهي المطلق محمول على المقيد؛ لأنَّا نقول: الحاصل من معنى الحديثين واحد، وكلاهما مقيد، فكلاهما في الحقيقة واحد، والمفهوم","vol":"1","page":57},{"text":"منهما جميعًا النهي عن مس الذكر باليمين عند البول، فلا يدلُّ على منعه عند غير البول، ولا سيما قد جاء في الحديث ما يدلُّ على الإباحة وهو قوله ﵇ لطلق بن عليٍّ حين سأله عن مسِّ ذكره؛ حيث قال له: «إنَّما هو بضعة منك»، فهذا يدل على الجواز في كلِّ حال، ولكن خرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وما عدا ذلك فقد بقي على الإباحة، وفائدة تخصيص النهي بحالة البول؛ لأنَّ ما قرب من الشيء؛ يأخذ حكمه، ولما منع الاستنجاء باليمين؛ منع مس آلته حسمًا للمادة، وتمامه في «عمدة القاري».\nوما وقع في «شرح ابن حجر»؛ فهو خبط وخلط كما بينه في «كشف الحجاب عن العوام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، فإنَّه كتاب عظيم الفوائد والفرائد؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٨١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-281>[حديث: إذا بال أحدكم فلا ياخذن ذكره بيمينه]</span>\n١٥٤ - وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف): هو الفريابي (قال: حدثنا الأوزاعي): عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور، (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة، (عن عبد الله بن أبي قَتادة)؛ بفتح القاف، (عن أبيه)؛ أي: أبي قتادة لا عن قتادة، وصرح ابن خزيمة في روايته بسماع يحيى له من عبد الله بن أبي قتادة، فأمن من التدليس على أن ابن المنذر صرَّح بالتحديث في جميع الإسناد، (عن النبي) الأعظم (ﷺ): أنه (قال: إذا بال أحدكم؛ فلا يأخذنَّ)؛ بنون التأكيد، وفي رواية: بحذفها، وهذا جواب الشرط ومحل المطابقة للترجمة، وفي رواية: (فلا يمس) (ذكره بيمينه)؛ لشرفها، كما في الرواية السابقة: (إذا أتى الخلاء؛ فلا يمس ذكره بيمينه).\nفاعترض بأنَّ المسَّ أعم من المسك؛ أي: فكيف يستدل بالأعم على الأخص؟\nويجاب: بأن نفي الأعمِّ يستلزم نفي الأخصِّ على أنَّه مطابق نصًّا للرواية السابقة في الترجمة، ولابن حجر هنا كلام لا يخفى ما فيه من الخبط والخلط، كما بينه في «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل الممل».\n (ولا يستنجي)؛ بحذف الياء على النهي، وفي رواية: بإثباتها على النفي، وعلى كل فهو مفسر لقوله فيما سبق: (ولا يتمسح) (بيمينه)؛ أي: في القبل أو الدبر، وليس النهي عن المسح خاصًّا بالدبر ولا النهي عن المس مختص بالدبر، كما سبق رده، وروي عن مالك: عدم كراهة الاستنجاء باليمين إذا كان فيها خاتم منقوش فيه اسم معظم؛ وهو مردود بهذه الأحاديث، على أنَّ النهي قد تأكَّد بوجود ذلك الخاتم، فإنَّه لو استنجى باليسرى مع وجود الخاتم فيها؛ فهو مكروه؛ لأنَّه مخلٌّ بتعظيم اسمه تعالى، على أنَّه قد أنكر هذه الرواية جمهور أصحاب مالك، فلا اعتداد بها؛ فافهم.\n (ولا يتنفس في الإناء): حالة شرب الماء وغيره، وهو بالرفع على أنَّ (لا) نافية، وبالجزم على أنَّها ناهية، روايتان كما مر، والجملة عطف على الجملة المركبة من الشرط والجزاء مجموعًا، ولهذا غيَّر الأسلوب؛ حيث لم يؤكد بالنُّون، ولا يجوز أن يكون معطوفًا على الجزاء؛ لأنَّه مقيد بالشرط، فيكون المعنى: إذا بال أحدكم؛ فلا يتنفس في الإناء، وهو غير صحيح؛ لأنَّ النهي مطلق، وذهب السكاكي إلى أنَّ الجملة الجزائية جملة خبرية مقيدة بالشرط فيحتمل على مذهبه أن يكون عطفًا على الجزائية، ولا يلتزم من كون المعطوف عليه مقيدًا بقيد أن يكون المعطوف مقيدًا به على ما هو عليه أكثر النحاة، كذا في «عمدة القاري»، وما في «شرح العجلوني»؛ فتعصبٌ؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٨٢\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-282>[باب الاستنجاء بالحجارة]</span>\nهذا (باب) حكم (الاستنجاء بالحِجارة)؛ بكسر الحاء المهملة، جمع حَجَر -بفتحتين-، ويجمع على أحجار للقلة، كما في حديث الباب، والتقييد بالحجارة جرى على الغالب، وإلا؛ فيجوز الاستنجاء بكلِّ طاهر قالع غير محترم ولا متقوَّم، كما سيأتي بيانه، وأشار المؤلف بهذه الترجمة الرد على من زعم أنَّ الاستنجاء\nمختص بالماء دون غيره، وعلى من منع الاستنجاء بالحجارة.\n\n <span id=\"b-٢٨٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-283>[حديث: ابغني أحجارًا أستنفض بها ولا تاتني بعظم ولا روث]</span>\n١٥٥ - وبه قال: (حدثنا أحمد بن محمد) أي: ابن أبي الوليد (المكي): الأزرقي الغساني، جد أبي الوليد محمد بن عبد الله، صاحب «تاريخ مكة»، المتوفى سنة أربع عشرة أو اثنتين وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعِيد) بكسر العين (بن عَمرو) -بفتح العين- أبو أمية (المكي) القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، الأمير بالمدينة، المجهِّز البعوث إلى مكة، المتغلِّب على دمشق زمن عبد الملك بن مروان، فقتله عبد الملك، وسيَّر أولاده إلى المدينة، (عن جده) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أبي أجنحة، التابعي الثقة، (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁ (قال: اتَّبعت النبي) الأعظم (ﷺ)؛ بهمزة وصل وتشديد المثناة فوق؛ أي: سرت وراءه، وبقطع الهمزة رباعيًا؛ أي: لحقته، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].\nوحكى القزاز: أن أبا عمرو قرأ: ﴿ثم اتَّبَعَ سببًا﴾، والكسائي: ﴿ثم أَتْبَعَ سببًا﴾؛ يريد: لحق وأدرك، وذكر أن (تبعه وأتبعه) بمعنًى واحد، انتهى؛ أي: بالنظر لأصل المادة، وتفاوتهما: بالنظر إلى الصيغة؛ مثل: وفى وأوفى؛ فتأمَّل.\nوالجملة مقول القول.\n (وخرج لحاجته)؛ أي: للبول أو للغائط، والجملة وقعت حالًا من النبي، مقترنة بالواو والضمير، و(قد) فيها مقدرة عند البصريين؛ لأنَّ الفعل الماضي إذا وقع حالًا؛ فلا بدَّ فيه من (قد) ظاهرة أو مقدرة، ويجوز فيه الواو وتركه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]؛ أي: قد حصرت، وقد وقع بدون الواو، كذا في «عمدة القاري» بتغيير.\n (فكان)؛ بالفاء العاطفة في رواية، وفي أخرى: بالواو الحالية، قاله في «عمدة القاري»، وجوَّز ابن حجر كون الواو استئنافية، وهو غير صحيح؛ لاختلال المعنى، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وتوجيه العجلوني له غير صواب؛ لركوبه فيه متن عمياء، ويرجح كونها حالية الرواية بالفاء العاطفة، كما لا يخفى؛ فافهم، وجملة قوله: (لا يلتفت وراءه): محلها نصب خبر (كان)؛ والمعنى: أنه ﵇ كان إذا مشى لا يلتفت وراءه، وكان هذا عادة مشيه ﵇ (فدنوت) أي: قربت (منه) ﵇، زاد في رواية: (أستأنس به وأتنحنح، فقال: «من هذا؟» فقلت: أبو هريرة)، (فقال: ابغني): يجوز في همزته الوصل إذا كان من الثلاثي؛ ومعناه: اطلب لي، والقطع إذا كان من المزيد؛ ومعناه: أعنِّي على الطلب، وكلاهما روايتان، كما قاله في «عمدة القاري»، وفي رواية: (أبغ لي)؛ بهمزة قطع، وباللام بعد الغين بدل النُّون، وفي أخرى: (ائتني) (أحجارًا)؛ بالنصب مفعول ثان لـ (ابغني)، وفي رواية: (حجارة) (أستَنفض)؛ بفتح المثناة، بعدها نون، ثم فاء مكسورة، ثم ضاد معجمة، روي بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر، وبالرفع على الاستئناف على وزن (استفعل)، من النفض؛ بالنُّون والفاء المعجمة؛ وهو أن يهزَّ الشيء ليظهر غباره أو يزول ما عليه؛ ومعناه: أستنظف (بها)؛ أي: بالحجارة، متعلق بـ (أستنفض)؛ أي: أنظف بها نفسي من الحدث، وفي «المطالع»: أي: أستنجي بها، وقال في «المضرب»: الاستنفاض: هو الاستخراج، ويكنى به الاستنجاء، قال: ومن رواه بالقاف والصَّاد؛ فقد صحف، انتهى.\nقال في «العباب»: استنفاض الذكر وانتفاضه: استبراؤه مما فيه من بقية البول.\nقلت: الأول: بالفاء والضَّاد المعجمة، والثاني: بالقاف والضَّاد المعجمة، والثالث: بالقاف والصَّاد المهملة.\nوقال أبو عبيد: انتقاص الماء: غسل الذكر بالماء؛ لأنَّه إذا غسل بالماء؛ ارتد البول ولم ينزل، وإن لم يغسل؛ نزل منه شيء بعد شيء حتى يُستَبرَأ، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (أو نحوَه)؛ بالنصب؛ لأنَّه مقول القول، وهو جملة في المعنى؛ والتقدير: أو قال نحو قوله: (أستنفض بها)، وذلك نحو قوله:","vol":"1","page":58},{"text":"(أستنجي بها)، ووقع في رواية الإسماعيلي: (أستنجي بها) عوض (أستنفض بها)، والتردد فيه من بعض الرواة؛ فافهم.\n (ولا تأتني)؛ بالجزم بحذف حرف العلَّة على النهي، وفي رواية: (ولا تأتيني)؛ بإثباته على النفي، وفي أخرى: (ولا تأتي)، وفي أخرى: (ولا تأتي لي)؛ باللام (بعظم ولا روث): متعلق بـ (تأتني)، وقيد ﵇ بهذين؛ لأنَّه خشي أن يفهم أبو هريرة من (أسنتفض بها) أنَّ كلَّ ما يزيل الأثر وينقي كافٍ ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبَّهه في اقتصاره في النهي على العظم والروث على أنَّ ما سواهما يجزئ، ولو اختص بالأحجار، كما قال به الظاهرية وبعض الحنابلة، لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنًى، بل المراد الأحجار وما في معناها من كلِّ طاهر قالع غير محترم، وإنما خص الأحجار بالذكر؛ لأنَّها كانت أكثر الأشياء التي يستنجى بها وجودًا وأقربها تناولًا.\nوالعلَّة في النهي عن هذين؛ إن كان هو كونهما من طعام الجن -على ما سيجيء عند المؤلف في (المبعث) في هذا الحديث: أنَّ أبا هريرة قال للنبي ﵇: ما بال العظم والروث؟ قال: «هما من طعام الجن» -؛ فيلحق بهما سائر المطعومات للآدميين والبهائم بطريق القياس، وكذا المحترمات؛ كخرقة ديباج وقطن، والمراد كل شيء متقوَّم إلا الماء، وهو صادق بما يساوي فلسًا، وكذا أجزاء الآدمي ولو كان كافرًا أو ميتًا، وكذا ماء زمزم، وكذا أوراق الأشجار وأوراق الكتابة، وما كتب عليه شيء من العلم كالحديث والفقه، وما كان آلة لذلك، وكذا كتب الفلسفة، والتوراة، والإنجيل، خلافًا للشافعي.\nوإن كان هو النجاسة في الروث؛ فيلحق به كل نجس كالعذرة والحجر الذي استنجى به، وكذا كل متنجس، وفي العظم كونه لزجًا فلا يزيل إزالة تامة، فيلحق به ما في معناه؛ كالزجاج، والفحم، والآجر، والخذف، والشعر، ويؤيده ما رواه الدارقطني وصحَّحه من حديث أبي هريرة: أنَّه ﵇ نهى أن يستنجى بروث أو بعظم، وقال: «إنَّهما لا يطهِّران»؛ أي: لا يطهِّران طهارة تامة؛ فافهم، وقيل: المعنى: أنَّ العظم لَزِجٌ لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البِلَّة، وقيل: إنَّ العظم لا يكاد يَعْرَى من بقية دسم قد علق به، ونوع العظم قد يتأتَّى فيه الأكل لبني آدم؛ لأنَّ الرخو منه الرقيق قد يتمشمش في حالة الرفاهية، والغليظ الصلب منه يدق ويستف عند المجاعة والشدة، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم، فهذان وجهان، والثالث: كونه طعام الجن، كما سبق، وأمَّا الروث؛ فلأنَّه نجس لا يزيل النجاسة، بل يزيدها، وإمَّا لأنَّه طعام لدوابِّ الجن، وقال أبو نعيم في «دلائل النبوة»: إنَّ الجن سألوا هديةً منه ﵇ فأعطاهم العظم والروث، فالعظم لهم والروث لدوابهم، فإذن لا يستنجى بهما، وإمَّا لأنَّه طعام للجن أنفسهم، ففي «الدلائل» للحاكم: أنَّه ﵇ قال لابن مسعود ليلة الجن: «أولئك جن نصيبين، جاؤوني فسألوني الزاد فمتَّعتهم بالعظم والروث»، فقال: وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنَّهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أُخِذ، ولا وجدوا روثًا إلا وجدوا فيه حبه الذي كان عليه يوم أُكِل، فلا يستنجي أحد بعظم ولا روث».\nوفي رواية أبي داود: أنَّهم قالوا: يا محمد؛ انْهَ أمَّتك لا يستنجوا بعظم، أو روث، أو حُمَمَة، فإنَّ الله جعل لنا رزقًا فيها، فنهى ﵇ عنه، والحُمَمَة؛ بضم الحاء المهملة وفتح الميمين؛ وهي الفحم أو ما احترق من الخشب والعظام ونحوها، وجمعها: حمم، وقوله: (رزقًا)؛ أي: انتفاعًا لهم بالطبخ والدفء والإضاءة، ولا يتأتَّى هذا ما تقرر أن ذلك كان بجعل النبي ﵇ لهم وهو يقتضي ثبوته لهم قبله، فإن المعنى: جعل لنا فيها رزقًا بسبب جعلك إياها لنا، فإنه عن الله ﷿، وفي «مسلم»: أنَّ الجن سألوه ﵇ الزاد، فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال ﵇: «فلا تستنجوا بهما، فإنَّهما طعام إخوانكم».\nقلت: وهل هذا متحقق ولو تقادم عهده وتكررَّ، أو قاصر على قريب العهد الذي لم يطعمه أحد من الجن، والظاهر: الثاني وإن كانت الكراهة في الجميع؛ لأنَّ العلَّة تعتبر في الجنس، وإفادة الأحاديث أنَّ الجن يأكلون، وقيل: رزقهم الشم، ولا خلاف أنَّهم مكلفون، وإنَّما الخلاف في إثابتهم، فروي عن الإمام الأعظم التوقُّف، وروي عنه: أنَّ إثابتهم إجارتهم من العذاب، ويدل له قوله ﷾: ﴿وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وهو لا يستلزم الإثابة.\nوقال الإمام أبو يوسف، والإمام محمد، ومالك، وابن أبي ليلى: لهم ثواب كما عليهم عقاب، واستفيد من حديث مسلم أنَّه لو كان عظم ميتة؛ لا يكره الاستنجاء به؛ فتأمَّل.\nقلت: إلَّا عظام بني آدم؛ فإنَّها لا يجوز الاستنجاء بها أصلًا لاحترامه؛ فليحفظ.\nوالمراد بالروث: اليابس، ففي «منح الغفَّار»: والروث وإن كان نجسًا عندنا؛ لقوله ﵇ فيها: «ركس أو رجس»، لكن لمَّا كان يابسًا لا ينفصل منه شيء؛ صحَّ الاستنجاء به؛ لأنَّه مخفِّفٌ لما على البدن من النجاسة الرطبة، انتهى، ومثله في «البحر»؛ أي: بخلاف الرطب، فإنه لا يخفِّف النجاسة؛ فلا يصحُّ الاستنجاء به أصلًا، ومثله: العَذِرَةُ؛ وهو الرجيع اليابس، والحجر المستنجى به، قال في «فتح القدير»: ولا يجزئه الاستنجاء بحجر قد استنجى به مرة، إلا أن يكون له حرف آخر لم يستنج به، انتهى، أي: لم تصبه النجاسة.\nوقال الشافعي: ويجوز الاستنجاء بكتب الحكميات، والفلسفة، والتوراة والإنجيل إن علم تبدلهما وخلوهما عن اسم معظم.\nقلت: وهذا مجازفة عظيمة على الله تعالى؛ لأنَّه تعالى لم يخبرنا بأنَّهم بدَّلوها عن آخرها، وخلوِّ اسم معظَّم منها غير محقَّق، بل الذي شاهدناه في التَّوراة والإنجيل أنَّهما محشوَّان من أسماء الله تعالى والأنبياء ﵈، ولأنَّ غرضهم بتبديل الأحكام لا تبديل الأسماء والدَّعوات، وكونه منسوخًا لا يخرجه عن كونه كلام الله تعالى.\nوقال إمامنا الإمام الأعظم: إنَّ للحروف حرمة ولو كانت مقطعة، وقد ذكر القراء: أنَّ الحروف الهجائية قرآن أنزلت على سيدنا هود ﵇، كما صرَّح به القسطلاني في «الإشارات»، ومقتضى هذا الحرمة بالمكتوب مطلقًا، وإذا كانت العلَّة في الأبيض كونه آلة للكتابة؛ يؤخذ منها عدم الكراهة فيما لا يصلح لها إذا كان قالعًا للنجاسة غير متقوَّم؛ كورق الهشِّ كما يجوز بالخرق البوالي، وهل إذا كان متقوَّمًا ثم قطع منه قطعة لا قيمة لها بعد القطع يكره الاستنجاء بها أم لا؟ والظاهر: الثاني؛ لأنَّه لم يستنج بمتقوَّم، نعم؛ قطعه لذلكالظاهر: كراهته لو بلا عذر بأن وجد غيره؛ لأنَّ نفس القطع إتلاف، انتهى.\nوقال بعض الأفاضل: ينبغي تقييد الكراهة فيما له قيمة بما إذا أدَّى إلى إتلافه، أمَّا لو استنجى به من بول أو مني مثلًا وكان يغسل بعده؛ فلا كراهة إلا إذا كان شيئًا ثمينًا تنقص قيمته بغسله؛ فتأمَّل.\nوكذا يكره الاستنجاء بكلِّ ما ينتفع به لإنسي وجنِّي أو دوابِّهما، وظاهره ولو ممِّا لا يتلف بأن كان يمكن غسله، وكذا يكره الاستنجاء بماء الغير وحجره المحرز لو بلا إذنه، ومنه المسبَّل للشرب فقط، وكذا جدار ولو لمسجد","vol":"1","page":58},{"text":"أو دار وقف لم يملك منافعها، وتمامه في «منهل الطلاب».\n (فأتيته) أي: النبي الأعظم ﵇ (بأحجار)؛ فهو من كلام أبي هريرة، والفاء تفصيحية (بطرف ثيابي): الباء ظرفية؛ أي: في جانب ثيابي، والظاهر: أن المراد من الثياب الجنس لا الجمع؛ بدليل رواية الإسماعيلي: (بطرف ملاءتي)، وجوَّز الكرماني كلا الوجهين، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ ما ذكر إنَّما يتمشَّى في الجمع المحلى بالألف واللام، قلت: وقد يقال: الإضافة تأتي لما تأتي له اللام؛ فتأمل، (فوضعتُها)؛ أي: الأحجار؛ بتاء المتكلم، وفي رواية: (فوضعها)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (إلى جنبه) ليقرب تناولها، (وأعرضت): وفي رواية: (واعترضت)؛ بزيادة مثناة فوقية بعد العين المهملة (عنه) للتباعد، (فلما قضى)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، والمفعول محذوف؛ تقديره: حاجته؛ (أتبعه)؛ بهمزة قطع؛ أي: ألحقه (بهن)؛ أي: بالأحجار، والضمير المنصوب يعود على القضاء الذي يدل عليه قوله: (فلما قضى)، وكنى به عن الاستنجاء، وقيل: الضمير يعود على المحل، والأول أظهر؛ فافهم.\nوفي الحديث: مشروعية الاستنجاء، واختلف العلماء فيه؛ فقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن، ومالك في رواية، والمزني من الشافعية: إنَّه سنة مؤكدة؛ لما رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁ عن النبي الأعظم ﵇ قال: «من استَجْمَرَ؛ فليوتر، من فَعَلَ؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج...»؛ الحديث.\nوأخرجه أحمد في «مسنده»، والحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» برجال ثقاتٍ، فهو حديث صحيح محكم لا يحتمل التأويل، فيدلُّ على نفي وجوب الاستنجاء وعلى نفي وجوب العدد فيه؛ لأنَّ الشارع نفى الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنَّه ليس بواجب، وكذلك تَرْكُ الإيتار لا يضرُّ؛ لأنَّ ترك أصلِهِ لمَّا لم يكن مانعًا فما ظنك بترك وصفه؟! فدل الحديث على انتفاء المجموع، فالسنة عندنا: إنقاء المحل؛ لأنَّه المقصود، فلو لم يحصل الإنقاء بثلاث؛ يزاد عليها اتفاقًا؛ لكونه هو المقصود، ولو حصل الإنقاء بواحد واقتصر عليه؛ جاز؛ لحصول المقصود، لا يقال: رفع الحرج في الزيادة على الثلاث؛ لأنَّ مجاوزة الثلاث في الماء عدوان وترك السنة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعًا؛ لأنَّا نقول: هذا الوجه غير مراد ولا يفهم من الكلام على ما لا يخفى على الذكي الفطن، وأيضًا مجاوزة الثلاث في الماء كيف تكون عدوانًا إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث؟! والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعًا كيف لا يصير عدوانًا، وقد نص على الإيتار؟! فافهم.\nوقال الشافعي، وأحمد، ومالك في رواية: إن الاستنجاء واجب لما أخرج ابن ماجه وأحمد عن عائشة: أنه ﵇ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهنَّ».\nوأجيب: بأنَّ الأمر يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب، والمحتمل لا يصلح أن يكون حجة إلا بمرجِّح لأحد المعاني ولم يوجد، ونحن أعملنا الأحاديث كلَّها، وفيما قاله الشافعي ومن تبعه إهمال لبعض الأحاديث، والعمل بالكل أولى على ما لا يخفى.\nوفي الحديث: أنَّ الأحجار لا تتعيَّن للاستنجاء، بل يقوم مقامها كلُّ جامد طاهر قالع غير محترم ولا متقوَّم، فيكره الاستنجاء بالذهب، والفضة، والعظم، والروث، والرجيع، والطعام مطلقًا، والفحم، والزجاج، والجص، والآجر، وورق الشجر، والورق، والخذف، والشعر، وغيرها، ولو استنجى بها؛ أجزأه ويكون مقيمًا للسنة مع الكراهة؛ لأنَّ المقصود الإنقاء وقد حصل، وقد ذكر ابن جرير الطبري: أنَّ عمر بن الخطاب كان له عظم يستنجي به، ثم يتوضأ ويصلي.\nوفيه: استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة، وجواز الرواية بالمعنى؛ حيث قال: (أو نحوه).\nوفيه: إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلَّا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه، فلا يأمن التلوُّث، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (لا يُستنجى)؛ بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول، وسقط لفظ: (باب) في رواية، وفي أخرى: سقط لفظ الترجمة والباب (بروث) والجار والمجرور نائب\n\n <span id=\"b-٢٨٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-284>[حديث: أتى النبيُّ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار]</span>\n١٥٦ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النُّون مصغرًا: هو الفضل بن دُكين؛ مصغرًا أيضًا، (قال: حدثنا زُهير)؛ بضم الزاي بالتصغير: هو ابن معاوية الجعفي الكوفي المكي، (عن أبي إسحاق): عمرو بن عبد الله السَّبِيعي؛ بفتح السين المهملة وكسر الموحدة، التابعي، وما ذُكِر من كون زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة لا يقدح؛ لثبوت سماعه منه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرق متعددة، وتمامه في «عمدة القاري»، (قال) أي: أبو إسحاق: (ليس أبو عبيدة)؛ بالتصغير: هو عامر بن عبد الله بن مسعود ﵁ (ذكره) لي؛ أي: حدثني به، وجملة (ذكره) محلها نصب خبر (ليس)، (ولكن) الذي ذكره لي وحدثني به (عبد الرحمن) فهو مرفوع بفعل محذوف مقدر تقديره ما علمتَ، (بن الأسود) التابعي النخعي الكوفي، الذي يصلي كل يوم سبع مئة ركعة، ويصلي العشاء والفجر بوضوء واحد، المتوفى سنة تسع وتسعين؛ أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن بن الأسود، (عن أبيه): الأسود بن يزيد -من الزيادة- ابن قيس الكوفي النخعي صاحب ابن مسعود، وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة مع أنَّها أعلى إلى الرواية عن عبد الرحمن؛ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن فإنَّها موصولة، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس، قاله ابن حجر.\nواعترضه في «عمدة القاري» بأن قول أبي إسحاق هذا يحتمل أن يكون نفيًا لحديثه وإثباتًا لحديث عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون إثباتًا لحديثه أيضًا، وأنَّه كان غالبًا يحدِّث به عن أبي عبيدة.\nوقال الكرابيسي: أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله، ومرة: حدثني علقمة عن عبد الله، ومرة: حدثني أبو عبيدة عن عبد الله، ومرة يقول: ليس أبو عبيدة حدَّثنيه وإنما حدثني عبد الرحمن عن عبد الله، وهذا دليلٌ واضح على أنَّه رواه عن عبد الرحمن بن الأسود سماعًا؛ فافهم.\nوقول ابن حجر: (لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه)؛ مردود بما ذكره الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث زياد بن سعيد عن ابن الزبير قال: حدثني يونس بن عتاب الكوفي: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر: أنه سمع أباه يقول...؛ الحديث، وبما أخرجه الحاكم في «مستدركه» حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه في ذكر يوسف ﵇، وإسناده صحيح، وبما حسَّن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه؛ منها: لمَّا كان يوم بدر وجيء بالأُسارى، ومنها: كان في الركعتين الأوليين كأنه على الوصف، ومنها قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ومن شرط الحديث الحسن أن يكون متصلًا عند المحدثين، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (أنَّه)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأنَّه؛ أي: الأسود (سمع عبد الله)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: ابن مسعود؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق، كما أنَّه عند إطلاق الإمام الأعظم فالمراد به: الإمام أبو حنيفة التابعي الجليل رئيس المجتهدين وسيدهم رضي الله تعالى عنهما، (يقول): فالجملة محلها نصب على الحال، (أتى","vol":"1","page":59},{"text":"النبي) الأعظم (ﷺ الغائط)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: الأرض المطمئنة؛ لقضاء حاجته، فالمراد به معناه اللغوي، (فأمرني أن آتيه) بمد الهمزة (بثلاثة أحجار) (أن) مصدرية صلة للأمر؛ أي: أمرني بإتيان الأحجار وليست (أن) هذه مفسِّرة بخلاف (أن) في قولك: أمرته أن يفعل، فإنَّها تحتمل أن تكون صلة وأن تكون مفسِّرة، كما في «عمدة القاري»، قال ابن مسعود: (فوجدتَ)؛ بتاء المتكلم؛ أي: أصبت (حجرين)؛ بالنصب مفعول (وجدت) الذي بمعنى: أصبت، فلا يقتضي إلا مفعولًا وحدًا، (والتمست) أي: طلبت الحجر (الثالث فلم أجده)؛ بالضمير المنصوب؛ أي: الحجر، وفي رواية: بحذف الضمير، (فأخذت) بتاء المتكلم (روثة) وكانت روثة حمار، كما في رواية ابن خزيمة في هذا الحديث، و(الروثة): واحد الروث والأرواث، وهو للخيل، والبغال، والحمير، (فأتيته) ﵇ (بها) أي: بالثلاثة (فأخذ) ﵇ مني (الحجرين وألقى الروثة) على الأرض، وإنَّما أتى بالروثة مع أنَّه طلب منه ثلاثة أحجار؛ لقياسه لها على الحجر بجامع الجمود، مع أنَّه لم يجد النص عليه، فبيَّن له ﵇ الفرق بينهما بقوله: (وقال) ﵇: (هذا رِكسٌ) مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وذكَّر الضمير باعتبار تذكير الخبر، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]، وفي رواية: (هذه رِكس) على الأصل.\nوقال العجلوني: لا مانع من إرجاعه إليها فقط، ويكون المعطوف مقدَّرًا؛ أي: والحجرين؛ على حدِّ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، انتهى، قلت: وهو غير ظاهر، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى؛ فافهم.\nو(الرِّكس)؛ بكسر الرَّاء: الرجس، وبه صرَّح ابن خزيمة في روايته له، وبفتح الرَّاء: ردُّ الشيء مقلوبًا، وقال النَّسائي: (الركس): طعام الجن، وقيل: إنه الرجيع، يعني قد رد عن حال الطهارة إلى حال النجاسة، وقد جاء (الركس)؛ بمعنى: الإثم، والكفر، والشرك؛ كقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ أي: ليطهركم من جميع هذه الخبائث.\nوقال الأزهري: (الرجس): اسم لكلِّ ما استقذر من العمل، ففي الحديث منع الاستنجاء بالروث، وقد صرَّح ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث، ولفظه: قال عبد الله: أراد النبي ﵇ أن يتبرز فقال: «ائتني بثلاثة أحجار»، فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الرَّوثة، وقال: «هي رجس».\nففيه: بيان أنَّ أرواث الحُمر نجسة وإذا كانت أرواث الحُمر نجسة لحكم النبي الأعظم ﵇ كان حكم جميع أرواث ما لا يجوز أكل لحمها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر، وقد اختلف العلماء في صفة نجاسة الأرواث، فعند الإمام الأعظم: هي نجسة مغلظ، وبه قال الإمام زفر، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمد: هي نجسة مخفف، وقال مالك: الروث طاهر، والحديث حجة عليه؛ لأنَّه محكَم لا يحتمل التأويل؛ فافهم.\nواستدل الشافعي بالحديث لإيجاب عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء؛ لأنَّه ﵇ استدعاها ليستنجي بها كلها، وقال: ليس في قوله: (فأخذ الحجرين) دليل على أنه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون بحضرته ثالث، ويدل له خبر سلمان قال: نهانا رسول الله ﵇ أن نكتفي بدون ثلاثة أحجار، وخبر أبي هريرة: «ولا يستنجي بدون ثلاثة أحجار» قال: ولو كان القصد الإنقاء فقط؛ لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظًا وعلم الانقاء فيه معنًى؛ دلَّ على إيجاب الأمرين ونظيره العدَّة بالأقراء، فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد.\nقلت: وهو مردود ولا نسلِّم أنَّ فيه إيجاب عدد الثلاث، بل إنَّما كان ذلك للاحتياط في أمر العبادة؛ لأنَّ التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محقَّقًا، فلذلك نصَّ على الثلاث؛ لأنَّ بالثلاث يحصل التطهير غالبًا، ونحن نقول به أيضًا إذا تحقق شخص أنَّه لا يطهر إلا بالثلاث؛ يتعيَّن عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه وإنما هو لأجل الإنقاء الحاصل فيه، حتى إذا احتاج إلى رابع وخامس وهلمَّ جرًّا يتعين عليه ذلك، على أنَّ الحديث متروك الظاهر، فإنَّه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف؛ جاز بالإجماع.\nوقوله: (ليس في قوله: «فأخذ الحجرين»، دليل على أنَّه اقتصر عليهما) ممنوع، بل فيه دليل ظاهر واضح على أنَّه اقتصر على الحجرين فقط؛ لأنَّه لو كان الثلاث شرطًا؛ لطلب الثالث فحيث لم يطلب؛ دلَّ على اقتصاره عليهما.\nوتعليله بقوله: (لجواز أن يكون بحضرته ثالث)؛ مردود؛ لأنَّ قعوده ﵇ للغائط كان في مكان لم يكن فيه أحجار؛ لأنَّه لو كانت هناك أحجار؛ لما قال له: (ائتني بثلاثة أحجار)؛ لأنَّه لا فائدة لطلب الأحجار وهي حاصلة عنده، وهذا معلوم بالضرورة.\nوقوله: (ولو كان القصد الإنقاء فقط؛ لخلا اشتراط العدد عن الفائدة) قلنا: إنَّ ذكر الثلاث لم يكن للاشتراط، بل للاحتياط؛ لأنَّ أقلَّ ما يحصل به التنظيف ثلاثة أحجار.\nوقوله: (ونظيره العدة بالأقراء): هذا غير مسلَّم؛ لأنَّ العدد فيه شرط بنص القرآن والحديث ولم يعارضه نصٌّ آخر، بخلاف العدد هنا؛ لأنَّه معارض بحديث: «من اسْتَجْمَرَ؛ فليوتر، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج»؛ فهذا لمَّا دلَّ على ترك أصل الاستنجاء؛ دلَّ على ترك العدد الذي هو وصفها بالطريق الأولى.\nوقال ابن حجر: (واستدلَّ بالحديث الحافظ الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة، قال: «لأنَّه لو كان شرطًا لطلب ثالثًا» كذا قال وغفل عما رواه أحمد في «مسنده» من طريق أبي معمر عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن أبي مسعود في هذا الحديث، فإنَّ فيه: فألقى الروثة، وقال: «إنَّها ركس ائتني بحجر»، وقد تابع معمرًا عليه أبو شيبة الواسطي).\nقلت: لم يغفل الحافظ الطحاوي عن ذلك، وإنما الذي نسبه إلى الغفلة هو الغافل، والحافظ الطحاوي حين كان يحفظ الأحاديث وتؤخذ عنه كان ابن حجر منيًا في ظهر أبيه، وكيف يغفل عن ذلك وقد ثبت عنده عدم سماع أبي إسحاق عن علقمة؟ فالحديث عنده منقطع، والمحدِّث لا يرى العمل بالمنقطع، وأبو شيبة الواسطي ضعيف؛ فلا تعتبر متابعته، فالذي يدعي صنعة الحديث كيف يرضى بهذا الكلام الساقط؟!\nوقد قال أبو الحسن بن القصار المالكي: روي أنَّه أتاه بثالث، لكن لا يصحُّ، ولو صحَّ؛ فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم؛ لأنَّه اقتصر في الموضعين على ثلاثة؛ فحصل لكل منهما أقلمن ثلاثة.\nثم قال ابن حجر: واستدلال الحافظ الطحاوي فيه نظر أيضًا؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة؛ فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأنَّ المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد، والدليل على صحته أنَّه لو مسح بطرف واحد، ثم رماه، ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر؛ لأجزأه بلا خلاف.\nقلت: نظره مردود عليه؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي استدلَّ بصريح النص لما ذهب إليه، وبالاحتمال البعيد كيف يدفع هذا؟!\nوقوله: (لأن المقصود...) إلخ: ينافيه اشتراطهم العدد في الأحجار؛ لأنَّهم استدلُّوا بظاهر قوله ﵇: «ولا يستنج أحدكم بأقلِّ من ثلاثة أحجار».\nوقوله: (وذلك حاصل ولو بواحد): مخالف لصريح الحديث، فهل رأيت من يَردُّ بمخالفة ظاهر حديثه الذي يحتجُّ به على من يحتجُّ بظاهر الحديث بطريق الاستدلال الصحيح؟! وهل هذا إلا مكابرة وتعنُّت؟! ومن أمعن النظر في أحاديث الباب ودقَّق فكره في معانيها؛ علم وتحقَّق أن الحديث حجة عليهم لا لهم، وأن المراد: الإنقاء لا التثليث، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، كما حكاه العبدري وإليه ذهب","vol":"1","page":59},{"text":"رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، وأصحابه، ومالك، وداود، وهو وجه للشافعي؛ فافهم وتعجَّب، كذا في «عمدة القاري».\n (قال إبراهيم بن يوسف)؛ أي: ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، (عن أبيه): يوسف الكوفي الحافظ، المتوفى سنة سبع وخمسين ومئة، أو زمن أبي جعفر المنصور، (عن) جده (أبي إسحاق) قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الرحمن): هو ابن الأسود بن يزيد؛ أي: بالإسناد السابق، وهذا موجود في غالب النسخ، ساقط في بعضها، وأراد المؤلف بهذا التعليق الردَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاق دلَّس هذا الخبر، كما حكى ذلك عن الشاذكوني؛ فإنَّه صرَّح فيه بالتَّحديث.\nوقد استدلَّ الإسماعيلي على صحَّة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن؛ لكون يحيى القطان رواه عن زهير، ثم قال: ولا يرضى القطَّان أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق، وقال الكرماني: هذه متابعة ناقصة، ذكرها المؤلف تعليقًا.\nفإن قيل: قد تُكلِّم في إبراهيم، قال عباس بن يحيى: إبراهيم ليس بشيء، وقال النسائي: إبراهيم ليس بالقوي.\nقلت: يحتمل في المتابعات ما لا يحتمل في الأصول، انتهى كلامه.\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: لأجل متابعة يوسف المذكور حفيد أبي إسحاق زهير بن معاوية رجَّح المؤلف رواية زهير المذكورة وتابعهما أيضًا شريك القاضي، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهما، وتابع أبا إسحاق على روايته عن عبد الرحمن المذكور ليثُ بن أبي سليم، أخرجه ابن أبي شيبة، وحديثه يتشهد به، ولمَّا اختار في رواية زهير طريق عبد الرحمن على طريق أبي عبيدة؛ دلَّ على أنَّه عارف بالطريقين، وأنَّ رواية عبد الرحمن عنده أرجح، والله تعالى أعلم) انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٨٥\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-285>[باب الوضوء مرةً مرةً]</span>\nهذا (باب) جواز (الوضوء مرةً مرةً)؛ بالنصب على المفعولية المطلقة، أو على الحال لتأوُّله بنحو مفصَّلًا، أو على الظرفية الزمانية؛ يعني: أنَّ لكلِّ عضو من أعضاء الوضوء مرة واحدة، لكن الاقتصار عليها بالنسبة إلينا مكروه كالاقتصار على مرتين حيث لم يكن عذر؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٨٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-286>[حديث: توضأ النبي ﷺ مرةً مرةً]</span>\n١٥٧ - وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) البيكندي أو الفريابي (قال: حدثنا سفيان): بن عيينة أو الثوري، ورجَّح في «عمدة القاري» وتبعه ابن حجر والبرماوي: بأنَّ المراد: محمد بن يوسف الفرياني لا البيكندي، وسفيان الثوري لا ابن عيينة، والتردد فيهما للكرماني فقط؛ فليحفظ.\nوالسين في (سفيان) يجوز فيها الحركات الثلاث، والضم أشهر، ولا قدح في ذلك؛ لأنَّ أيًّا كان منهما؛ فهو عدل ضابط بشرط المؤلف لا يتفاوت الحكم باختلاف ذلك؛ فافهم.\n (عن زيد بن أَسلَم)؛ بفتح الهمزة واللام، التابعي المدني، (عن عطاء) بالمد (بن يَسَار) بفتح التحتية والسين المهملة المخففة، (عن ابن عباس) ﵄: أنه (قال: توضأ النبي) الأعظم (ﷺ مرةً مرةً)؛ بالنصب على الحال كما سبق، وقال الكرماني: منصوب على الظرف؛ أي: توضأ في زمان واحد ولو كان ثمة غسلتان أو غسلات لكل عضو من أعضاء الوضوء؛ لكان التوضؤ في زمانين أو أزمنة؛ إذ لا بدَّ لكلِّ غسلة من زمان غير زمان الغسلة الأخرى، أو منصوب على المصدر؛ أي: توضَّأ مرة، من التوضؤ؛ أي: غسل الأعضاء غسلة واحدة، وكذا حكم المسح.\nفإن قلت: يلزم على هذا التقدير أن يكون معناه: توضَّأ ﵇ في جميع عمره مرة واحدة، وهو ظاهر البطلان.\nقلت: لا يلزم؛ لأنَّ تكرار لفظ (مرة) يقتضي التفصيل والتكرير، أو نقول: المراد: أنه غسل في كل وضوء كل عضو مرة؛ لأنَّ تكرار الوضوء منه ﵇ معلوم بالضرورة.\nوقال البرماوي: وهذا الثالث واضح؛ أي: توضَّأ فغسل كل عضو مرة، فكرر (مرة) لأجل ذلك فنصبه على المفعول المطلق المبيِّن للكمية، والوجهان الأوَّلان لا يخفى بُعْدُهما، انتهى.\nلكن نظر فيه في «عمدة القاري» فقال: (بأنه يلزم منه أن جميع وضوئه ﵇ في عمره مرة مرة، وليس كذلك على ما لا يخفى) انتهى، وهو كما قال ذكره العجلوني.\nوفي الحديث ردٌّ على من قال: فرض مغسول الوضوء ثلاث، واستدل ابن التين بهذا الحديث على عدم إيجاب تخليل اللحية؛ لأنَّه إذا غسل وجهه مرة لا يبقى معه من الماء ما يخلل به، واستدلَّ به ابن بطال على طهورية الماء المستعمل بناءً على أنَّ الماء يصير مستعملًا بملاقاة أول جزء من العضو ثم غيره، وهو مستعمل، فيجزئ؛ وهو باطل؛ لأنَّ المراد بالمستعمل: ما انفصل عن العضو بعد كمال طهارته، ولا معنى لتخصيص الاستدلال بحديث المرة؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٨٧\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-287>[باب الوضوء مرتين مرتين]</span>\nهذا (باب) جواز (الوضوء مرتين مرتين): لكل عضو، ونصبهما ما مرَّ في (مرة مرة).\n\n <span id=\"b-٢٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-288>[حديث: أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين]</span>\n١٥٨ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (الحسين)؛ بالتصغير، وفي رواية: (حسين)؛ بدون (أل) التي للَّمح، (بن عيسى) بن حُمران؛ بضم الحاء المهملة، أبو علي الطائي القومسي -بالقاف والسين المهملة- البَسطامي الدامغاني، وبَسطام؛ بفتح الموحدة، والدامغان؛ بالغين المعجمة من قومس، وقومس: عمل مفرد بين الري وخراسان، المتوفى بنيسابور سنة سبع وأربعين ومئتين، (قال: حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم أبو محمد المؤدِّب المعلِّم البغدادي، المتوفى سنة سبع أو ثمان ومئتين (قال: حدثنا)، وفي رواية: (أخبرنا) (فُلَيْح بن سليمان)؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، واسمه عبد الملك، وفليح لقب له غلب عليه، (عن عبد الله بن أبي بكر بن عَمرو بن حَزْم)؛ بفتح العين في الأول، وفتح الحاء المهملة وسكون الزاي في الثاني، المدني التابعي الأنصاري، المتوفَّى سنة خمس وثلاثين ومئة، وفي رواية: (أبي بكر بن محمد بن عمرو)؛ بزيادة (ابن محمد) بين (أبي بكر) و(ابن عمرو).\n (عن عبَّاد بن تميم)؛ بتشديد الموحدة بعد العين المهملة، ابن زيد بن عاصم الأنصاري واختلف في صحبته، (عن عبد الله بن زيد)؛ أي: ابن عاصم المازني، وهو عمُّ عبَّاد، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه صاحب رؤيا الأذان، كما في «عمدة القاري»، وتبعه العجلوني في «شرحه» وغيره، فما وقع في «شرح القسطلاني» من أنَّه صاحب رؤيا الأذان؛ خطأ، والصواب: أنَّه غيره؛ فافهم: (أنَّ النبي) الأعظم (ﷺ توضأ) فغسل أعضاء الوضوء (مرتين مرتين)؛ أي: لكلِّ عضو؛ بالنصب فيهما على المفعولية المطلقة، أو على الظرف، أو على الحال، كما سبق في (مرة مرة).\nقال ابن حجر: وهذا الحديث مختصر من حديث عبد الله بن زيد المشهور في صفة وضوئه ﵇، كما سيأتي بعد من حديث مالك وغيره، لكن ليس فيه الغسل مرتين إلا في اليدين إلى المرفقين، وكان حقُّ حديث عبد الله بن زيد أنَّ يُبوَّب له: غسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثًا.\nوروى أبو داود والترمذي وصحَّحه ابن حبان عن أبي هريرة: أنَّه ﵇ توضَّأ مرتين مرتين، وهو شاهد قويٌّ لرواية فليح هذه، فيحتمل أن يكون حديثه هذا المجمل غير حديث مالك المبين؛ لاختلاف مخرجهما، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه إذا كان كذلك؛ لا يقتضي ما ذكره على أنَّه ليس في حديث عبد الله بن زيد أنَّه غسل بعض الأعضاء مرة مرة، وإنَّما هذا في حديث غيره ولم يلتزم المؤلف التبويب على الوجه المذكور، وإن كان الأمر يقتضي بيان ما روي عنه ﵇: (أنَّه توضَّأ مرة مرة)، وما روي عنه: (أنَّه توضَّأ مرَّتين مرَّتين)، وما روي عنه: (أنَّه توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا)، وما روي عنه: (أنَّه توضَّأ بعض وضوئه مرة، وبعضه ثلاثًا)، وما روي عنه: (أنَّه توضَّأ بعض وضوئه مرَّتين، وبعضه ثلاثًا)؛ فافهم، انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٨٩\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-289>[باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا]</span>\nهذا (باب) جواز (الوضوء ثلاثًا ثلاثًا)؛ أي: لكل عضو، ويجري فيه كما في الحديث نظير ما سبق؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٩٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-290>[حديث: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين]</span>\n١٥٩ - وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسي)؛ بضم الهمزة، وفتح الواو، وسكون المثناة التحتية، بالتصغير (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد)؛","vol":"1","page":60},{"text":"بسكون العين المهملة، سبط عبد الرحمن بن عوف، (عن ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري: (أنَّ عطاء) بالمد (بن يزيد): الليثي التابعي (أخبره): جملة محلها الرفع خبر (أنَّ)؛ أي: أخبر عطاءٌ ابنَ شهاب (أنَّ)؛ بفتح الهمزة وتشديد النُّون؛ أي: بأنَّ، (حُمْران) -بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، وبالرَّاء- ابن أَبَان -بفتح الهمزة والموحدة المخففة- ابن خالد بن عبد عمرو، من سبي عين التمر، سباه خالد بن الوليد، فوجده غلامًا فطنًا فوجهه إلى عثمان، فأعتقه، وكان كاتبه وحاجبه، وولِّي نيسابور من الحجَّاج، ثم أغرمه الحجَّاج مئة ألف لأجل الولاية السابقة، ثم ردَّها عليه بشفاعة عبد الملك، وقوله: (مولى عثمان)؛ أي: ابن عفان، جملة محلها النصب؛ لأنَّه صفة لـ (حُمرانَ) منصوب؛ لأنَّه اسم (أنَّ)، ومنع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنُّون، وحديث حُمران صحيح، توفي سنة خمس وسبعين (أخبره)؛ أي: أخبر حمرانُ عطاءً: (أنَّه)؛ أي: بأنَّه (رأى) أي: أبصر (عثمان بن عفان): أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمُّه أروى بنت عمة رسول الله ﵇، وهو أصغر من النبي ﵇، وسمي بذي النورين؛ لأنَّه تزوج بنتي سيد الكونين ﵇؛ رقية فماتت عنده ثم أم كلثوم، وقال النبي الأعظم ﵇ له: «لو أنَّ لي أربعين ابنة؛ زوَّجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة، وما زوَّجته إلا بالوحي من الله ﷿»، ولم يتفق لغيره أنَّه تزوج بنتَي نبي غيره، استُخلِف أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين، وقُتِل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قتله الأسود التُّجِيْبي؛ بضم الفوقية، وكسر الجيم، وسكون التحتية، والموحدة، المصري، ودفن بالبقيع ليلة السبت، وعمره اثنان وثمانون سنة، وصلى عليه حكيم بن حزام، أو جبير بن مطعم، أو المسور بن مخرمة، والأصح الأول، وكثرت الأموال في خلافته حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمئة ألف، ونخلة بألف درهم، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره رضي الله تعالى عنه.\nوجملة (دعا) أي: عثمان (بإناء)؛ أي: بظرف فيه الماء للوضوء؛ حال من عثمان بتقدير: (قد) كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وفي رواية مسلم ورواية شعيب الآتية قريبًا: (دعا بوَضوء)؛ بفتح الواو، اسم للماء المعدِّ للتوضؤ، ففيه: جواز الاستعانة بغيره في إحضار الماء وهو غير مكروه بالإجماع، (فأفرغ) الفاء تفسيرية؛ أي: صبَّ، يقال: فرِغ الماء -بالكسر- إذا انصب، وأفرغته أنا؛ أي: صببته، وتفريغ الظروف: إخلاؤها (على كفيه)؛ أي: واحدة بعد واحدة لا عليهما معًا، كما بيَّنتْه الرواية الأخرى، وهي أنَّه: (أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثمَّ غسلهما) (ثلاث مرات)؛ بالفوقية آخره، وفي رواية: (ثلاثَ مرار)؛ بالرَّاء آخره، وهو منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: إفراغًا ثلاث مرات، (فغسلهما)؛ أي: كفيه إلى الرسغين.\nوالرسغ: منتهى الكف عند المفصل، وفي «الضياء»: الرسغ؛ بالغين المعجمة: مفصل الكف في الذراع والقدم في الساق، وأمَّا الكوع؛ فهو العظم الذي يلي الإبهام في رأس الزند، ويقابله الكرسوع؛ وهو العظم الذي يلي الخنصر من اليد في طرف الزند، والرسغ بينهما، والبوع؛ العظم الذي يلي إبهام الرجل، وقد نظم ذلك بعض الحذَّاق فقال:\nوعظم يلي الإبهام كوع وما يلي... لخنصره الكرسوع والرسغ ما وسط\nوعظم يلي إبهام رجل ملقب... ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط\nوفي غسل اليدين ابتداءً ثلاثة أقوال: قيل: إنَّه فرض وتقديمه سنة، واختاره المحقق في «فتح القدير»، وقيل: إنَّه سنة تنوب عن الفرض، واختاره في «الكافي»، وقال شمس الأئمة السرخسي: إنَّه سنة لا تنوب عن الفرض؛ فيعيد غسلهما ظاهرهما وباطنهما، واستشكله في «الذخيرة»، وظاهر كلام الشرَّاح: أنَّ المذهب الأول.\nقلت: والظاهر: أنَّه لا مخالفة بين الأقوال، فإنَّ القائل بالفرضيَّة أراد أنَّه يجزئ عن الفرض، وأن التقديم سنة، وهذا معنى القول: بأنَّه سنَّة تنوب عن الفرض، فالظاهر على هذين القولين: يسنُّ إعادة غسل اليدين عند غسل الذراعين؛ ليكون آتيًا بالفرض قصدًا، ولا ينوب الغسل الأول منابه من هذه الجهة، وإن ناب منابه من حيث إنَّه لو لم يعده؛ سقط الفرض، كما يسقط لو لم ينو أصلًا؛ فتأمل.\nواختلف في أن غَسْلَهما قبل الاستنجاء أو بعده، فقيل: سنَّة قبله فقط، وقيل: بعده فقط، وقيل: قبله وبعده، وإليه ذهب الجمهور وصحَّحه الإمام قاضيخان، وصاحب «النهاية»، وحِكْمَته قبل الاستنجاء: المبالغة في اليدين لئلا يتشرب الجسد من النجاسة إذا لم يُغْسلا، وكيفية غسلهما: أنَّه إذا كان الإناء صغيرًا بحيث يمكن رفعه لا يدخل يده فيه، بل يرفعه بشماله ويصبُّه على كفه اليمنى ويغسلها ثلاثًا، ثم يأخذ الإناء بيمينه ويصبُّه على كفه اليسرى ويغسلها ثلاثًا، وإن كان الإناء كبيرًا لا يمكن رفعه، فإن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن","vol":"1","page":60},{"text":"عنده إناء صغير؛ فيدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ويصبُّ على كفه اليمنى ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، وعلَّله في «المحيط» بأنَّ الجمع بين اليدين في كل مرة غير مسنون.\nوقوله: (غسلهما) قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرقتين، وقال في «الحلية»: إنَّ الجمع سنة كما تفيده الأحاديث، والظَّاهر: أنَّ تقديم اليمنى على اليسرى؛ لأجل التيامن لا لما ذكره في «المحيط»، ثم قال في «الحلية»: وظاهر الأحاديث: الجمع بينهما، وأنَّه لا يستحبُّ التيامن هنا، كما في غسل الخدين، والمنخرين، ومسح الأذنين، والخفين إلا إذا تعذَّر ذلك؛ فحينئذٍ يقدِّم اليمنى منها، انتهى.\nقلت: ويدل لذلك قوله: (فغسلهما ثلاثًا)؛ لأنَّه لو أراد التفريق لقال: غسلهما ثلاثًا ثلاثًا، ولا يرد نقل البلَّة؛ لأنَّهما كالعضو الواحد، ولأنَّها جائزة هنا لظاهر الأحاديث؛ فتأمل.\nومحلُّ غسلهما قبل إدخالهما الإناء الذي فيه الماء، ولو لم يكن عقب النوم، وهو الأصح، كما في «النهر».\n (ثم أدخل يمينه في الإناء) أي: للاغتراف بها منه، ففيه: أنَّه يسنُّ الاغتراف باليمين، وفيه: دلالة على عدم اشتراط نية الاغتراف نفيًا وإثباتًا؛ لأنَّ الحدث قد ارتفع بالغسل الأول، حتى قال في «الخانية»: المحدِث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليهما نجاسة؛ لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الحُب فأدخل يده إلى المرفق؛ لا يصير الماء مستعملًا، انتهى.\nقلت: وإنَّما لم يصر الماء مستعملًا؛ لعدم النية، أمَّا لو نوى؛ صار الماء مستعملًا؛ لأنَّه ارتفع به الحدث، فالملاقى مستعمل؛ فافهم.\n (فمضمض) وللأصيلي: (فتمضمض)؛ بفوقية بعد الفاء، وهو عطف على مقدَّر؛ أي: فأخذ الماء من الإناء وأدخله في فيه فمضمض، والفاء: تفصيحية، وهي لغة: التحريك، وعند الفقهاء: استيعاب الماء جميع الفم سواء مجَّه أو لا؛ لكن الأفضل أن يمجَّه؛ لأنَّه ماء مستعمل كما في «البحر»، وفي «فتح القدير»: لو شرب الماء عبًّا؛ أجزأه عن المضمضة، وإن مصًّا؛ لا يجزئه، فالمجُّ ليس بشرط على الأصحِّ، انتهى.\nوقال القهستاني: (وهل يدخل إصبعه في فمه وأنفه؟ الأولى نعم) انتهى، وبه قال الإمام الزندوستي، كما في «المحيط»، وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة بالغرغرة، والاستنشاق بمجاوزة المارن سنَّة لغير الصائم.\nقلت: لا يقال: (لا فائدة فيه؛ لأنَّه استاك قبله)، لأنَّا نقول: بل فيه فائدة وهو وجود أثر الطعام الذي لا يخرجه السواك أو يتحلَّل من أجزاء السواك شيء لا يخرجه إلا الإصبع، وأمَّا الأنف؛ فظاهر؛ لأنَّه يوجد فيه بعض وسخ لزج لا يخرجه الماء، بل الإصبع، والله أعلم.\n (واستنشق)، وفي رواية: (واستنثر)؛ بالمثلثة والرَّاء، بدل: (واستنشق)، وثبتتا في رواية شعيب الآتية، قال ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق، وقال النووي: الاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، قال: وهو الصواب، ويدلُّ عليه الرواية الأخرى: (استنشق واستنثر)؛ فجمع بينهما، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ الصواب ما قاله ابن الأعرابي: من أنهما بمعنًى، وقوله: (ويدل عليه...) إلخ، لا يدلُّ على ما ادَّعاه؛ لأنَّ المراد منالاستنثار في هذه الرواية: الامتخاط؛ وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق.\nوقال ابن سيدة: استنثر: إذا استنشق الماء ثم استخرجه بنَفَسِ الأنف، والنثرة: الخيشوم وما ولاه، وتنشق واستنشق الماء في أنفه: صبه فيه، انتهى، ومثله في «القاموس»، فالاستنثار يستلزم الاستنشاق من غير عكس فهو أخص لا أعم، خلافًا لما زعمه ابن حجر؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: (وليس في طريق هذا الحديث تقييد المضمضة والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان ﵁ فإنَّ في أحدهما: «فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا»، وفي الأخرى: «ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا») انتهى.\nقلت: والمضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن؛ منها: تقدم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع؛ لاتفاق الروايات على ذلك، ومنها: التثليث في حق كل واحد بالإجماع، وأخذ ماء جديد في التثليث سنَّة عندنا، وإزالة المخاط باليسرى، كما في «المعراج» وفي «المبسوط»، وفعلهما باليمين سنَّة، لكن في «المنية» أنه يستنشق باليسرى، والصحيح: أنَّه يستنشق بيمينه ويستنثر بيساره، كما في «شرح النقاية» للعلامة المنلا علي القاري.\n (ثم غسل وجهه ثلاثًا)؛ بالنصب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا ثلاث مرات، والوجه حدُّه: طولًا من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضًا ما بين شحمتي الأذنين، وعطف بكلمة (ثم)؛ لأنَّها تقتضي الترتيب والمهلة، كما في «عمدة القاري».\nقلت: والترتيب والمهلة في كل شيء بحسبه، فلا حاجة أن يقال: إنَّ (ثمَّ)؛ بمعنى الفاء؛ فافهم.\nوالحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق: اعتبار أوصاف الماء؛ لأنَّ اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فيقدَّم الأقوى منها، وهو الطعم، ثم الريح، ثم اللون، وهذا شامل لتخليل اللحية، وقد دلَّ عليه ما رواه الطبراني وأبي داود عن أنس قال: (وضأتُ النبيَّ ﵇ فتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلَّل لحيته مرتين أو ثلاثًا)، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (و) غسل (يديه) كل واحدة (إلى) أي: مع (المَرفِقين)؛ بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لغتان مشهورتان (ثلاث مرار)؛ بتكرار الرَّاء، وقد جاء ذلك مبيَّنًا في كتاب (الصوم) وعند مسلم، وفيهما تقديم اليمنى على اليسرى، والتعبير في كلٍّ منهما بكلمة (ثمَّ)، وكذا في (الرجلين) أيضًا، والمرفق: موصل الذراع في العضد، واختلف في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين؛ فذهبت الأئمة الأربعة والجمهور: إلى الوجوب، وذهب الإمام زفر وأبو بكر بن داود: إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب عن مالك، ومنشأ الخلاف من كلمة (إلى)، كما سبق الكلام عليه.\nتتمة: المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء -كما ذكرنا- فرضان في الغسل، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وسفيان الثوري، وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وحماد، والزهري: المضمضة في الوضوء فرض فلو تركها؛ يعيد الوضوء.\nوقال أحمد وأبو عبيد وأبو ثور: الاستنشاق في الوضوء فرض، فلو تركها؛ أعاده، والمضمضة ليست بفرض، قال ابن المنذر: وبقول أحمد أقول، وقال ابن حزم: هذا هو الحق؛ لأنَّ المضمضة ليست فرضًا، وإن تركها؛ فوضوؤه تامٌّ عامدًا أو ناسيًا؛ لأنَّه لم يصحَّ عنه ﵇ فيها أمر، وإنَّما هي فعل، وأفعاله ليست فرضًا.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ الأمر بالمضمضة صحيح على شرطه، أخرجه أبو داود من حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه مرفوعًا: «إذا توضأت؛ فمضمض»، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، وقال البغوي: صحيح، وصحَّح إسناده الطبري والدولابي، وقال الحاكم: (صحيح ولم يخرِّجاه، وله شاهد من حديث ابن عباس) انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّهما لم يشترطا ما ذكره؛ لذكرهما في كتابيهما أحاديث جماعة بهذه المثابة، ولئن سلَّمنا قوله؛ كان لقيط هذا خارجًا عمَّا ذكره؛ لرواية جماعة عنه، وأمَّا حديث ابن عباس؛ فذكره أبو نعيم الأصبهاني من حديث الربيع بن بدر، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه يرفعه: «مضمضوا واستنشقوا»، وقال حديث غريب، وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة عنه ﵇: (أنَّه أمر بالمضمضة والاستنشاق)، وصحِّح إسناده.\nوأخرج من","vol":"1","page":61},{"text":"حديث عائشة ترفعه: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بدَّ منه»، وعند الدارقطني مرفوعًا: «من توضَّأ؛ فليمضمض»، وتمامه في «عمدة القاري».\nوما قدَّمناه: من أنَّه يسنُّ التثليث في حقِّ كلِّ واحد منهما، فيفصل بينهما بغرفتين؛ يتمضمض بثلاث وكذا يستنشَّق بثلاث، ودليله: ما رواه الترمذي عن أبي حيَّة قال: رأيت عليًّا الصدِّيق الأصغر توضَّأ فغسل كفَّيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرَّة، ثمَّ غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: (أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﵇)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومدلوله ظاهر؛ وهو أنه يتمضمض ثلاثًا؛ يأخذ لكلِّ مرَّة ماء جديدًا، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البويطي عن الشافعي، وفي رواية غيره: أنَّه يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة كذلك، فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصه في الكيفيتين، فنصَّ في «الأمِّ»: أنَّ الجمع أفضل، ونصَّ البويطي: أنَّ الفصل أفضل، ووجه الفصل -كما هو مذهبنا- ما رواه الطبراني عن كعب بن عمرو اليمامي: (أنَّه ﵇ توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكلِّ واحدة ماءً جديدًا)، وكذا رواه أبو داود في «سننه» وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحَّة.\nوما روي في الأحاديث: أنَّه تمضمض واستنشق من كفٍّ واحد، فيحتمل أنَّه تمضمض واستنشق بكفٍّ واحدٍ بماءٍ واحد، ويحتمل أنَّه فعل ذلك بكف واحد بمياه، والمحتمل لا تقوم به صحة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه؛ توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه، وقد يقال: إنَّه فعلهما باليد اليمنى ردًّا على من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنَّ الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في «المبسوط»، وقد يقال: إنَّ كل ما روي من ذلك في هذا الباب فهو محمول على الجواز، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (ثم مسح برأسه)، وسقط: (ثم) في رواية، وكذا الموحَّدة في روايتي مسلم والمؤلف في (الصوم)؛ فيفيد استيعاب المسح للرأس، بخلافه مع الباء الموحدة، ومذهب الإمام الأعظم: أن فرض المسح ربع الرأس، وقال مالك وأحمد: جميع الرأس، وقال الشافعي: بعضه؛ وهو يطلق بشعرة، وأمَّا المسنون في مسحه؛ فظاهر الحديث يدلُّ على استيعاب الرأس بالمسح مرة واحدة؛ لأنَّه لم يوجد شيء من طرقه في «الصحيحين» ذِكْرُ عدد للمسح؛ فيقتصر فيه على مرة واحدة، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد، والجمهور.\nوقال الشافعي: المسنون تثليث مسحه كغيره من الأعضاء؛ لظاهر رواية مسلم: أنَّه ﵇ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا.\nوأجيب: بأنَّه مجمل وقد تبيَّن في الروايات الصحيحة أنَّ المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب أو يُخصُّ بالمغسول، قال أبو داود في «السنن»: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: إنَّ الثابت عنه ﵇ في المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف؛ فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأنَّ العدد لو اعتبر في المسح؛ لصار في صورة الغسل؛ لأنَّ حقيقة الغسل جريان الماء.\nوبالغ أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استحبَّ تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيمي، قال في «عمدة القاري»: وفيه نظر؛ لأنَّ ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس، وابن جبير، وعطاء، وميسرة؛ أنهم كانوا إذا توضَّؤوا؛ مسحوا رؤوسهم ثلاثًا، وفي «سنن أبي داود» بسند صحيح عن حُمران وفيه: (ومسح رأسه ثلاثًا)، وفيه أيضًا من حديث علي رفعه: (ومسح برأسه ثلاثًا)، وسنده صحيح.\nوفي «سنن الدارقطني»: عن عمر ووصف وضوء النبي ﵇ وقال: (ومسح برأسه ثلاثًا)، وروى الدارقطني في «سننه» أيضًا: عن محمد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي: (أنَّه توضَّأ...) الحديث، وفيه: (ومسح برأسه ثلاثًا) ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد، وخالفه بعض الحفاظ فرووه عن خالد بن علقمة فقالوا فيه: (ومسح رأسه مرة واحدة)، ومع خلافه إياهم قال: إنَّ السنة مسح الرأس مرة واحدة.\nوأجيب: بأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم.\nوأمَّا قوله: (فقد خالف في حكم المسح)؛ فخطأ غير صحيح؛ لأنَّ تكرار المسح ثلاثًا مسنون عند الإمام الأعظم وأصحابه، وكتب مذهبه طافحة بذلك، ولكن بماء واحد؛ لظاهر الأحاديث التي ذكرناها.\nوأما كيفية المسح؛ فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: (ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه)، وعند الطبراني: (بدأ بمؤخر رأسه، ثمَّ جرَّه إلى قفاه، ثم جرَّه إلى مؤخره)، وعند أبي داود: (بدأ بمؤخره، ثم بمقدمه، وبأذنيه كليهما)، وعند أبي داود عن أنس: (أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه)، وفي كتاب ابن السكن: (فمسح باطن لحيته وقفاه)، وفي «سنن أبي داود»: عن ابن عباس وصف وضوء علي بن أبي طالب قال: (وأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته، فتركها تستن على وجهه)، وفيه من حديث معاوية مرفوعًا: (فلما بلغ رأسه؛ غرف غرفة من ماء، فتلقَّاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كان يقطر)، وبهذا يُرَدُّ على من قال: لو كرَّر المسح؛ لصار غسلًا؛ فخرج عن وظيفة المسح، ويردُّ أيضًا بأنَّ المسح ثلاثًا بماء واحد لايسع أحدًا أن يقول: إنَّه يصير غسلًا، أمَّا لو كرَّره ثلاثًا بمياه ثلاثة -كما يقول الشافعي-؛ فلا ريب أنَّه يصير غسلًا، ويخرج عن وظيفة المسح، ولأنه لم يوجد في الأحاديث أنه كرر بمياه ثلاثة، ولا شكَّ أنه إسراف منهي عنه؛ فليحفظ.\n (ثم غسل رجليه) غسلًا (ثلاثَ مرار)؛ بتكرار الرَّاء، فهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا ثلاث مرار (إلى) أي: مع (الكعبين)؛ وهما العظمان المرتفعان عند آخر مفصل الساق والقدم.\nوفي الحديث: الترتيب بين المسنون والمفروض؛ وهما المضمضة وغسل الوجه، فيفيد أن الترتيب سنة، وهو مذهب الإمام الأعظم ﵁، ويدلُّ لذلك الآية المعهودة؛ كما مر الكلام عليه، ومذهب مالك: أن الترتيب في المفروض دون المسنون واجب، والمشهور عنه أنَّه سنة، ومذهب الشافعي: وجوبه، وقال المزني من أصحابه: إنَّه غير واجب، واختاره ابن المنذر، وحكاه البغوي عن أكثر المشايخ؛ فليحفظ.\n (ثم قال) أي: عثمان ﵁: (قال رسول الله ﷺ: من) موصولة فيها معنى الشرط في محل رفع على الابتداء، وقوله: (توضأ) جملة وقعت صلة للموصول (نحوَ وضوء) كلام إضافي منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: من توضأ وضوءًا نحو وضوء، (هذا)، والإشارة إلى وضوئه ثلاثًا ثلاثًا، ولفظ: (نحو)؛ بمعنى: مقارب، لا مماثل.\nقال النووي: وإنما قال: نحو وضوء، ولم يقل: مثل؛ لأنَّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّ المثلية ثبت التعبير بها في رواية للمؤلف في (الرقاق)، ولفظها: (من توضأ مثل هذا الوضوء)، وعند مسلم: (من توضأ مثل وضوئي هذا)، وكلُّ واحد من لفظة: (نحو) و(مثل)","vol":"1","page":61},{"text":"من أداة التشبيه، والتشبيه لا عموم له سواء قال: نحو وضوئي أو مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره النووي، وحينئذٍ فلا فرق في التعبير بين (نحو) و(مثل).\nوقول ابن حجر: (فالتعبير بـ «نحو» من تصرف الرواة؛ لأنَّها تطلق على المثلية مجازًا)؛ ليس بشيء؛ لأنَّه قد ثبت في اللغة مجيء (نحو) بمعنى: مثل، يقال: هذا نحو ذلك؛ أي: مثله؛ فافهم، ذكره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (ثم صلى ركعتين): قبل جفافه، ولو صلى عقبه فريضة؛ حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك، كما في «شرح المشكاة»، ومحل هذه الصلاة في كل وقت إلا الأوقات المنهية من طلوع الشمس إلى أن ترتفع، وعند استوائها إلى أن تزول، وعند اصفرارها إلى أن تغرب، وقال مالك: ليست هذه الصلاة من السنن، والحديث حجة عليه، والله أعلم.\n (لا يحدِّث فيهما) أي: في الركعتين (نفسه)، وحديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه (^١)، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره.\nوقوله: (يحدث) من باب التفعيل، وهو يقتضي التكسُّب من أحاديث النفس، ودفع هذا ممكن، وأمَّا ما يهجم من الخواطر والوساوس؛ فإنَّه يتعذر دفعه؛ فيُعفَى عنه، ونقل عياض: أن المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلًا ورأسًا، وتعقَّبه النووي فقال: حصول هذه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرة، نعم؛ من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجة بلا ريب، ثم حديث النفس يعمُّ الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المعلَّق بالدنيا فقط؛ لما جاء في رواية في هذا الحديث ذكره الحكيم الترمذي في (الصلاة) بلفظ: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ثم دعا؛ إلا استجيب له»، انتهى، فإذا حدَّث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة كالفكر في معاني المتلوِّ من القرآن، والمذكور من الدعوات والأذكار، أو في أمر محمود، أو مندوب إليه؛ فلا يضره ذلك، وقد ورد عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: (لأجهِّز الجيش وأنا في الصلاة)، كذا في «عمدة القاري».\nوفي هذا دليل واضح على أن الخشوع في الصلاة وغيرها غير شرط للصحة، بل هو مندوب ولا يسعنا غيره، خلافًا لمن زعم أنَّه شرط؛ فليحفظ.\nوجواب الشرط قوله: (غُفِر له)؛ بضم الغين المعجمة بالبناء للمفعول، وفي رواية: (غفر الله له)، والجملة محلُّها رفع على الخبرية (ما تقدم): في محل رفع؛ لأنَّه مفعول ناب عن الفاعل (مِن): للبيان (ذنبه)؛ يعني: من الصغائر دون الكبائر، كذا هو مبيَّن في «مسلم»، وظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، ولكنَّه خصَّ بالصغائر؛ لوروده مقيَّدًا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، وأمَّا الكبائر؛ فإنَّما تُكفَّر بالتوبة، وكذلك مظالم العباد.\nفإن قيل: حديث عثمان ﵁ الآخر الذي فيه: «خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» مرتَّب على الوضوء وحده، فلو لم يكن المراد بما تقدم من ذنبه من هذا الحديث العموم والصغائر في ذلك؛ لكان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، فإنَّ فيه الوضوء والصلاة، وفي الأول الوضوء وحده وذلك لا يجوز.\nوأجيب: بأن قوله: (خرجت خطاياه) لا يدل على خروج جميع ما تقدم له من الخطايا، فيكون بالنسبة إلى يومه أو إلى وقت دون وقت، وأمَّا قوله: (ما تقدم من ذنبه)؛ هو عام بمعناه وليس له بعض متيقن؛ كالثلاثة في الجمع؛ أعني: الخطايا، فيحمل على العموم في الصغائر.\nوقال ابن حجر: وهو في حقِّ من له صغائر وكبائر، ومن ليس له إلا صغائر؛ كُفِّرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر؛ خُفِّف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن [ليس] له صغائر ولا كبائر له؛ يزاد في حسناته بنظير ذلك.\nورده في «عمدة القاري»: (بأن الأقسام الثلاثة الأخيرة غير صحيحة، أما الذي ليس له إلا صغائر؛ فله كبائر أيضًا؛ لأنَّ كل صغيرة تحتها صغيرة فهي كبيرة، وأمَّا الذي ليس له إلا كبائر؛ فله صغائر؛ لأنَّ كل كبيرة تحتها صغيرة، وإلا؛ لا تكون كبيرة، وأمَّا الذي ليس له (^٢) صغائر؛ فله كبائر أيضًا؛ لأنَّ ما فوق الصغيرة التي ليس تحتها صغيرة؛ فهي كبائر؛ فافهم) انتهى كلامه، وتمامه مبسوط في «كشف الحجاب عن العوام».\nثم قال في «عمدة القاري»: (والثواب الموعود به مرتب على أمرين؛ الأول: وضوءُه على النحو المذكور، والثاني: صلاته ركعتين عقيبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتَّب على مجموع أمرين لا يلزم ترتُّبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور) انتهى، والله أعلم.\n١٦٠ - (وعن إبراهيم)؛ أي: ابن سعد السابق، فهو معطوف على قوله: (حدثني إبراهيم)، فهو موصول وليس بتعليق، كما زعم مغلطاي، والكرماني، وغيرهما، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بالإسنادين معًا وإن كانا جميعًا عند يعقوب؛ فلا مانع أن يكون عند الأويسي، ثم وجدت الحديث الثاني عند أبي عوانة في «صحيحه» من حديث الأويسي المذكور، قاله ابن حجر.\nواعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن سعد موصولًا أن يكون كذلك عند المؤلف، غاية ما في الباب أنَّه يحتمل أن يكون معقَّبًا بحديث إبراهيم الأول؛ فيكون موصولًا، وبمجرَّد الاحتمال لا يتعيَّن نفي كونه معلقًا، والحال: أنَّ صورته صورة التعليق وإليه أقرب، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة من حديث الأويسي أن يكون موصولًا عند المؤلف؛ لاحتمال عدم السماع منه، كما لا يخفى، وتمامه فيه؛ فليحفظ.\n (قال: قال صالح بن كَيْسان)؛ بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية، (قال ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري، فإبراهيم هنا يروي عن ابن شهاب بالواسطة؛ وهو صالح، وروى عنه في أول الباب بلا واسطة (ولكن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام (يحدث عن حُمْرَان)؛ بضم الحاء المهملة، وهذا استدراك من ابن شهاب، وأشار إلى أنَّ شيخَي ابن شهاب في هذا الحديث؛ وهما عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير اختلفا في روايتهما عن حُمران عن عثمان بن عفان؛ فحدَّث به عطاء على وجه، وعروة على وجه، وليس ذلك باختلاف؛ لأنَّهما حديثان متغايران، وقد رواهما معًا عن حُمران معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج المؤلف من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه، كذا في «عمدة القاري».\nوقال القسطلاني: فأمَّا صفة تحديث عطاء؛ فتقدَّمت، وأمَّا صفة تحديث عروة؛ فأشار إليها بقوله: (قال: فلما توضأ عثمان) ﵁، وسقط في رواية لفظة: (قال)، وهذا عطف على محذوف؛ تقديره: عن حمران أنَّه رأى عثمان دعا بإناء؛ فأفرغ على كفيه إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فلمَّا توضَّأ؛ (قال: ألا) بفتح الهمزة، للتنبيه (أحدِّثكم)، وفي رواية الأربعة: (لأحدثَّنكم): جواب قسم محذوف؛ أي: والله لأحدثنَّكم (حديثًا)؛ بالنصب على أنه مفعول ثان لـ (أحدثنكم) (لولا)؛ لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد؛ لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود؛ لأكرمتك (آيةٌ): مبتدأ وخبره محذوف هنا وجوبًا؛ والتقدير: لولا آية ثابتة، وفي «مسلم»: (لولا آية في كتاب الله)، وقال القاضي عياض: (لولا آية): هكذا\n_________\n(^١) في الأصل: (دفعها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) زيد في الأصل: (إلا)، ولعل حذفها هو الصواب","vol":"1","page":62},{"text":"هو بالمدِّ والياء المثناة التحتية، ورواه الباجي: (لولا أنَّه)؛ بالنُّون؛ يعني: لولا أنَّ معنى ما أحدثكم به في كتاب الله؛ ما حدثتكم، وفي «المطالع»: قول عثمان: (لولا أنَّه في كتاب الله)؛ بالنُّونفيرواية يحيى، وجماعة معه، وكذا لابن ماهان في «مسلم»، وعند ابن مصعب، وابن وهب، وآخرين من رواية «الموطأ»: (لولا آية)، وهي رواية الجلودي في «مسلم»، وبهذا ظهر بطلان قول ابن حجر: صحَّف بعض رواته (آية)، فجعلها (أنَّه)؛ بالنُّون المشددة، وبهاء الشأن؛ فافهم.\nوقوله: (ما حدثتكموه): جواب (لولا)، واللام محذوفة منه؛ ومعناه: لولا أنَّ الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه؛ لما (^١) كنت حريصًا على تحديثكم، ولما كنت مكترثًا (^٢) بتحديثكم، (سمعت النبي) الأعظم (ﷺ) حال كونه (يقول) فالجملة محلها نصب على الحال: (لا يتوضأ)، وفي رواية: (لايتوضَّأنَّ)؛ بنون التوكيد الثقيلة (رجل) ومثله المرأة (فيحسن)، وفي رواية: بدون الفاء؛ أي: يحسن (وضوءه)؛ من الإحسان، ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته، وآدابه، وتكميل سننه، وهو بالرفع عطف على قوله: (لا يتوضأ)، وكلمة الفاء هنا؛ بمعنى (ثم)؛ لأنَّ إحسان الوضوء ليس متأخِّرًا عن الوضوء حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية، وإنَّما موقعها موقع (ثم) التي هي لبيان المرتبة وشرفها، دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة فيه من محافظة السنن ومراعاة الآداب أفضل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المحسنَ فيه أعلى رتبة من الغير المحسنِ فيه؛ فليحفظ.\n (ويصلي الصلاة)؛ أي: المكتوبة، وفي رواية لمسلم: (فيصلي هذه الصلوات الخمس) (إلا غُفِر)؛ بضم الغين المعجمة، مبني للمفعول (له)؛ أي: لا يتوضأ رجل إلا رجل غفر له، فالمستثنى محذوف؛ لأنَّ الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير: لا يتوضَّأ رجل في حال إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من أعمِّ عام الأحوال (ما بينه وبين الصلاة)؛ أي: التي تليها، كما صرَّح به مسلم في رواية هشام بن عروة (حتى يصليها)؛ أي: يفرغ منها، ولفظة: (حتى) غاية لحصول (^٣) المقدَّر العامل في الظرف؛ لأنَّ الغفران لا غاية له، وقال ابن حجر: (معناه: أن يشرع في الصلاة الثانية)، وردَّه في «عمدة القاري»؛ حيث قال: وهذا معنى فاسد؛ لأنَّ قوله: «ما بينه وبين الصلاة»: يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ منها، ولمَّا كان المراد الفراغ منها؛ أشار عليه بقوله: «حتى يصليها»، ولهذا لم يكتف بقوله: «بين الصلاة»؛ لأنَّه لا يغني عن ذكر «حتى يصليها»؛ لما ذكرنا، انتهى، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام»، ثم قال في «عمدة القاري»: والمراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، كما سبق، وجاء في «مسلم»: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها؛ إلا كانت كفَّارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة»، وفي الحديث الآخر: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر»، لا يقال: إذا كفَّر الوضوء؛ فماذا تكفِّر الصلاة؟! وإذا كفَّرت الصلاة؛ فماذا تكفِّر الجمعات ورمضان؟! وكذا صيام عرفة يكفِّر سنتين، ويوم عاشوراء كفَّارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأنَّا نقول: المراد: أنَّ كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفِّره من الصغائر؛ كفَّره، وإن لم يصادف صغيرة؛ رجي أن يخفف من الكبائر، والله تعالى أعلم.\n (قال عروة: الآية): هي قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾)، زاد في رواية: (﴿مِنَ البَيِّنَاتِ﴾)، وفي رواية: (﴿مَا أَنزَلْنَا..﴾ ...؛ الآية)؛ أي: التي في سورة (البقرة) إلى قوله: ﴿... اللَّاعِنُونَ﴾، كما صرَّح به مسلم، وقد روى مالك في «الموطأ» هذا الحديث عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من نفسه: (^٤) أراه يريد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، والصواب: قول عروة؛ يعني: لئلَّا يتكل الناس، فكيف بالنهي عن الكتمان أوجب عليه الحديث؛ مخافة الكتمان؟! والآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فدخل فيها كل من علَّم علمًا تعبَّد اللهُ العبادَ بمعرفته، ولزمه من تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه، ففيه: أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم؛ لأنَّ الله تعالى قد توعَّد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة، وظاهر الحديث: يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور وإحسانه والصلاة، وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة: «إذا توضأ العبد المسلم؛ خرجت خطاياه»، ففيه: أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة؛ فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أنَّ في رواية لمسلم في حديث عثمان: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة»، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الوضوء، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٩١\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-291>[باب الاستنثار في الوضوء]</span>\nهذا (باب) طلب (الاستنثار في الوضوء)، و(الاستنثار): (استفعال) من النثر؛ بالنُّون والثاء المثلثة، والمراد به: الاستنشاق، كما مر، (ذكره)؛ أي: روى الاستنثار في الوضوء (عثمان)؛ أي: ابن عفان ثالث خلفاء النبي الأعظم ﵇، كما أخرجه المؤلف موصولًا في الباب الذي قبله، (و) رواه أيضًا (عبد الله بن زيد)؛ أي: ابن عاصم، لا صاحب الأذان، كما أخرجه المؤلف موصولًا في باب (مسح الرأس كله)، كما سيأتي، (و) رواه أيضًا (ابن عباس)، كما أخرجه المؤلف موصولًا في باب (غسل الوجه من غرفة)؛ كلهم (عن النبي) الأعظم (ﷺ)، لكن ليس في حديث ابن عباس ذكر الاستنثار، وكأنَّ المؤلف أشار بذلك إلى ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم موقوفًا: (استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا)، قاله ابن حجر، واعترضه في «عمدة القاري»؛ حيث قال: ليس الأمر كما ذكره، بل في حديث ابن عباس الذي أخرجه المؤلف ذكر الاستنثار؛ فإنَّ أكثر الروايات فيه ذكر: (واستنثر) بدل (واستنشق)، وقوله: (وكأنَّه أشار...) إلخ، احتمال بعيد على ما لا يخفى، وحديث أبي داود أخرجه ابن ماجه أيضًا، وذكر الخلال عن أحمد أنَّه قال: في إسناده شيء؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٩٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-292>[حديث: من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر]</span>\n١٦١ - وبه قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح المهملة، وسكون الموحدة: هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي (قال: أخبرنا عبد الله): هو ابن المبارك (قال: أخبرنا يونس): هو ابن يزيد الأيلي، (عن الزهري): محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو إدريس): عائذ الله؛ بالهمزة، والذال المعجمة، ابن عبد الله الخولاني؛ بالمعجمة، التابعي القاضي بدمشق لمعاوية ﵄، المتوفى بقرية داريا الكبرى من أعمال دمشق سنة ثمانين، وقبره معروف يزار ويتبرك به: (أنَّه سمع أبا هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ أنَّه قال) وسقط لفظ: (أنَّه) في رواية: (من توضأ) كلمة (من): موصولة تتضمن معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في جوابه، وهو قوله: (فليستنثر)؛ أي: فليخرج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط، وغبار، ونحوه، وذلك لما فيه من المعونة على القراءة، وتنقية مجرى النفس الذي به التلاوة، وبإزالة ما\n_________\n(^١) في الأصل: (كما).\n (^٢) في الأصل: (متكثرًا)، ولعله تحريف عن المثبت.\n (^٣) في الأصل: (لحصل).\n (^٤) في الأصل:.","vol":"1","page":62},{"text":"فيه من التفل تصح مجارى الحروف، أو لما فيه من التنظيف وطرد الشيطان؛ لأنَّه روي عن أبي هريرة -كما أخرجها المؤلف في (بدء الخلق) -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ؛ فليستنثر ثلاثًا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشيطان عليه حقيقة، أو هو على الاستعارة؛ لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشياطين، فهو على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسُّله عن القيام إلى الصلاة، قلت: وهذا هو الظاهر، ولا مانع من حمله على الحقيقة.\nوهل مبيته لعموم النائمين أو مخصوص بمن لم يفعل ما يحترس به في منامه كقراءة آية الكرسي؟\nقلت: والظاهر: أنَّه مخصوص بذلك؛ فليحفظ.\nوقدَّمنا أنَّ الأَولى أن يدخل إصبعه في أنفه؛ لأنَّه قد يوجد فيه بعض وسخ لزج لا يخرجه الماء، بل الإصبع، ثم هذا الأمر عند الإمام الأعظم والجمهور للندب، ويدلُّ له ما رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصحَّحه من قوله ﵇ للأعرابي: «توضَّأ كما أمرك الله تعالى»، فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، ولأن غسله باطن الوجه غير مأخوذ علينا في الوضوء، لكن ظاهر الأمر: أنَّه للوجوب، فيلزم من قال: بوجوب الاستنشاق؛ لورود الأمر به كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر أنَّه يقول: بوجوب الاستنثار لذلك، ولأن الاستنثار إنَّما يكون من الاستنشاق، فلذا لم يذكره هنا، وهو ظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة، وقال ابن بطال: وقد أوجب بعض العلماء الاستنثار لظاهر الحديث، وبما تقرر يعلم بطلان قول النووي: الإجماع على عدم وجوبه قائم، وليس القائل بالإجماع صاحب «عمدة القاري»، كما توهمه القسطلاني.\nوأجاب ابن حجر عن حديث الأعرابي: بأنَّه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعمُّ من آية الوضوء، فقد أمر الله باتباع نبيه، وهو المبيِّن عن الله تعالى أمره، ولم يحكِ أحدٌ ممَّن وصف وضوءه ﵇ أنَّه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يردُّ على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وثبت الأمر بها أيضًا في «سنن أبي داود».\nوذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتجَّ على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي، فإنَّه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه: أنَّه رجع عن إيجاب الإعادة.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأن القرينة الحالية والمقالية ناطقة صريحًا بأنَّ المراد من قوله ﵇ للأعرابي: «كما أمرك الله»: الأمر المذكور في آية الوضوء، وليس فيها ما يدلُّ على وجوب الاستنشاق، بل ولا على المضمضة، ولأنَّه لو كان الأمر أعم لبيَّن له ﵇ كيفية الوضوء، ولما أحاله على الآية.\nوقوله: (ولم يحك أحد...) إلخ: مردود؛ بأن الأعرابي قد ترك الاستنشاق والمضمضة؛ لأنَّه لم يوجد في الآية ذكرهما، فعمل بالآية حيث أحاله ﵇ عليها، وقول ابن المنذر... إلخ: يدلُّ على ما قلناه، وإن استدلَّ القائل على وجوبهما بمواظبة النبي ﵇ عليهما من غير ترك، فإنَّه يلزمه أن يقول بوجوب التسمية أيضًا؛ لأنَّه لم ينقل أنَّه ﵇ ترك التسمية فيه، ومع هذا فهي سنة أو مستحبة عند الجمهور حتى عند إمام هذا القائل الشافعي، انتهى بزيادة، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام».\nولم يذكر في هذه الرواية عددًا، وقد ورد في رواية سفيان عن أبي الزناد، ولفظه: «وإذا استنثر؛ فليستنثر وترًا»، أخرجه الحميدي في «مسنده»، وأصله لمسلم، وقوله: (وترًا) شامل للواحد والثلاث وما فوقهما من الأوتار، وورد في رواية للمؤلف (^١): «فليستنثر ثلاثًا»، كما ذكرناها، ويمكن أن تكون هذه الرواية مبينة لتلك الرواية، فتكون السنة فيه ثلاثًا كالاستنشاق؛ فافهم.\nوالمستحب: أن يستنثر بيده اليسرى، وقد بوَّب عليه النسائي، ويكره أن يكون بغير يده؛ لأنَّه يشبه فعل الدابة، وقيل: لا يكره.\n (ومن): موصولة تتضمن معنى الشرط (استجمر): من الاستجمار؛ وهو مسح محل البول والغائط بالجمار؛ وهي الأحجار الصغار، لكن المراد الأعم يقال: الاستطابة والاستجمار والاستنجاء؛ لتطهير محل الغائط والبول، والاستجمار مختص بالمسح بالأحجار، والاستطابة والاستنجاء يكونان بالماء والأحجار، وقال ابن حبيب: وكان ابن عمر ﵄ يتأوَّل الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعًا، يقال في هذا: تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب مرات واحدة بعد الأولى، وحكي ذلك عن مالك، لكن هذا لا يصح، والأظهر الصحيح: الأول، وإنما سُمِّي التمسح بالجمار التي هي الأحجار الصغار [استجمارًا]؛ لأنَّه يطيب المحل كما يطيبه الاستجمار بالبخور، ومنه سميت: جمار الحج؛ وهي الحصيات التي نرمي بها، أو هو محمول على تجمير سرير الميت عند الغسل إن لو صح ما قاله ابن حبيب، لكن نص غير واحد أنَّه غير مراد، والمراد ما ذكرناه؛ فليحفظ؛ فافهم.\nوجواب الشرط قوله: (فليوتر)؛ أي: فليجعل الحجارة التي يستنجي بها فردًا إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا، والواحد يطلق عليه: وتر بإجماع أهل اللغة؛ فافهم.\nففيه دليل ظاهر، وحجة مستقيمة لإمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه: إلى أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون؛ لأنَّ الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث، والحديث دال على الإيتار فقط.\nفإن قيل: تعيين الثلاث من نهيه ﵇ عن أن يستنجي بأقل من ثلاث أحجار.\nقلت: لمَّا دل حديث أبي هريرة الصحيح: «من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج» على عدم اشتراط التعيين؛ حمل هذا على أن النهي فيه كان لأجل الاحتياط؛ لأنَّ التطهير غالبًا إنَّما يحصل بالثلاث، ونحن أيضًا نقول: إذا تحقق شخص أنَّه لا يطهر إلا بالثلاث؛ يتعين عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلمَّ جرًّا؛ يتعين عليه ذلك؛ فافهم، وهو مذهب مالك وغيره.\nوزعم البرماوي وتبعه العجلوني بأنَّه يلزم استعمال الأمر في حقيقته ومجازه معًا، وهو مردود، بل هو من باب عموم المجاز، وهو أن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز، كما عرف في كتب الأصول، كما لا يخفى على من له أدنى وصول؛ فافهم.\nوبما قررناه؛ اندفع قول الخطابي: فيه دليل على وجوب عدد الثلاث؛ إذ إنَّه لم يرد به الوتر الذي هو واحد فرد؛ لأنَّه زيادة صفة على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، يعلم أنَّه إنَّما قصد به ما زاد على الواحد وأدناه ثلاث؛ فانظر وتعجب من هذه المكابرة والمحاولة.\nوفي الحديث: دلالة على نفي وجوب الاستنجاء للإتيان فيه بحرف الشرط، وهو ظاهر، وقدر بعضهم فقال: ومن أراد أن يستجمر؛ فليوتر، فلا يبقى فيه دلالة على وجوب الاستجمار، فثبت أنَّ الاستنجاء بالماء وبالأحجار سنة لا واجب، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم والجمهور خلافًا للشافعي؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٩٣\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-293>[باب الاستجمار وترًا]</span>\nهذا (باب) طلب (الاستجمار) أي: بالأحجار (وَِترًا)؛ بكسر الواو وفتحها، وجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ المذكور في الباب السابق حكمان؛ الاستنثار والاستجمار وِترًا، والباب معقود للأول، وهذا الباب فيه ثلاثة أشياء؛ أحدها: الاستجمار وترًا، فاقتضت المناسبة أن يعقد بابًا على الحكم الآخر الذي عقد لقرينة ولم يعقد له؛ لأنَّ ما فيه حكمان وأكثر ذكر بعضها تلو بعض من وجوه المناسبة، ولا يلزم أن يكون المناسبة في الذكر بين شيئين من كل وجه سيما في كتاب يشتمل على أبواب كثيرة، والمقصود منها عقد التراجم، فاندفع بهذا كلام من يقول تخليل هذا الباب بين أبواب الوضوء -وهو باب الاستنجاء- ومرتبته التقديم على أبواب الوضوء غير موجه، كذا في «عمدة القاري»، وهو أوجه وأظهر من جواب الكرماني وجواب ابن حجر؛ لأنَّ كلًّا (^٢) منهما لا يخلو عن ركاكة وتعسف، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\n\n <span id=\"b-٢٩٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-294>[حديث: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر]</span>\n١٦٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس، (عن أبي الزِناد)؛ بكسر الزاي، وبالنُّون: عبد الله بن ذكوان؛ بالذال المعجمة، (عن الأعرج): هو عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة)؛ هو عبد الرحمن بن صخر\n_________\n(^١) في الأصل: (المؤلف)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (كل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":63},{"text":"﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ قال): جملة محلها رفع خبر (أنَّ): (إذا) للشرط (توضأ)؛ أي: أراد أن يشرع في الوضوء (أحدكم) وجواب الشرط مع الفاء قوله: (فليجعل في أنفه)؛ أي: فيصير، يقال: جعلته كذا؛ أي: صيرته، وقيل: معناه: فليُلْقِ، والأول أظهر، وفي الكلام حذف المفعول؛ لدلالة الكلام عليه؛ والتقدير: فليجعل في أنفه ماء، وهي رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذر: (فليجعل في أنفه ماء)؛ بدون الحذف، وكذا اختلفت رواة «الموطأ» في إسقاطه وذكره، وثبت ذكره لمسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد، (ثم لينْثُر)؛ بضم المثلثة بعد النُّون الساكنة، من الثلاثي المجرد، وفي رواية: (ثم لينتثر)؛ بزيادة مثناة فوقية بين النُّون والمثلثة، من باب الافتعال، وقد جاءت الروايتان في «الموطأ»، قال الفراء: يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر؛ إذا حرك النثرة؛ وهي طرف الأنف في الطهارة، وقد سبق الكلام عليه، وهذه الجملة معطوفة على (فليجعل)، أفاده في «عمدة القاري»، (ومن استجمر) بالأحجار، والجملة شرطية، وجوابه قوله: (فليوتر)؛ بواحد أو بثلاث أو بخمس إلى أن يحصل الإنقاء، فليس فيه عدد مسنون، بل المقصود إنقاء المحل، هذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام مالك، والجمهور، كما سبق الكلام عليه.\nوفيه: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق الصلاة حتى إذا أصاب موضع المسح بللٌ وابتلَّ به سراويله أو قميصه؛ ينجسه، بناء على أن الحجر مخفف لا قالع، وهذا أحد قولين، وهو المعتمد، والثاني: أنَّه يطهر، ولو وقع في الماء؛ لا ينجسه.\n (وإذا استيقظ): الاستيقاظ بمعنى التيقظ، وهو لازم، وهو عطف على قوله: (إذا توضأ)، والظاهر من سياق المؤلف أنَّه حديث واحد، لكن قال ابن حجر: إنَّه أخرجه أبو نعيم من «الموطأ» مفرقًا، وكذا فرَّقه الإسماعيلي، وأخرج مسلم الحديث الأول من طريق ابن عيينة، والثاني من طريق المغيرة، وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا يلزم من ذلك كله ألَّا يكون الحديث واحدًا، وقد يجوز أن يُروَى حديث واحد مقطعًا من طرق مختلفة، فمثل ذلك وإن كان حديثين أو أكثر بحسب الظاهر؛ فهو في نفس الأمر حديث واحد؛ فافهم، انتهى.\n (أحدكم من نومه): ظرف لغو أو حال، قيد به؛ ليخرج النعاس والغفلة، وأضاف النوم إلى ضمير (أحدكم)؛ ليخرج نومه ﵇، فإنَّه ينام عينه دون قلبه، واستدل بإطلاقه إمامنا الإمام الأعظم والجمهور: على أنَّ غمس اليدين في إناء الوضوء مكروه قبل غسلهما سواء كان عقيب نوم الليل أو نوم النهار، وخصَّ أحمد الكراهة بنوم الليل؛ لقوله: «أين باتت يده»، والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ولأنَّ الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلًا، فربَّما أصابت موضع العورة، وقد يكون هناك لوث من أثر النجاسة، ويؤيِّد ذلك ما في رواية أبي داود -ساق إسنادها مسلم-: «إذا قام أحدكم من الليل»، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، وفي رواية لأبي عوانة -ساق مسلم إسنادها-: «إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح»، وأجابوا: بأن العلَّة تقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وتخصيص نوم الليل بالذكر للغلبة، وقال النووي: مذهبنا: أن الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها؛ يستحب غسلها سواء قام من النوم ليلًا أو نهارًا، أو لم يقم منه؛ لأنَّه ﵇ نبه على العلَّة بقوله: «فإنَّه لا يدري»؛ ومعناه: لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام؛ لاحتمال وجود النجاسة في النوم فيهما وفي اليقظة، انتهى.\nوكلمة: (إذا) للشرط، وجوابه قوله: (فليغسل يده)؛ بالإفراد؛ أي: ثلاثًا، كما صرح به مسلم، فغسل اليدين قبل الشروع في الوضوء سنة، وذلك لأنَّ أول الحديث يقتضي وجوب الغسل للنهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل، وآخر الحديث يقتضي استحباب الغسل للتعليل بقوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»؛ يعني: في مكان طاهر من بدنه أو نجس، فلما انتفى الوجوب لمانع في التعليل المنصوص؛ ثبتت السنية؛ لأنَّها دون الوجوب، والقول بالسنية متوسط، والكراهة تنزيهية؛ لأنَّ النهي فيه مصروف عن التحريم بقوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، فالنهي محمول على الإناء الصغير، أو الكبير إذا كان معه إناء صغير؛ فلا يدخل يده فيه أصلًا، وفي الكبير على إدخال الكف، كذا في «المستصفى»، لكن في «الخانية»: أنَّ المُحدِث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليهما نجاسة؛ لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الحُب فأدخل يده إلى المرفق؛ لا يصير الماء مستعملًا، انتهى.\nوإنما لم يصر مستعملًا؛ لعدم النية، أمَّا لو نوى؛ فإنَّه يصير مستعملًا؛ لأنَّه ارتفع به الحدث، فالملاقى مستعمل، والكراهة باقية، وقيد الإمام القدوري والمرغيناني في «الهداية» الغسل بالمستيقظ، كما في الحديث، قال الشراح: وهذا القيد اتفاقي تبركًا بالحديث، والسنة تشمل المستيقظ وغيره، وعليه الجمهور، ومن المشايخ من قال: إنَّه قيد احترازي، وإنَّ غسلها لغير المستيقظ أدب، كما في «السراج»، وإنَّ الحديث خرج مخرج العادة؛ لأنَّهم كانوا في العهد الأول ينامون بدون الاستنجاء، فربما تطوف اليد حالة النوم فتقع على نجاسة، وهو مفهوم من قوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، ثم اطرد الحكم في المستيقظ وغيره، قال الإمام العلَّامة المنلا علي القاري: (ولأن توهم النجاسة في اليد تكون للمستيقظ غالبًا، ولذا مع الاستيقاظ، وتوهم النجاسة آكد) انتهى.\nوذكر نحوه في «البحر»، وقال في «النهر»: (الأصح الذي عليه الأكثر أنَّه سنة مطلقًا، لكنه عند توهم النجاسة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمها؛ كما إذا نام لا عن شيء من ذلك أو لم يكن مستيقظًا من نوم) انتهى، وهذا هو المعتمد، كما في «منهل الطلاب»، فمذهب عامة أهل العلم: أنَّ الأمر محمول على السنية، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها، وأنَّ الماء طاهر ما لم يتيقن (^١) نجاسة يده، روي ذلك عن ابن سيرين، والنخعي، وابن جبير، والبراء بن عازب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وقال أحمد: إذا انتبه من النوم فأدخل يده في الماء قبل الغسل؛ أعجب أن يريق ذلك الماء إذا كان من نوم الليل، ولا يهراق في قول مالك، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، واختلف في المستيقظ من نوم النهار؛ فقال الحسن البصري: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وهو مذهب الإمام الأعظم، وسهَّل أحمد في نوم النهار، ونهى عن ذلك في نوم الليل، وذهب داود والطبري إلى إيجاب ذلك، وأن الماء يجزئه إن لم تكن اليد مغسولة، قال ابن حزم: سواء تباعد ما بين نومه ووضوئه أو لم يتباعد، فلو صب على يديه من إناء دون أن يدخل يده فيه؛ لزمه غسل يده أيضًا ثلاثًا إن قام من نومه، وتمامه في «عمدة القاري».\n (قبل أن يدخلها في وَضوئه)؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية مسلم وابن خزيمة: (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها)، فقوله: (في الإناء) وإن كان عامًّا، لكن القرينة دلت على أنَّه إناء الماء؛ بدليل قوله في هذه الرواية: (في وضوئه)، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة، وفي رواية البزار: (فلا يغمسنَّ)؛ بنون التأكيد المشددة، ولم يقع هذا إلا في رواية البزار، والروايات التي فيها الغمس أبين في المراد من الروايات التي فيها الإدخال؛ لأنَّ مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء، فالمراد بـ (الإناء): هو الإناء الذي فيه الماء؛ كالبرك والحياض المنقطعة، أمَّا إذا كان الماء جاريًا أو كان منقطعًا لكنه يبلغ عشرًا في عشر، فإنَّه لو أدخل يده؛ لا يفسد الماء على تقدير نجاستها، فلا يشملها النهي، وظاهر قول مسلم:\n_________\n(^١) في الأصل: (يتقن)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":63},{"text":"(في الإناء) اختصاص ذلك بإناء الوضوء، لكن يلتحق به إناء الغسل؛ لأنَّه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياسًا، ففيه: دليل على أنَّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات؛ لأنَّ النبي الأعظم ﵇ أمر للقائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثًا؛ لأنَّهم كانوا يتغوطون ويبولون، ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فينجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط؛ وهو أغلظ النجاسات؛ كان أولى وأحرى أن يحصل مما دونهما من النجاسات، وهل تغسل اليدان مجتمعين أو متفرقين، فيه اختلاف؛ لما وقع في الاختلاف الوارد في الأحاديث، ففي بعض الطرق: (فغسل يديه مرتين مرتين)، وهو يقتضي الإفراد، وفي بعض طرقه: (فغسل يديه مرتين)، وهو يقتضي الجمع، وقدمنا أنَّ السنة الجمع؛ لأنَّه أكثر في الأحاديث.\nفإن قلت: كان ينبغي ألَّا تُبْقى السنة؛ لأنَّهم كانوا يتوضؤون من الأتوار، فلذا أمرهم ﵇ بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وأمَّا في هذا الزمان؛ فقد تغير ذلك؟\nوأجيب: بأن السنة لما وقعت سنة في الابتداء؛ أبقيت ودامت وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأنَّ الأحكام إنَّما تحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها؛ لأنَّ الأسباب تبقى حكمًا وإن لم تبق حقيقة؛ لأنَّ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فجعلت الآنيات الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكمًا، وهذا كالرَّمَل في الحج وغيره؛ فليحفظ.\nوقدمنا أن قوله: (في الإناء) محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة؛ كالكوز، أو كبيرة؛ كالحُب، أو معه آنية صغيرة، أمَّا إذا كانت الآنية كبيرة وليست معه آنية صغيرة؛ فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف، ويرفع الماء من الحُب ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها في بعض، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغًا ما بلغ في الإناء إن شاء، وهذا اختيار علمائنا، وقال النووي: (وإذا كان الماء في الإناء وكان كبيرًا بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف به؛ فطريقه أن يأخذ الماء بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره).\nقلت: وما ذكره علماؤنا الأعلام أحسن من وجوه، ويلزم على ما ذكره النووي أنَّه لو عجز عن أخذه بفمه بأن كانت أسنانه مقلوعة ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به ماذا يفعل؟ على أنَّه في أخذه الماء بفمه عسر وحرج وهو مدفوع بالنص، وأيضًا فإنَّه يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّه قد ارتفع الحدث عن فمه، وأخذه الماء بطرف ثوبه فيه إتلاف الثوب، وهو منهي عنه؛ لأنَّه إسراف، والاستعانة بغيره فيها عدم التواضع للعبادة، فما قاله علماؤنا خال عن هذه المنهيات؛ فافهم.\nنعم؛ لو كانت يداه متنجستين؛ فإنَّه يفعل كما قاله النووي، وقد صرح به في «المضمرات» و«منهل الطلاب» حيث قالا: (فإنَّه يأمر غيره أن يغترف بيديه ليصب على يديه ليغسلهما، وإن لم يجد؛ يرسل في الماء منديلًا، ويأخذ طرفه بيده، ثم يخرجه من البئر، فيغسل يديه بالماء الذي يتقاطر ثلاثًا، فإذا لم يجد؛ يرفع الماء بفمه فيغسل يديه، وإن لم يقدر؛ فإنَّه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه) انتهى.\nوإنما أبحنا له الاستعانة بغيره وأخذه الماء بفيه، وأخذه بطرف ثوبه؛ لأنَّ غسل يديه من النجاسة المحققة فرض بالإجماع، فلو أدخل بعض إصبعه؛ تنجس الماء، وفي مسألة رفع الماء بفيه اختلاف، والصحيح: أنَّه يصير مستعملًا، وهو مزيل للخبث، كما في «البحر»؛ فليحفظ.\n (فإن أحدكم): الفاء للتعليل؛ أي: فهو تعليل للأمر بغسل اليد، وهذا خطاب للعقلاء البالغين المسلمين، فإن كان القائم من النوم صبيًّا، أو مجنونًا، أو كافرًا؛ فذكر في «المغني»: أن فيه وجهين؛ أحدهما: أنَّه كالمسلم البالغ العاقل، والثاني: أنَّه لا يؤثر غمسه شيئًا؛ لأنَّ المنع من الغمس إنَّما يثبت بالخطاب، ولا خطاب في حق هؤلاء، وقال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأنَّ الشارع إذا ذكر حكمًا وعقبه بعلة؛ دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات: «فإنَّه يبعث ملبيًا» بعد نهيهم عن تطييبه نبه على علة النهي، وهي كونه محرمًا.\n (لا يدري أين): وهي للسؤال عن المكان، بنيت لتضمنها حرف الاستفهام (باتت يده)؛ أي: من جسده، والمراد بها الجنس، وأن يكون الغسل ثلاثًا لرواية مسلم، وأبي داود، وغيرهما: (فليغسلها ثلاثًا)، وفي رواية: (ثلاث مرات)، فيستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثًا؛ لأنَّه إذا أمر به في المتوهمة؛ ففي المحققة أولى، ولم يرد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وسيجيء أنَّه ﵇ أوجب فيه الثلاث، وخير فيما زاد، ويستفاد أيضًا منه أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش؛ لأنَّه ﵇ أمر بالغسل، ولم يأمر بالرش، ولأنَّ المقصود إزالة عين النجاسة، وهو لا يكون إلا بالغسل، وبالرش تتضمخ النجاسة وتزداد، فلا فائدة فيه، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوالمراد باليد هنا: الكف إلى الكوع دون ما زاد عليها اتفاقًا، وقال الشافعي: معنى «لا يدري أين باتت يده»: إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم؛ عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة أو قذر، وتعقبه الباجي: بأن ما قاله يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم؛ لجواز ذلك عليه.\nوأجيب عنه: بأنَّه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل، وردَّ: بأن اليد التي منصوبة في الهوى إذا عرقت؛ فالمحل المستتر يعرق بالطريق الأولى على ما لا يخفى، فلا وجه حينئذٍ لاختصاص اليد بذلك، وقول من قال: إنَّه مختصٌّ بالمحلِّ؛ ينافيه ما رواه ابن خزيمة وغيره في هذا الحديث، وقال في آخره: (أين باتت يده منه)، وأصله في مسلم دون قوله: (منه)، وذكرها ابن منده، وتمامه في «عمدة القاري».\nواختلف في أن علة الأمر التنجس أو التعبد؛ فالجمهور على أن ذلك لاحتمال النجاسة، ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظًا، ويفهم منه أن من درىأين باتت يده؛ كمن لفَّ عليها خرقة مثلًا فاستيقظ وهي على حالها؛ فلا كراهة وإن كان غُسلها مستحبًّا، كما في المستيقظ، وقال مالك: إن ذلك للتعبد؛ فعلى قوله لا يفرق بين شاك ومتيقن.\nوقوله: (فليغسل يده): يتناول ما إذا كانت يده مطلقة أو مشدودة بشيء أو جراب، أو كون النائم عليه سراويل أو لم يكن؛ لعموم اللفظ؛ فتأمل.\nوفي الحديث: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال ﵇: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، ولم يقل: فلعلَّ يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو غير ذلك، وإن كان هذا معنى قوله ﵇، وهذا إذا علم أنَّ السامع يفهم بالكناية المقصودة، فإن لم يكن كذلك؛ فلا بد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحًا.\nويستفاد من الحديث: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وإلَّا؛ لا يكون للنهي فائدة.\nوفيه: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهو بالإجماع، وأمَّا ورود الماء على النجاسة؛ ففيه خلاف قرره في «عمدة القاري»، وينبغي للسامع عن النَّبيِّ الأعظم ﵇ شيئًا من قول أو فعل أن يتلقاه بالقبول وعدم الإنكار، ففي «شرح مسلم»: أن بعض المبتدعة لما سمع هذا الحديث؛ قال متهكمًا: أنا أدري أين باتت يدي، باتت في الفراش، فأصبح وقد دخلت يده في دبره إلى ذراعه، وقيل: إنَّ رجلًا كان يسيء الاعتقاد في أهل الخير والصلاح، وله ابن يعتقدهم، فجاء ولده من","vol":"1","page":64},{"text":"عند شيخ صالح ومعه مسواك، فقال له والده مستهزءًا: أعطاك شيخك هذا السواك، فأخذه وأدخله في دبر نفسه؛ استحقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد لذلك الرجل الذي استدخل السواك جرو قريب الشبه بالسمك، فقتله، ثم مات الرجل حالًا أو بعد يومين، انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٩٥\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-295>[باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين]</span>\nهذا (باب غسل الرِّجلين) في الوضوء (ولا يمسح على القدمين)؛ أي: إذا كانتا عاريتين، وكأنَّ المؤلف فهم من الحديث: أنَّ الإنكار عليهم إنَّما كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرِّجل، فلأجل ذلك قال المؤلف: (ولا يمسح على القدمين)، وتمامه في «عمدة القاري»، وهذا أولى مما ذكره الشيخ إسماعيل العجلوني في «شرحه»، فإنَّه خبط وخلط؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٩٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-296>[حديث: تخلف النبي عنا في سفرة سافرناها فأدركنا]</span>\n١٦٣ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (موسى): هو ابن إسماعيل التبوذكي، (قال: حدثنا): وفي رواية: (أخبرنا) (أبو عَوانة)؛ بفتح العين المهملة: هو الوضاح اليشكري، (عن أبي بِشْر)؛ بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: جعفر بن أبي وحشية الواسطي، (عن يوسف بن ماهَِك)؛ بكسر الهاء وفتحها، بالصرف وعدمه، (عن عبد الله بن عمرو): هو ابن العاصي القرشي (قال: تخلَّف)؛ بتشديد اللام؛ أي: تأخر خلفنا (النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ عنا في سَفرة)؛ بفتح السين المهملة؛ أي: مرة من السفر (سافرناها): وفي رواية إسقاط لفظ: (سافرناها)، وظاهره أنَّ عبد الله بن عمرو كان في تلك السفرة، ووقع في رواية لمسلم أنَّها كانت من مكة إلى المدينة، ولم يقع ذلك لعبد الله محققًا إلا في حجة الوداع، أمَّا غزوة الفتح؛ فقد كان فيها، لكن ما رجع النَّبيُّ الأعظم ﵇ فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويحتمل أن يكون عمرة القضاء، فإنَّ هجرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوقت أو قريبًا منه، كذا في «عمدة القاري»، ومثله في «فتح الباري».\nوأقول: رجوعه من الجعرانة إلى المدينة كان بعد أن دخل مكة ورجع منها إلى الجعرانة، وحينئذٍ فيصدق عليه أنَّه رجع من مكة إلى المدينة؛ فتأمل.\n (فأدركَنا)؛ بفتح الكاف؛ أي: لحق بنا النَّبيُّ الأعظم ﵇ (وقد أرهَقَنا العصر)؛ بفتح الهاء والقاف، من الإرهاق، و(العصرُ)؛ بالرفع فاعله؛ أي: أدركتنا صلاة العصر وغشينا وقتها، وفي رواية: بإسكان القاف، ونصب (العصر) على المفعولية؛ أي: أخرناها حتى دنا وقتها للغروب، ويقوي الأول رواية الأصيلي: (وقد أرهقتنا)؛ بتأنيث الفعل، وبرفع (العصر) على الفاعلية، وكأنَّ الصحابة أخَّروا الصلاة عن أول الوقت؛ لكونهم على طهر، أو لرجاء الوصول إلى الماء، ويدل له رواية مسلم: (حتى إذا كنا بماء بالطريق؛ تعجل قوم عند العصر-أي: قرب دخول وقتها- فتوضؤوا وهم عجال)، أو طمعًا لأنَّ يلحقهم النَّبيُّ الأعظم ﵇، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت؛ بادروا إلى الوضوء، (فجعلنا نتوضأ ونمسح)؛ أي: نغسل غسلًا خفيفًا؛ أي: مبقعًا حتى يرى كأنَّه مسح (على أرجلنا)؛ لعجلتهم، فلم يسبغوه، فأدركهم النَّبيُّ الأعظم ﵇ على ذلك، فأنكر عليهم، وهذا من مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي القسمة على الرجال، ولكل رجل رجلان.\n (فنادى) ﵇ (بأعلى صوته: ويل)؛ بالرفع مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنَّه دعاء، واختلف في معناه على أقوال؛ أظهرها ما رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «ويل: واد في جهنم» (للأعقاب)؛ أي: لأصحابها المقصِّرين في غسلها (من النار): ويحتمل أن يبقى على ظاهره فيختص العذاب بها إذا قصر في غسلها؛ لأنَّ مواضع الوضوء لا تمسها النار؛ كمواضع السجود، قال في «عمدة القاري»: (واللام في «للأعقاب»: للعهد؛ لأنَّ المراد المرئية من ذلك؛ أي: ويلحق بها ما يشاركها في ذلك) انتهى.\nومثله في «فتح الباري».\nوأقول: ولو حملت اللام على الجنس في الأعقاب المرئية وغيرها؛ لم يحتج إلى الإلحاق؛ فتأمل، والعقب: مؤخر القدم.\n (مرتين أو ثلاثًا): شك من عبد الله بن عمرو، وهو صفة لمصدر محذوف؛ أي: نادى نداء مرتين أو ثلاثًا، واستنبط من الحديث: الرد على الشيعة الروافض القائلين بأن الواجب المسح، أخذًا بظاهر قراءة الجَرِّ في: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأنَّه لو كان الفرض المسح؛ لما توعد عليه بالنار، واستدل الحافظ أبو جعفر الطحاوي على ذلك بأنَّه لما أمرهم بتعميم غسل الرِّجلين حتى لا يبقى منها لمعة؛ دل على أن فرضها الغسل، واعترضه ابن المنير بأن التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس يعم بالمسح وليس فرضه الغسل.\nوأجيب كما في «عمدة القاري»: بأن هذا لا يرد عليه أصلًا؛ لأنَّ كلامه فيما يغسل، فأمره بالتعميم يدل على فرضية الغسل في المغسول، والرأس ليس بمغسول؛ فافهم.\nوقد تواترت الأخبار عن النَّبيِّ الأعظم ﵇ في صفة وضوئه أنَّه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله تعالى، وقد قال في حديث عمرو بن عبسة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولًا في (فضل الوضوء): (ثم يغسل قدميه كما أمره الله تعالى)، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي، وابن عباس، وأنس، وقد ثبت رجوعهم عنه، وروى سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﵇ على غسل القدمين، انتهى كلامه؛ فليحفظ.\nوقال الحافظ الطحاوي: (إنَّ المسح عليها منسوخ)، ومثله قال ابن حزم، وقد أشبعنا الكلام على ذلك فيما تقدم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٩٧\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-297>[باب المضمضة في الوضوء]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (المضمضة): مبتدأ، خبره قوله: (من الوضوء): وفي رواية: (باب المضمضة في الوضوء)؛ بالإضافة، ويجوز فيه التنوين أيضًا، والإعراب كالإعراب، وأصل المضمضة في اللغة: التحريك، ومنه: مضمض النعاس في عينيه؛ تَحَرَّكَتَا به، والأصح عندنا: أن المجَّ ليس بشرط، والتحريك شرط، (قاله ابن عباس) ﵄، والضمير يرجع إلى المضمضة، وهو في الأصل مصدر يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو يكون تذكير الضمير باعتبار المذكور، فاندفع ما يقال: الضمير مذكر ومرجعه مؤنث، والقول هنا بمعنى الحكاية، كما في: قلت شعرًا، أو قلت قصيدة، فاندفع ما يقال: مقول القول ينبغي أن يكون جملة، وهنا مفرد، والمعنى: حكاه ابن عباس، ولا حاجة إلى قول الكرماني معنى (قاله): قال به، فإنَّه بعيد؛ فافهم، وحديث ابن عباس تقدم موصولًا في (الطهارة).\n (وعبد الله بن زيد)؛ أي: ابن عاصم كما يأتي موصولًا في باب (غسل الرجلين إلى الكعبين)، كلاهما (عن النبي) الأعظم (ﷺ).\n\n <span id=\"b-٢٩٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-298>[حديث: مَن توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين]</span>\n١٦٤ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو اليمان)؛ أي: الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب): هو ابن أبي حمزة، (عن الزهري): محمد بن مسلم ابن شهاب، (قال: أخبرني)؛ بالإفراد (عطاء بن يَزيد)؛ بفتح أوله، من الزيادة، (عن حُمران)؛ بضم الحاء المهملة (مولى عثمان بن عفان) ﵄: (أنَّه)؛ أي: حُمران (رأى)؛ أي: أبصر، فلا تقتضي إلا مفعولًا واحدًا؛ أي: (عثمان): زاد الأصيلي: (ابن عفان) (دعا)؛ أي: عثمان (بوَضوء)؛ بفتح الواو،","vol":"1","page":64},{"text":"وفي باب (الوضوء ثلاثًا ثلاثًا): (دعا بإناء فيه ماء للوضوء)، (فأفرغ)؛ أي: فصب (على يديه) بالتثنية (من إنائه فغسلهما ثلاث مرات)؛ أي: قبل أن يدخلهما في الإناء، وفي السابقة: (فأفرغ على كفيه ثلاث مرار)، (ثم أدخل يمينه في الوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: فأخذ منه، (ثم تمضمض): ولأبي ذر: (ثم مضمض)؛ بحذف المثناة؛ أي: أدخل الماء بفيه، وحرَّكه، ومجَّه، (واستنشق)؛ بأن جذب الماء بريح أنفه، (واستنثر)؛ بأن أخرجه به مع المخاط وغيره بإدخال إصبعه في أنفه للمبالغة، وفي السابقة: (ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر).\nوفيه دليل على عدم اشتراط نية الاغتراف، والمضمضة باليمين، والاستنشاق والاستنثار باليسار، وهما سنتان مؤكدات في الوضوء، فرضان في الغسل، وأوجبهما أحمد ابن حنبل، وقال الشافعي: إنهما سنتان في الوضوء والغسل، ويشتملان على سنن؛ منها: تقدم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع؛ لاتفاق الروايات على ذلك، ومنها: التثليث في حق كل واحد منهما بالإجماع، ومنها: أخذ ماء جديد في التثليث؛ لحديث الطبراني وأبي داود، وإزالة المخاط باليسرى؛ لأنَّه أذًى، كما في «المعراج».\n (ثم غسل وجهه) غسلًا (ثلاثًا): والظاهر: أن التراخي المستفاد من (ثُمَّ) غير مراد، ويحتمل إرادته، وأنَّه وقع للتنبيه على أنَّه لا يشترط فيه الموالاة؛ فليحفظ.\n (و) غسل (يديه)؛ أي: كل واحدة (إلى المرفقين)؛ أي: معهما، فيدلان في فرض الغسل، خلافًا للإمام زفر، وأبي بكر بن داود وغيره كما سبق، غسلًا (ثلاثًا): وفي السابقة: (ثلاث مرات)، (ثم مسح برأسه): زاد أبو داود وابن خزيمة في «صحيحه»: (ثلاثًا لكن بماء واحد)، (ثم غسل كل رِجل) غسلًا (ثلاثًا)؛ بالتنكير والإفراد، وفي رواية: (ثم غسل كل رِجله)، وفي أخرى: (كلتا رجليه)، وهي التي اعتمد عليها صاحب العمدة، وفي رواية: (كل رجليه)، قال في «عمدة القاري»: (والكل يرجع إلى معنًى واحد غير أنَّ رواية: «كل رِجله» تفيد تعميم كل رِجل بالغسل) انتهى.\n (ثم قال)؛ أي: عثمان ﵁: (رأيت النَّبيَّ) الأعظم (ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال): وفي رواية: (ثم قال)؛ أي: النَّبيُّ الأعظم ﵇: (من توضأ نحو وضوئي): وللمؤلف في (الرقاق): «مثل وضوئي» (هذا، وصلى): وفي رواية: «ثم صلى» (ركعتين) قبل جفاف الوضوء، ولا يزيد عليها؛ لأنَّه المروي في الأحاديث الصحاح، ولو صلى الفريضة عقب الوضوء؛ فإنَّه يُحصِّل هذه الفضيلة، ومحل هذه الصلاة في كل وقت إلا في الأوقات الثلاثة المنهية، فإنَّه لا يصليها؛ للنهي عنها فيها، وهي من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح أو رمحين، ومن استوائها إلى أن تزول، ومن اصفرارها إلى أن تغرب، واستثنى الإمام أبو يوسف: يوم الجمعة؛ فإنَّه لا تكره فيه الصلاة عند الاستواء إلى زوالها؛ للحديث الوارد في ذلك، كما سيأتي بيانه في محله إن شاء سبحانه.\n (لا يحدث فيهما)؛ أي: في الركعتين (نفسه)؛ أي: بشيء أصلًا، كما قاله القاضي عياض عن بعضهم، ويشهد له ما رواه ابن المبارك في (الزهد) بلفظ: «لم يسر فيهما»، واعترضه النووي، فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طرآن الخواطر التي لا تستقر، والحديث محمول على المعلق بالدنيا فقط؛ لما جاء في رواية هذا الحديث، ذكره الحكيم الترمذي في (الصلاة)، بلفظ: «لا يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا؛ إلا استجيب له» انتهى.\n (غَفَر الله له): وفي رواية: «غُفِر له»؛ بالبناء للمفعول (ما تقدم من ذنبه)؛ أي: من الصغائر دون الكبائر، كما صرح به مسلم، وأمَّا الكبائر؛ فإنما تكفر بالتوبة، وكذلك مظالم العباد، وزاد مسلم في هذا الحديث: قال الزهري: كان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» و«مسنده» معًا: حدثنا خالد بن مخلد قال: حدثنا إسحاق بن حازم قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: حدثني حُمران بن أبان مولى عثمان قال: دعا عثمان بن عفان بوضوء في ليلة باردة وهو يريد الخروج إلى الصلاة، فجئته بماء فأكثر ترداد الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك فقد أسبغت الوضوء، والليلة شديدة البرد، فقال: صب فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسبغ عبد الوضوء؛ إلا غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، قال في «عمدة القاري»: وأصل هذا الحديث في «الصحيحين» من أوجه، وليس في شيء منها زيادة: (وما تأخر)، وقد سبق أبحاث هذا الحديث في باب (الوضوء ثلاثًا)، قال الكرماني: ولا تفاوت بينهما إلا بزيادة لفظ: (واستنشق) هنا، وزيادة: (رأيت النَّبيَّ يتوضأ نحو وضوئي هذا).\nواعترضه في «عمدة القاري»، فقال: وفيه نظر، فإنَّ هناك: (دعا بإناء)، وهنا: (دعا بوضوئي)، وهناك: (فأفرغ على كفيه ثلاث مرار)، وهنا: (فأفرغ على يديه من إنائه)، وهناك: (فغسلهما ثم أدخل)، وهنا: (فغسلهما ثلاث مرات)، وهناك: (ثم أدخل يمينه في الإناء)، وهنا: (في الوضوء)، وهناك: (فمضمض)، وهنا: (ثم تمضمض)، وهناك: (ثم غسل رجليه)، وهنا: (ثم غسل كل رجله)، وغيره من الروايات السابقة، والله تعالى أعلم؛ فافهم واحفظ.\n\n <span id=\"b-٢٩٩\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-299>[باب غسل الأعقاب]</span>\nهذا (باب غسل الأعقاب)؛ جمع عَقِب؛ بفتح العين، وكسر القاف؛ كيد: وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، ومثلها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إسباغها، ففي الحاكم من حديث عبد الله بن الحارث: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار»، ولهذا ذكر موضع الخاتم؛ لأنَّه قد لا يصل إليه الماء إذا كان ضيقًا بقوله: (وكان): الواو فيه للاستفتاح (ابن سيرين): محمد التابعي الجليل، وهذا التعليق أخرجه المؤلف موصولًا في «التاريخ»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند صحيح، و(ابنُ): مرفوع على أنَّه اسم (كان) (يغسل): هذا مضارع، و(كان) للماضي، فكيف اجتمعا؟\nأجيب: بأن (يغسل) للاستمرار أو لحكاية الحال الماضي على سبيل الاستحضار (موضع الخاتم) من إصبعه (إذا توضأ) يجوز في (إذا) أن تكون للشرط، وأن تكون للظرف، فـ (كان) جزاء الشرط إذا كان للشرط، وهو العامل فيه إذا كان للظرف، ويجوز أن يكون قوله: (يغسل)، والأول أوجه، وغسل موضعه يكون بنزعه وغسل موضعه، أو إدارته وتحريكه، ويدل للثاني ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن سيرين: أنَّه إذا توضأ؛ حرك خاتمه، وإسناده صحيح، وكذا عمرو بن دينار، وعروة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن عيينة، وأبو ثور يحركونه في الوضوء، ويدل للأول ما ذكره في «مصنف ابن أبي شيبة» أيضًا عن ميمون بن مهران: (وكان حماد يقول في الخاتم: أزِلْه)، وقد روى ابن ماجه حديثًا فيه ضعف عن أبي رافع: (كان النَّبيُّ الأعظم ﵇ إذا توضأ؛ حرك خاتمه)، قال البيهقي: والاعتماد في هذا الباب على الأثر عن علي الصديق الأصغر: أنَّه كان إذا توضأ؛ حرك خاتمه، ومذهب إمامنا المعظم الإمام الأعظم: أنَّه يجب تحريك الخاتم الضيق في المختار من الروايتين؛ لأنَّه يمنع وصول الماء ظاهرًا، كما في «إمداد الفتاح»، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنَّه لا يجب، كما في «الخانية»، وأمَّا تحريك الواسع؛ فتحريكه سنة أو مستحب؛ لأنَّه في معنى تخليل الأصابع، وذلك لأجل المبالغة في الغسل، والمعتبر في وصول الماء تحته غلبة الظن؛ لأنَّها في معنى اليقين، كما في «منهل الطلاب».\n\n <span id=\"b-٣٠٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-300>[حديث أبي هريرة: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم قال: ويل</span>..]\n١٦٥ - وبه قال: (حدثنا آدم بن أبي إِيَاس)؛ بكسر الهمزة، وتخفيف التحتية، وسقط لابن عساكر لفظ: (ابن أبي إياس) (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (قال: حدثنا محمد بن زِيَاد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية: هو الجمحي المدني","vol":"1","page":65},{"text":"أبو الحارث القرشي البصري مولى عثمان بن مظعون -بالظاء المعجمة-، التابعي الثقة (قال: سمعت أبا هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁ (وكان يمر بنا): جملة وقعت حالًا من مفعول (سمعت)، وهو أبا هريرة، والضمير في (كان) يرجع إليه وهو اسمه، و(يمر بنا): جملة محلها النصب على أنَّها خبر لـ (كان) (والناس): مبتدأ، خبره قوله: (يتوضؤون): والجملة حال من فاعل (كان)، وهو إمَّا من الأحوال المتداخلة، وإمَّا من الأحوال المترادفة (من المَِطهرة)؛ بكسر الميم وفتحها: الإداوة المعدة للتطهير، والفتح أعلى، جمعها مطاهر؛ وهي متخذة من جلد أو غيره، لكن الظاهر أنَّها إناء؛ فتأمل.\n (قال): وفي رواية: (فقال)؛ أي: أبو هريرة، وفي إعرابه وجهان؛ أحدهما: أنَّ وجه وجود الفاء أن تكون تفسيرية؛ لأنَّها تفسر (قال) المحذوفة بعد قوله: (أبا هريرة)؛ لأنَّ تقدير الكلام: سمعت أبا هريرة قال: وكان يمر بنا... إلى آخره؛ لأنَّ أبا هريرة مفعول (سمعت)، وشرط وقوع الذات مفعول فعل السماع أن يكون مقيدًا بالقول ونحوه؛ كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣]، والثاني: أن وجه عدم الفاء أن يكون (قال) حالًا من (أبي هريرة)؛ والتقدير: سمعت أبا هريرة حال كونه قائلًا: (أَسبغوا الوضوء)؛ بفتح الهمزة، من الإسباغ؛ وهو إبلاغه مواضعه، وإيفاء كل عضو حقه، والتركيب يدل على تمام الشيء وكماله؛ أي: أتموا وصفه، وكأنَّه رأى منهم تقصيرًا، أو خشي عليهم ذلك، وقال ابن عمر: الإسباغ: الإنقاء، وعلل أمرهم بإسباغ الوضوء بقوله: (فإنَّ)؛ بكسر الهمزة، والفاء للتعليل (أبا القاسم)؛ هو كنية النَّبيِّ الأعظم ﵇، وذكره بكنيته حسن، وأحسن منه ذكره بوصف الرسالة أو النُّبوة (ﷺ قال): جملة محلها الرفع خبر (إنَّ)، ومقول القول قوله: (ويل): واد في جهنم، كما فسره الحديث السابق (للأعقاب)؛ أي: لأصحابها المقصرين في غسلها (من النار): ويحتمل أن يكون على ظاهره، فيختص العذاب بها إذا قصر في غسلها، واللام في (الأعقاب) للجنس، فيشمل المرئية وغيرها.\nوفيه: دلالة إلى أنَّه يفترض تعاهد مواضع الوضوء، وأنَّه لو بقي لمعة لم يصبها الماء؛ فالوضوء باطل؛ لعموم الحديث، ففرض الرِّجلين الغسل؛ لهذا الحديث حيث توعد عليه بالنار -أعاذنا منها بفضله-، خلافًا للشيعة في زعمهم أن فرضها المسح، وخلافًا للمتصوفة في زعمهم أن الفرض التخيير بين الغسل والمسح، وكل ذلك باطل، والحق ما عليه أهل السنة والجماعة: أن فرضها الغسل، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٠١\"> </span>(٣٠) <span data-type=\"title\" id=toc-301>[باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين]</span>\nهذا (باب): جواز (غسل الرِّجلين): حال كونهما (في النعلين) وإن كان الأولى خلافه؛ لأنَّه إتلاف، ويحتمل أن المراد: أنَّه يغسل الرجلين في حال لبس النعلين خارجهما، وأراد بذلك دفع ما يتوهم أنَّهما كالخفين، ومن ثم قال: (ولا يمسح على النعلين)؛ أي: لعدم إجزائه، ولم يقل: عليهما مع أن المقام للإضمار؛ لئلا يتوهم عود الضمير على الرجلين، وجملة: (ولا يمسح): خبرية أو إنشائية، والأقرب الثاني؛ فتأمل.\n\n <span id=\"b-٣٠٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-302>[حديث عبيد بن جريج: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعًا]</span>\n١٦٦ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ أي: التنيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن سعيد المقبري)؛ بتثليث الموحدة، (عن عبيد بن جريج)؛ بالجيم، والتصغير فيهما: المدني التيمي، والجرج: وعاء يشبه الخرج، وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج-الفقيه المكي مولى بني أمية- نسب، وقد يظن أن هذا عمه، وليس كذلك، كما في «عمدة القاري»: (أنَّه قال لعبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄: (يا أبا عبد الرحمن)؛ بإثبات الهمزة، وحذفها تخفيفًا، وهي كنية عبد الله بن عمر (رأيتك تصنع): جملة من الفعل والفاعل في محل نصب على أنَّها مفعول ثان، ومفعول (تصنع) قوله: (أربعًا)؛ أي: خصالًا أربعًا، أو أربع خصال (لم أر أحدًا من أصحابنا): وفي رواية: (من أصحابك)، والمراد: أصحاب النَّبيِّ الأعظم ﵇ (يصنعها)؛ أي: يفعلها كلها مجتمعة وإن كان يصنع بعضها، أو المراد أكثرهم، لكن الظاهر انفراد ابن عمر بما ذكر دون غيره ممن رآهم عبيد، وقد يدل على هذا السياق؛ فتأمل.\n (فقال): وفي رواية: (قال)؛ أي: ابن عمر: (وما هي يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان)؛ أي: من أركان الكعبة الأربعة (إلَّا) الركنين (اليمانيين)؛ تثنية يمان؛ بتخفيف المثناة التحتية، هذا هو الفصيح، والنسبة إلى اليمن: رجل يمان، ويمني، ويماني، وقيل: يمان على غير قياس، والقياس: يمني، والألف عوض عن الياء التحتية؛ لأنَّه يدل عليه الياء، كما في «المغرب» وغيره، وبعضهم يقول: يمانيٌّ؛ بالتشديد، وقوم يمانون ويمانية، وسمِّيتْ اليمن يمنًا بيعرب، واسمه يمن بن قحطان بن عامر، وهو هود ﵇، فلذلك قيل: أرض يمن، وهو أول من قال الشعر ووزنه، كذا في «التيجان»، وفي «المعجم»: سُمِّي اليمن قبل أن تعرف الكعبة المشرفة؛ لأنَّه عن يمين الشمس، وقال بعضهم: سميت بذلك؛ لأنَّها عن يمين الكعبة، وقيل: سميت اليمن؛ ليمنه، وتمامه في «عمدة القاري»، قال: (واليمانِيَّيْن: الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقي؛ لكونه من جهة العراق، والذي قبله يماني؛ لأنَّه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان؛ تغليبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم ﵇، وإنما لم يقولوا: الأسودين على التغليب؛ لأنَّه لو قيل ذلك؛ ربما كان يشتبه على بعض العوام أنَّ في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهم الجاهل بخلاف اليمانيين) انتهى.\nثم قال ابن جريج لابن عمر: (ورأيتك تَلبَس)؛ بفتح المثناة الفوقية والموحدة (النِّعال)؛ بكسر النُّون (السِّبْتية)؛ بكسر السين المهملة، وسكون الموحدة، آخره مثناة فوقية، نسبة إلى سبت؛ وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، أو كل مدبوغ، أو المدبوغة وغير المدبوغة، وقيل: السِّبتية: التي لا شعر عليها، أو التي عليها الشعر، وقيل: المدبوغ بالسُّبت-بالضم-: نبت يدبغ به، وعليه فالسُّبتية؛ بالضم، وقال الهروي: قيل لها سبتية؛ لأنَّها انسبتت؛ أي: لانت بالدباغ، وقال الأزهري: سميت سبتية؛ لأنَّ شعرها قد سبت عليها؛ أي: حلق وأزيل، يقال: سبت رأسه؛ إذا حلقته، وقال الداودي: نسبته إلى سوق السبت، انتهى؛ وعليه فهي بفتح السين، وإنما اعترض ابن جريج على ابن عمر بلبسها؛ لأنَّها لباس أهل النعيم، وقد كانت الصحابة تلبس النعال بالشعر غير مدبوغة ﵃.\n (ورأيتك تصبغ)؛ بضم الموحدة، وفتحها، وكسرها؛ أي: شعرك أو ثوبك (بالصُّفرة)؛ بضم الصَّاد المهملة، وهذا شامل لصبغ الثياب، وصبغ الشعر، واختلف في المراد منهما؛ فقال القاضي عياض: الأظهر أن المراد صبغ الثياب؛ لأنَّه أخبر أنَّه ﵇ صبغ، ولم يقل: إنَّه صبغ شعره، قال في «عمدة القاري»: وقد جاءت آثار عن ابن عمر ﵄ بيَّن فيها أنَّه صفَّر لحيته، واحتج بأنَّه ﵇ كان يصفر لحيته بالورس (^١) والزعفران، أخرجه أبو داود، وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه به: بأنَّه ﵇\n_________\n(^١) في الأصل: (بالورث)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":65},{"text":"كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته، وكان أكثر الصحابة والتابعين يخضب بالصفرة، منهم أبو هريرة وآخرون، ويروى ذلك عن علي ﵁، كذا في «عمدة القاري».\n (ورأيتك إذا كنت بمكة؛ أهلَّ الناس)؛ من الإهلال: وهو رفع الصوت بالتلبية، وكل شيء ارتفع صوته؛ فقد استهل، يقال: أهلَّ بحجة أو عمرة، أو أحرم بها، وجرى على ألسنتهم؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يحجون إذا أهلَّ الهلال، وإهلال الهلال واستهلاله: رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، واستهلال الصبي: تصويته عند ولادته، وأهلَّ الهلال؛ إذا طلع، وأهلَّ واستهلَّ؛ إذا أبصر، وأهللته؛ إذا أبصرته (إذا رأوا الهلال)؛ أي: هلال ذي الحجة، (ولم): وللأصيلي: (فلم) (تهل أنت): وكان القياس فيما ذكر في الأفعال الثلاثة السابقة أن يقول هنا: رأيتك لم تهل... إلخ.\nوأجيب: بأنَّه محذوف، والمذكور دليل عليه، أو بأن الشرطية قائمة مقامه، كذا قاله الكرماني، واعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا السؤال لا وجه له هنا، وما وجه القياس الذي ذكره؟! انتهى.\nقال العجلوني: و(رأى) هنا وفيما مر من المواضع: بصرية أو علمية، وظاهر كلام «عمدة القاري»: أن (رأى) الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة بمعنى الإبصار فقط، وأمَّا (رأى) الخامسة (^١)؛ فإنَّه يحتمل أن يكون بمعنى الإبصار، وبمعنى العلم، انتهى.\nوهو الأظهر؛ فتأمل.\nو(كنت): يحتمل أن تكون تامة أو ناقصة، و(بمكة): ظرف لغو أو مستقر، و(إذا) في الموضعين: تحتمل أن تكونا ظرفيتين، وأن تكون الأولى شرطية، والثانية ظرفية، وبالعكس، و(أهلَّ الناس): إما حال أو جزاء (إذا) الأولى، و(إذا) الثانية مفسر له على مذهب الكوفيين، أو مفسر للجزاء الثاني على مذهب البصريين، كذا في «عمدة القاري» بزيادة: (حتى كان): يحتمل أنَّها تامة أو ناقصة، فإن كانت تامة؛ يكون (يومُ) مرفوعًا؛ لأنَّه اسم (كان)، وإن كانت ناقصة؛ يكون (يوم) خبر (كان) (التروية): وهو يوم الثامن من ذي الحجة، واختلف في سبب تسميته بذلك، إمَّا لأنَّ جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم ﵇ أول المناسك، أو لأنَّ الناس يروون من الماء من زمزم؛ لأنَّه لم يكن بمنى ماء، ولا بعرفة ماء، أو لأنَّه اليوم الذي رأى فيه آدم حواء ﵉، وعن ابن عباس: (لأن إبراهيم أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتروى في نفسه، من الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة؛ أتاه الوحي فعرف أنَّه الحق من ربه، فسميت عرفة)، رواه البيهقي، وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أنَّ إبراهيم ﵇ لما ابتلي بذبح ابنه؛ أتاه جبريل ﵇ فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأنَّ جبريل قال لإبراهيم ﵉: هل عرفت؟ قال: نعم، فمن ثم سميت عرفة، كذا في «عمدة القاري».\n (قال عبد الله)؛ أي: ابن عمر ﵄ مجيبًا لابن جريج: (أمَّا): للتفصيل (الأركان)؛ أي: الأربعة؛ (فإنِّي لم أر رسول الله ﷺ يمس)؛ من مِست أمَس؛ بكسر الماضي، وفتح المستقبل، مسًّا ومسيسًا، وهو ما اختاره ثعلب وغيره، وحكى غيره: مِسسته؛ بالكسر، ومَسست؛ بالفتح، وبالكسر أفصح، وعن ابن جني: أمسه إياه، فعدَّاه إلى مفعولين، وعن ابن درستويه: إنَّ مَسست بالفتح خطأ مما يلحن فيه العامة؛ فتأمل.\n (إلَّا) الركنين (اليمانيين): واتفق الفقهاء على أن الركنين الشاميين -وهما مقابلا اليمانيين- لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة، وبعض التابعين، ثم ذهب الخلاف، وتخصيص الركنين اليمانيين بالاستلام؛ لأنَّهما كانا على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الركنين الآخرين؛ لأنَّهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵇، ولمَّا ردهما عبد الله بن الزبير ﵄ على قواعد إبراهيم ﵇؛ استلمهما أيضًا، ولو بني كذلك؛ لاستلمت كلها ابتداء، به صرح القاضي عياض، وركن الحجر الأسود خُصَّ بشيئين: الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خُصَّ بالاستلام فقط، والآخران لا يقبَّلان ولا يستلمان، وكان بعض الصحابة والتابعين ﵃ يمسحهما على وجه الاستحباب، وقال ابن عبد البر: روي عن جابر، وأنس، وابن الزبير، والحسن، والحسين ﵃: أنَّهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثله، واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك؛ فقال أحدهما: ليس بشيء من البيت مهجورًا، والصحيح عن ابن عباس أنَّه كان يقول: إلَّا الركن الأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين، ولمَّا رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر؛ سأله عن ذلك؛ فليحفظ.\n (وأما النِّعال)؛ بكسر النُّون (السِّبْتية؛ فإنِّي رأيت رسول الله ﷺ يَلبَس)؛ بفتح التحتية والموحدة (^٢) (النِّعال): وفي رواية: (النَّعل)؛ بالإفراد، وزيادة: (السِّبْتية) (التي ليس فيها): التأنيث على رواية (النعال) -بالجمع- واضح، وكذا على رواية الإفراد؛ لأنَّ النعل مؤنثة (شعَر)؛ بفتح العين المهملة على الأفصح، قال أبو عمر: لا أعلم خلافًا في جواز لبس النعال في غير المقابر؛ لقوله ﵇ لذلك الماشي في المقابر: «ألق سبتك»، وقال قوم: يجوز ذلك ولو كان في المقابر؛ لقوله ﵇: «إذا وقع الميت في قبره؛ إنَّه ليسمع قرع نعالهم»، وقال الحكيم الترمذي: (إنَّه ﵇ إنَّما قال لذلك الرجل: «ألق سبتك»؛ لأنَّ الميت كان يُسأل، فلما صرَّ نعل ذلك الرجل؛ شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله تعالى) انتهى.\n (ويتوضأ فيها)؛ أي: في النِّعال (فأنا) وفي رواية: (فإنِّي) (أحب أن ألبسها)، ففيه تصريح بأنَّه ﵇ كان يغسل رجليه وهما في نعليه، وهذا موضع المطابقة للترجمة؛ لأنَّ قوله: (فيها)؛ أي: في النعال ظرف لقوله: (يتوضأ)، قال ابن حجر: وبهذا يرد على من زعم ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك، وإنما هو من قوله: (يتوضأ فيها)؛ لأنَّ الأصل في الوضوء الغسل.\nقال في «عمدة القاري»: قلت: ما يريد هذا من التصريح أقوى من هذا، وقوله: (ولأنَّه فيها) يدل على الغسل، ولو أريد المسح؛ لقال: عليها، وهذا التعليل يرد عليه.\nوقوله: (وليس في الحديث...) إلخ: وهذا من العجائب؛ حيث ادعى عدم التصريح، ثم أقام دليلًا على التصريح بذلك، وقد أشار المؤلف في الترجمة بقوله: (ولا يمسح على النعلين) إلى نفي ما ورد عن عليٍّ وغيره من الصحابة ﵃: أنَّهم كانوا يمسحون على نعالهم، ثم يصلون، وروي ذلك في حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة في الوضوء، لكن ضعَّفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، وروي عن ابن عمر: (أنَّه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه؛ مسح ظهور نعليه بيديه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا)، أخرجه الحافظ الطحاوي والبزار، وروي في حديث رواه علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمِّه رفاعة بن رافع: أنَّه كان جالسًا عند النبي الأعظم ﵇، وفيه: (ومسح برأسه ورجليه)، أخرجه الحافظ الطحاوي والطبراني في «الكبير»، والجواب عن حديث ابن عمر: أنَّه كان في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه، وعن حديث رفاعة: أنَّ المراد به أنَّه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وأجاب بعضهم بأنَّهم مسحوا عليها مع غسل أرجلهم فيها.\nقلت: وهو بعيد؛ إذ ما فائدة مسحهم عليها مع غسل أرجلهم، والمناسب أن يقال في الجواب: بأنَّهم\n_________\n(^١) في الأصل: (الخامس)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (والنون)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":66},{"text":"غسلوا أرجلهم غسلًا خفيفًا، فأطلق عليه مسحًا لذلك، وسمى الأرجل نعالًا من تسمية المحل باسم الحالِّ فيه، أو أن المراد بالنعلين: الخفاف، كما قلنا، واستدل الحافظ الطحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أن الخفين إذا تخرقا حتى يبدوا القدمان أن المسح لا يجزئ عليهما، قال: فكذلك النعلان؛ لأنَّهما يغيبان القدمين، قال ابن حجر: هذا استدلال صحيح، ولكنه منازع في نقل الإجماع المذكور، انتهى.\nثم ذكر خلاف الشيعة وبعض الصحابة والتابعين في جواز المسح على الرِّجلين، وذكر ما للعلماء في تأويل قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقدمناه مفصلًا.\nوأقول: هذا لا يدل على خلاف في جواز مسح النعلين باقيين على معناهما الحقيقي والكلام فيه حتى يرد على الحافظ الطحاوي، وإنما يدل على خلاف في مسح الرجلين وليس الكلام فيه، ثم رأيت الشيخ الإمام بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري» نظر فيه بوجه آخر؛ حيث قال: (قلت: هذا غير منازع فيه؛ لأنَّ مذهب الجمهور: أن مخالفة الأقل لا تضر الإجماع، ولا يشترط فيه عدد التواتر عند الجمهور، وروى الحافظ الطحاوي عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: أَبلغك عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه مسح على القدمين؟ قال: لا) انتهى كلامه، والله تعالى أعلم.\n (وأمَّا الصُّفرة؛ فإنِّي رأيت رسول الله ﷺ يصْبغ بها)؛ من الصباغ، ويروى: (يصنع)؛ بالمهملة، والأظهر: أنَّه بالمعجمة، وبالمهملة تصحيف، (فأنا أحب أن أصبغ بها)، يحتمل صبغ ثيابه أو شعره كما تقدم، (وأمَّا الإهلال)؛ أي: بالحج أوالعمرة؛ (فإنِّي رأيت رسول الله ﷺ يُهل) بضم التحتية (حتى تنبعث) أي: تسير (به راحلته)؛ أي: تستوي قائمة إلى طريقه، وهو كناية عن ابتداء شروعه في أفعال الحج، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، واختلف في حكم الإهلال؛ فعند البعض: الأفضل أن يُهل من أول يوم من ذي الحجة، وعند مالك: الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه: إنَّه يحرم عقب الصلاة جالسًا قبل ركوب دابته وقبل قيامه؛ لما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: يا أبا العباس؛ عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب، قال: إنِّي لأعلم الناس بذلك؛ إنها إنَّما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا، خَرَجَ رسول الله ﷺ حاجًّا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه؛ أوجبه (^١) في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلمَّا استقلت به ناقته؛ أهلَّ وأدرك ذلك منه أقوام؛ لأنَّ الناس إنَّما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنَّما أهلَّ ﵇ حين استقلت به ناقته، ثم مضى ﵇، فلمَّا علا على شرف البيداء؛ أهلَّ وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنَّما أهلَّ حين علا شرف البيداء، قال سعد: فمن أخذ بقول ابن عباس؛ أهلَّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه، وأخرجه الحاكم في «مستدركه» قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب، وأخرجه الحافظ الطحاوي، ثم قال: وبيَّن ﵇ الوجه الذي جاء الاختلاف، وأن إهلاله ﵇ الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، فينبغي للرجل إذا أراد الإحرام؛ أن يصلي ركعتين، ثم يحرم في دبرهما كما فعل ﵇، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، ولا نسلِّم أنَّ إحرامه ﵇ من البيداء يدل على استحباب ذلك، وأنَّه فضيلة؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك لا لقصد أن للإحرام منها فضيلة على الإحرام من غيرها، وقد فعله ﵇ في حجته في مواضع لا لفعل (^٢) قصده؛ من ذلك: نزوله بالمحصب، وروى عطاء عن ابن عباس قال: ليس المحصب بشيء، إنَّما هو منزل رسول الله ﵇، فلما حصب ﵇ ولم يكن ذلك لأنَّه سنة؛ فكذلك يجوز أن يكون إحرامه من البيداء كذلك، وأنكر الزهري، وعبد الملك بن جريج، وعبد الله بن وهب أن يكون ﵇ أحرم من البيداء، وقالوا: ما أحرم إلَّا من المسجد، ورووا في ذلك ما روى مالك عن موسى بن عقبة، عن (^٣) سالم، عن أبيه أنَّه قال: بيداؤكم (^٤) هذه التي تكذبون على رسول الله ﵇ [أنه أهل] منها، ما أهلَّ ﵇ إلا من عند المسجد؛ يعني: مسجد ذي الحليفة، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأخرجه الترمذي أيضًا، وأخرج الترمذي أيضًا وحسنه: أنَّه ﵇ أهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه.\nفإن قلت: كيف يجوز لابن عمر أن يطلق الكذب على الصحابة؟\nقلت: الكذب يجيء بمعنى الخطأ؛ لأنَّه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، افترقا من حيث النية والقصد؛ لأنَّ الكاذب يعلم أن الذي يقول كذب، والمخطئ لا يعلم، ولا يظن به أنَّه (^٥) كان ينسب الصحابة إلى الكذب.\nقال الحافظ الطحاوي: فلمَّا جاء هذا الاختلاف؛ بيَّن ابن عباس الوجه الذي جاء فيه الاختلاف كما ذكرنا، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٣٠٣\"> </span>(٣١) <span data-type=\"title\" id=toc-303>[باب التيمن في الوضوء والغسل]</span>\nهذا (باب التيمن)؛ أي: استحباب الابتداء باليمين (في الوضوء والغُسل)؛ بضم الغين المعجمة، اسم للفعل، أوبفتحها مصدرًا على المشهور فيهما، وقيل: (الغُسل)؛ بالضم: الماء، وبالضم والفتح في المصدر، وقيل: المصدر بالفتح، والأغسال؛ كالجمعة؛ بالضم، أمَّا بالكسر؛ فما يغسل به؛ كالخطمي ونحوه.\n\n <span id=\"b-٣٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-304>[حديث: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها]</span>\n١٦٧ - وبه قال: (حدثنا مسدد): هو ابن مسرهد (قال: حدثنا إسماعيل): هو ابن علية؛ بالتصغير (قال: حدثنا خالد)؛ أي: الحذاء؛ بالذال المعجمة، (عن حفصة بنت سيرين)، تكنى أم الهذيل الأنصارية البصرية الفقيهة أخت محمد بن سيرين، المتوفاة في حدود المئة عن سبعين سنة، (عن أم عطية) بنت كعب أو بنت الحارث، واسمها نُسَيبة؛ بضم النُّون، وفتح الموحدة، قبلها مثناة تحتية ساكنة، آخره هاء، وحكي: فتح النُّون مع كسر السين المهملة، ولها صحبة ورواية، تعد في أهل البصرة، وكانت تغسل الموتى، وتمرِّض المرضى، وتداوي الجرحى، وتغزو مع النبي الأعظم ﵇، غزت معه سبع غزوات، وشهدت خيبر، وكان علي ﵁ يقيل عندها، وكانت تنتف إبطه بورسة (قالت: قال رسول الله ﷺ لهن)؛ أي: لأم عطية ومن معها (في) صفة (غسل ابنته) زينب ﵂، كما في «مسلم»، ماتت في السنة الثانية، ونقل عياض أنَّها أم كلثوم زوج عثمان بن عفان، غسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب، وشهدت أم عطية غسلها، قال: والصواب: أنَّها زينب، وقد يجمع بينهما بأنَّها غسلت زينب، وحضرت غسل أم كلثوم، وذكر المنذري: أنَّ أم كلثوم توفِّيت والنبي ﵇ ببدر غائب، وقد غلط في ذلك فتلك رقيَّة، ولمَّا دفن أم كلثوم؛ قال ﵇: «دفن البنات من المكرمات»، كذا في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: (أوجه)، وهو تحريف.\n (^٢) كذا في الأصل، ولعل المراد: (لا لفضل).\n (^٣) في الأصل: (بن)، وهو تحريف.\n (^٤) في الأصل: (ببيداء ولم).\n (^٥) في الأصل: (أن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":66},{"text":"وقوله: (ابدأْن)؛ بسكون الهمزة، من ابتدأ، أمر لجمع المؤنث (بميامنها) (^١): جمع ميمنة؛ وهي الجهة اليمنى، (ومواضع الوضوء منها)؛ ففيه المطابقة للترجمة؛ لأنَّ التقدير: ابدأن بميامنها؛ أي: في تغسيلها، وابدأن بميامن مواضع الوضوء منها؛ بناء على جواز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، أو لأنَّ التقدير: ابدأن بميامنها مطلقًا؛ أي: في الغسل والوضوء، وعليه فقوله: (ومواضع) عطف على (ميامنها) فيكنَّ مأمورات بالبداءة بالميامن مطلقًا، وبالبداءة بمواضع الوضوء مطلقًا؛ لشرفها، أو في الوضوء؛ لأنَّه يسن تقديمه على الغسل عند الأئمة الأربعة، وأمَّا ما نقله النووي عن الإمام الأعظم من عدم استحبابه؛ فغير صحيح؛ لأنَّ كتب مذهبه طافحة بالتصريح بالسنيَّة، وقد صرح به الإمام المرغيناني في «الهداية»، والإمام القدوري في «مختصره»، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٣٠٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-305>[حديث عائشة: كان النبي يعجبه التيمن في تنعله]</span>\n١٦٨ - وبه قال: (حدثنا حَفص بن عُمر)؛ بفتح الحاء المهملة، وبضم العين المهملة: الخوصي البصري، المتوفى بالبصرة سنة خمس وعشرين ومئتين (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (أشْعَث)؛ بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح العين المهملة، آخره ثاء مثلثة (بن سليم)؛ بالتصغير، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئة (قال: سمعت أبي)؛ أي: سليم المذكور بن الأسود المحاربي؛ بضم الميم، الكوفي أبو الشعثاء، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة اثنتين ومئة، (عن مسْروق)؛ بسكون السين المهملة: ابن الأجدع الكوفي أسلم قبل وفاة النبي الأعظم ﵇، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكانت عائشة ﵂ قد تبنَّت مسروقًا فسمى ابنته عائشة، فكني بأبي عائشة، (عن عائشة): أم المؤمنين ﵂ أنَّها (قالت: كان النبي) الأعظم (ﷺ يُعجبه)؛ بضم التحتية، من الإعجاب، يقال: أعجبني هذا الشيء لحسنه، والعجيب: الأمر الذي يتعجب منه، وبمعناه: استعجبت، والمصدر: العَجَب؛ بفتحتين، وأمَّا العُجْب؛ بضم العين، وسكون الجيم؛ فهو اسم من أعجب فلان بنفسه، فهو معجَب -بفتح الجيم- برأيه وبنفسه، وأمَّا العَجْب؛ بفتح العين، وسكون الجيم، فهو أصل الذنب (التيمُّنُ)؛ بتشديد الميم المضمومة، بالرفع على الفاعلية؛ وهو الأخذ باليمين في الأشياء؛ أي: الابتداء باليمين؛ لأنَّه يحب الفأل الحسن؛ أن أصحاب اليمين أهل الجنة، وزاد المؤلف في (الصلاة): (ما استطاع)، فنبَّه على المحافظة عليه ما لم يمنع مانع، والتيمن: لفظ مشترك بين الابتداء باليمين وتعاطي الشيء باليمين والتبرُّك، فبيَّن حديث أم عطية أنَّ المراد به الأول، والجملة من الفعل والفاعل محلها النصب على أنَّه خبر (كان) (في تَنَعُّله)؛ أي: في لبسه النعل؛ وهي التي تلبس في المشي، وهي مؤنثة، يقال: نعلت وانتعلت؛ إذا لبست النعل، وانتعلت الخيل؛ بالهمزة، وبه الحديث: (أنَّ غسان تنعل خيلها)، وفي الروايات كلها: (في تَنَعُّله)؛ بفتح الفوقية والنُّون، وتشديد العين، وكذا ذكره الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابيهما «الجمع بين الصحيحين»، وفي رواية مسلم: (في نعله)؛ بالإفراد، وفي بعض الروايات: (نعليه)؛ بالتثنية، قال النووي: (وهما صحيحان، ولم ير في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين)، قلت: الروايات كلها صحيحة؛ فافهم، كذا في «عمدة القاري»، والجار والمجرور في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب في (يعجبه)؛ والتقدير: كان يعجبه التيمن حال كونه لابسًا النعل، ويجوز أن يكون من التيمن؛ أي: يعجبه التيمن حال كون التيمن في تنعله، ويجوز أن يكون ظرفًا لغوًا للتيمن؛ فتأمل.\n (و) في (ترجُّله)؛ بتشديد الجيم المضمومة؛ أي: في تمشيطه الشعر؛ وهو تسريحه، وهو أعم من أن يكون في الرأس أو في اللحية، وقال ابن حجر: (أي: ترجيل شعره؛ وهو تسريحه ودهنه)، قال في «المشارق»: (رجَّل شعره؛ إذا مشطه بماء أو دهن؛ ليلين، ويرسل الثائر، ويمد المنقبض) انتهى، لكن في «المغرب»: (رجَّل شعره؛ أرسله بالمرجل؛ وهو المشط، وترجَّل: فعل ذلك بنفسه)، ويقال: شعر رَجَل ورَجِل؛ وهو السبوطة والجعودة، وقد رَجِل رَجَلًا، ورَجَّله هو، ورجُل رَجِل الشعر ورَجَلَ، وجمعهما: أرْجال، ورَجَال، ذكره ابن سيده في «المحكم»، وذكر نحوه في «الصحاح»، و«القاموس»، وغيرها، واللفظ لا يدل على الدهن، فما فسره في «المشارق» وتبعه ابن حجر؛ مبني على العادة النادرة التي لا حكم لها لا اللغة، وكأنهما لم يفرقا بين العادة واللغة، أو هو قول شاذ لبعض أهل اللغة؛ لأنَّ كتب اللغة المشهورة لم تصرح بذلك، وهذا دأب ابن حجر يعتمد على الأقوال الشاذة في اللغة والمذاهب، كما بين ذلك في «كشف الحجاب عن العوام».\n (وفي طُهوره): زاد أبو داود: (وسواكه)، و(طُهوره)؛ بضم الطاء؛ لأنَّ المراد: وفي طهره، وقال الكرماني: ولا يجوز فتحها هنا، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا نسلِّم هذا على الإطلاق؛ لأنَّ الخليل، والأصمعي، وأبا حاتم السجستاني، والأزهري، وآخرين قد ذهبوا إلى أن (الطَّهور) بالفتح في الفعل الذي هو المصدر، والماء الذي يتطهر به، وقال صاحب «المطالع»: وحُكِي الضم فيهما، والفرق المذكور ذكره ابن الأنباري عن جماعة من أهل اللغة، فإذا كان كذلك؛ فقول الكرماني: (ولا يجوز فتحها)؛ غير صحيح على الإطلاق، انتهى.\nواعتراض صاحب «عمدة القاري» على الكرماني صحيح لا غبار عليه؛ لأنَّ جميع نسخ شرح «الكرماني» هكذا كما علمت، وقال بعضهم: بل في «شرح الكرماني» أنَّه قال: (ولا يجوز فتحها هنا) على ما تقدم من الفرق بينهما على ما هو المشهور، انتهى، قلت: وهذه زيادة من بعض المطلعين على الشرح المذكور لا من أصل المؤلف، وأن أصل الشرح ما ذكره صاحب «عمدة القاري» وهي النسخ المقابلة على أصل المؤلف وعليها خطوط بعض العلماء، فثبت أن هذه الزيادة من غير المؤلف، والاعتراض باق على حاله؛ فليحفظ.\nوفي رواية ابن منده: (كان يحب التيامن في الوضوء والانتعال)، وفيه المطابقة للترجمة؛ لأنَّ الطهور يشمل الوضوء، والغسل، والتيمم، والتخفف، فتسحب البداءة بالجهة اليمنى في الغسل، وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا توضأتم؛ فابدؤوا بميامنكم»، وفي أكثر طرقه: (بأيامنكم)، جمع أيمن؛ إذا لبستم وإذا توضأتم، والأمر فيه للاستحباب، فإن قدَّم اليسرى على اليمنى؛ كره تنزيهًا، ووضوءُه صحيح بإجماع أهل السنة.\nوروينا عن علي، وأبي هريرة، وابن مسعود ﵃ أنهم قالوا: لا يُبَالَى بأيٍّ بدأت، وزعم الشيعة أنَّه واجب، وما نقله المرتضى عن الشافعي: من أنَّه واجب؛ فغلط، وكأنَّه قاسه على وجوب الترتيب عنده.\nوقد صحَّف العمراني في «البيان»، والبندنجي في «التجريد» (الشيعة)؛ بالمعجمة بـ (السبعة) من العدد في نسبتهما القول بالوجوب إلى الفقهاء السبعة، فهو بعيد جدًّا وواه، ووهم الرافعي فنقل عن أحمد: أنَّه واجب؛ لأنَّ صاحب «المغني» قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا، وأمَّا الأذنان والخدان؛ فلا يستحب التيامن فيها؛ لأنَّ الأذنين تبع للرأس، وهو عضو واحد، والخدين تبع للوجه، وهو عضو واحد، بل يستحب المعية فيهما، كما قدمناه، فإن كان أقطع ونحوه ولا يمكنه مسحهما معًا؛ فيستحب له أن يبدأ بالأذن اليمنى ثم باليسرى، وكذا يستحب أن يبدأ بالخد الأيمن ثم بالأيسر، كذا يستفاد من «السراج الوهاج» كما نقله في «منهل الطلاب».\nوفي الحديث: استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن\n_________\n(^١) (بميامنها): جاء في الأصل بعد قوله: (من ابتدأ).","vol":"1","page":67},{"text":"في الترجل والغسل والحلق، لا يقال: إنه من باب الإزالة فينبغي أن يبدأ بالأيسر؛ لأنَّا نقول: هو من باب التجمل والتزين.\n (و) كذا كان ﵇ يعجبه التيمن (في شأنه كلِّه): كذا في رواية أبي الوقت: (وفي)؛ بواو العطف، وهو من عطف العام على الخاص، ولغيره: (في شأنه)؛ بإسقاطها، وهي رواية الأكثرين بحذف العاطف، أو هو بدل اشتمال من الثلاثة قبله، والشرط في بدل الاشتمال أن يكون المبدل منه مشتملًا على الثاني؛ أي: متقاضيًا له بوجه ما، وهنا كذلك، كما لا يخفى، وإذا لم يكن المبدل منه مشتملًا على الثاني؛ يكون بدل الغلط، وقد يقع في الكلام الفصيح قليلًا، فلا ينافي البلاغة، أو هو بدل كلٍّ من كلٍّ، كما نقله ابن حجر عن الطيبي، وعبارته: قوله: (في شأنه) بدل من قوله: (في تنعُّله) بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التنعُّل؛ لتعلقه بالرجل، والترجُّل؛ لتعلقه بالرأس، والطهور؛ لكونه مفتاح العبادة، فكأنه نبه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثم قال ابن حجر: قلت: ووقع في رواية مسلم تقديم قوله: (في شأنه كله) على قوله: (في تنعله...) إلخ، وعليها شرح الطيبي، واعترضه في «عمدة القاري»: بأن كلام الطيبي ليس هو على رواية المؤلف بل على رواية مسلم، ولفظها: (كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كلِّه؛ في طهوره، وترجُّله، وتنعله)، فقال الطيبي في شرحه لذلك: قوله: (في طهوره، وترجُّله، وتنعله) بدل من قوله: (في شأنه) بإعادة العامل، فكأن ابن حجر لم يفهم مراد الطيبي، ولم يعلم المتن، فظن أن كلام الطيبي في الرواية التي فيها ذكر الشأن متأخرًا كرواية المؤلف هنا، فركب متن عمياء وخبط خبط عشواء؛ فتأمل، وهو بدل كل من بعض؛ كقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا*جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [مريم: ٦٠ - ٦١]، وكقول الشاعر:\nنضر الله أعظمًا دفنوها... بسجستان طلحة الطلحات\nأو يقدَّر لفظ: يعجبه التيمن، فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلق بـ (يعجبه) لا بـ (التيمن)؛ والتقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التيمن في تنعله... إلخ؛ أي: لا يترك ذلك في سفر، ولا حضر، ولا في فراغه، واشتغاله، قاله ابن حجر والكرماني، واعترضهما في «عمدة القاري»: بأنَّه يلزم من ذلك أن يكون إعجابه التيمن في هذه الثلاثة مخصوصة في حالاته كلها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التيمن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشأن بمؤكِّد، والشأن: بمعنى الحال؛ والمعنى: يعجبه التيمن في جميع حالاته؛ فافهم.\nوتأكيد الشأن بقوله: (كلِّه) يدل على العموم، فيدخل فيه نحو لبس الثياب، والسراويل، والخفاف، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام، وميمنة المسجد، والأكل، والشرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، واللحية، ونتف الإبط، وحلق الرأس والعانة، والخروج من الخلاء والحمام، وغير ذلك مما في معناه إلا ما خص بدليل خارجي؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثياب، والسراويل، وغير ذلك، وإنَّما استحب فيها التياسر؛ لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التكريم والتزين؛ فباليمين، وإلا؛ فباليسار، ولا يقال: حلق الرأس من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر؛ لأنَّه من باب التزين، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٣٠٦\"> </span>(٣٢) <span data-type=\"title\" id=toc-306>[باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة]</span>\nهذا (باب التماس الوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: طلب الماء لأجل الوُضوء؛ بالضم (إذا حانت) بالحاء المهملة (الصلاة)؛ أي: قرب وقتها الذي تُفْعَل فيه، يقال: حان الشيء؛ أي: قرب وقته، أو آنت، يقال: حان له أن يفعل كذا؛ أي: آن، وأراد المؤلف بهذه الترجمة الاستدلال على أنَّه لا يجب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأنَّه ﵇ لم ينكر عليهم التأخير، فدلَّ على الجواز.\n (وقالت عائشة) ﵂، مما أخرجه المؤلف من حديثها في ضياع عقدها في مواضع؛ منها (التيمم): (حضرت الصبح)؛ أي: صلاتها، والقياس: حضر الصبح؛ لأنَّه مذكر، والتأنيث باعتبار صلاة الصبح، (فالتُمِس)؛ بضم المثناة الفوقية على صيغة المجهول؛ أي: طلب (الماءُ)؛ بالرفع مفعول نائب عن الفاعل، (فلم يوجد) وفي رواية: (فالتمسوا الماءَ-بالجمع والنصب على المفعولية- فلم يجدوه)؛ بالجمع، (فنزل التيمم)؛ أي: فنزلت آية التيمم، وإسناد النزول إلى التيمم مجاز عقلي، كما في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح، فما وقع في «القسطلاني» من قوله: (وإسناد التيمم إلى النزول مجاز عقلي) خطأ ظاهر؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٠٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-307>[حديث: رأيت رسول الله وحانت صلاة العصر فالتمس]</span>\n١٦٩ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) واسمه زيد بن سهل الأنصاري، (عن أنس بن مالك) خادم النبي الأعظم ﵇ الأنصاري ﵁ أنَّه (قال: رأيت)؛ أي: بصرت، فلذا اقتصر على مفعول واحد (النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)، وجملة (وحانت)؛ بالمهملة؛ أي: قربت، وفي رواية بإسقاط الواو (صلاة العصر)؛ أي: وقتها: حالية بتقدير (قد) عند البصريين، فالواو للحال، وزاد قتادة: (وهو بالزوراء)، وهو سوق بالمدينة كما يأتي للمؤلف، (فالتمس) أي: طلب (الناس الوَضوء)؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به (فلم يجدوه) وفي رواية: (فلم يجدوا)؛ بدون الضمير المنصوب، وهو من الوجدان بمعنى الإصابة؛ أي: فلم يصيبوا الماء، (فأُتي)؛ بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: (فأتوا)، قال في «عمدة القاري»: (والصحيح من الرواية: «فأُتي»؛ بصيغة المجهول) انتهى (رسول الله ﷺ بوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: بإناء فيه الماء الذي يتوضأ به، ولا ينافي ما سبق من أنَّهم لم يجدوا ماء؛ لأنَّ المنفيَّ وجوده لهم، أو لأنَّهم طلبوه بعد ذلك فوجدوه له ﵇، وقدَّمنا أنَّه كان ذلك في سوق بالمدينة يسمى الزوراء، ورواه ابن المبارك بلفظ: (فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير، فصغر أن يبسط النبيُّ ﵇ فيه كفه، فضم أصابعه)، وروى المهلب: (أنَّه كان مقدار وَضوء رجل واحد)، ورواه المؤلف في باب (الغسل في المخضب) بلفظ: (فأُتي رسول الله ﷺ بمخضب فيه ماء، فصغر أن يبسط فيه كفه)، (فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: يده اليمنى بعد أن ضمَّ أصابعه؛ لصغر الإناء كما سبق، والإشارة إلى الإناء المعبر عنه بالوَضوء بالفتح؛ لأنَّ الماء لا بدَّ له من إناء؛ فافهم.\n (وأمر) النبي الأعظم ﵇ (الناس أن)؛ أي: بأن (يتوضؤوا) فـ (أن) مصدرية؛ أي: بالتوضؤ (منه)؛ أي: من ذلك الإناء، فضمير (يتوضؤوا) يعود على (الناس)، وكانوا خمس عشرة مئة، وفي بعض الروايات: ثمان مئة، وفي بعضها: زهاء ثلاث مئة، وفي بعضها: ثمانين، وفي بعضها: سبعين، (قال)؛ أي: أنس كما صرح به في رواية: (فرأيت) أي: أبصرت (الماء)، وجملة (يَنبع)؛ بفتح التحتية، وتثليث الموحدة؛ أي: يخرج، محلها نصب على الحال، وقد علم أنَّ الجملة الفعلية إذا وقعت حالًا؛ تأتي بلا واو إذا كان فعلها مضارعًا، وإنما لا يجوز أن تكون الجملة مفعولًا ثانيًا لـ (رأيت)؛ لأنَّ (رأيت) هنا بمعنى أبصرت، فلا تقتضي إلَّا مفعولًا واحدًا كما سبق نظيره؛ فافهم، (من تحت) وفي رواية: (ينفجر من أصابعه كأمثال العيون)، وفي رواية: (يفور من بين) (أصابعه) ﵇ كلها كما يفيده الإطلاق، لكن في رواية: (سكب ماء ركوة، ووضع إصبعه وبسطها، وغمسها في الماء)، فهي تدل على أن النبع كان من إصبع واحدة، وقد يقال: أطلق البعض وأراد الكل لاستلزام وضع","vol":"1","page":67},{"text":"الإصبع الواحدة لجميع الأصابع كما في أكثر الروايات، أو يحمل على تعدد القصة؛ لأنَّه ﵇ وقع له هذا الأمر في مواطن كثيرة؛ فتأمل.\nفتوضؤوا (حتى توضؤوا من عند آخرهم)؛ أي: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم؛ لأنَّ السياق يقتضي العموم والمبالغة؛ لأنَّ (عند) هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى (في)، فكأنَّه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم، وأنس ﵁ داخل في عموم لفظ (الناس)، ولكن الأصوليين اختلفوا في أن المخاطِب -بكسر الطاء- داخل في عموم متعلق خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا أم غير داخل؟ والجمهور: على أنه داخل، كذا قرره في «عمدة القاري»، ثم قال: و(حتى) هنا حرف ابتداء، وهو كناية عن توضؤ جميعهم حتى أنس كما مر؛ يعنيتُبتدَأ بعده الجملة المستأنفة وهي اسمية وفعلية، فالفعلية يكون فعلها ماضيًا ومضارعًا؛ نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، و«حتى توضؤوا»، ونحو: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] في قراءة نافع، و(من) للغاية وهو الغالب عليها حتى ادَّعى قوم أنَّ سائر معانيها راجعة إليها، وزعم الكرماني: أنَّ (من) للبيان، وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه إنَّما تكون (من) للبيان إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبهام هنا على أنَّ (من) التي للبيان كثيرًا ما يقع بعد (^١) (ما) و(مهما) (^٢)؛ لإفراط إبهامهما؛ نحو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، و﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، ومع هذا أنكر قوم مجيء (من) للبيان، انتهى.\nوتعقَّبه العجلوني، فقال: (وقد يقال: في ضمير «توضؤوا» إبهام، فيصح البيان) انتهى.\nقلت: وهو مردود؛ لأنَّ الجماعة الحاضرين يومئذ كلهم معلومون معروفون للنبي الأعظم ﵇ الدَّال عليهم ضمير (توضؤوا)، فلا إبهام أصلًا على أنه قد سبق أن عددهم معلوم على اختلاف الروايات، فمن أين جاء الإبهام؟! ولا يقول ذلك إلا من أحاط به الوهم والأوهام.\nونبع الماء من بين أصابعه ﵇ أعظم معجزة مما أوتيه موسى ﵇ حين ضرب بعصاه الحجر في الأرض؛ لأنَّ الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع؛ لأنَّها من لحم ودم، فلم يعهد من غيره ﵇، وهذه القضية -كما قاله عياض- رواها الثقات من العدد الكثيرعن الجم الغفير عن الكافَّة متصلًا عمن حدَّث بها من جملة الصحابة، وإخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين، ومجمع العساكر، ولم يُرْوَ عن أحد من الصحابة مخالفة الراوي فيما رواه، ولا إنكار عما ذكر عنهم أنَّهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق منهم؛ لأنَّهم المنزهون عن السكوت على الباطل والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، فهذا النوع كله ملحق بالقطعي من معجزاته ﵇، وبهذا يرد على ابن بطال؛ حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة إلا أنَّه لم يرو إلَّا من طريق أنس، وذلك -والله أعلم- لطول عمره، ويطلب الناس العلو في السند، انتهى فافهم.\nوفي الحديث عدم وجوب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأنَّه ﵇ لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز، وذكر ابن بطال: أنَّ الإجماع على أنَّه إن توضأ قبل الوقت؛ فحسن.\nقلت: والتيمم كالوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وقال الشافعي: لا يجوز قبل دخول الوقت، ورد: بأنَّه لا فرق بينهما فمن أجاز الوضوء قبل دخول الوقت؛ يلزمه أن يجيز التيمم أيضًا؛ لأنَّه خلف عن الوضوء، والخلف يتبع الأصل فيما هو من لوازمه، وأوصافه، وأحكامه، لا يقال: إن الوضوء لا يحتاج إلى النية، والتيمم محتاج لها؛ لأنَّا (^٣) نقول: إن الماء خلق مطهرًا بنفسه بنص القرآن، والتراب ليس كذلك، بل هو ملوث، فبهذا الاعتبار احتاج إلى النية؛ فافهم واحفظ.\nوفيه دلالة على أنَّه يستحب طلب الماء لمن كان على غير طهارة، وعند دخول الوقت يجب، وفيه رد على من ينكر المعجزة من الملاحدة، وفيه دليل على وجوب المساواة عند الضرورة لمن كان عنده (^٤) فضلة ماء عن وضوئه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٠٨\"> </span>(٣٣) <span data-type=\"title\" id=toc-308>[باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان]</span>\nهذا (باب) بيان طهارة (الماء الذي يُغسَل)؛ بضم التحتية على صيغة المجهول (به شعَر) بفتح العين (الإنسان)؛ أي: بني آدم؛ لأنَّ شعر الإنسان طاهر، فالماء الذي يغسل به طاهر، فأشار المؤلف إلى أن حكم الشعر الطهارة؛ لأنَّ المغتسل قد يقع في غسله من شعره، فلو كان نجسًا لتنجس الماء بملاقاته، ولم ينقل عن أحد أنَّ النبي الأعظم ﵇ تجنب ذلك في اغتساله ووضوئه، بل كان ﵇ يخلل أصول شعره، وهو يفضي إلى تناثر شعره، فدل على طهارته، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور.\n (وكان عطاء)؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، فيما وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في أخبار مكة بسند صحيح: أنه (لا يرى به)؛ أي: بالانتفاع بشعر الإنسان الذي يحلق بمنًى (بأسًا)؛ لأنَّه طاهر، فجاز (أَن) بفتح الهمزة (يتخذ) بدل من الضمير المجرور في (به)؛ أي: لا يرى بأسًا باتخاذ؛ أي: بالاتخاذ (منها)؛ أي: من الشعور، وفي رواية: (منه)؛ أي: من الشعر (الخيوط والحبال) جمع خيط وحبل، والفرق بينهما بالرقة والغلظ، ولم يوجد في رواية لفظة (به)، وهو ظاهر، قال ابن بطال: أراد المؤلف بهذه الترجمة ردَّ قول الشافعي: إنَّ شعر الإنسان إذا فارق الإنسان؛ نجس، وإذا وقع في الماء؛ نجَّسه، وإذا وقع على المصلي؛ بطلت صلاته، وإذا كان في الذياد؛ نجسه؛ لأنَّه لو كان نجسًا كما قال؛ لما جاز اتخاذه خيوطًا وحبالًا.\nومذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: أنه طاهر، وكذا شعر الميتة، والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها؛ كالقرن، والعظم، والسن، والحافر، والظلف، والخف، والوبر، والصوف، والعصب، والريش، والإنفحة الصلبة، كذا قاله في «البدائع»، وكذا من الآدمي على الأصح كما في «المحيط»، و«التحفة»، وفي «الخانية»: أنَّه الصحيح عندنا، وقد وافقنا على صوفها، ووبرها، وشعرها، وريشها مالك وأحمد، وإسحاق، والمزني، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، وحماد، وداود في المعظم منها، وخالفنا الشافعي، فقال أبو الطيب: الشعر، والصوف، والوبر، والعظم، والقرن، والظلف؛ تحلها الحياة، وتنجس بالموت، هذا هو المذهب وهو الذي رواه المزني، والبويطي، والربيع، وحرملة عن الشافعي وصححه جماعة منهم، وروى إبراهيم البكري، عن المزني، عن الشافعي: أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي؛ لأنَّه تابع للجلد يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، والصحيح عندهم الأول، وقال الماوردي ونقله الربيع الجيزي عن الشافعي: أن شعر النبي الأعظم ﵇ الصحيح القطع بطهارته.\nقلت: يشير بذلك إلى أن لهم قولًا بغير ذلك، وأنه الأصح؛ لأنَّ مقابل الصحيح الأصح، ونعوذ بالله تعالى من هذا القول المفضي إلى الجرأة على رسول الله ﷺ، الموصل (^٥) إلى الأذى له ﵇ المدخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ...؛ الآية [الأحزاب: ٥٧] وقد اخترق بعض الشافعية وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام حيث صرح، وقال: وفي شعر النبي وجهان، قلت: وحاشا شعر النبي الأعظم ﵇\n_________\n(^١) في الأصل: (بعدها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وهما)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (لأن).\n (^٤) في الأصل: (في)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (الموصلي)، وهو تحريف.","vol":"1","page":68},{"text":"من ذلك، وكيف قال هذا وإنَّه لا يقوله جاهل ألبتة فضلًا عن منسوب إلى العلم، وإنَّه قد صمت أذنه عن قول العلماء الأعلام: إن فضلاته ﵇ طاهرة فضلًا عن شعره الشريف.\nثم قال الماوردي وغيره: وإنما قسم النبي ﵇ شعره بين أصحابه للتبرك ولا يتوقف التبرك على كونه طاهرًا. قلت: هذا أشنع وأقبح من ذلك؛ فإنَّ النجاسة تنافي التبرك، وهل رأيت أحدًا يتبرك بشيء نجس؟ فهذا جرأة وافتراء على رسول الله ﵇، وربما يحرم الشفاعة بهذا الكلام القبيح الذي لا يقوله عاقل، ولا يصدر من غبي جاهل، وقال كثير من الشافعية نحو قول الماوردي، ولو ذكرنا كلامهم؛ لطال المقام، لكن ﴿لَاتَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].\nثم قالوا: لأنَّ القدر الذي أخذ كان يسيرًا معفوًّا عنه، قلت: وهذا أيضًا أقبح من الكل، وأعظم جرأة وافتراء، وغرضهم من ذلك تعنتهم وتعصبهم لمذهبهم في تنجس شعر بني آدم، فلما أورد عليهم شعر النبي الأعظم ﵇؛ أوَّلوا هذه التأويلات الفاسدة، وقالوا: هذه الأقوال القبيحة الخاسرة الذي يردها الطبع السليم، وينفر عنها من اهتدى إلى الصراط المستقيم.\nوقال بعض شراح «البخاري»: وفي دمه ﵇ وجهان، والأليق الطهارة، وذكر القاضي حسين في العذرة وجهين، وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها، وزعم نجاستها بالاتفاق.\nقلت: وما للغزالي من هفوات حتى في تعلقات النبي الأعظم ﵇، كيف وقد وردت أحاديث كثيرة أنَّ جماعة شربوا دمه ﵇؛ منهم: أبو طيبة الحجام، وغلام من قريش حجمه ﵇، وعبد الله بن الزبير شرب دمه ﵇، رواه البزار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم، وغيرهم، ويروى عن علي ﵁: (أنه شرب دمه ﵇)، وروي أيضًا: (أن أم أيمن شربت بوله ﵇)، رواه الحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم، وأخرج الطبراني في «الأوسط» رواية سلمى امرأة أبي رافع: أنها شربت بعض ما غسل النبي ﵇، فقال لها: «حرم الله بدنك على النار»، فقد عميت أبصارهم، وصممت آذانهم عن هذه الأحاديث وغيرها الواردة في هذا الشأن، ولا يقول قولهم إلا شيطان.\nوقال بعض الشافعية: والحقُّ أنَّ حكم النبي ﵇ كحكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية إلَّا فيما يخص بدليل، وأجاب في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ويلزم من هذا أن يكون الناس مساويين (^١) للنبي الأعظم ﵇، ولا يقول بذلك إلا جاهل غبي، ومكابر عتي (^٢)، وأين مراتبه من مراتب الناس؟! ولا يلزم أن يكون دليل الخصوص بالفعل دائمًا، والفعل له مدخل في غير النبي ﵇ من غيره في مثل هذه الأشياء، وأنا أعتقد أنه لا يقاس عليه غيره، وإن قالوا غير ذلك، فأذني عنه صماء) انتهى.\nوتعقَّبه العجلوني حيث قال: (ولا يلزم من مساواة الناس له ﵇ في هذا الحكم أن تكون مراتبهم مثل مرتبته ﵇، ألا ترى أنَّهم ساووه في غالب الأحكام) انتهى.\nقلت: وهذه محاولة ومكابرة عن الحق؛ لأنَّ قوله: (حكم النبي ﵇ كحكم جميع المكلفين) إدخال له ﵇ تحت الحكم وهو مشرع الأحكام، فيلزم التنقيص في مرتبته ﵇، وهو ﵇ أفضل الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، ومساواتهم له ﵇ في غالب الأحكام من حيث إنَّه شرعَها لهم، فيلزمهم اتِّباعه فيما شرع، فلا يكون حكمه كحكمهم في الأحكام؛ لأنَّ الله تعالى جعله منبع الشريعة المطهرة، وكيف يقال: إنَّه مثلهم ومساوٍ لهم ولا يقوله إلَّا متعنت ومكابر، وجاهل متجاسر، ومن هنا ظهر أن تكلم الشافعية على الحنفية لا يلتفت إليه؛ لأنَّهم قد تكلموا على النبي الأعظم ﵇ بما يحط في مرتبته الشريفة، وينقص في مقامه المنيف، فاعلم ذلك، والله الموفق للصواب.\n (وسؤرِ الكلاب) بالجرِّ عطفًا على قوله: (باب الماء)؛ والتقدير: وباب سؤر الكلاب؛ يعني: ما حكمه؟ وفي رواية: (وسؤر الكلب) بالإفراد، والسؤر؛ بالهمز: بقية الماء الذي يبقيها الشارب، وقال ثعلب: هو ما بقي من الشراب وغيره، وقال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه، وترك الهمزة ليس بخطأ، ولكن الهمز أفصح وأعرف.\n (وممرِّها في المسجد) وزاد في رواية: (وأكلِها)؛ بالجر من إضافة المصدر إلى فاعله؛ أي: وباب حكم ما تأكله هل ينجس أم لا؟ وهو مأخوذ من ولوغها، فإنِّها إذا لم تنجِّس الماء بولوغها؛ فلا تنجِّس ما تأكل منه، قال ابن الملقِّن: وقصد المؤلف بذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره، وقال الإسماعيلي: أراه نحا ذلك بما ذكره من الأخبار وهي صحيحة، إلا أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا) انتهى، ووجه النظر ما قاله ابن الملقن أنَّ الأمر بالغسل من ولوغه ظاهر في أنَّه لنجاسته لا للتعبُّد، وأما غرق الماء بالخف؛ فليس فيه أنَّ الكلب شربه منه، وعلى تسليمه، فشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصَّه الله ورسوله علينا من غير نكير، وهنا ليس كذلك بل هو منسوخ في شرعنا، ولا يلزم من إقبال الكلاب في المسجد وإدبارها طهارتها، لكن ذلك مظنة بولها، ولم يعلم أنه أمر بغسله كما أمر بغسل بول الأعرابي، ويؤيِّده ما سيأتي: (وأنها كانت تبول فيه)، وابن وهب يرى طهارة بولها، وأمَّا حديث عدي؛ فهو مسوقٌ؛ لأنَّ قتله ذكاة لا لطهارته؛ فافهم.\n (وقال) محمد بن مسلم ابن شهاب (الزهري) فيما رواه أبو الوليد بن مسلم في «مصنفه» عن الأوزاعي وغيره، وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» من طريقه بسند صحيح: (إذا ولغ الكلب)؛ بالغين المعجمة، وهو في الكلاب والسباع كلِّها؛ وهو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كلِّ مائع فيحركه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وقيل: إن كان غير مائع؛ يقال: لعقه ولحسه، وقيل: إن كان الماء فارغًا؛ يقال: لحسه، وإن كان فيه شيء؛ يقال: ولغ، كذا في «المغرب»، وسقط في رواية لفظ: (الكلب)، ولكن القرينة تدل عليه؛ لأنَّ ضمير (ولغ) عائد إليه سواء كان معلَّمًا أو غيره (في إناء) ولأبي ذر: (في الإناء) (ليس له) أي: لمريد الوضوء (وَضوءٌ)؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الذي يتوضأ به (غيرَُه)؛ بالرفع أو النصب، والجملة المنفية حال، وسقط في رواية؛ أي: غير ذلك الإناء الذي ولغ فيه (يتوضأ به) جواب الشرط، وهو (إذا)، وفي رواية: (حتى يتوضأ بها)؛ أي: ببقية الماء، وفي رواية: (فيها)، فيؤوَّل الإناء بالمطهرة أو الإداوة؛ فالمعنى: يتوضأ بالماء الذي فيها، كذا في «عمدة القاري».\n (قال سفيان)؛ أي: الثوري؛ لأنَّ الوليد بن مسلم لمَّا روى هذا الأثر الذي رواه الزهري؛ ذكر عقيبه بقوله: (فذكرت ذلك لسفيان الثوري فقال: والله) (هذا)؛ أي: الحكم بالتوضؤ به (الفقه بعينه) المستفاد من القرآن؛ (لقول الله ﷿) وفي رواية: (بقول الله تعالى): (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾) وفي رواية القابسي عن المروزي: (فَإن لَم تَجدُوا)، وهو غلط؛ لمخالفته للتلاوة ولم يوجد في شيء من القراءات بعد التبع الكثير، ولم يوافق القابسي على هذه الرواية أحد إلا ما حكاه أبو نعيم، قال ابن حجر: ولعلَّه رواه بالمعنى؛ بناء على تجويزه ذلك، وهو خلاف الصواب؛ لأنَّ القراءة بالرواية لا بالرأي على الصحيح، قاله العجلوني.\n_________\n(^١) في الأصل: (مسايا)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (عبي)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":68},{"text":"وقال في «عمدة القاري»: (وقول بعضهم: «لعلَّه رواه بالمعنى» لا يصح أصلًا؛ لأنَّه قلب لكلام الله تعالى، والظاهر أنه سهو وغلط؛ فافهم).\n (وهذا) أي: الذي ولغ الكلب فيه (ماء) وللأصيلي: (فهذا ماء)، فهو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾؛ لأنَّ ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم، ولا يخص إلا بدليل فسمى الثوري الأخذ بدلالة العموم فقهًا.\n (وفي النفس منه شيء)؛ أي: دغدغة، وهو من تتمة كلام الثوري، وذلك لعدم ظهور دلالته أو لوجود معارض له؛ إما من القرآن أو غير ذلك، فلذا قال: (يتوضأ به) وفي رواية: (منه)؛ أي: الماء المذكور، (ويتيمم)؛ لأنَّ الماء الذي شكَّ فيه كالعدم؛ لاختلاف العلماء، والواو لمطلق الجمع، فلا يشترط الترتيب بل الشرط الجمع بينهما سواء قدَّم الوضوء أو أخَّره، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٣٠٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-309>[حديث: عندنا من شعر النبي أصبناه من قبل أنس]</span>\n١٧٠ - وبه قال: (حدثنا مالك بن إسماعيل)؛ أي: ابن غسان النهدي، المتوفى سنة تسع عشرة ومئتين (قال: حدثنا إسرائيل): هو ابن يونس بن إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي الهمداني، المتوفى سنة ستين ومئة، (عن عاصم): هو ابن سليمان البصري، المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومئة، وما في «شرح العجلوني» من أنه (ومئتين)؛ فخطأ؛ فافهم، (عن ابن سيرين) هو محمد المشهور: أنَّه (قال: قلت لعَبِيدة)؛ بفتح العين المهملة، وكسر الموحدة، آخره هاء، ابن عمرو، أو ابن قيس بن عمرو السَّلْماني؛ بفتح السين المهملة، وسكون اللام، المرادي الكوفي، أسلم في حياة النبي الأعظم ﵇ بسنتين، ولم يلقه فهو أحد التابعين المخضرمين، المتوفى سنة اثنتين وسبعين أو ثلاث، ومقول قول ابن سيرين لعبيدة: (عندنا من شعَر)؛ بفتح العين وسكونها (النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: عندنا شيء من شعره، ويحتمل أن (من) للتبعيض؛ والتقدير: بعض شعره ﵇، فيكون (بعض) مبتدأ، وقوله: (عندنا) خبره، ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفًا؛ أي: عندنا شيء من شعره ﵇، أو عندنا من شعره شيء (أصبناه) أي: حصل لنا (من قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: من جهة (أنس) أي: ابن مالك (أو) للتشكيك (من قِبَل)؛ بكسر وفتح؛ أي: من جهة (أهل أنس)؛ أي: ابن مالك، وذلك لأنَّ سيرين والد محمد كان مولًى لأنس بن مالك، وأنس ربيب أبي طلحة، والنبي الأعظم ﵇ أعطى شيئًا من شعره لأبي طلحة، فبقي إلى أن آل لمولاه محمد، (فقال) أي: عبيدة: (لأن تكون عندي شعرة) أي: واحدة (منه) أي: من شعر النبي الأعظم ﵇ (أحبُّ)؛ بالرفع خبر المصدر المؤول من (أن تكون) واللام للابتداء، و(تكون) ناقصة، فـ (شعرة) اسمها، والظرف قبلها خبرها، ويحتمل أن تكون تامة، فـ (شعرة) فاعلها، والظرف متعلق بها، أو حال من (شعرة) تقدم عليها؛ فافهم، (إليَّ من الدنيا وما فيها)؛ أي: من متاعها، وللإسماعيلي: (أحب إليَّ من كل صفراء وبيضاء)، وروي أن خالد بن الوليد ﵁ جعل في قلنسوته من شعر النبي ﵇، فكان يدخل بها الحرب وينتصر ببركته، فسقطت عنه يوم اليمامة، فاشتد عليها شدة، وأنكر الصحابة عليه، فقال: لم أفعل ذلك لقيمة القلنسوة، لكني كرهت أن تقع في أيدي المشركين وفيها من شعره ﵇.\nووجه المطابقة أنَّه لما جاز اتِّخاذ شعر النبي الأعظم ﵇ والتبرُّك به لطهارته؛ دلَّ على أنَّ مطلق الشعر طاهر، وإلَّا لما حفظوه، ولا تمنَّى عبيدة أن يكون عنده شعرة واحدة منه، وإذا كان طاهرًا؛ فالماء الذي يغسل به طاهر، وتُعقِّب بأنَّ شعره ﵇ مكرَّم لا يقاس عليه غيره، وأجيب: بأنَّ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدمها؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-310>[حديث: أن رسول الله لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول </span>من أخذ من شعره]\n١٧١ - وبه قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم) المشهور بصاعقة، البغدادي (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (سعيد بن سليمان) أبو عثمان الضبي البزار سعدويه، الواسطي، الحاج ستين حجة، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئتين عن مئة سنة، وما في «القسطلاني» من أنه توفي سنة خمس وثمانين؛ فخطأ ظاهر (قال: حدثنا عَبَّاد)؛ بفتح المهملة، وتشديد الموحدة، ابن العوَّام؛ بتشديد الواو، أبو سهل الواسطي، المتوفى سنة خمس وثمانين ومئة ببغداد، (عن ابن عَوْن)؛ بفتح المهملة، وسكون الواو، آخره نون، واسمه عبد الله التابعي، وسيد القرَّاء في زمانه، (عن ابن سيرين) محمد المشهور، (عن أنس) وللأصيلي زيادة: (ابن مالك ﵁): (أن النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ لمَّا حلق رأسه)؛ أي: في حجة الوداع، وإسناد الحلق إليه مجاز والقرينة عادية؛ نحو: بنى الأمير المدينة، والصحيح أنَّ الحالق للنبي الأعظم ﵇ معمرُ بن عبد الله، وقيل: خِراش بن أمية؛ بكسر الخاء المعجمة، آخره شين معجمة أيضًا، وأمَّا في الحديبية؛ فالصحيح أنَّ الحالق له هو خِراش.\nوقوله: (كان أبو طلحة) جواب (لمَّا)، واسمه زيد بن سهل بن الأسود النجاري زوج أم سليم والدة أنس، شهد المشاهد كلَّها مع النبيِّ الأعظم ﵇، المتوفى بالمدينة على الأصح سنة اثنتين وثلاثين، وصلَّى عليه ثالث الخلفاء عثمان ذي النُّورين، وقول القسطلاني: المتوفى سنة سبعين؛ خطأ ظاهر (أول من أخذ من شعره) ﵇، وأخرج أبو عوانة هذا الحديث في «صحيحه» بأظهر مما هنا، وهو: أنَّ رسول الله ﵇ أمر الحلَّاق فحلق رأسه، ودفع إلى أبي طلحة الشقَّ الأيمن، ثمَّ حلق الشقَّ الآخر فأمره أن يقسمه بين الناس، ورواه مسلم بلفظ: لمَّا رمى الجمرة ونحر نسكه؛ ناول الحلَّاق شقَّه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة فأعطاه إياه، ثم ناوله الشقَّ الأيسر فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، وقال: «اقسمه بين الناس»، وله في رواية أخرى: أنَّه قسم الأيمن فيمن يليه، وفي لفظ: (فوزَّعه بين الناس الشعرة والشعرتين، وأعطى الأيسر أم سليم)، وفي لفظ: (أبا طلحة) ولا تناقض بين هذه الروايات؛ لإمكان الجمع: بأنه ناول أبا طلحة كلًّا من الشقَّين، فأمَّا الأيمن؛ فوزعه أبو طلحة بأمره بين الناس، وأمَّا الأيسر؛ فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره ﵇ أيضًا، زاد أحمد في رواية له: (لتجعله في طيبها)، فالضمير في (قسمه) وفي (اقسمه) عائد إلى الشق الأيمن، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\nوفي الحديث: استحباب البداءة بالشق الأيمن من رأس الحالق، وهو قول الإمام الأعظموالجمهور، وما نقله العجلوني عن الإمام الأعظم من خلافه؛ فخطأ ظاهر؛ لأنَّ كتب المذهب طافحة بذلك؛ فافهم.\nوفيه: طهارة شعر الآدمي وهو قول إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، خلافًا للشافعي، والحديث حجة عليه؛ فافهم.\nوفيه: التبرك بشعره ﵇ وجواز اقتنائه والصلاة فيه، وحمله في عمامته؛ كما فعله خالد بن الوليد.\nوفيه: المواساة بين الأصحاب في العطية والهدية، قال في «عمدة القاري»: والمواساة لا تستلزم المساواة.\nوفيه: تنفيل من يتولَّى التفرقة على غيره.\nهذا (بابٌ) بالتنوين: (إذا شرِب) بكسر الرَّاء «الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا) وهذه الترجمة لفظ حديث الباب، وهي مع لفظ (باب) ساقطة في رواية، وعليها شرح الشيخ الإمام بدر الدين العيني، ووجه سقوطها ظاهر؛ لأنَّ الباب الأول مشتمل على حكمين؛ أحدهما: في طهارة الشعر، والثاني: في سؤر الكلاب، فالذي قدَّمه\n_________\nإنَّما هو لبيان الحكم الأول، وهنا أراد\n\n <span id=\"b-٣١١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-311>[حديث: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا]</span>\n١٧٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، وفي رواية: (عن مالك)، (عن أبي الزِناد)؛ بكسر الزاي المعجمة، بعدها النُّون، واسمه عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁: أنَّه (قال: إنَّ رسول الله ﷺ) وسقط لفظ: (قال) في رواية، (قال: إذا شرِب الكلب)؛ بكسر الرَّاء؛ أي: ولغ الكلب، وهذه الرواية كرواية «الموطأ»، لكن المشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: «إذا ولغ» وهو المعروف في اللغة، وزعم الكرماني: ضمَّن (شرِب) معنى (ولغ)، فعُدِّي تعديته، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ الشارع ﵇ أفصح الفصحاء، وروي عنه (شرب) و(ولغ) لتقاربهما في المعنى، فلا حاجة إلى هذا التكليف، لا يقال: الشرب أخص من الولوغ فلا يقوم مقامه؛ لأنَّا نقول: لا نسلم عدم","vol":"1","page":69},{"text":"قيام الأخص مقام الأعم؛ لأنَّ الخاص له دلالة على العام اللازم؛ كلفظ: (الإنسان) له دلالة على مفهوم الحيوان بالتضمن؛ لأنَّه جزء مفهومه، وكذا له دلالة على مفهوم الماشي بالقوة بالالتزام لكونه خارجًا عن معنى الإنسان لازمًا له فعلى هذا يجوز أن يذكر الشرب ويراد به الولوغ، وادعى ابن عبد البر أن لفظه: (شرب) لم يروه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ: (ولغ)، وليس كذلك؛ فقد رواه ابن خزيمة، وابن المنذر من طريقين بلفظ: (إذا شرب (^١»، وكذا أخرجه مسلم وغيره، وكذا مالك، وأخرجه أبو عبيد والدارقطني في «الموطأ» من طريق أبي [عليٍّ] الحنفي؛ كلهم بلفظ: (إذا ولغ)، والولوغ: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، زاد ابن درستويه: شرب أو لم يشرب، وقيل: إن كان غير مائع؛ يقال: لعقه، وقال الإمام المطرزي في «المغرب»: فإن كان فارغًا؛ يقال: لحسه، ومفهوم الشرط يقتضي قصر الحكم على الولوغ، وإذا قلنا: الأمر بالغسل للتنجس؛ يتعدى الحكم إلى اللحس أيضًا، والغالب الولوغ، ولا يصح إلحاق يده وبقية أعضائه بفمه؛ لأنَّ الحكم بالتنجس لأجل اختلاط لعابه النجس في الماء والمائع والآنية، وبقية أعضائه لا لعاب فيها، فافترقا، وقاس الشافعي أعضاءه على فمه، وهو قياس مع الفارق، وخص مالك الغسل بالولوغ؛ لأنَّ الكلب عنده طاهر، فالأمر بالغسل عنده للتعبُّد لا للنجاسة، وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ الحديث يَحتَمل أن يكون الأمر للنجاسة، ويَحتَمل أن يكون للتعبد، ولكن رجح الأول بما رواه مسلم وغيره: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب»، وروايته أيضًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليريقه، ثم ليغسله سبع مرات»، ولو كان سؤره طاهرًا؛ لما أمر ﵇ بإراقته وغسله، فدلَّ على نجاسته، ولأنَّ الطهارة إمَّا للتعبد، أو الحدث، أو الخبث، وهي منتفية عن الإناء، فيتعين الخبث؛ فافهم.\nوقصد المؤلف بيان مذاهب النَّاس، فبيَّن في هذا الباب مسألتين؛ أولاهما: الماء الذي يغسل به الشعر، والثانية: سؤر الكلاب، وهو الظاهر، ويدل عليه أنه قال في المسألة الثانية: (وسؤر الكلاب) واقتصر على هذه اللفظة، ولم يقل: وطهارة سؤر الكلاب.\n (في) وفي رواية: (من) (إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا)؛ أي: سبع مرات، وفي رواية: (سبع مرات أولاهنَّ بالتراب)، وفي أخرى: (أولاهنَّ أو أخراهنَّ)، وفي أخرى: (سبع مرات وعفِّروه الثامنة)، والأمر في ذلك للاستحباب لا للوجوب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، ويدلَّ عليه أنَّ أبا هريرة الذي روى السبع رُوِيَ عنه غَسْل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا فعلًا وقولًا مرفوعًا وموقوفًا من طريقين؛ الأول: أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء؛ فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات)، قال الشيخ تقي الدين: (هذا إسناد صحيح)، والطريق الثاني أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» عن الحسين بن علي الكرابيسي قال: حدثنا إسحاق الأزرق: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليهرقه وليغسله ثلاث مرات»، ثم أخرجه عن عمر بن شيبة، وعبد الملك أخرج له مسلم في «صحيحه»، وقال أحمد والثوري: إنَّه من الحفاظ، ووثَّقه الثوري، وسماه الميزان، والكرابيسي وثَّقه أحمد وغيره، فثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنَّ أبا هريرة هو راوي السبع، والراوي إذا عمل بخلاف روايته أو أفتى بخلافها؛ لا تبقى حجة (^٢)؛ لأنَّ الصحابي لا يحل له أن يسمع من النبي الأعظم ﵇ شيئًا ويفتي أو يعمل بخلافه؛ لأنَّ ذلك يسقط عدالته ولا تقبل روايته، والواجب علينا تحسين الظنِّ بالصحابي لا سيما أبو هريرة مهما أمكن، فدلَّ ذلك على نسخ ما رواه من السبع، ويدلُّ عليه ما رواه الحافظ الطَّحاوي بإسناده عن ابن سيرين: أنَّه كان إذا حدَّث عن أبي هريرة؛ فقيل له: عن النبي ﵇؟ فقال: كلُّ حديث أبي هريرة عن النبي ﵇، على أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يعتد بالسبع، فيكون الولوغ من باب أولى، على أنَّ تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما للتعبد، أو محمول على من غلب على ظنه أنَّ نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وإمَّا أنَّه أمرهم بالثلاث، فلم ينتبهوا، فغلَّظ عليهم بذلك.\nويحتمل أنَّ الأمر بالسبع كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلمَّا نهى عن قتلها؛ نسخ الأمر بالغسل سبعًا، واعترض بأنَّ الأمر بالقتل كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخِّر عنه؛ لأنَّه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع.\nوأجيب: بأن الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى دليل قطعي، على أنَّه قد ثبت أن ذلك كان بعد الأمر بقتلها، ولئن سلَّمناه؛ فكان يمكن أن يكون أبو هريرة وعبد الله قد سمعا ذلك من صحابي أنَّه أخبرهما عن النبي ﵇ لاعتمادهما على صدق المرويِّ عنه؛ لأنَّ الصحابة كلَّهم عدول.\nوقيل: إنَّه وقع الإجماع على خلافه في العمل، واعترض: بأنه قد ثبت القول بذلك عن أحمد والحسن.\nوأجيب: بأنَّ مخالفة الأقل لا تمنع مخالفة الإجماع، وهو مذهب الجمهور من الأصوليين، وما روي عن الشافعي أنَّه قال: حديث ابن مغفل لم أقف على صحته؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من عدم ثبوته عنده ترك العمل به عند غيره، على أنه أجمع الحفاظ على صحته، ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فإنَّه زاد فيه: (وعفِّروه الثامنة بالتراب)، والزائد أولى من الناقص، فكان ينبغي للمخالف أن يقول: لا يطهر إلَّا بأن يُغسل ثمان مرات الثامنة بالتراب؛ ليأخذ بالحديثين جميعًا، فإن ترك حديث ابن مغفل؛ فقد لزمه ما لزم خصمه في ترك السبع، ومع هذا لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقًا، قيل: إنَّه منسوخ.\nفإن اعترض بما قاله البيهقي أنَّ أبا هريرة أحفظ؛ فروايته أولى.\nأجيب: بالمنع، بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنَّه أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب، وقال الحسن البصري: إنَّه من أصحاب الشجرة، وهو أفقه من أبي هريرة، والأخذ بروايته أحوط، ولهذا ذهب الحسن البصري إليه؛ فافهم.\nوفي الحديث نجاسة الإناء، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره، ولا بين الكلب البدوي والحضري؛ لعموم اللفظ.\nوقال الكرماني: (في الحديث دليل على تحريم بيع الكلاب).\nقلت: وهو مردود؛ لأنَّه منتفع به حراسة واصطيادًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]؛ فيصح بيعه عندنا، وما روي: (أنَّه نهى ﵇ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن)؛ فإنما هذا كان في زمن كان النبي الأعظم ﵇ أمر فيه بقتل الكلاب وكان الانتفاع بها يومئذٍ محرمًا، ثم بعد ذلك قد رخص في الانتفاع بها، وروى الحافظ\n_________\n(^١) في الأصل: (ولغ)، والمثبت من «العمدة».\n (^٢) في الأصل: (حجته)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":69},{"text":"الطحاوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر ﵄: (أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كلب ماشية بكبش)، وعنه عن عطاء: (لا بأس بثمن الكلب)، فهذا قول عطاء، وقد روي عن النبي الأعظم ﵇: «أنَّ ثمن الكلب من السحت»، وعنه عن ابن شهاب: (أنه إذا قتل الكلب المعلَّم؛ فإنه يقوم قيمته، فيغرِّمه الذي قتله)، فهذا قول الزهري، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن: (أنَّ ثمن الكلب من السحت)، وعنه عن المغيرة، عن إبراهيم قال: (لا بأس بثمن كلب الصيد)، وروي عن مالك: إجازة بيع كلب الصيد والزرع والماشية، ولا خلاف عنه في أنَّه من قَتَل كلب صيد أو ماشية؛ فإنَّه يجب قيمته عليه، وعن عثمان بن عفَّان ﵁: (أنَّه أجاز الكلب الضَّاري في المهر، وجعل على قاتله عشرين من الإبل)، ذكره أبو عمر في «التمهيد»، كذا في «عمدة القاري»، وتمامه فيه؛ فليحفظ.\n\n١٧٣ - وبه قال: (حدثنا إسحاق): هو ابن منصور بن بهرام الكوسج الحافظ أبو يعقوب التميمي المروزي نزيل نيسابور، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين في جمادى الأولى، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصي، كما جزم به أبو نعيم في «المستخرج»، وزعم الكرماني: بأنه إسحاق ابن راهويه، وهو خطأ أيضًا؛ فليحفظ (قال: أخبرنا عبد الصمد)؛ أي: ابن عبد الوارث (قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار): المدني العدوي، قال في «عمدة القاري»: (تكلموا فيه، لكنه صدوق مؤمن، ولم ينفرد بهذا الحديث، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي)، (قال: سمعت أبي): عبد الله بن دينار التابعي مولى ابن عمر ﵄، (عن أبي صالح)؛ أي: ذكوان الزيات، (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ: أن رجلًا) قال في «عمدة القاري»: (وهذه من الوقائع التي وقعت في زمن بني إسرائيل، فلذلك قال: «أن رجلًا» ولم يسمِّ الرجل) انتهى (رأى) أي: أبصر (كلبًا) وجملة قوله: (يأكل الثَّرَى)؛ بفتح الثاء المثلثة والرَّاء، مقصور؛ وهو التراب الندي؛ أي: يلعق التراب، كما في «عمدة القاري» (من العطش)؛ أي: من أجله أو بسببه صفة (كلبًا)، ولا يجوز أن تكون حالًا كما زعمه الكرماني؛ لأنَّ شرطها أن يكون ذو الحال معرفة، وهنا نكرة، ولا يجوز أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ الرؤية بمعنى الإبصار، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (فأخذ الرجل) المذكور (خفَّه، فجعل) من أفعال المقاربة، وهي ما وضع لدنو الخبر رجاءًأو حصولًا أو أخذًا (^١) فيه، والضمير فيه اسمه، وقوله: (يغرف)؛ بالغين المعجمة، جملة خبره؛ أي: طفق يغرف (له) أي: للكلب بالخف (حتى أرواه)؛ أي: جعله ريَّانًا، وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج؛ فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب)، وفي أخرى: (بينما كلب يطيف بركبه كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي، فنزعت (^٢) موقها فسقته، فغفر لها)، (فشكر الله له)؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، يقال: شكرته وشكرت له، واللام أفصح، (فأدخله الجنة) من عطف الخاص على العام، والفاء تفسيرية؛ نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على ما فُسِّر من أن القتل كان نفس توبتهم، وفي رواية أخرى: فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «إن في كلِّ كبد رطبة أجرًا».\nففي الحديث: الإحسان إلى كل الحيوان بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله، أو أبيح قتله، فإن ذلك إنَّما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذلك فقد أمرنا بإحسان القتلة، وفيه حرمة الإساءة إليه، وإثم فاعله، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت.\nواستدل مالك بالحديث على طهارة سؤر الكلب؛ لأنَّ الرجل ملأ خفه وسقاه به، ولا شكَّ أن سؤره بقي فيه.\nوأجيب: بأنه ليس فيه أن الكلب شرب الماء من الخف؛ لأنَّه قد يجوز أنَّه غرفه به، ثم صبه في مكان غيره، أو يمكن أنَّه يكون غسل خفَّه إن كان سقاه فيه، وعلى تقدير أن يكون سقيه فيه؛ لا يلزمنا هذا؛ لأنَّ هذا كان في شريعة غيرنا على ما رواه الناس عن أبي هريرة، وهو منسوخ في شرعنا.\nوفيه وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها بالإجماع، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣١٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-312>[حديث: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد </span>في زمان رسول الله]\n١٧٤ - (قال) أي: المؤلف: (وقال أحمد بن شَبِيب)؛ بفتح المعجمة، وكسر الموحدة: ابن سعيد التميمي البصري المكي، المتوفى بعد المئتين (حدثنا أبي)؛ أي: شبيب المذكور، (عن يونس)؛ أي: ابن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري: أنه (قال: حدثني) بالإفراد (حمزة)؛ بالحاء المهملة، والزاي (بن عبد الله)؛ أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ أبو عمارة القرشي العدوي المدني التابعي، (عن أبيه): عبد الله بن عمر ﵄: أنَّه (قال: كانت الكلاب تقبل): جملة محلها النصب على الخبرية إن جعلت (كانت) ناقصة، وإن جعلت تامة؛ بمعنى: وجدت؛ كان محل الجملة النصب على الحال، (وتدبر في المسجد) حال أيضًا؛ والتقدير: حال كون الإقبال والإدبار في المسجد، والألف واللام فيه للعهد؛ أي: في مسجد رسول الله ﷺ، وفي رواية زيادة: (تبول) قبل (تقبل وتدبر)، وعند أبي داود: قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﵇ وكنت فتًى شابًا عزبًّا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد (في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا) وفي رواية: (فلم يكن) (يرشُّون) وفي رواية: (فلم يرشون)؛ بإسقاط (يكونوا) و(يكن) (شيئًا من ذلك) بالماء؛ أي: من المسجد، وهو إشارة إلى البعيد في المرتبة؛ أي: ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن فهم الناس، وهذا الترتيب يشعر باستمرار الإقبال والإدبار، ولفظ: (في زمن رسول الله ﵇) دالٌّ على عموم الأزمنة، أو اسم للجنس المضاف من الألفاظ العامة، وفي (فلم يكونوا يرشون) مبالغة ليس في قولك: فلم يرشوا؛ بدون لفظ الكون كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] حيث لم يقل: وما يعذبهم الله، وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على الغسل؛ لأنَّ الرش ليس فيه جريان الماء بخلاف الغسل (^٣)، فإنه يُشتَرط فيه الجريان، فنفي الرش يكون أبلغ في نفي الغسل، ولفظ (شيئًا) أيضًا عام؛ لأنَّه نكرة وقعت في سياق النفي، وهذا كلُّه للمبالغة في طهارة سؤره؛ لأنَّه في مثل هذه الصورة الغالب أنَّ لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، فإذا قرَّر النبي الأعظم ﵇ ذلك ولم يأمر بغسله قطُّ؛ عُلِم أنَّه طاهر، وهو مذهب مالك، ورد: بأنَّه لا دلالة على ذلك المذكور؛ لأنَّ طهارة المسجد متيقنة غير مشكوك فيها، واليقين لا يزول بالظنِّ فضلًا عن الشكِّ، وعلى تقدير دلالته، فدلالته لا تعارض منطوق الحديث الناطق صريحًا بإيجاب غسله؛ حيث قال: (فليغسله سبعًا)، وعلى رواية من روى: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر)، فلا دلالة فيه لمن استدل به على طهارة الكلاب؛ للإجماع على نجاسة بولها، وتقدير هذا: أن إقبالها وإدبارها في المسجد، ثم لا يرش، فالذي في روايته: (تبول) يذهب إلى طهارة بولها، وكان المسجد لم يكن يغلق وكانت تردد، وعَساها كانت تبول إلَّا أنَّ عِلْم بولها فيه لم يكن عند النبي الأعظم ﵇، ولا عند أصحابه، ولا عند الراوي عِلْم أي موضع هو؟ ولو كان عَلِم؛ لأمر بما أمر في بول الأعرابي، فدل\n_________\n(^١) في الأصل: (أخذ)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (فرعت)، ولعله تحريف عن المثبت.\n (^٣) زيد في الأصل: (في سياق)، ولعله سبق قلم.","vol":"1","page":70},{"text":"ذلك على أنَّ بول ما سواه في حكم النجاسة سواء، والأوجه أن يقال: كان ذلك في ابتداء الإسلام على أصل الإباحة، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المسجد وتطهيره وجعل الأبواب على المساجد، وفيه: دلالة ظاهرة على أنَّ الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفَّت بالشمس أو بالهواء، فذهب أثرها؛ تطهر في حقِّ الصلاة عليها دون التيمم منها، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا للإمام زفر، والشافعي، وأحمد، ويدلُّ لذلك أنَّ أبا داود وضع لهذا الحديث: (باب طهور الأرض إذا يبست)، وأيضًا قوله: (فلم يكونوا يرشون شيئًا)، وعدم الرشِّ دليل على جفاف الأرض وطهارتها من غير نكير؛ فليحفظ.\nواعلم أنَّ في الحديث دليل على نجاسة عظمة الكلب العقور المشحونة بالمكر، والخداع، والفجور، فإنَّها عظمة أنفت الكلاب أكلها وألقتها في المزابل؛ لأنَّه لا خير فيها قط لأحد، بل هي بمكان من الشرور، كما بينت ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المخزون فيما يقوله صاحب الهمِّ المحزون»؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣١٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-313>[حديث: إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل]</span>\n١٧٥ - وبه قال: (حدثنا حفص بن عمر): بن الحارث بن سَخْبَرة؛ بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة، النمري الأزدي، البصري أبو عمر الحوضي، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئتين (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (عن ابن أبي السَّفَر)؛ بفتح المهملة والفاء: عبد الله بن سعيد بن الحَشْرج؛ بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم، الهمداني الكوفي، المكنَّى بأبي طَريف؛ بفتح المهملة، آخره فاء، وما في «القسطلاني» من أنَّه صحابي الشهير بأبي محمد أو أحمد؛ فخطأ ظاهر لا يخفى؛ لأنَّه ليس بتابعيٍّ فضلًا عن كونه صحابيًّا؛ فافهم، (عن الشَّعْبي)؛ بفتح المعجمة، وسكون المهملة، واسمه عامر، (عن عَدي) بفتح العين المهملة (بن حاتِم)؛ بكسر المثناة الفوقية، المشهور، ابن عبد الله الطَّائي أبو طَريف؛ بفتح المهملة، الجواد بن الجواد، قدم على النبيِّ الأعظم ﵇ في سنة سبع، نزل الكوفة، ومات بها زمن المختار، وهو ابن عشرين ومئة سنة، أو مات بقرقيسا عن مئة وثمانين سنة، وكان ﵇ يكرمه، وشهد فتوح العراق زمن عمر بن الخطاب، وكان يفتُّ الخبز للنمل، ويقول: إنهنَّ جارات لنا ولهنَّ حقٌّ: أنَّه (قال: سألت النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلف في كتاب (الصيد)، فذكر المسؤول عنه، ولم يذكر المسؤول، واكتفى بالجواب؛ لأنَّه يحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، ولكنه حصل عنده شكٌّ في بعض أمور الصيد فاكتفى بالجواب، ويحتمل أن يكون قام عنده مانع من الإباحة التي علم أصلها، وبهذا اندفع ما قاله ابن حجر من أنه حذف لفظ السؤال اكتفاء بدلالة الجواب عليه؛ فافهم.\n (قال) أي: عدي (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم)؛ بفتح اللام المشددة، وهو مفوَّض إلى رأى المعلِّم عند الإمام الأعظم؛ لأنَّه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، وعند الإمام أبي يوسف والإمام محمد: ترك الأكل ثلاث مرات، وعند مالك: بالانزجار، وعند الشافعي: بالعرف، وأما اشتراط التعلم؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، قال ابن المُنيِّر: والعجب من الشافعي أنَّه قال: إنَّ السكين إذا سقيت بماء نجس؛ نجَّست الذبيحة، فأين ذلك مِنْ نابِ الكلب النَّجس العين عنده وقد أجمعنا على أن ذكاته شرعية لا تنجس المذكَّى؟! كذا في «المصابيح»، ومذهب الإمام الأعظم: أنه يتنجس المذبح فقط؛ لنجاستها فيغسل المذبح فقط، كمحل ما أصابه ناب الكلب المذكور ثلاثًا فيطهر، ويرد على الشافعي أيضًا تنجيس الملاقي؛ فافهم.\n (فقتل)؛ أي: الكلبُ الصيدَ، وطوى ذكر المفعول؛ للعلم به، وقيَّد بالقتل؛ ليخرج ما لو أدرك الصيد حيًّا حياة فوق حياة المذبوح بأن يعيش يومًا أو أكثره، فلا بدَّ من ذكاته، فلو تركها عمدًا متمكنًا منها؛ حرم؛ لقدرته على الذكاة الاختيارية، أما لو كان غير متمكن إما لفقد آلة، أو لضيق الوقت؛ فظاهر الرواية: أنَّه يحرم أيضًا؛ لأنَّ العجز عن التذكية في مثل هذا لا يحل الحرام، وفي رواية عن الإمام الأعظم: أنَّه يحل، وهو قول الشافعي، ونقل البرجندي عن ابن زياد: أنَّه يؤكل استحسانًا، وبه أخذ الإمام قاضيخان، وعزاه لـ «الكافي»، فإن لم يبق من حياته إلا مثل حياة المذبوح وهو مما لا يتوهم بقاؤه فلم يدركه حيًّا؛ فإنَّه يحل بالإجماع؛ لأنَّه ميت حكمًا حتى لو وقع في الماء؛ لم يحرم، كذا في «شروح الملتقى»، (فكُلْ) الأمر فيه للإباحة، وهذه الجملة جواب الشرط، ففيه دليل على إباحة صيد جميع الكلاب المعلَّمة من الأسود وغيرها، وقال أحمد: لا يحل صيد الكلب الأسود؛ لأنَّه شيطان، وإطلاق الحديث حجة عليه، وفيه أيضًا إباحة الاصطياد؛ للانتفاع به للأكل، ودفع الشر والضرر، واختلف فيمن جعل الصيد للحرفة، أو للهو ونزهة، ففي «الفتاوى البزازية»: (الصيد مباح إلا للتَّلهِّي أو حرفة)، قال في «الأشباه»: (وعلى هذا فاتخاذه حرفة كصيادين السمك حرام) انتهى.\nلكن في «المنح شرح التنوير»: (التحقيق عندي اتخاذه حرفة؛ لأنَّه نوع من الاكتساب، وكل أنواع الكسب في الإباحة سواء على المذهب الصحيح)، وأقرَّه في «الدر المختار»، وفي «التاترخانية»، (قال الإمام أبو يوسف: إذا طلب الصيد لهوًا ولعبًا؛ فلا خير فيه، وأكرهه، وإن طلب منه ما يحتاج إليه من بيع، أو إدام، أو حاجة أخرى؛ فلا بأس به) انتهى.\nوفي «مجمع الفتاوى»: (ويكره للتلهِّي وأن يتخذه حرفة) انتهى، وأقره العلَّامة الشرنبلالي في الحاشية، قلت: وهذا هو المعتمد كما في «منهل الطلاب».\n (وإذا أكل) أي: الكلب من الصيد؛ (فلا تأكل)؛ أي: الصيد الذي أكل منه الكلب، وعلل النهي بقوله: (فإنما أمسكه على نفسه) والفاء للتعليل، فيشترط عدم أكله؛ لأنَّه بأكله تبيَّن جهله، فلا يؤكل مطلقًا سواء كان نادرًا أو معتادًا، وكذا لا يؤكل ما صاد بعده حتى يتعلَّم ثانيًا بترك الأكل ثلاثًا، ولو أخذ الصياد الصيد من الكلب وقطع منه بضعة وألقاها إليه فأكلها، أو خطف الكلب منه وأكله؛ أكل ما بقي، وكذا لو شرب الكلب من دمه؛ يؤكل؛ لأنَّه غاية علمه، كذا في «التنوير» و«شرحه».\n (قلت) هذا من كلام عدي ﵁: يا رسول الله؛ (أرسل كلبي)؛ أي: المعلَّم، (فأجد معه كلبًا آخر)؛ بالإضافة؛ أي: كلب شخص آخر، ويحتمل أنه منون، وجعل ما بعده صفة له، والمراد بالكلب الآخر: الذي لا يحل صيده؛ وذلك ككلب غير معلم، أو لم يرسل، أو لم يسم عليه، أو كلبُ مجوسيٍّ (قال) أي: النبي الأعظم ﵇: (فلا تأكل)؛ أي: من ذلك الصيد، وعلل النهي بقوله: (فإنما سميت) أي: ذكرت اسم الله تعالى (على كلبك) عند إرساله (ولم تسمِّ على كلب آخر) والظاهر أن الجملة حال، وإنما حذف حرف العطف من السؤال والجواب؛ لأنَّه ورد على طريق المقاولة كما في آية مقاولة موسى وفرعون.\nوفي الحديث: دلالة على أنَّ الإرسال شرط، حتى لو استرسل بنفسه؛ بأن انفلت من صاحبه،","vol":"1","page":70},{"text":"فأخذ صيدًا، فقتله؛ لم يؤكل، وكذا لو لم يعلَّم؛ بأنه أرسله أحد؛ لأنَّه لم يقطع بوجود الشرط، كما في «القهستاني».\nوفي الحديث: أيضًا دليل ظاهر على أنَّ التسمية شرط، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فالشرط اقتران التسمية بالإرسال، فلو تركها عمدًا عند الإرسال، ثم زجره معها فانزجر؛ لم يؤكل صيده، كما في «القهستاني» و«البدائع».\nوالشروط خمسة عشر؛ خمسة في الصائد: وهو أن يكون من أهل الذكاة، وأن يوجد منه الإرسال، وألَّا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده، وألَّا يترك التسمية عمدًا، وألَّا يشتغل بين الإرسال والأخذ بعمل آخر، وخمسة في الكلب: أن يكون معلَّمًا، وأن يذهب على سنن الإرسال، وألَّا يشاركه في الأخذ ما لا يحل صيده، وأن يقتله جَرْحًا، وألَّا يأكل منه، وخمسة في الصيد: ألَّا يكون من الحشرات، وألَّا يكون من نبات الماء إلا السَّمك، وأن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه، وألَّا يكون متقوِّيًا بنابه أو بمخلبه، وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه، وكلُّها مأخوذة من الحديث، ومقتضى الحديث: عدم الفرق بين كون المعلِّم -بكسر اللام- ممن تحل ذكاته أو لا، واختلف فيه، والجمهور: على أنَّه يشترط كونه مسلمًا أو ذميًّا، فيحرم صيد مجوسي، ووثني، ومرتد، ومُحْرِم؛ لأنَّهم ليسوا من أهل الذكاة، وأمَّا الكتابي؛ فإنَّ ذكاة الاضطرار مثل ذكاة الاختيار، وقد ورد في ذلك آثار؛ منها: عن يحيى بن عاصم، عن علي بن أبي طالب ﵁: (أنَّه كره صيد باز المجوسي وصقره)، ومنها: عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: (لا تأكل صيد المجوسي، ولا ما أصاب سهمه)، ومنها: عن خصيف: قال ابن عباس ﵁: لا تأكل ما صِيْد بكلب المجوسي، وإن سميت؛ فإنَّه من تعليم المجوسي، قال تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ [المائدة: ٤]، وهذه ليس للرأي فيها مجال، فلا تحمل إلا على السماع من النبي الأعظم ﵇، وهو قول عطاء، ومجاهد، والنخعي، ومحمد بن علي، وسفيان الثوري، وغيرهم.\nوفي الحديث: دليل ظاهر على منع ما أكل منه الكلب وهو مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وقال مالك والشافعي: يؤكل وإن أكل منه الكلب؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني في «سنن أبي داود»: «كلْ وإن أكل منه الكلب»، وحديث الباب أصح وأرجح؛ لأنَّه رواه المؤلف من طرق عديدة، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم وحديث أبي ثعلبة غريب فلا يعارض الصحيح المشهور، ويدل لحديث الباب قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، واسم الكلب يقع على كل سبع حتى الأسد على أنَّ حديث الباب محرِّم، وحديث أبي ثعلبة مبيح، والقاعدة عند الأصوليين: أن المحرِّم مقدَّم على المبيح، فثبت بهذا مذهب الإمام الأعظم.\nوفي الحديث أيضًا: دلالة ظاهرة على أنَّه لا بدَّ من الجرْح في أي موضع كان؛ لأنَّ المقصود إخراج الدم المسفوح وهو يخرج بالجرح عادة، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وبه قال الجمهور، وفي رواية عنه وهو قول الإمام أبي يوسف، والشافعي، والشعبي: أنه لا يشترط؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ مطلقًا من غير قيد بالجرح، ولنا حديث الباب؛ وهو نصٌّ في المقصود، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] وهي أن تكون جارحة بأنيابها ومخلبها حقيقة، فتشترط الجراحة حقيقة؛ لأنَّ في اشتراط الجرح عملًا بالمتيقن به، ولأنه إذا لم يجرحه؛ فقد صار موقوذة؛ وهي محرمة بالنَّص، وأما الآية المستدل بها؛ فمطلقة، وما قلناه مقيد، فيحمل المطلق على المقيد؛ لاتِّحاد الواقعةوالسبب، فكان ما قلناه أولى، على أنَّه روي عن إبراهيم، = عن عدي بن حاتم قال: قال ﵇: «إذا رميت فسميت فخرق؛ فكلْ، وإن لم يخرق؛ فلا تأكل، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت»، رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح، ورجاله رجال الصحيح، وهو أيضًا نصٌّ في المقصود، فعلى كلٍّ دليلنا أرجح وأحوط؛ فافهم.\nقال الظاهرية: ومقتضى الحديث وجوب التسمية، فلو تركها عمدًا أو سهوًا؛ لم تحل، وقال الإمام الأعظم: لو تركها عمدًا؛ لم تحل، ولو تركها سهوًا؛ تحل؛ لما في حديث الباب وللآية التي تلوناها، فإنَّ الآية عامة في جميع المأكولات والمشروبات إلا أن الفقهاء أجمعوا على أنَّها مخصوصة بالحيوان الذي زالت حياته، فهو منحصر في ثلاثة أقسام؛ لأنَّ ما زال حياته ولم يذكر عليه اسم الله، إمَّا ألَّا يكون مذبوحًا؛ وهو الميتة، وإمَّا أن يكون مذبوحًا؛ وهو إمَّا أن يذكر عليه اسم غير الله، أو لا يذكر عليه اسم الله ولا اسم غير الله، ولا خلاف في القسمين حرمة، وإنما الخلاف في الثالث وهو الذي ذبحه أهل الذبح ولم يسمَّ عليه أصلًا؛ فعند الإمام الأعظم وأصحابه: أنَّه حرام إن ترك التسمية عمدًا، وحلال إن تركها سهوًا؛ لأنَّ الآية عامة للأقسام الثلاثة دالة على حرمتها، إلَّا أن متروك التسمية بالنسيان خارج عنها لوجهين؛ أحدهما: أنَّ الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] يرجع إلى ترك التسمية وهو أقرب، فالأولى رجوع الضمير إليه، ولا ريب أنَّ إهمال [التسمية] إنَّما يكون فسقًا إذا كان عمدًا؛ لأنَّ الناسي خارج غير مكلف، فيكون المعنى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه عمدًا، فيكون التارك الناسي خارجًا عن الآية، وثانيهما: أنه ﵇ سئل عن ترك التسمية نسيانًا، فقال: «كلوه، فإن تسمية الله في قلب كلِّ مؤمن»، فإنَّه ﵇ لم يجعل الناسي تاركًا؛ حيث جعل تسمية الله في قلب كلِّ مؤمن، ولم يلحق به العامد؛ لأنَّه لما ترك التسمية عامدًا؛ صار كأنَّه نفى ما في قلبه.\nوقال الشافعي: إنَّ التسمية سنَّة، فلو تركها عمدًا أو سهوًا؛ تحل، فالحديث والآية حجَّة عليه؛ لأنَّه نصٌّ صريح في المقصود، فلا يحتمل التَّأويل، واستدل الشافعي بحديث عائشة عند المؤلف: قلت: يا رسول الله؛ إن قومًا حديثو عهد بجاهلية أتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله، وكلوا»، وهو لا يدلُّ على ما قاله؛ لأنَّه يحتمل أنَّه ﵇ علم بطريق الوحي أو الإخبار من الصحابة أنَّهم قد سمُّوا عليه عند الذبح، فلا دليل فيه؛ لأنَّ الدليل إذا طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، ولئن سلَّمنا؛ فقد اجتمع هنا المبيح والمحرِّم، ولا ريب أنَّ المحرِّم مقدَّم على المبيح، ولأنَّ الحرام واجب الترك، والمباح جائز الترك، فكان الاحتياط ترك الأكل من التي لم يذكر اسم الله عليها؛ لأنَّها ميتة، ودليلنا مثبت، ودليله نافٍ، والمثبِت مقدَّم على النافي عند المحققين، وما قاله العجلوني هنا؛ فخبط وخلط، ومنشؤه التعصب لإمام مذهبه، فلا يعوَّل عليه.\nووجه الدلالة من الحديث على طهارة سؤر الكلب: أنه ﵇ أذن لعدي ﵁ في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه.\nومن ثَمَّ قال مالك: كيف يؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟\nوأجيب: بأنَّ الحديث سيق للتعريف أنَّ قتله ذكاته، وليس فيه إثبات نجاسة ولا نفيها، ولذلك لم يقل له: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه.\nواعترض: بأنَّه يحتمل أن يكون وكَّل إليه ذلك.\nوأجيب: بأن المقام مقام التعريف، ولو كان ذلك واجبًا؛ لبينه له ﵇.\nومطابقة الحديث للترجمة على ما في بعض الروايات من زيادة لفظ (وأَكْلِها) بعد لفظ (المسجد)؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣١٤\"> </span>(٣٤) <span data-type=\"title\" id=toc-314>[باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين]</span>\nهذا (باب من لم ير الوضوء) أي: واجبًا (إلا من المخرجَين)، وهو تثنية مخرج -بفتح الجيم- وبيَّن ذلك بطريق عطف البيان بقوله: (القبل والدبر) ويجوز أن يكون جرُّهما بطريق البدل، و(القبل) يتناول الذكر، والفرج، والخنثى، وزاد في رواية: (من القبل)، وسقط (من القبل والدبر) للأصيلي، والحصر لبيان الغالب المعتاد، فالخارج من المخرجين يشمل الدم، والقيح، ويلحق به الفصد والحجامة، والقيء، والنوم، وغيرها، فحكم الخارج منهما وغيرهما سواء في الحكم، فلا يتفاوت، وزعم الكرماني رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (لقوله تعالى) وفي رواية: (وقول الله تعالى): (﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم﴾) يشمل المذكَّر والمؤنث (﴿مِنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]) هو كناية عن قضاء حاجة الإنسان، وهذا لا يصلح دليلًا لما ادَّعاه الشافعية من الحصر على الخارج من المخرجَين؛ لأنَّ عندهم ينتقض الوضوء من لمس النساء ومس الفرج، فإذًا الحصر باطل؛ لأنَّ الملامسة كناية عن الجماع، وقد قال ابن عباس: (المس، واللمس، والغشيان، والقربان، والإتيان، والمباشرة؛ الجماع، لكنه ﷿ حيي كريم يعفو ويكنِّي، فكنَّى باللمس عن الجماع كما كنى بالغائط عن قضاء الحاجة)، ومذهب علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري وعَبيدة السلماني - بفتح العين المهملة-، وعُبيدة الضبي - بضم العين المهملة-، وعطاء، وطاووس، والحسن البصري، والثوري، والأوزاعي: أنَّ اللمس والملامسة كناية عن الجماع، وهو الذي صحَّ عن عمر بن الخطاب كما نقله ابن العربي وابن الجوزي، فحينئذٍ قولهم: ملامسة النساء تبطل الوضوء؛ باطل لا دليل عليه، وكذا مسُّ الذكر، واستدلوا بحديث وهو ضعيف؛ لأنَّه ليس على شرط الشيخين، وإذا كانت","vol":"1","page":71},{"text":"الملامسة بمعنى الجماع كيف يكون مس الذكر مثله؟! فيلزم من ذلك أن يجب الغسل، ولنا أحاديث كثيرة وأخبار شهيرة على أنَّ مسَّ الذكر غير ناقض؛ منها: أنَّه سئل ﵇ عن مسِّ الذكر، فقال: «هل هو إلا بضعة منك؟!» فكان الذكر كاليد والرجل، والإجماع منعقد على أنَّ الشخص إذا مسَّ يده أو رجله لا ينتقض وضوءُه، فكذا هذا بنصِّ الشارع ﵇، وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]، وقوله ﵇ لماعز: «لعلَّك لمست»؛ فالقرينة الحالية وكذا المقالية عيَّنت أنَّه مسُّ اليد، وكلامنا عند عدم القرينة، وهو لا يكون إلا كناية عن الجماع، وتفسير ابن عمر الملامسة بجسِّ اليد قد ثبت أنَّه رجع عنها إلى معنى الجماع، فاللفظ مخصوص به؛ فافهم.\nوإذا عُلِم أن المراد من الغائط الكناية عن قضاء الحاجة؛ عُلِم أن الناقض كل خارج من البدن، فيشمل البول، والغائط، والدم، والقيح، والقيء، والحجامة، وغيرها، فالبول والغائط ثبت بالنصِّ وما ألحق بهما ثبت بدلالته وبالأحاديث المشهورة؛ فافهم.\n (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح، مما وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد صحيح (فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة) واحدة القمل، وهو معروف، وفي معنى الذكر قُبُل المرأة قال: (يعيد الوضوء)؛ لانتقاضه بذلك، فيلزم قطعًا إعادة الصلاة، وفي رواية: (يعيد الصلاة) بدل (الوضوء)، قيَّد بالدودة من الدبر؛ لأنَّه لو خرجت الدودة من الأذن، أو الفم، أو الأنف، أو الجراحة؛ لا ينتقض الوضوء بها، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وابن مسعود، وابن عباس، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، واحتجُّوا بحديث علي بن أبي طالب الآتي في الباب في المذي، وقِيْس عليه نحو القملة، والحصى، وغيرهما، وخالف في ذلك قتادة ومالك فقالا: بإعادة الصلاة دون الوضوء، وهو مرويُّ عن النخعي.\nوقال داود: النادر لا ينقض الوضوء وإن دام إلا المذي؛ لقوله ﵇: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، وأجيب: بأنه إذا أوجب الوضوء بالمعتاد الذي تعمُّ به البلوى، فغيره من باب أولى، والإجماع قائم على أنَّه ليس المراد حصر الناقض للوضوء بالصوت أو الريح الذي في الحديث، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشكِّ، وأما حديث صفوان: (لكن من غائط، وبول، ونوم)، فإنَّه بيَّن فيه جواز المسح وبعض ما يمسح بسبب، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ألا تراه لم يذكر فيه الريح وزوال العقل وهما مما ينقض بالإجماع، ودم الاستحاضة ناقض في قول عامَّة العلماء.\nوقال ابن حزم: المذي، والبول، والغائط من أي موضع خرج من الدبر، والإحليل، أو المثانة، أو البطن، وغير ذلك من الجسد، أو الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره ﵇ بالوضوء عنها، ولم يخص موضعًا من موضع، وبه قال إمامنا ﵁.\nوأمَّا الريح الخارجة من ذكر الرجل وقُبُل المرأة؛ فإنَّها لا تنقض الوضوء؛ لأنَّها ليست بريح حقيقة، وإنما هي اختلاج، وهو يحصل في جميع أعضاء الجسد، كما بيَّنتُ ذلك في رسالة سميتها «احتجاج الإقضاء في بيان اختلاج الأعضاء»، وأما المرأة المفضاة -وهي التي اختلط مسلك بولها ووطئها وصارا واحدًا، أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحدًا-؛ فالريح الخارج منها ناقض؛ فيجب عليها الوضوء، وهو قول الإمام محمد الشيباني، وبه أخذ الإمام أبو حفص البخاري للاحتياط، وقيل: إنَّ كان الريح مسموعًا أو منتنًا؛ نقض، وإلا؛ فلا، كما في «شرح المنية» للبرهان الحلبي، وقيل: إنَّه يستحب لها الوضوء ولا يجب؛ لأنَّه يحتمل أنَّها خرجت من الدبر، فتنقض، ويحتمل أنَّها خرجت من الفرج؛ فلا تنقض، والأصل: تيقن الطهارة والناقض مشكوك فيه فلا ينتقض وضوءُها بالشك، لكن يستحب لها الوضوء؛ لإزالة الاحتمال، كذا في «الجوهرة» و«شرح الهاملية».\n (وقال جابر بن عبد الله) ﵄، مما وصله البيهقي في «المعرفة»، وأبو شيبة في «سننه»: (إذا ضحك) أي: المصلي سواء كان رجلًا أو امرأةً (في الصلاة) وهو ما كان مسموعًا له، ولمن عن يمينه أو عن يساره فقط دون جيرانه؛ وهم أهل مجلسه؛ (أعاد الصلاة) وحكمة الإعادة للزجر؛ لأنَّه واقف في عبادة الله ﷿، فينبغي أن يكون على أكمل الأوصاف، (ولم يعد الوضوء)؛ لعدم انتقاضه بذلك، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه منهم الليث، وهو قول مالك والشافعي، وأمَّا التبسم؛ وهو ما لا صوت له أصلًا بل تبدو أسنانه فقط؛ فهو غير مبطل للوضوء والصلاة جميعًا، وظاهره أنَّ التبسم في الصلاة غير مكروه، كما في «البحر»، لكن في «شرح الملتقى» للداماد (^١) أنَّه قال: (تكره الصلاة به؛ لأنَّه ينافي الخشوع) انتهى.\nوأمَّا القهقهة؛ فإنَّها تنقض الوضوء عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وهي كما قاله في «البحر»: (أن يقول: قه قه؛ لغة، واصطلاحًا: ما يكون مسموعًا له ولجيرانه بدت أسنانه أو لا) انتهى، وفي «المنية»: (وحد القهقهة: قال بعضهم: ما يظهر القاف والهاء، ويكون مسموعًا له ولجيرانه، وقال بعضهم: إذا بدت نواجذه، ومنعه عن القراءة) انتهى، في «القاموس»: (قهقه: رجَّع -بالتشديد- في ضحكه، أو اشتد ضحكه؛ كـ «قهَّ» فيهما، أو «قهَّ»: قال في ضحكه: قه) انتهى وهو موافق لما قاله في «البحر».\nويشترط إظهار الهاء والقاف، أو بدل القاف وهو الألف مع الهاء، وهو المستعمل في كلام الناس، والمراد: من بقربه هم أهل مجلسه، فيشترط سماع جميع أهل مجلسه، فلو سمع بعضهم، ولم يسمع البعض الآخر؛ لا تكون قهقهة، بل هو ضحك غير مفسد للوضوء، كذا قاله شيخ شيخنا، واعتمده في «منهل الطلاب»؛ فليحفظ؛ لما رواه الدارقطني، عن أبي المليح، عن أبيه: بينا نحن نصلي خلف رسول الله ﷺ؛ إذ أقبل رجل ضرير البصر فوقع في حفرة، فقال رسول الله ﷺ: «من ضحك منكم؛ فليعد الوضوء والصلاة»، ورواه أيضًا من حديث أنس، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، والمراد من قوله: من ضحك في الصلاة فقهقه؛ فليعد الوضوء والصلاة، رواه ابن عدي في «الكامل» من حديث بقية عن ابن عمر ﵄، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، وما زعمه ابن الجوزي: من أنَّ بقية مدلس؛ ممنوع؛ فإنَّ بقية قد صرَّح بالتحديث، وهو صدوق كما وثَّقه الحفَّاظ.\nعلى أنَّ لنا في هذا الباب أحد عشر حديثًا عن النبيِّ الأعظم ﵇، منها أربعة مرسلة، وسبعة مسندة:\nفأول المراسيل: حديث أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، رواه عنه عبد الرزاق، عن قتادة، عن أبي العالية، وهو عدل ثقة، وثَّقه يحيى، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى له الجماعة: (أن أعمًى تردَّى في بئر، والنبي ﷺ يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي معه ﵇، فأمر ﵇ من كان معهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة)، وأخرجه\n_________\n(^١) في الأصل: (للدامات).","vol":"1","page":71},{"text":"الدارقطني من جهة عبد الرزاق في «مسنده»، وعبد الرزاق فمن فوقه من رجال «الصحيحين»، وقال ابن رشد المالكي: (هو مرسل صحيح)، ولم يعتلَّ الشافعي إلَّا بإرساله، والمرسل حجَّة عندنا وعند مالك وأحمد، كما حكاه ابن العربي وابن الجوزي، وروي ذلك أيضًا من طرق (^١) سبعة متصلة [ذكرها جماعة، منهم ابن الجوزي.\nوالثاني من المراسيل: مرسل الحسن البصري رواه الدارقطني] (^٢) بإسناده إليه، وهو أيضًا مرسل صحيح.\nوالثالث: مرسل النخعي، رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن النخعي قال: «جاء رجل ضرير البصر، والنبي ﵇ يصلي...»؛ الحديث.\nوالرابع: مرسل معبد الجهني، روي عنه من طرق متعددة.\nوأول المسانيد: حديث عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه.\nوالثاني: حديث أنس بن مالك رواه الدارقطني من طرق متعددة.\nوالثالث: حديث أبي هريرة من رواية أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: «من ضحك في الصلاة؛ أعاد الوضوء وأعاد الصلاة»، رواه الدارقطني.\nوالرابع: حديث عمران بن الحصين عن النبي ﷺ: «من ضحك في الصلاة قرقرة؛ فليعد الوضوء والصلاة».\nوالخامس: حديث جابر، أخرجه الدارقطني.\nوالسادس: حديث أبي المليح بن أسامة، أخرجه الدارقطني أيضًا، كما ذكرناه.\nوالسابع: حديث رجل من الأنصار: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلي، فمرَّ رجل في بصره سوءٌ، فتردَّى في بئر، فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة)، رواه الدارقطني وغيره.\nوزعم ابن حجر حاكيًا عمَّا زعمه ابن المنذر: (أجمعوا أنَّه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها؛ فخالف من قال بالقياس الجلي، أو تمسكوا بحديثٍ لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله تعالى خلف رسول الله ﷺ).\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: هذا الزاعم أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على التابعين الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من وجوه:\nالأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على المراسيل والمسانيد؟! والمراسيل مع كونها حجة عندهم، فما قاله افتراء وتعصب.\nوالثاني: أن قوله: «تمسكوا بحديث» لا يصح، وليس كما زعم، بل تمسكوا بالأحاديث الصحيحة المتواترة المكررة، واختلاف طرقها ومتونها ورواتها دليل قوتها وصحتها، فهذا الزعم باطل لا أحد يعرج عليه من الجهال المتعصِّبين فضلًا عن العلماء الموصوفين.\nوالثالث: قوله: «حاشا من أصحاب رسول الله ﵇...» إلى آخره: هذا طعن في الأحاديث الصحيحة، وهو مردود عليه؛ لأنَّه كان يصلي خلف رسول الله ﷺ الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلا فليس الضحك كبيرة، وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين، ولا عن الكبائر على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا قد وقع من الأحداث في حضرته ﵇ ما هو أشد وأعظم من هذا، فما زعمه باطل لا يعتد به).\nوزعم ابن حجر بعد نقله عن ابن المنذر الذي ذكرناه على: (أنَّهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل خصُّوه بالقهقهة).\nقلت: هذا كلام من لا ذوق له في دقائق التركيب، وقد زاد في الطنبور نغمة على ابن المنذر، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك؟ ولو لم يأخذوا ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة، ولا خصُّوه بالقهقهة، وقد ذكر صريحًا، كما جاء في حديث ابن عمر صريحًا، وجاء أيضًا بلفظ: (القرقرة) في حديث عمران بن حصين، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، فهذا الزعم باطل لا أصل له، بل هو زور وبهتان، كما لا يخفى على من له أدنى بيان.\nوإنما تنقض الوضوء القهقهة إذا صدرت من بالغ رجل أو امرأة، أمَّا قهقهة الصبي؛ فلا تنقض وضوءه إجماعًا، وتفسد صلاته، كذا في «المصفى» و«السراج»، ورجحه في «البحر»، ولا بد أن يكون البالغ يقظانًا، أمَّا قهقهة النائم في الصلاة؛ ففيها (^٣) قولان مصححان، واختار في «فتح القدير»: أنَّها تفسد الصلاة ولا تنقض الوضوء، وبه يفتى، كما في «الدر المختار»، وأمَّا قهقهة الناسي في الصلاة؛ فجزم في «التبيين» بالنقض؛ لأنَّ حالة الصلاة مذكِّرة، ورجحه في «البحر»، ومثل الناسي الساهي، كما في «الدر»، فإنَّه إذا تقهقه في الصلاة ساهيًا؛ انتقض وضوءُه على المختار، ولا بد أن تكون القهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود، فلا تنقض القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، لكن يبطلان، والتيمم كالوضوء، واتفقوا على أنَّ القهقهة لا تبطل الغسل، واختلفوا هل الوضوء الذي في ضمن الغسل ينتقض بها؟ فعلى قول عامة المشايخ: لا ينتقض، وهو الأصح، كما في «شرح الملتقى»، وصحَّح المتأخرون النقض، وهو اختيار الإمام قاضيخان، ورجحه في «البحر»، وقال غير واحد: إنَّه الصحيح، وهو الأحوط، والله أعلم.\nواختلف في القهقهة؛ فقيل: إنها من الأحداث، وقيل: إنَّها ليست من الأحداث، وإنما وجب الوضوء بها زجرًا (^٤) وعقوبة، وهو المعتمد، كما رجحه في «البحر» و«النهر» وغيرهما؛ لأنَّه الموافق للأحاديث المرويَّة فيها؛ لأنَّه ليس فيها إلا الأمر بالإعادة للوضوء والصلاة، ولا يلزم منه كونها حدثًا، وتمامه في «منهل الطلاب».\n (وقال الحسن)؛ أي: البصري، مما وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح: (إن أخذ من شعره) أي: شعر رأسه أو شاربه (أو) من (أظفاره)، ولابن عساكر: (وأظفاره)؛ -بالواو- بعد الوضوء؛ فلا وضوء عليه، وكذا لو قشط خفه بعد مسحه؛ فلا إعادة عليه، والمراد من أخذ الشعر ما هو أعم؛ فيشمل القص والحلق والنتف بالنسبة للإبط، فلا إعادة عليه ولا مسحه في الجميع، خلافًا لأبي العالية، والحكم، وحماد، ومجاهد، وقال عطاء والنخعي والشافعي: (يمسه الماء)، (أو خلع) وفي رواية: بالواو (خفيه) أو أحدهما بعد المسح عليهما؛ (فلا وضوء عليه)، بل يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الإمام الأعظم، والثوري، وأبو ثور، والشافعي في الجديد، والمزني، وقال مكحول، والنخعي، وابن أبي ليلى، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: (يستأنف الوضوء)، وبه قال الشافعي في القديم، وقال مالك والليث: (يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل؛ استأنف الوضوء)، وقال الحسن البصري وقتادة وروي عن النخعي: (أنه لا شيء عليه ويصلي).\n (وقال أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁، مما وصله إسماعيل القاضي في «الأحكام» بإسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا: (لا وضوء إلا من حدث) وهو لغة: الشيء الحادث، ثم نقل إلى المعاني الناقضة للطهارة، وإلى المنع المترتب عليها مجازًا، من باب قصر العام على الخاص، والأول هو المراد هنا، فالحدث عام في سائر الأحداث لا يختص بحدث دون حدث، فيشمل الخارج من السبيلين، والإغماء، والدم، والنوم، والجنون، والقهقهة وغيرها، ولا معنى لتخصيصه بالخارج من السبيلين؛ لأنَّ اللفظ عامٌّ، ولا دليل على التخصيص، والأصل عدمه، ومدَّعيه مطالَب بالدليل؛ فافهم.\n (ويُذكر) بضم المثناة (عن جابر) ﵁، مما وصله ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وصحَّحه، وابن حبان في «صحيحه»، والدارقطني في «سننه»؛ كلهم من طريق ابن إسحاق، وإذا كان الحديث صحيحًا؛ فلمَ لم يجزم به المؤلف، وذكره بصيغة التمريض؟! لأجل الاختلاف في ابن إسحاق، كما في «عمدة القاري»، وما أجاب به ابن حجر والكرماني، فلا يعوَّل عليه؛ لأنَّه لا يقوله من له أدنى معرفة في العلم؛ فافهم.\n (أن رسول الله ﷺ كان في غزوة ذات الرِّقاع)؛ بكسر الرَّاء، جمع رُقعة؛ بضمها، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة يقال له: الرِّقاع، فسميت به، وقيل: سميت به؛ لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: لأنَّ أقدامهم نقبت، فلفُّوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ أبا موسى حاضر ذلك شاهده، وقد أخبر به، وكانت تلك الغزوة في سنة أربع من الهجرة، وذكر المؤلف:\n_________\n(^١) في الأصل: (طريق).\n (^٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل، استفدناه من «عمدة القاري».\n (^٣) في الأصل: (ففيه).\n (^٤) في الأصل: (جزرًا)، وهو تحريف عن المثبت.","vol":"1","page":72},{"text":"أنها كانت بعد خيبر؛ لأنَّ أبا موسى جاء بعد خيبر، كذا في «عمدة القاري».\n (فرُمي) بالبناء للمفعول (رجل) هو عباد بن بشر (بسهم) من رجل من المشركين، وهو قائم يصلي، (فنزَف الدم)؛ بفتح الزاي، وفي رواية: (فنزفه الدم)؛ أي: خرج منه دم كثير حتى يضعف، كذا قاله الجوهري، وقول ابن التين: (كذا رويناه، والذي عند أهل اللغة: «نُزف» على صيغة المجهول؛ أي: سال دمه) فيه نظر؛ فافهم.\n (فركع) أي: الرجل، (وسجد، ومضى في صلاته)؛ أي: لم يقطعها، فاستدلَّ به الشافعي على أنَّ الدم إذا خرج وسال؛ لا ينقض الوضوء، والاستدلال غير ظاهر؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الرجل قد قضى تلك الصلاة بعد أنَّ عصب جراحته، ومضيُّه فيها كان لعدم علمه بخروج الدم؛ بدليل ما في الحديث المذكور، ولمَّا رأى المهاجري بالأنصاري من الدماء؛ قال: سبحان الله! ألا نبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحبَّ أن أقطعها، فنسب عدم القطع للسورة لا للصلاة، وهذا يدلَّ على أن المهاجري أنكر عليه ذلك حيث رآه في الصلاة ودمه سائل على ثيابه وبدنه، وهو يدلَّ على أن الأنصاري كان لا يعلم الحكم؛ لكونه حديث عهد بالإسلام، فعلم بذلك أنَّه لا يدري سيلان الدم منه فمضى في صلاته ثم قضاها، والدليل إذا طرقه الاحتمال؛ لا يصح الاحتجاج به.\nعلى أنَّ احتجاج الشافعي بالحديث مشكل جدًّا؛ لأنَّ الدم إذا سال؛ أصاب بدنه ورجله، وربما أصاب ثوبه وثيابه، ونزل عليه من الدماء، ومع إصابة شيء من ذلك، فإن كان يسيرًا؛ لا تصح الصلاة معه عنده، فكيف بالكثير الفاحش؟\nوأجابوا عن ذلك: بأنَّ الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزَّرَق حتى لا يصيب شيئًا من ظاهر بدنه.\nقلت: وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ الإنسان إذا جرحه موسًى أو قلم طراش جرحًا يسيرًا؛ لا بدَّ وأنَّ الدم يبقى على رأس الجرح؛ لأنَّ الدم ليس له قوة السيلان كالماء، بل هو ثقيل، وبمجرد خروجه يتجمَّد ويلطخ بالبدن والثوب، كما هو مشاهد بالعينين.\nوحاول ابن حجر الاستدلال لإمامه، وجعله للمؤلف حيث قال: (والظاهر: أنَّ المؤلف يرى أنَّ خروج الدم في الصلاة لا تبطل بدليل أنه ذكر عقيبه أثر الحسن).\nقلت: وهذه المحاولة لضعف استدلال إمامه فجعله للمؤلف، وهو بعيد غير صحيح أيضًا، فإن المؤلف لم ير ذلك ولا قال به، ونسبته لهذا القول رجمًا بالزعم الباطل، وأثر الحسن لا يدلُّ على شيء من ذلك أصلًا؛ لأنَّه لا يلزم من قوله: (يصلُّون في جراحاتهم) أن يكون الدم خارجًا سائلًا، ومن له جراحة؛ لا يترك الصلاة لأجلها، بل يصلي وجراحته إمَّا معصبة بشيء أو مربوطة بجبيرة، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك؛ لا تفسد صلاته بمجرد الخروج، ولا بدَّ من السيلان وخروجه إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ فافهم.\nواحتج أئمتنا الحنفية بأحاديث كثيرة صحيحة منها: ما رواه الإمام المؤلف في هذا الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنَّما ذلك عرق، وليس بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت؛ فاغسلي عنك الدم» قال هشام: (قال: أي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)، فهذا دليل واضح على أن سيال الدم ناقض للوضوء، لا يقال: قوله: «توضئي لكل صلاة» من كلام عروة؛ لأنَّ الترمذي لم يجعله من كلام عروة وصحَّحه، ولنا أحاديث غيره ستأتيك إن شاء الله تعالى؛ فافهم.\n (وقال الحسن) أي: البصري: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم)؛ جمع جِراحة؛ بكسر الجيم فيهما؛ أي: يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم بأن تشدَّ بجبيرة أو تعصب بشيء، والدليل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن: (أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا)، هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وهو حجة لهم على الخصم، فبطل بذلك قول القائل: (لكونه يرد ما ذهب إليه ويبطل ما اعتمد عليه)، وليس هذا شأن المصنفين، وإنَّما هو دأب المعاندين المتعصبين الذين يدقون الحديد البارد على السندان، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.\nواعترض القسطلاني: (بأنَّ الأثر الذي رواه المؤلف ليس هو الذي ذكره ابن أبي شيبة، فإنَّ الأول روايته عن الصحابة وغيرهم والثاني مذهبٌ للحسن) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، بل الذي ذكره المؤلف هو عين ما ذكره ابن [أبي] شيبة، وهما في الحقيقة واحد، لكن دأب المؤلف الاختصار، فاقتصر المؤلف بهذه العبارة لبيان غرضه، وأحال على ما ذكره ابن أبي شيبة، وكلُّ ذلك مروي عن الصحابة، وهو مذهب الحسن؛ لأنَّه لو كان الأول روايته عن الصحابة والثاني مذهبٌ له؛ لكان مذهب الحسن مخالفًا لأقوال الصحابة، ويلزم منه القول بالرأي، وإذا وُجِدت أقوال الصحابة؛ لا مساغ للرأي عند وجودها، فثبت بذلك أنَّ الأثر المذكور وإن كان في الظاهر أنَّه أثران؛ لكنهما في الحقيقة أثر واحد مرويٌّ عن الصحابة، وهو مذهب الحسن؛ فافهم، ومنشأ الاعتراض إنَّما هو من التعصب والمحاولة؛ فافهم.\n (وقال طاووس)؛ هو ابن كيسان اليماني الحميري، واسمه ذكوان، وسمي طاووسًا؛ لأنَّه كان طاووس القراء، ووصل أثره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن عبد الله بن موسى، عن حنظلة، عن طاووس، توفِّي طاووسًا بمكة يوم التَّروية سنة ست ومئة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، (و) قال (محمد بن علي)؛ أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، الهاشمي، المدني، أبو جعفر المعروف بالباقر، سمي به؛ لأنَّه بقر العلم؛ أي: شقَّه (^١) بحيث عرف حقائقه، وتوفي سنة أربع عشرة ومئة، وزعم الكرماني: (أنه يحتمل أن يكون محمد بن علي المشهور بابن الحنفية)، وهو بعيد؛ لأنَّ عادة المؤلف إذا روى عن ابن الحنفية؛ صرح بقوله: (عن ابن الحنفية)، ولم يصرح بـ (محمد بن علي) ويطلق، وهو دليل على أنَّه هنا ما ذكرناه؛ فافهم، وهذا الأثر وصله أبو بشر المشهور بسمويه في «فوائده» من طريق الأعمش، (و) قال (عطاء)؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، وأثره وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، (و) قال (أهل الحجاز)؛ من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ طاووسًا ومحمد بن علي وعطاء حجازيون، وغير هؤلاء الثلاثة مثل سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والفقهاء السبعة من أهل المدينة، ومالك، والشافعي، وآخرون: (ليس في الدم) السائل (وضوء) بل يغسل عنه الدم، وقال الإمام الأعظم، وأصحابه، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وأبو عمرو، والثوري، والحسن ابن حيٍّ، وعبيد الله بن الحسن، والأوزاعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق ابن راهويه: إن الدم إذا سال ينقض الوضوء؛ لما رواه الدارقطني: «إلا أن يكون دمًا سائلًا»، وفيه أحاديث أخرى دالَّة على ذلك، فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل؛ فإنَّه لا ينقض الوضوء عندهم جميعًا، وما أعلم أحدًا (^٢) أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهد وحده، وهذا الأثر ليس بحجة لمن قال: ليس في الدم السائل وضوء؛ لأنَّهم لا يرون العمل بفعل التابعين، ولا هو حجة على السادة الحنفية ومن تابعهم؛ لأنَّه لا يدل على أنَّ طاووسًا ومن معه كانوا يصلُّون والدم سائل؛ لأنَّ ذلك متعذر، ولئن سلَّمنا ذلك؛ فهو اجتهاد منهم، وقد قال الإمام الأعظم التابعي الجليل: «التابعون رجال، ونحن رجال يزاحمون ونزاحمهم»؛ والمعنى: أن أحدًا منهم إذا أدَّاه اجتهاده إلى شيء لا يلزمنا الأخذ به، بل نجتهد كما اجتهدوا، فما أدى اجتهادنا إليه؛ عملنا به وتركنا اجتهادهم، والظاهر: أنَّ هذا الأثر ليس بمروي عن النبي ﵇، وإنما هو اجتهاد منهم، فلا يلزمنا اتباعهم، بل نتبع المرويَّ عن النبي الأعظم ﷺ صريحًا، فإنَّه صرَّح بلزوم الوضوء من الدم السائل، وهو مذهبنا، وهو الحقُّ، وأدين الله عليه، والله أعلم.\n (وعصر) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄، مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (بَثْرة)؛ أي: واحدة في وجهه، كما صرح به\n_________\n(^١) في الأصل: (سنَّه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أحد).","vol":"1","page":72},{"text":"ابن أبي شيبة، وهي بفتح الموحَّدة وسكون المثلَّثة، ويجوز فتحها: الخراج الصغير، كالجدري، (فخرج منها)؛ أي: من البثرة (دم) وعند [ابن] أبي شيبة: (فخرج منها شيء من دم فحكَّه بين أصبعيه، ثم صلى) (ولم يتوضأ)؛ لأنَّه غير ناقض للوضوء؛ لعدم سيلانه، ولا فيه قوة السيلان، كما لو تخلل بعود فخرج عليه دم لا ينتقض؛ لأنَّه غير سائل، وقال في «الهداية»: ولو خرج الدم بالعصر وكان بحيث لو لم يعصر؛ لم يسل؛ قالوا: لا ينقض؛ لأنَّه ليس بخارج، وإنما هو مُخرَج، وهو المختار، وهو ظاهر عبارة القدوري، لكن اختار في «فتح القدير» عن «الكافي» النقض قال: (وهو الأصح، واعتمده غير واحد).\nقلت: والمعتبر عين السيلان، ولو بالقوة؛ لما قالوا: لو مسح الدم كلما خرج، ولو تركه لسال؛ نقض، وإلا؛ فلا، وكذا لو وضع عليه قطنة أو شيئًا آخر حتى ينشف، ثم وضعه ثانيًا وثالثًا، فإنه يجمع جميع ما نشف، فإن كان بحيث لو تركه سال؛ نقض، وإلا؛ فلا، وإنما يعرف ذلك بالاجتهاد وغلبة الظن، كذا في أكثر المعتبرات، فإذًا المعتبر السيلان، وفي مسألتنا لم يوجد السيلان ولو بالقوة؛ فلا نَقْضَ للوضوء أصلًا، فهذا حجَّة لمذهب الإمام الأعظم وأصحابه ﵃؛ فافهم.\n (وبزق)؛ بالزاي والسين والصَّاد بمعنًى واحد، كذا قاله في «عمدة القاري»، (ابن أبي أوفَى)؛ بفتح الفاء، هو عبد الله، واسم أبي أوفى: علقمة بن الحارث، الصحابي بن الصحابي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قُبِض النبي الأعظم ﵇، وقال في حقِّه ﵇: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»، ثم انتقل إلى الكوفة، وتوفِّي بها سنة سبع وثمانين، وقد كُفَّ بصره، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وهذا عبد الله بن أبي أوفى أحد من رأى الإمامُ الأعظمُ من الصحابة وروى عنه، وكان عمر الإمام الأعظم حينئذ سبع سنين، لأنَّ مولده ﵁ كان سنة ثمانين على الصحيح، وقيل: سنة سبعين، وعليه فيكون حين رآه عمره سبع عشرة سنة.\nوقد صح أن الإمام الأعظم قد سمع الحديث من سبعة من الصحابة، كما بسطه في أواخر «منية المفتي»، وذكر شمس الدين بن عربشاه الأنصاري في «منظومته» ثمانية من الصحابة ممن روى عنهم الإمام الأعظم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن أنيس، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن بسر، ومحمود بن ربيع رضي الله تعالى عنهم، فهو من التابعين، كما جزم به الحافظ الذهبي، وابن حجر العسقلاني، والبدر العيني وغيرهم من الحفاظ، وأدرك بالسن نحو عشرين صحابيًّا، كما بسطه في أوائل «الضياء المعنوي»، وزاد عليه في «تنوير الصحيفة»، وقد اتَّبعه على مذهبه كثير من الأولياء الكرام؛ كإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، ومعروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي، وفضيل بن عياض الخراساني، وداود بن نصر الطائي، وأبي حامد اللفاف، وخلف بن أيوب، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وأبي بكر الورَّاق، وغيرهم ممن لا يُحصَون، وقال أبو القاسم القشيري: (سمعت أبا علي الدقاق يقول: أخذت هذه الطريقة عن أبي القاسم النصرباذي، وقال: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من الإمام الأعظم ﵃، وكلٌّ منهم قد أثنى عليه، وأقر بفضله)، وقال ابن المبارك في حقِّه ﵁:\nلقد زان البلادَ ومن عليها... إمَامُ المسْلِمينَ أبُو حَنِيفةْ\nبأحكامِ وآثارِ وفقهٍ... كآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى صَّحِيفَةْ\nفما في المشرقين له نظيرٌ... ولا في المغربين ولا بكوفةْ\nيبيت مشمِّرًا سَهَرَ الليالي... وصام نهاره لله خيفةْ\nفمن كأبي حنيفة في علاه... إمام للخليقة والخليفةْ\nرأيت العائبين له سفاهًا... خلاف الحق مع حجج ضعيفةْ\nوكيف يحل أن يؤذى فقيه... له في الأرض آثار شريفةْ؟\nوقد قال ابن إدريسٍ مقالًا... صحيح النقل في حكمٍ لطيفةْ\nبأنَّ الناس في فقه عيالٌ... على فقه الإمام أبي حنيفةْ\nفلعنة ربنا أعداد رمل... على من رد قول أبي حنيفةْ\nفأشار ﵁ بابن إدريس، وهو الإمام الشافعي حيث قال: (الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه)، وقد تزوج الإمام محمد الشيباني بأم الشافعي، ففوض إليه كتبه وماله، فبسببه صار الشافعي فقيهًا، ولقد أنصف الشافعي حيث قال: (من أراد الفقه؛ فليلزم أصحاب أبي حنيفة، فإنَّ المعاني قد تيسَّرت لهم، والله ما صرت فقيهًا إلَّا بكتب محمد بن الحسن)، وقال: (إن من أمنِّ الناس عليَّ في الفقه محمد بن الحسن)، كذا ذكره غير واحد من الحنفية والشافعية حتى ابن حجر في «التحفة»، ولا يلتفت إلى قول المعاندين المتعصبين، وليس مثلهم إلا كمثل الذباب وقع تحت ذنب جواد في حالة كرِّه وفرِّه، ولا يخفى أن النقي لا يغيره مقل الذباب، كما أن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ولله درُّ من قال:\nيَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيُكْلِمَهُ... أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ\nومنشأ ذلك أنه لما شاعت فضائل الإمام الأعظم، وظهرت رفعته، ولم يظهر لأحد من الأئمة المشهورين مثل ما ظهر له من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع الناس والعلماء بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة، والمسائل المستنبطة، والنوازل والقضايا والأحكام، وما قال قولًا إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى ﵇، كما في «الدر» و«القهستاني» يدل لذلك ما ذكره أهل الكشف أن مذهبه آخر المذاهب انقطاعًا، كما قاله الشعراني في «الميزان»؛ تكلموا فيه بما يليق بهم، كما تكلموا في مالك والشافعي وأحمد، بل وفي الصدِّيق وعمر وعثمان وعلي، وكل الصحابة، ولله درُّ من قال:\nوَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْجُو مِنِ النَّاسِ سَالِمًا... وَلِلنَّاسِ قَالٌ بِالظُّنُونِ وَقِيلُ\nوقد انتصر للإمام الأعظم السيوطي في «تبييض الصحيفة»، وابن حجر في «الخيرات الحسان»، وابن عبد الهادي الحنبلي في «تنوير الصحيفة» وغيرهم من الأئمة الأعلام، ولله درُّ القائل:\nحَسْبِي مِنِ الْخَيْرَاتِ مَا أَعْدَدْته... يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رِضَا الرَّحْمَنِ\nدِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْوَرَى... ثُمَّ اعْتِقَادِي مَذْهَبَ النُّعْمَانِي\nوقد نظم بعض الأفاضل تاريخ مولد الإمام الأعظم ووفاته، ومولد الإمام مالك ووفاته، ومولد الإمام الشافعي ووفاته، ومولد الإمام أحمد ووفاته؛ مشيرًا إليه بحروف الجُمَل لكل إمام منهم ثلاث كلمات على هذا الترتيب حيث قال:\nتَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا... وَمَالِكٌ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضُبِطَا\nوَالشَّافِعِيُّ صَيِّنٌ بِيْرٌ نَدٍ... وَأَحْمَدٌ بِسَبْقِ أَمْرٍ جُعِّدَا\nفَاحْسبْ عَلَى تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ... مِيلَادَهُمْ فَمَوْتُهُمْ كَالْعُمُرِ\nوفيه إشارة إلى أنهم على هذا الترتيب كترتيب الخلفاء الراشدين: الإمام الأعظم، فمالك، فالشافعي، فأحمد ﵃.","vol":"1","page":73},{"text":"وهذا الأثر وصله سفيان الثوري في «جامعه»، عن عطاء بن السائب، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند جيد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب قال: رأيت ابن أبي أوفى بزق (دمًا) مخلوطًا بالبزاق، وهو يصلي من غير إظهار حروف، (فمضى في صلاته)؛ أي: استمر فيها؛ لعدم انتقاض طهره بذلك؛ لأنَّ الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه؛ فغير ناقض للوضوء عند الإمام محمد، كما في «التاترخانية»، وهو الصحيح، كما في «المحيط» و«السراج»، وإن كان من بين أسنانه؛ فالمعتبر للغلبة للبزاق وللدم، فإن غلب البزاق على الدم لا يَنْقُض، كما في مسألتنا، وإن غلب الدم؛ نقض، والغلبة تُعلَم من حيث اللون؛ فإن كان الدم المخلوط لونه أصفر؛ فهو مغلوب لا يَنْقُض، وإن كان شديد الحمرة؛ فهو غالب، وإن لم تشتدَّ حمرته؛ فمساوٍ، وهما ناقضان احتياطًا، ولم يتعرض الراوي لذلك، وظاهر كلامه هذا.\nوقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل بزق فرأى في بزاقه دمًا: أنه لم يرَ ذلك شيئًا حتى يكون عبيطًا، وروي عن ابن سيرين: (أنه ربما بزق، فيقول لرجل: انظر هل تغير الريق؟ فإن قال: تغير يبزق الثانية، فإن كان في الثالثة متغيِّرًا؛ فإنَّه يتوضأ، وإن لم يكن في الثالثة متغيِّرًا؛ لم يرَ الوضوء).\nقلت: والتغيير لا يكون إلا بالغلبة، كما ذكرنا؛ فافهم، والله تعالى الكريم أعلم.\n (وقال ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (و) قال (الحسن)؛ أي: البصري، وهذان الأثران رواهما ابن أبي شيبة في «مصنفه» (فيمن يَحْتَجِم) وللأربعة: (فيمن احتجم): (ليس عليه إلا غَسْلُ مَحَاجمه) جمع مَحجمة -بفتح الميم-: مكان الحجامة، وبكسر الميم: اسم للقارورة، والمراد هنا الأول، وسقط لفظة: (إلا) عند أكثر الرواة؛ يعني: أن الوضوء ينتقض بالحجامة، وعليه غسل مكان الحجامة؛ لأنَّها تنجَّست بالدم النجس، فإنَّ هذين الأثرين مبنيان على سؤال سائل سأل: إذا احتجم الرجل هل يَنْجُسُ مكان الحجامة؟ فأجابا: بأنَّه يلزمه غسل مكان الحجامة؛ يعني: وإذا كان متوضِّئًا؛ ينتقض وضوءُه، فلا دلالة فيه على أنَّ الحجامة لا تنقض الوضوء؛ لأنَّه لم يصرِّح بالوضوء؛ هل السائل متوضِّئ أم لا؟ والظاهر: أن السؤال وقع عن مكان الحجامة، هل تنجس؛ فيلزم غسله، أو طاهر؛ فلا يلزم؟ ويدل لهذا لفظ أثر ابن عمر: (أنه كان إذا احتجم؛ غسل أثر محاجمه)، وأثر الحسن: أنه كان يقول: (يغسل أثر المحاجم)، ففي كلٍّ منهما لم يتعرض لذكر الوضوء، فدلَّ على أن الوضوء ينتقض، ويلزمه غسل محاجمه، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والإمام أحمد ابن حنبل وغيرهم.\nوقال في «عمدة القاري»: (الدم الذي يخرج من موضع الحجامة مُخرَج وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج، فإذا احتجم وخرج الدم في المَحْجَمِ بمصِّ الحجَّام ولم يَسِلْ ولم يلحق إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ فعلى الأصل المذكور: الوضوء لا ينتقض، ولكن لا بدَّ من غسل مَحَاجمه بأي شيء كان) انتهى.\nولئن سلمنا أنَّه على ظاهره غير ناقض؛ فهو ليس بحجة على الأئمة الحنفية والحنابلة؛ لأنَّه إن كان من أقوال الصحابة؛ فالمروي عن النبي الأعظم ﵇ بالنقض بالدم أحق وأولى بالاتباع، وأقوال الصحابة لها تأويل ومحمل صحيح، ولا تأويل ولا محمل لأقوال النبي الأعظم ﵇، وإن كان من قول التابعين؛ فليس بحجة عليهم؛ لأنَّه لا يلزمنا الأخذ بما اجتهدوا به؛ لأنَّ كلَّ واحد من التابعين له اجتهاد خاصٌّ، فلا يلزم الأخذ باجتهاده، فهم رجال ونحن رجال، كما قدمناه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-315>[حديث: لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة]</span>\n١٧٦ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد، أي: ابن أبي إياس؛ بكسر الهمزة، كما صرح به في رواية (قال: حدثنا ابن أبي ذئب)؛ بالهمز، نسبه لجده الأعلى؛ لشهرته به، وإلا فهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب -واسمه هشام- بن شعبة (قال: حدثنا سعيد)؛ أي: ابن أبي سعيد؛ بكسر العين فيها (المقبُري)؛ بتثليث الموحدة والضم أشهر، وفي رواية: (عن سعيد المقبري)، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁ (قال: قال النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، (ﷺ: لا يزال العبد)؛ أي المؤمن وكذا المرأة (في صلاة) خبر (يزال)؛ أي: في ثواب صلاة، والقرينة على ذلك قوله: (ما كان)، وفي رواية: (ما دام) (في المسجد) أي مسجد كان، فـ (أل) فيه للجنس، وهو شاملٌ للمكان المُعَدِّ للصَّلاة في داره أو بيته أو غيرهما؛ لأنَّ الثواب المترتب سببه الانتظار؛ فافهم، ولذا قال: (ينتظر الصلاة) جملة محلها النصب خبر للفعل الناقص (كان) أو (دام)، وإما حال و(في المسجد) الخبر، ويجوز العكس، وإنما نكَّر (الصلاة)؛ لأنَّه قصد به التنويع؛ ليُعلَم أن المراد نوع صلاته التي ينتظرها، مثلًا لو كان في انتظار صلاة الظهر كان في صلاة الظهر، وهلمَّ جرًّا، وأمَّا تعريف (المسجد)، فلأن المراد به المسجد الذي هو فيه مطلقًا، كما قلنا، والتقدير في ذلك: لا يزال العبد في ثواب صلاة ينتظرها ما دام ينتظرها، والقرينة على ذلك لفظالانتظار، ولو كان يجري على ظاهره وكان المراد حقيقتها؛ لما جاز له أن يتكلَّم، ولا أن يأتي بما لا يجوز فعله في الصلاة، فيقرأ القرآن، أو يسبِّح، أو يهلل، أو يَتَنَفَّل في غير وقت مكروه لا أنَّه يتكلم بكلام الناس كالمباح، فإنَّه ورد أنَّ الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فيظنُّ نفسه أنَّه قد فعل طاعة وحَصَّلَ ثوابًا، والحال أنه قد فعل مكروهًا وذهبت حسناته، وهذا فضلًا عما اعتيد في زماننا من الكلام المُحَرَّمِ في المسجد كالغيبة التي صارت في زماننا فاكهة المجالس، وكذا النميمة والكذب وغيرها من المحرمات التي لا يجوز فعلها في كلِّ مكان فضلًا عن المسجد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n (ما لم يُحْدِثْ)؛ أي: ما لم يأت بالحدث، وهو أعم من أن يكون فُسَاءً أو ضُرَاطًا أو غيرهما من النواقض للوضوء من المجمع عليها والمختلف بها، وكلمة (ما) مصدرية زمانية، والتقدير: مدة دوام عدم الحدث، كما في قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]؛ أي: مدة دوامي حيًّا، فحُذِفَ الظرفُ وخَلِفَتْهُ (ما) وَصِلَتُها.\n (فقال رجل) هذا مدرج من سعيد (أعجمي)؛ وهو الذي لا يُفْصِح، ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب، والعجم: خلاف العرب، والواحد: عجمي، وقال الجوهري: (لا تقل: رجل أعجمي؛ فتنسبه إلى نفسه إلا أن يكون أعجم وأعجمي؛ مثل: دوار ودواري)، قال في «عمدة القاري» بعد نقله ذلك: (فهم من كلامه أن الياء المثناة التحتية في «أعجمي» ليست للنسبة كما زعمه ابن حجر، وإنما هي للمبالغة) انتهى، قلت: وهو في غاية التحقيق؛ فافهم.\n (ما الحَدَثُ يا أبا هريرة؟ قال: الصوت؛ يعني: الضرطة) ونحوها من المفسدات للطهارة المجمع عليها والمختلف بها؛ لأنَّ لفظ (الحدث) عامٌّ في سائر النواقض، وإنما خصص الحدث بالضرطة؛ لأنَّ الغالب أنَّ الخارج في المسجد حالة الانتظار إنَّما هو الريح المعبر عنه بالضرطة، فوقع الجواب طبق السؤال، ولكن فهم أبو هريرة أنَّ مقصود هذا السائل الحدث الخاص، وهو الذي يقع في المسجد حالة الانتظار، والعادة أنَّ ذلك لا يكون إلا الضرطة فوقع الجواب طبق السؤال، وإلا فأسباب النقض كثيرة، كذا في «عمدة القاري»، وهو الظَّاهر، كما في «القسطلاني» و«العجلوني»، والله أعلم.","vol":"1","page":73},{"text":"<span id=\"b-٣١٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-316>[حديث: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا]</span>\n١٧٧ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، أو هشام بن عمار، والمكنَّى بأبي الوليد أيضًا، وهو يروي أيضًا عن ابن عيينة، ويروي عنه المؤلف، لكن الأكثر على أنه الأول، كذا في «عمدة القاري» (قال: حدثنا ابن عيينة) أي: سفيان؛ كما صرح به في رواية، (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب، (عن عبَّاد)؛ بتشديد الموحدة (بن تميم) الأنصاري، (عن عمه) عبد الله بن زيد المازني ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ قال: لا ينصرفْ)؛ بالجزم؛ أي لا يخرج المصلِّي من صلاته، وفي رواية: (لا ينفتل)؛ بالفاء والمثناة الفوقية (^١) واللام، وهو بمعنى: لا ينصرف، وقد سبق الحديث تامًّا في باب (لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن)، ولفظه: أنَّه شكى إلى النبي ﵇ الرجل الذي يخيل إليه أنَّه يجد الشيء في الصلاة، فقال ﵇: «لا ينصرف أو لا ينفتل» على الشك (حتى) للغاية؛ أي: إلى أن (يسمع) بالنصب بتقدير (أن) الناصبة (صوتًا)؛ أي: خارجًا من دُبُرِه، (أو يجد ريحًا)؛ أي: منه أيضًا، وإنما ذكر سماع الصوت ووجدان الرائحة حتى يتناول الأصم والأخشم، والمراد تحقق وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع؛ لأنَّ الأصم لا يسمع شيئًا، والأخشم: الذي ذهبت منه حاسة الشم لا يشم أصلًا، وإنما خص النوعين بالذِّكر، وإن كان غيرهما كذلك؛ لأنَّه خرج على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وإنما عبر بالوجدان دون الشم؛ ليشمل ما لو لمس المحل بيده، ثمَّ شم يده، وفيه دليل على أنَّ لمسَ الدُّبرِ والذَّكَرِ غيرُناقض للوضوء؛ فليحفظ، وقد سبق تقريره.\n\n <span id=\"b-٣١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-317>[حديث علي: كنت رجلًا مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله]</span>\n١٧٨ - وبه قال: (حدثنا قُتيبة)؛ بضم القاف، هو ابن سعيد (قال: حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد، (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران، (عن منذر أبي يعلى) هذه كنيته، واسم أبيه يعلى أيضًا (الثَّوري) بفتح المثلثة، (عن محمد ابن الحنفية)؛ هو ابن علي بن أبي طالب: أنه (قال: قال عليٌّ) أي: ابن أبي طالب أبوه ﵁: (كنت رجلًا مذَّاء)؛ بتشديد الذال المعجمة، والمد على وزن: (فعَّال)؛ أي: كثير المَذْي، بوزن: ظَبْي، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الشهوة لا بشهوة، ولا دفق، ولا يعقبه فُتُور، وربما لا يحس بخروجه، وهو أغلب في النساء من الرجال، وهو من النساء يسمى القَذَى-بفتحتين- كذا في «منهل الطلاب» عن «البحر»، وظاهره: أنَّ هذه الحالة مستدامة له ﵁، ولذا أتى بقوله: (كنت)؛ فإنَّها تشعر بالاستدامة؛ فافهم، ويدلُّ لذلك ما في «سنن البيهقي الكبير» من حديث ابن جريج عن عطاء: أن عليًّا كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي، ففيه استحباب وضع الفتيلة إن اضطر (^٢) إليها في حال الاستنجاء، (فاستحييت)؛ بمثناة أو بمثناتين (أن أسأل رسول الله ﷺ)؛ أي: عن حكم المذي؛ لمكان ابنته فاطمة ﵂، (فأمرت المقداد ابن الأسود)؛ هذا مجاز؛ لأنَّ أباه في الحقيقة ثعلبة البهراني، وإنَّما نسب إلى الأسود؛ لأنَّه تبنَّاه، أو حالفه، أو لغير ذلك، أن يسأله ﵇ عن ذلك، (فسأله)، وفي رواية: (فأمرت رجلًا)، وعند النسائي: (فأمرت عمَّار بن ياسر)، وعند ابن خزيمة: (أن عليًّا سأل)، وطريق الجمع بين الروايات: أن عليًّا أمرهم بالسؤال، ثم ذهب وسأل بنفسه، وما قيل: إنَّه يحتمل المجاز أو الحقيقة غير ظاهر؛ فافهم، (فقال) ﵇؛ مجيبًا له: (فيه الوضوء)؛ أي: بخروج المذي يجب الوضوء لا الغسل، فقدَّم الخبر؛ للحصر، ولو وَجَبَ فيه الغسل؛ يلزم الحرج، وفي حديث غسَّان الضبعي عند أبي موسى المديني في «معرفة الصحابة» قال ﵇: «لو اغتسلتم من المذي؛ كان أشدَّ عليكم من الحيض»، وإسناده لا بأس به.\n (ورواه) ولابن عساكر: بإسقاط الواو؛ أي: هذا الحديث (شعبة) أي: ابن الحجاج، (عن الأعمش) سليمان بن مهران عن منذر... إلى آخر السَّند المذكور، ووصله الطيالسي في «مسنده» عن شعبة كذلك، وهذا التعليق من المؤلف ذكره متابعة، وحديث المقداد في المذي مجمعٌ عليه أنَّ فيه الوضوء، وليس له مطابقة للترجمة؛ لأنَّه خارج عن أحد المخرجين، كذا في «عمدة القاري» وابن حجر.\n\n <span id=\"b-٣١٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-318>[حديث زيد بن خالد: أرأيت إذا جامع فلم يمن</span>؟]\n١٧٩ - وبه قال: (حدَّثنا سعْد بن حفص)؛ بسكون العين، رواية الجميع إلا القابسي، فقال: (سعيد)؛ بالمثناة التحتية، وسعد هذا هو الكوفي الطلحي -بالمهملتين- الضخم، المتوفى سنة خمس عشرة ومئتين، ولعلَّ القابسي اشتبه عليه بما في «النسائي»: (سعيد بن حفص) -بزيادة المثناة التحتية- النفيلي، المتوفى سنة سبع وثلاثين ومئتين، قلت: والظاهر: أنَّه سهو من القابسي، ولذا اقتصر جميع الشرَّاح على الأول؛ فافهم، (قال: حدثنا شَيْبان)؛ بفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، بعدها موحدة، هو ابن عبد الرحمن، أبو معاوية النحوي، (عن يحيى)؛ هو ابن أبي كثير البصري التابعي الصغير، (عن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي: (أن عطاء بن يَسار)؛ بفتح التحتية أوله، بعدها سين مهملة، التابعي المدني (أخبره)؛ أي: أخبر عطاءٌ أبا سلمة: (أن زيد بن خالد) الجهني المدني الصحابي (أخبره)؛ أي: أخبرَ زيدٌ عطاءً: (أنه سأل عثمان بن عفان) ﵁ (قلت): قائله زيد بن خالد لعثمان، فهو بصيغة المتكلم، وإنما لم يقل: (قال) كما قال: (أنه سأل)؛ لأنَّ فيه نوع التفات، وهو نوع من محاسن الكلام؛ لأنَّ فيه اعتبارين، وهما عبارتان عن أمر واحد، ففي الأول: نظر إلى جانب الغيبة، وفي الثاني: إلى جانب المتكلم، كذا في «عمدة القاري».\n (أرَأيت)؛ بفتح الرَّاء؛ ومفعوله محذوف؛ أي: أَخبِرْني أنه توضأ أم لا؟ (إذا جامع)؛ أي: الرجل امرأته -مثلًا- أو بطَّن، أو فخَّذ (فلم) وفي رواية: (ولم)؛ بالواو (يُمنِ)؛ بضم التحتية رواية، وقد تفتح وتسكن الميم لغة، وقد تفتح الميم وتشدد النُّون مع ضم أوله لغة ثالثة، يقال: منى، وأمنى، ومنى، وأشهرها وأفصحها الوسطى، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ [القلم: ٥٨].\n (قال عثمان)؛ أي: ابن عفان ﵁: (يتوضأ) إنَّما أمره بالوضوء؛ لأجل الاحتياط؛ لأنَّ الغالب خروج المذي من المُجَامع وإن لم يشعر به (كما يتوضأ للصلاة) أشار به إلى أن المراد بالوضوء: الوضوء الشرعي لا اللغوي، ففيه أن المباشرة الفاحشة تنقض الوضوء، وهي أن يتجردا معًا متعانقين متماسين الفرجين من جهة القبل أو الدبر مع انتشار آلة الرجل بالنسبة إليه في نقض وضوئِه لا المرأة، فإنَّه لا يشترط في نقض وضوئها انتشار آلته، وسواء كانت المباشرة بين امرأتين، أو رجلين، أو رجل وامرأة، أو رجل وغلام، فيشترط أن يكون تماس الفرجين من شخصين مشتهيين؛ لأنَّه لا ينتقض الوضوء ولا يجب الغسل بوطءِ صغيرةٍ لا تُشْتَهى، فإذا حصلت المباشرة بين الشخصين؛ انتقض وضوء المباشِر والمباشَر ولو بلا بلل على المعتمد، كما في «الدر المختار»، وهو قول الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف؛ لأنَّها لا تخلو عن خروج مذي غالبًا، وهو كالمتحقق في مقام وجوب الاحتياط، وهو المعوَّلُ عليه في المذهب كما في سائر المتون، كما في «شرح الملتقى» للباقاني، وقال الإمام محمد: (لا ينتقض الوضوء ما لم يظهر شيء)، وصححه في «الحقائق» وغيره، لكن قال في «البحر» و«النهر»: (هذا التصحيح لا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُعْتَمَدُ عليه؛ لمخالفته للمتون) انتهى.\nقلت: وقد اختلف الصحيح، وما قاله الإمام الأعظم صاحب المذهب هو المذهب، وإلى غيره لا يُذهَب؛ فليحفظ.\n (ويغسل ذَكَره) إنَّما أمره بذلك؛ لتنجُّسه بالمذي الذي يغلب خروجه حينئذٍ، وظاهره: أنه يجب غَسْلُ كل الذَّكَر، وبه قال مالك، وقال الإمام الأعظم وأصحابه والشافعي: لا يجب إلا غسل ما تنجَّس منه؛ لأنَّه يرتفع وينزوي المذي فلا يخرج، ويدلُّ لذلك ما في «صحيح مسلم»: «توضأ وانضح فرجك»، لا يقال: الغسل مقدَّم على التوضؤ، فلمَ أخَّره؟ لأنَّا نقول: الواو لا تدل على الترتيب، بل هي للجمع المطلق عند المحققين، فلو توضَّأ قبله؛ يجوز ولا يَنْتَقِضُوضوءُه، وفيه: دليل واضح على أن مسَّ الذَّكَر لا ينقض الوضوء؛ لأنَّه لو توضأ أولًا، كما هو ظاهر الحديث، ثم غسل ذَكَره، لابدَّ له من أن يمسَّ ذَكَره حتى يتم الغسل؛ لأنَّه لو لم يمسَّه بيده؛ لم يتمَّ الغسل؛ لأنَّ المذي يعلو على رأس الذَّكَر ويقف ويتجمد، فيلزمه حتَّه ودعكه بالماء حتى يزول\n_________\n(^١) في الأصل: (التحتية)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أضر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":74},{"text":"المذي النجس، وقد نفى الشافعي في آية الوضوء أن معنى الواو: الجمع المطلق، وأثبته هنا، وليس ذلك إلا تناقضًا، فإن الواو في الآية وهنا وغيرها لمطلق الجمع عند المحققين لا تفيد الترتيب؛ فليحفظ.\n (قال عثمان)؛ أي: ابن عفان ﵁: (سمعته)؛ أي: جميع ما تقدم (من النبي) الأعظم (ﷺ)، وقوله: (فسألت عن ذلك)؛ أي: عمن جامع ولم يمن، (عليًّا)؛ أي: ابن أبي طالب، (والزُّبير)؛ بضم الزاي؛ أي: ابن العوام، (وطلحة)؛ أي: ابن عبيد الله، (وأُبي بن كعب) ﵃ (فأمروه)؛ أي: أمر الصحابة المذكورونالمجامع المذكور، فالضمير المرفوع فيه راجع إلى هؤلاء الصحابة الأربعة، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المجامع؛ لأنَّ قوله: (إذا جامع)؛ أي: الرجل، يدل على المجامع ضمنًا؛ على حد قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ أي: العدل أقرب، دلَّ عليه: ﴿اعْدِلُوا﴾؛ فليحفظ.\n (بذلك)؛ أي: بالوضوء، (وغسل ذَكَرُه) من مقول زيد بن خالد لا من مقول عثمان بن عفان.\nففي الحديث: دلالة على وجوب الوضوء لا الغسل على من جامع ولم يُنْزِل، وهذا الحكم منسوخ بالإجماع، فإنَّ أئمة الفتوى مجمعون على وجوب الغسل دون الوضوء من مجاوزة الختان؛ لأمر النبي الأعظم ﷺ بذلك، وهو زيادة بيان على ما في هذا الحديث يجب الأخذ بها؛ لأنَّ الغالب حينئذٍ سَبْقُ الماء، فالتزم المسلمون الغسل من تغيُّب الحشفة بالسُّنَّة الثابتة في ذلك.\nفإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا، فكيف يصحُّ الاستدلال به؟\nوأجيب: بأنَّ المنسوخ منه عدم وجوب الغسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ، ولذا قلنا: إنَّ السنَّة للمغتسل أن يبدأ أولًا بالوضوء، ثم يغتسل، والحكمة في الأمر بالوضوء قبل أن يجب الغسل؛ لكون الجماع مظنَّة خروج المذي غالبًا، والغالب كالمتحقق، فدلالته على الترجمة من هذه الجزئية، وهي وجوب الوضوء من الخارج المعتاد لا على الجزء الأخير، وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن يدل كلُّ حديث في الباب على كلِّ الترجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض؛ فتأمل، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٣١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-319>[حديث: إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء]</span>\n١٨٠ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: بالإفراد (إسحاق هو ابن منصور) وفي رواية إسقاط: (هو)، ولكريمة: إسقاطها وما بعدها؛ أي: ابن بَهرام -بفتح الموحدة- المعروف بالكوسج المروزي، وهو الأصح، كما نص عليه في «عمدة القاري»؛ معزوَّا (^١) لأبي نعيم في «المستخرج».\n (قال: أخبرنا النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، ابن شُميل (^٢) -بضم المعجمة- أبو الحسن المازني، البصري (قال: أخبرنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف، هو ابن عتيبة، تصغير: عتبة الباب، (عن ذَكوان)؛ بفتح المعجمة، (أبي صالح) الزيَّات المدني، (عن أبي سعيد الخدري)؛ هو سعد بن مالك الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار)؛ أي: ليحضر عنده، ولمسلم وغيره: (مر على رجل)، قال في «عمدة القاري»: فيُحْمَل على أنه مر به، فأرسل إليه، وسمى مسلمٌ هذا الرجل في روايته من طريق أخرى، عن أبي سعيد عِتْبان -بكسر العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، بعدها موحدة، فألف، فنون- ولفظه من رواية شريك ابن أبي نمر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﵇ إلى قباء حتى إذا كنا في بني سالم؛ وقف رسول الله ﵇ على باب عِتْبان، فخرَّ يجر إزاره...؛ فذكر الحديث بمعناه، وعِتْبان المذكور هو ابن مالك، الأنصاري، الخزرجي، السالمي، البدري، ووقع في رواية في «صحيح أبي عوانة»: أنه ابن عتبان، قال في «عمدة القاري»: والأول أصح، ورواه ابن إسحاق في «المغازي» قال: فهتف برجل من أصحابه يقال له: صالح، فإن حُمِلَ على تعدد الواقعة، وإلا فطريق مسلم أصح، كما في «عمدة القاري»، وقد وقعت القصة أيضًا لرافع بن خديج وغيره، أخرجه أحمد وغيره، ولكن الأقرب في تفسير المبهم: أنَّه عِتْبان، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (فجاء)؛ أي: الرجل المذكور، (ورأسه يقطر)؛ جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير الذي في (جاء)، ومعنى (يقطر): ينزل منه الماء قطرة قطرة من أثر الاغتسال، وإسناد القطر إلى الرأس مجاز؛ من قبيل (سال الوادي)، كما في «عمدة القاري».\n (فقال النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: للرجل المذكور: (لعلَّنا)؛ كلمة (لعلَّ) هنا؛ لإفادة التحقيق؛ فمعناه: قد (أعجلناك)؛ أي: عن فراغ شغلك وحاجتك من الجماع أو الغسل، وقوله: (فقال)؛ أي: الرجل للنبي الأعظم ﵇، وفي رواية: بإسقاط الفاء: (نعم)؛ أي: أعجلتني؛ مقرر للتحقيق، وقيل: إن (لعلَّ) للاستفهام، ويدل له جوابها بـ (نعم)، وقيل: للإشفاق، ولا يمكن أن تكون (لعلَّ) هنا على بابه للترجي؛ لأنَّه لا يحتاج إلى جواب، وهنا قد أجاب الرجل بـ (نعم)، و(أعجلناك): من الإعجال، يقال: أعجله إعجالًا، وعجَّله تعجيلًا؛ إذا استحثه، أفاده في «عمدة القاري» بزيادة.\n (فقال رسول الله ﷺ: إذا أُعجِلت)؛ بضم الهمزة على البناء المجهول، وفي رواية: (إذا عَجِلت)؛ بفتح العين، وكسر الجيم المخففة، بدون همزة، وفي أخرى: (إذا عُجِّلت)؛ بدون همزة وتشديد الجيم على صيغة المجهول، (أو قُحِطت)؛ بضم القاف وكسر الحاء المهملة، وزعم ابن الجوزي: (أن أصحاب الحديث يقولون: قَحطت؛ بفتح القاف)، لكن في «عمدة القاري» نقلًا عن شيخه: (الصواب: ضم القاف)، وفي «مسلم»: (أقحَطت) بالهمزة وفتح الحاء المهملة، وفي رواية: بضم الهمزة وكسر الحاء، والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا: عدم الإنزال في الجماع، وهو استعارة من قحوط المطر، ومعناه: انحباسه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات، قال التيمي: (ووقع في «الكتاب»: قحطت، والمشهور: أقحطت؛ بالألف، يقال للذي أعجل من الإنزال في الجماع قارف ولم ينزل الماء، أو جامع فلم يأته الماء: أقحط)، قال الكرماني: (فعلى هذا التقدير لا يكون لقوله: «أعجلت» فائدة، اللهم؛ إلا أن يقال: إنه من باب عطف العام على الخاص) انتهى.\nقلت: وعلى كون (أو) للشك من الراوي، لا يرد الاعتراض؛ فليحفظ.\nقال الكرماني: («أو» هنا للشك من الراوي، أو تنويع الحكم من رسول الله ﷺ)، قال في «عمدة القاري»: (والثاني هو الظاهر، ومراده: بيان أن عدم الإنزال سواء كان بأمرٍ خارج عن ذات الشخص كالإعجال، أو كان من ذاته كالإقحاط؛ لا فرق بينهما في الحكم في أن الوضوء عليه فيهما) انتهى، فقول ابن حجر: (قال الكرماني: «ليس «أو» للشك») خطأ بل النُّسَخُ الصحيحة من «شرح» الكرماني أن (أو) للشك؛ فليحفظ.\n (فعليك الوضوء)؛ برفع (الوضوء) ونصبه، أما الرفع؛ فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله: (عليك)، والنصب على أنه مفعول لقوله: (عليك)؛ لأنَّه اسم فعل؛ نحو: عليك زيدًا، ومعناه: فالزم الوضوء، فهو مفيد للإغراء، وليس الإغراء هنا وجهًا زائدًا في الإعراب، كما توهمه القسطلاني؛ فافهم، ويحفظ.\nوفي الحديث: جواز الأخذ بالقرائن؛ لأنَّ الصحابي لمَّا أبطأ عن الإجابة مدة الاغتسال؛ خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابة للنبي ﵇، فلمَّا رأى ﵇ أثر الغسل؛ دلَّ على أنَّه كان مشغولًا بجماع.\nوفيه: أنَّه يستحب الدوام على الطهارة؛ لكونه ﵇ لم يُنْكِرْ عليه تأخير إجابته، وكان ذلك قبل إيجابها؛ لأنَّ الواجب لا يؤخر للمستحب، كما في «عمدة القاري».\nوفيه: أنَّ من جامع ولم يُنْزِلْ عليه الوضوء لا الغسل، وهو منسوخ، ولم يقل بعدم نسخه إلا ما روي عن هشام بن عروة، والأعمش، وابن عيينة، وداود، وقال الثوري: وقد أجمعت الأمة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال.\nوكانت جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين، وروي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، والمهاجرين، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وبعض أهل الظاهر، والنخعي، والثوري، فلا يجوز العمل بما روي عن بعض الصحابة من عدم الغسل؛ لأنَّهمنسوخ.\n_________\n(^١) في الأصل: (معزيًّا).\n (^٢) في الأصل: (شهيل)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":74},{"text":"(تابعه وهب)؛ أي: تابع النضرُ بنُ شميل وهبَ بنَ جرير بن حازم البصري، المتوفى على ستة أميال من البصرة سنة ست ومئتين، وقد وصل هذه المتابعة أبو العباس السراج في «مسنده»، عن زياد بن أيوب عنه (قال)؛ أي: وهب، وسقط في رواية لفظ (قال): (حدثنا شعبة)؛ أي: ابن الحجاج، وفي رواية: (عن شعبة)؛ أي: عن الحكم عن ذكوان... إلى آخر السند بمثل ما ذكر، فرواية وهب عن شعبة أخرجها الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وهذا تعليق من المؤلف وإن احتمل السماع؛ لأنَّ المؤلف كان ابن اثنتي عشرة سنة عند وفاة وهب.\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، وسقطت هذه الجملة في رواية، لكنها المراد، سواء ذكر أو لا: (ولم يقل غندر) هو محمد بن جعفر، (ويحيى)؛ أي: ابن سعيد القطان، في روايتهما لهذا الحديث، (عن شعبة)؛ أي: ابن الحجاج: (الوضوء)؛ يعني: رويا هذا الحديث بهذا الإسناد والمتن، لكن لم يقولا فيه لفظ: (الوضوء)، بل قالا: (فعليك) فقط بحذف المبتدأ، وجاز ذلك؛ لقيام القرينة عليه، والمُقدَّرِ عند القرينة كالملفوظ، كذا قاله الكرماني، لكن قال في «عمدة القاري»: (يعني: أن غندرًا ويحيى رَوَيَا هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد والمتن، لكن لم يقولا فيه: «عليك الوضوء»، فأمَّا يحيى؛ فهو كما قال قد أخرجه أحمد في «مسنده» عنه، ولفظه: «فليس عليك غسل»، وأمَّا غندر؛ فقد أخرجه أحمد أيضًا في «مسنده» عنه، لكنه ذكر الوضوء، ولفظه: «فلا غسل عليك، عليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلم، وابن ماجه، والإسماعيلي، وأبو نعيم من طرق عنه، وكذا ذكر أكثر أصحاب شعبة كأبي داود الطيالسي وغيره عنه، فكأن بعض مشايخ المؤلف حدثه به عن يحيى وغندر معًا، فساقه له على لفظ يحيى)، قال: (قلت: أما كلام الكرماني؛ فلا وجه له؛ لأنَّ معنى قوله: «عليك» فقط -كما قرره-: يحتمل أن يكون عليك الغسل، ويحتمل أن يكون عليك الوضوء، والاحتمال الأول غير صحيح؛ لأنَّ في رواية يحيى في «مسند أحمد» التصريح بقوله: «فليس عليك غسل»، والاحتمال الثاني هو الصحيح؛ لأنَّ في رواية غندر: «عليك الوضوء»، فحينئذ قوله: «لم يقل غندر ويحيى عن شعبة: الوضوء»؛ معناه: لم يذكر لفظ: «عليك الوضوء»، وهذا كما رأيت في رواية أحمد عن يحيى ليس فيها: «عليك الوضوء»، وإنما لفظه: «فليس عليك غسل».\nفإن قلت: كيف قال المؤلف: «لم يقولا عن شعبة: الوضوء»، فهذا في رواية غندر ذكر «عليك الوضوء»؟\nقلت: كأَّنه سمع من بعض مشايخه أنَّه حدثه عن يحيى وغندر كليهما، فساق شيخه له على لفظ يحيى، ولم يَسُقْهُ على لفظ غندر، فهذا تقرير ما قاله ابن حجر، ولكن فيه نظر على ما لا يخفى) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٢٠\"> </span>(٣٥) <span data-type=\"title\" id=toc-320>[باب الرجل يوضئ صاحبه]</span>\nهذا (باب) حكم (الرجل) ومثله المرأة (يُوضِّئ)؛ بتشديد الضاد المعجمة، (صاحبُه)؛ أي: غيره وما في حكمه، ويحتمل تنوين (باب)، فـ (الرجل) مبتدأ.\n\n <span id=\"b-٣٢١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-321>[حديث: المصلى أمامك]</span>\n١٨١ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: بالإفراد (محمد بن سَلَام)؛ بتخفيف اللام وفتح السين المهملة، وقيل: بتشديد اللام، والأول الأصح، وفي رواية سقط لفظ (محمد) فقط، (قال: أخبرنا يزيد بن هارون)؛ بالنُّون، أحد الأعلام، (عن يحيى)؛ هو ابن سعيد الأنصاري، التابعي، (عن موسى بن عُقْبة)؛ بضم العين المهملة وسكون القاف، الأسدي المدني التابعي، (عن كُريب)؛ بضم الكاف، بالتصغير، (مولى ابن عباس) التابعي، (عن أسامة بن زيد) الحِبِّ بن الحِبِّ ﵄، ووقع لابن المنيِّر هنا في الإسناد وهَمٌ بيَّنه في «عمدة القاري»: (أن رسول الله ﷺ لمَّا أفاض)؛ أي: رجع أو دفع (من عرفة)؛ أي: في وقوف عرفة؛ لأنَّ عرفة اسم الزمان، والدفع كان من عرفة؛ لأنَّه اسم المكان، وقيل: جاء عرفة أيضًا اسمًا للمكان، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير، وقال الجوهري: (قول الناس: نَزَلْنَا عرفة، شبيه بمولَّد، وليس بعربي محض)، كذا في «عمدة القاري».\n (عَدَلَ)؛ أي: توجَّه، جواب: (لما) (إلى الشِّعب)؛ بكسر الشين المعجمة: الطريق في الجبل، (فقضى حاجته)؛ أي: بال أو تغوط، (قال أسامة)؛ أي: ابن زيد، كما صرح به في رواية: (فجعلت أصُب) بضم الصَّاد المهملة (عليه)؛ أي: الماء، فمفعوله محذوف، والجملة خبر (جعلت)؛ لأنَّه من أفعال المقاربة، (ويتوضأ)؛ جملة محلها النصب على الحال، وجاز وقوع المضارع المثبت حالًا من الواو، قال جار الله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]: حال، ويجوز أن يقدر مبتدأ و(يتوضأ) خبره، والتقدير: وهو يتوضأ، وحينئذ تكون الجملة اسمية أو تكون الواو للعطف، انتهى.\nومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (فجعلت أصبُّ... ويتوضأ)، ففيه: رد لما روي عن ابن عمر وعلي أنهما نهيا أن يُستَقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا: نكره أن يشْرِكَنا في الوضوء أحد، ورَوَيَا ذلك عن النبي الأعظم ﵇، وهذا لم يصح عنهما؛ لأنَّه ثبت وصحَّ عنهما خلافه، فروى شعبة عن أبي بشر، عن مجاهد: أنَّه كان يسكب على ابن عمر الماء، فيغسل رجليه، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ راوي المنع رجل اسمه أيفع، وهو مجهول، والحديث عن عليٍّ لا يصحُّ؛ لأنَّ رواية النضر بن منصور عن أبي الجنوب عنه، وهما غير حجة في الدين، ولا يعتد بنقلهما، قال البزار: (لا نعلمه يروى عن النبي ﵇ إلا من حديث النضر عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة)، وتمام الحديث أخرجه البزار وأبو يعلى من طريق النضر بن منصور، عن أبي الجنوب قال: رأيت عليًّا يستقي الماء لطَهوره، فبادرت أستقي له، فقال: مه يا أبا الحسن؛ فإني رأيت رسول الله ﵇ يستقي الماء لوضوئه، فبادرت أستقي له، فقال: «مه يا علي؛ فإني لا أريد أن يُعينني على وضوئي أحد»، وقال الطبري: صح عن ابن عباس أنَّه صب على يد عمر ﵄ الوضوء بطريق مكة حين سأله عن اللتين تظاهرتا، وقيل: صبُّ ابن عباس على يدي عمر أقرب للمعونة من استقاء الماء، ومُحال أن يمنع عمر ﵁ استقاء الماء، ويُبيح صبَّ الماء عليه للوضوء مع سماعه من النبي ﵇ الكراهة لذلك، ولقائل أن يقول: أسامة تبرع بالصب، وكذا غيره من غير أمره ﵇ لهم، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (فقلت: يا رسول الله؛ أتصلي؟)؛ أي: في هذا المكان أو في هذا الوقت؟ (فقال) وفي رواية: (قال)؛ بإسقاط الفاء؛ أي: قال النبي الأعظم ﵇: (المُصلَّى)؛ بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة؛ أي: مكان الصلاة (أَمامَك)؛ بفتح الهمزة وفتح الميم الثانية؛ لأنَّه ظرف خبر (المصلي)؛ أي: قدَّامك، قال ابن بطال: واستدل المؤلف من صب الماء عليه: أنه يجوز للرجل أن يُوَضِّئَه غيره؛ لأنَّه لما لزم المتوضئ اغتراف الماء من الإناء بأعضائه؛ جاز له أن يكفيه ذلك غيرُه بدليل صب أسامة، والاغتراف بعض أعمال الوضوء، فلذلك تجوز سائر أعماله، وهذا من باب القربات التي يجوز أن يعملها الرجل من غيره بخلاف الصلاة، ولما أجمعوا على أنه جائزٌ للمريض أن يُوَضِّئَه غيرُه ويُيَمِّمَه إذا لم يستطع ولا يجوز أن يصلي عنه إذا لم يستطع؛ دلَّ على أن حكم الوضوء بخلاف حكم الصلاة.\nقال في «عمدة القاري»: ولم يبين المؤلف في هذه المسألة الجواز ولا عدمه، لكن لما عقد هذا الباب وترجم له؛ يعلم منه جواز ذلك، وإن لم يصرح به، وقال ابن المنير: قاس المؤلف تَوْضِئَةَ الرجل غيره على صبِّه عليه؛ لاجتماعهما في الإعانة، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا قياس بالفارق، والفرق ظاهر.\nقلت: وحَمْلُه الترجمة على غسل الأعضاء ليس بلازم؛ لجواز أن يراد بها الاستعانة في الصب على المتوضِّئ، ولهذا قال النووي:","vol":"1","page":75},{"text":"(وفي الحديث دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وهي على ثلاثة أقسام؛ أحدها: في إحضار الماء، فهذا لا كراهة فيه، والثاني: في غسل الأعضاء، فيستعين في غسلها ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة، والثالث: أن يصب عليه، فهذا مكروه في أحد الوجهين، والأولى تركه).\nواعترضه الكرماني: (بأن فيه حزازة؛ لأنَّ ما فعله ﵇ لا يقال فيه: الأولى تركه؛ لأنَّه ﵇ لا يتحرى إلا ما فِعلُه أولى، وإذا قلنا: الأولى تركه، كيف ينازع في كراهته وليس حقيقة المكروه إلا ذلك؟!) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ المكروه في حقِّنا لا يكره فعله في حق النبي الأعظم ﵇، كما صرحوا به؛ لأنَّه يفعله؛ لبيان الجواز، وهو واجب في حقِّه، بقي أن قوله: (وإذا قلنا: الأولى تركه... إلخ) هذا حقيقة المكروه تنزيهًا لا المكروه تحريمًا؛ لأنَّ مرجعَ كراهة التنزيه خلافُ الأولى، كما في «فتح القدير»؛ فافهم، وأما قوله: (من أنَّ الاستعانة في إحضار الماء لا كراهة فيها) ينافيه أنَّه خلاف الأولى والأفضل تركه؛ فليحفظ.\nوأمَّا ما روي مرفوعًا: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد»، وأنَّه قاله ﵇ لعمر لما بادر لصَبِّ الماء عليه؛ فقال في «شرح المهذب»: (إنه حديث باطلٌ لا أصل له)، وقال في «عمدة القاري»: ذكره الماوردي في «الحاوي» بسياق آخر، فقال: رُوي أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ همَّ بصبِّ الماء على يد النبيِّ عليهالسلام، فقال: «إني لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد»، وهذا الحديث لا أصل له، والذي وقع على زعم الراوي كان لعمر دون أبي بكر ﵄، ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن يستدعي الإنسان الصَّبَّ من غيره بأمره؟ قلت: نعم يجوز؛ لما روى الترمذي محسنًا من حديث ابن عقيل عن الرُّبيِّع قال: أتيت رسول الله ﵇ بميْضَأَة، فقال: «اسكبي»؛ فسكبت، فذكرَتْ وضوءه ﵇، ورواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: لم يحتج المؤلف بابن عقيل، وهو مستقيم الحديث متقدم في الشرف (^١)، وروى ابن ماجه بسند صحيح على شرط ابن حبان من حديث صفوان بن عسال قال: «صببت على النبي ﵇ الماء في السفر والحضر في الوضوء»، وعنده أيضًا بسند معلل عن أم عياش، وكانت أمَة لرقية بنت النبي ﵇ قالت: «كنت أوضِّئ النبي ﵇ أنا قائمة وهو قاعد»، وممن كان يستعين على وضوئه بغيره (^٢) من السلف عثمان بن عفان ﵁، وقال الحسن: رأيته يُصَبُّ عليه من إبريق، وفعله عبد الرحمن بن أبزى، والضحاك بن مزاحم، وقال أبو الضحى: لا بأس للمريض أن يوضئه الحائض، قلت: ومثلها النفساء والمستحاضة، فهذا دليل واضح على أن الاستعانة بغيره غير مكروهة سواء كانت بالصب أو ببقية غسل الأعضاء، وإن كان الأفضل تركها، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٢٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-322>[حديث: كان مع رسول الله في سفر وأنه ذهب لحاجة له]</span>\n١٨٢ - وبه قال: (حدثنا عَمرو بن عَلي)؛ بفتح العين فيهما، الفلاس، أبو الفضل، الصيرفي الباهلي البصري، المعروف جدُّه بالسَّقَّاء، المتوفى بالعسكر أو بسر من رأى سنة تسع وأربعين ومئتين (قال: حدثنا عبد الوهاب)؛ هو ابن عبد المجيد الثقفي البصري، المتوفى سنة أربع وتسعين ومئة عن ثمانين سنة (قال: سمعت يحيى بن سعِيد)؛ بكسر العين المهملة، الأنصاري التابعي (قال: أخبرني) بالإفراد (سعْد) بسكون العين، (بن إبراهيم)؛ هو ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي التابعي، قاضي المدينة المتوفى بها سنة سبع وعشرين أو خمس وعشرين عن اثنتين وسبعين سنة: (أنَّ نافع بن جُبير) بضم الجيم والتصغير (بن مُطْعِم)؛ بضم الميم، وسكون الطاء، وكسر العين المهملتين، النوفلي التابعي المدني، المتوفى بالمدينة سنة تسع وتسعين (أخبره)؛ أي: أخبر نافعٌ سعدًا: (أنه سمع عروة بن المُغيرة بن شعبة) الثقفي الكوفي (يحدث عن المُغيرة)؛ بضم الميم وكسرها، أبو عروة المذكور (بن شعبة) الصحابي المشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة الكوفة، توفي سنة خمسين على الصحيح، و(المغيرة) باللام مثل (الحارث) في أنه علَم يدخله اللام للتعريف على سبيل الجواز لا مثل (النجم) للثريا، فإن التعريف باللام لازم فيه، ودخلت اللام في مثل (المغيرة)؛ لإفادة لمح الوصفية، أفاده في «عمدة القاري»: (أنه) أي: المغيرة (كان مع رسول الله ﷺ) وأدَّى عروة كلام أبيه بعبارة نفسه، وإلا فكان يقتضي أن يقول: (قال أبي: كنت) (في سفر)؛ أي: مصاحبًا له في تلك السفرة، (وأنه) ﵇ (ذهب لحاجة له) ﵇؛ أي: للبول أو للغائط، (وأن مغيرة) وفي رواية: (وأن المغيرة)؛ باللام التي للَّمح، فأدى عروة كلام أبيه بعبارة نفسه، كما سبق (جعل)؛ أي: طفق، من أفعال المقاربة (يصبُّ الماءَ عليه) وفي رواية بإسقاط لفظ: (الماء) الذي هو مفعول (يصب)، لكن القرينة دالة عليه، وإنما أتى بلفظ المضارع؛ إشعارًا لحكاية الحال الماضية، ولو كان عروة يريد حكايةً للفظ أبيه؛ لقال: (وإني جعلت أصبُّ)، ولو لم يراع الحكاية؛ قال: (وإن أبي)، قلت: ولعلَّ فيه التفاتًا على رأي السكاكي؛ فتأمل.\n (وهو)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (يتوضأ) جملة اسمية وقعت حالًا، (فغسل وجهه ويديه)؛ بالتثنية، والفاء فيه هي الفاء التي تدخل بين المجمل والمفصَّل؛ لأنَّ المفصَّل كأنه يعقب المجمل؛ كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَإِن فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]؛ لتفصيل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وإنما قال: (فغسل) بلفظ الماضي، ولم يقل بلفظ المضارع المناسب للفظ: (يتوضأ)؛ لأنَّ الماضي هو الأصل، وعدل في (يتوضأ) إلى المضارع؛ حكاية عن الحال الماضية.\n (ومسح برأسه ومسح على الخفين) إنَّما ذكر في الأول حرف الإلصاق؛ لأنَّه الأصل، وفي الثاني بكلمة (على)؛ نظرًا للاستعلاء، كما يقال: مسح إلى الكعب؛ نظرًا إلى الانتهاء، بحسب المقاصد تختلف صلات الأفعال، وإشارة إلى أن المسح إنَّما يكون على أعلى الخفين لا على جوانبه ولا على أسفله، وقد قال علي ﵁: (لو كان الدين بالرأي؛ لكان المسح على الخفين على أسفله لا على أعلاه)، وإنما كرر لفظ (مسح)، ولم يكرر لفظ (غسل)؛ لأنَّه يريد بذكر المسح على الخفين بيان تأسيس قاعدة شرعية، فصرَّح استقلالًا بالمسح عليهما، بخلاف قضية الغسل، فإنها مقررة بنص القرآن، ففيه جواز الاستعانة بغيره في الوضوء، لكن من ادَّعى أن الكراهة مختصة بغير المشقة والاحتياج؛ لا يتم له الاستدلال بهذا الحديث؛ لأنَّه كان في السفر، وفيه: أن من الأدب خدمة الصغير للكبير، ولو كان لا يأمر بذلك، كذا في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\nوفي يوم الجمعة يوم السادس عشر محرَّم سنة سبع وسبعين ومئتين وألف، قد ضاق حال الناس أشد الضيق، وسُكِّرت أبواب البلد بسبب قتل النصارى وأخذ أموالهم، فأتى للشام فؤاد باشا ناظر الخارجية، وعبد الحليم باشا سر عسكر، ومحمد معمر باشا والي البلد، ومحمد أفندي قاضي الروملي؛ لأجل هذه المصلحة، فأمروا بمسك كل من أتى لهم بأموال من النصارىوحبسوه، ولا ندري ما يفعل به، ونسأل الله الحنان المنان أن يرفع هذه الشدة، ويفرج هذه الرزية العظيمة التي تذوب منها الأكباد يا ستار.\nوفي ليلة الرابع عشر من تلك الشهر والسنة كسف القمر بين العشاءين، وكان في تموز، وفي أول تموز كسفت الشمس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولو أوفينا الكلام؛ لبلغ مجلدات كثيرة، والله المستعان.\n\n <span id=\"b-٣٢٣\"> </span>(٣٦) <span data-type=\"title\" id=toc-323>[باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره]</span>\nهذا (باب) جواز (قراءة القرآن) العظيم (بعد الحدث)؛ أعم من الأصغر والأكبر؛ لأنَّه المراد منهما عند الإطلاق، وأمَّا قراءة القرآن بعد الأصغر؛ فتجوز دون الأكبر، وقال ابن حجر وتبعه العجلوني: (إن المراد بالحدث: الأصغر فقط)، ولا وجه لذلك؛ لأنَّه إن أراد أن المؤلف تعرض هنا إلى حكم القراءة بعد الأصغر دون الأكبر؛ فممنوع؛ لأنَّ عادة المؤلف أنه يُبَوِّبَ الباب بترجمة، ثم يذكر جزءًا مما يشتمل عليه تلك الترجمة،\n_________\n(^١) في الأصل: (الرق)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (بعشرة)، ولعله تحريف عن المثبت.","vol":"1","page":75},{"text":"وههنا كذلك، فإن المؤلف ذكر أولًا تعليق منصور وحماد، وكل واحد منهما يدل صريحًا على الحدث الأكبر، والحديث بعده يدل على الحدث الأصغر، فتفسير الحدث بالأكبر والأصغر مُتَعيِّن؛ لأنَّه المراد للمؤلف، فمن خصَّصه بالأصغر؛ فلم يُصِبْ؛ فافهم، (وغيره)؛ بالجر؛ عطفًا على لفظ: (القرآن)، وبالنصب؛ عطفًا على محله، فضمير (وغيره) يرجع إلى (القرآن)، والمراد بـ (غيره): مثل كتابة القرآن، وهو شامل للقولي والفعلي؛ يدل لذلك تعليق المؤلف قول منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي، فإنَّه مشتمل على القسمين؛ أحدهما: قراءة القرآن بعد الحدث، والثاني: كتابة الرسائل في حالة الحدث، كذا قرره العلَّامة في «عمدة القاري»، وجرى عليه الشارح القسطلاني.\nوأمَّا قول الكرماني: («وغيره»: أي: نحو السلام وسائر الأذكار)، وتبعه العجلوني؛ فغير صحيح، واللفظ لا يقتضيه، ويدلُّ لذلك أنَّ المحدث إذا جاز له قراءة القرآن؛ فالسلام وسائر الأذكار تجوز له بالطريق الأولى، فالتمثيل غير متجه، وفساده ظاهر.\nوأمَّا قول ابن حجر: («وغيره»: أي: من مظان الحدث)؛ فليس بشيء؛ لأنَّ عود الضمير لا يصح إلا إلى شيء مذكور لفظًا أوتقديرًا بدلالة القرينة اللفظية أو الحالية، على أنَّه لم يبيِّن ما مظان الحدث؟ ومظنة الحدث على نوعين؛ أحدهما مثل الحدث، والآخر ليس مثله، فإن كان مراده النوع الأول؛ فهو داخل في قوله: (بعد الحدث)، وإن كان الثاني؛ فهو خارج عن الباب، فإذن لا وجه لما قاله على ما لا يخفى، كذا قرره في «عمدة القاري»، وجرى عليه الشارح القسطلاني، فما قاله العجلوني محاولة، وتعصب، وخروج عن الظاهر، فلا حاجة في الاشتغال بردِّه.\n (وقال منصور): هو ابن المعتمر السلمي الكوفي، (عن إبراهيم): هو ابن يزيد النخعي الكوفي الفقيه، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن أبي عوانة، وروى عبد الرزاق عن الثوري عن منصور مثله؛ فافهم: (لا بأس بالقراءة) للقرآن (في الحمَّام)، وروى سعيد بن منصور أيضًا، عن محمد بن أبان، عن محمد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم عن القراءة في الحمَّام، فقال: يكره ذلك، فما في المتن يدلُّ على عدم الكراهة، فظهر أنَّ عن إبراهيم روايتان؛ في رواية: يكره، وفي رواية: لا يكره لكن تركه أَوْلى؛ لأنَّه عبَّر بقوله: (لا بأس)، وهي تستعمل فيما تركه أَوْلى، وإنما ذكر المؤلف الأثر الذي فيه ذكر الحمَّام، والتبويب أعمُّ منه؛ لأنَّ الغالب أنَّ أهل الحمام أصحاب الأحداث الكبار، والغالب كالمتحقق، واختلفوا في ذلك؛ فعن الإمام الأعظم: أنه يكره قراءة القرآن في الحمام، وعن الإمام محمد بن الحسن: أنه لا يكره، وبه قال مالك، وإنما كره الإمام الأعظم قراءة القرآن في الحمام؛ لأنَّه محلُّ مجتمع الأقذار من النجاسات، وكشف العورات، والأغسال، والمياه المستعملة، فإن الماء المستعمل عند الإمام الأعظم نجس، ولا شك أن القرآن ينبغي أن يقرأ في مكان طاهر، خالٍ عن النجاسات، وأوساخ الناس، ساتر العورة، مستقبل القبلة، وهذا كله غير موجود في الحمَّام، فلذا كرهه الإمام الأعظم، وهو الذي يدلُّ عليه كلام إبراهيم المذكور؛ فافهم، على أنَّه روى ابن المنذر عن علي ﵁ قال: (بئس البيت الحمَّام، ينزع فيه الحياء، ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله)، فهذا يدل على الكراهة أيضًا؛ لما ذكرناه.\nوهذا إذا قرأ داخل الحمام محل الاغتسال، أمَّا لو قرأ القرآن في خارج الحمَّام في محل خلع الثياب؛ فإنَّه لا كراهة في ذلك؛ لعدم شيء ممَّا ذُكِر، ومثل القراءة الصلاة، فإنها في محل الاغتسال تُكرَه، وفي محل خلع الثياب لا تُكرَه، والله تعالى أعلم.\n (وبكَتب)؛ بالموحدة وفتح الكاف (الرسالة) فإنَّ (الكتب) مصدر دخلت عليه الباء الموحدة حرف الجر، وهو معطوف على قوله: (لا بأس بالقراءة)، والتقدير: ولا بأس بكتب الرسالة (على غير وضوء)؛ وفي رواية: (ويكتب الرسالة) على صيغة المجهول من المضارع، والوجه الأول أوجه، وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن الثوري أيضًا عن منصور قال: سألت إبراهيم: أأكتب الرسالة على غير وضوء؟ قال: نعم، كذا في «عمدة القاري» مع أنَّ الغالب تصديرها؛ بنحو: البسملة، والحمدلة، والصلاة على رسوله ﵇، على أنَّه الحروف كلها وحدها معظَّمة، وهي قرآن أنزل على سيدنا هود ﵇، كما صرَّحوا به؛ فلا وجه لما قاله بعض الشافعية: من أنَّه يجوز الاستنجاء بالتوراة والإنجيل؛ لأنَّها محرَّفة ومتبدِّلة، ولا يخفى أنَّ هذا مجازفة، ألا ترى أنهم هل علموا ذلك بنصٍّ قاطع أنَّهم بدَّلوها عن آخرها، ولا يقول ذلك إلا مبتدع ومخالف للحق؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر بأنَّ قوله: (على غير وضوء) يتعلق بالكتابة لا بالقراءة في الحمام.\nوردَّه في «عمدة القاري»: (بأنَّا لا نسلِّم ذلك، فإن قوله: «ويكتب الرسالة» على الوجهين متعلق بالقراءة، وقوله: «على غير وضوء» يتعلق بالمعطوف والمعطوف عليه؛ لأنَّهما كالشيء الواحد) انتهى، وقد جرى عليه القسطلاني والعجلوني؛ لأنَّ ذلك متعين؛ لظهور المعنى، وما قاله ابن حجر غير ظاهر المعنى، فهو ممنوع؛ فافهم، فيكره للجُنُب أو الحائض أن يكتب الكتاب الذي في بعض سطوره آية من القرآن، وإن كانا لا يقرأان شيئًا؛ لأنَّهما منهيَّان عن مسِّ القرآن، وفي الكتابة يحصل المس؛ لأنَّه يكتب بقلمه، وهو في يده، وهو مسٌّ صورة، وفي «المحيط»: لا بأس لهما بكتابة المصحف إذا كانت الصحيفة على الأرض عند الإمام أبي يوسف؛ لأنَّه لا يمسُّ القرآن بيده، وإنما يكتب حرفًا حرفًا، وليس الحرف الواحد بقرآن، وقال الإمام محمد: (أَحبُّ إليَّ ألَّا يكتب؛ لأنَّه في الحكم مباين للحروف، وهي بكلِّيتها قرآن)، وبه أخذ علماء بخارى، كذا في «الذخيرة البرهانية»، وقد أوضحناه في «منهل الطلاب»؛ فليحفظ.\nقال في «التبيين»: (ويكره للجنب أو الحائض أو النفساء أن يكتبوا كتابًا فيه آية من القرآن؛ لأنَّه يكتب بالقلم وهو في يده، كذا في «الفتاوى السمرقندية»، وذكر الإمام أبو الليثأنَّه لا يكتبه، وإن كانت الصحيفة على الأرض، ولو كان مادون الآية، وذكر الإمام القدوري أنَّه لا بأس به إذا كانت الصحيفة على الأرض، وهو قول الإمام أبي يوسف) انتهى، وقال الإمام محمد: (أحب إلي ألَّا يكتب؛ لأنَّه في حكم الماسِّ للقرآن)، كما في «الحلية» عن «المحيط»، قال في «فتح القدير»: (وقول الإمام أبي يوسف أَقْيَس؛ لأنَّها إذا كانت على الأرض كان مسُّها بالقلم، وهو واسطة منفصلة، فكان كثوب منفصل، إلا أن يكون يمسه (^١) بيده) انتهى.\nقال في «شرح المنية»: (وينبغي التفصيل؛ فإن كان لا يمس الصحيفة بأن وضع عليها ما يحول بينها وبين يده؛ يؤخذ بقول الإمام أبي يوسف؛ لأنَّه لم يمس المكتوب ولا الكتاب، وإلَّا؛ فبقول الإمام محمد؛ لأنَّه إن لم يمس المكتوب؛ فقد مسَّ الكتاب) انتهى، ومشى على هذا التفصيل في «الدر المختار»، ولا يخفى أنَّ هذا مأخوذ مما ذكرنا عن «فتح القدير»، ووفَّق بعضهم بين القولين بما يرفع الخلاف بحمل قول الإمام أبي يوسف على الكراهة التحريمية، وقول الإمام محمد على التنزيهية بدليل قوله: (أحب إليَّ...) إلخ؛ فتأمل، كذا في «منهل الطلاب».\n (وقال حماد) بالحاء المهملة، هو ابن سليمان، فقيه الكوفة، وشيخ الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنهما، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة، (عن إبراهيم)؛ أي: النخعي مما وصله الثوري في «جامعه»، مجيبًا لمن سأله عن حكم السلام على من كان في الحمام متجرِّدًا عن الثياب، فقال: (إن كان عليهم) أي: على من أردت السلام عليهم وهم في الحمام (إزار): هو ما يلبس في النصف الأسفل يذكَّر ويؤنَّث، والمراد أنهم إن كانوا ساترين العورة من السرة إلى الركبة؛ (فسلَّم عليهم)، وفي رواية: إسقاط لفظ: (عليهم)، وهي مرادة لا بدَّ من تقديرها؛ فافهم، (وإلا)؛ أي: وإن لم يكن عليهم إزار؛ (فلا تسلم)؛ أي: عليهم إهانة لهم؛ لكونهم على بدعة، أو لكون السلام يستدعي ذكر السلام الذي هو من أسمائه تعالى مع وقوعه في القرآن العظيم، ولاشتغالهم بالاغتسال، وغسل النجاسة والاستنجاء، وقيل: لأنَّه مأوى الشياطين، ومفاده: أنَّه لا يسلَّم على من في السوق؛ لأنَّه محل الشياطين، لكنه يسنُّ السلام على من كان فيه، ويلزمهم الردُّ، وأمَّا ما رواه مسلم عن ابن عمر من كراهة ذكر الله تعالى\n_________\n(^١) في الأصل: (مسته)، وهو تحريف.","vol":"1","page":76},{"text":"بعد الحدث؛ فليس على شرط المؤلف.\nوزعم ابن حجر أنَّ قوله: («إن كان عليهم»؛ أي: على من في الحمام، والمراد: الجنس) تعقَّبه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا عام يتناول القراءة فيه، والقاعدين في ثيابهم في مسلخ الثياب، فكيف يطلق كلامه على من في الحمام على سبيل العموم؟! والسلام على القاعدين بثيابهم لا خلاف في جوازه، انتهى.\nوأجاب القسطلاني: (بأن المسلخ وإن أطلق عليه اسم الحمام؛ فمجاز، والحمام في الحقيقة: ما فيه الماء الحميم) انتهى.\nواعترض: بأن الحمام الآن اسم لما فيه الماء الحميم ولمكان خلع الثياب؛ وهو المسلخ حقيقة عرفية، ألا ترى أنَّ الرجل إذا دخل مسلخ الحمام، وسألته أين كنت؟ فيقول: في الحمام، على الإطلاق، فالحمام في الحقيقة العرفية اسم للمسلخ ولما فيه الماء الحميم على العموم، والحقيقة اللغوية مهجورة، فجواب القسطلاني مردودعليه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٢٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-324>[حديث ابن عباس: أنه بات ليلة عند ميمونة]</span>\n١٨٣ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل): هو ابن [أبي] أويس الأصبحي (قال: حدثني) بالإفراد (مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، خال إسماعيل، (عن مَخْرَمة) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الرَّاء (بن سليمان) الوالبي المدني، (عن كُرَيب) بضم الكاف، وفتح الرَّاء، آخره موحدة (مولى ابن عباس) التابعي: (أن عبد الله بن عباس) ﵄، والإسناد كله مدنيون (أخبره)؛ أي: أخبر ابنُ عباس كريبًا: (أنَّه) أي: ابن عباس (بات ليلة عند ميمونة زوج النبي) الأعظم (ﷺ)، وجملة قوله: (وهي) أي: ميمونة (خالته)؛ أي: خالة ابن عباس أخت أمه؛ حالية، والظاهر: أنها من كلام كريب، (فاضطجعت)؛ أي: وضعت جنبي على الأرض، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: (اضطجع) بصورة الماضي الغائب، كما قال: (بات)، أو قال: (بتُّ)، كما قال: (فاضطجعت) بصورة المتكلم فيهما، ولكنَّه قصد بذلك التفنن في الكلام، وهو نوع من أنواع الالتفات، والقاصد لذلك كريب؛ لأنَّه الذي نقل كلام ابن عباس، والظاهر: أن اختلاف العبارتين من ابن عباس ومن كريب؛ لأنَّ كريبًا أخبر أولًا عن ابن عباس: (أنه بات...) إلخ، ثم أضمر لفظة: (قال) قبل (فاضطجعت)، فيكون الكلام على أسلوب واحد، كذا في «عمدة القاري»، (في عَرْض)؛ بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء، كما في «الفرع»، وهو المشهور، وقال السفاقسي: (ضمُّ العين غير صحيح، ورويناه بفتحها عن جماعة)، وفي «المطالع»: (الفتح عند أكثر مشايخنا، ووقع عند جماعة؛ منهم: الداودي والطرابلسي والأصيلي: بضم العين)، قال في «عمدة القاري»: والأول أظهر، وقال النووي: هو الصحيح، وأنكر الباجي الضم، وهو مردود؛ لثبوت الرواية به عن جماعة، كما علمت، (الوسادة): المخدة، وهو ما يتوسَّد به عند النوم، وهو المتكأ، كما في «الصحاح» و«المجمل» وغيرهما، وزعم ابن التين أنَّ (الوساد): الفراش الذي ينام عليه، وهو باطل؛ كما قاله في «عمدة القاري» عن النووي.\n (واضطجع رسول الله ﷺ وأهله) أي: زوجته أم المؤمنين ميمونة (في طولها)؛ أي: الوسادة، وهذا يقتضي: أن يكون عرض الوسادة محلًّا لاضطجاع ابن عباس؛ فتأمل.\n (فنام رسول الله ﷺ حتى)؛ للغاية؛ أي: إلى أن (انتصف)، وفي رواية: (حتى إذا انتصف) (الليل أو قبله) أي: قبل انتصافه (بقليل أو بعده)؛ أي: بعد انتصافه، (بقليل استيقظ)؛ أي: رسول الله ﷺ، كما في رواية، فإن جعلت (إذا) ظرفية؛ فقوله: (أو قبله) ظرف لقوله: (استيقظ)؛ أي: استيقظ وقت انتصاف الليل أو قبل انتصافه، و(أو) للتشكيك، وإن جعلت (إذا) شرطية؛ فيكون (قبله) متعلقًا بفعل مقدر، و(استيقظ): جواب الشرط، والتقدير: حتى إذا انتصف الليل أو كان قبل الانتصاف؛ استيقظ، كذا في «عمدة القاري».\n (فجلس) ﵇، وفي رواية: (فجعل) (يمسح النوم) ففي الأول: يكون (يمسح) التي هي جملة من الفعل والفاعل محلها النصب على الحال من الضمير في (فجلس)، وفي الثاني: تكون الجملة خبرًا لقوله: (فجعل)؛ لأنَّه من أفعال المقاربة، ومسح النوم من العينين من باب إطلاق اسم الحال على المحلِّ؛ لأنَّ المسح لا يقع إلا على العينين، والنوم لا يمسح، كذا في «عمدة القاري»، (عن وجهه بيده)؛ بالإفراد، والمراد: الجس؛ أي: يمسح بيديه، وزعم ابن حجر أن المراد: يمسح أثر النوم من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، قال في «عمدة القاري»: أثر النوم من النوم؛ لأنَّه نفسه، فكيف يكون من هذا الباب؟! انتهى، وأجاب القسطلاني وتبعه العجلوني: بأن الأثر: ارتخاء الجفون من النوم، انتهى، قلت: وما أجابا به هو عين الاعتراض، فإنَّ ارتخاء الجفون لا ريب أنَّه من النوم؛ لأنَّه نفسه، فقد أثبتا الاعتراض المذكور، على أنَّ ارتخاء الجفون لا يقال له: أثر؛ لأنَّ النوم فترة طبيعية لا أثر لها، وأمَّا ارتخاء الجفون والاضطجاع ونحوه؛ إنَّما هي هيئات وصفات لحصول تلك الفترة، ألا ترى أن بعض الناس ينامون وأعينهم مفتوحة، وبعض البهائم كذلك؛ فافهم.\nثم قال العجلوني معترضًا على صاحب «عمدة القاري»: (بأنه إذا كان النوم من العينين؛ كيف يلتئم مع قوله «عن وجهه»؟!).\nقلت: وهو ظاهر الالتئام، فإنَّ العينين في الوجه، وهو كالظرف لهما، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض؛ لأنَّ النوم غالبًا لا يظهر إلا من العينين، فما قاله العجلوني مردود عليه؛ فافهم.\n (ثم قرأ) ﵇ (العشر الآيات)؛ بإضافة العشر إلى الآيات، ويجوز دخول لام التعريف على العدد عند الإضافة؛ نحو: (الثلاثة الأبواب)، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، كذا في «عمدة القاري» (الخواتيمَ)؛ أي: الأواخر، بالنصب؛ لأنَّه صفة (العشر)، وهو جمع خاتمة (من سورة آل عمران)، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ أي: لذوي العقول ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًاوَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، والمراد به: الإكثار من ذكر الله ﷿، ففي الحديث: «من أحبَّ أن يرتع في رياض الجنة؛ فليكثر ذكر الله»، وفي حديث آخر: «إذا مررتم برياض الجنة؛ فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر»، فلا دلالة فيه للشافعي في أنَّ المريض يصلي مضطجعًا؛ لأنَّ المراد من الآية: ذكر الله ﷿، لا الصلاة، فإن قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ أي في حال اضطجاعهم للنوم، ويدلُّ لذلك قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، والتفكُّر في ذلك لا يكون في حال الصلاة، وإنما يطلب فيها الخشوع والخضوع لله ﷿، ويدل لذلك قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فهو دليلٌ ظاهر على أن المراد: التفكر خارج الصلاة حال الاضطجاع للنوم، فإنه يتفكر في النجوم التي في السماء، ويتفكَّر في ظلمة القبر، وعذاب النار، وغير ذلك، ويدلُّ له قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ*رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ المراد به: النبي الأعظم ﵇ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ*رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ*فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ*لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا [فِي الْبِلَادِ] * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ الله","vol":"1","page":76},{"text":"وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ*وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِله لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواِ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواِ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ٢٠٠]، وتفسير ذلك يطلب من «تفسير أبي السعود» و«الزمخشري»، والله تعالى أعلم.\n (ثم قام) ﵇ (إلى شِنٍّ)؛ بكسر الشين المعجمة وتشديد النُّون، وهو وعاء الماء إذا كان من أدم فأَخْلَق، وجمعه شِنان؛ بكسر المعجمة، (معلقة)؛ بالجرِّ، صفة (شن)، وقد سبق هذا الحديث في باب (التخفيف)، وذكر فيه مالفظه: (فتوضَّأ من شنٍّ معلَّق وضوءًا خفيفًا)؛ بتذكير وصف: (شن) وتوصيف الوضوء بالخفة، وهنا أنَّث الوصف؛ حيث قال: (معلقة)، وقال: (فتوضأ منها) أي: من الشن، (فأحسن وضوءه) والمراد به: الإتمام والإتيان بجميع مندوباته، فما وجه الجمع بينهما؟ أجاب في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: الشَّنُّ: يذكَّر ويؤنَّث، فالتذكير باعتبار لفظه أو باعتبار الأدم أو الجلد، والتأنيث باعتبار القربة، وإتمام الوضوء لا ينافي التخفيف؛ لأنَّه يجوز أن يكون أتم بجميع مندوباته مع التخفيف، أو هذا كان في وقت، وذاك في وقت) انتهى، فافهم.\n (ثم قام يصلي) ﵇ (قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع): النبي الأعظم عليه [السلام]؛ أي: توضأت نحوًا مما توضأ، كما صرح به في باب (التخفيف)، ويحتمل أن يريد به أعم من ذلك، فيشمل النوم حتى انتصاف الليل، ومسح العينين من النوم، وقراءة العشر الآيات، والقيام إلى الشن، والوضوء، وإحسانه، كذا في «عمدة القاري».\n (ثم ذهبت فقمت إلى جنبه) ﵇؛ أي: الأيسر، (فوضع) أي: النبي الأعظم ﵇ (يده اليمنى على رأسي؛ فأخذ) أي: ثم أخذ (بأُذْني)؛ بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة (اليمنى)؛ أي: بعد أن دارني، وجملة قوله: (يفتلها)؛ أي: يدلكها ويعركها حال أو خبر (أخذ)، ولم يكن فتله لأذنه إلا لأجل أنَّه لما وقف بجنبه اليسار؛ أخذ أذنه وعركها وأداره إلى يمينه، وما قاله القسطلاني والعجلوني: من أنَّه لأجل التأنيس له ﵇؛ لكون ذلك كان ليلًا؛ فيه نظر؛ لأنَّه ﵇ لا يستوحش وحده؛ لكونه دائمًا بمراقبة ربه ﷿، وإذا لم يكن ابن عباس موجودًا عنده؛ بمن كان يستأنس؟! فما قالاه مردود عليهما؛ فافهم.\n (فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين)، فلفظ (ركعتين) مكرر ست مرات، فيكون المجموع اثنَتيْ عشرة ركعة، ففيه دليل للإمام أبي يوسف والإمام محمد، وهو رواية عن الإمام الأعظم: أن صلاة الليل مثنى مثنى، (ثم أوتر)؛ أي: بثلاث ركعات لا بواحدة؛ لأنَّه قد ورد: النهي عن البتيراء؛ وهو التنفل بركعة واحدة، وهو حجة على الشافعي، كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى، وهذا تقييد وتفسير للمطلق الذي ذُكٍر في باب (التخفيف) حيث قال هناك: (فصلى ما شاء الله تعالى)، (ثم اضطجع) ﵇؛ أي: نام حتى نفخ، كما صرح به في باب (التخفيف) (حتى) أي: إلى أن (أتاه المؤذن)؛ أي: بلال ﵁؛ أي: فأيقظه وأعلمه بالصلاة، (فقام) ﵇ (فصلى ركعتين خفيفتين)، وهما سنة الصبح، (ثم خرج)؛ أي: من الحجرة إلى المسجد، (فصلى الصبح)؛ أي: فرضه بأصحابه ﵃، ففيه: دليل على استحباب قيام الليل، والصلاة فيه وقراءة الآيات المذكورة بعد الانتباه من النوم، وعلى تخفيف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح مع مراعاة أدائها، وعلى جواز عرك أذن الصغير؛ لأجل التأديب، وعلى استحباب مجيء المؤذن إلى الإمام وإعلامه بإقامة الصلاة، وعلى جواز الاضطجاع عند المَحْرَم وإن كان زوجها عندها، وعلى استحباب إقامة المقتدي على يمين الإمام، وعلى استحباب أداء السنن في البيت والفرائض في المسجد، وقال ابن بطال: (فيه دليل على ردِّ من كره قراءة القرآن على غير طهارة لمن لم يكن جنبًا، وهي الحجة الكافية؛ لأنَّه ﵇ قرأ العشر الآيات بعد قيامه من النوم قبل الوضوء)، واعترضه الكرماني: (بأنه ليس ذلك حجَّة كافية؛ لأنَّ قلبه ﵇ لا ينام ولا ينتقض وضوءه به)، وتبعه ابن المنير، ثم قال: (وأمَّا كونه توضأ عقيب ذلك؛ فلعلَّه جدَّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك فتوضأ)، واستحسن ابن حجر كلامه بالنسبة إلى كلام ابن بطال حيث قال: (بعد قيامه من النوم)، ثم قال: (لأنَّه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لمَّا عقَّب ذلك بالوضوء؛ كان ظاهرًا في كونه أحدث، أو لا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه ألَّا يقع منه حدث وهو نائم، نعم؛ إن وقع؛ شعر به، بخلاف غيره، وما ادَّعوه من التجديد وغيره؛ الأصل عدمه) انتهى.\nواعترضه في «عمدة القاري» كما هي عادته في بيان ما هو الصواب؛ حيث قال: (قلت: وقوله: «لا يلزم من كون نومه...» إلى آخره: غير مسلَّم، وكيف يمنع عدم الملازمة؟! بل يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه ألَّا يقع حدثٌ في حالة النوم؛ لأنَّ هذا من خصائصه ﵇، فيلزم من قول هذا القائل ألَّا يفرَّق بين نوم النبي الأعظم ﵇ ونوم غيره، وهو ممنوع).\nوقوله: «وما ادَّعوه من التجديد وغيره؛ الأصل عدمه» قال: (قلت: وهذا عند عدم قيام الدليل على ذلك، وههنا قام الدليل بأنَّ وضوءه ﵇ لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله ﵇: «تنام عيناي ولا ينام قلبي»، فحينئذ يكون تجديد وضوئه؛ لأجل طلب زيادة النور حيث قال: «الوضوء على الوضوء نور على نور») انتهى.\nقلت: وهو كلام في غاية التحقيق:\nإذا قالت حزام فصدِّقوها... فإن القول ما قالت حزام\nفليحفظ.\nواعلم أن مطابقة الحديث للترجمة في قراءة القرآن بعد الحدث؛ لأنَّه ﵇ قرأ العشر الآيات بعد قيامه من النوم قبل وضوئه، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه كيف يقال هذا ونومه ﵇ لا ينقض وضوءه؟!\nوزعم ابن حجر تبعًا للسبكي أنَّ مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو من الملامسة، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ هذا بعيد؛ لأنَّا لا نسلِّم ذلك على التحقيق، ولئن سلَّمنا؛ فمراده من الملامسة: اللمس باليد أو الجماع، فإن كان الأول؛ فلا نقض للوضوء أصلًا سيما في حقه ﵇؛ لأنَّه قد ثبت عنه ﵇ أنَّه كان يقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلي، ولم يتوضأ، كما رواه أبو داود والنَّسائي وغيرهما، وإن كان الثاني؛ فيحتاج إلى الاغتسال، ولم يوجد هذا في هذه القصة، انتهى بزيادة.\nوأجاب القسطلاني وتبعه العجلوني عن الأول بأنَّ المذهب الجزم بانتقاض الوضوء بالمس باليد، انتهى.\nقلت: أي: في مذهب الشافعي، وهذا ليس بجواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ لأنَّ المذهب لا يعارض الأحاديث الصحيحة المروية عن النبي الأعظم ﵇، ومهما اجتهد الشافعي لا يصل إلى مقام المعارضة للأحاديث، فإن أجابوا بأحاديث تدل [في] ظاهرها على أن المسَّ ينقض الوضوء؛ فأحاديث عدم النقض أصحُّ وأرجح من وجوه شتَّى، على أنَّ أحاديث النقض مثبتة، وعدم النقض نافية، والقاعدة عند المحققين: أن المثبِت مقدَّم على النافي، على أنَّ أحاديث عدم النقض أقوى وطرقها عديدة؛ فهي أولى، على أنَّ الشافعي استدلَّ بالنقض بالآية: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وإجماع أهل اللغة -وهو المروي عن جميع الصحابة- أن المراد بالمسِّ: الجماع؛ لأنَّه كناية، كما كنَّى عن قضاء الحاجة: بـ ﴿الغائط﴾، فلا دليل يظهر له في ذلك، والله تعالى أعلم وأحكم.\n\n <span id=\"b-٣٢٥\"> </span>(٣٧) <span data-type=\"title\" id=toc-325>[باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل]</span>\nهذا (باب: من لم يتوضأ)؛ أي: من لم يَرَ الوضوء (إلا من الغَشْي)؛ بفتح الغين المعجمة، وسكون الشين المعجمة، آخره ياء، يقال: غشي عليه غشية، وغشية، وغشيانًا، فهو مغشي عليه، والغشي: مرض يعرض من طول التعب والوقوف، وهو ضرب من الإغماء، إلا أنَّه أخف منه، وقد يكون من نحو مرض، وقال صاحب «العين»: (غشي عليه: ذهب عقله)، وفي التنزيل: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى","vol":"1","page":77},{"text":"عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، وقوله: (المُثقل): صفة الغشي، وهو بضم الميم، من أثقل يثقل إثقالًا، فهو مثقل؛ بكسر القاف للفاعل، وبفتحها للمفعول.\nفإن قلت: كيف يجوز هذا الحصر وللوضوء أسباب أُخَر غير الغَشْي؟\nقلت: إنَّما يقع مثل هذا الحصر؛ فالمراد أنه ردُّ لاعتقاد السامع حقيقةً أو ادَّعاءً، فكأن ههنا من يعتقد وجوب الوضوء من الغشي مطلقًا سواء كان مثقلًا أو غير مثقل وأشركهما في الحكم، فالمتكلم حصر على أحد النوعين من الغشي، فأفرده بالحكم مزيلًا للشركة، ومثله من قبيل قصر الأفراد، ومعناه: أنه (^١) لم يتوضأ إلا من الغَشْي المثقل لا من الغَشْي الغير المثقل، وليس المعنى: من توضَّأ من الغشي المثقل، لا من سبب آخر من أسباب الحدث، أو أنه استثناء مفرَّغ، فلا [بدَّ] من تقدير المستثنى منه مناسبًا له؛ فتقديره: من لم يتوضأ من الغشي إلا من الغشي المثقل، كذا قرره في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٣٢٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-326>[حديث: ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا]</span>\n١٨٤ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل)؛ أي: ابن أبي أويس (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي خال إسماعيل المذكور، (عن هِشام بن عُروة)؛ بكسر الهاء، وضم العين المهملة؛ أي: ابن الزبير بن العوَّام -بتشديد الواو- القرشي، (عن امرأته) أي: هشام (فاطمة)؛ أي: بنت المنذر بن العوام، (عن جدتها أسماء) على وزن (حمراء) (بنت أبي بكر)؛ أي: الصديق الأكبر، وزوجة الزبير بن العوام، وفي رواية: (عن جدته)؛ بتذكير الضمير، وكلاهما صحيحان بلا تفاوت في المعنى؛ لأنَّ أسماء جدة لهشام ولفاطمة كليهما؛ لأنَّها أم عروة والد هشام وأم المنذر أبي فاطمة: (أنها) أي: أسماء (قالت: أتيت عائشة)؛ أي: أختها الصديقة (زوج النبي) الأعظم (ﷺ) ورضي عنها (حين) ظرف لـ (أتيت) (خَسَفَتِ الشمس)؛ بالبناء للفاعل، وأطلقت على الكسوف خسوفًا، إمَّا حقيقة أو مجازًا، قيل: يقال أيضًا: كسفت، ويقالان للقمر أيضًا، ويقال أيضًا: خُسفا وكُسفا؛ بضم أولهما، وانخسفا وانكسفا، قال ثعلب: والأجود: كسفت الشمس وخسف القمر، وهو ذهاب ضوئهما كله أو بعضه، وقيل: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض، وقيل: الخسوف ذهاب لونهما، والكسوف تغيره، (فإذا الناس قيام يُصَلَّون)؛ أي: صلاة الكسوف ركعتين، (وإذا هي)؛ أي: عائشة ﵂ (قائمة تصلي)؛ أي: صلاة الكسوف.\n (فقلت) أي: قالت أسماء لعائشة: (ما للناس؟)؛ أي: قائمين يصلون، (فأشارت) أي: عائشة (بيدها نحو السماء)؛ أي: رفعتها تريد إعلامها بذلك، وهو غير مفسد ولا مكروه للصلاة، لكنه ينافي الخشوع، (وقالت)؛ أي: عائشة، وفي رواية: (فقالت)؛ بالفاء: (سبحان الله!)، وقولها ذلك أيضًا غير مفسد ولا مكروه؛ لأنَّه من أعمال الصلاة، وجملة: (فقلت: آية؟)؛ أي: أهي علامة لعذاب الناس؟ من القول، ومقوله من كلام أسماء، (فأشارت)؛ أي: عائشة برأسها كما في الرواية السابقة في كتاب (العلم) (أن)، وفي رواية: (أي)، وهما حرفا تفسير، (نعم) آية للعذاب، قالت أسماء (^٢): (فقمت)؛ أي: وقفت في الصلاة (حتى) أي: إلى أن (تجلَّاني)؛ بالجيم؛ أي: غطَّاني، (الغَشِيُّ)؛ بفتح الغين المعجمة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد التحتية، أو بفتح، فسكون، قال ابن بطال: (الغشي: مرض يَعْرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضرب من الإغماء، إلا أنَّه دونه) انتهى، قلت: وقد يكون من نحو مرض الصفراء تصعد إلى رأس الشخص، فمن شدة بخارها وغلظه يحصل ذلك، وفي قوله: (ضرب من الإغماء) مع قوله: (إلا أنه دونه) نوع تدافع؛ فتأمل، ويطلق الغشي على ذهاب العقل، كما قاله صاحب «العين»، كما سبق.\nوفي قولها: (وجعلت أصُبُّ) بضمِّ الصَّاد المهملة (فوق رأسي ماء) كان بقربها؛ إشارةٌ إلى أنَّه لم يكن مثقلًا، وأنَّ حواسها بقيت مُدْرِكة، وإلَّا فالإغماء المستغرق ينقض الوضوء إجماعًا، وكان صبُّها الماء فوق رأسها؛ ليزول عنها الغشي بحركة أو حركتين أو حركات لا تبطل الصلاة، والظَّاهر: أنَّ المراد: أخذ الماء بيدها وبلها ووضعها على رأسها، لا أنَّه تأخذه بإناء وتصبُّه؛ لأنَّ ذلك ممَّا يتلف ثيابها، وهذا فيه منفعة عظيمة لأرباب الصفراء في زوال ألم الرأس منها، ووجه الاستدلال بفعلها: من جهة أنَّها كانت تصلي خلف النبي الأعظم ﵇، وكان يرى من خلفه كما يرى من أمامه وهو في الصلاة، ولم يُنْقَل أنَّه أنكر ذلك عليها وأمرها بالوضوء، وفيه تحصل المطابقة للترجمة، كذا قاله الشارحان، وفيه نظر، فإنَّ الذي رآه ﵇ منها هو صبُّ الماء فوق رأسها، وأمَّا الغشي؛ فإنَّه أمر باطني خفي لا يدرك بالنظر، على أنَّه هي كانت في حجرتها، والنبي ﵇ يصلي في المسجد، وهو يرى من خلفه من أصحابه لا من في الحجر.\nوالوجه الصحيح أن يقال: فوجه المطابقة للترجمة في قولها: (حتى تجلاني الغشي)؛ لأنَّه لو كان مثقلًا؛ لكان ينتقض الوضوء منها؛ لأنَّه كالإغماء، والدليل على أنَّه لم يكن مثقلًا أنَّها صبَّت الماء على رأسها؛ ليزول الغشي، وذلك يدلُّ على أنَّ حواسها كانت حاضرة، وهو يدلُّ على عدم انتقاض وضوئها، فأخبرت بذلك النبي الأعظم ﵇، فأقرَّها ولم يُنْكِر عليها؛ فليحفظ.\n (فلما انصرف رسول الله ﷺ)؛ أي: من الصلاة لا من المسجد وإن جرى [عليه] كثير من الشراح؛ لأنَّه يبعده قوله: (حمد الله وأثنى عليه) ... إلى آخره؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلا عقب الصلاة، وهو في المسجد، وهذا من باب عطف العام على الخاص، (ثم قال) ﵇: (ما من شيء) أي: من الأشياء (كنت لم أره إلا قد رأيته)؛ أي: رؤية عين حقيقة، وتقدَّم بيان المراد من (الشيء)، وأنَّه عام أو خاص مع بقية المباحث، وقوله: (في مَقامي هذا)؛ بفتح الميم، حال من فاعل (رأيته) (حتى الجنةَُِ والنارَُِ)؛ برفعهما ونصبهما وجرهما، (ولقد أُوحي)؛ بضم الهمزة، (إليَّ) أي: في هذا المقام (أَنكم تفتنون)؛ بفتح [همزة] (أن)؛ لأنَّها مع ما بعدها نائب فاعل (أوحي)؛ أي: تمتحنون وتختبرون (في القبور) وللأصيلي: (في قبوركم) (مثل) فتنة المسيح الدجال (أو قريبًا)؛ بالتنوين، وفي رواية: (قريبَ)؛ بتركه، وفي أخرى بإثبات (^٣) التنوين فيهما (من فتنة) المسيح (الدجال)؛ أي: الكذاب، من الدجل؛ وهو الكذب، والمسيح: بالحاء المهملة، وقيل: هو بالخاء المعجمة؛ فرقًا بينه وبين عيسى ﵇.\n (قالت فاطمة: لا أدري أي ذلك قالت أسماء)؛ أي: مثل أو قريبًا، و(ذا): قد يشار بها إلى المثنى، كما هنا، (يُؤتَى أحدكم)؛ أي: يأتيه منكر ونكير، وقيل: مبشر وبشير للمؤمنين، ومنكر ونكير للكافرين، (فيقال له)؛ أي: فيقولان له، أو يقول أحدهما ويسكت الآخر، محتمل، والثاني: أظهر: (ما علمك بهذا الرجل؟)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، وظاهره: أنَّ السؤال يكون بهذه الجملة، ويحتمل أن يكون بغيرها لكن بكلام عربي، وقيل: إنَّ السؤال يكون بالسرياني، ولكنَّه غريب، (فأما) للتفصيل (المؤمن أو الموقن)؛ أي: بنبوته ﵇، قالت فاطمة: (لا أدري أي ذلك) أي: (المؤمن) أو (الموقن) (قالت أسماء) فالمشار إليه المثنى، كما مر، (فيقول)؛ أي: المسؤول في قبره: (هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات)؛ أي: المعجزات الدَّالة على نبوته (والهدى) الموصِل للمراد، (فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا)؛ بحذف الضمير في الأفعال الثلاثة، لكن بعد حذف الجار في (آمنا)؛ لأنَّ الأصل: آمنا به؛ فافهم.\n (فيقال: نم)؛ بالنُّون، من النوم؛ أي: فيقول له الملكان أو أحدهما على ما سبق، وللحمُّوي زيادة: (له) (صالحًا)؛ بالنصب، حال من فاعل (نم)؛ أي: فإنَّك موصوف بالصلاح وقد نجوت من العذاب، (فقد علمنا إن كنت لموقنًا)؛ أي: لمصدَّقًا به، وتقدَّم جواز الكسر والفتح في همزة (أن) خلافًا للدماميني حيث أوجب الفتح، (وأما المنافق)؛ أي: الغير المصدِّق بقلبه بنبوته ﵇، (أو المرتاب)؛ أي: الشاك، وقوله: (لا أدري أي ذلك) أي: (المنافق) أو (المرتاب) (قالت أسماء) مقول فاطمة بنت المنذر: (فيقول)؛ أي: المسؤول في قبره: (لا أدري) هذا الرجل، بل إني (سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته) على سبيل الموافقة لهم غير مصدِّق به، ففي الحديث: إثبات وجود عذاب القبر، وفيه: ثبوت سنية صلاة الكسوف، وأن الحركات القليلة لا تُبْطِلِ الصلاة، وكثرتها مفوض لرأي\n_________\n(^١) في الأصل: (أن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) (قالت أسماء) جاء في الأصل سابقًا قبل قوله: (نعم).\n (^٣) في الأصل: (بترك)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":77},{"text":"المبتلى به، أو ما يستكثره الناظر أو ثلاث فما دونها قليل، وأنَّ الكسوف آية من آيات الله يخوِّف الله بها عباده، وأنَّ رشَّ الماء على المصلي في الصلاة غير مُفْسِد ولا مكروه، وفيه: ثبوت خروج الدجال في آخر الزمان، وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٢٧\"> </span>(٣٨) <span data-type=\"title\" id=toc-327>[باب مسح الرأس كله]</span>\nهذا (باب مسح الرأس كله) في الوضوء، وسقط في رواية لفظ: (كله) فقط، ومراده: وجوب استيعاب الرأس بالمسح في الوضوء، لكن من اكتفى بالربع منه؛ فقد أجاب عما استدل به، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى؛ (لقوله تعالى)، وفي رواية: (﷾)، وفي أخرى: (﷿): (﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾) [المائدة: ٦]؛ بناءً على أن الباء زائدة؛ أي: امسحوا رؤوسكم كلها، كما قال به مالك وأحمد.\n (وقال) سعيد (ابن المسيِّب)؛ بكسر المثناة التحتية وفتحها: (المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها)؛ أي: جميعه، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بلفظ: (المرأة والرجل في مسح الرأس سواء)، لكنه ليس صريحًا في وجوب التعميم، إلا إن ثبت عنه أنه يوجب التعميم في الرجل، فيُحْتَمَلُ أنهما سواء في أصل المسح، وعلى الأول هذا الأثر لا يساعد المؤلف في ثبوته لمسح كل الرأس، ونقل عن أحمد أنه قال: (يكفي المرأة مسح مقدَّم رأسها)؛ فتأمل.\n (وسُئِلَ) على صيغة المجهول (مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، والسائل له: إسحاق بن عيسى بن الطباع، كما بيَّنه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريقه، ولفظه: (سألت مالكًا عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه، أيجزئه ذلك؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم ردَّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله)، قلت: وهذا السياق أصرح للترجمة من الذي ساقه المؤلف بقوله: (أيَجزي)؛ بفتح المثناة التحتية، من جزى يَجزي؛ أي: كفى، والهمزة فيه للاستفهام، أو بضم التحتية وهمز آخره، من الإجزاء: وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد به، كذا في «عمدة القاري» ن قال ابن التين: (قرأناه غير مهموز، وضُبِطَ في بعض الكتب؛ بالهمز وضم الياء على أنَّه رباعي من أجزأ)؛ فتأمل، (أن يمسح بعض) ولابن عساكر: (ببعض)؛ بباءين على تعلقه بـ (يجزي) (الرأس؟)؛ أي: رأسه، كما في رواية الأكثرين، و(أن يمسح...) إلخ: فاعل (يجزي) ومفعوله كفاعل (يمسح) محذوف عائد إلى المتوضئ المدلول عليه بالمقام.\n (فاحتجَّ)؛ أي: مالك على أنَّه لا يجزئ مسح بعض رأسه (بحديث عبد الله بن زيد) الذي ساقه المؤلف هنا، والمعنى: لما سُئِلَ عن مسح الرأس؛ روى هذا الحديث واحتجَّ به على أنَّه لا يجوز أن يقتصر على بعض الرأس، قال ابن حجر: (موضع الدلالة من الحديث والآية: أنَّ لفظ الآية مجمل؛ لأنَّه يحتمل أن يراد بها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها تبعيضية، فتبين بفعل النبي ﵇ أنَّ المراد الأول).\nواعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا إجمال في الآية، وإنما الإجمال في المقدار دون المحل؛ لأنَّ الرأس وهو معلوم وفعله ﵇ كان بيانًا للإجمال الذي في المقدار، وهذا القائل لو علم معنى الإجمال؛ لما قال: لفظ الآية مجمل، انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن إجمال المقدارِ كافٍ في كون الآية مجملة.\nقلت: ورُدَّ بأن إجمال المقدار خارج عن الآية بدليل أنَّه فهم من الحديث بيانه، فلفظ الآية مُبَيِّنٌ لأصل وجوب المسح، فلا إجمال فيها، والسنة بينت مقداره، فالإجمال في المقدار لا في الآية؛ فافهم.\nقلت: وأجاب الجمهور: بأن الأصل عدم الزيادة، وكلامه تعالى وحروف كلامه تصان عن الزيادة بلا فائدة، بل الباء هنا للإلصاق؛ وهو معناها الأصلي عند المحققين.\nوقال العلَّامة البغوي: (القرآن يوجب مسح الجميع، والسنة خصَّصته بقدر الناصية، فلا يسقط الفرض بأقل من قدر الناصية)، واعترضه الكرماني بأنَّ كلام العرب يشهد لعدم العموم؛ لأنَّهم يقولون: مسحت المنديل؛ فيفيد العموم، ومسحت به؛ فيفيد البعض.\nقلت: وهو ممنوع، فإنَّ النبي الأعظم ﵇ هو أفصح العرب قد فسَّر ذلك بفعله، وهو أنَّه مسح على ناصيته، وكيف يُستدَّل بكلام العرب ويُتْرَك تفسير أعرب العرب؟! فإنه إذا وجد تفسير النبي الأعظم ﵇؛ يتعين المصير إليه؛ لأنَّه الشارع، وإنما يصار إلى كلام العرب عند عدم تفسيره ﵇.\nوالحاصل: أنَّ ما ذهب إليه الإمام الأعظم وأصحابه من وجوب مسح الناصية يشهد له الآية من حيث أصل المسح، والحديث من حيث بيان أنه مقدار الناصية، وأمَّا ما ذهب إليه مالك وأحمد من وجوب الاستيعاب؛ يشهد له الآية من حيث الأصل، والحديث من حيث إن ظاهره أنَّه يدل على الاستيعاب، وأمَّا ما ذهب إليه الشافعي من وجوب بعض المسح، وهو قدر شعرة أو شعرتين (^١)؛ يشهد له الآية على أن معنى الباء: التبعيض، وهو ضعيف، وأمَّا الأحاديث؛ فلم يوجد فيها شيء يدل على التبعيض، فلا ريب أنَّ ما ذهب إليه إمامنا أرجح وأقوى، واستدلال الشافعي بكلام العرب ليس بشيء مع وجود الأحاديث الدَّالة على بيان المقدار في وجوب المسح؛ فافهم ذلك.\n\n <span id=\"b-٣٢٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-328>[حديث عبد الله بن زيد في مسح الرأس كله]</span>\n١٨٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا)، وفي رواية: (حدثنا) (مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن عَمرو بن يحيى)؛ بفتح العين المهملة، ابن عُمَارة؛ بضمها وتخفيف الميم (المازني) الأنصاري، (عن أبيه): يحيى المذكور بن عمارة بن أبي حسن واسمه تميم، وله صحبة، وكذا لعمارة ولده فيما جزم به ابن عبد البر، قال أبو نعيم فيه نظر، وقال الذهبي: عمارة بن أبي حسن المازني له صحبة، وقيل: أبوه بدري وعقبي، كذا في «عمدة القاري»: (أن رجلًا): هو عمرو بن أبي حسن، كما سيأتي في الحديث الآتي من طريق وهيب (قال لعبد الله بن زيد)؛ أي: ابن عاصم الأنصاري المازني، ووقع في رواية مسلم: (عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا) ...؛ فذكر الحديث، (وهو)؛ أي: الرجل المفسَّر بعمرو بن أبي حسن (جدُّ عمرو بن يحيى)؛ أي: المذكور، لكن مجازًا لا حقيقة؛ لأنَّه عم أبيه، وأطلق عليه (جدًّا)؛ لكونه في منزلته، قال في «عمدة القاري»: ووهم من زعم أنَّ المراد بقوله: (وهو) عبد الله بن زيد؛ لأنَّه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى لا حقيقة ولا مجازًا، وأما قول صاحب «الكمال»: (إن عمرو بن يحيى ابن بنت عبد الله بن زيد)، فغلط توهَّمه من هذه الرواية، وذكر ابن سعد: (أن أمَّ عمرو بن يحيى هي حميدة بنت محمد بن إياس بن بكير)، وقال غيره: (هي أم النعمان بنت أبي حبة)، واختلف رواة «الموطأ» في تعيين السائل، فأبهمه أكثرهم، وقال معن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه يحيى: أنه سمع أبا حسن، وهو جد عمرو بن يحيى قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة...؛ فذكر الحديث، وقال محمد بن الحسن الشيباني، عن مالك: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه يحيى: أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في «المدونة»، وقال الشافعي في «الأم»: (عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، قال لعبد الله بن زيد)، قال في «عمدة القاري» أيضًا: فإن قلت: هل يمكن أن يجمع هذا الاختلاف؟ قلت: يمكن أن يقال: اجتمع عند عبدِ الله بن زيد ابنُ أبي حسن الأنصاري وابنُه عمرو وابنُ ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، [فسألوه عن صفة وضوء النبي، وتولى السؤال منهم له عمرو (^٢) بن أبي حسن] (^٣)، فحيث نُسِب إليه السؤال؛ كان على الحقيقة، ويؤيِّده رواية سليمان بن بلال عند المؤلف في باب (الوضوء من التور) قال: (حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي -يعني: عمرو بن أبي حسن- يُكْثِرُ الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني...)؛ فذكره، وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن، فعلى المجاز؛ لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نُسِب السؤال ليحيى بن عمارة، فعلى المجاز أيضًا؛ لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال أيضًا، ويؤيِّد هذا الجمع ما في رواية الإسماعيلي من طريق وهب بن بقية عن خالد الواسطي بلفظ: (قلنا له) بلفظ الجمع الدَّال على أنَّهم كلهم اتفقوا على السؤال، غير أن السائل منهم كان عمرو بن أبي حسن، ويؤيده أيضًا ويوضِّحه ما رواه أبو نعيم في «المستخرج» من حديث الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد...؛ فذكر الحديث، انتهى.\nومثله ذكره ابن حجر وتبعهما العجلوني، وأمَّا القسطلاني؛ فاقتصر، فلم يوضِّح هذا الإيضاح، فلله درُّ صاحب «عمدة القاري» ما أغزر\n_________\n(^١) في الأصل: (شعره)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في «عمدة القاري»: (عمارة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) ما بين معقوفين سقط منالأصل، وهو مستفاد من «عمدة القاري».","vol":"1","page":78},{"text":"علمه، وأوفر فهمه، والله يختصُّ برحمته من يشاء.\n (أتستطيع)؛ الهمزة للاستفهام؛ أي: هل تستطيع (أن تريني)؛ كلمة (أن): مصدرية، والجملة محلها نصب على أنها مفعول (تستطيع)، والتقدير: هل تستطيع الإراءة إياي (كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟)، فجملة (يتوضأ): محلها النصب على أنها خبر (كان)، ويجوز أن تكون تامة، وتكون جملة (يتوضأ): محلها نصب على الحال، وسبب استفهامه تجويزه أن يكون الصحابي نسي ذلك؛ لبعد عهده، وفيه ملاطفة الطالب للمعلم، وكأنَّه أراد أن يريه ذلك بالفعل؛ ليكون أبلغ في التعليم.\n (فقال عبد الله بن زيد)؛ أي: الأنصاري المازني المتقدم: (نعم): مقول القول، وهو يكون جملة، والتقدير: نعم أستطيع أن أريك كيفية وضوء النبي الأعظم ﵇؛ لأنَّي أحفظ ذلك، كما شاهدته، (فدعا) أي: عبد الله بن زيد (بماء)؛ الفاء للتعقيب، وفي رواية وهيب الآتية في الباب بعده: (فدعا بتور من ماء)، وسيأتي الخلاف في تفسير (التور)، وللمؤلف في باب (الغسل) في أول هذا الحديث: (أتانا رسول الله ﷺ، فأخرجنا له ماء في تور من صفر) والتور المذكور يحتمل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد لمَّا سئل عن صفة وضوئه ﵇، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، ويحتمل غيره لكن ما قلناه؛ فافهم.\n (فأفرغ)؛ الفاء للتعقيب أيضًا؛ أي: صبَّ من الماء (على يديه)؛ بالتثنية، وفي رواية: (على يده)؛ بالإفراد على إرادة الجنس، وفي رواية موسى عن وهيب: (فأكفأ)؛ بهمزتين، وفي رواية سليمان بن حرب في باب (مسح الرأس) عن وهيب: (فكفأ)؛ بهمز آخره فقط، وهما لغتان بمعنًى، يقال: كفأ الإناء وأكفأه؛ إذا أماله، وقال الكسائي: (كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والمراد في الموضعين: إفراغ الماء من الإناء على اليد)، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (فغسل يده)؛ بالإفراد، وللأربعة: بالتثنية، والفاء للتعقيب، (مرتين) كذا في رواية مالك، لكن لغيره من الحفاظ: (ثلاثًا)، كما عند مسلم وغيره، فهي مقدمة على رواية الحافظ الواحد، وإنما لم يُحْمَلْ هذا على واقعتين؛ لأنَّ المخرج واحد، والأصل عدم التعدد، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وغسل اليدين قبل شروعه في الوضوء فيه أقوال:\nالأول: أنَّه سنة، وهو المشهور عندنا، كما في «المحيط» و«المبسوط»، ويدل عليه أنه ﵇ لم يتوضأ قطٌّ إلا غَسَلَ يديه، وذكر في «النافع» تقديم غسلهما إلى الرسغين سنة تنوب عن الفرض؛ كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة، واختاره في «الكافي»، وقال شمس الأئمة السرخسي: «إنه سنة لا تنوب عن الفرض، فيعيد غَسْلهما ظاهرهما وباطنهما»، قال: «وهو الأصح»، والذي اختاره الجمهور: أنه فرض وتقديمه سنة، واختاره في «فتح القدير»، وفي الحواشي: تقديم غسل اليدين للمستيقظ؛ لأجل التبرِّك بالحديث، وإلا فسببه شامل له ولغيره، قال في «النهر»: «والأصح الذي عليه الأكثر: أنه سنة مطلقًا للمستيقظ وغيره، لكنه عند تَوَهِّم النجاسة سنة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء، أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمهما، كما إذا نام لا عن شيء من ذلك، أو لم يكن مستيقظًا عن نوم» انتهى.\nالثاني: أنه مستحبٌّ للشاكِّ في طهارة يديه، وهو المروي عن مالك.\nالثالث: أنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، قاله أحمد.\nالرابع: أنه واجب فيما إذا شكَّ هل أصابته نجاسة أم لا؟ فيجب غسلهما في مشهور قول مالك.\nالخامس: أنه واجب على المنتبه من النوم مطلقًا، وبه قال داود وأصحابه).\n (ثم تمضمض، واستنثر) وفي رواية: (مضمض واستنشق) (ثلاثًا)، ومعنى (استنثر): إذا استنشق الماء ثم استخرجه بنَفَس الأنف، والنثرة: الخيشوم وما والاه، وتنشَّق واستنشق الماء في أنفه: صبَّه فيه، ويقال: نثر وانتثر واستنشق: إذا حرَّك النثرة، وهي طرف الأنف.\nوزعم ابن حجر أن الاستنثار مستلزم للاستنشاق بلا عكس، وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: لا نسلِّم ذلك، فقد قال ابن الأعرابي وابن قتيبة وغيرهما: «الاستنشاق والاستنثار واحد») انتهى.\nقلت: وقد قدَّمنا في باب (الوضوء ثلاثًا): أن بعض أهل اللغة على عدم اتحادهما لغة، وأما اصطلاحًا؛ فلا خلاف في تغايرهما، فكأن ابن حجر اعتمد قول هذا البعض، وقدمنا أنه شاذٌّ لا يعوَّل عليه، وهذا دأبه في اعتماده على الأقوال الشاذة، ولعلَّه اختلط عليه ما قاله أهل اللغة بما قال أهل الاصطلاح، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام»، وقد تعرَّض لذلك أيضًا في «منهل العليل المطل» فافهم.\nفالمضمضة والاستنشاق: سُنَّتان في الوضوء فرضان في الغُسْل، وبه قال الإمام الأعظم، وأصحابه، وسفيان الثوري، وغيرهم، وقال الشافعي: سُنَّتان فيهما، وعنه أنهما واجبتان فيهما، وهو قول ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، وقال أبو ثور: (الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة)، وبه قال أحمد في رواية، وأبو عبيد، وزاد في رواية وهيب بعد (ثلاث): (بثلاث غَرفات)، وهي تفيد: أنه تمضمض ثلاثًا بثلاث غَرفات، واستنشق ثلاثًا بثلاث غَرفات، ويدل له ما رواه الترمذي عن علي الصديق الأصغر ﵁، وفيه: مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وقال: (حديث حسن صحيح)، ولم يُحْكَ فيه أن كل واحد من المضامض والاستنشاقات بماء واحد، لكن مضمونه ظاهر، وهو أنه أخذ لكل واحدة منهما ماء جديدًا، وكذا روى البويطي عن الشافعي: (أنه يأخذ ثلاث غَرفات للمضمضة، وثلاث غَرفات للاستنشاق).\n (ثم غسل وجهه ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، ولم تختلف الروايات في ذلك، وكلمة (ثم) في ستة مواضع في الحديث بمعنى: الواو، وليست على معناها الأصلي؛ وهو الإمهال، كذا قاله ابن بطال.\nوقال في «عمدة القاري»: («ثم» في هذه المواضع؛ للترتيب؛ لأنَّها تُسْتَعمل لثلاثة معان؛ التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، مع أن في كل واحد منها فيه خلاف، والمراد من الترتيب: هو الترتيب في الإخبار، لا الترتيب في الحكم، مثل ما يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب؛ أي: ثم أخبرك؛ أي: الذي صنعته أمس أعجب) انتهى.\nقلت: فلا دلالة في الحديث على وجوب الترتيب؛ لأنَّ المراد به: الإخبار، ويدل عليه الإتيان في الآية بالواو؛ وهي لمطلق الجمع اتفاقًا، لا تفيد الترتيب، فمن أوجب الترتيب؛ فقد زاد على النص، والزيادة عليه لا تجوز، على أنه لو ادَّعى أن الحديث يفيد وجوب الترتيب؛ يقال له: إن الحديث خبر الواحد، وهو يفيد السنية لا الوجوب، فثبت بذلك مذهب الإمام الأعظم والجمهور أنَّ الترتيب سنَّة لا واجب، وهو الحقُّ؛ فليحفظ.\n (ثم غسل يديه)؛ بالتثنية، (مرتين مرتين)؛ بتكرار (مرتين)، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين مرتين، وفي رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد: (أنه رأى رسول الله ﵇ توضأ، فمضمض، ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما)، قال في «عمدة القاري»: (فيحمل على أنه وضوء آخر، لكن مخرج الحديثين غير متحد) انتهى، وتبعه العجلوني، وذكر القسطلاني رواية مسلم المذكورة في شرح قوله: (فغسل يده مرتين)، وهو غير مناسب؛ لأنَّه يوهم خلاف المراد؛ فافهم.\nوهل يغسل يديه هنا من أول الأصابع أو يغسل الذراعين لا غير؛ لتقدم غسل اليدين إلى الرسغ؟ وفي «الذخيرة»: الأصح عندي: أنَّه يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنَّ الأول كان سنة افتتاح الوضوء فلا ينوب عن فرض الوضوء، وهذا ما صحَّحه شمس الأئمة السرخسي، والذي اختاره الجمهور: أنَّ الغسل الأول فرض وتقديمه سنة، وسبق؛ فتأمل.\n (إلى المَرفِقين)؛ بالتثنية، وبفتح الميم، وكسر الفاء، وفي رواية: (إلى المرفق)؛ بالإفراد على إرادة الجنس، وهو مفصل الذراع والعضد، سمي بذلك؛ لأنَّه يُرْتَفَقُ به في الاتِّكاء، وهو يدخل في غسل اليدين عند الجمهور، خلافًا للإمام زفر وأبي بكر بن داود، وهو رواية عن مالك.\nواستُدِل للجمهور: بأن ﴿إلى﴾ [المائدة: ٦] في الآية بمعنى: (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]؛ أي: معها، ورُدَّ بأنه خلاف الظاهر، وأجيب: بأن القرينة دلَّت عليه، وهي كون ما بعدها من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: (اليد: تُطْلَقُ من رؤوس الأصابع إلى الإبط؛ لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، ولفظ ﴿إلى﴾ حد للمتروك لا للمغسول، وردَّ بأن السياق ينافيه.\nوقال العلَّامة جار الله الزمخشري: («إلى»: لمطلق الغاية، وأمَّا دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ فيدوران","vol":"1","page":78},{"text":"مع الدليل كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فيدل على عدم الدخول للنهي عن صوم الوصال، وقول القائل: «حفظت القرآن من أوله إلى آخره» يدل على الدخول؛ لكون الكلام مَسُوقًا لحفظ القرآن جميعِه، ولا دلالة في الآية على أحد الأمرين بخصوصه، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن) انتهى.\nقال في «عمدة القاري»: (ويمكن أن يُسْتَدَلَّ لدخولها بفعله ﵇، ففي «الدارقطني» بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة وضوئه ﵇: «فغسل يديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين»، وفيه أيضًا من حديث جابر: «كان ﵇ إذا توضأ؛ أدار الماء على مرفقيه»، وفي «البزار» و«الطبراني» من حديث وائل بن حجر وفيه: «وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق»، وفي «الحافظ الطحاوي» و«الطبراني» من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: «ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه») انتهى.\nقلت: فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وقال ابن راهويه: (﴿إلى﴾ في الآية تحتمل الغاية ومعنى «مع»، فبيَّنت السنة أنَّها بمعنى «مع»).\nوقال الشافعي في «الأم»: (لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء)، قال ابن حجر: (فعلى هذا؛ فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حكى عنه أشهب كلامًا محتملًا) انتهى.\nقلت: وقوله: (لا أعلم مخالفًا): ليس حكاية منه للإجماع الذي يكون غيره محجوجًا به، ففي دعوى الإجماع نظر، ولذا قال العجلوني بعد كلام ابن حجر: (وأقول قول «الأم» لا ينافي وجود خلاف، فلا إجماع) انتهى، وقد نقل غير واحد عن أشهب عن مالك قولًا واحدًا: أن المِرْفق غير داخل في الوضوء، كما قاله الإمام زفر وداود، فقول ابن حجر: (ولم يثبت عن مالك) فيه نظر، وقد يقال: لم يثبت عن مالك في غير رواية أشهب، وأمَّا في رواية أشهب؛ فإنه يثبت القول بذلك؛ فافهم.\nوقال في «شرح المنية»: (إنَّ غسل المرفقين والكعبين في الوضوء ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي لا يكفر جاحده)، قال في «النهر»: (فلهذا لا يحتاج إلى دعوى الإجماع؛ لأنَّ الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع، فيحتاج إلى الإجماع) انتهى.\nقلت: ولهذا لم يتعرض في «عمدة القاري» إلى دعوى الإجماع، بل استدلَّ بالأحاديث التي أوردناها؛ فافهم.\n (ثم مسح رأسه) زاد ابن الصباغ في روايته: (كله)، كما في حديثه المروي عند ابن خزيمة في «صحيحه»، وفي رواية خالد بن عبد الله: (مسح برأسه)؛ بزيادة الباء الموحدة، (بيديه)؛ بالتثنية، فاحتجَّ به مالك وأحمد في رواية على أنَّ مسح جميع الرأس فرض، واختلف أصحاب مالك؛ فقال أشهب: (يجوز مسح بعض الرأس)، وقال غيره: (والثلث فصاعدًا)، وعندنا وعند الشافعي: (الفرض مسح بعض الرأس)، فقال أئمتنا: وذلك البعض هو ربع الرأس؛ لحديث المغيرة بن شعبة: (أنه مسح على ناصيته)، والناصية: تبلغ ربع الرأس كما قاله أهل اللغة؛ لأنَّ الكتاب مجمل في حق المقدار فقط؛ لأنَّ الباء في ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ للإلصاق عند المحققين باعتبار أصل الوضع، وجميع معانيها ترجع إلى الإلصاق، فإذا قُرِنت بآلة المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى مسح المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي، فيتناول كله، وإذا قُرِنَتْ بمحلِّ المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، وهو لا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادة، بل يقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه، فتعين الربع مرادًا في الآية، وهو المطلوب، فالآية مجملة محتاجة للبيان، وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة: (أنه ﵇ توضأ، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين).\nفإن قلت: إنَّما استدللت بالحديث على أنَّ المقدار في المسح هو قدر الناصية، وتركت بقية الحديث وهو المسح على العمامة.\nقلت: لو عملنا بكل الحديث؛ يلزم به الزيادة على النص؛ لأنَّ هذا خبر الواحد، والزيادة به على الكتاب نسخ؛ وهو لا يجوز، وأمَّا المسح على الرأس؛ فقد ثبت بالكتاب، فلا يلزم ذلك، وأمَّا مسحه على العمامة؛ فأوَّله البعض بأن المراد به ما تحتها (^١)، من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأوَّله البعض: بأن الراوي كان بعيدًا عن النبي الأعظم ﵇، فمسح على رأسه ولم يضع العمامة من رأسه، فظنَّ الراوي أنه مسح على العمامة.\nوقال القاضي عياض: (وأحسن ما حَمَلَ عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة: أنه ﵇ لعلَّه كان به مرض في رأسه، فمنعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة).\nوقال ابن حجر: (فإن قيل: فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنَّه كان في السفر، وهو مظنَّة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر سياق مسلم من حديث المغيرة؛ قلنا: قد رُوِيَ عنه مسح مُقَدَّم الرأس من غير مسح العمامة، وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء: «أنه ﵇ توضأ، فحَسَرَ العمامة عن رأسه، ومسح مقدَّم رأسه»، وهو مرسل، لكنه اعتضد من وجه آخر موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة) انتهى، وتبعه القسطلاني.\nواعترضهما في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قول هذا القائل من أعجب العجائب؛ لأنَّه يدَّعي أن المرسل غير حجة عند إمامه، ثم يدَّعي أنه اعتضد بحديث موصول ضعيف باعترافه هو، ثم يقول: وحصلت القوة من الصورة المجموعة، فكيف تحصل القوة من شيء ليس بحجة، وشيء ضعيف؟! فإذا كان المرسل غير حجة؛ يكون في حكم العدم، ولا بقي إلا الحديث الضعيف وحده، فكيف تكون الصورة المجموعة قوية؟!) انتهى، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام».\nوقول ابن حجر: (فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنَّه كان في سفر): ممنوع؛ لأنَّ حديث المغيرة صريح في أنه ﵇ لم يكن في السفر، ولفظه: (أنه ﵇ أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفَّيه)، رواه ابن ماجه والنسائي، وروى أبو داود عن أنس قال: (رأيت النبي ﵇ يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه)، وروى البيهقي عن عطاء: (أنه ﵇ توضأ، فحسر العمامة، ومسح مقدَّم رأسه، أو قال: ناصيته)، وكل هذه الأحاديث تدل على بطلان ما زعمه ابن حجر، على أن دعوى العذر ممنوعة؛ لأنَّ حالة العذر حالة ضرورة، وفي حالة الضرورة تقدَّر بقدرها، فهي دعوى باطلة لا دليل عليها، وهي بعضها متصل وبعضها مرسل، وهو حجَّة عندنا لا سيما وقد اعتضد بالمتصل.\nواعترض بأن الباء المتنازعة فيها موجودة في حديث مسلم، فيبقى النزاع، كما في الآية.\nقلت: لا نزاع في الحديث أصلًا؛ لأنَّ رواية أبي داود، وابن ماجه، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم: بدون الباء، وهي أحاديث متصلة، وحديث مسلم وإن كان في روايته زيادة الباء؛ فهي زيادة من الراوي زادها موافقة للفظ الآية، وإلا فلفظ الحديث بدون الباء كما رواه الجمهور، ولو سُلِّم وجودها؛ فما قيل في معنى الباء التي في الآية؛ يقال فيها أيضًا، وتعداد الرواة في حديث مسح الناصية وتعدُّد طرقه يدلُّ صريحًا على أنه ﵇ من حين نزول الآية كان يمسح على الناصية، فهو بيان لإجمالٍ في الآية، وهو ما قرَّره المحققون.\nوقال الشافعي: (الباء في الآية معناها: التبعيض، فيُطْلَقُ على أدنى ما يُطْلَقُ عليه المسح، وهو يتأدَّى بشعرة أو شعرتين).\nواعترض بأن أهل اللغة قد أنكروا كون الباء للتبعيض، وقال ابن برهان: (من زعم أن الباء تفيد التبعيض، فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه)، وقد جعل المحقِّق الجرجاني معنى الإلصاق في الباء أصلًا، وإن كانت (^٢) تجيء لمعان كثيرة، فإنها ترجع إلى الإلصاق؛ لأنَّه\n_________\n(^١) في الأصل: (تحته).\n (^٢) في الأصل: (كان).","vol":"1","page":79},{"text":"معناها الأصلي عند المحققين.\nوقال ابن هشام: أَثْبَتَ مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، وابن مالك، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، قيل: ومنه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾، والظاهر: أن الباء فيهما للإلصاق، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [البقرة: ٢٩]، والطواف لا يصح بالبعض إجماعًا، فكذا هذا، وقيل: الباء في الآية للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا، فإنَّ «مسح» يتعدى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء، فالأصل: امسحوا رؤوسكم؛ بالماء (^١).\nفإن قلت: أليس في التيمم حكم المسح ثبت بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ثم الاستيعاب فيه شرط؟\nقلت: عُرِف الاستيعاب فيه إما بإشارة الكتاب؛ وهو أن الله أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره، والاستيعاب فرض بالنصِّ وكذا فيما قام مقامه، أو عُرشف ذلك بالسنة؛ وهو قوله ﵇ لعمار ﵁: «يكفيك ضربتان: ضربة للوجه وضربة للذراعين»، وأما على رواية الحسن عن الإمام الأعظم: أنه لا يُشْتَرَطُ الاستيعاب، فلا يردشيء، وجاحدُ أصل المسحِ كافر؛ لأنَّه قطعي، وجاحدُ المقدار لا يُكفَّر؛ لأنَّه في حق المقدار ظنَّي، وتمامه فيما أوردناه في آية الوضوء؛ فافهم.\n (فأقبل بهما) أي: بيديه (وأدبر)؛ أي: بهما، وقوله: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما) أي: بيديه (إلى قفاه ثم ردَّهما) أي: يديه (إلى المكان الذي بدأ منه)؛ بيان لقوله: (فأقبل وأدبر)، فلذا لم تدخل الواو عليه، وهذا من الحديث، وليس مُدْرَجًا من كلام مالك، كذا في «عمدة القاري»، ففيه: أنَّ السنة البداءة بمُقَدَّم الرأس حالة المسح، والذهاب بهما إلى القفا، وردهما إلى المقدَّم، وهذه الكيفية المسنونة شاملة لمن كان على رأسه شعر، أو محلوقه، أو غيره؛ لأنَّ لفظ الحديث عام لم يفصل بينهما، لا يقال: إن هذه الكيفية خاصَّة بمن على رأسه (^٢) شعر دون غيره ينقلب لطوله كما كان له ﵇، بخلاف غيره ممن ليس له شعر، فلا يسن ردُّ اليدين إلى المبدأ؛ لأنَّا نقول: لفظ الحديث عام لم يفصِّل بين ما كان على رأسه شعر أو لم يكن، وتخصيص هذه الكيفية بمن كان على رأسه شعر تخصيص بلا مخصِّص؛ لأنَّه لم يرد ذلك في الأحاديث، وكون النبي الأعظم ﵇ فعل ذلك والحال أن على رأسه الشريف شعر لا يدل على التخصيص؛ لأنَّه ﵇ قد ورد عنه أنَّه قال: «احلقوه كلَّه أو اتركوه كلَّه»، فخيَّر بين الحلق والترك، فكأنَّه ﵇ بيَّن هذه الكيفية، وخيَّر في الحلق وعدمه، فدلَّ ذلك على العموم من غير تفصيل، ولا يقال: إن الماء صار مستعملًا حيث إنه ردَّ اليدين إلى المكان الذي بدأ به منه؛ لأنَّ الماء لا يُحْكَم عليه بالاستعمال إلَّا أن ينفصل عن العضو، وهنا لم ينفصل، فبقي على أصل الطهارة والطهورية؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر: (وهذه الكيفية حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمُؤَخَّر الرأس إلى أن ينتهي إلى مُقَدَّمِه).\nوردَّه في «عمدة القاري» بأنه لا يقال: إن مثل هذا حجة عليه؛ لأنَّه ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة، فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: (ثم مسح رأسه بيده، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه)، وعند ابن أبي شيبة من حديث الربيع: (بدأ بمؤخره ثم ردَّ يديه على ناصيته)، وعند الطبراني: (بدأ بمؤخر رأسه، ثم جرَّه إلى قفاه، ثم جرَّه إلى مؤخره)، وعند أبي داود: (يبدأ بمؤخره، ثم بمقدمه، وبأذنيه كليهما)، وفي لفظ: (مسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته)، وفي لفظ: (مسح رأسه وما أقبل وما أدبر وصدغيه)، وعند البزار من حديث أبي بكرة يرفعه: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا)، وفيه: (مسح برأسه يقبل بيده من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه)، وعند ابن قانع من حديث أبي هريرة: (وضع يده على النصف من رأسه، ثم جرَّهما إلى مقدم رأسه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه وجرهما إلى صدغيه)، وعند أبي داود من حديث أنس: (أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه)، وفي «كتاب ابن السكن»: (فمسح باطن لحيته وقفاه)، وفي «معجم البغوي» و«ابن أبي خيثمة»: (مسح رأسه إلى ما سالفته)، وعند النسائي عن عائشة وصفت وضوءه ﵇: (فوضعت يدها في مقدم رأسها، ثم مسحت إلى مؤخره، ثم مدت بيديها بأذنيها، ثم مدت على الخدين)، فهذه أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار أئمتنا الأعلام رواية عبد الله بن زيد، فالذي قال: (السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس) اختار الوجه الذي فيه البداءة بمؤخر الرأس، وله أيضًا أن يقول: (هذا الوجه حجة عليك أيها المختار في البداءة بالمقدم) انتهى؛ فافهم.\nقال الكرماني: (وفي الاستدلال بذلك على وجوب مسح الجميع نظر؛ إذ ليس كل ما ذكر واجبًا كالمضمضة والاستنشاق، ومن أوجبهما؛ فمحجوج بأمور بعضها سبق وبعضها يأتي، ولئن سلَّمنا؛ فالتثليث والتثنية في البعض مذكورات ولا يجبان اتفاقًا، ولا يقال: هو بيان للآية، وهو واجب، فبيانه واجب؛ لأنَّا نقول: كان يجب الرد إلى المكان الذي بدأ منه، ولا يجب اتفاقًا، ويلزم أن يكون التثنية والتثليث واجبين أيضًا؛ لأنَّهما بيان أيضًا؛ لقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وأيضًا لو كان التعميم واجبًا؛ لما جاز الاكتفاء بمسح الناصية، وقد ثبت في الأحاديث الصحاح: أنه مسح على ناصيته، فالحق: أنه أمر بإيجاد ماهية المسح سواء كان في ضمن الجميع أو الناصية، وهذا الحديث إنَّما ورد في كمال الوضوء بدليل الأحاديث الأخر التي ليس فيها إقبال ولا إدبار) انتهى.\n (ثم غسل رجليه) أطلق الغسل فيهما، ولم يذكر تثليثًا ولا تثنية -كما مر- إشارة إلى أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة، وبعضه بمرتين، وبعضه بثلاث، وإن كان الأكمل التثليث في الكل؛ ففعله ﵇ ذلك في بعض الأحيان دليل للجواز، فهو أفضل في حقه، وإن كان عدم التثليث في حقنا لغير عذر؛ مكروه، والبيان وإن أمكن بالقول لكن الفعل أوقع في النفس وأبعد من التأويل لبيان الحكم.\nوفي رواية: (إلى الكعبين)؛ تثنية كعب، وهو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، هذا تفسير أهل اللغة، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمد، والإمام الحسن، والإمام زفر، والجمهور.\nوروى ابن القاسم عن مالك: (أنَّه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك)، ونسب جماعة من المتعصبين هذا القول إلى الإمام الأعظم، وهو خطأ ظاهر، وافتراء من مكابر، فإنه لم يقل به الإمام الأعظم ولا أصحابه أصلًا قطعًا، وإنما ذكر الإمام محمد في المُحْرِم: أنه إذا لم يجد النعلين؛ فليقطع الخفين إلى الكعبين، وفسَّر الكعب في ذلك، فأخذ تلميذه هشام ذلك، ونقله إلى الوضوء، وقد أجمع عامة أهل المذهب متونًا، وشروحًا، وفتاوًى على تخطئة هشام، وأن مراد الإمام محمد ذلك في المُحْرِم، كما هو مصرَّح به في كتابه «السير الكبير»، وكذا في «السير الصغير»، و«الجامع الكبير»، و«الجامع الصغير»، وغيرها المسماة بكتب ظاهر الرواية، فهؤلاء المتعصبون يتفقدوا قولًا إما شاذًّا أولا أصل له عن الإمام الأعظم، وينسبونه إليه، ويطيلون ألسنتهم الحداد عليه، ولا غروَ؛ فإنَّ مثل هذا الإمام الذي هو رئيس المجتهدين وسيِّدهم التابعي الجليل، بحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ونقيٌّ لا يغيِّره مقل الذباب، وليس مثلهم إلا كمثل الذباب وقع تحت ذنب جواد في حالة كرِّه وفرِّه، ولله درُّ القائل:\nيَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيكْلِمَهُ... أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ\nوفي الحديث فوائد؛ منها: جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، وأن الاغتراف من الماء القليل لا يصيِّر الماء مستعملًا؛ لأنَّ في رواية وهيب وغيره: (ثم أدخل يده)، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم الحليم.\n\n <span id=\"b-٣٢٩\"> </span>(٣٩) <span data-type=\"title\" id=toc-329>[باب غسل الرجلين إلى الكعبين]</span>\nهذا (باب: غسل الرجلين إلى الكعبين)؛ أي: في الوضوء.\n\n <span id=\"b-٣٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-330>[حديث عبد الله بن زيد في وضوء النبي ﷺ]</span>\n١٨٦ - وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) أي: التبوذكي (قال: حدثنا وهيب)؛ بالتصغير، ابن خالد الباهلي، (عن عَمرو)؛ بفتح العين؛ أي: ابن يحيى السابق، (عن أبيه)؛ أي: يحيى بن عمارة بن أبي حَسن -بفتح الحاء- أنه قال: (شهدت) أي: حضرت (عمرو بن أبي حَسن) بفتح الحاء، هذا جدُّ\n_________\n(^١) في الأصل: (بالباء)، ولعله تحريف عن المثبت.\n (^٢) في الأصل: (رأس).","vol":"1","page":79},{"text":"عمرو بن يحيى، وتقدَّم أن السائل هو جده، وهذا يدل على أنه أخو جده، ولا منافاة في كونه جدًّا له من جهة الأم عمًّا لأبيه، كذا قاله الكرماني، قال ابن حجر: (وهذا غريب)، وقدَّمنا أن أم عمرو بن يحيى ليست بنتًا لعمرو بن أبي حسن، واعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا ليس بغريب؛ فإن صاحب «الكمال» قال ذلك، وقد مضى الكلام فيه؛ فافهم، انتهى.\nورواه المؤلف في باب (من مضمض واستنشق من غَرْفة واحدة)؛ بإسقاط عمرو بن أبي حسن؛ فاعرفه.\n (سأل) أي: عمرُو بن أبي حسن (عبد الله بن زيد) الأنصاري السابق في الباب قبله (عن وضوء النبي) الأعظم (ﷺ، فدعا) أي: عبد الله بن زيد (بتَوْر)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو، آخره راء، هو الطشت، وقال الجوهري: (إناء يشرب منه)، وقال الدراوردي: قدح، وقيل: يشبه الطشت، وقيل: مثل القدر من صُفْر أو حجارة، والصُفْر -بضم الصَّاد المهملة وسكون الفاء-: صنف من جيِّد النحاس، سمي به؛ لأنَّه يشبه الذهب، ويسمَّى أيضًا الشَّبَه؛ بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة، كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (من ماء)؛ بيان؛ لقوله: (بتَوْر)؛ فالمراد: الماء الذي فيه، (فتوضأ لهم)؛ أي: لأجلهم، فاللام للتعليل، وهم السائل وأصحابه (وضوء النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: مثل وضوئه، وأطلق عليه وضوءه؛ لأجل المبالغة، (فأكفأ)؛ بهمزتين لغة في (كفأته)؛ أي: قلبته وصببته، حكاهما ابن الأعرابي، وقال الكسائي: (كفأته: قلبته، وأكفأته: أملته)، والمراد: أنه أفرغ الماء (على يده) بالإفراد (من التور)؛ أي: من ماء التور المذكور، (فغسل يديه)؛ بالتثنية قبل أن يُدْخِلَها في التَّوْر، وفي رواية: (فغسل يده) بالإفراد، على إرادة الجنس، (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، (ثم أدخل يده) بالإفراد (في التَوْر) أيضًا؛ أي: فأخرج ماء منه، (فمضمض، واستنشق، واستنثر)، وعطف (استنثر) على سابقه عطف تفسير؛ لأنَّ الاستنشاق والاستنثار واحد، كما قاله ابن الأعرابي وابن قتيبة، وهو الصواب، (ثلاث)، وفي رواية: (بثلاث) (غرفات)؛ بفتحتين، أو بضم أوله وثانيه، أو بفتح الثاني، أو سكونه، و(الثلاث) يحتمل أن تكون لهما معًا، ويحتمل أن تكون المضمضة ثلاثًا والاستنشاق ثلاثًا، وهو الظاهر، يدلُّ عليه أنه قد ثبت فيما رواه الترمذي وغيره: (أنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا)، وروى البويطي عن الشافعي: أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق، وكل ما روي من خلاف هذا، فهو محمول على بيان الجواز؛ فافهم، ومع وجود النص لا مجال للرأي والاستظهار؛ فافهم.\n (ثم أدخل يده)؛ بالإفراد، يدل على أنه اغترف بإحدى يديه، هكذا هو في باقي الروايات وفي «مسلم» وغيره، لكن وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال الآتية: (ثم أدخل يديه)؛ بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر ولا الأصيلي، ولا في شيء من الروايات خارج «الصحيح»، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ولعلَّه كان الإناء صغيرًا، فاغترف بإحدى يديه، ثم أضافها إلى الأخرى، كما تقدم نظيره في حديث ابن عباس؛ ليكون ذلك أسهل عليه وأقرب للتناول؛ فافهم.\n (فغسل وجهه ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، ويدخل فيه غسل جميع اللحية، فإنَّه فرض عملًا لا اعتقادًا على المذهب المصحَّح المفتى به المرجوع إليه، وفي رواية عن الإمام الأعظم: (أنه يُفْتَرَضُ مسح جميع اللحية)، ويدل لذلك ما في «كتاب ابن السكن» عن النبي الأعظم ﵇ وفيه: (فمسح باطن لحيته وقفاه)، ويدلُّ للأول أحاديث مشهورة لا نطيل بها لشهرتها؛ فافهم.\n (ثم أدخل يديه)؛ بالتثنية؛ أي: في الإناء فأخرج ماء، (فغسل يديه)؛ بالتثنية، (إلى المِرْفَقين)؛ بكسر الميم، وسكون الرَّاء، وفتح الفاء، تثنية مرفق، وهو العظم الناتئ في الذراع، و(إلى)؛ بمعنى: مع؛ أي: مع المرفقين، (مرتين)؛ أي: كل يد مرتين، لا أنهما لهما لكل يد مرة، كما قد يُتَوَهَّم بدليل رواية مالك: (ثم غسل يديه مرتين مرتين)، فليس المراد: توزيع المرتين على اليدين لكل يد مرة واحدة؛ فافهم.\n (ثم أدخل يده)؛ بالإفراد؛ أي: في الإناء (فمسح رأسه)؛ أي: جميعه، كما هو ظاهر اللفظ، لكنَّه ليس على طريق الوجوب، بل على طريق السنية المؤكَّدة على الصحيح من المذهب، وفي رواية عن الإمام الأعظم وهو قول الشافعي: أنَّه مستحب، وعند مالك وأحمد: أنَّه فرض، (فأقبل بهما) أي: بيديه (وأدبر) أي: بهما أيضًا (مرة واحدة)، واقتصاره على المرة الواحدة دليل ظاهر على عدم سنية التثليث، ويدلُّ لذلك ما رواه أصحاب «السنن» الأربعة عن علي الصديق الأصغر في حكاية وضوء النبي الأعظم ﵇: أنَّه مسح على رأسه مرة واحدة، وأحاديث عثمان بن عفان الصحاح تدلُّ على ذلك أيضًا؛ فافهم، فإنَّهم ذكروا الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وقالوا: (ومسح برأسه)، ولم يذكروا عددًا، فدلَّ على الاقتصار على المرة الواحدة، ولأنَّ التثليث في المسح لا يفيد؛ لأنَّ التكرار في الغسل لأجل المبالغة في التنظيف، ولا يحصل ذلك بالمسح، فلا يفيد التكرار، ومثله: مسح الخف، والجبيرة، والتيمم، وما روي من الأحاديث ممَّا يدل ظاهره على التثليث؛ فهو محمول على أنه بماء واحد؛ جمعًا بين الأحاديث، وهل يُكْرَهُ التثليث بماء واحد أو لا؟ فقال في «المحيط» و«البدائع»: إنَّه مكروه؛ للأحاديث التي ذكرناها، وقال في «الخانية»: (لا يُكْرَهُ، ولا يُسَنُّ، ولا يكون أدبًا) انتهى، وقال في «شرح المنية»: إنه مكروه على الأوجه؛ لأنَّ الأحاديث التي فيها ذكر المسح مرة واحدة أقوى وأرجح، لا تقاوم ما ظاهره التثليث، على أن أحاديث التثليث قد تٌكلِّم في سندها، ولا ريب أن الصحيح لا يقاوم الضعيف، فالأخذ بالصحيح متعين، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوكيفية المسح والاستيعاب: أن يبلَّ كفيه بالماء وأصابعه ثم يلصق الأصابع؛ أي: يضمها، ويضعها على مُقَدَّم رأسه من كل يد ثلاثة أصابع؛ أي: الخنصر والبنصر والوسطى، ويمسك إبهاميه وسبابتيه مرفوعات، ويجافي بطن كفيه عن رأسه، ويمدهما -أي يديه- إلى القفا، ثم يضع كفيه على جانبي الرأس، ويمسحهما -أي: جانبي الرأس- بكفيه، ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إبهاميه وباطن أذنيه بباطن مسبحته؛ كذا ذكره في «المحيط»؛ تحرُّزًا عن الاستعمال.\nواعترضه في «فتح القدير» بأنَّ الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال والأذنان من الرأس، وقال في «شرح المنية»: واتفقوا على أنَّ الماء ما دام على العضو لا يكون مستعملًا، فالأظهر في كيفية استيعاب مسح الرأس ما ذكره الإمام فخر الدين الزيلعي في «التبيين» أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه، ويمدُّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه بإصبعيه قال: (ولا يكون الماء مستعملًا بهذا؛ لأنَّ الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذا الطريق) انتهى، وأقرَّه في «البحر»، و«النهر»، و«شرح المنية»، وغيرها، فكان هو المذهب، وإلى غيره لا يُذهَب؛ لموافقته لحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحاح.\nولا يُسَنُّ أخذ ماء جديد لمسح الأذنين، بل يمسحهما بماء الرأس؛ لأنَّه السنة؛ لأنَّ الأذنين من الرأس، كما في الحديث، وأمَّا إذا انعدمت البلة من اليدين وهما على الرأس؛ فلا بدَّ من أخذ ماء جديد لهما، وكذا إذا كانت البلة باقية بأن مسح رأسه بيديه، ثم رفعهما قبل مسح الأذنين؛ فلابد من أخذ ماء جديد، ولو كانت البلة باقية؛ لأنَّها مستعملة؛ كما مر، وكيفية مسحهما: أن يمسح بالسبابتين داخلهما وبالإبهام خارجهما، وهو المختار، كما في «المعراج»، وذكر شمس الأئمة الحلواني أنَّه يدخل الخنصرين في أذنيه ويحركهما، وهو قول شيخ الإسلام، كذا في «منهل الطلاب»، ولم يذكر في الحديث مسح الأذنين، وذكره في «سنن النسائي» عن عائشة وصفت وضوءَه ﵇، وفيه: (ثم مدَّت بيديها بأذنيها)، وعند أبي داود: (ثم مسح برأسه وبأذنيه","vol":"1","page":80},{"text":"كليهما)، وفيه أحاديث أخر لا نطيل بذكرها.\n (ثم غسل رجليه إلى الكعبين)؛ أي: معهما، وهما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، هكذا فسره أهل اللغة، والدليل عليه: قول النعمان بن بشير حين قال النبي الأعظم ﵇: «أقيموا صفوفكم»: لقد رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وبهذا قال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم وجميع أصحابه، وقال مالك: (الكعب: هو الملصق بالساق، والمحاذي للعقب)، وما نسبه ابن حجر والعجلوني إلى الإمام الأعظم، من أنه الشاخص في ظهر القدم، فلا أصل له، وهو خطأ ظاهر، وافتراء على هذا الإمام، وإنما قال الإمام محمد الشيباني في المُحْرِم: (إذا لم يجد النعلين؛ فيلبس الخفين، ويقطعهما أسفل من الكعبين)، وفسر الكعب في ذلك: (بأنه الذي في ظهر القدم عند مَعْقَدِ الشراك)، فأخذ ذلك هشام تلميذ الإمام محمد ونقله إلى الوضوء على طريق الغلط والسهو، فتمسك بذلك المتعصبون المتعنتون، ونسبوه إلى الإمام الأعظم، وقد اتفق الشراح والمتون والفتاوى على أنَّ تفسير هشام لذلك خطأ من هشام، وليس ذلك بمراد للإمام محمد، كما صرَّح بذلك في كتبه؛ ظاهر الرواية الستة، فمن زعم ذلك ونسبه للإمام الأعظم؛ فهو مخطئ ومفترٍ، ويكفيه أنه كاذب فيما قاله؛ فافهم.\nوفي المجيء بالغاية في الآية دليل لكونهما مغسولتين لا ممسوحتين؛ لأنَّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، والخلاف في غسل الكعبين مع الرجلين كالخلاف في غسل المرفقين مع الذراعين، كما قدمناه؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٣١\"> </span>(٤٠) <span data-type=\"title\" id=toc-331>[باب استعمال فضل وضوء الناس]</span>\nهذا (باب: استعمال فضل وَضوء) بفتح الواو (الناس) في التطهير وغيره، يحتمل أن المراد من فضل الوضوء: هو ما يبقى في الظرف بعد الفراغ من الوضوء وغيره كالشرب والطبخ والعجين، أو فَضَل عن غسل ثوب أو إناء طاهر، وهذا لا خلاف في طهارته وجواز التوضؤ والتطهير به، ويحتمل أن يراد به: الماء الذي يتقاطر من أعضاء المتوضئ، وهو الماء المستعمل، وسببه: رفع الحدث أو لأجل القربة أي: الثواب، والظاهر أن هذا هو المراد، واختلف فيه؛ فروي عن الإمام الأعظم ثلاث روايات، فروى الإمام أبو يوسف عنه: أنه نجس مخفف، وحكى الشافعي في «الأم» عن شيخه محمد بن الحسن: أن أبا يوسف رجع عنه، ثم رجع إليه بعد شهرين، وروى الإمام الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم: أنه نجس مغلظ، وروى الإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر، وعامر، عن الإمام الأعظم: أنه طاهر غير طهور.\nوجه رواية النجاسة: ما رواه المؤلف ومسلم وأصحاب «السنن» الأربعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلَنَّ فيه من الجنابة»، وفي رواية: «ثم يغتسل فيه من الجنابة»، وفي أخرى: «لا يغتسل فيه من الجنابة»، وذلك أنه حرم الاغتسال في الماء القليل؛ لإجماعنا على أن الاغتسال في الماء الكثير ليس بحرام، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة؛ لم يكن للنهي معنًى؛ لأنَّ إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر؛ فحرام، فكان هذا نهيًا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، وهذا يقتضي التنجيس به.\nلا يقال: يحتمل أنه نهيٌ؛ لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرًا من غير ضرورة، وذلك حرام؛ لأنَّا نقول: الماء القليل إنَّما يخرج عن كونه مطهرًا باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالبًا عليه كماء الورد، أما إذا كان مغلوبًا؛ فلا، وههنا الماء المستعمل: ما يلاقي البدن، ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل، فكيف يخرج به من أن يكون مطهرًا، أمَّا ملاقاة النجس الطاهر؛ فتوجب تنجيس الطاهر، وإن لم يغلب على الطاهر؛ لاختلاطه بالطاهر على وجه لا يمكن التمييز بينهما، فيحكم بنجاسة الكل، فثبت أن النهي لما قلنا.\nولا يقال: يحتمل أنه نهي؛ لأنَّ أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية، وهي توجب تنجيس الماء القليل؛ لأنَّا نقول: الحديث مطلق، فيجب العمل بإطلاقه، ولأن النهي عن الاغتسال ينصرف إلى الاغتسال المسنون؛ لأنَّه المتعارف بين المسلمين، والمسنون منه: إزالة النجاسة قبل الاغتسال، على أن النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن استفيدت بالنهي عن البول فيه، فيوجب عمل النهي على الاغتسال فيه؛ لما ذكرنا؛ صيانة لكلام الشارع عن الإعادة الخالية عن الفائدة.\nلا يقال: القِرَان في النظم لا يوجب القِرَان في الحكم، فلا يلزم تنجيس الماء بالاغتسال؛ لأنَّا نقول: إنَّ مطلق النهي للتحريم خصوصًا إذا كان مُؤكَّدًا بنون التأكيد؛ لا باعتبار القران، على أنَّ القِران معتبر هنا، فإنَّه ﵇ قد قرن المستعمل بالبول، وهو نجس إجماعًا، فدل على أن الاغتسال فيه كالبول فيه، وللقران في الحكم شواهد كثيرة من القرآن العظيم، والأحاديث الشريفة، ويدل عليه أنَّه تعالى عقب الأمر بالوضوء والتيمم: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فدل إطلاق التطهير على ثبوت النجاسة في أعضاء الوضوء، ودل الحكم بزوالها بعد التوضؤ على انتقالها إلى الماء، فيجب الحكم بالنجاسة، لكنِ الإمامُ أبو يوسف جعل النجاسة خفيفة، وذلك لعموم البلوى فيه؛ لتَعَذُّرِ صيانة الثياب عنه، ولكونه محل اجتهاد، فأوجب ذلك تخفيفًا في حكمه.\nووجه رواية التغليظ: أنها نجاسة حكمية، وهي أغلظ من الحقيقية؛ بدليل أنه لا يعفى عن شيء قليل منها، وأمَّا الحقيقية، فيعفى عن قليلها، فهي أغلظ، وقد أطال في «فتح القدير»، و«البحر الرائق» في الاستدلال، ورجح رواية التخفيف؛ فراجعهما، ولولا الإطالة؛ لذكرناه.\nورواية الطهارة هي المعتمدة، وهي قول الإمام محمد، وبه قال زفر والشافعي في القديم، وهو الأصح عنده، وأحمد على الراجح؛ على أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، وبه أخذ أكثر أئمتنا، واختارها المحققون وعلماء العراق، ونفوا الخلاف، وقالوا: إنه طاهر عند الكل، وقد قال في «المجتبى»: (صحت الرواية عن الكل أنه طاهر غير مطهِّر، فالاشتغال بتوجيه التغليظ والتخفيف مما لا جدوى له)، كذا في «النهر»، وممن صرح بأن رواية الطهارة ظاهر الرواية وعليها الفتوى صاحبُ «الكافي» و«المصفى» و«الذخيرة»؛ كما قاله في «شرح الدرر» وفي «شرح المنية»، وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى وهو الصحيح، كما في «الجوهرة» و«شرح الهاملية»، وهو المختار، كما في «الملتقى»، وعليه الفتوى، كما في «فتح القدير» و«النهر»، وقال في «الفتاوى البزازية»: (الصحيح أن الإمام الأعظم قائل بالطهارة، كما قاله الإمام محمد)، والفتوى عليه، كما في «التقريب»، و«الخلاصة»، و«المفيد»، وغيرها من الكتب المعتبرة؛ لأنَّ الصحابة ﵃ لم يجمعوا المستعمل في أسفارهم القليلة الماء ليتطهروا به، بل عدلوا إلى التيمم، فلو كان طهورًا لجمعوه، فدل على أنه لا يجوز استعماله مرة ثانية.\nفإن قيل: تركوا الجمع؛ لأنَّه لا يُجمَع منه شيء؛","vol":"1","page":80},{"text":"للمشقة.\nوأجيب: بأنَّا لا نسلِّم ذلك، ولئن سلَّمناه في الوضوء؛ لا نسلِّم ذلك في الغسل.\nفإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والتبرد.\nقلت: إنَّما تركوا جمعه للشرب وغيره؛ للاستقذار، فإن النفوس تعافه للعادة، وإن كان طاهرًا، فالظاهر: أنَّ علة الطهارة عموم البلوى، يدل لذلك ما في «الفتاوى الولوالجية»: ولمَّا كان دليل النجاسة قويًّا؛ كان هو المختار، إلا أنَّ البلوى عمت في الماء المستعمل في الحدث الأصغر، فأفتى العلماء بالطهارة؛ للضرورة، وذكر نحوه في «الهداية» وغيرها؛ فافهم.\nوقال الإمام زفر: (إن كان مستعمِله طاهرًا؛ فهو طاهر وطهور، وإن كان محدثًا؛ فهو طاهر غير طهور).\nوقال مالك والشافعي في القديم ورواية عن أحمد إلى أنَّه طاهر وطهور، وهو قول النخعي، والحسن البصري، والزهري؛ لوصف الماء بالطهور في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، المقتضي تكرار الطهارة؛ كـ (ضَرُوب) لمن يتكرر منه الضرب.\nوأجيب: بأن تكرار الطهارة حاصل بما يتردد على العضو دون المنفصل عنه؛ جمعًا بين الدليلين، أو أنه يطهر الحدث ثم يطهر الخبث، فالتكرار من هذا الوجه لا لما ذكروه؛ لأنَّه غير مراد.\nوقال ابن بطال: (وأجمعوا على أن الإنسان غير مأخوذ عليه بما يرتش عليه الماء المستعمل، فلو كان نجسًا؛ لوجب التحرز عنه، فهو طاهر، وما لم يتغير طعمه، ولا لونه، ولا ريحه؛ لم يؤثر في الاستعمال في عينه، فلم يؤثر في حكمه، وهو طاهر لاقى طاهرًا، فجاز أن يسقط به الفرض مرة أخرى؛ كالماء الذي غسل به ثوب طاهر، فهو طاهر مطهر) انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فإن الذي يرتش عليه إنَّما جُعِل عفوًا للضرورة؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه قطعًا، وهو لا يدلُّ على طهارته، وقوله: (ما لم يتغير...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّه قد حصل له الكلال، والضعف، واجتماع الأوساخ فيه، والأدران التي في البدن، وقوله: (كالماء الذي غسل به ثوب...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّه قياس مع الفارق، والفرق: أنَّ الثوب الطاهر خالي عن الأوساخ، فإذا غسل به لا تأثير له، بخلاف الماء المستعمل؛ فإنه قد أثر فيه البدن من ارتفاع الحدث، فإنه ماء الذنوب، وقد رأى الإمام الأعظم جماعة يتوضؤون، فينزل الماء منهم بعضه أسود وبعضه أحمر وبعضه كدر، ولا يدرك ذلك إلا أصحاب القلوب السليمة التي نوَّرها الله بالكشف الإلهي، وقد نزع الله تعالى من الماء البركة؛ بسبب اختلاطه بذنوب الناس؛ كالخمر، فإنه مباح في العهد الأول، وفيه النفع، ولمَّا حرم في شريعتنا؛ نزعت منه ذلك النفع، وبقي نجسًا مضرًّا، وستأتي بقية المباحث في ذلك.\n (وأمر جرير بن عبد الله أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه) فيما وصله ابن أبي شيبة والدارقطني وغيرهما عنه، ولفظ الدارقطني: «كان يقول لأهله: توضؤوا من آلة أدخل فيه سواكي»، وفي بعض طرقه: كان جرير يستاك، ويغمس رأس سواكه في الماء، ثم يقول لأهله: (توضؤوا بفضله) لا يرى به بأسًا، وهذه الرواية مبينة للمراد.\nقال في «عمدة القاري»: (هذا الأثر غير مطابق للترجمة أصلًا، وأن الترجمة في استعمال الماء الذي يَفْضُلُ من المتوضئ، والأثر: هو الوضوء بفضل السواك، ثم فضل السواك إن كان ما ذكره ابن التين وغيره: من أنَّه هو الماء الذي يُنْقَع فيه السواك، فلا مناسبة له للترجمة؛ لأنَّه ليس بفضل الوضوء، وإن كان المراد: أنه الماء الذي يغمس فيه المتوضئ سواكه بعد الاستياك؛ فذلك لا يناسب الترجمة، وقال بعضهم -أي: ابن حجر-: أراد المؤلف أن هذا الصنيع لا يغير الماء، فلا يمنع التطهر به، قلت: من له أدنى ذوق من الكلام لا يقول هذا الوجه في تطابق الأثر للترجمة).\nأي: لأنَّ تغير الماء هو معنًى آخر خارج عما نحن بصدده، ومراد المؤلف: التوضؤ بما يَفْضُلُ عن المتوضئ الآخر، فلا وجه لهذا الكلام هنا.\nثم قال في «عمدة القاري»: (وقال ابن المنير: إن قيل: ترجم على استعمال فضل الوضوء، ثم ذكر حديث السواك والمجة، فما وجهه؟ قلت: مقصوده: الرد على من زعم أنَّ الماء المستعمل في الوضوء لا يُتطَهر به، قلت: هذا الكلام أبعد من كلام هذا القائل؛ فأي دليل دلَّ على أن الماء في خبر السواك والمجة فضل الوضوء؟ وليس فضل الوضوء إلا الماء الذي يَفْضُلُعن وضوء المتوضئ، فإن كان لفظ «فضل الوضوء» عربيًّا؛ فهذا معناه، وإن كان غير عربي؛ فلا تعلق له.\nوزعم الكرماني فقال: وفضل السواك: هو الماء الذي ينقع فيه السواك ليترطب ويلين، وسواكهم الأراك.\nقلت: بيَّنت لك أنَّ هذا كلامٌ واهٍ، وأنَّ فضل السواك لا يقال له: فضل الوضوء، وهذا لا ينكره إلا معاند ومكابر).\nقال: (ويمكن أن يقال: بالجر الثقيل أنَّ المراد من فضل السواك: هو الماء الذي في الظرف، والمتوضئ يتوضأ منه، وبعد فراغه من تسوكه عقيب فراغه من المضمضة يرمى السواك الملوث بالماء المستعمل فيه) انتهى.\nوقد أجاب بهذا الجواب القسطلاني ونسبه لنفسه لكونه في غاية التحقيق للمناسبة والمطابقة للترجمة.\nقال العجلوني متعصبًا لابن حجروقد زاد عليه في الطنبور نغمة: (كلام بعضهم صحيح؛ لقياسه ماء الوضوء، حيث لم يتغير على الذي وضع فيه سواك ليترطب به ولم يتغير، وهو قياس صحيح؛ لوجود الجامع بينهما؛ وهو عدم التغيير) انتهى.\nقلت: وهذا القياس فاسد، فإن السواك الذي يستاك به إذا وضع في الماء لا ريب أنه يتغير من الذي عليه من أوساخ الفم والأسنان، ولا يقال له: إنه فضل الوضوء قطعًا، فأين الجامع بينهما؟ على أنه أوَّلًا يصحح كلام ابن حجر، ثم يبين القياس؟ ولا ريب أن كلام ابن حجر غير ظاهر المعنى؛ لأنَّه في وادٍ والمؤلف في وادٍ آخر، والعجلوني مثله كمثل من وضع قطنًا على أرض وجاء آخر يبني عليه بالحجارة، فلا ريب أنَّ ما قاله الإمام بدر الدين العيني هو الصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n <span id=\"b-٣٣٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-332>[حديث أبي جحيفة في وضوء النبي ﷺ]</span>\n١٨٧ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ هو ابن أبي إياس؛ بكسر الهمزة (قال: حدثنا شعبة)؛ أي: ابن الحجاج (قال: حدثنا الحَكَم)؛ بفتحتين؛ أي: ابن عُتَيْبَة -بضم العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة- فهو تابعي صغير، وليس له سماع من أحد من الصحابة إلا أبا جحيفة، وقيل: روى عن ابن أبي أوفى أيضًا، كما في «عمدة القاري» (قال: سمعت أبا جُحَيْفة)؛ بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، بعدها فاء، واسمه: وهب بن عبد الله الثقفي الكوفي السُّوائي -بضم المهملة- المتوفى سنة أربع وسبعين (يقول)؛ جملة محلها النصب على أنها مفعول ثان لـ (سمعت) على قول من يقول: إن السماع يستدعي مفعولين، والأظهر: أنها حال، كذا في «عمدة القاري»: (خرج علينا النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) (من قُبَّةٍ حمراءَ من أدم بالأبطح بمكة)، كما صرح به في رواية، (بالهاجرة)؛ أي: في الهاجرة، فالباء فيه ظرفية بمعنى: (في)، وهي نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو عند زوال الشمس إلى العصر، وقيل في كل ذلك: إنه شدة الحر، وفي «الأنواء»: (الهاجرة: بالصيف قبل الظهيرة بقليل أو بعدها بقليل، والهويجرة: قبل العصر بقليل، وسميت: الهاجرة؛ لهروب كل شيء منها)، وفي «المغيث»: الهاجرة؛ بمعنى: المهجورة؛ لأنَّ السير هجر فيها كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ بمعنى: مدفوق، وأما قول النبي الأعظم ﵇: «والمُهَجِّر كالمُهْدِي بدنة»؛ فالمراد: التبكير إلى كلِّ الصلوات، وعن الخليل: (التهجير إلى الجمعة: التبكير، وهي لغة حجازية)، وتمامه في «عمدة القاري».\n (فأُتِي)؛ بضم الهمزة وكسر التاء (بوَضوء)؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ منه، (فتوضأ)؛ أي: من ذلك الماء، (فجعل الناس) أي: الصحابة (يأخذون) في محل","vol":"1","page":81},{"text":"النصب على أنه خبر (جعل) الذي هو من أفعال المقاربة (من فضل وَضوئه)؛ بفتح الواو: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، وكأنَّهم اقتسموه بينهم، أو أنَّهم كانوا يتناولون ما سال من أعضائه ﵇، (فيتمسحون به)؛ أي: بذلك الماء، فإن كان المراد المعنى الأول؛ فلا دلالة فيه على طهارة الماء المستعمل؛ لأنَّهم أخذوا (^١) ما فضل من وضوئه في الإناء، فيكون المراد منه: التبرك بذلك، والماء طاهر، فازداد طهارة ببركة وضع النبي الأعظم ﵇ يده المباركة فيه، وإن كان المراد المعنى الثاني؛ فلا دلالة فيه أيضًا على طهارة الماء المستعمل؛ لأنَّ الماء لا يُحْكَم عليه بالاستعمال إلا إذا انفصل عن العضو واستقر في مكان، وهنا ليس كذلك، على أنَّ ظاهر اللفظ يدل على الأول، فإن جُعِل (الوضوء) اسمًا لمطلق الماء؛ فلا دلالة فيه على الطهارة، وإن أُريدَ بـ (وضوئه): فضل مائه الذي توضأ ببعضه ولم يستعمله في أعضائه؛ فلا دلالة أيضًا، ومع هذه الاحتمالات لا يثبت دليل الطهارة، فتثبت النجاسة، وأخذ الصحابة ذلك الماء للتبرك؛ لأنَّه لا شكَّ في طهارته؛ لأنَّ إمامنا الأعظم ﵁ قال بطهارة فضلاته، فكيف بماء وضوئه؟! بالأولى.\nوالتمسيح: من باب (التفعيل)، وهي تأتي لمعان، ومعناها هنا: العمل؛ ليدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة؛ نحو: تَجَرَّعَهُ؛ أي: شربه جرعة بعد جرعة، والمعنى هنا كذلك؛ لأنَّ كل واحد منهم يمسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى، ويحتمل أن تكون للتكلف (^٢)؛ لأنَّ كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتعانى لتحصيله كـ (تشجع) و(تصبَّر).\n (فصلى النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ الظهر ركعتين، والعصر ركعتين) مقصورتين؛ لأنَّه كان في السفر، (وبين يديه) خبر مقدم، والجملة حالية، وقوله: (عَنَزَة)؛ بالرفع مبتدأ مؤخر، وهي بفتحات: أقصر من الرمح وأطول من العصا، وفيه زج كزج الرمح، وإنما صلَّى إليها؛ لأنَّه ﵇ كان في الصحراء.\nوفي الحديث: دلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين، وفيه: قصر الرباعية في السفر، وفيه: نصب العَنَزَةَ بين يدي المصلي إذا كان في الصحراء، والله أعلم.\n١٨٨ - (وقال أبو موسى)؛ أي: عبد الله بن قيس الأشعري، مما وصله المؤلف في (المغازي) وأوله: عن أبي موسى قال: كنت عند النبي ﷺ بالجعرانة ومعه بلال، فأتاه أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال: «أبشر» ...؛ الحديث، وفيه ما اقتصر عليه المؤلف هنا على موضع الاستشهاد، فقال: (دعا النبي) الأعظم (ﷺ بقَدَح)؛ بفتحتين: الإناء الذي يؤكل فيه، قاله ابن الأثير، وقال في «عمدة القاري»: (في استعمال الناس اليوم: الإناء الذي يشرب فيه)؛ فتأمل، (فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه) أي: في الإناء، (ومج فيه)؛ أي: صبَّ ما تناوله من الماء بفيه في الإناء، (ثم قال) ﵇ (لهما)؛ أي: لبلال وأبي موسى، وكان بلال مع أبي موسى حاضرًا عند النبي الأعظم ﵇، كما دل عليه الحديث في (المغازي): (اشربا)؛ بهمزة وصل من (شرب) (منه)؛ أي: من ذلك الماء، (وأَفرِغا)؛ بهمزة قطع مفتوحة من الرباعي؛ أي: صُبَّا من الماء (على وجوهكما ونحوركما)؛ بالنُّون، جمع نحر، وهو الصدر.\nقال الإسماعيلي: (ليس هذا من الوضوء في شيء، وإنما هو مثل من استشفى بالغسل له، فغسل)، قال في «عمدة القاري»: (أراد بهذا الكلام أنه لا مطابقة له للترجمة، ولكن فيه مطابقة من حيث إنه ﵇ لمَّا غسل يديه ووجهه في القدح؛ صار الماء مستعملًا، ولكنَّه طاهر؛ لأنَّه لو لم يكن طاهرًا؛ لما أمر بشربه وإفراغه على الوجه والنحر، وهذا الماء طاهر وطهور أيضًا بلا خلاف، ولكن إذا وقع مثل هذا من غيره ﵇؛ يكون الماء على حاله طاهرًا، ولكن لا يكون مطهِّرًا على ما عُرِف).\nوقال الكرماني: (فيه دلالة على طهارة الماء المستعمل، وفيه جواز المج في الماء)، قال في «عمدة القاري»: (هذا في حق النبي الأعظم ﵇؛ لأنَّ لعابه أطيب من المسك، ومن غيره مُتَقَذَّر؛ ولهذا كرهه العلماء، والنبي ﵇ لعابه أعظم، وكانوا يتدافقون على نخامته ويدلكون بها وجوههم؛ لبركتها وطيبها، وخَلوفه ما كان يشابه خَلوفَ غيره، وذلك لمناجاته الملائكة، فطيَّبَ الله نكهته، وخَلوفَ فمه، وجميع رائحته).\nوقال ابن القطاع: (فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس، ولا بقيَّة شربه، وذلك يدل على أنَّ نهيه ﵇ عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أنَّ ما تطاير فيه من اللعاب نجس، وإنَّما هو خشية أن يتقذَّره الآكل منه والشارب، فأمر بالتأدُّب في ذلك، وحديث أبي موسى يحتمل أن يكون ﵇ أمر بالشرب من الذي مجَّ فيه والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض أو شيء أصابهما)، واعترضه الكرماني: (بأنه لم يكن ذلك من أجل ما ذكره، بل كان لمجرد التيمُّن والتبرك)، قال في «عمدة القاري»: فعلى هذا لا تطابق بينه وبين ترجمة الباب، وقد قدمنا وجه المطابقة؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٣٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-333>[حديث: وإذا توضأ النبي كادوا يقتتلون على وضوئه]</span>\n١٨٩ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو ابن المديني (قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعْد) بسكون العين المهملة (قال: حدثنا أبي)؛ أي: إبراهيم المذكور، (عن صالح) هو ابن كيسان، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري: أنه (قال: أخبرني) وفي رواية: (حدثني) بالإفراد فيهما (محمود بن الرَّبيع) بفتح الرَّاء (قال)؛ أي: ابن شهاب: (وهو) أي: محمود (الذي مَجَّ)؛ أي: رمى، والمُجاج: الريق الذي تمجه من فِيْك، (رسول الله ﷺ)؛ أي: من فمه الشريف ماءً (في وجهه)؛ أي: ليمازحه؛ إيناسًا له (وهو غلام) جملة اسمية وقعت حالًا، وقوله: (من بئرهم) متعلق بقوله: (مج)، أو حال من المفعول المحذوف، والظاهر الأولى، كما لا يخفى، والضمير في (بئرهم): يعود لمحمود وقومه بدلالة القرينة عليه.\nوالذي أخبر به محمود هو قوله: (عَقَلْتُ من النبي صلى الله عليه [وسلم] مجَّة مجَّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلو)، وقوله: (وهو الذي مج...) إلى قوله: (بئرهم)؛ كلام لابن شهاب ذكره تعريفًا أو تشريفًا، وهذا الحديث لا يطابق الترجمة، وإنما يدلُّ على ممازحة الطفل بما قد يصعب عليه؛ لأنَّ مجَّ الماء قد يَصْعُبُ عليه، وإن كان قد يستلذ به؛ فافهم.\nوقد أخرجه المؤلف في كتاب (العلم) في باب (متى يصح سماع الصغير)، وقد سبق الكلام عليه مستوفًى من جميع الوجوه.\n (وقال عروة)؛ هو ابن الزبير بن العوام، مما وصله المؤلف في كتاب (الشروط) [في باب (الشروط] في الجهاد) (عن المِسْوَر)؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، وهو ابن مَخْرَمة -بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الرَّاء- الزهري، ابن بنت عبد الرحمن بن عوف، قُبِضَ النبي الأعظم ﵇ وهو ابن ثمان سنين، وصح سماعه منه، فهو صحابي صغير، فأصابه حجر من أحجار المنجنيق وهو يصلي في الحِجر، فمكث خمسة أيام، ثم مات زمن محاصرة الحجاج مكة سنة أربع وستين، والألف واللام فيه كالألف واللام في (الحارث) يجوز إثباتهما ويجوز نزعهما، وهو في الحالتين علَمٌ، كذا في «عمدة القاري» (وغيره) عطف على (المِسْوَر)، والمراد بالغير: هو مروان بن الحكم، كما صرَّح به المؤلف في هذا الحديث المطول في (الجهاد)، وقول الكرماني: (ولا يضر الإبهام؛ لأنَّ الغالب أن عروة لا يروي إلا عن عدلوأيضًاذكر المتابعة فيغتفر فيها الجهالة (^٣» قد رده في «عمدة القاري»: (بأن هذا غير وارد من أصله؛ لأنَّ هذا التعليق أخرجه المؤلف موصولًا، وبين فيه أن المراد من قوله: «وغيره» مروان، فإذا سقط السؤال؛ فلا حاجة إلى الجواب) انتهى.\nوجملة: (يصدق كل واحد منهما)؛ أي: من المِسْوَر ومروان (صاحبه)؛ أي: كل واحد منهما يوافق الآخر على ما حدَّث به؛ حال من (المِسْوَر وغيره) لا أنه مقول ابن شهاب، كما زعمه الكرماني، كذا نبه عليه في «عمدة القاري».\nوالحاصل: أن قوله: (وقال عروة:...) إلخ: تعليق، وأن ضمير (منهما) عائد إلى المِسْوَر\n_________\n(^١) في الأصل: (أخذ).\n (^٢) في الأصل: (للتكليف)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (للجهالة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (باب)؛ بالتنوين، بلا ترجمة ثابت في رواية المستملي، ساقط في رواية الباقين وهو الأولى؛ لمناسبة حديثه للباب السابق من غير فصل بينه وبين سابقه، ولهذا تركه في «عمدة القاري»؛ لظهور وجهه.","vol":"1","page":81},{"text":"ومروان، وزعم الكرمانيأن ضمير (منهما) يعود إلى محمود والمِسْوَر؛ وهو فاسد؛ لمخالفته لصنيع أئمة هذا الشأن، بل هو تجويز عقلي مخالف للنقل الذي تقدم عن المصنف، كذا نبه عليه في «عمدة القاري»، ولفظ الحديث: (حدثنا عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمة ومروان يصدق كل واحد منهما صاحبه؛ قالا: «خرج رسول الله ﷺ زمن...» الحديث، وهو طويل إلى أن قال: «ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﵇ بعينيه قال: فوالله ما تنخَّم رسول الله ﵇ نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم، فدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره...» إلى آخره)، والمراد من قوله: (ثم إن عروة) هو عروة بن مسعود أرسله كفَّار مكة إلى رسول الله ﵇ زمن الحديبية، كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (وإذا توضأ النبي) الأعظم (ﷺ؛ كانوا) وفي رواية: (كادوا)؛ بالدَّال المهملة؛ أي: الصحابة (يقتتلون على وَضوئه)؛ بفتح الواو: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء؛ ليس من قول المِسْوَر وغيره، كما زعمه وتوهمه الكرماني؛ لأنَّهما صحابيان صغيران لم يحضرا القصة، ولا من مقول عروة بن الزبير؛ لأنَّه تابعي، بل هو من مقول عروة بن مسعود الثقفي المشاهد لذلك؛ لأنَّه هو القائل بذلك والحاكي به عند مشركي مكة.\nوزعم ابن حجرأن رواية (كادوا) هي الصواب؛ لأنَّه لم يقع بينهم قتال، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: كلاهما سواء، والمراد به: المبالغة في ازدحامهم على نخامة النبي ﵇ وعلى وضوئه) انتهى، قلت: وهذا ظاهر لمن له أدنى تأمل؛ فافهم.\nوذكر ابن طاهر أن هذا الحديث معلول؛ لأنَّ المِسْور ومروان لم يُدْرِكا هذه القصة التي كانت بالحديبية سنة ستٍّ؛ لأنَّ مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين، كما أجمع عليه المؤرخون، وأمَّا ما في «مسلم» عن المسور قال: (سمعت رسول الله ﵇ يخطب الناس على هذا المنبر وأنا يومئذ محتلم)، فيحتاج إلى تأويل لغوي؛ بمعنى: أنه كان يعقل، لا الاحتلام الشرعي، أو أنه كان سمينًا غير مهزول، فيما ذكره القرطبي، وقال صاحب «الأفعال»: (حلم حلمًا؛ إذا عقل)، وقال غيره: (إذا تحلَّم الغلام؛ صار سمينًا)، وهو معدود في صغار الصحابة، مات سنة أربع وستين، كذا في «عمدة القاري».\nوفي الحديث دلالة على طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد من قوله: (يقتتلون على وضوئه): الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، لكنه بعيد، والظاهر: أن المراد به: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء؛ لأنَّ اللفظ يدل عليه، وهو غير مستعمل، ولا شكَّ في طهوريته، أمَّا المستعمل؛ فلا يجوز استعماله في الأحداث، أمَّا استعماله في تطهير الثوب والبدن من النجاسة؛ فيجوز، لكنه مكروه، وكذا يُكْرَهُ شربه، كما في «البزازية»؛ لأنَّ النفس تعافه؛ لتدنُّسه بأوساخ البدن، قال في «البحر»: (ولا يخفى أن الكراهة على رواية الطهارة، أمَّا على رواية: أنه نجس؛ فحرام؛ لأنَّه من الخبائث، فلا يجوز استعماله مطلقًا) انتهى، ووفَّق في «الدر» تبعًا «للنهر»: (بأنه على رواية الطهارة: يُكْرَهُ شربه والعجن به تنزيهًا؛ للاستقذار، وعلى رواية النجاسة تحريمًا؛ لأنَّ المطلق منها ينصرف إليها) انتهى، وإنما يُكْرَهُ تنزيهًا على رواية الطهارة؛ لأنَّه اكتسب زخومة البدن بالاستعمال؛ لأنَّه ربما يَضُرُّ المعدة، كما قالوا في الماء المشمَّس: إنَّه يُكْرَهُ التوضؤ به؛ لأنَّه يورث البرص، وكما قالوا في الشرب قائمًا: إنَّه مكروه؛ لأنَّه يورث داء الكباد، ولا شكَّ أن النَّفس تعافه وتتقذَّر منه، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٣٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-334>[حديث السائب: ذهبت بي خالتي إلى النبي فقالت: يا رسول الله]</span>\n١٩٠ - وبه قال: (حدثنا عبد الرحمن بن يونس بن هاشم)؛ هو أبو مسلم البغدادي، المستملي لسفيان بن عيينة وغيره، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين فجأة (قال: حدثنا حاتِم) بالحاء المهملة وكسر المثناة الفوقية (بن إسماعيل) الكوفي، نزيل المدينة، المتوفى بها سنة ست وثمانين ومئة في خلافة هارون، (عن الجَعْد)؛ بفتح الجيم وسكون العين المهملة، وللأكثر وهو المشهور: (الجعيد)؛ بالتصغير، ابن عبد الرحمن بن أوس، الكندي المدني الثقة (قال: سمعت السائب) اسم فاعل -بالمهملة والهمز- من السيب؛ بالمهملة والتحتية والموحدة، (بن يزيد) من الزيادة، الكندي، ويقال: الهذلي، أو الليثي، أو الأسدي، وأبوه صحابي، قال: (حجَّ بي أبي مع النبي عيه السلام حجة الوداع، وأنا ابن سبع سنين)، ولد في السنة الثانية من الهجرة، فهو ندب ابن الزبير والنعمان بن بشير في قول بعضهم، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع؛ لتلقِّي النبي ﵇ مَقْدمه من تبوك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو ثمانين أو ست وثمانين، قيل: هو الصحيح، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع أو ست وتسعين سنة، قال جعيد: (رأيت السائب ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، قال: قد علمت ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعاء النبي الأعظم ﵇)، وكان عاملًا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود، روي له خمسة أحاديث؛ ذكرها كلها المؤلف، لا ستة، كما زعمه القسطلاني؛ فافهم.\n (يقول: ذهبَتْ) أي: مضتْ (بي خالتي)؛ لم أقف على اسمها، قال في «عمدة القاري»: (والفرق بين «ذهب به» و«أذهبه»: أن معنى: «أذهبه» أزاله وجعله ذاهبًا، ومعنى: «ذهب به»: استصحبه، ومضى به معه) انتهى، قلت: هذا مذهب المبرد، ولعلَّه الأصح، وقال سيبويه: (الباء في مثله كالهمزة والتضعيف، فمتى ذهبتَ به؛ أذهبته، وتجوز المصاحبة وعدمها)؛ كذا نصَّ عليه سعد الدين في «شرح التقريب»، وعلى مذهب المبرد؛ فيحتاج أن يقال: هو أغلبي، وإلا؛ فقد ورد في التنزيل: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وقد يقال: هذا محله فيمن له اختيار؛ نحو: ذهبت بزيد، وقيل: على تضمين (أذهب)، فلا ترد الآية؛ فتأمل (إلى النبي) الأعظم (ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إن ابن أختي)؛ أي: عُلبَة -بضم العين المهملة، وسكون اللام وفتح الموحدة- بنت شريح (وَقِعٌ)؛ بفتح الواو وكسر القاف وبالتنوين، وفي رواية: بفتح القاف على لفظ الماضي، وفي أخرى: (وَجِعٌ)؛ بفتح الواو وكسر الجيم، وعليه الأكثر، ومعنى: (وَقِعٌ)؛ بكسر القاف: أصابه وجع في قدميه، وزعم ابن سيده: أنه يقال: وقع الرجل والفرس وقعًا؛ فهو وَقِعٌ: إذا حَفِيَ من الحجارة والشوك، وقد وقعه الحجر، وحافرٌ وقيعٌ: وقعته الحجارة فقصت منه، ثم استعير للمشتكي المريض، يبينه قولها: (وجع)، والعرب تسمي كل مرضٍ وجعًا، وفي «الجامع»: (وقع الرجل موقع: إذا حفي من مَشْيِهِ على الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفى)، وقال ابن بطال: (ومعناه: أنه وقع في المرض)، وقال الجوهري: (وقع؛ أي: سقط، والوقع أيضًا: الحفى)، كذا في «عمدة القاري».\n (فمسح) أي: النبي الأعظم ﵇ (رأسي)؛ أي: بيده الشريفة المباركة، (ودعا لي بالبركة)؛ أي: بأن قال: اللهم بارك فيه، أو اللهم اجعل فيه البركة، وهي شاملة لصحة حواسه، وحسن ماله، ووجود أولاده، وطول عمره؛ لقول جعيد: (رأيت السائب ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، قال: قد علمت ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعائه ﵇)، ففيه أنه يطلب الدعاء بالبركة للصغير ومسح رأسه.\n (ثم) دعا بماء و(توضأ) وضوءه للصلاة؛ أي: الوضوء الشرعي يدل عليه قوله: (قمت خلف ظهره)؛ فافهم، (فشربت من وَضوئه)؛ بفتح الواو؛ أي: بأن النبي الأعظم ﵇ أمره بشربه؛ لأجل الشفاء من المرض، أو هو شرب وقصد الشفاء من غير أن يأمره؛ يحتمل الأمرين، لكن الظاهر الثاني، يدل عليه إسناده الشرب لنفسه، ولو كان الأول؛ لقال: وأمرني أن أشرب من وضوئه، فقوله: (من وضوئه) يحتمل أن المراد به: الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، فيدل على طهارة الماء المستعمل، ويحتمل أن المراد به: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، فيدل على نجاسة الماء المستعمل، وزاد في الطنبور نغمة ابن حجر حيث قال: (هذه الأحاديث","vol":"1","page":82},{"text":"التي في هذا الباب ترد على أبي حنيفة؛ لأنَّ النجس لا يُتَبَرَّكُ به)، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قصد هذا القائل التشنيع على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم بهذا الرد البعيد؛ لأنَّه ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحًا على أنَّ المراد من فضل وضوئه: هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، وكذا في قوله: «كانوا يقتتلون على وضوئه»، وكذا في قوله: «فشربت من وضوئه»، بل اللفظ يدل على أنَّه الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، والمعنيان محتملان، لكن يتعين الثاني بكون ظاهر اللفظ يدل عليه، وهي القرينة، والأول لا دليل يدل عليه، ولئن سلَّمنا أن المراد: هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة؛ فإمامنا المعظم الإمام الأعظم لا يُنْكِرُ هذا، ولا يقول بنجاسة ذلك حاشاه رضي الله تعالى عنه، وكيف يتصور أن يقول بهذا، وهو يقول بطهارة بوله الشريف، وسائر فضلاته الشريفة؟! ومع هذا قد قلنا: لم يصح عن الإمام الأعظم تنجيس الماء المستعمل، ولا فتوى الأئمة الحنفية عليه، فانقطع شغب المعاند) انتهى بزيادة من العبد الضعيف.\nوقد زاد في الشطرنج جملًا ابن المنذر حيث قال: (وفي إجماع أهل العلم على أنَّ البلل الباقي على أعضاء المتوضِّئ وما قطر منه على ثيابه دليل قوي على طهارة الماء المستعمل)، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: المثل: «حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء»، والماء الباقي على أعضاء المتوضئ لا خلاف لأحد في طهارته؛ لأنَّ من يقول بعدم طهارته إنَّما يقول بالانفصال عن العضو، بل عند بعضهم: الانفصال والاستقرار في مكان، وأمَّا الذي قطر منه على ثيابه؛ فإنما سقط حكمه؛ للضرورة؛ لتعذر الاحتراز عنه)؛ فافهم، والله أعلم.\nثم قال ابن حجر في «الانتقاض» معترضًا على اعتراض صاحب «عمدة القاري» عليه حيث قال: (الرجوع إلى الحقِّ خير من التمادي في الباطل، والبخاري لم يُعيِّنْ من قال بذلك، فردُّهُ متوجهٌ على من قال به كائنًا من كان) انتهى.\nقلت: انظروا وتعجبوا من كلام هذا القائل، فإن قوله: (الرجوع إلى الحق...) إلخ؛ دليل على أنه قد تمادى في الباطل، ولم يرجع إلى الحقِّ، وقد قال في التنزيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله: (والبخاري...) إلخ، نعم؛ بل هذا القائل قد عين من قال بذلك، ولم يُعْهَد سوء أدب من البخاريِّ على أحد فضلًا على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل الذي هو أفضل من مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وقد عهدنا سوء الأدب من هذا القائل كثيرًا حتى مع النبي ﵇، حيث قالت الشافعية: (إن شعره ﵇ نجس) حاشاه ﵇ من ذلك الافتراء والجرأة على الله ورسوله، ولا ريب أنهم قد دخلوا في عموم الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ ...؛ الآية [الأحزاب: ٥٧]، ولا ريب أن النقي لا يغيره مقل الذباب، وأن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ولله درُّ القائل:\nيَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيكْلِمَهُ... أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ\nوالمرء لا يرجع عن طبعه ولو طرش الدم من حلقه، وإنما منشأ هذا التعصب، والتعنت، وعدم الحياء، وعدم الأدب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n (ثم قمت خلف ظهره) ﵇؛ أي: في الصلاة، ولعلها كانت صلاة الوضوء النافلة، وإنما تَرَكَهُ ﵇ خلف ظهره، ولم يجذبه إلى يمينه كما فعل في ابن عباس، ولعله إنَّما تركه؛ لبيان الجواز، أولحكمة أخرى، وهي رؤياه الخاتم الشريف، ولذا قال: (فنظرت إلى خاتِم النبوة)؛ بكسر التاء؛ أي: فاعل الختم، وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتح التاء؛ بمعنى: الطابَع؛ أي: آلة الطبع، ومعناه: الشيء الذي هو دليل على أنَّه لا نبي بعده ﵇، وقال البيضاوي: (خاتم النبوة: أثر ناتئ بين كتفيه، نُعِت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يُعْلَمُ بها أنَّه النبي ﵇، وصيانة لنبوته عن تَطَرُّقِ القدح إليها صيانة الشيء المستوثق بالختم) انتهى، واعترض: بأنَّ ما ذكره أولًا تفسير لحقيقة الخاتم، لكن يحتاج إلى الفرق بين فاعل الختم والطابع من حيث الماصدق، وفرقه المذكور ينافيه قول أهل اللغة: (الفتح والكسر في الخاتم كالطابع لغتان بمعنًى واحد)؛ فتأمل.\n (بين كتفيه)؛ تثنية كتف، فيه لغات (فخذ) سوى الإِتْباع، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سرجس: (ورأيت خاتم النبوة في نُغْضِ كتفه اليسرى، كأنه جُمْع، فيه خِيْلان سود، كأنها التآليل)، و(النغْض)؛ بضم النُّون وفتحها، وسكون الغين المعجمة، آخره ضاد معجمة؛ وهو أعلى الكتف، أو هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقوله: (جُمْع)؛ بضم الجيم وسكون الميم معناه: مثل جمع الكف، وهو أن يجمعَ الأصابع ويضمَّها، و(الخِيْلان)؛ بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء: جمع خال، و(التآليل) جمع تؤلول، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها، ولا ينافي هذا ما هنا من أنه بين كتفيه؛ لجواز أنه أقرب إلى الجانب الأيسر، وحكمة جعله على نغضه؛ لأنَّه يقال: هو الموضع الذي يدخل منه الشيطان إلى باطن الإنسان، فكان هذا عصمة له ﵇ من الشيطان، وقال القاضي عياض: (هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه)، واعترضه النووي: (بأن هذا باطل؛ لأنَّ شق الملكين إنَّما كان في صدره)، وأجيب: بأن قوله: (بين كتفيه) ليس متعلقًا بالشق، كما زعمه النووي، بل متعلق بأثر الختم، وعليه فليس ما قاله القاضي بباطل، وذلك لأنَّه لما وقع الشق وخيط حتى التأم، ووقع الختم بين كتفيه؛ كان ذلك أثر الختم؛ فتأمل.\nواختلف في الخاتم هل وُلِد به أم لا؟ فقيل: وُلِد به، كما في حديث... (^١)، وقيل: إنه وُضِع بعد ميلاده، ويدل له ما في «الدلائل» لأبي نعيم: (أنه ﵇ لما وُلِد؛ ذكرت أمه: أن الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج خرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم، فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تُضيء كالزهرة)، فهذا صريح في وضعه بعد ولادته؛ فافهم.\n (مِثلَ)؛ بكسر الميم وفتح اللام؛ منصوب على الحال، وقول القسطلاني: (مفعول «نظرت») فيه نظر، كما لا يخفى، وفي روايةٍ بالجرِّ على أنَّه نعت أو بدل من المجرور؛ لأنَّه اسم فاعل بحسب الأصل، فلا يتعرف بالإضافة لـ (مِثل) بخلافه على فتحها، فإنه يتعرف، فلا يصح نعته بـ (مثل)، ولذا اعترض الدماميني على الزركشي، في كون الجر نعتًا لـ (خاتم)، لكن إطلاقه الاعتراض ليس على ما ينبغي، وفي روايةٍ بالرفع على تقدير مبتدأ؛ أي: هو مثلُ (زِرٍّ)؛ بكسر الزاي المعجمة وتشديد الرَّاء المهملة: واحد أزرار القميص، ويقال للرجل الحسن الرعية للإبل: إنه لزر من أزرارها، كذا في «الصحاح»، وفي «القاموس»: (الزر؛ بالكسر: الذي يوضع في القميص، والجمع: أزرار، وزرور، وعظمٌ تحت القلب وقوامه، والنقرةُتدور (^٢) فيها وابلة الكتف، وطرفُ الورك في النقرة، وخشبةٌ من أخشاب الخباء، وحدُّ السيف، وزر الدين: قوامه، وبالفتح: شد الأزرار، والطرد، والطعن، والنتف، والعض، وتضييق العينين، والجمع الشديد، ونفض المتاع، وزُرزُر (^٣) بن صهيب؛ بالضم، مُحَدِّث) انتهى.\nقال في «عمدة القاري» كـ «الكرماني»: (روي أيضًا بتقديم الرَّاء على الزاي، ويكون المراد منه: البيض، يقال: أرَزَّت الجرادة؛ بفتح الرَّاء وتشديد الزاي: إذا كبست ذنبها في الأرض؛ فباضت) انتهى؛ فافهم.\n (الحَجَلَة)؛ بالحاء المهملة والجيم واللام مفتوحات، بعدها تاء، واحدة الحجال؛ وهي بيوت تُزَيَّنُ بالثياب والأسرة والستور، لها عرًى وأزرار، وقال ابن الأثير: (الحجلة؛ بالتحريك: بيت كالقبة يُسْتَر بالثياب، ويكون له أزرار كبار، ويجمع على حجال، وقيل: المراد بالحجلة: الطير، وهي التي تسمى القبجة، وتسمى الأنثى حجلة، والذكر يعقوب، وزرها بيضها، ويؤيد هذا أن في حديث آخر: «مثل بيضة الحمامة»، وجمع الحجلة: حَجَل؛ بفتحتين، وحِجْلى؛ بكسر الحاء وسكون الجيم، ولم يجئ على «فِعلى» -بالكسر- إلا هذا وظِربى)، وقال في «عمدة القاري» نقلًا عن محمد بن عبد الله شيخ المؤلف: (إنَّ الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه، وفي بعض نسخ المغاربة: «الحُجْلة» بضم الحاء المهملة وسكون الجيم) انتهى.\nثم قال في «عمدة القاري»: (وجاءت في صفة خاتم\n_________\n(^١) أخلى بياضًا في الأصل.\n (^٢) في الأصل: (يزرر)، والمثبت من «القاموس».\n (^٣) في الأصل: (وزر)، والمثبت من «القاموس».","vol":"1","page":82},{"text":"النبوة روايات كثيرة، ففي «مسلم» عن جابر بن سمرة: (ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده)، وفي رواية لأحمد من حديث أبي رمثة التميمي (^١) قال: (خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله ﵇، فرأيت برأسه رَدْع حناء، ورأيت على كتفه مثل التفاحة، فقال أبي: إني طبيب، ألا أبطها لك؟ قال: «طيَّبها الذي خلقها»)، وقوله: (رَدْع حناء)؛ بفتح الرَّاء وسكون الدَّال آخره عين مهملة؛ أي: لطخ حناء، والحِنَّاء؛ بالكسر والتشديد وبالمد معروف، والحناه: أخص منه، وقوله: (ألا أبطها) من البط، وهو شق الدمَّل والخرَّاج، وفي «صحيح الحاكم»: (شعر مجتمع)، وفي «كتاب البيهقي»: (مثل السلعة)، وفي «الشامل»: (بَضعة ناشزة)، والبضعة؛ بفتح الموحدة: هي القطعة من اللحم، و(ناشزة)؛ بالنُّون والشين والزاي المعجمتين؛ أي: مرتفعة عن الجسم، وفي حديث عمرو بن أحطب: (كشيء يختم به)، وفي «تاريخ ابن عساكر»: (مثل البندقة)، وفي «الترمذي»: (كالتفاحة)، وفي «الروض»: (كأثر المحجم القابض على اللحم)، وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة»: (شامة خضراء محتفرة في اللحم)؛ أي: غائصة فيه، وأصله من حفر الأرض، وفيه أيضًا: (شامة سوداء تضرب إلى الصفرة، حولها شعرات متراكبات كأنها عُرْفُ الفرس)، وفي «تاريخ القضاعي»: (ثلاث مجتمعات)، وفي كتاب «المولد» لابن عابد: (كأن نورًا يتلألأ)، وفي «سيرة ابن أبي عاصم»: (عذرة كعذرة الحمامة)، قال أبو أيوب: (يعنى: قرطمة الحمامة)، وفي «تاريخ نيسابور»: (مثل البندقة من لحم، مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله)، وعن عائشة ﵂: (كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكانت مما يلي القفا، قالت: فلمسته حين توفي، فوجدته قد رفع)، وذكر أبو دحية الحافظ: (كان الخاتم الذي بين كتفي النبي ﵇ كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: الله وحده، وفي ظاهرها: توجه حيث شئت؛ فإنك منصور)، ثم قال: (حديث غريب مستنكر)، ولا منافاة بين هذه الروايات؛ لاحتمال أنَّه ﵇ متَّصف بجميعها، قال في «المواهب»: (واختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كلٌّ شبَّه بما سنح له، وكلها ألفاظ مرادها واحد)، وقال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنه شاخص في جسده الشريف.\nوليس الخاتم مختصًا به ﵇، فقد أخرج الحاكم في «المستدرك» عن وهب بن منبه أنه قال: (لم يبعث الله نبيًّا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا ﵇؛ فإن شامات النبوة كانت بين كتفيه بإزاء قلبه)، وعلى هذا فيكون وَضْعُ الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختصَّ به على سائر الأنبياء ﵈، والله تعالى أعلم.\nوفي يوم الأربعاء السابع عشري محرم سنة سبع وسبعين قد أمر فؤاد باشا المحقق بشنق أربعة في كل شارع واحد، فشنقوا بعد الظهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوفي ثاني يومٍ الخميس أمر بإخراج أرباب البيوت التي في زقاق القنوات من البوابة التي عند بيت جعفر آغا إلى قنطرة نهر قنوات، وهي تبلغ مئة ونيف وعشرين بيتًا، فأخرجوا في الحال، والظاهر: لأجل أن يسكن فيها النصارى التي في القلعة، ونسأل الله الحنَّان المنَّان أن يفرج عنَّا وعن المسلمين كلَّ غمٍّ وهمٍّ وكربٍ بجاه النبي الأعظم ﵇، وهو أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٣٣٥\"> </span>(٤١) <span data-type=\"title\" id=toc-335>[باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة]</span>\nهذا (باب: من تمضمض)؛ بإضافة (باب) إلى (مَن)، وهي موصولة، أو نكرة موصوفة بقوله: (تمضمض)، وفي رواية: (مضمض)؛ بحذف المثناة الفوقية أوله (واستنشق من غرفة واحدة): متعلق بكل من الفعلين على التنازع؛ لاتفاق أهل الكوفة والبصرة على جواز إعمال كلٍّ منهما، وعلى مذهب الكوفيين، فهو متعلق بـ (تمضمض)، وحذف متعلق (استنشق)؛ تقديره: منها، وعلى مذهب البصريين متعلق بـ (استنشق)، وحذف متعلق (تمضمض)؛ تقديره: منها، ومذهب الكوفيين هو الأَولى؛ فافهم، و(الغَرفة)؛ بفتح الغين المعجمة أو بضمها وبهما قُرئ في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧]، والثاني: أظهر، وهذا صادق بثلاث صور: بأن يتمضمض ثلاثًا ولاءً ثم يستنشق كذلك؛ كلاهما من غرفة واحدة، وبأن يتمضمض مرة ثم يستنشق مرَّة يفعل كذلك من غرفة واحدة، وبأن يتمضمض ثم يستنشق من غرفة واحدة، ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة ثانية كذلك، ثم ثالثة كذلك، وهذه الصورة هي الأَولى والأحسن؛ لموافقتها لظاهر اللفظ؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٣٦\"> </span>[حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي وفيه: مضمض واستشق من كفة]\n١٩١ - وبه قال: (حدثنا مسَدَّد)؛ بالسين والدَّال المشددة المهملتين المفتوحتين: هو ابن مسرهد (قال: حدثنا خالد بن عبد الله)؛ أي: ابن عبد الرحمن الواسطي، أبو الهيثم الطحان، المتصدِّق بزنة بدنه فضة ثلاث مرات، المتوفى سنة تسع وستين ومئة، كذا في «عمدة القاري»، وفي «التقريب»: (وكان مولده سنة عشر ومئة، ومات سنة اثنتين وثمانين ومئة)، وفي «الكرماني» وتبعه القسطلاني: (أنَّه مات سنة تسع وسبعين)، ففي مقدار عمره اختلاف؛ فافهم (قال: حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن يحيى)؛ أي: المازني الأنصاري، (عن أبيه)؛ أي: يحيى بن عمارة، (عن عبد الله بن زيد)؛ أي: ابن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد الصحابي المشهور، قيل: قتله مسيلمة الكذاب، واستشهد بالحرَّة سنة ثلاث وستين (أنَّه)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأنَّ عبد الله بن زيد، ويحتمل كسرها؛ أي: قائلًا يحيى: إنَّ عبد الله (أفرغ) أي: صبَّ الماء (من الإناء على يديه فغسلهما)؛ أي: معًا ثلاثًا أو مرتين على ما سبق، لكنَّ أكثر الرواة على الأول؛ فافهم.\n (ثم غسل)؛ أي: عبد الله فمه؛ لأجل المضمضة، فالمفعول محذوف (أو مضمض) شكٌّ من الراوي أيًّا كان، وقال الكرماني: (الظاهر: أنَّ الشكَّ من يحيى التابعي)، قال ابن حجر: (وهو غريبنم، والظاهر: أن الشك من مسَدَّد شيخ المؤلف)، قال في «عمدة القاري»: (كل منهما محتمل، وكونه من الظاهر من أين؟ بلا قرينة) انتهى، واستند ابن حجر في «الانتقاض» للاستظهار الذي قاله بما في «مسلم»، عن محمد بن الصباح، عن خالد بسنده هذا من غير شك بلفظ: (ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض واستنشق)، وبما أخرجه الإسماعيلي من طريق وهب بن بقية عن خالد كذلك؛ فإنه لا شكَّ في روايتهما عن التابعي، فينبغي حمل كلام المؤلف عليهما وأن الشك من غيره، فهذا قرينة، واحتمال أن التابعي رواه بالشك تارة وبغيره أخرى مرجوح؛ إذ الأصل عدم التعدد، انتهى.\nقلت: وما استند به لا ينهض دليلًا لما قاله، فإن ما ذكره مسلم والإسماعيلي هو عين ما أورده المؤلف في باب (غسل الرجلين إلى الكعبين) عن شيخه موسى بن إسماعيل، فهذا دليل على أن الشك من يحيى التابعي، وأنَّه رواه هناك عن أبيه عن عبد الله بدون الشك، وهنا بالشك؛ لأنَّ الراوي يروي الذي سمعه بدون زيادة ولا نقص، وهذا لا يكون قرينة على ما ذكره؛ لأنَّ الرواة مختلفة، فكلٌّ روى ما سمعه، وقوله: (فينبغي...) إلخ: لا حاجة لهذا الانبغاء المقول بالرأي الفاسد بعد العلم بأن اللفظين مختلفان، وقوله: (واحتمال...) إلخ: ممنوع، فهذا الاحتمال على زعمه هو عين اليقين في تغاير اللفظين، فلا يكون هذا الاحتمال مرجوحًا، كما زعمه، بل هو الواقع حقيقة، وقوله: (الأصل: عدم التعدد): ممنوع؛ لأنَّ حجتنا مثبِتة، وكلامه ناف، والمثبِت مقدَّم على النافي عند المحققين، فلا وجه لما ذكره هذا القائل، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n (واستنشق من كَفة واحدة)؛ بفتح الكاف وضمها-لا بكسرها؛ لأنَّه لغة في كِفة الميزان لا في واحد الأكف- آخره هاء تأنيث، وفي رواية الأكثرين: (من كفٍّ)؛ بلا تاء، وفي أخرى: (من كفٍّ واحدة)؛ بالتأنيث، وفي أخرى: (من كفأة) مهموزًا، وفي أخرى: (من غرفة واحدة)، قال ابن بطال: (والمراد بالكفة؛ أي: الحفنة، فاشتق لذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في «الكف»)، وقال ابن التين: (اشتق ذلك من اسم الكف، فسمي الشيء باسم ما كان فيه)، وقال في «المطالع»: (هي بالضم والفتح مثل: غرفة؛ أي: ملء كفِّه من ماء).\nوزعم ابن حجر أنَّ محصَّل ذلك أنَّ المراد من قوله: (كفة): (فعلة) في أنها تأنيث الكف.\nواعترضه في «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا محصَّل غير حاصل، فكيف يكون «كفة» تأنيث «كف»، والكف مؤنث،\n_________\n(^١) في الأصل: (أبي رمية التيمي)، وهو تحريف.","vol":"1","page":83},{"text":"والأقرب إلى الصواب ما ذكره ابن التين) انتهى.\nوقال العجلوني: (عبارة ابن حجر هكذا: ومحصله: أن «كفة» «فعلة» لا أنها تأنيث الكف) انتهى.\nقلت: ولفظة: (لا) زاده من عنده؛ ترميمًا لعبارة ابن حجر حتى لا يرد عليه الاعتراض، وإلا؛ فالنسخ الصحيحة التي عليها خطوط العلماء لفظة: (في) بدل (لا)؛ كما نقلها في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (ففعل) أي: عبد الله (ذلك)؛ أي: المضمضمة والاستنشاق، على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (ثلاثًا)؛ أي: من غرفة واحدة، يأخذ غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يأخذ ثانية كذلك، ثم ثالثة كذلك، ويدل لذلك لفظ السياق، ويكون آتيًا بسنية المضمضة والاستنشاق، لكنَّه يكون تاركًا سنِّية التجديد لهما، وكل ما روي في ذلك مما يخالفنا، فليس بحجة علينا، بل هو محمول على بيان الجواز؛ لأنَّ الكل نقل عن النبي الأعظم ﵇.\n (فغسل وجهه ثلاثًا) أتى بالفاء للتنبيه على الموالاة، وعبَّر في غسل اليدين بـ (ثم)؛ لوجود التراخي، وأن الموالاة سنة، وإمَّا لأنَّ (ثمَّ) نائبة عن الفاء، كما في قوله: جرى في الأنابيب ثم اضطرب.\nفقال: (ثم غسل يديه) بالتثنية (إلى) أي: مع (المرفقين مرتين مرتين)؛ بتكرار (مرتين)؛ للتنبيه على الغسل مرتين في كل يد، وفي أكثر الروايات: (ثلاثًا ثلاثًا)، وما هنا محمول على الجواز، (ومسح برأسه)؛ الباء للإلصاق أو زائدة، والأظهر: الأول، وكونها للتبعيض فيه ضعف، ويدلُّ للأظهر قوله: (ما أقبل وما أدبر)؛ أي: من الرأس مرة واحدة، و(ما): نعت للرأس أو بدل، ولا بدَّ من اجتماع الأمرين حتى يحصل الاستيعاب سواء كان عليه شعر أم لا؛ لأنَّ اللفظ عام، فيشملهما؛ لأنَّه ﵇ خير في حلق الرأس وتركه، واختار ﵇ ترك الحلق؛ لأنَّ عادة العرب هكذا، والقول مقدَّم على الفعل عند المحققين؛ فافهم، (وغسل رجليه إلى) أي: مع (الكعبين، ثم قال)؛ أي: عبد الله بن زيد بعد فراغه من الوضوء: (هكذا وُضوء رسول الله ﷺ)؛ بضمِّ الواو.\nقال العجلوني: (ولعل التراخي غير مراد؛ فتأمل)، قلت: نعم؛ غير مراد على حقيقته، وإنما هو في كل شيء بحسبه، وأتى به؛ لإفادة أنَّ المولاة غير واجبة، بل هي سنة، وليس في الحديث بيان غسل الوجه ثلاثًا على ما قالوا، ولا بيان مقدار مسح الرأس، ولا الرجلين مرة، أو مرتين، أو ثلاثًا، ففيه اختصار، والظاهر: أنَّه من الراوي يحيى التابعي، كما أنَّ الشكَّ منه على ما مرَّ، ويدل لذلك ما رواه المؤلف في (باب غسل الرجلين إلى الكعبين) السابق قريبًا من طريق موسى بن إسماعيل، وما يأتي عقب هذا الباب من طريق سليمان بن حرب عن عبد الله بن زيد فيهما، والسائل له فيهما أيضًا: عمرو بن أبي حسن فقال -واللفظ لما تقدم-: (فتوضأ لهم وضوء رسول الله ﵇، فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض، واستنشق، واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يديه، فغسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده، فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين) انتهى، قلت: إذا علمت هذا فلا حاجة إلى قول ابن حجر والقسطلاني: (لم يذكر غسل الوجه، وهو ثابت في رواية «مسلم» وغيره) انتهى؛ لأنَّه ثابت عند المؤلف، كما علمت.\nوقال القاضي زكريا: (حذف هنا غسل الوجه؛ اختصارًا أو يستفاد من قوله: «ثم غسل»؛ أي: وجهه، وتجعل «أو» في «أو مضمض»؛ بمعنى الواو؛ لأنَّها لا تدلُّ على الترتيب).\nقلت: وهو الجواب أقرب إلى الصواب.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: أين ذُكِرَ غسل الوجه؟ قلت: هو من باب اختصار الحديث، وذكر ما هو المقصود مما ترجم له مع زيادة بيان ما اختلف فيه من التثليث في المضمضة والاستنشاق، وإدخال المرفق في اليد، وتثنية غسل اليد، ومسح ما أقبل وما أدبر من الرأس، وغسل الرجلين منتهيًا إلى الكعبين، وأمَّا غسل الوجه؛ فأمره ظاهر لا احتياج له إلى بيان، والتشبيه في «هكذا وضوء رسول الله ﵇» ليس من جميع الوجوه، بل في حكم المضمضة والاستنشاق ونحوه) انتهى.\nوردَّه في «عمدة القاري»: (بأن هذا جواب ليس فيه طائل، وتصرُّفٌ غير موجَّه؛ لأنَّ هذا في باب التعليم لغيره صفة الوضوء، يشهد بذلك قوله: «هكذا وضوء رسول الله ﵇»، ويؤيِّد ذلك ما جاء في حديثه الآخر عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: أنَّ رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جدُّ عمرو بن يحيى: «أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله ﵇ يتوضَّأ؟ ...»؛ الحديث، وقد مرَّ عن قريب، وكلُّ ما روي عن عبد الله بن زيد في هذا الباب حديث واحد، وقد ذكر غسل الوجه فيه، وكذا ثبت ذلك في رواية مسلم وغيره، فإذا كان هذا في باب التعليم؛ فكيف يجوز له ترك فرض من فروض الوضوء وذكر شيء من الزوائد؟ والظاهر: أنَّه سقط من الراوي، كما أنه شكَّ في قوله: «ثم غسل أو مضمض»، وقوله: «وأما غسل الوجه؛ فأمره ظاهر»؛ غير ظاهر، وكونه ظاهرًا عند عبد الله بن زيد لا يستلزم أن يكون ظاهرًا عند السائل له عنه، ولو كان ظاهرًا؛ لما سأله، وقوله: «وذكر ما هو المقصود»؛ أي: ذكر المؤلف ما هو المقصود عنده، وهو الذي ترجم له الباب، قلت: كان ينبغي أن يقتصر على المضمضمة والاستنشاق فقط، كما هو عادته في تقطيع الحديث؛ لأجل التراجم، فيترك اختصارًا ذكر فرض من الفروض القطعية، ويذكر رواية لا تطابق الترجمة) انتهى كلامه، وهو في غاية من التحقيق والبيان، كما لا يخفى على أئمة أهل هذا الشأن.\nثم قال الكرماني: (وقد يجاب أيضًا: بأن المفعول المحذوف؛ وهو الوجه؛ أي: ثم غسل وجهه، وحذفه؛ لظهوره، فـ «أو»؛ بمعنى الواو في قوله: «أو مضمض»، و«من كفة واحدة» متعلق بـ «مضمض» و«استنشق» فقط) انتهى.\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: هذا أقرب إلى الصواب؛ لأنَّه لا يقال في الفم في الوضوء إلا: مضمض، وإن كان يطلق عليه الغسل) انتهى، قال ابن حجر: (وجواب الكرماني الثاني بعيد)، قلت: وهو ممنوع، فإن كون (أو)؛ بمعنى: الواو كثير شائع في كلام العرب لا بُعْدَ فيه أصلًا، كما لا يخفى، ولو لم يكن هذا الجواب صحيحًا؛ لما أجاب به القاضي زكريا، كما قدمناه قريبًا؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٣٧\"> </span>(٤٢) <span data-type=\"title\" id=toc-337>[باب مسح الرأس مرة]</span>\nهذا (باب: مسح الرأس مرة) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: (مسحة) بدل (مرة)، وفي رواية أخرى له: (مرة واحدة).\n\n <span id=\"b-٣٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-338>[حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي وفيه: ومسح براسه]</span>\n١٩٢ - وبه قال: (حدثنا سليمان) بالتحتية مصغرًا (بن حَرْب)؛ بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء وبالموحدة (قال: حدثنا وهيب)؛ بالتصغير: هو ابن خالد (قال: حدثنا عَمرو بن يحيى)؛ بفتح العين المهملة، (عن أبيه): يحيى المذكور ابن عمارة المازني الأنصاري (قال: شهِدت) بكسر الهاء من المشاهدة (عَمرو بن أبي حَسن)؛ بفتح أولهما، ويدل لذلك أنه في الباب السابق أسقط عمرو بن أبي حسن؛ فافهم (سأل) أي: عمرُو بن أبي حسن (عبدَ الله بن زيد) أي: الأنصاري (عن وُضوء) بضم الواو (النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: عن صفته، (فدعا)؛ أي: عبد الله بن زيد (بتَوْر)؛ بموحدة أوله، وبعدها مثناة فوقية مفتوحة، وسكون الواو: إناء يُشْرَب فيه، أو إناء من صفر أو حجر كالإجانة، والمراد: ما فيه؛ بدليل بيانه بقوله: (من ماء)، وفي رواية: (فدعا بماء)؛ بإسقاط لفظ: (بِتَوْر)، (فتوضأ)؛ أي: عبد الله (لهم) اللام للتعليل؛ أي: لأجل السائل ومن معه، (فكفأ)؛ بهمز آخره؛ أي: عبدُ الله الإناءَ؛ أي: أماله، وفي رواية: (فكفأه)؛ بزيادة هاء المفعول، وفي أخرى: (فأكفأه)؛ بهمز أوله وآخره وهاء المفعول (على يديه) بالتثنية (فغسلهما) أي: اليدين إلى الرسغين (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، والمراد: تكرار الغسلات لا الغرفات، (ثم أدخل يده) بالإفراد (في الإناء) الذي فيه الماء، فأخذ منه ماء،","vol":"1","page":83},{"text":"(فمضمض واستنشق)، وقوله: (واستنثر) عطف تفسير للاستنشاق؛ لأنَّ الاستنشاق والاستنثار واحد، كما قاله ابن الأعرابي، وابن قتيبة، كما تقدم، (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، (بثلاث غَرفات)؛ بفتح الغين المعجمة أو بضمها (من ماء)؛ أي: بكل غرفة يتمضمض ويستنشق مرة واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة كذلك، (ثم أدخل يده)؛ بالإفراد، وفي رواية: (ثم أدخل يده في الإناء) (فغسل وجهه ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، والمراد: تكرار الغسلات لا الغرفات، وإن كان الظاهر أن قوله: (ثلاثًا) قيد في (أدخل) و(غسل)، لكن المراد: تكرار الغسلات؛ ليشمل ما إذا طمس وجهه في الماء ثلاث مرات، كما اعتاده طلبة زماننا، فإنه كافٍ، لكن يحتاج للتحريك في الماء حتى يكون غسلًا مسنونًا؛ فافهم.\n (ثم أدخل يده) بالإفراد (في الإناء)؛ أي: فأخذ منه ماء، (فغسل يديه) بالتثنية (إلى) أي: مع (المِرْفقين)؛ بميم مكسورة، تثنية مِرفق؛ بكسرها أيضًا، (مرتين مرتين)؛ بالتكرار؛ أي: غسل كل واحدة منهما مرتين، ولعل عبد الله فعل الغسلة الثالثة في كل منهما، والراوي لم يَشْهَدْها، فعبر بما شاهد؛ لأنَّ في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد، وفيه: (ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا)، وقد يقال: إنه وضوء آخر؛ لأنَّ مخرج الحديثين غير متَّحد؛ فتأمل.\n (ثم أدخل يده) بالإفراد (في الإناء)؛ أي: فأخذ منه ماء، (فمسح برأسه فأقبل بيده)؛ بالإفراد على إرادة الجنس، (وأدبر بها)، وفي رواية: (فأقبل بيديه)؛ بالتثنية، (وأدبر بهما)؛ أي: كلاهما مسحة واحدة، (ثم أدخل يده)؛ أي: في الإناء؛ كما صرَّح به في رواية، (فغسل رجليه)؛ أي: إلى الكعبين.\nوبه قال: (حدثنا)، وفي رواية: (وحدثنا) بالواو (موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي (قال: حدثنا وهيب)؛ بالتصغير: هو ابن خالد الباهلي، وتمام هذا الإسناد كما ذكر أول الباب، وفي باب (غسل الرجلين إلى الكعبين)، وذكر الحديث إلى أن قال: (وقال)؛ بالواو، وفي رواية: (قال) بدون الواو: (مسح رأسه)، وفي رواية: (برأسه) (مرة)؛ أي: واحدة، كما تقدم التصريح بها في باب (غسل الرجلين)، والتفاوت بين حديثي البابين أنه كرَّر لفظ: (مرتين) ههنا، وزاد الباء في (برأسه) على رواية، ولفظ (الإناء)، لكن هناك ذكر (التور) في أحد الروايتين، ونقص هنا (واحدة) في الآخر، ونقص فيما قبله (مرة واحدة) ولفظ: (إلى الكعبين)، والمذكور من حديث الجماعة: هو مسح الرأس مرة واحدة؛ ولهذا قال أبو داود في «سننه» (^١): (أحاديث عثمان بن عفان الصحاحتدل على مسح الرأس أنَّه مرة واحدة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: مسح رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره)، ووصف عبد الله بن زيد وضوءَه ﵇ قال: (مسح برأسه مرة واحدة)، متفق عليه، وحديث علي ﵁، وفيه: (مسح رأسه مرة واحدة)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والربيع كلهم قالوا: (ومسح برأسه مرة واحدة)، ولم يصح في أحاديثهم شيء صريح في تكرار المسح، وبها أخذ الإمام الأعظم والجمهور من الصحابة والتابعين، فالمسح على الرأس مرة واحدة سنة مؤكدة، كما في أكثر الكتب، وما ذكره الإمام القدوري من أنَّه مستحب ضعيف، والصحيح الأول.\nقال في «فتح القدير»: (إنَّه إذا داوم على ترك الاستيعاب بلا عذر؛ يَأْثَمُ لظهور رغبته عن السنة) انتهى، ويسن أن يكون الاستيعاب بماء واحد؛ لما قدمناه من أن أكثر الأحاديث لم يذكروا عددًا، ولأن التثليث في المسح لا يُفيد؛ لأنَّ تكراره في الغسل لأجل المبالغة في التنظيف، ولا يحصل ذلك بالمسح، فلا يفيد التكرار، وكذا في مسح الخف والجبيرة والتيمم، فلو ثلَّث المسح بماء واحد، فالأوجه أنَّه مكروه، كما في «شرح المنية»، و«المحيط»، و«البدائع»، وفي «الخانية»: (لا يُكْرَهُ، ولا يُسَنُّ، ولا يكون أدبًا) انتهى، لكن المعتمد الأول، وقال الشافعي: (المسنون ثلاث مسحات)، قال ابن بطال: (والحجة عليه أنَّ المسنون يحتاج إلى شرع)، وأجاب الكرماني بأنَّ الشرع الذي دل على تثليث المسح ما رواه أبو داود عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﵇ فعل هذا.\nقلت: وهذا لا يدل على ما قاله؛ لأنَّ البيهقي قال: (وروي من أوجه غريبة عن عثمان ذكر التكرار في مسح الرأس إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها) انتهى.\nوقال العجلوني: ويدل للتعدد ظاهر رواية مسلم: (أنه ﵇ توضأ ثلاثًا ثلاثًا).\nقلت: وهو لا يدل على التعدد، كما زعم؛ لأنَّ قوله: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا)؛ أي: في الأعضاء المغسولة لا في مسح الرأس، كما بيَّنَتْها الروايات الأُخَر، فإنها مقيدة بأنَّ المسح مرة واحدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، كما لا يخفى.\nوروى الدارقطني في «سننه»: عن محمد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي ﵁: (أنه توضأ...)؛ الحديث، وفيه: (ومسح برأسه ثلاثًا)، ثم قال: (هكذا رواه أبو حنيفة عن خالد بن علقمة، وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: «ومسح رأسه مرة واحدة»، ومع خلافه إياهم قال: «إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة»).\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: الزيادة عن الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل الإمام الأعظم التابعي الجليل، وأمَّا قوله: «فقد خالف في حكم المسح»؛ غير صحيح؛ لأنَّ تكرار المسح مسنون عند الإمام الأعظم أيضًا، صرَّح بذلك في «الهداية»، ولكن بماء واحد) انتهى، قلت: هذه رواية الإمام الحسن عن الإمام الأعظم، وهي رواية ضعيفة، كما يدل لذلك عبارة «الهداية».\nوقال في «فتح القدير»: (وروى الحسن عن الإمام الأعظم في «المجرد»: «إذا مسح ثلاثًا بماء واحد؛ كان مسنونًا») انتهى؛ أي: وأن المعتمد ما قدمناه، لا يقال: إن الزيادة تَرِدُ على الإمام الأعظم في قوله: (لا يسنُّ التثليث بماء واحد)؛ لأنَّا نقول: هذا لا يرد عليه أصلًا، وإن كان رواه؛ لما ترجح عنده أن رواية المسح مرة أرجح.\nويدل لذلك ما قاله الدارقطني: (وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات عن خالد، وقالوا: ومسح برأسه مرة واحدة)، فهو دليل على أرجحية رواية: المسح مرة علىالمسح ثلاثًا.\nقال القسطلاني كابن حجر: وروى أبو داود من طريقين صحح أحدهما ابن خزيمة من حديث عثمانبتثليث مسح الرأس،\n_________\n(^١) في الأصل: (ستة)، ولعله تحريف عن المثبت.","vol":"1","page":84},{"text":"والزيادة من الثقة مقبولة، قال العجلوني: (فيُحْمَلُ قول أبي داود أيضًا: «الروايات الصحيحة عن عثمان ليس فيها عدد لمسح الرأس»؛ أي: في غير هذين الطريقين (^١» انتهى.\nقلت: وهذا تخصيص بلا مخصص، فإنَّ قولَ أبي داود: (الروايات...) إلخ لفظٌ عام في جميع الروايات، والحمل لا بدَّ له من تقييد وقرينة تدل عليه ولم يوجد، فالحمل غير صحيح.\nوقال الكرماني: الدليل على التعدد القياس على سائر الأعضاء، انتهى.\nوأجيب: بأن المسح مبني على التخفيف بخلاف الغسل، ولو شرع التكرار؛ لصار بصورة المغسول، وقد ثبت الإجماع على كراهة غسل الرأس بدلًا عن المسح، وإن كان مجزئًا؛ لمخالفته النص.\nوأجيب: بأنَّ الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروع بالاتفاق، فليكن العدد كذلك، قاله القسطلاني والعجلوني، ورده ابن حجر في «الفتح» بالحديث المشهور الذي رواه ابن خزيمة وغيره وصححوه من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة الوضوء؛ حيث قال النبي ﵇ بعد أن فرغ من الوضوء: «من زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم»؛ فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل ذلك على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة الواحدة غير مستحبة، ويُحْمَلُ ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحَّت- على إرادة الاستيعاب بالمسح لا أنَّها مسحات مستقلة لجميع الرأس؛ جمعًا بين هذه الأدلة، انتهى، ويفهم من قوله: (إن صحت) على أنها ضعيفة، وهو كذلك، كما قاله الحفاظ الثقات، وقال في «عمدة القاري»: (وفيه نظر؛ لأنَّ الاستيعاب بالمسح لا يتوقَّف على العدد؛ أي: بل إنه يحصل بمرة واحدة، ولو لم يحصل بها؛ لما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن كان نص في بعض الروايات على التثليث، لكنه قد أنكرها الحفاظ الثقات، ولئن سُلِّم؛ فهي ضعيفة لا يعوَّل عليها)، ثم قال: (والصواب أن يقال: الحديث الذي فيه المسح ثلاثًا لا يقاوم الأحاديث التي فيها المسح مرة واحدة) انتهى؛ أي: لقوتها وأرجحيتها وضعف الحديث، ولا ريب أن الصحيح لا يقاوم الضعيف، ولهذا قال الترمذي: (والعمل على أن المسح مرة واحدة عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﵇ ومن بعدهم).\nوقال أبو عمر (^٢) بن عبد البر: (كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة)، وقال الكرماني: (ودلالة الحديث على الترجمة من حيث إنه أطلق «مسح برأسه» من غير تقييد بعدد، ومن حيث حمله على الرواية السابقة، وعلى الأخيرة المصرَّح فيها بـ «مرة»، وهي ظاهرة في الوحدة، ولعل اختيار المؤلف رواية سليمان؛ لأنَّه ساق الكلام فيها لهذا الغرض دون رواية وهيب) انتهى.\nقال العجلوني: (وفيه تأمل، ولم يذكر وجهه)، قلت: ولعل وجهه أنه لم يَظْهَرْ فرقٌ بين الروايتين من حيث السند إلا أن الرواية الأولى عن موسى وهنا عن سليمان، وكل واحد منهما شيخ للمؤلف من غير فرق بينهما، وسياق الكلام هنا عن سليمان لا يدل على اختيار المؤلف لها؛ لأنَّ عادة المؤلف تكرار الحديث؛ لأجل التراجم بروايات مختلفة؛ للتنبيه على كثرة أشياخه لا أنه اختار رواية سليمان على رواية وهيب؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٣٩\"> </span>(٤٣) <span data-type=\"title\" id=toc-339>[باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة]</span>\nهذا (باب) جواز (وُضوء)؛ بضم الواو؛ لأنَّ المراد منه الفعل (الرجل مع امرأته) من إناء واحد، وفي رواية: (مع المرأة)، وهو أعمُّ من أن تكون امرأته أو غيرها، (وفضلِ)؛ بالجر؛ عطفًا على قوله: (وضوء الرجل) (وَضوء)؛ بفتح الواو؛ لأنَّ المراد به: الماء الفاضل في الإناء بعد فراغ (المرأة) من الوضوء وحدها، أو بالرفع، والظرف لغو للمصدر لا حال من (الرجل).\n (وتوضأ عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵁، مما رواه ابن أبي شيبة والدارقطني بلفظ: كان عمر يُسَخَّنُ له ماء في حميم ثم يغتسل منه، قال الدارقطني: (إسناده صحيح)، ووصله أيضًا سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وغيرهما بإسناد صحيح بلفظ: (أن عمر ﵁ كان يتوضأ بالحَميم ويغتسل منه)، وهو بفتح الحاء المهملة، وهو الماء المسخَّن، أو الماء السخين؛ (فعيل) بمعنى: (مفعول)، ومنه سُمِّي الحمَّام حمَّامًا؛ لإسخانه من دخله، والمحموم محمومًا؛ لسخونة جسده.\nوروى الطبراني (^٣) في «الكبير»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، وأبو نعيم في «المعرفة»، والمشهور من طريق الأسلع بن شريك قال: (كنت أرحل ناقة رسول الله ﵇، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﵇ أن يرحل، وأنا جنب، وخشيت أن اغتسل بالماء البارد، فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار يرحلها، ووضعت أحجارًا فأسخنت بها ماء، فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﵇، فذكرت له فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣])، وفي سنده الهيثم بن زريق الراوي له عن أبيه، عن الأسلع مجهولان، والعلاء بن الفضل راويته (^٤) عن الهيثم فيه ضعف، وقيل: إنه تفرَّد به، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر، كما ذكره المؤلف، ومنهم: سلمة بن الأكوع: (أنَّه كان يسخن الماء يتوضأ به)، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ومنهم: ابن عباس أنه قال: (إنا نتوضأ بالحميم، وقد أغلي على النار)، رواه ابن أبي سلمة في «مصنفه»، ومنهم: ابن عمر (كان يتوضأ بالحميم)، رواه عبد الرزاق، قال ابن المنذر: (وأجمع أهل العراق وأهل الحجاز جميعًا على الوضوء بالماء المسخن غير مجاهد؛ فإنه كرهه، رواه عنه ليث بن أبي سليم).\nقلت: نعم يُكْرَهُ استعماله إن كان شديد السخونة كشديد البرودة؛ لأنَّه يمنع إسباغ الوضوء والغسل.\nقال في «عمدة القاري»: (هذا الأثر المعلق ليس له مطابقة للترجمة أصلًا)، وهذا ظاهر، كما ترى، وتبعه القسطلاني حيث قال: (ولم تظهر لي مناسبته للترجمة)، فلا يخفى عدم مناسبته.\nوقال ابن حجر: (مناسبته للترجمة من جهة أن الغالب أنَّ أهل الرجل تَبَعٌ له فيما يفعل، فأشار المؤلف إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل؛ لأنَّ الظاهر: أن امرأة عمر كانت تغتسل بفضله أو معه، فناسب قوله: «وضوء الرجل مع امرأته في إناء واحد»).\nقال في «عمدة القاري»: (من له ذوق أو إدراك لا يقول هذا الكلام البعيد، فمراده من قوله: «إنَّ أهل الرجل تبع له فيما يفعل» في كلِّ الأشياء أو في بعضها، فإن كان الأول؛ فلا نسلم ذلك، وإن كان الثاني؛ فيجب التعيين، وقوله: «لأنَّ الظاهر...» إلى آخره: أيُّ ظاهر دل على هذا؟ وهل هذا إلا حدس وتخمين) انتهى.\nقلت: على أن ما ذكره في وجه المطابقة خلط فاحش من حيث إنه جعل قوله: (وتوضأ عمر...) إلخ أثر واحد، والحال أنَّهما أثران، كما يأتي التنبيه عليه، وقد خبط وخلط العجلوني أيضا هنا، كما ستقف على عبارته؛ فافهم.\nوقال الكرماني: (ووجه مناسبته للترجمة من حيث إن غرض المؤلف في هذا الكتاب ليس منحصرًا في ذكر متون الأحاديث، بل يريد الإفادة، وهي أعم من ذلك، ولهذا يذكر آثار الصحابة، وفتاوى السلف، وأقوال العلماء، ومعاني اللغات وغيرها، فقصده هنا بيان التوضؤ بالماء المسخن بلا كراهة؛ دفعًا لما قاله مجاهد).\nوردَّه في «عمدة القاري» بأن هذا عجيب وغريب، وكيف يطابق هذا الكلام، وقد وضع أبوابًا مترجمة، ولا بدَّ من رعاية التطابق بين تلك الأبواب وبين الآثار التي يذكرها فيها، وإلا فيعدُّ هذا من التخابيط، وكونه يذكر فتاوى السلف، وأقوال العلماء، ومعاني اللغات لا يدل على ترك المناسبات والمطابقات، وهذه الأشياء أيضًا إذا ذكرت بلا مناسبة؛ يكون الترتيب مخبطًا، فلو ذكر شخص مسألة في الصلاة مثلًا في كتاب «الطهارة» أو مسألة من كتاب «الطهارة» في كتاب «التطليق» (^٥) أو «العتاق» مثلًا؛ نسب إلى التخبيط)؛ فافهم.\n (و) وتوضأ عمر أيضًا (من بيت نصرانية)، فهو عطف على قوله: (بالحميم)، وهذا أثر ثان وصله عبد الرزاق، والشافعي، وغيرهما، عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: (أن عمر توضأ من ماء نصرانية)،\n_________\n(^١) في الأصل: (الطريق).\n (^٢) في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (الطبري).\n (^٤) في الأصل: (روايته)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (التعليق)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":84},{"text":"وهذا لفظ الشافعي، وقال الحافظ أبو بكر الحازمي: (رواه خلَّاد بن أسلم عن سفيان بسنده، فقال: «من ماء نصراني»؛ بالتذكير، والمحفوظ ما رواه الشافعي: «نصرانية»؛ بالتأنيث)، وفي «الأم» للشافعي: (من جر نصرانية)؛ بالهاء في آخرها، وفي «المهذب» لأبي إسحاق: (جر نصراني)، وقال: (صحيح)، وذكر ابن فارس في «حلية العلماء»: هذا سلاخة عرقوب البعير يُجْعَل وعاء للماء.\nولا بأس باستعمال الماء الذي في أواني أهل الكتاب وغيرهم للتوضؤ والاغتسال؛ لأنَّ الأصل: الطهارة ما لم يتيقن النجاسة، وكذا لا بأس باستعمال ثيابهم والصلاة بها؛ لأنَّ الأصل الطهارة، واحتمال النجاسة أمر مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، أمَّا إذا علم نجاستها؛ فلا شك بفساد الصلاة معها، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأصحابه، وقال ابن المنذر: (لا أعلم أحدًا كرهه إلا أحمد وإسحاق)، قال في «عمدة القاري»: (قلت: وتبعهما أهل الظاهر، واختلف قول مالك في هذا، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز مع الكراهة، وانفرد النخعي بكراهة فضل المرأة إذا كانت جُنُبًا) انتهى.\nووقع في رواية كريمة: بحذف الواو من قوله: (ومن بيت)، قال في «عمدة القاري»: (وهذا غير صحيح؛ لأنَّهما أثران مستقلان، كما سبق).\nفإن قلت: ما وجه تطابق هذا الأثر للترجمة؟!\nقال الكرماني: (هو مناسب لترجمة الباب من فعل عمر ﵁ ذكر الأمر الأول أيضًا، وإن لم يكن مناسبًا لها؛ لاشتراكهما في كونهما من فعله؛ تكثيرًا للفائدة، واختصارًا في الكتاب، ويُحْتَمَلُ أن يكون هذا قضية واحدة؛ أي: توضأ من بيت نصرانية بالماء الحميم، ويكون المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة النصرانية، وذكر الحميم إنَّما هو لبيان الواقع، فتكون المناسبة للترجمة ظاهرة).\nورده في «عمدة القاري» بأن هذا منه لعدم اطلاعه على كتب القوم، فظن أنه أثر واحد، وقد عرفت أنهما أثران مستقلان، ثم ادَّعى أن الأمر الأخير مناسب للترجمة، فهيهات أن يكون مناسبًا؛ لأنَّ الباب في وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة، فأي واحد من هذين مناسب لهذا وأثر واحد من هذين لا يدل على ذلك؟! أما توضؤ عمر بالحميم؛ فلا يدل [على شيء من ذلك ظاهرًا، وأمَّا توضؤ عمر من بيت نصرانية؛ فهل يدل على أن وضوءه كان من فضل هذه النصرانية؟ فلا يدل] (^١) ولا يستلزم ذلك، فمن ادَّعى ذلك؛ فعليه البيان بالبرهان.\nوقال ابن حجر: (الثاني مناسب لقوله: «وفضل وضوء المرأة»؛ لأنَّ عمر توضأ بمائها، وفيه دليل على جواز التطهير بفضل وضوء المرأة المسلمة؛ لأنَّها لا تكون أسوأ حالًا من النصرانية).\nورده في «عمدة القاري»: (بأن الترجمة: فضل وضوء المرأة، والنصرانية هل لها فضل وضوء حتى يكون التطابق بينه وبين الترجمة؟ وقوله: «من بيت نصرانية» لا يدل على أن الماء كان من فضل استعمال النصرانية، ولا أنَّ الماء كان لها، وما سبق من الروايات: «من ماء نصرانية»، أو «في جر نصرانية»، وهو أيضًا لا يدلُّ على أنه كان من فضل استعمالها، والذي يدلُّ عليه (^٢) هذا الأثر جواز استعمال مياههم، ولكن يُكْرَهُ استعمال أوانيهم وثيابهم سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم) انتهى.\nوتبعه القسطلاني حيث قال: (ولم يظهر لي مناسبته للترجمة؛ لأنَّ توضؤ عمر من بيت النصرانية لا يدلُّ على أنَّه كان من فضل ما استعملته، بل الذي يدل عليه جواز استعمال مياههم، ولا خلاف في استعمال سؤر النصرانية؛ لأنَّه طاهر خلافًا لأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر) انتهى كلامه.\nواعترضه العجلوني وقال: (يمكن الجواب عن الأول: بأنَّ النصرانية إذا طُلِبَ منها الغسل لتحل لحليلها المسلم؛ فيُطلَبُ منها الوضوء؛ لأجل الغسل، وحينئذ فيحتمل أن يكون الماء من فضل استعمال وضوئها، فيندفع الاعتراض الثاني أيضًا، ولئن قلنا: إنَّما لا يُطْلَبُ منها الوضوء، فهي يطلب منها الغسل، وحكم الباقي من مائه حكم الباقي من الوضوء، أو يراد بالوضوء: الوضوء اللغوي؛ فتأمل).\nقلت: وهذا خبط وخلط، فأي دليل على أنَّ النصرانية التي أخذ من بيتها عمر الماء كانت تحت مسلم؟! فهذه دعوىولا بدَّ لها من بيان ببرهان، ولئن سلَّمنا أنَّها كانت تحت مسلم؛ فمن أين يطلب منها الوضوء لأجل الغسل وهي كافرة غير مخاطبة بفروع الشريعة؟ كما ذكره أهل الأصول، على أنَّه الواجب على المسلمة الغسل إذا كانت جنبًا أو حائضًا، والوضوء ليس بواجب عليها، فالكافرة التي غير مخاطبة بالأولى، وقوله: (ولئن قلنا...) إلخ: هذا قول مردود أيضًا، فإنَّها لا يُطْلَبُ منها الغسل أيضًا، فلو كانت حائضًا (^٣) وانقطع دمها لدون العشرة؛ يسع زوجها وطؤها ووسعها أن تتزوج بآخر؛ لأنَّه لا اغتسال عليها؛ لعدم الخطاب، كما في «منهل الطلاب»، وقوله: (أو يراد بالوضوء اللغوي): ممنوع، فإنَّ المراد هنا: الوضوء الشرعي، والكلام فيه لا اللغوي، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n\n <span id=\"b-٣٤٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-340>[حديث: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله جميعًا]</span>\n١٩٣ - وبه قال: ([حدثنا] عبد الله بن يوسف) أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب، وفي رواية: (عن ابن عمر) ﵄: (أنه قال: كان الرجال والنساء)؛ أي: جنسهما؛ لما تقرر في الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق ما لم يدل دليل على الخصوص، فإن دل عليه؛ فهو له كما هنا؛ للقرينة العادية التي تخصِّصه بالبعض، قاله الكرماني، قال في «عمدة القاري»: الجمع مثل «الرجال» و«النساء» وما في معناه من العام المتناول المجموع، ثم إذا عُرِّف باللام؛ يكون مجازًا عن الجنس، مثلًا إذا قلت: فلان يركب الخيل، ويلبس الثياب البيض؛ يكون للجنس؛ للقطع بأن ليس القصد إلى عهد واستغراق، فلو حلف لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد، ولا يكلم الناس؛ يحنث بالواحد إلا أن ينوي العموم، فلا يحنث قط؛ لأنَّه نوى حقيقة كلامه، ثم هذا الجنس بمنزلة النكرة تخصُّ في الإثبات، كما إذا حلف لا يركب الخيل؛ يخصُّ البر (^٤) بركوب واحد، ثم قول ابن عمر ﵄: (كان الرجال والنساء) إثبات، فيقع على الأقل بقرينة العادة وإن كان يحتمل الكل، وقوله: (جميعًا) ينافي وقوعه على الأقل، قلت: معناه مجتمعين، فالاجتماع راجع إلى حالة كونهم يتوضؤون لا إلى كون الرجال والنساء مطلقًا؛ فافهم.\nوقال الزمخشري: (الألفاظ ليست في وضعها للعموم ولا للخصوص، بل هي موضوعة للجنس، لكن يُسْتَفَادان من القرائن والأمور الخارجية المنضمة إليهما) انتهى، لا يقال: إنه لا يصح التمسك بهذا؛ لأنَّ المراد: البعض؛ لقيام القرينة عليه بذلك، واجتماع الكل متعذِّر، فلا يكون حجة لعدم الإجماع؛ لأنَّا نقول: ليس التمسك بالإجماع؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّر الإجماع إلا بعد وفاة الرسول ﵇، بل بأن الرسول ﵇ قرَّرهم على ذلك، ولم يُنْكِرْ عليهم، فيكون ذلك حجة للجواز، وقد ذكر أهل الأصول أن قول الصحابة: (كان الناس يفعلون) ونحو ذلك حجة في العمل ولا سيما إذا قيد الصحابي ذلك بزمنه ﵇، فيكون حكمه الرفع عند الجمهور، أفاده في «عمدة القاري».\nوقوله: (يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ): جملة محلها النصب خبر (كان)، وقوله: (جميعًا)؛ بالنصب على الحال من فاعل (يتوضؤون)؛ أي: يتوضؤون مجتمعين من إناء واحد، كذا زاده ابن ماجه، وأخرجه أبو داود وزاد فيه: (ندلي فيه أيدينا)، وعند الدارقطني بلفظ: (من الميضأة)، وفي رواية القعنبي زاد فيه بلفظ: (في الإناء الواحد).\nقال في «عمدة القاري»: (ولا شك أن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وظاهر الحديث: يدل على جواز تناول الرجال والنساء الماء في حالة واحدة، وحكى ابن التين عن قوم: أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا من موضع واحد؛ هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة، قلت: الزيادة في الحديث، وهي قوله: «من إناء واحد» يرد عليهم، وكأنهم استبعدوا اجتماع الرجال والنساء الأجنبيات، وأجاب ابن التين عن ذلك بما حكاه عن سحنون أن معناه: كان الرجال يتوضؤون ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضأن، قلت: هذا خلاف الذي يدل عليه قوله: «جميعًا»؛ فإن الجميع لغة: ضد التفريق، ومع هذا؛ فقد جاء صريحًا وحدة الإناء في «صحيح ابن خزيمة» في هذا الحديث من طريق معتمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه أبصر النبي ﵇ وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد يتطهر كلهم منه، وهذا محمول على ما قبل نزول آية الحجاب، وأمَّا بعده؛ فيختص بالزوجات والمحارم، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقال ابن حجر: (يستفاد من الحديث أن المؤلف يرى ذلك).\nورده في «عمدة القاري»: (بأن المؤلف وضع هذا المروي لبيان جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد،\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».\n (^٢) في الأصل: (على)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (حائض).\n (^٤) كذا في الأصل، وفي «عمدة القاري»: (إذا حلف أن يركب الخيل؛ يحصل البر).","vol":"1","page":85},{"text":"ومع هذا لا يطابق الحديث للترجمة؛ لأنَّ المذكور فيها شيئان، والحديث ليس فيه إلا شيء واحد).\nوقال الكرماني: (يدل على الأول صريحًا، وعلى الثاني التزامًا) انتهى؛ أي: لأنَّ الرجال والنساء إذا توضؤوا من إناء واحد؛ فإن الرجل يكون مستعملًا لفضل المرأة، قاله العجلوني.\nقلت: وفيه نظر؛ فإن الرجال والنساء إذا توضؤوا من إناء واحد؛ لا يخلو إمَّا أن يكونوا على التعاقب واحدًا بعد آخر، أو كلهم سواء، فإن كان الأول؛ فإن كان النساء قبل الرجال؛ فدلالته على الترجمة ظاهرة، لكن يرده قوله: (جميعًا)، فإن معناه: عدم التفريق، وإن كان الثاني؛ فلا يكون فيه دلالة، ولا يكون الرجل توضأ من فضل المرأة؛ فافهم.\nومع هذا، فإنه روي: (أنه ﵇ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة)، وأجيب: بأن حديث الباب الدَّال على الإباحة أصح، فإن قيل: مقتضاه الإباحة إذا استعملا جميعًا، والتنازع إنَّما هو في فضل وضوء المرأة، وأجيب: بأن النهي للاستحباب، أو المراد بالنهي عن فضل أعضائها: هو ما تساقط من أعضائها، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي والنووي، قلت: وإذا حُمِلَ النهي على المتساقط؛ لم يبقَ للتخصيص بها فائدة، بل الرجل مثلها، ففيه دلالة على نجاسة الماء المستعمل؛ فافهم.\nوما أجاب به العجلوني: (من أن النجاسة إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ أو معه حكمها سواء، فكذا أن وضوء كل واحد منهما مع الآخر لا يفسد عليه الماء؛ فكذا وضوءها قبله، فالقبلية والمعية سواء) فيه نظر، وهذا قياس مع الفارق، والفرق أنهم إذا توضؤوا جميعًا من إناء واحد؛ لا يفسد الماء، أمَّا إذا توضؤوا على التعاقب؛ فالباقي مستعمل؛ فتأمل.\nقال في «عمدة القاري»: وفيه: دليل على جواز وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد، وأمَّا توضؤ الرجل من فضل المرأة سواء خلت به أم لا؛ فمذهب الإمام الأعظم، ومالك، والشافعي: أنه يجوز، قال البغوي وغيره: «ولا كراهة فيه للأحاديث الصحيحة»، وقال أحمد وداود: «لا يجوز إن خلت به»، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري، وروي عن أحمد كمذهبنا، وعن ابن المسيب والحسن: كراهة فضلها مطلقًا، وحكى أبو عمرو فيها خمس مذاهب؛ أحدها: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، والثاني: يكره أن يتوضأ بفضلها وعكسه، والثالث: كراهة فضلها له والرخصة في عكسه، والرابع: لا بأس بشروعهما معًا ولا خير في فضلهما، وهو قول أحمد، والخامس: لا بأس بفضل كل منهما شرعا جميعًا وخلا كل واحد منهما به، وعليه فقهاء الأمصار.\nأمَّا اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد؛ فقد نقل الحافظ الطحاوي، والقرطبي، والنووي الاتفاق على جواز ذلك، قال ابن حجر: (وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة: أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم)، قال في «عمدة القاري»: (قلت: في نظره نظر؛ لأنَّهم قالوا الاتفاق دون الإجماع، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع) انتهى، وقد حذا حذو هذا القائل العجلونيُّ حيث قال: (والمعروف عدم الفرق بينهما لغة واصطلاحًا) انتهى، قلت: ولعل عدم الفرق معروف عند أهل عجلون، أما عند العلماء الأعلام من أهل اللغة والاصطلاح؛ فالفرق بينهما ظاهر، أما الإجماع لغة؛ فالعزم على الشيء، يقال: أجمع على كذا؛ أي: عزم عليه، وفي الاصطلاح: فقال أهل الأصول: هو اتفاق مجتهدي عصر من أمَّة محمد ﵇ على أمر شرعي، فهذا مخصوص بالمجتهدين فما فوقهم إلى وفاته ﵇، وأمَّاالاتفاق؛ ففي اللغة: التعاهد، يقال: اتفقوا على كذا؛ أي: تعاهدوا عليه، وفي الاصطلاح: اتفاق أصحاب المجتهدين على أمر شرعي، قاله أحد المجتهدين، مثاله: انعقاد الإجماع على انتقاض الطهارة عند وجود القيء والمس معًا، فمأخذ الانتقاض عندنا: القيء، وهو بالاتفاق ناقض، وعند الشافعي: المس ناقض اتفاقًا، فلو قُدِّرَ عدم كون القيء ناقض؛ فنحن لا نقول بالانتقاض بالمس، فلم يبق الإجماع، ولو قُدِّرَ عدم كون المس ناقضًا؛ فالشافعي لا يقول بالانتقاض، فلم يبق الإجماع أيضًا.\nوالحاصل: أن الإجماع مخصوص بما بعد وفاة النبي الأعظم ﵇ إلى عصر المجتهدين، والاتفاق مخصوص بأصحاب المجتهدين؛ فافهم واحفظ.\nثم قال في «عمدة القاري»: (وروي جواز اغتسال الرجال والنساء من [إناء] واحد عن تسعة من الصحابة؛ وهم علي بن أبي طالب عند أحمد قال: «كان ﵇ وأهله يغتسلون (^١) من إناء واحد»، وحديث ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» من حديث عكرمة عنه: «أنه ﵇ وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة وتوضأا جميعًا للصلاة»، وحديث جابر عند ابن أبي شيبة في «مصنفه» قال: «كان ﵇ وأزواجه يغتسلون من إناء واحد»، وحديث أنس عند المؤلف قال: «كان ﵇ هو والمرأة من نسائه يغتسلون من الإناء الواحد»، ورواه الطحاوي عن أبي بكرة القاضي، وحديث أبي هريرة عند البزار في «مسنده» قال: «كان ﵇ وأهله يغتسلون من إناء واحد»، وحديث عائشة عند الطحاوي والبيهقي قالت: «كنت اغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، فيبدأ قبلي»، وحديث أم سلمة عند الطحاوي وابن ماجه قالت: «اغتسلت أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد»، وحديث أم هانئ عند النسائي: «أنه ﵇ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين»، وحديث ميمونة عند الترمذي عن ابن عباس قال: قالت: «كنت اغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد من الجنابة»، وقال: «حديث حسن صحيح»؛ فهذه الأحاديث كلها حجة على من يَكْرَهُ أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل.\nوبقي الكلام في ابتداء أحدهما قبل الآخر، وحديث عائشة المار وقولها: «فيبدأ قبلي» يدل على كراهة توضؤ الرجل من فضل المرأة، ويردُّه ما في أبي داود عن ابن عباس: أن بعض أزواجه ﵇ اغتسلت من جنابة، فجاء ﵇ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله؛ إني كنت جنبًا، فقال ﵇: «إن الماء لا يجنب»، وروى الطحاوي وابن ماجه عن أم صفية الجهنية قالت: «ربما اختلفت يدي ويد رسول الله ﵇ في الوضوء من إناء واحد»، وهذا في حق الوضوء، قال الحافظ الطحاوي: «وهذا يدل على أن أحدهما كان يأخذ من الماء بعد صاحبه»).\nثم قال في «عمدة القاري»: (وروي عن عبد الله بن سرجس قال: نهى النبي ﵇ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان (^٢) جميعًا، وأخرجه الحافظ الطحاوي والدارقطني، وروي أيضًا من حديث الحكم بن عمر الغفاري قال: «نهى النبي ﵇ أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة»، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطحاوي.\nوالبيهقي قال: «نقل عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهير بفضل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة»، قال: «لكن صح عن الصحابة المنع فيما إذا دخلت به»، ولكن يعارض هذا ما روي بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة الذين ذكرناهم، وأشهر الأحاديث عند المانعين حديث عبد الله بن سرجس، وحديث الحكم الغفاري، أمَّا حديث ابن سرجس؛ فإنه روي موقوفًا ومرفوعًا، قال البيهقي: «الموقوف أولى بالصواب»، وقال المؤلف: «أخطأ من رفعه»).\nقال في «عمدة القاري»: (الحكم للرافع؛ لأنَّه زاد، والراوي قد يفتي بشيء ثم يرويه مرة أخرى، ويجعل الموقوف فتوى، فلا يعارض المرفوع، وصححه ابن حزم مرفوعًا من حديث عبد العزيز بن المختار الذي في «مسنده»، والشيخان أخرجا له، ووثقه ابن معين وأبو زرعة، فلا يضره وقف من وقفه، وأما حديث الحكم الغفاري؛ فقال الترمذي: «حديث حسن»، ورجحه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، والفارسي، وابن قدامة، فقول النووي: «اتفق الحفاظ على ضعفه» غريب) انتهى، وقدمنا وجه الجمع بينهما؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٤١\"> </span>(٤٤) <span data-type=\"title\" id=toc-341>[باب صب النبي وضوءه على المغمى عليه]</span>\nهذا (باب صبِّ النبي) الأعظم (ﷺ وَضوءه)؛ بفتح الواو: الماء الذي توضأ به، مفعول المصدر المضاف لفاعله، وقوله: (على المُغْمَى عليه)؛ بضم الميم، وإسكان المعجمة، وفتح الميم؛ متعلق به، مِن (أُغمي عليه)، يقال: أُغمي عليه -بضم الهمزة- فهو مغمًى عليه، وغُمِي عليه -بضم الغين المعجمة وتخفيف الميم- فهو مغمي عليه؛ بصيغة المفعول؛ لأنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: (يغتسلوا).\n (^٢) في الأصل: (شرعا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":85},{"text":"أصله: مغموي على وزن (مفعول)، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأُدْغِمَتِ الياء في الياء فصار: مغمُيٌّ -بضم الميم الثانية وتشديد الياء- ثم أبدلت من ضمة الميم كسرة؛ لأجل الياء، فصار: مغمي.\nقال الكرماني: (والإغماء والغشي بمعنى واحد)، ورده في «عمدة القاري»: (بأن الغشي مرض يحصل من طول التعب، وهو أخف من الإغماء، والفرق بينه وبين الجنون والنوم: أن العقل يكون في الإغماء مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوبًا، وفي النوم يكون مستورًا) انتهى؛ فافهم، وهذا موافق لما قاله في «القاموس» و«الكليات»، وقد تصدى العجلوني للانتصار للكرماني بما في «القاموس»، ومن نظر عبارة «القاموس»؛ وجدها تدل لما قاله في «عمدة القاري»، وترد على العجلوني والكرماني؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٤٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-342>[حديث: جاء رسول الله يعودني فتوضأ وصب علي من وضوئه]</span>\n١٩٤ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (عن محمد بن المنكدر) التيمي القرشي التابعي المشهور، وكان المنكدر خال عائشة ﵂، فشكا إليها الحاجة، فقالت له: (أول شيء يأتيني أبعث به إليك)، فجاءها عشرة آلاف درهم، فبعثت بها إليه، فاشترى منها جارية، فولدت له محمدًا إمامًا متابعًا، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة، كذا في «عمدة القاري».\n (قال: سمعت جابرًا)؛ أي: ابن عبد الله الصحابي المشهور (يقول)؛ جملة وقعت حالًا: (جاء رسول الله ﷺ يعودني)؛ جملة وقعت حالًا أيضًا، (وأنا مريض)؛ جملة وقعت حالًا أيضًا، والجملتان من (رسول الله) مترادفتان، أو الثانية متداخلة، أو من مفعول (يعودني)، وجملة (لا أعقِل)؛ بكسر القاف؛ أي: لا أفهم، خبر بعد خبر، أو صفة (مريض)، أو حال من ضميره، وحذف مفعول (أعقل) إما للتعميم؛ أي: لا أعقل شيئًا، وبه صرَّح المؤلف في (التفسير)، وله في (الطب): (فوجدني قد أغمي عليَّ)، أو لجعله كالفعل اللازم، كذا في «عمدة القاري»، قلت: لا مانع من تقدير مفعول؛ أي: شيئًا مثلًا؛ فتأمل.\nقال في «عمدة القاري»: (ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة) انتهى، قلت: لأنَّ المراد من قوله: (لا أعقل)؛ أي: قد أغمي علي؛ فافهم.\n (فتوضأ)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، (وصبَّ عليَّ)؛ بالتشديد لآخر الكلمتين (من وَضوئه)؛ بفتح الواو، قال في «عمدة القاري»: (معناه: من الماء الذي توضأ به أو مما بقي منه، وأخرج في «الاعتصام» عن علي بن عبد الله: «ثم صب وضوءه عليَّ»، ولأبي داود: «فتوضأ وصبه علي») انتهى، وعلى هذا، فالظاهر: الأول؛ فافهم.\n (فعقَلت)؛ بفتح القاف؛ أي: انجلى عني ففهمت، ففيه: دليل على أن بركة يد النبي الأعظم ﵇ وآثاره تزيل كل علة، ولاشكَّ في ذلك، فإن هذا من بعض آثاره ﵇، (فقلت: يا رسول الله؛ لمن الميراث؟) مبتدأ وخبر، واللام فيه عوض عن ياء المتكلم؛ أي: لمن ميراثي؟ ويؤيده ما أخرجه في (الاعتصام) أنَّه قال: (كيف أصنع في مالي؟)، وفي رواية: (ما تأمرني أن أصنع في مالي.)، وفي أخرى: (إنما يرثني سبع أخوات)، وفي أخرى: (كيف أقضي في مالي؟)، وجوَّز الكرماني أن تكون اللام للعهد عن المتكلم، (إنما يرثني كلالة)؛ الجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا أو بيانيًّا، و(الكَلَالَة)؛ بفتح الكاف وتخفيف اللامين، وقد اختلف فيها على أقوال؛ أصحها: أنها غير الوالد والولد، وفيه حديث صحيح من طريق البراء بن عازب، وقيل: إنها غير الولد خاصة، وقيل: الإخوة للأم، وقيل: بنو العم ومن أشبههم، وقيل: العصبات كلهم وإن بعدوا، ثم قيل للورثة، وقيل للميت، وقيل لهما، وقيل للمال الموروث، وقال الجوهري: (الكَلُّ: الذي لا ولد له ولا والد، يقال: كَلَّ الرجل يكلُّ كَلًّا)، وقال جار الله الزمخشري: (ينطلق «الكلالة» على ثلاثة: من لم يُخَلِّفْ ولدًا ولا والدًا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد)، وقال التيمي: (الكلالة في هذا الحديث: اسم للوارث، وهو الأخوات هنا، وهذا اللفظ يقع على الوارث والموروث منه).\n (فنزلت آية الفرائض) جمع: فريضة، والمراد هنا: الحصص المقدرة في كتاب الله تعالى للورثة، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ...﴾ إلى آخر السورة [النساء: ١٧٦]، كما بيَّنها المؤلف في (التفسير)، وفي رواية: (فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١])، وهي آية المواريث مطلقًا.\nوفي الحديث من الفوائد: استحباب عيادة المريض وإن كان مغمى عليه إذا كان عنده من يراعي حاله؛ لئلَّا تنكشف عورته، وقيل: إن كان الزائر صالحًا؛ فله ذلك، وإلا كُرِه.\nوفيه: التبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد المرسلين.\nوعيادة [الضعفاء].\nوفيه: فضيلة عيادة الأكابر للأصاغر.\nوفيه: رقية الصالحين للماء ومباشرتهم إياه، وذلك مما يُرْجَى بركته.\nوفيه: أن ما يُقْرَأُ على الماء مما ينفع، كذا في «عمدة القاري».\nقال ابن بطال: (فيه: دليل على طهورية الماء الذي توضأ به؛ لأنَّه لو لم يكن طاهرًا لما صبَّه عليه) انتهى، قال في «عمدة القاري»: (ليس فيه دليل؛ لأنَّه يحتمل أنَّه صبَّ عليه من الباقي في الإناء) انتهى، وذكر مثله الكرماني، واعترضه العجلوني بما في «أبي داود»: (فتوضأ وصبه عليَّ)؛ فتأمل.\nقلت: وليس في هذا دليل لما قاله ابن بطال؛ لأنَّ الضمير في (صبه) يحتمل أن يعود على الماء الباقي في الإناء بعد الفراغ من الوضوء، ففيه: دليل على نجاسة الماء المستعمل ولو سلم أنه ﵇ صب عليه مما اجتمع من تقاطره؛ فهو محمول على الخصوصية له ﵇، لا يقال: إن الأصل عدم الخصوصية؛ لأنَّا نقول: الخصوصية ثابتة ومستفادة من هذا الحديث، ومن نفاها؛ فعليه البيان بالبرهان، والله تعالى الكريم الحنَّان المنان [أسأل] أن يفرِّج عنا ما نحن فيه وعن المسلمين.\nوفي يوم الاثنين الثالث من صفر سنة سبع وسبعين شُنِق ستة وخمسون نفرًا؛ منهم: مصطفى بيك الحواصلي، ومحمود ركاب، وابنه راغب، وحسن بيك بن ناصوح باشا، وحسن النشواتي، وعلقوا في الشوارع، وفيه قتلوا مئة وعشرة أنفار في المرجة بالرصاص؛ منهم: محمد بن شيخ قطنا، وحسن البهنسي، وأحمد البغجاتي، ومصطفى بيك وأخوه إبراهيم بيك وَلَدَيْ عاكف بيك ناصوح باشا وغيرهم، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسألك يا ربنا بجاه نبيك محمد وآله وأصحابه ﵈ أن تفرج عنا هذا البلاء، وأن تكشف عنا هذا الهمَّ والغمَّ برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.\n\n <span id=\"b-٣٤٣\"> </span>(٤٥) <span data-type=\"title\" id=toc-343>[باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة]</span>\nهذا (باب: الغُسل والوُضوء)؛ بضم الغين المعجمة في الأول، وضم الواو في الثاني، قال العجلوني: (وجوَّز الكرماني فيهما الفتح أيضًا)، قلت: لكن المشهور الأول؛ لأنَّ المراد به هنا الفعل؛ فافهم، (من المِخْضب)، وفي رواية: (في) بدل (من)، وهو بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، آخره موحدة، شبه الإجانة، أو إناء يُغْسَلُ فيه الثياب، ويقال له: المِرْكَن -بالنُّون أخره- كـ (مِنْبَر)، وهو يكون من أي جنس ولو صغيرًا، (والقَدَح)؛ بفتحتين: إناء معروف، واحد الأقداح التي للشرب، وقيل: القَدَح: الذي يؤكل فيه، وأكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فيه، (والخَشَب)؛ بفتح المعجمتين، جمع خشبة، وكذا الخُشُْب؛ بضمتين وبسكون الشين، ومراده: الإناء من الخشب، (و) الإناء من (الحِجارة)؛ بكسر المهملة؛ لأنَّ الأواني تكون من الخشب، والحجر، وسائر جواهر الأرض كالحديد، والصفر، والنحاس، والذهب، والفضة، فقوله: (والخشب) يتناول سائر الأخشاب، وقوله: (والحجارة) يتناول سائر الأحجار من التي لها قيمة والتي لا قيمة لها، والحجارة: جمع حجر، وهو جمع نادر؛ كالجمالة: جمع جمل، وكذا حجار -بدون الهاء- وهما جمع كثرة، وجمع القلة: أحجار.\nفإن قلت: ما وجه عطف الخشب والحجارة على المخضب والقدح؟\nقلت: هو من باب عطف التفسير؛ لأنَّ المخضب والقدح قد يكونان من الخشب، وقد يكونان من الحجارة، وقد صرح في الحديث المذكور في هذا الباب: (بمِخْضَبٍ من الحجارة)، كما يأتي عن قريب، والدليل على صحة ذلك ما وقع في رواية: (في المخضب والقدح).\nوقال ابن حجر: (ليس من عطف العام على الخاص فقط، بل بين هذين وهذين (^١) عموم وخصوص من وجه).\nوردَّه في «عمدة القاري»\n_________\n(^١) في الأصل: (بل من هذين وهذان)، ولعله تحريف عن المثبت.","vol":"1","page":86},{"text":"بأن قصارى فهم هذا القائل أنه ليس من عطف العام على الخاص، ثم أضرب عنه إلى بيان العموم والخصوص من وجه بين هذه الأشياء، ولم يبيِّن وجه العطف ما هو، وقد وقع في بعض النسخ بعد قوله: (والحجارة): (والتَّور)؛ بفتح المثناة فوق، قال الجوهري: (هو إناء يشرب فيه)، زاد العلامة المطرزي: (صغير)، وفي «المغيث»: (هو إناء شبه إجانة من صفر أو حجارة يتوضأ فيه ويؤكل (^١) فيه، وقيل: هو مثل قدح من الحجارة)، كذا في «عمدة القاري».\nوما شرحنا عليه من قوله: (من المِخْضَبِ) أحسن؛ لأنَّها أنسب بالمعطوفات، وفي رواية: (في المخضب)، ولم يطلع ابن حجر على رواية: (من المخضب)، فقال ما قال من التكلفات؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-344>[حديث أنس: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار]</span>\n١٩٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مُنِيْر)؛ بضم الميم، وكسر النُّون، وسكون التحتية، آخره راء، الحافظ الزاهد السهمي المروزي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئتين، قال في «عمدة القاري»: (ووقع في رواية الأصيلي: «ابن المنير»؛ بالألف واللام)، قال: (قلت: يجوز كلاهما، كما عرف في موضعه، وقد يلتبس هذا بابن المُنَيِّر الذي له كلام في تراجم البخاري، وهو بضم الميم، وفتح النُّون، وتشديد التحتية، وهو متأخر عن ذلك بزهاء أربعمئة سنة، وهو أبو العباس أحمد بن أبي المعاني محمد كان قاضي إسكندرية وخطيبها) انتهى: (أنه سمع عبد الله بن بَكْر)؛ بفتح الموحدة وسكون الكاف، أبا وهب البصري، نزل بغداد وتوفي بها سنة ثمان ومئتين في خلافة المأمون (قال: حدثنا حُمَيد)؛ بالتصغير، ابن أبي حميد الطويل، المتوفى وهو قائم يصلي سنة ثلاث وأربعين ومئة، (عن أنس)؛ أي: ابن مالك ﵁ (قال: حضرت الصلاة)؛ أي: صلاة العصر، وكان بالمدينة، (فقام من كان) في محل الرفع فاعل (قام) (قريب الدار إلى أهله) يتعلق بقوله: (فقام)، وذلك القيام كان لتحصيل الماء والتوضؤ به، (وبقي قوم)؛ أي: عند النبي الأعظم ﵇ في مجلسه، ولم يكونوا على الوضوء أيضًا، وإنما توضؤوا من المخضب الذي أُتي به رسول الله ﵇، ولذا قال: (فأُتي)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول (رسول الله ﷺ بمِخْضَب)؛ بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الضَّاد المعجمة، آخره موحدة: إناء متخذ (من حجارة) كلمة (من) للبيان، (فيه ماء)، لكنه قليل، (فصغُر) بضم الغين المعجمة (المخضب أن يبسُط) بضم السين المهملة (فيه كفه) الشريف؛ أي: لم يسع بسط الكف فيه؛ لصغره، وقد علم من ذلك: أن المخضب يكون من حجارة وغيرها، ويكون صغيرًا وكبيرًا، وفي رواية: (فلم يستطع أن يبسط كفَّه من صغر المخضب)؛ أي: لأن يبسط، وكلمة (أن) مصدرية؛ أي: بسط الكفِّ فيه، (فتوضَّأ القوم)؛ أي: القوم الذين بقوا عند النبي الأعظم ﵇، ويحتمل العموم، ولعلَّ من ذهب لم يجد ماء للوضوء (كلهم) من ذلك المخضب الصغير، (قلنا)، وفي رواية: (فقلنا)، وفي أخرى: (فقلت)، وهو من كلام حميد الطويل الراوي عن أنس ﵁: (كم كنتم؟) مميز (كم) محذوف؛ تقديره: كم نفسًا كنتم؟ (قال) أي: أنس: (ثمانين)؛ أي: كنَّا ثمانين نفسًا (وزيادة) على الثمانين، فـ (ثمانين) منصوب؛ لأنَّه خبر الكون المقدر هو واسمه؛ لدلالة الكلام عليه، وفي الحديث: دلالة على معجزة عظيمة للنبي الأعظم ﵇، وأسألك بجاهه عندك أن تفرِّج عنا، وعن المسلمين يا أرحم الراحمين، وفيه: استحباب التهيؤ للوضوء عند حضور الصلاة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٤٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-345>[حديث: أن النبي دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه]</span>\n١٩٦ - وبه قال: ([حدثنا] محمد بن العَلَاء) بالمهملة المفتوحة وبالمد (قال: حدثنا أبو أُسَامة)؛ بضم الهمزة، وتخفيف السين المهملة، حماد بن أسامة، (عن بُرَيْد)؛ بضم الموحدة، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، هو ابن عبد الله، (عن أبي بُرْدة)؛ بضم الموحدة، وسكون الرَّاء: الحارث أو عامر، أو اسمه كنيته، (عن أبي موسى): عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، وهذا الإسناد بعينه تقدم في باب (فضل من علم وعلم)، ولا تفاوت إلا في لفظ: (حماد)، فإنه ذكر هنا بالكنية، وثَمَّة بالاسم، كذا في «عمدة القاري»: (أن النبي) الأعظم (ﷺ دعا بقَدَح)؛ أي: طلب قدحًا (فيه ماء)؛ جملة اسمية في موضع الجر؛ لأنَّها صفة لـ (قدح)، (فغسل يديه)؛ بالتثنية، الفاء للعطف على (دعا) (ووجهَه)؛ بالنصب عطف على قوله: (يديه) (فيه)؛ أي: في القدح، (ومجَّ)؛ بتشديد الجيم؛ أي: صبَّ (فيه)؛ أي: في القدح، يقال: مجَّ لعابه؛ إذا قذفه، وهذا يدل على أن الغَسل -بفتح الغين المعجمة- لا على الغُسل -بضمها- ولا على الوضوء منه، وفيه: دلالة على جواز الشرب منه، وكذا الإفراغ منه على الوجوه والنحور، كما سبق في هذا الحديث.\nوهو كسابقه ولاحقه يدلُّ على جواز استعمال الأواني كيفما كانت إلا ما خرج منها لأدلة، قال في «عمدة القاري»: (الأواني كلها سواء كانت من الخشب أو من جواهر الأرض طاهرة، فلا كراهة في استعمالها للأكل والشرب إلا آنية الذهب والفضة، فيُكْرَهُ الأكل والشرب والتوضؤ في آنية الذهب والفضة، ولو توضَّأ فيه؛ أجزأه وقد أساء، هذا مذهب الإمام الأعظم، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وغيرهم، والمراد بالكراهة: التحريم، وأما المتصفر؛ فلا بأس بالأكل والشرب منه والتوضؤ فيه، ذكر أبو عبيد عن ابن سيرين: «كانت الخلفاء يتضؤون في الطست»، وعن الحسن: «رأيت عثمان بن عفان يصبُّ عليه من إبريق»؛ يعني: نحاسًا، قال أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر إلا ما روي عن ابن عمر من الكراهة، وذكر ابن أبي شيبة عن يحيى بن سليم عن ابن جريج قال: قال معاوية: كرهت أن أتوضأ في النحاس، وقال ابن بطال: «وقد وجدت عن ابن عمر: أنه توضأ في النحاس، وهذه الرواية أقرب إلى الصواب»، وفي «الأشراف»: «ما علمت أن أحدًا كَرِهَ الوضوء في آنية الصُّفر، والنحاس، والرصاص، وشبهه، والأشياء على الإباحة إلا ما روي عن ابن عمر»، قلت: وقد علمت ما قاله ابن بطال، وفي «سنن أبي داود» بسند ضعيف عن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ في تَوْرٍ من شَبَه»، وفي «مسند» أحمد بسند صحيح عن زينب بنت جحش: «نه ﵇ كان يتوضأ من مِخْضَب من صُفر»، والصُّفر؛ بضم الصَّاد المهملة: هو النحاس الجيد، قال أبو عبيد: كسر الصَّاد فيه لغة، ولم يُجِزْهُ غيره، ويقال له: الشَبَه أيضًا -بفتحتين- لأنَّه يشبه الذهب) انتهى ملخصًا، والله تعالى أعلم.\nاللهم إني أسألك أن تفرِّج عنا وعن المسلمين بجاه سيد المرسلين وحبيب ربِّ العالمين، واكشف يا ربَّنا هذا البلاء، وأبدله فرحًا وسرورًا برحمتك يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٣٤٦\"> </span>[حديث: أتاتا رسول الله فأخرجنا له ماء في تَوْر من صُفر فتوضأ]\n١٩٧ - وبه قال: (حدثنا أحمد ابن يونس) نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو أحمد بن عبد الله بن يونس (قال: حدثنا عبد العزيز ابن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام، الماجَشون -بفتح الجيم- نسبه لجده أيضًا لشهرته به، وإلا؛ فهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، فأحمد وعبد العزيز؛ كلاهما منسوبان إلى جدهما، واسم أب كلٍّ منهما عبد الله، وكنية كلٍّ منهما أبو عبد الله، وكلٌّ منهما ثقة حافظ فقيه، كذا في «عمدة القاري» (قال: حدثنا عَمرو بن يَحيى) بفتح أولهما، (عن أبيه) يحيى بن عمارة، (عن عبد الله بن زيد) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ (قال: أَتى)؛ بفتح الهمزة على البناء للفاعل، وفي رواية: (أتانا) (رسول الله)، وفي رواية: (النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: إلى دارنا، (فأخرجنا) من الدار (له)؛ أي: للنبي الأعظم ﵇ (ماء)؛ بالمد؛ لأجل الوضوء (في تَور) بالمثناة الفوقية المفتوحة (من) للبيان (صُفر)؛ بضم الصَّاد المهملة، وقد تُكْسَر؛ أي: من نحاس أصفر، وقدَّمنا عن الجوهري: (أن التور: هو إناء يشرب فيه)، وزاد في «المغرب»: صغير، وفي «المغيث»: إناء شبه إجانة من صُفْر أو حجارة يُتَوَضَّأُ فيه ويُؤْكَل، وقال ابن قرقول (^٢): (هو مثل القدح من الحجارة)، وقوله: (في تور من صفر) زيادة عبد العزيز، قال الكرماني: (فإن قلت: لم يذكر في الترجمة\n_________\n(^١) في الأصل: (ويكل).\n (^٢) في الأصل: (قرقور)، وهو تحريف عن المثبت.","vol":"1","page":86},{"text":"لفظ: «التور»، وكان المناسب أن يذكر هذا الحديث في الباب الذي بعده.\nقلت: لعلَّ إيراده في هذا الباب من جهة أن ذلك التَوْر كان على شكل القدح، أو من جهة أنه حجر؛ لأنَّ الصُّفر من أنواع الحجارة)، قال في «عمدة القاري»: (ورأيت في نسخة صحيحة بخط المصنف: «والتور» بعد قوله: «والخشب والحجارة») انتهى، فعلى هذا حصلت المطابقة للترجمة، فلا حاجة لما قاله الكرماني على أن قوله: (لأن الصفر...) إلخ؛ فيه نظر؛ لأنَّ الصُّفر: هو النحاس الأصفر أو الجيد منه.\nونقل العجلوني: (أن التَّوْر: الطست أو شبهه) انتهى، ويردُّه ما قدمناه عن أهل اللغة من أنَّه: إناء صغير يُشْرَبُ فيه ويُؤْكَل، والطست لا يُشْرَبُ فيه ولا يُؤْكَل، ويدل لذلك ما في حديث المعراج عن أنس: «فأُتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب»، فإنَّه قد غاير بينهما، وفُهِمَ منه أنَّ التور أصغر من الطست، فهو موافق لما قدمناه؛ فليحفظ.\n (فتوضأ)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، وقوله: (في تَوْر) صفة؛ لقوله: (ماء)، ومحله النصب، (فغسل وجهه ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وهذا تفسير؛ لقوله: (فتوضأ)، وفيه حذف تقديره: فمضمض واستنشق، كما دلت عليه الروايات الأخر والمخرج متحد؛ كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم، (ويديه)؛ بالتثنية؛ أي: وغسل يديه (مرتين مرتين) إلى المرفقين؛ أي: لكل يد مرتين، (ومسح برأسه)؛ الباء للإلصاق على التحقيق، أو زائدة، وقيل: للتبعيض، وهو ضعيف، (فأقبل به)؛ أي: بالمسح المفهوم من (مسح)؛ أي: لا بالرأس إلا أن تُجْعَلَ الباء بمعنى: (على)؛ فافهم، (وأدبر)؛ أي: به أيضًا، (وغسل رجليه)؛ أي: إلى الكعبين، وأتى بالواو فيه وفيما قبله التي هي لمطلق الجمع؛ للتنبيه على أنَّ الترتيب ليس بواجب، بل هو سنة؛ كما تقدم في باب (غسل الرجلين)؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٤٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-347>[حديث: هريقوا عليَّ من سبع قِرَب]</span>\n١٩٨ - وبه قال: (حدثنا أبو اليَمان)؛ بألف بعد الميم، قبلها مثناة تحتية مفتوحة، هو الحَكم بن نافع؛ بفتح الحاء المهملة (قال: أخبرنا شُعيب)؛ بضم المعجمة، ابن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصي، (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتبة)؛ بضم العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، زاد في رواية: (ابن مسعود) ﵁: (أن عائشة) زوج النبي الأعظم ﵇ ورضي عنها، (قالت: لمَّا) بتشديد الميم (ثقل النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: أثقله المرضن قال في «عمدة القاري»: (ثَقُل -بضم القاف- يقال: ثقل الشيء ثقلًا؛ مثل: صغر صغرًا، فهو ثقيل، وقال أبو نصر: أصبح فلان ثاقلًا: إذا أثقله المرض، والثقل: ضد الخفة، والمعنى ههنا: اشتد مرضه، ويفسره قولها بعده: (واشتد به وجعه)؛ أي: مرضه، وأما الثَّقْل -بفتح الثاء وسكون القاف- فهو مصدر ثقَل الشيء -بفتح القاف- في الوزن يَثْقُله ثقلًا، من باب (نَصَر يَنْصُر): إذا وزنه، وكذلك ثقلت الشاة: إذا رفعتها للنظر ما ثقلها (^١) من خفتها، ونقل ابن حجر عن «القاموس»: (ثقِل الرجل -بكسر القاف- فهو ثاقل وثقيل: اشتد مرضه)، واعترضه في «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا يحتاج إلى مستند إلى أحد من أئمة اللغة المعتمد عليهم) انتهى.\nوقوله: (استأذن) ﵇، جواب (لمَّا) (أزواجه ﵅)، وكنَّ تسعة، وهنَّ اللاتي مات عنهنَّ، وقد نظمهنَّ بعضهم بقوله:\nتُوُفِّي رَسُولُ اللهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ... إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ\nفَعَائِشَةٌ مَيْمُونَةٌ وَصَفِيَّةٌ... وَحَفْصَةُ أَيْضًا ثُمَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ\nجُوَيْرِيَةُ مَعَ سَوْدَةٍ ثُمَّ رَمْلَةٍ... ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ مُهَذَّبُ\nأي: طلب منهنَّ أن يأذنَّ له (في أن يُمرَّض)؛ بضم المثناة التحتية وفتح الرَّاء المشددة، على صيغة المجهول من التمريض، يقال: مرَّضته تمريضًا: إذا قمت عليه في مرضه؛ يعني: خدمته فيه، ويحتمل هنا: أزلت مرضه بالخدمة، كذا في «عمدة القاري» (في بيتي)؛ متعلق بـ (يُمرض)، ففيه دلالة على وجوب القسم على النبي الأعظم ﵇، وإلَّا لم يحتج إلى الاستئذان منهنَّ، ووجوبه على غيره من الأمَّة بالطريق الأولى، (فأذِنَّ)؛ بتشديد النُّون وكسر المعجمة؛ لأنَّه جماعة النساء؛ أي: أذنت أزواج النبي الأعظم ﵇ (له)؛ أي: للنبي الأعظم ﵇ أن يمرَّض في بيتها؛ أي: عائشة ﵂، ففيه: دليل على أنَّ لبعض الضرَّات أن تهب نوبتها للضرَّة الأخرى، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور، ولها أن ترجع؛ لأنَّها أسقطت حقًّا لم يجب بعد، فلا يسقط، كذا في «شرح الملتقى»، وفي الحديث: دلالة على فضل السيدة عائشة ﵂؛ لتمريض النبي الأعظم ﵇ في بيتها، وفيه: أنَّه ﵇ كان يشتد به المرض؛ ليعظم أجره بذلك عند ربه ﷿، وفي الحديث الآخر: «إنِّي أوعك كما يوعك رجلان منكم»، وفيه: أنَّ المريض يسْكُنُ نفسه لبعض أهله دون بعض، كذا في «عمدة القاري».\n (فخرج النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: من بيت ميمونة، وهو الأظهر، وقيل: من بيت زينب بنت جحش، وقيل: من بيت ريحانة، وفي هذا دلالة على أنَّه لا يجْمَعُ بين الضرائر إلَّا بالرضا، ولو قالت: لا أسكن مع أَمتك؛ ليس لها ذلك، كذا في «شرح الملتقى» (بين رجلين تَخُطُّ) بفتح المثناة الفوقية وضم الخاء المعجمة (رجلاه) فاعله؛ أي: يؤثر برجليه على الأرض كأنه يخطُّ خطًّا، وفي رواية: (تُخَطُّ)؛ بصيغة المجهول، كذا في «عمدة القاري»، ومثله في «الكرماني»، وقوله: (في الأرض) متعلق بـ (تخط)، وكلمة (في) على بابها، أو بمعنى: على، وقوله: (بين عباس)؛ أي: عمه ﵇، وهو العباس بن عبد المطلب، يُكْنى أبا الفضل، أكبر من النبي الأعظم ﵇ بسنتين أو ثلاث، المتوفى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين أو بعدها، عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالبقيع، وقبره مشهور يُزَار، (ورجل آخر) بدل من قوله: (بين رجلين).\n (قال: عبيد الله)؛ بالتصغير؛ أي: الراوي عن عائشة ﵂، وهذا مدرج من كلام الزهري الراوي عنه، لكنه بالإسناد المذكور بغير واو العطف: (فأخبرت عبد الله بن عباس) ﵄؛ أي: بقول عائشة ﵂، (فقال) أي: ابن عباس: (أتدري من الرجل الآخر؟)؛ أي: الذي لم تسمِّه عائشة، (قال: لا)؛ أي: لا أدري، (قال) أي: ابن عباس: (هو علي)؛ أي: ابن أبي طالب، كما صُرِّح به في رواية، لكن في رواية مسلم: (بين الفضل بن عباس)، وفي أخرى: (بين رجلين؛ أحدهما: أسامة)، قال في «عمدة القاري»: (وطريق الجمع أنَّهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذًا ليده الكريمة؛ لأنَّه كان أدومهم لها إكرامًا واختصاصًا به، وعلي وأسامة والفضل يتناوبون اليد الأخرى، قال: فعلى هذا يجاب عن إبهام عائشة بأنَّها صرحت بالعباس، وأبهمت الآخر لكونهم ثلاثة، وهذا الجواب أحسن من أنَّه كان في قلبها منه ما يحصل في قلوب البشر مما يكون سببًا في الإعراض عن ذكر اسمه؛ حيث قال للنبي الأعظم ﵇ عنها في قصة الإفك: (النساء سواها كثير)، وإن تبعه الشراح؛ لأنَّ في هذا توصل للجهال والقيل والقال، كما لا يخفى على أهل الأحوال.\n (وكانت عائشة تحدث أن النبي) الأعظم (ﷺ) عطف على (فأخبرت)، فهو من مقول عبيد الله لا ابن عباس، فهو داخل تحت الإسناد السابق، ويحتمل أن يكون ما سمع عبيد الله من عائشة، فيكون مسندًا، وأن يكون تعليقًا من عبيد الله؛ فتأمل (قال بعد ما دخل بيته)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، ولابن عساكر: (بيتها)؛ أي: عائشة، وأضيف إليها مجازًا؛ لسكناها فيه، (واشتد وجعه) وفي رواية الأصيلي: (واشتد به وجعه): (هريقوا)؛ بدون الهمزة في أكثر الروايات، وفي رواية: (أهريقوا)؛ بزيادة الهمزة، وفي أخرى: (أريقوا).\nوفي هذه المادة ثلاث لغات:\nالأولى: هراق الماء يهريقه هراقة؛ أي: صبَّه، وأصله: أراق يريق إراقة، من باب الإفعال، وأصل أراق: أَرْيَق على وزن (أفعل)، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها\n_________\n(^١) في الأصل: (يقلها)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":87},{"text":"ثم قلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها بعد النقل، فصار (أراق،) وأصل يريق: يأريق على وزن (يأفعل)، مثل يكرم أصله: (يؤكرم)، حذفت الهمزة منه إتباعًا لحذفها في المتكلم؛ لاجتماع الهمزتين فيه، وهو ثقيل.\nاللغة الثانية: أهرق الماء يهرقه إهراقًا؛ على وزن (أفعل إفعالًا)، قال سيبويه: (قد أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم لزمت، فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم حذفت الألف بعد الهاء، ونزلت الهاء عوضًا عن حذفهم العين؛ لأنَّ أصل أهرق: (أريق).\nاللغة الثالثة: أهراق يهريق إهرياقًا، فهو مهريق، والشيء: مهْراق، ومهَراق أيضًا بالتحريك؛ وهذا شاذ، نظيره أَسطاع يُسطيع إسطياعًا؛ بفتح الألف في الماضي، وضم الياء في المضارع، وهو: لغة في (أطاع يطيع)، فجعلوا السين عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل، فكذلك حكم الهاء، وقد خبط بعضهم في هذا الموضع خباطًا؛ لعدم وقوفه على قواعد علم الصرف، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (عليَّ) بتشديد الياء المفتوحة (من سبع قِرَب)؛ بكسر القاف وفتح الرَّاء، جمع قربة، وهي ما يسقى به، وهو جمع كثرة، وجمع القلَّة: قرْبات؛ بسكون الرَّاء وفتحها، كذا في «عمدة القاري»، وكلاهما متعلق بـ (هريقوا) (لم تُحلل) بالبناء للمجهول (أوكيتهن) جمع وكاء؛ وهو الذي يشدُّ به رأس القربة؛ أي: فمها، (لعلِّي أَعهَد)؛ بفتح الهمزة والهاء (إلى الناس)؛ أي: أوصي إليهم، من باب (علم يعلم)، يقال: عهدت إليه؛ أي: أوصيته، (وأُجْلِسَ)، وفي رواية: (فأُجْلِسَ)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، والفعل في الروايتين مبني للمفعول (في مِخْضَب)؛ بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة: إناء يُغْسَلُ فيه، زاد ابن خزيمة: (أنَّه كان من نحاس) (لحفصة زوجِ النبي) الأعظم (ﷺ)؛ بالجر صفة لـ (حفصة)، (ثم طفِقنا)؛ بكسر الفاء، وفتحها حكاه الأخفش، والكسر أفصح، وهو من أفعال المقاربة، ومعناه: جعلنا (نَصبُّ)؛ بضم الصَّاد المهملة (عليه) الماء ﷺ (من تلك)؛ أي: القِرَب السبع، وفي رواية: (تلك القِرَب)، وهو في محل نصب مفعول (نَصُبُّ) (حتى طفِق)؛ بكسر الفاء، وقد تفتح؛ أي: حتى جعل (يُشِيرُ) أي: النبي الأعظم ﵇ (إلينا)، والجملة خبر (طفق)، وكذا جملة (نصبُّ) خبر (طفقنا)، وفي (طفق) معنى: الاستمرار والمواصلة؛ (أن قد فعلتُنَّ)؛ بضم المثناة الفوقية، وتشديد النُّون، جمع مؤنث مخاطب، و(أن) تفسيرية؛ لأنَّ (يشير) فيه معنى القول دون حروفه؛ أي: فعلتنَّ ما أمرتكنَّ به من إهراق الماء عليَّ من القرب الموصوفة، (ثم خرج) أي: النبي الأعظم ﵇ من بيت عائشة (إلى الناس)؛ أي: إلى الذين في المسجد، فصلَّى بهم، وخطبهم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى مفصَّلًا في مباحث الوفاة النبوية.\nفإن قلت: لم يذكر للخشب ما يدل عليه من أحاديث الباب، وأجيب: باحتمال أنَّ القدح كان من الخشب، أفاده الكرماني.\nوفي الحديث: جواز الإجلاس في المِخْضَبِ ونحوه؛ لأجل صبِّ الماء عليه سواء كان من خشب، أو حجر، أو نحاس، وقد روي عن ابن عمر كراهة الوضوء في النحاس، وقد ذكرناه، وقد روي عنه أنَّه قال: إنِّي أتوضأ بالنحاس وما يكره منه شيء إلا رائحته فقط، وقيل: الكراهة فيه؛ لأنَّ الماء يتغيَّر فيه، وروي أنَّ الملائكة تَكْرَهُ ريح النحاس، وقيل: يحتمل أن تكون الكراهة فيه؛ لأنَّه مستخرج من معادن الأرض شبيه بالذهب والفضة، والصَّواب: جواز استعماله؛ بما ذكرنا من رواية ابن خزيمة وفي رسول الله ﵇ الأسوة الحسنة والحجة البالغة.\nوفي الحديث: دلالة على جواز إراقة الماء على المريض بنيَّة التداوي وقصد الشفاء، وعلى جواز الرقى والتداوي للعليل، ويكره ذلك لمن ليست به علة، والحكمة في طلب النبي الأعظم ﵇ الماء في مرضه: أنَّ المريض إذا صُبَّ عليه الماء البارد؛ بانت إليه قوته، لكن في مرض يقتضي ذلك كالحمى، والنبي الأعظم ﵇ علم ذلك، فلذلك طلب الماء، ولذلك بعد استعمال الماء قام وخرج إلى الناس، كذا قاله في «عمدة القاري»، وقال الكرماني: (والحكمة في تعيين العدد السبع في القِرَب؛ لأنَّه يحتمل أن يكون ذلك من جهة التبرك، وفي عدد السبع بركة؛ لأنَّ له دخولًا كثيرًا في كثير من أمور الشريعة، ولأن الله تعالى خلق خلقًا كثيرًا من مخلوقاته سبعًا) انتهى.\nوالأحسن في الجواب ما قاله في «عمدة القاري»: (من أنَّ نهاية العدد عشرة، والمئات تركب من العشرات، والألوف من المئات، والسبعة من وسط العشرة، وخير الأمور أوساطها، وهي وتر، والله تعالى يحب الوتر، بخلاف السادس والثامن، وأمَّا التاسع؛ فليس من الوسط، وإن كان وترًا)؛ فليحفظ.\nثم قال: (والحكمة في تعيين القِرَب أن الماء يكون فيه محفوظًا، وفي معناها ما يشاكلها مما يُحْفظ فيه الماء، ولهذا جاء في رواية الطبراني في هذا الحديث من آثار شتَّى، والحكمة في شرطه ﵇ في القِرَب عدم حل أوكيتهن: أنَّ أولى الماء أطهره وأصفاه؛ لأنَّ الأيدي لم تخالطه ولم تدنسه بعد، والقِرَب إنَّما توكى وتحل على ذكر الله ﷿، فاشترط أن يكون صبُّ الماء عليه من الأسقية التي لم تحلل؛ ليكون قد جمع بركة الذكر في شدِّها وحلِّها معًا) انتهى كلامه، والله تعالى أعلم.\nاللهم إني أسألك فرجًا قريبًا، وعلمًا نافعًا، وسترًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، واكشف عنَّا وعن المسلمين هذا البلاء، وفرج عنَّا ما أهمَّنا وأهمَّهم برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين آمين آمين، وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه أجمعين.\n\n <span id=\"b-٣٤٨\"> </span>(٤٦) <span data-type=\"title\" id=toc-348>[باب الوضوء من التور]</span>\nهذا (باب: الوُضوء)؛ بضم الواو (من التَّوْر)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو، بعدها راء مهملة: إناء صغير يشرب فيه، أو شبه الإجانة من صُفْر أو حجارة يُتوضَّأ فيه ويُؤْكَل منه.\nقال في «عمدة القاري»: (ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج: «فأُتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب»، فدلَّ هذا أنَّ التور غير الطست، وذلك يقتضي أن يكون التور إبريقًا؛ لأنَّ الطست لا بدَّ له من ذلك) انتهى، قلت: فالظاهر أنَّ التور الأبريق، وقول الجوهري: (إناء يُشْرَبُ فيه) صادق عليه، وقول المطرزي: (إناء صغير يشرب فيه) يصدق عليه أيضًا؛ فتأمل.\n\n <span id=\"b-٣٤٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-349>[حديث ابن زيد: رأيت النبي يتوضأ فدعا بتور من ماء]</span>\n١٩٩ - وبه قال: (حدثنا خالد بن مَخْلَد)؛ بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام، القطواني البجلي (قال: حدثنا سليمان)؛ أي: ابن بلال، كما في روايةٍ، أبو محمد (قال: حدثني) بالإفراد (عَمرو) بفتح العين (بن يحيى، عن أبيه) أي: يحيى بن عمارة (قال) أي: يحيى: (كان عمِّي)؛ أي: عمرو بن أبي حسن، قال الكرماني: (تقدم في باب «مسح الرأس» أنَّ المستخبر جد عمرو، فكيف يكون عم يحيى؟ وأجاب: بأنَّه جد من جهة الأم عم من جهة الأب) انتهى، قلت: وهذه عادة المؤلف، تارةً يعبر في باب باسم، وتارةً يعبر في باب آخر لذلك الشخص بكنيةٍ أو لقبٍ أو غيرها؛ قصدًا للتفنن، وبهذا ظهر اضمحلال قول ابن حجر: (إنه عمه على الحقيقة)؛ فافهم، (يكثر من الوُضوء)؛ بضم الواو؛ لأنَّه يحب أن يكون على طهارة، كما هو المستحب، (قال)، وفي رواية: (فقال): (لعبد الله بن زيد) أي: الأنصاري، (أخبرني كيف رأيت النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ يتوضأ) حتى لا يكون فعله عبثًا، ويكون وضوءُه موافقًا (^١) لوضوئه ﵇، (فدعا) أي: عبد الله بن زيد (بتَور)؛ بموحدة بعدها مثناة فوقية: إناء فيه شيء (من ماء)، وفيه المطابقة للترجمة، (فكفأ)؛ بالهمز؛ أي: صب (على يديه) بالتثنية (فغسلهما) إلى الرسغين (ثلاث مرات) وفي رواية: (ثلاث مرار)؛ بتكرار الرَّاء، وأورد في «عمدة القاري» على هذه الرواية: (بأنَّ حكم العدد من ثلاثة إلى عشرة أن يضاف إلى جمع القلة، فلمَ أضيف إلى جمع الكثرة مع وجود القلة وهو «مرات»؟ وأجاب:\n_________\n(^١) في الأصل: (موافق).","vol":"1","page":87},{"text":"بأنهما يتعارضان، فيستعمل كل منهما مكان الآخر، كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) انتهى.\n (ثم أدخل يده) بالإفراد (في التور)؛ أي: ثم أخرجها، كما صرح به مسلم، (فمضمض واستنثر)، وإنما لم يذكر الاستنشاق؛ لأنَّ الاستنثار مستلزم للاستنشاق؛ لأنَّه إخراج الماء من الأنف، كذا قاله الكرماني، واعترضه في «عمدة القاري»: (بأن هذا لا يتأتَّى على قول من يقول: الاستنثار والاستنشاق واحد، وعلى هذا القول؛ يكون هذا من باب الاكتفاء أو الاعتماد على الرواية الأخرى) انتهى، لا كما قاله العجلوني من: (أنه يكون الاستنشاق مذكورًا بلفظ الاستنثار)؛ فافهم، (ثلاث مرات) وفي رواية: (ثلاث مرار)؛ بتكرار الرَّاء (من غرفة واحدة) حال من الضمير في (مضمض)، والمعنى: مضمض ثلاث مرات واستنشق ثلاث مرات حال كونه مغترفًا بغرفة واحدة، أو صفة لـ (ثلاث)، أو حال منها، والأول أظهر.\nقال في «عمدة القاري»: (يكون الجميع بثلاث غرفات، والتركيب لا يزيد على هذه، أو يصرح بغرفة واحدة، نعم؛ جاء في حديث عبد الله بن زيد: «بثلاث غرفات»، وفي رواية «أبي داود» و«مسلم»: «فمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثًا»؛ يعني: يفعل المضمضة والاستنشاق كل مرة منهما بغرفة، فتكون المضامض الثلاث بثلاث غرفات) انتهى، قلت: وهذا أولى لموافقته الروايات، وقد خبط هنا ابن حجر خبط عشواء، وركب متن عمياء؛ لعدم الفهم والاطلاع؛ فليحفظ.\n (ثم أدخل يده)؛ بالإفراد؛ أي: في التَّوْر، (فاغترف بها)؛ أي: ثلاثًا، وفي رواية: (ثم أدخل يديه -بالتثنية- فاغترف بهما)، (فغسل وجهه ثلاث مرات)، وفي رواية: (ثلاث مرار)؛ بتكرار الرَّاء، قال في «عمدة القاري»: (ولفظ «ثلاث» متعلق بالفعلين؛ أي: اغترف ثلاثًا، فغسل ثلاثًا، وهو على سبيل تنازع العاملين؛ لأنَّ الغسل ثلاثًا لا يمكن باغتراف واحد) انتهى (ثم غسل يديه) بالتثنية (إلى المِرفقين) بكسر الميم (مرتين مرتين)؛ أي: غسل كل يد مرتين، وهذا محمول على بيان الجواز، وإلا؛ فالأفضل التثليث فيهما؛ للروايات السابقة؛ فافهم، (ثم أخذ بيده)؛ بالإفراد، وفي رواية: (بيديه) بالتثنية (ماء) لفناء البلَّة (فمسح به) أي: بالماء (رأسه، فأدبر) وللأصيلي: بالواو (بيديه)؛ بالتثنية، وفي رواية: (فأدبر به) (وأقبل)؛ أي: بهما، فاحتج به الحسن ابن حي، ومن تبعه على أن البدء بمؤخر الرأس، وأجيب: بأنَّ الواو لا تدل على الترتيب، وقد سبق في الرواية تقديم الإقبال حيث قال: (فأقبل بيده وأدبر بها)، وإنَّما اختلف فعله ﵇ في التأخير والتقديم؛ لبيان الجواز، وليري أمته المشقة والتيسير في ذلك، أفاده في «عمدة القاري».\n (ثم غسل رجليه)؛ أي: إلى الكعبين، وللأصيلي: (رجله)؛ بالإفراد؛ لأنَّ المراد بها الجنس، (فقال)؛ أي: عبد الله بن زيد، وللأصيلي: (وقال)؛ بالواو: (هكذا رأيت النبي) الأعظم (ﷺ يتوضأ)، وهذه الزيادة صريحة في رفع الحديث إلى رسول الله ﵇ مع دلالة سياق أول الحديث عليه.\nاللهم إني أتوجه إليك بحبيبك محمد ﵇ وآله وأصحابه أن تفرج عنَّا وعن المسلمين، وأن ترفع هذا البلاء عنهم يا أرحم الراحمين، إنك على كل شيء قدير.\n\n <span id=\"b-٣٥٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-350>[حديث: أن النبي دعا بإناء من ماء]</span>\n٢٠٠ - وبه قال: (حدَّثنا مسدد)؛ هو ابن مسرهد (قال: حدثنا حماد)؛ بالحاء المهملة، هو ابن زيد لا ابن سلمة؛ لأنَّ مسدد لم يسمع منه، (عن ثابت)؛ بالمثلثة؛ أي: البُناني -بضم الموحدة وبالنُّونين-، (عن أنس)؛ أي: ابن مالك ﵁: (أن النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ دعا بإناء من ماء)؛ لأجل أن يتوضأ، (فأُتي)؛ بضم الهمزة (بقَدَح)؛ بفتحتين (رَحْراح)؛ بفتح الرَّاء، وبالحاءين المهملتين أولاهما ساكنة، بينهما راء، بعدها ألف؛ أي: واسع، ويقال: رحرح أيضًا؛ بحذف الألف، وقال الخطابي: (الرحراح: الإناء الواسع الفم القريب القعر، ومثله لا يسع الماء الكثير، فهو أَدَلُّ على عِظَمِ المعجزة)، وروى ابن خزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد، فقال بدل (رحراح): (زُجاج)؛ بزاي مضمومة وجيمين، وبوَّب عليه بباب (الوضوء من آنية الزجاج)، وفي «مسند أحمد» عن ابن عباس: أنَّ المقوقس أهدى للنبي الأعظم ﵇ قدحًا من زجاج، لكن في إسناده مقال، كذا في «عمدة القاري»، قال ابن حجر: (وفيه إشارة إلى الرد على من زعم من المتصوفة أنَّ ذلك إسراف لإسراع الكسر إليه) انتهى، وصرَّح جماعة: بأنَّ أحمد بن عبدة صحَّفها، ويدل له أنَّه قال في روايته: (أحسبه)، وعلى ثبوتها؛ فلا منافاة بين الروايتين؛ لاحتمال أن َّالأولى ذكرت بوصف الهيئة والثاني بذكر الجنس؛ فتأمل، (فيه شيء من ماء)؛ أي: قليل من الماء؛ لأنَّ التنوين للتقليل و(من) للتبعيض، (فوضع)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (أصابعه) الشريفة (فيه)؛ أي: في الماء داخل القدح، (قال أنس)؛ أي: ابن مالك: (فجعلت أنظر إلى الماء ينبع)؛ بتثليث الموحدة، واقتصر في «الفرع» على الضم؛ أي: يفور (من بين أصابعه)؛ أي: أصابع يده اليمنى ﵇، (قال أنس) ﵁: (فحزرت)؛ بتقديم الزاي على الرَّاء، من الحزر، وهو الخرص والتقدير؛ أي: قدَّرت (مَن)؛ بفتح الميم، موصولة، أو نكرة موصوفة في محل نصب على المفعولية (توضأ) راعى في (مَن) لفظها، فأعاد الضمير من (توضأ) عليها مفردًا مذكرًا (منه)؛ أي: من الماء الذي في القدح (ما)؛ بالنصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (حزرت)؛ لأنَّه بمعنى: قدرت أو ظننته، أو بدل، والأول أظهر؛ لاحتياج غيره إلى التقدير، وعدمه أولى؛ فليحفظ، (بين السبعين إلى الثمانين) صلة (ما) أو صفتها، وتقدم أنَّهم كانوا ثمانين وزيادة، وسيأتي في (علامات النبوة): (أنهم زهاء ثلاث مئة)، وفي بعض الروايات: (أنهم كانوا خمس عشرة مئة)، وأجاب الكرماني: (بأنَّها قضايا متعددة في مواطن مختلفة وأحوال متغايرة) انتهى، وزعم ابن حجر عن قضية أنس فقط بأنها تنيف على السبعين، ويشك هل بلغت العقد الثامن أو جاوزته؟ انتهى، ولا يخفى أنَّ جواب الكرماني أحسن وأوجه؛ فليحفظ، وقد رمرم العجلوني عبارة ابن حجر مما فيه تحريف، واستوجه جوابه تعصبًا؛ فافهم.\nوفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة ومعجزة عظيمة من معجزات النبي الأعظم ﵇، وهو أبلغ من تفجير الماء من الحجر لموسى ﵇؛ لأنَّ في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم، وما أحسن ما قيل:\nإن كان موسى قد استسقى لهم حجرًا... فالفخر بالكف ليس الفخر بالحجر\nوقال الكرماني: (ووجه المطابقة في الحديث للترجمة أن التور كما قاله الجوهري: «الإناء الذي يُشْرَبُ منه»، وهو صادق على القدح الرحراح) انتهى، وقول العجلوني: (والقدح الرحراح شبيه بالطست، وبه تظهر المناسبة للترجمة)؛ فبعيد، كما لا يخفى.\nوقال ابن حجر: (واستدل الشافعي بهذا الحديث على ردِّ من قال من أصحاب الرأي: إنَّ الوضوء مقدر بقدر معين من الماء؛ لأنَّ الصحابة اغترفوا من القدح من غير تقدير؛ لأنَّ الماء النابع لم يكن قدره معلومًا لهم، فدل على عدم التقدير) انتهى.\nقلت: وهو استدلال فاسد؛ لأنَّ الماء الذي يتوضأ معيَّنٌ بنص الشارع ومقدَّر، وكذا الغسل، وقوله: (لأن الصحابة...) إلخ؛ فيه نظر؛ لأنَّه هل يظهر فرق بين الاغتراف من هذا القدح ومن غيره من الحياض والبرك؟ وقوله: (لأن النابع...) إلخ؛ أي: لأجل إظهار المعجزة، ولا يدل هذا على عدم التقدير بدليل أنَّهم لما فرغوا من الوضوء؛ لم يبق في القدح إلا الماء الذي كان قبل وضع أصابعه ﵇، فالتقدير في الماءللوضوء والغسل مقدَّر معيَّن بنصِّ الشارع، ولهذا المعنى عقَّب المؤلف هذا الحديث بقوله:\n\n <span id=\"b-٣٥١\"> </span>(٤٧) <span data-type=\"title\" id=toc-351>[باب الوضوء بالمُد]</span>\n\nهذا (باب: الوضوء بالمُدِّ)؛ بضم الميم وتشديد الدَّال، واختلفوا فيه؛ فقال الإمام الأعظم:","vol":"1","page":88},{"text":"(هو مكيال يسع رطلان بغداديان)، وبه قال فقهاء العراق؛ لما رواه جابر قال: (كان ﵇ يتوضأ بالمُد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال)، أخرجه ابن عدي، وما رواه أنس قال: (كان ﵇ يتوضأ بمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال)، أخرجه الدارقطني، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد والشافعي وأهل الحجاز: (المد: رطل وثلث بالعراقي)، وقال الإمام أبو يوسف: (الصاع: خمسة أرطال)؛ لما رواه الحافظ الطحاوي عنه، قال: (قدمت المدينة وأخرج إلي من أثق به صاعًا، وقال: هذا صاع النبي ﵇، فوجدته خمسة أرطال وثلث)، قال الطحاوي: (وسمعت ابن عمران يقول: الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك)، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: (سمعت علي ابن المديني يقول: عثرت على صاع النبي ﵇، فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل)، وحجة الإمام الأعظم والإمام محمد حديث جابر وأنس ﵄.\nواختلف هل يُجزِئ الوضوء بأقل من المد، والغسل بأقل من الصاع؟ فقال قوم: لا يُجزِئ أقل منه؛ لورود الخبر به، وقال آخرون: ليس المد والصاع في ذلك بحتم، وإنَّما ذلك إخبار عن القدر الذي كان يكفيه ﵇ لا أنَّه حد لا يجزئ دونه، وإنَّما قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصاد وترك السرف، والمستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أن يقلل ولا يزيد على ذلك؛ لأنَّ السرف ممنوع في الشريعة.\n\n <span id=\"b-٣٥٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-352>[حديث: كان النبي يغسل بالصاع إلى خمسة أمداد]</span>\n٢٠١ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النُّون مصغرًا، هو الفضل بن دكين (قال: حدثنا مِسْعَر)؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح العين المهملة، ابن كِدَام -بكسر الكاف وبالدَّال المهملة المخففة- أبو سلمة الكوفي، ثبت صدوق، قال شعبة: كنا نسمي مسعرًا المصحف؛ لصدقه، المتوفى سنة خمس أو ثلاث وخمسين ومئة (قال: حدثني) بالإفراد (بن جَبْر)؛ بفتح الجيم وسكون الموحدة، والمراد به: سبط جبر؛ لأنَّه عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك الأنصاري، ونسبه لجده؛ لشهرته به، قال في «عمدة القاري»: (ومن قاله بالتصغير؛ فقد صحَّف؛ لأنَّ ابن جبير، وهو سعيد لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث الإسماعيلي من طريق أبي نعيم شيخ المؤلف قال: حدثني شيخ من الأنصار يقال له: ابن جبر، ويقال له: جابر بن عتيك) انتهى (قال: سمعت أنسًا)؛ بالتنوين؛ لأنَّه منصرف مفعولًا، قال الكرماني: (وفي رواية: «أنس» بدون الألف منه في الكتابة؛ للتخفيف)، واعترضه في «عمدة القاري»: (بأنه لا بد من التنوين، وإن كان الألف لا تكتب)؛ فافهم. (يقول)؛ أي: أنس بن مالك ﵁، والجملة محلها النصب على الحال، (كان النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)، وأتى بـ (كان)؛ لإفادتها الدوام والاستمرار، (يغسِل)؛ بكسر السين المهملة؛ أي: جسده الشريف، فمفعول (يغسل) محذوف، (أو كان يغتسل)؛ بزيادة التاء كـ (يفتعل)، والفرق بين الغسل والاغتسال مثل الفرق بين الكسب والاكتساب، كذا في «عمدة القاري» (بالصاع) مكيال يسع ثمانية أرطال بالبغدادي عند العراقيين، وخمسة أرطال وثلث رطل عند الحجازيين، والشك من الراوي، قال الكرماني: (إنَّه من ابن جبر)، وقال ابن حجر: (إنَّه من المؤلف أو من أبي نعيم)، واعترضهما في «عمدة القاري»: (بأنَّ الظاهر أنَّ الشك من الناسخ؛ لأنَّ الإسماعيلي لم يَرْوِهِ بالشك، فَنِسْبَتُهُ إلى المؤلف أو إلى شيخه أو إلى ابن جبر ترجيح بلا مرجح، فلمَ لا يُنسَبُ إلى مِسْعَر؟) انتهى.\nوقال الجوهري: (الصاع: هو الذي يكال به، وهو أربعة أمداد إلى خمسة أمداد)، وقال ابن سيده: (الصاع: مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث، وجمعه أصوع، وأصواع، وصيعان، والصواع: كالصاع)، وقال ابن الأثير: (الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه)، وفي «الجامع»: (تصغيره: صُويع فيمن ذكَّر، وصويعة فيمن أنَّث، وجمع التذكير: أصواع وأصوع، وصوع في التذكير، وأصوع في التأنيث)، وفي «الجمهرة»: (أصوع في أدنى العدد)، وقال ابن بري: (الصواب في جمع صاع: أصوع)، قلت: وأصل الصاع: صوع، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفيه ثلاث لغات: صاع، وصوع على الأصل، وصواع، والجمع: أصوع، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (إلى خمسة أمداد)؛ يعني: ربما زاد النبي الأعظم ﵇ الغسل على صاع، فاغتسل بخمسة أمداد، والمد: رطلان، والرطل: مئة وثلاثون درهمًا، وقيل: مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم، وتمامه في «الحلية»، قال شيخ شيخنا: والصاع العراقي: نحو نصف مد دمشقي، وأفاد الحديث: أنَّ التقدير غير لازم حتى من أسبغ بدون ذلك؛ أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كذا في «البدائع».\n (و) كان النبي الأعظم ﵇ (يتوضأ بالمد) الذي هو ربع الصاع، وعلى هذا؛ فالسنة ألا يَنْقُصَ ماء الوضوء عن مد، والغسل عن صاع، فإذا توضأ واغتسل به؛ فقد حصَّل السنة، وهو الأفضل، بل يغسل بقدر ما لا يؤدي إلى الوسواس، فإن أدى إليه؛ لا يستعمل إلا بقدر الحاجة رغمًا للشيطان، قال في «الخلاصة»: (والتقدير في الوضوء بالمد إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء، فإن احتاج إليه؛ لا يكفيه، بل يستنجي برطل، أو يتوضأ بالمد، فإن كان لابس الخفين؛ يتوضأ برطل، والحاصل: أنَّ الرطل للاستنجاء، والرطل للقدمين، والرطل لسائر الأعضاء) انتهى.\nواعلم أن الوضوء على أربعة أوجه: إمَّا ألَّا يستنجي ويمسح على الخفين، أو يستنجي ويمسح على الخفين، أو لا يستنجي ويغسل الرجلين، أو يستنجي ويغسل الرجلين، أمَّا الأول؛ فيكفيه رطل، وأمَّا الثاني؛ فاثنان؛ واحد للاستنجاء وآخر للوضوء، وأمَّا الثالث؛ فكذلك واحد للرجلين وواحد للبقية، وأدنى ما يكفي من الماء في الغسل في الغالب صاع، وفي الوضوء ربعه؛ وهو المد، وللاستنجاء ثمنه؛ وهو الرطل، وإن أراد أن يمسح على خفيه؛ كفاه في الوضوء رطل، كذا في «منهل الطلاب».\nوزعم ابن حجر: (أنَّ أنسًا ﵁ لم يَطَّلِعْ على أنه ﵇ لم يستعمل في الغسل أكثر من ذلك؛ لأنَّه جعلها النهاية، وسيأتي حديث عائشة: «أنَّها كانت تغتسل هي والنبي ﵇ من إناء واحد وهو الفَرَق»، وروى مسلم من حديث عائشة أيضًا: «أنه ﵇ كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد»)، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: أنس ﵁ لم يجعل ما ذكره نهاية لا يتجاوز عنها ولا ينقص عنها، وإنما حكى ما شاهده، والحال يختلف بقدر اختلاف الحاجة، وحديث الفَرَق لا يدل على أن عائشة والنبي ﵇ كانا (^١) يغتسلان بجميع ما في الفَرَق، وغاية ما في الباب أنَّه يدل على أنَّهما كانا يغتسلان من إناء واحد يسمى فَرَقًا، وكونهما يغتسلان منه لا يستلزم استعمال جميع ما فيه من الماء، وكذلك الكلام في ثلاثة أمداد).\nوزعم أيضًا ابن حجر: (أنَّ فيه ردًّا على من قدَّر الوضوء والغسل بما ذكر في الحديث كابن شعبان من المالكية ومن قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع)، ورده أيضًا في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لا ردَّ فيه على من قال به من الأئمة الحنفية؛ لأنَّه لم يقل بذلك على طريق الوجوبكما قال ابن شعبان بطريق الوجوب، فإنه قال: «لا يجزئ أقل من ذلك»، وأمَّا من قال به من الأئمة الحنفية؛ فهو الإمام محمد بن الحسن، فإنَّه روي عنه أنه قال: «إن المغتسِل لا يمكن أن يعمَّ جسده بأقل من مد، وهذا يختلف باختلاف الأجساد والأشخاص»، ولهذا جعل ابن عبد السلام للمتوضئ والمغتسل ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه ﵇، فيَقْتَدِي به في اجتناب النقص عن المد والصاع، والثانية: أن يكون ضئيلًا ونحيف الخلق بحيث لا يعادل جسده جسده ﵇، فيُسْتَحَبُّ أن يغتسل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده\n_________\n(^١) في الأصل: (كان).","vol":"1","page":88},{"text":"كنسبة المد والصاع إلى جسده ﵇، والثالث: أن يكون متفاحش الخلق طولًا وعرضًا، وعظم البطن، وثخانة الأعضاء، فيستحب ألَّا ينقص عن مقدار يكون النسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى النبي ﵇).\nثم قال: (واعلم أن الروايات مختلفة في هذا الباب، ففي رواية أبي داود من حديث عائشة: «أنه ﵇ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد»، ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمارة: «أنَّه ﵇ توضأ، فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد»، وفي رواية عن أنس: «أنه ﵇ كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع»، وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، والحاكم في «مستدركه» من حديث عبد الله بن زيد: «أنَّه ﵇ أتي بثلثي مد من ماء، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وقال الثوري: «حديث أم عمارة حسن»، وفي رواية مسلم من حديث عائشة: «كانت تغتسل هي والنبي ﵇ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد»، وفي رواية: «من إناء واحد تختلف أيدينا فيه»، وفي رواية: «فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت فيه»، وفي أخرى: «كانت تغتسل بخمسة مكاكيك وتتوضأ (^١) بمكوك»، وفي أخرى: «يغسله ﵇ الصاع ويوضئه المد»، وفي أخرى: «يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد»، وفي رواية المؤلف: «نحوًا من صاع»، وفي لفظ: «من قدح يقال له: الفَرَق»، وعند النسائي: «نحو ثمانية أرطال»، وفي «مسند أحمد بن منبع»: «حزرته ثمانية أو تسعة أو عشر أرطال»، وعند ابن ماجه بسند ضعيف، عن عقيل، عن أبيه قال ﵇: «يجزئ من الوضوء مد ومن الغسل صاع»، وكذا رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث ابن عباس، وعند أبي نعيم في «المعرفة» من حديث أم سعيد بنت زيد بن ثابت ترفعه: «الوضوء مد والغسل صاع») انتهى.\nقلت: وليس معنى الحديث على التوقيت: أنَّه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه، بل هو تقدير أدنى الكفاية عادة، وليس بلازم حتى من أسبغ بدون ذلك؛ أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كما في [ما] قدمناه عن «البدائع».\nوالجمع بين هذه الروايات: أنَّها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، فدل ذلك على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه، والإجماع قائم على ذلك، فالقلة والكثرة باعتبار الأشخاص والأحوال؛ فليحفظ.\nوقال في «عمدة القاري»: (والفَرَق: بفتح الفاء وفتح الرَّاء، وقال أبو زيد: «بفتح الرَّاء وسكونها»، وزعم النووي أن الفتح أفصح، وزعم الباجي أنَّه الصواب، وليس كما قال، بل هما لغتان، وقال ابن الأثير: «الفرق -بالتحريك- يسع ستة عشر رطلًا، وهي ثلاثة أصوع، وقيل: الفرق: خمسة [أقساط]، وكل قسط نصف صاع، وأما الفرْق -بالسكون- فمئة وعشرون رطلًا»، وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: «الفرق: ستة عشر رطلًا، والمكوك: إناء يسع المد المعروف عندهم»، وقال ابن الأثير: «المكوك: المد، وقيل: الصاع»، والأول أشبه؛ لأنَّه جاء في الحديث مفسرًا بالمد، وقال أيضًا: «المكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي؛ بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، ويجيء أيضًا على مكاكيك»)، انتهى، والله تعالى أعلم.\nاللهم إنِّي أسألك بالنبي الأعظم ﵇ وبآله وأصحابه ﵃ أن تفرِّج عنا وعن المسلمين، وأن تكشف عنَّا وعنهم الهموم والأحزان، وتبدلها أمنًا وسرورًا برحمتك يا أرحم الراحمين؛ لأنَّ في يوم الاثنين العاشر صفر سنة سبع وسبعين سكَّروا أبواب البلد، ووضعوا العساكر في الأسواق والطرقات، ومسكوا النظام، ففرَّ من فرَّ، وقرَّ من قرَّ، وضجَّ من ضجَّ، وهجَّ من هجَّ، وعزم من عزم، ودعا من دعا، وكبَّر من كبَّر، وأغلق من أغلق، وبات الناس في كرب عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنَّه على ما يشاء قدير، وأستغفر الله العظيم.\n\n <span id=\"b-٣٥٣\"> </span>(٤٨) <span data-type=\"title\" id=toc-353>[باب المسح على الخفين]</span>\nهذا (باب) جواز (المسح على الخفين) في الوضوء بدلًا عن غسل الرجلين، وإنَّما عبَّر بـ (الخفين)؛ إشارةً إلى أنه لو لبس خفًّا واحدة؛ لا يجوز عليها المسح، لكن إذا كانت إحدى رجليه مقطوعة مما فوق الكعب؛ فإنه يجوز كما أفصح به في «الينابيع» وغيره، وإنما قال: (على الخفين)؛ إشارةً إلى أنَّ المسح لا يكون إلا على ظاهرهما، وإنَّما سمِّي الخف خفًّا؛ لأنَّه من الخفة؛ لأنَّ الحكم خفَّ به من الغسل إلى المسح، كما في «البحر» و«السراج»، قلت: وفيه أنَّه يقتضي حصول التسمية حين المشروعية مع أن اللغة سابقة على ورود الشرع، وقد قال العلامة خير الدين الرملي الحنفي: المسح على الخفين من خصائص هذه الأمة، فكيف يعلل للوضع السابق عليه؟ وقد يجاب: بأنَّ الواضع هو الله تعالى، كما هو قول الأشعري، وهو تعالى عالم بما يشرعه على لسان نبيه الأعظم ﵇؛ فليحفظ.\nوهو في اللغة: إمرار اليد على الشيء، واصطلاحًا: عبارة عن رخصة مقدرة جُعِلَتْ للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، كذا في «البحر»، واعترضه في «النهر» وقال: (الأولى أن يقال: هو إصابة اليد المبتلة الخف أو ما يقوم مقامها في الوضع المخصوص في المدة الشرعية) انتهى، وهو شامل لما لو كان المسح باليد أو الخرقة ونحوهما كالمطر.\nوإنَّما قلنا بالجواز؛ للإشارة إلى أنَّ المسح غير واجب؛ لأنَّ العبد مخيَّر بين فعله وتركه، كذا قالوا، وينبغي أن يكون المسح واجبًا في مواضع؛ منها: إذا كان معه ماء لو غسل به رجليه؛ لا يكفي وضوءَه، ولو مسح على الخفين؛ يكفيه، فإنَّه يتعين عليه المسح، ومنها: ما لو خاف خروج الوقت لو غسل رجليه؛ فإنه يمسح، وتمامه في «منهل الطلاب».\n\n <span id=\"b-٣٥٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-354>[حديث سعد في مسح النبي على الخفين]</span>\n٢٠٢ - وبه قال: (حدثنا أَصْبَغ)؛ بفتح الهمزة، وسكون الصَّاد المهملة، وفتح الموحدة، آخره معجمة، أبو عبد الله (بن الفَرَج)؛ بفتح الفاء والرَّاء آخره جيم، الفقيه القرشي المصري، المصطعلك بالفقه والنظر، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين (عن ابن وَهب)؛ بفتح الواو: هو عبد الله القرشي المصري، ولم يكن في المصريِّين أكثر حديثًا منه، طُلِبَ للقضاء؛ فجنن نفسه، وانقطع، وكان أصبغ ورَّاقًا له (قال: حدثني)، وفي رواية: (أخبرني)؛ بالإفراد فيهما (عَمرو)؛ بفتح العين المهملة؛ أي: ابن الحارث، كما في روايةٍ، أبو أمية المؤدب الأنصاري المصري القارئ الفقيه، المتوفى بمصر سنة ثمان وأربعين ومئة (قال: حدثني) بالإفراد (أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة، سالم بن أبي أمية القرشي المديني، مولى عمر بن عبد الله التيمي وكاتبه، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة، (عن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام؛ أي: عبد الله (بن عبد الرحمن)؛ أي: ابن عوف القرشي الفقيهالمدني، (عن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄، (عن سعْد) بسكون العين المهملة (بن أبي وقَّاص)؛ بتشديد القاف وبالصَّاد المهملة، أحد العشرة ﵁.\nقال في «عمدة القاري»: وهذا من مسند سعد بحسب الظاهر، وكذا جعله صاحب «الأطراف»، ويحتمل أن يكون من مسند عمر أيضًا، وقال الدارقطني: (رواه أبو أيوب الأفريقي، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن عمر وسعد عن النبي ﵇)، ثم قال الدارقطني: (والصواب: قول عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن سعد (عن النبي) الأعظم (ﷺ أنَّه مسح على الخفين)؛ بشروط؛ منها: لبسهما بعد غسل الرجلين، ومنها: سترهما للكعبين، ومنها: إمكان متابعة المشي فيهما، ومنها: خلوُّ كل منهما عن خرق قدر ثلاث أصابع، ومنها: استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ، ومنها: منعهما وصول الماء إلى الجسد، ومنها: أن يبقى من مُقدَّم القدم قدر ثلاث أصابع، كما هو مبسوط في كتب الفروع، ففيه دليل على ثبوته بالسنة، وقيل: إنَّه ثبت بالكتاب؛ عملًا بقراءة الجر، فإنها لمَّا عارضت قراءة النصب؛ حُمِلَتْ على ما إذا كان متخففًا، وحُمِلَتْ قراءة النصب على ما إذا لم يكن متخففًا، واختاره في «غاية البيان»، وقال الجمهور: إنَّه لم يثبت بالكتاب بدليل قوله: ﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأنَّ المسح غير مُقَدَّرٍ بها بالإجماع، والصحيح أنَّه ثابت بالسنة، كما في «البحر» عن «المستصفى»، واختاره الجمهور، وحملوا قراءة الجر عطفًا على المغسول، والجر؛ للجوار، وقد جاءت السنة بجوازه قولًا وفعلًا، فمُنْكِرُهُ مبتدع، وقال صاحب «البدائع»: (المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة إلا شيئًا روي عن ابن عباس: «أنه لا يجوز»، وهو قول الرافضة والخوارج)، ثم قال: (وروي عن الحسن البصري أنَّه قال: «أدركت سبعين صحابيًّا كلهم يرى المسح على الخفين»، وقال الإمام الأعظم: «ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل فلق الصبح»، وروي: «مثل ضوء النهار»، فكان الجحود ردًّا على كبار الصحابة ﵃، ونسبته إياهم إلى الخطأ، فكان (^٢) بدعة)، وقال شيخ الإسلام: (والدليل على أنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: (يتوضأ).\n (^٢) في الأصل: (لكان)، وهو تحريف.","vol":"1","page":89},{"text":"مُنْكِرَ المسح ضالٌّ مبتدع ما روي عن الإمام الأعظم: أنَّه سُئِلَ عن مذهب أهل السنة والجماعة، فقال: هو أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وترى المسح على الخفين)، وقال الإمام الكرخي: قال الإمام الأعظم: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، وقال الإمام أبو يوسف: خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به؛ لشهرته، وعلى قياس قوله؛ يكفر جاحده؛ لأنَّ المشهور عنده بمنزلة المتواتر، وعلى قول الإمام الأعظم؛ لا يكفر؛ لأنَّه بمنزلة الآحاد عنده.\nوقال البيهقي: (وإنَّما جاء كراهة ذلك عن علي، وابن عباس، وعائشة، فأمَّا الرواية عن علي؛ فلم يرد عنه بإسناد موصول يثبت مثله، وأما عائشة؛ فثبت عنها أنَّها أحالت ذلك على علي ﵄، وأمَّا ابن عباس؛ فإنَّما كرهه حين لم يثبت مسحه ﵇ بعد نزول «المائدة»، فلما ثبت؛ رجع إليه)، وقال في «الموضوعات»: (إنكار عائشة غير ثابت عنها)، وقال الكاساني: وأمَّا الرواية عن ابن عباس؛ فلم تصح؛ لأنَّ مداره على عكرمة، وروي أنَّه لما بلغ عطاء؛ قال: كذب عكرمة، وروي عن عطاء أنَّه قال: (كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين، فلم يمت حتى تابعهم).\nوفي «المغني» لابن قدامة: قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء أفضل؛ يعني: من الغَسْل؛ لأنَّه ﵇ وأصحابه إنَّما طلبوا الفضل، وقد تكاثرت الروايات بالطرق المتعددة من الصحابة الذين كانوا لا يفارقون النبي الأعظم ﵇ في الحضر ولا في السفر، فجرى ذلك مجرى التواتر، وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك، فسقط بهذا قول من يقول: آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأنَّه متقدم؛ لأنَّ غزوة تبوك آخر غزواته ﵇، و«المائدة» نزلت قبلها، وممَّا يدل على أنَّ المسح غير منسوخ حديث جرير: (أنَّه رأى النبي الأعظم ﵇ مسح على الخفين، وهو أسلم بعد «المائدة»، وكان القوم يعجبهم ذلك)، وأيضًا فإن حديث المغيرة في المسح كان في السفر، فيعجبهم استعمال جرير له في الحضر، وقال النووي: (لما كان إسلام جرير متأخرًا؛ علمنا أن حديثه يُعْمَلُ به، وهو مبين أن المراد بآية «المائدة» غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية)، وقال الخطابي: (فيه دليل: على أنَّهم كانوا يرون نسخ القرآن بالسنة)، وفي «الهداية»: (الأخبار فيه مستفيضة حتى أنَّ من لم يره؛ كان مبتدعًا، لكن من رآه، ثم لم يمسح أخذًا بالعزيمة؛ كان مأجورًا)، وفي «جامع الفتاوى»: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ أخذًا بالأيسر، وقيل: الغسل أفضل؛ أخذًا بالعزيمة والمشقة، وفي «المجتبى» عن الإمام الترجماني: أنَّ المسح أفضل من الغسل؛ أخذًا بالأيسر، وما ذكره في «الهداية» من أنَّ الغسل أفضل صرَّح به شيخ الإسلام في «المبسوط» لكن بشرط أن يرى جوازه، قال في «التوشيح»: وهذا مذهبنا، وهو الصحيح، كما في «الأجناس»، حتى أنَّ الباني إذا نزع خفيه وغسل رجليه قبل تمام مدة المسح؛ يمضي عند الإمام محمد، وهو رواية عن الإمام الأعظم، ولو لم يكن الغسل أفضل؛ لبطل البناء، انتهى.\nوقال الشيخ أبو الحسن الرستغفني: (إنَّ المسح أفضل، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول الشعبي، وحماد، والحاكم، والشافعي، وإسحاق، إمَّا لنفي التهمة عن نفسه؛ لأنَّ الروافض والخوارج لا يرونه، وإمَّا للعمل بقراءة النصب والجر) انتهى.\nفعلى هذا ينبغي أن يقال: إنَّ من يعتقد جوازه وليس بحضرة من يتهمه؛ فالغسل أفضل، وإن كان بحضرة من لم يره؛ فالمسح أفضل رغمًا له، كذا في «منهل الطلاب»، واختلفت الرواية عن مالك؛ فروي عنه: (أنه لا يجوز المسح أصلًا)، كما هو قول الروافض والخوارج، وفي رواية: (أنه يجوز لكنه مكروه)، والمشهور: أنه يجوز أبدًا غير مؤقت، وفي رواية: (أنه يجوز بتوقيت)، وفي رواية: (يجوز للمسافر دون المقيم)، وفي رواية: بالعكس، وقال ابن المنذر: الغسل والمسح سواء، وهو رواية عن أحمد، وقال أصحاب الشافعي: الغسل أفضل من المسح بشرط ألَّا يُترَك المسح رغبة عن السنة، ولا شك في جوازه، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلا مالكًا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك، واعترضه في «عمدة القاري»: بأن فيه نظر؛ لما في «مصنف ابن أبي شيبة»: من أنَّ مجاهدًاوسعيد بن جبير وعكرمة كرهوه، وكذا حكى أبو الحسن النسابة عن محمد بن علي بن الحسن، وأبي إسحاق السبيعي، وقيس بن الربيع، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن أبي داود، والخوارج، والروافض، وقال الميموني عن أحمد: فيه سبعة وثلاثون صحابيًّا، وفي رواية الحسن بن محمد عنه: أربعون، وكذا قاله البزار في «مسنده»، وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون صحابيًّا، وفي «الأشراف»: عن الحسن حدثني به سبعون صحابيًّا، وقال أبو عمر (^١) بن عبد البر: مسح على الخفين سائر أهل بدر والحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين، وقد أشرنا إلى رواية (^٢) ستة وخمسين من الصحابة في شرحنا لـ «معاني الآثار» للحافظ الطحاوي، فمن أراد الوقوف عليه؛ فليرجع إليه، قاله في «عمدة القاري».\n (وأنَّ عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄، قال في «عمدة القاري»: (عطف على قوله: «عن عبد الله»، فيكون موصولًا إن حُمِلَ على أن أبا سلمة سمع ذلك من عبد الله، وإلا؛ فأبو سلمة لم يُدْرِكِ القصة) انتهى، لكن قول الكرماني: (هذا إمَّا تعليق من المؤلف، وإمَّا كلام أبي سلمة، والظاهر: الثاني)، يؤيد سماع أبي سلمة من عبد الله، ومثله ما أخرجه أحمد من طريق أخرى: عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر قال: رأيت سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه بالعراق حين توضأ، فأنكرت ذلك عليه، فلما اجتمعنا عند عمر؛ قال لي سعد: سل أباك...؛ وذكر القصة، ورواه ابن (^٣) خزيمة من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر نحوه، وفيه: أنَّ عمر قال: كنا ونحن مع نبينا ﵇ نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأسًا، وقوله: (سأل)؛ أي: عبد الله (عمر)؛ أي: والده (بن الخطاب) كما ثبت للأصيلي (عن ذلك)؛ أي: عن مسح النبي الأعظم ﵇ على الخفين، خبر (أنَّ)، (فقال)؛ أي: عمر عطف على (سأل): (نعم)؛ أي: مسح النبي الأعظم ﵇ على الخفين.\nوقوله: (إذا حدثك شيئًا): نكرة عامة؛ لأنَّ الواقع في سياق الشرط كالواقع في سياق النفي يفيد العموم، كما في «عمدة القاري» (سعْد)؛ بسكون العين؛ أي: ابن أبي وقاص، وهو بالرفع فاعل (حدثك) (عن النبي) الأعظم (ﷺ فلا تسأل): وفي رواية: (فلا تسل) (عنه)؛ أي: عن ذلك الشيء الذي حدثه سعد (غيره)؛ أي: غير سعد؛ لقوة وثوقه بنقله، من كلام عمر مستأنف استئنافًا بيانيًّا.\nففيه: تعظيم سعد ﵁.\nوفيه: دليل على وجوب العمل بخبر الواحد وإن كان ظنيًّا، وأنَّ عمر يكتفي بخبره، وما نُقِلَ عنه من توقفه في خبر الواحد؛ فذاك عند وقوع ريبة في خبره، مع أنه قد يصير الخبر محفوفًا بالقرائن، فيفيد اليقين؛ لقيام تعدد القرائن مقام تعدد الأشخاص، وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال بأن يقال: لم نهاه عن السؤال عن غيره؟ أو هو كناية عن تصديقه؛ لأنَّ المصدق لا يسأل غيره، وإنما أنكر ابن عمر ذلك مع قدم صحبته؛ لخفائه عليه، أو لأنَّه أنكر عليه مسحه في الحضر، كما هو ظاهر رواية مالك في «الموطأ»: أن ابن عمر قدم الكوفة على سعد وهو أميرها، فرآه يمسح على الخفين، فأنكر عليه، فقال له سعد: سل أباك؛ فذكر القصة، وأمَّا في السفر؛ فكان ابن عمر يعلمه ويرويه عن النبي الأعظم ﵇، كما رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» من رواية سالم عنه قال: رأيت النبي الأعظم ﵇ يمسح على الخفين بالماء في السفر، أفاده في «عمدة القاري».\n (وقال موسى بن عُقْبة)؛ بضم العين المهملة وسكون القاف: التابعي صاحب «المغازي»، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، وهذا التعليق إمَّا من المؤلف؛ فيكون عطفًا على (حدثنا أصبغ)، وإمَّا من كلام ابن وهب؛ فيكون عطفًا على (حدثني عمرو)، قاله الكرماني.\n_________\n(^١) في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (رواة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) زيد في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":89},{"text":"قلت: وجزم بالأول صاحب «عمدة القاري»، ويؤيِّده ما في بعض النسخ من قوله: (قال: أبو عبد الله)، وقد وصله الإسماعيلي، والنسائي، وغيرهما بهذا الإسناد؛ فليحفظ.\n (أخبرني) بالإفراد (أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة، سالم: (أن أبا سلَمة)؛ بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (أخبره: أن سعْدًا)؛ بسكون العين المهملة؛ أي: ابن أبي وقاص ﵁، وجملة: (حدثه)؛ أي: حدث أبا سلمة (أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين)؛ خبر (أن)، وقد سقطت من نسخة صاحب «عمدة القاري»، فلذا قال: (خبر «أن» محذوف؛ تقديره: أن سعدًا حدث أبا سلمة أن رسول الله ﵇ مسح على الخفين)، ومثله قال الكرماني، ووقع في نسخة ابن حجر حذف ما بعد (حدثه)، فلذا قال: (والمُحَدَّثُ به محذوف تبيَّن من الرواية الموصولة أن لفظ: «أن رسول الله ﵇ مسح على الخفين»؛ فاعرفه)، وقد جرى عليه القسطلاني.\n (فقال عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵁، عطف على (حدثه) الموجود أو المقدر على اختلاف النسخ (لعبد الله)؛ أي: ولده (نحوَه)؛ بالنصب مقول القول؛ أي: نحو ما تقدم في الرواية السابقة من قوله: (إذا حدثك سعد عن النبي ﷺ؛ فلا تسأل عنه غيره)، فقول عمر في هذه الرواية المعلقة بمعنى الموصولة السابقة لا بلفظها، ورواه الإسماعيلي بلفظ: (وقال عمر لابنه وكان يلومه: إذا حدث سعد عن النبي ﷺ؛ فلا تبغ وراء حديثه شيئًا)، وقال الإسماعيلي: (ورواية عروة وأبي سلمة عن ابن عمر في المسح صحيح)، قال: (وسألت البخاري عن حديث ابن عمر في المسح مرفوعًا، فلم يعرفه)، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٥٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-355>[حديث المغيرة في المسح على الخفين]</span>\n٢٠٣ - وبه قال: (حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن خالد): بن فَرُّوخ؛ بفتح الفاء، وضم الراء المشددة، آخره خاء معجمة: أبو الحسن (الحَرَّاني)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الرَّاء، وبعد الألف نون، نسبة إلى حران، قال الكرماني: (موضع بالجزيرة بين العراق والشام)، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس كما قال، بل هي مدينة قديمة بين دجلة والفرات، كانت تعدل ديار مصر، واليوم خراب، وقيل: هي مولد إبراهيم ﵇، ويوسف وإخوته ﵈، وقال ابن الكلبي: (لما خرج نوح ﵇ من السفينة؛ بناها، وقيل: إنَّما بناها هاران خال يعقوب ﵇، فأبدلت العرب الهاء حاء، فقالوا: حران) انتهى وفي ديارنا الشريفة الشامية قرية بأرض المرج تسمى حران، وبها قبر سيدنا حيا الحراني، وفي مسجده بئر عظيم ماؤه يشابه ماء زمزم في حلاوته وعذوبته، وبالقرية أعمدة سود كبار، ليس عليها بناء، وتنسب القرية إليها، فيقال: حران العواميد، والله تعالى أعلم، (قال: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة؛ أي: ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة، من أتباع الإمام الأعظم ﵁، (عن يحيى بن سعِيْد)؛ بكسر العين بعدها تحتية ساكنة، الأنصاري، (عن سعْد) بسكون العين (بن إبراهيم)؛ أي: ابن عبد الرحمن بن عوف ﵃، (عن نافع بن جُبير)؛ بضم الجيم مصغرًا؛ أي: ابن مطعم، (عن عُروة) بضم العين (بن المُغيرة)؛ بضم الميم؛ أي: ابن شعبة ﵁، (عن أبيه المغيرة بن شُعْبة)؛ بضم الشين المعجمة وسكون العين، الصحابي الجليل ﵄، (عن رسول الله ﷺ أنه خرج لحاجته)؛ أي: لقضائها، وذلك في غزوة تبوك -بلا تردد- عند صلاة الفجر، كما في «الموطأ»، و«مسند أحمد»، و«سنن أبي داود» من طريق عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، لكن في (المغازي): «أنه كان في غزوة تبوك» على تردُّد من بعض رواته، أفاده في «عمدة القاري»، (فاتَّبعه المغيرة) من الاتِّباع -بتشديد الفوقية- من باب (الافتعال)، وفي رواية: (فأتبعه) من الإتباع -بتخفيف المثناة الفوقية- من باب (الإفعال) (بإداوة)؛ بكسر الهمزة، وقد تفتح؛ أي: بمطهرة (فيها ماء) للوضوء، وعند المؤلف من طريق مسروق عن المغيرة في (الجهاد) وغيره: (أن النبي ﷺ هو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة)، وزاد: (حتى توارى عني فقضى حاجته ثم أقبل فتوضأ)، وعند أحمد من طريق أخرى عن المغيرة: أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبي ﵇ قال: «سلها إن كانت دبغتها؛ فهو طهور»، وأنها قالت: والله دبغتها، كذا في «عمدة القاري».\n (فصبَّ)؛ بالصَّاد المهملة؛ أي: المغيرة (عليه) ﵇ (حين فرغ)؛ أي: وقت فراغه (من حاجته)، لكن بعد عوده منها، فكأنه ﵇ قد استنجى بالأحجار، (فتوضأ)، فغسل وجهه ويديه، كما في رواية باب (الرجل يوضئ صاحبه)، وزاد في (الجهاد) المؤلف: (وعليه جُبَّةُ شامية)، وفي رواية «أبي داود»: (من صوف من جباب الروم)، وللمؤلف في (الجهاد) أيضًا: (أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه -زاد أحمد في «مسنده»: ثلاث مرات-، فذهب يخرج يديه من كميه، فكانا ضيقين، فأخرجهما من تحت الجبة)، ولمسلم من وجه آخر: (وألقى الجبة على منكبيه)، ولأحمد: (فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات)، وفي رواية أخرى للمؤلف: (ومسح برأسه)، وفي رواية مسلم: (ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين)، وبما تقدر ظهر أن المراد بقوله: (فتوضأ)؛ أي: بالكيفية المذكورة لا أنه غسل رجليه ومسح خفيه، كما توهمه الكرماني، فاخترع (^١) سؤالًا وجوابًا، وذهل عن هذه الروايات، كما نبه عليه في «عمدة القاري».\n (ومسح على الخفين)؛ أي: بدلًا عن غسل الرجلين؛ للإجماع على عدم وجوب الجمع بين الغسل والمسح، بل على عدم جوازه، ويفهم من قوله: (على الخفين) عدم جواز المسح على أسفلهما، وعقبهما، وساقهما، وجوانبها، وهو كذلك عن الجمهور؛ لحديث علي ﵁: (لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح عليه من ظاهره، وقد رأيت رسول الله ﵇ يمسح على الخفين على ظاهرهما)، رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي وقال: (حديث حسن صحيح).\nوالسنة عند الشافعي ومالك: مسح أعلى الخف وأسفله؛ لما روي: (أنه ﵇ مسح أعلى الخف وأسفله)، وقد ضعَّفه أهل الحديث، وقال الحفَّاظ: (إنه شاذ لا يُعْتَدُّ به، ولا يعارض الصحيح، وإن صحَّ؛ يُحْمَلُ على الاستحباب.\nوالسنة في مسحهما أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدَّم خفِّه الأيمن، وأصابع يده اليسرى على مقدَّم خفِّه الأيسر من قبل الأصابع، فإذا تمكَّنت الأصابع؛ يمدَّها حتى ينتهي إلى أصل الساق فوق الكعبين؛ لأنَّ الكعبين يلحقهما فرض الغسل ويلحقهما سنة المسح، وإن وضع الكفين مع الأصابع؛ كان أحسن، هكذا روي عن الإمام محمد، كما في «البحر» عن «شرح الجامع» لقاضيخان.\nقال في «منهل الطلاب»: والتيامن فيه مسنون؛ لأنَّه ﵇ كان يحبُّ التيامن في شأنه كله حتى في تنعله وترجله، ولا يخفى أن مسح الخفين طهارة ووسيلة للعبادة، فيسَنُّ فيه التيامن؛ لأنَّه لا يكون أحط رتبة من التنعُّل والترجُّل، بل المسح أشرف منهما، ولا يستحبُّ استيعاب الخفين بالمسح على المعتمد، كما في عامَّة المعتبرات، وقال بعض المشايخ: يستحب الجمع بين الظاهر والباطن، وهو ضعيف، وإن مشى عليه في «الدر» تبعًا «للنهر»، كما أوضحه في «منهل الطلاب»، ولا يسنُّ تكراره كمسح الرأس، كما في «البحر»، و«النهر»، و«الخلاصة»، لكن يسن إظهار الخطوط، كما في «البحر» وغيره.\nوفي الحديث: جواز الاستعانة بغيره.\nوفيه: جواز الانتفاع بجلود الميتات إذا كانت مدبوغات.\nوفيه: جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى تتحقق نجاستها؛ لأنَّه ﵇ لبس الجبة الرومية، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا يتنجَّس بالموت؛ لأنَّ الجبة كانت شامية، وكان الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات.\nوفيه: الردُّ على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في (المائدة)؛ لأنَّها نزلت في غزوة المريسع، وكانت هذه القضية في غزوة تبوك، وهي بعدها بلا خلاف.\nوفيه: التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيِّقة فيه؛ لكونها أعون على ذلك.\nوفيه: قبول خبر الواحد في الأحكام ولو كانت امرأة سوداء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا؛ لأنَّه ﵇ قبل خبر الأعرابية.\nوفيه: استحباب التواري عن أعين الناس عند قضاء الحاجة والإبعاد عنهم.\nوفيه: جواز خدمة السادات بغير إذنهم.\nوفيه: استحباب الدوام على الطهارة؛ لأنَّه ﵇ أمر المغيرة أن يتَّبعه بالماء؛ لأجل الوضوء.\nوفيه: أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يجوز؛ لإخراجه ﵇ يده من تحت الجبة ولم يَكْتَفِ بما بقي، كذا قرَّره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٥٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-356>[حديث عمرو بن أمية: أنه رأى النبي يمسح على الخفين]</span>\n٢٠٤ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النُّون: الفضل بن دكين (قال: حدثنا شَيبان)؛ بفتح المعجمة: ابن عبد الرحمن النحوي، (عن يحيى)؛ أي: ابن أبي كثير؛ بالمثلثة، التابعي الصغير، (عن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، (عن جعفر بن عَمرو) بفتح العين المهملة (بن أمية الضَّمري)؛ بالضَّاد المعجمة المفتوحة: أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة، من التابعين، المتوفى سنة خمس وتسعين: (أن أباه)؛ أي: عمرو المذكور، شهد بدرًا وأحدًا مع المشركين، وأسلم حين انصراف المشركين عن أحد،\n_________\n(^١) في الأصل: (فاخترق)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":90},{"text":"وكان من رجال العرب نجدة وجرأة، بعثه النبي الأعظم ﵇ إلى النجاشي بكتاب يدعوه إلى الإسلام، فأسلم على يديه، المتوفى بالمدينة سنة ستين (أخبره: أنه رأى النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ يمسح على الخفين) في الوضوء، فلا يجوز المسح عليهما في الغسل للجنابة، والحيض، والنفاس، كما أوضحه في «منهل الطلاب» مع كلام فيه؛ فافهم.\nوفرض المسح: مقدار ثلاثة أصابع طولًا وعرضًا، كما في «الدر» و«شرح المنية»؛ يعني: فرضه قدر طول الثلاث أصابع وعرضها، قال في «البحر»: (ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة؛ لا يجوز بلا خلاف بين أئمتنا)، كذا في «البدائع»، إلا إذا كان الماء متقاطرًا بحيث يبتل من الخف قدر الفرض؛ فيجوز، كذا في «المحيط» و«الذخيرة»، وأشار بذكر المقدار إلى أن الأصابع غير شرط، وإنما الشرط قدرها، كما في «الشرنبلالية»، لكن المسنون هو المسح بالأصابع، فإذا مسح بغيرها كخرقة، أو إصابة ماء، أو مطر قدر الفرض؛ أجزأه عن المسح، ولم يحصِّل السنة، كذا في «الإمداد»، وأفاد أن الفرض هو ذلك المقدار من كل رِجل على حدة حتى لو مسح على إحدى رجليه مقدار إصبعين، وعلى الأخرى مقدار خمسة أصابع؛ لم يجز، كما في «النهر».\nولا يفتقر مسح الخف إلى النية، كما في «فتح القدير»، فلو توضأ ومسح الخف ونوى به التعليم دون الطهارة؛ يصح، كذا في «الخلاصة»، وتمامه في «منهل الطلاب».\nوالمراد بالأصابع: أصابع اليد، كما قاله الإمام أبو بكر الرازي، كما في «الخلاصة» و«شرح المنية»، وفي «الاختيار»: (أنه قول الإمام محمد)، وقال الإمام الكرخي: (ثلاث أصابع من أصابع الرجل)، والأول: هو الأصح، كما في «النهر» عن «البدائع»، ومشى عليه في عامة المعتبرات، وقيدها الإمام قاضيخان بكونها من أصغر أصابع اليد، وتبعه في «الدر المختار»، و«إمداد الفتاح»، وقال الإمام زفر: لو مسح بإصبع أو إصبعين؛ يجوز، وهو إحدى الروايتين عن الإمام الأعظم، والأول الأصح، كما في «البحر»، وهو المختار، كما في «المجتبى».\n (قال: أبو عبد الله) أي: المؤلف: (تابعه)، وفي رواية: (وتابعه)؛ بالواو؛ أي: تابع شيبانَ بن عبد الرحمن المذكور، (حربٌ)؛ أي: ابن شداد -بالحاء المهملة-، منقول عن ضد الصلح، و(حربٌ)؛ بالرفع فاعل (تابعه)، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى (شيبان)، وقد وصله النسائي، عن عباس العنبري، عن عبد الرحمن، عن حرب، عن يحيى، عن أبي سلمة، وتوفي حرب سنة إحدى وستين ومئة، وكان بصريًّا حافظًا ثقة، و(أَبَان) عطف على (حرب)، وهو أبان بن يزيد العطار البصري، المتوفى في حدود المئة والستين، وهو بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، بالصرف وعدمه، فمن صرفه؛ جعل الهمزة أصلية والألف زائدة، فوزنه (فعال)، ومن منعه؛ عكس، فقال: الهمزة زائدة والألف بدل من الياء؛ لأنَّ أصله (بيَّن) ووزنه (أفعل)، وقد وصله الطبراني في «معجمه الكبير» عن محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد، (عن يحيى)؛ أي: ابن أبي كثير إلى آخر السند السابق.\n\n <span id=\"b-٣٥٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-357>[حديث عمرو بن أمية: أنه رأى النبي يمسح على عمامته وخفيه]</span>\n٢٠٥ - وبالسند قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان العتكي الحافظ (قال: أخبرنا عبد الله)؛ أي: ابن المبارك المروزي (قال: أخبرنا الأوزاعي): عبد الرحمن الإمام، (عن يحيى)؛ أي: ابن أبي كثير، وعند أحمد: (عن أبي المغيرة عن الأوزاعي: حدثنا يحيى)، (عن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام، ابن عبد الرحمن بن عوف، (عن جعْفر) بسكون العين (بن عَمرو) بفتح العين (بن أُمية)؛ بضم الهمزة، قال في «عمدة القاري»: (وأسقط بعض الرواة عن الأوزاعي جعفرًا من الإسناد، وهو خطأ، قاله أبو حاتم الرازي) انتهى (عن أبيه)؛ أي: عمرو بن أمية الصحابي السابق (قال: رأيت النبي) الأعظم (ﷺ يمسح على عِمامته)؛ بكسر العين؛ أي: بعد مسح الناصية أو بعضها، كما في رواية مسلم، أو على عمامته فقط مقتصرًا عليها؛ كما هو ظاهر الحديث، وهو مذهب أحمد ابن حنبل بشروط عنده ستأتي، وقال الأصيلي: (ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأنَّ شيبان رواه عن يحيى ولم يذكرها، وتابعه حرب وأبان، والثلاثة خالفوا الأوزاعي، فوجب تغليب الجماعة على الواحد)، وأجاب في «عمدة القاري»: بأنه على تقدير تفرد الأوزاعي بذكر العمامة؛ لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنَّه زيادة من ثقة غير منافية لرواية غيره فتُقْبَل، انتهى؛ فليحفظ، (و) كذا رأيته يمسح على (خفيه)؛ أي: في الوضوء، ويشترط عند أحمد للمسح على العمامة الاعتمام بعد كمال الطهارة، ومشقة نزعها بأن تكون محنكة كعمائم العرب، ولأنه عضو يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، وفي «المغني» للحنابلة: من شرائط جواز المسح شيئان؛ أحدهما: أن تكون تحت الحنك سواء أرخى لها ذؤابة أو لا، وقيل: إنَّما يحرم المسح على العمامة التي ليس لها حنك؛ لأنَّه ﵇ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط، وهو ألَّا يكون تحت الحنك منها شيء، وروي عن عمر: (أنه رأى رجلًا ليس تحت حنكه من عمامته شيء فحنكه بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقة؟)، والثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة، نصَّ عليه أحمد، انتهى، وهو قول قتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور.\nوقال ابن المنذر: (وممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأنس، وأبو أمامة) انتهى، وقال الإمام الأعظم، وأصحابه، وعروة، والنخعي، والشعبي، وأبو القاسم، ومالك، والشافعي: لا يجوز المسح على العمامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ومن مسح على العمامة؛ لم يصدق عليه أنه مسح على رأسه، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه، فكذلك الرأس، وقال الخطابي: (فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة مُحْتَمِل للتأويل، فلا يُتْرَكُ المتيقن للمحتمل، وقياسه على مسح الخف بعيد؛ لأنَّه يشق نزعه بخلافها) انتهى.\nوأيضًا مسح الخف الأخبار فيه مستفيضة، تجوز الزيادة بمثلها على الكتاب بخلاف مسح العمامة، فإنه قد أنكره بعض الصحابة، كذا في «البحر»، وقد أخرج الترمذي عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على العمامة، فقال: أَمِسَّ الشعر، وقال الإمام محمد بن الحسن في «موطئه»: (أخبرنا مالك قال: بلغني عن جابر بن عبد الله أنه سئل عن المسح على العمامة، فقال: لا حتى تمس الشعر الماء)، قال الإمام محمد: (وبهذا نأخذ)، ثم قال: (أخبرنا مالك قال: حدثنا نافع قال: رأيت صفية بنت أبي عبيدة تتوضأ، وتنزع خمارها، ثم تمسح برأسها، قال نافع: وأنا يومئذ صغير)، قال الإمام محمد: (وبهذا نأخذ، وقد بلغنا أن المسح على العمامة كان، ثم تُرِك)، كذا في «غاية البيان».\nوحديث الباب محمول على فرع ذكره في «السراج الوهاج»، وهو: (إذا كانت العمامة رقيقة تنفذ البلة منها وتصير إلى الرأس مقدار مسحه؛ فإنه يجوز) انتهى، ويدل لهذا أن في زمانهم العمامة كانت رقيقة تشفُّ الماء، ولم يكن في زمانهم الطربوش؛ فعمامتهم الشاش الرقيق فقط، لا سيما وبلادهم حارة لا يلبس فيها إلا الرقيق، وذكر في «البحر»: (أن المرأة إذا مسحت على خمارها ونفذت البلة إلى رأسها حتى ابتل قدر الربع منه؛ فيجوز) انتهى.\nقلت: أو يُحْمَل حديث الباب على أن الراوي كان بعيدًا عن النبي الأعظم ﵇، فمسح ﵇ على رأسه ولم يضع العمامة عن رأسه؛ فظن الراوي أنه ﵇ مسح على العمامة، وأراد الراوي المجاز إطلاقًا لاسم الحال على المحل، فهذا الحديث متروك الظاهر، لاسيما وقد صرَّح مسلم بروايته: (أنه ﵇ مسح على ناصيته ثم مسح على عمامته)، وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال: بالمسح على القلنسوة إلا أنسًا، فإنه مسح على قلنسوته.\nولا يجوز المسح على الوقاية قولًا واحدًا، ولا نعلم فيها خلافًا؛ لأنَّه [لا] يشقُّ نزعها، وفي جواز المسح للمرأة على الخمار عن أحمد روايتان؛ الجواز وعدمه، وبعدمه قال نافع، وحماد بن سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن","vol":"1","page":90},{"text":"عبد العزيز، وتمامه في «عمدة القاري» و«منهل الطلاب».\n (وتابعه)؛ بواو العطف الساقطة في رواية؛ أي: تابع الأوزاعيَّ على رواية هذا الحديث (مَعمَرٌ)؛ بفتح الميمين، ابن راشد، وهذه المتابعة ناقصة ذكرها على سبيل التعليق، و(معمرٌ)؛ بالرفع فاعل؛ لقوله: (تابعه)، والضمير المنصوب فيه للأوزاعي، (عن يحيى): هو ابن أبي كثير، (عن أبي سلَمة)؛ بفتح اللام: ابن عبد الرحمن بن عوف، (عن عمرو)؛ بالواو، لكن بإسقاط (جعفر) في هذه المتابعة الثابت في الرواية السابقة، وهذا هو السبب في سياق المؤلف الإسناد ثانيًا؛ ليبيِّن أنه ليس في رواية معمر ذكر (جعفر) بين (أبي سلمة) و(عمرو)؛ فليحفظ، (قال) أي: عمرو (رأيت النبي) الأعظم (ﷺ يمسح على عِمامته) بكسر العين (وخفَّيه)؛ أي: ورأيته يمسح على خفيه ﵇، وسقط المتن كله في رواية، وفي أخرى سقط قوله: (وخفيه) فقط، وقال في «عمدة القاري»: (وهذه المتابعة مرسلة، وليس فيها ذكر العمامة؛ لما روى عنه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو قال: رأيت النبي ﵇ يمسح على خفيه، هكذا وقع في «مصنف» عبد الرزاق، ولم يذكر «العمامة»، وأبو سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من أبيه جعفر، فلا حجة فيها).\nقال الكرماني: (ووقع في كتاب «الطهارة» لابن منده من طريق معمر، وفيه ذكر «العمامة»)، قال ابن حجر: (سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو)، قال العجلوني: (يعني: فيحمل ما يرويه على السماع عند مسلم من عدم اشتراط اللقي بالفعل) انتهى.\nوردَّ كلام ابن حجر في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: كونه مدنيًّا وسماعه من خلق ماتوا قبله؛ لا يستلزم سماعه من عمرو، وبالاحتمال لا يَثْبُتُ ذلك) انتهى.\nقلت: وقول العجلوني: (يعني: فيحمل...) إلخ: لا حاجة لهذه العناية والحمل؛ لأنَّ الشرط عند المؤلف ومن وافقه: اشتراط اللقي بالفعل والسماع منه حقيقة، فكيف يصحُّ الحمل على ما شرطه مسلم؟ ولا ريب أن هذا قياس مع الفارق، والفرق ظاهر بين ما شرطه المؤلف وشرطه مسلم، والعجلوني مثله كمثل رجل ركب في سفينة في البحر، وأراد أن يتوضأ، فجاء إلى قارورة الماء، فرأى قربها قارورة خمر والإفرنج يشربون من الخمر، ثم يشربون من الماء، فقال بحمل الماء على الطهارة، وتوضَّأ منه، وصلى، فأين تصح هذه الصلاة مع تيقُّن نجاسة الماء؟! فافهم.\nوالحديث يفيد صحة المسح على العمامة بدلًا عن مسح الرأس، وهو متروك الظاهر؛ كما قدمنا، وأخذ بظاهره أحمد وقال: بالصحة، لكن بالشروط السابقة، ويشترط أيضًا ألا تكون عمامة محرَّمة، فلا يجوز المسح على عمامة مغصوبة، ولا يجوز للمرأة أن تمسح على عمامة إذا لبست عمامة رجل، والأظهر عنده: وجوب استيعابها والتوقيت كالخف، ويبطل المسح بالنزع والانكشاف إلا أن يكون يسيرًا؛ مثل أن يحك رأسه أو يرفعها لأجل الوضوء، وفي اشتراط لبسها على طهارة روايتان عنه، انتهى، وعندنا المسح على الخف المغصوب صحيح، كما في «الدر» وغيره، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٥٨\"> </span>(٤٩) <span data-type=\"title\" id=toc-358>[باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان]</span>\n (باب) قال في «عمدة القاري»: (إذا قطع عمَّا بعده لا يكون معربًا؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا جزء المركَّب، وإذا أضيف إلى ما بعده بتأويل؛ يكون معربًا على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب) (إذا أدخل)؛ أي: الشخص المدخل المفهوم من الفعل (رجليه)؛ أي: في الخفين؛ أي: إدخال الرجل رجله في خفه، (وهما)؛ الواو للحال؛ أي: والحال أن رجليه (طاهرتان) عن الحدث والخبث، وجواب (إذا) محذوف؛ أي: جاز له المسح على الخفين، وقوله: (وهما طاهرتان) لفظ رواية أبي داود.\n\n <span id=\"b-٣٥٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-359>[حديث: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين]</span>\n٢٠٦ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النُّون: الفضل بن دكين (قال: حدثنا زكريا)؛ ممدودًا ومقصورًا، هو ابن أبي زائدة الكوفي، (عن عامر): هو ابن شرحبيل، الشعبي التابعي، (عن عُروة) بضم العين (بن المُغيرة)؛ بضم الميم، (عن أبيه): هو المغيرة المذكور ابن شُعْبة الصحابي الجليل؛ بضم المعجمة وسكون المهملة (قال: كنت مع النبي) الأعظم (ﷺ في سَفر)؛ بفتح المهملة؛ أي: في غزوة تبوك؛ كما ورد مبيَّنًا في رواية أخرى، وكانت في رجب سنة تسع، (فأهويت)؛ أي: مددت يدي، أو أشرت إليه، أو أومأت، قال الجوهري: (يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه)، وقال الأصمعي: (أهويت بالشيء: إذا أومأت به)، وقال التيمي: أهويت؛ أي: قصدت، وقيل: أهويت؛ أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواء: الإمالة، كذا في «عمدة القاري»، وفيه حذف؛ تقديره: فتوضأ إلا رجليه، فأهويت... إلخ، ويحتمل تقديره قبل قوله: فمسح عليهما؛ فتأمل، (لأنزِع)؛ بكسر الزاي، من باب (ضرب يضرِب).\nفإن قلت: فيه حرف الحلق، وما فيه حرف الحلق يكون من باب (فعَل يفعَل)؛ بالفتح فيهما.\nقلت: ليس الأمر كذلك، وإنما [إذا] وجد (^١) (فعَل يفعَل) -بالفتح فيهما-؛ فالشرط فيه أن يكون فيه حرف من حروف الحلق، وأمَّا إذا كانت كلمة فيها حرف حلق معلَّق؛ لا يلزم أن يكون من باب (فعَل يفعَل)؛ بالفتح فيهما، كذا في «عمدة القاري».\n (خفَّيه)؛ بالتثنية؛ أي: خُفَّي النبي الأعظم ﵇، ففيه: خدمة العالم، وللخادم أن يقصد إلى ما يعرف من حديثه دون أن يأمر بها، (فقال) ﵇ له: (دعهما)؛ أي: دع الخفين؛ أي: اتركهما بدون نزع، فـ (دع) معناه: الترك؛ لأنَّه من الأفعال التي أماتوا ماضيها، (فإني أدخلتهما)؛ أي: الرجلين، وجاز تشتيت الضمير؛ لظهور المراد، ولو جعل ضمير (أدخلتهما) عائدًا إلى الخفين على أنه من باب القلب؛ لم يبق فيه تشتيت؛ فافهم، (طاهرتين)؛ أي: من الحدث، وهو منصوب على الحال، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية: (وهما طاهرتان)، وهي جملة اسمية حالية، وفي رواية أبي داود: (فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)، وللحميدي في «مسنده»: (قلت: يا رسول الله؛ أيمسح أحدنا على خفيه؟ قال: نعم؛ إذا أدخلهما وهما طاهرتان).\nففيه: أنَّ من لبس خفيه على غير طهارة؛ أنه لا يمسح عليهما بلا خلاف، كما في «عمدة القاري»، والمراد بالطهارة للرجلين: غسلهما، وإتمام الوضوء قبل الحدث، فلو غسل رجليه، ولبس الخفين، ثم أكمل بقية الوضوء، ثم أحدث؛ يجزئه المسح عليهما؛ لأنَّ الشرط: أن يصادف الحدث طهارة كاملة، وكذا لو تخفف المحدث، ثم خاض الماء، فابتلَّ قدماه، ثم تمَّم وضوءَه، ثم أحدث؛ جاز أن يمسح؛ لوجود الشرط، وهو كونهما ملبوسين على طهارة كاملة وقت الحدث، ومثله: ما لو غسل رجليه، ثم تخفَّف، ثم تمَّم الوضوء، أو غسل رجلًا، فخففَّها، ثم الأخرى كذلك، كما في «البحر»، بخلاف ما لو توضأ، ثم أحدث قبل دخول الرِّجل إلى قدم الخف؛ فإنه لا يمسح، وهذا ظاهر من قوله في الحديث: (وهما طاهرتان)؛ لأنَّ المراد من قوله: (طاهرتان) كونهما مغسولتين سواء كان قبل إكمال الوضوء أو في أثنائه، وبغسلهما لا ريب أنه ارتفع الحدث عنهما، فصدق عليهما أنهما طاهرتان، وليس المراد: إدخالهما طاهرتان بطهر الوضوء؛ لأنَّه لا يفهم من الحديث ذلك؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لقال: فإني أدخلتهما بعد تمام الوضوء، فلمَّا قال: (فإني أدخلتهما طاهرتين)؛ عُلِم منه أنه لا يشترط أن يكون لبسهما على طهارة بعد تمام الوضوء، بل يجوز المسح سواء غسلهما قبل تمام الوضوء أو بعده؛ فليحفظ.\nوقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: معنى قوله: «أدخلتهما طاهرتين» يجوز أن يقال: إذا غسلهما وإن لم تكمل الطهارة، كما يقال: صلى ركعتين قبل أن يتمَّ صلاته، وهذا هو المتبادر من اللفظ، ويحتمل أن يريد: طاهرتان من جنابة أو خبث، ولو قلت: دخلنا البلد ونحن ركبان؛ يشترط أن يكون كل واحد راكبًا عند دخوله، ولا يشترط اقترانهم في الدخول، فكون كل واحدة من الرجلين عند إدخالهما الخف طاهرة؛ إذ لم يدخلهما الخفين وهما معًا طاهرتان؛ لأنَّ إدخالهما معًا غير متصوَّر عادة، وإنما أراد إدخال كل واحدة الخف وهي طاهرة بعد الأخرى، وقد وُجِد، ومع هذا فإن المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي، وليس بشرط عندنا، وهو المتبادر من لفظ الحديث؛ كما لا يخفى؛ فافهم.\n (فمسح)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (عليهما)؛ أي: على الخفين، وفيه إضمار؛ تقديره: فأحدث، فمسح عليهما؛ لأنَّ وقت جواز المسح بعد الحدث والوضوء، ولا يجوز قبله؛ لأنَّه على طهارة.\nوليس في هذا الحديث توقيت مدة المسح، وهو المرجح عند مالك من أقوال تقدم بيانها، والمشهور وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: أنه للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها؛ لما رواه ابن خزيمة من حديث صفوان بن عسال (^٢): (أمرنا\n_________\n(^١) في الأصل: (وجب)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (غسان)، وهو تحريف.","vol":"1","page":91},{"text":"رسول الله ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا)، ولما في «مسلم» من حديث علي ﵁ قال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم)، ورواه ابن حبان، وهذا حجة على مالك في عدم توقيته بمدَّة.\nوابتداء المدة للمقيم والمسافر عقيب الحدث الذي يحصل بعد لبس الخفين على طهر عند عامَّة علمائنا، وهو الصحيح؛ لأنَّ الخف عهد مانعًا سراية الحدث، فيعتبر ابتداء المدة من وقت المنع؛ لأنَّ ما قبله ليس طهارة مسح، بل طهارة غسل، فلا تعتبر، وقال الإمام المرغيناني في «الهداية»: (المسح جائز من كل حدث موجب للوضوء إذا لبسهما على طهارة كاملة، ثم أحدث)، ثم قال: (وقوله: «إذا لبسهما على طهارة كاملة»: لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس، بل وقت الحدث، وهو المذهب عندنا حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أكمل الطهارة، ثم أحدث؛ يجزئه المسح، وهذا لأنَّ الخف مانع حلول الحدث بالقدم، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع وهو وقت الحدث حتى لو كانت ناقصة عند ذلك؛ كان الخف رافعًا).\nقال ابن حجر بعد ذكر كلام «الهداية»: (والحديث حجة عليه؛ لأنَّه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلَّق بشرط لا يصحُّ إلا بوجود ذلك الشرط).\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأن الحديث المذكور ليس بحجة على صاحب «الهداية»، أمَّا أولًا؛ فإن اشتراط اللبس على طهارة كاملة لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث؟ فعندنا: عند الحدث، وعند الشافعي: عند اللبس، وتظهر ثمرة الخلاف: فيما إذا غسل رجليه أولًا، ولبس خفيه، ثم أتمَّ الوضوء قبل أن يُحدِث؛ جاز له المسح عندنا خلافًا له، وكذا لو توضأ، فرتَّب، لكن غسل إحدى رجليه، ولبس الخف، ثم غسل الأخرى، ولبس الخف الآخر؛ يجوز له المسح عندنا، وهو قول الثوري، ومطرف من أصحاب مالك، والمزني صاحب الشافعي، وابن المنذر وغيرهم، خلافًا للشافعي، وذلك لصدق أنه أدخل كلًّا من رجليه الخفين، وهي طاهرة.\nوقوله: (المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط) سلَّمناه، ولكن لا نسلم أنه ﵇ شرط كمال الطهارة وقت اللبس؛ لأنَّه لا يفهم ذلك من نصِّ الحديث، غاية ما في الحديث: أنه أخبر أنه لبسهما وقدماه كانتا طاهرتين، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة؛ لأجل جواز المسح سواء كانت حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يُفْهَمُ من العبارة، فإذا تقرر هذا؛ لم يكن الحديث حجة على صاحب «الهداية»، بل حجة له؛ حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح، وحجة على الشافعي؛ حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه، على أنه قدمنا عن الحافظ الطحاوي أن قوله: (أدخلتهما طاهرتين): يحتمل أن يقال: إنَّه غسلهما وإن لم تكمل الطهارة، كما يقال: صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته، ويحتمل أن يريد طاهرتان من جنابة أو خبث.\nولو قلت: دخلنا البلد ونحن ركبان؛ يشترط أن يكون كل واحد راكبًا عند دخول البلد، ولا يشترط اقترانهم في الدخول، وإدخالهما معًا غير متصوَّر عادة، وإنما المتبادر إدخال كل واحدة الخف وهي طاهرة بعد الأخرى، وقد وُجِد.\nوقال ابن حجر أيضًا: (وحديث صفوان السابق أقوى حجة للشافعي).\nقال في «عمدة القاري»: (إن كان مراده من قوله: «أقوى حجة» كون مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يومًا وليلة؛ فمسلَّم؛ لأنَّه قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، ونحن نقول به، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس؛ فغير مسلَّم؛ ذلك لأنَّه لا يفهم ذلك من نص الحديث على ما ذكرناه الآن).\nثم قال ابن حجر: (وحديث صفوان وإن كان صحيحًا لكنه ليس على شرط المؤلف، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس).\nورده في «عمدة القاري»؛ حيث قال: (قلت: بعد أن صح حديث صفوان عند جماعة من المحدثين لا يلزم أن يكون على شرط المؤلف، وقوله: «موافق له في الدلالة...» إلخ: غير مسلَّم؛ لأنَّه لا يدل على كون الطهارة عند اللبس، نعم؛ هو موافق له في مطلق اشتراط الطهارة لا غير، فإن ادعى هذا القائل أنَّه يدل على كونها عند اللبس؛ فعليه البيان بأي نوع من أنواع الدلالة) انتهى.\nوزاد في الطنبور نغمة العجلونيُّ على ابن حجر وقال: (والظاهر من الأحاديث: الطهارة الكاملة عند اللبس، ويكفي الظهور في ثبوت الحكم لا سيما رواية: «وهما طاهرتان»؛ لدلالة الجملة الاسمية على الاستمرار) انتهى.\nقلت: وهو مردود؛ فأي دليل دلَّه على أن (الظاهر من الأحاديث: الطهارة الكاملة عند اللبس)، وما ذاك إلا دعوى بدون دليل، بل الظاهر المتبادر من الأحاديث: اشتراط الطهارة وقت الحدث، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\nوقوله: (ويكفي الظهور في ثبوت الحكم): مردود؛ لأنَّه لم يَظْهَر شيء مما قاله حتى يَثْبُتَ الحكم، وهذا الظهور أوهى من بيت العنكبوت.\nوقوله: (لا سيما رواية: «وهما طاهرتان»)؛ يعني: أنه قد ترقَّى في الدليل، ولم يدر أنَّه قد تكلَّم بكلام لا يقبله الطبع السليم، ولا يقوله إلا صاحب الطبع والفهم السقيم، وغاية ما يدل قوله: (وهما طاهرتان) إخبارٌ منه أنه لبسهما على طهارة فقط، وكونه عند اللبس أمر زائد على المفهوم المتبادر من الأحاديث، كما لا يخفى.\nوقوله: (لدلالة الجملة الاسمية على الاستمرار)؛ معناه: الاستمرار على الطهارة، فليس فيه دلالة على ما قاله الشافعية، بل الأحاديث التي في هذا الباب ظاهرها والمتبادر منها ما يدل على ما قاله الأئمة الحنفية، ومن تتبع ما قلناه؛ ظهر له الحق اليقين، وخسر هنالك المبطلون؛ فافهم.\nوفي الحديث: إمكان الفهم عن الإشارة، وردُّ الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة؛ لأنَّ المغيرة أهوى لينزع الخفين، ففهم منه ﵇ ما أراد، [فأجاب] بأن يجزئه المسح، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٦٠\"> </span>(٥٠) <span data-type=\"title\" id=toc-360>[باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق]</span>\nهذا (باب: مَن لم يتوضأ مِن) أكل (لحم الشاة) قيَّد به؛ ليندرج ماهو مثلها وما دونها في حكمها، ولعله يشير إلى استثناء لحوم الإبل؛ لأنَّ من خصَّه من العموم كأحمد؛ علَّله بشدَّة زخومته؛ فتأملن (و) من أكل (السويق)؛ بالسين، والصَّاد فيه لغة؛ لمكان المضارعة، والجمع: أسوقة، وسمي بذلك؛ لانسياقه في الحلق، والقطعة من السويق: سويقة، قال أبو حاتم: إذا أرادوا أن يعملوا الفريصة وهي ضرب من السويق؛ ضربوا من الأرض ما يريدون حين يستنزل، ثم يسهمونه، وتسهيمه: أن يسخن على المقلى حتى ييبس، وإن شاؤوا جعلوا معه على المقلى الفرديج، وهو أطيب لطعمه، وعاب رجل السويق بحضرة أعرابي، فقال: لا تعبه، فإنه عدة للمسافر، وطعام العجلان، وغداء المبكر، وبلغة المريض، وهو يسرُّ فؤاد الحزين، ويبرِّد من نفس المحرور، وجيد في التسمين، ومنعوت في الطيب، وفقاره يحلق البلغم، وملتوته يصفِّي الدم، وإن شئت؛ كان شرابًا، وإن شئت؛ كان طعامًا، وإن شئت؛ كان ثريدًا، وإن شئت؛ كان خبيصًا، وأثريت السويق: صببت عليه ماء ثم لتيته، وفي «مجمع الغرائب»: (ثرى يثري ثرية، إذا بل التراب، وإنما بلَّ السويق؛ لما كان لحقه من اليبس والقدم، وهو شيء من الشعير أو القمح يدق، فيكون شبيه الدقيق، إذا احتيج إلى أكله؛ خلط بماء، أو لبن، أو رب، أو نحوه، وقال قوم هو: الكعك).\nقال السفاقسي: (قال بعضهم: كان ملتوتًا بسمن)، وقال الداودي: (هو دقيق الشعير والسلت المقلو)، ويرد قول من قال: (إن السويق هو الكعك) قول الشاعر:\nيا حَبَّذا الكَعْكُ بلحمٍ مَثْرُودْ... وخُشْكَنَان مع سويق مقنود\nكذا في «عمدة القاري»، وقال ابن التين: (ليس في حديثي الباب ذكر السويق)، وأجاب ابن حجر: بأنه دخل من باب أولى؛ لأنَّه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته؛ فمع السويق أولى، أو لعلَّه أشار بذلك إلى حديث الباب بعده.\nوردَّه في «عمدة القاري»؛ حيث قال: (قلت: إن سلمنا ما قاله؛ فتخصيص السويق بالذكر لماذا؟! وقوله: «ولعلَّه...» إلخ؛ أبعد في الجواب من","vol":"1","page":91},{"text":"الأول؛ لأنَّه عقد على السويق بابًا، فلا يُذْكَرُ إلا في بابه، وذكره إياه ههنا لا طائل تحته؛ لأنَّه لا يفيد شيئًا زائدًا) انتهى كلامه، وهو ظاهر، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n (وأكل أبو بكر): عبد الله بن عثمان الصديق الأكبر، (وعمر) الفاروق، (وعثمان) ذي النُّورين رضي الله تعالى عنهم (لحمًا؛ فلم يتوضؤوا)، وسقط في رواية أبي ذر لفظ: (لحمًا)، وإنما روى: (أكل أبو بكر، وعمر، وعثمان؛ فلم يتوضؤوا)، ووجد ذلك في رواية الكشميهني، والأولى أعم؛ لأنَّ فيه حذف المفعول، وهو يتناول أكل كل ما مسته النار لحمًا أو غيره، كذا وصل هذا التعليق الطبراني في «مسند الشاميين» بإسناد حسن من طريق سليم بن عامر قال: (رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤوا)، ورواه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن علي بن يزيد، عن محمد بن المنكدر قال: (أكلت مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر وعمر وعثمان خبزًا ولحمًا، فصلُّوا ولم يتوضؤوا)، ورواه الترمذي مطوَّلًا، وكذا ابن حبان، ورواه الحافظ الطحاوي عن جابر قال: (أكلنا مع أبي بكر ﵁ خبزًا ولحمًا، ثم صلَّى فلم يتوضَّأ)، وروي عن جماعة من الصحابة ﵃ نحوه، وقوله: (فلم يتوضؤوا): غرضه منه بيان الإجماع السكوتي، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٣٦١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-361>[حديث: أن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ]</span>\n٢٠٧ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ أي: التنيسي، (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن زيد بن أَسْلَم)؛ بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح اللام: العدوي مولى عمر المدني، (عن عطاء) بالمد (بن يسار)؛ بمثناة تحتية فمهملة مخففة، (عن عبد الله بن عباس)، وفي رواية: (عن ابن عباس) ﵄: (أن رسول الله ﷺ أكل كَتِف) بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية (شاة)؛ أي: أكل لحم كتف شاة في بيت ضباعة بنت الحارث بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي الأعظم ﵇، وعند المؤلف في (الأطعمة): (تعرَّق)؛ أي: أكل ما على العَرْق -بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء- وهو العظم، ويقال له: العُراق -بالضم أيضًا- وفي لفظ: (انتشل عرقًا من قدر)، وعند مسلم: (أنه أكل عرقًا أو لحمًا، ثم صلى، ولم يتوضأ، ولم يمس ماء)، ورواه أبو إسحاق السراج في «مسنده» بزيادة: (ولم يُمَضْمِضْ)، وفي «مسند أحمد»: (انتهش من كتف)، وعند المؤلف: (أكل من عظم أو تعرق من ضلع)، وعند ابن ماجه وأبي داود: (فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء، ثم قام إلى الصلاة).\n (ثم صلى) ﵇ صلاة الظهر، ثم أكل، وقام إلى صلاة العصر؛ كما سيأتي في قصة المرأة التي صنعت للنبي ﵇ شاة، (ولم يتوضأ)، وعند مسلم زيادة: (ولم يمس ماء)، وزاد أبو إسحاق: (ولم يمضمض)، كما سبق قريبًا، وهذا مذهب الأستاذ المعظم الإمام الأعظم، والثوري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، والليث، وإسحاق، وأبي ثور ﵃، وتبعهم أحمد ابن حنبل إلا أنَّه يرى الوضوء من لحم الجزور فقط، وقال ابن المنذر: (كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء؛ لا يرون الوضوء مما مست النار).\nوقال الحسن البصري والزهري وعمر بن عبد العزيز: (يجب الوضوء مما غيرت النار)، وهو قول زيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة، وأم حبيبة، وأبي أيوب، واحتجُّوا بأحاديث؛ منها: حديث أبي طلحة صاحب النبي ﵇: (أنه أكل ثور أقط؛ فتوضأ منه)، قال عمرو: (الثور: القطعة)، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح، والطبراني في «الكبير»، ومنها: حديث زيد بن ثابت عن النبي ﵇ قال: «توضؤوا مما غيرت النار»، رواه الحافظ الطحاوي، والنسائي، والطبراني، ومنها: حديث أم حبيبة قالت: إن رسول الله ﵇ قال: «توضؤا مما مست النار»، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح، وأحمد في «مسنده»، وأبو داود، والنسائي، ومنها: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: «توضؤوا مما غيرت النار ولو من ثور أقط»، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح، والترمذي، والسراج، ومنها: حديث سهل ابن الحنظلية قال: قال رسول الله: «من أكل لحمًا؛ فليتوضأ»، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد حسن.\nوأجيب: بأن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث كثيرة منها: حديث ابن عباس، وحديث عمرو بن أمية، وغيرهما، وبما روي عن جابر ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﵇ هو ترك الوضوء مما مست النار)، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في «صحيحه».\nوروى مسلم من حديث جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول لله ﵇: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا تتوضأ»، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، توضأ من لحوم الإبل»، وبه استدل أحمد على وجوب الوضوء من لحم الجَزور، وأجيب عنه وعن ما سبق: أن المراد بالوضوء في الأحاديث: غسل اليدين لا الوضوء الشرعي.\nفإن قلت: روي: (توضأ)، وروي: (لم يتوضأ).\nقلت: هو دائر بين الأمرين، وحديث جابر بيَّن أن المراد الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد والمضمضة؛ لزيادة دسومة وزهومة لحم الإبل، وقد ورد النهي أن يبيت وفي يده أو فمه دسم؛ خوفًا من عقرب ونحوهما، وبأنه منسوخ بحديث جابر.\nوضعَّف في «المجموع» الجوابين بأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي، وترك الوضوء مما مست النار عام، وخبر الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص مقدم على العامسواء كان قبله أو بعده.\nوأجيب: بأن الحمل على الوضوء اللغوي صحيح؛ لأنَّه قد ورد الوضوء بمعناه اللغوي؛ كقوله ﵇: «الوضوء قبل الطعام بركة، وبعده ينفي اللمم»، وبأن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، فهو مقدَّم على الشرعي؛ للقرينة الدَّالة على ذلك، وهي الأكل، والإجماع قائم على أنه يسن غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وقد حكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها؛ نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون ﵃ أجمعين بعد النبي ﵇، فرجحنا به أحد الجانبين، وعدم لزوم الوضوء من ذلك، ولهذا صدَّر المؤلف حديث الباب بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة، وقد صحَّ أن النبي الأعظم ﵇ قال: «إن يطع الناسَ أبا بكر وعمر يرشدوا»، وقال النووي: (واستقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار)، وسيأتي تمامه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٦٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-362>[حديث: رأى رسول الله يحتز من كتف شاة]</span>\n٢٠٨ - وبه قال: (حدثني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (يحيى بن بُكير)؛ بضم الموحدة وبالتصغير، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري (قال: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة: ابن سعد المصري، (عن عُقيل)؛ بضم العين المهملة بالتصغير: هو ابن خالد الأيلي المصري، (عن ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (جعفر بن عَمرو) بفتح العين (بن أمية: أنَّ أباه عَمرًا)؛ أي: ابن أمية المذكور (أخبره) وليس لعمرو بن أمية رواية في البخاري إلا هذا والذي مضى في المسح فقط، قاله في «عمدة القاري»: (أنَّه رأى)؛ أي: أبصر، فلا تقتضي إلا مفعولًا واحدًا (النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ يحْتزُّ)؛ بالحاء المهملة الساكنة، وبالزاي المشددة؛ أي: يقطع، يقال: احتزه؛ أي: قطعه، (من كتف شاة)؛ أي: من لحمه، زاد المؤلف في (الأطعمة): (يأكل منه)، وعنده في (الصلاة): (يأكل ذراعًا يحتز)، وفي أخرى: (يحتز من كتف يأكل منها)، قال ابن سيده: الكَتِف العَظْم بما فيه، وهي أُنْثى، والجمع: أكْتاف، يقال: كَتِف؛ بفتح الكاف، وكسر التاء، وكِتْف؛ بكسر الكاف وسكون التاء، وقيل: هو عظم عريض خلف المنكب، وهي تكون للناس وغيرهم، والكتف من الخيل والإبل والبغال والحمير وغيرها: ما فوق العضد، وقيل: الكتفان: أعلى اليدين، والجمع: أكتاف، قال سيبويه: لم يجاوزوا به هذا البناء، وحكى اللحياني في «جمعه»: كتفه، انتهى.\n (فدُعي)؛ بضم الدَّال على البناء للمجهول (إلى الصلاة)؛ أي: صلاة العصر، وكان الداعي له إلى الصلاة بلال ﵁، كما في «النسائي» عن أم سلمة، (فألقى) أي: النبي الأعظم ﵇ (السِّكِّين): زاد المؤلف في (الأطعمة)، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري: (وألقاها والسكين)، قال في «عمدة القاري»: (والسِّكِّين على وزن «فعيل»؛ كشِرِّيب، يذكر ويؤنث)، وحكى اللحياني: سكينة، ولعلَّه سمِّى به؛ لأنَّه يسكن حركة المذبوح، (فصلى): وفي رواية: (وصلى)؛ بالواو (ولم يتوضأ)، زاد البيهقي من طريق عبد الكريم بن الهيثم عن أبي اليمان في آخر هذا الحديث: (قال الزهري: فذهبت تلك؛ أي: القصة في الناس، ثم أخبر رجال من أصحابه ﵇ ونساء من أزواجه ﵇: أنه ﵇ قال: «توضؤوا مما مست النار»)، ثم قال: (فكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة؛ لأنَّ الإباحة سابقة، واعترض عليه بحديث جابر السابق قريبًا قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﵇ ترك الوضوء مما مست النار، لكن قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر هنا: الشأن والقصة، لا ما قابل النهي، وإن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي الأعظم ﵇ شاة مسمومة، فأكل منها، ثم توضأ وصلى الظهر، ثم أكل منها وصلى العصر، ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت","vol":"1","page":92},{"text":"بعد الأمر بالوضوء مما مست النار، وهو الظاهر، وأن وضوءه لصلاة الظهر يحتمل أنه كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة، ويحتمل أنه من أكل الشاة؛ لكونها مسمومة، فوجد حرارة السم في جسده الشريف، فتوضأ لأجل إطفاء الحرارة لا بسبب الأكل من الشاة، قال الشيخ النووي: والخلاف فيه معروف بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل، وجمع الخطابي بوجه آخر؛ وهو أن الأمر بالوضوء منه الوارد في الأحاديث محمول على الاستحباب لا على الوجوب، وقال المهلب: كانوا في الجاهلية قد ألفوا قلة التنظيف، فأُمِروا بالوضوء مما مست النار، فلما تقررت النظافة في الإسلام وشاعت؛ نسخ لزوم الوضوء مما مست النار؛ تيسيرًا على المسلمين، وحديث مسلم عن جابر يفيد التخيير بين الوضوء وعدمه، فدلَّ على أنه غير واجب، وعلى كلٍّ أحاديث الإباحة أقوى من أحاديث المنع؛ فهي لا تقاوم أحاديث الإباحة.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث دلالة على أنَّ أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء، وقد ذكرناه.\nوفيه: جواز قطع اللحم بالسكين، فإن قلت: ورد النهي عن ذلك في «سنن أبي داود»؛ قلت: هو حديث ضعيف، فإذا ثبت؛ خُصَّ بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك؛ لما فيه من التشبيه بالأعاجم وأهل الرفاهية.\nوفيه: قبول الشهادة على النفي إذا كان محصورًا مثل هذا؛ أعني قوله: «ولم يتوضأ») انتهى.\nقلت: ولا بد للشهادة على النفي من جمع عظيم، ومقداره مفوض إلى رأي قاضي القضاة، وقيل: مقدر بثلاثين رجلًا، وقيل: بعشرين، وقيل: بعشرة، والأول المعتمد، وعليه الفتوى، والله تعالى الموفق للتقوى.\n\n <span id=\"b-٣٦٣\"> </span>(٥١) <span data-type=\"title\" id=toc-363>[باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ]</span>\nهذا (باب: من مضمض)؛ أي: تمضمض، أو المفعول محذوف، (من) أَكْلِ (السويق) بعد أكله (ولم يتوضأ): فاعله عائد إلى (من)، يجوز فيه وجهان: إثبات الهمزة ساكنة علامة للجزم، وحذفها تقول: لم يتوضَ، كما تقول: لم يخش؛ بحذف الألف، والأول هو الأشهر، كما في «عمدة القاري».\nقال ابن حجر: يجوز في (لم يتوضأ) روايتان، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يقال في مثل هذا روايتان، بل يقال: وجهان، أو لغتان، أو طريقان، أو نحو ذلك؛ فافهم، والله أعلم\n\n <span id=\"b-٣٦٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-364>[حديث سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله عام خيبر]</span>\n٢٠٩ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن يحيى بن سعِيد)؛ بكسر العين؛ أي: الأنصاري، (عن بُشَير) بضم الموحدة، وفتح المعجمة، والتصغير (بن يَسَار)؛ بفتح التحتية والمهملة: الخازن (مولى بني حارثة): كان شيخًا فقيهًا، أدرك عامَّة أصحاب النبي الأعظم ﵇: (أنَّ سُوَيْد) بضم المهملة، وفتح الواو (^١) وسكون التحتية (بن النُّعمان)؛ بضم النُّون: الأنصاري الأوسي المدني، من أصحاب بيعة الرضوان (أخبره أنَّه خرج مع رسول الله ﷺ عامَ خيبر)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: سنة غزوة رسول الله ﵇ لها، وكانت سنة سبع، و(خيبر): بلدة معروفة، بينها وبين المدينة نحو أربع مراحل، وقال أبو عبيد: ثمانية برد، وسميت باسم رجل من العماليق نزلها، واسمه خيبر بن فانية بن مهلائيل، وكان عثمان ﵁ مصَّرها، وهي غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، فتحها رسول الله ﵇، واختلف في فتحها؛ قيل: فتحت عنوة، وقيل: صلحًا، وقيل: بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وتمامه في «عمدة القاري»، (حتى إذا كانوا)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ وأصحابه الكرام، (بالصَّهْباء)؛ بفتح الصَّاد المهملة، وسكون الهاء والموحدة الممدودة (وهي)؛ أي: الصَّهباء (أدنى خيبر)؛ أي: أسفلها وطرفها من جهة المدينة، وعند المؤلف في (الأطعمة): (وهي على روحة من خيبر)، وهذه الزيادة مدرجة من قول يحيى بن سعيد، كما عند المؤلف في موضع آخر من (الأطعمة)، وقال البكري في «معجم البلدان»: (هي على بريد) انتهى (فصلى): الفاء فيه لمحض العطف وليست للجزاء؛ لأنَّ قوله: (إذا كانوا) ليست جزائية، بل هي ظرفية؛ أي: النبي الأعظم ﵇، (العصر)؛ أي: صلاة العصر، وفي رواية: (نزل فصلى العصر)، فظهر بروايتهما أن الفاء لعطف (فصلى) على (نزل) المقدر لا على (كانوا)، كما تقدم، أفاده في «عمدة القاري».\n (ثم دَعا)؛ بفتح الدَّال؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (بالأزواد)؛ جمع زاد؛ بالزاي: وهو طعام يتخذه المسافر في سفره، (فلم يُؤت) بضم التحتية (إلا بالسويق): المعلوم مما سبق، (فأمر به) ﵇ بالسويق أن يثرى؛ (فثُرِّي)؛ بضم المثلثة وتشديد الرَّاء المكسورة ويجوز تخفيفها على صيغة المجهول؛ أي: بُلَّ بالماء لما لحقه من اليبس، يقال: ثرَّيته تثرية؛ إذا رششته بالماء، (فأكل رسول الله ﷺ)؛ أي: من السويق، (وأكلنا)؛ أي: منه، زاد المؤلف في رواية سليمان الآتية: (وشربنا)، وعنده في (الجهاد) من رواية عبد الوهاب: (فلكَّينا وأكلنا وشربنا)؛ أي: من الماء أو من مائع السويق، (ثم قام) ﵇ (إلى) صلاة (المغرب)؛ أي: أراد أن يصلي صلاة المغرب، فطلب ماء، (فمضمض) فاه به قبل أن يشرع في الصلاة، (ومضمضنا) كذلك، (ثم صلى)؛ أي: صلاة المغرب، وصلينا خلفه (ولم يتوضأ)؛ أي: بسبب أكل السويق، ولم يأمرنا بالوضوء.\nففيه المطابقة لجزئي الترجمة، وفائدة المضمضة منه وإن كان لا دسم له: أنه لا بد أن تحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيشتغل بتتبعه باللسان عن الصلاة.\nوفي الحديث: حمل الأزواد في الأسفار، وأن ذلك لا ينافي التوكل، قال المهلب: وفي الحديث: أن الإمام يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته؛ ليبيعوه لأهل الحاجة، وأن الإمام ينظر لأهل العسكر ليجمع الزاد؛ ليصيب منه من لا زاد معه.\nوقال الخطابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ؛ لأنَّه متقدم، وخيبر سنة سبع، واعترضه ابن حجر: بأنه لا دلالة فيه؛ لأنَّ أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر وروى الأمر بالوضوء، كما في «مسلم»، وأنه كان يفتي به بعد النبي ﵇، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يستبعد ذلك؛ لأنَّ أبا هريرة ربما أنه يرويه عن صحابي كان أسلم قبله، فيسنده إلى النبي ﵇؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول، واعترض: بأنه لا يستقيم في الذي يقول فيه أبو هريرة: سمعته من النبي ﵇.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ربما أنه يكون قد سمعه قَبْلُ منه ﵇، وسمع صحابيُّ غيره النسخ، ولم يبلغ أبا هريرة، وإن ثبت عند غيره، ويقول: إنِّي سمعته من النبي ﵇، والحال أنه منسوخ ولم يبلغه النسخ؛ فليتأمل.\nوفي الحديث: جواز أداء صلاتين فأكثر بوضوء واحد، قال ابن حجر: (وفيه: استحباب المضمضة بعد الطعام)، واعترضه في «عمدة القاري»: بأن المؤلف لم يضع هذا الباب لذلك هنا، وإن كان يفهم منه ذلك، انتهىوتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي.\n\n <span id=\"b-٣٦٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-365>[حديث ميمونة: أن النبي أكل عندها كتفًا ثم صلى ولم يتوضأ]</span>\n٢١٠ - وبه قال: (حدثنا): وفي رواية: (وحدثنا)؛ بالواو (أصبغ)؛ بالغين المعجمة: هو ابن الفرج (قال: أخبرنا ابن وهَب)؛ بفتح الهاء: هو عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (عَمرو)؛ بفتح العين المهملة؛ أي: ابن الحارث، كما في رواية، (عن بُكير)؛ بضم الموحدة مصغرًا: وهو ابن عبد الله بن الأشج، (عن كُريب)؛ بضم الكاف مصغرًا أيضًا: هو ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، المدني، أبي رشدين مولى ابن عباس ﵄، (عن) أم المؤمنين (ميمونة) ﵂ زوج النبي الأعظم ﵇، ممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث: (أنَّ النبي) الأعظم (ﷺ أكل عندها)؛ أي: في البيت الذي خصها به (كَتِفًا)؛ بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية؛ أي: لحم كتف، (ثم) قام و(صلى): والظاهر أنها صلاة نافلة؛ لأنَّ الفريضة لا يصليها وحده ﵇، (ولم يتوضأ)؛ لأنَّه غير ناقض للوضوء، وهذا مذهب الأستاذ المعظم الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وقد انعقد الإجماع على ذلك، كما سبق.\nوليس بين هذا الحديث وبين الترجمة مطابقة؛ لأنَّه لم يذكر فيه السويق، ولهذا قالوا: إن وضع الحديث هنا من قلم الناسخين، وإن نسخة الفربري التي بخطه تقديمه إلى الباب السابق، ولم يذكر المضمضة فيه المترجَم بها، فقيل: أشار بذلك إلى أنَّها غير واجبة؛ بدليل تركها في هذا الحديث مع أن المأكول دسم يحتاج إلى المضمضة منه، فتركها؛ لبيان الجواز، وبقية المباحث تقدمت في الباب قبله، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٦٦\"> </span>(٥٢) <span data-type=\"title\" id=toc-366>[باب: هل يمضمض من اللبن]</span>\nهذا (باب) بالتنوين: (هل يُمَضمِض)؛ بضم المثناة التحتية، وفتح الميم الأولى، وكسر الثانية وفتحها على\n_________\n(^١) في الأصل: (الرَّاء)، ولعله تحريف عن المثبت.","vol":"1","page":92},{"text":"صيغة المعلوم أو المجهول، وللأصيلي: (يتَمَضمَض)؛ بزيادة مثناة فوقية مفتوحة كالتحتية قبلها وفتح الميمين، (من اللبن) إذا شربه.\n\n <span id=\"b-٣٦٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-367>[حديث: أن رسول الله شرب لبنًا فمضمض]</span>\n٢١١ - وبالسند قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير)؛ بضم الموحدة مصغرًا، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو يحيى بن عبد الله بن بُكير المصري، (وقُتَيْبَة)؛ بضم القاف، وفتح المثناة الفوقية، وإسكان التحتية، وفتح الموحدة: هو ابن سعيد، أبو رجاء الثقفي (قالا: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة: هو ابن سعد المصري، (عن عُقيل)؛ بضم العين المهملة مصغرًا: هو ابن خالد، (عن ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتْبَة)؛ بضم العين المهملة، وسكون الفوقية، وفتح الموحدة: ابن مسعود ﵁، (عن ابن عباس) ﵄: (أنَّ رسول الله ﷺ شرِب) بكسر الرَّاء (لبنًا): زاد مسلم: (ثم دعا بماء)، (فمضمض) فاه، (وقال) ﵇: (إنَّ له) أي: للبن (دَسَمًا)؛ بفتحتين منصوبًا، اسم (إن)؛ أي: زهومته، وهو ما يظهر على اللبن من الدهن، وقال الفاضل جار الله الزمخشري: (الدسم: من دَسَمَ المطرُ الأرضَ؛ إذا لم يبلغ أن يبل الثرى، وأمَّا الدُّسْم -بضم فسكون-: هو الشيء القليل)، وجملة المقول بيان لعلة المضمضة من اللبن، فيدل على استحبابها من كل شيء دسم، ويؤخذ منه استحباب غسل اليدين للتنظيف، وقال البغوي: (المضمضمة مستحبة عند أكل ما له دسومة، أو يبقى في الفم منه بقية تصل إلى باطنه في الصلاة) انتهى؛ أي: أو يعالج بلسانه في ذهابها من بين أسنانه؛ لأنَّه يخل بالخشوع، ويشغل البال، وربما تفسد صلاته من كثرة الحركات؛ فافهم.\n (تابعه)؛ أي: تابع عقيلًا (يونسُ)؛ أي: ابن يزيد الأيلي، وحديثه موصول عند مسلم، (وصالح بن كَيسان)؛ بفتح الكاف، وحديثه موصول عند أبي العباس السراج في «مسنده»؛ كلاهما (عن الزهري): وتابعه الأوزاعي أيضًا، كما عند المؤلف في (الأطعمة)، لكن رواه ابن ماجه والطبراني بلفظ: (حدثنا الأوزاعي)، وإسنادهما حسن بلفظ: «مضمضوا من اللبن؛ فإن له دسمًا»؛ بصيغة الأمر، وهو محمول على الاستحباب؛ لما رواه أبو داود بسند حسن عن أنس: (أنَّ النبي ﵇ شرب لبنًا، فلم يتمضمض ولم يتوضأ)، وروي عن ابن عباس راوي الحديث: (أنه شرب لبنًا فمضمض، ثم قال: لو لم أتمضمض ما باليت)، وقال ابن شاهين: حديث أنس ناسخ لحديث ابن عباس، ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، والظاهر أنه ليس بمنسوخ؛ لما رواه أحمد بن منيع في «مسنده»، بسند صحيح عن أنس ﵁: أنه كان يُمَضْمِضُ من اللبن ثلاثًا، فلو كان منسوخًا؛ لما فعله بعد النبي ﷺ، كذا في «عمدة القاري»، وتمامه فيه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٦٨\"> </span>(٥٣) <span data-type=\"title\" id=toc-368>[باب الوضوء من النوم]</span>\nهذا (باب) حكم (الوضوء من النوم): اللام فيه للجنس، فيشمل القليل والكثير؛ أي: هو واجب مستحب منه، (و) باب (من لم ير مِنَ الَّنعْسة)؛ بسكون العين المهملة؛ وهي فتور في الحواس، وتسمى: الوَسَن؛ بالتحريك، والمشهور التفرقة بين النوم والنعاس، وهو ظاهر كلام المؤلف، فإنَّ من سكنت حواسه بحيث يسمع كلام من حضر في مجلسه ولا يفهم معناه؛ فهو ناعس، وإن زاد على ذلك؛ فهو نائم، ومن علامات النوم الرؤيا، ومن علامات النعاس سماع كلام الحاضر عنده وإن لم يفهم، وفي «منهل الطلاب»: (النعاس: أول النوم، والوسن: ثقل النوم، والرقاد: النوم الطويل، وقيل: السِّنَة: ثِقَل في الرأس، والنعاس: ثِقَل في العين، والنوم في القلب) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن ظاهر كلام المؤلف: أن النعاس يسمى نومًا، ورده في «عمدة القاري»، فقال: (لا نسلم أن ظاهر كلام البخاري يدل على عدم التفرقة، فإنه عطف: «ومن لم ير...» إلخ على «الوضوء من النوم») انتهى؛ أي: والعطف يقتضي المغايرة كما هنا، وذكره للتنبيه على أنه لا وضوء منه إذا كان خفيفًا، وكونه مغايرًا له هو المشهور، وعطفه على ما قبله ظاهر؛ فافهم.\nوقد تكلَّم العجلوني على عبارة «عمدة القاري» بكلام لا طائل تحته حيث ثبت أن كلام صاحب «عمدة القاري» ما نقلناه، وهي النسخة الصحيحة، وكلامه في أول الباب يدل على هذا، فاخترع العجلوني نسخة محرَّفة، وتصدَّى إلى الردِّ، فركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء؛ فافهم.\n (والنَّعستين)؛ تثنية نَعسة؛ بفتح النُّون؛ للمرَّة من النَّعْس؛ بفتح فسكون، وفعله: نعس، من باب (نصر)، ومن قال: نَعُس؛ بالضم؛ فقد أخطأ، كما نبَّه عليه في «عمدة القاري»، وفيه: (وبعض بني عامر يقول: ينعَس -بالفتح- يقال: نعس ينعس نعسًا ونعاسًا؛ فهو ناعس ونعسان، وامرأة نعسى، وقال ابن السكيت وثعلب: لا يقال: نعسان) انتهى.\n (أو الخفقة): للمرة، من خَفَق يَخْفِق خفقًا، من باب (ضرب)؛ إذا حرك رأسه وهو ناعس، وقال ابن الأثير: خفق؛ إذا نعس، وقال ابن التين: الخفقة: النعسة، وإنما كرر؛ لاختلاف اللفظ، قال ابن حجر: وهو من الخاص بعد العام، قال في «عمدة القاري»: (على قول ابن التين بين النعسة والخفقة مساواة، وعلى قول بعضهم عموم وخصوص؛ بمعنى: أن كل خفقة نعسة، وليس كل نعسة خفقة، ويدل عليه ما قاله أهل اللغة: خفق رأسه؛ إذا حركه، وهو ناعس)، وتمامه فيه، وفي «مسلم» من حديث أنس: (كان أصحاب رسول الله ﵇ ينتظرون الصلاة، فينعسون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون إلى الصلاة)، ومعنى (تخفق رؤوسهم)؛ أي: تسقط أذقانهم على صدورهم.\nوقوله: (وُضوءًا)؛ بضم الواو؛ بالنصب مفعول (ير) السابق، فلو زادت الخفقة على الواحدة، أو النعسة على الثنتين؛ يجب الوضوء؛ لأنَّه حينئذ يكون نائمًا مستغرقًا، أفاده في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني.\nقلت: وهو ظاهر تقييد المؤلف، ويدل له ما في «مسلم» في قصة صلاة ابن عباس مع النبي ﵇ بالليل قال: (فجعلت إذا أغفيت؛ أخذ بشحمة أذني)، فدل على أن الوضوء لا يجب على غير المستغرق، وروى ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة، فالزيادة دليل الاستغراق، وبهذا اضمحلَّ ما زعمه العجلوني من أن الزيادة غير لازمة، وأن المدار على النوم، انتهى، لأنَّه إذا كان المدار على النوم ولم نعتبر الزيادة؛ لا يعلم النائم من الناعس، ولا يعلم الفرق بينهما؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٦٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-369>[حديث: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم]</span>\n٢١٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن هشام)؛ أي: ابن عروة، كما في روايةٍ، (عن أبيه)؛ أي: عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة): أم المؤمنين ﵂: (أنَّ رسول الله ﷺ قال: إذا نَعَس) بفتح العين المهملة على صيغة الماضي (أحدكم) خطاب خاص أريد به عام (وهو يصلي): جملة اسمية محلها نصب على الحال؛ (فليَرقُد)؛ بفتح [التحتية وضم] القاف؛ أي: فلينم استحبابًا؛ أي: بعد فراغه وإتمامه صلاته، لكنه يتجوز، ويخفف فيها، وعند النسائي من طريق أيوب عن هشام: (فلينصرف)؛ أي: بعد أن يتم صلاته لا أنه يقطعها بمجرد النعاس، كما زعمه المهلب حيث حمله على ظاهره، ويرده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، (حتى يذهب عنه النوم): فالشرط سبب للجزاء، وهنا النعاس سبب للنوم، أو سبب للأمر بالنوم، واستظهر الأول الكرماني على حد: اضرب زيدًا تأديبًا، ولا ينافي ما ذكر من الأمر بالنوم ما جاء في حديث ابن عباس من نومه في بيت ميمونة، وأنه قال: (قمت إلى الصلاة، فجعلت إذا أغفيت؛ يأخذ بشحمة أذني)، ولم يأمره بالنوم؛ لأنَّه جاء تلك الليلة ليتعلَّم، ففعل ذلك ليكون أثبت له؛ فتأمل.\nواختلف في أن النوم عينه ناقض فيكون حدثًا، أو ما لا يخلو عنه النائم فيكون ليس بحدث؛ فقال في «المبسوط» وتبعه شراح «الهداية» بالثاني، وهو الصحيح، كما في «الفتاوى الشلبية» و«السراج»، واختاره فخر الدين الزيلعي، وحكى الاتفاق عليه، ويدل له حديث أبي داود وغيره: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضأ»، وقال بعضهم بالأول، وبه قال إسحاق، والحسن، والمزني، ويدل له عموم حديث صفوان المروي عند ابن خزيمة، وفيه: «إلا من غائط أو بول أو نوم»، فسوَّى بينها في الحكم.\nوفيه: أنه لا يلزم من اقترانها في اللفظ مساواتها في الحكم، وهذا في حقنا؛ أمَّا في حق النبي الأعظم ﵇؛ فمن خصائصه أنَّه لا ينتقض وضوءه بالنوم مطلقًا، وألحق به بقية الأنبياء ﵈؛ لحديث ابن عباس المذكور في هذا «الصحيح»: (نام رسول الله ﵇ حتى سمعت غطيطه، وصلى ولم يتوضأ)، وللحديث المشهور: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا».\nوقوله: (فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس)؛ بلفظ اسم الفاعل؛ (لا يدري لعلَّه يستغفر)؛ أي: يريد أن يستغفر (فيسب نفسه)؛","vol":"1","page":93},{"text":"أي: يدعو على نفسه، كما صرح به النسائي؛ تعليل للرقاد أو للأمر به، والفاء في (فيسب): عاطفة على (يستغفر)، فهو مرفوع، كهو على حذفها الموجود في بعض الأصول، قال ابن مالك: (جاء في «فيسب» الرفع، باعتبار عطف الفعل على الفعل، والنصب باعتبار أنه جواب لـ «لعلَّ»، فإنها مثل «ليت»)، وجملة (وهو ناعس): حالية أو معترضة؛ كقوله: (وهو يصلي)، والفائدة في تغيير الأسلوب بين التركيبين حيث قال في الأول: (نعس) بالماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل، كما قال في «عمدة القاري»: (الدلالة على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس وانقضاؤه في الحال، بل لا بدَّ من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول ويقرأ، والفرق بينهما كالفرق بين ضرب زيد قائمًا وقام ضاربًا، وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول، والعكس في الثاني، وإنما اختار ما اختار في كل منهما؛ لأنَّ الحال قيد وفضلة، والأصل في الكلام ما له القيد، ففي الأول: لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرقاد لا الصلاة، فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني: الصلاة علة للاستغفار؛ لأنَّ تقدير الكلام: فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس؛ يستغفر، فلفظ (لعلَّه يستغفر): خبر (إنَّ)، ولفظ: (لا يدري) وقع موقع جزاء (إذا) إن جعلناها شرطية، وإلا؛ فخبر (إنَّ) هو جملة: (لا يدري)، وجملة: (لعلَّه يستغفر): معمول لـ (لا يدري)، والمراد من (لعلَّه يستغفر): يريد الاستغفار، فلا ينافي أنه يسب؛ أي: يدعو على نفسه، كما سبق؛ فافهم.\nويحتمل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، والترجي هنا عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به؛ أي: لا يدري أمستغفر هو أم سابٌّ مترجيًّا الاستغفار؟ وهو في الواقع بضد ذلك، أو يستغفر؛ بمعنى: يتمكن من الاستغفار والسب؛ كما أن المترجي بين حصول المرجو وعدمه ومتمكن منهما لا على السوية.\nووجه الدلالة من الحديث على الترجمة: أنه أمره بالرقاد، فلولا أن صلاته في هذه الحالة قريبة للبطلان؛ لما أمره بذلك، فدلَّ على أن ما لا يخلو عنه النائم ناقض؛ لأنَّه علله بأنَّه يختلط، فلا يدري أيسب أم يستغفر؟ وذلك من النوم المزيل للعقل، فيكون بمنزلة من سكر، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ومن ثَمَّ أُلحِق بالنوم غيره من كل ما يزيل العقل؛ كالجنون والإغماء والسكر؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الذهول من النوم الذي هو مظنة الحدث، وقد يقال: أشار المؤلف بذكر النوم في الترجمة إلى الحديث المشهور عن علي ﵁: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضأ»، وأخرجه مسلم وأبو داود في (الصلاة)؛ فتأمل.\nوقال المهلب: (وفي قوله: «فإن أحدكم...» إلخ: إشارة إلى العلَّة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في هذه الحالة؛ فقد انتقض وضوءُه بالإجماع)، واعترض بأن الإشارة إنَّما هي إلى جواز قطع الصلاة أو الانصراف إذا سلَّم منها، وأما النقض؛ فلا يتبين من الحديث؛ لأنَّ جريان ما ذكر على اللسان ممكن من الناعس، مع أنَّه قائل بأن قليل النوم لا ينقض، فكيف بالنعاس؟! وما ادعاه من الإجماع منقوض، فقد صح عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقًا، انتهى.\nوفيه نظر، فإن الإشارة في الحديث إلى التجوز والتخفيف في الصلاة لا إلى جواز قطعها؛ لأنَّه غير جائز، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والصلاة خير الأعمال، فلا ريب في عدم جواز قطعها؛ فافهم.\nواستظهر في «عمدة القاري» أن الإشارة إلى اقتصار إتمام ما هو فيه، وعدم استئناف صلاة أخرى، قال: (فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة)، وتمامه فيه.\nاللهم إني أسألك بما في المؤلَّف من الأحاديث النبوية، وبجاهِ قائلها ﵇ أن تفرج عنا وعن المسلمين، فإنه قد ضاق الحال، وطال المآل، آمين.\n\n <span id=\"b-٣٧٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-370>[حديث: إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ]</span>\n٢١٣ - وبه قال: (حدثنا أبو مَعْمَر)؛ بفتح الميمين بينهما عين ساكنة: عبد الله بن عمرو المقعد (قال: حدثنا عبد الوارث)؛ بالمثلثة: هو ابن سعيد بن ذكوان التنوري (قال: حدثنا أيوب)؛ أي: السختياني، (عن أبي قِلَابة)؛ بكسر القاف وتخفيف اللام والموحدة: عبد الله بن زيد الجرمي، (عن أنس)؛ أي: ابن مالك ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ): أنه (قال: إذا نعَس) بفتح العين المهملة (في الصلاة)؛ بحذف الفاعل؛ للعلم به، وفي رواية: (إذا نعس أحدكم في الصلاة)، فصرح به، وفي رواية: (إذا نعس أحدكم)؛ بإسقاط قوله: (في الصلاة)؛ (فلينم)؛ أي بعد إتمامها، أو يتجوز ويخفف في صلاته، ويتمها وينم، لا أنه يقطعها؛ فافهم، (حتى يعلمَ) بالنصب لا غير (ما يقرأ)؛ أي: الذي يقرؤه أو شيئًا يقرؤه، أو مصدرية، لا استفهامية، كما في «عمدة القاري»، ويمكن توجيهه عربية، لكنه بعيد معنًى؛ فتأمل.\nوليس هذا خاصًّا بنافلة الليل، كما قاله المهلب، وعلله: بأن الفريضة ليست في أوقات النوم، وليس فيها من التطويل ما يوجب (^١) ذلك؛ لأنَّا نقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فالفرض كذلك إذا أمن فيه بقاء الوقت.\nوفي النوم مذاهب؛ أحدها: أنه ناقض للوضوء، وذلك بأن نام غير متمكن فيه من المقعدة -يعني: المخرج- من الأرض؛ بأن نام مضجعًا أو متوركًا أو مستلقيًا على القفا، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور.\nالثاني: أن النوم غير ناقض بحال، وهو مذهب أبي موسى الأشعري، والأوزاعي، والأعرج.\nالثالث: أنه ناقض للوضوء على كل حال متمكنًا أو لا، قليلًا أو كثيرًا، وهو مذهب الحسن وإسحاق ابن راهويه.\nالرابع: كثير النوم ناقض دون قليله، وهو قول الزهري، وربيعة، وإحدى الروايتين عن الأوزاعي، ومالك، وأحمد.\nالخامس: إذا نام في الصلاة راكعًا أو ساجدًا على الصفة المسنونة بأن أبدى ضبعيه، وجافى بطنه عن فخذيه؛ فإنه لا يَنْتَقِضُوضوءُه، وكذا إذا نام جالسًا، ومثله ما إذا نام كذلك خارج الصلاة؛ فإنه لا ينتقض وضوءُه، وهو مذهب الإمام الأعظم، وداود، وسفيان الثوري، وغيرهم؛ لحديث مسلم عن أنس قال: (إن الصحابة كانوا ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون)، ولقوله ﵇: «لا يجب الوضوء على من نام جالسًا أو قائمًا أو ساجدًا حتى يضع جنبه، فإذا اضطجع؛ استرخت مفاصله»، رواه أصحاب «السنن».\nالسادس: لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وهو رواية عن أحمد، والصحيح عنه: أن النوم مطلقًا ناقض إلا النوم اليسير عرفًا من جالس أو قائم.\nالسابع: أنه لا يَنْقُضُ إلا نوم الساجد، وهو مروي عن أحمد.\nالثامن: لا يَنْقُضُ النومُ في الصلاة بكل حال وينقض خارجها، وهو قول الشافعي.\nالتاسع: من نام ساجدًا في مصلاه؛ فليس عليه وضوء، وإن نام ساجدًا في غير مصلاه؛ فعليه الوضوء، وهو قول ابن المبارك.\nولو نام وهو متمكن من الأرض، لكنه مستند إلى حائط أو غيره، بحيث لو أزيل المستند؛ سقط النائم؛ اختلف فيه؛ فذهب الحافظ الطحاوي وصاحب «الهداية» والقدوري أنه ينتقض وضوءُه، وروى الإمام أبو يوسف عن الإمام الأعظم: أنه لا ينتقض وضوءُه، وهو ظاهر الرواية، وبه أخذ عامة العلماء، وهو الصحيح.\nوينقضه ارتفاع مقعدة قاعد نائم على الأرض قبل انتباهه وإن لم يسقط على الأرض في ظاهر المذهب؛ لزوال المقعدة، وقيل: إن انتبه لما سقط؛ فلا ينتقض، وإن استقر نائمًا، ثم انتبه؛ انتقض؛ لوجود النوم مضجعًا، هذا قول الإمام الأعظم ﵁، قال في «التبيين»: وهو ظاهر الرواية، وفي «فتح القدير»: وعليه الفتوى، وبه جزم في «السراج»، وهو الصحيح، كما في «المضمرات».\nومن به انفلات ريح هل ينتقض وضوءُه بالنوم؟ أجاب العلامة الشلبي في «حواشي التبيين»: بعدم النقض؛ بناء على ما هو الصحيح من أن النوم نفسه ليس بناقض، وإنما الناقض ما يخرج، ومن ذهب إلى أن النوم نفسه ناقض؛ لزمه نقض وضوء من به انفلات ريح بالنوم، انتهى.\nقال في «الخانية»: (النعاس لا ينقض الوضوء، وهو قليل النوم لا يشتبه عليه أكثر ما يقال ويجري عنده) انتهى، وظاهره عدم اشتراط الفهم بل السماع فقط، وبالسماع عبر في «السراج»، و«التاترخانية»، و«التبيين»، والذي في «الدر المختار» تبعًا لـ «البحر» معزوًّا (^٢) لشروح «الهداية» التعبير بـ (يفهم)، وظاهره اشتراط الفهم.\nفالحاصل: أن اشتراط السماع متفق عليه، وإنما الخلاف في فهم ما يسمعه بحيث لو سئل عما تكلم بحضرته؛ لأجاب بأكثره؛ فإنه غير ناقض اتفاقًا، أما إذا لم يجب بالأكثر، بل بأقل منه؛ فيكون حينئذ ناقضًا، والفهم مستلزم للجواب؛\n_________\n(^١) في الأصل: (جوب).\n (^٢) في الأصل: (معزيًّا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":93},{"text":"لأنَّه لو سمع ولم يفهم؛ لا يمكنه أن يجيب، فحاصله اشتراط سماع أكثر ما يتكلم بحضرته، بحيث لو سئل عنه؛ أجاب، كذا في «منهل الطلاب».\nوقال الزركشي: الترجمة مشعرة بأن النعاس لا يوجب الوضوء، والحديث مشعر بالنهي عن الصلاة ناعسًا، والجواب: بأنه استنبط عدم الانتقاض بالنعاس من قوله ﵇: «إذا صلى وهو ناعس»، والواو للحال، فجعله مصليًا مع النعاس، فدل على بقاء وضوئه، ثم قال: ويجوز أن يريد المؤلف بقوله: (الوضوء من النوم) انقسام النوم إلى ما لا ينقض؛ كالنعاس، وإلى ما ينقض؛ كالمستغرق غير ممكن مقعدته، انتهى، قال في «المصابيح»: (وفيه ضعف؛ إذ لا يمتنع مثل قولك: إذا صلى الإنسان وهو محدث؛ كان كذا، فيحمل على أنه إذا فعل صورة الصلاة؛ فلا يقوي دلالة الحديث على ما أراده) انتهى، فتأمل.\nوفي الحديث: الأخذ بالاحتياط؛ لأنَّه علل بأمر محتمل، والحث على الخشوع، وحضور القلب، واجتناب المكروهات في الطاعات، وجواز الدعاء في الصلاة، وضابطه: أنه إن دعا بما جاء في الصلاة، أو في القرآن، أو في المأثور؛ لا تفسد صلاته، وإن لم يكن في القرآن أو المأثور، ولا يستحيل سؤاله من العباد؛ تفسد، كذا في «البحر».\nاللهم فرج عنا وعن المسلمين بجاه سيد المرسلين، واكشف عنا هذا البلاء، فإنك على كل شيء قدير.\n\n <span id=\"b-٣٧١\"> </span>(٥٤) <span data-type=\"title\" id=toc-371>[باب الوضوء من غير حدث]</span>\nهذا (باب الوضوء من غير حدث)؛ أي: استحباب تجديد الوضوء للنوم، ولمسِّ الكتب الشرعية، وللمداومة عليه، وللصلاة فرضًا أو واجبًا أو نفلًا، أو لمسِّ مصحف أو تفسير، فإن لم يكن واحد من هؤلاء المذكورين؛ فبشرط أن يتبدَّل المجلس؛ لأنَّه مع التبدل يكون نورًا على نور، وإن لم يتبدل مجلسه؛ يكون إسرافًا، وهو مكروه بالإجماع، وقيد بالوضوء؛ لأنَّ الغسل على الغسل والتيمم على التيمم يكون عبثًا؛ لعدم وروده في السنة عن النبي الأعظم ﵇.\n\n <span id=\"b-٣٧٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-372>[حديث: كان النبي يتوضأ عند كل صلاة]</span>\n٢١٤ - وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف)؛ أي: الفريابي (قال: حدثنا): وفي رواية: (أخبرنا) (سفيان): هو الثوري، (عن عَمرو) بفتح العين (بن عامر): الكوفي الأنصاري (قال: سمعت أنسًا)؛ أي: ابن مالك، كما في رواية، ومفعول (قال): (كان النبي...) إلخ الواقع بعد الإسناد الثاني قاله الكرماني.\n (ح): إشارة إلى التحويل على الأصح، أو إلى الحائل، أو إلى (صح)، أو إلى الحديث، كما سبق (قال) أي: المؤلف: (وحدثنا): وسقطت الواو في رواية (مسدد): هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى): هو ابن سعيد القطان، (عن سفيان): هو الثوري (قال: حدثني) بالإفراد (عَمرو) بفتح العين (بن عامر)؛ أي: الأنصاري السابق، (عن أنس): وللأصيلي زيادة: (ابن مالك) ﵁، وفائدة الإسناد الثاني وإن كان الأول أعلى التصريحُ من سفيان فيه بالتحديث؛ لأنَّ سفيان مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا يحتج بها (قال: كان النبي) الأعظم (ﷺ يتوضأ عند كل صلاة)؛ أي: مفروضة من الأوقات الخمسة، زاد الترمذي من طريق حميد عن أنس: (طاهرًا أو (^١) غير طاهر) ولفظة: (كان) تدل على الدوام والاستمرار، فيكون عادته الوضوء لكل صلاة من الخمس المعلومة، وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى ابن سيرين قال: (كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة)، وفي لفظ آخر: (كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضؤون لكل صلاة، فإذا كانوا بالمسجد؛ دعوا بالطشت، فقال: كان فرضًا، ثم نسخ بالتخفيف) انتهى.\nوحديث سويد الآتي يدل على أن ذلك غالب أحواله ﵇، وحينئذ فيدل على الاستحباب، وإلا لما وسعه الترك، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب، وقال الحافظ الطحاوي: يحتمل أنه كان واجبًا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح؛ لحديث بريدة المروي في «صحيح مسلم»: أنه ﵇ صلَّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: صنعْتَاليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: «عمدًا صنعْتُه يا عمر»، ولهذا ذهب النخعي إلى أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات، وادعاء النسخ نقله ابن عبد البر عن جماعة؛ منهم: عكرمة، وابن سيرين، وغيرهما من السلف، واستدلوا بحديث عامر وبريدة.\n (قلت: كيف كنتم تصنعون؟): القائل (قلت): هو عَمرو بن عامر مخاطبًا لأنس ومن معه من الصحابة، (قال) أي: أنس: (يُجزئُ)؛ بضم التحتية، وضم الهمزة؛ لأنَّ (أجزأ)؛ بالهمزة أولًا وآخرًا؛ بمعنى: يكفي، وهي رواية الأصيلي، (أحدَنا)؛ بالنصب مفعول مقدم (الوضوءُ)؛ بالرفع فاعل مؤخر (ما لم يحدث)؛ أي: مدة دوام عدم حدثه، فـ (ما): مصدرية، وعند ابن ماجه: (وكنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد)، وهذا مذهب الجمهور، وقال ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة إلا ابن عمر، فالجمهور على أنَّه لا يجب الوضوء إلا من حدث، وقدروا في الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، واستدل الدارمي في «مسنده» على ذلك بقوله ﵇: «لا وضوء إلا من حدث»، وذهب قوم إلى وجوبه لكل صلاة، ولو كان من غير حدث، وهو ظاهر آية الوضوء؛ لأنَّ الأمر فيها مشروط بالقيام إلى الصلاة، وهو يدل على تكرار الوضوء لكل صلاة وإن لم يحدث، وأجاب الفاضل جار الله الزمخشري في «الكشاف»: (بأنه يحتمل أن يكون الخطاب للمحدثين، أو أن الأمر فيه للندب لا للوجوب)، ولا يصح الحمل عليهما معًا؛ بناءً على قواعد مذهب الإمام الأعظم في عدم جواز حمل المشترك على معنييه؛ لأنَّ تناول الكلمة الواحدة إلى معنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية، وهو لا يجوز) انتهى، خلافًا للشافعي، وخص بعض الظاهرية وجوبه لكل صلاة بالمقيمين دون المسافرين.\nواختلف العلماء هل نسخ أو استمر حكمه؟ والجمهور على النسخ، ويدل له ما أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة من حديث عبد الله بن حنظلة: (أنَّ النبي ﵇ أمر بالوضوء لكل صلاة، فلمَّا شق عليه؛ أمر بالسواك)، وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث حنظلة بن أبي عامر الغسيل: (أنه ﵇ أُمِر بالوضوء عند كل صلاة، فلمَّا شق ذلك عليه؛ أُمِر بالسواك عند كل صلاة، ووُضِع عنه الوضوء إلا من حدث).\nوقد انعقد الإجماع واستقر على أنه يصلي بالوضوء ما شاء وأن تجديده لكل صلاة مندوب، فالإجماع استقر على عدم الوجوب، كما حكاه النووي، ثم قال: (ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المُحْدِثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الندب) انتهى، واعترضه في «عمدة القاري»، فقال: (هذا لا يصح؛ لأنَّه يكون من باب الإلغاز، فلا يجوز) انتهى، أي: والتعمية فلا يجوز، على أنه لا حاجة إلى هذا الحمل بعد استقرار الإجماع؛ فإنه حجة من حجج الشرع؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٧٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-373>[حديث سويد بن النعمان: خرجنا مع رسول الله عام خيبر]</span>\n٢١٥ - وبه قال: (حدثنا خالد بن مَخْلد) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة (قال: حدثنا): ولابن عساكر: (أخبرنا) (سليمان)؛ يعني: ابن بلال، كما في رواية (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (يحيى بن سعِيد)؛ بكسر العين: هو القطان (قال: أخبرني) بالإفراد (بُشير)؛ بضم الموحدة، تصغير بشر (بن يَسَار)؛ بفتح المثناة التحتية، وتخفيف السين المهملة (قال: أخبرني) بالإفراد (سُويد بن النُّعمان)؛ بضم أولهما: الأوسي المدني (قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ خيبر)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: سنة غزوة النبي الأعظم ﵇ لها، وكانت سنة سبع، و(خيبر): منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، كما تقدم، (حتى إذا كنا)؛ أي: النبي ﵇ وأصحابه (بالصَّهْباء)؛ بفتح المهملة، وسكون الهاء، والموحدة الممدودة؛ وهي أدنى خيبر؛ أي: أسفلها من جهة المدينة؛ (صلَّى لنا)؛ أي: بنا أو لأجلنا (رسول الله ﷺ العصر)؛ أي: صلاة العصر، (فلمَّا صلَّى)؛ أي: فرغ من صلاة العصر؛ (دعا بالأطعمة)؛ أي: التي يتخذها (^٢) المسافر في سفره، (فلم يؤت إلا بالسويق) المعلوم مما مر؛ لعدم وجود غيره معهم، (فأكلنا)؛ أي: من السويق بعد أن بُلَّ بالماء، (وشربنا)؛ أي: من الماء أو من مائع السويق، وعند المؤلف في (الجهاد): (فلكَّينا وأكلنا وشربنا)؛ أي: لككنا السويق، (ثم قام النبي) الأعظم (ﷺ إلى المغرب)؛ أي: إلى أداء صلاة المغرب، فطلب ماء، (فمضمض) فاه بالماء من أثر السويق، وزاد في الرواية السابقة: (ومضمضنا)، (ثم صلى لنا): ولأبي ذر: (وصلى لنا)؛ أي: بأصحابه (المغرب)؛ أي: صلاتها (ولم يتوضأ)؛ فأفادت هذه الطريقة التصريح بالإخبار من يحيى وشيخه.\nوالجمع بين حديثي الباب: أن وضوءه ﵇ لكل صلاة كان في غالب أحواله؛ لأنَّه الأفضل، فأعطى الراوي\n_________\n(^١) في الأصل: (و)، والمثبت موافق لما في «سنن الترمذي».\n (^٢) في الأصل: (يتخذه).","vol":"1","page":94},{"text":"معظم الشَّيء حكم كله، أو أنَّه لم يشاهد التَّرك كما شاهده غيره، وأنَّ فعله الثاني لبيان الجواز، وليري أمَّته أنَّ ما التزمه في خاصَّته من الوضوء لكلِّ صلاة ليس بلازم لكلِّ مكلَّف، وليس عند المؤلِّف حديث لسويد بن النعمان إلا هذا الحديث الواحد، وقد أخرجه في مواضع، وهو أنصاري حارثي، شهد بيعة الرضوان، وذكر ابن سعيد أنه شهد أحُدًا (^١)، وتمامه في «عمدة القاري».\nووجه مطابقة الحديثين للترجمة ما قاله الكرماني: من أن لفظ الحكم مقدر في الترجمة؛ أي: باب حكم الوضوء من غير حدث ثبوتًا وانتفاءً، والدلالة عليها حينئذ ظاهرة، وقال بعضهم: وقد يقال: دلالة الحديث الأول عليها من قول أنس: (كان ﵇ يتوضأ عند كل صلاة)، فإنه صادق بتجديد الوضوءلا سيما وقد زاد الترمذي كما تقدم: (طاهرًا أو (^٢) غير طاهر)، وأمَّا الحديث الثاني؛ فذكره للتنبيه على بيان حالتي النبي ﵇ في الوضوء؛ تكميلًا للفائدة؛ فتأمل.\nقلت: وللتنبيه على اختلاف ألفاظه عن الحديث الأول، كما لا يخفى على من تفحص.\nوفي يوم السبت الحادي عشري صفر سنة سبع وسبعين ومئتين وألف أمر فؤاد باشا بقتل أحمد عزت باشا سر عسكر، فقُتِل بالنيشان، ومعه أربعة من أمراء (^٣) الآي؛ منهم: علي بيك، وصالح بيك رحمهم الله تعالى، وحفنا بلطفه، وفرج وعنا وعن المسلمين بجاه الحبيب الأعظم وأصحابه الكرام عليه وعليهم السلام.\n\n <span id=\"b-٣٧٤\"> </span>(٥٥) <span data-type=\"title\" id=toc-374>[باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين، كما في «الفرع»، وفي «عمدة القاري»: (باب؛ بالسكون؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بالعقد والتركيب، اللهم إلا إذا قُدِّر شيء يكون حينئذ معربًا؛ نحو: هذا باب؛ لأنَّه يكون حينئذ خبر مبتدأ، وقول ابن حجر: «باب؛ بالتنوين»؛ غلط) انتهى؛ أي: لعدم تركيبه مع المبتدأ المقدر؛ فافهم.\n (من الكبائر ألَّا يستتر)؛ بمثناتين فوقيتين؛ أي: لا يستبرئ (من بوله): و(أن): مصدرية في محل رفع على الابتداء، و(من الكبائر): خبره مقدمًا؛ والتقدير: ترك استتار الرجل من بوله من الكبائر؛ جمع كبيرة، وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا العظيم أمرها؛ كالقتل والزنى والفرار من الزحف وغير ذلك، وهي من الصفات الغالبة؛ يعني: صار اسمًا لهذه الفعلة القبيحة، وفي الأصل: هي صفة؛ والتقدير: الفعلة القبيحة أو الخصلة القبيحة.\nواختلف في الكبائر؛ فقيل: سبع، وهو ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: أنه ﵇ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فقيل: يا رسول الله؛ وما هنَّ؟ قال: «الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»، وقيل: الكبائر تسع، وروى الحاكم في حديث طويل: «الكبائر تسع»، فذكر السبعة المذكورة، وزاد: «عقوق الوالدين المسلمين، واستحلال (^٤) البيت الحرام»، وقيل: الكبيرة كل معصية، وقيل: كل ذنب قرن بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، وقال رجل لابن عباس ﵄: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبع مئة.\nقلت: الكبيرة أمر نسبي، فكل ذنب فوقه ذنب، فهو بالنسبة إليه كبيرة، وبالنسبة إلى ما تحته صغيرة، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٧٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-375>[حديث: مر النبي بحايط من حيطان المدينة]</span>\n٢١٦ - وبه قال: (حدثنا عثمان): هو ابن أبي شيبة الكوفي (قال: حدثنا جَرير)؛ بفتح الجيم: هو ابن عبد الحميد، (عن منصور): هو ابن المعتمر، (عن مُجاهد)؛ بضم الميم: ابن جَبر -بفتح الجيم وسكون الموحدة- الإمام في التفسير، وهذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاووسًا، كما يأتي عن قريب أن المؤلف أخرجه هكذا، وإخراجه بهذين الوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاووس عن ابن عباس، وسمعه أيضًا من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيد ذلك أن في سياق مجاهد عن طاووس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذي: (رواية الأعمش أصح)، وقال الترمذي في «العلل»: (سألت محمدًا أيهما (^٥) أصح؟ فقال: الأعمش أصح)، فإن قيل: إذا كان حديث الأعمش أصح؛ فَلِمَ لمْ يخرجه وخرج الذي هو غير صحيح؟ قلت له: كلاهما صحيح، فحديث الأعمش أصح، فالأصح يستلزم الصحيح، كما لا يخفى، ويؤيده: أن شعبة بن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور ولم يذكر طاووسًا، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر.\nقلت: ولا مانع من جعلهما حديثين مستقلين لا سيما مع الاختلاف في كثير من المسند وألفاظ المتن، فيكون هذا رواه مجاهد عن ابن عباس بدون واسطة، والآتي رواه عنه بواسطة طاووس؛ فتأمل.\n (عن ابن عباس) ﵄: أنَّه (قال: مرَّ النبي) الأعظم (ﷺ بحائط)؛ بالحاء والطاء المهملتين؛ أي: بستان من النخل إذا كان عليه جدار، ويجمع على حيطان وحوائط، وأصله: حواوط؛ بالواو، قلبت ياء؛ لأنَّه من الحوط؛ وهو الحفظ والحراسة، والبستان إذا عمل حواليه جدران؛ يحفظ من الداخل، لا يسمى البستان حائطًا إلا إذا كان عليه جدران، (من حيطان المدينة) المنورة، وعند المؤلف في (الأدب)، ولفظه: (خرج رسول الله ﵇ من حيطان المدينة)، وبين هذه وبين ما هنا منافاة، أجاب في «عمدة القاري»: (بأن معناه: أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرَّ به، وفي «أفراد الدارقطني» من حديث جابر: «أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية») انتهى، (أو مكة): شك من جرير، وأخرجه المؤلف في (الأدب): (من حيطان المدينة)؛ بالجزم من غير شك، ويؤيده رواية الدارقطني؛ لأنَّ حائط أم مبشر كان بالمدينة، وإنما عرَّف (المدينة) ولم يعرِّف (مكة)؛ لأنَّ مكة عَلَم، فلا يحتاج إلى التعريف، والمدينة اسم جنس، فعرفت بالألف واللام؛ ليكون معهودًا عن مدينة النبي الأعظم ﷺ.\nفإن قلت: هذا الحديث رواه ابن عباس، وعلى تقدير كون هذه في مكة على ما دل عليه السند كيف يتصور هذا؟ وكان ابن عباس عند هجرة النبي ﵇ من مكة ابن ثلاث سنين، فكيف ضبط ما وقع في مكة؟\nالجواب فيه من وجوه؛ الأول: أنه يحتمل وقوع هذه القضية بعد مراجعة النبي ﵇ إلى مكة سنة الفتح أو سنة الحج، الثاني: أنه يحتمل أنه سمع من النبي ﵇ ذلك، الثالث: أنه يكون ما رواه من مراسيل الصحابة، الرابع: أنه يحتمل أن يكون ابن عباس سمع ذلك من صحابي، فأسقط ذكره من بينه وبين النبي ﵇، ونظائره كثيرة، وفي الحقيقة هذا داخل في الوجه الثالث، كذا قرره في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (فسمع)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (صوت إنسانين)؛ أي: بشرين، تثنية إنسان، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والعامة تقول: إنسانة، ويجمع على أناسي، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩]، وقد خفي هذا الجمع على من تصدر في زماننا؛ ليقال له أعلم العلماء وأفقه الفقهاء؛ فليحفظ، وقال الجوهري: الإنس: البشر (^٦)، الواحد إِنْسي وأَنَسي؛ بالتحريك، والجمع: أناسي، وإن شئت جعلته إنسانًا، ثم جمعته أناسي، فتكون الياء عوضًا عن النُّون، وقال قوم: أصل إنسان: إنسيان على وزن (إفعلان) (^٧)، فحذفت الياء؛ استخفافًا لكثير ما يجري على ألسنتهم، وإذا صغروها؛ ردوها، وقال ابن عباس: إنَّما سمي إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، ويقال: من الإنس خلاف الوحشة، ويقال للمرأة أيضًا: إنسان، ولا يقال: إنسانة، والعامة تقوله، كذا في «عمدة القاري»، (يعذبان): جملة وقعت حالًا من (إنسانين) أو صفة لهما (في قبورهما)؛ أي: حال كونهما يعذبان وهما في قبورهما، وإنما قال: (في قبورهما) مع أن لهما قبرين؛ لأنَّ في مثل هذا استعمال التثنية قليل، والجمع أجود، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، والأصل فيه: أن المضاف إلى المثنَّى إذا كان جزء ما أضيف إليه، يجوز فيه الإفراد والجمع، ولكن الجمع أجود؛ نحو: أكلت رأس الشاتين، وإن كان غير جزئه؛ فالأكثر مجيؤه بلفظ التثنية؛ نحو: سلَّ الزيدان سيفيهما (^٨)، وإن أمن اللبس؛ جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: (في قبورهما)، وقد يجتمع التثنية والجمع في قوله: ظهراهما مثل ظهور الترسين، وفي رواية الأعمش: (مر بقبرين)، وزاد ابن ماجه في روايته: (بقبرين جديدين، فقال: «إنهما يعذبان»).\nفإن قلت: [المعذب] ما في القبرين، فكيف أسند العذاب إلى القبرين؟\nقلت: هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على غير مذكور؛ لأنَّ سياق الكلام يدل عليه، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يرجع إليه الضمير موجود، وهو القبران، ولو لم يكن موجودًا؛ لكان لكلامه وجه، والوجه ما ذكرناه؛ فافهم.\nولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما.\nقال في «عمدة القاري»: (والحكمة في عدم بيان اسمي المقبورين ولا أحدهما\n_________\n(^١) في الأصل: (أحُد).\n (^٢) في الأصل: (و)، والمثبت موافق لما في «سنن الترمذي».\n (^٣) في الأصل: (أمراة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (واستهلال)، وهو تحريف.\n (^٥) في الأصل: (أيما).\n (^٦) في الأصل: (الشيء)، والمثبت موافق لما في «الصحاح».\n (^٧) في الأصل: (إفعال).\n (^٨) في الأصل: (سيفهما)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":94},{"text":"يحتمل أنه ﵇ لم يبين ذلك؛ قصدًا للتستر عليهما خوفًا من الافتضاح، وهو عمل مستحسن، ولا سيما من حضرة النبي الأعظم ﵇ الذي من شأنه الرحمة والرأفة على عباد الله تعالى، ويحتمل أنه قد بينه؛ ليحترز عنه غيره عن مباشرة ما باشر صاحب القبرين، ولكن الراوي أبهمه عمدًا، كما ذكرنا) انتهى.\nقلت: ويؤيد الأول أن عادته ﵇ الإبهام عن مثل ذلك، فإن عائشة ﵂ حين أرادت شراء بريرة وشرطوا عليها الولاء؛ فأخبرت بذلك النبي ﵇، فأمرها بالشراء، وصعد المنبر، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ﷿...» إلى آخر القصة، فأبهم الشارط، وهذه عادته ﵇؛ سترًا على أمَّته.\nفإن قلت: قد ذكر القرطبي عن بعضهم: أن أحدهما كان سعد بن معاذ ﵁.\nقلت: قد ردَّه في «عمدة القاري»: (بأن هذا قول فاسد لا يُلتَفَتُ إليه، ومما يدل على فساده أنَّ النبي الأعظم ﵇ حضر جنازته كما ثبت في «الصحيح»، وسماه النبي ﵇ سيدًا، حيث قال لأصحابه: «قوموا إلى سيدكم»، وقال: «إن حكمه وافق حكم الله تعالى»، وقال: «إن عرش الرحمن اهتز لموته»، وغير ذلك من مناقبه العظيمة، وقد حضر النبي ﵇ دفن المقبورين دل عليه حديث أبي أمامة رواه أحمد، ولفظه: أنه ﵇ قال لهم: «من دفنتم اليوم ههنا؟»، ولم ينقل عنه (^١) ﵇ ما ذكره القرطبي عن البعض، فدل ذلك على بطلانه في هذه القضية) انتهى.\n (فقال النبي) الأعظم (ﷺ: يُعَذَّبان)؛ أي: الإنسانين، وفي حديث أبي بكرة من «تاريخ المؤلف» بسند جيد: مر النبي ﵇ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما؛ فيُعَذَّبُ في البول، وأمَّا الآخر؛ فيُعَذَّب في الغيبة»، وفي حديث أبي هريرة من «صحيح ابن حبان»: مر ﵇ بقبر، فوقف عليه، وقال: «ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه يخفف عنه بعض عذاب القبر»، وهو عند أبي موسى بلفظ: «قبرين؛ رجل لا يتطهر من البول، وامرأة تمشي بالنميمة»، وعند ابن أبي شيبة من حديث يعلى بن شبابة: مر ﵇ بقبر يُعذَّب صاحبه، فقال: «إن هذا القبر يُعَذَّبُ صاحبهُ في غير كبير»، ولمَّا ذكره البرقي في «تاريخه»؛ فقال: «قبرين؛ أحدهما: يأكل لحوم الناس ويغتابهم، وكان هذا لا يتقي بوله»، وفي حديث الأعمش عن جابر: دخل النبي ﵇ حائطًا لأبي مبشر، فإذا بقبرين؛ فدعا بجريدة رطبة فشقها، ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: «لا يرفعان عنهما حتى يجفا»، وقال: «أمَّا أحدهما؛ فكان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من البول»، وفي حديث أنس: مر ﵇ بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول، فأخذ سعفة رطبة فشقها، وجعل على ذا نصفًا، وعلى ذا نصفًا، وقال: «لا يزال يخفف عنهما العذاب ما داما رطبتين»، وورد في عذاب القبر أحاديث كثيرة، كذا في «عمدة القاري».\n (وما يُعَذَّبان في كبير)؛ بالموحدة، و(ما): نافية على الأظهر؛ أي: بكبير تركه عليهما إلا أنه كبير من حيث المعصية، وقيل: يحمل (كبير) على أكبر؛ تقديره: ليس هو أكبر الذنوب؛ إذ الكبائر متفاوتة، وقال القاضي عياض: إنه غير كبير عندكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة وتركها كبيرة، وفي «شرح السنة»: (ومعنى: «وما يعذبان في كبير»: أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه؛ إذ لا مشقة في الاستتار عند البول، وترك النميمة، ولم يُرِد أنهما غير كبير في أمر الدين)، وقال المازري: (الذنوب تنقسم: إلى ما يشق تركه طبعًا؛ كالملاذ المحرمة، وإلى ما ينفر منه طبعًا؛ كتارك السموم، وإلى ما [لا] يشق تركه طبعًا؛ كالغيبة والبول)، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: وفيه: أن عذاب القبر حق حتى يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة خلافًا للمعتزلة، ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في «الطبقات»: (إن قيل: مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وهو قد أطبقت عليه الأمة؛ قلت: إن هذا الأمر إنَّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو لما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك بما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان؛ أحدهما: يجوِّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك)، ونحوه ذكره أبو عبيد الله المرزباني في «الطبقات»، وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضًا، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصَّادق ﵇، وإن الله يحيي العبد ويرد إليه الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار؛ ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضمُّ عليه كالكبير، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن من خرج عن سمة الإيمان؛ فإنه يُعَذَّبُ بين النفختين، وإأن المسألة إنَّما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين، وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وإنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكرامية، وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا؛ وجدوا تلك الآلام، وأمَّا باقي المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو، وبشر المريسي، ويحيى بن كامل، وغيرهم؛ فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردُّها الأحاديث الثابتة، وإلى الإنكار أيضًا ذهب الخوارج وبعض المرجئة، ثم المُعَذَّبُ عند أهل السنة: الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمد بن جرير وطائفة، وقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضًا فاسد، والله أعلم، انتهى.\n (ثم قال)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ: (بلى)؛ معناه: أي: إنَّه لكبير، وقد صرح بذلك المؤلف في رواية من طريق عبيدة بن حميد عن منصور، فقال: «وما يُعَذَّبان في كبير، وإنَّه لكبير»، وهذا من زيادات رواية منصور عن الأعمش، ومسلم لم يذكر الروايتين.\nوقال الكرماني: فإن قلت: لفظ: (بلى) يختص بإيجاب النفي؛ فمعناه: بل إنهما ليُعَذَّبان في كبير، فما وجه التلفيق بينه وبين (ما يعذبان في كبير)؟ قلت: قال ابن بطال: (وما يعذبان بكبير)؛ يعني: عندكم، (وهو كبير)؛ يعني: عند الله تعالى، وقد ذكرناه، وقال عبد الملك البوني في قوله: «وإنَّه لكبير»: يحتمل أنه ﵇ ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى الله إليه في الحال بأنه كبير، وفيه نظر، قاله في «عمدة القاري».\nووجهه أنه يستلزم أن يكون نسخًا، وهو لا يدخل في الخبر.\nوأجيب: بأن الخبر بالحكم يجوز نسخه، وهذا منه، وأجيب عن أصل الإيراد: بأن الضمير في (وإنَّه لكبير) الذي في الرواية الثانية يعود على العذاب؛ لما في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة: «يُعَذَّبان عذابًا شديدًا في ذنب هين»، وقيل: إن الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنَّها من الكبائر بخلاف كشف العورة، ورد: بأنه ضعيف، ومع ضعفه غير مستقيم؛ لأنَّ الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط، وأجيب: بأن (كبير) المنفي؛ بمعنى: أكبر، والمثبت واحد الكبائر، وقيل: المعنى: ليس بكبير في الصورة؛ لأنَّ تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب، وقيل: ليس بكبير في اعتقاد المخاطبين، وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز عنه، وجزم بهذا البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويدل له لفظ السياق، فإنه وصف كلًّا منهما بما يدل على تجدده منه، واستمراره عليه؛ حيث إنه أتى بالمضارع بعد (كان)، واستظهر بعضهم أن يقال: إن (ما) مصدرية، وهي وصلتها في محل رفع على الابتداء، و(في كبير): خبره؛ أي: وتعذيبهما في كبير، وهذا معنى الرواية الصحيحة، ولا يمنع من ذلك ذكر (بل) المختصة بإيجاب النفي؛ لأنَّها تستعمل بعد الإيجاب، كما نقله الرضي؛ كقوله:\nوقد بعدت بالوصل بيني وبينها... بل إن من زارَ القبورَ ليبعدا\nسلمنا أنه لا بد من تقديم النفي،\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (أنه).","vol":"1","page":95},{"text":"لكنهم قد يعطون الشيء حكم ما يشبهه في لفظه، كما فعلوا في (ما) المصدرية؛ عاملوها معاملة (ما) النافية في زيادة (إن) بعدها؛ كقوله:\nورَجِّ الفَتى لِلْخيرِ مَا إِنْ رأَيتَهُ... عَلَى السِّنِ خَيرًا لا يزالُ يَزيدُ\nانتهى.\nوفيه: أن (بعدت) في البيت الأول فيه معنى النفي، ولعلَّه لهذا قال: (سلمنا...) إلخ، وقد ذكر بعضهم: أن (في كبير) متعلق بـ (يُعَذَّبان) الأول، وجملة: (وما يُعَذَّبان) معترضة؛ أي: بين المتعلِّق والمتعلَّق، و(ما): استفهامية؛ للتعظيم وتأكيد للتعذيب؛ فتأمل، والله أعلم.\nوقوله: (كان أحدهما لا يستَتِر من بوله)؛ استئناف بيانيٌّ وتعليل لما مر؛ بفتح المثناة فوق وكسر الثانية، من السترة؛ ومعناه: لا يستر جسده ولا ثوبه من مماسَّة البول، ووقع في رواية زيادة (كان) ثانيًا، فـ (كان) الثانية تأكيد لـ (كان) الأولى أو زائدة، والظاهر: أن معناه ما في رواية ابن عساكر: (لا يستَبْرئ)؛ بالموحدة الساكنة بعد المثناة الفوقية المفتوحة، من الاستبراء؛ وهو طلب البراءة من البول، وقيل: معناه ما في رواية مسلم وأبي داود من حديث الأعمش: (لا يستَنْزِه)؛ بمثناة فوقية مفتوحة، ونون ساكنة، وزاي مكسورة، بعدها هاء، من التنزه؛ وهو الإبعاد، وقيل: معناه ما في رواية: (لا يستَنْثِر)؛ بمثناة فوقية مفتوحة، ونون ساكنة، ومثلثة مكسورة، من الاستنثار؛ وهو طلب النثر؛ يعني: نثر البول عن المحل، وروي: (لا ينْتتر)؛ بمثناتين فوقيتين بعد النُّون الساكنة، من النتر؛ وهو جذب فيه قوةوجفوة (^١)، وفي الحديث: «إذا بال أحدكم؛ فليستنثر»، وروى أبو نعيم في «المستخرج»: (كان يتوقى)؛ بالقاف بعد الواو، لكن الظاهر أن معناه: الاستبراء، كما ذكرنا.\nففي الحديث: وجوب الاستبراء؛ أي: افتراضه، وهو حجة لإمامنا الأعظم رئيس المجتهدين، وحجة على الشافعي بقوله: إنه سنة، وذلك فإن المراد بعدم الاستتار من البول: أنه لم يطلب البراءة منه، بل تركه يجري على أفخاذه، أو يقطر على سراويله، ثم يتوضأ ويصلي، وهو على هذه الحالة كما يفعله الأتراك في زماننا، وما قيل: إن معناه: لا يستر عورته؛ بعيد؛ لأنَّ التعذيب لو وقع على كشف العورة؛ لاستقل الكشف بالسببية، فيترتب العذاب عليه دون البول مع أن الحديث ظاهر في دلالته على اعتبار البول في السببية لعذاب القبر، كالحديث الذي صححه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «أكثر عذاب القبر من البول»، بل المراد بالاستتار: الاستبراء، كما دلت عليه الرواية، وهو التحقيق، ويكون الاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة، كما ذكرنا، وعبر بالاستتار مجازًا عن الاحتراز؛ لأنَّ المستتر عن الشيء بعيد عنه، ومحتجب وهو شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وأيضًا فـ (من) لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة أو مجازًا؛ اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول؛ بمعنى: أن ابتداء سبب العذاب من البول، وإذا حمل على حقيقته؛ يلزم منه أن يكون سبب العذاب مجرد كشف العورة، وهو غير مراد، فتعين أن يكون المعنى ما ذكرناه، وتعين الحمل على المجاز؛ لتتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف، ويؤيده رواية أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه: (أمَّا أحدهما؛ فيُعَذَّبُ في البول)، ومثله عند الطبراني عن أنس، وكلمة (في): للتعليل؛ أي: يُعَذَّبُ بسبب البول.\nففي الحديث: دليل على نجاسة الأبوال مطلقًا سواء كانت من بني آدم أو غيره، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه: أنه يعفى في النجاسة المائعة عن قدر مقعر الكف، وفي الجامدة يعفى عن قدر الدرهم؛ لما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: سئل عن قليل النجاسة، فقال: (مثل ظفري هذا لا يمنع)، وظفره كان قدر الدرهم، وبهذا قال إبراهيم النخعي، وقد رخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبر من البول؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، وإنما كان المعفو قدر الدرهم؛ اعتبارًا للمشقة، وقياسًا على المخرجين، وسهل في البول القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي.\nوفي «الجواهر» للمالكية: (أن البول والعذرة من بني آدم نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله)، وقيل: بل نجسان، وعامة الفقهاء لم يخففوا من الدم إلا اليسير.\nواختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير، والأرجح أنه قدر الدرهم الكبير، وهذا أيضًا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال الشافعي: قليل النجاسة وكثيرها سواء، لا يُعْفى عن شيء منها إلا ما لا يدركه الطرف، وفي هذا مشقة وعسر وحرج، وهو مدفوع بالنص؛ فافهم، ولا حجة له في هذا الحديث؛ لأنَّه عُذِّبَ على عدم صحة وضوئه مع نزول البول، وهو عدم الاستبراء من البول، أو لأنَّه يفعله عمدًا بغير عذر، فيبقى على بدنه من النجاسة زائدًا على قدر المعفو عنه، ولا شك أن هذا يوجب العذاب مع ما يلزم عليه من أداء الصلاة بغير طهارة، وإن تعمد ذلك؛ يخشى عليه الكفر، ويكفر عند بعض العلماء، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».\n (وكان الآخر يمشي بالنميمة)؛ أي: يسعى بنقلها وإفشائها بين الناس، ولهذا قال بعضهم: حقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يُكْرَهُ كشفه، وفاعلها يقال له: نمام، وفي حديث الشيخين: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي رواية: (قتات)؛ بالقاف ومثناتين، النمام: الذي يكون مع الجمع يتحدثون حديثًا فينم عليهم، والقتات: الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون، ثم ينم، وعرَّفها في «عمدة القاري» بأنها هي نقل كلام الناس، وقال النووي: (هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار)، قلت: وتفسير الإمام في «عمدة القاري» تفسير بالأعم.\nثم إن النووي قال: (والمشي بالنميمة من أقبح القبائح)؛ أي: من أكبر الكبائر، واعترضه الكرماني بأنه لا يصح على قاعدة الفقهاء؛ لأنَّهم يقولون: الكبيرة: هي الموجبة للحد، ولا حد على الماشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة؛ لأنَّ الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة، أو لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحي.\nوزعم ابن حجر: (وما نقله عن الفقهاء ليس قول جميعهم؛ لأنَّ كلام الرافعي يشعر ترجيحه؛ حيث حكى وجهين؛ أحدهما: هذا، والثاني: ما فيه وعيد شديد، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق)، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه لا وجه لتعقيبه على الكرماني؛ لأنَّه لم يميز قول الجميع عن قول البعض حتى يعترض على قوله: (على قاعدة الفقهاء) على أن الذنب المستمر عليه صاحبه وإن كانت صغيرة؛ فهي كبيرة في الحكم، وفيه وعيد؛ لقوله: «لا صغيرة مع الإصرار») انتهى، وهو جواب صحيح، وعليه جرى القسطلاني حيث قال: (ويجاب عن استشكال كون النميمة من الصغائر بأن الإصرار عليها المفهوم هنا من التعبير بـ «كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة) انتهى، وقد ركب العجلوني هنا متن عمياء، وخبط خبط عشواء، والصواب ما علمته؛ فليحفظ.\nوإنما خص البول والنميمة بعذاب القبر؛ لأنَّ القبر أول منازل الآخرة، وفيه نموذج ما يقع في القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حق الله تعالى، وحق العباد، وأول ما يقضى فيه من حقوق الله: الصلاة، ومن حقوق العباد: الدماء، وأما البرزخ؛ فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما.\nنسأله سبحانه العفو عن ذنوبنا والستر علينا، وأن يفرج عنا وعن المسلمين، ويكشف عنا هذا الضيق والمقت والقهر إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.\n (ثم دعا)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (بجريدة)؛ من جريد النخل، وفي رواية الأعمش: (بعَسِيب رطب)، وهو بفتح العين المهملة، وكسر السين المهملة، على وزن (فَعِيل)؛ نحو: (كَرِيم)؛ وهي الجريدة التي لم\n_________\n(^١) في الأصل: (وهو حدث فيه قعرة وجفرة)، وهو تحريف.","vol":"1","page":95},{"text":"ينبت فيها خوص، فإن نبت؛ فهي السعفة، وعُلم من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق، كذا في «عمدة القاري».\nقيل: خص الجريد بذلك؛ لأنَّه بطيء الجفاف، والآتي بالجريدة بلال ﵁، كما في مشيخة يعقوب الفسوي من حديث أبي رافع بسند ضعيف: أن بلالًا قال: كنا مع النبي ﵇ في جنازة؛ إذ سمع شيئًا في قبر، فقال لبلال: «ائتني بجريدة خضراء...»؛ الحديث، وقيل: الآتي بها أبو بكر الصديق كما عند أحمد والطبراني.\nقلت: والظاهر أن هذه القصة غير قصة الباب؛ لأنَّه صرح فيها بقبرين، وصرح في حديث بلال بقبر واحد، وسيأتي تمامه؛ فافهم.\n (فكسَرها)؛ بتخفيف المهملة؛ أي: بنفسه أو أمر غيره، والظاهر الأول (كِسْرتين)؛ بكسر الكاف، وسكون المهملة، تثنية كسرة؛ وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش أنه منصوب على الحال، وأنها كانت نصفًا، وفي رواية جرير عنه: (باثنتين)، قال النووي: الباء زائدة؛ للتأكيد، وهو منصوب على الحال، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: (إن في متن الحديث: «ثم دعا بجريدة، فكسرها كِسْرتين»؛ يعني: أتي بها فكسرها؛ أي: فالفاء عاطفة على مقدر، وفي حديث أبي بكرة وجابر كما رواه مسلم وأحمد والطبراني أنه الذي قطع الغصنين، فهل هذه قضية واحدة أو قضيتان؟\nالجواب: أنهما قضيتان، والمغايرة بينهما من أوجه؛ الأول: أن هذه كانت في المدينة، وكان مع النبي ﵇ جماعة، وقضية جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده، الثاني: أن في هذه القضية أنه ﵇ غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، كما في رواية الأعمش الآتية، وفي حديث جابر: أمر ﵇ جابرًا فقطع غصنين من شجرتين كان ﵇ استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرًا، فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي ﵇ جالسًا، وأن جابرًا سأله عن ذلك، فقال: «مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفعه عنهما ما دام الغصنان رطبين»، الثالث: لم يذكر في قصة جابر ما كان السبب في عذابهما، الرابع: لم يذكر فيه كلمة الترجي، فدل ذلك كله على أنهما قضيتان مختلفتان، بل روى ابن حبان في «صحيحه» عن أبي هريرة: أنه ﵇ مر بقبر، فوقف عليه، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فهذا بظاهره يدل على أنَّها قضية ثالثة، فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي، انتهى كلامه ﵀ ورضي عنه، ومثله في «ابن حجر».\nقلت: ويؤيد هذا الظاهر حديث أبي رافع، فإن فيه: (فسمع شيئًا في قبر، فكسرها باثنتين، وترك بعضها عند رأسه، وبعضها عند رجليه)، وفي قصة الواحد: جعل نصفًا عند رأسه ونصفًا عند رجليه، وفي قصة الاثنين: جعل على كل قبر جريدة، ولا ريب أن هذه قضايا مختلفة في أحوال متعددة في أماكن متغايرة، فكل صحابي عبر بما رأى؛ فافهم، والله أعلم.\n (فوضع)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (على كل قبر منهما كِسْرة)؛ بكسر الكاف؛ أي: واحدة؛ يعني: وضع كل كسرة منهما على ظهر القبر من جهة الرأس، وعلى الآخر كذلك، كما اعتيد في زماننا؛ لأنَّ كلمة (على) تفيد الاستعلاء، فالكسرة الموضوعة على كل قبر نصف، قال في «عمدة القاري»: (وفي رواية الأعمش: «فغرز»، والغرز مستلزم الوضع بدون العكس) انتهى.\nوالغرز بإزاء الرأس ثابت بإسناد صحيح، كما في «المصابيح»، وقول الزركشي: وفي رواية غندر: (نصفه عند رأسه، ونصفه عند رجليه)، كما ذكره صاحب «الترغيب»؛ محمول على أنَّ القبر واحد؛ لما في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة أنَّه قال: مر ﵇ بقبر فوقف عليه، وقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم قال: «لعلَّه يخفف عنه بعض عذاب القبر»، لا أنه في هذه القصة، فيكون القطع حينئذ أربعًا، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ القضايا مختلفة في القبر والقبرين، ولأن مقصود النبي ﵇ تخفيف العذاب ما دام الجريد رطبًا، ومع شقه أربع شقق لا يستقيم رطبًا؛ لصغر جرمه، والحر حر الحجاز؛ فافهم.\n (فقيل له): وفي رواية: إسقاط لفظة: (له)؛ أي: للنبي الأعظم ﵇: (يا رسول الله): وفي رواية الأعمش: (قالوا)؛ أي: الصحابة: (لم فعلت هذا؟): الإشارة إلى وضع الجريدتين على القبرين، قال في «عمدة القاري»: (ولم يُعْلَم القائل من هو) انتهى ومثله في «ابن حجر»، قلت: وقد يقال: إن القائل له ذلك إما جابر كما في حديثه، أو بلال كما في حديثه، أو أبو بكر الصديق كما في حديثه، وكل قضية على حسبها، وهو الظاهر؛ فافهم.\n (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ: (لعلَّه أنْ يخفف عنهما)؛ بضمير التثنية يعود إلى الإنسانين، و(يخفف): مبني للمفعول، شبه (لعلَّ) بـ (عسى)، فأتى بـ (أنْ) في خبره، وهو جائز، وإن كان الأكثر حذفها، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤]، وقال في «عمدة القاري»: (الرواية: «أن يخفف عنها» على التوحيد والتأنيث، وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضميرين في «لعلَّه» و«عنها» إلى الميت باعتبار كونه إنسانًا وكونه نفسًا، ويجوز أن يكون الضمير في «لعلَّه» ضمير الشأن، وفي «عنها» للنفس، وجاز تفسير الشأن بـ «أن» وصلتها مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنَّها في حكم جملة؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدت مسد مفعولي «حسب» و«عسى» في نحو: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وفي: ﴿عَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦]، ويجوز على قول الأخفش أن تكون «أن» زائدة مع كونها ناصبة؛ كزيادة الباء و«من» مع كونهما جارَّتين، ومن تفسير ضمير الشأن بـ «أن» وصلتها قول عمر ﵁: «فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما يقلني رجلاي»، وقال الطيبي: لعلَّ الظاهر أن يكون الضمير مبهمًا يفسره ما بعده، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧]، وقال العلَّامة جار الله الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا الحياة الدنيا، ثم وضع «هي» موضع الحياة؛ لأنَّ الخبر يدل عليها ويبينها (^١)، ومنه: هي النفس تحمل ما حملت، والرواية بتثنية الضمير في «عنهما» لا يستدعي إلا هذا التأويل) انتهى كلامه ﵀ ورضي عنه.\nثم قال: (وهل للجريد معنى يخصه في الغرز على القبر ليخفف العذاب؟\nوالجواب: أنه لا لمعنى يخصه، بل المقصود أن يكون ما فيه رطوبة من أي شجر كان، ولهذا أنكر الخطابي ومن تبعه وضع الجريد اليابس، وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه الرطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور ليس بشيء، وإنما السنة الغرز.\nفإن قلت: في الحديث: «فوضع على كل قبر منهما كِسرة».\nقلت: في رواية الأعمش: «فغرز»، فينبغي الغرز؛ لأنَّ الوضع يوجد في الغرز بخلاف الوضع، كما قدمناه.\nفإن قيل: إنه ﵇ قد علل غرزهما على القبر بأمر معين من العذاب، ونحن لا نعلم ذلك مطلقًا.\nوالجواب: أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن نترك ذلك، ألا ترى أنَّا ندعو للميت بالرحمة، ولا نعلم أنه يرحم أم لا؟\nفإن قلت: وهل لأحد أن يأمر بذلك لأحد أم الشرط أن يباشره بيده؟\nوالجواب: ظانه لا يلزم ذلك، والدليل عليه أن بريدة [بن] الحصيب (^٢) ﵁ أوصى أن يوضع على قبره جريدتان، كما يأتي في هذا الكتاب).\nوزعم ابن حجر أنه ليس في السياق ما يقطع أنه باشر الوضع بيده الكريمة ﵇، بل يحتمل أن يكون أمر به، وردَّه في «عمدة القاري»: بأن هذا كلام واهٍ جدًّا، وكيف يقول ذلك وقد صرح في الحديث: (ثم دعا بجريدتين، فكسرهما، فوضع على كل قبر منهما كسرة)؟! وهذا تصريح في أنه ﵇ وضعه بيده الكريمة، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهذه كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك: جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به؛ فافهم، انتهى كلامه ﵀ ورضي عنه.\n (ما لم ييبَسا)؛ بمثناتين تحتيتين،\n_________\n(^١) في الأصل: (وبينها).\n (^٢) في الأصل: (الخطيب)، وهو تحريف.","vol":"1","page":96},{"text":"ثم موحدة، وهذه في أكثر الروايات، وفي رواية: (ما لم تيبَسا)؛ بمثناة فوقية بعدها تحتية، ثم موحدة؛ أي: الكسرتان، وفي رواية: (إلا أن تيبَسا)؛ بحرف الاستثناء، وفي رواية: (إلى أن ييبَسا)؛ بكلمة (إلى) التي للغاية، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، أمَّا التأنيث؛ فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين، وأمَّا التذكير؛ فباعتبار رجوع الضمير إلى العُود؛ لأنَّ الكسرتين عودان، والباء الموحدة مفتوحة في جميع الروايات؛ لأنَّه من باب (علم يعلم)، وفيه لغة شاذة، وهي الكسر، وكلمة (ما): مصدرية زمانية، وأصله: لعلَّه يخفف عنهما مدة دوامهما إلى زمن اليبس، أو مدة عدم يبسهما، وذلك بسبب التبرك بأثره ﵇، ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأنه ﵇ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًّا لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وقال النووي: (قال العلماء: هو محمول على أنه ﵇ سأل الشفاعة لهما، فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا)، وقال ابن الملقن: وقد حصل ما ترجَّاه في الحال، فأورقا في ساعتهما، ففرح بذلك، وقال: «رُفِعَ العذابُ عنهما بشفاعتي»، وقيل: يحتمل أنه ﵇ يدعو لهما تلك المدة، وقيل: لأنَّهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ معناه: وإن من شيء حي، ثم حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشبة ما لم تيبس، وحياة الحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع، فيكون مسبحًا منزهًا بصورة حاله؟ وأهل التحقيق على أنه يسبح حقيقة، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به؛ وجب المصير إليه، واستحب العلماء قراءة القرآن والأذكار عند القبر؛ لهذا الحديث؛ لأنَّه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريدة؛ فتلاوة القرآن والذكر أولى.\nفإن قلت: ما الحكمة في كونهما ما داما رطبين يمنعان العذاب بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء؟\nقلت: يمكن أن يكون معرفة هذا كمعرفة [عدد] الزبانية في أنه تعالى هو المختص بها، كذا في «عمدة القاري».\nوقال المازري: (يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يُخَفَّفُ عنهما هذه المدة)، واعترضه القرطبي بأنه لو علم بالوحي؛ لما أتى بحرف الترجي، قال ابن حجر: (وإذا حملناها على التعليل؛ لا يرد هذا)، قلت: وهذا الحمل فاسد، فإن النحاة أجمعوا على أن معنى (لعلَّ): الترجي، وهو مراد النبي ﵇؛ بدليل أن هذه الكيفية من أخذ الجريدة وغرزها ونحوه شفاعة، وهي ترجى بلا ريب، وأما التعليل؛ فإنه معنى شاذ، على أنه إنَّما يأتي بالتعليل في مقام الجزم واليقين، وهنا المقام مقام تردد بين التخفيف وعدمه؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: واختلفوا في المقبورَيْن هل كانا مسلمين أو كافرين؟\nفقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب»، واحتج على ذلك بما رواه من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: «مر نبي الله ﵇ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة»، قال: هذا حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي؛ لأنَّهما لو كانا مسلمين؛ لما كان لشفاعته ﵇ لهما إلى أن ييبسا معنًى، ولكنه لما رآهما يعذبان؛ لم يستجز من عطفه ولطفه ﵇ حرمانهما من ذلك، فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما رواه الطبراني في «الأوسط»: «مر النبي ﵇ على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية، فسُمِعْنَ يُعَذَّبْنَ في النميمة»، قال: لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة.\nوقيل: كانا مسلمين، وجزم به بعضهم؛ لأنَّهما لو كانا كافرين؛ لم يَدْعُ ﵇ لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجاه لهما، ويقوي هذا ما في بعض طرق حديث ابن عباس ﵄: «مرَّ بقبرَيْن من قبور الأنصار جديدَيْن»، فإن تعددت الطرق وهو الأقرب لاختلاف الألفاظ؛ فلا بأس، وإن لم يتعدد؛ فهو بالمعنى المذكور؛ لأنَّ بني النجار من الأنصار، وهو لقب إسلامي لقبوا به؛ لنصرهم النبي ﵇، ولم يعرف بهما سَمِيٌّ في الجاهلية، ويقويه أيضًا ما في رواية مسلم: «فأجيبت بشفاعتي»، والشفاعة لا تكون إلا للمؤمن، وما في رواية أحمد المذكورة، فقال: «من دفنتم اليوم ههنا؟»، فهذا أيضًا يدل على أنهما كانا مسلمَيْن؛ لأنَّ البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب لهم.\nفإن قلت: لمَ لا يجوز أن يكونا كافرين، كما ذهب إليه أبو موسى، وكان دعاء النبي ﵇ لهما من خصائصه كما في قصة أبي طالب؟\nقلت: لو كان ذلك من خصائصه ﵇؛ لبينه، على أنا نقول: إن هذه القضية متعددة كما ذكرنا، فيجوز تعدد حال المقبورَيْن.\nفإن قلت: ذكر البول والنميمة ينافي ذلك؛ لأنَّ الكافر وإن عُذِّبَ على أحكام الإسلام؛ فإنه يُعَذَّبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف.\nقلت: لم يبين في حديث جابر المذكور سبب العذاب ما هو، ولا ذكر فيه الترجي لرفع العذاب، كما في حديث غيره، فظهر من ذلك صحة ما ذكرنا من تعدد الحال.\nورد بعضهم احتجاج أبي موسى بالحديث المذكور بأنه ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وليس فيه ذكر سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة.\nقلت: هذا من تخليط هذا القائل؛ لأنَّ أبا موسى لم يصرح بأنه ضعيف، بل قال: (هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس بقوي)، ولم يعلم هذا القائل الفرق بين الحسن والضعيف؛ لأنَّ بعضهم عد الحسن من الصحيح لا قسيمه، ولذلك يقال للحديث الواحد: إنه حسن صحيح، وقال الترمذي: الحسن: ما ليس في إسناده من اتُّهم بالكذب، وعبد الله بن لهيعة المصري لا يتهم بالكذب، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوه؛ منهم: الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى انتهى كلامه ﵀ ورضي الله.\nوالمراد بهذا القائل: ابن حجر العسقلاني، وهذا داء به يذكر الكلام مخبطًا من غير تحرير، وقد بين ذلك في «كشف الحجاب عن العوام» وفي «منهل العليل المطل»؛ فليحفظ.\nقال الخطابي: فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنَّه إذا يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر؛ فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة.\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والإمام أحمد ابن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى وصول ثواب القرآن إلى الميت؛ لما روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من مر بين المقابر، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات؛ أعطي من الأجر بعدد الأموات»، وفي «سننه» أيضًا عن أنس يرفعه: «من دخل المقابر، فقرأ سورة (يس)؛ خفف الله عنهم يومئذ»، وعن أبي بكر الصديق ﵁: قال رسول الله ﵇: «من زار قبر والديه أو أحدهما، فقرأ عنده أو عندهما (يس)؛ غفر له»، وروى أبو حفص بن شاهين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: «من قال: الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، هو الملك رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله النور في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالدي؛ لم يبق لوالديه حق إلا أداه إليهما»، وقال الثوري: المشهور عند الشافعي وجماعة أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، والأخبار المذكورة حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصلهم ثوابه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة؛ منها: قوله ﵇: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، ومنها: قوله ﵇: «اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا»، وغير ذلك.\nفإن قلت: هل يَبْلُغُه ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق؟\nقلت: روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه سأل النبي ﵇، فقال: يا رسول الله؛","vol":"1","page":96},{"text":"إن العاصي بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وإن هشام بن العاصي نحر حصته خمسين، أفيجزئ عنه؟ فقال ﵇: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصُمْتَ عنه، أو تصدَّقْتَ عنه، أو أعتقْتَ عنه؛ بَلَغَهُ ذلك»، وروى الدارقطني: قال رجل: يا رسول الله؛ كيف أبر أَبَوَيَّ بعد موتهما؟ فقال: «إن من البر بعد البر أن تصلِّي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق عنهما مع صدقتك»، وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين ابن الفراء عن أنس ﵁: أنه سأل رسول الله ﵇، فقال: يا رسول الله؛ إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: «نعم»، وعن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين: (أن الحسن والحسين ﵄ كانا يعتقان عن علي ﵁)، وفي «الصحيح»: قال رجل: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم».\nفإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت؟\nقلت: اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال:\nأحدها: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الطور: ٢١] أدخل الآباء الجنة بصلاح الأبناء، قاله ابن عباس ﵄.\nالثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى ﵉، وأمَّا هذه الأمة؛ فلهم ما سعوا أو ما سعى لهم غيرهم، قاله عكرمة.\nالثالث: المراد بـ (الإنسان): الكافر، قاله الربيع بن أنس.\nالرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى بطريق العدل، فأمَّا من باب الفضل؛ فجائز أن يزيده الله تعالى ما يشاء، قاله الحسين بن فضل.\nالخامس: أن معنى ﴿مَا سَعَى﴾: ما نوى، قاله أبو بكر الوراق.\nالسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، ذكره الثعلبي.\nالسابع: أن اللام في ﴿للإنسان﴾ بمعنى (على)؛ تقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى.\nالثامن: أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيله سببه مثل سعيه في تحصيل قرابة (^١) وولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة (^٢) أهل الدين فيكون ذلك سببًا حصل بسيعه، حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزعفراني، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري» ﵀ ورضي عنه، وسيأتي مزيد لذلك في (الجنائز) إن شاء الله تعالى.\nاللهم فرج عنا وعن المسلمين، وارفع البلاء عنا وعنهم برحمتك يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٣٧٦\"> </span>(٥٦) <span data-type=\"title\" id=toc-376>[باب: مَا جَاءَ فِي غَسْلِ الْبَوْلِ</span>.]\nهذا (باب ما جاء)؛ أي: ورد في الحديث (في) حكم (غسل البول)؛ أي: بول الإنسان، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق البول الذي كان سببًا لعذاب صاحبه في قبره، وهذا الباب في بيان غسل ذلك البول، فالألف واللام فيه للعهد الخارجي، وأشار به المؤلف إلى أن المراد من البول: هو بول الناس؛ لأجل إضافة البول إليه في الحديث السابق لا جميع الأبوال على ما يأتي في التعليق الدَّال على ذلك، فلأجل هذا قال ابن بطال: (لا حجة فيه لمن حمله على جميع الأبوال ليحتج به في نجاسة بول سائر الحيوانات)، وفي كلامه ردٌّ على الخطابي حيث قال: فيه: دليل على نجاسة الأبوال كلها، وليس كذلك، بل الأبوال غير بول الناس على نوعين؛ أحدهما: نجسة مثل بول الناس يلتحق به لعدم الفارق، والآخر: طاهرة عند من يقول بطهارتها، ولهم أدلة أخرى في ذلك، كذا قرَّره في «عمدة القاري».\n (وقال النبي) الأعظم (ﷺ) هذا تعليق من المؤلف، وقد وصله في الباب السابق واللاحق (لصاحب القبر)؛ أي: عنده، فاللام هنا بمعنى: عند، كما في قولهم: كتبته لخمس خَلَون، أو بمعنى: لأجل، أو بمعنى: عن؛ أي: عن صاحب القبر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، والصواب: الأول أو الثاني، والمعنى الثالث ضعيف؛ لأنَّ اللام في الآية -كما قاله النحاة- لام التعليل؛ فافهم، والله تعالى أعلم: (كان لا يستتر)؛ بمثناتين، ولابن عساكر: (لا يستبرئ)؛ بموحدة بعد الفوقية: لا يطلب البراءة من البول، كما قدمناه، (من بوله)؛ أي: بول نفسه، (ولم يذكر سوى بول الناس)، هذا من كلام المؤلف نبَّه به على أن معنى روايته: (لا يستتر من البول) هو بول الناس لا سائر الأبوال، فلا تعلق له في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول غير الإنسان، ولمن قال بطهارة ذلك، فالمطلق الآتي محمول على المقيَّد، لكن للقائلين بنجاسة سائر الأبوال أدلَّة أخرى، كما للقائلين بطهارة بول غير الإنسان من الحيوانات المأكولات.\n\n <span id=\"b-٣٧٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-377>[حديث: كان النبي إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به]</span>\n٢١٧ - وبه قال: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم)؛ أي: الدورقي (قال: حدثنا)، وفي رواية: (أخبرنا) (إسماعيل بن إبراهيم): هو ابن علية وليس هو أخا يعقوب المذكور، نبَّه عليه في «عمدة القاري» (قال: حدثني) بالإفراد (روح بن القاسم) التيمي العنبري البصري، المكنى بأبي القاسم، أو بأبي غياث -بالمعجمة، والمثلثة-، ورَوْح؛ بفتح الرَّاء، وسكون الواو، وبالحاء المهملة: هو المشهور، ونقل ابن التين أنَّه قرئ بضم الرَّاء، وليس بصحيح، وقيل: هو بالفتح لا نعلم فيه خلافًا، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم. (قال: حدثني) بالإفراد (عطاء بن أبي ميمونة)؛ بالتاء آخره، البصري أبو معاذ مولى أنس بن مالك ﵁، (عن أنس بن مالك) ﵁ (قال: كان النبي) الأعظم وفي [رواية]: (رسول الله) (ﷺ إذا تبرَّز)؛ بتشديد الرَّاء، وبالزاي آخره؛ أي: خرج إلى البَراز -بفتح الموحدة- للحاجة، والبَراز: اسم للفضاء الواسع، فكنوا به عن قضاء الحاجة، كما كنوا عنه بالخلاء؛ لأنَّهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: (المحدِّثون يَرْوُونه بالكسر، وهو خطأ؛ لأنَّه مصدر -بالكسر- من المبارزة في الحرب)، وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: (البراز: المبارزة في الحرب، والبراز: أيضًا كناية عن ثقل العذرة، وهو الغائط)، ثم قال: (والبَراز؛ بالفتح: الفضاء الواسع)، كذا في «عمدة القاري»، (لحاجته)؛ أي: لأجلها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى: عند؛ يعني: عند قضاء حاجته؛ (أتيته بماء)؛ أي: لأجل الاستنجاء، (فيَغسِل به)؛ بكسر السين المهملة، وفتح التحتية، وفي رواية: (فيَغتَسل)؛ بفتح التحتية والفوقية، بينهما غين معجمة، وفي أخرى: (فتَغسَّل)؛ بفتح الفوقية بعد الفاء، وتشديد السين المفتوحة، والمراد من الكل: أنه يغسل ذَكَرَهُ الشريف بالماء من حاجة البول، وحذف المفعول لظهوره، أو للاستحياء عن ذكره، كما قالت عائشة ﵂: (ما رأيت منه، ولا رأى مني)؛ يعني: العورة، كذا قاله الشراح، ولو قدِّر عامًّا؛ أي: فرجه ليشمل القبل والدبر؛ لكان أولى، ولعلَّ الحامل لهم على تقدير الخاص كونه كذلك في الواقع، لكن هذا بعيد في كل مرة؛ فتأمل.\nوفي الحديث: استحباب التباعد عن الناس لقضاء الحاجة، والاستتار عن أعين الناس، وجواز استخدام الصغار، وجواز الاستنجاء بالماء واستحبابه، ورجحانه على الاقتصار على الحجر، واختلف فيه، والذي عليه الجمهور من السلف: أن الأفضل الجمع بين الماء والحجر، فإن اقتصر على أحدهما؛ جاز، لكن الماء أفضل؛ لأصالته في التنقية، وقيل: الحجر أفضل، وقال المالكية: لا يجوز الحجر إلا لمن عدم الماء.\nويستنبط منه حكم آخر، وهو استحباب خدمة الصالحين وأهل الفضل، والتبرك بذلك، أفاده في «عمدة القاري»، والله أعلم.\nوقد استدلَّ المؤلف بهذا الحديث هنا على غسل البول، وهو أعم من الاستدلال به على الاستنجاء وغيره فلا تكرار فيه، وقد ثبتت الرُّخصة في حق المستجمر، فيستدلُّ به على وجوب غسل ما انتشر على المحلِّ من النجاسة؛ فافهم.\nاللَّهُمَّ إنِّي أسألك بمحمَّد وآله وأصحابه صلَّى الله عليه وعليهم وسلَّم أنْ تفرِّج عنَّا وعن المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين، آمين، آمين.\n_________\n(^١) في الأصل: (قواته)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (بحبه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":97},{"text":"هذا (بابٌ)؛ بالتنوين من غير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل عن الباب قبله، ودلالته على غسل البول من جهة التوعد، قال في «عمدة القاري»: (وثبت لفظ «باب» في رواية أبي ذر، وهو على هذه الصورة غير معرب، بل حكمه حكم تعداد الأسماء؛ لأنَّ الإعراب إنَّما يكون بعد العقد والتركيب، فإذا قلنا: هذا باب ونحوه؛ يكون معربًا، ومن قال: «باب: بالتنوين من غير وصل بشيء»؛ فقد غلط) انتهى، والقائل بذلك ابن حجر، وتبعه العجلوني تعصبًا؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٧٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-378>[حديث: مر النبي ﷺ بقبرين]</span>\n٢١٨ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية بالإفراد (محمَّد بن المُثَنَّى)؛ بضمِّ الميم، وفتح المثلثة، وتشديد النون، البصري المعروف بالزَّمِن (قال: حدثنا محمَّد بن خازم)؛ بالخاء المعجمة، والزاي المعجمة، أبو معاوية الضرير، عمي وعمره أربع سنين، الكوفي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة (قال: حدثنا الأعمش): هو سليمان بن مهران الكوفي التابعي، (عن مُجَاهِد)؛ بضمِّ الميم، هو ابن جبر، (عن طاووس): هو ابن كيسان، (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، (قال: مر النبي) الأعظم (ﷺ بقبرين، فقال) ﵇: (إنَّهما ليُعَذَّبان)؛ أي: مَن في القبرين، فإسناد العذاب إلى القبرين من باب ذكر المحل وإرادة الحالِّ، (وما يُعَذَّبان في كبير)؛ بالموحدة، و(ما) نافية على الأظهر؛ أي: بكبير تركه عليهما إلا أنَّه كبير من حيث المعصية، (أما أحدهما)؛ أي: أحد المقبورين، وأتى بـ (أما) للتفصيل؛ (فكان) في حياته بدار الدنيا (لا يستتر)؛ بفوقيتين، من الاستتار (من البول)؛ أي: بول الإنسان، ولابن عساكر: (لا يستبرئ)؛ بالموحدة، من الاستبراء؛ أي: لا يطلب البَرَاءة من البول، (وأما الآخر) من المقبورين؛ (فكان يمشي بالنميمة)؛ أي: بين الناس بالفساد والإضرار، فإن كان على سبيل مصلحة أو ترك مفسدة؛ فهو مطلوب شرعًا، وأفاد التعبير بـ (ان) إلى أنه كانت عادتهما ذلك على سبيل الدوام والاستمرار، وماتا ولم يتوبا من ذلك، ويدل لذلك التعبير بصيغة المضارعة بعد (كان).\n (ثم أخذ)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (جريدة) من النخل (رطْبة)؛ بسكون الطاء، وكأنَّه ﵇ أخذها من أصلها؛ أي: قطعها بيده الشريفة، (فشقها نصفين)، وإنما شقَّها كذلك؛ إما ليسهل غرزها، أو لكبرها، أو غير ذلك، والله أعلم، (فغرز)؛ بالغين والزاي المعجمتين، بينها راء، وفي رواية وكيع في (الأدب): (فغرس)، وهما بمعنى واحد، وبين الزاي والسين تناوب، كما في «عمدة القاري» (في كل قبر واحدة)، وكان غرزه ﵇ عند رأس القبر، كما قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنه ثبت بإسناد صحيح.\n (قالوا)؛ أي: الصحابة ﵃: (يا رسول الله؛ لم فعلت)؛ أي: هذا؟ كما صرح به في رواية، (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇: (لعله يخفَّف) بفتح الفاء الأولى المشددة (عنهما)؛ أي: عن صاحبي القبرين العذاب (ما لم ييبَسا)؛ بتحتيتين، بعدهما موحدة، وفي رواية: (ما لم تيبَسا)؛ بفوقية، وبعدها تحتية، وبعدها موحدة، وفي أخرى: (إلا أن ييبَسا)؛ بحرف الاستثناء، والموحدة مفتوحة في الكل، ويجوز التذكير والتأنيث، فالتذكير نظرًا إلى رجوع الضمير إلى العُود؛ لأنَّ الجريدة عود، والتأنيث باعتبار رجوع الضمير فيه إلى الشقين، قال في «عمدة القاري»: (وهذا الحديث في نفس الأمر هو الذي ترجم له المؤلف بقوله: «من الكبائر...» إلخ؛ لأنَّ مخرجهما واحد غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن؛ لأنَّ هناك عن مُجَاهِد، عن ابن عباس، وهنا عن مُجَاهِد، عن طاووس، عن ابن عباس، وقد قلنا هناك: إن إخراج المؤلف بهذين الطريقين صحيح عنده؛ لأنَّه يحتمل أن مُجَاهِدًا سمعه تارة عن ابن عباس، وتارة عن طاووس، عن ابن عباس، فإذا بان الأمر كذلك؛ فلا يحتاج إلى طلب ترجمة هذا الحديث لهذا الباب على تقدير وجود لفظة «باب»؛ لأنَّ وجه الترجمة والمطابقة لها قد ذكر هناك.\nفإن قلت: بينهما باب آخر، وهو قوله: (باب ما جاء في غسل البول)؟\nقلت: هذا تابع للباب الأول؛ لأنَّه في بيان حكم من أحكامه، وليس للتابع استقلال في شأنه، فعلى هذا قول الكرماني.\nفإن قلت: كيف دلالة الحديث على الترجمة؟\nقلت: من جهة إثبات العذاب على ترك استتار جسده من البول وعدم غسله غير رشيد مستغنى عنه؛ لأنَّه [إن] اعتبر فيما قاله لفظة «باب» مفردًا؛ فليس فيه ترجمة، وإن لم يعتبر ذلك؛ فيكون الحديث في باب «ما جاء في غسل البول»، وليس له مناسبة ظاهرًا، والتحقيق ما ذكرته؛ فافهم) انتهى كلامه.\n (وقال ابن المثنى) وفي رواية: (وقال محمَّد بن المثنى)؛ أي: المذكور: (وحدثنا وكيع)؛ أي: ابن الجراح، وهو معطوف على قوله: (حدثنا محمَّد بن خازم)، ووقع في رواية بحذف واو العطف، فليس هذا بتعليق، كما زعمه ابن حجر؛ فليحفظ، نبَّه عليه في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح، وقد وصله أبو نعيم في «المستخرج» من طريق محمَّد بن المثنى هذا عن وكيع، ومحمَّد بن خازم، عن الأعمش، والثلاثة في هذا الإسناد الذي أفرده للتقوية للإسناد الأول.\n (قال: حدثنا الأعمش)؛ سليمان بن مهران الأسدي: (سمعت مُجَاهِدًا مثلَه)؛ بالنصب مفعول لمحذوف؛ أي: يقول مثله، وصرح بالسماع؛ لأنَّ الأعمش مدلس، وعنعنة المدلس لا تعتبر إلا إذا علم سماعه، وأراد التصريح بالسماع؛ لأنَّ الإسناد الأول معنعن.\nفإن قلت: [قال في الأول: (حدثنا محمد بن المثنى)، وقال ههنا] (^١): (قال ابن المثنى) هل بينهما فرق؟\nقلت: بلى أشار به إلى أنَّ (قال) أحط رتبة ودرجة من (حدَّث) كما تقول في بعض المواضع في إسناد واحد: (حدثني)؛ بالإفراد، و(حدثنا)؛ بالجمع.\nفإن قلت: مُجَاهِد في هذه الطريقة يروي عن طاووس أو عن ابن عباس؟\nقلت: الظاهر أنه يروي عن طاووس، عن ابن عباس؛ لأنَّه قال: (مثله)، ومثل الشيء: غيره، انتهى «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي.\n\n <span id=\"b-٣٧٩\"> </span>(٥٧) <span data-type=\"title\" id=toc-379>[باب ترك النبيِّ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله فِي المسجد]</span>\nهذا (باب ترك النبيِّ) الأعظم (ﷺ والناسِ)؛ بالجر عطفًا على لفظ (النبي) ﵇؛ لأنَّه مجرور بالإضافة؛ والتقدير: وتركُ الناسِ، وبالرفع عطفًا على المحل؛ لأنَّ لفظ (الترك) مصدر مضاف إلى فاعله، وبالنصب على المفعول معه، (الأعرابيَّ)؛ بفتح الهمزة منصوب على أنه مفعول (ترك) المصدر، واللام فيه للعهد الذهني النحوي، والخارجي البياني؛ لأنَّه معهود بواسطة القرائن، وهو ذو الخويصرة اليماني، أو الأقرع بن حابس كما يأتي، والأعرابي: نسبة إلى الأعراب؛ لأنَّه لا واحد له، وهم سكان البادية، والعربي: نسبة إلى العرب، وهم أهل الأمصار، وليس الأعرابي جمعًا للعرب، انتهى؛ أي: الأعرابي الذي قدم المدينة، ودخل مسجد النبي الأعظم ﵇، وبال فيه فلم يتعرض له أحد بإشارة النبي ﵇ (حتى فرَغ) بفتح الراء (من بوله في المسجد)؛ أي: النبوي، فالألف واللام فيه للعهد الذهني كما سبق، والمشهور كسر الجيم، ويجوز فتحها، وهو القياس، والظرف إما حال من (بوله)، أو صفة له، وإنما تركه ﵇ حتى فرغ وأمر الناس بتركه فتركوه؛ لأنَّه شَرَعَ في المفسدة، فلو منعه من إتمامها فيه؛ لدار الأمر بين أن يقطعها فيتضرر وبين ألَّا يقطعها؛ فلا يأمن تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو المسجد فيؤخذ منه أنه إذا تعارض مفسدتان يرتكب أخفهما، وهي قاعدة من قواعد الفروع ذكرها الإمام زين الدين في «الأشباه والنظائر»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٨٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-380>[حديث: أن النبي رأى أعرابيًا يبول في المسجد]</span>\n٢١٩ - وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل)؛ هو التبوذكي البصري، وسقط في رواية: (ابن إسماعيل) (قال: حدثنا هَمَّام)؛ بفتح الهاء، وتشديد الميم الأولى، هو ابن يحيى بن دينار العَوْذي؛ بفتح العين المهملة، وسكون الواو، وبالذال المعجمة، كان ثبتًا في كل المشايخ، المتوفى\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».","vol":"1","page":97},{"text":"سنة ثلاث وستين ومئة (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (إسحاق)؛ هو ابن عبد الله بن أبي طلحة بن سهل الأنصاري، (عن أنس بن مالك) ﵁، وعند مسلم: (حدثني أنس): (أن النبي) الأعظم (ﷺ رأى) بمعنى: أبصر (أعرابيًّا)؛ بالنصب مفعوله (يبول): جملة في محل النصب على أنَّها صفة لـ (أعرابيًّا)؛ والتقدير: أبصر أعرابيًّا بائلًا، وجوَّز الكرماني أن تكون حالًا، ومنعه في «عمدة القاري»، وتبعه العجلوني لقول «الألفية»:\nوَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ... لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ [أَوْ يَبِنْ]\nوعلله في «عمدة القاري» بأنَّه لا يقع الحال على النَّكرة إلا إذا كان مقدمًا على الحال؛ أي: غالبًا، انتهى وهذا مراده؛ فافهم، وبه سقط زعم العجلوني؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: (وعن عبد الله بن نافع المدني: أن هذا الأعرابي كان الأقرع بن حابس، حكاه أبو بكر التاريخي، وأخرج أبو مسلم المدني هذا الحديث في «الصحابة» من طريق محمَّد بن عطاء، عن سليمان بن يسار قال: «اطلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا...»؛ فذكر الحديث تامًّا بمعناه وزيادة، ولكنه مرسل، وفي إسناده أيضًا مبهم، ولكن فهم منه أن الأعرابي المذكور هو ذو الخويصرة، ولا يبعد ذلك لجلافته وقلة أدبه) انتهى، وقيل: إنه عيينة بن حصن.\nوعلى كلٍّ؛ فهذا الأعرابي كان من جفاة الأعراب؛ لما في «أبي داود» من حديث الزُّهْرِي، عن سَعِيْد، عن أبي هريرة: أن أعرابيًّا دخل المسجد ورسول الله ﵇ جالس، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﵇ له: «لقد تحجرت واسعًا»، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي ﵇ وقال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تُبْعَثُوا معسرين، صبوا عليه سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء»، وعند ابن ماجه: «لقد حصرت واسعًا أو اختصرت واسعًا، ويلك! أو ويحك! لو عممت؛ لاستجيب لك»، وقوله: (حصرت) من الحصر؛ بالصاد المهملة، وهو الحبس والمنع، لكن لما رفق به النبي ﵇ وعلَّمه من غير عنف وفقه في الإسلام؛ قام إلى النبي ﵇، وقال له: بأبي أنت وأمي، فلم تؤنِّب ولم تسب، انتهى.\n (في المسجد) الألف واللام فيه للعهد الذهني؛ أي: مسجد النبي الأعظم ﵇، وهو متعلق بـ (يبول) لا صفة (أعرابيًّا)، أو حال من فاعل (يبول) إلا أن قُدِّر: يبول فيه؛ فتأمل.\n (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇، وهو عطف على مقدر؛ أي: فتناوله الناس بألسنتهم، فقال: (دعُوه)؛ بضمِّ العين المهملة؛ أي: اتركوه، وهو أمر بصيغة الجمع من (يدع) (^١) تقول: دع دعا دعوا؛ بضمِّ العين، والعرب أماتت ماضيه، إلا ما جاء شاذًّا في قوله تعالى: (مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ) [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي رواية مسلم: (لا تزرموه ودعوه)، وهو بتقديم الزاي على الراء المهملة؛ بمعنى: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم الدمع والدم؛ انقطعا، وأزرمته أنا، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأعرابي، ففيه المبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة الرسول ﵇ من غير مراجعة.\nفإن قلت: أليس هذا من باب التقدم بين يدي الله ورسوله؟\nقلت: لا؛ لأنَّ ذلك مقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار، فأَمْرُ الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك.\nوإن لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن، فدل على أنه لا يشترط الإذن الخاص، ويكفي الإذن العام، وفيه دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، وفيه مراعاة التيسير على الجاهل، والتألف للقلوب؛ لأنَّه لو لم يتركوه؛ لتنجس بدنه، أو ثوبه، أو موضع آخر من المسجد، أو يقطعه فيتضرر بذلك، أفاده في «عمدة القاري».\n (حتى إذا فرغ)؛ أي: من بوله، كما صرح به في رواية، وهذا وما بعده من كلام أنس ﵁؛ (دعا)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ: جواب (إذا) الشرطية، و(حتى) ابتدائية، ويحتمل أن تكون (حتى) للغاية لمقدر؛ أي: فتركوه، و(إذا) ظرفية فقط، و(دعا) جواب (لمَّا) مقدرة؛ أي: فلما فرغ؛ دعا (بماء)؛ أي: طلب النبي ﵇ ماء، فهو متعلق بـ (دعا)؛ لتضمنه معنى ما يتعدى بالباء، أو زائدة في المفعول؛ لأنَّه بمعنى: طلب، وفي رواية ابن صاعد عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سَعِيْد، عن أنس: فقال ﵇: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء»، وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن معقل (^٢) بن مقرن: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء»، وعند المؤلف الآتي: (فلما قضى بوله؛ أمر ﵇ بذنوب من ماء فأهريق عليه)، وفي رواية مسلم: (فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو فشنه عليه)، وفي رواية النسائي: (فلما فرغ؛ دعا بدلو فصب عليه)، وفي رواية ابن ماجه: (ثم أمر بسَجْلٍ من ماء فأفرغ على بوله)، (فصبه)؛ أي: أمر بسكب الماء على البول، فالصب: السكب، يقال: صببت الماء فانصب؛ أي: سكبته فانسكب، والماء منصب من الجبل؛ أي: ينحدر، ويقال: ماء صب، وهو كقولك: ماء سكب، ويأتي (فصب) بدون ضمير المفعول، وفي رواية مسلم: (فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو فسنه عليه)؛ بالسين المهملة، وفي رواية الطحاوي بالمعجمة، والفرق بينهما أن السن بالمهملة: الصب المتصل، وبالمعجمة: الصب المنقطع، قاله ابن الأثير، والذَّنوب؛ بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيم، وقيل: لا تسمى ذَنوبًا إلا إذا كان فيها ماء، كذا في «عمدة القاري»، واستنبط الشافعي من الحديث: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة وصب عليها الماء؛ تطهر، ولا يشترط حفرها، وقال أئمتنا الأعلام أصحاب الإمام الأعظم التابعي الجليل الهمام: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة؛ فإن كانت الأرض رخوة؛ صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء؛ يحكم بطهارتها ولا يعتبر العدد فيه وإنما هو على اجتهاده وغالب ظنه أنها طهرت، ويقوم في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم أنه يصب عليها الماء ثلاث مرات، ويستفل (^٣) في كل مرة، وروي عن الإمام أبي يوسف أنه يصب عليها بحيث لو كانت هذه النجاسة في الثوب؛ طهر، واستحسن هذا في «الذخيرة»، وإن كانت الأرض صلبة؛ فإن كانت صعودًا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل (^٤) إلى الحفيرة، ثم يكبس الحفيرة، وإن كانت صلبة مستوية؛ صُبَّ عليها الماء ثلاث مرات وجُففت كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها الماء بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة، ثم يتركها حتى تنشف؛ طهرت، وكذا لو قلبها بجعل الأعلى أسفل وعكسه، أو كبسها بتراب ألقاه عليها فلم يوجد ريح النجاسة؛ طهرت، وإن كانت الأرض مجصصة، فقال في «الواقعات»: يصب عليها الماء، ثم يدلكها وينشفها بخرقة ثلاث مرات، فتطهر، وجعل ذلك بمنزلة غسل الثوب في الإجانة، والتنشف بمنزلة العصر، كذا في «البحر» عن «السراج»، ومثله في «الخلاصة»، و«المحيط»، وفي «الذخيرة» عن الحسن بن أبي مطيع: أنه إذا صب عليها الماء فجرى قدر ذراع؛ طهرت الأرض والماء طاهر بمنزلة الماء الجاري، وفي «المنتقى»: أصابها المطر غالبًا فجرى عليها؛ فذلك مطهر لها، ولو قليلًا لم يجر عليها؛ لم تطهر، انتهى.\nودليل ما قلناه أحاديث كثيرة منها ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي في مسجد النبي ﵇ فبال فيه، فقال النبي ﵇: «خذوا ما بال عليه من التراب وألقوه وأهريقوا مكانه ماء»، ثم قال أبو داود: (وهو مرسل، وابن معقل لم يُدْرِكِ النبي ﵇)، وقال الخطابي: (هذا\n_________\n(^١) في الأصل: (يدل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (مغفل)، وهو تصحيف، وكذا في المواضع اللاحقة.\n (^٣) في الأصل: (ويستقل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (ويستقل)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":98},{"text":"الحديث ذكره أبو داود وضعفه، وقال: هو مرسل)، ورده في «عمدة القاري» بأن أبا داود لم يقل: هذا ضعيف، وإنما قال: هو مرسل، وهو مرسل من طريقين؛ أحدهما: ما رواه أبو داود، والآخر ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، وقد روي هذا الحديث من طريقين مسندين؛ أحدهما: عن سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر رسول الله ﷺ بمكانه، فاحتفر وصب عليه دلو من ماء، أخرجه الدارقطني في «سننه»، والثاني: أخرجه الدارقطني أيضًا عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سَعِيْد، عن أنس: أن أعرابيًّا بال في المسجد فقال ﵇: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذَنوبًا من ماء»، وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه فنهاهم النبي ﵇، وقال: «احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوًا من ماء، علِّموا ويسروا»، والقياس أيضًا يقتضي هذا الحكم؛ لأنَّ الغسالة نجسة، فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب.\nفإن قلت: قد تركتم الحديث الصحيح واستدللتم بالحديث الضعيف وبالمرسل.\nقلت: قد عملنا معاشر الحنفية بالحديث الصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالحديث الضعيف -على زعمكم لا عندنا- فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض كما زعمتم، وأما المرسل؛ فهو حجة ومعمول به عندنا، والذي يترك العمل بالمرسلات يترك العمل بأكثر الأحاديث، وفي اصطلاح المحدثين: أن مرسلَيْن صحيحَيْن إذا عارضا حديثًا صحيحًا مسندًا؛ كان العمل بالمرسلَيْن أولى فكيف مع عدم المعارضة، على أن حديث الباب مطلق، وأحاديثنا مقيدة، والقاعدة عند المحققين أنه يحمل المطلق على المقيد، فيتعين العمل بأحاديثنا؛ فليحفظ.\nوفي الحديث دليل على صيانة المساجد وتنزيهها من الأقذار والنجاسات، يدل لذلك أن هذا الحديث أخرجه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق مطولًا، وزاد فيه: ثم إن رسول الله ﷺ دعاه -أي: الأعرابي- فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله، والصَّلاة، وقراءة القرآن»، قال في «عمدة القاري»: وقوله: (وإنما هي لذكر الله) من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ (الذكر) عام يتناول قراءة القرآن، وقراءة العلم، ووعظ الناس، و(الصَّلاة) أيضًا عام يتناول المكتوبة والنافلة، لكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه الأشياء؛ ككلام الدنيا، والضحك، واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلًا بأمر من أمور الدنيا؛ مكروه، وأما الجلوس فيه لعبادة، أو قراءة علم، أو درسه، أو سماع وعظ، أو انتظار صلاة، أو غير ذلك؛ فمستحب ويثاب على ذلك، وإن لم يكن لشيء من ذلك؛ كان مباحًا، وتركه أولى؛ لما في الحديث: «الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، وأما النوم فيه؛ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التفصيل؛ فإن كان مسافرًا؛ لا يكره سواء كان مقيلًا أو مبيتًا، وإن كان مقيمًا متوطنًا؛ فمكروه، وهو قول مالك، والحسن، وعطاء، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنَّ عليًّا ﵁، وأهل الصفة، والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنيين (^١)، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية؛ كانوا ينامون في المسجد، وهي أخبار مشهورة صحيحة كما ذكره اليعمري، وأما الوضوء فيه؛ فإن كان في مكان معد لذلك من زمن واقفه؛ فمباح، وإن توضأ في مكان غير معد لذلك، فإن كان في طشت أو نحوه؛ فلا بأس به، وإن كان على الأرض فيبلها ويتأذى منه الناس؛ فمكروه، هذا مذهبنا، وهو منقول عن ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاووس، والنخعي، وابن القاسم صاحب مالك، وإذا افتصد في المسجد؛ فإن كان في غير الإناء؛ فحرام، وإن كان في الإناء؛ فمكروه، ويجوز الاستلقاء في المسجد ومد الرجل وتشبيك الأصابع؛ للأحاديث الواردة الثابتة في ذلك، وتمامه في «عمدة القاري،» اللهم فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٣٨١\"> </span>(٥٨) <span data-type=\"title\" id=toc-381>[باب صب الماء على البول في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (صب الماء)؛ أي: سكبه (على البول)؛ أي: بول البائل (في المسجد)؛ أي مسجد من مساجد الله ﷿، وإذا جعلنا الألف واللام فيه للعهد؛ يكون المعنى: في مسجد النبي الأعظم ﵇ أو في غيره.\n\n <span id=\"b-٣٨٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-382>[حديث: دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء]</span>\n٢٢٠ - وبالسَّند قال: (حدثنا أبو اليَمَان)؛ بفتح التحتية، وتخفيف الميم، الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب)؛ هو ابن أبي حمزة الحمصي، (عن الزُّهْرِي)؛ محمَّد بن مسلم ابن شهاب، (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتْبَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الفوقية، وفتح الموحدة، (بن مسعود)؛ هو أخٌ لعبد الله بن مسعود ﵁، وروى سفيان بن عيينة، عن الزُّهْرِي: (عن سَعِيد بن المسيب) بدل (عبيد الله)، وتابعه سفيان بن جبير قال: (ظاهر أن الراويتين صحيحتان): (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁، (قال: قام أعرابي)؛ بفتح الهمزة، الأقرع بن حابس التميمي، أو ذو الخويصرة اليماني، أو غيرهما.\nوزاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره: أنه صلى، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي ﵇: «لقد تحجرت واسعًا»، فلم يلبث أن بال في المسجد، وعند ابن ماجه: «لقد اختصرت واسعًا»، وعنده من حديث واثلة بن الأسقع: «لقد حصرت واسعًا»، وعنده أيضًا: «لقد حصرت واسعًا ويلك أو ويحك!»، وقوله: (لقد تحجرت واسعًا)؛ أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعَه الله تعالى، وخصصتَ به نفسك دون غيرك، ويروى: (احتجزت) بمعناه (^٢)، ومادته حاء مهملة، ثم جيم، ثم راء، وقوله: (احتصرت)؛ بالمهملتين من الحصر؛ وهو الحبس والمنع، كذا في «عمدة القاري».\n (فبال في المسجد)؛ أي: شرع في البول في ناحية من المسجد النبوي، ولأبي ذر: (قام أعرابي في المسجد فبال)؛ أي: فيه، (فتناوله الناس)؛ أي: وقعوا فيه يؤذونه بألسنتهم لا بأيديهم، وعند المؤلف في (الأدب): (فثار إليه الناس)، وله في رواية عن أنس: (فقاموا إليه)، وفي رواية أنس أيضًا في هذا الباب: (فزجره الناس)؛ أي: بقولهم له: مه مه، كما للنسائي، وأخرجه البيهقي من طريق عبدان، وفيه: (فصاح به الناس)، ولمسلم من طريق إسحاق عن أنس: (فقال الصحابة ﵃: مه مه)، قلت: و(مه) كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سمي به الفعل؛ ومعناه: اكفف؛ لأنَّه للزجر، فإن وصلت؛ نونت، فقلت: مهٍ مهْ، و(مه) الثاني تأكيد كما تقول: صه صه، وفي رواية للدارقطني: (فأقاموه، فقال ﵇: «دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة، فصبوا على بوله الماء»)، كذا في «عمدة القاري».\n (فقال لهم)؛ أي: للصحابة (النبي) الأعظم (ﷺ: دعُوه)؛ بضمِّ العين المهملة؛ أي: اتركوه يتمم بوله، وفي رواية الدارقطني: (دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة)، كما سبق؛ فافهم، (وهَريقوا)؛ بفتح الهاء، وعند المؤلف في (الأدب): (وأهريقوا)، وأصله: أريقوا، من الإراقة، فالهاء زائدة، وعلى الرواية الأولى تكون الهاء بدلًا من الهمزة؛ أي: صبوا (على بوله)؛ أي: بول الأعرابي بعد أن يَجِفَّ حتى يتسفل الماء، على التفصيل الذي سبق، فإن الحديث مطلق، والأحاديث التي تقدمت مقيدة وعليها المعول (سَجْلًا)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الجيم: الدلو الضخم المملوء ماء، وهو مذكر (من ماء) صفة لـ (سَجْلًا)، ونكر (ماء) ليشمل المائعات فإن حكمها حكم الماء في الإزالة؛ فافهم، (أو ذَنوبًا من ماء)؛ بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة، ولا تسمى ذَنوبًا إلا إذا كان فيها ماء، وهو يذكر ويؤنث، قال الكرماني: (ولفظ «من» زائدة، وزيدت تأكيدًا، وكلمة «أو» تحتمل أن تكون من كلامه ﵇ فتكون للتخيير، وأن تكون من الراوي،\n_________\n(^١) في الأصل: (والمغربيين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (معناه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":98},{"text":"فتكون للترديد)، ورده في «عمدة القاري» بأن اعتبار الأداء باللفظ وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه وأن المعنى كافٍ، ويحمل (أو) ههنا على الشك ولا معنى فيه للتنويع، ولا للتخيير، ولا للعطف، فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى؛ لاقتصر على أحدهما، فلمَّا تردد في التفرقة بين الدلو والسجل، وهما بمعنى واحد؛ عُلِم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ، قاله القشيري، ولقائل أن يقول: إنَّما يتم هذا لو اتحد المعنى في السجل والدلو لغة، لكنه غير متحد، فالسجل: الدلو الضخمة المملوءة، ولا يقال لها فارغةً: سجل، هذا هو الصواب، انتهى.\n (فإنما بعثتم ميَسِّرين)؛ بتشديد السين المهملة المكسورة، قبلها تحتية مفتوحة، منصوب على الحال، فإن قلت: المبعوث هو النبي الأعظم ﵇؛ قلت: لما كان المخاطبون مقتدين به ومهتدين بهديه كانوا مبعوثين أيضًا، فجمع اللفظ لذلك (^١)، والحاصل أنه على طريقة المجاز؛ لأنَّهم لما كانوا في مقام التبليغ منه في حضوره وغيبته؛ أطلق عليهم ذلك، أو لأنَّهم لما كانوا مأمورين قبله بالتبليغ فكأنهم مبعوثون من جهته، كذا في «عمدة القاري».\n (ولم تبعثوا معَسِّرين)؛ بكسر السين المهملة، وفتح العين المهملة، حال لـ (ميسرين)، وفائدة هذا مع أنه قد حصل المراد من قوله: (بعثتم) التأكيد بعد التأكيد، ودلالة على أنَّ الأمر مبني على اليسر قطعًا، فأشار ﵇ بهذا إلى أنَّ بني إسرائيل إذا تنجس لهم ثوب؛ لا يطهره الماء بل يقرضوه، وإذا تنجست الأرض؛ لا تطهر أبدًا، على أنَّ في شريعتهم لا تصح الصَّلاة إلا في المسجد، كما يأتي في «الصحيح».\nوبهذا التقرير اضمحلَّ ما زعمه العجلوني من أن (فيه رد على من أوجب الحفر في الأرض إذ لو وجب؛ لزال التيسير) انتهى.\nولم يدر الأحاديث التي وردت في الحفر التي قدَّمناها الصحيحة المسندة والمرسلة، والذي أوجب الحفر إنَّما هو النبي الأعظم ﵇؛ فانظر إلى قلة الأدب، وعدم الحياء؛ فليحفظ، ومنشأ ذلك التعصب والعناد، وقد سرق طبعه من طبع ابن حجر فإنَّ له العصبية الزائدة، والعنادية المكابرة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٨٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-383>[حديث أنس في قصة الأعرابي]</span>\n٢٢١ - وبه قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة، لقب عبد الله العتكي (قال: أخبرنا عبد الله)؛ هو ابن المبارك الإمام (قال: أخبرنا يحيى بن سَعِيد)؛ هو الأنصاري (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁، (عن النبي) الأعظم (ﷺ بهذا)؛ أي: باللفظ السابق لا اللاحق، كما زعمه العجلوني لعدم اضطلاعه، وأخرج البيهقي هذا الحديث من طريق عبدان هذا ولفظه: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فلما قضى حاجته، فأقام إلى ناحية المسجد، فبال، فصاح الناس به، فكفهم عنه، ثم قال: «صبوا عليه دلوًا من ماء».\n\n <span id=\"b-٣٨٤\"> </span>(٥٨) <span data-type=\"title\" id=toc-384>[باب يهريق الماء على البول]</span>\n (ح) ثبتت في بعض الروايات، وقدمنا أنها إشارة للتحويل، وفي رواية بدلها: (باب يهريق الماء على البول)؛ بفتح الهاء؛ أي: يسكب، وفاعله عائد لما يفهم من الفعل، و(الماء) مفعوله، وسقط في أكثر الروايات لفظ الباب والترجمة، ولهذا لم يتعرض لها في «شرح الإمام البدر» قدس سره، بل ذكر الحديث فقط لتعلقه بالترجمة السابقة.\n\n <span id=\"b-٣٨٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-385>[حديث أنس: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ </span>فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ]\n٢٢١ - م (وحدثنا)؛ بواو العطف على قوله: (حدثنا عبدان)، وهذا يعين سقوط لفظ (باب) والترجمة، وفي رواية: (حدثنا)؛ بإسقاط الواو (خالد بن مَخْلَد) بفتح الميم، وسكون المعجمة، وفتح اللام (قال: حدثنا سليمان)؛ هو ابن بلال، (عن يحيى بن سَعِيْد)؛ أي: الأنصاري، (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: جاء أعرابي) بفتح الهمزة (فبال في طائفة المسجد)؛ أي: في ناحية من نواحي المسجد النبوي، (فزجره الناس)؛ أي: على البول بألسنتهم لا بأيديهم، (فنهاهم النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: عن زجره للمصلحة في دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفَّهما، (فلمَّا قضى بوله)؛ أي: فرغ الأعرابي من بوله؛ (أمر النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: بعض أصحابه، وهذا يدل على أنَّ قليل النجاسة معفو عنه، وأنَّ الاستنجاء ليس بواجب؛ لأنَّه لو كان قليل النجس غير معفو عنه؛ لأمر النبي ﵇ الأعرابي بإزالتها، ولأنَّه لو كان الاستنجاء واجبًا؛ لأمره به، فعدم أمره ﵇ وتركه على ما فرغ دليل واضح على ما قلناه، ففيه ردٌّ على من زعم أن قليل النجاسة مانع لصحة الصَّلاة، وأن الاستنجاء واجب؛ فافهم، (بذَنوب)؛ بفتح الذال المعجمة: الدلو المملوء (من ماء) صفة لـ (ذنوب)، ونكر (ماء) ليشمل المائعات، فإن حكمها حكم الماء في الإزالة، (فأُهْريق)؛ بضمِّ الهمزة أوله، وبسكون الهاء أو ضمها، ولأبي ذر: (فهُرِيق)؛ بضمِّ الهاء، وكسر الراء على صيغة المجهول؛ ومعناه: أريق، والرواية الأولى رواية الباقين، وقال ابن التين: (هذا لا يصح إلا على قول سيبويه؛ لأنَّه فعل ماض، وهاؤه ساكنة، وأما على الأصل؛ فلا تجتمع الهمزة والهاء في الماضي) قال: ورويناه بفتح الهاء، ولا أعلم لذلك وجهًا، (عليه)؛ أي: على بول الأعرابي بعد أن جفَّ وتَسَفَّلَ الماء، أو حفر حفرة وأخرج التراب إن كانت صلبة، كما قدمناه من الأحاديث الصحيحة المسندة والمرسلة.\nوزعم ابن حجر أنَّ في الحديث تعيين الماء لإزالة النجاسة؛ لأنَّ الجفاف بالريح أو الشمس لو كان يكفي؛ لما حصل التكلف بطلب الدلو.\nقلت: وهذا الاستدلال فاسد؛ لأنَّ قوله في الحديث: (ماء)؛ بالتنكير يشمل الماء المطلق والمائعات المزيلة، وأشار به إلى أن حكم المائعات حكم الماء في الإزالة، فإنَّ ذكر الماء هنا لا يدل على نفي غيره؛ لأنَّ الواجب هو الإزالة، والمائع مزيل، فيقاس عليه كل ما كان مزيلًا؛ لوجود الجامع بينهما، على أن هذا الاستدلال يشبه الواقعة على الأرض طاهرة، وذلك لأنَّ الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض، ويصل إلى محل لم يُصِبْهُ البول مما يجاوره، فلولا أن الغسالة طاهرة؛ لكان الصب ناشرًا للنجاسة، وذلك خلاف مقصود التطهير.\nوزعم ابن حجر أيضًا أن في الحديث أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء؛ لا تطهر.\nوهو استدلال فاسد أيضًا؛ لأنَّ ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد، وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلًا على أحدهما بعينه، ولنا أحاديث أخر؛ منها: ما رواه أبو داود عن عائشة، عن النبي الأعظم ﵇ أنه قال: «ذكاة الأرض يبسها»؛ أي: طهارتها جفافها، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب؛ لأنَّ الذكاة وهي الذبح سبب الطهارة في الذبيحة، فكذا الجفاف سبب الطهارة في الأرض، ومنها: ما رواه محمَّد ابن الحنفية، عن أبيه، عن النبي ﵇: «أيما أرض جفت؛ فقد ذكت»، ويدل لما قلنا قوله في الحديث: «فإنما بعثتم ميسرين»، ولو قلنا بعدم طهارتها؛ لزال معنى التيسير المأمور به، ولصاروا معسرين، وهو خلاف المأمور به، فتجوز الصَّلاة على الأرض التي أصابتها نجاسة، وجفت بالشمس أو الريح، وهو مذهب الإمام الأعظم، وسفيان الثوري، والحسن البصري، والجمهور، لكن اختلف في التيمم منها، فروي عن الإمام الأعظم جواز التيمم منها؛ كالصَّلاة عليها، وروي عنه عدم جواز التيمم منها، وهو ما مشى عليه أصحاب المتون، وهو الأظهر وعليه الفتوى، كما في «التبيين»، و«الإمداد»؛ لأنَّ طهارة\n_________\n(^١) في الأصل: (ذلك)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":99},{"text":"الصعيد ثبتت بنص الكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؛ أي: طاهرًا فلا تتأدى طهارتها بما ثبت في الأحاديث؛ لأنَّها خبر الواحد، وهو لا يفيد القطع فلا تكون الطهارة قطعية بجفاف الأرض والكتاب يقتضي ذلك، والله أعلم.\nوزعمت الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب؛ للحديث المذكور.\nقلت: وهذا الاستدلال فاسد؛ لأنَّهم قاسوه على الأرض، ولا ريب أن هذا قياس بالفارق، والفرق ظاهر؛ لأنَّ الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nفائدة: قد نظم المطهِّرات الإمام العلامة شيخ الإسلام والمسلمين خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ علاء الدين الحصكفي صاحب «الدر المختار»، و«الدر المنتقى» في منظومته، فقال:\nوَغَسْلٌ وَمَسْحٌ وَالْجَفَافُ مُطَهِّرُ وَنَحْتٌ... وَقَلْبُ الْعَيْنِ وَالْحَفْرُ يُذكرُ\nوَدَبْغٌ وَتَخْلِيلٌ ذَكَاةٌ تَخَلُّلُ... وَفَرْكٌ وَدَلْكٌ وَالدُّخُولُ التَّغَوُّرُ (^١)\nتَصَرُّفُهُ فِي الْبَعْضِ نَدْفٌ وَنَزْحُهَا... وَنَارٌ وَغَلْيٌ غَسْلُ بَعْضٍ تَقَوُّرُ\nوقد بسطنا ذلك في شرحنا «منهل الطلاب شرح الكتاب»؛ أي: مختصر الإمام أبي الحسن القدوري قدس سره آمين.\n\n <span id=\"b-٣٨٦\"> </span>(٥٩) <span data-type=\"title\" id=toc-386>[باب بول الصبيان]</span>\nهذا (باب) حكم (بول الصِّبيان)؛ بكسر الصاد المهملة، جمع صبي، قال الجوهري: (الصبي: الغلام، والجمع صبية وصبيان، وهو من الواوي)، وفي «المخصص» ذكر ابن سيده عن ثابت: (يكون صبيًّا ما دام رضيعًا)، وفي «المنتخب»: (أول ما يولد الولد يقال له: وليد، وطفل، وصبي)، قال ابن دريد: (وصبيان وصبوان، وهذه أضعفها)، قال ابن السكيت: (صبية وصبوة)، وفي «المحكم»: (صَبية، وصُبية، وصَبوان، وصُبوان)، وزعم ابن حجر أن (صِبيان)؛ بكسر الصاد، ويجوز ضمها، جمع صبي، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: في الضم لا يقال إلا صبوان؛ بالواو، وقد وهم هذا القائل حيث لم يعلم الفرق بين المادة الواوية، والمادة اليائية، وأصل صبيان: صبوان؛ بالكسر؛ لأنَّ المادة واوية، فقلبت الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها) انتهى.\nواعترضه القسطلاني بعبارة «القاموس»: (الصبي: من لم يفهم، وجمعه أصبية، وأصب، وصبوة، وصبية، وصبوان، وصبيان، وتضم هذه الثلاثة) انتهى.\nقلت: وهو لا ينهض لما ادَّعاه ابن حجر، ولم يكتف به صاحب «عمدة القاري» لمعاصرته له، وإنما المشهور المعول عليه في اللغة ما ذكره أولًا عن أهل اللغة؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٣٨٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-387>[حديث: أتي رسول الله بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه]</span>\n٢٢٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن هِشام) بكسر الهاء (بن عُروة)؛ بضمِّ العين المهملة، (عن أبيه): عروة بن الزبير بن العوام ﵄، (عن عائشة أم المؤمنين) رضي الله تعالى عنها: (أنها قالت: أُتِي)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الفوقية، مبني للمفعول، وسقط لفظ (أنها) لابن عساكر (رسول الله ﷺ) بالرفع نائب فاعل (بصبي)؛ هو عبد الله بن الزبير ﵄، كما ذكره الدارقطني من حديث الحجاج بن أرطاة، وأنَّها قالت: (فأخذته أخذًا عنيفًا)، وزعم ابن حجر أنه ابن أم قَيْس الآتي في الحديث الثاني، وقيل: إنه الحسن أو الحسين ابني علي بن أبي طالب؛ لما روى الطبراني من حديث أم سَلَمَة بإسناد حسن، قالت: (بال الحسن أو الحسين على بطن رسول الله ﵇...)؛ الحديث، وللطبراني أيضًا من حديث زينب بنت جحش: (أن الحسن جاء يحبو والنبي ﵇ نائم، فصعد على بطنه، ووضع ذَكَرَهُ في سرته فبال)، وروى ابن منده: (أنه وقع لسليمان بن هشام بن عُتْبَة بن أبي وقاص) انتهى.\nقلت: واستظهر صاحب «عمدة القاري» القول الأول، فإن الدارقطني قد عيَّن أنه عبد الله بن الزبير، وما زعمه ابن حجر أنَّه ابن أم قَيْس غير ظاهر أصلًا، ولا دليل يدل عليه، فالأظهر ما قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (فبال) أي: الصبي (على ثوبه)، يحتمل رجوع الضمير إلى ثوب الصبي، وهو الظاهر كما قاله ابن شعبان من المالكية، ويحتمل رجوعه إلى ثوب النبي الأعظم ﵇، وزعم ابن حجر أنه الصواب، قلت: لا دليل يدل على هذا الصواب، بل الأمر محتمل لكلٍّ منهما، وكونه راجعًا إلى الصبي أظهر، لا يقال: إن بول الصبي على ثوبه لا ينافي وصوله إلى ثوب النبي ﵇؛ لأنَّه لازم له؛ لأنَّا نقول: من عادة الصبيان الصغار أن يجعل لهم شيء ثخين شبه بردعة البرذون، ويوضع على القبل والدبر حتى لا يصل شيء من بوله على غيره من الحاملين له، فلا شكَّ أنَّه لو بال فيه أو تغوط لا يصل شيء إلى ثوب حامله، كما هو مشاهد عادة، فبوله على ثوبه ينافي وصوله إلى ثوب النبي ﵇، وهو غير لازم له؛ للحائل المانع من ذلك؛ فافهم.\n (فدعا) أي: النبي الأعظم ﵇ (بماء، فأتْبَعه إياه)؛ بسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة؛ أي: فأتبع رسولُ الله ﵇ البولَ الذي على الثوب الماءَ بصبه عليه حتى غمره وسال عليه؛ لأنَّه يلزم من التغمير السيلان ضرورة، ويدل لذلك ما رواه ابن المُنْذِر من طريق الثوري، عن هشام: (فصب عليه الماء)، فالصب: السكب، فيلزم من السكب السيلان ضرورة؛ فافهم.\nوليس لذكر الصبي في الحديث تخصيص له بحكم خاص، بل إنَّما هو لبيان الواقعة فبول الصبي والصبية والرجل والمرأة سواء في النجاسة؛ لحديث «الصحيحين» أنه ﵇ قال: «استنزهوا من البول»، وهو عام فيشمل جميع ما ذكر، ولما سبق في أحاديث «البخاري» من الوعيد على عدم الاستنزاه من البول، فلا بد من غسله.\nوقوله في الحديث: (فأتبعه إياه) هذا غسل وزيادة لا سيما الرواية الثانية: (فصب عليه الماء)، فإنه غسل له، ولا يشترط عركه؛ لأنَّ الماء لرقته وسيلانه يتداخل أجزاء الثوب فتذهب النجاسة، وكذا لا يشترط عصره لرقته فينفذ الماء منه، قال في «المحيط»: (يكفيه إجراء الماء عليه؛ لأنَّ إجراءه يقوم مقام العصر)، كذا قاله العلامة شهاب الدين الشمني، وقوَّاه في «البحر»، وقال الإمام أبو يوسف في إزار الحمام: (إذا صب عليه ماء كثير وهو عليه؛ يطهر بلا غسل)، حتى ذكر شمس الأئمَّة الحلواني: (لو كانت النجاسة دمًا أو بولًا، وصب عليه الماء؛ كفاه ذلك)، كذا في «فتح القدير»، وفي الحديث الرفق بالصغار والشفقة عليهم، ألا يرى أنه ﵇ كيف كان يأخذهم في حجره، ويتلطف بهم وكان يخفف الصَّلاة عند سماعه بكاء صبي وأمه وراءه؟! وروي عنه أنه قال: «من لم يرحم صغيرنا؛ فليس منا»، وفيه حمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح؛ ليدعوا لهم سواء كان عقيب الولادة أو بعدها، وأما حملهم حال الولادة كما زعمه ابن حجر؛ فغير متصوَّر، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٣٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-388>[حديث أم قيس: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل]</span>\n٢٢٣ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التِّنِّيسي (قال: حدثنا مالك)؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن ابن شهاب)؛ محمَّد بن مسلم الزُّهْرِي، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتْبَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، (عن أم قَيْس) بفتح القاف، وسكون التحتية (بنت مِحْصَن)؛ بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة، آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَن، أسلمت بمكة قديمًا، وبايعت النبي الأعظم ﵇\n_________\n(^١) في الأصل: (التفور)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":99},{"text":"وهاجرت إلى المدينة وهي من المعمرات، وقال ابن عبد البر: (اسمها جذامة؛ بالجيم، والذال المعجمة)، وقال السهيلي: (اسمها آمنة)، وذكرها الذهبي في «التجريد»، ولم يذكر لها اسمًا، كذا في «عمدة القاري»، (أنها أتت بابن لها): جملة محلها الجر صفة لـ (ابن)، وهو ذكر؛ لأنَّ الابن لا يطلق إلا على الذكر، بخلاف الولد ولم يعلم اسم هذا الولد، كذا في «عمدة القاري»، قلت: ولعله لم يسمَّ حين صدور هذه الواقعة؛ لأنَّه مات وهو صغير في عهد النبي الأعظم ﵇؛ فتأمل، (صغير)؛ بالجر صفة لـ (ابن) أيضًا، وهو ضد الكبير، ولكن المراد منه: الرضيع؛ لأنَّه فسره بقوله: (لم يأكل الطعام) فإذا أكل؛ سمي فطيمًا، وغلامًا أيضًا إلى سبع سنين، فعن هذا عرفنا أن الصغير يطلق إلى حد الالتحاء من حين يولد، فلذلك قيد في الحديث بقوله: (لم يأكل الطعام)، و(الطعام) في اللغة: ما يؤكل، وربما خص بطعام البر، وفي حديث أبي سَعِيد: (كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﵇ صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير)، والطَّعم؛ بالفتح: ما يؤديه الذوق، يقال: طعمه مر، والطُّعم؛ بالضم: الطعام، وقد طعم يطعم طعمًا، فهو طاعم؛ إذا أكل أو ذاق؛ مثل غنم يغنم غنمًا؛ فهو غانم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ أي: من لم يذقه، قاله الجوهري، وقال الفاضل الزمخشري: (ومن لم يذقه، من طعم الشيء: إذا ذاقه، ومنه: طعم الشيء لمذاقه، قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . ... وإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا\nألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم.\nقلت: أول البيت:\nفإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكمُ... . . . . . . . . . .\nوالنُّقاخ؛ بضمِّ النون، وبالقاف، والخاء المعجمة: الماء العذب، كذا في «عمدة القاري»، وقال ابن حجر وقد أخذ من كلام النووي: المراد بالطعام: ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يحتاج إلى هذه التقديرات؛ لأنَّ المراد من قوله: (لم يأكل الطعام): لم يقدر على مضغ الطعام، ولا على دفعه إلى باطنه؛ لأنَّه رضيع لا يقدر على ذلك، أما اللبن؛ فلأنَّه مشروب غير مأكول فلا يحتاج إلى استثنائه؛ لأنَّه لم يدخل في (لم يأكل الطعام) حتى يستثنى منه، وأما التمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه؛ فليس ذلك باختياره، بل بغصب من فاعله؛ قصدًا للتبرك أو المداواة؛ فلا حاجة أيضًا إلى استثنائها، فعلم بما ذكرنا أن المراد من قوله: (لم يأكل الطعام)؛ أي: قصدًا أو استقلالًا أو تقويًّا، فهذا شأن الصغير الرضيع، وقد علمت من هذا أن الذي نقله القائل المذكور عن النووي، ومن نكت التنبيه صادر عن غير روية ولا تحقيق، وكذلك لا يحتاج إلى سؤال الكرماني وجوابه ههنا بقوله: (فإن قلت: اللبن طعام، فهل يختص الطعام بغير اللبن أم لا؟ قلت: الطعام هو ما يؤكل، واللبن: مشروب لا مأكول، فلا يخصص) انتهى كلامه ﵀، ورضي الله عنه.\n (إلى رسول الله ﷺ) متعلق بـ (أتت)، قال ابن حجر: (ومن فوائد إتيانها به للنبي ﵇ إما ليحنكه، أو ليبرك عليه)، ورده في «عمدة القاري»: بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك صريحًا وإن كان جاء هذا في أحاديث أخرى؛ لأنَّ ظاهر الحديث يدل على أن أم قَيْس إنَّما أتت به إلى النبي ﵇ لأجل التبرك فقط، ولدعائه له هذا النبي الكريم بسعد في الدنيا والآخرة، والله أعلم.\n (فأجلسه) هذه الفاء وما بعدها من الفاءات عاطفات لإفادة التعقيب (رسول الله ﷺ) الضمير المنصوب فيه يرجع إلى (الابن)؛ أي: أقامه عن مضجعه، وزعم ابن حجر: (أي: وضعه؛ إن قلنا: إنه كان كما ولد، ويحتمل أن يكون الجلوس منه على العادة؛ إن قلنا: إنه كان في سن من يحبو)، ورده في «عمدة القاري»: بأن المعنى ليس كذلك؛ لأنَّ الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع، وإذا كان قائمًا؛ كانت الحال التي تخالفها القعود، والمعنى ههنا: أقامه عن مضجعه؛ لأنَّ الظاهر أنَّ أم قَيْس أتت به وهو في قماطه مضطجع، فأجلسه النبي الأعظم ﵇؛ أي: أقامه (في حجره) وإن كانت أتت به وهو في يدها؛ فإن كان عمره قد كان مقدار سنة أو جاوزها قليلًا والحال أنه رضيع؛ يكون المعنى: تناوله منها وأجلسه في حجره، وهو يمسكه لعدم مسكته؛ لأنَّ أصل تركيب هذه المادة يدلُّ على ارتفاع في الشيء، والحِّجر؛ بكسر الحاء المهملة وفتحها، وسكون الجيم، لغتان مشهورتان، انتهى كلامه وهو في التحقيق بمكان؛ فافهم، (فبال على ثوبه) يحتمل رجوع الضمير إلى (الابن)؛ أي: بال الابن على ثوب نفسه وهو في حجره ﵇، وهو الظاهر، كما قاله ابن شيبان، ويحتمل رجوعه إلى النبي الأعظم ﵇، ولا ينافيه أن البول يصل إلى ثوب النبي ﵇ على المعنى الأول؛ لأنَّ الولد المذكور وضعه ﵇ وهو مقمط بحفاضه وثيابه، وهو في هذه الحالة لا ينفذ منه شيء إلى حامله، كما هي عادة الصغار؛ فافهم.\n (فدعا)؛ أي: النبي: الأعظم ﵇ (بماء) خوفًا من أن يكون طار على ثوبه منه شيء، (فنضحه)؛ بالحاء المهملة، قال ابن سيده: (نضح الماء عليه ينضحه نضحًا: إذا ضربه به)، وقال ابن الأعرابي: (النضح: ما كان على اعتماد، والنضخ: ما كان على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان)، قلت: الأول بالحاء المهملة، والثاني بالخاء المعجمة، فالمراد بالنضح: هو صب الماء؛ لأنَّ العرب تسمي ذلك نضحًا، وقد يُذْكَر ويراد به الغسل كما هنا، وكذلك الرش يُذْكَر ويراد به الغسل، ويدل لذلك ما روى أبو داود وغيره عن المقداد ابن الأسود: أن عليَّ بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله ﵇ عن الذي إذا دنا من أهله فخرج منه المذي؛ ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي ابنته، وأنا أستحي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول الله ﵇ عن ذلك، فقال: «إذا وجد أحدكم، فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة»، فإن المراد بالنضح: الغسل؛ لأنَّ المذي يجب غسله بالإجماع، ويدل لذلك ما رواه مسلم وغيره عن علي قال: كنت رجلًا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﵇ لمكان ابنته، فأمرت المقداد ابن الأسود فسأله، فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ»، والقضية واحدة، والراوي عن النبي ﵇ واحد، فهذا يعين أن المراد بالنضح: الغسل، ويدل لذلك ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر منه الغسل، فسألت رسول الله ﵇، فقال: «إنما يجزئك من ذلك الوضوء»، فقلت: يا رسول الله؛ فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ فقال: «يكفيك أن تأخذ ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصابه»، فأراد بالنضح: الغسل، ويدل لذلك ما صح عن ابن عباس ﵄: (أنه لما حكى وضوء رسول الله ﵇؛ أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها)، وأراد بالرش هنا: صب الماء قليلًا، وهو الغسل بعينه، ويدل لذلك قوله ﵇ في حديث أسماء ﵂ في غسل الدم: «تحتِّيه، ثم تقرضيه بالماء، ثم تنضحيه، ثم تصلي»؛ ومعناه: تغسليه، هذا رواية الشيخين، وفي رواية الترمذي: «حتِّيه، ثم اقرضيه، ثم رشيه وصلي فيه»، وأراد: اغسليه، قاله البغوي والجويني، فلما ثبت أن النضح والرش يُذْكَران ويراد بهما الغسل؛ وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك؛ لأنَّه متى صب الماء عليه قليلًا قليلًا حتى تقاطر وسال؛ حصل الغسل؛ وهو الإسالة، فلا فرق بين النضح والغسل، كما قاله الجويني، والبغوي، وقال المهلب: (والدليل على أن النضح يراد به كثرة الصب والغسل قول العرب للجمل الذي يستخرج به الماء: ناضح)، وقال ابن القصار: النضح يذكر، ويراد به الغسل، والدليل على صحة ذلك أن عائشة ﵂ قالت:","vol":"1","page":100},{"text":"(فأتبعه إياه)، ولم تقل: ولم يغسله، وإتباع الماء حكمه حكم الغسل؛ لأنَّه صبٌّ، وهو غسل وزيادة، وإنما قال في الحديث: (لم يأكل الطعام)؛ ليحكي القصة كما وقعت لا للفرق بين اللبن والطعام؛ لأنَّه لا فرق في نجاسة البول بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، ويجب غسله بالماء وبكل مائع مزيل، هذا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والإمام مالك، وأكثر أصحابه، وهو مذهب إبراهيم النخعي، وسَعِيد بن المسيب، والحسن ابن حي، وسفيان الثوري، وغيرهم، وخالفهم الشافعي وأحمد وقالا: إن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام؛ يكتفى برش الماء عليه، وأما بول الصبية ولو لم تطعم؛ يغسل، ولا حجة لهما في حديث الباب؛ لأنَّ المراد بالنضح: الغسل، كما قدمناه.\nوقوله: (ولم يغسله)؛ أي: بالعرك والعصر كما تغسل الثياب التي أصابتها النجاسة بل يكفي الصب والسيلان على أنَّ الأصيلي قال: إن قوله: (ولم يغسله) من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع ينتهي عند قوله: (فنضحه)، قال: وكذلك رواه معمر عن ابن شهاب، ولم يزد على (فنضحه)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: (فرشَّه)، ولم يزد على ذلك، وعند مسلم من طريق الليث عن ابن شهاب: (فلم يزد على أن نضحه بالماء)، ولا تخالف بين الروايتين؛ لأنَّ النضح والرش بمعنى الغسل، كما قدمناه، ويدل لذلك رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: (فدعا بماء، فصبه عليه)، وعند أبي عوانة: (فصبه على البول يتبعه إياه)، فإن هذه أثبتت أن النضح بمعنى الصب؛ لأنَّ الأحاديث المذكورة في هذا الباب باختلاف ألفاظها تنتهي إلى معنى واحد [دفعًا] للتضاد، ألا ترى أن أم الفضل لبابة بنت الحارث قد روي عنها حديثان؛ أحدهما فيه النضح، والثاني فيه الصب، فحمل النضح على الصب دفعًا للتضاد وعملًا بالحديثين، على أن الأحاديث الواردة في ذلك في حكم واحد باختلاف ألفاظها يفسر بعضها بعضًا، ومن الدلائل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك: قول العرب: غسلني السماء، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر عليهم، وكذلك يقال: غسلني التراب؛ إذا انصب عليه، إذا علمت هذا؛ فلا يكون الحديث حجة للشافعي وأحمد.\nفإن قلت: لا يتعين استدلالهما بهذا الحديث بل بغيره من الأحاديث؛ فمنها: حديث زينب بنت جحش، أخرجه الطبراني في «الكبير» مطولًا، وفيه: (أنه يصب من الغلام، ويغسل من الجارية)، ومنها: حديث أبي السمح، أخرجه أبو داود والنسائي قال: (كنت أخدم النبي ﵇...)؛ الحديث وفيه: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»، ومنها: حديث أنس، أخرجه الطبراني في «الكبير» مطولًا، وفيه: (فصب على بول الغلام، ويغسل بول الجارية)، ومنها: حديث أبي أمامة، أخرجه أيضًا في «الكبير»: (أنه ﵇ أتي بالحسين فجعل يقبله، فبال، فذهبوا ليتناولوه، فقال: «ذروه» فتركه حتى فرغ من بوله).\nقلت: وهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا يحتج بها، أما حديث زينب بنت جحش؛ ففي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وأما حديث أبي السَّمْح؛ بفتح السين المهملة، وسكون الميم، آخره حاء مهملة، لا يعرف له اسم، ولا يعرف له غير هذا الحديث، كذا قاله أبو زرعة الرازي؛ أي: فهو مجهول، وأما حديث أنس؛ ففي إسناده نافع بن هرم، وأجمعوا على ضعفه، وأما حديث أبي أمامة؛ ففي إسناده عمرو بن معدان، وأجمعوا على ضعفه، وكذلك كل ما ورد من ذلك؛ فهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به.\nوزعم ابن دقيق العيد أن الحنفية اتبعوا في ذلك القياس، وتركوا الأحاديث الصحيحة.\nقلت: وهذا الزعم باطل فإن الأئمَّة الحنفية قد اتبعوا في ذلك الأحاديث الصحيحة التي قدَّمناها، وأما أخصامنا؛ فقد اتبعوا الأحاديث الضعيفة التي لا يصح الاحتجاج بها، وفرقوا بين بول الذكر والأنثى، وهو فرق فاسد، وأي فرق بينهما؟! ألا ترى أن الدم منهما متحد لونًا وحرارةً، ويلزم على قياسهم هذا أن يفرقوا بين بول المرأة والرجل مع أنهم وغيرهم لم يفرقوا بينهما.\nفإن قالوا: إن بول الطفلين رقيق خفيف، لكن بول الغلام أخف؛ لاستيلاء الرطوبة والبرودة على مزاجه ففي رطوبته لزوجة فيكون ألصق بالمحل، بخلاف بولها؛ فإنه مجتمع فيظهر أثره في المحل.\nقلنا: هذا تفريق فاسد وكلام باطل، فإنَّ علماء طب الأبدان قد قالوا: إن بول الغلام أشد حرارة من بول الجارية، وليس فيه رطوبة ولا برودة، فإن البول من طبع البدن، ولا ريب أن بول الغلام حار حرارة غريزية، وبول الجارية بحسب بدنها رطب بارد، فما قالوه قياس فاسد، وفرق باطل، وقد قال المتقدمون من التابعين: إن الأبوال كلها نجسة سواء كانت بول ذكر أو أنثى، وبه قال سَعِيْد بن المسيب، والحسن البصري، وغيرهم، لا يقال: إن قول التابعي لا يلزمنا؛ لأنَّه رأي له؛ لأنا نقول مثل هذا لا يقال من قبيل الرأي، بل بسماع من الصحابة، وقول الصحابي حجة؛ لأنَّه لا يقوله برأيه بل بسماع من النبي الأعظم ﵇؛ فافهم.\nونقل الشافعية عن بعض أهل اللغة أن النضح: الرش.\nقلت: وكأنهم لما بطل دليلهم من الأحاديث استندوا إلى بعض أهل اللغة، وهو لا ينهض دليلًا لهم، فإن أهل اللغة قالوا: إذا ذكر الرش في كلام العرب؛ فالمراد به: الغسل، وقد فسره النبي الأعظم ﵇ الذي هو أفصح العرب بأنه الغسل، فإذا كان هذا تفسير النبي ﵇؛ فكيف يجوز العدول عنه؟! وما ذاك إلا قول غير مرضي وباطل، والله تعالى أعلم.\nولنا أحاديث كثيرة دالة وشاهدة على أن النضح في ذلك الغسل، وقد سردها الإمام الهمام شيخ الإسلام بدر الدين العيني في «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي.\n\n <span id=\"b-٣٨٩\"> </span>(٦٠) <span data-type=\"title\" id=toc-389>[باب البول قائمًا وقاعدًا]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (البول)؛ أي: بول الشخص حال كونه (قائمًا و) حال كونه (قاعدًا) فالواو للتنويع، وقدَّم (قائمًا)؛ لذِكْرِه في الحديث دون (قاعدًا) المعلوم حكمه قياسًا، قال ابن بطال: دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى؛ لأنَّه إذا جاز قائمًا؛ فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن، قال ابن حجر: (ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي، وابن ماجه، وغيرهما، فإن فيه: «بال رسول الله ﵇ جالسًا، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة»)، واعترض في «عمدة القاري» ابن بطال، فقال: (قلت: قوله: «ودلالة الحديث...» إلى آخره: غير مسلَّم؛ لأنَّ أحاديث الباب كلها في البول قائمًا، وجواز البول قائمًاحكم من الأحكام الشرعية، فكيف يقاس عليه جواز البول قاعدًا بطريق العقل؟! والأحسن أن يقال: لمَّا ورد في هذا الباب جواز البول قائمًا وجوازه قاعدًا بأحاديث كثيرة؛ أورد البخاري أحاديث الفصل الأول فقط، وفي الترجمة أشار إلى الفصلين إما اكتفاء بشهرة الفصل الثاني، وعمل أكثر الناس عليه، وإما إشارة إلى أنَّه وقف على أحاديث الفصلين، ولكنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه) انتهى.\nقلت: ومراده بقوله: (بطريق العقل)؛ أي: أنه حيث علَّله بقوله: (لأنَّه أمكن) من غير استناد إلى الأحاديث، فهو قياسي عقلي، فيكون مردودًا، ومراده بقوله: (والأحسن): الحسن لا أن كلامه حسن، وهذا أحسن؛ فافهم، ومراده بقوله: (وعمل أكثر الناس عليه)؛ أي: مع استنادهم إلى الأحاديث الدالة على ذلك الحكم الشرعي لا بدون ذلك، فإنه لا يقوله","vol":"1","page":100},{"text":"أحد العوام فضلًا عن خواص الخواص، وبهذا اضمحلَّ ما زعمه العجلوني فإنه قد خبط وخلط، وقال ولا يدري ما يقول؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٩٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-390>[حديث: أتى النبي سباطة قوم فبال قائمًا]</span>\n٢٢٤ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بمد الهمزة، هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة)؛ هو ابن الحجاج، (عن الأعمش)؛ هو سليمان بن مهران، (عن أبي وائل)؛ هو شقيق الكوفي، ولأبي داود الطيالسي: (عن شعبة، عن الأعمش: أنه سمع أبا وائل)، ولأحمد: (عن يحيى القطان، عن الأعمش قال: حدثني أبو وائل) (عن حذيفة)؛ بضمِّ الحاء المهملة على التصغير، هو ابن اليمان، واسمه حُسَيل؛ بمهملتين مصغرًا، أو حِسْل؛ بكسر فسكون، العبسي -بالموحدة- حليف الأنصار صحابي جليل، صح في «مسلم» عنه أنَّ النبي الأعظم ﵇ أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد بأُحد، وتوفي حذيفة في أول خلافة علي ﵁ سنة ست وثلاثين (قال: أتى) بفتح الهمزة (النبي) الأعظم (ﷺ سُبَاطة)؛ بضمِّ المهملة، وتخفيف الموحدة بعدها، على وزن (فُعالة) بالضم؛ وهي الموضع الذي يرمى فيه التراب؛ أي: تراب الكناسة، وقيل: هي الكناسة نفسها، وقال في «القاموس»: (السباطة: الكناسة تطرح بأفنية البيوت) انتهى؛ أي: مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد منها البول على البائل، وكانت بالمدينة كما ذكره محمَّد بن طلحة بن مصرف (^١) عن الأعمش، وكذا ذكره عيسى بن يونس، عن الأعمش، كما أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (قوم)؛ أي: من الأنصار، وإضافة السباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنَّها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، ولهذا بال ﵇ عليها، وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهي الجدار وفيه ضرر، فكيف هذا من النبي ﵇؟ وقد يقال: إنَّما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في «صحيحه»، وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه ﵇ بإيثارهم إياه بذلك؛ لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره؛ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكًا لأحد، أو لجماعة معينين، وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله؛ جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، وهذا أيضًا على تقدير أن تكون ملكًا لقوم.\nفإن قلت: كان من عادته ﵇ التباعد في المذهَب، وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة أنه ﵇ كان إذا ذهب المذهب؛ أبعد، والمذهَب؛ بالفتح: الموضع الذي يتغوط فيه؟\nقلت: يحتمل أنه ﵇ كان مشغولًا في ذلك الوقت بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، فلعله طال عليه الأمر فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد، وأنه لو أبعد؛ لكان تضرر، ويخالف هذا ما روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: (كنت مع النبي ﵇ ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال...)؛ الحديث، ولا مخالفة؛ لأنَّه يجوز أن يكون الجدار ههنا عاديًّا غير مملوك لأحد، أو يكون قعوده متراخيًا عن جرمه فلا يصيبه البول، كذا قرره في «عمدة القاري».\n (فبال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ في الكناسة (قائمًا)؛ بالنصب على الحال من الضمير الذي في قوله: (فبال)، واختلف في سبب بوله ﵇ قائمًا، فقال الحافظ الطحاوي: (لكون ذلك سهلًا ينحدر فيه البول، فلا يرتد على البائل)، وقال القاضي عياض: (إنما فعله لشغله بأمور المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول، ولم يمكنه التباعد كعادته، وأراد السباطة لدمثها، وأقام حذيفة يستره عن الناس)، وقال المازري: (فعل ذلك؛ لأنَّها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁: البول قائمًا أحصن للدبر).\nوقال ابن حجر: (لأنَّه ﵇ لم يجد مكانًا للقعود، فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي تليه السباطة عاليًا مرتفعًا)، قلت: وهذا ليس بوجه؛ لأنَّ الأرض واسعة وكون الطرف عاليًا ممنوع؛ لأنَّها لا تكون إلا غير عالية حتى تتسع التراب.\nوقال البدري: (لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه منها)، قلت: فيه نظر؛ لأنَّ القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد، واتفق الشراح على أنه ﵇ فعل ذلك بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، ونقل علماؤنا: أن العرب كانت تستشفي بالبول قائمًا لوجع الصلب فلعله ﵇ كان به إذ ذاك، وقد أجمع سبعون حكيمًا على أن البول في الحمام قائمًا دواء من سبعين داء، وقيل: لأنَّه كان برجله جرح، ويدل لهذا ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: (أن النبي ﵇ بال قائمًا من جرح كان بمأْبِضه)، لكن قال الذهبي: (هذا حديث منكر)، وضعفه ابن عساكر والبيهقي، والمأْبِض؛ بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم موحدة مكسورة، وبالضاد المعجمة: باطن الركبة، كذا في «عمدة القاري» مع زيادة.\n (ثم دعا)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (بماء)؛ لأجل الوضوء، (فجئته بماء) أظهر في محل الإضمار ليعلم أن الجائي هو ومعه الماء؛ لأنَّ قوله: (دعا بماء) يحتمل الدعاء له ولغيره، فلما قال: (فجئته بماء)؛ عُلِم منه أنه المدعو، وأنه الجائي ومعه الماء؛ فافهم.\nوقد خفي هذا على العجلوني، فقال: (وانظر حكمة إعادته «ماء» ظاهرًا) مع كثرة كلامه، وطول لسانه، (فتوضأ) زاد مسلم وغيره من طرقٍ عن الأعمش: (فتنحيت، فقال: «ادنه»، فدنوت حتى قمت عند عقبيه)، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان: (أتى سباطة قوم فتباعدت منه، فأدناني حتى صرت قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا، ودعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه)، وروى ابن ماجه من طريق شعبة أن عاصمًا روى له عن أبي وائل، عن المغيرة: (أن النبي ﵇ أتى سباطة قوم فبال قائمًا)، ولم يذكر فيه (ومسح على خفيه)، ولا يقدح في ذلك عدم ذكره لها، فإنها زيادة من ثقة حافظ لكن قال في «عمدة القاري» نقلًا عن الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح من حديثه عن المغيرة، قال: وأيضًا لا يبعد أن يكون أبا وائل رواه عن رجلين، والرجلان شاهدا ذلك من فعله ﵇، وأن أبا وائل أدى الحديثين عنهما فسمعه جماعة، فأدى كلٌّ ما سمع، ودليله أن غيرهما حكى ذلك عنه ﵇ أيضًا؛ منهم: سهل بن سعد ﵁ وحديثه في «صحيح ابن خزيمة»، وأبو هريرة وحديثه عند الحاكم والبيهقي.\nففي الحديث جواز البول قائمًا فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه ﵃: أنه يُكْرَهُ البول قائمًا؛ لتنجيس الشخص به غالبًا إلا لعذر؛ كوجع بصلبه ونحوه، وهو مذهب ابن مسعود، وإبراهيم بن سعد، وكان سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا، وهو قول الجمهور، وقال مالك: إن بال في مكان لا يتطاير عليه منه شيء؛ فلا بأس به، وإلا؛ مكروه، وقال قوم: إنه مباح، وهو مروي عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت، وسهل بن ساعد، فإنهم بالوا قيامًا، وبه قال سَعِيد بن المسيب، وابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وأحمد، وقال الشافعي: يُكْرَهُ قائمًا كراهة تنزيه بدون عذر، وكذلك روي البول قائمًا عن أنس، وعلي، وأبي هريرة ﵃، قال في «عمدة القاري»: وكل ذلك ثابت عن النبي ﵇.\nفإن قلت: رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب؛ منها: حديث المقداد، عن أبيه، عن عائشة قالت: (من حدثك أن رسول الله ﵇ بال قائمًا؛ فلا تصدقه؛ أنا\n_________\n(^١) في الأصل: (مطرف)، وهو تحريف.","vol":"1","page":101},{"text":"رأيته يبول قاعدًا)، أخرجه البستي في «صحيحه»، ورواه الترمذي في «صحيحه» بلفظ: (ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن)، ومنها: حديث بريدة، رواه البزار بسند صحيح: أن رسول الله ﵇ قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا...»؛ الحديث؛ ومنها: حديث عمر، أخرجه البيهقي من حديث ابن جريج قال عمر: رآني رسول الله ﵇ أبول قائمًا، فقال: «يا عمر؛ لا تبل قائمًا»، قال: فما بلت قائمًا بعد، ومنها: حديث جابر، أخرجه البيهقي أيضًا من حديث عدي بن الفضل، عن جابر قال: (نهى رسول الله ﵇ أن يبول الرجل قائمًا).\nقلت: أما الجواب عن حديث عائشة؛ فإنه مسند إلى علمها فيُحْمَلُ على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت؛ فلا تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة ﵁ وهو من كبار الصحابة، وأيضًا يمكن أن يكون قول عائشة: (ما بال قائمًا)؛ يعني: في منزله، ولا اطلاع لها على ما في خارجها، وقول أبي عوانة في «صحيحه»، وابن شاهين: (إن حديث حذيفة منسوخ بحديث عائشة) ممنوع، والصواب أنه لا يقال: إنه منسوخ؛ لأنَّ كلًّا من عائشة وحذيفة أخبر بما شاهده، فدل على أن البول قائمًا وقاعدًا يجوز، ولكن كرهه العلماء قائمًا؛ لوجود أحاديث النهي وإن كان أكثرها غير ثابت، وأما حديث بريدة؛ فقال الترمذي: (إنه غير محفوظ)، لكن فيه نظر؛ لأنَّ البزار أخرجه بسند صحيح كما ذكرنا، وأما حديث عمر؛ فضعيف؛ لأنَّ ابن جريج رواه عن عبد الكريم بن أبي أمية، وهو ضعيف، وقال الترمذي: إنَّما رفعه عبد الكريم، وقد ضعفه أيِّوب، وتكلم فيه، وروى عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: ما بلت قائمًا منذ أسلمت، وهذا أصح من حديث عبد الكريم، وأما حديث جابر؛ ففي روايته عدي بن الفضل، وهو ضعيف، وقول أبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي: (حديث حذيفة فاحش منكر لا نراه إلا من قبل بعض الزنادقة)؛ فمردود؛ لأنَّه كلام سوء لا يساوي سماعه وهو في غاية الصحة، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقال في «شرح المشكاة»: (قيل: النهي للتنزيه، وقيل: للتحريم)، وذكر في «البناية شرح الهداية» عن الحافظ الطحاوي: (أنه لا بأس بالبول قائمًا) انتهى.\nوالحاصل: أن البول قائمًا مكروه عندنا، والتعبير بـ (لا بأس) يفيد أن تركه أولى، وهو مفاد كراهة التنزيه، وكذا يُكْرَهُ البول في محل التوضؤ، وكذا في محل الاغتسال؛ لقوله ﵇: «لا يبولنَّ أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه أو يتوضأ، فإن عامة الوسواس منه»، قال ابن الملك: لأنَّ ذلك الموضع يصير نجسًا فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا؟ حتى لو كان بحيث لا يعود منه رشاش أو كان فيه منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول؛ لم يكره البول فيه؛ لأنَّه لا يجره إلى الوسوسة حينئذ؛ لأمنه من عود الرشاش إليه في الأول، ولطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور يمر عليها، كذا في «شرح المشكاة».\nوكذا يكره أن يبول أو يتغوط في الماء ولو كان جاريًا والكراهة للتنزيه، وكذا يكره أن يبول أو يتغوط في الماء الراكد، والكراهة للتحريم، كذا في «البحر»، وقيل: إنه في الراكد القليل يحرم؛ لأنَّه ينجسه وتنجيس الطاهر حرام، وفي الكثير يكره تحريمًا، والتغوط كالبول، بل هو أقبح، أفاده المحشي، وكذا يُكْرَهُ البول مضطجعًا أو متجردًا من ثوبه بلا عذر، وفي أسفل الأرض إلى أعلاها، كما في «الدر»، وكذا يُكْرَهُ في الماء بالليل مطلقًا؛ خشية أن يؤذيه الجن؛ لما قيل: إن الماء بالليل مأواهم، انتهى.\nوكذا يُكْرَهُ البول والتغوط بقرب بئر، أو نهر، أو حوض، أو مصلَّى عيد، أو قافلة، أو خيمة، أو بين الدواب، أو مصلَّى جنازة، والطريق، والظل، والجحر، وتحت شجرة مثمرة، أو مكان معد لنزهة الناس، كذا في «منهل الطلاب»، وهذا إذا كان مباحًا، أما إذا كان مملوكًا؛ فيحرم فيه قضاء الحاجة بغير إذن مالكه، كما في «شرح المشكاة».\nوفي الحديث دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة؛ لما فيه من الضرر، كما في «عمدة القاري»، قلت: فإن داء الحصبة يحصل منه غالبًا، وربما يورث داء الاستسقاء؛ لأنَّه لحصره ينفذ البول إلى الجلد فيعفن ويحصل المرض، ويقاس على هذا التغوط، فإنه كذلك يضر البدن، فمدافعته مكروهة؛ لأنَّه يحصل منه وجع الرأس بسبب البخار الصاعد منه إلى الدماغ، ويورث وجع الظهر، وغير ذلك كما بينته في «منهل الطلاب».\nوفي الحديث أيضًا جواز البول بالقرب من الديار وجواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء، وخدمة المفضول للفاضل، والله تعالى أعلم، اللهم فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٣٩١\"> </span>(٦١) <span data-type=\"title\" id=toc-391>[باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط]</span>\nهذا (باب البول)؛ أي: حكم بول الرجل (عند صاحبه)؛ أي: رفيقه (و) حكم (التستر)؛ أي: تستره (بالحائط)؛ أي: الجدار، فالألف واللام في (البول) بدل من المضاف إليه وهو كما قدرنا، والضمير في (صاحبه) يرجع إلى المضاف إليه المقدر؛ وهو الرجل البائل، كذا قاله في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني وقد حاول العجلوني العبارة كما هي عادته؛ أي قال: أي: جواز البول عند صاحب البائل المدلول عليه بالبول، ولا يخفى ما في هذا التعبير من الركاكة والمحاولة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٩٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-392>[حديث حذيفة: رأيتني أنا والنبي نتماشى فأتى سباطة قوم </span>خلف حائط]\n٢٢٥ - وبه قال: (حدثنا عثمان ابن أبي شيبة) نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فاسم أبيه محمَّد بن إبراهيم، الكوفي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا جرير)؛ هو ابن عبد الحميد، (عن منصور)؛ هو ابن المعتمر، (عن أبي وائل)؛ هو شقيق الكوفي، (عن حذيفة)؛ هو ابن اليمان ﵁ (قال) أي: حذيفة: (رأيتُني)؛ بضمِّ المثناة الفوقية للمتكلم؛ ومعناه: رأيت نفسي؛ بمعنى: أبصرتها، وبهذا التقدير يندفع سؤال من يقول: كيف جاز أن يكون الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد؟ وهذا التركيب جائز في أفعال القلوب؛ لأنَّه من خصائصها، ولا يجوز في غيرها، كذا في «عمدة القاري»، وهذا القائل تبعه القسطلاني وهو وهم، وقال العجلوني: (وقد تجعل منها وإن كان منشأ المعرفة القلبية الإبصار، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقدير نفسي)، قلت: وفيه نظر فإنه لا بد من تقدير نفسي حتى يصح التركيب والتقدير؛ لأنَّ منشأ هذه الأفعال القلبية الإبصار وهو مفقود هنا؛ فليحفظ (أنا والنبي) ولفظ (أنا) للتأكيد، ولصحة عطف (النبي) على الضمير المنصوب على المفعولية؛ والتقدير: رأيت نفسي ورأيت النبي (ﷺ)، وقال الكرماني: (بنصب «النبي»؛ لأنَّه عطف على المفعول لا على الفاعل، وعليه الرواية)، قال في «عمدة القاري»: (ويجوز رفع «النبي»؛ لصحة المعنى عليه، ولكن إن صحت رواية النصب؛ يقتصر عليها)، قلت: ونقل القسطلاني عن «فرع اليونينية»: أن النصب والرفع ثابت في الرواية، فالرفع عطف على ضمير الرفع في (رأيتني) لا على (أنا) كما توهمه القسطلاني؛ فليحفظ.\nوقوله: (ﷺ): جملة خبرية لفظًا إنشائية معنًى، وجملة: (نتماشى)؛ بالنون أوله، والشين المعجمة المفتوحة في محل نصب على الحال من الفاعل والمفعول معًا؛ والتقدير: رأيت نفسي ورأيت النبي حال كونهما متماشيين، (فأَتى)؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي ﵇ (سُباطة)؛ بضمِّ السين المهملة؛ أي: كناسة (قوم) من الأنصار، وبه علم أن هذه القضية كانت بالمدينة كما سبق (خلف حائط)؛ بالنصب على الحال من (سباطة)، والحائط: الجدار، من الحوط، فأصله واوي، وقدمنا أنه يجيء بمعنى البستان من النخل إذا كان محوطًا؛ فافهم.\n (فقام)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (كما يقوم أحدكم)؛ إذا أراد أن يقضي حاجته، (فبال)؛ أي: شرع في البول،","vol":"1","page":101},{"text":"(فانتبذت)؛ بنون ساكنة، بعدها فوقية مفتوحة، فموحدة، فمعجمة؛ أي: تنحيت (منه)؛ أي: ذهبت ناحية منه، ومادته: نون، وباء موحدة، وذال معجمة، قال الجوهري: (جلس فلان نَُبذة؛ بفتح النون وضمها؛ أي: ناحية، وانتبذ فلان؛ أي: ذهب ناحية)، وقال الخطابي: (فانتبذت منه)؛ أي: تنحيت عنه حتى كنت منه على نبذة)، كذا في «عمدة القاري»، (فأشار)؛ أي: النبيُّ ﵇، (إليَّ)؛ بتشديد الياء، بعد أن بعدت منه بيده أو برأسه، ولكن لم يبعد منه بحيث لا يراه، وفي رواية مسلم: (ادْنُه)، وقال ابن حجر: (رواية البخاري هذه بينت أن رواية مسلم (ادنه) كان بالإشارة لا باللفظ)، ورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: يرد عليه رواية الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﵇ في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: «يا حذيفة؛ استرني...»؛ الحديث، فهذا صريح على أن إعلامه كان باللفظ، ويمكن أن يُجمع بين الروايتين بأنه كان ﵇ أشار أولًا بيده أو برأسه، ثم قال: استرني) انتهى.\nواعترضه العجلوني: (بأنه يجوز أن يراد بقوله: فقال: «يا حذيفة؛ استرني» الإشارة؛ لأنَّ القول كالكلام يعبر به لغة عن الإشارة) انتهى.\nقلت: فقد زاد في الطنبور نغمة، وهو ممنوع؛ لأنَّه كيف يراد بالقول هنا الإشارة وقد صرح بالقول في قوله: (فقال: يا حذيفة) وهل هذا إلا خروج عن الظاهر؟ ولا يلزم من كون القول يعبر به لغة عن الإشارة أن تكون جميع الأقوال يراد بها الإشارة، فإن الكلام هنا في الحقيقة، وكلامه في المجاز، وإذا وجدت الحقيقة؛ لا يصار إلى المجاز عند المحققين، على أن رواية مسلم (ادنه) تعين أن الإشارة كانت باللفظ فقط على أن المعنى اللغوي هنا غير محتاج إليه أصلًا؛ لأنَّه خروج عن الظاهر فما قاله غير معتدٍّ به؛ فافهم.\nوقال ابن حجر: (وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول).\nورده في «عمدة القاري» حيث قال: قلت: هذا كلام من غير روية؛ إذ إشارته ﵇ إلى حذيفة، أو قوله: (استرني) لم يكن إلا قبل شروعه في البول، فكيف يظن من ذلك ما قاله حتى ينفي ذلك) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن قوله: (إذ إشارته...) إلخ؛ ممنوع لا سيما في الإشارة، إذ قوله: (فبال...) إلخ؛ كالتصريح في أنها وقعت في حال الشروع في البول، وحينئذٍ فصحَّ قول ابن حجر: (ليس فيه...) إلخ؛ فتأمل.\nقلت: تأملته فوجدته قد زاد في الشطرنج جملًا وهو ممنوع، فإن قوله: (فقام كما يقوم أحدكم)؛ أي: تهيَّأ لقضاء الحاجة.\nوقوله: (فبال) صريح في أنه شرع في البول، ثم قوله: (فانتبذت) دليل ظاهر على أنه شرع في البول؛ لأنَّه لو لم يشرع به ولم يتهيأ له؛ لما كان انتبذ عنه، فانتباذه دليل على شروعه، والإشارة التي هي دالَّة على أنه قد قال: (ادنه) كما في «مسلم» إنَّما حصلت بعد الشروع بدليل قوله: (فجئته فقمت عند عقبه)، والقيام عند عقبه لا يكون إلا حال قضاء الحاجة، على أن قوله: (استرني) دليل ظاهر على أنه بعد الشروع؛ لأنَّه لو لم يشرع؛ لما أمره بالستر عليه؛ لأنَّ الستر لا يكون إلا بعد الكشف، كما لا يخفى؛ فافهم ذلك ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة من العجلوني، فإنه قد أتى بها من عجلون؛ وهي جبال قاسية.\nوقال الكرماني: (وإنما بعد منه وعينه تراه؛ لأنَّه كان يحرسه)؛ أي: يحرس النبيَّ ﵇، واعترضه في «عمدة القاري»: (بأن هذا إنَّما يتأتَّى قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ لأنَّه ﵇ كان يحرسه جماعةٌ من الصحابة قبل نزول هذه الآية، فلما نزلت؛ ترك ﵇ الحرس) انتهى.\nوتعقبه العجلوني: بأنه لعلَّ حرسه كان من حذيفة من غير أمر منه، أو المعصوم منه المذكور في الآية القتل أو نحوه؛ فلا يرد الاعتراض؛ فتأمل.\nقلت: تأملته فوجدته منقوضًا بوجوه؛ لأنَّ قوله: (لعل حرسه...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ حذيفة صحابي جليل يعلم بنزول الآيات وأسبابها وما يتعلق بها، وحين نزول الآية لا ريب أنه كان حاضرًا، أو سمعه من النبيِّ ﵇، أو أخبر الصحابة بنزولها، ولا ريب أنه إذا تكفل الله تعالى بعصمته لا يتجرأ أحد على ذلك بعد إخباره تعالى عن عصمته إياه، ويدل لذلك: أنه ﵇ لم يأمره بالحراسة، وذلك لنزول الآية، فقد تحقق عند النبيِّ ﵇ العصمةُ من الناس، فلم يحتج إلى الحراسة، وحذيفة لما علم بنزول الآية؛ ترك الحراسة؛ لأنَّ عصمة الله تعالى أبلغ وأعظم، وحراسته لا فائدة بها بعد إخباره تعالى عن العصمة، فهو ممنوع.\nوقوله: (المعصوم منه...) إلخ؛ ممنوع أيضًا، فإن العصمة له ﵇ كانت من الإيذاء، كما أنه ﵇ كانوا شجُّوه (^١) بالحجارة في وجهه، وكسرت رباعيته، وأُطْعِمَ شاة مسمومة، أو بوضع شيء على ظهره الشريف حين يصلي، أو بكلام قبيح كما ثبت ذلك في الصحيح، وعصمته من القتل خارج عن ذلك؛ لأنَّه معصوم منه قبل نزول الآية بدليل قصة بحيرة الراهب وأمثالها؛ لأنَّه لو لم يكن معصومًا؛ لتناوله اليهود والجاهلية وغيرهم وأعدموه ﵇، وهو محال قطعًا، فعصمته في الآية مما عدا القتل كما ذكرنا؛ لأنَّ الآية في المائدة، وهي آخر ما نزل من القرآن؛ فافهم وهو موضَّح في كتب التفسير؛ فليحفظ.\n (فجئته) ﵇، فقال: «يا حذيفة؛ استرني» كما عند الطبراني كما قدمناه، (فقمت عند عقبه)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (عند عقبيه)؛ بالتثنية، والعَقِب؛ بفتح العين المهملة، وكسر القاف: وهو مؤخر القدم، وهي مؤنثة، وعقب الرجل أيضًا: ولده وولد ولده، وفيها لغتان؛ كسر العين وسكونها، وهي أيضًا مؤنثة، انتهى (حتى فرغ)؛ أي: من بوله، قال ابن بطَّال: (من السنة أن يقرب من البائل إذا كان قائمًا هذا إذا أمن أن يرى منه عورته، وأما إذا كان قاعدًا؛ فالسنة البعد منه، وإنما انتبذ حذيفة منه؛ لئلا يسمع شيئًا مما يجري في الحدث، فلما بال ﵇ قائمًا وأمن ﵇ ما خشيه حذيفة؛ أمره بالقرب منه)، وقال الخطابي: المعنى في إدنائه إياه مع استحباب إبعاده في الحاجة إذا أرادها أن يكون سترًا بينه وبين الناس، وذلك أن السباطة إنَّما تكون في أفنية البيوت المسكونة أو قريبة منها، فلا تكاد تخلو من المار.\nوقال ابن حجر: (واستدنى حذيفة؛ ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يمرُّ به، وكان قدامه مستورًا بالحائط، أو لعله فعله؛ لبيان الجواز، ثم هو في البول وهو أخف من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشف ولما يقترن به من الرائحة، والغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنوِّ من الساتر)، ثم قال: (وقدَّم المصلحة في تقريب حذيفة؛ ليستره من المارة على مصلحة تأخُّره عنه؛ إذ لم يمكن جمعهما) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ فإن كلامه مأخوذ من كلام الخطابي، وكلامه لا نظر فيه، لكن قد زاد عليه قوله: (ولما يقترن به من الرائحة) وهو ممنوع في حق النبيِّ ﵇؛ لأنَّ رائحة فضلاته أطيب من ريح المسك؛ لأنَّها طاهرة، ويدل لذلك أن الصحابة إذا مرُّوا بمكان وشمُّوا رائحة طيبة يعلمون أن النبيَّ ﵇ تغوَّط في تلك المكان، وكأنه قصد بهذا التعبير الإشارةَ إلى ما قاله الشافعية: من أن فضلاته ﵇ ليست طاهرة، نعوذ بالله من هذا القول القبيح الذي لا يرضاه ذو (^٢) العقل الصحيح.\nوقوله: (أو لعله فعله؛ لبيان الجواز) ممنوع، بل إنَّما فعله لأجل الستر فقط بدليل قوله له: «يا حذيفة؛ استرني»؛ لأنَّه لو كان لبيان الجواز؛ لقال له: اقرب مني؛ حتى لا أحد يمر بنا فينظر ما نفعله، وفي باقي كلامه نظر، ولو بيَّناه؛ لطال المقام.\nوفي الحديث: أنه إذا أراد قضاء حاجته يتوارى عن أعين الناس بما يستره من حائط ونحوه، وفيه: جواز البول قائمًا وقاعدًا، وفيه: جواز قرب الإنسان من البائل، وجواز طلب البائل القرب منه؛ ليستره، واعترض بأنه قد صح في «الصحيح» أنه ﵇ قال حين أراد قضاء الحاجة: «تنحَّ»، وتباعده عن الناس حين قضائها هو المعروف من عادته، وأجيب: بأن ما هنا من التقريب، كأنْ كان عند القيام، وما هناك كان من الإبعاد والتنحِّي كان عند القعود، والفرق بينهما خوف سماع الصوت الخارج مع القعود\n_________\n(^١) في الأصل: (يشجوه)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (ذي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":102},{"text":"وعدمه مع القيام، والله تعالى أعلم.\nوفي نهار الأربعة الرابع من ربيع الأول شنقوا تسعة أنفار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم فرج عناوعن المسلمين بجاه سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين ﷺ، آمين... آمين... آمين.\n\n <span id=\"b-٣٩٣\"> </span>(٦٢) <span data-type=\"title\" id=toc-393>[باب البول عند سباطة قوم]</span>\nهذا (باب) جواز (البول عند سُباطة) بضمِّ السين المهملة: الكناسة كما قدمناه (قوم)؛ أي: جماعة من الناس.\n\n <span id=\"b-٣٩٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-394>[حديث حذيفة: ليته أمسك أتى الرسول سباطة]</span>\n٢٢٦ - وبالسَّند قال: (حدثنا محمَّد بن عَرْعَرَة)؛ بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، ثم أخرى بعدها مفتوحة؛ لوقوع هاء التأنيث بعدها (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن منصور) هو ابن المعتمر، (عن أبي وائل) هو شقيق الكوفي (قال: كان أبو موسى) هو عبد الله بن قَيْس (الأشعري) رضي الله تعالى عنه (يشدد في البول): جملة محلها النصب خبر (كان)؛ أي: أنه كان يحتاط احتياطًا عظيمًا في الاحتراز عن رشاش البول حتى إنه كان يبول في القارورة؛ خوفًا من أن يصيبه من رشاشه شيء، وأخرج ابن المُنْذِر من طريق عبد الرحمن بن الأسودعن أبيه: أنه سمع أبا موسى ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك! أفلا قاعدًا؟ ثم ذكر قصة بني إسرائيل، (ويقول: إن بني إسرائيل)؛ أي: أولاد يعقوب ﵇، وإسرائيل لقبه، ووجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ بإسرائيل ما قاله في «عمدة القاري»: (من أنه كان يعقوب وعيصوا أخوين (^١) كانا في بطن (^٢) أمهما معًا، فلما جاء وقت وضعهما؛ اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولًا، فقال عيصو: والله لئن خرجت قبلي؛ لأعترض في بطن أمي لأقتلها، فتأخَّر يعقوب وخرج عيصو قبله فسمِّي عيصوا، وسُمِّي يعقوب؛ لأنَّه خرج آخرًا عقب عيصو، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، وكان أحبهما إلى أمه، وكان عيصو أحبهما إلى أبيه، وكان صاحب صيد، فلما كبر أبوهما إسحاق وغشي على عينيه؛ قال لعيصو: يا بني؛ أطعمني لحم صيد أدعو لك بدعاء كان أبي دعا لي به، وكان أشعر، وكان يعقوب أجرد، فخرج عيصو إلى الصيد، فقالت أمه ليعقوب: خذ شاة واشوها، والبس جلدها، وقدمها إلى أبيك، وقل: أنا ابنك عيصو، ففعل فمسَّه إسحاق، فقال: المسُّ مسُّ عيصو، والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: ابنك عيصو فادع له، فأكل منها، ودعا له بأن يجعل الله في ذريته الأنبياء والملوك، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق: يا بني؛ لقد سبقك أخوك فغضب، وقال: والله لأقتلنه، فقال إسحاق: يا بني؛ قد بقيت دعوة، فدعا له بأن يكون ذريته عدد التراب ولا يملكهم أحد غيرهم، وقالت أمُّ يعقوب له: الحق بخالك، فكن عنده خشية أن يقتلك عيصو، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان، فكان ببابل، وقيل: بحران، فكان يسري بالليل ويمكن بالنهار؛ فلذلك سمي إسرائيل، فأخذ من السرى والليل، وقيل: معناه: عبد الله؛ لأنَّ إيل اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية، كما يقال: جبرائيل، وميكائيل (^٣» انتهى.\nقلت: قيل: إن ذرية عيصو الإفرنج المشهورين بالروسية الموسكوف، وقال البغوي: (قال ابن عباس، ومُجَاهِد، وغيرهما: أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلًا قويًّا، فلقيه مَلَك، فظن يعقوب أنه لصٌّ فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج به عرق النسا، ولقي من ذلك شدة فكان لا ينام الليل من الوجع، ويبيت وله زقاء؛ أي: صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله؛ لا يأكل عرقًا ولا طعامًا فيه عرق، فحرَّمه على نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق يخرجونها من اللحم) انتهى.\nقلت: وهذا مشاهد معلوم من اليهود، فإن لهم جماعة عند الجزارين ينقُّون العروق، قيل: إن يعقوب لما استوطن في بيت المقدس وجاءه أولاده المذكورون (^٤) في القرآن العظيم وكبروا؛ ذهب عيصو يدِّور على أخيه إلى أن قرب إلى بيت المقدس، فأُخبِر يعقوب بمجيئه، فقال لأولاده: اذهبوا إلى باب البلد وقفوا عنده، فإذا جاء عيصو ومرَّ عليكم؛ فقبِّلوا يديه، وقولوا له: نحن عبيد عيصو، فإن سأل عني وعنكم؛ فأخبروه ففعلوا، فلما رآهم عيصو؛ سألهم، فأجابوه، فسألهم عن أبيهم يعقوب، فقالوا (^٥): في محل كذا، فذهب إليه وقبَّلوا بعضهم بعضًا، وعفا عنه، ورضي، وتمامه في «عقود الجمان في أخبار الزمان» للشيخ بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري» قُدِّس سرُّه، فإنه كتاب لم أجد [من] سبقه إليه، جمع فيه فأوعى، وأودع فأغنى، وهو يبلغ نحوًا من عشرة مجلدات، وكان عندي منه مجلد واحد رضي الله عن هذا المؤلف ما أغزر علمه واطلاعه!\n (كان)؛ للشأن، وليس ضميرها يعود على (بني إسرائيل) حتى يرد أنهم جمع، وهو مفرد، بل هو ضمير الشأن، والجملة الشرطية من (كان) وخبرها خبر (إنَّ)، ويحتمل عوده على (بني)؛ لأنَّه بمعنى ولد أو سبط مثلًا، والأظهر الأول؛ فتأمل، (إذا أصاب) أي: البول (ثوبَ أحدهم)؛ بنصب (ثوب) على المفعولية، ووقع في رواية مسلم: (إذا أصاب جلد أحدهم)، قال القرطبيُّ: (مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها)، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الأمر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبيِّ ﵇ فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم قال: فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول؛ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم فعُذِّبَ في قبره، قال منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى: جلد أحدهم، وقال عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى: جسد أحدهم).\nوقوله: (انظروا يبول كما تبول المرأة)، وهذا القول منهما وقع من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل؛ فلذلك قال ﵇: «ألم تعلموا... إلخ»، ولم يقولا هذا بطريق الاستهزاء والاستخفاف؛ لأنَّ الصحابة براء (^٦) من هذا الكلام، وأراد بـ (صاحب بني إسرائيل): موسى الكليم ﵇.\nفإن قلت: كيف يترتب قوله على قوله: فنهاهم؟\nقلت: فيه حذف؛ تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا، فعذبهم الله، والفاء في (فعذب) فاء السببية؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، كذا في «عمدة القاري».\n (قَرَضَه)؛ بفتح القاف والراء، والضاد المعجمة؛ أي: قطعه، وفي رواية الأصيلي، والإسماعيلي: (قرضه) بالمقراض، وهذه الرواية ترد قول من يقول: بالقرض الغسل بالماء، وهذا من الأمر المدفوع عن هذه الأمة، ورواية المؤلف هنا صريحة في أنَّ المراد: الجلد الملبوس؛ لتصريحه بالثياب، فلعل ما في «أبي داود» تصرُّف من بعض الرواة؛ لظنه أن المراد بالجلد الواقع في بعض الروايات: الجسد، وليس كذلك، كما علمت؛ فافهم وتأمل، (فقال حذيفة) أي: ابن اليمان، عن أبي موسى الأشعري: (ليته أمسك)؛ أي: ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد في أمر البول أو لسانه عن هذا القول، أو كليهما عن كليهما، ومقصوده: أن هذا التشديد خلاف السنة، فالإمساك عنه خير، (فقد أتى) بفتح الهمزة (النبيُّ) الأعظم (ﷺ سُباطة) بضمِّ السين المهملة: كناسة (قوم)؛ أي: جماعة من الأنصار، (فبال قائمًا) وفي رواية الإسماعيلي: (لوددت أن صاحبكم لا يشدِّد هذا التشديد)؛ أي: ولا شك في كون القائم معرَّضًا للرشاش، ولم يلتفت ﵇ إلى هذا الاحتمال ولم يتكلَّف البول في القارورة، قال ابن بطال: (وهذا الحديث حجة لمن رخَّص في يسير البول؛ لأنَّ المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رؤوس الإبر، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل)، وقال سفيان الثوري: كانوا يرخِّصون في\n_________\n(^١) في الأصل: (أخوان)، وليس بصحيح.\n (^٢) زيد في الأصل: (واحد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (فجبرائل ومكائل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (المذكورين)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (فقال)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٦) في الأصل: (بريئات).","vol":"1","page":102},{"text":"القليل من البول.\nقلت: والمراد من رؤوس الإبر محل إدخال الخيط وإن امتلأ منه الثوب والبدن للضرورة؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، لا سيما في مهبِّ الريح، فسقط اعتباره، وقد سئل ابن عباس ﵄ عن هذا، فقال: إنا لنرجو من الله تعالى أوسع من هذا، كما في «السراج الوهاج»، فهذا حجة ودليل ظاهر لإمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم ﵁ في قوله: إنه معفوٌّ عنه، وسهل فيها كما سهل في يسير كل النجاسات، وقال مالك: يغسلها استحبابًا وتنزُّهًا، وهو قول الإمام أبي يوسف، وشدد الأمر الشافعي، وقال: يجب غسل ما يدركه الطرف من سائر النجاسات، وهذا الحديث حجة عليه؛ لأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن ضرورة، وفيه حرج بيِّنٌ وهو مدفوع، وروي عن محمَّد بن علي زين العابدين: أنه تكلَّف لبيت الخلاء ثوبًا، ثم تركه، وقال: لم يتكلَّف لهذا من هو خير مني؛ يعني: رسول الله ﵇، والخلفاء ﵃، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة السابق، وفيه: «فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»، فهو يشير إلى عدم اعتبار نجاسة الرشاش من النجاسات؛ لأنَّه لو اعتبرناه نجسًا؛ لزال معنى التيسير المأمور به، ولثبت معنى التعسير وهو خلاف المأمور به، والله تعالى أعلم، اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين، واكشف يا ربنا هذا الهم والغم عن أمة نبيك محمَّد ﵇.\nوقال القسطلاني: (وفي الاستدلال على الرخصة المذكورة ببوله ﵇ قائمًا نظر؛ لأنَّه ﵇ في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيء)، قال ابن حبَّان: (إنما بال قائمًا؛ لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة عاليًا، فأمن من أن يرتد عليه شيء من بوله، أو كانت السباطة رخوة لا يرتد إلى البائل شيء من بوله) انتهى.\nقلت: وهذا ممنوع، فإن بوله ﵇ قائمًا وكذا غيره لا بدَّ وأن يصل إليه الرشاش من البول غالبًا، والغالب كالمتحقق.\nوقوله: (لم يصل إليه منه شيء) دعوة باطلة؛ لتضمنها النفي وهو غير مقبول، ودعوانا مثبتة، والمثبت مقدم على النافي، على أنه لا دليل يدل على عدم الوصول، بل الظاهر المتبادر من هذه الحالة إنَّما هو الوصول لا غير.\nوقوله: (لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود) ممنوع، فإن الأرض واسعة صالحة للقعود، وليس لأحد إنكار ذلك، وإنكاره كإنكار وجود الشمس في السماء في رابعة النهار.\nوقوله: (لكون الطرف الذي يليه من السباطة عاليًا...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ السباطة على وجه الأرض في العادة ليست عالية ولا متسفلة، وأي دليل على أنها عالية؟ وإذا كانت ليست بعالية؛ فالطرف منها غير عالٍ ضرورة، وفي هذه الحالة إذا بال أحد؛ فلا ريب أنه يصله الرشاش، فدعوى عدم الوصول باطلة لا دليل عليها.\nوقوله: (فأمن من أن يرتد...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل على ذلك، فإن السباطة ليس لها أطراف، وإنما هي مكان على وجه الأرض معد لرمي الأوساخ المجتمعة في البيوت، وهي تضمحل وتذهب بالريح أو يأخذها أرباب البساتين.\nوقوله: (أو كانت السباطة رخوة...) إلخ ممنوع؛ فإن السباطة ليست ببناء ولا من غيره، وإنما هي أرض صلبة بدليل أنها في فناء البيوت، وفناؤها أرض صلبة غير رخوة، وتارة يكون محلها صخر أو جبل كما هو العادة في القرى والبلدان، فلا ريب أنه في الحالة المذكورة إذا بال؛ يرتد عليه شيء من الرشاش لما ذكرنا؛ لأنَّ الصخر والجبل لصلابته، وكذا الأرض المعهودة كذلك صلبة؛ لعدم ورود الماء عليها ودائمًا الشمس عليها صلبة، لا يستقر البول عليها، بل يتطاير على البائل غالبًا، والغالب كالمتحقق؛ فافهم.\nولا داعي لهذا التشديد حتى يدخل في تشديد بني إسرائيل، فإن الله تعالى أمر باليسر ونبيُّه ﵇ كذلك كما علمت، وقال تعالى: ﴿[اجْتَبَاكُمْ] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولا ريب أن اعتبار ذلك حرج بيِّنٌ، وقد أمرنا ﷾ باجتنابه ورفعه عنا، فباعتباره إلزام الحرج علينا، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٣٩٥\"> </span>(٦٣) <span data-type=\"title\" id=toc-395>[باب غسل الدم]</span>\nهذا (باب) حكم (غَسل) بفتح الغين المعجمة (الدم)؛ بتخفيف الميم، وقد تشدَّد؛ أي: دم الحيض، وكذا غيره من سائر الدماء وسائر النجاسات بطريق القياس عليه.\n\n <span id=\"b-٣٩٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-396>[حديث: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه]</span>\n٢٢٧ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا محمَّد بن المثنى) بضمِّ الميم، وفتح المثلثة، وتشديد النون المفتوحة، المعروف بالزمن (قال: حدثنا» وفي رواية بالإفراد (يحيى)؛ هو ابن سَعِيْد القطان، (عن هشام) بكسر الهاء: هو ابن عروة بن الزبير (قال: حدثتني فاطمة)؛ هي بنت المُنْذِر بن الزبير زوجة هشام المذكور، وابنة عمه، (عن أسماء)؛ بالمد؛ هي بنت أبي بكر الصديق ﵄، وجدة فاطمة، وزوجها لأبويهما، المعروفة بذات النطاقين أم عبد الله بن الزبير، وهي من المهاجرات، عارفة بتعبير الرؤيا؛ حتى قيل: إن ابن سيرين أخذ التعبير عن ابن المسيب، عن أسماء، وهي أخذته عن أبيها، وهي آخر المهاجرات وفاة، توفيت في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد ابنها عبد الله بأيام، بلغت مئة سنة لم يسقط لها سنٌّ، ولم ينكر لها عقل ﵂ (قالت)؛ أي: أسماء: (جاءت امرأة للنبيِّ) الأعظم، وللأربعة: (إلى النبيِّ) الأعظم (ﷺ) والمرأة السائلة: هي أسماء بنت يزيد التي يقال لها: خطيبة النساء، أو أسماء بنت شَكَل؛ بفتحتين، قال جماعة من المحدثين: والأولى (^١) هي الصواب، واعتمده وقوَّاه النووي، وقيل: إنه يجوز أن تكون فاطمة بنت حبيش الآتية.\nقلت: وهو ممنوع؛ لأنَّه لا دليل يدل على ذلك، وأي عذر كان في إبهامها هنا؟ فإن المخبرة فيما يأتي عائشة، وهنا أسماء، وكل قصة على حدة، فلو كانت هذه؛ لأخبرت أسماء بها أنها فاطمة، وعدم ذلك دليل على أنها غيرها، والصواب الأول، ووقع في رواية الشافعيِّ: أن السائلة هي أسماء بنت أبي بكر المذكورة، ولا يبعد أن يبهم الراوي نفسه، كما وقع لأبي سَعِيْد الخدري في الرقية بفاتحة الكتاب، وضعف هذا النووي.\nقلت: ويدل لذلك أنها لو كانت هي السائلة؛ لم تُبْهِم نفسها، بل صرَّحت وقالت: قلت للنبيِّ ﵇، أو قالت: أتيت النبيَّ ﵇ فقلت: يا رسول الله ﵇، على أنه لا عذر ولا غرض لها في هذا الإبهام، بل التصريح أشرف وأحسن لها، وإبهام أبي سَعِيْد نفسه لا يدل على هذا؛ لأنَّه لما رقي وأخبر النبيَّ ﵇؛ خشي من النبيِّ ﵇ عدم الرضا؛ فأبهم نفسه، فلما علم الرضا؛ أظهر نفسه بأنه الراقي؛ فافهم.\nوأما أسماء هذه؛ فلا عذر لها في الإبهام، لا يقال: إن الحياء منعها من التصريح؛ لأنا نقول: هذا حكم شرعي، والنبيُّ ﵇ أمر بعدم الحياء في الأحكام الشرعية والسؤال عنها، ولذا فإن (^٢) أم سليم لما أتته تسأله؛ قالت: إن الله لا يستحي من الحق، فالحياء من الحق مذموم، وأسماء هي أشد اتباعًا لسنة النبيِّ ﵇، فلا يمنعها ذلك؛ فافهم.\n (فقالت: أرأيت)؛ أي: أخبرني يا رسول الله؛ قال الفاضل الزمخشري: فيه تجوز لإطلاق الرؤية وإرادة الإخبار؛ لأنَّ الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر؛ بجامع الطلب، كذا في «عمدة القاري» (إحدانا)؛ بالنصب مفعول (أرأيت) على معنى: أخبرني عن إحدانا، واستظهر بعضهم أنه على حذف مضاف؛ أي: أخبرني خبر زيد أو حاله؛ لأنَّ النصب بإسقاط الخافض غير مقَيْس، ولا يجوز رفعه كما نص عليه سيبويه، قال: لأنك لو قلت: أرأيت أبو من زيد؛ لم يحسن؛ لأنَّ فيه معنى أخبرني عن زيد، وجوز في «عمدة القاري» رفعه على الابتداء، و(تحيض) خبره.\nقلت: والمعنى عليه صحيح حسن؛ لأنَّه على معنى الاستئناف، فكأنه قال: أخبرني حكم الله تعالى وهو (إحدانا تحيض)؛ فتأمل.\nوقوله: (تَحِيض)؛ بفتح الفوقية، وكسر المهملة، جملة محلها النصب حال من (إحدانا)، أو الرفع خبر (إحدانا) كما علمت (في الثوب) إما حال، أو متعلق بـ (تحيض)؛ والمعنى: تحيض حال كونها في الثوب، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب، كذا قاله في «عمدة القاري»، ويدل لذلك ما عند المؤلف عن عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم؛ قالت\n_________\n(^١) في الأصل: (الأول)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (إن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":103},{"text":"بريقها، فمصعته بظفرها)، وما عند أحمد عن أبي هريرة: أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله؛ ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: «فإذا طهرت؛ فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله؛ أرى لم يخرج أثره، قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره»، وقال الكرماني، وتبعه ابن حجر: أن معنى (تحيض في الثوب) أن دم الحيض يصل إليه، ويدل له ما رواه المؤلف من طريق مالك عن هشام: (إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة)، وما رواه مسلم: (أرأيت المرأة يصيب ثوبها من دم الحيضة).\nقلت: وما قاله في «عمدة القاري» أظهر وأحسن للمعنى؛ فليحفظ.\nوجملة (كيف تصنع) إما في محل نصب على أنه مفعول ثان لـ (أرأيت) المذكورة إن قلنا: بأنها تعلق، أو بدل من الأول، وإما لا محل لها، وإن قلنا: بأنها تعلق؛ لأنَّها مستأنفة؛ لبيان الحال المستخبر عنها، كما قاله الرضي، وكذا إن قلنا بعدم تعليق (أرأيت) المذكورة بناء على أحد قولي الإمام الزمخشري: إن شرط التعليق أن يذكر بعد العامل ما يسد مسد منصوبيه معًا، وكذا لا محل لها إن قلنا لا تتعدى (أرأيت) إلى اثنين، والكلام على (أرأيت) المذكورة، ومتعلقاتها مستوفًى في «التسهيل» وشروحه، والله أعلم.\n (قال) وللأصيلي: (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﵇: (تحُتُّه)؛ أي: الثوب، بضمِّ الحاء المهملة، وبالفوقية المشددة؛ من حتَّ الشيء عن الثوب وغيره تحتُّه حتًّا، وفي «المنتهى»: (الحت: حتك الورق من الشجر، والمني، والدم، ونحوهما من الثوب وغيره، وهو دون النحت)، وعند ابن طريف: (حت الشيء نفضه (^١)، وقيل: معناه: تحكه)، كما وقع في رواية ابن خزيمة، والمراد من ذلك: إزالة عينه المتجسدة، (ثم تَقرُضه)؛ أي: الثوب، وهو بضمِّ الراء، والضاد المعجمة مع فتح أوله، وسكون ثانيه، وفي رواية: (قرِّضيه)؛ بالتشديد، قال أبو عبيد: (أي: قطِّعيه)، وقال عياض: (رُوِّيناه: بفتح المثناة فوق، وإسكان القاف، وضم الراء، وبضمِّ المثناة، وفتح القاف، وكسر الراء المشددة)، قال: (وهو الدلك بأطراف الأصابع مع صبِّ الماء عليه حتى يذهب أثره)، وفي «المغرب»: (الحت: القرض باليد، والقرض بأطراف الأصابع)، وفي «المحكم»: (القرض: التخميش والغمز بالإصبع، والمقرض: المقطوع المأخوذ من شيئين)، وفي «الجامع»: (كل مقطوع مقرض)، وفي «الصحاح»: (اقرضيه بماء)؛ أي: اغسليه بأطراف أصابعك، والمراد من ذلك: أنها تفرك مواضع الدم بأطراف أصابعها (بالماء)؛ أي: مع صبِّ الماء عليه؛ ليتخلل بذلك ويخرج ما تشرَّبه الثوب منه، ولا يضر بقاء أثر شق زواله حتى يتكلف إلى إزالته بنحو صابون، أو أشنان، أو ماء حار، فإن ذلك غير لازم للحرج، وهو مدفوع بالنص.\nفإن قلت: وقع في حديث أم قَيْس بنت محصن عند ابن خزيمة: (واغسليه بالماء والسدر وحكيه ولو بضلع)، وعند أبي أحمد العسكري: (حكيه بضلع، وأتبعيه بالماء والسدر)، وعند أبي داود عن امرأة من غفار: أن رسول الله ﵇ لما رأى ثيابها من الدم؛ قال: «أصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء واطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب من الدم، ثم عودي لركبك»\nقلت: ذكر السدر والحك بالضلع بالملح إن صح؛ فهو أمر محمول على الندب لا الوجوب، وقد قال ابن القطان: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر، وعاب على أبي أحمد [قوله]، ويدل لذلك ما رواه أحمد في «مسنده» من حديث أبي هريرة قال: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» كما تقدم قريبًا، وعند الدارمي عن أم سَلَمَة: (إن إحداهن تسبقها القطرة (^٢) خفيةً من الدم، فقال ﵇: «إذا أصاب إحداكن ذلك؛ فلتقصعه بريقها»)، وعند ابن خزيمة: (وقيل لها: كيف كنتن تصنعن بثيابكنَّ إذا طمثن على عهد رسول الله ﵇؟ قالت: إن كنا لنطمث في ثيابنا أو في دروعنا، فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم)، ويدل لذلك أحاديث يطول سردها، وعلى كل؛ فهو محمول على الندب والإرشاد لا الوجوب؛ فليحفظ.\n (وتنضَحُه) وفي رواية: (ثم تنضحه) وهو بفتح الضاد المعجمة، وضم الحاء المهملة من باب (فتَح يفتَح)؛ بفتح عين الفعل فيهما، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه في «فتح الباري»، وقال الكرماني، وتبعه مغلطاي: (إنه بكسر الضاد المعجمة)، قال في «عمدة القاري»: (وهو غلط).\nقلت: ووجه الغلط، إما أنه من حيث الرواية؛ فإن الرواية بالفتح، وإما من حيث اللغة، وفي «المصابيح»: (أن أبا حيَّان قرأ في بعض المجالس: وانضَح فرجك؛ بفتح الضاد المعجمة، فرد عليه الدمنهوري وقال: نص النوويُّ على أنه بالكسر، فقال أبوحيان: حق النووي أن يستفيد هذا مني، والذي قلته هو القياس) انتهى.\nفهذا دليل على أنه بالفتح لا غير، لكن نقل صاحب «الجامع» أن الفتح أفصح والكسر لغة، ولا ريب أن غير الفصيح شاذ وغلط، فتعيَّن الفتح فقط؛ فافهم.\nوالضمير في (تنضحه) يرجع إلى الماء لا غير، والمراد بالنضح: الغسل؛ أي: تغسله، قاله الخطابي، وقدمنا ذلك مفصلًا، ويدل له قوله في الحديث الآتي بعد هذا: «فاغسلي عنك الدم» فهو يعيِّن أن المراد بالنضح في كلامهم الغسل لا غير؛ فليحفظ.\nواستدل الإمام محمَّد والشافعي بهذا الحديث على أن النجاسات إنَّما تُزَال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة الدم إجماعًا، وهو مردود؛ فإن الماء في الحديث خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط؛ والمعنى في ذلك: أن الماء أكثر وجودًا من غيره، فصرح به باعتبار الغالب أو الكثرة، ورد أيضًا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ورد أيضًا بأن هذا مفهوم اللقب وهو غير حجة عند الشافعي، ويدل لهذا حديث عائشة ﵂: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض؛ قالت بريقها فمصعته (^٣) بظفرها)، وعند أبي داود: (بلته بريقها)، فلولا أن الريق مطهر؛ لزادت النجاسة، واعترض باحتمال أن تكون قصدت بذلك تحليل أثره، ثم غسلته بعد ذلك، ورُدَّ بأن هذا احتمال بعيد؛ لأنَّه لا دليل يدل على أنها غسلته بعد ذلك، ولئن سلَّمنا أنها غسلته؛ فبالغسل يحصل تحليل أثره من غير احتياج إلى مضغه أو بله بريقها، فمضغه أو بله بريقها دليل على أنها لم تغسله وهو كذلك؛ لأنَّه لم يثبت عنها ذلك ولا أحد نقله عنها، فهذا مجرد دعوى بلا دليل، وهي باطلة لا يعتد بها، على أن المقصود من تطهير النجاسات إزالة عينها وأثرها، والمائعات الطاهرات، وكذا الريق لا ريب أنها تزيل العين والأثر، وبها يحصل المقصود؛ فلا خصوصية بالماء، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور رضي الله تعالى عنهم.\n (وتصلي فيه) وفي رواية: (ثم تصلي فيه)، فقد علمت أن الضمير المنصوب في (تحته) وفي (تقرضه) يرجع إلى الثوب، وفي قوله: (وتنضحه) يرجع إلى الماء، وقد ذكرنا عن قريب أن الخطابي قال: (تنضحه)؛ أي: تغسله؛ لأنَّ المراد بالنضح في كلام العرب: الغسل)، وقال القرطبي: (المراد به: الرش؛ لأنَّ غسل الدم استفيد من قوله: «تقرضه بالماء»، وأما النضح؛ فهو لما شكَّت فيه من الثوب)، وقال ابن حجر: (فعلى هذا؛ الضمير في قوله: (تنضحه) يعود إلى الثوب بخلاف (تحته)، فإنه يعود إلى الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا نسلم ذلك؛ لأنَّ لفظ الدم غير مذكور صريحًا، والأصل في عود الضمير أن يكون إلى شيء مذكور صريح، والمذكور هنا صريحًا الثوب والماء، فالضميران الأوَّلان يرجعان إلى الثوب؛ لأنَّه المذكور قبلهما، والضمير الثالث يرجع إلى الماء؛ لأنَّه المذكور قبله، وهذا هو الأصل؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أيضًا\n_________\n(^١) في الأصل: (نقصه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (القرطة)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (فمصغته)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":103},{"text":"أن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنَّه إن كان طاهرًا؛ فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا؛ لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي.\nورده في «عمدة القاري» قال: قلت: الذي قاله القرطبي هو الأحسن؛ لأنَّه يلزم التكرار من قول الخطابي، فلا فائدة فيه؛ لأنا قد ذكرنا أن الحت: هو الفرك، والقرض: هو الدلك بأطراف الأصابع مع صبِّ الماء عليه حتى يذهب أثره لما نقلناه عن القاضي عياض، ففهم الغسل من لفظة القرض، فإذا قلنا الرش بمعنى الغسل؛ يلزم التكرار.\nوقوله: (إن الرش...) إلخ كلام من غير روية؛ لأنَّ الرش ههنا لإزالة الشك المتردد في الخاطر، كما في الحديث: في رش المتوضئ الماء على سراويله بعد فراغه من الوضوء، وليس معناه على الوجه الذي ذكره؛ فافهم، انتهى.\nقلت: وهو في غاية من التحقيق؛ فليحفظ.\nوالمراد بالوضوء؛ أي: الاستنجاء، أو أنه من العادة أن الإنسان إذا أراد الاستنجاء؛ حل سراويله، وبعده استنجى وتوضأ، ثم يلبسها ويرشها لأجل الوسوسة من الشيطان الرجيم؛ فافهم واحفظ.\nوقال ابن بطال: (حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، وهذا الحديث محمول عندهم على الدم الكثير الفاحش إلا أن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يتجاوز عنه من الدم، فاعتبر الكوفيُّون فيه وفي سائر النجاسات دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره)، قال في «عمدة القاري»: فلما ذكره صاحب «الأسرار» عن علي وابن مسعود ﵂ أنهما قدرا النجاسة بالدرهم، وكفى بها حجة في الاقتداء، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ وفي «المحيط»: (أنه قدره بظفره أيضًا، وكان ظفره قريبًا من كفنا)، فدل على أن ما دون الدرهم لا يمنع، وقال في «المحيط» أيضًا: الدرهم الكبير: ما يكون مثل عرض الكف، وفي صلاة الأصل الدرهم الكبير المثقال. يعني: يبلغ مثقالًا، وعند شمس الأئمَّة السرخسي: (يعتبر بدرهم زمانه، وأما الحديث الذي رواه الدارقطني في «سننه» عن روح بن عطيف، عن الزُّهري، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﵇ قال: «تعاد من قدر درهم من الدم»، وفي لفظ: «إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم؛ غسل الثوب وأعيدت الصَّلاة»؛ فاتفق الحفَّاظ على أنه حديث منكر؛ بل قال البخاري: إنه حديث باطل؛ فلهذا لم يحتج به الإمام الأعظم، وأصحابه ﵃.\nفإن قلت: النص -وهو قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] - لم يفصل بين القليل والكثير، فلا يعفى عن القليل.\nقلت: القليل غير مراد من النص بالإجماع بدليل عفو موضع الاستنجاء، فتعيَّن الكثير، وقد قدر الكثير بالآثار، انتهى.\nوقال ابن بطال: (وقال مالك: قليل الدم معفوٌّ عنه، ويغسل من قليل سائر النجاسات، وروى عنه ابن وهب: أن قليل دم الحيض كالكثير؛ لقوله ﵇ لأسماء: «حتيه، ثم اقرضيه» حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، ولم يجد فيه مقدار الدرهم، ولادونه.\nقلت: حديث عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد فيه نحيض، فإن أصابه شيء من دم؛ بلته بريقها، ثم قصعته بريقها)، رواه أبو داود، وأخرجه البخاري أيضًا، ولفظه: (قالت بريقها، فمصعته) يدل على الفرق بين القليل والكثير، انتهى.\nوقال البيهقي: (هذا في اليسير الذي يكون معفوًّا عنه، وأما الكثير منه؛ فصحَّ عن عائشة أنها كانت تغسله، فهذا دليل على عدم الفرق بين القليل والكثير من النجاسة، وهو حجة على الشافعي في قوله: إنَّ يسير الدم يُغْسَل كسائر النجاسات إلا دم البراغيث، فإنه لا يمكن التحرُّز عنه) انتهى.\nورده ابن بطال: بأنه قد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه كان لا يرى بأسًا بالقطرة والقطرتين من الدم في الصَّلاة، وعصر ابنُ عمر ﵄ بثرة فخرج منها دم، فمسحه بيده وصلى، فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطًا من أبي هريرة، وابن عمر، ولا أكثر دراية منهما حتى خالفوهما؛ حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير، على أن قليل الدم موضع ضرورة؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو في غالب ضرورة من بثرة، أو دمل، أو برغوث فعفي عنه، ولهذا حرَّم الله المسفوح منه، فدل على أن غيره ليس بمحرَّم) انتهى.\nوفي الحديث: دلالة على أن الدم نجس بالإجماع، وفيه دلالة على أن العدد ليس بشرط في إزالة النجاسة؛ بل المراد الاتِّقاء، وفيه: دلالة على أنها إذا لم تر في ثوبها شيئًا من الدم؛ ترش عليه وتصلي فيه، انتهى «عمدة القاري»؛ أي: لأجل الوسوسة من الشيطان.\n\n <span id=\"b-٣٩٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-397>[حديث: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي]</span>\n٢٢٨ - وبه قال: (حدثنا محمَّد) ٩ غير منسوب عند الأكثرين، وللأصيلي: (محمَّد بن سلَام)، ولأبي ذر: (محمَّد) هو ابن سلام، ولغيرهما: (محمَّد)؛ يعني: ابن سلَام؛ بتخفيف اللام، البيكندي (قال: حدثنا) ولابن عساكر: (أخبرنا) (أبو معاوية) هو محمَّد بن خازم؛ بالمعجمتين، الضرير، (قال: حدثنا هشام)؛ أي: ابن عروة، كما عند الأصيلي، (عن أبيه) أي: عروة بن الزبير، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵂ (قالت) أي: عائشة: (جاءت فاطمة بنت) وفي رواية: (ابنة) (أبي حبيش)؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره معجمة، القرشية الأسدية، واسم أبي حبيش قَيْس بن عبد المطلب بن أسد، هذا هو الصواب، وقد ذكره الذهبي في «التجريد»، كذا في «عمدة القاري»، فما زعمه ابن حجر من أنه قَيْس بن المطلب، وتبعه العجلوني خطأ؛ فافهم، ثم قال في «عمدة القاري»: (وهي غير فاطمة بنت قَيْس التي طُلِّقت ثلاثًا) انتهى، (إلى النبيِّ) الأعظم (ﷺ) وهو متعلق بقوله: (جاءت) (فقالت) أي: فاطمة: (يا رسول الله؛ إني امرأة) وكلمة (إنَّ) لا تستعمل إلا عند إنكار المخاطب لقوله (^١) أو التردد فيه، وما كان لرسول الله ﵇ إنكار لاستحاضتها ولا تردد فيها، فوجه استعمالها ههنا يكون لتحقيق نفس القضية؛ إذ كانت بعيدة عن الوقوع نادرة الوجود؛ فلذلك أكدت قولها بكلمة (إن)، كذا في «عمدة القاري»، (أُسْتَحاض)؛ بضمِّ الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، قال الجوهري: (استحيضت المرأة؛ أي: استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة، وفي الشرع الحيض: الدم الخارج من الرحم، وهو موضع الولد لا يعقب ولادة مقدار وقت معلوم)، وقال الإمام الكرخي: (الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه، والاستحاضة: اسم للدم الذي تراه في أيام أقل الحيض، أو في الزائد على أكثره، وكذا ما تراه الحامل، وما تراه المعتادة فوق عادتها وتجاوز العشرة، وكذا ما تراه قبل أن تبلغ تسع سنين، وكذا ما تراه النفساء زائدًا على عادتها وتجاوز الأربعين، وكذا ما زاد على الأربعين في النفاس، وكذا ما تراه الآيسة وهي أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها فيه، أو هو مقدر بخمس وخمسين، فإن ذلك كله دم استحاضة لا يمنع صلاةً، ولا صومًا، ولا وطئًا، وسيأتي تمامه.\nووجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة، فيقال: استحيضت أنَّه لما كان الأول معتادًا معروفًا؛ نسب إليها، والثاني لما كان نادرًا غير معروف الوقت وكان منسوبًا إلى الشيطان كما جاء أنها ركضة من الشيطان؛ بُنِيَ لما لم يسم فاعله، والسين فيه يجوز أن تكون للتحوُّل كما في استحجر الطين، وهنا أيضًا تحول دم الحيض إلى غير دمه؛ وهو دم الاستحاضة؛ فافهم، كذا قرره في «عمدة القاري»، والله أعلم.\n (فلا أطهُر)؛ بضمِّ الهاء؛ أي: لا ينقطع دمي على العادة، بل يستمر، (أفأدع)؛ أي: أفأترك (الصَّلاة؟) فرضها ونفلها، وقد وجد في هذا التركيب الهمزة وهي تقتضي عدم المسبوقية بالغير، والفاء وهي تقتضي المسبوقية به، فكيف يجتمعان؟\nوأجاب الكرماني: (بأن الهمزة مقحمة، وتوسطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول\n_________\n(^١) في الأصل: (لدخوله)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":104},{"text":"على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على صرافة الاستفهامية؛ لأنَّها للتقرير هنا، فلا تقتضي الصدارة، أو هو عطف على مقدر؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأدع الصَّلاة؟) انتهى.\nقال في «عمدة القاري»: (هذا سؤال على استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصَّلاة) انتهى.\nوالحاصل: أن في مثل هذا التركيب وجهين؛ أحدهما وعليه جمع: أن الهمزة مقدمة من تأخي؛ ر لصدارتها، وثانيهما وعليه جرى الإمام الزمخشري: أن الفاء للعطف على مقدر بين الهمزة والفاء؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأدع الصَّلاة؟\n (فقال رسول الله ﷺ: لا)؛ هي حرف من حروف الجواب التي يستغنى بها عما بعدها؛ أي: لا تدعي الصَّلاة أيام استحاضتك، ومثل الصَّلاة الصوم؛ أي: بل صلي وصومي ولو قطر الدم على الحصير، (إنما ذلكِ) بكسر الكاف (عِرْق)؛ بكسر العين المهملة، وسكون الراء، وهو المسمى بالعاذِل؛ بالعين المهملة، والذال المعجمة المسكورة، وقد تهمل، وباللام أو بالراء؛ أي: دم عرق؛ لأنَّ الخارج ليس بعرق، كذا في «عمدة القاري»، وقال البيضاوي: (معنى «إنما ذلكِ عرق»؛ أي: أنه دم عرق انشق وليس بحيض، فإنه دم تميزه القوة المولدة هيأه الله تعالى من أجل الجنين، ويدفعه إلى الرحم في مجال مخصوصة، فيجتمع فيه، ولذلك سمي حيضًا من قولهم: استحوض الماء؛ أي: اجتمع، فإذا كثر وامتلأ الرحم ولم يكن فيه جنين، أو كان أكثر مما يحتمله الرحم؛ فإنه ينصب منه) انتهى (وليس بحيض)؛ لأنَّ الحيض يخرج من أصل الرحم، وهذا يخرج من قعر الرحم، فهو دم عرق لا دم حيض، (فإذا أقبلت) أي: وجدت (حيضتك)؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها، فالفتح للمرة، والكسر اسم للدم والخرقة التي تستثفر بها المرأة والحالة، وقال الخطابي: (المحدثون يقولون: بالفتح، وهو خطأ، والصواب الكسر؛ لأنَّ المراد بها الحالة)، ورده القاضي عياض وغيره وقالوا: (الأظهر الفتح، وهو الموجود في «فرع اليونينية»؛ لأنَّ المراد إذا أقبل الحيض)، كذا في «عمدة القاري»؛ (فدعي الصَّلاة)؛ أي: اتركيها، ومثلها الصوم، والطواف، وغيرهما، ففيه: نهي المستحاضة عن الصَّلاة في زمن الحيض وهو نهي تحريم، ومقتضاه فساد الصَّلاة هنا بالإجماع، ويستوي فيها الفرض والنفل؛ لظاهر الحديث، ويتبعها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، وغيرها، (وإذا أدبرت) من الإدبار؛ وهو انقطاع الحيض؛ أي: إذا انقطعت حيضتك، وعلامة إدبار الحيض وانقطاعه والحصول في الطهر الزمان والعادة، فهو الفيصل بينهما، فإذا أضلت عادتها؛ تحرَّت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه ﵁، وقال الشافعي: علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة سواء خرجت رطوبة بيضاء أو لم يخرج شيء أصلًا، قاله النووي، وقال البيهقي: (التريَّة: رطوبة خفيفة لا صفرة ولا كدرة تكون على النفطة أثر لا لون، وهذا بعد انقطاع الحيض)، قال في «عمدة القاري»: (التَرِيَّة؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء، وتشديد الياء آخر الحروف)، قال ابن الأثير: (التريَّة؛ بالتشديد: ما تراه بعد الحيض، والاغتسال منه من كدرة أو صفرة، وقيل: هو البياض الذي تراه عند الطهر، وقيل: هي الخرقة التي تعرف به المرأة حيضها من طهرها، والتاء فيه زائدة؛ لأنَّه من الرؤية، والأصل فيها الهمزة، ولكنهم تركوه وشددوا الياء، فصارت اللفظة كأنها فعيلة، وبعضهم يشدد الراء والياء) انتهى والله أعلم، (فاغسلي عنك) بكسر الكاف (الدم) وظاهره مشكل؛ لأنَّه لم يذكر الغسل ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل، وأجيب: بأن الغسل وإن لم يذكر في هذه الرواية؛ فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة، قال فيها: (فاغتسلي)، والحديث يفسِّر بعضه بعضًا، وجواب آخر: وهو أن يحمل الإدبار على انقضاء أيام الحيض والاغتسال.\nوقوله: (واغسلي عنك) محمول على دم يأتي بعد الغسل، والأول أوجه وأصح، وأما قول بعضهم: (فاغسلي عنك الدم)؛ أي: واغتسلي؛ فغير موجَّه أصلًا، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وأراد بقوله: (بعضهم) ابن حجر العسقلاني، فإنه لعدم اطلاعه (^١) على الرواية الأخرى قال: أي: واغتسلي، ولا ريب في عدم توجيهه أصلًا؛ لأنَّه يخلُّ في الحكم، والإحالة بالدليل على المجهول لا يفيد شيئًا، فلا شك أن الدليل الصريح المذكور هو التحقيق، فكلام ابن حجر غير حقيق، وكلام «عمدة القاري» في غاية من التدقيق؛ فافهم.\n (ثم صلي)؛ أي: الصَّلاة التي تدركينها (^٢) أوَّلًا، ففيه: أن الصَّلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض، وأنها إذا مضى زمن حيضها؛ وجب عليها أن تغتسل في الحال لأوَّل صلاة تدركها، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاةً ولا صومًا، ويكون حكمها حكم الطاهرات؛ فلا يستظهر بشيء أصلًا، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وهو رواية عن مالك، وبه قال الشافعي، وفي رواية عن مالك: (أنها تترك الصَّلاة إلى انتهاء خمسةَ عشرَ يومًا، وهو أكثر مدة الحيض عنده) انتهى، (قال) أي: هشام بن عروة بالإسناد المذكور فهو موصول كما بينه الترمذي في روايته (وقال أبِي) بكسر الموحدة؛ أي: عروة بن الزبير: (ثم توضئي) بصيغة الأمر (لكل) وقت (صلاة) فرض، لا لكل صلاة فرض ولا نفل، فإنما كان وضوءها للوقت، فيبقى ببقائه ما لم تُحدِث حدثًا غيره، يدل لهذا ما رواه سبط ابن الجوزي عن الإمام الإعظم: أنه ﵇ قال: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، وفي «شرح مختصر الحافظ الطحاوي»: روى الإمام الأعظم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن النبيَّ ﵇ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لوقت كل صلاة»، ولا شك أن هذا محكم لا يحتمل غيره بالنسبة إلى كل صلاة؛ لأنَّه لا يحتمل غيره بخلاف حديث: «توضئي لكل صلاة»، فإن الصَّلاة- أي: لفظ الصَّلاة- شاع استعمالها في لسان الشرع والعرف في وقتها، فمن الأول: قوله ﵇: «إن للصلاة أوَّلًا وآخرًا»؛ أي: لوقتها، فوجب حمل حديث: «توضئي لكل صلاة» على المحكم؛ لأنَّ (اللام) للوقت؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي: زوالها، يقال: آتيك لصلاة الظهر؛ أي: وقتها، فكان ما رواه الشافعي نصًّا محتملًا للتأويل، وما رواه الإمام الأعظم مفسَّرٌ لا يحتمل التأويل، فيترجح عليه كما عرف في موضعه، على أن الحفاظ اتفقوا على ضعف حديث الشافعي، كذا حكاه النووي في «المهذب»، وباقي أصحاب الأعذار في حكم المستحاضة، فالدليل يشملهم، وسيأتي بقية الكلام عليه؛ فافهم، (حتى يجيء ذلكِ) بكسر الكاف (الوقت)؛ أي: وقت إقبال الحيض، وادَّعى قوم من المحدثين: أن قوله: (ثم توضئي... إلى آخره) من كلام عروة موقوفًا عليه، وقال الكرماني: (السياق يقتضي الرفع إلى رسول الله ﵇)، وقال ابن حجر: (لو كان من كلامه؛ لقال: ثم تتوضأ؛ بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر؛ شاكل الأمر الذي في المرفوع وهو (اغسلي).\nقلت: وردهما في «عمدة القاري» فقال: (كلام كل من الكرماني وهذا القائل احتمال، فلا يقع به القطع،\n_________\n(^١) في الأصل: (اضطلاعه)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (تدركيها)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":104},{"text":"ولا يلزم من مشاكلة الصيغتين)، واعترضه العجلوني بقوله: (لم يدَّعيا القطع، بل أرادا الظهور).\nقلت: لو أرادا الظهور لا القطع؛ لصرحا بالظهور، وعدم تصريحهما بالظهور دليل على ادعائهما القطع، وهو ممنوع، بل احتمالهما أيضًا ممنوع، والحق ما عليه الجماعة المحققون من أن قوله: (ثم توضئي...) إلخ من كلام عروة موقوفًا عليه بدليل ظاهر السياق، فإن ظاهره يدل على أنه موقوف على عروة؛ لأنَّ قوله: (قال: وقال أبي) يدل على ذلك، فإنه لو كان من المرفوع؛ لم يقل (قال: وقال أبي)؛ بل أسقطها، ووصله.\nوقوله: (ثم توضئي...) إلخ؛ مقول القول، ودعوى ابن حجر: أنه لو كان هذا كلام عروة؛ لقال: ثم تتوضأ؛ بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر؛ شاكل الأمر الذي هو المرفوع، وهو قوله: (فاغسلي) ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من إتيانه بصيغة الأمر أن يكون مرفوعًا، وإنما أتي به بهذه الصيغة؛ لإفادة أنها مأمورة بالوضوء لوقت كل صلاة بدليل آخر غير هذا من الأحاديث التي أوردناها، والمشاكلة لا تدل على الرفع؛ لأنَّه يقع في الكلام كثير (^١) مما ظاهره المشاكلة، ويكون الأمر على خلافه، فالحق ما عليه القوم من المحدثين من أنه موقوف على عروة، وليس من المرفوع، كما لا يخفى؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث: جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور الدين، وفيه: جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعية، وفيه: دليل على نجاسة الدم، وفيه: دليل واضح على إيجاب الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين؛ لأنَّه ﵇ علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق، وكل دم يبرز من البدن؛ فإنما يبرز من عرق؛ لأنَّ العروق هي مجاري الدم من الجسد)، وقال الخطابي: (وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد رسول الله ﵇ من ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنَّما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدُّع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم، فتتصدَّع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية).\nورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي؛ لأنَّه قيَّد إطلاق الحديث، وخصَّص عمومه من غير مخصص، وهو ترجيح بلا مرجح وهو باطل) انتهى.\nقلت: على أن قوله ﵇ في الحديث: «إنما ذلك عرق» يشمل جميع العروق التي في الجسد؛ لأنَّه قد أتى به نكرة، وهي في مثله تعمُّ، وإنما أراد ﵇ بيان الحيض والاستحاضة، فبيَّن أن الاستحاضة هي التي تخرج من عروق البدن؛ لأنَّه مركَّب على العروق، وهي مجاري الدم، فكل دم يخرج؛ فإنما يخرج من العروق، وأما الحيض؛ فإنه يخرج من الرحم فقط، فما قاله الخطابي، وتبعه الكرماني غير ظاهر، وإنما هو من التعصُّب بمكان؛ لأنَّه كلام بارد، وبحث جامد، وهذا دأب الشافعية في الكلام، والله الموفق الموصل لكل مرام.\n\n <span id=\"b-٣٩٨\"> </span>(٦٤) <span data-type=\"title\" id=toc-398>[باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (غسل المنيِّ) عند كونه رطبًا (و) بيان حكم (فركه) عند كونه يابسًا، والفرك: هو الدلك حتى يذهب أثره، والمنيُّ؛ بتشديد الياء: ماء خاثر أبيض يتولَّد منه الولد وينكسر به الذكر، ورائحته رائحة الطلع، (و) بيان (غسل ما يصيب) الثوب أو الجسد (من المرأة) عند مخالطته إياها، وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أحكام، ولم يذكر في هذا الباب إلا حكم غسل المنيِّ، وذكر الحكم الثالث في أواخر كتاب (الغسل) من حديث عثمان ﵁، وقال ابن حجر: (لم يُخَرِّجِ البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته؛ لأنَّه ورد من حديث عائشة ﵂ أيضًا، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا اعتذار بارد؛ لأنَّ الطريقة أنه إذا ترجم الباب بشيء ينبغي أن يذكره.\nوقوله: (بل يكتفي بالإشارة إليه) كلام واهٍ؛ لأنَّ المقصود من الترجمة معرفة حديثها، وإلا؛ فمجرد ذكر الترجمة لا يفيد شيئًا، والحديث الذي في هذا الباب لا يدل على الفرك، ولا على ما يصيب من المرأة، واعتذر الكرماني عنه بقوله: واكتفى بإيراد بعض الحديث، وكثيرًا يفعل مثل ذلك، أو كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به، ولم يتفق له أو لم يجد رواته على شرطه، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا كله لا يجدي شيئًا.\nقلت: أي: لأنَّ قوله: (واكتفى...) إلخ؛ ممنوع، فإن المذكور في هذا الباب من الحديثين لا يدل على الفرك أصلًا.\nوقوله: (أو كان في قصده...) إلخ؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه لم يُظْهِر العذر الحامل له على عدم ذِكْره.\nوقوله: (أو لم يجد رواته على شرطه) ممنوع أيضًا، فإن رواة حديث الفرك رواة «الصحيحين»، وسيصرح به المؤلف، فمن أين جاء الكرماني بهذا الكلام الذي هو غير موصل للمرام؟ وقد ذكر العجلوني عبارة الكرماني بالحرف، وادَّعى أن صاحب «عمدة القاري» قد أهمل ما يدفع الإيراد.\nقلت: وهو باطل، فإن صاحب «عمدة القاري» نقل عبارة الكرماني بالمعنى الصحيح من كلامه، ولم يهمل منه شيئًا من حيث المعنى، ومعلوم أن إهمال محلِّ المقصود معيب، ولكن العجلوني لما كان قصير الفهم ولا قدرة له على نقل الكلام بالمعنى؛ قال ذلك متورِّكًا على صاحب «عمدة القاري»، ولا ريب أن العجلوني لو اشتغل آناء الليل وأطراف النهار؛ لما وصل إلى فهم صاحب «عمدة القاري» حتى يتورَّك عليه، وأين هو منه وشتان ما بينهما؟ فإن صاحب «عمدة القاري» حين كان يدرس ويؤلِّف ويفيد الخاص والعام كان العجلوني منيًّا في ظهر آبائه، ثم صار يرعى البقر في عجلون في الصحراء، فالفهم السقيم جاءه من هناك؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٣٩٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-399>[حديث: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي فيخرج إلى الصلاة]</span>\n٢٢٩ - وبه قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان العتكي المروزي (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (عبد الله بن المبارك) وفي رواية إسقاط (ابن المبارك)، وفي أخرى: (عبد الله هو ابن المبارك)، وفي أخرى وعليها شَرَحَ الكرماني: (عبد الله؛ أي: ابن المبارك)، قال في «عمدة القاري»: فكأنه وقع في نسخته عبد الله منسوبًا إلى الأب بـ (التفسير) من «البخاري»، ثم قال: (وقاله على سبيل التعريف؛ إشعارًا بأنه لفظه لا لفظ شيخه) انتهى؛ فافهم، (قال: أخبرنا عمرو) بفتح العين (بن مَيمُون)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية (الجَزَرَي) بالزاي، والراء، والجيم المفتوحات، منسوبًا إلى الجزيرة، المتوفى سنة مئة وخمس (^٢) وأربعين، وكان ميمون بن مهران والد عمرو، نزلها فنسب إليها ولده، وفي رواية: (عمرو ابن مهران) نسبة لجدِّه، وقال ابن حجر: (وقع في رواية الكشميهني وحده (الجوزي)؛ بواو ساكنة، بعدها زاي، وهو غلط منه.\nورده في «عمدة القاري»: (بأن الظاهر أن الغلط من الناقل، أو الكاتب فدوَّر رأس الزاي، ونقط الراء، فصار: الجوزي، وقد يقع من الناقلين والكتاب الجهلة أكثر من هذا وأفحش) انتهى.\n (عن سيلمان) بضمِّ السين المهملة (ابن يسار) بفتح التحتيتة أوله، وتخفيف السين المهملة، ضد اليمين، مولى ميمونة أم المؤمنين، فقيه المدينة، العابد الحجة، المتوفى سنة سبع ومئة، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵂ (قالت: كنت أغسل الجنابة)؛ أي: أثرها أو موجبها على حذف مضاف، أو سمِّي المنيُّ بها مجازًا من باب تسمية الشيء\n_________\n(^١) في الأصل: (كثيرًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وخمسة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":105},{"text":"باسم سببه، فإن وجوده سبب لبعده عن الصَّلاة ونحوها، فلا يرد أن الجنابة معنًى لا عين (^١)، فكيف تغسل؟ قاله الكرماني، وقال في «عمدة القاري» بعد ذكره: قلت: يجوز أن تكون عائشة ﵂ أطلقت على المنيِّ اسم الجنابة وحينئذٍ فلا حاجة إلى التقدير بالحذف أو المجاز.\nقلت: وحينئذٍ فإطلاق الجنابة على المنيِّ حقيقة؛ فليحفظ.\n (من ثوب النبيِّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) قالت عائشة: (فيخرج)؛ أي: من حجرتي (إلى الصَّلاة) أي: في المسجد (وإنَّ) بكسر الهمزة، وتشديد النون لوقوعها في أول الجملة الحالية (بقع الماء في ثوبه) الشريف ﵇، والبُقَع؛ بضمِّ الموحدة، وفتح القاف، وبالعين المهملة، جمع بقعة؛ كالنطفة، والنطف، والنطفة، والبقعة في الأصل: قطعة من الأرض يخالف لونها لون ما يليها، وفي بعض النسخ بفتح الموحدة، وسكون القاف، جمع بقعة؛ كتمر، وتمرة، ويفرق بين الجنس والواحد منه بالتاء، وقال التيمي: (يريد بالبقعة: الأثر)، قال أهل اللغة: البقع اختلاف اللونين يقال: غراب أبقع، كذا في «عمدة القاري»، وقال ابن بطال: البقع بقع المنيِّ وطبعه، ورده في «عمدة القاري»: (بأن هذا ليس بشيء؛ لأنَّه (^٢) في الحديث صرح: «وإن بقع الماء»، ووقع عند ابن ماجه: «وأنا أرى أثر الغسل فيه»؛ يعني: لم يجف) انتهى؛ أي: فبقيت البقع في ثوبه ﵇ بعد غسله؛ لأنَّه خرج مبادِرًا إلى الصَّلاة، ولم يكن له ثياب أخر ليلبسها، وفي الحديث حجة قوية ومحجة مستقيمة للأئمة الحنفية على أن المنيَّ نجس؛ لقول عائشة ﵂: (كنت أغسل الجنابة من ثوب النبيِّ ﵇)، فقولها: (كنت) يدل على تكرار هذا الفعل منها، واستمراره، فهذا أدل دليل على نجاسة المني، وهو حجة على الشافعية بقولهم: إنه طاهر، وقال الكرماني: (وليس في الحديث حجة لمن قال بنجاسة المني؛ لاحتمال أن يكون غسله بسبب أنه ممن كان نجسًا، أو بسبب اختلاطه برطوبة فرجها على مذهب من قال بنجاسته رطوبة الفرج) انتهى.\nورده في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: بل له حجة، وتعليله بهذا لدعواه لا يفيد شيئًا؛ لأنَّ المشرِّحين من الأطباء الأقدمين قالوا: إن مستقر المني في غير مستقر البول، وكذلك أكثر مخرجيهما، وأما نجاسة رطوبة فرج المرأة؛ ففيها خلاف عندهم) انتهى.\nقلت: والصحيح عندهم أن رطوبة فرج المرأة طاهرة، ودعوى أن المني لا يَسْلَمُ من المذي فيتنجس به؛ ممنوعة باطلة؛ لأنَّ الشهوة إذا اشتدت خرج المني بلا مذي ولا بول؛ كحالة الاحتلام، وما عداه نادر لا حكم له؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر أن قولها: (كانت تغسله) ليس يقتضي إيجابه، ورده في «عمدة القاري»: بأن قولها: (كنت) يدل على تكرار الغسل منها، وهو علامة الوجوب من ورود الأمر فيه بالغسل، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، كما قاله أهل الأصول، وهذا القائل يريد تمشية مذهبه من غير دليل.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث: خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه ونحو ذلك خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها وهو من حسن المعاشرة وجميل الصحبة، وفيه: نقل أحوال المقتدى به وإن كان يستحي من ذكرها عادة، وفيه خروج المصلي إلى المسجد بثوبه الذي غسل منه المني قبل جفافه) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٠٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-400>[حديث: كنت أغسله من ثوب رسول الله]</span>\n٢٣٠ - وبه قال: (حدثنا قُتِيْبة) هو ابن سَعِيْد؛ بضمِّ القاف، وفتح الفوقية، وسكون التحتية (قال: حدثنا يزيد) من الزيادة غير منسوب، قال في «عمدة القاري»: (واختلف فيه فقيل: هو يزيد بن زريع، وقيل: يزيد بن هارون، وكلاهما رويا عن عمرو بن ميمون، ووقع في رواية الفربري غير منسوب، ووقع في رواية ابن السكن أحد الرواة عن الفربري: حدثنا يزيد هو ابن زريع، وكذا أشار إليه الكلاباذي، ثم قال: (فإن قلت: الاختلاف المذكور في يزيد هل هو ابن زريع أو ابن هارون التباسٌ وهو يقدح في الحديث؟\nقلت: لا التباس ولا قدح؛ لأنَّ أيَّا كان هو عدل ضابط بشرط البخاري، وإنما كان يُقْدَحُ لو كان أحدهما على غير شرطه) انتهى، والله أعلم.\nورجح القطب الحلبي أنه ابن هارون قال: لأنَّه لم يوجد من رواية ابن زريع، ووجد من رواية ابن هارون، واعترضه ابن حجر: بأنه لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود، وقد جزم ابن مسعود: بأنه رواه، فدل على وجدانه، ورده في «عمدة القاري»: بأنه ليس كذلك، فإن أبا مسعود ما جزم به، وإنما قال: يقال: هو ابن هارون لا ابن زريع، ورواه الإسماعيلي من طريق الدورقي، وأحمد بن منيع، ويوسف بن موسى؛ قالوا: حدثنا يزيد بن هارون، ورواه أبو نعيم من حديث الحارث بن أبي أسامة أخبرنا يزيد بن هارون، وذكره الجيَّاني أيضًا، ورجح ابن حجر كلامه في كون يزيد هذا ابن زريع لا ابن هارون بشيئين لا ينهض كلامه بهما؛ أولهما: بقوله: وقد خرجه الإسماعيلي وغيره من حديث يزيد بن هارون بلفظ مخالف للسياق الذي أورده البخاري، وهذا من مرجحات كونه ابن زريع، والثاني: قال: وقتيبة معروف بالرواية عن يزيد بن زريع دون ابن هارون، ورد الأول في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: هذا الذي قاله حجة عليه، ورد لكلامه؛ لأنَّ مخالفة لفظ من روى هذا الحديث لسياق البخاري، وليست بمرجحة؛ لكون يزيد هذا هو ابن زريع مع صراحة ذكر هارون في الروايات المذكورة)، ورد الثاني بقوله: (قلت: هذا أيضًا حجة عليه، ومردود عليه؛ لأنَّ كون قتيبة معروفًا بالرواية عن يزيد بن زريع لا ينافي روايته عن يزيد بن هارون بعد أن ثبت أن قتيبة روى عنهما جميعًا، ولقد غره في هذا ما قاله المزِّيُّ: «الصحيح أنه يزيد بن زريع، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زريع دون ابن هارون») انتهى.\nقالوا: وفيه نظر، ووجهه ما ذكرناه، وكان قصد هذا القائل توهية كلام الحلبي، والدليل عليه ذكره إياه بما ذكره، ولا يخفى ذلك على من له فطانة، انتهى كلامه ﵁.\n (قال: حدثنا عَمرو) بفتح العين، وفي رواية؛ (يعني: ابن ميمون)، (عن سليمان)؛ بضمِّ السين المهملة، هو ابن يسار، كما في رواية (قال: سمعت عائشة)؛ الصديقة ﵂.\n (ح) إشارة إلى التحويل من إسناد قبل ذكر متن الحديث إلى إسناد آخر له: (وحدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا عبد الواحد) هو ابن زياد البصري أبو بشر ثقة صدوق، المتوفى سنة سبع وسبعين ومئة بالبصرة، قال في «عمدة القاري»: (وفي طبقته عبد الواحد بن زيد البصري، ولم يخرِّج له المؤلف شيئًا) (قال: حدثنا عمرو) بفتح العين؛ (يعني: ابن ميمون) أشار به إلى أن شيخه لم ينسبه، وهذا تفسير له من تلقاء نفسه، وفي رواية عمرو غير منسوب، (عن سُليمان) بضمِّ المهملة: هو ابن يسار (قال: سألت عائشة)؛ الصديقة ﵂، وأشار المؤلف في الإسناد الأول بقوله: سمعت، وفي هذا الثاني (سألت) إلى الرد على من زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة ﵂؛ منهم: أحمد ابن حنبل، والبزار، وقد صرح المؤلف بسماعه منها، وكذا هو في «صحيح مسلم»، قال في «عمدة القاري» بعد ذكره وفي (سمعت)، و(سألت) لطيفة أخرى لم يأت بها الشراح، وهي أن كل واحدة من هاتين اللفظتين لا تسلتزم الأخرى؛ لأنَّ السماع لا يستلزم السؤال، ولا السؤال يستلزم السماع، فلذلك ذكرهما في الإسنادين؛ ليدل على صحة السؤال، وصحة السماع؛ فافهم، والله أعلم، (عن المني) أي: عن حكم المني (يصيب الثوب) هل يُغْسَلُ رطبًا، ويُفْرَكُ يابسًا؟ (فقالت)؛ أي: عائشة ﵂: (كنت أغسله) أي: المني (من ثوب رسول الله ﷺ)\n_________\n(^١) في الأصل: (غير)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (فإن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":105},{"text":"وأتت بـ (كنت)؛ إشارة إلى تكرار الفعل منها واستمراره، ففيه: دليل واضح على أن المني نجس؛ لأنَّ الطاهر لا يغسل، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور وهو حجة على الشافعي؛ حيث قال بطهارته، ولا دليل يدل على ما قاله، فإن أحاديث الباب واضحة الدلالة على أنه نجس؛ فليحفظ، (فيخرج) أي: النبيُّ الأعظم ﵇ من الحجرة (إلى الصَّلاة) أي: في المسجد الشريف (وأثر الغسل في ثوبه)؛ أي: لم يجفَّ (بُقَعُ الماء)؛ بضمِّ الموحدة، وفتح القاف، مرفوع على جواب سؤال مقدر؛ تقديره: أن يقال ما ذلك الأثر؟ فأجاب بقوله: بقع الماء، وفي الحقيقة؛ أي: هو بقع الماء يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، ويجوز فيه النصب على الاختصاص؛ أي: أعني بقع الماء، وقول ابن حجر: هو بدل ليس بشيء، أفاده في «عمدة القاري»، وقدمنا أن ترجمة الباب مشتملة على ثلاثة أحكام ولم يذكر المؤلف فيه إلا حكم غسل المني، والحكم الثالث: ذكره في أواخر كتاب (الغسل)، وأما الحكم الثاني؛ فقد أفصح عنه في «عمدة القاري» حيث قال: ثم إن بعضهم ذكر كلامًا لا يَذْكُرُه من له بصيرة ورؤية، وفيه رد لما ذهب إليه الأئمَّة الحنفية، ومع هذا أخذ كلامه هذا من الخطابي مع تغييره، وهو أنه قال: وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض؛ لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يُحْمَل الغسل على الاستحباب؛ للتنظيف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعية وأحمد، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية، والطريقة الأولى أرجح؛ لأنَّ فيها العمل بالخبر والقياس معًا؛ لأنَّه لو كان نجسًا؛ لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه؛ كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يُعْفَى عنه من الدم بالفرك.\nورده في «عمدة القاري» بقوله: قلت: من هذا الذي ادَّعى تعارضًا بين الحديثين المذكورين حتى يحتاج إلى التوفيق، ولا نسلم التعارض بينهما أصلًا، بل حديث الغسل يدلُّ على نجاسة المني بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضًا في يابسه، ولكن خُصَّ بحديث الفرك.\nوقوله: (بأن يحمل الغسل على الاستحباب؛ للتنظيف لا على الوجوب) كلام واهٍ، وهو كلام من لا يدري مراتب الأمر الوارد في الشرع فأعلى مراتب الأمر الوجوب وأدناها الإباحة، وهنا لا وجه للثاني؛ لأنَّه ﵇ لم يتركه على ثوبه أبدًا، وكذلك الصحابة من بعده، ومواظبته ﵇ على فعل شيء من غير ترك في الجملة تدل على الوجوب بلا نزاع فيه، وأيضًا الأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ؛ ينصرف إلى الكامل إلا أن يصرف ذلك بقرينة تقدم، فيدل عليه حينئذٍ، وهو فحوى كلام أهل الأصول أن الأمر المطلق -أي: المجرد عن القرائن- يدل على الوجوب.\nوقوله: (والطريقة الأولى أرجح...) إلخ؛ هذه غير راجحة فضلًا على أن تكون أرجح، بل هو غير صحيح أصلًا؛ لأنَّه قال فيها: العمل بالخبر؛ لأنَّ من يقول بطهارة المني يكون غير عامل بالخبر؛ لأنَّ الخبر يدل على نجاسته، كما قلنا، وكذلك قوله فيها: العمل بالقياس، غير صحيح أيضًا؛ لأنَّ القياس وجوب غسله مطلقًا، ولكن خُصَّ بحديث الفرك، كما ذكرنا.\nفإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه؛ كالمخاط؟\nقلت: لا نسلم أن القياس غير صحيح؛ لأنَّ المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلًا، والمني موجب لأكبر الحدثين؛ وهو الجنابة، وسقوط الغسل في يابسه لا نسلم أنه يدل على الطهارة؛ لأنَّه لا يلزم من سقوط الغسل الطهارة، كما في موضع الاستنجاء.\nوقوله: (كالدم وغيره...) إلخ؛ قياس فاسد؛ لأنَّه لم يأت نصٌّ بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص.\nفإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، سمَّاه ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل على أنه أراد به التشديد في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرًا؟\nقلت: إن تسميته ماء لا يدل على طهارته؛ فإن الله تعالى سمَّى من الدواب بقوله: والله خلق كل دابة من ماء، فلا يدل ذلك على طهارة ماء الحيوان.\nفإن قلت: إنه أصل الأنبياء والأولياء، فيجب أن يكون طاهرًا.\nقلت: هو أيضًا أصل الأعداء؛ كنمرود، وفرعون، وهامان، وغيرهم، على أنا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني، وهو أيضًا أصل الأنبياء ﵈، ومع هذا لا يقال: إنها طاهرة، وقال هذا القائل أيضًا: وترد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة ﵂: (كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه)، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين.\nقلت: رد الطريقة الثانية بهذا غير صحيح، وليس فيه دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون ﵇ يفعل بذلك فيطهر الثوب، والحال أن المني في نفسه نجس، كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، وهو ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﵇: «إذا وطئ الأذى بخفيه؛ فطهورهما التراب»، ورواه الحافظ الطحاوي أيضًا، ولفظه: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه أو نعله؛ فطهورهما التراب»، وقال الحافظ الطحاوي: (مكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما، وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روي في المني).\nفإن قلت: في سنده محمَّد بن كثير الصغاني، وقد تكلموا فيه.\nقلت: قد وثقه ابن حبَّان وغيره، وروى الحديث في «صحيحه»، وأخرجه الحاكم في «مستدركه»، وقال: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه)، وقال النوويُّ في «الخلاصة»: (رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان، هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة، ورواه أبو داود أيضًا من حديث عائشة بمعناه، والمراد من الأذى: النجاسة، وقال هذا القائل أيضًا، وأما مالك؛ فلم يعرفِ الفركَ، والعمل عندهم على وجوب الغسل؛ كسائر النجاسات).\nورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يلزم من عدم معرفته الفرك أن يكون المني طاهرًا عنده، فإن عنده المني نجس كما هو عندنا، وذكر في «الجواهر» للمالكية: المني نجس، وأصله دم، وهو يمر في ممرِّ البول، فاختُلف في سبب التنجيس: هل هو رده إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وقال هذا القائل أيضًا: وقال بعضهم الثوب الذي اكتفت عائشة فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصَّلاة، وهو مردود أيضًا بما له في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضًا: (لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﵇ فركًا، فيصلي فيه)، وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصَّلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة: (أنها كانت تحكه من ثوبه، وهو يصلي).\nورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: أراد بقوله: (وقال بعضهم): الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي؛ فإنه قال في «معاني الآثار»: حدثنا ابن مرزوق: حدثنا بشر بن عمر قال: حدثنا شعبة عن الحكم، عن همام بن الحارث: أنه كان نازلًا على عائشة ﵂، فاحتلم، فرأته جارية لعائشة، فقالت عائشة: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله ﵇)، وأخرج الحافظ الطحاوي","vol":"1","page":106},{"text":"هذا من أربعة عشر طريقًا، وأخرجه مسلم أيضًا، ثم قال: (فذهب الذاهبون: إلى أن المني طاهر وأنه لا يُفْسِدِ الماء وإن وقع فيه، وأن حكمه في ذلك حكم النجاسة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار)، وأراد بهؤلاء الذاهبين: الشافعي، وأحمد، وغيرهما، ثم قال: (وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس)، وأراد بالآخرين: الإمام الأعظم، وأصحابه، والأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالكًا، والليث بن سعد، والحسن ابن حيٍّ، وهو رواية عن أحمد، ثم قال الحافظ الطحاوي: وقالوا لكم في هذه الآثار؛ لأنَّها إنَّما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها، ولم تأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط، والدم، والبول لا بأس بها، ولا تجوز الصَّلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا إن لو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم عن النبيِّ ﵇، وقد جاء عن عائشة فيما كانت تفعل بثوب رسول الله ﵇ الذي كان يصلي فيه إذا أصابه الشيء: حدثنا يونس: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا عبد الله بن المبارك وبشر بن المفضل، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: (كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﵇، فيخرج إلى الصَّلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه الجماعة أيضًا على ما يأتي بيانه)، قال الحافظ الطحاوي: (فهكذا كانت تفعل عائشة بثوب رسول الله ﵇ الذي كان يصلي فيه؛ تغسل المني منه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه)، ثم قال هذا القائل واستدلَّ في رده على الحافظ الطحاوي فيما ذكرناه بأن قال: (وهذا التعقيب بالفاء ينفي...) إلخ، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا الاستدلال فاسد؛ لأنَّ كون الفاء للتعقيب لا تنفي احتمال تخلُّل الغسل بين الفرك والصَّلاة؛ لأنَّ أهل العربية قالوا: التعقيب في كل شيء بحسبه، لا يقال: إنه يقال تزوَّج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل؛ وهو مدة متطاولة، فيجوز على هذا أن يكون معنى قول عائشة: (لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﵇)، وأرادت به ثوب النوم، ثم تغسله فيصلي فيه.\nويجوز أن تكون الفاء بمعنى (ثم)، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فالفاءات فيها بمعنى (ثم)؛ لتراخي معطوفاتها، فإذا ثبت جواز التراخي في المعطوف؛ يجوز أن يتخلَّل بين المعطوف والمعطوف عليه مدة، ويجوز وقوع الغسل في تلك المدة، ويؤيد ذلك: ما رواه البزار في «مسنده»، والحافظ الطحاوي في «معاني الآثار» عن عائشة قالت: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇، ثم يصلي فيه).\nوقوله: (وأصرح منه رواية ابن خزيمة...) إلخ؛ لا يساعده أيضًا فيما ادَّعاه؛ لأنَّ قوله: (وهو يصلي): جملة اسمية وقعت حالًا منتظرة؛ لأنَّ عائشة ما كانت تحك المني من ثوب النبيِّ ﵇ حال كونه في الصَّلاة، فإذا كان كذلك؛ يحتمل تخلل الغسل بين الفرك والصَّلاة، انتهى كلامه ﵀ ورضي عنه.\nاللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين بجاه سيد المرسلين، فإنه قد ضاق الحال، وتغيِّرت الأحوال، وعدمت الرجال، وكثر القيل والقال.\n\n <span id=\"b-٤٠١\"> </span>(٦٥) <span data-type=\"title\" id=toc-401>[باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين في بيان حكم غسل المني أو غيره، ولم يذهب أثره، وإليه أشار بقوله: (إذا غَسل) بفتح الغين المعجمة (الجنابة) أي: المني، (أو غيرها)؛ أي: غير الجنابة؛ نحو: دم الحيض وغيره من النجاسة؛ (فلم يذهب أثره) ومراده: أن الأثر إذا كان باقيًا؛ لا يضره، وقال ابن حجر: (الأثر: أثر الشيء المغسول)، قال في «عمدة القاري»: وفيه نظر؛ لأنَّ على قوله يكون الباقي أثر المني ونحوه، وهذا يضره؛ بل المراد الأثر المرئي للماء لا للمني، ولفظ حديث الباب يدلُّ على هذا، وهو قوله: (وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء)، والفاء في قوله: (فلم يذهب) للعطف لا للجزاء؛ لقوله: (إذا غسل)؛ لأنَّ جزاءه محذوف؛ تقديره: صحت صلاته أو نحو ذلك، والضمير في (أثره) يرجع إلى كل واحد من غسل الجنابة وغيرها إلا أنه أَنَّثَ ضمير (غيرها)؛ نظرًا إلى لفظ (الجنابة)، وذكر في قوله: (أثره)؛ نظرًا إلى أنها بمعنى المني، وغيرها بمعنى الدم، وقال الكرماني: (فلم يذهب أثره)؛ أي: أثر الغسل) @، وقال ابن حجر: (وأعاد الضمير مذكرًا على المعنى؛ أي: فلم يذهب أثر الشيء المغسول)، قال في «عمدة القاري»: (وكلام الكرماني أوجه؛ لأنَّ المعنى على أن بقاء أثر الغسل لا يضرُّ لإبقاء المغسول، اللهم إلا إذا عسر إزالة أثر المغسول، فلا يضر حينئذٍ؛ للحرج، وهو مدفوع شرعًا)، وقال الكرماني: (وفي بعض النسخ: «أثرها»؛ أي: أثر الجنابة)، قال في «عمدة القاري»: (إن صحت هذه النسخة؛ فلا حاجة إلى التأويل المذكور، ولكن تفسيره بقوله: «أي: أثر الجنابة» يرجع إلى تفسير القائل المذكور، وفساده ظاهر) انتهى.\nولم يذكر في الباب حديثًا يدل على هذه الترجمة، وزعم ابن حجر بأنه ذكر في الباب حديث الجنابة، والحق غيرها قياسًا، وأشار بذلك إلى ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة: أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله؛ ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض، فكيف أصنع؟ قال: «إذا طهرت؛ فاغسليه»، قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: «يكفيك الماء، ولا يضرُّك أثره»، انتهى.\nورده في «عمدة القاري»: (بأن المؤلف يذكر مسألة، ثم يقَيْس عليها غيرها، أو يسرد حديثًا في باب مترجم دالًّا على الترجمة، ولا فائدة في ذكر ترجمة بدون ذكر حديث موافق لها مشتمل عليها، ولم يعرف ما مراده من هذا القياس: هل هو لغوي أو اصطلاحي؟ شرعي أو منطقي؟ وما هذا إلا قياس فاسد، وأيضًا من أين عرفنا أنه أشار بهذا إلى ما رواه أبو داود؟ ومن أين عرفنا أنه وقف على هذا، ولم يقف؟ ولكن كل ذلك تخمين بتخبيط) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٠٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-402>[حديث: كنت أغسله من ثوب رسول الله ثم يخرج إلى الصلاة]</span>\n٢٣١ - وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل المِنْقَري)؛ بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف، نسبة إلى بني منقر؛ بطن من تميم، وهو أبو سَلَمَة التبوذكي (قال: حدثنا عبد الواحد) هو ابن زياد (قال: حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن مَيمُون) بفتح الميم الأولى، وضم الثانية (قال: سمعت سُليمان) بضمِّ السين المهملة (بن يسار)؛ بفتح التحتية، وتخفيف السين المهملة، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية: (سألت سليمان بن يسار) (في الثوب)؛ أي: سمعت سليمان يقول في حكم الثوب الذي (تصيبه الجنابة)؛ أي: المني، وعلى الرواية الثانية؛ أي: قلت لسليمان: ما تقول في الثوب الذي تصيبه الجنابة؟ على هذه الرواية يجوز أن يكون (في) بمعنى (من)، كما في قوله: (وهل يقمن من صلبه العصر الخالي) (قال: قالت عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄ (كنت أغسله)","vol":"1","page":106},{"text":"أي: المني (من ثوب رسول الله ﷺ) وليس معناه: أغسل أثر المني، ولا أغسل أثر الجنابة؛ لأنَّ تذكير الضمير باعتبار معنى الجنابة؛ لأنَّ معناها المني ههنا كما قدمناه؛ فليحفظ، (ثم يخرج) أي: النبيُّ الأعظم ﵇ من الحجرة (إلى الصَّلاة)؛ أي: في مسجده الشريف (وأثر الغَسل) بفتح الغين المعجمة (فيه)؛ أي: في ثوبه الشريف (بقع الماء)؛ يعني: أنه لم يجفَّ، وهو بالرفع على جواب سؤال مقدر؛ تقديره: أن يقال ما ذلك الأثر؟ فأجاب: بقع الماء؛ أي: هو بقع الماء، فيكون خبرًا لمبتدأ محذوف، ويجوز النصب فيه على الاختصاص؛ أي: أعني بقع الماء، وزعم ابن حجر أنه بدل، وهو ليس بشيء، كما لا يخفى، وفي الحديث: أيضًا كالأحاديث السابقة دليل ظاهر على أن المني نجس؛ كالبول؛ لأنَّه دم استحال بالنضج من حرارة الشهوة، ولهذا من جماعه حتى فترة شهوته يخرج دمًا أحمر، ونجاسة المني مغلَّظة، وكذا مني كلِّ حيوان، ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى، هذا مذهب الإمام الأعظم، ومالك، وأصحابهما، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الأوزاعي، والثوري، والحسن ابن حيٍّ، والليث بن سعد، وغيرهم، وخالفهم الشافعي وقال: إنه طاهر، وهو رواية عن أحمد، والحديث والأحاديث الدالة على ما قلناه حجة على الشافعي، ولا دليل يدل لما قاله.\nقال في «الدر المختار»: (ولا يضر بقاء أثر؛ كلون وريح لازم، فلا يكلف في إزالته إلى ماء حار، أو صابون ونحوه، بل يطهر ما صبغ، أو خضب بنجس بغسله ثلاثًا) انتهى.\nأقول: والكاف في قوله: (كلون) استقصائية؛ لأنَّ المراد بالأثر هو ما ذكره فقط، كما فسره به في «فتح القدير»، و«البحر»، وغيرهما، وأما الطعم؛ فلا بد من زواله؛ لأنَّ بقاءه يدل على بقاء العين، كما نقله البرجندي، واقتصر القهستاني على تفسير الأثر بالريح فقط، وظاهره: أنه يعفى عن الرائحة بعد زوال العين وإن لم يشق زوالها، وفي «البحر»: أنه ظاهر ما في غاية البيان، وهو صريح ما نقله شيخ الإسلام نوح أفندي عن «المحيط» حيث قال: (لو غسل الثوب عن الخمر ثلاثًا ورائحتها باقية؛ طهر، وقيل: لا يطهر ما لم تزل الرائحة)، كذا في حواشي شيخ شيخنا.\nفإن قلت: في حديث أم قَيْس بنت محصن عند ابن خزيمة: «واغسليه بالماء والسدر، وحكيه ولو بضلع»، وعند أبي أحمد العسكري: «حكيه بضلع، وأتبعيه بالماء والسدر»، وعند أبي داود عن امرأة من غفار: أن رسول الله ﷺ لما رأى ثيابها من الدم؛ قال: «أصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء واطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب [حقيبة] الرحل من الدم، ثم عودي لمَرْكبِك (^١)».\nقلت: ذكر السدر والحك بالضلع والملح أمر محمول على الندب والإرشاد، قال ابن القطان: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر، ويدل لذلك حديث خولة بنت يسار المتقدم، وفيه: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره»، رواه أبو داود، وكذا رواه أحمد، وابن أبي خيثمة في «الكبير»، والطبراني، وغيرهما.\nوعند الدارمي عن أم سَلَمَة قالت: إن إحداهن تسبقها القطرة (^٢) من الدم، فقال ﵇: «إذا أصاب إحداكن ذلك؛ فلتقصعه بريقها»، وعند ابن خزيمة: (وقيل لها كيف كنتن تصنعن بثيابكنَّ إذا طمثن على عهد رسول الله ﵇؟ قالت: إن كنا لنطمث في ثيابنا، أو في دروعنا فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم)، وفي حديث مُجَاهِد عن عائشة عند البخاري: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم؛ قالت بريقها فمصعته بظفرها)؛ أي: عركته، فهذا كله يدل على أن ذكر السدر، والحك، والملح أمر ندب للتنظيف، وأن الأحاديث الأولى ضعيفة، ولهذا لم يذكرها المؤلف، بل اكتفى بالإشارة من حديث عائشة المذكور في الباب، ولأن ذهاب الأثر بالكلية لا يمكن؛ لأنَّ فيه حرجًا وهو مدفوع بالنص، ولأن تكلف السدر والضلع أمر عسر؛ لاحتياجه إلى تسخين الماء، والدلك الشديد، وربما يتمزع الثوب من ذلك، ففيه عسر، وقد أمرنا ﵇ بالتسهيل، وفيه إضاعة الأموال، وهو سرف وتبذير، وقد نهى عنه ﵇، والله تعالى أعلم.\nاللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٤٠٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-403>[حديث عائشة: أنها كانت تغسل المني من ثوب النبي ثم أراه </span>فيه بقعة]\n٢٣٢ - وبه قال: (حدثنا عمرو) بفتح العين المهملة (بن خالد) قال في «عمدة القاري»: (وليس في شيوخ البخاري عُمر بن خالد، بضمِّ العين) (قال: حدثنا زهير) بضمِّ الزاي؛ مصغرًا، هو ابن معاوية (قال: حدثنا عَمرو) بفتح العين (بن مَيمُون)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية (بن مِهرانَ)؛ بكسر الميم، غير منصرف، ولم يذكر المؤلف جد عمرو في هذا الحديث الذي رواه عن عائشة من خمسة أوجه إلا في هذا الوجه، وفي هذا الوجه نكتة أخرى؛ وهي أن فيه الإخبار عن سليمان، عن عائشة: أنها كانت تغسل، على سبيل الغيبة، وفي الأوجه الأربعة المتقدمة الإخبار عنها على سبيل التكلم عنها، أفاده في «عمدة القاري»، (عن سُليمان) بضمِّ السين (بن يَسار)؛ بفتح التحتية، وتخفيف السين المهملة، مولى ميمونة أم المؤمنين ﵂، (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂: (أنها كانت تغسل المني) أي: الرطب (من ثوب النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)؛ لنجاسته؛ حيث لا تصح الصَّلاة وهو حامله في ثوبه، فأفادت (كانت) استمرار الغسل وتكراره منها؛ لأنَّه ﵇ لم يتركه على ثوبه أبدًا، وكذلك الصحابة ﵃ من بعده، ومواظبته ﵇ على فعل شيء من غير ترك تدل على الوجوب بلا نزاع فيه على أن الأمر المطلق؛ أي: المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، هذا مذهب الإمام الأعظم، والجمهور؛ فليحفظ، (ثم أَراه)؛ بفتح الهمزة، من رؤية العين؛ أي: أبصره، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الثوب، وفي بعض النسخ: (ثم أرى)؛ بدون الضمير، فعلى هذا؛ مفعول (أرى) محذوف كما سيأتي.\nفإن قلت: كيف التئام هذا بما قبله؛ لأنَّ ما قبله إخبار عن سليمان، وقوله: (ثم أراه) نقل عن عائشة؟\nقلت: فيه محذوف؛ تقديره: قالت: ثم أراه، وهذا أوجه من كلام الكرماني؛ لأنَّ أوَّل الكلام نقلٌ بالمعنى عن لفظة عائشة، وآخره نقل للفظها بعينه، كذا في «عمدة القاري».\n (فيه) أي: في الثوب، هذا على تقدير: أن يكون (أرى) بدون الضمير المنصوب، والتقدير: ثم أرى في الثوب (بقعة) فيكون انتصاب (بقعة) على المفعولية، وأما على تقدير (أراه) بالضمير المنصوب؛ فمرجعه يكون الأثر الذي يدل عليه قوله: (يغسل المني من ثوب النبيِّ الأعظم ﵇)؛ أي: أرى أثر الغسل في الثوب بقعة، (أو بقعًا)؛ بالنصب؛ بتقدير: أعني مثلًا، أو حالًا (^٣)، قال في «عمدة القاري»: (والظاهر: أنه من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون شكًّا من سليمان، أو من أحد الرواة) انتهى.\nوقال ابن بطال: وأثر الغسل يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يكون معناه بلل الماء الذي غسل به الثوب، والضمير راجع إلى أثر الماء، فكأنه قال: وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه؛ يعني: لا بقع الجنابة، وثانيهما: أن يكون معناه: وأثر الغسل بمعنى: أثر الجنابة التي غسلت بالماء فيه بقع الماء التي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة، وكلا الوجهين جائزان، لكن لفظ: (ثم أراه) في الحديث الآخر يدل على أن البقع كانت بقع المني؛ لأنَّ العرب ترد الضمير إلى أقرب مذكور، وضمير المني أقرب من\n_________\n(^١) في الأصل: (لركبك).\n (^٢) في الأصل: (يسبقها القرطة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (حال)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":107},{"text":"ضمير الغسل) انتهى.\nواعتُرض: بأن محل بقع الماء على الوجهين خبرًا لقوله: (وأثر الغسل) نعم؛ يحتمل أن يقال: جعله مبتدأ، و(فيه) خبره، والجملة خبر الأثر سيما حيث حصر؛ إذ لا طريق للحصر هنا إلا التقديم على المبتدأ، ثم لا نسلم أن (ثم أراه) يدل على أنها بقع المني؛ إذ أقرب المذكورات النبيُّ ﵇؛ أي: ثم أرى النبيَّ ﵇ فيه بقعة أو بقعًا من الماء، انتهى.\nوفي يوم الخامس عشر ربيع الأول، سنة سبع وسبعين طلع نجم في النهار من الغرب، ورأيته قبل هذا اليوم بنحو جمعة قبيل الزوال، والله أعلم، اللهم فرَّج عنا وعن المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٤٠٤\"> </span>(٦٦) <span data-type=\"title\" id=toc-404>[باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (أبوال الإبل والدواب والغنم) وإنما جمع الأبوال؛ لأنَّه ليس المراد ذكر حكم بول الإبل فقط، بل المراد بيان حكم بول الإبل، وبول الدواب، وبول الغنم، ولكن ليس في الباب إلا ذكر بول الإبل فقط، ولا واحد للإبل من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لها لازم، وقد تسكن الباء فيه؛ للتخفيف، والجمع آبال، والدواب جمع دابة، وهي في اللغة: اسم لما يدب على الأرض، فيتناول سائر الحيوانات، وفي العرف: اسم لذي الأربع خاصة، وزعم الكرماني أن معناه العرفي: وهو ذوات الحوافر؛ يعني: الخيل والبغال والحمير، ورده في «عمدة القاري»: بأنه ليس معناه العرفي منحصرًا في هذه؛ بل يطلق على كل ذي أربع، والبخاري لم يذكر في هذا الباب إلا حديثين؛ أحدهما يُفْهَمُ منه حكم بول الإبل، والآخر يُفْهَمُ منه جواز الصَّلاة في مرابض الغنم، فعلى هذا؛ ذِكْرُ لفظة الدواب لا فائدة فيها (^١)، واعترضه العجلوني بما زعمه ابن حجر أن حكم الدواب أشار إليه سياق أثر أبي موسى في صلاته في دار البريد؛ لأنَّها مأوى الدواب التي تركب، ويحتمل أن يكون أشار إلى حديث ليس على شرطه، انتهى.\nقلت: وهو مردود؛ فإن أثر أبي موسى لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّ البريد في الأصل الدابة المرتبة للرباط، ثم سمي به الرسول الراكب عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة كما في «المغرب»، ودعوى أن يكون أشار إلى حديث ليس على شرطه ممنوعة باطلة؛ لأنَّه من المعيب أن يترجم لحكم ولا يذكر حديثًا يدل عليه، وإذا كان للحكم حديثٌ (^٢) ليس على شرطه؛ فعدم تعرُّضه له دليل على أنه غير راضٍ به، فلا يذكر الحكم في الترجمة، ويشير إليه؛ لأنَّه إذا كان الدليل غير قوي، فكيف الحكم المبنيُّ عليه؟! وهذا من التخبيط، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص، واعترضه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: هو كذلك، فأي شيء ذكر فيه الاحتمال فيه وفيه عطف الخاص على العام أيضًا، وهو عطف الغنم على الدواب) انتهى.\nوقد ركب العجلوني متن عمياء، وخبط خبطًا عشواء هنا؛ فليحفظ.\n (ومرابضها) بالجر عطفًا على قوله: (والغنم)؛ وهي جمع مربض؛ بفتح الميم، وكسر الموحدة، من رَبَضَ بالمكان يَرْبِض من باب (ضرَب يضرِب)؛ إذا لصق به وأقام ملازمًا له، والمربض: المكان الذي يربض فيه، والمرابض للغنم؛ كالمعاطن للإبل؛ وربوض الغنم؛ كنزول الجمل، والضمير في (مرابضها) يرجع إلى الغنم؛ لأنَّه أقرب المذكورات، كما لا يخفى، والغنم: اسم جنس جمعي؛ كالإبل يقع على المذكر والمؤنث، وإذا صغرتها؛ قلت: غُنَيمة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، كما قلنا.\nوزعم ابن حجر أن المِرَابض؛ بكسر أوله، وفتح الموحدة، ورده في «عمدة القاري»: (بأن هذا غلط صريح وليس لقائله مس بالعلوم الأديبة) انتهى.\nوزعم العجلوني بأنه قد يتكلف لتصحيحه بأن مكان الربوض يمكن جعله آلة تجوُّزًا، انتهى.\nقلت: وهو مردود وممنوع، فإنه لا يجوز المصير إلى المجاز مع وجود الحقيقة، على أنه لا داعي إلى هذا التكلف، وما هو إلا تشديد بني إسرائيل، فإن ابن حجر ليس بمعصوم، بل يجوز عليه الخطأ والغلط وغيرهما؛ فافهم.\n (وصلى أبو موسى)؛ هو عبد الله بن قَيْس الأشعري، وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب «الصَّلاة» له، قال: حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث -هو السلمي الكوفي- عن أبيه قال: (صلى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدواب، والبرية على الباب)؛ فذكره، وهذا تفسير لما ذكره المؤلف معلَّقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في «مصنفه» فقال: حدثنا وكيع: حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قال: (كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت الصَّلاة، فصلى بنا على روث وتبن، فقلنا: تصلي ههنا، والبرية إلى جنبك؟ فقال: البرية وههنا سواء)، وتمامه في «عمدة القاري»، (في دار البريد)؛ وهي دار ينزلها من يأتي برسالة السلطان، والمراد بـ (دار البريد) ههنا: موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضروا من الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان ﵁، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرية إلى جنبها، والبَريد؛ بفتح الموحدة: المرتب، والرسول، واثنا عشر ميلًا، قاله الجوهري، وقال في «المغرب»: (البريد في الأصل: الدابة المرتبة للرباط، ثم سمِّي به الرسول الراكب عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة) انتهى.\nقلت: فكأن البريد صار اسمًا (^٣) لهذه المسافة المشهورة، وهو حقيقة عرفية؛ فليحفظ.\n (والسِّرقين)؛ بكسر السين المهملة، وسكون الراء؛ هو الزبل، وحكي فيه: فتح أوله، وهو فارسي معرب، ويقال له: السرجين؛ بالجيم، وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم يقرب من الكاف، ويجوز فيه أن يكون معطوفًا على الدار، وعلى البريد، قال الكرماني: (ويروى بالرفع)، ولم يذكر وجهه، قال في «عمدة القاري»: (ووجهه أن يكون مبتدأ)، وقوله: (والبَرِّيَّة)؛ بالرفع عطفًا عليه، وهي بتشديد الراء، وفتح الموحدة، وتشديد التحتية؛ الصحراء منسوبة إلى البر خلاف البحر، والجمع البراري، وقوله: (إلى جنبه): خبره، ويكون محل الجملة النصب على الحال، وعلى تقدير جر (السِّرقين) يكون ارتفاع (البرية) على الابتداء، وما بعده خبره، والجملة حال أيضًا، والضمير يعود لأبي موسى ﵁، والجنب والجانب والجنبة والناحية، يقال: قعدت إلى جنب فلان، وإلى جانب فلان بمعنى واحد؛ أي: ناحيته، كذا قرره في «عمدة القاري»، (فقال)؛ أي: أبو موسى جواب لمقدر كما دل عليه ما تقدم في رواية ابن أبي شيبة: (فقالوا: تصلي ههنا والبرية إلى جنبك؟) (ههنا): إشارة إلى المكان القريب، وهو دار البريد، وهي مصلاه، ومحله رفع على الابتداء، وقوله: (وثَمَّ)؛ بفتح المثلثة، وتشديد الميم، إشارة إلى المكان البعيد؛ وهو البرية، عطف عليه، وخبره قوله: (سَواء)؛ بالمدِّ، وفتح السين؛ بمعنى مستوٍ؛ يعني: أنهما متساويان في صحة الصَّلاة، وقال ابن بطال: (وافق البخاري أهل الظاهر، وقاس بول ما لا يؤكل لحمه على بول الإبل، ولذلك قال: (وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين)؛ ليدل على طهارة أرواث الدواب وأبوالها، ولا حجة له فيها؛ لأنَّه يمكن أن يكون صلى على\n_________\n(^١) في الأصل: (فيه)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (حديثًا)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (اسم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":107},{"text":"ثوب بسطه فيه، أو في مكان يابس لا تعلق به نجاسةٌ، وقد قال عامَّة الفقهاء: إن من بسط على موضع نجس بساطًا وصلى فيه أنَّ صلاته جائزة، ولو على السرقين بغير بساط؛ لكان مذهبًا له، ولم يجز مخالفة الجماعة به) انتهى؛ يعني: أنه من فعل أبي موسى، وقد خالفه غيره من الصحابة؛ كابن عمر وغيره، فلا يكون حجة، والتمسك بعموم الأحاديث الصحيحة التي منها ما رواه ابن خزيمة، وصححه وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «استَنْزِهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه»؛ أولى؛ لظهوره في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها؛ لهذا الوعيد الشديد، وقال ابن حجر معترضًا على ابن بطال: بأن الأصل عدم الحائل، وقد رواه سفيان في «جامعه» عن الأعمش، ولفظه: (صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين)، وهذا ظاهر أنه بغير حائل، ورده في «عمدة القاري»: (بأن الظاهر أنه كان بحائل؛ لأنَّ شأنه يقتضي أن يحترز عن الصَّلاة على السرقين) انتهى.\nوزاد في الطنبور نغمة العجلوني، وقال: (بل الظاهر من قوله: (ههنا وثَمَّ سواء) في جواب اعتراضهم عليه أنه لم يحترز والحالة ما ذكر، ولا ينافي هذا ما تقدم أنه كان يشدد في البول؛ لأنَّ المراد به بول الناس) انتهى.\nقلت: وهذا مردود وممنوع فإن قوله: (ههنا وثَمَّ سواء)؛ أي: في صحة الصَّلاة كما علمت، واعتراضهم عليه إنَّما كان لأجل أنهم كانوا في مهب ريح أو قرب نجاسة، فاعترضوا عليه؛ لأنَّه ربما يأتي على البساط من السرقين أو النجاسات، فالظاهر المتبادر أنه كان بحائل.\nوقوله: (ولا ينافي هذا...) إلخ، بل هو منافٍ له حقيقة؛ لأنَّه إذا كان يشدد في البول؛ ففي غيره من السرقين من باب أولى، على أن المراد بالبول جميع الأبوال، ويدل له حديث: «استنزهوا من البول»، فإنه عام في جميع الأبوال، وإذا كان يحترز عن البول؛ ففي احترازه عن السرقين أولى؛ لأنَّه كان يرى الطهارة من النجاسة شرطًا في صحة الصَّلاة، ويدل له ما تقدم عن أبي نعيم، ولفظه: (صلى بنا أبو موسى في دار البريد وهناك سرقين الدواب)، فهذا ظاهر في أنه كان يحترز عن السرقين، وأنه كان بحائل؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر بأنه قد روى سَعِيْد بن منصور، عن سَعِيْد بن المسيِّب، وغيره: أن الصَّلاة على الطنفسة محدث، إسناده صحيح، ورده في «عمدة القاري»: بأن كون الصَّلاة على الطنفسة محدثة لا يستلزم أن يكون على الحصير ونحوه كذلك، فيحتمل أن يكون أبو موسى قد صلى في دار البريد أو السرقين على حصير أو نحوه، وهو الظاهر على أن الطَِّنفسة؛ بكسر الطاء وفتحها: بساط له خمل رقيق، ولم يكونوا يستعملونها في حالة الصَّلاة؛ لاستعمال المُسرِفين إياها، فكرهوا ذلك في الصدر الأول، واكتفَوا بالدون من السجاجيد تواضعًا، بل كان أكثرهم يصلي على الحصير، بل كان الأفضل عندهم الصَّلاة على التراب تواضعًا ومسكنة) انتهى كلامه رحمه ورضي عنه الله تعالى، اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين.\n\n <span id=\"b-٤٠٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-405>[حديث: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم]</span>\n٢٣٣ - وبه قال: (حدثنا سُليمان) بضمِّ السين المهملة (بن حَرْب)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء؛ ضد الصلح، الأزدي الواشحي؛ بمعجمة فمهملة، البصري القاضي بمكة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين عن ثمانين سنة (قال: حدثنا حمَّاد بن زيد)؛ هو ابن درهم الأزدي الجهضمي البصري، وفي نسخة: (عن حمَّاد بن زيد)، (عن أيُّوب)؛ هو البصري السختياني، (عن أبي قِلابة)؛ بكسر القاف، عبد الله، وتابعه أبو داود، وأبو عوانة، وأبو نعيم في روايتهم عن سليمان بن حرب، وخالفهم مسلم فأخرجه عن هارون بن عبد الله عن سليمان بن حرب، وزاد بين أيُّوب وأبي قِلابة أبا رجاء مولى أبي قلابة، قال الدارقطني وغيره: ثبوت أبي رجاء وحذفه في حديث حمَّاد بن زيد عن أيُّوب صواب؛ لأنَّ أيُّوب حدث به عن أبي قلابة بقصة العرنيين خاصة، وحدث به أيضًا عن أبي رجاء، عن أبي قلابة مولاه، وزاد فيه قصة في (القسامة) مع عمر بن عبد العزيز، والطريقان صحيحان، كذا قاله في «عمدة القاري»، وتمامه فيه، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك ﵁)، ورجال السند كلُّهم بصريون (قال: قدم أُناس)؛ بالهمزة المضمومة عند الأكثرين، وفي رواية بدون الهمزة، وعند المؤلف في (الديات): (قدم أناس على رسول الله ﷺ أو إلى المدينة)، قال الكرماني: (يحتمل أن تكون «المدينة» متعلقًا به على التنازع في قوله: «اجتووا المدينة»)، وكان قدومهم فيما ذكره ابن إسحاق في «المغازي» في غزوة ذي قرد في جماد الآخرة سنة ستٍّ، وذكر المؤلف: بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي: أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبان، وغيرهما، وذكر الواقدي: أن السرية كانت عشرين ولم يقل من الأنصار، وسمى منهم جماعة من المهاجرين منهم؛ يزيد بن الحصيب، وسَلَمَة ابن الأكوع، وكذا سليمان بن جندب، ورافع ابنا مكيت الجهنيان، وأبو ذر، وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنييان (^١)، وزعم ابن حجر أن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ ورده في «عمدة القاري» بقوله: قلت: ما للواقدي؟ وهو إمام وثقه جماعة منهم الإمام أحمد وغيره، والعجب من هذا القائل أنه يقع فيه وهو أحد مشايخ إمامه، انتهى، (من عُكْل)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الكاف، آخره لام، وهي خمس قبائل؛ لأنَّ عوف بن عبد مناة ولد قَيْسًا، فولد قَيْسٌ وائلًا وعوانة، فولد وائلٌ عوفًا وثعلبة، فولد عوفُ بن وائل الحارثَ وجشمًا وسعدًا وعليًّا وقَيْسًا، وأمهم بنت ذي اللحية؛ لأنَّه كان مطائلًا لحيته، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها عُكْل، وقيل: عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قَيْس بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة، وزعم السمعاني أنهم بطن من غنم، ورد: بأن عكل امرأة من حِمْيَر يقال لها: بنت ذي اللحية، تزوجها عوف بن قَيْس بن وائل بن عوف بن عبد مناة بن أد، فولدت له سعدًا وجشمًا وعليًّا، ثم ملكت الحميرية، فحضنت عكل ولدها وهم من جملة الرباب الذين تحالفوا على بني تميم، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم، (أو عُرَيْنَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح الراء، وسكون التحتية، وفتح النون مصغر عِرنة؛ بضمِّ العين، وعرينة بن نذير (^٢) بن قيسر بن عبقر بن أنمار بن أراش بن الغوث بن طيِّئ بن أدد، وزعم السكري أن عرينة بن عرين بن نذير، فعرينة: حي من بجيلة لا من قحطان، وليس عرينة عكلًا؛ لأنَّهما قبيلتان متفاوتتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان، وزعم ابن حجر أن الشك فيه من حمَّاد، وزعم الكرماني أن الشك من أنس، وزعم الداودي أنه من الراوي، قال: إنه من حمَّاد لا يدري أي شيء وجه تعيينه بذاك، وللمؤلف في (المحاربين) عن قتيبة، عن حمَّاد: (أن رهطًا من عكل، أو قال: عرينة)، وله في (الجهاد) عن وهيب عن أيُّوب: (أن رهطًا من عكل)، ولم يشكَّ، وكذا في (المحاربين) عن يحيى بن أبي كثير، وفي (الديات) عن أبي رجاء؛ كلاهما عن أبي قلابة، وله في (الزكاة) عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: (أن ناسًا من عرينة)، ولم يشكَّ أيضًا،\n_________\n(^١) في الأصل: (المذنبييان)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (بدير)، وهو تصحيف، وكذا في الموضع اللاحق.","vol":"1","page":108},{"text":"وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس، وفي (المغازي) عن سَعِيْد بن أبي عروبة، عن قتادة: (أن ناسًا من عكل وعرينة)؛ بالواو العاطفة، قيل: هو الصواب، والدليل عليه: ما وقع في رواية أبي عوانة، والطبري من حديث قتادة، عن أنس قال: (كانوا أربعة عن عرينة، وثلاثة من عكل)، قال: هذا يخالف ما عند المؤلف في (الجهاد) من طريق وهيب عن أيُّوب، وفي (الديات) من طريق حجاج الصواف، عن أبي رجاء؛ كلاهما عن أبي قلابة، عن أنس: (أن رهطًا من عكل ثمانية)، ووجهه أنه صرح بأن الثمانية من عكل، ولم يذكر عرينة، ويمكن التوفيق بأن أحدًا من الرواة طوى ذكر عرينة؛ لأنَّه روي عن أنس تارة: (من عكل أو عرينة)، وتارة: (من عرينة) بدون ذكر (عكل)، وتارة: (من عكل وعرينة)، كما بيَّنَّا.\nقال في «عمدة القاري»: لا مخالفة أصلًا؛ لاحتمال أن يكون الناس من غير القبيلتين وكان من أتباعهم فنسب إليهم، وغفل من نسب عدتهم ثمانية لأبي يعلى، وغلط من نسبهم لبني فزارة؛ كعبد الرزاق؛ لأنَّ بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ولا مع عرينة أصلًا، وهؤلاء المذكورون كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج، كما عند المؤلف في (المحاربين)، وأسلموا وبايعوا النبيَّ ﵇ على الإسلام.\n (فاجْتَوَوُا): الفاء فيه للعطف، وهو بجيم ساكنة، بعدها مثناة فوقية مفتوحة، بعدها واوين أولاهما مفتوحة، وثانيهما مضمومة، وضميره يعود على الأناس المتقدمين؛ أي: استوخموا (المدينة) كما عند ابن ماجه في روايته بدل (فاجتووا)؛ أي: أصابهم الجوى؛ بالجيم وهو داء الجوف؛ إذا تطاول، وقيل: هو كراهة المقام في مكان يقال: اجتويت البلد؛ إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك وكنت في نعمة واستوبلتها؛ إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها، وقيَّده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، قيل: هو المناسب لهذه القصة، وقيل: معناه: لم توافقهم، وقيل: الجوى: داء قريب من الوباء، وللمؤلف من رواية سَعِيْد عن قتادة في هذه القصة، فقالوا: (يا نبي الله؛ إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف)، وله في (الطب) عن أنس: (أن ناسًا كان بهم سقم قالوا: يا رسول الله؛ آونا وأطعمنا، فلما صحوا؛ قالوا: إن المدينة وخمة)، وفي رواية أبي عوانة من رواية غيلان عن أنس: (كان بهم هزال شديد)، وعنده من رواية ابن سعد عنه: (مصفرًا ألوانهم بعد أن صحت أجسادهم، فهو من حمى المدينة)، والظاهر: أنهم قدموا سقامى، فلما صحوا منه؛ كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، والسقم الذي كان بهم، فقد كان بهم هزال شديد، وجهد من الجوع جهيد، وكانت ألوانهم مصفرة، وأما الوخم الذي شكَوا منه بعد أن صحت أجسادهم؛ فهو من حمى المدينة، كما عند أحمد، وأبي عوانة، وسيأتي في (الطب): (أنه ﵇ دعا الله أن ينقلها إلى الجحفة)، وعند الإمام مسلم عن أنس: (أنه وقع بالمدينة المُوْم)، وهو بضمِّ الميم، وسكون الواو: البِرسام؛ بكسر الموحدة، سرياني معرب يطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس، وعلى ورم الصدر، وهو المراد هنا، يدل له ما عند أبي عوانة عن أنس في هذه القصة: (فعظمت بطونهم)؛ أي: فطلبوا منه الخروج، ففي «مسلم»: (أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله ﵇؛ قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا؛ فخرجنا إلى الإبل)، وللمؤلف من رواية وهيب أنهم قالوا: (أبغنا رسلًا)؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: «ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود»، (فأمرهم النبيُّ) الأعظم (ﷺ بلِقاح) أي: فأمرهم أن يلحقوا بها، وهي بكسر اللام؛ وهي الإبل، الواحدة لقوح، وهي الحلوب؛ مثل: قلوص وقلاص، قال أبو عمرو: فإذا نتجت؛ فهي لقوح شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك، وعند المؤلف من رواية همام عن قتادة: (فأمرهم أن يلحقوا براعيه)، وعنده من رواية قتيبة عن حمَّاد: (فأمر لهم)؛ بزيادة اللام، ووجهها أن تكون (اللام) زائدة أو للاختصاص، وليست للتمليك، وعند أبي عوانة من رواية معاوية بن قرة التي أخرج مسلم إسنادها: (أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله؛ قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا؛ فخرجنا إلى الإبل)، وللمؤلف من رواية وهيب عن أيُّوب: (أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أبغنا رسلًا)؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: «ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود»، وفي رواية أبي رجاء: (هذه نعم لنا تخرج، فاخرجوا فيها)، وله في (المحاربين) عن موسى، عن وهيب بسنده: (فقالوا: إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ)، وله فيه من رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بسنده: (فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة)، وكذا في (الزكاة) من طريق شعبة، عن قتادة، وطريق التوفيق بين هذه الأحاديث: أنه ﵇ كانت له إبل من نصيبه من المغنم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترعى مع إبل الصدقة، وأخبره مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة؛ لاجتماعهم في موضع واحد، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أن الجمع بينها أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبيِّ ﵇ بلقاحه إلى المرعى، فطلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء؛ لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، انتهى.\nقلت: وفيه نظر، وقال القاضي عياض: (اللقاح؛ بكسر اللام، ويقال: بفتحها: وهي ذوات الألبان)، وذكر ابن سعد والواقدي: أن عدد هذه اللقاح خمس عشرة (^١)، وأنهم نحروا منها واحدة يقال لها: الحناء، وعند أبي عوانة: وكانت اللقاح ترعى بذي الجَدْر؛ بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة؛ ناحية قباء قريبًا من عين، بينها وبين المدينة ستة أميال.\nوقوله: (وأن يشربوا) عطف على (لقاح)؛ نحو: أعجبني زيد ولبنه، وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: فأمرهم بالشرب (من ألبانها وأبوالها) وفي رواية: (من أبوالها وألبانها)؛ أي: فأمرهم بالشرب من أبوال الإبل وألبان اللقاح؛ لأجل التداوي، وفي رواية المؤلف عن أبي رجاء: (فاخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها)؛ بصيغة الأمر، وفي رواية شعبة عن قتادة: (فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا)، (فانطلقوا)؛ أي: وشربوا منهما حتى صحُّوا لما أنها كانت ترعى الشيح والفيوم، فتدخل في علاج مرض الاستسقاء، فشرَّبهم لبن الصدقة؛ لكونهم أبناء سبيل، وشربهم لبن اللقاح الذي للنبيِّ الأعظم ﵇؛ لكونه بإذن منه ﵇، ففيه: دليل على أنه لا يجوز التصرف في مال الغير إلا بالإذن، ولو علم الرضا ولم يستأذن؛ لا يجوز؛ لأنَّ الرضا أمر موهوم والأحكام لا تُبْنَى إلا على اليقين؛ فافهم، (فلما صحُّوا)؛ بتشديد الحاء المهملة المضمومة، فيه حذف؛ تقديره: فشربوا من ألبانها وأبوالها، ويدل عليه رواية أبي رجاء: (فانطلقوا فشربوا من ألبانها وأبوالها)، وفي رواية وهيب: (وسمنوا)، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت: (ورجعت إليهم ألوانهم)؛ (قتلوا) جواب (لما) (راعي النبيِّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) واسمه يَسار؛ بفتح التحتية أوله، وبالسين المهملة الخفيفة، وكان نونيًّا أصابه النبيُّ الأعظم ﵇ في غزوة محارب،\n_________\n(^١) في الأصل: (خمسة عشر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":108},{"text":"فلما رآه يحسن الصَّلاة؛ أعتقه، وبعثه في اللقاح الذي له إلى الحرة، فكان بها إلى أن قتله العرنيون، وفي «طبقات ابن سعد»: (أرسل رسول الله ﵇ في إثرهم كرز بن جابر الفهري، ومعه عشرون فارسًا، وكان العرنيون ثمانية، وكانت اللقاح أدركهم يسار مولى رسول الله ﵇، ومعه نفر، فقاتلهم فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ففعل بهم النبيُّ ﵇ كذلك، وأنزل عليه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ...﴾؛ الآية [المائدة: ٣٣]، فلم يسمل بعد ذلك عينًا)، وقال ابن عيينة: (كان أمير السرية سَعِيْد بن زيد بن عمر بن نفيل، وحمل يسار ﵁ ميتًا، فدفن بقباء)، وزعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة، وفي «مصنف عبد الرزاق»: (كانوا من بني فزارة)، وفي «كتاب ابن الطلاع»: (أنهم كانوا من بني سليم)، وفيه نظر؛ لأنَّ هاتين القبيلتين لا يجتمعان مع العرنيين، وفي «مسند الشاميين» للطبراني عن أنس: (كانوا سبعة؛ أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل)، فقيل: العرنيين؛ لأنَّ أكثرهم كان من عرينة، وقال الطبري بإسناده إلى جرير بن عبد الله البجلي قال: (قدم قوم من عرينة حفاة، فلما صحُّوا واشتدوا؛ قتلوا رعاة اللقاح، فبعثني رسول الله ﵇، فلما أدركناهم بعدما أشرفوا على بلادهم...)؛ فذكره إلى أن قال: (فجعلوا يقولون: الماء الماء، ورسول الله ﵇، يقول: «النار النار») انتهى.\nقلت: هذا مشكل؛ لأنَّ قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست، كما ذكرنا، وإسلام جرير في السنة العاشرة، وهذا قول الأكثرين إلا أن الطبراني وابن قانع قالا: أسلم قديمًا، فإن صح ما قالاه؛ فلا إشكال، كذا في «عمدة القاري».\n (واستاقوا) من الاستياق؛ وهو السوق؛ بالسين المهملة (النَّعَم)؛ بفتحتين، واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، كذا في «عمدة القاري»، وفي «القاموس»: (النَّعَم؛ بفتحتين، وقد تسكن عينه: الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، والجمع أنعام، وجمع الجمع أناعيم) انتهى.\nوبهذا ظهر فساد ما زعمه ابن حجر من أن النعم الإبل والبقر والغنم؛ فتأمل.\nوفي القسطلاني وفي بعض النسخ: (واستاقوا إبلهم) انتهى، فهو يعين أن النعم خاص بالإبل؛ فافهم.\n (فجاء الخبر في أول النهار) وفي رواية وهيب عن أيُّوب: (فجاء الصريخ)؛ بالصاد المهملة، والخاء المعجمة، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ هو أحد الراعيَين، كما ثبت في «صحيح أبي عوانة» من رواية معاوية بن قرة عن أنس، وقد أخرج إسناده، ولفظه: (فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: فقتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل)، كذا في «عمدة القاري»، وقدمنا عنه أن اسم المقتول يسار مولى رسول الله ﵇، وأما الآتي بالخبر؛ فقال: لم يُعلَم اسمه، والذي يظهر أنه راعي إبل الصدقة، وذكر مسلم من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس: (ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم بالجمع)، وكذا ذكره ابن حبَّان، والطبري كما مر قريبًا، فالظاهر: أن إبل الصدقة كان لها رعاة، فقتلوا بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على ذكر راعي النبيِّ الأعظم ﵇؛ لأنَّه أشهر وأشرف، ولم يذكروا بقية الرعاة المقتولين، وزعم ابن حجر أن من عبر بالجمع؛ فتسمح وهو الأرجح؛ لأنَّ أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، فإن الروايات التي رواها مسلم، وابن حبان، والطبري، وغيرهم بالجمع، وهو يقتضي أن المقتولين جمع لا فرد.\nوقوله: (إن من عبر...) إلخ؛ فاسد؛ لأنَّ في مثل هذا لا يقال: إنه تسمح، وأي دليل على ذلك؟ وما هو إلا خبط وتخمين.\nوقوله: (لأن أصحاب المغازي...) إلخ؛ مردود وفاسد، فإن عدم ذكرهم غيره لا يستلزم عدم وجوده مطلقًا، بل إنَّما ذكروا يسارًا؛ لشهرته، وتركوا بقية الرعاة؛ لعدم شهرتهم، كما يقال: جاء الأمير، والحال أنه جاء مع حَشَمِه وخَدَمِه.\nوقوله: (الأرجح...) إلخ؛ هذا فاسد، فكيف يكون أرجح؟ وأي دليل على أرجحيته؟ ويدل على فساده ما ذكره مسلم، وابن حبان، والطبري من التعبير بالجمع، وهو يقتضي أن المقتولين جمع فذكروا يسارًا؛ لشهرته وشرفه، وتركوا غيره؛ لعدمها؛ فليحفظ.\n (فبعث)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، ومفعوله محذوف؛ أي: الطلب، كما جاء في رواية الأوزاعي (في آثارهم)؛ جمع إِثْر؛ بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، يقال: خرجت في إثره؛ إذا خرجت وراءه، وفي حديث سَلَمَة ابن الأكوع كما ذكره ابن إسحاق وغيره: (فبعث في آثارهم خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابر الفهري)، وكُرْز؛ بضمِّ الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي معجمة، وعند ابن عُقْبَة: (أنه سعد بن زيد)، وعند «النسائي»: (فبعث في طلبهم قافة)؛ وهو جمع قائف، وعند «مسلم»: (أنهم شبان من الأنصار قريب من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائفًا يَقْتَصُّ آثارهم، ولم يُعْلَم اسم هذا القائف، ولا اسم واحد من العشرين، لكن ذكر الواقدي: أن السرية كانت عشرين، ولم يقل من الأنصار، وسمَّى منهم جماعة من المهاجرين منهم؛ يزيد بن الخطيب وسَلَمَة ابن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟\nورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ما للواقدي وهو إمام وثقه جماعة منهم أحمد؟ والعجب من هذا القائل أنه يقع فيه وهو أحد مشايخ إمامه!) انتهى.\nواعترضه العجلوني: بأن الأكثر على تجريحه وهو مقدم على التعديل، وكونه أحد مشايخ إمامه لا يلزم أن يروي عنه، انتهى.\nقلت: وهو فاسد، فإن الجمهور على أنه عدل ثقة مقبول، ولا سيما قد وثقه حافظ السنة الإمام أحمد ابن حنبل، والتعديل مقدم على الجَرْح لا كما زعم أنه بالعكس، فإن العدالة أصل مثبت، ونافيها مطالب بالدليل ولم يوجد.\nوقوله: (وكونه...) إلخ؛ فاسد أيضًا، فإنه إذا كان من مشايخ إمامه؛ يلزمه التأدب معه، وهو يسلتزم أن يكون قد روى عنه، فإن الشيخ لا يسمَّى شيخًا إلا إذا أخذ عنه وروى عنه، وهذا كذلك، فهذا الاعتراض مردود عليه، وما هو إلا خبط وخلط؛ فافهم ذلك ولا تغترَّ بهذه العصبية الزائدة من العجلوني، فإنه قد أتى بها من عجلون؛ فليحفظ.\n (فلما ارتفع النهار) فيه حذف قبل (الفاء)، وتسمَّى الفصيحة؛ تقديره: فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا فلما ارتفع النهار؛ (جيء بهم)؛ أي: النبيَّ الأعظم ﷺ وهم أسارى، فأمر بمعاقبتهم على حسب جنايتهم، (فقطع أيديهم وأرجلهم) أي: من خلاف؛ كما في آية (المائدة) المنزلة في القضية، كما رواه ابنا جرير وحاتم، وغيرهما إسناد الفعل فيه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ مجاز، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى: (فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم) جمع يد، وجمع رجل، فإما أن يُراد بها أقل الجمع الذي هو اثنان عن بعض العلماء؛ لأنَّ لكل منهم يدين ورجلين، وإما أن يراد التوسيع عليهم بأن يقطع من كل واحد (^١) منهم يد واحدة، ورجل واحدة، والجمع في مقابلة الجمع يفيد التوزيع، كذا في «عمدة القاري»، وعند المؤلف من رواية الأوزاعي: (ولم يحسمهم)؛\n_________\n(^١) في الأصل: (واحدة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":109},{"text":"بالحاء المهملة، قال الجوهري: (حسمته: قطعته فانحسم، ومنه: حسم العرق)، وفي الحديث: أتيبسارق (^١) فقال: «احسموه»؛ أي: اكووه بالنار؛ لينقطع الدم، ذكره في الحاء، وتبعه في «القاموس»، وهذه الرواية الظاهر أنها تحريف، وأصلها: وحسمهم (^٢)، فلفظة (ما (^٣» زائدة، ويدل لذلك ما عند المؤلف في (المحاربين): «إن عاد؛ فاقطعوه»، وعليه الإجماع، ولأنَّه إذا لم يحسم وتركه ينزف الدم منه؛ لتلف ومات، وهو خلاف المقصود، ولم يبق لقوله: «إن عاد؛ فاقطعوه» معنًى، فالحسم واجب؛ لكي ينقطع الدم، ولعل رواية الأوزاعي كانت من الراوي حين لم يَرَ أنه لم يحسمهم، والحال أن الصحابة حسموهم ولم يَعْلَمْ بذلك الراوي فعبَّرَ بما رأى بدليل أن الأكثر من الروايات لم يذكر أحد الحسم، فدل على التحريف، أو على التأويل، والله تعالى أعلم العليم الجليل.\nوفي يوم السبت مات أحد أعدائي المشهورين، وقد استجاب الله تعالى دعائي، ولله الحمد، في خامس ربيع الثاني سنة سبع وسبعين، وفيه سافر شيخنا الشيخ عبد الله أفندي الحلبي، وشيخنا السيد عمر أفندي الغزي، وكذا عبد الهادي العمري، ومحمَّد طاهر أفندي المفتي، وعبد الله بيك، وابنه علي بيك عظم، وأحمد أفندي النقيب العجلاني، وعبد الله بيك ناصيف باشا، وأحمد أفندي الحسيبي، وابنه أبو السعود، وغيرهم، والله تعالى أعلم.\n (وسُمرت أعينهم)؛ بضمِّ السين المهملة، وتخفيف الميم وتشديدها؛ أي: كحلت بمسامير محمية، وفي رواية: (سملت)؛ بـ (اللام) بدل (الراء)، يقال: سُمِلَت عينه بصيغة المجهول ثلاثيًّا؛ إذا فُقِئت بحديدة محماة، وقيل: هما بمعنًى واحد، ولم تختلف روايات البخاري كلُّها بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز: (وسلمت)؛ بالتخفيف، واللام، وللبخاري من رواية وهيب عن أيُّوب، ومن رواية الأوزاعي عن يحيى؛ كلاهما عن أبي قلابة: (ثم أمر بمسامير فأحميت، فكحلهم بها)، ولا يخالف هذا رواية السمل؛ لأنَّه فقأ العين بأي شيء كان، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: وما وجه تعذيبهم بما ذكر، وقد نهى النبيُّ الأعظم ﵇ عن التعذيب بالنار؟\nوأجاب: بأنه كان قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس بمنسوخ، وإنما فعل النبيُّ الأعظم ﵇ بما فعل قصاصًا؛ لأنَّهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه ولم يذكره المؤلف، قال المهلَّب: وإنما لم يذكره؛ لأنَّه ليس على شرطه، ويقال: فلذلك بوَّب المؤلف في كتابه، فقال: باب إذا حرق المشركون هل يحرق؟ أو وجهه أنه ﵇ لما سمل أعينهم -وهو تحريق بالنار-؛ استدل به من أنه لو جاز تحريق أعينهم بالنار، ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاة بالنار؛ أنه أولى بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم، وقال ابن المنيِّر: (وكأن البخاري جمع بين حديث: «لا تعذبوا بعذاب الله»، وبين هذا بحمل الأول على غير سبب، والثاني على مقابلة السببية بمثلها من الجهة العامةوإن لم يكن من نوعها الخاص، وإلا؛ فما في هذا الحديث أن العرنيين فعلوا ذلك بالرعاة، وقيل: النهي عن المثلة نهي تنزيه لا نهي تحريم) انتهى كلامه، (وأُلقوا)؛ بضمِّ الهمزة، مبني للمجهول (في الحَرَّة)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء؛ وهي الأرض ذات الحجارة السود، وتجمع على حر، وحرار، وحرات، وحرين، وأحرين، وهو من الجموع النادرة؛ كتبين وقلين في جمع تبنة وقلة، والمراد من الحرة: هذه الأرض الحرة التي هي بظاهر مدينة الرسول ﷺ، بها حجارة سود كثيرة، وكانت بها وقعة مشهورة أيام يزيد بن معاوية ﵁، كذا في «عمدة القاري»، وزعم البرماوي تبعًا للكرماني بأنه يحتمل أن يراد بها حرارة الشمس، وزعم العجلوني أنه ربما يؤيده رواية أبي رجاء: (ثم نبذهم في الشمس) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، والاحتمال باطل، فإن المراد من الحرة الأرض ذات الحجارة السود، كما علمت، وهذه الرواية لا تأييد بها لذلك؛ لأنَّ المراد منها أنه نبذهم في الشمس في هذه الأرض المسماة بالحرة، على أنه لو كان المراد بها حرارة الشمس؛ لقال: وألقوا في الشمس، فتصريحه بكونهم في الحرة دليل واضح على أنهم ألقوا في هذه الأرض المعلومة، وكانت عليهم الشمس؛ فافهم واحفظ، والبرماوي كالكرماني والعجلوني لهم احتمالات بعيدة عن العقل، والعادة، والنقول، والرواية؛ فافهم.\n (يَستسقون)؛ بفتح المثناة التحتية أوله، مبني للفاعل من الاستسقاء؛ وهو طلب السقي، وطلب السقيا أيضًا، وهو المطر؛ (فلا يُسقَون)؛ بضمِّ المثناة التحتية، وفتح القاف، قال في «عمدة القاري»: زاد وهيب والأوزاعي: (حتى ماتوا)، وفي رواية سَعِيْد: (يعضون الحجارة)، وفي رواية أبي رجاء: (ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا)، وفي (الطب) من رواية ثابت قال أنس: (فرأيت رجلًا منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت)، ولأبي عوانة من هذا الوجه: (يعضُّ الأرض؛ ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة)، وزعم الواقدي أنهم صلبوا، ولم يثبت ذلك في الروايات الصحيحة، انتهى فافهم، لكن عند أبي عوانة، عن أنس: (فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين)، فذكر ستة فقط، فإن كان محفوظًا؛ فعقوبتهم موزعة؛ فتأمَّل.\nثم قال: والمنع من السقي مع أن الإجماع قام على من وجب عليه القتل فاستسقى الماء؛ أنه لا يمنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان.\nوأجاب: بأنه إنَّما لم يسقوا هنا؛ معاقبة لجنايتهم، ولأنَّه ﵇ دعا عليهم، فقال: «عطَّشَ الله من عطَّشَ آل محمَّد الليلة»، أخرجه النسائي، فأجاب الله تعالى دعاءه، وكان ذلك بسبب أنهم منعوا في تلك الليلة إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبيِّ الأعظم ﵇ من لقاحه في كل ليلة، كما ذكره ابن سعد، ولأنَّهم ارتدوا، فلا حرمة لهم، وقال القاضي عياض: (لم يقع نهي من النبيِّ ﵇ عن سقيهم، وفيه نظر؛ لأنَّه ﵇ اطَّلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم)، وقال النووي: (المحارب لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته؛ ليس له أن يسقيه المرتد، ويتيمم، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشًا)، وزعم الخطابي: إنَّما فعل النبيُّ ﵇ لهم ذلك؛ لأنَّه أراد لهم الموت بذلك، وفيه نظر لا يخفى، وقيل: الحكمة في تعطيشهم كونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجزع والوخم، وفيه ضعف، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: إن مالكًا استدل بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وبه قال الإمام محمَّد بن الحسن، وأحمد ابن حنبل، والإصطخري، والرُّوياني من أصحاب الشافعي، وهو قول الشعبي، وعطاء، والنخعي، والزُّهري، وابن سيرين، والحكم، والثوري، وقال داود، وابن علية: بول كل حيوان ونحوه، وإن كان لا يؤكل لحمه؛ طاهر غير بول الآدمي، وقال الإمام الأعظم، وأبو يوسف، وأبو ثور، والشافعي، والجمهور: الأبوال كلها نجسة إلا ما عُفِيَ عنه، وأجابوا عنه: بأن ما في الحديث قد كان للضرورة، فليس فيه دليل على أنه مباح في غير حال الضرورة؛ لأنَّ ثمة أشياء أبيحت للضرورة ولم تُبَحْ في غيرها؛ كما في لبس الحرير، فإنه حرام للرجال، وقد أبيح لبسه في الحرب، وللحكة، أو لشدة إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع.\nوالجواب المقنع في ذلك: أنه ﵇ عرف بطريق الوحي شفاءهم، والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقُّن بحصول الشفاء؛ كتناول الميتة للمخمصة، والخمر عند العطش، وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح ما لم يَسْتيقن حصول الشفاء به، وقال ابن حزم: (صحَّ يقينًا أن رسول الله ﵇ إنَّما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة، وقد قال ﷿: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فما اضطر المرء إليه؛ فهو غير محرم عليه من المأكل والشراب)، وقال شمس الأئمَّة: (حديث أنس ﵁ قد رواه قتادة: أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار\n_________\n(^١) في الأصل: (سارق)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (وحمسهم)، وكذا في الموضع اللاحق: (لم يحمس)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (لا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":109},{"text":"الأمر بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة؛ سقط الاحتجاج به، ثم نقول: خصهم رسول الله ﵇ بذلك؛ لأنَّه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، وهو كما خص الزبير ﵁ بلبس الحرير؛ لحكة كانت به، أو للقمل فإنه كان كثير القمل، أو لأنَّهم كانوا كفارًا في علم الله ﷿، ورسوله ﵇ علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس) انتهى.\nفإن قلت: هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم ﵇ بذلك؟\nقلت: قد كانت (^١) إبله ﵇ ترعى الشيح والفيوم، وأبوال الإبل الذي ترعى ذلك وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء، فإذا كان كذلك؛ كان الأمر في هذا أنه ﵇ عرف بطريق الوحي كون هذه شفاء، وعرف أيضًا من هضم الذي تزيله هذه الأبوال فأمرهم بذلك، ولا يوجد هذا في زماننا حتى إذا فرضنا أن أحدًا عرف مرض شخص بقوة العلم وعرف أنه لا يزيله إلا تناول المحرم؛ يباح له حينئذٍ تناوله كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد، وتناول الميتة عند المخمصة، وأيضًا التمسك بعموم قوله ﵇: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه» أولى؛ لأنَّه ظاهر في تناول جميع الأبوال فيجب اجتنابها لهذا الوعيد، والحديث رواه أبو هريرة وصححه ابن خزيمة وغيره مرفوعًا.\nفإن قلت: لو كانت أبوال الإبل محرمة الشرب؛ لما جاز التداوي بها؛ لما روى أبو داود من حديث أم سَلَمَة ﵂: «أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها».\nقلت: هذا محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار؛ فلا يكون حرامًا؛ كالميتة للاضطرار، كما ذكرنا، وقال ابن حزم: (هذا حديث باطل؛ لأنَّ في سنده سلمان الشيباني، وهو مجهول).\nقلت: أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وصحَّحه.\nوقوله: (إن في سنده سلمان) وهم، وإنما هو سليمان؛ بزيادة مثناة تحتية، وهو أحد الثقات، أخرج عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما».\nفإن قلت: يردُّ عليه قوله ﵇ في الخمر: «إنها ليست بدواء، وإنها داء» في جواب من سأله عند التداوي بها؟\nقلت: هذا روي عن سويد بن طارق: أنه سأل رسول الله ﵇ عن الخمر، فنهاه، ثم سأله فيها، فنهاه، فقال: يا نبي الله؛ إنها دواء، فقال: «لا، ولكنها داء»، وأجاب ابن حزم عن ذلك، فقال: (لا حجة فيه؛ لأنَّ في سنده سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ولو صح؛ لم يكن فيه حجة؛ لأنَّ فيه أن الخمر ليست (^٢) بدواء، ولا خلاف بيننا في أن ما ليس بدواء لا يحل تناوله)، وقد أجاب ابن حجر: بأن ذلك خاص بالخمر، ويلتحق به غيره من المسكرات.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ دعوى الخصوصية بلا دليل لا تسمع، والجواب القاطع: أن هذا محمول على حالة الاختيار، كما ذكرنا، قاله في «عمدة القاري»، واعترضه العجلوني: بأنه إنَّما ذكر النبيُّ ﵇ الدائية في الخمر، فقيس عليها بقية المسكرات، وأما باقي المسكرات؛ فليس كذلك، فالمثبت لها حكم الخمر هو المحتاج للدليل.\nقلت: وهذا خبط فاسد، فإن دليل باقي المسكرات ثابتة بالقياس على الخمر؛ لكمال الجامع بينهما على أنهادِّعاء الخصوصية غير مزال، بل هو باقٍ، ومدعيها مطالب بالدليل، وذكر النبيُّ الأعظم ﵇ الدائية في الخمر؛ نظرًا إلى حالة الاختيار كما علمت؛ فليحفظ.\nثم قال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: روي عن ابن عمر ﵄: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا)، وروي عن جابر والبَرَاء ﵄ مرفوعًا: «ما أكل لحمه؛ فلا بأس ببوله»، وحديث ابن مسعود الآتي ذكره في باب (إذا ألقي على ظهر المصلي قذرًا وجيفة؛ لم تفسد صلاته)، والحديث الصحيح الذي ورد في غزوة تبوك: (فكان الرجل يجر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي في كبده)، قلت: أما حديث ابن عمر؛ فغير مسند؛ لأنَّه ليس فيه أنه ﵇ علم بذلك، وأما حديث جابر والبَرَاء؛ فرواه الدارقطني وضعَّفه، وأما حديث ابن مسعود؛ فلأنَّه كان بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النجو والدم، وقال ابن حزم: (هو منسوخ بلا شك)، وأما حديث غزوة تبوك؛ فقد قيل: إنه كان للتداوي، وقال ابن خزيمة: (لو كان الفرث إذا عصره نجسًا؛ لم يجز للمرء أن يجعله على كبده) انتهى.\n (قال أبو قِلابة)؛ بكسر القاف، عبد الله: (فهؤلاء)؛ أي: العرنيون والعكليون (سرقوا) إنَّما أطلق عليهم سراقًا؛ لأنَّهم أخذوا اللقاح سرقة؛ لكونه من حرز حافظ، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: الحافظ هو الراعي، فإذا كان مع المواشي راعٍ وهو حافظ لها، وسرق منها شيء؛ قطع، كذا أطلقه شيخ الإسلام خواهر زاده، وقيل: لا بد للقطع من وجود حافظ سوى الراعي، كذا قاله الإمام البقالي، وأفتى به، ووفق في «فتح القدير»: بأن الراعي لم يقصد حفظها من السارق بخلاف غيره، ولو كانت تأوي في الليل إلى بيت بني لها عليه باب مغلق فكسره وسرق منها شاة؛ قطع، ولا يعتبر الغلق إذا كان الباب مردودًا إلا أن يكون بيتًا منفردًا في الصحراء بمأوى المراح، كذا في «النهر الفائق»، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.\n (وقتلوا)؛ أي: قتلوا راعي لقاح النبيِّ الأعظم ﷺ، ورعيان إبل الصدقة كما قدمناه؛ فافهم، (وكفروا بعد إيمانهم) قال الكرماني: عُلِم ذلك من الطرق الأُخر، فقد روى مسلم في «صحيحه»، والترمذي: أنهم ارتدوا عن الإسلام، قال القسطلاني: وهو في رواية سَعِيْد عن أنس في (المغازي)، وفي رواية وهيب في (الجهاد) في أصل الحديث؛ فتأمل، (وحاربوا) بالحاء المهملة (الله ورسوله) ﵇، وإنما أطلق عليهم محاربين؛ لما ثبت عند أحمد من رواية حميد عن أنس رضي الله [عنه] في أصل الحديث، وهربوا محاربين، وقول المؤلف: (قال أبو قلابة...) إلخ إن كان داخلًا (^٣) في قول أيُّوب مفعولًا له؛ يكون داخلًا تحت الإسناد، وإن كان مقول البخاري؛ يكون تعليقًا منه، كذا قاله في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر: أن هذا قاله أبو قلابة استنباطًا، ثم قال: ليس موقوفًا على أبي قلابة كما توهمه بعضهم، ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: كلامه متناقض، كما لا يخفى) انتهى.\nقلت: ولم يذكر وجه التناقض، ووجهه ظاهر، فإن قوله: (قاله استنباطًا) يفيد أنه موقوف عليه.\nوقوله: (ليس موقوفًا) يفيد أنه مرفوع، وهذا التناقض ظاهر، وزعم العجلوني: أن مراد ابن حجر أنه استنباط من أبي قلابة هو قوله: (سرقوا)، وأما الذي جعله ليس موقوفًا على أبي قلابة؛ فهو قوله: (وكفروا بعد إيمانهم...) إلخ؛ فتأمل.\nقلت: تأملته فرأيته خلطًا وخبطًا، فإن المتبادر من كلام ابن حجر والظاهر منه أن قول أبي قلابة جميعه استنباطًا، وأنه ليس موقوفًا، وهذا التفصيل الذي زعمه العجلوني هو غير مراده؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لصرح به، وما هو إلا كلام بارد، وذهن شارد.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث من الأحكام: نظر الإمام في مصالح قدوة القبائل والغرباء إليه وأمره لهم بما يناسب حالهم، وإصلاح أبدانهم، وفيه: جواز التطبُّب وطب كل جسد بما اعتاده، ولهذا أفرد البخاري بابًا لهذا الحديث وترجم عليه: (الدواء بأبوال الإبل وألبانها)، وفيه: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه ﵇ بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاء، واختلف\n_________\n(^١) في الأصل: (كان).\n (^٢) في الأصل: (ليس)، وكلاهما صحيح.\n (^٣) في الأصل: (دخلًا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":110},{"text":"العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار، فنفاه الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وأثبته مالك، والشافعي، وفيه: مشروعية المماثلة في القصاص، وفيه: جواز عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ...﴾؛ الآية [المائدة: ٣٣]، وهل كلمة (أو) فيها للتخيير أو للتنويع قولان، وفيه: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة أو مستحبة خلاف مشهور، وقيل: هؤلاء حاربوا والمرتد إذا حارب لا يُسْتَتَاب؛ لأنَّه يجب قتله، فلا معنى للاستتابة، انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٠٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-406>[حديث: كان النبي يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم]</span>\n٢٣٤ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بفتح الهمزة الممدودة، هو ابن أبي إياس؛ بكسرها (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (أبو التَّيَّاح)؛ بفتح المثناة الفوقية المشددة، وتشديد التحتية، آخره حاء مهملة بعد الألف، وثبت في رواية زيادة: (أبو التياح يزيد بن حميد)، (عن أنس)؛ أي: ابن مالك ﵁ (قال: كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ يصلي قبل أن يبني المسجد) أي: مسجده ﵇ (في مرابض الغنم)؛ جمع مَربِض؛ بفتح الميم، وكسر الموحدة، من ربَض بالمكان يربِض من باب (ضرَب يضرِب)؛ إذا لصق به، وأقام ملازمًا له، والمربض: المكان الذي يربض فيه، والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل، وربوض الغنم كنزول الجمل، وقول ابن حجر: (المِربَض؛ بكسر أوله، وفتح الموحدة) غلط فاحش صريح، كما لا يخفى، قال ابن المُنْذِر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصَّلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي، فإنه قال: لا أكره الصَّلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها، وممن روي عنه إجازة ذلك وفعله: ابن عمر، وجابر، وأبو ذر، والزبير، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وعطاء، وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي؛ لأنَّ الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من البعر والبول، فدل على الإباحة، وعلى طهارة البول والبعر، ففيه المطابقة للترجمة قال في «عمدة القاري»: قد استدلَّ به من يقول بطهارة بول المأكول ولحمه (^١)، وروثه، وقالوا: لأنَّ المرابض لا تخلو عن ذلك، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسة، وأجاب مخالفوهم: باحتمال وجود الحائل، ورد عليهم: بأنهم لم يكونوا يصلون على حائل دون الأرض، ورد عليهم: بأنه شهادة على النفي، وأيضًا فقد ثبت في «الصحيحين» عن أنس ﵁: (أن النبيَّ ﵇ صلى على حصير في دارهم)، وصح عن عائشة ﵂: (أنه ﵇ كان يصلي على الطريق)، وقال ابن حزم: هذا الحديث -يعني: حديث الباب -منسوخ؛ لأنَّ فيه أن ذلك كان قبل أن يُبْنى المسجد، فاقتضى أنه في أول الهجرة، ورد عليه بما صح عن عائشة: (أنه ﵇ أمرهم ببناء المساجد في الدور، وأن تُطَيَّبَ وتُنَظَّف)، رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصححه ابن خزيمة وغيره، ولأبي داود نحوه من حديث سمرة، وزاد: (وأن يطهرها)، قال: وهذا بعد بناء المسجد، وما ادُّعي من النسخ يقتضي الجواز، ثم المنع، ويرد هذا إذنه ﵇ في الصَّلاة في مرابض الغنم، وفي «صحيح ابن حبان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: «إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم، وأعطان الإبل؛ فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل»، قال الطوسي والترمذي: (حديث حسن صحيح)، وفي «تاريخ نيسابور» من حديث أبي حيان، عن أبي زرعة، عنه مرفوعًا: «الغنم من دوابِّ الجنة، فامسحوا رغامها، وصلوا في مرابضها»، وعند البزار في «مسنده»: «وأحسنوا إليها، وأميطوا عنها الأذى»، وفي حديث عبد الله بن المغفَّل: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين».\nقال البيهقي: (كذا رواه جماعة)، وقال بعضهم: كنا نؤمر ولم يذكر النبيَّ ﵇، وفي لفظ: «إذا أدركتم الصَّلاة وأنتم في مراح الغنم؛ فصلوا فيها؛ فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتم الصَّلاة وأنتم في أعطان الإبل؛ فاخرجوا منها؛ فإنها جن خلقت من الجن، ألا ترى أنها إذا نفرت؛ كيف تشمخ بأنفها»، وفي مسند عبد الله بن وهب البصري، عن سَعِيْد بن أبي أيُّوب، عن رجل حدثه عن ابن المغفَّل: (نهى النبيُّ ﵇ أن يصلَّى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلَّى في مراح الغنم والبقر)، وعند ابن ماجه بسند صحيح من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا يُصلَّى في أعطان الإبل، ويُصلَّى في مراح الغنم»، وعند أبي القاسم بسند: لا بأس به، عن عُقْبَة بن عامر: «صلوا في مرابض الغنم»، وكذا رواه ابن عمر، وأُسَيْد بن حضير، وعند ابن خزيمة من حديث البَرَاء: سئل النبيُّ ﵇ عن الصَّلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلُّوا فيها؛ فإنها بركة».\nوقال ابن المُنْذِر: (تجوز الصَّلاة أيضًا في مراح البقر؛ لعموم قوله ﵇: «أينما أدركتك الصَّلاة؛ فصلِّ»، وهو قول عطاء، ومالك).\nقلت: ذهل ابن المُنْذِر عن حديث عبد الله بن وهب الذي ذكرناه آنفًا حتى استدل بذلك، فلو وقف عليه؛ لاستدل به، والله أعلم، انتهى كلامه ﵀، ورضي عنه.\n\n <span id=\"b-٤٠٧\"> </span>(٦٧) <span data-type=\"title\" id=toc-407>[باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء]</span>\n (باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء)؛ فـ (ما) موصول اسمي، أو حرفي، أو نكرة موصوفة، واقتصر في «عمدة القاري» على جعلها مصدرية، وجعل (من) بيانية، فقال: هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء، واعترض تقدير ابن حجر هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغيَّر دون غيره، انتهى، فقال: (لا حاجة إلى هذا التفسير، فكأنه لما خفي عليه المعنى الذي ذكرناه؛ قدر ما قدره) انتهى كلام «عمدة القاري»، وابن حجر.\nقلت: ولا يخفى على المنصف حسن كلام «عمدة القاري» وما قدرناه، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوأشار المؤلف بـ (السمن) إلى كل جامد رطب؛ كالدبس، والعسل، وغيرهما، وبـ (الماء) إلى سائر المائعات، وأن الجامد الرطب لا يتنجس منه إلا ما لاقى النجس فقط، وأما المائع؛ فإن كان ماء؛ ينظر، فإن كان جاريًا؛ فلا ينجس إلا بالتغيير، وإن كان غيره؛ فيتنجَّس مطلقًا بمجرد الملاقاة له، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\n (وقال) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (الزُّهري)؛ الفقيه المدني نزيل ديارنا الشريفة الشامية، وهذا تعليق من المؤلف، ولكنه قد وصله عبد الله بن وهب في «مسنده» عن يونس عنه قال: (كل ماء فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه، ولا لونه، ولا ريحه؛ فلا بأس أن يتوضَّأ به)، وروي في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﵇: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه، وطعمه، ولونه»، رواه ابن ماجه، وقال الدارقطني: (إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد، ولم يرفعه غير رشيد بن سعد).\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ أبا أحمد بن عديٍّ رواه في «الكامل» من طريق أحمد بن عمر، عن حفص بن عمر: حدثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة؛ فرفعه، وقال: لم يروه عن ثور إلا حفص.\nقلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّ البيهقي رواه من حديث أبي الوليد، عن الساماني، عن عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن ثور، وقال البيهقي: والحديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في\n_________\n(^١) في الأصل: (لحمه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":110},{"text":"نجاسة الماء إذا تغير بالنَّجاسة خلافًا، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: على أنه قد ورد هذا الحديث في بئر بُِضاعة اسم امرأة، وهي بكسر الموحدة وضمها؛ بئر قديمة بالمدينة يلقى فيها الجِيَف ومحايض النساء، فذكر ذلك للنبيِّ ﵇ حين توضأ منها، فقال: «الماء طهور...»؛ الحديث، وقد كان ماؤها جاريًا في البساتين تسقى منه خمسة بساتين، وفي الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النَّجاسة فيه عندنا، فهذا الحديث إن صح؛ فهو محمول على بئر بضاعة، وهو غير مراد إجماعًا؛ لأنَّه إذا تغير الماء بالنَّجاسة؛ تتنجس بالإجماع، وتمامه في «منهل الطلاب».\n (لَا بَأْسَ)؛ أي: لا حرج (بِالْمَاءِ)؛ أي: في استعمال الماء المطلق؛ لأنَّه باقٍ على طهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله وكسر التحتية آخره، وضميره يعود على الماء، و(ما): ظرفية مصدرية مأولة بمدة، وقوله: (طَعْمٌ)؛ بالرفع فاعله (أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ)؛ أي: كل ماء طاهر في نفسه ولا ينجس بإصابة الأذى؛ أي: النَّجاسة إلا إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه؛ وهي الطعم واللون والريح، فكل ماء دائم وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا، وأمَّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة؛ جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر، وهو إمَّا طعم أو لون أو ريح؛ لأنَّ النَّجاسة لا تستقر فيه مع جريان الماء، والمراد بالجاري ما يعده العرف جاريًا على الأظهر، وقيل: هو ما يذهب بقشة واحدة، وهو الأشهر، قال في «عمدة القاري»: فإن قلت: الطعم أو الريح أو اللون هو المغيَّر -بفتح التحتية المشددة- لا المغيِّر على صيغة الفاعل، والمغيِّر؛ بالكسر: هو الشيء النجس الذي يخالطه، فكيف يجعل الطعم أو الريح أو اللون مغيرًا على صيغة الفاعل على ما وقع في عبارة البخاري، وأمَّا الذي في عبارة عبد الله بن وهب؛ فهو على الأصل؟\nقلت: المغير في الحقيقة هو الماء، ولكن تغيره لما كان لم يعلم إلا من جهة الطعم أو الريح أو اللون؛ فكأنه هو المغير، وهو من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب، وزعم الكرماني، فقال: لا بأس؛ أي: لا يتنجس الماء بوصول النجس إليه قليلًا أو كثيرًا، بل لا بد من تغيير أحد الأوصاف الثلاثة في تنجسه، والمراد من لفظ: (ما لم يتغير): طعمه، فنقول: لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور في لفظ الزُّهري: طعم الماء أو طعم الشيء المنجس، فعلى الأول معناه: ما لم يغير الماء من حاله التي خلق عليها طعمه له لا بد أن يكون بشيء نجس؛ إذ البحث فيه، وعلى الثاني معناه: ما لم يغير الماء طعم النجس، ويلزم منه تغيير طعم الماء؛ إذ لا شك أن الطعم هو المغير للماء للطعم، واللون للون، والريح للريح؛ إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة، وجعل الشيء متصفًا بصفة نفسه، ولهذا يقال: لا يسخن الحار، ولا يبرد البارد، فكأنه قال: ما لم يغير طعم الماء طعم الملاقي النجس أو لا بأس؛ معناه: لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم الطاهرة أو النجسة، نعم؛ إذا كان المغير طعمًا نجسًا؛ نجسه، وإن كان طاهرًا؛ يزيل طهوريته لا طهارته، ففي الجملة: في (^١) اللفظ تعقيد، انتهى.\nوردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: تفسيره هكذا هو عين التعقيد؛ لأنَّه قد فسر قوله: «لا بأس» بمعنيين؛ أحدهما: بقوله: «لا يتنجس...» إلى آخره، والآخر: بقوله: «لا تزول طهوريته»، وكلا المعنيين لا يساعد اللفظ، بل هو خارج عنه، وقوله: «المغير للطعم هو الطعم»: غير سديد؛ لأنَّ المغير للطعم غير الطعم، وهو الشيء الملاقي له، وكذلك اللون والريح، وكذلك قوله: «والمراد من لفظ: ما لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه»: غير موجه؛ لأنَّه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم من غير وجه، وكذلك ترديده بقوله: «لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور...» إلى آخره: غير موجه؛ لأنَّ الضمير في «لم يغيره» يرجع إلى الماء، فيكون المعنى على هذا: لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم الماء، وطعم الماء ذاتي، فكيف يغير ذات الماء؟ وإنما يغير طعم الشيء الملاقي، والفرق بين الطعمين ظاهر) انتهى.\nوقد خبط وخلط العجلوني في هذا المقام وادَّعى أنه التحقيق، وعرج عن عبارة الكرماني وعبارة «عمدة القاري»، ثم اختصر عبارة «عمدة القاري» بعبارة مغلقة ونسبها لنفسه، ونقل أثر الزُّهري بعبارة غير العبارة السابقة التي ذكرناها، واعترض على صاحب «عمدة القاري»: بأنَّه ليس الذي رواه ابن وهب على الأصل كما يتوهم.\nقلت: والحال أن الواهم في ذلك هو العجلوني؛ لعدم نقل عبارة الزُّهري بالتحقيق، وإنما نقلها بلفظ مخل محرف حتى يعترض، واعتراضه مردود عليه، كما لا يخفى، وإنما لم يذكر عبارة الكرماني؛ لكونها غير جارية على التحقيق، ولم يذكر عبارة «عمدة القاري»؛ للتعصب والتعنت، بل غيَّرها بعبارة مغلقة غير واضحة، واعتمدها ونسبها لنفسه؛ فافهم واحفظ؛ لكونها في غاية من التحقيق، ونهاية من الدقيق، فلله در صاحب «عمدة القاري» ما أغزر علمه وأوفر فهمه! وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه.\nقلت: وحاصله: أن الطعم وأخويه مغير، والماء متغير به، وهو طعم النجس أو لونه أو ريحه؛ فإنه هو الذي غير الماء أو طعم الماء أو لونه أو ريحه الحاصل بمخالطة النَّجاسة، فالمتغير هو الماء، لكنه لمَّا لم يعلم تغيره من جهة طعمه أو ريحه أو لونه؛ كان هو المتغير، فهو من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والله تعالى أعلم.\nوقال في «منهل الطلاب»: المراد من هذه الأوصاف -أعني: الطعم واللون والريح- أوصاف النَّجاسة لا الشيء المتنجس؛ كماء الورد والخل مثلًا، فلو صب في ماء جار؛ يعتبر أثر النَّجاسة التي فيه لا أثره نفسه؛ لطهارة المائع بالغسل، وكذا الثوب المصبوغ بالصبغ النجس، والمخضوبة بالحناء النجس والعضو ونحوه المتلطخ بالدهن النجس إذا وضع في الماء الجاري فظهر فيه لون الصبغ والحناء وأثر الدهن؛ لا يتنجس ما لم يظهر فيه أثر النَّجاسة لا أثر هذه الأشياء، وتمامه فيه؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: واستنبط منه: أن مذهب الزُّهري في الماء الذي يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغييره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير، وهو مذهب جماعة، وشنع أبو عبيد في كتاب (الطهور) على من ذهب إلى هذا بأنَّه يلزم منه أن من بال في إبريق ولم يغير للماء وصفًا؛ أنه يجوز له التطهير به، وهو مستبشع.\nوزعم ابن حجر أن هذا نصر قول التفريق بالقلتين.\nوردَّه في «عمدة القاري» قال: قلت: كيف ينصر هذا بحديث القلتين، وقد قال ابن العربي: مداره على علقمة أو مضطرب في الرواية أو موقوف؟! وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي، واختلفت روايته؛ فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا، وروي: أربعون قلة، وروي: أربعون غربًا، ووقف على أبي هريرة وعبيد الله بن عمر، وقال اليعمري: حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عنه من جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب، ولعل مسلمًا تركه لذلك.\nقلت: ولذلك لم يخرِّجه البخاري؛ لاختلاف وقع في إسناده، وقال أبو عمر في «التمهيد»: ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت في الأثر؛ لأنَّه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، وقال الدبوسي في كتاب «الأسرار»: وهو خبر ضعيف، ومنهم من لم يقبله؛ لأنَّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به، انتهى، وقال في «منهل الطلاب»: وحديث القلتين ضعيف بالاضطراب سندًا ومتنًا، أما الأول؛ فقال أبو دواد: إن في إسناده ضعفًا، وقال ابن المديني شيخ البخاري: حديث القلتين مما لا يثبت، وقال البيهقي: الحديث غير قوي، وقد\n_________\n(^١) في الأصل: (ففي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":111},{"text":"تركه الغزالي والروياني مع شدة اتباعهما للشافعي؛ لشدة ضعفه، وأما الثاني؛ فلأنَّه روي بطريق مختلفة، فتارة روي: (إذا بلغ الماء قلتين)، وتارة: (ثلاثًا)، وتارة: (أربعين قلة)، وتارة: (أربعين دلوًا)، وقول الشافعي في الحديث: (بقلال هجر) منقطع للجهالة، والقلة في نفسها مجهولة؛ لأنَّها تذكر، ويراد بها: قامة الرجل، وتُذكر ويُراد بها: رأس الجبل، كما روي ذلك عن علي، وتذكر ويُراد بها: الجرة، والتعيين لـ (قلال هجر): لا يثبت بقول جرير؛ لأنَّه مقلد، فيبقى الاحتمال ويبطل الاستدلال به، والله أعلم.\nومذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه: أن الماء إما جار أو راكد، قليل أو كثير، فالجاري إذا وقعت فيه نجاسة وكانت غير مرئية؛ كالبول، والخمر، ونحوهما؛ فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وإن كانت مرئية؛ كالجيفة ونحوها، فإن كان يجري عليها جميع الماء؛ لا يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري أكثره عليها؛ فكذلك اعتبارًا للغالب، وإن كان أقله يجري عليها؛ يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف؛ فالقياس جواز التوضؤ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطًا، والراكد اختلف فيه؛ فقال الظاهرية: لا ينجس أصلًا، وقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلًا؛ ينجس، وإن كان كثيرًا؛ لا ينجس، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما؛ فعندنا: بالخلوص، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض؛ فهو قليل، وإلا؛ فهو كثير، واختلف أئمتنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك، وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر؛ فهو مما يخلص، وإلا؛ فهو مما لا يخلص، واختلفوا في جهة التحريك؛ فروى الإمام أبو يوسف عن الإمام الأعظم: أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف، وروى الإمام محمَّد: أنه يعتبر بالوضوء، وروي: أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء، وأمَّا اعتبارهم في تفسير الخلوص؛ فروى الإمام أبو حفص الكبير: أنه اعتبره بالصبغ، وروى أبو نصر: أنه اعتبره بالصبغ، وروى أبو نصر: أنه اعتبره بالتكدير، وروى الجوزجاني: أنه اعتبره بالمساحة، فقال: إن كان عشرًا في عشر؛ فهو لا يخلص، وإن كان دونه؛ فهو مما يخلص، وعن ابن المبارك: أنه اعتبره بالعشرة أولًا، ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب الإمام أبو مطيع البلخي، فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر؛ أرجو أن يجوز، وإن كان عشرين في عشرين؛ لا أجد في قلبي شيئًا، وعن الإمام محمَّد: أنه قدره بمسجده، وكان ثمانيًا في ثمان، وبه أخذ الإمام محمَّد بن سَلَمَة، وقيل: كان مسجده عشرًا في عشر، وقيل: كان ثمانيًا في ثمان، وخارجه عشرًا في عشر، وعن الإمام الكرخي: أنه لا عبرة للتقدير، وإنما المعتبر هو التحرِّي، فإن كان أكبر، رأيه: أن النَّجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه؛ لا يجوز، وإن كان أكبر، رأيه: أنها لم تصل إليه؛ يجوز.\nقال في «منهل الطلاب»: (والتحقيق: أن الخلوص مفوض إلى رأي المبتلى غير مقدر بشيء، فإن غلب على ظنه عدم الخلوص؛ أي: وصول النَّجاسة إلى الجانب الآخر؛ جاز منه الوضوء، وإن لم يغلب على ظنه عدم الخلوص أو اشتبه عليه الخلوص؛ لا يجوز)، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وإليه رجع الإمام محمَّد، وهو الأصح، كما في «غاية البيان» و«الينابيع»، وحقق في «البحر الرائق»: أنه المذهب، وبه يعمل، وهو الأليق بأصل الإمام الأعظم، وقال شمس الأئمَّة: (المذهب التحرِّي والتفويض إلى رأي المبتلى، وهو الأصح) انتهى.\nومثله في «فتح القدير»، لكن قال في شرح «المنية»: وعامة المتأخرين سهلوا الأمر، واختاروا ما اختاره الإمام أبو سليمان الجوزجاني: أنه يعتبر الخلوص بالمساحة، وهو أن يكون عشرًا في عشر؛ أي: طوله عشرة أذرع، وعرضه كذلك، فيكون وجه الماء مئة ذراع، وجوانبه أربعون ذراعًا إن كان مربعًا، كذا ذكره شيخ الإسلام في «المبسوط»، وبه أخذ مشايخ بلخ، والإمام المعلى، قال الإمام أبو الليث: وهو قول أكثر أصحابنا، وعليه الفتوى، ومشى عليه بعض أصحاب المتون، وفي «الهداية»: (وعليه الفتوى)، وقواه في «النهر»، ورد ما قاله في «البحر»، وحققه شيخ الإسلام سعد الدين الديري في «رسالته»، ورد على من قال بخلافه، وقد جرى كثير من المتأخرين عليه؛ فليكن هو المذهب، وإلى غيره لا يذهب، والله تعالى أعلم، وتمامه في «منهل الطلاب»؛ فافهم.\n (وقال) الإمام الكبير (حمَّاد)؛ بتشديد الميم، على وزن (فعَّال)؛ بالتشديد: هو ابن سليمان، فقيه الكوفة، وشيخ الإمام الأعظم ﵄، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في «مصنفه»: حدثنا معمر عن حمَّاد بن سليمان أنَّه قال: (لا بأس) أي: لا حرج (بريش الميتة)؛ يعني: ليس بنجس ولا ينجس الماء الذي وقع فيه، سواء كان ريش المأكول لحمه أو غيره، وهذا مذهب الأئمَّة الحنفية والمالكية، وزعم الشافعية أنه نجس، ولا دليل يدل لهم؛ لأنَّه لا تحله الحياة، ولا يتألم الحيوان بقطعه؛ فهو طاهر لا يغير الماء والمائعات عن الطهورية، (وقال الزُّهري): محمَّد بن مسلم ابن شهاب (في عِظام) بكسر العين المهملة، جمع عظمة (الموتى): جمع ميت، ويجمع أيضًا على أموات، يشمل العاقل وغيره كما هنا؛ (نحو) أي: مثل (الفيل وغيره)؛ أي: غير الفيل مما لا يؤكل لحمه، وكذا جميع أجزاء الميتة التي لا دم فيها؛ كالقرن، والسن، والظلف، والحافر، والوبر، والصوف، والشعر؛ كلها طاهرة لا تنجس بالموت، وهو مذهب الأئمَّة الحنفية، ومحمَّد بن عبد العزيز، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني، وابن المُنْذِر، لكن قالوا: هؤلاء -العظم، والقرن، والظلف- نجسة، فخالفونا في هذه الثلاثة، وفي العصب روايتان: الطهارة والنَّجاسة، والأصح: أنه طاهر، وخالف الشافعية، فزعموا أنها كلها نجسة إلا الشعر، فإن فيه خلافًا ضعيفًا، وفي العظم أضعف منه، وأمَّا الفيل؛ ففيه خلاف، فعند الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: هو كسائر السباع، فيجوز الانتفاع بعظمه وجلده بالدباغ، وعند الإمام محمَّد: هو نجس العين حتى لا يجوز بيع عظمه، ولا يطهر جلده بالدباغ ولا بالذكاة، والمعتمد الأول، وعليه الفتوى؛ فافهم: (أدركت ناسًا)؛ أي: كثيرين، فالتنوين فيه للتكثير (من سلف العلماء): وهم الصحابة والتابعون ﵃ (يمتشطون بها)؛ أي: بعِظام الموتى؛ يعني: يجعلون منها مشطًا ويستعملونه، فهذا يدل على طهارته، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، (ويدَّهنون)؛ بتشديد الدَّال (فيها)؛ أي: في عِظام الموتى؛ أي: يجعلون فيها ما يحط فيه الدهن، وأصل (يدَّهنون): يتدهنون؛ لأنَّه من باب (الافتعال)، فقلبت الفاء دالًا، وأدغمت الدَّال في الدَّال.\nوزعم ابن حجر أنه يجوز ضم أوله، وإسكان الدَّال.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه على هذا يكون من باب الإدهان، فلا يناسب ما قبله، إلا إذا جاءت فيه رواية بذلك، وذلك لأنَّ معناه بالتشديد: هم يدهنون أنفسهم، وإذا كان من باب (الإفعال)؛ يكون معناه: هم يدهنون غيرهم، فلا مانع من ذلك، إلا أنه موقوف على الرواية، وقال بعض الشراح عن السفاقسي: فيه ثلاثة أوجه؛ اثنان منها ما ذكرناهما الآن، والوجه الثالث:","vol":"1","page":111},{"text":"هو تشديد الدَّال وتشديد الهاء أيضًا.\nقلت: ولا منع من ذلك من حيث قاعدة التصريف، ولكن رعاية السماع أولى مع رعاية المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى.\n (لا يرون) أي: من سلف من الصحابة والتابعين (به) أي: باستعمال عِظام الموتى (بأسًا)؛ أي: حرجًا، فلو كان نجسًا؛ لما استعملوه امتشاطًا وادهانًا، وعلم منه ضرورة أنه إذا وقع منه شيء في الماء؛ لا يفسده؛ لأنَّه طاهر، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور؛ لأنَّه لا تحله الحياة، ولحديث أم سَلَمَة ﵂ مرفوعًا: «لا بأس بمسك الميتة إذا دُبِغ، ولا بشعرها إذا غُسِل بالماء»، ولحديث ابن عباس: (إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها، وهو اللحم، فأمَّا السن، والجلد، والعظم، والشعر، والصوف؛ فهو حلال)، رواهما الدارقطني وغيره، وقال البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم عن الزُّهري شيئًا بمعناه.\nوزعم ابن بطال أن حديث أم سَلَمَة رواه يوسف بن أبي السفر، وهو متروك.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا يؤثر فيه ما قال إلا بعد جهته، والجرح المبهم غير مقبول عند الحذاق من الأصوليين، وكان هو كاتب الأوزاعي، وقال ابن حبيب: أجاز الليث، وابن الماجشون، وابن وهب، ومطرف، وإصبغ: الامتشاط بها، والادهان فيها، وقال الليث وابن وهب: إن غلا العظم في ماء سخن وطبخ؛ جاز الادهان منه، والامتشاط فيه، وقال مالك والشافعي: عظم الفيلة ونحوه نجس؛ لما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عِظام الفيل، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل، ولم يطلق تحريمها؛ لأنَّ عروة، وابن شهاب، وربيعة أجازوا الامتشاط بها، وقال مالك: إذا ذكي الفيل؛ فعظمه طاهر، وقال الشافعي: الذكاة لا تعمل في السباع؛ فهو نجس؛ لأنَّه تحله الحياة، قال تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ*قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].\nقلت: ما رواه الشافعي لا يدل على أنه نجس؛ لأنَّه موقوف عليه، والكراهة لا تفيد النَّجاسة، بل يفيد الطهارة مع كراهة التنزيه، فيجوز استعماله، لا سيما وقد روي ذلك مرفوعًا إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، فكيف يترك العمل بالحديث المرفوع؟! وأيضًا الآية لا تدل على ما قاله؛ لأنَّ معنى إحياء العظام: ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بَدَنٍ حيٍّ حساس؛ بدليل أن أجزاء الإنسان تفرق في مشارق العالم ومغاربه، ويصير بضعه في أبدان السباع، وبعضه في حواصل الطيور، وبعضه في جدران المنازل، فيجمعها ﷾ ويردها كما كانت عليه، وهذا معنى الآية، فالعظم لا تحله الحياة؛ فافهم.\n (وقال ابن سيرين): هو محمَّد التابعي المشهور (وإبراهيم): هو النخعي، وأسقط أكثر الرواة ذكر إبراهيم النخعي، أمَّا تعليق ابن سيرين؛ فذكره عبد الرزاق عن الفربري، ولفظه: (أنه كان لا يرى بالتجارة في العاج بأسًا)، وفي بعض الروايات ذكر إبراهيم النخعي، ولم أر من الشراح من ذكر لفظ أثره، ولعله باللفظ الذي ذكره المؤلف بقوله: (لا بأس) أي: لا حرج (بتِّجارة العاج)؛ أي: بتجارة في العاج، والتِّجارة؛ بكسر المثناة الفوقية، وفي بعض النسخ: (بنُّجارة)؛ بالنُّون المضمومة، من النجر؛ وهو القشر والخرط؛ والمعنى: لا بأس باستعمال نشارة (^١) العاج؛ لأنَّها طاهرة، والرواية المصححة: أنه بالمثناة، ويحتمل أن النجارة؛ بالنُّون محرفة عنها، أو غلط من الناسخين؛ فافهمو (العاج)؛ بتخفيف الجيم، جمع عاجة، قال الجوهري: العاج: عظم الفيل، وكذا قال في «العباب»، ثم قال: (والعاج أيضًا: الذَّبل؛ وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، والخاتم، وغيرهما، وقال جرير:\nترى العبس الحولي جونًا بكوعها (^٢) ... لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل\nفهذا يدل على أنَّ العاج غير الذَّبل، وفي «المحكم»: العاج: أنياب الفيلة، ولا يسمى غير الناب عاجًا، وقد أنكر الخليل أن يسمى سوى أنياب الفيلة، وذكر غيره أن الذَّبل يسمى: عاجًا، وكذا قاله الخطابي، وأنكروا عليه، والذَّبْل؛ بفتح الذال المعجمة، وسكون الموحدة، قال الأزهري: الذَّبل: القرون، فإذا كان من عاج؛ فهو مسك وعاج، ووقف، وإذا كان من ذبل؛ فهو مسك لا غير.\nوزعم ابن حجر قال القالي: العرب تسمي كل عظم: عاجًا، فإن ثبت هذا؛ فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل.\nوردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر نقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل على طهارة عظم الميتة مطلقًا) انتهى؛ أي: سواء كانت من مأكول اللحم أو غيره، والمراد من الدليل: الأحاديث المرفوعة إلى النبيِّ الأعظم ﵇، كما وقفت عليها؛ فافهم.\nفالأحاديث والآثار في هذا الباب تدل صريحًا على أنَّ عظام الميتة طاهرة مطلقًا، وهو مذهب ابن سيرين وإبراهيم النخعي، فإن أثرهما يدل على الطهارة مطلقًا، كما ذكرنا، ويدل لذلك ما ذكره ابن الملقن من أنه روي عن النبيِّ [عليه] السَّلام: (أنه امتشط بمشط من عاج)، وروى أبو داود: أنه ﵇ قال لثوبان (^٣): «اشتر لفاطمة سوارين من عاج»، لكنهما ضعيفان.\nقلت: لكنهما قد تعددت طرقهما، وبتعدادها يتقويان؛ فافهم.\nوزعم القسطلاني: أن إيراد المؤلف لهذا كله يدل على أنَّ عنده أن الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغيير، كما هو مذهب مالك، انتهى.\nقلت: ولا يلزم من إيراده لها أن يكون عنده كذلك؛ لأنَّ مراده بيان المذاهب من الصحابة والتابعين لا بيان مذهبه، على أنه لو كان مذهبه هكذا؛ لأورد حديثًا يدل لما عنده مع أنه قد أنكر حديث القلتين هو وأشياخه، وبعضهم ضعفه من حيث السند والمتن، وقد بسطنا الكلام عليه فيما مضى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٠٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-408>[حديث: ألقوها وما حولها فاطرحوه]</span>\n٢٣٥ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل): هو ابن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك): هو ابن أنس الأصبحي، (عن ابن شهاب): زاد في الرواية: (الزُّهري)؛ أي: محمَّد بن مسلم، (عن عُبيد الله)؛ بالتصغير، بضمِّ العين (بن عبد الله)؛ بالتكبير، زاد في رواية: (ابن عُتْبَة بن مسعود)، (عن ابن عباس) ﵄، (عن ميمونة): أم المؤمنين بنت الحارث خالة عبد الله بن عباس ﵄: (أنَّ رسول الله ﷺ سُئل)؛ بضمِّ السين المهملة، مبنيًّا للمفعول، قال القسطلاني: ويحتمل أن يكون السائل ميمونة.\nقلت: وهذا الاحتمال بعيد؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لقالت: قلت: يا رسول الله ﵇، ولم تقل: (سُئل)؛ بالبناء للمجهول؛ لأنَّها لو كانت هي السائلة؛ يلزم منها بالإبهام صفة الكبر والعجب، وهي وأمثالها منزهة عن ذلك؛ فليحفظ، فالتحقيق أنه لم يعلم السائل، (عن فأْرة)؛ بهمزة ساكنة، وجمعها: فأر؛ بالهمز أيضًا، وقد تبدل الهمزة ألفًا (سقطت)؛ أي: وقعت (في سمن)؛ أي: جامد، كما في رواية النسائي عن مالك، وزاد المؤلف في (الذبائح): (فماتت)؛ لأنَّها في حال حياتها طاهرة، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه جميعًا بلا خلاف بينهم، وهو مذهب مالك والجمهور، وعند الشافعي: هي نجسة، كما زعمه ابن العربي؛ فافهم، (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (أَلقوها)؛ أي: الفأرة؛ بقطع الهمزة المفتوحة؛ أي: ارموها (وما حولها)؛ أي: وما حول الفأرة من السمن، ويعلم من هذه الرواية: أن السمن كان جامدًا، كما صرح به في الرواية الأخرى؛ لأنَّ المائع لا حوله (^٤) له؛ إذ الكل حوله، قاله صاحب «عمدة القاري» ﵀، ورضي الله عنه، وقوله: (فاطرحوه): ثبت في رواية؛ ومعناه: اطرحوا الملقي (^٥) من الفأرة وما حولها، وهذا مراد من عبر بـ (اطرحوا) بالجميع، ويكون تأكيدًا لما قبله، (وكلوا سمنكم)؛ أي: الباقي؛ لعدم تنجسه بسريان النَّجاسة إليه؛ لأنَّه جامد؛ لأنَّ الجامد لا يسري بعضه إلى بعض، بخلاف المائع، قال في «عمدة القاري»: وفي الحديث: أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة أو نحوها؛ تُطْرَحُ الفأرة، ويؤخذ ما حولها من\n_________\n(^١) في الأصل: (بشارة)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (الفيل يجري وجوه بكعوبها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (لنوبان)، وهو تصحيف.\n (^٤) في الأصل: (لا حول)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (الملقو)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":112},{"text":"السمن، وتُرْمَى به، ولكن إذا تحقق أن شيئًا منها إذا لم يصل إلى شيء خارج عما حولها، والباقي يُؤْكَل، ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا كان جامدًا؛ فيجري فيه هذا الحكم، وأما المائع؛ فقد اختلفوا فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنَّه ينجس كله قليلًا كان أو كثيرًا، وقد شذَّ قوم؛ فجعلوا المائع كله كالماء، ولا يعتبر ذلك؛ لأنَّهم ليسوا عند أهل العلم ممن يعتد لهم بخلاف، فلا وجه للاشتغال برده، وسلك داود بن علي الظاهري مسلكهم إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه تبع فيه ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخل وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النَّجاسة إياها بما ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه ألَّا يتعدى الفأرة، كما لا يتعدى السمن، قال: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته، فقالت طائفة: لا يستصبح به، ولا ينتفع بشيء منه، وممن قال بذلك الحسن بن صالح وأحمد ابن حنبل محتجين بالرواية المذكورة، وإن كان مائعًا؛ فلا تقربوه، وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز، وقال آخرون: يجوز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع، وهو قول مالك بن أنس، ومحمَّد بن إدريس، والثوري، أما الأكل؛ فمجمع على تحريمه إلا الشذوذ الذي قدمناه، وأما الاستصباح؛ فروي عن علي وابن عمر ﵃: أنهما أجازا ذلك، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله ﵇: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم أكل شيء؛ حرم ثمنه»، وقال الجمهور منهم: يجوز أن ينتفع به، ويجوز بيعه، ولا يؤكل، وممن قال بذلك: الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد، وأصحابه، والليث بن سعد، وقد روي ذلك عن أبي موسى الأشعري، والقاسم، وسلام محتجين بالرواية الأخرى وإن كان مائعًا، فاستصبحوا به، وانتفعوا به، والبيع من باب الانتفاع.\nوأما قوله في حديث عبد الرزاق: (وإن كان مائعًا؛ فلا تقربوه)؛ فيحتمل أن يراد به الأكل، وقد أجرى ﷺ التحريم في شحوم الميتة من كل وجه، ومنع الانتفاع بشيء منها غير الأكل، ومن حجة النظر: أن شحوم الميتة محرمة العين والذات، وأما الزيت ونحوه إذا وقعت فيه الفأرة الميتة؛ فإنما يَنْجُس بالمجاورة، وما يَنْجُس بالمجاورة؛ فبيعه جائز؛ كالثوب تصيبه النَّجاسة من الدم وغيره؛ فيصح بيعه.\nوأما قوله ﵇: «إن الله إذا حرم أكل شيء؛ حرم ثمنه»؛ فإنما حرم على لحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يُبَحِ الانتفاع بشيء منها، وكذلك الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع: غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة، وروي عن مالك أيضًا، وصفته: أن يعمد إلى ثلاثة أوان أو أكثر، فيجعل النجس في واحدة منها حتى يكون نصفها أو نحوه، ثم ينصَبُّ عليه الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من أعلى الماء، ثم يجعل في آخر، ويعمل به كذلك، ثم في آخر، وهو قول ليس لقائله سلف فيه، ولا تسكن النفس إليه.\nوقال الإمام أبو يوسف ﵁: يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثًا، وتجفيفه في كل مرة، وذلك كالحنطة، والخرقة الجديدة، والحصير، أو السكين المموه بالماء النجس، واللحم المغلي بالماء النجس، فالطريق فيه أن تُغْسَلَ الحنطة ثلاثًا، وتجفف في كل مرة، وكذلك الحصير، وتغسل الخرقة حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم، ولا لون، ولا رائحة، وتُمَوَّه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات، ويُطْبَخ اللحم ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ويرد من الطبخ، وأما العسل، واللبن، ونحوهما إذا ماتت فيه فأرة ونحوها؛ فتجعل في الإناء، وتصب فيه الماء، ويطبخ حتى يعود إلى ما كان، هكذا يفعل ثلاث مرات.\nوقال الإمام محمَّد بن الحسن ﵁: ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس؛ لا يطهر أبدًا، وقد روي ذلك عن عطاء، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عنه قال: ذكروا أنه يُدْهَنُ به السفن، ولا يمس ذلك، ولكن يؤخذ بعود، فقلت: يُدْهَنُ به غير السفن؟ قال: لم يعلم، قلت: وأين يُدْهَنُ به من السفن؟ قال: ظهورها ولا يُدْهَنُ بطونها، قلت: فلا بد أن يمس، قال: يغسل يديه من مسه، وقد روي عن جابر: المنع من الدهن به، وعن سحنون: إن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد الملك: إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر؛ فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه؛ أزيل ذلك منه، ولم يتنجس، وإن ماتت فيه؛ تنجس وإن كثر (^١)؛ لأنَّ الفأرة حال حياتها طاهرة عندنا وعند مالك، وقول ابن العربي: إنها نجسة عندنا خطأ، بل النَّجاسة قول الشافعي، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٠٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-409>[حديث: خذوها وما حولها فاطرحوه]</span>\n٢٣٦ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو ابن المديني (قال: حدثنا مَعْن)؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة، آخره نون: ابن عيسى أبو يحيى القزَّاز -بالقاف، والزايين المنقوطتين؛ أولاهما مشددة- المدني، كان له غلمان حاكة وهو يشتري القز، ويلقي إليهم، وكان يتوسد عُقْبَة بن مالك، قرأ «الموطأ» على مالك للرشيد وبنيه، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (قال: حدثنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي، (عن ابن شهاب): محمَّد بن مسلم الزُّهري، (عن عُبيد الله)؛ بضمِّ العين، بالتصغير (بن عبد الله)؛ بالتكبير (بن عُتْبَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الفوقية، وفتح الموحدة بعدها (بن مسعود) ﵄، و(عُتْبَة): هو أخ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم أجمعين، (عن ابن عباس): عبد الله ﵄، (عن مَيْمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وسكون التحتية، وضم الميم الثانية: بنت الحارث أم المؤمنين، وخالة ابن عباس ﵄: (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ سُئل)؛ بضمِّ السين المهملة، مبني للمجهول، فالظاهر هنا وفيما سبق: أن السائل غير ميمونة، وزعم ابن حجر أن السائل عن ذلك هي ميمونة، ووقع في رواية القطان، وجويرة عن مالك في هذا الحديث: (أن ميمونة استفتت)، رواه الدارقطني.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأن في رواية البخاري من طريقين صريح بأنَّ السائل غير ميمونة مع أنه يحتمل أنها هي، ولكن لا يمكن الجزم بأنَّها هي السائلة، كما جزم به هذا القائل، انتهى.\nواعترضه العجلوني: بأنَّه إذا كان في رواية البخاري تصريح بأنَّ السائل غيرها كيف يحتمل أن تكون هي؟ انتهى.\nقلت: ولا يخفى عليك أن ميمونة زوجة النبيِّ الأعظم ﵇ وهي عنده في مجسله، فجاء السائل وسأله عن حكم وقوع الفأرة، فأجابه ﵇ عن ذلك، ثم إن ميمونة سألت النبيَّ ﵇ عن ذلك حتى تعلم الحكم الذي قصه ﵇، فأجابها ﵇ بذلك أيضًا، فالقصة واحدة، والسائل متعدد، ويحتمل تعدد القصة أيضًا، ويحتمل أن السائل غير معلوم، ورواية الدارقطني لا تدل على أنَّ ميمونة سألت؛ لأنَّه يحتمل أن السائلة امرأة عندها أمرتها بالسؤال منه ﵇؛\n_________\n(^١) في الأصل: (كثير).","vol":"1","page":112},{"text":"فتأمل.\n (عن فأْرة) بهمزة ساكنة، وقد تبدل ألفًا (سقطت)؛ أي: وقعت (في سمن)؛ أي: جامد فماتت فيه، كما سبق التصريح بهذا في الروايات، (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، وقوله: (خذوها)؛ أي: الفأْرة، يدل على أنَّ السائلين جماعة؛ لأنَّه أتى بصيغة الجمع، وأقله اثنان ميمونة والسائل، كما قدمناه؛ فافهم (وما حولها)؛ بالحاء المهملة؛ أي: وما حول الفأْرة، وهو يدل على أنَّ السمن كان جامدًا؛ لأنَّ المائع لا حول له؛ إذ الكل حوله كما سبق، (فاطرحوه): الضمير المنصوب فيه يرجع إلى المأخوذ الذي دل عليه قوله: (خذوها)، والمأخوذ هو الفأْرة وما حولها، ويرى المأخوذ ويؤكل الباقي، كما دلت عليه الرواية الأولى.\nفإن قلت: من أين يعلم في هذه الرواية جواز أكل الباقي؟\nقلت: لأنَّ الطرح لأجل جواز مأكوليته، ويفهم منه جواز مأكولية الباقي؛ بدليل الرواية الأخرى، قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (قال معن) أي: ابن عيسى السابق قريبًا: (حدثنا مالك) أي: ابن أنس الأصبحي: (ما لا أُحصيه)؛ بضمِّ الهمزة، بعدها مهملتين؛ معناه: لا أعده ولا أضبطه؛ لكثرته، فإن أصل الإحصاء العد، استعير للبيان والحفظ؛ لأنَّ العد يكون لأجلهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، (يقول عن ابن عباس) ﵄، (عن ميمونة): خالته أم المؤمنين ﵂، فأشار المؤلف بهذا إلى أنَّ الصحيح في هذا عن ابن عباس عن ميمونة وإن كانت هذه الطريقة أنزل من الطريقة الأولى؛ لأنَّ في إسناد هذا الحديث اختلافًا كثيرًا بيَّنه الدارقطني حيث روي تارة بإسقاط ميمونة من حديث الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبيِّ الأعظم ﵇، وهذه رواية الأوزاعي عن الزُّهري، ومنهم من لم يذكر عن عبد الله بن عباس ولا ميمونة؛ كيحيى بن بكير، وأبي مصعب، وتارة بإسقاط ابن عباس، كما لم يذكر في رواية ابنِ وهب ابن عباس، وكذا في رواية القعنبي عن مالك من غير ذكر ميمونة، ورواه أبو داود من حديث عبد الرزاق عن الزُّهري، عن سَعِيْد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، ولفظه: (سُئل رسول الله ﷺ عن الفأْرة تقع في السمن، قال: «إذا كان جامدًا؛ فألقوها، وإن كان مائعًا؛ فلا تقربوه»)، وقال أبو عمرو: (هذا اضطراب شديد من مالك في سند هذا الحديث)، وقال الإسماعيلي: هذا الحديث معلول، وفي رواية: (سئل الزُّهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد وغير جامد، فقال: بلغنا أن رسول الله ﵇ أمر بفأْرة ماتت في سمن، فأمر بما قَرُبَ منها، فطُرِحَ، ثم أكل)، ولما كان الأمر كذلك؛ بيَّن البخاري أن الرواية التي فيها ابن عباس عن ميمونة هي الأصح، ألا ترى أن معن بن عيسى يقول: حدثنا مالك -يعني: هذا الحديث-: (ما لا أُحصيه)؛ يعني: مرارًا كثيرة لا يضبطها؛ لكثرتها، يقول عن ابن عباس عن ميمونة، كذا في «عمدة القاري»، وتمامه فيه، وقال الكرماني: (قال معن): هو كلام ابن المديني، فهو داخل تحت الإسناد، ويحتمل وإن كان احتمالًا بعيدًا أن يكون تعليقًا من البخاري.\nوزعم ابن حجر أنه متصل وأبعد من قال: إنه معلق.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ احتمال التعليق غير بعيد، ولا يخفى ذلك، انتهى.\nفالحاصل: أنه إما متصل أو معلق.\n\n <span id=\"b-٤١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-410>[حديث: كل كلْم يكلمه المسلم في سبيل الله]</span>\n٢٣٧ - وبه قال: (حدثنا أحمد بن محمَّد): هو ابن موسى المروزي المعروف بمردويه، هكذا قاله الحاكم أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر حامد بن محمود بن علي الفزاري في كتابه، وذكر الدارقطني: أنَّه أحمد بن محمَّد بن عدي المعروف بشبويه، وقال: أبو أحمد بن عدي بن أحمد بن محمَّد عن عبد الله بن معمر: لا يعرف، ومردويه مات سنة خمس وثلاثين ومئتين، أخرج له الترمذي والنسائي، ولا بأس به، وشبويه مات سنة تسع وعشرين أو ثلاثين ومئتين، روى عنه أبو داود، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، (قال: أخبرنا): ولابن عساكر: (حدثنا) (عبد الله): هو ابن المبارك (قال: أخبرنا مَعْمَر)؛ بفتح الميمين، وسكون العين المهملة بينها، آخره راء: هو ابن راشد، (عن همَّام): على وزن (فعَّال)؛ بالتشديد (بن مُنَبِّه)؛ بضمِّ الميم، وفتح النُّون، وكسر الموحدة، (عن أبي هريرة): عبد الرحمن بن صخر ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ قال: كل كَلْم)؛ بفتح الكاف، وسكون اللام، قال الكرماني: أي: جراحة، وردَّه في «عمدة القاري»، فقال: (وليس كذلك، بل الجرح من كَلَمه كلمًا؛ إذا جرحه، من باب «ضرَب يضرِب»، والجمع: كلوم وكلام، ورجل كليم ومكلوم؛ أي: مجروح، ومنه اشتقاق الكلام من الاسم والفعل والحرف) انتهى.\nقلت: وما قاله الكرماني مأخوذ من كلام «الصحاح» حيث قال: (والكلم: الجراحة، تقول: كلمته كلمًا، وقرأ بعضهم: (دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تَكْلِمُهُم) [النمل: ٨٢]؛ أي: تجرحهم وتسمهم، والتكليم: التجريح) انتهى، فالجراحة في كلام «الصحاح»: اسم للجرح، وهو الظاهر، وتُطْلَق على الجرح؛ بالضم، ولا يعبر عن الاسم بالمصدر، فهما غير مترادفين؛ فليحفظ، وقد خبط العجلوني هنا؛ فاجتنبه.\n (يُكْلَمه)؛ بضمِّ المثناة التحتية، وسكون الكاف، وفتح اللام؛ أي: يتكلم به، فحذف الجار، ووصل المجرور إلى الفعل، وقوله: (المسلمُ): ومثله: المسلمة: مرفوع؛ لأنَّه مفعول لفاعله، ويجوز بناؤه للفاعل، وفي رواية: (كل كلمة يكلمها المسلم) (في سبيل الله): قيد به؛ ليخرج ما إذا كلم الرجل في غير سبيل الله، وعند المؤلف في (الجهاد): (والله أعلم بمن يكلم في سبيله)، وأخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة يرفعه: «والذي نفسي بيده؛ لا يكلم أحد في سبيل الله، والله يعلم بمن يكلم»، وفي لفظ آخر: «ما وقعت قطرة أحب إلى الله من قطرة دم في سبيل الله، أو قطرة دمع في سواد الليل لا يراها إلا الله ﷿»، ففيه: إشارة إلى أنَّ الأجر الموعود به إنَّما يحصل لمن خلصت نيته يوم القيامة؛ أي: في المحشر؛ لأنَّ القلوب صناديق الأعمال، وإخلاص النية لا يعلمه إلا الله تعالى، فمن أخلص؛ فله الثواب، ومن راءى؛ فلا أجر له، وقد يقال: إن الفرائض لا يدخلها الرياء، كما نقله العلماء، فيحصل له الثواب على الفرائض وإن كان مرائيًا؛ لأنَّ الفرائض لا يدخلها الرياء، والله أعلم، (يكون)؛ أي: الكلم، وفي رواية: (تكون)؛ بالفوقية؛ أي: الكلمة (يوم القيامة)؛ أي: المحشر والمنشر (كهيئتها)؛ أي: كهيئة الكلمة، وأنث الضمير باعتبار الكلمة.\nوزعم الكرماني وتبعه ابن حجر أن تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة.\nوردَّه في «عمدة القاري» قال: قلت: وليس كذلك، بل باعتبار الكلمة؛ لأنَّ الكلمة والكلم مصدران، والجراحة اسم لا يعبر به عن المصدر مع أنَّ بعضهم قال: يوضحه رواية القابسي عن أبي زيد المروزي، عن الفربري: (كل كلمة يكلمها)، كذا هو في رواية ابن عساكر، قال: قلت: هذا يوضح ما قلت لا ما قاله؛ فافهم.\nأقول: والمراد بقوله: (بعضهم): ابن حجر، فإنَّه لما قال: (إن تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة)؛ استند إلى رواية القابسي وابن عساكر مع أنه قد فهم ذلك بالعكس، فإن هذه الرواية صريح في أنها تدل لما قاله صاحب «عمدة القاري» حيث إنَّه صرح أن التأنيث باعتبار الكلمة، وقد جاء التأنيث في الرواية مصرحًا به؛ فليحفظ، ولعل كلام ابن حجر مبني على رواية كل من التذكير والتأنيث؛ فخلط، وأبهم، وقام، وخبط، والظاهر المتبادر من كلامهم: أن في لفظ (كهيئتها) روايتين؛ التذكير: وهو يرجع إلى الكلم، والتأنيث: وهو يرجع إلى الكلمة، فكلام الإمام صاحب «عمدة القاري» صحيح؛ لأنَّه أراد أن الضمير في (كهيئتها) راجع إلى (الكلمة) المتقدمة، وهو ظاهر، وأنه أراد أن الضمير في (كهيئته) على الرواية الثانية راجع إلى (الكلم)، وهو مذكور أيضًا، وهو ظاهر، والمناسب للحديث إرادة المصدر يدل عليه قوله الآتي: (تفجر دمًا)، والمتفجر: إنَّما هو المصدر لا الجراحة، وعلى ما قاله ابن حجر فيه ركاكة وخبط وخلط، وقد تبعه على ذلك العجلوني، وانتصر له، وانتصاره حيث إنَّه قد ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء، وقال: (ولم","vol":"1","page":113},{"text":"يدر ما يقول؛ لأنَّه من شدة التعصب والعناد لم يعلم أنه هل أخطأ أم أجاد؟ بل هو إلى الأول أصوب؛ فافهم ذلك)؛ فافهم.\n (إذْ)؛ بسكون الذال، وفي بعض النسخ وجميع نسخ «مسلم»: (إذا) (طُعِنَتْ)؛ بألف بعد الذال، وهي هنا لمجرد الظرفية، أو هي بمعنى (إذ)، فقد يتعاقبان، فلا يرد أن (إذا) للاستقبال، ولا يصح المعنى عليه، أو هو لاستحضار صورة الطعن؛ إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩] يكون أيضًا بما في معناه، كما فيما نحن فيه، قاله الكرماني، ثم قال: (طُعِنَتْ)؛ بالتأنيث، والبناء للمفعول، والمطعون المسلم؛ لأنَّ أصله طعن بها، فحذف الجار، وأوصل الضمير المجرور إلى الفعل، وصار المنفصل متصلًا.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا تعسف، بل التأنيث فيها باعتبار الكلمة كما في هيئتها؛ لأنَّها هي المطعونة في الحقيقة، والذي يكلم إنَّما يسمى مطعونًا باعتبار الكلمة والطعنة) انتهى.\nقلت: فعلى هذا: لا مجاز في إيقاع الطعن على الكلمة، وعلى ما ذكره الكرماني هو من المجاز، ولا يخفى أنَّ الأول هو الأولى؛ لأنَّ الحقيقة لا ريب أنها أولى، ومقدمة على المجاز.\nواعترض البرماوي على الكرماني فقال: (إن التاء علامة لا ضمير، فإن أراد الضمير المستتر؛ فتسميته متصلًا طريقة، والأجود أن الاتصال والانفصال وصفان للبارز) انتهى؛ يعني: أن في طعن ضمير المسلم المتقدم وهو نائب عن الفاعل، فإذا حذفنا الجار ووصلنا الضمير؛ صار التقدير: طعنها، فكيف يكون تأنيث الفعل لما ذكر؟! وكأنه اعتبر أن النائب عن الفاعل الجار والمجرور، وهو بعيد؛ فتأمل، والله أعلم.\n (تفجَّر دمًا) منصوب على التمييز، و(تفجَّر): بتشديد الجيم؛ لأنَّ أصله: يتفجر، فحذفت إحدى التاءين؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَارَا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، أصله: تتلظى، قاله في «عمدة القاري»، وقال الكرماني: (تفجُر)؛ بضمِّ الجيم، من الثلاثي، وبفتح الجيم المشددة، وحذفت التاء الأولى منه من (التفعيل)، قال صاحب «عمدة القاري»: (أشار بهذا إلى جواز الوجهين فيه، ولكنه مبني على مجيء الرواية بهما) انتهى (اللون): ولأبي ذر: (واللون) بالواو (لون الدم): الجملة إما حالية أو استئنافية، و(اللون) في المبصرات، وهو أظهر الممسوسات حقيقة ووجودًا، فلهذا استغنى عن تعريفه وإثباته بالدليل، ومن القدماء من زعم أنه لا حقيقة للألوان أصلًا، ومنهم من ظن أن اللون الحقيقي ليس إلا السواد والبياض، وما عداهما إنَّما يحصل من تركيبهما، ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقية (^١) خمسة: السواد، والبياض، والحمرة، والخضرة، والصفرة، وجعل البواقي مركبة منها، والدم أصله: دَمَو؛ بالتحريك، وإنما قالوا: دما يدمي؛ لأجل الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا: رضا يرضي، من الرضوان، وقال سيبويه: أصله: دَمي؛ بالتحريك وإن جاء جمعه مخالفًا لنظائره، والذاهبة منه الياء، والدليل عليها قولهم في تثنيته: دميان، وبعض العرب تقول في تثنيته: دموان، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» ﵀، ورضي عنه، (والعَرْف عَرْف)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الرَّاء، آخره فاء: وهو الرائحة الطيبة، وأصحاب الأعراف: الذين يجدون عَرْف الجنة؛ أي: ريحها، وكذا يقال: هو الرائحة المنتنة أيضًا، لكن الأكثر في الطيبة؛ فافهم (المِسك)؛ بكسر الميم، وهو معرَّب: مُشك؛ بالشين المعجمة، وضم الميم، ويروى: (عرف مسك)؛ منكرًا، وكذا الدم يروى، وهذا لا يستلزم أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعل الله شيئًا يشبه هذا، ولا كونه دمًا يستلزم أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، ويجوز أن يحوله الله تعالى إلى مسك حقيقة؛ لقدرته على كل شيء، كما أنه يحول أعمال بني آدم من الحسنات والسيئات إلى جسده؛ ليوزن في الميزان الذي ينصبه يوم القيامة.\nففي الحديث: أن الحكم في دم الشهيد أنه يأتي يوم القيامة على هيئته حتى يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله، وكون رائحته على رائحة المسك إظهار الفضيلة لأهل المحشر، ولهذا لا يغسل دمه خلافًا لابن المسيب والحسن.\nفإن قلت: ما وجه مناسبة الحديث للترجمة؟\nقلت: أجاب صاحب «عمدة القاري»: (بأنه لما كان مبنى الأمر في الماء التغيير بوقوع النَّجاسة، وأنه يخرج عن كونه صالحًا للاستعمال لتغير صفته التي خلق عليها؛ أورد له نظيرًا بتغير دم الشهيد، فإن مطلق الدم نجس، ولكنه تغير بواسطة الشهادة في سبيل الله تعالى، ولهذا لا يُغْسَلُ عنه دمُه؛ ليظهر شرفه يوم القيامة لأهل الموقف، فانتقال صفته المذمومة إلى الصفة المحمودة حيث صار انتشاره كرائحة المسك؛ فافهم) انتهى.\nوأجاب الكرماني: (بأن المسك أصله دم انعقد، وفضلة نجسة من الغزال، فيقتضي أن يكون نجسًا كسائر الدماء، وكسائر الفضلات، فأراد البخاري أن يبين طهارته بمدح الرسول ﵇ كما بين طهارة عظم الفيل بالأثر، فظهرت المناسبة غاية الظهور وإن استشكله القوم غاية الاستشكال) انتهى.\nوردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (لم تظهر المناسبة بهذا الوجه أصلًا، وظهورها غاية الظهور بعيد جدًّا، واستشكال القوم باق، ولهذا قال الإسماعيلي: إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب لا وجه له أصلًا؛ لأنَّه لا يدخل في طهارة ولا نجاسة، وإنما ورد في «فضل المطعون في سبيل الله») انتهى.\nوأجاب ابن حجر: (بأن مقصود المصنف إيراد هذا الحديث تأكيدًا لمذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة ما لم يتغير؛ لأنَّ تبدل الصفة يؤثر في الموصوف، فكما أن تغير صفة الدم بالرائحة إلى طيب المسك أخرجه من النَّجاسة إلى الطهارة؛ فكذلك (^٢) تغير صفة الماء بالنَّجاسة؛ لخروجه من صفة الطهارة إلى صفة النَّجاسة، فإذا لم يوجد التغير؛ لم توجد النَّجاسة) انتهى.\nوردَّه في «عمدة القاري» بقوله: هذا القائل أخذها من كلام الكرماني، فإنه نقله في «شرحه» عن بعضهم، ثم قال: هذا القائل وتعقب بأنَّ الغرض إثبات انحصار التنجيس بالتغيير، وما ذكر يدل على أنَّ التنجيس يحصل بالتغير، وهو باقٍ إلا أنه لا يحصل إلا به، وهو موضع النزاع.\nقلت: وهذا أيضًا كلام الكرماني، ولكنه سبكه في صورة غير ظاهرة، وقول الكرماني هكذا، فنقول للبخاري: لا يلزم من وجود الشيء عند الشيء ألَّا يوجد عند عدمه؛ لجواز مقتضًى آخر، ولا يلزم من كونه خرج بالتغير إلى النَّجاسة ألَّا يخرج إلا به؛ لاحتمال وصف آخر يخرج به عن الطهارة بمجرد الملاقاة، انتهى.\nوحاصل هذا: أنه وارد على قولهم: إن مقصود البخاري من إيراده هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة، انتهى كلام «عمدة القاري».\nقلت: وهذا كله\n_________\n(^١) في الأصل: (الحقيقة)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (فلذلك)، وهو تحريف.","vol":"1","page":113},{"text":"فاسد؛ لأنَّه لو كان مقصود المؤلف من إيراد هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن الماء لا ينجس بمجرد الملاقاة؛ لكان أورد حديثًا ظاهرَ المناسبة دالًّا على مذهبه، ولما كان يعتمد على حديث المناسبة فيه غير ظاهرة، بل هي خفية، وما هذا إلا تخمين ووهم مع أن المؤلف ليس مراده هنا بيان مذهبه ولا بيان الأحكام، بل مراده بيان الأحاديث الواردة التي استنبط منها العلماء الأحكام، فإن ظهر له منها حكم؛ ترجم به وصدره، وذكر الأحاديث التي أخذ منها العلماء الأحكام، ومع هذا فقد يذكر حديثًا يكون فيه حكم غير مطابق لما ترجم له في الظاهر، والحال أنه له حكم من الأحكام على أنَّ المؤلف قد أنكر حديث القلتين، وضعفه أشياخه من حيث اضطرابه سندًا ومتنًا وغير ذلك، وأنه لا يعتمد عليه كما بسطناه فيما قدمناه.\nوأجاب ابن بطال: (بأنه إنَّما ذكر البخاري هذا الحديث في نجاسة الماء؛ لأنَّه لم يجد حديثًا صحيح السند في الماء، فاستدل على حكم المائع بحكم الدم المائع، وهو المعنى الجامع بينهما).\nوردَّه في «عمدة القاري»: (بأنَّه وجه غير حسن لا يخفى) انتهى.\nقلت: فإن المؤلف قد ذكر أحاديث صحيحة السند في الماء فيما سيأتي، وساقها في باب على حدة بأسانيد صحيحة.\nفقوله: (لم يجد...) إلخ؛ ممنوع، وإن أراد بما ذكر حديث القلتين؛ فهو ظاهر؛ لأنَّه حديث ضعيف مضطرب من حيث السند والمتن لا اعتماد عليه.\nوقوله: (فاستدل على حكم...) إلخ؛ هذا ممنوع أيضًا، فأي جامع بين المائع والدم، فإن الفرق بينهما ظاهر؟! وأي دليل على المعنى الجامع بينهما؟! وما هو إلا احتمال بعيد، وتخمين غير سديد؛ فافهم.\nوأجاب ابن رشيد: (بأن مراد المؤلف أن انتقال الدم إلى الرائحة الطيبة هو الذي نقله من حالة الذم إلى حالة المدح، فحصل من هذا تغليب وصف واحد، وهو الرائحة على وصفين؛ وهما الطعم واللون، فيُسْتَنْبَطُ منه: أنه متى تغير أحد الأوصاف الثلاثة بصلاح أو فساد؛ تبعه الوصفان الباقيان) انتهى، وبمثله أجاب ابن المنيِّر والقشيري.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا ظاهر الفساد؛ لأنَّه لم يلزم منه إذا تغير وصف واحد بالنَّجاسة ألَّا يؤثر حتى يوجد الوصفان الآخران، وليس كذلك، فإن هذا لم ينقل إلا عن ربيعة، وكل هؤلاء الأوجه خارجون عن الدائرة، ولم يذكر واحد منهم وجهًا صحيحًا ظاهرًا لإيراد هذا الحديث في هذا الباب؛ لأنَّ هذا الحديث في بيان فضل الشهيد على الحكم المذكور فيه من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطهارة والنَّجاسة من أمور الدنيا، وكيف يلتئم هذا بذاك، ورعاية المناسبة في مثل هذه الأشياء بأدنى وجه يلمح فيه كافية، والتكلفات بالوجوه البعيدة غير مستملحة، واعتمد الجواب الذي صدرنا به السؤال في أول البحث، وهو الظاهر من المناسبة لهذا الحديث، وكل هذه الأوجه التي (^١) قالها هؤلاء الشارحون خارجة عن دائرة المناسبة، فالذي قاله صاحب «عمدة القاري» هو الوجه الصواب، وعليه الاعتماد؛ لحصول وجهه بالنظر الصحيح، والقول الفصيح الذي لا غبار عليه، فلله در هذا المؤلف ما أغزر علمه وأوفر الفهم والذكاء! ﵀، ورضي عنه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤١١\"> </span>(٦٨) <span data-type=\"title\" id=toc-411>[باب الماء الدائم]</span>\n (باب الماء الدائم)؛ بالجر صفة للمضاف إليه؛ أي: هذا باب في بيان حكم الماء الراكد؛ وهو الذي لا يجري من حيث البول فيه، والتوضؤ، والاغتسال منه، وفي رواية الأصيلي: (باب لا تبولوا في الماء الراكد؛ وهو الذي لا يجري)، وفي بعضها: (باب البول في الماء الدائم الذي لا يجري)، وتفسير (الدائم): هو الذي لا يجري، وذكر قوله بعد ذلك: (الذي لا يجري) يكون تأكيدًا لمعناه، وصفة موضحة له، وقيل: للاحتراز عن راكد لا يجري بعضه؛ كالبرك ونحوها.\nوردَّه في «عمدة القاري» قال: (قلت: فيه تعسف، والألف واللام في «الماء» إما لبيان حقيقة الجنس، أو للعهد الذهني، وهو الماء الذي يريد المكلف التوضؤ به، والاغتسال منه) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤١٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-412>[حديث: نحن الآخرون السابقون]</span>\n٢٣٨ - وبه قال: (حدثنا أبو اليَمَان)؛ بفتح التحتية، وتخفيف الميم: هو الحَكَم -بفتحتين- بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي جمرة (قال: حدثنا): وفي رواية: (أخبرنا) (أبو الزِّناد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف النُّون: عبد الله بن ذكوان: (أنَّ عبد الرحمن بن هُرْمُزَ)؛ بضمِّ الهاء، وسكون الرَّاء، وضم الميم، والمنع من الصرف؛ لأنَّه أعجمي، ففيه العلمية والعجمة (الأعرج) صفته (حدَّثه)؛ أي: حدَّث أبا الزِّناد: (أنَّه سمع أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه: (أنَّه سمع): وللأصيلي: (قال: سمعت)، ولابن عساكر: (أنَّه يقول: سمعت) (رسول الله ﷺ يقول) جملة محلها نصب على الحال: (نحن الآخِرون)؛ بكسر الخاء المعجمة، جمع الآخر بمعنى المتأخر، يذكر في مقابلة الأول، وبفتحها جمع لآخر أفعل التفضيل، وهذا المعنى أعم من الأول، والرواية بالكسر فقط؛ ومعناه: نحن المتأخرون في الدنيا من حيث الوجود، فإنَّا آخر الأمم وجودًا، ولا توجد بعدنا أمة، بل نحن الآخرون (السابقون)؛ أي: المتقدمون في الآخرة من حيث البعث، والحساب، ودخول الجنة.\nقال في «عمدة القاري»: والحكمة في تقديم هذا الحديث فقد اختلفوا فيها؛ فقال ابن بطال: يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبيِّ ﵇، وما بعده في نسق واحد، فحدَّث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون همَّام فعل ذلك؛ لأنَّه سمعهما من أبي هريرة، وإلا؛ فليس في الحديث مناسبة للترجمة، قيل: في الاحتمال الأول نظر؛ لتعذره، ولأنَّه ما بلغنا أن النبيَّ ﵇ حفظ عنه أحد في مجلس واحد مقدار هذه النسخة صحيحًا إلا أن يكون من الوصايا الغير الصحيحة، ولا يقرب من الصحيح، وقال ابن المنير: ما حاصله: أن همَّامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة استفتحها له أبو هريرة بحديث: «نحن الآخِرون»، فصار همام كلما حدث عن أبي هريرة؛ ذكر الجملة من أولها، وتبعه البخاري في ذلك، وذلك في مواضع أخرى في كتابه في (الجهاد)، و(المغازي)، و(الأيمان والنذور)، و(قصص الأنبياء) ﵈، و(الاعتصام) ذكر في أوائلها كلها: (نحن الآخرون السابقون)، وقال ابن المنير: هو حديث واحد، فإذا كان واحدًا؛ تكون المطابقة في آخر الحديث، وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان واحدًا؛ لما فصله البخاري بقوله: (وبإسناده)، وأيضًا فقوله: (فنحن الآخرون) طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة، ولو راعى البخاري ما ادعاه؛ لساق المتن بتمامه، ويقال: الحكمة في هذا أن حديث: (نحن الآخرون السابقون) أول حديث في صحيفة همَّام عن أبي هريرة، كان همَّام إذا روى الصحيفة؛ استفتح بذكره، ثم سرد (^٢) الأحاديث، فوافقه البخاري ههنا، ويقال: الحكمة فيه: أن من عادة المحدثين ذكر الحديث جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة، ولا يكون ما فيه مقصودًا بالاستدلال، وإنما جاء تبعًا لموضع الدليل، وفيه نظر لا يخفى، وزعم الكرماني ناقلًا عن بعض أهل العصر مناسبة صدر الحديث لآخره: أن هذه الأمة آخر من يُدْفَنُ من الأمم، وأول من يُخْرَجُ منها؛ لأنَّ الأرض لهم وعاء، والوعاء آخر ما يوضع فيه، وأول ما يخرج منه، وكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر منه، فينبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله، قلت: فيه جر الثقيل، ولا يشفي الغليل، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري».\nقلت: وقيل: ووجهه: أن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان؛ لكنَّ هذه الأمة سبقتهم\n_________\n(^١) في الأصل: (الذي)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (سود)، وهو تحريف.","vol":"1","page":114},{"text":"باجتناب الماء الراكد إذا وقع فيه البول، فلعلهم كانوا لا يجتنبون.\nوردَّ بأنَّ بني إسرائيل كانوا أشدَّ مبالغة في اجتناب النَّجاسة، فكيف يظن بهم التساهل في هذا؟ ألا ترى أن أحدهم إذا أصاب ثوبه نجاسة؛ قرضه بالمقراض؛ تحرُّزًا عن النَّجاسة، وقيل: الصواب أن البخاري يذكر في الغالب الشيء كما سمعه جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة وإن لم يكن باقيه مقصودًا، وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنَّه أداهما على الوجه الذي سمعها.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم من ذكره كما سمعه أن يذكر الجملة المشتملة على الحديثين في سياق واحد، ويكون غرضه منها أحدهما، بل يجوز أن يَذْكُرَ الحديث الواحد المتضمن للدلالة فقط ويَتْرُكَ غيره، ونظير ذلك: ما ذكره في أول باب (النية)، فإنَّه ذكر قطعة من الحديث متضمنة لما ترجم له، وساقه بتمامه في موضع آخر؛ لبيان غرضه؛ فافهم.\nوالظاهر: أنَّ المؤلف ساق الحديث الأول بسنده، ثم أسند الثاني إلى شيخه، ولم يذكر سنده؛ للاختلاف في سنده وأشياخه من حيث تعدُّد طرقه، فإن الحديث الثاني قد ساقه الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي، وأخرجه من عشرة طرق، وكلها صحيحة كما ستقف عليها، ولأنَّ ذلك يفيد قوَّة على الحديث الأول على أنَّه قد اختلف أيضًا في لفظ متنه كما ستعلمه، فلهذا: المؤلف اقتصر على قوله: (وبإسناده) وساق الحديث الأول؛ فافهم.\n٢٣٩ - (وبإسناده): الضمير يرجع إلى الحديث؛ أي: حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حدَّثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، وعلي بن شيبة بن الصلَّت البغدادي قالا: حدَّثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: سمعت ابن عوف يحدِّث عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: (نهى -أو نهي- أن يبول في الماء الدائم -أي: الراكد - ثم يتوضأ منه، أو يغتسل فيه).\nالطريق الثاني: حدثنا علي بن سَعِيْد بن نوح البغدادي قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي قال: حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»، وأخرج مسلم نحوه.\nالطريق الثالث: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي، عن الحارث بن أبي ذئاب- وهو رجل من الأزد- عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه أو يشرب»، وأخرجه البيهقي بنحوه إسنادًا ومتنًا.\nالطريق الرابع: حدثنا يونس قال: أخبرني عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكير بن عبد الله بن الأشبح حدَّثه: أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا يَغْتَسِلُ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب»، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» نحوه: (عن عبد الله بن مسلم، عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب...) إلى آخره.\nالطريق الخامس: حدَّثنا ابن أبي داود قال: حدثنا سَعِيْد بن الحكم بن أبي مريم قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: حدثني أبي، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه».\nالطريق السادس والسابع: حدثنا حسن بن نصر البغدادي قال: حدثنا محمَّد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا سفيان.\n (ح): وحدثنا فهد قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد؛ فذكر مثله.\nالطريق الثامن: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا عبد الرحمن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول عن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل».\nالطريق التاسع: حدَّثنا الربيع بن سليمان الجيزي قال: حدَّثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد قال: أخبرنا حيوَة بن شريح قال: سمعت ابن عجلان يحدِّث عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد، ولا يغتسل منه».\nالطريق العاشر: حدَّثنا إبراهيم بن منقذ العضوي قال: حدثني إدريس بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثله غير أنه قال: «ولا يغتسل فيه جنب»، وتمامه في «عمدة القاري».\n (قال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (لا يبولَنَّ)؛ بفتح اللام، وبنون التأكيد الثقيلة، وفي رواية ابن ماجه: (لا يبول)؛ بغير نون التأكيد (أحدكم): خطاب خاص المراد به العام (في الماء الدائم): من دام الشيء يدوم ويدام، يقال: ديمًا ودوامًا وديمومة، قال ابن سيده: وأصله من الاستدارة؛ لأنَّ أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء إذا كان بمكان؛ فإنه يكون مستديرًا في الشكل، ويقال: الدائم: الثابت الواقف الذي لا يجري، فقوله: (الذي لا يجري) إيضاح لمعناه، وتأكيد له، ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية مسلم عن جابر، ولا في بعض الروايات، وقيل: احترز به عن الماء الدائر وإن كان جاريًا من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى، وقيل: الدائم: الراكد، كما جاء في بعض الروايات، وفي «تاريخ نيسابور»: (الماء الراكد: الدائم)، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم: هو الذي له نبع، والراكد: لا نبع له، ويطلق الدائم أيضًا على الجاري؛ كالأنهار التي لا ينقطع ماؤها؛ لديمومة مائها واستمراره، لكنه غير مراد هنا، واحترز به عن الجاري كلًّا أو بعضًا؛ كالبرك التي يجري بعضها، وكالبحرات التي في ديارنا الشريفة الشامية، فإن الجاري إذا خالطه الشيء النجس؛ دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه فيغلبه، فيصير في معنى المستهلَك، ويخلفه الطاهر الذي لم يخالطه النجس، فلا ينهى عنه نهي تحريم، بل تنزيه، وأما الراكد؛ فلا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، بل يتداخله، فمهما أراد استعمال شيء منه؛ كان النجس فيه قائمًا، فالنهي فيه للتحريم، ولهذا قال العلماء: النهي عن البول في الماء يرجع إلى الأصول، فإن كان الماء جاريًا أو ما في حكمه؛ فالنهي للتنزيه، وإن كان راكدًا قليلًا؛ فالنهي للتحريم.\nوزعم ابن الأنباري أن الدائم من الأضداد، يقال للساكن والدائر، انتهى.\nقلت: لكنه للساكن حقيقة، وللدائر وغيره مجازًا، فهو من باب عموم المجاز بأن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز، فالحمل في قوله: (الذي لا يجري) على التأكيد أو التوضيح أولى وأوجه؛ لأنَّ الذي لا يجري هو الساكن حقيقة؛ فليحفظ، لا يقال: لو لم يقل: (لا يجري)؛ لكان مجملًا؛ لأنَّا نقول: الدائم: هو الذي لا يجري حقيقة، فهو إيضاح لمعناه، وتأكيد له؛ لأنَّ الدائم هو الساكن الذي لا يجري، كما لا يخفى؛ فافهم، على أنه قد فسر النبيُّ الأعظم ﵇ الدائم: بأنَّه هو الذي لا يجري، فلا يجوز العدول عن هذا التفسير، والدائم: يشمل القليل؛ كالبحرات التي في ديارنا، والكثير: وهو الذي لم يبلغ عشرًا في عشر، فإن النجس ينجِّسه وإن لم يتغير في الظاهر، لكنه متغير من حيث إنَّ النجس اختلط في أجزاء الماء، والله تعالى أعلم.\n (ثم يغتسل فيه)؛ أي: أو يتوضأ؛ أي: في الدائم الذي لا يجري، وتفرد المؤلف بلفظ: (فيه) هنا،","vol":"1","page":114},{"text":"وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد: (ثم يغتسل منه)؛ بكلمة (من)، وكل واحد من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط، كذا في «عمدة القاري»، وذلك لأنَّ لفظة (فيه) تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ولفظة: (منه)؛ بعكس ذلك، ويدل لهذا ما قدَّمنا عن أبي هريرة حيث قال: (يتناوله تناولًا)؛ أي: بإناء صغير أو بأصابعه مضمومة، كما سبق البحث فيه، قال في «عمدة القاري»: يجوز في (يغتسل) ثلاثة أوجه: الجزم: عطفًا على (لا يبولنَّ)؛ لأنَّه مجزوم الموضع بـ (لا) التي للنهي، ولكنه بني على الفتح؛ لتوكيده بالنُّون، والرفع: على تقدير: ثم هو يغتسل فيه، وهو المشهور في الرواية، والنصب: على إضمار (أن)، وإعطاء (ثم) حكم واو الجمع، ونظيره في الأوجه الثلاثة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٠٠]، فإنه قرئ بالجزم للسبعة، والرفع والنصب على الشذوذ.\nوزعم النووي أنَّه لا يجوز النصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقلْه أحدٌ، بل البول فيه منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا.\nوردَّه في «عمدة القاري» بأنه أراد تشبيه (ثم) بـ (الواو) في جواز النصب بعدهما لا في اقتضاء الجمع، ولئن سلمنا ذلك؛ فلا يضرنا؛ إذ كون الجمع منهيًّا عنه يعلم من دليل آخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]: على تقدير النصب، انتهى، ومثله كحديث مسلم مرفوعًا: (نهى النبيُّ ﵇ عن البول في الماء الراكد)، وكحديثه عن أبي هريرة: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، وذكر مثله في «المغني»، وقال: إن إجراء (ثم) مجرى (الفاء) و(الواو) هو مذهب الكوفيين.\nومنع القرطبي النصب أيضًا فقال: إذ لا تُضْمَرُ (إن) بعد (ثم)، ولو أراد النهي؛ لقال: ثم لا يغتسل، فحينئذٍ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأنَّ المحل الذي توارد عليه شيء واحد، وهو الماء، قال: فعدوله عن ذلك يدلَّ على أنَّه لم يرد العطف، بل (فيه) على مآل الحال؛ والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، ويمتنع عليه استعماله، ومثَّله بقوله ﵇: «لا يضربنَّ أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعها»، فإنه لم يروِه أحد بالجزم؛ لأنَّ المراد: النهي عن الضرب؛ لأنَّه يحتاج إليه في مثل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقديره: ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب: (ثم هو يغتسل منه).\nوردَّ بأنَّه لا يلزم من تأكيد النهي ألا يُعْطَفَ عليه نهيٌ آخر غير مؤكد؛ لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنًى ليس للآخر، وهذا ظاهر؛ فافهم.\nفالحاصل: أنَّه يجوز في (يغتسل) ثلاثة أوجه؛ فليحفظ.\nقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: احتج بالحديث أصحابنا على أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى أنَّ القلَّتين تحمل النَّجاسة؛ لأنَّ الحديث مطلق، فبإطلاقه يتناول القليل، والكثير، والقلتين، والأكثر منهما، ولو قلنا: إنَّ القلتين لا تحمل النجاسة؛ لم يكن للنهي فائدة، على أنَّ هذا الحديث أصح من حديث القلَّتين، انتهى.\nقلت: بل حديث القلَّتين مما لا يثبت، كما صرَّح به الحفَّاظ، فهو بالجملة ضعيف واه لا يُعْمَلُ به.\nوزعم ابن قدامة: أن حديث القلَّتين وحديث بئر بضاعة نصٌ يخالف ما ذهب إليه الأئمَّة الحنفية، وبئر بضاعة لا يبلغ إلى الحدِّ الذي يمتنع التنجيس عندهم.\nوردَّه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (لا نسلم أن هذين الحديثين نصٌ في خلاف مذهبنا، أمَّا حديث القلَّتين؛ فلأنَّه مضطرب سندًا ومتنًا، والقلَّة في نفسها مجهولة، والعمل بالصحيح المتَّفق عليه أولى وأقرب، وأمَّا حديث بئر بضاعة؛ فإنَّا نعمل به، فإنَّ ماءها كان جاريًا) انتهى.\nقلت: وبِضاعة: اسم امرأة، وهي بكسر الموحدة وضمها: بئر قديمة بالمدينة، يلقى فيها الجيف ومحايض النساء، فذكر ذلك للنبيِّ ﵇ حين توضأ منها، فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه»، وقد كان ماؤها جاريًا في البساتين يسقى منه خمسة بساتين، وفي الماء الجاري لا ينجس بوقوع النَّجاسة عندنا.\nلا يقال: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص بئر بضاعة مع وجود دليل العموم فيه، وهو الألف واللام؟\nلأنَّا نقول: هذا ليس من باب الخصوص في شيء، وإنَّما هو من باب الحمل للتوفيق، فإن الحديثين إذا تعارضا وجُهل تاريخهما؛ جُعل كأنهما وردا معًا، ثم بعد ذلك إن أمكن العمل بهما؛ يحمل كلٌّ منهما على محمل، وإن لم يمكن؛ يطلب الترجيح، وإن لم يمكن؛ تهاترتا، وههنا: أمكن العمل بأن يحمل هذا الحديث على بئر بضاعة، وحديث المستيقظ وحديث الباب على غيرها، فعلمنا بذلك دفعًا للتناقض على أنَّ حديث بئر بضاعة لم يثبت، كما ذكره الدارقطني وغيره، فلا يعارض الصحيح القوي، وقال البيهقي: إنه غير قوي، فلا يصحُّ الاستدلال به، وإنما صحَّ بدون استثناء، وظاهره: أنه غير مراد إجماعًا؛ لأنَّه إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ تنجَّس إجماعًا، كذا قرره في «منهل الطلاب».\nفقول ابن قدامة: (وبئر بضاعة لا يبلغ...) إلخ فاسد؛ لما علمت، على أنَّ البيهقي روى عن الشافعي: أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة، وكان يُطرح فيها من الأنجاس ما لا يغيِّر لها لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا؛ فافهم.\nثم قال إمام الشارحين: فإن قالوا: حديثكم عامٌّ في كل ماء، وحديثنا خاصٌّ فيما يبلغ القلَّتين، وتقديم الخاصِّ على العام متعين، كيف وحديثكم لا بدَّ من تخصيصه، فإنَّكم وافقتمونا على الماء الكثير الذي يزيد على عشرة أذرع، وإذا لم يكن بدٌّ من التخصيص، فالتخصيص بالحديث أولى؟\nقلنا: لا نسلِّم أنَّ تقديم الخاص على العام متعين، بل الظاهر من مذهب الأئمَّة الحنفية ترجيح العام على الخاص في العمل به، كما في تحريم (^١) بئر الناضح، فإنَّه رجح قوله ﵇: «من حفر بئرًا؛ فله مما حولها أربعون ذراعًا» على الخاص الوارد بقوله ﵇: «ليس فيما دون خمس أوسق صدقة»، ونُسخ الخاص بالعام.\nوقولهم: (التخصيص بالحديث أولى) قلنا: هذا إنَّما يتمُّ ويكون؛ إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع، وحديث القلَّتين خبر آحاد، ورَدَ مخالفًا لإجماع الصحابة، فيُرَدُّ.\nوبيانه: أن ابن عباس وابن الزبير ﵄ أفتيا في زنجيٍّ وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله، ولم يَظْهَرْ أثرُه في الماء، وكان الماء أكثر من قلَّتين، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم يُنْكِرْ عليهما أحد منهم؛ فكان إجماعًا، وخبر الواحد إذا ورد مخالفًا للإجماع؛ يُردُّ، ويدلُّ لهذا أنَّ علي ابن المديني قال: (لا يثبت هذا الحديث عن النبيِّ ﵇)، وكفى به قدوة في هذا الباب، وقال أبو داود: (لا يكاد يصحُّ لواحد من الفريقين حديث عن النبيِّ ﵇ في تقدير الماء)، وقال صاحب «البدائع»: (ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدَّلائل الحسِّية دون الدلائل السَّمعية) انتهى.\nثم قال إمام الشارحين: فهذا الحديث عامٌّ، فلا بدَّ من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر؛ لما قلنا، أو بالعمومات الدَّالة على طهورية الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كما ذهب إليه مالك، أو بحديث القلَّتين، كما ذهب إليه الشافعي، وزعم ابن حجر: أن التفصيل بالقلَّتين أقوى؛ لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به: بأنَّ القلَّة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة والجرَّة، ولم يثبت في الحديث تقديرها، فيكون مجملًا، فلا يُعْمَلُ به، وقوَّاه ابن دقيق العيد، قال إمام الشارحين: هذا القائل ادَّعى، ثم أبطل دعواه بما ذكره، فلا يحتاج إلى ردِّ كلامه بشيء آخر.\n_________\n(^١) في الأصل: (حريم).","vol":"1","page":115},{"text":"واعترضه العجلوني، فقال: (ليتأمل كلامه من أين أبطل دعواه بما ذكره؟) انتهى.\nقلت: كيف خفي عليه ذلك، وهو ظاهر لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؟ فإن قوله: (القلة في العرف تطلق...) إلخ؛ دليل ظاهر على إبطال مدَّعاه، وذلك لأنَّ القلَّة في نفسها مجهولة؛ لأنَّها تذكر ويراد بها: قامة الرجل، وتذكر ويراد بها: رأس الجبل، كما روي ذلك عن علي ﵁، وتذكر ويراد بها: الجرَّة، وتطلق على الكبيرة والصغيرة، فلا ريب أنَّها مجهولة، وبالمجهول لا يثبت الأحكام.\nوقوله: (ولم يثبت في الحديث تقديرها): ظاهر أيضًا في إبطال دعواه؛ لأنَّه إذا لم يثبت تقديرها في الحديث؛ كيف يصح ويجوز العمل به؟!\nوقوله: (فيكون مجملًا، فلا يعمل به): ظاهر أيضًا في إبطال دعواه؛ لأنَّ المجمل لا يجوز العمل به.\nوقول الشافعي: (بقلال هجر) منقطع للجهالة التي ذكرناها، والتعيين لـ (قلال هجر)، إنَّما جاء من قول جرير، وهو غير ثابت من غيره، فالتَّعيين بقول جرير لا يثبت؛ لأنَّه مقلِّد فيبقى الاحتمال، ويبطل الاستدلال؛ فافهم.\nونقل العجلوني عن القاسم بن سلام: أن المراد بالقلة: الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة؛ لم يحتج لذكر العدد، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة، ويُرجع في الكبيرة إلى العرف، والظاهر: أن الشارع ترك تحديدهما على سبيل التوسعة، والعلم محيط بأنَّه ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمونه، فانتفى الإجمال، لكن لعدم التحديد وقع الخلف بين السلف في مقدارهما على تسعة أقوال حكاها ابن المُنْذِر، ثم حدَّث بعد ذلك تحديدهما بالأرطال، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، فأيُّ دليل دلَّه على أنَّ المراد بالقلة: الكبيرة، وما هي إلا دعوى باطلة؟\nوقوله: (إذ لو أراد الصغيرة...) إلخ؛ ممنوع، فإن ذكر العدد يحتاج إليه في الكبيرة قطعًا؛ إذ لا فرق بين الكبيرة والصغيرة من حيث العدد.\nوقوله: (فإن الصغيرتين...) إلخ؛ هذا دليل فاسد، فإنَّ المقادير لا تقدَّر بالرأي، بل بالدليل الظاهر، وهنا ليس كذلك.\nوقوله: (ويرجع في الكبيرة...) إلخ؛ فاسد، فإن العرف في هذا لا مجال له؛ لأنَّه يختلف باختلاف الأزمان، والبلدان، والأشخاص، فيلزم أن تكون في زمن مقدرة بشيء، وفي غيره بعده بشيء آخر، وكذا في بلد وبلد، وهذا تناقضٌ وقولٌ بالرأي بعينه، وهو مردودٌ لا يُعْمَلُ به.\nوقوله: (والظاهر...) إلخ، من أين جاءه هذا الظاهر وما هو إلا دعوى من غير دليل؟! فأي ظاهر ظهر له من غير دليل؟!\nوقوله: (على سبيل التوسعة): ممنوع، فإنَّ الشارع لو كان مراده التوسعة؛ لبين مقدارها، ولكن علم أنَّها مجهولة في لسان العرب، تطلق ويراد بها: قامة الرجل إلى غير ذلك كما تقدم.\nوقوله: (والعلم محيط...) إلخ؛ هذا فاسد، فإن الصحابة ﵃ كان لهم إطلاقات في القلَّة، فإن عليًّا ﵁ كان يطلق القلَّة، ويريد بها: قامة الرجل، ويطلقها ويريد بها: رأس الجبل.\nفقوله: (فانتفى الإجمال)؛ ممنوع، بل ثبت الإجمال، وثبتت الجهالة، كما لا يخفى.\nوقوله: (لكن لعدم...) إلخ؛ استدراك لما قدمه، وفيه إبطال لما ادعاه من عدم الإجمال، وقد رجع إلى القول بالإجمال والجهالة، فإنَّ عدم تحديدها هو عين الإجمال والجهالة.\nوقوله: (وقع الخلف...) إلخ؛ فإن الخلاف الواقع بين السلف في مقدارها على الأقوال المذكورة دليل ظاهر على الإجمال والجهالة؛ لأنَّها لو كانت معلومة؛ لم يقع الخلاف في مقدارها، والتقدير الذي حدث بعد ذلك بالأرطال هو قولٌ بالرأي بعينه، وهو مردودٌ غير مقبول؛ لأنَّه لم يثبت عن النبيِّ الأعظم ﵇، ولم يُنْقَل عنه أصلًا، ولا عن أحد من الصحابة ﵃، ولا عن أحد من التابعين، بل اختراع ورأي فاسد على أن قدمنا عن علي ابن المديني شيخ المؤلِّف أنَّه قال: (حديث القلَّتين مما لا يثبت)، وقال البيهقي: (إنه غير قوي)، وقد تركه الغزالي والروياني مع شدَّة تعصبهما للشافعي؛ لشدَّة ضعفه، فلا يعارض القوي الصحيح، وإذا كان كذلك؛ فالاشتغال بردِّه لا حاجة إليه؛ لأنَّه لا يعمل به، ولا يعتمد عليه، لا سيما ومسائل الطهارة مبنيَّة على الاحتياط، وهنا ليس كذلك، بل فيه عدمه؛ فليحفظ.\nواستدلَّ بالحديث الإمام الثاني أبو يوسف قدس سره على نجاسة الماء المستعمل، فإنه قرن فيه بين الغسل فيه والبول فيه، أمَّا البول فيه؛ فينجسه، فكذلك الغسل، وفي دلالة القران بين الشيئين مع استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن الإمام أبي يوسف وتبعه المزني ذلك، وخالفهما غيرهما.\nواعترض ابن حجر، فزعم أن دلالة القران ضعيفة.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا عجيب منه، فإذا كانت دلالة القران صحيحة عندهم؛ فقوله: (وهي ضعيفة) يردُّ على قائله على أنَّ مذهب أكثر أصحاب إمامه مثل مذهب الإمام أبي يوسف على تنجُّس الماء المستعمل، فإنَّ البول ينجِّس الماء، فكذلك الاغتسال فيه.\nثم قال ابن حجر: وعلى تقدير تسليمها قد يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال؛ لئلا يسلبه الطهورية.\nوردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا أعجب من الأول؛ لأنَّه تحكم حيث لا يفهم هذه التسوية من نظم الكلام، والذي احتجَّ به في نجاسة الماء المستعمل يقول بالتسوية من نظم الكلام.\nثم قال ابن حجر: ويزيد ذلك وضوحًا ما في رواية مسلم: (كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا)، فدلَّ على أنَّ المنع عن الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أنَّ المستعمل غير طهور، انتهى.\nقلت: هذا أعجب مما تقدم، فإن رواية مسلم: (يتناوله تناولًا) تدل على النَّجاسة صريحًا؛ لأنَّه دلَّ على منع الانغماس فيه، وأنَّه يأخذ منه بإناء صغير حتى يُفْرِغَ على بدنه وأعضائه، فالمنع عن الانغماس فيه لئلا يصير نجسًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به بالكلية، فهذا دليل ظاهر على النَّجاسة، وزاد دليل النَّجاسة وضوحًا، لا كما زعم، فإنه يفهم الشيء بالعكس.\nوقوله: (والصحابي أعلم...) إلخ سلَّمنا أنه أعلم، لكنَّه هنا لم نسلِّم أنَّه فهم من كلامه أنَّ المستعمل طاهر، بل قوله: (يتناوله تناولًا): يعمُّ معنيين: النَّجاسة وهو الأظهر، والطهارة وهو بعيد؛ لأنَّ التناول الأخذ بإناء من إناء آخر، وهو يدلُّ على كمال التحرُّز، وهو يفيد أنَّه ينجس.\nوقوله: (وهذا من أقوى...) إلخ، بل هذا دليل واهٍ أوهى من بيت العنكبوت، فإن الأدلة على النَّجاسة ظاهرة؛ كالشمس في رابعة النهار، تقدَّم لنا الكلام عليها، وهذا منها؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (في الحديث: التأديب بالتنزُّه عن البول في الماء الراكد، وقد أخذ داود الظاهري بظاهر هذا الحديث، وقال: النهي مختصٌّ بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختص ببول نفسه، وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه أيضًا، وجاز أيضًا للبائل إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، ثم جرى إليه، وهذا أقبح ما نُقِلَ عنه) انتهى.\nقال العجلوني: تخصيصه الحكم بالبول دون الغائط غير ظاهر، بل هو أشد وأكره، وكذا تخصيصه الحكم ببول نفسه، وأمَّا كونه أقبح ما نقل عنه، فهو ظاهر إن كان هذا الحكم مع فرض الماء كثيرًا ولم يتغير، وأمَّا إذا كان الماء قليلًا أو كان كثيرًا لكنَّه تغير؛ فلا قبح","vol":"1","page":115},{"text":"في ذلك؛ لتنجيس الماء بذلك) انتهى.\nقلت: أما قوله: (تخصيصه الحكم...) إلخ مسلَّمٌ، ولا نسلِّم التفصيل الذي ذكره بقوله: (وأمَّا إذا كان الماء قليلًا...) إلخ؛ لأنَّه في هذه الحالة أقبح بلا ريب؛ لتنجيس الماء الطاهر، فإنَّ تنجيس كلِّ طاهر حرام، فهو أقبح بلا شبهة.\nوحاصله: أنه لا اختصاص بالبول، بل الغائط مثله، بل هو أقبح، وكذا الاختصاص ببول نفسه؛ لأنَّه لا فرق في بول الآدمي بين الفاعل وغيره، وآدميٍ وآدميٍ آخر إلا الأنبياء ﵈، وكذا لا اختصاص للبائل إذا بال في إناء، فإن كلَّ ذلك عامٌّ، حكمه حكم البول في الماء؛ لأنَّ المراد به حصول النَّجاسة، وقد وُجدت، وهو قبيح؛ لأنَّ تنجيس الطاهر حرام، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوفي الحديث: دليل على نجاسة بول الآدمي وغيره مما لا يُؤْكَل لحمه؛ لأنَّه ﵇ أضاف البول إلى الآدمي، وهو غير مأكول اللحم، فالحيوان الذي لا يؤكل لحمه بوله كبوله، فاستفيد من الحديث: أن بول ما يُؤْكَل لحمه له حكمٌ خاصٌّ غير هذا، فذهب الإمام الأعظم والإمام أبو يوسف أنه نجس مخفَّف، وذهب الإمام محمَّد إلى أنَّه طاهر، كما قدَّمناه.\nوزعم العجلوني أن في الحديث دليلًا (^١) على نجاسة بول الآدمي وغيره ولو من مأكول اللحم.\nقلت: نجاسة بول الآدمي وغيره مما لا يؤكل لحمه مسلَّمٌ، ولا نسلِّم أن بول مأكول اللحم نجس بدلالة الحديث؛ لأنَّ الحديث لا يدل على ذلك؛ لأنَّه ﵇ قال: «لا يبولنَّ أحدكم»، فأضاف البول إلى الآدمي، فدل على المغايرة بينهما؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشارحين: إن المذكور في الحديث الغسل من الجنابة، فيلحق به الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والعيدين، والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبهما، فإن قلت: هل يلحق به الغسل المسنون أم لا؟ قلت: من اقتصر على اللفظ؛ فلا إلحاق عنده، كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس؛ فمن زعم أن العلة الاستعمال؛ فالإلحاق صحيح، ومن زعم أن العلة رفع الحدث؛ فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الثاني بين الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد في كون الماء مستعملًا، انتهى.\nوزعم العجلوني أن الغسل عامٌّ، وكان تخصيصه بما ذكره؛ لأنَّه المتبادر، فليس في الحديث تخصيص.\nقلت: بل فيه تخصيص من حيث إنه ﵇ قد صرح بالغسل من الجنابة، ففي «مسلم» عن أبي هريرة بلفظ: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، فالتخصيص بالجنابة مصرَّح به في الحديث بنصِّه ﵇، فبقية الاغتسالات بطريق الإلحاق لا بطريق العموم، فإن الحديث ليس من العامِّ في شيء، فإن المراد بالغسل إنَّما هو من الجنابة، لا سيما وقد فسره النبيُّ الأعظم ﵇ بأنَّه من الجنابة، فهو من الخصوص قطعًا، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤١٣\"> </span>(٦٩) <span data-type=\"title\" id=toc-413>[باب إذا ألقى على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته]</span>\nهذا (باب إذا أُلقي)؛ بضمِّ الهمزة، مبني للمجهول؛ أي: طرح (على ظهر المصلي): أي صلاة كانت وهو في صلاته (قذَر)؛ بفتح الذال المعجمة: ضد النظافة، يقال: قذِرت الشيء؛ بالكسر؛ إذا كرهته، كذا في «عمدة القاري»، فهو لغة: الشيء المستقذر، والمراد به هنا: النجس؛ لأنَّه مستقذر شرعًا، (أو جيفة): وهي جثَّة الميت المريحة، وجملة: (لم تفسُد)؛ بضمِّ السين؛ أي: لم تبطل، قاله العجلوني، وفيه نظر؛ لأنَّ الفساد والبطلان في العبادات سيَّان لا فرق بينهما، فكيف فسَّر الفساد بالبطلان؟ وما هو إلا لعدم فهم معاني الكلام؛ (عليه صلاته): جواب (إذا)، قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: وجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ الباب الأول يشتمل على حكم وصول النَّجاسة الماء، وهذا الباب يشتمل على حكم وصولها المصلي وهو في الصَّلاة، وهذا المقدار يتلمَّح به في وجه الترتيب وإن كان حكمها مختلفًا، فإن في الباب الأول: وصول البول إلى الماء الراكد ينجسه كما ذكرناه، وفي هذا الباب: وصول النَّجاسة المصلي لا تفسد صلاته على ما زعم البخاري، فإنه وضع هذا الباب لهذا المعنى، ولهذا صرَّح بقوله: (لم تفسد عليه صلاته)، وهذا إنَّما يتمشى على مذهب من يرى عدم اشتراط إزالة النَّجاسة؛ لصحة الصَّلاة، لا على مذهب من يقول: إنَّ من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء؛ لا تبطل صلاته.\nوزعم ابن حجر: بأنَّ قوله: (لم تفسد...) إلخ محله ما إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقًا على قول من يذهب إلى أنَّ اجتناب النَّجاسة في الصَّلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه ميل المصنف.\nوردَّه إمام الشارحين فقال: (قلت: من أين علم ميل المصنف إلى القول الثاني، وقد وضع هذا الباب وترجم له بعدم الفساد مطلقًا، ولم يقيده بشيء مما ذكره هذا القائل؟ على أنَّه قد أكَّد ما ذهب إليه من الإطلاق بما روي عن عبد الله بن عمر، وسَعِيْد بن المسيِّب، وعامر الشعبي ﵃، على أنَّ فيه نظرًا على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى) انتهى.\nوزعم العجلوني أنَّ ظاهر كلام المصنف يدلُّ لما قاله ابن حجر، فإن تقييده عدم الفساد للصلاة بما إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة؛ يقتضي التفصيل المذكور، انتهى.\nقلت: وهذا فهم فاسد، فإنَّ ظاهر كلام المصنف والمتبادر منه يدلُّ لما قاله إمام الشارحين، فإن قول المؤلف: (إذا ألقي على ظهر المصلي...) إلخ ليس تقييد لعدم الفساد، بل هو بيان كيفية وصول النَّجاسة [إلى] المصلي، وهو عامٌّ مطلقًا يشمل الابتداء والانتهاء، فهذا ليس بقيد، بل بيان الكيفية في وصول النَّجاسة إلى المصلي، فكلامه يقتضي عدم التفصيل، وهو ظاهر كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، فقد زاد في الطنبور نغمة على ابن حجر.\nثم زعم ابن حجر أن القول بالمنع يخرج عليه صنيع الصحابي الذي استمر في الصَّلاة بعد أن سالت منه الدماء برمْي من رماه.\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: قلت: هذا الصحابي من حديث جابر رواه أبو داود في «سننه»، قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺيعني: في غزوة ذات الرقاع-...)؛ الحديث، وفيه: (فنزل ﵇ منزلًا، وقال: «ما من رجل يكلؤنا؟» فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخصه؛ عرف أنه ريبة للقوم فرماه بسهم، فوضعه فيه، ونزعه حتى قضى ثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد...)؛ الحديث، وتخريج هذا القائل صنيع هذا الصحابي على ما ذكره غير صحيح؛ لأنَّ هذا فعل واحد من الصحابة، ولعلَّه ذهل عنه، أو كان غير عالم بحاله، والتحقيق فيه: أن الدَّم حين خرج أصاب بدنه وثوبه، فكان ينبغي أن يخرج من الصَّلاة ولم يخرج، فلما لم يدل مضيُّه في الصَّلاة على جواز الصَّلاة مع النَّجاسة؛ لا يدل مضيُّه فيها على أنَّ خروج الدم لا يَنْقُضُ الوضوء، انتهى.\nواعترضه العجلوني تعصبًا، فزعم أن كونه فِعْل واحد من الصحابة، واحتمال ذهوله، أو عدم علمه لا ينافي أنَّه ﵇ اطَّلع عليه بعد ذلك بإخبار من الله تعالى أو من غيره، بل هو الظاهر؛ لأنَّه ﵇ كان في تلك الغزاة قطعًا؛ لقول الصحابي: (خرجنا مع رسول الله ﵇)، ودعواه أن التحقيق ما ذكره لا يخفى ما فيها، فإن جزمه بأنَّ الدم أصاب بدنه أو ثوبه لا مستند له إلا الاحتمال الذي يحتمل خلافه، وقوله: (فلما لم يدل مضيُّه...) إلخ هو محل النزاع؛ إذ الخصم يقول: إنًّها صحيحة؛ للاحتمالين اللذين أبداهما، بل يحتمل أنه لم يصبه شيء من الدم يمنع صحتها، وإذا كان كذلك، فيلزم عدم النقض بخروج الدم، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد، واعتراض بارد، فإن كونه فِعْل واحد من الصحابة، وذهوله، أو عدم علمه ينافي أنه ﵇ اطَّلع عليه بعد ذلك بإخبار من ربه أو من غيره؛ ممنوع؛ لأنَّ اطَّلاعه ﵇ عليه في هذه الحالة لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من غيرهم، على أنه لو فرض اطلاعه (^٢) ﵇ عليه؛ لكان إمَّا أقره على ذلك أو منعه منه، بل المنع هو الظاهر.\nوقوله: (بل هو الظاهر...) إلخ ممنوع، فأيُّ ظاهر ظهر له أنَّه أخبره ربه أو غيره؟ وما هو إلا دعوى باطلة، ومسندة فارغة.\nوقوله: (لأنَّه ﵇ كان في تلك الغزاة...) إلخ لا يدل على أنه اطلع (^٣) عليه؛ لأنَّه ﵇ لم يتفقد\n_________\n(^١) في الأصل: (دليل)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (اضطلاعه)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (اضطلع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":116},{"text":"جميع أفعال أصحابه؛ لأنَّ ذلك أمر عسر، ولأن الغزوة حال فرار لا حال قرار، بل الظاهر: أن الصحابي كان بعيدًا عن النبيِّ ﵇ والقوم؛ بدليل أن الصحابة إذا أراد أحدهم البراز أو الغائط؛ ذهب بعيدًا عن الناس، فالصحابي أبعد عن القوم، وفعَلَ ذلك إمَّا على طريق الذهول أو كان غير عالم وهو الظاهر، ولعله علم بعد ذلك بسؤال النبيِّ ﵇ عن ذلك، وقضى صلاته، وهو الظاهر من حاله، كما لا يخفى.\nوقوله: (ودعواه أن التحقيق...) إلخ ممنوع، بل هذا هو الصواب؛ لأنَّ الدم لا يخلو إمَّا أن يصيب البدن أو الثوب، ولا ثالث لهما أصلًا، فهو لا يحتمل خلافه، فهذا دليل على أنه قد تلطَّخ بالدم في بدنه وثوبه؛ لأنَّ خروج الدم وسيلانه لا بدَّ إلا أن يصيب البدن والثوب، كما لا يخفى.\nفقوله: (لا مستند له...) إلخ، بل هو دليل ظاهر، وحجَّة قويَّة لما قاله، وأيُّ دليل ومسند هذا القائل الذي قال ولا يدري ما يقول؟\nوقوله: (إلا الاحتمال...) إل، بل هذا الاحتمال هو الصواب، ولا يوجد احتمال يخالفه، ومن ادَّعاه؛ فهو تعصُّب وتعنُّت.\nوقوله: (هو من محل النزاع...) إلخ ممنوع، فإن الخصم يزعم أن الصَّلاة والدم في الثوب والبدن غير صحيحة.\nوقوله: (بل يحتمل...) إلخ هذا ممنوع قطعًا؛ لأنَّه متى خرج الدم من بدن الإنسان لا بدَّ وأن يصيبه منه شيء لبدنه وثوبه لا سيما الجراحة والكلام فيها، فإنه قطعًا يحصل للشخص تلطُّخ بالدماء في أثوابه وغالب بدنه، وهذا كالمتحقق لا يحتمل خلافه.\nوقوله: (وإذا كان...) إلخ ممنوع، فإنَّه بهذه الحالة يلزم النقض بخروج الدم؛ لأنَّه لا يلزم من مضيِّه فيها عدم النقض بخروجه.\nوالتحقيق: أن يقال: إنَّه لم يعلم بخروج الدم حتى فرغ من صلاته، فلمَّا رآه؛ قضى صلاته؛ لفسادها بطروء الناقض بسؤاله ﵇ عن ذلك، والله تعالى أعلم.\n (وكان) وفي رواية: (قال: وكان) (ابن عمر)؛ أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، والضمير في (قال) يعود إلى المؤلف رحمه الله تعالى، مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (إذا رأى في ثوبه) الذي هو لابسه (دمًا)؛ زائدًا على قدر الدرهم (وهو يصلي): الواو للحال؛ أي: والحال أنه في الصَّلاة؛ (وضعه)؛ أي: ألقى ثوبه عنه، (ومضى في صلاته)؛ أي: بنى عليها، ففيه: دليل ظاهر على جواز البناء في الصَّلاة، وقال في «عمدة القاري»: هذا الأثر لا يطابق الترجمة؛ لأنَّ فيها ما إذا أصاب المصلي نجاسة وهو في الصَّلاة لا تفسد، وهذا الأثر يدل على أنَّ ابن عمر كان إذا رأى في ثوبه دمًا وهو في الصَّلاة؛ وضع ثوبه -بمعنى: ألقاه- ومضى في صلاته، فهذا صريح على أنَّ ابن عمر كان لا يرى جواز الصَّلاة مع إصابة النَّجاسة في ثوبه، والدليل على صحة ما قلنا: ما رواه ابن أبي شيبة من طريق برد من سنان، عن نافع، عن ابن عمر: (أنه كان إذا كان في الصَّلاة فرأى في ثوبه دمًا فاستطاع أن يضعه؛ وضعه، وإن لم يستطع؛ خرج فغسله، ثم جاء يبني على ما كان صلى) انتهى.\nقلت: وهذا ظاهر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\nلكنْ زعم ابن حجر تعصبًا: أن هذا الأثر يقتضي أن ابن عمر كان يرى التفرقة بين الابتداء والدوام.\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا يقتضي هذا أصلًا، وإنما يدل على أنَّه كان لا يرى جواز الصَّلاة مع وجود النَّجاسة مع المصلي مطلقًا؛ أي: سواء كان في حال الابتداء أو في حال الدوام، وهذا حجَّة قويَّة للإمام الثاني أبي يوسف قاضي القضاة فيما ذهب إليه من أن المصلي إذا انتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم؛ ينصرف، ويغسله، ويبني على صلاته، وكذلك إذا ضرب رأسه أو صدمه شيء، فسال منه الدم) انتهى؛ أي: فإنه يبني على صلاته، فزعْمُ هذا الزاعم فاسد.\nوزعم العجلوني أنَّ المفهوم من الأثر أنَّه إذا رأى قبل دخوله في الصَّلاة لا يفعل ما ذكر، بل لا يدخل أصلًا؛ لوجود النَّجاسة، وأمَّا إذا كان فيها؛ فإن سهل عليه إلقاؤه فورًا؛ ألقاه واستمر في صلاته، وإلا؛ قطعها؛ ليغسل تلك النَّجاسة، ثم يعود، فيبني.\nقلت: وهذا زعم فاسد، وفهم بارد؛ لأنَّ الأثر المذكور الذي علمته لا يدل على هذا التفصيل أصلًا، فمن أين فهمه هذا الزاعم؟! وما هو إلا فهم فاسد، وإنما المفهوم صريحًا أن ابن عمر كان لا يرى جواز الصَّلاة مع إصابة النَّجاسة في ثوبه.\nوقوله: (وأما إذا كان فيها...) إلخ ممنوع، فأيُّ دليل يدلُّ على هذا التفصيل، وإنما الذي دلَّ عليه الأثر المذكور: أن ابن عمر كان لا يرى جواز الصَّلاة مع وجود النَّجاسة مع المصلي مطلقًا؛ أي: سواء كان في حال الابتداء أو في حال الدوام.\nوقوله: (وإلا قطعها...) إلخ هذا لا يُفهم من الأثر المذكور أصلًا، فمن أين ظهر له هذا التفصيل الفاسد؟! فإنه ليس في الأثر دليل على القطع، بل فيه دليل صريح على البناء وجوازه في الصَّلاة، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، فالفهم المذكور إنَّما نشأ للعجلوني من العصبية الباردة، والتعنت الزائدة.\nوقد يقال: إن الأثر المذكور يفهم منه شيئان؛ أحدهما: أن ابن عمر رأى في ثوبه دمًا جامدًا زائدًا على قدر الدرهم وهو في الصَّلاة، فحين رآه؛ ألقاه عنه، فهو جائز، قال في «الظهيرية»: (لو ألقى الثوب المتنجس من غير حدثه وعليه غيره؛ أجزأه)، كذا في «البحر»، والثاني: أن ابن عمر رأى في ثوبه دمًا من جرح أصابه وهو في الصَّلاة، فبنى على صلاته، فهو جائز عند الإمام أبي يوسف، وأما عند الإمام الأعظم والإمام محمَّد: لا يبني، والفرق بينهم: أن الحدث إذا كان بصنع العباد؛ فإنه لا يبني عندهما، ويبني عنده، وما كان بغير صنع العباد؛ يبني اتفاقًا، فلو عضَّه زنبور مثلًا، أو أصابته شجَّةٌ، فسال منه دم؛ لا يبني؛ لأنَّه بصنع العباد، وعند أبي يوسف: يبني؛ لعدم صنع نفسه، ولو وقعت طوبة من سطح، أو سفرجلة من شجرة، أو تعثَّر بشيء موضوع في المسجد، فأدماه؛ قيل: يبني اتفاقًا؛ لعدم صنع العباد، وقيل: هو على الخلاف أيضًا، كذا في «التبيين» وغيره، ولو عطس أو تنحنح فسبقه الحدث بقوَّته؛ قيل: يبني، وقيل: لا يبني، وهو الصحيح، كما في «القهستاني» عن «الظهيريَّة».\nواعلم: أن مسائل البناء عند سبق الحدث مروية عن عائشة، وابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وهؤلاء صحابة، وعن علقمة، وطاووس، وسالم بن عبد الله، وسَعِيْد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، ومكحول، وسَعِيْد بن المسيِّب ﵃ أجمعين، وهؤلاء تابعون، وكفى بهم قدوة، كما أوضحه الإمام المحقق حيث أطلق كمال الدين بن الهمام في «فتح القدير» ﵁ ورحمه، والله أعلم.\nوزعم الشافعية أنه لا يبني، بل يستأنف، وهو مذهب مالك وأحمد، لكنْ قيَّده مالك بالوقت، فإن خرج؛ فلا قضاء.\nوزعم العجلوني أن جماعة فرَّقوا بين الابتداء والدوام؛ كمُجَاهِد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، فقالوا: إذا صلى بنجس لم يَعْلَمْه، ثم علمه بعد الصَّلاة؛ لا يعيد، وكذا إذا أصابه في الصَّلاة وهو يعلمه، واستدلوا بحديث أبي سَعِيْد الذي رواه أبو داود بسند صحيح، وقال الحاكم: إنه على شرط مسلم: بينا رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه؛ إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك؛ ألقَوا نعالهم، فلما قضى النبيُّ ﵇ صلاته؛ قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟» قالوا: يا رسول الله؛ رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ: «إن جبريل أتاني، فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا» انتهى.\nقلت: وهذا ذكره ابن بطال، فنقله هذا القائل عنه، والناقل والمنقول عنه مشهوران بالنَّقل الضعيف، فإنَّ هؤلاء الجماعة لم يثبت عنهم هذا الفرق الذي ذكره هذا القائل، بل المنقول المشهور عنهم: أن النَّجاسة تمنع صحة الصَّلاة سواء كانت في الابتداء أو في الدوام،","vol":"1","page":116},{"text":"وأنهم كان يرون جواز البناء كما قدمناه عن ابن عمر وغيره من الصحابة، والحديث الذي ذكره لا يدل على الفرق أصلًا؛ لأنَّ إلقاء النبيِّ ﵇ نعليه يحتمل أن يكون قبل شروعه في الصَّلاة، ويحتمل أن يكون في وسطها، والظاهر: الأول؛ لأنَّ قوله: (يصلي بأصحابه)؛ أي: يتهيَّأ للصلاة بهم، فرآهم جبريل يريدون الصَّلاة، فجاء، فأخبر النبيَّ ﵇: بأنَّ فيهما قذرًا، ويدل لهذا مجيء جبريل، فإنه لا يجيء إليه وهو في الصَّلاة؛ لأنَّه ﵇ مشغول بعبادة ربه، فلا يلتفت لما سواه، وجبريل أيضًا لا يخبره وهو في حال العبادة؛ لأنَّ كلًّا منهما ﵉ في غاية من الأدب في عبادة الربِّ جلَّ وعزَّ.\nوقوله في الحديث: (فلما قضى صلاته): لا يدل على أنَّ الخلع كان في الصَّلاة؛ لأنَّه ﵇ لم يرهم خلعوا نعالهم إلا بعد فراغه من الصَّلاة، بدليل قولهم: (رأيناك ألقيت نعليك)، ورؤيتهم له ﵇ كانت بعد أن شرع في الصَّلاة، فرأوه قد خلع وشرع في الصَّلاة، فخلعوا وشرعوا معه، فبعد فراغهم من الصَّلاة رآهم، والله تعالى أعلم.\n (وقال ابن المسيِّب)؛ بكسر التحتية وفتحها: هو سَعِيْد التابعي (والشَّعْبي)؛ بفتح المعجمة وسكون المهملة: هو عامر التابعي، قال في «عمدة القاري»: وقع للأكثرين: (وقال ابن المسيب)، ووقع للمستملي والسرخسي: (وكان ابن المسيب) بدل (قال).\nفإن قلت: فعلى هذا؛ ينبغي أن يثنِّي الضمير؛ لأنَّ المذكور اثنان؟\nقلت: أراد كل واحد منهما، انتهى، قلت: ويجوز أن يكون خبر (كان) محذوفًا؛ أي: يقولان؛ فتأمل.\nوزعم ابن حجر أن الأكثر بلفظ (قال)، وهو الصواب، وللمستملي والسرخسي بلفظ: (وكان) انتهى.\nقلت: وهذا تناقض، فإن قوله: (وهو الصواب)، وتصريحه بالرواية الأخرى كلام من غير رويَّة ولا معنًى؛ لأنَّ المستملي أحفظ الرواة، فجعْلُ روايته خطأ غيرُ صواب، كما لا يخفى، وأيُّ داع إلى قوله: (وهو الصواب)، وما هو إلا كلام مناف فيه تناقض، كما لا يخفى؟ وليس هذا شأن شارح هذا الكتاب، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»؛ فافهم.\n (إذا صلى) أي: الشخص (وفي ثوبه): الواو للحال؛ أي: والحال أنَّ في ثوبه الذي هو عليه (دم) أقل من قدر الدرهم، (أو) صلى وفي ثوبه الذي عليه (جنابة) أي: أثرها؛ وهو المني، وكان أقل من قدر الدرهم، ففيه: إطلاق الجنابة على المني من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، (أو) صلى (لغير القبلة)؛ كالمشارق، والمغارب، والشمال وكان على اجتهاد، (أو تيمم)؛ أي: لعدم وجود الماء المطلق الكافي وكان بينه وبين الماء ميل فأكثر، (وصلى) وفي رواية: (فصلى)؛ أي: فأتم صلاته، (ثم) بعد فراغه منها (أدرك) أي: وجد (الماء) المطلق الكافي لطهارته (في وقته)؛ أي: في وقت هذه الصَّلاة التي صلاها؛ فإنه (لا يعيد)؛ أي: تلك الصَّلاة التي صلاها في هذه الحالة، أمَّا الدم؛ فلأنَّه لمَّا كان أقل من قدر الدرهم؛ كانت الصَّلاة معه صحيحة، لكن مع كراهة التحريم، ويجب إعادتها جبرًا؛ لما حصل بها من الكراهة؛ لأنَّ كلَّ صلاة أديت مع كراهة التحريم؛ يجب إعادتها على وجه غير مكروه، والأولى: هي الفرض، والثانية: جابرة للأولى.\nوأما الجنابة -أي: أثرها-؛ فكالدم كما علمت؛ لأنَّ المني نجس عندنا، كما شهدت به الأحاديث الصحيحة، وهذا الأثر يدل له أيضًا؛ فافهم.\nوأما على زعم من زعم أنه طاهر؛ فلا كلام له.\nوأما الصَّلاة لغير القبلة؛ فإذا كان قد صلى عن تحرٍّ واجتهاد، ثم تبيَّن الخطأ بعد فراغه من الصَّلاة؛ فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه عند الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، وأحمد، والجمهور، وزعم الشافعية: أنه ليس عليه الإعادة في القديم، والمعتمد عندهم: وجوب الإعادة، وهو القول الجديد، وهذا الأثر حجَّة عليهم؛ لأنَّ الشخص فعل ما في وسعه.\nوأمَّا التيمم؛ فإنه إذا لم يجد الماء وكان بينه وبين الماء ميل فأكثر فصلى بالتيمم؛ فصلاته صحيحة، فإذا وجد الماء بعد ذلك؛ فلا إعادة عليه عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والثلاثة، وقال في «عمدة القاري»: (وهذا الأثر إنَّما يطابق الترجمة إذا عمل بظاهره على الإطلاق، وأمَّا إذا قيل: المراد من قوله: «دم»: أقل من الدرهم عند من يرى بذلك، أو شيء يسير عند من ذهب إلى أنَّ اليسير عفو، فلا يطابق الترجمة على ما لا يخفى، وكذلك الجنابة لا تطابق عند من يراه طاهرًا) انتهى.\nوزعم العجلوني فقال: (إن عمَّمنا في القدر في الترجمة بين القليل وغيره؛ حصلت المطابقة) انتهى.\nقلت: ما ذكره قد أخذه من كلام إمامنا الشارح؛ لأنَّه صدَّر كلامه بقوله: (إذا عمل بظاهره على الإطلاق)؛ أي: إن عمَّم في القدر؛ حصلت المطابقة، وقد يقال: بل يتعين حمله على القليل، فلا يطابق الترجمة؛ لأنَّ مراد المؤلف: القليل؛ بدليل الآثار التي ساقها، فإنها تدل على القليل المعفوِّ عنه، كما لا يخفى على من تتبَّع.\n\n <span id=\"b-٤١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-414>[حديث: أن النبي كان يصلي عند البيت وأبو جهل]</span>\n٢٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح العين، وسكون الموحدة، مثنَّى: عبد: هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي): هو عثمان بن جَبَلة؛ بفتح الجيم، والموحدة، المروزي، (عن شُعْبة)؛ بضمِّ المعجمة، وسكون المهملة: هو ابن الحجاج، (عن أبي إسحاق): السَّبِيعي؛ بفتح السين المهملة، وكسر الموحدة، واسمه عمرو بن عبد الله الكوفي التابعي، (عن عَمرو)؛ بفتح العين المهملة (بن مَيمُون)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: أبو عبد الله الكوفي الأَودي؛ بفتح الهمزة، وبالدَّال المهملة، أدرك زمن النبيِّ ﵇، ولم يَلْقَه، وحج مئة حجة وعمرة، وأدَّى صدقته إلى عمال النبيِّ ﵇، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية، فاجتمعت عليها القردة ورجموها، مات سنة خمس وسبعين، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: فهو تابعي مخضرم، وهو غير عمرو بن ميمون المخزومي؛ فافهم.\n (عن عبد الله)؛ أي: ابن مسعود ﵁؛ لأنَّه المراد حيث أطلق، كما أنه إذا أطلق الإمام الأعظم؛ فالمراد به: أبو حنيفة النعمان إمام الأئمَّة، ورئيس المجتهدين رضي الله تعالى عنه (قال) وفي رواية: (قال عبد الله): (بينا) بغير ميم، فإن أصله: (بين)؛ بلا ألف زيدت؛ لإشباع الفتحة، قال في «عمدة القاري»: (وهو مضاف إلى الجملة التي بعده، والعامل فيه: «إذ قال بعضهم لبعض» الآتي بعد التحويل إلى الإسناد الثاني) انتهى.\nقلت: وقد تبعه الشراح؛ لأنَّه إمامهم، وهذا هو الصحيح من أن (بينا)؛ بالألف؛ كـ (بينما)؛ بالميم مكفوفان عن الإضافة إلى المفرد، ومضافان للجملة، وهو مذهب الجمهور، وذهب قوم: إلى أنَّ (ما) والألف كافتان عن الإضافة، والجملة بعدهما لا محل لها من الإعراب، وذهب بعضهم: إلى أنَّ الألف لا تكفُّ عن الإضافة إلى الجملة بخلاف (ما)، واختاره المغاربة، كذا في «همع الهوامع»، وتمامه فيه؛ فافهم.\n (رسول الله ﷺ): فـ (رسول) مبتدأ، خبره قوله: (ساجد)؛ أي: في صلاته، والذي يظهر أنه كان يصلي حينئذ منفردًا، قال في «عمدة القاري»: (وبقية الحديث من رواية عبدان المذكورة: «وحوله ناس من قريش من المشركين...»، ثم ساق الحديث مختصرًا) انتهى؛ فافهم.\n (ح) مهملة: إشارة للتحويل من سند إلى آخر، هذا هو الأصح من أقوال سبق ذكرها، ولابن عساكر: (قال)؛ أي: المؤلف: (وحدثني)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (وحدثنا) (أحمد بن عثمان)؛ أي: ابن حَكِيم؛ بفتح الحاء المهملة، وكسر الكاف، الأَودي؛ بفتح الهمزة، وبالدَّال المهملة، الكوفي، المتوفى سنة ستين ومئتين (قال: حدثنا شُرَيْح)؛ بضمِّ الشين المعجمة، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة؛ مصغرًا (بن مَسْلَمَة)؛ بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وفتح اللام، والميم الثانية، الكوفي التنوخي، زعم الكرماني أنه بالمثناة الفوقية، وبالنُّون المشددة، وبالخاء المعجمة.\nوردَّه في «عمدة القاري» أن نوخ وتنوخ: حي من اليمن، ولا تشدد النُّون، انتهى.\nقلت: ويدلُّ لهذا أن أهل اللغة والتاريخ قالوا: بتخفيف النُّون، وعبارة السيوطي في «لبِّ الألباب»: (التَّنُوخي؛ بالفتح، وضم النُّون الخفيفة، ومعجمة: نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين) انتهى؛ فافهم، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وهو غير شريح القاضي؛ لأنَّه كان في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.","vol":"1","page":117},{"text":"(قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف)؛ أي: السبيعي، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، (عن أبيه): يوسف بن إسحاق، (عن أبي إسحاق): عمرو بن عبد الله الكوفي السبيعي، الذي سبق ذكره قريبًا، قال في «عمدة القاري»: وهنا إسنادان، ومن لطائف إسناد هذا الحديث: أنه قرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان مع أن اللفظ لرواية أحمد؛ تقويةً لرواية عبدان؛ لأنَّ في إبراهيم بن يوسف مقالًا، فقال: عباس عن ابن معين ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الزوجاني: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه.\nومن لطائفه: أن رواية أحمد خرجت بالتحديث لأبي إسحاق من عمرو بن ميمون، ولعمرو بن عبد الله بن مسعود.\nومنها: أن روايته عيَّنت أن عبد الله المذكور في رواية عبدان هو عبد الله بن مسعود.\nومنها: أن المذكور في رواية عبدان: (رسول الله ﷺ)، وفي رواية أحمد: (نبي الله ﷺ) انتهى.\n (قال: حدثني) بالإفراد (عَمرو) بفتح العين (بن مَيمُون)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: أبو عبد الله السابق قريبًا: (أن عبد الله بن مسعود) وللكشميهني: (عن عبد الله)، ولا فرق بين الروايتين؛ لأنَّه قد صرَّح بالتحديث في قوله: (أي: ابن مسعود) (حدَّثه)؛ أي: حدَّث عمرو بن ميمون: (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ كان يصلي عند البيت) العتيق؛ وهو الكعبة، وإفادة (كان) الدوام والاستمرار (وأبو جَهل)؛ بفتح الجيم: عمرو بن هشام المخزومي، وكان يكنَّى في الجاهلية بأبي الحكم، فكنَّاه النبيُّ ﵇ بأبي جهل، ولهذا قال الشاعر:\nالناس كنَّوه أبا حكم... والله كنَّاه أبا جهل\nوقيل: كان يكنَّى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحنظلة، وكان أحول، وفي «المحبر»: (كان مأبونًا)، وفي «الوشاح» لابن دريد: (هو أول من حُزَّ رأسه)، ولما رآه رسول الله ﵇؛ قال: «هذا فرعون هذه الأمة»، وتمامه في «عمدة القاري» (وأصحاب له)؛ أي: لأبي جهل، قال في «عمدة القاري»: وهم السبعة المدعوُّ عليهم بعدُ، كما بيَّنه البزار من طريق الأجلح عن أبي إسحاق، (جلوس): جمع: جالس؛ أي: عند البيت أيضًا، قال في «عمدة القاري»: (أبو جهل): مبتدأ، و(أصحاب له): عطف عليه، و(جلوس): خبره، والجملة: نصب على الحال، ومتعلق (له): محذوف؛ أي: أصحاب كائنون له؛ أي: لأبي جهل، ويجوز أن يكون (جلوس): خبر (أصحاب)، وخبر (أبي جهل): محذوف؛ كقول الشاعر:\nنحن بما عندنا وأنت... بما عندك والرأي مختلف\nوالتقدير: نحن راضون بما عندنا، انتهى.\nواعترض البرماوي: بأنَّ الإخبار في البيت عن الجميع متعذر، بخلاف ما هنا، انتهى.\nقلت: وهذا الاعتراض سهل، فإنه اعتراض في المثال لا في الحكم، وغاية الأمر: أنه يقال: إن الإخبار في البيت عن المجموع، وهو كافٍ وغير متعذر؛ فافهم.\n (إذ قال) وسقط (إذ) لابن عساكر (بعضهم): هو أبو جهل، كما سماه مسلم من رواية زكريا (لبعض)؛ أي: لأصحابه، وزاد مسلم فيه: (وقد نحرت جزور بالأمس)، وجاء في رواية أخرى: (بينا رسول الله ﷺ قائم يصلي في ظل الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم؛ إذ قال قائل منهم: ألا تنظروا إلى هذا المرائي؟!) (أيُّكم)؛ بتشديد التحتية، استفهامية (يجيء بسَلَى)؛ بفتح السين المهملة واللام، وبالقصر: هي الجلدة التي تكون فيها الولد، والجمع: أسلاء، وخصَّ الأصمعي: السلى بالماشية، وفي الناس: بالمشيمة، وفي «المحكم»: (السلى: يكون للناس والخيل)، وقال الجوهري: هي جلدة رقيقة إن نزعت عن وجه الفصيل بساعة يولد، وإلا؛ قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن، وألف (سلى) منقلبة عن ياء مثناة، ويقوِّيه ما حكاه أبو عبيد من أنَّ بعضهم قال: سليت الشاة: إذا نزعت سلاها، انتهى «عمدة القاري»، وقوله: (جَزُور) مضاف إليه؛ بفتح الجيم، وضم الزاي، من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنَّث، والجمع: الجزر، يقال: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أن الجزور: ما يُجْزَرُ؛ أي: يُقْطَع.\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا يدرى من أي موضع نقله؟).\nوزعم العجلوني أنه نقله من كتب اللغة؛ كـ «الصحاح»، و«القاموس»، و«المحكم»، قال في «الصحاح»: (جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، وأجزرتها؛ إذا نحرتها)، وقال في «المحكم»: (الجزور: الناقة المجزورة، والجمع: جزائر)، وقال في «القاموس»: (الجزور: البعير أو خاصٌّ بالناقة المجزورة) انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن هذه النقول دليل واضح لما قاله صاحب «عمدة القاري» من أن الجزور بمعنى: المجزور؛ أي: المنحور، فهي دليل له لا عليه، ولم يصرِّح أحد من هذه النقول أن معناه: المقطوع، كما زعمه ابن حجر، فالردُّ ظاهر؛ لأنَّه لم يجئ بمعنى القطع في اللغة أصلًا، والعجلوني نقل ولم يعلم ما نقل، وما نقل إلا الحق، فإن الشخص إذا أعرض عن الحق لا بدَّ أن الله تعالى يجعل له أسبابًا، ثم يعيده إلى الحق، وهو لا يدري، ويكون مراده غيره، فالحق مع صاحب «عمدة القاري»، والذي زعمه ابن حجر تفسير من عنده لا مستند له فيه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فيراجع.\n (بني فلانٍ)؛ بالتنوين: اسم مبهم لقبيلة من قبائل العرب لم تعرف أسماؤهم، (فيضعه) أي: السلى المذكور (على ظهر محمَّد)؛ أي: النبيَّ الأعظم ﷺ (إذا سجد)؛ أي: في صلاته، وكأنَّهم لا يتيسَّر لهم ذلك إلا في الصَّلاة، وذلك لما أنَّه يدعو عليهم، فيكون أقرب للإجابة، وهل كانت هذه الصَّلاة فرضًا أو نفلًا؟ فيه احتمال، ويدلُّ للثاني أنه ﵇ كان يصلي إذ ذاك وحده، وقد يقال: إنه ﵇ كان يصلي النافلة في بيته، ولعلَّه كان يصلي تحيَّة المسجد؛ فهي تحية المسجد على ما يظهر، وصلاته منفردًا دليل على أنَّها نفل لا فرض؛ لأنَّها لو كانت فرضًا؛ لأداها بالجماعة كما هي عادته؛ فتأمل، والله أعلم، (فانبعث)؛ أي: أشرع، وهو مطاوع (بعث)، يقال: بعثه وانبعثه بمعنًى؛ أي: أرسله فانبعث، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوزعم العجلوني أن معناه: انطلق.\nقلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ الانطلاق يكون عن غير أمر، بخلاف الإرسال، فإنَّه يكون عن طلب من الغير، فالمعنى الصحيح هنا أن معناه: أرسله، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (أشقى القوم) وفي نسخة: (أشقى قومه)، وللسرخسي والكشميهني: (أشقى قومٍ)؛ بالتنكير، قال في «عمدة القاري»: ولا خلاف في أن (أفعل) التفضيل إذا فارق كلمة (من)؛ أنَّه يعرَّف باللام أو بالإضافة.\nفإن قلت: أي الفرق في المعنى في إضافته إلى المعرفة والنكرة؟\nقلت: بالتعريف والتخصيص ظاهر، وأيضًا النكرة لها شيوع؛ معناه: أشقى قوم أيَّ قوم كان من الأقوام؛ يعني: أشقى كل قوم من أقوام الدنيا، ففيه مبالغة ليست في المعرفة.\nوزعم ابن حجر أن المقام يقتضي الأول؛ يعني: أشقى القوم؛ بالتعريف؛ لأنَّ الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك الأقوام فقط.\nوردَّه في «عمدة القاري» بأن التنكير أولى؛ لما قلنا من المبالغة؛ لأنَّه يدخل ههنا دخولًا ثانيًا بعد الأول، وهذا القائل ما أدرك هذه النكتة، انتهى.","vol":"1","page":117},{"text":"وزعم العجلوني، فقال: (قد أدرك هذه النكتة هذا القائل؛ لأنَّه قال: ففيه مبالغة، لكنه داعي المقام، فرجح التعريف لذلك).\nقلت: وترجيحه التعريف دليل على عدم إدراكه هذه النكتة، لأنه قال: (ففيه مبالغة)، على أنَّ المقام يقتضي التنكير والعموم، وترجيحه التعريف ترجيح بلا مرجح، بدليل قوله ﵇ حين رأى أبا جهل: «هذا فرعون هذه الأمة»، والأمة: جميع المخلوقات، فهي أمة الدعوة، فكأنه ﵇ قال: هذا فرعون جميع المخلوقات، فاقتضى ذلك التنكير لا التعريف، وترجح التنكير على التعريف، كما لا يخفى، وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني؛ فافهم.\nوأشقى القوم: هو عُقْبَة بن أبي مُعَيط؛ بضمِّ الميم، وفتح العين المهملة، كما سماه شعبة عند مسلم، وكذا الإسماعيلي، ورواه أبو داود في «مسنده» بلفظ: (فجاء عُقْبَة بن أبي معيط فقذفه على ظهره)، وقال الداودي: (إنه أبو جهل)، كما نقله عنه صاحب «عمدة القاري» وغيره، وعلى هذا؛ فكونه أشقاهم ظاهر، والصحيح: الأول، ولهذا اقتصر عليه أكثر الشراح، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشدُّ كفرًا منه وإيذاءً لرسول الله ﵇؛ لأنَّه مع مشاركتهم في الكفر انفرد بالمباشرة فكان أشقاهم، ولهذا قتلوا في الحرب، وقتل هو صبرًا، كما سيأتي؛ فافهم.\n (فجاء)؛ أي: أتى أشقى القوم (به) أي: بسلى الجزور، (فنظر) أي: فانتظر (حتى إذا سجد النبيُّ) الأعظم (ﷺ) في صلاته؛ (وضعه على ظهره) الشريف (بين كتفيه) وكأنَّه وقف خلف ظهره، فلم يدر إلا وهو وضعه، وقوله: (وأنا أنظر): جملة محلها نصب على الحال؛ أي: قال عبد الله: وأنا أشاهد تلك الحالة (لا أغني) أي: في كفِّ شرِّهم (شيئًا)، وفي رواية: (لا أغيِّر)؛ أي: من فعلهم شيئًا، (لو كان) وفي رواية: (لو كانت) (لي منَعة)؛ بفتح النُّون، وحُكي إسكانها.\nقال النووي: (وهو شاذٌّ ضعيف).\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: يردُّ عليه ما ذكره في كتاب «المحكم»: المَنعة والمُنعة والمِنعة، وقال يعقوب في «الألفاظ»: منعة ومنعة، وقال القزاز: فلان في منعة من قومه، ومنعة؛ أي: عزٍّ، وفي كتاب ابن القوطية وابن طريف: منع الحصن مناعًا، ومنعة: لم يرم، وفي «الغريبين (^١)»: فلان في منعة؛ أي: في تمنِّع على من رامه، وفلان في منعة؛ أي: في قوم يمنعونه من الأعداء) انتهى كلامه.\nوقال القرطبي: المنْعة؛ بسكون النُّون، وروي بفتحها على أنَّه جمع: مانع، ورجَّح القزاز والهروي الإسكان في المفرد، وعكس ابن السكيت، وحاصل ما حكاه في «المحكم» ثلاث لغات: فتح النُّون، وإسكانها، والثالث: كسر الميم وإسكان النُّون، ولا ريب أن هذا يردُّ على النووي فيما ادَّعاه.\nوزعم العجلوني أنَّه لا يردُّ عليه؛ لأنَّ حكايته لغات فيها لا ينافي أنَّ بعضها شاذ.\nقلت: وهو فاسد، فإن هؤلاء الأئمَّة من أهل اللغة كلهم صرَّحوا بعدم الشذوذ، فدعوى الشذوذ باطلة، فلو كان فيه شذوذ؛ لصرَّحوا به، وحكايته اللغات فيها من غير تصريح بالشاذِّ من غيره ينافي ذلك قطعًا، فزعم هذا الزاعم فاسد؛ فليحفظ، والله أعلم.\nوإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لم يكن له بمكة عشيرة؛ لكونه هُذَليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارًا، وجواب (لو) محذوف؛ أي: لطرحته عن رسول الله ﷺ، وصرَّح به مسلم، أو لكففت شرَّهم، أو (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، وللبزار: (وأنا أرهب منهم).\n (قال) أي: ابن مسعود: (فجعلوا) أي: أبو جهل وأصحابه (يضحكون)؛ أي: استهزاءً قاتلهم الله تعالى، وفي رواية: (حتى مال بعضهم على بعض من الضحك)، (ويُحِيل)؛ بضمِّ التحتية، وكسر الحاء المهملة (بعضهم على بعض)؛ أي: ينسب فعل ذلك بعضهم إلى بعض باللفظ أو بالإشارة تهكُّمًا واستهزاءً، قال في «عمدة القاري»: من قولك: أحلت الغريم؛ إذا جعلت له أن يتقاضى المال من غيرك، وجاء حال وأحال أيضًا؛ بمعنى: وثب، وفي الحديث: (أن أهل خيبر أحالوا إلى الحصن)؛ أي: وثبوا إليه، وفي رواية مسلم من رواية زكريا: (ويميل)؛ بالميم بدل (ويحيل)؛ أي: من كثرة الضحك، وفي (الصَّلاة) عند المؤلف: (حتى مال بعضهم على بعض) انتهى.\nقلت: ومقتضى ما في «عمدة القاري» وتبعه ابن حجر والشرَّاح: أنَّ (ويميل) ليس في روايةٍ للمؤلف.\nوزعم العجلوني أنه رأى نسخة صحيحة من «البخاري»: (ويميل) انتهى.\nقلت: والله أعلم بصحة هذه النسخة التي رآها، ولعلَّها نسخة طبع الأعجام الشيعة الذين دأبهم التحريف في الكتب الشرعية والحديثية حتى يوقعوا أهل السنة والجماعة في الخطأ والغفلة، والله أعلم.\n (ورسول الله ﷺ): مبتدأ، وقوله: (ساجد) خبره، والجملة: محلها نصب على الحال (لا يرفع رأسه) الشريف؛ أي: من السجود، بل أبطأ (حتى جاءته) ولأبي ذر: (حتى جاءت) (فاطمة)؛ أي: ابنته ﵇، ورضي عنها، قال في «عمدة القاري»: (أنكحها رسول الله ﵇ علي بن أبي طالب بعد وقعة أحد، وسنُّها يومئذٍ خمسة عشر سنة وخمسة أشهر، روي لها عن رسول الله ﵇ ثمانية عشر حديثًا، وفي «الصحيحين» لها حديث واحد، روت عنها عائشة أم المؤمنين ﵂، توفيت بعد رسول الله ﵇ بستة أشهر بالمدينة، وقيل: بمئة يوم، وقيل غير ذلك، يوم الثُّلاث لثلاث خلت من رمضان، وغسَّلها علي ﵁، وصلَّى عليها، ودفنت ليلًا، ودفنها بوصيتها له في ذلك، وفضائلها كثيرة لا تحصى، وكفى بها شرفًا كونها بضعة من رسول الله ﵇)، ثم قال في «عمدة القاري»: (زاد إسرائيل: وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبيُّ ﷺ ساجدًا)، (فطرحته)؛ أي: ما وضعه أشقى القوم من سلى الجزور، وللكشميهني: (فطرحت)؛ بحذف الضمير المنصوب (عن ظهره) الشريف، زاد إسرائيل: (فأقبلت عليهم تسبهم)، وزاد البزار: (فلم يردوا عليها شيئًا).\nقلت: ففيه: قوَّة نفس فاطمة الزهراء من صغرها؛ لشرفها في نفسها وقوَّتها؛ لكونها صرَّحت بشتمهم وهم من رؤساء قريش، فلم يردُّوا عليها خوفًا من أن تطرحه عليهم؛ لشدَّة تغيُّظها من هذا الفعل القبيح قاتلهم الله تعالى، وهذا الفعل هو بعض من أفعال جماعة عظمة الكلب العقور المملوءة من المكر والخداع والفجور، كما بيَّنت ذلك في كتابي المسمَّى «إنجاء الغريق المخزون فيما يقوله صاحب الهمِّ والغمِّ المحزون».\n (فرفع) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (رأسه) الشريف؛ أي: من السجود، زاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق: (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ اللهم عليك...»)؛ الحديث، قال البزار: تفرَّد بقوله: (أما بعد) زيدٌ، قاله في «عمدة القاري»، (ثم قال) ولابن عساكر: (وقال)؛ بإبدال (ثم) بـ (الواو)، قال في «عمدة القاري»: وكلمة (ثم) تشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وفي رواية الأجلح عند البزار: (فرفع رأسه، كما كان يرفعه عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته؛ قال: «اللهم»)، ولمسلم والنسائي نحوه، والظاهر من ذلك: أن دعاءه وقع خارج الصَّلاة، لكنَّه وقع وهو مستقبل القبلة، كما ثبت من رواية زهير عن أبي إسحاق عند البخاري ومسلم، انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن قوله: (والظاهر...) إلخ يدلُّ على أنَّه لم يقف على هذه الرواية، بل غفل عنها؛ لذكره لها، انتهى.\nقلت: وهو كلام فاسد؛ لأنَّه ظاهر التناقض، فإن [بين] قوله: (لم يقف عليها وغفل عنها)، وقوله: (لذكره لها) تناقض، والحقُّ أنَّه لم يغفل عنها، وقد وقف عليها كما علمت من سياق كلامه،\n_________\n(^١) في الأصل: (الغربيين)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":118},{"text":"وحين كان صاحب «عمدة القاري» يؤلِّف ويدرِّس ويلقي العلوم إلى العلماء كان العجلوني منيًّا في ظهر أجداده خلف البقر في عجلون، فكيف يقول: (لم يقف) و(غفل)؟! بل قوله: (والظاهر...) إلخ؛ منشأ الاستظهار من أن قوله ﵇ كان بعد تمام الصَّلاة، وخارجها من رواية المؤلف هنا، ثم ساق الرواية الدَّالة على ذلك كما علمت؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n (اللهمَّ؛ عليك بقريش)؛ أي: بهلاكهم، والمراد: الكفار منهم، أو من سمَّى منهم؛ وهم أبو جهل وأصحابه، فهو عامٌّ أريد به الخصوص بقرينة القصة، كذا أفاده صاحب «عمدة القاري»، فلا يرِدُ ما يقال: كيف جاز الدعاء على كلِّ قريش وبعضهم كانوا يومئذٍ مسلمين كالصديق وغيره؟ وأما الجواب: بأنَّه لا عموم للَّفظ، ففيه أن لفظ (قريش) موضوع لهذه القبيلة عمومًا؛ فتأمل (ثلاث مرات) متعلق بـ (قال)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﵇: «اللهم؛ عليك بقريش» ثلاثًا، قال في «عمدة القاري»: (كرَّره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلم في رواية زكريا: (وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل؛ سأل ثلاثًا) انتهى، ثم قال: وفيه: حلمه ﵇ عمَّن آذاه، ففي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث: أن ابن مسعود ﵁ قال: (لم أره دعا عليهم إلا يومئذٍ، وإنما استحقوا الدعاء حينئذٍ؛ لما قدموا عليه من التهكُّم به حال عبادته لربه ﷾)، (فشقَّ ذلك) أي: الدعاء (عليهم)؛ أي: على أبي جهل وأصحابه، وفي رواية إسقاط لفظ: (ذلك) فقط، وعليها شرح إمام الشارحين بدر الدين العيني، وتبعه القسطلاني، وقوله: (إذْ دعا عليهم)؛ بسكون الذال بمعنى: حين، متعلق بـ (شقَّ)، وعند مسلم من رواية زكريا: (فلمَّا سمعوا صوته؛ ذهب عنهم الضَّحك، وخافوا دعوته)، ففيه: معرفة الكفار صدق النبيِّ الأعظم ﷺ؛ لخوفهم من دعائه، ولكنْ لأجل شقائهم الأزلي حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له ﵇، وفيه: جواز الدعاء على الظالم، لكنْ قال بعضهم: محلُّه ما إذا كان كافرًا، فأمَّا المسلم؛ فيستحبُّ الاستغفار له، والدعاء له بالتوبة، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أنَّه لو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيدًا؛ لاحتمال أن يكون ﵇ اطَّلع على أنَّ المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يُدعى لكل حيٍّ بالهداية، انتهى.\nقلت: والظاهر: أنه يجوز الدعاء بالهلاك على المسلم الظالم، وكذا الكافر؛ لعموم حديث الباب، ولقوله تعالى حكاية عن قول نوح: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ولعموم قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وذلك فإنَّ في الدعاء بالهلاك تخليص النَّاس من شرِّه وإيذائه لا سيما من يتظاهر في زماننا في إيذاء المسلمين الذين هم أهل التقوى والشرف، ويتجاسرون عليهم بالفجور والشرور، فلا ريب أن الدَّعاء عليهم جائز، بل واجب، وقد رميت بكلام الأعداء الفجار بالقيل والقال، فدعوت الله تعالى عليهم بالهلاك، فبعد سنة واحدة قد أخذ اثنين منهم أخذ عزيز مقتدر، وقد بيَّنت ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المخزون».\n (قال) أي: ابن مسعود: (وكانوا) أي: أبو جهل وأصحابه (يَرون)؛ بفتح الياء، ويروى بالضم، قاله صاحب «عمدة القاري»، ومقتضاه: أن الفتح أشهر الروايتين.\nوزعم العجلوني تبعًا للبرماوي أن الضم أشهر؛ فتأمل.\nولا يخفى أن الفتح من الرأي، ومعناه: يعتقدون، والضم؛ ومعناه: يظنون، والمعنى الصحيح هنا: الاعتقاد لا الظن، فالفتح هنا أوفق للمعنى وأشهر؛ بدليل أنهم قد شقَّ عليهم إذ دعا عليهم، فهو يدلُّ على أنَّهم كانوا يعتقدون ذلك، فصاحب «عمدة القاري» قد أدرك هذا المعنى بخلاف غيره ممن تصدَّر لشرح هذا الكتاب، فإنه قد خفي عليه هذا المعنى ورئيسهم ابن حجر، فإنَّه قد خفي عليه أيضًا، وتبعوه وكأنَّه عندهم معصوم لا يطرأ عليه خطأ ولا غفلة، بل لو قال غير الحق؛ لاتَّبعوه، ولو قيل: إنَّه إله؛ لعبدوه، وما هذا إلَّا من شدَّة التعصب والعناد والتعنت.\n (أن الدعوة) ولابن عساكر إسقاط (أن) (في ذلك البلد)؛ أي: مكة المكرمة، كما صرَّح به ابن نعيم في «المستخرج» فقال: (إن الدعوة في مكة)، كذا في «عمدة القاري» (مستجابة)؛ أي: مجابة، يقال: استجاب وأجاب بمعنًى واحد، فليست السين للطلب؛ كقوله:\nوداع دعا يا من يجيب إلى الندا... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nوما كان اعتقادهم إجابة الدعوة من جهة رسول الله ﵇، بل من جهة المكان؛ لشرف البلد، ولتعظيمهم له مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم الخليل ﵇، (ثم سمَّى)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ قريشًا بأن فصَّل في دعائه ما أجمله أولًا، (فقال) ﵇: (اللهم؛ عليك بأبي جَهل)؛ بفتح الجيم، وفي رواية إسرائيل: (اللهم؛ عليك بعمرو بن هشام)، وهو اسم أبي جهل، فلعلَّه ﵇ سمَّاه وكنَّاه معًا، ويعرف أيضًا بابن الحنظلية، وكان أحول مأبونًا؛ لقول عُتْبَة بن ربيعة فيه: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره؛ لأنَّه فرعون هذه الأمة، كما قدمناه، (وعليك بعُتْبَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، بعدها موحدة (بن رَبيعة)؛ بفتح الرَّاء، (وشيبة بن ربيعة): هو أخ عُتْبَة المذكور، (والوَلِيد)؛ بفتح الواو، وكسر اللام (بن عُتْبَة)؛ أي: المذكور، بضمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، ثم باء موحدة، قال في «عمدة القاري»: (ولم تختلف الروايات فيه أنه كذا إلا [ما] وقع في رواية مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل التاء، وهو وهم نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب) انتهى؛ فافهم، (وأُمَيَّة) بضمِّ الهمزة، وتخفيف الميم، وتشديد التحتية (بن خلف)، وفي رواية شعبة: (أو أُبَي بن خلف)؛ بالشك من شعبة، والصحيح: أمية؛ لأنَّ المقتول ببدر أمية؛ بإطباق أصحاب المغازي عليه، وأخوه أُبيُّ بن خلف قتل بأحد، قاله في «عمدة القاري»، (وعُقْبَة) بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، فموحدة (بن أبي مُعَيْط)؛ بالتصغير، بضمِّ الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة (وعدَّ السابع فلم نحفظه)؛ بنون المتكلم، ويروى بالياء المثناة التحتية، وفاعل الفعلين: إما عبد الله بن مسعود، أو عمرو بن ميمون، والظاهر أن فاعل (عد): النبيُّ الأعظم ﷺ، وفاعل (نحفظ): أحد المذكورين، وهذا على الروايتين، وقال الكرماني: فاعل (عدَّ): رسول الله ﵇، أو عبد الله، وفاعل (لم نحفظه): عبد الله، أو عمرو بن ميمون،.\nواعترضه ابن حجر فقال: (لا أدري من أين تهيَّأ له الجزم بذلك مع أن في رواية الثوري عند مسلم ما يدل على أنَّ فاعل «فلم نحفظه»: أبو إسحاق، ولفظه: «قال أبو إسحاق: ونسيت السابع»، وعلى هذا؛ ففاعل «عدَّ» عمرو بن ميمون على أنَّ أبا إسحاق قد تذكَّره مرة أخرى فسمَّاه: «عمارة بن الوليد»، كما أخرجه المصنف في «الصَّلاة») انتهى.\nقلت: وهذا كلام فارغ، فقد أخرجه المؤلف في (الجهاد)، ولفظه: (قال أبو إسحاق:","vol":"1","page":118},{"text":"ونسيت السابع)، كما في رواية مسلم المذكورة، وعلى هذا؛ ففاعل (عدَّ) رسول الله ﵇، وفاعل (لم نحفظه): عمرو بن ميمون، وقوله: (على أنَّ أبا إسحاق...) إلخ يرده رواية المؤلف في (الجهاد) بمثل ما في «مسلم».\nواعترضه أيضًا صاحب «عمدة القاري» فقال: لم يجزم الكرماني بذلك، بل ذكره بالشكِّ، فكيف ينكر عليه بلا وجه؟\nوأجابه ابن حجر في «الانتقاض» فقال: (الإنكار عليه؛ لأنَّه حصر الشك في اثنين، وظهر برواية مسلم أن المراد غيرهما) انتهى.\nقلت: وهذا الجواب فاسد، فإنَّ الشك استواء الطرفين لا مزية لأحدهما، وهو لا ينفي ما عداهما، فلا حصر في الشك، كما لا يخفى، فإن مراد الكرماني: أنَّه يحتمل أحد الاثنين، ويحتمل غيرهما، فلا حصر في كلامه، كما لا يخفى؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: (وأما السابع الذي لم يحفظ هنا؛ فهو مذكور عند البخاري في موضع آخر، وهو عمارة بن الوليد بن المغيرة)، وكذا ذكره اليرقاني وغيره، وقال صاحب «التلويح»: (وهو مشكل؛ لأنَّ عمارة هذا ذكره ابن إسحاق وغيره، وله قصة طويلة مع النَّجاشي، وحاصلها: أنَّه تعرَّض لامرأته، فأمر النَّجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبة له، فتوحَّش، وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر ﵁ في أرض الحبشة، وقال ابن حجر: (والجواب: أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب، محمول على الأكثر).\nواعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا الجواب أخذه من كلام الكرماني، انتهى.\nوزعم العجلوني أن ابن حجر لم يدَّع أن الجواب له، فلا اعتراض عليه، انتهى.\nقلت: ولمَّا أن ابن حجر ذكر الجواب ولم يَعْزُهُ للكرماني؛ فهو ادِّعاء منه أن الجواب له؛ لأنَّه لو لم يدَّع ذلك؛ لكان عزاه للكرماني، فعدم تصريحه بذلك ادِّعاء منه أنه نسبه لنفسه، كما لا يخفى.\nوعبارة الكرماني: (وأجيب: بأنَّ المراد رأى أكثرهم بدليل أن ابن أبي معيط لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، فقتله النبيُّ ﷺ بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة)، قال صاحب «عمدة القاري»: (بموضع يسمى عرق الظبية، وهو من الروحاء على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: إنه قال لرسول الله ﷺ: أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال: «نعم»، ثم قال: بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام؛ إذ أخذ بمنكبي، فلف ثوبه على عنقي فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان، وكان عُقْبَة من المستهزئين أيضًا، وذكر ابن حبيب أنه من زنادقة قريش، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو) انتهى كلامه\n (قال) أي: ابن مسعود: (فوالذي نفسي بيده) وفي رواية مسلم: (والذي بعث محمَّدًا بالحق)، وفي رواية النسائي: (والذي أنزل عليه الكتاب)، وفي بعض النسخ: (والذي نفسي في يده)، كذا في «عمدة القاري»، قلت: والمراد باليد: القدرة؛ أي: بقدرته، ولعلَّ ابن مسعود قال ذلك كله تأكيدًا؛ (لقد رأيت الذين) ولابن عساكر: (الذي)؛ بالإفراد؛ لتقدير الموصوف بالقوم أو الفريق، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] (عدَّ رسول الله ﷺ)؛ أي: عدهم، فمفعوله محذوف، وهم السبعة المدعوُّ عليهم (صرعى): جمع: صريع؛ كجرحى جمع: جريح، مفعول ثان لـ (رأيت)، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني.\nوادَّعى العجلوني أنه ينبغي أن يكون حالًا، وعلَّله: بأنَّ (رأيت) بصرية وإن أمكن توجيه الأول بمعنى مقتول.\nقلت: وفيه نظر، فإن (رأيت) علمية؛ بمعنى: اعتقدت؛ أي: صدق دعاء النبيِّ الأعظم ﵇ حيث إنَّه نفذ فيهم عن قريب، فإعرابه مفعولًا ثانيًا أولى وأحسن؛ فافهم.\n (في القَلِيب)؛ بفتح القاف، وكسر اللام، وهو البئر قبل أن تطوى، يذكَّر ويؤنَّث، وقال أبو عبيد: هي العادية القديمة من لدن عاد لا يعرف صاحبها، وقال ابن سيده: هي البئر مطلقًا، وجمع القلة: أقلبة (^١)، والكثرة: قُلُب، كذا في «عمدة القاري» (قليبِ بدر)؛ بالجر بدل من (قليب)، ويجوز فيه الرفع والنصب من جهة العربية، أمَّا الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو قليب بدر، وأما النصب؛ فعلى تقدير: أعني قليب بدر، كذا في «عمدة القاري»، فأفاد أن الرواية بالجر فقط، وبه ظهر فساد تعميم العجلوني الأوجه الثلاثة مع عدم بيانه الرواية؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي رواية إسرائيل من الزيادة: (لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال ﵇: «واتَّبع أصحاب القليب لعنة») انتهى.\nقلت: وهذا يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه علم من أعلام نبوته، ويحتمل أن يكون قاله ﵇ بعد أن ألقوا في القليب.\nقلت: والاحتمال الثاني أظهر؛ لأنَّ الدعاء الماضي كان بعد فراغه من الصَّلاة وهم كانوا أحياء، وهذا كان بعد إلقائهم في القليب، كما لا يخفى، وهذا قد خفي على ابن حجر؛ فليحفظ.\nوزاد شعبة في روايته: (إلا أميَّة؛ فإنه تقطَّعت أوصاله؛ لأنَّه كان بادنًا؛ أي: سمينًا)، فعلى هذا؛ يحمل قوله: (لقد رأيت) على رؤيته أكثرهم صرعى في القليب، وقد يقال: إنه رآهم صرعى جميعًا؛ أي: مطروحين في القليب، ولا يدري هل قتلوا جميعًا أم أكثرهم؟ فأخبر عما رآه منهم، فهو على إطلاقه؛ فتدبر، و(بدر): اسم موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهو ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة مذكَّرًا ومؤنثًا، وقيل: بدر: بئر كانت لرجل يسمى بدرًا، فسميت باسمه.\nقال في «عمدة القاري»: فإن قلت: كم كان عدد الذين ألقوا في القليب؟ أجيب: بأنَّ قتادة روى عن أنس، عن أبي طلحة قال: (لما كان يوم بدر وظهر عليهم رسول الله ﷺ؛ أمر بضعة وعشرين رجلًا)، وفي رواية: (بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طويٍّمن أطواء بدر)، فإن قلت: إن إلقاءهم في البئر دفن لهم، والحربي لا يجب دفنه، بل يُتْرَكُ في الصحراء وهم كانوا حربًا؟ وأجيب: بأنَّ إلقاءهم في البئر كان تحقيرًا لهم ولئلا يتأذَّى الناس برائحتهم، ولم يكن ذلك دفنًا، فإن قلت: في «سنن الدارقطني»: أن من سننه ﵇ في مغازيه إذا مرَّ بجيفة إنسان؛ أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا؟ قلت: إنَّما كان لا يسأل؛ لأنَّه كان يعلم بالوحي أنه إذا كان مؤمنًا؛ كان يستحقُّ الدفن لكرامته، وإن كان كافرًا؛ فلئلا يتأذى الناس برائحته على أنَّ المراد بدفنه ليس دفنًا شرعيًّا، بل صبُّ التراب عليه للمواراة، فإن قلت: صب التراب عليهم كان يقطع رائحتهم؟ قلت: كان إلقاؤهم في البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت مع زيادة التحقير لهم، كما ذكرنا، فإن قلت: كيف كان إلقاؤهم في البئر والناس ينتفعون بمائها؟ وأجيب: بأنَّه لم يكن فيه ماء، وكانت عادته مهجورة، ويقال: إنَّه وافق أنه كان حفرها رجل من بني النار اسمه بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، فكان فألًا مقدَّمًا لهم، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري» ﵁، ثم قال رحمه الله تعالى: والذين دعا عليهم النبيُّ ﷺ سبعة أنفس، كما ذكروا؛ وهم أبو جهل، وعُتْبَة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عُتْبَة، وأمية بن خلف، وعُقْبَة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد بن المغيرة.\nأمَّا أبو جهل؛ فقتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، ذكره في «الصحيحين»، ومرَّ عليه ابن مسعود وهو صريع فاحتزَّ رأسه، وأتى به رسول الله ﷺ، فقال: هذا رأس عدوِّ الله»، ونفله رسول الله ﵇ بسيفه، وقال رسول الله ﵇: «الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة، ورأس أئمة الكفر»، وفي رواية البيهقي: (فخرَّ رسول\n_________\n(^١) في الأصل: (أقبلة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":119},{"text":"الله ﷺ ساجدًا).\nقلت: ففيه: دليلٌ على مشروعية سجدة الشكر، وعلى أنَّ الإنسان إذا طلب من ربه تعالى حاجة فقضاها؛ ينبغي له أن يسجد لله ﷿؛ شكرًا لما أعطاه؛ فليحفظ.\nقال رحمه الله تعالى: وأمَّا عُتْبَة بن ربيعة؛ فقتله حمزة ﵁، وقيل: حمزة وعلي ﵄ اشتركا في قتله، وأمَّا شيبة بن ربيعة بن عبد شمس أخو عُتْبَة؛ فقتله حمزة ﵁ أيضًا، وأما الوليد بن عُتْبَة؛ بالمثناة الفوقية؛ فقتله عبيدة بن الحارث، وقيل: علي، وقيل: حمزة، وقيل: اشتركا في قتله ﵃، وأما أمية بن خلف بن صفوان بن أمية؛ فقد اختلف أهل السير في قتله، فذكر موسى بن عُقْبَة: أنه قتله رجل من الأنصار من بني مازن، وقال ابن إسحاق: أن معاذ ابن عفراء، وخارجة بن زيد، وحبيب بن إساف اشتركوا في قتله، وذكر ابن الجوزي أنه ﵇ قتله، وفي السير من حديث عبد الرحمن بن عوف: أن بلالًا ﵁ خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتله، وكان بدينًا، فلما قُتِلَ؛ انتفخ؛ فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جرَّ إلى القليب، فتقطَّع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وهو الذي كان يعذِّب بلالًا في مكة، وأما عُقْبَة بن أبي معيط؛ فقتله علي ﵁، وقيل: عاصم بن ثابت، والأصح: أن النبيَّ ﷺ قتله بعرق الظبية، كما ذكرناه، وأما عمارة بن الوليد؛ فقد ذكرنا أمره مع النَّجاشي، ومات زمن عمر ﵁ في أرض الحبشة، انتهى.\nخاتمة: وجه دلالة الحديث على الترجمة استمراره ﵇ في صلاته مع وجود النَّجاسة على ظهره حتى ألقتها فاطمة، فدلَّ هذا على مدَّعاه من أن مَن عرض له في أثناء صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً؛ لا تفسد صلاته، ولو تمادى بخلاف ما لو عرضت نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها؛ فإنها لا تفسد اتفاقًا، وأجاب الخطابي عن هذا: بأنَّ أكثر العلماء ذهبوا إلى أنَّ السلى نجس، وتأوَّلوا معنى الحديث: على أنه ﵇ لم يكن تعبد إذ ذاك بتحريمه، كالخمر؛ كانوا يلابسون (^١) الصَّلاة، وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلماحرمت؛ لم تجز الصَّلاة فيها.\nواعترض عليه ابن بطال بأنَّه لا شكَّ أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ لأنَّها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة.\nوردَّ عليه بأنَّ الفرث ورطوبة البدن طاهران والسلى من ذلك.\nوقال النووي: هذا ضعيف؛ لأنَّ روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر؛ لأنَّه يتضمن النَّجاسة من حيث إنَّه لا ينفكُّ من الدم في العادة، ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان، فهو نجس.\nوالجواب: أنه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما يدرى هل كانت هذه الصَّلاة فريضة؛ فتجب إعادتها على الصحيح، أو غيرها؛ فلا تجب وإن وجبت الإعادة؛ فالوقت يوسع لها، فلعله أعاد.\nواعترض عليه بأنَّه لو أعاد؛ لنقل، ولم ينقل.\nوردَّه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر.\nفإن قلت: كيف لا يعلم بما وضع على ظهره وإن فاطمة ﵂ ذهبت به قبل أن يرفع رأسه؟\nقلت: لا يلزم من إزالة فاطمة إيَّاه عن ظهره إحساسه ﵇ بذلك؛ لأنَّه كان إذا دخل في الصَّلاة؛ استغرق باشتغاله بالله ﷿، ولئن سلمنا إحساسه به؛ فقد يحتمل أنه لم تتحقَّق نجاسته، والدليل عليه أن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة، وقد يقال: إن الفرث والدم كانا داخل الصَّلاة وجلدته الظاهرة طاهرة، فكان كحمل القارورة المرصَّعة، انتهى.\nوزعم العجلوني أن هذا الجواب غير صحيح؛ لأنَّ حمل النَّجاسة في الصَّلاة ولو في قارورة طاهرة غير جائز؛ فتأمل.\nقلت: بل هذا الجواب صحيح، وكلامه غير صحيح؛ لأنَّ النَّجاسة ما دامت في معدنها؛ تجوز معها الصَّلاة، ألا ترى أن الإنسان يصلي والحال أنه حاملٌ في بطنه أرطال من النَّجاسة، ولا يسع أحدًا أن يحكم بعدم صحَّة صلاته، ففي «الفتاوى الظهيرية»: الصبي إذا كان ثوبه نجسًا، أو هو نجس فجلس على حجر المصلي، وهو يستمسك بنفسه، أو الحمام النجس إذا وقع على رأس المصليوهو يصلي؛ جازت صلاته، وكذلك الجنب، أو المحدث إذا حمله المصلي؛ لأنَّ الذي على المصلي مستعملٌ له؛ فلم يصر المصلي حاملًا للنجاسة، كذا في «البحر».\nولو مس نحو حائط نجس بيابس في الصَّلاة؛ لا يضرُّ؛ لأنَّه لا يُعَدُّ حاملًا للنجاسة، كما في «القهستاني».\nولو صلى ومعه جرو كلب، أو كل ما لا يجوز أن يتوضأ بسؤره؛ فإنه إن كان فمه مفتوحًا؛ لم تجز صلاته؛ لأنَّ لعابه يسيل في كمِّه فيصير مبتلًّا بلعابه فيتنجَّس كمُّه؛ فيمنع الجواز إن كان أكثر من قدر الدرهم، وإن كان فمه مشدودًا بحيث لا يصل لعابه إلى ثوبه؛ جاز؛ لأنَّ ظاهر كل حيوان طاهر ولا ينجس إلا بالموت، ونجاسة باطنه في معدته؛ فلم يظهر حكمها كنجاسة باطن المصلي، كذا في «البحر».\nولو صلى وفي كمِّه بيضة قذرة (^٢) قد صار مخُّها دمًا؛ جازت صلاته؛ لأنَّه في معدته، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة، كذا في «المحيط».\nفالحاصل: أن الفرث والدم كانا داخل الصَّلاة وجلدته الظاهرة طاهرة؛ فالنَّجاسة في معدنها، والشيء ما دام في معدنه؛ لا يعطى له حكم النَّجاسة، كما ذكرنا؛ فافهم.\nوالكاف في قوله: (كحمل القارورة): للتشبيه في الهيئة والصفة لا في الحكم؛ لأنَّ المصلي لو صلَّى وفي كمه قارورة مرصَّعة فيها بول؛ لم تجز صلاته؛ لأنَّه في غير معدنه ومكانه، كما في «المحيط»، وهذا ليس بمراد هنا، وإنما المراد التشبيه من حيث الصفة والهيئة؛ يعني: أن صفة الجلدة كصفة القارورة من حيث إنَّها مرصعة لا يصل منها إلى المصلي شيءٌ (^٣)؛ فافهم ذلك، والله أعلم.\nثم قال صاحب «عمدة القاري»: (واعترض عليه بأنَّه كان ذبيحة وثني، فجميع أجزائها نجسة؛ لأنَّها ميتة.\nوأجيب: بأنَّه كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم.\nواعترض عليه بأنَّه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال؟\nقلت: الاحتمال الناشئ عن دليل كافٍ، ولا شكَّ أن تماديه ﵇ في هذه الحالة قرينة تدل على أنه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنَّه ﵇ لا يستقرُّ على أمر غير مشروع، ولا يقرِّر غيره عليه؛ لأنَّ حاله أجلُّ وأعظم من ذلك) انتهى كلامه\nوزعم أشهب المالكي أن الحديث حجة على أنَّ إزالة النَّجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبي، وردَّه في «عمدة القاري» بأنَّ الدلائل القطعية توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه والمكان الذي يصلي فيه، فهي تردُّ عليه.\nوقال القرطبي: (ومنهم من فرَّق بين ابتداء الصَّلاة بالنَّجاسة؛ فقال: لا يجوز، وبيَّن طروءها على المصلي في نفس الصَّلاة؛ فيطرحها عنه وتصحُّ صلاته، والمشهور من مذهب مالك: قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها؛ بناءً على أنَّ إزالتها واجبة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤١٥\"> </span>(٧٠) <span data-type=\"title\" id=toc-415>[باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (البصاق)؛ على وزن (فُعَال): ما يسيل من فم الإنسان مما ليس بدم، وفيه ثلاث لغات بالصاد، والزاي، والسين، وأعلاها الزاي، وأضعفها السين، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: فأفاد أن أكثر الروايات: أنه بالزاي، وبه صرَّح بعض\n_________\n(^١) في الأصل: (بلابسون)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (مذرة)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (شيئًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":119},{"text":"الشراح، والباء الموحدة مضمومة في اللغات الثلاث؛ فليحفظ، (والمُخاطِ)؛ بالجر عطف على (البصاق)، وهو بضمِّ الميم: ما يسيل من الأنف سواء كان ثخينًا أو رقيقًا، (ونحوِه)؛ بالجر عطف على ما قبله.\nفإن قلت: كان ينبغي أن يقول: ونحوهما؛ لأنَّ المذكور شيئان؟\nقلت: تقديره: ونحو كل واحد منهما، قاله إمام الشارحين؛ أي: أو نحو المذكور، وذلك كالعرق والبلغم، وهو ما يخرج من الصدر.\nوقوله: (في الثوب): يتعلق بمحذوف؛ أي: الكائن أو كائنًا، ومثل الثوب: البدن والمكان للمصلِّي هل يضرُّ أم لا؟ ويجوز أن يكون (باب): مبتدأ يحتاج إلى خبر، فيكون تقديره: باب البصاق... إلخ لا يضرُّ المصلي، ففيه وجهان، كذا اختاره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري». وقد حاول العجلوني العبارة، فزعم أن قوله: (في الثوب) متعلق بما أضيف إليه الباب، أو بمحذوف صفة، أو حال مما قبله، أو يضاف الـ (باب)، فـ (البزاق)، وما عطف عليه مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: لا يضرُّ المصلي ولا غيره.\nقلت: وهذه التقديرات غير ظاهرة مع ما فيها من التكلفات التي لا احتياج إليها، كما لا يخفى.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (وعَرَقُ كل حيوان يعتبر بسؤره الذي يمتزج بلعابه، ويستثنى منه الحمار على ما عرف في الفقه) انتهى.\nقلت: أي: فإنه طاهر؛ لما في «شرح الكنز» لابن الحلبي: (وعَرَق كل شيء كسُؤْرِه إلا عَرَق الحمار؛ فإنه طاهر في ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم) انتهى.\nونقل حافظ الدين الأتقاني الإجماع على طهارة عرقه، انتهى.\nوقال صاحب «المنية»: (وعرق كل شيء معتبر بسؤره، إلا أن عرق الحمار والبغل طاهر عند الإمام الأعظم في الروايات المشهورة، كذا ذكره الإمام القدوري) انتهى، قال شارحها البرهان الحلبي: وهذا الاستثناء إنَّما يصحُّ على القول بأنَّ الشك في الطهارة، فإذا قيل: إن سؤر الحمار مشكوك في طهارته ونجاسته، وعرق كل شيء كسؤره؛ صحَّ أن يقال: إلا أن عرق الحمار طاهر؛ أي: من غير شك؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ ركب الحمار معروريًا في حرِّ الحجاز، والغالب أنه يَعْرَق، ولم يُنْقَلْ عنه ﵇ أنه غسل بدنه أو ثوبه منه، انتهى.\nقال في «منهل الطلاب»: وعرق كل حيوان حكمه كسؤره؛ لتولُّد كلٍّ منهما من اللحم، كذا في كثير من كتب المذهب، ولا خفاء أن المتولد هو اللعاب؛ أي: لا السؤر، لكن أطلق عليه؛ للمجاورة، كما في «النهر»، فما كان سؤره طاهرًا؛ فعرقه طاهر؛ كالآدمي مطلقًا، والفرس في الأصحِّ، وكل ما يؤكل لحمه، وما كان سؤره نجس؛ فعرقه نجس؛ كالخنزير، والكلب، وسباع البهائم؛ كالأسد، والذئب، والفهد، والنمر، والثعلب، والفيل، والضبع، ونحوها، وما كان سؤره مكروهًا؛ فعَرَقه مكروه؛ كالهرة الأهلية، والدجاجة المخلاة، والإبل، والبقر، والغنم الجلَّالة، وسباع الطير؛ كالصقر، والغراب، والشاهين، والحدأة، والرخم، ونحوها مما لا يؤكل لحمه، وكل ما يسكن في البيوت مما له دم سائل؛ كالحية ولو كانت بريَّة، والفأرة، والوزغة، وما كان سؤره مشكوكًا؛ فعَرَقه مشكوك؛ كالحمار الأهلي لا فرق فيه بين الذكر والأنثى في الأصح، كما في «الدرين»، ومشى عليه الإمام الجليل قاضيخان، والبغل التي أمُّه حمارة؛ لأنَّ العبرة للأم، كما في الشروح، هذا التفصيل هو المعتمد في المذهب، وإلى غيره لا يذهب.\nففي «المستصفى»: (وعرق الحمار إذا وقع في الماء؛ صار مشكلًا على المذهب) انتهى؛ يعني: صار الماء به مشكلًا؛ أي: في الطهورية، فيجمع بينه وبين التيمم كما في لعابه، ويجوز شربه من ذلك الماء، كذا في «السراج» وغيره، وعليه الفتوى، كما في «الدر المنتقى»، واختلف في النية، والأحوط أن ينوي، كما في «النهر» عن «فتح القدير»؛ أي: الأحوط القول بوجوب النية، وأنها شرط فيه، وفي نبيذ التمر، كما في «البحر» عن شرحي «النقاية» و«المجمع»، وأيهما؛ أي: من الوضوء والتيمم قدَّمه على الآخر؛ صحَّ، وهو الأصحُّ، كما في «الدر المختار».\nوقال الإمام زفر: يشترط تقديم التيمم على الوضوء أو الغسل، لكن الأفضل تقديم الوضوء أو الغسل على التيمم؛ خروجًا من خلافه، كذا في «البحر»، هذا مذهب رئيس المجتهدين وإمامهم الإمام الأعظم ومن قال بقوله.\nوقال الإمام مالك: عرق سائر الحيوانات، وكذا سؤرها طاهر، ولو من غير مأكول اللحم، وكذا عند الشافعي إلا أنه استثنى الكلب، والخنزير، وما تولَّد منهما، أو من أحدهما؛ فإنه نجس؛ كالخارج منه.\nوقال أحمد: هو مختصٌّ بالمأكول؛ يعني: أن عَرَقَ المأكول وسؤرَه طاهر بخلاف غير المأكول.\nوقال إمام الشارحين: وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله ظاهرة على وضع البخاري؛ لأنَّه وضع الباب الذي قبله فيما إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر، ورأى به عدم بطلان الصَّلاة في مثل هذه الصورة، وحكم هذا الباب كذلك، ولا خلاف فيه.\nوزعم ابن حجر أن دخول هذا الباب في أبواب الطهارة من جهة أنه لا يُفْسِدُ الماء.\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: حكم هذا الباب في البصاق الذي يصيب الثوب، وذكره عقيب الباب الذي قبله من هذه الجهة، ولا ذكر للماء في البابين، نعم؛ إذا كان حكم البصاق لا يفسد الثوب؛ يكون كذلك لا يفسد الماء) انتهى.\nوزعم العجلوني أن ما قاله ابن حجر بيان لوجه إيراده في أبواب الطهارة، لا لبيان المناسبة بين البابين، فلا يردُّ ما قاله.\nقلت: إذا كان كذلك؛ فكأنه لم تظهر له وجه المناسبة بين البابين، وهي ظاهرة لمن له أدنى ذوق في العلم على أنَّ مراد ابن حجر بقوله: (دخول هذا الباب...) إلخ بيان لوجه المناسبة بين البابين، فإنه لمَّا لم يجد مناسبة على حسب فهمه؛ تعلَّق بدخوله في أبواب الطهارة، ويدل لهذا قوله في «الانتقاض»: قد اعترف بما أنكر) انتهى.\nفهو يدل على أنَّ مراده وجه المناسبة بين البابين، ولا يخفى أن إمام الشارحين لم يعترف بما أنكره، بل ذكر أن هذا الباب له وجه بدخوله في أبواب الطهارة من حيث إنَّ البصاق؛ كالماء لا يفسد الثوب، على أنه لا معنى لذكر هذه الجملة؛ لأنَّ المقصود هنا ذكر المناسبة التي بين البابين، ولكن لمَّا خفيت على ابن حجر، ولم يتعرَّض لها، وذكر هذه المناسبة البعيدة؛ التجأ إمام الشارحين أن يبيِّن وجه دخوله في أبواب الطهارة، ووجه المناسبة بين البابين، فلله درُّ هذا الإمام الذي يُطلق عليه أنه إمام الشارحين؛ فافهم.\n (وقال عُرْوة)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الرَّاء: هو ابن الزُّبير؛ بضمِّ الزاي، التابعي فقيه المدينة، مما وصله المؤلف في (صلح الحديبية)، و(الشروط) في (الجهاد)، وذكر هنا قطعة منه، وهو حديث طويل؛ لبيان مقصوده وما ترجم له، وذكر قطعة منه في باب (استعمال فضل وضوء الناس)؛ فافهم، (عن المِسْوَر)؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، آخره راء: هو ابن مَخْرَمَة؛ بفتحات إلا أن الخاء المعجمة ساكنة، صحابي صغير (ومَرْوَان)؛ بفتح الميم، وسكون الرَّاء: هو ابن عبد الملك بن الحَكَم؛ بفتحتين، الأموي، ولد في حياة النبيِّ الأعظم ﵇ ولم يَسْمَعْ منه؛ لأنَّه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطائف لما نفاه ﵇ إليها؛ لأنَّه كان يفشي سره فبقي معه حتى استخلف عثمان ﵁، فردَّهما إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة، ومات في خلافة عثمان، وأمَّا ولده مروان؛ فإنه لمَّا توفي معاوية بن يزيد؛ بايعه بعض الناس في الشام بالخلافة، ومات بدمشق سنة خمس وستين، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وقال في «التقريب»: (ولِّي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمسة في رمضان، وله ثلاثة، أو إحدى وستون سنة، لا تثبت له صحبة، بل هو من كبار التابعين) انتهى.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال النَّووي في «التهذيب»: (لم يسمع من النبيِّ ﷺ ولا رآه)، قال إمام الشارحين: (فإن قلت: مروان لم يسمع من النبيِّ ﵇ ولا كان بالحديبية، وكيف روايته؟\nقلت: رواية المسور هي الأصل، لكن ضم إليه رواية مروان للتقوية والتأكيد) انتهى.\nقلت: وبهذا ظهر فساد ما زعمه الكرماني، وتبعه ابن حجر والقسطلاني من أن رواية مروان مرسل صحابي، وهو حجة، بل يقال كما قال إمام الشارحين: ضمت لرواية المسور التي هي الأصل؛ للتقوية والتأكيد، وقد ارتضاه العجلوني فاتبع الحق، وعرج عما ذكره الكرماني وابن حجر، فالعجب منه حيث لم يتعصب هنا لابن حجر، فتبع صاحب «عمدة القاري» في هذا الجواب الذي هو الصواب، لكنه ذكره في شرحه ونسبه لنفسه، وما هو له، بل قد أخذه من شرح إمام الشارحين ﵁، وجعله من الآمنين.\nوقوله: (خرج النبيُّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ...) إلخ؛ مقول عروة كما يظهر، لكن في الحقيقة هو مقول المسور ومروان بدليل ما سيأتي في قصة الحديبية بلفظ: عن عروة، عن مروان والمسور؛ قالا: «خرج النبيُّ ﷺ...»؛ الحديث، ولأنَّهما اللذان حضرا القصة، ولو على سبيل التغليب؛ فافهم، (زمن): متعلق بـ (يخرج)، وللأصيلي: (في زمن) (حُدَيْبِيَة) وفي رواية: (الحُدَيْبِيَة)؛ بـ (أل) التي للمح الأصل، وهي بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الدَّال، وسكون التحتية الأولى، وكسر الموحدة، وفتح التحتية الثانية، كذا قاله أئمة العراق، وبتشديد التحتية عند أكثر المحدثين، وقال ابن المديني: (أهل المدينة يثقِّلونها)، قال صاحب «عمدة القاري»: (وهي تصغير حدباء؛ لأنَّ حديبية قرية سمِّيت بشجرة هناك، وهي حدباء، وكانت الصحابة ﵃ بايعوا رسول الله ﷺ تحت هذه الشجرة، وهي تسمَّى بيعة الرضوان، وقيل: هي قرية سمِّيت ببئر هناك، وعلى كلا التقديرين الصواب التخفيف، وهي على نحو مرحلة من مكة) انتهى كلامه\nوبهذا ظهر القول الصواب، وفسد ما قاله القسطلاني والعجلوني من ذكر الأقوال من غير تعبير بالصواب؛ فافهم.\n (فذكر)؛ أي: عروة، وقول القسطلاني: (حذيفة) خطأ ظاهر؛ فليحفظ (الحديث)؛ أي: الآتي بتمامه إن شاء الله تعالى في صلح الحديبية، وفيه: (وما تنخَّم النبيُّ) الأعظم (ﷺ): فعل ماض من باب (التفعُّل)، يقال: تنخَّم الرجل؛ إذا دفع بشيء من صدره أو أنفه، قاله في «المحكم»، وثلاثيه: نخم نخَمًا ونخْمًا، كذا في «عمدة القاري» (نُخامة)؛ بالنُّون المضمومة: النخاعة، كما في «الصحاح»، و«المجمل»، وفي «المغرب»: (هي ما يخرج من الخيشوم)، وزعم النووي: أنها تخرج من الفم بخلاف النخاعة، فإنها تخرج من الحلق، وقال بعض الفقهاء: النخامة: هي الخارج من الصدر، والبلغم: هو النازل من الدماغ، وبعضهم عكسوا، كذا قاله إمام الشارحين، (إلا وقعت في كف رجل منهم)؛ أي: ما تنخم في حال من الأحوال إلا في حال وقوعها في كفِّ رجلٍ من أصحابه؛ أي: رمى بنخامته في كفه، وهو إما عطف على (خرج)، وإما على (الحديث)، وهل المراد أنه ما تنخم زمن الحديبية إلا وقعت في كف رجل، أو ما تنخم قطٌّ مطلقًا في أي حال من الأحوال إلا وقت وقوعها في كف رجل منهم؛ لمبادرتهم لأخذها للتبرك، فلا يختص بزمن الحديبية، استظهر الكرماني الأول، وهو التقييد بزمن الحديبية، واستظهر إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» الثاني، وهو الإطلاق، وزعم العجلوني أن مقتضى المقام التقييد وإن كان للإطلاق وجه سديد.\nقلت: هذا ممنوع، بل مقتضى المقام الإطلاق؛ لأنَّ المقصود من ذلك التبرك والتشرف بآثاره ﵇، وهو لا يختص بوقت دون وقت، والتقييد هنا بزمن الحديبية اتفاقي ولبيان الواقع، وإلا؛ فهو عام لجميع الأزمان، والمقصود منه التبرك، ولذا قال: (فدلك)؛ بالدَّال المهملة؛ أي: الرجل من أصحابه (بها)؛ أي: بنخامته ﵇ (وجهه وجلده) فيزداد نورًا على نوره، وشرفًا على شرفه؛ لأنَّهم قد حصل لهم النور برؤيتهم له ﵇، وبمسِّ شيء من آثاره يزدادون نورًا، وشرفًا، وبركةً، وهذا يعين الإطلاق، وينفي التقييد، كما لا يخفى.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: ما وجه ذكر حديث الحديبية هنا؟ قلت: إما لأنَّ التنخم وقع في الحديث، وإما لأنَّ الراوي ساق الحديثين سوقًا واحدًا، وذكرهما معًا وكثيرًا ما يفعله المحدثون).\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: لم يطَّلع الكرماني على الموضع الذي ساق البخاري فيه الحديث، فلذلك تردَّد (^١) في جواب السؤال، فلو كان اطَّلع عليه؛ لم يتردَّد) انتهى.\nوتبعه الشراح فقالوا: وغفل الكرماني فظن أنه حديث آخر، ولو راجع الموضع الذي ساق المصنف فيه الحديث تامًّا؛ لظهر له الصواب، انتهى.\n\n <span id=\"b-٤١٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-416>[حديث: بزق النبي ﷺ في ثوبه]</span>\n٢٤١ - وبه قال: (حدثنا محمَّد بن يوسف): هو الفِريابي؛ بكسر الفاء وبالتحتية قبل الألف، وبالموحدة (قال: حدثنا سفيان): هو الثوري، كما صرَّح به الدارقطني، ولأن الفريابي كثير الملازمة للثوري، وتمامه في «عمدة القاري»، (عن حمُيد)؛ بضمِّ الحاء المهملة، بالتصغير، المشهور بالطويل.\nفإن قلت: لم لا يقال: إن حميدًا هذا هو حميد بن هلال؛ لأنَّه في طبقة حميد الطويل؟\nقلت: لأنَّ السفيانين لم يرويا عن حميد بن هلال شيئًا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»؛ أي: فتعين أن يكون هذا هو حميد الطويل؛ فافهم.\n (عن أنس)؛ أي: ابن مالك، كما في رواية الأصيلي (قال) أي: أنس ﵁: (بَزق)؛ بفتح الزاي، من باب (قتل)؛ أي: بصق، وهو إبدال منه، كما نصَّ عليه في «المصباح»، ويقال بالسين أيضًا، كما قدمناه (النبيُّ) الأعظم (ﷺ في ثوبه) أي: ثوب النبيِّ الأعظم ﵇، وهو الظاهر كما قاله إمام الشارحين، وزعم البرماوي تبعًا للكرماني أنه يحتمل عود الضمير إلى أنس ﵁، وهو بعيد، قال في «عمدة القاري»: قلت: وجه بعده ما رواه أبو نعيم في «مستخرجه»، وهو هذا الحديث من طريق الفريابي، وزاد في آخره: (وهو في الصَّلاة) انتهى.\nقلت: فهذه الزيادة تعين رجوع الضمير إلى النبيِّ ﵇، وتنفي عود الضمير إلى أنس، ولهذا اقتصر عليه القسطلاني، كما لا يخفى.\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، وفي رواية إسقاط (قال أبو عبد الله)، لكن أكثر الأصول على إثباتها، وعليها شرح إمام الشارحين الشيخ الإمام بدر الدين العيني رضي الله تعالى عنه: (طوله)؛ بالضمير، وفي رواية: بحذفه، لكنه مراعًى؛ أي: طول هذا الحديث؛ يعني: ذكره مطولًا في باب (حك البزاق باليد من المسجد)، وسيأتي إن شاء الله تعالى (ابنُ أبي مريم)؛ بالرفع فاعل (طوله)، وهو شيخ المؤلف، واسمه سَعِيْد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم المصري الثقة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين (قال: أخبرنا يحيى بن أيُّوب): هو الغافِقي؛ بمعجمة، ففاء مكسورة، فقاف، المصري مولى عمر بن الحكم بن مروان أبو العباس، المتوفى سنة ثمان وستين ومئة، وفيه لين، وقال أبو حاتم: (لا يحتج به)، وقال النسائي: (ليس بالقوي) (قال: حدثني) بالإفراد (حُميد)\n_________\n(^١) في الأصل: (ردد)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":120},{"text":"بضمِّ الحاء المهملة؛ أي: الطويل المتقدم (قال: سمعت أنسًا) رضي الله تعالى عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ يعني: مثل الحديث المذكور، وهو مفعوله الثاني حذف للعلم به، وفيه التصريح بسماع حميد عن أنس خلافًا لما روى يحيى القطان عن حمَّاد بن سَلَمَة أنه قال: حديث حميد عن أنس في البزاق إنَّما سمعه عن ثابت عن أبي نضرة، فظهر من تصريح سماعه أنه لم يدلس فيه، وقال: يحيى القطان، ولم يقل شيئًا؛ لأنَّ هذا قد رواه قتادة عن أنس غير هذا، وهو أنه ﵇ قال: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nقال ابن بطال: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: بزق في ثوبه، وفي (وما تنخم...) إلخ، فإن ذلك يفيد طهارة البصاق والمخاط، قال إمام الشارحين: (وهذا أمر مجمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا إلا ما روي عن سلمان أنه جعله غير طاهر وإلا الحسن بن حي (^١)، فإنه كرهه في الثوب، وعن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه، وذكر ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن إبراهيم النخعي أنه ليس بطهور، وقال ابن حزم: صحَّ عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي: أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، وقال بعض الشراح: وما ثبت عن الشارع من خلافهم؛ فهو المتبع والحجة البالغة، فلا معنى لقول من خالف، وقد أمر الشارع المصلي أن يبصق عن شماله، أو تحت قدمه، وبزق الشارع في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: أو يفعل هكذا، وهذا ظاهر في طهارته؛ لأنَّه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة، ولا أن يصلي وفي ثوبه نجاسة) انتهى.\nلا يقال: إن بزاقه وغيره من فضلاته ﵇ طاهرة، فلا يدل على طهارة بزاق غيره؛ لأنا نقول: إن لم يدل ما ذكر على الطهارة؛ فيدل عليها قوله ﵇ لمن أمره بأن يبزق عن يساره، أو تحت قدمه، وبزق في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: أو تفعل هكذا؛ فافهم.\nقال إمام الشارحين: (قلت: أما بصاق النبيِّ ﵇؛ فهو أطيب من كل طيب، وأطهر من كل طاهر، وأما بصاق غيره؛ فينبغي أن يكون بالتفصيل؛ وهو أن البصاق طاهر إذا كان من فم طاهر، وأما إذا كان من فم شارب الخمر؛ فينبغي أن يكون نجسًا في حال شربه؛ لأنَّ سؤره في ذلك الوقت نجس، فكذلك بصاقه، وكذا إذا كان من فم من فيه جراحة، أو دمل يخرج منه دم أو قيح، وقال أصحابنا: الدم المساوي للريق ينقض الوضوء استحسانًا كالغالب على البزاق بخلاف الناقص عنه، ولو كان لون الريق أحمر؛ نقض، وإن كان أصفر؛ لا ينقض، ثم إذا حكم بطهارة البزاق على الوجه الذي ذكرناه يعلم منه أنه إذا وقع شيء منه في الماء؛ لا ينجسه، ويجوز الوضوء منه، وكذا إذا وقع في الطعام؛ لا يفسده غير أن بعض الطباع يستقذر ذلك، فلا يخلو عن الكراهة) انتهى والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤١٧\"> </span>(٧١) <span data-type=\"title\" id=toc-417>[باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (لا يجوز الوضوء بالنبيذ)؛ بالذال المعجمة، قال ابن سيده: (النبذ: طرحك الشيء، وكل طرح نبذ، والنبيذ: الشيء المنبوذ، والنبيذ: ما نبذته من عصير ونحوه، وقد نبذ، وانتبذ، ونبذ، والانتباذ: المعالجة)، وفي «الصحاح»: (والعامة تقول: انتبذت)، ومثله في كتاب ابن درستويه، وذكر اللحياني في «نوادره»: ومن حمض الحامض انتبذت؛ لغة، ولكنها قليلة، وذكره أيضًا ثعلب في كتاب (فعلت وأفعلت)، وفي «الجامع» للقزاز: (أكثر الناس يقولون: نبذت النبيذ، ولم أسمعها أنا من العرب)، قال إمام الشارحين: (النبيذ فعيل بمعنى مفعول؛ وهو الماء الذي ينبذ فيه تميرات؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء)، وفي «نهاية ابن الأثير»: (النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب؛ إذا تركت (^٢) عليه الماء؛ ليصير نبيذًا، فصرف من مفعول إلى فعل، وانتبذته: اتخذته نبيذًا وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر، وهو من باب «فعَل يفعِل»؛ بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع؛ كـ (ضرَب يضرِب)، ذكره صاحب «الدستور»، وفي «العباب»: وانتبذت النبيذ، لغة عامية، ونبذت الشيء تنبيذًا؛ شدد للمبالغة) انتهى.\nوحاصل كلامه: أن المراد بالنبيذ المطروح في الماء من تمر وغيره؛ لتخرج حلاوته إلى الماء وليس هو الماء المطروح فيه ما ذكر، وجرى عليه القسطلاني، والحامل لهما على تفسيره بما ذكره أن الوضوء في الحقيقة بالماء لا بالمنبوذ فيه؛ فافهم، وتبعه في ذلك ابن حجر حيث قال: (والمراد الماء المطروح فيه التمر ونحوه) انتهى.\n (ولا بالمسكر) وفي رواية: (ولا المسكر)؛ بحذف الموحدة؛ أي: لا يجوز أيضًا به، قال ابن حجر: (هو من عطف العام على الخاص)، ورده في «عمدة القاري» فقال: (إنما يكون ذلك إذا كان المراد بالنبيذ ما لم يصل إلى حد الإسكار، وأما إذا وصل؛ فلا يكون من هذا الباب) انتهى؛ يعني: إذا لم يصل النبيذ إلى حد الإسكار؛ فهو من عطف العام على الخاص، وأما إذا وصل إليه؛ كان من عطف المغاير، وهذا ظاهر.\nوزعم العجلوني: أن عبارة ابن حجر هكذا من عطف العام على الخاص، أو المراد بالنبيذ ما لم يبلغ حد الإسكار، قال: وكأن النسخة التي وقعت لصاحب «عمدة القاري» سقط منها: (أو المراد...) إلخ، فاعترض على إطلاقه، قال: (ومعنى كلام ابن حجر: أنه إذا لم يصل النبيذ إلى حد الإسكار؛ لا يكون من عطف العام؛ بل من المغاير، فإن وصل إليه؛ كان من عطف العام على الخاص) انتهى.\nقلت: وهذا ممنوع وفاسد، فإن نسخ ابن حجر كلها هكذا من عطف العام على الخاص، ولم توجد هذه الزيادة التي زادها العجلوني، وهي (أو المراد...) إلخ، فلا ريب أنها زيادة منه؛ لأجل ترميم عبارة ابن حجر حتى لا يتوجه عليها اعتراض إمام الشارحين، ويدل لذلك أن ابن حجر رأى الاعتراض عليه، وقال في «الانتقاض» معترضًا على صاحب «عمدة القاري»: (قلت: هو الذي اختُلِفَ في الوضوء به، فيتخصص بالحيثية) انتهى.\nفلو كانت عبارته في «الفتح» غير التي نقلها صاحب «عمدة القاري»؛ لذكر ذلك، فعدم تعرُّضه لذلك دليل على أنها زيادة من العجلوني، وصاحب الدار أدرى بالذي فيه، وقول العجلوني: (ومعنى كلام ابن...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لو كان معناها هكذا؛ لكان ذكره ابن حجر في «الانتقاض»، فدل ذلك على أنه ليس بمراد لابن حجر مع أنه فيه خبط وقلب؛ فافهم، وهذا دأب العجلوني ترميم عبارة ابن حجر؛ لأنَّه عندهم من المعصومين لا يجري عليه خطأ ولا غفلة، بل لو ادَّعى النبوة؛ لسلموا له ذلك، وقالوا: لا نبي بعدي؛ أي: لا نبي من الناس لا من الشافعية؛ فافهم، ومن دق الباب؛ سمع الجواب.\nقال إمام الشارحين: (وتخصيص النبيذ بالذكر من بين المسكرات؛ لأنَّه محل الخلاف في جواز التوضُّؤ به) انتهى؛ يعني: وأما المسكر؛ فهو نجس إجماعًا؛ فافهم.\n (وكرهه)؛ أي: الوضوء بالنبيذ، لكن مع صحة الوضوء به (الحسن)؛ أي: البصري، كما رواه ابن أبي شيبة عن سفيان عمَّن سمع الحسن يقول: (لا يُتَوَضَّأُ بنبيذ، ولا بلبن)، ورواه عبد الرزاق عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن قال: (لا يُتَوَضَّأُ بلبن، ولا بنبيذ)، وروى أبو عبيد من طريق آخر عن الحسن أنه قال: (لا بأس به)، فعلى هذا؛ كراهته عنده كراهة تنزيه، وحينئذٍ لا يساعد الترجمة، كذا قاله إمام الشارحين؛ يعني: أنه يحتمل أن للحسن قولين، وعلى الكراهة التنزيهية لا يناسب الترجمة، وزعم العجلوني أنه يحمل (لا يجوز) في الترجمة على الجواز المستوي الطرفين.\nقلت: وهذا الحمل غير صحيح، كما لا يخفى، (و) كذا كرهه (أبو العالية)؛ بالعين المهملة، بعدها ألف، فلام، فتحتية، فهاء تأنيث، رُفَيع؛ بالتصغير؛ بضمِّ الراء، وفتح الفاء، ابن مَهْران؛ بفتح الميم، وسكون الهاء، بعدها راء، فألف، فنون، الرِّياحِي؛ بكسر الراء، بعدها تحتية مخففة، بعدها حاء مهملة مكسورة، كما رواه الدارقطني في «سننه» بسند جيد عن أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: (رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من الجنابة؟ قال: لا)، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا مروان بن معاوية عن أبي خلدة، عن أبي العالية: (أنه كره أن يغتسل بالنبيذ)، وكذا رواه أبو عبيد عن أبي خلدة، وفي روايته: (فكرهه).\nقلت: الظاهر: أن هذا أيضًا كراهة التنزيه، كذا قاله إمام الشارحين؛ يعني أنه يحتمل أن يكون لأبي العالية قولين، وعلى القول بالكراهة التنزيه لا يناسب الترجمة؛ فليحفظ.\n (وقال عطاء)؛ بالمد، هو ابن أبي رَباح؛ براء مفتوحة، فموحدة مخففة (التيمُّم أحبُّ إليَّ من الوضوء بالنبيذ واللبن)؛ أي: بأحدهما، قال صاحب «عمدة القاري»: وهذا يدل على أن عطاء يجيز استعمال النبيذ في الوضوء،\n_________\n(^١) في الأصل: (حيي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (نزلت)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":121},{"text":"لكنَّ التيمُّم أحب إليه منه، فعلى هذا؛ هو أيضًا لا يساعد الترجمة، وروى أبو داود من طريق ابن جريج عن عطاء: (أنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن، وقال: إن التيمُّم أعجب إليَّ منه).\nقلت: أما التوضؤ باللبن؛ فلا يخلو إما أن يكون بنفس اللبن، أو بماء خالطه اللبن، فالأول: لا يجوز بالإجماع، وأما الثاني؛ فيجوز عندنا خلافًا للشافعي، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ يعني: إن بقي على رقته وسيلانه، وأما الوضوء بالنبيذ؛ فهو جائز عند الإمام الأعظم، لكن بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء؛ كالماء، وما اشتد منها؛ صار حرامًا لا يجوز التوضُّؤ به وإن غيَّرته النار، فما دام حلوًا؛ فهو على الخلاف، ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة جريًا على قضية القياس، انتهى.\nيعني: وترك القياس فيه لوجود النص؛ فافهم.\nوقال ابن بطال: (اختلفوا في الوضوء بالنبيذ، فقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز الوضوء بنيِّئه ومطبوخه مع عدم الماء أو وجوده، تمرًا كان أو غيره، فإن كان مع ذاك اشتد؛ فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به، وقال الإمام الأعظم: لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء، فإذا عدم الماء؛ فيجوز بمطبوخ التمر خاصة، وقال الحسن: جاز الوضوء بالنبيذ، وقال الأوزاعي: جاز الوضوء بالنبيذ وسائر الأنبذة) انتهى.\nوفي «المغني» لابن قدامة: (وروي عن عليٍّ وابن عباس ﵃: أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بنبيذ التمر، وبه قال الحسن، والأوزاعي، وقال عكرمة مولى ابن عباس: النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إلي من التيمم، وجمعهما أحب إلي، وهو رواية عن الإمام الأعظم، وفي أخرى عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر؛ لحديث ابن مسعود ﵁) انتهى.\nوزعم ابن حجر: أن ما روي عن علي وابن عباس لا يصح عنهما.\nقلت: بل هذه النقول تدل على صحته عنهما، وعن غيرهما، والمثبت مقدم على النافي عند الأصوليين، وفي «أحكام القرآن» لأبي بكر الرازي، وعن الإمام الأعظم في ذلك ثلاث روايات؛ أحدها: يتوضأ به، ويشترط فيه النية ولا يتيمم، قال: وهذه هي المشهورة، وقال الإمام قاضيخان: وهي قوله الأول، وبها قال الإمام زفر، والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد، قال قاضيخان: وهو الصحيح عنه، والذي رجع إليها، وبها قال الإمام أبو يوسف، وأكثر العلماء، واختارها الحافظ أبو جعفر الطحاوي، والثالثة: روي عنه الجمع بينهما؛ أي: بين الوضوء والتيمم، وهو قول الإمام محمَّد، انتهى.\nقلت: ورجحه في «غاية البيان» وغيرها، لكن المذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم جواز التوضؤ به؛ لأنَّ المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به، كما صرح به في «التوشيح»، كذا قاله صاحب «البحر الرائق»؛ فليحفظ.\nوقال صاحب «المحيط»: (وصفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تمرات حتى يأخذ الماء حلاوتها، ولا يشتد، ولا يسكر، فإن اشتد؛ حرم شربه، فكيف الوضوء به؟ وإن كان مطبوخًا؛ فالصحيح أنه لا يتوضأ به).\nوقال في «المفيد»: (إذا ألقي فيه تمرات، فحلا، ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق؛ فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز به الاغتسال على الصحيح)، لكن صحح في «المبسوط»: أنه يجوز الاغتسال به أيضًا.\nقلت: وقوله: (بلا خلاف بين أصحابنا)؛ أي: أئمتنا المتقدمين، لكن اختار الأئمَّة المتأخرون عدم الجواز، وعليه الفتوى، كما في أكثر الكتب، فافهم.\nوقال الإمام الكرخي: (المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به إلا عند الإمام محمَّد)، وقال أبو طاهر الدباس: (لا يجوز)، وقال صاحب «البدائع»: (واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل الإمام الأعظم، فقال بعضهم: لا يجوز؛ لأنَّ الجواز إنَّما عرف بالنص، وهو ورد بالوضوء دون الاغتسال، فيقتصر على مورد النص، وقال بعضهم: يجوز؛ لاستوائهما في المعنى).\nقلت: وسبق أن صاحب «المفيد» صحَّح القول الأول، وصاحب «المبسوط» صحَّح القول الثاني، وقال صاحب «عمدة القاري»: ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف؛ وهو أن يلقى في الماء شيء من التمر؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود ﵁ في تفسير النبيذ الذي توضأ به النبيُّ الأعظم ﷺ، فقال: «تُمَيرات ألقيتها في الماء»؛ لأنَّ من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء؛ ليحلو، فما دام رقيقًا حلوًا أو قارصًا؛ يتوضأ به عند الإمام الأعظم، وإن كان غليظًا؛ كالرُّبِّ؛ لا يجوز التوضؤ به، وكذا إذا كان رقيقًا، لكنه غلا واشتد وقذف بالزبد؛ لأنَّه صار مسكرًا والمسكر حرام؛ فلا يجوز التوضُّؤ به؛ لأنَّ النبيذ الذي توضأ به النبيُّ الأعظم ﷺ كان رقيقًا حلوًا؛ فلا يلحق به الغليظ، والنبيذ إن كان نيئًا أو كان مطبوخًا أدنى طبخة، فما دام قارصًا أو حلوًا؛ فهو على الخلاف وإن غلا واشتد وقذف بالزبد، وذكر الإمام القدوري في «مختصر الإمام الكرخي» الاختلاف فيه، فعلى قول الإمام الكرخي؛ يجوز، وعلى قول أبي طاهر؛ لا يجوز، وستأتي الأدلة في ذلك إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٤١٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-418>[حديث: كل شراب أسكر فهو حرام]</span>\n٢٤٢ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو المديني (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عُيينة؛ بضمِّ العين المهملة (قال: حدثنا الزُّهري)؛ هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب، وفي رواية: (عن الزُّهري)، (عن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، (عن عائشة) الصديقة ﵂، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: كل شراب أسكر؛ فهو حرام)؛ أي: كل واحد من أفراد الشراب المسكر حرام، وذلك لأنَّ كلمة (كل) إذا أضيفت إلى النكرة؛ تقتضي عموم الإفراد، وإذا أضيفت إلى المعرفة؛ تقتضي عموم الأجزاء، وزعم ابن حجر: أن «كل شراب أسكر»؛ أي: كل ما من شأنه الإسكار سواء حصل بشربه الإسكار أم لا، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس معناه كذا؛ لأنَّ الشارع أخبر بحرمة الشراب عند اتصافه بالإسكار، ولا يدل ذلك على أنه يحرم إذا كان يسكر في المستقبل) انتهى.\nقلت: أي: فإن المراد بحرمة الشراب ما أسكر في الحال، وكونه يُسْكِرُ في المستقبل شيء عارض له، فإنه بسبب طول المدة يعرض له الإسكار، فإذا حصل فيه الإسكار؛ فهو نجس حرام إجماعًا، فالمراد بالشراب الحرام: هو ما أسكر بالفعل في الحال؛ فافهم.\nوزعم الخطابي: أنه يدل على أن قليل السكر وكثيره حرام؛ أي: من أي نوع كان؛ لأنَّه صيغة عموم أشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر، فهو كما قال: كل طعام أشبع؛ فهو حلال، فإنه يكون دالًّا على كل طعام من شأنه الإشباع وإن لم يحصل الشبع به لبعض.\nورده في «عمدة القاري»: بأن قوله: (قليل السكر وكثيره حرام) من أي نوع كان لا يتمشى في كل شراب، وإنما ذلك في الخمر لما روي عن ابن عباس ﵄ موقوفًا ومرفوعًا: «إنما حرمت الخمر؛ لعينها، والمسكر من كل شراب»، فهذا يدلُّ على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا، وعلى أن غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، وهذا ظاهر.\nفإن قلت: ورد عنه ﵇: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام».\nقلت: طعن فيه يحيى بن معين وغيره من الحفاظ، ولئن سلم؛ فالأصح أنه موقوف على ابن عمر، ولهذا رواه مسلم بالظن، فقال: لا أعلمه إلا مرفوعًا، ولئن سلم؛ فمعناه: كل ما أسكر؛ فحكمه حكم الخمر، انتهى.\nوأما النبيذ؛ فلا يحرم شربه، ويجوز التوضُّؤ به، وهو قول عليٍّ، وابن عباس، والحسن، والأوزاعي، وعكرمة، وإسحاق، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام زفر، واستدلوا بحديث ابن مسعود حيث قال له النبيُّ ﷺ ليلة الجن: «أمعك ماء؟»، وفي رواية: «ما في إداوتك؟» فقال: معي نبيذ، فقال: «نبيذ»، وفي رواية: فقال له ﵇: «اصبب عليَّ؛ إنه شراب وطهور»، وفي رواية: «تمرة طيبة، وماء طهور»، رواه أبو داود والترمذي، وزاد: (فتوضَّأ وصلى الفجر).\nقلت: فهذا يدل ظاهرًا على ما قالوه،","vol":"1","page":121},{"text":"وعلى هذا؛ فهذا الحديث لا يطابق الترجمة، وكان ينبغي أن يذكره في كتاب (الأشربة)؛ لأنَّ الشراب إذا كان مسكرًا يكون شربه حرامًا، فكذلك التوضُّؤ به، وأما النبيذ؛ فليس كذلك، فلا يساعد الترجمة، كما نبه عليه إمام الشارحين.\nوزعم ابن حجر أن حديث ابن مسعود أطبق علماء السلف على تضعيفه، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: إنَّما ضعفوه؛ لأنَّ في رواته أبا زيد، وهو رجل مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي، وقال ابن العربي في «شرح الترمذي»: أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه عن حد الجهالة، وأما اسمه؛ فلم يُعْرَف، فيجوز أن يكون الترمذي أراد به مجهول الاسم.\nعلى أنه روى هذا الحديث أربعة [عشر] رجلًا عن ابن مسعود، كما رواه أبو زيد:\nالأول: أبو رافع عند الحافظ الطحاوي والحاكم.\nالثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في «الأوسط».\nالثالث: عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في كتاب «الصحابة».\nالرابع: عمرو البكالي عند أبي أحمد في «الكنى» بإسناد صحيح.\nالخامس: أبو عبيدة بن عبد الله.\nالسادس: أبو الأحوص، وحديثهما عند محمَّد بن عيسى المدائني، وقول البيهقي: (إن محمَّد بن عيسى المدائني واهي الحديث) مردود؛ لأنَّ البرقاني قال فيه: إنه ثقة لا بأس به، وأن اللالكائي (^١) صالح، قال: ليس يدفع عن السماع.\nالسابع: عبد الله بن مسَلَمَة عند الحافظ أبي الحسن بن المظفر في كتاب «غرائب شعبة».\nالثامن: قابوس أبو ظبيان (^٢) عن أبيه عند ابن المظفر أيضًا بسند لا بأس به.\nالتاسع: عبد الله بن عمر بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه.\nالعاشر: عبد الله بن عباس عند الحافظ الطحاوي وابن ماجه.\nالحادي عشر: أبو وائل شقيق بن سَلَمَة عند الدارقطني.\nالثاني عشر: ابن لعبد الله رواه أبو عبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله، عن أبيه: أن أباه حدثه.\nالثالث عشر: أبو عثمان بن سنة عند أبي حفص بن شاهين في كتاب «الناسخ والمنسوخ» من طريق جيد، وخرجها الحاكم في «مستدركه».\nالرابع عشر: أبو عثمان النهدي عند الدورقي في «مسنده» بطريق لا بأس به، انتهى؛ فافهم.\nوزعم العجلوني (أنه يمكن أن يجاب بأن إطباقهم على تضعيف الحديث لأمر آخر غير الجهالة في راويه) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، فما الأمر الآخر غير الجهالة، وما هو إلا محض تعصب وتعنت، وكأنه لم يعلم بيان طرق الحديث التي (^٣) قدمناها، والحديث على فرض ضعفه؛ فقد تقوَّى بهذه الطرق العديدة، وبها يرتقي إلى درجة الصحيح؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر تبعًا لابن بطال بأنه قد روي عن ابن مسعود من طرق ثابتة أنه لم يشهد ليلة الجن مع رسول الله ﷺ.\nورده صاحب «عمدة القاري»: بأنه يجوز أن يكون صحبه في بعض الليل واستوقفه في الباقي، ثم عاد إليه، فصحَّ أنه لم يكن معه عند الجن لا نفس الخروج؛ أي: لا يصح أن يكون قد خرج عنه، وقد قيل: إن ليلة الجن كانت مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبيِّ ﵇ ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج إليهم وابن مسعود معه ليلة أخرى، كما رواه أبو حاتم في «تفسيره» في أول سورة الجن من حديث ابن جريج قال: وقال ابن عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة؛ فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة؛ فجن نصيبين، انتهى، فليحفظ.\nوزعم ابن حجر: وقيل: على تقدير صحة حديث ابن مسعود، فإنه منسوخ؛ لأنَّ ليلة الجن كانت بمكة، ونزول قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] إنَّما كان بالمدينة بلا خلاف، فإنها نزلت في غزوة بني المصطلق بالمدينة حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل نقل هذا عن ابن القصار من المالكية، وابن حزم من الظاهرية، والعجب منه أنه مع علمه أن هذا مردود نقل هذا، وسكت عليه! ووجه الرد ما ذكره الطبراني في «الكبير»، والدارقطني: (أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﵇ بأعلى مكة فهمز له بعقبه، فأنبع الماء، وعلمه الوضوء)، وقال السهيلي: (الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة ﵂: آية التيمم: ولم تقل: آية الوضوء؛ لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قبلُ، غير أنه لم يكن قرآنًا يتلى حتى نزلت آية التيمم)، وحكى القاضي عياض عن ابن الجهم (أن الوضوء كان سنة حتى نزل فيه القرآن بالمدينة) انتهى.\nقلت: ولا عجب منه؛ لأنَّه من الأخصام أهل التعصب على الأئمَّة الحنفية، ومنهم العجلوني حيث قال بعد هذا: (ولعله لا يسلم رده).\nقلت: بل قد سلم رده؛ حيث إنه قد اطَّلع (^٤) على هذا الرد في «الانتقاض»، ودرج عليه ولم يقل شيئًا، فهو دليل على تسليمه، وعلى فرض عدم تسليمه فما جوابه مع [ما] لم يجب عنه في «الانتقاض»، وما جوابه إلا جواب المتعصبين؛ فافهم.\nثم زعم ابن حجر أن الحديث- أي: حديث ابن مسعود- محمول على ما ألقيت فيه تمرات يابسة لم تغير له وصفًا، وإنما كانوا يضعون ذلك؛ لأنَّ غالب مياههم لم تكن حلوة) انتهى.\nقلت: هذا الجواب أخذه هذا القائل من كلام البغوي، وهو فاسد؛ لأنَّ هذا الحمل غير صحيح؛ لأنَّ إلقاء التمر يابسًا مع عدم تغيُّر وصفه لا يُسمَّى نبيذًا، وقد سماه النبيُّ الأعظم ﵇ نبيذًا، كما سبق في الروايات، على أن التقييد باليابس يحتاج إلى دليل صحيح، ولم يوجد؛ فهو تقييد من عنده على أن كون مياههم لم تكن حلوة؛ أي: فإنها كانت مالحة كما صرح به البغوي يلزم أن يُطرَح في الماء تمر غير يابس حتى يحلو الماء، ويحصل المقصود من طرحها، أما إذا كانت يابسة؛ فلا تحل شيئًا، فوجودها كالعدم، وهو مصادمة الحديث، وفساده ظاهر، كما لا يخفى؛ فليحفظ.\nوزعم الكرماني أن القياس حجة على أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه؛ إذ رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب، فقلنا: يجب أن يكون نبيذ التمر كذلك، وأيضًا لما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء؛ كان خارجًا من حكم المياه في عدم الماء.\nقلت: وهذا الزعم فاسد؛ لأنَّ قوله: (إن القياس حجة...) إلخ مردود؛ لأنَّه إنَّما يصار إلى القياس إذا لم يوجد النص، وهنا قد وجد النص في التوضؤ بالنبيذ، فكيف يقال بالمنع بالوضوء به قياسًا على نبيذ الزبيب؟ وما هو إلا قياس مع الفارق مع مخالفته لنص الحديث، فمع وجود النص يترك القياس؛ لأنَّه لا مجال له.\nوقوله: (وأيضًا لما كان...) إلخ مردود أيضًا؛ لأنَّه لا يلزم من عدم جواز الوضوء بالنبيذ مع وجود الماء أنه لا يجوز الوضوء به مع عدم الماء الذي هو من شروطه عند الإمام الأعظم القائل بجواز الوضوء بالنبيذ مع عدم الماء، ألا ترى أن التيمم لا يصح مع وجود الماء، ويصح مع عدم الماء؛ فافهم، وقد ظهر أن كلام الكرماني فاسد؛ فليحفظ.\nوتعجب العجلوني من صاحب «عمدة القاري» حيث لم يعترض على الكرماني في هذا الكلام.\nقلت: لا عجب، فإن جواب كلامه يعلمه كل من له أدنى ذوق في العلم على أنه قد تعرض له ضمنًا لا صريحًا في أثناء كلامه، ولقد أنصف العجلوني هنا حيث رد كلام الكرماني بنحو ما علمت، والله أعلم.\nوزعم الكرماني أن وجه احتجاج المؤلف بهذا الحديث في أن المسكر لا يجوز شربه، وما لا يجوز شربه؛ لا يجوز الوضوء به اتِّفاقًا؛ لخروجه عن اسم الماء لغة وشرعًا، والنبيذ غير المسكر أيضًا في معنى المسكر؛ لأنَّه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء لأنَّ فيه ماء؛ جاز أن يسمَّى الخل ماء؛ لأنَّ فيه ماء، وقال أبو عبيدة إمام اللغة: (النبيذ لا طهورًا أبدًا؛ لأنَّ الله تعالى شرط الطهور بالماء والصعيد، ولم يجعل لهما ثالثًا) انتهى.\nقلت: وقد رد هذا صاحب «عمدة القاري»، فقال في رد الأول:\n_________\n(^١) في الأصل: (اللالكاكي)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (طيبان)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (الذي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (اضطلع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":122},{"text":"(قلت: كون النبيذ الغير المسكر في معنى المسكر غير صحيح؛ لأنَّ النبيذ الذي لا يسكر إذا كان رقيقًا وقد ألقيت فيه تميرات؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء ليس في معنى المسكر، ولم يقل به أحد، ولا يلزم من عدم جواز تسمية الخل ماء عدم جواز تسمية الذي ذكره ابن مسعود ماء، ألا ترى أن النبيَّ ﷺ كيف قال: «ثمرة طيبة، وماء طهور» حين سأل ابن مسعود: «ما في إداوتك؟»، قال: نبيذ، وقد أطلق عليه الماء، ووصفه بالطهورية، فكيف ذهل الكرماني عن هذا حتى قال ما قاله ترويجًا لما ذهب إليه والحق أحق أن يتبع؟\nوالإِداوة؛ بكسر الهمزة: إناء صغير يتخذ من جلد للماء؛ كالسطيحة ونحوها، وجمعها: أداوى).\nوقوله: (وقال أبو عبيدة...) إلخ قال: (قلت: الكلام مع أبي عبيدة فإنه إن أراد به مطلق النبيذ؛ فغير مسلَّم؛ لأنَّ فيه مصادمة الحديث النبوي، وإن أراد النبيذ الخاص -وهو الغليظ المسكر-؛ فنحن أيضًا نقول بما قال) انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ فمطابقة الحديث للترجمة بالجر الثقيل وكان حق وضعه في كتاب (الأشربة)، كما لا يخفى.\nزاد في الطنبور نغمة العجلوني، فزعم: (أن دعواه بأن النبيذ غير المسكر في معنى المسكر غير صحيح؛ ليس بصحيح على إطلاقه؛ لأنَّ غير المسكر إما أن يسلب عنه اسم الماء بحيث لا يسميه الرائي له ماء، فهذا لا يجوز التطهُّر به وإن كان لا يُسْكِر، وإما ألا يسلب عنه اسم الماء، فهذا نبيذ نقول بجواز (^١) التطهير به أيضًا، وعليه؛ يحمل ما في حديث ابن مسعود الذي قال فيه الشارع: «ثمرة طيبة، وماء طهور»، وتبيَّن أن الكرماني لم يذهل، وما قال إلا لاتباع الحق لا لمجرد ترويج ما ذهب، فإن القسم الأول لا تقول الحنفية بجواز التطهير به، والقسم الثاني يقولون به أيضًا، وعبارة «الملتقى» مع «شرحه» للعلاء، وهو من الكتب المعتمدة عندهم: «لا يجوز- أي: الطهارة- بما خرج عن طبعه، وهو الرقة بكثرة الأوراق من حيث الصفة أو بغلبة غيره من حيث الأجزاء، وبالطبخ بشرط الثخانة على ما قاله قاضيخان، وكذا بتشرب النبات سواء خرج بعلاج أو لا، على الأظهر كما في «البرهان»؛ كالأشربة، والخل، وماء الورد، وماء الباقلاء، ومن المرق»، انتهت بحروفها، وبهذا يعلم أيضًا اندفاع اعتراضه الثاني، وليس فيه مصادمة للحديث؛ فعليك بالتأمل) انتهت عبارة العجلوني\nقلت: وهذا كله فاسد وممنوع، فإن قوله: (ليس بصحيح) ممنوع، فإن النبيذ الغير المسكر لا يكون في معنى المسكر؛ لأنَّه قياس مع الفارق ومصادمة للحديث، ألا ترى أنه ﵇ سماه نبيذًا، ولم يسمه خمرًا مسكرًا.\nوقوله: (لأن غير المسكر...) إلخ هذا فاسد أيضًا؛ لأنَّ غير المسكر إذا سلبت عنه اسم الماء، وإذا رآه الرائي؛ لا يسميه ماء، فهذا هو النبيذ بعينه الذي جاء في الحديث، ففي الرواية السابقة قال ﵇: «ما في إداوتك؟»، فقال: معي نبيذ، فقال: «نبيذ؟»، فقال: «اصبب علي؛ إنه شراب وطهور»، فهذا ظاهر في أن هذا هو النبيذ بعينه.\nوقوله: (لا يجوز التطهُّر به) غير صحيح، فإن الشارع ﷺ قال فيه: «إنه طهور».\nوقوله: (وإما ألَّا يسلب عنه اسم...) إلخ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ هذا لا يُسمَّى نبيذًا، بل هو ماء، غاية الأمر أنه قد تغير بعض لونه، فيقال له: ماء متغير لا نبيذ، وكلامنا في النبيذ المختلف فيه، وأما المتغيَّر؛ فيجوز التطهُّر به إجماعًا.\nوقوله: (وعليه يحمل ما في حديث ابن مسعود) ممنوع، فإن هذا الحمل غير صحيح، فإنه غير مصادف لمحله؛ لأنَّ الأصوليين قالوا: إذا تعارض الحديثان؛ يحمل كل منهما على محمل حسن، وهنا لم يوجد حديث يعارض حديث ابن مسعود حتى يحمل على هذا، على أن حديث ابن مسعود صريح في أن هذا لا يسمَّى نبيذًا، وإنما النبيذ ما علمت تفسيره فيما سبق، والكلام في النبيذ لا في هذا، فإن هذا خارج عن الحديث، وتسميته ماء في قوله ﵇: «ثمرة طيبة، وماء طهور» باعتبار أنه يجوز التطهير به، فيقوم مقام الماء المطلق بدليل الرواية الثانية؛ وهي قوله ﵇ له: «اصبب علي؛ إنه طهور»، ولا ريب أن صبه كان لأجل الوضوء به، كما لا يخفى.\nوقوله: (وتبيَّن أن الكرماني لم يذهل) بل قد ذهل وغفل الكرماني عن هذا، فقال ما قاله تعصُّبًا وترويجًا لما ذهب إليه، ولم يجر على لسانه الحق، والحق أحق أن يتبع.\nوقوله: (فإن القسم الأول...) إلخ ممنوع، فإن الأئمَّة الحنفية قالوا بجواز التطهير بالنبيذ اتباعًا للنبيِّ الأعظم ﷺ الواجب اتباعه.\nوسياقة عبارة «الملتقى» و«شرحه» لشيخ الإسلام علاء الدين أفندي الحصكفي لا تدل على ما قاله؛ لأنَّه قد فهم عبارته (^٢) بالعكس، ولأن النبيذ لم يذكر في تلك العبارة، وعادة أئمتنا معاشر الأئمَّة الحنفية أن يذكروا حكم النبيذ وحده على حدة؛ لأنَّه جرى على النص لا على القياس، كما لا يخفى، على أن الذي فهمه من عبارة «الملتقى» و«شرحه» فيه مصادمة للحديث، ولم يقل به أحد من أئمتنا الأعلام، بل هذه العبارة إنَّما هي في غير النبيذ؛ لأنَّ النبيذ له حكم آخر غير هذا، وإذا لم يفهم العجلوني عبارة أئمتنا؛ كيف يستدل بها على دعواه الباطلة؟ ولا ريب أن أدنى الطلبة منا معاشر الحنفية يفهمها وفوق كل ذي علم عليم، وقد أشار إلى هذا بالتأمل؛ فلذا قال: (فعليك بالتأمل)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤١٩\"> </span>(٧٢) <span data-type=\"title\" id=toc-419>[باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه]</span>\nهذا (باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه) فقوله: (أباها) منصوب؛ لأنَّه مفعول المصدر؛ أعني: غسل المرأة، والمصدر مضاف إلى فاعله، وقوله: (الدم) منصوب بدل من (أباها) بدل اشتمال، ويجوز أن يكون منصوبًا بالاختصاص؛ تقديره: أعني الدم، وفي رواية ابن عساكر: (باب غسل المرأة الدم عن وجه أبيها)، وهذا هو الأجود، وفي رواية الكشميهني: (من وجهه)؛ والمعنى في رواية (عن): إما أن يكون بمعنى (من)، وإما أن يضمن (الغسل) معنى الإزالة، وتجيء (عن) بمعنى (من)، كما وقع في كلام الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: وههنا سؤالان؛ الأول: في وجه المناسبة بين البابين، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب (الوضوء).\nقلت: أما الأول؛ فيمكن أن يقال: إن كلًّا منهما يشتمل على حكم شرعي، أما الأول؛ ففيه أن استعمال النبيذ لا يجوز، وأما الثاني؛ فلأن ترك النجاسة على البدن لا يجوز، فهما متساويان في عدم الجواز، وهذا المقدار كاف) انتهى.\nقلت: وقوله: (إن استعمال...) إلخ؛ يعني: إذا كان غليظًا مسكرًا؛ فافهم.\nثم قال: وأما الجواب عن الثاني؛ فهو أن النسخة إن كانت كتاب (الطهارة) بدل كتاب (الوضوء)، فالمراد منه: إما معناه اللغوي؛ لأنَّه مأخوذ من الوضاءة؛ وهي الحسن والنظافة، فيتناول حينئذٍ رفع الخبث أيضًا، وإما معناه الاصطلاحي؛ فيكون ذكر الطهارة عن الخبث في هذا الكتاب، فالتبعية بطهارة الحدث، والمناسبة بينهما كونها من شرائط الصَّلاة، ومن باب النظافة وغير ذلك، فهذا حاصل ما ذكره الكرماني، ولكن أحسن فيه وإن كان لا يخلو عن بعض تعسُّف) انتهى كلام «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (وقال أبو العالية)؛ بالعين المهملة، هو رُفَيع؛ بضمِّ الراء، وفتح الفاء، وسكون التحتية، الرياحي: (امسحوا على رجلي) بالإفراد؛ (فإنها مريضة) وكانت بها جمرة، وهذا يدل على أنه غسل الصحيح ومسح الجريح من غير أن يضم إليه التيمم، كما هو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وزعم الشافعية أنه يضم إليه التيمم، ولا معنى لهذا؛ لأنَّ فيه الجمع بين البدل والمبدل منه (^٣)، وهو غير مطلوب، ولا فائدة فيه، ويكون عبثًا، فقول أبي العالية قاصر على غسل الصحيح، ومسح الجريح لا صادق بكونه مع التيمم، كما زعمه العجلوني ترويجًا لمذهبه، فإنه احتمال بعيد، ويدل لما قلنا أن هذا التعليق وصله عبد الرزاق عن معمر، عن عاصم بن سليمان قال: (دخلنا\n_________\n(^١) في الأصل: (بجوازه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (عبارتها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (عنه).","vol":"1","page":122},{"text":"على أبي العالية وهو وجع، فوضَّؤوه، فلما بقيت إحدى رجليه؛ قال: امسحوا على هذه)، ورواه ابن أبي شيبة، فهذا يدل صريحًا على أنه لم يتيمم؛ فليس فيه دليل للشافعية، وظاهره أنه مسح على نفس الرجل حيث أنه لا يضره، قال الإمام الجليل قاضيخان: (والمسح على الجبائر على وجوه؛ إن كان لا يضره غسل ما تحتها؛ يلزمه الغسل، وإن كان يضره الغسل بالماء البارد ولا يضره الغسل بالماء الحار؛ يلزمه الغسل بالماء الحار، وإن كان يضره الغسل ولا يضره المسح؛ فإنه يمسح ما تحت الجبيرة، ولا يمسح فوقها) انتهى.\nوفي «السراج»: (ولو كان لا يمكنه غسل الجراحة إلا بالماء الحار خاصة، ولا يمكنه بما سواه؛ لم يجب عليه تكلف الغسل بالحار، ويجزئه المسح؛ لأجل المشقة) انتهى.\nقلت: وهو مخالف لما قاله قاضيخان، لكن قال صاحب «البحر»: وما قاله قاضيخان هو الظاهر، كما لا يخفى.\nولهذا اقتصر عليه المحقق في «فتح القدير»، ولم ينقل غيره، لكن قيَّده في «فتح القدير»: بأن يكون قادرًا عليه وهو ظاهر، انتهى.\nقلت: وما في «السراج» أرفق، وما في «قاضيخان» أحوط.\nولا يشترط في مسحها استيعاب ولا تكرار على الأصح، فيكفي مسح أكثرها مرة، وعليه الفتوى كما في «التنوير» و«شروحه».\nوزعم ابن حجر فقال: (وزاد ابن أبي شيبة: أنها كانت معصوبة)، ورده صاحب «عمدة القاري»: بأنه ليس في رواية ابن أبي شيبة هكذا، وإنما المذكور في «مصنفه»: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم وداود، عن أبي العالية: (أنه اشكتى رجله فعصبها، وتوضأ، ومسح عليها، وقال: إنها مريضة)، وهذا غير الذي ذكره البخاري على ما لا يخفى؛ فافهم.\nثم قال: (ومطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إنها متضمنة جواز الاستعانة في الوضوء، وإزالة النجاسة) انتهى كلام صاحب «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٤٢٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-420>[حديث سهل: ما بقي أحد أعلم به مني]</span>\n٢٤٣ - وبه قال: (حدثنا محمَّد)؛ هو ابن سلَام البيكندي، كما في بعض النسخ، وقال أبو علي الجيَّاني: لم ينسبه أحد من الرواة، وهو عندي أنه ابن سلَام؛ بتخفيف اللام، وبذلك جزم أبو نعيم في «المستخرج»، ووقع في رواية ابن عساكر: (حدثنا محمَّد؛ يعني: ابن سلام) (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (سفيان بن عُيينة)؛ بضمِّ العين المهملة، (عن أبي حازِم)؛ بالحاء المهملة، والزاي المكسورة، هو سَلَمَة بن دينار المدني الأعرج الزاهد المخزومي، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة في خلافة المنصور: (سمع سَهْل) بفتح السين المهملة، وسكون الهاء، آخره لام (بن سعْد)؛ بسكون العين المهملة (الساعديَّ)؛ بتشديد التحتية آخره، منصوب؛ لأنَّه صفة (سهل)، وهو منصوب؛ لأنَّه مفعول (سمع)، وكان يسمَّى حزنًا، فسماه النبي الأعظم ﵇: سهلًا، وسقط من بعض الأصول: (الأنصاري)، وكنيته أبو العباس، روي له عن رسول الله ﵇ مئة حديث وثمان وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها تسعة وثلاثين، مات سنة إحدى وتسعين، وهو ابن مئة سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، ومثله في «الكرماني»، وقول القسطلاني: (له في «البخاري» أحد وأربعون حديثًا) فيه نظر، كما لا يخفى، (وسأله الناس) جملة من الفعل والمفعول والفاعل محلها نصب على الحال، وفي بعض النسخ: (وسألوه الناس)؛ بواو الجمع على لغة أكلوني البراغيث (وما بيني وبينه أحد)؛ يعني: عند السؤال، وزعم الكرماني أنها جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، ورده في «عمدة القاري»: بأن الجملة المعترضة: هي التي تقع بين الكلامين وليس لها تعلق بأحدهما وقد تقع في آخر الكلام، ويجوز أن تكون جملة حالية أيضًا، ويكون محلها من الإعراب النصب، ولكن وقعت بلا واو، وذو الحال إما مفعول (سأل)، فيكونان حالين متداخلين، وإما مفعول (سمع)، فيكونان حالين مترادفين، انتهى، وهذا من كلام أبي حازم، (بأي شيء) الباء فيه تتعلق بقوله: (وسأله)، وكلمة (أي) للاستفهام (دُوْوِي)؛ بضمِّ الدال المهملة، وكسر الواو، صيغة مجهول من المداواة، وزعم ابن حجر: أن أحد الواوين حذفت في الكتابة، ورده صاحب «عمدة القاري»: بأنه بالواوين في أكثر النسخ، وفي بعضها بواو واحدة، فحذفت فيها إحدى الواوين في الخط؛ كما حذفت من داود، وطاووس؛ فافهم، (جُرح) بضمِّ الجيم؛ أي: جراحة (النبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: الذي أصابه في غزوة أحد لمَّا شُجَّ رأسه الشريف وجرح وجهه؛ لأنَّ هذه الواقعة كانت بأحد، فزعم ابن سعد أن عُتْبَة بن أبي وقاص هو الذي شجَّ النبيَّ الأعظم ﷺ في وجهه، وأصاب رباعيته، وزعم السهيلي: أن عبد الله بن قمئة هو الذي جرح وجهه ﵇، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبيِّ ﵇ الدم، والنبيُّ الأعظم ﷺ يقول: «كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟»، فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ...﴾؛ الآية [آل عمران: ١٢٨]، كذا قاله في «عمدة القاري»، وزعم العجلوني أنه وقع الخلاف في أي شيء دُووِي به جرح النبيِّ ﵇، كما في رواية الحميدي عن سفيان؛ فلذا سئل سهل عن ذلك، انتهى.\nقلت: ولا يلزم من سؤاله وقوع الخلاف في ذلك، فلعله كان يريد إعلامهم بذلك؛ خوفًا على عدم اطلاعهم (^١) عليه حتى لا يخفى عليهم من أمر النبيِّ ﵇ شيء، بل يكونون على بصيرة في أفعال المصطفى ﷺ؛ فافهم.\n (فقال سهل) المذكور: (ما بقي أحدٌ) أي: من أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ، أو من الناس (أعلمُ به مني) برفع (أعلم)؛ لأنَّه صفة (أحد)، ويجوز أن يكون منصوبًا على الحال، قال في «عمدة القاري»: وغرضه من هذا التركيب أنه أعلم الناس بهذه القضية؛ لأنَّ موته متأخر، وكان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة، كما صرح به المؤلف في (النكاح) في روايته عن قتيبة، عن سفيان، ومثل هذا التركيب لا يستعمل بحسب العرف إلا عند انتفاء المُساوي، وهو ظاهر، وبهذا يسقط سؤال من قال: لا يلزم منه منافاة مساواة غيره له فيه، انتهى، وقوله: (كان عليٌّ)؛ أي: ابن أبي طالب ﵁ جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا جواب عن السؤال المذكور (يجيء بتُرسه)؛ بضمِّ الفوقية؛ أي: الذي يترس به في الحرب السهم، وهو الدرقة (فيه ماء)؛ لأنَّه كان مجوَّفًا؛ أي: إلى النبيِّ الأعظم ﷺ (وفاطمة)؛ أي: ابنة النبيِّ الأعظم ﷺ، وزوجة علي بن أبي طالب، وهي إما عطف على قوله (علي)، أو مبتدأ، وقوله: (تغسل) جملة محلها رفع على الخبرية، والجملة محلها نصب على الحال (عن وجهه) أي: وجه النبيِّ الأعظم ﷺ (الدم)؛ أي: الذي أصابه من الجراحة، وفيه: المطابقة للترجمة، (فأُخذ)؛ بضمِّ الهمزة مبني للمجهول، والفاعل إما (علي)، أو (فاطمة)، أو غيرهما، وزعم العجلوني: أن الفاء فصيحة.\nقلت: ويجوز أن تكون للاستئناف، وهو الأظهر؛ لأنَّ الفاء الفصيحة لا بد لها من جواب شرط مقدَّر، له ذكر قبلها ولم يوجد هنا؛ فافهم.\n (حصير)؛ بالحاء المهملة: المتخذ من القشِّ يستوي فيه التذكير والتأنيث، فذكَّره هنا، وأنَّثه في (الطب) كما يأتي، (فأُحرق)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: بالنار حتى صار رمادًا، (فحُشي)؛ بضمِّ الحاء المهملة، من الإحشاء: وهو الإدخال (به) أي: برماده (جُرحه)؛ بضمِّ الجيم؛ أي: جرح النبيِّ الأعظم ﵇ حتى يستمسك الدم عن البروز، فالفعل في الثلاثة مبني للمجهول، وليس فيه تعيين الفاعل، لكن عند المؤلف في (الطب): أن الفاعل فاطمة، فإنه قال: فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة؛ عمدت إلى حصير، فأحرقتها وألصقتها على الجرح فرقأ الدم؛ أي: انقطع؛ لما في رماد الحصير من الاستمساك للدم كما قلنا، ومثله رماد غيره، لكن رماد الحصير ألصق؛ فلذا اختارته، وفي هذا الحديث: أن الفاعل للغسل فاطمة ﵂، وفيما قدمنا عن «عمدة القاري»: (أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن النبيِّ الأعظم ﵇...) إلخ.\n_________\n(^١) في الأصل: (اضطلاعهم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":123},{"text":"قلت: وهذا يدل على أن غسل الدم كان مرتين؛ أحدهما: فعله سالم أولًا، والثاني: فعلته فاطمة وعليٌّ، يدل لذلك رواية المؤلف في (الطب) حيث قال: فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة؛ أي: بعد أن غسلت المرة الثانية؛ عمدت إلى حصير... إلخ، وبهذا يحصل الجمع بين الروايتين، ثم رأيت العجلوني قد أجاب بهذا، وزاد عليه جوابًا آخر، وعبارته: (ويمكن الجمع بأن سالمًا فعل ذلك أولًا قبل مجيء فاطمة وعليٍّ ﵄، أو أنه كان يعينها).\nقلت: وفي الجواب الثاني نظر؛ لأنَّ فاطمة حينئذٍ غير محتاجة للإعانة؛ لوجود زوجها عليٍّ معها، وهو أحق بالإعانة في ذلك على أن صريح الحديث يدل على أن الغسل وحرق الحصير فعلته هي بنفسها من غير إعانة أحد، ولو سلم؛ فإنما يصح هذا الجواب إذا كان ذلك قبل نزول آية الحجاب؛ لأنَّ اختلاط النساء بالرجال حينئذٍ كان مباحًا، أما بعد نزولها؛ فلا ريب أن هذا الجواب فاسد؛ لحرمة اختلاطهنَّ بالرجال، لا سيما بحضرة النبيِّ الأعظم ﷺ، فإنه أشد وأعظم، وفي الحديث كما قال ابن بطال دليل على جواز مباشرة المرأة أباها ومحارمها ومداواة أمراضهم، ولذلك قال أبو العالية لأهله: (امسحوا على رجلي؛ فإنها مريضة)، ولم يخصَّ بعضًا دون بعض، بل عمهم جميعًا، وفيه: إباحة التداوي ومشروعيته واتخاذ الترس والبيضة والدرع في الحرب؛ فإن ذلك لا يقدح في التوكل لصدوره عن سيد المتوكلين، انتهى.\nقلت: والبيضة والدرع ليس لهما ذكر في هذا الحديث، فلا يدل عليهما، بل من دليل آخر؛ فافهم.\nوقال النووي: وفيه وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء ﵈؛ لينالوا جزيل الأجر، وليعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم؛ ليقتدوا بهم، وليعلموا أنهم من البشر يصيبهم ما يصيب غيرهم من محن الدنيا، ويطرأ على أجسادهم ما يطرأ على أجسام غيرهم؛ ليتيقنوا أنهم مخلوقون لله تعالى، فلا يفتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات كما افتتن النصارى بعيسى ﵇، وفيه: سؤال من لا يعلم؛ ليعلم ما خفي عليه، انتهى كذا في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٢١\"> </span>(٧٣) <span data-type=\"title\" id=toc-421>[باب السواك]</span>\n (باب السواك)؛ أي: هذا باب في بيان أحكام السِّواك؛ بكسر السين المهملة على الأفصح، وقد تضمُّ، قال ابن سيده: السواك يذكر ويؤنث، والسواك كالمسواك، والجمع سوك؛ يعني: أنه يطلق على الفعل والآلة، ويجمع على سوك بالواو، وقال الإمام الأعظم: ربما همز، فقيل: سؤك، وأنشد الخليل لعبد الرحمن بن حسان ﵄:\nأغر الثنايا أحمر اللثات... [تمنحه] سؤك الأسحل\nبالهمزة، ومثله المسواك، كذا في «عمدة القاري»، وزعم العجلوني: أن عبارة «الصحاح» تقتضي أن سوك في البيت بالواو، فإنه قال: السواك يجمع على سوك في البيت بالهمز لا بالواو، بدليل تمثيله بكتب على أن الرسمين واحد في الخط، ويفترق باللفظ، فكأن العجلوني اشتبه عليه الرسم على أن المناقشة في البيت غير معتبرة بعد تصريح أئمَّة اللغة بأنه يجوز فيه الهمز، لا سيما وهو القياس في كل واو مضمومة ضمة لازمة؛ كوقتت، وأُقِّتَتْ، فإن القرآن العظيم نطق بالهمز، ولا ريب أن كلامه تعالى أفصح الفصيح؛ فافهم، وهذا دأب العجلوني فإن دأبه الاعتراض المخل، والتعصب الممل، وكثرة الكلام بلا فائدة؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: (يقال: ساك الشيء سوكًا: دلكه، وساك فمه بالعود، واستاك مشتق منه)، وفي «الجامع»: (السواك والمسواك: ما يدلك به الأسنان من العود، والتذكير أكثر، وهو نفس العود الذي يستاك به، وأصله الشيء الضعيف، ويقال: جاءت الإبل والغنم تستاك هزالًا؛ أي: ما تحرك رؤوسها، ويقال: ساك فمه، وإذا لم يذكر الفم؛ يقال: استاك) انتهى.\nوفي «القاموس»: (ساك الشيء: دلكه، وفمه بالعود وسوَّكه تسويكًا واستاك وتسوَّك، ولا يذكر العود، ولا الفم معهما، والعود مسواك وسواك) انتهى.\nثم قال إمام الشارحين: (وهنا سؤالان؛ الأول: ما وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله؟ والثاني: ما وجه ذكره بين الأبواب المذكورة ههنا؟ والجواب عن الأول: أن كلَّا منهما يشتمل على الإزالة غير أن الباب الأول يشتمل على إزالة الدم، وهذا الباب يشتمل على إزالة رائحة الفم، وهذا القدر كافٍ، وعن الثاني: ظاهر؛ وهو أن الأبواب كلها في أحكام الوضوء، وإزالة النجاسة، ونحوها، وباب السواك من أحكام الوضوء عند الأكثرين) انتهى؛ أي: أنه من سنن الوضوء، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب، فلهذا ذكره في كتاب الطهارة.\n (وقال ابن عباس)؛ هو عبد الله ﵄، قال صاحب «عمدة القاري»: (وهذا التعليق ليس في رواية المستملي، وهو قطعة من حديث طويل في قصة مبيت عبد الله بن عباس عند خالته ميمونة أم المؤمنين ﵂؛ ليشاهد صلاة النبي ﷺ وقد وصله البخاري من طريق وتقدم بعضه، ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى) انتهى؛ أي: في تفسير سورة آل عمران؛ لأنَّه وصله هناك (بتُّ) بتشديد تاء المتكلم؛ أي: ليلة (عند النبيِّ) الأعظم (ﷺ) في دار ميمونة ﵂ خالته، (فاستن)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﵇ من الاستنان وهو: الاستياك، وهو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها مأخوذ من السن؛ وهو إمرار الشيء الذي فيه خشونة على شيء آخر، ومنه المسُّ الذي يشحذ به الحديد، ونحوه، وقال ابن الأثير: (الاستنان استعمال السواك «افتعال» من الاستنان، وهو الإمرار على الشيء) انتهى.\nقلت: فمأخذه كما ذكره من السَّنِّ؛ بفتح السين المهملة، وقيل: من السِّن؛ بكسر السين؛ لأنَّه يحد الأسنان ويجلوها، وزعم ابن حجر أن مقتضى كلام عبد الحق أن هذا التعليق بهذا اللفظ من إفراد مسلم وليس بجيد، قلت: بل هو جيد؛ لأنَّه عنده حديث مستقلُّ، وهو لاينافي أن المؤلف ذكره مقطعًا بعضه بصيغة التعليق، وبعضه بالإسناد؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٢٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-422>[حديث: أتيت النبي فوجدته يستن بسواك بيده]</span>\n٢٤٤ - وبه قال: (حدثنا أبو النعمان)؛ بضمِّ النون، محمَّد بن الفضل المشهور بعارم؛ بالعين المهملة (قال: حدثنا حَمَّاد) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم (بن زيد)؛ أي: ابن درهم أبو إسماعيل الأزرقي الأزدي البصري، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، (عن غيلان) بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتية (ابن جَرير)؛ بفتح الجيم، وبالراء المسكورة المكررة، الِمعْوَلي؛ بكسر العين المهملة، وفتح الواو، وأما الميم؛ فقال الغساني بفتحها منسوبًا إلى بطن من الأزد، وقال ابن الأثير بكسرها، مات سنة تسع وعشرين ومئة، (عن أبي بردة)؛ بضمِّ الموحدة، وسكون الراء، عامر بن أبي موسى الأشعري، (عن أبيه) هو أبو موسى عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵁ (قال: أتيت النبيَّ) الأعظم (ﷺ) وهو يتوضأ، (فوجدته يستن)؛ بسكون المهملة، وتشديد النون؛ أي: يدلك أسنانه (بسواك) والجملة في محل نصب على أنها مفعول ثان لـ (وجدته) ووجد من أفعال القلوب؛ لأنَّ معناه: قائم بالقلب، ويأتي (وجد) بمعنى أصاب أيضًا، فإن جعل (وجدته) من هذا المعنى؛ تكون الجملة منصوبة على الحال من الضمير المنصوب الذي في (وجدته)، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم العجلوني: بأن الأول يحتاج إلى تكلُّف، انتهى.\nقلت: وهو فاسد؛ فأين التكلف الذي يحتاج إليه؟ بل هو ظاهر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، والله اعلم.\n (بيده) الشريفة، والباء فيه تتعلق بمحذوف؛ تقديره: بسواك كائن بيده، ونحو ذلك، أو صفة لـ (سواك)، والأول أظهر وأحسن؛ فافهم (يقول)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، وزعم العجلوني: أو السواك مجازًا؛ لكونه يحصل عند استعماله، انتهى.\nقلت: وهو فاسد؛ فإن القائل بذلك النبيُّ ﵇ حقيقة، وإذا وجدت الحقيقة والمجاز؛ لا يجوز العدول عنها إلى المجاز، على أن قوله: (لكونه يحصل...) إلخ؛ فإن كان مراده الصوت؛ فالصوت يخرج من فم المستعمل لا من السواك، وإن أراد صوت السواك؛ فممنوع؛ لأنَّ السواك لا صوت له، كما لا يخفى، فإرادة المجاز ممنوعة، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (أُع أُع)؛ بالتكرار مرتين؛ بضمِّ الهمزة، وبالعين المهملة، كذا في رواية أبي ذر،","vol":"1","page":123},{"text":"وذكر ابن التين: أن غيره رواه بفتح الهمزة، ورواه النسائي، وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة، عن حمَّاد بتقديم العين على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي، عن عارم شيخ البخاري فيه، وعند أبي داود: (أُه أُه)؛ بضمِّ الهمزة، وقيل: بفتحها، والهاء ساكنة، وعند ابن خزيمة: (عا عا)، وفي «صحيح» الجوزقي: (إِخ إِخ)؛ بكسر الهمزة، وبالخاء المعجمة، وفي «مسند أحمد»: (كان يرفع لسانه، ووصفه غيلان: بأنه كان يستنُّ طولًا)، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقاصي الحلق، و(أع) في الأصل حكاية الصوت، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أن في بعض النسخ بالغين المعجمة، انتهى، وقال في «المقدمة»: (أع أع) حكاية الصوت الخارج عند وضع السواك في الفم) انتهى.\nوزعم ابن حجر وتبعه القسطلاني أن الرواية الأولى أشهر، وإنما اختلفت الرواة؛ لتقارب مخارج هذه الحروف، وكلها ترجع إلى حكاية صوته إذا جعل السواك على طرف لسانه، كما عند مسلم، والمراد طرفه الداخل، كما عند أحمد، انتهى.\nقلت: وهو فاسد؛ فإنه لا شهرة للرواية الأولى إلا في «البخاري»، بل جميع الروايات مشهورة معلومة معروفة.\nوقوله: (وإنما اختلفت الرواة...) إلخ ممنوع؛ فإن الرواة ثقات أرباب ضبط وتحقيق، وكل واحد منهم عبر كما سمع.\nوقوله: (وكلها ترجع...) إلخ هذا الحصر ممنوع؛ لأنَّ اختلافهم كان لمغايرة ما سمعوه، بل هذا هو الظاهر، ويدل لذلك ما قدمنا عن أبي داود أنه عنده: (أُه أُه)؛ بضمِّ الهمزة، أو بفتحها، فإنها تدلُّ على المغايرة، كما لا يخفى، وهذا ظاهر لكل من له أدنى ذوق في العلم، ولظهوره لم يتعرض له إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، فلا عجب عليه؛ فليحفظ.\n (والسواك في فيه)؛ أي: في فمه، والجملة محلها نصب على الحال، وقوله: (يقول): جملة من الفعل والفاعل في محل نصب على الحال، وقوله: (أع أع) في محل نصب على أنه مقول القول؛ فليحفظ، (كأنه يَتهَوَّع)؛ بفتح التحتية والهاء، وتشديد الواو، آخره عين مهملة؛ أي: يتقيأ، وهو من باب (التفعل) الذي للتكلُّف، يقال: هاع يهوع؛ إذا قاء من غير تكلُّف، فإذا تكلَّف؛ يقال: تهوَّع، وفي «الموعب»: (هاع الرجل يهوع هوعًا وهواعًا: جاء القيء من غير تكلُّف، والذي يخرج من الحلق يسمَّى هواعة، وهوَّعته: ما أكلته إذا استخرجته من حلقك)، وقال ابن سيده: (الهيعوعة في بنات الواو لا يتوجَّه إلا أن يكون محذوفًا)، قاله في «عمدة القاري»، وتمامه فيه، ثم قال: والحديث يدل على أن السواك؛ أي: استعماله سنة مؤكدة؛ لمواظبته ﵇ عليه ليلًا ونهارًا، وقام الإجماع على كونه مندوبًا حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء، وقد جاء أحاديث كثيرة تدل على مواظبته ﵇ عليه، ولكن أكثرها فيه كلام، وأقوى ما يدل على المواظبة محافظته ﵇ له حتى عند وفاته كما في «البخاري» من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ على النبيِّ ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستنُّ به، فأشار رسول الله ﵇ ببصره إلى أن آخذه فأخذته، وقصمته، وطيبته، ودفعته إلى رسول الله ﷺ، فاستنَّ به...)؛ الحديث، انتهى.\nقلت: ولأن قوله في الحديث الآتي: (كان النبيُّ ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يدل على المواظبة أيضًا، فيفيد أن ذلك كان عادة له ﵇، واختلف العلماء فيه، فقال الإمام الأعظم ﵁: إنَّ السواك من سنن الدين وهو قول الجمهور، وقال في «عمدة القاري» وتبعه الشارحون: إنَّه الأقوى، فيستوي فيه جميع الأحوال؛ فهو سنة مؤكدة على الأصح، وفي «الهداية»: الصحيح استحبابه، وهو قول الشافعي، وقال في «فتح القدير»: (إنه سنة للوضوء)، وبه قال جمع، وقال في «البدائع»: (إنه قول الأكثرين، وقال بعض العلماء: (إنه من سنن الصَّلاة)، وقال ابن حزم: (هو سنة، ولو أمكن لكل صلاة؛ لكان أفضل، وهو فرض لازم يوم الجمعة)، وحكى الماوردي والاسفرائيني عن أهل الظاهر: أنه واجب، وعن إسحاق: أنه واجب أيضًا، إن تركه عمدًا؛ بطلت صلاته، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن إسحاق، وفي حواشي «الهداية»: أنه مستحب في جميع الأوقات، ويؤكد استحبابه عند قصد الوضوء، فيُسن أو يُستحب عند كل صلاة، وصرح البرهان الحلبي، والعلامة العمادي: باستحبابه عند الصَّلاة.\nقال في «عمدة القاري»: (وكيفيته عندنا: أن يستاك عرضًا لا طولًا عند مضمضة الوضوء)، وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة قالت: (كان ﷺ يستاك عرضًا لا طولًا)، قال في «البحر»: (وكيفيته: أن يستاك أعالي الأسنان وأسافلها والحنك، ويبتدئ من الجانب الأيمن، وأقله ثلاثة في الأعالي، وثلاث في الأسافل بثلاث مياه) انتهى، أي: بأن يبلَّه في كل مرة.\nقال في «معراج الدراية»: (ولا تقدير فيه، بل يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة، واصفرار الأسنان، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه) انتهى.\nقلت: والظاهر أنه لو حصل الاطمئنان بأقل من ثلاث؛ فالمستحب إكمالها.\nوفي «المغني»: (ويستاك على لسانه وأسنانه)، وقال في «شرح الكنز»: ويستاك عرضًا في الأسنان، وطولًا في اللسان جمعًا بين الأحاديث، وعند فقد السواك أو فقد أسنانه؛ تقوم الخرقة الخشنة أو الإصبع مقامه في تحصيل الثواب، وبأي إصبع استاك لا بأس به، والأفضل أن يستاك بالسبابتين يبتدئ باليسرى، ثم باليمنى، وإن شاء؛ استاك بإبهامه اليمنى، والسبابة اليمنى يبتدئ بالإبهام من الجانب الأيمن فوق وتحت، ثم بالسبابة من الأيسر كذلك، يدل لهذا ما رواه البيهقي: أنه ﷺ قال: «يجزئ من السواك الأصابع» ولأن المقصود منه التنظيف وذهاب الرائحة، وقد حصل؛ فافهم.\nوأما المرأة؛ فيقوم العلك مقام السواك لها مع القدرة عليه، فيندب لها فعل العلك؛ لضعف بنيتها، وعند فقده تقوم الإصبع مقامه؛ كالسواك، كذا في «النهر»، وإنما يندب لها العلك؛ لأنَّ سنَّ المرأة ضعيف، ويخاف من كثرة السواك سقوط أسنانها، كذا في «المحيط».\nويستحب إمساكه بيمينه؛ لأنَّه المنقول المتوارث والسنة بأخذه أن يجعل الخنصر أسفله، والإبهام أسفل رأسه، وباقي الأصابع فوقه كما رواه ابن مسعود ﵁، ولا يقبضه بيده؛ لأنَّه خلاف السنة؛ ولأنَّه يورث الباسور، ويستحب أن يكون السواك لا رطبًا يلتوي؛ لأنَّه لا يزيل القلح؛ وهو وسخ الأسنان، ولا يابسًا يجرح اللثة؛ وهي منبت الأسنان، فالمراد أن رأسه الذي هو محل استعماله يكون لينًا لا في غاية الخشونة، ولا في غاية من النعومة.\nويستحب أن يكون السواك مستويًا من غير عقد ولا اعوجاج، وأن يكون غلظ الخنصر أو الإصبع، وأن يكون طول الشبر المعتاد وقيل: شبر المستعمل ويكره أن يستاك مضطجعًا؛ لأنَّه يورث كبر الطحال، ويكره معه؛ لأنَّه يورث العمى، ونفخ الرئة، وأما بلع الريق بلا مص، فقال الحكيم الترمذي: (وابلع ريقك أول ما تستاك؛ فإنه ينفع الجذام والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئًا؛ فإنه يورث الوسوسة)، يرويه زياد بن غيلان، كذا في «الحلية» للمحقق ابن أمير حاج، وفيها: (ثم بعد الاستياك يُسْتَحَبُّ أن يغسله، وإلا؛ فيستاك الشيطان به، ويُسْتَحَبُّ ألَّا يزاد على شبر، وإلا؛ فالشيطان يركب عليه، ويستحبألَّا يضعَه على الأرض عرضًا، بل ينصبه طولًا، وإلا؛ فخطر الجنون، فإنه روي عن سَعِيْد بن جبير قال: من وضع سواكه على الأرض فجن من ذلك؛ فلا يلومنَّإلا نفسه) انتهى.\nويُكْرَهُ أن يستاك بكل شيء مؤذٍ؛ كقضبان الرمان والريحان؛ لما رواه الحارث في «مسنده» عن ضمير بن حبيب قال: (نهى رسول الله ﷺ عن السواك بعود الريحان، وقال: «إنه يحرك عرق الجذام»)، كذا في «شرح الهداية» لإمام الشارحين الشيخ الإمام","vol":"1","page":124},{"text":"شيخ الإسلام بدر الدين العيني قدس سره ورضي عنه، وفي «النهر»: (ويستاك بكل عود إلا الرمان والقصب، وأفضله الأراك، ثم الزيتون؛ لما رواه الطبراني: أن النبيَّ ﷺ قال: «نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة، وهو سواكي، وسواك الأنبياء من قبلي») انتهى.\nويحرم الاستياك بكل ذي سم من الخشب ونحوه؛ لأنَّه يضر، فيكون من الإلقاء في التهلكة، وقد نهينا عنها، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٢٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-423>[حديث: كان النبي إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك]</span>\n٢٤٥ - وبه قال: (عثمان ابن أبي شيبة) كذا في رواية الأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت، وفي رواية غيرهم إسقاط (ابن أبي شيبة)، وهذا أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قال: حدثنا جرير)؛ هو ابن عبد الحميد، (عن منصور)؛ هو ابن المعتمر، (عن أبي وائل)؛ بالهمز، هو شقيق الحضرمي، (عن حُذيفة)؛ بضمِّ الحاء المهملة، هو ابن اليمان الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، ولا يخفى أن الإسناد كله كوفيون إلا حذيفة، فإنه عراقي، ومات بالمدائن (قال)؛ أي: حذيفة: (كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ إذا قام من الليل)؛ أي: قام في الليل مطلقًا فـ (من) بمعنى (في) فهو عام في كل حالة، ويحتمل أن يخص بما إذا قام إلى الصَّلاة، ويدل لهذا الاحتمال رواية البخاري في الصَّلاة بلفظ: (إذا قام للتهجُّد)، ولمسلم نحوه، وحديث ابن عباس ﵄ يشهد له أيضًا، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم العجلوني أن معنى (من) التبعيض.\nقلت: ولا يخفى فساده؛ لاحتياج معناه إلى التكلف، مع ما فيه من الفساد الظاهر.\n (يَشوص)؛ بفتح التحتية، وبالشين المعجمة، والصاد المهملة، قال ابن سيده: (شاص الشيء شوصًا: غسله، وشاص فاه بالسواك شوصًا: غسله، وقيل: أمرَّه على أسنانه من سفل إلى علوٍّ، وقيل: هو أن يطعن به فيها، وقد شاصه شوصًا وشوصانًا، وشاص الشيء: دلكه، وشاص الشيء: زعزعه)، وفي «الجامع»: (كل شيء غسلته؛ فقد شصته)، وقال أبو عبيد: (شصته: نقيته)، وفي «الغريبين» (^١): (كل شيء غسلته؛ فقد شصته، ومصته)، وقال ابن عبد البر: (هو الحك)، وقال الخطابي: (الشوص: دلك الأسنان عرضًا، وقيل: الموص غسل الشيء بلين ورفق)، كذا قاله في «عمدة القاري»، وزعم ابن الملقن أنه تحصل له في تفسيره خمسة أقوال متقاربة؛ الغسل، والتنقية، والدلك، والحك، وأنه بالإصبع، وأنه يغني عن السواك، لكن يرده قوله في الحديث بالسواك، والثالث أقواها، وقال ابن زيد: (هو الاستياك من سفل إلى علوٍّ، ومنه سمِّي هذا الداء الشوصة؛ لأنَّه ريح يرفع القلب من موضعه).\nقلت: وقوله: (وأنه بالإصبع) هو الخامس.\nوقوله: (وأنه يغني عن السواك) بيان له، فهو حكم للسواك بالإصبع من أنه هل يجزئ بها أم لا؟ وقدمنا أنه يجزئ بنص الحديث.\nوقوله: (لكن يرده...) إلخ قيل: عليه لا يلزم من كونه كان بالسواك أنه لا يكفي بالإصبع، على أن حديث البيهقي صريح في ذلك، ولفظه: «يجزئ من السواك الأصابع»، كما قدمناه.\nوقوله: (وقال ابن زيد...) إلخ، فهو الحقيقة قول سادس، وهو يقتضي أن السنة في السواك أن يكون من أسفل إلى الأعلى ولو في الأسنان، لكنه خلاف السنة من أن السنة أن يستاك عرضًا لا طولًا، ويدل لذلك ما رواه أبو داود في «مراسيله»: «إذا استكتم؛ فاستاكوا عرضًا لا طولًا»، وأخرجه أبو نعيم من حديث عائشة كما قدمناه، ولأن فيه ضررًا، ويدمي اللثة، وأما اللسان؛ فالسنة فيه الاستياك عرضًا؛ فافهم.\n (فاه بالسواك)؛ لأنَّ النوم مُقتضٍ لتغير الفم؛ لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة تنظيفه، فيستحب عند مقتضاه، ففيه: استحباب السواك عند القيام من النوم، وكذا في كل حال سواء كان صائمًا أو لا، بعد الزوال للصائم أو لا؛ لعمومات الأحاديث؛ منها: قوله ﵇: «استاكوا أي وقت شئتم»، رواه أبو داود، ومنها: قوله ﵇: «لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء»؛ أي: أمر إيجاب، رواه ابن خزيمة، ومنها: قوله ﵇: «لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم- أي: أمر إيجاب- بالسواك عند كلِّ صلاة»، رواه الطبراني، وهذا يدل على عدم التوقيت بوقت، بل في أي وقت وحال شاء، وهذا حجة على الشافعي حيث كره السواك بعد الزوال للصائم، ويستحب السواك لتلاوة القرآن، والذكر، ولاصفرار الأسنان، وللاستيقاظ من النوم مطلقًا ليلًا أو نهارًا، وعند دخول البيت، وعند الاجتماع بالناس، وعند قراءة الحديث والفقه وغيرهما، وهذا مستفاد من قول إمامنا رئيس المجتهدين وسيدهم الإمام الأعظم ﵁: السواك من سنن الدين فيستوي فيه جميع الأحوال، ومن منافعه أنه يُبْطِئُ بالشيب، ويحد البصر، وأحسنها أنه شفاء لما دون الموت، وأنه يسرع في المشي على الصراط، وأنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومفرحة للملائكة، ويذهب البخر، والحضر، ويبيض الأسنان، ويشد اللثة، ويهضم الطعام، ويقطع البلغم، ويضاعف الصَّلاة، ويزيد في الحسنات، ويصحح الجسم، ويزيد في الحفظ، وينبت الشعر، ويصفي اللون، ويطهر طريق القرآن، ويزيد في الفصاحة، ويقوي المعدة، ويسخط الشيطان، ويقطع المرة، ويسكن عروق الرأس، ووجع الأسنان، ويطيب النكهة، ويسهل خروج الروح، ويذكر الشهادة عند الموت وهو أعظمها، وينمي المال والولد، ويذهب الحقد، وينفي الفقر، ويذهب الصداع، ويقطع كل داء في الجسد، ويعقبه الله صحة، ويفتح باب الجنة، ويغلق باب النار، ويكسى صاحبه رداء كُسِي به الأنبياء يوم القيامة، ويكرمه إذا أكرموا، ويسقى فاعله من حوضه ﵇، ومن الرحيق المختوم، ويأتيه ملك الموت على الصورة التي قبض بها الأنبياء ﵈، وتمامه في فضائل السواك المسمَّى بـ «السلاك»، وقد ذكرنا زيادة على ذلك في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٢٤\"> </span>(٧٤) <span data-type=\"title\" id=toc-424>[باب دفع السواك إلى الأكبر]</span>\nهذا (باب)؛ استحباب (دفع السواك إلى الأكبر) في السِّنِّ.\n\n <span id=\"b-٤٢٥\"> </span>[حديث: أراني أتسوك بسواك]\n٢٤٦ - (وقال عَفَّان)؛ بفتح العين المهملة، وتشديد الفاء، وبالنون بعد الألف، يحتمل الصرف وعدمه؛ كحسان؛ هو ابن مسلم الصفار الأنصاري البصري، سئل عن القرآن زمن المحنة، فأبى أن يقول القرآن مخلوق، وكان من حكام الجرح والتعديل، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، ولا يقول: عدل، أو غير عدل، قالوا: قف فيه، ولا تقل شيئًا، فقال: لا أبطل حقًّا من الحقوق، ولم يأخذها، مات ببغداد سنة عشرين ومئتين، وظاهر قوله: (وقال عفان): أنه تعليق، لكنَّ صاحب «عمدة القاري» [قال]: أخرج البخاري هذا الحديث بلا رواية.\nقلت: وهو من شيوخ المؤلف، فليس بتعليق، بل رواه عنه على سبيل المذاكرة، ولو قال: وقال لي عفان؛ لكان تعليقًا، ويدل لهذا قول «عمدة القاري» المذكور كقول صاحب «المقدمة» عفان بن مسلم الصفار من كبار الثقات الأثبات، لقيه البخاري، وروى عنه شيئًا يسيرًا، وحدث عن جماعة من أصحابه عنه؛ فيحتمل أنه أخذ عنه بلا واسطة في هذا الموضع؛ فلا يكون تعليقًا، ويحتمل بالواسطة؛ فيكون تعليقًا، وهو ظاهر قوله: ثانيًا، وكذا أخرجه البيهقي، وفي «عمدة القاري» وصله أبو عوانة في «صحيحه»: عن محمَّد بن إسحاق الصغاني، وغيره عن عفان، وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني: عن أبي أحمد: حدثنا موسى بن العباس الجويني: حدثنا محمَّد بن يحيى: حدثنا عفان، وقال مسلم في «صحيحه»: عن صخر بن جويرية؛\n_________\n(^١) في الأصل: (الغربيين)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":124},{"text":"فذكره، انتهى.\nوقوله: (حدثنا صخر) بالصاد المهملة، والخاء المعجمة، آخره راء (بن جُويرية)؛ بضمِّ الجيم، تصغير الجارية -بالجيم- البصري أبو نافع التميمي الثقة، مقول: (وقال عفان)؛ فافهم، (عن نافع)؛ مولى ابن عمر القرشي العدوي، (عن ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁: (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ قال: أَراني)؛ بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول عبارتان عن معبِّر واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وفي رواية المستملي: (رآني)؛ بتقديم الراء، والأول أشهر، وفي رواية مسلم: (أراني في المنام)، وفي رواية الإسماعيلي: (رأيت في المنام)، فعلى هذا؛ هو من الرؤيا، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوقال الكرماني: (وفي بعض النسخ: (أُراني)؛ بضمِّ الهمزة؛ ومعناه: أظن نفسي، واعترضه ابن حجر: بأن الضمة وهم، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس بوهم، والعبارتان تستعملان (^١» انتهى.\nزعم العجلوني فقال: (لعل المراد من الوهم؛ أي: من حيث الرواية ولئن سلم أن التوهيم مطلقًا لجهة أن (أُرى) بضمِّ الهمزة للظن، والمراد هنا اليقين) انتهى.\nقلت: وفيه خبط، بل المراد أن الفتح والضم مستعمل من حيث الرواية والمعنى، وكونها بمعنى الظن لا ينافي اليقين؛ لأنَّ الصيغة صيغة ظن، والمراد بها اليقين، كما لا يخفى، فاندفع الوهم وثبت استعمال الضم؛ فليحفظ.\nوزعم القسطلاني أن رواية المستملي بتقديم الراء خطأ؛ لأنَّه إنَّما أخبر عما رآه في النوم، انتهى، يعني: وأن هذه تقتضي اليقظة.\nقلت: ولا يلزم من إخباره عما رآه في النوم أنها تقتضي اليقظة؛ لأنَّه يجوز أن يكون قصد بذلك جبريل؛ يعني: أنه رآه في المنام؛ فافهم فلا خطأ في الرواية؛ لأنَّ توجيهها ممكن سائغ، فالحكم عليها بالخطأ خطأ ظاهر؛ فليحفظ.\nوقوله: (أتسوَّك بسواك): جملة محلها النصب مفعول ثان، أو حال، والأول أظهر؛ فافهم، (فجاءني رجلان)؛ أي: ملكان على صورة رجلين، أو رجلان حقيقة وهو الظاهر، وهذا على كون (أراني) مَناميَّة؛ لما قدمنا أن (أراني) معناه: أرى نفسي في المنام، وقال ابن حجر في «المنحة»: (وعلى فتح همزة (أراني) وضمها هو إخبار عما رآه في النوم).\nقلت: فقد اعترف باستعمال الضم في (أراني)، فكيف زعم عليه بالوهم، وما هو إلا تعصب على الكرماني، وتبعه العجلوني فتعصب على «عمدة القاري»، وهو ممنوع؛ فافهم.\n (أحدهما أكبر من الآخر) لعل أحدهما الأكبر هو الأب والأصغر الابن، وكأنه ﵇ لا يعرفهما قبل ذلك، (فناولت) أي: أعطيت (السواك الأصغر منهما)؛ أي: من الرجلين يحتمل بطلب منه، ويحتمل بغير طلب، والظاهر الثاني حتى تظهر مزية السواك وفضائله، وزعم العجلوني: أن هذا على حد قول الشاعر:\nولست بالأكثر منهم حصى... . . . . . . . . . .\nفيأتي فيه ما قيل في ذاك، انتهى.\nقلت: وفيه نظر.\n (فقيل لي) القائل له جبريل ﵇ كما سيذكره من رواية ابن المبارك: (كبر)؛ أي: قدم الأكبر في السن، (فدفعته) أي: السواك (للأكبر منهما)؛ امتثالًا لأمره، وظاهره: أنه ناوله، ثم أخذه منه وناوله للأكبر، لكن المراد: أنه ناوله الأصغر، فلم يتناوله ولم يستعمله حين قيل له: (كبر)، فدفعه للأكبر، والحال أن السواك لم يخرج من يده إلا إلى الأكبر؛ فافهم، (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (اختصره)؛ أي: متن الحديث، ومعنى الاختصار ههنا أنه ذكر محصل الحديث وحذف بعض مقدماته، كذا قاله في «عمدة القاري» (نُعيم)؛ بضمِّ النون مصغَّرًا، هو ابن حمَّاد المروزي الخزاعي الأعور، سكن مصر، وقال أحمد: كنا نسميه الفارض؛ لأنَّه كان من أعلم الناس بالفرائض، وسئل عن القرآن فلم يجب بما أرادوه منه، فحبس بسامراء (^٢) حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتين زمن خلافة أبي إسحاق بن هارون الرشيد، (عن ابن المبارك)؛ هو عبد الله، (عن أسامة)؛ بالسين المهملة، هو ابن زيد الليثي-بالمثلثة- المدني، وقد تكلم فيه، ولهذا ذكره البخاري استشهادًا، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين، كذا في «عمدة القاري»، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) ﵄، قال في «عمدة القاري»: (ورواية نعيم هذه وصلها الطبراني في «الأوسط» عن بكر بن سهل عنه بلفظ: «أمرني جبريل ﵇ أن أكبر»، ورواه الإسماعيلي من طريقين؛ فذكره، وفيه قال: إن جبريل ﵇ أمرني أن أدفع إلى أكبرهم)، وأخرجه أحمد والبيهقي بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ يستن، فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: «إن جبريل ﵇ أمرني أن أكبر»، وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وتلك الرواية صريحة أنها في المنام، فكيف التوفيق؟\nقلت: التوفيق بينهما أن رواية اليقظة لما وقعت أخبرهم النبيُّ ﵇ بما رآه في النوم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخرون، ومما يشهد له ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان؛ أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر)؛ أي: أعط السواك أكبرهما، وإسناده صحيح، قال: ففيه تقديم حق الأكابر من جماعة الحضور وتبديته على من هو أصغر منه، وهو السنة أيضًا في السلام، والتحية، والشراب، والطيب، ونحو ذلك، ومن هذا المعنى تقديم ذي السن بالركوب، وشبهه من الإرفاق، وكذا المشي، والكلام، والطعام، وقال المهلب: (تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا؛ فالسنة تقديم ذي الأيمن فالأيمن) وهو صحيح؛ أي: لدلالة أحاديث أخر عليه، وقال الكرماني: (فيه: دليل على تقديم حق الأكبر من الجماعة الحاضرين، والبداءة به) انتهى.\nقلت: وقوله: (والبداءة به) ليس على إطلاقه؛ لأنَّ هذا حالة الابتداء ما لو ابتدأ بغيره؛ فالأفضل تقديم من على يمين الذي ابتدأ به؛ فافهم.\nوقال ابن المنيِّر: (وانظر في جلساء صاحب المنزل إذا أراد تقديم أحدهم للإمامة وعلى يمينه الأصغر وغيره الأكبر وتساوت الصفات في ذلك، هل يقدم الأيمن أو الأكبر، الظاهر الأكبر؛ لأنَّه لا مدخل لليمين في فضيلة الإمامة بخلاف السن).\nقلت: فإذا اجتمع فيهم أكبر على اليمين وأكبر على اليسار؛ يُقَدَّمُ من على اليمين على الظاهر، وإذا اجتمع أكبر على اليمين وأصغر على اليسار لكنه أعلم؛ ينبغي أن يَقَدَّمُ الأصغر؛ لأنَّه أعلم بأحكام الصَّلاة واليمين ليس منها.\nوقال في «عمدة القاري»: (وفيه: أن استعمال سواك الغير غير مكروه إلا أن السنة فيه أن يغسله، ثم يستعمله) انتهى.\nقلت: ويدل لهذا ما رواه أبو داود عن عائشة قال: (كان رسول الله ﷺ يعطيني السواك لأغلسه، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه إليه)، وهذا يدل على عظيم فطنتها وأدبها حيث إنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه ﵇، ثم غسلته تأدُّبًا وامتثالًا، ويحتمل أن المراد بأمرها بغسله: تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله، والله تعالى أعلم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٢٦\"> </span>(٧٥) <span data-type=\"title\" id=toc-426>[باب فضل من بات على الوضوء]</span>\nهذا (باب فضل) أي: ثواب (من بات) أي: نام (على الوضوء)؛ بالألف واللام في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: (على وضوء)؛ بدون الألف واللام، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر، وزعم القسطلاني أن رواية أبوي (^٣) ذر والوقت، والأصيلي بالتنكير، ورواية غيرهم بالألف واللام.\nقلت: والظاهر الأول.\nوقال في «عمدة القاري»: («بات»: من البيتوتة، يقال: بات يبيت، وبات يبات بيتوتة، وبات يفعل كذا؛ إذا فعله ليلًا، وظل يفعل كذا؛ إذا فعله نهارًا) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٢٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-427>[حديث: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة]</span>\n٢٤٧ - وبه قال: (حدثنا محمَّد بن مُقاتل) بضمِّ الميم، أبو الحسن المروزي (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (عبد الله) هو ابن المبارك (قال: أخبرنا سفيان)؛ هو الثوري، وقيل: يحتمل سفيان بن عيينة أيضًا؛ لأنَّ عبد الله يروي عنهما، وهما يرويان عن منصور، لكن الظاهر أنه الثوري؛ لأنَّهم قالوا: أثبت الناس في منصور هو سفيان الثوري، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم، (عن منصور)؛ بالصاد المهملة، هو ابن المعتمر؛ بالعين المهملة، (عن سعْد)؛ بسكون العين المهملة (بن عُبيدة)؛ بضمِّ العين المهملة، مصغر عبدة، بن حمزة؛ بالزاي، الكوفي،\n_________\n(^١) في الأصل: (مستعملان)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (بسامر)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":125},{"text":"وكان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، وهو ختن أبي عبد الرحمن السلمي، مات في ولاية ابن هبيرة على الكوفة، وليس في الكتب الستة سعد بن عبيدة سواه، كذا في «عمدة القاري»، (عن البَرَاء) بتخفيف الموحدة، والراء (بن عازب (^١»)؛ بالزاي (^٢)، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه (قال: قال لي النبي) الأعظم (ﷺ: إذا أتيت)؛ بقصر الهمزة؛ أي: إذا أردت أن تأتي (مضجَعك)؛ بفتح الجيم، من ضجَع يضجَع من باب (منَع يمنَع)، وعن القرطبي: كسرها أيضًا؛ كالمطلع، وفي «عمدة القاري»: ويروى: «مضجعك» أصله مضتجعك، من باب الافتعال، لكن قُلِبَتِ التاء طاء؛ والمعنى: إذا أردت أن تأتي مضجعك؛ (فتوضأ) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت قراءته، والفاء في جواب (إذا) (وضوءك للصلاة)؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة، والمراد به الوضوء الشرعي؛ أي: وصل عقبه ركعتين سنته، قال في «عمدة القاري»: (وقد روى هذا الحديث الشيخان من طرق عن البَرَاء بن عازب، وليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا عند الترمذي) انتهى، ويندب هذا الوضوء أيضًا للجنب، وزعم ابن حجر أن ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم ولو كان على طهارة، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن كان محدثًا، انتهى.\nقلت: وظاهر كلامه اعتماد الأول وهو فاسد؛ لأنَّ الذي صرح به العلماء أن المطلوب أن ينام على طهارة لما في «سنن أبي داود» عن معاذ مرفوعًا: «ما من مسلم يبيت على طهارة فيستعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه»، فيفيد أن الوضوء مخصوص بمن كان محدثًا وهو المتعيَّن، ولهذا قال في «عمدة القاري»: (فيه: أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغوب فيه، وكذلك الدعاء؛ لأنَّه قد يقبض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل الأعمال، ثم إن هذا الوضوء مستحب وإن كان متوضئًا؛ كفاه ذلك الوضوء؛ لأنَّ المقصود النوم على طهارة؛ مخافة أن يموت في ليلته، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطان به في منامه) انتهى؛ ولهذا كان ابن عمر يجعل الدعاء آخر عمله، فإذا تكلَّم بعده؛ استأنف ذلك لينام عليه اقتداء بالشارع في قوله: «واجعلهن آخر ما تكلم به»؛ فليحفظ، والله أعلم.\nوقوله: (ثم اضطجع على شقك الأيمن) هذا أيضًا من سنن النوم مطلقًا ليلًا أونهارًا؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ كان يحب التيامن في شأنه كله، ولأنَّه يتعلق القلب على الجانب الأيمن، فلا يثقل في النوم، فيكون أسرع إلى الانتباه؛ ليقوم إلى ورده من تهجُّد أو غيره؛ بخلاف النوم على الشق الأيسر، فإنه يستغرق في النوم؛ لاستراحته فيفوته ذلك العمل، ولأن النوم بمنزلة الموت، فيستعد له بالهيئة التي يكون عليها في قبره، فيكون فيه تذكير بالموت، والقبر، وغيرهما من أحوال الآخرة، وقال الكرماني: (إن النوم على الشق الأيمن يكون أسرع إلى انحدار الطعام كما هو مذكور في «الطب»)، ورده صاحب «عمدة القاري»: بأن المذكور في (الطب) خلاف هذا؛ فافهم.\nقالوا: النوم على الأيسر أروح للبدن، وأقرب إلى انهضام الطعام، ولكن اتباع السنة أولى، انتهى.\nوقال العجلوني: (ما نقله في «عمدة القاري» لا ينافي ما نقله الكرماني، فإن ذاك في انحدار الطعام، وهذا في انهضامه).\nقلت: وهو فاسد، بل فيه منافاة لا تخفى، فإن الانحدار غير الانهضام؛ لأنَّ الأول يكون بعد الثاني، ويمكن التوفيق بين العبارتين بما نقله ابن الجوزي، قال: (إن الأطباء يقولون ينبغي أن يضطجع على الجانب الأيمن ساعة، ثم ينقلب إلى الأيسر فينام، فإن النوم على اليمين سبب لانحدار الطعام؛ لأنَّ قصبة المعدة تقتضي ذلك، والنوم على اليسار يهضم؛ لاشتمال الكبد على المعدة) انتهى؛ فتأمل.\n (ثم قل: اللهم؛ [أسلمت] وجهي إليك)؛ أي: استسلمت، كذا فسروه وليس بوجه، والأوجه أن يفسر (أسلمت): بسلَّمت ذاتي إليك منقادة لك طائعة لحكمك؛ لأنَّ المراد من الوجه الذات، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، قال العجلوني: لعل غرضه من هذا الكلام أن «أسلمت» متعد، فكيف يفسر: باستسلمت اللازم؟ بل حقه أن يفسر: بسلَّمت المضعَّف؛ ليكون متعدِّيًا إلى (وجهي)، لكن قوله: لأنَّ المراد من الوجه الذات يظهر أن للتعليل به وجهًا (^٣)، وقد يجاب بأن تفسيرهم له بما ذكر تفسير معنًى لا إعراب.\nقلت: لقد أنصف أولًا، ثم عدل، وقوله: (وقد يجاب...) إلخ ممنوع؛ فإن هذا تفسير إعراب لا معنًى، كما لا يخفى؛ فافهم.\nثم قال صاحب «عمدة القاري»:وجاء في رواية أخرى: (أسلمت نفسي إليك)، والوجه والنفس ههنا بمعنى الذات، ويحتمل أن يراد به الوجه حقيقة، ويحتمل أن يراد به القصد، وكأنه يقول: قصدتك في طلب سلامتي، وقيل: إن معنى الوجه: القصد والعمل الصالح، وكذا جاء في رواية أخرى: (أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك)، فجمع بينهما، فدل على تغايرهما، ومعنى (أسلمت): سلَّمت، واستسلمت: أي سلَّمتها لك؛ إذ لا قدرة لي ولا تدبير بجلب نفع، ولا دفع ضرٍّ، فأمرها مفوَّض إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لما تفعل، فلا اعتراض عليك فيه، وفيه: إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه) انتهى كلام «عمدة القاري».\nقلت: وهذا يدل على أن تفسيرهم بما ذكر تفسير إعراب لا تفسير معنًى؛ فليحفظ.\n (وفوضت) من التفويض؛ وهو التسليم؛ أي: رددت (أمري إليك) وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه، وتولَّني صلاحه، ففيه: إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوَّضة إليه لا مدبِّر لها غيره تعالى، (وألجأت) بالهمز؛ أي: أسندت (ظهري إليك) يقال: لجأت إليه لَجَأً؛ بالتحريك، وملجأ والتجأت إليه بمعنًى، والموضع أيضًا لجأ وملجأ وألجأته إلى الشيء: اضطررته إليه؛ والمعنى هنا: توكلت عليك، واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده، وأتى بقوله: (وألجأت ظهري إليك) بعد قوله: (وفوضت أمري إليك)؛ إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي يفتقر (^٤) إليها، وبها معاشه، وعليها مدار أمره يلتجأ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة عليه والخارجة، كذا قرره إمام الشارحين رحمه الله تعالى (رغبةً)؛ بالغين المعجمة؛ أي: طمعًا في ثوابك، (ورهْبةً)؛ بسكون الهاء؛ أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريقة اللَّفِّ والنشر؛ أي: فوضت أمري (إليك)؛ رغبة، وألجأت ظهري عن المكاره والشدائد إليك؛ رهبةً منك، ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال بمعنى راغبًا وراهبًا.\nفإن قلت: كيف يتصور أن يكون راغبًا وراهبًا في حالة واحدة؛ لأنَّهما شيئان متنافيان؟\nقلت: فيه حذف؛ تقديره: راغبًا إليك، وراهبًا إليك، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقلت: فقوله: (إليك) متعلق بـ (رغبة ورهبة)، ويجوز أن يتعلق بـ (رغبة)، ومتعلق بـ (رهبة) محذوف؛ لدلالة المقام عليه؛ أي: منك.\nثم قال إمام الشارحين: فإن قلت: إذا كان التقدير: راهبًا منك، كيف استعمل بكلمة (إلى)، والرهبة لا تستعمل إلا بكلمة (من)؟\nقلت: (إليك) متعلق بـ (رغبة)، وأعطى لـ (الرهبة) حكمها، والعرب تفعل ذلك كثيرًا؛ كقول الشاعر:\nورأيت بعلك في الوغى... متقلدًا سيفًا ورمحا\nوالرمح لا يتقلد، وكقول الآخر:\nوعلفتها تبنًا وماء باردًا\nوالماء لا يعلف. انتهى كلامه.\n (لا ملجأ)؛ بالهمزة، ويجوز التخفيف، (ولا منجى)؛ بالألف؛ لأنَّه مقصور من نجا ينجو، والمنجى (مفعل) منه، ويجوز همزه للازدواج، وإعرابهما مثل إعراب (عصًا)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذا يقتضي أنهما مقصوران؛ فتأمل (منك إلا إليك) قال في «عمدة القاري»: (وفي هذا التركيب) خمسة أوجه؛ لأنَّه مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق نصبه وفتحه بالتنوين، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان\n_________\n(^١) في الأصل: (عاذب)، ولعل المثبت هو الصواب، وكذا في الموضع اللاحق.\n (^٢) في الأصل: (بالذال)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.\n (^٣) في الأصل: (وجه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (مفتقر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":125},{"text":"في (منك)، وإن كانا مكانين؛ فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل؛ وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجًى إلا إليك) انتهى.\nقلت: والأوجه المشهورة هي فتح الأول والثاني، وفتح الأول ونصب الثاني، وفتح الأول ورفع الثاني، ورفع الأول وفتح الثاني، ورفع الأول والثاني، ومع التنوين تسقط الألف، كما قدمنا وعلى كونهما مكانين؛ فـ (منك) حال من ضمير الخبر أو صفة لهما؛ فافهم.\n (اللهم)؛ أي: يا الله، وسيأتي عند المؤلف في الأدعية بحذف (اللهم)؛ (آمنت)؛ أي: صدقت (بكتابك)؛ أي: القرآن، وقوله: (الذي أنزلت) صفته، وضمير المفعول محذوف؛ أي: أنزلته على نبيك محمَّد ﷺ، وإنما خصص الكتاب بالصفة؛ ليتناول جميع الكتب المنزلة.\nفإن قلت: أين العموم ههنا حتى يجيء التخصيص؟\nقلت: المفرد المضاف يفيد العموم؛ لأنَّ المعرف بالإضافة كالمعرف باللام يحتمل الجنس، والاستغراق، والعهد، فلفظ الكتاب المضاف هنا محتمل لجميع الكتب ولجنس الكتب، ولبعضها؛ كالقرآن، قالوا: وجميع المعارف كذلك، وقد قال جار الله الزمخشري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦]: يجوز أن تكون للعهد، وأن يراد بهم ناس بأعيانهم؛ كأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، وأحزابهم، وأن تكون للجنس متناولًا منهم كل من صمم على كفره.\nقلت: التحقيق أن الجمع المعرَّف تعريف الجنس؛ معناه: جماعة الآحاد، وهي أعم من أن يكون جميع الآحاد أو بعضها، فهو إذا أطلق؛ احتمل العموم والاستغراق، واحتمل الخصوص والحمل على واحد منها يتوقف على القرينة كما في المشترك، هذا ما ذهب إليه الزمخشري، وصاحب «المفتاح» ومن تبعهما، وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nقلت: أي: من أن (اللام) تبطل معنى الجمعية، ويصير مدخولها؛ لاستغراق الأفراد؛ فتأمل.\n (وبنبيك)؛ بالموحدة في أكثر النسخ، وفي بعضها بحذفها، ويؤيدها قوله: (ورسولك) بدونها، وكذا قوله: (ونبيك) الآتي، فإنه بدونها، وعند المؤلف في (الأدعية) بالموحدة؛ كأكثر النسخ هنا، والمراد به: محمَّد النبيُّ الأعظم ﷺ، والخطاب فيه كسابقه لله ﷿ (الذي أرسلت)؛ أي: أرسلته، ويحتمل أن يراد كل نبي أرسله كما سبق في (بكتابك)، (فإن متَّ)؛ بفتح التاء، الخطاب للبراء، وليس المراد به وحده على التعيين، بل كل من يحصل ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، أو المراد المعيَّن، ويعلم حكم غيره بالقياس عليه، والظاهر: أن يقال الخطاب خاص أريد به عام؛ فافهم (من ليلتك؛ فأنت على الفطرة)؛ أي: على دين الإسلام، وقد تكون (الفطرة) بمعنى الخلقة؛ كقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وبمعنى السنة؛ كقوله ﵇: «خمس من الفطرة...»؛ الحديث، وقال الطيبي: أي: مات على الدين القويم ملة إبراهيم ﵇ أسلم واستسلم، وقال: أسلمت لرب العالمين، وجاء بقلب سليم، كذا في «عمدة القاري»، (واجعلهنَّ) أي: هذه الكلمات (آخر) وفي رواية الكشميهني: (من آخر) (ما تتكلم به) ولابن عساكر: (ما تكلم)؛ بحذف إحدى التاءين تخفيفًا، ورواية الكشميهني مبينة أنه لا يمتنع أن يقول بعدهن شيئًا من المشروع ذكره عند النوم، وهو كذلك، لكن الأكمل والأحسن جعلها آخرًا حقيقة وتسمية ما ذكر كلامًا بالنظر إلى اللغة والاصطلاح وإن كان لا يسمى في عرف الفقهاء في الإيمان كلامًا، وإنما يسمَّى ذكرًا ودعاء؛ فافهم، (قال)؛ أي: البَرَاء بن عازب: (فردَّدتها)؛ بتشديد الدال المهملة الأولى، وسكون الثالثة؛ لإدغامها في التاء؛ أي: كررت هذه الكلمات (على النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: لأحفظهن، (فلما بلغت)؛ أي: وصلت في القراءة: (اللهم؛ آمنت بكتابك الذي أنزلت) والمراد: بلغت آخر هذه الجملة، فلا يرد أن السياق يقتضي أن يقول: فلما بلغت (ونبيك) (وقلت: ورسولك) زاد الأصيلي: (الذي أرسلت) (قال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (لا)؛ أي: لا تقل: ورسولك، بل قل: (ونبيك الذي أرسلت) حتى يجمع بين صفتيه؛ وهما الرسول والنبيُّ صريحًا وإن كان وصف الرسالة يستلزم النبوة، ويحتمل أن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ زيادة تبيين ليس في الآخر وإن كان يرادفه في الظاهر، ويحتمل أنه أوحى إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده؛ لأنَّه ذكر ودعاء، فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ويحتمل أنه ذكره؛ احترازًا ممن أرسل من غير نبوة؛ كجبريل وغيره من الملائكة ﵈؛ لأنَّهم رسل لا أنبياء، ويحتمل أن يكون رده دفعًا للتكرار؛ لأنَّه قال في الأولى: (وبنبيك الذي أرسلت)، فلو قال: (ورسولك)؛ لزم التكرار، ويحتمل أن النبيَّ (فعيل) بمعنى (مفعول) من النبأ، وهو الخبر؛ لأنَّه إنباء عن الله ﷿؛ أي: أخبر، وقيل: إنه مشتق من النباوة: وهو الشيء المرتفع، ورد النبيُّ ﵇ على البَرَاء؛ ليختلف اللفظان، ويجمع الثناء بين معنى الارتفاع والإرسال ويكون تعديدًا للنعمة في الحالين، وتعظيمًا للمنَّة على الوجهين، ويحتمل أن ألفاظه ﵇ ينابيع الحكمة، وجوامع الكلم، فلو جوز أن يعبر عن كلامه بكلام غيره؛ سقطت فائدة النهاية في البلاغة التي أعطيها ﵇، وزعم ابن حجر: ويحتمل أن لفظ النبيِّ أمدح من لفظ الرسول؛ لأنَّه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل بخلاف لفظ النبي، فإنه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا؛ فقول من قال: كل رسول نبي من غير عكس؛ لا يصح إطلاقه، انتهى.\nورده في «عمدة القاري»: بأن هذا غير موجه؛ لأنَّ لفظ النبيِّ كيف يكون أمدح وهو لا يستلزم الرسالة؟ بل لفظ الرسول أمدح؛ لأنَّه يسلتزم النبوة؛ فافهم.\nوزعم القسطلاني بأن المعنى يختلف، فإنه لا يلزم من الرسالة النبوة ولا عكسه.\nقلت: وهو فاسد، بل يلزم من الرسالة النبوة، ألا ترى أن الرسول لا يرسل إليه إلا بعد أن يصير نبيًّا، على أن الاختلاف في التعبير من حيث الإطلاق، فإذا قيد بالبشر؛ يصح الكلام، ويحصل المرام.\nقال الخطابي: (وفي الحديث حجة لمن منع رواية الحديث بالمعنى وهو قول ابن سيرين وغيره، فكان يذهب هذا المذهب أبو العباس النحوي ويقول: ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة من كلامهم إلا وبينها وبين صاحبتها فرق وإن دق ولطف؛ كقولك: بلى ونعم).\nقال في «عمدة القاري»: (هذا الباب فيه خلاف بين المحدثين وقد عرف في موضعه، ولكن لا حجة في هذا للمانعين؛ لأنَّه يحتمل الأوجه التي ذكرناها بخلاف غيره) انتهى.\nوقد تبعه ابن حجر فقال: (ولا حجة لمن استدل به على أنه لا يجوز إبدال لفظ: (قال نبي الله) مثلًا في الرواية بلفظ: «قال رسول الله» وبالعكس، ولو جازت الرواية بالمعنى، وكذا لا حجة فيه لمن جوز الأول دون الثاني؛ لكون الأول أخص؛ لأنَّ الذات المخبر عنها في الرواية واحدة، فبأيِّ وصف وصفت به الذات من أوصافها؛ علم القصد بالمخبر عنه ولو تباينت معاني الصفات، بخلاف ما في حديث الباب؛ فإنه يحتمل ما تقدم من الأوجه) انتهى.\nوإنما ختم كتاب (الوضوء) بهذا الحديث؛ لأنَّه آخر وضوء أمر به المكلف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلم به»، فأشعر ذلك بختم الكتاب.\nاللهم؛ اختم لنا بالوفاة على الإيمان، وارزقنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعافية من جميع البلايا، وتمام النعمة، والنصر على الأعداء، اللهم؛ أطل عمري بطاعتك، وكثر أولادي، ووفِّقهم لما تحب وترضى، واجعلنا وإياهم من الآمنين يا أرحم الراحمين.\nوفي يوم الخامس عشر جماد أول سنة سبع وسبعين أمر الحكام أهل البلد أن يتهيؤوا لرفع التراب من حارة النصارى.\nاللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.","vol":"1","page":126},{"text":"<span id=\"b-٤٢٨\"> </span>«٥» <span data-type=\"title\" id=toc-428>[كتاب الغُسْل]</span>\n\n (بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الغسل) كذا في الرواية، ووقع في رواية الأكثر تأخير البسملة عن (كتاب الغسل)، قيل: وجهه أن الترجمة قائمة مقام اسم السورة، والأحاديث المذكورة بعدها كالآيات المفتتحة بها، وأما وجه تقديمها؛ فظاهر؛ لأنَّ كتاب الوضوء قد تم وختم، وهنا قد ابتدأ بحكم آخر؛ وهو غسل الجنابة، ووقع في رواية الأصيلي: (باب الغسل)؛ بإسقاط البسملة، وإبدال (كتاب) بـ (باب)، قال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (وهذا أوجه؛ لأنَّ الكتاب يجمع الأنواع، والغسل نوع واحد من أنواع الطهارة وإن كان في نفسه يتعدد)، و(الغُسل)؛ بضمِّ الغين؛ لأنَّه اسم للاغتسال: وهو إسالة الماء، وإمراره على الجسم، وقيل: الماء، وبفتح الغين مصدرًا، وفي «المحكم»: (غسل الشيء يغسله غسلًا) انتهى.\nقال في «عمدة القاري»: (وهذا لم يفرق بين الفتح والضم وجعل كلاهما مصدرًا، وغيره يقول: بالفتح مصدر، وبالضم اسم، وبالكسر: اسم لما يجعل مع الماء؛ كالأشنان) انتهى.\nوقال بعض الشراح: (وأما المصدر؛ ففيه الضم والفتح)، قاله الأصمعي وهو يوافق ما في «المحكم»، لكن الأشهر فيه لغة الفتح، والأشهر عند الفقهاء فيه الضم، انتهى.\nوبهذا ظهر فساد ما زعمه القسطلاني من أن الفتح أفصح وأشهر من الضم؛ فليحفظ.\nفإذا علمت أن الضم هو المشهور، وأنه اسم من الاغتسال وهو تمام غسل الجسد؛ ظهر لك أنه لا فرق بين المعنى اللغوي والشرعي، وقال أبو زيد: الغسل؛ بالفتح: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء؛ كالأشنان، وحقيقة الغسل؛ لغة: هو السيلان مطلقًا، وشرعًا: سيلان الماء على جميع الجسد والشعر، ومنه: المضمضة والاستنشاق، وهما فرضان عملًا لا اعتقادًا، سواء نوى- وهو الأكمل- أو لم ينو، فإن الجمهور من الفقهاء: على أن النية ليست بشرط فيه؛ كالوضوء، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، وزعم الشافعية أنها شرط، وسواء تدلك- وهو الأكمل- أو لم يدلك؛ لأنَّ الجمهور ومنهم الإمام الأعظم، وأصحابه، والشافعي على أن الدلك فيه -كالوضوء- ليس بشرط، وقال الإمام أبو يوسف: إنه شرط في الغسل فقط، وقال مالك، والمزني: إن الدلك شرط في الغسل والوضوء، واحتجوا بالقياس على الوضوء، وبالإجماع على إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب في الغسل؛ لعدم الفرق بينهما، ورُدَّ: بأنا لا نسلم وجوب الدلك في الوضوء أيضًا؛ لأنَّ جميع من لم يوجب الدلك؛ أجاز، وأغمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار اليد؛ فبطل دعوى الإجماع، وانتفت الملازمة، واحتج الإمام أبو يوسف بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ لما فيها من المبالغة وهي تقتضي افتراض الدلك كما تقتضي افتراض المضمضة والاستنشاق؛ فافهم.\nوإنما ذكر الغسل بعد الوضوء؛ اقتداءً بالكتاب العزيز، ولأن الحاجة إلى الوضوء أكثر، والحاجة إلى الغسل أقل، ولأن محل الوضوء جزء من البدن، ومحل الغسل جميع البدن، والجزء مقدَّم على الكل طبعًا، فقدم وضعًا؛ ليوافق الوضع الطبع؛ ولأنَّه يسن تقديم الوضوء على الغسل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n (وقولُِ الله تعالى)؛ بالرفع أو الجر، وفي بعض النسخ: (وقول الله)، وللأصيلي: (﷿)، وإنما افتتح كتاب بالآيتين الكريمتين؛ للإشعار بأن وجوب الغسل على الجنب بنصِّ القرآن، فقال: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾) [المائدة: ٦]، هذه الآية الشريفة من سورة المائدة؛ يعني: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة من الحدث الأكبر، وهذا هو المراد وإن كانت الطهارة تعم الحدث والخبث، ويستفاد منه: أن المغتسل يسن له أن يبدأ فيغسل يديه، وفرجه، ويزيل النجاسة بالماء، وبكل مائع طاهر إن كانت موجودة على بدنه؛ ليطمئن بزوالها قبل أن تشيع على جسده ولو كانت قليلة، والمراد: أن السنة نفس البداءة بغسل النجاسة، وأما نفس غسلها؛ فلا بد منه ولو قليلة؛ لتنجس الماء بها، فلا يرتفع الحدث عما تحتها ما لم تزل.\nويستفاد منه أيضًا: أن المسلم إذا مات ينجس نجاسة خبثٍ، على ما عليه عامة العلماء؛ لأنَّه حيوان دموي فينجس بالموت؛ كغيره من الحيوانات وهو الصحيح كما في «الكافي»، و«المحيط»، وغيرهما، فإذا وقع في الماء القليل؛ يفسده، وإذا حمله وصلى؛ لا تصح صلاته، فإذا غسل؛ فإنه يطهر، وأما الكافر إذا مات؛ فإنه لا يطهر بالغسل، ولا تصح صلاة حامله بعده بالاتفاق، كذا في «منهل الطلاب»، وأما قوله ﵇: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس»؛ فمعناه: ما دام حيًّا أو ما بعد تغسيله من حيث صحة الصَّلاة عليه، أو معناه: لا تنجسه الذنوب حتى لا يطهر بعد الغسل، على أن الحديث قد تكلم فيه الحفاظ النقاد؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: والجنب يستوي فيه الواحد والاثنان، والجمع، والمذكر والمؤنث؛ لأنَّه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، يقال: أجنب يجنب إجنابًا، والجنابة الاسم، وهو في اللغة: البعد، وسمي الإنسان جنبًا؛ لأنَّه ينهى أن يقرب من مواضع الصَّلاة ما لم يتطهر، ويجمع على أجناب، وجنبين، وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ القاعدة تقتضي أن يكون أصله: تطهَّروا، فلما قصد الإدغام؛ قلبت التاء طاء، وأدغمت (^١) التاء في الطاء، واجتلبت همزة الوصل؛ ومعناه: طهِّروا أبدانكم.\nقلت: أصله من باب (التفعُّل)؛ ليدل على التكلُّف والاعتماد، وكذلك باب (الافتعال) يدل عليه نحو: (اطَّهروا)، أصله من طهر يطهر، فنقل (طهر) إلى باب (الافتعال)، فصار اتطهر على وزن (افتعل)، فقلبت طاء، وأدغمت الطاء في الطاء، وفيه من التكلُّف ما ليس في (طهر)، انتهى.\nومثل الجنب الحائض، والنفساء؛ إذا طهرتا، كما لا يخفى، (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾)؛ أي: مرضًا يخاف معه إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد، أو يمرضه، أو يتلف بعض أعضائه، أو يزداد مرضه، أو يبطئه بغلبة الظن بتجربة، أو إخبار طبيب مسلم؛ فإنه يتيمَّم عند الإمام الأعظم ﵁ ولو كان بالمصر، وقال الصاحبان: إذا كان بالمصر؛ لا يتيمم؛ لأنَّ تحقق عدم الماء في المصر نادر، والمعتمد الأول، ولهذا جزم به الإمام قاضيخان، فقال في «الخانية»: (الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك من الاغتسال؛ يباح له التيمم، في قول الإمام الأعظم) انتهى.\nوهذا مشروط بأن لا يجد قدرة على تسخين الماء، ولا على أجرة الحمام في المصر، ولا يجد ثوبًا يتدفأ به، ولا مكانًا يأويه، كما في «البدائع»، وشرح «الجامع الصغير»، قال في «البحر»: (فصار الأصل فيه أنه متى قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمُّم اتفاقًا) انتهى.\nوروى ابن أبي حاتم عن مُجَاهِد: أنها نزلت في مريض من الأنصار لم يكن له خادم ولم يستطع أن يقوم ويتوضأ.\nقلت: فإن وجد خادمًا؛ كعبده وولده وأجيره؛ لا يجزئه التيمم اتفاقًا، كما في «البحر» عن «المحيط»، وإن وجد غير خادمه ممن لو استعان به؛ أعانه ولو زوجته؛ فظاهر المذهب أنه لا يتيمم أيضًا بلا خلاف، كما يفيده كلام صاحبي «المبسوط» و«البدائع»، وغيرهما.\n (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾): والمعتبر هنا هو السفر العرفي والشرعي؛ لما في «الخانية»: (قليل السفر وكثيره سواء في التيمم والصَّلاة على الدابة خارج المصر، وإنما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثة؛ قصر الصَّلاة، والإفطار، والمسح على الخفَّين) انتهى، وفي «المحيط»: أو كان في مكان خارج المصر سواء كان خروجه لتجارة، أو لمزارعة، أو احتطاب، أو احتشاش، أو غير ذلك، وكان بينه وبين المصر نحو الميل على المعتمد، ويكفي في تقديره غلبة الظن هو المشهور، كما في أكثر الكتب، وروى البغوي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: لم نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبيِّ ﷺ؛ أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله تعالى، ألا تسألوا إذ لم تعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنَّما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة،\n_________\n(^١) في الأصل: (أدغم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":126},{"text":"ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده»، انتهى، وفي «الفتاوى الظهيرية»: مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة يصلي بغير طهارة، ولا يتيمم ولا يعيد في الأصح، قاله في «البحر»، (﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾)؛ أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين، وأصل الغائط: المكان المطمئن من الأرض، فالمجيء من الغائط كناية عن الحدث؛ لأنَّ نفس المجيء من المطمئن من الأرض لا يوجب الطهارة، وسُمِّيَ الحدث غائطًا تسمية للشيء باسم مكانه؛ لأنَّهم كانوا قبل اتخاذ الكنف في البيوت يأتون الغائط؛ أي: المطمئن من الأرض احتجابًا عن أعين الناس، (﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾)؛ أي: جامعتم النساء؛ لأنَّ المس بإجماع أهل اللغة: الجماع، فإن جميع العرب كانت تُكَنِّي عن الجماع بالمسِّ، وقرئ: ﴿أو لمستم﴾، فهي محمولة على (لامستم) على أن المراد منهما المس؛ وهو الجماع، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وهو مذهب ترجمان القرآن ابن عباس، وعليٍّ، والجمهور من الصحابة والتابعين، وزعم الشافعية أن ﴿لامَسْتُمُ﴾؛ أي: لمستم المشتَهَيات منهن من غير المحارم؛ أي: مسستم بشرتهن ببشرتكم، واستدلوا بقراءة حمزة والكسائي: ﴿أو لمستم﴾ وإن كان خلاف الظاهر، وخلاف ما عليه أئمة اللغة ومن عادة العرب؛ فافهم، (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾)؛ أي: لم تقدرا على استعماله؛ لعدمه أو بعده، أو لفقد آلة الوصول إليه من الدلو، والرشاء، أو لمانع عنده من حية أو سبع، أو عدو، أو مشغول بحاجته للعطش سواء كان لنفسه، أو لكلبه، أو لرفيقه، أو دابته حالًا أو مآلًا أو للعجين، أو الطبيخ، أو لإزالة النجاسة، فإن ذلك كله كالمعدوم، فالمراد من عدم الوجدان عدم القدرة على استعمال الماء المطلق الكافي لطهارته لصلاة تفوت إلى خلف؛ كالصلوات الخمس، فإن خلفها قضاؤها، وكالجمعة فإن خلفها الظهر، واحترز به عمَّا لا يفوت إلى خلف؛ كصلاة الجنازة والعيدين، والكسوف، والسنن الرواتب، فلا يشترط لها عدم الوجدان، وظاهر النظم الشريف يدل على أن يكون المرض والسفر من الأسباب الموجبة للطهارة؛ كالحدث الواقع بخروج ما خرج من أحد السبيلين، وبملامسة النساء، وليس كذلك؛ بل المرض والسفر من الأسباب المرخصة لا من الأسباب الموجبة للطهارة إلا أن ما يوجب الطهارة لما كان منحصرًا في الحدث الأصغر والجنابة، وكان أغلب الأحوال المقتضية لترخص من اتصف بها بالتيمم منحصرًا في المرض والسفر كان الظاهر أن يقال: وإن كنتم جنبًا مرضى أو مسافرين، أو كنتم محدثين مرضى أو مسافرين إلا أن الجنب -لما سبق ذكره- اقتصر على بيان حاله المقتضية لترخصه بالتيمم والمحدث لما لم يَجْرِ ذكره؛ علم أن التفصيل لحال الجنب، فإن عدم وجدان الماء بمعنى عدم التمكن من استعماله عذر يرخص التيمم، وعدم التمكن من استعمال الماء مجمل حيث لم يبين أن سببه هو المرض أو السفر هكذا يجب أن يفهم هذا المحل؛ فافهم، والفاء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ عطفت ما بعدها على الشرط، وقوله: (﴿فَتَيَمَّمُوا﴾): جواب الشرط، وضمير (تيمموا) لكل من تقدم من مريض، ومسافر، ومتغوط، وملامس، وفيه تغليب الخطاب على الغيبة؛ لأنَّ قوله: ﴿كُنتُمْ﴾ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ خطاب، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾ غيبة غلب الخطاب في ﴿كُنتُمْ﴾ وما بعده على الغيبة في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾ وما أحسن الإتيان هنا بالغيبة! لأنَّه كناية عما يستحي منه، فلم يخاطبهم به وهو من محاسن الكلام، (﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾)؛ يعني: أن التيمم بمعنى: القصد والتعمد، وأن الصعيد: هو وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، سمِّي صعيدًا؛ لكونه صاعدًا ظاهرًا، وأن الطيب بمعنى: الطاهر سواء كان منبتًا أو غير منبت حتى لو فرضنا صخرًا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح؛ كان ذلك كافيًا؛ لظاهر الآية الشريفة، هذا مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أبو يوسف، وتبعه الشافعي: لا بدَّ من تراب يلتصق بيده؛ لأنَّ هذه الآية مقيدة، وهي قوله تعالى: (﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾): وكلمة (من) للتبعيض، ومسح بعض الصعيد لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه، ورُدَّ: بأنَّا لا نسلم أن (من) للتبعيض؛ بل هي لابتداء الغاية؛ لأنَّه لا يصح فيها ضابط التبعيض والبيان، وهو وضع بعض موضعها في الأول، ولفظ الذي في الثاني و(الباء) في الأول بحاله، ويزاد في الثاني جزء؛ ليتم صلة الموصول؛ كما في ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ أي: الذي هو الأوثان، ولو قيل: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم بعضه؛ أفاد أن المطلوب جعل الصعيد ممسوحًا والعضوين آلته، وهو منتف إجماعًا، وزعم في «الكشاف» أن قولهم: (من) لابتداء الغاية قول متعسف، ولا يفهم أخذه من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن، ومن الماء، ومن التراب إلا معنى التبعيض، والإذعان للحق أحق.\nقلنا: إن هذا مردود، والجواب: أن عدم الفهم إنَّما نشأ من اقتران (من) بالزمن ونحوه مما هو أسهل من التبعيض، ولو قرنت بما ليس كذلك؛ لانعكس الحكم، فيقال: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت يدي من الحجر والحائط معنى التبعيض أصلًا، بل معنى الابتداء، ومدخولها ههنا هو الصعيد، وهو مشتمل على ما يتبعض بشموله له ولغيره، ومعناها الحقيقي المجمع عليه هو الابتداء، على أنه قد أنكر معنى التبعيض جماعةٌ من أهل العربية؛ كأبي العباس المبرد، والأخفش، وابن السراج، والسهيلي، وغيرهم، وقالوا: إنها لا تدل على غير الابتداء، وسائر المعاني راجعة إليه، وقلنا أيضًا: إن الصعيد اسم لوجه الأرض ترابًا وغيره، قال الزجاج: لا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة فيه، وإذا كان هذا مفهومه؛ وجب تعميمه، ويدل له قوله ﵇ في «الصحيحين»: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإن (اللام) فيه للجنس، فلا يخرج شيء منها؛ لأنَّ الأرض كلها جعلت مسجدًا، وما جعل مسجدًا هو الذي جعل طهورًا، ويدل للعموم أيضًا قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]؛ أي: حجرًا أملس، فإن التراب لا يكون زلقًا، وأما الطيب؛ فلفظ مشترك يستعمل بمعنى المنبت، وبمعنى الحلال، وبمعنى الطاهر، وقد أريد به الطاهر إجماعًا، فلا يُراد غيره؛ لأنَّ المشترك لا عموم له، ولأن التيمم إنَّما شرع لدفع الحرج، كما يفيده سياق الآية الكريمة، وهو فيما قلنا، فيتعين أن يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض؛ كالتراب، والرمل، والحجر، والجص، والتورة، والكحل، والزرنيخ، وأما الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وما أشبهها، فما دامت على الأرض ولم يُصْنَع منها شيء؛ يجوز، وبعد السبك لا يجوز، وهذا ما عليه الجمهور من أهل التفسير، وأهل اللغة، وغيرهم، والإذعان للحق أحق من المراء؛ فافهم.\nوإنما كان التيمم في الوجه واليدين خاصة؛ لأنَّه بدل عن الغسل، وهو الأصل، والرأس ممسوح، والرجلان فرض متردد بين المسح والغسل، كذا في «الجوهرة»؛ يعني: إذا لبس الخفين؛ كان فرضهما المسح على الخفين، وإلا؛ ففرضهما الغسل، كذا في «منهل الطلاب»، فيمسح من وجهه ظاهر البشرة والشعر على الصحيح، كما في «فتح القدير»، والاستيعاب شرط على المختار، فيخلل لحيته وأصابعه ويحرك الخاتم، كما في «النهر» عن الفيض، ويجب مسح ما تحت الحاجبين ومؤق العينين، كما في «المحيط»، ولا يشترط الترتيب في التيمم كأصله، كما في «البحر»؛ بل هو سنة، كما في «منهل الطلاب»، والقصد شرط؛ لأنَّه النية، كما في «البحر»، وقال الإمام زفر: النية في التيمم ليست بشرط؛ كالوضوء، كما في «المجتبى»، وقال أبو بكر الرازي: لا بد من التمييز بين الحدث والجنابة، وعند أئمتنا الأعلام:","vol":"1","page":127},{"text":"ينوي الطهارة أو إباحة الصَّلاة، فيجوز به كل فعل لا صحة له بدون الطهارة، كما في «الأشباه والنظائر»، واليد لغة: اسم من رؤوس الأصابع إلى الإبط، وبه قال الزُّهري في (التيمم) بخلاف (الوضوء)، وقال الأوزاعي: إلى الرسغ، ومذهب الإمام الأعظم والجمهور: إلى المرافق، والغاية داخلة، وقال الإمام زفر: غير داخلة، وما روي: أنه ﵇ تيمم ومسح على يديه إلى المرفقين، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ههنا: وأيديكم إلى المرافق، وعند مالك وأحمد: الفرض أن يمسح يديه إلى كوعيه فقط، ولكن يسن إلى مرفقيه.\n (﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾)؛ أي: ضيق أو مشقة؛ أي: لا يريد تكليف الوضوء، والاغتسال، والتيمم تضييق الأمر عليكم، وإلحاق المشقة بكم، (﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾)؛ أي: ولكن يريد تطهيركم من الحدث والجنابة، أو من الذنوب، فإن الوضوء مكفر لها، أو تطهيركم بالتراب إذا فقدتم الماء، فمفعول ﴿يُرِيدُ﴾ في الموضعين محذوف، و(اللام) للجحود وهي للتعليل متعلقة به، وقيل: زائدة، فالمفعول المحذوف إما الأمر بمطلق الطهارة سواء كان بالتوضؤ، أو الاغتسال، أو التيمم، وإما الأمر بالتيمم بخصوصه بشهادة ذكر الإرادة متصلًا بذكر الأمر بالتيمم؛ أي: ما يريد بالأمر المذكور تضييقًا عليكم، ولكن يريده؛ لينظفكم وينقيكم عن النجاسة الحكمية الحاصلة بخروج النجس من مخرجه، فإن الحدث والجنابة لا يوجبان نجاسة حقيقية إذا غسل موضع إصابة النجس، فالطهارة إنَّما تنظف من النجاسة الحكمية، (﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾)؛ أي: ويريد إتمام النعمة عليكم بإباحة التيمم لكم، والتخفيف في حالة السفر والمرض، أو يدخلكم الجنة، فإنه لا تتم نعمته إلا به (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾)؛ أي: نعمته، فيزيدها عليكم، وهذه الآية مشتملة على سبعة أمور؛ كلها مثنى طهارتان أصل وبدل، فالأصل ما يكون بالماء، والبدل ما يكون بالصعيد، وما يكون بالماء اثنان مستوعب؛ وهو الغسل، وغير مستوعب؛ وهو الوضوء، ثم الوضوء باعتبار الفعل غسل ومسح، وباعتبار المحل محدود؛ وهو غسل اليدين والرجلين؛ حيث ذكر كل واحد منهما بكلمة الغاية وهي تفيد التحديد، وغير محدود؛ وهو غسل الوجه ومسح الرأس، فإن شيئًا منهما لم يذكر بكلمة الغاية، وآلة كل واحدة من الطهارتين مائع؛ وهو الماء، وجامد؛ وهو الصعيد، وموجب تلك الطهارتين حدث أصغر أو أكبر، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب، أو الأحداث، وإتمام النعمة؛ فليحفظ.\nولمَّا بين آية المائدة شرع في آية النساء، فقال: (وقوله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾)؛ أي: لا تدنوا إلى مواضع الصَّلاة وهي المساجد (﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾) الواو للحال؛ أي: حالة السكر، فذكر الصَّلاة، وأراد بها مواضعها؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وهو قول عمر وابن مسعود ﵄، ويدل لهذا الإضمار أنه عطف عليه ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]، وهي نهي الجنب عن قربان المساجد، فإنه استثنى عابر سبيل، وذلك في حق المساجد؛ لحرمة الصَّلاة، فكان النهي عن هذا نهي عن ذلك، ثم النهي ليس عن غير الصَّلاة؛ فإنها عبادة فلا ينهى عنها، بل هو نهي عن اكتساب السكر الذي يعجزه عن الصَّلاة، ويدل له أيضًا أن الحذف اعتمادًا على دلالة القرينة على المحذوف صحيحٌ شائع، والقرينة ههنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾؛ فإن قرب نفس الصَّلاة حقيقة لا يتصور؛ فلا بد من حمله على المعنى المجازي بخلاف قرب المسجد حقيقة؛ فإنه يصح ويتصور، فيتعين الحمل على مواضع الصَّلاة؛ وهي المساجد، وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ﵃: إلى أن المراد من لفظ: ﴿سُكَارَى﴾ في الآية: السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وقال الضحاك: ليس المراد منه سكر الخمر، وإنما المراد منه سكر النوم، فإن لفظ السكر يستعمل في سكر النوم أيضًا؛ بناءً على أن السكر بالضم مأخوذ من سكر الماء؛ وهو سد مجراه، يقال: سكِر يسكَر سكرًا؛ مثل: بطِر يبطَر بطرًا، والاسم السُّكر؛ بالضم، والسَّكر؛ بالفتح مصدر سكرت النهر أسكره سكرًا؛ إذا سددته، والسِّكر؛ بالكسر: العزم، فلما كان السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق سُمِّي السكر من الشراب سكرًا؛ لما فيه من انسداد طريق المعرفة بغلبة السرور، وانسداد مجاري الروح المنبسط إلى الحواس الظاهرة بغلبة بخار الشراب عليها؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]؛ أي: سدت ومنعت النظر، وسكرات الموت أُخِذَت منه، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]: هو تشبيه بحال سكر الشراب، وأكثر المفسرين: على أن المراد من لفظ ﴿سُكَارَى﴾: السكر من الشراب، وهو الأظهر الأشهر عندهم، لا سيما وعليه الجمهور من الصحابة والتابعين؛ فليحفظ.\nوفي الآية: دلالة على أن السكران مخاطب؛ لأنَّه قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وإذا كان مخاطبًا؛ عمل طلاقه، ونفذت عقوده، وسبب نزولها: (أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ صنع طعامًا فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا، وسعد بن أبي وقاص ﵃، فأكلوا وسقاهم خمرًا - وذلك قبل تحريمها - فحضرت صلاة المغرب، فأمَّهم عبد الرحمن بن عوف)، وفي رواية: (فأمهم رجل من خيارهم)، وفي رواية: (فأمهم علي بن أبي طالب ﵁، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فطرح اللاءات)، فنزلت هذه الآية، وقيل: إن المراد بالصَّلاة في هذه الآية نفس الصَّلاة، وإن المعنى: لا تصلوا إذا كنتم سكارى (﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾)؛ أي: حتى تفهموا معنى الذي تقولونه، فبيَّن سبحانه أن السكر هو أن يصير بحال لا يعلم ما يقول، وحدُّ السكر عند الإمام الأعظم ﵁: هو ألَّا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد، وتبعهما الشافعي: هو أن يخلط في كلامه، وفي الآية: دلالة على أن في الصَّلاة قولًا فرضًا نهي عن قربانها في حالة السكر؛ مخافة تركه، أو خوفًا من أن يدخل فيها قولًا ليس منها، وفيه: دليل على فساد الصَّلاة بالكلام عمدًا أو خطأً؛ لأنَّ السكران غير عامد، وفيه: دليل على أن الخطأ الفاحش في القراءة مفسد للصلاة، وعلى أن ردة السكران ليست بردة، فإن حديث قراءة بعضهم سورة الكافرون بطرح اللاءات مع أن اعتقادها كفر، ولم يكن كفرًا من ذلك القارئ حيث كان سكران دليل على ما قلنا، وفيه: دليل على أنه إذا جرى الكفر على لسانه خطأ من غير تعمد؛ لم يكفر به؛ لأنَّ ما يجري على لسان السكران خطأ، فعلى ذلك غير السكران وهذا؛ لأنَّ الكفر بالقلب، واللسان معبر عنه، وفي هذه الحالة لا يكون دليلًا على اعتقاد القلب فلم يجعل كفرًا؛ فليحفظ، وقرئ: (سَكارى)؛ بالفتح، و(سَكرى) على أنه جمع؛ كـ (هَلكى)، أو مفرد؛ بمعنى: وأنتم قوم سكرى، و(سُكرى) كـ (حُبلى) على أنها صفة الجماعة، (﴿وَلَا جُنُبًا﴾)؛ أي: لا تقربوا المساجد وأنتم مجنبون، والجنب للجمع هنا، وهو مشتق من الجنابة؛ وهي البعد، وسمي الرجل الذي يجب عليه الغسل جنبًا؛ لبعده عن الصَّلاة، والمساجد، والقرآن، والجملة في موضع نصب على الحال؛ أي: لا تقربوها حال كونكم جنبًا (﴿إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾)؛ أي: إلا مسافرين عاجزين عن الماء، فلكم حينئذٍ أن تصلوا بالتيمم، فيكون هذا الاستثناء دليلًا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصَّلاة عند العجز عن الماء، قيل: إن نفرًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فرخص لهم، وروي: أنه ﵇ لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمر فيه وهو جنب إلا لعليٍّ ﵁؛ لأنَّ بيته كان في المسجد، وقال ﵇: «وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض","vol":"1","page":127},{"text":"ولا جنب»، كذا عند المؤلف، ومسلم، وغيرهما، وبه يعلم أنه لا يجوز دخول المسجد لجنب، وحائض، ونفساء ولو على سبيل المرور إلا إذا كان بيته في فناء المسجد وليس له ممرٌّ إلا في المسجد، وجوز الشافعي عبور المسجد لهن على الإطلاق، والحديث حجة عليه، فإن المساجد لم تُبْنَ إلا للعبادة، والمرور لغير حاجة ضرورية فيه ليس من العبادة في شيء أصلًا، بل هو غير جائز على أنه يُكْرَهُ المرور في المساجد، واتخاذها طريقًا لغير الجنب إجماعًا، فالجنب من باب أولى، فافهم، ويدل لهذا ما قاله عليٌّ، وابن عباس ﵄ في تأويل هذه الآية ﴿وَلَا جُنُبًا﴾؛ أي: لا تصلوا في حالة الجنابة إلا عابري سبيل؛ أي: مسافرين غير واجدين للماء (﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾) أو تيمموا، فتزول الجنابة، وهذا متعلق بـ ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾، فهو غاية للنهي عن القربان حال الجنابة، وفي الآية: تنبيه على أن المصلي ينبغي له أن يحترز عمَّا يلهيه، ويغسل قلبه، ويزكِّي نفسه عما يجب تطهيرها عنه، (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) جمع مريض؛ كالجرحى جمع جريح، والمراد به مرض يخاف معه إذا استعمل الماء ازداد مرضه، أو امتد، أو غيرهما، وذلك بغلبة الظن إما بتجربة، أو بإخبار طبيب مسلم، كما تقدم، (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾)؛ أي: مسافرين وهو أن يكون بعيدًا عن العمران ومواضع الماء، ولما ثبت أن الحكم لم يتعلق بغير المرض والسفر، بل بمعنى فيهما؛ وهو العجز عن استعمال الماء؛ ثبت أن الحكم كذلك في كل موضع يحقق العجز، وثبت به صحة قول الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في إجازة التيمم للجنابة في المصر إذا عدم الماء الحار؛ فليحفظ، (﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾)؛ أي: فأحدث، (﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾)؛ أي: جامعتموهن، قال حبر هذه الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄: (الملامسة، واللمس، والمس، والمباشرة، والإفضاء، والرفث كنايات عن الوطء) انتهى، (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾) مطلقًا كافيًا، حقيقة أو حكمًا كما قدمناه؛ (﴿فَتَيَمَّمُوا﴾)؛ أي: اقصدوا، فالقصد شرط فيه؛ لأنَّه النية (﴿صَعِيدًا﴾)؛ أي: وجه الأرض من تراب، ورمل، وحجر، وغيرها (﴿طَيِّبًا﴾)؛ أي: طاهرًا؛ (﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾) أي: بالاستيعاب، (﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾)؛ أي: إلى المرافق (﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣])؛ أي: كثير العفو، وكثير المغفرة؛ حيث سهل وخفف عليكم بإقامة الصعيد الطيب مقام الماء مع كثرة المغفرة لذنوبكم، وقد ذكرنا الآيتين بتمامهما؛ لثبوتهما في «الفرع»، وفي رواية: (﴿فَتَيَمَّمُوا...﴾ إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾)، وفي أخرى: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا...﴾)؛ الآية، وفي أخرى (^١): (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا...﴾ إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾) هذا في الآية الأولى، وأما الثانية؛ ففي رواية: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى...﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾)، وفي أخرى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ...﴾؛ الآية إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّاغَفُورًا﴾).\nوزعم ابن حجر فقال: (قدم الآية التي في سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة؛ وهي أن لفظ التي في المائدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، ففيها إجمال، ولفظ التي في النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتطهير المذكور).\nقلت: قد ردَّ هذا صاحب «عمدة القاري»: بأنه لا إجمال في قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾؛ لأنَّ معناه: طهروا أبدانكم كما ذكرنا، وتطهير البدن هو الاغتسال، ولا إجمال لا لغة ولا اصطلاحًا على ما لا يخفى، انتهى.\nوزعم العجلوني: أنا ما قاله ابن حجر ظاهر؛ لأنَّ قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ معناه: أوجدوا الطهارة وهي صادقة بطهارة أعضاء الوضوء، وبطهارة جميع البدن وبكونها بنيَّة أو بغيرها فهي مجملة، وأما قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ فمدلوله غسل جميع الأعضاء؛ إذ حقيقة الاغتسال جريان الماء على جميع البدن، إذا علمت هذا؛ ظهر لك اندفاع الاعتراض.\nقلت: وهذا غير صحيح.\nوقوله: (إن ما قاله...) إلخ هذا ظاهر له فقط، غير ظاهر لغيره من العلماء، وظهوره مردود عليه، فإن قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ معناه: طهِّروا أبدانكم من الجنابة، وهو المراد من الآية بالإجماع، وهو دال عليه بخصوصه؛ لأنَّ اللفظ لا يحتمل غيره بخلاف الطهارة، فإنها تعم الصغرى والكبرى، وليست بمرادة هنا، بل المراد الكبرى فقط بدليل صيغة المبالغة وهي تدل على غسل جميع البدن، كما لا يخفى، وهذا هو الاغتسال، فلا إجمال فيها أصلًا.\nوقوله: (وبكونها بنيَّة أو بغيرها) هذا لا يقال: إنَّ فيه إجمالًا؛ لأنَّ النيَّة ليست بشرط في الوضوء والغسل عند الجمهور، ومن شرطها استدل بالسنة لا بالكتاب، فلا دخل لها في ذلك، كما لا يخفى على أنه كيف يقال: (مجمل) وقد اقترن بقوله قبله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا﴾، ولا ريب أن الجنابة تحل جميع البدن فيتعين أن المعنى: طهروا أبدانكم من الجنابة، ولا يجوز، ولا يُفْهَمُ شرعًا ولا لغة أنه يكفي الجنب غسل الأعضاء فقط؛ لأنَّ غسل جميع البدن ثابت إجماعًا شرعًا ولغة، على أنه كيف يكون فيه إجمال وقد قدم سبحانه حكم الطهارة الصغرى في أول الآية؟ وهو يدل صريحًا على أن المراد هنا الطهارة الكبرى، وهو لا يحتمل غيرها أصلًا؛ فليحفظ.\nومن ادَّعى غير ذلك؛ فهو تعصب وتعنت، والحق أحق أن يتبع، وما بعد الحق إلا الضلال؛ فافهم والله تعالى أعلم بالأحوال.\n\n <span id=\"b-٤٢٩\"> </span>(١) <span data-type=\"title\" id=toc-429>[باب الوضوء قبل الغسل]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (الوضوء قبل الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: قبل أن يشرع في الاغتسال هل هو واجب أم سنة أم مستحب؟ كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، ومن قدَّر الاستنان أو الاستحباب؛ لم يصب؛ لأنَّ هذا الوضوء فيه خلاف بين العلماء، كما يأتي؛ فلا تكون الترجمة مع هذا التقدير شاملة؛ لاختلافهم بخلاف عبارة «عمدة القاري»، فإنها شاملة لجميع الأقوال التي للعلماء؛ لأنَّ الفعل إما حكمه الوجوب أو السنية أو الاستحباب؛ فليحفظ.\nوهذه الترجمة موجودة في أكثر النسخ ساقطة في بعضها؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر: بأن الوضوء قبل الغسل؛ أي: استحبابه، قال الشافعي في «الأم»: (فرض الله تعالى الغسل مطلقًا لم يذكر فيه شيئًا يبدأ به قبل شيء، فكيفما جاء به المغتسل؛ أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه) انتهى.\nواعترضه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: إن كان النص مطلقًا ولم يذكر فيه شيئًا؛ يبدأ به، فعائشة ﵂ ذكرت عن النبيِّ ﷺ أنه كان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة قبل غسله فيكون سنة غير واجب، أما كونه سنة؛ فلفعله ﷺ، وأما كونه غير واجب؛ فلأنَّه يدخل في الغسل؛ كالحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد، ومنهم من أوجبه إذا كان محدثًا قبل الجنابة، وقال داود: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة بأن يأتي الغلام أو البهيمة، أو لف ذَكَرَهُ بخرقة فأنزل، وفي أحد قولي الشافعي: يلزمه الوضوء في الجنابة مع الحدث، وفي قول آخر يقتصر على الغسل، لكن يلزمه أن ينوي الحدث والجنابة في قول يكفي نية الغسل، ومنهم من أوجب الوضوء بعد الغسل، وأنكره علي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵄، وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل)، رواه مسلم والأربعة، انتهى كلامه.\nوزعم العجلوني فقال: (إن أراد الاعتراض على الشافعي؛ فلا يرد؛ لأنَّه قال فرض الله الغسل مطلقًا، فلا يضر ورود البيان في السنة، على أن هذا البيان في الحقيقة ليس لفرض الغسل، بل لأمر مندوب يتعلق به، وإن أراد الاعتراض على ابن حجر؛ فكذلك لا يرد؛ لأنَّه قال: والاختيار في الغسل ما روت عائشة ﵂، وأما تقديره حكم الوضوء وإن كان شاملًا للوجوب كما يقول به داود؛ فهو أكثر فائدة من تقدير استحبابه، لكنه إنَّما يتم إن كان داود يقول بوجوبه قبل الغسل، وإلا؛ فلا، وفي تعبيره بقوله: «إن كان النص مطلقًا» إشعار بالتوقف فيه ولا خفاء في كونه مطلقًا ومجملًا كما قررناه في الآية) انتهى.\nقال العبد الضعيف: وهذا ممنوع.\nوقوله: (إن أراد الاعتراض على الشافعي) قلت: هو لم يعين الاعتراض على الشافعي، بل قصد بهذا الكلام بيان الحكم لكل أحد من الناس، وقوله: (فلا يرد) بل هو وارد؛ لأنَّ قوله: (فرض الله الغسل) يلزم تقييده بأن يكون النص مطلقًا على أنه قد ورد البيان في السنة له.\nوقوله: (فلا يضر ورود البيان في السنة) ممنوع، بل يضر؛ لأنَّه لو لم يرد البيان منها لم يعلم كيفية هذا الغسل.\nوقوله: (على أن هذا البيان في الحقيقة...) إلخ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ الشافعي في أحد قوليه يلزمه الوضوء في الجنابة\n_________\n(^١) في الأصل: (أخر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":128},{"text":"مع الحدث، وإن داود يقول: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة، فلا ريب أن هذا يكون لفرض الغسل؛ لأنَّه لو لم يوجد الوضوء لم يصحَّ الغسل في زعمهما.\nوقوله: (بل لأمر مندوب) ممنوع، بل هو لأمر مفروض كما علمت، فكأنه جعل الوضوء عندهما من فرض الغسل، إن وجد؛ صح، وإلا؛ فلا، فكيف يقال: فلا يضر البيان؟ وما هو إلا قول بارد.\nوقوله: (وإن أراد الاعتراض على ابن حجر) علمت أنه لم يعين بذلك ابن حجر، بل قصد بيان الحكم لكل واحد من الناس.\nوقوله: (فكذلك لا يرد...) إلخ ممنوع، بل هو وارد، وكلامه مردود عليه.\nوقوله: (لأنَّه قال: والاختيار في الغسل...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه عام يحتمل الوجوب، والسنية، والاستحباب، ولم يبيِّن واحدًا منها عند قوله: هذا بل عدل عنه، وقدر في الترجمة الاستحباب وهو قاصر.\nوقوله: (وأما تقديره حكم الوضوء...) إلخ هذا اعتراف منه بأن عبارة «عمدة القاري» هي الصحيحة؛ لأنَّها شاملة للوجوب القائل به داود.\nوقوله: (فهو أكثر فائدة من تقدير استحبابه) قلت: بل هو الفائدة بعينها، ولا فائدة في ذلك؛ لأنَّه قاصر على قول من أقوال العلماء بخلاف تقدير الحكم، فإنه عام يشمل الأحكام كلها.\nوقوله: (لكنه...) إلخ هذا الاستدراك ممنوع بعد أن علمت أن داود يقول بوجوبه قبل الغسل لا بعده.\nوقوله: (وفي تعبيره...) إلخ ممنوع، بل ليس فيه إشعار بالتوقف أصلًا، بل فيه قطع ويقين في كونه غير مجمل، وغير مطلق؛ لأنَّ النص لا يحتمل غيره لا سيما والقرينة عينته، بل فيه قرائن التعيين.\nوقوله: (كما قررناه في الآية) ممنوع؛ لأنَّه قد علمت رده فيما سبق مفصلًا، فلا تغفل، قال في «منهل الطلاب»: فإن قيل: ما فائدة تقديم الوضوء مع أنه يجب غسل جميع البدن؟ قلت: لأنَّ فيه إعمالًا لنص إيجاب الوضوء، ولنص إيجاب الغسل، واتباعًا للسنة، وحتى تنقَّى أعضاء الوضوء؛ لأنَّها لا تخلو عن أوساخ؛ كالرجلين، فيتعاهدها كما يتعاهد المؤقين، والمنخرين، والفم، والأذنين، فإذا اغتسل؛ فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر والأصغر سواء نوى أو لم ينو؛ لأنَّ النية ليست بشرط عند الجمهور، فإن نوى؛ كان أكمل؛ لأنَّها سنة، وعن مالك أنه ينوي به رفع حدث الجنابة في تلك الأعضاء فإن نوى الفضيلة؛ لزمه إعادة غسلها، والمعتمد عند الشافعية: أنه إذا تجردت جنابته عن الحدث الأصغر يكفيه أن ينوي بوضوئه سنة الغسل، وإلا؛ فلا بد من نية رفع الحدث الأصغر، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-430>[حديث: أن النبي كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه]</span>\n٢٤٨ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: حدثنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه)؛ هو عروة بن الزبير بن العوام ﵁، (عن عائشة زوج النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ الصديقة بنت الصديق ﵂: (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ كان إذا اغتسل)؛ أي: أراد أن يشرع في الاغتسال (من الجنابة)؛ يعني: لأجل الجنابة، فـ (من) للسببية، قال في «عمدة القاري»: فإن قلت: لم ذكر في ثلاثة مواضع بلفظ الماضي وهي قولها: (بدأ)، و(فغسل)، و(ثم توضأ)، وذكر البواقي بلفظ المضارع، وهي قوله: (يدخل)، و(فيخلل)، و(يصب)، و(يفيض)؟\nقلت: النكتة فيه أن (إذا) إذا كانت شرطية؛ فالماضي بمعنى المستقبل، والكل مستقبل معنًى، وأما الاختلاف في اللفظ؛ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل وما ليس كذلك، وإن كانت ظرفية؛ فما جاء ماضيًا؛ فهو على أصله، وعدل عن الأصل إلى المضارع؛ لاستحضار صورته للسامعين) انتهى؛ (بدأ)؛ بالهمزة في آخر، من البداءة، وهي الفعل الأول (فغسل يديه)؛ أي: ثلاثًا إلى الرسغين قبل أن يدخلهما في الإناء، كما في رواية ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام، وهذا هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويشهد له هذه الرواية، ويحتمل أن هذا الغسل لأجل التنظيف مما به يكره، وقولها: (أن النبي ﷺ كان...) إلخ يدل على الملازمة والتكرار، وهو يدل على استحباب غسل يديه قبل الشروع في الوضوء والغسل إلا إذا كان عليهما (^١) شيء مما يجب إزالته؛ فحينئذٍ يكون واجبًا، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، وهذا الغسل غير الغسل الذي في الوضوء، فلا تكفيه عن تثليث الوضوء لما في «مسلم» في هذا الحديث: (فيفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه)، ولما عند ابن خزيمة: (يصب من الإناء على يده اليمنى، فيفرغ عليها فيغسلها، ثم يصب على شماله، فيغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة)، ومثله عند أبي داود، والترمذي، فهذا يدل على أنه يغسلهما؛ ليكون متناولًا الماء بآلة طاهرة لمزيد التنظيف، ويؤيده قوله في الحديث: «ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة»، فلا شك في التغاير، وهو ظاهر عبارة «الهداية»، و«التنوير»، وزيادة غسل الفرج فائدة عظيمة؛ لأنَّه مظنة النجاسة، فيفيض الماء عليه بيده اليمنى، ويغسله باليسرى حتى ينقيه وإن لم يكن به نجاسة كما فعله ﵇؛ ليطمئن قلبه بوصول الماء إلى الجزء الذي ينضم حال القيام وينفرج حال الجلوس، وبهذا يعلم وجه تسميته فرجًا، وإنما وسطه بين غسل اليدين والوضوء؛ لأنَّه مظنة النجاسة فيطمئن قلبه بزوالها حتى لا تشيع على بدنه ولو كانت قليلة فيتنجس، والمراد بالفرج قُبل الرجل والمرأة، وقد يطلق على الدبر أيضًا، كما في «المغرب» للعلامة المطرزي، وفي «البرجندي»: (والمراد به هنا: القبل والدبر وإن اختص لغة بالقبل)، كذا في «منهل الطلاب»، (ثم يتوضأ) ولأبي ذر: (ثم توضأ) (كما يُتوضَّأ للصلاة) مبني للمفعول أو للفاعل؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة فيثلث الغسل، ويأتي بجميع سننه وآدابه كما في «البحر»، قال: (ويمسح رأسه هو الصحيح)، وفي «البدائع»: أنه ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم أنه لا يمسحه؛ لأنَّه لا فائدة فيه؛ لأنَّ الإسالة تقوم مقام المسح، لكن المذهب المصحح أنه يمسحه كما نص عليه في «مبسوط شيخ الإسلام»؛ لأنَّه أتمُّ للغسل، وهذا الوضوء قبل الغسل سُنَّة كما دل عليه الحديث، كما دل على أنه لا يؤخر غسل رجليه سواء كان في مستنقع الماء أو لا، وهو ظاهر إطلاق «الكنز»، و«التنوير»، لكن ظاهر حديث ميمونة الآتي يدل على أنه يؤخر غسلهما سواء كان في مستنقع الماء أو لا، وهو ظاهر إطلاق الأكثرين، ووفق بين الحديثين في «البحر»: بأنه إن كان في مستنقع الماء؛ فيؤخر، وإن كان على شيء مرتفع؛ كقبقاب أو كرسي؛ لا يؤخر، وصحَّحه في «المجتبى»، وجزم به في «الهداية»، و«الكافي»، و«المبسوط»، قال في «البحر»: (والظاهر: أن الخلاف في الأولوية لا في الجواز)، كذا في «منهل الطلاب»، وروى هذا الحديث مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام، وقال في آخره: (ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه)، وهذه الزيادة تفرَّد بها أبو معاوية عن هشام دون أصحابه، وقول البيهقي: إنها صحيحة، يرده: أن الحفاظ قد تكلموا في رواية (^٢) أبي معاوية وعلى فرض صحتها؛ فالمحفوظ في حديث عائشة هو الأول، أو يحمل على أنه أعاد غسلهما؛ لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء، فيوافق ما في حديث الباب، وهذا هو الأفضل عند الشافعي ومالك على المشهور، وقيل: يؤخر إلى ما بعد الفراغ من الغسل؛ لحديث ميمونة، وعن مالك: إن كان في موضع وسخ؛ أخَّرهما، وإلا؛ فلا، وزعم ابن حجر أن الروايات عن عائشة تحمل على أكثر الوضوء، ويستدل برواية أبي معاوية على جواز التفريق في الوضوء.\nقلت: وهذا غير صحيح، فإن الوضوء ليس له أكثر ولا أقل شرعًا بخلافه لغة، فكأنه خلط معناه اللغوي بالمعنى الشرعي مع أن المقام هنا والمراد معناه الشرعي، فإن كان الوضوء ناقصًا؛ فلا يقال: إنه توضَّأ، ولا تصح معه الصَّلاة، كما لا يخفى.\nوقوله: (ويستدل...) إلخ هذا غير ظاهر، بل الظاهر منها أنه يستدل بروايته على عدم\n_________\n(^١) في الأصل: (عليها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (روايته)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":128},{"text":"وجوب المولاة في الوضوء، وعلى أن الوضوء يندرج في ضمن الغسل، ولا يحتاج إلى نية فيرتفع عنه الحدثان، وهذا ظاهر؛ فليحفظ، وهو مذهب الأئمَّة الحنفية.\nوزعم ابن بطال أن الإجماع على أنه لا يجب الوضوء مع الغسل.\nورد: بأن جماعة كأبي ثور، وداود، وغيرهما ذهبوا إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، وما روي عن عليٍّ: أنه كان يتوضأ بعد الغسل؛ فغير ثابت عنه، ولو ثبت؛ فهو محمول على أنه انتقض وضوءه أو شك فيه، وما علمت من سنية غسلها كبقية أعضاء الوضوء ثلاثًا خالف فيه القاضي عياض، كما نقله أبيأبو عبد الله عنه، فقال: لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وأجيب: بأن قول البخاري كما يتوضأ للصلاة يفيد التكرار ثلاثًا فيهما، وكذا في حديث ميمونة الآتي، وقدقال بعض شيوخنا: التكرار في الغسل لا فضيلة فيه، ولا يلزم من عدم الفضيلة في الغسل عدمها في الوضوء، ومنهم من كان يفتي بالتكرار، ومنهم من كان يفتي بعدمه، انتهى كلامه.\n (ثم يُدخِل)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (أصابعه في الماء) ففيه جواز إدخال الأصابع في الماء، ولا يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّ الطهارة لا تتجزأ على الصحيح؛ فافهم، (فيخلل بها) أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء (أصول شَعَره)؛ بالتحريك؛ أي: شعر رأسه، وفي رواية: (أصول الشعر)، ويدل على أن المراد شعر رأسه: رواية حمَّاد بن سَلَمَة عن هشام: (يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك)، رواه البيهقي، وعند الترمذي، والنسائي: (ثم يشرب شعره الماء)؛ أي: شعر رأسه كما مر، وهذا يدل على أنه يفترض عليه غسل داخل المضفور من شعره، ويفترض عليه أيضًا نقض ضفائره، ولو كان علويًّا أو تركيًّا على الصحيح لعدم الضرورة، ولأنَّه لا يكون التخليل إلا بهذا، ولأنَّه ممكن حلقه بخلاف المرأة، فإنها منهية عنه بالحديث، وتصير مثلة، فلا يمكنها حلقه شرعًا وعرفًا، هذا مذهب الإمام الأعظم، وفي رواية عنه: لا يجب نقض ضفائر العلوي والتركي نظرًا للعادة، والصحيح أنه ينقضها مطلقًا كما علمت، وفي «شرح المنية»: ويفترض عليه إيصال الماء إلى ما استرسل من شعره هو الصحيح، ومذهب المالكية أنه يجب تخليل شعر رأسه؛ لقوله ﵇: «خللوا الشعر، ونقوا البشرة؛ فإن تحت كل شعرة جنابة»، وهو عام، فيشمل جميع ما تقدم، فليحفظ، كذا في «منهل الطلاب»، وزعم الشافعية والحنابلة: أن التخليل غير واجب إلا إن كان ملبدًا يتوقف إيصال الماء إلى باطنه، والحديث حجة عليهم؛ فافهم، ويدل هذا أيضًا على أنه يفترض غسل أصول اللحية، ففي «الفتاوى الهندية»: ويجب على الرجل إيصال الماء إلى أثناء اللحية كما يجب إلى أصولها، وهذا مستفاد من الحديث، فتخليل الشعر فرض في الغسل، سنة في الوضوء، وفي اللحية قولان للمالكية، فروى ابن القاسم: عدم الوجوب، ونقل ابن بطال: الوجوب، وقال القاضي عياض: واحتج بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل، إما لعموم قوله ﵇ «أصول الشعر»، وإما بالقياس على شعر الرأس.\nقلت: وهو ظاهر، فإن قوله: (أصول الشعر) يشمل الرأس واللحية، فيفترض غسل شعرها؛ لهذا العموم.\nفإن قلت: رواية حمَّاد بينت أن التخليل في شعر الرأس دون اللحية.\nقلت: يفترض غسل اللحية بالقياس على غسل شعر الرأس؛ لأنَّه المتفق في الروايات على أن رواية حمَّاد تحتمل أن الراوي رآه حين كان يخلل شعر رأسه، ولم يره حين خلل شعر لحيته، وكلٌّ روى بما شاهد؛ فافهم.\n (ثم يصبُّ) أي: الماء (على رأسه ثلاث غُرف)؛ بضمِّ الغين المعجمة، جمع غُرفة؛ بالضم أيضًا؛ وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وفي بعض النسخ: (غرفات)، والأول رواية الكشميهني، وهذا هو الأصل؛ لأنَّ مميز الثلاثة ينبغي أن يكون من جموع القلة، ولكن ذكر وجه الغرف أنَّ جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة، وبالعكس، وعند الكوفيين: (فعل) بضمِّ الفاء وكسرها من باب جموع القلة؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، كذا في «عمدة القاري»، وقوله: (بيديه)؛ بالتثنية، وفي بعض النسخ بالإفراد، متعلق بـ: (يصب)، وعند أبي داود من حديث رجل من سواءة عن عائشة: (أنه ﵇ كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزئ بذلك، ولا يصب عليه الماء)، وفي لفظ: (حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة، أو أنقى البشرة؛ أفرغ على رأسه ثلاثًا، وإذا فضلت فضلة؛ صبَّها عليه)، وعند الطوسي مصحَّحًا: (ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات)، وفي لفظ: (ثم غسل مرافقه، وأفاض عليه، فإذا أنقاها؛ أهوى إلى حائط، ثم يستقبل الوضوء، ثم يفيض الماء على رأسه)، وعند ابن ماجه: (كان يفيض على كفيه ثلاث مرات، وأما نحن؛ فنغسل رؤوسنا خمس مرار من أجل الظفر)، (ثم يفيض)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ؛ أي: يسيل من الإفاضة؛ وهي الإسالة (على جلده كله)؛ أي: على جميع بدنه، وهذا التأكيد بلفظ الكل يدل على أنه عمَّم جميع بدنه بالغسل، فالمراد بقوله: (جلده)؛ أي: بدنه لا جسده، كما زعمه العجلوني، كما في «القاموس» (البَدَنُ؛ محركة: من الجسد ما سوى الرأس) انتهى، فكأنه لم يفرق بين الجسد والبدن؛ فافهم.\nوقولها: (ثم يفيض...) إلخ لا يفهم منه الدلك؛ لأنَّ الإفاضة بمعنى: الإسالة، فليس بفرض، بل هو مستحب عند الإمام الأعظم، والشافعي، وأحمد، وبعض المالكية. وخالف مالك، والمزني فذهب إلى وجوبه بالقياس على الوضوء، وقال ابن بطال: (هذا لازم)، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس بلازم؛ إذ لا نسلم وجوب الدلك في الوضوء) انتهى؛ أي: فإن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطلت دعوى اللزوم، وقال الإمام أبو يوسف: الدلك في الغسل فرض، وفي الوضوء سنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ بصيغة المبالغة، وهي تقتضي الدلك، وأجيب: بأنها تقتضي التعميم لا الدلك.\nوقال المازري: (لا حجة في قوله: «ثم يفيض»؛ لأنَّ أفاض بمعنى: غسل، والخلاف في الغسل قائم).\nقال ابن حجر: (ولا يخفى ما فيه؛ فافهم)؛ أي: لأنَّ أفاض بمعنى: سال، يقال: فاض الماء: سال، وأفاض الماء على بدنه؛ أي: أساله؛ أي: صبه؛ فليحفظ.\nففي الحديث: استحباب التثليث في الغسل، وهو مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وعند الشافعي: استحبابه في مسح الرأس أيضًا.\nوقال القرطبي: لا يستحب التثليث في الغسل؛ لأنَّه لا يفهم من هذه الغرفات الثلاث أنه غسل رأسه ثلاثًا؛ لأنَّ التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنَّه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلابة، فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه)، رواه المؤلف، وأبو داود على ما يجيء، وقال النووي: لا نعلم في استحباب التثليث في الغسل خلافًا إلا ما انفرد به الماوردي، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وقال ابن حجر: وكذا قال به أبو علي السنجي في «شرح الفروع»، وكذا القرطبي، انتهى.\nقلت: مراد النووي بقوله: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ أي: من أصحابه الشافعية، وإلا؛ فالمرجح عند الماليكة: أنه لا يثلث إلا غسل الرأس؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٣١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-431>[حديث: توضأ رسول الله وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه]</span>\n٢٤٩ - وبه قال: (حدثنا محمَّد بن يوسف)؛ هو الفِريابي؛ بكسر الفاء؛ لكثرة ملازمته للثوري بخلاف البيكندي (قال: حدثنا سفيان)؛ هو الثوري، وجزم الكرماني: بأن الأول البيكندي، والثاني ابن عيينة، وقال في «عمدة القاري»: وفيه سفيان غير منسوب، وقالت جماعة من الشراح وغيرهم: إنه سفيان الثوري، وقال الحافظ المزي في «الأطراف»: حديث غسل النبيِّ ﵇ من الجنابة منهم من طوله، ومنهم من اختصره، ثم وضع صورة (خ) بالأحمر؛ يعني: أخرجه البخاري في (الطهارة) عن محمَّد بن يوسف، وعن عبدان عن ابن المبارك؛ كلاهما عن سفيان الثوري، وعن الحميدي، عن سفيان بن عيينة في روايته عن عبدان، عن ابن المبارك، ولم يميز الكرماني ذلك، فخلط، انتهى.\nوأما محمَّد بن يوسف؛ فإنه","vol":"1","page":129},{"text":"فهو الفريابي؛ لأنَّه كثير الملازمة للثوري، فدل على أنه هو؛ فافهم، (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران، (عن سالم بن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، رافع، (عن كُريب) بضمِّ الكاف بالتصغير، مولى ابن عباس، (عن ابن عباس)؛ عبد الله ﵄، (عن مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بنت الحارث (زوج النبيِّ) الأعظم (ﷺ) وخالة ابن عباس ﵃ (قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة)؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة في سننه وآدابه، فيسن الابتداء بالنية؛ وهي أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصَّلاة، أو ما لا يحل إلا بالطهارة، وتسن التسمية في ابتدائه، فلو نسيها فتذكرها في خلاله؛ لا يأتي بها، لما في «مراقي الفلاح»، ويكره الدعاء؛ لأنَّه في مصبِّ الأقذار، انتهى.\nقلت: والتسمية أولى بذلك، كذا في «منهل الطلاب» إلا أنه لا يستقبل القبلة؛ لأنَّه يكون مع كشف العورة غالبًا، فالمراد بهذا الوضوء: الشرعي؛ احترازًا عن اللغوي الذي هو غسل اليدين فقط، (غير رجليه)؛ أي: إلا رجليه، فأخرهما عن الغسل في وضوء الغسل؛ ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، كما قاله القرطبي، ففيه عدم وجوب الموالاة في الوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور.\nقال في «عمدة القاري»: (فيه: التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل، وبه احتج أصحابنا على أن المغتسل إذا كان توضأ أولًا؛ يؤخر غسل رجليه، لكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إن كانتا في مستجمع الماء؛ يؤخرهما، وإن لم يكونا فيه؛ لا يؤخرهما، وكل ما جاء من الروايات التي فيها تأخير الرجلين؛ فمحمول على ما قلنا، وهذا هو التوفيق بين الروايات التي في بعضها تأخير الرجلين صريحًا لا مثل ما قاله بعضهم، ويمكن الجمع بأن تحمل رواية عائشة على المجاز، وإما على حالة أخرى)، قلت: هذا خباط؛ لأنَّ المجاز لا يصار إليه إلا عند الضرورة، وما الداعي لها في رواية عائشة حتى يحمل كلامها على المجاز؟ وما الصواب الذي يرجع إليه إلا ما قلنا، انتهى؛ أي: من أنه إن كان في مستنقع الماء؛ يؤخر غسلهما، وإلا؛ فلا، وبه جزم في «الهداية»، و«المبسوط»، و«الكافي»، وقال في «المجتبى»: (إنه الصحيح)، ومراده بقوله: (بعضهم): هو ابن حجر العسقلاني، فإنه قد ذكر هذا الخباط، وقد بينه صاحب «إيضاح المرام»؛ فافهم.\nوزعم الكرماني أن التوفيق بين ما هنا وبين رواية عائشة، وهي زيادة ثقة مقبولة، فيحمل المطلق على المقيد، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصَّلاة: أكثره؛ وهو ما سوى الرجلين، ويحتمل أن يقال: إنهما كانا في وقتين مختلفين، فلا منافاة بينهما.\nورده في «عمدة القاري»: بأنا قد ذكرنا وجه التوفيق بين الروايات، وأن ما ذكره هو الحقيقة، حاصل ما ذكرنا: من أنه إن كانتا في مستجمع الماء؛ يؤخرهما، وإلا؛ فلا.\nقلت: على أن قوله: (إن المراد بوضوء الصَّلاة أكثره) منقوض، فإن الوضوء لا يقال: إن له أكثر أو أقل، فإن ميمونة ﵂ قد سمته وضوء الصَّلاة، ولا ريب أن وضوء الصَّلاة هو الوضوء الكامل، وقد أتى به غير أنه أخَّر الرجلين عن محلهما، فكل منهما وضوء كامل، فليس فيه حمل المطلق على المقيد.\nوقوله: (ويحتمل...) إلخ هو محل وجه التوفيق، لكن ما ذكره صاحب «عمدة القاري» في وجه التوفيق هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، وفي الأفضل عند الشافعي قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه؛ لأنَّ أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك.\nقلت: وهذا ليس بشيء، فإن رواية عائشة صريحة في أنه كان يكمل الوضوء، أما رواية ميمونة؛ فإنها صريحة بأنه يؤخِّر غسل الرجلين، وكذا رواية أبي معاوية السابقة، وفي رواية أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، ولفظه: (كان إذا اغتسل من الجنابة؛ يبدأ فيغسل يديه...)؛ الحديث، وفي آخره: (يتنحى فيغسل رجليه)، فقد اختلفت الروايات عنهما، والتوفيق بينهما: بأن يحمل على أنه إن كان في مستجمع الماء؛ يؤخِّر، وإن كان على مكان مرتفع؛ لا يؤخر؛ جمعًا بين الروايات، وهذا هو الصواب، (وغسل)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (فرجه)؛ أي: ذكره، فدل هذا على صحة إطلاق الفرج على الذكر، وذلك بأن يفيض الماء عليه بيده اليمنى، ويغسله باليسرى حتى ينقِّيه وإن لم يكن به نجاسة؛ ليطمئن قلبه بزوالها، والمراد به: قُبُل الرجل والمرأة، وقد يطلق على الدبر أيضًا كما في «المغرب» للمطرزي، لكن قال البرجندي: والمراد به هنا: القبل والدبر وإن اختص لغة بالقبل، وإنما وسطه بين الوضوء غير رجليه وبين غسل الأذى؛ أي: النجس؛ لأنَّه مظنة النجاسة؛ لخروجها منه، فيلحق باللاحق في صورة، وبالسابق في أخرى، ومن هنا ظهر نكتة الإتيان بـ (الواو) والعدول عن (ثم)؛ فافهم.\nوظاهره كعبارة القدوري وغيره: أن غسل فرجه هو الاستنجاء، فلا يسن أن يأتي به قبل الوضوء، كذا في «منهل الطلاب».\nوزعم الكرماني فقال: (إن قلت: غسل الفرج مقدم على التوضؤ، فلِمَ أخَّره؟ قلت: لا يجب التقديم، أو الواو ليست للترتيب، أو أنه للحال).\nورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: كيف يقول لا يجب التقديم، وهذا ليس بشيء؟).\nوقوله: (أو الواو ليست للترتيب) حجة عليه؛ لأنَّهم يدعون أن الواو في الأصل للترتيب، ولم يقل به أحد ممن يعتمد عليه.\nوقوله: (أو أنه للحال) غير سديد، ولا موجه؛ لأنَّه كيف يتوضأ في حالة غسل فرجه؟ انتهى.\nقلت: وعلى هذا فقوله: (وغسل) مصدر قطعًا، لا فعل، كما زعمه العجلوني تبعًا للكرماني؛ حيث جعل (الواو) للحال، وهذا ليس بشيء كما علمت؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر قال: (فيه تقديم وتأخير؛ لأنَّ غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ (الواو) لا تقتضي الترتيب).\nورده صاحب «عمدة القاري»: بأن هذا تعسف وهو أيضًا حجة عليه، وهو أن ما ذكره خلاف الأصل الذي استدلوا به، واعتمدوا عليه، والصواب: أن (الواو) للجمع في أصل الوضع؛ والمعنى: أنه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التعيين؛ لكن ظاهره أنه غسل فرجه بعدما توضأ، وما رواه المؤلف من طريق ابن المبارك عن الثوري من أنه ذكر أولًا غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده على الحائط، ثم الوضوء غير رجليه، وذكره بـ (ثم) الدالة على الترتيب؛ محمول على أنهما كانا في وقتين مختلفين، فتارة كان يقدم غسل الفرج على الوضوء، وتارة كان يؤخره على الوضوء، على أنه أكثر الروايات تقديم الوضوء على غسل الفرج، كما هو ظاهر حديث ميمونة، ففيه: دليل على أن مس الفرج ليس بناقض للوضوء، وعلى أن الترتيب في الوضوء ليس بفرض، كما لا يخفى.\n (و) غسل ﵇ (ما) أي: الذي (أصابه من الأَذَى)؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الذال المعجمة المفتوحة؛ أي: النجس فهو ضد النظافة لغة، يقال: تأذيت من الشيء؛ إذا استقذرته لنجاسته، فالمراد به النجس، ولهذا ترجم المؤلف في (الصَّلاة): (باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى) والمطروح: هو سلاجزور بني فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها، ولا ريب أن الدم نجس بالإجماع، فالذي أصابه ﵇ هو المني ورطوبة الفرج، فلا ريب في كونهما نجسان؛ لأنَّه لو لم يكونا نجسين لم يغسلهما، فالغسل دليل النجاسة، كما لا يخفى، وذلك حتى لاتشيع على بدنه عند صب الماء عليه، فيتنجس.\nوزعم ابن حجر فقال: (قوله: «وما أصابه من الأذى» ليس بظاهر في النجاسة)، ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذه مكابرة) انتهى.\nقلت: أي: وتعصب، وإنما قاله ترويجًا لما ذهب إليه إمامه.\nواعترض العجلوني فزعم: أن الأذى لغة: المكروه، وهو صادق بالطاهر، والنجس من غير ظهور في النجس، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، فإن الأذى لغة: ضد النظافة، وهو النجس، ولا ريب أنه مكروه شرعًا وطبعًا، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والمراد بـ ﴿المَحِيضِ﴾: الحيض؛ وهو اللوث الخارج من الرحم، فإنه أذًى مستقذر مؤذٍ، من يقربه؛ نفر منه، فقد سمى الله تعالى دم الحيض ﴿أَذًى﴾، وهو نجس بالإجماع، وكذلك ما نحن فيه، فإنه نجس، فسماه ﵇ كما سماه ربه تعالى ﴿أَذًى﴾؛ فافهم.\nوقوله: (وهو صادق...) إلخ؛ أي: من حيث اللغة، أما من حيث الشرع؛ فالمكروه هو الذي تستقذره النفس","vol":"1","page":129},{"text":"وتعافه، ولا يوصف بذلك إلا النجس.\nوقوله: (من غير ظهور في النجس) هذا قيد من عنده، فأي دليل دله على ظهوره فيه؟ وما هي إلا دعوى باطلة. على أن البخاري سمَّى الدم (أذًى) فيما يأتي، وهو أعلم باللغة من غيره بلا ريب، ويدل لهذا ما في «مسلم»: (فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض)، فإنه لو لم يكن نجسًا؛ لما مسح يده بالحائط أو الأرض، وذلك حتى يزول أثر النجس المستقذر، وفي لفظ: (ثم غسل فرجه، ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها)، وهذا كله يدل على أن المراد بالأذى: النجس؛ كالمني ورطوبة الفرج، فإنهما نجسان، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا لمن خالف؛ منهم: ابن حجر، فزعم وقال: وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رطوبة الفرج.\nورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذا القائل هو الذي أبعد؛ لأنَّ من استدل بنجاسة المني ما اكتفى بهذا في احتجاجه، وقد ذكرناه فيما مضى مستقصًى) انتهى.\nعلى أن هذه الروايات هنا تدل ظاهرًا على نجاستهما، لا سيما الأحاديث السابقة في غسل المني؛ فإنها صريحة في النجاسة، كما لا يخفى على أولي الألباب، وقدمنا الكلام على هذا بما يشفي العليل، ويقمع المتعصب الغليل، والله أعلم.\nففيه: استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض حتى يزول أثر النجاسة وكراهتها، وهذا بالنسبة إلينا، أما في حقه ﵇؛ ففضلاته كلها طاهرة أطيب من المسك عندنا، وهو قول العلماء خلافًا لمن شذ وزعم من الشافعية فخبط وقال، ولا يدري ما يقول.\n (ثم أفاض) أي: صب النبيُّ الأعظم ﷺ (عليه الماء) فالإفاضة: بمعنى الصب؛ سنة، فلو لم يصبَّ؛ لم يكن الغسل مسنونًا وإن زال به الحدث، كما صرح به في «الدرر»، وأتى بـ (ثَمَّ)؛ للإشارة إلى الترتيب، وإنما لم يقل: ثم تمضمض واستنشق، للإشارة إلى أن فعلهما في الوضوء كاف عن فعلهما في الغسل، فالسنة نابت مناب الفرض، ولو انغمس المغتسل في الماء الجاري أو الحوض الكبير، أو مكث تحت المطر بعد المضمضة والاستنشاق قدر الوضوء والغسل؛ فقد أكمل السنة، لكن يشترط في الحوض والمطر التحريك، وكذا لو للوضوء فقط؛ فيحصل كمال السُّنَّة، كما في «الإمداد»، و«الدر»؛ أي: من التثليث، والترتيب، والدلك، والوضوء، وأما الماء الجاري؛ فيحصل ذلك من دون مكث ولا تحرك؛ لأنَّ الجريان قائم مقام الصبِّ، وأما إذا انغمس في الماء الراكد؛ فلا بد من التحريك أو الانتقال؛ لأنَّه قائم مقام الصبِّ، وقدمنا أنه لو لم يصبَّ؛ لم يكن الغسل مسنونًا، كذا في «منهل الطلاب»، (ثم) بعد أن عمم جميع بشرته، وشعره، ومعاطف بدنه بحيث لم يبق منه شيء لم يصبه الماء حتى تحت خاتمه الضيق، وكذا سرته؛ (نحَّى)؛ بالحاء المهملة المشددة، قبلها نون؛ أي: باعد (رجليه) عن ذلك المكان الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر؛ لاجتماع الماء المستعمل فيه، (فغسلهما)؛ أي: الرجلين في المكان الآخر.\nوزعم العجلوني: أن قوله: (نحَّى)؛ أي: أخَّر.\nقلت: وهو فاسد، وليس المعنى عليه؛ لأنَّ التنحِّي: التباعد عن المكان الأول إلى مكان آخر، على أن (^١) غسل الرجلين مؤخر في الفعل؛ لأنَّه لم يبق عليه إلا غسلهما؛ فافهم.\nوكيفية غسلهما: أن يأخذ الماء بيمينه، ويفيض على مقدم رجله اليمنى، ويدلكها بيساره فيغسلها ثلاثًا، ثم يفيض الماء على مقدم رجله اليسرى، ويدلكها بيساره، ويغسلها ثلاثًا، وهذا الغسل مستحب؛ ليكون البداءة والختم بأعضاء الوضوء، (هذا) أي: ما ذكر (غُسله)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: غسل النبيِّ الأعظم ﷺ (من الجنابة) هكذا في رواية الكشميهني، وهي على الأصل، وعند غيره: (هذه)؛ بالتأنيث، فتكون الإشارة إلى الأفعال المذكورة صفة (غُسله) ﵇؛ بضمِّ الغين.\nقال في «عمدة القاري»: قال الإسماعيلي: قد تبين أن قوله: (من الجنابة) ليس من قول ميمونة، ولا من قول ابن عباس، وإنما هو من قول سالم بن أبي الجعد، ومما ذكره البخاري في حديث ميمونة على ما يأتي: (ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه)، وفي أخرى: (ثم أُتِيَ بالمنديل فرده)، وفي رواية: (وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه)، وفي لفظ: (فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا)، وفي لفظ: (ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسل مذاكيره)، وفيه: (ثم غسل رأسه ثلاثًا)، وفي لفظ: (فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا)، وعند ابن خزيمة: (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه، فأُتِي بمنديل، فأبى أن يقبله)، وعند أبي عليٍّ الطوسي مصححًا: (فأتيته بثوب، فقال بيده هكذا)، وعند الدارقطني: (ثم غسل سائر جسده قبل كفيه)، وعند أبي محمَّد الدارمي: (فأعطيته ملحفة، فأبى)، قال أبو محمَّد: (هذا أحب إلي من حديث عائشة)، وعند ابن ماجه: (فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم أفاض على فرجه، ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحَّى، فغسل رجليه).\nقال صاحب «عمدة القاري»: (وفي هذه الروايات استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء، وفيها: مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة) انتهى.\nقلت: فإن المضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل، سنتان في الوضوء، وهو ظاهر من الحديث.\nوزعم ابن حجر فقال: (وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانًا لمجمل تعلَّق به الوجوب).\nورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه ليس الأمر هنا كذلك؛ لأنَّهم إنَّما أوجبوهما في الغسل بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: طهروا أبدانكم، وهذا يشملهما وحققناه فيما مضى) انتهى.\nقلت: وتطهير البدن يشمل كل شيء لا حرج في تطهيره من البدن؛ كالمضمضة والاستنشاق، وكذا غسل السرة، وتحت الخاتم الضيق، والأُذُنِ، والقرط، وأما غسل داخل القلفة؛ فإن أمكن فسخها بلا مشقة؛ يجب، وإلا؛ فلا للحرج، كذا في «منهل الطلاب».\nوزعم العجلوني أنه يلزم الحنفية القول بوجوبهما في الوضوء؛ لأنَّه ﵇ لم يواظب على فعلهما فيه، بل فعلهما تارة، وتركهما أخرى، فدل ذلك على السنيَّة، وأما هما في الغسل؛ فواجبان بالنص، ولأنَّه ﵇ قد واظب على فعلهما، ولم يُنقَل عنه تركهما، وعند المؤلف من حديث ميمونة، كما يأتي قد صرح بهما، ولفظها: (صببت للنبيِّ ﵇...) إلى أن قالت: (ثم مضمض واستنشق)، فدل على المواظبة، وهي تدل على الوجوب، على أن الروايات السابقة تدل على أنه ﵇ كان يواظب على الوضوء، ولا ريب أن فيه المضمضة والاستنشاق، فإذا احتمل أنه لم يذكر في غُسله أنه لم يفعلهما؛ يكون قد اكتفى بفعلهما في الوضوء عن فعلهما في الغسل، لا يقال: إن الوضوء سنة وهما من توابعه؛ لأنا نقول: هما سنتان من سنن الوضوء، ولما لم يأت بهما في الغسل -والوضوء من سنن الغسل-؛ فبعد إتيانه بهما في الوضوء اتصفتا بالفرضية للغسل، فإن السنة تنوب عن الفرض كما قدمنا، كما لو قرأ في صلاته القرآن كله، فبعد قراءته اتصف جميعه بالفرضية؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة التي جاءت\n_________\n(^١) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":130},{"text":"من عسقلان وعجلون؛ فافهم.\nوفي هذه الروايات: دليل على استحباب التستُّر في الغسل ولو كان في البيت، فلو تجرَّد وحده للاغتسال؛ يكره، وقيل: إن أمن دخول أحد عليه؛ لا يكره، كما لا يكره تجرده للغسل، وتجرد زوجته للجماع في بيت مقداره خمسة أذرع أو عشرة، وقيل: لا يكره أن يغتسل متجردًا في الماء الجاري أو غيره في الخلوة، وفي «مسائل أبي الفرج»: (لا بأس به) انتهى.\nوفيها: جواز الاستعانة بإحضار الماء للغسل أو الوضوء، وفيها: خدمة الزوجات للأزواج، وفيها: الصب باليمين على الشمال.\nوفيها: كراهة التنشف بالمنديل ونحوه، قال الإمام الأعظم قدس الله روحه: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن أعضاء الوضوء والغسل، ولكن هل يكره، فيه خلاف بين الصحابة ﵃، قال في «شرح المجمع»: (قيل: يكره حمل المنديل لمسح العرق؛ لأنَّه بدعة، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنَّه يدفع الوسخ، وقيده بعضهم بعدم التكبُّر، فإن فعله للتكبُّر؛ كره، ومن فعله لحاجة؛ لم يكره)، قال في «البحر»: (والمنقول في «معراج الدراية» وغيرها: أنه لا بأس بالتمسُّح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه ينبغي ألَّا يبالغ ويستقصي فيبقى أثر الوضوء على أعضائه)، ولم أر من صرَّح باستحبابه إلا صاحب «المنية»، فقال: (ويستحب أن يتمسَّح بمنديل بعد الغسل) انتهى، وفي «الفتاوى التاترخانية»: (لا بأس للمتوضئ والمغتسل أن يتمسح بالمنديل، وكره ذلك بعضهم للمتوضئ دون المغتسل) انتهى.\nوالصحيح: أنه يتمسَّح، ولكن لا يبالغ فيبقى أثر الوضوء، والصحيح: أنه لا يكره استعمال الخرقة؛ لتمسُّح العرق، ولإلقاء النخامة والمخاط، كما في «الكافي»، و«شرح الوقاية»، وغيرهما، ويدل لذلك حديث عائشة ﵂: (كان للنبيِّ ﷺ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء)، رواه الترمذي، وضعَّفه، وصحَّحه الحاكم، وحديث معاذ ﵁: (كان النبيُّ ﵇ إذا توضأ؛ مسح وجهه بطرف ثوبه)، رواه الترمذي، وضعفه، وحديث أبي بكر: (كانت للنبيِّ ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء)، رواه البيهقي، وقال: إسناده غير قوي، وحديث أبي مريم عن رجل من الصحابة: (أنه ﵇ كان له منديل أو خرقة يمسح بهما وجهه إذا توضأ)، رواه النسائي في «الكنى» بسند صحيح، وحديث أم هانئ عند الشيخين: (قام رسول الله ﵇ إلى غُسله فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه فالتحف به)، وهذا ظاهر في التنشُّف، فيحمل حديث ميمونة ﵂ في رده ﵇ بأنه قد رأى شيئًا فيه فكرهه، أو أنه قد حان وقت الصَّلاة، فاستعجل إلى القيام للصلاة، أو فعله عليه [السلام] تواضعًا، ويحتمل أن الثوب كان من حرير؛ لأنَّ الخرقة من الحرير يحرم استعمالها للرجال دون النساء إذا كانت من حرير خالص؛ كالقطن، والكتان المطرز بالحرير، أو بالفضة، أو بالذهب قدر أربعة أصابع، ويحمل حديث عائشة وغيره على الضرورة وشدة البرد؛ ليزيل برد الماء عن أعضائه، هذا وقد أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان، والحسن بن علي، وأنس، وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، وكان أهل الكوفة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق لا يرون به بأسًا، وكرهه ابن أبي ليلى، والنخعي، وابن المسيب، ومُجَاهِد، وأبو العالية.\nوقال ابن دقيق العيد: (نفضُ الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف؛ لأنَّ كلًّا منهما إزالة)، ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه ليس فيه دليل على ذلك؛ لأنَّ التنشيف من عادة المتكبرين، ورده ﵇ الثوب؛ لأجل التواضع مخالفة لهم) انتهى.\nقلت: فما يفعله المتعصبون في زماننا من تعليق الخرقة أو المنديل بعد التمسح به في الأواسط أو على كتفه مكروه؛ لأنَّ فيه الزينة، والتكبر، وإظهار أنه قد صلى في المسجد الجامع، وأنه من الورعين الصالحين، فلسان حاله يقول وهو مارٌّ على أرباب الدكاكين: إنهم مقصرون، والحال يحتمل أنه يستحق حبلًا، وطبلًا، وشيحًا، وكبريتًا، وتنحِّيًا إلى القهقرى؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر واستدل بالحديث على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر، خلافًا لمن غلا من الحنفية، فقال بنجاسته.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل هو الذي أتى بالغلوِّ حيث لم يدرك حقيقة مذهب الأئمَّة الحنفية؛ لأنَّ الذي عليه الفتوى في مذهبهم: أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه واستعماله في الطبخ والعجن، والذي ذهب إلى نجاسته لم يقل بأنه نجس في حالة التقاطر، وإنما يكون ذلك إذا سال من أعضاء المتطهر، واجتمع في مكان) انتهى.\nقلت: على أن القول بالنجاسة ضعيف، والمعتمد الطهارة، وهذا دأب المتعصبين ينظرون الأقوال الشاذة، ويتصدرون للاعتراض عليها، ولم يميزوا بين الضعيف والصحيح، على أن الحديث يدل ظاهرًا على نجاسة المستعمَل؛ لأنَّ نفض الماء من أعضائه ﵇ يدل على ذلك، وكذا رده المنديل حتى لا ينجس، والأحاديث التي فيها أنه استعمل المنديل كلها فيها مقال، ولو أوضحنا دليل النجاسة؛ لضاق القرطاس، وعمي المتعصب الخناس، لكن الضرورات تقدر بقدرها؛ فافهم.\nوحديث: «لا تنفضوا أيديكم في الوضوء، فإنها مراوح الشيطان»، فقد أخرجه ابن حبان في «الضعفاء»، وابن أبي حاتم في «العلل» من حديث أبي هريرة، وقال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي وغيره، ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيصُ على مسح الرأس في هذا الوضوء فتمسك به المالكية، فقالوا: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسله.\nقلت: وعموم لفظ: (توضأ وضوءه للصلاة) يدل على أنه قد مسح رأسه، كما لا يخفى على أولي الألباب، والله أعلم بالصواب.\n\n <span id=\"b-٤٣٢\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-432>[باب غُسل الرجل مع امرأته]</span>\nهذا (باب) حكم (غُسل) بضمِّ الغين المعجمة (الرجل مع امرأته) أو أمته من إناء واحد.\n\n <span id=\"b-٤٣٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-433>[حديث: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد]</span>\n٢٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا آدم) بفتح الهمزة الممدودة (بن أبي إِياس)؛ بكسر الهمزة، وتخفيف التحتية (قال: حدثنا ابن أبي ذِئب)؛ بكسر الذال المعجمة: هو محمَّد بن عبد الرحمن القرشي، (عن الزُّهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب، (عن عُروة)؛ بضمِّ العين المهملة، هو ابن الزُّبير-بضمِّ الزاي- ابن العَوَّام؛ بفتح المهملة، وتشديد الواو، (عن عائشة)؛ أم المؤمنين ﵂ (قالت)؛ أي: السيدة عائشة: (كنت أغتسل أنا) أبرزت المضمر؛ لتعطف عليه المُظهَر، وهو قولها: (والنبيُّ) الأعظم (ﷺ) فهو مرفوع، ويجوز فيه النصب مفعولًا معه.\nفإن قلت: كيف يستقيم العطف؛ إذ لا يقال: أغتسل والنبي ﷺ؟\nقلت: هو على تغليب المتكلم على الغائب كما غلَّب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] فعطف ﴿زَوْجُكَ﴾ على ﴿أَنْتَ﴾.\nفإن قلت: الفائدة في تغليب ﴿اسْكُنْ﴾ هي أن آدم كان أصلًا في سكنى الجنة وحواء تابعة له ﵇، فما الفائدة فيما نحن فيه؟\nقلت: الإيذان بأن النساء محل الشهوات وحاملات للاغتسال، فكن أصلًا فيه، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».\n (من إناء واحد من قَدَح)؛ بفتحتين: واحد الأقداح التي للشرب، والقِدْحُ؛ بكسر القاف، وسكون الدال: السهم قبل أن يراش ويركَّب نصله، وبفتح القاف، وسكون الدال: خلاف التعديل، وهو القول المذموم في الشخص من عرضه ودينه، و(مِن) الأولى: ابتدائية، والثانية: بيانية، وزعم الكرماني أن الأولى أن يكون (من قدح) بدلًا (من إناء واحد)، بتكرار حرف الجر في البدل، و(من) فيهما ابتدائية، وارتضاه إمام الشارحين.\nوإنما لا يجوز أن يكون التقدير: أغتسل أنا ورسول الله ﵇","vol":"1","page":130},{"text":"من إناء مشترك بيني وبينه، فيبادرني ويغتسل ببعضه، ويترك ما بقي فأغتسل أنا منه؛ لأنَّه يخالفه الحديث الآخر، وهو: أنه ﵇ نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وكذا عكسه أيضًا على ما تقدم فيما مضى، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقلت: ولأنَّه خلاف الظاهر من قولها، بل الظاهر المتبادر من قولها: (كنت أغتسل...) إلخ: أن يكون ذلك في وقت واحد لا سيما إذا جعل لفظ (والنبي) مفعولًا معه، ويدل لهذا ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة؛ فذكرت هذا الحديث، فهو نص في المقصود؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: (ثم هذا الإناء المذكور كان من شَبَه، يدل عليه ما رواه الحاكم من طريق حمَّاد بن سَلَمَة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ولفظه: «من تور من شَبَه»؛ بفتح الشين المعجمة، وفتح الموحدة: نوع من النحاس، يقال: كوز شَبَه وشِبَه بمعنًى) انتهى.\n (يقال له)؛ أي: لذلك القدح، وزعم العجلوني: أن الضمير يرجع إلى الإناء.\nقلت: وهو فاسد؛ لأنَّه خلاف الظاهر، ويدل له أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فالصواب أنه يرجع إلى القدح، كما قلنا؛ فافهم: (الفَرَق)؛ بفتح الفاء، وفتح الراء، قاله العتبي وغيره وهو الأفصح، كما قاله النووي، وقال ابن التين: بتسكين الراء، وحكي ذلك عن أبي زيد، وابن دريد، وغيرهما من أهل اللغة، وزعم الباجي أن الفتح هو الصواب، قال النووي: وليس كما قال، بل هما لغتان.\nقلت: ولعله اشتبه عليه ما نقله صاحب «عمدة القاري» عن ثعلب: (الفرَق)؛ بالفتح، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح، فتوهم أن الإسكان خطأ، وليس كذلك، بل هما لغتان؛ فليحفظ، ويدل لذلك: ما نقله صاحب «عمدة القاري» عن أبي زيد الأنصاري: أن إسكان الراء جائز، وهو لغة فيه، واختلفوا في مقداره؛ ففي «الصحاح»: الفرق: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، وقال أبو زيد: مقداره ثلاثة أصوع ستة عشر رطلًا، وقال ابن الأثير: الفرَق؛ بالفتح ستة عشر رطلًا، وبالإسكان مئة وعشرون رطلًا.\nقلت: وإطلاق أهل اللغة يدل على أن الفرق ستة عشر رطلًا من غير فرق بين مفتوح ومكسور، وحكى أبو عبيد الاتفاق على ذلك، وهذا يدل على أن الفرق صاعان، قال القسطلاني كما عليه الجماهير، ويدل لذلك ما قاله ابن عبد البر في «شرح موطأ مالك» عن ابن وهب: الفرق: مكيال من خشب، كان ابن شهاب يقول: إنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية.\nقلت: والقِسط؛ بكسر القاف: نصف صاع وزيادة، فيكون الفرق: صاعين، كما لا يخفى، فصح أن الصاع: ثمانية أرطال بالبغدادي على الصواب، وهو قول رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والحجاج بن أرطاة، والحكم بن عيينة، وأحمد ابن حنبل في رواية، وبعض أصحاب الشافعي لما أخرجه النسائي عن موسى الجهني، قال: أُتي مُجَاهِد بقدح فقال: حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بمثل هذا، وقد أخرجه أيضًا الحافظ أبو جعفر الطحاوي عن موسى الجهني، عن مُجَاهِد، قال: (دخلنا على عائشة ﵂، فاستسقى بعضنا، فأُتي بقس؛ أي: قدح، قالت عائشة: كان النبيُّ ﷺ يغتسل بمثل هذا)، قال مُجَاهِد: (فحزرته ثمانية أرطال، أو تسعة أرطال، أو عشرة أرطال)، ورجال الحديث كلهم ثقات رجال مسلم، وأصحاب السنن، والمراد بقوله: (حزرته)؛ أي: قدَّرته، فمُجَاهِد لم يشك في الثمانية في هذا الحديث، وإنما شك فيما فوقها؛ فثبتت الثمانية بهذا الحديث، وانتفى ما فوقها، والدليل على عدم شكه في الثمانية: رواية النسائي المتقدمة؛ فإنها نص في ذلك، وقال الإمام أبو يوسف، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية: الفرق ثلاثة أصوع؛ لما في مسلم قال ابن عيينة: (الفرق: ثلاثة آصع)، ولما حكاه أبو عبيد من الاتفاق على ذلك، ولما رواه ابن حبان من طريق عطاء، عن عائشة، ولفظه: (قدر ستة أقساط)، والقسط: نصف صاع، فيكون الصاع على هذا: خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.\nقال ابن حجر: (وهذا هو الصحيح، فإن الحزر لا يعارض التحديد، ومُجَاهِد لم يصرح بأن الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها).\nقلت: وهذا مردود، فإن قول ابن عيينة: (الفرق: ثلاثة آصع) حزر وتخمين في المقدار، لا من نص عائشة، وهو لا يعارض تقدير مُجَاهِد؛ لأنَّ تقدير مُجَاهِد أرجح وأثبت؛ لأنَّه كان ذلك بحضرة عائشة، حيث أشارت إليه بحضرتهم، فهو عن مشاهدة منها، فلا ريب أنه أرجح وأثبت.\nوقوله: (ولما حكاه أبو عبيد...) إلخ مردود أيضًا، فإن النووي قال: (الفرق: ثلاثة آصع، وقيل: صاعان، وعليه الجماهير)، هكذا عبارة النووي الصحيحة، فعلم بها أن في ذلك خلافًا، فبطلت دعوى الاتفاق.\nوزعم العجلوني أن قوله: (وعليه الجماهير) يرجع إلى قوله: (ثلاثة أصوع) وهو باطل، فإنه يرجع إلى قوله: (وقيل: صاعان)، كما لا يخفى؛ لأنَّ الضمير يعود على أقرب مذكور، فقد غفل وذهل عن هذا، وقد تنبه القسطلاني لهذا، فقال: (وهو صاعان كما عليه الجماهير)، ولم يذكر غيره؛ فافهم.\nوقوله: (ولما رواه ابن حبان...) إلخ هذا مردود أيضًا؛ لأنَّه حزر وتخمين، بدليل قوله: (قدر...) إلخ، ويدل له أيضًا قول ابن شهاب: (يسع خمسة أقساط)، فعلى هذا؛ يقع الخلاف في مقدار القسط، وهو يدل على أنه حزر وتخمين، وقد اتفق أهل اللغة على أن الفرق: ستة عشر رطلًا، ودعوى الاتفاق على أن القسط نصف صاع مردود بقول ابن شهاب، فإنه لم يبلغ نصف صاع، كما لا يخفى، وما زعمه ابن حجر رده في «عمدة القاري» فقال: (ثم قول هذا القائل: هو الصحيح، غير صحيح؛ لأنَّ فيه ذكر الفرق وهو كما ترى فيه أقوال، فكيف يقول: الحزر لا يعارض به التحديد؟ ففي أي موضع التحديد المعين؟ وأما حديث عائشة؛ فالمذكور فيه الفرق الذي كان يغتسل منه النبيُّ ﵇، ولم يذكر مقدار الماء الذي كان فيه، هل ملؤه أو أقل من ذلك) انتهى.\nقلت: أي: فبطل دعوى التحديد، وما زعمه ابن حجر من قوله: (ومُجَاهِد...) إلخ باطل؛ لأنَّ تصريح عائشة بأن الإناء المذكور: هو الذي كان النبيُّ ﵇ يغتسل بمثله وهو صاع لم يحتج مُجَاهِد للتصريح بأن الإناء صاع؛ لأنَّ من المعلوم أنه ﵇ كان يغتسل بالصاع.\nوقوله: (فيحمل...) إلخ هذا الحمل باطل بعد تصريح عائشة به، وتقدير مُجَاهِد له بحضرتها عن مشاهدة وعيان، وإذا سلم الاختلاف في الأواني مع تقاربها؛ يلزمه التسليم لتقدير مُجَاهِد، وأنه الصحيح فقد اعترف بما منع، والحق أحق أن يتبع؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: وفي الحديث جواز اغتسال (^١) الرجل والمرأة من إناء واحد، وكذلك الوضوء، وهذا بالإجماع، وفيه تطهير المرأة بفضل الرجل، وأما بالعكس؛ فجائز عند الجمهور سواء خلت المرأة بالماء أو لم تخل، وذهب الإمام أحمد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته؛ لا يجوز للرجل استعمال فضلها.\nفإن قلت: ذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه: كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد؟\nقلت: غاب عنه الحديث المذكور، والسنة قاضية عليه.\nفإن قلت: ورد نهي النبيِّ ﵇ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة؟\nقلت: أهل المعرفة بالحديث\n_________\n(^١) في الأصل: (الاغتسال)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":131},{"text":"لم يرفعوا طرق أسانيد هذا الحديث، ولو ثبت؛ فهو منسوخ، وقد استقصينا الكلام في باب (وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد)، وفيه: طهارة فضل الجنب والحائض، وقال الداودي: وفيه: جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، قال في «عمدة القاري»: (ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألتُ عائشةَ، فذكرت هذا الحديث، وهو نص في المقصود) انتهى والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٣٤\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-434>[باب الغسل بالصاع ونحوه]</span>\nهذا (باب) حكم (الغُسل) بضمِّ الغين المعجمة (بالصاع)؛ أي: بالماء قدر ملء الصاع؛ لأنَّ الصاع اسم للخشبة، فلا يتصور الغسل به (ونحوه)؛ أي: ونحو الصاع من الأواني التي يسع فيها ما يسع في الصاع، ويجوز تذكيره وتأنيثه، قال الجوهري: (الصاع: الذي يكال به، وهو أربعة أمداد، والجمع أصوع، وإن شئت؛ أبدلت من الواو المضمومة همزة، والصواع لغة فيه) انتهى.\nقلت: وهي فصيحة، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿صُوَاعَ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٢]، وقال القاضي عياض: (جمع الصاع أصوع، وآصع لكن الجاري على العربية أصوع لا غير، والواحد صاع وصواع وصوع، ويقال: أصوع؛ بالهمزة) انتهى، وقدمنا لك: أن الصاع عند الجمهور ثمانية أرطال بالبغدادي، وهو الصحيح، وقيل: هو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وهو ضعيف، والرطل البغدادي: مئة وثلاثون درهمًا على الصحيح، فالصاع: ما يسع ألفًا وأربعين درهمًا، وقيل: هو مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم، والعمل على الأول، وهو المعتمد؛ لأنَّ الأصل الثاني، فزادوا فيه مثقالًا لجبر الكسور، فصار مئة وثلاثين درهمًا، وعليه استقر الحال.\nوزعم العجلوني: أن الأرجح الثاني؛ لأنَّه كان موجودًا وقت تقدير العلماء به.\nقلت: وهو فاسد، فإن هذا لا يدل على الرجحان؛ لأنَّ المقصود بيان ملء الصاع، وإذا كان موجودًا وقت التقدير؛ لا ينافي الزيادة لأجل الكسور، فإنه إذا كان كاملًا خير من أن يكون ناقصًا، على أن المقام مقام الاحتياط، فيؤخذ بالأول، ووفَّق بعض علمائنا بين القولين في مقدار الصاع، وجعل الخلاف ليس بحقيقي، فقال من قال: إنه خمسة أرطال... إلخ؛ فمراده بالرطل رطل المدينة: وهو ثلاثون إستارًا، ورطل العراق: عشرون إستارًا، فيكون المجموع على القولين مئة وستين إستارًا، والإستار: ستة دراهم ونصف، وقال بعضهم: الاختلاف بينهم ثابت بالحقيقة، والإستار؛ بكسر الهمزة: أربعة مثاقيل ونصف، كذا في «شرح الوقاية» معزوًّا (^١) لـ «الينابيع».\n\n <span id=\"b-٤٣٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-435>[حديث أبي سلمة: دخلت أنا وأخو عائشة]</span>\n٢٥١ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية بالإفراد (عبد الله بن محمَّد)؛ هو الجعفي الُمسندي؛ بضمِّ الميم من ذرية الجعفي الذي أسلم جد البخاري المغيرة على يديه (قال: حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (عبد الصمد)؛ هو ابن عبد الوارث التنوري (قال: حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (شعبة)؛ هو ابن الحجاج (قال: حدثني)؛ بالإفراد (أبو بكر بن حفص)؛ هو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو مشهور بالكنية، وقيل: اسمه عبد الله (قال: سمعت أبا سَلَمَة)؛ هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ابن أخت عائشة من الرضاعة، أرضعته أم كلثوم أخت أبي بكر الصديق ﵁، فعائشة خالته (يقول)؛ أي: أبو سَلَمَة، والجملة محلها النصب على الحال، هذا هو الصحيح؛ لأنَّ (سمعت) لا يتعدَّى إلا إلى مفعول واحد، وعلى قول من يقول يتعدى إلى مفعولين؛ منهم: الفارسي؛ يكون في محل النصب على أنها مفعول ثان، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»: (دخلت أنا وأخو عائشة) ﵂؛ أي: من الرضاعة، وهو عبد الله بن يزيد البصري، كما عند مسلم في (الجنائز)، واختاره النووي، وقيل: هو: كثير بن عبيد الكوفي كما في «الأدب المفرد» للمؤلف، و«سنن أبي داود»، وأما قول الداودي: إنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقول الآخرين: إنه الطفيل بن عبد الله؛ فإنه أخوها لأمها، فقال صاحب «عمدة القاري»: (قيل: إنه وهم وغير صحيح، والدليل على فساد هذين القولين: ما رواه مسلم من طريق معاذ، والنسائي من طريق خالد بن الحارث، وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون؛ كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة) انتهى وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني، لكن قال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (ثم الذي ادَّعى أنه عبد الله بن يزيد استدلَّ بما روى مسلم في (الجنائز) عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد، والظاهر أنه لم يتعين، والأقرب أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولا يلزم من رواية مسلم وغيره أن يتعين عبد الله بن يزيد؛ لأنَّ الذي سألها عن غسل رسول الله ﵇ لا يتعين أن يكون هو الذي روى عنه أبو قلابة في «الجنائز») انتهى.\nقلت: على أن عبد الرحمن أعم؛ لأنَّه أخوها من النسب والرضاعة، وظاهر حديث الباب يدل عليه؛ لأنَّه المشهور بالأخوَّة لها، والذي استدل بأنه كثير بن عبيد فاستدل بما رواه المؤلف في «الأدب المفرد»، وأبو داود في «السنن»؛ كلاهما عن أبي قلابة عن كثير بن عبيد، وهذا يدل على أنه لا يتعين؛ لأنَّه لا يلزم من روايتهما أن يتعين كثير بن عبيد؛ لأنَّ الذي سألها عن غسله ﵇ لا يتعين أن يكون هو الذي روى عنه أبو قلابة في (الصَّلاة)، فالظاهر أنه لم يتعين واحد منهم، بل يحتمل كل واحد منهم، والظاهر أنه عبد الرحمن بن أبي بكر؛ لأنَّه هو الأخ الحقيقي من النسب والرضاعة، وحديث الباب يدل عليه؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: وقوله: «وأخو عائشة» عطف على الضمير المرفوع المتصل بعد التوكيد بضمير منفصل، وهو قوله: (أنا)، وهذه هي القاعدة؛ لأنَّه لا يحسن العطف على الضمير المتصل بارزًا كان أو مستترًا إلا بعد توكيده بضمير منفصل؛ نحو: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٤]) انتهى؛ فليحفظ.\n (على عائشة)؛ الصديقة بنت الصديق ﵄، (فسألها أخوها)؛ أي: عبد الرحمن، أو غيره على ما مر (عن غُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وفي بعض الأصول بفتحها (النبيُّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: من الجنابة، وعن بيان كيفيته، (فدعت)؛ أي: عائشة (بإناءٍ نحو)؛ بالجر والتنوين في (نحو)؛ لأنَّه صفة (إناء)، وفي رواية كريمة: (نحوًا)؛ بالنصب، فيحتمل وجهين؛ أحدهما: كون موصوفه منصوب المحل؛ لأنَّه مفعول قوله: (فدعت)، والثاني: بإضمار (أعني)، ونحوه، كذا قاله في «عمدة القاري».\nقلت: وعلى الأول: فيكون نعتًا للمجرور باعتبار المحل، فإن المعنى: طلبت إناء نحوًا، وعلى الثاني: فيكون مفعولًا لفعل محذوف، وزعم العجلوني: أن الثاني أولى.\nقلت: هو غير ظاهر، فإنه لا أولوية لأحدهما، بل الوجهان على حد سواء في ظهور المعنى على أنه يقال: الوجه الأول أولى؛ لأنَّه في الحقيقة مفعول فعل مذكور، والوجه الثاني فعله مقدر، وإذا دار الأمر بين الظاهر والمقدر؛ فالظاهر هو الأولى، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (من صاع)؛ أي: قريبًا من الصاع لما سيأتي في تفسيره بذلك، (فاغتسلت)؛ أي: عائشة، (وأفاضت) أي: أسالت الماء (على رأسها) وهذه الجملة كالتفسير لقوله: (فاغتسلت) (وبيننا وبينها حجاب)؛ أي: ستر، والجملة وقعت حالًا.\nقال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أنهما رأيا (^٢) عملها في رأسها وأعالي جسدها؛ مما يحل للمَحرَم نظره من ذات الرحم، ولولا أنهما شاهدا ذلك كله في ستر، كله في ستر عنهما؛ لرجع الحال إلى وصف أيهما، وإنما فعلت الستر؛ لئلا يرى أسافل البدن، وما لا يحل للمحرم النظر إليها، وفي فعلها هذا دلالة على استحباب التعلم بالفعل، فإنه أوقع في النفس من القول، وأدل عليه، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أنه لما كان السؤال محتملًا للكيفية والكمية؛ بينت لهما ما يدل على الأمرين معًا؛ أما الكيفية؛ فبالإقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية؛ فبالاكتفاء بالصاع.\nورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: (قلت: لا نسلم أن السؤال عن الكمية أيضًا، ولئن سلم؛ فلم يتبين إلا الكيفية؛ لأنَّها طلبت إناء ما مثل صاع، فيحتمل أن يكون ذلك الماء ملء الإناء أو أقل منه) انتهى.\nقلت: وهو ظاهر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\n_________\n(^١) في الأصل: (معزيًّا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (رأى)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":131},{"text":"ثم قال في «عمدة القاري»: (وفيه ما يدل على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن) انتهى.\nقلت: فإذا حصل التعميم والوصول بمرة؛ فلا يزاد عليها؛ لأنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، على أن الإسراف في الماء مكروه، كما قدمنا، فينبغي أن يراعي حالًا وسطًا من غير إسراف ولا تقتير، ويكره ضرب الماء بجسده؛ لأنَّه خلاف السنة، وهي: الإفاضة، فما يفعله بعض المتعصبين في الحمامين حيث يصب على رأسه عشرة أجران ماء، ثم يذهب إلى المغطس وينغمس عشر مرار أو أكثر مكروه قطعًا؛ لأنَّ فيه إتلاف مال الغير وهو حرام، وفيه إيذاء الناس بانتظارهم فراغه، وفيه جلب الغيبة له، وغير ذلك مما لم يأذن به الشرع، وهذا كله بدع خارجة عن فعل الشارع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار؛ فافهم.\n (قال أبو عبد الله:) أي: المؤلف: (قال) وفي رواية: (وقال)، وبإسقاط: (قال: أبو عبد الله)، وزيادة واو (يزيد بن هارون) مما هو موصول في «مستخرج أبي نُعيم، وأبي عوانة»، (وبَهْز)؛ بفتح الموحدة، وسكون الهاء، آخره زاي، هو: ابن أسد أبو الأسود بن سعد البصري، المتوفى بمرو في بضع وتسعين ومئة، وطريقه موصول عند الإسماعيلي، (والجُدِّي)؛ بضمِّ الجيم، وتشديد الدال المهملة، نسبة إلى جُدَّة التي في ساحل البحر من ناحية مكة، وهو: عبد الملك بن إبراهيم، ونسب إليها؛ لأنَّ أصله منها، لكنه سكن البصرة، مات سنة خمس ومئتين، وأما طريقه؛ فقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (فلم أقف عليه) انتهى، وهؤلاء الثلاثة روَوا (عن شعبة)؛ هو: ابن الحجاج، هذا الحديث، فقوله: (عن شعبة) متعلق بهؤلاء الثلاثة، وهذه متابعة ناقصة ذكرها المؤلف تعليقًا، ولفظ الحديث: (قدر صاع)؛ بدل (نحو من صاع)؛ تقديره: فدعت بإناء قدر صاع، ويجوز الوجهان المذكوران في (نحو من صاع) ههنا أيضًا، كذا قاله إمام الشارحين.\nقلت: فالجر يجوز أن يكون صفة لـ (إناء) كما مر، ويجوز أن يكون بيانًا لـ (إناء)، والنصب ظاهر، والأولى الصفة لا البيان، كما لا يخفى.\nوزعم ابن حجر وتبعه العجلوني أن المراد من الروايتين أن الاغتسال وقع على الصاع من الماء تقريبًا لا تحديدًا، واعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: (هذا القائل ذكر في الباب السابق في حديث مُجَاهِد عن عائشة: أنه حزر الإناء ثمانية أرطال، إن الحزر لا يعارض التحديد، ونقض كلامه هذا بقوله: والمراد من الروايتين... إلى آخره) انتهى.\nقلت: فالتناقض في كلامه ظاهر، وما اعترض ابن حجر به وقع فيه، وقدمنا أن المراد بالحزر التقدير، وأن مُجَاهِد لم يشك في الثمانية كما رواه النسائي والحافظ الطحاوي، وعليه أهل اللغة؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٣٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-436>[حديث: كان يكفي من هو أوفى منك]</span>\n٢٥٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمَّد)؛ هو الجعفي المسندي المتقدم (قال: حدثنا يحيى بن آدم)؛ هو الكوفي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، قال الغساني: وقد سقط ذكر (يحيى) في بعض النسخ، وهو خطأ؛ إذ لا يتصل الإسناد إلا به، كذا في «عمدة القاري» (قال: حدثنا زُهَير)؛ بضمِّ الزاي بالتصغير، هو ابن معاوية الكوفي الجزري، وفي رواية: (أخبرنا زهير)، (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الكوفي السَّبيعي؛ بفتح السين المهملة (قال: حدثنا أبو جعفر)؛ هو محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر، دفن بالبقيع في القبة المشهورة بالعباس: (أنه كان عند جابر بن عبد الله) الصحابي المشهور (هو) أي: محمَّد بن علي (وأبوه)؛ أي: علي بن الحسين زين العابدين (وعنده) أي: جابر (قوم) قال في «عمدة القاري»: (هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (وعنده قومه)، وكذا وقع في «العمدة») انتهى.\nومثله في «ابن حجر» قال: (وجعل شرَّاحها الضمير يعود على جابر، وفيه ما فيه، وليست هذه الرواية في «مسلم» أصلًا، وذلك وارد على قول صاحب «العمدة»: إنه لا يخرج إلا المتفق عليه) انتهى.\nقلت: وقوله: (وفيه ما فيه) ممنوع، فإن قوم جابر هم الأنصار، كما لا يخفى، فعود الضمير إليه صحيح.\nوقوله: (وليست هذه...) إلخ هذا لا يقدح فيما روي هنا من هذه الرواية، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ومراده بهذا الرد على المؤلف، وهو غير وارد، بل رده مردود عليه، كما لا يخفى.\nوقوله: (وذلك وارد...) إلخ ممنوع فإن مراد صاحب «العمدة» بقوله: (إنه لا يخرِّج...) إلخ أنه ويزيد المختلف فيه، لا أنه يخرج المختلف به فقط، بل يذكر المتفق عليه، والمختلف به؛ فافهم، فهذا لا يرد عليه، كما لا يخفى.\n (فسألوه عن الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: عن مقدار ماء الغسل والسائل هو: أبو جعفر كما في «مسند إسحاق بان راهويه»، (فقال) أي: جابر ﵁: (يكفيك صاع)؛ أي: ملء صاع من الماء.\nقال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: القوم هم السائلون، فلم أفرد الكاف حيث قال: يكفيك صاع، والظاهر يقتضي أن يقال: يكفي كل واحد منكم صاع؟\nقلت: السائل كان شخصًا واحدًا من القوم، وأضيف السؤال إليهم؛ لأنَّه منهم، كما يقال: النبوة في قريش وإن كان النبيُّ ﵇ واحدًا منهم، أو يراد بالخطاب العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وكقوله ﵇: «بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام»؛ أي: يكفي لكل من يصح الخطاب له صاع) انتهى.\n (فقال رجل)؛ المراد به: الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية، مات سنة مئة أو نحوها، واسم الحنفية: خولة بنت جعفر، وفي رواية الإسماعيلي: (فقال رجل منهم)؛ أي: من القوم: (ما يكفيني) أي: لا يكفيني ملء صاع من الماء، (فقال جابر) أي: ابن عبد الله: (كان) أي: الصاع، والمراد: الماء الذي فيه (يكفي من هو أوفى منك) أي: أكثر منك (شعَرًا)؛ بفتح العين المهملة، وارتفاعه بالجبرية، و(شَعَرًا) منصوب على التمييز، وأراد به رسول الله ﷺ (وخير منك) روي بالرفع والنصب، أما الرفع؛ فبكونه عطفًا على (أوفى)، وأما النصب؛ فبكونه عطفًا على الموصول؛ أعني قوله: (من)، فإنه منصوب؛ لأنَّه مفعول (يكفي)، وفي رواية الأَصيلي: (أوخيرًا (^١»؛ بالنصب، كذا في «عمدة القاري»، وقال الزركشي: بنصب (خير) عطفًا على (شعر)؛ لأنَّ (أوفى) بمعنى أكثر، ورده في «المصابيح»: بأنه إنَّما يتأتى إذا أريد بخير واحد الخيور، لا ما يقصد به التفضيل، والتفضيل فيه مراد لاقترانه بـ (مَن)، فالصواب عطفه على (مَن)، ثم أشكله بأن العطف يقتضي المغايرة مع أن المراد واحد، وأجاب: بأنه كعطف الصفات والموصوف واحد، قال: وجعل (مَن) الثانية مؤكدة للأولى حتى لا يكون (خير) للتفضيل بعده ظاهر، انتهى.\nوزعم العجلوني فقال: (دعواه أن المراد واحد فيه نظر؛ لأنَّ الأول أكثر من جهة الشعر، والثاني من جهة الخيرية، وكأنه جعل الخيرية باعتبار الشعر).\nقلت: وهذا مردود، فإنه ﵇ خير من جميع الوجوه والاعتبارات، ومهما وصفته بالخيرية؛ فهو أعظم وأبلغ، والإشكال غير وارد، فالصواب عطفه على (مَن)، كما قدمناه عن «عمدة القاري»، فلله دره ما أفطنه، وأغزر علمه، وأوفر فهمه! رضي الله تعالى عنه.\n (ثم أمَّنا) أي: صلى بنا جابر إمامًا (في ثوب)؛ أي: واحد ليس عليه غيره، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى جابر، وهو من مقول أبي جعفر، وقال الكرماني: قوله: (ثم أمَّنا)، إما مقول جابر؛ فهو معطوف على قوله: (كان يكفي)، فالإمام رسول الله ﵇، وإما مقول أبي جعفر؛ فهو عطف على (فقال جابر)، والإمام جابر ﵁.\nوزعم ابن حجر أن فاعل (أمنا) جابر، كما سيأتي ذلك موضحًا في كتاب (الصَّلاة)، ولا التفات إلى من جعله من مقول جابر، والفاعل رسول الله ﵇.\nواعترضه إمام الشارحين فقال: (قلت: أراد بهذا الرد على الكرماني فيما ذكرنا عنه، وجزم بقوله: (إن الإمام جابر)، واحتج عليه بما روي مما جاء في كتاب (الصَّلاة)، وهو ما رُوِيَ عن محمَّد بن المنكدر، قال: رأيت جابرًا\n_________\n(^١) في الأصل: (وخيرًا)، والمثبت موافق لما في «الصحيح».","vol":"1","page":132},{"text":"يصلى في ثوب، فإن كان استدل بهذا الحديث في رده على الكرماني؛ فلا وجه له، وهو ظاهر لا يخفى) انتهى كلام صاحب «عمدة القاري».\nقلت: وظاهره أنَّ مراده الرد على الكرماني مستدلًّا بهذا الحديث، وليس له وجه كما ذكره؛ لاحتمال أنَّ جابرًا كان يصلي خلف رسول الله ﵇، فإنَّه ليس فيه ما يدل على أنَّ جابرًا هو الإمام؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث بيان ما كان السلف عليه من الاحتجاج بفعل النبيِّ ﷺ والانقياد إلى ذلك، وفيه: جواز الرد على من تمادى بغير علم؛ إذ القصد من ذلك إيضاح الحق، والإرشاد إلى من لا يعلم، وفيه: كراهية الإسراف في استعمال الماء، وفيه: استحباب قدر الصاع في الاغتسال، وفيه: جواز الصَّلاة في الثوب الواحد) انتهى.\nقلت: والسنة في الغسل ملء الصاع، وفي الوضوء ملء المُدِّ، كذا قدره مجتهد المذهب الإمام محمَّد بن الحسن في «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم ﵄، وهو تقدير أدنى الكفاية عادة، وليس بلازم حتى إنَّ من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كذا في «البدائع».\nوقال في «الخلاصة»: (والتقدير في الوضوء بالمد إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء، فإن احتاج إليه؛ لا يكفيه، بل يستنجي برطل أو يتوضأ بالمد، فإن كان لابس الخفين؛ يتوضأ برطل.\nفالحاصل: أنَّ الرطل للاستنجاء، والرطل للقدمين، والرطل لسائر الأعضاء) انتهى.\nواعلم: أنَّ الوضوء على أربعة أوجه: إما ألَّا يستنجي ويمسح على الخفين، أو يستنجي ويمسح على الخفين، أو لا يستنجي ويغسل الرجلين، أو يستنجي ويغسل الرجلين، أمَّا الأول؛ فيكفيه رطل، وأمَّا الثاني؛ فاثنان: واحد للاستنجاء، وآخر للوضوء، وأمَّا الثالث؛ فكذلك: واحد للرجلين، وواحد للبقية، وأمَّا الرابع؛ فثلاثة أرطال: واحد للاستنجاء، وواحد للرجلين، وواحد للبقية، وأدنى مايكفي من الماء في الغسل في الغالب صاع، وفي الوضوء ربعه، وهو: المد، وللاستنجاء ثمنه؛ وهو: الرطل، وإن أراد أن يمسح على خفيه؛ كفاه في الوضوء رطل، كذا في «منهل الطلاب»، والله أعلم.\nوقال ابن عبد البر في «شرح موطأ مالك»: (غسل الأعضاء في الوضوء وسائر الجسم إنَّما يكون بمباشرة الماء لذلك، وأمَّا ما أمر الله بغسله؛ فلا يجزئ فيه المسح، فمن قدر على أن يتوضأ بمد أو أقل ويغتسل بصاع أو دونه بعد أن يسبغ ويعم؛ فذاك حسن عند جمهور العلماء بالعراق والحجاز، ولا يخالف في ذلك إلا ضال مبتدع) انتهى.\nوفي يوم الثاني جماد الثاني سنة سبع وسبعين شرعوا في عدد الأنفس بدار رستم أفندي والله تعالى المهدي.\n\n <span id=\"b-٤٣٧\"> </span>[حديث: أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد]\n٢٥٣ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون؛ هو: الفضل بن دُكين؛ بضمِّ الدال المهملة (قال: حدثنا ابن عُيينة)؛ بضمِّ العين المهملة؛ هو: سفيان (عن عَمرو)؛ بفتح العين المهملة؛ هو: ابن دينار، (عن جابر بن زيد): هو أبو: الشَعْثاء- بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، بعدها مثلثة، وبالمد- الأزدي البصري المتوفَّى سنة ثلاث ومئة، (عن ابن عباس) عبد الله ﵄ (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ ومَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية؛ بنت الحارث زوجة النبيِّ الأعظم ﷺ، وخالة ابن عباس (كانا يغتسلان)؛ أي: من الجنابة (من) ولأبي الوقت (في) وهي بمعنى (من) (إناء واحد)؛ أي: في وقت واحد، كما يظهر من السياق، وتعبيره بـ (كان) يدل على أنَّ عادتهما ذلك على الدوام والاستمرار.\nقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: ومطابقة هذا الحديث للترجمة غير ظاهرة، ووجه الكرماني في ذلك بثلاثة أوجه بالتعسف؛ الأول: أن يراد بالإناء الفرق المذكور، الثاني: الإناء كان معهودًا عندهم أنَّه هو: الذي يسع الصاع والأكثر، فنزل تعريفه اعتمادًا على العرف والعادة، الثالث: أنَّه من باب الاختصار في الحديث، وفي تمامه ما يدل عليه كما في حديث عائشة ﵂، ووجَّهه بعضهم بأن مناسبة الترجمة تستفاد من مقدمة أخرى، وهو أنَّ أوانيهم كانت صغارًا، فيدخل هذا الحديث تحت قوله: «ونحوه»؛ أي: نحو الصاع، أو يحمل المطلق فيه على المقيَّد في حديث عائشة وهو الفرق؛ لكون كل منهما زوجة له، واغتسلت معه، فتكون حصة كل منهما أزيد من صاع، فتدخل تحت الترجمة تقريبًا، قال: قلت: قول هذا القائل أكثر تعسفًا وأبعد وجهًا من كلام الكرماني؛ لأنَّ المراد من هذا الحديث: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وهذا هو مورد الحديث، وليس المراد: منه بيان مقدار الإناء، والباب في بيان المقدار، فمن أين يلتئم وجه التطابق بينه وبين الباب؟\nوقوله: (لكون كل منهما زوجة)؛ كلام من لم يمس شيئًا من الأصول، وكون كل واحدة منهما امرأة له، كيف يكون وجهًا لحمل المطلق على المقيد؟ مع أنَّ الأصل أن يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، والحمل له مواضع، كما عرفت في موضعها) انتهى كلام «عمدة القاري».\nوأراد بقوله: (بعضهم): ابن حجر العسقلاني، فإنَّه ذكر هذا الكلام في «شرحه»، ولا يخفى ما فيه من الركاكة، والتعسف، والبعد، وزعم العجلوني فقال: (إذا كان كلام كل منهما متعسفًا وأحدهما أكثر تعسفًا؛ فينبغي له أن يبدي ولو وجهًا سالمًا عن ذلك).\nقلت: ولا يخفى عليك أنَّ الحديث إذا كان غير مطابق للترجمة، فكيف إبداء الوجه السالم من التعسف؟ وما هذا إلا كلام من ليس له ذكاء وفطنة، وهو نظير المثل المشهور بين الناس يقولون: احلبه، فيجيبه: إنه ثور، فيعيد عليه قوله: احلبه، وهكذا، فلو كان للحديث وجه صحيح؛ لكان ذكره إمام الشارحين، وأقول وبالله التوفيق: الظاهر: أنَّ المؤلف وضع هذا الحديث؛ لنكتة أخرى وهي: الاختلاف في السند، وفيه خلاف: فبعضهم لم يفرق بينهما، وبعضهم فرق، وإليه ذهب المؤلف،؛ فذكر الحديث، ثم أعقبه بالمتابعة للإشارة إلى هذا الاختلاف، وعدم مطابقته للترجمة لا يضر؛ لأنَّ المؤلف ذكر الترجمة وذكر حديثين مطابقتُهما للترجمة ظاهرة، ومناسبة الحديث لهما في أنَّه له تعلق بأحكام الغسل، والله أعلم.\n (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف: (كان ابن عيينة) أي: سفيان (يقول أخيرًا)؛ بالتحتية بعد الخاء المعجمة؛ أي: في آخر عمره: (عن ابن عباس عن ميمونة) وهذا تعليق من المؤلف، ولم يقل: (وقال ابن عيينة)، بل قال: وكان...؛ ليدل على أنه في آخر عمره كان مستقرًّا على هذه الرواية، فعلى هذا التقدير: التحديث من مسانيد ميمونة، وعلى الأول: من مسانيد ابن عباس (والصحيح)؛ أي: من الروايتين (ما روى) أي: الذي رواه (أبو نعيم) المذكور، وهو: أنَّه من مسانيد ابن عباس، وهذا من كلام البخاري، وهو المصحح له، وصححه الدارقطني أيضًا، ورجح الإسماعيلي أيضًا ما صححه البخاري باعتبار أنَّ هذا الأمر لا يطلع عليه من النبيِّ ﵇ إلا ميمونة، فدل على أنَّه أخذ عن ميمونة خالته، وأخرجه مسلم، وابن أبي شيبة، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم في (الطهارة) عن ابن عباس عن ميمونة ﵄، واللفظ: (كنت أغتسل أنا والنبيُّ ﷺ من إناء واحد من الجنابة)، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (والمستفاد من الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٣٨\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-438>[باب من أفاض على رأسه ثلاثًا]</span>\nهذا (باب) بيان (من أفاض) أي: أسال الماء (على رأسه) في الغسل من الجنابة (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّات.\n\n <span id=\"b-٤٣٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-439>[حديث: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا]</span>\n٢٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون؛ هو الفضل بن دُكين؛ بالدال المهملة المضمومة (قال: حدثنا زُهير)؛ بضمِّ الزاي؛ هو ابن معاوية الجعفي، (عن أبي إسحاق): هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي- بفتح السين المهملة- الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد (سُليمان)؛ بضمِّ السين المهملة","vol":"1","page":132},{"text":"(ابن صُرَد)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وفتح الراء، بعدها دال مهملات، من أفاضل الصحابة، الخزاعي الصحابي ابن الصحابي، سكن الكوفة أول ما نزل بها المسلمون، خرج أميرًا في أربعة آلاف يطالبون (^١) بدم الحسين ﵁ سموا: بالتوابيين، وهو أميرهم، فقتله عسكر عبيد الله بن زياد بالجزيرة سنة خمس وستين (قال: حدثني) بالإفراد (جُبَيْر)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره راء (بن مُطعِم)؛ بلفظ الفاعل من الإطعام، القرشي النوفلي من سادات قريش، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين (قال) أي: جبير (قال رسول الله ﷺ: «أمَّا»)؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم، حرف شرط وتفصيل وتوكيد، والدليل على الشرط لزوم الفاعل بعدها؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦]، والتفصيل نحو قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، ﴿وَأَمَّا الغُلامُ﴾ [الكهف: ٨٠]، ﴿وَأَمَّا الجِدَارُ﴾ [الكهف: ٨٢]، وأمَّا التوكيد؛ فقد ذكره جار الله الزمخشري، فإنَّه قال: (فائدة: «أمَّا» في الكلام للتوكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت ذلك، وأنَّه -لا محالة- ذاهب، وأنَّه بصدد الذهاب، وأنَّه منه عزيمة).\nقلت: أمَّا زيد؛ فذاهب، وههنا هي أيضًا للتأكيد، فإذا كانت للتأكيد؛ فلا يحتاج إلى التقسيم، ولا يحتاج أن يقال: إنَّه محذوف، كذا حققه في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني: أنَّ (أمَّا) للتفصيل، فأين قسيمه؟\nقلت: اقتضاء التقسيم غير واجب، ولئن سلمنا؛ فهو محذوف يدل عليه السياق، روى مسلم في «صحيحه»: أنَّ الصحابة تماروا في صفة الغسل عند رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: «أمَّا أنا؛ فأفيض»؛ أي: وأمَّا غيري؛ فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله كيف يعمل.\nورده في «عمدة القاري» بأنَّه كلام من غير تحقيق، والتحقيق ما قدمناه، وأمَّا الذي رواه مسلم؛ فإنَّه من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ، فقال بعض القوم: (أمَّا أنا؛ فاغسل رأسي بكذا وكذا...)؛ فذكر الحديث.\nوقال بعضهم: هذا هو القسيم المحذوف.\nقلت: لا يحتاج إلى هذا؛ لأنَّ الواجب أن يعطى حق كل كلام بما يقتضيه الحال، فلا يحتاج إلى تقدير شيء من حديث روي من طريق لأجل حديث آخر في باب من طريق آخر) انتهى كلام «عمدة القاري».\nوالمراد بقوله: (بعضهم): ابن حجر، فإنَّه تبع الكرماني في ذلك، ولا يخفى ما في كلامهما من عدم الاحتياج إليه؛ لأنَّه متعسف كما علمت (أنا فأُفيض)؛ بضمِّ الهمزة من الإفاضة؛ وهي الإسالة (على رأسي ثلاثًا)؛ أي: ثلاث أكف، وهكذا في رواية مسلم؛ والمعنى: ثلاث حفنات؛ كل واحدة منهن بملء الكفين، ويدل عليه ما رواه أحمد في «مسنده»: (فآخذ ملء كفي، فأصب على رأسي).\nوما رواه أيضًا عن أبي هريرة: (كان رسول الله ﷺ يصب بيديه على رأسه ثلاثًا)، وفي «معجم الإسماعيلي»: أنَّ وفد ثَقيف سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنَّ أرضنا باردة، فكيف نفعل في الغسل؟ فقال: «أمَّا أنا؛ فأفرغ على رأسي ثلاثًا»، وفي «الأوسط» للطبراني مرفوعًا: «تفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك، وما أصابك، ثم تتوضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرة»، وقال الداودي: (الحفنة باليد الواحدة)، وقال غيره: باليدين جميعًا، والحديث المذكور يدل عليه، والحفنة باليد الواحدة، وبما ذكرنا سقط قول بعضهم: إنَّ لفظة (ثلاثًا) محتملة للتكرار، ومحتملة أن تكون للتوزيع على جميع البدن، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».\nقلت: وقوله: (بعضهم): المراد به: ابن حجر، فإنَّه ذكر في «شرحه» الاحتمالين، والذي دلت عليه الأحاديث إنَّما هو التكرار لا التوزيع، فإنَّ حديث الطبراني المتقدم صريح في الدلالة على التكرار فقط، فاحتمال التوزيع بعيد جدًّا، كما لا يخفى.\nوزعم العجلوني (أنَّ السياق أشعر أنَّه ﵇ لا يفيض إلَّا ثلاثًا، وأنَّ غيره المذكور كان يفيض أكثر منها أو أقل) انتهى.\nقلت: وليس كذلك، فإنَّ السياق مشعر بأنَّه ﵇ كان يفيض ثلاثًا فقط، وقوله: (وإنَّ غيره...) إلخ هذا ليس يفهم من الحديث أصلًا، فإنَّ معنى (أمَّا) التأكيد، كما علمت، ويدل لهذا ما تقدم عند أحمد، والإسماعيلي، والطبراني، فإنَّه يدل على أنَّه لا يشعر الحديث بما ادَّعاه، ورواية مسلم السابقة لا تدل على ما ادَّعاه أيضًا؛ لأنَّ المراد من قول بعض القوم (أمَّا أنا...) إلخ غسل الرأس فقط بدون إفاضة عليه وعلى جميع البدن، فهو خاص بالرأس، فعمَّم لهم ﵇ بأنَّه يفيض على رأسه ثلاثًا وعلى سائر بدنه وهذا ظاهر، كما لا يخفى.\nوقوله: (وأشار) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (بيديه) الشريفتين بلفظ التثنية (كلتيهما) من كلام جبير بن مطعم، وفي رواية الكشميهني: (كلاهما)، وحكى ابن التين في بعض الروايات: (كلتاهما)، والأولى رواية الأكثرين.\nقال صاحب «عمدة القاري»: كون كلتا وكلا عند إضافتهما إلى المضمر في الأحوال الثلاثة بالألف لغة من يراها تثنية، وأنَّ التثنية لا تتعين، كما في قول الشاعر:\nإنَّ أباها وأبا أباها... . . . . . . . . .\nوأمَّا وجه رواية الكشمهني: (كلاهما)؛ بدون الياء؛ فبالنظر إلى اللفظ دون المعنى)؛ انتهى.\nوزعم ابن حجر: أنَّه يجوز الرفع فيها على القطع.\nقلت: وهو فاسد، فإنَّ النحاة صرَّحوا بأنَّ ألفاظ التوكيد لا يجوز قطعها، بخلاف النعوت، فإنَّها يجوز فيها القطع إذا علم المنعوت، وهنا ليس كذلك؛ فافهم، وتمامه في «إيضاح المرام» فيما وقع في «الفتح» من الأوهام؛ فيراجع.\nقال في «عمدة القاري»: (ويستنبط من الحديث: أنَّه يكون الغسل ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأمَّا الفرض فيه؛ فغسل سائر البدن بالإجماع، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف، والجمهور على أنَّهما فرضان)، وقال النووي: (لا نعلم خلافًا في استحباب التكرار في الغسل إلا ما تفرد به الماوردي، وهو شاذٌّ، ورد عليه: بأنَّ أبا علي السنجي قاله أيضًا، ذكره في «شرح الفروع»، فلم يتفرد به، وتمامه فيه).\nقلت: وقال علماؤنا: ثم يفيض الماء باديًا بالصبِّ على رأسه ثلاثًا مستوعبات، ويفيض الماء على سائر بدنه ثلاثًا يستوعب الجسد بكل واحدة منها، وهو سنة؛ للحديث، فإن لم يستوعب في كل واحدة؛ لم تحصل سنة التثليث، والأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان على الصحيح كما في «الهندية»، و«السراج».\nوقال في «الجوهرة»: (الثنتان سنة على الصحيح حتى لو لم يحصل بالثلاث استيعاب؛ يجب أن يغسل مرة بعد أخرى حتى يحصل، وإلا؛ فلم يخرج عن الجنابة، كما في «مجمع الأنَهر»، وما علمت من أنَّه يبتدأ بالرأس هو ما مشى عليه الإمام أبو الحسن القدوري، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وهو الأصح؛ كما في أكثر المعتبرات، وهو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله تعالى يلهمنا الصواب).\n\n <span id=\"b-٤٤٠\"> </span>[حديث: كان النبي ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثًا]\n٢٥٥ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: (حدثني)؛ بالإفراد (محمَّد بن بَشَّار)؛ بفتح الموحدة، وتشديد الشين المعجمة، الملقب ببندار، قال في «عمدة القاري»: (وليس في «الصحيحين» محمَّد بن بشار غيره، وضبط بعضهم له بالمثناة، والسين المهملة؛ فخطأ ظاهر؛ فليحفظ) (قال: حدثنا غُنْدَر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة على الأصح، واسمه: محمَّد بن جعفر البصري، وكان شعبة زوج أمه (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (عن مُخَوَّل)؛ بلفظ اسم المفعول من التخويل؛ بالخاء المعجمة، ويروى: بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وهاتان الروايتان عن أبي ذر، ورواية الأكثرين: بكسر الميم، ورواية ابن عساكر: بضمِّ الميم، ابن راشد -بالشين المعجمة- النهدي -بالنون-\n_________\n(^١) في الأصل: (يطلبون)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":133},{"text":"الكوفي، روى له الجماعة، وليس له في «البخاري» غير هذا الحديث، وهو عزيز، كذا في «عمدة القاري»، (عن محمَّد بن علي): هو أبو جعفر الملقب بالباقر، (عن جابر بن عبد الله): الصحابي الجليل ﵁ أنه (قال: كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ يُفرِغ)؛ بضمِّ المثناة التحتية، آخره غين معجمة: مضارع أفرغ من الإفراغ؛ أي: يصب (على رأسه ثلاثًا)؛ أي: ثلاث غرفات وزاد، وفي رواية الإسماعيلي: (قال: أظنه من غسل الجنابة)، وفيه: فقال رجل من بني هاشم: إن شعري كثير، فقال جابر: شعر رسول الله ﷺ كان أكثر من شعرك وأطيب، وفي الحديث: دلالة على ملازمة النبيِّ ﷺ على الصب ثلاثًا في الغسل؛ لأنَّ لفظة (كان) تدل على الاستمرار، وفيه: دلالة على فضل جابر ﵁؛ حيث إنه يلازمه حتى حين غسله ﵇.\n\n <span id=\"b-٤٤١\"> </span>[حديث: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه]\n٢٥٦ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون: هو الفضل بن دكين؛ بالدال المهملة (قال: حدثنا مَعْمَر)؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة في أكثر الروايات، وبه جزم الحافظ المزِّيُّ، وفي رواية القابسي: بضمِّ الميم الأولى، وتشديد الميم الثانية على وزن (مُحَمَّد)، وبه جزم الحاكم (بن يحيى بن سام)؛ بالسين المهملة، وتخفيف الميم، وقد ينسب إلى جده، فيقال: معمر ابن سام، وليس له في «البخاري» إلا هذا الحديث، وقول القسطلاني والعجلوني: وجوَّز الغساني الوجهين؛ لا معنى له بعد ثبوت رواية الأكثرين ورواية القابسي، فإذا كانت الروايتان ثابتتين؛ فما معنى جواز الوجهين، فإنَّ الحافظ المزِّيَّ لا ينكر رواية القابسي؛ بل يسلمها، لكن رواية الأكثرين عنده أرجح، وكذلك الحاكم لا ينكر الرواية الأولى، ولكن عنده الثانية أرجح؛ فافهم.\n (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وللأَصيلي: بالجمع (أبو جعفر): هو محمَّد بن علي الباقر، (قال) أي: أبو جعفر (قال لي جابر) زاد الأَصيلي: (ابن عبد الله): (أتاني ابن عمك)؛ أي: ابن عم أبيك علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ففيه مسامحة؛ لأنَّ الحسن هو ابن عم أبيه لابن عمه؛ فافهم.\n (يعرِّض): جملة وقعت حالًا من (جابر)، والتعريض خلاف التصريح من حيث اللغة، ومن حيث الاصطلاح: هو عبارة عن كناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، وقال في «الكشاف»: (التعريض أن يذكر شيئًا يدل به على شيء لم يذكره)، كذا في «عمدة القاري» (بالحسن): وسقطت الموحدة من أوله لابن عساكر (بن محمَّد ابن الحَنفية)؛ بالحاء المهملة، واسمها: خولة بنت جعفر، تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة الزهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهر بها ﵁ (قال) أي: الحسن بن محمَّد: (كيف الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة (من الجنابة؟)؛ أي: على أي كيفية يغتسل الجنب، قال في «عمدة القاري»: وههنا سؤال الحسن بن محمَّد عن جابر بن عبد الله عن كيفية الغسل من الجنابة، وفي الحديث المذكور قبل هذا الباب السؤال وقع عن جماعة بغير لفظ: «كيف»، ووقع جوابه هناك بقوله: «يكفيك صاع»، وههنا جوابه بقوله: «كان النبيُّ ﷺ يأخذ ثلاث أكف...» إلى آخره، والسؤال في الموضعين عن الكيفية غير أنه لم يذكر لفظ «كيف» هناك؛ اختصارًا، والجواب في الموضعين بالكمية؛ لأنَّ هناك قال: «يكفيك صاع»، وههنا قال: «ثلاثة أكف»، وكل منهما «كم»، وقول بعضهم: السؤال في الأول عن الكمية أشعر بذلك، قوله في الجواب: «يكفيك صاع» ليس كذلك؛ لأنَّه اغتر بظاهر قوله: «يكفيك الغسل»، وقد ذكرنا أن لفظة: «كيف» هناك مطوية؛ لأنَّ السؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته بلفظ «كيف»؛ لأنَّها تدل على الحالة، فإن قلت: كيف يقول السؤال في الحالتين عن كيفية الغسل والجواب بالكمية؟ قلت: الحالة هي الكيفية، وللغسل حقيقة وحالة، فحقيقته: إسالة الماء على سائر البدن، وحالته: استعمال ماء نحو صاع أو ثلاثة أكف منه، ولم يكن السؤال عن حقيقة الغسل، وإنما كان عن حالة، فوقع الجواب بالكم في الموضعين؛ لأنَّ (كيف) و(كم) من العوارض المنحصرة في المقولات التسع، فطابق الجواب السؤال والنبيُّ ﷺ ما بعث لبيان الحقائق، وإنما بعث لبيان الأحكام، والأحكام من عوارض الحقائق) انتهى كلامه رحمه الله تعالى، (فقلت) هذا من كلام جابر للحسن المذكور: (كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ يأخذ ثلاثة أكف): هي رواية كريمة بالتاء، وفي رواية غيرها: (ثلاث أكف)؛ بغير التاء، و(أكف): جمع كف، والكف يذكر ويؤنث، فيجوز دخول التاء وتركها على الاعتبارين، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني: فإن قلت: الكف مؤنث، فلم دخلت التاء في الـ (ثلاثة)؟\nقلت: المراد من الكف: قدر الكف وما فيها، فباعتباره دخلت أو باعتبار العضو، ورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: في الجواب الأول نظر، والثاني لا بأس به، والأحسن أن يقول...) إلى آخر ما علمت، ثم قال إمام الشارحين: (والمراد أن يأخذ في كل مرة كفين؛ لأنَّ الكف اسم جنس فيجوز حمله على الاثنين، والدليل عليه رواية إسحاق ابن راهويه من طريق حسن بن صالح، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال في آخر الحديث: «وبسط يديه»، ويؤيده حديث جبير بن مطعم الذي في أول الباب) انتهى؛ أي: فإنه أشار بيديه، فهو مقيد باليدين، فيحمل هذا المطلق على المقيد.\nوزعم ابن حجر أنه يحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث؛ للتكرار، ويحتمل أن تكون لكل جهة من الرأس غرفة؛ كما في حديث القاسم بن محمَّد الآتي.\nقلت: إن أراد بقوله هذه الغرفات... إلى آخره أنه يأخذ في كل مرة كفًّا واحدًا؛ فممنوع؛ لأنَّه غير مفهوم من الحديث مع ما يدل على ذلك من رواية إسحاق وحديث جبير المتقدم، ويلزم من ذلك تفريق بين اليدين في الفرق، وهو ينافي قوله ويفيضها، فإن الإفاضة: الإسالة، وإذا رفع يده إلى رأسه؛ لا يبقى فيها شيء من الماء، ولا يحصل التعميم، كما لا يخفى، وإن أراد أنه يأخذ في كل مرة كفين كما قاله إمام الشارحين؛ فمسلَّمٌ، وإن أراد غير ذلك؛ فجوابه على الله تعالى.\nوقوله: (ويحتمل أن تكون...) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ ظاهر قوله: (ويفيضها) يقتضي أن يصبها على رأسه من غير ملاحظة جهة من الجهات؛ لأنَّ المراد التعميم، وبما ادَّعاه لا يحصل، فإن الصب في وسط الرأس هو الذي يحصل منه التعميم، كما لا يخفى.\nوقوله: (كما في حديث القاسم...) إلى آخره: هذا لا يدل على ما ادَّعاه؛ لأنَّ لفظه أنَّه (فأخذ (^١) بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن...) إلى آخر الحديث، فهو صريح في أنه أخذ بكفٍّ واحد، وهنا ليس كذلك، فكيف يدل على ما ادعاه؟ وكأنه أخذ الاحتمال الأول من هذا الحديث، وهو غير ظاهر كما لا يخفى، وما مثله إلَّا كمثل مَن غرق في بحر عظيم ولم يجد مسلكًا فتعلق بحبال العرمط وهي شرش شجر الصفصاف، ضعيف الحال، لا ينهض الضعيف وينقطع حالًا، والله يحسن الأحوال.\n (فيفيضها)؛ بالفاء؛ أي: ثلاثة الأكف، وفي رواية بالواو؛ أي: يصب الماء (على رأسه) وفي بعض النسخ: بدون (على)، كذا في «عمدة القاري»، وكأنه لتضمنه معنى يوصل، (ثم يفيض)؛ أي: الماء بعد أن أفاض على رأسه.\nفإن قلت: لم لا يكون مفعوله المحذوف: ثلاثة أكف، بقرينة عطفه عليه؟\nقلت: لأنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: (أخذ)، والمثبت موافق لما في «الصحيح».","vol":"1","page":133},{"text":"الثلاثة الأكف لا تكفي لسائر الجسد عادة، كذا في «عمدة القاري» (على سائر جسده)؛ أي: باقيه، فـ (سائر) بمعنى: باقٍ؛ لأنَّ الرأس من الجسد، قال جابر بن عبد الله: (فقال لي الحسن)؛ أي: ابن محمَّد المذكور: (إنَّي رجل كثير الشَّعَر)؛ بالتحريك؛ أي: كثير شعر الرأس، فلا يكفيني هذا القدر من الماء، (فقلت) من كلام جابر للحسن: (كان النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ أكثر منك شعَرًا)؛ بفتح العين المهملة، أفصح من سكونها؛ يعني: وقد كفاه هذا القدر من الماء، فالزيادة على ذلك خلاف السنة، ومنشؤه وسوسة الشيطان، فلا يلتفت إليه.\nقال في «عمدة القاري»: (ومما يستنبط من الحديث جواز الاكتفاء بثلاث غرف على الرأس وإن كان كثير الشعر، وفيه: تقديم ذلك على إفاضة الماء على جسده، وفيه: الحث على السؤال في أمر الدين من العلماء، وفيه: وجوب الجواب عند العلم به، وفيه: دلالة على ملازمة النبيِّ ﷺ على ثلاث أكف في الغسل؛ لأنَّ لفظة «كان» تدل على الاستمرار، والله أعلم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٤٤٢\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-442>[باب الغسل مرةً واحدةً]</span>\nهذا (باب) حكم (الغُسل) بضمِّ الغين العجمة (مرة واحدة): في الجنابة، (مرة): منصوب على الحال، أو المصدرية، أو الظرفية، وهذا بناء على عدم تنوين (باب)، فإنَّ نونته؛ فـ (الغسل) مبتدأ، و(مرة) خبره بالرفع أو النصب، والمراد بالمرة الواحدة: الاقتصار في الغسل على المرة الواحدة، فإنَّ الفرض لا يقتضي التكرار، وقد حصل المقصود؛ وهو تعميم ما أمكن غسله من الجسد؛ كالمضمضة، والاستنشاق، والسرَّة، وداخل القلفة، ونحوها.\n\n <span id=\"b-٤٤٣\"> </span>[حديث: وضعت للنبي ﷺ ماءً للغسل فغسل يديه مرتين]\n٢٥٧ - وبالسَّند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل (^١»): هو التَّبُوذكي، وفي رواية: الاقتصار على (موسى) فقط (قال: حدثنا عبد الواحد): هو ابن زياد البصري، (عن الأعمش): هو سليمان بن مهران، (عن سالم)؛ بالسين المهملة (بن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، (عن كُريب)؛ بضمِّ الكاف: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنَّه (قال: قالت مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ الأعظم ﷺ، وخالة ابن عباس: (وضعت للنبيِّ) الأعظم (ﷺ ماء للغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة من الجنابة؛ أي: لأجل أن يغتسل فيه منها، (فغسل يديه)؛ بالتثنية للكشميهني، وفي رواية المستملي والحَمُّوي: بالإفراد (مرتين أو ثلاثًا)؛ بالشك، والظاهر أنَّه من ميمونة، ولذا قال الكرماني: (الشك من ميمونة)، وزعم ابن حجر أنَّ الشك من الأعمش؛ كما سيأتي من رواية أبي عَوانة عنه، وغفل الكرماني، فقال: (الشك من ميمونة).\nواعترضه إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا مرَّ في باب «من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل»، ولفظه: «فغسلها مرة أو مرتين»، قال سليمان: «لا أدري أذكر الثانية أم لا؟»، وسليمان هو الأعمش، ولكن الشك ههنا بين مرتين أو ثلاثًا، وهناك بين مرة أو مرتين، فعلى هذا: تعين الشك من الأعمش، ولكن موضعه مختلف) انتهى.\nقلت: ولما كان موضعه مختلفًا؛ تبين أنَّ الشك ليس من الأعمش ههنا، أمَّا هناك؛ فالشك منه؛ كما قال صاحب «عمدة القاري» على أنَّ هذا الحديث ليس له تعلق بالحديث الذي سبق من رواية أبي عَوانة، وفي الحديث ههنا التصريح بمرتين أو ثلاث (^٢)، وهناك بالمرة أو المرتين، ولا شك أنَّ بين الحديثين اختلافًا (^٣)، فدل ذلك على أنَّ الشك ليس من الأعمش، وتعين أنَّ الشك من ميمونة، وهو ظاهر السياق؛ فافهم.\nوبهذا ظهر أنَّ الكرماني لم يغفل، بل الغافل الذاهل ابن حجر، فإنَّه لم يفرق بين الحديثين مع اختلاف ألفاظهما وتباينهما في اللفظ والمعنى، وليس هذا شأن أهل الحديث؛ فليحفظ.\n (ثم أفرغ على شِماله)؛ بكسر الشين المعجمة، ضد اليمين، وبالفتح: ضد الجنوب، (فغسل مذاكيره): هو جمع ذكر على خلاف القياس؛ كأنَّهم فرقوا بين الذكر الذي هو خلاف الأنثى، والذكر الذي هو الفرج في الجمع.\nوقال الأخفش: (هو جمع لا واحد له؛ كأبابيل).\nقلت: قيل: إنَّ الأبابيل جمع أبول؛ كعجاجيل جمع عجول، وقيل: هو جمع مذكار، ولكنهم لم يستعملوه وتركوه، والنكتة في ذكره بلفظ الجمع الإشارة إلى تعميم غسل الخصيتين وحواليهما؛ كأنَّه جعل كل جزء من هذا المجموع كذكر في حكم الغسل، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (ثم مسح) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (يده) بالإفراد؛ أي: الشمال (بالأرض) مبالغة في إزالة ما عساه يكون عليها، وفيه حذف؛ أي: ثم غسلها، كما دلت عليه الروايات السابقة، ويأتي التصريح به في باب (المضمضة والاستنشاق)، وعند مسلم في هذا الحديث: (فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض، ثم غسلها)، (ثم مضمض واستنشق): كل واحدة بثلاث غرفات، فلو فعلهما مرة واحدة؛ سقط الفرض وترك السنة، ويكفي الشرب عبًّا عن المضمضة لا مصًّا؛ لأنَّ المجَّ -وهو طرح الماء من الفم- ليس بشرط على الصحيح، وقيل: إنَّه شرط، وأمَّا الشرب مصًّا؛ فلا يجزئه، كما صرَّح به في «البحر».\nولو كان سنُّه مجوفًا، أو بين أسنانه طعام، أو درن رطب؛ يجزئه؛ لأنَّ الماء لطيف يصل إلى كل موضع غالبًا، كذا في «التجنيس».\nوذكر الإمام الحسامي: أنَّه إذا كان في أسنانه كوَّات فيها طعام؛ لا يجزئه ما لم يخرجه، ويجري عليها الماء.\nوفي «المعراج»: (الأصح أنَّه يجزئه).\nقال في «البحر»: (فالاحتياط أن يخرجه) انتهى.\nويفترض غسل ما تحت الدرن الذي في الأنف، قال في «فتح القدير»: (والدرن اليابس في الأنف؛ كالخبز الممضوغ والعجين يمنع) انتهى؛ أي: إيصال الماء إلى ما تحته؛ فلا بد من إخراجه، وهذا غير الدرن المجتمع تحت الأظفار، وقيد باليابس لما في «شرح الدرر»: أنَّ الدرن الرطب اختلف فيه المشايخ، كما في «القنية» عن «المحيط»، والمعتمد إخراجه أيضًا؛ لأنَّه لزج غالبًا لا يصل الماء إلى ما تحته، ولو نسي المضمضة والاستنشاق في الغسل وصلى، ثم تذكر؛ فلو صلى نفلًا؛ لم يعد؛ لعدم صحة شروعه، وأمَّا لو صلى فرضًا؛ فيلزمه قضاؤه؛ لعدم انعقاده، كذا في «منهل الطلاب».\n (وغسل وجهه): وإن اكتحل بكحل نجس؛ لا يجب غسله، كما في «الدر المختار»، لكن في «الخادمي»: (ينبغي غسله زجرًا، ولعدم الحرج؛ للقلة) انتهى.\nقلت: بل، لا ينبغي غسله لما قالوا: إذا جرى الدم في العين لا يجب غسله، ودعوى عدم الحرج ممنوعة للضرر؛ لأنَّ العين شحم، فيخشى عليها من الماء انجماده فيقع في العمى، وهو حرج مدفوع بالنص، كذا في «منهل الطلاب».\n (و) غسل (يديه)؛ بالتثنية، وعند ابن ماجه: (فغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا)، ولم يذكر مسح رأسه هنا، ولا في «ابن ماجه» وغيرها، فدل على أنه لم يتوضأ قبل الغسل، بل هذه كيفية الغسل الفرض حيث إنَّه غسل يديه، وهو كالغسل عند الاستيقاظ من النوم، ثم غسل مذاكيره، وهذا هو الاستنجاء، ثم تمضمض واستنشق؛ لأنَّها من تمام غسل البدن، (ثم أفاض)؛ أي: أسال الماء (على جسده) كله، فيدخل فيه غسل الرأس، والأذنان، واللحية، والسرة، والحاجبان، وغيرها؛ لأنَّ الجسد: الرأس وما نزل عنه إلى القدمين، ويدل لذلك رواية الحسن عن النعمان.\nوزعم العجلوني أنَّه لم يذكر مسح الرأس إمَّا للنسيان، وإلا؛ فلا بد من مسحه.\nقلت: فقد غفل وذهل؛ لأنَّ المراد من هذا الحديث بيان الغسل الفرض فقط من غير إتيان بسننه بدليل أنَّه ترجم له المؤلف بالغسل مرة، والفرض لا يقتضي التكرار، وللتنبيه على أنَّه إذا فعل الجنب هذه الأفعال من غير تقدم وضوء؛ يجزئه ذلك، وعلى أنَّ المراد تعميم ما يمكن غسله من الجسد بلا حرجٍ؛ فرضٌ، والنسيان من الراوي غير ممكن؛ لأنَّه حجة ثقة عليه نظر رسول الله ﵇، فلا يمكن ذهول الراوي عن ذكر شيء من ذلك؛ لأنَّه مأمون في ذلك.\nوقوله: (فلا بد من مسحه)؛ ممنوع؛ لأنَّه (^٤) في الإفاضة على الجسد مسح وغسل، على أنَّه لم يتوضأ وضوء الصَّلاة حتى يلزم مسح الرأس، على أنَّه ليس في الحديث تصريح بأنَّه توضَّأ وضوء الصَّلاة، بل بيان كيفية فرائض الغسل،\n_________\n(^١) في الأصل: (إسماعيلي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ثلاثًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (اختلاف)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (لأن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":134},{"text":"كما لو تمضمض واستنشق وانغمس بالماء؛ فقد أجزأه، وإن مكث قدر الوضوء والغسل؛ فقد أكمل السنة، كما قدمناه؛ فليحفظ.\n (ثم تَحَوَّل)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، وهو بالمثناة الفوقية، والحاء المهملة، والواو المشددة المفتوحات؛ أي: تباعد (عن مكانه)؛ أي: الذي اغتسل فيه تحرُّزًا عن الماء المستعمل؛ لاجتماعه (فغسل قدميه)؛ أي: رجليه الشريفتين في المكان الثاني؛ تنظيفًا لهما عن الماء المستعمل، وهذا الغسل مستحب؛ ليكون البداءة والختم بأعضاء الوضوء، وهذا هو ظاهر الحديث وإن استبعده العجلوني تعصبًا، واستظهر أن غسلهما تكميلًا للوضوء الذي يسن قبل الغسل.\nقلت: وهو مردود، فإن لم يوجد الوضوء منه ﵇ في هذا الغسل لما قدمنا أن المراد بيان فرائض الغسل فقط، وسننه ثبتت بأحاديث أخرى غير هذا، أما هذا الحديث؛ فإنه ظاهر في أن غسلهما كان لما أصابهما من الماء المستعمل، ولم يوجد تصريح بالوضوء فيه أصلًا، فدل على أن هذا كيفية الغسل المفروض فقط من غير إتيان بسننه؛ فليحفظ.\nومطابقته للترجمة في قوله: (ثم أفاض على جسده) حيث لم يقيده بالمرة ولا المرتين، فحمل على أقل ما يسمَّى غسلًا، وهو المرة الواحدة، فإن الأمر لا يقتضي التكرار، وأجمع العلماء على أن الشرط في الغسل التعميم والإسباغ لا العدد من المرات، فالفرض في الغسل تعميم ما يمكن غسله من البدن من الماء مع سائر شعوره ولحيته ولو كثيفة؛ لخبر الحسن وإن ضعفه النووي، بل قال القرطبي: (إنه صحيح عن علي بن أبي طالب يرفعه: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله؛ فعل به كذا وكذا (^١) من النار»، قال: فمن ثم عاديت شعر رأسي)، فيفترض غسل داخل المضفور من شعر الرجل ونقض ضفائره، ولو كان علويًّا أو تركيًّا، وإيصال الماء إلى ما استرسل من شعره، هذا هو الصحيح، أمَّا الشعر المعقود بنفسه؛ فالظاهر أنه لا يجب غسله؛ لأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن، سواء كان من شعر الرجل أو المرأة، وأما الدرن المتولد من الجسد الذي يذهب بالدلك في الحمام؛ فإنه لا يمنع وصول الماء إلى الجسد، بخلاف الدرن الذي في الأنف؛ فإنه يمنع كما سبق، ولا يمنعه وسخ وتراب وطين، ولو كان في ظفر سواء كان قرويًّا أو مدنيًّا على الأصحِّ، وفرق بعضهم بينهما بأن القروي درنه من التراب والطين؛ فينفذ الماء إلى ما تحته، وأما المدني؛ فليس كذلك، بل يكون من الودك، فلا ينفذ الماء إلى ما تحته، وهو الاحتياط، ولا يمنعه دهن؛ كزيت، وسمن مائع، ودسومة.\nقال نور الدين المقدسي: دهن رجليه، ثم توضأ وأمر الماء عليهما ولم يقبل الماء للدسومة؛ يجزئه لوجود غسل الرجلين بخلاف نحو عجين، وشحم، وسمن جامد، وعلك، وشمع، وقشر سمك، وخبز ممضوغ؛ فإنه مانع يجب إزالته، لكن ذكر في «النهر»: (ولو في أظفاره طين أو عجين؛ فالفتوى على أنه مُغتفَر قرويًّا كان أو مدنيًّا) انتهى.\nوفي الحديث: استحباب الإفراغ باليمين على الشمال، وفيه: مسح اليد بالتراب من الأرض، وفيه: جواز الاستعانة بإحضار ماء الاغتسال والوضوء، وفيه: خدمة الزوجات للأزواج، وفيه: غسل اليدين ثلاثًا في أول الغسل، وفيه: دلالة ظاهرة على افتراض المضمضة والاستنشاق في الغسل. وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: طهِّروا أبدانكم، يدل على ذلك، ولأن الأمر يقتضي أنه يجب غسل كل ما يمكن غسله من الجسد، وهذا يشمل المضمضة والاستنشاق، وهو ظاهر، وقد مضى الكلام على ذلك، وسيأتي تمام لذلك، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.\nوفيه: دلالة على نجاسة الماء المستعمل؛ لأنَّ قوله: (ثم يتحول...) إلى آخره صريح في ذلك؛ لأنَّه لو لم يكن نجسًا؛ لما تحول من مكانه ذلك، وما تحوله إلا لنجاسته، والاحتراز عنه أحوط، كما لا يخفى، والمذهب المصحَّح المفتى به عندنا: أن الماء المستعمل طاهر في نفسه، يجوز شربه والعجن به، إلا أن النفس تعافه، وقدمنا ذلك، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٤٤\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-444>[باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب عند الغسل]</span>\nهذا (باب) حكم (من)؛ أي: الذي (بدأ بالحِلاب أو الطيب عند الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: من الجنابة، قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: واستشكل القوم مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب، فافترقوا ثلاث فرق:\nالفرقة الأولى: قد نسبوا البخاري إلى الوهم، والغلط منهم إلا الإسماعيلي، فإنه قال في «مستخرجه»: يرحم الله أبا عبد الله؛ يعني: البخاري من ذا الذي يسلم من الغلط، سبق إليه قلبه أن الحلاب طيب، وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل؟ وإنما الحلاب: إناء يحلب فيه، وسمي محلبًا أيضًا، وهذا الحديث له طرق يتأمل المتأمل بيان ذلك حيث جاء فيه: (كان يغتسل من حلاب)، ورواه هكذا أيضًا ابن خزيمة وابن حبان، وروى أبو عوانة في «صحيحه» عن يزيد بن سنان، عن أبي عاصم بلفظ: (كان يغتسل من حلاب فيأخذ غرفة بكفيه، فيجعلها على شقه الأيمن، ثم الأيسر)؛ كذا الحديث، فقوله: (يغتسل)، وقوله: (غرفة) أيضًا مما يدل على أن الحلاب: إناء الماء، وفي رواية لابن حبان والبيهقي: (ثم يصب على شق رأسه الأيمن)، والطيب لا يعبر عنه بالصب، وروى الإسماعيلي من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ: (كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيء دون الحلاب، فأخذ بكفه فبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه ماء، فأفرغ على رأسه)، فلولا قوله: (ماء)؛ لأمكن حمله على الطيب قبل الغسل، ورواية أبي عَوانة أصرح من هذه، ومن هؤلاء الفرقة ابنُ الجوزي حيث قال: غلط جماعة في تفسير الحلاب؛ منهم: البخاري، فإنَّه ظنَّ أن الحلاب شيء من الطيب.\nوالفرقة الثانية: منهم الأزهري: قالوا: هذه تصحيف، وإنما هو الجُلَّاب؛ بضمِّ الجيم، وتشديد اللام؛ وهو ماء الورد، فارسي معرب.\nوالفرقة الثالثة: منهم الطبري: قالوا: لم يرد البخاري بقوله: (أو الطيب) ما له عرف طيب، وإنما أراد تطييب البدن وإزالة ما فيه من وسخ ودرن ونجاسة إن كانت، وإنما أراد بالحلاب: الإناء الذي يغتسل منه يبتدأ به فيوضع فيه ماء الغسل، قال الطبري: وكلمة (أو) في قوله: (أو الطيب) بمعنى الواو، كذا ثبت في بعض الروايات، ثم قال إمام الشارحين: أقول وبالله التوفيق: لا يظن أحد أن البخاري أراد بالحلاب ضربًا من الطيب؛ لأنَّ قوله: (أو الطيب) يدفع ذلك، ولم يرد إلا الإناء يوضع فيه ماء، قال الخطابي: الحلاب: إناء يتَّسع قدر حلبة ناقة، والدليل على أن الحلاب ظرف: قول الشاعر:\nصاح هل رأيت أو سمعت براع... رد في الضرع ما بقي في الحلاب\nوقال القاضي عياض: الحلاب والمِحلب؛ بكسر الميم: وعاء ملؤه قدر حلب الناقة، ومن الدليل على أن المراد من الحلاب غير الطيب: عطفُ (الطيب) عليه بكلمة (أو)، وجعله قسيمًا له، وبهذا يندفع ما قاله الإسماعيلي: إن البخاري سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب وكيف يسبق إلى قلبه ذلك، وقد عطف (الطيب) عليه، والمعطوف غير المعطوف عليه، وكذلك دعوى الأزهري التصحيف غير صحيحة؛ لأنَّ المعروف في الرواية بالمهملة والتخفيف، وكذلك أنكر عليه أبو عبيد الهروي، وقال القرطبي: الحِلاب؛ بكسرالمهملة، وقد وهم من ظنه من الطيب، وكذا من قاله بضمِّ الجيم على أن قوله بتشديد اللام غير صحيح؛ لأنَّ في اللغة الفارسية: ماء الورد هو جُلَاب؛ بضمِّ الجيم، وتخفيف اللام، وأصله: كُلَاب، فكلٌّ بضمِّ الكاف: الصماء، وبسكون اللام: اسم للورد عندهم، وآب؛ بمد الهمزة، وسكون الموحدة: اسم للماء؛ لأنَّ عندهم أنَّ المضاف إليه يتقدم على المضاف، وكذلك الصفة تتقدم على الموصوف، وإنما الجلَّاب بتشديد اللام؛ فاسم\n_________\n(^١) في الأصل: (كذا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":134},{"text":"للمشروب.\nفإن قلت: إذا ثبت أنَّ الحلاب اسم للإناء؛ فالمذكور في الترجمة شيئان؛ أحدهما: الإناء، والآخر: الطيب، وليس في حديث الباب ذكر الطيب، فلا يطابق الحديث الذي فيه إلا بعض الترجمة؟\nقلت: قد عقد الباب؛ لأحد الأمرين حيث جاء بـ (أو) الفاصلة دون (الواو) الواصلة، فوفى بذكر أحدهما على أنَّه كثيرًا يذكر في الترجمة شيئًا ولا يذكر في الباب حديثًا متعلقًا به لأمر يقتضي ذلك.\nفإن قلت: ما المناسبة بين ظرف الماء والطيب؟\nقلت: من حيث أنَّ كلًّا منهما يقع في مبدأ الغسل، ويحتمل أيضًا أنَّه أراد بالحلاب: الإناء الذي فيه الطيب؛ يعني به: تارة يطلب ظرف الطيب، وتارة يطلب نفس الطيب، كذا قاله الكرماني، ولكن يرد عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق مكي بن إبراهيم عن حنظلة في هذا الحديث: (كان يغتسل بقدح) بدل قوله: (بحلاب)، وزاد فيه: (كان يغسل يديه، ثم يغسل وجهه، ثم يقول بيديه ثلاث غرف) انتهى كلام «عمدة القاري» رحمه الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٤٤٥\"> </span>[حديث: كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب]\n٢٥٨ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (محمَّد بن المثنى)؛ بالمثلثة، البصري (قال: حدثنا أبو عاصم): هو الضحاك بن مَخْلد؛ بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، البصري المتفق عليه علمًا وعملًا، ولُقِّب بالنبيل؛ لأنَّ شعبة حلف أنَّه لا يحدث شهرًا، فبلغ ذلك أبا عاصم، فقصده فدخل مجلسه، وقال: حدث وغلام العطار حرٌّ عن كفارة يمينك فأعجبه ذلك، وقال: أبو عاصم النبيل، فلقِّب به، وهو من كبار شيوخ المؤلف، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب، لكنه نزل في هذا الإسناد، فأدخل بينه وبينه محمَّد بن المثنى، كذا قاله في «عمدة القاري»، (عن حنظلة)؛ بالحاء المهملة أوله: هو ابن أبي سفيان القرشي، (عن القاسم): هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵁ التيمي المدني، أفضل أهل زمانه، كان ثقةً عالمًا فقيهًا من الفقهاء السبعة بالمدينة، إمامًا ورعًا من خيار التابعين، المتوفى سنة بضع ومئة، (عن عائشة): أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄ أنَّها (قالت: كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ إذا اغتسل)؛ أي: إذا أراد أن يغتسل (من الجنابة دعا)؛ أي: طلب ماء (بشيء نحو الحِلاب)؛ بكسر الحاء المهملة؛ أي: إناء مثل الإناء الذي يسمى الحلاب، وقد وصفه أبو عاصم: بأنَّه أقل من شبر في شبر، أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» عنه، وفي رواية لابن حبان: (وأشار أبو عاصم بكفيه يصف به دوره الأعلى)، وفي رواية للبيهقي: (كقدر كوز يسع ثمانية أرطال)، وفي حديث مكي عن القاسم: (أنَّهسئل كم يكفي من غسل الجنابة؟ فأشار إلى القدح والحلاب)، ففيه: بيان مقدار ما يحمل من الماء لا الطيب والتطيب، ومن له ذوق من المعاني وتصرف في التراكيب؛ يعلم أنَّ الحلاب المذكور في الترجمة إنَّما هو الإناء، ولم يقصد البخاري إلا هذا غير أنَّ القوم أكثروا الكلام فيه من غير زيادة فائدة، ولفظ الحديث أكبر شاهد على ما ذكرنا؛ لأنَّه قال: (دعا بشيء نحو الحلاب)، فلفظ (نحو) ههنا بمعنى: المثل، ومثل الشيء: غيره، فلو كان دعا بالحلاب؛ كان ربما يشكل، على أنَّ في بعض الألفاظ: (دعا بإناء مثل الحِلاب)، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، (فأخذ) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (بكفه)؛ بالإفراد، وفي رواية الكشميهني: (بكفيه)؛ بالتثنية، وكذا وقع في رواية مسلم بعد قوله: (الأيسر)، وكذا وقع في رواية أبي داود؛ أي: من الماء الذي في الإناء الذي يسمى الحلاب، وهذا هو المعنى الصحيح، وزعم العجلوني أنَّ المراد بالحلاب: الطيب، فيكون (فأخذ)؛ أي: من الطيب الذي في الإناء.\nقلت: وهو فاسد، فأي معنى لوضع الطيب في الإناء؟ على أنَّ (^١) الطيب إنَّما يستعمل بعد الغسل لا قبله، وهنا يكون الغسل بعد التطيُّب فلا فائدة فيه، ولا ثمرة تحويه؛ فافهم.\n (فبدأ بشِق) بكسر الشين المعجمة (رأسه الأيمن): وهو القوذ الأيمن؛ لأنَّ الرأس أربع قطع: الناصية، والقذال، والقوذان، (ثم) بشق رأسه (الأيسر): وهو القوذ الأيسر، فغسلهما بالماء، (فقال بهما)؛ أي: بكفيه، وهذا يدل على أنَّ الرواية الصحيحة: (فأخذ بكفيه)؛ بالتثنية حيث أعاد الضمير بالتثنية، وأمَّا على رواية مسلم؛ فظاهر؛ لأنَّه زاد في روايته بعد قوله: (الأيسر فأخذ بكفيه)، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه أيضًا على غير الكلام، فتقول: قال بيده؛ أي: أخذ، وقال برجله؛ أي: مشى، قال الشاعر:\nوقالت له العينان سمعًا وطاعة....\nأي: أومأت.\nوجاء في حديث آخر: (فقال بثوبه)؛ أي: رفعه، وكل ذلك على المجاز بالاتساع، ويقال: إنَّ (قال) يجيء لمعان كثيرة بمعنى: أقبل، ومال، واستراح، وذهب، وغلب، وأحب، وحكم. تقول: أخذ العصا وقال به كذا؛ أي: ضرب، وأخذ ثوبه وقال به عليه؛ أي: لبسه، وغير ذلك، كذا في «عمدة القاري»، ومعنى (قال بهما): أي: قلب بكفيه الماء (على وسط رأسه) والجار والمجرور متعلق بـ (قال)، وسقط في رواية لفظ: (وسط)، قال في «عمدة القاري»: (بفتح السين)، وقال الجوهري: (بالسكون ظرف، وبالحركة اسم، وكل موضع صلح فيه (بين)؛ فهو بالسكون، وإن لم يصلح فيه؛ فهو بالتحريك)، وقال المطرزي: سمعت ثعلبًا يقول: استنبطنا من هذا الباب: أنَّ كل ما كان أجزاء تنفصل.\nقلت: فيه (وسْط) بالتسكين، وما كان لا ينفصل، ولا يتفرق.\nقلت: بالتحريك تقول من الأول: اجعل هذه الخرزة وسط السبحة، وانظم هذه الياقوتة وسط القلادة، وتقول أيضًا: لا تقعد وسط الحلقة ووسط القوم، هذا كله يتجزأ، ويتفرق، وينفصل، فتقول فيه بالتسكين، وتقول في القسم الثاني: احتجم وسط رأسه، واقعد وسط الدار، وقس على هذا، انتهى، ثم قال: ومما يستنبط من الحديث: أنَّ المغتسل يستحب له أن يجهز الإناء الذي فيه الماء؛ ليغتسل منه، وفيه أنَّ قولها: (كان النبيُّ ﷺ) دليل على مداومته على ذلك؛ لأنَّ هذه اللفظة تدل على الاستمرار والدوام، ويستحب للمغتسل أن يبدأ بشقه الأيمن، ثم بالشق الأيسر، ثم على وسط رأسه، انتهى.\nقلت: وهذا قول شمس الأئمَّة الحلواني من الأئمَّة الحنفية، ومشى عليه في «تنوير الأبصار والدرر والغرر» قائلًا: (هو الأصح)، وقدمنا أنَّ الصحيح أنَّه يبدأ بالرأس، فينبغي للمغتسل أن يفعل مرة هكذا، ومرة هكذا؛ ليكون فعله موافقًا لحديث الباب، ولما سبق من الأحاديث، والله أعلم.\nوزعم ابن حجر أنَّ المراد بـ (الطيب) في الترجمة الإشارة إلى حديث عائشة أنَّها كانت تطيِّب النبيَّ ﵇ عند الإحرام، والغسل من سنن الإحرام، فكان الطيب حصل عند الغسل.\nقال: ويقويه تبويب البخاري بعد سبعة أبواب بـ (باب من تطيب ثم اغتسل)، وساق حديث: (أنا طيَّبت رسول الله ﵇، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا)، فعلى هذا؛ فقوله: (من بدأ بالحلاب)؛ أي: بالطيب عند إرادة الغسل، قال: (وهذا أحسن الأجوبة) انتهى.\nقلت: وهذا ليس بشيء، فإنَّ قوله: (إنَّ المراد...) إلخ بعيد؛ لأنَّ عادة المؤلف يذكر الترجمة، ويستدل لها بحديث فأكثر، فلا يلزم أن يشير في ترجمة باب على حدة إلى حديث آخر مذكور في باب آخر هذا بعيد جدًّا، على أنَّ حديث عائشة إنَّما هو في حال الإحرام، وهنا في غسل الجنابة، كما صرح به الحديث، فإنَّ حال الإحرام لا يقاس على حال الإحلال، فإنَّه قياس مع الفارق؛ لأنَّ حال الإحرام يحرم التطيُّب، فيلزم ذلك قبل الغسل للسنَّة، والغسل وإن كان من سنن الإحرام لكنه ممنوع من التطيب بعد الغسل.\nوقوله: (ويقويه...) إلخ؛ هذا ليس بشيء أيضًا؛ لأنَّ تبويب البخاري مخصوص لحكم التطيب قبل غسل الإحرام، وسياق الحديث يدل عليه، فهذا ليس له فائدة هنا؛ لأنَّ كل ترجمة وأحاديثها مخصوصة بحكمها لا تعلق لها بأحاديث أخرى مذكورة في باب آخر.\nوقوله: (فعلى هذا...) إلخ؛ بعيد جدًّا، أما سمعت قول الإسماعيلي سبق لقلب البخاري أنَّ الحلاب طيب، وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل؟\nوقول ابن الأثير: لأن يستعمل الطيب بعد الغسل أليق منه قبل الغسل؛ لأنَّه إذا بدأ به ثم اغتسل؛ أذهبه الماء؛ فلا فائدة له\n_________\n(^١) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":135},{"text":"في ذلك، فهذا الجواب ضعيف، وليس بحسن، فضلًا عن أن يكون أحسن، فإنَّ المقصود من التطيب ليس استعمال الطيب فقط، بل استعماله مع الانتفاع برائحته ونحو ذلك، واستعماله قبل الغسل لا معنًى [له]؛ لأنَّ الماء لا يبقى له أثرٌ (^١) في البدن، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\n\n <span id=\"b-٤٤٦\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-446>[باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة]</span>\nهذا (باب) حكم (المضمضة والاستنشاق في) الغسل من (الجنابة) هل هما واجبان أو سنتان، ومثل الجنابة الحيض والنفاس، كما لا يخفى، والإمام المؤلف قصد بهذه الترجمة إثبات وجوب المضمضة والاستنشاق، فاستنبط من الحديث الآتي في هذا الباب وجوبهما، وكذلك الحديث السابق في الباب قبله، فإنَّه يدل على وجوبهما أيضًا؛ حيث إنَّه لم يذكر فيه أنَّه توضأ وضوءه للصلاة، فدل ذلك على وجوبهما، كما لا يخفى، ولهذا عقب هذا الباب بالباب الذي قبله، وهذا ظاهر، كما لا يخفى، وبهذا ظهر فساد ما زعمه ابن حجر تبعًا لما زعمه ابن بطال: من أنَّ المؤلف استنبط عدم وجوبهما من هذا الحديث؛ لأنَّ في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث: (ثم توضأ وضوءه للصلاة)، فدل على أنَّهما للوضوء، وقام الإجماع على أنَّ الوضوء في غسل الجنابة غير واجب وهما من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء؛ سقط توابعه، ويحمل ما روي من صفة غسله ﵇ على الكمال والفضل.\nورد هذا صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: (هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ هذا الحديث ليس له تعلق بالحديث الذي يأتي بعده، وفيه تصريح بالمضمضة والاستنشاق، ولا شك أنَّه ﵇ لم يتركهما؛ فدل ذلك على المواظبة، وهي تدل على الوجوب، والدليل على المواظبة عدم النقل عنه ﵇ تركه إياهما، وسقوط الوضوء القصدي لا يستلزم سقوط الوضوء الضمني، وعلى كل حال لم ينقل تركهما، وأيضًا النص يدل على وجوبهما، كما ذكرنا فيما مضى) انتهى.\nقلت: والنص هو قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ معناه: طهروا أبدانكم، فيدخل فيه كل ما أمكن تطهيره من البدن من غير حرج، ولا ريب أنَّ المضمضة والاستنشاق داخلان تحت هذا الأمر، وهو للوجوب، فدل ذلك على وجوبهما بالنص، على أنَّ قول ابن بطال: (استنبط عدم وجوبها...) إلخ؛ فاسد، فإنَّ الظاهر أنَّ المؤلف استنبط وجوبهما بدليل أنَّه عقب هذا الباب بالباب الذي قبله، والأحاديث التي فيهما لم يذكر فيها أنَّه توضأ وضوءه للصلاة، فدل ذلك على أنَّه اغتسل الغسل المفروض بدون سننه، وهو دليل على وجوبهما قطعًا، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\nوزعم ابن حجر في «الانتقاض» معترضًا على صاحب «عمدة القاري»، فقال: (حكاية هذا الكلام تغني عن تكلف الرد عليه، وقد صرح الحذاق بأنَّ عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ولا سيما إن وجدت قرينة تدل على عدم الوقوع، وهذا المعترض أكثر من الطعن على من تقدمه) انتهى.\nقلت: وهذا الزعم باطل، وأشار بقوله: (حكاية هذا...) إلخ: إلى أنَّ الدليل الذي ذكره صاحب «عمدة القاري» قوي؛ كالجبل الراسخ، فلم يوجد ما يعارضه إلا قوله: (وقد صرح...) إلخ، وهو لا يعارضه أصلًا، فأي قرينة وجدت مع النقل بالوقوع والتصريح بعدم نقل الترك؟ على أنَّ الأحاديث الواردة في ذلك قرينة ظاهرة على أنَّه ﵇ لم يتركهما أصلًا، هذا وقد روى البيهقي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة»، وما زعمه بعضهم من أنَّه ضعيف فاسد؛ لأنَّه روي بطرق متعددة، وبتعدد طرقه يرتقي إلى درجة الصحيح، كما لا يخفى، وقد انعقد الإجماع على أنَّ الفرض مرة واحدة، فهذا دليل ظاهر، وقرينة واضحة على أنَّه ﵇ لم يتركهما أصلًا، فدل ذلك على الوجوب قطعًا، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\nوقوله: (وهذا المعترض...) إلخ؛ فإنا لم نعهد سوء أدب من هذا الإمام الشارح مع من تقدمه من المجتهدين، فإنَّه سيد المؤدبين من الشراح، بل عهدنا سوء الأدب من ابن حجر في حقهم كثيرًا، فلا له أن يقول هذا الكلام، ومقصد إمامنا الشارح بيان الحق والرجوع إليه؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال؛ فافهم، وبما قررناه ظهر فساد ما زعمه ابن حجر من أنَّ الله تعالى لم يذكرهما في كتابه ولا أوجبهما رسوله، ولا اتفق الجميع على إيجابهما، والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه، وما كان في معناها) انتهى.\nقلت: فإنَّ هذا كلام من لم يشمَّ شيئًا من العلم كيف ولم يذكرهما الله تعالى؟ وقد قال [الله] تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ ومعناه: طهروا أبدانكم، فيدخلان تحت الأمر، فكأنَّه تعالى قال ذلك صريحًا، والنبيُّ الأعظم ﷺ قد ثبت عنه وجوبهما قولًا وفعلًا، كما قدمناه، وهما من الفروض العملية، وهي لا تحتاج لإثباتها الإجماع كما زعمه، فإنَّ الإجماع يُحتاج إليه في الفروض العلمية ألا ترى أنَّ من أنكر فرضيتهما لا يكفر؛ لأنَّهما من الفروض العملية لا العلمية، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وفي هذا القدر كفاية للمتعصبين؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٤٧\"> </span>[حديث: صببت للنبي ﷺ غسلًا فأفرغ بيمينه]\n٢٥٩ - وبه قال: (حدثنا عُمر)؛ بضمِّ العين المهملة (بن حفص بن غِياث)؛ بكسر الغين المعجمة، آخره مثلثة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قال: حدثنا أبي): هو حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي، وُلِّي القضاء ببغداد، أوثق أصحاب الأعمش، ثقة، فقيه، عفيف، حافظ، مات سنة ست وتسعين ومئة (قال: حدثنا الأعمش): هو سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد (سالم)؛ بالسين المهملة: هو ابن أبي الجعد، التابعي، (عن كُريب)؛ بضمِّ الكاف؛ مصغرًا: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس): عبد الله ﵄ قال: (حدثتنا)؛ بتاء التأنيث بعد المثلثة (مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ الأعظم ﷺ، وخالة ابن عباس ﵂ أنَّها (قالت: صببت للنبيِّ) الأعظم (ﷺ غُسلًا)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: ماء للاغتسال من الجنابة، (فأفرغ): من الإفراغ؛ أي: صب النبيُّ الأعظم ﷺ (بيمينه على يساره)؛ أي: صب الماء الذي طلبه أولًا في يمينه من الإناء، أو أخذه بها، فيكون هذا على وفق عادته ﵇؛ لأنَّ عادته ﵇ غالبًا الإفراغ بشماله على يمينه؛ لما رواه مسلم من حديث أبي سَلَمَة عن عائشة قالت: (كان النبي ﵇ إذا اغتسل بدأ بيمينه، فصب عليها من الماء فغسلها)، وقد يقال: إنَّما أفرغ بيمينه على يساره لما كان فيها من المني وغيره؛ ليكون متناولًا الماء بيديه الطاهرتين، وهذا معنًى صحيح؛ فليحفظ، (فغسلهما)؛ أي: اليمين واليسار معًا بعد أن غسل اليسار أولًا، ثم جعل الماء فيهما فغسلهما معًا هذا هو الظاهر؛ فافهم، (ثم غسل فرجه)؛ أي: مذاكيره القبل والدبر وما حولهما بعد أن أفرغ بيمينه على شماله، (ثم قال بيده)؛ أي: اليسار التي استنجى بها (الأرض)؛ أي: ضرب بيده الأرض، فإنَّ العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام، كما ذكرناه عن قريب، وسيجيء في رواية في هذا الموضع: (فضرب بيديه الأرض)؛ بالتثنية، كذا في «عمدة القاري»، وفي رواية أبي ذر، وابن عساكر: (على الأرض)؛ أي: ضرب بيده عليها، أو يقال: مسح بيده على الأرض، فإنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: (أثرًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":135},{"text":"المراد بـ (قال) إمَّا ضرب أو مسح، قال ابن بطال: سمى الفعل في (ثم قال بيده الأرض): قولًا، كما سمى القول فعلًا في حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» حيث قال في الذي يتلو القرآن: «لو أوتيت مثل ما أوتي؛ لفعلت مثل ما فعل») انتهى؛ فتأمل، (فمسحها) أي: اليد (بالتراب) لما أنَّه أصابها شيء من المني، أو المذي، أو غيرهما وهذا لزج لا يخرجه إلا الدلك، فلهذا احتاج إلى مسحها بالتراب.\nوقال ابن الملقن: (لعله لأذًى كان فيها، وإلا؛ لكان يكتفي بالماء وحده) انتهى.\nقلت: نعم؛ قد كان فيها أذًى من مني أو غيره، كما قلنا.\n (ثم غسلها)؛ أي: اليد بالماء؛ لأجل الغسل من الجنابة بدليل قوله: (ثم مضمض) وفي رواية: (ثم تمضمض)؛ بزيادة مثناة فوقية أوله، (واستنشق) فإنَّهما فرضان في الغسل بدليل أنَّه لم يذكر غسل اليدين، ولا مسح الرأس، وبه ظهر فساد ما زعمه العجلوني (من أنَّه غسلها لأجل الوضوء المسنون، فيكون فيه حذف غسل اليدين، ومسح الرأس) انتهى؛ لأنَّه إنَّما قال ذلك تعصبًا وترويجًا لما ذهب إليه إمامه من سنيتهما، وهو مردود، فإنَّ هذا الحديث وغيره يدل على وجوبهما؛ لأنَّ قوله: (ثم غسلها) ظاهر في أنَّه لأجل الغسل لا للوضوء.\nوقوله: (ثم مضمض)؛ أي: ابتدأ بفروض الغسل، وهكذا فليس فيه وضوء؛ لأنَّه لو كان فيه وضوء؛ لما ترك غسل اليدين ومسح الرأس.\nوقوله: (وفيه حذف...) إلخ؛ ممنوع، فأي دليل دله على الحذف وما هو إلا مجرد دعوى بلا دليل، وتعصب لا يشفي العليل؛ فافهم.\n (ثم غسل) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وجهه) الشريف؛ أي: ولحيته الشريفة، (وأفاض) أي: صب الماء (على رأسه)؛ أي: وغسل باقي جسده ثلاثًا يستوعب الجسد بكل واحدة منها، وعطف (وأفاض على رأسه) بـ (الواو) يصدق بتقديمه على غسل الوجه، وبتأخيره عنه؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع على التحقيق، وهو يدل على أنَّ هذا ليس بوضوء، كما زعمه، بل غسل؛ فليحفظ، (ثم تَنَحَّى)؛ بمثناة فوقية، بعدها نون، ثم حاء مهملة مشددة المفتوحات؛ أي: تحول وتباعد عن مكانه الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر، (فغسل قدميه)؛ أي: رجليه؛ تنظيفًا لهما عن الماء المستعمل، وتتميمًا للغسل؛ ليكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، (ثم أُتي)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: النبيَّ الأعظم ﷺ (بمِنديل)؛ بكسر الميم، واشتقاقه من الندل؛ وهو الوسخ؛ لأنَّه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهري: (ويقال أيضًا: تمندلت)، وأنكرها الكسائي، ويقال: تمدلت، وهو لغة فيه، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ففيه ثلاث لغات، وهو معروف لا يخفى.\n (فلم ينفُض بها)؛ بضمِّ الفاء، وفي بعض النسخ: (فلم ينتفض بها)؛ بزيادة فوقية مفتوحة بعد النون، قال الجوهري: النفض: التنشف؛ أي: لم يتنشف، وإنَّما أنَّث الضمير؛ لأنَّ المنديل في معنى الخرقة، وعن عائشة ﵂: (أنَّه ﵇ كانت له خرقة يتنشف بها)، كذا في «عمدة القاري»، قال: زاد في رواية: (كريمة): (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف: (يعني)؛ أي: يقصد، ويريد أنَّه (لم يتمسح به)؛ أي: بالمنديل، وفي نسخة: (بها)؛ أي: بالخرقة، كما مر؛ أي: من بلل ماء الغسل، وأراد النبيُّ الأعظم ﷺ بتركه المنديل إبقاء بركة الماء -لأنَّه أثر عبادة- والتواضع؛ لأنَّ فعله عادة المتكبرين المترفهين، مع أنَّه يحتمل أن يكون تركه لشيء رآه فيه، أو لاستعجاله إلى الصَّلاة، أو لأنَّه عنده خرقة مخصوصة بنفسه، كما روت عنه عائشة؛ لأنَّ ظاهر الحديث يدل على أنَّه ﵇ كان يتنشف، ولولا ذلك؛ لم تأته بالمنديل، ففيه: دليل على أنَّه لا بأس بالتمسح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل، إلا أنَّه ينبغي ألَّا يبالغ، ويستقصي فيبقي أثر الوضوء على أعضائه، كما صرح به في «معراج الدراية»، وصرح في «المنية» باستحباب التمسح بالمنديل بعد الغسل، والصحيح أنَّه لا يكره استعمال الخرقة؛ لتمسح العرق، ولإلقاء النخامة والمخاط، كما في «الكافي»، و«شرح الوقاية»، وقال النووي: (واختلف فيه في الوضوء والغسل، والأظهر أنَّ المستحب تركه، وقيل: مكروه) انتهى.\nفما يفعله بعض الناس في زماننا من تعليق الخرقة أو المنديل بعد التمسح به في الأواسط مكروه؛ لأنَّ فيه إظهار الزينة والتكبر، وأنَّه قد صلى في المسجد الجامع مع الجماعة، وأنَّه من الورعين الصالحين، ويمر على أرباب الدكاكين، وهم قعود ولسان حاله يقول: إنَّ هؤلاء الجماعة مقصرون في العبادة ومقبلون على الدنيا، والحال يحتمل أنَّه من المنافقين المرائين الذين يستحقون حبلًا، وطبلًا، وشيحًا، وكبريتًا، ورجوعًا إلى القهقرى، والله أعلم، هذا وقد أخذ المنديل عثمان بن عفان، والحسن بن علي، وأنس، وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، وكان الإمام الأعظم، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق لا يرون به بأسًا، وكرهه ابن أبي ليلى، والنخعي، وابن المسيب، ومُجَاهِد، وأبو العالية، وفي الحديث أيضًا دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل؛ لقولها في بيان غسله ﵇: (ثم تمضمض واستنشق)، وبهذا تحصل المطابقة للترجمة، وممن قال بوجوبهما: رأس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد ابن حنبل، وبعض أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب مالك.\nوقال في «المنتهى الحنبلي»: (ويصح أن يسميا فرضين في أصح الروايتين، وهما واجبان في الوضوء والغسل، فلا يسقط واحد منهما سواء على المشهور).\nوعن أحمد: (أنَّ الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين) انتهى.\nوممن قال بوجوبهما أيضًا: حمَّاد بن سليمان، والزُّهري، وعطاء، وبعض أصحاب داود، وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم، ففي الحديث الصحيح قوله ﵇: «تحت كل شعرة جنابة؛ فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة...»؛ إلى آخر الدلائل الواضحة التي قدمناها الدالة على وجوبهما في الغسل.\nوقال مالك، والشافعي، والأوزاعي، والطبري، والليث، والحكم، وقتادة: إنَّهما سنة في الغسل؛ كالوضوء.\nقال في «المنهاج» و«شرحه»: ولا يجب مضمضة واستنشاق لأمرين؛ أحدهما: القياس على الوضوء، وعلى غسل الميت، والثاني: ما رواه أحمد أنَّه ذكر عند النبيِّ ﵇ الغسل من الجنابة، فقال: (أمَّا أنا؛ فآخذ ملء كفي ثلاثًا، فأصبه على رأسي، ثم أفيض بعده على سائر جسدي) انتهى.\nوما رواه مسلم: («عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار،","vol":"1","page":136},{"text":"وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء»، قال وكيع: يعني: الاستنجاء، قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) انتهى.\nقلت: وهذا مرود؛ لأنَّ قوله: (القياس على الوضوء...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ الله تعالى بيَّن فرائض الوضوء في كتابه العزيز، وبيَّن أنَّ الفرض غسل الوجه، وهو ما يواجه به الإنسان، والمواجهة في الفم والأنف منعدمة غير حاصلة، فلا يتناولها افتراض غسل الوجه، فتثبت سنيتهما في الوضوء، أمَّا الغسل؛ فإنَّه لما أمر سبحانه بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ ومعناه: طهروا أبدانكم، وهو يشملها؛ لأنَّهما من البدن؛ علم منه افتراضهما في الغسل؛ لأنَّ المراد افتراض غسل كل ما يمكن غسله من البدن من غير حرج، وغسلهما ممكن، فثبتت فرضيتهما، فالقياس على الوضوء غير صحيح، كما لا يخفى.\nوقوله: (والثاني ما رواه أحمد...) إلخ هذا أيضًا مردود؛ لأنَّ هذا الحديث قد ورد في وفد ثقيف، ففي «مسلم»: أنَّ الصحابة تماروا في الغسل عند النبيِّ ﵇، فقال بعض القوم: أمَّا أنا؛ فأغسل رأسي بكذا وكذا، فقال النبيُّ ﵇: «أمَّا أنا؛ فأفيض ثلاثًا»، انتهى.\nفعلم أنَّ السؤال وقع عن غسل الرأس بمرة، أو مرتين، أو أكثر لا عن بيان فرض الغسل بدليل أنَّ بعض القوم قال: (أمَّا أنا؛ فأغسل رأسي بكذا وكذا)؛ أي: مرات، فأجابهم النبيُّ ﵇ بأنَّ الإفاضة ثلاث أكف، فوقع الجواب طبق السؤال، فليس فيه دليل على عدم افتراضهما، بل فيه دليل على وجوبهما، ويدل لهذا ما في «أوسط الطبراني» مرفوعًا: «تفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك، وما أصابك، ثم تتوضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرة»، فعلم بهذا أنَّ ما رواه أحمد فيه طيٌّ، فحذف منه هذه الجملة؛ لأنَّه وقع جوابًا للسؤال، والمضمضة والاستنشاق إذا وقعا في ضمن الوضوء الذي للغسل يكفي عن الإتيان بهما مرة أخرى؛ لأنَّ الفرض التعميم، وقد حصل؛ فافهم.\nوقوله: (وما رواه مسلم: «عشر من الفطرة...») إلخ هذا مردود أيضًا؛ لأنَّ الفطرة الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وقوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة»؛ والمعنى: عشر من الإسلام؛ أي: فرائض الإسلام، إلا أنَّ بعضها خرج عن الفرضية بدلائل أخر وبقي على السنية؛ كالاستنجاء ونحوه، وبعضها بقي على أصله؛ كاللحية، فإنَّها إذا طالت عن مقدار القبضة؛ يجب أخذ الزائد عليها، وبعضها بقي على أصله، وهو الوجوب؛ كالمضمضة والاستنشاق في الغسل مع ما ضم إلى ذلك من الدلائل المفيدة للوجوب، على أنَّ قول مصعب: (ونسيت العاشرة) يحتمل أن تكون غير المضمضة، وأن يكون المراد بـ (الاستنشاق)؛ أي: حال الوضوء؛ لذكره (السواك)، وهو من سنن الوضوء، (ونتف الإبط، وحلق العانة) يكون حال الجنابة، كما ورد ذلك في حديث، فالذي ترجح أنَّ المضمضة والاستنشاق في الغسل واجبان، وفي الوضوء سنتان، وهو الحق الذي لا يعدل عنه، وأدين اللهَ على ذلك، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٤٨\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-448>[باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى]</span>\nهذا (باب مسح اليد) أي: يد المغتسل (بالتراب؛ لتكون) أي: اليد (أنقى)؛ بالنون الساكنة بعد الهمزة المفتوحة، وبالقاف؛ أي: أطهر وأنظف من غير الممسوحة، أو منها قبل مسحها على حد قوله تعالى: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]، وذلك لأنَّ أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بإضافة، أو بـ (اللام)، أو بـ (من)، والضمير في (لتكون) اسم كان، وخبره قوله: (أنقى)، فلا مطابقة بينهما مع أنَّها شرط بين اسم كان وخبره، وذلك أنَّ أفعل التفضيل إذا كان بـ (من) ولو مقدرة؛ فهو مفرد مذكر، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، ونحوه للكرماني، واعترضه البرماوي فقال: (إن عنى أنَّ اسمها ضمير اليد؛ صح ما قاله، والظاهر أنَّ اسمها يعود على المسح أو نحوه) انتهى.\nقلت: وهذا ممنوع، فإنَّ نسخة صاحب «عمدة القاري» التي شرح عليها كالكرماني بمثناة فوقية، ولهذا أعيد اسم (تكون) إلى اليد.\nفقوله: (والظاهر...) إلخ؛ ليس بظاهر، ولا صحيح، كما لا يخفى، نعم؛ لو كانت النسخة بمثناة تحتية يلزم أن يكون اسم (تكون) عائدًا على المسح، وليست النسخة كذلك، بل النسخ بالفوقية فلا يرد ما قاله؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: هذه الترجمة قد علمت من حديث الباب المتقدم في قوله: (ثم قال بيده الأرض، فمسحها بالتراب)، فما فائدة التكرار؟ وأجاب: بأنَّ في الباب الأول دلك اليد على التراب، وههنا دلك اليد على الحائط، وبينهما فرق) انتهى.\nزاد الكرماني فقال: (غرض البخاري من أمثاله؛ الشُّعور باختلاف استخراجات الشيوخ وتفاوت سياقاتهم؛ مثلًا: عمر بن حفص يروي هذا الحديث في معرض بيان المضمضة والاستنشاق في غُسل الجنابة، والحميدي رواه في معرض بيان مسح اليد بالتراب، فحافط على السياق، وما استخرجه الشيوخ فيه مع ما فيه من التقوية والتأكيد) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٤٩\"> </span>[حديث: أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده]\n٢٦٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا الحُميْديُّ)؛ بضمِّ الحاء المهملة، وسكون التحتية؛ مصغَّرًا، ولأبي ذر: (عبد الله بن الزَّبير الحميدي)؛ بفتح الزاي (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة؛ بضمِّ العين المهملة (قال: حدثنا الأعمش): هو سليمان بن مهران، (عن سالم)؛ بالسين المهملة (ابن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، (عن كُريب) بضمِّ الكاف؛ مصغَّرًا: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس): عبد الله ﵄، (عن مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ ﷺ، وخالة ابن عباس ﵄: (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ اغتسل من الجنابة) والفاء في قوله: (فغسل فرجه)؛ أي: مذاكيره؛ القبل والدبر وما حولهما بعد أن أفرغ بيمينه على شماله (بيده) اليسرى لتفصيل المجمل وللتعقيب، والمفصل يعقب المجمل، فلا يرد أنَّ غسله الفرج ليس متعقبًا على الغسل، وكذا الدلك والوضوء، (ثم دلك بها) أي: بيده (الحائط) وفي الرواية السابقة: (دلك يده بالتراب) وذلك لأجل أن يذهب أثر المني اللزج، وهذا موضع مطابقة الترجمة، (ثم غسلها)؛ أي: بالماء؛ ليكون الغسل أطهر وأنظف، (ثم توضأ وضوءه للصلاة) بأن تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه، وأفاض على جسده ثلاثًا، (فلما فرغ من غُسله)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: لجميع ما يمكن غسله من بدنه الشريف؛ (غَسل رجليه)؛ أي: بعد أن تنحى عن مكانه الذي اغتسل فيه تحرُّزًا عن الماء المستعمل.\nوزعم ابن حجر أنَّ هذه (الفاء) تفسيرية، وليست بتعقيبية؛ لأنَّ غسل الفرج لم يكن بعد الفراغ، ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: (من دقق النظر وعرف أسرار العربية يقول: الفاء ههنا عاطفة، ولكنها للترتيب؛ أي: المستفاد من (ثم) الدالة عليه، ومعنى الحديث: أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ اغتسل فرتب غسله، فغسل فرجه، ثم توضأ، وكون الفاء للتعقيب لا يخرجها عن كونها عاطفة) انتهى.\nوزعم العجلوني (أنَّ معنى كلام ابن حجر أنَّها تفصيلية محضة لا تعقيب فيها؛ لما ذكره، وذلك لا ينافي كونها عاطفة، لكن يرد عليه صحة التعقيب فيها لما ذكرنا؛ فافهم) انتهى.\nقلت: فإنَّ كونها للتعقيب معنًى صحيح فيها، فمنعه غير صحيح، على أنّه قد يقال كونها","vol":"1","page":136},{"text":"عاطفة ينافي أنَّها تفصيلية محضة؛ لأنَّ التعقيب من لوازم العطف، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما هو مقرر في محله، فما زعمه ابن حجر ليس بشيء؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر (أنَّ من فوائد هذا السياق الإتيان بـ (ثم) فيه الدالة على ترتيب ما ذكر فيه من صفة الغسل) انتهى.\nقلت: أشار فيه بـ (ثم) إلى أنَّ الوضوء لا يفعل إلا بعد غسل اليدين، وإزالة النجاسة من مني ونحوه من يديه؛ ليطمئن بزوالها قبل أن تشيع على جسده، لا أنَّ نفس غسل الجسد يلزم ترتيبه كما زعمه؛ لأنَّ جميع أعضاء البدن في الغسل متحدة حكمًا وعرفًا حتى قال صاحب «القنية»: (لو وضع الجنب إحدى رجليه على الأخرى في الغسل؛ تطهر السفلى بماء العليا)، فترجح الاتحاد الحكمي بالعرفي، بخلاف ما لو نقل البلة في الغسل من عضو بدن إلى عضو بدن آخر؛ حيث لا يجوز، كما لو نقل البلة في الوضوء من إحدى اليدين أو الرجلين إلى الآخر؛ فإنَّه لا يجوز أيضًا؛ لأنَّ أعضاء الوضوء مختلفة حقيقةً وعرفًا، وتمامه في «القُهْستاني» كذا في «منهل الطلاب»، فما زعمه ابن حجر ليس بشيء، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٤٥٠\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-450>[باب: هل يُدخل الجنب يده في الإناء]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (هل يُدخل)؛ بضمِّ التحتية (الجنب يده في الإناء) أي: الذي فيه الماء المطلق لأجل الاغتسال (قبل أن يغسلها)؛ أي: اليد بماء خارج الإناء؛ لترتفع جنابتها، (إذا لم يكن على يده قَذَر)؛ بالقاف والذال المفتوحتين؛ أي: شيء مستقذر ومستكره، وهو النجس؛ كالمني ونحوه (غير الجنابة)؛ أي: المعنوية، أمَّا الحسية التي هي المني، والبول، وغيرهما؛ فإنَّها يجب غسلها من الجنب وغيره قبل أن يدخلها في الإناء حتى لا ينجس الماء بذلك، وقد أشار المؤلف في هذه الترجمة إلى شيئين؛ أحدهما: نجاسة المني، والثاني: نجاسة الماء المستعمل، فإنَّه استنبط من الأثرين المذكورين والأحاديث الأربعة المذكورة هذا الحكم، وظاهره أنَّ هذا هو مذهب المؤلف رحمه الله تعالى.\nوقال صاحب «عمدة القاري»: (يشعر قوله: «غير الجنابة» بأن الجنابة نجس وليس كذلك؛ لأنَّ المؤمن لا ينجس، كما ثبت ذلك في «الصحيح») انتهى؛ يعني: أنَّ يد الجنب إذا كانت نظيفة من المني وغيره؛ يجوز له إدخال الإناء لأجل الاغتراف قبل أن يغسلها؛ لأنَّه ليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا؛ لقوله ﵇: «سبحان الله! إنَّ المؤمن لا ينجس».\nوزعم ابن حجر أنَّ قوله: (غير الجنابة)؛ أي: حكمها؛ لأنَّ أثرها مختلف فيه فدخل في قوله: (قذر).\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: لم تدخل الجنابة في القذر أصلًا؛ لأنَّها أمر معنوي لا يوصف بالقذر حقيقة، فما مراد هذا القائل من قوله: أي حكمها؟ فإن كان الاغتسال؛ فلا دخل له ههنا، وإن كان النجاسة؛ فقد قلنا: إنَّ المؤمن لا ينجس، وكذا إن كان مراده من قوله: لأنَّ أثرها؛ أي: المني، فهو طاهر في زعمه) انتهى.\nوزعم العجلوني فقال: وصف الجنابة بالنجاسة الحكمية وبالقذر مجازًا لا مانع منه، ولم يدَّعِ ابن حجر الحقيقة؛ ليردها، على أنَّه لا مانع أيضًا من جعل الاستثناء منقطعًا، وأثر الجنابة ما ينشأ عنها من كون مائها المستعمل في رفعها غير طهور أو نجس، فلا يدخل الجنب يده في الماء القليل؛ لئلا ينجس، وهذا المعنى صحيح، وإن أريد بالأثر المني؛ فكذلك؛ لأنَّه وإن كان طاهرًا عند الشافعي، لكنه فيه خلاف، فقيل بنجاسته، فلعل البخاري يرى ذلك، أو لأنَّه لا يلزم من طهارته أنَّه لا يغسل؛ لاستقذاره، فلذا قال: (غير الجنابة)، والشارح يشرح على مقتضى اللفظ الذي يشرحه، ثم يبين مذهبه إن شاء، سواء وافق ما تقتضيه العبارة أو لا؛ فتأمل.\nقلت: وهذا ممنوع، فلذا أَمر بالتأمل، فإنَّ قوله: (وصف الجنابة...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا يجوز حمل الكلام على المجاز إلا عند تعذُّر الحقيقة، وهنا هو ممكن؛ لأنَّ المراد بالجنابة المعنوية وهي نجاسة حكمية حقيقة، وأنَّ المراد بالقذر المني، وهو نجاسة حقيقية حقيقة، فإذا كانا كذلك؛ لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز، وهذا دأبهم يحملون الكلام على المجاز وهو لا يجوز إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا هو المانع.\nوقوله: (ولم يدع ابن حجر...) إلخ ممنوع؛ فإنَّه قد ادَّعاها بدليل أنَّه فسرها بالحكم، وأدخلها تحت القذر.\nولا ريب أنَّ زعمه الحقيقة، وقوله: (على أنَّه لا مانع...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه إذا أريد بالجنابة أثرها- وهو المني-؛ فلا ريب أنَّ الاستثناء يكون متصلًا، وإذا أمكن أن يكون متصلًا؛ لا يجوز العدول عنه إلى المنقطع.\nوقوله: (وأثر الجنابة...) إلخ هذا يؤيد كون الاستثناء متصلًا؛ لأنَّ قوله: (وأثر الجنابة...) إلخ دليل على أنَّ أثر الجنابة نجس حقيقة؛ لأنَّ قوله: (غير طهور) هو النجس من حيث إنَّه لا يجوز الوضوء والغسل به.\nوقوله: (أو نجس) هو الحقيقي، على أنَّه لا دخل لهذا الكلام هنا؛ لأنَّ المراد بالأثر السبب، وهو المني، وما ينشأ عن الجنابة من مائها إنَّما هو أثر الغسل لا أثر الجنابة، ألا ترى إذا سئلت عن هذا الماء ما تجيب؟ ولا يسع أحدًا أن يجيب إلا بماء الاغتسال، كما هو ظاهر، ووصفه بأنَّه غير طهور أو نجس أمرٌ آخر لا دخل له هنا؛ لأنَّ المراد أنَّ يد الجنب إذا كانت نظيفة؛ جاز له إدخالها الإناء، ولا يوصف بالاستعمال، كما قررناه.\nوقوله: (فلا يدخل...) إلخ هو رد لكلامه الأول، فقد اعترف بما منع.\nوقوله: (وإن أريد بالأثر...) إلخ ظاهر، إلا أنَّ قوله: (لأنَّه وإن كان...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ كون المني طاهرًا في زعمه يمنع تفسير الجنابة بالحكم وإدخالها تحت القذر، وما هذا إلا تناقض من ابن حجر، فإنَّه قد خبط وخلط.\nوقوله: (فقيل بنجاسته...) إلخ هذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين.\nوقوله: (فلعل...) إلخ ظاهر؛ فإنَّه قد علم ذلك من الترجمة والاستدلال أنَّ مذهب المؤلف نجاسة المني، كما هو قول الجمهور.\nوقوله: (أو لأنَّه لا يلزم...) إلخ ممنوع، فإنَّه إذا وجب غسل الشيء لما أصابه يلزم أن يكون الذي أصابه نجسًا؛ لأنَّه لو لم يصبه لم يجب غسله، ألا ترى أنَّ البول يجب غسله؛ لأنَّه نجس، والبزاق لا يجب غسله؛ لأنَّه طاهر، فالغسل الواجب المراد به هنا لا يجب إلا للنجس، فيلزم القول بطهارته أنَّه لا يجب غسله، مع أنَّه صرح في الترجمة بأنَّه يغسل المني؛ لأنَّه نجس؛ لأنَّ المراد بالجنابة: الأثر، كما فسره، وما هذا إلا تناقض ظاهر.\nوقوله: (والشارح يشرح...) إلخ ممنوع؛ فإنَّ الواجب على الشارح أن يبين الحق الصحيح، لا يقتصر على بيان ما ذهب إليه إمامه ترويجًا له، على أنَّ مقتضى اللفظ يخالف ما فسره ابن حجر، كما علمت، وهو غير موافق لما ذهب إليه إمامه فقد خبط وخلط؛ لأنَّ كلامه لا يوافق ما ذهب إليه المؤلف، ولا ما ذهب إليه إمامه، وكان مراده موافقة مذهبه، لكنه اختلط عليه الشرح، فلا يدري ما تكلم، وهذا من هفواته، كما بينه في «إيضاح المرام».\n (وأدخل) هذه الواو تسمى واو الاستفتاح يستفتح بها كلامه، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» (ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب (والبَرَاء)؛ بفتح الباء الموحدة، والراء المخففة (بن عازب) رضي الله تعالى عنهم (يداه)؛ بالتثنية، وفي رواية: (يده)؛ بالإفراد؛ أي: أدخل كل واحد منهما يده (في الطَّهور)؛ بفتح الطاء: وهو الماء الذي يتطهر به في الوضوء والاغتسال، (ولم يغسلاها)؛ بالتثنية أيضًا، وفي رواية: (ولم يغسلها)؛ بالإفراد؛ أي: اليد كل واحد منهما، (ثم توضَّأا)؛ بالتثنية أيضًا، وفي رواية بالإفراد؛ أي: كل واحد منهما.\nقال في «عمدة القاري»: وهذا الأثر غير مطابق للترجمة على الكمال؛ لأنَّ الترجمة مقيَّدة، والأثر مطلق، أمَّا أثر ابن عمر ﵄؛ فقد وصله سَعِيْد بن منصور بمعناه، وأمَّا أثر البَرَاء؛ فقد وصله ابن أبي شيبة بلفظ: (أنَّه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها).\nفإن قلت: روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عمر ﵄ قال: (من اغترف من ماء وهو جنب؛ فما بقي نجس)، وهذا يعارض ما ذكره البخاري، قلت: حملوا هذا على ما إذا كان بيده قذر توفيقًا بين الأثرين انتهى.\nقلت: والقذر كالمني، والبول، وغيرهما.\nوزعم ابن حجر:","vol":"1","page":137},{"text":"بأن يحمل الغسل على الندب، والترك على الجواز، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: قلت: (كيف يكون تركه للجواز إذا كان بيده قذر، وإن لم يكن؛ فلا يضر، فلم يحصل التوفيق بينهما بما ذكره هذا القائل، وهذا الأثر من أقوى الدلائل لمن ذهب من الأئمَّة الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل؛ فافهم) انتهى.\nوزعم العجلوني على الأول أنَّه ليس في قول ابن حجر: (أو غسل للندب، وترك للجواز) ما يدل على أنَّ القذر لو وجد؛ كان نجسًا، ولو لم يوجد قذر؛ جاز أن يغسلهما لأمر آخر لمزيد النظافة.\nقلت: وهو ممنوع ومردود، فإنَّ ما زعمه ابن حجر من أنَّه غسل للندب وترك للجواز يدل على أنَّه كان بيده قذر، والقذر نجس وهو ينجس الماء، وهو صريح لفظ الأثر، فإنَّ لفظه: (فما بقي منه نجس)، وإنَّما ينجس الماء القذر النجس، وإن لم يوجد على يده قذر؛ فلا يضر الغسل، وهذا ظاهر من لفظ الأثر صريحًا، فقول العجلوني: (ليس...) إلخ مردود على أنَّ قوله: (ولو لم يوجد...) إلخ مردود؛ لأنَّه إمَّا أن يظن أو يتيقن، فإن أراد الأول؛ فليس بشيء؛ لأنَّه وهم، والأحكام لا تبنى عليه، وإن كان الثاني؛ فإنَّه يرجع إلى الأول.\nوقوله: (لأمر آخر...) إلخ مردود؛ فإنَّ الغسل لمزيد النظافة لا يكون الماء الباقي نجسًا، وقد صرح في الأثر (باب ما بقي منه نجس)، وعلى كلٍّ؛ فلم يوجد التوفيق، فكيف قال العجلوني ما قال؟ فليحفظ.\nوزعم العجلوني على الثاني، فقال بعد ثبوته -أي: الأثر-: علمت الجواب عنه؛ أي: وهو أنَّه محمول على أنَّه كان في يده قذر؛ كما قدمناه.\nقلت: وهذا تعصب وتعنت، فإنَّ الأثر ثابت لا محالة؛ لأنَّه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن محمَّد بن فضيل، عن أبي سنان ضرار، عن محارب، عن ابن عمر ﵄، وهو يدل على أنَّ الماء المستعمل نجس، والجواب المذكور ممنوع؛ لأنَّه تأويل غير صحيح، فأي دليل جاء على أنَّه كان في يده قذر؟ وما هي إلا دعوى باطلة، مع أنَّ الأصل عدم القذر ومدعيها مطالب بالدليل، ولم يوجد هذا، وقد روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عمر: (أنَّه كان يغسل يده قبل التطهُّر)، وهو عام يشمل الجنابة والحدث الأصغر، وهو أيضًا يدل على أنَّ الماء المستعمل نجس، فاحتمال وجود القذر عليها بعيد جدًّا؛ لأنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ فليحفظ.\nوقال في «عمدة القاري»: (وفي الأثر المذكور جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها نجاسة حقيقية، وقال الشَّعبي: «كان الصحابة يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها، وهم جنب، وكذا النساء ولا يفسد ذلك بعضهم على بعض»، ورُوِيَ نحوه عن ابن سيرين، وعطاء، وسالم، وسعد بن أبي وقاص، وسَعِيْد بن جبير، وابن المسيب) انتهى.\nقلت: والظاهر: أنَّ إدخال أيديهم كانت لأجل الاغتراف لا مطلقًا، كما زعمه العجلوني، فإنَّ الآثار التي عن ابن عمر والبَرَاء صريحة في أنَّ الإدخال إنَّما كان لأجل الاغتراف، وهي أقوى وأرجح من نقل الشعبي؛ فليحفظ.\n (ولم ير) من الرؤية، وهي الاعتقاد (ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب (وابن عباس): هو عبد الله بن عباس ﵄ (بأسًا) أي: مشقة (بما ينتضح)؛ أي: يرتش (من غُسل الجنابة)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: حال الاغتسال.\nقال في «عمدة القاري»: (وجه مطابقة هذا الأثر بالتعسف يأتي، وهو من حيث إنَّ الماء الذي يدخل الجنب يده فيه لا ينجسه إذا كانت طاهرة، فكذلك انتشار الماء الذي يغتسل به الجنب في إنائه؛ لأنَّ في تنجسه مشقة؛ أي: فإنَّه مما يشق الاحتراز عنه، فكان معفوًّا عنه، ألا ترى كيف قال الحسن البصري: ومن يملك انتشار الماء؛ فإنَّا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا.\nأمَّا أثر ابن عمر؛ فوصله عبد الرزاق بمعناه.\nوأمَّا أثر ابن عباس؛ فرواه ابن أبي شيبة عن حفص، عن العلاء بن المسيب، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن ابن عباس في الرجل يغتسل من الجنابة، فينتضح في إنائه من غسله، فقال: (لا بأس به)، وهو منقطع فيما بين إبراهيم وابن عباس، روي مثله عن أبي هريرة، وابن سيرين، والنخعي، والحسن فيما حكاه ابن بطال عنهم، ويقرب من ذلك ما روي عن الإمام أبي يوسف رحمة الله عليه فيمن كان يصلي فانتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم؛ فإنَّه لا يفسد صلاته، بل ينصرف ويغسل ذلك ويبني على صلاته) انتهى كلام «عمدة القاري».\nقلت: وفي هذا الأثر أنَّ ما يصيب الإنسان من الرشاش من غُسله حال الجنابة معفوٌّ عنه؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، وفيه: دليل لمن ذهب من الأئمَّة الحنفية إلى أنَّ الماء المستعمل نجس؛ لأنَّه إنَّما عفي عن الرشاش؛ لعدم الاحتراز عنه، أمَّا الذي أمكن الاحتراز عنه؛ فليس هو من المعفوِّ عنه، فيكون نجسًا، على أنَّ قوله: (ولم ير بأسًا) يفيد أنَّ الاحتراز عن الرشاش أحسن وأولى؛ لأنَّه إنَّما عفي عنه؛ للضرورة، وإذا لم يكن ضرورة؛ فلا عفوًا، وهذا ظاهر.\nونقل ابن التين عن الحسن أنَّه قال: (إن كانت جنابته من وطء، ويده نظيفة؛ فلا بأس بها، وإن كانت من احتلام هراقه ليلًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يده، فيصيبه، فأفاد بقوله: «فلا بأس أنَّ المعفو عنه الاغتراف للضرورة الداعية لتناول الماء»؛ يعني: وإذا لم يكن ضرورة؛ فلا يعفى عنه، فظاهره أنَّه ينجس الماء).\nوأفاد بقوله: (وإن كانت من احتلام...) إلخ إلى أنَّه ينجس الماء، وبه صرح ابن حبيب، فقال: من أدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ساهيًا، أو عامدًا؛ فلا شيء عليه، إلا أن يكون بات جنبًا؛ فلا يدري ما أصاب يده من جنابته، فإن أدخلها قبل الغسل؛ نجس الماء.\nفإنَّ قوله: (فلا شيء عليه)؛ يعني: فيما إذا كان لأجل الاغتراف.\nوقوله: (إلا أن يكون...) إلخ ظاهره يدل على نجاسة المستعمل، وفيه: دليل ظاهر على نجاسة المني؛ حيث لا يصيب الإنسان من جنابته إلا المني، ورطوبة الفرج، وهذا ظاهر، وعلى كل حال؛ فهذه الآثار تدل على نجاسة المستعمل، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٥١\"> </span>[حديث: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف]\n٢٦١ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسَلَمَة)؛ بفتح الميم الأولى والثانية؛ هو القعنبي، ولذا زاد مسلم: (ابن قعنب) (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (أَفْلَح)؛ بفتح الهمزة واللام، وسكون الفاء، آخره حاء مهملة (بن حُميد)؛ بضمِّ الحاء المهملة، الأنصاري المدني، وقد وقع في نسختنا الصحيحة هكذا، (أفلح بن حميد)؛ بذكر أبيه (حميد)، كما وقع في رواية مسلم، وفي أكثر النسخ: (أفلح) غير منسوب، وهو ابن حميد بلا خلاف، وليس في البخاري غيره، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، (عن القاسم بن محمَّد): هو ابن أبي بكر الصديق ﵄ أجمعين، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄، (قالت: كنت أغتسل) أي: من الجنابة (أنا والنبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ بالرفع عطف على الضمير المرفوع في (كنت)، وأبرز الضمير؛ ليصح العطف عليه، ويجوز فيه النصب على أنَّه مفعول معه، فتكون الواو للمصاحبة، كذا في «عمدة القاري» (من إناء واحد تختلف أيدينا فيه)؛ أي: في الإناء، والظاهر أنَّه الفرق، وهو صاعان، كما قدمنا، والجملة محلها النصب؛ لأنَّها حال من قوله: (من إناء واحد)، والجملة بعد المعرفة حال، وبعد النكرة صفة، والإناء هنا موصوف، ومعنى اختلاف الأيدي في الإناء؛ يعني: الإدخال فيه، والإخراج منه.\nوفي رواية مسلم في آخره: (من الجنابة)؛ أي: لأجل الجنابة.\nوفي رواية أبي عَوانة وابن حبان بعد قوله: (تختلف أيدينا فيه: وتلتقي).\nوفي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح: (تختلف فيه أيدينا؛ يعني: حتى تلقتي).\nوفي رواية البيهقي من طريقه: (تختلف أيدينا فيه؛ يعني: وتلتقي)، وفيه إشعار بأنَّ قوله: (وتلتقي) مدرج.\nوفي رواية أخرى لمسلم من طريق معاذ عن عائشة: (فيبادرني حتى أقول: دع لي).\nوفي رواية النسائي وأبي ذر: (حتى يقول: دع لي)، ومما يستنبط منه: جواز اغتراف الجنب من الماء الذي في الإناء، وجواز","vol":"1","page":137},{"text":"التطهير بذلك الماء، وبما يفضل منه، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري»، ثم قال: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث جواز إدخال الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها قذر، يدل عليه قول عائشة: «تختلف أيدينا فيه»، واختلاف الأيدي في الإناء لا يكون إلا بعد الإدخال، فدل ذلك على أنَّه لا يفسد الماء، فإن قلت: الترجمة مقيدة، وهذا الحديث مطلق.\nقلت: القيد المذكور في الترجمة مراعًى في الحديث للقرينة الدالة على ذلك؛ لأنَّ شأن النبيِّ ﷺ وشأن عائشة أجل من أن يدخلا أيديهما في إناء الماء، وعلى أيديهما ما يفسد الماء، وحديث هشام الآتي أقوى القرائن على ذلك، وهذا هو التحقيق في هذا الموضع، وبهذا ظهر فساد ما ذكره الكرماني من أنَّ ذلك ندب، وهذا جائز) انتهى كلام «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أنَّ في الحديث دلالة على أنَّ النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنَّما هو للتنزيه؛ كراهية أن يستقذره لا لكونه يصير نجسًا بانغماس الجنب فيه.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: (هذا الكلام على إطلاقه غير صحيح؛ لأنَّ الجنب إذا انغمس في الماء الدائم لا يخلو إمَّا أن يكون ذلك الماء كثيرًا أو قليلًا، فإن كان كثيرًا؛ نحو الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، فإنَّ الجنب إذا انغمس فيه لا يفسد الماء، وهل يطهر الجنب أم لا؟ فيه خلاف) انتهى.\nواعترضه العجلوني فقال: (لا إطلاق في كلامه للقرينة الدالة على التقييد، وهي قوله: «كراهية أن يستقذر»، ولئن سلمنا أنَّه مطلق؛ فالنهي للتنزيه، كما قال، وحينئذٍ فلا يفسد الماء بتنجيسه وإن كان يسلبه الطهورية لو كان قليلًا) انتهى.\nقلت: وهو مردود، فإنَّ الإطلاق في كلامه ظاهر.\nوقوله: (كراهية أن يستقذر) ليس بقرينة على عدم الإطلاق؛ لأنَّ القرائن لا بد لها من دليل، ولم يوجد، بل القرينة ظاهرة على الإطلاق؛ لأنَّه ﵇ حين يتوضأ؛ يبتدر الصحابة وضوءه، فهو دليل على أنَّ قوله: (كراهية أن يستقذر) ممنوع؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما فعل الصحابة ذلك، وصرح أئمتنا بجواز شربه، والعجن به، وغير ذلك.\nوقوله: (ولئن سلمنا...) إلخ تسليم منه هذا الإطلاق.\nوقوله: (فالنهي للتنزيه...) إلخ ممنوع؛ فإنَّه ﵇ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة»، فهذا النهي مطلق، وهو يوجب التحريم، كما هو ظاهر على أنَّ فساد الفعل مشروع عندنا، وهو قول الجمهور خصوصًا على قول إمامه الشافعي إذا تجرد عن التأكيد، فكيف وقد أُكِّد؟ ولأنَّه لو كان كذلك؛ لما قُيِّد بالدائم، فالجاري يشاركه فيه، ولأنَّه نهاه عن الاغتسال مع شدة الاحتياج إليه؛ لأنَّه مأمور به، فلو لم يستأثر المأمور به؛ لم يفد النهي، وكلام الشارع مصون عن عدم الفائدة، ولأنَّ القياس في الكثير أن ينجس؛ لأنَّ الجزء الذي لاقته النجاسة ينجس بملاقاة النجاسة إياه، وإذا تنجس ذلك الجزء؛ تنجس الجزء الذي يليه بالسريان إليه، وهكذا حتى ينجس جميع الماء، لكن تركنا القياس في الكثير؛ للضرورة؛ لأنَّ صون الكثير في الأواني غير ممكن ولا ضرورة في القليل؛ لإمكان صونه في الأواني، فعملنا فيه بالقياس، وتمامه في «منهل الطلاب»؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٥٢\"> </span>[حديث: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يده]\n٢٦٢ - وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا حمَّاد)؛ بالحاء المهملة، وتشديد الميم: هو ابن زيد؛ لأنَّ البخاري لم يرو عن حمَّاد بن سَلَمَة، كذا قاله في «عمدة القاري»، (عن هشام): هو ابن عروة، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام ﵄، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: كان رسول الله ﷺ) وأفادت (كان) أنَّ ذلك كان على الدوام والاستمرار (إذا اغتسل من الجنابة)؛ أي: إذا أراد الاغتسال منها؛ (غسل يده)؛ بالإفراد، وفي رواية: (يديه)؛ بالتثنية؛ أي: قبل أن يدخلهما الإناء.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (هذا الحديث مفسِّر للحديث السابق؛ لأنَّ في الحديث السابق اختلاف الأيدي في الإناء، وظاهره يتناول اليد الطاهرة واليد التي عليها ما يفسد الماء، وبيَّن في هذا أنَّه إذا اغتسل من الجنابة؛ غسل يده؛ يعني: إذا أراد الاغتسال من الجنابة؛ غسل يده، ثم بعد ذلك لا يضر إدخاله اليد في الإناء، لكن هذا عند خشيته من أن يكون بها أذى من الجنابة أو غيرها، أمَّا عند تيقنه بطهارة اليد، فلم يكن يغسلها؛ فبهذا ينتفي التعارض بينهما، أو يكون الحديث السابق محمولًا على تيقنه بعدم طهارة الأخرى، وهذا بظاهره يدل على أنَّه يغسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لعدم تيقنه بطهارتها)، ثم قال: والبخاري أخرج هذا الحديث مختصرًا، وأخرجه أبو داود في (الطهارة) عن سليمان بن حرب ومسدد؛ كلاهما عن حمَّاد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة) قال سليمان: (يبدأ فيفرغ بيمينه)، وقال مسدد: (غسل يده، فصب الإناء على يده اليمنى)، ثم اتفقا: (فيغسل فرجه)، ثم مسدد: (يفرغ على شماله- وربما سكت عن الفرج- ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، ثم يدخل يده في الإناء، فيخلل شعره حتى إذا رأى أنَّه أصاب البشرة أو أنقى البشرة؛ أفرغ على رأسه ثلاثًا، وإذا فضل فضلة؛ صبَّها عليه) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٥٣\"> </span>[حديث: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من جنابة]\n٢٦٣ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد): هو هشام بن عبد الملك البصري الطيالسي (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (عن أبي بكر بن حفص): هو ابن غياث، (عن عروة): هو ابن الزبير بن العوام، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت) وفي رواية بحذف (قالت): (كنت أغتسل أنا والنبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ بالرفع والنصب، وسبق توجيههما قريبًا، (من إناء واحد من جنابة) وفي رواية الكشميهني: (من الجنابة)، وههنا كلمة (من) في موضعين، فالأولى متعلقة بمقدر؛ كقولك: خذ من الماء من إناء واحد، أو الأولى ظرف مستقر، والثانية لغو، ويجوز تعلق الجارين بفعل واحد إذا كان بمعنيين مختلفين، فإنَّ الثانية بمعنى لأجل الجنابة، والأولى بمعنى الابتداء، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، (وعن عبد الرحمن) هذا معطوف على قول شعبة: (عن أبي بكر حفص)، (بن القاسم): هو ابن محمَّد الفقيه الرضي بن الرضي، وأمه أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، قال ابن عيينة: (لم يكن بالمدينة رجل أرضى من عبد الرحمن، كان ثقة، ورعًا، كثير الحديث، مات سنة ست وعشرين ومئة، قيل: بالمدينة، وقيل: بالقدس)، (عن أبيه): هو القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄ (مثله)؛ بالنصب والرفع؛ أي: مثل حديث شعبة، عن أبي بكر بن حفص، وللأَصيلي: (بمثله)؛ بزيادة الموحدة.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (فبيَّن بهذا أنَّ لشعبة إسنادين إلى عائشة؛ أحدهما: عن عروة، والآخر: عن القاسم، وكلاهما عن عائشة، لا يقال: إنَّ رواية عبد الرحمن معلقة؛ لأنَّا نقول: قد بيَّن اتصالها أبو نُعيم والبيهقي من طريق أبي الوليد بالإسنادين، وقالا: أخرجه البخاري عن أبي الوليد بالإسنادين جميعًا، وكذا قال أبو سَعِيْد وغيره في «الأطراف»، وكذا أخرجه النسائي في «الطهارة» عن ابن عبد الأعلى، عن ابن الحارث، عن شعبة به) انتهى.\nقلت: فهو موصول، ومن زعم أنَّه معلق؛ فقد أخطأ ووهم؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٥٤\"> </span>[حديث: كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد]\n٢٦٤ - وبالسَّند قال: (حدثنا أبو الوليد): هو هشام الطيالسي المتقدم، (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج، (عن عبد الله بن عبد الله)؛ بتكرار (عبد) مع التكبير في الاسمين (بن جَبْر)؛ بفتح الجيم، وسكون الباء الموحدة: (سمعت أنس بن مالك ﵄ يقول) والجملة محلها نصب على الحال لا مفعول ثاني لـ (سمعت)، كما تقدم مرارًا: (كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ والمرأةَُ)؛ بالرفع على العطف، والنصب على المعية، واللام للجنس، فيشمل كل امرأة (من نسائه) رضي الله تعالى عنهن الطاهرات (يغتسلان من إناء واحد) وهذا الإسناد بعينه ذكر في باب (علامة الإيمان) لكن بمتن آخر، وهو ثالث الإسناد لشعبة في هذا المتن، لكن من طريق صحابي آخر، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: (ومطابقة هذا الحديث والذي قبله وإن لم يذكر فيهما غسل","vol":"1","page":138},{"text":"اليد، ولكنهما محمولان على معنى الحديث الثاني، وهو القذر، وهو كاف للتطابق، ولا معنى لتطويل الكلام بلا فائدة نافعة، كما ذكره ابن بطال، وابن المُنيِّر، وغيرهما) انتهى؛ فليحفظ، ثم قال: (وهذا الحديث من أفراد البخاري) انتهى.\nقلت: ولا ينافيه قول المؤلف: (زاد مسلم)؛ لأنَّه ليس هذا مسلم بن الحجاج صاحب «الصحيح» المشهور، فإنَّه قد أخذ عن المؤلف، بل هذا هو مسلم بن إبراهيم الأزدي الحافظ الثقة من مشايخ المؤلف، فالمؤلف وقع بين مسلمين (ووهب): هو ابن جرير بن حازم، وفي رواية الأَصيلي وأبي الوقت: (ابن جرير)؛ أي: ابن حازم، وبذلك جزم أبو نُعيم وغيره، ووقع في رواية أبي ذر: (وُهَيب)؛ بالتصغير، والظاهر أنَّه من الكاتب، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر (أنَّ وهيبًا (^١)؛ بالتصغير في ظني أنَّه وهم، ومن جملة إثبات الوهم أنَّ وهب بن جرير من الرواة عن شعبة، ووهيب من أقرانه).\nورده صاحب «عمدة القاري» بأنَّ كونه من أقرانه لا يقتضي منع الرواية عنه، انتهى.\nواعترضه العجلوني فزاد في الطنبور نغمة على ابن حجر، فزعم أنَّه لما كان الغالب في الأقران عدم رواية أحدهما عن الآخر؛ صح ما قاله.\nقلت: وهو مردود، فإنَّ المفهوم من كلامه أنَّه قد يأخذ الأقران من الأقران وتروي الأقران عن الأقران؛ فصح ما قاله إمام الشارحين، وبطل ما قاله ابن حجر، على أنَّ دعوى كون الغالب في الأقران... إلخ فيما إذا كانوا بصفة الكبر والعجب؛ فإنَّ أحدهم لا ينزل نفسه منزلة التلميذ، كما في زماننا، أمَّا في الأزمان الماضية؛ فالغالب عليهم التواضع والأدب، فالغالب في أقرانهم رواية أحدهما عن الآخر، وهو ظاهر؛ فليحفظ.\nفذكر مسلم ووهب في روايتهما لهذا الحديث، (عن شعبة) بهذا الإسناد الذي رواه عنه أبو الوليد، فزاد في آخره: (من الجنابة) وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن وهب حدثنا شعبة، وقال: لم يذكر (من الجنابة)، وذلك بعد أن أخرجه بغير هذه الزيادة أيضًا من طريق ابن مهديٍّ.\nفإن قلت: هل يعد هذا الحديث الذي رواه مسلم ووهب متصلًا أو معلَّقًا؟\nقلت: الظاهر: أنَّه تعليق من البخاري بالنسبة إليه؛ لأنَّه حين وفاة وهب كان ابن ثنتي عشرة سنة، ويحتمل أنَّه كان قد سمع منه، وإدخاله في مسلك مسلم يرد ذلك أيضًا.\nفإن قلت: لم يذكر شيخ شعبة؟\nقلت: يحمل على الشيخ المذكور في الإسناد المتقدم، وهو عبد الله، فكأنَّه عن شعبة، عن عبد الله قال: سمعت أنسًا ﵁، كذا في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم؛ اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.\nوفي يوم السبت التاسع من جماد الثاني سنة سبع وسبعين ومئتين وألف احترق سوق القطن، وأخذ دارًا من زقاق البرغل حتى وصلت الحريقة إلى باب الحديد باب السيدة جابية؛ بسبب أنَّ الحاكم نبه أنَّه لا يطلع أحد ليلًا من أهل البلد من الساعة الثالثة (^٢) ليلًا إلى الساعة الثانية عشرة (^٣) نهارًا؛ اللهم؛ اكشف عنا العذاب إنَّا مؤمنون يا أرحم الراحمين، آمين.\n\n <span id=\"b-٤٥٥\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-455>[باب تفريق الغُسل والوضوء]</span>\nهذا (باب) حكم (تفريق الغُسل) بضمِّ الغين المعجمة (والوضوء) هل هو جائز أم لا؟ كذا قدره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني، قال في «عمدة القاري»: (وذهب البخاري إلى أنَّه جائز، وأيده بفعل ابن عمر ﵄ على ما نذكره، وهذا الباب وقع في بعض النسخ بعد الباب الذي يليه، وفي أكثرها قبله، كما ترى ههنا، والمناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على فعل جائز، أمَّا في الباب قبله؛ فجائز إدخال اليد في إناء الماء إذا كانت طاهرة، وأمَّا في هذا الباب؛ فجواز التفريق في الغسل والوضوء) انتهى كلامه.\nوزعم العجلوني فقدر (جواز) فقط تبعًا للتقدير الذي زعمه ابن حجر، قال العجلوني: (وهو أولى؛ لأنَّ ما ذكره المؤلف في الباب لا يدل إلا على الجواز) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، فإنَّه لا يلزم مما ذكره في الباب أنَّه يدل على الجواز أن يكون جائزًا بالإجماع، فإنَّ المؤلف وإن كان مذهبه الجواز، لكن ليس مراده بيان مذهبه، بل مراده بيان الأحكام وبيان مذاهب الناس من الجواز وعدمه، على أنَّ تفريق الغسل والوضوء فيه خلاف كما يأتي، فكيف قال العجلوني تعصبًا وتعنتًا ما قال؟ فافهم.\n (ويُذكر) بضمِّ التحتية أوله على صيغة المجهول (عن ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهذا تعليق بصيغة التمريض، ولو قال: وذكر ابن عمر، على صيغة المعلوم لأجل التصحيح؛ لكان أولى؛ لأنَّه جزم بذلك.\nومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة في الوضوء، كذا قاله إمام الشارحين؛ فليحفظ.\nوزعم العجلوني أنَّه لم يجزم به؛ لكونه ذكره بالمعنى.\nقلت: لا يلزم من روايته بالمعنى ذكره بصيغة التمريض، ولعله عند صيغة المجهول والمعلوم واحدة، أو أنَّ في سنده الموصول عند البيهقي رجلًا متهمًا غير معتمد عليه؛ فتأمل.\n (أنَّه غسل قدميه) أي: رجليه (بعد ما جف وَضوءه)؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الذي توضأ به، وفي رواية بضمِّها، وقد وصله البيهقي عن ابن عمر: (أنَّه توضأ بالسوق، فغسل وجهه، ويديه، ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها)، فهذا نص صريح في عدم وجوب الموالاة بين الأعضاء في التطهير، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وابن عمر، وابن المسيب، وعطاء، وطاووس، والنخعي، والحسن، وسفيان بن سَعِيْد، ومحمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال الإمام الأعظم: إنَّ الموالاة سنة لهذا الحديث، ولأنَّ الله تعالى إنَّما أوجب غسل هذه الأعضاء، فالواجب على الإنسان أن يأتي به سواء كان مفرقًا أو مواصلًا، وهذا قول الشافعي في الجديد وهو الأصح، ورُوِيَ عن عمر، وقتادة، وربيعة، والأوزاعي، والليث، وابن وهب أنَّ الموالاة واجبة، فلو تركها ناسيًا أو عامدًا؛ لا يجزئه، وهو قول الشافعي في القديم، وهو المشهور عن مالك.\nوقال ابن القاسم: (إنَّ فرقه يسيرًا أو ناسيًا؛ يجزئه، وعن مالك يجزئه في الممسوح دون المغسول، لكن صرح ابن الحاجب في «مختصره»: أنَّ الأصح أنَّ الموالاة واجبة في الوضوء والغسل مطلقًا) انتهى.\nومذهب أحمد أنها فرض في الوضوء، سنة في الغُسل على الصحيح، وفي رواية عن أحمد: أنها سنة في الوضوء أيضًا، كما في «المنتهى»، قال: فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ..﴾؛ الآية [المائدة: ٦]، الأول: شرط، والثاني: جواب، فإذا وجد الشرط؛ وجب ألَّا يتأخر جوابه، وهذا في (الوضوء) يدل على الموالاة أنَّها واجبة.\nقلت: وهو لا يدل على الوجوب؛ لأنَّه لا يلزم من وجود الشرط والجواب ألَّا يكون الجواب متأخرًا عن الشرط؛ لأنَّ المأمور به إنَّما هو غسل هذه الأعضاء، وهو يشمل الوصل والتفريق في غسلها، ويدل لهذا فعل ابن عمر ﵄، واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود: (أنَّ النبيَّ ﵇ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدميه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء).\nقلت: وهو لا يدل على وجوب الموالاة؛ لاحتمال أنَّ الرجل غسل قدميه، وجف هذا الموضع؛ لأنَّ الحر حر الحجاز، فأمره بإعادة الوضوء؛ لوجود ناقض للوضوء من إخراج دم ولم يشعر الرجل، أو غيره، أو أنَّه أمره بإعادة الوضوء زجرًا له حيث إنَّه لم يسبغ الوضوء، أو غير ذلك، والدليل: إذا طرأه الاحتمال؛ بطل الاستدلال به؛ فليحفظ، والعجب من العجلوني مع تعصبه لمذهب إمامه لم يتعرَّض لهذا الاستدلال، بل نقله ومضى عليه؛ فافهم.\nأمَّا الغُسل؛ فالموالاة فيه غير واجبة إجماعًا؛ لأنَّ المغسول منه بمنزلة العضو الواحد، كما قدمناه، فلو اغتسل، ثم تمضمض أو استنشق؛ صح غسله؛ لأنَّ البدن عضو واحد؛ فليحفظ.\nوقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (جفوف الوضوء ليس بحدث؛ فلا ينقض، كما أنَّ جفوف سائر الأعضاء لا تبطل الطهارة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٤٥٦\"> </span>[حديث: وضعت لرسول الله صلى الله عليه سلم ماءً يغتسل به فأفرغ على يديه فغسلهما]\n٢٦٥ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن مَحبوْب)؛ بموحدتين\n_________\n(^١) في الأصل: (وهيب)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (هو ثلاثة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (اثني عشر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":138},{"text":"بينهما واو ساكنة، قبلها حاء مهملة ساكنة، أوله ميم مفتوحة؛ هو أبو عبد الله البصري، قيل: محبوب لقب، واسمه الحسن، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا عبد الواحد): هو ابن زياد- بكسر الزاي- البصري (قال: حدثنا الأعمش): هو سليمان بن مهران، (عن سالم)؛ بالسين المهملة (بن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، آخره دال مهملة، (عن كُريب) بضمِّ الكاف (مولى ابن عباس) ﵄، (عن ابن عباس): هو عبد الله ﵄ (قال: قالت مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ الأعظم ﷺ، وخالة ابن عباس ﵄: (وضعت للنبيِّ) الأعظم، وفي رواية: (لرسول الله) (ﷺ) وقد تقدم هذا المتن من رواية موسى بن إسماعيل عنه في باب (الغسل مرة واحدة)، غير أنَّ في بعض ألفاظها اختلافًا، كما ترى (ماء يغتسل به) وهناك: (ماء للغُسل)؛ أي: من الجنابة، (فأفرغ على يديه، فغسلهما)، وهناك: (فغسل يديه) (مرتين) بلا تكرار (مرتين)، وفي رواية بتكرار (مرتين)، (أو ثلاثًا) الظاهر أنَّ الشك من ميمونة، ويحتمل غيرها، (ثم أفرغ)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (بيمينه على شماله) وهناك: (ثم أفرغ على شماله)، (فغسل مذاكيره)؛ أي: القبل والدبر، وما حولهما، (ثم دلك يده بالأرض) وهناك: (ثم سمح يده بالأرض)؛ أي: لما لزق فيها من المني للزاجته، (ثم تَمضمض)؛ بالمثناة الفوقية أوله، وفي رواية بحذفها (واستنشق)؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن، (ثم غسل وجهه)؛ أي: ولحيته الشريفة، (ويديه) الشريفتين، (وغسل) وهناك: (ثم غسل) (رأسه)؛ أي: وشعره إلى أن بلغ الماء أصوله (ثلاثًا) الظاهر: رجوعه إلى هذه الجملة الأخيرة فقط؛ لأنَّ القاعدة الأصولية في مذهب الأئمَّة الحنفية أنَّ القيد إذا تأخر عن جمل؛ يختص بالمتأخر منها، ويحتمل على بُعْدٍ رجوعُه لجميع الأفعال السابقة؛ بناء على ما زعمه الشافعية من أنَّ القيد إذا تأخر عن جمل؛ يعود على الكل وإن كان خلاف الظاهر، وإن استظهره الكرماني وغيره ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم؛ فليحفظ، (ثم أفرغ) ﵇ من الإفراغ؛ أي: صب الماء (على جسده) وهناك: (ثم أفاض على جسده)؛ أي: كله مرة واحدة، كما هو الظاهر، (ثم تنحَّى)؛ بالمثناة الفوقية، بعدها نون، بعدها حاء مهملة؛ أي: تباعد (من مَقامه)؛ بفتح الميم أولى: اسم مكان، وأصله مكان القيام، فيحتمل أنَّه ﵇ اغتسل قائمًا، ويحتمل قاعدًا؛ لأنَّه اشتهر بعرف الاستعمال أنَّه لمطلق المكان قائمًا كان أو قاعدًا فيه، والظاهر الأول؛ فليحفظ، (فغسل قدميه)؛ أي: رجليه، وهناك: (ثم تحول عن مكانه)؛ أي: إلى مكان آخر فغسلهما فيه؛ تحرزًا عن الماء المستعمل.\nومطابقة الحديث للترجمة في تفريق غسل أعضائه بإفراغ الماء على جسده والتنحي عن مقامه.\nفإن قلت: هذا تفريق الغُسل، فأين ما يدل على تفريق الوضوء؟\nقلت: دل على تفريقه ذكر ميمونة صفة وضوئه ﵇ بكلمة (ثم) التي تدل على التراخي مطلقًا، انتهى؛ أي: أنَّ التنحي يعم القريب والبعيد، والمراد به هنا: البعيد؛ لدلالة (ثم) على التراخي؛ فليحفظ.\nوفي الحديث: أنَّ المضمضة والاستنشاق في الغسل فرضان، وأنَّ الماء المستعمل نجس، وفيه: الإفراغ باليمين على الشمال وعكسه، وفيه: خدمة الأزواج، وفيه: استحباب تهيئة ماء الاغتسال، وفيه: عدم وجوب الموالاة في الوضوء والغسل، وبقية المباحث تقدمت هناك.\n\n <span id=\"b-٤٥٧\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-457>[باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغُسل]</span>\nهذا (باب) حكم (من) أي: الشخص الذي (أفرغ)؛ أي: الماء من الإفراغ؛ أي: صبه (بيمينه على شماله في الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: غسل الجنابة عند الاستنجاء، وهذا الباب مقدم على الباب الذي قبله عند ابن عساكر والأَصيلي، وعلى كل تقدير؛ فالمناسبة بينهما ظاهرة من حيث إنَّ كلًّا منهما يتعلق بالوضوء، وإفراغ الماء بيمينه على شماله في الاستنجاء في الغسل، وأمَّا في غسل الأطراف؛ فإن كان الإناء الذي يتوضأ منه إناء واسعًا؛ يضعه عن يمينه، ويأخذ منه الماء بيمينه، وإن كان ضيقًا؛ كالقماقم؛ يضعه عن يساره، ويصب الماء منه على يمينه، كذا قرره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٥٨\"> </span>[حديث: وضعت لرسول الله ﷺ غُسلًا وسترته فصب على يده]\n٢٦٦ - وبالسَّند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل): هو التبوذكي (قال: حدثنا أبو عَوانة)؛ بفتح العين المهملة، وتخفيف الواو: هو اسمه الوضاح- بالمهملة آخره- اليشكري (قال: حدثنا الأعمش): هو سليمان بن مهران، (عن سالم)؛ بالسين المهملة (بن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم، وسكون المهملة، (عن كُريب)؛ بضمِّ الكاف (مولى ابن عباس، عن ابن عباس) ﵄ (عن) خالته (مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية (بنت الحارث): الهلالية زوج النبيِّ الأعظم ﷺ، وسقط (بنت الحارث) في رواية، وهذا الحديث تقدم من رواية موسى بن إسماعيل المذكور أيضًا في باب (الغسل مرة)، لكن شيخه هناك عبد الواحد، وهنا أبو عَوانة، وفي ألفاظهما اختلاف كما ترى؛ فافهم، (قالت: وضعت لرسول الله) وهناك: (للنبيِّ) الأعظم (ﷺ غُسلًا)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ هو ما يغتسل به، وبالفتح مصدر، وبالكسر اسم ما يغتسل به؛ كالسدر ونحوه، والمراد الأول، ويحتمل أنَّها ضمت إليه الثالث؛ لأجل التنظيف من الجنابة، (وسترته)؛ بضمير المتكلم، وهذا معطوف على قولها (وضعت)، كما هو ظاهر، زاد ابن فضيل عن الأعمش: (بثوب)؛ أي: غطيت رأسه، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، وتبعه الشراح، فالضمير في (سترته) يعود على الماء بمعنى الإناء الذي فيه الماء، وإنَّما أرجعوه إليه؛ لقرب المرجع، كما هو القاعدة، والحامل لها على ستره خوف وقوع قذر أو غيره في الماء من ريح أو غيره فينجس الماء أو يستقذر، ويحتمل أن يعود الضمير على النبيِّ الأعظم ﷺ، فيكون المعنى: وضعت بيني وبينه ثوبًا ساترًا؛ مخافة أن ترى عورته، وأيد هذا الاحتمال العجلوني بما سيأتي في باب (نفض اليدين في الغسل)، فإنَّه قد صرح بالنبيِّ ﵇.\nقلت: وهذا ليس يؤيد هذا الاحتمال؛ لأنَّ القصة مختلفة على أنَّ الحاجة لوضع الثوب ستر العورة، والنبيُّ ﵇ كان في حجرتها، وليس عنده غيرها، فاحتمال أن ترى عورته بعيد، بل الاحتياج إلى ستر الماء أشد لاحتمال وقوع فأرة فيه ونحوها مما يفسد الماء.\nوزعم ابن حجر أنَّ الواو في (وسترته) حالية، ورده صاحب «عمدة القاري» بأنَّه ليس كذلك، بل هي عاطفة، فهو معطوف على (وضعت) انتهى.\nوزعم العجلوني: أنَّه لا يتعين العطف، بل يجوز الوجهان.\nقلت: بل يتعيَّن أن تكون الواو عاطفة؛ لصحة المعنى، وظهوره بخلاف الحالية، فإنَّها بعيدة المعنى مع خفائه؛ فليحفظ.\n (فصب) معطوف على محذوف؛ أي: فأراد النبيُّ الأعظم ﷺ الغسل، فكشف رأسه، فأخذه فصب (على يده)؛ بالإفراد، وفي رواية بالتثنية، والمراد من اليد الجنس، فصح إرادة كلتيهما منه.\nوزعم ابن حجر أنَّ (فصب) عطف على (وضعت)؛ المعنى: وضعت له ماء فشرع في الغسل، ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا تصرف من ليس له ذوق من معاني التركيب، وكيف يكون الصب معقبًا بالوضع وبينهما أفعال أخرى؟ ولا يجوز تفسير «صب» بمعنى شرع) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن لا وجه لإنكاره ما قاله، فإنَّه إذا فرض أنَّ الإدارة والكشف وقعا قبل الوضع؛ جاز كون الصب معقبًا عليه من غير واسطة أفعال أخرى، ولا مانع من تفسير (صب) بمعنى شرع؛ لأنَّ من شرع في إفراغ ماء مثلًا؛ جاز أن يقال فيه: صبه، نعم؛ في قول ابن حجر: (والكشف يمكن كونه وقع قبل الوضع) مؤاخذة؛ لأنَّ المراد به كشف رأس الإناء، وكأنَّ ابن حجر ظن أنَّه رأس النبيِّ ﵇، وكذا في قوله: (والأخذ عين الصب) فيه ما فيه؛ لأنَّ الصب ينشأ عن الأخذ لا عينه، ولا داعي إلى التجوُّز بجعله عينه؛ فتأمل.\nقلت: تأملت قوله: (أن لا وجه لإنكاره)، فرأيته له وجه وجيه.\nوقوله: (فإنَّه إذا فرض...) إلخ هذا كلام من لم يشمَّ شيئًا من رائحة العلم، فإنَّ المعاني والأحكام لا تبنى على الفرض والتقدير، كيف وقد ثبت في الحديث وجود الواسطة بين الوضع والصب، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، ولا ينكر هذا إلا كل متعنت خال الفهم؟\nوقوله: (ولا مانع من تفسير...) إلخ، بل المانع","vol":"1","page":139},{"text":"فيه ظاهر، وهو عدم صحة المعنى؛ لأنَّ الشروع في إفراغ الماء لأجل الغسل كما هنا، أو غيره التهيُّؤ لذلك من خلع الثياب ونحوها، والصب: كفاء الماء من الإناء، فلا يجوز لمن شرع في إفراغ الماء أن يقال فيه: صبه؛ لاختلاف المعنى، وهذا ظاهر، كما لا يخفى.\nوقوله: (نعم؛ في قول ابن حجر....) إلخ هذا اعتراض من العجلوني عليه؛ لأنَّ هذه العبارة المفقودة الغائرة ذكرها في شرحه، لكنها غير صحيحة، وكيف يكون وقع الكشف قبل الوضع مؤاخذة مع أنَّه صرحت في الحديث أنَّ الوضع قبل الكشف، فكلامه مصادم للحديث، ولا وجه له أصلًا وعلى كلامه، فالكشف على من وقع وأين الماء الموضوع؟ وما هو إلا لقلقة لسان.\nوقوله: (وكأنَّ ابن حجر...) إلخ؛ فإنَّه قد اعترض على الكرماني، واختلط عليه الكلام في عود الضمير إمَّا على الماء، أو على النبيِّ ﵇ مع أنَّه في أول كلامه جزم بأنَّه يعود على الماء، فخبط هذا الخبط.\nوقوله: (وكذا قوله والأخذ...) إلخ هذا كلام من لم يدر شيئًا من معاني التركيب، فكيف يكون الأخذ عين الصب وبينهما فرق ظاهر لا يخفى؟ وما هذا إلا معنًى فاسد.\nوقوله: (لأنَّ الصب...) إلخ، فإنَّه إذا أراد الصب؛ أخذ الإناء وكفئه، فالصب غير الأخذ لا عينه لا محالة.\nوقوله: (لا داعي...) إلخ، بل هو ممنوع؛ لأنَّه لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا غير متعذر، فيتعين الكلام على الحقيقة، وهذا دأب ابن حجر وضع الكلام في شرحه بلا معنًى ولا فائدة، وقد بين ذلك في «إيضاح المرام»، ولو ذكرناه؛ لطال المقام؛ فيراجع.\nوقوله: (مرة أو مرتين) متعلق بـ (غسلها)، والشك فيه من أبي عوانة، وهو القائل: (قال سليمان) هو ابن مهران الأعمش: (لا أدري أذكر)؛ أي: سالم بن أبي الجَعْد شيخ الأعمش (الثالثة)؛ أي: الغسلة الثالثة (أم لا؟)، وقد مر في رواية عبد الواحد، عن الأعمش: (فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا)، ولابن فضيل عن الأعمش: (فصب على يديه ثلاثًا) ولم يشكَّ، أخرجه أبو عَوانة في «مستخرجه»، فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم ذكر فجزم؛ لأنَّ سماع ابن فضيل منه متأخر، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، (ثم أفرغ) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ الماء (بيمينه على شماله) ففيه المطابقة للترجمة، كما لا يخفى، (فغسل فرجه) المراد به: القبل والدبر، (ثم دلك يده)؛ بالإفراد، وهي التي استنجى بها (بالأرض أو بالحائط) الظاهر: أنَّ الشك فيه من ميمونة، ويحتمل غيرها، وهناك: (فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض) من غير شك، وذلك لأذًى من مني ونحوه عليها، وهناك: (ثم غسلها)؛ أي: اليد بالماء؛ ليكون الغسل أطهر وأنقى؛ لأنَّ المني لزج، فيحتمل لصوق شيء منه، (ثم تمضمض)؛ بفوقية أوله لغير الأَصيلي، وله بحذفها، كما هناك (واستنشق)؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن، (وغسل وجهه) وأصول لحيته، (ويديه)؛ أي: الذراعين، (وغسل رأسه) وأصول شعره، وأتى بـ (الواو) للإشارة إلى عدم وجوب الترتيب؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع عند أهل اللغة، فهذا يعم التقديم والتأخير، وفيه: دليل واضح إلى أنَّ الترتيب في الوضوء غير شرط، وهو مذهب الجمهور خلافًا لطائفة، (ثم صب) أي: الماء (على جسده)؛ أي: كله وقدم أعضاء الوضوء؛ ليتفقد ما فيها مما يمنع وصول الماء إلى الجسد خصوصًا المضمضة والاستنشاق، ولشرفها، وهناك: (ثم أفاض على جسده)، (ثم تَنَحَّى)؛ بفوقية أوله، بعدها نون مفتوحتين، آخره مهملة، وهناك: (ثم تحول من مكانه)؛ أي: تباعد عن المكان الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر، (فغسل)؛ بالفاء للأكثر، ولأبي ذر بالواو (قدميه)؛ أي: رجليه؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، قالت ميمونة: (فناولته خِرقة)؛ بكسر الخاء المعجمة، واحدة الخروق، وذلك لأجل أن يتنشف بها، (فقال) أي: أشار من إطلاق القول على الفعل، كما قدمناه (بيده)؛ بالإفراد (هكذا)؛ أي: لا أتناولها؛ لما رأى عليها من وسخ، أو لاستعجاله إلى القيام إلى الصَّلاة، أو لأجل بقاء أثر العبادة أو غير ذلك، فقولها: (ولم يُرِدْها)؛ بضمِّ المثناة التحتية، من الإرادة لا من الرد، فهو تأكيد وهو مجزوم بالسكون، وحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين لا مجزوم بحذف الياء، كما توهمه القسطلاني.\nقال إمام الشارحين: (وحكى «المطالع»: أن «لم يردَّها» بالتشديد رواية ابن السكن، ثم قال: وهو وهم؛ لأنَّ المعنى يفسد حينئذ، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان، عن أبي عَوانة بهذا الإسناد، وقال في آخره: «فقال هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها»، وفي رواية أبي حمزة، عن الأعمش: «فناولته ثوبًا، فلم يأخذه») انتهى كلام «عمدة القاري».\nقلت: وفي الحديث: دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، وفيه: دليل على أنَّ الماء المستعمل نجس، وفيه: جواز خدمة الزوجات للأزواج، وفيه: استحباب تغطية الماء، وفيه: تقديم الاستنجاء، وفيه: رد المنديل لمانع مما سبق، فقد ورد عن قَيْس بن سعد: (أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ اغتسل، فأتيناه بملحفة، فالتحف بها).\nقلت: والظاهر: أنَّ الملحفة هو الحرام الذي يلتحف به لا المنديل؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٥٩\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-459>[باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا جامع)؛ أي: المجامع امرأته أو أمته، كما للكشميهني، (ثم عاد) أي: إلى جماعها مرة أخرى، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: ما يكون حكمه، وهو أولى من تقدير: جاز؛ لأنَّ عادة المؤلف أنَّه يطلق الترجمة، ويحيل الحكم على الأحاديث التي (^١) تُذكر تحت الترجمة، كما لا يخفى؛ فافهم، وفي رواية الكشميهني: (عاود)؛ من المعاودة؛ أي: جامع مرة أخرى، (ومن دار) عطف على قوله: (إذا جامع)؛ أي: باب من دار؛ بالدالة المهملة: من الدوران (على نسائه في غُسل) بضمِّ الغين المعجمة (واحد) وجواب (من) محذوف أيضًا؛ تقديره: ما يكون حكمه، وهو أولى، وقد رجع العجلوني هنا إليه بعد أن ادَّعى في الأولى أنَّ الجواز أولى، وليس كذلك، كما علمت؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أنَّ (عاد) أعم من أن يكون في ليلة أو غيرها، ورده صاحب «عمدة القاري» بأن الجماع في غير ليلة جامع فيها لا يسمى عودًا لا لغة ولا عرفًا، والمراد ههنا: أن يكون الابتداء والعود في ليلة واحدة أو يوم واحد، والدليل عليه حديث رواه أبو داود والنسائي عن أبي رافع: (أنَّ النبيَّ ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله؛ ألا تجعله غُسلًا واحدًا، قال: «هذا أزكى وأطيب»)، زاد في رواية: (وأطهر) انتهى.\nوقد رمرم العجلوني على زعمه عبارة ابن حجر بما لا يخفى فساده، وزعم أنَّ في كلام «عمدة القاري» نظر، ولم يبيِّن وجهه، بل أحال ما ادَّعاه على اللغة والعرف، وزعم أنَّ الحديث واقعة حال فعلية لا تقتضي قصر الحكم عليها.\nقلت: وهو ممنوع، فإنَّ الحديث ظاهر فيما قاله صاحب «عمدة القاري»، وهو عام يدل على أنَّ ذلك عادته ﵇، فهو يقتضي أنَّ جميع فعله هكذا، يدل لهذا قوله في الحديث: «هذا أزكى، وأطيب، وأطهر»، ومبنى هذا الفعل على السرور والصفا، كما لا يخفى على أهل الوفا، فما زعمه هذا الزاعم تعصب مردود؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: فإن قلت: ظاهر هذا الحديث- أي: حديث أبي رافع- يدل على أنَّ الاغتسال بين الجماعين واجب؟ قلت: أجمع العلماء على أنَّه لا يجب بينهما، وإنَّما هو مستحب حتى إنَّ بعضهم استدل بهذا على استحباب الحديث؛ أي: بين الجماعين، على أنَّ أبا داود لمَّا روى هذا الحديث؛ قال: حديث أنس أصح من هذا، وحديث أنس ﵁ رواه أبو داود أيضًا عنه قال: (كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه في غسل واحد)، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: حديث صحيح، وضعف ابن القطان حديث أبي رافع، وصححه ابن حزم، وعبارة أبي داود أيضًا تدل على صحته.\nوأمَّا الوضوء بين الجماعين؛ فقد اختلفوا فيه؛ فعند الجمهور ليس بواجب، وقال ابن حبيب المالكي وداود الظاهري: إنَّه واجب.\nقال ابن حزم: وهو قول عطاء، وإبراهيم، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، واحتجوا بحديث أبي سَعِيْد قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود؛ فليتوضأ بينهما وضوء»، أخرجه مسلم من طريق حفص، عن عاصم، عن أبي المتوكل عنه، وحمل الجمهور الأمر بالوضوء على الندب\n_________\n(^١) في الأصل: (الذي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":139},{"text":"والاستحباب لا الوجوب بما رواه الحافظ الطحاوي من طريق موسى بن عُقْبَة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبيُّ ﷺ يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ).\nوقال أبو عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر.\nقلت: روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: (إذا أراد أن يعود؛ توضأ)، وروي عن عمر بن الوليد قال: سمعت ابن محمَّد يقول: (إذا أراد أن يعود؛ توضأ)، وروي أيضًا عن عطاء مثله.\nوما نسب ابن حزم الوضوء إلى الحسن وابن سيرين؛ فيرده ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن: أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته، ثم يعود قبل أن يتوضأ.\nقال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا إنَّما قيل ذلك؛ لأنَّه أحرى أن يعود، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: يحتمل أنَّه رُوِيَ عنهما روايتان.\nقلت: هذا الاحتمال بعيد؛ لقول ابن سيرين: لا أعلم بذلك بأسًا، وإنَّما قيل ذلك؛ لأنَّه أحرى أن يعود؛ أي: فهو لأجل نشاط النفس وتطيبها، ويدل لهذا حديث أبي رافع؛ لأنَّ فيه أنَّه (أزكى وأطيب)؛ أي: للنفس، فإنَّه إذا فعل ذلك يكون أقبل للنفس، فهو دليل على أنَّه مستحب لا واجب، كما لا يخفى، ثم قال في «عمدة القاري»: (ونقل عن إسحاق ابن راهويه أنَّه حمل الوضوء المذكور على الوضوء اللغوي؛ حيث نقل عنه ابن المُنْذِر أنَّه قال: لا بد من غسل الفرج إذا أراد العود.\nقلت: يرد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة، عن عاصم في الحديث المذكور: «فليتوضأ وضوءه للصلاة»، وفي لفظ عنده: «فهو أنشط للعود»، وصحح الحاكم لفظ «وضوءه للصلاة»، ثم قال: هذه لفظة تَفرَّد بها عن شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عند الشيخين.\nفإن قلت: يعارض هذه الأخبار حديث ابن عباس قال ﵇: «إنَّما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصَّلاة»، قاله أبو عَوانة في «صحيحه».\nقلت: لا يعارض؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي قال: العمل على حديث الأسود عن عائشة ﵂.\nوقال المقدسي والثقفي: هذا كله مشروع جائز، من شاء؛ أخذ بهذا، ومن شاء؛ أخذ بالآخر) انتهى كلام «عمدة القاري».\nقلت: على أنَّ حديث ابن عباس وإن كان صحيحًا يحمل الأمر فيه على الفرضية للصلاة وهو يرد على من يقول بوجوب الوضوء قبل أن يعود؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٦٠\"> </span>[حديث: يرحم الله أبا عبد الرحمن كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف]\n٢٦٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن بَشار)؛ بفتح الموحدة، والشين المعجمة، المعروف ببُندار (قال: حدثنا ابن أبي عدي): هو محمَّد بن إبراهيم، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومئة (ويحيى بن سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة، بعدها تحتية: هو القطان؛ كلاهما يروي (عن شعبة): هو ابن الحجاج، قال في «عمدة القاري»: (وفيه بين قوله: (ويحيى بن سَعِيْد) وبين (شعبة) لفظة (كلاهما) مقدرة؛ لأنَّ كلًّا من ابن أبي عدي ويحيى روى عن شعبة هذا الحديث، وحذفت من الكتابة؛ للاصطلاح ولكن عند القراءة ينبغي أن تثبت) انتهى؛ فافهم، (عن إبراهيم بن محمَّد بن المُنْتَشِر)؛ بضمِّ الميم، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، وكسر الشين المعجمة، (عن أبيه): هو محمَّد المذكور بن أبي مسروق الكوفي الوداعي (قال: ذكرته)؛ أي: ذكرت قول ابن عمر (لعائشة) ﵂، ولفظه في حديثه الآخر الذي يأتي: (سألت عائشة ﵂)، وذكر لها قول ابن عمر: (ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا)، فقالت عائشة: (أنا طيبت رسول الله ﷺ...)؛ الحديث.\nوقد بيَّن مسلم أيضًا في روايته عن محمَّد بن المنكدر قال: (سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب، ثم يصبح محرمًا...)؛ فذكره، وزاد: قال ابن عمر: (لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك)، وكذا ساقه الإسماعيلي بتمامه عن الحسن بن سفيان، عن محمَّد بن بشار، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني وتبعه ابن حجر أنَّ قوله: (ذكرته) - أي: قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا- وكنى بالضمير عنه؛ لأنَّه معلوم عند أهل هذا الشأن.\nورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» قال: قلت: هذا كلام عجيب، فالوقوف على مثل هذا مختص بأهل هذا الشأن، فإذا وقف أحد من غير أهل هذا الشأن على هذا الحديث؛ يتحير، فلا يدري أي شيء يرجع إليه الضمير في قوله: (وذكرته)، وكان ينبغي للبخاري بل كان المتعين عليه أن يقدم رواية أبي النعمان هذا الحديث على رواية محمَّد بن بشار؛ لأنَّ رواية أبي النعمان ظاهرة، والذي يقف على رواية ابن بشار بعد وقوفه على رواية أبي النعمان لا يتوقف في مرجع الضمير، ويعلم أنَّه يرجع إلى قول ابن عمر ﵄.\nوزعم ابن حجر والكرماني أيضًا (فكأنَّ المصنف اختصره؛ لكون المحذوف معلومًا عند أهل الحديث في هذه القضية).\nورده إمام الشارحين فقال: (قلت: فعلى هذا؛ كان يتعين ذكره بعد ذكر رواية أبي النعمان، كما ذكرنا) انتهى.\nوزعم العجلوني فقال: (المراد في هذا على أهل هذا الشأن، فإنَّهم المرجوع إليهم في مثله في كل أوان؛ فليندفع جميع ما أورده وكثيرًا ما يحيل العلماء في كل فن على توقيف أربابه).\nقلت: وهذا مردود، فإنَّه ليس كما قال، فإنَّ أهل هذا الشأن يجب عليهم بيان المعاني والضمائر لهذه المتون وأين مرجعها ومعاني اللغة وغير ذلك، ولهذا وضع العلماء الشروح على المتون، ووضعوا عليها حواشي وعلى الحواشي حواشي، وما هذا إلا لأجل فهم المعاني ومرجع الضمائر وغير ذلك، فلو لم يكن ذلك؛ لوقع الناس والطلبة والعلماء أيضًا في الحيرة والخبط والخلط، فكيف يقول هذا القائل: (المراد في هذا على أهل هذا الشأن) وما هذا إلا كلام من ليس له ذوق في علم التعليم؟\nوقوله: (فإنهم المرجوع إليهم...) إلخ ليس كذلك؛ لأنَّ علم الحديث ليس هو علم فتوى، ولا علم فرائض، ولا غيره حتى يرجع إلى أهله، وإنَّما المرجوع إليهم أهل الفقه والفرائض؛ لأجل بيان أحكام الله ﷿، ألا ترى أنَّه لو سئل سائل عن حكم؛ لا يجوز لأحد من الناس أن يستنبط من الحديث هذا الحكم ويجيبه فيه؛ لأنَّ هذا مخصوص بالمجتهد، وهو مفقود في هذه الأزمان، بل الموجود الأحكام التي استنبطها المجتهد الموافقة للصواب.\nوقوله: (فليندفع جميع ما أورده) ليس كذلك، بل جميع ما أورده هذا الإمام هو الصواب.\nوقوله: (وكثيرًا ما يحيل...) إلخ ليس كذلك، فإنَّ القليل من العلماء لا يحيل أصلًا، بل يبين المعاني بأتم مرام، فكيف الكثير؟ فإنَّهم أحق بالبيان، بل الواجب عليهم ذلك، وإذا سكت عن معنًى ولم يسأل عنه ومات على ذلك؛ فيدخل تحت الوعيد المذكور في الحديث، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (فقالت) أي: عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄: (يرحم الله أبا عبد الرحمن)؛ تعني: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وترحمت له؛ إشعارًا بأنَّه سهى فيما قاله من عدم محبته أن يصبح ينضخ طيبًا، وقد غفل عن فعل النبيِّ ﷺ؛ لأنَّه لو استحضره؛ لما قال ما قال، ومقول فقالت: (كنت أطيب النبيَّ) الأعظم، وفي أكثر الروايات: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: لأجل الإحرام أو للنساء كما يأتي، وجملة (يرحم الله أبا عبد الرحمن) معترضة، ويحتمل أن تكون مقولة لها أيضًا (فقالت) وتركت العاطف في الثاني؛ لإرادة التعداد أو لتقديره، (فيطوف) أي: فيدور النبيُّ الأعظم ﷺ (على نسائه) الطاهرات؛ أي: يقضي معهن حاجته من جماعهن جميعًا بغسل واحد، ولهذا قال في «عمدة القاري»: (القرينة دلت على أنَّ المراد هو الجماع، والدليل عليه قوله في حديث أنس الذي يأتي: (كان النبيُّ ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار) انتهى.\nثم قال: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «فيطوف على نسائه»، وقال الإسماعيلي: يحتمل أن يراد به الجماع، ويحتمل أن يراد به تجديد العهد بهن.\nقال في «عمدة القاري»: قلت: الاحتمال الثاني بعيد، والمراد به: الجماع،","vol":"1","page":140},{"text":"يدل عليه الحديث الثاني الذي يليه، فإنه ذكر فيه أنه أعطي قوة ثلاثين، واعلم أن نسخ البخاري مختلفة في تقديم حديث أنس على حديث عائشة وعكسه، ومشى الداودي على تقديم حديث عائشة، وكذا ابن بطال في «شرحه»، انتهى.\nقلت: ومشى على هذا إمام الشارحين بدر الدين شيخ الإسلام في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر والقسطلاني والعجلوني، وتبعهم العبد الضعيف جامع هذه الأوراق.\n (ثم يصبح محرمًا يَنْضَخ)؛ بفتح التحتية أوله، بعدها نون ساكنة، وفتح الضاد المعجمة، بعدها خاء معجمة؛ أي: يفور، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]، وهذا هو المشهور، وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، قال الإسماعيلي: وكذا ضبطه عامة من حدثنا وهما متقاربان في المعنى، وقال ابن الأثير: وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر بالمعجمة، والأقل بالمهملة، وقيل: المعجمة: الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة: الفعل نفسه، وقيل: بالمعجمة: ما قيل متعمدًا، وبالمهملة من غير تعمُّد، وذكر صاحب «المطالع» عن ابن كيسان أنَّه بالمهملة: لما رق؛ كالماء، وبالمعجمة: ما ثخن؛ كالطيب.\nوقال النووي: هو بالمعجمة أكثر من المهملة، وقيل: عكسه.\nوقال ابن بطال: من رواه بالخاء المعجمة؛ كالنضخ عند العرب؛ كاللطخ، يقال: نضخ ثوبه بالطيب، هذا قول الخليل، وفي كتاب «الأفعال»: (نضخت العين بالماء نضخًا -بالمعجمة-؛ إذا فارت، واحتج بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَان﴾، ومن رواه بالحاء المهملة؛ فقال صاحب «العين»: نَضحتِ العينُ بالماء؛ إذا رأيتها تفور، وكذلك العين الناظرة إذا رأيتها معروفة، كذا في «عمدة القاري»، وقيل: النضخ؛ بالإعجام: الرش، مثل النضح؛ بالإهمال.\nقلت: وهو قليل نادر في اللغة، ولهذا قال الأصمعي: (النضخ: بالمعجمة أكثر من النضح بالمهملة؛ فافهم)، والله أعلم.\nوقوله: (طيبًا)؛ بالنصب على التمييز؛ ومعناه: يفور طيبًا، قال في «عمدة القاري»: ففيه: دلالة على استحباب الطيب عند الإحرام، وأنه لا بأس به إذا استدام بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداره في الإحرام، وهذا مذهب الإمام أبي يوسف، والثوري، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وداود، وغيرهم، وبه قال جماعة من الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين، والفقهاء، فمن الصحابة: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة ﵃ أجمعين، وقال آخرون بمنعه؛ منهم: الإمام محمَّد بن الحسن، والزُّهري، ومالك، وحكي عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وادَّعى بعضهم أن هذا التطيُّب كان للنساء لا للإحرام، وادعى أن في هذه الرواية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: فيطوف على نسائه ينضح طيبًا؛ ثم يصبح محرمًا، وجاء ذلك في بعض الروايات، والطيب يزول بالغسل لا سيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن، وكان هذا الطيب ذريرة، كما أخرجه البخاري في (اللباس)، وهو ما يذهبه الغسل، ويقويه رواية البخاري الآتية قريبًا: (طيبت رسول الله ﷺ، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا)، وروايته الآتية: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه وهو محرم)، وفي بعض الروايات: (بعد ثلاث)، وقال القرطبي: هذا الطيب كان دهنًا، له أثر فيه مسك، فزال وبقيت رائحته، وادَّعى بعضهم خصوصيته ذلك بالشارع، فإنه أمر صاحب الجبة بغسله.\nقلت: وأجيب بأن الأصل عدم الخصوصية، ولعله أمره لمن ذكر بالغسل؛ مخافة أن ينزعها، ثم يلبسها، أو لأنَّه لا يسن له تطيب الثوب والبدن قبل الإحرام، كما سيأتي في محله.\nوقال المهلب: السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع، فكان ﵇ أملك لإربه من سائر أمته، فلذلك كان لا يتجنب الطيب على الإحرام، ونهانا عنه؛ لتعففنا عن ملك الشهوات؛ إذ الطيب من أسباب الجماع.\nوفيه: الاحتجاج لمن لا يوجب الدلك في الغُسل؛ لأنَّه لو كان ذلك لم ينضخ منه الطيب، ورده في «عمدة القاري» فقال: قلت: يجوز أن يكون دلكه، لكنه بقي وبيصه، والطيب إذا كان كثيرًا ربما غسله، فيذهب، ويبقى وبيصه.\nوفيه: عدم كراهة كثرة الجماع عند النظافة، وفيه: عدم كراهة التزوج بأكثر من واحدة إلى أربع.\nوفيه: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصَّلاة، وهذا بالإجماع، والسبب في وجوب الغسل: الجنابة مع إرادة القيام إلى الصَّلاة، كما أن سبب الوضوء: الحدث مع إرادة القيام إلى الصَّلاة، وليس الجنابة وحدها، كما زعمه بعض الشافعية، وإلا؛ يلزم أن يجب الغسل عقيب الجماع، والحديث ينافي هذا، ولا مجرد إرادة الصَّلاة، وإلا؛ يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة (^١)، انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٦١\"> </span>[حديث أنس: كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة]\n٢٦٨ - وبه قال: (حدثنا محمَّد بن بشار): هو المتقدم قريبًا (قال: حدثنا مُعُاذ) بضمِّ الميم، وفتح المهملة، آخره معجمة (بن هشام): هو الدستوائي (قال: حدثني) بالإفراد (أبي): هو هشام المذكور، والدُّسْتُوَائي؛ بالدال المهملة المضمومة، وسكون السين المهملة، وضم المثناة الفوقية، وفتح الواو، آخره همزة، (عن قَتَادَة) بفتحات: هو الأكمه السدوسي صاحب التفسير (قال: حدثنا أنس بن مالك) ﵁، وسقط (ابن مالك) لابن عساكر، وفيه أن رواته كلهم بصريون، كما قاله في «عمدة القاري» (قال) أي: أنس: (كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ) وأفاد بلفظ (كان) الدوام والاستمرار (يدور على نسائه) الطاهرات، قال في «عمدة القاري»: (ودورانه ﵇ في ذلك يحتمل وجوهًا:\nالأول: أن يكون ذلك عند إقباله من السفر؛ حيث لا قسم يلزم؛ لأنَّه كان إذا سافر؛ أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج اسمها؛ سافر بها، فإذا انصرف؛ استأنف القسمة بعد ذلك، ولم تكن واحدة منهنَّ أولى من صاحبتها بالبداءة، فلما استوت حقوقهن؛ جمعهن كلَّهن في وقت، ثم استأنف القسم بعد ذلك.\nالثاني: أن ذلك كان بإذنهن ورضاهن، أو بإذن صاحبة النوبة ورضاها؛ كنحو استئذانه منهن أن يمرض في بيت عائشة ﵂، قاله أبو عبيد.\nالثالث: قاله المهلب: إنَّ ذلك كان في يوم فراغه من القسم بينهن، فيقرع في هذا اليوم لهن أجمع، ثم يستأنف بعد ذلك.\nقلت: هذا التأويل عند من يقول بوجوب القسم عليه ﷺ في الدوام، كما يجب علينا وهم الأكثرون، وأما من لا يوجب؛ فلا يحتاج إلى تأويل.\nوقال ابن العربي: «إن الله خص نبيه ﵇ بأشياء؛ أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق حتى يدخل فيها على جميع أزواجه، فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها»، وفي كتاب «مسلم»: عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر) انتهى كلام «عمدة القاري».\nواعترض ابن حجر على ابن العربي بعد ما نقل عبارته فقال: (ويحتاج إلى ثبوت ما ذكره مفصلًا) انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن كلامه مبني على قول من لا يوجب القسم عليه ﷺ، والأشياء التي أعطيها كثيرة لا يمكن تفصيلها، ومنها: القوة على ذلك، فإن ذلك غريب عادة طبعًا وطبًّا، فهي قوة خصوصية له ﵇، وهي ثابتة في هذا الحديث وغيره، والخصائص التي اختص بها لها كتب عديدة مفصلة فيها بدليل من الأحاديث العديدة، فكيف قال ابن حجر ما قال؟ فليحفظ، وقد ألف الشيخ الإمام خاتمة المحدثين شيخ مشايخنا الشهاب أحمد المنيني شارح «البخاري» كتابًا في الخصائص نظمًا، وشرحه شرحًا مفيدًا، وقد قرأته ولله الحمد على بعض شيوخي في رمضان سنة خمس وسبعين ومئتين وألف، وللسيوطي أيضًا كتاب في الخصائص وغيره، والله أعلم؛ فافهم.\n (في الساعة الواحدة)؛ المراد بها: الحصة، وهي قدر من الزمان لا الساعة الرملية التي هي خمس عشرة درجة (من الليل والنهار)، (الواو) فيه بمعنى (أو)، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ كالكرماني.\nوزعم ابن حجر: (أنه يحتمل أن تكون على بابها بأن تكون تلك الساعة جزءًا من آخر أحدهما، وجزءًا من أول الآخر) انتهى.\nقلت: هذا ليس بظاهر؛ لأنَّ قول ابن عمر السابق: (ثم يصبح محرمًا)\n_________\n(^١) في الأصل: (الغسل)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":140},{"text":"يدل على أن الدوران إما في الليل، وإما في النهار، فـ (الواو) بمعنى (أو) على التحقيق؛ فافهم.\n (وهن) أي: أزواجه الطاهرات (إحدى عشرة)؛ أي: امرأة، قال ابن خزيمة: (لم يقل أحد من أصحاب قتادة: «إحدى عشرة» إلا معاذ بن هشام عن أبيه، وقد روى الصحابي الرواية الأخرى عن أنس: «تسع نسوة»، وجمع بينهما: بأن أزواجه كن تسعًا في هذا الوقت، كما في رواية سَعِيْد: (وسريتان مارية وريحانة)، على رواية من روى أنَّ ريحانة كانت أَمَةً، وروى بعضهم أنها كانت زوجة، وروى أبو عبيد: (أنه كان مع ريحانة فاطمة بنت شريح).\nقال ابن بطال: (إنه ﵇ لا يحل له من الحرائر غير تسع)، ورده في «عمدة القاري»، وقال: (والأصح عندنا أنه يحل له ما شاء من غير حصر).\nوقال ابن حبان: (هذا الفعل ثبت منه أول مقدمه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأنَّ هذا الفعل كان مرارًا لا مرة واحدة، ولا نعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره حيث اجتمع عنده تسع نسوة وجاريتان، ولا نعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج، فإنه تزوج بإحدى عشرة؛ أولهن خديجة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت).\nواعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: قول ابن حبان: (هذا الفعل منه كان في أول مقدمه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة) فيه نظر؛ لأنَّه لم يكن معه حين قدم المدينة امرأة سوى سودة، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سَلَمَة وحفصة وزينب بنت خزيمة في الثالثة أو الرابعة، ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم حفصة وأم حبيبة وميمونة في السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور)، ثم قال قدس سره: (واختلفوا في عدة أزواج النبيِّ ﷺ، وفي ترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله، ومن دخل بها، ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه، فقالوا: إن أول امرأة تزوجها خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة بنت أبي بكر، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم أم سَلَمَة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة، ثم جويرية بنت الحارث، سباها النبيُّ الأعظم ﵇ في غزوة المريسيع، ثم زينب بنت جحش، ثم زينب بنت خزيمة، ثم ريحانة بنت زيد من بني قريظة، وقيل: من بني النضر سباها النبيُّ ﵇، ثم أعتقها وتزوجها في سنة ستٍّ، وماتت بعد عوده من حجة الوداع، ودفنت بالبقيع، وقيل: ماتت بعده في سنة ستَّ عشرةَ، والأول أصح، ثم أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية بن أبي سفيان، وليس في الصحابيات من اسمها رملة غيرها، ثم صفية بنت حيي بن أخطب من سبط هارون ﵇، وقعت في السبي يوم خيبر، سنة سبع، فاصطفاها النبيُّ ﵇، ثم ميمونة بنت الحارث تزوجها رسول الله ﵇ في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة، وتزوج أيضًا فاطمة بنت الضحاك، وأسماء بنت النعمان، وأمَّا بقية أزواجه ﵇ اللاتي دخل بهن، أو عقد ولم يدخل؛ فهن ثمان (^١) وعشرون امرأة:\nريحانة بنت زيد، وقد ذكرناها.\nوالكلابية، واسمها: عَمرة بنت زيد، وقيل: العالية بنت ظبيان، وقال الزُّهري: تزوج رسول الله ﷺ العالية بنت ظبيان، ودخل بها وطلقها، وقيل: لم يدخل بها وطلقها، وقيل: فاطمة بنت الضحاك، قال الزُّهري: تزوجها فاستعاذت منه فطلقها فكانت تلقط البعر، وتقول: أنا الشقية.\nوأسماء بنت النعمان، تزوجها ﵇ ودعاها قالت: تعال أنت، فطلقها، وقيل: هي التي استعاذت منه.\nوقتيلة (^٢) بنت قَيْس أخت الأشعث بن قَيْس، زوَّجه إياها أخوها، ثم انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه فبلغه وفاة رسول الله ﷺ فردها إلى بلاده وارتد عن الإسلام، وارتدت (^٣) معه.\nومليكة بنت كعب الليثي، قيل: هي التي استعاذت منه، وقيل: دخل بها فماتت عنده، والأول أصح.\nوأسماء بنت الصلت السلمية، قيل: اسمها سبأ، قال ابن منده، وقيل: سنا، قاله ابن عساكر، تزوجها ﵇ فماتت قبل أن يدخل بها.\nوأم شريك الأزدية واسمها عزبة (^٤)، طلقها النبي ﵇ قبل أن يدخل بها، وهي التي وهبت نفسها للنبيِّ ﵇، وكانت امرأة صالحة.\nوخولة بنت هزيل، تزوجها ﵇، فهلكت قبل أن تصل إليه.\nوشراف بنت خالد أخت دحية الكلبي، تزوجها النبيُّ ﵇، ولم يدخل بها، وفي «عيون الأثر»: (فماتت قبله).\nوليلى بنت الحطيم، تزوجها ﵇، وكانت غيورًا، فاستقالته فأقالها.\nوعمرة بنت معاوية الكندية، مات النبيُّ ﵇ قبل أن تصل إليه.\nوالجندعية بنت جندب، تزوجها ﵇، ولم يدخل عليها، وقيل: لم يعقد عليها.\nوالغفارية، قيل: هي السنا، تزوجها ﵇ فرأى بكشحها بياضًا، فقال: «الحقي بأهلك».\nوهند بنت يزيد، لم يدخل بها.\nوصفية بنت بشامة، أصابها سبيًا، فخيرها النبيُّ ﵇، فقال: «إن شئت أنا، وإن شئت زوجك»، فقالت: زوجي، فأرسلها، فلعنتها (^٥) بنو تميم.\nوأم هانئ واسمها فاختة بنت أبي طالب، أخت علي بن أبي طالب ﵁، خطبها النبيُّ ﵇، فقالت: إنِّي امرأة مصبية، واعتذرت إليه، فأعذرها.\nوضباعة (^٦) بنت عامر، خطبها ﵇، فبلغه كبرها.\nوجمرة بنت عوف المزني، خطبها ﵇، فقال أبوها: إنَّ بها سوءًا، ولم يكن بها شيء، فرجع إليها أبوها وقد برصت، وهي أم شبيب ابن برصاء الشاعر.\nوسودة القرشية، خطبها ﵇، وكانت مصبية، فقالت: أخاف أن يضغو (^٧) صبيتي عند رأسك، فدعا لها وتركها.\nوأمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عرضت على النبيِّ ﵇ فقال: «هي ابنة أخي من الرضاعة».\nوعزة بنت أبي سفيان بن حرب، عرضتها أختها أم حبيبة على النبيِّ ﵇ فقال: «إنها لا تحل لي»؛ لمكان أختها أم حبيبة تحت النبيِّ ﵇.\nوكليبة لم يذكر اسمها، فبعث إليها رسول الله ﵇ عائشة فرأتها فقالت: ما رأيت طائلًا، فتركها.\nوامرأة من العرب لم يذكر لها اسم، خطبها ﵇، ثم تركها.\nودرة بنت أم سَلَمَة، قيل له ﵇ بأن يأخذها، فقال: «إنَّها بنت أخي من الرضاعة».\nوأميمة بنت شراحيل، لها ذكر في «صحيح البخاري».\nوحبيبة بنت سهل الأنصارية، أراد ﵇ أن يتزوجها، ثم تركها.\nوفاطمة بنت شريح، ذكرها أبو عبيد في أزواج النبيِّ ﵇.\nوالعالية بنت ظبيان، تزوجها ﵇ وكانت عنده ما شاء الله، ثم طلقها، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nقلت: وقد سردها أيضًا الدمياطي، فبلغت ثلاثين، وفي «المختارة» من وجه آخر عن أنس تزوَّج خمس عشرة دخل منهن بإحدى عشرة، ومات عن تسع، وسرد أسماءهن أيضًا أبو الفتح اليعمري، ثم مغلطاي، فزاد على العدد المذكور، وأنكر ابن القيم ذلك.\nقلت: ولا وجه لإنكاره ذلك بعد إجماع أهل السير على ذلك، وذكرهم لها في كتبهم مفصلة.\nوزعم ابن حجر أنَّ الكثرة المذكورة محمولة على اختلاف في بعض الأسماء، وبمقتضى ذلك تنقص العدة، قال: وهو الحق.\nقلت: وهذا ممنوع، وأي داع لهذا الحمل بعد تصريح أكثر الشراح أنَّه ﵇ يحل له ما شاء من غير حصر.\nوقوله: (وهو الحق) مردود؛ فإنَّ الحق ما ذكره إمام الشارحين وأهل السير من العدد المذكور، والاختلاف في بعض الأسماء لا يقتضي نقص العدة المذكورة؛ لأنَّهم اختلفوا في الواحدة من جهة اسمها، ولم يعددوا أسماءها المختلف بها، بل يذكر المختلف بها، بكنيتها، ويختلفوا في اسمها، فهذا يوضح أنَّ العدد يقتضي أكثر مما عدوه لا أنقص، كما زعمه هذا القائل.\nولا يخفى أنَّه لما كان مقام النبيِّ ﵇ أعلى المقامات يتمنى كل واحد من أصحابه الكرام أن تكون ابنته أو أخته تحت النبيِّ الأعظم ﷺ، ولا مانع من كثرتهن كما علمت؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (ثمانية)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (قبيلة)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (وارتد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (عزيهة)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (فلقيها)، وهو تحريف.\n (^٦) في الأصل: (طباعة)، وهو تحريف.\n (^٧) في الأصل: (يضفوا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":141},{"text":"(قال)؛ أي: قتادة: (قلت) ففاعل (قلت) هو قتادة (لأنس)؛ أي: ابن مالك مستفهمًا: (أوَكان)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، والهمزة في (أوكان) للاستفهام، والواو المفتوحة عاطفة لـ (كان) على مقدر بينها وبين الهمزة؛ أي: أثبتَ ذلك وكان أو نحوه، وقيل: الهمزة مقدمة من تأخير، وهو مذهب جمهور النحاة، كما سبق الكلام على ذلك (يطيقه)؛ أي: مباشرة نسائه المذكورات في ساعة واحدة؟ (قال) أي: أنس بن مالك: (كنا)؛ أي: معشر الصحابة ﵃ (نَتَحَدَّث)؛ بالنون أوله، بعدها مثناة فوقية، وبالحاء المهملة المفتوحات (أنَّه)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (أُعطي)؛ بضمِّ الهمزة، ماض مبني للمفعول (قوة ثلاثين)؛ أي: رجلًا في الجماع، كما في «مراسيل طاووس»، فمميز (ثلاثين) محذوف، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي موسى عن معاذ بن هشام (أربعين) بدل (ثلاثين).\nقال في «عمدة القاري»: وهي شاذة من هذا الوجه، لكن في «مراسيل طاووس» مثل ذلك. وزاد في الجماع في (صفة أهل الجنة)، وفي «الحلية» لأبي نُعيم عن مُجَاهِد: (أُعطي قوة أربعين رجلًا كل رجل من رجال أهل الجنة)، وفي «جامع الترمذي» في (صفة الجنة) من حديث عمران القطان، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع»، قيل: يا رسول الله: أويطيق ذلك؟! قال: «يعطى قوة مئة»، ثم قال: حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من حديث عمران القطان، وصحح ابن حبان حديث أنس أيضًا، فإذا ضربنا أربعين في مئة؛ صارت أربعة آلاف.\nوذكر ابن العربي: (أنَّه كان لرسول الله ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، كما في هذا الحديث، وكان له في الأكل القناعة؛ ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية حتى يكون حاله كاملًا في الدارين) انتهى.\nقلت: ولا تنافي بين رواية (ثلاثين) وبين رواية (أربعين)؛ لأنَّ الصحيح أنَّ العدد لا مفهوم له، ولأنَّه يحتمل أن يكون أخبر أولًا بالثلاثين، فأخبر به، ثم بالأربعين، فأخبر به؛ فليحفظ.\n (وقال سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة، هو ابن أبي عَروبة، كذا هو عند الجميع، وقال الأَصيلي: إنَّه وقع في نسخة (شعبة) بدل (سَعِيْد) قال: وفي عرضنا على أبي زيد بمكة: سَعِيْد، قال أبو علي الجياني: (هو الصواب)، وقال الكرماني: (والظاهر أنَّه تعليق)، قال في «عمدة القاري»: هذا تعليق بلا نزاع، ولكنه وصلها المؤلف في باب: (الجنب يمشي في السوق)، وهو في الباب الثاني عشر من هذا الباب، (عن قتادة: أنَّ أنسًا حدثهم)؛ أي: قتادة وأصحابه، فقال في حديثه وهن (تسع نسوة)؛ أي: بدل إحدى عشرة، والنِّسوة؛ بكسر النون، وقد تضم، فـ (تسع) مرفوع؛ لأنَّه خبر (وهن) المذكورة أو المحذوفة، ولفظه فيما يأتي: أنَّ أنس بن مالك حدثهم أنَّ النبيَّ ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة، وأمَّا رواية سَعِيْد لهذا الحديث عن قتادة؛ فقد وصلها الإمام أحمد ﵀، ويحتمل أن يكون من كلام ابن أبي عدي ويحيى القطان؛ لأنَّهما يرويان عن ابن أبي عَروبة، وأن يكون من كلام معاذ إن صح سماعه من سَعِيْد.\nوفي الحديث من الأحكام ما أعطي النبيُّ الأعظم ﷺ من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية، ومنها: ما استدل به ابن التين لقول مالك بلزوم الظهار من الإماء بناء على أنَّ المراد بالزائدتين على التسع مارية وريحانة، وقد أطلق على الجميع لفظ (نسائه)، وفيه نظر؛ لأنَّ الإطلاق المذكور بطريق التغليب.\nومنها: ما استدل به ابن المُنيِّر على جواز وطء الحرة بعد الأمة من غير غسل بينهما ولا غيره، والمنقول عن مالك أنَّه يتأكد الاستحباب في هذه الصورة، كذا قرره في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٤٦٢\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-462>[باب غسل المذي والوضوء منه]</span>\nهذا (باب) حكم (المَذْيِّ)؛ بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر الذال المعجمة، وتشديد الياء، حكي ذلك عن ابن الأعرابي؛ وهو ماء يخرج من الذَّكَر عند الملاعبة والتقبيل، يقال: مذى الرجل؛ بالفتح، وأمذى؛ بالألف، مثله، ويقال كل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي من قذت الشاة إذا ألقت من رحمها بياضًا، وقال ابن الأثير: المذي: البلل اللزج الذي يخرج من الذَّكَر عند ملاعبة النساء، ورجل مذَّاء؛ يقال بالتشديد للمبالغة في كثرة المذي، وفي «المطالع»: (هو ماء رقيق يخرج عند التذكر أو الملاعبة، يقال: مذى وأمذى ومذى، وقد لا يحس بخروجه)، (و) حكم (الوضوء منه)؛ أي: من المذي، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ في الباب الأول بيان حكم المني، وفي هذا بيان حكم المذي، وهو من توابع المني، ومثله في النجاسة غير أنَّ في المني الغسل، وفي المذي الوضوء؛ فليحفظ.\nقلت: ومثل المذي الودي؛ وهو ماء ثخين يخرج عقب البول عند استمساك الطبيعة، أو حمل شيء ثقيل.\n\n <span id=\"b-٤٦٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-463>[حديث علي: كنت رجلًا مذاء فأمرت رجلًا]</span>\n٢٦٩ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد): هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري (قال: حدثنا زائدة): هو ابن قُدامة؛ بضمِّ القاف، وتخفيف الدال المهملة الثقفي أبو الصلت الكوفي المتوفى سنة ستين ومئة غازيًا بالروم، (عن أبي حَصِين)؛ بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، واسمه: عثمان بن عاصم الكوفي التابعي، (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حَبيب مكبر بن السُّلَمي؛ بضمِّ المهملة، وفتح اللام، مقرئ الكوفة، أحد أعلام التابعين، صام ثمانين رمضانًا، مات سنة خمس ومئة، (عن علي): هو ابن أبي طالب ﵁ (قال: كنت رجلًا مذَّاء)؛ بفتح الميم، وتشديد الذال المعجمة، وبالمد: صيغة مبالغة؛ يعني: كثير المذي، وذكر الموصوف مع صفته تكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولما كان المذي يغلب على الأقوياء الأصحاء؛ حسن ذكر الرجولية معه؛ لأنَّه يدل على معناها، وراعى في (مذاء) الموصوف؛ كقولك: أنا رجل يأمر بالمعروف، ولو راعى تاء المتكلم؛ لقال: رجلًا أمذى؛ كقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ﴾ بعد قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] راعى الياء في ﴿إِنِّي﴾، ولو راعى ﴿قَرِيبٌ﴾؛ لقال: يجيب، وكقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، وعبارة القسطلاني هنا غير محررة، واعترض عليها بعض المصححين في دار الطباعة المصرية، فقال: (انظر ما معناه، ثم إنَّ تنظيره بالآية لا يظهر إلا لو قال: كنت رجلًا أمذى أو يمذي، حتى يقال: إنَّه راع الأول أو الثاني، وأمَّا مع تعبيره بمذاء؛ فلا يصح أن يقال: إنَّه راعى الثاني أو الأول؛ إذ لا يقال خلافه مع كليهما) انتهى؛ فتأمل.\nوزاد الحافظ الطحاوي وأحمد عن عليٍّ: (فإذا أمذيت؛ اغتسلت)، وزاد أبو داود: (فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري)، وزاد في الرواية السابقة: (فأحببت أن أسأل): (فأمرت رجلًا) يحتمل أنَّه المقداد بن الأسود، ويحتمل أنَّه عمار بن ياسر، ويجوز أن يكون غيرهما، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ؛ لأنَّه قد روى الحافظ الطحاوي من حديث محمَّد ابن الحنفية عن أبيه قال: (كنت أجد مذيًا، فأمرت المقداد) وأخرجه مسلم كذلك.\nوأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث رافع بن خَديج: أنَّ عليًّا أمر عمارًا، وأخرجه النسائي أيضًا.\nوأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث حَصين بن قُبيصة عن علي قال: (كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي ﷺ)، وأخرجه أبو داود كذلك.\nوأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث ابن عباس قال: (قال عليٌّ: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا) فقد علمت أنَّ السائل هو المقداد، وفي بعضها: هو عمار، وفي بعضها: هو علي نفسه، وجمع ابن حبان بين هذه الاختلافات بأنَّ عليًّا سأل عمارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه.\nوروى عبد الرزاق،","vol":"1","page":141},{"text":"عن عائش بن أنس قال: (تذاكر عليٌّ والمقداد وعمار ﵃ المذي، فقال علي: إنني رجل مذاء، فاسألا عن ذلك النبيَّ ﷺ، فسأله أحد الرجلين)، وقال ابن بشكوال: (إنَّ الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد)، وصححه.\nوزعم ابن حجر أنَّ على هذا فنسبةُ عمارٍ (^١) إلى أنَّه سأل عن ذلك محمولة على المجاز؛ لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطاب، ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (كلاهما كانا مشتركين في هذا السؤال غير أنَّ أحدهما قد سبق به، فيحتمل أن يكون هو المقداد، ويحتمل أن يكون هو عمار)، وتصحيح ابن بشكوال على أن يكون هو المقداد يحتاج إلى حجة وبرهان، ورد ما ذكر في الأحاديث المذكورة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا سأل، فلا يحتاج بعد هذا إلى زيادة حشو في الكلام؛ فافهم والله أعلم.\n (يسأل النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ لمكان ابنته)؛ أي: بسبب أنَّ ابنته فاطمة ﵂ كانت تحت نكاحه، وفي رواية مسلم من طريق محمَّد ابن الحنفية، عن عليٍّ: (من أجل فاطمة ﵂)؛ أي: لأنَّها زوجته، وفي رواية النسائي عن علي: (كنت رجلًا مذاء، وكانت ابنة النبيِّ ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله)؛ أي: بنفسه فيما يتعلق بالشهوة.\nففيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأنَّ الزوج يستحب له ألَّا يذكر شيئًا يتعلق بجماع النساء والاستمتاع بهن بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وفيه: جواز الاستتابة في الاستفتاء، ويؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكِّله، وفيه: قبول خبر الواحد، والاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، فإنَّ عليًّا اقتصر على قول السائل مع تمكُّنه من سؤال رسول الله ﵇) انتهى؛ فافهم.\n (فسأله) وفي رواية بحذف الهاء؛ أي: عن حكم المذي، زاد أحمد: (فضحك النبيُّ ﷺ)، والظاهر: أنَّه علم أنَّه من عليٍّ ﵁، (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ: (توضأ)؛ أي: وضوءك للصلاة، كما صُرِّح به في رواية أبي داود وأحمد، وغيرهما، وهو أمر مجزوم خطاب للرجل الذي في قوله: (فأمرت رجلًا) على الخلاف في تفسيره.\nوزعم القسطلاني أنَّه حيث استحى عليٌّ أن يسأل بنفسه لأجل فاطمة تعين الحمل على المجاز بأن الراوي أطلق أنَّه سأل؛ لكونه أُمِرَ بذلك.\nقلت: قد أخذ هذا من كلام ابن حجر، وهو فاسد؛ لأنَّ الأحاديث التي تقدمت صريحة في أنَّ عليًّا هو الذي سأل بنفسه، منها: ما أخرجه أبو داود من طريق حصين بن قبيصة عن عليٍّ قال: كنت رجلًا مذاء، فسألت النبيَّ ﷺ فقال: «إذا رأيت المذي؛ فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت المني؛ فاغتسل»، وأخرجه أحمد، والطبراني، وأخرج الحافظ الطحاوي عن هانئ بن هانئ، عن عليٍّ قال: (كنت رجلًا مذاء، وكنت إذا أمذيت اغتسلت، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «فيه الوضوء») فهذا يعين أن يكون عليٌّ هو الذي تولى السؤال بنفسه وهو ظاهر، فأين يتعين الحمل على المجاز؟ وما هو إلا حمل فاسد؛ لأنَّه إذا وجدت الحقيقة والمجاز؛ لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز، كما هو رأي أهل التحقيق.\nو(كون الراوي أطلق...) إلخ بعيد جدًّا؛ لأنَّه لا حاجة له بذلك مع ما يلزم عليه من ارتكاب ما هو مأمون منه، على أنَّ الحياء في الأمور الشرعية مذموم شرعًا، وعليٌّ رابع الخلفاء أحق باتباع الأمور الشرعية؛ فافهم.\n (واغسل ذكرك) أمر مجزوم أيضًا، خطاب للرجل المذكور، فيحتمل أن يكون سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون لعليٍّ أو لمبهم، فوقع هنا تقديم الأمر بالوضوء على غسل الذكر، ووقع في «العمدة» عكسه منسوبًا إلى المؤلف، واعترض عليه ورده في «عمدة القاري»، فقال: لا يرد؛ لأنَّ الواو لا تدل على الترتيب، وقد أخرج الحافظ الطحاوي في روايته تقديم الغسل على الوضوء في رواية رافع بن خَديج عن عليٍّ، فقال ﵇: (يغسل مذاكيره ويتوضأ)، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، ويجوز عكسه، ولا أولوية لأحدهما؛ لأنَّ الوارد في الأحاديث غير معين، وظاهرها: أنَّه ﵇ كان يقدم الوضوء على غسل الذَّكَر كما هو في أكثر الروايات؛ ففيه: دليل على أنَّ مس الذكر غير ناقض للوضوء؛ لأنَّ الغاسل لا بد وأن يمس لاحتياجه إلى الدلك حتى تذهب النجاسة بالكلية؛ فليحفظ؛ فافهم.\nوفي رواية للحافظ الطحاوي عن أبي عبد الرحمن، عن عليٍّ: فقال ﵇: «توضأ واغسله».\nوفي رواية أخرى له عن عليٍّ قال: سئل النبيُّ ﷺ عن المذي، فقال: «فيه الوضوء»، ومثله عند أحمد.\nوروى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: سألت رسول الله ﷺ عن المذي فقال: «من المذي الوضوء، ومن المني الغسل»، قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح).\nوروى الحافظ الطحاوي من حديث ابن الحنفية: فقال ﵇: «إنَّ كل فحل يمذي، فإذا كان المني؛ ففيه الغسل، وإذا كان المذي؛ ففيه الوضوء»، وأخرجه مسلم أيضًا، وقال ﵇: «يغسل ذكره ويتوضأ».\nوأخرج مسلم أيضًا من طريق ابن عباس، عن عليٍّ، وفي رواية أحمد: «فليغسل ذكره وأنثييه»، وأخرجه النسائي، وابن ماجه، والترمذي.\nقال في «عمدة القاري» بعد سرده لهذه الأحاديث: (فهذا كما رأيت هذا الاختلاف فيه، ولكن لا خلاف في وجوب الوضوء ولا خلاف في عدم وجوب الغسل) انتهى.\nوزعم ابن حجر فقال: (والظاهر أنَّ عليًّا كان حاضرًا السؤال؛ فقد ذكر أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنَّه لم يحضر؛ لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده ما في رواية النسائي عن علي: فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر أصحاب المسانيد هذا الحديث في مسند علي أن يكون علي حاضرًا، ولا يلزم من عدم حملهم له على أنَّه لم يحضر ذكره في مسند المقداد؛ لأنَّ الأحاديث التي علمتها مطلقة لا تعين السائل، غاية الأمر فيها أنَّ السائل إمَّا عليٌّ نفسه، أو عمار، أو المقداد، فهذا الكلام فاسد، كما لا يخفى.\nوما ذكره من رواية النسائي من التأييد لكلامه مردود عليه؛ لما أخرجه الحافظ الطحاوي عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: (كنت رجلًا مذاء، وكانت عندي ابنة النبيِّ ﷺ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ...)؛ الحديث، فهذا يعين أنَّ عليًّا لم يكن حاضرًا، لا سيما وقد سبق في الأحاديث أنَّه كان يستحي من سؤاله ﵇، فكيف يحضر حين السؤال؟ وما هو إلا كلام بعيد جدًّا؛ فافهم.\nقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (لم يكن أمره ﵇ بغسل ذكره؛ لإيجاب غسله كله، ولكن ليتقلص؛ أي: ليتروى وينضم ولا يخرج، كما إذا كان له هوى وله لبن، فإنَّه ينضح ضرعه بالماء؛ ليتقلص ذلك منه فلا يخرج).\nقال صاحب «عمدة القاري»: (من خاصية الماء البارد أنَّه يقطع اللبن ويرده إلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين؛ رد المذي وكسره).\nثم قال الحافظ الطحاوي: وقد جاءت الآثار متواترة في ذلك، فروي منها حديث ابن عباس، عن علي، وقد ذكرناه وعن غير ابن عباس، عن علي، ثم قال: أفلا ترى أنَّ عليًّا لما ذكر عن النبيِّ ﷺ؛ ما أوجب عليه في ذلك وضوء الصَّلاة، فثبت بذلك أنَّ ما كان سوى وضوء الصَّلاة مما أمره به، فإنَّما كان لغير المعنى الذي أوجب وضوء الصَّلاة، وقد روى سهل بن حنيف عن رسول الله ﷺ ما دل على هذا، ولفظه: أنَّه سأل النبيَّ ﷺ عن المذي، فقال: «فيه الوضوء».\nقال أبو جعفر: (فأخبر أنَّ ما يجب فيه هو الوضوء، وذلك ينفي أن يكون عليه مع الوضوء غيره)، وأخرج الترمذي هذا الحديث أيضًا، ولفظه: كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك للنبيِّ ﷺ وسألته عنه، فقال: «إنَّما يجزئك من ذلك الوضوء»، قلت: يا رسول الله؛ كيف بما يصيب ثوبي منه، فقال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنَّه أصاب منه»، ثم قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.\nوروي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: (هو المني والمذي والودي، فأمَّا المذي والودي؛ فإنَّه يغسل ذكره ويتوضأ، وأمَّا المني؛ ففيه الغسل)، وأخرجه الحافظ الطحاوي من طريقين حسنين جيدين، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه.\nوروي أيضًا عن الحسن: (أنَّه يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة).\nوروي عن سَعِيْد بن جبير قال: (إذا أمذى الرجل؛ غسل الحشفة وتوضأ وضوءه للصلاة)،\n_________\n(^١) في الأصل: (عمارًا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":142},{"text":"وأخرج ابن أبي شيبة نحوه، وهذا مذهب الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف ﵄، وذهب الزُّهري إلى أنَّه يجب غسل جميع الذكر إذا أمذى وإذا بال.\nوروي عن أحمد: أنَّه لا يجب الاستنجاء والوضوء، وروي عنه: أنَّه يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء وهي الأصح، وعند مالك خلاف، والأصح أنَّه يجب الوضوء منه، ويجب غسله؛ لنجاسته، ومذهب الشافعي كمذهبنا، وروي عن سلمان بن ربيعة الباهلي أنَّه تزوج امرأة من بني عقيل، فكان يأتيها فيلاعبها فيمذي، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك، فقال: (إذا وجدت الماء؛ فاغسل فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)، فيحتمل كما قال صاحب «عمدة القاري» أنَّه أمر بغسل الأنثيين لرد المذي وكسره، أو لاحتمال إصابة شيء منه.\nواستدل ابن دقيق العيد بالحديث على تعيين الماء فيه دون الأحجار ونحوها أخذًا بالظاهر، ووافقه النووي على ذلك في «شرح مسلم»، وخالفه في باقي كتبه، وحمل الأمر بالغسل على الاستحباب.\nقلت: وهذا هو المعروف عندهم، وعند المالكية لا يجزئ فيه الحَجَر.\nومن أحكام هذا الحديث: دلالته على نجاسة المذي وهو ظاهر، ونقل عن ابن عباس الحنبلي أنَّه خرَّج من قول بعضهم: (إنَّ المذي من أجزاء المني) رواية بطهارته، ورد عليه بأنَّه لو كان كذلك؛ لوجب الغسل منه؛ فليحفظ.\nواستدل بقوله: (توضأ) على أنَّ الغسل لا يجب بخروجه، وصرح بذلك في رواية أبي داود وغيره وهو بالإجماع.\nواستدل به أيضًا: على وجوب الوضوء على من به سلس المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوضوء بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، ورُدَّ بأنَّ الكثرة هنا ناشئة عن غلبة الشهوة مع صحة الجسم بخلاف صاحب السلس، فإنَّه ينشأ عن علة في الجسد.\nوقد يقال: لما أمر الشارع بالوضوء منه ولم يفصل؛ دل على عموم الحكم، ورُدَّ بأنَّه لا رخصة عند أحد من علماء المسلمين في المذي الخارج عن صحة، فكلهم يوجبون (^١) الوضوء منه وهو سنة مجمع عليها، ولما صح الإجماع في وجوب الوضوء منه؛ لم يبق إلا أن تكون الرخصة في خروجه عن فساد وعلة، فإذا كان خروجه كذلك؛ فلا وضوء ما دام في الوقت؛ لأنَّ ما لا يرقأ ولا ينقطع لا وجه للوضوء منه في الوقت، فإذا خرج الوقت؛ انتقض وضوءه؛ لأنَّه صار صاحب عذر؛ فليحفظ.\nواستدل بالحديث: على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، كما قدمناه، ونظر فيه ابن حجر فزعم أنَّ السؤال كان بحضرة علي، ولو صح أنَّه كان في غيبته؛ لم يكن دليلًا على المدَّعي؛ لاحتمال وجود القرائن التي تحفُّ الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع.\nوردَّه ابن دقيق العيد: بأنَّ المراد الاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه واحدًا في صورة من الصور التي تدل وهي حجة بجملتها، لا بفرد معين فيها.\nقلت: ونظره فاسد، فإنَّ قوله: (إنَّ السؤال كان بحضرة عليٍّ) ممنوع؛ لما علمت من الأحاديث أنَّه كان بغيبته.\nوقوله: (ولو صح...) إلخ، نعم؛ قد صح أنَّه كان في غيبته.\nوقوله: (لم يكن دليلًا...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه على كل حال لما اقتصر علي ﵁ على قول المقداد مع تمكنه من سؤال رسول الله ﷺ عليه بنفسه؛ دل على أنَّه قادر، فالقدرة مقطوع بها، وقول المقداد مظنون، وقد اعتمد عليه، ولا قرينة توجد حتى تحق الخبر.. إلخ، فإنَّها غير موجودة.\nغاية الأمر أنَّه قد اختلف في السائل، فالاختلاف فيه ليس بقرينة، كما لا يخفى، وقد يظهر أنَّ هذا هو الصواب؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٦٤\"> </span>(١٤) <span data-type=\"title\" id=toc-464>[باب من تطيب ثم اغتسل وبقى أثر الطيب]</span>\nهذا (باب) حكم (مَن تطيَّب) قبل الاغتسال من الجنابة، (ثم اغتسل) منها (وبقي أثر الطيب) في جسده، وكانوا يتطيَّبون عند الجماع لأجل النشاط، فالسنة اتخاذ الطيب للرجال والنساء عند الجماع، والمناسبة بين البابين من حيث إنَّ في الباب السابق يحصل الطيب في الخاطر عند غسل المذي، وهنا يحصل الطيب في البدن والنشاط في الخاطر عند التطيُّب، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٤٦٥\"> </span>[حديث عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف في نسائه]\n٢٧٠ - وبه قال: (حدثنا أبو النُّعمان)؛ بضمِّ النون: هو محمَّد بن الفضل (قال: حدثنا أبو عَوانة): هو الوضاح اليشكري، (عن إبراهيم بن محمَّد بن المُنْتَشر)؛ بضمِّ الميم، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، بعدها شين معجمة، (عن أبيه): هو محمَّد بن أبي مسروق الكوفي (قال: سألت عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵂ عن التطيب قبل الإحرام، (وذكرتُ)؛ بالواو، وفي رواية: بالفاء (لها) حين السؤال (قول) عبد الله (ابن عمر) ابن الخطاب ﵄: (ما أُحب أن أُصبح)؛ بضمِّ الهمزة في الفعلين (محرمًا أَنضخ)؛ بفتح الهمزة، وبالخاء المعجمة، وفي رواية بالمهملة؛ أي: أفور؛ لأنَّ النضخ هو الفوران، قال الله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]، قال البيضاوي: (فوارتان)؛ فافهم.\nوقوله: (طِيبًا) منصوب على التمييز، وهذا إخبار عن نفسه، (فقالت عائشة) رضي الله تعالى عنها: (أنا طيبت رسول الله ﷺ، ثم طاف) أي: دار (في نسائه)، وهو كناية عن الجماع، ومن لوازمه الاغتسال؛ لأنَّه ضروري لا بدَّ منه، ففيه: مطابقة الحديث للترجمة الأولى، قيل في رواية: (على نسائه)، فتكون (في) بمعنى: (على)؛ فافهم.\n (ثم أصبح) على صيغة الماضي مفردًا؛ أي: ثم أصبح النبيُّ الأعظم ﷺ (محرِمًا) ينضخ طيبًا، ومن لوازمه؛ بقاء أثر الطيب عليه، ففيه: المطابقة للترجمة الثانية، فإنَّها ردت على ابن عمر، ولا بد من تقدير (ينضخ طيبًا) بعد لفظ (أصبح محرِمًا) حتى يتم الرد، وفي الحديث: أنَّ التطيب قبل الإحرام سنة، وفيه: جواز رد بعض الصحابة على بعض، وفيه: خدمة الأزواج، وتمامه سبق في باب: (إذا جامع، ثم عاد)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٦٦\"> </span>[حديث: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي ﷺ وهو محرِم]\n٢٧١ - وبه قال: (حدثنا آدم): هو ابن أبي إياس- بكسر الهمزة- كما صرح به في رواية (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (قال: حدثنا الحكم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة مصغر عُتْبَة، (عن إبراهيم): هو النخعي، (عن الأسود): هو خال إبراهيم النخعي، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵂ (قالت: كأني أنظر إلى وَبِيْص)؛ بفتح الواو، وكسر الموحدة، بعدها تحتية ساكنة، بعدها صاد مهملة؛ وهو البريق واللمعان، وهو مصدر وَبَصَ يَبِصُ وبيصًا، (الطِّيْب)؛ بكسر الطاء المهملة، وسكون التحتية، قال الإسماعيلي: (وبيص الطيب؛ تلألؤه، وذلك لعين قائمة لا للريح فقط) (في مَفرِق النبيِّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) بفتح الميم، وكسر الراء؛ وهو مكان مفرق الشعر من الجبين إلى دائرة وسط الرأس، وجاء فيه: فتح الراء، وفي «المصابيح»: بميم مفتوحة، وراء مكسورة، وبالعكس، انتهى؛ فتأمل.\n (وهو محرم)؛ أي: والحال أنَّه محرم، فالجملة محلها نصب على الحال، وفي الحديث المطابقة للترجمة الثانية، وهي قوله: (وبقي أثر الطيب)، واستنبط من الحديث: أنَّ بقاء أثر الطيب على بدن المحرم إذا كان قد تطيب به قبل الإحرام غير مؤثر في إحرامه، ولا يوجب عليه كفارة، قاله الخطابي، وهو مذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، وكرهه الإمام محمَّد بما يبقى عينه بعد إحرامه، ومنعه مالك قائلًا: إنَّ التطيب كان لمباشرة النساء، مؤولًا قولها: (بأنَّه ينضخ طيبًا) بأنَّه قبل غسله، وقولها: (كأنَّي أنظر إلى وبيصه، وهو محرم) بأنَّ المراد منه أثره لا جرمه.\nقال النووي: (وهذا غير مقبول منه لما قالت: «كنتُ أطيِّبُ رسول الله ﷺ لحِلِّه ولحرمه»، وهو ظاهر في أنَّ الطيب للإحرام لا للنساء وكذا تأويله؛ لأنَّه مخالفة للظاهر لغير ضرورة) انتهى.\nوقال ابن بطال: (في الحديث: أنَّ السنة اتخاذ الطيب للرجال والنساء عند الجماع، وكان ﵇ أمَلك لأربه من سائر أمته، فلذلك كان لا يجتنب الطيب في الإحرام ونهانا عنه؛ لضعفنا؛\n_________\n(^١) في الأصل: (يوجبوا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":142},{"text":"إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، والجماع مفسد للحج فيمتنع فيه الطيب؛ لسد الذريعة) انتهى.\nقلت: وأفاد كلامه أنَّ التطيُّب قبل الإحرام وبقاء أثره بعده خصوصية للنبيِّ الأعظم ﷺ، وهو ممنوع؛ لأنَّ الأصل عدمها وهي لا بد لها من دليل، ولم يوجد ما يدل عليها، ولا يلزم من كون الطيب من أسباب الجماع أن يوجد الجماع ودواعيه، فكم من متبع للسنة متطيب في إحرامه، ولا ينظر إلى زوجته فقد يملك الشخص إربه، وما هذا إلا محاولة، وخروج عن الظاهر، أما رأيت قول عائشة في إنكارها على ابن عمر ﵄، وردها عليه، والعجب من العجلوني كيف نقل كلامه، ولم يتعرَّض له مع تعصبه لما ذهب إليه إمامه؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٦٧\"> </span>(١٥) <span data-type=\"title\" id=toc-467>[باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه]</span>\nهذا (باب) حكم (تخلل الشَّعَر)؛ بفتح العين أفصح من سكونها؛ أي: في الاغتسال من الجنابة بالماء قبل إفاضته؛ ليكون أبعد عن الإسراف في الماء، وفي نسخ: (تخليل)، وكلاهما مصدر، فالأول من (التفعُّل)، والثاني من (التفعيل)، (حتى إذا ظَنَّ)؛ أي: تيقن أو غلب على ظن المغتسل (أنَّه أروى) فعل ماض من الإرواء، يقال: أروى إذا جعله ريانًا (بشرته)؛ أي: ظاهر جلده، والمراد به: ما تحت الشعر، وفي «المصابيح»: هو من الري خلاف العطش، استُعير لشدة بلِّ الشعر بالماء، وضمير (بشرته) عائد على (الشعر)، أو على المغتسل.\nقلت: والظاهر الثاني؛ فليحفظ.\nوقوله: (أفاض) جواب (إذا) من الإفاضة؛ وهي الإسالة (عليها)؛ أي: على بشرته، وفي بعض النسخ: (عليه)؛ أي: على الشعر، واقتصر ابن عساكر على (أفاض) ولم يزد (عليها) ولا (عليه)، ووجه المناسبة بين البابين: من حيث وجود التخليل فيهما، أمَّا في الأول؛ فلأنَّ المتطيب يخلل شعره بالطيب، وأمَّا في هذا؛ فإنَّ المغتسل يخلله بالماء، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٤٦٨\"> </span>[حديث: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ]\n٢٧٢ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عبدان): هو عبد الله العتكي (قال: أخبرنا عبد الله): هو ابن المبارك (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هشام بن عروة): هو الزبير، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: كان رسول الله ﷺ) إفادة لفظة (كان) الاستمرار والدوام (إذا اغتسل)؛ أي: إذا أراد الاغتسال (من الجنابة)، وقوله: (غسل يديه)؛ بالتثنية، إلى الرسغين جواب (إذا) (وتوضأ وضوءه للصلاة)؛ أي: مثل وضوءها بجميع سننه وآدابه، وإفادة الواو الدالة على الجمع المطلق أنَّه غسل يديه، وتوضأ، يحتمل تقديم أحدهما على الآخر وتأخيره، لكن غسل اليدين إنَّما كان بعد الاستنجاء، ثم إنَّه توضأ وغسل يديه؛ لقولها: (وضوءه للصلاة)؛ فافهم.\n (ثم اغتسل)؛ أي: اشتغل وشرع في أفعال الاغتسال من الجنابة، (ثم يخلل)؛ بضمِّ التحتية (بيده)؛ أي: اليمنى (شَعَره)؛ بالتحريك؛ أي: كله أو شعر رأسه بأن يأخذ غرفة من الماء، ويخلل؛ ليكون أبعد عن الإسراف، وليصل الماء إلى أصول الشعر (حتى إذا ظن) يجوز أن يكون على بابه، فيكتفى بالغلبة، ويجوز أن يكون بمعنى: تيقن، واستظهر العجلوني الأول.\nقلت: لا أولوية لأحدهما؛ لأنَّ المعنى صحيح في كلٍّ منهما، وقد يقال: الثاني أظهر؛ لأنَّ مرتبة اليقين أقوى وأبعد عن الوهم من مرتبة الظن أو غلبته؛ فافهم.\n (أنَّه)؛ بالضمير، وللحمُّوي والمستملي بحذف الضمير، فـ (أن)؛ بالفتح والتخفيف وأصلها بالتثقيل فتكون (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها المحذوف ضمير الشأن، وبه يعلم جواز جعل ضمير (أنَّه) للشأن، وجملة (قد أروى بشرته) خبرها، و(أن) وما بعدها سدت مسد مفعول (ظن)، والضمائر من (ظن) وما بعدها راجعة إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، ويجوز في بعضها رجوعه إلى (الشَّعَر).\nقلت: بل جميعها راجع إليه ﵇، ولا يجوز غيره، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوجملة (أفاض) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال (عليه) أي: على شعره، والمراد: على رأسه (الماء) جواب (إذا)، واختلفوا في الشعر، فقال بعضهم: هو على عمومه، وخصص الآخرون بشعر الرأس، كما في «عمدة القاري» (ثلاث مرات)؛ بالنصب على المصدرية؛ لأنَّه عدد المصدر، وعدد المصدر مصدر، كما لا يخفى، (ثم غسل سائر جسده)؛ أي: بقية جسده بالماء، وتقدم في رواية مالك عن هشام في أول كتاب (الغُسل): (على جلده كله)، فإذا حملنا لفظة (سائر) على معنى الجميع؛ يجمع بين الروايتين، كذا قاله في «عمدة القاري»، ولا يخفى أنَّ مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (ثم يخلل... إلى آخره)، ففي الحديث: دليل على وجوب إيصال الماء إلى أثناء اللحية، كما يجب إيصاله إلى أصولها في الغُسل، وعلى وجوب غسل شعر الرأس ولو كان ملبدًا، وعلى وجوب غسل داخل المضفور، فإنَّ التخليل يشمل ذلك كله.\nوقال ابن بطال: (أمَّا تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة؛ فمجمع عليه)، وقاسوا عليه شعر اللحية، فروى ابن القاسم: أنَّه لا يجب تخليلها مطلقًا، وروى أشهب: أنَّ تخليلها في الغسل واجب؛ لهذا الحديث ولا يجب في الوضوء؛ لحديث عبد الله بن زيد في (الوضوء)، ولم يذكر فيه تخليل اللحية، وبه قال الإمام الأعظم، وأحمد ابن حنبل.\nقلت: مذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد أنَّ التخليل في الوضوء سنة، وقال الإمام أبو يوسف: إنَّه سنة مؤكدة، وهو المختار، وكذا مشى عليه أصحاب المتون، وهذا ما لم تكن كثة، فإن كانت خفيفة؛ فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها؛ كالغسل، كذا في «منهل الطلاب».\nوقال الشافعي: (التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة).\nوقال المزني: (تخليلها واجب في الوضوء والغسل جميعًا) انتهى.\nوزعم العجلوني أنَّ حجة من لم ير تخليلها في الجنابة أنَّا قد اتفقنا على أنَّ داخل العين لا يجب غسله؛ لأنَّ عليه ساترًا، فكذا هنا.\nقلت: وهذا قياس فاسد؛ لأنَّ داخل العين إنَّما سقط غسله للحرج؛ حيث إنَّ العين شحم، فيتضرر بالماء، وقد عمي من تكلف لغسله، لا لأنَّ عليه ساترًا، ألا ترى أنَّ داخل الفم، والأنف، ووراء الأذن، وداخل القُلفة مستور ويجب غسله، فهذا القياس غير صحيح، وقال أيضًا: الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطاه الشعر، فكذا ينبغي أن يسقط في الجنابة.\nقلت: وهذا أيضًا قياس مع الفارق، فإنَّ الأمرد ما دام كذلك؛ حكمه حكم المرأة، وهي يجب غسل بشرتها، فكذا هذا، أمَّا إذا نبتت له لحية؛ يصير حكمه حكم الرجال، فيجب إيصال الماء إلى أثنيائها وأصولها في الغسل؛ لأنَّ الجنابة تحل أعضاء البدن كله، ألا ترى قوله ﷺ: «خللوا الشعر؛ فإنَّ تحت كل شعرة جنابة»، وأمَّا في الوضوء؛ فالحدث يحل الظاهر دون الباطن، بخلاف الحدث الأكبر؛ فإنَّه يحل الباطن والظاهر؛ فافهم، والله أعلم.\n (وقالت)؛ بالواو عطف على (قالت: كان رسول الله ﷺ)، والضمير فيهما يرجع إلى عائشة، فيكون متصلًا بالإسناد المذكور: (كنت اغتسل أنا والنبيُّ) الأعظم (ﷺ) (أنا) تأكيد لاسم (كان)؛ لأجل صحة العطف على الضمير المرفوع المستتر، ويجوز فيه النصب على أنَّه مفعول معه؛ أي: مع النبيِّ الأعظم ﷺ، واختلفوا فيه؛ فالجمهور: على أنَّه من باب عطف المفردات، وبعضهم: على أنَّه من باب عطف الجمل؛ والتقدير: كنت أغتسل أنا ويغتسل النبيُّ الأعظم ﷺ (من إناء واحد نَغْرف)؛ بالنون المفتوحة، والغين المعجمة الساكنة، يليها راء (منه)؛ أي: من الماء الذي في الإناء (جميعًا)؛ بالنصب على الحال من فاعل (نغرف) أو من فاعل (أغتسل)، وما عطف عليه مستأنفة، أو صفة، أو حال، وعند المؤلف في (الاعتصام)","vol":"1","page":143},{"text":"نشرع فيه جميعًا.\nقال في «عمدة القاري»: (ولفظ «جميعًا» يؤكد به، يقال: جاؤوا جميعًا؛ أي: كلهم، ومثله في «شرح الكرماني»، واعترضه البرماوي، فقال: «إنَّه وهم»، واختار أنَّها حال؛ أي: نغرف منه حال كوننا جميعًا، قال: والجمع ضد التفريق، ويحتمل هنا أن يراد جميع المغروف، أو جميع الغارفين) انتهى.\nقلت: وهذا ليس بوهم كما زعم، فقد عدها جمال الدين بن مالك من ألفاظ التوكيد، قال: وأغفلها النحويون، وقد نبه سيبويه على أنَّها بمنزلة «كل» معنًى واستعمالًا، ولم يذكروا شاهدًا من كلام العرب، وقد ظفرت بشاهد لها، وهو قول امرأة من العرب ترقص ابنًا لها، فتقول:\nفداك حي خولان... جميعهم وهمدان\nوهكذا قحطان... والأكرمون عدنان\nفالغافل الواهم هو هذا القائل فإنَّه لم يطلع على ما ذكره إمام الصنعة؛ فافهم.\nوقال ابن فرحون: و«جميعًا» يرادف «كلًّا» في العموم، ولا يفيد الاجتماع في الزمان بخلاف «معًا»؛ يعني: أنَّها تفيد الاجتماع في الفعل، فإنَّ هنا الفرق على التعاقب من الإدخال في الإناء والإخراج منه؛ فليحفظ.\nوفي الحديث: تعاهد بشرة البدن، وما يمكن غسله بلا حرج، ثم إفاضة الماء عليه ليكون أبعد عن الإسراف، وليصل الماء إلى نفس الجسد خصوصًا في الشتاء، فإنَّ البدن لا يجري عليه الماء إلا بعد تعاهده، والحديث تقدم مع فوائده، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٦٩\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-469>[باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده]</span>\nهذا (باب) حكم (مَن توضأ في) الاغتسال من (الجنابة) فلفظ (في) بمعنى: (من)، كما في نسخة، (ثم غسل سائر) أي: باقي (جسده ولم يُعد)؛ بضمِّ التحتية، من الإعادة (غسل مواضع الوضوء) زاد في رواية أبي ذر: (منه)؛ أي: من الجسد، وفي رواية الباقين ليست بموجودة، ووجودها أظهر (مرة أخرى)؛ لأنَّ الوضوء مشتمل على المضمضة، والاستنشاق، وغسل الأعضاء، وبالغسل قد ارتفع الحدث عنها وإن كان سنة؛ لأنَّ السنة تنوب عن الفرض؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٧٠\"> </span>[حديث ميمونة: وضع رسول الله ﷺ وضوءًا لجنابة فأكفأ بيمينه]\n٢٧٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا يوسف بن عيسى): هو ابن يعقوب المروزي المتوفى سنة تسع وأربعين ومئتين (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (الفَضْل)؛ بفتح الفاء، وسكون الضاد المعجمة (بن موسى): هو أبو عبد الله السيناني نسبة إلى سِيْنان -بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وبنونين بينهما ألف-: قرية من قرى مرو خراسان، المتوفى سنة إحدى وتسعين ومئة (قال: أخبرنا الأعمش): هو سليمان بن مهران، (عن سالم): هو ابن أبي الجعد رافع الكوفي، (عن كُريْب مولى ابن عباس)؛ بضمِّ الكاف، وسكون التحتية، (عن ابن عباس): هو عبد الله ﵄، (عن) خالته (ميمونة): أم المؤمنين بنت الحارث ﵂ (قالت: وَضع)؛ بفتح الواو على البناء للمعلوم (رسول الله ﷺ)؛ بالرفع فاعله (وَضوءَالجنابة)؛ بالإضافة للأكثرين، والنصب على المفعولية، وبلام واحدة، وفي رواية: (وَضوءًا للجنابة)؛ بلامين، بفتح الواو، والتنوين، والنصب على المفعولية، وفي رواية أخرى: (وضوءًالجنابة)؛ بلام واحدة، والنصب، والتنوين، وفي رواية أخرى: (وُضِعَ لرسول الله ﷺ)؛ بضمِّ الواو على البناء للمجهول؛ أي: لأجله، و(وضوءٌ) بالرفع والتنوين نائب عن الفاعل.\nقال الكرماني: (الوَضوء؛ بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به لا الذي يغتسل به، فكيف قال: وَضوء الجنابة؟\nوأجاب: بأنَّه أراد مطلق الماء الذي يتطهر به مجازًا مرسلًا من إطلاق المقيد على المطلق؛ كضده، وهو تقييد المطلق؛ كإطلاق الرسن على أنف الإنسان) انتهى.\nوقال البرماوي: أضافه إلى (الجنابة)؛ لأنَّه صار اسمًا له ولو استعمل في غير الوضوء.\nوقال ابن فرحون: (وَضوء الجنابة) يقع على الماء والإناء، فإن كان الموضوع الماء؛ فهو على تقدير وضع الماء في تورٍ أو نحوه، وإن كان الإناء؛ فهو موضوع حقيقة، وأضيف إلى (الجنابة) إضافة تخصيص؛ لأنَّه معدٌّ لغسلها) انتهى.\nقلت: ولما كان الـ (وَضوء)؛ بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، وغُسل الجنابة مشتمل على الوضوء والاغتسال؛ فأطلق عليه (وَضوء الجنابة) من إطلاق البعض وإرادة الكل، وأضافه إليها؛ لأنَّه يفعل لأجلها؛ فتأمل.\n (فأكفأ)؛ بالهمزة أوله وآخره رواية الأكثرين، ولأبي ذر: (فكفأ)؛ بالهمزة آخره؛ ومعناه: قلب الإناء (بيمينه على يساره) كذا هو للأكثرين، ولكريمة (على شماله) بدل (على يساره)، (مرتين أو ثلاثًا) الظاهر: أنَّ الشك من ميمونة، ويحتمل غيرها، (ثم غسل فرجه) المراد به: القبل والدبر، (ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط) أي: بأن جعل الأرض أو الحائط آلة للضرب، وفي رواية الكشميهني: (ضرب بيده الأرض)، قال الكرماني: (والمعنى فيهما واحد، فيحتمل أنَّ الأولى من باب القلب؛ كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ويحتمل أنَّه ضمن الفعل بمعنى: فعفَّر يده بالأرض) (مرتين أو ثلاثًا) الشك من ميمونة على الأظهر، وإنَّما ضرب يده الأرض؛ لأنَّه ربما بقي على يده شيء من المني وغيره، وهو للزاجته ورائحته لا يخرج إلا بالضرب على الأرض أو الحائط، (ثم مضمض) وفي رواية: (تمضمض)؛ بزيادة فوقية، (واستنشق) فإنَّهما من سنن الوضوء، وينوبان عن فرض الاغتسال، (وغسل وجهه) أي: ولحيته، (وذراعيه)؛ أي: ساعديه مع مرفقيه، والذِّراع -بكسر الذال المعجمة- يذكر ويؤنث، وسمي ذراعًا؛ لأنَّهم في الصدر الأول كانوا يذرعون به في بيوعهم وشرائهم، (ثم أفاض) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال (على رأسه الماء) وعلى شعره، (ثم غسل جسده)؛ أي: ما بقي من جسده، (ثم تَنَحَّى)؛ بالفوقية، والنون، والحاء المهملة المفتوحات؛ أي: تباعد عن مكانه إلى مكان آخر، (فغسل رجليه) تحرُّزًا عن الماء المستعمل؛ لأنَّهما في مجتمع الماء، وهو مستعمل، (قالت)؛ أي: ميمونة، ووقع في رواية الأَصيلي: (عائشة)، قال في «عمدة القاري»: (وهو غلط ظاهر)، وتبعه جميع الشراح إلا أن العجلوني زعم أنَّه لا مانع من كون عائشة كانت حاضرة الاغتسال، فأتته بخرقة، فردها.\nقلت: بل المانع ظاهر، فإنَّ هذا الاغتسال كان في بيت ميمونة؛ لأنَّ ذاك الوقت كان نوبتها، واحتمال حضور عائشة عندها بعيد؛ لأنَّ أحد الزوجات لا تأتي إلى عند الأخرى يوم نوبتها على أنَّه ﵇ كان كثير الحياء، فلا يمكن أن يغتسل عند ميمونة بحضور عائشة خوفًا من الغيرة؛ فليحفظ.\n (فأتيته بخِرقة)؛ بكسر الخاء المعجمة؛ أي: ليتنشف بها، (فلم يُرِدْها)؛ بضمِّ التحتية، وكسر الراء، وسكون الدال المهملة، من الإرادة، وما وقع لأبي السكن من تشديد الدال من الرد، فوهَّمه فيه صاحب «المطالع» وغيره، كما قدمناه، ويدل له الرواية الآتية: (فلم يأخذها)، (فجعل) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (ينفض بيده)، وفي رواية للأَصيلي: بحذف الباء الموحدة، وفي رواية أبي ذر: (فجعل لينفض الماء بيده)؛ ففيه: دليل على أنَّ نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به، قال في «منهل الطلاب»: واختلفوا فيه، ففي «معراج الدراية»: أنَّه لا بأس به، ومثله في «التاترخانية»، وفيها: أنَّه مكروه، والمعتمد إن كان من التضجر؛ فمكروه، وإن كان لأجل سرعة نزول الماء عنه؛ فلا بأس به؛ لأنَّه لم يثبت في النهي عنه شيء أصلًا، ومشى في «الدر المختار»: على أنَّه مكروه؛ أي: لأنَّ فيه إظهار التضجر من العبادة، وفيه: دليل على كراهية التمسح بالخرقة، وقد سبق أنَّه ﵇ كانت له خرقة للوضوء، فلعله رأى هنا في الخرقة وسخًا أو غبارًا أو غير ذلك؛ لأنَّ الصحيح أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه لا يبالغ ويستقصي، فيبقى أثر الماء على أعضائه؛ لأنَّه أثر العبادة؛ فافهم.","vol":"1","page":143},{"text":"وفي الحديث: دليل على أنَّ المغتسل إذا توضأ أولًا ثم اغتسل؛ لم يجب عليه إعادة المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ فعلهما في الوضوء كافٍ عن فعلهما في الغسل، فالسنة نابت مناب الفرض، وهو ظاهر، وقال ابن بطال: أجمعوا على أنَّ الوضوء ليس بواجب في الغسل من الجنابة، ولمَّا ناب غسل مواضع الوضوء وهو سنة في الجنابة عن غسلها وهو فريضة في الجنابة؛ صح بذلك ما روي عن مالك: (أنَّ غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة)، وفي الحديث حجة؛ لقول مالك في رجل توضأ للظهر وصلى، ثم جدد الوضوء للعصر، فلما صلى العصر؛ تذكر أنَّ الوضوء الأول انتقض؛ قال: (إنَّ صلاته تجزئه؛ لأنَّ الوضوء للسنة تجزئ به صلاة الفرض)، وكان الحديث السابق وهو ما فيه: (ثم غسل سائر جسده) أولى بهذه الترجمة، وهو مبين لرواية من روى: (ثم أفاض على جسده) أنَّ المراد بذلك ما بقي من الجسد دون أعضاء الوضوء. انتهى.\nواعترضه الكرماني فقال: (ليس في الحديث ما يدل على أنَّ السنة نابت عن الفرض؛ إذ ليس فيه أن غسل الوجه والذراعين كان للوضوء أو للسنة، بل كان لغسل الجنابة، فلا يصح قول مالك في نيابة غسل الجمعة عن غسل الجنابة، ولا يكون له حجة في إجزاء الصَّلاة بالوضوء التجديدي، بل ليس فيه أنه لم يعد غسل مواضع الوضوء؛ إذ لفظ (جسده) في (ثم غسل جسده) شامل لتمام البدن؛ أعضاء الوضوء وغيرها، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بـ (سائر جسده)؛ أي: باقي جسده غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء) انتهى.\nقلت: وهذا مردود، فإن قوله: (ليس في الحديث...) إلخ ممنوع، بل فيه دليل على أنَّ السنة نابت عن الفرض؛ لأنَّ غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس إنَّما هذا هو الوضوء المسنون، فغسل هؤلاء الأعضاء سنة، وهي نابت عن غسلها المفروض في الجنابة، ألا ترى لو انغمس الجنب بعد أن تمضمض واستنشق في الماء ومكث فيه مقدار الوضوء والغسل؛ فقد ارتفع عنه الحدثان، وأكمل السنة، وكذا لو انغمس في الماء الجاري ولم يمكث؛ فإنَّه قد ارتفع الحدثان عنه، وأكمل السنة، فإنَّه في هذه الصورة لم يتوضأ، فلو كان الوضوء في الجنابة غير سنة؛ لم يصح هذا الغسل مع أنَّه لم يسع أحد أن يقول بعدم صحته، فثبت أنَّ هذا الوضوء المسنون ناب عن الفرض، كما لا يخفى، وصح قول من يقول: إنَّ غسل الجمعة ناب عن غسل الجنابة، ويحصل به السنة.\nوقوله: (ولا يكون له حجة...) إلخ؛ ممنوع أيضًا، فإنَّ وضوءه المجدد للعصر قد وقع قصدًا لصلاة العصر، وقد ارتفع الحدث عنه: أن لو كان محدثًا قبل تذكره فبعد تذكره؛ لا يبطل ما فعله؛ لأنَّ الوضوء الأول قد أدى به صلاة الظهر، وعلى زعمه أنَّه متوضئ فتوضأ لأجل صلاة العصر؛ فلا يسع أحد أن يقول بعدم صحة صلاته هذه؛ لأنَّ الوضوء نفسه فرض، والفعل وهو التجديد سنة، فهي نابت عن الفرض، كما لا يخفى.\nوقوله: (بل ليس فيه...) إلخ ممنوع أيضًا؛ فإنَّ صريح قوله: (ثم غسل سائر جسده) أنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، والجسد اسم لجميع البدن؛ الرأس وما نزل عنه، فلما غسل أعضاء الوضوء؛ اكتفى بها، ثم غسل باقي جسده، وترك اليدين، والوجه، والرأس فلم يغسلهما، فإنه لو غسلها؛ يصير إسرافًا، وقد نهى عنه ﵇، ولأنَّه قد ارتفع الحدث عنها؛ فصار غسلها ثابتًا عبثًا محضًا.\nوقوله: (وكذا الحكم...) إلخ ممنوع أيضًا، فإن الحديث السابق يدل صريحًا على ما قلناه؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، كما اعترف به، وهو قد غسل الوجه والذراعين، ومسح الرأس، فلا ريب أنَّه لم يعد غسلها.\nوقوله: (غير الرأس...) إلخ ممنوع، فإن صريح الحديث يعطي أنَّه لم يعد غسل جميع الأعضاء، فتخصيصه الرأس ترجيح بلا مرجح، ومحاولة بادرة؛ لأنَّه لا دليل يدل عليه؛ فافهم.\nوأمَّا تأخيره غسل الرجلين؛ فلأنَّها في مستنقع الماء المجتمع من الغسالة، فلو غسلهما أولًا تتميمًا للوضوء؛ يلزمه أن يغسلهما ثانيًا؛ لاجتماع الماء عليهما، ولا فائدة في الغسل الأول؛ لأنَّه إسراف محض، أو إنَّما أخر غسلهما؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، أو حتى يكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، وبما قررناه ظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة؛ فتأمل مع ما يأتي.\nواعترض ابن حجر على كلام ابن بطال السابق فزعم أنَّ الاستنباط المذكور مبني عنده على أنَّ الوضوء الواقع في غسل الجنابة سنة، وأجزأ مع ذلك عن غسل الأعضاء بعده، وهي دعوى مردودة؛ لأنَّ ذلك يختلف باختلاف النية، فمن نوى غسل الجنابة وقدم أعضاء الوضوء لفضيلته؛ قد تم غسله، وإلا؛ فلا، فلم يصح البناء المذكور.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إنَّ الاستنباط المذكور...) إلخ مراده: رد ذلك، ولا يسعه ذلك، فإنَّ الإجماع قائم على أنَّ الوضوء في غسل الجنابة سنة، وأنَّها تجزئ مع ذلك عن غسل الأعضاء بعده.\nفقوله: (وهي دعوى...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه إذا كان مراده أنَّ الوضوء ليس سنة؛ مردود للإجماع على ذلك، وقد صرح هو نفسه بذلك في باب (المضمضة والاستنشاق)، فكلامه متناقض، فإنَّ الفرض لا يتكرر، ولما غسل أعضاء الوضوء وإن كان الوضوء سنة؛ لكنه لما لم يُعِد غسلها واقتصر على غسل الباقي من الجسد؛ اتصف غسل هذه الأعضاء بالفرضية.\nوقوله: (لأنَّ ذلك...) إلخ ممنوع، فإنَّ محل النية في الوضوء عند غسل الوجه، وفي الاغتسال عند الإفاضة، فمن أراد الاغتسال ينوي أولًا وضوء الجنابة، ثم ينوي بعده الاغتسال من الجنابة، ولا يلزمه أن ينوي من أول الأمر غسل الجنابة، فلو نواها وانغمس في الماء؛ هل يسع أحد أن يقول بعدم صحة اغتساله مع أنَّه لم يتوضأ، ولا يقول ذلك جاهل.\nفقوله: (فلم يصح البناء المذكور) ممنوع، بل هو صحيح؛ لأنَّه مبني على الإجماع وهو حجة من حجج الشرع؛ فافهم والله أعلم.\nوقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (اختلف الشراح في وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، فقال ابن بطال: حديث عائشة الذي في الباب قبله أليق في الترجمة؛ لأنَّ فيه: «ثم غسل سائر جسده»، وأمَّا حديث الباب؛ ففيه: «ثم غسل جسده» فدخل في عمومه مواضع الوضوء، فلا يطابق قوله: «ولم يُعِد غسل مواضع الوضوء»).\nوأجاب ابن المُنيِّر: (بأنَّ قرينة الحال والعرف من سياق الكلام تخص أعضاء الوضوء، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقية الجسد لا جملته؛ لأنَّ الأصل عدم التكرار).\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: حاصل كلامه استخراج الترجمة بعيد لغة، ومحتمل عرفًا؛ إذ لم يذكر إعادة غسلها) انتهى؛ أي: غسل أعضاء الوضوء، فقد حصلت المطابقة بأنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء.\nثم قال: وأجاب ابن التين: (بأنَّ مراد البخاري أن يبيَّن أنَّ المراد بقوله في هذه الرواية: «ثم غسل جسده»؛ أي: ما بقي من جسده بدليل الرواية الأخرى).\nوقال الكرماني: (إنَّ لفظ «جسده» شامل؛ لتمام البدن أعضاء الوضوء وغيره، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بـ «سائر جسده»؛ أي: باقي جسده وهو غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء).\nواعترضهم ابن حجر فقال: (في كلام ابن المُنيِّر كلفة، وفي كلام ابن التين نظر؛ لأنَّ هذه القصة غير تلك القصة، وفي كلام الكرماني من لازم هذا التقدير أنَّ الحديث غير مطابق للترجمة)، ثم قال: (والذي يظهر لي أنَّ البخاري حمل قوله: «ثم غسل جسده» على المجاز؛ أي: ما بقي، ودليل ذلك قوله بعد «فغسل رجليه»؛ إذ لو كان غسل جسده محمولًا على عمومه؛ لم يحتج لغسل رجليه ثانيًا؛ لأنَّ غسلهما كان دخل","vol":"1","page":144},{"text":"في العموم، وهذا أشبه بتصرفات البخاري؛ إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى).\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ما ثم في الذي ذكره هؤلاء المذكورون أكثر كلفة من كلام هذا القائل؛ لأنَّه تصرف في كلامهم من غير تحقيق، وأبعد من هذا دعواه: أنَّ البخاري حمل لفظ «الجسد» على المجاز، أفلا يعلم هو أنَّ المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة أو لنكتة أخرى؟ وأي ضرورة ههنا إلى المجاز؟ ومن قال: إنَّ البخاري قصد هذا وأبعد من ذلك أنَّه علل ما ادعاه بغسل النبيِّ ﵇ رجليه ثانيًا، وما ذاك إلا أنَّ رجليه في مستنقع الماء، وحاصل الكلام: كلام ابن المنير، وهو أقرب في وجه مطابقة الحديث للترجمة) انتهى.\nوزعم العجلوني أنَّ رد ابن حجر لكلام ابن التين من جهة المغايرة، وأنهما قصتان، فكيف تحمل إحداهما على الأخرى؟\nورده لكلام الكرماني من جهة أنَّه لا يدفع الإشكال من عدم المطابقة بين الترجمة والحديث، وإنَّما الذي ادعى فيه التكلف هو كلام ابن المنير، ولا شك في تكلفه لابتنائه على شيئين.\nوأمَّا جواب ابن حجر؛ فليس فيه إلا تجوز بحذف المضاف أو إطلاق الكل وإرادة الجزء، واستدل عليه بلفظ: (فغسل رجليه) الواقع في نفس الحديث، وحمل البخاري للحديث على هذا التأويل لازم له؛ ليطابق ترجمته، وهذه ضرورة المجاز، فيندفع جميع ما قاله، والعجب من قوله: (لأنَّه تصرف...) إلخ، فما موقعه؟\nوأمَّا قوله: (وأبعد من ذلك ما ادعاه...) إلخ؛ فهو وإن كان أقوى اعتراضاته لكن دعواه الحصر في أن الغسل لرجليه لم يكن إلا لأنَّهما في مستنقع الماء ممنوع؛ لجواز أن يكون لتأخيره غسلها حيث لم يغسلهما أولًا تكملة للوضوء؛ فتأمل وأنصف) انتهى.\nقلت: أمر بالتأمل والإنصاف ولم يتأمل ولم ينصف، فإن قوله: (في كلام ابن التين من جهة المغايرة...) إلخ ممنوع، فإنه لا مغايرة فيه في المعنى، وإن كان اللفظ يحتمل المغايرة، فإن قوله هناك: (ثم غسل سائر جسده) وهنا (ثم غسل جسده)؛ أي: ما بقي من جسده؛ لأنَّ الرواية الأولى قد دلت على ذلك؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، كما لا يخفى.\nوقوله: (وإنهما...) إلخ ممنوع، فإن ظاهرهما يحتمل أنَّهما قصتان من حيث إن الرواية الأولى عن عائشة وهنا عن ميمونة، لكنه في الحقيقة قصة واحدة؛ حيث إن كل واحدة منهما في الغسل من الجنابة.\nوقوله: (فكيف...) إلخ ممنوع أيضًا، فإن كثيرًا من الأحاديث يحمل بعضها على بعض في الأحكام يفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى.\nوقوله: (في كلام الكرماني...) إلخ، قد علمت ما قدمنا، وأنَّه ليس بشيء.\nوقوله: (وأمَّا الذي ادعى...) إلخ ممنوع؛ فإن كلام ابن المنير هو الصواب.\nوقوله: (لا شك في تكلفه) ممنوع، فأي تكلف فيه؟ بل هو ظاهر.\nوقوله: (لابتنائه على شيئين) ممنوع أيضًا؛ لأنَّه مأخوذ من سياق الكلام، فإنه لما ذكر أعضاء الوضوء وذكر بعده الجسد؛ علم ضرورة أنه لم يعد غسل الأعضاء، واستدل بذلك بالقرينة الحالية والعرفية، فأين التكلف الذي زعمه هذا القائل؟ وما هي إلا دعوى أهل التعصب من عدم التأمل وعدم الإنصاف، وقد ارتضى هذا الجواب القسطلاني، واقتصر عليه؛ لكونه في غاية التحقيق والظهور.\nوقوله: (وأمَّا جواب ابن حجر...) إلخ هذا هو الذي فيه التكلف ولا شك في تكلفه؛ لأنَّه مبني على المجاز الذي لا يجوز المصير إليه إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا المجاز بحذف المضاف، أو إطلاق الكل وإرادة الجزء وهو أشد التكلفات؛ لاحتياجه إلى التقدير، وإذا وجد التقدير وعدمه، فعدم التقدير أولى وأحسن عند أهل التحقيق، وإطلاق الكل وإرادة الجزء كذلك فيه شدة التكلف؛ لأنَّه لا داعي إلى هذا الإطلاق، ولا احتياج إليه.\nوقوله: (واستدل...) إلخ هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ تأخير غسل الرجلين إنَّما كان لأنَّهما في مستنقع الماء، وحتى يكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، ويدل للأول قوله: (ثم تنحى)؛ أي: تباعد، والتباعد لا يكون عن المكان إلا لأنَّ الماء مجتمع فيه؛ لأنَّه لو لم يكن ماء مجتمع؛ لغسلهما في مكانه.\nوقوله: (وحمل البخاري...) إلخ ممنوع، فإن البخاري لا شك أنَّه لم يرد هذا التأويل؛ لأنَّه من عادته أنَّه لم يحمل الأحاديث إلا على الحقيقة، ولم يسبق له أنَّه حملها على المجاز.\nوقوله: (وهذه ضرورة المجاز) ممنوع، فإن مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مما قاله ابن المنير، كما ارتضاه إمام الشارحين والقسطلاني وغيرهما، وليس ما زعمه بمطابق للترجمة، فأين الضرورة؟ وما هذا إلا مكابرة بالمحسوس وعنف من النفوس.\nوقوله: (فيندفع...) إلخ ممنوع، بل جميع ما قاله هو الصواب، ولم يندفع كلامه أصلًا.\nوقوله: (والعجب...) إلخ قلت: موقعه أنَّ ابن حجر أخذ كلامه من مجموع ما ذكره الشراح وخبط فيه وخلط، فلا شك أنه يتعجب منه.\nوقوله: (وأمَّا قوله...) إلخ، فإن جميع ما قاله قوي؛ كالجبل القاسي على رأس العاصي.\nوقوله: (لجواز...) إلخ ممنوع، فأي داع لتأخيره ولا حاجة للتأخير، فعدم ذلك دليل على أن تأخير غسلهما؛ لأنَّهما في مستنقع الماء حتى يجتنب الماء المستعمل، ويحترز عنه، فالحصر غير ممنوع، بل هو صحيح، فلو غسلهما أولًا؛ يلزمه إعادة غسلهما؛ لأنَّهما تلوثان بالغسالة المستعملة، فلو غسلهما ثانيًا؛ يكون إسرافًا، وهو منهيٌّ عنه، فيكون عبثًا.\nوقول ابن حجر: (وهذا أشبه بتصرفات البخاري...) إلخ ممنوع، بل هو بعيد جدًّا، فإن تصرفاته مبنية على الحقيقة لا على المجاز، ولا شك أن هذا ليس بمراد له؛ لاحتياجه إلى التكلفات الواهية والتقديرات اللاهية، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٧١\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-471>[باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب خرج كما هو ولا يتيمم]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين في بيان حكم من: (إذا ذُكِر)؛ بضمِّ الذال المعجمة، وكسر الكاف، من الباب الذي مصدره الذُّكر -بضمِّ الذال- لا من الباب الذي مصدره الذِّكر -بالكسر- وهذه دقة لا يفهمها إلا من له ذوق بتراكيب الكلام، فلذلك فسر بعضهم قوله: (ذكر) بقوله: (تذكر) فلو ذاق هذا القائل ما ذكرناه؛ لما احتاج إلى تفسير فعل بـ (تفعَّل)، قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nقلت: ومراده بالبعض ابن حجر، فإنه قد فسر قول المؤلف (ذكر) بمعنى تذكَّر، وهو غير صحيح لما في «المصباح»: (ذكرته بلساني، وبقلبي ذكرى)؛ بالتأنيث، والاسم ذُِكر بالضم والكسر، نص عليه جماعة، وأنكر الفراء وغيره الكسر في القلب، وقال: (اجعلني على ذُكر منك؛ بالضم لا غير، ولهذا اقتصر عليه جماعة) انتهى.\nفقد خلط ابن حجر بين الاسم والمصدر ولم يفرق بينهما، فالمصدر بالضم لا غير، والاسم كذلك، وهذا طريقة جمهور أهل اللغة، وفرق بعضهم؛ فجعل الاسم بالضم والكسر، والمصدر بالضم لا غير، والمراد هنا: المصدر فهو بالضم لا غير بإجماع أهل اللغة.\nوزعم العجلوني أنَّ ما ذكره صاحب «عمدة القاري» طريقة لبعض اللغويين، واستند لعبارة «المصباح» المذكورة، وقال: ظهر لك أن الذُّكر بالضم والكسر: الاسم لا المصدر، وعلى تسليم أنَّه المصدر، وأنَّه بالضم لا غير، فما وجه إيراده على ابن حجر؟ فإنه لم يدَّعِ أنه من المكسور ولا من المضموم، فما هذه الدقة التي فهمها بذوقه، ولم يفهمها غيره؟) انتهى.\nقلت: وهذا غير صحيح، فإن الظاهر من عبارة «المصباح»","vol":"1","page":144},{"text":"أنَّ الذُّكر بالضم لا غير: الاسم والمصدر عند جميع أهل اللغة، وجعل بعضهم المصدر بالضم لا غير، والاسم بالضم والكسر.\nفقوله: (إنَّ الذكر...) إلخ، هذا الفرق لبعضهم، والجمهور على أنهما سواء بالضم على أنَّ المصدر، وكذا اسم المصدر في المعنى سواء حقيقة.\nوقوله: (وعلى تسليم...) إلخ، هذا اعتراف منه على أنه مصدر وأنه بالضم لا غير.\nوقوله: (فما وجه إيراده...) إلخ لا يخفى عليك أن وجه إيراده تفسيره ذُكر بمعنى: تذكر، والفرق بينهما ظاهر، فإنه فسر المضموم بالمكسور، وكأنه اشتبه عليه أنه من باب الذُّكر بالضم، أو من باب الذِّكر بالكسر، فاعتمد الثاني، وفسر به، وهو غير صحيح.\nوقوله: (فإنه لم يدَّعِ...) إلخ ممنوع، فإن تفسيره ذلك بـ (تذكر) دليل واضح على أنه قد ادعى أنه من المكسور لا من المضموم، فإنَّ ذلك قرينة على ما زعمه، وهو دائمًا يدعي في الكلام المجاز، ويستدل بقرائن الأحوال، وهنا لما لم يفهم القرينة من الكلام على ما ادعاه؛ فصح أنَّ ما فهمه صاحب «عمدة القاري» لم يفهمه غيره، بل خفي عليه، فقال ابن حجر ما قال، وتبعه العجلوني على هذا المقال؛ فافهم.\n (في المسجد)؛ أي: حال كونه فيه، فالجار والمجرور حال، ويجوز أن يتعلق بـ (ذُكر)، والأول أظهر؛ فافهم، (أنَّه)؛ بفتح الهمزة وهي اسمها، وخبرها في محل نصب مفعول الذكر (جنب)؛ أي: ذكر الرجل أنَّ عليه جنابة، فالضمير في (أنه) عائد على الرجل المفهوم من (ذكر)؛ لأنَّ الذكر لا يكون إلا من ذي القلب؛ فافهم، وهو نائب فاعل.\nقوله: (ذُكر) بالضم؛ فافهم.\nوقوله: (يخرج)؛ بلفظ المضارع جواب (إذا)، وفي رواية: (خرج) بالماضي؛ يعني: أن حكمه أنه يخرج من المسجد على حالته، ولا يحتاج إلى التيمم، ولهذا قال: (كما هو)؛ أي: على هيئته وحالته جنبًا فورًا، وقوله: (ولا يتيمم)؛ أي: في المسجد توضيح وبيان لقوله: (كما هو)، كما في «عمدة القاري».\nقلت: وأشار بهذا الرد لما نقل عن الثوري وإسحاق: أنَّه يجب عليه في هذه الصورة التيمم، وعن بعض المالكية: أنه إذا نام في المسجد فاحتلم؛ قالوا: يتيمم قبل أن يخرج منه.\nقلت: ولا فائدة في هذا التيمم؛ لأنَّ الواجب الاغتسال بالماء أو التيمم عند عدمه، وفي المساجد الماء كثير، ومع وجود الماء لا يصح التيمم، فإن كان الجنب مسافرًا، وقد مر على المسجد وفيه ماء؛ يتيمم ويدخل المسجد فيستسقي، ثم يخرج الماء من المسجد ويغتسل؛ فليحفظ.\nقال في «عمدة القاري»: وفي هذا وجوه من الإعراب:\nالأول: أن تكون (ما (^١» موصولة، وهو مبتدأ وخبره محذوف؛ والتقدير: كالذي هو عليه من الجنابة.\nالثاني: أن يكون (هو) خبرًا محذوف المبتدأ؛ والتقدير: أي كالذي هو هو، كما قيل في قوله تعالى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ أي: كالذي هو لهم.\nالثالث: أن تكون (ما) زائدة ملغاة، والكاف جارة، و(هو) ضمير مرفوع أنيب عن المجرور، كما في قولك: ما أنا كانت؛ والمعنى: يخرج في المستقبل مماثلًا لنفسه فيما مضى.\nالرابع: أن تكون (ما) كافة، و(هو) مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: عليه أو كائن.\nالخامس: أن تكون (ما) كافة، و(هو) فاعل، والأصل يخرج كما كان، ثم حذفت كانت، فانفصل الضمير، وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون (ما) مصدرية، انتهى.\nوزعم الكرماني أنَّ (ما) موصولة أو موصوفة، و(هو) مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: كالأمر الذي هو عليه، أو كحالة هو عليها، ومثل هذه (الكاف) تسمى: كاف المقارنة؛ أي: خرج مقارنًا لأمر، أو لحالة هو عليها.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال في الأول: (قلت: على كل تقدير هذه الجملة محلها نصب على الحال من الضمير الذي في «يخرج»)، وقال على الثاني: (قلت: تسميته هذه الكاف كاف المقارنة تصرف منه واصطلاح، بل الكاف هنا للتشبيه على أصله، ونظير ذلك قولك لشخص: كن كما أنت عليه؛ والمعنى: على ما أنت عليه) انتهى.\nوقد تبعه ابن حجر حيث قال: (فالتشبيه هنا ليس ممتنعًا؛ لأنَّه تعلق بحالتيه؛ أي: خرج في حالة شبيهة بحالته التي كان عليها قبل خروجه) انتهى.\nقلت: وقوله: (فالتشبيه...) إلخ موافقة لصاحب «عمدة القاري» في اعتراضه على الكرماني، لكن قوله: (ليس ممتنعًا) فيه نظر، وكان حقه أن يقول: (فالتشبيه هنا واجب...) إلخ؛ لأنَّ المعنى عليه، كما لا يخفى.\nوقال في «المغني»: تسمى مثل هذه الكاف: كاف المبادرة، وذلك إذا اتصلت بـ (ما)؛ نحو سلم كما تدخل. وصلِّ كما يدخل الوقت، ونقله عن ابن الخباز وغيره، وقال: (إنه غريب) انتهى.\nقلت: وهذا اصطلاح منه، وقد تبرأ منه ابن هشام، وقال: (إنه غريب)؛ يعني: بل الكاف للتشبيه على الأصل، والمعنى سلم على الحالة الشبيهة (^٢) بحالة الدخول وصل على الحال الشبيهة بحالة دخول الوقت، فالتحقيق أن الكاف لا تخرج عن التشبيه، وتسميتها بالمبادرة أو غيرها اصطلاح، وتصرف، وتفنن في الألفاظ، وهو لا عبرة به لقوله: (وهو غريب)؛ أي: عند النحويين ضعيف لا يعتمد عليه؛ فافهم، وقد خبط العجلوني هنا فاجتنبه؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٧٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-472>[حديث: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا]</span>\n٢٧٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمَّد): هو الجعفي المسندي (قال: حدثنا عُثمان بن عُمر)؛ بضمِّ العين المهملة فيهما: هو ابن فارس أبو محمَّد البصري المتوفى سنة ثمان ومئتين، (قال: حدثنا يونس): هو ابن يزيد، (عن الزُّهري): هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب، (عن أبي سَلَمَة)؛ بفتح السين المهملة واللام: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، (عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر ﵁ (قال) أي: أبو هريرة: (أُقيمت)؛ بضمِّ الهمزة، فعل ماض مبني للمجهول؛ معناه: إذا نادى المؤذن بالإقامة، فأقيم المسبب مقام السبب، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أنَّ المراد من الإقامة ذكر الألفاظ المخصوصة المشهورة المشعرة بالشروع في الصَّلاة وهي أخت الأذان.\nقلت: ولا يخفى صحة الأول، وفساد الثاني؛ لأنَّ الإقامة اسم لهذه الألفاظ المعلومة، وأنَّ المؤذن نادى بصوته بها على أنَّ قوله: (ذكر...) إلخ ممنوع، فإنه ليس المراد ذكرها، بل النداء بها بصوت عال.\nوقوله: (المشعرة) ممنوع، بل هي مشعرة بالقيام إلى الصَّلاة، كما لا يخفى (الصَّلاةُ) بالرفع نائب فاعل، وهي صلاة الفجر، (وعُدِّلتِ)؛ بضمِّ العين المهملة، وتشديد الدال المهملة؛ أي: سُوِّيت، وتعديل الشيء تقويمه، يقال: عدَّله فاعتدل؛ أي: قومه فاستقام، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]، وفي رواية: (فعُدِّلت)؛ بالفاء (الصفوفُ)؛ بالرفع نائب فاعل؛ أي: قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ، كما بينه المؤلف في (الصَّلاة) من رواية صالح بن كيسان: (أنه كان قبل أن يكبر النبيُّ الأعظم ﷺ) (قيامًا) جمع قائم؛ كتِجار؛ بكسر الفوقية جمع: تاجر، ويجوز أن يكون مصدرًا جازمًا على حقيقته، وقال الكرماني: (هو تمييز أو مجهول على اسم الفاعل؛ فهو حال)، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: (إذا كان لفظ «قيامًا» مصدرًا (^٣)؛ يكون منصوبًا على التمييز؛ لأنَّ قوله: «وعدلت الصفوف» فيه إيهام، فيفسره قوله: «قيامًا»؛ أي: من حيث القيام، وإذا كان جمعًا لـ «قائم»؛ يكون انتصابه على الحالية، وذو الحال محذوف، تقديره: وعدل القوم الصفوف حال كونهم قائمين) انتهى.\nوما زعمه العجلوني معترضًا على القسطلاني ليس بشيء، كما لا يخفى.\n (فخرج إلينا رسول الله ﷺ)؛ أي: بعد أن أقيمت الصَّلاة وعدلت الصفوف، (فلما قام في مُصلَّاه)؛ بضمِّ الميم: وهو موضع صلاته؛ (ذُكر)؛ بضمِّ الذال المعجمة، قال في «عمدة القاري»: (من باب الذُّكر؛ بضمِّ الذال، وهو الذكر القلبي، فلا يحتاج إلى تفسير ذكر؛ بمعنى: تذكَّر، كما فسره به بعضهم) انتهى.\nقلت: والمراد بهذا البعض ابن حجر، وتبعه العجلوني، فإنه قد خفي عليهما، فجعلاه (^٤) من باب (التفعُّل)، ولا يخفى فساده؛ لما قدمناه؛ فافهم؛ والمعنى: أنه ﵇ ذكر في قلبه قبل أن يشرع في الصَّلاة (أنَّه جنب)، وإنَّما\n_________\n(^١) في الأصل: (ماء)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (الشبية)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (مصدر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (فجعلا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":145},{"text":"علم أبو هريرة أنَّه جنب مع أن الذكر لا يطلع عليه أحد؛ لإعلامه ﵇ له بذلك؛ لما في رواية ابن ماجه: (قام إلى الصَّلاة) وفي آخره: «قال: إنِّي خرجت إليكم جنبًا، وإنِّي نسيت حتى قمت إلى الصَّلاة»، ومثله في رواية الدارقطني، إذا علمت هذا؛ تعلم فساد ما زعمه العجلوني حيث قال: «وفهم أبو هريرة لذلك بالقرائن أو إعلامه له بَعد» انتهى، فإن كلامه يفيد الظن والاحتمال لا القطع؛ فليحفظ.\n (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ؛ أي: بلفظه حقيقة أو إشارته (لنا) معاشر الصحابة، وفي رواية الإسماعيلي: «فأشار بيده» (مكانكم)؛ بالنصب على الإغراء؛ أي: الزموا مكانكم، وجوز البرماوي أن يكون اسم فعل، والأول أظهر.\nقال في «عمدة القاري»: إذا ثبت أنه تكلم بقوله: «مكانكم»؛ فالإشارة لماذا؟\nوأجيب: بأنه يحتمل أنه جمع بين الكلام والإشارة، أو يكون الراوي روى أحدهما بالمعنى، انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أنه لو قال: إن ثبت؛ لكان مناسبًا، فإنه يحتمل أن يكون قول: «مكانكم» بالإشارة لا باللفظ، وجوابه بقوله: يحتمل... إلخ ليس فيه بيان حكمة الإشارة، ويمكن الجمع بينهما.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإن قوله: لو قال... إلخ؛ ممنوع بل تعبيره بـ (إذا ثبت) هو المناسب؛ لأنَّ (إذا) تدل على تحقُّق مدخولها غالبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، و(إن) تدل على أنَّ مدخولها مشكوك فيه غالبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦]، وههنا القول محقق؛ لأنَّه ثابت في الصحيح محقق الوجود والوقوع بخلاف (إن)، فإنها ليست كذلك، ألا ترى أنَّ الصَّلاة محققة الوجود، وأنَّ الجنابة قد لا توجد أصلًا؛ فليحفظ، فإنه قد خفي هذا على هذا القائل، كما لا يخفى.\nوقوله: فإنه يحتمل... إلخ ممنوع، وهذا الاحتمال باطل؛ لأنَّ قوله: (فقال: مكانكم) يدل على أنَّه باللفظ قطعًا لا بالإشارة، وهو ظاهر، كما لا يخفى.\nوقوله: وجوابه... إلخ ممنوع، فإن قوله: (إنَّه جمع بين الكلام والإشارة) يفيد أنه ﵇ لما قام في مكانه وذكر أنه جنب؛ التفت وقال لهم: (مكانكم)؛ باللفظ، ثم لما مشى عن مكانه؛ أشار لباقي القوم الذين لم يسمعوا اللفظ، فأشار إليهم، فهذا الجمع بين الكلام والإشارة هو بيان حكمة الإشارة، ولم يجنح إلى هذا (^١) العجلوني، فقال: ويمكن الجمع بينهما، فرجع إلى ما قاله إمام الشارحين، والمعترض حقه أن يأتي بجواب سالم عن ذلك؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أنَّ فيه إطلاق القول على الفعل، بل القول على حاله، ورواية الإسماعيلي لا تستلزم ذلك؛ لاحتمال الجمع بين الكلام والإشارة، انتهى.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: إذا كان القول على بابه؛ فيكون واقعًا في الصَّلاة، كما ثبت في الصحيح، انتهى.\nقلت: قد علمت ما قدمناه؛ فافهم.\n (ثم رجع)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ إلى حجرته الشريفة، (فاغتسل)؛ أي: من الجنابة، (ثم خرج إلينا) معشر الصحابة ﵃، والظاهر أن التراخي هنا وفي قوله: (ثم رجع) مرادٌ على بابه، واستظهر العجلوني أنه مراد هنا بخلافه في (ثم رجع).\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّه لا بد من وجود مهلة بين قوله: «مكانكم» ورجوعه ولو وقفة خفيفة؛ لأجل إعلامهم بأنه يعود إلى الصَّلاة حتى لا يذهب منهم أحد، فالتراخي في كلٍّ منهما مراد؛ فافهم.\n (ورأسه يقطر)؛ أي: من ماء الغُسل، ونسبة القطر إلى الرأس مجاز من قبيل ذكر المحل وإردة الحال، والجملة اسمية وقعت حالًا على أصلها بالواو كذا قاله في «عمدة القاري».\nوزعم العجلوني أنَّ نسبة القطر إلى الرأس من المجاورة؛ لأنَّ الذي يقطر الماء) انتهى.\nقلت: وهذا ليس بمجاورة؛ لأنَّها قرب الشيء من الشيء، وهنا استعمال الماء في الرأس وهو ليس من المجاورة، بل من إطلاق المحل وإرادة الحال، فهو مجاز؛ فافهم، والله أعلم.\n (فكبر)؛ أي: لصلاة الفجر، قال صاحب «عمدة القاري»: (فإن قلت: هل اقتصر على الإقامة الأولى أو إنشاء إقامة ثانية؟ قلت: لم يصح فيه نقل، ولو فعله؛ لنقل) انتهى.\nقلت: أفاد كلامه أنه اقتصر على الإقامة الأولى وهو الظاهر، ويدل له أن (الفاء) للتعقيب، ولأن تكرار الإقامة غير مشروع وهو حجة لمذهب الإمام الأعظم والجمهور في جواز الفصل بينهما، سواء كان لمصلحة الصَّلاة أم لا، طال أم لا، ومثله الفعل بشرط كونه من مصالحها.\nقال في «الفتاوى القنية»: (ولو صلى السنة بعد الإقامة أو حضر الإمام بعدها بساعة؛ لا يعيدها)، ومثله في «الفتاوى البزازية» كما في «منح الغفار» لما رواه المؤلف عن أنس في (الصَّلاة) قال: (أقيمت الصَّلاة، فعرض للنبيِّ ﷺ رجل فحبسه بعد ما أقيمت الصَّلاة)، زاد هشام في روايته: (حتى نعس بعض القوم)، فهذا يدل على أنَّ الفصل بينهما ولو طويلًا؛ جائز، خلافًا لمن قيده بالقصير، فإنه لا دليل يدل عليه، وحديث الباب يرد عليه؛ لأنَّ الاشتغال بالغُسل من الفصل الطويل، كما لا يخفى.\nقال الإمام الشُّمنِّي: (وفي هذا رد على من قال: إذا قال المؤذن: «قد قامت الصَّلاة»؛ وجب على الإمام تكبير الإحرام)؛ يعني: أنَّه لا يجوز الفصل بينهما، وتأولوا الحديث بأن معناه: كبر بعد رعاية وظائف الصَّلاة؛ كالإقامة، أو يؤول أقيمت أولًا بغير الإقامة الاصطلاحية.\nقلت: وهذا كله خروج عن الظاهر، ومكابرة، فأي دليل دل على أنه أتى بها ثانيًا؟ وأي دليل على أن الأولى كانت بغير الاصطلاحية؟ بل الدليل الظاهر على أنه لم يأت بها ثانيًا، ولو أتى بها؛ لنقل عنه، فعدم النقل عنه دليل على عدم الإتيان بها؛ لأنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، والتأويل الثاني أبعد من الأول؛ لأنَّ الإقامة لغة واصطلاحًا وعرفًا اسم لهذه الألفاظ المشهورة، فكيف تذكر ويراد غيرها؟! وما هو إلا مكابرة؛ لأنَّها لم تأت بمعنى غير هذا، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم.\nوفي قوله: (فلما قام في مصلاه...) إلخ دليل على أنه لم يدخل في الصَّلاة، وأصرح منه ما في رواية المؤلف (قبل أن يكبر).\nقال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: في رواية ابن ماجه: (قام إلى الصَّلاة وكبَّر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف؛ قال: «إني خرجت إليكم جنبًا وإني نسيت حتى قمت إلى الصَّلاة»).\nوفي رواية للدارقطني من حديث أنس: (دخل في الصَّلاة فكبَّر وكبَّرنا معه، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم، فلما انصرف؛ قال: «إني خرجت إليكم جنبًا وإني نسيت حتى قمت إلى الصَّلاة»)، وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: (دخل في الصَّلاة فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم كما أنتم).\nوفي رواية لأحمد من حديث عليٍّ: (كان قائمًا فصلى بهم إذا انصرف).\nوفي رواية لأبي ذر من حديث أبي بكرة: (دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده: أن مكانكم).\nوفي أخرى: (ثم جاء رأسه يقطر فصلى بهم).\nوفي أخرى له مرسلة: (فكبَّر، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا).\nوفي مرسل ابن سيرين، وعطاء، والربيع، عن أنس: (كبر، ثم أومأ إلى القوم: أن اجلسوا).\nقلت: هذا كلام لا يقاوم الذي في «الصحيح»، وأيضًا في حديث أبي هريرة هذا: (ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر)، فلو كان كبر أولًا؛ لما كان يكبر ثانيًا على أنه اختلف في الجمع بين هذه الروايات، فقيل: أريد بقوله: (كبر)؛ أراد أن يكبر عملًا برواية «الصحيح»: (قبل أن يكبر).\nوفي رواية أخرى للبخاري: (فانتظرنا تكبيره)، وقيل: إنهما قضيتان أبداه القرطبي احتمالًا، واستظهره النووي، وأبداه ابن حبان في «صحيحه»، فقال: (بعد أن أخرج الروايتين من حديث أبي هريرة: هذان فعلان في\n_________\n(^١) في الأصل: (هذا إلى)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":145},{"text":"موضعين متباينين، خرج ﵇ مرة فكبر، ثم ذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل، ثم جاء فاستأنف بقيام الصَّلاة، وجاء مرة أخرى، فلما وقف ليكبر؛ ذكر أنه جنب فانصرف فاغتسل، وجاء مرة أخرى، فلما وقف ليكبر؛ ذكر أنه جنب قبل أن يكبر، فذهب فاغتسل، ثم رجع فأقام بهم الصَّلاة من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر، فإنَّ قول أبي بكرة: (فصلى بهم)؛ أراد بذلك أنَّه بدأ بتكبير مُحْدَثٍ لا أنَّه رجع فبنى على صلاته، إذ محال أن يذهب ﵇ ليغتسل ويبقي الناس كلهم قيامًا على حالهم من غير إمام إلى أن يرجع) انتهى.\nقال في «عمدة القاري»: (وروي عند بعض أصحابنا: أن انتظارهم له هذا الزمن الطويل بعد أن كبروا من قبيل العمل اليسير، فيجوز مثله، فإن قلت: كيف قلت: كبروا؟ قلت: لأنَّ العادة جارية بأن تكبير المأمومين يقع عقب تكبير إمامهم، ولا يؤخر ذلك إلا القليل من أهل الوسوسة، فإن قلت: إذا ثبت أنه ﵇ لم يكبر، فكيف كبروا؟ وأيضًا فكيف أشار إليهم ولم يتكلموا، ولم انتظروه قيامًا؟ قلت: أمَّا تكبيرهم؛ ففي رواية: (تكبيره ﵇)، وأمَّا قولك: ولم يتكلم؛ فيرده قوله: «مكانكم») انتهى.\nقلت: وقوله: (من أهل الوسوسة)؛ فإنا قد شاهدنا كثيرًا من المتعصبين من الشافعية يجيء أحدهم إلى خلف إمامه فيكبر الإمام ويجتهد المأموم بالنية، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسلم، ويتعوذ من الشيطان، ثم يكبر، وهكذا إلى أن يفرغ الإمام من صلاته، فيجيء إلى إمام آخر، ويفعل مثل الأول، ثم يفرغ الإمام من صلاته، وهو لم يشرع معه ثم يذهب ويصلي إمامًا، وما هذا إلا من شدة اتصال الشيطان به، وقالوا: الوسوسة إما من خلل في العقل أو في الدين، وعلى كلٍّ؛ فهي بدعة منكرة، وهذا الفعل مذموم شرعًا، ففي زعمه أنه من الصالحين، والحال أنه من جند إبليس رئيس الشياطين، والله تعالى أعلم.\n (فصلينا) معشر الصحابة (معه)؛ أي: مع النبيِّ الأعظم ﷺ صلاة الفجر، كما في حديث أبي بكرة المصرح به (^١)، ففي الحديث طلب تعديل الصفوف وهو مستحب بالإجماع، وشذ ابن حزم، فزعم أنه فرض على المأمومين، الأول فالأول والتراص والمحاذاة بالمناكب والأرجل.\nقال في «عمدة القاري»: فإن قلت: في رواية: «أقيمت الصَّلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج فكيف هذا»، وقد جاء: «إذا أقيمت الصَّلاة؛ فلا تقوموا حتى تروني»، قلت: لعله كان مرة أو مرتين؛ لبيان الجواز، أو لعذر، أو لعل قوله: «فلا تقوموا حتى تروني» بعد ذلك، والحكمة في هذا النهي؛ لئلا يطول عليهم القيام، ولأنَّه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه.\nوفي الحديث: وهو قول الإمام الأعظم وأصحابه ﵃، وهو ظاهر فإن في رواية ابن ماجه من حديث أبي هريرة، وفي رواية الدارقطني من حديث أنس، وفي رواية أبي بكرة: (دخل في صلاة فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إليهم، فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف)، فقوله: (فصلى بهم)؛ معناه: أتم صلاته بالتكبير الأول، وهو ظاهر الحديث؛ لأنَّه لو كان كبر ثانيًا؛ لصرح به، فعدم تصريحه به دليل على عدم وجوده؛ لأنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا مانع من بقاء الناس قيامًا على حالهم من غير إمام؛ لأنَّ هذا الانتظار عفوٌ؛ لأنَّه من قبيل العمل اليسير، ويدل لهذا قوله في الروايات: (ثم أشار إليهم فمكثوا)؛ معناه: وقفوا قيامًا على حالهم الأول، أو مكثوا قعودًا، ويدل له ما في بعض الروايات السابقة: (فأومأ إليهم أن اجلسوا)، والحكمة لهذه الإشارة عدم وقوع مُفسِد منهم للصلاة من تحوُّلٍ عن القبلة أو تنحنح أو غيرهما، فرجع ﵇ وبنى على صلاته وهو ظاهر، وبما قررناه ظهر فساد ما قدمناه عن ابن حبان؛ فافهم والله أعلم.\nوفي الحديث: ما استدل به المؤلف على الجنب إذا دخل في المسجد ناسيًا فذكر أنه جنب؛ يخرج منه، ولا يتيمم، فلذلك ذكر في الترجمة قوله: (يخرج كما هو ولا يتيمم).\nوقال ابن بطال: (من التابعين من يقول: إنَّ الجنب إذا نسي فدخل المسجد، فإنه يتيمم ويخرج، قال: والحديث يردُّ عليهم).\nقال في «عمدة القاري»: (قلت: من الذين ذهبوا إلى التيمم الإمام الأعظم، فإنه قال: (الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء، فإنه يتيمم، ويدخل المسجد فيستسقي، ثم يُخرج الماء من المسجد)، وبه قال إسحاق، والنووي، وفي «نوادر ابن أبي زيد»: (من نام في المسجد، ثم احتلم؛ ينبغي أن يتيمم لخروجه)، وقال ابن بطال: (والحديث يدل على خلافه؛ لأنَّه لما لم يلزمه التيمم للخروج كذلك من اضطر إلى المرور فيه جنبًا؛ لا يحتاج إلى التيمم).\nقلت: دلالة الحديث ظاهرة مما تقدم قريبًا.\nوقوله: (لأنَّه لما لم...) إلخ هذا قياس مع الفارق؛ لأنَّه إنَّما لم يلزمه التيمم للخروج؛ لأنَّ الواجب عليه الخروج فورًا عند ذكره أنه جنب، فلو ألزمناه بالتيمم؛ يلزمه المكث ضرورة، وهو ممنوع منه، والنسيان قد رفع عنه الإثم فلا يلزمه التيمم، وأمَّا من كان خارج المسجد وهو جنب؛ فإنه لا ضرورة له لدخوله إلا أن يكون جنبًا مسافرًا، وهو متمكن من التيمم؛ حيث إنه خارج المسجد وبعيد عن الماء فلما علم بوجود الماء في المسجد؛ يلزمه التيمم لدخوله؛ لأنَّه لا ضرورة تَدْعُو (^٢) إلى دخوله إلا الماء لفقده في الأسفار، وهذا ظاهر من الآية، فالقياس غير صحيح، كما لا يخفى.\nواختلف في المرور للجنب والحائض في المسجد، فمنعه الإمام الأعظم، والجمهور، ومالك؛ لما أخرجه أبو داود، وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ وبيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»، ورواه المؤلف في «تاريخه الكبير»، وأخرج الترمذي عن أبي سَعِيْد الخدري: قال رسول الله ﷺ: «يا عليُّ؛ لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك»، وقال: حديث حسن.\nوأخرج القاضي إسماعيل في «أحكام القرآن»: (أنه ﵇ لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا علي؛ لأنَّ بيته كان في المسجد، وهو مرسل قوي، كما قاله الحفاظ)، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى..﴾؛ الآية [النساء: ٤٣]، فقد نقل الرازي عن ابن عمر، وابن عباس: أنَّ المراد بـ ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: المسافريعدم الماء يتيمم ويصلي، والتيمم لا يرفع الجنابة، فأبيح لهم الصَّلاة تخفيفًا، فالمراد بالآية نفس الصَّلاة، وحملها على مكانها مجاز على أنا نحمله على عمومه، فنقول: لا تقربوا الصَّلاة ولا مكانها على هذه الحالة إلا أن تكونوا مسافرين، فتيمموا واقربوا ذلك فصلوا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري».\nوقد قال الزجاج في «معاني (^٣) القرآن»: (إنَّ المراد بـ ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: المسافر)، وقال جماعة من العلماء: إنَّ (إلا) في الآية بمعنى: (ولا)؛ والمعنى: ولا جنبًا ولا عابري سبيل، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَاّ خَطَئًا﴾ [النساء: ٩٢]، فإن معناه: ولا خطأ، كما لا يخفى، وعلم مما تقدم أن دخوله ﵇ ودخول عليٍّ المسجد جنبًا ومكثه فيه من خواصهما، وأمَّا جوازه لأهل البيت، وكلبس الحرير لهم؛ فهو اختلاق من الشيعة وغيرهم من أهل الضلال والزيغ؛ فافهم، وقد بسطه صاحب «البحر»، والله أعلم.\nوجوَّزه الشافعي من غير لبث سواء كانت له حاجة أم لا، وحمل الآية على المجاز؛ وتقديره: لا تقربوا مواضع الصَّلاة جنبًا إلا عابري سبيل، فالعبور قرينة لذلك، وقد سمي المسجد باسم الصَّلاة في قوله تعالى: ﴿لهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وجوَّز أحمد جلوس الجنب في المسجد ومروره فيه إذا توضأ، واعترض الكرماني على من منعه، فزعم إذا وجدت القرينة؛ يجب القول بالمجاز، وهنا العبور قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، ثم الحمل على العموم ممتنع؛ إذ يلزم منه إرادة معنى الحقيقة والمجاز بإطلاق واحد، ولا يجوز ذلك عندهم) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، ولقد أكثروا من حمل الأحكام على المجاز، وتركوا الحقيقة، فإن قوله:\n_________\n(^١) في الأصل: (بها)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (تدعى).\n (^٣) في الأصل: (معان).","vol":"1","page":146},{"text":"(إذا وجدت...) إلخ؛ انظر ما معناه؟ وهل هذا الوجوب شرعي أو اصطلاحي؟ فإن كان الأول؛ فغير مسلم؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في المنع مطلقًا، وإن كان الثاني؛ فغير مسلَّم أيضًا؛ لأنَّه ليس من الأدلة الشرعية، وكيف يصار إلى المجاز مع وجود الحقيقة، على أن العبور المذكور هو مرور المسافر، كما فسره ابني عمر وعباس ﵄.\nوقوله: (ثم الحمل...) إلخ هذا ممنوع ولا يلزم ما ذكره؛ لأنَّ المراد بعموم المجاز أن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز وهذا منه، فليس فيه أنه يلزم إرادة معنى الحقيقة والمجاز بإطلاق واحد؛ لأنا لم نرد كل واحد منهما، بل نريد المجموع وإدراج فرد الحقيقة تحت أفراد المجاز، فلا يقال: إنه مجاز، ولا إنه حقيقة، بل هو من باب عموم المجاز، كما هو مقرر في الأصول، وقد أشار إليه في «عمدة القاري» فلا عجب عليه؛ فافهم.\nوفي الحديث: طهارة الماء المستعمل؛ لأنَّه خرج ورأسه يقطر، وفي رواية أخرى: (ينطف)، وهي معناها. وفيه: جواز النسيان على الأنبياء ﵈ في العبادات، وفي الحديث: حجة لما قاله الإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد، ومالك: إن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام وهو قول عامة الفقهاء.\nوقال ابن بطال: (إنَّه قول الإمام الأعظم)، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: (هو غير صحيح؛ لأنَّ مذهب الإمام الأعظم أن المأموم يكبر مع الإمام مقارنًا، والخلاف قيل في: الوجوب، وقيل: في الأفضلية) انتهى.\nقلت: والصحيح أنَّ الخلاف في الأفضلية؛ لما في «إمداد الفتاح» وغيره، ولا خلاف في الجواز على الصحيح، بل في الأولوية، انتهى.\nوأشار شيخ الإسلام إلى أن المقارنة في التكبير أفضل اتفاقًا، وقال بعضهم: المختار للفتوى في التحريمة أفضلية التعقيب وتمامه في الحواشي، وأجاز الشافعي تكبير المأموم قبل إمامه؛ أي: فيما إذ أحرم منفردًا، ثم نوى الاقتداء في أثناء الصَّلاة؛ لأنَّه روى حديث أبي هريرة على ما رواه مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن أبي يسار: (أنه ﵇ كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده: أن امكثوا، فلما قدم؛ كبر)، ورُدَّ بأنَّ الشافعي لا يقول بالمرسل، ومالك الذي رواه لم يعمل به؛ لأنَّه قد صح عنده أنه لم يكبر، وذكر ابن حبيب عن مالك: أنه لما رأى هذا الحديث مخالفًا لأصل الصَّلاة؛ قال: إنه خاص بالنبيِّ ﵇، ولعله أمرهم بنقض إحرامهم الأول، وابتداء الإحرام بعد إحرامه الثاني، وهكذا فسره مطرف، وابن الماجشون، وغيرهما، وهو قول مالك.\nوقوله: (وقد سمى المسجد باسم الصَّلاة...) إلخ ممنوع، فإن صدر الآية: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]، فالصوامع: صوامع الرهبان، والبِيَع: بِيَعُ النصارى، والصلوات: كنائس اليهود، وسميت بها؛ لأنَّ أصلها صلوتٌ (^١) بالعبرانية، فعرِّبت، فذكرها تعالى بصيغة العبرانية؛ إلزامًا لهم، والمساجد: مساجد المسلمين.\nوقوله: (يذكر...) إلخ صفة لـ ﴿مَسَاجِدُ﴾ خصت بها تفضيلًا على غيرها، فالمراد بالصلوات: الكنائس بدليل عطف المساجد عليها، والعطف يقتضي المغايرة، ولأنَّ ذلك لغة العبرانية، فذكرت على لغتهم، فالاستدلال غير صحيح، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوفي «عمدة القاري»: (قال الشافعي: للجنب العبور في المسجد من غير لبث، كانت له حاجة أم لا)، وروي مثله عن الحسن وابن المسيب وأحمد، وعن الشافعي: له المكث فيه مطلقًا، واعتبروه بالمشرك، وتعلقوا بما روي عنه ﵇: «المؤمن لا ينجس»، وروى سَعِيْد بن منصور في «سننه» عن عطاء: (رأيت رجالًا من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضؤوا للصلاة)، وحديث وفد ثقيف وإنزالهم في المسجد وأهل الصفة وغيرهم كانوا يبيتون في المسجد، وكان أحمد ابن حنبل يقول: (يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ) انتهى.\nقلت: والأحاديث السابقة صريحة في المنع مطلقًا، سواء كان للعبور أو غيره، وسواء كان متوضئًا أو لا، فهي صريحة في العموم، واعتبارهم له بالمشرك غير صحيح؛ لأنَّه عندهم نجس حقيقي، فكيف يقَيْسونه (^٢) عليه وما هو إلا قياس مع الفارق؟\nوقوله: (تعلقوا...) إلخ هذا لا يساعد مدَّعاهم؛ لأنَّ معناه: لا ينجس حقيقة بدليل أنه لو حمله إنسان وصلى معه؛ تصح صلاته، بل هو نجس معنًى؛ بحيث لا يجوز له دخول المسجد، ولا الصَّلاة، ولا قراءة القرآن.\nوقوله: (وروى سَعِيْد...) إلخ هذا لا يصلح دليلًا لهم؛ لأنَّه موقوف على عطاء، وهو ليس بحجة عندهم على أنه يحتاج لإثبات كونهم عليهم جنابة؛ لاحتمال أنهم غير جنبين، و(حديث وفد ثقيف...) إلخ لا يدل لمدَّعاهم؛ لاحتمال أنهم لم تصبهم جنابة أصلًا وهو ممكن، ويحتمل أن هذا كله قبل ورود النهي، فهو منسوخ بالأحاديث الصريحة في النهي مطلقًا، كما قدمنا من أنه ﵇ لم يأذن لأحد جنب وحائض أن يدخل المسجد مطلقًا، على أنَّه يكره النوم للمقيم الطاهر في المسجد، فغير الطاهر بالأولى أنه يمنع من دخوله، كما لا يخفى؛ فافهم، والله أعلم.\nواختلف العلماء متى يقوم الناس إلى الصَّلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الإمام الأعظم والكوفيون: إلى أنَّ السنة أنهم يقومون في الصف إذا قال المؤذن: حي على الصَّلاة، فإذا قال: قد قامت الصَّلاة؛ كبر الإمام وهو قول سويد بن عقلة، وحمَّاد، وقَيْس بن أبي سَلَمَة، وقال الإمام زفر: (إذا قال المؤذن: قد قامت الصَّلاة؛ قاموا، وإذا قالها ثانيًا؛ افتتحوا)، وكان أنس بن مالك يفعل ذلك، وقال مالك: (يشرع الإمام في الصَّلاة بعد فراغ المؤذن من الإقامة، وبداية استواء الصف)، وعندنا: يشرع الإمام عند التلفظ بقوله: قد قامت الصَّلاة، وذهب الشافعي: أنه لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وبه قال أحمد، وتمامه في «عمدة القاري»، والله أعلم.\n (تابعه) أي: تابع عثمان بن عمر المتقدم (عبد الأعلى)؛ هو ابن عبد الأعلى السامي-بالسين المهملة، والميم-البصري، (عن مَعمَر)؛ بفتح الميم؛ هو ابن راشد، (عن الزُّهري)؛ هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب، وهذه متابعة ناقصة، وهو تعليق من المؤلف، وهو موصول عند أحمد، عن عبد الأعلى، ووقع عند مسلم أن عثمان أيضًا تابعه عبد الله بن وهب متابعة تامة؛ فافهم.\n (ورواه) أي: روى هذا الحديث عبد الرحمن (الأوزاعي، عن) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (الزُّهري) وروايته موصولة عند المؤلف في أوائل أبواب (الإمامة) كما سيأتي، فهو تعليق أيضًا، وزعم ابن حجر فقال: (ظن بعضهم أن السبب في التفرقة بين قوله: (تابعه) وبين قوله: (ورواه) كون المتابعة وقعت بلفظه، والرواية بمعناه، وليس كما ظن، بل هو من التفنن في العبارة) انتهى.\nواعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: أراد بقوله: (ظن بعضهم): الكرماني، فإنه قال في «شرحه»: فإن قلت: لم قال أولًا: (تابعه)، وثانيًا: (رواه)؟ قلت: لم يقل: وتابعه الأزواعي، إمَّا لأنَّه لم ينقل لفظ الحديث بعينه،\n_________\n(^١) في الأصل: (صلوتًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (يقيسوه)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":146},{"text":"بل رواه بمعناه؛ إذ المفهوم من المتابعة الإتيان بمثله على وجهه بلا تفاوت، والرواية أعم من ذلك، وإمَّا لأنَّه يكون موهمًا بأنه تابع عثمان أيضًا، وليس كذلك؛ إذ لا واسطة بين الأوزاعي والزُّهري، وإمَّا للتفنن في الكلام أو لغير ذلك) انتهى، فهذا كما رأيت أجاب الكرماني عنه بثلاثة أجوبة وكلها جياد، والجواب الذي استحسنه هذا القائل من الكرماني أيضًا، ولكن قصده الغمز فيه حيث يأخذ منه، ثم ينسبه إلى الظن مع علمه بأن الذي اختاره بمعزل عن هذا الفن، انتهى كلام «عمدة القاري».\nوزاد في الطنبور نغمة العجلوني على ابن حجر، فزعم أنه ليس في كلام ابن حجر ما يشير إلى أنه أراد الكرماني، فيحتمل أنه أشار إلى غيره، ولئن سلَّمنا أنه أراده؛ فالاعتراض عليه من حيث إنه أبداه احتمالًا وهو يفيد الظن، وإلا لم يحتج إلى الاعتذار عنه) انتهى.\nقلت: وهذا بعيد؛ لأنَّ قوله: (ليس في كلام ابن حجر...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ عبارة ابن حجر عين كلام الكرماني، وكثيرًا ما يطلق ابن حجر لفظ (بعضهم)، ويريد به: الكرماني، وهذا واضح، كما لا يخفى، والمثبت مقدم على النافي.\nوقوله: (لئن سلمنا) هذا من باب التنزل.\nوقوله: (فالاعتراض...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه وإن كان ذكره احتمالًا وهو يفيد الظن، إلا أنه لم ينسبه إليه وقصد الغمز عليه في الأول، وهو يحتاج إلى الاعتذار عنه، وعلى كلٍّ؛ فالكرماني ذكر (^١) الأجوبة الثلاثة، فكان على ابن حجر أن يذكرها، ويستحسن منها لا أنَّه يذكر أحدها، ويستحسن الثاني ويغمز في الأول؛ لأنَّ هذا دأب النقالين لا العلماء الشارحين؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٧٣\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-473>[باب نفض اليدين من الغُسل عن الجنابة]</span>\nهذا (باب) حكم (نفض اليدين من) ماء (الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة (من الجنابة) كذا في رواية أبي ذر وكريمة، وعند الباقين: (من غسل الجنابة)، وكلمة (من) الأولى متعلقة بالنفض، والثانية بالغُسل، كما في «عمدة القاري»، وللكشميهني، وابن عساكر، والأَصيلي: (عن غسل الجنابة)؛ وتقدير حكم أولى وأحق من تقدير جواز؛ لأنَّ المؤلف من عادته إطلاق التراجم ويحيل الحكم على الحديث، والحكم يشمل الجواز وعدمه، ووجه عدم الجواز: أنه طرح لأثر العبادة، فهو أقوى من الجواز، على أن استنباط الأحكام إنَّما تؤخذ من الحديث لا من الترجمة؛ فافهم، وقد خفي هذا على العجلوني فقال ما قال.\n\n <span id=\"b-٤٧٤\"> </span>[حديث ميمونة: وضعت للنبي ﷺ غسلًا]\n٢٧٦ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبدان)؛ هو لقب عبد الله العتكي (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (أبو حَمزَة)؛ بفتح الحاء المهملة، والزاي؛ هو محمَّد بن ميمون السكري المروزي، ولم يكن يبيع السكر، وإنما سمي به؛ لحلاوة كلامه، وقيل: لأنَّه كان يحمل السكر في كمه لا أنه يبيعه، وقال ابن مصعب: (كان مجاب الدعوة)، قيل: إنه كان له جار إذا أراد أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وألفين جوار أبي حمزة السكري، فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه أربعة آلاف، وقال: خذ هذه ولا تبع دارك، مات سنة ثمان وستين ومئة (قال: سمعت الأعمش)؛ هو سليمان بن مهران، (عن سَالم)؛ بفتح السين المهملة؛ هو ابن أبي الجعد، قيل: إنَّه ثبت في رواية ابن عساكر، (عن كُريب)؛ بضمِّ الكاف مصغرًا، مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) عبد الله ﵄ (قال: قالت) خالتي (مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بنت الحارث أم المؤمنين ﵂: (وضعت للنبيِّ) الأعظم (ﷺ) وفي الروايات السابقة: (وضع لرسول الله)، وفي أخرى: (وضع للنبيِّ ﵇) (غُسلًا)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: ماء لأجل أن يغتسل به من الجنابة في إناء، (فسترته بثوب)؛ أي: الإناء خوفًا من أن يقع فيه ما يفسده، فالضمير راجع للماء الموضوع في الإناء، كما لا يخفى؛ لقربه، وتقدم في باب (من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل) بقية الكلام عليه؛ فافهم.\n (وصب على يديه)؛ بالتثنية من الإناء، و(الواو) هنا كـ (الفاء) في الرواية السابقة عطف على محذوف؛ تقديره: فكشف ﵇ رأس الإناء، فأخذ الماء وصبه عليهما، (فغسلهما) وفي الرواية السابقة زيادة: (مرتين أو ثلاثًا) بالشك من ميمونة، وفي أخرى: (مرة أو مرتين) كذلك؛ أي: إلى الرسغين، (ثم صب)؛ أي: الماء من الإناء (بيمينه على شماله فغسل فرجه)؛ أي: القبل والدبر وما حولهما، وفي الرواية السابقة: (مذاكيره)، (فضرب) بالفاء (بيده)؛ بالإفراد؛ أي: التي استنجى بها (الأرض) زاد في الرواية السابقة: (أو الحائط) على الشك، (فمسحها)؛ أي: يده (بها)؛ أي: بالأرض، وذلك لما يعلق بها من أثر المني وغيره، (ثم غسلها)؛ أي: اليد بالماء، وسقط لفظ (بها) في غالب النسخ، (فمضمض)؛ بالفاء، وفي رواية: (ثم تمضمض)، وفي أخرى: (وتمضمض) (واستنشق)؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن، (وغسل وجهه)؛ أي: ولحيته ظاهرها وأصولها، (و) غسل (ذراعيه)؛ أي: مع مرفقيه، (ثم صب على رأسه)؛ أي: الماء فغسله مع أصول شعره وظاهره، (وأفاض) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال الماء على جسده كله بادئًا بمنكبه الأيمن، ثم على الأيسر ثلاثًا ثلاثًا، كما قدمنا، (ثم تنحى)؛ أي: تباعد عن مكانه الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر، (وغسل قدميه)؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، وليكون البدء والختم في الغسل بأعضاء الوضوء؛ لشرفها، (فناولتُه)؛ بتاء المتكلم: هو من قول ميمونة لا عائشة، كما توهمه الأَصيلي؛ لأنَّ الشراح اتفقوا على تخطئته، وقدمنا الكلام عليه هناك؛ فافهم.\n (ثوبًا)؛ أي: لينشف به جسده الشريف من أثر ماء الاغتسال، (فلم يأخذه)؛ أي: الثوب؛ لما رأى فيه من الوسخ أو غيره مما تعافه النفس، وفي الرواية السابقة: (لم يردها)، ففيه: دليل على أن قوله: (لم يُرِدْها) من الإرادة لا من الرد، كما توهمه بعضهم، (فانطلق)؛ أي: ذهب يمشي ﵇ (وهو ينفض يديه)؛ بالتثنية؛ أي: من ماء الاغتسال، والجملة من المبتدأ والخبر وقعت حالًا.\nقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، فإن قلت: ما فائدة هذه الترجمة من حيث الفقه؟ قلت: للإشارة بها إلى ألَّا يتخيل أن مثل هذا الفعل إطراح لأثر العبادة، ونفض له، فبين أن هذا جائز، ونبه أيضًا على رد قول من زعم أن تركه للثوب قبلُ إيثارُ إبقاء آثار العبادة عليه، وليس كذلك، وإنما كان تركه؛ خوفًا من الدخول في أحوال المترفهين المتكبرين) انتهى؛ يعني: ولو كان لما ذكره؛ لما نفض يديه، فموضع الترجمة ينافي هذا التعليل؛ فافهم.\nوقال المهلب: (ويمكن أن يكون ﵇ ترك المنديل؛ إبقاء بركة بلل الماء والتواضع بذلك لله ﷿، أو لشيء رآه في المنديل من حرير، أو وسخ، أو لاستعجال كان به).\nوقال ابن بطال: (واختلفوا في المسح بالمنديل بعد الطهارة في الكراهة وعدمها، وكره ابن عباس أن يمسح به من الوضوء، ولم يكرهه من الجنابة) انتهى.\nوقدمنا أنه غير مكروه مطلقًا، وينبغي أن يبقى أثر الماء على أعضائه؛ بحيث لا يبالغ في التمسح، ويمكن أن يقال: إنَّما ترك ﵇ التمسح بالمنديل؛ لأجل البرد؛ لأنَّ الحر حر الحجاز، ولخصوصية الماء البارد في أنه يشد الأعضاء، ويقوِّي على الجماع وغيره؛ فافهم.\nوقال صاحب «عمدة القاري»: واعلم: أنَّ البخاري قد ذكر هذا الحديث قبل هذا في ستة مواضع، وهذا هو السابع، وسيذكره مرة أخرى، فالجملة ثمانية كلها في كتاب (الغُسل) وساقها، وقال: وهذا كله حديث واحد، ولكنه رواه عن شيوخ متعددة بألفاظ مختلفة، وترجم لكل طريق ترجمة، وتمامه فيه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٧٥\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-475>[باب من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل]</span>\nهذا (باب) بيان (من بَدَأَ)؛ بالموحدة، والدال المهملة، والهمزة آخره المفتوحات من الباب الذي مصدره البدء، لا من الباب الذي مصدره الابتداء، كما فسره العجلوني؛ لأنَّه لا حاجة إلى تفسير (فعل) بـ (افتعل)، كما لا يخفى على من له ذوق في معاني التصريف (بشِقِّ)؛ بكسر الشين المعجمة، وتشديد القاف، بمعنى الجانب (رأسه الأيمن) صفة لـ (شق) (في الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: من الجنابة؛ لفضيلة التيامن خصوصًا في العبادة، ويطلق الشق بمعنى: النصف؛ ومنه حديث: «تصدقوا ولو بشق تمرة»؛ أي: نصفها.\n\n <span id=\"b-٤٧٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-476>[حديث: كنا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثًا </span>فوق رأسها]\n٢٧٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام، آخره دال مهملة (بن يحيى)؛ هو ابن صفوان الكوفي أبو محمَّد السلمي، سكن مكة، مات سنة\n_________\n(^١) في الأصل: (ذكره)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":147},{"text":"سبع عشرة ومئتين (قال: حدثنا إبراهيم بن نافع)؛ هو المخزومي المكي، (عن الحسن بن مسلم)؛ هو ابن يَنَّاق- بفتح المثناة التحتية، وتشديد النون، وبالقاف- المكي، ثقة، صالح الحديث، (عن صفية بنت شيبة)؛ هو ابن عثمان الحَجَبي القرشي- بفتح الحاء المهملة، والجيم-؛ لحجبة الكعبة، واختلف في أنها صحابية، والجمهور على صحبتها، رُوِيَ لها خمسة أحاديث اتفق الشيخان على روايتهما عن عائشة، بقيت إلى زمن ولاية الوليد، وهي من صغار الصحابة، وأبوها شيبة: صحابي مشهور، وللإسماعيلي: أنه سمع صفية، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: كنا إذا أصاب) وفي رواية كريمة: (أصابت)؛ بالتأنيث، وهو الأكثر، والأولى على حد ما نقل سيبويه من قولهم قال فلانة؛ فهو من السماعي، يحفظ ولا يقاس عليه؛ فافهم (إحدانا)؛ أي: جميع أزواج النبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّه مفرد مضاف، فيفيد العموم مع أن بعض العلماء قالوا: العموم لفظ الأحد والإحدى مطلقًا نفيًا وإثباتًا، معرفة ونكرة، فلا يرد أن لفظ (إحدانا) لا يدل على العموم، ولا على عمل الجماعة، كذا قاله الكرماني.\nوقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (وحكم هذا الحديث الرفع؛ لأنَّ الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك) انتهى.\nقلت: فظهر أنه فعل الجماعة وهو اختيار من المؤلف إلى القول المصحح من أن قول الصحابي: (كنا نفعل كذا)؛ حكم الرفع، وهو حجة عند أكثر الأصوليين سواء صرح بإضافة ذلك إلى زمنه ﵇ أم لا، وبه جزم الحاكم وكثيرون؛ لأنَّ ذلك إما بحكم السماع أو الإطلاع منه ﵇، ولا مجال للرأي في ذلك؛ فافهم.\n (جنابة)؛ المراد: ما يوجب الغُسل؛ ليشمل الحيض والنفاس (أخذت) أي: الماء (بيديها)؛ بالتثنية، وفي رواية كريمة بالإفراد، فصبته (ثلاثًا) صفة مصدر محذوف (فوق رأسها) وفي رواية الإسماعيلي: (أخذت بيديها الماء، ثم صبت على رأسها)، وليس بواجب على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل، والمراد بها: الشعر المفتول بإدخال بعضه في بعض، والعقص: جمعه على الرأس، كما في «المُغْرِب»، وإنما لم يجب؛ للحرج، والأصل فيه ما رواه مسلم وغيره عن أم سَلَمَة، قالت: قلت: يا رسول الله؛ إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: «لا، إنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين»، وهذا إذا بلغ الماء أصول الشعر، فلو لم يبتل الأصول منه بأن كان متلبدًا أو غزيرًا أو مضفورًا ضفرًا شديدًا، أو عليه طيب ملزوق، أو حناء متلطخة بحيث لا ينفذ إلى أصول الشعر الماء؛ يجب نقضها مطلقًا، سواء كان مضفورًا، أو منقوضًا، أو معقوصًا، فيه مشقة أو لا هو الصحيح، أمَّا عقد الشعر المعقودة بنفسها؛ فالظاهر أنه لا يجب غسلها؛ لأنَّ الاحتراز عنها غير ممكن، وإذا نتف شعرة لم تغسل؛ فالظاهر وجوب غسل محلها؛ لانتقال الحكم إليه، ولو ضرها غسل رأسها بغلبة الظن، أو بإخبار طبيب مسلم مستور؛ تركته ولا تمسحه، وقيل: إنها تمسحه إن لم يضرها، فإن ضرها المسح أيضًا؛ تركته ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولا تمنع نفسها عن زوجها؛ خوفًا من وجوب الغسل عليها إذا وطئها؛ لأنَّه حقه، ولها مندوحة عن غسل رأسها، وأما شعرها المنقوض؛ ففي افتراض غسله ثلاثة أقوال:\nالأول: الاكتفاء بالوصول منقوضًا كان أو معقوصًا وهو ظاهر المذهب، كما في «الذخيرة»، ويدل عليه ظاهر الأحاديث الواردة في هذا الباب.\nالثاني: الاكتفاء بالوصول إلى الأصول إذا كان مضفورًا، ووجوب الإيصال إلى أثنائه إن كان منقوضًا وهو ظاهر عبارة الإمام القدوري، ومشى عليه جماعة منهم: صاحب «المحيط»، و«البدائع»، و«الكافي».\nالثالث: وجوب بلِّ الذوائب مع العصر، كما في «البحر»، وروى الحسن عن الإمام الأعظم أنها تَبلُّ ذوائبها ثلاثًا مع كل بلة عصرة؛ ليبلغ الماء شعب قرونها، وفي صلاة الإمام البقالي الصحيح أنه يجب غسل الذوائب وإن جاوزت القدمين، وقد مال المحقق ابن أمير حاج في «الحلية» إلى ترجيح القول الثاني، وهو ظاهر المتون، وقال المحقق ابن الهمام في «فتح القدير»: (ومقتضى حديث أم سَلَمَة المتقدم عدم وجوب الإيصال إلى الأصول) انتهى.\nلكن قال في «المبسوط»: وإنما شُرِطَ تبليغ الماء أصول الشعر؛ لحديث حذيفة بن اليمان، فإنه كان يجلس إلى جنب امرأته إذا اغتسلت فيقول: يا هذه؛ أبلغي الماء أصول شعرك، وشؤون رأسك، وهي مجمع عظام الرأس، كما في «البحر الرائق»، واستفيد من الإطلاق أنه لا يجب غسل ظاهر المسترسل إذا بلغ الماء أصول الشعر، وبه صرح في «المنية»، وعزاه في «الحلية» إلى «الجامع الحسامي»، و«الخلاصة»، وممن نص أيضًا على أن غسل ظاهر المسترسل من ذوائبها موضوع عنها: الإمام فخر الدين البزدوي، وصدر الدين الشهيد، وعبر عنه بالصحيح في «المحيط» البرهاني، ومشى عليه في «الذخيرة»، و«الكافي»، انتهى؛ فليحفظ.\n (ثم تأخذ بيدها)؛ بالتثنية؛ أي: الماء، وقال الكرماني: (وفي بعض النسخ: «يديها» بدون الجار، فلا بد أن يقال إما بنصبه بنزع الخافض، وإما بتقدير مضاف؛ أي: أخذت ملء يديها).\nقال صاحب «عمدة القاري»: (هذا توجيه حسن إن صحت هذه الرواية) انتهى.\nقلت: والظاهر أنها تصحيف وتحريف من الكتاب، فإنه لم يعزها أحد من الشارحين إلى أحد من الرواة؛ فافهم.\nوقوله: (على شقها) في الموضعين؛ كـ (فوق) المتقدم متعلق بمقدر؛ نحو: فتصبه، أو فتفرغه، ويجوز أن يضمن (أخذت) معنى (فصبت)؛ فلا تقدير.\nقلت: وهو الأولى؛ لأنَّه إذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدم التقدير أولى؛ لأنَّه الأصل؛ فليحفظ.\nوقوله: (الأيمن) صفة؛ كـ (الأيسر) الآتي، وقولها: (ثم تأخذ بيدها...) إلخ تفصيل وبيان للإجمال الواقع في قولها: (أخذت بيديها)، ولهذا جاءت بـ (ثم) الدالة على الترتيب والتراخي في الزمان؛ لأنَّ أخذها بيديها فوق رأسها ثلاثًا يحتاج للمهلة بين المرات من حيث دلك الشعر، وإيصال الماء إلى أصوله، وتعميم البشرة. وزعم العجلوني أن (ثم) لمجرد الترتيب في الذكر لا في الزمان، فلا يرد أن الثاني يدل على تراخيه عما قبله، وذلك لا يصح.\nقلت: وهو فاسد؛ فإن الترتيب والتراخي في كل شيء بحسبه كما علم في محله، فإن التعميم والدلك حتى يصل الماء إلى البشرة يحتاج إلى المهلة والتراخي في الزمان، كما علمت، ويلزم على ما قاله هذا القائل أنه لم يبق في الحديث بيان غسل باقي الجسد، وهو لا يتم الغسل إلا به، كما لا يخفى.\nفإن قلت: لعله حذفه المؤلف اختصارًا؛ لأنَّ غرضه بيان البداءة بغسل الشق الأيمن للرأس؟\nقلت: مثل هذا لا يمكن حذفه اختصارًا أصلًا؛ لأنَّه لا يقال لذلك شرعًا وعرفًا: إنه غسل إلا بعد غسل جميع الجسد، على أنه وإن كان غرضه بيان البداءة بغسل الشق الأيمن للرأس إلا أنه ملاحظ لغسل باقي الجسد ضمنًا؛ لأنَّه لا بد منه، ولا يخفى أن الحذف لا يكون في شيء واحد مشتمل على أفعال مخصوصة فيذكر بعضها، ويترك البعض؛ لأنَّ هذا مخل في عدم الضبط؛ لأنَّه يلزم عليه وقوع الخبط في الحكم، والأحكام تصان عن ذلك، كما لا يخفى، فهذا القائل قال ولا يدري ما يقول؛ فافهم، والله أعلم.\n (وبيدها الأخرى) عطف على (بيدها)، وفي رواية الإسماعيلي: (ثم أخذت بيدها)، وهي أدل على الترتيب والتراخي في الزمان من رواية المؤلف، وإن لفظ: (الأخرى) يدل على أن لها أُولى، وهي متأخرة عنها، فـ (الواو) وإن كانت لا تدل على الترتيب؛ فلا يلزم منه تقديم الأيمن إلا أن الترتيب علم من الرواية الثانية التي بـ (ثم) مع الروايات في صفة الغسل السابقة الدالة عليه، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (على شقها الأيسر)؛ أي: من الرأس فيها لا من الشخص نفسه، وبه تحصل","vol":"1","page":147},{"text":"المطابقة بين الحديث والترجمة، ويلزم من الصب على شق الرأس الأيمن غسلُ الشق الأيمن من الشخص نفسه؛ لأنَّ بمجرد الصب على شق الرأس ينزل الماء على الجسد، وفي الأيسر كذلك، فغسل باقي الجسد مستلزم لذلك، كما لا يخفى.\nوقال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: كيف ظهور هذه المطابقة، وفي الترجمة تقديم الشق الأيمن من الرأس، وفي الحديث تقديم الأيمن من الشخص؟\nقلت: المراد من أيمن الشخص: أيمنه من رأسه إلى قدمه، فيدل حينئذٍ على الترجمة)؛ انتهى فافهم.\nوزعم ابن حجر أنَّ الذي يظهر أنه حَمْلَ الثلاثِ في الرأس على التوزيع، كما سبق في باب (من بدأ بالحِلَاب)، وفيه التصريح بأنه بدأ بشق رأسه الأيمن.\nقلت: هذا الظاهر غير صحيح؛ لأنَّ قولها: (ثم تأخذ بيدها...) إلخ تفصيل وبيان لقولها: (أخذت بيديها) المجمل، ففي أخذها الماء بيديها فوق رأسها تصبه على الأيمن باليمنى، وعلى الأيسر باليسرى، وهو في الإناء الصغير، فليس فيه توزيع هنا، وكذا في باب (من بدأ بالحِلَاب)؛ لأنَّ لفظه هناك: (فأخذ بكفيه)؛ بالتثنية على الرواية الصحيحة، فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، فقال بهما على وسط رأسه، فهذا كما رأيت ليس فيه توزيع أصلًا وإن كان صرح بالبداءة بشق رأسه الأيمن؛ لأنَّ قوله: (فقال بهما على وسط رأسه) ينافي ذلك، وإنما كان يفعل بأن يأخذ الماء بكفيه فيفرغه على وسط رأسه، يبدأ فيه بشق الأيمن من الرأس، ثم بالأيسر، وهكذا، أو المراد: يأخذ الماء بيديه؛ ثم بيدٍ باليمنى لليمين من جهة أسفل، وبالأيسر كذلك حتى يجتمعان وسط رأسه، وعلى كل؛ فليس فيهما توزيع كما لا يخفى؛ فافهم، على أنَّ العادة جارية أن الصب يكون باليدين جميعًا لا بيد واحدة، كما هو ظاهر حديث الباب، وباب (من بدأ بالحلاب)؛ فالمراد باليد: الجنس الصادق على اليدين معًا، لا يقال: إذا كان المراد الجنس؛ فليس ثَمَّ أولى ولا أخرى؛ إذ لا مغايرة بين لفظتي (بيدها)؛ لأنَّا نقول ليست المغايرة بحسب الذات، بل بحسب الصفة، فهما متغايران باعتبار وصف أخذ الماء أولًا، وثانيًا من الإناء وجمعها، وبهذا تعلم فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ ظاهر قوله: (ثم تأخذ بيدها) أنَّ الصب بكل يد على شق في حالة واحدة؛ فافهم، والله أعلم.\nوقال صاحب «عمدة القاري»: (وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن صفية المذكورة، ولفظه: «قالت: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة؛ أخذت ثلاث حفنات هكذا- تعني: بكفيها جميعًا- فتصب على رأسها، وأخذت بيد واحدة فتصبها على هذا الشق، والأخرى على الشق الأيسر، فمجموع هذا الغسل من ثلاث حفنات وغرفتان، الحفنات الثلاث على الرأس، والواحدة من الغرفتين على الشق الأيمن والأخرى على الشق الأيسر») انتهى.\nقلت: يعني: أن الحفنات الثلاث على الرأس، وما نزل عنه؛ فيعم سائر الجسد، وأن الواحدة من الغرفتين على الشق الأيمن فيعممه، وعلى الأيسر كذلك لأجل التعميم؛ لاحتمال موضع لم يصبه الماء، كما لا يخفى.\nوزعم العجلوني فاعترضه بأنه إن أراد بقوله: (فمجموع هذا الغسل) جميع الغسل للبدن؛ فهو بعيد؛ إذ كيف تكفي غرفتان لما عدا الرأس؟ وإن أراد غسل الرأس فقط؛ فهو قريب، لكن ما فائدة غسله بالغرفتين بعد الثلاث حفن؟\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه فاسد؛ لأنَّ مراده بقوله: (فمجموع هذا الغسل) جميع الغسل للجسد؛ الرأس والبدن، وهو ظاهر غير بعيد، كما زعمه؛ لأنَّ الجسد اسم للرأس والبدن، وأمَّا البدن؛ فهو اسم لما عدا الرأس والأطراف، فهذا القائل لم يفرق بين الجسد والبدن.\nوقوله: (إذ كيف...) إلخ ممنوع، فإن الحفنات الثلاث صبت على الرأس، ويلزم منها سيلانها على جميع البدن من جهة قدام وخلف، والغرفتان للأيمن والأيسر؛ لأجل التعميم، وهو ظاهر.\nوقوله: (وإن أراد غسل الرأس فقط...) إلخ هذا ليس بمراد له، وإنما مراده ما قدمناه.\nوقوله: (لكن ما فائدة...) إلخ، إن قلنا: إن هذا مراده يكون فائدة غسله بالغرفتين تعميم الجسد بالماء؛ لاحتمال أن موضعًا لم يصبه الماء، فبالغرفتان يتعمم الجسد جميعه بالماء، فيكون غسله تامًّا صحيحًا، كما لا يخفى، ولقد أكثر هذا القائل من التعصب على صاحب «عمدة القاري»، ولله در من قال:\nيا ناطح الجبل العالي ليكْلِمه... أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل\nتنبيه: ثمن ماء اغتسال المرأة من جنابة أو حيض انقطع لعشرة أيام أو أقل، وثمن ماء وَضوئها على زوجها ولو كانت غنية كما في «فتح القدير»، وفصَّل في «الجوهرة» بين انقطاع الحيض لعشرة؛ فعليها لاحتياجها إلى أداء الصَّلاة، ولأقل منها؛ فعليه لاحتياجه إلى وطئها.\nقال في «منهل الطلاب»: (وقد يقال: إن ما تحتاج إليه مما لا بد لها منه واجب عليه سواء كان هو محتاجًا إليه أو لا؛ فالأوجه الإطلاق، كما في «البحر».\nوقال في «المحيط»: (ثمن ماء الغُسل والوضوء هل يجب على الزوج؟ قيل: يجب عليه مطلقًا غنية كانت أو فقيرة، وقيل: لا يجب مطلقًا، وقيل: إن كانت فقيرة، قيل له: ائذن لها تنقل الماء، أو تنقل الماء إليها) انتهى.\nوالمعتمد القول الأول كما علمت، وأمَّا ثمن ماء الاغتسال من النفاس؛ فعلى الزوج أيضًا انقطع لأربعين يومًا أو أقل ولو كانت غنية؛ لأنَّه لا بد لها منه، فصار كماء الشرب، فأجرة الحمام على الزوج، كذا في «جامع الفصولين» ولو كان الاغتسال لا عن جنابة وحيض ونفاس، بل لإزالة الشعث والتفث؛ فقال شيخ الإسلام المحقق الرملي الحنفي: إنه لا يلزم الزوج ثمنه، انتهى.\nأما لو أمرها بإزالته؛ فقال شيخ شيخنا في «حواشيه»: (إنه يلزمه) انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٧٧\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-477>[باب من اغتسل عُريانًا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل]</span>\n (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا هي ثابتة في رواية أبي ذر وحده قبل (باب)، ساقطة في روايات غيره، هذا (باب) جواز (من اغتسل) من الجنابة أو الحيض والنفاس (عُريانًا)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء (وحده)؛ أي: منفردًا، فهو منصوب على الحال (في الخلوة) وللكشميهني: (في خلوة)؛ أي: عن الناس، وعليهما؛ فهو تأكيد لقوله: (وحده)؛ لأنَّهما لفظان متلازمان بحسب المعنى، (ومن تَستَّر)؛ بتشديد المثناة الفوقية الثانية المفتوحة، وبفتح الأولى أيضًا من باب (التفعل)، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (ومن يستتر)؛ بتحتية أوله، ومثناتين فوقيتين، من باب (الافتعال)، وقوله: (والتستر أفضل): جملة حالية بالواو في أكثر الروايات، فهو معطوف على قوله: (من اغتسل) من عطف المفردات، وفي رواية بالفاء، فهي في جواب (من) الثانية، فهو من عطف الجمل، ودل قوله: (أفضل) على جواز التجرد للغسل في الخلوة، ومثله الاستنجاء، وهو مذهب الجمهور، وهل يكره أم لا، فيه خلاف، فقيل: إنه مكروه، وقيل: إن أمن دخول أحد عليه؛ يعذر، وقيل: يجوز في المدة اليسيرة، ويتجرد للغسل، ويجرد زوجته للجماع في بيت مقداره خمسة أذرع أو عشرة أذرع، وقيل: لا يكره أن يغتسل متجردًا في الماء الجاري أو غيره في الخلوة، وهذا هو المعتمد من مذهب الإمام الأعظم، وبه قال مالك وغيره والجمهور، لما في «مراسيل الزُّهري» فيما رواه أبو داود في «مراسيله» عنه عن النبيِّ ﵇ قال: «لا تغتسلوا في الصحراء إلا أن تجدوا متوارًى، فإن لم تجدوا متوارًى؛ فليخط أحدكم كالدائرة، ثم يسمي الله، ويغتسل فيه»، وروى أبو داود في «سننه» عن عطاء، عن يعلى أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر»، وأخرجه النسائي أيضًا، وهذا يدل على الجواز وعدم الكراهة؛ لأنَّ المقصود ستر العورة عن الناس،","vol":"1","page":148},{"text":"فالنهي عن كشفها إذا كان بين الناس؛ فإذا كان وحده في خلوة؛ فلا كراهة، فإنه لم يره إلا ربه، وهو لا يحجبه الأستار ﷾ إلا أنه يطلب منه ذلك تأدبًا، فترك الأدب غير مكروه، بل خلاف الأولى.\nونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار.\nوقال إسحاق: (هو بالإزار أفضل؛ لقول الحسن والحسين ﵄، وقد قيل لهما وقد دخلا الماء وعليهما بردان فقالا: إن للماء سكَّانًا).\nوذهب ابن أبي ليلى وهو قول للشافعي فيما إذا نزل في الماء عُرْيانًا بغير مئزر أنه لا يجوز؛ لحديث ضعيف لم يصح عن النبيِّ ﷺ: «لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإن للماء عامرًا».\nوروى ابن وهب، عن ابن مهدي، عن خالد، عن بعض أهل الشام: (أن ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، وإذا سئل عن ذلك؛ قال: إن له عامرًا).\nوروى برد، عن مكحول، عن عطية مرفوعًا: «من اغتسل بليل في فضاء؛ فليحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك وأصابه لمم؛ فلا يلومن إلا نفسه».\nقلت: وهذا كحديث: «الوضوء قبل الطعام بركة، وبعده ينفي اللمم»؛ أي: الجنون، وهو يدل على الندب، فكذا هذا، فالحاصل: أن التجرد في الخلوة للاغتسال جائز من غير كراهة، والأصح عند الشافعية أن كشف العورة في الخلوة جائز عند الحاجة ولغيرها حرام، وعليه حملوا خبر أبي داود: «إذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر».\nقلت: الحديث لا يدل على الحرمة كما زعموا؛ لأنَّ صدر الحديث أنه ﵇ رأى رجلًا يغتسل وهو مكشوف العورة يراه الناس ولا ريب أن كشفها للناس حرام، أما إذا كان في مكان لا يراه أحد؛ فلا حرمة، فمن أين جاء حمل الحديث على الحرمة، وما هو إلا حمل باطل؛ لأنَّه لا دليل يدل عليه؟ فافهم، والله أعلم.\n (وقال بَهْز)؛ بفتح الموحدة، وسكون الهاء، آخره زاي معجمة، وهو ثقة يحتج بحديثه، كما قاله الحاكم، وإنما لا يعد من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنَّها شاذة، ولا متابعة له فيها، وقال الخطيب: (هو حدَّث عن الزُّهري، ومحمَّد بن عبد الله الأنصاري، وبين وفاتهما إحدى وتسعون سنة)، (عن أبيه)؛ هو حَكِيم -بفتح الحاء المهملة، وكسر الكاف- ووقع في رواية الأَصيلي: (وقال بهز بن حكيم)، بذكر أبيه صريحًا، وهو تابعي ثقة، القشيري، (عن جده)؛ هو معاوية بن حَيْدة؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، وهو صحابي على ما قاله صاحب «الإكمال»، وكلام المؤلف يشعر بذلك، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه قال: (الله أحق أن يستحى منه) وفي رواية السرخسي: (أن يستتر منه) (من الناس)؛ فـ (الله) مبتدأ بدون لام ابتداء، وخبره (أحق)، و(أن يستحى) بتقدير (من) الأولى متعلقة بـ (يستحى)، و(من) الثانية متعلقة بـ (أحق)، وهذا تعليق من المؤلف، وهو قطعة من حديث طويل أخرجه أصحاب السنن الأربعة من طرق متعددة عن بهز، وصححه الحاكم، ورواه ابن أبي شيبة عنه، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول الله؛ عوراتنا ما نأتي منه وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك»، قلت: يا رسول الله؛ أرأيت إن كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت ألا تريها أحدًا؛ فلا تريها»، قلت: يا رسول الله؛ فإن كان أحدنا خاليًا؟ قال: «فالله أحق أن يستحى منه من الناس».\nفقوله: (عوراتنا) جمع عورة؛ وهي كل ما يستحى منه إذا ظهر، وهي من الرجل: ما بين السرة والركبة، ومن المرأة الحرة: جميع الجسد منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، وفي أخمصها خلاف، ومن الأمة مثل الرجل، وما يبدو منها في حال الخدمة؛ كالرأس، والرقبة، والساعد؛ فليس بعورة، وستر العورة في الصَّلاة وغير الصَّلاة واجب، وفيه عند الخلوة خلاف، وكل خلل وعيب في شيء؛ فهو عورة.\nوقوله: (وما نذر)؛ أي: وما نترك، وأماتَ العربُ ماضي (يذر) و(يدع) إلا ما جاء في قراءة شاذة في قوله تعالى: (ما ودَعَك ربك)؛ بالتخفيف، وقوله: (أرأيت)؛ معناه: أخبرني.\nوقوله: (من الناس) تقدم ما فيه، وهذا الحديث أخرجه الترمذي، كما قلنا، وقال: حديث حسن، وصححه البخاري، وأما عند البخاري؛ فبهز وأبوه ليسا من شرطه، وأمَّا الإسناد إلى بهز؛ فصحيح، ولهذا لما علق في (النكاح) شيئًا من حديث بهز، وأنه لم يجزم به، بل قال: ويذكر عن معاوية بن حَيْدة؛ فمن هذا: يعرف أن مجرد جزمه بالتعليق لا يدل على صحة الإسناد إلا إلى من علق عنه، وأمَّا ما فوقه؛ فلا يدل؛ فافهم، كذا قال صاحب «عمدة القاري»، ووجه مطابقته للترجمة هو إنَّما يطابق إذا حملناه على الندب والاستحباب لا على الإيجاب، وعليه عامة الفقهاء.\nوزعم ابن حجر أن ظاهر حديث بهز أن التعرِّي في الخلوة غير جائز، لكن استدل المصنف على الجواز في الغُسل بقصة موسى وأيوب ﵉.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: على قوله لا يكون حديث بهز مطابقًا للترجمة؛ فلا وجه لذكره هنا، لكن نقول: إنه مطابق، وإيراده ههنا موجه؛ لأنَّه عنده محمول على الندب، كما حمله عامة الفقهاء، فإذا كان مندوبًا؛ كان التستر أفضل فيطابق قوله: «والتستر أفضل» خلافًا لما قاله أبو عبد الملك، فيما حكاه ابن التين عنه يريد بقوله: «فالله أحق أن يستحى منه من الناس» ألا يغتسل أحد في الفلاة، وهذا فيه حرج بيِّن، ونقل عنه أنه قال: معناه: ألَّا يعصى، وهذا جيد) انتهى كلامه ﵁.\nقلت: ودل قوله في الحديث: «إلا من زوجتك... إلخ» على أنه يجوز له النظر إلى عورة زوجته أو أمته، كما يجوز لها أن تنظر إلى عورته، وفيه: دليل على أنه لا يجوز له النظر لغير الزوجة أو الأمة ومن ذلك نظر الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، وبالعكس، فلو كان عليه جنابة وثمة رجال ولم يجد سترة؛ فإنه لا يَدعُه وإن رأوه، كما في «الأشباه والنظائر»، وبحث بعضهم واستظهر أنه يدعه ويتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، وأما المرأة إذا وجب عليها غسل وثمة رجال ولم تجد سترة؛ فإنها تؤخره، واستظهر بعضهم أنها تتيمم وتصلي ولا إعادة عليها، ومثله ما لو كانت بين رجال ونساء، ولو كانت بين نساء فقط؛ لا تؤخره وإن رأوها؛ لأنَّ نظر الجنس إلى جنسه أخف من خلاف جنسه، واستظهر بعضهم أنها تتيمم وتصلي ولا إعادة عليها، والرجل بين رجال ونساء، أو نساء فقط أنه يؤخر، والظاهر أنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، كما بسطه شيخ الإسلام ابن الشحنة في «شرحه على الوهبانية»، وأما الخنثى إذا وجب عليه الغسل وثمة رجال أو نساء؛ فإنه يؤخره، وكذا الاستنجاء، فإذا أراد الرجل أن يستنجي وثمة رجال، أو رجال ونساء، أو نساء فقط؛ فإنه يتركه؛ لأنَّ كشف العورة حرام، والاستنجاء سنة، فلا يفعل المحرَّم لأجل إقامة السنة؛ لأنَّ المحظور مقدم على المبيح، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٧٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-478>[حديث: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض]</span>\n٢٧٨ - وبه قال: (حدثنا إسحاق ابن نصر)؛ بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، السعدي البخاري، نسبه لجده هنا، وفيما تقدم صرح بأبيه إبراهيم وجده نصر، وما هو إلا لأجل التفنن في الكلام (قال: حدثنا عبد الرزاق)؛ هو ابن هَمَّام الصغاني، (عن مَعْمَر)؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الميم الثانية؛ هو ابن راشد، (عن هَمَّام)؛ بفتح الهاء، وتشديد الميم الأولى (بن مُنَبِّه)؛ بضمِّ الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة المشددة، (عن أبي هريرة)؛ هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: كانت بنو إسرائيل) جمع السلامة، وأصله: بنون، لكنه على خلاف القياس؛ لوقوع التغيير في مفرده، وأما التأنيث في الفعل؛ فعلى قول من يقول: حكم ظاهر الجمع مطلقًا حكم ظاهر غير الحقيقي؛ فلا إشكال، وأمَّا على قول من يقول: كل جمع مؤنث إلا جمع السلامة المذكر؛ فتأنيثه أيضًا","vol":"1","page":148},{"text":"عنده على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: (وبنو إسرائيل) اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم، وسمي به؛ لأنَّه سافر إلى خاله لأمر تقدم ذكره، وكان خاله في حران، وكان يسري بالليل، ويكمن بالنهار، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا؛ وهم: روبيل، وهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني، ونقالي، وذبولون، وذاد، وبشاخرة، وأشيرة، ويوسف، وبنيامين، وهم الذين سماهم الله تعالى الأسباط، وسموا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهم قبيلة، والسبط في كلام العرب: الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل؛ كالشعوب من العجم والقبائل من العرب) انتهى.\n (يغتسلون عُراةً)؛ بضمِّ العين المهملة، منصوب على الحال، جمع عارٍ؛ كقضاة جمع قاضٍ؛ أي: متجردين عن الثياب، وعن المئزر (ينظر بعضهم إلى بعض): جملة فعلية وقعت حالًا من (الواو) في (يغتسلون) بعد حال مترادفة أو متداخلة، وهذا يدل على أن كشف العورة كان جائزًا في شرعهم، ويدل عليه: أنهم كانوا يغتسلون عراة وموسى عليه [السلام] يراهم ولا ينكر عليهم ولو كان حرامًا؛ لأنكره عليهم، ويوضحه ما قاله الفقهاء من أن حرمة كشف العورة من خصائص هذه الأمة، واغتسال موسى منفردًا إنَّما كان من باب الحياء والأدب لا أنه واجب عليه، ويحتمل أنه كان عليه مئزر رقيق فظهر ما تحته لمَّا ابتل بالماء، فرأوا أنه أحسن الخلق، فزال عنهم ما كان في نفوسهم.\nوزعم ابن بطال أنَّ بني إسرائيل كانت تفعل هذا؛ معاندة للشرع، ومخالفة لنبيهم ﵇.\nقلت: وارتضاه القرطبي، وتبعهما القسطلاني والعجلوني، ولا يخفى أن هذا مخالف ومصادم للحديث؛ لأنَّ موسى ﵇ كان يراهم متجردين عن الثياب حال الاغتسال، ولا ينكر عليهم، والأمر المحرَّم في الشرع لا يمكن سكوت النبيِّ ﵇ عنه؛ لأنَّه بعث؛ لبيان الأحكام والشريعة، فكيف لا ينكر عليهم وهو حرام، هذا ممنوع قطعًا، على أنه نص الفقهاء على أن كشف العورة حرام من خصائص هذه الأمة؛ يعني: فيكون غير حرام عند بني إسرائيل، كما هو صريح نص الحديث، غاية الأمر: أنهم إنَّما كانوا يخالفون موسى في عدم الغسل مفردًا ونسبوه إلى الأدر؛ لاختفائه عنهم في حال الاغتسال وتستره حياءً وأدبًا من ربه ﷿، ولعدم موافقته لهم من حيث إنه رسول الله ﵇، فلا ينبغي له أن يتداخل معهم كل التداخل؛ لأنَّ كثرة المداخلة تذهب البهاء والرئاسة، فربما يقع منه شيء في حقه، فيدعو عليهم، ألا ترى أن الأمير إذا دخل الحمام يدخل وحده وأتباعه كلهم ينتظرونه (^١)، فالرسول من باب أولى، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (وكان موسى) زاد الأَصيلي: (ﷺ)، وفي نسخة: (﵇)، وهو من ذرية لاوي، فهو موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم وسلامه (يغتسل) أي: من الجنابة (وحده)؛ أي: منفردًا، منصوب على الحال إما استحياء، أو أدبًا، أو تنزهًا؛ لأنَّ التجرد ليس بحرام في شرعه، كما قدمنا.\nقال في «عمدة القاري»: (ومطابقة الحديث للترجمة في اغتسال موسى ﵇ عريانًا وحده خاليًا عن الناس، ولكن هذا مبني على أن شرع من قبلنا من الأنبياء ﵈ هل يلزمنا أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح أنه يلزمنا ما لم يقض الله علينا بالإنكار) انتهى.\nقلت: وهو مذهب الأئمَّة الحنفية، وتبعهم الشافعية، وزعم ابن حجر (أن الذي يظهر أن وجه الدلالة من الحديث أن النبيَّ ﵇ قصَّ قِصتي موسى وأيُّوب ﵉ ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا؛ إذ لو كان فيهما شيء غير موافق؛ لبيَّنه، فعلى هذا: يجمع بين الحديثين بحمل حديث بهز على الأفضل، وإليه أشار في الترجمة) انتهى؛ أي: وهذا على التحريم.\nقلت: كلامه غير صحيح، وقد أخذ كلامه من ابن بطال وهو موافق لمسماه، وهذا الظاهر فاسد غير ظاهر؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر القصتين وعدم تعقبهما أن يكون موافقًا لشرعنا؛ لأنَّه ﵇ حين قصهما كان في معرض بيان ما وقع للرسل قبله من غير ملاحظة الحكم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ (^٢) نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ (^٣)﴾ [طه: ٩٩]، ولهذا سكت عليه عن البيان وقتئذٍ، وإنما ثبت حرمة كشف العورة في الصَّلاة أو للناس بدليل آخر، فإن كان مراد هذا القائل أنه ثبت بهذه القصة؛ فهو غير صحيح؛ لأنَّها لا تدل على الحرمة بل على الإباحة، كما هي في شرع موسى، ويدل لهذا أنه ﵇ ذكر قصة موسى مع الخضر في قتل الغلام، وخرق السفينة، وبناء الجدار، وسكت عليها، والحال أنه غير موافق لشرعنا، فلو كان سكوته في القصص عن البيان يدل على الموافقة؛ لكان فعل الخضر شرع لنا وهو ممنوع، لا يسع أحدًا القول به، كما لا يخفى.\nوقوله: (فهذا يجمع...) إلخ غير صحيح، فإن حديث بهز وهذا الحديث كل منهما ظاهر في الندب ومطابق للترجمة فهو الأفضل، وإنما حاول بكلامه ترويجًا لما ذهب إليه بعض الشافعية من الحرمة، ولا دليل يدل عليها، كما قدمناه، على أنه صرح هو أن المشهور عند متقدمي الشافعية الكراهة؛ يعني: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة على الندب كما حمله عامة الفقهاء، لكن اعترضه العجلوني فزعم أنه يجب سترها مطلقًا في الصَّلاة وفي غيرها مع الخلوة أو لا، ولا نعلم قولًا بالكراهة فقط) انتهى.\nلكن قال الكرماني: (كشف العورة في الخلوة إن كان لحاجة؛ جاز، وإن لغيرها؛ ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصح أنه حرام) انتهى.\nفهذا يدل على أن عندهم في ذلك خلافًا، وقد خبطوا في مذهبهم، فلا يدرون الحكم كما رأيت، وقدمنا ما فيه أيضًا نقلًا عن إمام الشارحين؛ فليحفظ.\n (فقالوا) أي: بنو إسرائيل: (والله) قسم (ما يمنع موسى أن يغتسل معنا) عريانًا، ننظر إليه وينظر إلينا (إلا أنه آدر) استثناء مفرغ، والمستثنى منه مقدر، وهو الأمر من الأمور كما في «عمدة القاري»، فـ (أن) وما بعدها فاعل (يمنع)، و(أن يغتسل) على تقدير من متعلق بـ (يمنع)، وهذا دليل ظاهر على أن شرعهم كان إباحة التعرِّي في الاغتسال وعدم حرمة النظر إلى العورة، وهو يرد على من زعم أن شرعهم كشرعنا؛ فافهم.\nو(آدر)؛ بمد الهمزة، وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، ممنوع من الصرف، قال صاحب «عمدة القاري»: (زعم ثعلب في الفصيح أنه كآدم).\nوقال في «المنتخب»: (الأدرة مثل فعلة؛ فتقٌ يكون في إحدى الخصيتين)، وقال علي بن حمزة: (يقال: أُدْره وأَدْره، وأد؛ بالضم، والفتح، وإسكان الدال، وبالفتح، والتحريك)، وفي «المخصص» لابن سيده: (الأدرة: الخصية العظيمة، آدر الرجل إدراء، وقيل: الآدر الذي ينفتق صفاقه فيقع قصبه في صفته، ولا ينفتق إلا من جانبه الأيسر، وقد تأدر الرجل من داء يصيبه والشرج ضده، ولا يقال: امرأة آدر، إما لأنَّه غير مسموع، وإما أن يكون لاختلاف الخِلقة، والاسم الأدرة)، وفي «الجامع»: (الأدرة، والأدر مصدران واسم النفخة الأدرة)، وفي «الصحاح»: (الأدرة نفخة في الخصية، يقال: رجل أدر بيِّن الأدرة)، وفي «الجمهرة»: (هو العظيم الخصيتين) انتهى كلامه ﵀ ورضي عنه، فالأدرة مختصة بالرجال.\n_________\n(^١) في الأصل: (ينتظروه)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (وكذلك)، والمثبت موافق للتلاوة.\n (^٣) في الأصل: (سلف)، وهو تحريف.","vol":"1","page":149},{"text":"(فذهب)؛ أي: سيدنا موسى ﵇ (مرة) أي: في يوم من الأيام (يغتسل)؛ أي: من الجنابة جملة محلها النصب؛ لأنَّها وقعت حالًا وهي حال منتظرة، ويجوز أن تكون خبر (ذهب) إن جعلت من أفعال المقاربة، والأول أظهر؛ فافهم، (فوضع ثوبه على حَجَر)؛ بفتحتين، فيه حذف؛ تقديره: فخلع ثوبه فوضعه عليه، وهو الذي يحمله معه في الأسفار فيضربه فيتفجر له منه الماء، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وأخرج هذا الحديث مسلم، ولفظه: (اغتسل موسى ﵇ عند مُوَيْه) بضمِّ الميم، وفتح الواو، وإسكان التحتية، تصغير ماء، وأصله موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها هكذا هو في بعض نسخ «مسلم»، وروى ذلك العدوي، والباجي.\nوفي معظم نسخ «مسلم» (عند مَشْرُبَة)؛ بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وضم الراء، وفتح الموحدة؛ وهي حفرة في أصل النخل يجمع فيه الماء؛ ليسقيها، وقال القاضي عياض: (وأظن الأول تصحيفًا) انتهى.\nقلت: ولا منافاة بين رواية المؤلف ورواية مسلم؛ لإمكان الجمع بينهما بأنه وضع ثوبه على حجر عند المشربة التي فيها الماء؛ فليحفظ، فلما فرغ من غسله؛ أقبل إلى ثوبه ليأخذه كما في رواية الحافظ الطحاوي؛ (ففر) أي: فذهب (الحجر) يمشي على بطنه مسرعًا، فـ (الفاء) بمعنى (ثم)؛ فافهم (بثوبه)؛ أي: بثوب موسى ﵇، (فخرج)؛ أي: موسى ﵇، وفي رواية: (فجمح)؛ بجيم، فميم مخففة، فحاء مهملة؛ أي: أسرع وجرى أشد الجري، قال ابن سيده: (يقال: جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا؛ ذهب يجري جريًا غالبًا، وكل شيء مضى على وجهه؛ فقد جمح)، وفي «التهذيب لأبي منصور»: (فرس جموح؛ إذا ركب رأسه، فلم يرده اللِّجام، وهذا ذمٌّ، وفرس جموح؛ أي: سريع، وهذا مدح)، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم (في إِثره)؛ بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، وفي بعض الأصول بفتحهما؛ بمعنى: عقبه، وزعم العجلوني أنه بمعنى: بعده.\nقلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ البعدية صادقة على وقوع المهلة في الزمان اليسير والكثير، بخلاف العقب، فإنه دال على عدم وقوع المهلة مطلقًا، وهو المراد هنا، كما لا يخفى.\nوقال في «المنتخب»: بوجهه أَثر وأُثر وإِثر؛ يعني بتثليث الهمزة مع إسكان الثاء (^١)، ورابعة بفتحها، حكاها كراع، وفي «الواعي»: (الأثر محرك؛ هو ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض)، وقال ابن سِيْده: (الأثر بالضم؛ أثر الجرح)؛ انتهى.\n (يقول) جملة من الفعل والفاعل محلها نصب على الحال؛ أي: موسى ﵇: (ثوبي) مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: ردَّ ثوبي، أو أعطني ثوبي (يا حجر) وإنما خاطبه؛ لأنَّه أجراه مجرى من يعقل؛ لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه فلما لم يعطه؛ ضربه، وقيل: يحتمل أن يكون موسى ﵇ أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى ﵇، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».\n (ثوبي يا حجر)؛ بالتكرار مرتين مع إثبات حرف النداء، ووقع في «مسلم» مكررًا أيضًا، وبإسقاط حرف النداء، ولكنه مراد، كما لا يخفى، ومثله في رواية لغير الأربعة هنا، وهو مفعول لمحذوف كما سبق، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بالعكس وعليهما؛ فهو لاستعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله معاملة من لا يعلم كونه ثوبه، لعله يرده إليه (حتى) للغاية أو للتعليل لـ (فرَّ) المتقدم، أو لنحو: استمر على فراره مقدرًا إلى أن (نظرت بنو إسرائيل إلى موسى) ﵇ وهو مكشوف العورة، ففيه: رد على من زعم أنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه: إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة من مداواة أو براءة مما نسب إليه؛ كالبرص وغيره، لكن الأول أظهر؛ لأنَّ مجرد تستر موسى لا يدل على وجوب ستر العورة لما تقدر في الأصول أن الفعل المجرد لا يدل بمجرده على الوجوب، وليس في الحديث أن موسى أمرهم بالتستُّر، ولا أنكر عليهم التكشُّف، ولو كان واجبًا؛ لأمرهم بذلك، وأما إباحة النظر إلى العورة للبراءة مما نسب إليه؛ فإنما هو من حيث يترتب على الفعل حكم؛ كفسخ النكاح، وأما قصة موسى؛ فليس فيها أمر شرعي ملزم يترتب على ذلك، فلولا إباحة النظر إلى العورة؛ لما أمكنهم موسى من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم، وهو كذلك، وأما اغتساله خاليًا؛ فكان يأخذ في حق نفسه بالأكمل والأفضل، ويدل على الإباحة: ما وقع لنبينا ﵇ وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العباس عليه بذلك؛ ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته؛ لما فعله، لكنه ألزم نفسه بالأكمل والأفضل؛ لعلوِّ مرتبته ﵇، كذا قرره القسطلاني بزيادة؛ فافهم واحفظ، (فقالوا)؛ بالفاء، وفي رواية: بالواو؛ أي: بنو إسرائيل حين رأوا موسى مكشوف العورة، ورأوا عورته: (والله) قسم (ما بموسى من بأس) كلمة (من) زائدة، وهو اسم (كان) على تقدير: ما كان بموسى (^٢) بأسٌ، وفي أكثر النسخ: (ما بموسى)؛ فعلى هذه: (من بأس) اسم (ما)، كذا في «عمدة القاري»، واعترضه العجلوني بأن (ما) على الصحيح لا تعمل مع تقدم الخبر، ولا داعي إلى تقدير (كان)، وجازت زيادتها؛ لتقدم وكون المجرور نكرة) انتهى.\nقلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (أن ما على الصحيح...) إلخ غير صحيح؛ لأنَّ هذا التصحيح لم يذكره غيره من النحويين، بل قالوا: (ما) النافية عند الحجازين كـ (ليس) إن تقدم الاسم على الخبر، ولم يُسبَق الاسم بـ (أن) الزائدة، ولا بمعمول الخبر إلا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا ولم يسبق الخبر بـ (إلا)، وبنو تميم لا يعملونها، بل هي عندهم مهملة وهو القياس؛ لأنَّها حرف لا يختص بقبيل، بل تدخل على الأسماء والأفعال، فأصلها ألَّا تعمل قال شاعرهم:\nومهفهف الإعطاف قلت له: انتسب... فأجاب: ما قتل المحب حرام\nأي: هو تميمي لا حجازي، وظاهر كلام النحاة أن الصحيح أنها مهملة؛ لتعليلهم أنه القياس، وأنها صرف غير مختص.\nوقوله: (ولا داعي إلى تقدير كان...) إلخ غير صحيح، بل الداعي إلى ذلك صحة المعنى؛ لدلالتها على عدم وجود البأس فيه؛ فافهم، والبأس: الشدة؛ أي: لم يوجد بموسى من شدة من العيب؛ فليحفظ.\n (وأخذ) أي: موسى ﵇ (ثوبه) من على الحجر حين وقف في مجلس بني إسرائيل، ولبسه عليه بعد أن رآه بنو إسرائيل مكشوف العورة وتيقنوا أنه ليس به بأس من العيوب، وهذا ظاهر من صريح سياق الحديث، وقال ابن المُنيِّر: (الصحيح أن موسى لم يتعمد تمكينهم من نظر العورة، وإنما ألجأه الله تعالى إلى ذلك بآية أظهرها؛ لبراءته مما ينقص به، وكان الحجر في ذلك كالبشر يفر بثوب الرجل فيلزمه اتباعه، فيجوز ذلك للضرورة)، وقيل: لم يكن مكشوف العورة، بل نزل الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر والمئزر مبتل بالماء؛ علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأنَّ الأدرة تبين من تحت الثوب المبلول بالماء، نقله ابن الجوزي عن الحسن بن أبي بكر النيسابوري، قال ابن حجر: (وفيه نظر ولم يذكر وجهه).\nقلت: ولعل وجهه في الأول أنه لم يتعمد تمكينهم من النظر إلى العورة؛ لما غلبه من الحياء والأدب، وكأنه تعالى لما لم يوجب عليهم ستر العورة ألجأه إلى إظهارها لحكمتين؛ أحدهما: أن سترها غير واجب، وثانيهما: إظهار براءته مما نسبوه.\nوقوله: (وكأن الحجر...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ الاتِّباع للحجر غير لازم؛ لإمكان التستر بغيره من حشيش، أو ماء كدر، أو طين، أو غير ذلك، فليس فيه جواز ذلك للضرورة؛ لأنَّه لا ضرورة إلى ذلك مع وجود ما يستتر به من الحشيش وغيره، فالحقُّ أن موسى ﵇ لما علم ما نسبوه إليه، ورأى الحجر قد فر بثوبه؛ بادر إلى نفي ما نسبوه إليه؛ حيث تيسر له ذلك، وإلى أخذ الثوب من الحجر، ولعل وجه النظر في الثاني أن الثوب المبتلَّ الرقيق الذي لا يحجب العورة لا يعد ساترًا لها؛ لأنَّ الستر عدم الظهور، والعورة تحت مثل هذا الثوب تظهر لمن نظر إليها فكأنه مكشوف العورة بلا ساتر، فهذا الثوب وجوده وعدمه سواء، كما لا يخفى، وقال ابن الجوزي: (إن موسى كان في خلوة كما في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد؛ فاتفق\n_________\n(^١) في الأصل: (الفاء)، وليس بصحيح.\n (^٢) زيد في الأصل: (من).","vol":"1","page":149},{"text":"أنه جاز على قوم فرأوه؛ لأنَّ جوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم قريب منها، فبقي الأمر أنه لا يراه أحد، فاتفق من رآه) انتهى.\nقلت: وهو فاسد، فإن الحديث لا يدل على أنه كان يغتسل في خلوة؛ لأنَّ لفظ الحديث: (وكان موسى يغتسل وحده) لا يدل على أنه كان يغتسل في خلوة، بل شامل لغسله عند عين أو نهر وغير ذلك، غاية الأمر: أنه وحده ليس عنده أحد، ويؤيد ذلك ما في رواية مسلم: (أنه كان يغتسل عند مشربة)؛ وهي الحفرة في أصل النخلة يجمع فيها الماء ليسقيها، فموسى لما اغتسل عند الماء ولم يكن عنده أحد فرأى (^١) ثوبه فرَّ به الحجر؛ تبعه لما قدمنا قريبًا، فمر على القوم من بني إسرائيل فرأوه؛ لأنَّ جوانب الأنهار والعيون لا تخلو من وجود أحد من السياحين، وأصحاب التنزه ولو من أصحاب النخل، فلا بد وأن يراه أحد من هؤلاء.\nوقوله: (فبقي الأمر...) إلخ ممنوع، بل بقي الأمر على أنه قد رآه أحد قصدًا؛ لعدم خلوِّ أحد، كما لا يخفى؛ فليحفظ.\n (فَطفِق)؛ بكسر الفاء، وفي رواية: بفتحها، قيل في بعض النسخ: (وطفق)؛ بالواو؛ أي: شرع يضرب (الحجر) فـ (الحجر) منصوب بفعل مقدر، وهو (يضرب)، وقوله: (ضربًا) مفعول مطلق له، وفي رواية الأكثرين: (فطفق)؛ بالجر بزيادة موحدة في أوله؛ ومعناه: جعل ملتزمًا بذلك يضربه ضربًا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، وزعم العجلوني نقلًا عن «المصابيح» (أنه يقدر على هذه الرواية مس بالحجر لا بضرب؛ لئلا يلزم زيادة الباء في غير محلها) انتهى.\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ الباء للمصاحبة، فيلزم على قوله أنه لم يوجد ضرب للحجر، بل مسٌّ وهو خلاف المراد؛ فالمعنى الأول هو المراد؛ يعني: جعل نفسه ملتزمًا بذلك بضرب الحجر ضربًا؛ فافهم.\nو(طفق) من أفعال المقاربة وهي ثلاثة أنواع:\nالأول: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهي ثلاثة: كاد، وقرب، وأوشك.\nالثاني: ما وضع للدلالة على رجائه، وهي ثلاثة: عسى، واخلولق، وحرى.\nوالثالث: ما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهي كثيرة، ومنه: طفق.\nوهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي، إلا أربعة فاستعمل لها مضارع: وهو كاد، وأوشك، وطفق، وجعل، واستعمل مصدرًا لاثنين، وهما طفق وكاد، وحكى الأخفش: طفوقًا عمن قال: طفَق؛ بالفتح، وطفِقًا عمن قال: طفِق؛ بالكسر، وقد أوضحت المقام في شرحي على «شرح الأزهرية» للشيخ خالد الذي سميته بـ: «تاج الأُسطوانية شرح شرح الأزهرية»؛ فارجع إليه إن شئت، وقدمنا عن «عمدة القاري» أن موسى نادى (^٢) الحجر، فلما لم يعطه الثوب؛ ضربه، ويحتمل أن يكون موسى أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز، ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى ﵇، انتهى.\n (قال) وفي رواية: (فقال) (أبو هريرة) ﵁ هذا إما من قول أبي هريرة؛ فيكون تعليقًا من البخاري، وإما من تتمة قول همام؛ فيكون مسندًا، كذا قاله الكرماني، وزعم ابن حجر أنه من قول همَّام، وليس بمعلق.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: احتمال الأمرين ظاهر، وقطع البعض بأحد الأمرين غير مقطوع به) انتهى.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: (بأن القطع المراد به الحكم بالترجيح، ومن راجع نسخة همام من طريق البخاري عرف الرجحان المذكور) انتهى.\nقلت: وهو مردود عليه، فإن القطع المراد به الحكم على أمر لا يحتمل غيره، يقال: قطع القاضي الأمر على فلان؛ يعني: حكم عليه به، وهو لا يحتمل غيره بخلاف الترجيح، فإنه يحتمل غيره واحدًا وأكثر، وهذا القائل لم يفرق بين القطع والترجيح.\nوقوله: (ومن راجع...) إلخ ممنوع، فإنه ليس فيها ما يفيد الترجيح المذكور، بل فيها احتمال الأمرين، فكيف قال ابن حجر ما قال؟\nوالذي يظهر لي أن هذا تعليق من المؤلف، ويحتمل أنه مسند، لكن الأول أقرب؛ لأنَّ الحديث قد تم، وهذا بيان عدد الضرب؛ فليحفظ، والله أعلم، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فليراجع.\n (والله) قسم؛ (إنه)؛ أي: الشأن أو الحجر المذكور (لنَدَبَ)؛ بفتح النون، وفتح الدال المهملة، آخره موحدة، منون؛ أي: أثر، قال أبو المعالي: (الندب: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وجرح نديب؛ ذو ندب، وقد أندبته؛ أي: جعلت في جسمه ندبًا وأثرًا، والجمع أنداب وندوب)، وفي «المحكم»: (والجمع ندب، وقيل: الندب واحد، وندب ظهر ندبًا وندوبة وندوبًا، فهو ندب صارت فيه ندوب وأندب بظهره وفي ظهره عادت فيه ندوبًا)، وفي (الاشتقاق) عن الأصمعي: (هو الجرح إذا بقي منه أثر مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه)، كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (بالحجر) صفة (لندب)، أو متعلق به، وهو الأظهر؛ فافهم، وقال في «المصابيح»: (إن حمل على ظاهره؛ ففيه آية لموسى، وإلا؛ فيكون استعارة) انتهى.\nقلت: والمراد هنا الحمل على ظاهره؛ لأنَّ المقصود إظهار آية موسى ﵇، وإظهار معجزاته، وكونه استعارة بعيد جدًّا، وذلك لأنَّ الحجر قد أثر فيه الضرب حقيقة، فكيف يحمل على المجاز؟ وما هو إلا دعوى بلا دليل؛ لأنَّ مع وجود الحقيقة لا يجوز المصير إلى المجاز، كما لا يخفى.\n (ستةٌ)؛ بالرفع على البدلية من (ندب)؛ أي: ستة آثار، ويحتمل أنه خبر لـ (هي) مقدرة، أو منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله: (بالحجر)، فإنه ظرف مستقر (لندب)؛ أي: أنه لندب استقر بالحجر حال كونه ستة آثار، أو على التمييز، (أو سبعةٌ) بالشك من الراوي (ضربًا) منصوب على التمييز (بالحجر) متعلق بـ (ضربًا)، والظاهر أن موسى ﵇ ضرب الحجر المذكور إمَّا بعصاه المعلومة، وإمَّا بحجر أخذه في مروره من الأرض، أو من عند الماء لا بيده الشريفة؛ لأنَّ الأحجار وغيرها مما له ثقالة لا يضرب إلا بمثله، أو أثقل منه كما هو العادة، فكان الحجر ذا أثر؛ ثم رأيت العجلوني نقل عن الحافظ الطحاوي في روايته لهذا الحديث عن أبي هريرة: أن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثوبه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ من غسله؛ أقبل إلى ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى بعصاه وطلب الحجر...)؛ الحديث، فهذا يعين الأول، ويحتمل الثاني؛ فتأمل، والله أعلم.\nويجوز جعل ضمير (إنه) للشأن، ويقدر لهو ندب؛ فليحفظ.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (ففي الحديث: إباحة التعرِّي في الخلوة للغسل وغيره؛ بحيث يأمن أعين الناس، وفيه: دليل على جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية عليه من مداواة أو براءة من العيوب، أو إثباتها؛ كالبرص وغيره مما يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيه من رؤية البصر بها، وفيه: جواز الحلف على الإخبار؛ كحلف أبي هريرة ﵁، وفيه: دلالة على معجزة موسى ﵇ وهو مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل ونداؤه ﵇ للحجر، وتأثير ضربه فيه حقيقة، وفيه: دليل على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخلقًا ونزَّههم عن المعايب والنقائص، وفيه: ما غلب على موسى ﵇ من البشرية حتى ضرب الحجر) انتهى.\nقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]: ما نسبوه إليه من الأدرة المذكورة.\nوقال الحافظ الطحاوي فيما رواه عن أبي هريرة في هذه الآية: قال رسول الله ﷺ: «إن موسى كان رجلًا حيِّيًا سِتِّيرًا لا يكاد أن يرى من جلده شيء يستحيى منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة»، هكذا قال لنا (^٣) بعض (^٤) رواة هذا الحديث، وأهل اللغة يقولون: أدرة؛ لأنَّها آدر (^٥)؛ بمعنى: آدم، وإن الله ﷿ أراد أن يبرئه مما قالوا، ومما روي عن علي بن أبي طالب في هذه الآية قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًّا، فآذوه بذلك،\n_________\n(^١) في الأصل: (فرا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (ناد)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (قالنا)، وليس بصحيح.\n (^٤) (بعض): تكرر في الأصل.\n (^٥) في الأصل: (آدرة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":150},{"text":"فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات، فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره إلا الرخم، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض في ذلك؛ لأنَّه يجوز أن يكونوا آذوه بكل ما ذكر، فبرأه الله تعالى منها، والله تعالى أعلم.\n\n٢٧٩ - وبالسَّند المتقدم في هذا الحديث قال المؤلف: (وعن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، فهو موصول، قال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: هذا معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح أبو مسعود وخلف في «أطرافهما» أن البخاري رواه هنا: عن إسحاق ابن نصر، وفي (أحاديث الأنبياء): عن عبد الله بن محمَّد الجعفي؛ كلاهما عن عبد الله، ورواه أبو نُعيم الأصبهاني: عن أبي أحمد بن شيرويه: (حدثنا إسحاق: أنبأنا عبد الرزاق)؛ فذكره، وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق، عن معمر، ثم لما فرغ منه؛ قال: وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «بينا أيُّوب يغتسل...»؛ الحديث.\nوقال ابن حجر: (وجزم الكرماني بأنه تعليق بصيغة التمريض، فأخطأ، فإن الخبرين ثابتان في نسخة همام بالإسناد)، ورده صاحب «عمدة القاري».\nقلت: (الكرماني لم يجزم بذلك، وإنما قال: تعليق بصيغة التمريض؛ بناء على الظاهر أنه لم يطلع على ما ذكرنا) انتهى.\nوزعم ابن حجر في «الانتقاض» فقال: (انظر وتعجب) انتهى.\nقلت: لا نظر ولا تعجب في كلام إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»؛ لأنَّه قال الحق ورد الباطل، وإنما النظر والتعجب في كلام ابن حجر، فإنه قد استعجل القول بالخطأ ولم يلتفت إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ..﴾؛ الآية [الشعراء: ١٨٣] فإن كلام الكرماني مبني على الظاهر؛ حيث لم يطلع على ما ذكره صاحب «عمدة القاري»، ولو اطلع عليه؛ لم يقل: إنَّه تعليق قطعًا، ألا ترى أن ابن حجر لو لم يطلع على ما ذكره إمام الشارحين؛ لقال: إنه تعليق بلا ريب، فالأدب ممدوح لا مذموم، والإنسان غير معصوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه زاد في رواية: (قال): (بينا)؛ بالألف بدون الميم، قال صاحب «عمدة القاري»: (أصله «بين» بدون ألف، زيدت الألف فيه؛ لإشباع الفتحة، والعامل فيه قوله: «فخرَّ» الآتي، وما قيل: إن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها؛ لأنَّ فيه معنى الجزائية؛ لأنَّ «بين» متضمن للشرط؛ فجوابه: لا نسلم عدم عمله سيما في الظرف؛ لأنَّ فيه توسعًا، والعامل «فخرَّ» مقدر، والمذكور مفسر له، وما قيل: إنَّ المشهور دخول «إذ» أو «إذا» في جوابه، فجوابه كما أن «إذا» تقوم مقام الفاء في جزاء الشرط؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، كذلك تقوم الفاء مقام «إذا» في جواب «بين»، فبينهما معارضة) انتهى، (أيُّوب) اسم أعجمي، وهو ابن أموص بن رزاخ بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﵈، وهذا هو المشهور، وقيل هو: ابن أموص بن رواح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وأمه بنت لوط ﵇، كذا في «عمدة القاري»، وهو النبيُّ المبتلى الصابر على بلائه؛ حيث أذهب الله أمواله وأولاده وكانوا سبعة بنين وسبع بنات، وابتلاه الله في ظاهر جسده بما يجوز على الأنبياء عليهم مدة سبع سنين، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، والأصح الأول وهو مع ذلك شاكر لله تعالى أوَّاب إليه، فرد الله تعالى عليه جميع ما أذهبه، قيل: بأعيانهم، وقيل: بأمثالهم، وهو الأظهر؛ لأنَّ فضل الله أوسع من ذلك؛ لما روي أن امرأته ولدت بعد البلاء ستة وعشرين ابنًا، قال في «عمدة القاري»: (وكانت منازله الثنية في أرض الشام والجابية من كورة دمشق، وكان الجميع له، ومقامه في حوران بقرية تعرف بدير أيُّوب، وقبره بها مشهور، وهي قرية قرب نوى عليه مشهد، وهناك قدمٌ في حجر يقولون: إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها لما قيل إنها المذكورة في القرآن العظيم، وكان أعبد أهل زمانه) انتهى، وأكثرهم مالًا وكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، ولا يكتسى حتى يكسي العاري، وكانت شريعته التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة؛ خرَّ له تعالى ساجدًا ثم طلب، صلى الله عليه وعلى نبينا النبي الأعظم وسلم.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (وعاش ثلاثًا وتسعين سنة) انتهى.\nوقيل: خمسًا وتسعين، وقيل: مئتين، وقال القسطلاني: (إنه عاش ثلاثًا وستين سنة) انتهى.\nقال العجلوني: إن كان مستنده قول الكرماني وكان عمره ثلاثًا وستين، ومدة بلائه سبع سنين، فقد يقال: لا دليل فيه لاحتمال أنه إخبار عنه حين اغتسل عريانًا أو حين ابتدأ بلاؤه؛ فليتأمل.\nقلت: وهذا غير ظاهر؛ لأنَّ قول القسطلاني وكذا الكرماني يدل على أنه ﵇ عاش بعد الاغتسال عريانًا، وبعد الابتلاء ثلاثًا وستين سنة، فكأنه ابتدأ البلاء فيه حين كان عمره ثلاثًا وعشرين، ومدة البلاء سبع سنين على الأصح فشفي فاغتسل، وبعد ذلك عاش ثلاثًا وستين، فكأن عمره ثلاثًا وتسعين سنة، وهو الأظهر، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوقوله: (يغتسل)؛ أي: من الجنابة، جملة في محل الرفع؛ لأنَّها خبر المبتدأ وهو قوله: (أيُّوب)، والمبتدأ وخبره جملة في محل جر بإضافة (بين) إليه، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: لأنَّ الصحيح أنها تضاف إلى الجمل وإن اتصلت بها الألف؛ لأنَّها إنَّما تكفها عن الإضافة إلى المفرد؛ فافهم.\n (عُرْيانًا)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، منصوب على الحال، مصروف؛ لأنَّه (فُعلان) بالضم بخلاف (فَعلان) بالفتح، كما عرف في موضعه، قاله في «عمدة القاري»، وجملة (فخر عليه جرادٌ)؛ بالرفع فاعل (خر» (من ذهب) جواب (بينا)، و(خر) مضارعه يخر بالكسر والضم؛ أي: سقط عليه من أعلى إلى أسفل، وقيل: هو السقوط مطلقًا، كما في «القاموس»، والجَراد: بفتح الميم، جمع جرادة تقع على الذكر والأنثى، وليس الجراد بذَكَرٍ للجرادة، وإنما هو اسم جنس؛ كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، فحق مذكره ألا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع، كذا في «الصحاح»، وقال ابن سيده: (الجراد معروف هو سروة، ثم دبًّا، ثم غوغاء، ثم خيفانًا، ثم كتفان، ثم جراد)، وقال أبو إسحاق: (أول ما يكون الجراد دبًّا، ثم غوغاء؛ إذا ماج بعضه في بعض، ثم يكون كنفانًا، ثم يصير خيفانًا، ثم يكون جرادًا)، وقيل: الجراد المذكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم رأيت جرادًا على جرادة؛ كقولهم: رأيت نعامًا على نعامة، وقال ابن دريد: (سمي الجراد جرادًا؛ لأنَّه يجرد الأرض فيأكل ما عليها)، كذا في «عمدة القاري».\nقال القسطلاني: (وهل كان جرادًا حقيقة ذا روح إلا أن اسمه ذهب، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روح)، قال في «شرح التقريب»: (والأظهر الثاني) انتهى.\nقلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ السقوط، والذهب، والحثيلا يكون لذي الروح، بل لما لا روح له؛ لأنَّه من الجمادات حينئذٍ؛ فافهم، ولأن ذا الروح لا يحثى للبركة، وإنما كان ينزل آية العذاب، فالقول الثاني هو المتعين؛ فليحفظ.\nوعند المؤلف في (أحاديث الأنبياء): (رِجل من جراد)، وهي بكسر الراء؛ الجراد الكثير، (فجعل أيُّوب) ﵇ (يَحْتَثِي)؛ بفتح التحتية، وسكون الحاء المهملة، بعد فوقية مفتوحة، وكسر المثلثة؛ يعني: يأخذ بيديه ويرمي (في ثوبه) وفي بعض النسخ: (يحثي)؛ بدون الفوقية؛ يعني: أنه بسط ثوبه وصار يحثي بيديه ويرى فيه، قال في «عمدة القاري»: (يحتثي) من باب (الافتعال) من الحَثْي بفتح المهملة، وسكون المثلثة، قال ابن سيده: (الحثي: ما رفعت به يديك، يقال: حثى يحثي ويحثو، والياء أعلى)، وفي «الصحاح»: (حثا في وجهه التراب يحثو ويحثي حثوًَّا وحثيًّا وتحثاءً، وحثوت له؛ إذا أعطيته شيئًا يسيرًا، ويقال: الحثية باليدين جميعًا","vol":"1","page":150},{"text":"عند أهل اللغة، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا) انتهى.\nوقال ابن الملقن: (ذكر أهل اللغة أن الحثي باليدين جميعًا) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن الحثية هي الأخذ باليد الواحدة، انتهى.\nقلت: وهو مخالف لما ذكره أهل اللغة.\nوقال العجلوني: (هو محمول على ما قاله ابن قرقول، ويحتمل أن اليد للجنس).\nقلت: وهو ممنوع، فإن الحمل على ما قاله ابن قرقول غير صحيح؛ لأنَّه قول شاذ لا يعتمد عليه بعد تصريح أهل اللغة أنه باليدين جميعًا.\nوقوله: (ويحتمل...) إلخ هذا الاحتمال غير صحيح أيضًا؛ لأنَّ (أل) في (اليد) للعهد للقرينة الدالة عليه، وهي قوله: (الأخذ باليد)، فإرادة الجنس في كلام هذا القائل ممنوعة، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر أنه وقع في رواية القابسي عن أبي زيد: (يحنى)؛ بنون في آخره بدل الثاء، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: (قلت: أمعنت النظر في كتب اللغة فما وجدت له وجهًا في هذا) انتهى.\nوقال السفاقسي: (لم أجده في اللغة).\nقلت: والظاهر: أنها تحريف من ابن حجر في النقل، ولم يلتفت إلى معناها، بل دأبه النقل من غير تعريض للمعنى؛ فافهم.\n (فناداه ربه) ﷾: (يا أيُّوب) يحتمل أن يكون كلَّمه كما كلَّم موسى ﵇، وهو أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملَكًا، فسمي نداء بذلك، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم؛ (ألم أكن أَغنيتُك)؛ بفتح الهمزة، وبتاء المتكلم (عما ترى)؛ أي: من جراد الذهب؛ لأنَّ الله تعالى قد بسط عليه الدنيا وكانت له الثنية من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والحمير ما لا يكون لأفضل منه في العدة والكثرة، وكان له خمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة، وأعطاه الله أهلًا وولدًا من رجال ونساء، وكان برًّا تقيًّا رحيمًا بالمساكين يطعمهم، ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، وتمامه في «البغوي»، (قال) أي: أيُّوب ﵇: (بلى؛ وعزتك)؛ أي: بل أغنيتني، قال الكرماني: (ولو قال في مثل هذه المواضع بدل «بلى» «نعم»؛ لا يجوز، بل يكون كفرًا)، قال إمام الشارحين: لأن (بلى) مختصة بإيجاب النفي، و(نعم) مقررة لما سبقها، والمراد في قوله تعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]؛ أي: أنت ربنا، قال المفسرون: لو قالوا: نعم؛ لكفروا، والفقهاء لم يفرقوا بينهما في الأقارير؛ لأنَّ مبناها على العرف، ولا فرق بينهما في العرف، انتهى كلام «عمدة القاري»، قال في «القاموس»: (بلى) جواب استفهام معقود بالجحد يوجب ما يقال لك، و(نَعَم)؛ بفتحتين، وقد تكسر العين كلمة كـ (بلى) إلا أنه في جواب الواجب) انتهى، (ولكن لا غِنًى)؛ بكسر الغين المعجمة، مقصور منون مرفوع؛ بمعنى: (ليس)، والقصر بدون تنوين مبني بناء على أن (لا) لنفي الجنس، وزعم ابن حجر أنه بالقصر بلا تنوين على أن (لا) بمعنى: (ليس).\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل لم يرد الفرق بين (لا) التي بمعنى: (ليس) وبين (لا) التي لنفي الجنس، فإذا كانت بمعنى (ليس)؛ فهو منون مرفوع، وإن كانت بمعنى: (لا) لنفي الجنس؛ يكون مبنيًّا على ما ينصب به ولا تنوين، ويجوز الوجهان هنا ولا فرق بينهما في المعنى؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم.\nوقال صاحب «الكشاف»: في أول البقرة قرئ: (لا ريبٌ) [البقرة: ٢]؛ بالرفع والفرق بينها وبين القراءة المشهورة أنَّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه) انتهى كلامه ﵁.\nوقد حاول العجلوني عبارة ابن حجر ورممها على زعمه فقال: وعبارة ابن حجر هكذا (لا غنى)؛ بالقصر بلا تنوين، ورويناه بالتنوين أيضًا على أن (لا) بمعنى (ليس)؛ انتهى، فزعم العجلوني أن يكون قوله: على أن (لا) بمعنى (ليس) بناء على أنهما روايتان ومعناهما واحد، لكن العاملة عمل (إن) تفيد الاستغراق نصًّا بخلاف مخبرها؛ فإنها تفيده ظهورًا، انتهى.\nقلت: وهذا لا ينفعه؛ لأنَّه غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (بناء على أنهما روايتان...) إلخ متوجه عليه الاعتراض المذكور؛ لأنَّه كما لا يخفى إذا كانت الرواية بدون تنوين؛ فتكون (لا) لنفي الجنس، وإن كانت الرواية بالتنوين؛ فتكون (لا) بمعنى (ليس)، ولم يفرق بينهما ابن حجر، بل جعل (لا) على الروايتين بمعنى: (ليس)، وهو غير صحيح، كما لا يخفى.\nوقوله: (ومعناهما واحد) غير صحيح من حيث الإعراب، وإن كان صحيحًا من حيث المعنى، والكلام الآن في الإعراب، ومفاد كلامه أن ابن حجر بنى كلامه على المعنى لا على الإعراب وهو غير صحيح، فإن هذا حل إعراب لا حل معنى، على أنه فيه خلط المعنى بالإعراب.\nوقوله: (لكن...) إلخ هذا وجه إفادة الجنس تارة ينفي استغراقًا، وتارة ظهورًا، وهو حل معنى الجنس ولا كلام فيه، وعلى كلٍّ؛ فقد أكثر العجلوني من المحاولة والمكابرة بالمحسوس، وكأن ابن حجر معصوم لا يطرأ عليه نقص ولا خطأ، فيتصدر إلى بيان ما أخلط وأخبط، وقال ولا يدري ما يقول، وهذا من شدة التعصب والتعنت؛ فافهم، ولا تكن من المتعصبين المتعنتين المطرودين؛ فافهم.\n (بي) بالموحدة، وفي بعض النسخ باللام (عن بركتك)؛ أي: عن خيرك الكثير، فإن البركة كثرة الخير، كذا قاله في «عمدة القاري»، ثم قال: فإن قلت: خبر «لا» ما هو؟ هل هو لفظ «بي» أو «عن بركتك»؟ قلت: يجوز كلاهما، والمعنى صحيح على التقديرين، قال ابن بطال: (في حديث موسى وأيُّوب دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره بحيث يأمن أعين الناس؛ لأنَّهما من الذين أمرنا الله أن نقتدي بهداهم، ألا ترى أن الله عاتب أيُّوب على جمع الجراد، ولم يعاتبه على اغتساله عريانًا، ولو كلف الله عباده الاستتار في الخلوة؛ لكان في ذلك حرج على العباد إلا أنه من الأدب) انتهى.\nقلت: ففيه: المطابقة للترجمة من حيث اغتساله عريانًا، لكن ليس فيه ذكر أنه كان وحده، كما ذكر في حديث موسى، لكنه أليق به للأدب، وفيه: دليل على أن ستر العورة مباح لا واجب، ولو كان واجبًا؛ لما فعله موسى وأيُّوب، ويدل لذلك معاتبة الله لأيُّوب في جمع الجراد، وعدم معاتبته في الاغتسال عريانًا، فلو كان واجبًا؛ لعاتبه، كما لا يخفى، وهو عام يشمل الخلوة، والصحراء، والبساتين عند الأنهار والبحور، كما لا يخفى.\nوفيه: دليل على جواز الحرص على المال الحلال، وفيه: فضل الغني؛ لأنَّه سماه بركة، ومحال أن يكون أيُّوب ﵇ أخذ هذا المال حبًّا للدنيا، وإنما أخذه، كما أخبر هو عن نفسه؛ لأنَّه بركة من ربه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله ﷿، أو أنه نعمة جديدة خارقة للعادة، فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك شكر لها وتعظيم لشأنها، وفي الإعراض عنها كفر بها، وفيه: جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى، وفيه: فضل الكفاف على الفقر؛ لأنَّ أيُّوب ﵇ لم يكن ذلك مفاخرة ولا مكاثرة، وإنما أخذه؛ ليستعين به فيما لا بد له منه، ولم يكن الرب ﷿ يعطيه ما ينقص به حظه، والله أعلم.\nوهل الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر أفضل؟ فيه خلاف والجمهور: على أن الأول أفضل؛ لأنَّه مؤدٍّ حقَّين لله تعالى؛ حق المال إلى الفقراء بالتصدق، وحق النعمة وهو الشكر لله ﷿، وسيأتي بيانه.\n (ورواه) أي: روى هذا الحديث المذكور (إبراهيم)؛ هو ابن طَهْمان -بفتح الطاء المهملة، وسكون الهاء-، الخرساني أبو سَعِيْد، مات بمكة سنة ثلاث وستين ومئة، (عن موسى بن عُقْبَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الموحدة، التابعي، (عن صَفْوان)؛ بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء (بن سُلَيم)؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام، التابعي المدني أبو عبد الله، يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، وكان لا يقبل جوائز السطان، وقال أحمد: (يستنزل بذكره القطر)، مات بالمدينة عام اثنين وثلاثين ومئة، (عن عطاء) بالمد (بن يَسَار)؛ بفتح التحتية، وتخفيف السين المهملة، ضد اليمين، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه زاد في رواية: (قال): (بينا)؛ بالألف بدون الميم (أيُّوب) ﵇ اسم أعجمي مبتدأ (يغتسل)؛ أي: من الجنابة، جملة محلها الرفع خبر (عُرْيانًا)؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، منصوب على الحال؛ أي: متجردًا عن ثيابه، ومن المئزر كما هو ظاهر اللفظ، وظاهره أنه لم يكن في خلوة؛ لما أن ستر العورة ليس بواجب في عندهم يومئذٍ؛ لأنَّه لو كان واجبًا؛ لما فعله، ولكان عاتبه ربه على تركه...","vol":"1","page":151},{"text":"إلى آخر الحديث السابق.\nقال في «عمدة القاري»: وقوله: (بينا أيُّوب...) إلخ بدل من الضمير المنصوب في قوله: (ورواه إبراهيم)، وهذه الرواية موصولة أخرجها النسائي عن أحمد بن حفص، عن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيلي أيضًا، ولما ذكره الحميدي قال عطاء تعليقًا عن أبي هريرة، ثم قال: (لم يزد؛ يعني: البخاري على هذا اللفظ من رواية عطاء، وقد أخرجه ولم يذكر اسم شيخه وأرسله، وقال الكرماني: (وإنما أخر الإسناد عن المتن لعل له طريقًا أخرى غير هذا الطريق تركها، وذكره تعليقًا لغرض من الأغراض التي للتعليق)، وقوله: (ورواه إبراهيم) إشعار بهذا الطريق الآخر، وهذا أيضًا تعليق؛ لأنَّ البخاري لم يدرك عصر إبراهيم، لكنه نوع آخر منها، فلا يكون فيه تأخير الإسناد، وكذا لو قلنا: (وعن أبي هريرة) من تتمة كلامهما؛ فلا يكون تأخيرًا أيضًا؛ لأنَّه يكون مذكورًا للتقوية والتأكيد، ثم إن المحدثين كثيرًا منهم يذكر الحديث أولًا، ثم يأتي بالإسناد، لكن\n\n <span id=\"b-٤٧٩\"> </span>(٢١) <span data-type=\"title\" id=toc-479>[باب التستر في الغسل عند الناس]</span>\nهذا (باب) حكم (التَّستُّر) بفتح الفوقية الأولى، وضم الثانية مع التشديد (في الغُسل) بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: من الجنابة وغيرها (عن) وفي رواية: (عند)، وفي أخرى: (من) (الناس) قال العجلوني: (وهذا الباب يقابل الباب السابق) انتهى.\nقلت: الباب السابق ذكر فيه بيان الغسل عريانًا وحده مطلقًا، كما أشار إليه حديث موسى، وحديث أيُّوب، وهذا الباب ذكر فيه بيان الغسل بالسترة في حضرة الناس، وحكم التستر في الغسل من الناس؛ لأنَّ ما ذكره في الباب الأول حكم شريعة موسى وغيره من عدم وجوب ستر العورة عن الناس، ويذكر هنا أن سترها واجب، إذا علمت هذا؛ ظهر لك وجه المناسبة بين البابين، وظهر لك فساد ما قاله العجلوني؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٨٠\"> </span>[حديث: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل]\n٢٨٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسَلَمَة)؛ بفتح الميم واللام، بينهما سين مهملة ساكنة، زاد ابن عساكر: (ابن قعنب)، (عن مالك)؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية (مولى عمر)؛ بدون الواو (بن عبيد الله)؛ بالتصغير، التابعي: (أن أبا مُرَّة)؛ بضمِّ الميم، وتشديد الراء (مولى أم هانئ)؛ بالنون وبهمزة في آخره، منونًا، زاد في رواية: (بنت أبي طالب)، وكنيت باسم ابنها، واسمها: فاختة، وقيل: عاتكة بالمهملة والفوقية، وقيل: فاطمة، وقيل: هند، وقيل: جمانة، وقيل: رملة، والأول هو المشهور، وهي أخت علي بن أبي طالب ﵁، خطبها النبيُّ الأعظم ﷺ فقالت: والله إني لأحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام؟ ولكني امرأة مصبية، فسكت رسول الله ﵇، أسلمت عام الفتح، وتقدم في باب (من قعد حيث ينتهي به المجلس) أن أبا مرة مولى عَقيل بن أبي طالب، وأجاب في «عمدة القاري»: (بأنه هو مولى أم هانئ، ولكن لشدة ملازمته وكثرة مصاحبته لعَقيل؛ نسب إليه، وقيل: كان مولى لهما) انتهى.\nوزعم العجلوني بأن مولى أحد الفريقين قد يصير مولًى للآخر.\nقلت: وهذا غير صحيح؛ لأنَّه إذا كان مولًى لأحدهما، كيف يكون مولًى للآخر؟ وما هذا إلا تناقض وخروج عن الدائرة؛ فافهم.\n (أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب)؛ هو ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية ابنة عم النبيِّ الأعظم ﷺ (تقول)؛ بالفوقية، جملة محلها النصب على الحال: (ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح)؛ أي: فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان، (فوجدته) ﵇؛ بتاء المتكلم (يغتسل) جملة محلها النصب على أنها مفعول ثان لـ (وجدت)، واغتساله ﵇ إنَّما كان عن جنابة كما هو الظاهر، وزعم العجلوني أنه لدخول مكة) انتهى.\nقلت: هو يحتاج إلى دليل، وقرائن الأحوال تدل على أنه للجنابة؛ فافهم.\n (وفاطمة)؛ أي: ابنته ﵇ ورضي عنها (تَسْتُره)؛ بفتح الفوقية الأولى، وسكون المهملة، وضم الفوقية الثانية؛ أي: عن الناس، (فقال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ وهو يغتسل: (من هذه؟) قال في «عمدة القاري»: (يدل على أن الستر كان كثيفًا وعرف أيضًا أنها امرأة؛ لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال) انتهى، وهذا يقتضي أنه كان بعد نزول آية الحجاب.\n (قلت) وفي رواية: (فقلت)؛ بتاء المتكلم: (أنا أم هانئ) ولما اتبعت أنا بأم هانئ؛ زال الالتباس، فلا يقال: كيف قالت: (أنا)، وقد جاء النهي عنه؛ لأنا نقول: إنه محمول على ما إذا لم يذكر بعده ما يزيل الالتباس.\nقال في «عمدة القاري»: وفي الحديث: دليل على وجوب الاستتار في الغسل عن أعين الناس، فكما لا يجوز لأحد أن يبدي عورته لأحد من غير ضرورة، فكذلك لا يجوز له أن ينظر إلى فرج أحد، وهذا قول الإمام الأعظم، ومالك، والثوري، والشافعي، واختلفوا إذا نزع مئزره، ودخل الحوض، وبدت عورته عند دخوله، فقال الإمام الأعظم، والثوري: (لا تسقط شهادته بذلك ويعذر به؛ لأنَّه لا يمكن التحرُّز عنه)، وقال مالك والشافعي: (تسقط شهادته).\nوأجمع العلماء على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته، وفيه ما قال النووي: فيه: دليل على جواز اغتسال الإنسان بحضرة امرأة من محارمه إذا كان يحول بينه وبينها ساتر من ثوب أو غيره) انتهى.\nقلت: وفيه: المطابقة للترجمة، كما لا يخفى، والمراد بسقوط الإزار المذكور أنه إذا سقط من غير تعمُّد واستتر فورًا؛ لا إثم عليه، ولا ترد به شهادته، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والشافعي، والثوري، وقد نقل ابن بطال عن الشافعي: (أنه إذا بدت عورته عند دخول الحوض؛ ترد شهادته)، فاعترضه العجلوني بأن مذهب الشافعي: (أنه إذا سقط من غير تعمد واستتر فورًا؛ لا إثم عليه، ولا ترد شهادته)، والعجب من عدم اعتراضه كالكرماني عليه؛ فاعرفه.\nقلت: لا عجب في عدم الاعتراض، فإنه ليس جميع المؤلفين مثلك في التعصب والتعنت، وما قاله ابن بطال وإن كان مطلقًا إلا أن المراد به التقييد المذكور؛ لأنَّه لو استتر فورًا وكان سقط إزاره من غير تعمد؛ لا يسع أحدًا أن يقول بتأثُّمه ورد شهادته، فالكرماني لا ريب أنه أعلم وأحرى للأحكام من هذا القائل؛ فاعرفه فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٨١\"> </span>[حديث: سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة]\n٢٨١ - وبه قال: (حدثنا عبدان)؛ هو لقب عبد الله العتكي (قال: أخبرنا عبد الله)؛ هو ابن المبارك (قال: حدثنا)، وفي رواية: (أخبرنا) (سفيان)؛ هو الثوري، وقال الكرماني: (هو ابن عيينة)، وقدمنا في أول أبواب (الغسل) ما يرجح الأول، لا يقال: الالتباس في أحدهما يقدح في الحديث؛ لأنا نقول: لا قدح؛ لأنَّ كلًّا منهما على شرط المؤلف؛ فافهم، (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران، (عن سالم بن أبي الجَعْد) بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، (عن كُريب) بضمِّ الكاف؛ مصغرًا، مولى ابن عباس، (عن ابن عباس)؛ هو عبد الله ﵄، (عن) خالته (مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، أم المؤمنين بنت الحارث ﵂ (قالت: سترت النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: بثوب (وهو يغتسل من الجنابة) جملة اسمية محلها النصب على الحال، وزعم العجلوني أن هذا الحديث مر في باب (من أفرغ بيمينه على شماله) بلفظ: (وسترته)، فالضمير فيه عائد إلى النبيِّ ﵇ بدليل ما هنا من التصريح بقولها: (سترت النبيَّ ﵇)، وبه يظهر ما قلناه هناك من المناقشة مع الشراح؛ حيث جعلوه عائدًا على الإناء الذي دل عليه (غسلًا) المتقدم، والعجب منهم حيث غفلوا عما هنا أو أهملوه) انتهى.\nقلت: حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء، فإن الشراح لم يغفلوا ولم يهملوه؛ لأنَّ لفظ الحديث هناك: (قالت ميمونة: وضعت لرسول الله ﷺ غسلًا وسترته)، زاد في باب (نفض اليدين بثوب)، والقاعدة: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فيتعين أن يكون الضمير عائدًا على الإناء الذي فيه الماء؛ لأنَّ قولها: (غُسلًا)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ الماء الذي يغتسل به؛ يعني:","vol":"1","page":151},{"text":"أنها وضعت الماء في الإناء وسترته خوفًا من وقوع شيء فيه يفسده؛ لأمره ﵇ بتغطية الأواني.\nفقوله: (فالضمير...) إلخ ليس بشيء، بل يتعين هناك أن يكون الضمير عائدًا على الإناء؛ لأنَّه أقرب مذكور، وللعلة المذكورة.\nوقوله: (بدليل...) إلخ ممنوع؛ فإن ما هنا لا يدل على ما ذكر هناك؛ لأنَّ القصة مختلفة وإن كان الراوي واحدًا؛ لأنَّ الاغتسال متعدد ضرورة، فهذا لا يدل على ما قاله أصلًا.\nوقوله: (وبه ظهر...) إلخ ممنوع، بل ظهر شذوذ ما قاله؛ فالمناقشة التي ذكرها مردودة عليه؛ لأنَّها عن غير دليل، وقد أوضحت المقام هناك؛ فارجع إليه إن شئت.\nوقوله: (والعجب...) إلخ لا عجب منهم، ولا غفلة، ولا إهمال، فإن الشراح منهم حفاظ، ومنهم متقنون، فوقوع الغفلة منهم بعيد جدًّا، بقي الإهمال؛ فإنما أهملوه حيث إنه لم يدل عليه ما هناك؛ لاختلاف القصة، كما لا يخفى، والعجب من هذا القائل كيف تثبت في ذهنه ذلك وهو بعيد جدًّا؛ لعدم الدليل عليه، وما استدل به؛ فهو غير صحيح، فزاد في الطنبورة نغمة، وفي الشطرنج جملًا، والله تعالى أعلم.\n (فغسل يديه)؛ أي: إلى الرسغين، (ثم صب) أي: الماء (بيمينه على شماله فغسل فرجه) أي: القبل والدبر وما حولهما، (و) غسل (ما أصابه) أي: من البول والمني وغيرهما، (ثم مسح بيده) بالإفراد (على الحائط أو الأرض)؛ بالشك من ميمونة، كما مر، وفي رواية: (بيده الحائط) من غير شك، (ثم توضأ وضوءه للصلاة)؛ أي: الوضوء المفروض بأن أتى بسننه وآدابه (غير رجليه) فإنه أخَّر غسلهما؛ لأنَّهما في مستنقع الماء المستعمل، (ثم أفاض) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال (على جسده الماء)؛ أي: على رأسه، وما نزل عنه، فعمم جميع جسده، وتكفي المضمضة والاستنشاق في الوضوء عن الغسل؛ لأنَّ السنة تنوب عن الفرض كما تقدم، (ثم تنحَّى)؛ أي: تباعد عن مكانه الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر نظيف، (فغسل قدميه)؛ أي: رجليه تحرُّزًا عن الماء المستعمل، وليكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، ومطابقة الحديث للترجمة في قولها: (سترت النبيَّ ﷺ).\nقال في «عمدة القاري»: (وقد قلنا: إن البخاري ذكر حديث ميمونة هذا في ثمانية مواضع، وهذا هو الثامن، وقد تقدم هذا في أول الغسل، غير أن بينه وبين سفيان الثوري اثنين؛ أحدهما: هو شيخه عبدان، والآخر: ابن المبارك، وقد ذكرنا فيه من أنواع ما يتعلق به مستقصًى؛ فافهم).\n (تابعه) أي: تابع سفيان الثوري (أبو عَوانة)؛ بفتح العين المهملة، وتخفيف الواو؛ هو الوضاح اليشكري في الرواية عن الأعمش، وقد ذكر البخاري هذه المتابعة في باب (من أفرغ بيمينه)، (وابن فضيل) أي: وتابعه أيضًا محمَّد بن فضيل في الرواية عن الأعمش، وروايته موصولة في «صحيح أبي عَوانة» البصري؛ كلاهما (في الستر) وفي بعض النسخ: (في التستر)؛ أراد: تابعا سفيان في لفظ: (سترت النبيَّ ﵇) لا في بقية الحديث، ووقع ذكر الستر أيضًا في هذا الحديث من رواية أبي حمزة عند المؤلف، ومن رواية زائدة عند الإسماعيلي، وقدمنا ما يتعلق بهذا الحديث مستوفًى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٨٢\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-482>[باب إذا احتلمت المرأة]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين؛ يذكر فيه ما يكون من الحكم (إذا احتلمت المرأة)؛ أي: الاحتلام من الحلم، وهو عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء يقال: حَلَم؛ بالفتح، إذا رأى وتحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في كل منهما حكم الاغتسال من الجنابة.\nفإن قلت: حلم الرجل إذا احتلم مثل حلم المرأة، فما وجه تقييد هذا الباب بالمرأة وتخصيصه بها؟\nقلت: الجواب عنه بوجهين:\nأحدهما: أن صورة السؤال كانت في المرأة، فقيَّد الباب بها؛ لموافقة صورة السؤال.\nوالثاني: فيه الإشارة إلى الرد على من منع منه في حق المرأة دون الرجل، فنبه على أن حكم المرأة كحكم الرجل في هذا الباب، ألا ترى كيف قال ﷺ في جواب أم سُليم: المرأة ترى ذلك أعليها الغسل؟ [قال] «نعم؛ إنَّما النساء شقائق الرجال»، رواه أبو داود؛ والمعنى: أن النساء نظائر الرجال وأمثالهم في الأخلاق والطباع، كأنهن شققن منهم، وحواء ﵍ خلقت من آدم ﵇، والشقائق جمع شقيقة؛ ومنه: شقيق الرجل، وهو أخوه لأبيه وأمه، ويجمع على أشقَّاء أيضًا بتشديد القاف، ونسب منع هذا الحكم في المرأة إلى إبراهيم النخعي على ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عنه ذلك بإسناد جيد، فكأن النووي لم يقف على هذا، فاستبعد صحته عنه، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٨٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-483>[حديث: نعم إذا رأت الماء]</span>\n٢٨٢ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن هِشام) بكسر الهاء (بن عُروة)؛ بضمِّ العين المهملة، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن زينب بنت أبي سَلَمَة)؛ بفتح السين المهملة، وفتح اللام، والميم، واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أحد السابقين أخو النبيِّ الأعظم ﷺ من الرضاعة، وذكر المؤلف هذا الحديث في باب (الحياء في العلم)، وفيه زينب بنت أم سَلَمَة فنُسِبت زينب هناك إلى أمها وهنا إلى أبيها، فزينب هي أخت سَلَمَة، فكنى كل واحد من أم زينب وأبيها بسَلَمَة، فلذلك تنسب زينب تارة إلى أبيها ببنت أبي سَلَمَة، وتارة إلى أمها ببنت أم سَلَمَة والمعنى واحد، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، (عن أم سَلَمَة) وهي هند بنت أبي أمية، واسمه: حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي أم المؤمنين زوج النبيِّ الأعظم ﷺ، وكانت قبله عند أبي سَلَمَة المذكور (أنها قالت) أي: أم سَلَمَة: (جاءت أم سُلَيم)؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام؛ مصغرًا، واختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميسة، وقيل: مليكة، وقيل: الغميصاء، والأول هو المشهور، وقيل: الرميصاء، وأنكره أبو داود، وقال: الرميصاء أختها، وعند ابن سعد: (أنيفة)، وأنكره ابن حبان، وأم سليم هي بنت ملحان الخزرجية النجارية والدة أنس بن مالك، كانت فاضلة دينة، أسلمت مع السابقين من الأنصار، وكان ﵇ يزورها فتتحفه بشيء تصنعه له ولأصحابه في كل جمعة ﵂، (امرأة أبي طلحة) بدل من (أم سُليم)، أو عطف بيان، أو خبر لمبتدأ محذوف، واسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النقيب كبير القدر، بدري مشهور رضي الله تعالى عنه (إلى رسول الله ﷺ) لأجل لأنَّ تسأله.\nقال في «عمدة القاري»: (وهذا الحديث أخرجه الستة، واتفق الشيخان على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة، عن أم سَلَمَة، ورواه أبو داود عن الزُّهري، قال: قال عروة عن عائشة: (أن أم سُليم...)؛ الحديث، وأخرجه مسلم من طريق الزُّهري عن عائشة، وكذلك رواه أبو عقيل، والزبيدي، ويونس، وابن أخي الزُّهري، وابن أبي الوزير، عن مالك، عن الزُّهري، ووافق الزُّهري مسافع الحجبي، قال: عن عروة، عن عائشة، وأما هشام بن عروة؛ فقال عن عروة، عن زينب بنت أبي سَلَمَة، عن أم سَلَمَة: أن أم سُليم).\nقال القاضي عياض عن أهل الحديث: (إنَّ الصحيح أن القصة وقعت لأم سَلَمَة لا لعائشة)، ونقل ابن عبد البر عن الذهلي (^١) أنه صحح الروايتين.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (قلت: قول عياض يرجح رواية هشام بن عروة، وقول أبي داود عن مسافع يرجح رواية الزُّهري).\nوقال النووي: (يحتمل أن تكون عائشة وأم سَلَمَة جميعًا أنكرتا على أم سُليم) انتهى.\nقلت: وأخرج مسلم عن أنس قال: (جاءت أم سُليم إلى رسول الله ﷺ فقالت له وعائشة عنده...)؛ فذكر نحوه، وروى أحمد عن أم سُليم وكانت مجاورة لأم سَلَمَة، فقالت أم سُليم: (يا رسول الله؛ ...)؛ الحديث، وفيه: أن أم سَلَمَة هي التي راجعتها، وهذا يقوي رواية هشام،\n_________\n(^١) في الأصل: (الذهبي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":152},{"text":"ويمكن الجمع بما قاله النووي، وعلله ابن حجر: (بأنه لا يمتنع حضور عائشة وأم سُليم عند النبيِّ ﷺ في مجلس واحد) انتهى.\nقلت: وهو غير ظاهر، بل يمتنع ذلك؛ لأنَّ عائشة قد سألته ﵇ حين كان في بيتها في نوبتها، وأم سُليم كذلك؛ لأنَّ القصة مختلفة، كما لا يخفى.\nوقال النووي في «شرح المهذب»: (والجمع بين الروايات أن يقال: بأن أنسًا، وعائشة، وأم سَلَمَة حضروا القصة) انتهى.\nقلت: أي: حضر كل واحد قصة سؤال نفسه دون غيره.\nوزعم ابن حجر أن الذي يظهر أن أنسًا لم يحضر القصة، وإنما تلقى ذلك من أمه أم سُليم، وفي «صحيح مسلم» ما يشير إليه.\nقلت: هذا غير ظاهر، بل أنس سأل ذلك من النبيِّ ﵇؛ لأنَّه كان كثير (^١) الملازمة له، فكيف يتصور أنه يسأل أمه ويترك سؤال النبيِّ ﵇؟\nوقوله: (وفي «صحيح مسلم» ...) إلخ، والذي في «صحيح مسلم» يدل على أن أنسًا سأل ذلك منه ﵇، وليس فيه أنه لم يحضر القصة وأنه تلقى من أمه.\nوروى أحمد عن ابن عمر قال: جاءت أم سُليم إلى رسول الله ﷺ وهو لا يدل على أنه تلقَّى ذلك منها، بل هو إخبار عنها بالسؤال المذكور، ولا ريب أن القصة متعددة، ويدل لذلك ما رواه النسائي، وأحمد، وابن ماجه: أن خولة بنت حكيم قد سألت هذا السؤال، وعند الطبراني: أن السائلة سهلة بنت سهل، وعند ابن أبي شيبة: أن السائلة سبرة بنت صفوان، فهذا يدل على اختلاف القصة وتعددها، وزعم العجلوني أنه لا مانع من الجمع) انتهى.\nقلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ السؤال وإن كان واحدًا إلا أن السائل متعدد مختلف، وبعيد أن يكونوا جميعًا قد حضروا مجلسه ﵇؛ لأنَّ في السائلين أنسًا (^٢) وابن عمر، وهما لا يمكن حضورهما بين النساء في حضرته ﵇، ولا في غيرها، فثبت أن القصة متعددة، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (فقالت) أي: أم سُليم: (يا رسول الله؛ إن الله تعالى) وقوله: (لا يستحي) جملة محلها الرفع خبر (إنَّ) وهو باليائيين على الأفصح (من الحق) ضد الباطل؛ أي: لا يمتنع من ذكره، أو لا يأمر بالحياء فيه؛ لأنَّه محال على الله ﷿؛ لأنَّه تغير وإنكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يعاب أو يذم، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما يستحي النساء عادة من السؤال عنه؛ لأنَّ نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، فيكون قولها هذا تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يستحي منه، والمراد به معناه اللغوي؛ لأنَّ الحياء الشرعي كله خير، وإذا كان الحياء محالًا على الله ﷿؛ يكون جاريًا على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية (^٣)، كما في حديث سلمان، قال ﵇: «إن الله حيي (^٤) كريم يستحي إن رفع (^٥) العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا»، وقال ابن دقيق العيد: (قيل: لا يحتاج إلى التأويل في النفي، بل في الإثبات، لكن لما كان المفهوم يقتضي أنه يستحي من غير الحق رجع إلى الإثبات، فاحتيج إلى تأويله؛ فتأمل)، (هل) للاستفهام يجب (على المرأة) وكذا على الرجل؛ لأنَّ حكمه ﵇ على الواحد كحكمه على الجماعة إلا إذا دل دليل على التخصيص؛ فليحفظ، (من غسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وفي رواية بفتحها، وكلمة (من) زائدة في المبتدأ أو الفاعل؛ لوجود شرطها، وقد سقطت عند المؤلف في (الأدب)، وثبتت في باب: (الحياء في العلم)، (إذا هي احتلمت)؛ أي: الاحتلام، (افتعال) من الحُلُم؛ بضمِّتين (^٦)، وقد تسكن اللام؛ وهو ما يراه النائم في منامه، يقال منه: حلَم؛ بالفتح، واحتلم.\nزعم ابن حجر أن المراد به هنا: أمر خاص منه؛ وهو الجماع، انتهى.\nقلت: وهو قاصر؛ لأنَّه لا يشمل رؤية الماء، والتحقيق أن المراد منه الأعم، وقد رأيت العجلوني اعترض على ابن حجر في كلامه هذا، فقال: الظاهر أن المراد أعم منه، وإن كان في بعض روايات الحديث التقييد بذلك، فعند أحمد عن أم سَلَمَة أنها قالت: (يا رسول الله؛ إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟).\nقلت: لكن أكثر الروايات الإطلاق حتى عند أحمد، فقد نقل عنه صاحب «عمدة القاري» أن أم سَلَمَة قالت: (يا رسول الله؛ إذا رأت إحداكنَّ الماء كما يرى الرجل أتغتسل؟).\n (فقال رسول الله ﷺ: «نعم»)؛ أي: وجب عليها الغسل؛ (إذا رأت الماء)؛ أي: المني بعد استيقاظها من النوم، فـ (رأى) بصرية، فتتعدى لواحد، وتحتمل أن تكون قلبية، فتتعدى لمفعولين والمفعول الثاني محذوف؛ أي: إذا رأت الماء موجودًا مثلًا، فلو رأت نزول ماء منامًا ولم تره بعد الاستيقاظ؛ لا غسل عليها.\nوقال في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر: (إنَّ الصواب حمل الرواية على ظاهرها من أنها بصرية).\nوقال الإمام كمال الدين ابن الهمام: (والمراد بالرؤية العلم سواء اتصلت به رؤية البصر أم لا، فإن من تيقنت الإنزال بعد الاستيقاظ، ثم جف ولم تر شيئًا بعينها؛ لا يسع أحدًا القول بعدم الغسل مع أنها لم تر شيئًا ببصرها) انتهى.\nوعبارة «عمدة القاري»: (وفيه: رد على من زعم أن ماء المرأة لا ينزل، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، وحمل قوله: (إذا رأت الماء)؛ أي إن أعلمت به؛ لأنَّ وجود العلم هنا متعذر؛ لأنَّ الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم، ثم استيقظ فلم ير بللًا؛ لم يجب عليه الغسل، فكذلك المرأة، وإن أراد علمها بعد ذلك أن استيقظت؛ فلا يصح؛ لأنَّه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلا إن كان عن مشاهدة، فحمل الرؤية على ظاهرها هو الصواب) انتهى.\nوقال القسطلاني: (الظاهر: أنها هنا بصرية)، ونقل عن أبي حيان: (أن حذف أحد مفعولي (رأى) وأخواتها عزيز، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ أي: البخل خيرًا لهم، وأما حذفهما جميعًا؛ فجائز اختصارًا؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥]) انتهى.\nوقال ابن المُنْذِر: (أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا؛ أن لا غسل عليه).\nواختلفوا فيمن رأى بللًا ولم يتذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل، روينا ذلك عن ابن عباس، والشعبي، وسَعِيْد بن جبير، والنخعي، وقال أحمد: (أحب إليَّ أن يغتسل به إلا رجل به أبردة)، وقال أبو إسحاق: (يغتسل؛ إذا كانت بلة نطفة)، وروينا عن الحسن أنه قال: (إذا كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة؛ فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك؛ اغتسل).\nوفيه قول ثالث وهو: أنه لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق هكذا، قال مُجَاهِد: وهو قول قتادة.\nوقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: (يغتسل إذا علم بالماء الدافق)، وقال الخطابي: (ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة، وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق)، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، وقال أكثر أهل العلم: (لا يجب عليه الاغتسال؛ حتى يعلم أنه بللُ الماء الدافق) انتهى.\nقلت: واتفق أصحاب الإمام الأعظم على أنه لا يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط مقارنة الشهوة الخروج؟\nفعند الإمام الأعظم والإمام محمَّد: لا يشترط ذلك، وعند الإمام أبي يوسف: يشترط، فلو انفصل المني عن مقره بشهوة وخرج من غير دفق بأن أمسك ذكره حتى سكنت شهوته؛ وجب الغسل عندهما لا عنده، وفي «القهستاني»، و«التاترخانية»: وبقوله نأخذ في الضيف وغيره؛ لأنَّه أيسر على المسلمين، وبه أخذ أبو الليث، وخلف بن أيُّوب، وعليه الفتوى كما في «جامع الفتاوى»، لكن اختار الجمهور التفصيل وهو أن الفتوى على قوله في الضيف إذا احتلم مثلًا ويستحي من أهل البيت، أو خاف أن يقع في قلبهم ريبة -أي: تهمة-بأن طاف حول أهل بيتهم، وعلى قولهما في غيره كما في «السراج»، و«شروح الملتقي»، و«البحر»، و«النهر»، و«المستصفى»، وقد ذكروا: أن قوله قياس، وقولهما استحسان، وأنه الأحوط والعمل والفتوى على الاستحسان، فينبغي الإفتاء بقوله في مواضع الضرورة فقط؛ فليحفظ.\nقال الإمام ابن نُجَيم في «بحره»: (وحاصل مسألة اثنا عشر وجهًا؛ لأنَّه إما أن يتيقن أنه مني، أو مذي، أو ودي، أو يشك في الأول مع الثاني، أو في الأول مع الثالث، أو في الثاني مع الثالث؛ فهذه ستة، وفي كل منها: إما أن يتذكر الاحتلامأو لا، فتم (^٧) الاثنا عشر؛ فيجب الغسل اتفاقًا فيما إذا تيقن أنه متى تذكر احتلامًا أو لا، وكذا فيما إذا تيقن أنه مذي، وتذكر الاحتلام أو شك أنه مني، أو مذي، أو شك أنه مني، أو ودي، أو شك أنه مذي، أو ودي وتذكر الاحتلام في الكل، ولا يجب الغسل اتفاقًا فيما إذا تيقن أنه ودي مطلقًا تذكر الاحتلام أو لا، أو شك أنه مذي، أو ودي ولم يتذكر، أو تيقن أنه مذي ولم يتذكر، ويجب الغسل عند الإمام الأعظم، والإمام محمَّد لا عند الإمام أبي يوسف فيما إذا شك أنه مني، أو مذي، أو شك أنه مذي،\n_________\n(^١) في الأصل: (كثيرًا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (أنس)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (التمثيلة)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (حي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (أرفع)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٦) في الأصل: (بضمين).\n (^٧) في الأصل: (فتمت)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":152},{"text":"أو ودي ولم يتذكر احتلامًا فيهما، والمراد بالتيقُّن هنا: غلبة الظن؛ لأنَّ حقيقة اليقين متعذرة مع النوم) انتهى كلامه.\nوقوله: (أقَيْس وقولهما استحسان وعليه الفتوى) احتياطًا، وقال في «الفتاوى»: (الخلاصة: ولسنا نوجب الغسل بالمذي، ولكن المني قد يرق بطول المدة فتصير صورته كصورة المذي) انتهى أي: لا حقيقته.\nوقال في «شرح المنية»: وإن استيقظ فوجد في إحليله بللًا ولم يتذكر حلمًا إن كان ذكره منتشرًا قبل النوم؛ فلا غسل عليه وإن كان ساكنًا؛ فعليه الغسل، هذا إذا نام قائمًا أو قاعدًا، أما إذا نام مضطجعًا أو تيقن أنه مني؛ فعليه الغسل وهو مذكور في «المحيط» و«الذخيرة».\nوقال شمس الأئمَّة الحلواني: (هذه المسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون)، ومشى على هذا العلامة الشرنبلالي في «الإمداد» وغيره، وذكر مثله في «الجواهر»، ودرج عليه شراح «الملتقى»؛ فافهم.\nقال في «الحلية»: (الفرق بين النوم قائمًا أو قاعدًا، وبين النوم مضطجعًا غير ظاهر، والوجه الإطلاق؛ إذ لا يظهر بينهما افتراق).\nقال في «منهل الطلاب»: (والظاهر: أن الفرق بينهما من حيث إن النوم مضطجعًا سبب للاسترخاء والاستغراق وهو سبب للاحتلام بخلاف النوم قائمًا أو قاعدًا؛ لعدمهما فيه عادة؛ فتأمل، والمرأة مثل الرجل في ظاهر المذهب؛ فليحفظ) انتهى.\nوقال في «البحر»: لو احتلمت المرأة ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها، فعن الإمام محمَّد: يجب الغسل، وفي «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم: لا يجب؛ لأنَّ خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجوب الغسل عليها، وعليه الفتوى، كذا في «المعراج»، وحرر ابن الهمام في «فتح القدير» وقال: إنه الحق الاتفاق على تعليق وجوب الغسل بوجود المني في احتلامها، والقائل بوجوبه في هذه الخلافية إنَّما يوجبه على وجوده وإن لم تره، فالمراد بعدم الخروج في قولهم: ولم يخرج منها لم تره خرج؛ فعلى هذا: لا وجه لوجوب الغسل بوجود المني في احتلامها في الخلافية.\nورده في «شرح المنية» بأن هذا لا يفيد وجوب الغسل في المسألة الخلافية، فإن ظاهر الرواية لا يجب عليها الغسل، وبه أخذ شمس الأئمَّة الحلواني، وقال في «الخلاصة»: (وهو الصحيح...) إلى آخر كلامه؛ فافهم.\nوقال ابن عبد البر: (في الحديث: دليل على أن النساء ليس كلهن يحتلمن، وإنما أنكرت عائشة ذلك إما لصغر سنها وكونها مع زوجها؛ لأنَّها لم تحض عنده ولم تفقده فقدًا طويلًا إلا بموته ﵇، فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام؛ لأنَّه لا تعرفه النساء ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الرجال بعد المعرفة به، فإذا فقدت النساء أزواجهن؛ احتلمن، والوجه الأول عندي أصح وأولى؛ لأنَّ أم سَلَمَة فقدت زوجها وكانت كبيرة عالمة بذلك، وأنكرت منه ما أنكرت عائشة، فدل على أن من النساء من لا ينزل الماء منها في غير الجماع الذي يكون في اليقظة) انتهى.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (ولقائل أن يقول: إن أم سَلَمَة أيضًا تزوجت أبا سَلَمَة شابة، ولما توفي عنها زوجها؛ تزوجها سيد المرسلين ﵇ لا سيما مع شغلها بالعبادة وشبهها التي هي وجاء لغيرها، أو تكون قالته إنكارًا على أم سَلَمَة؛ لكونها واجهت به سيدنا رسول الله ﵇، ويوضحه: فقالت أم سَلَمَة: وغطت وجهها، ثم قال: وفي رواية أبي داود: (أن أم سليم قالت: يا رسول الله؛ إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت امرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل أتغتسل أو لا؟ قالت عائشة: فأقبلت عليها فقلت: أف لك وهل ترى ذلك المرأة؟ فأقبل علي رسول الله ﷺ فقال: «تربت يمينك يا عائشة، ومن أين يكون الشبه؟»)، وعند المؤلف في باب: (الحياء في العلم) بعد قوله: «إذا رأت الماء» فغطت أم سَلَمَة -تعني: وجهها- وقالت: (يا رسول الله؛ أوَ تحتلم المرأة؟) قال: «نعم؛ تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟»، وفي لفظ له بعد قوله: (إذا رأت الماء) فضحكت أم سَلَمَة فقالت: (أوَ تحتلم المرأة؟) فقال النبيُّ ﷺ: «فبم شبه الولد؟»، وفي لفظ: قالت أم سَلَمَة: (فقلت فضحكت النساء)، وعند مسلم من حديث أنس: أن أم سُليم حدثت أنها سألت النبيَّ صلى الله عليه [وسلم]، وعائشة عنده: (يا رسول الله؛ المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، ومن نفسها ما يرى الرجل من نفسه)، فقالت عائشة: (يا أم سُليم)؛ فضحكت النساء (تربت يمينك)، فقال لعائشة: «بل أنت تربت يمينك نعم؛ فلتغتسل يا أم سليم».\nوفي لفظ: فقالت أم سُليم: (واستحييت من ذلك وهل يكون هذا؟) قال: «نعم؛ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، أيهما علا أوسبق يكون منه الشبه».\nوفي لفظ: فقال رسول الله ﷺ: «إذا كان منها ما يكون من الرجل؛ فلتغتسل».\nوفي لفظ: قالت عائشة: (فقلت لها: أف لك، أترى المرأة ذلك؟)\nوفي لفظ: (تربت يداك)، فقال رسول الله ﷺ: «دعيها، تربت يمينك»، قالت: (وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل؛ أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها؛ أشبه أعمامه).\nوفي لفظ أبي داود: (أتغتسل أم لا؟) فقال: «فلتغتسل إذا وجدت الماء».\nوفي لفظ: (المرأة عليها غسل؟) قال: «نعم؛ إنَّما النساء شقائق الرجال».\nوفي لفظ النسائي: (فضحكت أم سَلَمَة).\nوعند ابن أبي شيبة: (فقال: هل تجد شهوة؟) قالت: (لعله) قال: «هل تجد بللًا» قال: ولعله قال: «فلتغتسل»، فلقيتها النسوة فقلن: فضحتينا عند رسول الله ﷺ، فقالت: (والله ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حل أنا أم في حرام).\nوعند الطبراني في «الأوسط»: (قلت: يا رسول الله؛ أنت تقربني إلى الله أحببت أن أسألك عنه، قال: «أصبت يا أم سُليم»؛ فقلت الحديث).\nوعند البزار: (فقالت أم سَلَمَة: وهل للنساء من ماء؟ قال: «نعم؛ إنَّما هن شقائق الرجال»).\nوعند ابن عمر: (إذا رأت ذلك فأنزلت؛ فعليها الغسل، فقالت: أم سُليم: أيكون هذا؟).\nفإن قلت: قد جاء عن [أم] سَلَمَة: (فضحكت)، وجاء: (فغطت وجهها) فما التوفيق بينهما؟\nقلت: معنى (فضحكت): تبسمت تعجبًا، و(غطت وجهها) حياء، ومعنى (تربت يمينك) في الأصل: لا أصابت خيرًا غير أن في لسان العرب ذلك وأمثالها، ويراد به المدح، وفي «أدب الخواص» لأبي القاسم: (معنى «تربت يمينك»؛ أي: افتقرت من العلم بما سألت عنه أم سُليم)، وفي «المحكم»: ترب الرجل صار في يده التراب، قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: لا يملك إلا التراب، وترب تربًا؛ لصق بالتراب من الفقر، وترب تربًا وتربة؛ خسر وافتقر، وحكى قطرب: (ترب وأترب)، كذا ذكره في «عمدة القاري»، وفيه قوله: (وآلت) بعد قوله: (تربت يمينك)؛ معناه: صاحت؛ لما أصابها من شدة هذا الكلام، وروي: (أُلَّت)؛ بضمِّ الهمزة مع التشديد؛ أي: طعنت بالآلة؛ وهي الحربة العريضة النصل، انتهى.\nقال ابن بطال: (وفيه: دليل على أن كل النساء يحتلمن)، وقد عكس غيره، فقال: فيه: دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن.\nواعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: (وفيه: دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، وقد ذكرنا في أول الباب خلاف النخعي) انتهى.\nوقد تبعه ابن حجر فقال: (والظاهر: أن مراد ابن بطال الجواز لا الوقوع؛ يعني: فيهن قابلية ذلك، وفيه: دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، لكن تقدم الخلاف فيه عن النخعي) انتهى.\nواعترضه العجلوني فقال: (ما تقدم عن النخعي في نفي وقوعه وما قاله ابن بطال في نفي الخلاف فإنما هو على المرأة في لزوم الغسل إذا أنزلت إلا أن يقال: إذا انتفى وقوع الموجب؛ لزم انتفاء الوجوب؛ فتأمل) انتهى.\nوفي الحديث: جواز استفتاء المرأة بنفسها؛ لأنَّه غير مخل في الديانة، وكأن أم سُليم لم تسمع حديث: «إنما الماء من الماء»، أو سمعته وقام عندها أنه منسوخ بدلائل أخر، أو ما يوهم خروج المرأة عنه وهو ندرة بروز الماء منها.\nوروى عبد في هذه القصة: «إذا رأت إحداكن كما يراه الرجل».\nوروى أحمد من حديث خولة بنت حكيم في نحو هذه القصة «ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل»، فإن هذا صريح على أنه يدل على كونه في حال الاحتلام.\nففيه: رد على من زعم أن","vol":"1","page":153},{"text":"ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها كما قدمناه؛ لأنَّ الشهوة حقيقة أو حكمًا، وذلك إذا احتلم ورأى بللًا ولم يدرك اللذة فإنه يمكن أنه أدركها، ثم ذهل عنها بوجود النوم فجعلت اللذة حاصلة حكمًا وهو ظاهر، فيمكن أن أم سَلَمَة قام عندها أن الاحتلام لم يوجد فيه شهوة وحديث: (الماء من الماء) مطلق غير مقيد بالشهوة فتركته؛ لأنَّه منسوخ بأحاديث؛ منها: ما قدمناه من حديث أم سَلَمَة عند ابن أبي شيبة، فقال ﵇: «هل تجد شهوة...»؛ الحديث، ولقوله تعالى: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧] والدفق لا يكون إلا عن شهوة على أنه حديث (الماء من الماء) مطلق، فهو محمول على المقيد بالشهوة، ولأن (اللام) فيه للعهد الذهني؛ أي: الماء المعهود، والذي به عهدهم هو الخارج عن شهوة؛ لأنَّه كثيرًا يأتي على أكثر الناس جميع عمره، ولا يرى هذا الماء مجردًا عن الشهوة، بل هي مصاحبة له ضرورة، ويدل لهذا: تفسير عائشة ﵂ الحديث، كما قد رواه ابن المُنْذِر أن المني: هو الماء الأعظم الذي منه الشهوة وفيه الغسل؛ فليحفظ، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٨٤\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-484>[باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس]</span>\nهذا (باب) حكم (عرق) الآدمي (الجنب) والطاهر، والمحدث، والحائض، والنفساء، والصغير، والكبير، والمسلم، والكافر، والذكر، والأنثى؛ يعني: أن عرق هؤلاء طاهر، (وأن المسلم لا ينجس) عطف على المضاف إليه، والتقدير: وباب أن المسلم لا ينجس، بل هو طاهر وإن كان متصفًا بما ذكرناه، فإذا كان هو طاهرًا؛ فعرقه طاهر ضرورة؛ للزومه له.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (ولم يبين البخاري ما حكم عرق الجنب، ولا ذكر في هذا الباب شيئًا يطابق هذه الترجمة).\nوقال بعضهم: كأن المصنف يشير بذلك إلى الخلاف في عرق الكافر، وقال قوم: إنه نجس بناء على القول بنجاسة عينه.\nقلت: (ما أبعد هذا الكلام عن الذوق! فكيف يتوجه ما قاله والمصنف قال: باب عرق الجنب، وسكت عليه، ولم يشر إلى حكمه لا في الترجمة ولا في الذي ذكره في هذا الباب؟\nوفائدة ذكر الباب المعقود بالترجمة ذكر ما عقدت له الترجمة وإلا؛ فلا فائدة في ذكرها، ويمكن أن يقال ذكر ترجمتين؛ فالترجمة الثانية تدل على أن المسلم طاهر، ومن لوازم طهارته طهارة عرقه، ولكن هذا مخصوص بعرق المسلم، والحال أن عرق الكافر أيضًا طاهر) انتهى.\nقلت: (وقد حاول العجلوني عبارته ورمم عبارة ابن حجر بكلام أخذه من «عمدة القاري» الذي علمته، وزعم أن صنيع المؤلف وابن حجر حسن، وأن في كلام «عمدة القاري» تناقضًا (^١) في قوله: (ويمكن...) إلخ وقال: ولم يتعرض ابن حجر في «الانتقاض» لرد الاعتراض؛ لظهوره) انتهى كلامه\nقلت: ولا يخفى تعصب هذا القائل، فقد زاد في الطنبور نغمة، فإن كلامه لا فائدة فيه ولا معنى يأويه؛ لخلوه من التحقيق، ولا يخفى أن صنيع المؤلف وابن حجر ليس بحسن أصلًا؛ لأنَّ الترجمة قاصرة؛ حيث إنه لم يبين حكم العرق من الجنب لا في الترجمة ولا في أحاديث الباب، فكيف يقال: إن صنيعه حسن على أن قوله: (وإن المسلم لا ينجس) التي هي الترجمة الثانية، كذلك لا تدل على حكم عرق الجنب؛ لأنَّ المراد بالمسلم: الطاهر لأنَّه المسلم الكامل، ولا ريب أن عرقه طاهر لطهارة بدنه، والجنب خارج عن هذا، فلا بد من بيان حكم عرقه.\nولا دلالة في الترجمة أن المؤلف أشار بالتقييد بـ (المسلم) إلى الخلاف في عرق الكافر كما زعمه ابن حجر؛ لأنَّ مراد المؤلف بالتقييد بـ (المسلم) موافقة لحديث الباب، لا للخلاف في عرقه؛ لأنَّ هذا ظاهر حيث إنا لم ننهَ عن نكاح أهل الكتاب، فدل على طهارته من دليل آخر، كما لا يخفى.\nوقوله: (وإن في كلام «عمدة القاري» ...) إلخ ممنوع؛ فإنه لما ذكر ما هو التحقيق من عدم بيان حكم عرق الجنب، ورد كلام ابن حجر؛ ظهر له أن الترجمة يمكن حملها على ما قاله، فهذا ليس يتناقض ما زعمه هذا القائل، ولا يسع أحدًا أن يقوله من ذوي الأفهام كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوقوله: (ولم يتعرض...) إلخ؛ هذا ظاهر في أن الاعتراض في غاية التحقيق ولو كان غير ذلك؛ لما سكت عليه ابن حجر، فسكوته دليل على أن كلام نفسه غير مرض له؛ لما أنه غير ظاهر، كما لا يخفى؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٨٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-485>[حديث: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس]</span>\n٢٨٣ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله)؛ هو المديني (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سَعِيْد القطان (قال: حدثنا حُميد) بضمِّ الحاء المهملة مصغرًا؛ هو المعروف بالطويل، التابعي، مات وهو قائم يصلي (قال: حدثنا بَكر) بفتح الموحدة مكبرًا؛ هو ابن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني البصري التابعي المتوفى سنة بضع ومئة، (عن أبي رافع) واسمه: نُفيع -بضمِّ النون، وفتح الفاء- مصغرًا الصائغ -بالصاد المهملة، وبالغين المعجمة- البصري ارتحل إليها من المدينة، أدرك الجاهلية ولم يرَ النبيَّ الأعظم ﷺ، (عن أبي هريرة)؛ هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه، قال صاحب «عمدة القاري»: (ومن أجلِّ لطائف هذا الحديث أنه متصل، ورواه مسلم مقطوعًا عن حميد، عن أبي رافع، كذا في طريق الجُلُودي، والجياني، والصواب ما رواه البخاري وغيره عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، وذكر أبو مسعود وخلف أن مسلمًا أخرجه أيضًا كذلك.\nوقال صاحب «التلويح»: قد رأينا من قاله غيرهما، فدل على أن في «مسلم» روايتين).\nقلت: ذكر البغوي في «شرح السنة»: (أن مسلمًا أخرجه بإثبات بكر) انتهى كلامه ﵁.\n (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ لقيه)؛ أي: اجتمع به من اللقاء؛ وهو الاجتماع؛ أي: لقي أبا هريرة وهو يمشي (في بعض طريق المدينة) المنورة، كذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية كريمة، والأَصيلي: (طرق)؛ بالجمع، وفي رواية أبي داود، والنسائي: (لقيه في بعض طريق من طرق المدينة)، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم العجلوني أن رواية أبي داود موافقة لرواية الأَصيلي.\nقلت: وهو مردود فأين التوافق؟ بل فيه تخالف؛ لأنَّ الأولى: (في بعض طريق المدينة)، وللأَصيلي: (في بعض طرق المدينة)، ولأبي داود: (في بعض طريق من طرق المدينة)؛ فليحفظ.\n (وهو جنب) جملة اسمية محلها النصب على الحال من الضمير المنصوب في (لقيه)، يقال: أجنب الرجل وهو جنب، وكذا الاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال ابن دريد: (وهو أعلى اللغات، وقد قالوا: جنبان وأجناب، ولم يقولوا: جنبه)، وفي «المنتهى»: (رجل جنب، وامرأة جنب، وقوم جنب، وجنبون، وأجناب)، وفي «الصحاح»: (أجنب الرجل وجنُب أيضًا؛ بضمِّ النون)، وفي «الموعب» عن الفراء وقطرب: (جنِب الرجل وجنُب؛ بكسر النون وضمها لغتان)، وقال في «المغرب»: (يقال من الجنابة: أجنَب الرجل وجنَِب؛ بفتح النون وكسرها، وجنب ويجنب، لا يقال عن العرب غيرها، وحكى بعضهم: جنُب؛ بضمِّ النون، وليس بالمشهور)، وفي «الاشتقاق»: (أجنب الرجل؛ لأنَّه يجانب الصَّلاة)، وقال أبو منصور: (لأنَّه نهي أن يقرب مواضع الصَّلاة)، وقال القتبي: (سمي بذلك لمجانبته الناس، وبعده منهم حتى يغتسل)، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، وأراد أبو هريرة نفسه لرواية أبي داود: (وأنا جنب)، (فانْخَنست)؛ بالنون الساكنة، ثم خاء معجمة مفتوحة، ثم نون، ثم سين مهملة، وهي رواية الكشميهني، والحمُّوي، وكريمة؛ ومعناه: تأخرت، وانقبضت، ورجعت، واستخفيت، وهو لازم ومتعد؛ ومنه: خنس الشيطان.\nالرواية الثانية: (فاختنست)؛ مثل الرواية الأولى في المعنى، غير أن اللفظ في الرواية الأولى من باب (الانفعال)، وفي هذه الرواية من باب (الافتعال).\nالثالثة: (فانبجست)؛ بالموحدة، والجيم، وكذا هي في رواية الترمذي؛ ومعناه: اندفعت، وانفجرت؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]؛ أي: جرت واندفعت، وهي رواية ابن السكن أيضًا.\nالرابعة: (فانْتَجست)؛ بفوقية مفتوحة بعد النون الساكنة، فجيم؛ من النجاسة من باب (الافتعال)؛ والمعنى: اعتقدت نفسي نجسًا، وهي رواية الأَصيلي، وأبي الوقت، وابن عساكر.\nالخامسة: (فانتجشت)؛ بالشين المعجمة، من النجش؛ وهو الإسراع.\nالسادسة: (فانبخست)؛ بالموحدة، والخاء المعجمة، والسين\n_________\n(^١) في الأصل: (تناقض)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":153},{"text":"المهملة، من البخس (^١)؛ وهو النقص، فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله ﷺ وهو رواية المستملي؛ لِمَا اعتقده في نفسه من النجاسة.\nالسابعة: (فاحتبست)؛ بحاء مهملة، ثم مثناة فوقية، ثم موحدة، ثم سين مهملة، من الاحتباس؛ والمعنى: حبست نفسي عن اللحاق بالنبيِّ ﷺ.\nالثامنة: (فانسللت)؛ بنون، ثم سين مهملة، بعدها لامين؛ والمعنى: مضيت عنه مستخفيًا، وهو رواية مسلم والنسائي، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» ولم يسبقه أحد به من الشراح، وزعم ابن حجر أنه لم يثبت له من طريق الرواية غير ما تقدم، وأراد به رواية الكشميهني، وأبي الوقت، والمستملي، ونسب بعضها إلى التصحيف.\nورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه لا يلزم من عدم ثبوته غير الروايات الثلاث عنده عدم ثبوتها عند غيره، وليس بأدب أن ينسب لبعض غير ما وقف عليه إلى التصحيف؛ لأنَّ الجاهل بالشيء ليس له أن يدعي عدم علم غيره به) انتهى.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض» فزعم بقوله الملازمة ثابتة هنا؛ لأنَّ القصة واحدة، والمخرج واحد، واللفظ الذي نطق به أبو هريرة واحد، فما يبقى إلا الترجيح والمرجوح أن يثبت في الرواية حمله على أن الراوي ذكر تلك اللفظة بالمعنى، فإن لم يثبت؛ حمل على أنه صحفه، وحمل رواية الحافظ المتقن على الصواب أولى من حمل رواية غيره عليه، وليس هنا ما يثبت الجهل ولا ما يزيل الأدب، ولكن رمتني برأيها، وانسلت) انتهى.\nقلت: وهذا كلام من ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء، فإن قوله: (الملازمة هنا ثابتة...) إلخ لا يخفى فساده؛ لأنَّ القصة متعددة مختلفة، والمخرج أيضًا مختلف، واللفظ الذي نطق به أبو هريرة مختلف، يدل لذلك أن أبا هريرة كان يمر في الطريق ويقعد من أجل الجوع، وكذلك كان يفعل من أجل الجنابة، فما المانع أنه رآه ﵇ مرارًا مختلفة، وكان يتلفظ بألفاظ مختلفة؟ ويدل لهذا أيضًا ما سيأتي في الباب بعده، فإن ما ذكر فيه قصة أخرى غير هذه كما لا يخفى، فأين الملازمة؟ ويلزم على ما قاله هذا القائل أن يكون لفظ أبي هريرة لفظة واحدة ولا يخفى فساده؛ لما ثبت في الروايات من اختلاف ألفاظه باختلاف القصة وغيره.\nوقوله: (والمرجوح...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ الراوي لا يمكن أن يذكر تلك اللفظة بالمعنى، بل يذكرها كما سمعها من غير تعرض للمعنى كما هو وظيفة الرواة.\nوقوله: (فإن لم يثبت؛ حمل على أنه صحفه) ممنوع أيضًا؛ فإن هذا الحمل باطل؛ لأنَّ الراوي يحتاط في كلامه مهما أمكن، ولا يجوز حمله على التصحيف؛ لأنَّه مخل في حفظه وإتقانه، وإذا حمل على أنه صحفه؛ لم يبق لحفظه وإتقانه فائدة، ويلزم الخلل في ألفاظ الأحاديث، وهو ممنوع، كما لا يخفى.\nوقوله: (وحمل رواية الحافظ...) إلخ هذا تعرض لنفسه بأنه حافظ متقن وليس كما ظن؛ لأنَّه لو كان كما ظن؛ لما كان جهل بقية الروايات وحملها على التصحيف، فإن هذا ينافي الحفظ والإتقان، فإن جميع الروايات تحمل على الصواب سواء كانت من حافظ أو غيره؛ لأنَّ الرواة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، كما لا يخفى.\nوقوله: (وليس هنا...) إلخ ممنوع؛ فإن كلامه يدل على الجهل وثبوت عدم الأدب حيث إنه نفى بقية الروايات وهي ثابتة؛ وحيث نسبها إلى التصحيف وهو ينافي الأدب، فكيف قال ابن حجر ما قال؟ وقد أنصف العجلوني هنا حيث قال: والحق أنه حيث أمكن التوجيه لا ينبغي المصير إلى القول بالتصحيف) انتهى.\nقلت: وقد وأمكن التوجيه في الروايات كلها كما علمت مما قدمناه، فلا يجوز القول بالتصحيف؛ لأنَّه يثبت الجهل وينافي الأدب؛ فافهم، والله أعلم.\n (منه)؛ أي: من النبيِّ الأعظم ﷺ إما حياء منه، أو لما اعتقده في نفسه من النجاسة، كما قدمناه، (فذهبتُ)؛ فالتاء للمتكلم؛ أي: قال أبو هريرة: (ذهبت) (فاغتسلت)؛ أي: من الجنابة وهو بصيغة المتكلم أيضًا، قال الكرماني: وفي بعض النسخ: (فذهب فاغتسل)، قال صاحب «عمدة القاري»: (قلت: على تقدير صحة الرواية بها يجوز فيه الأمران: الغيبة بالنظر إلى فعل كلام أبي هريرة بالمعنى، والتكلم بالنظر إلى نقله بلفظه بعينه على سبيل الحكاية عنه، وإما جواز لفظه بالغيبة، فمن باب التجريد، وهو أنه جرد من نفسه شخصًا وأخبر عنه) انتهى كلامه\nقلت: والرواية الأولى هي المناسبة لقوله: (فانخنست).\nقال في «عمدة القاري»: (وإنما فعل أبو هريرة هذا؛ لأنَّه ﵇ كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، كما ورد في النسائي، وابن حبان من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: (لقيني النبيُّ ﷺ وأنا جنب فأهوى إليَّ فقلت: إني جنب...)؛ الحديث، فلما ظن أبو هريرة أن الجنب ينجس خشي أن يماسحه النبيُّ ﵇ كعادته، فتأخر لما رآه وبادر إلى الاغتسال من الجنابة، (ثم جاء)؛ أي: أبو هريرة وبعد اغتساله من الجنابة إلى مجلس النبيِّ الأعظم ﷺ، (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لأبي هريرة («أين كنت يا با هريرة؟»)؛ بحذف الهمزة من الأب تخفيفًا، كذا قاله في «عمدة القاري»، ومثله في «الكرماني»، وهذا ظاهر في أن الرواية بالحذف لا غير؛ فليحفظ.\nوزعم العجلوني أن الموجود في كثير من النسخ الصحيحة إثبات الألف، ولم يذكروا هنا ترخيمه مع أنهم ذكروه في الباب الآتي.\nقلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّه وإن ثبتت الألف؛ فهي تحريف من النساخ والكُتَّاب، فكم رأينا نسخ مضبوطة ومع مراجعتها مع الشراح يظهر خطأ ضبطها وتحريفها من الناسخين.\nوقوله: (في كثير...) إلخ لا يخفى فساده، بل أكثر النسخ الصحيحة بحذف الألف، كما يعلم ذلك من مراجعة النسخ.\nوقوله: (ولم يذكروا هنا...) إلخ، وإنما لم يذكروه هنا وذكروه في الباب الآتي؛ لأنَّ هذه القصة غير القصة الذي ذكرت في الباب الآتي، ولاختلاف القصة اختلفت ألفاظ الرواة؛ فليحفظ.\n (قال)؛ أي: أبو هريرة للنبيِّ ﷺ: (كنت جنبًا)؛ أي: ذا جنابة، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ أي: لأنَّه اسم جرى مجرى المصدر وهو الإجناب، قاله القسطلاني، وإنما أجابه بهذا مع أن السؤال إنَّما كان عن المكان؛ لما فهمه أبو هريرة من أنه ﵇ إنَّما سأله عن سبب غيبته لا عن المكان، وإلا؛ فكان حق الجواب أن يقول: كنت في مكان كذا اغتسل؛ لأني كنت جنبًا، ويحتمل أنه عبر بالسبب وأراد المسبب، ويحتمل أن قوله: (كنت جنبًا) متضمن: لأني كنت في المكان الفلاني أغتسل فيه من الجنابة؛ لأنَّ من لازم الجنابة الاغتسال منها؛ فليحفظ (فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة) جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير المرفوع في (أجالسك)، و(أجالسك) في قوة المصدر بـ: (أن) المصدرية، (فقال)؛ بالفاء قبل القاف، وسقطت في كلام أبي هريرة على الأفصح في الجمل المفتتحة بالقول، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ*قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ*قَالَ...﴾ [الشعراء: ١٠ - ١٢] وما بعدها، وأما القول مع ضمير النبيِّ ﷺ؛ فالفاء سببية رابطة فاجتلبت لذلك، ولأبي ذر، وابن عساكر، والأَصيلي قال: أي النبيُّ الأعظم ﷺ: (سبحان الله!) (سبحان) علم للتسبيح؛ كعثمان علم للرجل، وقال الفراء: (منصوب بفعل محذوف لازم الحذف، واستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب، ومعنى التعجب هنا: أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»؛ فافهم، ثم قال: وقال ابن الأنباري: (معناه: سبحتك؛ تنزيهًا لك يا ربنا من الأولاد، والصاحبة، والشركاء؛ أي: نزهناك من ذلك)، وقال القزاز: (معناه: براءة الله تعالى من السوء)، وقال أبو عبيد: (نسبح لك: نحمدك ونصلي لك)، وقال الزمخشري: (سبحت الله وسبحت له وكثرة تسبيحاته وتسابيحه)، وفي «المغيث»: (سبحان الله: قائم مقام الفعل؛ أي: أسبحه وسبحت؛ أي: لَفظتَ بسبحان الله، وقيل: معنى (سبحان الله): أسرع إليه، وألحقه في طاعته من قولهم: فرس سابح، وذكر النضر بن شميل أن معناه: السرعة إلى هذه اللفظة؛ لأنَّ الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله) انتهى كلام «عمدة القاري» ﵁.\n (إن) بكسر الهمزة (المؤمن) وفي رواية: (المسلم) (لا ينجُس)؛ بضمِّ الجيم هو الرواية لا غير، قال ابن سيده: النجَس، والنجُس، والنجس القذر من كل شيء، ورجل\n_________\n(^١) في الأصل: (النخس)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":154},{"text":"نجس، والجمع أنجاس، وقيل: النجس يكون للواحد والجمع والمؤنث بلفظ واحد، فإذا كسروا؛ ثنوا، وجمعوا، وأنثوا، ورجل رجس: نجِس يقولونها؛ بالكسر: لمكان رجس، فإذا أفردوه؛ قالوا: نجس، وفي «الجامع»: أحسب المصدر من قولهم: نجس ينجس نجسًا، والاسم النجاسة، وذكر ابن طريف وغيره: (نجس الشيء ونجس نجاسة ونجسًا، ضد طهر)، وفي «الصحاح»: (نجِس الشيء -بالكسر- ينجس نجسًا؛ فهو نجس ونجس)، وقال ابن عديس: نجِس الرجل ونجس نجاسة ونجوسة؛ بكسر الجيم وضمها؛ إذا تقذر، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وحاصله: أنه يجوز فيه ضم الجيم وفتحها، وفي ماضيه: كسر الجيم وضمها، فمن كسرها في الماضي؛ فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي؛ ضمها في المضارع، وذكره الكرماني أيضًا، وهذا ظاهر في أنه يجوز لغة، ولا يجري في الحديث.\nوزعم العجلوني: أن قول ابن الملقن: (بفتح الجيم وضمها) بناء على أن ماضيه (نجس) بالفتح أو الضم يقتضي جواز الوجهين في الحديث، انتهى.\nقلت: وهو مردود، فإن كلام ابن الملقن مبني على المعنى اللغوي لا على رواية الحديث؛ فهو تفسير له من حيث اللغة، فكيف يقتضي جواز الوجهين في الحديث؟ وما هذا إلا اقتضاء باطل مع أن العجلوني نقل عبارة الكرماني، وقال عقبها: والظاهر عدم جريانه في الحديث، فهذا مناقضة في كلامه ظاهرة، وكأنه جنح له اقتصار ابن الملقن على الوجهين، فظن أنه جائز في الحديث أيضًا، وهو باطل، فأي فرق بين كلام الكرماني وبين كلام ابن الملقن حتى يمنع الأول ويجيز الثاني؟ مع أن الجواز ممنوع في الحديث على أنه لو كان في الحديث رواية أخرى؛ لذكرها أحد شراح «الصحيح»؛ لأنَّ مثل هذا لا يمكن السكوت عنه، وقد راجعت الشراح التي عندي، فلم أرَ من تعرض لذلك، فدل هذا على أن الرواية بضمِّ الجيم فقط؛ فافهم، والله أعلم.\nقال صاحب «عمدة القاري»: مطابقة هذا الحديث لإحدى ترجمتي الباب ظاهرة، وهي الترجمة الثانية، وقد عقد الباب له أن المؤمن لا ينجس، وأنه طاهر سواء كان جنبًا أو محدثًا، حيًّا أو ميتًا، وكذا سؤره، وعرقه، ولعابه، ودمعه، وكذا الكافر في هذه الأحكام سواء كان كتابيًّا أو حربيًّا، وسواء كان الشخص حائضًا أو نفساء، وذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس تعليقًا: «المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا»، ووصله الحاكم في «المستدرك» عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا»، قال: صحيح على شرطهما، ولم يخرِّجاه، وهو أصل في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، أما الحي؛ فبالإجماع حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها؛ فإنها طاهرة؛ لهذا الحديث، وهو حجة على من زعم نجاستها، وأما الكافر؛ فحكمه كذلك على ما يأتي، وفي «صحيح ابن خزيمة» عن القاسم بن محمَّد قال: سألت عائشة ﵂ عن الرجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه أينجس ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأة تعد الخرقة أو خرقًا، فإذا كان ذلك؛ مسح بها الرجل الأذى عنه ولم تر أن ذلك ينجسه، وفي لفظ: (ثم صليا في ثوبهما)، وروى الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل، عن أم القلوص الناصرية، عن عائشة قالت: (كان النبيُّ ﷺ لا يرى على البدن جنابة، ولا على الأرض جنابة، ولا يجنب الرجلُ الرجل)، وقال البغوي: (معنى قول ابن عباس: «أربع لا يجنبن؛ الإنسان، والثوب، والماء، والأرض»؛ يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب يده فيه)، وقال ابن المُنْذِر: (أجمع أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعائشة ﵃ أنهم قالوا ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما) انتهى.\nقلت: ولا يلزم من عدم حفظه عدم وجود قول يخالفهما على أنه قال القرطبي في «شرح مسلم»: (الكافر نجس عند الشافعي)، قال العجلوني: (وهو غريب).\nقلت: لا غرابة فيه، فقد قال ابن الملقن والنووي: (وأما الميت؛ فالأصح طهارته في أحد قولي الشافعي).\nقلت: ومعلوم أن خلاف الأصح الصحيح، فثبت أن للشافعي قولين مصححين؛ فافهم.\nووجه نجاسته أنه حيوان دموي ينجس بالموت؛ فافهم.\nوزعم العجلوني في بيان قول ابن المُنْذِر: (ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولها)، قال: (يعني: فيكون عرق الجنب طاهرًا أيضًا عند غيرهما؛ كمالك، وأحمد، والثوري).\nقلت: وقد قال القاضي عياض: (وأما الميت؛ ففيه قولان، والأصح الطهارة، ونقل ابن التين عن «المدونة»: أن المريض إذا صلى لا يستند لحائض ولا جنب، وأجازه أشهب)، وقال أبو محمَّد: لا تكاد تسلم من النجاسة، وقال غيره: لأجل أعيانهما لا لثيابهما) انتهى.\nقلت: فهذا صريح في أن مذهب مالك فيه خلاف في طهارة عرق الجنب والحائض، وزعم العجلوني أن ما قاله في «المدونة» مبني على الاحتياط.\nقلت: وهو ممنوع، فإن قوله: (لا يستند إلى حائض ولا لجنب)، وقول الشارح: (لأجل أعيانهما لا لثيابهما) دليل على النجاسة، كما هو ظاهر، فالحق وجود الخلاف، فمن أين للعجلوني أن ينفي الخلاف، وما هو إلا قول باطل؟! فليحفظ.\nوقال ابن المُنْذِر: عرق اليهودي، والنصراني، والمجوسي طاهر عندي، وقال ابن حزم وغيره من الظاهرية: أن عرق المشركين نجس وهو أحد قولي الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبمفهوم حديث الباب، وادَّعوا أن الكافر نجس العين، وهذا مردود، وأجاب الجمهور عنه: أنهم نجسو الأفعالِ لا الأعضاء، أو أنهم نجسو الاعتقادِ؛ لأنَّهم لا يتحفظون من النجاسة غالبًا، وأن المراد بالمؤمن أنه طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عنها، ويوضح هذا أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك لا يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلِمَة، فدل هذا على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين؛ إذ لا فرق بين الرجال والنساء، وهذا يردُّ ما تقدم عن «المدونة» وغيرها، وإذا ثبت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا؛ فعرقه ولعابه طاهران سواء كان جنبًا، أو محدثًا، أو حائضًا، أو نفساء، وإنما خص المؤمن بالذكر في الحديث؛ لشرفه ولمطابقة السؤال في الحديث.\nوقال صاحب «عمدة القاري»: (فإن قلت: على ما ذكرت أن المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا ينبغي ألَّا يغسل الميت؛ لأنَّه طاهر؟\nقلت: اختلف العلماء من أصحابنا في وجوب غسل الميت، فقيل: إنَّما وجب بحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته، فإن الآدمي لا ينجس بالموت؛ لكرامته، إذ لو تنجس؛ لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات، وكان الواجب الاقتصار على أعضاء الوضوء، كما في حال الحياة، لكن ذلك إنَّما كان نفيًا للحرج فيما يتكرر كل يوم، والحدث بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة لا يكتفي فيها بغسل الأعضاء الأربعة، بل يبقى على الأصل وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج، فكذا هنا.\nوقال العراقيون: يجب غسله؛ لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث؛ لأنَّ للآدمي دمًا سائلًا، فيتنجس بالموت قياسًا على غيره من الحيوانات، ألا ترى أنه لو مات في البئر؛ نجسها، ولو حمله المصلي؛ لم تجز صلاته، ولو لم يكن نجسًا؛ لجازت، كما لو حمل محدثًا) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم: (أن الفرعين مبني على مذهبهم؛ أي: الأئمَّة الحنفية وإنه لا يقول بنجس البئر إذا مات فيها؛ لطهارته، وأما في حمل المصلي له؛ فنقول به؛ لما في جوفه من النجاسة مع أنه ميت، بخلاف","vol":"1","page":154},{"text":"الحي إذا لم يكن مستجمرًا بالأحجار) انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإن قوله: (لا تقول بنجاسة البئر) ممنوع؛ فإن ابن عباس، وابن الزبير، وغيرهما أفتوا بنزح الماء الذي في بئر زمزم حين وقع فيه زنجي ومات، كما هو مبسوط في محله، وليس هذا إلا لنجاسته بالموت؛ إذ لو خرج حيًّا؛ لم ينزح الماء.\nوقوله: (وأما في حمل المصلي...) إلخ هذا كلام متناقض؛ فافهم؛ لما وافقوه (^١) في عدم صحة صلاة حامله؛ يلزمهم القول بنجاسته، وتعليلهم بأنه (لما في جوفه) متناقض؛ لأنَّ الحي كذلك ممتلئ جوفه من النجاسة؛ فيلزم على قولهم: إن الحي لا تجوز صلاة حامله وهو ممنوع بالإجماع.\nوقوله: (بخلاف الحي...) إلخ هذا تناقض؛ لأنَّ قوله: (لما في جوفه) كذلك الحي، فإن جوفه مملوء، ألا ترى أن الشافعي قال: (إن الميت نجس، وما ذاك إلا لتنجسه بالموت)، وإن كان له قولًا بالطهارة؛ فقد وافق أهل العراق وهو منقول عن مالك أيضًا، كما قدمناه.\nوقوله: (إذا لم يكن...) إلخ؛ يعني: إذا كان الحي مستجمرًا بالأحجار وحمله آخر وصلى به؛ فصلاته صحيحة.\nقلت: وفيه أن الحجر غير مزيل للنجاسة، بل تبقى عينها بعد الاستجمار، بخلاف الماء، ألا ترى أنه لو وقع في الماء القليل؛ فإنه ينجسه، وما هذا [إلا من] التناقض، فحفظت شيئًا وغابت عنك أشياء؛ فافهم.\nونقل ابن العربي الإجماع على طهارة الشهيد بعد الموت، والأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم) انتهى.\nقلت: ولهذا يعفى عن دم الشهيد ما دام عليه، ولو وقع الشهيد في الماء القليل؛ لا يفسده إلا إذا سال منه الدم؛ فافهم.\nوأما مدمن شرب الخمر؛ فالصحيح في مذهب الإمام الأعظم أن عرقه طاهر، وقيل: إنه نجس؛ لأنَّه لما صار الخمر عادة له ويتغذى منه؛ كالماء؛ كان عرقه نجسًا، والصحيح الأول؛ فليحفظ.\nوقال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث استحباب احترام أهل الفضل وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فيكون على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله عند مجالسة شيخه، فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعوث المأمور بإزالتها؛ نحو: قص الشارب، وقلم الأظفار، وإزالة الروائح المكروهة، وغير ذلك، وفيه: التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه).\nوقال: (وفيه: من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب؛ سأله عنه، وقال له صوابه، وبين له حكمه).\nقال: (وفيه: جواز انصراف الجنب في حوائجه قبل الاغتسال ما لم يفته وقت الصَّلاة).\nوقال: (وفيه: أن النجاسة إذا لم تكن عينًا في الأجسام لا يضرها، فإن المؤمن طاهر الأعضاء، فإن شأنه المحافظة والنظافة) انتهى.\nوزعم ابن حجرأن في الحديث: استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه.\nورده صاحب «عمدة القاري»: (بأن هذا بعيد؛ لأنَّ الحديث المذكور لا يفهم منه ذلك لا من عبارته، ولا من إشارته، ولا في التابع والمتبوع؛ لأنَّ أبا هريرة لم يكن في تلك الحالة تابعًا للنبيِّ ﷺ في مشيه، وإنما لقيه النبيُّ ﷺ في بعض طرق المدينة، كما هو نص الحديث) انتهى.\nواعترضه ابن حجر في «الانتقاض»، فزعم أن ذلك مبلغهم من العلم، أما توجيه الدعوى؛ فإنها مأخوذة من قوله: «أين كنت؟»؛ لأنَّه لما لقيه؛ ماشاه، كما في رواية الباب الذي يليه: (ثم انخنس فتفقده، فلما رجع إليه؛ قال له: «أين كنت؟»)، فلو كان استأذنه في التوجه للاغتسال؛ لم ينكر عليه، فيؤخذ منه استحباب الاستئذان، وإنكار كون أبي هريرة تابعًا والنبيُّ [ﷺ] متبوعًا معاندة، لا سيما وقد وقع في رواية الباب الذي بعده: (فمشيت معه)، ومن العجب أن المعترض غفل عن اعتراضه هذا فقال: من حسن الأدب مع من مشى مع رئيسه ألا ينصرف عنه، ولا يفارقه حتى يعلمه بذلك؛ لقوله لأبي هريرة: «أين كنت؟»، فدل على استحباب ألَّا يفارقه حتى يعلمه؛ فانظر وتعجب) انتهى.\nقلت: ويناسب القول هنا وهو زاد في الطنبور نغمة: حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء؛ فإن قوله: (أما توجيه الدعوى...) إلخ فاسد غير ظاهر؛ لأنَّ هذا الباب ليس له تعلق في الباب الذي بعده، وقد ظهر التفاوت والاختلاف بينهما لمن له أدنى ذوق في العلم في رجاله، ومتنه، وألفاظه، كما لا يخفى على من له أدنى فطنة، فأين يؤخذ الاستنباط في باب من باب آخر؟ ويستدل لباب من باب آخر، أما علمت أن كل باب مترجم بترجمة خاصة به، وأحاديثه خاصة به أيضًا، فكيف يسمع هذا الكلام؟ وما هو إلا معارضة ومكابرة بالمحسوس على أن قوله مأخوذ (^٢) من قوله: «أين كنت؟ ... إلخ» فاسد أيضًا، فإنه لا يفهم هذا منه؛ لأنَّ غايته السؤال عن حاله في أي مصلحة كان، فهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، وما هو إلا رجم بالغيب.\nوقوله: (فتفقده) هذا ليس موجودًا في هذا الباب ولا في الباب الذي بعده عند جميع الرواة، فمن أين جاء به؟ فهو محض افتراء وكذب مختلق مصنوع، وقد زعم الشافعية أنه حافظ والحافظ هو المتقن وهو الذي يضبط ألفاظ الرواة، فزيادته لفظة: (فتفقده) لم توجد عند الرواة في البابين، فمن أين له هذه اللفظة؟ وهذا يدل على عدم حفظه وإتقانه، وأنه كآحاد الناس؛ فافهم ذلك.\nوقوله: (فلما رجع إليه...) إلخ هذا ترويج لكلامه وهو لا يفيد ما زعمه، كما لا يخفى.\nوقوله: (فلو كان استئذانه...) إلخ ممنوع؛ فإنه لم يحصل منه ذلك أصلًا لا قولًا، ولا فعلًا، ولا دلالة، فمن أين يؤخذ منه استحباب الاستئذان؟ وما هو إلا مأخذ أوهى من بيت العنكبوت، وباطل لا دليل عليه.\nوقوله: (وإنكار كون أبي هريرة...) إلخ فاسد ومحض افتراء؛ لأنَّ رواية الباب الذي بعده لا تدل عليه؛ لما علمت أن هذا الباب والباب الذي بعده لا تعلق لأحدهما في الآخر؛ لأنَّ ما ذكر في هذا الباب قصة واحدة، وكذلك ما ذكر في الباب الذي بعده قصة واحدة، لا تعلق لأحدهما في الأخرى، فكيف يستدل على هذا بما في الباب الذي بعده؟ وما هو إلا استدلال فاسد، ومكابرة ظاهرة، ومعاندة، وتعصب، وشدة بني إسرائيل.\nوقوله: (لا سيما...) إلخ هذا غاية دليله ولا يخفى فساده؛ لأنَّه لا يدل على ما زعمه هذا القائل الذي قال ولا يدري ما يقول.\nوقوله: (وهذا المعترض...) إلخ هذا يقال له: مبين الحق لأهل الغفلة والعناد وهو لم يغفل أصلًا، بل الغافل المخطئ هذا القائل؛ فإن في الباب الذي بعد هذا الباب يدل صريحًا لما قاله إمام الشارحين: (أن من حسن الأدب...) إلخ؛ لقول أبي هريرة في الباب الآتي: (فأخذ بيدي، ومشيت معه حتى قعد فانسللت منه...) إلى أن قال: (ثم جئت وهو قاعد، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟»)؛ يعني: لمَ (^٣) ذهبت ولمْ تعلمني بذهابك؟ فهو يدل صريحًا على أنه ﵇ استحب ألا يفارقه حتى ينصرف معه، كما لا يخفى وقد خفي هذا على المتعنت، فمنعه واعترض ولا يخفى أن اعتراضه مردود عليه؛ فإنه لم يفهم ما تضمنه قصة هذا الباب ولا ما تضمنه القصة في الباب بعده، فخلط هذه القصة في القصة الآتية.\nوقوله: (فانظر وتعجب) لا نظر ولا تعجب في هذا؛ لأنَّه قد استدل بدليل صريح يفهمه من له أدنى ذوق في العلم، وإنما النظر والتعجب في كلام هذا القائل حيث ركب فيه متن عَمياء، وخبط خبط عشواء وقال ولا يدري ما يقول، فهذا كلام ابن حجر رئيس الشافعية، وقرَّ أن خراب الدنيا إذا مُثِّل هذا رئيس؛ فافهم.\nوزعم العجلوني فقال: ظن صاحب «عمدة القاري» أن الآتي في الباب الثاني قصة أخرى؛ لأنَّه ماشاه فيها، وأما هنا؛ فقال: (لقيه) ولم يقل: ماشاه، فلذا أبدى ما أبداه في الثاني وإن كان تابعًا للكرماني في ذلك، وأما هنا؛ فاعترض على من أبدى، والظاهر: كما يفهم من ابن حجر أنها قصة، وأنه هنا ماشاه أيضًا لما لقيه وانخنس عنه حين قعد مستخفيًا؛ فتأمل.\nقلت: كل الديوك ادكدكت ما بقي إلا أبا أنبرة، فهذا كلام فاسد؛ لأنَّ قوله: (ظن...) إلخ هذا ليس بظن؛ لأنَّه يحتمل الأمرين، بل هو حق ويقين؛ فإن الذي في الباب الآتي قصة أخرى بدليل اختلاف الرجال، والمتن، والألفاظ، وهو دليل على اختلاف القصة، كما لا يخفى.\nوقوله: (فلذا أبدى...) إلخ الحق أن هذا\n_________\n(^١) في الأصل: (واقفون)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (مأخوذة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (لما)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":155},{"text":"يفهم من الثاني لا من الأول؛ لاختلاف الألفاظ بينهما، وكل لفظ يدل على استنباط على حدة لا تعلق له بغيره لا كما زعمه ابن حجر، فإنه غير مصيب، كما لا يخفى.\nوقوله: (وإن كان تابعًا...) إلخ ليس يفهم منه أنه تابعه؛ لأنَّه لم يتعرض له بشيء، بل ذكر هذا من فهمه وحذاقته؛ فليس فيه ما يدل على أنه تابع له.\nوقوله: (وأما هنا...) إلخ؛ فإنه لما لم يكن في حديث الباب هنا من كونه ماشاه، بل فيه: (لقيه) وهو لا يدل على المماشاة؛ لأنَّ اللقي الاجتماع بالشخص فقط من غير مماشاة ولا غيرها، كما دل على ذلك كلام أهل اللغة، فاعتراضه عليه متوجه صواب، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوقوله: (والظاهر...) إلخ ممنوع؛ فإن حق الظاهر أن يظهر من لفظ الحديث لا من كلام هذا القائل؛ لأنَّه يقرر ويتكلم على حسب مراده وهو غير مصيب؛ فلا يعتمد عليه؛ لوقوع الخلل فيه على أنه لا يفهم هذا الظاهر من كلامه، بل إنه لما اضمحل كلامه؛ استند إلى رواية الباب الآتي وهي لا تفيده شيئًا؛ لأنَّ بينهما فرقًا بيِّنًا فهذا الظاهر غير ظاهر، بل مبني على ما فهمه وهو فهم سقيم، على أن الحق الذي هو أحق أن يتبع: أن ما ذكر في هذا الباب قصة غير القصة التي ذكرت في الباب الآتي، فهما قصتان مختلفتان رجالًا، ومتنًا، وألفاظًا، وغير ذلك.\nوقوله: (وأنه هنا ماشاه أيضًا...) إلخ ممنوع؛ فإنه لم يذكر في الحديث هنا أنه ماشاه لما لقيه، ولا انخنس عنه حين قعد، فإن ذلك كله غير مذكور هنا ولا يفهم منه لا قولًا، ولا فعلًا، ولا إشارةً، ولا دلالةً، وغاية: ما فيه أنه لقيه في الطريق وانخنس عنه فيه، وهذا ظاهر في عدم دلالته على ما زعمه هذا القائل، وليس فيه أنه قعد مستخفيًا، ولا ما يدل على ما زعمه هذا الزاعم، فكيف يثبت شيئًا في الحديث وهو غير مذكور فيه؟ وما هو إلا افتراء وجراءة، وكيف يجعلهما قصة واحدة؟ وما هي إلا دعوى باطلة لا دليل عليها، فقد زاد في الطنبور نغمة هذا القائل وحذا حذو ابن حجر في التعصب، والتعنت، والمكابرة الظاهرة، والعناد، ومن دق الباب؛ سمع الجواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أنه بوَّب على استحباب استئذان التابع ابنُ حبان، وفيه الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال؛ أن ماء البئر ينجس.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا الرد مردود حينئذٍ؛ لأنَّ الحديث لا يدل عليه أصلًا، والحديث يدل بعبارته أن الجنب ليس بنجس في ذاته، ولم يتعرض إلى طهارة غسالته إذا نوى الاغتسال) انتهى.\nفكيف قال ابن حجر ما قال؟ ولا يلزم من تبويب ابن حبان أنه يستفاد من الحديث هنا؛ فانظر وتعجب من هذه المحاولة والمكابرة، حيث إنه يستدل من كتاب على كتاب آخر من غير تدبر ولا فهم، ودأبه الخلط والخبط، ومن دق الباب؛ سمع الجواب.\nقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (وفي الحديث: ائتلاف قلوب المؤمنين، ومواساة الفقراء، والتواضع لله تعالى، واتباع أمر الله تعالى؛ حيث قال جل ذكره: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]) انتهى.\nواعترضه العجلوني فقال: ما قاله من ائتلاف قلوب المؤمنين والتواضع لله تعالى؛ مسلَّم؛ لقوله له: «أين كنت؟»، وأما قوله: (ومواساة الفقراء، واتباع أمر الله)؛ فأخذهما منه غير ظاهر؛ لأنَّه ليس فيه أنه أعطاه شيئًا واساه به، ولا أنه أتاه فلم يطرده، بل فيه أنه عاتبه على الذهاب، إلا أن يراد بالمواساة ولو في الآنة القول والتفقد وباتباع الله تعالى؛ إذ لازم للنهي المذكور) انتهى.\nقلت: قوله: (مسلم؛ لقوله له: «أين كنت؟»)، وأيضًا لقوله: (لقيه)؛ ومعنى اللقي: الاجتماع، ومن لازم الاجتماع السلامُ، والتحية، وتطييب القلوب.\nوقوله: (وأما قوله...) إلخ؛ فإنه مأخوذ من قوله: (لقيه)، ويلزم من اللقي -وهو الاجتماع- المواساة بالأقوال، ولا ريب أن السلام والسؤال عن الحال حال الاجتماع فيه مواساة ظاهرة، كما لا يخفى، وفيه أيضًا اتباع أمر الله ﷿ حيث إنه حين جاء إليه لم يطرده، بل فرح به وواساه بقوله: «أين كنت؟».\nوقوله: (فأخذهما منه غير ظاهر) ممنوع؛ لأنَّ أخذهما ظاهر كما علمت وهو غير خفي على من له أدنى ذوق في العلم.\nوقوله: (لأنَّه ليس فيه أنه أعطاه شيئًا...) إلخ ممنوع أيضًا؛ فإن المواساة كما تكون بالفعل تكون بالقول، بل القول أبلغ وأطيب للنفس، على أنه ﵇ لم يكن يحب الدنيا ولا أصحابُه الكرام، بل كانوا مقبلين على الآخرة، فالمواساة بالقول عندهم وغيرهم ممن أقبل على الآخرة أولى، وأحسن، وأطيب للخواطر، وهذا القائل كان يتبع المشايخ الذين يفعلون التهاليل المنكرة التي لا تخلو عن دخول بيوت الأيتام، والقعود على ثيابهم، والشراب من مائهم، وأخذ الدراهم من أموالهم؛ فلهذا نبه بالمواساة بإعطاء شيء من الدنيا ولم يعلم أنها فانية وحبها رأس كل خطيئة.\nوقوله: (ولا فيه أنه أتاه، فلم يطرده) ممنوع؛ فإن قوله في الحديث: (ثم جاء فقال: «أين كنت؟») دليل ظاهر على أنه أتاه فلم يطرده؛ لأنَّ المجيء هو الإتيان، كما لا يخفى على أهل البيان، وفيه الاتباع لأمر الله ﷿ كما في الآية، فكيف يقول هذا القائل: (ولا فيه...) إلخ وما هو إلا مكابرة ظاهرة وتعنت وعناد.\nوقوله: (بل فيه أنه عاتبه على الذهاب) ممنوع، بل فيه أنه واساه بالقول وهو أبلغ من الفعل في قوله: (لقيه)، وفي قوله: (ثم جاء، فلم يطرده)، وغير ذلك.\nوقوله: (إلا أن يراد...) إلخ هذه مناقضة لكلامه؛ حيث نفى في أول كلامه، ثم أثبت هنا المواساة بالقول والتفقد والاتباع لله ﷿ في الآية؛ لأنَّها نهي، فالنبيُّ الأعظم ﷺ فعل كما أمره ربه ﷿، مع أنه على خلق عظيم، لطيف بأصحابه، رقيق القلب بهم، رحيم بهم ﷺ، اللهم؛ عطف قلبه علينا، واحشرنا تحت لوائه يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٤٨٦\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-486>[باب الجنب يخرج ويمشى في السوق وغيره]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين ويجوز تركه وإضافته إلى ما بعده، لكن يحتاج حينئذٍ إلى أن يقدر الجواب؛ نحو أن يقول له ذلك أو يجوز ذلك ونحوهما، وعند الانفصال لا يحتاج إلى ذلك، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»\nقلت: والوجهان مبنيان على الرفع أو الجر في قوله: (الجنب) ومثله الحائض، والنفساء (يخرج)؛ أي: من بيته (ويمشي)؛ بالواو عطف على قوله: (يخرج)، وفي بعض النسخ: (يخرج يمشي)؛ بدون واو العطف، فإن صحت هذه الرواية؛ يكون (يمشي) في موضع النصب على الحال المقدرة، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوزعم العجلوني فقال: (المناسب جعله خبر الجنب بعد خبر، على حد زيد عالم تاجر) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع؛ فإن المناسب للمقام هو الأول وهو الأظهر؛ لأنَّ الخروج والمشي صفتان كل منهما غير لازمة، بخلاف زيد عالم تاجر، فإن العلم والتجارة كل منهما صفة لازمة له، فما قاله في «عمدة القاري»؛ هو الحق، وما زعمه العجلوني؛ باطل؛ فافهم.\n (في السوق وغيره)؛ بالجر عطف على قوله: (في السوق)، والضمير فيه عائد إليه؛ والمراد به: البيت، وكذا الصحراء والبستان؛ يعني: يخرج من بيته إلى السوق إلى الصحراء إلى البستان، وغير ذلك، وزعم ابن حجر أنه يحتمل الرفع عطفًا على (يخرج) من جهة المعنى.\nقال صاحب «عمدة القاري»: أخذ كلامه هذا القائل من كلام الكرماني؛ فإنه قال: يحتمل رفعه بأن يراد نحو: يأكل وينام عطف على (يخرج) من جهة المعنى، انتهى.\nقال: (قلت: وفيه تعسف لا يخفى) انتهى كلامه.\nوتبعه البرماوي حيث قال: (وفيه تكلفٌ بلا ضرورة) انتهى.\nوزعم العجلوني أن الظاهر أن الكرماني -وتبعه ابن حجر- أراد أن (غيره) معطوف عطف مفردات على ما قبله؛ لأنَّ المراد بـ (غيره): يأكل، وينام، ونحو ذلك، والضمير على الرفع عائد على (يخرج ويمشي)؛ فحقه التثنية، لكنه أفرده؛ نظرًا لتأويلهما بالمذكور، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ وضميره عائد على الجنب، والمراد بـ (غيره): الحائض","vol":"1","page":155},{"text":"والنفساء، والخبر محذوف يقدَّر بـ (كذلك)؛ فكأنه قال: الجنب يخرج، ويمشي، ويأكل، وينام مثلًا؛ لأنَّ غيره في معنى: مغايرة لا كما قاله البرماوي، وإن كان في الآخر تعسف) انتهى.\nقلت: وهذا ممنوع؛ فإن قوله: (والظاهر...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ المراد بـ (غيره): هو الخروج من منزله إلى منزل آخر والمشي من السوق إلى الصحراء وإلى البساتين، وغير ذلك.\nوقوله: (والضمير على الرفع...) إلخ، ويلزم على ما قاله هذا القائل أن يكون الضمير بلفظ المثنى؛ لأنَّ حقه التثنية.\nوقوله: (لكنه أفرده...) إلخ غير صحيح، كما لا يخفى؛ لأنَّه إذا وجد التأويل وعدمه؛ فعدمه أولى؛ فافهم.\nوقوله: (ويجوز رفعه...) إلخ فيه نظر؛ لأنَّ كلًّا من الحائض والنفساء ممنوعة من الخروج والمشي في الأسواق؛ لأنَّهن مأمورات بالقرار في البيوت؛ فهو غير ظاهر فيهما؛ لأنَّ (غيره) في معنى: مغايرة، كما قال والمغايرة بين الجنب والحائض، والنفساء ظاهرة؛ لأنَّ الجنب له الخروج... إلخ، وأما الحائض والنفساء؛ فإنها ليس لها ذلك، بل لهما الأكل والنوم؛ فهما من هذه الحيثية يطلق عليهما ذلك.\nوقوله: (لا) كما قاله البرماوي؛ غير صحيح، فأي تكلف أبلغ من هذا؟\nوقوله: (وإن كان في الآخر...) إلخ قد علمت ما فيه، والحق أن لفظ (غيرِه) بالجر عطف على (السوق)، وضميره يعود عليه والمراد به: الصحراء، والبساتين، والبيوت، وغيرها؛ فافهم، والله أعلم.\nوأشار الإمام المؤلف في هذه الترجمة إلى رد من منع هذه الأفعال من الجنب قبل أن يغتسل أو يتوضأ، وإن ذلك جائز وهو قول عامة الفقهاء، ولا خلاف في ذلك إلا ما حكاه ابن أبي شيبة عن علي، وعائشة، وابن عمر، وأبيه، وشداد بن أوس، وابن المسيب، ومُجَاهِد، وابن سيرين، والزُّهري، ومحمَّد بن علي، والنخعي، زاد البيهقي: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعطاء، والحسن أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يأكلون ولا يخرجون حتى يتوضؤوا، كما نقله صاحب «عمدة القاري»، وليس هذا على سبيل الوجوب، بل على سبيل الندب والاستحباب، كما صرح به عنهم؛ فليحفظ.\n (وقال عطاء) بالمد هو ابن أبي رباح (يحتجم الجنب) ومثله: الفصد والعلق (ويقلم)؛ أي: يقص (أظفاره) وهو جنب في يوم الجمعة، أو الخميس، أو الاثنين، ولا يقصها في السبت؛ لأنَّه يورث الأكلة، وفي الأحد يذهب البركة، ولا في الثلاثاء؛ لأنَّه يورث الهلكة، ولا في الأربعاء؛ لأنَّه يورث سوء الخلق، أما في الاثنين؛ فإنه يورث العز والجاه، وفي الخميس؛ فإنه يورث الغنى، وفي الجمعة يورث العلم والحكم، كما جاء ذلك عن علي الصدِّيق الأصغر ابن أبي طالب ﵁، (ويحلق رأسه) وهو جنب، ومثله قص الشارب، ونتف الإبط، وتقصير اللحية إلى القبضة (وإن لم يتوضأ)، فكونه قبل الاغتسال أولى.\nقال في «عمدة القاري»: مطابقة هذا الأثر للترجمة في قوله: (وغيره) بالرفع ظاهرة، وأما الجر الذي هو الأظهر؛ فلا تكون المطابقة إلا من جهة المعنى؛ وهو أن الجنب إذا جاز له الخروج من بيته والمشي في السوق وغيره؛ جاز له كذلك الأفعال المذكورة في الأثر المذكور، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج عنه، وزاد فيه: (ويطلى بالنورة) انتهى.\nقلت: ومثله الحلق، كما هو المسنون، وكذا حلق شعر الصدر والرجلين وغيرها؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٨٧\"> </span>[حديث: أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة]\n٢٨٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الأعلى بن حمَّاد) وسقط (ابن حمَّاد) للأَصيلي (قال: حدثنا يزيد بن زُريع)؛ بضمِّ الزاي المعجمة، تصغير زرع (قال: حدثنا سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة، هو ابن أبي عَروبة، وقال الغساني: وفي نسخة الأَصيلي بدل (سَعِيْد) لفظ (شعبة)؛ أي: ابن الحجاج وليس صوابًا)، قاله صاحب «عمدة القاري».\nقلت: وأجمع الشراح إلى أن هذه النسخة خطأ غير صواب، والظاهر: أنها تحريف من الناسخ الأول؛ فافهم.\n (عن قتادة) هو ابن دعامة المفسر: (أن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه (حدثهم)؛ أي: قتادة ومن معه، وفي رواية: (حدثه)؛ أي: قتادة وحده: (أن النبيَّ) ولكريمة: (أن نبي الله) (ﷺ كان يطوف)؛ أي: يدور (على نسائه)؛ أي: في غسل واحد، وهو كناية عن الجماع، والمراد بالطواف: المشي من بيت واحدة إلى بيت أخرى (في الليلة الواحدة) وسبق في باب: إذا جامع ثم عاد في الساعة الواحدة من الليل والنهار (وله يؤمئذٍ)؛ أي: وله ﵇ حينئذٍ؛ لأنَّه ليس ذلك في يوم معين، فالمراد باليوم: الوقت؛ فافهم، ولفظة (كان) تدل على التكرار والاستمرار (تسع نسوة) زوجات ومارية، وريحانة، فصرن إحدى عشرة، وبه يجمع بين ما هنا وبين ما هناك وهن إحدى عشرة، وأطلق عليهن نساء تغليبًا، ويحتمل أنه يحمل على اختلاف الأوقات؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: ومطابقة الحديث للترجمة تفهم من قوله: (كان يطوف على نسائه)، وذلك أن نساءه كان لهنَّ حُجَر متقاربة؛ فبالضرورة كان ﵇ إذا أراد الطواف عليهن؛ يحتاج إلى المشي من حجرة إلى حجرة قبل الغسل، والخروج أيضًا منها إلى السوق وإلى غيره.\nوزعم ابن حجر أن السوق يؤخذ من الحديث الآتي، فقال: لكن في غير السوق.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: المشي أعم من أن يكون من بيت إلى بيت، ومن بيت إلى سوق وإلى غيره) انتهى.\nقلت: ويدل لهذا أنه ﵇ أمر بسد أبواب الحُجَر من المسجد، كما ورد ذلك فيما سبق، وعلى هذا إن أبواب الحُجَر كانت من السوق، فلا بد وأن يمشي ﵇ في السوق، وحديث أبي هريرة وإن كانت مطابقته للترجمة ظاهرة، كذلك مطابقة هذا الحديث على الترجمة ظاهرة أيضًا؛ فلا يلزم العناد والشدة من أن السوق يؤخذ من حديث أبي هريرة؛ فإن دلالته هنا ظاهرة، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أن إيراد حديث أنس في هذا الباب يقوي رواية: (وغيرِه)؛ بالجر، وعليه؛ فمناسبة إيراد أثر عطاء من جهة الاشتراك في جواز تشاغل الجنب بغير الغسل، وحديث أنس يقوي أثر عطاء؛ لأنَّه لم يذكر فيه أنه توضأ؛ فكأن المصنف أورده؛ ليستدل له لا ليستدل به.\nقلت: وهو غير ظاهر وفيه نظر؛ لأنَّ قوله: (إيراد حديث أنس...) إلخ، ويلزم عليه أنه إذا علم أن رواية الجر أقوى، كيف عدل عنها إلى رواية الرفع الضعيفة؟! على أنه ليس في الحديث تقوية، كما زعمه هذا القائل؛ لأنَّ الحديث يدل على أنه ﵇ كان يخرج ويمشي من حجرة إلى أخرى، ومنها إلى السوق، فهو مطابق للترجمة، وليس فيه ما يقيد الغيرية من أكل، وشرب، ونوم؛ لأنَّه ليس في الحديث ما يدل على هذا.\nوقوله: (وعليه؛ فمناسبة...) إلخ غير ظاهر، وإنما الظاهر أن مناسبة إيراد أثر عطاء من حيث إن الحجامة، وقلم الأظفار، وحلق الرأس إنَّما يفعلها الحجام في حانوته؛ فيحتاج الجنب ضرورة إلى الخروج من بيته والمشي في السوق حتى يصل إلى حانوت الحجام، وزاد قوله: (وغيره) إلى أنه يمشي في السوق والزقاق، وأنه يشرب في حال مشيه ويكلم الناس، فمطابقة الأثر للترجمة ظاهرة.\nوقوله: (وحديث أنس يقوي أثر عطاء) ممنوع؛ لأنَّ أثر عطاء مطابقته ظاهرة، وكذا مناسبته والحديث غاية ما فيه أنه ﵇ كان يطوف على نسائه، وهذا لا يعد شاغلًا بين الجنابة والغسل؛ لأنَّه إذا وطئ، ثم عاد وهكذا؛ فكأنه وطئ مرة؛ بدليل أنه لا يجب عليه إلا غسل واحد، وليس فيه تشاغل بغير الجماع، فكيف يقال: إنه يقوي أثر عطاء؟! وما هو إلا كلام غير ظاهر.\nوقوله: (لأنَّه لم يذكر فيه أنه توضأ) غير ظاهر أيضًا؛ لأنَّ كونه لم يتوضأ قد ذكر في أثر عطاء؛ فهو يقوي الحديث من حيث إنه لم يذكر فيه الوضوء، كما لا يخفى.\nفإنه لولا الأثر؛ لاحتمل أن في الحديث أنه توضأ، فكأن الأثر ذكر؛ لأجل بيان الحديث في ذلك.\nوقوله: (فكأن...) إلخ ممنوع؛ فإن مراد المؤلف بإيراد الأثر: بيان الحديث","vol":"1","page":156},{"text":"المذكور والاستدلال بالأثر على مفهوم الحديث؛ لأنَّ الحديث مطلق والأثر مقيد، فالحديث قد اكتسب بيانًا من الأثر؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-488>[حديث: سبحان الله يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس]</span>\n٢٨٥ - وبه قال: (حدثنا عياش)؛ بفتح العين المهملة، وتشديد التحتية، آخره شين معجمة، هو ابن الوليد البصري الرقَّام، وهو ابن عبد الأعلى بن حمَّاد، مات سنة ست وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عبد الأعلى) هو ابن عبد الأعلى السامي؛ بالسين المهملة (قال: حدثنا حُميد)؛ بضمِّ الحاء المهملة؛ مصغرًا، المعروف بالطويل، (عن بَكْر)؛ بفتح الموحدة، وسكون الكاف؛ مكبرًا، هو المزني، (عن أبي رافع) هو نُفيع؛ بضمِّ النون، آخره عين مهملة، (عن أبي هريرة)؛ هو عبد الرحمن بن صخر ﵁ (قال: لقيني رسول الله ﷺ)؛ أي: اجتمعنا؛ لأنَّ اللقي: الاجتماع فقط، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا (^١) غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]، (وأنا جنب): جملة اسمية محلها النصب على الحال، (فأخذ بيدي)؛ بالإفراد؛ أي: قبض عليها بيده الشريفة، وفي بعض الأصول: (طريق المدينة) (حتى قعد)؛ أي: حتى وصل دار أحد أصحابه أو غيرها وجلس فيه، (فانْسلَلت)؛ بسكون النون، بعدها مهملة، ثم لامين، أولاهما مفتوحة؛ أي: خرجت، يقال: انسل من بينهم؛ أي: خرج في خفية وتستر (منه)؛ أي: من مجلس النبيِّ الأعظم ﷺ، أو من النبيِّ نفسه ﵇، والأول أظهر، وسقط لفظ: (منه) في رواية، (فأتيت)؛ بـ (الفاء)، وفي رواية: بـ (الواو) (الرحْل)؛ بسكون الحاء المهملة، وهو منزله ومكانه الذي يأوي إليه، (فاغتسلت)؛ أي: بعد أن أحضر لي الماء اغتسلت منه فيه من الجنابة، ولبست ثيابي، وصليت ركعتين، وحمدت الله وأثنيت عليه، (ثم جئت)؛ أي: ثم خرجت من الرحل ومشيت حتى جئت إلى مجلس النبيِّ ﵇ (وهو قاعد)؛ أي: والحال أنه قاعد فيه، فالجملة حالية، والتراخي مراد به: حقيقة، كما لا يخفى؛ فما استظهره العجلوني من أنه غير مراد؛ فليس بشيء؛ لعدم اطلاعه على ما قررناه؛ فافهم، (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لأبي هريرة (أين كنت) (كان) تامة فلا تحتاج إلى الخبر، أو ناقصة فـ (أين) خبر له، وعلى الأول؛ فهو حال؛ فافهم (يا با هريرة؟»)؛ بحذف الهمزة من الأب تخفيفًا، وهو الرواية، وما في بعض النسخ من إثباتها تحريف من النساخ، وللكشميهني: (يا با هر)؛ بالحذف والترخيم، (فقلت) القائل: أبو هريرة (له)؛ أي: للنبيِّ ﵇، مقول القول محذوف؛ أي: قلت له: إن سبب رواحي الاغتسال من الجنابة؛ لأني كنت جنبًا حين لقيتك؛ فكرهت مجالستك وأنا على غير طهارة، (فقال) ﵇: (سبحان الله) منصوب بفعل محذوف لازم الحذف، وهو يراد به: التعجب؛ ومعناه: كيف خفي عليك مثل هذا الظاهر؟! (يا با هريرة)؛ بالحذف أيضًا، وفي رواية الأَصيلي وغيره: (يا با هر)؛ بالحذف والترخيم، وفي رواية أبوي ذر والوقت بحذف لفظ (يا با هريرة) فقط، وهذا الترخيم قاله جميع الشراح.\nواعترضهم العجلوني فزعم أنه مبني على مذهب الكوفيين، وإلا؛ فتسميته ترخيمًا لا يخلو من شيء؛ لأنَّ المضاف إليه يرخم ترخيم نداء عند البصريين، وليس بترخيم ضرورة، ولعل المراد بالترخيم: لازم معناه اللغوي؛ وهو الترقيق والتليين ولو جعل (يا با هر) كنية أخرى له فلا حذف ولا ترخيم؛ لكان له وجه) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه قوله: (أنه مبني...) إلخ؛ لا يخفى أنهم إنَّما بنوه على مذهب الكوفيين؛ لكونه الصحيح المعتمد.\nوقوله: (وإلا؛ فتسميته...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه مبني على القول الضعيف، فلا يعول عليه.\nوقوله: (ولعل...) إلخ ممنوع أيضًا، بل هو ترخيم اصطلاحي للنحويين.\nوقوله: (ولو جعل...) إلخ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه لا حاجة إلى هذا الجعل بعد أن كان ترخيمًا، وليس لما ذكره وجه، كما لا يخفى؛ فافهم، والله أعلم.\n (إن المؤمن) إنَّما أكده؛ دفعًا لما توهمه أبو هريرة (لا ينجُس)؛ بضمِّ الجيم، هو الرواية؛ أي: في ذاته ما لم تعرض له نجاسة تحل به، وفي الحديث: التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه، ألا ترى أنه كيف خفي على أبي هريرة طهارة الجنب حتى قال: (وأنا جنب)، فأنكر عليه ذلك قائلًا: «سبحان الله...»؛ الحديث.\nوفي «عمدة القاري»: (وفي الحديث: أنه يجوز للجنب التصرف في أموره كلها قبل الوضوء أو الغسل، وفيه: رد على من أوجب عليه الوضوء، وفيه: جواز أخذ الإمام والعالم بيد تلميذه ومشيه معه معتمدًا عليه ومرتفقًا به، وفيه: أن من حسن الأدب لمن مشى مع رئيسه ألَّا ينصرف عنه ولا يفارقه حتى يعلمه بذلك، ألا ترى إلى قوله ﷺ لأبي هريرة: «أين كنت؟» فدل ذلك على أنه ﵇ استحب ألَّا يفارقه حتى ينصرف معه، وفيه: أن أخذ النبيِّ ﷺ بيد أبي هريرة يدل على طهارة الجنب وأنه غير نجس) انتهى.\nولا تغتر بما تعجبه ابن حجر من استنباط عدم المفارقة؛ لأنَّ له العصبية الزائدة، والشدة العادية، وقد استوفينا الرد عليه فيما مضى؛ فافهم.\nوزعم العجلوني أن في الحديث: جواز مصافحة الجنب ومخالطته، انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس في الحديث أنه ﵇ صافح أبا هريرة، غاية ما فيه: أنه أخذ بيده ومشى معه وهو لا يدل على المصافحة، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوقدمنا الكلام مستوفًى في الباب [الذي] قبله، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٨٩\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-489>[باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل]</span>\nهذا (باب) جواز (كينونة) أي: استقرار (الجنب في البيت إذا توضأ)؛ أي: الجنب وضوءه للصلاة (قبل أن يغتسل)؛ أي: من الجنابة، و(الكينونة) مصدر (كان)، يقال: كان كونًا وكينونة أيضًا شبهوه بالجيدودة، والطيرورة من ذوات الياء، ولم يجئ من الواو على هذا إلا أحرف كينونة، وكيعوعة، وديمومة، وقيدورة، وأصله كيِّنونة؛ بتشديد الياء، ثم خففوا وحذفوا كما حذفوا من هين وميت، ولولا ذلك؛ لقالوا كونونة، كذا قاله في «عمدة القاري» قال: وسقط في رواية الحمُّوي، والمستملي: (إذا توضأ قبل أن يغتسل)، وتمامه فيه.\n\n <span id=\"b-٤٩٠\"> </span>[حديث: كان النبي ﷺ يرقد وهو جنب]\n٢٨٦ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون، هو الفضل بن دُكين؛ بالدال المهملة (قال: حدثنا هشام)؛ بكسر الهاء، هو الدستوائي (وشيبان)؛ هو ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب صاحب صروف وقراءات؛ كلاهما (عن يحيى) زاد ابن عساكر: (ابن أبي كثير)، (عن أبي سَلَمَة)؛ هو ابن عبد الرحمن بن عوف.\nقال في «عمدة القاري»: (وفي رواية ابن أبي شيبة بتحديث أبي سَلَمَة، ورواه النسائي عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة، عن ابن عمر ﵄) انتهى؛ فافهم.\n (قال) أي: أبو سَلَمَة: (سألت عائشة)؛ أي: الصديقة بنت الصديق ﵄: (أكان النبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ الهمزة في (أكان) للاستفهام (يرقُد)؛ بضمِّ القاف؛ أي: ينام (وهو جنب؟): جملة اسمية وقعت حالًا من (النبي ﷺ)، (قالت)؛ أي: عائشة: (نعم)؛ أي: يرقد؛ (ويتوضأ)؛ فهو معطوف على محذوف؛ تقديره: نعم؛ يرقد ويتوضأ.\nفإن قلت: هل كان يتوضأ بعد الرقاد؟\nقلت: الواو لا تدل على الترتيب؛ والمعنى: أنه يجمع بين الوضوء والرقاد، ولمسلم من طريق الزُّهري، عن أبي سَلَمَة: (كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ يتوضأ وضوءه للصلاة)، وهذا أوضح، وعليه؛ فكأن عائشة قالت: نعم؛ إذا أراد النوم؛ يقوم ويتوضأ ثم يرقد، ويوضح هذا أيضًا حديث ابن عمر الذي ذكره المؤلف عقيب هذا الحديث على ما يأتي، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».\nثم قال رحمه الله تعالى: ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، قيل: أشار\n_________\n(^١) في الأصل: (لقي)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":156},{"text":"المصنف بهذه الترجمة وحديثها إلى تضعيف ما رواه أبو داود وغيره من حديث علي ﵁ مرفوعًا: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب، ولا صورة، ولا جنب».\nورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا بعيد؛ لأنَّ المراد من هذا الجنب: الذي يتهاون بالاغتسال ويتخذه عادة حتى تفوته صلاة أو أكثر، وليس المراد منه: من يؤخره ليفعله أو يكون المراد منه: من لم يرفع حدثه كله أو بعضه؛ لأنَّه إذا توضأ؛ ارتفع بعض الحدث عنه، والحديث المذكور صححه ابن حبان، والحاكم، والذي ضعفه قال في إسناده: «نُجَي الخضرمي»؛ بضمِّ النون، وفتح الجيم، لم يرو عنه غير ابنه عبد الله، فهو مجهول، لكن وثقه العجلي وغيره) انتهى كلامه، وقد تبعه ابن حجر والعجلوني؛ فافهم.\nقلت: ويدل لهذا أن المراد بـ (الكلب) غير المأذون في اتخاذه؛ ككلب الصيد والماشية، وأن المراد بـ (الصورة) الكبيرة، أما الصغيرة التي لا تبدو للناظر كالتي على الدراهم والدنانير؛ فإنها معفوٌّ عنها، كما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى.\nوفي «عمدة القاري»: (ويستنبط من الحديث: أن الجنب إذا أراد النوم؛ يتوضأ، ثم ينام، ثم هذا الوضوء مستحب أو واجب يأتي الكلام فيه عن قريب) انتهى.\nقلت: وفيه رد على من زعم أن الوضوء هنا اللغوي؛ لما سبق من رواية مسلم؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٤٩١\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-491>[باب نوم الجنب]</span>\nواعلم أنه وقع في رواية كريمة فقط هنا: (باب نوم الجنب)، وهو ساقط لأبوي ذر والوقت، والأَصيلي، والمستملي، وغيرهم من الرواة، قال صاحب «عمدة القاري»: (ولا حاجة إلى هذا؛ لحصول الاستغناء عنه بالباب الذي يأتي عقيبه) انتهى، وتبعه القسطلاني.\nوزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد، فلا تكون زائدة.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا يخرج عن كونه زائدًا؛ لأنَّ المعنى الحاصل فيها واحد وليس فيه زيادة فائدة، فلا حاجة إلى ذكره) انتهى.\nواعترضه العجلوني فقال: (قد يقال: الغرض من المطلق التنبيه على جواز نومه وإن لم يتوضأ، وإن أجيب بالتقييد، وأما المقيدة الآتية؛ فلبيان الأفضل وأنه لا كراهة فيه؛ فتأمل).\nقلت: تأملته فرأيت أن يناسب هنا، ذلك مبلغهم من العلم؛ فإن التناقض في كلامه ظاهر، فإن قوله: (الغرض...) إلخ لا معنى لهذا الكلام؛ لأنَّ جواز النوم للجنب بغير وضوء يعلم ضرورة من الترجمة الآتية؛ لأنَّ فيها جواز النوم وزيادة على أن حديث ابن عمر يدل صريحًا للترجمة التي سبقت؛ لأنَّ فيه أن رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز كينونته فيه إذا توضأ قبل أن يغتسل؛ فهذا الحديث تابع للترجمة التي سبق ذكرها، كما لا يخفى.\nوقوله: (وأما المقيدة...) إلخ؛ انظر ما فيه من التناقض؛ فإن الترجمة الآتية صريحة في الدلالة على أن النوم للجنب جائز، وأن الأفضل له أن يتوضأ، وكيف يقال إذا كان لبيان الأفضل وأنه لا كراهة؟! وما هذا إلا خروج عن الظاهر؛ لأنَّه إذا كان وضوءه هو الأفضل ضرورة؛ تنتفي الكراهة؛ لأنَّ الكراهة لا تجتمع مع الفضل، كما لا يخفى.\nوحاصله: أن الترجمة الآتية دالة صريحًا على أن النوم للجنب جائز وإن الأفضل أن ينام على وضوء؛ فلا حاجة إلى ذكره، كما لا يخفى، ولا تغتر ممن يزيد في الطنبور نغمة؛ لأنَّ مقصده ترويج كلامه، وإظهار حاله ومرامه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٩٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-492>[حديث: نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب]</span>\n٢٨٧ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا قتيبة)؛ بضمِّ القاف، وفتح الفوقية، هو ابن سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة (قال: حدثنا الليث)؛ هو ابن سعد -بسكون العين المهملة- وهو من تلامذة الإمام الأعظم ﵁، وفي رواية الأَصيلي: (عن الليث)، (عن نافع)؛ هو مولى عبد الله بن عمر، (عن ابن عمر) ﵁: (أن) أباه (عمر بن الخطاب) ﵁، قال في «عمدة القاري»: وهذا الإسناد تقدم في باب «ذكر العلم والفتيا في المسجد» فالإسنادان سواء غير أن هناك نسب الرواة وهنا اكتفي بأسمائهم، وأن الذي هناك يوضح الذي هنا ومع هذا لكل واحد منهما متن خلاف متن الآخر حيث قال: (عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا قام في المسجد...)؛ الحديث.\nفإن قلت: هذا الحديث يعد من مسند عمر بن الخطاب أو من مسند ابنه عبد الله؟\nقلت: ظاهره أن ابن عمر حضر سؤال أبيه عمر، فيكون الحديث من مسنده وهو المشهور من رواية نافع، وروي عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه قال: (يا رسول الله) أخرجه النسائي، وعلى هذا؛ فهو من مسند عمر، وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطان، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄، وهذا لا يقدح في صحة الحديث) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.\nقلت: وأشار بقوله: (وهذا) إلى الاختلاف وأنه غير قادح؛ فافهم، وذكر نحوه ابن حجر.\nواعترضه العجلوني: (بأن رواية مسلم والنسائي ليستا صريحتين في عدم حضور ابن عمر، بل يجوز حضوره، وحينئذٍ؛ فهو من مسنده كأبيه) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع؛ فإن الروايتين صريحتان في عدم حضوره السؤال؛ لأنَّه لو كان حاضرًا؛ لكان حقه أن يقال: عن ابن عمر أن عمر...؛ الحديث، أما الصيغة الأولى؛ فصريحة في عدم حضوره، كما لا يخفى.\nوقوله: (بل يجوز...) إلخ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه لا دليل يدل على حضوره، وحينئذٍ؛ فهو من مسند عمر بن الخطاب ﵁، خلافًا لما زعمه هذا القائل، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في معاني التركيب.\n (سأل) أي: عمر ﵁ (رسول الله ﷺ) فقال له: (أيرقد أحدنا) الهمزة فيه للاستفهام عن حكم الرقاد لا عن تعيين الوقوع؛ والمعنى: أيجوز الرقود لأحدنا (وهو جنب؟) جملة اسمية وقعت حالًا، (قال) أي: النبيُّالأعظم ﷺ (نعم) أي: يجوز له النوم؛ (إذا توضأ أحدكم)؛ أي: وضوءه للصلاة، فالمراد به: الوضوء الشرعي؛ (فليرقد) فـ (إذا) متعلقة بـ (يرقد)؛ لأنَّهاظرف محض له، وكذا إذا كانت متضمنة للشرط على المشهور؛ والمعنى: إذا أراد أحدكم الرقاد؛ فليرقد بعد التوضؤ، وإذا كانت شرطية؛ فالمسبب الرقاد أو الأمر به؛ لأنَّ العامل فيها جوابها، وذهب ابن هشام وجماعة إلى أن العامل فيها شرطها؛ لعدم إضافتها عندهم إليه مجازًا؛ لأنَّ الوضوء سبب لهما والأمر بالرقاد للإباحة؛ لأنَّ الإجماع قائم على عدم وجوبه وندبه؛ فتأمل، وذكر نحوه الكرماني.\nواعترضه صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: ذهب الإمام أبو يوسف، والثوري، والحسن بن حي، وابن المسيب إلى أنه لا بأس للجنب أن ينام من غير أن يتوضأ، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب ولا يمس ماء).\nوروى ابن ماجه أيضًا عن الأسود عن عائشة قالت: (إن رسول الله ﷺ إن كانت له إلى أهله حاجة؛ قضاها، ثم ينام كهيئته لا يمس ماء)، وأخرجه أحمد كذلك، وأخرجه الحافظ الطحاوي من سبعة طرق؛ منها: ما رواه عن أبي داود، عن مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا رجع من المسجد صلى ما شاء، ثم مال إلى فراشه وإلى أهله، فإن كانت له حاجة؛ قضاها، ثم ينام كهيئته ولا يمس طيبًا)، وأرادت بالطيب: الماء، كما وقع في الروايات الأخرى، ولا يمس ماء وذلك؛ لأنَّ الماء يطلق عليه الطيب، كما ورد في الحديث؛ فإن الماء طيب؛ لأنَّه يطيب ويطهر، وأي طيب أقوى في التطهير من الماء؟\nوذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد، والليث بن سعد، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وابن المبارك، وأحمد، والشافعي، وآخرون: إلى أنه ينبغي للجنب أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام، ولكنهم اختلفوا في صفة هذا الوضوء وحكمه؛ فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحباب لا على الوجوب، فقال الإمام الأعظم، والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحبُّ إلينا أن يتوضأ؛ فإذا أراد أن يأكل؛ تمضمض وغسل يديه، وهو قول الحسن بن حي.\nوقال الأوزاعي: الحائض والجنب إذا أرادا أن يطعما؛","vol":"1","page":157},{"text":"غسلا أيديهما.\nوقال الليث: (لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة).\nوقال أحمد: (يستحب للجنب إذا أراد أن ينام، أو يطأ ثانيًا، أو يأكل؛ أن يغسل فرجه ويتوضأ)، روي ذلك عن علي، وابن عمر.\nوقال سَعِيْد بن المسيِّب: (إذا أراد أن يأكل؛ يغسل كفيه، ويتمضمض)، وحكي نحوه عن أحمد، وإسحاق.\nوقال مُجَاهِد: (يغسل كفيه).\nوقال مالك: (يغسل يديه إن كان أصابهما أذًى).\nوذهبت طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره ويديه، وهو للتنظيف، وذلك عند العرب يسمى وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل، وهو روى الحديث وعلم مخرجه.\nوقال مالك: (لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة)، قال: (وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما)، قال: (والحائض تنام قبل أن تتوضأ).\nوقال الشافعي في نحو قول مالك، وقال القاضي عياض: (ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب إنَّما هو مرغب فيه)، وابن حبيب يروي وجوبه وهو مذهب داود الظاهري.\nوقال ابن حزم في «المحلى»: (ويستحب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل، أو النوم، أو لرد السلام، أو لذكر الله تعالى، وليس ذلك بواجب).\nقال في «عمدة القاري»: (قد خالف ابن حزمٍ داودَ في هذا الحكم).\nوقال ابن العربي: قال مالك والشافعي: (لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ).\nفزعم ابن حجر أن بعض المتأخرين أنكر هذا النقل، وقال: (لم يقل الشافعي بوجوبه ولا يعرف ذلك أصحابه، وهو كما قال، لكنَّ كلام ابن العربي محمول على أنه أراد: نفي الإباحة المستوية للطرفين لا إثبات الوجوب، أو أراد بأنه واجب وجوب سنة؛ أي: يتأكد الاستحباب، ويدل عليه أنه قابله بقول ابن حبيب وهو واجب وجوب الفرائض) انتهى.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: إنكار بعض المتأخرين هذا الذي نقل عن الشافعي إنكار مجرد؛ فلا يقاوم الإثبات، وعدم معرفة أصحابه ذلك لا يستلزم ذلك قول الشافعي بذلك، وأبعد من هذا قول هذا القائل وهو كما قال؛ فكيف يقول بهذا وقد بينا فساده؟! وأبعد من هذا كله حمل هذا القائل كلام ابن العربي على ما ذكره، يعرف ذلك من دقق نظره فيه) انتهى.\nقلت: فقوله: (أنكر بعض المتأخرين...) إلخ الإنكار معناه: النفي، وكلام ابن العربي معناه: الإثبات، والقاعدة عند الأصوليين أن المثبت مقدم على النافي.\nوقوله: (ولا يعرف ذلك...) إلخ هذا ليس بدليل لما زعمه؛ لأنَّه لا يلزم من عدم معرفتهم ذلك أن لا يكون قولًا لإمامهم؛ لاحتمال عدم اطلاعهم (^١) على أقوال إمامهم.\nوقوله: (لكن...) إلخ هذا الحمل باطل؛ لأنَّ عدم الجواز دليل الوجوب؛ فكيف يقول: نفي الإباحة؟! وما هو إلا رجم بالغيب على أن هذا الاستدراك غير صحيح؛ لأنَّه لما ظن أن ذلك ليس بقول إمامه ارتقى في جوابه، وقال: وهو كما قال؛ فلو كان كما قال؛ كيف يلزم حمله على ما ذكره؟! وما هذا إلا تناقض وهو يدل على أن ذلك قول إمامه، كما قاله ابن العربي.\nوقوله: (أو أراد بأنه...) إلخ هذا ممنوع؛ فإن الواجب لا يراد به السنية والاستحباب؛ فإن مذهب إمام هذا القائل أن الواجب هو الفرض؛ فكيف يراد ما قاله؟! وما هو إلا خروج عن الظاهر.\nوقوله: (ويدل عليه...) إلخ هذا لا يدل لما قاله، بل هو دليل على الوجوب؛ لأنَّه لم يقابله، بل ذكره عقيبه وعادة العلماء الأعلام ذكر ما قالوا بالفرض على حده، وما قالوا بالوجوب كذلك، وما قالوا بالاستحباب كذلك؛ فكيف يقول هذا القائل ما قال؟! وكأنه لم يعرف عادة العلماء المؤلفين فقال ما قال؛ فافهم، والله أعلم.\nقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: واعلم: أن الحافظ الطحاوي أجاب عن حديث عائشة ﵂ المذكور فقال: وقالوا هذا الحديث غلط؛ لأنَّه حديث مختصر اختصره أبو إسحاق من حديث طويل؛ فأخطأ في اختصاره إياه، وذلك لأنَّ أبا إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخًا وصديقًا فقلت له: يا أبا عمر؛ حدثني ما حدثتك به عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويجيء آخره، ثم إن كانت له حاجة؛ قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول؛ وثب -وما قالت: قام -فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد، وإن نام جنبًا؛ توضأ وضوء الرجل للصلاة؛ فهذا الأسود بن يزيد قد بيَّن في حديثه لما ذكره بطوله أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأما قولها: (فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام قبل أن يمس ماء)؛ فيحتمل أن يكون ذلك على الماء الذي يغتسل به لا على الوضوء.\nوقال أبو داود: قال يزيد بن هارون: حديث أبي إسحاق وهم، وفي رواية عنه: ليس بصحيح، وقال مهنى: سألت أبا عبد الله عنه، فقال: ليس بصحيح، قلت: لِمَ قال: لأنَّ شعبة روى عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: (أن النبيَّ ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة)؟ قلت: من قبل مَن جاء هنا الاختلاف؟ قال: من قبل أبي إسحاق.\nوقال الترمذي، وأبو علي الطوسي: روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة: (أنه ﷺ كان يتوضأ قبل أن ينام وهو جنب يتوضأ وضوءه للصَّلاة (^٢»، وهذا أصح من حديث أبي إسحاق، قال: وكانوا يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق، وقد تصدى جماعة لتصحيح هذا الحديث، كما قاله ابن ماجه منهم الدارقطني؛ فإنه قال: يشبه أن يكون الخبران صحيحين؛ لأنَّ عائشة قالت: ربما قدم الغسل وربما أخره، كما حكى ذلك عصيف، وعبد الله بن أبي قَيْس، وغيرهما عن عائشة وأن الأسود حفظ ذلك عنها؛ فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل، وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقدم (^٣) الوضوء على الغسل، ومنهم البيهقي.\nقال إمام الشارحين: وملخص كلامه: أن حديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية، وذلك أنه بيَّن فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة؛ فلا وجه لرده، ووجه الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل وقد جمع بينهما أبو العباس بن فريح فأحسن الجمع، وسئل عنه وعن حديث عمر: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم؛ إذا توضأ أحدكم؛ فليرقد»، ففسر ذلك فيه: الوضوء وبه نأخذ، ومنهم ابن قتيبة؛ فإنه قال: يمكن أن يكون الأمران جميعًا وقعا؛ فالفعل لبيان الاستحباب، والترك لبيان الجواز ومع هذا قالوا: إنا وجدنا لحديث أبي إسحاق شواهد ومتابعين، فممن تابعه: عطاء، والقاسم، وكُريب، والدستوائي، كما ذكره أبو إسحاق الحري، قال: وأحسن الوجوه في ذلك إن صح حديث أبي إسحاق، فيما رواه ووافقه هؤلاء أن تكون عائشة أخبرت الأسود: أنه كان ربما يتوضأ وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح، فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ، وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل، وهذا أحسن الوجوه.\nفإن قلت: قد روي عن عائشة ما يضاد ما روي عنها أولًا: هو أن الحافظ الطحاوي روى من حديث الزُّهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل كفيه)، ويروى عنها: (أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة)؟\nقلت: أجيب عن هذا بأنها لما أخبرت بغسل الكفين بعد أن كانت علمت بأنه ﵇ أمر بالوضوء التامفدل ذلك على ثبوت النسخ عندها.\nوزعم ابن حجر أن الطحاوي جنح إلى أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القصة كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه، كما رواه مالك في «الموطأ» عن نافع.\nوأجيب: بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصَّلاة في رواية من رواية عائشة؛ فيعتد بها، ويحمل قول\n_________\n(^١) في الأصل: (اضطلاعهم)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (الصلاة).\n (^٣) في الأصل: (فقدم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":157},{"text":"ابن عمر: (غسل رجليه)، إن ذلك كان لعذر.\nورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل ما أدرك كلام الحافظ الطحاوي ولا ذاق معناه؛ فإنه قائل بورود هذه الرواية عن عائشة، ولكنه حملها على النسخ، كما ذكرناه، وكذلك ما روي عن ابن عمر حمله على النسخ؛ لأنَّ فعله هذا بعد علمه أنه ﵇ أمر بالوضوء التام في الجنب يدل على ثبوت النسخ عنده؛ لأنَّ الراوي إذا روى شيئًا عن النبيِّ ﷺ أو علمه منه، ثم فعل أو أفتى بخلافه؛ يدل على ثبوت النسخ عنده؛ لأنَّه لو لم يثبت ذلك؛ لما كان له الإقدام على خلافه، وكذلك روى من قول ابن عمر ما رواه من حديث أيُّوب عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: «إذا أجنب الرجل وأراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام؛ غسل كفيه، وتمضمض، واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، وغسل فرجه، ولم يغسل قدميه»، فهذا قول هذا القائل، ويحتمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أرضه كان لعذر) انتهى كلامه ﵁.\nواعترضه العجلوني فزعم أنه لو كان كما قال من أنهما يريان النسخ وأن الطحاوي يعلم بذلك؛ لما احتج بحديثهما؛ فتأمل.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإن ما قاله إمام الشارحين هو الحق من أنهما يريان النسخ، كما يعلم ذلك من تتبع ما قدمناه عن الحافظ الطحاوي، وأنه جزم بحمل ما روى عنهما على النسخ، كما بينا الكلام في ذلك.\nوقوله: (وأن الطحاوي يعلم ذلك) لا يخفى أن الحافظ الطحاوي يعلم ذلك من حين كان العجلوني منيًّا في ظهر آبائه في عجلون، كيف لا يعلم وقد أطبق الحفاظ على حفظه وإتقانه وضبطه؟!\nوقوله: (لما احتج...) إلخ ممنوع؛ فإنه لم يحتج بحديثهما، بل رواه وبيَّن طرقه ورواياته ولا يلزم من ذكر ذلك أن يحتج بذلك؛ فإن المحدثين كثيرًا ما يروون الأحاديث ولا يأخذون بها؛ فهو لا يدل على احتجاجهم بها، كما زعمه هذا القائل المتعصب، على أن هذا القائل لم يفرق بين الناسخ والمنسوخ، وإنما تعلق هذا القائل بما زعمه ابن حجر في أول كلامه وهما ممنوعان؛ فأي دليل دلهما على أنه احتج بحديثهما؟! وما هي إلا دعوى باطلة، بل إنَّما جزم بالنسخ وادَّعاه وتكلم على بيان الروايات، ولا يلزم من ذكرها الاحتجاج بها؛ فافهم.\nقال في «عمدة القاري»: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز كينونته فيه؛ أي: استقراره فيه يقظانًا؛ لعدم الفارق، ولأن نومه مسلتزم للجواز؛ لوجود اليقظة بين نومه ووضوئه، ولا فرق بين القليل والكثير)، والله تعالى أعلم، واستغفر الله العظيم.\n\n <span id=\"b-٤٩٣\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-493>[باب الجنب يتوضأ ثم ينام]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين وعدمه: (الجنب يتوضأ، ثم ينام)؛ أي: في بيان حكمه والمناسبة بين البابين ظاهرة.\n\n <span id=\"b-٤٩٤\"> </span>[حديث: كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ]\n٢٨٨ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير)؛ بضمِّ الموحدة؛ مصغرًا، نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري (قال: حدثنا الليث)؛ هو ابن سعد -بسكون العين المهملة- المصري إمام أهل مصر من أتباع الإمام الأعظم ﵁، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن أبي جعفر)؛ هو أبو بكر الفقيه المصري المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، (عن محمَّد بن عبد الرحمن) أبو الأسود الأسدي المدني المشهور بيتيم عروة بن الزبير، كان أبوه أوصى به إليه، المتوفى آخر سلطنة بني أمية، (عن عُروَة)؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح الواو، هو ابن الزبير بن العوام، (عن عائشة) أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ) أفادت لفظة (كان) على أن ذلك عادته على الدوام والاستمرار؛ لأنَّها تدل على ذلك (إذا أراد أن ينام وهو جنب): جملة اسمية محلها النصب؛ لأنَّها حالية، وقوله: (غسل فرجه)؛ أي: القبل والدبر وما حولهما مما بقي عليها من المني وغيره جواب (إذا) (وتوضأ للصلاة)؛ أي: وضوءًا مختصًا بالصَّلاة؛ يعني وضوءًا شرعيًّا لا وضوءًا لغويًّا، وليس معناه أنه توضأ لأداء الصَّلاة له قبل الغسل؛ لأنَّه ممنوع، أو يقدر محذوف؛ أي: توضأ وضوءًا كما توضأ للصلاة، وفي بعض الروايات: (توضأ وضوءه للصلاة)، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقلت: وفي الحديث: أن غسل الجنابة على التراخي لا على الفور، وإنما يتضيق في آخر الوقت، وهذا من عادته الكريمة؛ لما سبق قريبًا، وقدمنا أنه ﵇ نام وهو جنب من غير وضوء بيانًا للجواز؛ لأنَّه نادر؛ فليحفظ.\nوفي الحديث: أن المني نجس؛ لقوله: (غسل فرجه)، وإنما أصابه المني وفيه أن وقت الجماع إنَّما يكون بعد صلاة العشاء الأخيرة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٩٥\"> </span>[حديث: استفتى عمر النبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب]\n٢٨٩ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) هو التبوذكي (قال: حدثنا جُويرة)؛ بضمِّ الجيم، تصغير جارية، هو ابن أسماء بن عبيدة الصيفي، فاسمه واسم أبيه مما هو غالب في النساء، وكنيته أبو مِخراق -بكسر الميم- أو أبو المُخارق -بضمِّها-، البصري المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومئة، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن عبد الله)؛ أي: ابن عمر، وفي رواية ابن عساكر: (عن ابن عمر) (قال: استفتى عمر)؛ هو ابن الخطاب؛ أي: والده (النبيَّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: طلب عمر الفتوى من النبيِّ ﵇، فالسين والتاء (للطلب) فقال عمر للنبيِّ ﵇: (أينام)؛ الهمزة للاستفهام (أحدنا) فهو بيان لصورة الاستفتاء (وهو جنب): جملة حالية؟ (قال)، وفي رواية: (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (نعم) جواب الاستفتاء؛ أي: نعم ينام أحدنا وهو جنب؛ (إذا توضأ) ولمسلم من طريق ابن جُريج عن نافع: (ليتوضأ، ثم لينم)؛ أي: وضوءه للصلاة، فالمراد بالوضوء: الشرعي لا اللغوي، وهو للندب والاستحباب عند الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور من الفقهاء وغيرهم، وذهب أهل الظاهر وابن حبيب المالكي أنه للوجوب، وهو المنقول عن مالك، والشافعي، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين، والذكر، والأذى، والروايات السابقة تدل هذا كما بيناه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٤٩٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-496>[حديث: توضأ واغسل ذكرك ثم نم]</span>\n٢٩٠ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن عبد الله بن دينار)، قال في «عمدة القاري»: هكذا رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وكذا رواه أبو زيد، ورواه ابن السكن عن الفربري فقال: مالك عن نافع، وقال الجياني في بعض النسخ جعل (نافعًا) بدل (عبد الله بن دينار)، وكلاهما صواب؛ لأنَّ مالكًا يروي هذا الحديث عنهما، لكنه برواية عبد الله أشهر، وقال ابن عبد البر: الحديث لمالك عنهما جميعًا، لكن المحفوظ عن عبد الله بن دينار، وحديث نافع غريب.\nقلت: (لا غرابة فيه؛ لأنَّه رواه عنه كذلك عن نافع خمسة أو ستة، ولكن الأول أشهر) انتهى؛ فافهم.\n (عن عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب ﵄ (أنه قال: ذكر عمر)؛ هو والده ابن الخطاب ﵁ (لرسول الله ﷺ) وهذا يقتضي أن يكون الحديث من مسند ابن عمر كما يأتي: (أنه)؛ بفتح الهمزة لتقدير الباء الثابتة في رواية الحمُّوي والمستملي، والضمير فيه وفي قوله: (تصيبه الجنابة من الليل)؛ أي: فيه يرجع إلى عبد الله بن عمر لا إلى عمر يدل عليه رواية النسائي من طريق ابن عون عن نافع قال: أصاب ابن عمر جنابة، فأتى عمر ﵁ فذكر ذلك له؛ فأتى عمر النبيَّ ﷺ فاستأمره، فقال: «ليتوضأ وليرقد».","vol":"1","page":158},{"text":"(فقال له) ولفظة (له) ليست بموجودة في رواية الأَصيلي (رسول الله ﷺ) مخاطبًا لابن عمر إن كان حاضرًا، ويحتمل أنَّ الخِطَاب لعمر جوابًا لاستفتائه وهو في الحقيقة لابنه.\nفإن قلت: ظاهر عبارة المؤلف يدل على أن الضمير في (أنه) و(له) يرجع إلى عمر؟\nقلت: الظاهر كذا رواية النسائي أن الضمير لعبد الله، فكأنه حضر إلى رسول الله ﵇ بعد أن ذكر عمر ذلك؛ فلهذا خاطبه وإن لم يكن حضر؛ فالخطاب لعمر؛ لأنَّه جواب استفتائه، ولكنه يرجع إلى ابنه عبد الله؛ لأنَّ الاستفتاء من عمر؛ لأجل عبد الله، كما دل عليه ما رواه النسائي، كذا قرره في «عمدة القاري».\n (توضأ)؛ أي: وضوءك للصلاة كما دلت عليه الروايات السابقة، (واغسل ذكرك)؛ معناه: اجمع بينهما؛ لأنَّ (الواو) لا تدل على الترتيب، كما هو الأصل؛ لأنَّه من المعلوم أن يقدم غسل الذكر على الوضوء، وفي رواية أبي نوح عن مالك: «اغسل ذكرك، ثم توضأ»، وهو على الأصل، وفيه رد على من حمل الرواية الأولى على ظاهرها، وأجاز تقديم الوضوء على غسل الذكر؛ لأنَّه ليس بوضوء ينقضه الحدث، وإنما هو للتعبد، كذا قاله في «عمدة القاري»، (ثم نم)؛ أي: ما تيسر لك من الليل، وفيه: من أنواع البديع تجنيس التصحيف، وقوله: (توضأ) أدل على الوجوب، وقد قدمنا أن الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور على أن المراد بالوضوء: الشرعي وأنه للندب والاستحباب، واختلفوا في الحكمة فيه.\nفقال في «عمدة القاري»: قيل: فيه تخفيف الحدث، لا سيما على القول بجواز تفريق الغسل؛ فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء وإن لم ينو، ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: (إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام؛ فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة)، وقيل: لأنَّه إحدى الطهارتين، فعلى هذا؛ يقوم التيمم مقامه، وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة ﵂: (أنه ﷺ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ، أو تيمم)، قال في «عمدة القاري»: (الظاهر: أن التيمم هذا كان عند عدم الماء، وقيل: لينشط إلى العود، أو إلى الغُسل).\nوقال ابن الجوزي: (الحكمة فيه: أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين، فإنها تقرب من ذلك) انتهى.\nوقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين؛ خشية الموت في المنام.\nوقال في «منهل الطلاب»: (وليس على الحائض والنفساء الوضوء عند إرادة النوم؛ لأنَّها لو اغتسلت؛ لم يرتفع حدثها، بل هي مضمخة بالنجاسة؛ فلا يطلب منها، فإذا انقطع دمها لتمام عادتها؛ فقد وجب عليها الغسل؛ فلا فائدة في الوضوء هنا إلا إذا أرادت الاغتسال، فيندب لها الوضوء قبله) انتهى وبه قال الشافعي.\nوفي «المنية»: (إذا أراد الجنب الأكل والشرب؛ ينبغي له أن يغسل يديه وفاه، ثم يأكل أو يشرب؛ لأنَّه يورث الفقر) انتهى؛ أي: لأنَّ الأكل والشرب بدون ما ذكر سبب للفقر، كذا في «الحلية»، وفي «الفتاوى الخانية»: (المستحب له ذلك، وإن ترك؛ لا بأس به) انتهى.\nلكن في «منهل الطلاب»: (أن تركه مكروه)، ونص أئمتنا وصرح به في «الدر المختار» وغيره أنه يكره النوم قبل الوضوء، ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب، وهذا بخلاف الحائض إذا أرادت الأكل؛ لأنَّ سؤرها لا يصير مستعملًا ما لم تُخَاطب بالاغتسال ذكره في «شرح المنية»، وفي «الخانية»: واختلفوا في الحائض قيل: كالجنب، وقيل: لا يستحب لها؛ لأنَّ الغسل لا يزيل نجاسة الحيض عن الفم واليدين، وتمامه في «الحلية»، قال في «منهل الطلاب»: (والنفساء كالحائض، وينبغي لهما، ويستحب غسل اليدين للأكل بلا خلاف؛ لأنَّه يستحب للطاهر؛ فهما أولى، ولهذا قال في «الخلاصة» إذا أرادت أن تأكل؛ تغسل يديها، وفي المضمضة خلاف) انتهى.\nوينبغي أرجحية القول باستحبابها أيضًا، كما لا يخفى.\nوفي «جامع الفتاوى» وغيرها: (وللحائض والجنب زيارة القبور، وقراءة الدعوات، وإجابة المؤذن، ونحوها) انتهى؛ أي: من تسبيح وتهليل، ودخول مصلى عيد، وجنازة، كما صرح غير واحد من أئمتنا الأعلام، وقدمنا عن ابن عمر أن المراد بالوضوء: اللغوي، فإذا أراد الأكل؛ يندب لهم هذا الوضوء وهو ظاهر رواية مسلم السابقة، وقال مالك: له أن يأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يديه قذر؛ فيغسلهما وهل ينتقض وضوء الجنب بالحدث الأصغر؟\nفعندنا: لا ينتقض؛ لأنَّه للتعبد، وليس بوضوء ينقضه الحدث، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال الإمام مالك، وقال اللخمي من أصحاب مالك: ينتقض، ولم يتعرض العجلوني لمذهب إمامه هنا: ما الحكم فيه مع شدة تعصبه لمذهب إمامه، وبيانه ولعله خفي عليه الحكم وهو ظاهر؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٩٧\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-497>[باب إذا التقى الختانان]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين في بيان حكم ما (إذا التقى) أي: اجتمع (الختانان)؛ يعني: ختان الرجل وختان المرأة، فـ (إذا) شرطية وجوابها محذوف؛ أي: فقد وجب الغسل، ويحتمل أن تكون (إذا) لمجرد الظرفية؛ فلا جواب لها، والـ (باب) مضاف إليها على تقدير مضافين؛ أي: بيان حكم الغسل وقت التقاء الختانين، والأول الأظهر، كما لا يخفى.\nوزعم ابن حجر أن المراد بهذه التثنية ختان الرجل وخفاض المرأة، وإنما ثنيا بلفظ واحد؛ تغليبًا له.\nقال في «عمدة القاري»: (وذكر هذا هكذا بناء على عادة العرب؛ فإنهم يختنون النساء، قال ﷺ: «الختان للرجال سنة، وللنساء مكرمة»، رواه الإمام الخصاف في «أدب القاضي» عن شداد بن أوس ﵁).\nقلت: وعلى هذا؛ فلا تغليب، كما زعمه هذا القائل؛ فليحفظ، ثم الختان: قطع الجلدة؛ وهي ما دون حزة الحشفة وهي الكمرة، وكذا الختن، والخفاض: قطع جلدة في أعلى الفرج تشبه عرف الديك بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، وكذلك الخفض؛ لأنَّ مدخل الذكر هو مخرج المني والولد والحيض، وفوق مدخل الذكر مخرج البول؛ كإحليل الرجل وبينهما جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، والمراد بالتقائهما: اجتماعهما ومحاذاتهما، وهو عبارة عن إيلاج الحشفة كلها في قُبل أو دُبر، والمراد بالحشفة: ما فوق الختان، كما في «القاموس».\nواختلفوا في الموجب للغسل، فقال في «النهاية»: (هذه المعاني موجبة للجنابة لا للغسل على المذهب الصحيح؛ لأنَّها تنقض الغسل، فكيف توجبه؟ لأنَّ الناقض للشيء لا يكون مثبتًا له).\nواعترضه في «غاية البيان»: (بأن المراد أن الغسل يجب بهذه المعاني على طريق البدل، وإنما يتوجه ما اعترض به إذا كانت هذه المعاني موجبة لوجود الغسل لا لوجوبه، واعترض أيضًا بأنها تنقض ما كان، وتوجب ما سيكون، فلا منافاة).\nوأجاب في «المستصفى»: (بأن هذه المعاني شروط في الوجوب لا أسباب، فأضيف الوجوب إلى الشرط مجازًا؛ لأنَّ السبب يتعلق به الوجود والوجوب، والشرط يضاف إليه الوجود، فشارك الشرط السبب في الوجود) انتهى.\nوقال العلامة سعدي أفندي: (الجمهور: على أن هذه المعاني شروط لا أسباب؛ لمنافاتها الطهارة، فجعلها موجبات تسامح) انتهى.\nواختار شيخ الإسلام في «المبسوط»: (أن سبب وجوب الغسل إرادة ما لا يحل فعله بسبب الجنابة من صلاة، وقراءة قرآن عند عامة المشايخ).\nواعترضه في «غاية البيان»: (بأن الغسل يجب إذا وجد أحد هذه المعاني، سواء وجدت الإرادة أو لم توجد).\nورده في «العناية» قال:","vol":"1","page":158},{"text":"(وفيه نظر؛ لأنَّ فائدة الوجوب للأداء وهو أمر اختياري، فأضيف الوجوب إلى الأداء؛ لهذا المعنى)؛ فتأمل.\nوقيل: إن السبب الجنابة أو ما في معناها، واختاره في «غاية البيان».\nوقيل: إن السبب وجوب ما لا يحل مع الجنابة، واختاره المحقق في «فتح القدير».\nوقيل: إن السبب إرادة ما لا يحل فعله بسبب الجنابة من صلاة، وقراءة قرآن، ودخول مسجد، ومس مصحف، واختاره في «الكافي»، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام في «المبسوط»، وتمامه في شرحنا على «القدوري» المسمى بـ «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب.\n\n <span id=\"b-٤٩٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-498>[حديث: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل]</span>\n٢٩١ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُعاذ) بضمِّ الميم أوله، وبالذال المعجمة آخره (بن فَضالة) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، البصري (قال: حدثنا هشام)؛ هو الدستوائي. (ح): مهملة بين الإسنادين من التحويل، وتقدم أن الأصح أنها للتحويل، قال العجلوني: وفي بعض النسخ هي ساقطة؛ لإغناء الواو عنها في قوله: وحدثنا) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع فإن فائدة ثبوت (ح) الإشارة إلى تعدد الإسناد، وهي للتحويل من إسناد إلى آخر، و(الواو) لا تدل على هذا بدونها، الأصح ضمها إليه، فهما متلازمان في الدلالة؛ فافهم.\n (وحدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون، وسكون التحتية، هو الفضل بن دُكين؛ بضمِّ الدال المهملة، (عن هشام)؛ هو الدستوائي السابق، وإنما فرقهما؛ لأنَّ أبا نعيم قال: (عن)، ومعاذًا قال: (حدثنا)، والرواة إلى الصحابي كلهم بصريون، كذا في «عمدة القاري»، (عن قَتادة) بفتح القاف، هو ابن دعامة المفسر، (عن الحسن) هو البصري، (عن أبي رافع)؛ هو نُفيع -بضمِّ النون- مصغرًا الصائغ؛ بالمهملة آخره معجمة، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: إذا جلس) الضمير المرفوع فيه، وفي (جهد) يرجع إلى (الرجل)، وأما الضمير الذي في (شعبها) وفي (جهدها) يرجعان إلى المرأة، وإن لم يمض ذكرها؛ لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، كذا في «عمدة القاري»، وقد صرح بذلك في رواية لابن المُنْذِر من وجه آخر عن أبي هريرة قال: إذا غشي الرجل امرأته فقعد (بين شُعَبها الأربع)؛ بضمِّ الشين المعجمة، وفتح العين المهملة، جمع شعبة، ويروى: (أشعبها) جمع شعيب، وقال ابن الأثير: الشعبة: الطائفة من كل شيء، والقطعة منه، والشعب: النواحي، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع؛ فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: الرجلان والفخذان، وقيل: الرجلان والشفران، واختار القاضي عياض: أن المراد من الشعب الأربع: نواحيها الأربع، والأقرب أن يكون المراد اليدين والرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيًّا عنه بذلك يكتفى بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا؛ لأنَّه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينهما، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، (ثم جَهَدها)؛ بفتح الهاء والجيم؛ أي: بلغ جهده في العمل فيها، وقيل: بلغ مشقتها، يقال: جهدته وأجهدته (^١)؛ إذا بلغت مشقته، وقيل معناه: كدها بحركته.\nوفي رواية مسلم من طريق شعبة عن قتادة: (ثم اجتهد)، وقيل: الجهد من أسماء النكاح، فمعنى (جَهَدها): جامعها، وإنما عدل إلى الكناية؛ للاجتناب عما يفحش ذكره صريحًا، وروى أبو داود من طريق شعبة وهشام معًا، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان؛ فقد وجب الغسل»؛ أي: موضع الختان بموضع الختان؛ لأنَّ الختان اسم للفعل، وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج.\nوفي رواية البيهقي من طريق ابن أبي عَروبة عن قتادة: (إذا التقى الختانان؛ فقد وجب الغسل)، ورواه ابن ماجه من طريق القاسم بن محمَّد، عن عائشة برجال ثقات، ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري، عن عائشة، ولفظه: (مس الختان الختان)، والمراد بالمس: الالتقاء، يدل عليه رواية الترمذي، ولفظه: (إذا جاوز)، وليس المراد حقيقة المس حتى لو حصل المس بدون التقاء الختانين؛ فلا يجب الغسل بلا خلاف، كذا في «عمدة القاري».\n (فقد وجب الغسل)؛ أي: على كل من الرجل والمرأة، ولا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج؛ وجب الغسل عليهما وإن لم يوجد الإنزال، يدل عليه رواية مسلم من طريق ابن الوراق، عن الحسن في آخر هذا الحديث: (وإن لم ينزل)، ووقع ذلك في رواية قتادة أيضًا.\nرواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» عن عفان قال: حدثنا همام وأبان؛ قالا: أخبرنا قتادة به، وزاد في آخره: (أنزل أو لم ينزل)، وكذا رواه الدارقطني، وصححه من طريق علي بن سهل، عن عفان، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي عن حمَّاد بن سَلَمَة، عن قتادة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قبلًا أو دبرًا، طائعًا أو مكرهًا، نائمًا أو مستيقظًا، فإن الفسقة يرجحون قضاء الشهوة من الدبر على قضائها من القبل؛ لما يدعون فيه من اللين والحرارة والضيق، والمراد: غيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها، أما مجرد التلاقي؛ فلا يوجب الغسل، لكنه يوجب الوضوء عند الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف؛ لأنَّ ذلك لا يخلو على ظهور مذي غالبًا، فصار كالمتحقق، وقال الإمام محمَّد: لا يجب حتى يظهر المذي.\nوقيدنا بالرجل والمرأة؛ لأنَّه لو أولج في فرج بهيمة؛ لا يجب الغسل إلا بالإنزال، لكنه يعزَّر وتذبح البهيمة وتحرق على وجه الاستحباب، ولا يحرم أكل لحمها، كذا في «القنية»، وكذلك الميتة إذا أولج في فرجها لا يجب الغسل إلا أن ينزل، ولا يجب الوضوء فيه في المسألتين كما في «شرح النقاية» للعلامة القهستاني، لكنه يغسل ذكره ندبًا، وقيدنا بالرجل والمرأة احتراز عن الصغيرة الغير المشتهاة؛ فلا يجب الغسل بوطئها إلا أن ينزل؛ لعدم كمال السببية، وقال في «السراج»: (فيه خلاف؛ فقيل: يجب الغسل مطلقًا سواء أفضاها -أي: خلط مسلك سبيلها- أم لا، وقيل: لا يجب مطلقًا، والصحيح: أنه إذا أمكن الإيلاج في محل الجماع من الصغيرة ولم يفضها فهي ممن يجامع مثلها؛ فيجب الغسل، لكن قد صرحوا بأن وجوب الغسل مشروط بزوال البكارة، كما هو مشروط في الكبيرة، ففيها بالأولى)، وقال في «البحر»: (بقاء البكارة دليل على عدم الإيلاج، فلا يجب الغسل)، كما اختاره في «النهاية»، والمراد بالصغيرة: التي لا يجامع مثلها هي بنت ست مطلقًا، أو سبع، أو ثمان إذا لم تكن عبلة؛ أي: سمينة ضخمة، كما في «شرح المنية»، ولو لف على ذكره خرقة وأولج ولم ينزل، قال بعضهم: يجب الغسل، وقال بعضهم: لا يجب، والأصح أنه إن كانت الخرقة رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة؛ وجب الغسل، وإلا؛ فلا، والأحوط وجوب الغسل في الوجهين، كذا في «البحر» عن «السراج».\nوالصبي ابن عشر لو جامع زوجته البالغة؛ يجب عليها الغسل؛ لوجود إيلاج الحشفة، ولا يجب عليه؛ لانعدام الخطاب إلا أنه يؤمر بالغسل تخلقًا واعتيادًا، كما في «الخانية»، ولا بد أن يكون الصبي ممن يشتهى؛ لأنَّه لو لم يكن كذلك؛ لا يجب عليها الغسل، كما في «الدر»؛ لأنَّ ذكره بمنزلة الإصبع، ولا يجب الغسل بإدخال إصبع ونحوه؛ كذكر غير آدمي؛ كجني، وقرد، وحمار، وذكر خنثى مشكل، وذكر ميت، وصبي لا يشتهى، وما يضع على صورة الذكر من خشب ونحوه في الدبر أو القبل على المختار، كما في «التجنيس».\nلكن في «حواشي نوح أفندي»، و«شرح المنية»: (أن المختار وجوب الغسل في القبل إذا قصد الاستمتاع؛ لغلبة الشهوة فيهن، فأقيم السبب مقام المسبب وهو\n_________\n(^١) في الأصل: (اجتهدته)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":159},{"text":"الإنزال دون الدبر؛ لعدمها) انتهى.\nولو كان ذكره طويلًا، فعبث فيه حتى أدخله في دبر نفسه هل يجب عليه الغسل؟ فيه قولان رجح في «النهر» عدم الوجوب إلا بالإنزال، فإذا أنزل؛ وجب الغسل، وإلا؛ فلا، ورجح في «منهل الطلاب» الوجوب؛ يعني: يجب عليه الغسل وإن لم ينزل؛ زجرًا له ولتحقق الإيلاج؛ فليحفظ.\nقال: وكبر الذكر دليل على رداءة الأصل وصغره على حسنه، كذا قالوا؛ فليحفظ.\nهذا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد: (أنه يجب الغسل على كل من الرجل والمرأة بمجرد تغيُّب الحشفة في الفرج وإن لم يحصل إنزال سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، من آدمي أو بهيمة، حيًّا أو ميتًا، طائعًا أو مكرهًا، نائمًا أو مستيقظًا) انتهى.\nقلت: وإيجابهم في البهيمة والميتة الغسل نظر؛ لأنَّ كمال السببية معدومة فيهما، ولأنَّه لا تتحقق الشهوة فيهما إلا بالإنزال فجعل سببًا للوجوب، أما الإيلاج فقط؛ فالوجوب به غير ظاهر؛ لأنَّ الحديث لا يدل عليه؛ لأنَّ صريح الحديث يدل على الآدمي الحي بخلاف غيره، فبقي على الأصل وهو وجود الإنزال؛ فليحفظ.\nقال صاحب «عمدة القاري»: يستنبط من الحديث المذكور: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة؛ يجب الغسل عليهما وإن لم ينزلا وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان الخلاف فيه في الصدر الأول، فإن جماعة ذهبوا إلى أن من وطئ في الفرج ولم ينزل؛ فليس عليه غسل، وممن ذهب إلى هذا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو (^١) سَعِيْد الخدري، وأُبيُّ بن كعب، وأبو (^٢) أيُّوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصاري ﵃، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، والأعمش، وبه قالت الظاهرية، واحتجوا بآثار:\nمنها: ما رواه المؤلف من حديث زيد بن خالد ﵁ الآتي في الباب بعده، وأخرجه مسلم أيضًا والحافظ الطحاوي، والبزار، ولفظه: (عن زيد بن خالد الجهني: أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا ينزل؟ فقال: ليس عليه إلا الوضوء، وقال عثمان: أشهد أني سمعت ذلك من رسول الله ﷺ).\nومنها: حديث أُبيِّ بن كعب رواه مسلم عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة، ثم يكسل؟ فقال: «يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ»، وأخرجه الحافظ الطحاوي، وابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل.\nومنها: حديث أبي سَعِيْد الخدري أخرجه الشيخان عنه: أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار فأرسل إليه؛ فخرج ورأسه يقطر فقال: «لعلنا أعجلناك؟» قال: نعم؛ يا رسول الله، قال: «إذا (^٣) أعجلت أو قحطت؛ فلا غسل عليك وعليك الوضوء»، وأخرج مسلم عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الماء من الماء»، وأخرجه الطحاوي أيضًا.\nومنها: حديث أبي هريرة أخرجه الحافظ الطحاوي عنه قال: بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار؛ فأبطأ فقال: «ما حبسك؟» قال: كنت أصبت أهلي؛ فلما جاءني رسولك؛ اغتسلت من غير أن أحدث شيئًا، فقال: «الماء من الماء والغسل على من أنزل».\nومنها: حديث عتبان الأنصاري رواه أحمد عنه وابن عتبان الأنصاري قال: يا نبي الله؛ إني كنت مع أهلي؛ فلما سمعت صوتك؛ أقلعت فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ: «الماء من الماء».\nومنها: حديث رافع بن خديج أخرجه الطبراني وأحمد عنه: نادى رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل، فاغتسلت فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل فاغتسلت، فقال ﵇: «الماء من الماء».\nومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف، أخرجه أبو يعلى عنه.\nومنها: حديث عبد الله بن عباس، أخرجه البزار عنه.\nومنها: حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل، أخرجه معمر بن راشد عنه في «جامعه»، وفي آخر هذه الأحاديث: «الماء من الماء»، وحجة الجمهور حديث الباب وحديث عائشة ﵂: (أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل؟ فقالت: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا منه جميعًا)، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأخرجه الترمذي عنها أيضًا، ولفظه: (إذا جاوز الختان الختان؛ وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ، فاغتسلنا)، وهذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، فعائشة ﵂ أعلم بهذا؛ لأنَّها شاهدت ذلك وعاينته عملًا من رسول الله ﷺ؛ فقولها أولى وأحق ممن لم يشاهد ذلك.\nوروى مالك عن يحيى بن سَعِيْد، عن سَعِيْد بن المسيِّب: أن أبا موسى الأشعري ﵁ أتى عائشة أم المؤمنين فقال: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر إني لأعظم أن استقبلك به فقالت: (ما هو؟ ما كنت سائلًا عنه أمك؛ فسلني عنه)، فقال لها: الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل، قالت: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل)، فقال أبو موسى: لا أسأل أحدًا عن هذا بعدك أبدًا)، وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال أحمد: هذا إسناد صحيح إلا أنه موقوف على عائشة، وقال أبو عمر: هذا الحديث موقوف في «الموطأ» عند جماعة من رواته، وروى موسى بن طارق، وأبو قرة عن مالك، عن يحيى بن سَعِيْد، عن سَعِيْد بن المسيِّب، عن أبي موسى، عن عائشة: أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل»، ولم يتابع على رفعه عن مالك.\nوأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا عن عائشة مرفوعًا، وأخرجه عن جابر بن عبد الله قال: أخبرتني أم كلثوم عن عائشة: (أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل: هل عليه غسل؟) وعائشة جالسة فقال ﵇: «إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل».\nقالوا: فهذه الآثار أخبرت عن رسول الله ﷺ أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، وقالت الطائفة الأولى: هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ﷺ، وقد يجوز أن يفعل ما ليس عليه؛ يعني: كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب؛ فلا يتم الاستدلال بها والآثار الأُوَل تخبر عما يجب وعما لا يجب، فهي أولى.\nوأجاب الجمهور عن هذا: أن هذه الآثار على نوعين؛ أحدهما: «الماء من الماء» لا غير، فهذا ابن عباس قد روى عنه أنه قال: مراد رسول الله ﷺ من هذا أن يكون في الاحتلام، وأخرج الترمذي عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي (^٤) الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (الماء من الماء في الاحتلام)؛ يعني: إذا رأى أنه يجامع ثم لم ينزل؛ فلا غسل عليه، والنوع الآخر الذي أمر (^٥) وأخبر فيه بالقصة وأنه لا غسل في ذلك حتى يكون الماء، قد جاء خلاف ذلك عن رسول الله ﷺ وهو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهذا ناسخ لتلك الآثار.\nفإن قلت: ليس فيه دليل على النسخ؛ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ؟\nقلت: قد جاء ما يدل على النسخ صريحًا، روى أبو داود: حدثنا أحمد بن\n_________\n(^١) في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (إذ لا)، والمثبت موافق لما في «الصحيحين».\n (^٤) سقط من الأصل: (أبي).\n (^٥) في الأصل: (الأمر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":159},{"text":"صالح: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو -يعني: ابن الحارث- عن ابن شهاب قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن أُبيَّ بن كعب أخبره: أن رسول الله ﷺ إنَّما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام؛ لقلة الثبات، ثم أمرنا بالغسل ونهى عن ذلك، قال أبو داود: يعني: الماء من الماء، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا.\nوأخرج أبو داود أيضًا: حدثنا محمَّد بن مهران الرازي قال: أخبرنا مبشر الحلبي عن محمَّد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: حدثني أُبيُّ بن كعب: أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد، وأخرجه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\nفإن قلت: الحديث الأول مجهول وهو قوله: (حدثني بعض من أرضى).\nقلت: الظاهر: أنه أبو حازم سَلَمَة بن دينار الأعرج؛ لأنَّ البيهقي روى هذا الحديث، ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ الحديث محفوظ عن أُبيِّ بن كعب كما أخرجه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار»: إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له.\nوأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبيد ابن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينا أنا عند عمر بن الخطاب ﵁؛ إذ دخل عليه رجل فقال: (يا أمير المؤمنين؛ هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة)، فقال عمر: (علي به)، فجاء زيد فلما رآه عمر؛ قال: (أين عدو نفسه؟ قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك؟)، فقال: (يا أمير المؤمنين؛ بالله ما فعلت، لكن سمعت من أعمامي حديثًا فحدثت به من أبي أيُّوب، ومن أُبيِّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع)، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع فقال: (وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم من المرأة وأكسل لم يغتسل)، فقال: (قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ، فلم يأتنا فيه تحريم ولم يكن من رسول الله [ﷺ] فيه نهي)، قال: (ورسول الله ﷺ يعلم ذلك؟)، قال: (لا أدري)، فأمر عمر ﵁ بجمع المهاجرين والأنصار فجُمِعوا له فشاورهم، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك إلا ما كان من معاذ وعلي ﵄؛ فإنهما قالا: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل)، فقال عمر رضي الله [عنه]: (هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافًا)، قال: فقال علي ﵁: (يا أمير المؤمنين؛ إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن (^١) رسول الله ﷺ من أزواجه)، فأرسل إلى حفصة ﵂، فقالت: (لا علم لي بهذا)، فأرسل إلى عائشة ﵂، فقالت: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل)، فقال عمر: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا)، ورواه الحافظ الطحاوي أيضًا وفيه: (لا أعلم أحدًا فعله، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالًا)، ولم يتقن الكلام أحد في هذا الباب مثل الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، فإن أراد أحد أن يتقنه؛ فعليه بكتابه «معاني الآثار» وشرحه المسمى بـ «مباني الأخبار» لشيخ الإسلام والمسلمين إمام الشارحين السيد بدر الدين محمود العيني رضي الله تعالى عنه.\nقال في «عمدة القاري»: فإن قلت: ادَّعى بعضهم أن التنصيص على الشيء باسم الماء يوجب نفي الحكم عما عداه؛ لأنَّ الأنصار فهموا عدم وجوب الغسل بالانكسال من قوله ﵇: «الماء من الماء»؛ أي: الاغتسال واجب بالمني، فـ (الماء) الأول: هو المطهر، والثاني: هو المني، و(من) للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب، وقد فهموا التخصيص منه حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص موجبًا للنفي؛ لِمَ صح استدلالهم على ذلك؟\nقلت: الذي يقول هذا أبو بكر الدقاق، وبعض الحنابلة، والجواب: أن ذلك ليس من دلالة التنصيص، بل إنَّما هو من (اللام) المعرفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، ونحن نقول: هذا الكلام للاستغراق والانحصار، كما فهمت الأنصار، لكن لما دل الدليل وهو الإجماع على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس أيضًا؛ نفى الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمني، وصار المعنى: جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني منحصر فيه لا يثبت لغيره.\nفإن قلت: فعلى هذا؛ ينبغي ألا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء.\nقلت: الماء فيه ثابت تقديرًا؛ لأنَّه تارة يثبت عيانًا، كما في حقيقة الإنزال، وتارة دلالة، كما في التقاء الختانين، فإنه سبب لنزول الماء، فأقيم مقامه بكونه أمرًا خفيًا؛ كالنوم أقيم مقام الحدث؛ لتعذر الوقوف عليه.\nفإن قلت: المنسوخ ينبغي أن يكون حكمًا شرعيًّا، وعدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال ثابت بالأصل.\nقلت: عدمه ثابت بالشرع؛ لأنَّ مفهوم الحصر إنَّما يدل عليه؛ لأنَّ معنى الحصر إثبات المذكور ونفي غير المذكور، فيفيد أنه لا ماء من غير الماء) انتهى.\nوزعم الكرماني أن الراجح من الحديثين؛ يعني: حديث: «الماء من الماء»، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب حديث: «التقاء الختانين»؛ لأنَّه يدل بالمنطوق على وجوب الغسل، وحديث: «الماء من الماء» يدل بالمفهوم على عدمه، وحجة المفهوم مختلف فيها، وعلى تقدير ثبوتها؛ المنطوق أقوى من المفهوم، وعلى هذا التقدير؛ لا يحتاج إلى القول بالنسخ) انتهى.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: عدم دعوى الاحتياج إلى القول بالنسخ؛ غير صحيح؛ لأنَّ المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين الأحاديث التي في هذا الباب المتضادة إلا بإثبات النسخ على ما ذكرنا.\nفإن قلت: حديث «الالتقاء» مطلق، وحديث: «الماء من الماء» مقيد، فيجب حمل المطلق على المقيد؟\nقلت: سؤال الكرماني مبني على مذهبه، ثم أجاب: ليس ذلك مطلقًا، بل عامًّا؛ لأنَّ الالتقاء وصف يترتب الحكم عليه، وكلما وجد الوصف؛ وجد الحكم، وهذا ليس مقيدًا، بل خاصًّا، وكأنه قال: بالالتقاء يجب الغسل، ثم قال: بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل، فيصير من باب قوله ﵇: «أيُّما إهاب دبغ؛ فقد طهر»، وقوله ﵇: «دباغها طهورها»، وإفراد فرد من العام بحكم العام ليس من المخصصات) انتهى، والله تعالى أعلم.\n (تابعه) أي: تابع هشامًا (عَمرو)؛ بفتح العين المهملة، هو ابن مرزوق البصري أبو عثمان الباهلي، يقال: مولاهم، وصرح به في رواية كريمة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، (عن شعبة): هو ابن الحجاج، وزعم الكرماني أن قوله: (تابعه) يحتمل أن يراد به: عن شعبة، عن قتادة، أو عن شعبة، عن الحسن، فيختلف الضمير في (تابعه) بحسب المرجع.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا اختلاف للضمير فيه، بل هو راجع إلى هشام على كل حال) انتهى؛ فليحفظ، والله أعلم.\n (مثله) أي: مثل حديث الباب، وهذا التعليق وصله هشام بن أحمد بن السماك نحو سياق حديث الباب، لكن في روايته: (ثم أجهدها) من باب الإجهاد، وتمامه في «عمدة القاري»، (وقال موسى) هو ابن إسماعيل التبوذكي: (حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (أَبان)؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الموحدة، هو ابن يزيد العطار (قال: حدثنا قَتادة)؛ بفتح القاف، هو ابن دِعامة (قال: أخبرنا الحسن) هو البصري (مثله)؛ أي: مثل حديث الباب، ومن فوائد هذا الإسناد: أن فيه التصريح بتحديث الحسن لقتادة؛ لأنَّ في رواية حديث الباب (عن قتادة، عن الحسن)، وقتادة ثقة ثبت، لكنه مدلس، وإذا صرح بالتحديث؛ لا يبقى كلامٌ.\nوزعمَ الكرماني\n_________\n(^١) في الأصل: (فمن سأل)، والمثبت موافق لما في «المصنف».","vol":"1","page":160},{"text":"فإن قلت: لم قال: (تابعه عمرو)، وقال: (قال موسى)، ولم يسلك فيهما طريقًا واحدًا؟ قلت: المتابعة أقوى؛ لأنَّ القول أعم من الذكر على سبيل النقل والتحميل، أو من الذكر على سبيل المجاورة والمذاكرة، فأراد الإشعار بذلك، ويحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى؛ فلا يجزم بأنه ذكرهما على سبيل التعليق.\nقال صاحب «عمدة القاري»: (قلت: كلاهما تعليق صورة، ولكن الاحتمال المذكور موجود؛ لأنَّ كليهما من مشايخ البخاري) انتهى.\nوتمامه في «عمدة القاري» فإنه شرح لم يسبق بمثله، ومن أراد بيان المعاني والتحقيق والتدقيق؛ فعليه به، فإنه مشحون من الفوائد والفرائد، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم إنه تواب رحيم.\n\n <span id=\"b-٤٩٩\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-499>[باب غسل ما يصيب من فرج المرأة]</span>\nهذا (باب) حكم (غسل ما) موصولة، أو نكرة موصوفة (يصيب) أي: الرجل، أو العضو، أو الشيء (من) بيانية (فرج المرأة)؛ أي: امرأته، أو أمته عند الجماع.\n\n <span id=\"b-٥٠٠\"> </span>[حديث زيد: أنه سأل عثمان: أريت إذا جامع امرأته فلم يُمنِ]\n٢٩٢ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو مَعمَر)؛ بفتح الميمين، هو عبد الله بن عمرو؛ بالواو (قال: حدثنا عبد الوارث) هو ابن سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، (عن الحسين المعلم)؛ هو ابن ذكوان، وسقط (المعلم) في رواية (قال يحيى)؛ هو ابن أبي كثير؛ أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ (قال) الأولى تحذف في الخط في اصطلاحهم، قاله في «عمدة القاري»: (وأخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمَة)؛ بفتحات، هو ابن عبد الرحمن بن عوف، هذا معطوف على مقدر؛ تقديره: قال يحيى: وأخبرني بكذا وكذا، وأخبرني هذا، وإنما احتجنا إلى التقدير؛ لأنَّ (أخبرني) مقول (قال)، وهو مفعول حقيقة، فلا يجوز دخول (الواو) بينهما، ووقع في رواية مسلم بحذف الواو على الأصل، وفي رواية المؤلف دقة وهو الإشعار بأن هذا من جملة ما سمع يحيى مِن أبي سَلَمَة.\nفإن قلت: قول الحسين: (قال يحيى) يوهم أنه لم يسمع من يحيى، وكذا قال ابن العربي: إنه لم يسمع من يحيى، فلذلك قال: (قال يحيى)؟\nقلت: وقع في رواية مسلم في هذا الموضع: (عن الحسين، عن يحيى).\nفإن قلت: العنعنة لا تدل صريحًا على التحديث.\nقلت: الحسين ليس بمدلس، وعنعنة غير المدلس محمولة على السماع على أنه قد وقع التصريح في رواية ابن خزيمة في رواية الحسين عن يحيى بالتحديث، ولفظه: حدثني يحيى بن أبي كثير، وأيضًا لم ينفرد به الحسين مع ذلك، فقد رواه عن يحيى أيضًا معاوية بن سلام، أخرجه ابن شاهين، وشيبان بن عبد الرحمن، أخرجه المؤلف في باب (الوضوء من المخرجين)، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (أن عطاء بن يَسار)؛ بفتح التحتية أوله، فسين مهملة، ضد اليمين: (أخبره أن زيد بن خالد الجُهني)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الهاء، وبالنون نسبة إلى جُهينة بن زيد؛ بضمِّ الجيم أيضًا: (أخبره أنه سأل عثمان بن عفان) ثالث خلفاء سيدي المرسلين المسمى بذي النورين الذي تستحي منه ملائكة خالق الكونين رضي الله تعالى عنه مستفتيًا له، (فقال) أي: زيد لعثمان: (أرأيت) وفي رواية: (فقال له: أرأيت) أي: أخبرني: (إذا جامع الرجل امرأته) أي: أو أمته (فلم يُمْنِ)؛ بضمِّ التحتية أوله، وسكون الميم من الإمناء؛ أراد: أنه لم ينزل منه المني، وهذا أفصح اللغات، والثاني منها: فتح التحتيتة، وسكون الميم، والثالث: ضم التحتية مع فتح الميم، وتشديد النون، كذا في «عمدة القاري»، (قال عثمان) أي: ابن عفان ﵁ في جواب الاستفتاء: لا يجب عليه الغسل، لكنه (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة)؛ أي: يتوضأ وضوءًا شرعيًّا لا لغويًّا، (ويغسل ذكره) أي: يجمع بينهما؛ لأنَّ (الواو) لا تدل على الترتيب، وظاهر اللفظ يدل على أنه يقدم الوضوء على غسل الذكر؛ لأنَّ غسله ليس باستنجاء، ولأن مسه غير ناقض للوضوء، وهو ظاهر لفظ (عثمان) ﵁، ولفظ غيره من الصحابة الآتي ذكرهم؛ فليحفظ وإنما أمره بالوضوء وغسل الذكر؛ لأنَّه لا بد في هذه الحالة من خروج مذي منه وهو نجس ناقض للوضوء، ويحتمل لما أصابه من فرج المرأة؛ حيث إنه ينزل منها إلى فرجها المذي المسمى من النساء: القذى فيختلط في رطوبة الفرج فينجس الذكر بذلك؛ فلذلك أمره بغسله، وفيه المطابقة للترجمة، كما لا يخفى؛ فافهم، (فقال) وفي رواية: (قال) (عثمان)؛ أي: ابن عفان ﵁: (سمعته) أي: ما ذكره من قوله: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره) (من رسول الله ﷺ) فالضمير المنصوب يرجع إلى ما ذكره، وذلك باعتبار المذكور؛ فهذا سماع ورواية، والأول فتوى منه، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذه الفتوى يحتج بها؛ لأنَّها لا تقال من قبل الرأي، بل عن سماع ورواية، لا سيما وقد صرح بالسماع؛ فليحفظ.\nوالظاهر: أن هذا هو المباشرة الفاحشة الناقضة للوضوء، وهي مس فرج أو دبر بذكر منتصب بلا حائل يمنع حرارة الجسد، كما في «إمداد الفتاح» وهو صادق بألَّا يكون حائل أصلًا وبأن يكون حائل رقيق لا يمنع الحرارة، وكما ينتقض وضوءه ينتقض وضوءها، كما في «الفتاوى القنية» وجهه: أن المباشرة الفاحشة لا تخلو عن خروج المذي غالبًا، والغالب كالمتحقق وهو الاحتياط، كما في «مجمع الأنهر».\nوظاهر الحديث يدل على هذا؛ لأنَّ قوله: (إذا جامع...) إلخ؛ أي: أراد الجماع، لكنه حصل منه مس الذكر بالفرج، ولا ريب أنه في هذه الحالة لا ينزل منه المني، بل يخرج منه المذي وهذا ظاهر؛ لأنَّه لو كان جامع حقيقة بأن أدخل الذكر في الفرج؛ فالغالب نزول المني منه، والغالب كالمتحقق، لا سيما في بعض الناس التي غلبت شهوتهم، فإنهم بمجرد التماس يحصل الإنزال، بل وبمجرد التفكر يمني؛ فتأمل، والله تعالى أعلم.\n (فسألت عن ذلك)؛ أي: عن الحكم المذكور؛ وهو ما إذا جامع ولم يُمنِ وهذا مقول قول محذوف؛ أي: قائله عثمان ﵁؛ أي: الذي أفتيت به زيد بن خالد، ويحتمل على بعد؛ أي: يكون قائله زيد بن خالد؛ لأنَّ قول عثمان: (سمعته من رسول الله ﷺ) يدل على أن القائل: (فسألت عن ذلك) عثمان ﵁، فضمير المتكلم يعود عليه، وهو ظاهر (علي بن أبي طالب) ﵁، قيل: إنه مدفون في سفح جبل قاسيون في صالحية دمشق عند مرقد الزعبي، وأبي بكر بن قوام، وقيل: عند طريق القوافل فوقه بنحو من ثلاثين ذراعًا، وقيل: في حارة الأكراد، وأوسطها أعدلها، (والزُّبير) بضمِّ الزاي (بن العَوَّام)؛ بفتح العين المهملة، وتشديد الواو، وهو مدفون في داخل طاحونة الزبيرية التي في مرج الدحداح عند النهر، وقد زرته، والله أعلم (وطلحة بن عبيد الله)؛ بالتصغير، أحد العشرة (وأُبيَّ بن كعب) أقرأ الصحابة بشهادة من تظله الغمامة، وهو مدفون خارج باب شرقي دمشق قبلي المنارة البيضاء التي ينزل عليها عيسى ابن مريم ﵇، عليه قبة مهابة يقصد بالزيارة والتبرك، لا سيما لأولاد الصغار عند ابتداء قراءتهم القرآن، فيلحسون الشاهدة المكتوب عليها خط كوفي؛ فيحصل المراد بإذن رب العباد رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\nقال في «عمدة القاري»: (والظاهر: أن سؤاله منهم استفتاء من عثمان وفتوى منهم لا رواية، لكن رواه الإسماعيلي مرة","vol":"1","page":160},{"text":"بإظهار أنه رواية، وصرح به أخرى ولم يذكر عليًّا ﵁، ثم ذكر بعد ذلك روايات، وقال: لم يقل أحد منهم عن النبيِّ ﷺ غير الحمامي وليس هو من شرط هذا الكتاب) انتهى؛ فافهم.\n (فأمروه) أي: الرجل المجامع، فالضمير المنصوب فيه يرجع إلى المجامع الذي دل عليه قوله: (إذا جامع) وهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ أي: العدل أقرب للتقوى، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم العجلوني أنه ليس من هذا القبيل إلا أن يكون سقط من نسخة صاحب «عمدة القاري» (الرجل).\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ فإنه سواء سقط لفظ (الرجل) أو وجد؛ فهو من هذا القبيل، ومنعه تعصب وعناد، والضمير المرفوع يرجع إلى هؤلاء الصحابة المذكورين، ويحتمل إرجاع الضمير المنصوب إلى زيد بن خالد الذي سأل عثمان عن الرجل الذي جامع امرأته ولم ينزل؟ وعلى هذين الوجهين؛ فلا التفات في قوله: (فأمروه) أصلًا، كما أنه لا التفات فيه أيضًا على أنه من مقول عطاء بن يسار الراوي عن زيد بن خالد؛ فيكون مرسلًا؛ لأنَّ المقام للغيبة والسائل للصحابة المذكورين عثمان بن عفان ﵃ أجمعين، هذا ما ارتضاه إمام الشارحين وتبعه العجلوني، وإليه جنح القسطلاني وهو الحق؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر أن فيه التفاتًا؛ لأنَّ الأصل أن يقول: فأمروني.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: وليس فيه التفات أصلًا؛ لأنَّ عثمان ﵁ سأل هؤلاء الصحابة عن المجامع الذي لم يُمنِ، فأمروه بذلك؛ أي: بغسل الذكر والوضوء، والإشارة ترجع إلى الجملة باعتبار المذكور) انتهى.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض»؛ فزعم أن إنكاره الالتفات مكابرة ولو كان الذي قدره محتملًا، لكن لم يتحقق أنه كان هناك رجل سأل، وإنما صور زيد المسألة في رجل وقع له ذلك ماذا يفعل؟ لا أن رجلًا بعينه سأله عن ذلك، فالضمير لزيد بن خالد، وأمرهم له أعم من أن يكون وقع له بنفسه، فالحكم في حقه ذلك، أو وقع لغيره وتولى هو السؤال عنه، وأنه في حق الرجل ذلك، وأما جزم المعترض بأن عثمان هو الذي سأل الأربعة المذكورين؛ فغلط منه لا سلف له فيه، وإنما الذي جزم به الأئمَّة أن زيد بن خالد لما سأل عثمان؛ فأجابه بما ذكر سأل بعده الأربعة المذكورين، فوافقوا عثمان، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، وإثبات الالتفات عناد وتعصب بارد؛ فإن الضمير في قوله: (فأمروه) المنصوب عائد إلى الرجل في قوله: (أرأيت إذا جامع الرجل امرأته)، كما رجع إليه ضمير قوله: (يتوضأ)، وهذا ظاهر على من له أدنى ذوق في العلم، وعليه؛ فلا التفات فيه أصلًا؛ لأنَّ زيد بن خالد لما سأل عثمان عن الرجل إذا جامع امرأته ولم يُمنِ، وأجابه: بأنه يتوضأ ويغسل ذكره؛ فقد اكتفى بهذا الجواب؛ لأنَّ عثمان ثالث خلفاء سيد المرسلين؛ فلا ريب أنه يكتفى بجوابه، ولما رأى عثمان أنه قد يقع في نفس السائل شيء بادر وسأل هؤلاء الصحابة المذكورين؛ حتى يكون الجواب واحدًا متفقًا عليه، ويزول ما في نفس السائل، فالسائل لهم عثمان ﵁، ولأن مثل هذا السؤال قد يستحى بذكره؛ فربما سأل زيد عثمان خفية، وعثمان سأل هؤلاء جهرًا، وعلى كل حال؛ فالسائل عثمان ﵁، وعليه فلا التفات فيه أصلًا خلافًا لما زعمه هذا القائل، فقوله: (إن إنكاره...) إلخ، بل إثبات الالتفات فيه هنا معاندة وشدة؛ لأنَّه خلاف الظاهر المتبادر من اللفظ.\nوقوله: (ولو كان الذي...) إلخ هذا الاحتمال هو الحق؛ لأنَّه الموافق لظاهر لفظ الحديث، وغيره مصادمة للحديث.\nوقوله: (لكن لم يتحقق...) إلخ فاسد، بل تحقق ذلك؛ لأنَّ قوله: (أرأيت إذا جامع الرجل امرأته) يدل على أن الضمير عائد إلى الرجل المذكور الذي صدر منه هذا الفعل، فقد تحقق أنه كان هناك رجل (^١) سأل، كما لا يخفى.\nوقوله: (وإنما صور زيد المسألة...) إلخ ممنوع باطل؛ فأي مانع يمنع من أن يكون رجلًا بعينه سأله عن ذلك، ثم هو سأل عن ذلك عثمان؟\nوقوله: (فالضمير...) إلخ فاسد، بل الضمير لعثمان ﵁، وأمرهم بذلك إنَّما كان لعثمان ﵁؛ لأنَّ قوله: (قال عثمان: سمعته...) إلخ.\nوقوله: (فسألت عن ذلك) صريح في أن السائل كان عثمان ﵁؛ لأنَّ الضمير لا يعود إلا إلى أقرب مذكور، وأقرب المذكور إنَّما هو عثمان، فالضمير يعود إليه، والسائل عثمان؛ لأنَّ ضمير المتكلم في قوله: (فسألت) إنَّما يرجع إليه، كما لا يخفى، فكيف خفي هذا على هذا القائل المتعصب؟! فقوله: (وأما جزم المعترض...) إلخ باطل وفاسد؛ لأنَّ ظاهر الحديث المذكور يدل بمنطوقه ومفهومه على أن السائل عثمان ﵁، فالحديث سلفه ومستنده وهو ليس بغلط، كما زعمه هذا القائل المتعنت؛ لأنَّ الغلط الذي لا يدل عليه ظاهر الحديث، أما إذا دل الحديث على شيء؛ فلا يسع أحدًا أن يقول أنه غلط، والقائل به مفترٍ ومتعصب ومتعنت لا يلتفت إليه.\nوقوله: (وإنما الذي جزم به الأئمَّة...) إلخ ممنوع؛ فإن أراد بالأئمَّة: شراح «الصحيح»؛ فغير مسلم وفساده ظاهر، فقد أجمعوا على أن الضمير لعثمان والسائل لهم عثمان ﵁، وإن أراد غيرهم؛ فيحتاج إلى ذكرهم على أنه ليس لأحد أن يدَّعي هذه الدعوى الباطلة، ومن ادَّعاها؛ فلا يسع أحدًا أن يقول عنه: إنه إمام، بل ولا طالب من الطلبة الصغار؛ لأنَّ هذه بعيدة أصلًا، ولم يدل دليل على أن الصحابة المذكورين وجهوا الأمر إلى زيد بن خالد حتى يكون فيه التفاتٌ (^٢)، بل إنَّما وجهوا الأمر للرجل الدال عليه إذا جامع ولم يُمنِ، فالحق الذي لا يرجع إلا إليه أن الضمير في (فأمروه) يعود على الرجل، وأن السائل للصحابة عثمان، وليس في ذلك التفات أصلًا، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، ومن دق الباب؛ سمع الجواب، والله ولي الصواب، ولا يخفى هذا على أولي الألباب.\n (بذلك)؛ أي: بغسل الذكر والوضوء دون الغسل؛ لأنَّ إلزام الوضوء من حيث إنه يخرج منه المذي، وغسل الذكر من حيث إن المذي نجس، فهو ناقض نجس، فلذلك أمروه بذلك.\nوعند الإسماعيلي: (فقالوا مثل ذلك عن النبيِّ الأعظم ﷺ)، فصرح بالرفع بخلاف ما أورده المؤلف هنا، لكن قال الإسماعيلي: (لم يقل أحد ذلك غير الحمامي، وليس هو من شرط المؤلف)، نعم؛ روى عن عثمان، وعلي، وأُبيِّ بن كعب ﵃ أنهم أفتوا بخلافه، ولهذا قال ابن المديني شيخ المؤلف: (إن حديث زيد بن خالد شاذ)، وقال أحمد: (فيه علة).\nوأجيب: بأن كونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحة الحديث؛ فكم من حديث صحيح وهو منسوخ، فلا منافاة بينهما، فقد كان الحكم في ابتداء الإسلام هكذا، ثم جاءت السنة بوجوب الغسل، ثم أجمعوا عليه بعد ذلك، وعلله الحافظ أبو جعفر الطحاوي بأنه مفسد للصوم وموجب للحد والمهر وإن لم ينزل، فكذلك الغسل، والظاهر: أن هؤلاء الصحابة المذكورين لم يبلغهم النسخ سوى من أفتى منهم بخلافه، وقدمنا أول الباب غيرهم من الصحابة، وكذا من التابعين، وأهل الظاهر وأن ما نقل عنهم قد روي عن بعضهم ما يخالفه وانعقد الإجماع على خلافه وأنه منسوخ؛ فافهم.\n (قال يحيى) هو ابن أبي كثير: (وأخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمَة)؛ بفتحات، هو ابن عبد الرحمن، كذا في رواية الأكثرين، وسقط في رواية أبي ذر: (قال يحيى) فقط، والأول هو المراد؛ لأنَّه معطوف على قوله: (قال يحيى: وأخبرني أبو سَلَمَة: أن عطاء بن يسار) فهو معطوف على الإسناد الأول، فيكون هذا داخلًا في الإسناد؛ فبهذا يندفع قول من يقول: إن ظاهره معلق، والدليل عليه أيضًا ما رواه مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه بالإسنادين جميعًا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»: (أن عُروة)؛ بضمِّ العين المهملة (بن الزُّبير)؛ بضمِّ الزاي، هو ابن العوام (أخبره: أن أبا أيُّوب)؛ هو خالد بن زيد بن كليب بن النجار الأنصاري الخزرجي ﵁ الذي نزل عليه النبيُّ الأعظم ﷺ لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده، وروي عن سَعِيْد بن المسيِّب: أن أبا أيُّوب الأنصاري أخذ من شعرات لحية رسول الله ﷺ شيئًا، فقال له: «لا يصيبك\n_________\n(^١) تكرر في الأصل: (رجل).\n (^٢) في الأصل: (التفاتًا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":161},{"text":"السوء يا أبا أيُّوب»، لزم الجهاد في حياة المصطفى ﷺ وبعده إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية سنة اثنتين وخمسين، ودفن بها، وهي دار خلافة بني عثمان، وقبره هناك مشهور معظم، بنى عليه السلطان محمَّد الفاتح جامعًا عظيمًا، وجعل على مرقده الشريف قبة عظيمة، يزار ويتبرك به وهو مشهور باستجابة الدعاء وهو ﵁ جدي وسندي وعمدتي وإليه أنتسب وشفيعي عند سيد العالمين، فنسبي متصل به، ولولا الإطالة؛ لذكرته، ونعم هذا الجد والسند، اللهم؛ احشرنا في زمرته تحت لواء سيد المرسلين ﷺ.\n (أخبره: أنه سمع ذلك)؛ أي: الحكم المذكور؛ وهو غسل الذكر والوضوء دون الغسل فيمن جامع ولم ينزل (من رسول الله ﷺ) فتذكير الإشارة بالاعتبار المذكور، قال الدارقطني: (فيه وهم؛ لأنَّ أبا أيُّوب لم يسمعه من رسول الله ﵇، وإنما سمعه من أُبي بن كعب، عن رسول الله ﵇)، قال ذلك هشام عن أبيه، عن أبي أيُّوب، عن أُبيِّ بن كعب.\nورده صاحب «عمدة القاري» بأن قوله: (لم يسمعه من رسول الله ﵇) نفي، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي أيُّوب عن النبيِّ ﷺ، وهو إثبات، والإثبات يقدم على النفي، على أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدرًا، وسنًّا، وعلمًا من هشام بن عروة، وحديث الإثبات رواه الدارمي، وابن ماجه.\nفإن قلت: حكي عن أحمد أن حديث ابن خالد المذكور معلول؛ لأنَّه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث.\nقلت: كونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحة الحديث؛ لأنَّ كم من حديث منسوخ وهو صحيح، فلا منافاة بينهما، ألا ترى أُبيًّا ﵁ كان يرى الماء من الماء؛ لظاهر الحديث، ثم أخبر عنه سهل بن سعد: أن النبيَّ ﷺ جعل الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمره بالغسل، وأما الذي يستنبط من حديث الباب أن الذي يجامع امرأته ولم ينزل منيه؛ لا يجب عليه الغسل وإنما يغسل ذكره ويتوضأ، وهذا منسوخ؛ لما بيناه، ومذهب الجمهور: هو أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج؛ وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في رواية أخرى في الصحيح: (وإن لم ينزل)، وقال أصحابنا: التقاء الختانين يوجب الغسل مع تواري الحشفة، أما نفس الملاقاة بين الفرجين من غير تواري؛ فلا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء عند الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، وقال الإمام محمَّد: لا يوجبه أيضًا ما لم يظهر المذي، وقال في «المحيط»: لو أتى المرأة وهي بكر؛ فلا غسل ما لم ينزل؛ لأنَّ بقاء البكارة دليل عدم الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت؛ فعليهما الغسل؛ لوجود الإنزال، فإنه لا حبل بدونه، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٥٠١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-501>[حديث: يغسل ما مسَّ المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي]</span>\n٢٩٣ - وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى) هو ابن القطان، (عن هِشام) بكسر الهاء؛ هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أَبي)؛ بفتح الهمزة، هو عروة بن الزبير بن العوام، وأشار بقوله: (أخبرني أبي)؛ لدفع ظن ظان أنه أُبيٌّ بضمِّ الهمزة، وهو أُبيُّ بن كعب لكونه في الإسناد؛ فليحفظ نبه عليه في «عمدة القاري» (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو أيُّوب)؛ هو خالد بن زيد الأنصاري النجاري الخزرجي جدي وأستاذي وسندي ﵁، (قال: أخبرني) بالإفراد (أُبيُّ)؛ بضمِّ الهمزة (بن كعب) رضي الله تعالى عنه (أنه قال)؛ أي: أبي: (يا رسول الله)، وفي الرواية الأولى أن أبا أيُّوب سمعه من النبيِّ الأعظم ﷺ ولا منافاة بينهما؛ لأنَّه لا مانع من كونه سمعه تارة من النبيِّ الأعظم ﵇، وتارة أخرى من أُبيِّ بن كعب، وذكره الواسطة تكون للتقوية أو لغرض آخر؛ لأنَّ الطريقين مختلفان في اللفظ والمعنى وإن توافقا في بعض الأحكام مع جواز سماعه من رسول الله ﷺ ومن أُبيِّ بن كعب كليهما، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»؛ فليحفظ، (إذا جامع الرجل المرأة) وفي رواية: (امرأته)؛ أي: أو أمته؛ يعني: أفتنا يا رسول الله فيما إذا جامع الرجل امرأته، (فلم يُنْزل؟)؛ بضمِّ التحتية، وسكون النون؛ أي: لم ينزل منيه (قال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (يَغْسل)؛ بفتح التحتية، وسكون الغين المعجمة؛ أي: الرجل المجامع (ما مس المرأة منه) متعلق بـ (يغسل) وضميره للرجل، أو بـ (مس)، وضميره عائد إلى (ما)، والمراد به: العضو، أو بيان لـ (ما) الموصولة أو الموصوفة، ومحلها النصب على أنها مفعول (يغسل)؛ أي: يغسل الرجل المذكور العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: المقصود منه بيان ما أصابه من رطوبة فرج المرأة، فكيف يدل عليه وظاهر أن ما مس المرأة من يد أو رجل ونحوها لا يجب غسله؟ قلت: فيه إما إضمار أو كناية؛ لأنَّ تقديره: يغسل عضوًا مس فرج المرأة، أو هو من إطلاق اسم اللازم؛ وهو مس المرأة، وإرادة الملزوم؛ وهو إصابة رطوبة فرجها) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن كلًّا من العضو الذي مسته الرطوبة مأمور بغسله، وكذا الرطوبة، لكن ظاهر الحديث يدل على أنه العضو المعبر عنه بـ (ما)؛ لأنَّه الذي يمس المرأة، ويحتمل إرادة الرطوبة على حذف مضاف؛ أي: رطوبة ما مس المرأة، فالحديث قابل للأمرين معًا، وكل منهما يصح أن يقصد، لا أن المقصود هو الرطوبة لا غير، وغسل أحدهما يلزم منه غسل الآخر، وشمول الحديث لما ادَّعى الكرماني أنه ظاهر، غير ظاهر؛ فإن السؤال دال على أن ما يمس المرأة منه رطوبة الفرج، وكذا دعواه أن المقصود منه بيان ما أصاب من رطوبة فرج المرأة وإن كان ظاهرًا في أحدهما، انتهى.\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ المأمور بغسله إنَّما هو العضو الذي مس فرج المرأة؛ لما عليه من الرطوبة الحاصلة من المذي منهما في الفرج، فيتلطخ العضو بذلك؛ فلهذا أمره بغسله وهذا ظاهر الحديث ودال عليه، لا ما قاله هذا القائل من أن كلًّا من العضو... إلخ؛ لأنَّ هذا لا يدل عليه ظاهر الحديث وفيه خبط وخلط، كما لا يخفى.\nوقوله: (ويحتمل إرادة...) إلخ هذا الاحتمال غير ظاهر أيضًا؛ لأنَّ الحديث لا يدل عليه؛ لأنَّ قوله: (ما مس المرأة منه) صريح في أنه العضو الذي مس فرج المرأة؛ لتنجسه بالرطوبة المخالطة للمذي في الفرج، لا إرادة الرطوبة فقط؛ لأنَّ الحديث غير دال عليها ولم يشعر بها، كما لا يخفى، فقوله: (فالحديث قابل للأمرين...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل يدل على هذا وما هو إلا مصادمة للحديث، ولا يصح أن يقصد أحدهما دون الآخر؛ لأنَّ فائدة الأمر بالغسل إنَّما هو لأجل ما على العضو مما ذكرنا، فهما أمران متلازمان لا يصح قصد أحدهما بدون الآخر.\nوقوله: (وشمول الحديث...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ السؤال دالٌّ على أن ما يمس المرأة منه العضو الذي مسها لا الرطوبة فقط، فكلام الكرماني ظاهر، كما لا يخفى.\nوقوله: (وكذا دعواه...) إلخ، فإنه ظاهر أيضًا؛ لأنَّ المقصود بيان العضو الذي مس فرج المرأة بغمسه رطوبة فرجها المخلوطة بالمذي الموجود منهما، ولا ريب أن ظهور المذي ناقض للوضوء؛ فأمره بالوضوء، وكل ناقض نجس، فالمذي نجس وقد اختلط برطوبة الفرج، فلهذا أمره بغسل ذكره، ويدل على هذا: ما تقدم من الأحاديث التي صرحت بأنه يغسل ذكره، فهذا هو العضو الذي مس المرأة من الرجل، وهذا القائل داء به التعصب والتشديد ولا جرم، فإن كل من دق الباب سمع الجواب، والله ولي الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم، والله أعلم.\nوفي يوم السادس عشر رجب سنة سبع وسبعين ومئتين وألف نزل ثلج ومطر فعم الأسطحة ودلفت ووقع برد وشرد ونعوذ بالله من غضبه، وسخطه، والنار، ونسأله رضاه والجنة يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى","vol":"1","page":161},{"text":"آله وصحبه.\n (ثم يتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، كما زاده عبد الرزاق، عن الثوري، عن هشام، وهو صريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه منها، كذا في «عمدة القاري» (ويصلي)؛ أي: ما كتب له من فرض أو نفل، وهذا تصريح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله، (قال أبو عبد الله) فاعل (قال) محذوف وهو الراوي عن البخاري، و(أبو عبد الله) كنية البخاري، كذا قاله في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر، وزعم العجلوني أن القائل البخاري نفسه لكن فيه تجريد، انتهى.\nقلت: ليس كما قال، بل هو قول الراوي عن المؤلف وهو الأظهر، ولا حاجة لحمله على التجريد؛ لأنَّه خلاف الظاهر المتبادر؛ فافهم.\nوقال الكرماني: (ووقع: «قال أبو عبد الله...» إلخ بعد حديث: «إذا جلس بين شعبها»، وذلك أولى) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن ذِكْره هنا أولى؛ لأنَّه حينئذٍ تظهر المفاضلة لذكر الشيئين بخلاف ما لو قدمه؛ فافهم انتهى؛ فتأمل.\nومقول القول قوله: (الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وزعم العجلوني: أن في «الفرع» بفتحها.\nقلت: والمشهور الأول؛ أي: الاغتسال لجميع الجسد من الجماع بغير إنزال المذكور في أحاديث كثيرة منها ما سبق في باب (إذا التقى الختانان).\n (أحوط)؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغسل الذكر والوضوء المذكورين في أحاديث هذا الباب المروية عمن تقدم من الصحابة، وعلى هذا؛ ينبغي أن يحمل ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي حتى أغتسل؛ أي: من الجماع من أجل اختلاف الناس للأخذ (^١) بالعروة الوثقى.\nقلت: لأنَّ العبادة المتفق على صحتها خير من المختلف في صحتها، كما لا يخفى، ولهذا ينبغي للإمام أن يحتاط في وضوئه وصلاته، ويفعل ما أجمع عليه الأئمَّة الأعلام؛ لتكون عبادته موافقة لهم، ومجمعًا (^٢) على صحتها لا ما يفعله بعض المتعصبين من الشافعية الذين يظنون أنفسهم من المتورعين، ويحتاط على مذهب إمامه ويفعل ما هو مخل أو مفسد في مذهب غير إمامه من الأئمَّة الكبار، فإن هذا ليس من الاحتياط في شيء، وإنما هو تعصب، وشدة في أمر الدين، ومخالفة لسيد المرسلين القائل: «بعثت بالدين الحنيفية السمحة»؛ فافهم ذلك، ولا تكن ممن غلب جهله على علمه، أو جهله على عقله أو دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n (وذلك)؛ باللام، وفي بعض النسخ: (وذاك) بدونها، والإشارة إلى الحديث الدال على لزوم الغسل لجميع الجسد (الأخير)؛ بمثناة تحتية من غير مد على وزن (فعيل) هو رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: (الآخِر)؛ بالمد بغير مثناة تحتية، وكسر الخاء المعجمة، وعليها؛ فالمعنى: وذاك المذكور في العبارة لذكره في الباب الثاني، وقال ابن التين: (ضبطناه بفتح الخاء)؛ أي الحديث من فعل الشارع ﵇ المغاير الدال على عدم لزوم الغسل، وقال في «عمدة القاري»: (وأشار بقوله: «وذلك الأخير» إلى أن هذا الحديث غير منسوخ؛ أي: آخر الأمرين من الشارع) انتهى؛ أي: بل هو ناسخ لما قبله؛ فتأمل، (إنما بيَّنا) وللأَصيلي: (بيناه)؛ بالهاء، ولابن عساكر بالواو، لكن الأنسب حذفها؛ لأنَّ الجملة خبر (وذلك الأخير) تابع له؛ (لاختلافهم) ولكريمة: (اختلافهم)، وعلى الأولى؛ فهو متعلق بـ (بيَّنا) على أنه علة له؛ أي: ذكرنا الحديث الذي يدل على عدم لزوم الغسل في هذه الحالة؛ لنبين اختلاف الصحابة في الوجوب وعدمه، أو اختلاف المحدثين في صحته وعدمه، لا لأنا نقول به ونرتضيه، ويؤيد هذا الحمل ما في نسخة الصغاني: إنما بيَّنا الحديث الآخر؛ لاختلافهم والماء أنقى والظاهر أن معنى قول المؤلف: (وذلك الأخير) الإشارة للحديث الدال على لزوم الغسل، ومعنى كونه الأخير: أنه آخر الأمرين من فعل الشارع فهو ناسخ لما أفتى به عثمان ومن ذكر من الصحابة، فـ (ذلك) مبتدأ و(الأخير) خبره، ومثله على كسر الخاء بلا ياء، وأما على فتحها؛ فهو بظاهره غير مفيد؛ لأنَّه تابع لذاك، فإن قُدِّر له خبر نحو هو المعول عليه كان مفيدًا صحيحًا ويكون قوله: (إنما بينا؛ لاختلافهم) على هذه الوجوه مستأنفًا، وضمير (بيناه) الموجود أو المقدر راجع إلى ما تقدم من حديث زيد بن خالد، وعلى هذا؛ فيكون كلام المؤلف موافقًا لما عليه الإجماع من وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، وليس في هذا ميل لمذهب داود الظاهري وإن نقله البرماوي عن السفاقسي حيث قال: وقال السفاقسي: (رويناه بفتح الخاء)، وقيل: إنه الوجه، وقال في قوله: (إنما بيناه؛ لاختلافهم): (ميل لمذهب داود، والجمهور على أنها منسوخة).\nقلت: (إنما يكون ميلًا (^٣) لمذهب داود إذا فتحت الخاء من «آخَر»، أمَّا بالكسر؛ فيكون جزمًا بالنسخ) انتهى، ولا يتوجه عليه أيضًا اعتراض ابن العربي حيث قال: قد روى جماعة من الصحابة المنع، ثم رجعوا حتى رُوِيَ عن عمر أنه قال: من خالف في ذلك؛ جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يعبأ بخلاف داود فيه، فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه: بأن الغسل أحوط وهو أحد علماء الدين، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين وبين حديث عثمان وأُبيِّ بن كعب إلا بالإنزال، وحديث عثمان ضعيف، وحديث أُبيِّ بن كعب التعلق به ضعيف؛ لأنَّه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما هو أقوى منه، ثم قال: يحتمل أن قول البخاري: (الغسل أحوط)؛ يعني: في الدين وهو باب مشهور في الأصول وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه.\nقال ابن حجر: (هذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث بغير هذه المسألة)،\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: من ترجمته يفهم جواز ترك الغسل؛ لأنَّه اقتصر على غسل ما يصيب الرجل من المرأة، إنَّما هو الجواب، والغسل غير واجب، ولكنه يستحب؛ للاحتياط) انتهى.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: (بأن هذا إنَّما يفهم من جواب السؤال، وأما غسل الذكر وهو المترجم به؛ فمقصود من يترجم به أنه مشروع أعم من أن يكون غسل جميع البدن واجبًا أم لا، وهذا على رأي من لا يرى اندراج إزالة النجاسة في غسل جميع الجسد، بل يشترط لها غسلًا آخر) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد ظاهر الفساد؛ لأنَّ ما ترجم به المؤلف من غسل ما يصيب فرج المرأة بيان على أن ترك الغسل جائز، والجائز غير واجب، فبقي على الاستحباب؛ للاحتياط، وهذا ظاهر.\nوقوله: (وأما غسل الذكر...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ غسل الذكر مشروع في الاستنجاء؛ فلا حاجة لبيانه هنا، وإنما ترجم به؛ للإشارة إلى أن الجماع تارة يكون واجبًا وهو ما إذا أنزل، وتارة يكون مستحبًّا وهو ما إذا لم ينزل؛ ولأجل اختلاف الناس في ذلك ترجم بما يصيب المرأة وإصابتها أعم من [أن] يكون واجبًا أو مستحبًّا، وهذا مفهوم ضرورة من الترجمة؛ فافهم، والله أعلم.\nواعترض ابن حجر على ابن العربي في نفيه الخلاف، فزعم أن الخلاف مشهور في الصحابة والتابعين، يثبت عن جماعة منهم ومن التابعين، انتهى.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: لقائل أن يقول: انعقد الإجماع عليه، فارتفع الخلاف)؛ بيانه: ما رواه الحافظ الطحاوي: حدثنا روح بن الفرج قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكير قال: حدثني الليث قال: حدثني معمر بن أبي حُيَيَّة؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح المثناة التحتية المكررة، فهي حيية بنت مرَّة بن عمرو بن عبد الله بن شعيب، ومعمر هذا يروي عن عبد الله بن عدي بن الجبار قال: تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة، فقال\n_________\n(^١) في الأصل: (لأخذ)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (مجمع)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (ميل)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":162},{"text":"بعضهم: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل)، وقال بعضهم: (الماء من الماء)، قال عمر ﵁: (قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف الناس بعدكم؟!) فقال علي بن أبي طالب: (يا أمير المؤمنين؛ إن أردت أن تعلم ذلك؛ فأرسل إلى أزواج النبيِّ ﷺ فسلهن عن ذلك)، فأرسل إلى عائشة ﵂، فقالت: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل)، فقال عمر ﵁ عند ذلك: (لا أسمع أحدًا يقول: الماء من الماء؛ إلا جعلته نكالًا)،\nقال الحافظ الطحاوي: (فهذا عمر ﵁ قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ، فلم ينكر ذلك عليه منكِر) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن الخصم ينازع في الإجماع بما نقله مما تقدم، فكيف يتوجه الرد عليه بما ذكره؛ فتأمل.\nقلت: تأملته، فناسب أن يقال هنا: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]؛ ولا يخفى أنه لا نزاع في الإجماع؛ لأنَّ المراد بالإجماع إجماع الصحابة ﵃ وهو المعتبر في الدلائل الشرعية لا إجماع التابعين؛ لأنَّه غير معتد فيه في الشرع، فهذا القائل لم يفرق بين إجماع الصحابة وإجماع من بعدهم، ولا يسع أحدًا أن ينكر إجماع الصحابة في هذه المسألة؛ لثبوته عنهم، كما رواه الحافظ الطحاوي، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنفه» على غير هذه الصفة، كما ذكرنا ذلك في باب: (إذا التقى الختانان) عن «عمدة القاري»، وفيه إجماع الصحابة على لزوم الغسل وإن لم ينزل، ولهذا قال الشافعي في «اختلاف الحديث»: حديث «الماء من الماء» ثابت، لكنه منسوخ...) إلى أن قال: (فخالفنا بعض أهل الحجاز فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل، فعرف بهذا أن الخلاف مشهور بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب) انتهى، فقد علمت أنه نفى الخلاف بين الصحابة؛ لوقوع الإجماع وثبوته عنهم، وأثبت الخلاف بين التابعين ومن بعدهم، فهذا القائل لم يدر الفرق بين إجماع هؤلاء وبين إجماع هؤلاء وبينهما فرق كما بين السماء والأرض، وعلى كل؛ فالرد متوجه على ابن حجر بما زعمه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.\nوادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، قال في «عمدة القاري»: وفيه نظر؛ لأنَّ الخطابي قال: (قاله من التابعين الأعمش)، وتبعه القاضي، ولكنه قال: (لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره).\nقال في «عمدة القاري»: (وفيه نظر؛ لأنَّه قد ثبت أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن كان يفعل ذلك، وكذا عطاء بن أبي رباح، كما رواه ابن عبد الرزاق) انتهى.\nوالحاصل: أن إجماع الصحابة ثابت قائم على وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، وأن اختلاف التابعين فيه ثابت، وما بعد الإجماع إلا الرجوع إليه، ثم أجمعت المجتهدون على ذلك، فلا يجوز العمل إلا بما عليه أئمة المذاهب الأربعة الأعلام، والله ولي الألباب وهو الصواب؛ فافهم.\nوفي رجب سنة سبع وسبعين ومئتين وألف ظهر قحط من قلة القمح وغيره، وقلة البيع والشراء، وتعطلت الطرقات من الثلج، وظهرت السقعة في كل يوم من العصر على وجه ماء البحرات، فالبرد شديد، والخبز عزيز، والدرهم قليل، والمصرف كثير، والحي باقٍ لا يزول، اللهم؛ أحسن أحوال المسلمين، ورخص أسعارهم بجاه النبي الأعظم ﷺ وآله وأصحابه أجميعين آمين.\n\n <span id=\"b-٥٠٢\"> </span>«٦» <span data-type=\"title\" id=toc-502>[كتاب الحيض]</span>\nولما فرغ المؤلف من الأحداث التي يكثر وقوعها؛ كالأصغر والأكبر والأحكام المتعلقة بها أصلًا وخلفًا؛ أراد أن يذكر لنا عقيب ذلك حكم الأحداث التي يقل وقوعها، فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا هي ثابتة في «الفرع»، وساقطة في أكثر الروايات، هذا (كتاب) في بيان أحكام (الحيض) ولأبي ذر تقديم (كتاب) على البسملة، وفي رواية: (باب) بدل (كتاب)، ولا يخفى أن التعبير بـ (كتاب) أولى؛ لاشتماله على الأنواع الداخلة تحته، بخلاف الـ (باب)؛ فافهم، وإنما ترجم بـ (الحيض) دون غيره من النفاس والاستحاضة؛ لكثرة وقوع الحيض على غيره، أو لكونه أصلًا في هذا الباب دون غيره، ولأنَّه أصل في الأحكام، ولهذا أفرده الإمام محمَّد بن الحسن محرر مذهب الإمام الأعظم في كتاب مستقل، ولأنَّ معرفة مسائله من أعظم المهمات؛ لما يترتب عليها ما لا يحصى من الأحكام؛ كالطهارة، والصَّلاة، والقراءة، والصوم، والحج، والاعتكاف، والبلوغ، والوطء، والطلاق، والعدة، والاستبراء، وغير ذلك مما مقرر في كتب الفروع.\nواختلفوا في التعبير عن الحيض والنفاس بأنهما من الأحداث أو الأنجاس، فذهب جماعة إلى الثاني، وذهب جماعة إلى الأول، قال في «العناية»: (والأنسب أنه الأول)، واستظهر في «البحر» الثاني، ثم قال: (والظاهر أنه لا ثمرة لهذا الاختلاف) انتهى.\nقلت: ويرد عليه أن إزالة النجاسة تبيح الدخول في الصَّلاة، واغتسال الحائض ما دامت متصفة به لا يبيح ذلك، فعلم بهذا أنه ليس نجسًا حقيقيًّا، والطهارة منه طهارة حدث لا طهارة نجس، ولأن الأحكام المتعلقة به هي الأحكام المختصة بالأحداث، فالتحقيق أنه من الأحداث، كذا في «منهل الطلاب»، وفيه: وللحيض أسماء وهي خمسة عشر اسمًا، جمعها بعضهم في بيتين من البسيط، فقال:\nللحيض عشرة أسماء وخمستها... حيض محيض محاض طمث إكبار\nطمس عراك فراك مع أذى ضحك... درس دراس نفاس قرء إعصار\nوالطمث الأول بالمثلثة، ويقال: بالمثناة الفوقية، ويقال بالهمز أيضًا، والثاني: بالسين المهملة، والعراك؛ بالعين المهملة، وذكر في «النهر» أن الحيض لا يكون في غير المرأة إلا في الأرنب والضبع والخفاش، زاد القسطلاني: (الكلبة، والناقة، والوزغة) انتهى، وزاد بعضهم: الحجرة؛ وهي الأنثى من الخيل، والعرس؛ وهي لبوة الأسد، والجمع: أعراس، وسمكة شبيهة بالنساء ذات شعور وفروج عظام فهي تسعة أصناف، وقد نظمها بعضهم في بيتين، فقال:\nالحيض يأتي للنساء وتسعة... وهي النياق وضبعها والأرنب\nوالوزغ والخفاش حجرة كلبة... والعرس والحيات منها تحسب\nوالبعض زاد سميكة وعاشة... فاحفظ ففي حفظ النظائر يرغب\nوالحيض المنسوب إلى هذه الحيوانات؛ بمعنى: السيلان، والحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاضت السمرة؛ وهي شجرة يسيل منها شيء؛ كالدم، ويقال: الحيض لغة: الدم الخارج، يقال: حاضت الأرنب؛ إذا خرج منها الدم، وذكر في «العباب»: (التحييض: التسييل، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضًا)، وعن اللحياني: (حاض، وخاض، وحاص؛ بالمهملتين، وحار؛ كلُّها بمعنًى، والمرأة حائض وهي اللغة الفصيحة الفاشية بغير تاء).\nواختلف النحاة في ذلك، فقال الكوفيون: (إنه استغني عن علامة التأنيث؛ لأنَّه وصف لازم مخصوص بالمؤنث؛ فلا لبس في ذلك)، وقال سيبويه: (إن ذلك صفة شيء مذكر؛ أي: شيء أو إنسان، أو شخص حائض)، وقال الخليل: (لما لم يكن جاريًا على الفعل؛ كان بمنزلة المنسوب بمعنى: حائض؛ أي: ذات حيض؛ كذراع، ونامل، وتامر، ولَابِن، وكذا طالق، وطامث، وقاعد للآيسة؛ أي: ذات طلاق)، وحكى الفراء: (حائضة)، وتمامه في «منهل الطلاب»، و«عمدة القاري».\nوأما معناه شرعًا؛ فعلى قول من يقول: إنه من الأحداث؛ فهو صفة شرعية مانعة عما تشترط له الطهارة؛ كالصَّلاة، ومس المصحف، وعن الصوم، ودخول المسجد، والقرآن بسبب الدم المذكور، وعلى القول بأنه من الأنجاس؛ فهو دم ينفضه رحم المرأة البالغة لا داء بها، ولا حبل، ولم تبلغ سن الإياس، وقال الإمام","vol":"1","page":162},{"text":"الكرخي: الحيض: دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه، وقيل: هو ممتد خارج عن موضع مخصوص وهو القبل، وأما الاستحاضة؛ فهي جريان الدم في غير أوانه وهو ما تراه حال الحبل، أو في أقل من ثلاثة أيام، أو في أكثر من عشرة أيام، أو في حال الصغر، أو في حال المرض، أو بعد بلوغ سن الإياس، أو غير ذلك، كما هو مقرر في الفروع، فإن جميع ذلك استحاضة؛ ويسمى دم الاستحاضة: العاذل بالذال المعجمة، قاله الأزهري، وحكى ابن سيده إهمالها، والجوهري بدل (اللامِ) (راء)؛ فليحفظ.\n (وقولِ اللهِ تعالى) وللأَصيلي: (﷿)؛ بالجر عطفًا على قوله: (الحيض) المضاف إليه لفظ (كتاب)، وفي رواية: (قولُ الله)؛ بالرفع، وهذه الآية في سورة البقرة (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾) مصدر؛ كالمجيء والمبيت، ويصلح للزمان والمكان أيضًا، وقد استعملوا لفظ المحاض؛ بمعنى: المصدر، فقالوا: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا، فبنوا المصدر على (مفعل) بالكسر والفتح، والمراد عن الحيض نفسه؛ أي: حكمه، والحِيضة -بالكسر- الاسم، والجمع الحيض، وأصله من السيلان والانفجار، يقال: حاض السيل؛ فاض، وحاضت الثمرة؛ سالت رطوبتها، ذكر الطبراني عن السدي: أن السائل ثابت بن الدحداح، وقيل: أُسَيْد بن حُضَير، وعَبَّاد بن بشير، وهو قول الأكثرين، وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد تأسَّوا بسيئة بني إسرائيل في تجنب مواكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية، وقال مُجَاهِد بذلك، وروى مسلم في «صحيحه» عن أنس: (أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم؛ لم يواكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ ﷺ النبيَّ الأعظم ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسَيْد بن الحُضَير، وعَبَّاد بن بشير فقالا: يا رسول الله؛ إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليه، فخرجنا فاستقبلهما هدية من لبن، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما).\nقال أئمتنا الأعلام: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض؛ فأمر الله تعالى بالقصد بين هذين، وأمر النبي ﵇ أن يواكلوهن، ويشاربوهن، وأن يكونوا معهن، وأن يفعلوا كل شيء إلا الوطء، فإنكم لم تؤمروا باعتزالهن من البيوت، وإنما أمرتم باعتزال الفروج إذا حضن، ويؤتين إذا طهرن.\n (﴿قُلْ هُوَ﴾) أي: الحيض (﴿أَذًى﴾)؛ أي: شيء مستقذر مؤذٍ من يقربه نفرة منه، ولا ريب أن اللوث الخارج من الرحم كذلك، فإن الأذى لغة: اسم لما يكره من كل شيء، ولهذا سمى الله تعالى الكلام المكروه أذًى في قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقال فيما يسأمه الإنسان من مكروه المطر: أذًى في قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، وفي «عمدة القاري» وقال الطبري: وسمِّي الحيض أذًى؛ لنتنه، وقذره، ونجاسته، وقال الخطابي: (الأذى المكروه الذي ليس بشديد، كما قال تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَاّ أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]؛ فالمعنى: أن المحيض الأول الدم، وأما الثاني؛ فقد اختلف فيه: أهو نفس الدم أو زمن الحيض أو الفرج؟ والأول هو الأصح) انتهى، وإنما وصفه بالأذى ورتب الحكم عليه بالفاء؛ إشعارًا بأنه العلة، فلذا قال: (﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾)؛ أي: اجتنبوهن، وتنحَّوا عنهن، يقال: عزلته فانعزل فاعتزل ونحيته فتنحَّى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢]، والمراد: ترك المجامعة لهن (﴿فِي المَحِيضِ﴾)؛ أي: تنحَّوا عنهن حال حيضهن؛ أي: في نفس الدم؛ أي: حال سيلأنه، فيكون مصدرًا.\nقال في «عمدة القاري» وتبعه القسطلاني: (وهو الأصح، أو زمن الحيض؛ أو المراد: الفرج فيكون موضعًا، ويدل له أن ناسًا من الأعراب قد شق عليهم اعتزال الحيض والبرد شديد، فسألوا رسول الله ﷺ؛ فقال: «إنكم لم تؤمروا باعتزالهن من البيوت، وإنما أمرتم باعتزال الفروج إذا حضن»).\nقلت: والظاهر أن المراد: زمن الحيض؛ لأنَّ دم الحيض قد لا يُدرَى إلا في أول العادة وآخرها، ويبقى في أوسطها منقطعًا، والحال أن المرأة كلها حيض، وقد يقال: إنَّ المراد: وجوده حقيقة أو حكمًا؛ فتأمل، وعموم الآية يقتضي أن الواجب اعتزال الرجل فراش زوجته إذا حاضت، وهو مروي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، ولما سمعت ميمونة ذلك من ابن عباس؛ قالت له: (أراغب أنت عن سنة رسول الله ﷺ).\nومذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والأوزاعي، ومالك، وهو أحد قولي الشافعي: أن له مباشرتها بما فوق المئزر وما نزل عنه؛ لقوله ﵇ للسائل حين سأله: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: «تشد عليها إزارها، ثم شأنك (^١) بأعلاها»، وقوله ﵇ لعائشة حين حاضت: «شدِّي على نفسك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك»، وقال الإمام محمَّد بن الحسن، والثوري، وداود الظاهري؛ وهو الصحيح من قولي الشافعي: إنه يجتنب موضع الدم فقط؛ لقوله ﵇: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وروى أبو معشر، عن إبراهيم، عن مسروق قال: سألت عائشة: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقالت: (كل شيء إلا الفرج)، ورجحه الإمام العارف الشيخ أحمد السروجي في «شرحه» على «الهداية»، وفي «التأويلات» وبه يفتى، لكن رجح الإمام كمال الدين ابن الهمام في «شرحه» على «الهداية» قول الإمام الأعظم، وتبعه في «البحر»، و«النهر»، وغيرهما قالوا: وعليه الفتوى وهو الصحيح كما في أكثر المعتبرات؛ فيحرم على الزوج الاستمتاع بما بين السرة والركبة؛ وهو المراد بما تحت الإزار، ويحل ما فوق السرة وما تحت الركبة سواء كان بحائل أو لا، ولو تلطخ دمًا كما في «منهل الطلاب»، وتمامه فيه.\nفإن قلت: دم الاستحاضة كدم الحيض في كونه أذًى مع أنه لا يوجب الاعتزال وترك الوطء، فلو كانت (^٢) العلة للاعتزال؛ لوجب الاعتزال عن المرأة وقت الاستحاضة.\nقلت: (دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة؛ لمرضت المرأة، فلذلك الدم جارٍ مجرى البول والغائط، فكان أذًى مثلهما وقذرًا نجسًا، وأما دم الاستحاضة؛ فليس كذلك، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر من فم الرحم، فلا يكون أذًى، وإن كان نجسًا؛ فهو دم صحة لا فساد) انتهى.\n (﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾)؛ أي: لا تطؤوهن، وفسر بذلك قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ ولولاه؛ لتوهم بالاعتزال المفارقة بكل البدن في كل شيء، وقيل: أكده بصيغتين؛ نهي وأمر مبالغة في المنع لما أن الزوجين مجتمعان غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهرًا؛ فافهم.\n (﴿حتى يطهرن﴾)؛ بالتشديد في قراءة حمزة، والكسائي، وعاصم؛ أي: يغتسلن، وبالتخفيف في قراءة الباقين؛ أي: يخرجن من الحيض بانقطاع الدم، ورجح أبو علي الفارسي قراءة التخفيف؛ لأنَّه ثلاثي مضاد لـ (طمث)، وهو ثلاثي، فإذا كانت أيامها عشرة التي هي أكثر أيام الحيض، فكما انقطع؛ حل للزوج والمولى وطؤها وإن لم تغتسل، وإذا كانت دون ذلك وانقطع؛ حل وطؤها إذا اغتسلت وإن لم تغتسل، فإن مضى عليها وقت صلاة؛ حل أيضًا وهذا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه ﵃ وهو قول مُجَاهِد، وعكرمة، وطاووس، وغيرهم، وذلك لأنَّ قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ نهي عن قربانهن إلى غاية وهي أن يطهرن؛ أي: ينقطع حيضهن وإذا كان انقطاع الحيض غاية لهذا النهي؛ وجب ألَّا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض؛ فإن معنى الغاية في الشرط: هو المذكور في الغاية قبلها، فيكون قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف هو معنى قوله: ﴿يطَّهَّرن﴾ بالتشديد بعينه، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقول كميت:\nوما كانت الأنصار فيها أذلة... ولا عسى فيها إذا الناس غيب\n_________\n(^١) في الأصل: (شابك)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (كان)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":163},{"text":"وأيضًا فإن القراءتين كالآيتين؛ فيجب أن يعمل بهما، فنحن نحمل كل واحدة منهما على معنًى، فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل؛ فإنا لا نجيز وطأها حتى تغتسل؛ لأنَّه لا يؤمن عوده، ونحمل الأخرى على ما إذا انقطع دمها للأكثر؛ فيجوز حينئذٍ وطؤها وإن لم تغتسل، وهذا ظاهر الآية المذكورة، ويدل لهذا أنه في مصحف عبد الله بن مسعود، وأُبيِّ بن كعب: ﴿يتطهرن﴾، وفي مصحف أنس بن مالك: (ولا تقربوا النساء في حيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن) فـ (حتى) في الآية بمعنى: (إلى)، والفعل بعدها منصوب بإضمار (أن)، وأصل (يطَّهَّرن) بالتشديد يتطهرن، كما في هذين المصحفين، فأدغم على أن المراد بالطهارة: الطهارة الحاصلة بانقطاع الدم.\nوقال الإمام زفر، ومالك، والشافعي: لا يجوز وطؤها حتى تغتسل بالماء، قالوا: إن الله علق الحكم فيها على شرطين؛ أحدهما: انقطاع الدم، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، والثاني: الاغتسال بالماء، وهو قوله: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ (^١)﴾؛ أي: يفعلن الغسل بالماء كالجنب، ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره.\nورُدَّ بأن مؤدَّى قراءة التخفيف انتهاء الحرمة العارضة على الحل بالانقطاع مطلقًا، وإذا انتهت الحرمة العارضة على الحل؛ حلت بالضرورة، ومؤدَّى قراءة التشديد عدم انتهاء الحرمة عندهم، بل بعد الغسل؛ فوجب الجمع ما أمكن، فحملنا التخفيف على الانقطاع؛ لأكثر المدة، والتشديد عليه؛ لتمام العادة التي ليست أكثر مدة الحيض وهو المناسب؛ لأنَّ في توقيف قربانها في الانقطاع للأكثر على الغسل إنزالها حائضًا حكمًا وهو مناف لحكم الشرع عليها؛ لوجوب الصَّلاة المستلزم إنزاله إياها طاهرة قطعًا، بخلاف تمام العادة، فإن الشرع لم يقطع عليها بالطهر، بل يجوز الحيض بعده، ولهذا لو زادت ولم تجاوز العشرة؛ كان الكل حيضًا بالاتفاق.\nبقي أن مقتضى التشديد ثبوت الحرمة قبل الغسل؛ فرفع الحرمة قبله بخروج الوقت معارضة للنص بالمعنى، والجواب: أن قراءة التشديد خص منها صورة الانقطاع للعشرة بقراءة التخفيف، فجاز أن تخص ثانيًا بالمعنى، كما لا يخفى وتمامه في «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب.\n (﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾)؛ أي: اغتسلن، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: اغسلوا أبدانكم؛ فإن الاغتسال بعد تمام العادة قبل الأكثر فرض، وبعد الأكثر مستحب هذا ظاهر الآية، وحاصل الكلام: أن الدم إما أن ينقطع؛ لتمام العشرة، أو دونها؛ لتمام العادة، أو دونها؛ ففي الأول يحل وطؤها بمجرد الانقطاع، ويستحب له ألَّا يطأها حتى تغتسل، وفي الثالث لا يقربها وإن اغتسلت ما لم تمض عادتها، وفي الثاني إن اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة؛ حل، وإلا؛ فلا؛ يعني: خرج وقت الصَّلاة حتى صارت الصَّلاة دينًا في ذمتها، وعلى هذا التفصيل انقطاع النفاس إن كان لها عادة فيها فانقطع دونها؛ لا يقربها حتى تمضي عادتها بالشرط أو لتمامها؛ حل إذا خرج الوقت التي طهرت فيه، أو لتمام الأربعين؛ حل مطلقًا، كذا في «منهل الطلاب» (﴿فَأْتُوهُنَّ﴾)؛ أي: جامعوهن، فكنى بالإتيان عن الوطء، وهذا أمر إباحة ورخصة يدل عليه ما قال مُجَاهِد: سألت ابن عباس عن هذا فقال: هذا أمر إباحة ورخصة، وينصرف إلى ما وقع النهي عنه وهو القربان في موضع الحيض لأجل الحيض، فإذا زال؛ أبيح الإتيان في ذلك الموضع، وقد انعقد الإجماع على أن الأمر هنا للإباحة، وبه يظهر عدم دلالته على أن المراد بالتطهير: الغسل بالماء؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لكان الأمر واجبًا؛ لأنَّ الأمر الواجب هو الذي يقتضي الوجه الأكمل بخلاف هذا، فإنه لا يقتضيه، بل المراد بالتطهير: الاغتسال فيما إذا انقطع لدون العشرة، أو الانقطاع فقط فيما إذا كان انقطع لتمام العشرة وهذا ظاهر؛ لأنَّ الحائضة في العادة تتلطخ بالدم وهو نجس إجماعًا أخبث من غيره لنتن ريحه، وإذا كانت كذلك؛ صدق عليها أنها نجسة، وصدق عليها حالة الانقطاع لتمام العشرة أنها طهرت وإن لم تغتسل، وهذا من باب عموم المجاز؛ بأن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز، كما عرف في الأصول؛ فافهم، (﴿مِنْ حَيْثُ﴾)؛ أي: في حيث، فـ (من)؛ بمعنى: (في)؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا (^٢) نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: في يوم الجمعة، وقيل: المعنى: أي: من الوجه الذي (﴿أَمَرَكُمُ اللهُ﴾)؛ أي: أذن لكم فيه وهو القبل في غير صوم، وإحرام، واعتكاف؛ لأنَّ الله تعالى لما حرم إتيان القبل في أيام الحيض للأذى؛ فيحرم إتيان الدبر في الأحوال كلها؛ لما فيه من الأذى وهو القذر، ولأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] أهل اللواطة، فهو مخصوص بالرجال، كذا قال مُجَاهِد وغيره، وما ذلك إلا للأذى؛ فحرمة اللواطة ثابت بالقياس على حرمة وطء الحائض والجامع بينهما الأذى في كلٍّ، وتمامه في كتب الأصول، (﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ﴾) أي: يرحم ويثيب (﴿التَّوَّابِينَ﴾) أي: من الذنوب والشرك، (﴿وَيُحِبُّ﴾) أي: يرحم ويثيب (﴿المُتَطَهِّرِينَ﴾) [البقرة: ٢٢٢]؛ أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار؛ كمجامعة الحائض، والإتيان في أدبارهن، يدل له قوله تعالى حكاية عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، وإنما قدَّم الذي أذنب على من لم يذنب؛ لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، والله أعلم.\nبقي ما لو وطئها في الفرج حالة الحيض عالمًا بالحرمة عامدًا مختارًا غير مستحل له، فقال الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والشافعي: إنه كبيرة وليس عليه سوى التوبة والاستغفار، وهو قول ربيعة، ويحيى بن سَعِيْد، وبه قال داود الظاهري.\nقال علماؤنا: وهل يجب التعزير أم لا؟\nتوقف فيه صاحب «البحر» واستظهر في «منهل الطلاب»: أنه إذا كان جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا؛ لا يعزر، وإن كان عالمًا بالحرمة عامدًا مختارًا غير مستحل؛ يعزر؛ لأنَّه حرام، ويورث داء الجذام، كما صرح به علماء الطب.\nوقال علماؤنا: يستحب له أن يتصدق بدينار، وقيل: بنصفه، كما في «الجوهرة»، وهو قول الإمام محمَّد بن الحسن، وأحمد ابن حنبل، ويدل لذلك ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: «يتصدق بدينار أو نصف دينار».\nوقال في «فتح القدير»: (إن وطئ في أول الحيض؛ يستحب أن يتصدق بدينار، وإن كان في وسطه أو آخره؛ فنصف دينار، وقيل: إن كان الدم أسود؛ يتصدق بدينار، وإن كان أصفر؛ فبنصف دينار)، ويدل لذلك ما رواه أبو داود، والحاكم وصححه: إذا واقع الرجل أهله وهي حائض إن كان دمًا أحمر؛ فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر؛ فليتصدق بنصف دينار، ورواه الترمذي، والدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا.\nوالظاهر: أنه كما يندب له التصدق يندب لها؛ لتمكينها نفسها إياه، ومصرف ذلك مصرف الزكاة، فإن وطئها مستحلًّا؛ يكفر، كما جزم به في «الجوهرة»، و«فتح القدير»، و«المبسوط»، و«الاختيار»، وغيرها؛ لأنَّ حرمته ثبتت بدليل قطعي.\nوفي «النوادر» عن الإمام محمَّد بن الحسن أنه لا يكفر، وصحح هذه الرواية صاحب «الخلاصة»، و«البزازية»، قال صاحب «البحر»: (فعلى هذا لا يفتى\n_________\n(^١) في الأصل: (يتطهرن)، والمثبت موافق للتلاوة.\n (^٢) في الأصل: (فإذا)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":163},{"text":"بتكفير مستحله لما في «الخلاصة» أن المسألة إذا كان فيها وجوه؛ توجب التكفير، ووجه واحد يمنع؛ فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه) انتهى.\nووطء النفساء كالحائض؛ لأنَّ حكم النفاس حكم الحيض في كل شيء، إلا فيما استثني وليس هذا منه، كما صرح به في «شرح الهاملية»، و«الجوهرة» وعلى هذا: الخلاف وطء الدبر من المرأة والغلام، وتمامه في «منهل الطلاب».\nكذا ذكرت الآية بتمامها في رواية ابن عساكر، ولأبوي الوقت وذر: ﴿فَاعْتَزِلُوا..﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وللأَصيلي كذلك إلى قوله: ﴿المُتَطَهِّرِينَ﴾، وفي رواية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ..﴾؛ الآية.\nقال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: أورد هذه الآية ههنا، ولم يبين منها شيئًا، فما كانت فائدة ذكرها هنا؟\nقلت: أقل فائدة ذكرها هنا التنبيه على نجاسة الحيض، وفيه: الإشارة أيضًا إلى وجوب الاعتزال عنهن في حالة الحيض، وغير ذلك)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٠٣\"> </span>(١) <span data-type=\"title\" id=toc-503>[باب كيف كان بدء الحيض]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين بالقطع عما بعده، خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز ترك التنوين للإضافة إلى قوله: (كيف) وهي اسم بالقطع؛ لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم: على كيف تتبع الأحمرين؟ ومحلها من الإعراب النصب على الحال، كما في قولك: كيف جاء زيد؟ أي: على أي حالة جاء زيد؛ والتقدير هنا: على أي حالة (كان بدء) من بدأ يبدأ بدءًا؛ أي: ظهر، والبدء بالهمز في آخره على (فعْل) بسكون العين المهملة من بدأت الشيء بدأ ابتدأت به (الحيض)؛ أي: ابتداؤه، ولفظة (كان) من الأفعال الناقصة تدل على الزمان الماضي من غير تعرُّض لزواله في الحال أو لا زواله، وبهذا يفرق عن (صار)، فإن معناه الانتقال من حال إلى حال، ولهذا لا يجوز أن يقال: صار الله، ولا يجوز أن يقال: إلا كان الله تعالى، والله أعلم، والباب أصله: بَوَبَ بالتحريك قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويجمع على أبواب وأبوبة، والمراد من الباب هنا: النوع كما في قولهم: من فتح بابًا من العلم؛ أي: نوعًا، كذا قرره في «عمدة القاري»، (وقول النبيِّ) الأعظم (ﷺ): بالجر بدل مما قبله، وبالرفع على الابتداء أو الخبر، والأول أظهر: (هذا)؛ أي: الحيض (شيء كتبه الله على بنات آدم)؛ لأنَّه من أصل خلقتهن الذي فيه صلاحهن، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] المفسر بـ (أصلحناها)؛ للولادة بِرَدِّ الحيض إليها بعد عقرها، وقد روى الحاكم بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: (أن ابتداء الحيض كان على حواء ﵍ بعد أن أُهبِطت من الجنة).\nقال في «عمدة القاري»: (وهذا من تعليقات (^١) البخاري، والآن نذكره موصولًا عقيب هذا، وسنذكره أيضًا في الباب السادس من جملة حديث) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن قوله: (وقول النبيذِ...) إلخ يشير إلى حديث عائشة المذكور عقيبه.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: هذا الكلام غير صحيح، بل قوله: (هذا شيء) يشير به إلى الحيض، فكذلك بلفظ (شيء) في الحديث الذي يأتي في الباب السادس، ولكنه بلفظ: (فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم)، وعلى كل تقدير؛ فالإشارة بقوله: (هذا) إلى الحيض، انتهى.\nواعترض البرماوي على ابن حجر في قوله: هذا التعليق المذكور وصله المؤلف بلفظ (شيء) من طريق أخرى بعد خمسة أبواب، فقال: (ليس في الباب المذكور شيء، بل هو الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب، فلا حاجة لادِّعاء وصله بموضع آخر، نعم؛ لفظه هناك (أمر) بدل (شيء)، فـ (شيء) إما رواية بالمعنى، وإما أنه مروي أيضًا) انتهى.\nورده القسطلاني فقال: والصواب ما قاله ابن حجر، فإنه في الباب المذكور كذلك، نعم؛ قال فيه: (فإن ذلك شيء) بدل قوله هنا: (هذا شيء) انتهى.\nقلت: وهذا يدل على أنه ليس بموصول هناك إلا أن يقال: اختلاف اللفظ لا يدل على التعدد، هذا وقد قال ما قاله ابن حجر إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، كما علمت عبارته، فالصواب ما قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (وقال بعضهم)؛ هو عبد الله بن مسعود، وعائشة ﵄: (كان أولُ)؛ بالرفع اسم (كان) (ما أُرسل)؛ بضمِّ الهمزة مبني للمفعول (الحيضُ)؛ بالرفع نائب عن الفاعل، وكلمة (ما) مصدرية؛ والتقدير: كان أول إرسال الحيض (على) بنات (بني إسرائيل) خبر (كان)، وأشار المؤلف بهذا إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود وعائشة بإسناد صحيح، ولفظه: (كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، وكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد)، قاله في «عمدة القاري»، ثم قال: فإن قلت: الحيض أُرسِل على بنات إسرائيل ولم يرسل على بنيه، فكيف قال على بني إسرائيل؟\nوأجاب الكرماني: بأن بني إسرائيل يستعمل ويراد به: أولاده، كما يراد من بني آدم أولاده، أو المراد على هذا القول: القبيلة.\nورده صاحب «عمدة القاري» بأن هذا من حيث اللغة يمشي، ومن حيث العرف لا يذكر الابن ويراد به: الولد، حتى لو أوصى بثلث ماله لابن زيد، وله ابن وبنت؛ لا تدخل البنت فيه، ودخول البنات في بني آدم بطريق التبعية، وقوله: (أو المراد به: القبيلة) ليس له وجه أصلًا؛ لأنَّ القبيلة تجمع الكل، فيدخل فيه الرجال أيضًا، وقد علم أن طبقات العرب ست، فالقبائل تجمع الكل، ويمكن أن يقال: إن المضاف فيه محذوف؛ تقديره: على بنات بني إسرائيل، يشهد بذلك قوله ﷺ: «كتبه الله على بنات آدم»، ونذكر التوفيق بينهما عن قريب انتهى كلامه.\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف نفسه، كذا في الرواية وهو ساقط في بعضها: (وحديث النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أن: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» (أكثر)؛ بالمثلثة؛ أي: أشمل من قول ابن مسعود وعائشة المذكور، قال في «عمدة القاري»: (وكأنه أشار بهذا الكلام إلى وجه التوفيق بين الخبرين، وهو أن كلام الرسول أكثر قوة وقبولًا من كلام غيره من الصحابة).\nوزعم الكرماني ويروى: (أكبر)؛ بالموحدة؛ ومعناه على هذا: وحديث النبيِّ ﷺ أعظم، وأجل، وآكد ثبوتًا، وقرأ الكرماني: (الأكثر)؛ بالمثلثة.\nوقال الداودي: (ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم).\nوزعم ابن حجر أنه على هذا؛ فقوله: (من بنات آدم) عام أريد به الخصوص.\nوردهما صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ما أبعد كلام الداودي في التوفيق بينهما! نعم؛ نحن لا ننكر أن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، ولكن الكلام في لفظ الأولوية فيهما، ولا ينبغي المخالفة إلا بالتوفيق بين لفظي الأولوية، وأبعد من هذا قول هذا القائل: عام أريد به الخصوص، فكيف يجوز تخصيص عموم كلام النبيِّ ﷺ بكلام غيره؟!).\nثم قال ابن حجر: (ويمكن أن يجمع بينهما؛ بأن الذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لابتداء وجوده).\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: هذا كلام من لا يذوق المعنى، وكيف يقول: لابتداء وجوده، والخبر فيه أول ما أرسل وبينه وبين كلامه منافاة، وأيضًا في أين ورد أن الحيض طال مكثه في بني إسرائيل؟! ومن نقل هذا؟!.\nوقد روى الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس: (أن ابتداء الحيض كان على حواء ﵍ بعد أن أُهبطت من الجنة)، وكذا رواه ابن المُنْذِر، وقد روى الطبراني وغيره\n_________\n(^١) في الأصل: (التعليقات)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":164},{"text":"عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]؛ أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب؛ لأنَّ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈)، ثم قال إمام الشارحين: (ولقد حضرني جواب في التوفيق من الأنوار الإلهية بقوته ولطفه وهو: أنه يمكن أن الله تعالى قطع حيض بني إسرائيل عقوبة لهن ولأزواجهن؛ لكثرة عنادهم، ومضت على ذلك مدة، ثم إن الله تعالى رحمهم وأعاد حيض نسائهم؛ لأنَّ من حكمة الله تعالى أنه جعل الحيض سببًا لوجود النسل، ألا ترى أن المرأة إذا انقطع حيضها؛ لا تحمل عادة؛ فلما أعاده عليهن؛ كان ذلك أول الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع، فأطلق الأولية عليه بهذا الاعتبار؛ لأنَّها من الأمور النسبية) انتهى كلامه، وقد ارتضاه الشارحون؛ فليحفظ.\nهذا (باب) بيان (الأمر بالنُّفساء إذا نفس)؛ بضمِّ النون وفتحها، والضمير الذي فيه يرجع إلى (النفساء)، وتذكيره باعتبار الشخص أو لعدم الالتباس؛ لأنَّ الحيض مخصوص بالنساء، والجمع نظرًا للجنس، والباء في قوله: (بالنفساء) زائدة؛ لأنَّ النفساء مأمورة لا مأمور بها، فيكون التقدير الأمر الملتبس بالنفساء، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني فإن قلت: البحث في الحيض، فما وجه تعلقه به؟ قلت: المراد بـ (النفساء): الحائض.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: النفساء مفرد، وجمعه نفاس)، وقال الجوهري: ليس في الكلام من (فعلاء) يجمع على (فعال) غير نفساء وعشراء؛ وهي الحامل من البهائم)، قال إمام الشارحين: (ويجمع أيضًا على نُفس؛ بضمِّ النون)، وقال صاحب «المطالع»: (وبالفتح أيضًا، ويجمع على نُفُس؛ بضمِّ النون، والفاء)، قال: ويقال في الواحد: نُفسى؛ مثل: كبرى، وبفتح النون أيضًا، وامرأتان نفساوان، ونفسًا، ونفاس، والنفساء أيضًا مصدر سُمِّي به الدم، كما يسمى بالحيض، مأخوذ من تنفس الرحم؛ لخروج النفس الذي هو الدم، وفي «المغرب»: (النفاس مصدر نفسة المرأة؛ بضمِّ النون وفتحها، إذا ولدت؛ فهي نفساء) انتهى كلامه.\nوهذا الباب والترجمة هكذا ثابت في رواية أبوي ذر والوقت، وهما ساقطتان في أكثر الروايات، وفي رواية «الفرع»: (باب الأمر للنساء إذا نَفِسْن)؛ بفتح النون، وكسر الفاء، وسكون السين المهملة، آخره نون؛ أي: حضن، وعليها شرح القسطلاني.\n\n <span id=\"b-٥٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-504>[حديث: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج]</span>\n٢٩٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله) ولابن عساكر: (علي)؛ يعني: ابن عبد الله، هو المَدِيني؛ بفتح الميم، وكسر الدال المهملة، قال ابن الأثير: (منسوب إلى مدينة الرسول ﷺ، وهذا أحد ما استعمل بالنسب فيه خارجًا عن القياس، فإن قياسه: المدني)، وقال الجوهري: (تقول في النسب إلى مدينة الرسول: مدني، وإلى مدينة المنصور: مديني؛ للفرق)، كذا في «عمدة القاري» (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عيينة (قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم) هو ابن محمَّد (قال)؛ أي: عبد الرحمن: (سمعت) أبي (القاسم)؛ هو ابن محمَّد، كما في رواية الأَصيلي: هو ابن أبي بكر الصديق الأكبر ﵁ (يقول): جملة محلها النصب على الحال: (سمعت عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵂ (تقول): جملة محلها النصب على الحال أيضًا: (خرجنا) حال كوننا (لا نُرى)؛ بضمِّ النون؛ يعني: لا نظن، فالجملة محلها نصب على الحال، وفي رواية: (لا نَرى)؛ بفتح النون (إلا الحج)؛ أي: إلا قصد الحج؛ لأنَّهم كانوا يظنون امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها عن الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع، أما هي؛ فقد قالت: إنها لم تحرم إلا للعمرة، كذا في «عمدة القاري»، (فلما كنتُ)؛ بتاء المتكلم، كذا في رواية الأَصيلي، والكشميهني، وفي رواية: (فلما كنا) (بسَرِف)؛ بفتح السين المهملة، وكسر الراء، آخره فاء؛ وهو اسم موضع قريب من مكة بينهما نحو (^١) من عشرة أميال، وقيل: تسعة، وقيل: سبعة، وقيل: ستة، وهو غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وقد يصرف نظرًا لإرادة المكان؛ فافهم.\n (حِضت)؛ بكسر الحاء المهملة؛ لأنَّه من حاض يحيض؛ كـ (بِعت) من باع يبيع، أصله حَيِض؛ بفتح المهملة، وكسر التحتية، قلبت الياء التحتية ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين فصار: حضت بالفتح، ثم أبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء التحتية المحذوفة، كذا في «عمدة القاري»، (فدخل علي رسول الله ﷺ)؛ أي: إلى مكاني الذي أنا فيه فرآني (وأنا أبكي): جملة اسمية وقعت حالًا بالواو، (فقال): ولأبي الوقت: (قال): (ما لكِ)؛ بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب المؤنث (أنفست؟») الهمزة فيه للاستفهام، وهو بضمِّ الفاء وفتحها في الحيض والنفاس، لكن الضم في الولادة، والفتح في الحيض أكثر، وحكى صاحب «الأفعال» الوجهين جميعًا، وفي «شرح مسلم» المشهور في اللغة أن نَفِست بفتح النون، وكسر الفاء؛ معناه: حضت، وأما في الولادة؛ فيقال: نُفست؛ بضمِّ النون، وقال الهروي: (نفست؛ بضمِّ النون وفتحها في الولادة، وفي الحيض بالفتح لا غير)، كذا في «عمدة القاري»، (قلت: نعم)؛ أي: نفست، (قال) ﵇ لها: (إن هذا) أي: الحيض (أمر)؛ أي: شأن، وزعم الكرماني أن هنا (أمر)، وفي الترجمة (شيء) فهو إما من باب نقل الحديث بالمعنى، وإما أن اللفظين ثابتان.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا يحتاج إلى الترجمة، واللفظان ثابتان) انتهى.\n (كتبه الله) ﷾ (على بنات آدم)؛ لأجل أن يمتحنهن به، وليظهر صبرهن وعدمه على العبادة، وهنا محل مطابقة الحديث للترجمة، (فاقضي) خطاب لعائشة؛ فلهذا لم تسقط الياء؛ ومعناه: فأدِّي؛ لأنَّ القضاء يأتي بمعنى: الأداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: فإذا أُدِّيت صلاة الجمعة، كذا في «عمدة القاري» (ما يقضي الحاج)؛ أي: من المناسك، وهو اسم فاعل أصله حاجج، وإنما يأتي في ضرورة الشعر هكذا؛ كقول الراجز:\nبكل شيخ عامرأوحاجج\nوفي «الصحاح» تقول: حججت البيت أحجه حجًّا، فأنا حاجٌّ، ويجمع على حجج؛ مثل: بازل وبزل، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني المراد من الحاج: الجنس، فيشمل الجمع، وهو كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧].\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: لا ضرورة إلى هذا الكلام؛ فافهم.\n (غيرَ) بالنصب (ألَّا)؛ بالتشديد أصله: أن لا، ويجوز أن تكون أن مخففة من المثقلة، وفيه ضمير الشأن، و(أن) (^٢) زائدة، وقوله: (تطوفي) مجزوم بـ (لا)؛ والمعنى: لا تطوفي ما دمت حائضًا؛ لفقدان صحة الطواف؛ وهو الطهارة، وزاد في الرواية الآتية: (حتى تطهري)، (قالت)؛ أي: عائشة: (وضحَّى رسول الله ﷺ عن نسائه) وهن تسع أو إحدى عشرة بزيادة مارية وريحانة، وسماهما نساء تغليبًا؛ لأنَّهما مملوكتان، وهذا ظاهر في عدم الإذن منهن له ﵇؛ لأنَّه لو كان ثمة إذن؛ لذكرته، غايته: أنها ذكرت فعله ﵇ من نفسه بدون إذن من أحد نسائه الطاهرات (بالبقر) ويروى: (بالبقرة)، والفرق بينهما كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء: يحتمل التضحية بأكثر من بقرة واحدة، كذا قاله في «عمدة القاري».\nثم قال: وفي الحديث: أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام ينبغي لها أن تأتي بأفعال الحج كلها غير أنها لا تطوف بالبيت، فإن طافت قبل أن تتطهر؛ فعليها بدنة، وكذلك النفساء والجنبة عليها\n_________\n(^١) في الأصل: (نحوًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (لأن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":164},{"text":"بدنة بالطواف قبل التطهُّر من النفاس والجنابة، وأما الحدث، فإن طاف طواف القدوم؛ فعليه صدقة.\nوزعم الشافعية أنَّه لا يعتد به، والطهارة شرط له عندهم، وكذا الحكم في كل طواف، وهو تطوع، ولو طاف طواف الزيارة محدثًا؛ فعليه شاة، وإن كان جنبًا؛ فعليه بدنة، وكذا الحائض والنفساء.\nوفيه: جواز البكاء والحزن لأجل حصول مانع للعبادة، وفيه: جواز التضحية ببقرة واحدة لجميع نسائه، وفيه: دليل على جواز تضحية الرجل لامرأته بدون إذن منها.\nوزعم النووي أنه محمول على أنه ﵇ استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: هذا في الواجب، وأما في التطوع؛ فلا يحتاج إلى الإذن، كما هو صريح حديث الباب.\nوذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والشافعي: إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة؛ لحديث ساعة الجمعة، فإن فيه تقديم البدنة على البقرة، وهو يقتضي الأفضلية، وذهب مالك: إلى [أن] البقر أفضل من البدنة في التضحية؛ لحديث الباب، ورد بأن حديث الباب لا دلالة فيه على الأفضلية؛ لاحتمال أنه ﵇ لم يجد يومئذٍ إلا البقر؛ فيتعين.\nقال في «عمدة القاري»: (وهنا حديث طويل فيه أحكام كثيرة وخلافات بين العلماء وموضعها كتاب «الحج») انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٠٥\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-505>[باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله]</span>\nهذا (باب) حكم (غَسل)؛ بفتح الغين المعجمة (الحائض) ومثلها النفساء والجنبة (رأس زوجها وترجيلِه)؛ أي: وحكم ترجيل رأسِه، وهو بالجر عطف على (غسل) المجرور بالإضافة، وهو أيضًا بالجيم: تسريح شعر الرأس، وقال ابن السِّكِّيت: (شعر رجل)؛ بفتح الجيم وكسرها إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطًا تقول منه: رجل شعره ترجيلًا.\n\n <span id=\"b-٥٠٦\"> </span>[حديث: كنت أرجل راس رسول الله ﷺ وأنا حايض]\n٢٩٥ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن هشام بن عُرْوة) بضمِّ العين المهملة، وسكون الواو، (عن أبيه) هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قال: كنت أُرجِّل) بضمِّ الهمزة، وتشديد الجيم؛ أي: أسرح (رأس رسول الله ﷺ) فيه إضمار؛ تقديره: كنت أرجل شعر رأس رسول الله ﵇؛ لأنَّ الترجيل للشعر لا للرأس، ويجوز أن يكون من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال، كذا في «عمدة القاري» (وأنا حائض): جملة اسمية وقعت حالًا، وفيه المطابقة للترجيل في الترجمة لـ (رأس رسول الله ﷺ)، وأما أمر الغسل؛ فلا مطابقة له، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أنه ألحق به الغسل قياسًا أو إشارة إلى الطرق الآتية في باب (الحيض)، فإنه صريح في ذلك.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: الوجهان اللذان ذكرهما هذا القائل لا وجه لهما أصلًا، أما الأول؛ فلأن وضع التراجم في الأبواب: هل هو حكم من الأحكام الشرعية حتى يقاس حكم منها على حكم آخر؟! وأما الثاني؛ فهو وضع لوجه ترجمة في باب، والإشارة إلى المترجم الذي وضع لها في الباب الثالث) انتهى.\nوفي الحديث: جواز ترجيل الحائض شعر رأس زوجها، وفيه: جواز استخدام الزوجة برضاها وهو بالإجماع، وكذا لا خلاف لأحد في غسل الحائض رأس زوجها وترجيله إلا ما نقل عن ابن عباس: أنه دخل على خالته ميمونة ﵂ فقالت: (إي بني؛ ما لي أراك شعث الرأس؟) فقال: إن أم عمار ترجلني وهي الآن حائض، فقالت: إي بني؛ ليست الحيضة باليد كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا وهي حائض)، ذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه»، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٠٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-507>[حديث عروة: أخبرتني عائشة أنها كانت ترجِّل رأس رسول الله </span>ﷺ]\n٢٩٦ - وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن موسى)؛ هو ابن يزيد التميمي الرازي أبو إسحاق الفراء، يعرف بالصغير، وكان أحمد ينكر على من يقول له: الصغير ويقول: هو كبير في العلم والجلالة (قال: حدثنا هشام بن يوسف) هو الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء، من أبناء الفرس وهو أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم، مات سنة سبع وتسعين ومئة: (أن ابن جُرَيج)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الراء، واسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي القرشي الموصلي، رومي الأصل، أحد العلماء المشهورين، وهو أول من صنف في الإسلام في قول، وكانت كنيته أبو الوليد، أو أبو خالد، مات سنة خمسين ومئة، وهو جاوز السبعين (أخبرهم)؛ أي: أخبر هشام (^١) بن يوسف وأصحابه (قال: أخبرني) بالإفراد، وفي رواية: (أخبرنا) (هشام) زاد في رواية: (ابن عروة)، ففيه أن ابن جريج يروي عن هشام، وهشام يروي عن ابن جريج، فالأعلى ابن عروة، والأدنى ابن يوسف، وهي لطيفة حسنة، (عن عروة) هو أبوه هو ابن الزبير بن العوام: (أنه)؛ أي: عروة (سُئِل)؛ بالبناء للمجهول: (أتخدمني الحائض؟) الهمزة فيه للاستفهام، ومثل الحائض النفساء والجنبة، ولم يُعرَف السائل، (أو تدنو) أي: تقرب (مني المرأة) حالة النوم، أو الأكل، أو اللبس، أو غير ذلك (وهي جنب): جملة اسمية وقعت حالًا، ولفظ (جنب) يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع، وهي اللغة الفصيحة، كذا في «عمدة القاري»؛ لأنَّه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، (فقال عروة): في جواب السائل: (كل ذلك) الإشارة إلى الخدمة والدنوِّ اللذين يدل (^٢) عليهما لفظ: (يخدمني)، و(تدنو)، وجاءت الإشارة بلفظ: (ذلك) للمثنى في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (على هيِّن)؛ أي: سهل، وهو بالتشديد والتخفيف؛ كميت وميت، وأصله: هيون اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وسقط لفظ (على) فقط في رواية، (وكل ذلك)؛ أي: الحائض والجنب، والتذكير باعتبار المذكور لفظًا، ووجه التثنية قد ذكرناه، و(كل) مرفوع على الابتداء أو منصوب على الظرف (تخدمني) في الأكل، والشرب، وغيرهما، (وليس على أحد) أي: أنا وغيري (في ذلك بأس)؛ أي: حرج، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: وليس عليَّ في ذلك بأس، لكنه قصد بذلك التعميم مبالغة فيه، ودخل هو فيه بالقصد الأول، كذا قاله إمام الشارحين (أخبرتني) بالإفراد (عائشة): الصديقة ﵂: (أنها كانت ترجَّل رسول الله ﷺ)؛ أي: تسرح شعر رأس النبيِّ الأعظم ﵇؛ وفي رواية يعني: رأس رسول الله ﷺ (وهي حائض)؛ بالهمزة، والجملة حالية، وإنما لم يقل: حائضة؛ لعدم الالتباس لاختصاص الحيض بالنساء، وأما قوله: جاءت الحاملة والمرضعة في الاستعمال؛ فلإرادة التباسهما بذلك الصفة بالفعل، فإذا أريد التباسهما بالقوة؛ تكون بلا تاء، قال الإمام الزمخشري في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ [الحج: ٢]، فإن قلت: لم قيل: مرضعة دون مرضع؟\nقلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع في حال وضعها به، كذا في «عمدة القاري».\n (ورسول الله ﷺ حينئذٍ) أي: حين الترجل (مجاور) أي: معتكف (في المسجد) أي: مسجده ﵇ (يُدني)؛ بضمِّ التحتية؛ أي: يقرب (لها)؛ أي: لعائشة (رأسه) الشريف ﵇ (وهي في حُجرتها)؛ بضمِّ الحاء المهملة؛ أي: بيتها، والجملة حالية؛ أي: والحال\n_________\n(^١) في الأصل: (هشامًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (اللذان يدل)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":165},{"text":"أنها في حجرتها، وكانت حجرتها ملاصقة للمسجد النبوي، (فترجله)؛ أي: فترجل عائشة رسول الله ﷺ؛ أي: تسرح شعر رأسه (وهي حائض) الجملة حالية؛ أي: والحال أنها حائض، والحديث دال على جواز خدمة الحائض فقط، وأما دلالته على دنوِّ الجنب؛ فبالقياس عليها، والجامع اشتراكهما في الحدث الأكبر وهو القياس الجلي؛ لأنَّ الحكم بالفرع أولى؛ لأنَّ الاستقذار في الحائض أكثر، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: (ومما يستنبط من الحديث: أن المعتكف إذا أخرج يده، أو رأسه، أو رجله من المسجد؛ لم يبطل اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل دارًا ولا يخرج منها، فأدخل بعضه أو أخرج بعضه؛ لا يحنث، وفيه: استخدام الزوجة في الغسل ونحوه برضاها، وأما بغير رضاها؛ فلا يجوز؛ لأنَّ عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط) انتهى.\nقلت: وفيه: دليل على أن الحائض ومثلها النفساء والجنب لا تدخل المسجد تنزيهًا له وتعظيمًا؛ لأنَّه لا يؤمن تلوثه، وفيه: دليل على أن المباشرة لا تنقض الوضوء؛ كمس اليد، والرأس، وغيرهما، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وقال ابن بطال: (والحديث حجة في طهارة الحائض وجواز مباشرتها، وفيه: دليل على أن المباشرة التي قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم المس، وإنما أريد بها: الجماع أو ما دونه من الدواعي؛ كاللذة لا المس؛ أي: لأنَّه غير ناقض للوضوء، وفيه: ترجيل الشعر للرجال وما في معناه من الزينة، وفيه: أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيهًا وتعظيمًا له، وهو المشهور من مذهب مالك، وحكى ابن مسَلَمَة أنها تدخل هي والجنب، وفي رواية: «يدخل الجنب ولا تدخل الحائض»، وفيه حجة على الشافعي في أن المباشرة مثل ما ذكر في الحديث لا تنقض الوضوء) انتهى.\nوزعم ابن حجر تبعًا للكرماني أنه لا حجة فيه؛ لأنَّ الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء، وليس في الحديث أنه عقَّب ذلك الفعل بالصَّلاة، وعلى تقدير ذلك؛ فمس الشعر لا ينقض الوضوء، انتهى.\nورده صاحب «عمدة القاري» (بأنه ليس في الحديث أيضًا أنه توضأ عقيب ذلك) انتهى.\nقلت: والحق أن الحديث حجة واضحة على الشافعي؛ لأنَّه لا يلزم من عدم اشتراط الوضوء للاعتكاف ألَّا يكون وقتئذٍ متوضئًا، بل من عادته ﵇ أنه يكون دائمًا على الوضوء في جميع أحواله، على أن كونه في المسجد دليل على أنه كان متوضِّئًا، ولأنَّه لا يلزم من أنه لم يذكر في الحديث أنه عقَّب ذلك الفعل بالصَّلاة ألَّا يصلي أصلًا، بل من عادته ﵇ أنه مواظب على الصَّلاة التي هي عبادة الرب ﷿؛ فإنه ﵇ كان يقوم الليل إلا قليلًا، فالنهار حال الاعتكاف أولى به بالصَّلاة على أنه كونه في المسجد دليل على أنه كان يصلي عقب ذلك؛ لأنَّ هذا الفعل للزينة والله تعالى أحق أن يتزين له.\nوعلى كلٍّ؛ فالحديث حجة عليه؛ لأنَّ من عادة مس الشعر أنه تمس البشرة؛ لأنَّه وإن كان مس الشعر غير ناقض عندهم إلا أنه من عادة تسريح الشعر أنه تمس البشرة وتمس اليد وغيرها، على أنه ﵇ من عادته أن يدهن بعد التسريح، وإن لم يذكر في الحديث؛ فإنه ظاهر والله يتولى السرائر.\n\n <span id=\"b-٥٠٨\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-508>[باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حايض]</span>\nهذا (باب) حكم (قراءة الرجل) وفي رواية: (باب قراءة القرآن)، وقوله: (في)؛ بمعنى: (على)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ (^١) فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: عليها (حجْر)؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها، وسكون الجيم، والجمع حُجُور، ومحل الجار والمجرور نصب على الحال؛ والتقدير: قراءة الرجل حال كونه متكئًا على حجر (امرأته)؛ أي: أو أمته، ويجوز أن يقدر واضعًا رأسه على حجر امرأته، أو مستندًا إليه، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، (وكان أبو وائل)؛ بالهمزة، هو شقيق بن سَلَمَة الأسدي، أدرك النبيَّ الأعظم ﷺ ولم يره، يروي عن كثير من الصحابة، قال يحيى بن معين: (ثقة لا يسأل عن مثله)، قال الواقدي: (مات في خلافة عمر بن عبد العزيز)، وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند صحيح، كذا في «عمدة القاري» (يرسل خادمه)؛ الخادم اسم لمن يخدم غيره، ويطلق على الغلام والجارية، فلهذا قال: (وهي حائض) فأنَّث الضمير (إلى بني رَزِين)؛ بفتح الراء، وكسر الزاي المعجمة، اسمه: مسعود بن مالك الأسدي مولى أبي وائل الكوفي التابعي، روى له مسلم، والأربعة (لتأتيه)، وفي رواية: (فتأتيه) (بالمصحف، فتمسكه بعِلاقته)؛ بكسر العين المهملة؛ ما يعلق به المصحف من الخيط الذي يربط به كيسه، وكذلك علاقة السيف.\nووجه مطابقته للترجمة ما قال في «التلويح»: لما ذكر البخاري حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف؛ نظرها بمن يحفظ القرآن فهو حامله؛ لأنَّه في جوفه، كما روي عن ابن المسيب وابن جبير: (هو في جوفه)، ولما قرأ ابن عباس ﵄ ورقة وهو جنب قال: في جوفه أكثر من هذا، ونزَّل ثياب الحائض بمنزلة العلاقة، وقراءة الرجل بمنزلة المصحف؛ لكونه في جوفه) انتهى، وتبعه صاحب «التوضيح».\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا في غاية البعد؛ لأنَّ بين قراءة الرجل في حجر امرأته وبين حمل الحائض المصحف بعلاقته فرقًا عظيمًا (^٢) من الجهة التي ذكرت؛ لأنَّ قوله: «نظرها» إما تشبيه، وإما قياس، فإن أراد به التشبيه؛ فهو تشبيه مخصوص بمفعول فلا وجه له، وإن أراد به القياس؛ فشروطه غير موجودة فيه، ويمكن أن يقال: وجه التطابق بينهما هو جواز الحكم في كل منهما، فكما تجوز قراءة الرجل في حجر الحائض كذلك يجوز حمل الحائض المصحف بعلاقته، وفي كل منهما دخل للحائض، وفيه وجه التطابق، ثم لو قيل ما قيل في ذلك؛ فلا يخلو عن تعسف) انتهى.\nثم قال: (وفي الأثر دليل: على جواز حمل الحائض المصحف بعِلاقته؛ يعني: بغير مسه ومثلها النفساء والجنب، وممن أجاز ذلك ابن عمر، وعطاء، وحمَّاد، والحسن، ومُجَاهِد، وأبو زيد، وطاووس، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور، والشعبي، والقاسم بن محمَّد، ومالك، والشافعي، وأحمد)، وقال ابن حزم: قراءة القرآن، والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله تعالى؛ جائز بوضوء وبغير وضوء للجنب والحائض، وهو قول ربيعة، وابن المسيب، وابن جبير، وابن عباس، وداود، وجميع أصحابنا، أما مس المصحف؛ فإن الآثار التي احتج بها من يجيز للجنب مسه؛ فإنه لا يصح منها شيء؛ لأنَّها إما مرسلة، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، والصحيح: عن ابن عباس، عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه: ﴿[قُلْ] يَا أَهْلَ (^٣) الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، فهذا النبيُّ ﷺ قد بعث كتابًا فيه قرآن للنصارى، وقد أيقن أنهم\n_________\n(^١) في الأصل: (لأصلبنكم)، والمثبت موافق للتلاوة.\n (^٢) في الأصل: (فرق عظيم)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (ويا أهل)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":165},{"text":"يمسونه، فإن ذكروا حديث ابن عمر: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ؛ مخافة أن يناله أهل الحرب)؟\nقلنا: هذا حق يلزم اتباعه، وليس فيه: لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه ألا ينال أهل الحرب القرآن فقط.\nوإن قالوا: إنَّما بعث إلى هرقل بآية واحدة؟\nقيل لهم: ولم يمنع من غيرها وأنتم أهل قياس؛ فإن لم تقَيْسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقَيْسوا على هذه الآية غيرها.\nفإن ذكروا قوله جل وعلا: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].\nقلنا: لا حجة فيه؛ لأنَّه ليس أمرًا، وإنما هو خبر، والرب سبحانه لا يقول إلا حقًّا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي أو إجماع متيقن؛ فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر؛ علمنا أنه لم يعن المصحف وإنما عنى كتابًا آخر عنده، كما جاء عن ابن جبير في هذه الآية: هم الملائكة الذي في السماء، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفًا؛ أمر نصرانيًّا بنسخه له) انتهى.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: والجواب عما قاله فقوله: (فإن الآثار التي احتج بها... إلى آخره) ليس كذلك، فإن أكثر الآثار في ذلك صحاح:\nمنها: ما رواه الدارقطني في «سننه» بسند صحيح متصل عن أنس: (خرج عمر بن الخطاب متقلدًا سيفًا؛ فدخل على أخته وزوجها حباب وهم يقرؤون سورة طه، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه، فقالت له أخته: إنك رجس و﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، فقم فاغتسل، أو توضأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب).\nومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا بسند صحيح من حديث سالم يحدث عن أبيه قال: (قال رسول الله ﷺ: «لا يمس القرآن إلا طاهر»)، قال الجوزقاني: (هذا حديث مشهور حسن).\nومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا من حديث الزُّهري عن أبي بكر محمَّد بن حزم، عن أبيه، عن جده: (أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه: «لا يمس القرآن إلا طاهر»)، ورواه في «الغرائب» من حديث إسحاق الطباع، عن مالك مسندًا، ومن الطريق الأولى أخرجه الطبراني في «الكبير»، وابن عبد البر، والبيهقي في «الشعب».\nوقد وردت أحاديث كثيرة تمنع قراءة القرآن للجنب والحائض:\nمنها: حديث عبد الله بن رواحة ﵁: (نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب)، قال أبو عمر: (رويناه من وجوه صحاح).\nومنها: حديث عمر بن مرة، عن عبد الله بن سَلَمَة، عن علي ﵁ يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلَّا الجنابة»، صححه جماعة منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، وأبو علي الطوسي، والترمذي، والحاكم، والبغوي، وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى»، زاد ابن حبان: (قد يتوهم غير المتبحر في الحديث أن حديث عائشة ﵂: «كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه» يعارض هذا وليس كذلك؛ لأنَّها أرادت الذكر الذي هو غير القرآن؛ لأنَّ القرآن يجوز أن يسمى ذكرًا، وكان لا يقرأ وهو جنب، ويقرؤه في سائر الأحوال).\nومنها: حديث جابر ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: «لا تقرأ الحائض، ولا الجنب، ولا النفساء من القرآن شيئًا»، رواه الدارقطني، ثم البيهقي، وقال: (إسناده صحيح).\nومنها: حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا علي؛ لا تقرأ القرآن وأنت جنب»، رواه الدارقطني، وعن الأسود أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند لا بأس به، وإبراهيم: (لا يقرأ الجنب)، وعن الشعبي، وأبي وائل مثله بزيادة: (والحائض).\nوالجواب عن الكتاب إلى هرقل فنحن نقول به: لمصلحة الإبلاغ والإنذار، وأنه لم يقصد به التلاوة، وأما الجواب عن الآية بـ أن المراد بالمطهرين: الملائكة، إن تخصيص الملائكة من بين سائر المطهرين على خلاف الأصل وكلهم مطهرون، والمس والاطلاع عليه إنَّما هو لبعضهم دون الجميع انتهى كلامه.\nقلت: فالمراد بقوله: ﴿إِلَاّ المُطَهَّرُونَ﴾ من الآدميين، و﴿يَمَسُّهُ﴾ مجزوم بـ (لا) الناهية، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح بذلك جماعة، وقالوا: إنَّه مذهب البصريين، بل قيل: إنَّ سيبويه لم يحفظ في نحوه إلَّا الضم، انتهى.\nقلت: وظاهر الأحاديث التي سبق ذكرها يشمل الآية وما دونها؛ لأنَّها مطلقة والمطلق ينصرف إلى الجميع، وهو قول الإمام الكرخي، وصححه صاحب «الهداية»، ومشى عليه حافظ الدين في «المستصفى»، وقواه في «الكافي»، ونسبه صاحب «البدائع» إلى عامة أصحابنا، وصححه الإمام الجليل قاضيخان، وإليه أشار الإمام القدوري، وروى الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (أنه يباح للحائض، والنفساء، والجنب قراءة من دون الآية)، وصححه صاحب «الخلاصة»، ومشى عليه فخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير»، ونسبه في «المجتبى» إلى الأكثر، ووجهه صاحب «المحيط» بـ (أن النظم والمعنى يقصر فيما دون الآية، ويجري مثله في محاورات الناس وكلامهم، فتمكنت فيه شبهة عدم القرآن، ولهذا لا تجوز الصَّلاة به).\nقال صاحب «البحر»: (والذي ينبغي ترجيحه القول بالمنع فيما دون الآية؛ لأنَّ الأحاديث لم تفصل بين القليل والكثير، والتعليل في مقابلة النص مردود، ولأن «شيئًا» في الحديث نكرة في سياق النفي، فتعم، وما دون الآية قرآن؛ فيمتنع كالآية) انتهى.\nومحل الخلاف فيما إذا لم تكن الآية طويلة، فلو كانت طويلة؛ كان بعضها كآية؛ لأنَّها تعدل ثلاث آيات، كذا ذكره صاحب «الحلية» عن شرح «الجامع» لفخر الإسلام، وهذا كله إذا قرأ على قصد أنه قرآن، أما إذا قرأ على قصد الدعاء، أو الثناء، أو افتتاح أمر؛ فإنه لا يحرم، كما في «البحر» عن «الخلاصة»، وهذا إذا كان مشتملًا على الذكر، أما إذا كان مشتملًا على حكم أو خبر؛ فلا يجوز ولو قصد الذكر فيه كما في «الشرنبلالية»، و«الإمداد».\nقال الإمام الفقيه أبو الليث في «العيون»: (قراءة الفاتحة على وجه الدعاء أشياء من الآيات التي فيها معنى الدعاء ولم يرد القرآن؛ لا بأس به).\nوفي «غاية البيان»: أنه المختار، واختاره شمس الأئمَّة الحلواني.\nويكره للجنب، والحائض، والنفساء قراءة التوراة، والإنجيل، والزبور هو الصحيح؛ لأنَّ الكل كلام الله تعالى، كذا في «الخلاصة»؛ لأنَّ ما تبدل منه بعض غير معين، وما لم يبدل غالب وهو واجب الصون والتعظيم، وإذا اجتمع المحرم والمبيح؛ غلب، وقال ﵇: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك»، وبهذا ظهر فساد قول الشافعية: إنه يجوز الاستنجاء بما في أيديهم من التوراة والإنجيل، فإنه مجازفة عظيمة على الله ﷿؛ لأنَّه تعالى لم يخبرنا بأنهم بدلوها عن آخرها، وكونه منسوخًا لا يخرجه عن كونه كلام الله تعالى؛ كالآيات المنسوخة من القرآن، كما في «شرح المنية».\nقلت: على أن (^١) الأحرف وحدها قرآن أنزل على هود ﵇، فيجب\n_________\n(^١) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":166},{"text":"تعظيمها لحرمتها، ولو كانت مقطعة، كذا قاله الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وصرح به القسطلاني في «الإشارات».\nقلت: ومقتضاه الحرمة بالمكتوب مطلقًا يدل عليه أن غرضهم بالتبديل للأحكام لا للأسماء والدعوات فهي باقية على حالها، وخلوُّ اسم معظم منها غير ممكن ولو سلم، فهو موهوم غير متحقق، والأحكام لا تبنى على الوهم، فما قاله الشافعية افتراء وجراءة على الله ﷿ نعوذ بالله من قولهم، وما هو إلا جهل مركب، اللهم؛ إنا نعوذ بك من الجهل.\nوكذا يكره لهم مس التفسير القرآني، وكتب الفقه، والسنن، والأحاديث، وكذا مس شروح النحو؛ لأنَّها لا تخلو عن آيات، وهذا قول الإمامين الهمامين أبي يوسف، ومحمَّد بن الحسن رحمهما الله تعالى، وقال الإمام الأعظم: لا يكره، وهو الأصح، كما في «الخلاصة»، ووجهه: أنه لا يسمى ماسًّا للقرآن؛ لأنَّ ما فيها منه بمنزلة التابع، فكان كما لو توسد خُرْجًا فيه مصحف، أو ركب فوقه في السفر، كذا في «شرح المنية».\nوقال في «الأشباه»: (وقد جوز أصحابنا مس كتب التفسير للمحدث ولم يفصلوا بين كون الأكثر تفسيرًا أو قرآنًا، ولو قيل به اعتبارًا للغالب؛ لكان حسنًا) انتهى؛ أي: بأن يقال: إن كان التفسير أكثر؛ لا يكره، وإن كان القرآن أكثر؛ يكره، والأولى إلحاق المساواة بالثاني.\nقلت: وهو المنقول عن الشافعي، وقال في «السراج»: (كتب التفسير لا يجوز مس موضع القرآن منها، وله أن يمس غيره) انتهى.\nوقال في «المحيط»: (ويكره للحائض مس المصحف بالكُمِّ عند البعض، والعامة على أنه لا يكره) انتهى، وهو المختار، كما في «الكافي»، ومثل الكم غيره من الثياب، كما في «فتح القدير»، ومثل الغلاف صندوق الرَّبْعَة، وكذا كرسي المصحف وإن لم يكن مسمرًا؛ لأنَّه غلاف وزيادة، كذا في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٠٩\"> </span>[حديث: أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن]\n٢٩٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو نُعيم) بضمِّ النون (الفضل بن دُكين) بضمِّ الدال المهملة أنه (سمع زُهيرًا) بضمِّ الزاي المعجمة؛ هو ابن معاوية بن جرير الجعفي، (عن منصور ابن صفية)؛ هي بنت شيبة، وأبو منصور عبد الرحمن الحجبي العبدري المكي، كان يحب البيت، وهو شيخ كبير، وإنما نسب منصور إلى أمه؛ لأنَّه اشتهر بها، ولأنَّه روى عنها، كذا في «عمدة القاري»: (أن أمه) أي: صفية بنت شيبة المذكورة (حدثته) أي: حدثت ابنها منصور: (أن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄ (حدثتها) أي: حدثت صفية: (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ كان يتكئ)؛ بالهمزة من باب (الافتعال)، أصله: يوتكي قلبت الواو تاء (^١) وأدغمت التاء في التاء (^٢)، وثلاثيه وكاء، وهي جملة في محل النصب؛ لأنَّها خبر (كان) (في حجري) كذا في الروايات وهو الصواب، ووقع في رواية العذري: (حجرتي)؛ بتاء مثناة من فوق، وهو وهم، كذا في «عمدة القاري» (وأنا حائض): جملة اسمية وقعت حالًا، قال الكرماني: إما من فاعل (يتكئ)، وإما من المضاف إليه وهو ياء المتكلم.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: من فاعل «يتكئ» لا وجه له على ما لا يخفى، وما هي إلا من ياء المتكلم في «حجري»، ولا يمنع وقوع الحال من المضاف إليه إذا كان بين المضاف والمضاف إليه شدة الاتصال؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]).\nوكلمة (في) في قوله: (حجري)؛ بمعنى (على)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ (^٣) فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].\nفإن قلت: ما فائدة العدول عنه؟\nقلت: لبيان التمكن فيه لتمكن المظروف من الظرف، كذا في «عمدة القاري».\n (فيقرأ القرآن)؛ بالفاء، كذا في النسخ، وفي نسخة: (ثم يقرأ القرآن).\nقلت: والفاء هي الصواب؛ لإفادتها التعقيب؛ لأنَّ التراخي هنا لا معنى له وهو غير مراد، وعند المؤلف في (التوحيد): (كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض)، قال في «عمدة القاري»: (فعلى هذا: المراد بالإتكاء: وضع رأسه في حجرها)، وقال ابن دقيق العيد: (في هذا القول إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأنَّ قراءتها لو كانت جائزة؛ لما توهم امتناع القراءة في حجرها، حتى احتيج إلى التنصيص عليها، وفيه: جواز ملامسة الحائض؛ لأنَّها طاهرة، وفيه: جواز القراءة بقرب محل النجاسة).\nونظر فيه صاحب «عمدة القاري»: (لأن الحائض طاهرة، والنجاسة هو الدم وهو غير طاهر في كل وقت من أوقات الحيض، فعلى هذا؛ لا تكره قراءة القرآن بحذاء بيت الخلاء، ومع هذا ينبغي أن يكره تعظيمًا للقرآن؛ لأنَّ ما قرب للشيء؛ يأخذ حكمه)، وفيه: جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت ثيابها طاهرة، قاله القرطبي.\nقال في «عمدة القاري»: (وفيه نظر)، ولم يذكر وجهه.\nقلت: ولعل وجهه أن الحائض طاهرة، كما أفصح به الحديث ولا يلزم طهارة ثيابها؛ لأنَّ المريض المصلي إذا استند إليها؛ لا يسمى حاملًا للنجاسة التي على ثيابها؛ فصار كمن صلى وبقربه نجاسة، فإن صلاته جائزة، والله أعلم.\nقال صاحب «التوضيح»: (وجه مناسبة إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العِلاقة، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنَّه في جوفه وحامله؛ إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف، وقراءتها القرآن، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته).\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ليس في الحديث إشارة إلى الحمل وفيه الاتكاء، والاتكاء غير الحمل، وكون الرجل في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، وغرض البخاري الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة، لا على جواز حمل الحائض المصحف، وبهذا رد الكرماني على ابن بطال في قوله: «غرض البخاري» في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض للمصحف وقراءتها القرآن)، واعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: رده عليه إنَّما لا يستقيم في قوله: «وقراءتها»؛ لأنَّه ليس في الحديث ما يدل على جواز قراءة الحائض القرآن، والذي فيه يدل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض، وعلى جواز حمل المصحف لها بعلاقته، فأورد حديثًا وأثرًا، فالحديث يدل على الأول، والأثر على الثاني، لكنه غير مطابق للترجمة، وكلما كان من هذا القبيل؛ ففيه تعسف ولا يقرب من الواقعة إلا بالجر الثقيل) انتهى كلامه ﵁.\n\n <span id=\"b-٥١٠\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-510>[باب من سمى النفاس حيضًا]</span>\nهذا (باب) بيان (من سمَّى النفاس حيضًا) كان ينبغي أن يقول: (باب من سمَّى الحيض نفاسًا)؛ لأنَّ الذي في الحديث الآتي: فقال: «أنفست؟»؛ أي: أحضت؟ فأطلق على الحيض النفاس، كذا قاله صاحب «عمدة القاري».\nوقال ابن بطال: (لما لم يجد البخاري للنبيِّ ﷺ نصًّا في النفاس وحكم دمها في المدة المختلفة، وسمى الحيض نفاسًا في هذا الحديث؛ فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض في ترك الصَّلاة؛ لأنَّه إذا كان الحيض نفاسًا؛ وجب أن يكون النفاس حيضًا؛ لاشتراكهما في التسمية\n_________\n(^١) في الأصل: (ياء)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (الياء في الياء)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (لأصلبنكم)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":166},{"text":"من جهة اللغة؛ لأنَّ الدم هو النفس، ولزم الحكم لما لم ينص عليه مما نص، وحكم النفاس ترك الصَّلاة ما دام دمها موجودًا).\nوقال الخطابي: (ترجم أبو عبد الله بقوله: «من سمى النفاس حيضًا» والذي ظنه في ذلك وهم، وأصل هذه الكلمة: مأخوذ من النفس وهو: الدم إلا أنهم فرقوا فقالوا: نَفست بفتح النون؛ إذا حاضت، وبضمِّ النون؛ إذا ولدت).\nوقال الكرماني: (ليس الذي ظنه وهمًا؛ لأنَّه إذا ثبت هذا الفرق والرواية التي بالضم صحيحة؛ صح أن يقال حينئذٍ: سمى النفاس حيضًا، وأيضًا يحتمل أن الفرق لم يثبت عنده لغة، بل وضعت نَفست مفتوح النون ومضمومها عنده للنفاس بمعنى: الولادة، كما قال بعضهم بعدم الفرق أيضًا بأن اللفظين للحيض والولادة كليهما).\nوقال ابن المنيِّر: (كيف تطابق الترجمة للحديث وفيه تسمية الحيض نفاس لا تسمية النفاس حيضًا؟\nقلت: للتنبيه على أن حكم النفاس والحيض في منافاة الصَّلاة ونحوها واحد، وألجأه إلى ذلك أنه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس؛ فاستنبط من هذا الحديث أن حكمها واحد) انتهى.\nقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: قلت: هذا الكلام في الحقيقة مضمون كلام ابن بطال، وكلامه يشعر بالمساواة بين مفهومي الحيض والنفاس، وليس كذلك؛ لجواز أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه؛ كالإنسان والحيوان، وقول الكرماني: (يحتمل أن الفرق لم يثبت عنده لغة... إلى آخره) غير سديد؛ لأنَّ هذا لا يقال عن أحد إلا ممن يكون من أئمة اللغة، والبخاري من أئمة الحديث، والصواب الذي يقال ههنا على وجهين؛ أحدهما: أن هذه الترجمة لا فائدة في ذكرها؛ لأنَّه لا ينبني عليها مزيد فائدة، والثاني: لو سلمنا أن لها فائدة؛ فوجهها أن يقال: لما لم يثبت الفرق عنده بين مفهومي الحيض والنفاس؛ يجوز ذكر أحدهما وإطلاق الآخر، ففي الحديث ذكر النفاس، وأريد الحيض؛ فلذلك ذكر المصنف النفاس وأراد الحيض، وعلى هذا معنى قوله: (باب من سمى النفاس حيضًا)؛ يعني: ذكر النفاس وأراد به: الحيض، فكذلك المذكور في الحديث نفاس والمراد به: الحيض، وذلك أنه لما قال ﵇: «أنفست؟» أجابته بـ (نعم)، وكانت حائضًا، فقد جعلت النفاس حيضًا، فطابق الحديث ما ترجم به، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.\nزاد في رواية الكشميهني: (والحيض نفاسًا).\n\n <span id=\"b-٥١١\"> </span>[حديث أم سلمة: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت]\n٢٩٨ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مكي) وفي رواية: (المكي) (بن إبراهيم) هو ابن بشير التميمي البلخي أبو السكن (قال: حدثنا هشام) هو الدستوائي، (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة، (عن أبي سَلَمَة)؛ هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وفي رواية مسلم روى عنه بالتحديث قال: (حدثني أبو سَلَمَة): (أن زينب بنت) وفي رواية: (ابنة) (أم سَلَمَة) الصحابية بنت أم المؤمنين (حدثته) أي: حدثت أبا سَلَمَة: (أن أم سَلَمَة) أم المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية (حدثتها) أي: حدثت زينب، في السند (أبو سَلَمَة) و(أم سَلَمَة) وليست كنيتان باعتبار شخص واحد، بل سَلَمَة الأول: هو والد عبد الرحمن، وسَلَمَة الثاني: هو ولد بن عبد الأسد، والغرض أن أبا سَلَمَة ليس أباربيب النبيِّ ﷺ (قالت: بينا)؛ بغير ميم أصله: (بين)، فأشبعت فتحة النون بالألف، و(بينا) و(بينما) ظرفان؛ بمعنى: المفاجأة، ومضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه (إذ) و(إذا)، وههنا جاء الجواب بـ (إذ)، وهو قوله: (إذ حضت) وهو العامل فيه، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» (أنا مع النبي) الأعظم (ﷺ مضطجعة) أصله: مضتجعة؛ لأنَّه من باب (الافتعال)، فقلبت التاء طاء، ويجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى الخبرية، وأما النصب؛ فعلى الحال (في خَمِيصة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم؛ وهو كساء مربع له علمان، وقيل: الخماص: ثياب من خزتجان سود وحمر، ولها أعلام ثخان أيضًا قاله ابن سيده، وفي «الصحاح»: (كساء أسود مربع وإن لم يكن معلمًا؛ فليس بخميصة)، وقال الأصمعي: (الخمائص: ثياب خز أو صوف معلمة، وهي سود كانت من لباس الناس)، كذا في «الغريبين»، وقال ابن سيده: (والخميصة: القطيفة)، وقال السكري: (الخميل: القطيفة ونحوها مما ينسج، ويفضل له فضول)، وفي","vol":"1","page":167},{"text":"«الصحاح»: (هي الطنفسة).\nوزعم النووي أن أهل اللغة قالوا: هو كل ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: هي الأسود من الثياب، كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (إذ حضت) جواب (بينا)، لكنه غير فصيح؛ لما قدمنا أن الأفصح في جوابها ألَّا يكون بـ (إذ) أو (إذا)؛ فافهم، (فانسللت)؛ أي: ذهبت في خفية؛ لاحتمال وصول الشيء من الدم إليه ﷺ، أو لأنَّها تقذرت نفسها ولم ترضها ﵇ لمضاجعته، أو خافت أن ينزل الوحي فانسلت لئلا يشغله حركتها عما هو فيه من الوحي وغيره، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، (فأخذت ثياب حِيضتي)؛ بكسر الحاء المهملة؛ وهي حالة الحيض هذا هو الصحيح المشهور، وزعم الكرماني وقيل: يحتمل فتح الحاء هنا، فإن الخميصة بالفتح؛ هي الحيض).\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: لا يقال هنا بالاحتمال، فإن كلًّا منهما لغة ثبتت عن العرب وهي أن الحِيضة بالكسر: الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، وأما الحَيضة بالفتح؛ فالمرة الواحدة من دفع الحيض أو نوبه، وأنت تفرق بينهما بما تقتضيه قرينة الحال من مساق الحديث، وجاء من حديث عائشة: (ليتني كنت حِيضة ملقاة) وهي بالكسر؛ خرقة الحيض، وجزم الخطابي هنا برواية الكسر، ورجحه النووي، ورجح القرطبي رواية الفتح؛ لوروده في بعض طرقه بلفظ: (حيضي)؛ بغير تاء، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: فمعنى رواية الكسر: أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض، ومعنى رواية الفتح: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، والله أعلم.\n (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، وفي رواية: (قال)؛ أي: لها (أنَفِست؟)؛ بفتح النون، وكسر الفاء، وقيل: بضمِّ النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير، وفي «الواعي»: نُفست؛ بضمِّ النون؛ حاضت، قال النووي: (هذا هو الصحيح في اللغة بمعنى: حضت، فأما في الولادة؛ فنُفِست؛ بضمِّ النون، وكسر الفاء)، وفي «نوادر اللحياني»: (نفِست المرأة تنفِس؛ بالكسر في الماضي والمستقبل إذا حاضت)، وفي «أدب الكتاب» عن ثعلب: (النفساء الواحدة، والحامل والحائض)، وقال ابن سيده: (والجمع من كل ذلك نفساوات، ونِفاسٌ، ونفس، ونُفُّس، ونُفَس، ونُفَاس)، كذا في «عمدة القاري»، (قلت)؛ بضمِّير المتكلم؛ أي: قالت أم سَلَمَة: (نعم)؛ أي: نفست، (فدعاني)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، (فاضطجعت) فيه حذف؛ تقديره: فجئت إليه واضطجعت (معه) أي: مع النبيِّ ﵇ (في الخميلة)؛ باللام بدل الصاد، قال السكري: (الخميل: القطيفة ونحوها مما ينسج ويفضل له فضول)، وقال ابن سيده: (الخميصة: القطيفة)، وفي «الصحاح»: (هي الطنفسة)، وزعم النووي أنها كل ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: هي الأسود من الثياب، كما قدمناه،\nوفي الحديث: دليل على جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد، ومثلها النفساء، وفيه: استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة، وفيه: أن عرقها طاهر، وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ معناه: فاعتزلوا وطأهن، وفيه: التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب الصَّلاة وعدم جواز الصوم، ودخول المسجد، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، ونحو ذلك، كذا قاله في «عمدة القاري».\nوقال المهلب: إنما لم ينصَّ البخاري على حكم النفاس وحده؛ لأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس، واستنبط من الحديث أن حكمهما واحد.\nورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: النصوص فيها كثيرة؛ منها حديث أم سَلَمَة: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﵇ أربعين يومًا)، قال الحاكم: (صحيح الإسناد)، وحسنه البيهقي والخطابي.\nوعند الدارقطني: أن أم سَلَمَة سألت رسول الله ﷺ: كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال: «أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك»، وعند ابن ماجه من حديث سلام بن سليم، عن حميد، عن أنس ﵁: (وقَّت رسول الله ﷺ للنفساء أربعين يومًا)، ومثله حديث عثمان، عن أبي العاص قال الحاكم: مرسل صحيح، وحديث معاذ بن جبل ﵁ أخرجه الحاكم في «المستدرك»، وحديث عائشة ﵂ أخرجه الحاكم وأحمد في (الحيض)، وحديث جابر بن عبد الله رواه الطبراني في «الأوسط»، وحديث أبي هريرة، وأبي الدرداء رواه ابن عدي بالإرسال، وأما موقوف ابن عباس؛ فسنده صحيح في «مسند» الدارمي، وأخرجه أيضًا ابن الجارود في «المنتقى»، وفي كتاب «الأحكام» لأبي علي الطوسي: أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصَّلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك؛ فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين؛ فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء، ويروى عن الحسن: أنها تدع الصَّلاة خمسين يومًا، وعن عطاء: أنها تدع الصَّلاة ستين يومًا، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وما قاله أكثر أهل العلم هو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم، وأصحابه، والجمهور، وما روي عن الحسن هو قول مالك، وما روي عن عطاء هو قول الشافعي، ولا يخفى أن الأحاديث الصحاح المارَّة دليل واضح لما قاله الإمام الأعظم؛ لأنَّ أكثر النفاس أربعون يومًا، ÷ فإذا زاد الدم؛ يكون استحاضة؛ فهو دم صحة لا دم فساد، فيجب عليها الصَّلاة، والصوم، ويأتيها زوجها، وتجري عليها أحكام الطاهرات، ونسأله تعالى العفو عن الزلات، وتضاعف الحسنات، وتفريج الكربات، وتنفيس الهمومات بجاه سيد السادات وآله وأصحابه النجوم الواضحات.\n\n <span id=\"b-٥١٢\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-512>[باب مباشرة الحايض]</span>\nهذا (باب) حكم (مباشرة) الرجل مع زوجته (الحائض) وأراد بالمباشرةهنا: مماسة الجلدين لا الجماع، فإن جماع الحائض حرام على ما سيأتي بيانه.\n\n <span id=\"b-٥١٣\"> </span>[حديث: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد]\n٢٩٩ - بالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قَبِيْصَة)؛ بفتح القاف، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الصاد المهملة، هو ابن عُقْبَة -بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الموحدة- أبو عامر الكوفي (قال: حدثنا سفيان) هو الثوري، (عن منصور) هو ابن المعتمر، (عن إبراهيم)؛ هو النخعي.\nفإن قلت: إبراهيم هل أدرك أحدًا من الصحابة، أو سمع من أحد منهم؟\nقلت: ذكر العجلي أن إبراهيم النخعي لم يحدث عن أحد من الصحابة، وقد أدرك منهم جماعة، وقد رأى عائشة ﵂، ويقال: إنه رأى أبا جحيفة، وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع منهم، وعن ابن حبان: (أنه سمع المغيرة)، والله أعلم كذا في «عمدة القاري»، (عن الأسود) هو خالد بن يزيد، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: كنت أغتسل)؛ أي: من الجنابة (أنا والنبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ بالرفع والنصب، أما الرفع؛ فبالعطف على الضمير المرفوع في (كنت)، وأما النصب؛ فعلى أن الواو؛ بمعنى: المصاحبة، وذكر (أنا)؛ لأنَّ في عطف الظاهر على المضمر المستكن بدون التأكيد خلافًا، كذا في «عمدة القاري» (من إناء واحد) تختلف أيدينا فيه؛ (كلانا جنب): جملة محلها النصب على الحال، وإنما لم يقل: كلانا جنبان؛ لأنَّها اختارت اللغة الفصيحة، وقد ذكرنا أن الجنب يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمثنى والجمع في اللغة الفصحى وإن كان يقال: جنبان وجنبون) انتهى.\n (وكان) وللأَصيلي: (فكان)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (يأمرني)؛ أي: بالاتزار لأجل حاجته، (فأَتَّزر)؛ بفتح الهمزة، وتشديد المثناة الفوقية، أصله: أَأْتزر؛ بهمزتين أولهما مفتوحة، والثانية ساكنة؛ لأنَّ أصله من أزر، نقل إلى باب (الافتعال)، فصار اتَّزر، وكذا استعمل في حديث آخر وهو: (كان النبيُّ ﷺ يباشر بعض نسائه وهي مؤتزرة في حالة الحيض)، وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: «وهي متزرة»، وهو خطأ؛ لأنَّ الهمزة لا تدغم في التاء الفوقية.\nقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (قلت: فعلى هذا؛ يكتفي أن يقرأ فآتزر بالمد؛ لأنَّ الهمزتين إذا اجتمعتا وكانت الأولى متحركة والثانية ساكنة؛ أبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى؛ فتبدل ألفًا بعد الفتحة، فكذلك هنا؛ لأنَّ أصله: أَأْتزر؛ بهمزتين الأولى متحركة، والثانية ساكنة، أبدلت الثانية ألفًا فصار: آتزر؛ بالمد).\nوقال ابن هشام: وعوام المحدثين يحرفونه فيقرؤونه بألف وتاء مشدودة، ولا وجه له؛ لأنَّه (افتعل) من الإزرار، ففاؤه همزة ساكنة بعد همزة المضارعة المفتوحة)، وكذا أنكر الإدغام إمام الصنعات الزمخشري.\nوزعم الكرماني فإن قلت: لا يجوز الإدغام فيه عند البصريين؟ قال صاحب «المفصل»: (وقول من قال: اتزر خطأ؟ قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالمخطئ مخطئ). ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: إنَّما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت بالإدغام، فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأ مثل ما قال معظم أئمة هذا الشأن ويكون الخطأ من بعض الرواة أو من عوام المحدثين لا من عائشة ﵂؟) انتهى كلامه؛ فليحفظ.\nقلت: وقد حاول ابن مالك جوازه، وقال: إنه مقصور على السماع؛ كـ (اتكل)، ومنه قراءة ابن محيصن: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتُّمِن) [البقرة: ٢٨٣]؛ بهمزة وصل، وتاء مشددة)، ونقل الصغاني في «مجمع البحرين»: (أنه مذهب الكوفيين)، والله أعلم.\n (فيباشرني) ﵇؛ أي: تلامس بشرته بشرتي (وأنا حائض): جملة حالية.\nقالت عائشة: (وكان)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (يخرج رأسه) أي: من مسجده النبوي (إليَّ) أي: وهي في حجرتها (وهو معتكف)؛ أي: في المسجد، والجملة حالية، (فأغسله)؛ أي: بالماء وأسرح شعره، وأدهنه كما هي عادته ﵇، والاعتكاف لغة: مجرد اللبث، وشرعًا: لبث في المسجد مع الصوم، وهو من باب (الافتعال)، من عكف يعكف عكوفًا؛ إذا أقام وعكفه عكفًا؛ إذا حبسه (وأنا حائض) جملة حالية أيضًا،","vol":"1","page":167},{"text":"ففي الحديث: دليل على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وقد سبق، وفيه: دليل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ألا ترى إلى قولها: (وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله)، فإنه دليل على ذلك؛ لأنَّ الاعتكاف وإن كان الوضوء ليس من شرطه إلا أن عادة النبيِّ ﵇ خصوصًا حال الاعتكاف الدوام على الوضوء لا سيما والمسجد محل الصَّلاة، وفيه: دليل على جواز استخدام الزوجات، وفيه: طهارة عرق الحائض، وفيه: أن إخراج الرأس في المسجد لا يبطل الاعتكاف، وفيه: دليل على جواز مباشرة الحائض: وهي الملامسة من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد المباشرة بمعنى: الجماع، والمراد بها هنا: المعنى الأول بالإجماع.\nواعلم أن مباشرة الحائض على أقسام:\nأحدها: حرام بالإجماع ولو اعتقد حله؛ يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل؛ يستغفر الله ولا يعود إليه، وهل تجب عليه الكفارة أو لا فيه خلاف؛ فذهب جماعة إلى وجوب الكفارة؛ منهم: قتادة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وقال أكثر العلماء: لا شيء عليه سوى الاستغفار، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وبه قال مالك، وربيعة، وداود، ويحيى بن سَعِيْد، والشافعي في الجديد، فلو فعله غير معتقد حله بأن كان ناسيًا، أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه، أو مكرهًا؛ فلا إثم عليه ولا كفارة، وعليه التوبة والاستغفار، وإن كان عالمًا بالحرمة، وبالحيض عامدًا مختارًا؛ فقد ارتكب المعصية؛ لأنَّها كبيرة، فيجب عليه التوبة والاستغفار، ويعزر بما يليق به، ولا كفارة عليه عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، واختلف الشافعي في وجوبها، والأصح: عدمها، وقيل: إنها عتق رقبة، وقيل: دينار ونصف دينار، وقيل: دينار أول الدم، ونصفه آخره، وقيل: دينار زمن الدم، ونصفه بعد انقطاعه.\nقلت: واختار هذا التفصيل المتأخرون من الأئمَّة الحنفية على وجه الاستحباب لا الوجوب، وقدمناه مفصلًا.\nفإن قلت: روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدق بدينار، أو بنصف دينار»، ورواه بقية الأربعة.\nقلت: رواه البيهقي وأعله بأشياء؛ منها: أن جماعة روَوه عن شعبة موقوفًا على ابن عباس، وأن شعبة رجع عن رفعه، ومنها: أنه روي مرسلًا، ومنها: أنه روي معضلًا، وهو رواية الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبيِّ ﷺ قال: «أمرت أن يتصدق بخُمسي دينار»، والمعضل نوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلًا، وقوم يسمونه: مرسلًا، ومنها: أن في متنه اضطرابًا؛ لأنَّه روي: (بدينار أو نصف دينار) على الشك، وروي: (يتصدق بدينار، فإن لم يجد؛ فبنصف دينار)، وروي: (يتصدق بنصف دينار)، وروي: (إن كان دمًا أحمر؛ فدينار، وإن كان أصفر؛ فنصف دينار)، وروي: (إن كان الدم عبيطًا؛ فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة؛ فنصف دينار)، قال صاحب «عمدة القاري»: هذا الحديث صححه الحاكم، وابن القطان، وذكر الخلَّال عن أبي داود: أن أحمد قال: ما أحسنَ حديث عبد الحميد! وهو أحد رواة هذا الحديث، وهو من رجال «الصحيح»، وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي الهاشمي العدوي، عامل محمَّد بن عبد العزيز على الكوفة، رأى عبد الله بن عباس وسأله، وروى عن حفصة زوج النبيِّ ﷺ، ثم إن شعبة إن كان رجع عن رفعه؛ فإن غيره رواه مرفوعًا، وهو عمرو بن قَيْس الملائي، وهو ثقة ومن طريقه أخرجه النسائي، وكذا رواه قتادة مرفوعًا، فأسقطا في روايتهما عبد الحميد، ومقتضى القواعد: أن رواية الرفع أشبه بالصواب؛ لأنَّه زيادة ثقة، أما ما روي فيه من (خمسي دينار)، أو (عتق نسمة)، وغير ذلك؛ فما منها شيء يعول عليه، والذين ذهبوا إلى عدم وجوب الصدقة أجابوا: أن قوله ﵇: «يتصدق» محمولًا على الاستحباب، إن شاء يتصدق، وإلا؛ فلا، وعن الحسن أنه قال: عليه ما على من واقع أهله في رمضان.\nوالنوع الثاني: من المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر، وبالقبلة، وبالمعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك؛ فهذا حلال بالإجماع، إلا ما حكي عن عبيدة السَّلماني وغيره: من أنه لا يباشر شيئًا منها، وهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في «الصحيحين» وغيرهما من مباشرة النبيِّ ﵇ فوق الإزار.\nوالنوع الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند الإمام الأعظم: حرام، وهو رواية عن إمام أبي يوسف، وهو قول مالك، وابن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وابن يسار، وقتادة، وهو القول الأصح للشافعي، وعند الإمام محمَّد بن الحسن: يجتنب شعار الدم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وهو قول علي، وابن عباس، وأبي طلحة، والأوزاعي، وأبي ثور، والثوري، والشعبي، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المُنْذِر، وداود، وأصبغ؛ لحديث أنس ﵁ عند مسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، واقتصار النبيِّ ﵇ في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وذكر القرطبي عن مُجَاهِد: كانوا في الجاهلية يتجنبون النساء في الحيض، ويأتون النساء في أدبارهن في حدثه، والنصارى كانوا يجامعوهن (^١) في فروجهن، والمجوس يبالغون في هجرانهن وبتنجيسهن، ويعتزلوهن بعد انقطاع الدم وارتفاعه سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك في كتابهم، انتهى.\nقلت: فأبطل الله تعالى كل ذلك بآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ...﴾؛ الآية كما قدمناها؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-514>[حديث عائشة: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد </span>رسول الله أن]\n٣٠٢ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا) ولأبي ذر: (أخبرنا) (إسماعيل بن خليل)؛ بدون الألف واللام في رواية أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي، وابن عساكر: (الخليل)؛ بالألف واللام.\nفإن قلت: هو علم، فلا يدخله أدوات التعريف؟\nقلت: إذا قصد به لمح الصفة؛ يجوز كما في العباس، والحارث، ونحوها.\nوهو أبو عبد الله الكوفي الخزاز -بالخاء المعجمة، والزايين المعجمتين؛ أولاهما مشددة- قال البخاري: (جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومئتين) (قال: أخبرنا علي بن مُسْهِر)؛ بضمِّ الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء، وبالراء؛ هو أبو الحسن القرشي الكوفي، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة (قال: أخبرنا أبو إسحاق): هو سليمان بن فيروز التابعي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة (هو الشيباني): أشار المؤلف إلى أنه تعريفًا له من تلقاء نفسه،\n_________\n(^١) في الأصل: (يجامعهن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":168},{"text":"وليس من كلام شيخه، كذا في «عمدة القاري»، (عن عبد الرحمن بن الأسود): هو ابن يزيد النخعي، من كبار التابعين، المتوفى سنة تسع وتسعين، (عن أبيه): هو الأسود بن يزيد المذكور، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: كانت إحدانا)؛ أي: إحدى زوجات النبي الأعظم ﷺ، وفي رواية: (كان إحدانا)؛ بدون التاء، وحكى سيبويه في «كتابه»: (أن بعض العرب تقول: قال (^١) امرأة) انتهى، (إذا كانت حائضًا)؛ أي: متلبسة بالحيض (فأراد رسول الله): وللأصيلي: (النبي) الأعظم (ﷺ أن يباشرها): من المباشرة التي هي أن يمس الجلد الجلد، وليس المراد به الجماع، بالإجماع كما قدمناه، فإذا أراد مباشرتها؛ (أمرها أن تتَّزر)؛ بتشديد الفوقية، وللكشميهني: (أن تأْتزر)؛ بهمزة ساكنة بدون إدغام، وهي اللغة الفصحى كما قدمناه، وفي «المصابيح»: (أنه القياس) (في فَوْرِ)؛ بفتح الفاء، وسكون الواو، آخره راء (حَيضتها)؛ بفتح الحاء المهملة لا غير، وأرادت به معظم حيضها، ووقت كثرتها، وقال الجوهري: (فورة الحر؛ شدته، وفار القدر فورًا؛ إذا جاشت)، كذا في «عمدة القاري»، ووقع في رواية أبي داود: (فوح)؛ بالحاء المهملة، (ثم يباشرها)؛ أي: بملامسة بشرته لبشرتها، (قالت) أي: عائشة: (وأيكم يملك إِرْبه؟)؛ بكسر الهمزة، وسكون الراء، بعدها موحدة، قيل: هو عضوه التي يستمتع به، وقيل: حاجته، وفي كتاب «المنتهى»: (فيه لغات: إرب، وإربة، وأرب، ومأرَبة، ومأرُبة)، وعن ابن سَلَمَة: (ولكنه أملككم لإربه)، قال الأصمعي: (هي الحاجة؛ أي: أضبطكم لشهوته)، وقال ابن الأعرابي: أي: لحزمه، وضبط نفسه، وقد أرب يأرب أربًا؛ إذا احتاج، يقال: إن فلانًا لأرب بفلانة؛ إذا كان همَّ بها، ويشهد لقول ابن الأعرابي ما جاء في بعض الروايات: (أملككم لنفسه)، وفي «المحكم» و«الجامع»: (والمأرب وهي الآراب والإرَب)، وقال الخطابي: (وأكثر الرواة يقولون: لإربه، والإرب: العضو، وإنما هو الأرَب -مفتوحة الراء-؛ وهي الوطء وحاجة النفس، وقد تكون الإرب الحاجة أيضًا، والأول أبين)، وكذا حكى صاحب «الواعي»، وأما ابن سيده، وابن عديس في «الكتاب الباهر»؛ فقالا: (الإِرَب؛ بكسر الهمزة: جمع إربة؛ وهي الحاجة)، وقال أبو جعفر النحاس: (أخطأ من رواه بكسر الهمزة)، قال: (وإنما هي بفتحها)، وفي «مجمع الغرائب» لعبد الغافر: (هو في الكلام معروف الإرب والإربة بمعنى: الحاجة، فإن كان الأول محفوظًا -يعني: في حديث عائشة-؛ ففيه ثلاث لغات: الإرب، والأرب، والإربه، والأرب، ويكون بمعنى العضو، فيحتمل أنها أرادت: كان أملككم لعضوه؛ لأنَّها ذكرت التقبيل في الصوم)، وفي «المغيث» لأبي موسى: (أرب في الشيء؛ رغب فيه)، كذا في «عمدة القاري».\n (كما كان النبي) الأعظم (ﷺ يملك إربه): فهو ﵇ أملك الناس لإربه، فلا يُخْشَى عليه ما يُخْشَى على غيره ممن يحوم حول الحمى، وكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره ممن ليس بمعصوم، وبحديث الباب استدل إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وسَعِيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وسليمان بن يسار، وقتادة، والشافعي في الأصح: على تحريم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها في غير القبل والدبر بوطء أو غيره، ولحديث الترمذي محسنًا أنَّه ﵇ سئل عما يحل من الحائض؟ فقال: «ما وراء الإزار»، وهو قول مالك، وعطاء، ورواية عن الإمام أبي يوسف، وذهب الإمام محمَّد بن الحسن إلى أن الممنوع هو الوطء دون غيره، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف أيضًا، وهو قول الأوزاعي، والثوري، والنخعي، والشعبي، ومُجَاهِد، وأحمد، وأصبغ، وأبو ثور، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره النووي، ورجحه الحافظ الطحاوي؛ لحديث مسلم عن أنس: أنه ﵇ قال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فجعلوه مخصصًا لحديث الترمذي السابق، وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعًا بين الأدلة.\nوعند أبي داود: (أنه ﵇ كان إذا أراد من الحائض؛ ألقى على فرجها ثوبًا)، وإسناده قوي، وهذه المباشرة إنَّما تجوز له إذا كان يضبط نفسه، ويمنعها من الوقوع في الجماع، وإن كان لا يملك ذلك؛ فلا يجوز له ذلك؛ لأنَّ من رعى حول الحمى؛ يوشك أن يقع فيه، فلا بدَّ للحائض من الاتِّزار في أيام حيضها؛ لأنَّ النبي الأعظم ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذ والركبتين تحتجز به؛ أي: تمتنع المرأة به؛ أي: بالإزار عن الجماع، وفي رواية: (محتجزة به)؛ أي: حال كون المرأة ممتنعة به عن الجماع، وأصله من حجزه يحجزه حجزًا؛ أي: منعه، من باب (نصر ينصر)، ومنه الحاجز بين الشيئين؛ وهو الحائل بينهما.\nوالتقييد بقولها: (في فور حيضته) يدل على الفرق بين ابتداء الحيض وما بعده، ويشهد لذلك ما رواه ابن ماجه في «سننه» بإسناد حسن عن أم سَلَمَة: (أنه ﵇ كان يتقي سورة (^٢) الدم ثلاثًا، ثم يباشرها بعد ذلك، ولا منافاة بينه وبين الأحاديث الدَّالة على المباشرة مطلقًا؛ لأنَّها تجمع على اختلاف الحالين)، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم.\n (تابعه)؛ أي: تابع عليَّ بن مسهر في روايته لهذا الحديث (خالدُ): هو ابن عبد الله الواسطي، وقد وصلها أبو القاسم التنوخي من طريق وهب بن منبه عنه، (و) تابعه (جرير)؛ بالجيم، هو ابن عبد الحميد في رواية هذا الحديث؛ كلاهما (عن الشيباني): هو أبو إسحاق السابق، وقد وصل هذه المتابعة أبو داود قال: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا في فوح حيضتنا...)؛ الحديث، ورواه أيضًا الإسماعيلي، والحاكم في «مستدركه»، وقولها: (فوح)؛ بالفاء والحاء المهملة: معظمه وأوله، ومثله: فوعة الدم، يقال: فاع وفاح بمعنى واحد، وفوعة الطيب: أول ما يفوح منه، ويروى: بالغين المعجمة، وهو لغة فيه، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٥١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-515>[حديث ميمونة: كان رسول الله إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه]</span>\n٣٠٣ - وبه قال: (حدثنا أبو النعمان): هو محمَّد بن الفضل السدوسي -بمهملات-، المعروف بعارم (قال: حدثنا عبد الواحد): هو ابن زياد البصري (قال: حدثنا الشيباني): هو أبو إسحاق السابق (قال: حدثنا عبد الله بن شداد)؛ بالشين المعجمة، وبالدالين المهملتين، أولاهما مشددة، هو ابن أسامة بن الهادي الليثي (قال: سمعت مَيْمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وسكون التحتية، وضم الميم الثانية، هي بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ (قالت: كان النبي) الأعظم، وفي رواية: (تقول: كان رسول الله) (ﷺ): فالرواية الأولى رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر، والثانية رواية غيرهم، والجملة محلها نصب على الحال (إذا أراد أن يباشر\n_________\n(^١) في الأصل: (قالت)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (سودة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":168},{"text":"امرأة من نسائه): الطاهرات ﵅، والمراد بالمباشرة: أن يمسَّ الجلد الجلد، وليس المراد به: الجماع إجماعًا، كما قدمناه؛ (أمرها)؛ أي: بالاتَّزار (فاتَّزرت): فيه حذف؛ تقديره: فامتثلت الأمر فاتَّزرت، وقدَّمنا أن اللغة الفصحى: (فأْتزرت)؛ بالهمزة بدون إدغام، قيل: وهو الرواية هنا؛ فتأمل، (وهي حائض): جملة حالية، قال الكرماني: (يحتمل أن تكون من مفعول «يباشر»، أو من مفعول «أمر»، أو من فاعل «اتزرت») انتهى، قلت: والوجه الأول هو الظاهر وهو الوجه الصحيح، وعليه القسطلاني، والوجهان الآخران لا وجه لهما، كما لا يخفى؛ فافهم، وهذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود؛ كلاهما عن الشيباني به، وأخرجه ابن ماجه بسند صحيح من حديث أم حبيبة ﵂ قالت: (كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذها، ثم تضطجع معه ﷺ)، وأخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث عمر ﵁: (له ما فوق الإزار، وليس له ما تحته)، وفي لفظ: (ولا يطلعن إلى تحته حتى يطهرن)، وأخرج أبو داود بسند صحيح عن بعض أزواج النبي ﷺ: (أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا؛ ألقى على فرجها ثوبًا)، وأخرج أبو داود أيضًا بسند جيد عن أم سَلَمَة: (أن رسول الله ﷺ كان يباشرها وعلى قبلها ثوب)؛ يعني: وهي حائض، وأخرج أبو داود أيضًا من حديث معاذ وعبد الله بن سعد: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: «ما فوق الإزار»، وفي حديث معاذ: (والتعفف عن ذلك أجمل)، وأخرج عبد الله بن وهب بسند صحيح من حديث كريب قال: سمعت أم المؤمنين تقول: (كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب)، وأخرج الدارمي في «مسنده» من حديث أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: قالت أم المؤمنين: (كنت أتَّزر وأنا حائض [وأدخل مع النبي في لحافه)، وإسناده صحيح، وفي «الموطأ» عن زيد بن أسلم: سأل رجل النبي: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟] (^١) قال: «لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها»، قال أبو عمر (^٢): ولا أعلم أحدًا روى هذا الحديث مسندًا بهذا اللفظ، كذا في «عمدة القاري».\n (رواه)؛ يعني: روى هذا الحديث، وللأصيلي وكريمة: (ورواه) (سفيان): يحتمل أنه الثوري، ويحتمل أنه ابن عيينة، ولا بأس بالإبهام؛ لأنَّ كلًّا منهما على شرط البخاري، كذا قاله الكرماني، وزعم ابن حجر أنه الثوري على القطع، قلت: وهو فاسد، والظاهر أنه ابن عيينة، ويدل عليه قول صاحب «التلويح»: (كأن البخاري يريد بمتابعة سفيان هذا المعنى لا القطع، وذلك أن أبا داود قال: حدثنا محمَّد بن الصَّبَّاح، عن سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق الشيباني: سمع عبد الله بن شداد عن ميمونة: أن النبي ﷺ...؛ الحديث)، قلت: فهذا يعين أنه ابن عيينة، ورواه أحمد عن الثوري من طريق أخرى غير هذا، فلا دليل فيه لما زعمه ابن حجر، فإنه يقطع ولا يدري من أين دليل القطع، (عن الشيباني)؛ هو أبو إسحاق المذكور، ورواه عنه أيضًا بهذا الإسناد خالد بن عبد الله عند مسلم، وجرير بن عبد الحميد عند الإسماعيلي، وأسباط بن محمَّد عند أبي عوانة في «صحيحه»، قلت: وهذا أيضًا يعين ما قلناه؛ فافهم، وإنما قال: (رواه) ولم يقل: تابعه؛ لأنَّ الرواية أعم من المتابعة، فلعله لم يروها متابعة، كذا في «عمدة القاري»، والله الهادي وعليه اعتمادي.\n\n <span id=\"b-٥١٦\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-516>[باب ترك الحايض الصوم]</span>\nهذا (باب) بيان (ترك الحائض) ومثلها النفساء (الصوم) في أيام حيضها أو نفاسها، قال في «عمدة القاري»: (وجه المناسبة بينهما من حيث أن كلًّا منهما يشتمل على حكم من أحكام الحيض.\nفإن قلت: الحائض تترك الصَّلاة [أيضًا، فما وجه ذكر الصوم في تركها دون الصلاة مع أنهما مذكوران في حديث الباب؟] (^٣).\nقلت (^٤): [تركها الصلاة] (^٥) لعدم وجود شرطها وهي الطهارة، فكانت ملجأة (^٦) إلى ذلك بخلاف الصوم، فإن الطهارة ليست بشرط، وكان تركها إياه (^٧) من باب التعبد، وأيضًا فإن تركها للصلاة لا إلى خلف، بخلاف الصوم فإنه إلى خلف وهو القضاء، فخص الصوم بالذكر دون الصَّلاة؛ إشعارًا لما ذكرناه) انتهى.\n\n <span id=\"b-٥١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-517>[حديث: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار]</span>\n٣٠٤ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا سَعِيد بن أبي مريم): هو سَعِيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم، المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، (قال: حدثنا): وفي رواية: (أخبرنا) (محمَّد بن جعفر): هو ابن أبي كثير -بفتح الكاف، وبالمثلثة- الأنصاري (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد هو ابن أسلم)؛ بلفظ الماضي، أبو أسامة المدني، وسقط (هو ابن أسلم) للأصيلي وابن عساكر، وهي ثابتة لغيرهما، وأشار إلى أنه تعريف له من تلقاء نفسه، وليس من كلام شيخه، (عن عِياض) بكسر العين المهملة (بن عبد الله): هو ابن أبي سرح العامري، ولأبيه صحبة، (عن أبي سَعِيد الخدري): واسمه سعد بن مالك ﵁ (قال: خرج رسول الله ﷺ)؛ يعني: خرج إما من بيته، أو من مسجده، كذا قاله في «عمدة القاري»، قلت: والظاهر الثاني؛ لأنَّه ﵇ كان يصلي الفجر في مسجده وقت الإسفار كما قال: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، وهذه عادته، وكان يقعد في مصلَّاه حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين، ثم يخرج من المسجد يريد صلاة العيد في المصلى، وهذا من عادته ﵇؛ فليحفظ، فتأمل، (في) يوم عيد (أَضْحى)؛ بفتح الهمزة، وسكون الضاد المعجمة، جمع أضحاة، والأضحية: شاة تذبح يوم الأضحى، وفيها أربع لغات: ضم الهمزة وكسرها، وأضحية كما ذكرناها ضبطًا، وضَحيَّة؛ بفتح الضاد المعجمة، وتشديد التحتية، والجمع أضحاة وأضحى، وبها سمي يوم الأضحى، والأضحى يذكر ويؤنث، وقيل: سميت بذلك؛ لأنَّها تفعل في الأضحى؛ وهو ارتفاع النهار، كذا في «عمدة القاري»، (أو) في يوم عيد (فطر)؛ أي: عقب رمضان، والشك من الراوي، وزعم الكرماني أن الشك من أبي سَعِيد، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لا يتعين ذلك) انتهى، أي: بل الشك من الراوي أي كان، وهو الظاهر؛ فافهم، (إلى المصلى): متعلق بقوله: (خرج) وهو موضع صلاة العيدين وصلاة الجنازة قرب الجبانة، وإنما أعده ﵇ لذلك؛ لتنزيه المسجد عن الكلام المباح فيه حال الاجتماع فيه من المعايدة حين لقاء الناس بعضهم بعضًا، ولتنزيهه أيضًا عن الجنازة؛ لاحتمال خروج شيء من الميت إلى المسجد، ولهذا قال الإمام الأعظم رأس المجتهدين: إن صلاة الجنازة بالمسجد مكروهة؛ لأنَّ النبي الأعظم ﷺ قد أعد لها المصلَّى، وقال: «من صلى على جنازة في مسجد؛ فلا أجر له»، وفي رواية: «فلا ثواب له»، وهذا حجة على من منع الكراهة في المسجد، وسيأتي تمامه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى؛ فافهم، والله أعلم.\n (فمر) ﵇ (على النساء)؛ لأنَّه يجوز خروجهن أيام العيد إلى المصلى للصلاة مع الناس كما يأتي، (فقال): يحتمل أنه ﵇ قال ذلك لهن حال مروره إلى المصلى للصلاة؛ لأنَّهن لمَّا رأين النبي ﵇ خارجًا إلى المصلى؛ وقفن حتى يمر ﵇، فلما رآهنَّ؛ قال لهن ذلك، فيكون الوعظ لهنَّ فقط، ويحتمل التعميم، ويحتمل أنَّه ﵇ وعظ الناس وأمرهم بالصدقة بعد الصَّلاة، ثمَّ التفت إلى النساء، والظاهر الأول؛ يدل عليه قوله: (فمر)؛ بالفاء التعقيبية، فإنه يفيد أن قوله ذلك كان بعد خروجه قبل الصَّلاة؛ فتأمل: (يا معشر النساء): المعشر: الجماعة متخالطين كانوا أو غير ذلك، وقال الأزهري: أخبرني المُنْذِر عن أحمد بن يحيى قال: (المعشر، والنفر، والقوم، والرهط؛ هؤلاء معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء)، وقال الليث: (المعشر: كل جماعة أمرهم واحد)، وهذا هو الظاهر، وقول (^٨) أحمد بن يحيى مردود (^٩) بالحديث وجمع على معاشر، انتهىكذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذا يرد\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».\n (^٢) في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.\n (^٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».\n (^٤) (قلت): جاء في الأصل لاحقًا بعد قوله: (ليست بشرط).\n (^٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».\n (^٦) في الأصل: (ملجأ)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٧) في الأصل: (إياها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٨) في الأصل: (قال)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٩) في الأصل: (مورود)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":169},{"text":"على ما نقله الأزهري من تخصيصه بالرجال، إلا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث؛ فافهم.\nوقوله: (تصدقن) مقول القول، والفاء في قوله: (فإني) للتعليل (أُرِيتكن)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الراء على صيغة المجهول (أكثرَ أهل النار)؛ أي: أراني الله إياكنَّ أكثر أهل النار، فـ (أكثر) منصوب؛ لأنَّ قوله: (أريتكن) (^١) متعد إلى ثلاثة مفاعيل؛ الأول التاء التي هي مفعول ناب عن الفاعل، والثاني قوله: (أكثر أهل النار)، كذا ارتضاه صاحب «عمدة القاري»، وقال صاحب «التلويح»: (أكثر) بنصب الراء على أن (أريت) (^٢) يتعدى إلى مفعولين، أو على الحال إذا قلنا: إن (أفعل) لا يتعرف بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيره، وقيل: إنه بدل من الكاف في (أريتكن) (^٣) انتهى ومنعه صاحب «عمدة القاري».\nفإن قلت: في أين أريهن أكثر أهل النار؟\nقلت: في ليلة الإسراء، وفي حديث ابن عباس الآتي في صلاة الكسوف: أن الرواية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف، وعن ابن عباس ﵄ بلفظ: «أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء».\nفإن قلت: ورد في الحديث قال: «لكل رجل زوجتان من الآدميين»؟\nقلت: لعل هذا قبل ورود الشفاعة، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وحاصله أنه ﵇ رأى النار ليلة الإسراء، فرأى أكثر أهلها النساء هذا هو المتعين؛ فافهم.\n (قلن): وفي رواية: (فقلن): (وبم يا رسول الله؟): الواو للعطف على مقدر؛ تقديره: ما ذنبنا، والباء للسببية، وكلمة (ما) استفهامية حذفت ألفها وجوبًا؛ لأنَّها مجرورة، وبقيت الفتحة دليلًا عليها؛ مثل: (إلامَ) و(علامَ)، وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في ﴿فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، وأما قراءة عكرمة وعيسى: (عما يتساءلون) [عمَّ: ١]؛ فنادر، كذا قاله صاحب «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أن الواو في (وبم) استئنافية، والباء تعليلية، وحذفت الألف من (ما) تخفيفًا، انتهى، قلت: ومنعه صاحب «عمدة القاري»، قلت: لعدم ظهور وجهه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ لأنَّ الواو عاطفة على المقدر المناسب لما قبلها من الأمر، ولأن الباء ذكرت لأجل السببية في كونهن أكثر أهل النار، وقوله: (وحذفت الألف...) إلخ: هذا أبعد بعيد عما قاله؛ لأنَّ (ما) الاستفهامية إذا جُرَّت؛ وجب حذف ألفها، فالحذف واجب، لا لأجل التخفيف كما زعمه هذا القائل، وهذا ما عليه النحويون، فمن أين جاء ما قاله؟ فافهم.\n (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ: لإنَّكنَّ (تكثرن اللعن): من الإكثار، واللعن لغة: الطرد والإبعاد من الخير، واللعنة: الاسم؛ ومعناه: أنهنَّ يتلفظنَّ باللعنة، ففيه ذم الدعاء باللعن؛ لأنَّه دعاء بالإبعاد من رحمة الله ﷿، وقالوا: إنَّه محمول على ما إذا كان في معيَّن؛ لأنَّه لا تعرف خاتمة أمره بالقطع إلى أين مصيره؟ أمَّا من عرف خاتمة أمره ومصيره بالقطع؛ فيجوز كأبي جهل، ومثله لعن صاحب وصف بدون تعيين؛ كالكافرين والظالمين؛ فإنَّه جائز، (وتكفرن العشير): هو الزوج، سمِّي بذلك؛ لمعاشرته إيَّاها، وفي «الموعب»: (عشيرك: الذي يعاشرك، أيديكما وأمركما واحد، لا يكادون يقولون في جمعه: عشراء (^٤)، ولكنهم معاشروك (^٥) وعشرك)، وقال الفراء: (يجمع على عشراء؛ مثل: جليس وجلساء، وإن العرب لتكرهه كراهة أن يشاكل قولهم: ناقة عشراء، والعشير: الصديق، والزوج، وابن العم)، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: (وتكفرن): من الكفر؛ وهو الستر، وكفران النعمة وكفرها: سترها بترك أداء شكرها، والمراد: أنهنَّ يجحدن نعمة الزوج ويستقللن ما كان منه، ففيه أنَّ الكلام القبيح كاللعن والشتم حرام، وأنَّه من المعاصي، فإن داوم عليه؛ صار كبيرة، واستدل النووي على أنَّ اللعن والشتم من الكبائر بالتوعَّد عليهما بالنار، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب (^٦) التي لا تخرج عن الملة تغليظًا على فاعلها، وفيه إطلاق الكفر على غير الكفر بالله ﷿، وفيه أنَّ جحد النعم حرام وكفران النعمة مذموم، وفيه أنَّ الصدقة تدفع [العذاب]، وأنها تكفر الذنوب، وفيه الإشارة إلى الإغلاظ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تعاب أو الذنب الذي يتصف به الإنسان، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الله تعالى.\n (ما رأيت من ناقصات): صفة موصوف محذوف؛ أي: ما رأيت أحدًا من ناقصات (عقل): العقل في اللغة: ضد الحمق، وعن الأصمعي: (هو مصدر عقل الإنسان يعقل)، وقال ابن دريد: (هو مشتق من عقال الناقة؛ لأنَّه يعقل صاحبه عن الجهل؛ أي: يحبسه، ولهذا قيل: عقل الدواء بطنه؛ أي: أمسكه)، وفي «العين»: (عقلت بعد الصبا؛ أي: عرفت بعد الخطأ الذي كنت فيه، واللغة الغالبة عقل، وقالوا: عقل يعقل؛ مثل: حكم يحكم، وهو المعقول)، وقال ابن الأنباري: (العاقل: الجامع لأمره ورأيه)، وقال الأزهري: (العاقل: الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذًا من قولهم: اعتقل لسانه؛ إذا حبس ومنع من الكلام)، وفي «المختصر»: (قال سيبويه: قالوا: العقل كما قالوا: الظرف (^٧)، أدخلوه في باب عجز؛ لأنَّه مثله، والعقل من المصادر المجموعة من غير أن تختلف أنواعها)، وقال الإمام الرئيس أبو علي ابن سينا: (العقل والحجى والنهى؛ كلها متقاربة المعاني)، وعن الأصمعي: (هو الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن، وقالوا: عاقل وعقلاء، وهو الحلم، واللب، والحجر، والطعم، والمحت، والمرجح، والجول، والجنجيب، والذهن، والهرمان (^٨)، والحصاة)، وفي «المحكم»: (وجمعه: عقول)، وقال القزاز: (مسكنه عند قوم في الدماغ، وعند آخرين في القلب)، قال صاحب «عمدة القاري»: (الأول قول الإمام الأعظم، والثاني قول الشافعي، وقيل: مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب، وعن هذا قالوا: العقل جوهر خلقه الله في الدماغ، وجعل نوره في القلب، يدرك به المغيبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة)، وقال بعض المتكلمين: العلم: العقل، وقيل: بعض العلوم الضرورية، وقيل: قوة يميز بها حقائق المعلومات، وقال الإمام الرئيس أبو علي: (هو اسم مشترك لمعان عدة: عقل لصحة الفطرة الأولى في الناس، وهو قوة يميز بها بين الأمور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب من الأحكام يكون مقدمة يحصل بها المصالح، وعقل بمعنى آخر، وهذه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه)، وأما الحكماء؛ فقد فرقوا بينه وبين العلم، وقالوا: العقل الفطري والعملي بالفعل والمبادئ والفعال، وتحقيقه في كتبهم، وإنما سمي العقل عقلًا من قولهم: ظبي عاقل؛ إذا امتنع في أعلى الجبل، فسمي هذا به؛ لأنَّه في أعلى الجسد بمنزلة الذي في أعلى الجبل، وقيل: العاقل: الجامع لأموره برأيه، مأخوذ من قولهم: عقلت الفرس؛ إذا جمعت قوائمه، كذا حققه إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nوحكى ابن التين عن بعضهم: أن المراد من العقل: الدية؛ لأنَّ ديتها على النصف من دية الرجل، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ظاهر الحديث يأباه) انتهى.\n_________\n(^١) في الأصل: (رأيتكن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (رأيت)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (أرأيتكن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (عشر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (يعاشروك)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٦) في الأصل: (الذنب)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٧) في الأصل: (الطرف)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٨) في الأصل: (والمهرمان)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":169},{"text":"قلت: وهو ظاهر يدل عليه قوله: (ودين) ... إلخ، فإنه ﵇ حين سألنه لم يُجِبْهُنَّ بأن المراد من العقل: الدية، وهذا دليل على منع ما حكاه ابن التين؛ فافهم.\nوقال في «عمدة القاري»: (وقوله: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» جواب تام، فكأنه من باب الاستتباع، إذالذم بالنقصان؛ استتبع لأمر آخر غريب، وهو كون الرجل الكامل الحازم منقادًا للنساء الناقصات دينًا وعقلًا) انتهى.\n (أذهب): أفعل التفضيل، من الإذهاب، على مذهب سيبويه حيث جوَّز بناء (أفعل) التفضيل من الثلاثي المزيد فيه، وكان القياس فيه: أشد إذهابًا، كذا في «عمدة القاري»، (للُبِّ)؛ بضمِّ اللام، وتشديد الموحدة: العقل الخالص من الشوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبِّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لُبًّا (^١) (الرجل الحازم)؛ بالحاء المهملة، والزاي المعجمة؛ أي: الضابط لأمره، وهو على سبيل المبالغة في وصفهن بذلك؛ لأنَّه إذا كان الضابط لأمره ينقاد لهن؛ فغيره أولى، (قلن): ويروى: (فقلن): (وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟): وهذا استفسار منهنَّ عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ، وذلك لأنَّه خفي عليهنَّ ذلك حتى استفسرن، وزعم ابن حجر أنَّ هذا السؤال دالٌّ على النقصان؛ لأنَّهنَّ سلمن ما نسب إليهنَّ من الأمور الثلاثة الإكثار، والكفران، والإذهاب، ثم استشكل كونهنَّ ناقصات، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: قلت: هذا الاستفسار وليس باستشكال؛ لأنَّهنَّ بعد أن سلمن هذه الأمور الثلاثة لا يكون عليه إشكال، ولكن لمَّا خفي سبب نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ؛ سألن عن ذلك بقولهنَّ: (ما نقصان ديننا وعقلنا؟)، والتسليم بهذه الأمور كيف يدل على النقصان؟ وبين ﷺ ما خفي عليهنَّ من ذلك بقوله: (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟): هذا جواب منه ﵇ بلطف وإرشاد من غير تعنيف ولا لوم، بحيث خاطبهنَّ على قدر فهمهنَّ؛ لأنَّه ﵇ كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، انتهى كلامه، (قلن: بلى) يا رسول الله.\nوقال النووي: (أما وصفه النساء بنقصان الدين؛ فلتركهنَّ الصَّلاة والصوم، فقد يستشكل معناه، وليس بمشكل، فإنَّ الدين والإيمان والإسلام مشترك في معنى واحد، فإن من كثرت عبادته؛ زاد إيمانه ودينه، ومن نقص عبادته؛ نقص دينه)، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: دعواه الاشتراك في هذه الثلاثة غير مسَلَّمَة؛ لأنَّ بينها فرق لغة وشرعًا، وقوله: «زاد إيمانه أو نقص» ليس راجعًا إلى الذات، بل هو راجع إلى الصفة كما تقدر هذا في موضعه) انتهى، قلت: وهذا ظاهر، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب (الإيمان)؛ فافهم.\nوقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (وقوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» إشارة إلى قوله ﷿: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nفإن قلت: ما النكتة في تفسيره لهذه العبارة، ولم يقل: أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل؟\nقلت: لأنَّ في عبارته تلك تنصيص على النقص صريحًا بخلاف ما ذكرت، فإنه يدلُّ عليه ضمنًا؛ فافهم، فإنه دقيق.\nفإن قلت: أليس ذلك ذمًّا لهنَّ؟\nقلت: لا، ولكنَّه على معنى التعجب بأنهنَّ مع اتصافهنَّ بهذه الحالة يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا) انتهى كلامه.\nثم قال: (ففيه تنبيه على أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وفيه دليل على أن ملاك الشهادة العقل، وفيه مراجعة المتعلمِ والتابعِ المتبوعَ والمعلِّمَ فيما قالاه إذا لم يظهر له معناه) انتهى.\n (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ: (فذلكِ)؛ بكسر الكاف، خطاب للواحدة التي تولَّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنَّه خطاب للعام، والإشارة إلى ما ذكر من قوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟»، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» (من نقصان عقلها): فإن قلت: هذا خطاب للإناث والمعهود فيه (فذلكنَّ)؛ قلت: قد عهد في خطاب المذكر الاستغناء بـ (ذلك) عن (ذلكم)، قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، فهذا مثله في المؤنث على أنَّ بعض النحاة نقل لغة بأنَّه يكتفى بكاف مكسورة مفردة لكلِّ مؤنث، أو الخطاب لغير معيَّن من النساء؛ ليعم الخطاب كلًَا منهن على سبيل البدل، إشارة إلى أنَّ حالتهنَّ في النقص تناهت في الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختص به واحدة دون أخرى، كذا في «المصابيح».\nثم قال ﵇: (أليس إذا حاضت)؛ أي: المرأة منكنَّ (لم تصل) الصَّلاة المفروضة (ولم تصم) الصوم المفروض؛ لوجود المانع فيها من الحيض؟ (قلن: بلى) يا رسول الله، وهذا محل مطابقة الحديث للترجمة، (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ: (فذلكِ)؛ بكسر الكاف، خطابًا للواحدة التي تولَّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العام؛ فافهم، ففيه ألَّا يواجه (^٢) بذلك الشخص المعين، فإن في الشمول تسلية وتسهيلًا؛ فليحفظ، (من نقصان دينها).\nفإن قلت: هذا العموم فيهنَّ يعارضه قوله ﵇: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم»، وفي رواية: «أربع»، وهو ما رواه الترمذي وأحمد من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد».\nقلت: أجاب ابن حجر: بأن بعض الأفراد خرج عن ذلك؛ لأنَّه نادر قليل، وردَّه صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: (والجواب السديد في ذلك: هو أنَّ الحكم على الكلِّ بشيء لا يستلزم الحكم على كلِّ فرد من أفراده بذلك الشيء)، وقال النووي: (ونقص الدين قد يكون على وجه يأثم؛ كمن ترك الصَّلاة بلا عذر، وقد يكون على وجه لا يأثم به؛ كمن ترك الجمعة لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به؛ كترك الحائض الصَّلاة والصوم، فإن قيل: إذا كانت معذورة فهل تثاب على ترك الصَّلاة في زمن الحيض وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض، ويكتب له في مرضه مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته؟ قلت: وظاهر هذا الحديث أنَّها لا تثاب، والفرق أنَّ المريض كان يفعلها بنيَّة الدوام عليها مع أهليَّته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيَّتها ترك الصَّلاة في زمن الحيض، وكيف لا وهي حرام عليها؟) قال صاحب «عمدة القاري»: (قلت: ينبغي أن تثاب على ترك الحرام) انتهى.\nقلت: وقال أئمة المذهب المعظم: يستحب للحائض أن تتوضأ لكل وقت، وتجلس في مصلَّاها تذكر الله تعالى حتى تكون معتادة على إقامة الصَّلوات، ولا ريب أنَّها تثاب على هذا الفعل، وتمامه في «منهل الطلاب».\nوقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (وفي الحديث استحباب خروج الإمام مع القوم إلى مصلى العيد في الجبانة لأجل صلاة العيد، ولم يزل الصدر الأول يفعلون ذلك، ثمَّ تركه أكثرهم؛ لكثرة الجوامع، ومع هذا فإنَّ أهل بلاد شتَّى لم يتركوا ذلك، وفيه الحثُّ على الصدقة؛ لأنَّها من أفعال الخيرات والمبرَّات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ولا سيما في مثل يومي العيدين؛ لاجتماع الأغنياء والفقراء، وتحسُّر الفقراء عند رؤيتهم الأغنياء عليهم الثياب الفاخرة، ولا سيما أيتام الفقراء والأرامل الفقراء، فإن الصدقة\n_________\n(^١) في الأصل: (لب).\n (^٢) في الأصل: (يؤاخذ)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":170},{"text":"عليهم في مثل هذا اليوم مما يُقِلُّ تحسرهم وهمهم، وأما تخصيصه ﵇ النساء في ذلك اليوم حيث أمرهنَّ بالصدقة؛ فلغلبة البخل عليهنَّ، وقلة معرفتهنَّ بثواب الصدقة، وما يترتب عليها من الحسن والفضل في الدنيا قبل يوم الآخرة) انتهى.\nوزعم الخطابي أنَّ في الحديث دليل على أنَّ النقص من الطاعات نقص من الدين، وردَّه صاحب «عمدة القاري»، فقال: (لا ينقص من الدين شيء، وإنما النقص والزيادة يرجعان إلى الكمال) انتهى.\nقلت: ويدلُّ لهذا أنَّه ﵇ قال في هذا الحديث: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟ ...» إلخ، فإنَّه صريح في أنَّ الزيادة أو النقص يرجعان إلى الثمرات، فإنَّ الإيمان هو التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان ثمراته من الصَّوم والصَّلاة، فإنَّ الحائض حال نزول الدم غير مخاطبة بالفرائض فيه، وتمامه فيما كتبناه في كتاب (الإيمان).\nوقال في «عمدة القاري»: وفي الحديث جواز خروج النساء أيام العيد إلى المصلَّى للصلاة مع الناس، وقال العلماء: هذا في زمنه ﵇، وأما اليوم؛ فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ولهذا قالت عائشة ﵂: (لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل)، قال إمام الشارحين: (قلت: هذا الكلام من عائشة بعد زمن يسير جدًّا بعد النبي ﷺ، وأمَّا اليوم، فنعوذ بالله من ذلك؛ فلا يرخص في خروجهنَّ مطلقًا للعيد وغيره، ولا سيما نساء مصر على ما لا يخفى) انتهى.\nقلت: ولا سيما نساء ديارنا الشريفة الشاميَّة؛ فإنهنَّ أكثرن الفساد، وجئن بالتبزير مع الآثام، وأوقعن الرجال بالهلكات، ولا يبعد أن يقال: يحرم على الزوج أن يأذن لهنَّ بالخروج مطلقًا لعيد وغيره، كما لا يخفى، وتمامه في «منهل الطلاب».\nونقل في «عمدة القاري» عن «التوضيح» رأى جماعة [ذلك] حقًّا عليهن؛ يعني: في خروجهن للعيد وغيره؛ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم، ومنهم من منعهنَّ ذلك؛ منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سَعِيد الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف، وأجازه الإمام الأعظم مرة ومنعه أخرى، ومنع بعضهم في الشابَّة دون غيرها، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، وقال الحافظ الطحاوي: (لأنَّ الأمر بخروجهنَّ أول الإسلام لتكثير المسلمين في أعين العدو)، قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (قلت: كان ذلك لوجود الأمن أيضًا، واليوم قلَّ الأمن والمسلمون كثير، ومذهب أصحابنا في هذا الباب ما ذكره صاحب «البدائع»: أجمعوا على أنَّه لا يرخص للشابة الخروج للعيدين والجمعة وشيء من الصلوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأنَّ خروجهنَّ سببٌ للفتنة، وأما العجائز؛ فرخص لهن الخروج في العيدين، ولا خلاف أنَّ الأفضل ألَّا يخرجن في صلاة، فإذا خرجن؛ يصلين صلاة العيد في رواية الحسن بن زياد عن الإمام الاعظم، وفي رواية الإمام أبي يوسف عن الإمام الأعظم: لا يصلين، بل يكثرن سواد المسلمين وينتفعن بدعائهم، وفي حديث أم عطية قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج العواتق ذات الخدور والحُيَّض، وأمر الحيَّض: «فليعتزلن المصلى، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين»، أخرجه الشيخان، وقال ﵇: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، أخرجاه أيضًا، وفي رواية أبي داود: «ليخرجن [وهنَّ] تفلات»: غير عطرات، والعواتق: جمع عاتق؛ وهي البنت التي بلغت، وقيل: التي لم تتزوَّج، والخدور: جمع خدر؛ وهو الستر، وزعم النووي يكره للشابة أو لمن تشتهى الحضور؛ لخوف الفتنة عليهنَّ وبهنَّ) انتهى كلامه.\nثم قال: (ففي الحديث جواز عظة النساء على حدة، وهذا للإمام، فإن لم يكن؛ فلنائبه، وفيه نص على أن الحائض يسقط عنها فرض الصوم والصَّلاة لكن الأول إلى خلف، والثاني لا؛ للحرج، وفيه الشفاعة للمسلمين وغيرهم أن يسأل لهم، وفيه حجة لمن كره السؤال لغيره، وفيه ما يدل على ما كان النبي ﷺ من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرأفة، والرحمة على أمته عليه أفضل الصلوات وأشرف التحيات) انتهىوالله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥١٨\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-518>[باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين؛ لأنَّه مقطوع عما بعده، فيه بيان أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام؛ (تقضي) أي: تؤدي (الحائض المناسك كلها): فتأتي بجميع المناسك (إلا الطواف بالبيت)؛ أي: لأنَّها لا تطوف بالبيت الحرام، و(المناسك) جمع منسَِك؛ بفتح السين المهملة وكسرها؛ وهو التعبد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، وسميت أمور الحج كلها مناسك، وسئل ثعلب عن المناسك ما هو؟ فقال: (هو مأخوذ من النسيكة؛ وهي سبيكة الفضة المصفاة؛ كأنه (^١) صفى نفسه لله تعالى)، وفي «المطالع»: (مواضع متعهدات الحج، والمنسك: المذبح أيضًا، وقد نسك ينسك نسكًا؛ إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نسك أيضًا: الطاعة والعبادة وكلُّ ما يتقرب به إلى الله تعالى، والنسك: ما أمرت به الشريعة، والورع: ما نهت عنه، والناسك: العابد، وجمعه النُّسَّاك، والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأنَّ في الأول ترك الحائض الصوم وهو فرض، وفي هذا تركها الطواف الذي هو ركن، وهو أيضًا فرض، وبقية الطواف كالركعتين بعده أيضًا لا يعمل إلا بالطهارة، وهل هي شرط في الطواف أم لا؟ فيه خلاف مشهور) انتهى قلت: والجمهور وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه: أنها ليست بشرط والأحاديث الصحيحة تدل عليه، وزعم الشافعية أنها شرط فيه، وقاسوه على الصَّلاة، وهو قياس مع الفارق ودعوى غير صحيحة، كما سيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى.\n (وقال إبراهيم) هو النخعي: (لا بأس) أي: لا حرج (أن تقرأ) أي: الحائض (الآية)؛ أي: من القرآن، وهذا الأثر وصله الدارمي بلفظ: (أربعة لا يقرؤون القرآن: الجنب، والحائض، وعند الخلاء، وفي الحمام إلا آية)، وعن إبراهيم فيه أقوال؛ في قول: يستفتح رأس الآية ولا يتممها، وهو قول عطاء، وسَعِيد بن جبير؛ لما روى ابن أبي شيبة: حدثنا خالد الأحمر، عن حجاج، عن عطاء، وعن حمَّاد، وعن إبراهيم، وسَعِيْد بن جبير: (في الحائض والجنب يستفتحون رأس الآية، ولا يتمون آخرها)، وفي قول: يكره قراءة القرآن للجنب، وروى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن حمَّاد: أن سَعِيد بن المسيب قال: (يقرأ الجنب القرآن)، قال: (فذكرته لإبراهيم فكرهه)، وفي قول: يقرأ ما دون الآية، ولا يقرأ آية تامة، وفي قول: يقرأ القرآن ما لم يكن جنبًا؛ لما روى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عمر قال: (لا تقرأ الحائض القرآن)، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nثم قال: (وجه تطابق هذا الأثر للترجمة والآثار التي بعده من حيث إن الحيض لا ينافي كل عبادة، بل تصح معه عبادات بدنية من إدراك نحو التسبيح والتحميد ونحو ذلك، وقراءة ما دون الآية عند جماعة، والآية عند إبراهيم، ومناسك الحج كذلك من جملة ما لا ينافيه الحيض إلا الطواف، فإنه مستثنًى من ذلك، وكذلك الآية وما فوقها مستثنًى من ذلك، وهذا وجه يطابق هذا الأثر للترجمة، وكذلك الآثار التي\n_________\n(^١) في الأصل: (كأنها)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":170},{"text":"بعده الآتية، وحكم الجنب حكم الحائض فيما ذكرنا، وإذا وجد التطابق بأدنى شيء يكتفى به، والتطويل فيه يؤول إلى تعسف) انتهى كلامه رحمة الله عليه.\n (ولم ير) أي: يعتقد (ابن عباس) ﵄ (بالقراءة للجنب)؛ أي: بقراءته القرآن (بأسًا)؛ أي: حرجًا، وهذا الأثر وصله ابن المُنْذِر بلفظ: (أن ابن عباس كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنب، فقيل له في ذلك، فقال: ما في جوفي أكثر منه)، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا الثقفي، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: (أنه كان لا يرى بأسًا أن يقرأ الجنب الآية والآيتين)، ورخص الحافظ الطحاوي: قراءة ما دون الآية للجنب، والحائض، والنفساء، وصححه صاحب «الخلاصة»، ومشى عليه فخر الإسلام، ووجهه ما ذكره صاحب «المحيط»: أنَّ النظم والمعنى يقتصر فيما دون الآية، ويجري مثله في محاورات الناس وكلامهم، فتمكَّنت فيه شبهة عدم القرآن، فلهذا لا تجوز الصَّلاة به، والصحيح المنع مطلقًا؛ لأنَّ الأحاديث لم تفصِّل بين القليل والكثير كما سيأتي، وكان أحمد يرخِّص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وبه قال مالك، وقد حكي عنه أنَّه قال: (تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب؛ لأنَّ الحائض إذا لم تقرأ؛ نسيت القرآن؛ لأنَّ أيام الحيض تتطاول، ومدة الجنابة لا تطول)، قال في «شرح المنية»: (قيل: يكره قراءة ما دون الآية على وجه الدعاء والثناء، وقيل: لا يكره، وهو الصحيح، قاله في «الخلاصة») انتهى.\nقلت: فما ذكر عن ابن عباس هنا مبنيٌّ على أنه قصد الدعاء والثناء، ويدل عليه ما رواه ابن المُنْذِر عنه: أنَّه كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنب، ولا يخفى أن الورد يقال بقصد الدعاء والثناء، ولهذا قال الفقيه أبو الليث في «العيون»: [إذا] قرأ الفاتحة على وجه الدعاء أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء ولم يرد القراءة؛ لا بأس به، وهو المختار كما في «غاية البيان»، واختاره شمس الأئمَّة الحلواني، والجمهور من أئمة الحنفية والشافعية وغيرهم أنَّه لا يجوز لحائض ونفساء وجنب قراءة القرآن؛ لقوله ﵇: «لا تقرأ الحائض والجنب شيئًا من القرآن»، رواه الترمذي، وابن ماجه عن ابن عمر، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وشمل إطلاقه الآية وما دونها، وهو قول الإمام الكرخي، وصححه صاحب «الهداية»، والإمام قاضيخان، وحافظ الدين النسفي، وغيرهم، فالحديث حجَّة على إبراهيم النخعي، وعلى مالك، وأحمد، وغيرهم؛ لأنَّ (شيئًا) في الحديث نكرة في سياق النفي، وهي تفيد العموم، وما دون الآية قرآن، فيمتنع كالآية، وفيه نصٌّ على أن الحائض كالجنب في الأحكام المذكورة، فهو حجَّة على مالك في قوله: (إنها تقرأ القرآن)، وتعليله بأنها تنسى القرآن؛ لطول مدة الحيض؛ ممنوع؛ لأنَّ مدته لا تحتمل نسيانه؛ لأنَّها مهما تطاولت؛ لا تزيد على خمسة عشر يومًا على الخلاف وهي غير طويلة، ولا تحتمل نسيانه فيها على أنه قد يمكنها أن تقرأ في قلبها من غير تلفُّظ به؛ فافهم.\nقال في «البحر»: وإنما يحرم إذا قصدأنَّه قرآن، أمَّا إذا قرأ على قصد الدعاء أو الثناء؛ فإنَّه لا يحرم، هذا إذا كان مشتملًا على الذكر، أما لو كان مشتملًا على حكم أو خبر؛ فلا يجوز ولو قصد الذكر فيه، كذا في «الخلاصة» و«الشرنبلالية»، وذلك كسورة (أبي لهب) ونحوها؛ فإنه لا يؤثر قصد غير القرآنية في حله؛ فليحفظ، وتمامه في «منهل الطلاب».\n (وكان النبي) الأعظم (ﷺ): مما وصله مسلم في «صحيحه» من حديث عائشة ﵂ (يذكر اسم الله) أي: بالقرآن وغيره (على كل جنابة): ويروى: (على كل أحواله)، ويروى: (على كل أحيانه)، و(على كل) فيدخل فيه حال الجنابة، قال صاحب «عمدة القاري»: (وأراد البخاري بإيراد هذا وبما ذكره في هذا الباب الاستدلال على قراءة الجنب والحائض؛ لأنَّ الذِّكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وبه قال الطبري، وداود، وابن المُنْذِر) انتهى.\nقلت: وظاهر هذا الحديث بل صريحه يدل على أن المراد بقوله: (يذكر اسم الله): الأذكار الغير القرآنية؛ كالبسملة، والحمدلة، والحوقلة، والحسبلة، وغيرها من الثناء على الله ﷿، ومثلها الدعوات الواردة، ويدل عليه أنَّه لم يقيده بكونه من القرآن، فلو كان المراد به الأعم؛ لقيده، وعدم تقييده دليل على أنَّ المراد به الأذكار الغير القرآنية على أنَّ المراد بالذكر لغة وشرعًا الأذكار، وإن كان القرآن يسمَّى ذكرًا، وقد صرَّح في الحديث بلفظ (اسم الله)، وهو يدل على ما قلنا، وبهذا لا دلالة فيه للمؤلف؛ فافهم.\nقال في «منهل الطلاب»: (وأما الأذكار؛ فالمنقول إباحتها لجنب وحائض مطلقًا، ويدخل فيها: «اللهم اهدنا فيما هديت...» إلى آخره)، كذا في «البحر»، قال في «النهر»: (بلا خلاف).\nواختلف في دعاء القنوت، وهو: «اللهم إنا نستعينك...» إلى آخره الذي هو دعاء القنوت عند الأئمَّة الحنفية؛ فظاهر المذهب عن الإمام الأعظم: أنَّه لا يكره لهم، وعليه الفتوى كما في «الفتاوى الظهيرية» وغيرها، وروي عن الإمام محمَّد: أنه يكره؛ لشبهة كونه قرآنًا؛ لاختلاف الصحابة في كونه قرآنًا، فلا يقرؤه احتياطًا، قلنا: قد حصل الإجماع القطعي اليقين على أنَّه ليس بقرآن، ومعه لا شبهة توجب الاحتياط المذكور، نعم؛ المذكور في «الهداية» وغيرها: استحباب الوضوء لذكر الله تعالى، وترك المستحب لا يوجب كراهة، كما في «البحر»، وقال في «النهر»: (واختلف في دعاء القنوت، والفتوى على عدم كراهته؛ أي: تحريمًا، وإلا؛ فالوضوء لذكر الله مطلقًا مندوب، وتركه خلاف الأولى، وهو مرجع كراهة التنزيه، فما في «البحر» من أن ترك المندوب لا يوجب كراهة مطلقًا؛ ممنوع) انتهى، فافهم.\n (وقالت أم عطية): مما وصله المؤلف في أبواب (العيدين) في أبواب (التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة عنها)، ولفظه: قالت: (كنا نؤمر)؛ أي: من قبل النبي الأعظم ﷺ (أن نُخرِج)؛ بنونٍ مضمومة، وكسر الراء، يوم العيد حتى تخرج البكر في خدرها، وحتى تخرج (الحِيَضَ)؛ بالنصب على المفعولية مع كسر الحاء المهملة، وفتح التحتية، وهذه رواية الأصيلي، وأبي ذر، وابن عساكر، وفي رواية: (أن يَخرج)؛ بمثناة تحتية مفتوحة، و(الحِيَضُ): مرفوع على الفاعلية، فيكنَّ خلف الناس، (فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون): بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، ورواه أيضًا في باب (خروج النساء الحيض إلى المصلى)، ووجه الاستدلال به ما ذكرناه من أنه لا فرق بين الذكر والتلاوة؛ لأنَّ الذكر أعم، كذا قاله في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن (يدعون) لأكثر الرواة، وللكشميهني: (ويدعين)؛ بتحتية بدل الواو، فرده إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ حيث قال: (قلت: هذا الذي ذكره مخالف لقواعد التصريف؛ لأنَّ هذه الصيغة معتل اللام من ذوات الواو، ويستوي فيها جماعة الذكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعًا، وفي التقدير مختلف، فوزن الجمع المذكر: يفعون، ووزن الجمع المؤنث: يفعلن، وسيأتي تمامه في محله) انتهى.\nقلت: وظاهر هذا الحديث بل صريحه يدل على أن المباح للحائض والجنب الدعوات فقط الشاملة للذكر والتكبير، فلا دلالة فيه للمؤلف كما لا يخفى، يدلُّ عليه قولها: (فيكبرون بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم)، وهذا لا يشمل القرآن؛ لأنَّه لا يقال فيه: إنه دعاء وتكبير، كما لا يخفى، فالحقُّ ما عليه الجمهور أنَّ الجنب والحائض يحرم عليه قراءة القرآن كما ذكرنا، وقال أئمتنا الأعلام: واختلف المتأخرون في تعليم الحائض والجنب، والأصح: أنَّه لا بأس به إذا كان يلقِّن كلمة كلمة، ولم يكن من قصده أن يقرأ آية،","vol":"1","page":171},{"text":"كذا في «النهر» عن «الخلاصة»، قال في «النهاية»: (وهذا على تخريج الإمام الكرخي، أما على تخريج الحافظ الطحاوي؛ فتُعلِّم نصف آية) انتهى، وقال في «النهر»: (ولا يكره التهجي بالقرآن، وهو كالتعليم كلمة كلمة، لا يعد قارئًا ولا يسمى به) انتهى.\nوالمراد: أنه مع القطع بين كل كلمتين كما قيده صاحب «البحر» تبعًا لصاحب «النهاية»، ومثله: ما لو كانت الكلمة آية؛ كـ ﴿ص﴾، و﴿ق﴾، ونحوها؛ فإنه يجوز كما نقله نوح أفندي في «الحواشي»، وفرَّق في «الجوهرة» بين الحائض والجنب: (بأن الحائض مضطرة إلى التعليم؛ لأنَّها لا تقدر على رفع حدثها، بخلاف الجنب؛ فلا يجوز له ذلك؛ لأنَّه قادر على رفع حدثه) انتهى، والمختار أنه لا فرق بين الحائض والجنب في حلِّ التلقين، كما قاله شيخ الإسلام نوح أفندي في «حواشيه»، وتمامه في «منهل الطلاب».\n (وقال ابن عباس): هو عبد الله، حبر هذه الأمة، الرافع عنها الغمة، ترجمان القرآن، وبحر البيان، مما وصله المؤلف في (بدء الوحي) وغيره، ولفظه: (أخبرني) بالإفراد (أبو سفيان) هو ابن حرب: (أن هرقل) أرسل إليه في ركب من قريش إلى أن قام، ثم (دعا بكتاب النبي) الأعظم، وهناك: (رسول الله) (ﷺ): الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، (فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم): «من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت؛ فعليك إثم الأريسيين»، (و﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ﴾)؛ بزيادة الواو في أكثر الروايات، وفي رواية: بإسقاطها (﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...﴾؛ الآية [آل عمران: ٦٤])؛ بالرفع خبر المبتدأ محذوف؛ تقديره: هذه الآية، وبالنصب مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اقرأ الآية، وهي ﴿أَلَّانَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ...؛ الحديث، وجه استدلال المؤلف به: أنَّه ﵇ كتب إلى الروم وهم كفَّار والكافر جنب، كأنَّه يقول: إذا جاز مسِّ الكتاب للجنب مع كونه مشتملًا على آيتين؛ فكذا يجوز له قراءته، وحاصله أنَّه ﵇ بعث للكفَّار القرآن مع أنَّهم غير طاهرين، فجوَّز مسهم وقراءتهم له، فدل ذلك على جواز القراءة للجنب، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وظاهر حديث هرقل بل صريحه يدلُّ على عدم جواز قراءة القرآن لجنب وحائض؛ لأنَّ المذكور في كتاب النَّبيِّ الأعظم ﷺ بعض القرآن وهو آية، وذكر غيره من كلامه ﵇ وهو أكثر من الآية، فصار كالتفسير الذي هو أكثر من القرآن؛ فإنه يجوز مسُّه وقراءته؛ لأنَّه لا يحرم في غير المصحف إلا المكتوب؛ أي: موضع الكتابة، كما صرَّح به في «البحر»، وقال في «الأشباه»: (وقد جوَّز أصحابنا مسَّ كتب التفسير للمحدث، ولم يفصِّلوا بين كون الأكثر تفسيرًا أو قرآنًا، ولو قيل به اعتبارًا للغالب؛ لكان حسنًا) انتهى، وفي «السراج»: (أنَّ كتب التفسير لا يجوز مسُّ موضع القرآن منها، وله أن يمسَّ غيره)، كذا في «الإيضاح».\nقلت: وكتاب النبي ﵇ لمَّا قُرِئ؛ العادة فيه أنَّه لا يمسُّ موضع الكتابة، بل المسُّ إنَّما يكون على الخارج عن الكتابة، كما هو العادة في المكاتبات، إذا علمت هذا؛ ظهر لك عدم جواز القراءة للجنب والحائض القرآن بقصد التلاوة، وما هنا فإنه قصد به قراءة المكتوب لا التلاوة، ولأن هذا شيء مأمور به شرعًا؛ لأجل الإنذار والدخول في الإسلام، ونظيره ما قاله أئمتنا الأعلام من أن الحربي أو الذمي إذا طلب تعلم القرآن والفقه والأحكام؛ يُعلَّم رجاء أن يهتدي، لكن يمنع من مس المصحف إلا إذا اغتسل؛ فلا يمنع بعد ذلك، كذا في «الخانية»، ومثله في «البحر» عن «التجنيس»، ولهذا قال لعليِّ (^١) الصدِّيق الأصغر: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم»، فالنبي ﵇ إنَّما قصده الاهتداء والدخول في الإسلام، فأنذره بهذا الكتاب الشريف الذي هو موجود عندهم إلى يومنا هذا يعظم ويتبرك به، وهو يدل على بقاء ملكهم ما دام الكتاب عندهم؛ لأنَّه كلام خالق الكونين، وكلام جد الحسنين ﵇.\n (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر): هو ابن عبد الله الأنصاري، مما وصله المؤلف في كتاب (الأحكام) في باب (قول النبي ﷺ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت»)، وفيه: قال جابر: (كنا مع رسول الله ﷺ فلبينا بالحج، وقدمنا مكة...) إلى أن قال: (حاضت عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄؛ أي: حين قدمت مكة، فأمرها النبي ﷺ أن تنسك المناسك غير ألَّا تطوف ولا تصلي حتى تطهر، (فنَسَكت) بفتح النون، والسين المهملة (المناسك)؛ أي: أقامت بأمور الحج (كلها غير الطواف بالبيت) العتيق، وقوله: (ولا تصلي): يحتمل أن يكون من كلام البخاري، قاله في «عمدة القاري».\nقلت: ففيه دليل على إباحة الأذكار والدعوات للحائض والجنب، وليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن لهما، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (وقال الحكم)؛ بفتح الحاء المهملة، وفتح الكاف، هو ابن عُتَيْبَة -بضمِّ العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة-، الكوفي، وهذا التعليق وصله البغوي في «الجعديات» من روايته عن علي بن الجعد، عن شعبة عنه قال: (إني لأذبح)؛ أي: الذبيحة (وأنا)؛ أي: والحال أني (جنب): فالجملة حالية، ولكن لا بدَّ أن أذكر الله تعالى، (وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]): فأراد بهذا أن الذبح مستلزم شرعًا لذكر الله تعالى بمقتضى هذه الآية، فدلَّ على أن الجنب يجوز له التلاوة، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وكونه يستلزم ذكر الله تعالى لا يلزم منه جواز التلاوة للجنب، بل الذي دلَّ عليه أنَّه يجوز له الأذكار والأدعية فقط، كما لا يخفى، وهذا الأثر دليل ظاهر على أنَّه لا تحل ذبيحة تارك التسمية عمدًا؛ لهذه الآية الكريمة، فإنَّها صريحة في ذلك، ولوصف ما لم يذكر اسم الله عليه بالفسق، حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾: وهو النجس، فهي ميتة، ويحل ذبيحة تارك التسمية ناسيًا؛ لقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان...»؛ الحديث، رواه الشيخان، وهذا مذهب رأس المجتهدين الإمام الأعظم ﵁، وهو مذهب علي، وابن عباس ﵄، وقال الشافعي: تحل ذبيحة تارك التسمية عمدًا؛ لقوله ﵇: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليها»، وهو رواية عن مالك، ورد بالآية المذكورة، فإنها صريحة بخلافه، وعلى حرمة متروك التسمية عمدًا انعقد الإجماع فيمن كان قبل الشافعي، فهذا القول منه عُدَّ خرقًا للإجماع، وإنما كان الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا؛ فمذهب ابن عمر: أنَّه يحرم، ومذهب علي وابن عباس: أنَّه يحلُّ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف: إنَّ متروك التسمية عمدًا لا يسوغ فيه الاجتهاد، حتى لو قضى القاضي بجواز بيعه؛ لا ينفذ قضاؤه؛ لكونه مخالفًا للإجماع، وما رواه الشافعي مخالف للدليل القطعي والإجماع، فكان مردودًا، وعلى فرض صحته يحمل على حالة النسيان ومشهور مذهب\n_________\n(^١) في الأصل: (علي)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":171},{"text":"مالك كمذهب الإمام الأعظم ﵁، ومذهب أحمد: أنه يحرم ذبيحة متروك التسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود، وفي المشهور عن أحمد كمذهبنا، وسيأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى.\nقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: واعلم أن البخاري ذكر في هذا الباب ستة من الآثار إلى هنا، واستدل بها على جواز قراءة الجنب القرآن، وفي كل ذلك مناقشة، ورد عليه الجمهور بأحاديث وَرَدَتْ بمنع الجنب عن قراءة القرآن؛ منها: حديث علي ﵁، أخرجه الأربعة؛ ولفظ أبي داود: حدثنا جعفر بن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلَمَة قال: دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان؛ رجل منا ورجل من بني أسد... إلى أن قال: فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء، فأخذ منه حفنة، فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك فقال: (إن رسول الله ﷺ كان يجيء من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة)، وقوله: (لا يحجزه)؛ بالزاي المعجمة؛ أي: لا يمنعه، ويروى بالراء المهملة أيضًا، ويروى: (لا يحجبه) بمعناه أيضًا.\nفإن قلت: ذكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سَلَمَة، وحكى البخاري عن عمرو بن مرة كان عبد الله بن سَلَمَة يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه، وذكر شعبة مثله كما نقله البيهقي، وذكر الخطابي أن أحمد كان يوهن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سَلَمَة، وذكره ابن الجوزي في «الضعفاء والمتروكين»؟\nقلت: الترمذي لما أخرجه؛ قال: (حديث حسن صحيح)، وصححه ابن حبان أيضًا، وقال الحاكم في عبد الله بن سَلَمَة: (إنه غير مطعون فيه)، وقال العجلي: (هو تابعي ثقة)، وقال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به)، ومن الأحاديث حديث ابن عمر أخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن عباس، عن موسى بن عُقْبَة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن».\nومنها حديث جابر رواه الدارقطني في «سننه» من حديث محمَّد بن الفضل، عن أبيه، عن طاووس، عن جابر مرفوعًا نحوه، ورواه ابن عدي في «الكامل» وهما ضعيفان، فإنَّ الأول ضعف بإسماعيل بن عباس، قال أحمد: (روايته عن أهل الحجاز ضعيفة)، والثاني أعله ابن عدي بمحمَّد بن الفضل، وأغلظ في تضعيفه على البخاري، والنسائي، وأحمد، وابن معين، قال إمام الشارحين: (وربما يعضدان بحديث علي المذكور، ولم يصح عند البخاري في هذا الباب حديث؛ فلذلك ذهب إلى جواز قراءة الجنب والحائض أيضًا، واستدل على ذلك بحديث عائشة الذي رواه مسلم، الذي ذُكِر عن قريب، فإنه قد صح عنده وعند غيره).\nوقال الطبري: (الصواب أن ما روي عنه ﵇ من ذكر الله على كل أحيانه، وأنه كان يقرأ ما لم يكن جنبًا؛ أن قراءته طاهرًا اختيارٌ منه لأفضل الحالتين والحالة الأخرى أراد تعليم الأمة أن ذلك جائز لهم غير محظور عليهم ذكر الله وقراءة القرآن) انتهى.\nقلت: فيه نظر، بل الصواب أنه ﵇ كان يقرأ طاهرًا تعظيمًا للقرآن، وكان يقرأ جنبًا بقصد الذكر لا التلاوة، على أنه ذكر الله على غير طهارة خلاف الأدب؛ لأنَّ حديث علي قد صححه الترمذي، وابن حبان، وغيرهما، والقول بضعفه شاذ، لا سيما قد اعتضد بالطرق، وبها يتقوى إلى درجة الصحيح، وإذا وجد الحاظر والمبيح؛ يقدم الحاظر عند المحققين، وشهادة الصحة إثبات، وشهادة الضعف نفي، والإثبات مقدم على النفي عند المدققين.\nولا دليل للمؤلف في حديث عائشة على جواز قراءة القرآن جنبًا؛ لأنَّ غاية [ما] في حديثها: أنه ﵇ أمرها أن تنسك المناسك كلها غير ألَّا تطوف ولا تصلي حتى تطهر، ففيه دليل على جواز ذكر الله تعالى حالة الحيض، وليس فيه أنها تقرأ القرآن، فقياس الذكر على قراءة القرآن قياس مع الفارق؛ وإن كان القرآن يسمى ذكرًا.\nوفيه دليل على منع قراءة القرآن حالة الحيض؛ لأنَّ قوله: (ولا تصلي ولا تطوفي) يلزم منه المنع عنها، فيدل على عدم الجواز، وقد اتفق الجمهور على المنع ولذلك مزيد كلام بينته في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-519>[حديث: خرجنا مع النبي لا نذكر إلا الحج فلما جئنا]</span>\n٣٠٥ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون، هو الفضل بن دكين -بالدال المهملة- (قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سَلَمَة) بفتحات، (عن عبد الرحمن بن القاسم)؛ هو ابن محمَّد، (عن) أبيه (القاسم بن محمَّد)؛ هو ابن أبي بكر الصديق ﵁، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵄، (قالت: خرجنا مع النبي) الأعظم (ﷺ) حال كوننا (لا نَذْكر)؛ بفتح النون، من الذُّكر -بضمِّ الذال المعجمة-، وفي الرواية السابقة: (لا نرى)؛ بضمِّ النون وفتحها؛ ومعناه: لا نظن (إلا الحج)؛ أي: إلا قصد الحج؛ لأنَّهم كانوا يظنون امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها عن الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع؛ أمَّا هي فقد قالت: إنَّها لم تحرم إلا للعمرة، (فلما جئنا) وفي الرواية السابقة: (فلما كنت) (سَرِف)، وفي الرواية السابقة: (بسرف)؛ بزيادة الموحدة أوله، وهو بفتح السين المهملة، وكسر الراء، آخره فاء، اسم موضع قريب من مكة، بينهما نحوًا من عشر أميال، أو تسعة، أو سبعة، أو ستة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وقد يصرف نظرًا لإرادة المكان؛ (طمَثت)؛ بفتح الميم، وكسرها؛ أي: حِضْتُ، وهناك صرحت بقولها: (حضت)، (فدخل عليَّ)؛ بتشديد المثناة التحتية (النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: إلى مكاني الذي أنا فيه، فرآني (وأنا أبكي): جملة اسمية وقعت حالًا بالواو، (فقال: ما) استفهامية؛ معناه: أي شيء (يبكِيكِ؟)؛ بكسر الكافين؛ أي: أي شيء أصابك، ومن شدته بكيت؟ (فقلت)؛ بتاء المتكلم؛ أي: له ﵇: (لودِدت)؛ بكسر الدال المهملة الأولى، وهو جواب قسم محذوف، والقسم التالي وهو قولها: (والله)؛ تأكيد له (أَني)؛ بفتح الهمزة (لم أحج العام)؛ أي: لم أقصد الحج في هذه السنة؛ لأنَّ قولها ذلك كان قبل شيء من الحج، (قال) ﵇ لها: (لعلكِ)؛ بكسر الكاف (نَفست؟)؛ بفتح النون لا غير؛ أي: حضت، وجوز بعضهم الضم على قلة كما سبق، (قلت: نعم)؛ أي: نفستُ، (قال) ﵇: (فإن ذلكِ)؛ بكسر الكاف، وباللام، وفي رواية: (فإن ذاك)، وفي السابقة: (إن هذا) والمراد: الحيض (شيء) وفي السابقة: (أمرٌ) (كتبه الله على بنات آدم)؛ لأجل امتحانهنَّ به ليظهر صبرهنَّ وعدمه على العبادة فليس هو خاصًّا بك، وقصد ﵇ تسليتها والتخفيف لهمِّها، (فافعلي) وفي السابقة: (فاقضي)، وهذا خطاب لعائشة، ومعناه: أدِّي (ما)؛ أي: الذي أو الشيء (يفعل)؛ أي: يؤدِّيه (الحاج)؛ أي: من المناسك، وهو اسم فاعل أصله: حاجج، والمراد به الجنس فيشمل الجمع، وتمامه قد مضى، (غيرَ) بالنصب (ألَّا)؛ بالشديد، أصله: أن لا، ويجوز أن تكون (أن) مخفَّفة من المثقلة، وفيه ضمير الشأن، و(لا) زائدة، وقوله: (تطوفي) مجزوم بـ (لا)؛ أي: لا تطوفي ما دمت حائضًا؛ لفقدان صحة الطواف؛ وهو الطهارة، ولهذا قال: (حتى تطهري)؛ أي: بانقطاع الحيض وإن لم تغتسلي، ومثلها النفساء والجنب، فإنَّ الاغتسال ليس بشرط لصحَّة الطواف، لكنه واجب فلو طافت بعد الانقطاع للركن؛ يجب عليها بدنة، ولو حاضت عند طواف الصَّدَر؛ تركته؛ لقول ابن عباس ﵄: (إنه ﵇ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)، متفق عليه، وقال الشافعي: لا بدَّ لصحة الطواف من الانقطاع والغسل؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة» فيشترط له ما يشترط لها، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، واشتراط الطهارة بخبر الواحد زيادة على النصِّ، وهو نسخ فلا يثبت فيه، والمراد من التشبيه إنَّما هو في الثواب دون الحكم، ألا ترى أن الانحراف والمشي فيه لا يفسده؟! ولا يلزم موافقة المشبه المشبه به في جميع الوجوه، فإنك إذا قلت: زيد كحمار؛ يعني: في عدم الفهم؛ فلا يلزم أنَّه يمشي على أربع، وسيأتي تمامه في (الحج)، إن شاء الله تعالى.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ فإن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام تأتي بأفعال الحج كلها غير أنها لا تطوف بالبيت، فإن طافت بعد الانقطاع؛ صح طوافها وعليها بدنة؛ لعدم الاغتسال.\nوفي الحديث جواز البكاء والحزن لأجل حصول مانع للعبادة، وفيه أن العبد إذا وقع في مصيبة؛ لا بأس لغيره أن يسلِّيه بمثلها في غيره، ويخفِّفها عنه، كأن يقول له: انظر لفلان، فإنه حصل له كذا وكذا مثلها، والله أعلم.","vol":"1","page":172},{"text":"<span id=\"b-٥٢٠\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-520>[باب الاستحاضة]</span>\nهذا (باب) حكم (الاستحاضة): وهي جريان دم المرأة من فرجها في غير أوانه، وهو أنواع:\nالأول: ما تراه المرأة في أقل من ثلاثة أيام التي هي أقل مدة الحيض.\nالثاني: ما تراه المرأة في أكثر من عشرة أيام التي هي أكثر مدة الحيض، فالناقص عن الأقل والزائد على الأكثر استحاضة؛ لأنَّ الشارع لما بين أقله وأكثره؛ علم أن الناقص عن الأقل والزائد على الأكثر؛ استحاضة ضرورة.\nالثالث: ما زاد على حيض المبتدئة وحيضها عشرة من كل شهر؛ فهو استحاضة.\nالرابع: ما زاد على نفاس المبتدئة؛ وهو أربعون.\nالخامس: ما زاد على العادة في الحيض والنفاس، وجاوز أكثرهما؛ أي: عادة عرفت لحيض وجاوزت العشرة، أو نفاس وجاوز الأربعين، فإذا كان لها عادة معروفة في الحيض؛ كسبعة مثلًا فرأت الدم اثني عشر يومًا فخمسة أيام بعد السبع استحاضة، وإذا كانت لها عادة معروفة في النفاس؛ كثلاثين يومًا مثلًا، فرأت الدم خمسين يومًا فالعشرة التي بعد الثلاثين استحاضة، كذا في (الدرر).\nوإنما لم يقل: فالعشرون التي بعد الثلاثين؛ لأنَّ المحتاج إلى البيان العشرة التي بعد الثلاثين.\nالسادس: ما تراه الحامل؛ فإنه استحاضة ولو في حال الولادة؛ لأنَّ الله تعالى أجرى عادته بانسداد فم الرحم ما دام الولد فيه؛ حتى قالوا: إن الدم يكون غذاء للولد، والرحم كالقربة، له أفواه قيل: خمسة، وقيل: أكثر.\nوأقل مدة تحيض فيها المرأة تسع سنين، وهي أقل مدة لو ادعت فيها الأنثى البلوغ؛ صدقت؛ لأنَّ الحيض لا يعلم إلا منها، وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وأكثره سنتان.\nالسابع: ما تراه الآيسة؛ فإنه استحاضة؛ وهي من بلغت خمسين سنة، أو خمسًا وخمسين سنة.\nالثامن: ما تراه الصغيرة؛ فإنه استحاضة؛ وهي ما دون تسع سنين.\nالتاسع: ما تراه المريضة مرض الرحم؛ فإنه استحاضة، وتمامه في (منهل الطلاب)، والتتبع ينفي الحصر.\n\n <span id=\"b-٥٢١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-521>[حديث: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة]</span>\n٣٠٦ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن هشام بن عُرْوة) بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء المهملة أيضًا، هو ابن الزبير، وسقط لابن عساكر: (بن عروة)، (عن أبيه) هو عروة المذكور ابن الزبير بن العوام، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵂ (أنها قالت) أي: عائشة: (قالت فاطمة بنت أبي حُبَيْش) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره معجمة، القرشية الأسدية، واسم أبي حبيش قَيْس بن عبد المطلب بن أسد، هذا هو الصواب، وما قيل: إنَّه ابن المطلب؛ فخطأ ظاهر؛ فافهم، (لرسول الله ﷺ) متعلق بقوله: (قالت): (يا رسول الله؛ إني) امرأة (لا أطهر) بضمِّ الهاء؛ أي: لا ينقطع دمي على العادة، بل يستمر، ووجه استعمالها (إنَّ) هنا؛ لتحقيق نفس القضية إذ كانت بعيدة عن الوقوع نادرة الوجود، فلهذا أكدت قولها بكلمة (إنَّ)؛ لأنَّ كلمة (إنَّ) لا تستعمل إلا عند إنكار المخاطب؛ لدخوله أو التردد فيه، ولم يكن النبيُّ الأعظم ﵇ منكرًا لاستحاضتها ولا تردد فيها، وظنَّت أن طهارة الحائض بالانقطاع؛ فكنَّت بعدم الطهر عن اتصال الدم، وكانت علمت أن الحائض لا تصلي، وظنَّت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك.\nفقالت: (أفأدع) أي: أفأترك (الصَّلاة؟) أي: جنسها؛ فرضها، وواجبها، ونفلها، (فقال رسول الله) وللأصيلي: (النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ): لا تدعي الصَّلاة أيام استحاضتك، ومثلها الصوم؛ والمعنى: صلي وصومي ولو قطر الدم على الحصير.\nفإن قلت: في هذا التركيب وجدت الهمزة؛ وهي تقتضي عدم المسبوقية بالغير، ووجدت الفاء؛ وهي تقتضي المسبوقية به، فكيف يجتمعان؟\nقلت: الهمزة مقحمة وتوسطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على صرافة الاستفهامية؛ لأنَّها للتقرير هنا فلا تقتضي الصدارة أو هو عطف على مقدر؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأدع الصَّلاة؟ قاله الكرماني.\nوقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (هذا سؤال على استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته؛ وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصَّلاة) انتهى.\nوالحاصل: أن في مثل هذا التركيب وجهين؛ أحدهما: وعليه جمع أن الهمزة مقدمة من تأخير لصدارتها، وثانيهما: وعليه جرى الإمام جار الله أن الفاء للعطف على مقدر بين الهمزة والفاء؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأدع الصَّلاة؟\nقال ﵇: (إنما ذلكِ) بكسر الكاف (عِرْق) بكسر العين المهملة، وسكون الراء المهملة أيضًا، وهو المسمى بالعاذِل -بالعين المهملة، والذال المعجمة المكسورة وقد تهمل، وباللام أو بالراء- أي: دم عرق انفجر ليس من الرحم، وعلامته أنه أحمر رقيق لا رائحة له، (وليس بالحَيضة) بفتح الحاء المهملة؛ لأنَّه ﵇ أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض، وقيل: بكسرها على إرادة الحال، والفتح هو الأظهر هنا، بل المتعين، وعليه أكثر المحدثين، بل كلهم؛ فافهم.\nوإنَّما لم يكن حيضًا؛ لأنَّ دم الحيض متغير اللون، ثخين، منتن الرائحة، لذاع -بالذال المعجمة، ثم العين المهملة-؛ لأنَّ ما كان بغير الحيوان كالنار؛ فهو لذع-بالمعجمة ثم المهملة- وما كان بالحيوان ذي السم كالعقرب؛ فهو لدغ-بالمهملة، ثم المعجمة- ولم يرد إهمالهما معًا ولا إعجامهما كذلك، وقد نظم بعضهم ذلك فقال:\nفلدغ لذي سم بإهمال أول... وفي النار بالإهمال للثان فاعرفا\nوالاعجام في كل والإهمال فيهما... من المهمل المتروك حقًّا بلا خفا\nومعنى كونه لذاعًا: محرق؛ أي: موجع ومؤلم، كذا في «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب، اللهم؛ فرج عني والمسلمين بجاه النَّبيِّ ﵇ والآل والأصحاب.\n (فإذا أقبلت) أي: وجدت (الحَيضة) بفتح الحاء المهملة أيضًا، ويجوز كسرها على ضعف؛ (فاتركي الصَّلاة) فرضها ونفلها، ومثلها الصوم، والطواف، وغيرها، ففيه نهي المستحاضة عن الصَّلاة في زمن الحيض وهو نهي تحريم، ومقتضاه فساد الصَّلاة هنا، وهو إجماع، وظاهر الحديث يعم الصَّلاة المفروضة والنافلة، ويتبعها الطواف وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة والشكر وغيرها.\n (فإذا ذهب قدرها) أي: قدر الحيضة، وفي الرواية السابقة: (وإذا أدبرت)، والمراد: انقطاع الحيض، وعلامته: الزمان والعادة، فهو الفصيل، فإذا أضلت عادتها؛ تحرت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل، (فاغسلي عنكِ) بكسر الكاف (الدم) أي: دم الحيضة، (وصلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما سيأتي التصريح به في باب (إذا حاضت في شهر ثلاث حيض)، وفي لفظ: (فدعي الصَّلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)، وفي لفظ: (ثم توضئي لكل صلاة)، وفي لفظ: (تغتسل الغسل الأول، ثم تتوضأ لكل صلاة)، وعند أبي داود من حديث عائشة ﵂: (أنَّ أمَّ حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فاستفتت النَّبيَّ ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي»، وكانت تغتسل في مركز في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو","vol":"1","page":172},{"text":"حمرة الدم على الماء)، وعنده من حديث عائشة: (أن سهلة بنت سهل استحيضت، فأتت النَّبيَّ ﷺ، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك؛ أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح)، وعنده من حديث عائشة أيضًا قالت: (استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ، فأمرت أن تعجل العصر، وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلًا، وأن تؤخر المغرب، وتعجل العشاء، وتغتسل لهما، وتغتسل لصلاة الصبح)، وعنده من حديث عائشة: (المستحاضة تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ إلى أيام أقرائها)، وفي لفظ: (فاجتنبي الصَّلاة إثر محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وإن قطر الدم على الحصير)، وعند أبي عوانة الإسفراينيِّ: (فإذا ذهب قدرها؛ فاغسلي عنك الدم)، وعند الترمذي مصححًا: (توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)، وعند الإسماعيلي: (فإذا أقبلت الحيضة؛ فلتدع الصَّلاة، وإذا أدبرت؛ فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة)، وعند الحافظ الطحاوي مرفوعًا: (فاغتسلي لطهرك، وتوضئي عند كل صلاة)، وعند الدارمي: (فإذا ذهب قدرها؛ فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلِّي).\nقال هشام: (وكان أبي يقول: تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك؛ فإنها تطهر وتصلي)، وعند أحمد: (اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلي)، وقال الشافعي: ذكر الوضوء عندنا غير محفوظ ولو كان محفوظًا؛ لكان أحب إلينا من القياس.\nوفي «التمهيد» رواه أبو حنيفة الإمام الأعظم عن هشام مرفوعًا، كرواية يحيى عن هشام سواء قال فيه: (وتوضئي لكل صلاة)، وكذلك رواه حمَّاد بن سَلَمَة عن هشام مثله، وقال حمَّاد في هشام: (ثقة ثبت).\nوروى سبط ابن الجوزي عن الإمام الأعظم أنه ﵇ قال: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، وفي «شرح مختصر الحافظ الطحاوي»: روي عن الإمام الأعظم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﵇ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لوقت كل صلاة»، فالوضوء محفوظ في الروايات، وهذا محكم لا يحتمل غيره بالنسبة إلى كل صلاة بخلاف: (توضئي لكل صلاة)، فإن لفظ (الصَّلاة) شاع استعمالها في لسان الشرع والعرف في وقتها؛ فمن الأول: قوله ﵇: «إن للصلاة أوَّلًا وآخرًا»؛ أي: لوقتها، فوجب حمل (توضئي لكل صلاة) على المحكم؛ لأنَّ اللام للوقت؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي: زوالها، فكان ما رواه الشافعي نصًّا محتملًا للتأويل، وما رواه الإمام الأعظم مفسر لا يحتمل التأويل، فيترجح عليه كما عرف في موضعه، على أن الحفاظ اتفقوا على ضعف ما رواه الشافعي؛ كذا حكاه النووي في «المهذب»، وباقي أصحاب الأعذار في حكم المستحاضة، فالدليل يشملهم.\nقال في «عمدة القاري»: ووطء المستحاضة جائز في حال جريان الدم عند جمهور العلماء، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وحكاه ابن المُنْذِر عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، وسَعِيْد بن جبير، وقتادة، وحمَّاد بن سليمان، والأوزاعيِّ، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي «^١» ثور، والشافعيِّ، والمزنيِّ، تعلقوا بما في كتاب أبي داود بسند جيد: (أنَّ حمنة كانت مستحاضة وكان زوجها يأتيها).\nقال ابن المُنْذِر: وروِّينا عن عائشة أنها قالت: (لا يأتيها زوجها)، وبه قال النخعيُّ، والحكم، وسليمان بن يسار، والزُّهْرِيُّ، والشعبيُّ، وابن عُليَّة، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية: (لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت)، وقال أئمتنا الأعلام: ودم الاستحاضة كرعاف لا يمنع الصوم، ولا الصَّلاة ولو نفلًا، ولا الوطء وإن لزم منه تلطخ بالدم، ولا قراءة القرآن، ولا مس المصحف، ولا دخول المسجد، ولا الطواف إذا أمنت من اللوث؛ كذا في «شرح النقاية» للقهستانيِّ عن «الخزانة». وقال منصور: تصوم ولا يأتيها زوجها، ولا تمس المصحف، وتصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، وقال الإمام الأعظم: طهارتها مقدرة بالوقت، وتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض والنوافل، وهو محكيٌّ عن الثوريِّ، وعروة، وأبي ثور، ورواية عن أحمد.\nوقال الشافعيُّ: لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة مؤداة ومقضية، وفي وجه له: لا يستبيح النافلة أصلًا.\nوقال مالك وربيعة وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهرت؛ فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت إلا أن تحدث بغير الاستحاضة.\nوقال صاحب «عمدة القاري»: ويصح وضوءها لفريضة قبل دخول وقتها خلافًا للشافعيِّ، ولا يجب عليها اغتسال لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبه قال جمهور العلماء، وهو مذهب الإمام الأعظم، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وهو قول عروة، وأبي سَلَمَة، ومالك، وأحمد، وروي عن ابن عمر وعطاء بن أبي رباح وابن الزبير أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وعن ابن المسيب والحسن: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، انتهى.\nفائدة: ذكر إمام الشارحين: أنه كان في زمنه ﵇ جماعة من النساء مستحاضات؛ منهنَّ: أم حبيبة بنت جحش، وسيأتي حديثها، وزينب أم المؤمنين، وأسماء أخت ميمونة لأمها، وفاطمة بنت أبي حبيش، وحمنة بنت جحش ذكرها أبو داود، وسهلة بنت سهل ذكرها أيضًا، وكذا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة ذكرها العلاء بن المسيب، عن الحكم، عن أبي جعفر محمَّد بن علي بن حسين، وزينب بنت أم سَلَمَة ذكرها الإسماعيلي في جمعه لحديث يحيى بن أبي كثير، وأسماء بنت مرشد الحارثيَّة ذكرها البيهقي، وبادية بنت غيلان ذكرها ابن الأثير قال: (قلت: هي الثقفية «^٢» التي قال عنها هيت المخنث: تقبل بأربع وتذهب بثمان، تزوجها عبد الرحمن بن عوف، وأبوها أسلم، وتحته عشرنسوة) انتهى، والله تعالى أعلم.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه في حكم الاستحاضة، ومرَّ هذا الحديث في باب (غسل الدم)، وصرَّح به بالاستحاضة، وذلك في رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصَّلاة؟ ...؛ الحديث؛ كذا في «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي، وعليه توكلي واعتمادي.\n\n <span id=\"b-٥٢٢\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-522>[باب غسل دم المحيض]</span>\nهذا (باب) بيان (غَسل) بفتح الغين المعجمة (دم الحيض) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية: (المحيض) بالميم، وفي أخرى: (الحائض)، وقد ذكر في كتاب (الوضوء)، باب (غسل الدم)، وهو أعم من هذه الترجمة، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٥٢٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-523>[حديث: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه]</span>\n٣٠٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التنيسي (قال: أخبرنا مالك)؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن هشام) زاد الأصيلي: (ابن عروة)؛ هو ابن الزبير، (عن فاطمة بنت المُنْذِر)؛ هو ابن الزبير بن العوام زوجة هشام المذكور وابنة عمه، (عن أسماء بنت أبي بكر الصديق) ﵄، وفي رواية سقط لفظ (الصديق)، وهي جدة فاطمة وزوجها لأبويهما المعروفة بذات النطاقين أم عبد الله بن الزبير، وهي آخر المهاجرات وفاة، توفيت في جمادى الأول، سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد ابنها عبد الله بأيام، بلغت مئة سنة، لم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل ﵂ (أنها قالت) أي: أسماء: (سألت امرأةٌ رسول الله ﷺ) والمرأة السائلة هي أسماء بنت يزيد التي يقال لها: خطيبة النساء، وقيل: هي أسماء بنت مَشكَل؛ بفتحتين، قال جماعة من المحدثين: والأولى هي الصواب، وقواه النووي واعتمده، وما قيل: إنَّها أسماء بنت أبي بكر المذكورة، وأبهمت نفسها لغرض؛ فقد ردَّه النووي، وقدمنا أنَّها لو كانت هي السائلة؛ لم تبهم نفسها؛ لأنَّه لا عذر لها، ولا غرض فيه، بل التصريح أشرف وأحسن لها، لا يقال: إن الحياء منعها من التصريح؛ لأنَّا نقول: هذا حكم شرعي، والنَّبيُّ الأعظم ﵇ نهى عن الحياء في الأحكام الشرعية والسؤال عنها، ولهذا إنَّ أم سليم لما أتته تسأله قالت: إن الله لا\n_________\n(^١) في الأصل: (وأبو).\n (^٢) في الأصل: (الثقيفة)، وهو تحريف.","vol":"1","page":173},{"text":"يستحي من الحق، فالحياء من الحق مذمومٌ شرعًا، وأسماء ﵂ من كبار الصحابة المهاجرات، وهي أشد اتباعًا لسنة النَّبيِّ الأعظم ﵇ فلا يمنعها ذلك؛ فافهم، والله أعلم.\n (فقالت: يا رسول الله؛ أرأيت)؛ أي: أخبرني، وفيه تجوز لإطلاق الرؤية وإرادة الإخبار؛ لأنَّ الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر؛ بجامع الطلب، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم، (إحدانا) بالنصب مفعول (أرأيت) على معنى: أخبرني عن إحدانا، وجوز في «عمدة القاري» رفعه على الابتداء، والجملة بعده خبره.\nقلت: وهو معنًى صحيحٌ؛ لأنَّه على معنى الاستئناف، فكأنها قالت: أخبرني حكم؛ وهو إحدانا... إلخ؛ فافهم.\n (إذا أصاب ثوبَها الدمُ) بالرفع فاعل (أصاب)، وبنصب (ثوب) على المفعولية، (من الحَيضة)؛ بفتح الحاء المهملة، متعلق بقوله: (أصاب)، وجملة (كيف تصنع؟)؛ أي: في الثوب المذكور محلها نصب على أنها مفعول ثان لـ (رأيت)، أو بدل من الأول، أو لا محل لها، أو محلها الرفع؛ فتأمل.\n (فقال رسول الله ﷺ) لها في الجواب: (إذا أصاب ثوب) بالنصب مفعول (أصاب) (إحداكن الدم) بالرفع فاعله (من الحَيضة) بفتح الحاء المهملة أيضًا؛ (فلتَقْرُصه)؛ أي: الدم الموجود في الثوب المذكور، وهو بفتح الفوقية، وسكون القاف، وضم الراء، وبالصاد المهملة الساكنة؛ أي: تدلكه بأطراف الأصابع حتى تقلع الأثر، قال في «المحكم»: (القرص «^١»: التخميش، والغمز بالإصبع)، وقدمنا تمامه، (ثم لتَنضَحُه) بفتح الفوقية، بعدها نون، وبفتح الضاد المعجمة، وضم الحاء المهملة، من باب (فتح)، وما قيل: إنَّه بكسر الضاد المعجمة؛ فقد غلط، ووفق بعضهم بأن الفتح أفصح، والكسر لغة، ولا ريب أن غير الفصيح شاذ وغلط، فتعين الفتح فقط، وقدمنا تمامه؛ فافهم، والمراد بالنضح: الغسل؛ أي: تغسله، ويدل له قوله في الحديث السابق: (فاغسلي عنك الدم)، فهو يعين أن المراد بالنضح في كلامهم: الغسل لا غير؛ فافهم، والمراد: أنها تفرك مواضع الدم بأطراف أصابعها (بماء)؛ أي: مع صب عليه؛ ليتخلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه، ولا يضر بقاء أثرٍ شقَّ زواله، فلا يتكلف في إزالته لنحو صابون، أو أشنان، أو ماء حار، أو غيرها؛ فإنه غير لازم للحرج، وهو مدفوع بالنص، والحك بالضلع، والماء المملح الواقع في بعض الروايات إن صح؛ فهو محمول على الندب لا الوجوب؛ لأنَّ الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر ذلك، كما أوضحناه فيما سبق، (ثم لتصلي فيه)؛ أي: بذلك الثوب، فقد علمت أن الضمير المنصوب في (فلتقرصه) يرجع إلى الدم الذي أصاب الثوب، والضمير في قوله: (لتنضحه) يرجع إلى الماء، وهذا هو الأصل في إرجاع الضمير.\nواستدل الإمام محمَّد بن الحسن والشافعي بهذا الحديث على أنَّ النجاسات إنَّما تزال بالماء دون غيره من المائعات الطاهرة؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة الدم إجماعًا.\nقلت: وهو مردود؛ فإن ذكر الماء في الحديث خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، والمعنى في ذلك: أن الماء أكثر وجودًا من غيره، فصرح به باعتبار الكثرة والغالب، ورد أيضًا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه، ورد أيضًا بأن هذا مفهوم اللقب، وهو غير حجة عند الشافعي، ويدل لهذا حديث عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض؛ قالت بريقها، فمصعته بظفرها)، وعند أبي داود: (بلته بريقها)، فلولا أن الريق مطهِّر؛ لزادت النجاسة، فعلم أن الرِّيق وغيره من المائعات الطاهرة مطهر للنجاسة كالماء، فلا خصوصية للماء في ذلك، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور.\nواعترض باحتمال أن تكون قصدت بذلك تحليل أثره، ثم غسلته بعد ذلك.\nقلت: وهذا احتمال بعيد بارد؛ لأنَّه لا دليل يدل على أنها غسلته بعد ذلك، بل ظاهره صريح في أنها اقتصرت على الريق، ولئن سلمنا أنها غسلته؛ فبالغسل يحصل تحليل أثره من غير احتياج إلى مضغه أو بله بريقها، فعلم بذلك أنها لم تغسله، ومضغه أو بله بريقها دليل على أنها لم تغسله، وهو كذلك؛ لأنَّه لم يثبت عنها ذلك ولا أحد نقله عنها، فاحتمال الغسل بعد ذلك دعوى باطلة لا يعتد بها، على أن المقصود من تطهير النجاسات إزالة عينها وأثرها، والمائعات الطاهرات وكذا الريق لا ريب أنها تزيل العين والأثر، وبها يحصل المقصود، فلا خصوصية للماء، كما لا يخفى على أولي الألباب.\nوفي الحديث دليل على أن الدم نجس، وهو بالإجماع، وفيه دلالة على أن العدد ليس بشرط في إزالة النجاسة، بل المراد الإنقاء، وفيه دليل على أنها لم تر في ثوبها شيئًا من الدم ترش عليه، وتصلي فيه لأجل دفع الوسوسة، وتمامه فيما قدمناه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٢٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-524>[حديث: كانت إحدانا تحيض ثم تقترص الدم من ثوبها]</span>\n٣٠٨ - وبالسَّند قال: (حدثنا أصبغ) بالصاد المهملة، بعدها موحدة، آخره غين معجمة، هو ابن الفرج الفقيه المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب المصري (قال: حدثني) وفي رواية: (أخبرني) بالإفراد فيهما (عَمرو) بفتح العين المهملة (بن الحارث) بالحاء المهملة، هو المصري، (عن عبد الرحمن بن القاسم) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵁: أنه (حدثه) أي: حدث عمرو بن الحارث، (عن أبيه) هو القاسم بن محمَّد، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق ﵁ أنها (قالت: كانت إحدانا)؛ أي: غير زوجات النَّبيِّ الأعظم ﷺ، ومعناه: أنهنَّ لم يصبن ذلك في زمنه ﵇، وهذا المعنى منتفٍ، وحكم هذا الحديث الرفع، ويؤيده حديث أسماء الذي قبله، وقال ابن بطال: حديث عائشة يفسر حديث أسماء، والمراد بالنضح في حديث أسماء: الغسل، وأما قول عائشة: (وتنضح على سائره)؛ فإنما فعلت ذلك؛ دفعًا للوسوسة، كذا في «عمدة القاري».\n (تحيض، ثم تقرص) بالقاف، والصاد المهملة على وزن (تفعِل)؛ أي: تغسله بأطراف أصابعها، وفي رواية: (تقترص) بزيادة مثناة فوقية، وبالصاد المهملة على وزن (تفتعل) (الدم من ثوبها)؛ أي: دم الحيض، وقال ابن الجوزي: معنى (تقرص): تقطع كأنها تحوزه دون باقي المواضع، والأول أشبه بحديث أسماء؛ لأنَّ فيه: (فلتقرُصه)؛ بالقاف، وضم الراء، والصاد المهملة، وإنما أمر النَّبيُّ ﵇ بالقرص؛ لأنَّ الدم وغيره مما يصيب الثوب إذا قرص؛ كان أحرى بأن يذهب أثره، وينقى الثوب منه؛ لأنَّ القرص يكون بالإصبعين، وهو قلعه وإزالته بهما، (عند طهرها) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية: (عند طهره) أي: الثوب؛ أي: عند إرادة تطهيره، (فتغسله)؛ أي: الثوب بالماء وبكل مائع طاهر بأطراف أصابعها، (وتنضح) بالضاد المعجمة، والحاء المهملة؛ أي: الماء؛ أي: ترشه (على سائره) أي: سائر الثوب؛ لأجل دفع الوسوسة، (ثم تصلي فيه)؛ لأنَّه طاهر، وفي الحديث دليل على أن النجاسة في الثوب إذا خفي مكانها وتحرى وغسلها؛ طهر الثوب، ويرش على باقيه الماء؛ دفعًا للوسوسة، وفيه دليل على استحباب رش الماء على السراويل بعد الاستنجاء، وفيه دليل على أن العدد ليس بشرط في تطهير النجاسة، بل المقصود إنقاء المحل من العين والأثر، والله تعالى أعلم.\nوفي يوم الثامن من رمضان سنة سبع وسبعين ومئتين وألف جاءت البوسطة من بيروت من أبرص من الماغوصه بنعي شيخنا وسيدنا العلامة الكبير والنحرير الشهير السيد محمَّد عمر نور الدين الغزيِّ العامري، مفتي الشافعية بدمشق، ودفن هناك، قدس سره، ورحمه الله رحمة واسعة، ألا وهو رأس تاج أهل دمشق، وفريد الأعصار، ونور الأمصار، ولبيب المعاني، وفصيح المباني، درة المحدثين، وخاتمة المحققين، ولا غرو؛ فإنه الشافعي الصغير، والهمام النحرير، نفعنا به في الدارين آمين.\n\n <span id=\"b-٥٢٥\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-525>[باب الاعتكاف للمستحاضة]</span>\nهذا (باب) حكم (اعتكاف) المرأة (المستحاضة) في المسجد؛ يعني: يجوز اعتكاف المستحاضة إذا أمنت التلوث منها للمسجد، والاعتكاف في اللغة: هو اللبث، والعكف: هو الحسن، وفي الشريعة: هو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف، وفي رواية: (باب الاعتكاف للمستحاضة)، وأكثر الروايات على ما ذكرنا؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٢٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-526>[حديث: أن النبي اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم]</span>\n٣٠٩ - وبالسَّند قال: (حدثنا إسحاق بن شاهِين)؛ بكسر الهاء، أبو بِشْر؛ بكسر الموحدة، وسكون الشين المعجمة، الواسطي، جاوز المئة، وفي رواية: سقط: (بن شاهين)، وبدله: (الواسطي) (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (خالد بن عبد الله) هو أبو الهيثم؛ بالمثلثة، الطحان، المتصدق بوزن نفسه فضة ثلاث مرات، (عن خالد) هو ابن مهران الذي يقال له: الحذَّاءبالحاء المهملة، والذال المعجمة المشددة، وبالمد، (عن عِكرمة) بكسر العين المهملة، هو ابن عبد الله،\n_________\n(^١) في الأصل: (القرض)، وهو تصحيف، وكذا في بعض المواضع اللاحقة.","vol":"1","page":173},{"text":"ومولى ابن عباس ﵄، أصله بربري، ثقة، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا ثبتت عنه بدعة، واحتج به المؤلف، وأصحاب السنن، وأثنى عليه غير واحد من أهل عصره وكل عصر، والله أعلم، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄ قالت: (إنَّ النَّبيَّ) الأعظم (ﷺ اعتكف معه) أي: في مسجده النبوي (بعضُ) بالرفع فاعل (اعتكف) (نسائه) قيل: هي سودة بنت زمعة، وقيل: هي رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيل: هي زينب بنت جحش الأسدية أول من مات من أزواج النَّبيِّ الأعظم ﷺ بعده، (وهي مستحاضة): جملة اسمية وقعت حالًا، ووجه التأنيث مع أن لفظة (هي) ترجع إلى لفظ (بعض) اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه، أو التأنيث باعتبار ما صدق عليه لفظ البعض وهو المراد، وإنما لحق تاء التأنيث في المستحاضة وإن كانت الاستحاضة من خصائص النساء؛ للإشعار بأن الاستحاضة حاصلة لها بالفعل، كذا في «عمدة القاري»، (ترى الدم): جملة من الفعل والفاعل والمفعول، صفة لازمة للمستحاضة، وهو دليل على أن المراد: أنَّها كانت في حال الاستحاضة، لا أنها من شأنها الاستحاضة؛ يعني: أنها مستحاضة بالفعل لا بالقوة، ويجوز أن تكون الفاء في قوله: (فربما) لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، وإنما لم يجز أن يقال: المستحيضة على بناء المعلوم؛ لأنَّ المتبع هو الاستعمال وهو لم يستعمل إلا مجهولًا؛ كما في (جُنَّ) من الجنون، وقال الجوهري: (استحيضت المرأة؛ استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة)، وقال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي [صلى الله] عليه وسلم من كانت مستحاضة، والظاهر: أنَّها «^١» عائشة ﵂؛ إشارة بقولها: (من نسائه)؛ أي: من النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﵇.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: كأن ابن الجوزي ذهل عن الروايتين في هذا الباب؛ أحدهما: (امرأة من أزواجه)، والأخرى: (كان بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة) على ما يأتي قريبًا، وأيضًا فقد يبعد أن يعتكف مع النبي ﵇ امرأة من غير زوجاته وإن كان لها به تعلق، وذكر ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات؛ زينب أم المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، [و] أم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي المشهورة منهن بذلك، ويأتي حديثها، وذكروا في المبهمة ثلاثة أقوال التي تقدمت، وأما على ما زعم ابن الجوزي من أن المستحاضة ليست من أزواجه ﵇؛ فقد روي: (وكانت زينب بنت أم سَلَمَة استحيضت)، وهي لها تعلق بالنبي ﵇؛ لأنَّها ربيبته، ولكن هذا الحديث رواه أبو داود من حكاية زينب على غيرها، وهو الأشبه، فإن زينب كانت صغيرة في زمنه ﵇؛ لأنَّه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع، انتهى كلامه؛ فافهم.\n (وضعت الطَّست)؛ بفتح الطاء: وعاء من النحاس يتخذ لتغسيل الأيدي من الطعام، أصله (الطسُّ) بالتضعيف، فأبدلت إحدى السينين تاء؛ للاستفعال، فإذا جمعت أو صغرت؛ رددت إلى أصله؛ فقلت: طساس وطسيس، وفي اللغة البلدية بالشين المعجمة، ويجمع على طشوت، كذا في «عمدة القاري»، (تحتها من الدم) كلمة (من) للتعليل هنا، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أنها ابتدائية؛ أي: لأجل الدم.\nقلت: والأول أظهر، كما لا يخفى.\n (وزعم عكرمة) فعل وفاعل، وهو بمعنى: قال، أو لعله ما ثبت صريح القول من عكرمة بذلك، بل علم من القرائن الأحوال منه؛ فلهذا لم يسند القول إليه صريحًا، وهذا إما تعليق من المؤلف، وإما من تتمة قول خالد الحذاء؛ فيكون مسندًا، وهو عطف من جهة المعنى على عكرمة؛ أي: قال خالد: قال عكرمة...، وزعم عكرمة، كذا قاله الكرماني.\nوزعم ابن حجر أنه معطوف على معنى العنعنة؛ أي: حدثني عكرمة بكذا، وزعم كذا، وأبعد من زعم أنه معلَّق.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: هذا القائل يريد بذلك: الرد على الكرماني، ولا وجه لرده؛ لأنَّ رد الكلام هو الذي قاله، وتردد هذا الاحتمال لا يدفع بقوله: (وزعم) معطوف على معنى العنعنة، والعطف من أحكام الظواهر في الأصل، انتهى؛ فافهم.\n (أن عائشة): الصديقة ﵂ (رأت ماء) بالمد (العُصْفُر) بضمِّ العين المهملة، والفاء، وسكون الصاد المهملة، وهو زهر القرطم، كذا في «عمدة القاري»، (فقالت) أي: عائشة: (كأنَّ) بتشديد النون، قبلها همزة (هذا) أي: الأصفر (شيء كانت فلانة) الظاهر: أنها هي المرأة التي ذكرت قبل، و(فلانة) غير منصرف؛ كناية عن اسمها، وقال الإمام الزمخشري: فلان وفلانة كناية عن أسماء الأناسي، وإذا كنوا عن أسماء البهائم؛ فقالوا: الفلان والفلانة، كذا في «عمدة القاري»، (تجده)؛ أي: في زمان استحاضتها، قال في «عمدة القاري»: ومما يستنبط من الحديث جواز اعتكاف المستحاضة وجواز صلاتها؛ لأنَّ حالها حال الطاهرات، وإنما تضع الطست؛ لئلا يصيب ثوبها أو المسجد، وأنَّ دم الاستحاضة رقيق كدم الحيض، ويلحق بالمستحاضة ما في معناها؛ كمن به سلس البول، والمذي، والودي، ومن به جرح يسيل في جواز الاعتكاف، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٢٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-527>[حديث: اعتكفت مع رسول الله امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم]</span>\n٣١٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا قُتَيْبَة) بضمِّ القاف، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، هو ابن سَعِيْد -بكسر العين المهملة- (قال: حدثنا يزيد) بفتح التحتية أوله (بن زُريع) بضمِّ الزاي، آخره عين مهملة، (عن خالد) هو الحَذَّاء -بالحاء المهملة- (عن عكرمة): المفسر المشهور مولى ابن عباس ﵄، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: اعتكفتْ) بتاء التأنيث (مع رسول الله ﷺ امرأة) أي: مستحاضة (من أزواجه) الطاهرات، قيل: إنها سودة بنت زمعة، وقيل: رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهذا الحديث يرد ما زعمه ابن الجوزي من أن المستحاضة ليست من أزواج النَّبيِّ ﵇؛ لأنَّ من البعيد أن يعتكف مع النَّبيِّ الأعظم ﵇ امرأةٌ من غير زوجاته وإن كان لها تعلق به، كما لا يخفى، (فكانت) أي: المرأة المبهمة (ترى الدم) أحمر في حال الاستحاضة، (و) ترى (الصُفرة) بضمِّ الصاد المهملة، وهو كناية عن الاستحاضة؛ فكأنها تراه تارة أحمر وتارة أصفر، فالأول: دم حقيقي، والثاني: دم حكمي؛ لاستحالته، (والطَّست)؛ بفتح الطاء: الوعاء من النحاس وغيره (تحتها) جملة حالية بالواو، وفي نسخة بدونها وهو جائز، (وهي تصلي) جملة حالية بالواو أيضًا، ففي الحديث جواز الحدث في المسجد بشرط عدم تلويثه، وفيه جواز صلاة المستحاضة، ويلحق بها أصحاب الأعذار مثل من به جرح لا يرقأ، ومن به سلس بول، ومن به استطلاق بطن، ونحوهم، فإنهم يصلون بوضوئهم في الوقت ما شاؤوا من الفرائضوالنوافل، فإذا خرج الوقت؛ بطل وضوءهم؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٥٢٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-528>[حديث: أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة]</span>\n٣١١ - وبه قال: (حدثنا مُسَدد) بضمِّ الميم، وفتح السين المهملة، هو ابن مسرهد -بالمهملات- (قال: حدثنا مُعْتَمِر) بضمِّ الميم الأولى، وكسر الثانية، بينهما فوقية مفتوحة، قبلها عين مهملة ساكنة، هو ابن سليمان بن طرخان البصري، (عن خالد) هو الحذاء، (عن عكرمة) مولى ابن عباس، (عن عائشة) الصديقة ﵂ قالت: (إنَّ) بكسر الهمزة (بعض أمهات المؤمنين) الطاهرات، قيل: سودة، وقيل: رملة، كما سبق، وهو يرد على ما زعمه ابن الجوزي أيضًا، وإنَّما سميت أزواج النَّبيِّ الأعظم ﵇ (أمهات المؤمنين)؛ لحرمة نكاحهن بعده، قال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٦]؛ فهن أمهات؛ من حيث تعظيم حقهن، وتحريم نكاحهن على التأبيد، لا في حق النظر إليهن، والخلوة بهن؛ فإنه حرام في حقهن، كما في حق الأجانب، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا لأخواتهن وإخوانهن: هم أخوال المؤمنين وخالاتهم، واختلفوا في أنهن هل كنَّ أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعًا، وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء، وروى الشعبي عن مسروق: (أن امرأة قالت لعائشة: يا أمه؛ فقالت: لست لك بأمٍّ؛ إنَّما أنا أمُّ رجالكم) فبان بهذا أن معنى هذه الأمومية: تحريم نكاحهن؛ فافهم، والله أعلم، (اعتكفت) أي: مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ في مسجده النبويِّ (وهي مستحاضة) جملة حالية بالواو، ولم يذكر في هذه الرواية: وضع الطست تحتها؛ لأنَّها كانت آمنة من تلويث المسجد بوضع الخروق في حالها، كما هي عادة النساء، وفي الحديث جواز الاعتكاف للمستحاضة ونحوها مع أمن تلويث المسجد،\n_________\n(^١) في الأصل: (أنه)، وهو تحريف.","vol":"1","page":174},{"text":"وفيه مشروعية الاعتكاف للنساء كالرِّجال، وفيه أنه يقال لأزواج النَّبيِّ الأعظم ﷺ: أمهات المؤمنين، كما ورد في القرآن المجيد، وفيه أن دم الاستحاضة لونه تارة أحمر وتارة أصفر، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.\n\n <span id=\"b-٥٢٩\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-529>[باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه</span>؟]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين فيه (هل) استفهام استفسار، وسؤال (تصلي المرأة في ثوب) أي: في ثوبها الذي (حاضت فيه؟) وجواب الاستفهام محذوف، تقديره: يجوز أو نحو ذلك؛ لأنَّ عادة المؤلف إطلاق التراجم من الجواز وعدمه، ويحيل الحكم على الحديث الذي يذكره بعدها، ولا يخفى وجه المناسبة بين البابين؛ لأنَّ هذه الأبواب كلها فيما يتعلق بأحكام الحيض؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-530>[حديث: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه]</span>\n٣١٢ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو نُعَيْم) بضمِّ النون، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، هو الفضل بن دُكين -بالدال المهملة- (قال: حدثنا إبراهيم بن نافع) بالنون، والفاء، هو المخزومي أوثق شيخ بمكة في زمانه، (عن ابن أبي نَجِيح) هو عبد الله، واسم أبي نَجِيح يَسار -بفتح التحيتة أوله- ضد اليمين، وهو بفتح النون وكسر الجيم، آخره حاء مهملة، المكي، (عن مُجَاهِد) بضمِّ الميم، هو المفسر ابن جُبير، بضمِّ الجيم (قال) وفي رواية بإسقاطها: (قالت عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄، قال في «عمدة القاري»: قيل: هذا الحديث منقطع ومضطرب، أما الانقطاع؛ فإن أبا حاتم، ويحيى بن معين، ويحيى بن سَعِيْد القطان، وشعبة، وأحمد قالوا: إنَّ مُجَاهِدًا لم يسمع من عائشة، وأمَّا الاضطراب؛ فلرواية أبي داود له عن محمَّد بن كثير، عن إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم بدل (ابن أبي نجيح).\nورُدَّ عليه بأنَّ البخاريَّ صرَّح بسماعه منها في غير هذا الإسناد في عدة أحاديث، وكذا أثبت سماعه منها ابن المديني وابن حبان مع أن الإثبات مقدم على النفي، وأما الاضطراب الذي ذكره؛ فهو ليس باضطراب؛ لأنَّه محمول على أن إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين، وشيخ البخاري أبو نعيم أحفظ من شيخ أبي داود محمَّد بن كثير، وقد تابع أبا نعيم خالد بن يحيى، وأبو حذيفة، والنعمان بن عبد السلام، فرجحت روايته، والمرجوح لا يوثق في الراجح، والحديث المذكور أخرجه أبو داود أيضًا، فقال: حدثنا محمَّد بن كثير قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع قال: سمعت إسحاق بن أبي سَلَمَة يذكر عن مُجَاهِد قال: قالت عائشة ﵂: (ما كان لإحدانا) أي: من زوجات النَّبيِّ الأعظم ﷺ (إلا ثوب واحد) وقولها: (تحيض فيه): جملة في محل الرفع على أنها صفة لـ (ثوب).\nقال الكرماني: فإن قلت: هذا النفي لايلزم أن يكون عامًّا لكلهن؛ لصدقه بانتفاء الثوب الواحد منهن؛ قلت: وهو عام؛ إذ صدقه بانتفاء الثوب لكلهن، وإلا لكان لإحداهن ثوب؛ فيلزم الخلف، ولفظ المضاف المفرد من صيغ العموم على الأصح، انتهى.\nقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (لا يقال: إنَّ هذا الحديث معارض لحديث أم سَلَمَة؛ فإنَّ فيه: (فأخذت ثياب حيضتي) وهو يدل على: تعدد الثوب؛ لإمكان عدم كون التعدد في بدء الإسلام؛ فإنهن كانوا حينئذٍ في شدة وقلة، ولما فتح الله الفتوح واستغنت أحوالهم؛ اتخذت النساء ثيابًا للحيض سوى لباسهن، فأخبرت أم سَلَمَة عنه) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون مراد عائشة بقولها: (ثوب واحد) مختص بالحيض، وليس في سياقها ما ينفي أن يكون لها غيره في زمن الطهر؛ فيوافق حديث أم سَلَمَة، انتهى.\nقلت: وهذا الاحتمال ممنوع ومردود؛ لأنَّ قول عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه) معناه: ليس لإحدانا إلا ثوب واحد تلبسه في حال الحيض والطهر؛ يعني: وليس لها غيره، كما دل عليه لفظ السياق، فإن ذلك يفيد الحصر في الثوب الواحد لحال الطهر والحيض، فقوله: (وليس في سياقها ما ينفي أن يكون لها غيره في زمن الطهر) فاسد؛ فإن لفظ السياق يفيد صريحًا أن الثوب الواحد المذكور هو لحال الطهر والحيض، يدل لذلك: تقللهن من الدنيا، وعدم اعتنائهن بالتعدد من الثياب، كما أنهن كن يتقللن في المأكل، كذلك في الملبس؛ فليحفظ.\n (فإذا أصابه) أي: الثوب (شيء) أي: قدر (من دم) وللأصيلي: (من الدم) أي: من دم الحيض، وهو صادق بكون الدم كثيرًا وقليلًا، بل الظاهر من الإطلاق: أنه كثير فاحش؛ (قالت بريقها) يعني: صبت عليه من ريقها، وقد ذكرنا أن القول يستعمل في غير معناه الأصلي بحسب ما يقتضيه المقام أو المعنى؛ أي: بلته بريقها، كما صرح به في رواية أبي داود، كذا في «عمدة القاري»، (فمصعته) بالميم والصاد المهملة؛ يعني: فركته وحكته، ومادته ميم، وصاد وعين مهملتان، كذا في أكثر الروايات، قال في «عمدة القاري»: وفي رواية: (فقصعته)؛ بالقاف والصاد والعين المهملتين، كما في رواية أبي داود، انتهى، ومثله قاله ابن حجر، قال القسطلاني: (ومفهومه أن هذه الرواية ليست للبخاري) ا. هـ\nقلت: هذا غير صحيح، بل المفهوم منه أن هذه الرواية للبخاري، كما أنها لأبي داود، لا سيما وهي ثابتة في «فرع اليونينية» للمؤلف، فكيف قال القسطلاني ما قال؟! فافهم.\n (بظُفُرها) بضمِّ الظاء المعجمة، وضم الفاء وإسكانها، والضم أفصح، ومعنى (قصعته): دلكته وعالجته، يقال: قصع القملة؛ إذا شدخها بين أظفاره، وأما فصع الرطبة؛ فهو بالفاء؛ وهو أن يأخذها بإصبعيه فيغمزها أدنى غمزة، فتخرج رطبة خالعة قشرها، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال رحمه الله تعالى: (ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه، لا شك أنها تصلي فيه، لكن بتطهيرها إياه، دل عليه قولها: (فإذا أصابه شيء من دم...) إلى آخره) انتهى؛ يعني: إن صب الريق عليه ودلكه ونحو ذلك تطهير للثوب من الدم، يدل لذلك: أن الشخص إذا تغوط وتمسح بالأحجار؛ فهو طهارة المحل، وكذا لو كان النجس في غير موضع الاستنجاء، فإذا قلعه بالأحجار ونحوها؛ يطهر، فتجوز صلاته بدون غسله، وطهارته تقليل لها مجاز؛ لأنَّه إذا دخل الماء القليل؛ نجسه، وزعم البيهقي أن هذا في الدم اليسير الذي يكون معفوًّا عنه، وأما الكثير منه؛ فصح عنها أنها كانت تغسله.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هم لا يرون بأن اليسير من النجاسات عفو، ولا يعفو عندهم منها عن شيء سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وهذا لا يتمشى إلا على مذهب الإمام الأعظم ﵁؛ فإن اليسير عنده عفو؛ وهو ما دون الدرهم، فحينئذٍ الحديث حجة عليهم؛ حيث اختصوا في إزالة النجاسة بالماء) انتهى.\nقلت: وقول البيهقي: (وأما الكثير منه...) إلخ غير صحيح؛ لأنَّه لم يصح عن عائشة أنها قالت: كانت تغسله، فالغسل لم يصح عنها، وإنما هو احتمال وتردد ذكره ترويجًا لما ذهب إليه الشافعي، والاحتمال البعيد لا يدفع النظر؛ فالحديث حجة على الشافعي ومن قال بقوله؛ على أنه لو كانت غسلته؛ لذكرته، فعدم ذكرها الغسل دليل على اقتصاره بالتطهير على الريق، كما لا يخفى.\nوزعم القسطلاني أن الحديث ليس مخالفًا لما تقدم؛ لأنَّه من باب حمل المطلق على المقيد، أو لأنَّ هذا الدم الذي مصعته قليل معفو عنه لا يجب غسله؛ فلذا لم يذكر أنها غسلته بالماء، وأما الكثير؛ فصح عنها أنها كانت تغسله، قاله البيهقي، لكن يبقى النظر في مخالطة الدم بريقها؛ فقد قالوا فيه بعدم العفو، وليس فيه أنها صلت فيه؛ فلا يكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير","vol":"1","page":174},{"text":"الماء، وإنما أزالت الدم بريقها؛ ليذهب أثره، ولم تقصد تطهيره) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد وكلام بارد؛ لأنَّ قوله: (إن الحديث ليس مخالفًا لما تقدم...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا حاجة إلى هذا الحمل، وليس فيه حمل المطلق على المقيد، بل هذا الحديث صريحه في هذه الحادثة فقط، وما تقدم في حادثة أخرى؛ فالحمل غير صحيح، وقوله: (أو لأنَّ هذا الدم...) إلخ فاسد؛ فإن إمامهم الشافعي لم ير العفو في شيء من النجاسات حتى قال: يجب غسل ما يراه الطرف من النجاسة، فكيف يقول بالعفو؟! فالحديث حجة عليه قطعًا، وقوله: (فلذا لم يذكر أنها غسلته...) إلخ هذا اعتراف منه بأن الغسل لم يصح عنها؛ فانظر إلى هذا الاضطراب في كلامه، وقوله: (وأما الكثير...) إلخ قد علمت أن مذهبهم عدم الفرق بين القليل والكثير، وقوله: (فصح عنها...) إلخ فاسد؛ لأنَّه لم يصح عنها ذلك أصلًا، وإنما هو من قول البيهقي، قاله ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ولأنَّه لو كان صحيحًا؛ لذكرته عائشة هنا، فعدم ذكرها دليل على الاكتفاء بالريق للتطهير، وأنه مطهر ولا خصوصية للماء في التطهير؛ لأنَّ المقصود الإزالة، وقد حصلت، وقوله: (لكن يبقى النظر...) إلخ هذا هو عين ما قدمه، وقد اعترف بعدم العفو عنه؛ فانظر إلى هذا الكلام المتناقض، وقوله: (وليس فيه أنها صلت...) إلخ فاسد وممنوع، فقد كانت تصلي في هذا الثوب الذي مصعته بريقها، وتعتكف فيه، يدل عليه قول عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه) فهو يعين عدم التعدد في الثوب؛ يعني: ليس لكل واحدة منهن إلا ثوب واحد للحيض والطهر، والحديث الثاني الذي ساقه المؤلف صريح أنها كانت تصلي فيه؛ لأنَّه قالت عائشة: (اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه...) إلى أن قالت: (وهي تصلي) فهو صريح في أنها كانت تصلي في هذا الثوب؛ لأنَّه لم يكن لها غيره، كما قالت عائشة، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، ويدل لذلك أن القصة واحدة، ولهذا ذكر المؤلف هذه الأحاديث في باب واحد وفرقها وإن كانت القصة واحدة؛ لما عليه من العادة التي اتبعها من أنه يذكر ما سمعه من أشياخه، فكم رأيت حديثًا واحدًا يذكره كثيرًا في مواضع متعددة! وليس له فائدة سوى تعدد أشياخه، فالحديث المذكور حجة قوية، ومحجة مستقيمة لمن قال: إن إزالة النجاسة تجوز بغير الماء من كل مائع طاهر قالع، وهو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم صاحب المذهب المعظم ﵁، وقوله: (وإنما أزالت الدم...) إلخ ممنوع؛ فإنما فعلت بريقها لأجل تطهيره وهو قصدها؛ لأنَّها لو لم يكن قصدها ذلك؛ لما كان يلزم لها الريق، فقد كانت تحتُّه بظفرها بدون الريق لو كان مرادها ذهاب أثره، فإجراء الريق عليه دليل على أن مرادها التطهير من النجاسة، كما لا يخفى.\nوفي الحديث دليل على أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد، بل المراد: الإنقاء.\nوفيه دليل على جواز إزالة النجاسة بغير الماء، وفيه أن الدم نجس، وهو إجماع.\nوفيه دليل على أن قدر الدرهم من النجاسة معفو عنه، وتصح معه الصَّلاة.\nوفيه دليل على أن النجاسة إذا كانت كثيرة في ثوبه أو بدنه؛ يجب عليه تقليلها بالأحجار ونحوها إن لم يجد ما يزيلها حتى تصير بمقدار المعفو عنه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٣١\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-531>[باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض]</span>\nهذا (باب) استحباب استعمال (الطيب للمرأة) غير المحرمة (عند غُسلها)؛ بضمِّ الغين المعجمة، أي: اغتسالها (من الحيض) ولابن عساكر: (من المحيض) بزيادة الميم، وكذا النفاس؛ لإزالة الرائحة الكريهة، وكذا الجنابة؛ لأنَّه أنشط للمعاودة، لكن الأول آكد في الاستحباب، قال في «عمدة القاري»: (وجه المناسبة بين البابين؛ من حيث إن في الباب الأول إزالة الدم من الثوب، وهو التنظيف والإنقاء، وفي هذا الباب التطيب، وهو زيادة التنظيف).\n\n <span id=\"b-٥٣٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-532>[حديث: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث]</span>\n٣١٣ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب) هو أبو محمَّد الحجبي البصري، بالحاء المهملة، بعدها جيم، ثم موحدة (قال: حدثنا حمَّاد بن زيد) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم، (عن أيُّوب): هو السختياني، (عن حفصة) هي بنت سيرين الأنصارية أم الهذيل، زاد في رواية المستمليوكريمة: (قال أبو عبد الله أو هشام بن حسان، عن حفصة)، و(أبو عبد الله) هو المؤلف، و(حسان) بالصرف وعدمه؛ من الحس أو الحسن، فكأن المؤلف شك في شيخ حمَّاد أهو أيُّوب أو هشام؟ وليس ذلك عند بقية الرواة، ولا عند أصحاب الأطراف، وقد أورد المؤلف هذا الحديث في كتاب «الطلاق» بهذا الإسناد؛ فلم يذكر ذلك، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، (عن أم عطية) هي نُسَيبة -بضمِّ النون، وفتح السين المهملة- بالتصغير، بنت الحارث، كانت تمرض المرضى، وتداوي الجرحى، وتغسل الموتى ﵂ (قالت: كنا نُنهى)؛ بضمِّ النون الأولى على صيغة المفعول، والناهي هو: النَّبيُّ الأعظم ﷺ، كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة في آخر الحديث، وهذه الصيغة في حكم المرفوع، وكذلك كنا وكانوا، ونحو ذلك؛ لأنَّه وقع في زمن النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وقرَّرهم عليه، فهو مرفوعٌ معنًى، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» (أن نُحِد) بضمِّ النون، وكسر الحاء المهملة، وفي رواية: (تحد) بمثناة فوقية؛ أي: المرأة، من الإحداد؛ وهو الامتناع من الزينة، قال الجوهري: أحدَّت المرأة؛ أي: امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك حدَّت تحُدُّ بالضم، وتحِدُّ بالكسر حدادًا، أو هي حاد، ولم يعرف الأصمعي إلا أحدت، فهي محدة، كذا في «المحكم»، وأصل هذه المادة: المنع، ومنه قيل للبواب: حدَّاد؛ لأنَّه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم؛ فحكاه بالجيم، من جددت الشيء، فكأنها قد انقطعت عن الزينة، وعما كانت قبل ذلك، كذا في «عمدة القاري»، وكلمة «أن» مصدرية، والتقدير: كنا ننهى عن الإحداد (على ميْت)؛ بتخفيف التحتية: مَن حلَّ به الموت، وبتشديدها: من سيموت، قال الله ﷿: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وهذه التفرقة لجمهور العلماء، وبعضهم لم يفرق بينهما، فيقال لمن حل به الموت: بالتشديد، (فوق ثلاث) تعني به: الليالي مع أيامها، ولذلك أنث العدد (إلا على زوج) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية المستملي، والحموي: (إلا على زوجها)، والأول موافق للفظ «نحد» بالنون، والثاني موافق للفظ «تحد» بالغيبة، وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: ويقال في توجيه الثاني: إن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: (كنا ننهى) أي: كل واحدة منهن، انتهى، وقد خبط وخلط الكرماني هنا؛ فاجتنبه، (أربعة أشهر وعشرًا) أي: عشر ليال، إذ لو أريد به الأيام؛ لقيل: عشرة بالتاء، قال إمام الصنعة العلامة الزمخشري في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]: (لو قلت في مثله: «عشرة»؛ لخرجت عن كلام العرب، لا نراهم قط يستعملون التذكير فيه)، وقيل: الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد إنَّما هو عند ذكر المميز، أما ما لم يذكر؛ جاز فيه التاء وعدمه مطلقًا، فإن قلت: و(عشرًا) منصوب بماذا؟ قلت: هو عطف على","vol":"1","page":175},{"text":"قوله: (أربعة) وهو منصوب على الظرفية، كذا في «عمدة القاري»، وقال المبرد: إنما أنث العشر؛ لأنَّ المراد به: المدة المعينة، وعشر: مدة، وكل مدة من يوم وليلة، فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر، وقيل: لم يقل: عشرة؛ تغليبًا لحكم الليالي؛ لأنَّ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها، و(عشرًا) أخف في اللفظ؛ فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ؛ لأنَّ ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال، فلما كان أول الشهر الليلة؛ غلب الليلة، تقول: صمنا خمسًا من الشهر، فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار، وقيل: تأنيث العشر بدون التاء؛ اعتبارًا بكون معدودها الليالي، والليالي مؤنث، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، والوجه في اعتبار الليالي وجعلها مبدأ للتأريخ أن شهور العرب قمرية، وابتداؤها من طلوع الهلال وهو في الليل؛ فيكون الليل في تاريخهم سابقًا على النهار؛ فلهذا خصوا تاريخهم بالليالي دون الأيام حتى قالوا: صمنا عشر ليالٍ، والصوم إنَّما يكون في الأيام، وتذكير المعدود يقتضي زيادة التاء في اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة، وإنما قدرت هذه المدة؛ لأنَّ الجنين في غالب الأحوال يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا، ولأربعة إن كان أنثى؛ فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استعانة بتلك الزيادة على العلم ببراءة الرحم؛ إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها، وقيل: إنَّما قدرت بذلك؛ لأنَّ الولد يكون أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، ووأربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشر، فلما كان الأمر كذلك؛ أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر؛ ليتبين الحمل إن كان بها؛ فافهم، (ولا نكتحل) بالرفع في أكثر الروايات، ويروى بالنصب، فتوجيهه أن تكون «لا» زائدة، أو توكيدًا، فإن قلت: لا يؤكد إلا إذا تقدم النفي عليه؛ قلت: قد تقدم معنى النفي: وهو النهي، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ يعني: أنه على رواية النصب معطوف على المنصوب السابق، وما قاله إمام الشارحين قد ارتضاه الدماميني، وتبعه القسطلاني وغيره.\n (ولا نتطيب) بالنون فيهما، (ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا) سواء كان بزعفران أو بعصفر، أو بمفرة (إلا ثوب عَصْب)؛ بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين، آخره موحدة، هو من برود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج، وفي «المحكم»: (هو ضرب من برود اليمن يعصب غزله)؛ أي: يجتمع ثم ينسج، ثم يصبغ، وقيل: هي برود مخططة، وفي «المنتهى»: (العصب في اللغة: إحكام القتل (^١) والطي، وشدة الجمع واللي، وكل شيء أحكمته فقد عصبته، ومنه أخذ (^٢) عصب اليمن؛ وهو المفتول من برودها، والعصب: الخيار)، وفي «المحكم»: (وليس من برود الرقم ولا يجمع، وإنما يقال: برود عصب، وبرود عصب، وربما اكتفوا بأن يقولوا عليه المعصب، لا البرد عرف بذلك)، زاد في «المخصص»: (لا يُثنَّى ولا يجمع؛ لأنَّه أضيف إلى الفعل، وإنما العلة فيه الإضافة إلى الجنس)، قال الجوهري: (ومنه قيل للسحاب كاللطخ: عصب)، قال القزاز: (وكان الملوك تلبسها)، وروي عن عمر ﵁: أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال: (نبت يصبغ بالبول)، ثم قال: (نهينا عن التعمق)، وفي حديث ثوبان: «اشتر لفاطمة قلادة من عصب»، قال الخطابي: (إن لم يكن الثياب اليمانية؛ فلا أدري، وما أدري أن القلادة تكون منها)، وقال أبو موسى: (ذكر لي بعض أهل اليمن أنه: سن دابة مجرية تسمى: فرس فرعون يتخذ منها الخرز، ويكون أبيض)، كذا في «عمدة القاري»، (وقد رخص لنا) أي: رخص النَّبيُّ الأعظم ﷺ التطيب بالتبخير لهن، فهو في حكم المرفوع، كما سبق (عند الطهر) أي: من الحيض والنفاس (إذا اغتسلت إحدانا من محيضها) ونفاسها لإزالة الرائحة الكريهة عنها؛ لما يستقبله من الصَّلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم، (في نبْذة)؛ بضمِّ النون وفتحها، وسكون الموحدة، وبالذال المعجمة، وهو الشيء اليسير، والمراد به: القطعة، والجمع أنباذ، كذا في «عمدة القاري»؛ أي: في قطعة يسيرة (من كُسْت ظفار) بضمِّ الكاف، وسكون السين المهملة، كذا هو في هذه الرواية، و(ظَفارِ)؛ بفتح أوله، آخره راء مكسورة، مبني على الكسر، مدينة باليمن وبها قصر الملكة يقال: إن الجن بنتها، وفي أثبت الروايات: (من جزع ظفار)، وفي رواية أخرى: (ظفارى)، وقال ابن التين: (صوابه: قسط ظفار، منسوب إلى ظفار؛ وهي بساحل من سواحل عدن)، وقال القرطبي: هي مدينة باليمن، والذي في «مسلم»: (قسط وظفار) بالواو، وهو الأحسن؛ فإنهما نوعان؛ قيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر، وهو بخور رخص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة.\nوقال الصغاني: (ظفار في اليمن أربعة مواضع؛ مدينتان وحصنان؛ أما المدينتان؛ فإحداهما: ظفار الجعل كان ينزلها المتبايعة، وهي على مرحلتين من صنعاء، وإليها ينسب الجزع، والأخرى: ظفار الساحل قرب سرباط، وإليها ينسب القسط يجلب إليها من الهند، والحصنان؛ أحدهما: في يمان صنعاء على مرحلتين، وتسمى: ظفار الواديين، والثاني: في بلاد همدان، وتسمى: ظفار الطاهر)، وفي «المحكم»: (الظفر: ضرب من العطر أسود مقلب من أصله على شكل ظفر الإنسان، موضع في الدخنة، والجمع أظفار، وأظافير)، وقال صاحب «المعين»: (لا واحد له، وظفر ثوبه؛ طيبه بالظفر)، وفي «الجامع»: (الأظفار: شيء من العطر شبيهة بالأظفار يتخذ منها، ولا يفرد واحدها، وإن أظفر؛ فهو إظفارة)، وفي كتاب «الطيب» للمفضل بن سَلَمَة: (القسط، والكشط، والكست؛ ثلاث لغات) قال: وهو من طيب الأعراب، وسماه ابن البيطار في كتاب «الجامع»: راسنا أيضًا، وقال الأزهري: (واحده ظفر)، وقال غيره: الأظفار: شيء من العطر، وقال الشيخ إسماعيل: (الأظفار: شيء يتداوى به؛ كأنه عود وكأنه يثقب ويجعل في القلادة)، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ فافهم، والله الهادي، (وكنا نُنهى)؛ بضمِّ النون الأولى على صيغة المجهول، والناهي هو النبي الأعظم ﷺ، وهذه الصيغة في حكم المرفوع، كما قدمناه، (عن اتباع الجنائز) والنهي للتحريم، ففي الحديث تحريم اتباع النساء الجنائز، كما يأتي في موضعه مفصلًا إن شاء الله تعالى، وفي الحديث دليل على وجوب الإحداد على المرأة الكبيرة الحرة سواء كانت مدخولًا بها أو غيرها، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا، أما الصغيرة الأمة؛ فلا إحداد عليها؛ وذلك لأنَّ الأحاديث الواردة في هذا الباب مطلقة؛ فتنصرف إلى الكامل، وهي البالغة الحرة، ولأن الصغيرة لا تحسن الإحداد، ولا يلزم أهلها أن يجنبوها ذلك، والأمة خارجة عن الإحداد؛ لأنَّ الأحاديث وقعت في الأحرار، وهي قرينة قوية على أنه لا إحداد عليهما؛ فالخطاب في وجوب الإحداد إنَّما كان لمعين وهو الحرة\n_________\n(^١) في الأصل: (الطفل)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (الحد)، وهو تحريف.","vol":"1","page":175},{"text":"البالغة، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه، والجمهور، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم: أن على الصغيرة والأمة الإحداد أيضًا، وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها؛ لأنَّ الأحاديث إنَّما جاءت في الأزواج وهما ليسا بزوجة، ولا على الرجعية، لكن يستحب لها التزين والتطيب؛ ترغيبًا للزوج، كما صرح به في «الدر المنتقى» عن «السراجية».\nوفي المطلقة ثلاثًا قولان؛ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والحكم، وأبو ثور، وأبو عبيد؛ أن عليها الإحداد، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال الحسن بن حي، وسَعِيْد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، والثوري، ومذهب مالك، والشافعي: لا إحداد عليها، وبه قال ربيعة، وعطاء، والليث، وابن المُنْذِر، ومذهب الحسن البصري: أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها، وهو شاذ، كما قاله أحمد ابن حنبل، وقال ابن عبد البر: (أجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها إلا الحسن، فإنه قال: ليس بواجب، واحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر (^١) بن أبي طالب؛ قال لي رسول الله ﷺ: «تسلي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت»).\nقال ابن المُنْذِر: (كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد على المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها، وقد بينت الأخبار عن النبي الأعظم ﷺ بالإحداد، وليس الإحداد بلغته إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته، وتأولها بحديث أسماء بنت عميس: أنها استأذنت النبي ﵇ أن تحد على جعفر وهي امرأته؛ فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن: «تطهري واكتحلي»، وقد دفع هذا الحديث أهل العلم بوجوه؛ وكان إسحاق يقول: إن هذا الحديث شاذ، وكذا كان يقول أحمد ابن حنبل، فلا يؤخذ به) انتهى.\nوفي قول النبي الأعظم ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» دليل على أن الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم لا حداد عليها، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وأبو ثور، وابن كنانة، وابن رافع، وهو رواية أشهب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم: أن عليها الإحداد كالمُسْلِمَة، وبه قال الليث، والشافعي، وعامة أصحاب مالك، وصريح الحديث يرده؛ لأنَّه ﵇ وصف المرأة بالإيمان، كما لا يخفى.\nوفي قوله ﵇: «فوق ثلاث...» إلخ دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة الإحداد عليهم ثلاثًا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها.\nوقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: فإن قلت: لم خص الأربعة الأشهر والعشر؟ قلت: لأنَّ غالب الحمل تتبين حركته في هذه، وأنث العشر؛ لأنَّه أراد بها الأيام بلياليها، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر، وعند الجمهور: لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، وهذا خرج على أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر، أما إذا كانت حاملًا؛ فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع سواء قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت؛ فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشرٍ وإن لم تضع الحمل) انتهى.\nثم قال: وفي الحديث دليل على تحريم الكحل سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في «الموطأ» وغيره عن أم سَلَمَة: «اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار»، ووجه الجمع إذا لم تحتج إليه؛ لا يحل لها فعله، وإن احتاجت إليه؛ لم يجز بالنهار دون الليل، والأولى تركه؛ لحديث: (إن ابنتي اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: «لا»)؛ ولهذا إنَّ سالمًا وسليمان بن يسار قالا: [إنها] إذا خشيت على بصرها، إنها تكتحل وتتداوى به وإن كان مطيبًا، وهو مذهب الإمام الأعظم ﵁؛ لأنَّ الضرورات تبيح المحظورات، وبه قال مالك في غير مطيب، وقال صاحب «التوضيح»: (والمراد بالكحل: الأسود والأصفر، وأما الأبيض؛ فلا تحريم فيه عند أصحابنا؛ إذ لا زينة فيه، وحرمه بعضهم على الشعثاء حتى تتزين) انتهى، ثم قال: وفي الحديث دليل على تحريم الطيب، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام سواء كان في ثوبها أو بدنها، وقال صاحب «التوضيح»: (يحرم عليها كل طعام فيه طيب) انتهى.\nقلت: وفيه تحريم الخضاب بالحناء إلا لعذر، قال ابن المُنْذِر: (لا أعلم خلافًا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها).\nوقال صاحب «عمدة القاري»: (وفي الحديث دليل على تحريم لبس الثياب المعصفرة)، وقال ابن المُنْذِر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبوغة إلا ما صبغ بسواد؛ فرخص فيه عروة بن الزبير، والإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، وكرهه الزُهْرِي.\nقلت: وعلله أئمتنا الأعلام بأن الأسود لا يقصد به الزينة، وكذا الأزرق، وقال في «المحيط»: (والمراد بالثوب: ما كان جديدًا يقع به التزين، أما الثياب الخلقة؛ فلا بأس بلبسها؛ لأنَّه لا يقصد بها إلا ستر العورة، والأحكام تبنى على المقاصد) انتهى.\nوفي «الدر المنتقى»: (ويحرم لبس المصبوغ بمفرة أو عصب) انتهى، هذا مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم، وبه قال الزُهْرِي؛ لما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى عن عصب اليمن، وقال: (نبت يصبغ بالبول)، وقال مالك: (لا يلبس رقيق عصب اليمن)، ووسع في غليظه؛ لأنَّ رقيقه بمنزلة المصبغة.\nلا يقال: هذا مخالف للحديث؛ لأنا نقول: إن الحديث محمول على ما لم يصبغ بالبول، على أن العصب الموجود في زمان الإمام الأعظم وغيره من التابعين لم يكن زمن النبي الأعظم ﵇، فلعله قد نسج بحرير، أو تغيرت ألوانه، أو غير ذلك، كما هو مبين في محله، والله أعلم؛ فافهم.\nوقال ابن المُنْذِر: (ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض)، والأصح عند الشافعية: تحريم البرد مطلقًا رقيقًا أو غيره، وهذا الحديث حجة لمن أجازه وعلى من منعه، ومذهب الإمام الأعظم: أنه تحرم الزينة بأنواعها حليًّا كان، أو قصبًا، أو خزًّا، حريرًا غير أسود، قال شارح «الملتقى»: (ومنه الامتشاط بضيِّق الأسنان، فلا يحل؛ وذلك لعموم هذا الحديث، وروى ابن المواز عن مالك: أنها لا تلبس حليًّا وإن كان حديدًا، وكل لباس تلبسه المرأة على وجه التجمل يحرم على الحادِّ لبسه)، وقال الشافعي: كل صبغ كان زينة؛ فلا تمسه الحادة غليظًا كان أو رقيقًا، وروي عنه: منع جيد البياض والرفيع من السواد، والحديث المذكور حجة عليه؛ لأنَّ البياض مباح، وإذا منعت من المصبغ؛ فلم يبق إلا البياض، ولأن الأسود لا يقصد التزين به؛ فهو ممنوع، كما لا يخفى.\nوفي الحديث: دليل على الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض، وكذا النفاس التطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة؛ لأنَّ الدم له ريح، فرخص لها في التبخر بالطيب؛ لدفع رائحة الدم عنها؛ لما تستقبله من الصَّلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم، ولأن ذلك يكون أسرع إلى علوق الولد وتنشط البدن.\nوفي الحديث: تحريم اتباع النساء الجنائز، وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في بابه إن شاء الله تعالى، والله الكريم أسأل أن يفرج عنا وعن المسلمين.\n_________\n(^١) في الأصل: (علي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":176},{"text":"(قال أبو عبد الله) أي: المؤلف، كذا في رواية الأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية: (قال) فقط، وسقط لفظ: (أبو عبد الله) (ورواه) أي: هذا الحديث المذكور، وفي رواية: (روى)؛ بإسقاط الواو والهاء، وفي أخرى: (وروى)؛ بالواو (هشام بن حسان)؛ بالصرف وتركه؛ من الحس أو الحسن، كما سبق، وأشار به إلى أن الحديث موصول، ورواه في كتاب «الطلاق» موصولًا من حديث هشام المذكور على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، (عن حفصة) هي بنت سيرين، (عن أم عطية) كعب الغاسلة ﵂، (عن النبي) الأعظم (ﷺ) قال الكرماني: (وهو إما تعليق من البخاري، وإما مقول حمَّاد؛ فيكون مسندًا).\nورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» فقال: قلت: قوله: (إما تعليق)؛ فظاهر، وأما قوله: (وإما مقول حمَّاد)؛ فلا وجه له، وفي نسخة ذكر البخاري حديث هشام أولًا، وفي بعضها ذكره آخرًا، ورواه مسلم في «صحيحه»، وفائدته: أن أم عطية أسندته إلى النبي الأعظم ﷺ صريحًا، وكذا هو في «سنن أبي داود»، و«النسائي»، و«ابن ماجه» من حديث هشام مسندًا، وقال البخاري في موضع آخر: توفي ابن لأم عطية، فلما كان يوم الثالث؛ دعت بصفرة فمسحت به، وقالت: (نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج)، وعند الطبراني: (وأمرنا ألَّا نلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلا العصب، وأمرنا ألَّا نمس طيبًا إلا أدناه للطهرة؛ الكست والأظفار)، وفي لفظ: (لا تختضب)، وفي لفظ: (إلا ثوبًا مغسولًا) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٣٣\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-533>[باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض]</span>\nهذا (باب) في بيان استحباب (دلك المرأة نفسها) يعني: فرجها؛ الداخل والخارج (إذا تطهرت) يعني: اغتسلت (من المحيض) أي: الحيض، فهو مصدر كـ «المبيت، والمجيء»، (و) في بيان (كيف تغتسل) المرأة؛ يعني: بيان الصفة المختصة بغسلها من المحيض؛ فهو عطف على قوله: (دلك المرأة نفسها)، (و) كيف (تأخذ) عطف على (تغتسل) أي: وكيف تأخذ (فِرْصَة)؛ بكسر الفاء، وسكون الراء، وفتح الصاد المهملة، هي القطعة، يقال: فرصت الشيء فرصًا؛ أي: قطعته، وقال الجوهري: (هي قطعة قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض)، (ممسَّكة)؛ بتشديد السين المهملة، وفتح الكاف، ولها معنيان؛ أحدهما: قطعة فيها مسك، والآخر: قطعة مستعملة بالإمساك عليها على ما سيجيء)، (فتَتبِع) بلفظ الغائبة، مضارع «التفعل»، وأصله بالتاءات الثلاث، فحذفت إحداهما، وفي رواية: (فتَتَّبِع) بتشديد التاء الثانية، وتخفيف الموحدة المكسورة، ولأبي ذر: (تتْبَع) بدون الفاء، وبسكون التاء الثانية، وفتح الموحدة (بها) أي: بتلك الفرصة (أثر الدم؟) أي: دم الحيض، ومثله النفاس؛ لأنَّه آخره.\nوالمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأنَّ في كل منهما استعمال الطيب.\n\n <span id=\"b-٥٣٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-534>[حديث: خذي فرصة من مسك فتطهري بها]</span>\n٣١٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى) هو ابن موسى البلخي الخَتِّي، بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الفوقية، كذا جزم به ابن السكن في روايته عن الفربري، وقال الغساني في «تقييد المهمل»: (قال ابن السكن: يحيى المذكور في باب «الحيض» هو يحيى بن موسى)، وقال في موضع آخر عنه: (كلما كان للبخاري في «صحيحه» «عن يحيى» غير منسوب؛ فهو يحيى بن موسى البلخي المعروف بـ «خت»، كان من خيار المسلمين، مات سنة أربعين ومئتين)، وبهذا ظهر فساد قول البيهقي: أنه يحيى بن جعفر؛ أي: البيكندي، يروي عن ابن عيينة، وكذا ذكر أبو نصر الكلاباذي، وذكره الكرماني، وأسنده لبعض النسخ، وكله غير ظاهر، ويدل لهذا ما قاله صاحب «التوضيح» أنه قال: (وقع في شرح بعض شيوخنا: «حدثنا يحيى»؛ يعني: ابن معاوية، ولا أعلم في «البخاري» من اسمه كذلك، وفي أسماء رجال «الصحيحين»: (يحيى بن موسى بن غندر بن سالم أبو زكريا السختياني الحذاء) أي: البلخي، يقال له: ختي، روى عنه البخاري في (البيوع)، و(الحج)، ومواضع أخر، وذكره ابن ماكولا أيضًا فقال: خت؛ بخاء معجمة، ومثناة من فوق، فهو يحيى بن موسى يعرف بابن خت البلخي، كذا ذكره صاحب «عمدة القاري».\n (قال: حدثنا ابن عيينة) بضمِّ العين المهملة، وفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية، وفتح النون، هو سفيان المشهور، (عن منصور) بالصاد المهملة (ابن صفية) بالصاد المهملة، بعدها فاء، ثم تحتية، نسبه إليها؛ لشهرته بها، وإلا؛ فاسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة، (عن أمه) هي صفية المذكورة، وهي بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، قال في «عمدة القاري»: (ووقع في «مسند الحميدي» التصريح بالسماع في جميع السند)، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄: (أن امرأة)؛ أي: من الأنصار، كما زاده وهيب في روايته، وسماها مسلم في رواية الأحوص عن إبراهيم بن مهاجرة: (أسماء بنت شَكَل) بفتح الشين المعجمة والكاف، وفي آخره لام، ولم يسم أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم، وقال الخطيب: (هي أسماء بنت يزيد بن السكن، بالمهملة)، وجزم بأنها الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في «التنقيح»، وكذا الدمياطي، وزاد عليه: أن الذي وقع في «مسلم» تصحيف، ويحتمل أن يكون (شكل) لقبًا، لا اسمًا، وإنما هو (سكن)؛ بالسين المهملة، والنون، نسبة إلى جدها، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث: (أسماء بنت شكل)، كما في «مسلم»، و(أسماء) بغير نسب كما في «أبي داود»، وكذا في «مستخرج أبي نعيم»، وحكى النووي في «شرح مسلم» الوجهين من غير ترجيح، وتبع رواية مسلم جماعات؛ منهم: ابن طاهر، وأبو موسى في كتابه «معرفة الصحابة»، وصوب بعض المتأخرين أنها أسماء بنت يزيد الأنصارية؛ لأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شكل، وقال في «التوضيح»: ويجوز تعدد الواقعة، ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين، وابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة يزيد، ولم ينفرد بذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده»، وأبو نعيم في «مستخرجه»، كما ذكره مسلم سواء، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nقلت: والصواب أنها أسماء بنت شكل الأنصارية، كما ذكره هؤلاء الجماعة، وبه ظهر فساد ما زعمه الدمياطي، وظهر أيضًا فساد ما زعمه الخطيب، كما لا يخفى على اللبيب.\n (سألَتِ النبي) الأعظم (ﷺ عن غُسلها)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وبفتحها، أي: الصفة المختصة بغسلها، أو اغتسالها (من المحيض)؛ بالميم أوله، أي: الحيض، وكلاهما مصدران، (فأمرها) أي: النبي الأعظم ﷺ (كيف تغتسل) أي: من المحيض، وقوله: (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ: (خذي)؛ بالخاء المعجمة: هو بيان لأمرها.\nقال الكرماني: (فإن قلت: كيف يكون بيانًا للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة؟ قلت:","vol":"1","page":176},{"text":"السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال؛ لأنَّ ذلك معلوم لكل أحد، بل إنَّما كان ذلك مختصًا بغسل الحيض؛ فلذلك أجاب به، أو الجملة حالية، لا بيانية) انتهى.\nورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» حيث قال: قلت: هذا الجواب غير كاف؛ لأنَّها سألت عن غسلها من المحيض، وليس هذا إلا سؤال عن ماهية الاغتسال؛ فلذلك قال ﵇ في جوابه إياها: «فأمرها كيف تغتسل» يعني: قال لها: اغتسلي كذا وكذا، وهذا معناه.\nثم قوله: «خذي...» إلخ: ليس بيانًا للاغتسال المعهود.\nوقوله: (لأن ذلك معلوم لكل أحد) فيه نظر؛ لأنَّه يحتمل ألَّا يكون معلومًا لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها أن الغسل عن المحيض خلاف الغسل من الجنابة؛ فلذلك قالت عائشة ﵂: (سألَتِ النبي الأعظم ﷺ عن غسلها من المحيض)، قال: والأوجه عندي أن الذي رواه البخاري مختصرًا من لفظ الحديث، وفيه بيان كيفية الغسل وغيره على ما رواه مسلم: أن أسماء سألت عن غسل المحيض، فقال ﵇: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها»، فقالت أسماء: وكيف تطهر (^١) بها؟ فقال: «سبحان الله، تطهري بها؟!»، فقالت عائشة ﵂كأنها تخفي ذلك-: تتبعين بها الدم، وسألته عن غسل الجنابة، فقال: «تأخذ ماء، فتطهر، فتحسن الطهور، وتبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء»، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) انتهى كلامه ﵁، وتبعه القسطلاني وغيره فكان هو الصواب.\n (فِرْصة): المشهور فيه كسر الفاء، وسكون الراء، كذا في «عمدة القاري»، ويفهم منه أن فاءه مثلثة، وبه صرح القسطلاني، وكان أبو الأحوص وأبو عوانة يقولان: (فرصة)، وقال ابن سيده: (فرص الجلد فرصًا: قطعه، والمفراص: الحديدة التي يقطع بها، والفرصة والفرصة والفرصة: القطعة من الصوف أو القطن)، وقال كراع: (هي الفَرصة؛ بالفتح، والفرصة: القطعة من المسك)، وقال أبو علي: (فرص يفرص لزيد في حقه؛ يعني: قطع له منه شيئًا)، وقال أبو سليمان: (يفرص وأفرص لزيد فرصة من حقه؛ بجر الفاء لا اختلاف فيها، وأفرص لي من حقي فرصة، والفرصة: الخرقة التي تستعملها الحائض؛ لتعرف التبرئة ونقاءها عند الحيض في آخره)، وقال أبو عبيدة: (هي القطعة من الصوف، أو القطن، أو غيرها)، وقال ابن عديس: (الفِرص بالكسر، والصاد المهملة: جمع لـ «فرصة»؛ وهي القطعة من المسك)، وأنكر ابن قتيبة كونها بالفاء وقال: (إنما هي قرضة؛ بالقاف، والضاد المعجمة؛ وهي القطعة)، وزعم ابن حجر أنها قرصة؛ بالقاف، والصاد المهملة، قال المُنْذِري: (أي: شيئًا يسيرًا يشمل القرصة بطرف الأصبعين)، كذا قرره في «عمدة القاري».\nقلت: والرواية ثابتة بالفاء والصاد المهملة، ولا مجال للرأي في مثله، والمعنى صحيح بنقل أئمة اللغة، فلا وجه لإنكار ابن قتيبة، وكذا لا وجه لما زعمه ابن حجر؛ فإنه بعيد جدًّا، ولعله لم يطلع على ما قاله أئمة اللغة، فقال ما قال على أنه المعنى على ما ذكره غير صحيح، بل هو فاسد مردود عليه؛ فانظر كلامه؛ تجده لم يقله صغار الطلبة فضلًا عمن تصدر لشرح هذا الكتاب؛ فإنه لم يشم رائحة الصواب، والله ولي الألباب.\n (من مَسك) بفتح الميم في أكثر الروايات، قاله القاضي عياض، وقال ابن قتيبة: (بكسر الميم)، ورجحه النووي؛ وهو دم الغزال المعروف، وهو جلد عليه شعر، وقال ابن قتيبة: (المسك لم يكن عندهم من السعة بحيث يتمونونه في هذا، والجلد ليس فيه ما يميز غيره فيختص به)، وإنما أراد: وأقرصة من شيء صوف، أو قطن، أو خرقة، أو نحوه، يدل عليه الرواية الأخرى: (فرصة مُمَسَّكة)؛ بضمِّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين المهملة مع فتحها، أي: قطعة من صوف ونحوها مطيبة بالمسك، وروي: (مُمْسَكة)؛ بضمِّ الميم الأولى، وسكون الثانية، وسين مهملة مخففة مفتوحة، وقيل: مكسورة، أي: من الإمساك، وفي بعض الروايات: (خذي فرصة ممسكة فتحملي بها) قيل: أراد الخلِق التي أمسكت كثيرًا؛ كأنه (^٢) أراد ألَّا تستعمل الجديد من القطن وغيره؛ للارتفاق به، ولأن الخلِق أصلح لذلك، ووقع في كتاب عبد الرزاق: (يعني: بالفرصة: المسك وهي الذريرة)، وفي «الأوسط» للطبراني: (خذي سكيلك)، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، (فتطهري) أي: تنظفي، وفي الرواية الآتية (^٣): (توضئي ثلاثًا) (بها) أي: بالفرصة المذكورة (قالت) أي: أسماء المذكورة: (كيف أتطهر بها؟) وإنما أتت بالاستفهام؛ لأنَّ التطهر لم يكن معلومًا لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها أن التطهر من الحيض خلاف التطهر من الجنابة؛ فلهذا كررت السؤال؛ فافهم هذا، وما عداه ساقط واهٍ؛ فليحفظ، (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (سبحان الله) وهو في مثل هذا الموضع يراد به التعجب، ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟! وزاد في الرواية الآتية: (ثم إن النبي ﷺ استحى فأعرض بوجهه)، وفي رواية الإسماعيلي: (فلما رأيته يستحي؛ علَّمتها)، وزاد الدارمي: (وهو يسمع ولا ينكر)، كذا قاله في «عمدة القاري»، وعلى الله اعتمادي، (تطهري) ولابن عساكر: (تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله، تطهري بها؟!)، قالت عائشة ﵂: (فجذبتها) بالجيم، بعدها ذال معجمة، ثم موحدة، ثم فوقية، وفي بعض الروايات: (فاجتذبتها) بجيم، ثم فوقية، ثم ذال معجمة، ثم موحدة، ثم فوقية، وفي رواية: (فأجذبتها) بإسقاط الفوقية بين الجيم والذال، يقال: جذب واجتذب واجتبذ، كذا في «عمدة القاري» (إليَّ) بتشديد الياء آخر الحروف، وهذا مقول عائشة ﵂، (فقلت) أي: قالت عائشة لأسماء ﵄: (تتبعي) أمر من التتبع، وهو المراد من (تطهري) (بها) أي: بالفرصة المذكورة (أثر الدم) بنصب «أثر» على المفعولية لـ «تتبعي»، والمراد به: الفرج، فيستحب لها أن تتطيب في كل موضع أصابه الدم من بدنها، يدل عليه رواية الإسماعيلي: (تتبعي بها مواضع الدم)، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nثم قال\n_________\n(^١) في الأصل: (تطهير).\n (^٢) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (الآتي)، وهو تحريف.","vol":"1","page":177},{"text":"﵁: ومطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة إلا في الدلك وكيفية الغسل صريحًا؛ لأنَّ الترجمة مشتملة على الدلك أولًا وكيفية الغسل، وأخذ الفرصة الممسكة، والتتبع بها أثر الدم، والحديث أيضًا مشتمل على هذه الأشياء ما خلا الدلك وكيفية الغسل؛ فإنه لا يدل عليهما صريحًا، ويدل على الدلك بطريق الاستلزام؛ لأنَّ تتبع أثر الدم يستلزم الدلك، وهو ظاهر، وأما كيفية الغسل؛ فالمراد بها: الصفة المختصة بغسل المحيض؛ وهي التطيب، لا نفس الاغتسال، ولئن سلمنا أن المراد الكيفية -أي: كيفية نفس الغسل-؛ فهي في أصل الحديث الذي ذكره واكتفى به على عادته أنه يذكر ترجمة، ويذكر فيها ما تضمنه بعض طرق الحديث الذي يذكره؛ إما لكون تلك الطريق على غير شرطه أو باكتفائه بالإشارة إليه أو لغير ذلك من الأغراض، وتمامه عند مسلم؛ فإنه أخرجه من طريق ابن عيينة عن منصور التي أخرجه منها البخاري، فذكر بعد قوله: (كيف تغتسل): ثم تأخذ، ثم رواه من طريق أخرى عن صفية عن عائشة، وفيها كيفية الاغتسال، ولفظه: فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها -أي: أصوله- ثم تصب عليها، ثم تأخذ فرصة...»؛ فذكر الحديث، وإنما لم يخرجه البخاري من هذا الطريق؛ لكونه من رواية إبراهيم بن مهاجرة عن صفية، وليس هو على شرطه، فقال البخاري عن علي ابن المديني: (لإبراهيم هذا نحو من أربعين حديثًا)، وقال ابن مهدي: (قال سفيان: لا بأس به)، وقال أحمد: (لا بأس به)، وقال يحيى بن سَعِيْد القطان: (لم يكن بقوي، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء) انتهى كلامه\nقلت: ابن الجوزي مشهور بالتعصب والعناد والمكابرة؛ فلا عبرة به، وابن القطان كلامه غير ظاهر، فالمراد على كلام ابن مهدي وسفيان وأحمد بن حنبل: أنه لا بأس به، وكفى بذلك شهادة من هؤلاء الأئمَّة والمثبت مقدم على النافي، وإذا وجد التعديل والجرح؛ فالمقدم التعديل، وعلى هذا؛ كان على المؤلف أن يذكر الحديث؛ لكونه أظهر، والإحالة على غير مذكور غير مناسبة مع ما فيه من الركاكة والخفاء، والله أعلم؛ فافهم.\nثم قال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: وفي الحديث: استحباب التطيب للمغتسلة من الحيض والنفاس على جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها؛ لأنَّه أسرع إلى العلوق وأدفع للرائحة الكريهة، واختلف في وقته؛ فقال جماعة: بعد الغسل، وقال آخرون: قبله، وفيه دليل على أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه، وفيه: استحباب تطييب (^١) فرج المرأة بأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتدخلها في فرجها بعد الغسل، والنفساء مثلها، وفيه التسبيح عند التعجب، وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يختم بها؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في نساء الأنصار: (لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين)، وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وفيه تكرير الجواب لإفهام السائل، وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي إذا عرف أن ذلك ينجيه، وفيه أن السائل إذا لم يفهم وفهمه بعض من في مجلس العالم والعالم يسمع؛ أن ذلك سماع من العالم؛ لجواز أن يقول فيه: «حدثني» و«أخبرني»، وفيه الأخذ عن المفضول مع وجود الفاضل وحضرته، وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقيبه: نعم، وفيه أنه لا يشترط فهم السامع لجميع ما يسمعه، وفيه الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لا يفهم، وفيه أن المرء مطلوب بستر عيوبه، وفيه دلالة على حسن خلق النبي الأعظم ﷺ، اللهم؛ إني أسألك بجاهه أن تفرج عنا وعن المسلمين ما أهمنا، اللهم؛ عليك بالظالمين الباغين الفاجرين، فإنهم لا يعجزونك، يا أكرم الأكرمين.\n\n <span id=\"b-٥٣٥\"> </span>(١٤) <span data-type=\"title\" id=toc-535>[باب غسل المحيض]</span>\nهذ (باب) بيان كيفية (غسل) بضمِّ الغين المعجمة وفتحها، والأول أفصح؛ أي: المرأة من (الحيض) وفي رواية: (المحيض)؛ وكلاهما مصدران، وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة سواء، غير أنها تزيد على ذلك استعمالها الطيب، وهذا الباب في الحقيقة لا فائدة في ذكره؛ لأنَّ الحديث الذي فيه هو الحديث المذكور في الباب الذي قبله غير أن ذلك عن يحيى عن منصور، وهذا عن مسلم، عن وهيب، عن منصور، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٥٣٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-536>[حديث: خذي فرصةً ممسكةً، فتوضئي ثلاثًا]</span>\n٣١٥ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسلم) بضمِّ الميم الأولى، هو ابن إبراهيم، كما في رواية الأصيلي (قال: حدثنا وهيب) بضمِّ الواو مصغرًا، هو ابن خالد (قال: حدثنا منصور) هو ابن عبد الرحمن بن طلحة، (عن أمه) هي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، (عن عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵄ قالت: (أن امرأة من الأنصار) واسمها أسماء بنت شَكَل -بفتح الشين المعجمة والكاف، آخره لام، كما في رواية مسلم- الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، هذا هو الصواب كما سبق لأولي الألباب، (قالت للنبي) الأعظم (ﷺ) وهو في حجرته (كيف أغتسل من المحيض؟)؛ بالميم، أي: الحيض؛ وكلاهما مصدران، (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (خذي) هو بيان الكيفية، وذلك كما في رواية مسلم: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها-أي: أصوله-؛ ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ» (فِرْصة)؛ بكسر الفاء، وسكون الراء، أي: قطعة من صوف أو قطن، وما زعمه ابن حجر من أن «القرصة» بالقاف والصاد المهملة؛ أي: شيئًا بطرف الأصابع؛ مردود بنقل أئمة اللغة مع ما فيه من خلاف المعنى المقصود، وهذا قول من لم يشم شيئًا من رائحة العلم، (مُمَسَّكة)؛ بضمِّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين المهملة مع فتحها، أي: مطيبة بالمسك؛ وهو دم الغزال المعروف، (وتوضئي)؛ أي: تنظفي؛ لأنَّ الوضوء في اللغة: النظافة، وفي رواية: (فتوضئي)، وفي أخرى: (فتوضئي بها) أي: بالفرصة (ثلاثًا) متعلق بـ (قال) أي: ثلاث مرات، لا بـ (توضئي)، ويحتمل تعلقه بـ (قالت)\n_________\n(^١) في الأصل: (تطيب).","vol":"1","page":177},{"text":"أيضًا بدليل الحديث المتقدم، قاله صاحب «عمدة القاري»، (ثم إن النبي) الأعظم (ﷺ) وهذا مقول عائشة ﵂ (استحى) لأنَّه ﵇ كامل الأوصاف الحميدة، (فأعرض) ولابن عساكر، وأبي ذر، والأصيلي: (وأعرض) (بوجهه) الشريف عنها؛ لما تكرر منه الجواب وهي تسأله ولا تستحي، فاستحياؤه ﵇ من تكرار الجواب لسؤالها الخاص بالنساء- (أو قال) شك من عائشة: (توضئي بها) أي: تنظفي بالفرصة-والفرق بين الروايتين زيادة لفظ «بها»؛ يعني: تطهري بالفرصة، ووقع في رواية ابن عساكر بالواو من غير شك، (فأخذتُها فجذبتُها) بالجيم، والذال المعجمة، ثم موحدة، ثم فوقية، وهذا مقول عائشة، وإنما أخذتها؛ لإعراضه ﵇ عنها؛ والمعنى: باعدتها عن مجلس النبي الأعظم ﷺ، (فأخبرتُها) والضمير في الثلاثة للمتكلم، وهي عائشة (بما)؛ أي: بالجواب الذي (يريد) أي: يريده (النبي) الأعظم (ﷺ) أي: من تتبع أثر الدم وإزالة الرائحة الكريهة.\nقيل: الترجمة لغسل الحيض والحديث لم يدل عليها؛ فلا مطابقة.\nوأجاب إمام الشارحين في «عمدة القاري» بأنه إن كان لفظ «الغسل» في الترجمة بفتح الغين المعجمة، والمحيض اسم مكان؛ فالمعنى ظاهر، وإن كان بضمِّ الغين المعجمة، والمحيض مصدر؛ فالإضافة بمعنى «اللام» الاختصاصية؛ فلهذا ذكر خاصة هذا الغسل وما به امتاز (^١) عن سائر الأغسال، والكلام فيما يتعلق به قد مضى في الباب الذي قبله، والله تعالى أعلم، اللهم؛ فرج عنا ما أهمنا يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٥٣٧\"> </span>(١٥) <span data-type=\"title\" id=toc-537>[باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض]</span>\nهذا (باب) بيان (امتشاط المرأة) مطلقًا بكرًا كانت أم ثيبًا، حرة كانت أم رقيقة (عند غُسلها)؛ بضمِّ الغين المعجمة وفتحها، والأول أفصح (من المحيض)؛ بالميم، أي: الحيض؛ وكلاهما مصدران، ومثلها النفساء والجنب، كما لا يخفى، والامتشاط «افتعال» من المَشط، بفتح الميم وهو التسريح؛ يعني: تسريح شعر رأسها عند اغتسالها من الحدث الأكبر، ووجه المناسبة بين؛ من حيث إن في كل منهما ما يشعر بزيادة التنظيف والنقاء، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٥٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-538>[حديث: انقضي راسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك]</span>\n٣١٦ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) هو التبوذكي (قال: حدثنا إبراهيم) هو ابن سعد -بسكون العين المهملة- ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، نزيل بغداد (قال: حدثنا ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزُهْرِي (عن عروة) بضمِّ العين المهملة، هو ابن الزبير -بضمِّ الزاي- هو ابن العوام، ومن لطائف هذا الإسناد أن إبراهيم يروي عن الزُهْرِي بلا واسطة، وروى عنه في باب «تفاضل أهل الإيمان» بواسطة؛ روى عن صالح عن الزُهْرِي: (أن عائشة) بفتح الهمزة، وتشديد النون، وهي الصديقة بنت الصديق ﵄ (قالت: أهللت) أي: أحرمت ورفعت الصوت بالتلبية (مع رسول الله) وللأصيلي: (مع النبي) الأعظم (ﷺ) وذلك (في حجة الوداع)؛ بفتح الواو وكسرها، والدال المهملة مخففة مفتوحة، سميت بذلك؛ لأنَّ النبي الأعظم ﷺ ودع الناس فيها، (فكنت ممن تمتع) فيه التفات من المتكلم إلى الغائب؛ لأنَّ أصله أن يقال: فتمتعت، ولكن ذكر باعتبار لفظ «من»، كذا قاله إمام الشارحين، وتبعه القسطلاني وغيره.\nواعترض بعضهم بأنه لا التفات هنا، والأولى أن يقال: وفيه مراعات لفظ «من»، ولو روعي معناها؛ لقيل: ممن تمتعوا؛ تأمل.\nقلت: وهو مردود، بل فيه التفات نوعي، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وقوله: (والأولى...) إلخ هذا عين ما قاله إمام الشارحين؛ فقد زاد هذا القائل في الطنبور نغمة؛ فافهم.\n (ولم يسق الهدي)؛ بفتح الهاء، وسكون الدال المهملة، وبكسرها مع تشديد المثناة التحتية، وهو اسم لما يهدى إلى مكة من الأنعام.\nوزعم الكرماني أن هذا كالتأكيد؛ لبيان التمتع؛ لأنَّ المتمتع لا يكون معه الهدي.\nورده إمام الشارحين فقال: (قلت: المتمتع على نوعين؛ أحدهما: أنه يسوق معه الهدي، والآخر: لا يسوق، وحكمهما يختلف كما ذكر في فروع الفقه) انتهى.\n (فزعمت أنها حاضت) أي: تلبست بالحيض، وإنما لم يقل: فقالت؛ لأنَّها لم تتكلم به صريحًا إذ هو مما يستحى في تصريحه (ولم تطهر) أي: من حيضها (حتى دخلت ليلة عرفة) هي ليلة التاسع من ذي الحجة، فيحتمل أنها حاضت بعد دخول النبي الأعظم ﵇ مكة، ويحتمل قبله.\nوزعم القسطلاني معزيًا للدماميني أن فيه دلالة على أن حيضها كان ثلاثة أيام خاصة؛ لأنَّ دخوله ﵇ مكة كان في الخامس من الحجة، فحاضت يومئذٍ فطهرت يوم عرفة، ويدل على أنها حاضت يومئذٍ: قوله ﵇ في باب (كيف تهل الحائض بالحج والعمرة): «من أحرم بعمرة...»؛ الحديث، قالت: فحضت، ففيه دليل على أن حيضها كان يوم القدوم إلى مكة، قالت: فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ خصوصية كون حيضها ثلاثة أيام يحتاج إلى دليل، ولم يوجد، بل الصواب الاحتمال، وهو أنه قد حاضت أربعة أيام أو خمسة أو أكثر، ولا يلزم أن تكون حاضت في مكة، بل يحتمل أنها حاضت قبل دخولها مكة كما هو الظاهر، وما استدل به من أن دخوله ﵇ كان في الخامس من الحجة لا ينهض؛ لاحتمال دخوله ﵇ مكة يوم الرابع أو الثالث من الحجة، وهو الصواب؛ لأنَّ عادته ﵇ التعجيل في أمر العبادة، ولأجل التأهب لأفعال الحج، وما استدل به من أنها حاضت يومئذٍ لا ينهض دليلًا له، بل الظاهر المتبادر من قوله ﵇ في باب (كيف تهل الحائض) أنها حاضت قبل القدوم إلى مكة، ولا مانع من استمرار الحيض حتى قدمت مكة، ولم يشعر به ﵇ حتى قدم مكة؛ لأنَّ إظهار ذلك مما يستحى منه، فلم يعلم ﵇ ذلك منها حتى دخلت مكة، على أن الحديث مطلق، فليس فيه دليل على ما قاله هذا القائل؛ فافهم.\n (وقالت) أي: عائشة، وفي رواية: (فقالت)، وكلاهما عطف على (حاضت)، وفي رواية: (قالت) بغير عطف: (يا رسول الله؛ هذه ليلة يوم عرفة) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية: (هذه ليلة عرفة) يعني: هذا الوقت، وفي رواية: (هذه يوم عرفة) يعني: ليلة يوم عرفة، (وإنما كنت تمتعت بعمرة) أي: وأنا حائض، وهذا تصريح بما علم ضمنًا؛ لأنَّ التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج مَن على مسافة القصر من الحرم، ثم يحرم بالحج في سنة تلك العمرة بلا عود إلى ميقات، وبعد هذا الكلام مقدر؛ تقديره: تمتعت بعمرة وأنا حائض، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري».\n_________\n(^١) في الأصل: (ممتاز).","vol":"1","page":178},{"text":"(فقال لها رسول الله ﷺ) في الجواب: (انقُضي)؛ بضمِّ القاف، وفي بعض الروايات: (انفضي)؛ بالفاء؛ ومعناه: حلي وفكي (رأسك) أي: شعره، فالمضاف محذوف، (وامتشطي)؛ أي: تسرحي، (وأمسكي) بهمزة قطع (عن عمرتك)؛ بكسر الكاف، أي: لا تفعلي شيئًا من أفعال العمرة، وهذا يدل على أن النبي الأعظم ﷺ أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها؛ ولهذا قال الأئمَّة الكوفيون في المرأة: تحيض قبل الطواف، وتخشى فوات الحج: أنها ترفض العمرة، وقال رأس المجتهدين الإمام الأعظم والجمهور: إنها تردف الحج وتكون قارنة، وبه قال مالك، وأبو ثور، والشافعي، وحمله بعض أصحاب مالك على أنه ﵇ أمرها بالإرداف ولا تنقض، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات؛ أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك؛ فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة في الحلق للأذى، ثانيها: أنه خاص بها، ثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل (^١) الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلَّا بحلِّ الضفر والتسريح، وقد اختلف العلماء في نقض المرأة عند الاغتسال، فأمر به ابن عمر، والنخعي، ووافقهما طاووس في الحيض دون الجنابة، ولا يتبين فرق بينهما، ولم يوجبه عليها، فنهى عائشة، وأم سَلَمَة، وابن عمر، وجابر، وبه قال الكوفيون، ومالك، والشافعي، وعامة الفقهاء، والعبرة بالوصول، فإن لم يصل؛ فينقض، كذا قرره إمام الشارحين، ثم قال: وقول عائشة ﵂: (فتمتعت بعمرة) يدل على: أنها كانت معتمرة أولًا.\nفإن قلت: أصح الروايات عن عائشة أنها قالت: (لا نرى إلا الحج، ولا نذكر إلا الحج، وخرجنا مهلين بالحج) فكيف الجمع بينهما وبين ما قالت عائشة: (تمتعت بعمرة)؟\nقلت: الحاصل أنها أحرمت بالحج، ثم فسخته إلى عمرة حين أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة؛ أمرها النبي الأعظم ﷺ بالإحرام بالحج، فأحرمت به، فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة؛ لما ثبت من قوله ﵇: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، ومعنى (انسكي من عمرتك): ليس إبطالها بالكلية والخروج منها بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منها بالتحلل بعد فراغها، بل معناه: اقضي العمل فيها وإتمام أفعالها، وأعرضي عنها، ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطال العمرة؛ لأنَّهما جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، لكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأولوا فعلها: على أنها كانت معذورة؛ بأن كان برأسها أذى، وقيل: ليس المراد بالامتشاط حقيقته، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل؛ لإحرامها بالحج، لا سيما إن كانت لبدت رأسها، فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم منه نقضه.\nفإن قلت: إذا كانت قارنة، فلم أمرها بالعمرة بعد الفراغ من الحج؟\nقلت: معناه: أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من أصحابه الذين فسخوا الحج إلى العمرة، ثم أحرموا بالحج، فحصل لهم عمرة منفردة وحج منفرد، فلم يحصل لها إلا عمرة مندرجة في حجة بالقران، فاعتمرت بعد ذلك مكان عمرتها التي كانت أرادت أولًا: حصولها منفردة غير مندرجة، ومنعها الحيض منه، وإنما فعلت ذلك؛ حرصًا مع كثرة العبادات، كذا زعمه النووي، ورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» فقال إمام الشارحين: والمشهور: الثالث؛ وهو أن عائشة ﵂ كانت منفردة بالحج، وأنه ﵇ أمرها برفض العمرة، وقولها في الحديث: (وأرجع بحجة واحدة) دليل واضح على ذلك، وقولها: (ترجع صواحبي بحجة وعمرة، وأرجع أنا بالحج) صريح في رفض العمرة؛ إذ لو أدخلت الحج على العمرة؛ كانت هي وغيرها سواء، ولمَا احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة والحج اللذين فعلتهما، وقوله ﵇ من عمرتها الأخيرة بـ «هذه مكان عمرتك» صريح في أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها؛ إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلا والأولى مفقودة، وفي بعض الروايات: (هذه قضاء من عمرتك).\nوزعم البيهقي: (أن معنى قوله ﵇: «ودَعي العمرة»: أمسكي عن أفعالها، وأدخلي عليها الحج).\nورده إمام الشارحين فقال: (هذا خلاف حقيقة قوله ﵇: «ودعي العمرة»، بل حقيقته أنه أمرها برفض العمرة بالحج، وقوله ﵇: «انقضي رأسك وامتشطي» يدل على ذلك، ويدفع تأويل البيهقي الإمساك عن أفعال العمرة؛ لأنَّ المحرم ليس له أن يفعل ذلك) انتهى.\nوزعم الشافعي أنه لا يعرف في الشرع رفض العمرة بالحيض.\nورده إمام الشارحين بما قاله الإمام أبو الحسن القدوري في «التجريد»: (إنه ما رفضتها بالحيض، لكن تعذرت أفعالها وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرها بتعجيل الرفض)، والله تعالى أعلم.\nقالت عائشة: (ففعلت)؛ أي: فعلت النقض، والامتشاط، والإمساك، وهنا مقدر أيضًا وهو في قولها: (فلما قضيت) أي: أديت (الحج) أي: بعد إحرامي به؛ (أمر) أي: النبي الأعظم ﷺ (عبد الرحمن) هو ابن أبي بكر الصديق ﵄، فهو أخوها (ليلة الحَصْبة)؛ بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين، ثم بالباء الموحدة، وهي الليلة التي نزلوا فيها في\n_________\n(^١) في الأصل: (للغسل)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":178},{"text":"المحصب؛ وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منًى خارج مكة، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق، سميت بذلك؛ لأنَّهم نفروا من منًى فنزلوا في المحصب وباتوا فيه، والحصبة والحصباء، والأبطح، والبطحاء، والمحصب، وحنيف بني كنانة يراد بها: موضع واحد، وهو بين مكة ومنًى، كذا في «عمدة القاري»، (فأعمرني) وفي رواية: (فاعتمر بي)، وهي مفسرة للأولى؛ فافهم، (من التنعيم) وهو «تفعيل» من النعمة؛ وهو موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة، وفيه مسجد عائشة ﵂ (مكان عمرتي) وفي رواية: (موضع عمرتي) يعني: بدلها، وفي رواية: (قضاء عمرتي) (التي نسكت) من النسك، كذا في رواية الأكثرين؛ ومعناه: أحرمت بها، وفي رواية أبي زيد المروزي: (سكت) من السكوت؛ أي: عمرتي التي تركت أعمالها وسكت عنها، وروى القابسي: (شكت)؛ بالشين المعجمة؛ أي: شكت العمرة من الحيض، وإطلاق الشكاية عليها؛ كناية عن اختلالها وعدم بقاء استقلالها، ويجوز أن يكون الضمير فيه راجعًا إلى عائشة، وكان حقه التكلم، وذكره بلفظ الغيبة التفاتًا، كذا قرره إمام الشارحين.\nثم قال: وظاهر هذا الحديث: أن عائشة ﵂ أحرمت بعمرة أولًا، وهو صريح حديثها الآتي في الباب بعد، وقولها في الحديث الذي مضى: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج)، وقد اختلفت الرواية عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا، ففي رواية عروة: (فأهللنا بعمرة)، وفي رواية أخرى: (ولم أهل إلا بعمرة)، وفي رواية: (لا نذكر إلا الحج)، وفي أخرى: (لا نرى إلا الحج)، وفي رواية القاسم عنها: (لبينا بالحج)، وفي أخرى: (مهلين بالحج)، واختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم: من رجح روايات الحج، وغلط روايات العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ومنهم: من جمع -لثقة راويها- بأنها أحرمت أولًا بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء، ففسخت هي فيمن فسخ وجعلته عمرة وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت، فتعذر عليها إتمامها والتحلل منها، فأمرها أن تحرم بالحج فأحرمت فصارت قارنة، ووقفت وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر فأفاضت، وذكر ابن حزم أنه ﵇ خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة والتمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل إلا من معه الهدي، وفي «الصحيح»: أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدم مكة؛ قال ﵇: «اجعلوها عمرة».\nوقال أبو عمر: الاضطراب في حديث عائشة بالحج عظيم، وقد أكثر العلماء في توجه الروايات فيه، ودفع بعضهم بعضًا فيه ببعض، ولم يستطيعوا الجمع بينهما، ورام قوم الجمع في بعض معانيها: روى محمَّد بن عبد الله، عن حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، عن ابن أبي مليكة قال: ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم! قال القاسم: أهلَّت (^١) عائشة بالحج، وقال عروة: أهلَّت (^٢) بالعمرة، وذكر الحارث بن مسكين، عن يوسف بن عمر، وعن وهب، عن مالك أنه قال: ليس العمل في رفض العمرة؛ لأنَّ العمل عليه عنده في أشياء كثيرة؛ منها: أنه جائز للإنسان أن يعمل بعمرة، ومنها: أن القارن بطواف واحد أو غير ذلك.\nوزعم ابن حزم أن حديث عروة عن عائشة منكر وخطأ عند أهل العلم، ثم روى بإسناده إلى أحمد ابن حنبل، فذكر حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع...)؛ الحديث، فقال أحمد: أثر في هذا الحديث من العجب! هذا خطأ، قال الأشرم: فقلت له: الزُهْرِي عن عروة، عن عائشة تخالفه، قال: نعم؛ وهشام بن عروة.\nودفع الأوزاعي وأبو ثور حديث عروة وابن علية هذا وقالوا: هو غلط لم يتابع عروة على ذلك أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء -يعني: القاسم، والأسود، وعُمَيْرة- على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة، لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية عن عروة غلط، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nقال الداودي ومن تبعه: ليس في الحديث دليل على الترجمة؛ لأن (^٣) أمرها بالامتشاط كان للإهلال وهي حائض، لا عند غسلها، وأجاب الكرماني بأن الإحرام بالحج يدل على غسل الإحرام؛ لأنَّه سنة ولما سن الامتشاط عند غسله؛ فعند غسل الحيض بالطريق الأولى؛ لأنَّ المقصود منه التنظيف؛ وذلك عند إرادة إزالة أثر الحيض الذي هو نجاسة غليظة أهم، أو لأنَّه إذا سن في النفل؛ ففي الفرض أولى.\nوقال إمام الشارحين: (إن الإهلال بالحج يقتضي الاغتسال صريحًا في هذه القصة؛ فيما أخرجه مسلم من طريق ابن الزبير عن مُجَاهِد، ولفظه: «فاغتسلي، ثم أهلي بالحج»، وقيل: جرت عادة البخاري في كثير من التراجم أنه يشير إلى ما تضمنه بعض طرق الحديث وإن لم يكن منصوصًا فيما ساقه) انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٣٩\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-539>[باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (نقض) أي: حل وفك (المرأة) مطلقًا، حرة أم أمة، بكرًا أم ثيبًا (شعرها)؛ بالتحريك، أي: شعر رأسها (عند غُسل) بفتح الغين المعجمة، وبضمِّها، وهو الأفصح (المحيض) أي: الحيض، وجوابه مقدر؛ أي: هل يجب أم لا؟ وظاهر الحديث الوجوب، وقد ذكرنا الاختلاف في الباب السابق.\nوالمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأنَّ النقض والامتشاط من جنس واحد وحكم واحد.\n\n <span id=\"b-٥٤٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-540>[حديث: دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي]</span>\n٣١٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبيد) بضمِّ العين المهملة؛ مصغرًا (بن إسماعيل) هو ابن محمَّد الهَبَّاري -بفتح الهاء، وبالباء الموحدة المشددة، وبالراء- الكوفي، ويقال: اسمه عبيد الله، مات سنة خمسين ومئتين (قال: حدثنا أبو أسامة) هو حمَّاد بن أسامة الهاشمي الكوفي، (عن هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه) هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنهما (قالت: خرجنا)\n_________\n(^١) في الأصل: (أهللت).\n (^٢) في الأصل: (أهللت).\n (^٣) في الأصل: (لا).","vol":"1","page":179},{"text":"أي: الصحابة مع رسول الله ﷺ من المدينة (موافين لهلال ذي الحجة) أي: مكملين ذا القعدة مستقبلين هلال ذي الحجة، وفي رواية: (موافقين)، وزعم النووي أي: مقارنين لاستقباله، واعترضه في «عمدة القاري»، وجزم أن معناه: مشرفين، يقال: أوفى على كذا؛ أي: أشرف، ولا يلزم الدخول فيه، وكان خروجهم قبله لخمس ليال بقين من ذي القعدة يوم السبت، وقدم النبي الأعظم ﷺ مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام في طريقه إلى مكة تسعة أيام أو عشرة أيام، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني صحيح؛ فافهم.\n (فقال) ولأبوي ذر والوقت: (قال) (رسول الله ﷺ) لأصحابه: (من أحب أن يهلَّ)؛ بلام واحدة مشددة، وفي رواية: (يهلل)؛ بلامين؛ أي: يحرم (بعمرة؛ فليهل)؛ بتشديد اللام في رواية الأكثرين، وفي رواية: (فيلهلل)؛ بفك الإدغام؛ أي: فليحرم بها، (فإني لولا أني أهديت) أي: سقت الهدي، وإنما كان وجود الهدي علة؛ لانتفاء الإحرام بالعمرة؛ لأنَّ صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحر، ولا ينحر إلا في يوم النحر، والمتمتع يتحلل قبل يوم النحر؛ فهما متنافيان؛ (لأهللت) كذا في رواية، وفي أخرى: (لأحللت) (بعمرة).\nقال الكرماني: هذا الحديث دليل على أن التمتع أفضل من الإفراد، فماذا قال الشافعي في دفعه؟\nوأجاب إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: إنه ﵇ إنَّما قاله؛ من أجل فسخ الحج إلى العمرة والذي هو خاص بهم في تلك السنة خاصة؛ لمخالفة الجاهلية؛ حيث حرموا العمرة في أشهر الحج، ولم ير بذلك التمتع الذي فيه الخلاف وقال: هذا تطييبًا لقلوب أصحابه وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إليها؛ لإرادتهم موافقته ﵇، ومعناه: ما يمنعني من موافقتكم مما أمرتكم به إلا سوق الهدي ولولاه؛ لوافقتكم، قلت: الرواية عن الإمام الأعظم رأس المجتهدين أن الإفراد أفضل من التمتع، وتبعه الشافعي، ولكن المذهب أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لأنَّ فيه جمعًا بين عبادتي العمرة والحج في سفر واحد، فأشبه القران) انتهى كلامه.\nقلت: والقران أفضل من التمتع فالحج قارنًا؛ كالصَّلاة إمامًا، والحج متمتعًا؛ كالصَّلاة مقتديًا، والحج مفردًا؛ كالصَّلاة منفردًا، هذا هو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم؛ لقول الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله، كذا فسرته الصحابة ﵁، وهو القران، وحديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» رواه الشيخان، وعن علي ﵁ قال: أتيت النبي ﵇ فقال: «كيف أهللت؟» فقلت: أهللت بإهلالك، فقال: «إني سقت الهدي وقرنت» رواه أبو داود والنسائي، وهذا حجة على مالك، وأحمد، والشافعي؛ حيث قالوا: إن الإفراد أفضل، ثم التمتع، ثم القران؛ لما روي عنه ﵇: القران رخصة؛ فالعزيمة أولى، قلنا: هذا نفي لقول الجاهلية: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، أو يقال: سقوط سفر العمرة صار رخصة، وتمامه فيما قدمناه؛ فليحفظ.\n (فأهل بعضهم) أي: بعض الصحابة (بعمرة) أي: صاروا متمتعين، (وأهل بعضهم) أي: بعض الصحابة (بحج) أي: صاروا مفردين (وكنت أنا ممن أهل بعمرة) وهذا مقول عائشة، فصارت متمتعة، (فأدركني يوم عرفة) وهو التاسع من ذي الحجة (وأنا حائض) أي: متلبسة به، (فشكوت)؛ بالشين المعجمة، من الشكاية؛ أي: شكت العمرة من الحيض (إلى النبي) الأعظم (ﷺ) وإطلاق الشكاية عليها؛ كناية عن اختلالها وعدم بقاء استقلالها، (فقال) أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (دعي عمرتك)؛ بكسر الكاف، حقيقة؛ ذلك أنه أمرها برفض العمرة بالحج، وقوله: (وانقضي)؛ بالقاف؛ أي: حلي وفكي (^١) (رأسك) أي: شعره، (وامتشطي) أي: سرحيه (^٢) يدل على ما قلناه، وقول الكرماني وتبعه القسطلاني: (أي: أفعال العمرة لا نفسها) خلاف الحقيقة؛ لأنَّ المحرم ليس له أن يفعل ذلك، كما تقدم، (وأهلي بحج) أي: مكان العمرة، أو مع العمرة، (ففعلت) أي: فعلت النقض، والامتشاط، والإهلال بالحج (حتى إذا كان ليلة الحَصْبة)؛ بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين، وبالباء الموحدة؛ وهي الليلة التي نزلوا فيها بالمحصب؛ موضع بين مكة ومنًى يبيتون فيه إذا نفروا منها، وهذا كلام إضافي، و(كان) تامة بمعنى: وجدت، ويجوز نصب (الليلة) على أن تكون (كان) ناقصة، ويكون اسم (كان) الوقت، كذا قرره في «عمدة القاري»؛ (أرسل) أي: النبي الأعظم ﷺ (معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر) أي: الصديق الأكبر ﵃، (فخرجت) أي: معه (إلى التنعيم)؛ «تفعيل» من «النعمة»: موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة، وفيه مسجد عائشة الصديقة، (فأهللت بعمرة) أي: من التنعيم (مكان عمرتي) أي: التي رفضتها.\nفإن قلت: ليس في الحديث دلالة على الترجمة؛ لأنَّ أمرها بنقض الشعر كان للإهلال وهي حائض، لا عند غسلها؟\nقلت: إنَّ نقض شعرها كان لغسل الإحرام وهو سنة، فالغسل للحيض أولى؛ لأنَّه فرض، وقد كان ابن عمر يقول بوجوبه، وبه قال الحسن البصري، وطاووس في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد، ورجح جماعة من أصحابه الاستحباب فيهما، ومذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والشافعي، والجمهور السنية؛ لحديث أم سَلَمَة: (إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: «لا») رواه مسلم، وحملوا حديث عائشة هذا على الاستحباب؛ جمعًا بين الروايتين إلا إذا لم يصل الماء إلا بالنقض، فحينئذٍ يجب نقضه، والله تعالى أعلم، (قال هشام) هو ابن عروة، هذا يحتمل التعليق، ويحتمل أن يكون عطفًا من جهة المعنى على لفظ «هشام»، ثم قول هشام يحتمل أن يكون معلقًا، ويحتمل أن يكوت متصلًا بالإسناد\n_________\n(^١) في الأصل: (وفك)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (سريحه)، وهو تحريف.","vol":"1","page":179},{"text":"المذكور، والظاهر: الأول، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\n (ولم يكن في شيء من ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة) وظاهره مشكل؛ فإنها إن كانت قارنة؛ فعليها الهدي للقران عند كافة العلماء إلا داود، وإن كانت متمتعة؛ فكذلك، لكنها كانت فاسخة كما سلف، ولم تكن (^١) قارنة ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك؛ رجعت إلى حجها، فلما أكملته؛ اعتمرت عمرة مبتدأة، نبه عليه القاضي عياض، واعترضه إمام الشارحين في «عمدة القاري» بأنه يعكر عليه قولها: (وكنت ممن أهل بعمرة)، وأجاب: بأن هشامًا لما لم يبلغه ذلك؛ أخبر بنفيه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، ويحتمل أن يكون لم يأمر به، بل نوى أنه يقوم به عنها، بل روى جابر ﵁: أنه ﷺ أهدى عن عائشة بقرة، وقال القاضي عياض: فيه دليل على أنها كانت في حج مفرد، لا تمتع ولا قران؛ لأنَّ العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٤١\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-541>[باب: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين في بيان قول الله ﷿كما للأصيلي- أو قول النبي الأعظم ﷺ (مخلقة)؛ يعني: إذا أراد الله أن يقضي خلقه؛ قال الملك: مخلقة، وإذا لم يرد ذلك؛ قال: (غير مخلقة) أي: تامة أو غير تامة، قاله قتادة، وعن الشعبي: (النطفة، والعلقة، والمضغة إذا كسيت في الخلق؛ كانت مخلقة، وإذا قذفتها قبل ذلك؛ كانت غير مخلقة)، وعن أبي العالية: (المخلقة: المصورة، وغير المخلقة: السقط)، وقال جار الله الزمخشري: (مخلقة: أي: مسواة ملساء من العيب والنقصان، يقال: خلق السواد؛ إذا سواه وملسه، وغير مخلقة؛ أي: غير مسواة)، وروي عن علقمة: (إذا وقعت النطفة؛ قال له الملك: مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة؛ مجها الرحم دمًا، وإن قال: مخلقة؛ قال: ذكر أم أنثى)، ويحتمل أن يكون المؤلف أراد الآية الكريمة فأورد الحديث؛ لأنَّ فيه ذكر المضغة، والصفة مخلقة وغير مخلقة، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أنه رواه بالإضافة؛ أي: باب تفسير قوله: مخلقة وغير مخلقة.\nورده إمام الشارحين فقال: قلت: ليت شعري؛ هل روى هذا عن البخاري نفسه أم عن الفربري؟! وكيف يقول: باب تفسير قوله تعالى: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، وليس في متن حديث الباب: مخلقة وغير مخلقة، وإنما فيه ذكر المضغة، وهي مخلقة وغير مخلقة؟) انتهى.\nقلت: على أنه ليس مراد المؤلف تفسير المخلقة وغير المخلقة، وإنما مراده: أن الحامل لا تحيض، يدل لذلك أنه بصدد كتاب (الحيض)، ومحل ما زعمه هذا القائل كتاب (التفسير) فكيف خفي هذا على من ادعى الرساخة في العلم، وليس عنده شيء من الفهم؟! والأحسن في إعرابه أن يكون (باب) منونًا، ويكون خبر مبتدأ محذوف، كما قدرناه؛ فليحفظ.\nواعلم: أن غرض المؤلف هنا الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض؛ لأنَّ اشتمال الرحم على الولد يمنع خروج دم الحيض، ويقال: إنه يصير غذاء للجنين، وممن ذهب إلى أن الحامل لا تحيض رأس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والأئمَّة الكوفيون، وأحمد ابن حنبل، وأبو ثور، والأوزاعي، والثوري، والحسن البصري، وعطاء، وسَعِيْد بن المسيب، والشعبي، والزُهْرِي، والحكم، وحمَّاد، ومكحول، ومحمَّد بن المنكدر، وجابر بن زيد، وابن المُنْذِر، وأبو عبيد، والشافعي في أحد قوليه، وهو القول القديم، وقال في الجديد: إنها تحيض، وبه قال إسحاق، وعن مالك روايتان، وحكي عن بعض المالكية: إن كان في آخر الحمل؛ فليس بحيض، وإن كان في أوله؛ فحيض، وذكر الداودي: (أن الاحتياط أن تصوم وتصلي، ثم تقضي الصوم، ولا يأتيها زوجها).\nوقال ابن بطال: (غرض البخاري بإدخال هذا الحديث في أبواب الحيض تقوية مذهب من يقول: إن الحامل لا تحيض) انتهى؛ يعني: وضعف من يقول: إنها تحيض، وأنه قول شاذ، لا يعتمد عليه.\nوزعم ابن حجر (أن في الاستدلال بالحديث المذكور على أنها لا تحيض نظر؛ لأنَّه لا يلزم من كون ما يخرج من الحامل من السقط الذي لم يتصور ألا يكون الدم الذي تراه المرأة التي (^٢) يستمر حملها ليس بحيض، وما ادعاه المخالف؛ من أنه رشح من الولد، ومن فضلة غذائه، أو دم فاسد، أو لعلة؛ فيحتاج إلى دليل؛ لأنَّ هذا دم بصفات دم الحيض، وفي زمن إمكانه، فله حكم دم الحيض، فمن ادعى خلافه؛ فعليه البيان) انتهى.\nورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» فقال: قلت: إنَّما ادعيت الخلاف، وعليَّ البيان، أما أولًا؛ فنقول: لنا في هذا الباب أحاديث وأخبار؛ منها: حديث سالم عن أبيه وهو: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي الأعظم ﷺ، فقال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء؛ أمسكها، وإن شاء؛ طلقها قبل أن يمس، فذلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء» متفق عليه.\nومنها: حديث أبي سَعِيْد الخدري ﵁ قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» رواه أبو داود.\nومنها: حديث زريع بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لأحد أن يسقي ماءه زرع غيره، ولا يقع على أمة حتى تحيض، أو يتبين حملها» رواه أحمد ابن حنبل، فجعل النبي الأعظم ﷺ وجود الحيض علامة على براءة الرحم من الحبل في الحرتين، ولو جاز اجتماعهما؛ لم يكن دليلًا على انتفائه، ولو كان بعد الاستبراء بحيضة احتمال الحمل؛ لم يحل وطؤها للاحتياط في أمر الإبضاع.\nوأما الأخبار؛ فمنها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقًا للولد)، رواه ابن شاهين.\nومنها: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: (إن الله رفع الحيض وجعل الدم رزقًا للولد مما تفيض الأرحام)، رواه ابن شاهين أيضًا.\nومنها: ما رواه الدارقطني والأشرم بإسنادهما عن عائشة ﵂ في الحامل ترى الدم فقال ﵇: «الحبلى لا تحيض، وتغتسل وتصلي»، وقولها: (تغتسل) استحباب؛ لكونها مستحاضة، ولا يعرف عن غيرهم خلافه) انتهى؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر: أن هذه الأخبار لم تثبت، نقله عنه القسطلاني.\nقلت: قد علمت غير مرة عناد ابن حجر وتعنته وتعصبه، وقد حذا حذوه شيخ قسطلان، وهذا فاسد؛ لأنَّ هذه الأخبار والآثار قد علمت وسمعت أنها روتها الثقات من المحدثين الحفاظ الكبار، لا سيما حافظ السنة على التحقيق الإمام أحمد، وكذا أبو داود والدارقطني، وغيرهم، وكيف يدعي فيما رأَوه هؤلاء عدم الثبوت وما هي إلا دعوى أوهى من بيت العنكبوت، ولا يدعيها إلا من لم يشم شيئًا من رائحة العلم.\nوقول القسطلاني: (وأقوى حجج من ذهب أن الحامل لا تحيض أن استبراء الأمة اعتبر بالحيض؛ لتحقق براءة الرحم من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض؛ لم تتم البَرَاءة بالحيض) باطل؛ فإن هذا تفسير وبيان للحكم، فإن حجج الجمهور الأحاديث النبوية البالغة حد التواتر الواردة في الباب المذكور، وهي دالة حقيقة على أن الحامل لا تحيض، وكفى بذلك حجة.\nوبقي\n_________\n(^١) في الأصل: (يكن)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (الذي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":180},{"text":"دليل من زعم أن الحامل تحيض، ولم يوجد لهم دليل يدل على ما زعموه، فإن كان؛ فهو مخالف لنص النبي الأعظم ﷺ، ولنص عائشة، وأبي سَعِيْد الخدري، وزريع بن ثابت، وابن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وغيرهم ﵃، وما خالف النص؛ فهو مردود غير مقبول لا يعتمد عليه، ولا يسمع أذني عن سماعه صم، والله أعلم.\nوقال ابن التين: (والدليل على أن دم الحامل ليس بحيض أن الملك موكلًا برحم الحامل، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه قذر)، واعترضه ابن حجر، فزعم بأنه لا يلزم من كون الملك موكلًا به أن يكون حالًّا فيه، ثم هو مشترك الإلزام؛ لأنَّ الدم كله قذر، انتهى.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ولا يلزم أن يكون حالًّا فيه، والدم في معدته لا يوصف بالنجاسة، وإلا؛ يلزم ألَّا يوجد أحد طاهرًا خاليًا عن النجاسة) انتهى.\nثم قال رحمه الباري: (ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله من حيث إن الباب الذي قبله يشتمل على أمور من أحكام الحيض، وهذا الباب أيضًا يشتمل على حكم من أحكام الحيض؛ وهو أن الحامل إذا رأت دمًا؛ هل يكون حيضًا أم لا؟ وقد ذكرنا أن غرض المؤلف من وضع هذا الباب هو الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض كما سيأتي) انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٤٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-542>[حديث: إن الله ﷿ وكل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة]</span>\n٣١٨ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا حمَّاد) هو ابن زيد البصري، (عن عُبِيد الله) بضمِّ العين المهملة، بلفظ التصغير (ابن أبي بكر) هو ابن أنس بن مالك الأنصاري، (عن أنس بن مالك) هو جده الأنصاري، يروي عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: إن الله ﷿ وكَّل)؛ بالتشديد كما في قوله تعالى: ﴿مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] من التوكيل، يقال: وكل زيد عمرًا بكذا؛ إذا فوض إليه.\nوزعم ابن حجر أن في روايته بالتخفيف؛ مِن وكله؛ إذا استكفاه إياه، وصرف أمره إليه، انتهى.\nقلت: ليت شعري؛ هل روى هذا عن البخاري نفسه أم عن الفربري؟! وكيف يقول بالتخفيف، وقد جاءت الرواية بالتشديد عند جميع الرواة وبها جاء التنزيل؟! لا يقال: من حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لأنا نقول رواية التخفيف شاذة، ولو كانت غير شاذة؛ لذكرها بعض الرواة، فعدم ذكرها من أحدهم دليل على عدم وجودها أو على شذوذها، والحق أنها غير موجودة أصلًا، فقد زاد هذا القائل في الطنبور نغمة؛ فافهم.\n (بالرحم)؛ هو وعاء الولد وله ثلاثة أفواه، وقيل: خمسة، وقيل: أكثر، فإذا سقطت النطفة؛ بادرت تلك الأفواه بالاجتذاب منها، فإن جذب واحد؛ جاء ولد واحد، وإن أخذ اثنان؛ جاء ولدان، وهكذا يخلق الله ما يشاء بحكمته (ملكًا) بالنصب، وناصبه قوله: (وكل)؛ وهو جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة (يقول) جملة من الفعل والفاعل، وهو الذي فيه يرجع إلى الملك في محل نصب؛ لأنَّها صفة الملك، وظاهر قوله: (إن الله...) إلخ يدل على أن بعثه إليه عند وقوع النطفة في الرحم، وفيه اختلاف الروايات سيأتي بيانها؛ فافهم، فليحفظ.\n (يارب)؛ بحذف ياء المتكلم، وفي مثله يجوز: يا ربي، ويا رب، ويا رباه؛ بالهاء وقفًا، (نُطفة)؛ بضمِّ النون، قال الجوهري: النطفة: الماء الصافي، قل أو كثر، والجمع النطاف، ونطفان الماء؛ سيلانه، وقد نطف ينطُف، وينطِف من باب (نصر ينصر)، و(ضرب يضرب)، وليلة نطوف تمطر إلى الصباح، ويقال: جمع النطفة: نطف أيضًا، وكل شيء خفي نطفة ونطافة، حتى إنهم يسمون الشيء الخفي بذلك، وأصله للماء القليل يبقى في الغدير، أو السقاء، أو غيره من الآنية، ويقال له ما دام نطفة: صراة، ذكره صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: ويجوز في (نطفة) الرفع والنصب، أما النصب؛ فهو رواية القابسي، ووجهه أن يكون منصوبًا بفعل مقدر؛ تقديره: جعلت المني نطفة في الرحم، أو خلقت نطفة، وأما وجه الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: يا رب؛ هذه نطفة، والرفع رواية غير القابسي؛ فافهم.\n (يا رب) بحذف ياء المتكلم كما سبق (علقة)؛ بفتح اللام، وهي الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل لهذه الدابة التي تكون في الماء: علقة؛ لأنَّها حمراء؛ كالدم، وكل دم غليظ علق، قاله الأزهري، وذكر في «الموعب»: (أن العلق: الدم ما كان)، وقيل: هو الجامد قبل أن ييبس، وقيل: هو ما اشتدت حمرته، والنطفة منه علقة، وفي «المغيث»: (هو ما انعقد قبل اليابس، كأن بعضه علق ببعض تعقدًا ويبسًا (^١»، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: (ويجوز في «علقة» النصب والرفع) كما قدمناه؛ فافهم.\n (يا رب) بحذف ياء المتكلم كذلك (مضغة) قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: إنا لا نتغافل المضغ بيننا؛ يعني: أراد الجراحات، وسماها مضغًا على التشبيه بمضغة الإنسان في حلقه، يذهب بذلك إلى تصغيرها وتقليلها، وقال الجوهري: المضغة: قطعة لحم، وفي «الغريبين» وجمعها: مضغ، ويقال: مضيغة، ويجمع على مضائغ، ويقال: المضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، كذا في «عمدة القاري»، وفيه: أنه يجوز في (مضغة) الرفع والنصب، كما سبق.\nفإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد نطفة، علقة، مضغة؟\nقلت: هذه الأخبار الثلاثة تصدر من الملك في أوقات متعددة لا في وقت واحد، ولا يقال: ليس فيه فائدة الخبر، ولا لازمه؛ لأنَّ الله علام الغيوب؛ لأنا نقول: هذه إنَّما تكون إذا كان الكلام جاريًا على ظاهره، أما إذا عدل عن الظاهر؛ فلا يلزم أحد المذكورين، وههنا المراد: التماس إتمام خلقه أو الدعاء بإقامة الصورة الكاملة عليه، أو المراد: الاستعلام عن ذلك، ونحوها، ومثل هذا كثير واقع في القرآن أيضًا في قوله تعالى حكاية عن أم مريم ﵍: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ فإنه يكون للاعتذار وإظهار التأسف والحزن) انتهى كلامه رحمه الباري.\n (فإذا أراد) أي: الخالق ﵎ (أن يقضي) أي: يتم، وفي رواية الأصيلي: (فإذا أراد الله أن يقضي) (خلقه) أي: خلق ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة، ثم صارت مضغة، ويجيء (القضاء) بمعنى: الفراغ أيضًا، كذا في «عمدة القاري»، وفيه: (وجه تطابق هذا الحديث للترجمة أنه يفسر المخلقة وغير المخلقة، فإن قوله هنا: «فإذا أراد أن يقضي خلقه» هو المخلقة وبالضرورة يعلم منه أنه إذا لم يرد خلقه؛ تكون غير مخلقة، وقد بين ذلك حديث رواه الطبري بإسناد صحيح من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا وقعت النطفة في الرحم؛\n_________\n(^١) في الأصل: (يعقدًا وييبسًا)، وهو تحريف.","vol":"1","page":180},{"text":"بعث الله ملكًا، فقال: يا رب؛ مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة؛ مجها الرحم دمًا، وإن قال: مخلقة؛ قال: يا رب؛ فما صفة هذه النطفة؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، وهو موقوف لفظًا مرفوع حكمًا؛ لأنَّ الإخبار عن شيء لا يدركه العقل محمول على السماع) انتهى كلامه رحمه الباري\n (قال) أي: الملك: (أذكر) هو (أم أنثى؟) فـ (ذكر) مبتدأ أو خبر، وعلى كونه خبرًا تكون لفظة (هو) المقدرة مبتدأ، ولا يقال: النكرة لا تقع مبتدأ؛ لأنَّ فيه من المسوغ لوقوعها مبتدأ هي كونها قد تخصصت بثبوت أحدهما؛ إذ السؤال فيه عن التعيين؛ فصلح الابتداء به وهو من جملة المخصصات؛ لوقوع المبتدأ نكرة، وفي رواية الأصيلي: (أذكرًا)؛ بالنصب، ووجهها إن صحت الرواية بها؛ أي: أتريد أو تخلق ذكرًا؟ كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، (أشقي) هو؛ أي: عاصي لك يا رب (أم سَعِيْد) أي: مطيع لك، فـ: (شقي) مبتدأ أوخبر، كما سبق، وسوغ الابتداء به (^١) وإن كان نكرة؛ لتخصيصه بثبوت أحد الأمرين؛ لأنَّ السؤال فيه عن التعيين، وفي رواية الأصيلي: (شقيًّا أم سَعِيْدًا)؛ بالنصب على تقدير: أتريد أو تخلق؟\nفإن قلت: (أم) المتصلة ملزومة لهمزة الاستفهام، فأين هي؟\nقلت: هي مقدرة، ووجودها في قرينتها يدل عليه، كما في قول الشاعر:\nبسبع رمين الخمر أم بثمان... . . . . . . . . . .\nأي: أبسبع، انتهى.\n (فما الرزق) أي: الحظ؛ لأنَّ الرزق في كلام العرب: الحظ، قال ﷿: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]؛ أي: حظكم من هذا الأمر، والحظ: هو نصيب الرجل، وما هو خاص به دون غيره، وقيل: الرزق: كل شيء يؤكل، أو يستعمل، وهذا باطل؛ لأنَّ الله تعالى أمرنا بأن ننفق ما رزقنا، فقال ﷿: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ [المنافقون: ١٠]، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل؛ لما أمكن إنفاقه، وقيل: الرزق: هو ما يملك وهو لا يملك الولد والزوجة، وأما في عرف الشرع؛ فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسن البصري: الرزق: هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، والحظر على غيره؛ أي: منعه من الانتفاع به، ولما فسرت المعتزلة الرزق بهذا؛ قالوا: الحرام لا يكون رزقًا، وقال أهل السنة: الحرام رزق؛ لأنَّه في أصل اللغة: الحظ والنصيب لما ذكرنا، فما انتفع بالحرام؛ فذلك الحرام حظًّا له ونصيبًا، فوجب أن يكون رزقًا، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقول طول عمره لم يأكل من رزقه شيئًا، كذا قرره في «عمدة القاري»، (وما الأجل) ويروى: (والأجل)؛ بدون كلمة (ما (^٢»، و(الأجل): هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنَّه يطلق على غاية المدة وعلى المدة، كذا في «عمدة القاري»، (فيكتب) على صيغة المعلوم، قيل: الضمير الذي هو فاعله هو الله تعالى، وقيل: يرجع إلى الملك، ويروى على صيغة المجهول، وهذه الكتابة يجوز أن تكون حقيقة؛ لأنَّها أمر ممكن، والله على كل شيء قدير، ويجوز أن تكون مجازًا عن التقدير، كذا قرره إمام الشارحين، ثم قال: (وبيان هذا في حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود يرفعه: «أن النطفة إذا استقرت في الرحم؛ أخذها الملك بكفه، قال: أي رب؛ ذكر أم أنثى؟ ما الأمر؟ بأي أرض تموت؟ وقال له: انطلق إلى أم الكتاب؛ فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد صفتها في أم الكتاب») انتهى، وفي رواية الأصيلي: (قال: فيكتب) (في بطن أمه) ظرف لقوله: (يكتب) وهو المكتوب فيه، والشخص هو المكتوب عليه، كما تقول: كتبت في الدار، فإن في الدار ظرف؛ لقوله: كتبت، والمكتوب عليه خارج عن ذلك؛ والتقدير أزلي: وهو أمر عقلي محض، ويسمى قضاء، والحاصل في البطن تعلقه بالمحل الموجود، ويسمى قدرًا، والمكتوب: هو الأمور الأربعة المذكورة، كذا في «عمدة القاري».\nوقد أوعدناك في اختلاف الرواية في بعثة الملك إلى الرحم، فظاهر الحديث هنا: يدل على أن بعثة الملك إليه عند وقوع النطفة في الرحم، وذكر في الصحيح من حديث ابن مسعود ﵁: «أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سَعِيْد»، وظاهر هذا: إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب؛ شقي أم سَعِيْد؟»، وعند مسلم: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة وأربعون»، وفي أخرى: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكًا يصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها»، وفي رواية حذيفة بن أُسَيْد: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك»، وفي أخرى: «إن ملكًا وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا؛ يأذن له لبضع وأربعين ليلة»، وجمع العلماء بين هذا الاختلاف بأن الملائكة لازمة ومراعية لحال النطفة في أوقاتها، وأنه يقول: هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم، ولكلام الملك وتصرفه أوقات؛ أحدها: حين يكون نطفة، ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك أنه ولد؛ إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا، وذلك عقيب الأربعين الأولى، وحينئذٍ يكتب رزقه، وأجله، وشقي أو سَعِيْد، ثم للملك فيه تصرف آخر، وهو تصويره وخلق سمعه، وبصره، وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنَّما يكون في مدة الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين، وقبل نفخ الروح فيه؛ لأنَّ النفخ لا يكون إلا بعد تمام صورته، والرواية السالفة (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة) ليست على ظاهره، بل المراد تصورها، وخلق سمعها إلى آخره، وأنه يكتب ذلك، ثم يفعله في وقت آخر؛ لأنَّ التصور عقيب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر، ودخوله في الخامس.\nواتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وقال الراغب: (ذكر الأطباء: أن الولد إذا كان ذكرًا؛ يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإن كان أنثى؛ بعد أربعة أشهر).\nفإن قلت: وقع في رواية البخاري: «أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وشقي أم سَعِيْد،\n_________\n(^١) (به): تكرر في الأصل.\n (^٢) في الأصل: (ماء)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":181},{"text":"ثم ينفخ فيه الروح»، فأتى فيه بكلمة (ثم) التي هي تقتضي التراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الثانية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى.\nقلت: أجيب: بأن قوله: «ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فيكتب...» معطوف على قوله: «فيجمع في بطن أمه»، ومتعلقًا به، لا بما قبله، وهو قوله: «ثم يكون مضغة مثله»، ويكون قوله: «ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله» معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن، والفصيح، وكلام العرب.\nوقال القاضي عياض: (والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء: أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا؛ فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم ملكًا، وأنه يقول: يا رب؛ نطفة، يا رب؛ علقة، وقوله في حديث أنس: «وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا؛ قال: يا رب؛ أذكر أم أنثى؟» لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام، وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة؛ كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق، والأجل، والشقاوة، والسعادة، والعمل، والذكورة، والأنوثة يظهر ذلك للملك، فيأمره بإنفاذه، وكتابته، وإلا؛ فقضاء الله، وعلمه، وإرادته سابق على ذلك) انتهى.\nذكر ما يستنبط منه: قال إمام الشارحين: (اعلم: أن هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص؛ إذ فيه بيان حال المبدأ؛ وهو ذاته ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد؛ وهو الشقاوة، والسعادة، وما بينهما؛ وهو الأجل، وما يتصرف فيه؛ وهو الرزق، وقد جاء أيضًا: «فرغ الله من أربع: من الخَلق، والخُلق، والأجل، والرزق»، والخَلق -بفتح الخاء المعجمة- إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمِّها إلى السعادة وضدِّها).\nوقال المهلب: (إن الله تعالى علم أحوال الخلق قبل أن يخلقهم)، وهو مذهب أهل السنة، وأجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما أسقطته من ولد تام الخلق، واختلفوا فيمن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة، فقال مالك والأوزاعي: تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كانت أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدة، وعن أبي القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع، وعن أشهب: لا تكون به أم ولد وتكون بالمضغة والعلقة، وقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين، والجمهور، وأصحابه، والشافعي: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق إصبع أو غير ذلك؛ فهي أم ولد، وعلى مثل هذا انقضاء العدة، وإلا؛ فلا.\nوقال القاضي عياض: (ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مئة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يقول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستحقاق، ووجوب النفقات، وذلك للنفسة بحركة الجنين في الجوف، وقيل: إن الحكمة في عدتها من الوفاة بأربعة أشهر والدخول في الخامس تحقُّقُ براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة؛ لأنَّ النفخ المتعارف إنَّما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر شيء عند ذلك النفخ؛ فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون سببًا عادة لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، والله أعلم) انتهى، وهو حسبي ونعم الوكيل الله.\n\n <span id=\"b-٥٤٣\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-543>[باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (كيف تهل الحائض بالحج والعمرة؟)؛ يعني: كيفية إهلالها بهما، والمراد من الكيفية: الحال من الصحة، والبطلان، والجواز، وغير الجواز فكأنه قال: باب صحة إهلال الحائض، أو باب جوازها، والمقصود من الصحة أعم من أن تكون في الابتداء، أو في الدوام، والمناسبة بين البابين من حيث إن المؤلف أراد من وضع الباب السابق الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض وهو حكم من أحكام الحيض، وهذا الباب أيضًا حكم من أحكام الحيض، وفيه نوع تعسُّف، وفي بعض النسخ: هذا الباب قد ذكر قبل الباب السابق، كذا قاله إمام الشارحين.\n\n <span id=\"b-٥٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-544>[حديث: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل]</span>\n٣١٩ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بكير) بضمِّ الباء الموحدة، وفتح الكاف، وسكون التحتية (قال: حدثنا الليث) هو ابن سعد -بسكون العين المهملة- المصري الحنفي، (عن عُقَيل) بضمِّ العين المهملة، وفتح القاف، هو ابن خالد بن عَقيل -بفتح العين المهملة- الأيلي، (عن ابن شهاب): هو محمَّد بن مسلم الزُهْرِي، (عن عروة) بضمِّ العين المهملة، هو ابن الزبير بن العوام، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما (قالت: خرجنا) أي: أنا والصحابة (مع النبي) الأعظم، وللأصيلي: (مع رسول الله) (ﷺ) أي: من المدينة المنورة (في حجة الوداع)؛ بفتح الواو وكسرها، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، وإنما سميت بحجة الوداع؛ لأنَّ النبي الأعظم ﷺ ودع الناس فيها، (فمنا من أهل) أي: أحرم (بعمرة) أي: صاروا متمتعين، (ومنا من أهل) أي: أحرم (بحَِجة) أي: صاروا مفردين -بكسر الحاء المهملة، وفتحها، وبالتاء آخرها- رواية المستملي، وفي رواية غيره: (بحج) بدون التاء، (فقدِمنا) بكسر الدال المهملة (مكة) المكرمة، (فقال رسول الله ﷺ) أي: لأصحابه الذين معه: (من أحرم بعمرة) بأن كان متمتعًا، (ولم يُهد)؛ بضمِّ الياء التحتية أوله من الإهداء، وهي جملة وقعت حالًا؛ (فيلحلل)؛ بكسر اللام من الثلاثي، وفي مثل هذه المادة يجوز الإدغام وفكه، كذا في «عمدة القاري»، والمراد: أنه يحل قبل يوم النحر حتى يحرم بالحج، (ومن أحرم بعمرة وأهدى) أي: الهدي؛ (فلا يحلُ)؛ بضمِّ اللام؛ أي: من إحرامه (حتى يَحِل)؛ بفتح المثناة التحتية أوله، وكسر الحاء المهملة، وفتح اللام (نحر هديه)؛ يعني: يوم العيد، ويروى: (بنحر هديه)؛ بزيادة الموحدة، لا يقال: إنه ممتنع، فلا بد له من تحلُّله عن العمرة، ثم إحرامه بالحج قبل الوقوف؛ لأنا نقول: لا يلزم أن يكون ممتنعًا؛ لجواز أن يدخل الحج في العمرة، فيصير قارنًا، فلا يتحلل، كذا قاله إمام الشارحين، (ومن أهل بحجة) كذا هو في رواية المستملي، والحمُّوي، وفي رواية غيرهما: (بحج)؛ بدون التاء؛ ومعناه: أهلَّ بحجة،","vol":"1","page":181},{"text":"ونوى الإفراد سواء كان معه هدي أم لا، ولهذا لم يقيد بـ (لم يهد)، ولا بـ (أهدى)، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، (فليتم حجه) مطلقًا سواء كان معه هدي أم لا، (قالت) أي: السيدة عائشة الصديقة ﵂: (فحضت)؛ أي: طرأ عليها الحيض بسرف، (فلم أزل حائضًا) أي: استمر بها دم الحيض (حتى كان) هي تامة (يوم عرفة) فـ (يوم) مرفوع (ولم أُهلِل) بضمِّ الهمزة، وكسر اللام الأولى (إلا بعمرة) فيحتمل أنها فعلت العمرة بحضرة النبيِّ الأعظم ﵇، ويحتمل أنها فعلت ذلك وسألته بعد الفراغ، ويحتمل أنها لم تفعله، بل سألته عن ذلك، والظاهر الأول، فلما رآها ﵇؛ أمرها، ولهذا قالت: (فأمرني النبيُّ) الأعظم (ﷺ أن أنقض)؛ بالقاف؛ أي: أحل وأفك (رأسي) أي: شعره، (و) أمرني أن (أمتشط) أي: أسرحه، (و) أمرني أن (أُهل) بضمِّ الهمزة وبلام واحدة آخره (بحج)؛ أي بأن أنوي الإفراد به، (و) أمرني أن (أترك العمرة) أي: أبطلها، وهذا صريح بفسخ العمرة وهو حجة على الشافعي وأصحابه؛ فافهم.\n (ففعلت) أي: فعلت النقض، والامتشاط، والإهلال بالحج، وترك العمرة (حتى قضيت حجتي) بالمثناة الفوقية رواية الأكثرين، وفي رواية: (حجي) بدونها، (فبعث) أي: النبي الأعظم ﷺ (معي) يعني: امتثلت أمره وذهبت، فبعث معي أخي (عبد الرحمن بن أبي بكر) أي: الصديق الأكبر ﵁، (فأمرني) أي: النبي الأعظم ﷺ؛ بالفاء العاطفة، وفي رواية بدونها؛ أي: وأمرني (أن اعتمر مكان عمرتي من التنعيم) متعلق بقوله: (اعتمر) ففيه أن الحائض تهل بالحج والعمرة وتبقى على إحرامها وتفعل ما يفعل الحاج كله غير الطواف، فإذا طهرت؛ اغتسلت وطافت وأكملت حجها، وأمر النبي الأعظم ﷺ لها أن تنقض شعرها وتمتشط وهي حائض ليس للوجوب، وإنما ذلك؛ لإهلالها بالحج؛ لأنَّ من سنة الحائض والنفساء أن يغتسلا له، كذا في «عمدة القاري»، والله الهادي.\nومطابقة الحديث للترجمة في قولها: (وأهل بحج) فإن فيه إهلال الحائض بالحج؛ لأنَّ عائشة ﵂ كانت حائضة حين أهلت بالحج، وعلى قول مَن قال: إنها كانت قارنة؛ كانت المطابقة أظهر؛ لأنَّها أحرمت بالحج وهي حائض وكانت معتمرة؛ فلهذا قالت: (أمرني النبي الأعظم ﷺ أن أترك العمرة)، وترك الشيء لا يكون إلا بعد وجوده، أفاده إمام الشارحين رحمه أرحم الراحمين، اللهم؛ فرج عنا بكرمك يا أكرم الأكرمين آمين.\n\n <span id=\"b-٥٤٥\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-545>[باب إقبال المحيض وإدباره]</span>\nهذا (باب) بيان (إقبال الحيض وإدباره) وعلامة ذلك الزمان والعادة، فإذا أقبلت عادتها؛ تحرت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور، وقال مالك: إقبال الحيض: هو الدفعة من الدم، وإدباره: إقبال الطهر، والمناسبة بين البابين من حيث وجود حكم الحيض في كل منهما، ثم أورد الأثر الذي ذكره مالك في «الموطأ» عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة ﵂ أنها قالت: (وكن)؛ بصيغة جمع المؤنث، وفيه ضمير يرجع إلى النساء، ويسمى هذا الضمير بالضمير المبهم، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعرًا بما بعده، فإذا كان كذلك؛ لا يقال: إنه إضمار قبل الذكر (نساء) بالرفع؛ لأنَّه بدل من الضمير الذي في (كن)، وهذا على لغة (أكلوني البراغيث)، وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ (كن) إشارة إلى التنويع والتنوين فيه يدل عليه، والمراد: أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن التنكير في النساء للتنويع، انتهى.\nقلت: ورد هذا إمام الشارحين؛ حيث قال: قلت: إن لم يكن هذا مصحفًا من الناسخ؛ فهو غلط؛ لأنَّه ما ثَمَّ (^١) كسر في النساء وإنما فيه الرفع، كما ذكر، أو النصب على الاختصاص، لا يقال: إنه نكرة، وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة؛ لأنا نقول: قد جاء نكرة كما جاء في معرفة، وقال الهذلي:\nويأوي إلى نسوة عطل... وشعثًا مراضيع مثل السعالي\nانتهى كلامه، رحمه الباري.\nوفي رواية مالك في «الموطأ»: (كان النساء) (يبعثن إلى عائشة) أي: الصديقة زوجة النبي الأعظم ﷺ ورضي عنها (بالدُّرْجة) بضمِّ الدال، وسكون الراء المهملتين، قاله ابن قرقول، قال: (وقيل: بكسر الدال، وفتح الراء)، وعند الباجي: بفتح الدال والراء، وقال ابن قرقول: (وهي بعيدة عن الصواب)، وقال أبو المعالي: (والدرْج؛ بالتسكين: حفش النساء، والدرجة: شيء يدرج فيدخل في حياء الناقة، ثم تشمه فيقطعه ولدها قدام أمه)، وكذا ذكره القزاز، وصاحب «الصحاح»، وابن سيده، وزاد: (والدرجة أيضًا: خرقة توضع فيها دواء، ثم تدخل في حياء الناقة، وذلك إذا اشتكت منه)، وفي «الباهر»: (الدرجة؛ بالكسر، والإدراج جمع الدرج؛ وهو سقط صغير، والدرجة مثل رطبة)، وقال ابن دريد: (الدرج: سقط صغير تجعل فيه المرأة طيبها وما أشبهه)، وقال ابن قرقول: (ومن قال بكسر الدال، وفتح الراء؛ فهو عنده جمع درج؛ وهو سقط صغير؛ نحو: جرح وجرحه، ونحو: ترس وترسه)، كذا قرره إمام الشارحين، (فيها الكُرْسُف)؛ بضمِّ الكاف، وإسكان الراء، وضم السين المهملة، آخره فاء؛ وهو: القطن، كذا قاله أبو عبيد، وقال الدينوري: وزعم بعض الرواة أنه يقال له: الكرفس، على القلب، ويجمع الكرسف على كراسيف) (فيه) أي: في القطن (الصُفْرَة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وسكون الفاء، وفتح الراء، وهي علامة حاصلة من أثر دم الحيض بعد وضع ذلك في الفرج؛ لاختبار الطهر، وقال في «المحكم»: (وإنما اختير القطن لبياضه، ولأنَّه ينشف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره)، كذا في «عمدة القاري».\n (فتقول)؛ أي: عائشة ﵂، وفي الكلام حذف دل عليه رواية مالك، ولفظه: (فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهن:) (لا تعجلْن) بسكون اللام، والمثناة التحتية، نهي لجمع المؤنث المخاطبة، ويأتي كذلك للجمع المؤنث الغائبة، ويجوز هنا الوجهان، وكذا في (ترين)؛ فافهم أفاده إمام الشارحين؛ والمعنى: لا تعجلن بإقدامكنَّ على الصَّلاة بظن الطهر، بل (حتى ترين) صيغة جمع المؤنث المخاطبة، وأصلها: (ترييين) على وزن (تفعلين)؛ لأنَّها من رأى يرأى: رؤية بالعين، وتقول للمرأة: أنت ترين، وللجماعة: أنتن ترين؛ لأنَّ الفعل للواحدة، والجماعة سواء في المواجهة في خبر المرأة من بنات الياء (^٢)، إلا أن النون التي في الواحدة علامة الرفع، والتي في الجمع نون الجمع.\nفإن قلت: إذا كان أصل (ترين) تريين، كيف فعل به حتى صار ترين؟\nقلت: نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت ألفا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) على وزن (تفلن)؛ لأنَّ المحذوف منه عين الفعل وهو الهمزة فقط، ووزن الواحدة تفين؛ لأنَّ المحذوف منه عين الفعل ولامه، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري.\n_________\n(^١) في الأصل: (تم)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (الهاء)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":182},{"text":"(القَصَّة البيضاء)؛ بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة، وفي تفسيرها أقوال؛ قال ابن سيده: (القصة والقص: الجص، وقيل: الحجارة من الجص)، وقال الجوهري: (هي لغة حجازية، يقال: قصص داره؛ أي: جصصها، ويقال: القصة: القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض)، وقال القزاز: (القصة: الجص، هكذا قرأته بالقاف، وحكيت بالكسر)، وفي «المغرب»، و«الجامع»، و«الغريبين»: (القصة: شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله)، وقال في «المحيط»: (من كتب الأئمَّة الحنفية: القصة: الطين الذي تغسل به الرأس، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة، وجاء في الحديث: «الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء» أي: التي تخرج القطنة البيضاء التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة).\nقال إمام الشارحين: (قلت: أريد بها: التشبيه بالجصة في البياض والصفاء، وأنث؛ لأنَّه ذهب إلى المطابقة، كما حكى سيبويه من قولهم: لبنة وعسلة) انتهى.\nوقال ابن قرقول: قد بين [ذلك] مالك القصة بقوله: (تريد)؛ أي: عائشة ﵂ (بذلك) أي: بقولها حتى ترى القصة البيضاء (الطهر من الحيضة) وفسره الخطابي: (بالبياض التام)، وقال ابن وهب: (رأت القطن الأبيض كأنه هو)، قال مالك: (سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذلك أمر معلوم عندهن يرينه عند الطهر)، وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن فاطمة بنت محمَّد وكانت في حجر عمرة، فقالت: أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كرسفة قطن (^١) فيها: أظنه أراد الصفرة، تسألها (^٢) إذا لم ترين الحيضة إلا هذا؛ طهرت، قال: فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصًا، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وبه قال مالك والشافعي؛ فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء؛ فهو حيض عندهم، وقال الإمام أبو يوسف: (ليس بحيض حتى يتقدمها دم)، كذا في «عمدة القاري».\nوقال الهروي: (معنى القصة: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا؛ كالقصة، كأنه ذهب إلى الجفوف (^٣»، وقال القاضي عياض: (وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرق بيِّن)، وقال في «المصابيح»: (وسببه أن الجفوف عدم، والقصة وجود، والوجود أبلغ دلالة على أن الرحم قد يجف في أثناء الحيض، وقد تنظف الحائض فيجف رحمها ساعة، والقصة لا تكون إلا طهرًا) انتهى.\nوفي ذلك دليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، ومطابقة هذا الأثر للترجمة في قولها: (حتى ترى القصة البيضاء) فإنها علامة إدبار الحيض، قاله إمام الشارحين، ثم قال: (وهذا الأثر رواه مالك في «الموطأ»، فقال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت...) إلخ.\nوقال ابن حزم: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها، واسم علقمة مرجانة، سماها ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي: (مدنية تابعية ثقة)، وفي «التلويح»: كذا ذكر البخاري هذا معلقًا مجزومًا به، وبه تعلق النووي، فقال: هذا تعليق صحيح؛ لأنَّ البخاري ذكره بصيغة الجزم، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق في بيانه في كثير من التعاليق المجزوم بها عند البخاري، ولو نظر كتاب «الموطأ» لمالك بن أنس؛ لوجده قد قال: عن علقمة... إلى آخره، ولو وجد ابن حزم؛ لما ذكره، قال: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها.\nقال إمام الشارحين: (قلت: حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به، ولهذا قال ابن الحصار: هذا حديث خرجه البخاري من غير تقييد) انتهى.\nوفي ختام جمادى أول سنة ثمان وسبعين جاءت وزارة الصدارة لفؤاد باشا، وصارت زينة في ديارنا ثلاثة أيام، والله الكريم أسأل أن يفرج عنا ما أهمنا برحمته وكرمه وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه.\n (وبلغ) بالغين المعجمة (بنت) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية: (ابنة) (زيد بن ثابت) وهي أم سعد، بسكون العين المهملة، قال إمام الشارحين: (هكذا وقع هنا ذكر (بنت زيد) مبهمًا، وكذا وقع في «موطأ مالك» فإنه أخرجه في «موطَّئه»: (عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت)؛ فذكره، وعمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم، واختلف في بنت زيد المذكورة، وقال الحافظ الدمياطي: (لزيد بن ثابت من البنات أم إسحاق وحسنة، وعمرة، وأم كلثوم، وأم حسن، وأم محمَّد، وفزيبة، وأم سعد)، وقال في «التوضيح»: (ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم مسعد؛ فقد ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنه لم ير للواحدة منهن؛ يعني: من بنات زيد رواية إلا لأم كلثوم، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر ﵄، فكأنها هي المبهمة ههنا، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد، قال: لأنَّ ابن عبد البر ذكرها في الصحابة، ثم قال ابن حجر: (وليس في ذكره لها دليل على المدعى؛ لأنَّه لم يقل: إنها صاحبة هذه القصة، بل لم يأت لها ذكر عنده ولا عند غيره إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن، وقد كذبوه وكان مع ذلك يضطرب فيها، فتارة يقول: بنت زيد، وتارة يقول: امرأة زيد، ولم يذكر أحد من أهل الحديث بالنسب في أولاد زيد من يقال لها: أم سعد) انتهى.\nقلت: وكلام هذا القائل قريب الفساد، وقد رده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: قلت: قد ذكره الذهبي فقال: أم سعد بنت زيد بن ثابت، وقيل: امرأته، وأيضًا عدم رؤية هذا القائل رواية لواحدة من بنات زيد إلا لأم كلثوم لا ينافي رواية غيرها من بناته؛ لأنَّه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات.\nوقوله: (وزعم بعض الشراح) أراد به: صاحب «التوضيح» فليت شعري؛ ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو؟ حيث قال: (فكأنها هي المبهمة)؛ أي: أم كلثوم هي المبهمة في هذا الأثر؛ على أن صاحب «التوضيح» ما جزم بما قاله، بل قال: ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد) انتهى.\nقلت: والحق أن هذه المبهمة هنا هي أم سعد، فإنها صحابية، ولا يلزم أن تكون صاحبة هذه القصة، كما زعمه ابن حجر ردًّا على صاحب «التوضيح»؛ لأنَّ بنت زيد هذه بلغها هذه القصة، كما هو صريح عبارة البخاري ومالك في «الموطأ»؛ فلا يلزم حضورها، بل بلوغها ذلك كاف على أنه قد جاءت الرواية عنها من طرق متعددة، وإن زعم ابن حجر التكذيب في بعضها؛ لأنَّها قد تقوت باختلافها، وقوله هذا تعصُّب وعناد؛ لأنَّه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الرواة، بل شأنه ينظر لكلام الفحول من الرجال، وليس هو رجلًا يعد، بين هذهالرجال؛ فإنه قد نفى أم سعد من بنات زيد وقد أثبتها الحافظ الذهبي، كما سمعت كلامه، وما هذا إلا لعدم اطِّلاعه على ما ذكره أهل الحديث من الحفاظ، وهذا يدل على فساد من يدعي أن ابن حجر حافظ، بل ليس بشارح كما ينبغي، فكيف يدعى أنه حافظ؟!؛ لأنَّ الحفاظ لا يصدر منهم كذب ونفي واختلال، وهذا قد صدر من هذا القائل؛ فهو ليس\n_________\n(^١) في الأصل: (قلن)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (تسأله)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (الجفوق)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":182},{"text":"بشيء يعبأ به؛ فافهم.\n (أَن) بفتح الهمزة (نساء) بالتنكير في أكثر الروايات، وفي رواية بالتعريف، والأول أعم، والمراد من التعريف: العهد، وهو نساء الصحابة ﵅، أفاده إمام الشارحين (يدعون) بلفظ الجمع المؤنث، ويشترك في هذه المادة الجمع المذكر والمؤنث، وفي التقدير يختلف، فوزن الجمع المذكر: يفعون، ووزن الجمع المؤنث: يفعلن، أفاده في «عمدة القاري» (بالمصابيح): جمع مِصباح -بكسر الميم-؛ وهو النور في الوعاء؛ والمعنى: يطلبن المصابيح (من جوف)؛ أي: وسط (الليل) أي: في جوفه، فـ (من) بمعنى في؛ لأنَّ حروف الجر يستعار بعضها لبعض (ينظرن) أي: بالمصابيح (إلى) ماء الكراسيف حتى يقفن على ما يدل على (الطهر) أي: من القطنة، وفي رواية الكشميهني: (يدعين)، زعم ابن حجر أن في نسبة هذا إليه نظر لا يخفى، وقال صاحب «القاموس»: (تكلم فيه) انتهى.\nقلت: انظر إلى هذا الكلام المتناقض، ونظر هذا القائل مردود عليه، فإن توجيه هذه الرواية ممكن بأن يكون المراد كل فرد من أفراد النساء تدعى المصباح؛ لتنظر إلى الطهر، على أن أصل تدعين تدعون، كما هو مقرر في كتب التصريف؛ فافهم.\n (فقالت) أي: أم سعد بنت زيد لهنَّ: (ما كان النساء) أي: الصحابيات (يضعن هذا) أي: طلب المصابيح؛ لينظرن إلى الطهر في جوف الليل، (وعابت) أي: أم سعد المذكورة (عليهنَّ) أي: على النساء المذكورة، وهذا يعين رواية التنكير، وأن المراد: الأعم؛ فافهم، قال إمام الشارحين: (وإنما عابت عليهن؛ لأنَّ ذلك يقتضي الحرج وهو مذموم، وكيف لا وجوف الليل ليس إلا وقت الاستراحة؟! أو لكون ذلك كان في غير وقت الصَّلاة، وهو جوف الليل) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن فيه نظر؛ لأنَّه وقت العشاء، ورده صاحب «عمدة القاري» إمام الشارحين، حيث قال: (قلت: فيه نظر؛ لأنَّه لم يدل شيء أنه كان وقت العشاء؛ لأنَّ طلب المصابيح لأمر غالبًا لا يكون إلا في شدة الظلمة، وهي لا تكون إلا في جوف الليل)، وروى البيهقي من حديث عباد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرة عن عائشة: (أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهنَّ ليلًا في الحيض، وتقول: إنها قد تكون الصفرة والكدرة)، وعن مالك: لا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح، وعنه: (أنهن كن لا يقمن بالليل) انتهى كلامه\nقلت: ونظر ابن حجر غير وارد، وهو مردود عليه؛ لأنَّ المقصود من عيبها عليهن ليلًا؛ لوجود الظلمة التي تؤدي إلى اختلاف ألوان الدم وليس هو؛ لكون الوقت وقت العشاء، يدل لهذا حديث عائشة الذي ذكره إمام الشارحين، فإنه بيَّن فيه أن علة ذلك خوف عدم بيان الصفرة والكدرة، وكأن ابن حجر لم يطلع على حديث عائشة فقال ما قال؛ فافهم.\nوفي «عمدة القاري»: (وقال صاحب «التوضيح»: يشبه أن تكون ابنة زيد عابت على النساء كان في أيام الصوم لينظرن الطهر لنية الصوم؛ لأنَّ الصَّلاة لا تحتاج لذلك؛ لأنَّ وجوبها عليهن إنَّما يكون بعد طلوع الفجر.\nواختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر، ولا تغتسل حتى يطلع الفجر؛ فقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين ﵁: إن كانت أيامها أقل من عشرة؛ صامت وقضت، وإن كانت عشرة؛ صامت ولم تقض، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم، ويجزئها صوم ذلك اليوم، وعن ابن الماجشون: يوم ذلك يوم فطر، وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وفي «القواعد» لابن رشد: اختلفوا في علامة الطهر؛ فقال قوم: إن علامته القصة أو الجفوف، وقال ابن حبيب: سواء كانت المرأة من عادتها أن تطهر بهذه أو بهذه، وفرق قوم فقالوا: إن كانت ممن لا تراها؛ فطهرها الجفوف، وقال ابن حبيب: الحيض أوله دم، ثم يصير صفرة، ثم تُربيَّة، ثم كدرة، ثم يكون ريقًا كالقصة؛ ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل وخفي أصلًا؛ فذلك إبراء الرحم، وفي «المنصف»: عن عطاء: الطهر الأبيض: الجفوف الذي ليس معه صفرة ولا ماء، الجفوف الأبيض، وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄: وسئلت عن الصفرة اليسيرة، فقالت: اعتزلن الصَّلاة ما رأين ذلك حتى لا ترين إلا لبنًا خالصًا) انتهى.\nوالله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم، إنَّه تواب كريم.\n\n <span id=\"b-٥٤٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-546>[حديث: ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة]</span>\n٣٢٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن محمَّد) هو المسندي (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عيينة، لا يقال: إنه الثوري؛ لأنا نقول: إن المسندي هذا لم يسمع من الثوري، بل من ابن عيينة، فهو المتعين، (عن هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه) هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائش) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره شين معجمة (كانت تُستحاض)؛ بضمِّ المثناة الفوقية أوله، مبينًا للمفعول؛ أي: يستمر معها الدم، (فسألت النبيَّ) الأعظم (ﷺ) أي: عن دم الاستحاضة ما حكمه؟ (فقال) ﵇ لها: (ذلكِ)؛ بكسر الكاف (عِرْق)؛ بكسر العين المهملة، وسكون الراء المهملة، يسمى بالعاذل، (وليست بالحَيضة) بفتح الحاء المهملة وبكسرها، (فإذا أقبلت الحيضة) عليك؛ (فدعي الصَّلاة) أي: أيام الحيض، (وإذا أدبرت) أي: انقطع دم الحيض، وهذا محل مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (فإذا أقبلت) و(إذا أدبرت)، وهذا الحديث قد سبق في باب (غسل الدم)، ولفظه هناك: «فإذا أدبرت؛ فاغسلي عنك الدم وصلي»، من غير إيجاب الغسل، وقال عروة: (ثم توضئي لكل صلاة)؛ بإيجاب الوضوء، وههنا قال: (فاغتسلي وصلي) بإيجاب الغسل؛ لأنَّ أحوال المستحاضة مختلفة، فيوزع عليها، أو نقول: إيجاب الغسل والتوضؤ لا ينافي عدم التعرض لهما، وإنما ينافي التعرض لعدمهما، وقوله: (فاغتسلي وصلي) لا يقتضي تكرار الاغتسال لكل صلاة، بل يكفي غسل واحد، ولا يرد عليه حديث أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة؛ لأنَّها لعلها كانت من المستحاضات التي يجب عليها الغسل لكل صلاة، أو لعلها كانت تفعله تطوُّعًا؛ لأنَّه ليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، أفاده إمام الشارحين، وقد سبق هذا الحديث في باب (الاستحاضة) أيضًا، وتقدم الكلام عليه مستوفًى، فلا حاجة إلى الإعادة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٤٧\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-547>[باب: لا تقضي الحائض الصلاة]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (لا تقضي الحائض): ومثلها النفساء (الصَّلاة) أي: المفروضة، وإنما قال: لا تقضي الصَّلاة، ولم يقل: تدع الصَّلاة، كما في حديث جابر وأبي سَعِيْد؛ لأنَّ عدم القضاء أعم وأشمل، والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول ترك الصَّلاة عند إقبال الحيض، وهذا الباب فيه كذلك، أفاده إمام الشارحين، (وقال جابر بن عبد الله) كذا في أكثر الروايات، وسقط لفظ: (ابن عبد الله) في رواية، (وأبو سَعِيْد) بكسر العين المهملة؛ هو الخدري ﵄، (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه قال: (تدع) أي: الحائض، وكذا النفساء (الصَّلاة): قال إمام الشارحين: مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث ترك الصَّلاة، فإنه يستلزم عدم القضاء؛ لأنَّ الشارع أمر بالترك، ومتروك الشرع لا يجب فعله، فلا يجب قضاؤه إذا ترك.\nأما التعليق عن","vol":"1","page":183},{"text":"جابر؛ فقد أخرجه البخاري في كتاب (الأحكام) من طريق حبيب عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج، وفيه: (غير أنها لا تطوف ولا تصلي)، ومعنى قوله: (تدع الصَّلاة) رواه مسلم بنحوه من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁.\nوأما التعليق عن أبي سَعِيْد الخدري؛ فأخرجه أيضًا في باب (ترك الحائض الصوم)، وفيه: (إذا حاضت؛ لم تصم)، كذا في «عمدة القاري».\nفإن قلت: عقد الباب في القضاء لا في الترك، والترك مطلقًا أداء وقضاء؟\nقلت: عقد الباب في عدم القضاء وعدم القضاء ترك، والترك أعم، قاله الكرماني، واعترضه ابن حجر، فزعم أن الذي ظهر له أن هذا الكلام صادر من غير تأمل؛ لأنَّ الترك والقضاء بمعنًى واحد في الحقيقة، وكلامه يشعر بالتباين بينهما، فإذا سلمنا ذلك؛ كان يتعين عليه أن يشير إليهما في الترجمة، وحيث لم يشر إلى ذلك فيها؛ علمنا أن ما بينهما مغايرة؛ فلذلك اقتصر في الترجمة على أحدهما) انتهى.\nقلت: وكلام هذا القائل هو الصادر عن غير تأمل وفكر، فإن الترك والقضاء ليسا بمعنًى واحد؛ لأنَّ الترك قد يكون لغير قضاء، وقد يكون لقضاء، فهو مشترك بينهما، فالترك لا ريب أنه أعم وأشمل، وكلام المؤلف يشير إلى هذا؛ لأنَّ قوله: (لا تقضي الحائض) يشعر بأنها تركت الصَّلاة في أيام الحيض تركًا مؤبدًا؛ يعني: إلى غير قضاء، فقد أشار في الترجمة إلى ما قلنا، وانظر كلام هذا القائل حيث يستند إلى المعنى اللغوي من الترجمة، ويعترض عليه ويترك حقائق الكلام، وما هذا إلا من قلة البضاعة، وقصر الهمة، فكلام الكرماني صحيح، وكلام هذا القائل قبيح؛ فافهم، وعجبت من إمام الشارحين؛ لمَّا لم يتعرض لذلك وكأنه بيَّض له فاخترمته المنية، فرحمه الله تعالى آمين.\n\n <span id=\"b-٥٤٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-548>[حديث: كنا نحيض مع النبي فلا يأمرنا به]</span>\n٣٢١ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل): هو المنقري التبوذكي (قال: حدثنا همَّام)؛ بالتشديد، هو ابن يحيى بن دينار العوذي، مات سنة ثلاث وستين ومئة (قال: حدثنا قتادة): هو الأكمه المفسر المشهور (قال: حدثتني) بالإفراد والتأنيث (مُعاذة)؛ بضمِّ الميم، وبالعين المهملة، وبالذال المعجمة، هي بنت عبد الله العدوية الزاهدة، كانت تحيي الليل، ماتت سنة ثلاث وثمانين، قال إمام الشارحين: (وفيه تصريح بسماع قتادة عن معاذة، وهو رد على ما ذكره شعبة وأحمد أنه لم يسمع منها) انتهى.\n (أن امرأة) أبهمها همَّام، وبين في روايته عن قتادة: أنها هي معاذة الراوية، وأخرجه الإسماعيلي من طريقه، وكذا مسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة، أفاده إمام الشارحين، وتمامه في «عمدة القاري»، (قالت لعائشة) أي: الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄، وفي رواية مسلم: (قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصَّلاة؟) (أتَجزِي)؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الزاي، غير مهموز، وحكى بعضهم الهمز؛ ومعناه: أتقضي، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿لَّاتَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، ويقال: هذا الشيء يجزي عن كذا؛ أي: يقوم مقامه، كذا في «عمدة القاري»، (إحدانا صلاتَها)؛ بالنصب على المفعولية، ويروى: (أتُجزَى) على صيغة المجهول، وعلى هذا؛ (صلاتُها) بالرفع؛ لأنَّه مفعول قام مقام الفاعل؛ ومعناه: أتكفي المرأة الصَّلاة الحاضرة، ولا يحتاج إلى قضاء عن الفائتة؟ أفاده إمام الشارحين، (إذا طَهُرت) بفتح الطاء المهملة، وضم الهاء؛ أي: من الحيض؛ (فقالت) أي: عائشة ﵂ لها: (أحَرُورية) بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى المخففة (أنتِ؟)؛ بكسر التاء، جملة من المبتدأ، وهو (أنتِ)، والخبر وهو (أحرورية)، دخلت عليها همزة الاستفهام الإنكاري، وفائدة تقديم الخبر الدلالة على الحصر؛ أي: أحرورية أنت لا غير؟ وهي نسبة إلى حروراء؛ قرية بقرب الكوفة، وكان أول اجتماع الخوارج فيها، وقال الهروي: (تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها)، فمعنى كلام عائشة هذا: أخارجية أنت؟ لأنَّ طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصَّلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع.\nوكبار فرق الحرورية ستة: الأزارقة، والصفرية، والنجدات، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على سيدنا علي الصدِّيق الأصغر ﵁، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي ﵄، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، وكان خروجهم على عهد علي الصدِّيق الأصغر ﵁ لما حكَّم أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وأنكروا على علي ﵁ في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله تعالى، وحكَّمت عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يومًا وقد خرجوا ثمانية آلاف وأميرهم ابن الكوا عبد الله، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس ﵃ فناظرهم، فرجع منهم ألفان وبقيت ستة آلاف، فخرج إليهم علي الصدِّيق الأصغر فقاتلهم، وكانوا يشددون في الدين ومنه: قضاء الصَّلاة على الحائض؛ إذ لم يسقط في كتاب الله عنها على أصلها.\nوقد قلنا: إن حروراء اسم قرية؛ وهي ممدودة، وقال بعضهم بالقصر أيضًا، حكاه أبو عبيد.\nوزعم أبو القاسم الغوراني أن حروراء هذه موضع بالشام وفيه نظر؛ لأنَّ عليًّا ﵁ إنَّما كان بالكوفة، وقتالهم له إنَّما كان هناك، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام؛ لأنَّ الشام لم تكن في طاعة علي ﵁، وعلى ذلك اتفق المؤرخون، والنسبة إلى حروراء حروراوي، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة، ولكنه نسب إلى البلد بحرف الزوائد، فقيل: الحروري، كذا قرره في «عمدة القاري»، وزاد في رواية مسلم: (قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل) قالت: يعني: أسأل سؤالًا لمجرد العلم لا للتعنُّت.\n (كنا) وللأصيلي: (قد كنا)؛ أي: نساء الصحابة ﵃ (نحيض مع النبي) الأعظم (ﷺ) أي: مع وجوده أو في عهده، والغرض منه: بيان أنه ﵇ كان مطلعًا على حالهنَّ من الحيض، وتركهنَّ الصَّلاة في أيامه، (فلا) وفي رواية الأصيلي: (ولا) (يأمرنا به) أي: وقد كان ﵇ لا يأمرنا بقضاء الصَّلاة، ولو كان واجبًا؛ لأمرهنَّ به، فإن التقرير على ترك الواجب غير جائز؛ فلا يجب قضاؤها، (أو قالت) أي: عائشة ﵂؛ فإنها المخبرة على ما وقع في عهده ﵇ في النساء الحُيَّض، وما زعمه القسطلاني من أنها معاذة خطأ ظاهر؛ لأنَّ معاذة سائلة، والجواب من عائشة، وهذا جوابها، نعم، الشك في الجواب من معاذة، كما يأتي؛ فافهم.\n (لا نفعله) أي: القضاء ولفظة (أو) للشك، قال الكرماني: والظاهر أنه من معاذة، وعند الإسماعيلي من وجه آخر: فلم نكن نقضي ولم نؤمر، كذا في «عمدة القاري»، وفي الحديث دليل: على أن الحائض لا تقضي الصَّلاة، ولا خلاف في ذلك بين الأمة إلا لطائفة من الخوارج، قال الزُهْرِي: (تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصَّلاة)، قال معمر: (قلت: عمَّن، قال: أجمع المسلمون عليه، وليس في كل شيء يجد الإسناد القوي، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم ولا الصَّلاة في الحال، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصَّلاة، وعليهما قضاء الصوم، والفرق بينهما: أن الصَّلاة كثيرة متكررة، فيشق قضاؤها، بخلاف الصوم؛ فإنه يجب في السنة مرة واحدة).\nومذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين: أنه يستحب للحائض والنفساء أن تتوضأ عند كل وقت صلاة،","vol":"1","page":183},{"text":"وتجلس في مسجد بيتها تسبح وتهلل مقدار أداء الصَّلاة لو كانت طاهرة حتى لا تبطل عادتها،\nوذكر في «معراج الدراية»: (يكتب لها أحسن صلاة كانت تصلي)، وروي عن عُقْبَة بن عامر: أنه كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصَّلاة، وتذكر الله تعالى، وتستقبل القبلة ذاكرة لله تعالى جالسة، وروي ذلك عن كثير من السلف منهم مكحول، وقال: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهنَّ، وقال عبد الرزاق: بلغني: أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة، وقال عطاء: (لم يبلغني ذلك وإنه لحسن).\nفإن قلت: هل الحائض مخاطبة بالصوم أم لا؟\nقلت: غير مخاطبة، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد، وقيل: مخاطبة به، مأمورة بتركه، كما يخاطب المحدث بالصَّلاة، وأنه لا تصح منه في زمن الحدث، وهذا غير صحيح، وكيف يكون الصوم واجبًا عليها ومحرمًا عليها بسببٍ لا قدرة لها على إزالته؟ بخلاف المحدث؛ فإنه قادر على الإزالة، انتهى.\nوقال أبو عمر: (وضوء الحائض عند وقت الصَّلاة أمر متروك عند جماعة الفقهاء، بل يكرهونه)، وقال أبو قلابة: (سألنا عنه؛ فلم نجد له أصلًا)، وقال سَعِيْد بن عبد العزيز: (ما نعرفه، وإنا لنكرهه).\nقلت: بل هذا أمر غير متروك استحبه جماعة من السلف؛ كالإمام الأعظم، وأصحابه، وعطاء، وعبد الرزاق، ومكحول، وعُقْبَة بن عامر، وكفى بذلك قدوة.\nوقول أبي قلابة: (سألنا عنه...) إلخ ليس بشيء؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافي، ولا ينافي عدم وجوده له عدم وجوده بالكلية، بل قد ثبت عند غيره وجوده، وأنه أمر معمول به.\nوقول ابن عبد العزيز: (ما نعرفه) لا يقتضي عدم معرفة غيره؛ فإنه إذا كان لم يقف عليه لا يلزم عدم وقوف غيره، بل فوق كل ذي علم عليم، لا سيما وقد علم من حال النساء التهاون في أمر العبادة، لا سيما الصَّلاة، فإذا كانت في حال الحيض تتوضأ تعتاد في غير الحيض؛ فيلزم عدم ترك الصَّلاة، وهذا وجه الاستحباب وهو أمر مرغوب إليه، وليس فيه مشقة ولا حرج، فأين تأتي الكراهة؟! بقي على النافي ثبوت دليل الكراهة، ومن أين له دليلها؟ وما هو إلا قول لا دليل عليه؛ لأنَّه لم يثبت نهي عن ذلك أصلًا، فإن كانت الكراهة لأمر خارجي؛ فهو غير صحيح؛ لأنَّ الأحكام لا تثبت إلا بدليل شرعي، وإن كان لأمر موهوم؛ فالأحكام لا تثبت بالوهم، وإن كان لأمر احتياطي؛ فالاحتياط فعله، وعلى كل لا دليل لنافي ذلك، ولا لثبوت الكراهة، فالحق ما عليه الإمام الأعظم والجمهور: من أنه أمر مرغوب فيه مستحب غير مكروه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٤٩\"> </span>(٢١) <span data-type=\"title\" id=toc-549>[باب النوم مع الحايض وهي في ثيابها]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (النوم مع) زوجته (الحائض) ومثلها: النفساء (وهي) أي: والحال أنها (في ثيابها) أي: التي هي معدة لحيضها، وهو جائز؛ لدلالة حديث الباب عليه، والمناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على حكم مختص بالحائض.\n\n <span id=\"b-٥٥٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-550>[حديث: حضت وأنا مع النبي في الخميلة فانسللت]</span>\n٣٢٢ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا سعْد) بسكون العين المهملة (بن حفص)؛ بالحاء والصاد المهملتين، هو المعروف بالضخم الطلحي الكوفي (قال: حدثنا شيبان) هو النحوي، (عن يحيى)؛ هو ابن أبي كثير بالمثلثة، (عن أبي سَلَمَة) بفتح السين المهملة، واللام، هو عبد الله أو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف الزُهْرِي المدني، (عن زينب بنت) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية: (ابنة) (أبي سَلَمَة)؛ بفتحات، هو عبد الله المذكور أنها (حدثته: أن أم سَلَمَة): هي أم المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية ﵂ (قالت: حِضت) بكسر الحاء المهملة (وأنا مع النبي) الأعظم، وللأصيلي: (مع رسول الله) (ﷺ في الخميلة) هي القطيفة ونحوها مما ينسج ويفضل له فضول، قاله السكري، وفي «الصحاح»: (هي الطنفسة)، وقال ابن سيده: (والخميصة: القطيفة)، قال الأصمعي: (الخمائص: ثياب خز أو صوف معلمة، وهي سود كانت من لباس الناس)، وفي «الصحاح»: (كساء أسود مربع معلم، وإن لم يكن معلمًا؛ فليس بخميصة)، (فانسللت) أي: ذهبت في خفية، (فخرجت منها)؛ أي: من الخميلة؛ لاحتمال وصول شيء من آلته ﵇، أو لأنَّها تقذرت نفسها، ولم يرضها لمضاجعته ﵇، أو خافت أن ينزل عليه الوحي فانسلت؛ لئلا يشغله حركتها عما هو فيه من الوحي أو غيره، (فأخذت ثياب حِيضتي)؛ بكسر الحاء المهملة، وهي حالة الحيض، هذا هو الصحيح المشهور، وزعم الكرماني أنه يحتمل الفتح.\nورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» بأنه لا يقال هنا بالاحتمال؛ فإن كلًّا منهما لغة ثبتت عن العرب، وهي أن الحِيضة بالكسر: الاسم من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيُّض؛ كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، فأما الحَيضة بالفتح؛ فالمرة الواحدة من دفع الحيض أو ثوبه، وتمامه فيه؛ فافهم.\n (فلبستها) أي: عوضًا عن ثيابي، (فقال لي رسول الله ﷺ) حين رأى مني ذلك (أنَفِست؟) بفتح النون، وكسر الفاء، وقيل: بضمِّ النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير، وفي «الواعي»: نُفست؛ بضمِّ النون: حاضت قيل: هذا هو الصحيح، فأما في الولادة؛ فنُفِست بضمِّ النون، وكسر الفاء، وتمامه في «عمدة القاري»، (قلت: نعم)؛ أي: نفست، (فدعاني فأدخلني معه في الخميلة)؛ وهي الخميلة الأولى؛ لأنَّ المعرفة إذا أعيدت معرفة؛ يكون الثاني عين الأول، قاله إمام الشارحين.\nوفي هذا الحديث دليل: على جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد، وهو محل المطابقة للترجمة.\nوفيه استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة.\nوفيه أن عرقها طاهر، وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ معناه: فاعتزلوا وطئهن.\n (قالت) أي: زينب، قال إمام الشارحين: (وظاهره التعليق، لكن السياق مشعر بأنه داخل تحت الإسناد المذكور) انتهى، وقولها: (حدثتني) بالتأنيث، والإفراد عطف على مقدر هو مقول القول؛ أي: على (قالت) الأول، أو عطف جملة كما في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]؛ أي: وليسكن زوجك (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ كان يقبلها وهو صائم) ففيه جواز تقبيل الرجل زوجته أو ولده الصغير وهو صائم، سواء كان في رمضان أو في غيره (وكنت) عطف على مقدر؛ تقديره: وقالت: كنت، وأظهر بعده؛ لصحة العطف عليه، وهو لفظ النبيِّ الأعظم ﷺ (أغتسل أنا والنبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ)؛ بالرفع والنصب، أما الرفع؛ فبالعطف على الضمير المرفوع في (كنت)، وأما النصب؛ فعلى أن (الواو) بمعنى: المصاحبة، وقوله: (أنا) ذكر؛ لأنَّ في عطف الظاهر على الضمير المستكن بدون تأكيد خلافًا، كما عرف في موضعه؛ فافهم.\n (من إناء واحد من الجنابة) كلمة (من) فيهما يتعلقان بقوله: (أغتسل)، ولا يمتنع هذا؛ لأنَّ الابتداء في الأول من عين، وهو الإناء، وفي الثاني من معنى: وهو الجنابة، وإنما تمنع إذا كان الابتداء من شيئين هما من جنس واحد؛ كزمانين؛ نحو: رأيته من شهر من سنة، أو مكانين؛ نحو: خرجت من البصرة من الكوفة؛ فافهم قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».\nوفي الحديث دليل: على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد.\nوفيه جواز استخدام الزوجات.\nوفيه طهارة الماء المستعمل.\nوفيه طهارة عرق الجنب، وكذا الحائض والنفساء.","vol":"1","page":184},{"text":"<span id=\"b-٥٥١\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-551>[باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر]</span>\nهذا (باب) في بيان (من اتخذ) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية الكشميهني، كما ذكره إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (باب من أعد)؛ بالعين والدال المهملتين من الإعداد، وفي رواية: (من أخذ) بوب عليه القسطلاني، ولم يعزها لأحد من الرواة، والعهدة عليه؛ لأني لم أر لها ذكر، ولهذا لم يتعرض لها إمام الشارحين، فالظاهر أنها خطأ أو سهو؛ فافهم؛ والمعنى: من اتخذ أو أعد من النساء (ثياب الحيض)؛ يعني: ثيابًا معدة للحيض (سوى ثياب الطهر)؛ يعني: سوى ثيابها التي تلبسها وهي طاهرة، والمناسبة بين البابين من حيث المذكور فيهما واحد؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٥٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-552>[حديث أم سلمة: بينا أنا مع النبي مضطجعة في خميلة]</span>\n٣٢٣ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُعاذ) بضمِّ الميم، آخره ذال معجمة (بن فُضَالة) بضمِّ الفاء وفتحها مع فتح الضاد المعجمة، هو أبو زيد الزهراني البصري (قال: حدثنا هشام) هو الدستوائي، (عن يحيى) هو ابن أبي كثير بالمثلثة، (عن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، (عن زينب بنت أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هي بنت أم سَلَمَة الصحابية بنت أم المؤمنين، (عن أم سَلَمَة)؛ بفتحات: وهي أم المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية رضي الله تعالى عنها (قالت: بينا) أصله (بين) فأشبعت فتحة النون بالألف، و(بينا) و(بينما) ظرفان؛ بمعنى: المفاجأة، ومضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه (إذ)، و(إذا)؛ فافهم.\n (أنا مع النبي) الأعظم (ﷺ مضطجعة) أصله: مضتجعة؛ لأنَّه من باب (الافتعال)، فقلبت التاء طاء، ويجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع؛ على الخبرية، وأما النصب؛ فعلى الحال (في الخَمِيلة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، وهي القطيفة ونحوها مما ينسج ويفضل له فضول، كما تقدم؛ (حِضت)؛ بكسر الحاء المهملة لا غير، جواب (بينا) وهو العامل فيه، (فانسللت) أي: ذهبت خفية؛ لاحتمال وصول شيء من آلته ﵇، أو لاستقذارها نفسها، أو لخوف نزول الوحي عليه (فأخذت ثياب حِيضتي)؛ بكسر الحاء المهملة لا غير؛ أي: فلبستها، فرآني النبي الأعظم ﷺ (فقال) لها: (أنَفِست؟)؛ بفتح النون، وكسر الفاء، وقيل: بضمِّ النون وفتحها، وفي الحَيض بالفتح لا غير، وفي «الواعي»: (بضمِّ النون: حاضت)، كما قدمناه، (فقلت) وفي رواية بإسقاط الفاء: (قلت) (نعم) أي: نفست، (فدعاني) إلى المكان الذي هو فيه، وأمرني (فاضطجعت معه في الخميلة) أي: القطيفة الأولى؛ لأنَّ المعرفة إذا أعيدت معرفة؛ يكون الثاني عين الأول، كما سبق.\nقال إمام الشارحين: (ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة)، وقال ابن بطال: إن قيل: هذا الحديث يعارض قول عائشة ﵂: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه).\nقيل: لا تعارض، فإن حديث عائشة في بدء الإسلام؛ لقيام الشدة والقلة، إذن قبل فتح الفتوح في الغنائم، فلما فتح عليهم؛ اتسعت واتخذت النساء ثيابًا للحيض سوى ثيابهن للباس، فأخبرت أم سَلَمَة عن ذلك الوقت) انتهى.\nوفي الحديث دليل على جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في لحاف واحد، وفيه استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة، وفيه: أن عرقها طاهر إلى غير ذلك مما قدمناه؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٥٥٣\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-553>[باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (شهود) أي: حضور المرأة (الحائض) ومثلها: النفساء يومي (العيدين) أي: الأضحى والفطر (ودعوةَ المسلمين)؛ بالنصب عطف على (العيدين)، وهي الاستسقاء، نص عليه الكرماني، واعترضه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» بأن دعوة المسلمين أعم من الاستسقاء على ما لا يخفى.\nقلت: وتبع الكرماني القسطلاني فقد وهم كما وهم، والحق أنها أعم، فتشمل صلاة الكسوف، والخسوف، والجنازة، وغيرها، كما يأتي بيانه؛ فليحفظ.\n (ويعتزلن) أي: حال كونهن يعتزلن، وفي رواية ابن عساكر: (واعتزالهن) (المصلى) وهو مكان الصَّلاة تحرزًا وتنزيهًا، وصيانة عن وقوع شيء منها في المصلى فيتنجس، وعن مخالطة الرجال من غير حاجة، ولا صلاة، بل وعن المخالطة مطلقًا ولو لحاجة؛ لفساد الزمان، وإنما لم يحرم دخولهن، وكذا الجنب؛ لأنَّه ليس بمسجد من كل وجه، وإنما جمعه؛ لأنَّ الحائض اسم جنس؛ فبالنظر إلى معناه يجوز الجمع والمناسبة بين البابين من حيث إن المذكور فيه حكم من أحكام الحيض، كما أن الحائض في الباب السابق كذلك؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٥٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-554>[حديث حفصة: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين]</span>\n٣٢٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي ذر: (محمَّد بن سلام)، وفي رواية كريمة: (محمَّد هو ابن سلَام)؛ بتخفيف اللام، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، والمراد به: البيكندي (قال: حدثنا) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة: (أخبرنا) (عبد الوهاب)؛ هو الثقفي بالمثلثة، (عن أيُّوب) هو السختياني، (عن حفصة) هي بنت سيرين أم الهذيل الأنصارية البصرية أخت محمَّد بن سيرين أنها (قالت: كنا نمنع عواتقَنا) بالنصب مفعول (نمنع)، وهذه الجملة في محل النصب؛ لأنَّها خبر (كنا)، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: (والعواتق جمع عاتق؛ بمعنى: شابة أول ما أدركت؛ فخدرت في بيت أهلها، ولم تفارق أهلها إلى زوج)، وفي «الموعب»: قال أبو زيد: (العاتق من النساء: التي أدركت وبين التي قد عنست، والعاتق: التي لم تتزوج)، وعن الأصمعي: (هي من الجواري فوق المعصر)، وعن أبي حاتم: (هي التي لم تبن عن أهلها)، وعن ثابت: (هي البكر التي لم تبن إلى الزوج)، وعن ثعلب: (سميت عاتقًا؛ لأنَّها عتقت عن خدمة أبويها ولم يملكها زوج بعد)، وفي «المخصص»: (التي أوشكت البلوغ)، وقال الأزهري: هي الجارية التي قد أدركت وبلغت ولم تتزوج، وقيل: هي التي بلغت أن تدرع، وعتقت من الصبا (^١) والاستعانة بها في مهنة أهلها) انتهى.\n (أن يخرجن) أي: من أن يخرجن، و(أن) مصدرية؛ أي: من خروجهن (في العيدين) الأضحى والفطر إلى المصلى، (فقدِمت)؛ بكسر الدال المهملة المخففة (امرأة) قال إمام الشارحين: (لم أقف على اسمها) (فنزلت قصر بني خلف) كان بالبصرة، منسوب إلى طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بـ (طلحة الطلحات)، كذا زعمه ابن حجر.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ليس منسوبًا إلى طلحة، بل هو منسوب إلى خلف جد طلحة المذكور، وكذا جاء مبينًا في رواية) انتهى.\n (فحدثت عن أختها) قيل: هي أخت أم عطية، وقيل: غيرها، ونص القرطبي على أنها أم عطية، قاله إمام الشارحين (وكان زوج أختها) قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (لم أقف على اسمه)؛ فافهم، (غزا مع النبي) الأعظم، وللأَصيلي: (مع رسول الله) (ﷺ ثنْتي)؛ بسكون النون، وقيل: بكسرها (عشرة غزوة) كذا في رواية الأَصيلي، وفي رواية غيره بإسقاط لفظ (غزوة) فقط: (وكانت أختي) أي: قالت المرأة المحدثة: (كانت أختي)، ولا بد من تقدير قالت حتى يصح المعنى، وتقدير القول في الكلام غير عزيز؛ فافهم، (معه) أي: مع زوجها أو مع النبي الأعظم ﷺ (في ست) أي: في ست غزوات، وروى الطبراني: أنها غزت معه سبعًا، كذا في «عمدة القاري»، (قالت)؛ أي: الأخت لا المرأة (كنا) وإنما قالت: (كنا) بلفظ الجمع؛\n_________\n(^١) في الأصل: (الصباء).","vol":"1","page":184},{"text":"لبيان فائدة حضور النساء الغزوات على سبيل العموم، قاله إمام الشارحين (نداوي)؛ بضمِّ النون، من المداواة (الكَلْمَى) بفتح الكاف، وسكون اللام، وفتح الميم، جمع كليم، وهو على القياس؛ لأنَّه فعيل بمعنى: مفعول، والمراد به: الجرحى، وقال ابن سيده: جمع كليم كلوم، وكلام، وكلمة، وتكلمة، وتكلمة من باب (نصر ينصر)، و(ضرب يضرب)، وكلمًا؛ بالفتح مصدره، وكلمه جرحه، ورجل مكلوم وكليم)، وفي «الصحاح»: (التكليم: التجريح)، قاله في «عمدة القاري»، وقوله: (ونقوم على المَرْضى) بفتح الميم، وسكون الراء محمول عليه؛ لأنَّ الكلمى هو: المرضى، إلا أن يقال: الكلمى: الجرحى، والمرضى: من به مرض غير الجراحة؛ فليحفظ\nيدل لما قلنا قولها في الأول: (نداوي)، وفي الثاني: (نقوم)، فدل على المغايرة؛ فافهم.\n (فسألتْ) بتاء التأنيث (أختي النبي) الأعظم (ﷺ) عن عدم تسترهن بحضرة الكلمى والمرضى حيث يتعاهدنهم، فقالت له: (أعلى إحدانا) الهمزة فيه للاستفهام (بأس) أي: حرج وإثم بفعلنا ذلك (إذا) وللأصيلي: (إن) (لم يكن لها جِلْباب؟)؛ بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحدتين بينهما ألف؛ وهو خمار واسع كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وتجلبت المرأة وجلببها غيرها، ولم يدغم؛ لأنَّه ملحق، وفي «المحكم»: (الجلباب: القميص، وقيل: ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، وقيل: ما يغطى به الثياب من فوق كالملحفة)، وفي «الصحاح»: (الجلباب: الملحفة، والمصدر: الجلبية، ولم يدغم؛ لأنَّها ملحقة بدحرجة)، وفي «الغريبين»: (الجلباب: الإزار، وقيل: هي الملاءة التي تشتمل بها)، وقال القاضي عياض: (هي أقصر من الخمار وأعرض، وهي المقنعة، وقيل: هي الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها)، كذا قاله في «عمدة القاري»، (ألَّا تخرج)؛ أي: ليلًا تخرج، و(أن) مصدرية؛ أي: لعدم خروجها إلى المصلى للعيد (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (لتلبسْها)؛ بجزم السين المهملة، وقوله: (صاحبتُها)؛ بالرفع فاعله، وفي رواية: (فتلبسُها)؛ برفع السين المهملة، وبالفاء بدل اللام (من جلبابها) أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: تشركها معها في لبس الثوب الذي عليها، وهذا مبني على أن يكون الثوب واسعًا حتى يسع فيه اثنان، وفيه نظر كما ما سيأتي في باب (إذا لم يكن لها جلباب في العيدين)، وقيل: هو مبالغة؛ ومعناه: يخرجن ولو كانت ثنتان في ثوب واحد، كذا قاله إمام الشارحين.\nقلت: والأظهر الثاني؛ يعني: أنَّه على سبيل المبالغة؛ لأجل الجزر، ولئلا يتحيلن في عدم الجلباب، وهو أقرب إلى الصواب، والله أعلم.\n (ولتشهد الخير) أي: ولتحضر مجالس الخير؛ كسماع الحديث، والعلم، وعيادة المريض، ونحو ذلك، (ودعوة المسلمين) كلام إضافي منصوب عطفًا على (الخير)، وذلك كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، وفي رواية الكشميهني: (ودعوة المؤمنين)، قالت حفصة: (فلما قدِمت) بكسر الدال المهملة المخففة (أم عطية) واختلف في اسمها فقيل: نُسيبة؛ بضمِّ النون، وقيل: بفتح النون، وكسر السين المهملة، كذا زعمه الخطيب، وزعم القشيري: أنها بنون، وشين معجمة، وزعم ابن الجوزي أنها لُسَيْنَة؛ بلام مضمومة، وسين مهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة، ونون مفتوحة، واختلف أيضًا في اسم أبيها فقيل: الحارث، وقيل: كعب؛ (سألتها) أي: سألت حفصة أم عطية: (أسمعت النبيَّ) الأعظم (ﷺ) الهمزة فيه للاستفهام؛ وتقديره: هل سمعت النبي الأعظم ﷺ يقول المذكور؟ والمفعول الثاني محذوف، وقد قدمنا أن النحاة اختلفوا في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين؛ فالمانعون يجعلون الثاني حالًا، كذا في «عمدة القاري» (قالت)؛ أي: أم عطية (بأبِيْ)؛ بموحدة بعدها همزة، ثم موحدة مكسورة، ثم تحتية ساكنة، هذه الرواية المشهورة، وفي رواية الكشميهني: (بيبي (^١»؛ بقلب الهمزة ياء تحتية، وفي رواية الأصيلي: (بأبا)؛ بفتح الموحدة، وإبدال ياء المتكلم ألفًا، وفي رواية: (بيبا)؛ بقلب الهمزة ياء، وفتح الموحدة، قال إمام الشارحين بعد ذكر اللغات الأربع قلت: الباء في (بأبي) متعلقة بمحذوف؛ تقديره: أنت مفدى بأبي، فيكون المحذوف اسمًا، وما بعده في محل الرفع على الخبرية، ويجوز أن يكون المحذوف فعلًا؛ فعلى تقديره يكون المحذوف فديتك، ويكون ما بعده في محل النصب، وهذا المحذوف حذف؛ طلبًا للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، واللغتان الأولتان فصيحتان، وأصل بابا: بأبي هو، ويقال: بأبأت (^٢) الصبي؛ إذا قلت له: بأبي أنت وأمي؛ فلما سكنت الياء؛ قلبت ألفًا، وفي رواية الطبراني: (بأبي هو وأمي) انتهى.\n (نعم) أي: سمعته يقول المذكور، (وكانت) أي: أم عطية (لا تذكره) أي: النبي الأعظم ﷺ (إلا قالت: بأبي) أي: النبي الأعظم ﷺ مفدى بأبي أو أنت مَفْديٌّ بأبي، ويحتمل أن يكون قسمًا؛ أي: أقسم بأبي، لكن الوجه الأول (^٣) أقرب إلى السياق، وأظهر، وأولى، قاله في «عمدة القاري»، (سمعته يقول)؛ فالجملة إما مفعول ثان، أو حال على اختلاف القولين، قال إمام الشارحين: وهذا ليس من تتمة المستثنى؛ لأنَّ الحصر هو في قوله: (بأبي) فقط بقرينة ما تقدم من قولها: (بأبي، نعم) انتهى.\n (تخرج) أي: لتخرج (العواتق) وهذا خبر متضمن للأمر؛ لأنَّ إخبار الشارع عن الحكم الشرعي متضمن للطلب، لكنه هنا للندب لدليل آخر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، (وذوات) فيه ثلاث روايات؛ الأولى: بواو العطف، والثانية: بلا واو، ويكون صفة للـ (العواتق)، والثالثة: (ذات)؛ بالإفراد، فالأولى: رواية الحمُّوي وكريمة، والثانية: أبي ذر عن الكشميهني، والثالثة: رواية الأصيلي، (الخُدور) بضمِّ الخاء المعجمة، والدال المهملة، جمع خِدْر بكسر الخاء، وسكون الدال؛ وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وقال ابن سيده: الخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلما واراك (^٤) من البيت ونحوه خدر، والجمع خدور، وأخدار، وأخادير جمع الجمع، والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهودج مخدور، ومخدَّر (^٥)، وخدر، وقد أخدر الجارية، وخدرها، وتخدرت هي، واختدرت، وفي «المخصص»: الخدر: ثوب يمد في عرض الخباء، فتكون فيه الجارية البكر، وقيل: هو هودج، وقال ابن قرقول: سرير عليه ستر، وقيل: الخدر: البيت، كذا قرره إمام الشارحين، - (أو العواتق ذوات الخدور) على الشك- وأكثر النسخ بإسقاط الشك، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني، والأصيلي: (ذات الخدر) بغير واو فيهما؛ والمعنى: لتخرج الأبكار الشابة أصحاب التستر (والحُيَّض) بضمِّ الحاء المهملة، وتشديد المثناة التحتية، جمع حائض، وهو معطوف على (العواتق)، (وليشهدن) وفي رواية ابن عساكر: (ويشهدن) (المخير) أي: مجالس الخير؛ كمجلس وعظ ونحوه، قال في «عمدة القاري»: (وليشهدن) عطف على قوله: (يخرج العواتق).\nفإن قلت: كيف يعطف الأمر على الخبر؟\nقلت: الخبر من الشارع من الأحكام الشرعية محمول على الطلب، فمعناه: لتخرج العواتق وليشهدن) انتهى.\n (ودعوة المسلمين) وفي رواية: (ودعوة المؤمنين) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء ونحوه، (ويعتزلن) بلفظ الجمع على لغة (أكلوني البراغيث)، وفي رواية: (يعتزل)؛ بالإفراد (الحُيَّض) بضمِّ المهملة، وتشديد التحتية، جمع حائض (المصلى)؛ أي: مكان الصَّلاة، وهو المساجد؛ فإنهن\n_________\n(^١) في الأصل: (بيني)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (بأبات)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (أول)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (ورك)، وهو تحريف.\n (^٥) في الأصل: (محذور ومحدرز)، والمثبت موافق لما في «المحكم».","vol":"1","page":185},{"text":"يمنعن من دخولها؛ كالجنب والنفساء، (قالت حفصة)؛ أي: الراوية (فقلت) أي: لأم عطية: (آلحيض؟!) بهمزة ممدودة على الاستفهام التعجبي من إخبارها بشهود الحيض، (فقالت)؛ أي: أم عطية: (أليس)؛ بهمزة الاستفهام (تشهد) أي: الحيض، واسم (ليس) ضمير الشأن، وفي رواية الكشميهني: (أليستْ تشهد)؛ بالتاء التأنيث في (ليس)، وفي رواية الأصيلي: (ألسن يشهدن)؛ بنون الجمع في (ألسن) مع همزة الاستفهام (عرفة) فيه الظرف محذوف؛ أي: يوم عرفة في عرفات، (وكذا) أي: نحو منًى والمزدلفة، (وكذا)؛ أي: نحو صلاة الاستسقاء وغيرها؟\nففيه دليل: على أن الحائض لا تهجر ذكر الله ﷿.\nوفيه دليل: على جواز استعارة الثياب للخروج إلى طاعة الله ﷿.\nوفيه غزو النساء، ومداواة الجرحى وإن كنَّ غير ذي محارم منها.\nوفيه دليل: على قبول خبر المرأة.\nوفي قوله: (كنا نداوي) جواز فعل الأعمال التي كانت في زمن النبيِّ الأعظم ﷺ، وإن كان لم يجز شيئًا من ذلك.\nوفيه دليل: على جواز النقل عمن لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة وغيرهم إذا بين مسألة ودل عليه.\nوفيه دليل: على امتناع خروج النساء بدون الجلابيب.\nوفيه جواز تكرار يأتي في الكلام.\nوفيه جواز السؤال بعد رواية العدل عن غيره؛ تقوية لذلك.\nوفيه جواز شهود الحائض عرفة.\nوفيه دليل على وجوب صلاة العيدين، وزعم القرطبي أنه لا يستدل بذلك على الوجوب؛ لأنَّ هذا إنَّما توجه لمن ليس بمكلف بالصَّلاة باتفاق، وإنما المقصود والندب على الصَّلاة والمشاركة في الخير، وإظهار كمال الإسلام، وزعم القشيري أن أهل الإسلام إذ ذاك كانوا قليلين) انتهى.\nقلت: وهذا غير صحيح؛ فإن في الحديث دليل واضح: على وجوب صلاة العيدين؛ لأنَّ قوله: (وليشهدن الخير ودعوة المسلمين) أمر من الشارع، وهو وإن كان محمولًا على الندب بدليل آخر إلا أنه هنا المراد به: الطلب في الشهود، وهو يقتضي الوجوب؛ لأنَّه أمر من الشارع، فإذا كان شهود الحائض التي هي غير مكلفة وقتئذٍ مطلوبًا؛ فكيف بالمكلف الطاهر؟ فيجب عليه ذلك وهو دليل الوجوب؛ لا سيما وقد واظب على صلاة العيدين النبيُّ الأعظم ﷺ ومن بعده كالخلفاء الراشدين وغيرهم؛ والمواظبة دليل الوجوب قطعًا، فكان كالإجماع على وجوبها، وسوف يأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى.\nوقال الخطابي: (فيه دليل على أنهن يشهدن مواطن الخير ومجالس العلم، خلا أنهن لا يدخلن المساجد).\nقلت: فيه نظر؛ فإن مصلى العيدين مسجد، وقد أبيح لهن دخوله؛ فافهم.\nوقال ابن بطال: (فيه جواز خروج النساء الطاهرات والحُيض إلى العيدين، وشهود الجماعات، وتعتزل الحُيض المصلى، ولكن فيمن تدعو وتؤمن رجاء بركة المشهد الكريم)، وقال القاضي عياض: وقد اختلف السلف في خروجهن؛ فرأى جماعة ذلك حقًّا؛ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وآخرون (^١) ﵃، ومنعهن جماعة؛ منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، ومالك، والإمام أبو يوسف، وأما الإمام الأعظم؛ فأجازه مرة، ومنعه مرة أخرى، وفي «الترمذي»: (وروي عن ابن المبارك: أكره اليوم خروجهن في العيدين، فإن أبت المرأة إلا تخرج؛ فلتخرج في أطهارها بغير زينة، فإن أبت ذلك؛ فللزوج أن يمنعها)، ويروى عن الثوري: أنه كره اليوم خروجهن.\nقال إمام الشارحين: (قلت: اليوم الفتوى على المنع مطلقًا، ولا سيما في الديار المصرية) انتهى.\nقلت: ولا سيما في ديارنا الشامية، بل المنع لهن كان واجبًا، وقوله: (مطلقًا) يعني: في جميع الصلوات ولو كانت عجوزًا ولو كانت غير متزينة، كيف ما كانت؛ لفساد الزمان؛ فإن المعاصي قد تجاهروا بفعلها، والأعمال الصالحات قد تركوا العمل بها، فالفساق في الأسواق كثير، لا سيما بالمساجد العظام، ولا أحد ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف؛ فالمنع واجب، ولا يخفى أن هذا اختلاف زمان لا حجة وبرهان.\nوقال النووي: (قال أصحابنا -يعني: الشافعية-: يستحب إخراج النساء في العيدين غير ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة، بخلاف اليوم، وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: (لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهنَّ المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل) انتهى.\nقلت: فقد اعترف بأنه اختلاف زمان، وعليه؛ فالمنع واجب وهو اتفاق؛ فافهم، وفيه اعتزال الحُيض من المصلى، واختلفوا فيه؛ فقال الجمهور: هو منع تنزيه، وسببه: الصيانة والاحتراز عن مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنَّه ليس بمسجد (^٢)، كذا قاله إمام الشارحين.\nوزعم ابن حجر أنه يحرم المكث في المصلى عليها، كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنَّه موضع الصَّلاة؛ فأشبه المسجد، قال صاحب «عمدة القاري»: (والصواب الأول).\nقلت: ووجهه أن المصلى حكمه حكم الصحراء؛ بدليل: أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يصلي العيدين في الصحراء، وأصحابه بعده كذلك، فاتخذ المصلى؛ صيانة لحرمة الصَّلاة.\nوقول هذا القائل: (يحرم...) إلخ ممنوع؛ فلا وجه للحرمة في ذلك، ولا دليل يدل عليها، ولا بدَّ لها من دليل قطعي ولم يوجد؛ فلا يحرم عليها المكث في المصلى، ومثلها الجنب والنفساء، وقوله: (لأنَّه موضع الصَّلاة) ممنوع؛ فإن الصحراء موضع الصَّلاة، ولم يسع أحدًا أن يقول بحرمة مكثها فيها، وقوله: (فأشبه المسجد) ممنوع أيضًا، كما لا يخفى؛ فإن المشبه لا يعطى له حكم المشبه به من كل وجه، وكيف خفي هذا على هذا القائل؟ فإن المصلى قد أشبه المسجد في الاجتماع للصلاة، والصَّلاة فيه لا في حرمة دخول الحائض والجنب؛ فإن ذلك مباح لهما، وحديث الباب محمول على المنع التنزيهي (^٣) بسبب المخالطة، كما قدمناه؛ فافهم.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: الأمر بالاعتزال للوجوب؛ فهل الشهود والخروج أيضًا واجبان؟ قلت: ظاهر الأمر الوجوب، لكن علم من موضع آخر أنه ههنا للندب) انتهى.\nواعترضه ابن حجر فزعم أن الكرماني قد أغرب حيث قال: الاعتزال واجب، والخروج مندوب.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لم يقل الكرماني بوجوب الاعتزال وندبية الخروج من هذا الموضع خاصة حتى يكون مغربًا، وإنما صرح بقوله: إن الأمر بالاعتزال للوجوب، وأما ندبية الخروج؛ فمن موضع آخر) انتهى.\nقلت: فإن دأب ابن حجر الاعتراض على الشراح وإن كان غير صواب حتى يقال وقد قيل: ولا ريب أن ذلك من طول اللسان وكثرة الرياء المحبط للأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (وآخرين)، ليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (مسجد)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (الننزيه)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":185},{"text":"<span id=\"b-٥٥٥\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-555>[باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين في بيان حكم الحائض (إذا حاضت)؛ أي: المرأة، وبه صرح في رواية (في الشهر) أي: الواحد، وفي رواية بدون الألف واللام (ثلاث حِيَض) بكسر الحاء المهملة، وفتح المثناة التحتية، جمع حيضة، (و) في بيان (ما) أي: مدة (يُصدَّق)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، وتشديد الدال المهملة المفتوحة (النساء) أي: البالغات فيها بإدعائهن (في الحيض) أي: في مدة الحيض (والحمل) أي: في مدة الحمل، وفي رواية ابن عساكر: (والحبَل)؛ بفتح الموحدة المفتوحة، (وفيما)؛ بالفاء، وفي رواية ابن عساكر: (وما) (يمكن من الحيض) هذا متعلق بقوله: (تصدق)؛ أي: تصدق فيما يمكن تكرار الحيض، ولهذا لم يقل: وفيما يمكن من الحمل؛ لأنَّه لا معنًى للتصديق في تكرار الحمل، أفاده إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ يعني: فإذا لم يمكن؛ لم تصدق؛ (لقول الله تعالى) وفي رواية بإسقاط لفظ الجلالة، وثبوت الضمير في (قول)، وفي رواية الأصيلي: (﷿) (﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) هذا تعليل للتصديق، ووجه الدلالة عليه: أنها إذا لم يحل لها الكتمان؛ وجب عليها الإظهار، فلو لم تصدق فيه؛ لم يكن للإظهار فائدة، وروى الطبراني بإسناد صحيح عن الزُهْرِي قال: بلغنا أن المراد بما خلق الله في أرحامهن: الحمل والحيض، ولا يحل لهن أن يكتمن ذلك لتنقضي العدة، ولا يملك الزوج العدة إذا كانت له، وروي بإسناد حسن عن ابن عمر قال: (لا يحل لها إذا كانت حائضًا أن تكتم حيضها، ولا إذا كانت حاملًا أن تكتم حملها)، وعن مُجَاهِد: (لا تقول: إني حائض، وليست بحائض، ولا لست بحائض وهي حائض، وكذا في الحمل)، أفاده إمام الشارحين.\nقلت: وفي هذه الآية دليل على أن قولها مقبول في ذلك؛ لأنَّ أمر العدة لما كان مبنيًّا على انقضاء القروء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل، وكان الوصول إلى علم ذلك متعذرًا على الرجال؛ جعلت المرأة أمينة في ذلك، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وزاد في رواية الأصيلي: (إن كن يؤمن)، فقد أغلظ الله تعالى القول عليهنَّ؛ حيث قال: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء وتعظيم بليغ لفعلهن؛ حيث بين أن من آمن بالله وبعقابه؛ لا يجترئ على مثله من العظائم، فظهر (^١) بما ذكر أن ليس المراد به: أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة؛ لأنَّ المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء؛ فليحفظ.\n (ويُذكر)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، فهو على صيغة المجهول، وسيأتي ما فيه؛ فافهم، (عن علي) هو الصديق الأصغر ابن أبي طالب ﵁، (و) عن (شريح) بالشين المعجمة، بعدها راء مهملة، بعدها مثناة تحتية، ثم حاء مهملة، هو ابن الحارث -بالمثلثة- الكندي أبو أمية الكوفي، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذي كانوا باليمن، أدرك النبيَّ الأعظم ﷺ ولم يلقه، استقضاه عمر بن الخطاب ﵁ على الكوفة، وأقره من بعده إلى أن ترك هو بنفسه زمن الحجاج، كان له مئة وعشرون (^٢) سنة، مات عام ثمانية وتسعين، وهو أحد الأئمَّة الأعلام، وهذا التعليق بلفظ التمريض قد وصله الدارمي فقال: أنبأنا يعلى بن عبيد: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر -هو الشعبي- قال: جاءت امرأة إلى علي ﵁ تخاصم زوجها طلقها، فقالت: حضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: اقض بينهما، قال: يا أمير المؤمنين؛ وأنت ههنا، قال: اقض بينهما، قال شريح: (إن جاءت)، وفي رواية كريمة: (إنِ امرأة جاءت)؛ بكسر النون (ببينة من بِطانة)؛ بكسر الموحدة، أي: من خواص (أهلها) إنَّما خصهم بذلك؛ لأنَّهم أقرب إلى الاضطلاع على ذلك (ممن يرضى دينه) وأمانته؛ أي: بأن يكون من أهل الديانة والصلاح عدلًا.\nزعم القاضي إسماعيل ليس المراد: أن تشهد النساء أن ذلك وقع، وإنما هو فيما ترى أن يشهدن أن هذا يكون، وقد كان في نسائهن.\nورده إمام الشارحين بأن سياق الحديث يدفع هذا التأويل؛ لأنَّ الظاهر منه أن المراد: أن يشهدن بأن ذلك وقع منها، وكان مراد إسماعيل: رد هذه القصة إلى موافقة مذهبه) انتهى.\nقلت: يعني: ترويجًا لما ذهب إليه إمامه الشافعي، وإن كان خلاف الظاهر المتبادر، ومذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين: أن المرأة لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا، قال ابن بطال: وبه قال الإمام محمَّد بن الحسن، والثوري، وعند الشافعي: تصدق في ثلاثة وثلاثين يومًا، وعن أبي ثور: في تسعة وأربعين يومًا، وذكر ابن أبي زيد عن سحنون أقل العدة أربعون يومًا.\n (أنها حاضت في شهر) وفي رواية ابن عساكر: (في كل شهر) (ثلاثًا) أي: ثلاث حيض، تطهر عند كل قرء وتصلي؛ جاز لها، وإلا؛ فلا، قال عليٌّ: قالون: ومعناه بلسان الرومية: أحسنت، ورواه ابن حزم عن الشعبي أيضًا: (أن عليًّا أتي برجل طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض في شهر، أو خمسًا في شهر، أو خمسًا (^٣) وثلاثين ليلة، فقال علي لشريح: اقض بينهما، فقال: إن جاءت بالبينة من النساء العدول من بطانة أهلها من يرضى صدقه وعدله؛ أنها رأت ما يحرم عليها الصَّلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي فيه؛ فقد انقضت عدتها، وإلا؛ فهي كاذبة، فقال عليٌّ: قالون: معناه: أصبت)، قال ابن حزم: (هذا نص قولها) انتهى.\n (صُدِّقت) بضمِّ الصاد المهملة، وكسر الدال المهملة المشددة، ففيه المطابقة لما ترجم له من قوله: (وما يصدق النساء...) إلى آخره؛ لأنَّ المراد: ما يصدق النساء فيما يمكن من مدة الشهر، والشهر يمكن فيه ثلاث حيض خصوصًا على قول مالك والشافعي، فإن أقل الحيض عند مالك في حق العدة ثلاثة أيام، وفي ترك الصَّلاة والصوم وتحريم الوطء دفعة، وعند الشافعي في الأشهر: أن أقله يوم وليلة، وهو قول أحمد ابن حنبل.\nفإن قلت: عند الأئمَّة الحنفية أقل الحيض ثلاثة أيام؛\n_________\n(^١) في الأصل: (فطهر)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (وعشرين)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (خمس... خمس)، وهو تحريف.","vol":"1","page":186},{"text":"فلم شرطوا في تصديقها بستين يومًا على مذهب الإمام الأعظم؟\nقلت: لأنَّ أقل الطهر عندهم خمسة عشر يومًا، فإذا أقرت بانقضاء عدتها؛ لم تصدق في أقل من ستين يومًا؛ لأنَّه يجعل كأنه طلقها أول الطهر وهو خمسة عشر يومًا، وحيضها خمسة اعتبارًا للعادة، فتحتاج إلى ثلاثة أطهار وثلاث حيض، انتهى.\nوفي «الملتقى» و«شرحه»: (ومن قالت: مضت عدتي بالحيض؛ فالقول لها مع اليمين؛ لأنَّه لا يعلم إلا من جهتها إن مضى عليها ستون يومًا عند الإمام الأعظم، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن: تسعة وثلاثون يومًا وثلاث ساعات للاغتسال)، وقول الإمام هو المختار، كما في «الخانية»، وقيد بالحيض؛ لما في «القنية»: (قالت: انقضت عدتي في يوم أو أقل؛ تصدق أيضًا وإن لم تقل: أسقطت؛ لاحتماله)، قال في «النهر»: (والظاهر أنه لا بد من بيانها صريحًا)؛ ففي «البزازية»: (قالت: ولدت؛ لم يقبل قولها إلا ببينة، ولو قالت: أسقطت سقطًا متبين الخلق؛ قبل قولها، وله أن يحلفها)، وفي «الخلاصة»: (قالت: طلقني زوجي وانقضت عدتي، ووقع في قلبه صدقها وهي عدلة، أو لا؛ حل له تزوجها، وإن قالت: وقع نكاح الأول فاسدًا؛ لم تحل ولو عدلة) انتهى.\nقلت: وهذا الأثر المعلق لا يعارض ما قاله الإمام الأعظم ﵁؛ لأنَّه غير قوي، ولهذا ذكره المؤلف بلفظ التمريض وهو يدل على ضعفه، ووجهه أنهم اختلفوا في سماع الشعبي من علي ﵁، فقال الدارقطني: (لم يسمع منه إلَّا حرفًا (^١) ما سمع غيره)، وقال الحازمي: (لم يثبت أئمة الحديث سماع الشعبي من علي)، وقال ابن القطان: (منهم من يُدخل بينه وبين عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسنُّه محتمل لإدراك علي).\nقال صاحب «التلويح»: (وكأن البخاري لمح هذا في علي لا في شريح؛ لأنَّه مصرح بسماع الشعبي منه؛ فينظر في تمريضه الأثر عنه على رأي من يقول: إنه إذا ذكر شيئًا بغير صفة الجزم؛ لا يكون صحيحًا عنده وكأنه غير جيد؛ لأنَّه ذكر في «الغنيمة»: ويذكر عن أبي موسى: «كنا نتناوب»؛ بصيغة الجزم وهو سند صحيح عنده) انتهى.\nقلت: وهذا غير صحيح؛ فإن ذكر البخاري هذا الأثر المعلق بصيغة التمريض هنا دليل على عدم صحته، يدل لهذا: أنهم اختلفوا في سماع الشعبي من علي، كما علمت؛ فلأجل (^٢) الاختلاف فيه ذكره بصيغة التمريض، ولو كان صحيحًا؛ لذكره بصيغة الجزم، وما ذكره في «الغنيمة» عن أبي موسى؛ فإن هناك قرائن وعلامات تدل على صحته، فالصحة جاءت من القرائن لا من لفظ التمريض، وجمهور المحدثين قالوا: إذا ذكر البخاري تعليقًا بصيغة التمريض؛ لا يكون صحيحًا وهو ظاهر؛ لأنَّه لو كان صحيحًا؛ لما وسعه أن يذكره كذلك، بل يذكره بصيغة الجزم، والله تعالى أعلم.\n (وقال عطاء) بالمد، هو ابن أبي رباح، مما وصله عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه قال: (أقراءها) جمع قرء، والقُرْء؛ بضمِّ القاف وفتحها، مع سكون الراء؛ وهو الحيض؛ لما في «البخاري» من أنه ﵇ قال: «دعي الصَّلاة أيام أقرائك»، وقد يطلق على الطهر الفاصل بين الحيضتين؛ كقول الأعشى:\nمورثة مالًا وفي الحي رفعة... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nفهو من الأضداد يقع على الحيض والطهر، وأكثر استعماله في كلام العرب في الحيض، واختلفوا في أنه حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر، أو حقيقة فيهما، والمشهور الأول، وقال جماعة بالثاني وهو بعيد يرده الأحاديث؛ فإن أكثر استعمالها في الحيض، وسيأتي تمامه قريبًا إن شاء الله تعالى؛ فليحفظ، (ما كانت)؛ أي: أقراؤها في زمن العدة ما كانت قبل العدة، فلو ادعت في زمن الاعتداد أقراء معدودة في مدة معينة في شهر مثلًا؛ فإن كانت معتادة بما ادعتها؛ فذاك، وإن ادعت في العدة ما يخالف ما قبلها؛ لم يقبل، كذا في «عمدة القاري»، (وبه) أي: بما قاله عطاء (قال إبراهيم) هو النخعي، مما وصله عبد الرزاق أيضًا عن أبي مسعر، عن إبراهيم، (وقال عطاء)؛ بالمد، هو ابن أبي رباح (الحيض يوم إلى خمسة عشر) هذا إشارة إلى أن أقل الحيض يوم، وأكثره خمسة عشر يومًا، وهذا التعليق وصله الدارمي بإسناد صحيح عنه قال: (أقصى الحيض خمسة عشر، وأدنى الحيض يوم وليلة)، ورواه الدارقطني عنه قال: (أدنى وقت الحيض يوم، وأكثره خمسة عشر).\nوقد اختلف العلماء في أقل مدة الحيض وأكثره؛ فمذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: أقله ثلاثة أيام بلياليها وما نقص عن ذلك؛ فهو استحاضة، وأكثره عشرة أيام بلياليها، وما زاد على ذلك؛ فهو استحاضة.\nوقال الإمام أبو يوسف: أقله يومان، والأكثر من اليوم الثالث، ودليل الإمام الأعظم: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الحيض ثلاث، وأربع، وخمس، وست، وسبع، وثمان، وتسع، وعشر، فإذا زاد؛ فهو استحاضة»، رواه الدارقطني، وقال: لم يروه غير هارون بن زياد، وهو ضعيف الحديث.\nوحديث أبي أمامة ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: «أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة، وأكثره ما يكون عشرة أيام، فإذا زاد؛ فهو استحاضة»، رواه الطبراني، وكذا الدارقطني، وفي سنده عبد الملك مجهول، والعلاء بن كثير ضعيف الحديث.\nوحديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام»، رواه الدارقطني، وفي سنده حمَّاد بن منهال مجهول.\nوحديث معاذ بن جبل: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة\n_________\n(^١) في الأصل: (خرفًا)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (فالأجل)، وهو تحريف.","vol":"1","page":186},{"text":"أيام، فما زاد على ذلك؛ فهي استحاضة تتوضأ لكل صلاة إلا أيام أقرائها»، رواه ابن عدي في «الكامل»، وفي مسنده محمَّد بن سَعِيْد، قال ابن معين: (يضع الحديث).\nوحديث أبي سَعِيْد الخدري: أن النبيَّ ﷺ قال: «أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشرة، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يومًا»، رواه ابن الجوزي، وفيه أبو داود النخعي، واسمه سليمان، زعم ابن حبان أنه يضع الحديث.\nوحديث أنس بن مالك ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: «[أقل] الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، وثمانية، وتسعة، وعشرة، فإذا جاوز العشرة؛ فهي مستحاضة»، رواه ابن عدي، وفيه الحسن بن دينار ضعيف.\nوحديث عائشة الصديقة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: «أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث»، رواه ابن الجوزي، وفيه حسين بن علوان، زعم ابن حبان أنه كان يضع الحديث، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة، أجاب الإمام أبو الحسن القدوري في «التجريد»: (بأن ظاهر الإسلام يكفي لعدالة الراوي ما لم يوجد فيه قادح، وضعف الراوي لا يقدح إلا أن يقوى من وجه الضعف)، وقال النووي في «شرح المهذب»: (إن الحديث إذا روي من طرق ومفرداتها ضعيفان؛ يحتج به) انتهى.\nقلت: وطعن الدارقطني، وابن حبان، وغيرهما في سند هذه الأحاديث تعصب وتعنت، وقالاه ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم الشافعي، فلا يعتد بطعنهما؛ لأنَّ الدارقطني مشهور بالتعصب على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين.\nوقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (على أنا نقول: قد شهد لمذهبنا عدة أحاديث عن الصحابة رواية (^١) بطرق مختلفة كثيرة يقوي بعضها بعضًا وإن كان كل واحد ضعيفًا، لكن يحدث عند الاجتماع ما لا يحدث عند الانفراد؛ على أن بعض طرقها صحيحة، وذلك يكفي (^٢) للاحتجاج خصوصًا في المقدرات، والعمل به أولى من العمل بالبلاغات والحكايات المروية عن نساء مجهولة، ومع هذا نحن لا نكتفي بما ذكرنا، بل تقوى ما ذهبنا إليه بالآثار المنقولة عن الصحابة ﵃ في هذا الباب، وقد أمعنا الكلام فيه في شرحنا على «الهداية») انتهى كلامه\nقلت: وقد ذكر هذه الأحاديث وزاد عليها المحقق كمال الدين بن الهمام في «شرحه» على «الهداية» وقال بعد سردها: فهذه عدة أحاديث عن النبيِّ الأعظم ﷺ متعددة الطرق، وذلك يرفع الضعيف إلى درجة الحسن، والمقدرات الشرعية مما لا تدرك بالرأي، فالموقوف فيها حكمه الرفع، بل تسكن النفس بكثرة ما روي فيه عن الصحابة والتابعين إلى المرفوع مما أجاد فيه ذلك الرواي الضعيف، وبالجملة فله أصل في الشرع بخلاف قولهم: أكثره خمسة عشر؛ فإنه لم نعلم فيه حديثًا حسنًا ولا ضعيفًا، وإنما تمسكوا فيه بما روَوه عنه ﵇ قال في صفة النساء: «تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي» وهو لو صح؛ لم يكن فيه حجة، لكن قال البيهقي: (إنه لم يجده)، وقال ابن الجوزي في «التحقيق»: (هذا حديث لا يعرف، وأقره عليه صاحب «التنقيح») انتهى.\nوقال النووي في «شرح المهذب»: (إنه حديث باطل لا يعرف، وإنما ثبت في «الصحيحين»: «تمكث الليالي ما تصلي») انتهى.\nواحتج الحافظ الطحاوي لمذهبنا بحديث أم سَلَمَة: إذ سألتْ عن المرأة تهراق الدماء، فقال النبي الأعظم ﵇: «لتنظر عدد الليالي والأيام» من غير أن يسألها عن مقدار حيضها قبل ذلك، وأكثر ما يتناوله الأيام عشرة، وأقله ثلاثة أيام) انتهى.\nوأما ما استدلوا به على أقله؛ فلا دليل فيه؛ لأنَّه لما جاز كون الصفة موجودة في اليوم والليلة؛ جاز وجودها فيما دونه؛ فلم لم يجعلوه حيضًا؟ أفاده صاحب «البحر الرائق».\nقلت: وأجاب العلامة المنلا علي القاري: (بأن الأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيره حين وصولها للمجتهد لا سيما الإمام الأعظم التابعي الجليل؛ كانت في غاية الصحة، ووصفها بالضعف حين وصولها إلينا؛ فكان وصفها بالضعف جراءة وسوء أدب في حق المجتهد...) إلى آخر كلامه، والله تعالى أعلم.\nوذهب مالك في رواية: أنه لا وقت لقليل الحيض ولا كثيره إلا ما يوجد في النساء، وفي أخرى: أنه لا يكون أكثر من خمسة عشر يومًا فما دونها، وما زاد؛ فهو استحاضة، وبه قال الشافعي، والطهر المتخلل بين الدمين خمسة عشر يومًا عند الإمام الأعظم، ومالك، والشافعي.\n (وقال مُعْتمر) بضمِّ الميم، وسكون العين المهملة، بعدها مثناة فوقية، هو ابن سليمان، وكان أعبد أهل زمانه، (عن أبيه)؛ هو سليمان المذكور ابن طرخان، قال سَعِيْد: (ما رأيت أصدق من سليمان، كان إذا حدث عن النبيِّ الأعظم ﷺ؛ تغيَّر لونه)، وقال: شكه بيقين، وكان يصلي الليل كله بوضوء العشاء الآخرة، كذا في «عمدة القاري»، وبه تعلم وهم القسطلاني، وهذا الأثر رواه الدارمي عن محمَّد بن عيسى، عن معتمر قال: (سألت) وللأصيلي، وأبي ذر: (قال: سألت) (ابن سيرين) هو محمَّد المشهور (عن المرأة ترى الدم بعد قُرْئها)؛ بضمِّ القاف، وسكون الراء؛ أي: حيضها المعتاد لا طهرها بقرينة قوله: (بخمسة أيام) فإنه يدل على أنها معتادة، والسؤال صادر عنها، ولا يخفى أن المعتادة ترى الدم، فرؤية الدم ليست قرينة على الطهر، كما زعمه القسطلاني ترويجًا لما ذهب إليه إمامه؛ فليحفظ.\n (قال) أي: محمَّد بن سيرين (النساء أعلم بذلك) يعني: التمييز بين الدمين راجع إليها؛ فيكون\n_________\n(^١) في الأصل: (رؤية)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (يكتفى).","vol":"1","page":187},{"text":"المرئي في أيام عادتها حيضًا، وما زاد عليها؛ فهو استحاضة، فإن لم يكن لها علم بالتمييز؛ يكن (^١) حيضها ما تراه إلى كثرة مدة الحيض، وما زاد عليها؛ استحاضة، وسيأتي.\nوزعم الكرماني أن قوله: (بعد قرئها)؛ أي: طهرها لا حيضها بقرينة لفظ الدم، والغرض منه: أن أقل الطهر يحتمل أن يكون خمسة أيام أم لا.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ليس المعنى هكذا، وإنما المعنى: أن ابن سيرين سئل عن امرأة كان بها حيض معتاد، ثم رأت بعد أيام عادتها خمسة أيام أو أقل (^٢) أو أكثر، فكيف يكون حكم هذه الزيادة؟ فقال ابن سيرين: «هي أعلم بذلك»؛ يعني: التمييز بين الدمين راجع إليها؛ فيكون المرئي في أيام عادتها حيضًا، وما زاد على ذلك؛ فهو استحاضة، فإن لم يكن لها علم بالتمييز؛ يكن حيضها ما تراه إلى أكثر مدة الحيض، وما زاد عليها؛ يكون استحاضة، وليس المراد من قولها: «بعد قرئها (^٣)» أي: بعد طهرها، كما قاله الكرماني، بل المراد: بعد حيضتها المعتادة (^٤)، كما ذكرنا) انتهى.\nوقال صاحب «التلويح»: (وهذا الأثر يشهد لمن يقول: القرء: الحيض، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، وقال السفاقسي: وهو قول ابن سيرين، وعطاء، وأحد عشر صحابيًّا: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاذ، وقتادة، وقول أبي الدرداء، وأنس بن مالك ﵃ وهو قول سَعِيْد بن المسيِّب، وابن جبير، وطاووس، والضحاك، والأوزاعي، والنخعي، والشعبي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد) انتهى.\nقلت: وكفى بهؤلاء الأئمَّة قدوة وسندًا، وهو قول أبي موسى، ومُجَاهِد، وعكرمة، والسدي فقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] المراد بـ (القرء) في الآية: الحيض، والدليل عليه: قول النبي الأعظم ﷺ: «طلاق الأَمَة تطليقتان، وعدتها حيضتان»، وقد أجمع العلماء على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، فوجب أن يكون عدة الحرة هي الحيض الثلاث، وأن تكون هي المرادة بالقروء في الآية.\nوزعم الشافعي وغيره إلى أن المراد به: الطهر تمسكًا في قصة ابن عمر مرة: «فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء؛ أمسك بعد، وإن شاء؛ طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء».\nقلنا: هذا الحديث لا يقاوم الحديث الأول، لا سيما وقد عضده الإجماع، ويدل لما قدمنا قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فإن معناه: فطلقوهن مستقبلات لعدتهن التي هي ثلاث حيض، وتطليقهن حال توجيههن إليها إنَّما يكون في الطهر؛ كما تقول: فعلته لثلاث بقين من الشهر؛ تريد: مستقبلًا لثلاث، فهذا يدل على أن المراد بالقروء: الحيض، ويدل لذلك ما قاله أبو زيد: قرء (^٥)؛ بفتح القاف، يقال: أقرأت المرأة؛ حاضت، فهي (^٦) مقرئ، وقال الأخفش: أقرأت المرأة؛ أي: صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت؛ قلت: قرأت؛ بلا ألف، يقال: أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين، والقرء أيضًا: انقضاء الحيض، وقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمِّي الحيض قرءًا، ومنهم من يسمِّي الطهر قرءًا، ومنهم من يجمعهما جميعًا فيسمِّي الحيض مع الطهر: قرءًا، ذكره النحاس، وإنِّما سمَّي القرء حيضًا؛ لاجتماع الدم في الرحم، والمشهور أنَّه: حقيقة في الحيض، مجاز للطهر، وقيل: بالعكس، وقيل: حقيقة فيهما، والأوَّل هو الصحيح، وممَّا جاء القرء في الحيض قوله:\nيا ربِّ ذي ضفن على قارص... له قرؤ كقرؤ الحائض\nيعني: أنَّه طعنه، وكان له دم كدم الحائض، وتمامه يأتي إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالحال.\n\n <span id=\"b-٥٥٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-556>[حديث: لا إن ذلك عرق]</span>\n٣٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدثنا أحمد ابن أبي رَجاء) بفتح الراء، وتخفيف الجيم، وبالمدِّ، واسمه عبد الله بن أيُّوب الهروي، ويكنَّى أحمد بأبي الوليد، وهو حنفي النسب لا المذهب، مات بهراة سنة اثنين وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا أبو أسامة) هو حمَّاد بن أسامة الكوفي (قال: سمعت هِشام) بكسر الهاء (بن عُروة) بضمِّ العين المهملة، هو ابن الزبير (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) هي الصدِّيقة بنت الصدِّيق الأكبر ﵄: (أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره شين معجمة، القرشية الأسدية، واسم أبيها قَيْس بن عبد المطَّلب بن أسد، كذا قاله إمام الشارحين، والذهبي في «تجريد الصحابة»، وهي غير فاطمة بنت قَيْس التي طلِّقت ثلاثًا، وما زعمه ابن حجر؛ فخطأ ظاهر، كما لا يخفى على أهل الظاهر (سألت النبي) الأعظم (ﷺ) وقوله: (قالت) بيان لقولها: (سألت)، وفي بعض الأصول: (فقالت)؛ بالفاء التفسيرية.\nقلت: وهي أولى لظهور المعنى؛ فافهم: (إنِّي) إنَّما أكَّدت بـ: (إن) لتحقيق القضيِّة، لندور وقوعها لا لأنَّ النبي الأعظم ﷺ منكر أو متردد (أُسْتَحاض) بضمِّ الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، (فلا أطهر) أي: يستمرُّ بها الدم بعد أيَّام حيضها، والاستحاضة: اسم لما نقص عن أقلِّ الحيض؛ وهو ثلاثة أيام، ولمَا زاد على أكثره؛ وهو عشرة أيام، وإنَّما بني الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة؛ لأنَّ الأوَّل معتاد معروف؛ فنسب إليها، والثاني نادر غير معروف الوقت، وهو منسوب إلى الشيطان، كما ورد: أنها ركضة من الشيطان، والسين فيه يجوز أن تكون للتحويل: كما في استحجر الطين؛ فإنَّه تحوَّل دم الحيض إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة؛ فليحفظ.\n (أفأدع) أي: أفأترك (الصَّلاة؟) هذا سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته، وهو كلام من تقرَّر عنده أن الحائض ممنوعة من الصَّلاة، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وبه اندفع ما زعمه الكرماني من أنَّه معطوف على مقدَّر؛ أي: أيكون في حكم الحائض؟ أو الهمزة مقحمة، أو توسُّطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على صرافة الاستفهامية؛ لأنَّها للتقرير هنا؛ فلا تقتضي الصدارة؛ فافهم، (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (لا) أي: لا تدعي الصَّلاة (إن ذلكِ) بكسر الكاف (عِرْق)؛ بكسر العين المهملة، وسكون الراء؛ أي: دم عرق؛ لأنَّ الخارج ليس بعرق، وهو المسمَّى بـ (العاذل) بالعين المهملة، والذال المعجمة، وحكي إهمالها، (ولكن) للاستدراك (دعي الصَّلاة) أي: اتركي الصَّلاة (قدر الأيَّام التي كنتِ) بكسر التاء\n_________\n(^١) في الأصل: (يكون)، وكذا في الموضع اللاحق.\n (^٢) في الأصل: (قل).\n (^٣) في الأصل: (قرائها).\n (^٤) في الأصل: (المعتاد)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (قر)، وليس بصحيح.\n (^٦) في الأصل: (فهو)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":187},{"text":"(تحيضين فيها) فيوكل ذلك إلى أمانتها، وردها إلى عادتها، فإن كانت عادتها من كلِّ شهر عشرة أيَّام من أوَّلها، أو من وسطها، أو في آخرها؛ فتترك الصَّلاة عشرة أيَّام من هذا الشهر نظير ذلك، وهكذا.\nفإن قيل: الاستدراك لا بدَّ أن يكون بين كلامين متغايرين؟\nوأجيب: بأنَّ معناه: لا تتركي الصَّلاة في كلَّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة، ولفظة (قدر الأيَّام) تشعر بأنَّها كانت معتادة.\nفإن قلت: من أين كانت تحفظ فاطمة عدد أيَّامها التي كانت تحيضها أيَّام الصحَّة؟\nقلت: لو لم تحفظ ذلك؛ لم يكن لقوله ﵇: «دعي الصَّلاة قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فائدة، وقد جاء في رواية أبي داود وغيره في حديث أم سَلَمَة: «لتنظر عدة الليالي والأيَّام التي كانت تحيض فيها من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فلتترك (^١) الصَّلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك؛ فلتغتسل، ثمَّ تستتر بثوب، ثمَّ لتصلِّي».\nوجاء في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أيضًا رواه أبو داود والنسائي: فقال لها النبيُّ ﷺ: «إذا كان دم الحيضة؛ فإنَّه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك؛ فأمسكي عن الصَّلاة، وإذا كان الآخر؛ فتوضَّئي وصلِّي، فإنَّما ذلك عرق».\nفإن قلت: كيف الأمر فيمن لم تحفظ عادة أيَّامها؟\nقلت: هذه المسألة مشهورة في الفروع، وهو أنَّها تحسب في كل شهر عشرة حيضها، ويكون الباقي استحاضة، واحتجَّ الراوي لأصحابنا في «شرح مختصر الحافظ الطحاوي» بقوله ﵇: «قدر الأيَّام التي تحيضين فيها» على تقدير أقل الحيض وأكثره؛ لأنَّ أقل ما يتناوله اسم الأيَّام ثلاثة أيَّام، وأكثره عشرة؛ لأنَّ ما دون الثلاث لا يسمَّى أيَّامًا، وتقول ثلاثة أيَّام إلى عشرة أيَّام، ثمَّ تقول: أحد عشر يومًا، كذا قرَّره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الباري.\n (ثم اغتسلي وصلِّي)؛ يعني: أنَّه إذا مضى زمن حيضها؛ وجب عليها أن تغتسل في الحال لأوَّل صلاة تدركها، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاةً ولا صومًا، ويكون حكمها حكم الطاهرات، هذا مذهب إمامنا الأعظم وأصحابه، وتبعه الشافعي، وهو رواية عن مالك، الثانية: تترك الصَّلاة إلى انتهاء خمسة عشر يومًا، وهو أكثر مدَّة الحيض عنده، والثالثة: تترك ثلاثة أيَّام، وما بعدها استحاضة، ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنَّه ﵇ وكَّل ذلك إلى أمانتها وعادتها، فقد يقلُّ ذلك ويكثر على قدر عادة النساء.\nوفي الحديث جواز استسقاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر الدين.\nوفيه جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعيَّة.\nوفيه نهي المستحاضة عن الصَّلاة في زمن الحيض وهو نهي تحريم، ومقتضاه: فساد الصَّلاة هنا بإجماع المسلمين، ويستوي فيها الفرض، والواجب، والنفل؛ لظاهر الحديث، ويتبعها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر.\nوفيه أنَّ الصَّلاة تجب بمجرَّد انقطاع دم الحيض، وقد سبق ذكر هذا الحديث في باب (غسل الدم).\n\n <span id=\"b-٥٥٧\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-557>[باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض]</span>\nهذا (باب) بيان (الصُفْرة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وسكون الفاء (والكُدْرة)؛ بضمِّ الكاف، وسكون الدال المهملة؛ اللتين تراهما المرأة (في غير أيام الحيض) يعني: لا يكون حيضًا، وألوان الدم ستَّة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية.\nأمَّا الحمرة؛ فهي اللون الأصلي للدم إلَاّ عند غلبة السوداء عليه؛ فيضرب إلى السواد، وعند غلبة الصفراء عليه؛ فيضرب إلى الصفرة، ويتبيَّن ذلك لمن افتصد.\nوأما الصفرة؛ فهي من ألوان الدم؛ إذا رقَّ، وقيل: هي كصفرة البيض، أو كصفرة القزِّ.\nوقال الإمام الجليل قاضيخان: (الصفرة تكون كلون القزِّ، أو لون البسر، أو لون التبن، فالسواد، والحمرة، والصفرة حيض).\nوأمَّا الكدرة؛ فقال الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن: أنها حيض سواء رأت في أيَّام عادتها أو آخرها، وهي لون كلون الصديد يعلوه إصفرار.\nوأمَّا الخضرة؛ فاختلف فيها، فقال الشيخ الإمام أبو منصور: إن رأتها في أوَّل الحيض؛ تكون حيضًا، وإن رأتها في آخر الحيض واتصل بها أيَّام الحيض؛ لا تكون حيضًا، وجمهور الأئمَّة الحنفيَّة: على كونها حيضًا كيفما كانت.\nوأمَّا التُرْبِيَّة؛ فهي التي تكون على لون التراب، وهي نوع من الكدرة، وهي بضمِّ المثنَّاة الفوقية، وسكون الراء، وكسر الموحَّدة، وتشديد التحتية، ويقال: الترابية، وقال الإمام الجليل قاضيخان: التربية على وزن (التربة)، وقيل فيها: تريئة (^٢) على وزن (تفعلة) من الرؤية، وقيل: تربيَّة على وزن (تفعيلة)، وقيل: تريَّة (^٣)؛ بالتشديد والتخفيف بغير همزة، كذا قرره إمام الشارحين.\nونقل عن ابن الأثير أن التريَّة؛ بالتشديد: (ما تراه المرأة بعد الحيض والاغتسال منه من كدرة أو صفرة، وقيل: هي البياض الذي تراه عند الطهر، وقيل: هي الخرقة التي تعرف به المرأة حيضها من طهرها، والتاء الفوقية فيه زائدة؛ لأنَّه من الرؤية، والأصل فيه: الهمزة، ولكنَّهم تركوه وشدَّدوا الياء التحتية، فصارت اللَّفظة كأنَّها فعيلة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٥٥٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-558>[حديث: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا]</span>\n٣٢٦ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدَّثنا قُتَيبة بن سَعِيْد) بضمِّ القاف، وفتح الفوقية (قال: حدَّثنا إسماعيل) هو ابن أبي عليَّة، بضمِّ العين المهملة، (عن أيُّوب) هو السختياني، (عن محمَّد) هو ابن سيرين، (عن أم عطيَّة) وهي نسيبة، وقيل: نشيبة، وقيل: لسينة، كما تقدَّم قريبًا، ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه رواية راوي من رأى أنس بن مالك عن الصحابيَّة، وفيه أنَّه موقوف، كذا قاله ابن عساكر، ولكنَّ قولها: (كنَّا) يعني: في زمن النبيِّ الأعظم ﷺ؛ أي: مع علمه بذلك، وتقديره: إيَّاهن، وهذا في حكم المرفوع، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (قالت) وهو ساقط في رواية أبي ذرٍّ (كنَّا) أي: نساء الصحابة في زمن النبيِّ الأعظم ﷺ مع علمه بذلك، وتقريره: (لا نعدُّ الكُدْرَة) بضمِّ الكاف، وسكون الدال المهملة، (والصُّفْرة) بضمِّ الصاد المهملة، وسكون الفاء (شيئًا) أي: شيئًا معتدًّا به؛ يعني: أنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: (فالتترك)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (تريبة)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (تربة)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":188},{"text":"الكدرة والصفرة لا تكون حيضًا إذا كانت في غير أيام الحيض، وهذا هو المراد من الحديث، ويوضِّحه رواية أبي داود، عن أمِّ عطيَّة وكانت بايعت النبيَّ الأعظم ﷺ قالت: (كنَّا لا نعدُّ الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا)، وعلى هذا؛ ترجم البخاري، وصحَّحه الحاكم.\nوعند الإسماعيلي: (كنَّا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا في الحيض).\nوعند الدارقطني: (كنَّا لا نرى التربيَّة بعد الطهر شيئًا؛ وهي الصفرة والكدرة).\nوروى ابن بطَّال من رواية حمَّاد بن سَلَمَة، عن قتادة، عن حفصة قالت: (كنَّا لا نرى التربيَّة بعد الغسل شيئًا).\nقال الكرماني: فإن قلت: قد روي عن عائشة: (كنَّا نعدُّ الصفرة والكدرة حيضًا)، فما وجه الجمع بينهما؟\nقلت: هذا في وقت الحيض، وذلك في غير وقته)، وردَّه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: حديث عائشة ﵂ أخرجه ابن حزم بسند واهٍ؛ لأجل أبي بكر النهشلي الكذَّاب، ووقع في «وسيط الغزالي» ذكره له من حديث زينب، ولا تعرف، وروى البيهقي حديث عائشة أنَّها قالت: (ما كنَّا نعد الكدرة والصفرة شيئًا ونحن مع رسول الله ﷺ) قال: وسنده ضعيف لا يسوَّى ذكره، قال: وقد روي معناه عن عائشة بسند أمثل من هذا وهو أنَّها قالت: (إذا رأت المرأة الدَّم؛ فلتمسك عن الصَّلاة حتى تراه أبيض؛ كالفضَّة، فإذا رأت ذلك؛ فلتغتسل ولتصلِّي، فإذا رأت صفرة أو كدرة؛ فلتتوضَّأ ولتصلِّي، فإذا رأت ماءً أحمر؛ فلتغتسل ولتصلِّي) انتهى.\nقلت: ومراد إمام الشارحين بهذه الروايات وسردها: الردُّ على ما زعمه الكرماني، فإنَّه إذا كان حديث عائشة واهٍ شديد الضَّعف؛ لا يقاوم حديث الباب، وإذا كان كذلك؛ لا يلزم ذكر وجه الجمع بينهما؛ لأنَّه إنَّما يذكر وجه الجمع بين الحديثين إذا كانا في رتبة واحدة، وذلك كونهما في الصحة سواء، فيحصل بينهما التعارض؛ فيحتاج لذكر وجه الجمع بينهما، أمَّا إذا كان الحديث صحيحًا، وحديث يخالفه ضعيف كما هنا؛ فلا يحتاج لذلك؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ الصحيح لا يقاوم الضعيف، كما لا يخفى.\nوذهب جمهور العلماء في معنى الحديث إلى ما ذهب إليه المؤلِّف في ترجمته، فقال أكثرهم: الصفرة والكدرة حيض إذا كانت في أيام الحيض خاصة، وبعد أيام الحيض؛ ليس بشيء؛ وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه، وهو مرويٌّ عن عليِّ بن أبي طالب، وبه قال سَعِيْد بن المسيِّب، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، وربيعة، والثَّوري، والأوزاعي، واللَّيث، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال الإمام أبو يوسف: ليس قبل الحيض حيض، وفي آخر الحيض حيض، وهو قول أبي ثور.\nوقال مالك: (حيض في أيَّام الحيض وغيرها).\nقال ابن بطَّال: (وأظنُّ (^١) أنَّ حديث أمُّ عطية لم يبلغه) انتهى.\nقلت: فحديث أمِّ عطيَّة حجَّة على مالك؛ لأنَّه نصٌّ في الباب، وما زعمه مالك مخالف للنص، والحقُّ أحقُّ أن يتَّبع.\nوقال إمام الشارحين: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدَّد، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن زرارة، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزَّاق، عن معمر، عن أيُّوب به، وقال المزِّي: (رواه وهيب، عن أيُّوب، عن حفصة، عن أمِّ عطية)، قال محمَّد بن يحيى: (خبر وهيب أولاهما عندنا).\nواعترضه صاحب «عمدة القاري»؛ حيث قال: قلت: ما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لمتابعة معمر له، عن أيُّوب، ولأنَّ إسماعيل أحفظ لحديث أيُّوب من غيره، ويجوز ان يكون أيُّوب قد سمعه من محمَّد، ومن حفصة) انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٥٩\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-559>[باب عرق الاستحاضة]</span>\nهذا (باب) بيان (عِرْق) بكسر العين المهملة، وسكون الراء (الاستحاضة) أي: المسمَّى بالعاذل، وأراد المؤلِّف بهذا أنَّ دم الاستحاضة من عرق، كما صرَّح به في حديث الباب، وفي رواية أخرجها أبو داود: (وإنَّما ذلك عرق وليست بالحيضة)، والمناسبة بين البابين من حيث إن كلًّا منهما يشتمل على ذكر حكم الاستحاضة.\n\n <span id=\"b-٥٦٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-560>[حديث: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين]</span>\n٣٢٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدَّثنا إبراهيم بن المُنْذِر) بضمِّ الميم، وسكون النون، وكسر الذال المعجمة، هو الحِزَامي؛ بكسر الحاء المهملة، وبالزاي المخففة (قال: حدَّثنا مَعْن) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، بعدها نون، هو ابن عيسى القزَّاز؛ بتشديد الزاي الأولى (قال: حدَّثني)؛ بالإفراد، وفي رواية الأصيلي: (حدَّثنا) (ابن أبي ذِئْب)؛ بكسر الذال المعجمة، وسكون التحتيَّة، وقد تبدَل همزة، هو محمَّد بن عبد الرَّحمن، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزُهْرِي، (عن عُروة) بضمِّ العين المهملة، هو ابن الزُّبير، بضمِّ الزاي، (وعن عَمْرة) بفتح العين المهملة، وسكون الميم، وهو عطف على عروة؛ يعني: أن ابن شهاب يرويه عنها أيضًا، وهي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية، الثقة الحجة العالمة، ماتت سنة ثمان وتسعين، (عن عائشة) هي الصدِّيقة بنت الصديق (زوج النبيِّ) الأعظم (ﷺ) و﵂، قال إمام الشارحين: (وعن عمرة)؛ بواو العطف؛ كلاهما عن عائشة، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي الوقت، وابن عساكر: (عن عروة، عن عمرة، عن عائشة) بحذف الواو، والمحفوظ إثبات الواو، وأنَّ ابن شهاب رواه عن شيخين عمرة وعروة؛ كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طريق ابن أبي ذئب، وكذا أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، وأبو داود من\n_________\n(^١) في الأصل: (وأظنه).","vol":"1","page":188},{"text":"طريق الأوزاعي؛ كلاهما عن الزُّهْرِي، عن عروة وحده، وكذا من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود من طريق يونس؛ كلاهما عن الزُّهْرِي، عن عمرة وحدها، قال الدارقطني: (هو صحيح من رواية الزُّهْرِي، عن عروة وعمرة جميعًا) انتهى.\n (أنَّ أمَّ حَبِيبة) بفتح الحاء المهملة، وكسر الموحَّدة، بعدها تحتية، ثم موحَّدة، هي بنت جحش أخت زينب أمِّ المؤمنين، وهي مشهورة بكنيتها.\nوزعم الواقدي والحربي أن اسمها حبيبة، وكنيتها أمُّ حبيب؛ بغير هاء، ورجَّحه الدارقطني، والمشهور في الروايات الصحيحة: (أمُّ حبيبة)؛ بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف ﵁، كما ثبت عند مسلم من رواية عمرو بن الحارث، ووقع في «الموطأ» عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سَلَمَة: (أنها [رأت] زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف كانت تستحاض...)؛ الحديث فقيل: هو وهم، وقيل: بل صواب، وإنَّ اسمها زينب، وكنيتها أمُّ حبيبة، وأمَّا كون اسم أختها أمُّ المؤمنين زينب؛ فإنَّه لم يكن اسمها الأصلي، وإنَّما كان اسمها برَّة، فغيَّره النبيُّ الأعظم ﷺ، فلعلَّه سمَّاها باسم أختها؛ لكون أختها غلبت عليها الكنية، فأمن اللبس، ولهما أخت أخرى اسمها حَمْنة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، آخره نون- وهي إحدى المستحاضات، وقال ابن الأثير: (روى ابن عيينة، عن الزُهْرِي، عن عمرة، عن عائشة: أنَّ أمَّ حبيبة أو حبيب (^١»، وعند ابن عبد البرِّ: أكثرهم يسقطون الهاء، ويقولون: أمَّ حبيب، وأهل السير يقولون: المستحاضة حمنة، والصحيح عند أهل الحديث: أنَّهما كانتا مستحاضتين جميعًا، وقيل: إنَّ زينب استحيضت، كذا قرَّره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، (استحيضت)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: استمرَّ بها دم الحيض بعد العادة، وقوله: (سبع سنين)؛ جمع لسنة، على سبيل الشذوذ من وجهين؛ الأوَّل: أنَّ شرط جمع السلامة أن يكون مفرده مذكَّرًا عاقلًا، وليست كذلك، والآخر كسر أوَّله، والقياس فتحه، كذا في «عمدة القاري»، (فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك) أي: عن حكم دم الاستحاضة، (فأمرها) أي: النبيَّ الأعظم صلَّى عليه الله وسلم (أن تغتسل) أي: بأن تغتسل، فـ (أن) مصدريَّة؛ والتقدير: فأمرها بالاغتسال، وفي رواية مسلم، والاسماعيلي: (فأمرها أن تغتسل وتصلي)، وهذا الأمر بالاغتسال مطلق يحتمل الأمر بالاغتسال لكلِّ صلاة، ويحتمل الاغتسال في الجملة.\nويدلُّ للأوَّل ما في «أبي داود»: حدثنا هنَّاد، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن الزُهْرِي، عن عروة، عن عائشة: أنَّ أمَّ حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ، فأمرها بالغسل لكلِّ صلاة، فهذه الرواية تدلُّ على الاغتسال لكلِّ صلاة، لكن قال البيهقي: رواية ابن إسحاق عن الزُهْرِي غلط؛ لمخالفتها سائر الروايات عن الزُهْرِي، ويمكن أن يقال: إن كان هذا مخالفة الترك؛ فلا تناقض، وإن كان مخالفة التعارض؛ فليس كذلك؛ لأنَّ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبيِّ الأعظم ﷺ بالغسل عند كلِّ صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، كما سيأتي، (فقال) أي: النبيَّ الأعظم ﷺ لها: (هذا عِرْق)؛ بكسر العين المهملة، وسكون الراء؛ أي: دم عرق انفجر، وليس بحيض، وقوله: (وكانت تغتسل لكل صلاة) من كلام الراوي؛ ومعناه: تغتسل من الدَّم الذي كان يصيب الفرج؛ فإنَّ المشهور من مذهب عائشة الصدِّيقة أنَّها كانت لا ترى الغسل لكلِّ صلاة، ويدلُّ لصحَّة هذا قوله ﵇: «هذا عرق»؛ لأنَّ دم العرق لا يوجب غسلًا، وقيل: إنَّ هذا الحديث منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، فإنَّ فيه الأمر بالوضوء، رواه البيهقي في باب (المستحاضة إذا كانت مميزة).\nووجه النَّسخ أن عائشة ﵂ أفتت بحديث فاطمة بعد النبيِّ الأعظم ﷺ، وخالفت حديث أم حبيبة، وهذا لأنَّ أبا محمَّد الإشبيلي قال: (حديث فاطمة أصح حديث يروى في الاستحاضة)، وقال الليث بن سعد في روايته عند مسلم: (لم يذكر ابن شهاب أنَّه ﵇ أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكن شيء فعلته هي)، وإلى هذا ذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، فقالوا: لا يجب الغسل على المستحاضة لكل صلاة، ولكن يجب عليها الوضوء إلا المتحيرة، وقال محمَّد بن إدريس: إنَّما أمرها ﵇ أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت لكل صلاة تطوُّعًا، وروى أبو الوليد الطيالسي عن سليمان بن كثير، عن الزُهْرِي، عن عروة، عن عائشة: استحيضت زينب بنت جحش، فقال النبيُّ الأعظم ﷺ: «اغتسلي لكل صلاة»، وقال أبو داود: ورواه عبد الصمد، عن سليمان بن كثير قال: «توضئي لكل صلاة»، قال أبو داود: (وهو وهم).\nوأجيب: بأنه قد ذكر هذا في حديث حمَّاد، أخرجه النَّسائي، وابن ماجه، وقال مسلم في «صحيحه»: (وفي حديث حمَّاد بن زيد حرف تركناه، وهي: «توضئي لكل صلاة)، قال النووي: (وأسقطها مسلم؛ لأنَّها مما انفرد به حمَّاد).\nقلنا: لم ينفرد به حمَّاد عن هشام، بل رواه عنه أبو عوانة، كما أخرجه الحافظ الطحاوي في كتاب «الرد على الكرابيسي» من طريقه بسند جيد، ورواه أيضًا حمَّاد بن سَلَمَة، أخرجه الدارمي من طريقه، وأخرجه الحافظ الطحاوي من طريق أبي نعيم، وعبد الله بن يزيد المقري، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة، عن هشام، وأخرجه الترمذي، وصححه من طريق وكيع، وعبدة، وأبي معاوية، عن هشام، وقال في آخره: وقال أبو معاوية في حديثه: «توضئي لكل صلاة»، وقد جاء الأمر أيضًا بالوضوء فيما أخرجه البيهقي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش على أن حمَّاد بن زيد لو انفرد بذلك؛ لكان كافيًا؛ لثقته وحفظه، لا سيما في هشام، وليس هذا مخالفة، بل زيادة ثقة، وهي مقبولة لا سيما في مثله.\nوزعم الخطابي أن هذا الخبر مختص، ليس فيه ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها، وكيفية شأنها، وليس كل مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، وموضعها، ووقتها، وعددها، فإذا كانت كذلك؛ فإنها لا تدع شيئًا من الصَّلاة، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة؛ لأنَّه يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب، انتهى.\nقلت: وظاهر\n_________\n(^١) في الأصل: (حبيبة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":189},{"text":"كلامه أنَّه جعل الحديث خاصًّا بالمتحيرة، وهي التي أضلت عادتها، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الحديث لا يدل عليه، فإنه ليس فيه ذلك، وقوله: (ليس فيه ذكر حال هذه المرأة): ممنوع، فإنه ﵇ قد علم حالها بإخبارها أو بالوحي، فأفتاها على طبق مقصدها ومرامها، وأحكام المتحيرة مذكورة في شرحنا على القدوري المسمى بـ «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب؛ على أنه قد ثبت في الروايات الصحيحة الوضوء دون الغسل، وأن رواية الوضوء أصح من رواية الغسل، لا سيما الرواية التي بينت أنها كانت تفعل ذلك هي وحدها؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٦١\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-561>[باب المرأة تحيض بعد الإفاضة]</span>\nهذا (باب): بيان حكم (المرأة) التي (تحيض بعد) طواف (الإفاضة)؛ وهو الذي يسمى أيضًا: طواف الزيارة، وهو من أركان الحج؛ يعني: هل تنفر وتترك طواف الوداع؟ فالجواب: نعم تترك وتنفر، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب السابق حكم المستحاضة، وفي هذا الباب حكم الحائض، فالحيض والاستحاضة من واد واحد، أفاده إمام الشارحين.\n\n <span id=\"b-٥٦٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-562>[حديث: لعلها تحبسنا؟! ألم تكن أفاضت معكن]</span>\n٣٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المصري (قال: أخبرنا) وفي رواية الأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حَزْم المدني الأنصاري، (عن أبيه) هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حَزْم- بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي- ولي القضاء والإمرة والموسم زمن عمر بن عبد العزيز ﵁، (عن عَمْرة) بفتح العين المهملة، وسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد الأنصارية المذكورة في الباب السابق، وهي خالته التي تربت في حجر عائشة ﵂، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوج النبي) الأعظم (ﷺ) ورضي عنهما: (أنها) أي: عائشة (قالت لرسول الله ﷺ) يا رسول الله؛ (إن صَفِيَّة) بفتح الصاد المهملة، وكسر الفاء، وتشديد التحتية، بنت حُيَيٍّ-بضمِّ الحاء المهملة، وباليائين؛ الأولى مفتوحة مخففة، والثانية مشددة- ابن أخطب -بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة بعد موحدة- النَّضْرية (^١) -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- من بنات هارون أخ موسى صلَّى الله عليهما وسلَّم، سباها النبي الأعظم ﷺ عام فتح خيبر، ثم أعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، توفيت سنة ستين في خلافة معاوية ﵁، قاله الواقدي، وقال غيره: توفيت في خلافة علي الصدِّيق الأصغر سنة ست وثلاثين، كذا قرره إمام الشارحين.\n (قد حاضت) أي: جاءها دم الحيض، (قال النبي) الأعظم (ﷺ) أي: للحاضرين في مجلسه: (لعلها تحبسنا) أي: عن الخروج من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حتى تطهر وتطوف بالبيت، و(لعل) ههنا ليست للترجي، بل للاستفهام، أو للتردد، أو للظن، وما شاكله، قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، (ألم تكن) بهمزة الاستفهام (طافت) أي: طواف الركن (معكن) أي: مع نساء الصحابة وأمهات المؤمنين ﵅؟ (قالوا) وفي رواية: (فقالوا)؛ بالفاء؛ أي: الحاضرون هناك في مجلسه ﵇ وفيهم الرجال والنساء، قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» قال: وهذا أوجه مما زعمه الكرماني؛ أي: قال الناس، وإلا فحق القول أن يقال: فقلن أو فقلنا، ومما زعمه ابن حجر؛ أي: النساء ومن معهن من المحارم قال: (وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ فيه تغليب الإناث على الذكور) انتهى.\nقلت: وما زعمه الكرماني ليس بصحيح أيضًا، فإن قوله: (قال الناس)؛ فاسد؛ لأنَّ القائل الحاضرون ذكورًا وإناثًا، لا جميع الناس.\nوقوله: (وإلا فحق...) إلخ: ممنوع هنا؛ لأنَّ النبي الأعظم ﷺ لم يخاطب النساء فقط، بل خاطب كل من كان في مجلسه الشريف، فليس حقه أن يقال ذلك، كما لا يخفى، وما زعمه ابن حجر بعيد عن الأفهام مع ما فيه من فساد الكلام؛ فإنه ﵇ لم يخاطب إلا النساء والرجال سواء كانوا محارم أم لا، فمن أين جاء التقييد بالمحارم؟ ولا مانع أن ذلك كان قبل نزول الحجاب، فالخطاب متوجه إلى الحاضرين عنده مطلقًا، فالحق ما قاله إمام الشارحين ﵁، وهو أجدر بهذه التسمية؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n (بلى) يا رسول الله؛ أي: طافت طواف الركن، (قال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (فاخرجي) بالإفراد وبالخطاب، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والكشميهني: (فاخرجن) بصيغة الجمع للإناث، أما الوجه الأول؛ ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ يعني: قال صفية مخاطبًا لها: (اخرجي)، أو يكون الخطاب لعائشة؛ لأنَّها هي القائلة للنبيِّ الأعظم ﷺ: إن صفية قد حاضت، فقال لها: (اخرجي)، فإنها توافقك في الخروج؛ إذ لا يجوز لها تأخر بعدك؛ لأنَّها قد طافت طواف الركن، ولم يبق عليها فرض، وفيه وجه آخر؛ وهو أن يقدر في الكلام شيء، قال لعائشة: قولي لها: اخرجي، وأما الوجه الثاني؛ فعلى السياق.\nفإن قلت: ما الفاء في قوله: (فاخرجي)؟\nقلت: فيه أوجه؛ الأول: أن تكون جوابًا لـ (أما) مقدرة؛ والتقدير: أما أنت؛ فاخرجي كما يخرج غيرك، والثاني: يجوز أن تكون زائدة، والثالث: يجوز أن تكون (^٢) عطفًا على مقدر؛ تقديره: اعلمي أن ما عليك التأخر فاخرجي، كذا قرره إمام الشارحين.\nوقال النووي في «شرح مسلم»: (ففي الحديث دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض، وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها، وأن الحائض تقيم له حتى تطهر، فإن ذهبت إلى وطنها قبل طواف الإفاضة؛ بقيت محرمة) انتهى.\nقلت: تبقى محرمة أبدًا حتى تطوف في حق الجماع مع زوجها، وأما في حق غيره؛ فتخرج عن الإحرام، وفيه دليل على أن الحائض لا تطوف بالبيت، فإن هجمت وطافت؛ ففيه تفصيل، فإن كانت محدثة وكان الطواف طواف القدوم؛ فعليها الصدقة عندنا، وقال الشافعي: لا يعتد به، وإن كان طواف الركن؛ فعليها شاة، وإن\n_________\n(^١) في الأصل: (النضر به)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (يكون).","vol":"1","page":189},{"text":"كانت حائضًا وكان الطواف طواف القدوم؛ فعليها شاة، وإن كان طواف الركن؛ فعليها بدنة، وكذا حكم الجنب من الرجال والنساء، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، والله الهادي.\n\n <span id=\"b-٥٦٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-563>[حديث ابن عباس: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت]</span>\n٣٢٩ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُعلَّى) بضمِّ الميم، وتشديد اللام (ابن أسد): مرادف الليث، هو أبو الهيثم البصري، المتوفى سنة تسع عشرة ومئتين (قال: حدثنا وهيب) تصغير وهب، وهو ابن خالد البصري، (عن عبد الله بن طاووس) هو اليماني، المتوفى سنة اثنين وثلاثين ومئة، (عن أبيه) هو طاووس المذكور ابن كيسان اليماني الحميري، من أبناء الفرس، المتوفى سنة بضع عشرة ومئة، (عن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس ﵄ (قال: رُخص) بضمِّ الراء مبني للمجهول، والمرخص هو النبيُّ الأعظم ﷺ، وهو معلوم ضرورة، والرخصة: حكم ثبت على خلاف الدليل؛ لعذر، وقال إمام الشارحين: (الرخصة: حكم شرع تيسيرًا لنا، وقيل: هو الشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر، والعذر: هو وصف يطرأ على المكلف يناسب التسهيل عليه) انتهى، (للحائض) ومثلها النفساء (أن تنفِر)؛ بكسر الفاء وضمها، والكسر أفصح، وكلمة (أن) مصدرية في محل الرفع؛ لأنَّه فاعل ناب عن المفعول، والتقدير: رخص لها النفور؛ أي: الرجوع إلى وطنها (إذا حاضت) أي: إذا جاءها دم الحيض.\n٣٣٠ - (وكان ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهذا من كلام طاووس، وهو داخل تحت الإسناد المذكور (يقول في أول أمره) يعني: قبل وقوفه على الحديث المذكور: (إنها) أي: الحائض (لا تنفر) أي: لا ترجع إلى وطنها حتى تطوف طواف الوداع، (ثم سمعته) أي: قال طاووس: ثم سمعت ابن عمر (يقول: تنفر) يعني: ترجع بعد أن طافت (^١) طواف الركن، وأراد: أنه رجع عن الفتوى التي كان يفتيها أولًا إلى خلافها، وقوله: (إن رسول الله ﷺ رَخص) بفتح الراء؛ مبني للمعلوم (لهن) أي: للحائض، وإنما جمع؛ نظرًا للجنس، قاله إمام الشارحين من كلام ابن عمر، قاله في مقام التعليل؛ لرجوعه عن فتواه الأولى، وبيان ذلك: أنه لما لم تبلغه الحديث؛ أفتى باجتهاده، ثم لما بلغه؛ رجع عنه، أو كان وقف عليه أولًا، ثم نسيه، ثم لما تذكره؛ رجع إليه، وإما أنه سمع ذلك من صحابي آخر رواه عن النبيِّ الأعظم ﷺ فرجع إليه، قاله إمام الشارحين.\nقلت: وكل محتمل، والظاهر الأول أو الثالث؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشارحين: (ذكر البخاريُّ هذين الأثرين عن ابن عباس وابن عمر؛ إيضاحًا لمعنى الحديث السابق) والله أعلم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٦٤\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-564>[باب إذا رأت المستحاضة الطهر]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين (إذا رأت المستحاضة الطهر) أي: هذا باب في بيان أن المستحاضة (^٢) إذا رأت الطهر بأن انقطع دمها؛ تغتسل وتصلي ولو كان ذلك الطهر ساعة، هذا هو المعنى الذي قصده البخاري، والدليل عليه ذكره الأثر المروي عن ابن عباس على ما يذكر الآن، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم ابن حجر أي: تميز لها دم العرق من دم الحيض، فسمي دم الاستحاضة طهرًا؛ لأنَّه كذلك بالنسبة إلى زمن الحيض، ويحتمل أن يراد به انقطاع الدم، والأول أوفق للسياق.\nورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: فيه خدش من وجوه؛ الأول: أن كلامه يدل على أن دمها مستمر، ولكن لها أن تميز بين دم العرق ودم الحيض، والترجمة ليست كذلك، فإنه نص فيها على الطهر، وحقيقته الانقطاع عن الحيض، والثاني: أنه يقول تسمى الاستحاضة طهرًا، وهذا مجاز ولا داعي له ولا فائدة، والثالث: أنه يقول: إن الأوفق للسياق الأول، وهذا عكس ما قصده البخاري، بل الأوفق للسياق ما ذكرناه) انتهى.\n (وقال) عبد الله (ابن عباس) ﵄، مما رواه أبو بكر ابن أبي شيبة، عن أبي علية، عن خالد، عن أنس بن سيرين، عن ابن عباس به، ورواه أيضًا الدارمي موصولًا قال: (تغتسل) يعني: المستحاضة، إذا رأت الطهر؛ تغتسل (وتصلي) ما شاءت من الفرائض، والواجبات، والنوافل (ولو) كان الطهر (ساعة) واحدة، وفي رواية: (ولو ساعة من نهار)، ويعلم من هذا أن أقل الطهر عند ابن عباس: ساعة، وعند جمهور الفقهاء: أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وهو قول إمامنا الأعظم وأصحابه، وبه قال الثوري، ومحمَّد بن إدريس، وغيرهما، وقال ابن المُنْذِر: (ذكر أبو ثور: أنهم لا يختلفون فيه فيما نعلم)، وفي «المهذب»: (لا أعرف فيه خلافًا)، وقال المحاملي: (أقل الطهر خمسة عشر يومًا بالإجماع)، ونحوه في «التهذيب»، وقال أبو الطيب: (أجمع الناس على أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا)، واعترضهم النووي، فقال: دعوى الإجماع غير صحيح؛ لأنَّ الخلاف فيه مشهور، فإن أحمد ابن حنبل وإسحاق أنكرا التحديد في الطهر، فقال أحمد: الطهر بين الحيضتين على ما يكون، وقال إسحاق: توقيتُهم الطهر بخمسة عشر غير صحيح، وقال ابن عبد البر: (أما أقل الطهر؛ فقد اضطرب فيه قول مالك وأصحابه، فروى ابن القاسم عنه: عشرة أيام، وروى سحنون عنه: ثمانية أيام، وقال ابن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام، ورواه عن مالك)، كذا قرره إمام الشارحين.\nقلت: وقال محمَّد بن سَلَمَة: (أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكية، وهو قول الإمام الأعظم، والشافعي، وأصحابهما، وهو الصحيح في الباب؛ لأنَّ الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض، وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر، فكان كل قرء عوضًا من شهر، والشهر يجمع الطهر والحيض، فإذا قل الحيض؛ كثر الطهر، وإذا كثر الطهر؛ قل الحيض، فلما كان أكثر الحيض عشرة أيام؛ وجب أن يكون الطهر خمسة عشر فما فوقها؛ ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهنَّ مع دلائل القرآن والسنة) انتهى.\nفهذا القول المختار عند أصحاب مالك كمذهب الجمهور، ومثله رواية عن أحمد وإسحاق أولًا، فهذا دليل على أن دعوى الإجماع صحيح، فاعتراض النووي مردود عليه؛ لأنَّ هذه الروايات قد حصل الإجماع على أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وعلى فرض وجود الخلاف؛ فالمراد بالإجماع: الإجماع الأكثري، فكأنهم لم ينظروا\n_________\n(^١) في الأصل: (طاقت)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (الاستحاضة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":190},{"text":"إلى خلاف أحمد، وإسحاق، ومالك في بعض الروايات السابقة، فكأنهم أرادوا بالإجماع: الإجماع الإجمالي، وهو كافٍ في دعوى الإجماع، فاعتراضه ليس في محله؛ فافهم، والله أعلم.\nعن ابن عباس مما وصله عبد الرزاق قال: (ويأتيها) أي: المستحاضة (زوجها) يعني: أنه يطؤها، فدم الاستحاضة لا يمنع صلاةً، ولا صومًا، ولا قراءة قرآن، ولا وطئًا، هذا مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال جمهور الفقهاء، وعامة العلماء، ومنع من وطء المستحاضة جماعة، واستدلوا بسيلان دم الاستحاضة، وقالوا: كل دم هو أذًى يجب غسله من الثوب والبدن، فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة؛ لأنَّه كله رجس، وأما الصَّلاة؛ فرخصة وردت بها السنة؛ كما يصلي من به سلس بول، هذا قول إبراهيم النخعي، وسليمان بن يسار، والحكم بن عيينة، وعامر الشَّعبي، وابن سيرين، والزُّهْرِي، واختلف فيه عن الحسن وهو قول عائشة، فإنها قالت: المستحاضة لا يأتيها زوجها، وبه قال ابن علية، والمغيرة بن عبد الرحمن، وكان من أعلى أصحاب مالك، وأبو مصعب، وبه كان يفتي، وقال مالك: أمر أهل الفقه والعلم بذلك وإن كان دمها كبيرًا، رواه عنه ابن وهب، وقال أحمد: أحب إلي ألَّا يطأها إلا أن يطول ذلك عليها، وهذا كله مردود، واستدل الجمهور بما رواه المؤلف وغيره من حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله ﷺ: إني لا أطهر، أفأدع الصَّلاة؟ قال ﵇: «إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة»، وروى أبو داود من حديث عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فاستفتت النبيَّ الأعظم ﷺ، فقال: «إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق»؛ يعني: أن دم الاستحاضة دم عرق انفجر، وهو مثل ما لو افتصدت وخرج منها الدم، إلا أن الأول في الباطن، وهذا في الظاهر من الجسد، ولأن دم الاستحاضة ليس بأذًى يمنع الصَّلاة والصوم، فوجب ألَّا يمنع الوطء أيضًا، وروى أبو داود في «سننه» من حديث عكرمة قال: (كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها) أي: يجامعها، ورواه البيهقي أيضًا، وقال ابن عبد البر: (لما حكم الله في دم الاستحاضة بأنه لا يمنع الصَّلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحيض؛ وجب ألَّا يحكم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء).\nقلت: فقولهم: (كل دم أذًى...) إلخ: مسلَّمٌ في كونه هو نجس يجب غسله واجتنابه، وغير مسلم من حيث إنه يمنع الوطء؛ لأنَّ الأذى ما يتأذى منه، فدم الحيض أذًى؛ لنتن ريحه، ودم الاستحاضة ليس بأذى؛ لعدم الرائحة، فهو غير أذى.\nوقولهم: (إن الصَّلاة رخصة): يلزم منه أن يكون الوطء رخصة أيضًا؛ لأنَّ فيه حق المخلوق؛ وهو الزوج، فهو مقدم على حق الخالق؛ وهو الصَّلاة.\nوقوله: (إذا صلت) ليس له تعلق بقوله: (ويأتيها زوجها) بل هي جملة مستقلة ابتدائية جزائية، وفي جوابها وجهان؛ الأول على قول الكوفيين: جوابها ما تقدمها، وهو قوله: (تغتسل وتصلي)؛ والتقدير على قولهم: المستحاضة إذا صلت -يعني: إذا أرادت الصَّلاة-؛ تغتسل وتصلي، الثاني على قول البصريين: أن الجواب محذوف؛ تقديره: إذا صلت؛ تغتسل، كذا قرره إمام الشارحين، وقوله: (الصَّلاة أعظم) جملة من المبتدأ والخبر كأنها جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: كيف يأتي المستحاضة زوجها؟ فقال: الصَّلاة أعظم من الوطء، فإذا جاز لها الصَّلاة التي هي أعظم؛ فالوطء بالطريق الأولى، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والظاهر أن هذا من كلام الراوي كما دل عليه رواية أبي بكر ابن أبي شيبة، ويحتمل أنه من كلام ابن عباس، وعلى كل؛ فهو رد على من منع وطء المستحاضة (^١)، وزعم ابن حجر أن الظاهر أن هذا بحث من البخاري، وأراد به بيان الملازمة؛ أي: إن أجازت الصَّلاة؛ فجواز الوطء أولى، واعترضه إمام الشارحين، فقال: (قلت: قوله: «وأراد به بيان الملازمة» أخذه من الكرماني) انتهى.\nقلت: يعني: أن هذه العبارة عبارة الكرماني، فساقها ابن حجر ونسبها لنفسه، وهذا دأبه في جميع كتبه يذكر ما قالوه وينسبه لنفسه، وكلامه هذا غير صحيح؛ لأنَّه من ديك لا يصيح، وهذا الظاهر ليس بظاهر؛ لأنَّه لو كان كما زعمه هذا القائل: إنه بحث من البخاري؛ لكان (قال البخاري) قبل هذا الكلام: قال أبو عبد الله، فإن ذلك عادته في جميع الكتب والأبواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، وهنا غير مذكور، فهو دليل على أنه ليس من كلامه، ويدل لهذا: أن عادته أخذ الحكم من الحديث، ووضعه ترجمة، ويقتصر على هذا تارة وأخرى يقول: قال أبو عبد الله، وهذا دليل على أنه ليس من كلامه، والظاهر: ما قلناه أنه من كلام الراوي أو ابن عباس، والظاهر الأول؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٦٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-565>[حديث: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة]</span>\n٣٣١ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا أحمد ابن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي، ونسبه لجده؛ لشهرته به، (عن زُهير) بضمِّ الزاي مصغرًا: هو ابن معاوية الجعفي الكوفي (قال: حدثنا هشام) وفي رواية: (هشام بن عروة) (عن عُروة) بضمِّ العين المهملة: هو ابن الزبير بن العوام، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄، (قالت: قال النبيُّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ) أي: لفاطمة بنت أبي حبيش حين سألته عن استحاضتها: «ذلك عرق وليست بالحيضة»: (إذا أقبلت الحيضة) عليك؛ (فدعي) أي: اتركي (الصَّلاة) أي: أيام الحيض، (وإذا أدبرت) أي: انقطع دم الحيض وجاء الطهر، وعلامة إدبار الحيض وانقطاعه الزمان والعادة، فإذا أقبلت عادتها؛ تحرت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل؛ (فاغسلي) أي: عنك (الدم) أي: دم الحيض، ولم يذكر الاغتسال في هذا الحديث، ولا بد منه، وذكره في باب (إقبال الحيض وإدباره) قال: «فاغتسلي»، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا؛ لأنَّه لا بد من الاغتسال منه، كما لا يخفى، (وصلي) وسبق في باب (غسل الدم)؛ كهنا من غير إيجاب الغسل، وقال عروة: (ثم توضئي لكل صلاة)؛ بإيجاب الوضوء، وهناك: (فاغتسلي)؛ بإيجاب الغسل؛ لأنَّ أحوال المستحاضة مختلفة، فيوزع عليها، أو نقول إيجاب الغسل والتوضُّؤ لا ينافي التعرض لهما، وإنما ينافي التعرُّض لعدمهما، وقوله: (فاغتسلي وصلي) لا يقتضي التكرار للاغتسال لكل صلاة، بل يكفي غسل واحد، ولا يرد حديث أم حبيبة: كانت تغتسل\n_________\n(^١) في الأصل: (المستحاطة)، وهو تحريف.","vol":"1","page":190},{"text":"لكل صلاة؛ لأنَّها لعلها كانت من المستحاضات التي يجب عليها الغسل لكل صلاة، أو لعلها كانت تفعله تطوُّعًا؛ لأنَّه ليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وتمامه فيما قدمناه، ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن معنى قوله: (باب إذا رأت المستحاضة الطهر) باب في حكم المستحاضة إذا رأت الطهر كما ذكرناه، والحديث دل على حكمها من وجوب الصَّلاة عليها المصرح فيه بأمر المستحاضة بالصَّلاة، كذا قاله إمام الشارحين.\n\n <span id=\"b-٥٦٦\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-566>[باب الصلاة على النفساء وسنتها]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (الصَّلاة على) المرأة (النُّفساء) بضمِّ النون، (و) بيان (سنتها) أي: سنة الصَّلاة، ولا مناسبة لذكر هذا الباب هنا، وحقه أن يذكره في (الجنائز)، وقد يقال: إن النفاس حكمه حكم الحيض، فلما ذكر الحيض وأحكامه، والاستحاضة وأحكامها؛ ناسب أن يذكر حكم النفاس، والصَّلاة على النفساء حكم من أحكامه من حيث الصَّلاة عليها، فالصَّلاة مع الاستحاضة؛ كالصَّلاة على الميتة النفساء، ومن هذا يعلم أن مراد البخاري في هذا الباب: بيان أن ابن آدم ينجس بالموت؛ لأنَّه قرن حكم الصَّلاة على النفساء مع حكم الصَّلاة مع الاستحاضة، فإنَّ دم الاستحاضة نجس في حكم غيرها من الطاهرات؛ كذلك الموت إذا حل في ابن آدم؛ ينجس في حق غيره من الأحياء من حيث حمله والصَّلاة فيه.\nوقال ابن بطال: (يحتمل أن يكون البخاري قصد بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت لا تصلي أن لها حكم غيرها من النساء في طهارة العين؛ لصلاة النبيِّ الأعظم ﷺ عليها) قال: (وفيه رد على من قال: إن ابن آدم ينجس بالموت؛ لأنَّ النفساء جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم اللازم لها فيما لم يضرها ذلك، كان الميت الذي لا يسيل منه نجاسة أولى)، واعترضه ابن المنير بأن هذا كله أجنبي عن مقصود البخاري، وإنما قصد أنها وإن ورد أنها من الشهداء؛ فهي ممن يصلى عليها كغير الشهداء، انتهى.\nوقال ابن رُشَيد: (أراد البخاري أن يستدل بلازم من لوازم الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة اقتضت أن المستقبل فيها ينبغي أن يكون محكومًا بطهارته، فلما صلى عليها-أي: إليها-؛ لزم ذلك من القول بطهارة عينها) انتهى.\nقلت: وهذا مخلص كلام ابن بطال، واعترضهم إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: قلت: كل هذا لا يجزئ والحق أحق أن يتبع، والصواب من القول في هذا أن هذا الباب لا دخل له في كتاب (الحيض)، ومورده في كتاب (الجنائز)، ومع ذلك ليس له مناسبة أصلًا بالباب الذي قبله، ورعاية المناسبة بين الأبواب مطلوبة، وقول ابن بطال: «إن حكم النفساء مثل حكم غيرها من النساء في طهارة العين؛ لصلاة النبيِّ الأعظم ﷺ عليها»؛ مسلَّمٌ، ولكنه لا يلائم حديث الباب، فإن حديث الباب في أن النبيَّ الأعظم ﷺ صلى على النفساء وقام وسطها، وليس لهذا دخل في كتاب (الحيض)، وقول ابن رشيد أبعد من الكل؛ لأنَّه ارتكب أمورًا غير موجهة؛ الأول: أنه شرط أن يكون المستقبل في الصَّلاة طاهرًا، وهذا فرض، أو واجب، أو سنة، أو مستحب، والثاني: أنه ارتكب مجازًا من غير داع (^١) إلى ذلك، والثالث: ادَّعى الملازمة وهي غير صحيحة على ما لا يخفى انتهى.\nقلت: وقول ابن بطال: (يحتمل...) إلخ: ممنوع، فإن البخاري لم يقصد بهذه الترجمة ما ذكره، بل مقصده ومرامه ما ذكرناه.\nوقوله: (وفيه رد...) إلخ: ممنوع أيضًا، فإن الذي يُعلم من كلام البخاري بهذه الترجمة إثباتُ ما قاله الجمهور من أن ابن آدم ينجس بالموت؛ لأنَّه أدخل هذا الباب في كتاب (الحيض)، ووجهه أن صلاة المستحاضة كالصَّلاة على النفساء كما قدمناه آنفًا.\nوقوله: (لأن النفساء...) إلخ: كلام غير موجه، فإن الحي يصلي وهو حامل للنجاسة في بطنه، فهذا يشمل الطاهر، والحائض، والمستحاضة، والنفساء؛ فلا خصوصية فيه للنفساء.\nوقول ابن المنير: (وإنما قصد البخاري...) إلخ: غير صحيح، فإن حكم الشهداء لا دخل له هنا، وليس هو بمقصد للبخاري، وإنما مقصده ذكر حكم النفساء، وهو من أحكام الحيض، وعليه: فهو وجه إدخاله هنا، وقول ابن رشيد أخذه من ابن بطال، وهو غير صحيح كما علمت.\nوقول إمام الشارحين: (والصواب من القول...) إلخ: صحيح، وكان ينبغي أن يذكر وجه المناسبة ولو نوعًا، وقد ذكرناها آنفًا؛ فليحفظ، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٦٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-567>[حديث: أن امرأةً ماتت في بطن فصلى عليها النبي فقام وسطها]</span>\n٣٣٢ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن أبي سُريج) بضمِّ السين المهملة، آخره جيم: هو أبو جعفر الرازي، واسم أبي سريج: الصبَّاح -بتشديد الموحدة- نسبه المؤلف لجده؛ لشهرته به؛ لأنَّ أباه اسمه عمر (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (شَبابة) بفتح الشين المعجمة، وتخفيف الموحدتين: هو ابن سَوَّار -بفتح السين المهملة، وتشديد الواو، آخره راء- الفَزاري -بفتح الفاء، وتخفيف الزاي- المدائني، وأصله من خراسان، مات سنة أربع ومئتين (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (شعبة) هو ابن الحجاج، (عن حُسيْن) بضمِّ الحاء المهملة، وسكون التحتية (المعلِّم)؛ بكسر اللام، المكتب، (عن ابن بُرَيْدة) بضمِّ الموحدة، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالدال المهملة: هو عبد الله بن بريدة بن الحُصَيْب -بضمِّ الحاء، وفتح الصاد المهملتين، وسكون التحتية، آخره موحدة- الأسلمي المروزي، التابعي المشهور، قال الغساني: (قد صحف بعضهم فقال: هو خصيب؛ بالخاء المعجمة المفتوحة)، كذا قاله إمام الشارحين، (عن سَمُرة) بفتح السين المهملة، وضم الميم، وهي لغة بني تميم، أو بسكون الميم تخفيفًا؛ نحو: عضْد في عضد، وهي لغة الحجازيين، قاله النسائي (ابن جُندَب) بضمِّ الجيم، وفتح الدال المهملة وضمها: ابن هلال الفَزاري -بفتح الفاء، وتخفيف الزاي- استخلفه زياد على الكوفة ستة أشهر، مات سنة تسع وخمسين: (أن امرأة) هي أم كعب، سماها مسلم في روايته من طريق عبد الوارث عن حسين المعلم، وذكر أبو نعيم في «الصحابة»: أنها أنصارية، كذا في «عمدة القاري» (ماتت في بطن) وكلمة (في) ههنا للتعليل، كما في قوله ﵇: «إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها»، وكما في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]؛ والمعنى: ماتت لأجل مرض بطن؛ نحو الاستسقاء وغيره، لكن قال ابن الأثير: الأظهر هنا أنها ماتت في نفاس؛ لأنَّ البخاري ترجم عليه)، وقال التيمي: قيل: وهم البخاري في هذه الترجمة حيث ظن أن المراد: ماتت في الولادة، فوضع الباب على (باب الصَّلاة على النفساء)، ومعنى (ماتت في بطن): ماتت مبطونة، وروي ذلك مبينًا من غير هذا الوجه، واعترضه الكرماني فقال: ليس وهمًا؛ لأنَّه جاء صريحًا في باب (الصَّلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها) في كتاب (الجنائز)، وفي باب (أين يقوم من المرأة عن المرأة)، عن سمرة بن جندب قال: (صليت وراء النبيِّ الأعظم ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها)،\n_________\n(^١) في الأصل: (داعي)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":191},{"text":"فالترجمة صحيحة، والموهم واهم، انتهى.\nوزعم ابن حجر (أن قوله: «ماتت في بطن»؛ أي: بسبب بطن؛ يعني: الحمل)، ثم قال ما قاله التيمي، وأجاب عنه بما أجاب به الكرماني، ونسب الجواب لنفسه.\nقلت: وهذا دأبه في جميع كتبه يذكر السؤال والجواب لغيره، وينسبه لنفسه، وكل ما ذكروه غير ظاهر، بل الظاهر ما قاله إمام الشارحين؛ حيث قال: (قلت: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون من سمرة حديثان؛ أحدهما: في التي ماتت في بطن، والآخر: في التي ماتت في نفاسها، ويكون الموهم في استعمال معنى الحديث الثاني الذي قاله التصريح بالنفاس في معنى الحديث الأول الذي فيه التصريح بالبطن) انتهى كلامه رحمه الباري.\n (فصلى عليها النبيُّ) الأعظم (ﷺ) وأصحابه الكرام، (فقام) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وسطها) يعني: قام محاذيًا لوسطها، قال في «عمدة القاري»: (وقد ذكرنا الفرق بين الوسْط بالسكون، والوسَط بالتحريك)، وجاء ههنا كلامه، وضبطه ابن التين: بفتح السين المهملة، وضبطه غيره: بالسكون، وفي رواية الكشميهني: (فقام عند وسطها)، فمن اختار الفتح؛ يقول: إنَّه اسم، ومن اختار السكون؛ يقول: إنَّه ظرف، ولا يقال بالسكون إلا في متفرق الأجزاء؛ كالناس والدواب، وبالفتح فيما كان متصل الأجزاء كالدَّار، انتهى.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وفيه دليل على أن الإمام يقوم من المرأة بحذاء وسطها، واختلف العلماء في ذلك؛ فروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنَّه يقوم من الرجل والمرأة بحذاء صدرهما، وهو أحسن مواقف الإمام، كذا في «مبسوط» شيخ الإسلام، وهو اختيار الحافظ الطحاوي وهو المختار، وبه قال أحمد ابن حنبل، وسفيان الثوري، وهو قول الطبري من الشافعية، واختاره الغزالي، والصيدلاني، وروي عن الإمام الأعظم: أنَّه يقوم بحذاء وسط المرأة وهو قول إبراهيم النخعي، وروي عن الإمام الأعظم أيضًا: أنَّه يقوم بحذاء وسط الرجل، وعند رأس المرأة، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى، وهو قول المحاملي من الشافعية، وروي عن أحمد: أنه يقوم من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل بحذاء صدره، وسيأتي مزيد كلام لذلك في (الجنائز) إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٥٦٨\"> </span>(٣٠) [باب...]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين، قال في «عمدة القاري»: أي: هذا باب، إن قرئ بالتنوين، وإلَّا؛ فبالسكون؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، ولمَّا كان حكم الحديث الذي هو في هذا الباب خلاف حكم الحديث الذي قبله؛ فصل بينهما بقوله: (باب)، ولكنَّه ما ترجم له، وهذا في رواية الأصيلي، ورواية غيره لم يذكر لفظ (باب)، بل أدخل حديث ميمونة الآتي في الباب الذي قبله، ولمَّا كان لفظ (باب) كالفصل عمَّا قبله؛ فلا يحتاج إلى ذكر ترجمة؛ لأنَّه ذكره مجردًا، ووجه مناسبة ذكر حديث ميمونة في هذا الباب التَّنبيه، والإشارة إلى أنَّ ثوب الحائض والنفساء طاهرة؛ لأنَّ ثوب النبيِّ الأعظم ﷺ كان يصيبه ثوب ميمونة إذا سجد وهي حائض ولا يضره ذلك؛ فلم يمتنع منه ﵇.\n\n <span id=\"b-٥٦٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-569>[حديث ميمونة: أنها كانت تكون حائضًا لا تصلي وهي مفترشة]</span>\n٣٣٣ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا الحَسين) بفتح الحاء المهملة (بن مُدرك)؛ بضمِّ الميم، من الإدراك أبو علي السدوسي الحافظ الطحان البصري (قال: حدثنا يحيى بن حمَّاد) هو الشيباني ختن أبي عوانة المتوفى سنة خمس عشرة ومئتين (قال: أخبرنا أبو عَوانة) بفتح العين المهملة، هو الوضاح اليشكري (من كتابه) قيَّد بذلك؛ إشارة إلى تقوية ما روي عنه، قال أحمد ابن حنبل: (إذا حدث أبو عوانة من كتابه؛ فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه؛ ربَّما وهم)، وقال أبو زرعة: (أبو عوانة ثقة إذا حدث من الكتاب)، وقال ابن مهدي: (كتاب أبي عوانة أثبت من هشيم)، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (سليمان الشيباني) هو ابن أبي سليمان فيروز أبو إسحاق الشيباني، (عن عبد الله بن شدَّاد) بالشين المعجمة، ودالين، هو ابن الهاد (قال: سمعت خالتي مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضمِّ الثانية، بينهما تحتية ساكنة، هي بنت الحارث (زوج النبي) الأعظم (ﷺ) فهي خالة عبد الله بن شدَّاد؛ لأنَّ أمَّه سلمى بنت أبي عميس أخت ميمونة لأمِّها: (أنها) أي: ميمونة (كانت تكون) فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون أحد لفظي الكون زائدًا، كما في قوله:\nوجيران لنا كرام.........\nفلفظ: (كانوا) زائدًا، و(كرام)؛ بالجر صفة لـ: (جيران).\nالثاني: أن يكون في (كانت) ضمير القصة، وهو اسمها وخبرها.\nوالثالث: أن يكون لفظ (يكون) بمعنى: يصير في محل نصب على أنها اسم (كانت)، ويكون الضمير في (كانت) راجعًا إلى ميمونة، وهو اسمها.\nوقوله: (حائضًا) في محل النصب خبر (يكون) التي بمعنى: تصير، وقوله: (لا تصلي) جملة مؤكِّدة لقوله: (حائضًا)، كذا أعربه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وأعرب الكرماني (لا تصلي) صفة لـ (حائضًا) في وجه، وفي وجه إعرابه حالًا، وأعرب (لا تصلي) خبرًا لـ (كانت)، قال إمام الشارحين: (وهو خلاف التحقيق، والتحقيق ما ذكرناه) (وهي مفترشة) جملة اسمية وقعت حالًا، يقال: افترش الشيء: انبسط، وافترش ذراعيه: بسطهما على الأرض (بحِذاء)؛ بكسر الحاء المهملة، وبالمد بمعنى: وراءه (مسجد رسول الله ﷺ) أي: موضع سجوده من بيته، وليس المراد منه: المسجد المعروف المعهود، قاله إمام الشارحين، وكذا غيره من الشراح، وتعقبهم صاحب «المصابيح» بأنَّ المنقول عن سيبويه أنَّه إذا أريد موضع السجود؛ قيل: مسجَد؛ بالفتح فقط (وهو يصلي) جملة حالية (على خُمْرته)؛ بضمِّ الخاء المعجمة، وسكون الميم، وهي سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل تنسج بالخيوط سميت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، وإذا كانت كبيرة؛ سميت حصيرًا، (إذا سجد؛ أصابني بعض ثوبه) جملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها النصب على الحال، وقد عُلِمَ أنَّ الجملة الفعلية الماضية المثبتة إذا وقعت حالًا؛ تكون بلا واو؛ فافهم.\nوزعم القسطلاني أنَّ هذا حكاية لفظها، وإلا فالأصل أن تقول: أصابها الثوب.\nقلت: وفيه نظر لا يخفى، ولم يذكر ترجمة لهذا الحديث؛ لأنَّه ذكر قوله: (باب) كذا مجردًا؛ لأنَّه بمعنى: فعل؛ لا يحتاج إلى ذكر شيء، وأمَّا على الرواية التي يذكر فيها لفظ (باب)؛ فوجهه ما ذكرناه الآن، كذا قاله","vol":"1","page":191},{"text":"إمام الشارحين، ثم قال: (وفي الحديث دليل على أنَّ الحائض ليست بنجسة؛ لأنَّها لو كانت نجسة؛ لما وقع ثوبه ﵇ على ميمونة وهو يصلي، وكذلك النفساء) انتهى.\nقلت: يعني: أنَّه ﵇ لم يأمرها بالتأخر عنه وأقرَّها على ذلك، وفيه دليل: على أن الحائض إذا قربت من المصلِّي؛ لا يضر ذلك صلاته، وفيه جواز ترك الحائض الصَّلاة، وجواز الافتراش بحذاء المصلي، وجواز الصَّلاة على الشيء المتخذ من سعف النخل سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، بل هذا أقرب إلى التواضع والمسكنة، بخلاف صلاة المتكبرين على سجاجيد مثمنة مختلفة الألوان والقماش، ومنهم من ينسج له سجادة من حرير، والصَّلاة عليها مكروهة وإن كان دوس الحرير جائزًا؛ لأنَّ فيه زيادة كبر وطغيان، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري».\nقلت: وقال أئمتنا الأعلام: والأفضل الصَّلاة على الأرض، ثم على ما تنبته الأرض، وإنَّما يصلي على السجادة إذا كانت الأرض حارة أو باردة، فما يفعله المتعصبون من الشافعية من حمل السجادة إلى المسجد يمرون بها في الأسواق، وهي على أكتافهم حتى يأتون المسجد فيفرشوها؛ لأجل الصَّلاة، وتارة يقعدون، وتارة يذهبون للوضوء؛ غير مطلوب، بل هو مذموم شرعًا؛ لأنَّ فيه إظهار الكبر والعجب مع ما فيه من التعصب البارد والوسوسة والرياء والسمعة، وكل ذلك خارج عن الشرع، وأيضًا يمنعون الناس من الصَّلاة موضع السجادة، والله تعالى الموفق بمنه وكرمه، آمين.\n\n <span id=\"b-٥٧٠\"> </span>«٧» <span data-type=\"title\" id=toc-570>[كتاب التيمم]</span>\n (بسم الله الرحمن الرحيم)\nهذا (كتاب) في بيان أحكام (التيمُّم) كذا في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر: البسملة مؤخرة عن الكتاب، والأول أولى للحديث الوارد فيه، وأمَّا الثاني؛ فوجهه أن الكتب التي فيها التراجم مثل السور حتى يقال سورة كذا، والبسملة تذكر بعدها على رأس الأحاديث كما تذكر على رؤوس الآيات، ويستفتح بها.\nووجه المناسبة بين هذا الكتاب والكتاب الذي قبله أحكام الوضوء والغسل بالماء، والمذكور هنا التيمم وهو خلف عن الماء؛ فيذكر الأصل أولًا ثم يذكر الخلف بعده، واقتداء بالكتاب؛ لأنَّه تعالى ابتدأ أولًا بالوضوء؛ لأنَّه أعمُّ، ثم بالغسل؛ لأنَّه أندر، ثم بالتيمُّم؛ لأنَّه خلف، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ..﴾؛ الآية [المائدة: ٦].\nو(كتاب) مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هذا كتاب التيمم، والإضافة فيه بمعنى: في؛ أي: هذا كتاب في بيان أحكام التيمم، ويجوز نصب (كتاب) بعامل مقدر؛ تقديره: خذ، أو هاك، أو اقرأ كتاب (التيمم)، والأصل فيه: الكتاب العزيز؛ وهو الآية المذكورة، والسنة؛ وهي أحاديث الباب وغيره، والإجماع على جوازه للمحدث، وفي الجنابة أيضًا، وزعم ابن حزم أنَّه خالف فيه عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي، والأسود) انتهى.\nقلت: وهو غير صحيح؛ فإنَّه قد ثبت رجوعهم عن هذا كما نقله الثقات، وذكره إمام الشارحين، فلا اعتداد بكلام ابن حزم؛ لأنَّه مشهور بالتعصب والنقول الشاذة؛ فافهم.\nوالتيمم من خصائص هذه الأمَّة فلم يكن مشروعًا لغيرها، وإنما شرع رخصة لنا؛ فهو فضيلة خصت به هذه الأمة دون غيرها من الأمم، ويدل لذلك قوله ﵇ في هذا الكتاب: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وقيل: إنَّه عزيمة، وفرض سنة ستٍّ أو خمس، كما سيأتي، و(التيمُّم) مصدر (تيمم يتيمم تيممًا) من باب (افتعل)، وأصله من الأمِّ؛ وهو القصد، تقول: أمَّه يؤمُّه أمًّا؛ إذا قصده، وذكر في «الواعي»: (يقال: أمَّ وتأمَّم ويمَّم وتيمَّم بمعنى واحد، وإنما كان أصله في ذلك؛ لأنَّه يقصد التراب فيتمسح به)، وفي «الجامع»: (عن الخليل: يجرى مجرى التوضؤ، تقول: تيمَّم أطيب ما عندك فأطعمنا منه؛ أي: تقصَّد، وأجاز أن يكون التيمُّمالعمد والقصد، وهذا الاسم كثير حتى صار اسمًا للتمسح بالتراب)، وقال الفراء: (ولم أسمع: يممت بالتخفيف)، وقال أبو منصور: (التيمُّم التعمُّد، وهو ما ذكره البخاري في تفسير سورة المائدة، ورواه ابن حاتم، وابن المُنْذِر عن سفيان).\nقلت: (التيمُّم) في اللغة: مطلق القصد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ أي: لا تقصدوا، وقول الشاعر:\nولا أدري إذا يمَّمت أرضًا... أريد الخير أيُّهما يليني\nوفي الشريعة: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، وهو مسح الوجه واليدين؛ لاستباحة الصَّلاة، وامتثال الأمر، وشرائط التيمم تسعة: النية، والمسح، وكونه بثلاث أصابع فأكثر، والصعيد، وكونه مطهرًا، وفقد الماء، وطلبه إن ظنَّ قربه، وزوال ما ينافيه، والإسلام.\nوسننه ثلاثة عشر: الضرب بباطن كفيه، وظاهرهما، وإقبالهما، وإدبارهما، ونفضهما، وتفريج أصابعه، والتسمية، والترتيب، والولاء، والتيامن، وخصوص الضرب على الصعيد، وكون المسح بالكيفية المخصوصة، وتخليل اللحية، وكون الضرب بظاهر الكفين، وقد نظمها شيخ شيخنا فقال:\nومسح وضرب ركنه العذر شرطه... وقصد وإسلام صعيد مطهر\nوتطلاب ماء ظن تعميم مسحه... بأكثر كف فقدها الحيض يذكر\nوسن خصوص الضرب نفض تيامن... وكيفية المسح التي فيه تؤثر\nوسم ورتب وال بطن وظهرن... وخلل وفرج فيه أقبل وتدبر\nقلت: واشتراط النية يغني عن اشتراط الإسلام؛ لأنَّها لا تصح من كافر، ولهذا اقتصر في النظم على الإسلام فقط، ومن ذكرها؛ فمراده: التوضيح؛ لأنَّها مستلزمة للإسلام، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».\n (وقول الله ﷿) بواو العطف على (كتاب التيمم)؛ والتقدير: وفي بيان قول الله، وفي رواية الأصيلي: (قول الله تعالى) بدون الواو، فوجهه أن يكون مبتدأ، وخبره قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أن (الواو) للاستئناف، ورده إمام الشارحين فقال: (وهو غير صحيح؛ لأنَّ الاستئناف جواب عن سؤال مقدَّر، وليس لهذا محل هنا، فإن قال هذا القائل: مرادك الاستئناف اللغوي؟ قلت: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ الاستئناف في اللغة الإعادة ولا محل لهذا المعنى ههنا؛ فافهم).\n (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾) كذا في رواية الأكثرين وهو الصواب، وهو الموافق للقرآن المجيد في سورة المائدة والنساء، وفي رواية النسفي، وعبدوس، والحموي، والمستملي: (فإن لم تجدوا)، ووقع التصريح به في رواية حمَّاد بن سَلَمَة، عن هشام، عن","vol":"1","page":192},{"text":"أبيه، عن عائشة ﵂ في قصتها المذكورة، قال: (فأنزل الله آية التيمم: ﴿فإن لم تجدوا﴾ ...)؛ الحديث، والظاهر أن هذا وهم من حمَّاد أو غيره، أو قراءة شاذة لحمَّاد كذا قاله إمام الشارحين، والمراد بعدم الوجدان: عدم القدرة على استعماله إمَّا لعدمه، أو بعده، أو لفقد آلة الوصول إليه من الدلو والرشاء، أو لمانع عنه من حيَّة، أو عدوٍّ، أو سبع، أو غير ذلك؛ لأنَّ الممنوع عنه كالمفقود، والمترخص بالتيمم إمَّا محدث أو جنب، والحالة المقتضية له في الغالب مرض أو سفر، والجنب لمَّا سبق ذكره؛ اقتصر على بيان حاله، والمحدث لما لم يجر ذكره؛ ذكر أسباب ما يحدث له بالذات، وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل أحوال الجنب، وبيان العذر مجملًا، وكأنه قيل: وإن كنتم جنبًا، مرضى، أو على سفر، أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء؛ (﴿فَتَيَمَّمُوا﴾) أي: اقصدوا وتعمَّدوا (﴿صَعِيدًا﴾) أي: وجه الأرض ترابًا أو غيره، سمي صعيدًا؛ لكونه صاعدًا عنها، أو لأنَّه يصعد عليها، قال الأصمعي: الصعيد: وجه الأرض (فعيل) بمعنى: مفعول؛ أي: مصعود عليه)، وحكاه ابن الأعرابي، وكذا قاله الخليل، وثعلب، وقيل: هو الظاهر من وجه الأرض، وقال الزجاج في «المعاني»: (الصعيد: وجه الأرض، ولا يبالي أكان في الموضع تراب أم لم يكن؛ لأنَّ الصعيد ليس اسمًا للتراب، وإنَّما هو وجه الأرض ترابًا كان أو صخرًا لا تراب عليه، قال الله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، فأعلمك أن الصعيد يكون زلقًا)، وقال قتادة: (الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر)، ومعنى قوله: (﴿طَيِّبًا﴾): طاهرًا، وقال أبو إسحاق: الطيِّب: النظيف، وقيل: الحلال، وقيل: الطيِّب: ما تستطيبه النفس، وأكثر العلماء على أن معناه: طاهرًا، كذا قاله إمام الشارحين، وروي: أن الله تعالى خلق درة فنظر إليها؛ فصارت ماء، وعلا الزبد عليه، فخلق الله تعالى الأرض من زبدة؛ فيكون أحلَّ الأرض من الماء؛ فلهذا أقام تعالى التيمم مقام الماء عند فقده، والله أعلم، فيصح التيمم بكلِّ ما كان من أجزاء الأرض، ولو مسح على صخر أملس وتيمم؛ صحَّ ذلك، هذا مذهب رأس المجتهدين الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، وقتادة، وهو قول أهل التفسير واللغة، ويدلَّ عليه نصوص القرآن، قال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا (^١) زَلَقًا﴾، وقال تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، وقال ﵇: «يحشر الناس في صعيد واحد»، فهذا ظاهر في أن الصعيد: وجه الأرض، ولا يلزم أن يكون عليه تراب كما زعمه الشافعية، حيث شرطوا أن يكون التيمم على التراب، وهو خلاف القرآن؛ لأنَّه تعالى أمر بالتيمم على الصعيد؛ وهو وجه الأرض، فالتيمم على التراب ليس من النص المأمور به، وسيأتي بيانه، (﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾) أي: فامسحوا الصعيد بها، وقيل: الباء زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]؛ وتقديره: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، واليد لغة: من رؤوس الأصابع إلى الإباط، وشرعًا اختلف فيها، فقال الزُهْرِي: (يشترط مسحها إلى الإباط؛ لأنَّ الاسم لكلها لغة، وفي الوضوء اقتصر على المرافق؛ لأنَّ النص مده إليها)، وقال الأوزاعي: (يشترط مسحها إلى الرسغ، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]).\nوقال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: يشترط مسحها إلى المرافق وهو قول مالك، ومحمَّد بن إدريس، وأحمد؛ لأنَّ التيمم بدل عن الوضوء؛ فيقدَّر بتقدير الأصل، وأمَّا القطع في السرقة؛ فقد ورد النص بتقديره، وقد ثبت أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ههنا: وأيديكم إلى المرافق، وإنَّما اكتفى بمسح الوجه واليدين؛ لأنَّ التيمم رخصة، فكما رخَّص فيه من حيث الآلة وهو: الاكتفاء بالصعيد الملوث، كذلك رخَّص فيه من حيث محله؛ حيث اكتفى فيه بشطر أعضاء الوضوء، وقيل: إنَّما اكتفى فيه بالمسحتين؛ لأنَّ الأصل في أركان الوضوء غسل الوجه والذراعين؛ حيث لا ينو بهما شيء من المسح، بخلاف الرأس والرجلين، فإنَّ المسح فيها ينوب عن الغسل؛ فلهذا اكتفي بهما؛ فليحفظ.\nقلت: وفيه جواب آخر: وهو أنَّه تعالى بين سبب المشروعية في التيمم؛ وهي السفر، والمرض، وعدم وجدان الماء، والمسافر، والمريض، والعادم يشقَّ عليهم خلع النعل وخلع العمامة بسبب البرد والحر؛ فيسر لهم ذلك وجعله رخصة، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]؛ فمن كان عادته أن يعفو عن المذنبين؛ فبأن يرخِّص للعاجزين كان أولى، ورحمته وسعت كل شيء.\nوقوله: (﴿مِّنْهُ﴾) [النساء: ٤٣] ثابتة في رواية كريمة، ساقطة في رواية أبي ذرٍّ، فعلى الرواية الأولى تعين أنها آية المائدة، وعلى الثانية تعين أنها آية النساء؛ لأن آية المائدة فيها لفظة (منه)، وآية النساء ليس فيها لفظة (منه)، وتعلق بها محمَّد بن إدريس الشافعي وأصحابه، فزعموا أن التيمم لا يصح على الصخر الأملس، بل يشترط أن يكون عليه تراب، فعندهم لا يجوز إلا بالتراب، ووجه تعلقهم أن (من) في الآية؛ للتبعيض، والضمير عائد على الصعيد وهو التراب؛ لما روي عن ابن عباس: أن الصعيد الطيِّب: التراب الخالص، وهذا مردود؛ لأنَّ (من) ليست للتبعيض، بل هي لابتداء الغاية؛ لأنَّه لا يصح فيها ضابط التبعيض والبيان؛ وهو وضع بعض موضعها في الأول، ولفظه (الذي) في الثاني، و(الباء) في الأول بحاله، ويزاد في الثاني جزء؛ ليتم صلة للموصول؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ أي: الذي هو الأوثان، ولو قيل: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم بعضه؛ أفاد أن المطلوب جعل الصعيد ممسوحًا والعضويين آلته، وهو منتفٍ إجماعًا، وأمَّا الضمير؛ فهو عائد على المحدث بدليل: أن التيمم رخصة للمحدث المذكور في الآية وهو ظاهر؛ فافهم.\nوزعم البيضاوي أنَّ جعل (من) لابتداء الغاية تعسُّف؛ إذ لا يفهم من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن إلا للتبعيض.\nقلت: وهو مردود؛ فإن عدم الفهم إنَّما نشأ من اقتران (من) بالزمن ونحوه؛ مما هو أسهل التبعيض، ولو قرنت بما ليس كذلك؛ لانعكس الحكم، فيقال: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت يدي من الحجر أو الحائط معنى: (التبعيض) أصلًا، بل معنى: الابتداء، ومدخولها ههنا هو الصعيد، وهو مشتمل على ما يتبعض؛ لشموله التراب وغيره ممَّا على وجه الأرض، ومعناها الحقيقي المجمع عليه: هو الابتداء، فإنَّه لم ينكره أحد من العرب، وأمَّا التبعيض؛ فقد أنكره جماعة من أهل العربية؛ منهم: المبرِّد، والأخفش، وابن السراج، والسهيلي، فقالوا: لا دلالة لها على غير الابتداء، وأمَّا [ما] روي عن ابن عباس؛ فغير صحيح\n_________\n(^١) في الأصل: (صعيد)، وهو تحريف.","vol":"1","page":192},{"text":"عنه، ولو صح؛ فإنَّما قاله احتياطًا، ولأجل تفكر ابن آدم في أنه يعود إلى الأرض، وقدمنا أن الصعيد: هو وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وقال الزجاج: لا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة فيه، وإذا كان هذا مفهومه؛ وجب تعميمه، وتعين حمل ما روي عن ابن عباس على الأغلب، ويدل لذلك قوله ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإنَّ (اللام) للجنس؛ فلا يخرج شيء منها؛ لأنَّ الأرض كلها جعلت مسجدًا، وما جعل مسجدًا هو الذي جعل طهورًا، وأما الطيِّب؛ فلفظ مشترك يذكر، ويراد به: المنبت؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨] ويذكر ويراد به: الحلال؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وهذا لا يليق ههنا ويذكر، ويراد به: الطاهر، فقد أريد به: الطاهر إجماعًا؛ فلا يراد غيره؛ لأنَّ المشترك لا عموم له، ولأنَّ التيمم شرع لدفع الحرج، كما يفيده سياق الآية، واشتراط التراب ينافي ذلك، ويجاب أيضًا عمَّا روي عن ابن عباس بأنَّ الآية مطلقة، والمطلق لا يتقيَّد بخبر الواحد؛ فكيف بالأثر؟ من باب أولى، ويدل لقوله: والطيب بمعنى: الطاهر: أنه قال في آخر الآية: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٧١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-571>[حديث: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر]</span>\n٣٣٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي البصري (قال: حدثنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن عبد الرحمن بن القاسم) هو ابن محمَّد، (عن أبيه) هو محمَّد المذكور ابن أبي بكر الصديق الأكبر، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوج النبيِّ) الأعظم (ﷺ) و﵄: أنَّها (قالت: خرجنا) أي: من المدينة نحن والصحابة (مع رسول الله)، ولابن عساكر: (النبي) الأعظم (ﷺ في بعض أسفاره)؛ قيل: هو في غزوة بني المصطلق، كذا ورد عن ابن سعد، وابن حبان، وجزم به ابن عبد البرِّ في «التمهيد»، و«الاستذكار»، وغزوة بني المصطلق في غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الإفك.\nوقال ابن سعد: (خرج رسول الله ﷺ إلى المريسيع يوم الاثنين لليلتين (^١) خلتا من شعبان سنة خمس)، ورجَّحه أبو عبد الله في «الإكليل».\nوقال البخاري عن ابن إسحاق: (سنة ست)، وقال عن موسى بن عُقْبَة: (سنة أربع).\nوزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال: (سقط عقدها في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق قصة الإفك).\nقال إمام الشارحين: ويعارض هذا ما رواه الطبراني: أن الإفك قبل التيمم، فقال: حدثنا القاسم عن حمَّاد: حدثنا محمَّد بن حميد الرازي: حدثنا سَلَمَة بن الفضل، وإبراهيم ابن المختار، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: (لمَّا كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا؛ خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى فسقط أيضًا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، وطلع الفجر؛ فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، فقال: يا بنية؛ في كل سفر تكونين عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما علمت لمباركة)، قال إمام الشارحين: وإسناده جيد حسن زاد عن بعضهم تعدُّد السفر برواية الطبراني هذه، ثمَّ إنَّ بعض المتأخرين استبعد سقوط العقد في المريسيع، قال: لأنَّ المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر؛ لقولها في الحديث: (حتى إذا كنَّا بالبيداء أو بذات الجيش)، وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به النووي، ويردُّ هذا ما قاله أبو عبيد البكري في فصل «اللغات»: (إنَّ البيداء أدنى مكَّة من ذي الحليفة؛ وهو المشرف الذي قدَّام ذي الحليفة من طريق مكَّة، وجزم أيضًا ابن (^٢) التين: أن البيداء هو ذي الحليفة)، وقال أبو عبيد أيضًا: (أي: ذات الجيش من المدينة على بريد) قال: وبينهما وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، ويؤيد هذا ما رواه الحميدي في «مسنده» عن سفيان، حدثنا هشام، عن عروة، عن أبيه في هذا الحديث، فقال فيه: (إن القلادة سقطت ليلة الأبواء) انتهى، والأبواء بين مكة والمدينة، وفي رواية علي بن مسهر في هذا الحديث عن هشام قال: (وكان ذلك المكان يقال له: الصلصل)، رواه جعفر الفريابي، وابن عبد البرِّ من طريقه، والصلصل؛ بصادين مهملتين؛ أولاهما ساكنة، قال البكري: (هو جبل عند ذي الحليفة)، وذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم فيه صاحب «التلويح» مغلطاي، فزعم أنه بالضاد المعجمة، وتبعه على ذلك صاحب «التوضيح» ابن الملقن، وقال صاحب «العباب»: (الصلصل: موضع على طريق المدينة، وصلصل: ماء قريب من اليمامة لبني عجلان، وصلصل: ماء في جوف هضبة حمراء، ودارة صلصل لبني عمرو بن كلاب، وهي بأعلى دارها)، ذكر ذلك في الصاد المهملة، وقال في المعجمة: (الضلضلة: موضع) انتهى ما قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري.\n (حتى إذا كنَّا بالبيداء) قد سبق عن أبي عبيد البكري: (أن البيداء: أدنى مكة من ذي الحليفة)، ثم قال: (هو المشرف الذي قدام ذي الحليفة من طريق مكة)، و(البَيداء) بفتح الموحدة، وبالمد، (أو بذات الجَيْش) بفتح الجيم، وسكون التحتية، آخره شين معجمة، قال الكرماني: (موضعان بين مكة والمدينة، وكلمة كذا قاله إمام الشارحين، وروي: أن «أو» للشك من عائشة ﵂) انتهى.\nقلت: ويحتمل أن يكون الشك من بعض الرواة عن عائشة، والظاهر الأول، ولهذا جرى عليه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\nوما قيل: إنَّه بعيد؛ ليس بشيء؛ لأنَّ الأمكنة البعيدة لا خبرة فيها للنساء، وإنَّما يعرفها الرجال؛ لكثرة مرورهم بها، كما لا يخفى، وروى أبو داود من حديث عمَّار بن ياسر ﵁، وكذا النسائي عنه بإسناد جيد قال: (عرَّس رسول الله ﷺ بذات الجيش ومعه عائشة زوجه، فانقطع عقدها...)؛ الحديث، ولم يشك بينه وبين البيداء.\nقلت: فيحتمل تعدُّد السفر؛ لما قدَّمنا من رواية الطبراني، فليس فيه دليل على أن الشك من بعض الرواة، كما زعمه القسطلاني، بل يحتمل من كلٍّ منهما، والأظهر أنَّه من عائشة؛ لأنَّها لا خبرة لها بالأمكنة؛ لعدم مرورها عليها، بخلاف الرجال؛ فإنَّهم يمرون عليها كثيرًا، فالخبرة لهم؛ فافهم واحفظ.\n (انقطع عِقْد لي) بكسر العين المهملة، وسكون القاف؛ وهو القلادة: وهو كلُّ ما يعقد ويعلَّق في العنق، وذكر السفاقسي: (أنَّ ثمنه كان يسيرًا)، وقيل: كان ثمنه اثني عشر درهمًا، كذا قاله إمام الشارحين، وذكر البغوي في «معالمه» عن عائشة قالت: (فلمست صدري؛ فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع...)؛ الحديث، ففيه دليل على أنَّ العقد يوضع على الصدر، ويعلق بالعنق، وأنَّه من جزع أظفار، وأنَّه ملك لها؛ لقولها: (لي)، فالإضافة فيه للملك؛ فافهم.\nوقال القسطلاني: (والإضافة في قولها: «لي»؛ باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها لمنفعة، لا أنَّه ملك لها، بدليل ما في\n_________\n(^١) في الأصل: (ليلتين).\n (^٢) في الأصل: (أن).","vol":"1","page":193},{"text":"الباب اللاحق: أنَّها استعارت من أسماء قلادة) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ وما المانع من أن تكون القلادة ملكًا لها، وأنَّها المقطوعة، والمستعارة غيرها؟ فإنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّ القلادة ملك لها، فإَّن قولها: (انقطع عقد لي) ظاهر في الملكية، والاختصاص بها، وكيف تخبر عائشة الصديقة زوج النبيِّ الأعظم ﷺ أنَّ القلادة لها، والحال أنَّها لأسماء؟! وما كان يمنعها عن الإخبار بالواقع، وكيف يقال هذا؟! فعائشة لم تخبر إلَّا بالواقع: وهو أنَّ العقد المقطوع هو ملك لها، وأنَّ الذي استعارته هو غيره؛ لما قدَّمنا من رواية الطبراني، وفيه قالت عائشة: (لمَّا كان من أمر عقدي ما كان...)؛ الحديث؛ فانظر: كيف أضافته لنفسها، وما هي إلا باعتبار التملك والاختصاص، وقال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: (فانقطع عقد لي)، وقال محمَّد بن حبيب الأنصاري: (سقط عقد عائشة...)؛ الحديث، فهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ العقد ملك لعائشة، ويحتمل تعدُّد القصَّة؛ لما قدَّمنا في حديث الطبراني، قالت: (خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى؛ فسقط أيضًا عقدي...)؛ الحديث؛ ولو اضطلع القسطلاني على هذا؛ لما قال ما قال، والحق أحقُّ أن يتَّبع؛ فافهم.\n (فأقام رسول الله ﷺ على التماسه) أي: لأجل طلب العقد، (وأقام الناس معه) وقال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: (فانقطع عقد لي من جزع أظفار، فحبس الناس ابتغاءه) ففيه دليل على حرمة الأموال الحلال، وأنَّه لا يضيِّعها وإن كان قليلًا، ألا ترى أنَّ العقد كان ثمنه اثني عشر درهمًا، كما قدمناه، وفيه دليل على جواز حفظ الأموال وإن أدَّى إلى عدم وجود الماء في الوقت، وفيه دليل على جواز اتِّخاذ النساء الحلي واستعمال القلادة تجمُّلًا لأزواجهنَّ، كذا قرَّره إمام الشارحين، (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) كذا في رواية الأكثرين في الموضعين، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول في رواية أبي ذرٍّ، قاله إمام الشارحين؛ يعني: ليس عندهم ماء يكفي للوضوء، ويحتمل التعميم، والأظهر الأول، (فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) الأكبر ﵁، وفيه دليل على أنَّه هو الخليفة بعده ﵇، وإنَّما أتوا إليه ولم يأتوا النبيَّ الأعظم ﷺ؛ يحتمل أنَّهم غلبهم الحياء منه ﵇، ويحتمل أنَّهم علموا إن أتوه ﵇؛ يغتاظ ويتأذَّى من فعل عائشة، ويحتمل أنَّهم علموا أنَّه ﵇ كان نائمًا وقتئذٍ، (فقالوا) للصدِّيق الأكبر: (ألا ترى) أي: تعلم (إلى ما صنعت عائشة؟) بإثبات ألف الاستفهام الداخلة على كلمة (لا)، وفي رواية الحمُّوي: (لا ترى)؛ بسقوطها، ففيه نسبة الفعل إلى من كان مسبِّبًا فيه؛ ولذا صرَّحوا باسم عائشة ﵂، والذي صنعته هو أنَّها (أقامت برسول الله ﷺ والناس) بالجر عطفًا على المجرور (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) وأسندوا الفعل إليها؛ لأنَّه كان بسببها، (فجاء أبو بكر) أي: الصدِّيق الأكبر إلى عند السيدة عائشة (ورسول الله) الواو للحال (ﷺ واضع رأسه) الشريف (على فَخِذي) بفتح الفاء، وكسر الخاء، والذال المعجمتين (قد نام) أي: عليه، والظاهر أنَّ الإقامة كانت ليلًا، وأنَّهم لم يصلُّوا صلاة الوتر الواجبة؛ لأنَّ عادته ﵇ تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل؛ فليحفظ، وفيه الاستدلال على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أنَّ التهجد كان واجبًا عليه ﵇، (فقال) أي: أبو بكر لعائشة (حبستِ)؛ بكسر تاء التأنيث؛ أي: منعت (رسول الله ﷺ) من السفر، (و) حبست (الناس) أي: منعتهم من السفر أيضًا (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) يعني: ليس عندهم عين جارية، وليس عندهم في رحالهم ماء يكفي لوضوئهم، ويحتمل أنَّه كان عندهم في رحالهم ماء، لكنَّهم في احتياجه للشرب لهم ولدوابهم وطعامهم؛ لأنَّ القافلة لا تخلو من الماء غالبًا؛ فافهم.\n (فقالت عائشة) ﵂: (فعاتبني أبو بكر) وإنَّما لم تقل عائشة: عاتبني أبي، وسمته باسمه؛ لأنَّ مقام الأبوَّة لمَّا كان يقتضي الحنوَّ والشفقة، وعاتبها أبو بكر؛ صار مغايرًا لذلك، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي؛ فلم تقل: أبي، وكأنها اغتاظت منه لما يأتي، (وقال) أي: أبو بكر لها (ما شاء الله أن يقول)، وفي رواية عمرو بن الحارث، فقال: (حبست الناس في قلادة) أي: لأجلها، وفي رواية الطبراني قال: (يا بنية؛ في كلِّ سفر تكونين عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء) (وجعل يطعنُني)؛ بضمِّ النون، والعين المهملة، وكذلك جميع ما هو حسي، وأمَّا المعنوي؛ فيقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما معًا، كذا في «المطالع»، وحكى صاحب «الجامع» الضمَّ فيهما، قاله إمام الشارحين.\nقلت: فالحسِّيُّ؛ كالرمح والعصا، فهو بالضمِّ، والمعنويُّ؛ كالطعن في النسب والقول، فهو بالفتح أو كلاهما بالفتح، كما علمت.\n (بيده في خَاصِرتي)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة، وهي الشاكلة، (فلا) وللأصيلي: (فما) (يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي)، وفيه دليل على استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة؛ إذ يحصل به التشويش للنائم، وكذا المصلي، والقارئ، والمشتغل بالعلم أو الذكر، وفيه دليل على جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاه بذلك، ولم يكن حالة مباشرة، وفيه دليل على جواز تأديب الرجل ابنته ولو كانت مزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن له الإمام؛ فافهم.\n (فقام رسول الله ﷺ حين أصبح)، وفي رواية: (فنام حتى أصبح)، والمعنى فيهما متقارب؛ لأنَّ كلًّا منهما يدلُّ على قيامه من نومه كان عند الصبح، وليس المراد بقوله: (حتى أصبح) بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأنَّه قيد بقوله: (حين أصبح) بقوله: (على غير ماء) متعلق بـ (قام)، و(أصبح) على طريقة تنازع العاملين، و(أصبح) بمعنى: دخل في الصباح، وهي تامة؛ فلا تحتاج إلى خبر، كذا قرره إمام الشارحين؛ فليحفظ.\nففيه دليل على أنَّ طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، ويدل لهذا قوله في رواية عمرو بن الحارث: (وحضرت الصَّلاة، فالتمس الماء)، (فأنزل الله آية التيمم) وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، كما ذكره الحميدي، وسيأتي.\nوقال ابن العربي: (لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة).\nوقال ابن بطال: (هي آية النساء أو آية المائدة).\nوقال القرطبي: (هي آية المائدة؛ لأنَّ آية النساء تسمَّى آية الوضوء، وليس في آية المائدة ذكر الوضوء).\nوقال الواحدي: (عند ذكر آية النساء","vol":"1","page":193},{"text":"أيضًا والآيتان مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلا بوضوء، فلمَّا نزلت آية التيمم؛ لم يذكر الوضوء؛ لكونه متقدمًا متلوًّا؛ لأنَّ حكم التيمُّم هو الطارئ على الوضوء، وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولًا أول الآية، وهو فرض التيمم، ثم نزلت (^١) عند هذه الواقعة آية التيمم وهو تمام الآية: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]، ويحتمل أن يكون الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن، ثم نزلا معًا، فعبَّرت عائشة بالتيمم؛ لأنَّه المقصود.\nقال إمام الشارحين: (ولو وقف هؤلاء على ما ذكره أبو بكر الحميدي في «جمعه» في حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة...؛ فذكر الحديث، وفيه فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ..﴾؛ الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ لما احتاجوا إلى هذا التخرُّض، وكأنَّ البخاري أشار إلى هذا؛ إذ تلا بقيَّة الآية الكريمة) انتهى كلامه رحمه الباري.\n (﴿فَتَيَمَّمُوا﴾) [النساء: ٤٣]؛ بصيغة الماضي؛ أي: فتيمم الناس بعد نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والظاهر أنَّ صيغة الأمر على ما هو لفظ القرآن ذكره؛ بيانًا أو بدلًا عن آية التيمم؛ أي: أنزل الله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (^٢)، قاله إمام الشارحين، وفيه دليل على افتراض النية في التيمم؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿تَيَمَّمُوا﴾ (^٣): اقصدوا، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، وبه قال مالك، ومحمَّد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، والجمهور، وقال الإمام زفر، والأوزاعي: النيَّة فيه ليست بفرض قياسًا على الوضوء؛ فإنَّ الماء خلق مطهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، والتراب أيضًا طاهر لقوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ أي: طاهرًا، فإذا كان الماء مطهرًا بنفسه؛ لا يحتاج إلى نيَّة الوضوء، فكذلك التراب لا يحتاج فيه إلى نيَّة التيمم يدلُّ عليه قوله ﵇: «التراب طهور المسلم...»؛ الحديث، وقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا...»؛ الحديث رواهما الشيخان، وقال الجمهور: مطلق القصد غير مراد بالإجماع، بل المراد: القصد الشرعي وهو لا يكون بدون النيَّة؛ يعني: أنَّ النصَّ يدلُّ على اشتراط القصد إلى الصعيد للطهارة؛ فإنَّه تعالى أمر بالغسل بالماء الذي هو مطهر طبعًا؛ ليحصِّل الطهارة، ثم أقام الصعيد مقامه عند عدمه في تحصيل ذلك المقصود بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا (^٤) صَعِيدًا﴾، والتيمم: القصد فكأنَّ المراد: فإن لم تجدوا ماءً للتطهير؛ فاقصدوا إلى الصعيد للطهارة، فكان القصد إليه للطهارة داخلًا تحت الأمر على أنَّه التراب غير مطهر حقيقة، بل هو ملوث، فالشرع جعله طهورًا بشرطين؛ أحدهما: عدم الماء، والثاني: بالنية بأن يكون للصلاة؛ لأنَّ التراب غير طهور طبعًا، وإنَّما صار طهورًا في حالة مخصوصة شرعًا، وتمامه في شروح «الهداية»، (فقال) وفي رواية: (قال) (أُسَيْد) بضمِّ الهمزة مصغر: أسد (بن الحُضَيْر) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، قال الكرماني: وفي بعضها بالنون، وفي بعضها: (الحضير)؛ بالألف واللام، وهو نحو: الحارث من الأعلام التي تدخلها لام التعريف جوازًا، قال إمام الشارحين: (إنَّما يدخلونها للمح الوصفية)، و(أُسَيْد بن الحضير) ابن شمال الدوسي الأنصاري الأشهل أبو يحيى، أحد النقباء ليلة العقبَة الثانية، مات بالمدينة سنة عشرين، وحمل عمر بن الخطاب جنازته مع من حملها وصلَّى عليه، ودفن بالبقيع، ثم قال: فإن قلت: في رواية عبد الله بن نمير، عن هشام: (فبعث رجلًا فوجدها)، وفي رواية مالك: (فبعثنا البعير فأصبنا العقد).\nقلت: ليس بينهما تناقض؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المبعوث هو أُسَيْد بن حضير، فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون ﵇ هو وجدها عند أثارة البعير بعد انصراف المبعوثين إليها؛ فلا يكون بينهما تعارض، قاله المهلب.\nواعترضه إمام الشارحين فقال: هما واقعتان كما أشرنا إليه في الرواية الأولى: (عقد)، وفي الأخرى: (قلادة)، فلا تعارض حينئذٍ، ويحتمل أن يكون قوله: (بعث رجلًا) يعني: أميرًا على جماعة كعادته، فعبَّر بعض الرواة بـ (أناس)؛ يعني: أُسَيْدًا وأصحابه، وبعضهم بـ (رجل): يعني: المشار إليه، أو يكون قولها: (فوجده)؛ تعني بذلك: النبيَّ الأعظم ﷺ، لا الرجل المبعوث.\nفإن قلت: معنى قول أُسَيْد قاله دون غيره.\nقلت: لأنَّه كان رأس المبعوثين في طلب العقد الذي ضاع، انتهى كلامه ﵁.\n (ما هي) أي: البركة؛ فإنَّ القرينة الحالية والمقالية يدلان على أنَّ (هي) يرجع إلى البركة وإن لم يحضر ذكرها، والمراد بها: رخصة التيمم التي حصلت للمسلمين؛ أي: ليس هذه البركة (بأول بركتكم) والبركة: كثرة الخير (يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، ولفظة (آل) مقحمة، وأراد به: أبا بكر نفسه، ويجوز أن يراد به: أبا بكر وأهله وأشياعه، و(الآل) يستعمل في الأشراف بخلاف الأهل، ولا يزداد طرًّا الآل، وفرَّق؛ لأنَّه بحسب تصوره ذكر ذلك، أو بطريق التهكم، ويجوز فيه: يال أبي بكر؛ بحذف الهمزة؛ للتخفيف، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: وفي رواية عمرو بن الحارث: (لقد بارك الله للناس فيكم)، وفي تفسير إسحاق السبتي من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة: أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال لها: «ما كان أعظم بركة قلادتك»، وفي رواية هشام بن عروة الآتية: «فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرًا»، وفي (النكاح) من هذا الوجه: «إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين منه بركة»، وهذا يشعر أنَّ هذه القصة بعد قصة الإفك؛ فيقوى قول من ذهب إلى تعدُّد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمَّد بن حبيب الأنصاري، فقال: (سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق)، وقد اختلف أهل المغازي في أيِّ هاتين الغزاتين كانت أولًا، فقال الداودي: (كانت قصة التيمم في غزوة الفتح)، ثمَّ تردَّد في ذلك، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: (لمَّا نزلت آية التيمم؛ لم أدر كيف أصنع الحديث؟)، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأنَّ إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة وهي بعدها بلا خلاف، وسيأتي في (المغازي) إن شاء الله تعالى أنَّ البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى الأشعري، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة، وممَّا يدلُّ أيضًا على تأخُّر القصَّة عن قصَّة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂، وقد تقدم ذكره قريبًا؛ فافهم، انتهى ما قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الغفور الكريم الباري.\n_________\n(^١) في الأصل: (نزل).\n (^٢) في الأصل: (فتميموا)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (فتميموا)، وهو تحريف.\n (^٤) في الأصل: (فتميموا)، وهو تحريف.","vol":"1","page":194},{"text":"(قالت) أي: عائشة ﵂: (فبعثنا) أي: أثرنا (البعير)؛ واحد الإبل من معناها؛ لأنَّ الإبل اسم جمع لا واحد لها من لفظها، بل من معناها، وهي مؤنثة (الذي كنت عليه) راكبة حالة السير مع أُسَيْد بن الحضير، (فأصبنا) وفي رواية ابن عساكر: (فوجدنا) (العِقْد)؛ بكسر العين المهملة، وسكون القاف؛ أي: القلادة (تحته) أي: تحت البعير، وهذا يدل على أنَّ الذي توجَّهوا في حاله أوَّلًا لم يجدوه.\nقال إمام الشارحين: (فإن قلت: في رواية عروة في الباب الذي يليه: (فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها) أي: القلادة، وللبخاري في (فضل عائشة) من هذا الوجه، وكذا مسلم: (فبعث ناسًا من الصحابة في طلبها)، وفي رواية أبي داود: (فبعث أُسَيْد بن حضير ناسًا معه).\nقلت: الجمع بين هذه الروايات أنَّ أُسَيْدًا (^١) كان رأس المبعوثين لذلك، كما ذكرنا؛ فلذلك سُمَّي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وآثاروا البعير؛ وجده أُسَيْد بن حضير، وعلى هذا؛ فقوله في رواية عروة الآتية: (فوجدها) أي: بعد جميع ما تقدم من التفسير، وزعم النووي: أنَّه يحتمل أن يكون فاعل (وجدها) هو النبيُّ الأعظم ﷺ، وقد بالغ الداودي في توهم رواية عروة، ونقل عن إسماعيل القاضي: أنَّه حمل الوهم فيها على عبد الله بن نمير، وقد بان بذلك أن لا تخالف بين الروايتين ولا وهم.\nفإن قلت: في رواية عمرو بن الحارث: (سقطت قلادة لي)، وفي رواية عروة الآتية عنها: (أنها استعارت قلادة من أسماء -يعني: أختها- فهلكت) أي: ضاعت، فكيف التوفيق؟\nقلت: إضافة القلادة إلى عائشة؛ لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها؛ لتصريح عائشة بذلك في رواية عروة المذكورة) انتهى كلامه.\nقلت: ولا مانع من تعدُّد القصة، فإنَّ الذي في رواية عمرو بن الحارث ظاهر في أنَّ القلادة كانت ملكًا (^٢) لعائشة؛ لتصريحها بذلك؛ حيث قالت: (سقطت قلادة لي)، و(اللام) للملك أو الاختصاص، وأنَّ الذي في رواية عروة ظاهر في أنَّها ملك لأسماء، فهما واقعتان؛ لأنَّ ضياع العقد قد تكرر غير مرة كما ذكرنا، ويدل عليه رواية الطبراني، وقد تقدمت، وتمامه فيما قدمناه قريبًا؛ فافهم.\nوفي الحديث دليل على أنه يستوي في التيمم الصحيح، والمريض، والمحدث، والجنب، ولم يختلف علماء الأمصار بالعراق، والشام، والمشرق، والمغرب، والحجاز في ذلك، وكان عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ﵄ يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء؛ لقوله ﷿: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، ولم يتعلق بقولهما أحد من الفقهاء؛ للأحاديث الواردة الثابتة في جواز تيمم الجنب، قاله إمام الشارحين.\nقلت: ومثل الجنب الحائض والنفساء إذا طهرتا، وقد قال الثقات من النقاد: إنَّه ثبت رجوع عمر وابن مسعود ﵄ عن ذلك، وصارا يقولان بجواز تيمم الجنب؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر أن في الحديث دليلًا (^٣) على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وسلوك الطريق الذي لا ماء فيه.\nورده إمام الشارحين: بأن فيه نظرًا (^٤)؛ لأنَّ المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، ويحتمل أنه ﵇ لم يعلم بعدم الماء مع الركب إن كان قد علم بأنَّ المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (ليس معهم ماء) أي: للوضوء، وأمَّا ما يحتاجون إليه للشرب؛ فيحتمل أنه كان معهم.\nقلت: وقدمنا قريبًا ما يتعلق في ذلك، وفي الحديث جواز شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وإنما شكوا إلى أبي بكر؛ لكونه ﵇ كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه، كذا قالوا، واعترضهم إمام الشارحين: بأنه يجوز أن يكون شكواهم إلى أبي بكر دونه ﵇؛ خوفًا على خاطره ﵇ من تغيره عليها) انتهى.\nقلت: ويحتمل أن تكون شكواهم إلى أبي بكر حتى يخبر بها النبيَّ الأعظم ﷺ، فإن السلطان إذا كان في بلدة وأراد أحد الشكوى على آخر؛ فأولًا يشكو أمره إلى وزيره، والوزير يخبر به السلطان، كما لا يخفى، وفي الحديث دليل على أن الوضوء كان واجبًا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع، وقال ابن عبد البر معلوم عند جميع أهل المغازي أنَّه ﵇ لم يصلِّ منذ فرضت الصَّلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل، أو معاند.\nفإن قلت: إذا كان الأمر كذلك، ما الحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به؟\nقلت: ليكون فرضه متلوًّا بالتنزيل، ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديمًا، فعملوا به، ثم نزلت بقيتها؛ وهو ذكر التيمم في هذه القصة، وإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكل على البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ..﴾ إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] يدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، وقد يقال: إنَّ الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن أولًا، ثم أنزلا معًا، فعبرت عائشة بالتيمم؛ إذ كان هو المقصود.\nفإن قلت: ذكر الجاحظ في كتاب «البرصان (^٥)» أن الأسلع العرجي الذي كان يرتحل للنبيِّ الأعظم ﷺ قال للنبيِّ ﵇ يومًا: إني جنب، وليس عندي ماء، فأنزل الله آية التيمم؟\nقلت: هذا ضعيف، ولئن صح؛ فجوابه: أنه يحتمل أن تكون قضية الأسلع واقعة في قصة سقوط العقد) انتهى ما قاله إمام الشارحين.\nقلت: ويحتمل أن الأسلع لم يبلغه نزول الآية مدة، ثم لما ارتحل إلى النبيِّ الأعظم ﵇؛ أخبره بنزولها، فعبر كما سمع والله أعلم.\nوفي الحديث دليل على جواز التيمم في السفر وهو بالإجماع، واختلفوا في الحضر، ومذهب الإمام الأعظم: أن التيمم جائز سواء كان مسافرًا أو مقيمًا\n_________\n(^١) في الأصل: (أسيد)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (ملك)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (دليل)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (نظر)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (البرهان)، وهو تحريف.","vol":"1","page":194},{"text":"بمصر وهو المختار، كما في «شرح الدرر».\nقال في «البحر»: (وهو الحق)، وقال فخر الدين الزيلعي: (لا فرق بين المسافر والمقيم، ومن هو خارج المصر أو داخله)، قال في «شرح الملتقى»: وهو الصحيح، وذلك لأنَّ الشرط عدم الماء، فأينما تحقق بعد وجود المقتضي؛ جاز؛ كذا في «العناية» عن «الأسرار»، وعدمه حقيقة أو حكمًا، وذلك بأن كان بينه وبين الماء عدوٌّ سواء كان آدميًّا أو غيره؛ كحية أو نار يخاف منه على نفسه إذا أتاه؛ فإنه يتيمم، وسواء خاف على نفسه أو ماله، كما في «البحر» ولو كان المال أمانة بيده، كما في «المبتغى»، لكن إن أمكن إخفاؤها؛ لم يجز ومقدار المال درهم، كما في «منهل الطلاب»، ويجوز التيمم لمريض يجد الماء، وخاف إن استعمله يشتد مرضه أو يمتد، كما في المتون، وكذا لو كان صحيحًا؛ فخاف حدوث مرض، كما في «القهستاني»، أو خاف الجنب الصحيح في المصر إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه؛ فإنه يتيمم عند الإمام الأعظم، وقال الإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن: لا يجوز؛ لأنَّ له أن يسخن الماء أو يدخل الحمام، كذا في «البحر»، ويجوز التيمم لصلاة الجنازة، وذلك إذا حضرت، والولي غيره؛ فخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته الصَّلاة عليها ومثلها صلاة العيدين، وأما الجمعة؛ فلا يجوز التيمم لها؛ لأنَّ لها خلفًا وهو فرض الظهر، وإذا ضاق الوقت؛ فخشي إن توضأ فات الوقت؛ لم يتيمم، لكنه يتوضأ ويصلي فائتة؛ لأنَّ الفوائت إلى بدل كلا فوات، كذا في «النهر»، وهو ظاهر المذهب، وقال الإمام زفر: يتيمم ولا يتوضأ؛ لأنَّ التيمم شرع؛ لتحصيل الصَّلاة بوقتها وهو قول الليث بن سعد، وأبي نصر بن سلام، ورجحه ابن الهمام في «فتح القدير»، وقال مالك وأصحابه: التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء، أو تعذر استعماله لمريض، أو خوف شديد، أو خوف خروج الوقت، وقال الشافعي: (لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف)، وبه قال الطبري، وقال الشافعي أيضًا: (إذا عدم الماء في الحضر مع خوف فوت الوقت الصحيح والسقيم؛ يتيمم ويصلي ويعيد)، وقال عطاء ابن أبي رباح: (لا يتيمم المريض إن وجد الماء ولا غير المريض)، والله أعلم.\nقال إمام الشارحين: (وفي الحديث دليل على جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهنَّ، فإذا كان لواحد نساء؛ فله أن يسافر مع أيتهنَّ شاء، لكن يستحب له أن يقرع بينهنَّ، فمن خرجت قرعتها؛ أخرجها معه، هذا مذهب الإمام الأعظم، وعند مالك، والشافعي، وأحمد: القرعة واجبة، وفي الحديث جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته، وفيه احتمال المشقة لأجل المصلحة؛ لقول عائشة: (فلا يمنعني من التحول إلا مكان رسول الله ﷺ)، وفيه دليل على فضيلة عائشة الصديقة، وأبيها الصديق الأكبر ﵄، وتكرار البركة منهما) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٧٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-572>[حديث: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي]</span>\n٣٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنَان) بكسر السين المهملة، وتخفيف النون، زاد الأصيلي: (وهو العَوَقِي)؛ بفتح العين المهملة، والواو، وكسر القاف، البصري الباهلي، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هُشَيْم) بضمِّ الهاء، وفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشِير -بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة- أبو معاوية الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومئة ببغداد، قال ابن عوف: (مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت بعشر سنين)\n (ح) مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد: (وحدثني) بالإفراد، وللأصيلي: (وحدثنا) (سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن النَّضْر) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، هو أبو عثمان البغدادي، مات بأصل جيحون، سنة أربع وثلاثين ومئتين (قال: أخبرنا هشيم)؛ بالتصغير، هو المذكور، فالبخاري يروي عن هشيم بواسطة شيخين؛ أحدهما: محمَّد بن سنان، والآخر: سَعِيْد بن النضر (قال: أخبرنا سَيَّار) بفتح السين المهملة، وتشديد المثناة التحتية، آخره راء، هو ابن أبي سيار وردان أبو الحكَم -بفتح الكاف- الواسطي، وهو متفق على توثيقه، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدًا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين روى عنه: الأئمَّة الستة، ولهم شيخ آخر يقال له: سيار، لكنه تابعي شامي، أخرج له الترمذي، وروى معنى الحديث عن أبي أمامة، وتمامه في «عمدة القاري»، مات بواسط سنة اثنتين (^١) وعشرين ومئتين (قال: حدثنا يزيد) من الزيادة، زاد في رواية: (هو ابن صهيب)؛ بالتصغير، والتخفيف (الفقير) ضد الغني، أبو عثمان الكوفي أحد مشايخ الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ﵁، وإنَّما قيل له الفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، ويقال له: فقِّير؛ بالتشديد أيضًا (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (جابر بن عبد الله) هو الأنصاري الخزرجي ﵁: (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ قال) أي: في عام غزوة تبوك، كما رواه أحمد ابن حنبل، وسيأتي: (أُعطيت) بضمِّ الهمزة مبني للمفعول، والمعطي هو الله الواحد القهار، فهو معلوم لكل مخلوق (خمسًا) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: «فُضِّلت على الأنبياء ﵈ بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبوة...»؛ الحديث، وعنده أيضًا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، ولفظ الدارقطني: «وترابها طهورًا»، وعند النسائي: «وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي، ولا يعط منه أحد بعدي»، وعند أبي محمَّد الجارود في «المنتقى» من حديث أنس ﵁: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا»، وعن أبي أمامة: أن النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء»، أو قال: «أمتي على الأمم بأربع: جعل الأرض كلَّها لي ولأمتي طهورًا ومسجدًا؛ فأينما أدركت الرجل الصَّلاة من أمتي؛ فعنده مسجده، وعنده طهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي...»؛ الحديث، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: «وأوتيت (^٢) الكوثر»، وفي حديث علي ﵁ عند أحمد: «وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم»، وعند أحمد أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه ﵇ قال ذلك عام غزوة تبوك»، وفي حديث السائب ابن أخت النمر: «فضلت على الأنبياء ﵈ بخمس: أرسلت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم».\nقال إمام الشارحين: (السائب المذكور: هو ابن يزيد بن سعد\n_________\n(^١) في الأصل: (اثنين)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (أتيت)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":195},{"text":"المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي حليف بني أمية، ولد في السنة الثانية، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي الأعظم ﷺ مقدمه من تبوك، وشهد حجة الوداع، وذهبت به خالته، وهو وجيع إلى النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فدعا له ومسح برأسه، وقال: «نظرت خاتم النبوة»، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم: «وأحل لي الأخماس»، وإذا تأملت؛ وجدت هذه الخصال اثنتي عشرة (^١) خصلة ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك عند إمعان التتبُّع، وقد ذكر أبو سَعِيْد النيسابوري في كتابه «شرف المصطفى» أن الذي اختص به نبينا ﵇ ستون خصلة) انتهى.\nقلت: وقد ذكر الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد المنيني العثماني في كتابه «الخصائص»: (أن الذي اختص به نبينا الأعظم ﷺ فوق المئة)، وذكر السيوطي منها نحو السبعين، وذكر القسطلاني في «المواهب» بعضًا منها، ولم أر أجمع من كتاب «الخصائص» للمنيني، فإنَّه مفيد جدًّا، لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى.\nقال إمام الشارحين: (فإن قلت: بين هذه الروايات تعارض؛ لأنَّ المذكور فيها الخمس، والست، والثلاث.\nقلت: لا تعارض؛ لأنَّ التنصيص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، وقد علم في موضعه)، وأجاب القرطبي: بأن ذكر الأعداد لا يدل على الحصر؛ فإن من قال: عندي خمسة دنانير مثلًا؛ لا يدل على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أخرى: عندي عشرون، ومرة أخرى: ثلاثون، فإن من كان عنده ثلاثون؛ صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة؛ فلا تعارض ولا تناقض، ويجوز أن يكون الرب ﷾ أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بستٍّ) انتهى.\n (لم يعطهن أحد) أي: من الأنبياء (قبلي) يعني: لم يجمع لأحد قبله هذه الخمسة؛ لأنَّ نوحًا ﵇ بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع؛ فلم يعط واحد منهن قبله أحد، وأما كونها مسجدًا؛ فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى ﵇ يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصَّلاة، كذا قاله الداودي.\nقلت: وفيه نظر، فإن قوله: (فلم يأت...) إلخ ممنوع؛ فقد أخرج البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلي حتى يبلغ محرابه»، وفي حديث آخر مرفوعًا: «وإنَّما كانوا يصلون في كنائسهم»، فهذا نص ثابت للخصوصية.\nوظاهر حديث الباب أنَّ كل واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله، وهو كذلك، وزاد في حديث ابن عباس: (لا أقولهن فخرًا)؛ فليحفظ.\nوقوله: (وقد كان عيسى...) إلخ لا ينهض دليلًا لمدعاه؛ لأنَّه يحتمل أن عيسى ﵇ يسيح في الأرض، ويرجع ويصلي في الكنيسة، ويدل لذلك أن الصَّلاة كانت في شريعته ومن قبله صلاتان؛ صلاة عند طلوع الشمس، وصلاة عند غروبها، قال الله تعالى: ﴿...﴾ (^٢)، فإذا كان كذلك فعيسى يصلي أول النهار في محرابه، ثم يسيح إلى أن يقرب الغروب فيرجع فيصلي في محرابه، كما لا يخفى.\nوزعم ابن حجر أن نوحًا ﵇ بعد خروجه من السفينة كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض؛ لأنَّه لم يبق إلا من كان مؤمنًا، وقد كان مرسلًا.\nوردَّه إمام الشارحين: (بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنَّما وقع لأجل الحادث الذي حدث؛ وهو انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس وعموم رسالة نبينا الأعظم ﷺ في أصل البعثة) انتهى.\nثم قال: (وزعم ابن الجوزي أنه كان في الزمان الأول إذا بعث إلى قوم؛ بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في الزمان الواحد جماعة من الرسل، فأمَّا نبينا الأعظم ﷺ؛ فإنَّه انفرد بالبعثة، فصار بذلك الكل من غير أن يزاحمه أحد) انتهى.\nثم قال إمام الشارحين: (فإن قلت: يقول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة: (أنت رسول إلى أهل الأرض)؛ فدل على أنه كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض.\nقلت: ليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، ولئن سلمنا أنه كان مرادًا؛ فهو مخصوص بتنصيص القرآن؛ حيث أخبر ﷾ في عدة آيات أنَّ إرسال نوح إلى قومه، ولم يذكر أنَّه أرسل إلى غيرهم) انتهى.\nقلت: أمَّا النبيُّ الأعظم ﷺ؛ فإنَّه ﷾ قال في حقه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] والفرق بينهما بيِّن؛ فافهم، ثم قال إمام الشارحين: فإن قلت: لو لم يكن نوح مبعوثًا إلى أهل الأرض كلهم؛ لما أهلك كلهم بالغرق إلا أهل السفينة؛ لقوله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\nقلت: قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح، وعلم نوح بأنَّهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم، قيل: هذا جواب حسن، ولكن لم ينقل أنَّه نبئ في زمن [نوح] غيره.\nقلت: يحتمل أنَّه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد؛ فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسيره سورة هود، قال: (وغير ممكن أنَّ نبوته لم تبلغ القريب؛ لطول مدته)، وقال القشيري: (توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًّا في حق بعض الأنبياء وإن كان إلزام فروع شريعته ليس عامًا؛ لأنَّ منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم؛ لم يقاتلهم).\nقلت: وفيه نظر لا يخفى، وأجاب ابن حجر: بأنَّه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح؛ فبعثته خاصة؛ لكونها إلى قومه فقط؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم؛ لم يكن مبعوثًا إليهم.\nقلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يكون بعثته عامة لقومه؛ لكونهم الموجودين، وعندي جواب آخر: وهو أن الطوفان لم يرسل إلا إلى قومه الذين هو فيهم ولم يكن عامًّا، وهو جيد إن شاء الله تعالى، انتهى كلام إمامنا إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الحليم الباري.\n (نُصِرت) بضمِّ النون، وكسر الصاد المهملة (بالرُّعْب)؛ بضمِّ الراء، وسكون العين المهملتين؛ الخوف، زاد أبو أمامة: (يقذف في قلوب أعدائي)، كما ذكرناه، وقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرعُب)؛ بضمِّ العين، والباقون\n_________\n(^١) في الأصل: (اثني عشر).\n (^٢) بياض في الأصل","vol":"1","page":195},{"text":"بسكونها، يقال: رعبت الرجل أرعبه رعبًا؛ أي: ملأته خوفًا، ولا يقال: أرعبته، كذا ذكره أبو المعالي، وحكي عن أبي طلحة: (أرعبته ورعبته، فهو مرعب)، وفي «المحكم»: (فهو رعيب ورعبة ترعيبًا وترعابًا فرعب)، وفي «الجامع»: (رعبته فأنا راعب، ويقال: رعب، فهو مرعوب، والاسم الرعب؛ بالضم)، وفي «الموعب»: (رجل رعب ومرتعب، وقد رعب ورعب)، كذا في «عمدة القاري»، (مسيرة) بفتح الميم (شهر) جعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه أكثر منه، كذا في «عمدة القاري»، (وجعلت) بضمِّ الجيم (لي) زاد أبو أمامة: (ولأمتي) (الأرض) كلها (مسجدًا)؛ بكسر الجيم؛ موضع سجوده، وهو موضع الجبهة على الأرض، ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع آخر، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد: هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم، فإذا كان جوازها في جميعها؛ كان المسجد المعهود كذلك، قاله إمام الشارحين.\nقلت: وعلى هذا الاحتمال؛ فهو مجاز عن المكان المعد للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلما جازت الصَّلاة في الأرض كلها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق عليها اسمه.\nفإن قلت: فعلى هذا الاحتمال؛ لم (^١) عدلوا عن حمله على الحقيقة اللغوية؛ وهي موضع السجود؟\nقلت: أجاب في «المصابيح»: (بأنه إن بني على رأي سيبويه أنه إذا أريد به موضع السجود؛ يقال: مسجَد بالفتح فقط؛ فواضح، وإن جوز الكسر فيه؛ فالظاهر أن الخصوصية هي كون الأرض محلًا؛ لإيقاع الصَّلاة بجملتها، لا لإيقاع السجود فقط، فإنه لم ينقل عن الأمم الماضية أنها كانت تخص السجود بموضع دون موضع آخر) انتهى.\nقلت: وهذا مردود، فإن من كان قبل نبينا الأعظم ﷺ من الأنبياء ﵈ إنَّما أبيح لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، ويدل لهذا: قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «وكان من قبل إنَّما يصلون في كنائسهم»، وأخرج البزار من حديث ابن عباس ﵄؛ نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه»، فهذا نص صريح في موضع النزاع، فتثبت الخصوصية، فهذه الأمة المحمَّدية خصت بجواز الصَّلاة في جميع الأرض، إلا في المواضع المستثناة بالشرع، أو موضع تيقنت نجاسته، ففي حديث أبي سَعِيْد الخدري ﵁ قال: قال النبي الأعظم ﷺ: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، رواه أبو داود، وفي حديث ابن عمر ﵄ قال: (نهى النبيُّ الأعظم ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله ﷿)، رواه الترمذي وابن ماجه.\nوقد أخذ الإمام أحمد بظاهرهما؛ فمنع صحة الصَّلاة في هذه المواضع، ورد بأن حديث أبي سَعِيْد قد طعن في سنده الحفاظ، وقال الترمذي: (فيه اضطراب)، وقال غيره: إنه ضعيف، وحديث ابن عمر قد تكلم في رجال سنده الثقات، وقال الترمذي: (إسناده ليس بالقوي)، وقال غيره: إنه ضعيف، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، فلهذا قال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: الصَّلاة في هذه المواضع مكروهة، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.\nقال إمام الشارحين: (فإن قلت: كان عيسى ﵇ يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصَّلاة.\nقلت: ذكر «مسجدًا وطهورًا» وهذا مخصوص بالنبيِّ الأعظم ﷺ؛ حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصَّلاة فيه، وكذلك التيمم) انتهى.\nقلت: وقدمنا ما فيه قريبًا، فلا تكن من الغافلين.\n (و) جعلت لي الأرض (طهورًا)؛ بكسر الطاء المهملة؛ لأنَّ المراد به الآلة، وهو كل ما على وجه الأرض، وبالفتح: مصدر بمعنى: النظافة، وبالضم: فضل ما يتطهر به، هذا هو المشهور، فقول القسطلاني: (بفتح الطاء على المشهور) غير مشهور عند الجهمور؛ فافهم، و(أل) في (الأرض) للجنس؛ فيشمل جميع أجزائها، فوصفها النبيُّ الأعظم ﷺ بالطهارة، وهذا يدل على أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ كالتراب، والرمل، والحجر الأملس المغسول، والجص، والنورة، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، والتوتياء، والطين الأحمر، والأسود، والأبيض، والحائط المطين، والمجصص، والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والمرجان، والأرض الندية، والطين الرطب، والآجر، ومسكوك الذهب والفضة، والخليط بالتراب إذا كان التراب غالبًا، وبالخزف، والحديد، والنحاس، وشبههما ما داما على الأرض، فإن جميع هذا أجزاء الأرض بخلاف غيرها؛ كالثلج، فإنه لا يجوز، ومثله الزجاج، وكذا التراب ونحوه المستعمل في التيمم، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس الأئمَّة، وهو قول الأوزاعي، وسفيان الثوري، وجوزاه بالثلج، والمسك، والزعفران أيضًا.\nوقال مالك: يجوز بالتراب، والرمل، والحشيش، والشجر، والثلج، والجص، والآجر.\nوقال الشافعي، وأحمد: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار.\nوتعلقًا بحديث حذيفة عند مسلم: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا»، ورد بأن الأصيلي قال: (تفرد أبو مالك بهذه اللفظة، وليست ثابتة عند بقية الرواة)، وقال القرطبي: لا يظن أن ذلك مخصص له، فإن التخصيص إخراج ما يتناوله العموم عن الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عين واحدًا مما يتناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّالِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وغير بعض ما يتناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، ولذلك ذكر التوبة في حديث حذيفة، ويقال: الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب ممنوع؛ لأنَّ تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره، وأجاب ابن حجر، فزعم أنه ورد في الحديث المذكور\n_________\n(^١) في الأصل: (لما)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":196},{"text":"بلفظ (التراب)، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: «جعل لي التراب طهورًا»، أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، ورده إمام الشارحين بما ذكره القرطبي آنفًا، ثم قال: (على أن تعيين لفظ «التراب» في الحديث المذكور؛ لكونه أمكن وأغلب، لا لكونه مخصوصًا به، على أنا نقول التمسك باسم الصعيد أولى؛ وهو وجه الأرض، وليس باسم للتراب فقط، بل هو وجه الأرض ترابًا كان أو صخرًا لا تراب عليه أو غيره) انتهى.\nقلت: وهو وجيه؛ فإنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الصعيد هو وجه الأرض ترابًا أو صخرًا، أملس أو غيرهما كما قاله الزجاج، وبه صرح القرآن في عدة آيات، فالآية مطلقة، والحديث إن صح خبر واحد، ولا يجوز تقييد إطلاق الآية بخبر الواحد؛ لأنَّه نسخ، وهو لا يجوز عند المحققين، فالحق ما عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويدل لما قاله قوله: (فأيما رجل)؛ لفظة (أي) مبتدأ يتضمن معنى الشرط، ولفظ (ما) زيدت لزيادة التعميم، ولفظ (رجل) مضاف إليه (من أمتي) متعلق بمحذوف؛ تقديره: كائن من أمتي (أدركته الصَّلاة): جملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها الجر؛ لأنَّها صفة (رجل)، وفي رواية أبي أمامة: (فأيما رجل من أمتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماء (^١)؛ وجد الأرض طهورًا ومسجدًا)، رواه البيهقي، وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده»، وقوله: (فليصل) خبر المبتدأ، ودخول الفاء فيه؛ لكون المبتدأ متضمنًا معنى الشرط؛ ومعناه: فليتيمم وليصل؛ ليناسب الأمرين المسجد والطهور، فهذا دليل واضح على جواز تيمم الحضري إذا عدم الماء، وخاف فوت الصَّلاة، وعلى أنه لا يشترط له التراب، فإنه قد تدركه الصَّلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها أصلًا، بل ولا رمل، ولا جص، ولا غيرهما، وقال ﵇: «بعثت بالحنفية السمحة»؛ أي: السهلة، وقال تعالى: ﴿[وَ] مَا (^٢) جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وتخصيص التراب ينافي هذا؛ لأنَّ فيه حرجًا ومشقة، والحرج مدفوع؛ فليحفظ.\n (وأحلت) بضمِّ الهمزة (الغنائم) جمع غنيمة؛ وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل، وركاب، وقهر، وفي رواية الكشميهني وكذا مسلم: (المغانم)؛ بالميم قبل الغين المعجمة، ثم ألف، وبعدها نون، جمع مغنم، قال الجوهري: (كلاهما بمعنًى واحد) (ولم تحل لأحد) من الأنبياء (قبلي)؛ لأنَّ منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن إذا غنموا شيئًا؛ لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد: أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم يحل لهم أصلًا، كذا قاله إمام الشارحين، (وأعطيت) بضمِّ الهمزة (الشفاعة) وهي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، وذكر الأزهري عن المبرد وثعلب: أنها الدعاء، والشفاعة: كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها، وفي «الجامع»: (الشفاعة: الطلب من فعل الشفيع، وشفعت لفلان؛ إذا كان متوسلًا بك فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع له)، وقال ابن دقيق العيد: الأقرب أن (اللام) للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وقيل: في رفع الدرجات في الجنة، وقيل: قوم استوجبوا النار، فيشفع لهم في عدم دخولهم إياها، وقيل: هي إدخال الجنة بغير حساب، وهي أيضًا مختصة به ﷺ، كذا في «عمدة القاري»، (وكان النبي) من الأنبياء قبلي (يبعث إلى قومه) أي: المبعوث إليهم (خاصة) بمعنى: خصوصًا، فهو من المصادر التي جاءت على (فاعلة)؛ كالعاقبة والعافية، منصوب على أنه مفعول مطلق بمحذوف؛ تقديره: أخص النبي من قبلي بالبعث إلى قومه خصوصًا بناء على المشهور من جواز حذف عامل المؤكِّد-بكسر الكاف- خلافًا لابن مالك، والتاء فيها للتأنيث أو للمبالغة، ويجوز انتصابها أيضًا على الحال؛ بمعنى: مخصوصًا، كذا في شرحنا «منهل الطلاب»، (وبعثت) أي: أنا (إلى الناس) أي: لقومه وغيرهم من العرب، والعجم، والأسود، والأحمر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: (عامة) بمعنى: عمومًا، منصوب على أنه مفعول مطلق، أو على الحال، كما قدمناه في (خاصة) قريبًا؛ فافهم، وفي رواية أبي هريرة: «وأرسلت إلى الخلق كافة»، رواها مسلم، وهي أظهر الروايات وأشملها، وهي تؤيد قول من قال: إنه ﵇ قد أرسل أيضًا إلى الملائكة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] و(العالمَين): جمع عالَم بالفتح؛ وهو كل ما سوى الله ﷿، فيشمل الإنس، والجن، والملائكة، وجميع الحيوانات، ويدل عليه: حديث الإسراء وحين مولده ﵇، وصريح آيات القرآن، ومخاطبته تعالى له ﵇ في عدة آيات؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالعالم كلهم أمته، لكن من دعي وأجاب؛ يقال لهم: أمة الإجابة كالمسلمين، ومن دعي ولم يجب كالنصارى واليهود؛ يقال لهم: أمة الدعوة (^٣)، فالنبيُّ الأعظم ﷺ قد أرسل إلى كافة الخلق، كما نطق بذلك القرآن، والتوراة، والإنجيل، كما لا يخفى على من تتبع، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه تعالى أرسلهم إلى قومهم فقط، فقال في نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، وغير ذلك.\nوفي الحديث دليل على أن الحجة تلزم بالخبر، كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية على مساعدة للخبر (^٤)، مبينة له، واقعة لما يخشى من آفات الأخبار وهي القرآن الباقي، وخص الله نبيه الأعظم ﷺ ببقاء معجزته لبقاء دعوته، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان، وفيه ما خصه الله تعالى به من الشفاعة وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شفع فيه، كما ورد في حديث الشفاعة: «قل: يسمع، واشفع تشفَّع»، ولم يعط ذلك من قبله من الأنبياء ﵈، وفيه: دليل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض، ولا يشترط فيه التراب فقط، وفيه: دليل على جواز تيمم المقيم بالمصر إذا عدم الماء وخاف فوت الصَّلاة، وفيه: دليل على أن الله تعالى قد أباح الغنائم للنبيِّ الأعظم ﷺ ولأمته بعد أن كانت في الأمم الماضية محرمة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٧٣\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-573>[باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا]</span>\nهذا (باب)؛ يذكرُ فيه ما (إذا لم يجد) الرَّجل (ماءً)؛ بالمد، ليتَوضأ به، أو يغتسل (ولا ترابًا) ولا غيره من أجزاءِ الأرضِ؛ ليتيمم به، وذلك بأن كان في سفينة لا يصل إلى الماء، أو مسجونًا بكنيف نجسة أرضه وجداره، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: هل يصلي بلا وضوء ولا تيمم أم لا؟ وفيه مذاهب للعلماء على [ما] سنذكره.\nووجه المناسبة في تقديم هذا الباب على بقية الأبواب بعد ذكر كتاب\n_________\n(^١) في الأصل: (ما)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (ما).\n (^٣) في الأصل: (الدعوى).\n (^٤) في الأصل: (عدة للخير)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":196},{"text":"التيمم؛ هو أنه صدَّر أولًا بذكر مشروعية التيمم عند عدم الماء، ثم ذكر بعده حكم من لم يجد ماءً ولا ترابًا، هذا على تقدير كون هذا الباب في هذا الموضع، وفي بعض النُّسخ ذكر بعد قوله: (كتاب التيمم): (باب التيمم في الحضر)، ثم ذكر بعده: (باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا)، وعلى هذا؛ المناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر أولًا حكم التيمم في السَّفر، ثم ذكرَ بعده حكمه في الحضر، ثم ذكر حكم عدم الماء والتراب معًا، وهو على هذا الترتيب كما ينبغي، ولم يتعرض لمثل هذه\n\n <span id=\"b-٥٧٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-574>[حديث عائشة: أنّها استعارت من أسماءَ قلادةً فهلكتْ]</span>\n٣٣٦ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا زكريا بن يحيى) هكذا وقع في جميع الروايات من غير ذكر جده، ولا نسبه، ولا شيء هو مشتهرٌ به، والحال أنَّ المؤلف روى عن اثنين كل منهما يُقال له: زكريا بن يحيى؛ أحدهما: زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤي البَلخي الحَافظ، المتوفى ببغداد سنة ثلاثين ومئتين، والآخر: زكريا بن يحيى بن عمر الطَّائي الكوفي أبو السَّكَين؛ بفتح السِّين المُهملة، وفتح الكاف، المتوفى ببغدادَ سنة إحدى وخمسين ومئتين؛ وكلاهما يرويان عن ابنِ نُمير، فزكريا هذا يحتملهما، وأيًّا كان منهما؛ فهو على شرطه؛ فلا يوجب الاختلاف بينهما قدحًا في الحديث وصحته، ومالَ الغسَّاني والكلاباذي إلى الأوَّل، فقال الغسَّاني: حديث البخاري عن زكريا البلخي في التيمم وفي غيره، وعن زكريا أبو السَّكَين في (العيدين)، وقال الكلاباذي: البلخي يروي عن ابن نُمير في (التيمم)، وقالَ ابن عدي: (هو زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة)، وإلى هذا مال الدَّارقطني؛ لأنَّه كوفي، كذا قالهُ إمام الشَّارحين، (قال: حدثنا عبد الله بن نُمير) بضمِّ النون، الكوفي (قال: حدثنا هشام بن عُرْوة) بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، (عن أبيه) هو عُرْوة بن الزُّبير بن العوام، (عن عائشةَ) الصِّديقة بنت الصِّديق الأكبر ﵄: (أنَّها استعارت من أسماءَ) هي أختُها، وهي المُلقبة بذات النِّطاقين (قِلادةً)؛ بكسر القاف، وكانت تُدعى السِّمط، تبلغُ السُّرة، كما صرَّح به الحافظ الطَّحاوي في هذا الحديث من طريق عُرْوةَ، عن عائشة، وكانت من جذعِ أظفار، قاله أبو عُبيد البكري، (فهلكت) أي: ضَاعتْ، وفي رواية الحميدي في «مُسْنده» عن سفيان: حدثنا هشام بن عُرْوة، عن أبيه في هذا الحديث فقال فيه: إنَّ القِلادة سقطت ليلة الأبواء؛ وهي بين مكة والمدينة؛ فليحفظْ.\nلا يُقال: إنَّ عائشة قالت في الباب السَّابق: (انقطع عِقدٌ لي إنَّه لأسماء)، وإضافته إلى نفسها هناك باعتبار أنَّه كان تحت يدها وتصرفها بدليل هذه الرِّواية؛ لأنَّا نقول المذكور في الباب السَّابق قصة العقد، والمذكور في هذا الباب قصة القِلادة، فالعِقد غير القِلادة فهما قصتان، ويدل لذلك: أنَّ ضياع العقد قد تعدد مرَّاتٍ، فالعقد الذي في الباب السَّابق هو مِلكٌ لعائشةَ؛ لإخبارها بأنَّه لها، وهي لا تُخْبِر بخلاف الواقع، وهذه القصة وقعت ليلة الأبواء، وقصة الباب السَّابق وقعت في غزوة ذاتِ الرِّقاع، كما قدمناه مفصَّلًا؛ فافهم.\n (فبعثَ رسول الله ﷺ رجلًا) في طلبها، وهو أُسَيْد بن حُضَيْر؛ بضمِّ الهمزة مصغرًا، وبضمِّ الحاء المهملة، وفتح المعجمة، وسكون التحتية، (فوجدها) أي: القِلادة، ولا منافاة بين هذا وبين قولها في الباب السابق: (فأصبنا العِقد تحت البعير)؛ لأنَّ لفظ (أصبنا) عام يشمل عائشة والرَّجل، فإذا وجد الرَّجل بعد رجوعه؛ صدق قوله: (أصبنا)، ويحتمل أن النَّبيَّ الأعظم ﷺ هو الذي وجده بعد ما بعثه إليه كما سبق؛ فافهم، (فأدركتهم الصَّلاة) وفي رواية الحافظ الطَّحاوي في نحو هذا الحديث: (قالت عائشة: فلمَّا نزلنا مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ لصلاة الصُّبح...)؛ الحديث، فعُلِمَ به أنَّها صلاة الفَجر؛ فليحفظْ، (وليس معهم ماء) يُحتَمل أنَّه ليس معهم ماء يكفي للشُّرب لهم، ولدوابهم، وللطَّعام، والوضوء، ويُحتَمل أنَّ الماء قد فرغ منهم بالكلية بسبب مكثهم وإقامتهم في هذا المكان؛ لأجل انتظار القلادة، وهو الظاهر؛ فتأمل، (فصلُّوا) أي: بغير وضوء، كما صرَّح به المُؤلف في (سورة النِّساء) في فضل عائشة، وكذلك مُسلم في «صحيحه» أي: وبغير تيمم، كما صرح به الطبراني في «الكبير»، وفيه: (فصلو [ا] بغير طهور...)؛ الحديث، وهو شاملٌ للماء والتُّراب، لكن روى الحافظ الطَّحاوي من حديث عُرْوة عن عائشة قالت: (أقبلنا مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ من غزوة كذا، حتى إذا كنَّا بالمعرض قريبًا من المدينة؛ نفست من الليل، وكانت عَليَّ قِلادة تدعى السمط، تبلغ السُّرة فجعلت أنفس، فخرجت من عنقي، فلمَّا نزلت مع النبيِّ الأعظم صلى الله [عليه] وسلم لصلاة الصبح؛ قلت: يا رسول الله؛ خرجت قلادتي، فقال للناس: «أمكم قد ضلتْ قِلادتها فابتغوها» فابتغاها النَّاس، ولم يكن معهم ماء فاشتغلوا في ابتغائها إلى أن حضرتهم الصَّلاة، ووجدوا القلادة، ولم يَقْدِروا على الماء، فمنهم من تيمم إلى الكفِّ، ومنهم من تيمم إلى المنكِب، ومنهم من تيمم على جِلده، فبلغ ذلك رسول الله، فأنزلت آية التَّيمم) انتهى، فهذا يدل على أنهم صلوا بالتَّيمم؛ لأنَّ فيه التصريح بأنهم تيمموا، وأجاب إمام الشَّارحين: بأنَّ هذا التيمم المختلف فيه عندهم كلا تيمم؛ لعدم وجود النَّص حينئذٍ، فصار كأنهم صلوا بغير طهور، ويؤيد ذلك ما رواه الطَّبراني في «الكبير» من حديث هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن عائشة: أنها استعارت قِلادةً من أسماء، فسقطت من عنقها فابتغوها فوجدوها فحضرت الصَّلاة، فصلوا بغير طهور...)؛ الحديث، فقوله: (بغير طهور) يتناول الماء والتراب، فدل على أنَّ التيمم الذي تيمموه (^١) على اختلاف صفته كان حكمه حكم العدم، ألا ترى أنَّه لو كان معتبرًا به ومعتمدًا عليه قبل نُزول الآية؛ لما سأل عمَّار ﵁ الَّذي هو أحد من تيمم ذلك التَّيمم المُختلف فيهرسول الله ﷺ عن صفة التيمم، فسؤاله هذا إنَّما كان بعد تيممه بذلك التيمم.\nفإن قلتَ: هذا التَّيمم المختلف فيه هل عملوه باجتهاد ورأي من عندهم أم بالسنة؟\nقلتُ: الظَّاهر أنه كان باجتهاد منهم، فرجع هذا إلى المسألة المختلف فيها، وهي أن الاجتهاد في عصره ﷺ هل يجوز أم لا؟ فمنهم: من جَوَّزه مطلقًا، وهو المختار عند الأكثرين، ومنهم: من منعه مطلقًا، وقال بعضهم: يجوز للغائيبن عن الرَّسول دون الحاضرين، ومنهم: جوزه إذا لم يوجد مانع، انتهى كلام إمام الشارحين.\nقلت: ومراده بقوله: (وقال بعضهم): ابن حجر، ولا وجه لما قاله؛ لأنَّ هذا توفيق بين القولين، وكأنه لم يعلم بأن القول الأول هو المُختار، وأنه قول الأكثرين، وإذا اختلف في مسألة؛ فالعبرة لما اختاره\n_________\n(^١) في الأصل: (تتيمموه)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":197},{"text":"الأكثر؛ فلا يحتاج إلى هذا التوفيق الذي قاله على أنَّه لا عُذر للغائبين، فقديسألون برسول، أو كتاب، أو يبلغهم ممن كان بحضرته ﵇، فالجواز مطلقًا هو الحق، والحق أحق أن يتبع.\n (فشَكوا)؛ بفتح الشين المعجمة، والكاف المخففة، من الشِكاية: وهي رفع الأمر إلى الحاكم أو غيره ممن له قدرة على رفعه (ذلك) أي: المذكور (إلى رسول الله ﷺ) وفي الرِّواية السَّابقة: (فشَكوا ذلك إلى أبي بكر)، ولا منافاة بينهما؛ فإن في الرواية السابقة عَلموا بقرائن المقال والأحوال أنَّه يتغير خاطره ﵇ على السيدة عائشة، وهنا في هذه الرواية عَلِموا بقرائن الأحوال والمقال: أنَّه لا يتغير خاطره ﵇ عليها، ويحتمل أنَّه هناك شَكوا إلى أبي بكرٍ؛ لكونه ﵇ كان نائمًا، وهنا كان يقظان؛ فافهم.\n (فأنزل الله) ﷾ (آية التَّيمم) وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] في سورة (المائدة)، والظاهر أنَّه ﵇ قبل نزول الآية توقف عن جوابهم حين شَكوا إليه؛ طمعًا بنزول الوحي، فحقق الله رجاءه؛ لأنَّه لا يَنطقُ عن الهوى؛ فتأمل.\n (فقال أُسَيْد بن حُضَيْر) بضمِّ الهمزة؛ مصغرًا، وبضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وسكون التحتية: هو ابن شمال الدوسي الأنصاري الأشهلي أبو يحيى، أحد النقباء ليلة العَقَبَة (لعائشة): زوج النَّبيِّ الأعظم ﷺ، ورضي الله عنها (جزاكِ الله خيرًا)؛ بكسر الكاف؛ أي: قابلكِ وأعطاكِ الله الخير الجزيل، (فوالله ما نزل بك أمر) من الأمور (تكرهينه) طبعًا؛ لأنَّه في الشَّرع غير مكروه؛ لأنَّ العبد تحت إرادة الله يُسَيِّره كيف يشاء، لا سيما هذه القصة (إلا جعل الله ذلك) أي: الأمر المكروه طبعًا (لكِ) بكسر الكاف (وللمسلمين فيه خيرًا) حيث دلهم سبحانه على استعمال الصعيد عند فقد الماء في الصَّلاة، ولا ريب أنَّها خيرٌ؛ لأنَّه جعلها عماد الدِّين، وصحتها إنَّما تكون بالطَّهارة؛ لأنَّ أول شيء يُسأل عنه العبد في القبر الطهارة.\nوجهُ مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: (فأدركتهم الصَّلاة وليس معهم ماءٌ)، وأما وجه زيادة قوله في التَّرجمة: (ولا ترابًا)؛ فهو أنهم لما صلوا بلا وضوء ولم يتيمموا لعدم علمهم به، ولعدم وجود النص؛ فكأنهم لم يجدوا ماءً ولا ترابًا؛ إذ كان حكمه حكم العدم عندهم، فصاروا كأنهم لم يجدوا ماء ولا ترابًا.\nفإن قلت: وروى الحافظ الطحاوي في هذا الحديث: (أنَّ منهم من تيمم إلى الكفِّ، ومنهم من تيمم إلى المَنكِب، ومنهم من تيمم على جلده...)؛ الحديث.\nقلت: هذا التيَّمم ليس بشيءٍ؛ لعدم وجود النَّص، فصار كأنهم صلوا بغير طهور، ويؤيده رواية الطَّبراني في هذا الحديث، وفيه: (فصلوا بغير طهور...)؛ الحديث، وهو شاملٌ للطهارة بالماء وبالتراب، فدلَّ هذا على أن التيمم حكمه حكم العدم، وتمامه فيما قدمناه.\nوفي الحديث دليلٌ على جواز الحلف بالله تعالى من غير طلبٍ، وفيه دليلٌ على جَواز الاستعارةِ، وجَواز السَّفر بالعارية عند إِذن صاحبها، وفيه دليل على أنَّ الأموال محترمة، وأنه لا يُضيِّعها وإن قلت.\nوفيه دليل على فضل السيدة عائشة ﵂، وفيه دليل على جواز التيمم في السفر، وجواز السَّفر بالنَّساء، وفي الحديث دليل على أن مَنْ فقد الماء والتُّراب؛ يصلي على حاله، وهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء، فقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين فيمن حُبِسَ في المصر ولم يجد ماءً ولا ترابًا طاهرًا: إنه لا يصلي وقتئذٍ، وعليه قضاؤها، وبه قال محمَّد بن إدريس، وقال الإمام أبو يوسف: يصلي تشبيهًا ويعيد، وكيفية صلاته عنده: أن يصلي قاعدًا بالإيماء، كذا في الزِّيادات، وقول الإمام محمَّد بن الحسن مضطرب، فروي عنه: أنه يصلي، وروي عنه أنه لا يصلي، ووجه قول الإمام أبي يوسف: (أنه يصلي احترامًا للوقت)، وفي رواية عنه: (أنه يتيمم بالتراب النجس)، وفي رواية عنه أيضًا: (أنه يصلي بركوع وسجود، ثم يعيد)، كذا في «المجتبى»، والمعتمد قول الإمام الأعظم صاحب المذهب الذي إلى غير قوله لا يُذْهَب؛ لأنَّه مُحدِث وتحرم الصَّلاة مع الحدث، وقد جاء في الحديث الصحيح: أنه ﵇ قال: «لا صلاة إلا بطهور...»؛ الحديث، وقد جاء في القرآن العظيم ذلك؛ فافهم.\nفإن قلت: ظاهر هذا الحديث أنهم صلوا بغير طهور؟\nقلت: ليس المعنى كذلك، وإنما معنى قوله: (فصلوا) دَعَوا؛ يعني: دعوا الله تعالى أن يبيِّن لهم النَّص في ذلك؛ لأنَّهم حصل لهم كربٌ وغمٌّ في ذلك، ويدل لهذا قول أُسَيْد بن حضير لعائشة: (فواالله ما نزل بك أمر تكرهينه)، ولا ريب أن ترك الصَّلاة، أو الصَّلاة بغير طهور أمر مكروه شرعًا، فاجتهدوا في الدعاء، فأنزل الله النَّص في ذلك على أنه قد روى الحافظ الطحاوي في هذا الحديث: (أن منهم من تيمم إلى الكفِّ، ومنهم من تيمم إلى المنكب، ومنهم من تيمم على جلده...)؛ الحديث، فلو قلنا: إن صلاتهم بركوع وسجود؛ فالأمر ظاهر؛ فإنهم بذلك قد ارتفع حدثهم؛ لأنَّهم فعلوا التيمم مع زيادة، وهذا إنَّما صدرَ منهم بالاجتهاد، وهو في عصره ﵇ جائز سواء كانوا غائبين أم حاضرين، وهو المختار، وقول الجمهور كما بيناه، والله تعالى أعلم.\nوقال الشافعي وأحمد: يجب عليه أن يصلي ويعيد الصَّلاة، وعلَّله القسطلاني: بأنهم صلوا معتقدين (^١) وجوب الصَّلاة، ولو كانت الصَّلاة ممنوعة؛ لأنكر عليهم الشارع ﵇، انتهى.\nقلتُ: وهذا ممنوع؛ لأنَّ المراد بالصَّلاة الدعاء كما مر، وعلى فَرَضِ أنها بركوع وسجود كانوا ممنوعين حينئذٍ؛ لأنَّهم مُحدِثُون، والنبي الأعظم ﷺ أخبرهم بأن الله لا يقبل الصَّلاة بغير طهور، ولما فرغوا من صلاتهم، وشكوا إليه ﵇ ذلك؛ فبمجرد شكواهم أنزل الله آية التيمم، فلم يكن حينئذٍ وقت يسع الإنكار عليهم ولا التسليم، ويدل لهذا قوله: فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله آية التيمم، فأتى بـ (الفاء) التعقيبية، وهي تفيد أن نزول الآية عقب الشَّكوى بلا مُهلة، فلم يوجد ما يدل على عدم الإنكار، وزعم المزنيُ من الشَّافعية، وسحنون من المالكية، وأحمد: أنه يصلي استحبابًا، ولا إعادة عليه؛ لحديث الباب، فإنه لو كانت الإعادة واجبة عليهم؛ لبيَّنها لهم النبيُّ الأعظم ﵇، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوأجيب: بأن الإعادة ليست على الفور، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.\nقلتُ: ولما كانوا معتقدين وجوب الصَّلاة عليهم وشكوا أمرهم إليه ﵇، وأُنزلت الآية تُبين خطأهم؛ فلا ريبَ أنَّهم أعادوا تلك الصَّلاة، ولا يلزم بيانها لهم، بل بيان آية التيمم كافية؛ لأنَّه قد ظهر أنهم صَلُّوا على خلافها، وهو يدل\n_________\n(^١) في الأصل: (مقتقدين)، وهو تحريف.","vol":"1","page":197},{"text":"على أنهم أعادوا تلك الصَّلاة.\nوقال ابن بطال: (الصَّحيح من مذهب مالك أنه لا يصلي، ولا إعادة عليه قياسًا على الحائض) انتهى.\nقلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا قياسٌ مع الفارق، فإن الصَّلاة لا بد من أدائها أداء أو قضاء، وهذا العذر الذي حصل لهم مِنْ قِبَلِ أنفسهم؛ لأنَّهم لو جدُّوا السَّير؛ لَوصلوا للماء وتطهروا به بخلافِ الحائض، فإن عذرها جاء من قِبَلِ الخالق ﷿، فكيف يُقَاسُ العذر من المخلوق على العذر من الخالق؟ ولهذا قال أبو عمر: كيف أقدم أن أجعل هذا صحيحًا؟ وعلى خلافه جمهور السَّلف، وعامة الفقهاء، وكأنه قاسه على من كَتَّفهُ الوالي وحبسه، فمنعه من الصَّلاة حتى خرج وقتها؛ أنه لا إعادة عليه) انتهى.\nقلتُ: فقوله: (وكأنه قاسه...) إلخ: هذا أيضًا قياس فاسد؛ لأنَّ العذر فيمن كتَّفه أو حبسه جاء من قبل العباد، وكلما جاء العذر من قبل العباد؛ تجبُ فيه الإعادة؛ لأنَّ الصَّلاة قد تقررت في ذمته بيقين؛ لأنَّه مُخَاطبٌ بها، لكنَّه ممنوعٌ من أدائها بسبب الحبس والمنع، فيلزمه قضاؤها، وهذا أيضًا مخالفٌ لجمهور السَّلف وعامة الفقهاء، وقد قال الإمام الأعظم رأس المجتهدين: في الأسير إذا منعه الكفَّار من الوضوء والصَّلاة؛ فإنه يتيمم، ويومئ إيماء، ثمَّ يُعيد، وكذلك المحبوس المُقيد؛ فإنَّه يتيمم، ويُومئ، ثم يُعيد، كذا في «منهل الطلاب»، وبه قال محمَّد بن إدريس، وفي رواية عنه: أنه يصلي ويعيد، والمشهور الأول؛ فافهم، وقال الإمام زفر: لا يتيمم، ولا يصلي ولو وجد ترابًا نظيفًا؛ لأنَّ عنده التيمم في الحضر غير جائز؛ فافهم، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.\n\n <span id=\"b-٥٧٥\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-575>[باب التيمم في الحضر]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (التيمم في الحضر) يعني: في الأمصار، و(الحضر) خلاف السَّفر (إذا لم يجد) الرَّجل (الماء) الكافي لطهارته، والمراد بعدم الوجدان: عدم القدرة على استعماله، وهو حقيقةً أو حكمًا، فالأول: ما إذا لم يجده أصلًا، والثاني: ما إذا وجده في بئر وليس عنده آلة الاستقاء، أو كان بينه وبينه سبعٌ، أو عدوٌّ، أو حيةٌ، أو غير ذلك، (وخاف) وللأصيلي: (فخاف) (فوت) وقت (الصَّلاة) وجواب (إذا) محذوفٌ يدل عليه ما تقدمه؛ تقديره: يتيمم المحدث العادم الخائف فوتَ الوقتِ، (وبه) أي: بما ذُكِرَ من أن فاقد الماء في الحضر الخائف فوت الوقت يتيمم، (قال عطاء)؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، وبه قال محمَّد بن إدريس، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» موصولًا عن عمر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: (إذا كنتَ في الحضر وحضرت الصَّلاة وليس عندك ماء؛ فانتظر الماء، فإن خشيت فوت الصَّلاة؛ فتيمم وصلِّ)، وزعم ابن حجر: أن قوله: (وبه) أي: بهذا المذهب، وردَّه إمام الشارحين حيث قال: (قلتُ: المعنى الذي يستفاد من التركيب هو ما ذكرته، ولا يرد عليه شيء) انتهى.\nيعني: ما قلناه، وصريح هذا التعليق الموصول عند ابن أبي شيبة أنه لا يتيمم عند فقدان الماء أول الوقت، بل ينتظر، ويتفقد الماء آخر الوقت، فإن لم يجده وخشي فوت الوقت؛ فحينئذٍ يتيمم ويصلي، وظاهره أنه لا إعادة عليه [في] الأمصار غالبًا، وقال في «معراج الدِّراية»: الأصل أن في كل موضع يفوت الأداء لا إلى خلف؛ يجوز له التيمم، وفي كل موضع يفوت الأداء إلى خلف؛ لا يجوز، فالصلوات ثلاثة أنواع: نوع لا يخشى فواتها أصلًا؛ لعدم توقتها؛ كالنوافل، ونوع يُخشى فواتها أصلًا؛ كصلاة الجنازة والعيدين، ونوع يُخشى فواتها، وتقضى بعد وقتها أصلًا أو بدلًا؛ كالجمعة والمكتوبات، فالنوع الأول: لا يتيمم لها عند وجود الماء، والثاني: يتيمم لها عند وجود الماء في المصر، والثالث: لا يتيمم، فأما الجمعة؛ فلأنَّها تفوت إلى خُلفٍ؛ وهو الفرض الأصلي، وهو الظهر، فلا يتيمم لها، وأما المكتوبات؛ فلأنَّها تفوت إلى خلف أيضًا، وهو القضاء، فلم يكن عادمًا للماء في حقها، فلا يجوز التيمم، وبقول عطاء قال ابن عمر والحسن، وهو قول الإمام زُفَر واللَّيث بن سعد، وهو رواية عن الإمام محمَّد بن الحسن، وهو قول الإمام أبي نصر بن سليمان، وهو رواية عن الإمام الأعظم رئيس المجتهدين؛ لأنَّ التيمم إنَّما شرع لتحصيل الصَّلاة في وقتها، فلم يلزمه قولهم: إن الفوات إلى خُلْف كلا فوت، ولم يتوجه لهم سوى أنَّ التقصير جاء من قبله، فلا يوجب الترخيص عليه، وهو إنَّما يتيمم إذا أخر لعذر، كذا في «فتح القدير»، و«القنية»، وغيرهما.\nوقال في «القنية»: وعلى هذا؛ لو كان شخص في سطحٍ ليلًا وفي بيته ماء، لكنه يخاف الظُّلمة إن دخل البيت؛ فإنه يتيمم إن خاف فوت الوقت.\nوقال في «خزانة الفتاوى»: (إذا لم يمكن قطع المسافة للماء في الوقت؛ يتيمم) انتهى.\nوقال في «المبتغى»: ومن كان في وكلة؛ جاز تيممه لخوف البرق، أو مطر، أو حرٍ شديد إن خاف فوت الوقت، وفي «منهل الطلاب»: ازدحم جمعٌ على بئر لا يمكن الاستقاء منها إلا بالمناوبة؛ لضيق الموقف، أو لاتحاد الآلة للاستقاء، فإن كان يتوقع وصول النوبة إليه قبل خروج الوقت؛ لم يتيمم بالاتفاق، وإن علم أنها لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت؛ فإنه يتيمم، فالعبرة في هذه المسائل خوف فوت وقت الصَّلاة، والمَرويُّ في ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: أنَّ العِبرة للبعد، فالحضري العادم الماء؛ لا يتيمم وإن خرج الوقت، وقال الإمام الفقيه أبو الليث: يتيمم للوقت، ويصلي، ثم يقضيها بالوضوء؛ ليخرج عن العهدة بيقين، كذا قاله برهان الدين الحلبي، وهو الاحتياط، وهذا القول توفيق بين القولين، واعتمده جماعة من المتأخرين كالعلَّامة ابن أمير حاج في «الحُلية»، وشيخه المحقق كمال الدين بن الهمام، ومشى عليه العلامة علاء الدين في «الدر المختار»، وقال الإمام القدوري: (ويستحب لمن لا يجد الماء في أول الوقت وهو يرجو أن يجد الماء في آخر الوقت؛ أن يؤخر الصَّلاة إلى آخر الوقت) انتهى.\nيعني: بأن كان","vol":"1","page":198},{"text":"بينه وبين الماء ميل فأكثر، والمراد بالرجاء: غلبة الظن، ومثله التيقن، كما في «البحر»، و«الخلاصة»، وقيَّدَبالرجاء؛ لأنَّه لو لم يكن على طمع من الماء؛ فإنه يتيمم ويصلي، كما في «الخانية»، وما قاله القدوري هو ظاهر الرواية؛ ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، ورُويَ عن الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف: أن التأخير حتم؛ أي: واجب؛ لأنَّ غالب الرأي كالمتحقق، لكن بشرط ألَّا يفرط في التأخير حتى لا تقع (^١) الصَّلاة في وقتٍ مكروه، فلا يؤخر العصر إلى تغير الشَّمس، كما في «الخانية».\nواختلف في تأخير المغرب، فقيل: يُؤخر، وقيل: لا يؤخر، كما في «التاتارخانية».\nوحاصله: أنه إذا رجا الماء؛ يؤخر إلى آخر الوقت المستحب؛ بحيث لا تقع الصَّلاة في وقتٍ مكروه، وإن كان لا يرجو الماء؛ يصلي في الوقت المستحب؛ كوقت الإسفار في الفجر، والإبراد في ظهر الصَّيف، ونحو ذلك، ويدل لهذا ما رواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق، عن علي الصدِّيق الأصغر ﵁: (إذا أجنب الرجل في السفر؛ يتلوم؛ أي: يتربص ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء؛ يتيمم، ويصلي)، قال ابن حزم: (وبه قال سفيان، وسَعِيْد، وأحمد ابن حنبل، وعطاء)، وقال النووي: (التأخير أفضل بكل حال).\nوهذه المسألة أول مسألة خالف الإمام الأعظم فيها شيخه حمَّاد بن سليمان الكوفي حين خرجا لتشييع الأعمش المدفون بديارنا الشَّريفة الشَّامية عند مَقبرة مرج الدَّحداح، فصلى المغرب حمَّاد بالتيمم في أول الوقت، وإمامنا الأعظم صلى بالماء في آخره، وكان ذلك عن اجتهاد منه، فصوَّبه الله تعالى، وأظهره، وجعله إمام الأئمَّة، ورئيس المجتهدين، وفي أتباعه الأولياء الكرام، والملوك العظام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، ونفعني به والمسلمين آمين.\nوقال مالك: (لا يُعجل ولا يُؤخر، ولكن في وسط الوقت)، وفي رواية عنه: (إن أيقن بوجودِ الماء قبل خروج الوقت؛ يؤخر، وإن كان موقنًا أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت؛ فليتيمم في أول الوقت ويُصلي)، وعن الأوزاعي: (كل ذلك سواء)، وفي رواية عن مالك: إذا وجد الحاضر الماء في الوقت؛ هل يُعيد أم لا؟ ذكر في «المدونة» قولان، وقيل: يعيد أبدًا؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n (وقال الحسن) هو البصري ﵁، مما وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» من وجه صحيح (في المريض عنده الماء)؛ بالتعريف، وفي رواية (ماء)؛ بالتنكير، (ولا يجد من يناوله)؛ أي: يعطيه ويساعده على استعمال الماء؛ (يتيمم) وفي رواية: (تيمم) على صيغة الماضي، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وهذا الأثر فيه تفصيل، وبيانه: أن المريض إذا كان يجد الماء المطلق الطاهر (^٢) الكافي لطهارته، فخاف إن استعمله اشتد مرضه، أو امتد -أي: طال زمنه-؛ فإنه يتيمم، وكذا لو كان صحيحًا فخاف حدوث مرض، كذا في «شرح النقاية» للقهستاني، وهذا إنَّما يُعْلم بغلبة الظن عن أمارةٍ، أو تجربة، أو إخبار طبيب حاذق مسلم غير ظاهر الفسق، كذا في «الحلية»، فإن كان المريض لا يخاف اشتداد مرضه ولا امتداده لكنه لا يقدر بنفسه على استعمال الماء ولا يجد مَنْ يُوَضئه بأن كان الماء في بئر أو بعيدًا عنه وهو لا يقدر على القيام؛ فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، فإن وجد خادمًا؛ كعبده، أو ولده، أو أجيره؛ لا يجزئه التيمم اتفاقًا، كما في «البحر» عن «المحيط» وإن وجد غير خادمه ممن لو استعان به أعانه ولو زوجته؛ فظاهر المذهب أنه لا يتيمم أيضًا بلا خلاف، كما يفيده كلام «المسبوط»، و«البدائع»، ونقل صاحب «التجنيس» عن شيخه خلافًا بين الإمام الأعظم وصاحبيه: الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد بن الحسن؛ فعلى قول الإمام الأعظم: يجزئه التيمم، وعلى قول صاحبيه: لا يجزئه، وعلى هذا الخلاف؛ إذا كان مريضًا لا يقدر على الاستقبال أو كان في فراشه نجاسة ولا يقدر على التحول عنها ووجد من يُحوِّله ويُوجِّهه؛ لا يفترض عليه ذلك عند الإمام الأعظم، وعلى هذا؛ الأعمى إذا وجد قائدًا؛ لا تلزمه الجمعة والحج؛ لأنَّ عنده: لا يعتبر المكلف قادرًا بقدرة غيره، وعندهما: يُعدُّ قادرًا، وكان الإمام حسام الدِّين يختار قولهما، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب، وبقول الحسن، قال محمَّد بن إدريس: (وإن وجد من يناوله بالمرض الذي يخاف من الغُسل معه مَحذورًا؛ فإنه يتيمم، ولا يجب عليه القضاء) انتهى.\n (وأقبل ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄، ومعه نافع مما وصله مالك في «موطئه» (من أرضه بالجُرُف)؛ بضمِّ الجيم، والراء، وقد تُسكَّن الراء، وهو ما يجرف فيه السيول، وأكلته من الأرض، وهو جمع جِرَفه؛ بكسر الجيم، وفتح الراء، وزعم الزُّبير أن الجُرُف على ميل من المدينة، وقال ابن إسحاق: (على فرسخ)، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو، وزَعم ابن قرقول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشَّام، وبه أموال عمر، وأموال أهل المدينة، ويعرف ببئر حشم، ومن جمل، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (فحضرت العصر) أي: صلاتها، وهما على غير وُضُوء، وليس عندهما ماء (بمَربد)؛ بفتح الميم، كذا قال السفاقسي: (رويناه، وهو في اللغة بكسرها)، وفي «المحكم»: (المِربد) (بمِرْبَد)؛ بكسر الميم عند الجمهور، وهو الموافق للُّغة، وقال السَّفاقسي: (رويناه بفتح الميم)؛ فافهم، وبسكون الراء، وفتح الموحدة، آخره دال مهملة، قال في «المحكم»: (المربد: موضع تحبس فيه الإبل، وقيل: هي خشبة أو عصًا تعترض صدور الإبل، فتمنعها من الخروج، ومربد التمر: جرينهالذي يوضع فيه بعد الجداد؛ لييبس، ومربد البصرة من ذلك؛ لأنَّهم كانوا يحبسون فيه الإبل)، وقال سيبويه: (هو اسم؛ كالمطبخ)، وإنما مثَّله به؛ لأنَّ المطبخ ييبس، وقال السهيلي: (المربد، والجرين، والمسطح، والبيدر، والإندر، والجرجا لغات بمعنًى واحد)، كذا في «عمدة القاري» (النَّعَم)؛ بفتح النون، والعين المهملة، وفي رواية: (الغنم) بالغين المعجمة بعدها نون، وهو مآل الراعية، وأكثر ما يقع النعم على الإبل، وهو على ميلين من المدينة؛ فليُحفظ.\n (فصلَّى) أي: ابن عمر\n_________\n(^١) في الأصل: (يقع).\n (^٢) في الأصل: (المطاهر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":198},{"text":"صلاة العصر؛ أي: بعد أن تيمم، كما في رواية مالك، ولفظه عن نافع: (أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف حتى إذا كان بالمِربد؛ نزل عبد الله فتيمم صعيدًا طيَّبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى) انتهى، يعني: العصر، ورواه البيهقي من حديث عمرو بن محمَّد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسَّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ النَّبيَّ الأعظم ﷺ تيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة بمكان يقال له: مِربد النعم، وفي «سنن» الدارقطني قال: (حدَّثنا ابن صاعد: حدَّثنا ابن زيتون: حدَّثنا فُضيل بن عِياض، عن ابن عجلان، عن نافع: أن ابن عمر تيمم وصلَّى وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة)، وفي خَبر عمر بن زُرارة من طريق ميسرة، عن ابن عمر مثله، (ثم دخل المدينة) المنوَّرة (والشمس مرتفعة) عن الأفق والصفرة دخلتها، (فلم يعد) أي: تلك الصَّلاة، وهذا يقتضي جواز التيمم في السفر القصير؛ لأنَّ السفر المعتبر هنا هو العرفي والشرعي، فإنَّ قليل السفر وكثيره سواء في التيمم، والصَّلاة على الدَّابة خارج المصر، وإنَّما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثة: قصر الصَّلاة، والإفطار، والمسح على الخفين، كما صرَّح به في «الفتاوى الخانية»، وظاهر هذا الأثر: أن ابن عمر كان يرى التيمم في السفر القصير؛ لأنَّ المكان الذي صلى فيه -وهو المِربد- كان بينه وبين المدينة ميل، أو ميلان، أو ثلاثة، وعلى كلٍّ؛ فيجوز له التيمم، وقال محمَّد بن مسَلَمَة: إنَّما تيمم ابن عمر بالمِربد؛ لأنَّه خاف فوات الوقت المستحب، وهو أن تصفرَّ الشَّمس، يدل عليه قوله: (والشَّمس مرتفعة) يعني: أنَّها مرتفعة عن الأفق والصُّفرة دخلتها، ويحتمل أن يكون ظنَّ أنَّه لا يدخل المدينة حتَّى يخرج الوقت، فتيمم على ذلك بالاجتهاد، وقال ابن القاسم: (من رجا إدراك الماء في آخر الوقت فتيمَّم في أوله وصلى؛ أجزأه، ويعيد في الوقت استحبابًا، فيحتمل أنَّ ابن عمر كان يرى هذا) انتهى.\nقلت: من رجا وجود الماء في آخر الوقت فتيمَّم في أوَّله وصلَّى، ثمَّ وجد الماء في آخر الوقت؛ لا يعيدها، وأجزأته تلك الصَّلاة، كما صرَّح به في «الدرر والغرر» حيث كان بينه وبين الماء ميل، وإلَّا؛ فلا، كما في «الدر المختار»، وظاهر الأثر: أن مذهب ابن عمر هكذا؛ لأنَّه قد تيمَّم في المِربد وهو على ميل أو أكثر من المدينة، وتيممه كان في الوقت المستحب، وحين وصوله المدينة كان الوقت باقيًا، فلم يُعِدِ الصَّلاة؛ فافهم.\nوقال في «شرح الموطَّأ»: كان ابن عمر على وُضُوء؛ لأنَّه كان يتوضأ لكلِّ صلاة، فجعل التيمم عند عدم الماء عِوَض الوضوء، كذا قاله سُحْنون.\nقلتُ: وهذا فاسد؛ لأنَّ التيمم على الوضوء غير مشروع، وكيف يقال هذا، فإنَّ طهارته بالوضوء أقوى، والتيمم شُرِعَ لأجل الرخصة، ولا رخصة هنا، فإن الطهارة موجودة، فالتيمم عليه يكون عبثًا؛ لأنَّه مُلَوِّث، والوضوء على الوضوء نور على نور، أما التيمم على التيمم أو على الوضوء؛ فإنه غير مشروع، كما لا يخفى، وظاهر الأثر أنَّ ابن عمر كان على غير وضوء، فتيمم عن الحدث، يدل عليه نزوله عن [دابته] في ذلك الموضع لأجل التيمم، ولو لم يكن كذلك؛ لما تيمم، ولو سلَّمنا أنه كان يتوضأ لكل صلاة؛ لا نسلِّم أنه كان يتيمم على الوضوء؛ لأنَّه لم ينقل عن النبيِّ الأعظم ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه فعل ذلك، فهذا الاحتمال غير صحيحٍ؛ فافهم.\nوقيل: إنَّ ابن عمر كان يرى أنَّ الوقت إذا دخل؛ حَلَّ التيمم، وليس عليه أن يؤخر؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، كذا قاله سُحْنون.\nقلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر هذا الأثر يخالف هذا، فإنَّ ظاهره أنَّه كان يرى التأخير إلى قُبيل الوقت المكروه، فإنَّ عادته أنَّه إذا كان في السفر؛ يؤخر إلى الوقت المُستحب، ويدلُّ عليه: هذا الأثر، فإنَّه قد دخل المدينة في الوقت المكروه؛ لأنَّه دخلها والشمس مرتفعة دخلتها الصفرة، فلو أخَّر؛ لوقعت الصَّلاة مكروهة؛ فليحفظ.\nوقول القسطلاني: وهذا الأثر يدلُّ على أنَّ ابن عمر كان يرى جواز التيمم للحاضر؛ لأنَّ السفر القصير في حكم الحضر ممنوع، فإنَّ ظاهر هذا الأثر ليس كذلك، ولا يدلُّ على هذا، بل ظاهره أنه كان يرى جواز التيمم في السفر القصير؛ وهو ما كان على ميل أو أكثر من الماء، يدلُّ عليه فعل ابن عمر حيث تيمم في المربد، ولم يُؤخرْ إلى دخوله المدينة، ولو كان كما قال؛ لكان ابن عمر أعاد الصَّلاة في المدينة، وصَرَّح في الأثر أنه لم يعدها؛ فافهم.\nوقال في «شرح المُنية»: (لو أُخبر إنسان عدل بعدم الماء عند غَلبة الظَّن ونحوه؛ جاز له التيمم بلا خِلاف؛ لأنَّ خبر الواحد العدل مقبول، وحجة في الديانات؛ لشمول الإلزام له أيضًا بخلاف الشهادة) انتهى.\nوقال إمام الشَّارحين: (إنَّ البُخاري ذكر هذا التعليق مختصرًا، ولم يذكر فيه ذكر التيمم مع أنَّه لا يطابق ترجمة الباب إلا به).\nوزعم ابن حجر أنَّه لم يظهر له في سبب حذفه.\nوأجاب إمام الشارحين: بأن الذي يظهر له أن ترك هذا ما هو في البخاري، والظاهر أنه من الناسخ، واستمر الأمر عليه، وليس له وجه غير هذا؛ فليحفظ، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٧٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-576>[حديث: أقبل النبي من نحو بِئر جمل]</span>\n٣٣٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير) بضمِّ الموحدة، تصغير بكر نسبه لجده؛ لشهرته به: فهو يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي أبو زكريا المصري (قال: حدثنا الليث) هو ابن سعد من أتباع الإمام الأعظم رأس الأئمَّة والمجتهدين ﵁، (عن جعفر بن ربيعة)؛ هو ابن شرحبيل الكندي المصري، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، و[ما] في رواية الإسماعيلي: (حدثني جعفر)؛ بالإفراد، (عن الأعرج) هو عبد الرَّحمن بن هُرمز المدني، وفي رواية ابن عساكر: (عن حميد الأعرج)، وهو ابن قَيْس المكي أبو صفوان القارئ، من السادسة، المتوفى سنة ثلاثين، أو بعدها، كذا قيل.\nقلت: وعلى كلٍّ؛ فهما ثقتان لا يضرُّ الحديث تخالفهما؛ فليحفظ.\n (قال: سمعت عُمَيْرًا) بضمِّ العين المهملة مصغر عمرو بن عبد الله الهاشمي، المتوفى بالمدينة سنة أربع ومئة (مولى ابن عباس) ﵄.\nفإن قلت: عُمَيْر هذا هو مولى أمِّ الفضل بنت الحارث والدة ابن عباس، فكيف يقول: مولى ابن عباس؟\nقلت: وإذا كان مولى أم الفضل؛ كان مولى أولادها؛ فصح قوله: مولى ابن عباس؛ لأنَّه لا فرق بين الأم وأولادها، وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث، وقال: (مولى عبيد الله بن عبَّاس)، وقد روى موسى بن","vol":"1","page":199},{"text":"عُقْبَة، وابن لهيعة، وأبو الحارث هذا الحديث عن الأعرج، عن أبي الجُهَيْم، ولم يذكروا بينهما (عُمَيْرًا)، والصواب: إثباته، وليس له في «الصحيح» غير هذا الحديث، وحديث آخر عن أم الفضل، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الباري.\n (قال: أقبلت أنا وعبد الله) لفظة (أنا) تأكيد للضمير المرفوع البارز، ويجوز فيه النَّصب على أنَّه مفعول معه؛ أي: مع عبد الله، قيل: هذا من عطف الجُمَل، وقيل: من عطف المفردات، وعليه الجمهور؛ فافهم\n (ابن يَسَار)؛ بفتح التحتية، والسين المهملة المخففة، ضِد اليمين: المدني الهلالي و(عبد الله) هذا: هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور، ووقع عند مُسلم في هذا الحديث: (عبد الرحمن بن يَسَار)، وهو وهمٌ، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يذكره المصنفون في رجال «الصحيحين»، كذا قاله إمام الشارحين (مولى مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة: هي بنت الحارث (زوج النبيِّ) الأعظم (ﷺ) ورضي عنها (حتى دخلنا على أبي جُهَيْم) بضمِّ الجيم، وفتح الهاء، وسكون التحتية؛ بالتَّصغير، وفي رواية: (أبي الجُهَيْم)؛ بالألف واللام: هو عبد الله (بن الحارث)؛ بالمثلثة (ابن الصِّمَّة) بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم: هو ابن عمرو بن عتيك الخزرجي (الأنصاري) الصحابي الجليل، وقال الذهبي: (أبو جُهَيْم)، ويقال: أبو الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمَّة، كان أبوه من كبار الصحابة، و(أبو جهم): عبد الله بن جُهَيْم، وقال أبو نعيم، وابن منده: (أبو جهم [و] ابن الصِّمَّة واحد (^١»، وكذا قاله مُسلم، وجعلهما ابن عبد البر اثنين، وعن ابن أبي حاتم، عن أبيه قال: (ويقال: أبو الجُهَيْم: هو الحارث بن الصِّمَّة)، فعلى هذا؛ تكون لفظة (ابن) في متن الحديث زائدة، لكن صحح أبو حاتم: أنَّ الحارث اسم أبيه لا اسمه، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجُهَيْم، وهو صاحب الأنبجانية، وهو غير هذا؛ لأنَّه قُرَشي، وهذا أنصاري.\nقلتُ: أبو الجُهَيْم هذا هو الذي قاله الذهبي: (أبو جُهَيْم: عبد الله بن جُهَيْم)، كذا بسطه إمام الشَّارحين.\n (فقال جُهَيْم) وفي رواية أبي الوقت، والأصيلي: (أبو الجُهَيْم)، وفي رواية ابن عساكر: (فقال الأنصاري) (أقبل النبيُّ) الأعظم (ﷺ من نحو بئر جَمَل)؛ بالجيم والميم المفتوحتين: موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها؛ أي: من جهة الموضع الذي يُعرف ببئر الجمل، وفي رواية: (ببئر الجمل)، وكذا في رواية النسائي، (فلقيه رجل) هو أبو الجُهَيْم الرَّاوي، قاله إمام الشَّارحين، فوجد النبيَّ الأعظم ﷺ يبول، ففي رواية ابن ماجه من حديث أبي هريرة: (مرَّ رجل على النَّبي ﷺ وهو يبول...)؛ الحديث، وعند البزار بسند صحيح، عن نافع عنه: (أنَّ رجلًا مرَّ على النَّبيِّ ﷺ وهو يبول...)؛ الحديث، وعند أبي داود من حديث حبوة بن الهاد: أنَّ نافعًا حدَّثه، عن ابن عمر قال: (أقبل رسول الله ﷺ من الغائط...)؛ الحديث، ومثله في الطبراني؛ فليحفظ.\n (فسلَّم عليه) أي: على النَّبيِّ الأعظم ﷺ، (فلم يردَّ عليه النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ) أي: السلام، ويجوز في (داله) الحركات الثلاث؛ الكسر؛ لأنَّه الأصل، والفتح؛ لأنَّه أخف، والضم؛ لإتباع الراء، قاله إمام الشَّارحين، والذي في الرواية الفتحُ (حتى أقبل) أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ (على الجِدار)؛ الألف واللام فيه لـ (العهد) الخارجي؛ أي: جدارٌ هناك كان مباحًا؛ فلم يحتج إلى الإذن في ذلك، أو كان مملوكًا لغيره وكان راضيًا فيه؛ فضرب يده على الحائط المذكور (فمسح بوجهه ويديه) وفي رواية أبي الوقت، والأصيلي: (وبيديه)؛ بزيادة الموحدة، ففيه: أنَّ التيمم مسح الوجه واليدين، لا يقال: أطلق يديه فيتناول إلى الكفين، وإلى المرفقين، وإلى ما وراء ذلك؛ لأنا نقول: المراد منه: ذراعيه، ويفسره رواية الدارقطني وغيره في هذا الحديث: (فمسح بوجهه وذراعيه)، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وفي هذا دليل واضح على جواز التيمم على الحجر؛ لأنَّه ﵇ تيمم على الجِدار، وجُدران المدينة كلها مبنية بحجارة سود، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور، وخالفهم الشافعية، فزعموا: أنَّ التيمم لا يجوز على الحجر، بل لا بد من التُّراب، وأجابوا عن هذا الحديث: بأنَّه معلوم أنَّه يعلق به تراب، فإنَّ الجدار قد يكون عليه تراب، وقد لا يكون، بل الغالب وجود الغبار على الجدار، وتعلَّقوا بما رواه البغوي في «شرح السُّنة» بإسناده من حديث الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبي بكر بن الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهَيْم بن الصِّمَّة قال: مررت على النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو يبول، فسلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ حتى قام إلى جدار فحتَّه بعصًا كان معه، ثمَّ وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثمَّ ردَّ عليَّ، قال: هذا حديث حسن، كذا زعمه الكرماني.\nوردَّه إمام الشارحين: بأنَّ الجدار إذا كان من حجر لا يحمل التُّراب أصلًا؛ لأنَّه لا يثبت عليه، خصوصًا جدران المدينة؛ لأنَّها من صخرة سوداء، وما رواه البَغوي ضعيف لا يعوَّل عليه، لا يقال: حسَّنه البغوي؛ لأنَّا نقول: كيف حسَّنه وشيخ الشافعي وشيخ شيخه ضعيفان لا يُحتجُّ بهما، كما قَاله مالك وغيره؟ وأيضًا فهو مُنقطع؛ لأنَّ ما بين الأعرج وأبي جُهَيْم عُمَيْر، كما سبق عند البخاري وغيره، ونصَّ عليه البيهقي أيضًا وغيره، وفيه عِلَّة أخرى، وهي حكُّ الجدار، ولم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه الطبراني، وأبو داود، والبزار، والطَّبراني في «الأوسط»، والحاكم، والطَّحاوي، والنَّسائي، وابن ماجه، وأحمد، والبيهقي، وابن حبَّان، وغيرهم، وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة، والزيادة إنَّما تقبل إذا كانت من ثِقةٍ، ولو وقف الكرماني على هذا؛ لما قال ما قال، انتهى.\nقلتُ: وأيضًا لم يذكر واحد من هؤلاء الجماعة في حديث أحدهم أنَّه كان مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ عصًا، ولو كان معه عصًا؛ لذكروها في الحديث، ووجه ضَعف إبراهيم بن محمَّد، وأبي بكر: أنَّه كان كلٌّ منهما قد اختلط وساء حفظه، فالحديث الذي رواه البغوي معلول، ومُعَارض؛ فلا يُحتج به ولا يُعوَّل عليه وليس هو من حمل المُطلق على المُقيد؛ لأنَّ القَيد غير ثابت، فكيف يُحمل عليه؟ وما هذا إلا عناد وهذيان باردٌ؛ فافهم، والله أعلم.\n (ثمَّ ردَّ عليه) أي: على الرَّجل (السَّلام)، زاد في رواية الطبراني في «الأوسط»: (حتى إذا كان الرجل يتوارى في السُّكة، ثمَّ ضرب يديه على الحائط، فمسح وجهه، وذراعيه، ثم ردَّ على الرجل السَّلام، وقال: «إنَّه لم يمنعني أن أردَّ عليك إلا أنِّي كنت على غير طُهرٍ»)، وفي رواية البزار بسند صحيح عن نافع عنه: أنَّ رجلًا مرَّ على النبيِّ الأعظم ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه الرجل، فردَّ ﵇، فلمَّا جاوزه؛ ناداه ﵇، فقال له: «إنَّما حملني على الردِّ عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على النبيِّ، فلم يردّْ عليَّ، فإذا\n_________\n(^١) في الأصل: (أحمد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":199},{"text":"رأيتني على هذه الحالة؛ فلا تُسلِّم عليَّ، فإنَّك إن تفعل؛ فلا أردُّ عليك»، وعند الطَّبراني من حديث جابر بن سمرة بسند فيه ضعف قال: (سلَّمت على النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو يَبول، فلم يردَّ عليَّ، ثم دخل إلى بيته، فتوضأ، ثمَّ خرج، فقال: «وعليكَ السَّلام»)، وعند الحاكم من حديث المهاجر بن قنفذ قال: (أتيت النَّبيَّ الأعظم ﷺ وهو يتوضأ فسلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ، فلمَّا فرغ من وضوئه؛ قال: «إنَّه لم يمنعني من [أن] أردَّ عليك إلا أنِّي كنت على غير وضوء»)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، ولفظه: «إلا أنِّي كرهت أن أذكر الله لا على طُهرٍ، أو على طهارة»، وأخرجه النَّسائي، وابن ماجه، وأحمد، والبيهقي، وابن حبان، والطَّبراني، وزاد: (فقمت مهمومًا، فدَعا بوضوء، فتوضأ، وردَّ عليَّ، وقال: «إنِّي كرهت أن أذكر الله على غير وضوء»)، كذا في «عمدة القاري»، ثُمَّ قال: (ووجه مطابقة هذا الحديث للتَّرجمة: هو أنَّه ﵇ لما تيمم في الحضر؛ ليردَّ السَّلام وكان له أن يردَّه عليه قبل تيممه؛ دلَّ ذلك على أنَّه إذا خشي فوات الوقت في الصَّلاة في الحضر؛ أنَّ له التيمم، بل ذلك آكد؛ لأنَّه لا يجوز الصَّلاة بغير وضوء، ولا تيمم، ويجوز السَّلام بغيره) انتهى.\nقلتُ: وفي الحديث دليل على جواز التيمم في المصر لصلاة الكسوف، والخسوف، والسُّنن الرَّواتب؛ وهي التي بعد الظهر، والمغرب، والعشاء، والجمعة، وكذا ما قبل الظهر والجمعة، فإنَّه إذا أخرها بحيث لو توضأ؛ فات وقتها؛ فله التيمم لها، وكذلك المُستحبات من الصَّلوات التي يخاف فوتها لو اشتغل بالوضوء؛ كصلاة الضحى، فإنَّه إذا خاف خروج وقتها بزوال الشمس؛ يتيمم لها، وكذلك صلاة الليل إذا خاف طلوع الفجر، وكذلك سنة العشاء القبلية والبعدية، وسُنة العصر القَبلية، وغيرها، فإنَّه إذا ضاق وقتها؛ يجوز التيمم لها.\nقال في «البحر»: (وكذلك كلُّ ما لا تشترط له الطهارة، فيجوز التيمم لنوم وسلام وردُّه وإن لم تَجز (^١) الصَّلاة به).\nوفي «المُبتغى»: (وجاز لدخول مسجدٍ مع وجود الماءِ، وللنوم فيه).\nوفي «شرح المنية»: (يجوز تيممه لمسِّ مُصحف).\nوفي «القهستاني»: المختار جواز التيمم مع وجود الماء لسجدة التلاوة، وكذلك لقراءة القرآن، أو كتابته، أو تعليمه، وكذلك لزيارة القبور، وعيادة المرضى، ودفن الموتى، والأذان، والإقامة، فإنَّه يجوز التيمم لهذه المذكورات مع وجود الماء، لكنَّ التيمم للتسعة الأخيرة لا تجوز الصَّلاة به، كما في «مِعراج الدِّراية» عن «الخبازية» وما قبلها اختلف فيها، فصحح جماعة جواز الصَّلاة به، وصحح آخرون عدم الجواز، والمعتمد الجواز، وفيه تفصيل بيَّنته في شرحي «منهل الطلاب»، وكذلك سجدة الشكر.\nوأمَّا سنة الفجر، فإن خاف فوتها مع الفريضة؛ لا يتيمم، وإن خاف فوتها وحدَها؛ فعلى قول الإمام محمَّد بن الحسن: لا يتيمم، وعلى قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف: يتيمم، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، وفي الحديث دليلٌ على جواز التيمم لصَلاة الجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الأئمَّة الكوفيون، والليث، والأوزاعي؛ لأنَّه ﵇ تيمم؛ ليردَّ السلام في الحضر لأجل خوف فوت فضيلة السَّلام، والطهارة فيه ليست بشرط وإن كان ليس شرطًا، ومنع مالك، والشافعي، وأحمد ذلك، والحديث حُجَّة عليهم، كذا قاله إمام الشَّارحين نقلًا عن الحافظ أبي جعفر الطَّحاوي.\nقلتُ: وفي الحديث دليلٌ على جواز التيمم لصلاة العيدين؛ لأنَّهما يفوتان لا إلى بدل؛ لاشتراط الجماعة فيهما، ويدلُّ لهذا حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (إذا جئت العيد فخشيت فوتها؛ فصلِّ بالتيمم)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: (إذا وجدت جنازة فخشيت فوتها؛ فصلِّ عليها بالتيمم)، فكما أنَّه ﵇ تيمم لردِّ السَّلام خشية الفوات -مع أنَّ الطهارة ليست بشرط في الردِّ- دلَّ على جواز التيمم للصلاة التي يخشى فواتها لا إلى بدلٍ؛ كصلاة الجنازة، والعيدين.\nوقال إمام الشَّارحين: (ويُستنبط من الحديث جواز التيمم في الحضر، وعليه بوَّب البخاري)، وقال بعضهم: فيه دليل على التيمم في الحضر، لكن لا دليل فيه أنَّه رفع بذلك التيمم الحدث رفعًا استباح به الصَّلاة؛ لأنَّه إنَّما فعله كراهة أن يذكر الله على غير طهارة، وكذا رواه حمَّاد في «مصنفه»، وزعم ابن الجوزي: أنَّه كره ﵇ أن يردَّ ﵇؛ لأنَّه اسمٌ من أسماء الله تعالى، أو يكون هذا في أول الأمر، ثُمَّ استقر الأمر على غير ذلك، وقال في «شرح مختصر» الحافظ الطَّحاوي: حديث المنع من ردِّ السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل: بحديث عائشة قالت: «كان ﵇ يذكر الله على كلِّ أحيانه»، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء (^٢)، عن أبيه قال: كان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا أراد الماء نكلِّمه؛ فلا يكلِّمنا، ونسلِّم عليه؛ فلا يُسلم علينا حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وزعم ابن دقيق العيد وحديث مهاجر بن القُنفذ مَعلول ومُعَارض، أمَّا كونه مَعلولًا؛ فلأنَّ سَعِيْد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره؛ فيراعى فيه سماع مَنْ سمع منه قبل الاختلاط، وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة به، وليس فيه: (أنَّه لم يمنعني...) إلى آخره، ورواه حمَّاد بن سَلَمَة، عن حُميد، وغيره عن الحسن بن مُهاجر مُنقطِعًا، فصار فيه ثلاثُ عِلل، وأمَّا كونه مُعَارضًا؛ فلما رواه البخاري ومُسلم من حديث كريب عن ابن عباس قال: (نمتُ عند خالتي ميمونة...)؛ الحديث؛ ففي هذا ما يدل على جواز ذكر الله، وقراءة القرآن مع الحدث، وزعم الحسن أن حديث مُهاجر غير منسوخ، وتمسك بمقتضاه، فأوجب الطهارة للذِّكر، وقيل: يتأوَّل الخبر على الاستحباب؛ لأنَّ ابن عمر ممن روى في هذا الباب كما ذكرناه، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود، انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٧٧\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-577>[باب: المُتيمم هل ينفخ فيهما</span>؟]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين، يذكر فيه، وقوله: (المُتيمم) ثابتٌ في رواية الأكثرين، ساقط في روايةٍ (هل ينفخ فيهما) أي: في اليدين بعد ما يضرب بهما الصعيد للتيمم، وإنَّما أورده بلفظ الاستفهام على سبيل الاستفسار؛ لأنَّ نفخه ﷺ في يديه في التيمم على ما يأتي في حديث الباب يحتمل وجوهًا ثلاثة:\nالأول: أن يكون لشيء عَلِق بيده؛ فخشي ﵇ أن يصيب وجهه الكريم؛ فنفخ لذلك.\nالثاني: أن يكون قد علق بيده من التراب ما يكرهه؛ فلذلك نفخ فيهما.\nوالثالث: أن يكون لبيان التشريع، وهو الظَّاهر، ولهذا احتج الإمام الأعظم رئيس المجتهدين بذلك، ولم يشترط التصاق التُّراب بيد المُتيمم؛ وعلى هذا؛ هذه الاحتمالات المذكورة التي ذهب إليها بعضهم غير سديدة، بل ظاهر الحديث لبيان التشريع، والحكمة فيه: إزالة التلوث عن الوجه واليدين، وتبويب البخاري بالاستفهام أيضًا غير سديد، ووجه المناسبة بين البابين ظاهرٌ؛\n_________\n(^١) في الأصل: (تجر)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (القعوا)، وهو تحريف.","vol":"1","page":200},{"text":"وهو أنَّ المذكور فيما قبله أحكام التيمم والنفخ فيه أيضًا من أحكامه، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٥٧٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-578>[حديث: إنَّما كان يكفيكَ هكذا]</span>\n٣٣٨ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس؛ بكسر الهمزة (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج (قال: حدثنا الحَكَم) بفتح الحاء المهملة، والكاف: هو ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، (عن ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجمة، وتشديد الراء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم، (عن سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن عبد الرحمن بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وبالزَّاي المفتوحة، مقصورًا، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن الصَّحابي الخزاعي الكوفي، استعمله علي الصدِّيق الأصغر ﵁ على خَرَاسان (قال) أي: عبد الرحمن (جاء رجلٌ) أي: من أهل البادية، كذا صَرَّح به الطبراني في روايته (إلى عُمَر بن الخطاب) أمير المؤمنين ﵁، (فقال)؛ أي: الرَّجل: يا أمير المؤمنين؛ (إني أَجنبت) بفتح الهمزة؛ أي: صِرْت جُنبًا، وفي رواية: (جُنِبت)؛ بضمِّ الجيم، وكسر النون، (فلم أُصب الماء)؛ بضمِّ الهمزة، من الإصابة؛ أي: لم أجدهُ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ المسافر له أن يطأ جاريته وإن علم أنَّه لا يجد الماء؛ لأنَّ الصَّعيد شرع طهورًا بحال عدم الماء، ولا تكره الجنابة حال وجود الماء، فكذا حالة عدمه، وبهذا صرَّح في «البحر» عن «المحيط»؛ فليُحفظ.\n (فقال عمَّار) بتشديد الميم (بن ياسر) هو العَنْسي؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون، الصحابي ابن الصَّحابي، شهد هو وأبوه المشاهد كلَّها، وأخرج التِّرمذي: أنَّه ﵇ قال: «إنَّ عمارًا مُلِئَ إيمانًا»، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيب المطيَّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا؛ عاداه الله، ومن أبغض عمارًا؛ أبغضه الله»، وكان من السَّابقين الأولين، له في «الصَّحيح» أربعة أحاديث؛ منها قوله هنا (لعمر بن الخطاب) ﵁: يا أمير المؤمنين؛ (أَما)؛ بفتح الهمزة للاستفهام، وكلمة (ما) للنفي (تذكُر) من الذِكر؛ بضمِّ الذال المعجمة؛ أي: تحفظ، وتفطن، وتعلم (أنَّا) وفي رواية الأصيلي: (إذا)، وموضع (أنا) نصب على أنَّه مفعول (تذكر) (كنَّا في سفر) وفي رواية مسلم: (في سرية)، وزاد: (فأجنبنا) (أنا وأنت) تفسير لضمير الجمع في (كنا) (فأمَّا أنت؛ فلم تُصلِّ) تفصيل لما وقع من عمَّار وعمر ﵄؛ ومعناه: أنَّه لم يصلِّ بالتيمم؛ لأنَّه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو أنَّه جعل آية التيمم مختصة بالحدث الأصغر، وأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الجُنب لا يتيمم، فقاسه عمار عليه، ولم يذكر في هذه الرواية جواب عمر، وكذلك روى البخاري هذا الحديث في الباب الذي يليه من رواية ستة أنفس عن شُعبة، ولم يذكر فيها جواب عمر، وذكره مُسلم من طريق يحيى بن سَعِيْد، والنَّسائي عن حجاج بن محمَّد، فقال: (لا تُصلِّ)، وزاد السراج: (حتى تَجد الماء)، وهذا مذهب مشهور عن عمر، ووافقه عليه ابن مسعود، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود على ما سيأتي في باب (التيمم ضربة)، وقيل: إن ابن مسعود رجع عن ذلك، قاله إمام الشَّارحين.\nقلتُ: قدمنا أنَّ عمر وابن مسعود قد ثبت رجوعهما عن ذلك، وقالا: بصحة التيمم عن الجنابة؛ فليحفظ.\nويدلُّ لذلك: ما قاله في «عمدة القاري»: (وفي لفظ للبخاري: قال أبو موسى لابن مسعود: إذا لم تجد الماء؛ لا تصلِّ، قال عبد الله: لو رُخِّصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد؛ قال هكذا -يعني: تيمم وصلى- قال أبو موسى: فقلت: أين قول عمار لعمر ﵄؟ قال: إني لم أر قنع عمر بقول عمار)، وفي لفظ آخر: (كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبيَّ الأعظم ﷺ: «كان يكفيك»؟ قال: لم نر عمر يقنع بذلك منه، فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول) انتهى.\nقلت: وظاهره أنَّه رجع عن ذلك وهو يدلُّ لما قدمناه؛ فافهم.\n (وأمَّا أنا؛ فتمعكت) وفي الرواية الآتية: (فتمرغت)؛ بالغين المعجمة؛ أي: تقلبت بالتراب، وفي لفظ: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة...)؛ الحديث، (فصليت)؛ لأنَّه قد ارتفع حدثه، وكأنَّه اجتهد أنَّ التيمم إذا وقع بدل الوضوء؛ وقع على هيئة الوضوء، واجتهد أنَّ التيمم عن الغُسل يقع على هيئة الغسل، فلهذا تمعَّك، وهذا اجتهاد منه في ذلك، وهو صحيح وإن كان في عصره ﵇؛ لأنَّ الجمهور: جوَّزوا الاجتهاد في عصره ﵇ مطلقًاسواء كانوا غائبين عن الرسول أو حاضرين في بلده ﵇، وهو المختار، ولهذا لم يأمره النبيُّ الأعظم ﷺ حين سأله بإعادة الصَّلاة؛ لأنَّه فعل أكثر ما كان يجب عليه في التيمم؛ حيث تقلَّب على الصعيد، ففيه دليل على جواز الاجتهاد في جهة القِبلة إذا كان في صحراء، أو ظلمة، أو غير ذلك، فلو صلى الظهر مثلًا واجتهد لجهة، ثم تبدل اجتهاده لجهة أخرى؛ ينحرف ويصلي، فلو تبدل أيضًا؛ ينحرف، وهكذا، فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه، وإن كان كل ركعة لجهة؛ لأنَّه فعل ما في وسعه؛ فليحفظ.\n (فذكرت) وقوله: (ذلك) ثابت في رواية، ساقط في أخرى (للنَّبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: فعله المذكور، (فقال النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ) وفي رواية الأصيلي: (فقال ﷺ) أي: لعمار في الجواب: (إنَّما كان يكفيك)، زاد في لفظ: (أن تَصنع)، (هكذا) بالكاف بعد الهاء، وفي رواية الحموي، والمستملي: (هذا)، وفي لفظٍ: (وضرب بكفيه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه)، وفي لفظٍ: (مسح وجهه وكفيه واحدة)، كذا في «عمدة القاري»، قال: وهذا ظاهر في تقديم الكف على الوجه، وهو شاهدٌ لما ذهب إليه الإمام الأعظم، وهو قول محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن حزم، وحكاه عن الأوزاعي، وسيأتي تمامه.\n (فضرب النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ) ولأبي ذر: (فضرب) (بكفيه)؛ بالتثنية (الأرضَ) وللأصيلي: (في الأرض) (ونفخ فيهما)، وفي لفظ: (فأدناهما، ثم أدناهما، ونفخ فيهما)، وفي لفظ: (قال عمَّار: وتفل فيهما)، وفي لفظ: (ثم نفضهما)، وهذا يدل على أنَّه لم يُبْقِ عليهما من التراب شيئًا؛ لأنَّ النَّفخ، وأدناهما منه، والتفل فيهما يزيل أثر التُّراب بالكلية، كما هو مُشَاهد، ويدلُّ","vol":"1","page":200},{"text":"لهذا ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله، عن عمَّار: (فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا...)؛ الحديث؛ يعني: من شدة النفخ لم يحملا من التراب شيئًا؛ لأنَّ النفض وكذا التَّفل -وهو النفخ الشَّديد- لا سيما دُنوُّهما منه يزيل أثر التراب بالكلية، كما لا يخفى، فهذا يدلُّ لما ذهب إليه الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، والجمهور: من أنه إذا تيمم على صخر؛ جاز؛ لأنَّ الواجب المسح بكفٍّ موضوعٍ على الأرض لا استعمال التراب، وخالفهم الشَّافعية، فزعموا أنه لا بد من التُّراب، وحملوا هذا الحديث على أنَّ النفخ كان لأجل تخفيف التراب وهو محمول على أنَّه كان كثيرًا.\nقلتُ: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ اشتراط التُّراب غير ثابت عند الشَّارع، وإنَّما الثَّابت اشتراط الصَّعيد، وهو وجه الأرض؛ كحجرٍ، ومَدَرٍ، وتُراب، وغير ذلك، وهو ما أجمع عليه أهل التفسير، وأهل اللغة كما سبق، وقولهم: إن النفخ كان لأجل التخفيف كلام فاسد؛ لأنَّه جاء بلفظ (التفل)، وجاء بلفظ (النفض)، وجاء: أنه أدناهما، وهذا كله يدل على أنَّه أزال عنهما التراب بالكلية، وهذا إذا ثبت أنَّه ضَرب يديه على التُّراب، والظاهر منه: أنه ضرب بيديه على الحصى كبارًا وصغارًا، فإنَّ حكمة النَّفض والنَّفخ؛ لأجلألَّا يعلق بهما شيء من ذلك فيؤذي وجهه الشَّريف، ولأنَّه يصير الشخص مثلة في تبديل خلقه وتغيير هيئته، وهو منهيٌّ عنه؛ لأنَّه يصير هزأةً بين الناس لا يقال: إنه أثر عِبَادة؛ لأنَّا نقول التُّراب ملوث مبدِّل للخلقة، فإنَّه وإن كان طهورًا إلا أنه لا يصلح لذلك؛ لاحتمال أنَّه قد دخل الغبار ونحوه بخلاف الماء، فإنه منظف؛ فافهم.\nفإن الأرض تُطلق: على الحجر، والمدر، والحصى، وغير ذلك إذا كان منبسطًا، وعلى فرض أنَّه على التُّراب، فالتفل -وهو شدة النفخ- وأدناهما منه دليل واضح على أنه لم يُبْقِ فيهما شيء من التُّراب، كما لا يخفى.\nوقولهم: (وهو محمول على أنَّه كان كثيرًا) كلام باطل؛ لأنَّ اليدين إذا ضرب بهما الأرض؛ لم يحملا ترابًا كثيرًا، وإنما يتلوثان بالغبار، كما هو مشاهد لأولي الألباب، فكيف يوصف بالكثير؟ وما هذا إلا تعنت وعناد، ولا حاجة إلى هذا الحمل؛ لأنَّه قد ورد عند أبي داود: (ولم يقبضوا من التراب شيئًا)، كما سبق قريبًا، و(شيئًا) نكرة، وهي في سياق النفي تعمُّ فتشمل القليل والكثير؛ يعني: لم يبق عليهما تراب لا قليلًا ولا كثيرًا؛ فافهم، والله أعلم.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث ذكر النفخ، ولكن ليس في الحديث استفهام فيه، ولهذا قلنا: إن تبويبه بالاستفهام ليس بسديدٍ) انتهى.\nقلتُ: واختُلِفَ هل ينفخ مرة واحدة أو مرتين؟\nقلتُ: وظاهر الحديث أنَّه ينفض بقدر ما يتناثر التَّراب عنهما؛ لئلَّا يصير مثلة، وبه صرَّح في «الهداية»، فالمقصود: تناثر التُّراب إنْ حصل بمرةٍ؛ اكتفى بها، وإن لم يحصلْ؛ ينفض مرتين، كذا قاله في «البدائع».\n (ثم مسح بهما) أي: يديه (وجهه) مستوعبًا، فيخلل لحيته، ويمسح عذاره، والوترة التي بين المنخرين، وما تحت الحاجبين، وموق العينين؛ لأنَّ الاستيعاب شرطٌ على المُختار، وهو ظاهر الحديث، وظاهره أيضًا أنَّه يُشْترط المسح بجميع اليد أو بأكثرها، فلا يجوز أن يمسح بإصبع أو إصبعين، كما في «السِّراج الوهاج»، (وكفيه) فيخلل أصابعه، ويحرك الخاتَم، وظاهر الحديث أنَّه لا يُشترط الترتيب في التيَّمم كأصله؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع عند المحققين، فلا تفيدُ التَّرتيب، ولا التَّعقيب، وهو كذلك لكنَّه سُنة، وظاهر الحديث أيضًا أنَّه على التوزيع، فمسح باليد اليمنى وجهه، وباليسرى كفَّيه؛ لأنَّه لا يشترط المسح باليدين حتى لو مسح بإحدى يديه وجهه، وبالأخرى يده؛ أجزأه في الوجه واليد، ويعيد الضَّرب لليد الأخرى، كذا في «النهر».\nواعلم أن: المؤلف لم يسق هذا الحديث بتمامه، والأئمَّة الستة أخرجوه مطولًا ومختصرًا، وكان لعمَّار في هذا الباب أحاديث مختلفة مضطربة، فاختار كل واحد من العلماء حديثًا منها ممَّا صحَّ عنده، فذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، والإمام أبو (^١) يوسف، والإمام زُفَر إلى أنَّ التيَّمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، وهو قول الحسن بن حي، وابن أبي ليلى، واللَّيث بن سعد، وبه قال مالك والشافعي، وهو رواية عن الأوزاعي.\nواستدلوا على هذا بأحاديثَ، وآثارٍ، وقياس، أمَّا الأحاديث؛ فمنها: حديث الأسلع بن شُريك التميمي خادم النَّبيِّ الأعظم ﷺ، عن النبي الأعظم ﷺ قال: «التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، رواه الحافظ الطَّحاوي، والطَّبراني، والدَّارقطني، والبيهقي.\nومنها: حديث ابن عمر، رواه الدَّارقطني مرفوعًا من حديث نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ قال: «التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، قال الدَّارقطني: كذا رواه علي بن طهمان مرفوعًا، ووقفه يحيى القطَّان، وهشيم، وغيرهما، ورواه الحافظ الطَّحاوي من طرق موقوفًا.\nومنها: حديث جابر رواه الدارقطني من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للذراعين إلى المرفقين»، وأخرجه البيهقي أيضًا، والحاكم أيضًا من حديث إسحاق الحربي، وقال: هذا إسناد صحيحٌ، وقال الذَّهبي أيضًا: (إسناد صحيح).\nومنها: حديث أبي أمامة أخرجه الطَّبراني بإسناده إليه عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وفيه جعفر بن الزُّبير [وهو] ضعيف.\nومنها: حديث عائشة أخرجه البزَّار بإسناده إليها عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ قال: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وفي إسناده الحويش بن حريث، ضعَّفه أبو زُرْعة.\nومنها: حديث عمَّار رواه أبو داود من حديث عبد الله عن عمَّار قال: (فأمر النَّبيُّ الأعظم ﷺ المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب ولم يقبضوا من التُّراب شيئًا فمسحوا وجوههم مسحةً واحدةً، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم)، قال أبو داود: (وكذا رواه ابن إسحاق، قال به عن ابن عباس، وذكر ضربتين، كما ذكره يونس عن الزُهْرِي، ورواه معمر، وذكر ضربتين).\nومنها: حديث عبد الله رواه ابن ماجه من حديث محمَّد بن أبي ليلى القاضي عن الحكم، وسَلَمَة بن كهيل، فإنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى عن التَّيمم، فقال: (أمر النَّبيُّ الأعظم ﷺ عمَّارًا أن يفعل هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثُمَّ نفضهما، ومسح على وجهه)، قال الحكم: (ويديه)، وقال سَلَمَة: (ومرفقيه).\nومنها: ما رواه أبو داود: قال: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان، عن قتادة، عمن حدثه، عن الشَّعبي، عن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى، عن عمَّار قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، ورواه ابن أبي ذئب، عن الزُهْرِي، فذكر\n_________\n(^١) في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":201},{"text":"فيه ضربتين.\nومنها: ما رواه البيهقي بسندٍ صحيحٍ عن عمَّار قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال له: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين».\nوأمَّا الآثار؛ فمنها: ما رواه الإمام محمَّد بن الحسن عن الإمام الأعظم أبي حنيفة قال: حدثنا حمَّاد عن إبراهيم في (التَّيمم) قال: (تضع راحتيك في الصَّعيد، فتمسح وجهك، ثم تضع الثَّانية، فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين)، قال محمَّد: وبه نأخذ.\nومنها: ما رواه الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث قَتَادة عن الحُسين أنَّه قال: (التَّيمم ضربةٌ للوجه والكفين، وضربةٌ للذِّراعين إلى المرفقين).\nومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنفه»: حدثنا ابن عليَّة، عن داود بن الشَّعبي قال: (التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين)، وروي عن إبراهيم، وطاووس، وسالم، والشَّعبي، وسَعِيْد بن المُسيِّب مثله.\nوأمَّا القياس؛ فلأنَّ التيمم خلفٌ عن الوضوء؛ فيجب أن يكون مثله، لكن لمَّا كان التَّيمم شُرع لأجل الرُّخصة؛ تُرِك فيه الرأس والرجلان، فبقي الوجه واليدان، والدَّليل على أنَّه كالوضوء: أنَّه أعطي أحكامه من عدم اشتراط الترتيب فيه، ومن طُروء النَّواقض عليه، وطهارة الصَّعيد كالماء، وغير ذلك مِّما لا يخفى.\nوروى الإمام الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم: (أنَّ التَّيمم ضربةٌ للوجه، وأخرى لليدين إلى الرُّسغين)، ورُوِي ذلك عن ابن عباس، وهو قول الأوزاعي، والأعمش، وعبد الحكم، والشَّافعي في القديم.\nومالك في رواية لما رواه الدَّارقطني قال: (ما تمرغ عمَّار وسأل رسول الله ﷺ فضرب بكفيه الأرض، ثُمَّ نفضهما)، وقال: (تمسح بهما وجهك، وكفيك إلى الرُّسغين)، وعند الأشرم من روايته عنه: (ثُمَّ تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغين).\nوفي «الأوسط» للطَّبراني: عن عمَّار: (تمسح وجهك وكفيك بالتراب ضربة للوجه، وضربة للكفين).\nقلتُ: ولا دلالة لهم في هذا، فإنَّ حديث الدَّارقطني ضعيف؛ لأنَّه لم يروه عن حُصين مرفوعًا غير إبراهيم بن طهمان، وأوقفه شُعبة، وزائدة، وغيرهما، وما رواه الأشرم؛ فإنَّ في سنده مجهول، وما رواه الطَّبراني؛ فإنَّه لم يروه عن سَلَمَة بن كهيل عن سعد بن أَبْزَى إلا إبراهيم بن محمَّد الأسلمي، وعلى كلٍّ؛ فهذه الأحاديث لا يُحتج بها مع وجود الأحاديث، والآثار السَّابقة التي علمتها، فإنَّ الصَّحيح لا يُقاوم الضَّعيف.\nوذهب أحمد ابن حنبل، وعطاء، وإسحاق: إلى أن التَّيمم ضربة للوجه والكفين إلى الرسغين، وهو قول الطَّبري، والشَّعبي في رواية، والأوزاعي في رواية، فلا يجب عندهم المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية، واستدلوا بحديث الباب.\nقلتُ: ولا دِلالة فيه لهم؛ لأنَّ الحديث فيه طيٌّ؛ لأنَّه رُوِي مختصرًا (^١) هنا، ورواه الأئمَّة الستة مطولًا، فقوله: (ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه) يعني: وضرب ضربة أخرى للذِّراعين إلى المرفقين، يدلُّ لهذا: ما قدمنا في حديث أبي داود، عن عمَّار: (فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا وجوههم مسحةً واحدةً، ثُمَّ عادوا فضربوا بأكفهم الصَّعيد مرةً أخرى فمسحوا بأيديهم).\nوفي «المعجم الكبير» للطَّبراني: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين، فهذا يدلُّ على أنَّ الحديثَ مختصرٌ، فلا دليلَ لهم فيه على أنَّ ما يُمسح به وجهه يصير مستعملًا، وقد أمر الله تعالى بالصَّعيد الطَّيب، فكيف يَمسح به كفيه؟\nوأجيب: بأنَّه يُمكن أنْ يَمسح الوجه ببعض الكفين، والكفين بباقيهما.\nقلتُ: وهذا فيه حرج وعُسر، وقد أُمرنا بالتَّيسير، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ففي هذه الكيفية حرج، وهو مدفوع بالنَّص.\nوذهب محمَّد بن سيرين: إلى أنَّ التَّيمم ثلاث ضربات: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للكفين، وضربةٌ للذِّراعين، ورُوِي عنه: (ثلاثُ ضرباتٍ الثَّالثة لهما جميعًا).\nوقال ابن شهاب الزُهْرِي: (التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين يَبلغ بها إلى الإباط).\nويدلُّ لهذا: ما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ مُتصلٍ عن عُبيد الله، عن ابن عباس، عن عمَّار قال: (فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الإباط).\nوفي «المُعجم الكبير» للطَّبراني: (وضربةٌ لليدين إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا)، وفي لفظ: (ومن بطون أيديهم إلى الإبط)، وفي لفظ: (إلى المناكب).\nقلتُ: وهذا لا يدلُّ لمدعاه؛ لأنَّ الرِّوايات عن عمَّار قد اختلفت، وأصحُّ الرِّوايات عنه ما قدمناه، والمُراد هنا: هو صورة التَّعليم والتَّقريب، وليس المُراد: جميع ما يحصل به التَّيمم، وهذا مخالفٌ لما سبق، ففيهِ دلالة إلى أنَّه انتهى إلى ما عِمَلَهُ النَّبيُّ الأعظم ﷺ.\nوقال ابن أبي حازم: لا يخلو أن يكون حديث عمَّار بأمرٍ أولًا، فإنْ يكن من غير أمرٍ؛ فقد صحَّ عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ خِلافه، وإنْ كان عن أمرٍ؛ فهو منسوخ، وناسِخه حديث عمَّار أيضًا، انتهى، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقلتُ: والظَّاهر: أنَّ هذه الأحاديث المُختلفة المُضطربة المَرويَّة عن عمَّار كانت قبل نُزول آية التَّيمم؛ لأنَّ هذه الصِّفات فعلها عمَّار باجتهادٍ منه، وسأل عنها النَّبيَّ الأعظم ﷺ، فتوقف النَّبيُّ عن الجواب حتى نزلت آية التَّيمم، وهي تدلُّ على: ضربتين؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين قياسًا على الوضوء، وإتباعًا لما رُوِي في ذلك من الأحاديث التي قدَّمناها؛ فإنَّها تدلَّ على الضَّربتين، والظَّاهر أنَّها كانت آخرًا، فهي ناسخةٌ لما تقدمها من الصِّفات؛ فإنَّ الله تعالى قد أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال في (التَّيمم): ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، واليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء من أوَّل الآية، فلا يُتْرك هذا الصَّريح إلا بدِلالة صريحٍ، ولمَّا كان التَّيمم خلفًا عن الوضوء؛ أعطي حكمه؛ لئلَّا يزيد الخلف على الأصل، فتعيَّن في التَّيمم الاقتِصار على الوجه واليدين إلى المرفقين؛ إعمالًا للخلفية بقدر الإمكان، وعملًا بالأحاديث الواردة.\nورَجَحت رواية: (إلى المرفقين) بما رواه ابن عُمر، وجابر، والأسلع، وغيرهم ﵁، فإنَّهم حكوا تيمم النَّبيِّ الأعظم ﷺ؛ بأنَّه ضرب ضربةً للوجه، وضرب أُخرى لليدين إلى المرفقين، والغاية داخلةٌ في المغيَّا عند الإمام الأعظم والجمهور، وقال الإمام زفر: هي غير داخلة، كما قدَّمناه في (الوضوء).\nوفي الحديث دليلٌ على صحة القياس؛ لقول عمَّار: (أمَّا أنا؛ فتمعكت)، فإنَّه اجتهد في صفة التَّيمم ظنًّا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر، فقاسه على الغسل، وهذا يدلُّ على أنَّه كان عنده عِلم من أصل التَّيمم، ثُمَّ إنَّه لمَّا أخبر به النَّبيَّ الأعظم ﷺ؛ علَّمه صفة التَّيمم، وأنَّه للجنابة والحدث سواء.\nوفيه دليل على جواز التَّيمم من الصخرة\n_________\n(^١) في الأصل: (مختصر)، وهو تحريف.","vol":"1","page":201},{"text":"التي لا غُبار عليها؛ لأنَّه لو كان مُعتبرًا؛ لَما نَفخ ﵇ في يديه.\nوفي الحديث دليلٌ على أنَّ النَّفخ مطلوبٌ وهو سُنة أو مُستحب، وقدمنا أنَّه ينفخ مرةً أو مرتين، وظاهر الحديث يدلُّ على الأول.\nوفيه دليل على جواز الاجتهاد في عصره ﵇، وهو قول الجمهور مُطلقًا سواء كانوا غائبين أم حاضرين عنده ﵇.\nوفيه دليل على أنَّ المسافر له أن يطأ جاريته وإن علم أنَّه لا يجد الماء.\nوفيه دليل على استحباب تأخير التَّيمم إلى آخر الوقت المستحب؛ لأنَّه ربَّما يجد الماء فيؤدِّي العبادة بأكمل الطَّهارتين، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.\nاللهم؛ اقض عني الدين، وارزقني رزقًا حلالًا بلا تعب، وفرِّج عني ما أهمَّني، ووفِّق أمَّة نبيك الأعظم ﷺ لما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير.\n\n <span id=\"b-٥٧٩\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-579>[باب التيمم للوجه والكفين]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: ما ذكرنا، وقوله: (التَّيمم) مُبتدأ؛ أي: في بيان أنَّ التَّيمم ضربةٌ واحدة (للوجه)، وقوله: (والكفين) عطف على (الوجه) أي: وخبرُ المُبتدأ محذوف؛ أي: التَّيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، ويقدر بعد ذلك لفظة (جوازًا)؛ يعني: من حيث الجواز؛ وتقديره (وجوبًا)؛ يعني: من حيث الوجوب، والمقصود منه: إثبات أنَّ التَّيمم ضربةٌ واحدةٌ، سواء كان وجوبًا أو جوازًا، ومعنى أحاديث هذا الباب: هو معنى الحديث الذي في الباب السابق، غير أنَّه رُوِي هناك عن آدم، عن شُعبة مرفوعًا، وههنا أخرجه عن سِتة مشايخ؛ كلهم عن شُعبة؛ ثلاثةٌ منها موقوفةٌ، وثلاثةٌ مرفوعةٌ، كما ستقف عليها، كذا قاله إمام الشَّارحين، واعترضَ عليه القسطلاني بأنَّ تقيده بـ (ضربة واحدة) قد عقد له المؤلف بابًا مستقلًّا.\nقلتُ: وهذا الاعتراض غير ظاهر، ولا يصدر إلا من مُكابرٍ، فإنَّ أحاديث هذا الباب السِّتة كلُّها صريحةٌ في أنَّ الضربة واحدة؛ لأنَّه لم يذكر غيرها، فهي صريحة بالوحدة على أنَّه هي محلُّ الخِلاف بينها وبين الضربتين، ولو كانت ليست واحدة؛ لبيَّنَ في الأحاديث أنَّها أكثر، واقتصاره فيها على الضرب يقتضي الوحدة، والتَّرجمة لم تُصرح بالضرب أيضًا، ولا أنَّه واحد، فأحال ذلك على الأحاديث التي سيذكرها، كما لا يخفى، وزعم ابن حجر باب (التَّيمم للوجه والكفين) أي: هو الواجب المجزئ، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شُهرة الخِلاف فيه؛ لقوة دليله، فإنَّ الأحاديث الواردة في صفة التَّيمم لم يَصح منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمَّار، وما عداهما؛ فضعيف أو مُختَلفٌ في «الصَّحيحين»، ويذكر المرفِقين في رفعه، ووقفه، والرَّاجح عدم رفعه، أما حديث أبي جُهَيْم؛ فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمَّار؛ فورد بذكر الكعبين في السُّنن، انتهى.\nورَدَّه إمام الشَّارحين فقال: قلتُ: تقييده بالوجوب لا يُفهم منه أصلًا؛ لأنَّه أعم من ذلك؛ يعني: يشمل الجائز، فإنَّ التَّيمم يكون فرض عينٍ للمحدث، وأراد صلاة الفرض، ويكون فرضًا على الكفاية للمحدث لصلاة الجنازة، ويكون واجبًا للطواف، ويكون مندوبًا للنوم على طهارة، ولمسِّ الكُتب الشَّرعية؛ كالحديث، والفقه، وغير ذلك، فالمُراد: الأعم، وهو مُراد المؤلف؛ حيث أطلق كلامه، فتقييد هذا القائل بالواجب غير صحيح، كما لا يخفى.\nوقوله: (لم يَصح منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمَّار) غير مُسلَّم؛ لأنَّا قد ذكرنا أنَّه رَوى فيه عن جابر مرفوعًا: «أنَّ التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين»، وأن الحاكم قال: (إسناده صحيح)، وأن الذهبي قال: (إسناده صحيح)، ولا يُلتفت إلى قول من يمنع صِحته، لا يُقال: (رواه جماعة موقوفًا)؛ لأنَّا نقول: قوله أقوى وأثبت؛ لأنَّه استندَ من وجهين.\nقلت: وكذا روى البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ مرفوعًا: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وكذا رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ، فكيف يقول هذا القائل: (لم يَصح منها...) إلخ؛ ما هذا إلا مُكابرة؟\nوقوله: (أمَّا حديث أبي جُهَيْم)؛ فورد بذكر اليدين مُجملًا غير صحيح، ولا يُطلق فيه حدُّ الإجمال، بل هو مطلق يتناول إلى الكفين، وإلى المرفقين، وإلى ما وراء ذلك، ولكن رواية الدَّارقطني في هذا الحديث خصصته وفسرته بقوله: (فمسح بوجهه وذراعيه).\nفإن قلت: هذا القائل لم يُرِد الإجمال الاصطلاحي، بل أراد: الإجمال اللُّغوي.\nقلتُ: إن كان كذلك، فحديث الدَّارقطني أوضحه وكشفه، انتهى.\nقلتُ: وقوله: (وأمَّا حديث عمَّار...) إلخ غير صحيح؛ لأنَّ رواية ذكر الكعبين في السنن ضعيفةٌ جدًّا؛ لأنَّ في سنده مجهولين (^١)، بل الرواية الصحيحة عن عمَّار، كما رواها أبو داود مرفوعًا إليه ﵇: «أنَّه ضرب بيديه الأرض، ثُمَّ نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه»، وكذا أخرجه بقية الستة، وقوله: (والرَّاجح عدم رفعه): غير صحيح، بل الرَّاجح أنَّه: مرفوع، وهو ما عليه الجمهور؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٥٨٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-580>[حديث عمار وفيه: ثم مسح وجهه وكفينه]</span>\n٣٣٩ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا حجاج) هو ابن مِنهال؛ بكسر الميم (قال: أخبرنا شُعبة) هو ابن الحجاج (قال: أخبرني)؛ بالإفراد (الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، وفي رواية: (عن الحَكَم) (عن ذَرٍّ)؛ بتشديد الراء: هو ابن عبد الله الهمْداني، (عن سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن عبد الرحمن)، وفي رواية: (عن ابن عبد الرحمن) (بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح الزَّاي، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن بن أبْزَى، الصَّحابي الخزاعي الكوفي، (قال عمَّار) بتشديد الميم: هو ابن ياسر ﵁ (بهذا) أشار به إلى سياق المتن الذي قبله من رِواية آدم عن شعبة، وهو كذلك إلا أنَّه ليس في رواية حجاج هذه قصة عمر ﵁؛ فافهم.\nوقوله: (وضَرب شعبة) مقول الحجاج (بيديه الأرض)؛ بالتثنية، (ثم أدناهما) أي: قربهما (من فيه) وهو كناية عن النَّفخ، وفيه إشارة إلى أنَّه كان خفيفًا، وفي رواية سليمان بن حرب: (تفل فيهما)، والتفل: دون البزاق، والتفث دونه، قاله أهل اللغة.\nقلت: وفيه دليل على أنَّه لم يبق عليهما من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النَّفخ أو التَّفل يُزِيل أثرَ التُّراب والغُبار بالكلية، كما لا يخفى.\n (ثُمَّ مسحَ بهما وجهه) مستوعبًا فيخلِّل اللحية، ويمسح العذار، والوترة، وما تحت الحاجبين، والموقين، وفيه دليل على أنَّه يُشْترط المسح بجميع اليد أو أكثرها، (وكفيه) إلى الرُّسغين، كما ذهب إليه أحمد، والحسن بن زياد، والجُمهور: على أنَّه بضربتين؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، وقال الإمام زفر: لا يُشترط مسح المرفقين؛ لِمَا في رواية أبي داود في هذا الحديث عن عمَّار مرفوعًا: (ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نِصف الذِّراع)، وسنده صحيح، وفي لفظٍ: (إلى نصف السَّاعد، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة)، وفي رواية شك سَلَمَة بن كهيل قال: (لا أدري فيه إلى المرفقين؛ يعني أو إلى الكعبين)، ورواه شعبة عنه: (إلى المرفقين أو الذِّراعين).\nقلت: وقدمنا في الباب قبله دلائل المذهب المعظم وبقية الأئمَّة؛ فلا تغفل، قال إمام الشارحين: قد ذكرنا أنَّ البخاري أخرج هذا الحديث في هذا الباب عن ستة من المشايخ؛ الأولُّ: موقوف برواية عن حجاج إلى آخره، وأخرجه الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي قال: حدثنا محمَّد بن خزيمةقال: حدثنا حجاج قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني الحكم، عن ذر، عن عبد الرحمن\n_________\n(^١) في الأصل: (مجهولان)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":202},{"text":"ابن أبْزَى، عن أبيه، عن عمَّار ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «إنَّما يكفيك هكذا»، وضرب شعبة بكفيه إلى الأرض، وأدناهما من فيه، فنفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه، ثُمَّ قال الحافظ الطَّحاوي: هكذا قال محمَّد بن خزيمة في إسناد هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبْزَى، وإنَّما هو عن ذَرٍّ عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه، زعم ابن حجر أنَّ الطَّحاوي أشار إلى أنَّه وهم فيه؛ لأنَّه أسقط لفظة: (ابن)، ولا بد منها؛ لأنَّ (أبْزَى) والد عبد الرَّحمن لا رواية له في هذا الحديث.\nقال إمام الشَّارحين: قلت: رواية محمَّد بن خُزيمة المذكور تُنبئ على صِحة قول من يقول: (إن أبْزَى والد عبد الرَّحمن صحابي)، وهو قول ابن منده؛ لأنَّه جعله من الصَّحابة، وروى بإسناده عن هشام، عن عُبيد الله الرَّازي، عن بكير بن معروف، عن مُقاتل بن حيان، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: أنه خطب للناس قائمًا قال: «ما بال أقوام لا يعلِّمون جيرانهم، ولا يُفقِّهونهم، ولا يَعِظونهم، ولا يأمرونَهم، ولا ينهونَهم...»؛ الحديث.\nورواه ابن إسحاق ابن راهويه في «المُسند»: عن محمَّد بن أبي سهل، عن بكير بن معروف، عن مقاتل، عن علقمة بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ بهذا، وقد ردَّ أبو نعيم عليه وقال: (ذكر ابن مندة أنَّ البُخاري ذكره في كتاب «الوجدان»، وأخرج له حديث أبي سَلَمَة، عن ابن أبْزَى، عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ، ولم يَقل فيه: عن أبيه)، وقال ابن الأثير: (أبْزَى والد عبد الرَّحمن بن أبزى الخزاعي، ذكره البُخاري في «الوجدان»، ولا تصح له صُحبة، ولا رؤية، ولابنه عبد الرحمن صحبة، ورؤية).\nقلتُ: ولذلك لم يذكر أبو عمرو أبزى في الصَّحابة، وإنَّما ذكر عبد الرحمن؛ لأنَّه لم يصح عنده صحبة أبْزَى، ومع هذا وقع الاختلاف في صحبة عبد الرحمن أيضًا، قال ابن حبان: (ذكره في التَّابعين).\nوقال أبو بكر بن أبي داود: (لم يحدِّث ابن أبي ليلى من التَّابعين إلا عن ابن أبْزَى).\nوقال البُخاري: (له صحبة، وذكره في التابعين).\nوقال أبو هاشم: (أدرك النَّبيَّ الأعظم ﷺ، وصلَّى خلفه، روى عنه ابناه عبد الله، وسَعِيْد) انتهى كلامه.\n (وقال النَّضْر) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة: هو ابن شميل؛ بالمعجمة، وهذا تعليق قد وصله مسلم عن إسحاق بن منصور، عن النَّضر، وأخرجه أبو نعيم في «مُستخرجه» من طريق إسحاق ابن راهويه عنه، وهل هذا التعليق من كلام المؤلف، وقال الكرماني: (قال النَّضْر) من كلام البُخاري، والظَّاهر: أنه عن النَّضْر؛ لأنَّه مات سنة ثلاث ومئتين بالعراق، وكان البُخاري حينئذٍ ابن سبع سنين ببُخارى) انتهى.\n (أخبرنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة (قال: سمعت ذرًّا)؛ بالذال المعجمة، والراء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم (يقول) جملة فعلية محلها النصب على الحال، أو مفعول ثاني لـ (سمعت) على القول به، كما سبق؛ فليحفظ، (عن ابن عبد الرحمن بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح الزَّاي، أبهم الحَكَم اسم ابن عبد الرحمن، وقدَّمنا أنَّ لعبد الرحمن ولدين (^١)؛ عبد الله، وسَعِيْد، والظاهر: أنَّ المبهم هنا هو سَعِيْد بكسر العين المهملة؛ لأنَّه هو الذي يروي عنه الحكم، وقد سبقت له الرواية في الباب الذي قبله بواسطة، بخلاف أخيه عبد الله؛ فإنه لم تأت الرواية عنه؛ فليتأمل.\n (قال الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عتيبة (وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه) هو أبزى المذكور، وهذا إشارة إلى أنَّ الحكم كما سمع هذا الخبر من ذرٍّ سمعه أيضًا من شيخ ذرٍّ، وهو سَعِيْد بن عبد الرحمن، فكأنَّه سمعه أولًا من ذرٍّ، ثم لقي سَعِيْدًا، فأخذه عنه، ولكن سماعه من ذرٍّ أثبت؛ لوروده، كذا في أكثر الروايات، كذا قاله إمام الشارحين.\nقلت: وهذا يعين أن المبهم سَعِيْد، وهو موافق لما قلته، ولله الحمد.\nوقال الكرماني: وقوله: (وقال الحكم) يحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكون من كلام شعبة، فيكون داخلًا في إسناده) انتهى.\nقال إمام الشارحين: (قلت: يحتمل أن يكون من كلام النضر، وهو الظاهر) انتهى.\nقلت: بل هو الصواب، واحتمال كونه تعليقًا من البخاري بعيد جدًّا؛ لتقدم قوله: وقال النضر عليه، واحتمال كونه من كلام شعبة غير ظاهر، بل الظاهر: أنه من كلام النضر، وهو الصواب؛ فليحفظ.\n (قال عمَّار) بتشديد الميم: هو ابن ياسر ﵁ (الصعيد الطيب)؛ أي: الأرض الطاهرة، وقدَّمنا أنَّ الصعيد: وجه الأرض كيفما كان (فعيل) بمعنى (مفعول)؛ أي: مصعود عليه، وقال قتادة: (الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر)، وقال أبو إسحاق: (الطيِّب: النظيف)، وقيل: إنه الحلال، وقيل: ما تستطيبه النفس، والجمهور من أهل التفسير، وأهل اللغة، وغيرهم على أنه: الطاهر؛ لأنَّه أليق المعاني به؛ لأنَّ الصعيد إنَّما شرع لأجل التطهير يدل عليه قوله ﷿: ﴿وَلَكِن [يُرِيدُ] لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (^٢) [المائدة: ٦]، وهو المراد؛ فإن الطهارة شرط إجماعًا، فلم يبق غيره مرادًا؛ لأنَّ المشترك لا عموم له، ولهذا قال الزجاج: لا أعلم فيه اختلافًا بين أهل اللغة وغيرهم فيه، فثبت أنَّ الصعيد: هو وجه الأرض؛ كحجر، ومدر، ورمل، وتراب، وغيرها، وأنَّ الطيِّب: هو الطاهر، هذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وخالفهم الشافعية فزعموا: أنَّ المراد بالصعيد: التراب فقط، فقالوا: (لا يجوز التيمم إلا على التراب)، وتعلقوا بما روي عن ابن عباس: (الصعيد الطيِّب: التراب الخالص)، وبقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا لا يدل لمدعاهم؛ فإنَّ الذي روي عن ابن عباس رواه البيهقي من جهة قابوس بن أبي طيبان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: (أطيب الصعيد حرث الأرض)، وهو يدلُّ على اشتراط الإنبات، وقد قال شيخهم النووي: الإنبات: غير شرط في الأصح؛ فالاستدلال بهذا الأثر غير موجه؛ لأنَّهم لا يقولون باشتراط الإنبات، وعلى فرض ذلك؛ فهذا الأثر لا يصلح دليلًا مطلقًا؛ لأنَّ الآية مطلقة وهي لا تتقيد بالحديث الذي هو خبر آحاد، فكيف بالأثر؟ وما هذا إلا أوهن من بيت العنكبوت، وأما الآية فهي آية المائدة (^٣)، والذي في آية النساء ليس فيها لفظة (منه)، فهي جارية على إطلاقها، ولفظة (منه) في الآية الأخرى عائدة على المحدث المذكور في الآية، وتحمل (من) على ابتداء الغاية؛ كقولك: (مسحت)؛ أي: ابتداء المسح، يدلُّ عليه\n_________\n(^١) في الأصل: (ولدان)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ولكن لِيُطَهِركم به)، ربما اشتبه عليه الآية التي في سورة الأنفال: ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].\n (^٣) في الأصل: (المائة)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":202},{"text":"آية النساء بدون (منه)، فيجوز تقدير الالتصاق بإطلاق هذه الآية، وقد قال أهلُ التَّفسير في قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]: أنَّه حجر أملس، فإنَّ التُّراب لا يكون زلقًا، ولهذا لو دُقَّ حجر فتيُممَ بمدقوقه؛ يجوز ولا تفصيل في الآية، فيجرى على إطلاقه، وهذا الشَّرط زيادة على النَّص، فيكون نسخًا، وهو لا يجوز، ويدلُّ لهذا: قوله ﵇: «يحشر الناس في صعيد واحد...»؛ الحديث، وقوله ﵇: «جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا»؛ فالمعنى في الأول: الأرض الواحدة، ففسر الصَّعيد: بالأرض، وهو المراد، والثَّاني: بيان إلى أنَّ وجه الأرض مسجدٌ وطَهور يُتَطهر به، يدلُّ عليه آخر الحديث، وهو: «فأينما أدركتني الصَّلاة؛ تيممت وصليت»، فإنَّه قد تدركه الصَّلاة في مكان لا تراب فيه أصلًا، فهذا دليل على أنَّ المُراد: هو وجه الأرض كيفما كان.\n (وَضوء المسلم)؛ بفتح الواو: ما يتوضأ به، ومصدر، فهو مشترك بينهما قيد بالمُسلم؛ لأنَّ الكافر إذا تيمم للصلاة، ثم أسلم؛ لا يصح تيممه، ولا تجوز الصَّلاة بذلك التَّيمم، نَصَّ عليه شيخ الإسلام في «المبسوط»؛ لأنَّ الكافر ليس بأهل النِّية؛ لأنَّها عبادة، والتَّيمم لا يصح بدون النِّية، وعن هذا فرق الإمام أبو يوسف بين نية الإسلام، ونية الصَّلاة، فقال: (يكون مُتيممًا في الأولِ دون الثَّاني؛ لأنَّه أهل للإسلام، فيصح منه نية التَّيمم للإسلام، بخلاف نية الصَّلاة؛ لأنَّه ليس من أهل الصَّلاة، فإذا تيمم وهو مُسلم، ثُمَّ ارتدَّ، ثمَّ أسلم؛ فهو على تيممه، فلا ينتقض بالرِّدة، فيصلي بذلك التيمم، بل الرِّدة تُبطل ثواب العمل؛ لا يحكم بإسلامه).\nقال في «البحر»: (الأصل: أنَّ الكافر متى فعل عبادة، فإن كانت موجودة في سائر الأديان؛ لا يكون به مسلمًا؛ كالصَّلاة منفردًا، والصوم، والحجِّ الذي ليس بكامل، والصَّدقة، ومتى فعل ما اختص بشرعنا، فإن كان من الوسائل؛ فكذلك، وإن كان من المقاصد أو من الشَّعائر؛ كالصَّلاة بجماعة، ونحوها؛ يكون به مسلمًا) انتهى.\nوفي «منهل الطلاب»: (وإنَّما يُحكم على الكافر بإسلامه إذا صلى بأربعة شروط:\nأحدها: أن يصلي في الوقت؛ لأنَّها صلاة المؤمنين، فلو صلى في غير الوقت؛ لا يحكم بإسلامه.\nالثاني: أن يكون مع الجماعة، فلو صلى منفردًا؛ لا يحكم بإسلامه؛ لأنَّه غير مختص بشرعنا.\nالثالث: أن يصلي مؤتمًّا؛ لأنَّ الائتمام يدلُّ على اتباع المؤمنين، بخلاف ما لو كان إمامًا؛ فإنَّه يحتمل نية الانفراد فلا جماعة.\nوالرابع: أن يكون متممًا، فلو صلى خلف الإمام، وكبَّر، ثمَّ أفسد صلاته؛ لم يكن مُسلمًا، وكذا يصير مُسلمًا بالحجِّ الكامل، والأذان في المسجد)، وتمامه فيه؛ فليحفظ.\n (يكفيه من الماء) يعني: يكفي المُسلم أن يجزئه التَّيمم عند عدم الماء؛ بشرط أن تكون الأرض طاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؛ يعني: طاهرًا، فالصَّعيد: آلة للتطهير، فلا بد من طهارته في نفسه؛ كالماء، كذا في «الهداية»، فلو تيمم بغبار ثوبٍ نجسٍ؛ لا يجوز إلا إذا وقع ذلك الغبار عليه بعد ما جف، كذا في «فتح القدير» وغيره، ولا بدَّ أن تكون طهارته مقطوعًا بها، فلو تيمم على أرض قد أصابتها نجاسة فجفتوذهب أثرها؛ لم يجز في ظاهر الرِّواية عن الإمام الأعظم، بخلاف الصَّلاة عليها، كذا في «البدائع»، وظاهر كلامهم: أنَّ الأرض التي جفَّت نجسة في حقِّ التَّيمم منها، طاهرة في حقِّ الصَّلاة عليها، والحقُّ أنَّها طاهرة في حقِّ الكلِّ، وإنَّما منع التَّيمم منها؛ لفقد الطُّهورية؛ كالماء المُستعمل طاهر غير طهور، كذا قاله صاحب «البحر».\nوهل يأخذ التُّراب حكم الاستعمال؟\nففي «الخُلاصة» وغيرها: (لو تيمم جنبٌ أو حائضٌ من مكانٍ، فوضع آخر يده على ذلك المكان، فتيمم؛ أجزأه، والمستعمل هو التُّراب الذي لاقى الوجه والذِّراعين).\nوفي «المحيط»: لو تيمم اثنان من مكان واحد؛ جاز؛ لأنَّه لم يصر مُستعملًا؛ لأنَّ التَّيمم إنَّما يتأدَّى بما التزق بيده لا بما فضل؛ كالماء الفاضل في الإناء بعد وضوء الأول، كذا في «منهل الطُّلاب».\n٣٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا سُليمان بن حرب) بالحاء المهملة، والراء، والموحدة: هو الأزدي الواشحي؛ بمعجمة، ثم مُهملة، البصري قاضي مكة (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، (عن ذرٍّ) بالذال والرَّاء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم، (عن ابن عبد الرحمن بن أَبْزَى)؛ بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وبالزاي، وهو سَعِيْد بن عبد الرَّحمن، (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن أبزى المذكور: (أنَّه) أي: عبد الرَّحمن (شَهِد) أي: حَضَر (عُمر) هو ابن الخطاب أمير المؤمنين ﵁، (وقال له) أي: لعُمر (عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر، والجملة محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا (كنَّا في سرِيَّة)؛ بتخفيف الراء، وتشديد المثناة التحتية: وهي القطعة من الجيش، يبلغ أقصاها أربع مئة يُبعث إلى العدو، وجمعها السَّرايا، سُموا بذلك؛ لأنَّهم يكونون خُلاصة العَسكر وخيارهم، من الشَّيء السِّري؛ وهو النَّفيس، وقيل: سُموا بذلك؛ لأنَّهم يبعثون سِرًّا وخُفْيةً، وليس هذا بالوجه؛ لأنَّ (لام) السِّر (راء)، وهذه ياء، قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\n (فأجنبنا)؛ أي: صارَ جُنبًا، والجُنب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، مذكرًا ومؤنثًا، كما قدمناه، (وقال) أي: عمَّار، أو عبد الرَّحمن الرَّاوي، وهذا هو الظَّاهر؛ فليحفظ: (تفل فيهما)؛ أي: في اليدين، وهو بالمثناة الفوقية، قال الجوهري: التَّفل: شبيه بالبزق، وهو أقلُّ منه، وأوله البزق، ثم التفل، ثم التفث، ثم النفخ، والمقصود منه: أنَّه قال مكان (نفخ فيهما): (تفل فيهما)؛ يعني: حين ضرب عمَّار بيديه الأرض؛ لأجل التيمم من الجنابة؛ تفل فيهما؛ لئلا يعلق فيهما شيء من الحجر الصغير، والتراب، وغيرهما؛ لئلا يتلوث وجهه، فيصير مثلة، ولا يخفى أنَّ التَّفل لا يبقي من التراب شيئًا على اليدين، بل ولا من الغبار؛ لأنَّه نفخٌ شديدٌ، فيزول ذلك عنهما بالكليَّة؛ فافهم.\nوهذه روايته الثَّالثة، وأفادت: أنَّ عُمر ﵁ كان قد أجنب، والدَّليل عليه: أنَّ اجتهاده خالف اجتهاد عمَّار؛ لأنَّ عمارًا (^١) قد تيمم عن الجَنابة، وعمر لم يتيمم منها؛ لأنَّ عنده أنَّ الجنابة لا يجوز فيها غير الماء، كما قدمناه مفصلًا.\n٣٤١ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا ابن كثير)؛ بالمثلثة: هو مُحمَّد (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ أوله، (عن ذرٍّ)؛ بالذَّال، والرَّاء: هو ابن عبد الله الهمْداني، (عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المُهملة، بن عبد الرَّحمن، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن ابن أبْزَى المذكور (قال: قال عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعمر) هو ابن الخطاب ﵄: (تمعَّكت) وفي رواية: (تمرَّغت)؛ ومعناه: تقلَّبت، وفي الرِّواية السَّابقة: (تمرَّغت كما تتمرَّغ الدَّابة)؛ يعني: حين صار جُنبًا، قال عمَّار: (فأتيت النَّبي) الأعظم (ﷺ) أي: في المدينة المنورة، فأخبره بما وقع له في سفره مع سيدنا عُمر، وأنَّه فعل بخِلاف ما اجتهده عُمر، (فقال) أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ له: (يكفيك الوجه) أي: يكفيك مسح الوجه (والكفين) أي: مسحهما في التيمم، و(الكفين)؛ بالنَّصب رواية أبي ذرٍّ، وكريمة، وفي رواية الأصيلي وغيره: (والكفان)؛ بالرَّفع، وهو الظَّاهر؛ لأنَّه معطوف على (الوجه)، وهو مرفوع على الفاعلية، والأحسن في وجه النصب: أن تكون (الواو) بمعنى: مع؛ أي: يكفيك الوجه مع الكفين، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم الكرماني: أن (الواو) بمعنى: مع، أو الأصل مسح الوجه والكفين، فحُذِف المُضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه.\nقال إمام الشَّارحين: قلتُ: على قوله هذا ينبغي أن يكون (الوجه) أيضًا مجرورًا؛ كـ (الكفين)، وهذا أوجه إن صحت الرِّواية به) انتهى.\nقلت: لم تصح الرَّواية بهذا عن أحد من الرُّواة مع ما فيه من التَّكليف الذي هو غير مُحتاج إليه؛ فليحفظ.\nلكنْ ذكر القسطلاني: أنَّه قيل: رُوِي (الوجهِ والكفينِ)؛ بالجر فيهما، ووجهه ابن مالك بوجهين؛ أحدهما: أن الأصل: يكفيك مسح الوجه، فحذف المضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه، والثَّاني: أن تكون (الكاف) من (يكفيك) حرفًا زائدًا؛ كما في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ورده الدماميني، فقال: يدفعه كتابة (الكاف) متصلة بالفعل؛ أي: بقوله: (يكفي) انتهى.\nقال القسطلاني: (والظَّاهر: ثبوت الجر رواية، فإنَّه ثابتٌ مع بقية الأوجه في «الفرع» المقابلة على نسخة اليونيني، وإنَّ ابن مالك حضره عند سماع البُخاري عليه) انتهى.\nقلتُ: ولم يُصرِّح ابن مالك بأنَّ الجر ثابت، وتوجيهه هذا من جهة العربية لا يدل على ثُبوته، وثُبوته في الفرع المقابل لا يدلُّ على ثبوته؛ لاحتمال التَّحريف في الفرع، وعدم المقابلة سهوًا؛ فتأمل.\nوزَعم ابن حجر في رواية أبي ذرٍّ: (يكفيك الوجه\n_________\n(^١) في الأصل: (عمار)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":203},{"text":"والكفين)؛ بالنَّصب فيهما على المفعولية بإضمار (أعني)، أو التقدير: يكفيك أنْ تمسح الوجه والكفين.\nوردَّه إمام الشَّارحين؛ حيث قال: (قلتُ: هذا كلام من ليس له مس من العربية؛ لأنَّ التَّقدير الأول: يبقي الفعل ثلاثًا بلا فاعل، وهو لا يجوز، وفي الثاني: أخذ فاعله؛ فلا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لعدم الدَّاعي إلى ذلك، والوجه ما ذكرناه) انتهى كلامه.\nثُمَّ قال: ويُستنبط منه: أنَّ التَّيمم: هو مسح الوجه والكفين لا غير، وإليه ذهب جماعة؛ منهم: أحمد ابن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول الشَّافعي في القديم، رواه عنه أبو ثور، كما قاله النَّووي، وأنكره الماوردي وغيره، قال: (وهو إنكار مردود؛ لأنَّ أبا ثور ثِقة) انتهى.\nوالجُمهور على خلاف هذا كما بيناه فيما سبق.\nقال إمام الشَّارحين: والمراد من هذا الحديث: بيان صورة الضَّرب؛ للتَّعليم، لا لبيان جميع ما يحصل به التَّيمم) انتهى.\nقلتُ: يدلُّ عليه الأحاديث التي قدمناها من أنَّه ﵇ قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المِرفقين»، وقياسًا على الوضوء، فإنَّه تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، واليد: من رؤوس الأصابع إلى الكتف، والغاية في الوضوء دلت على الغاية في التيمم، و(الكفُّ) لا يقال له: يد عند أهل اللُّغة وغيرهم، فثبت أن المُراد بهذا: بيان التَّعليم، لا بيان الكيفية؛ فليحفظ.\nوزَعمَ ابن حجر أنَّ سياق الكلام يدلُّ على أنَّ المُراد: جميع ما يحصل به التَّيمم؛ لأنَّ ذلك هو الظَّاهر من قوله: «إنَّما يكفيك»، انتهى.\nقلتُ: وهذا مردودٌ، فإن سياق الحديث يدلُّ على التَّعليم؛ لأنَّ في مَعْرِض ذلك؛ لأنَّ عمَّارًا قد فعل التَّمعك، وحين جاءه ﵇ قال له: «إنَّما يكفيك...»؛ إلخ، فهو بيان للتَّعليم، لا بيان وجه الكيفية، ولو كان مراده بيان الكيفية؛ لكان ضرب النَّبي الأعظم ﷺ يديه الأرض، وأراه صفة التَّيمم، فعبَّر ﵇ بالكفين مجازًا عن اليدين؛ لأنَّهما أول اليدين، فعبَّر بالبعض عن الكُلِّ، ولهذا نظائر في لسان العرب وكلامهم.\nوقوله: (لأنَّ ذلك هو الظَّاهر) غير ظاهر، بل هو فاسد؛ لأنَّه إذا كان في ذلك أحاديث كثيرة؛ بعضها مرفوع، وبعضها موقوف؛ كيف يعدل عنها إلى هذا مع مخالفته القرآن العظيم، وأفعال الصَّحابة ﵃؟!\nومع هذا قال الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي وغيره: (إن حديث عمَّار لا يَصلُح حجَّة في كون التَّيمم إلى الكفين، أو إلى الكوعين، أو إلى المرفقين، أو إلى المنكبين، أو إلى الإبطين، كما ذهبت إلى كلِّ واحدة طائفةٌ من أهل العلم، وذلك لاضطرابه كما رأيت؛ ولذلك قال التِّرمذي: (وقد ضعَّف بعض أهل العلم حديث عمَّار في التيمم للوجه والكفين كما روي عنه حديث المناكب والإباط) انتهى.\nقلت: ولم يُنقل عن أحد من أهل العلم أنَّه ضعَّف رواية عمَّار في التَّيمم للوجه واليدين إلى المرفقين؛ لأنَّها رُوِيت مرفوعة إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ بأسانيد صحيحة؛ لأنَّها موافقة للقرآن الكريم، وقد رُويت أيضًا موقوفة، ورُويت آثار كثيرة عن الصَّحابة والتَّابعين فيها، وإذا انضمت الطُّرق بعضها إلى بعض؛ تقوَّت غاية التقوِّي، فلا سبيل إلى العُدول عنها، وقد بسطنا الكلام عليه في الباب السَّابق؛ فليحفظ.\n٣٤٢ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا مُسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البَصريُّ (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، (عن ذرٍّ) هو ابن عبد الله الهمْداني، (عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، (عن عبد الرَّحمن) هو ابن أبْزَى، ووالد سَعِيْد المذكور (قال: شهدت) أي: حَضَرت (عُمر ﵄) هو ابن الخطَّاب أمير المؤمنين ﵁ (قال) وفي رواية: (فقال) (له) أي: لعُمر (عمَّار) هو ابن ياسر، والجملة محلها نصب؛ لأنَّها حالية، (وساق الحديث)؛ الألف واللام لـ (العهد)؛ أي: المذكور آنفًا، وهذه روايته الخامسة.\n٣٤٣ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا محمَّد بن بشَّار) بالموحدة، وتشديد المعجمة (قال: حدثنا غُنْدَر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وهو لقب محمَّد بن جعفر البَصري (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ أوله، (عن ذرٍّ) هو ابن عبد الله الهمداني، (عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن بن أبْزَى المذكور: (قال عمَّار) بتشديد الميم: هو ابن ياسر (فضرب النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ) حين أخبره بما فعله في السفر (بيده) بالإفراد (الأرض) أي: وجهها (فمسح وجهه وكفيه)؛ يعني: بيد واحدة، ولا ريب أنه يصير مستعملًا وليس له وجه غير أنَّه مُضطرب الرِّواية، فلا يَصْلُح حجَّة أصلًا، ولم يسق المؤلف هذا الحديث تامًّا من رواية أحد من أشياخه الستة المذكورين، ولم يذكر جواب عُمر، وليس ذلك من المؤلف، وأخرجه البيهقي من طريق آدم كذلك، وذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سَعِيْد، والنَّسائي من طريق حجاج بن محمَّد؛ كلاهما عن شُعبة، ولفظهما فقال: (لا تُصلِّ)، زاد السَّراج: (حتى تجد الماء)، وهذا مذهب عُمر، ووافقه عليه ابن مسعود، ولكن قدمنا أنهما رجعا عن ذلك كله، وقالا بجواز التَّيمم عن الجَنابة، كما قدمناه مفصَّلًا؛ فافهم.\nوالظاهر: أن المؤلف أراد بتعدد الرِّواية: بيان تعدد أشياخه في هذا الحديث كما هو عادته في جملة من الأبواب، وليس مُراده: التَّقوية؛ لما علمت من نصِّ الحافظ الطحاوي وما قاله الترمذي، وقد مضى الكلام في ذلك مستوفًى، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.\n\n <span id=\"b-٥٨١\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-581>[باب الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم يكفيه من الماء]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (الصَّعيد)؛ مبتدأ فعيل بمعنى: مفعول؛ أي: يُصعد عليه، أو فعيل بمعنى: فاعل؛ أي: صَاعدًا، وهذه الأشياء صاعدة فيعم جميع وجه الأرض لا خلاف (^١) فيه بين أهلِ اللُّغة، كما قاله الأصمعي، والزجاج، (الطَّيِّب) صفة للمبتدأ: وهو الطَّاهر؛ لقوله تعالى: ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]؛ يعني: طاهرًا، ولقوله ﵇: «إن الله طيِّب يحب الطَّيِّب»، وهذا أليق المعاني به؛ لأنَّه قال تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (^٢) [المائدة: ٦]، (وَضوء المسلم)؛ بفتح الواو: ما يُتَوضأ به؛ يعني: ما يُطهره، بخلاف الكافر، فإنه إذا تيمم؛ لا يكون به مُسلِمًا؛ يعني: لم يُطهره، فلو أسلمَ، وهو مُتيمِّم، وأراد الصَّلاة بذلك التَّيمم؛ لا تصح به الصَّلاة إلا أن يجدِّده كما قدمناه، (يكفيه) أي: يُجزئه، ويُغنيه، (عن الماء) عند عدمه حقيقة أو حكمًا؛ كمن وجده في بئر وليس عِنده آلة أو عِنده حيَّة، أو عدوٌّ، أو غيرها.\nقال إمام الشَّارحين: (ومثل هذه التَّرجمة روى البزار من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وصححه ابن القطان).\nوقال الدَّارقطني: الصواب: إرساله، وروى أبو داود من حديث أبي قِلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذرٍّ قال: (اجتمعت\n_________\n(^١) في الأصل: (خلافًا)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (ولكنْ لِيُطهِّركم به)، ربما اشتبه عليه الآية التي في سورة الأنفال: ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].","vol":"1","page":203},{"text":"غنيمة عند رسول الله ﷺ...)؛ الحديث، وفيه: فقال: «الصَّعيد الطَّيِّب وَضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين»، ورواه التِّرمذي أيضًا، وقال: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)، ورواه النَّسائي، وابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مُستدركه»، وقال: (حديثٌ صحيحٌ)، ولم يخرجاه ولا يُلتفت إلى تضعيف ابن القطان لهذا الحديث بعمرو بن بجدان؛ لكون حاله لا يعرف، ويكفي تصحيح التِّرمذي إياه في معرفة حال عمرو بن بجدان، وكذا تصحيح الحاكم، و(بُجْدان)؛ بضمِّ الموحدة، وسكون الجيم، بعدها دال مهملة، وفي آخره نون، وقوله في الحديث: (ولو إلى عشر سنين) المُراد بها: الكثرةُ، لا العشرة بعينها، وتخصيص العشرة؛ لأجل الكثرة؛ لأنَّها مُنتهى عدد الكثرة؛ والمعنى: أنَّ له أن يفعل التَّيمم مرةً بعد أخرى وإن بلغت مدةُ عدم الماء إلى عشر سنين، وليس معناه: أنَّ التَّيمم دفعة واحدة يكفيه عشر سنين، كما قد يتوهم، قاله إمام الشَّارحين في «عُمدة القَاري» رحمه الكريم الباري.\n (وقال الحسن) هو البصري (يُجزئه)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، وبالهمزة، وفي آخره هاء، من الإجزاء، وهو لغةً: الكِفاية، وفي الاصطلاح: الأداء الكافي لسقوط التعبد به، وفي رِواية: (يجزيه)؛ بفتح المثناة التحتية الأولى، وسكون الثانية، وقال الجوهري: (جزأت بالشيء: اكتفيت به، وجزى عني هذا؛ أي: قضى، فهو على التَّقديرين لازم، فلعلَّ التَّقدير يقضي عن الماء) (التَّيمم) فحذف الجار، وأوصل الفعل، وعلى التقدير الأول: يكفيه التَّيمم الواحد، (ما لم يحدث)؛ أي: مدة عدم وجود الحدث، والقصد من هذا: أنَّ التَّيمم حُكمه حُكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به، والنَّوافل ما لم يحدث بأحد الحدثين، وهو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وبه قال الإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، وسُفيان الثَّوري، وعَطاء، وإبراهيم، وسَعِيْد بن المُسيِّب، والزُّهْرِي، والحسن بن حيٍّ، وداود بن عليٍّ، وهو المنقول عن ابن عباسٍ ﵄، وهذا التَّعليق وصَله ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: (لا ينقض التيمم إلا الحدث)، وحكاه أيضًا عن إبراهيم، وعطاء.\nووصَله أيضًا عبد الرزاق، ولفظه: (يجزئ تيمم واحد ما لم يُحْدِث).\nووصَله أبو منصور أيضًا، ولفظه: (التَّيمم بمنزلة الوضوء إذا توضأت؛ فأنت على وضوء حتى تُحْدث).\nوقال ابن حزم: روينا عن حمَّاد بن سَلَمَة -يعني: من «مُصنفه» -عن يونس بن عُبيد، عن الحسن قال: (يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد؛ مثل الوضوء ما لم يُحْدِث).\nقلتُ: وهذا أوضح وأصرح مما قاله المؤلف عنه؛ لأنَّه صريح في أنَّ التَّيمم مثل الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به والنَّوافل ما لم يحدث بحدث ما، وهذا مذهب الجُمهور، وخالفهم الشَّافعية فزعموا أنَّه يتيمم لكل صلاة فرض، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وقَتادة، وربيعة، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، وشريك، والليث بن سعد، وأبي ثور؛ لما رواه البيهقي عن ابن عُمر قال: (تيمَّم لكل صلاة ما لم تحدث)، وقول علي الصدِّيق الأصغر: (تيمَّم لكل صلاة)، رواه البيهقي أيضًا.\nوروى الدَّارقطني عن ابن عباس أنَّه قال: (من السُّنة ألَّايُصلي بالتيمُّم أكثر من صلاةٍ واحدة)، وروي مثله عن عمرو بن العاص؛ ولأنَّ التَّيمم طهارة ضرورية، فإنَّ التُّراب ملوث في نفسه، ولهذا يعود حكم الحدث السابق عند رؤية الماء، فلم يرتفع الحَدث؛ لأنَّه لو ارتفع الحَدث؛ لم يعد إلا بحَدث جديد، ولكنْ أُبِيحت الصَّلاة للضرورة، فإذا صلى الفرض؛ فقد انتفت الضَّرورة، ولا تعود إلا بمجيء وقت آخر، وهي في حق النوافل دائمة؛ لدوام مشروعيتها، فتبقى بالنسبة إليها.\nوأجيب: بأنَّ هذه الآثار كلها ضعيفة لا يُحتج بها، فإنَّ في:\nسند الأوَّل: عمَّار (^١)، فقد ضعفه ابن عُيينة، وأحمد ابن حنبل، وقال ابن خزيمة: (الرِّواية فيه عن ابن عُمر لا تَصُح).\nوفي سند الثَّاني: الحارث الأعور، وهو ضعيف.\nوفي سند الثَّالث: الحسن بن عمارة، فقال جماعة: هو مَتروك، وقد تكلَّموا فيه، وذكره مسلم في مقدمة كتابه في جملة من تكلم فيه، رواه عنه أبو يحيى الهمداني (^٢)، وهو متروك.\nوفي سند الرَّابع: الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، ومع هذا فإن ظاهرها متروك؛ لأنَّهم يجوزون أكثر من صلاة واحدة من النوافل مع الفرض تبعًا له بشرط أنْ يُتيمَّم له، فلو تيمَّم لصلاة النفل؛ لا يجوز أن يؤدي الفرض به، وعلى عكسه؛ يجوز، وما هذا إلا تناقض على أنَّ قول ابن عباسٍ، وعَمرو بن العاص: (من السُّنة ألَّا يُصلي...) إلخ يدلُّ على النَّدب، والاستحباب لا الافتراض؛ لأنَّه جعل هذا من السُّنة، فإذا كان ذلك سُنة؛ جاز أن يؤدي به أكثر من فرض، ويكون تاركًا للسُّنة، وأيضًا صَريح هذه الآثار يدلُّ على تعميم النَّوافل أيضًا، فإنَّهم قالوا: لكلٍّ صلاة، وصلاة النَّفل صلاة شرعًا وعُرفًا، فكيف يفرقون؟!، وما هذا إلا قول بالرَّأي الغير السَّديد، ولأن اعتبار الحدث مانعية عن الصَّلاة شرعية لا يشكل معه أنَّ التَّيمم رافع؛ لارتفاع ذلك المنع به، وهو الحقُّ إذ لم يقم على أكثر من ذلك دليل، وتغير الماء برفع الحدث إنَّما يستلزم اعتباره نازلًا عن وصفه الأوَّل بواسطة إسقاط الفرض لا بواسطة إزالة وصف حقيقي مُدنَس.\nوالدَّليل لما قاله الجُمهور: إنَّ الصَّعيد طَهور بشرط عدم الماء بالنَّص وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ (^٣) تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله ﵇: «الصَّعيد الطَّيِّب وُضوء المُسلم ولو إلى عشر سنين»، كما قدمناه قريبًا، وقوله ﵇: «التُّراب طُهور المُسلم ولو إلى عشر حِجج ما لم يجدِ الماء»، رواه الشَّيخان، وقوله ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، رواه الشَّيخان أيضًا.\nفلو قلنا: بأنَّه غيرَ طهور حالَ عدم الماء؛ لما تحقَّقت الخصوصيَّة؛ لأنَّ طهارةَ الأرض بالنَّسبة إلى سائر الأنبياء ثابتة، وإذا كان مطهرًا، فتبقى طهارته إلى وجود غايتها؛ وهو وجود الماء، والمعنى فيما قبله: أن للمحدث أن يصلي بالتَّيمم مرة بعد أخرى ولو إلى عشر سنين ما لم يُحدث أو يَجدِ الماء، ولأن هذه الآية والأحاديث مطلقة، فلا يجوز تقيدهابخبر الواحد، فكيف بالأثر؟ ومع هذا، فالآثار المذكورة أوهى من بيتِ العنكبوتِ، فكل ما هو طهورٌ بشرطِ؛ يعملُ عمله ما دامَ على شرطه؛ كالماءِ فإنه طهور بشرط كونه طاهرًا، ويعمل عمله ما دام شرطه موجودًا.\nفإن قلتَ: هذه العبارة تقتضي أن يكون وجود الشرط مستلزمًا؛ لوجود المشروط، وليس كذلك؟\nقلتُ: الشَّرط إذا كان مساويًا للمشروط؛ استلزمه وهنا كذلك، فإن كلَّ واحد من عدم الماء وجواز التَّيمم مساوٍللآخر لا محالة، فجاز أن يسلتزمه، وتمامه في «البحر الرائق» شرح «كنز الدقائق» للعلامة المحقق زين الدين\n_________\n(^١) في الأصل: (عامر)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (الهماني)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (فإن لم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":204},{"text":"بن نجيم ﵁، وقد طوَّل الكرماني في الاحتجاج للشَّافعيِّ، ومن تبعه في هذا من طريق العقل، والنقل يبطله؛ فافهم.\n (وأَمَّ ابن عباس)؛ بفتح الهمزة، من الإمامة؛ أي: صلى إمامًا بأصحابه (وهو متيمم) كما وصله ابن أبي شيبة، والبيهقيُّ أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ، ووجه مناسبة هذا للترجمة من حيث إن التَّيمم وضوء المسلم، فإذا كان كذلك؛ يجوز إمامة المتيمم للمتوضئ؛ كإمامة المتوضئ، فدلَّ ذلك: على أن التَّيمم طهارة مطلقة غير ضروريَّة؛ إذ لو كان ضروريًّا؛ لكان ضعيفًا، ولو كان ضعيفًا؛ لما أَمَّ ابن عباس وهو متيمم بمن كان متوضئًا، وهذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، وبه قال الثَّوري، وإسحاق، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وكَرِه مالك، وعبد الله بن الحسن ذلك، فإن فعل؛ أجزأه، وقال الإمام محمَّد بن الحسن: لا يجوز اقتداءُ متوضئٍ بمتيمم، وبه قال يحيى بن الحسن، والحسن بن يحيى، والأوزاعي، وربيعة، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، واستدلَّ الإمام الأعظم، والجمهور بحديث عمرو بن العاص رواه ابن شاهين بإسناد صحيح: أنَّه ﵇ جعله أميرًا على سَرِية، فلمَّا انصرفوا؛ سألهم عن سيرته، فقالوا: كان حسن السيرة، ولكنه صلى بنا يومًا وهو جنب، فسأله النَّبيُّ الأعظم ﷺ، فقال: احتلمت في ليلة باردة خشيتُ الهلاكَ إن اغتسلت، فتلوت قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فتيممت، وصلَّيت بهم، فتبسَّم النبيُّ الأعظم ﷺ، وقال: «يا لك من فقه عمرو بن العاص!»، ولم يأمرهم بالإعادة، وقال أبو طالبٍ: سألت أبا عبد الله عن الجنب يؤمُّ المتوضئين، قال: نعم، قد أَمَّ ابن عباس أصحابه وفيهم عمَّار بن ياسر وهو جنب فتيمم، ولأنَّه طاهر اقتدى بطاهر، فإن التَّيمم عندَ عدمِ الماءِ مُطهر، والعدم ثابت في حق الكل؛ فتكون طهارته ثابتة في حقهم، ولأنَّ الصعيد خلف عن الماء في حصول الطهارة، فبعد حصولِ الطهارةِ كان شرط الصَّلاة موجودًا في حق كل واحد منهم بكماله، فصار بمنزلة الماسح يؤمُّ الغاسلين، واستدلَّ الإمام محمَّد بن الحسن، ومن تبعه بما رُوِي عن جابر مرفوعًا: «لا يؤمُّ المتيمم المتوضئين»، وبما روي عن علي الصدِّيق الأصغر موقوفًا: «لا يؤمُّ المتوضئين المتيممون»، ولا المقيد المطلقين، وبما ذكره ابن شاهين من حديث الزُهْرِي عن ابن المسيِّب عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: «لا يؤمُّ المتيمم المتوضئين»، ولأن التَّيمم طهارةٌ ضروريةٌ، وهو خلف عن الوضوء، فيكون المتيمم صاحب الخلف، والمتوضئ صاحب الأصل، فلا يؤمُّه؛ لأنَّه أضعف منه.\nوأجاب الجمهور: بأنَّ ما رُوي عن جابر وعليٍّ ضعيف، فقد ضعفهما الدَّارقطنيُّ، وابن حزم، وغيرهما، وما ذكره ابن شاهين عن الزُهْرِي ضعيفٌ أيضًا، (ولئن صح هذا عنهم؛ فيحملُ أن يكونَ حديثُ عمرو بن العاص ناسخًا للثلاثة؛ لأنَّه صحيح الإسناد، ويحتمل أن يكون النهي في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء)، قاله ابن شاهين.\nقلت: ويحتمل أن يكون النهي لنفي الفضيلة والكمال، بدليلِ عطف المقيد عليه، وهناك المراد: نفي الفضيلة إجماعًا، واعترض: بأن حديث عمرو بن العاص رخصة له؛ لأنَّه لم ينهه ولم يأمره بالإعادة.\nوأجيب: بأنه ليس من الرخصة في شيءٍ؛ لأنَّه لو كان رخصةً له دون غيره؛ لم يقل له النبيُّ الأعظم ﷺ: أحسنتَ، وتبسَّم في وجهه، وقال له: «يا لك من فقه عمرو بن العاص!»، فقد جعل هذا من الفقه وهو عامٌّ له ولغيره، ولأنَّ التَّيمم طهارةٌ مطلقة فيما شرع طهارةفي حقه؛ وهو أداء الصَّلاة، وما يتوقف صحته على الطهارة، وإلى هذا الإطلاق أشير في قوله ﵇: «جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا...»؛ الحديث، فتيمم الإمام بعد تحقق شرطه طهارة مطلقة في حقه وحق المقتدي؛ لأنَّه كالوضوء في حقِّ أداء الصَّلاةِ، فلا يمنعُ صحة اقتدائهِ به، كما لو كان متوضئًا حقيقةً، واستعمال المقتدي الماء لا يصير الماء موجودًا في زعمه، فكان الإمام طاهرًا في زعمه بخلاف ما لو كان معه ما لا يشعر به إمامه، فإن الشَّرط لم يوجد في زعمه، انتهى.\nوقد أوضح المقام في «معراج الدراية»؛ فليحفظ.\nوزَعم ابن حجر أنَّ هذه المسألة وافق فيها الكوفيون، والجمهور على خلاف ذلك، واحتجَّ المصنف لعدم الوجوب بعموم قوله في حديث الباب، فإنه يكفيك ما لم تحدث أو تجد الماء، وحمله الجمهور: على أعمَّ من ذلك؛ أي: لفريضةٍ واحدة، وما شئتَ من النَّوافلِ، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: «إن هذه المسألة...» إلى آخره: هذا عكس القضية، بل الجمهور على الموافقة، يقف عليه من يمعن النظر في الكتب).\nوقوله: (واحتج المصنف... إلى آخره) ليس كذلك، بل معنى قوله: «فإنَّه يكفيك»؛ أي: في كل الصلوات فرضها ونفلها، وهذا هو معنى الأعمِّية، وليس في قوله: (لفريضةٍ واحدةٍ وما شئتَ من النَّوافل) معنى الأعمِّية، فإن معنى الأعمِّية: أن يكون شاملًا لجميعِ أفرادِ ذلك الشيء، وليس لقوله: (لفريضة واحدة) إفراد، وأما (النوافل)؛ فإنه تبع للفرض، والتَّابع ليس له حكمٌ مستقلٌ، بل حكمه حكم المتبوع؛ فافهم) انتهى كلامه رحمه الباري.\nوهذا ابن حجرٍ لا بدَّ أن يجعلَ له في الطنبور نغمةً حتى يُظهرَ علمه، وفهمه، وبلاغته، ألا والعلم عند الله، وما علي إذا لم تفهم البقر؟! وفوق كل ذي علمٍ عليم.\n (وقال يحيى بن سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة: هو الأنصاري: (لا بأس بالصَّلاة)؛ أي: المفروضة، والواجبة، والنافلة (على السَبَخَة)؛ بفتح حروفها كلها، واحدة السِبِاخ، فإذا قلت: أرض سَبِخة؛ كسرت الموحدة، وقال ابن سيده: (هي أرض ذات ملحٍ وَتَرٍ، وجَمعُها سِبَاخ، وقد سبَخَت سبخًا، فهي سبخة، وأسبخت)، وقال غيره: (هي أرض تعلوها ملوحة لا تَكادُ تنبت إلا بعضَ الشَّجر)، وفي «الباهر» لابن عديس: (سبخت؛ بكسر الموحدة، وفتحها)، في «شرح الموطأ» لعبد الملك بن حبيب: (السبِخة: الأرض المالحة التي لا تنبت شيئًا، وليست الردعة، ولا الرداع، كما يقول من لا يعرف)، كذا في «عمدة القاري»، (والتيمم بها) أي: بتلك الأرض، والتعبير بلا بأس يفيد أنَّ:","vol":"1","page":204},{"text":"الصَّلاة والتيمم على غيرها أولى؛ لاحتمال أنَّها أرض غضب (^١) الله عليها، أو على أهلها، أو كانت مسكن أهل الشرك والطغيان، أو كانت مسكن قوم عاد، أو غيره ممن أهلكهم الله تعالى، فإن كانت كذلك؛ فالصَّلاة والتيمم عليها مكروهة، كما نص عليه علماؤنا الأعلام، وإن كانت غير ذلك؛ فلا كراهة فيها، وحكمها حكم بقية الأرض؛ فافهم.\nقال إمام الشارحين: (ومطابقة هذا للترجمة من حيث إن معنى الطيِّب الطاهر والسبخة طاهرة، فتدخل تحت الطيِّب، ويدل عليه ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة ﵂ في شأن الهجرة أنَّه ﵇ قال: أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخيل)؛ يعني: المدينة، قال: وقد سمَّى النبيُّ الأعظم ﷺ المدينة طيِّبة، فدل على أن السبخة داخلة في الطيِّب، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا إسحاق بن راهويه، انتهى.\n\n <span id=\"b-٥٨٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-582>[حديث: كنا في سفر مع النبي وإنا أسرينا]</span>\n٣٤٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) زاد في رواية: (ابن مسرهد) (قال: حدثنا) وفي رواية: (حدثني)؛ بالإفراد: (يحيى بن سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة: هو القطان، قال بندار: (ما أظن أنَّه عصى الله قط) (قال: حدثنا عوف) هو الأعرابي، يقال له: عوف الصَّدوق، (قال: حدثنا أبو رَجاء)؛ بفتح الرَّاء، وتخفيف الجيم، وبالمد: هو العطاردي، واسمه عمران بن مِلحان؛ بكسر الميم، وبالحاء المهملة، قال البخاري: (الأصح أنَّه ابن تيم أدرك زمانَ النَّبيِّ الأعظم ﷺ ولم يره، وأسلَم بعد الفتحِ، وأتى عليه مئة وعشرون سنة، مات في سنة بضع ومئة) (عن عِمْران) بكسر العين المهملة، وسكون الميم، آخره نون: هو ابن حُصين؛ بضمِّ الحاء المهملة، أسلم عام خيبر، بعثه عمر بن الخطابِ ﵁ إلى البصرة؛ ليفقههم في الدين، وكانت الملائكة تُسلِّمُ عليه، وكان قاضيًا بالبصرة، ومات بها سنة اثنتين (^٢) وخمسين (قال) أي: عمران: (كنَّا) أي: أنا والصحابة، وكانوا سبعةَ رهطٍ، كما في رواية مسلم (في سَفَر)؛ بفتح السِّين المهملة، والفاء: اسم للسير من مكان إلى آخر، بخلاف السِّفْر؛ بسكون الفاء؛ فإنه اسم للكتاب، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ يعني: كتبًا، وإنما سمي السَّفر سفرًا؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق صاحبه؛ يعني: يكشفها (مع النَّبيِّ) الأعظم (ﷺ) واختلفوا في تعيين هذا السَّفر:\nففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة: (أنه وقع عند رجوعهم من غزوة خيبر).\nوفي حديث ابن مسعود رواه أبو داود: (أقبل النَّبيُّ الأعظم ﷺ من غزوة الحديبية ليلًا، فنزل فقال: «من يكلؤنا؟»، فقال بلال: أنا).\nوفي حديث زيد بن أسلم مرسلًا أخرجه مالك في «الموطأ»: (عَرَّسَ رسولُ الله ﷺ ليلًا بطريق مكة، ووكل بلالًا).\nوفي حديث عطاء بن يسار مرسلًا رواه عبد الرزاق: (أن ذلك كان بطريق تبوك)، وكذا في حديث عُقْبَة بن عامر رواه البيهقي في «الدَّلائل».\nوفي رواية لأبي داود: (كان ذلك في غزوة جيش الأمراء)، قاله إمام الشَّارحين.\nقلتُ: ورواية أبي داود هذه من حديث خالد بن سمين، عن عبد الله بن رباح: حدثنا أبو قتادة؛ فذكره، قال أبو عمر بن عبد البر: وقول خالد: (جيش الأمراء) وهمٌ عند الجميع؛ لأنَّ جيش الأمراء كان في موته ﵇، وهي سرية لم يشهدها النبيُّ الأعظم ﷺ)، وقال ابن حزم: (وقد خالف خالد من هو أحفظ منه)؛ فتأمل.\n (وإنَّا أُسرينا) بفتح الهمزة أوله، بعدها سينٌ مهملة (حتى كنَّا في آخرِ الليلِ) وزعم الكرَمَانيُّ أنَّ في بعض النسخ: (سرينا)؛ يعني: بدون الهمزة.\nقال إمام الشَّارحين: (يقال: سرى وأسرى؛ لغتان).\nوقال الجوهري: (سريت وأسريت؛ بمعنى: إذا سِرتَ ليلًا).\nوفي «المحكم»: (السرى: سيرُ عامةِ اللَّيل).\nوقيل: سير اللَّيل كله، والحديث يخالف هذا القول، والسَّرى يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث، وقد سرى وسرى، أو سرية وسرية؛ فهو سار.\nوذكر ابن سيده: (وقد سرى به، وأسرى به، وأسراه).\nوفي «الجامع»: (سرى يسري سريًا؛ إذا سارَ ليلًا، وكلُّ سائرٍ ليلًا؛ فهو سريًا) انتهى ما قاله رحمه رب العالمين.\n (وقعنا وقعة) أي: نمنا نومة؛ كأنهم سقطوا عن الحركة، وعند مسلم من حديث أبي هريرةَ: (أنه ﵇ حين قفل من غزوة خيبر؛ سارَ ليلةً حتى إذا أدركه الكرى؛ عرَّسَ، وقال لبلال: «اكلأ لنا (^٣) الليل» فلما تقارب الفجر؛ استند إلى راحلته، فغلبته عيناه...)؛ الحديث، (ولا وقعة) كلمة (لا) لنفي الجنس، و(وقعة) اسمها (عند المسافر)، خصَّه بالذِّكر؛ لأنَّ الكلام فيه، ولأن المسافر هو الذي يجد المشقة والنَّصب من قلة النوم، وقوله: (أحلى) صفة للـ (وقعة)، وخبر (لا) محذوف، ويجوز أن يكون (أحلى) خبرًا (منها)؛ أي: من الوقعة آخر الليل، وهو كما قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . ... وأحلى الكرى عند الصَّباحِ يطيبُ\n (فما أيقظنا إلا حرُّ الشَّمس)، وفي رواية مسلم: (فلم يستيقظ بلالٌ ولا أحدٌ من الصَّحابة حتَّى ضربتهم الشَّمس)، وفي «الدلائل» للبيهقي عن عُقْبَة بن عامر: (فاستيقظ حين كانت الشمس قدر رمح...)؛ الحديث، (وكان) وفي رواية:\n_________\n(^١) في الأصل: (عضب)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (اثنين)، والمثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (اكلأنا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":205},{"text":"(فكان) (أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان) وقال الزركشي: (من) نكرة موصوفة، فيكون (أول) أيضًا نكرة؛ لإضافته إلى النكرة؛ أي: أول رجل استيقظ)، وردَّه الدماميني بأنَّه لا يتعين؛ لجواز كونها موصولة؛ أي: وكان أول الذين استيقظوا، وأعاد الضمير بالإفراد؛ رعاية للفظ (من) انتهى.\nقال في «المصابيح»: (والأولى أن يجعل هذا من عطف الجمل؛ أي: ثم استيقظ فلان؛ لأنَّ ترتيبهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأولويَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات، ويكونَ الاجتماعُ في الأولويَّةِ باعتبار البعض، لا الكلِّ؛ أي: إنَّ جماعة استيقظوا على الترتيبِ، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكنَّ هذا لا يتأتَّى على قول الزركشي؛ لأنَّه قال: (أي: أول رجل)، فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات؛ لزم الإخبار عن جماعة بأنهم أولُ رجلٍ استيقظَ، وهو باطل).\nوكلمة (كان) هنا يجوز أن تكونَ تامة وناقصة، فإن كانت ناقصة؛ فقوله: (أول)؛ بالنصب خبرها مقدمًا، واسمها هو قوله: (فلان)، وإذا كانت تامة بمعنى: وجد؛ فـ (فلان) بدل من (أول)، فلا تحتاج إلى خبر (يسميهم) أي: المتيقظين (أبو رجاء) العطاردي، وليس بإضمار قبل الذِّكر؛ لأنَّ قوله: (استيقظ) يدل عليه، وموضع هذه الجملة من الإعراب النَّصب على الحال، وهو الأقرب، وهذه الجملة والتي بعدها؛ وهي قوله: (فنسي عوف) ليس من كلام عمران بن حُصين، وإنَّما هي من كلام الرَّاوي، و(عوف): هو الأعرابي المذكور في الإسناد، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وقد سمَّى البخاري في (علامات النُّبوة) أول من استيقظ، ولفظه:\n (فكان أول من استيقظ أبو بكر ﵁)، وبقي اثنان من الذين عدهم أبو رجاء، ونسيهم عوف الأعرابي، وزعم ابن حجر يشبه أن يكون الثاني: عمران راوي القصة، والثالث: من شارك عمران في رواية هذه القصة، وهو ذو مخبر، فإنَّه قال في حديث عمرو بن أمية رواه الطبراني: (فما أيقظني إلا حرُّ الشَّمس)، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (هذا تعيين بالاحتمال وهو تصرف بالخدش والتخمين) انتهى.\nقلتُ: ويعارض ما ذكره المؤلف ما عند مسلم من حديث ابن شهاب، عن سَعِيْد، عن أبي هريرة، وفيه: (فكان رسول الله صلى الله عليهم وسلم أولهم استيقاظًا، فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)، وعنده أيضًا من حديث أبي قتادة: (كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ سبعةُ رهطٍ، فمال عن الطَّريق، فوضع رأسه، ثمَّ قال: «احفظوا علينا صلاتنا»، فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، وقمنا فزعين...)؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ أول من استيقظَ النَّبيُّ الأعظم ﷺ، والثالث أبو بكر، والثَّاني بلال، هذا هو الظاهر؛ فافهم.\nويحمل ما رواه المؤلف هناك على أنَّ أوَّل من استيقظَ بعد النبيِّ الأعظم ﷺ وبعد بلال أبو بكر ﵄؛ فكلام ابن حجر غير صحيح؛ لما علمتَ، وبهذا تنتفي المعارضة؛ فافهم.\n (ثم عمرُ بن الخطاب ﵁ الرابع) بالرفع صفة لـ (عمر)؛ لأنَّ (عمر) مرفوع؛ لأنَّه معطوف على مرفوع، وهو قوله: (ثم فلان)، وزعم ابن حجر أنَّه يجوز نصبه على خبر (كان).\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لم يبين هذا القائل أي «كان» هذه، والأقرب أن تكون مقدرة؛ تقديره: ثم كان عمر بن الخطاب الرابع؛ يعني: من المستيقظين) انتهى.\nقلتُ: وهذا ليس بالوجه لاحتياجه إلى تقدير، وعدم التَّقدير أولى على أنَّه لم تصح الرِّواية فيه بالنصب، بل الرِّواية بالرفع على الصِّفة، وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ هو الرابع، فهذا يعين الرفع)؛ فافهم.\n (وكان النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ) من عادته أنَّه (إذا نام؛ لم نوقظه) بنون المتكلم، والضمير المنصوب يرجع إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وفي رواية: (لم يُوقَظ) على صيغة المجهول المفرد؛ وذلك لاحتمال أن يكون هذا منه لأمر يريده الله ﷿ من إثباتِ حُكمٍ، أو إظهارِ شَرعٍ؛ لأنَّ نومه ﵇؛ كنوم البشر في بعض الأوقات، ولكن لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء ﵈ وحي، وأما نومه ﵇ في الوادي، وقد قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»؛ فهو حكم قلبه عند نومه وعينه في غالب الأوقات، وقد يندرُ منه غير ذلك، كما يندر من غيره بخلاف عادته، والدَّليل على صحة ذلك: ما ورد في الحديث نفسه: «إن الله قبض أرواحنا»، وفي الحديث الآخر: «لو شاء؛ لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم» وقول بلال: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)، أو المراد: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه؛ لما روي أنه كان محروسًا، وأنَّه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ.\nوأما ما وَرد في حديث ابنِ عباسٍ من وضوئه عند قيامه من النوم؛ فالنوم فيه نومه مع أهله، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم؛ لأنَّ أصلَ ذلكَ ملامسة الأهل، أو لحدث آخر، ألا ترى في آخر الحديث: (نام حتى سمعت خطيطه، ثم أقيمت الصَّلاة فصلَّى ولم يتوضأ)، وقيل: لا ينام قلبه من أجل الوحي، وأنَّه يوحى إليه في النوم، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشَّمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال ﵇: «إن الله قبض أرواحنا ولو شاء؛ لردَّها إلينا» في خبر غير هذا، والتعبير بـ (كان) الدالة: على الدَّوام والاستمرار يدل على أنَّ عادته ﵇ أنَّه إذا نام؛ لم يوقظه أحد، فإذا علم من حاله أنه يستغرق في النَّوم؛ وَكَّل أحدًا باستيقاظه، يدل على صحة هذا ما في مسلم: قال لبلال: «اكلأ لنا (^١) الليل»، وفي رواية له: «احفظوا علينا صلاتنا».\nوفي «السنن» لأبي مسلم الكجي: (قال ﵇: «من يحرسنا؟» قال عبد الله: أنا...)؛ الحديث.\nوالدليل على أنه يستغرق ما عند أحمد: (فلما كان آخر الليل؛ عَرَسَ...)؛ الحديث.\nوعند مسلم: (حتى إذا أدركه الكرى؛ عَرَسَ...)؛ الحديث.\nوعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن مسعود قال: (أقبلَ النَّبيُّ الأعظم ﷺ من الحُديبية ليلًا، فنزلنا دهاشًا من الأرض، فقال: «من يكلؤنا؟» قال بلال: أنا...)؛ الحديث، وحديث الباب: (ولا وقعةَ عند المسَافر أحلى منها)، فكأنهم سقطوا عن الحركة بالكلية؛ لأنَّهم لم يناموا إلى آخر الليل مع شدة النصب والجري ليلًا فرآهم النَّبيُّ الأعظم ﷺ في هذه الحالة، كما رأى نفسه الشريفة، كذلك علم بالقرينة أنه وأصحابه يستغرقونَ في النَّوم، فوكَّل من يوقظهم؛ لأنَّ طلوعَ الفجرِ، وكذا الشَّمس مما يُدركُ بالجوارحِ الظاهرةِ بخلافِ الباطنة؛ فلا يَصحُ هذا ممن نامتْ عينه؛ فليحفظ.\n (حتى يكون) أي: إلى أن يكون (هو مستيقظ)؛ أي: بنفسه من غير أَنْ يُوقِظَه أحد، وهذا يدلُ أنَّ نومه ﵇ غير مستغرق إلا في هذه القصة؛ لعلمه بحاله، كما سبق؛ (لأنَّا) أي: معشرَ الصَّحابة (لا ندري) أي: لا نعلم (ما يحدُث له في نومه)؛ بضمِّ الدال المهملة، من الحدوث؛ أي: ما يحدث له من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه عنه بالإيقاظ، قاله إمام الشَّارحين، (فلما استيقظ)؛ أي: تيقظ بمعنى: انتبه (عُمَر) هو ابنُ الخطاب؛ أي: من نومه، وجواب (لمَّا) محذوف؛ تقديره: فلمَّا استيقظ؛ كَبَّر، ويدل عليه قوله الآتي: (فكبَّر) (ورأى) أي: أبصر، أو اعتقد (ما) أي: الَّذي (أصابَ الناسَ) أي: أصابهم من فوات صلاة الصُّبح، وكونهم على غيرِ ماءٍ، (وكان) أي: عُمَر بن الخطابِ (رجلًا جَليدًا)؛ بفتح الجيم، من جلُد الرجل؛ بالضم، فهو جَلَدٌ وجَليدٌ؛ أي: بيِّن الجلادة بمعنى: القُوة والصَّلابة، وزاد مسلم هنا: (أجوف)؛ أي: رفيعُ الصَّوت يخرج صوته من جوفه، (فكبر) أي: عُمَر؛ أي: قال: الله أكبر، (ورفع صوته بالتَّكبير) وإنَّما خصَّ لفظ (التكبير)؛ لأنَّه الأصل في الدعاء إلى الصَّلاة، ولأنَّ استعمالَ التَّكبيرِ سلوكُ طريقِ الأدبِ، وفيه الجمعُ بين المصلحتين، (فما زال يكبر ويرفع صوته)؛ أي: بالتكبير؛ يعني: أنه يكرره مرارًا عديدة مع رفع صوته (حتى استيقظ) أي: تيقظ؛ يعني: انتبه (لصوته) أي: لأجل صوته، وفي رواية: (بصوته)؛ أي: بسببِ صوت عُمَر بن الخطاب (النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ بالرفع فاعل (استيقظ)، وهو لازم؛ يعني: وإنَّ الناسَ قد استيقظوا قبله، فعند أحمد: (فجعلَ الرَّجُلَ يقومُ دَهِشًا إلى طَهورهِ)، وعند مسلم: (فقمنا فزعين)، وعند أبي داود والطَّبراني بسندٍ لا بأس به، عن عمرو بن أميةَ الضَّمريِّ، وفيه: قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حرُّ الشَّمسِ في وجهي، فجئت أدنى القوم\n_________\n(^١) في الأصل: (اكلأنا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":205},{"text":"فأيقظتهُ، وأيقظَ النَّاس بعضهم بعضًا حتى استيقظَ النَّبيُّ الأعظم ﷺ.\nقلت: وهذا يدلَّ على أَنَّ القِصة متعددة، فكان نومهم عن صلاة الصُّبح مرة وأكثر منها، وجزم الأصيلي: أَنَّ القِصة واحدة، وردَّه القاضي عياض: بأنَّ قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران؛ لأنَّ في قصة أبي قتادة لم يكن أبو بكر وعمر مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ لما نام، وفي قصة عمران: أنَّ أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيُّ الأعظم ﷺ حتى أيقظه عُمر ﵁، والَّذي يدلُّ على تعدد القصة: اختلاف مواطنها، كما ذكرناه، وقد تكلف أبو عَمْرو (^١) في الجمع بينها، بقوله: (زمان رجوعهم من خيبر كان قريبًا من زمان رجوعهم من الحديبية، وأَنَّ طريقَ مكة يصدق عليهما).\nقال القاضي عياض: وفيه تعسُّف؛ لأنَّ رواية عبد الرزاق تعين أنَّها في غزوة تبوك، فهو يرد عليه، وزعم أبو عمر (^٢) أيضًا أنَّ نومه ﵇ كان مرَّة واحدة.\nوقال ابن العربيِّ: (كان ثلاثَ مراتٍ؛ أحدها: رواية أبيِّ قَتادة، ولم يحضرها أبو بكر وعمر ﵄، والثانية: حديث عمران، وقد حضراها، والثالثة: حضرها أبو بكر وبلال ﵄).\nوقال القاضي عياض: (حديثُ أبي قتادة غير حديثِ عمران، والدَّليل عليه: أنَّ ذلك وقع مرتين؛ لأنَّه قد رُوي: أن ذلك كان زمنَ الحديبية، وفي رواية: «بطريق مكة»، والحديبية كانت في السَّنةِ السَّادسة، وإسلامُ عِمران وأبي هريرة -الرَّاوي حديث غزوة خيبر- كان بها في السَّنة السَّابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الوقعة).\nقال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ إسلام عِمران كان بمكة)، ذكره أبو منصور الماوردي في كتاب «الصَّحابة»، وقال ابن سعد، وأبو أحمد العسكري، والطبراني، وآخرون (^٣): (كان إسلامه قديمًا) انتهى والله أعلم.\n (فلما استيقظَ)؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ، وجواب (لَمَّا) قوله: (شَكَوا)؛ بفتح المعجمة أوله، وتخفيف الكاف (إليه الَّذي أصابهم) من نومهم عن صلاة الفجر حتى خرج وقتها وهم على غير ماء، وعند عبد الرزاق: (فقال: «ألم أقل لك يا بلال؟»)، وعند مسلم: (فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذَ بنفسي الَّذي أخذَ بنفسك)؛ يعني: أني لا اختيار لي بالانتباه، فإن أرواحنا بيد الله ﷿، (قال) ولابن عساكر: (فقال)؛ أي: لهم: (لا ضَير أو لا يضير)؛ أي: لا ضرر، من ضاره يضوره، ومضرة ضيرًا وضررًا؛ أي: ضيره، والشَّكُّ من عوف الأعرابي، وقد صرَّح بذلك البيهقي في روايته، ولأبي نعيم في «مُستَخْرَجه»: (لا يسير ولا يضير)، وإنما قال ﵇ ذلك لهم لتأنيس قلوبهم؛ لما عرَضَ لهم من الأسفِ على فوات الصَّلاة عن وقتها؛ لأنَّهم لم يَتَعَمَّدوا ذلك، قاله إمام الشَّارحين، (ارتحِلوا)؛ بصيغة الأمر للجماعة المخاطبين من الصَّحابة، (فارتحَلوا)؛ بصيغة الجمع من الماضي؛ أي: ارتحلوا عقيب أمر النَّبيِّ الأعظم ﷺ بذلك، وفي رواية: (فارتحل)؛ بصيغة الماضي؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ، ومن معه من الصَّحابة، والسبب في أمره ﵇ بالارتحال من ذلك المكان ما في رواية مسلم عن سَلَمَة بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: فإنَّ هذا منزلٌ حضر فيه الشَّيطان، وقيل: كان ذلك لأجل الغفلة، وقيل: لكون ذلك وقتَ الكراهةِ، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ في حديث الباب: (لم يستيقظوا حتى وجدوا حرَّ الشَّمس)، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة، وقيل: الأمر بذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ (^٤) الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وبقوله ﵇: «من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الآية مكيَّة، والقصَّة بعد الهجرة، كذا قرره إمام الشَّارحين، ثم قال: (وقد ورد عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ: «أنَّه نهى عن التشاؤم»، وهنا ارتحل عن الوادي الذي تشاءم منه.\nوأجيب: بأنَّه ﵇ كان يعلم حال ذلك الوادي، ولم يكن غيره يعلم به، فيكون خاصًّا به ﵇، وأخذ بعض العلماء بظاهرهِ، فقال: إن من انتبه من نومِ عن صلاةٍ فائتةٍ في سفر؛ فإنَّه يتحولُ عن موضعه وإن كان بوادي؛ فليخرجْ منه، وقيل: إنَّما يَلزمُ بذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاص بالنَّبيِّ ﵇، كما ذكرنا) انتهى.\n (فسار) أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ وأصحابه الذين معه (غيرَ بعيدٍ) وهذا يدلُّ على أن الارتحال المذكور وقع على خلاف سَيرِهم المعتاد، قاله في «عُمدة القاري».\nقلت: لأنَّ الارتحالَ المذكور إنَّما كان للتجاوزِ عن ذلك المكان الذي ناموا فيه إلى مكانٍ آخرَ، وليس مرادهم السَّير المُعتاد، كما لا يخفى.\n (ثم نزل)؛ أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ بمن معه، وفي رواية أحمد: (فسرنا حتى ارتفعتِ الشَّمس)، وهو يدلُّ على أنَّ سيرهم كان قبلَ ارتفاعها، وهو يُخالف حديثَ الباب، وما رواه عبد الرزاق عن عُقْبَة بن عامر قال: (فاستيقظَ حين كانت الشمس قدر رمح) إلا أن يُحمل على تعدد القصَّة؛ فليحفظ.\n (فدعا بالوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: بالماء المُطلَق لأجل الوضوء، (فتوضأ)؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ، وأصحابه الذين معه، (ونُودي بالصَّلاة) والمراد بالنداء هو: التأذين؛ لأنَّه قد صرح المؤلف في آخر (المواقيت)، وكذا مُسلم من حديث قتادة بالتأذين.\nفإن قلت: من أذَّن لهم؟\nقلت: هو بلال، ففي رواية أحمد: (ثم أمر بلالًا، فأذَّن)؛ فافهم.\n (فصلى بالناس)؛ أي: صلاةَ الفجرِ، وهذا مجمل، وقد بينه أحمد في روايته قال: (ثم صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول الله؛ ألا نُعيد في وقتها من الغد؟ قال: «أَيَنْهَاكُم رَبُّكُم عن الرِّبا ويَقْبَلُه مِنْكم!»)، (فلما انفتل) أي: فرغ (من صلاته) أي: فريضة الفجر؛ (إذا هو برجل) لم يُعْلَم اسمه، قاله إمام الشَّارحين، وزعم صاحبُ «التوضيح» أَنَّه خلاد بن رافعٍ بن مالك الأنصاريُّ أخو رفَاعَة، قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ ابن الكلبيِّ قال: هو شَهِدَ بدرًا، وقُتِلَ يومئذٍ، ووقعة بدر مقدمة على هذه القصة، فاستحال أن يكون هو إياه، وقيل: له رواية، فإذا صح هذا؛ يكون قد عاش بعد النَّبيِّ الأعظم ﷺ؛ لاحتمال انقطاعها، أو نقلها عنه صحابي آخر) انتهى كلامه، (معتزل) أي: مُنفرد عن الناس (لم يصل مع القوم)؛ لأنَّه لمَّا فَرَغَ من صلاته، والناس قعود وراءه؛ استقبلهم فرأى هذا الرجل وهو معتزل فعلم بالقرينة الحالية أنه لم يصل مع القوم، فناداه (قال: ما منعك يا فلان) كناية عن اسم مبهم (أَنْ تُصلي مع القوم؟)؛ أي: صلاة الصُّبح، (قال)؛ أي: الرَّجل: يا رسول الله؛ (أصابتني جنابة) يحتمل بسبب الاحتلام، ويُحتمل بسبب وطء زوجته (ولا ماءٌ)؛ بالرفع، والتنوين في (ماء)، وكلمة (لا) بمعنى: ليس، فيرتفع الـ (ماء) حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماء عندي، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن حجر: أن (ماء)؛ بفتح الهمزة؛ أي: معي.\nورده إمام الشَّارحين فقال: هذا تفسير من لم يمسَّ شيئًا من عِلمِ العربِّية؛ لأنَّ كلمة (لا) على قوله؛ لنفي جنس الماء، فأيُّ شيء يقدر خبرها بقوله: معي؟ وعدم الماء عنده لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفي جنس الماء، ويجوز أن تكون (لا) بمعنى: ليس) انتهى؛ يعني: كما ذكرنا.\nوقال ابن دقيق العيد: (حذف الخبر في قوله: «ولا ماء»؛ أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسط لعذره؛ لما فيه من عموم النفي، كأَنَّه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسبب أو سعي أو غيره ذلك؛ لحصله، فإذا نفى وجوده\n_________\n(^١) في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (آخرين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (أقم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":206},{"text":"مطلقًا؛ كان أبلغ في النفي، وأعذر له) انتهى.\nقلت: وقد نحا نحو كلام ابن حجر في نفي جنس الماء بالكلية، وهو غير صحيح، فإنَّ الماءَ في السَّرية موجودٌ عند جميع أهلها حيث إنهم توضؤوا جميعًا، ولم يَنْف (^١) الماءَ أحدٌ غير هذا الرَّجلِ، فليس في حذف الخبرِ بسط لعذره؛ لأنَّ الواجب عليه أَنَّه إذا لم يكن عنده ماء؛ يطلبه من رفيقه إمَّا مجانًا أو بثمنٍ مثله إن لم يعطهِ مجانًا، فلا يلزم عمومَ النَّفي؛ لأنَّ القافلة لا تخلو عن الماءِ، ونفي وجود الماء بالكلية لا يليقُ فينا فضلًا عن الصحابيِّ؛ لأنَّ فيه تعريضًا (^٢) بالكذب، وهو محالٌ عليه، ولكنَّه مقصرٌ في عدم السَّعي والطلب من رفقائه، ولكنَّه اجتهد في نفسه وأداه اجتهاده إلى ألَّا يسأل أحدًا، وينفي الماء من عنده فقط، فليس في نفي وجوده مطلقًا أبلغيَّةٌ في النَّفي والعذر؛ لاحتمال أنَّ عنده ماء للشرب لنفسه، أو لدوابه، أو غير ذلك، فخشي إِن اغتسلَ يَفْنى الماء، فربَّما يهلك هو ودوابه من العطش؛ فلا يجب عليه حينئذٍ استعماله؛ لأنَّ الحاجة إلى الشُّرب الذي فيه إحياء النفوس مُقدَّم على ذلك، فكلامُ هذا القائل غيرُ صحيح أيضًا، كما لا يَخفى؛ فافهم.\nوالحقُّ هو ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\n (قال) أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ للرَّجلِ المذكور: (عليك بالصَّعيد) وكلمة (عليك) من أسماء الأفعال؛ ومعناه: الزم، والألف واللام في (الصَّعيد) لـ (العهد) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفي رواية مسلم بن رزين عند مسلم: (فأمره أَنْ يتيمم بالصَّعيد)، كذا في «عُمدة القاري»، والمراد بالصَّعيد: وجه الأرض؛ كحجر، ومدرٍ، وتُراب، وغيرها، كما قدمنا تحقيقه، (فإنَّه يكفيك)؛ أي: لإباحة أداءِ الصَّلوات فرضها، وواجبها، ونفلها ما لم تحدث؛ لأنَّ التَّيمم حكمه حكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به، والواجبات، والنوافل، وهذا مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وخالفهم الشافعية فزعموا أَنَّه يتيمم لكل صلاة فرضٍ والنوافل، وزعم القسطلاني تبعًا لما زعمه ابن حجر في معنى (فإنه يكفيك)؛ أي: لإباحةِ صلاةِ الفرض الواحد مع النوافل.\nقلت: وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ معناه: فإنه يكفيك؛ أي: في كلِّ الصلوات؛ فرضها ونفلها، وهذا معنى الأعميَّة، كما ذكرناه آنفًا؛ فليحفظ هذا ولا تغتر بما زعمه، فإنَّه لترويج مذهبه.\nوعند ابن حزم من حديث إسماعيل بن مسلم: حدثنا أبو رجاء: (ثُمَّ إنَّ الجُنب وجدَ الماءَ بعد؛ فأمره ﵇ أن يغتسل ولا يعيد الصَّلاة).\nقلت: وهذا يدل لما قلناه آنفًا من وجود الماء في القافلة؛ لأنَّها لا تخلو عنه؛ فافهم.\n (ثُمَّ سار النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: من ذلك المكان إلى أن اشتدَّ الحرُّ، فشربوا الذي معهم من الماء كله حتى لم يبق معهم شيء، ثمَّ عَطشوا من كثرة السَّير وشدة الحرِّ، والحرُّ حرُّ الحجاز، (فاشتكى إليه) أي: إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ (النَّاس من العطش) الحاصل لهم، وفي رواية: (فاشتكوا إليه النَّاس)، وهي من قبيل لغة أكلوني البراغيث، (فنزل)؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ، وأصحابه الذين معه، ولم يعلم اسم ذلك المكان (فدعا فلانًا): هو عِمران بن حصين راوي الحديث، ويدلُّ على ذلك: قوله في رواية ابن رزين عند مسلم: (ثُمَّ عجلني النَّبيُّ الأعظم ﷺ في ركب بين يديه فطلب الماء)، وهذه الرِّواية تدلُّ على أنَّه كان هو وعليٌّ الصدِّيق الأصغر فقط؛ لأنَّهما خوطبا بلفظ التثنية، وهو قوله: «اذهبا فابتغيا الماء».\nفإن قلت: في رواية ابن رزين: (في ركب)، وهو يدلُّ على الجماعة؟\nقلت: يُحتمل أن يكون معهما غيرهما، ولكنهما خُصَّا بالخِطاب؛ لأنَّهما تعينا مقصودين بالإرسال، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (كان يُسميه) أي: ذلك الرَّجل المدعو بـ (فُلان) (أبو رجاء): هو العطاردي (نسيه) ولابن عساكر: (ونسيه)؛ بالواو (عوف): هو الأعرابيُّ الرَّاوي، (ودعا)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ أيضًا (عليًّا): هو الصديق الأصغر بن أبي طالب (فقال)؛ أي: النَّبيَّالأعظم ﷺ لهما حين حضرا بين يديه: (اذهبا فابتغيا)؛ بالفاء، ثم الموحدة، بعدها مثناة فوقية، من الابتغاء: وهو الطلب، يقال: بغيت الشيء، وابتغيته، وتبغيته؛ إذا طلبته، وابتغيتك الشيء؛ إذا جعلتك طالبًا له، وفي رواية الأصيلي: (فابغيا)؛ بإسقاط المثناة الفوقية، من الثلاثي، وهمزته همزة وصل، وفي رواية أحمد: (فابغيانا)؛ بزيادة النون، والألف في آخره (الماء)؛ أي: لأجل الشُّرب للناس والدَّواب، وكذلك الوُضوءِ، والغسل، ففيه: أنَّ المسافر إذا لم يَجدِ الماء؛ يجبُ عليه الطلب لأمره ﵇ بذلك.\nقال في «منهل الطُّلاب»: (وليس على المتيمم وجوبًا أن يطلب الماء إذا لم يغلب على ظنِّه أن بقربه ماء؛ لأنَّ الغالب عدم الماء في الفلوات)، ولا دليل على الوجود، فلم يكن واجدًا، لكن يستحب له الطلب مطلقًا سواء ظنَّ أنَّ بقربه ماء أو شَكَّ فيه إن رجا، كذا في «السِّراج»، فإن لم يَرجُ؛ لا يطلبه لِعدم الفائدة، كما في «البحر»، وأما في العمرانات؛ فيجب طلب الماء مطلقًا باتفاق أئمتنا الأعلام، وكذا إذا كان يقرب منها، وحدُّ القُرب: ما دون الميل، أمَّا الميلُ وما فوقه؛ فبعيد لا يوجب الطلب، قاله صاحب «البحر»، فإن غلب على ظن المسافر أن هناك؛ يعني: بقربه دون ميل ماء؛ لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه؛ لأنَّه واجدٌ للماء نظرًا إلى الدَّليل؛ وهو غلبة الظنِّ، فإنها قائمة مقام العلم في العبادات، كذا في «العناية»، فكان الطلب عليه واجبًا، وكذا إن وجد أحدًا يسأله عن الماء؛ وجب عليه السُّؤال حتى لو صلى ولم يسأله وأخبره بالماء بعد ذلك؛ أعادَ الصَّلاة، وإلا؛ فلا، كذا في «التبيِّين»، و«البدائع».\nواختلف أئمتنا الأعلام في مقدار الطلب للماء، فاختار الإمام حافظ الدين في «الكنز»: أنَّه قدر غلوة؛ وهي مِقدار رمية سهم، كما في «التبيين»، واختار غيره: أنَّه قدر ثلاث مئة ذراع، كما في «الذَّخيرة»، واختار بعضهم: أنَّه قدرُ أربع مئة ذراع، كما في «المغرب»، واختار في «المستصفى»: أنَّه يطلب مقدار ما يسمع صوت أصحابه وسمعوا صوته، وهو الموافق لما قاله الإمام أبو يوسف ﵁ قال: سألت الإمام الأعظم ﵁ عن المسافر لا يجد الماء: أيطلب عن يمين الطريق أو عن يساره؟ فقال: إن طمع فيه؛ فليفعل، ولا يبعد فيضرَّ بأصحابه إن انتظروه، وبنفسه إنِ انقطع عنهم، انتهى.\nوقد صححه صاحب «البدائع»، وقال صاحب\n_________\n(^١) في الأصل: (ينفي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (تعريض)، لعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":206},{"text":"«البحر»: (فكان هو المُعتمد في المذهب)، وعلى اعتبار الغلوة؛ فالطلبُ أَنْ يَنظُر يمينه، وشماله، وأمامه، ووراءه غلوة، كذا في «الحقائق»، قال في «النهر»: (ومعنى ما ذكره في «الحقائق»: أنَّه يقسم المشي بمقدار الغلوة على هذه الجهات، فيمشي من كلِّ جانب مئة ذراع، فإنَّ الطلب لا يتم بمجرد النظر، ويدلُّ على ذلك ما سبق عن الإمام الأعظم) انتهى.\nوقال في «البحر» عن «المنية»: (ولو بعث من يطلبه له؛ كفاه عن الطلب بنفسه، وكذا لو أخبره من غير أن يُرسله) انتهى.\nقال الإمام برهان الدين الحلبي: (ويشترط في المخبر أن يكون مكلَّفًا عدلًا، وإلَّا؛ فلا بدَّ معه من غلبة الظن حتى لا يلزم الطلب؛ لأنَّه من الديانات، وغلبة الظن هنا إما بأن وجد أمارة ظاهرة؛ كرؤية خضرة، أو طير، أو أخبره مخبر، كذا أطلقه في «التوشيح»، وقيَّده صاحب «البدائع» بالعدل) انتهى، وهو الموافق لِمَا قاله برهان الدين.\nوقال في «المحيط»: ولو قرب من الماء وهو لا يعلم به، ولم يكن بحضرته من يسأله عنه؛ أجزأه التَّيمم؛ لأنَّ الجهل بقرب الماء كبعده عنه، ولو كان بحضرته من يسأله، فلم يسأله حتى تيمم وصلى، ثم سأله، فأخبره بماء قريب؛ لم تَجُزْ صلاته؛ لأنَّه قادر على استعمال الماء بواسطة السُّؤال، فإنْ لم يسأله؛ فقد جاء التقصير من قبله؛ فلم يعذر؛ كمن نزل بالعمران ولم يطلب الماء؛ لم يَجُزْ تيممه، وإن سأله في الابتداء، فلم يخبره حتى تيمم وصلى، ثم أخبره بماء قريب؛ جازت صلاته؛ لأنَّه ما عليه، كذا في «شرح الملتقى» للعلامة الباقاني، وذكر مثله صاحب «البحر»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.\n (فانطلقا)؛ أي: علي وعِمران؛ لأمره ﵇ لهما بذلك (فتلقيا)؛ بالفاء، والمثناة الفوقية، بعدها لام، وفي رواية: (فلقيا)؛ بإسقاط المثناة الفوقية، من اللقى: وهو الاجتماع، يقال: لقي زيدٌ عمرًا؛ يعني: اجتمع به، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا﴾ [الكهف: ٧٤] (امرأة) لم يُعلم اسمها، وفي رواية مسلم: (فإذا نحن بامرأة سادلية)؛ أي: متدلية رجلها (بين مَزَادتين)؛ تثنية مزادة؛ بفتح الميم، وتخفيف الزاي: الراوية أو القربة، وتجمع على (مزايد)، ومزاد سميت مزادة؛ لأنَّه يزاد فيها جلد آخر من غيرها، ولهذا قيل: إنها أكبر من القِربة، (أو) بين (سَطِيحتين)؛ تثنية سطيحة؛ بفتح السين المهملة، وكسر الطاء المهملة، وهي بمعنى: المزادة، قال ابن سيده: (السطيحة: المزادة التي بين الأديمين قوبل أحدهما بالآخر)، وفي «الجامع»: (هي أداوة تتخذ من جلد وهي أكبر من القِربة) انتهى.\nوكلمة (أو) للشك، قال إمام الشَّارحين: (الشك من الراوي؛ يعني: أي راوي كان)، وزعم ابن حجر أنَّ الشَّك من عوف.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلتُ: تعيينه به من أين؟ يعني: ليس لتعيينه به دليل لا من رِواية ولا غيرها، وما هو إلا خدش وتخمين، وخِلاف الظاهر).\nقلت: والَّذي يظهر أنَّ الشكَّ من أبي رجاء، ويُحتمل أنَّه من عِمران، وفي رواية مسلم: (فإذا نحن بإمراة سادليَّة رجلها بين مزادتين) من غير شكٍّ؛ فافهم.\nوقوله: (من ماء) بيان لقوله: (مزادتين)، وساقطٌ في رواية ابن عساكر (على بَعير لها)؛ بفتح الموحدة، وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، وإنَّما يُقال له: بعيرٌ إذا أجذع، والجمع: (أبعرة)، وأباعر، وبعران، وإفادة (اللام): الملكية؛ أن البعير ملك لها؛ فتأمل.\n (فقالا)؛ أي: علي وعِمران (لها) أي: لتلك المرأة: (أين الماء) مبتدأ وخبر؟ (قالت: عهدي بالماء أمسِ)؛ بالبناء على الكسر عند أهل الحجاز، ويعرب غير منصرف؛ للعلمية والعدل عند بني تميم وعليه؛ فهو بضمِّ السين، وموقعه من الإعراب الرفع على أَنَّه خبر للمبتدأ، وهو (عهدي)، كذا قاله إمام الشَّارحين، وعلله المحقق أبو البقاء؛ بأن المصدر يخبر عنه بظرف الزمان، وجوز في «المصابيح» أن يكون بالماء خبر (عهدي)، و(أمس) ظرف لعامل هذا الخبر؛ يعني: عهدي متلبس بالماء في أمسِ، ولم يجعل الظرف متعلقًا بـ (عهدي)؛ لأني جعلت (بالماء) خبرًا، فلو علق الظرف بالعهد مع كونه مصدرًا؛ لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطل) انتهى.\nقلت: وبهذا تعلم فساد قول القسطلاني، ويحتمل أن يكون (عهدي) مبتدًا، و(بالماء) متعلق به، و(أمس) ظرف له؛ لما علمت، قال: وإذا كان ظرفًا؛ فتفتح سينه؛ فتأمل.\n (هذه الساعةَ) منصوب على الظرفية، قال ابن مالك: أصله: في مثل هذه الساعة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل أن يكون (هذه الساعة) بدل من (أمس) بدل بعض من كل؛ أي: مثل هذه الساعة، والخبر محذوف؛ أي: حاصل ونحوه؛ فتأمل.\n (ونفرنا)؛ أي: رجالنا، وفي «المحكم»: النفر، والنفر، والنفور، والنفير: ما دون العشرة من الرجال، والجمع: (أنفار)، وفي «الواعي»: النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، والعرب تقول: هؤلاء نفرك؛ أي: رهطك ورجالك الذين أنت منهم، وهؤلاء عشرة نفر؛ أي: عشرة رجال، ولا يقولون: عشرون نفرًا، وثلاثون نفرًا، وتقول العرب: جاءنا في نفره ونفيره ونفرته، كلها بمعنًى، وسُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم إذا حزنهم أمر؛ اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم، ولا واحد له، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (خُلُوف)؛ بضمِّ الخاء المعجمة، واللام المخففة، جمع: لخالف؛ أي: المسافر؛ نحو: شاهد وشهود حتى حي خلوف؛ أي: غيب، وقال ابن عرفة: (الحي خلوف؛ أي: خرج الرجال، وبقيت النِّساء)، وقال الخطابي: هم الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء، والأثقال، وارتفاع (خلوف) على أنَّه خبر المبتدأ، وفي رواية المستملي، والحموي: (خُلوفًا)؛ بضمِّ الخاء المعجمة، واللام المخففة، والنصب، قال الكرماني: منصوب بـ (كان) المقدرة؛ أي: كان نفرنا خلوفًا، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر تبعًا للدماميني أنه منصوب على الحال السادِّ مسد الخبر.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: ما الخبر هنا حتى يسد الحال مسده؟ والأوجه: ما قاله الكرماني) انتهى.\nقلت: ويجوز أَنْ يكون منصوبًا بفعل مقدر؛ أي: ونفرنا أحسب أو اعتقد خلوفًا، ونحوه؛ فتأمل.\n (قالا)؛ أي: علي وعِمران (لها) أي: لتلك المرأة:","vol":"1","page":207},{"text":"(انطلقي) أي: معنا (إذًا)؛ بالتنوين، وهو ظرف، ومعناه الوقت؛ يعني: انطلقي معنا في هذا الوقت من غير تأخير، (قالت: إلى أين)؛ أي: أنطلق، (قالا)؛ أي: عليٌّ وعِمران لها: (إلى رسول الله ﷺ، قالت) أي: لهما: (الذي يقال له: الصَّابئ؟) يروى بالهمزة وبغيرها، فالأول: من صبأ؛ إذا خرج من دين إلى آخر، والثاني: من صبا يصبو؛ إذا مال، كذا [قال] إمام الشَّارحين، ففي رواية غير الهمزة: هو الياء التحتية؛ والمعنى: أي المائل، (قالا) أي: علي وعِمران لها: (هو الذي تعنين)؛ أي: تريدين وتقصدين، من عنا يعنو؛ إذا قصد وأراد، وقولهما: (هو الذي تعنين) فيه حسن الأدب، وحسن التخلص؛ لأنَّه لو قالا لها: لا؛ لفات المقصود، ولو قالا لها: نعم؛ لم يحسن ذلك؛ لأنَّ فيه تقرير ذلك، قاله إمام الشَّارحين؛ أي: لكونه ﵇ صابئًا، فتخلصا بهذا اللفظ، وأشارا (^١) إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها؛ فليحفظ.\n (فانطلقي)؛ أي: معنا إليه، (فجاءا)؛ بهمزة ممدودة؛ أي: علي وعِمران (بها) أي: بالمرأة المذكورة (إلى النَّبيِّ) الأعظم، ولأبي ذرٍّ، وأبي الوقت: (إلى رسول الله) (ﷺ) وفي الكلام حذف؛ يعني: فانطلقت معهما إلى أَنْ وصلا بها إلى المكان الذي نزل به النَّبيُّ الأعظم ﷺ، (وحدثاه الحديث)؛ أي: الذي وقع بينهما وبينها، (قال) أي: عمران بن الحصين (فاستنزلوها) وفي الكلام حذف أيضًا؛ يعني: فلما فرغا من الحديث؛ أمر النَّبيُّ الأعظم ﷺ أصحابه الموجودين في خدمته باستنزالها، فاستنزلوها (عن بعيرها)؛ أي: طلبوا منها النزول عنه، فالسين والتاء لـ (الطلب)، وإنما ذكره بلفظ الجمع؛ لأنَّه كان مع علي وعمران من تبعهما ممن يعينهما ويخدمهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.\nقلت: ويُحتمل أَنَّ عليًّا وعمران لم يباشرا طلب نزولها، وإنَّما الَّذين استنزلوها هم الأصحاب الذين كانوا بخدمة النَّبيِّ الأعظم ﷺ.\n (ودعا النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ) فيه حذف؛ تقديره: فأتوا بها إلى النَّبي الأعظم ﷺ، وأحضروها بين يديه، فدعا ﵇ حينئذٍ (بإناء)؛ أي: وعاء الماء، ولم يذكر أنَّه سألها عن اسمها، وقبيلتها، وحالها، ولعلَّه اقتصر على ما حدَّثاه به عليٌّ وعِمران (ففرغ) ﵇، من التفريغ، وفي رواية الكشميهني: (فأفرغ) من الإفراغ، (فيه)؛ أي: في ذلك الإناء (من أفواه المَزَادتين)؛ تثنية مزادة؛ بفتح الميم، والزاي، الراوية: وهي أكبر من القربة، و(أفواه) جمع: (فم)؛ لأنَّ أصله: فوه، فحذفوا الواو [لأنها] لا تحتمل التنوين عند الإفراد، وعوَّضوا من الهاء ميمًا.\nفإن قلت: لكل مزادة فم واحد، فكيف جمع؟\nقلت: هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، قاله إمام الشارحين.\nقلت: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] حيث جاء بلفظ الجمع، ولكلِّ يدٍ مرفقٌ واحد؛ لأنَّ ما كان واحدًا من واحد؛ فتثنيته بلفظ الجمع؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، فلم يقل: قلباكما.\n (أو) من أفواه (السَطِيحتين)؛ تثنية سَطِيحة؛ بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين، بمعنى: المزادة؛ يعني: أفرغ من أفواههما، والشك من الراوي، ويحتمل أنَّه من أبي رجاء، أو من عمران، كما سبق، (وأَوكأََ)؛ بهمزتين مفتوحتين، أولاهما في الأول، وثانيهما في الآخر؛ أي: شدَّ، وهو فعلٌ ماض، من الإيكاء: وهو شدُّ الوكاء، وهو ما يشدُّ به رأس القربة من حبل ونحوه؛ ومنه قوله ﵇: «العينان وكاء السَّهِ...»؛ الحديث؛ يعني: شدَّ (أفواههما)؛ أي: المزداتين بحبل أو نحوه، وقد بين ذلك في رواية الطبراني، وكذا البيهقي قال: (فأفرغ من أفواه المزادتين، فمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين، وأوكأ)، وبهذه الزيادة تظهر الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وبهذا حصلت البركة لاختلاط ريقه المبارك للماء، قاله إمام الشَّارحين، (وأطلق)؛ أي: فتح (العَزَالَي)؛ بفتح العين المهملة، والزاي، وفتح اللام، قال السفاقسي: (رويناه بالفتح)، ويجوز فتح الياء، وكذلك يجوز كسر اللام، جمع: لـ (عَزْلاء)؛ بفتح المهملة، وإسكان الزاي، وبالمد؛ وهو فم المزادة الأسفل، وهي عروقها التي يخرج منها الماء بسعة، ولكلِّ مزادة عزلاء وإن من أسفلها، قال الجوهري: (العزالِي)؛ بكسر اللام، وإن شئت فتحتها؛ مثل: الصحاري، والصحارى، ويقال: العزلاء: مَصْبُّ الماء من الرَّاوية والقِربة)، وفي «الجامع»: (عزلاء القربة: مصبٌّ يجعل في أحد يديها يستفرغ منه ما فيها، وإنَّما سُميت عزالي السحاب؛ تشبيهًا بها).\nوقال السفاقسي: (رويناه بالفتح: وهو أفواه المزادة السفلى).\nوقال الداودي: (ليس في أكثر الرِّوايات أَنَّهم فتحوا أفواه المزادتين أو السطيحتين، ولا أنهم أطلقوا العزالي، وإنما شقوا المزادتين، وهو معنى: صبوا منهما، ثُمَّ أعاده فيهما إن كان هو المحفوظ)، كذا في «عُمدة القاري».\nقلت: وفيما قاله الداودي نظر، فإنَّ أكثر الروايات، بل جميعها: أنَّهم فرغوا الماء من المزادتين إلى الإناء، وأنَّهم أطلقوا العزالي على أن الشق يضر بالمزادة، ويفني الماء، فيفوت المقصود؛ فتأمل.\n (ونُودي)؛ بضمِّ النون على البناء للمجهول (في الناس)؛ أي: الصحابة الموجودين وقتئذٍ، ولم يعلم اسم المنادي، والظاهر: أنه بلال؛ لأنَّه عالي الصوت: (اسقوا)؛ بهمزة وصل، من سقى فتكسر، أو همزة قطع من أسقى فتفتح؛ يعني: اسقوا غيركم كالدواب ونحوها (واستقوا)؛ أي: لأنفسهم؛ كلٌّ منهما، فعل أمر (فسقي من سقى) وفي رواية ابن عساكر: (فسقى من شاء)، (واستقى من شاء) قال إمام الشَّارحين: (والفرق بين «اسقوا» من السقي، و«استقوا» من الاستقاء: أَنَّ السَّقي لغيره، والاستقاء لنفسه، ويقال أيضًا: سقيته لنفسه، وأسقيته لماشيته) انتهى.\n (وكان آخر ذلك) أي: آخر السَّقي والاستقاء (أن أعطى)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ (الذي أصابته الجنابة) وهو الرجل المعتزل المذكور (إناءً) مملوءًا (من ماء)؛ بالمد، ويجوز في لفظة (آخر) الرفع والنصب، أما الرفع؛ فظاهر؛ لأنَّه اسم (كان)، وقوله: (أن أعطى) خبره؛ لأنَّ (أن) مصدريَّة، وأمَّا النَّصب؛ فلأنَّه خبر (كان) مقدمًا على اسمه، وهو (أن أعطى)؛ لأنَّ (أن) مصدرية؛ تقديره: وكان إعطاؤه للرجل الذَّي أصابته الجنابة آخر ذلك، والأمران جائزان.\nوقال العلامة أبو البقاء: (النصب أولى وأقوى؛ لأنَّ «أن» و«الفعل» أعرف من الفعل المفرد، وقد قُرِئ قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦]: بالوجهين) انتهى.\nوقال إمام الشارحين: (وعندي كلاهما سواء؛ لأنَّ كلًّا معرفة) انتهى.\nوفي رواية بإسقاط لفظة: (ذلك)، (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ للَّذي أصابته الجنابة: (اذهب فأفرغه)؛ بقطع الهمزة، من الإفراغ: وهو الصَّبُّ، والضمير فيه يرجع إلى (الماء) الذي في\n_________\n(^١) في الأصل: (فأشار)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":207},{"text":"الإناء؛ يعني: صُبه (عليك)؛ أي: على جسدك كله بعد أن تتمضمض وتستنشق؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن (وهي قائمة)؛ أي: المرأة المذكورة قائمة تشاهد ذلك، وهذه الجملة اسمية محلها نصب على الحال على الأصل (تنظر إلى ما) أي: الذي (يُفعل)؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول؛ أي: يفعلونه (بمائها) من تفريغه لسقي الدواب، ولسقي الجيش، وللوضوء، والغسل، فاستغربته؛ لعدم عهدها به عندهم لكونها من الكفار وقتئذٍ.\nفإن قلت: الاستيلاء على الكفار بمجرده يبيح رق نسائهم وصبيانهم، وإذا كان كذلك؛ فقد دخلت هذه المرأة في الرق باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها؟\nقلت: إنَّما أطلقت لمصلحة الاستيلاف الذي جر دخول قومها في الإسلام، ويحتمل أنَّها كان لها أمان قبل ذلك، وكانت من قوم لهم عهد.\nفإن قلت: كيفَ جَوزوا التَّصرف حِينئذٍ من مالها؟\nقلت: بالنظر إلى كفرها أو لضرورة الاحتياج إليه، والضرورات تُبيح المحظورات، أفاده إمام الشَّارحين.\n (وايم الله)؛ بوصل الهمزة، قال الجوهري: (وايمُنُ الله: اسم وضع للقسم هكذا بضمِّ الميم والنون، وألفه ألف الوصل عند الوصل عند الأكثر، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ والتقدير: أيمن الله قسمي، وربما حذفوا منه النون، فقالوا: وايم الله).\nوقال أبو عُبيد: (كانوا يحلفون، ويقولون: يمين الله؛ لا أفعل، فجمع اليمين على أيمن، ثُمَّ كثر في كلامهم، فحذفوا النون، فألفه ألف قطع، وهو جمع، وإنَّما طرحت الهمزة في الوصل؛ لكثرة استعمالهم إياه).\nقلت: فيها لغات؛ جمع منها النووي في «تهذيبه» سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، كذا قرَّره في «عُمدة القاري».\n (لقد أُقلع)؛ بضمِّ الهمزة، من الإقلاع: وهو الكفُّ، يقال: أقلع عن الأمر؛ إذا كفَّ عنه (عنها)؛ أي: كف عن المزادة، فلم يأخذوا منها شيئًا؛ لأنَّهم قد اكتفوا لشربهم، ولدوابهم، وللوضوء، وكذا الغسل، وإنَّما أفردها؛ لأنَّهم إذا كفوا عن أحدهما؛ يكون الكف عن الأخرى ضرورةً، فكأنه قال: وايم الله؛ لقد أقلع عنهما جميعًا، والقائل ذلك: هو عمران بن الحصين، (وإنَّه)؛ أي: الشَّأن (ليُخيَل)؛ بضمِّ التحتية الأولى، وفتح الثانية، من التخييل، وهو مرادف للظن الذي هو استواء الطرفين (إلينا) أي: الصَّحابة (أنها) أي: المزادة (أشدُّ) أي: أكثر (مِلْأَة)؛ بكسر الميم وفتحها، وسكون اللام، بعدها همزة مفتوحة، وفي رواية البيهقي: (إملاء)؛ بهمزة أوله (منها) أي: المزادة (حين اُبْتُدئ)؛ بضمِّ الهمزة، وسكون الموحدة، وضم المثناة الفوقية، من الابتداء (فيها)؛ بالسقي والاستقاء؛ والمعنى: أنَّهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان أولًا، فهذا من دلائل النبوة؛ حيث توضؤوا، وشربوا، وسقوا، واغتسل الجنب مما سقط من العزالي وبقيت المزادتان مملوءتانِ ببركة النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وعظيم برهانه، وكانوا أربعين، نص عليهم في رواية مسلم (^١) بن رزين، وأنَّهم ملؤوا كل قربة كانت معهم.\nوقال القاضي عياض: وظاهر هذه الرِّواية أنَّ جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا لرسول الله ﷺ أنَّه يخرج في هذا العدد، فلعله الرَّكب الَّذي عجلهم بين يديه؛ لطلب الماء، وأَنَّهم وجدوا (^٢) المرأة، وأنَّهم أسقوا للنَّبيِّ الأعظم ﷺ قبلَ النَّاس، وشربوا، ثُمَّ شرب الناس بعدهم، كذا في «عُمدة القاري».\nقلتُ: وقد يُقال: إنَّ الجيش حين سار النَّبيُّ الأعظم ﷺ استأذن بالمشي بسرعة (^٣)، والسَّبق إلى المدينة، وبقي مع النَّبيِّ الأعظم ﵇ هذا الركب وهم أربعون، وفيهم علي وعمران؛ فاختارهم ﵇ لطَلَب الماء، فإنَّ الذي طلب الماء لم يكن إلا عليًّا وعِمْران، فلَّما فَرَغوا من السَّقي والاستقاء وساروا؛ ربما وجدوا بقية الجيش في الطريق، ولهذا ملؤوا قربهم جميعًا، وما ذاك إلا لأجل الجيش الذي تقدم، والله أعلم؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفيه أنَّ جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنَّه لم يختلط فيه شيءٌ من ماءِ تلك المرأة في الحقيقة وإنْ كان في الظَّاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وفيه دلالة: أنَّ عُمر ﵁ أجلدُ المسلمين وأصلبهم في أمر الله ﷿) انتهى.\n (فقال النبيُّ) الأعظم (ﷺ) أي: لأصحابه الذين معه حين رأى المرأة تريد الرُّجوع إلى أهلها: (اجمعوا لها)؛ أي: من الزَّاد مكافأةً لها بما أخذ من مائها وتطييبًا لخاطرها، حيث حُبِسَتْ في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وحيث طاوعتهما في المجيء إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ من غير مُقاتلة، فإنَّه إذا امتنع صاحب الماء عن دفعه وهو غير محتاج إليه للعطش، وهنالك مضطر إليه للعطش؛ كان له أخذه منه قهرًا، وله أنْ يُقاتله، كما في «السِّراج الوهَّاج»، وينبغي تقييده بما إذا امتنع من دفعه مجانًا أو بالثمن، وللمُضطر ثمنه، وذكروا في باب (الشُّرب): أنَّ له أنْ يُقاتله بالسِّلاح.\nقال في «الدرُّ المُختار»: (هذا في غير المحرز بالأواني، أما المحرز؛ فيقاتله بغير السِّلاح إذا كان فيه فضل عن حاجته لملكه له بالإحراز، فصار نظير الطعام) انتهى، ومثله في «المنح» و«التبيين».\nوأما في البئر ونحوه؛ الأَولى أنْ يقُاتله بغير سلاح؛ لأنَّه قد ارتكب معصية، فكان كالتعزير، كما في «الكافي»، فإنْ قاتله وكان المقتول ربَّ الماء؛ فدمه هدرٌ لا قِصَاص فيه، ولا دية، ولا كفَّارة، كذا في «السِّراج»، ويبقى (^٤) أن يَضمن المُضطر قيمة الماء، كما في «حواشي الشَّرنبلالي»، وإنْ كان المقتول المضطر؛ فهو مضمون إما بالقصاص إن كان القتل عمدًا؛ كأنْ قتله بمحدد، وإما بالدية إن كان القتل شِبه عمد، أو خطأ، أو جرى مجرى الخطأ، والدية على العاقلة، وعلى القاتل الكفارة، أفاده صاحب «البحر».\nقال في «السِّراج»: (وإن كان صاحب الماء محتاجًا إليه للعطش؛ فهو أولى به من غيره، فإن احتاج إليه الأجنبي للوضوء؛ لم يلزمه بذله، ولا يجوز للأجنبي أخذه منه قهرًا) انتهى، وتمامه في شرحنا «منهل الطُّلاب».\n (فجمعوا لها من بين) وفي رواية: (ما بين) (عجوة): وهي تمر من أجود التَّمر بالمدينة، وقال ابن التين: (العجوة: نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني، وتسمَّى اللينة)، كذا في «عمدة القاري»،\n_________\n(^١) في الأصل: (سلم)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (وجودا)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (سرعة)، ولعله تحريف.\n (^٤) في الأصل: (ويبغى)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":208},{"text":"(ودَقيقة وسَويقة)؛ بفتح أولهما، وفي رواية كريمة؛ بضمِّ الدال؛ مصغرًا، وزعم الكرماني: (دقيقه وسويقه) رويا مكبرين ومصغرين، كذا في «عُمدة القاري» (حتى جمعوا لها طعامًا) زاد أحمد في رِوايته: (كثيرًا)، والطَّعام: كل ما يُؤْكل، وربَّما خصَّ الطَّعام بالبرِّ، قاله الجوهري، وفي حديث أبي سَعِيْد: كنَّا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أنَّ فيه إطلاق لفظ الطَّعام على غير الحِنطة والذُّرة خلافًا لمن أبى ذلك.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلتُ: هذا القول منه يخالف قول أهل اللُّغة جميعًا، والمراد ههنا من الطعام: غير ما ذكر من العجوة، وهو أعم من أن يكون حِنطةً، أو شعيرًا، أو كعكًا، أو نحو ذلك) انتهى.\n (فجعلوه)؛ أي: الذي جمعوه من عجوة، ودقيقة، وسويقة، ونحوها، وفي رواية أبي ذرِّ: (فجعلوها)؛ أي: العجوة، والدقيقة، والسويقة\nوزعم الكرماني أنَّ الضمير في (جعلوه) يرجع إلى الطعام، وفي (جعلوها) يرجع إلى الأنواع المذكورة.\nوردَّه إمام الشَّارحين؛ حيث قال: (قلت: لم يجعلوا الطعام وحده في الثَّوب حتى يرجع الضمير إليه، والصواب من القول: أنَّ الضمير فيه يرجع إلى كلِّ واحد باعتبار المذكور) انتهى.\nقلت: وهو وجيه، كما لا يخفى.\n (في ثوبٍ)؛ يعني: كان معها ملك لها، (وحمَلوها)؛ بتخفيف الميم؛ أي: المرأة المذكورة (على بعيرها)؛ أي: الذي جاءت عليه، (ووضعوا الثَّوب)؛ أي: الذي جعلوا فيه هذه الأطعمة (بين يديها)؛ أي: قُدامها على البعير، ولم يذكر تحميلهم المزادة، والظاهر: أنَّه مفهوم من قوله: (وحمَّلوها)؛ بتشديد الميم؛ لأنَّه يُحتاج إلى مشقةٍ وتعبٍ حيث يحملون المزادتين أولًا، ويشدونهما (^١) على البعير، ويحملونها (^٢) بعده عليه، فاقتُصر عليه؛ لأنَّ الحاجة إلى المزادتين أبلغ؛ لأنَّ الماء حياة الأبدان والطعام غذاؤها، فالأول أبلغ؛ فافهم.\n (قال لها)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ، وفي رواية الأصيلي: (قالوا لها)؛ أي: الصَّحابة الذين معه بأمره ﷺ: (تَعْلَمِين)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون العين المهملة، وتخفيف اللام، مفرد مؤنث من باب (علم يعلم)، وزعم ابن حجر أنه بفتح التاء، والعين، وتشديد اللام؛ أي: اعلمي.\nوردَّه إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: لا حاجة إلى هذا التَّعسف، وإنَّما هو مفرد مخاطب مؤنث من باب (علم يعلم) انتهى.\n (ما رَزِئْنا)؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها همزة ساكنة؛ أي: ما نقصنا، وزعم الكرماني أنَّه بفتح الزاي، قال إمام الشَّارحين: (الكسر هو الأشهر، يقال: ما رزأته وما رزئته -بالكسر- ماله؛ أي: نقصته، وارتزأ الشيء: انتقص) انتهى، (من مائك شيئًا)؛ أي: فجميع ما أخذنا من الماء مما زاده الله تعالى، وأوجده، ويؤيده قوله: (ولكنَّ الله هو الذي أسقانا)؛ بالهمزة أوله، وفي رواية ابن عساكر: (سقانا)؛ بإسقاطها، (فأتت أهلها)؛ يعني: قومها، وفيه حذفٌ؛ تقديره: فلما قالوا لها ذلك، وسمعته؛ ذهبت من منزل النَّبيِّ الأعظم ﷺ فسارت في الطَّريق وحدها إلى أن وصلت إلى قومها، (وقد احتبست عنهم) مدة يَسيرة زائدة عن عادتها؛ لأنَّها جاءتهم في اليوم الثاني لخروجها من عندهم يدلُّ عليه قولها فيما سبق: (عهدي بالماء أمس)؛ فتأمل.\n (فقالوا) وفي رواية: (قالوا)؛ يعني: أهلها، والمراد: قومها؛ لأنَّه أعم، وقوله: (لها) ثابتٌ في رواية الأصيلي، ساقط في غيرها (ما حَبَسكِ) يعني: أي شيء حبسك (يا فلانة؟) كناية عن اسم مؤنث مبهم، (قالت: العجبُ!): مرفوع بفعل مقدر؛ تقديره: حبسني العجب، وهو الأمر الذي يُتَعَجَّب منه لغرابته، وكذلك العجيب، والعُجائب؛ بالضم والتخفيف، والعُجَّائب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة، ولا يجمع عجب ولا عجيب، ويقال: جمع عجيب: عجائب؛ مثل: تبيع وتبائع، و(أعاجيب) جمع: (أعجوبة)؛ كـ (الأحاديث) جمع: (أحدوثة)، وعجبت من كذا، وتعجبت منه، واستعجبت كلها بمعنًى، وأعجبني هذا الشيء لحُسنه، وعجبت غيري تعجييًا، والعُجْب؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الجيم: اسم من أُعجب فلان بنفسه؛ فهو مُعجبٌ برأيه وبنفسه، كذا في «عُمدة القَاري»، (لقيني) أي: في الطَّريق بعد ما ملأت المزادتين (رجلان) وكأنها لم تعلم باسمهما، (فذهبا بي إلى هذا) وقوله: (الرَّجل) ثابت في رواية أبي ذرٍّ، ساقطٌ في غيرها (الذي يُقال) بضمِّ المثناة التحتية أوَّله (له) عند المشركين، وأهل الكتاب: (الصَّابئ)؛ بالهمزة، وبغيرها روايتان، فالأول: من صبأ؛ إذا خرج من دين إلى دين، والثاني: من صبا يصبو؛ إذا مال، وسيأتي، (ففعل كذا وكذا)؛ يعني: بالمزادتين حيث أفرغ منهما في إناء، فمضمض، ثم ألقى فيهما وربط الوكاء، وأطلق العزالي، ونادى منادٍ في الجيش: اسقوا واستقوا؛ فسقى من شاء، واستقى من شاء، وأعطى رجلًا إناء، فأمره أن يغتسل به وإنَّ الماء قد زاد، ووجد أكثر مما كان أولًا، وقال لي: «ما رزِئنا من مائك شيئًا»، وجمعوا لي هذا الطعام الذي في هذا الثَّوب، فأفرغته بين أيديهم، ثُمَّ قالت: (فوالله إنه لأسخى النَّاس) من السَّخاء؛ يعني: كثيره، وفي رواية: (لأسحر) من السحر؛ لأنَّها رأت شيئًا عجيبًا في زعمها؛ حيث شاهدت من دلائل نُبوته، وباهر مُعجزاته أنَّهم توضؤوا وشربوا، وسقوا دوابهم، واغتسل الجُنب مما سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتان ببركته، وعظيم بُرهانه، فزعمتْ أنَّه سِحْر؛ لأنَّه خارقٌ للعادة، وما هو بسحر، إنْ هو إلا مُعجزة نبيٍّ مرسل صلى الله تعالى عليه وسلم (من بين هذه وهذه)؛ يعني: السماء والأرض، وكان المُناسب أن تقول: (في بين) بلفظة (في)، وأجيب: بأن (مِن) بيانية مع جواز استعمال حروف الجر بعضها مكان بعض، كذا في «عُمدة القَاري»، (وقالتْ)؛ أي: أشارت (بإصبعها) فهو من إطلاق القول على الفعل، وقد مرَّ نظيره (الوسطى والسَّبابة)؛ بالسِّين المهملة فيهما، وإنما سميت وسطى؛ لتوسطها بين الأصابع الخمسة، وسميت سبَّابة؛ لأنَّه يشار بها عند السَّبِّ والمخاصمة، وهي المُسبِّحة، وسمِّيت بذلك؛ لأنَّه يشار بها إلى التَّوحيد\n_________\n(^١) في الأصل: (ويشدوهما)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ويحملوها)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":208},{"text":"والتنزيه (فرفعتهما)؛ أي: الوسطى والسبابة (إلى السماء؛ تعني)؛ أي: تقصد وتريد المرأة بذلك: (السماء والأرض)؛ لأنَّه نبي مرسل إلى كافَّة النَّاس بشيرًا ونذيرًا؛ وقوله: (أو إنه) عطف على قولها: (فوالله؛ إنه) (لرسول الله ﷺ حقًّا) مصدر حق؛ يعني: أحقه رسول الله حقًّا يقينًا، وظاهر قولها هذا وإن كان فيه الشَّك: أنَّها آمنت به ﵇ قبل وصولها إلى قومها، وقولها: (إنَّه لأسحر النَّاس) إنَّما قالته خوفًا من أهلها وقومها أنْ يقتلوها، ففاجئتهم أولًا بذلك، ثم قالت لهم ما هو الحق؛ لأجل أن يرغبوا في الإسلام، يدلُّ عليه: أنَّها هي التي كانت سببًا في إسلام قومها، كما يأتي قريبًا، وزعم القسطلاني أنَّ هذا منها ليس بإيمان؛ للشكِّ، لكنها أخذت في النظر؛ فأعقبها الحق، فآمنت بعد ذلك.\nقلتُ: بل هذا منها إيمان به ﵇، والشكُّ لا ينافي ذلك؛ لأنَّها ذكرت ذلك لقومها، فلو قالتْ لهم ابتداءً: إنَّه لرسول الله؛ لربما وقع في نفوسهم شيءٌ فقتلوها، وهي تعلم ذلك منهم؛ فعبَّرت لهم كلامًا يوافق نفوسهم حيث ابتدأت بما يرضون به، ثُمَّ ثنَّت بما يرضيها، فهذا الشَّك طارئٌ عليهم بمعنى التَّشكيك، فإنَّها تعلم أنَّه رسول الله، لكنها شكَّكت الأمر عليهم أولًا، ثم حققته لهم.\nوقوله: (لكنَّها أخذت...) إلى آخره؛ هذا تناقض، فإنَّها حققت النَّظر حين كانت في منزل النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وآمنت وكتمت إيمانها خوفًا من أهلها وقومها، ويحتمل أنَّ قولها: (أوَ إنَّه لرسول الله) ناسخٌ لقولها: (إنَّه لأسحر الناس)؛ لتقدمه، وإثباتُ قولها: (إنَّه لرسول الله) بقولها: (حقًّا)؛ يعني: صِدقًا صادقًا، فلو كانت شاكَّةً؛ لم تأت بقولها: (حقًّا)؛ فليتأمل.\n (فكان المسلمون بعد) وقوله: (ذلك) ساقط في رواية الأصيلي، ثابتٌ في غيرها، والإشارة إلى القصة، ووصول المرأة إلى أهلها، وقولها لقومها: (يُغيرون)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، من الإغارة بالخيل في الحرب، قيل: ويجوز فتح الياء؛ من غار.\nقلتُ: لكنه قليل، وكونه من أغار هو الكثير المشهور؛ فافهم.\n (على من حولها من المشركين)؛ يعني: يغزونهم (^١)، ويقاتلونهم، ويغنمون (^٢) منهم الغنائم، (ولا يصيبون) أي: ولا يغيرون (الصِرْم)؛ بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: وهو أبيات من النَّاس مجتمعة، والجمع: أصرام وأصاريم وصرمال، والأخيرة عن سيبويه، كذا في «عُمدة القَاري»، وزعم القسطلاني أن الصِرْم: نفر ينزلون بأهليهم على الماء.\nقلتُ: وهو غير ظاهر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما أرسلوا المرأة المذكورة إلى الماء؛ لأجل أنْ تأتيهم به، وقد حَملتْ على بعيرها مزادتين، كما سبق في أوَّل القصة، فهذا يدلُّ على أنَّه أبيات من النَّاس مجتمعة، كما فسَّره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهم لو كانوا نازلين على الماء؛ لم يحتاجوا إلى استجلابه؛ فليحفظ.\n (الذي هي منه)؛ أي: المرأة المذكورة، وإنما لم يغيروا عليهم وهم كفرة؛ يُحتمل أنَّه للطمع في إسلامهم بسبب وجودها عندهم، ويُحتمل أنه لرِعاية زمامها.\nقلتُ: والظاهر الأول، ويدلُّ عليه قوله: (فقالت) أي: المرأة المذكورة (يومًا لقومها) والمراد بهم: أهلها وغيرهم؛ فهو أعم، وذلك بعد أن رأى قومها إغارة المسلمين على المشركين حولهم، ولم يصيبوهم (^٣) بسوءٍ أصلًا؛ فافهم.\n (ما أُرى)؛ بضمِّ الهمزة بمعنى: أظن، وبفتحها بمعنى: أعلم، و(ما) موصولة، كذا في «عُمدة القَاري» (أَنَّ) بفتح الهمزة، وتشديد النون (هؤلاء القوم) أي: المسلمين (يدَعونَكم)؛ بفتح الدال المهملة؛ أي: يتركونَكم من الإغارة عليكم (عمدًا)؛ أي: لا غفلة عنكم، ولا سهوًا منهم، ولا خوفًا منكم، بل لاستيلافكم ومراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه رواية أبي ذرٍّ، وهي الأولى، وفي رواية الأكثرين: (ما أَرى هؤلاء)؛ بفتح الهمزة في (أرى)، وإسقاط كلمة (أن)، وفي رواية ابن عساكر: (ما أُرى)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظن (إنَّ هؤلاء)؛ بكسر الهمزة، وفي رواية الأصيلي: (ما أدري أَنَّ)؛ بالدال المهملة بعد الألف، وفتح همزة (أَنَّ)، وتشديد نونها، وهي في موضع نصبٍ على المفعولية؛ والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟\nوقال المحقق أبو البقاء: الجيِّد أن يكون (أن هؤلاء)؛ بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يفتح على إعمال (أدري) فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظاهر، ويكون مفعول (أدري) محذوفًا؛ والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الدُّخول في الإسلام إنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القُدرة منهم عليكم؟ وقيل: إنَّ (ما) نافية، و(إنَّ) بالكسر؛ ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلفكم عن الإسلام مع أنَّهم يدعونكم عمدًا، (فهل لكم) أي: رغبة بالدُّخول (في الإسلام؟) فقال: بلى، (فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام)؛ فحصل لها بذلك زيادة الثَّواب، والترقي في الدَّرجات في الجنان، وهذا يدلُّ على أنَّها آمنت قبلهم كما ذكرنا؛ لأنَّه لو كان غير ذلك؛ لما قالت لهم ذلك، ولما أمرتهم بالدخول في الإسلام، بل كانت مثلهم، فقولها: (ما أرى...) إلى آخره؛ دليل على إيمانها من قبل، وأنَّها تريد دخولهم في الإسلام، فلمَّا رأت إغارة المسلمين على المشركين دونهم؛ صار لها دخل وسبب في دخولهم، فحقق الله مقصدها، وفي الحديث الصَّحيح: أنَّه ﵇ قال لعلي: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمرِ النِّعم»، وفي الحديث أحكام؛\nأحدها: فيه استحباب سلوك الأدب مع الأكابر، كما فعل عُمَر ﵁ في إيقاظ النَّبيِّ الأعظم ﷺ.\nالثاني: فيه إظهار التأسُّف لفوات أمر من أمور الدين.\nالثالث: فيه لا حرج على من تفوته صلاة، لكن لا بتقصير منه؛ لقوله ﵇: «لا ضَير».\nالرابع: فيه أَنَّ من أجنب ولم يجد ماءً؛ فإنَّه يتيمم؛ لقوله ﵇: «عليك بالصَّعيد».\nالخامس: فيه أنَّ العالم إذا رأى أمرًا مجملًا يسأل فاعله عنه ليوضحه؛ فيوضح له وجه الصَّواب.\nالسادس: فيه استحباب الرِّفق والملاطفة في الإنكار على أحد؛ كترك الشَّخص الصَّلاة بالجماعة.\nالسابع: فيه الإنكار على ترك الشَّخص الصَّلاة بحضرة المصلين بغير عذر.\nالثامن: فيه أن قضاء الفوائت واجبٌ، ولا يسقط بالتأخير ويأثم بتأخيره بغير عذر.\nالتاسع: فيه أنَّ من حلت به فتنة في بلدٍ؛ فليخرج منه وليهرب\n_________\n(^١) في الأصل: (يغزوهم)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ويغنموا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (يصيبونهم)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":209},{"text":"من الفتنة بدينه، كما فعل الشارع بارتحاله عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشؤم.\nالعاشر: فيه أنَّ من ذكر صلاة فائتة له أن يأخذ ما يصلحه من وضوء، وطهارة، وابتغاء بقعة تطمئن نفسه للصَّلاة عليها، كما فعل الشَّارع بعد أَنْ ذكر الفائتة، فارتحل بعد الذِّكر ثُمَّ توضأ وتوضأ الناس.\nالحادي عشر: فيه استحباب الأذان والإقامة للفائتة؛ لما في «المستدرك» من حديث الحسن (^١) عن عِمران: (نمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشَّمس، فأمر المُؤذن فأَذن، ثُمَّ صلى الرَّكعتين قبل الفجر، ثُمَّ أقام المؤذن فصلى الفجر)، وقال: (صحيحٌ على ما قدمنا)، وعند أحمد: (ثُمَّ أمر بلالًا فأذن، ثُمَّ صلى الرَّكعتين قبل الفجر، ثُمَّ أقام فصلينا).\nالثاني عشر: فيه جواز أداء الصَّلاة الفائتة بالجماعة إنْ كان الفرض واحدًا، كما فعل الشَّارع.\nالثالث عشر: فيه وجوب طلب الماء للشرب، والوضوء، والغسل.\nالرابع عشر: فيه أَنَّ أخذ الماء المملوك لغيره لضرورة العطش بعوض إن كان يعطيه، وإلا؛ فيأخذه قهرًا، كما قدمنا.\nالخامس عشر: أَنَّ العطشان يقدم على الجنب عند صرف الماء إلى النَّاس؛ لأنَّه لا خُلف للنفوس إذا زهقت من العطش بخلاف الجُنب؛ لأنَّ الطهارة لها خُلف وهو التَّيمم.\nالسادس عشر: فيه جواز المعاطاة في الهبات والإباحات من غير لفظ من الجانبين.\nالسابع عشر: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره كمصلحة الطَّهارة بالماء، ووقع في رواية سلم بن رزين: (غير إنا لم نسق بعيرًا).\nوأجيب: بأنَّ هذا مبني على أَنَّ الإبل لم تَكُنْ إذ ذاك مُحتاجة إلى السَّقي.\nالثامن عشر: فيه جواز الخلوة بالمرأة الأجنبية والكلام معها عند أمنِ الفتنة في حالة الضَّرورة الشَّرعية.\nالتاسع عشر: فيه جواز استعمال أواني المشركين، وكذا ثيابهم ما لم يتيقن فيها النجاسة، وقال أئمتنا الأعلام: إذا اشترى ثوبًا من يهودي أو نصراني؛ جاز له أَنْ يصلي به، ولو لم يغسله؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة.\nالعشرون: فيه جواز اجتهاد الصحابة بحضرة النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو المُختار، وعليه الجُمهور، وقيل: لا يجوز، وقد تقدم، وزعم ابن حجر أَنَّ في الحديث جواز أخذ مال النَّاس عِند الضَّرورة بثمنٍ إنْ كان له ثمن.\nقال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر)، ولم يذكر وجهه.\nقلت: وجهه أَنَّ أخذ مال النَّاس ولو بثمنٍ عند الضرورة لا يجوز؛ لأنَّه تصرف بغير إذن من مالكه، وهو غير جائز إلا الماء للشرب؛ لأجل العطش، والطعام؛ للأكل في المجاعة، فإنَّه في هذين الموضعين يجوز أخذ الماء والطعام قهرًا، وما عداهما فإنَّه لا يجوز، يدلُّ عليه قوله ﵇: «فإنَّ أموالكم عليكم حرام...»؛ الحديث فكيف قال هذا القائل ما قال؛ فافهم.\nالحادي والعشرون: فيه جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافلٍ أو سهو (^٢)، وذلك من قوله: (ارتحلوا)؛ بصِيغة الأمر.\nالثاني والعشرون: فيه مُراعاة ذِمام الكافر، والمحافظة به كما حفظ (^٣) النَّبيُّ الأعظم ﷺ هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى [في] قومها ذِمامها وإن كانت من ضميمهم.\nالثالث والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف.\nالرابع والعشرون: فيه جواز الشَّكوى من الرعيَّة إلى الإمام عند حُلول أمرٍ شديدٍ.\nالخامس والعشرون: فيه جواز التعريس للمسافر إذا غلب عليه النوم.\nالسادس والعشرون: فيه مشروعية قضاء الفوائت، وأنَّه لا يسقط بالتأخير.\nالسابع والعشرون: فيه جواز الأخذ للمُحتاج برضى المطلوب منه، وبغير رضاه إنْ تعين.\nالثامنُ والعشرون: فيه جواز النَّوم على النَّبيِّ الأعظم ﷺ كنوم أحد منا في بعض الأوقات.\nالتاسع والعشرون: فيه جواز السَّفر من غير أن يعين يومًا أو شهرًا، قاله في «عُمدة القاري».\nزاد المستملي في روايته قوله: (قال أبو عبد الله): هو المؤلف نفسه (صبأ: خرج من دين إلى غيره) وأراد المؤلف بهذا: الإشارة إلى الفرق بين الصابئ المراد في هذا الحديث، والصابئ: المنسوب إلى طائفة من أهل الكتاب، أمَّا الصابئ الذي هو المراد في هذا الحديث في قول المرأة المذكورة: (الذي يقال له: الصَّابئ)؛ فهو من صبا إلى الشيء يصبو؛ إذا مال، وهو غير مهموز، وكانت العرب تسمي النبيَّ الأعظم ﷺ: الصَّابئ؛ لأنَّه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويسمون من دخل في الإسلام مصبوًا؛ لأنَّهم لا يهمزون، ويسمون: الصُّباة؛ بغير همز جمع: (صابي) غير مهموز؛ كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، وقد يقال: صبأ الرجل إذا عشق، وقد يقال: صابئ؛ بالهمز من صبا يصبو؛ بغير همز صبا وصبو؛ إذا خرج من دين إلى آخر.\nوأما الصَّابئ المنسوب إلى طائفةٍ من أهل الكتاب؛ فأشار إليه بقوله: (وقال أبو العالية): هو رُفيع؛ بضمِّ الراء، ابن مهران الرياحي، مما وصله ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس عنه قال: (الصابئين) جمع صابئ، وأصله من صبأ يصبأ صبأ.\nوالصَّابئ نسبة إلى صابي ابن أبي متوشلخ بن أخنون بن برد بن مهليل بن فتين بن بايش بن شيث بن آدم ﵇، وقيل: نِسبة إلى صابي بن ماري، وكان في عصر إبراهيم الخليل ﵇، كذا قاله الرشاطي.\nوأراد أبو العالية تفسير (الصَّابئين) المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ آمَنُوا وَالذينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وهو إن كان عربيًّا؛ فمن صبأ؛ إذا خرج، يقال: صبأ ناب البعير يصبأ صبًا وصبوًا؛ أي: طلع حده، وصبا الرجل صبوًا؛ أي: خرج من دين إلى آخر، ويقال: صبا يصبو صبوةً وصبوًا؛ أي: مال، كذا في «الصحاح».\nوقرأ الجمهور: (والصابئين)؛ بالهمزة بعد الباء؛ كالخاطئين، وقرأ نافع: بياء تحتية ساكنة بعد الموحدة بغير همزة بينهما،\n_________\n(^١) في الأصل: (الحسين)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (سهوى)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (حفظه)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":209},{"text":"وقُرئ: بيائين خالصتين بدل الهمزة، جعله من صبا ناب البعير، ومن لم يهمزه؛ يحتمل أن يجعله من المهموز، ويبدل همزة (صابئ) حرف علة؛ للتخفيف إما إلى ياء، أو إلى واو، ثم يعل كإعلال قاض أو غاز، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلا في الشِّعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقًا، ويحتمل أن يجعله من صبا يصبو؛ إذا مال، فأعلَّ (الصابئ) كإعلال (الغازي).\nواختلف العلماء في تفسيره، فقال أبو العالية: هم (فرقة)؛ أي: طائفة (من أهل الكتاب يقرؤون الزَّبور) ويصلُّون إلى الكعبة، فهم مصدقون بقلوبهم بجميع ما يجب أن يصدق به دينهم قبل أن ينسخ، فأخبر سبحانه عنهم بأن لهم أجرًا جزيلًا (^١) ولا خوف عليهم ولا حزن؛ لأنَّ أصل دينهم دين نوح ﵇، وكان دينًا حقًّا قبل أَنْ يُنْسخ، وهذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وهو قول أبي العالية، وقتادة، والسدي، وأبي جعفر الرازي، فهم كأهل الكتاب في حل ذبائحهم، ونكاح نسائهم؛ لأنَّهم يقرؤون الزبور، ويُعْظِّمون الكواكب تعظيم القبلة حيث يتوجهون إليها في صلاتهم، كما يتوجه المسلمون إلى الكعبة، ويقولون: إن الله تعالى أمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قِبلةً للصَّلاة والدُّعاء.\nوقال أبو زيد: (الصَّابئون أهل دينٍ من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله)، وقال الحسن: (أخبر زياد: أَنَّ الصابئين يصلون للقِبلة، ويصلُّون الخمس)، قال: فأراد أن يضع عليهم الجزية فأخبر بعد أَنَّهم يعبدون الملائكة.\nوقال مُجَاهِد: (هم فرقة بين المجوس واليهود).\nوقال ابن الأنباري: (هم فرقة من النصارى، قولهم أكبر من قول النصارى)، وعلى هذا؛ فلا دين لهم، ولا أجر، بل هم ممن باؤوا بغضب من الله، فلا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، وهذا قول الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن، وهو قول الحسن البصري، وابن أبي نجيح.\nقلت: وظاهر الآية الشريفة يردُّ هذا؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ آمَنُوا﴾؛ المؤمنون حقًّا: المتديِّنون بدين النبيِّ الأعظم ﷺ، والذين هادوا: اليهود الذين تابوا ولم يغيروا، والنصارى: نصارى عيسى ﵇، والصابئين: الخارجون من الباطل إلى الحق من آمن بالله؛ دام منهم على الإيمان به ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فلو كان كما قالوا؛ لما وعدهم سبحانه بالأجر وعدم الخوف والحزن؛ لأنَّ المستحق لذلك هو المتدين بدين الحق، والمقيم عليه وعلى العمل الصَّالح، على أَنَّ هذا الاختلاف مبنيٌ على أنهم عبدة الأوثان؛ لأنَّهم يعبدون الكواكب، فالجُمهور على أنهم يعظِّمون الكواكب كتعظيم المسلم الكعبة، وعلى هذا؛ فيجوز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم بالإجماع، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٨٣\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-583>[باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت </span>أو خاف العطش تيمم]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين في بيان (إذا خاف الجنب) أي: الذي يجد الماء وهو صحيح مقيم في المصر، والمراد بالخوف: غلبة الظنِّ عن أمارة أو تجربة صحيحة، أو إخبار طبيب مسلم حاذق غير ظاهر الفسق، وقيل: عدالته شرطٌ (على نفسه المرض) إن اغتسل بالماء، وكذا إذا خاف تلف عضو من أعضائه، أو كان مريضًا، فخاف أن يزيد مرضه أو بطؤه؛ فإِنَّهُ يتيمم عند الإمام الأعظم، وقال الإمامان أبو (^٢) يوسف، ومحمَّد بن الحسن: لا يتيمم، قال الإمام الجليل قاضيخان: (الجُنُب الصحيح في المِصْر إذا خاف الهلاك من الاغتسال؛ يُباح له التيمم عند الإمام الأعظم خِلافًا للصاحبين) انتهى.\nوكذا لو كان صحيحًا فخاف حدوث مرض؛ فإنه يتيمم، كذا في شرح «النقاية» للعلامة القهستاني فَعُلِم أَنَّ اليسير من المرض لا يبيح التَّيمم، وهو قول الجمهور، كذا في «البحر»، وهذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وقال مالك، والثَّوري: إذا خاف الجنب على نفسه المرض؛ يُبَاح له التَّيمم مع وجود الماء، ويلحق به خوف الزيادة، وهو الأصح عند الشَّافعي، وفي رواية عن مالك: بالمنع، وبه قال أحمد، وقال عطاء، والحسن البصري: لا يُبَاح التيمم بالمرض أصلًا، وكرهه طاووس، وإنَّما يجوز له التَّيمم عند عدم الماء، فأما مع وجوده؛ فلا يجوز، وهو قول الإمامين كما سبق، وإن كان المرض لا يلحقه باستعمال الماء ضررٌ كالصداع والحمى؛ لا يجوز له التَّيمم، كذا في «الحلية»، وهو رواية عن مالك، وقال داود: يجوز، وهو رواية عن مالك أيضًا، ولا فرق عند الإمام الأعظم في زيادة المرض بين أن يزداد بالتحرك؛ كالمبطون، أو باستعمال؛ كالجدري، كما صَرَّح به في «منهل الطُّلاب»، فلو خاف من استعمال الماء شيئًا في المحل؛ يجوز له التَّيمم عندنا للضَّرورة الدَّاعية، وهي كونه يصير مشوه الخِلقة، وربما يسود وجهه، أو تتعطل عينه، أو أنفه، أو غير ذلك، وهو قولٌ للشَّافعي، وفي آخر عنه: إنَّه لا يجوز، وتمامه في «عُمدة القاري»، (أو) خاف الجُنُب على نفسه (الموت) إنِ استعمل الماء حيث يقتله البرد؛ فيُبَاح له التيمم، وهذا بلا خلاف، وذكر قاضيخان اختلاف الرِّواية عن الإمام الأعظم، فجوَّزه شيخ الإسلام، ومنه شمس الأئمَّة السَّرخسي.\nقلتُ: والجواز قول الإمام الأعظم، والمنع قول الإمامين أبي يوسف ومُحمَّد بن الحسن، وأما الجُنُب المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال؛ فيجوز له التَّيمم عندنا اتفاقًا، كما صرَّح به في «الخانية»، وقيَّد المؤلف بالجنب احترازًا عن المُحدِث؛ لما في «الخانية»: المحدث في المصر إذا خاف الهلاك من التَّوضؤ، اختلفوا فيه على قول الإمام الأعظم، والصَّحيح أنه لا يُبَاح له التيمم، وذكر\n_________\n(^١) في الأصل: (أجر جزيل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أبي).","vol":"1","page":210},{"text":"مثله صاحب «الخُلاصة» وغيره، ووجهه أنَّ الخوف هنا غير معتبر؛ لأنَّه مجرد وَهم؛ حيث لا يتحقق ذلك في الوضوء عادةً، قاله في «فتح القدير»، وقال في «النهر»: (يجوز التيمم للمحدث في المصر، واختاره صاحب «الأسرار»، وهو قول بعض علمائنا، لكن الأصح عدم جوازه للمحدث إجماعًا، إنَّما الخلاف في الجنب) انتهى.\n (أو خاف العطش) وهذا غير مقتصر على الجُنُب الذي يخاف العطش، بل المحدث والجنب فيه سواء، قاله إمام الشَّارحين، قال في «منهل الطُلاب»: (وأما الماء المُحتاج إليه للعطش؛ فإنَّه يجوز مع وجوده التَّيمم)، قال في «البحر»: (لأنَّه مشغول بحاجته، والمشغول بالحاجة كالمعدوم سواء كان العطش لنفسه أو لكلبه، كما في «الدر المختار»، وقيَّده في «النهر» بكلب الماشية والصيد) انتهى.\nومفاده أنه لو لم يكن كذلك؛ لا يُعْطَى هذا الحكم، والظَّاهر أَنَّ كلب الحراسة للمنزل مثلهما، وفي «البحر»: (وعطش رفيقهُ ودابتهُ حالًا أو مآلًا؛ كعطشه وسواء كان المحتاج للعطش رفيقه المخالط له، أو آخر من أهل القافلة) انتهى.\nوعطشُ دابة رفيقه كعطش دابته، كما صرَّح به العلامة نوح أفندي، وظاهره: أنَّ عطش كلب رفيقه كعطش كلبه، وقَيَّد ابن الكمال: عطش دوابه بتعذر حفظ الغسالة بعدم الإناء؛ يعني: فإذا كان عنده إناء يحفظ الماء به؛ يلزمه الوُضوء، وحِفظ الماء وسَقيه لِدابته وكلبه، ولا يجوز له التَّيمم، وتمامه في «منهل الطُلاب»، والله تعالى أعلم بالصَّواب.\nوقوله: (يتيمم) جواب (إذا)، وفي رواية: (تيمم)؛ أي: مع وجود الماء لهذه الأعذار، كما ذكرناها، ومنها المرأة بين رجال، والرجل بين النساء؛ يتيممان ولا إعادة عليهما؛ لأنَّ المانع شرعي؛ وهو كشف العورة عند مَنْ لا يحل [له] رؤيتها، والمانع منه الحياء وخوف الله تعالى، وهما منه تعالى، وفي «المغني» لابن قدامة الحنبلي: (أو كان الماء عند جمع فُساق فخافت المرأة على نفسها الزِّنى؛ جاز لها التَّيمم)، وقال في «البحر»: (والماء المحتاج إليه لعجين كالمعدوم حكمًا، وكذا المحتاج إليه للطَّبخ إما لاتخاذ المرقة؛ فلا يتيمم، وسئل العلامة أبو السُّعود عما إذا احتاجه للقهوة؟ فأجاب: إن كان يلحقه بتركها مشقة؛ يتيمم، وإلا؛ فلا) انتهى.\nوينبغي أن يقال في الطَّبيخ بالمرق سواء كان من أهل المدن أو القرى، وتمامه في «منهل الطُّلاب» ووجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله والذي بعده ظاهر؛ لأنَّ هذه الأبواب كلها في حكم التيمم.\n (ويُذكر)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، وهو تعليق بصيغة التمريض، وقد وصله الحاكم، والدارقطنيُّ: (أَنَّ عَمْرو بن العاص): هو أبو عبد الله عَمْرو بن العاص بن وائل بن هاشم القُرشي السَّهمي أميرُ مصر، قَدِمَ على النَّبيِّ الأعظم ﷺ في سنة ثمان قبل الفتح مُسلمًا، وهو من زُهَّاد قريش، ولَّاه ﵇ على عُمَان ولم يزل عليها حتى قُبِضَ النبيُّ الأعظم ﷺ، مات بمصر سنة ثلاث وأربعين على المشهور يوم عيد الفطر، وصلَّى عليه ابنه عبد الله، ثم صلَّى العيد بالناس (أجنبَ)؛ أي: صار جنبًا، فالهمزة للضرورة (في ليلةٍ باردةٍ) وفي رواية أبي داود: قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسل)، وهي وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ بها ماء بأرض حذام، يقال له: السَّلاسل، وكانت الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، قال عمرو: (فأشفقت)؛ أي: خِفتُ إنِ اغتسلت أَنْ أهلك؛ (فتيمم) وفي رواية أبي داود: (فتيممت، ثُمَّ صليت بأصحابي الصُّبح)، (وتلا) وعند الأصيلي: (فتلا) أي: قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾)؛ أي: بإلقاء النفس في التهلكة أو بالنجع؛ كما يفعله المتصوفة، أو بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها، أو باقتراف ما يُذللها ويرديها، فإنَّه القتل الحقيقي للنفس، والمراد بالنجع: القتل، ففي «الصحاح»: (نجع نفسه نجعًا؛ أي: قتلها غمًّا؛ يعني: قتل نفسه تأسُّفًا وحزنًا على الشَّيء الفائت)؛ كأنه قيل: لا تقتلوا أنفسكم بالتحزُّن على ما فات عنكم من فضائل الأبرار، وإن كان ذلك لقصد الرياضة وتقوية جانب الروحانية؛ فإن الرياضة إنَّما تنفع وتفيد تقوية جانب الروحانية إذا كانت على قانون الشرع، فما يروى عن المتصوفة من حبس النفس أيامًا كثيرة على قصد الرياضة ومخالفة الهوى بحيث يؤدي ذلك إلى هلاكهم؛ فما هو إلا جَهالة محضة يُهْلِكون أنفسهم بلا فائدة، والمراد بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها: هو كالزنى بعد الإحصان، وقتل النفس المعصومة بغير حق، والردة، فإن من ارتكب واحدًا منها؛ فكأنه قتل نفسه، والمراد: باقتراف ما يذللها ويرديها؛ أي: من المعاصي والرُّكون إلى اللذات العاجلة، فإن اقترافها وإن لم يؤد إلى القتل الحسي؛ فإنه يؤدي إلى القتل الحقيقي للنفس، (﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾) [النساء: ٢٩]؛ يعني: أنَّه كان بكم يا أُمة محمَّد النَّبيِّ الأعظم ﷺ رحيمًا لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه، فقد حمل عَمْرو بن العاص هذه الآية على معنى: لا تُباشروا ما يُخافُ منه أن يؤدي إلى هلاك أنفسكم، (فذُكر)؛ بضمِّ الذال المعجمة مبنيًّا للمجهول؛ أي: ما فعله عَمرو (للنَّبيِّ) الأعظم، وللأصيلي: (فَذُكر ذلك)؛ أي: ما فعله عَمرو للنَّبيِّ الأعظم (ﷺ) وفي رواية أبي داود: (فذَكروا)؛ أي: أصحاب عَمرو ذلك للنَّبيِّ الأعظم ﷺ، فقال: «يا عَمرو؛ صليتَ بأصحابك وأنت جنب؟»، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، (فلم يُعنفه)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ على ذلك؛ يعني: لم يُنكر عليه، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: (فلم يُعنف)؛ بدون الضمير حذف للعلم به؛ أي: لم يُعنف النَّبيُّ عَمْرًا على ذلك، ولم يُنكر عليه ما فعله [بعدم] تَعنيفه، وفي رواية أبي داود: (فضحك النَّبيُ الأعظم ﷺ، ولم يقل شيئًا، فعدم تَعنيفه إياه وكذا ضَحِكه، وعدم إنكاره عليه دليلٌ على الجواز؛ والتقرير به دليلٌ على عدم إعادة الصَّلاة الَّتي صلاها بالتَّيمم في هذه الحالة، وهو حُجةٌ على من أوجب الإعادة، كما لا يخفى، وإنَّما ذكر المؤلف هذا","vol":"1","page":210},{"text":"التعليق بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره لا لكونه ضعيفًا؛ لأنَّ عادته ذكر التعاليق بهذه الصِّيغة، والحال أنَّها صحيحة، وزعم القسطلاني أَنَّ هذا التَّعليق رُوي من غير ذكر التَّيمم.\nقلت: وهو باطلٌ، فإنَّ البُخاريَّ ذكره، وكفى به حُجة، على أنَّه قد روى هذا التَّعليق الدَّارقطني، والحاكم، وأبو داود من طُرقٍ متعددة، فقال أبو داود: حدثنا ابن المثنى: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: سمعت ابن أيُّوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرَّحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذاتِ السلاسل، فأشفقتُ إِنِ اغتسلت أَنْ أهلك فتيممت، ثُمَّ صليت...) إلى آخره، ورواه أبو داود أيضًا وذَكرَ فيه التَّيمم، وقال: إنَّ الأوزاعي روى عن حسان بن عطية هذه القصة، فقال فيها: (فتيمم)، وكذلك رواه عبد الرزاق من طريقين؛ أحدهما فقال: (فتيمم)، فالمُثبت مُقدمٌ على النَّافي، كما لا يخفى، وظاهر سياق المؤلف أن عَمْرًا (^١) تلا الآية وهو جُنب، وليس كذلك، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ الأعظم ﷺ، ويدل عليه حديث أبي داود، ولفظه: فقال -أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ-: «يا عَمْرو؛ صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟»، فأخبرته بالذي منعني مِنَ الاغتسال، وقلت: إنِّي سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ...﴾؛ الآية، فإنَّ ظاهره أنَّه تلاها بعد رجوعه له ﵇، ويُحتمل أنَّه خَطرت الآية على فِكره حين كان جُنبًا؛ لأنَّه قد استدل بها على جواز التَّيمم لخوف البرد أَنْ يُهلكه، وفيه دليلٌ على جواز التَّيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان للبرد أو غيره وسواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كان جُنبًا أو مُحدثًا، وفيه دِلالة على جواز الاجتهاد في عصره ﵇، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٨٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-584>[حديث عبد الله: لو رخصت لهم في هذا]</span>\n٣٤٥ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا بِشر)؛ بكسر الموحدة، وسكون الشين المعجمة (بن خالد) العسكري أبو مُحمَّد الفرائضي المتوفَّى سنة ثلاث وخمسين ومئتين، (قال: حدثنا مُحمَّد): هو ابن جعفر البصري.\nوقوله: (هو غُندر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة من كلام المؤلف، وليس هو من لفظ شيخه، وهو ساقطٌ في رواية الأصيلي ثابت في غيرها، قاله إمام الشَّارحين، (عن شُعبة): هو ابن الحجاج، وفي رواية الأصيلي: (حدثنا شُعبة)، وفي رواية ابن عساكر: (أخبرنا شُعبة) (عن سُليمان): هو ابن مهران الأعمش، (عن أبي وائل): هو شقيق بن سَلَمَة (قال: قال أبو موسى): هو عبد الله بن قَيْس الأشعري (لعبد الله ابن مسعود): أحد الفقهاء السبعة، والعَبادلة الأربعة ﵄: (إذا لم يجد) أي: الجُنُب (الماء)؛ أي: المطلق الكافي لطهارته؛ (لا يُصلي)؛ بصيغة الغائب في (يجد)، و(يصلي): رواية كريمة، وفي رواية غيرها بصيغة الخطاب في الموضعين، وهذا على سبيل الاستفهام، والسؤال من أبي موسى عن (^٢) عبد [الله] بن مسعود، فأبو موسى يُخاطب عبد الله (قال) وفي رواية الإسماعيلي: (فقال) (عبد الله) أي: ابن مسعود، زاد الإسماعيلي في روايته: (نعم؛ إذا لم أجدِ الماء شهرًا؛ لا أُصلي)، وفي رواية ابن عساكر: (نعم)؛ أي: لا يصلي، قال: (لو رَخصتَ)؛ بفتح التاء خطاب لأبي موسى (لهم)؛ أي: يسرت وسهلت لكل من أجنب (في هذا)؛ أي: في جواز التَّيمم للجُنب؛ (كان) ولابن عساكر: (وكان)؛ أي: أصحاب النَّبيِّ الأعظم ﷺ (إذا وجد أحدهم البرد) وغيره مما يوجب الهلاك أو التَّلف لبعض الأعضاء، وغير ذلك مما ذكرناه (قال هكذا) قال أبو موسى مفسرًا قول ابن مسعود (يعني) أي: يقصد ويريد: (تيمم وصلى) ففيه إطلاق القول على الفعل، (وقال) أي: أبو موسى: (قلت: فأين قول عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعُمر؟): ابن الخطاب ﵁؛ أي: في قوله السَّابق: كنا في سفرٍ، فأجنبت، فتمعكت في التُّراب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «يكفيك الوجه واليدين»، (قال) أي: ابن مسعود: (إِنِّي) وفي رِواية: (فإنِّي) (لم أر) أي: لم أَظنَّ، أو لم أعتقد (عُمر) أي: ابن الخطاب (قَنِعَ)؛ بكسر النون؛ أي: رضي وأخذ (بقول عمَّار) أي: ابن ياسر، وإِنَّما لم يقْنع عمر بقول عمَّار؛ لأنَّه كان حاضرًا معه في تلك السَّفرة، ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك، فلم يَقْنع بقوله، وقد وقع هكذا هنا مختصرًا في رواية شُعبة، ويأتي الآن رواية عُمَر بن حفص، ثُمَّ رِواية أبي معاوية بأتم وأكمل، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٨٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-585>[حديث أبي موسى: إنَّا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد </span>على أحدهم]\n٣٤٦ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عُمر بن حفص) بضمِّ عين (عُمَر)، وفتح ميمه «قال: حدثنا أبي): هو حفص المذكور ابن غياث؛ بالمعجمة أوله وآخره، (عن الأعمش): هو سُليمان بن مهران، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: (حدثنا الأعمش) (قال: سمعت شقيق بن سَلَمَة): هو أبو وائل، ففيه فائدة التصريح بسماع الأعمش من شقيق، وهو يَرُدُّ على من أنكر ذلك، (قال: كنت عند عبد الله) أي: ابن مسعود (وأبي موسى) أي: عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵄، يحتمل أنهما كانا قاعدين في المسجد النبوي يتحدثان، (فقال له) أي: لابن مسعود (أبو موسى) الأشعري: (أرأيت)؛ معناه: أخبرني (يابا عبد الرَّحمن) وهي كُنية ابن مسعود، وأصله: يا أبا عبد الرَّحمن؛ فحذفت الهمزة فيه تخفيفًا، كذا في «عُمدة القاري»؛ (إذا أجنب) أي: إذا صار الرَّجل جنبًا (فلم يجد الماء) أي: الكافي لطهارته، وفي رواية: (ماء)؛ بالتنكير، لا يقال: (ماء) نكرة في سياق النفي تتناول ما سمَّى به قليلًا كان أو كثيرًا، وهو يقتضي ألَّا يجوز التَّيمم إلا بعد استعمال ما معه من الماء وإن كان لا يكفي كما في إزالة النَّجاسة الحقيقية؛ لأنا نقول: المراد ما يُحِلُ به الصَّلاة، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه وإن تناوله النكرة المذكورة، والحل موقوف على ما يكفي بالاتفاق؛ فافهم.\n (كيف يَصْنع)؛ بصيغة الغائب فيه، وفي (يجد)؛ أي: كيف يصنع الرجل في جنابته، وفي رواية: (إذا أجنبت فلم تجد الماء؛ كيف تصنع)؛ بتاء الخِطَاب في الثلاثة، لكن الرواية بصيغة الغائب أشهر وأوجه بدليل قوله: (فقال عبد الله) أي: ابن مسعود: (لا يصلي) أي: الرَّجل الذي لا يجد الماء (حتى) أي: إلى أن (يجد الماء) الكافي؛ بصيغة الغائب، وفي رواية الأصيلي: (حتى تجد)؛ بتاء الخطاب، وسقط عنده وابن عساكر لفظة: (الماء)، فاقتصرا على قوله: (حتى تجد)؛ يعني: الماء المطلق الكافي لطهارته، (فقال أبو موسى) أي: الأشعري:\n_________\n(^١) في الأصل: (عمرو)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (من)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":211},{"text":"(فكيف تصنع) بتاء الخطاب (بقول عمَّار): هو ابن ياسر (حين قال له النبيُّ) الأعظم (ﷺ) لما سأله أنه أجنب، وتمعك بالتراب، فقال له: (كان يكفيك) أي: في التطهير مسح الوجه والكفين، (قال) أي: ابن مسعود: (ألم تر) أي: تظن (عمر): هو ابن الخطاب (لم يقنع)؛ أي: لم يأخذ.\nوقوله: (منه)؛ أي: من عمار، ثابت في أكثر الروايات، ساقط في رواية (بذلك)؛ أي: بالحكم المذكور، (فقال أبو موسى)؛ أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (فدعنا)؛ أي: اتركنا، وكلمة (دع) أمر من يدع، وأمات العرب ماضيه؛ والمعنى: اقطع نظرك (من قول عمار) أي: ابن ياسر المذكور، (كيف تصنع) بالخطاب (بهذه الآية؟)؛ أي: فيما ورد في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا...﴾؛ الآية [النساء: ٤٣]، (فما درى) أي: فلم يعلم (عبد الله) أي: ابن مسعود (ما يقول) في توجيه الآية على وفق فتواه، ولعل المجلس لم يكن يقتضي تطويل المناظرة، وإلا؛ فكان لعبد الله أن يقول المراد من الملامسة في الآية: تلاقي البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا من الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وحاصله: أن عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ لا يجوزان التيمم للجنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فأبطلا هذه الرخصة مع ما فيها من إسقاط الصَّلاة عن المخاطب بها، والمأمور بأدائها؛ لأنَّهما تأولا الملامسة في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على مماسة البشرتين من غير جماع، كما مر؛ لأنَّهما لو أرادا الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، فإنه تعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ يعني: فاغتسلوا، ثم قال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فقد جعل التيمم بدلًا عن الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، والله تعالى أعلم، (فقال) أي: ابن مسعود لأبي موسى: (إنا) أصله: إننا؛ فحذفت النون ضمير متصل تخفيفًا (لو رخصنا) أي: يسرنا وسهلنا (لهم) أي: للمسلمين (في هذا) أي: في جواز التيمم للجنب؛ (لأوشك)؛ بفتح الهمزة فعل ماض؛ معناه: قرب وأسرع، ففيه رد على من زعم أنه لا يجيء من باب (يوشك) ماضيًا، ولا يستعمل إلا مضارعًا (إذا برد)؛ بفتح الموحدة، والراء، قال الجوهري: (بضمِّ الراء)، والمشهور الفتح (على أحدهم الماء) فخاف إن استعمله؛ يهلكه البرد (أن يدعه)؛ بفتح التحتية أوله، والدال المهملة؛ أي: يترك استعمال الماء المطلق، (ويتيمم)؛ أي: خلفًا عنه.\nفإن قلت: ما وجه الملازمة بين الرخصة في تيمم الجنب، وتيمم المتبرد حتى صح أن يقال: لو رخصنا لهم في ذلك؛ لكان إذا وجد أحدهم البرد تيمم؟\nقلت: الجهة الجامعة بينهما هو اشتراكهما في عدم القدرة على استعمال الماء؛ لأنَّ عدم القدرة إما لفقد الماء، وإما لتعذر الاستعمال، كذا في «عمدة القاري».\n (فقلت) يعني: قال الأعمش: قلت (لشقيق): هو أبو وائل: (فإنما)؛ بالفاء في رواية جميع الرواة، وقيل: بل أكثرهم، وفي رواية: (وإنما)؛ بالواو (كره عبد الله) أي: ابن مسعود؛ يعني: لم يجوز التيمم للجنب (لهذا)؛ أي: لأجل هذا المعنى، وهو احتمال أن يتيمم للبرد، (فقال) أي: شقيق، وفي رواية: (قال) (نعم) يعني: كرهه لذلك، وهذا يدل على أن الكراهة ليست بمعنى عدم الجواز، بل بمعنى الجواز مع الإساءة لكن الذي قدمه يدل على عدم الجواز، ولهذا اختار علماؤنا المتقدمون؛ كصاحب «الهداية» والإمام القدوري: التعبير بالكراهة فيما لا يجوز، فاختلط على بعض من يدَّعي (^١) العلم، فقال ما قال من جهله، وعدم معرفته، فردع عن ذلك أشد الردع، وأبكم، وأفحم.\nوزعم الكرماني: فإن قلت: الواو لا تدخل بين القول ومقوله، فلم قال: (وإنما كره)؟ قلت: هو عطف على سائر مقولاته المقدرة؛ أي: قلت كذا وكذا أيضًا، انتهى.\nورده إمام الشارحين فقال: (قلت: كأنه اعتمد على نسخة فيها: «وإنما»؛ بواو العطف، والنسخ المشهورة: «فإنما»؛ بالفاء) انتهى.\nوعلى هذا؛ فكلام الكرماني ساقط الاعتبار؛ فافهم، قال إمام الشارحين: وفي الحديث فوائد؛ الأولى: فيه جواز المناظرة، وقال الخطابي: والظاهر منها يأتي على إهمال حكم الآية، وأي عذر لمن ترك العمل بما في هذه الآية من أجل أن بعض الناس عساه أن يستعملها على وجهها، وفي غير جنسها؟ وأما الوجه؛ فيما ذهب إليه عبد الله من إبطال هذه الرخصة مع ما فيه من إسقاط الصَّلاة عمن هو مخاطب بها ومأمور بإقامتها.\nوأجيب عن هذا: بأن عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع، إذ لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة الآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه.\nالثانية: فيه أن رأي عمر وعبد الله ﵄ انتقاض الطهارة بملامسة البشرتين، وهي المسماة بالمباشرة الفاحشة؛ وهي التقاء الفرج بالفرج؛ لأنَّها لا تخلو عن ظهور مذي غالبًا، وهو كالمتحقق، وأن الجنب لا يتيمم.\nوالثالثة: فيه جواز التيمم للخائف من البرد، قاله ابن بطال.\nقلت: ومذهب الإمام الأعظم: أنه يجوز التيمم للجنب المقيم إذا خاف البرد.\nالرابعة: فيه جواز الانتقال في المحاجة من دليل إلى دليل آخر؛ مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك جائز للمتناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم، كما في محاجة إبراهيم ﵇ ونمرود عليه اللعنة، ألا ترى أن إبراهيم لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فلم يحتج إلى توقفه على كيفية إحيائه وإماتته، بل انتقل إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فأفحم نمرود عند ذلك) انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٨٦\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-586>[باب: التيمم ضربة]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، كما قدرنا: (التيمم)؛ بالرفع مبتدأ (ضربة)؛ بالرفع خبره، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني كما في «عمدة القاري»: (باب)؛ بلا تنوين للإضافة إلى (التيمم)، و(ضربة)؛ بالنصب على الحال؛ والتقدير: هذا باب في بيان صفة التيمم حال كونه ضربة واحدة، وقد ذكرنا أن في صفة التيمم قولين (^٢)، وأن الرواية: (ضربة واحدة) أولى من رواية: (ضربتين)\n_________\n(^١) في الأصل: (يدَّع)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (قولان)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":211},{"text":"عند البخاري؛ فلذلك بوَّب عليه، قاله إمام الشارحين.\nقلت: وقد تقدم عن الحافظ الطحاوي والترمذي، وغيرهما: أن حديث عمار لا يصلح حجة في كون التيمم ضربة واحدة؛ لاضطرابه واختلافه كما تقدم.\nفإن قلت: شرط الحال أن يكون من الصور الثلاثة التي يقع فيها الحال من المضاف إليه، وهي أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، أو كجزئه، أو عاملًا في الحال، وليس هذا منه.\nقلت: أجيب: بأن المعنى: باب شرح التيمم، فالتيمم بحسب الأصل مضاف إلى ما يصلح عمله في الحال، فهو من الصور الثلاث، قاله بعضهم، وفيه نظر.\n\n <span id=\"b-٥٨٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-587>[حديث شقيق: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى]</span>\n٣٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سلام)؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وفي رواية الأصيلي: (محمَّد هو ابن سلام)، وفي رواية: (محمَّد) فقط (قال: حدثنا) وفي رواية كريمة: (أخبرنا) (أبو معاوية)؛ بضمِّ الميم: هو محمَّد الضرير بن خازن؛ بالمعجمتين، (عن الأعمش): هو سليمان بن مهران؛ بفتح الميم، (عن شقيق): هو أبو وائل بن سَلَمَة (قال) أي: شقيق: (كنت جالسًا) يومًا (مع عبد الله): هو ابن مسعود (وأبي موسى): هو عبد الله بن قَيْس (الأشعري) ﵄، يحتمل جلوسهم أن يكون في المسجد النبوي، ويحتمل أن يكون في بستان من بساتين المدينة يتحدثون، (فقال له) أي: لابن مسعود (أبو موسى) أي: الأشعري: ما تقول (لو أن رجلًا أجنب)؛ أي: صار جنبًا (فلم يجد الماء) أي: لم يقدر على استعماله إما لفقده، أو لتعذر الاستعمال (شهرًا) ليس بقيد، بل هو اتفاقي؛ لأجل المبالغة؛ (أما كان يتيمم ويصلي؟) بالهمزة في (أما)، وهي رواية الأصيلي، وكريمة، وفي رواية غيرهما بإسقاط الهمزة، وفي رواية مسلم: (قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا)، ثم الهمزة فيه إما مقحمة، وإما للتقرير، وإما للاستفهام، و(ما) نافية على أصلها، وعلى التقديرين الأولين: وقع جوابًا لـ (لو)، أما تقدير الإقحام؛ فلأن وجوده كعدمه، وأما على تقدير التقرير؛ فلأنَّه لم يبق على معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وعلى التقدير الثالث فهو جواب (لو)، لكن يقدر القول في الأوليين قبل (لو)، وفي الثالث قبل (إما)، فعلى الأولين؛ يعني: يقولون: لو أجنب رجل؛ ما يتيمم، وعلى الثالث: لو أجنب رجل؛ يقال في حقه: أما تتيمم، ويجوز على هذا أن يكون جواب (لو) هو قوله: (فقال) أي: أبو موسى: (فكيف تصنعون) وفي رواية مسلم: (كيف نصنع بالصَّلاة؟)؛ يعني: مع قولكم: لا يتيمم (بهذه الآية)، وفي رواية الأصيلي: (فما تصنعون بهذه)؛ يعني: الآية التي (في سورة المائدة؟) إنَّما عين سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء؛ لتقدم حكم الوضوء في المائدة، ولأنَّها آخر السور نزولًا (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾)؛ أي: اقصدوا (﴿صَعِيدًا﴾)؛ أي: وجه الأرض (﴿طَيِّبًا﴾) [النساء: ٤٣]؛ أي: طاهرًا، وهذا بيان للمراد من الآية، ووقع في رواية الأصيلي: (فإن لم تجدوا)، وهو مغاير للتلاوة، وقيل: إنه كذلك في رواية أبي ذر، ثم أصلحها على وفق التلاوة، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم الخطابي أنَّ هذا يدل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة: الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا؛ لكان يقول له: المراد من الملامسة: التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا عن الوضوء لا يستلزم أن يكون بدلًا عن الغسل.\nورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: ولا يخفى أنَّ عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع؛ لأنَّه لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه) انتهى.\n (فقال عبد الله): هو ابن مسعود: (لو رُخص)؛ بضمِّ الراء مبنيًّا للمجهول (لهم) أي: للمسلمين (في هذا) أي: في تيمم الجنب؛ (لأَوشكوا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لأقربوا وأسرعوا (إذا بَرَد) بفتح الموحدة، والراء على المشهور، وقد تضم الراء (عليهم الماء)، فخافوا أن يهلكهم (أن يتيمموا) أي: يقصدوا (الصعيد) وللأصيلي: (بالصعيد)؛ أي: وجه الأرض.\n (قلت)؛ أي: قال الأعمش: قلت لشقيق: (وإنما) بالواو، وفي رواية الأصيلي، وأبي ذر: (فإنما) (كرهتم) أي: لم تجوزوا (هذا)؛ أي: تيمم الجنب (لِذا)؛ بكسر اللام؛ أي: لأجل تيمم صاحب البرد، وفي رواية عمرو بن حفص: (فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله؛ لهذا قلت)، وقول القسطلاني وفي رواية حفص بن عمر السابقة خطأ، والصواب عمرو بن حفص؛ فافهم.\n (قال) أي: شقيق (نعم) كرهنا هذا لذا، وقول الكرماني وتبعه البرماوي: قوله: (قلت هو مقول شقيق): خطأ ظاهر، ولهذا قال إمام الشارحين: (قلت: ليس كذلك، بل القائل ذلك: هو الأعمش، والمقول له: هو شقيق، كما صرح بذلك في رواية عمرو بن حفص التي مضت قبل هذه) انتهى.\nفانظر ما أدق نظر إمام الشارحين! وما أفتر نظر الكرماني، وكذا البرماوي! وفوق كل ذي علم عليم.\n (فقال)؛ بالفاء، ولابن عساكر: (قال) (أبو موسى) أي: الأشعري لعبد الله: (ألم تسمع قول عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعمر): هو ابن الخطاب ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة)؛ أي: في سرية، كما في رواية مسلم، أو في سفر، كما في رواية آدم بن أبي إياس في باب (هل ينفخ فيهما أو في الإبل)، كما في رواية أبي داود، (فأجنبت) أي: صرت جنبًا، (فلم)؛ بالفاء، ولأبي الوقت: (ولم) (أجد الماء) المطلق الكافي إلى أن حضرت الصَّلاة، (فتمرغت) أي: تقلبت (في الصعيد) أي: على وجه الأرض؛ (كما تمرغ الدابة) أي: كما تتقلب الدابة، والكاف في (كما) إما مصدرية، أو للتشبيه، قال السيد: لفظة: (ما) في (كما) إن كانت كافة على مصححة لدخولها على الجملة؛ كانت للتشبيه بين مضمون جملتين، وإن كانت مصدرية؛ فاختار أبو البقاء وغيره: أن الكاف مع مجرورها نعت لمصدر محذوف؛ تقديره: تمرغًا؛ كتمرغ الدابة، ومذهب سيبويه: أن محله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ومنع أن يكون نعتًا لمصدر محذوف؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة.\nقلت:","vol":"1","page":212},{"text":"وقد أعرب جماعة؛ منهم: البيضاوي قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]؛ بالنصب على المصدر، و(ما) كافة، أو مصدرية، ويدل عليه ما ذكرناه عن السيد؛ فتأمل.\nو(تُمرُّغُ)؛ بتشديد الراء (^١)، وضم المثناة الفوقية قبلها، ورفع الغين المعجمة، وأصله تتمرغ؛ بالتاءين، فحذفت إحداهما للتخفيف، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، والدابة اسم لكل ما يدب على الأرض، والمراد بها: الخيل والحمير؛ لأنَّ التمرغ يكون منهما، (فذكرت ذلك للنبيِّ) الأعظم (ﷺ) والإشارة إلى ما فعله من التمرغ؛ لأجل رفع الحدث الأكبر عنه حتى يصلي فيه، (فقال) عليه [الصَّلاة] والسَّلام له: (إنما كان يكفيك) عوضًا عما فعلته (أن تصنع)؛ بالخطاب؛ أي: بالصعيد (هكذا)؛ يعني: أشار بيديه، (وضرب)؛ بالواو، وفي رواية: (فضرب) (بكفه)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (بكفيه)؛ بالتثنية (ضربة)؛ أي: واحدة (على أرض) وقدمنا في الأحاديث عن عدة صحابة يرفعونه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ: أن التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وأن أحاديث عمار لا تصلح حجة؛ لاضطرابها واختلافها، فالضربتان هو الأصح من الأحاديث، كما لا يخفى.\n (ثم نفضها)؛ أي: يده، وفي الروايات السابقة: (فنفخ فيهما)، وفي بعضها: (فتفل)، وهذا يدل على أنه ﵊ لم يبق (^٢) عليها من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النفض، والنفخ، والتفل تزيل أثر الغبار بالكلية، وإنما كان يفعل هذا؛ لأجل عدم تلويث الوجه بالغبار؛ لأنَّه يصير به الآدمي مثلة، وهو منهي عنه، وقد قال ﷿: ﴿لَقَدْ (^٣) خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، ومن حسن تقويمه ألَّا يلوث وجهه ويديه؛ فافهم.\n (ثم مسح بها)؛ أي: بيده الذي ضرب بها الأرض (ظهر كفه)؛ أي: اليمنى (بشماله) وفي رواية: (ثم مسح بهما)؛ أي: بيديه، (أو) مسح (ظهر شماله بكفه)؛ أي: اليمنى، كذا هو بالشك في جميع الروايات إلا في رواية أبي داود، فإنه رواه أيضًا من طريق أبي معاوية كما رواه البخاري، ولفظه قال: («إنما يكفيك أن تصنع هكذا»؛ فضرب بيديه على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه) انتهى.\nقال إمام الشارحين: وهذا يحرر رواية غيره؛ لأنَّ الحديث واحد، واختلاف الألفاظ باختلاف الرواة، وفيه دليل صريح على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعًا، ولكن العامة أجابوا عن هذا الضرب المذكور بأنه كان للتعليم، وليس المراد به: بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأنَّ الله تعالى أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء في أول الآية، ثم قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، والظاهر: أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء؛ فافهم.\nقلت: وعلى هذا؛ فالفرض في التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها، فإنَّها صريحة في ذلك، كما لا يخفى.\n (قال) وفي رواية: (فقال) (عبد الله): هو ابن مسعود لأبي موسى: (ألم تر)؛ أي: تبصر، أو تعلم (عمر): هو ابن الخطاب، وفي رواية الأصيلي وكريمة كما في «عمدة القاري»: (أفلم تر عمر) (لم يقنع)؛ أي: لم يأخذ (بقول عمار): هو ابن ياسر، ووجه عدم قناعته بقول عمار كما قاله إمام الشارحين: هو أنه كان معه في تلك القصة ولم يتذكر عمر ذلك، ولهذا قال لعمار فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: (اتق الله يا عمار)؛ أي: فيما ترويه، وتثبَّت فيه، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أتذكر شيئًا من هذا، ومعنى قول عمار: أني رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث، ووافقتك، وأمسكت، فإني قد بلغته، ولم يبق عليَّ حرج، فقال له عمر: (نوليك ما توليت)؛ أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره ألَّا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي في منعك من التحديث به) انتهى.\n (زاد) من الزيادة (يَعْلَى) بفتح المثناة التحتية أوله، وسكون العين المهملة، وفتح اللام: هو ابن عبيد بن يوسف الطنافسي الحنفي الكوفي، المتوفَّى سنة تسع ومئتين، وزعم الكرماني أن هذا إما داخل تحت إسناد محمَّد بن سلام، وإما تعليق من البخاري مع احتمال سماع البخاري منه؛ لأنَّه أدرك عصره.\nورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: هذا تعليق من البخاري، وقد وصله أحمد ابن حنبل في «مسنده»، ووصله أيضًا الإسماعيلي عن ابن زيدان: حدثنا أحمد بن حَازم: حدثنا يعلى: حدثنا الأعمش؛ فذكره) انتهى.\nقلت: فاحتمال ما زعمه الكرماني باطل، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (عن الأعمش): هو سليمان بن مهران، (عن شقيق): هو أبو وائل بن سَلَمَة (قال: كنت مع عبد الله): هو ابن مسعود (وأبي موسى): هو عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵄، يحتمل أنه كان معهما في بستان من بساتين المدينة، ويحتمل أنه كان معهما في المسجد النبوي، ويحتمل أنه كان معهما في الطريق يتحدثان وهو يسمع كلامهما، (فقال أبو موسى) أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء، أيتيمم ويصلي؟) قال عبد الله: (لا يتيمم ولا يصلي حتى يجد الماء)، فقال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: (ألم تسمع قول عمار): هو ابن ياسر (لعمر؟): هو ابن الخطاب ﵄ (إنَّ رسول الله)، وللأصيلي: (إن النبي) الأعظم (ﷺ بعثني)؛ يعني: أرسلني في حاجة، أو في سرية فذهبت (أنا وأنت) قيل: كان القياس أن يقول: بعثني إياي وإياك؛ لأنَّ (إيا) ضمير مرفوع، فكيف وقع تأكيدًا للضمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؟\nوأجيب: بأن الضمائر يقام بعضها مقام بعض، وتجري بينهما المناوبة، وهنا كذلك، كذا في «عمدة القاري».\n (فأجنبت)؛ أي: صرت جنبًا، وحضرت الصَّلاة، ولم أجد ماء للطهارة، (فتمعكت) أي: تقلبت (بالصعيد)؛ أي: على وجه الأرض كما تتمعك الدابة، (فأتينا رسول الله) وللأصيلي: (النبي) الأعظم (ﷺ) بعدما قضينا ما بعثنا إليه، (فأخبرناه)؛ يعني: عن البعث، وعن عدم وجود الماء وهو جنب، وأنه تمعك، (فقال) ﵇ له: (إنما كان\n_________\n(^١) في الأصل: (الميم)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (لم يبقي)، والمثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (ولقد)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":212},{"text":"يكفيك) أي: للطهارة من الجنابة (هكذا) وفي رواية الكشميهني: (هذا)، (ومسح وجهه وكفيه واحدة)؛ يعني: ضربة واحدة، وهذا التقدير هو المناسب لغرض المؤلف؛ لأنَّه ترجم الباب بقوله: (باب التيمم ضربة)، ويحتمل أن يقدر مسحة واحدة، وهو الظاهر من اللفظ، قاله إمام الشارحين.\nفإن قلت: لم يذكر في هذه الرواية: أنه ﵇ ضرب مرة أو مرتين، وزعم الكرماني أن التيمم وقع بالضربتين.\nورده إمام الشارحين: بأنه لا يدل شيء من الحديث على ذلك، انتهى.\nقلت: وهو كذلك، كما لا يخفى، ثم استكشل الكرماني، فزعم أنه إذا حمل على الضربة الواحدة، واستعمل في الوجه، فكيف مسح به الكفين؟\nوأجاب: بأن السؤال ساقط على مذهب من يقول: التراب لا يصير مستعملًا، وأما على مذهبنا؛ فوجهه أن يمسح الوجه بكف واحدة، ثم ينفض بعض الغبار في الكف الغير المستعملة إلى الأخرى، أو يدلك إحداهما بالأخرى، ثم يمسح اليدين بهما، انتهى.\nورده إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا الذي ذكره وجعله مذهبًا لا يفهم من هذا الحديث) انتهى.\nقلت: وهو كذلك فمن أين أخذه هذا القائل على أن قوله هذا متناقض، كما لا يخفى.\nقال في «البدائع»: (قال الإمام أبو يوسف: سألت الإمام الأعظم ﵄ عن كيفية التيمم؟ فقال: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فقلت: كيف هو؟ فضرب بيديه على الصعيد، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أعاد كفيه على الصعيد ثانيًا، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين)، ثم قال صاحب «البدائع»: (وقال بعض علمائنا: وينبغي أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك)، قال: (وهذا أقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتراز عن استعمال الصعيد المستعمل بالقدر الممكن) انتهى.\nقلت: وتعبيره (ينبغي) يقتضي استحباب هذه الكيفية، وقد اختارها صاحب «المحرر» من الشافعية، وجزم في «الروضة» باستحبابها، وذكر في «الكفاية» عكسها، ونقله عن «الأم»، قال القسطلاني: (ولم تثبت هذه الكيفية في السنة) انتهى.\nقلت: فعلينا اتِّباع ما ورد في السنة، فالكيفية التي نقلها صاحب «البدائع» عن الإمام الأعظم أولى؛ لأنَّها قد وردت في السنة، لا سيما وقد نقلت عن الإمام الأعظم صاحب المذهب المعظم الذي إلى غير مذهبه لا يذهب، ومن تحت نظره لا يهرب.\nقال الكرماني: اعلم: أن هذه الكيفية المذكورة في حديث هذا الباب مشكلة من جهات:\nأولًا: من الاكتفاء بضربة واحدة، وقد ثبت في الطرق الأُخرى أنه ضربتان، وقال النووي: (الأصح المنصوص ضربتان).\nوثانيًا: من جهة الاكتفاء بمسح ظهر كف واحدة، وبالاتفاق: مسح كلا ظهري الكفِّ واجب، ولم يجوز أحد الاجتزاء بأحدهما.\nوثالثًا: من حيث إن الكف إذا استعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه، وهو صار مستعملًا؟\nورابعًا (^١): من جهة أنه لم يمسح الذراعين.\nوخامسًا: من عدم مراعاة الترتيب، وتقديم الكف على الوجه.\nوأجاب عن الأول: بالمنع؛ بأنا لا نسلم أن هذا التيمم كان بضربة واحدة، وأجاب عن الثاني: بأنه لا بد من تقدير: ثم ضرب ضربة أخرى، ومسح بها، وأجاب عن الثالث: بما لا طائل، وأجاب عن الرابع: بمنع إيجاب مسح الذراعين، ولهذا قالوا مسح الكفين أصح في الرواية، ومسح الذراعين أشبه بالأصول، وأجاب عن الخامس: بمنع إيجاب الترتيب، كما هو مذهب الأئمَّة الحنفية.\nوقد ردَّ هذه الأجوبة إمام الشارحين حيث قال: قوله في جواب الأول: (بالمنع): قلت: منعه ممنوع؛ لأنَّه كان بضربة واحدة؛ لأنَّه صرح فيه بأن الضربة الواحدة كافية، فيحمل هذا على الجواز، وما ورد من الزيادة عليها على الكمال.\nوقوله: (وقال النووي...) إلى آخره، هذا ممنوع؛ لأنَّه اعتراض على الحديث بالمذهب، وهو غير صحيح.\nوقوله في جواب الثاني: (لا بد من تقدير...) إلى آخره: قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لأنَّ أصل الفرض يقوم بضربة واحدة، كما في الوضوء على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة، كذا ذكره ابن المُنْذِر، واختاره هو أيضًا، والبخاري أيضًا، فلذلك بوب عليه.\nوجوابه عن الثالث: قلت: والجواب السديد أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال، وهذا الحكم في الماء دون التراب.\nوقوله في جواب الرابع وتأكيده بقوله: (ولهذا...) إلى آخره، قلت: فعلى هذا الإشكال؛ الرابع غير وارد من الأول.\nوقوله في جواب الخامس: قلت: هذه استعانة برأي من هو يخالف رأيه) انتهى.\nقلت: فكلام الكرماني في غاية التعسف؛ لأنَّ هذه الأسئلة والأجوبة غير واردة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٥٨٨\"> </span>(٩) [باب...]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين من غير ترجمة كذا في رواية الأكثرين، فهو بمنزلة الفعل بينه وبين ما قبله؛ وهو غير معرب؛ لأنَّ الإعراب يكون بعد العقد والتركيب، وفي رواية الأصيلي لفظة (باب) ساقطة، وعليها يكون الحديث الذي فيه داخلًا في الترجمة السابقة، لكن مطابقة الحديث لها بعيدة، والأظهر ما عليه الأكثر، كما سيأتي.\n\n <span id=\"b-٥٨٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-589>[حديث: عليك بالصعيد فإنه يكفيك]</span>\n٣٤٨ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عَبْدَان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة: هو عبد الله بن عثمان المروزي (قال: أخبرنا عبد الله): هو ابن المبارك (قال: أخبرنا عوف): هو الأعرابي، (عن أبي رجاء): هو عمران بن ملحان العطاردي (قال: حدثنا\n_________\n(^١) في الأصل: (وأربعًا).","vol":"1","page":213},{"text":"عِمْران) بكسر العين المهملة، وسكون الميم (بن حُصَين) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة (الخِزاعي) بكسر الخاء المعجمة، قاضي البصرة ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ) كان في سفر وكنا معه، وإنا أسرينا حتى كنا في أواخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة عند المسافر أحلى منها فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو مستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس -وكان رجلًا جليدًا-؛ فكبَّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ لصوته النبيُّ الأعظم ﷺ، فلما استيقظ؛ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير ولا يضير ارتحلوا»، فارتحلوا، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصَّلاة، فصلى الناس، فلما انفتل من صلاته؛ (رأى)؛ أي: أبصر (رجلًا) لم يعلم اسمه، وقيل: هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري (معتزلًا)؛ أي: منفردًا عن الناس (لم يصل مع القوم) صلاة الصبح الفائتة، (فقال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ له: (يا فلان): هو كناية عن علم المذكر المبهم الاسم، وزعم القسطلاني أنَّه يحتمل أن يكون ﵇ خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الراوي لنسيان اسمه، أو لغير ذلك.\nقلت: لو كان كما قال؛ لم يقل الراوي: فقال ﵇: «يا فلان»؛ لأنَّ فيه مخالفة لما قاله النبيُّ الأعظم ﷺ، بل الظاهر: أنه ﵇ ناداه بـ (يا فلان)، كما هو ظاهر اللفظ؛ (ما منعك)، وفي رواية ابن عساكر: (ما يمنعك) (أن تصلي في القوم؟) أي: معهم، وهو مفعول ثان لـ (منع)، أو على إسقاط الخافض؛ أي: من أن تصلي، ففي محله المذهبان المشهوران: هل هو نصب أو جر؛ فافهم.\n (فقال) أي: الرجل: (يا رسول الله؛ أصابتني جنابة) أي: صرت جنبًا، (ولا ماء)؛ بالرفع أي: ليس ماء عندي كما مر؛ لأنَّه يحتمل وجود الماء عند غيره من أصحاب القافلة، فنفي الماء على العموم باطل؛ لأنَّه غير ممكن؛ لأنَّ القافلة تحتاج إلى الماء لشرابهم، ودوابهم، وغير ذلك، غير أنَّه لم يسأل أحدًا عن الماء فقصر في ذلك، لكنَّه اجتهد في أنَّه إن طلبه من أحد؛ لا يعيطه؛ لاحتياجه له للشرب، أو غير ذلك مما قدمناه؛ فافهم.\n (قال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ للذي أجنب ولم يجد الماء: (عليك بالصعيد) أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، والمراد به: وجه الأرض؛ كحجر، ومدر، وحصى، ورمل، وغيرها، وهذا قول أهل التفسير، وهو قول اللغويين، وقال الزجاج: (لا أعلم خلافًا فيه، ولهذا لو تيمم على حجر أملس؛ جاز، ويدل عليه: أنَّه ﵇ تيمم على جدار)، كما ذكره المؤلف فيما سبق، وجدران المدينة كلها حجر أسود، ولا يخفى أنَّها لا تحمل شيئًا من الغبار أصلًا، فلا خصوصية للتراب، خلافًا لمن زعمه متعلقًا بما روي عن ابن عباس: أنَّ الصعيد: هو التراب، ولا حجة له فيه، فإنَّ ما روي عن ابن عباس ليس كذلك، بل المروي عنه أنَّه قال: الصعيد: حرث الأرض، فهو يشترط الإنبات، فمن خصَّ التراب لا يشترط الإنبات، فهو تناقض لا يثبت به الحكم، على أنَّ ما روي عنه هو أثر، والآية مطلقة، فلا يجوز تخصيص المطلق بالحديث، فكيف بالأثر من باب أولى؟ وقد أشبعنا الكلام فيه فيما سبق، (فإنه يكفيك) أي: لطهارتك من الحدثين، ويكيفك أيضًا في كل الصلوات؛ فرضها وواجبها ونفلها ما لم تحدث، فالتيمم الواحد يكفي لصلوات متعددة الفروض، وكذا النوافل ما لم يحدث، ثم سار النبيُّ الأعظم ﷺ، فاشتكى الناس إليه العطش، فنزل فدعا فلانًا -كان يسميه أبو رجاء، فنسي عوف- ودعا عليًّا قال: «اذهبا فابتغيا الماء»، فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ فقالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ، قالت: الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى رسول الله ﷺ، وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبيُّ الأعظم ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين، وأؤكأ أفواههما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك»، وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها، وايم الله؛ لقد أقلع عنها وإنَّه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة حين ابتدأ فيها، فقال النبيُّ الأعظم ﷺ: «اجمعوا لها»، فجمعوا لها ما بين عجوة، ودقيقة، وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوه على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكنَّ الله هو الذي أسقانا، فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم، فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب! لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنَّه لأسخى الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعها السبابة والوسطى، فرفعتهما -تعني: السماء والأرض- أو إنَّه لرسول الله ﷺ حقًّا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون القوم الذي هي منهم، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أنَّ هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام، فهذا الحديث المذكور في هذا الباب هو مختصر من الحديث الطويل الذي في باب (الصعيد)، كما ذكرناه.\nفإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنَّه ليس فيه التصريح بكون الضرب في التيمم","vol":"1","page":213},{"text":"مرة واحدة على رواية الأصيلي.\nقلت: إن كان لفظ (باب) موجودًا على رأس الحديث؛ فلا يحتاج إلى جواب؛ لأنَّه حينئذٍ لا اختصاص له بذلك، بل للإشارة إلى أنَّ الصعيد كان للجنب وغيره، وإن كان غير موجود؛ فجوابه: أنَّه أطلق ولم يقيد بضربة ولا ضربتين، وأقله يكون ضربة واحدة، فيدخل في الترجمة؛ فافهم، فإنَّه دقيققاله إمام الشارحين.\nقلت: ووجود (باب) الذي في أكثر الروايات أظهر في المعنى من عدمه؛ لأنَّ مراد المؤلف بيان أنَّ الصعيد يطهر الجنب وغيره، فهو كالردِّ؛ لما ذكره في (باب إذا خاف الجنب...) إلى آخره، فإنَّه هنا قد فقد الماء وتيمم، فهو زائد على ما ذكره هناك حيث إنه خارج عنه، وهو حكم من أحكام التيمم؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٩٠\"> </span>«٨» <span data-type=\"title\" id=toc-590>[كتاب الصلاة]</span>\n (بسم الله الرحمن الرحيم): وهي ساقطة عند ابن عساكر، ثابتة عند غيره، لما فرغ المؤلف من بيان الطهارات التي منها شروط للصلاة؛ شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة، فلذلك أخَّرها عن الطهارات؛ لأنَّ شرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، فقال: (كتاب الصلاة)؛ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة.\nوارتفاع (كتاب) على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، كما قدَّرناه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ تقديره: كتاب الصلاة هذا، ويجوز أن ينتصب على أنَّه مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اقرأ أو خذ كتاب الصلاة، ويجوز أن يكون مجرورًا بحرف جرٍّ مقدَّرٍ؛ تقديره: انظر في كتاب الصلاة، لكنَّه ضعيفٌ بناء على قول مَن يقول: إنَّ حروف الجرِّ لا تعمل مقدَّرةً، وتمامه في «شرحنا على شرح الأزهرية» المسمَّى بـ «تاج الأسطوانيَّة».\nثم معنى (الصلاة) في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادع لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: «وإن كان صائمًا؛ فليصل»؛ أي: فليدع لهم بالخير والبركة.\nوفي الشريعة: فهي عبارة عن الأركان المعهودة، والأفعال المخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فالصلاة حقيقة لغوية في الدعاء، ثم نقل في عرف الشرع إلى الأركان المعلومة، والعبادة المخصوصة؛ لاشتمالها على الدعاء كما أنَّ الزكاة في الأصل من التزكية بمعنى: التطهير أو بمعنى: التنمية، ثم نقلت إلى صرف مال مخصوص إلى المصرف المخصوص، فعلى هذا؛ تكون الصلاة حقيقة لغوية في الدعاء، ومجازًا لغويًّا في فعل الهيئة المخصوصة، وحقيقة اصطلاحية فيه عند أهل الشرع منقولة من الدعاء؛ لاشتمالها عليه، هذا هو المشهور بين الجمهور، فـ (الصلاة) فعلة؛ بفتح العين المهملة، من صلى؛ إذا دعا، وأصلها: صلوة، قلبت الواو ألفًا؛ كالزكاة من زكا، وكتبتا بالواو؛ لأجل التفخيم، والمراد به الألف المنقلبة عن الواو إلى مخرج الواو، كما هو المشهور عند أهل العراق.\nوقال في «المفتاح»: (التفخيم: أن تكسو الفتحة ضمة، فتخرج بين بين إذا كان بعدها ألف منقلبة عن الواو؛ لتميل الألف إلى أصلها؛ كما في الصلاة والزكاة، فإن ألفهما منقلبة عن الواو؛ بدليل جمعهما على صلوات وزكوات) انتهى.\nوقال إمام الشَّارحين: (وقيل: هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته)، وزعم النووي أنه باطل؛ لأنَّ لام الكلمة في (الصلاة) واو؛ بدليل الصلوات، وفي صليت ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية؟ ورده إمام الشَّارحين، فقال: دعواه بالبطلان غير صحيحة؛ لأنَّ اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر.\nفإن قلت: لو كانت واوية؛ كان ينبغي أن يقال: صلوت، ولم يقل ذلك؟\nقلت: هذا لا ينفي أن تكون واوية؛ لأنَّهم يقلبون الواو ياء إذا وقعت رابعة، وقيل: أصلها في التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة؛ لما فيها من تعظيم الرب سبحانه، وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب من قولهم: شاة مصلية، وهي قربت من النار، وقيل: من اللزوم.\nوقال الزجاج: يقال: صلى واصطلى، إذا لزم، وقيل: الإقبال على الشيء، وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات؛ لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه الأقوال، فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف.\nقلت: (قد أجبنا الآن عن ذلك) انتهى كلامه\nثم قال إمام الشَّارحين: وقيل: إن (الصلاة) مشتقة من الصلوين، تثنية الصلا: وهو ما عن يمين الذنب وشماله، قاله الجوهري.\nقلت: هما العظمان الناتئان عند العجيزة، وهو الفرس الثاني من خيل السباق؛ لأنَّ رأسه يلي صلوى السابق) انتهى.\nقلت: فهما أصلا الفخذين إلى الكعبين، والمراد بهما: الوركان، فأصل (صلى) حرك الصلوين؛ لأنَّ المصلي يفعله في ركوعه وسجوده، وإنما سمي الداعي مصليًا؛ تشبيهًا له في تخشعه بالراكع والساجد، وهذا القول اختاره رأس المحققين جار الله الزمخشري في «الكشاف»، وعليه فـ (الصلاة) حقيقة لغوية في تحريك الصلويين، ثم نقلت من التحريك المذكور إلى فعل الهيئات المخصوصة؛ لتحقق تحريك الصلوين، ومجاز مرسل في فعل الأركان المخصوصة، واستعارة في الدعاء، كما يدل عليه كلامه حيث قال: وحقيقة (صلى) حرك الصلوين؛ لأنَّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ونظيره: كفر اليهودي؛ إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه؛ لأنَّه ينحني على الكاذتين؛ وهما الكافرتان، ثم قال: وقيل للداعي مصلٍّ؛ تشبيهًا له في تخشعه بالراكع والساجد، انتهى.\nقلت: فإذا كان لفظ (الصلاة) بمعنى: فعل الهيئات المخصوصة منقولًا من (الصلاة) بمعنى: تحريك الصلوين، فما وجه إطلاقها على الداعي مع أنه لا يحرك شيئًا من الصلويين؟\nفأجاب عنه: ببيان وجه استعمالها فيه، وهو أنه سلك فيه طريق الاستعارة؛ حيث شبه الداعي في تخشعه بالمصلي، فاستعير لفظ المصلي للرداعي بهذا الجامع، والحاصل: أنَّ الصلاة نقلت أولًا من تحريك الصلوين إلى الأركان المعلومة واشتهرت فيها، ثم استعيرت","vol":"1","page":214},{"text":"منها للدعاء بجامع التخشع إلا أنَّ هذا الجواب يستلزم أن يكون استعمال الصلاة في الدعاء بعد استعمالها في فعل الهيئات المعلومة، وليس كذلك؛ لأنَّ الصلاة بمعنى: الدعاء شائعة في إشعار الجاهلية، ولم يرو عنهم إطلاقها على فعل تلك الهيئات بل ما كانوا يعرفون ذلك قط، فكيف يتجوزونها عنه؟ والذي يظهر أن ما اختاره الجمهور أوجه وأولى، أما أولًا؛ فلأن الاشتقاق مما ليس بحدث؛ كالصلاة قليل نادر، وأما ثانيًا؛ فلأن أخذ الحركة من (صلى) المشتق من (الصلا) لا دليل عليه، وأما ثالثًا؛ فلأن ذكر الجزء وإرادة الكل إنَّما يصح إذا كان الجزء مقصودًا من الكل، وهنا ليس كذلك، بخلاف ما اختاره الجمهور؛ فليحفظ.\nواعلم أن ابن حجر ذكر وجه المناسبة بين أبواب (كتاب الصلاة)، وهي تزيد على عشرين نوعًا، فذكرها مجملة في هذا الموضع، ثم قال: (هذا آخر ما ظهر من مناسبة ترتيب كتاب الصلاة من هذا «الجامع الصحيح»، ولم يتعرض أحد من الشراح لذلك) انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (نحن نذكر وجه المناسبة بين كل بابين من هذه الأبواب بما يفوق ذلك على ما ذكره، يظهر لك ذلك عند المقابلة، وذكرها في مواضعها أنسب، وأوقع في الذهن، وأقرب إلى القول، وبالله التوفيق) انتهى.\nقلت: وكلامه في غاية من التحقيق، فإن ذكر المناسبة بين كل بابين من الأبواب لا ريب أنه أنسب وأوقع في النفس، بخلاف ما زعمه ابن حجر؛ فإن فيه تشتيت الأذهان، وطلب النفس إلى سماع وجه المناسبة في كل باب، وفيه خبط وتخليط، وما ذاك إلا من عدم الذكاء والفهم، وهذا دأب الشَّارح المجهول الذي جمع منه كتابه الذي سماه «فتح الباري»، فإنه قد نحا نحوه في ذلك، فالشرح في الحقيقة مجموع من هذا الشَّارح المجهول، فهو نقله ونسبه لنفسه، وجرى على ما ذكره، ولا ريب أن ذلك مخل في الصناعة، وممل لأهل العلم لا سيما قليل البضاعة، وقد ذكر بعض الأفاضل بيان وجه التطويل الممل، والاختصار المخل الواقع لابن حجر في «الفتح» في كتاب سماه «كشف الحجاب عن العوام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، وجمع بعض الفضلاء كتابًا آخر سماه «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل المخل»، فمن أراد الاضطلاع على ذلك؛ فعليه بهما، فإنه لم يسبق إليهما أحد مما جمع فيهما من التحقيقات الفائقة، والتدقيقات الرائقة، وفوق كل ذي علم عليم.\n\n <span id=\"b-٥٩١\"> </span>(١) <span data-type=\"title\" id=toc-591>[باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (كيف فرضت الصلاة)؛ بالإفراد، وفي رواية الكشميهني والمستملي: (كيف فرضت الصلوات)؛ بالجمع (في الإسراء؟)؛ أي: في بيان كيفية فرضها في ليلة الإسراء؛ بكسر الهمزة، يقال: سرى وأسرى؛ لغتان، وقال الجوهري: (سريت وأسريت بمعنى: إذا سرت ليلًا)، وفي «المحكم»: (والسري: يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث)، وفي «الجامع»: (سرى يسري سريًا؛ إذا سار ليلًا، وكل سائر ليلًا؛ فهو سائر) انتهى.\nوالفعل على اللغتين لازم، وعُدِّي في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]؛ بالباء الموحدة في ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ فافهم.\nواختلفوا في المعراج والإسراء: هل كانا في ليلة واحدة أو في ليلتين؟ وهل كانا جميعًا في اليقظة أو في المنام، أو أحدهما في اليقظة والآخر في المنام؟\nفذهب جماعة: إلى أنه ﵇ ما أسري إلا بروحه، وهو قول معاوية، وحذيفة ﵄، وحكي هذا القول عن عائشة ﵂؛ لأنَّها قالت: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنما أسري بروحه، وعليه؛ فكان ذلك رؤيا.\nوذهب جماعة: إلى أنَّ الإسراء وقع في اليقظة، والمعراج في النوم.\nوذهب جماعة: إلى أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ مرة بروحه منامًا، ومرة بروحه وجسده يقظةً.\nوذهب جماعة: إلى تعدد الإسراء في اليقظة، حتى قالوا: إنه أربع إسراءات، ووفق أبو أسامة في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات؛ مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السموات على البراق أيضًا، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات.\nقلت: والظاهر أنَّ القصة واحدة؛ لأنَّ تعدد الروايات في الإسراء واختلاف ما يذكر فيها لا يدل على التعدد؛ لأنَّ بعض الرواة يذكر شيئًا لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر، فإن بعض الرواة قد يحدث بعض الخبر؛ لعلمه به ونسيانه البعض الآخر، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوق الحديث كله، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له؛ فليحفظ.\nوالذي ذهب إليه الجمهور من المحققين من أهل السلف والخلف: هو أنه تعالى أسرى بروح النبيِّ الأعظم ﷺ وجسده إما من مكة إلى بيت المقدس؛ فبنص القرآن حيث قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًامِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وأما العروج به ﵇ في تلك الليلة إلى حيث شاء الله تعالى؛ فكذلك قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى*لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى*عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤].\nقال إمام الشَّارحين: (وكان في السنة الثانية عشرة من النبوة، وفي رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري: أنه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وبه قال قتادة، وقيل: كان قبل مهاجره بستة عشر شهرًا، وهو قول السدي، وعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وقيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في «سيرته».\nومنهم من يزعم أنه كان في أول ليلة جمعة من رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لها، ثم قيل: كان قبل موت أبي طالب، وذكر ابن الجوزي: أنه كان بعد موته في سنة اثنتي عشرة للنبوة، وقيل: كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثالثة عشرة للنبوة، وقيل: كان في ربيع الأول، وقيل: كان في رجب) انتهى.\nقلت: وقد استحال قريش الإسراء وتعجبوا منه؛ بناء على أن ارتفاع","vol":"1","page":214},{"text":"الجسم من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل مما لا يقبله العقل، وكذا استحاله أهل الفلك والحكماء؛ بناء على أنَّ السماء جرم من الأجرام مركب على قوائم بالأرض، فبالصعود إليها ينخرق منها موضع لعروجه، والجرم متى انخرق؛ سقط، وهذا مردود.\nقال الإمام: ومما يدل على جواز الإسراء عقلًا أنه ثبت في الهندسة: أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مئة ونيفًا وستين مرة، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه غاية ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن مثله لا يختص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فمجرد التعجب لا يستلزم الإنكار والبطلان، وأيضًا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج النبيِّ الأعظم ﷺ في ليلة واحدة ممتنعًا؛ كان القول بنزول جبريل ﵇ من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعًا، ولو حكمنا بهذا الامتناع؛ كان ذلك طعنًا في نبوة جميع الأنبياء ﵈، والقول بثبوت المعراج متفرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أنَّ القائلين: بامتناع حصول حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحد؛ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل ﵇ في لحظة واحدة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلًا؛ كان ما ذكر أيضًا باطلًا.\nفإن قالوا: نحن لا نقول: أنَّ الحجب الجسمانية عن روح النبيِّ الأعظم ﷺ حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرًا منجليًا في ذات جبريل ﵇.\nقلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، وأما جمهور المفسرين؛ فهم يقرون بأن جبريل ﵇ جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، وإذا كان كذلك؛ كان الإلزام المذكور قويًّا، وهذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون، والله تعالى أعلم.\nوقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: ما وجه ذكره هذا الباب بعد قوله: «كتاب الصلاة»، وما وجه تتويج الأبواب الآتية بهذا الباب؟\nقلت: لأنَّ هذا الكتاب مشتمل على أمور الصلاة وأحوالها، ومن جملتها معرفة كيفية فرضيتها؛ لأنَّها هي الأصل، والباقي عارض، فما بالذات مقدم على ما بالصفات) انتهى.\n (وقال ابن عباس) هو عبد الله، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، وهذا تعليق من البخاري، وقطعة من حديث طويل مسند ذكره في أول الكتاب: (حدثني)؛ بالإفراد (أبو سفيان): هو صخر بن حرب؛ بصاد مهملة، وخاء معجمة، آخره راء، وفي الثاني: بحاء مهملة، وراء، وموحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، وهو والد سيدنا معاوية الكبير وإخوته (^١)، أسلم ليلة الفتح، ومات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم (في حديث هِرَقل)؛ بكسر الهاء، وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة: إسكان الراء، وكسر القاف؛ كخندف؛ منهم الجوهري؛ وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب علم غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبيُّ الأعظم ﷺ، ولقبه قيصر، وهو ملك الروم، كما أن من ملك الفرس؛ يقال له: كسرى، ومن ملك الترك؛ يقال له: خاقان.\nقال المؤلف في أول الكتاب: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس أخبره: (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش...) إلى أن قال: (وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان...)؛ الحديث، وفيه قوله: (فقال)؛ أي: أبو سفيان لهرقل (يأمرنا): وفي رواية المؤلف: (ويأمرنا)؛ بالواو (يعني) أي: يقصد ويريد (النبيَّ) الأعظم (ﷺ): فلفظة (النبي) منصوبة؛ لأنَّه مفعول لقوله: (يعني)، ومرفوعة فاعل لقوله: (يأمرنا) (بالصلاة)؛ أي: بإقامة العبادة المخصوصة، والأفعال المعلومة، المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، فيفعلونها سالمة عن الاعوجاج، والميل عن الحالة التي شرعت عليها، ويواظبون عليها ويؤدونها على أحسن الحالات، (والصدق)؛ أي: القول المطابق للواقع، وفي رواية للمؤلف: (ويأمرنا بالصلاة والصدقة)؛ يعني: الزكاة والنافلة، وفي رواية مسلم: (ويأمرنا بالصلاة والزكاة) (والعفاف)؛ أي: الانكفاف عن المحرمات وخوارم المروءات، وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، ووجه مناسبته هنا في مطابقته للترجمة هو ما قاله إمام الشَّارحين: إن معرفة كيفية الشيء بالشيء تستدعي معرفة ذاته قبلها (^٢)، فأشار بهذا أولًا إلى ذات الصلاة من حيث الفرضية، ثم أشار إلى كيفية فرضيتهما بذكر حديث الإسراء، فصار ذكر قول ابن عباس المذكور توطئةً وتمهيدًا لبيان كيفيتها، فدخل فيها، فبهذا الوجه دخل تحت الترجمة، وهذا مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية، ولم يسبقني بهذا أحد من الشراح) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن وجه المناسبة في هذا للترجمة أن فيه الإشارة إلى أنَّ الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأنَّ أبا سفيان لم يلق النبيَّ ﷺ بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون أمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف، فظهرت المناسبة، ورده إمام الشَّارحين، فقال: قلت: الترجمة في كيفية الفرضية؛ يعني: كيف فرضت؟ لا في بيان وقت الفرض، فكيف تظهر المناسبة حتى يقول هذا القائل: فظهرت المناسبة، وليس في هذا الحديث الذي رواه ابن عباس مطولًا ما يشعر بكيفية فرضية الصلاة بل يذكر ذلك في حديث الإسراء الآتي؟ ولكن يمكن أن يوجه لذكر هذا ههنا وجه؛ وهو أن معرفة... إلى آخر ما ذكرناه عن إمام الشَّارحين، انتهى.\nقلت: وقول ابن حجر: (لأن أبا سفيان لم يلق النبيَّ ﷺ): ممنوع؛ لأنَّه لا دليل عليه.\nوقوله: (لقاء يتهيأ...) إلخ: كلام متناقض\n_________\n(^١) في الأصل: (وأخواته)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (قبلهما)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":215},{"text":"لا دليل عليه؛ فافهم.\nقلت: ويستنبط من هذا الحديث أمور؛ الأول: افتراض الصلاة، الثاني: وجوب الصدق فيما يقوله المطابق للواقع، الثالث: فيه وجوب العفاف، الرابع: فيه وجوب الزكاة، الخامس: فيه... (^١)\n\n <span id=\"b-٥٩٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-592>[حديث: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري]</span>\n٣٤٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بكير)؛ بضم الموحدة: هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، ونسبه لجده؛ لشهرته به (قال: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة: هو ابن سعد الفهمي الحنفي، (عن يونس): هو ابن يزيد، وفي رواية: (حدثني يونس) (عن ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري، (عن أنس بن مالك): الصحابي الجليل ﵁، (قال: كان أبو ذر)؛ بالذال المعجمة المفتوحة، وتشديد الراء: هو جندب -بضم الجيم، والدال المهملة- ابن جنادة -بضم الجيم- الغفاري، وكان يقول: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال رضي الله تعالى عنه (يحدث)؛ بضم التحتية أوله (أن رسول الله ﷺ قال: فُرِج)؛ بضم الفاء، وكسر الراء، وبالجيم؛ أي: فتح (عن سقف بيتي)؛ يعني: فتح فيه فتح، وروي: (فشق).\nفإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: (بيتي) بإضافته لنفسه؟\nقلت: إضافته إليه لأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وأم هانئ: هي بنت أبي طالب، وأخت علي، تزوجها هبيرة بن أبي المغيرة المخزومي، فإنه ﵇ كان تلك الليلة نائمًا في دارها ﵂.\nوفي «عمدة القاري»: (فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟\nقلت: أما على كون العروج مرتين؛ فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة؛ فلعله ﵊ بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ، ومنه عرج به إلى السماء، والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب كونُ ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به) انتهى.\n (وأنا بمكة): جملة اسمية محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا، (فنزل جبريل ﵇)؛ أي: من الموضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة، (ففرج عن): وفي رواية بإسقاط لفظة: (عن) (صدري)؛ بفتح الفاء، والراء، والجيم، وهو فعل ماض؛ أي: شقه، وفي رواية: (شرح صدري)، ومنه: ﴿شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ﴾ [الزمر: ٢٢]، فالشرح: التوسعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، وقد شرح الله صدره عليه [الصَّلاة] والسَّلام بحيث وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق بعد ما ضاق عنهما جميعًا، فإن مقام حضور الحق سبحانه ومناجاته مقام شهود الحق أو لغيبته عن الخلق، ومن كان غائبًا عن الخلق؛ كيف يتأتى له دعوة الخلق ومعاناتهم؟! فإن دعوتهم تستلزم الحضور معهم، والحضور مع المخلوق ينافي الحضور مع الخالق ظاهرًا فيضيق الصدر عن الجمع بينهما، فكان حاضرًا مع الحق، مستغرقًا في مقام مناجاته دائمًا، وهو غائب عنه، مشتغل بدعوة الخلق ظاهرًا، فكان غائبًا حاضرًا.\nفإن قلت: ذكر ابن إسحاق أنه ﵇ شق صدره وهو مسترضع في بني سعد عند حليمة، ورجحه القاضي عياض؟\nقلت: أجيب: بأن ذلك وقع مرتين والحكمة في الشق؛ الأول: نزع العلقة التي قيل له ﵇ عند نزعها: هذا حظ الشيطان منك، وفي الثاني: ليكون مستعدًّا للتلقي؛ لما حصل له في تلك الليلة، قاله السهيلي، وقد روى الطيالسي والحارث في «مسنديهما» من حديث عائشة ﵂: أنَّ الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل ﵇ إليه بالوحي في غار حراء، وفي «الدلائل» لأبي نعيم: (أن صدره ﵇ شق وعمره عشر سنين)، ومثله في «الأحاديث الجياد» لمحمد بن عبد الواحد، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\n (ثم غسله بماء زمزم): والغسل طهور، والطهور شطر الإيمان، و(زمزم) غير منصرف؛ اسم للبئر الذي في المسجد الحرام، إنَّما خصه؛ لفضله على غيره؛ أو لأنَّه يقوي القلب، (ثم جاء بطَسْت)؛ بفتح الطاء، وسكون السين المهملة، آخره مثناة فوقية، قال ابن سيده: (الطس، والطست، والطسة معروف)، وجمع الطس: أطساس، وطسوس، وطسيس، وجمع الطسة والطسة: طساس، ولا يمنع أن يجمع طسة على طسيس، بل ذلك قياسه، والطساس: بائع الطسوس، والطساسة: حرفته، وعن أبي عبيد: (الطست فارسي).\nقلت: هو في الفارسية بالشين المعجمة، وقال الفراء: (طيِّئ تقول: طست، وغيرهم يقول: طس)، وهذا يرد ما حكاه ابن دحية، قال الفراء: (يقال: الطسة أكثر في كلام العرب من الطس، ولم يسمع من العرب: الطست)، وقال ابن الأنباري: (يقال: الطست؛ بفتح الطاء وكسرها، قاله أبو زيد)، وقال ابن قرقول: (طَس؛ بالفتح والكسر، والفتح أفصح، وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنَّه آلة الغسل عرفًا)، كذا في «عمدة القاري».\n (من ذهب): وكلمة (من) بيانية؛ وهو اسم للحجر الرزين المعلوم، وليس فيه ما يوهم استعمال آنية الذهب، فإن ذلك فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، أو لأنَّ ذلك كان أول الأمر قبل استعمال الأواني من النقدين؛ لأنَّه كان على أصل الإباحة، والتحريم إنَّما كان بالمدينة، وإنما كان الطست من ذهب؛ لأنَّه أعلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان وله خواص؛ منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض، ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، وقال في المثل: (أنقى من الذهب)، وهو بيت الفرح والسرور، قال الشاعر:\nصفرًا لا تتنزل الأحزان ساحتها... لو مسها حجر مسته ضراء\nوهو أثقل الأشياء، فيجعل في الزيبق الذي هو أثقل الأشياء، فيرسب وهو موافق لثقل الوحي وهو عزيز، وبه يتم الملك، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وإنما كان الذهب أعز الأشياء؛ لأنَّه حين كان في الجنة آدم ووقع منه ما وقع من أكل الشجرة فجميع الأشياء فرحت حتى تنزل إلى الدنيا إلا الذهب، فإنه حزن على مفارقة الجنة، وكذلك الفضة، فإنها أيضًا حزنت على ذلك، فأبدلهما سبحانه بأن جعلهما أعز الأشياء، والله أعلم.\n (ممتلئ)؛ بالجر صفة لـ (طست)، وتذكيره باعتبار الإناء؛ لأنَّ الـ (طست) مؤنثة (حكمةً وإيمانًا): منصوبان على التمييز، وجعل الحكمة والإيمان في الإناء، وإفراغهما فيه مع أنَّهما معنيان، وهذه صفة الأجسام من أحسن المجازات، أو أنه من باب التمثيل، أو تمثيلله النبي الأعظم ﷺ المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها، ومعنى المجاز فيه: كأنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمَّى ذلك الشيء حكمة وإيمانًا؛ لكونه سببًا لهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (والحكمة: اسم من حكُم؛ بضم\n_________\n(^١) بياض في الأصل","vol":"1","page":215},{"text":"عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: المتقن للأمور، وأما حكَم؛ بفتح عين الفعل؛ فمعناه: قضى، ومصدره حُكم؛ بالضم، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم).\nوقال ابن دريد: (كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى تكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة)، وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وقال ابن سيده: (القرآن كفى به حكمة؛ لأنَّ الأمة صارت علماء بعد جهل)، وزعم النووي أنَّ الحكمة فيها أقوال مضطربة، وصفي لنا منها: أنَّ الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله) انتهى.\nقلت: وهذا قول في معنى الحكمة ملفق من أقوال متباينة، فقوله: (وصفي لنا فيها...) إلخ: غير صحيح، بل هذا مجموع الأقوال في معناها، والأخصر أن يقال: الحكمة: هي امتثال أوامر الله تعالى ونبيه ﵇، واجتناب نواهي الله تعالى ونبيه ﵇، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ولا ريب أن من امتثل الأوامر واجتنب النواهي؛ فقد جمع له بين خيري الدنيا والآخرة، فلهذا وصفه سبحانه من أوتيها بالخير الكثير؛ فليحفظ.\nوقال في «التوضيح»: (وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن شرح صدره ﵇ كان ليلة المعراج، وفعل به ذلك؛ لزيادة طمأنينة لما يرى من عظم الملكوت، أو لأنَّه ﵇ يصلي بالملائكة ﵈) انتهى.\n (فأفرغه): من الإفراغ؛ أي: أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان اللذين كانا في الطست (في صدري)؛ فيمتلئ حكمةً وإيمانًا، ولهذا غسله بماء زمزم، والمراد بالصدر: القلب.\nفإن قلت: تقدم أنه ذكر في هذا الحديث أنه غسل صدره بماء زمزم وقلبه.\nقلت: إنَّما غسله بالثلج أولًا؛ ليثلج اليقين في قلبه، وإنما كان ذلك؛ لأجل دخوله الحضرة القدسية، وقيل: فعل به ذلك في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء ﵈ في الانشراح، والثانية؛ لتصير حالته مثل حال الملائكة، انتهى ذكره إمام الشَّارحين.\nقلت: ويدل عليه: ما ذكره القرطبي في «تفسيره»: روى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله؛ انشرح صدرك؟ قال: «نعم؛ وتفتح»، قالوا: يا رسول الله؛ وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإبانة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت»، وفي «الصحيح» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان؛ إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة...، فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا»، قال قتادة: يعني: قال إلى أسفل بطني، قال: «فاستخرج قلبي، فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه؛ ثم حشي إيمانًا وحكمةً»، وروي عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «جاءني ملكان في صورة طائر معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر منقاره، فغسله»، وفي حديث آخر: «جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة...»؛ الحديث، انتهى.\nقلت: وهذا يدل على تعدد القصة، وأنه في هذه القصة لم يكن جبريل الجائي، بل غيره، وفيها أيضًا أنه شق قلبه، وهو يدل على أنَّ المراد بالصدر: القلب؛ لأنَّ غسل القلب وتنقيته مما ينافي النبوة يسلتزم شرح الصدر، وفيه أنَّ الذي جاءه ثلاثة من الملائكة، وصرح في هذه الرواية أن شرح صدره كان من أعلى الصدر إلى أسفل البطن حتى يدخل القلب في الغسل، ولا ريب أنَّ هذا دالٌّ على تعدد القصة، والله تعالى أعلم.\n (ثم أطبقه)؛ أي: ثم أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء؛ إذا غطيته وجعلته مطبقًا، وفي «التوضيح»: (لما فعل به ذلك؛ ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة وختمها؛ فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه إليه سبيلًا من أجل ذلك؛ لأنَّ الشيء المختوم محروس، وقد جاء أنه استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك).\nوذكر القاضي عياض: (أن موضع الخاتم إنَّما هو شق الملكين بين كتفيه)، ذكره القرطبي وقال: (هذه غفلة؛ لأنَّ الشق إنَّما كان في صغره حين لم يبلغ في السن حتى نفذ إلى ظهره)، وروى أبو داود الطيالسي، والبزار، وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر ﵁ ولم يسمع منه في حديث الملكين: «قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن»، وهذا دال مع حديث البخاري كما نبه عليه القرطبي، وأنه في الصدر دون الظهر، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به، وأنه لا نبي بعده، وكان تحت بعض كتفه؛ لأنَّ ذلك الموضع منه يوسوس الشيطان، ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وذكر الإمام حافظ النسفي نقلًا عن الكلبي: (أن جبريل ﵇ أتاه ﵇، فشق صدره، وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطست من ذهب قد ملئ علمًا وإيمانًا، فوضعه فيه، ثم قال: كان هذا حين جاءه بالبراق ليلة المعراج، أو حين كان عند حليمة في السنة التي أعادته فيها إلى عبد المطلب) انتهى.\nقلت: وهذا تأييد لقول من قال بتعدد القصة كما سبق، لكن القاضي عبد الجبار قد طعن في هذه الرواية من وجوه؛ أحدها: أنه قد روى أن هذه الواقعة وقعت في حال صغره ﵇، وهي من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، وثانيهما: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ولا شك أنَّ الأخلاق والمعاصي ليسا من قبيل الأجسام، فلا يؤثر فيهما الغسل، وثالثهما: أنَّ القلب لا يصح أن يملأ علمًا وإيمانًا، بل الله تعالى يخلقهما في القلب.\nوأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزة عن البعثة يجوز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله كثير في حقه ﵇.\nوعن الثاني في قوله: (أن الغسل له تأثير في إزالة","vol":"1","page":216},{"text":"الأجسام): بأن ما في القلب من الدم الأسود لا يبعد أن يكون حصوله فيه علامة مؤذية للقلب إلى ميله إلى المعاصي، وإبعاده عن الطاعات، وتكون إزالته عنه سببًا لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن الشهوات المنبعثة عن توجه القوة الطبيعية إليها، فتكون إزالته عنه مسلتزمة؛ لامتلائه بالعلم والإيمان، فصح أن يعبر عن تطهير قلبه ﵇ من ذلك الدم بامتلائه بالعلم والإيمان، فالمراد بما روي ظاهره هذا، بل هو رمز إلى توسيع الصدر وتفسيحه.\nقلت: ويجاب عن الثالث: بأن إملاءه العلم والإيمان يصح أن يكون بواسطة جبريل ﵇، ويدل عليه: أن جبريل كان ينزل على النبيِّ الأعظم ﷺ بالوحي من الله ﷿، فلو لم يصح هذا يلزم التعطيل في النبوة، وهو محال، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]؛ يعني: وجدك ضالًّا عن الحكم والإحكام، فعلمك بالوحي والإلهام، والمراد: وجدك غافلًا عن علوم النبوة والأحكام الشرعية، فهداك إليها؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، ولا ريب أن معرفة هذا يحتاج إلى واسطة جبريل ﵇، والله تعالى أعلم بالصواب.\n (ثم أخذ بيدي)؛ أي: جبريل، ويحتمل أنه أخذه من اليدين جميعًا، ويحتمل أنه أخذه من اليد الواحدة، فإن لفظ (بيدي) يحتمل المعنيين، لكن الظاهر الثاني؛ لأنَّه المتعارف في اللغة؛ فافهم، (فعرج بي) وفي رواية: (فعرج به)؛ بضمير الغائب، وهو من باب التجريد، فكأنه ﵇ جرد من نفسه شخصًا، وأشار إليه، وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الراوي نقل كلامه بالمعنى لا بلفظه بعينه، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: ونقل الراوي بالمعنى صحيح جائز لمن كان متقنًا لاسيما الراوي المذكور، وزعم ابن حجر أن فيه التفاتًا، ورده إمام الشَّارحين: بأنه غير صحيح، وإنما هذا من التجريد، كما ذكرناه، والعروج: الصعود، يقال: عرَج يعرُج عروجًا، من باب (نصر ينصر)، وقال ابن سيده: (عرج في الشيء، وعليه يعرُج، ويعرِج عروجًا: رقى، وعرج الشيء وهو عريج: ارتفع وعلا، والمعراج؛ بالكسر: شبه مفعال، من العروج؛ كأنه آلة له، فالمعراج: شبه سلَّم تعرج عليه الأرواح، وقيل: هو حيث تصعد عليه أعمال بني آدم) انتهى.\n (إلى السماء): وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا يدل على رسالة نبينا النبيِّ الأعظم ﷺ، وكذا نزول جبريل ﵇ وعلى خصوصية بأمور لم يعطها أحد غيره ﵇، فجبريل هو الذي ينزل عليه ﵇ من عند الله، وبأمره ﷿، فإنه كان واسطة الوحي، ويفهم من قوله: (ثم أخذ بيدي): أنَّ المعراج وقع غير مرة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر ههنا، كذا قاله بعضهم، وزعم ابن حجر أنه يمكن أن يقال: هو من باب اختصار الراوي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا غير مقنع؛ لأنَّ الراوي لا يختصر ما سمعه عمدًا) انتهى.\nثم قال إمام الشَّارحين: (والذي يفهم من ترتيب البخاري ههنا أنَّ الإسراء والمعراج واحد؛ لأنَّه قال أولًا: كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء»، وظاهر إيراده في «أحاديث الأنبياء» ﵈ يقتضي أنَّ الإسراء غير المعراج، فإنه ترجم للإسراء ترجمة، وأخرج فيها حديثًا، ثم ترجم للمعراج ترجمة، وأخرج فيها حديثًا) انتهى.\n (فلما جئت) أي: وصلت (إلى السماء الدنيا) وهي السماء الأولى، و(الدُّنيا)؛ بضم الدال المهملة، من الدنوِّ، أوهو القرب، وسميت بذلك؛ لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، وروى ابن حبان في «صحيحه» مرفوعًا: «بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام»، وذكر في كتاب «العظمة» لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، عن عبد الله قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام، وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك، والماء على الكرسي، والعرش على الماء».\nوقال ابن أبي شيبة أبو جعفر محمد بن عثمان في كتابه «العرش» بإسناده إلى العباس قال: قال رسول الله ﷺ: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما خمس مئة عام، وكثف كل سماء خمس مئة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض»، وروي أيضًا عن أبي ذر مرفوعًا مثله، كذا في «عمدة القاري».\n (قال جبريل لخازن السماء)؛ أي: حافظها الموكل بها.\nفإن قلت: كيف يتصور الصعود إلى السموات وما فوقها بالجسم الإنساني؟\nقلت: أجيب: بأن الأرواح أربعة أقسام:\nالأول: الأرواح الكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام غلبت عليها القوى الحيوانية، فلا تقبل العروج أصلًا.\nوالثاني: الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن باكتساب العلم، وهذه أرواح العلماء.\nوالثالث: الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة، وهذه أرواح المرتاضين إذا كسروا؛ قوَّى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة.\nوالرابع: الأرواح التي حصل لها كمال القوتين، وهذه غاية الأرواح البشرية، وهي الأنبياء ﵈ الصديقون، فكلما ازدادت (^١) قوة أرواحهم؛ ازداد ارتفاع أبدانهم من الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء ﵈ قويت فيهم هذه الأرواح؛ عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوة نبينا النبيُّ الأعظم ﷺ؛ فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (افتح)؛ أي: افتح الباب، وفي رواية شريك عند المؤلف: (فضرب بابًا من أبوابها)، وهذا يدل على أنَّ الباب كان مغلقًا، والحكمة أنَّ السماء لم تفتح إلا لأجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا، وهذا يدل أيضًا على أن عروجه ﵇ كان بجسده؛ إذ لو لم يكن بجسده؛ لما استفتح، قاله إمام الشَّارحين، ففي الحديث أن للسماء أبوابًا حقيقية، وحفظة موكلين بها، (قال)؛ أي: الخازن (من هذا)؛ بفتح الميم؛ أي: من هذا الذي يقرع الباب؟ (قال: جبريل) ولغير أبي ذر: (قال: هذا جبريل)، ففيه إثبات الاستئذان، وأن يقول: فلان، ولا يقول: أنا، كما نهي عنه في حديث جابر، ولأنه لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، فإذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟؛ يقول:\n_________\n(^١) في الأصل: (ازداد)، وهو تحريف.","vol":"1","page":216},{"text":"زيد الكاتب الفلاني، ولا يقتصر على زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس، أفاده إمام الشَّارحين.\n (قال) أي: الخازن: (هل معك أحد)؛ أي: من الأنبياء ﵈، وهذا يدل على أنَّ الخازن عنده علم وعادة في مجيء نبي من الأنبياء ﵈ مع جبريل، وأن عادة جبريل هذه، وهذا يدل على أن عروجه ﵇ كان بروحه؛ إذ لو لم يكن بروحه؛ لما قال: هل معك أحد؟ فإنَّ هذا يدل على أن عادة جبريل المجيء للخازن ومعه أحد من الأنبياء ﵈، لكن قد يقال: إن مجيئهم ليس لأجل المعراج، بل تأتي روحهم لأجل دخول الجنة، فالمعراج خاص بنبينا ﵇؛ فتأمل.\n (قال) جبريل للخازن: (نعم) معي (محمد)؛ أي: النبي الأعظم سيد الأنبياء ورئيسهم صلى الله تعالى عليه وسلم، (قال) أي: الخازن: (أأرسل إليه؟)؛ بهمزتين؛ أولاهما: للاستفهام، وهي مفتوحة، والثانية: همزة التعدية، وهي مضمومة، وفي رواية الكشميهني: (أوَأرسل؟)؛ بواو مفتوحة بين الهمزتين، وهذا السؤال من الملك الذي هو خازن السماء، يحتمل وجهين؛ أحدهما: الاستعجاب بما أنعم الله تعالى عليه من هذا التعظيم والإجلال حتى أصعده إلى السماوات، والثاني: الاستبشار بعروجه؛ إذ كان من اليقين (^١) عندهم أن أحدًا من البشر لا يرتقي إلى أسباب السماء من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، أفاده في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أصل إرساله؛ لاشتغاله بعبادته، ورده إمام الشَّارحين فقال: كيف يخفى عليه ذلك؛ لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا: من هذا؟ حين قال جبريل: افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟ قال جبريل: نعم؛ معي محمد، وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة في هذا الوقت وهو وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت؛ لأنَّها لا تخفى على خزان السماوات وحراسها؟! فحينئذٍ لا يكون السؤال عن أصل الرسالة، وإنما كان سؤالًا عن أنه أرسل إليه للعروج والإسراء، فحينئذٍ احتمل سؤالهم الوجهين المذكورين.\nفإن قلت: جاء في رواية شريك: (أو قد بعث إليه؟)، وهذا يؤيد ما قاله هذا القائل.\nقلت: معنى (أرسل) و(بعث) سواء على أنَّ المعنى هنا أيضًا: أو قد بعث إلى هذا المكان؟! وذلك استعجاب منه واستعظام لأمره) انتهى كلامه.\nقلت: وقوله: (لاشتغاله بعبادته): لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أن عبادته حراسته لباب السماء، وقعوده عند بابها، وذلك بأمر من الله ﷿، فأمره ﷾ لا ريب أنه عبادة، وهذه العبادة عظيمة، ويفهم من قول الخازن: أأرسل إليه؟ أنه إذا لم يكن قد أرسل إليه لا يفتح الباب له، وهو كذلك؛ لأنَّ الأنبياء معصومون من المعاصي، والسماء لم يعص فيها أحد قط، فإذا كان نبيًّا؛ فتح له، وإلا؛ فلا، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن غير الأنبياء ﵈ يفتح لهم كالمتصوفة، والمتزندقة، وزعموا العصمة لهم، فهذا الحديث يدل صريحًا على أن غير المرسلين ﵈ لا يفتح له الخازن الباب، وأنَّهم غير معصومين، والأنبياء ﵈ معصومون، ولا تجوز العصمة إلا لهم ﵈، وهذا قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة؛ فليحفظ.\n (قال) أي: جبريل: (نعم) أرسل إليه، ففتح لهما، (فلما فتح) أي: الخازن الباب؛ (علونا السماء الدنيا): ضمير الجمع فيه يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون، فكأنَّهما كلما عديا سماء؛ تشيعها الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى، و(الدنيا) صفة (السماء) في محل النصب بمعنى: أنه لا يظهر النصب، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح منهم القسطلاني.\nقلت: والمراد بضمير الجمع هو (نا) في (علونا)، فإنها للمتكلم، ومعه غيره، كما هو معلوم، فالنبي الأعظم، والثاني: جبريل، والثالث: الخازن، وغيره، ولا ريب أن ذلك جمع، فصدق عليه أنه ضمير جمع، وإنما لم يظهر النصب في (الدنيا)؛ لوجود الألف التي هي أخت الفتحة، فاشتركا في مخرج واحد، فلم يظهر النصب؛ فليحفظ.\nوفي «عمدة القاري»: (وفي الحديث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه) انتهى.\nقلت: فإن كان قد أرسل إليه؛ يفتح له، وإلا؛ فلا؛ فليحفظ.\n (فإذا رجل قاعد) وفي رواية: (إذا)؛ بدون الفاء، وكلمة (إذا) للمفاجأة، وتختص بالجملة الاسمية؛ للمفاجأة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج، (على يمينه أَسودة)؛ بفتح الهمزة، جمع سواد؛ كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء، وقال أبو عبيد: هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، كذا في «عمدة القاري».\n (وعلى يساره أسودة) كذلك، (إذا نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (يمينه) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (ضحك) جواب (إذا) فرحًا مسرورًا، (وإذا) للمفاجأة أيضًا كما سبق (نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (شماله) وللأربعة: (يساره) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (بكى) حزنًا وتأسفًا، (قال)؛ أي: هذا الرجل (مَرحبًا)؛ بفتح الميم، منصوب بأنه مفعول مطلق؛ أي: أصبت سعة لا ضيقًا، والنصب فيه كما في قولهم: أهلًا وسهلًا؛ ومعناه: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تتوحش، وهي وأمثالها كلمة تقال عند تأنيس القادم (بالنبي الصالح، والابن الصالح) ومعنى (الصالح): هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وكلهم قالوا له: (بالنبي الصالح)؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق، والأمانة،\n_________\n(^١) في الأصل: (التين)، وهو تحريف.","vol":"1","page":217},{"text":"والعفاف، والفضل، ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق، ولا: بالنبي الأمين؛ لما ذكرنا أنَّ الصلاح شامل لسائر أنواع الخير، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (قلت) أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ قلت (لجبريل: مَن) بفتح الميم (هذا)؛ أي: الرجل القاعد على يمينه أسودة وعلى يساره كذلك؟ (قال) أي: جبريل: (هذا آدم)؛ أي: أبو البشر، قيل: إن اسم آدم سرياني، وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة، وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنَّه خلق من أديم الأرض، قال النضر بن شميل: (سمي آدم؛ لبياضه)، وذكر محمد بن علي: (إن الآدم من الظباء الطويل القوائم)، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله، وولد له أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، إلا شيثًا، فإنه ولد وحده»، وعاش ﵇ ألف سنة، وكنيته: أبو البشر، كما ذكرنا، وأبو الأنبياء المرسلين، وقيل: أبو محمد، وروى ابن عساكر من حديث علي ﵁ مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد»، وفي حديث كعب الأحبار: (ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته)، وذلك؛ لأنَّه لم يكن له لحية في الدنيا، وإنما كانت اللحى بعد آدم، ولما أهبط من الجنة؛ هبط بسرنديب من الهند على جبل يقال له: نَوَد، ولما حضرته الوفاة؛ اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا، فقالوا: ارجعوا قد كفيتموه فرجعوا؛ فوجدوه قد قبض، فغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلى عليه جبريل ﵇، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم، ودفن في غار يقال له الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح ﵇ في الطوفان وأخذه، وجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء؛ رده نوح ﵇ إلى مكانه، كذا في «عمدة القاري».\n (وهذه الأسودة)؛ أي: التي (عن يمينه وشماله نَسَم)؛ بفتح النون والسين المهملة، والنسمة: نفس الروح، وما بها نسمة؛ أي: نفس، والجمع نسم، قاله ابن سيده، وزعم الخطابي هي النفس (بنيه) والمراد: أرواح بني آدم، وزعم ابن التين ورويناه: (شيم) بني آدم، والأولى أشبه، قاله إمام الشَّارحين.\n (فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار) فإن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمين آدم، والنار في الأرض السابعة في جهة يساره، فيكشف الله له عنهما، كما سيأتي، (فإذا نظر عن يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قبل شماله؛ بكى) ففيه دلالة على أن نسم أهل النار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟!\nوأجيب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عروضها مرور النبيِّ الأعظم ﷺ.\nفإن قلت: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار كما هو نص القرآن.\nقلت: يحتمل أنَّ الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكانت يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إنَّ النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلمه الله تعالى بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، قاله إمام الشَّارحين.\n (حتى عَرَجَ)؛ بفتحات؛ أي: صعد (بي)؛ أي: جبريل، ولابن عساكر: (به)، وهو من باب التجريد، كما سبق (إلى السماء الثانية، فقال) أي: جبريل (لخازنها)؛ أي: الملك الموكل بحفظها: (مثل ما قال الأول)؛ يعني: قال لخازنها: افتح الباب، قال الخازن: من هذا الذي يقرع الباب؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم؛ معي محمد ﷺ، فقال: أأرسل إليه؟ قال جبريل: نعم؛ أرسل إليه، (ففتح)؛ أي: الخازن لهما باب السماء الثانية، (قال) وفي رواية: (فقال) (أنس): هو ابن مالك ﵁، (فذكر)؛ أي: أبو ذر جندب ابن جنادة الغفاري (أنه)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وجد في السماوات)؛ أي: السبع (آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم).\nفإن قلت: كيف رأى النبيُّ الأعظم ﷺ الأنبياء في السماوات، ومقرهم في الأرض؟\nأجيب: بأن الله تعالى شكل أرواحهم على هيئة صور أجسادهم، ذكره ابن عقيل، وكذا ذكره ابن التين، وقال: (وإنما تعود أرواحهم إلى الأجساد يوم البعث إلا عيسى بن مريم ﵇، فإنه لم يمت وهو ينزل إلى الأرض) انتهى.\nواعترضهما إمام الشَّارحين فقال: (الأنبياء أحياء، فقد رآهم ﵇ حقيقة، وقد مر على موسى ﵇ وهو قائم في قبره يصلي، ورآه في السماء السادسة) انتهى.\nقلت: يعني: أنَّ الأنبياء عليهم [السلام] أحياء حقيقة، يدل عليه قوله ﵇ في هذا الحديث: (وجد... إلى آخره)، وهو يدل على أنه رآهم أحياء حقيقة، وكيف وقد قال تعالى في حق الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (^١)، فالمراد بقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾؛ يعني: في الجنة، والجنة فوق السماوات، وإنَّهم أحياء حقيقة، كما نطق به الكتاب العزيز، فلا يكون الشهداء أرقى من الأنبياء، بل الأنبياء ﵈ أرقى حالًا منهم، كما لا يخفى؛ لأنَّه ليس فوق درجة النبوة شيء، خلافًا للمتصوفة الزاعمين ذلك، وهو كفر وزندقة؛ فليحفظ.\n (ولم يثبت): من الإثبات (كيف منازلهم)؛ أي: لم يعين أبو ذر لكل نبي منهم سماء معينًا (غير أنه)؛ أي: أبا ذر (ذكر أنه)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في «الصحيحين» من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة: (أنه وجد آدم في السماء الدنيا)، كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر: (أنه وجد إبراهيم في السماء السادسة)، وكذا جاء في «صحيح مسلم».\nوأجيب: بأن الإسراء إن كان وقع مرتين؛ فيكون رأى إبراهيم في أحدهما؛ أي: أحد السماءين، ويكون استقراره ووطنه بها، والثانية في سماء غير وطنه، وإن كان الإسراء وقع مرة واحدة؛ فيكون رآه أولًا في السماء السادسة، ثم ارتقى معه إلى السماء السابعة، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n_________\n(^١) في الأصل: (ألم تر إلى الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون).","vol":"1","page":217},{"text":"وزعم ابن حجر أنَّ المعراج إن كان وقع مرة واحدة، فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السماء السابعة بلا خلاف، ورده إمام الشَّارحين فقال: وقول هذا القائل: (بلا خلاف) غير صحيح؛ لأنَّ فيه خلافًا، فقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع: (أنه في السماء الدنيا)، وروي عن علي: (أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة)، وروي عن الضحاك ومجاهد: (أنه في السماء السابعة).\nفإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟\nقلت: لا منافاة بينها؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبيِّ الأعظم ﷺ حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.\nوفي «تفسير» الحافظ النسفي: البيت المعمور: حذاء العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحُرمة (^١) الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يطوفون به، ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة، فحمل إلى الأرض؛ لأجل آدم، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.\nقلت: الضُّراح؛ بضم الضاد المعجمة، وبالحاء المهملة، وقال الصاغاني: ويقال له: الضريح أيضًا، انتهى كلام إمامنا في «عمدة القاري».\n (قال أنس): هو ابن مالك، وظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وهي قوله: (فلما مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الراء المفتوحة، من المرور (جبريل بالنبي) الأعظم (ﷺ)؛ يعني: في السماوات مصاحبًا لنبينا ﵇ (بإدريس) والجار والمجرور في الموضعين يتعلقان كلاهما بقوله: (مر)، فالأولى للمصاحبة كما ذكرنا، والثانية للإلصاق، أو بمعنى: على، وجاز تعلق حرفين من جنس واحد بمتعلق واحد وإن كانا ليسا من جنس واحد؛ لصحة المعنى في ذلك، خلافًا لمن منعه، بل هذا يدفعه، أفاده إمام الشَّارحين.\n (قال)؛ أي: إدريس حين رأى النبيَّ الأعظم ﷺ: (مرحبًا)؛ بالنصب على المفعولية المطلقة؛ يعني: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا سهلًا (بالنبي الصالح)؛ أي: القائم بحقوق الله، وحقوق عباده (والأخ الصالح) وإنما لم يقل: والابن كما قال آدم؛ لأنَّ إدريس لم يكن من آبائه ﵇، كذا قاله القسطلاني.\nقلت: وكان ينبغي لإدريس أن يقول: والابن؛ لأنَّه أكبر سنًّا منه، لكنه لما علم أنه أفضل منه حيث جاء إلى مكان لم يجئه أحد قبله ﵇؛ علم بالقرينة أنه أفضل منه قدرًا عند الله ﷿، فوصفه بالأخوة، وهي تقتضي المشاركة في النبوة فقط؛ فليحفظ.\n (فقلت)؛ أي: قال النبيَّ الأعظم ﷺ فقلت: (مَن)؛ بفتح الميم (هذا؟)؛ أي: يا جبريل الذي قال هذا القول، (قال): وللأصيلي: (فقال)؛ أي: جبريل (هذا إدريس) ﵇، وسمي به؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت (^٢) عليه، فقيل: إنه خنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم ﵇، واسم أمه: بره، وخنوخ اسم سرياني؛ ومعناه بالعربية: إدريس، قال وهب: هو جد نوح ﵇، وقد قيل: إنه إلياس، وإنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب، ونقله السهيلي عن ابن العربي، ويشهد له حديث الإسراء حيث قال فيه: (مرحبًا بالأخ الصالح)، ولو كان في عمود هذا النسب؛ لقال له كما قال إبراهيم: (والابن الصالح)، وزعم ابن حجر أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فلا اعتراض عليه، وزعم النووي يحتمل أنه قاله تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء إخوة، والمؤمنون إخوة، وزعم ابن المنير أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل صحت لي طريق أنه خاطبه فيها: (بالابن الصالح)، وقال المارزي: ذكر المؤرخون: أن إدريس أرسل إليه، ولم يصح قول النسابين: إنه نوح؛ لأخبار نبينا ﵇ في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا، فإنه أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليل جازم، وقال: وصح أن إدريس كان نبيًّا، ولم يرسل إليه، قال السهيلي: (وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان).\nقلت: حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في «صحيحه» رفع إلى السماء الرابعة، ورآه ﵇ فيها، ورفع وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة)، كذا في «عمدة القاري».\n (ثم مررت بموسى): هو ابن عمران ﵇ صاحب الخضر، نبي بني إسرائيل، المتوفى في التيه في سابع إدار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان عن مئة وستين سنة؛ يعني: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «ثم مررت بموسى»، ففي الكلام حذف؛ تقديره هكذا؛ لأنَّه قال أولًا: (فلما مر جبريل)، فما وجه قوله بعد: (ثم مررت بموسى)؟\nفالذي قدرناه هو وجهه، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، والثاني يكون نقلًا باللفظ بعينه، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (فقال)؛ أي: موسى له (مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح) وسقط قوله: (والأخ الصالح) في رواية الأربعة، (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «قلت»، وفي رواية: (فقلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا موسى) بني إسرائيل: هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب ﵇، (ثم مررت بعيسى)؛ أي: صاحب الإنجيل، (فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح) قال ﵇ (فقلت): وفي رواية: (قلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى): هو ابن مريم، وسقط لفظة (هذا) عند أبي ذر، ومريم بنت عمران بن أسهم من ولد سليمان بن داود ﵇، وليس عمران هذا عمران والد موسى وهارون؛ لأنَّ عمران والد مريم كان بعد والد موسى بألف وثمان مئة سنة، والمراد بالـ (كلمة) في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]: هو عيسى ﵇، وهو قول الجمهور، وكان يحيى ﵇ أول من صدق بعيسى وآمن به.\nوقال السدي: (لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حاملة بعيسى وتلك بيحيى، فقالت: يا مريم؛ شعرت أني حبلى، فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريا: وإني (^٣) وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذاك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾).\nقال ابن عباس: (إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر)، وكان يحيى أول من صدق وآمن بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى ﵇ قبل أن يرفع (^٤) عيسى ﵇، وإنما سمي روحًا؛ لأنَّه أحيا الله به من الضلالة كما يحيي الإنسان\n_________\n(^١) في الأصل: (كحرمته)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أنزلت على عليه).\n (^٣) في الأصل: (وفإني)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (رفع)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":218},{"text":"بالروح، وإنما سمي كلمة؛ لأنَّه بها تكون، والمسيح لقبه، وهو من الألقاب المشرفة؛ كالصديق، وأصله بالعبرانية مشيحا؛ ومعناه: المبارك، وعيسى اسمه معرب أيشوع، وابن مريم كنيته، وإنما قيل: ابن مريمتنبيهًا إلى أنه يولد من غير أب؛ لأنَّ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب، والمسيح مشتق من المسح؛ لأنَّه مسح الأرض، ولم يقم في موضع، وقيل: لأنَّه مسح بالبركة، أو بما طهره من الذنوب، وعيسى مشتق من العيس؛ وهو بياض يعلوه حمرة، وقد أخبر نبينا ﵇: بأنَّ وجهه كأنَّه خرج من ديماس؛ أي: حمام.\n (ثم مررت)؛ أي: في السماء (بإبراهيم)؛ ومعناه: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان، قيل: إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح: أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون، وقيل: ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم ﵇، وذكر الطبري: (أن إبراهيم إنَّما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًّا من نمرود اللعين، فقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتَى يتكلم بالسريانية؛ فردوه، فلما أدركوه؛ استنطقوه، فحول الله لسانه عبرانيًّا، وذلك حين عبر النهر، فسميت العبرانية بذلك).\nقلت: والمراد من هذا النهر هو الفرات، وبلغ إبراهيم مئتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالبلد المعروفة بالخليل ﷺ، قاله إمام الشَّارحين.\n (فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح) إنَّما وصفه بالبنوة؛ لأنَّه ﵇ من أولاده، ولأنه أبو الأنبياء، فإن يعقوب ﵇ من ذريته، وهو جده، وهو أول بني إسرائيل، وآخرهم عيسى ﵇، فالأنبياء بينهما كثير، فهو الأب الثاني كما قيل، (قلت: من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم)؛ أي: خليل الرحمن ﵇، وإنما عين النبيُّ الأعظم ﷺ من الأنبياء آدم، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في حديث هذا الباب، وفي غيره ذكر أيضًا يحيى، ويوسف، وهارون، وهم ثمانية.\nوأجيب: أما آدم ﵇؛ فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة له وتحيله، وكذلك نبينا الأعظم ﷺ خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه، وأيضًا فإن الله تعالى أراد أن يعرض على نبيه ﵇ نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال؛ ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار، وأما إدريس ﵇؛ فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ كتب إلى الآفاق، وأما موسى ﵇؛ فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ، فإن اليهود أرادوا قتله حين سمُّوا له الشاة، فنجاه الله تعالى من ذلك، وأما إبراهيم ﵇؛ فإن نبينا الأعظم ﷺ رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكذلك حال نبينا ﵇ كان في حجة البيت العتيق، واختتام عمره بذلك نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات، وأما عيسى ﵇؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك نبينا الأعظم ﷺ، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وتنطق له الغزالة، والجمل، والكتف المسموم، وأما يحيى ﵇؛ فإن نبينا الأعظم ﷺ رآه مع عيسى في السماء، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه، فكذلك ﷺ رأى من قريش ما لا يوصف، ولكن الله تعالى نجاه منهم، وأما يوسف ﵇؛ فإنه لما عفا عن إخوته حيث قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ...﴾؛ الآية [يوسف: ٩٢]؛ فكذلك نبينا الأعظم ﷺ عفى عن قريش يوم فتح مكة، وأما هارون ﵇؛ فإنه كان محببًا إلى بني إسرائيل حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى ﵇، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ صار محببًا عند سائر الخلق الإنس، والجن، والوحوش، والطيور.\nفإن قلت: قوله في الحديث: (ولم يثبت كيف منازلهم) يخالفه كلمة (ثم) التي هي للترتيب.\nقلت: أجيب: بأن أنسًاإما لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال: لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ إبراهيم بينه وبين آدم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السماوات، أو خمسة؛ لأنَّه جاء في بعض الروايات: (أن إبراهيم في السماء السابعة)، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني: إن (ثم) هنا للترتيب الذكري، وليست على بابها من الترتيب في المنازل، وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على القول بتعدد المعراج؛ لأنَّ الروايات قد اتفقت على أنَّ المرور بإبراهيم كان قبل المرور بموسى ﵉؛ فليحفظ.\n (قال ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري: (فأخبرني)؛ بالإفراد (ابن حَزْم)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد، وله في عهد النبيِّ الأعظم ﷺ، وأمر ﵇ أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه؛ لتقدم موته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقول القسطلاني: (إنه مات سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة): فيه نظر؛ لأنَّ صوابه أنه عن ثلاث وخمسين سنة؛ فافهم.\n (أن) بفتح الهمزة (ابن عباس): هو عبد الله ﵄ (وأبا حَبَّة)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وهو المشهور، وقال القابسي: (بالمثناة التحتية)، وغلطوه في ذلك، وقال الواقدي: (بالنون) (الأنصاري) البدري، واختلف في اسمه، فقال أبو زرعة: (إنه عامر)، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت، وقال الواقدي: (إنه مالك).\nفإن قلت: في هذا الإسناد وهم؛ لأنَّ رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنَّه استشهد يوم أحد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم؛ لأنَّه إن كان المراد بـ (ابن حزم) أبا بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبة، وإن كان محمد؛ فهو لم يدركه الزهري.\nقلت: أجيب: بأن ابن حزم رواه عنه مرسلًا؛ حيث قال: (إن ابن عباس وأبا حبة)، ولم يقل: سمعت، وأخبرني،","vol":"1","page":218},{"text":"ونحوهما، فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في «صحيح مسلم»، كذا قاله إمام الشَّارحين؟\nقلت: وقول أبي زرعة إن اسمه عامر هو ابن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وأنكر الواحدي أن يكون في البدرين من يكنى أبا حبة؛ بالموحدة، وقال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في «مسند» ابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا؛ فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق: أنه استشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قوي إلا أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، انتهى.\nقال ابن حزم: (كانا)؛ أي: ابن عباس، وأبو حبة (يقولان: قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ: ثم عَرَجَ)؛ بفتحات، أو بضم الأول، وكسر الثاني؛ أي: صعِد (بي)؛ أي: جبريل (حتى ظهرت)؛ أي: علوت وارتفعت، ومنه قوله: والشمس في حجرتها لم تظهر (لمستوَى)؛ بفتح الواو، المراد به: المصعد، وقيل: هو المكان المستوي، وقال أبو ربيعة: (أستوي: أصعد)، واللام فيه للتعليل؛ أي: علوت لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ أي: ظهرت ظهور المستوي.\nقلت: فإذا كانت (اللام) بمعنى: إلى؛ يكون المعنى: إني أقمت مقامًا بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اضطلعت على الكوائن، وظهر لي ما يراد من أمر الله ﷿ وتدبيره في خلقه، وهذا هو المنتهى الذي لا يقدر أحد عليه، ويقال: لام القرض، وإلى الغاية يلتقيان في المعنى.\nقلت: قال المحقق الزمخشري في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩]: فإن قلت: يجري لأجل مسمًّى ويجري إلى أجل مسمَّى: أهو من تعاقب الحرفية؟\nقلت: كلا، ولن يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن، ولكن المعنيين-أعني: الانتهاء والاختصاص- كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنَّ قولك: يجري إلى أجل مسمًّى؛ معناه: يبلغه وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمًّى؛ يريد يجري لإدراك أجل مسمًّى، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (أسمع فيه صَريف الأقلام)؛ بفتح الصاد المهملة، وهو تصويتها حال الكتابة، والمراد به: صوت ما يكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره في خلقه سبحانه، لا يعلم الغيب إلا هو الغني عن الاستذكار بتدوين الكتب والاستثبات بالصحف، وأحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، قاله إمام الشَّارحين.\nفإن قلت: ما الحكمة في الإسراء؟\nقلت: أجيب: بأنه إنَّما كان للمفاجأة، ولهذا كان عن غير مواعدة، وهذا أوقع وأعظم، وكان التكلم مع موسى عن مواعدة وموافاة، فأين ذاك من هذا، وشتان ما بين المقامين، وبين من كلم على الطور، وبين من دعي إلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح مسيرة شهر، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية؟!\nفإن قلت: فما الحكمة في كون الإسراء كان ليلًا بالنص؟\nقلت: أجيب بأوجه:\nالأول: أنه وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، وهو وقت مناجاة الأحبة.\nالثاني: أنَّ الله تعالى أكرم جماعة من أنبيائه بأنواع الكرامات، فقال تعالى في حق إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وفي قصة لوط ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]، وفي قصة يعقوب ﵇: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، وكان آخر دعائه وقت السحر من ليلة الجمعة، وقرب موسى ﵇ نجيًّا ليلًا، وذلك قوله: ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] (^١)، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣]، وأكرم نبينا الأعظم ﷺ أيضًا ليلًا بأمور؛ منها: انشقاق القمر، وإيمان الجن به، ورأى الصحابة آثار نيرانهم كما ثبت في «صحيح مسلم»، وخرج إلى الغار ليلًا.\nالثالث: أنَّ الله تعالى قدم ذكر الليل على النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا.\nالرابع: أنَّ الليل أصل، ولهذا كان أول الشهور وسواده يجمع ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويسلتذ فيه بالسمر، ويجتلى فيه وجه القمر.\nالخامس: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة.\nالسادس: أنَّ الليل محل إجابة الدعاء والغفران والعطاء.\nفإن قلت: ورد في الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة، ويوم الجمعة».\nقلت: قالوا ذاك بالنسبة إلى الأيام.\nقلت: ليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجلي؛ فتأمل هذا الفضل الخفي.\nالسابع: أن أكثر أسفاره ﵇ كان ليلًا، وقال: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل».\nالثامن: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى ﵇ لما رفع نهارًا من البنوة تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nالتاسع: لأنَّ الليل وقت الاجتهاد للعبادة، وكان ﵇ يقوم حتى تورمت قدماه، وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر؛ أكد بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩].\nالعاشر: ليكون أجر المصدق به أكثر؛ ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، كذا قرره إمام الشَّارحين أيضًا ﵁.\nقلت: وفي هذا دليل على أنَّ الليل أفضل من النهار؛ فليحفظ.\n (قال ابن حزم): المذكور عن شيخيه (و) قال (أنس بن مالك)؛ أي: عن أبي ذر الغفاري، كذا جزم به صاحب «الأطراف»، والظاهر: أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، وليس بين أنس وبين رسول الله ﷺ ذكر أبي ذر، ولا بين ابن حزم ورسول الله ﷺ ذكر ابن عباس وأبي حبة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدم آنفًا، مع أنَّ الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: (قال رسول الله ﷺ)؛ يكون بدون الواسطة، فلعل أنسًا ﵁ سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله ﷺ، والباقي سمعه من أبي ذر، كذا قرره في «عمدة القاري».\n (قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ:\n_________\n(^١) في الأصل: (إذ قال لأهله امكثوا إني آنست نارًا).","vol":"1","page":219},{"text":"ففرض الله) زاد الأصيلي: (﷿) (على أمتي خمسين صلاة) وعند مسلم من رواية أنس: (ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة)، ونحوه من رواية مالك بن صعصعة عند المؤلف، فيحتمل أن يقال: في كل من رواية الباب، والرواية الأخرى اختصارًا، ويقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه، كذا في «عمدة القاري»، (فرجعت بذلك)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: فرجعت من المكان الذي عرجت منه مصاحبًا للصلوات المفروضات عليَّ وعلى أمتي (حتى مررت على موسى): هو ابن عمران ﵇ صاحب الخضر ﵇، (فقال: ما فرض الله لك على أمتك)؛ يعني: ما فرض الله على أمتك بمصاحبتك من الصلوات؟ أو ما فرض الله لأجلك على أمتك من الصلوات؟ (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: قلت لموسى: (فرض)؛ أي: الله علي وعلى أمتي (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، (قال موسى: فارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك أولًا، (فإن أمتك لا تطيق) وقوله: (ذلك)؛ أي: إقامة خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثابت في رواية، ساقط في أخرى.\nفإن قلت: ما وجه اعتناء موسى ﵇ بهذه الأمة من بين سائر الأنبياء ﵈ الذين رآهم النبيُّ الأعظم ﷺ ليلة الإسراء؟\nقلت: أجيب: بأنه قد ورد عن موسى أنه قال: يارب؛ اجعلني من أمة محمد ﷺ؛ لما رأى من كرامتهم على ربهم، فكان اعتناؤه بأمرهم وإشفاقه عليهم كما يعتني بالقوم من هو منهم، وقال الداودي: (إنما كان ذلك من موسى ﵇؛ لأنَّه أول من سبق إليه حين فرضت الصلاة فجعل الله في قلب موسى من ذلك؛ ليتم ما سبق من علمه ﷿)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ويحتمل أنه ﵇ لما عالج بني إسرائيل، وحصل له منهم ما وقع، وعلم أنَّ الفرائض خمسون كثيرة لا يستطاع أداؤها في كل يوم وليلة، وعلم أن أمة نبينا ﵇ أضعف الأمم من حيث إنه ﵇ قال: «بعثت بالدين الحنيفية السمحة»، وأنَّهم خير أمة من حيث كثرة الثواب، فخاف ألَّا تقبل الأمة الخبر المرقوم، ولا يستطيعون لفعله، وأنه ﵇ قام مقامًا يغبطه فيه الأولون والآخرون، فخاف أن يكون مقامه عبثًا، فأخبره بعدم الإطاقة حتى يكون مقامه معمولًا بمقتضاه مستوجبًا للفوز في الآخرة، فلهذا قال نبينا ﵇: (فراجعت)؛ أي: ربي في تخفيفها، وفي رواية: (فراجعني)، والمعنى واحد، والرواية الأولى للأربعة، وعزاها إمام الشَّارحين للكشميهني، والثانية لغيره، (فوضع)؛ أي: حط ربي عني، وعن أمتي (شطرها) وفي رواية مالك بن صعصعة: (فوضع عني عشرًا)، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت: (فحط عني خمسًا)، والشَّطْر؛ بفتح الشين المعجمة، وسكون الطاء المهملة، قال الكرماني: (هو النصف).\nقلت: وهو بعيد لم يرد في كلام العرب، وإنما الذي ورد في كلام العرب: أنَّ الشطر: هو البعض، وقد جاء بمعنى: الجهة أيضًا، ورواية مالك وثابت المذكورتان تدلان على أنَّ المراد بالشطر: هو البعض؛ فليحفظ.\nوزاد ثابت في روايته: أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، ولا يخفى أن هذه زيادة من ثقة وهي مقبولة معتمدة، فينبغي حمل ما في الروايات عليها، كما سيأتي.\n (فرجعت إلى موسى) ﵇؛ أي: المكان الذي فيه موسى (فقلت): وفي رواية: (قلت)؛ يعني: لموسى (وضع) أي: حط عني، وعن أمتي ربي (شطرها) أيضًا، (فقال): وفي رواية: (قال)؛ أي: موسى (راجع ربك)، وفي رواية: (ارجع إلى ربك)؛ يعني: فاسأله التخفيف، (فإن أمتك لا تطيق)؛ أي: لا تستطيع العمل بذلك، (فراجعت) ولابن عساكر: (فرجعت)؛ أي: إلى ربي، (فوضع) أي: حط عني، وعن أمتي (شطرها) أيضًا، قال الكرماني: (الشطر: هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا (^١) وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر؛ يعني: بتكميل المنكسر؛ إذ لا معنى لوضع بعض صلاة، وفي الثالثة سبعًا (^٢».\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام لا يتجه، وهو يخالف ظاهر عبارة حديث الباب؛ لأنَّ المراجعة المذكورة فيه ثلاث مرات، ولم يجعل الوضع إلا في المرتين الأوليين، وفي المرة الثالثة قال: «هن خمس وهن خمسون»، فلم يحصل الوضع ههنا، ويلزم من كلامه أن تكون المراجعة أربع مرات؛ في الأولى الشطر، وفي الثانية ثلاثة عشر، وفي الثالثة سبعة، وفي الرابعة قال: «هن خمس»، وليس الأمر كذلك).\nوزعم ابن المنير أن ذكر الشطر أعم من كونه وضع دفعة واحدة، وزعم ابن حجر قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا يكون سبع دفعات، ففي المراجعة الأولى دفعتان، وهما عشرون كل دفعة عشرة، وفي الثانية يكون خمس دفعات كل دفعة خمس، فيصير خمسة وعشرين، ولكن هل كل دفعة في مراجعة، فيصير سبع مراجعات؟ أو دفعتان في المراجعة الأولى، وخمس دفعات في الثانية؟ ولكل منهما وجه بالاحتمال، ولكن ظواهر الروايات لا تساعد شيئًا من ذلك إلا بالتأويل، وهو أن يكون المراد من الشطر: البعض، وقد جاء ذلك في كلام العرب، وجاء أيضًا بمعنى: الجهة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي: جهته، وإذا كان كذلك؛ يكون المراد من الشطر في المراجعة الأولى: العشر مرتين، وفي الثانية: الخمس خمس مرات، فتكون الجملة خمسة وأربعين.\nفإن قلت: إذا كان الفرض أولًا هو الخمسون؛ كيف جاز\n_________\n(^١) في الأصل: (خمس)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (سبعة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":219},{"text":"وقوع هذا التردد والمراجعة من النبيِّ الأعظم ﷺ وبين موسى كليم الله ﵇؟\nقلت: كانا يعرفان أنَّ الأولى غير واجب قطعًا، فلو كان واجبًا قطعًا؛ ما كان يقبل التخفيف، ولا كان النبيان العظيمان يفعلان ذلك) انتهى كلامه.\n (فرجعت إليه)؛ أي: إلى موسى ﵇، وفي الكلام حذف؛ تقديره: فقلت لموسى: وضع ربي شطرها عني وعن أمتي، (فقال)؛ أي: موسى: (ارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيته فيه، (فإن أمتك لا تطيق ذلك)، فاسأله التخفيف، (فراجعته)؛ أي: ربي ﷾، (فقال) الله ﷿: (هن) وفي رواية: (هي) (خمس)؛ يعني: خمس صلوات مفروضات في العمل من جهة العدد في الفعل، والضمير فيه وفي تاليه مبهم يفسره الخبر؛ كقوله:\nهي النفس ما حملتها تتحمل... . . . . . . . . . . . . .\n (وهن) وفي رواية أبي ذر كالأولى: (هي) (خمسون)؛ يعني: باعتبار الثواب؛ لأنَّ كل حسنة بعشرة أمثالها، كما في النص القرآني، وكان الفرض في الأول خمسين، ثم إنَّ الله تعالى رحم عباده وجعله خمسًا (^١)؛ تخفيفًا لنا، ورحمة علينا، ثم هذا هل هو نسخ أم لا؟ فاستدل قوم بالنقص على أنه يجوز نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر النحاس هذا القول من وجهين:\nأحدهما: البناء على أصله، ومذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأنَّ ذلك عنده من البداء، والبداء على الله محال.\nالثاني: أن العبادة وإن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يراه؛ فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين، قال: وإنما ادعى النسخ فيها الكاشاني؛ ليصح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر، قال النحاس: (وهذا إنَّما يسمى شفاعة شفعها النبيُّ الأعظم ﷺ لأمته، ومراجعته التي راجعها ربَّه؛ ليخفف عن أمته، ولا يسمى نسخًا) انتهى.\nواعترضه السهيلي فقال: وقول النحاس: (وذلك بداء): ليس بصحيح؛ لأنَّ حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين الصواب فيه بعد إن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق الله ﷿، والذي يظهر أنه نسخ ما وجب على النبيِّ الأعظم ﷺ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا نسخ على الحقيقة نسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، ومراجعته وشفاعته لا تنفي النسخ؛ لأنَّ النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته ﵇ كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرناه من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات في خاصته، وأما أمته؛ فلم ينسخ عنهم حكم؛ إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل وصوله إلى المأمور، والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبدًا، فإذا كان خبرًا؛ لا يدخله النسخ، ومعنى الخبر: أنه ﵇ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة؛ ومعناه: أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فتأولها ﵇ على أنها خمسون بالفعل، فبينها له ربه ﷿ عند مراجعته أنها في الثواب لا في العمل) انتهى ذكره إمام الشَّارحين.\nثم قال: (فإن قلت: ما معنى نقص الصلاة عشرًا بعد عشر؟\nقلت: أجيب: بأنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها ربعها حتى انتهى إلى عشرها، ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من يكتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من كملت صلاته بما يلزم من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها) انتهى.\nثم قال رحمه الله تعالى: (واستدل الشافعي به على عدم وجوب صلاة الوتر حيث عين الخمس.\nقلنا: نحن إنَّما نقول: لم يجب الوتر في ذلك، وإنما كان وجوبه بعد ذلك بقوله ﷺ: «إن الله زادكم صلاة؛ ألا وهي الوتر...»؛ الحديث، فلذلك انحطت درجته عن الفرض؛ لأنَّ ثبوت الفرض الخمس بدليل قطعي) انتهى.\nوأما ثبوت الواجب؛ فبدليل ظني لكن قد كثرت الأحاديث الصحاح في صلاة الوتر؛ منها: قوله ﷺ: «الوتر حق، فمن لم يوتر؛ فليس مني» قالها ثلاثًا، ومواظبة النبيِّ الأعظم ﷺ، كل ذلك يدل على الوجوب، ويثبت به الواجب، بل هذه الأحاديث تفيد الفرضية، وهو رواية عن إمامنا الأعظم، والصحيح عنه أنه واجب، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد: إنه سنة، ووفق المتأخرون: بأنه فرضٌ عملًا، واجبٌ اعتقادًا، سنةٌ ثبوتًا، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب.\nقال الله تعالى: (لا يبدل القول لدي)؛ يعني: لا يبدل الإخبارات -مثل: أن ثواب الخمس خمسون- لا التكليفات، أو لا يبدل القضاء المبرم لا القضاء المعلق الذي يمحو الله ما يشاء منه ويثبت منه، أو معناه: لا يبدل القول بعد ذلك، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (فرجعت إلى موسى) ﵇، فأخبرته بما وقع، والظاهر: أنه لم يخبره بقوله تعالى: (لا يبدل القول لدي)، يدل عليه قوله: (فقال)؛ أي: موسى له (راجع ربك) وللأصيلي: (ارجع إلى ربك)؛ لأنَّه لو أخبره بما قال؛ لما قال له: راجع ربك، واسأله التخفيف، ويحتمل أنه أخبره، لكن لما علم أن النبيَّ الأعظم ﷺ مكرم على ربه معظم؛ ظن أن يوضع عنه منها أيضًا؛ فتأمل.\n (فقلت): ولأبي ذر: (قلت)؛ أي: لموسى: إني (استحييت) وللأصيلي: (قد استحييت) (من ربي) ووجه استحيائه من ربه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس؛ لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها، فلذلك استحى عن أن يراجع ربه بعد ذلك، ولا سيما سمع من ربه: (لا يبدل القول لدي) بعد قوله: (هن خمس، وهن خمسون).\nفإن قلت: لم لا يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (لا يبدل القول لدي): لا ينقص عن الخمس، ولا يبدل إلى أقل من ذلك؟\nقلت: أجيب: بأنه لا يناسب لفظ قوله ﵇: «استحييت من ربي»، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا ليس بجواب في رواية هذا الباب، وأما في رواية مالك بن صعصعة وشريك: «فوضع عني عشرًا»؛ ففيه إلحاح؛ لأنَّ السؤال قد تكرر، وكيف\n_________\n(^١) في الأصل: (خمس)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":220},{"text":"لا، والإلحاح في الطلب من الله تعالى مطلوب؟) انتهى.\nقلت: يدل عليه قوله ﵇: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء...»؛ الحديث، وقد اختلط على ابن حجر رواية الباب، ورواية مالك، فخبط، وقال ما قال؛ فافهم.\n (ثم انطلق بي)؛ بفتح الطاء المهملة واللام، وسقط لفظة (بي) في رواية، والمراد بالفاعل الغائب المستتر في (انطلق): هو جبريل ﵇ (حتى انتهى بي)؛ أي: جبريل (إلى السدرة المنتهى) كذا للأربعة، وفي رواية: (إلى سدرة المنتهى)، والسِدْر؛ بكسر السين المهملة، وسكون الدال المهملة: هو شجر النبق، واحدته سدرة، وجمعها سدر وسدور، الأخيرة نادرة، وقال ابن زياد: (السدر: من العضاه، وهو لونان، فمنه عنبري، ضال خف، فأما العنبري؛ فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير، وأما الضال خف؛ فهو ذو شوك، وللسدر ورقة عريضة مدورة، وربما كانت السدرة محلالًا، قال: وورق الضال خف صغار، وهو أجود نبق يعلم بأرض العرب نبق بهجر في بقعة واحدة، يحمى للسلطان وهو أشد نبق يعلم حلاوة وأطيبه رائحة، يفوح فم آكله كما يفوح العطر، وفي «نوادر الهجري»: (السدر: يطبخ، ويصبغ به)، وتجمع السدرة على سدْرات؛ بإسكان الدال المهملة، ويقال: بفتحها، ويقال: بكسرها مع كسر السين فيها، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والمراد بها شجرة الصنوبر.\nقال إمام الشَّارحين: (وهي فوق السماء السابعة)، وقال الخليل: (هي في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة)، وفي رواية مسلم: (أنها في السماء السادسة)، والأول أكثر، ويحمل على أن أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، وزعم عياض أن أصلها في الأرض؛ لخروج النيل والفرات من أصلها، انتهى.\nقلت: وليس هذا بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وورد: (أن من أصلها يخرج أربعة أنهار؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فالباطنان: السلسبيل والكوثر، والظاهران: النيل والفرات)، وعن ابن عباس: (أنها عن يمين العرش)، وإنما سميت بـ (المنتهى)؛ لأنَّها أسفل العرش، لا يجاوزها ملك ولا نبي؛ يعني: بل ينتهي إليها، وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، وما ينزل من السماء، فيفيض منها، وقيل: ينتهي إليها علم كل ملك مقرب ونبي مرسل، وقال كعب: (وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله)، وقيل: ينتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل: إن أرواح المؤمنين تنتهي بها إليها، فيصلي عليها هناك الملائكة المقربون، انتهى ما قاله إمام الشَّارحين.\n (وغشيها)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «وغشيها»؛ يعني: سدرة المنتهى (ألوان، لا أدري ما هي) واختلف فيما يغشاها؛ فقيل: يغشاها الملائكة حتى تغطى السدرة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، أو جراد من ذهب، أو هو الملائكة الذين يعبدون الله عندها، وقيل: بل يغشاها أنوار الله تعالى؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ لما وصل إليها؛ تجلى ربه لها كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار الإلهية عليها، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت، فجعل الجبل دكًّا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقًا، ولم يتزلزل النبيُّ الأعظم ﷺ، وروي عنه ﵇ أنه قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكًا قائمًا يسبح الله تعالى، وفي إبهام ما يغشاها تعظيم وتكثير لما يغشاها من الخلائق، والغشيان يكون بمعنى: التغطية والستر، ويكون بمعنى: الإتيان أيضًا، قيل: وهو المناسب ههنا؛ فتأمل.\nفإن قلت: العالم العلوي ليس فيه شيء مما هو في هذا العالم، فلا يكون فيه شجرة النبق، وهي شجرة الصنوبر، فما وجه قوله: (إلى سدرة المنتهى)؟\nقلت: أجيب: بأن شجرة النبق لما كان لها ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية؛ شبهت بها شجرة المنتهى، فأطلق عليها اسم السدرة على سبيل الاستعارة؛ فليحفظ.\nوقال مقاتل: (السدرة: هي شجرة طوبى، ولو أن رجلًا ركب هجينه وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم؛ لما وصل إلى المكان الذي ركب منه، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل، وجميع ألوان الثمر)، وقيل: هي شجرة غير طوبى ثابتة في يمين العرش فوق السماء السابعة، تخرج أنهار الجنة من أصلها، كما قدمناه، وإضافة السدرة إلى المنتهى يحتمل أن تكون من قبيل إضافة الشيء إلى مكانه؛ كقولك: شجرة بلدة كذا، ومكان كذا، فالمنتهى حينئذٍ موضع لا يتعداه ملك أو نبي، كما ذكرناه؛ فتأمل، وجمهور المفسرين على أن النبيَّ الأعظم ﷺ لما رجع من عند ربه ﷿ ليلة الإسراء؛ رأى جبريل على صورته عند سدرة المنتهى، وقال ﵇: «رأيته عند سدرة المنتهى، وعليه ست مئة جناح يتناثر منها الدر والياقوت»، وهي مقام جبريل ﵇، أمَّ فيها النبيُّ الأعظم ﷺ ملائكة السماءكلها؛ فكان إمام الأنبياء في بيت المقدس، وإمام الملائكة عند سدرة المنتهى، فظهر بذلك فضله على أهل السماء والأرض، وقالت عائشة ﵂: (من حدث أن محمدًا رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَاّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١])، وقالت: (إن المرئي في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]: هو صورة جبريل)؛ حيث قالت: (ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين)، ووافقها ابن مسعود ﵁، وقال كعب الأحبار: (إن النبيَّ الأعظم ﷺ رأى ربه مرة أخرى، فإن الله كلم موسى مرتين، وأدنى محمدًا ﷺ مرتين)، وتبعه جماعة كثيرة من المفسرين، وقالوا: إن المرئي هو الله تعالى، وإنه ﵇ رأى ربه.\nواختلفوا في أنه ﵇ هل رأى ربه بقلبه أو بعين رأسه؟\nفقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول عبد الله بن عباس، فقال: (رآه بفؤاده مرتين)، ويدل عليه أنه ﵇ قال: «رأيته بفؤادي، ولم أره","vol":"1","page":220},{"text":"بعيني»، وقال أنس، والحسن، وعكرمة: رأى محمد ﷺ ربه بعين رأسه، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدًا ﷺ بالرؤية).\nواعلم أن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزة؛ لأنَّ دليل الجواز غير مخصوص برؤيته في الآخرة، ولأن مذهب أهل السنة: أن الرؤية بالإراءة لا بقدرة العبد، فإذا حصل العلم بالشيء من طريق البصر؛ كان رؤية بالإراءة، وإن حصل من طريق القلب؛ كان معرفة، فالله تعالى قادر على أن يحصل مدرك العلوم في البصر، كما قدر على أن يحصل مدرك العلوم في القلب، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، والاختلاف في الوقوع مما ينبئ عن الاتفاق على الجواز، والله أعلم.\n (ثم أُدخلت الجنة)؛ بضم الهمزة؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: ثم أدخلني جبريل الجنة، وهي جنة المأوى، وسميت بذلك؛ لأنَّه يأوي إليها المتقون، أو أرواح الشهداء، وقال إمام الشَّارحين: (وقوله ﵇: «ثم أدخلت الجنة» يدل على أن سدرة (^١) المنتهى ليست في الجنة)، وقال ابن دحية: كلمة (ثم) في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وإنما هي مثل (الواو) للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها، انتهى.\n (فإذا فيها)؛ أي: في الجنة، وكلمة (إذا) هنا والتي في قوله: (فإذا ترابها) للمفاجأة (حبائل اللؤلؤ)؛ بالحاء المهملة، ثم الموحدة، وبعد الألف مثناة تحتية ساكنة، ثم لام، كذا وقع لجميع رواة البخاري، وذكر جماعة منهم: أنه تصحيف، وإنما هو (جنابذ)؛ بالجيم والنون، وبعد الألف موحدة، ثم ذال معجمة، كما وقع عند المصنف في (أحاديث الأنبياء) من رواية ابن المبارك وغيره عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، وقال ابن الأثير: (إن صحت رواية «حبائل»؛ فيكون أراد به مواضع مرتفعة؛ كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة، وحبالة جمع حبل على غير قياس)، وفي رواية الأصيلي عن الزهري: (دخلت الجنة، فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ)، وقال ابن قرقول: كذا لجميعهم: (حبائل)، ومن ذهب إلى صحة الرواية؛ قال: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل؛ يعني: فيها اللؤلؤ؛ كحبال الرمل، وهو جمع حبل؛ وهو الرمل المستطيل، أو من الحبلة: وهو ضرب من الحلي معروف، وقال صاحب «التلويح»: (وهذا كله تخيل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب)، والحبائل إنَّما تكون جمع: حبالة أو حبيلة، والجنابذ جمع: الجُنبُذ؛ بضم الجيم، وسكون النون، وبالموحدة المضمومة، وبالذال المعجمة: وهو ما ارتفع من الشيء واستدار؛ كالقبة، والعامة تقول: بفتح الموحدة، والأظهر أنه فارسي معرب.\nقلت: هو في لسان العجم؛ كُنْبَذ؛ بضم الكاف: الصماء، وسكون النون، وفتح الموحدة: وهي القبة، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (وإذا ترابها المسك)؛ أي: تراب الجنة رائحته كرائحة المسك، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد؛ أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وغراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، وفي الحديث: أنه ﵇ قال: «إن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمس مئة عام، ولا يجد ريحها عاق»، قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾: فإنَّهم أخف في الخدمة ﴿مُّخَلَّدُونَ﴾: دائمون على ما هم عليه من الشباب والفضاضة في الحسن، فإنَّهم لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحد على مر الأزمنة ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]: من صفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم، وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض، فإن المتفرق أحسن من المنظوم؛ ليظهر لمعانه وبريقه، عليهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ، وفي الحديث: «أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه»، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة؛ مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من أحدهما، فترى عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعث شعورهم أبدًا، ثم يشربون من الآخر، فيخرج ما في بطونهم من الأذى؛ كالغل، والحسد، والقذر، والغش، ثم تستقبلهم خزنة الجنة، فيقولون لهم: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، اللهم؛ اجعلنا منهم.\nويستنبط من الحديث أمور:\nأحدها: أن جبريل ﵇ هو الذي كان ينزل على النبيِّ الأعظم ﷺ من عند الله وبأمره.\nالثاني: أن فيه الاستئذان وبيان الأدب فيما إذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟ يقول: زيد مثلًا، ولا تقول: أنا، إذ لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، كذا قالوا، قال إمام الشَّارحين: قلت: لكن لا يقتصر على قوله: زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس.\nالثالث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه.\nالرابع: علم منه أن للسماء أبوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها.\nالخامس: أنه علم أن رسول الله ﷺ من نسل إبراهيم؛ حيث قال: (والابن الصالح) بخلاف غيره من الأنبياء المذكورين فيه، فإنَّهم قالوا: (الأخ الصالح).\nالسادس: فيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتن.\nالسابع: أن فيه شفقة الوالد على ولده، وسروره بحسن حاله، وسوءه بسوء حاله.\nالثامن: فيه أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وقد مضى الكلام فيه.\nالتاسع: فيه أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الجنة في السماء.\nالعاشر: فيه استدل بعضهم على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب، ورده إمام الشَّارحين: بأنَّ هذا الاستدلال بعيد؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم كحكمنا، ويحتاج أيضًا إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كلفنا به، ومع هذا كان هذا على أصل الإباحة، وتحريم النقدين كان بالمدينة.\nالحادي عشر: فيه وجوب الصلوات الخمس، والباب معقود لهذا، وقال ابن بطال:\n_________\n(^١) في الأصل: (السدرة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":221},{"text":"(أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء)، وقال ابن إسحاق: (ثم إن جبريل ﵇ أتى الوادي، فهمز بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل ﵇، ومحمد ﵇ ينظر إليه، فرجع النبيُّ الأعظم ﷺ، فأخذ بيد خديجة ﵂، ثم أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل ﵇، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ﵇).\nوقال نافع بن جبير: (أصبح النبيُّ الأعظم ﷺ ليلة الإسراء، فنزل جبريل ﵇ حين زاغت الشمس، فصلى به).\nوقال جماعة: لم يكن صلاة مفروضة قبلها إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد ركعات، ووقت حضور، وكان يقوم أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه.\nالثاني عشر: فيه أن أرواح المؤمنين يصعد بها إلى السماء.\nالثالث عشر: فيه أن أعمال بني آدم الصالحة تسر آدم، وأعمالهم السيئة تسوءه.\nالرابع عشر: فيه أنه يجب أن يرحب بكل أحد من الناس في حسن لقائه بإكرام النازل أن يلاقيه بأحسن صفاته وأعمها بجميل الثناء عليه.\nالخامس عشر: فيه أن أوامر الله تعالى تكتب بأقلام شتى، وأن العلم ينبغي أن يكتب بأقلام كثيرة، تلك سنة الله في سماواته، فكيف بأرضه؟\nالسادس عشر: فيه أن ما قضاه وأحكمه (^١) من آثار معلومة، وآجال مكتوبة، وشبه ذلك مما لا يبدل لديه، وأما ما نسخه رفقًا بعباده؛ فهو الذي قال فيه: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقال إمام الشَّارحين:\nفإن قلت: إنه ﵇ عرج به على دابة يقال لها: البراق، وثبت ذلك بالتواتر، فما الحكمة في ذلك، وكان الله تعالى قادرًا (^٢) على رفعه في طرفة عين بلا براق؟\nقلت: إنَّما كان ذلك للتأنيس بالمعتاد، والقلب إلى ذلك أميل، وعرج به؛ لكرامة الراكب على غيره، ولذلك لم ينزل عنه على ما جاء في حديث حذيفة: (ما زال ظهر البراق حتى رجع)، وإنما لم يذكر في الرجوع؛ للعلم به؛ لقرينة الصعود، وسمي براقًا؛ لسرعته تشبيهًا ببرق السحاب، وكانت بغلته ﵇ بيضاء؛ أي: شهباء، فكذلك كان البراق، وفيه أسئلة:\nالأول: كون البراق على شكل البغل دون الخيل مع أن الخيل أفضل وأحسن؟\nوالجواب: كان الركوب في السلم والأمن لا في الخوف والحرب؛ ولإسراعهِ عادة، ولتحقيق ثباته وصبره؛ فلهذا كان ﵇ يركب بغلته في الحرب في قصة حنين؛ لتحقيق ثباته في مواطن الحرب، وأما ركوب الملائكة الخيل؛ فلأنه المعهود بالخيل في الحروب، وما لطف من البغال واستدار أحسن من الخيل في الوجوه التي ذكرناها.\nالثاني: استصحاب البراق لماذا كان؟\nوالجواب: إنه كان تيهًا وزهوًّا لركوبه ﵇، وقول جبريل ﵇: أبمحمد (^٣) تستصعب تحقيق الحال، وقد ارفضَّ عرقًا من تيه الجمال؟ وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله أيضًا، وقيل: إن جبريل ركب معه؛ لبعد عهده بالأنبياء ﵈، وطول الفترة بين عيسى ومحمد ﵉، وقيل: إن جبريل قال لمحمد ﵉ حين شمس به البراق: لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم -يعني: الذهب- فأخبره النبيُّ الأعظم ﷺ أنه ما مسها إلَّا أنه مر بها، فقال: «تبًّا لمن يعبدك من دون الله»، وما شمس إلَّا لذلك، ذكره السهيلي، وسمعت من بعض أستاذتي الكبار: أنه إنَّما شمس؛ ليعد له النبيُّ الأعظم ﷺ بالركوب عليه أولًا يوم القيامة، فلما وعد له؛ قر) انتهى كلام إمام الشَّارحين ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، آمين.\n\n <span id=\"b-٥٩٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-593>[حديث: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين]</span>\n٣٥٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي المنزل الدمشقي الأصل، المتوفى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي يوسف تثليث السين المهملة مع الهمز، وتركه؛ ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن صالح بن كَيسان)؛ بفتح الكاف: هو المدني التابعي، المتوفى وهو ابن مئة سنة ونيف وستين سنة، (عن عُرْوة)؛ بضم العين، وسكون الراء المهملتين (بن الزبير)؛ بضم الزاي، وفتح الموحدة: هو ابن العوام، (عن عائشة أم المؤمنين): هي الصديقة بنت الصديق ﵄، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهو من باب التشبيه البليغ، حذفت منه أداة التشبيه للمبالغة، ووجه الشبه: وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن، قال تعالى: ﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهن فيما وراء ذلك كالأجانب، وليس المراد التشبيه في جميع أحكام الأمهات، ألا ترى أن النظر إليهن والخلوة بهن حرام، كما في الأجانب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولا يقال لبناتهنَّ: هن أخوات المؤمنين، ألا ترى أنه ﵇ زوج بناته لعلي وذي النورين ﵄، ولا يقال أيضًا لإخوتهنَّ وأخواتهن: أخوال المؤمنين وخالاتهم؛ لأنَّه قد تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر أخت أم المؤمنين عائشة ﵅، وهذا معنى ما روى مسروق: أن امرأة قالت لعائشة ﵂: يا أمه، فقالت: (لست لكِ بأمٍّ، إنَّما أنا أم رجالكنَّ)، فالمراد في معنى الآية: التشبيه في بعض الأحكام، وهو كونهن محرمات على الرجال؛ كحرمة أمهاتهم؛ يعني: حرمة مؤبدة.\n (قالت) أي: عائشة: (فرض الله)؛ أي: قدر الله، والفرض في اللغة: التقدير، هكذا فسره أبو عمر (الصلاة)؛ أي: الرباعية، وذلك لأنَّ الثلاثية وتر صلاة النهار، وأشار إلى ذلك في رواية أحمد من حديث ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان عن عروة... إلى آخره وفيه: (إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا)، وذكر الداودي: (أن الصلوات زيدت ركعتان ركعتان، وزيدت في المغرب ركعة).\nقلت: وفيه نظر؛ لما في رواية أحمد المذكورة آنفًا، فإنها صريحة في أن المغرب كانت ثلاثًا، ويدل عليه أيضًا ما في «سنن البيهقي» من حديث داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: (إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبيُّ الأعظم ﷺ المدينة واطمأن؛ زاد ركعتين غير المغرب، فإنها وتر صلاة الغداة)، قالت: (وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى)، كذا في «عمدة القاري».\n (حين فرضها) قال ابن إسحاق: ثم إن جبريل أتى الوادي، فهمز بعقبه في ناحيته، فانفجرت\n_________\n(^١) في الأصل: (ما قضا وأحكم)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (قادر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (ألمحمد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":221},{"text":"فيه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل والنبيُّ الأعظم ﷺ ينظر، فرجع ﵇ فأخذ بيد خديجة، ثم أتى بها العين فتوضأ، كما توضأ جبريل، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ﵉ (ركعتين ركعتين) بالتكرار؛ ليفيد عموم التثنية لكل صلاة؛ لأنَّ القاعدة في كلام العرب أن تكرر الاسم المراد تقسيم الشيء عليه، ولولاه؛ لكان فيه إيهام أن الفريضة في الحضر والسفر ما كانت إلا فرد ركعتين فقط، وانتصاب قوله: (ركعتين) على الحالية، والتكرار في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة؛ نحو: مثنى، ونظيره قولك: هذا مزٌّ؛ أي: قائم مقام الحلو والحامض (في الحضر والسفر) إلا المغرب، فإنها ثلاث، كما ذكرناه من رواية أحمد والبيهقي، (فأُقِرت صلاة السفر)؛ بضم الهمزة في (أقرت)، وكسر القاف؛ أي: بقيت على حالها ركعتين ركعتين، والضمير المرفوع في (أقر) يعود على النبيِّ الأعظم ﷺ؛ لأنَّه هو المشرع المقر لها على ذلك، وهو أمر منه ﵇، والأمر للوجوب، فاقتضى أن يكون القصر في السفر عزيمة؛ يعني: واجبًا، وهو مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه، والجمهور، وخالفهم الشافعي، فزعم أنه رخصة، وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا صلى المسافر أربعًا ولم يقعد على رأس الركعتين؛ فسدت صلاته عندنا؛ لاتصال النافلة قبل كمال أركانها، وإن قعد في آخر الركعة الثانية قدر التشهد؛ أجزأته وصحت وصارت الأخرييان له نافلة، لكنه يصير مسيئًا بتأخير السلام، وعنده: هو مخير، إن شاء؛ أتم، وإن شاء؛ اكتفى على القصر.\n (وزيد في صلاة الحضر): يعني: زيد فيها حتى تكملت خمسًا، فتكون الزيادة في عدد الصلوات، ويكون قولها: (فرضت الصلاة ركعتين)؛ يعني: قبل الإسراء؛ لأنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، قاله أبو إسحاق الحربي، ويحيى بن سلام، وغيرهما.\nقلت: ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وروى جابر بن عبد الله ﵁: عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «فإن استطعتم ألَّا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فافعلوا»، ثم قرأ هذه الآية، كذا في «تفسير» الإمام الفقيه أبي الليث ﵀، وهذا الحديث من مراسيل السيدة عائشة ﵂؛ لأنَّها لم تدرك القصة، ويحتمل أن تكون أخذت ذلك من النبيِّ الأعظم ﷺ، أو من صحابي آخر، وعلى كل حال؛ فهو حجة؛ لأنَّ هذا مما لا مجال للرأي فيه، وهو حجة قوية ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: من أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، ويدل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه» عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة).\nورواه الطبراني في «معجمه» بلفظ: (افترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعًا)، ويدل عليه أيضًا ما رواه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ)، ورواه أيضًا ابن حبان في «صحيحه»، ولم يقدحه في شيء.\nوقول النسائي: (فيه انقطاع؛ لأنَّ ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر بن الخطاب): مردود؛ لأنَّ إمام هذه الصنعة مسلم بن الحجاج القشيري حكم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر ﵁، وصرح في بعض طرقه، فقال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عمر بن الخطاب؛ فذكره، ويؤيد ذلك: ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب...؛ فذكره، فهذا يدل على أن القصر في السفر عزيمة؛ أي: واجب، وإليه ذهب علماء أكثر السلف، وفقهاء الأمصار، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة.\nوقال حماد بن أبي سليمان: من صلى في السفر أربعًا؛ يعيد صلاته، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت، وقال أحمد: السنة ركعتان، وقال الخطابي: الأولى أن يقصر المسافر الصلاة؛ لأنَّهم أجمعوا على جوازها إذا قصر، واختلفوا فيها إذا أتم، والإجماع مقدم على الاختلاف، ويدل لما قاله الجمهور: ما في «البخاري» و«مسلم» عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر ﵄ قال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر ﵁ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان بن عفان ﵁ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nولا يخفى أن المواظبة على ذلك تدل على الوجوب، فلهذا قال الجمهور: إن القصر في السفر واجب، وقال الشافعي: القصر في السفر رخصة، وهو رواية عن مالك وأحمد، وتعلق بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾؛ لأنَّ نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر ينبئ عن تمام سابق، وبما أخرجه أبو داود بإسناده عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقد ذهب ذلك اليوم، فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان؛ يعني: فالمفروض الأربع إلا أنه رخص بأداء ركعتين.\nوبما أخرجه الدارقطني عن عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يقصر في","vol":"1","page":222},{"text":"الصلاة، ويتم، ويفطر، ويصوم)، قال الدارقطني: (إسناده صحيح).\nقلنا: وهذا كله لا حجة له فيه، وحجته من ذلك مردودة، أمَّا قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ..﴾؛ الآية؛ فلا يدل له؛ لأنَّ المراد من القصر المذكور في الآية هو قصر الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء؛ لخوف العدو؛ بدليل أنه تعالى علق ذلك بالخوف؛ إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع، بل متعلق بالسفر، وعندنا: قصر الأوصاف مباح لا واجب مع أن رفع الجناح في النص لرفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنة توهم النقصان، فرفع ذلك عنهم، وبهذا فسر الآية ابن عباس حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن؛ حيث قال: المراد من القصر التخفيف في كيفيات أداء الركعات وهو أن يكتفى في الصلاة بالإيماء بدل الركوع والسجود، وبه قال طاووس وغيره.\nوأمَّا قوله ﵇: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»؛ فلا دليل له فيه، بل هو حجة لما قاله إمامنا الإمام الأعظم والجمهور؛ لأنَّه ﵇ أمر بالقبول؛ ومعناه: اعتقدوه واعملوا به، فلا يبقى له خيار الرد شرعًا؛ لأنَّ الأمر منه ﵇ للوجوب، ومعنى قوله ﵇: «تصدق الله بها عليكم»: حكم عليكم؛ لأنَّ التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط؛ كالعفو من الله تعالى؛ لأنَّ هذه الصدقة واجبة في الذمة، وليس لها حكم المال، فتكون إسقاطًا محضًا، فلا يرتد بالرد؛ كالصدقة بالقصاص، والطلاق، والعتاق يكون إسقاطًا لا يرتد بالرد، فكذا هذا.\nوأمَّا حديث الدارقطني عن عائشة؛ فقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو، ودلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وثلاثتهم ضعفاء، عن عطاء، عن عائشة كما قاله البيهقي، وقال: والصحيح عن عائشة موقوف، ولا يخفى أنه معارض بما قدمناه عن حديث البخاري، ومسلم، وغيرهما، وهو لا يقاوم ما ذكر في «الصحيحين»، فلا دليل فيه له على أن الروايات عن عائشة متعارضة، والصحيح منها في ذكر في هذا «الجامع الصحيح»، ويجوز أنها كانت تنتقل من بيت بعض الأزواج إلى بيت بعض، فلم تكن مسافرة شرعًا، ولئن صح؛ فمحمول على إتمام الأركان، يدل عليه: أنه ﵇ صلى الظهر بأهل مكة عام حجة الوداع ركعتين، ثم أمر مناديًا ينادي: (يا أهل مكة؛ أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر)، فلو كان فرض المسافر أربعًا؛ لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه ﵇، وقياسه على الصوم فاسد؛ لأنَّ ترك الشيء لا إلى بدل دليل الفعلية، وفيه بدل؛ وهو القضاء بالنص، فلا يلزمنا، ولأن جهة اليسر فيه مترددة غير متعينة في القصر؛ لما عرف في الأصول، فيخير وجهة اليسر متعينة في القصر، فلم يتوجه التخيير؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر أن معنى (فرضت الصلاة)؛ أي: ليلة الإسراء حين فرضت الصلوات الخمس فرضت ركعتين، ثم زيدت في صلاة الحضر بعد ذلك، فتكون الزيادة في عدد الركعات، وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة، وممن رواه هكذا الحسن والشعبي، وأن الزيادة في الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقد ذكره البخاري من رواية معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيُّ الأعظم ﷺ، ففرضت أربعًا)، فإن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين؛ فله ذلك، وإن اختار أن يكون أربعًا؛ فله ذلك.\nويحتمل أن معنى قولها: (فرضت الصلاة): قدرت، ثم تركت صلاة السفر على هيئتها لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار.\nقلت: وهذا كله ممنوع، ولا شيء من الحديث يدل عليه، بل معنى قولها: (فرضت الصلاة ركعتين): قبل الإسراء؛ لأنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها، وقد جاء ذلك بالنص؛ حيث قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، فالزيادة إنَّما كانت في عدد الصلوات.\nوقوله: (وهو المروي...) إلى آخره: قد علمت أن الروايات عن عائشة قد تعارضت، وقولها: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﵇، ففرضت أربعًا)؛ معناه: أنه يجوز ترك الركعتين الأخيريين، فلا بد يلزمه، ولا إثم يلحقه، وكان تطوعًا؛ كسائر التطوعات، وهذا معنى قولهم: إن الشفع الثاني لا يقضى، ولا يأثم بتركه.\nوقوله: (فإن اختار...) إلى آخره: ممنوع، بل يتحتم على المسافر القصر؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: (صلاة المسافر ركعتان، وصلان الفجر ركعتان، فمن خالف السنة؛ فقد كفر)؛ يريد: كفران النعمة، ولما قدمناه من الأحاديث الدالة على وجوب القصر في السفر؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حجر أن الحنفية ألزموا على قاعدتهم فيما إذا تعارض رأي الصحابي روايته؛ فالعبرة بما رأى بأنه ثبت عن عائشة: أنها كانت تتم في السفر، ورده إمام الشَّارحين فقال: قاعدة الحنفية على أصلها، ولا يلزم من إتمام عائشة في السفر النقض على القاعدة؛ لأنَّ عائشة ترى القصر جائزًا، والإتمام جائزًا، فأخذت بأحد الجائزين، وإنما يرد على قاعدتنا ما ذكره أن لو كانت عائشة تمنع الإتمام؛ فافهم.\nوكذلك الجواب في إتمام عثمان بن عفان، وقيل: لأنَّ عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم، فكأنَّهما كانا في منازلهما، ورد: بأنه ﷺ كان أولى بذلك منهما، وقيل: لأنَّ عثمان تأهل بمكة، ورد: بأنه ﵇ سافر بأزواجه، وقصر الصلاة، وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه ليلًا يظنون","vol":"1","page":222},{"text":"أن فرض الصلاة ركعتان ابتداء حضرًا وسفرًا، ورد: بأنَّ هذا المعنى كان موجودًا في زمن النبيِّ الأعظم ﷺ، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان، وقيل: لأنَّ عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج، ورد: بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجرين فوق ثلاث، وقيل: لأنَّه كان لعثمان أرض بمنًى، ورد: بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة، والجواب الأول هو ما ذكره المحققون في تأويلهما، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٥٩٤\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-594>[باب وجوب الصلاة في الثياب وقول الله تعالى ﴿خذوا زينتكم عند</span>..﴾]\nهذا (باب) في بيان (وجوب الصلاة في الثياب): الجار والمجرور حال، وإنما ذكر (الثياب) بلفظ الجمع؛ لأنَّه على حد قولهم: فلان يركب الخيول، ويلبس البرود، والمراد به: ستر العورة، واتفق العلماء: على أن ستر العورة فرض بالإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط الصلاة أم لا؟ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، وعامة الفقهاء، وأهل الحديث: أن ذلك شرط لصحة الصلاة فرضها ونفلها، وبه قال محمد بن إدريس.\nواختلف أصحاب مالك: هل ذلك فرض أو سنة؟ فذهب جماعة: إلى أنه من سنن الصلاة، وقال التونسي: هو فرض في نفسه لا من فروضها، وقال ابن عطاء الله: إنه شرط فيها ومن واجباتها مع العلم والقدرة دون النسيان، والمشهور أنه ليس من شروطها، بل من سننها، وهو ظاهر مذهب مالك مستدلًّا بحديث عمرو بن سلمة لما انقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا است قارئكم، وسيأتي بيانه.\nفإن قلت: للصلاة شروط غير هذا، فما وجه تخصيصه بالتقدم على غيره؟\nقلت: لأنَّه ألزم من غيره، وفي تركه بشاعة عظيمة بخلاف غيره من الشروط، ولأن في تركه سوء أدب مع الله تعالى، فإنه وإن كان يرى ما تحت الثياب إلا أنه يطلب في حقه الستر؛ تأدبًا مع الخالق ﷿.\n (وقول الله ﷿): بالجر عطفًا على قوله: (وجوب الصلاة)؛ والتقدير: وفي بيان معنى قول الله ﷿، هذه رواية الأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية غيرهما: (وقول الله تعالى)؛ يعني: في سورة الأعراف، قال: يا بني آدم (﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾)؛ يعني: ثيابكم لأجل موارات عوراتكم (﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) [الأعراف: ٣١]؛ أي: لطواف أو صلاة، وأراد بالـ (زينة): ما يواري العورة، وبالـ (مسجد): الصلاة، ففي الأول: إطلاق اسم الحال على المحل، وفي الثاني: إطلاق اسم المحل على الحال؛ لوجود الاتصال الذاتي بين الحال والمحل، وهذا لأنَّ أخذ الزينة نفسها -وهي عرض- محالٌ، فأريد محلها، وهو الثوب مجازًا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، فنزلت هذه الآية، لا يقال: نزولها في الطواف، فكيف يثبت الحكم في الصلاة؟ لأنَّا نقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهذا اللفظ عام؛ لأنَّه قد قال: ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ولم يقل: عند المسجد الحرام، فيعمل بعمومه، ويقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ من قبيل إطلاق المسبب على السبب؛ لأنَّ الثوب سبب الزينة، ومحل الزينة الشخص، وقيل: المراد بالزينة: ما يتزين به من ثوب وغيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، والستر لا يجب لعين المسجد بدليل جواز الطواف عريانًا، فعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس، حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته؛ لم تجز صلاته وإن لم يكن عنده أحد، كذا في «عمدة القاري»، ويدل لهذا: قوله تعالى في قصة آدم قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾: وهو ما يلبس اتقاء عن انكشاف العورة بين يدي الله تعالى، فبين أولًا إنزال ما يواري العورة من اللباس، وثانيًا بإنزال لباس التجمل، ثم فضل اللباس الأول على الثاني بأنه وسيلة إلى إقامة الفرض، والثاني إلى إقامة الأمر المندوب، وهو التزين عند حضور مواضع العبادات تعظيمًا لها، ولا ريب أن ما يكون وسيلة إلى إقامة الفرض خير مما يكون وسيلة إلى إقامة المندوب، فقال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال الإمام أبو منصور ﵀: (يحتمل أن معنى هذه الآية: صلوا في كل مسجد ولا تخصوا بالصلاة حيكم، والزينة نفس الصلاة، فإن العبادة زينة كل عابد)، فالزينة وإن كانت اسمًا لما يتزين به من الثياب الفاخرة إلا أن المراد بالزينة ههنا: الثياب التي تستر العورة، وقد أجمع المفسرون على ذلك استدلالًا بسبب نزول الآية، فإنه قد روي عن ابن عباس: أن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، فكان الرجال يطوفون بالنهار، والنساء بالليل، قال ابن عباس: فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا، وقال قتادة: كانت المرأة تطوف، وتضع يدها على فرجها، وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله... وما بدا منه فلا أحله\nفنزلت هذه الآية، وقال الكلبي: (الزينة: ما وارى العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة)، وقال مجاهد: وارِ (^١) عورتك ولو بعباءة، فقد اتفق العلماء على أن المراد منه: ستر العورة، وفي «مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة»، وعن المسور بن مخرمة: قال له النبيُّ الأعظم ﷺ: «ارجع إلى ثوبك، فخذه ولا تمشوا عراة»، وفي «صحيح ابن خزيمة» عن عائشة ترفعه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ: «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار»، وقال ابن بطال: (أجمع أهل التأويل: على نزولها في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة)، وقال ابن رشد: من حمله على الندب؛ قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء، وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًّا بما في الحديث: أنه كان رجال يصلون مع النبيِّ الأعظم ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم؛ كهيئة الصبيان، ومن حمله على الوجوب؛ استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة، فتقول: من يعيرني بطواف، أو تقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله... . . . . . . . . . . .\nفنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ..﴾؛ الآية.\nوزعم ابن حجر أن البخاري يشير بهذه الآية إلى ما قاله طاووس: إن المراد بالزينة: الثياب، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تخمين وحسبان، وليس عليه برهان).\nقلت: وما زعمه ابن حجر باطل؛ لأنَّ مراد البخاري ليس\n_________\n(^١) في الأصل: (واري)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":223},{"text":"كذلك، وإنما مراده الإشارة إلى أن ستر العورة في الصلاة فرض، ولهذا ترجم إليه بـ (باب وجوب الصلاة في الثياب)؛ يعني: مستور العورة، والثياب ليست قيدًا في ذلك، بل يجوز ستر العورة بحشيش أو طين عند فقد الثياب، وكذا يجوز سترها بجلد طاهر ونحوه، وإنما ذكر الثياب باعتبار الأغلب، وليس ما ذكره ابن حجر عن طاووس بصحيح؛ لأنَّ الذي قاله المفسرون عن طاووس: إنه قال: لم يأمرهم بالحرير أو الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريانًا ويدع ثيابه وراء المسجد، فإن طاف وهي عليه؛ يضرب وانتزعت منه، فنزلت هذه الآية، فعلم بهذا أن المراد مما قاله طاووس: هو ستر العورة، وليس المراد: الزينة بمعنى: التجمل؛ حيث نفى ذلك بقوله: لم يأمرهم بالحرير أو الديباج، وما هو إلا للتجمل للنساء؛ فليحفظ.\nوقوله: (ومن صلى ملتحفًا في ثوب واحد): ثابت في رواية المستملي وحده، ساقط عند غيره من الرواة، ولهذا لم يتعرض له إمام الشَّارحين في «المنن»، وعلى إثباته يقال: وفي معنى الذي يصلي حال كونه ملتحفًا في ثوب واحد، فإنه جائز؛ حيث كان ساترًا للعورة، فالمقصود سترها سواء كان بثوب واحد أو أكثر؛ فافهم.\n (ويُذكَر)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الكاف، تعليق بصيغة التمريض، وهو يدل على ضعفه، ووجهه سيأتي بيانه (عن سَلَمَة)؛ بفتحات (ابن الأكْوع)؛ بسكون الكاف ﵁ (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ قال): فيمن صلى بثوب واحد (يَزرُّه)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء المشددة، وللأصيلي: (تزره)؛ بمثناة فوقية، ولأبي ذر (يزر)؛ بحذف الضمير؛ يعني: يشده عليه بأن يجمع بين طرفيه؛ لئلا يفرج فترى عورته، وهذا التعليق وصله أبو داود فقال: حدثنا القعنبي: أخبرنا عبد العزيز -يعني: بن محمد- عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة ابن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله؛ إني رجل أصيد، أفأصلي بالقميص الواحد؟ قال: «نعم، وأزرره».\n (ولو بشوكة): وأخرجه النسائي، والمؤلف في «تاريخه»، وابن حبان، وابن خزيمة، وغيرهم، فقوله: (أفأصلي): الهمزة فيه للاستفهام، فلذلك قال في جوابه: (نعم)؛ أي: تصلي، وقوله: (ولو بشوكة)؛ يعني: ولو لم يكن ذلك إلا بأن يزره بشوكة لأجل أن يستمسك بها عليك؛ فليفعل، والباء الموحدة فيه تتعلق بمحذوف؛ تقديره: ما ذكرنا، وهذه اللفظة فيما ذكره البخاري بالإدغام على صيغة المضارع، وفي رواية أبي داود: بالفك على صيغة الأمر من (زرَّ يزرُّ)، من باب (نصَر ينصُر)، ويجوز في الأمر الحركات الثلاث في الراء، ويجوز الفك أيضًا، فهي أربعة أحوال كما في (مد) الأمر، ويجوز في مضارعه الضم، والفتح، والفك، وقال ابن سيده: (الزر: هو الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور، وأزر القميص: جعل له زرًّا، وأزره: شد عليه أزراره)، وقال ابن الأعرابي: (زر القميص: إذا كان محلولًا؛ فشده، وزر الرجل: شد زره)، وأورد المؤلف هذا؛ لدلالته على وجوب ستر العورة، وإشارة إلى أن المراد بأخذ الزينة في الآية السابقة لبس الثياب لا تزينها وتحسينها، وإنما أمر بالزر؛ ليأمن المصلي من وقوع الثوب عن بدنه، ومن وقوع نظره على عورته من زيقه حالة الركوع، ومن هذا أخذ الإمام محمد بن شجاع من أصحابنا: أن من نظر على عورته من زيقه؛ تفسد صلاته، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وعامة أئمتنا الأعلام: على عدم فساد صلاته بذلك، قال الشرنبلالي في «الإمداد»: (ولا يضر نظرها؛ أي: العورة من جيبه وأسفل زيله؛ لأنَّ ستر العورة على وجه لا يمكن الغير النظر إليها إذا تكلف مما يؤدي إلى الحرج وهو مدفوع بالنص) انتهى.\nوقال في «النهر»: (لأنه يحل له مسها والنظر إليها، ولكنه خلاف الأدب، واختار برهان الدين الحلبي: أن تلك الصلاة مكروهة، وإن لم تفسد) انتهى.\nوفي «الإمداد»: (ويشترط ستر العورة ولو في ظلمة، والشرط سترها من جوانبه على الصحيح) انتهى.\nأمَّا الستر في الخلوة؛ فصحح برهان الدين الحلبي: وجوب الستر فيها، وصحح صاحب «الإمداد»: عدمه، فقد اختلف التصحيح، ووفق بعضهم بينهما: بأنه إذا كان مكان طوله ذراع ونصف، وعرضه كذلك؛ لا يجب الستر، وإن كان أكثر من ذلك؛ فواجب، وفي «شرح النقاية» للقهستاني: (وليس لستر الظلمة اعتبار، ومثله الستر بالزجاج)، كما في «القنية»، ولا يضر تشكل العورة بالتصاق الساتر الضيق بها، كما في شرح «المنية».\nوالعورة في اللغة: كل ما يستقبح ظهوره، مأخوذة من العور؛ وهو النقص، والعيب، والقبح، ومنه: عور العين، وكلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وسميت السوءة عورة؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وكل شيء يستره الإنسان أنفة أو حياء؛ فهو عورة، والنساء عورة، كذا ذكره أئمة اللغة، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.\nقال أبو عبد الله المؤلف: (وفي): وللأصيلي بحذف الواو (إسناده) أي: إسناد هذا الحديث المذكور (نظر): وجه النظر كما قاله إمام الشَّارحين من جهة موسى بن إبراهيم، وزعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو منكر الحديث، فلعل البخاري أراده، فلذلك قال: (في إسناده نظر)، وذكره معلقًا بصيغة التمريض، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم قال: سمعت سلمة ابن الأكوع؛ فذكره، وفي رواية: (وليس علي إلا قميص واحد، أو جبة واحدة، فأزره؟ قال: «نعم؛ ولو بشوكة»)، ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه»: عن إسحاق بن إبراهيم: حدثنا ابن أبي عمر: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة، عن سلمة ابن الأكوع قلت: (يا رسول الله؛ إني أكون في الصيد، وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فازرره؛ ولو بشوكة»)، ورواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: (هذا حديث مدني صحيح)، فظهر بهذه الرواية","vol":"1","page":223},{"text":"أن موسى هذا غير موسى ذاك الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا، ولكنه دون ذاك، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا ابن قتيبة قال: حدثنا الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ابن الأكوع، وهذا اختلاف آخر، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن حجر أن من صحح هذا الحديث؛ فقد اعتمد على رواية الدراوردي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويجوز أن يكون وجه ذلك اعتمادًا على رواية موسى بن إبراهيم المخزومي لا على رواية موسى بن إبراهيم التيمي، والمخزومي: هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وهذا هو الوجه في تصحيح من صححه، ويشهد لما قلنا رواية ابن حبان المذكورة آنفًا، ولا يبعد أن يكون كل واحد من المخزومي والتيمي روى هذا الحديث عن سلمة ابن الأكوع، وحمل عنهما الدراوردي، ورواه) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن ذكر محمد فيه شاذ، ورده إمام الشَّارحين فقال: (حكمه بشذوذه إن كان من جهة انفراد الحافظ الطحاوي؛ فليس بشيء؛ لأنَّ الشاذ من ثقة مقبول) انتهى.\nقلت: على فرض كونه شاذًّا، والحال أنه ليس بشاذ؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي إمام هذه الصنعة مشهور بكونه ثقة ثبتًا حجة، وحين كان كذلك كان ابن حجر منيًا في ظهر أبيه بعسقلان؛ فليحفظ.\n (ومن صلى)؛ أي: وباب من صلى (في الثوب الذي يجامع)؛ بضم المثناة التحتية أوله؛ أي: يطأ (فيه) امرأته أو أمته؛ فحكمه: أنه (ما لم ير فيه أذى)؛ أي: من مني ونحوه من النجاسات؛ فصلاته فيه صحيحة، وكلمة (ما) مصدرية ظرفية؛ ومعناها (^١): المدة؛ يعني: مدة عدم وجود الأذى فيه فيصلي فيه، وأمَّا إذا وجد فيه منيًا أو نحوه؛ فلا يصلي فيه؛ لكونه حاملًا للنجاسة، فأشار البخاري بهذه الترجمة إلى اشتراط طهارة الثوب من النجاسة؛ لأنَّه ذكر أولًا اشتراط ستر العورة، وهنا ذكر اشتراط طهارة الساتر، وهذا يدل على أن المؤلف يرى نجاسة المني كما هو مذهب الجمهور؛ لأنَّه صرح بهذه الترجمة صلاة الرجل في الثوب الذي يجامع فيه، والغالب أنَّ هذا الثوب يصيبه شيء من المني حين الجماع، فأفاد أن ما يصيبه من المني نجس لا يصلى بالثوب الذي فيه المني، وأفاد أيضًا أن رطوبة الفرج نجسة، وقد يقال: لا يفيد كلامه ذلك؛ لأنَّه صرح بالجماع، ووجوده لا يخلو عن المني، فالرطوبة داخلة في المني، وهي طاهرة، لكن لما خالطه النجس؛ تنجست؛ فليحفظ.\nويدل لما ذكرناه ما رواه أبو داود والنسائي من طريق معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة: (أهل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى)، وصححه ابنا حبان وخزيمة، وسقط في رواية الحموي لفظة: (فيه)، وفي رواية المستملي: (إذا لم ير فيه دمًا)، وهذه الرواية تعين ما قلنا؛ لأنَّ الدم أخو (^٢) المني في النجاسة.\nقال الكرماني: وقوله: (ومن صلى...) إلى آخره: من تتمة الترجمة.\nوقال صاحب «التوضيح»: (وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه لا القطع) انتهى.\nقلت: فإن غلبة الظن بمنزلة اليقين، فلو غلب على ظنه نجاسة الثوب؛ لا يصلي فيه ما لم يتيقن طهارته إما بغسله كله أو بعضه بأن تحرى مكانًا خاصًّا فيه أنه الذي أصابه النجس، فغسله فيصلي فيه، ولا كلام عند القطع بالنجاسة، كما لا يخفى.\nوزعم ابن حجر أن البخاري يشير بقوله: (ومن صلى...) إلى آخره: إلى ما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة: (أهل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى)، قال إمام الشَّارحين: (قلت: وما قاله الكرماني أوجه؛ لأنَّه اقتبس هذا من الحديث المذكور، وأراد به إدخاله في ترجمة الباب، وهذا كما رأيت قد أخذ ثلاثة أحاديث، وأدخلها في ترجمة الباب؛ الأول: حديث سلمة ابن الأكوع، وقد مر، والثاني: حديث أم حبيبة، أخرجه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبيِّ الأعظم ﷺ: «هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى»، وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وصححاه، الثالث: حديث أبي هريرة ﵁، كما سنذكره) انتهى كلامه.\nقلت: وفي حديث أم حبيبة دليل واضح على نجاسة المني؛ لأنَّه ﵇ صرح: بأن ما يصيب الثوب حال الجماع نجس لا يصلى فيه، وليس يصيب الثوب حال الجماع إلا المني، فهو دال على نجاسته، وهذا حجة على من زعم طهارته؛ فافهم.\n (وأمر النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) فيما وصله المؤلف في الباب الثامن بعد هذا الباب عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر تؤذن بمنًى ألَّا يحج بعد العام مشرك، و(ألَّا يطوف بالبيت)؛ بالنصب؛ لأنَّه في الحديث المأخوذ منه عطف على المنصوب؛ وهو قوله: (ألَّا يحجَّ بعد العام مشرك)، انتهى (عريان)؛ أي: مكشوف العورة، فاستدل بهذا المؤلف؛ حيث إنه اقتباس من حديث أبي هريرة على اشتراط ستر العورة في الصلاة؛ لأنَّه إذا كان سترها في الطواف الذي هو يشبه الصلاة واجبًا؛ فاشتراط سترها في الصلاة أولى وأجدر، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أن المؤلف أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة، ولكنه ليس فيه التصريح بالأمر، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قد ذكرت لك أنَّ هذا اقتباس، والاقتباس ههنا اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأنَّ الاصطلاحي: هو أن يضمن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه، وههنا ليس كذلك، بل المراد ههنا أخذ شيء من الحديث، والاستدلال به على حكم؛ كما كان يستدل به من الحديث المأخوذ منه، فحديث أبي هريرة المذكور يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة بالوجه الذي ذكرناه، وهو يتضمن أمر أبي بكر، وأمر أبي بكر يتضمن أمر النبيِّ الأعظم ﷺ، وأخذ البخاري من ذلك المتضمن صورة أمر، فقال: وأمر النبيِّ الأعظم ﷺ ألَّا يطوف بالبيت عريان، واقتصر من الحديث على هذا؛ لأنَّه هو الذي يطابق ترجمة الباب؛ فافهم، فإنه دقيق لم ينبه عليه أحد من الشراح، انتهى.\nقلت: وهو وجيه لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى.\n_________\n(^١) في الأصل: (معناه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أخ)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":224},{"text":"<span id=\"b-٥٩٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-595>[حديث: لتلبسها صاحبتها من جلبابها]</span>\n٣٥١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل): هو التبوذكي المنقري البصري «قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم): هو أبو سعيد التستري البصري، المتوفى سنة إحدى وستين ومئة، (عن محمد): هو ابن سيرين البصري، (عن أم عطية): واختلف في اسمها؛ فقيل: نَُسِيبة؛ بضم النون وفتحها، وكسر السين المهملة، وقيل: نُشَيبة؛ بضم النون، وفتح الشين المعجمة، وقيل: لُسَينة؛ بضم اللام، وفتح السين المهملة، وتحتية ساكنة، ونون مفتوحة، واختلف أيضًا في اسم أبيها؛ فقيل: الحارث، وقيل: كعب (قالت: أُمِرنا)؛ بضم الهمزة، وكسر الميم، مبني لما لم يسم فاعله، ولا ريب أن الآمر هو النبيُّ الأعظم ﷺ، يدل عليه ما في «مسلم» من طريق هشام، عن حفصة، عن أم عطية قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ)، وما تقدم عند المؤلف في (باب شهود الحائض العيدين)، وفيه: (أن حفصة سألت أم عطية: أسمعت النبيَّ الأعظم ﷺ؟ قالت أم عطية: سمعته يقول...)؛ الحديث، وهو خبر متضمن للأمر كما سبق (أن نُخرِج)؛ بضم النون، وكسر الراء (الحُيَّض)؛ بضم الحاء المهملة، وتشديد المثناة التحتية، جمع حائض (يوم العيدين) بالتثنية، وفي رواية المستملي والكشميهني: (يوم العيد)؛ بالإفراد، (و) أن نخرج (ذوات) أي: أصحاب (الخُدور)؛ بضم الخاء المعجمة، والدال المهملة، جمع خِدْر؛ بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة: وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وفي «المخصص»: (الخدر: ثوب يمد في عرض الخباء، فتكون فيه الجارية البكر)، والجمع خدور وأخدار، وأخادير جمع الجمع، وقد تخدرت الجارية واختدرت: تسترت؛ والمعنى: أمرنا أن نخرج الأبكار الشابات صواحبات الستور، (فيشهدن) أي: يحضرن كلهن (جماعة المسلمين) بالنصب؛ أي: صلاة العيدين، ومجالس الخير؛ كمجلس الوعظ ونحوه، (ودعوتهم)؛ أي: دعوة المسلمين؛ نحو: صلاة الخسوف، والكسوف، والاستسقاء، والجنازة، وغيرها، فإن اللفظ عام يشمل ذلك وغيره، خلافًا لمن زعم أنه قاصر على الاستسقاء، وهو وهم كما لا يخفى، (ويعتزل)؛ أي: ويبعد (الحُيَّض)؛ بضم الحاء المهملة، وتشديد التحتية، جمع حائض؛ أي: منهن (عن مصلاهن)؛ أي: عن مصلى النساء اللاتي لسن بحُيَّض، وفي رواية المستملي: (عن مصلاهم)؛ بالتذكير على التغليب، وفي رواية الكشميهني: (عن المُصلَّى)؛ بالإفراد، وهو بضم الميم، وفتح اللام: موضع الصلاة تحرزًا، وتنزيهًا، وصيانةً عن وقوع شيء منهن في المصلى فيتنجس، وعن مخالطة الرجال من غير حاجة ولا صلاة، بل وعن المخالطة مطلقًا ولو لحاجة؛ لفساد الزمان، وإنما لم يحرم دخولهن، وكذا الجنب؛ لأنَّه ليس بمسجد من كل وجه، كما لا يخفى.\n (قالت امرأة): هذه المرأة هي أم عطية، وكنَّت به عن نفسها، قاله إمام الشَّارحين، وفي رواية: (قلت) (يا رسول الله؛ إحدانا): مبتدأ؛ أي: بعضنا، وخبره قوله: (ليس لها جِلْباب)؛ بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحدتين بينهما ألف: وهو خمار واسع؛ كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وقيل: هو الإزار، وقيل: هو الملاءة التي تشتمل بها، وقيل: هو القميص؛ والمعنى: كيف تشهد ولا جلباب لها؟ وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب، (قال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لها (لتلبسْها) بجزم السين المهملة، وقوله: (صاحبتها)؛ بالرفع فاعله؛ أي: من أطلق عليها صاحبة (من جلبابها)؛ أي: بأن تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: تشركها معها في لبس الثوب الذي عليها، وهذا مبني على أن يكون الثوب واسعًا حتى يسع فيه اثنان، وفيه نظر.\nقال إمام الشَّارحين: (ووجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله ﵇: «لتلبسها من جلبابها»؛ لأنَّه ﵇ أكد الأمر باللبس حتى بالعارية للخروج إلى صلاة العيد، فإذا كان للخروج إلى العيد هكذا؛ فلأجل صلاة الفرض يكون بالطريق الأولى) انتهى.\nقلت: وإذا وجب ستر العورة للنساء؛ فللرجال كذلك؛ لأنَّهم أولى لظهور التهم، وهل ستر العورة فرض مطلقًا في الصلاة وخارجها؟ نعم؛ هو فرض مطلقًا إلا لضرورة؛ نحو إزالة شعر العانة، ومريض يحقنه أجنبي، أو يجسها طبيب، أو غير ذلك كما هو مقرر في الفروع، وهذا مذهب الأئمة الحنفية وتبعهم الشافعي، فقال: ستر العورة مطلقًا واجب، والله تعالى أعلم.\n (وقال عبد الله بن رجاء)؛ بالجيم، والمد: هو الغُدَاني؛ بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة، وبعد الألف نون، نسبة إلى غدانة؛ وهو أشرس بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن (^١) تميم، هكذا وقع في أكثر الروايات بدون النسبة، ولكن المراد به: الغداني، وقد وهم من زعم أنه عبد الله بن رجاء المكي، قاله إمام الشَّارحين، قيل: وفي رواية الأصيلي: (حدثنا عبد الله بن رجاء)، وفي رواية ابن عساكر: (قال محمد)؛ أي: المؤلف، وقال عبد الله بن رجاء: (حدثنا عِمران)؛ بكسر العين المهملة: هو القطان (قال: حدثنا محمد بن سيرين): هو البصري المشهور (قال: حدثتنا أم عطية): هي نسيبة، أو نشيبة، أو لسينة بنت الحارث، أو كعب قالت: (سمعت النبيَّ) الأعظم (ﷺ بهذا)؛ أي: بالحديث السابق، قال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق وصله الطبراني في «الكبير»: حدثنا علي بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء؛ فذكره، وفائدته تصريح محمد بن سيرين بتحديث أم عطية له، وبطل بهذا زعم بعضهم: من أن محمدبن (^٢) سيرين إنَّما سمعه من أخته حفصة، عن أم عطية؛ لأنَّه تقدم قبل روايته له عن حفصة أخته عنها، ولهذا قال الداودي: (الصحيح رواية ابن سيرين عن أم عطية) انتهى.\n\n <span id=\"b-٥٩٦\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-596>[باب عقد الإزار على القفا في الصلاة]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (عقد) المصلي (الإزار على القفا)؛ أي: إزاره على قفاه، والحال أنه داخل (في الصلاة): و(القفا) مقصور: مؤخر العنق، وهو\n_________\n(^١) في الأصل: (بني)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (محمدًا ابن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":224},{"text":"يذكر ويؤنث، والجمع قفي؛ مثل: عصي جمع عصا، وقد جاء أقفية على غير قياس، قال إمام الشَّارحين: ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله وبين الأبواب الخمسة عشر بعده ظاهر؛ لأنَّ الكل في أحكام الثياب غير أنه تخلل فيها خمسة أبواب ذكرها، وهي غير متعلقة بأحكام الثياب، وهي باب (ما يذكر في الفخذ)، وباب (الصلاة في المنبر والسطوح والخشب)، وباب (الصلاة على الحصير)، وباب (الصلاة على الخمرة)، وباب (الصلاة على الفراش)، أمَّا مناسبة باب (الفخذ) بالباب الذي قبله؛ هو أن المذكور فيه هو الصلاة في ثوب ملتحفًا به؛ لستر العورة، والمذكور في الذي بعده حكم الفخذ، وهو أنه عورة، فإذا كان عورة؛ يجب ستره، والستر إنَّما يكون بالثياب، فتحققت المناسبة بينهما من هذا الوجه، وأمَّا مناسبة باب (الصلاة في المنبر) بالباب الذي قبله؛ هو أن الثوب فيه مستعل (^١) على المصلي، وفي الذي بعده المصلي مستعل على الذي يصلي عليه، فالمناسبة من حيث الاستعلاء محققة وإن كان الاستعلاء في نفسه مختلفًا، وأمَّا المناسبة بين الأبواب الثلاثة، وهي باب (الصلاة على الحصير)، وباب (الصلاة على الخمرة)، وباب (الصلاة على الفراش)؛ فظاهرة جدًّا، وبقي وجه تخلل باب (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد)، ووجه ذلك: أن السجدة فيه كانت على الخمرة، وفي الباب الذي قبله كان على المنبر والسطوح، وكل منهما مسجَد -بفتح الجيم- موضع السجود، فالمناسبة من هذه الجهة موجودة على أنَّا نقول: إن هذه الوجوه التي ذكرناها إقناعية، وليست ببرهانية، والاستئناس في مثل هذا بأدنى شيء كاف. انتهى.\n (وقال أبو حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي، واسمه سلمة بن دينار الأعرج، الزاهد، المدني، (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي، الأنصاري، أبو العباس الخزرجي، وكان اسمه حزنًا، فسماه النبيُّ الأعظم ﷺ سهلًا، توفي سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة، وفي رواية الأصيلي: (عن سهل بن سعد)؛ يعني: قال: (صلوا)؛ يعني: الصحابة، وهو فعل ماض (مع النبي) الأعظم (ﷺ) صلاة الفرض حال كونهم (عاقدي أُزْرهم)؛ بضم الهمزة، وسكون الزاي، جمع إزار، وفي «المحكم»: (الإزار: الملحفة، والجمع آزرة، وأزُر حجازية، وأزْر تميمية، وهو يذكر ويؤنث)، قال الداودي: (سمي إزارًا؛ لأنَّه يشد به الظهر، قال تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٤٨]، وهو المئزر، واللحاف، والمقرم والقرام) انتهى.\nوأصل (عاقدي أزرهم): عاقدين أزرهم، فلما أضيف؛ سقطت منه النون، وهي جملة حالية، وفي رواية الكشميهني: (عاقدو أزرهم)، فعلى هذا؛ هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: صلوا وهم عاقدو أزرهم؛ كذا في «عمدة القاري»، (على عواتقهم): جمع العاتق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، فيذكر ويؤنث، قال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق أخرجه المؤلف مسندًا في الباب الثالث، وهو (باب إذا كان الثوب ضيقًا)، عن مسدد: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثنا أبو حازم عن سهل، ومطابقته للترجمة ظاهرة، وإنما ذكر بعض هذا الحديث ههنا معلقًا مع أنه ذكره بتمامه في الباب الثالث؛ لأجل الترجمة المذكورة، وذكر هذه الترجمة؛ لتأكيد ستر العورة؛ لأنَّه إذا عقد إزاره في قفاه، وركع؛ لم تبد عورته)، وقال ابن بطال: (عقد الإزار على القفا إذا لم يكن مع الإزار سراويل) انتهى.\nقلت: وهو ظاهر اللفظ؛ لأنَّ الحر حر الحجاز، فالظاهر: أنه لم يكن عليهم سراويل، وهو لا يضر؛ لأنَّ الإزار يستر العورة قطعًا، فلا حاجة إلى السراويل حينئذ؛ فتأمل.\n\n <span id=\"b-٥٩٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-597>[حديث: عقد الإزار على القفا في الصلاة]</span>\n٣٥٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أحمد ابن يونس): نسبة لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس، التميمي اليربوعي، أبو عبد الله، الكوفي، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين في ربيع الأول بالكوفة عن أربع وستين سنة (قال: حدثنا عاصم بن محمد)؛ هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (قال: حدثني) بالإفراد (واقِد بن محمد)؛ بالقاف المكسورة، والدال المهملة، هو أخو (^٢) عاصم بن محمد القرشي، العدوي، العمري، المدني، (عن محمد بن المنكدر)؛ هو التابعي المشهور، وفي الإسناد رواية الأخ عن الأخ، وهما عاصم وواقد، فإنَّهما أخوان ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفيه رواية: (التابعي عن التابعي من طبقة واحدة، وهما واقد ومحمد بن المنكدر)، وهذا الطريق انفرد به البخاري، قاله إمام الشَّارحين، (قال: صلى جابر)؛ هو ابن عبد الله الأنصاري (في إِزار)؛ بكسر الهمزة: الملحفة (قد عقده) أي: الإزار (من قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ بمعنى: الجهة؛ أي: من جهة (قفاه): وكلمة (من) تتعلق بقوله: (عقده)، وهذه الجملة في محل جر؛ لأنَّها صفة لـ (إزار) (وثيابه موضوعة): جملة اسمية وقعت حالًا (على المِشْجَب)؛ بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم، آخره موحدة؛ وهو ثلاثة أعواد تعقد رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، يعلق عليها الثياب، وفي «المحكم»: (وهو الخشبات الثلاث التي يعلق عليها الراعي دلوه وسقاه، والجمع: شجب)، وفي «المنتهى» في اللغة: (يقال: فلان مثل المشجب من حيث أممته وجدته)، وفي «عمدة القاري»: (المشجب يقال له: السِّيْبَه في لغة أهل الحضر، وهي بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، في آخره هاء).\nقلت: وهو أيضًا في لغة أهل الشام يستعمله ركاب الحاجِّ الشامي، وكذا الجزارون (^٣).\n (فقال): وفي رواية: (قال) (له قائل): هو عبادة بن الوليد بن الصامت؛ كما في «مسلم»، (تصلي في إزار واحد)؛ يعني: أتصلي؛ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، والهمزة محذوفة لكنها مقدرة؛ يعني: أتصلي في إزار واحد، وعندك ثياب غيرها، وليس عليك منها شيء؟ (فقال) أي: جابر له: (إنما صنعت هذا) بالهاء، والذال، والألف، كذا في رواية المستملي، وفي رواية: (ذلك)؛ باللام قبل الكاف، وفي رواية الحموي والكشميهني: (ذاك)؛ بالذال، والألف، والكاف، وأشار جابر بهذا إلى ما فعله من صلاته، وإزاره الواحد معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب؛ (ليراني) أي: لأنَّ يراني (أحمقُ)؛ بالرفع فاعله غير منصرف؛ ومعناه: الجاهل، وهو صفة مشبهة من الحُمْق؛ بضم الحاء المهملة، وسكون الميم؛ وهو قلة العقل، وقد حمق الرجل -بالضم- حماقة، فهو أحمق، وحمق أيضًا -بالكسر- يحمق حمقًا؛ مثل: غنم غنمًا، فهو حمِق، وامرأة حمقاء، وقوم ونسوة حمق، وحمقى، وحماقى، وأحمقت الرجل: إذا وجدته أحمق، وحمقته تحميقًا: نسبته إلى الحمق، وحامقته: إذا ساعدته على حمقه، واستحمقته: إذا عددته أحمق، وتحامق فلان: إذا تكلف الحماقة)، وقال ابن الأثير: وحقيقة الحمق: وضع الشيء في غير موضعه مع\n_________\n(^١) في الأصل: (مستعلى)، وكذا لاحقًا، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أخ)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (الجزارين)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":225},{"text":"العلم بقبحه، (مثلُك)؛ بالرفع صفة (أحمق)، ولفظة (مثل) وإن أضيفت (^١) إلى المعرفة لا يتعرف؛ لتوغله في التنكير إلا إذا أضيف بما اشتهر بالمماثلة، وههنا ليس كذلك، فلذلك وقع (^٢) صفة لنكرة، وهو قوله: (أحمق).\nفإن قلت: اللام في قوله: (ليراني)؛ للتقليل والغرض، فكيف وجه إراءة الأحمق غرضًا؟\nقلت: الغرض بيان جواز ذلك الفعل، فكأنه قال: صنعته ليراني الجاهل، فينكر علي بجهله، فأظهر له جوازه، وإنما أغلظ عليه بنسبته إلى الحماقة؛ لإنكاره على فعله بقوله: (تصلي في إزار واحد)؛ لأنَّ همزة الإنكار فيه مقدرة على ما ذكرنا، كذا قرره إمام الشَّارحين ﵁.\n (وأيُّنا كان له ثوبان): استفهام يفيد النفي، ومقصوده: بيان إسناد فعله إلى ما تقرر (على عهد النبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ)؛ يعني: فلا ينكر عليه ذلك، وقال إمام الشَّارحين: (ويستنبط منه جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول جماعة الفقهاء، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك، وكذا عن ابن مسعود ﵁، فروى ابن أبي شيبة عنه: (لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض)، وقال ابن بطال: (إن ابن عمر لم يتابع على قوله)، وقال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّه روي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، كما ذكرنا، وروي عن مجاهد أيضًا: «لا يصلي في ثوب واحد إلا ألَّا يجد غيره»، نعم، عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وعمرو بن أبي سلمة، وسلمة ابن الأكوع ﵁، ومن ذلك: أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه توسعة على العامة ليقتدى به، وفيه أيضًا: أنه لا بأس للعالم أن يصف أحدًا بالحمق إذا عابَ عليه ما غاب عنه علمه من السنة، وفيه: جواز التغليظ في الإنكار على الجاهل) انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٩٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-598>[حديث: رأيت النبي يصلي في ثوب]</span>\n٣٥٣ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مُطَرِّف)؛ بضم الميم، وفتح الطاء، وكسر الراء المهملتين، آخره فاء (أبو مُصْعَب) بضم الميم، وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، هو ابن عبد الله بن سليمان الأصم المدني، مولى أم المؤمنين، ومن أتباع مالك بن أنس، مات سنة عشرين ومئتين (قال: حدثنا عبد الرحمن): هو ابن زيد (بن أبي المَوالي)؛ بفتح الميم على وزن (الجواري)، وفي رواية: (الموال)؛ بدون الياء، (عن محمد بن المنكدر): هو التابعي المشهور (قال: رأيت جابرًا) زاد في رواية: (ابن عبد الله)؛ يعني: الأنصاري ﵁ (يصلي) أي: الصلوات الخمس (في ثوب واحد): قد عقده من قبل قفاه وعنده ثياب غيره، (وقال)؛ أي: جابر: (رأيت النبي) الأعظم (ﷺ) حال كونه (يصلي في ثوب)؛ يعني: واحد.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذه طريقة أخرى لحديث جابر ﵁، وفيها الرفع إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، وأن الصلاة في ثوب واحد وقعت من النبيِّ الأعظم ﷺ، فذكرها؛ لأنَّها أوقع في النفس، وأخرج في الرفع من الطريقة الأولى).\nوقال الكرماني: (فإن قلت: كيف دلالة هذا الحديث على الترجمة؟ قلت: إمَّا أنه مخروم من الحديث السابق، وإمَّا أنه يدل عليه بحسب الغالب؛ إذ لولا عقده على القفا؛ لما ستر العورة غالبًا) انتهى.\nواعترضه ابن حجر، وأنكر عليه السؤال وجوابه وقال: (لو تأمل لفظه وسياقه بعد ثمانية أبواب؛ لعرف اندفاع احتماليه، فإنه طرف من الحديث المذكور لا من السابق، ولا ضرورة لما ادعاه من الغلبة، فإن لفظة: «وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به»، وهي قصة أخرى كان الثوب فيها واسعًا، فالتحف به، وكان في الأولى ضيقًا، فعقده) انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (لا هو مخروم من الحديث السابق، ولا هو طرف من الحديث المذكور في الباب الثامن، بل كل واحد حديث مستقل بذاته؛ فافهم) انتهى.\nقلت: وهذا هو الصواب من القول، فإنه لو كان طرفًا من الحديث؛ لكان ذكره بصيغة التعليق، كما هو عادة المؤلف في جميع الأبواب، وعدم ذلك دليل على أنه ليس بطرف من الحديث، ولو كان مخرومًا من الحديث السابق؛ لكان فيه تكرار، وعادة المؤلف لا يذكر شيئًا بدون فائدة، فعدم ذلك دليل على أنه ليس مخرومًا.\nوقول ابن حجر: (ولو تأمل لفظه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يلزم عليه ذكر وجه المطابقة، ولم يذكره، ويلزم عليه أن يذكر بصيغة التعليق، ويلزم عليه الإحالة إلى ما بعد ثمانية أبواب، وهو معَيب في الصناعة، فإذا كان جميع ذلك غير موجود؛ بطل كلام هذا القائل؛ فافهم.\nوقوله: (ولا ضرورة لما ادَّعاه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه لم يذكر في الحديث أن الثوب كان في الحديث الأول ضيقًا، وفي الثاني واسعًا، ولا في ذلك شيء يدل على ما زعمه هذا القائل، وتمامه في «منهل العليل المطل فيما وقع في الفتح من التطويل المخل»؛ فارجع إليه؛ فإنه مفيد غاية الفائدة.\n\n <span id=\"b-٥٩٩\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-599>[باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به]</span>\nهذا (باب): بيان حكم (الصلاة) أي: صلاة من يصلي (في الثوب الواحد) حال كونه (ملتحفًا به)؛ أي: متغطيًا به؛ لأنَّ الالتحاف لغة: التغطي، وكل شيء تغطيت به؛ فقد التحفت به، وقال الليث: (اللحف: تغطيتك الشيء باللحاف)، وقال غيره: (لحفت الرجل ألحفه لحفًا: إذا طرحت عليه اللحاف، أو غطيته بشيء، وتلحفت: اتخذت لنفسي لحافًا)، كذا في «عمدة القاري»، (وقال الزهري): هو محمد بن مسلم ابن شهاب، وسقطت الواو في رواية (في حديثه)؛ أي: الذي رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي، عن ابن أبي داود، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: (رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي ملتحفًا، فقال له عمر ﵁ حين سلم: لا يصلين أحدكم ملتحفًا، ولا تشبَّهوا باليهود)، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: (أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلًا يصلي ملتحفًا، فقال: لا تشبهوا باليهود، ومن لم يجد منكم إلا ثوبًا واحدًا؛ فليتزر به)، ورواه أحمد ابن حنبل عن أبي هريرة، والظاهر: أن مراد المؤلف في حديث الزهري هو الذي رواه الحافظ الطحاوي؛ لأنَّه ليس فيه بيان الاتزار، فإن قوله: (ومن لم يجد...) إلخ: زيادة على ذاك، وهي غير لازمة على تفسير الزهري؛ لأنَّه فسر ذلك بالنسبة لحديثه الذي رواه الحافظ الطحاوي لا غيره؛ لأنَّه لا يوافق كلام المؤلف عنه، فما زعمه القسطلاني هنا غير صحيح، كما لا يخفى؛ لأنَّه قال: المراد بحديثه إما ما رواه ابن أبي شيبة، أو ما رواه أحمد.\nقلت: ولا دليل له\n_________\n(^١) في الأصل: (أضيف)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وقع)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":225},{"text":"على ذلك، بل هو خدش وتخمين، والظاهر ما قلناه، ويدل عليه كلام المؤلف، كما لا يخفى.\n (الملتحف المتوشح): اسم فاعل، من باب (التفعل)، من توشح يتوشح، والتوشح بالثوب: التغشي به، والأصل فيه من الوشاح؛ وهو شيء ينسج عريضًا من أديم، وربما رصع بالجواهر والخرز، وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها (^١)، ويقال فيه: وشاح وإشاح، وقال ابن سيده: (التوشح: أن يتوشح بالثوب، ثم يخرج الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره، وقد وشحه الثوب)، كذا في «عمدة القاري»، (وهو)؛ أي: المتوشح (المخالف بين طرفيه) أي: طرفي الثوب (على عاتقيه)؛ بالتثنية؛ وهو موضع الرداء من المنكب، فيذكر ويؤنث، كما سبق، وأوضح ذلك بقوله: (وهو)؛ أي: التوشح الذي يدل عليه قوله: (المتوشح)؛ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] (الاشتمال على منكبيه)؛ بالتثنية؛ أي: منكبي المتوشح، قال ابن السكيت: (التوشح: هو أن تأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره).\nقلت: وهذا أصرح مما ذكره ابن سيده.\nوقال إمام الشَّارحين: والظاهر: أن الزهري لما فسر الملتحف بالمتوشح عند روايته حديثه فيه؛ أوضحه البخاري بقوله: (وهو المخالف...) إلى آخره، انتهى.\nقلت: وعلى قول إمام الشَّارحين يكون قوله: (الملتحف المتوشح): مقول الزهري، وإن قوله: (وهو المخالف...) إلى آخره: مقول البخاري، ويحتمل أن يكون الجميع مقول الزهري، والظاهر الأول؛ فافهم.\nوقوله: (قال)؛ أي: المؤلف ساقط في أكثر الروايات، ثابت في رواية، (وقالت): وسقطت الواو في رواية (أم هانئ)؛ بالنون وبالهمز، واسمها فاختة، وقيل: هند، وهي بنت أبي طالب القرشية الهاشمية، أخت علي الصديق الأصغر: (التحف النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: توشح (بثوب) من أثوابه يدل عليه قوله: (له)؛ أي: ملكه، وفي رواية الأصيلي: (في ثوب)، وفي رواية غيره: (بثوب)، وسقطت لفظة: (له) عندهما، والأولى رواية أبي ذر والكشميهني، (وخالف بين طرفيه) أي: طرفي الثوب (على عاتقيه)؛ تثنية عاتق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، وذلك بأن جعل طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، وأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم عقد طرفيهما على صدره الشريف.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق رواه البخاري موصولًا في هذا الباب، ولكن ليس فيه قوله: «وخالف بين طرفيه»، وفائدة هذه المخالفة ألا يسقط الثوب إذا ركع وإذا سجد) انتهى.\nقلت: ووصله أيضًا مسلم في «صحيحه» لكن من طريق آخر عن أبي مرة عنها، وقال فيه: (وخالف بين طرفيه) انتهى؛ فافهم.\nوقال ابن بطال: (فائدة هذه المخالفة ألا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع) انتهى.\nقلت: وما قاله إمام الشَّارحين أظهر وأولى وأوجه؛ لأنَّ المقصود من الالتحاف: ستر العورة لا نظرها، فإنما التحف ﵇؛ من أجل ألا يسقط الثوب عنه، فتبدو عورته، فتفسد صلاته؛ لأنَّ نظر العورة لا يفسد الصلاة عند العامة، فما زعمه ابن البطال، وتبعه القسطلاني تعصبًا ليس بشيء لما علمت، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n\n <span id=\"b-٦٠٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-600>[حديث: أن النبي صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه]</span>\n٣٥٤ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عُبيد الله) بضم العين المهملة؛ مصغر (عبد) (بن موسى): هو ابن باذام، أبو محمد العبسي، مولاهم الكوفي، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هِشام بن عُروة)؛ بكسر الهاء في الأول، وبضم العين المهملة في الثاني؛ هو ابن الزُّبير؛ بضم الزاي، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوَّام؛ بتشديد الواو، (عن عُمر) بضم العين المهملة (بن أبي سَلَمَة)؛ بفتح اللام بعد فتح السين، وكذا بفتح الميم، واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أبو حفص، ربيب النبيِّ الأعظم ﷺ، ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وقبض زمان عبد الملك بن مروان بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، وأمه أم المؤمنين أم سلمة، شهد وقعة الجمل، ولم يقتل بها خلافًا لمن زعمه؛ فليحفظ.\n (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ صلى في ثوب واحد) من أثوابه، وهذا يدل لما قاله الجمهور من جواز الصلاة في ثوب واحد مع قدرته على أكثر منه، وهو يرد على ما قاله ابن عمر وابن مسعود: لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض، وكذا هو قول مجاهد، وكأنه لم يبلغهم هذا الحديث؛ فتأمل.\n (قد خالف بين طرفيه): بأن جعل طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، وأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم عقد طرفيهما على صدره، وهذا هو الالتحاف: الذي هو التوشح والاشتمال على المنكبين، وهو مطابقة الحديث للترجمة.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي؛ لأنَّ هشامًا تابعي روى عن أبيه، وهو تابعي وروى هو عن صحابي، وهذا سند عال (^٢) جدًّا يشبه سند الثلاثيات، ولو كان هشام يرويه عن صحابي؛ لكان ثلاثيًّا حقيقةً؛ لأنَّه يكون حينئذ بين البخاري وبين الصحابي اثنان (^٣)، فيكون ثلاثيًّا، وهنا بينه وبين الصحابي ثلاثة، فيشبه الثلاثي من جهة العلو، وليس بثلاثي حقيقة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٠١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-601>[حديث ابن أبي سلمة: أنه رأى النبي يصلي في ثوب واحد]</span>\n٣٥٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن المثنَّى)؛ بفتح النون، المعروف بالزمن البصري (قال: حدثنا يحيى): هو ابن سعيد القطان (قال: حدثنا هِشام)؛ بكسر الهاء، هو ابن عروة، وقول القسطلاني: (عن أبيه) شرحًا خطأ (قال: حدثني) بالإفراد (أبي): هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عُمر) بضم العين (بن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات، هو عبد الله المخزومي (أنَّه رأى) أي: أبصر (النبيَّ) الأعظم (ﷺ يصلي)؛ أي: صلاة النافلة؛ لأنَّها هي التي تؤدى بالبيت (في ثوب واحد) من أثوابه ﵇ (في بيت أم سَلَمَة)؛ بفتحات، زوج النبي الأعظم ﷺ، واسمها هند بنت أبي أمية، وهي أم عمر المذكور، وهذا ظرف لقوله: (يصلي) (قد ألقى)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (طرفيه) أي: طرفي ثوبه، (على عاتقيه)؛ تثنية عاتق: وهو موضع الرداء من المنكب.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذه طريقة أخرى في الحديث المذكور، ولكنها أنزل درجة من الطريقة الأولى، وفائدة ذكر هذه الطريقة: أن فيها التصريح من عمر بن أبي سلمة: أنه رأى النبي الأعظم ﷺ يصلي في ثوب واحد، وفيها زيادة وهي قوله: «في بيت أم سلمة»، وفائدة هذه الزيادة تعين المكان الذي يؤيد التصريح المذكور) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٠٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-602>[حديث ابن أبي سلمة: رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد مشتملًا]</span>\n٣٥٦ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عُبيد)؛ بضم العين المهملة؛ مصغرًا من غير إضافة، ويقال: اسمه عبد الله، ويعرف بعبيد، أبو محمد (بن إسماعيل): الكوفي الهَبَّاري -بفتح الهاء، وتشديد الموحدة- المتوفي سنة خمس ومئتين.\n (قال: حدثنا) ولابن عساكر: (أخبرنا) (أبو\n_________\n(^١) في الأصل: (كشيحيها).\n (^٢) في الأصل: (عالي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (اثنين)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":226},{"text":"أُسامة)؛ بضم الهمزة: هو حماد بن أسامة بن يزيد، الهاشمي القرشي، الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومئتين عن ثمانية سنة، (عن هشام): هو ابن عروة، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام: (أن عُمر) بضم العين المهملة (بن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله المخزومي (أخبره) أي: أخبر عروة (قال: رأيت) أي: أبصرت (النبيَّ) الأعظم، وفي أكثر الروايات: (رسول الله) (ﷺ)؛ بالنصب مفعول أول، وجملة قوله: (يصلي)؛ أي: الصلاة النافلة؛ لأنَّها لا تؤدى إلا في البيت (في ثوب واحد) من أثوابه، جملة فعلية محلها النصب على أنها مفعول ثان (^١) (مشتملًا به)؛ بالنصب على الحال من (النبي)؛ أي: خالف بين طرفيه على منكبيه، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: (مشتمل)؛ بالجر أو الرفع، ووجه الجر للمجاورة، ووجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: وهو مشتمل به، قاله إمام الشَّارحين الإمام بدر الدين العيني، وتبعه ابن حجر، والزركشي، واعترضهم الدماميني فقال: (الأولى أن يجعل صفة لـ «ثوب»)، ثم أورد سؤالًا، فقال: (فإن قلت: لو كان؛ لبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له؟ قلت: ومذهب الكوفيين قاطبة: أنه لا يجب إبراز الضمير عند أمن اللبس، ووافقهم ابن مالك، ومذهبهم في المسألة أقوى، واللبس في الحديث منتف) انتهى.\nقيل: وفي رواية أبي ذر: (مشتمل)؛ بالرفع خبر مبتدأ محذوف، كما ذكرناه عن إمام الشَّارحين.\n (في بيت أم سَلَمَة)؛ بفتحات، هند بنت أبي أمية، وهو ظرف لقوله: (يصلي)، وإمَّا للاشتمال، وإمَّا لهما جميعًا، كذا في «عمدة القاري (واضعًا) بالنصب على الحال (طرفيه)؛ بالتثنية؛ أي: طرفي الثوب (على عاتقيه)؛ تثنية عاتق: وهو موضع الرداء من المنكب، وقد خالف بينهما، وهذا هو الالتحاف: الذي هو التوشح والاشتمال على المنكبين، قال ابن بطال: (التوشح: نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به، والفقهاء مجمعون على جواز الصلاة في ثوب واحد، وروي عن ابن مسعود خلاف ذلك) انتهى.\nقلت: وكلامه مغلق لا يشفي العليل، وقد بينه إمام الشَّارحين ﵁ حيث قال: (قلت: ذهب طاووس، وإبراهيم النخعي، وأحمد في رواية، وعبد الله بن وهب من أصحاب مالك، ومحمد بن جرير الطبري: إلى أن الصلاة في ثوب واحد مكروهة إذا كان قادرًا على ثوبين، وإن لم يكن قادرًا إلا على ثوب واحد؛ يكره أيضًا أن يصلي به ملتحفًا مشتملًا به، بل السنة أن يأتزر به، واحتجوا في ذلك بما رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا زهير بن عباد قال: حدثنا حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم؛ فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من أن يزين له، فإن لم يكن له ثوبان؛ فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود»، ورواه أيضًا البيهقي، وذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين: إلى أن الصلاة في الثوب الواحد تجوز من غير كراهة، والذين ذهبوا إلى ذلك من الصحابة وهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وجابر بن عبد الله، وعمار بن ياسر، وأُبي بن كعب، وعائشة، وأسماء، وأم هانئ ﵃ أجمعين، ومن التابعين: الإمام الأعظم أبو حنيفة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، وسعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة ﵁، ومن الفقهاء: الإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد في رواية، وإسحاق ابن راهويه، وآخرون، واحتجوا على ذلك بالأحاديث المذكورة في هذا الباب).\nوقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (تواترت الأحاديث وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره من الثياب، وأخرج في ذلك عن أحد عشر صحابيًّا؛ وهم: أبو هريرة، وطلق بن علي، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وعمرو بن أبي سلمة، وسلمة ابن الأكوع، وابن عباس، وأُبي بن كعب، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم هانئ ﵃).\nولما أخرج الترمذي حديث عمر بن أبي سلمة في (الصلاة في ثوب واحد)؛ قال: (وفي الباب أحاديث عن عائشة، وعمرو بن أبي أسد، وكيسان، وعمار بن ياسر، وعبادة بن الصامت ﵃).\nقال الشَّارح: (قلت: وفي الباب أيضًا عن حذيفة، وعبد الله بن أبي أمية، وعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن سرجس، وعبد الله بن عبيد الله بن المغيرة المخزومي، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي أمامة، وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة، وأم حبيبة، وأم الطفيل)، ثم قال: (فحديث أبي هريرة عند البخاري وأبي داود، وحديث طلق بن علي عند الحافظ الطحاوي وأبي داود، وحديث جابر عند الطحاوي والبزار، وحديث ابن عمر عند الطحاوي، وحديث عُمر بن أبي سلمة عند البخاري وغيره، وحديث سلمة ابن الأكوع عند الطحاوي وأبي داود، وحديث أم هانئ عند البخاري، وحديث ابن عباس عند الطحاوي، وحديث أُبي بن كعب عند الطحاوي وابن أبي شيبة، وحديث أبي سعيد الخدري عند الطحاوي وابن ماجه، وحديث أنس بن مالك عند الطحاوي وأحمد ابن حنبل، وحديث عمرو بن أبي أسد عند البغوي و«معجم الصحابة»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، وحديث كيسان عند ابن ماجه، وحديث عائشة عند أبي داود، وحديث عمار بن ياسر عند الطبراني، وحديث عبادة بن الصامت عند الطبراني في «الكبير»، وحديث حذيفة عند أحمد، وحديث عبد الله بن أبي أمية عند الطبراني في «الكبير»، وحديث عبد الله بن أنيس عند الطبراني أيضًا، وحديث عبد الله بن سرجس عنده أيضًا، وحديث عبد الله بن عبيد الله المغيرة عند أحمد، وحديث علي بن أبي طالب عند الطبراني، وحديث معاذ عنده أيضًا، وحديث معاوية عنده أيضًا، وحديث أبي أمامة عنده أيضًا، وحديث عبد الرحمن حاضن عائشة عنده أيضًا في «الأوسط»، وحديث أم حبيبة عند أحمد، وحديث أم الفضل عنده أيضًا).\nقال الشَّارح: (فمن أراد أن يقف على متون أحاديثهم بأسانيدها؛ فعليه بشرحنا «شرح معاني الآثار»، وأمَّا الجواب عما احتجت به الطائفة الأولى من حديث عبد الله بن عمر؛ فهو أن ابن عمر نفسه قد روى عن النبيِّ الأعظم ﷺ إباحة الصلاة في الثوب الواحد، أخرجه الحافظ\n_________\n(^١) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":226},{"text":"أبو جعفر الطحاوي، عن أبي بكرة، عن روح، عن زمعة بن صالح قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ الأعظم ﷺ مثل ما روى البخاري عن جابر ﵄، فظهر من هذا أن حديثه ذاك في استعمال الأفضل؛ فبهذا يرتفع الخلاف بين روايتيه، وكذلك كل ما روي في هذا الباب من منع الصلاة في ثوب واحد؛ فهو محمول على الأفضل لا على عدم الجواز، وقيل: هو محمول على التنزيه لا على التحريم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٦٠٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-603>[حديث: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ]</span>\n٣٥٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس)؛ بضم الهمزة، وفتح الواو؛ مصغَّرًا، هو المدني الأصبحي، ابن أخت مالك بن أنس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك بن أنس)؛ هو الأصبحي المدني، وسقط: (ابن أنس) لابن عساكر، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية (مولى عُمر)؛ بضم العين المهملة، (بن عُبيد الله)؛ بضم العين المهملة، مصغر (عبد)، هو ابن معمر، القرشي التيمي، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة: (أن أبا مُرَّة)؛ بضم الميم، وتشديد الراء، واسمه يزيد (مولى أم هانئ)؛ بالنون وبالهمز، هي فاختة، وقيل: هند (بنت أبي طالب) أخت علي الصديق الأصغر، وذكر المؤلف في باب (العلم): أنه مولى عقيل، قال إمام الشَّارحين: (وهو في نفس الأمر مولى أم هانئ، ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا؛ لإكثاره الملازمة لعقيل)؛ فافهم.\n (أخبره) أي: أخبر يزيد سالمًا: (أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب) ﵂، وجملة قوله: (تقول) من الفعل والفاعل محلها نصب، إمَّا مفعول ثان (^١) لـ (سمع)، وإمَّا حال على الخلاف المشهور: (ذهبت إلى رسول الله): وللأصيلي: (إلى النبي) الأعظم (ﷺ)؛ يعني: إلى حجرته الشريفة (عام الفتح) أي: فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان، (فوجدته) حال كونه (يغتسل) أي: من الجنابة، والجملة حالية (وفاطمة ابنته) ﵂ هي الزهراء، (تستره): جملة اسمية حالية أيضًا، (قالت) أي: أم هانئ: (فسلمت عليه، فقال) ﵇ لابنته فاطمة: (مَن هذه؟) بفتح الميم، قالت: أم هانئ (فقلت: أنا): وللأصيلي: (قلت) (أم هانئ بنت أبي طالب) ﵂، وظاهره: أنه ﵇ لم يرد ﵍؛ لكونه لم يفرغ من الغسل، فبقي على جنابته؛ لأنَّه ﵇ من عادته أن يذكر الله تعالى على طهارة، و(السلام) من أسماء الله تعالى، فكره أن يذكر الله على غير طهارة، ويدل عليه ما قدمه المؤلف في (التيمم) من حديث أبي الجهيم الأنصاري: (أنه ﵇ أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبيُّ الأعظم ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇)، زاد في رواية الطبراني في «الأوسط»، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر») انتهى.\nولا يخفى أن تيممه ﵇ كان عند عدم الماء؛ فافهم.\n (فقال) أي: النبي الأعظم ﷺ لأم هانئ: (مرحبًا): منصوب بفعل مقدر؛ تقديره: لقيت رحبًا وسعة (بأم هانئ)؛ بالباء الجارة، وفي رواية ابن عساكر: (مرحبًا يا أم هانئ)؛ بياء النداء، وهذا يقوم مقام السلام في اللغة لا في الشرع، ولعله ﵇ اقتصر على ذلك، لكنه خلاف الشرع، بل رد ﵍ بعد فراغه من الغسل، والراوي إمَّا نسي هذه الجملة، وإمَّا لم يسمعها من أم هانئ؛ لعدم سماعها منه ﵇، بل قد سمعته ابنته فاطمة وأم هانئ، لكن نسيت، فلم تذكرها؛ فافهم.\n (فلما فرغ) ﵇ (من غُسله) بضم الغين المعجمة، من الجنابة؛ (قام): جواب (لما) (فصلى ثمانِيَ (^٢) ركعات)؛ بكسر النون، وفتح الياء، مفعول (فصلى)، وفي رواية ابن عساكر: (ثمانَ)؛ بفتح النون من غير ياء، وزعم الكرماني: (أنه على الرواية الأولى بفتح النون).\nقال إمام الشَّارحين: (قلت: حينئذ يكون منصوبًا بقوله: «فصلى»)، وقال الجوهري: (هو في الأصل منسوب إلى الثُمن؛ لأنَّه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، ثم إنَّهم فتحوا أوله؛ لأنَّهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة، وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت «ياء» القاضي، تقول: ثمان نسوة، وتسقط مع النون عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب؛ لأنَّه ليس بجمع) انتهى.\n (ملتحفًا) بالنصب على الحال من الضمير الذي في (صلى) (في ثوب واحد)؛ أي: متوشح به مخالف بين طرفيه على عاتقيه، (فلما انصرف) ﵇؛ أي: فرغ من صلاته؛ (قلت) أي: قالت أم هانئ قلت: (يا رسول الله؛ زعم): معناه ههنا: قال أو ادعى، كما في «عمدة القاري».\nقلت: وإنما قال: (معناه) هكذا؛ لأنَّ الزعم أكثر ما يستعمل بمعنى فيما لا يتحقق، وقال ابن المظفر: (أهل العربية يقولون: زعم فلان: إذا شك فيه، ولم يدرِ لعله كذب أو باطل)، وقال الأصمعي: (الزعم: الكذب)، وقال شريح: (زعموا: كنية الكذب)، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: (الزعم: القول يكون حقًّا، ويكون باطلًا) انتهى؛ فليحفظ.\nوالزَُّعم -بفتح الزاي وضمها- مصدر زعم، وهو فعل يقترن به اعتقاد ظني، و(زعم): يكون بمعنى: (ظن) فيتعدى إلى اثنين؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...﴾؛ الآية [النساء: ٦٠]، وقد يكون بمعنى: (كفل) فيتعدى إلى واحد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والله تعالى أعلم.\n (ابن أمي): هو علي بن أبي طالب، وهي شقيقته، وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفي رواية الحموي كما في «عمدة القاري»: (زعم ابن أبي) قال: (ولا تفاوت بينهما في المقصود؛ لأنَّها أخت علي من الأم والأب، ولكن الوجه في رواية: «ابن أمي» تأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن، وذلك كما في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى ﵉: ﴿قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤]) انتهى.\n (أنه)؛ أي: ابن أمي، وهو أخوها علي بن أبي طالب (قاتل رجلًا): فـ (قاتل): اسم فاعل، من باب (المفاعلة)؛ والمعنى: أنه عازم على المقاتلة؛ لأنَّه لم يكن قاتلًا حقيقة في ذلك الوقت، ولكنه لما عزم على التلبس بالفعل؛ أطلقت عليه القاتل، و(رجلًا): منصوب بقوله: (قاتل)، كذا في «عمدة القاري» (قد أجرته) بفتح الهمزة بدون المد؛ أي: أمنته، والجملة محلها نصب صفة (رجلًا)، ولا يجوز فيه المد؛ لأنَّه إمَّا من الجور؛ فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة؛ يعني: لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل؛ نحو: أشكيته؛ أي: أزلت شكايته، وإمَّا من الجوار بمعنى: المجاورة، كذا في «عمدة القاري»، (فلانَُ بن هبيرة)؛ بالرفع والنصب، أمَّا الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو فلان، وأمَّا النصب؛ فعلى أنه بدل من (رجلًا)، أو من الضمير المنصوب في (أجرته)، و(هُبَيْرة)؛ بضم الهاء، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وبالراء: هو ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران المخزومي، زوج أم هانئ بنت أبي طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، وهي أسلمت عام الفتح، وكان لهبيرة أولاد منها؛ وهم: عمرويه، وهانئ، ويوسف، وجعدة، وقد ذكرنا أن اسمها فاختة أو هند، وكنيت بهانئ أحد أولادها المذكورين، فهرب زوجها من مكة عام الفتح لما رآها أسلمت، ولم يزل مشركًا حتى مات،\n_________\n(^١) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ثمان)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":227},{"text":"وترك عندها ولدها منه، وهو جعدة، وهو ممن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أم هانئ، ونسي الراوي اسمه، ورد الأول بوجوه، ورجح الثاني، وجزم ابن هشام في «السيرة»: (بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان)، وعند الأزرقي: (عبد الله بن أبي ربيعة، بدل زهير)، وقد أوضح ذلك إمام الشَّارحين فقال: (وقولها: «فلان بن هبيرة» فيه اختلاف من جهة الرواية ومن جهة التفسير، ففي «التمهيد» من حديث محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي مرة، عن أم هانئ قالت: (أتاني يوم الفتح حموان لي، فأجرتهما، فجاء علي يريد قتلهما، فأتيت النبيَّ الأعظم ﷺ وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة...)؛ الحديث، وفيه قال ﵇: «أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت»، وفي «معجم الطبراني»: (إني أجرت حموي)، وفي رواية: (حموي ابن هبيرة)، وفي رواية: (حموي ابني هبيرة)، وقال أبو عمرو في حديث أبي النضر ما يدل على أن الذي أجارته كان واحدًا، وفي هذا اثنين، وأمَّا من جهة التفسير؛ فقال أبو العباس بن سريج: (الرجلان هما: جعدة بن هبيرة، ورجل آخر، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالدًا ﵁، ولم يقبلوا الأمان، ولا ألقوا السلاح، فأجارتهما أم هانئ، وكانا من أحمائها)، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا: (أنَّهما الحارث بن هشام وهبيرة بن أبي وهب)، وجزم ابن هشام في «تهذيب السيرة»: (بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما: الحارث بن هشام وزهير بن أمية المخزوميان)، وقال الكرماني: (أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها، كما أن الإبهام فيه محتمل لأن يكون من أم هانئ، وأن يكون الراوي نسي اسمه، فذكره بلفظ: «فلان»)، وقال الزبير بن بكار: (فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزومي) انتهى.\nوزعم ابن حجر الذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا؛ كأنه كان فيه: فلان بأنَّهُ عم هبيرة، فسقط لفظ (عم)، أو كان فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ (قريب) بلفظ (ابن)، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أمية وعبد الله بن ربيعة يصح وصفه بأن عم هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم) انتهى.\nقلت: وهذا كلام من لم يذق شيئًا من العلم، فأي شيء دله على أن رواية الباب فيها حذف؟ وما هي إلا دعوى لا دليل عليها، بل الظاهر أن الرواية المذكورة في هذا الباب هي هي في الحقيقة يدل عليه أنه ذكر الطبراني هذا الحديث في «معجمه»، وكذا أبو عمرو وغيره، وفيه ما ذكر غير أنه أبدل (فلان) بـ (حموي)، كما رأيت، فلفظ (عم) و(قريب) التي قدرها هذا القائل غير صحيح؛ لأنَّ ذلك زيادة على اللفظ من غير دليل، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين.\nوقوله: (فتغير...) إلخ: غير صحيح؛ لأنَّ هذا «الجامع الصحيح» أصح الكتب بعد القرآن، فكيف يقال إنه وقع فيه التغيير؟ وما هذا إلا كلام يمجه الطبع السليم على أنه قد رواه جمع عن جمع بالإتقان والحفظ، وهذا يؤمن تغيره، فكيف قال هذا القائل ما قال؟ وما ذكره في وجه الجمع من أنه كل واحد منهم يقال له: (عم هبيرة...) إلى آخره: ممنوع، فالمدعي الأول غير ثابت، وهو أوهى من بيت العنكبوت، فكيف يبني عليه بأضعف منه؟ والوصف بالعم ينافي ذلك؛ لأنَّ العم إمَّا من النسب أو من قرابة الزوج، وهؤلاء ليسوا من ذلك، فلا يصح الوصف بالعم، وكذلك الوصف بالقريب، فمن أين جاء به هذا القائل؟\nوقال إمام الشَّارحين: الأصوب والأقرب أن تقول في توجيه رواية أبي النضر: «فلان بن هبيرة» أن يكون المراد من «فلان» هو ابن هبيرة من غير أم هانئ، فنسي الراوي اسمه، وذكره بلفظ «فلان»، ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في «التمهيد»، ورواية الطبراني، فإنها تدل على أن الذي أجارته أم هانئ هو حموها.\nفإن قلت: المذكور في رواية أبي النضر واحد، وفي هذه الروايات اثنان؛ قلت: لا يضر ذلك؛ لأنَّه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسيانًا، كما أبهم اسمه نسيانًا، وقال ابن الجوزي: (إن كان ابن هبيرة منها؛ فهو جعدة)، وجوز أبو عمرو أن يكون من غيرها، وهو الأصوب؛ لما ذكرنا.\nفإن قلت: نقل أبو عمرو من أهل النسب أنَّهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غيرها؛ قلت: لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك ألا يكون له ابن من غيرها) انتهى.\nزاد في الطنبور نغمة ابن حجر، فزعم أن جعدة معدود فيمن له رواية، ولم يصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين: أبو عمرو، وابن حبان، وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلًا حتى يحتاج إلى الأمان، ثم لو كان ولد أم هانئ؛ لم يهم علي ﵁ بقتله؛ لأنَّها كانت قد أسلمت، وهرب زوجها، وترك ولدها عندها، ورده إمام الشَّارحين فقال: (كونه تابعيًّا أو صحابيًّا على ما فيه من الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك).\nوقوله: «فكيف يتهيأ...» إلى آخره: مجرد دعوى، فيحتاج إلى برهان، فظهر من هذا أن قول الكرماني: (أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة وربيبها) أقرب إلى الصواب وأوجه، وقول بعضهم: (والذي يظهر لي...) إلى آخره: بعيد في ذلك، وتصرف من عنده بغير وجه؛ لأنَّ فيه ارتكاب الحذف والمجاز؛ والتقدير: بشيء: بعيد غير مناسب، ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفًا، وهذا كلام كله خلاف الأصل، ومما يمجه من له يد في التصرف في الكلام) انتهى.\nومراد بقوله: (بعضهم): ابن حجر العسقلاني، فإنه القائل، والذي يظهر لي أن في رواية... إلى آخر كلامه، كما سقناه فيما سبق، وتكلمنا عليه ببعض ما يجب عليه؛ فافهم، والله أعلم.\n (فقال رسول الله): وفي رواية الأصيلي: (النبي) الأعظم (ﷺ) لأم هانئ: (قد أجرنا من أجرت) يعني: أمنا من أمنت، كما زاده في رواية ابن عجلان في «التمهيد»، كما سبق.\n (يا أم هانئ)؛ أي: فليس لشقيقك قتله، (قالت أم هانئ): في بيان الوقت الذي جاءت به لعند النبي الأعظم ﷺ: (وذاك)؛ بالألف بين الذال والكاف، وفي رواية الأصيلي: (وذلك)؛ باللام، والإشارة إلى ما ذكرته من قولها: فصلى ثمان ركعات (ضحًى)؛ أي: كان ذلك الوقت ضحًى، أو صلاة ضحًى، ويدل للأول: ما في رواية أحمد في هذا الحديث: (وذلك يوم فتح مكة ضحى)، ويدل للثاني: ما في رواية أبي حفص بن شاهين: أن أم هانئ قالت: يا رسول الله؛ ما هذه الصلاة؟ قال: «الضحى»، وما رواه ابن أبي","vol":"1","page":227},{"text":"شيبة: ثم صلى الضحى ثمان ركعات، وهذا الوجه هو الأصح، وهذا أيضًا يمنع التخرص في ذلك بأن قال بعضهم: (هذه صلاة الفتح)، وبعضهم قال: (صلاة الإشراق)، والدليل على ذلك ما في رواية «مسلم»: (ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى)؛ كذا قاله إمام الشَّارحين الإمام بدر الدين العيني ﵁.\nقلت: فهذه الروايات تدل على فساد ما زعمه البعض الأول والبعض الثاني، ولأن الإشراق لا صلاة له؛ يدل عليه أن النبيَّ الأعظم ﷺ نهى عن الصلاة حين تطلع الشمس، وحين استوائها، وحين غروبها، وفي حديث آخر: «إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان»؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام: الأول: فيه جواز تستر الرجال بالنساء.\nالثاني: فيه جواز السلام من وراء الحجاب.\nالثالث: فيه عدم الاكتفاء بلفظة (أنا) في الجواب، بل يوضح غاية التوضيح، كما في ذكر الكنية والنسب هنا.\nالرابع: فيه استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته.\nالخامس: فيه دليل على استحباب صلاة الضحى وأنها ثمان ركعات.\nالسادس: فيه جواز أمان رجل حر أو امرأة حرة لكافر واحد أو لجماعة، ولم يجز بعد ذلك قتالهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة، ولا يجوز أمان ذمي؛ لأنَّه متهم بهم، ولا أسير، ولا تاجر يدخل عليهم، ولا يجوز أمان عبد إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وقال الإمام محمد بن الحسن: يجوز أمانه مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وبه قال محمد بن إدريس، ولو أمن الصبي وهو لا يعقل؛ لا يصح كالمجنون، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال؛ فعلى الخلاف، وإن كان مأذونًا له في القتال؛ فالأصح أنه يصح أمانه بالاتفاق، والله أعلم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٦٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-604>[حديث: فقال رسول الله أولكلكم ثوبان]</span>\n٣٥٨ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسف) تثليث السين مع الهمز وتركه؛ ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري، (عن سعِيد بن المسيِّب)؛ بفتح التحتية وكسرها، وكسر العين في الأول، (عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر ﵁: (أن سائلًا): هو ثوبان الصحابي، كما ذكره إمامنا شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط»، وقول ابن حجر: (لم أقف على اسمه) لا ينافي ذلك؛ لأنَّه لا يلزم من عدم معرفته اسمه ألا يكون معروفًا عند غيره، وفوق كل ذي علم عليم؛ فافهم.\n (سأل رسول الله ﷺ عن) جواز (الصلاة)؛ أي: المفروضة والواجبة والنافلة؛ لأنَّ (أل) فيه للجنس (في ثوب واحد)؛ بالتنكير، وفي رواية أبي الوقت: (في الثوب الواحد)؛ بالتعريف، (فقال رسول الله ﷺ)؛ أي: للسائل المذكور: (أولكلكم ثوبان؟)؛ الهمزة فيه للاستفهام؛ يعني: فإذا كنتم بصفة العدم وضيق الثياب وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم؛ فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، فاللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﷺ من حالهم في العدم وضيق الثياب، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: هو مقدر؛ أي: أنت سائل عن مثل هذا الظاهر؛ ومعناه: لا سؤال عن أمثاله ولا ثوبين لكلكم؛ إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة العام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل) انتهى.\nقلت: قد علمت مما قاله إمام الشَّارحين: (إن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم والضيق) على أنه لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأنَّ عدمه أولى، ولأن مراده ﵇ الاستخبار عن حالهم بأن هل يجد أحدهم ثوبين؟ يعني: فالصلاة في الثوب الواحد جائزة مع الكراهة؛ لأنَّه يستر العورة، وليس فيه تجمل، والصلاة في الثوبين جائزة بدون كراهة؛ لأنَّه قد ستر العورة، وتجمل لعبادة ربه ﷿، وقال القاضي عياض: (وقوله ﵇: «أولكلكم ثوبان أويجد ثوبين؟» صيغته صيغة الاستفهام، ومعنى التقرير والإخبار عن معهود حالهم، وضمنه دليل على الرخصة، وتنبيه على أن الثوب أفضل وأتم، وهو المعهود منه عند أكثر العلماء)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ذهب الحافظ أبو جعفر الطحاوي وكذا الباجي: إلى أن المفهوم من الحديث التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه في الإجزاء).\nقلت: فالثوب الواحد إذا صلى فيه أو ثوبان إذا صلى فيهما على حد سواء من حيث جواز الصلاة، ولكن الأفضل الصلاة في الثوبين؛ لأنَّه أتم في ستر العورة والتجمل، فقول القاضي عياض: (وتنبيه على أن الثوب أفضل): ممنوع؛ لأنَّه ليس فيه فضل، بل هو واجب لستر العورة، والأفضل إنَّما يقال للزائد على الفرض؛ فافهم.\nوقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد؛ لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأنَّ حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره)، واعترضه ابن حجر، فزعم أن هذه الملازمة في مقام المنع للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنَّما كان عن الجواز وعدمه لا عن الكراهة)، ورده إمام الشَّارحينفقال: (أخذ هذا القائل صدر الكلام من كلام الطحاوي، ثم غمز فيه، ولو أخذ جميع كلامه؛ لما كان يجد إلى ما قاله سبيلًا) انتهى.\nقلت: على أنه قول النبيِّ الأعظم ﷺ متضمن لسؤالين:\nأحدهما: السؤال عن الجواز وعدمه في الثوب الواحد، فالصلاة فيه جائزة حيث إنه ساتر للعورة؟\nوالثاني: السؤال عن الذي يجد أكثر من ثوب واحد، فهو عن الكراهة وعدمها؟\nفالصلاة في الثوب الواحد لمن يجد","vol":"1","page":228},{"text":"أكثر منه مكروهة حيث ترك التجمل لعبادة ربه ﷿، وصلاته فيه لمن لا يجد غيره لا كراهة؛ لأنَّه فعل ما في وسعه، يدل عليه فعل عمر بن الخطاب ﵁ للذي رآه يصلي بثوب واحد مرقع، فنخزه بيده، وقال له: (أرأيت إذا كنت قدام حاكم هل كنت تقف بهذه؟)، فقال: لا، فقال: (الله أحق أن تتزين له)، على أن الحديث مصرح بالفرق بين القادر وغيره، لأنَّ السؤال إنَّما كان عن غير القادر، والجواب له وللقادر أيضًا، وكيف خفي هذا عن ابن حجر، وفوق كل ذي علم عليم؟\nويدل لما قلناه ما أخرجه أبو داود عن مسدد، حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي: حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قدمنا على نبيِّ الله ﷺ، فجاء رجل فقال: يا نبي الله؛ ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق رسول الله ﷺ إزاره، وطارق له رداءه، فاشتمل بهما، ثم قام، فصلى بنا نبيُّ الله ﷺ، فلما أن قضى الصلاة؛ قال: «أوكلكم يجد ثوبين؟»، وأخرجه الطبراني أيضًا، وفي روايته: (طابق) بدل قوله: (طارق) من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين: إذا ظاهر بينهما؛ أي: لبس أحدهما على الآخر، وكذلك معنى: (طابق)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، فهذا الحديث يدل على أن السؤال إنَّما كان عن الجواز وعدمه في الثوب الواحد، وعن الكراهة وعدمها في الزائد على الثوب الواحد لمن يجد أكثر من الواحد، وإنما يكون الجواب عن الجواز وعدمه فيما رواه ابن حبان في هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، فقال في الجواب: «ليتوشح به، ثم ليصل (^١) فيه»، فهذا يدل على أن السؤال وقع على الجواز وعدمه، وكأن ابن حجر لم يطلع على هذه الروايات، فقال ما قال؛ فافهم.\nقلت: وفي الحديث: وجوب ستر العورة، وهو مذهب الجمهور من الصحابة؛ كابن عباس، وعلي، ومعاوية، وأنس، وأبي (^٢) هريرة، وعائشة، وأم هانئ، ومن التابعين: إمامنا الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعطاء، ومن الفقهاء: الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق ابن راهويه، وفيه: استحباب الزيادة على الثوب الواحد؛ لأجل التجمل لعبادة الرب ﷿؛ لأنَّه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولأن فيه التحديث بالنعمة، وفيه: كراهية الصلاة بالثوب الواحد لمن يجد أكثر منه؛ لأنَّ فيه التهاون في أمر العبادة، وفيه: وجوب السؤال لأمر من أمور الدين قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهم العلماء؛ لأنَّهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٠٥\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-605>[باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا صلى)؛ أي: الرجل (في الثوب الواحد): وجواب (إذا) قوله: (فليجعل)؛ أي: بعضه (على عاتقيه)؛ بالتثنية، ولابن عساكر: (على عاتقه)؛ بالإفراد، زاد في رواية كريمة: (شيئًا)؛ أي: من الثوب، وفي «المخصص»: (هو من المنكبين إلى أصل العنق: عاتقان)، وفي «الموعب»: (هو صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا، يقال له: العاتق، والجمع عتق، وعواتق، وعتق)، وقال أبو عبيدة: (هو مذكر، وقد يؤنث)، وقال اللحياني: (هو مذكر لا غير)، وقال أبو حاتم: روى من لا أثق به: التأنيث، وسألت بعض الفصحاء فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتًا ليس بمعروف، ولا عن ثقة، وهو قوله:\nلَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ... وَلَا بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي\nوفي «الجامع»: (هو مذكر، وبعض العرب تؤنثه)، وأنكره بعضهم وقال: هذا لا يعرف، وأمَّا يعقوب بن السكيت؛ فذكره مذكرًا ومؤنثًا من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة منهم: أبو نصر الجوهري، وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تذكر وتؤنث، فقال:\nوهاك من الأعضاء ما قد عددته... يؤنث أحيانًا وحينًا يذكر\nلسان الفتى والإبط والعتق والقفا... وعاتقه والمتن والضرس يذكر\nوعندي الذراع والكراع مع المِعَى... وعجز الفتى ثم القريض المحبر\nكذا كل نحوي حكى في كتابه سوى... سيبويه وهو فيهم مكبر\nيرى أن تأنيث الذراع هو الذي... أتى وهو للتذكير في ذاك منكر\nوقال صاحب «دستور اللغة» بديع الزمان: (باب الأسماء الخالية من علامة التأنيث): والأسماء التي اشترك فيها التذكير والتأنيث وهي حدود مئتي اسم ونيف، وعلامة المشترك يجمعها قوله نظمًا:\nعين يمين عضد كف شمال أذن... سن معًى رجل يد\nقتب ذراع أصبع ناب عجوز... ساق كراع كبد\nوحش جراد رجلها أروى سعير... زندها ذكاء طاعوت يد\nذود طباع خضر روح شبا... خيل أتان وصف أنثى المفرد\nوذكر بعدها أحد عشر بيتًا على قافية الباء الموحدة، وسبعة أبيات أخرى على قافية اللام، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٦٠٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-606>[حديث: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء]</span>\n٣٥٩ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو عاصم): هو الضحاك بن مَخلد -بفتح الميم- البصري، المشهور بالنبيل، (عن مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي الزِّناد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف النون، هو عبد الله بن ذكوان، (عن عبد الرحمن): هو ابن هرمز (الأعرج، عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: قال رسول الله): وفي رواية: (النبي) الأعظم (ﷺ لا يصلي)؛ بإثبات الياء؛ لأنَّه نفي، لأنَّ كلمة (لا) نافية، و(لا) النافية لا تسقط شيئًا، ولكن معناه النهي، ونص ابن الأثير على إثبات الياء في «الصحيحين» قال: (وذلك لا يجوز؛ لأنَّ حذفها علامة الجزم بـ «لا» الناهية، فإن صحت الرواية؛ فتحمل على أن «لا» نافية) انتهى.\nقلت: وقد صحت الرواية بذلك، فلا وجه للتردد، وقد رواه الدارقطني في «غرائب مالك»\n_________\n(^١) في الأصل: (ليصلي)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أبو)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":228},{"text":"بلفظ: (لا يصل)؛ بغير ياء على أن كلمة (لا) ناهية، ورواه النسائي من طريق سفيان بلفظ: (لا يصلينَّ)؛ بزيادة نون التأكيد، وتمامه في «عمدة القاري».\n (أحدكم في الثوب الواحد) وقوله: (ليس على عاتقه)؛ بالإفراد رواية الأكثرين، وفي رواية: (على عاتقيه)؛ بالتثنية، جملة حالية بدون الواو، ويجوز في مثل هذا الواو وتركه (شيء): وفي رواية «مسلم»: (منه شيء)، وذلك لئلا يسقط الثوب إذا ركع أو إذا سجد؛ فتظهر عورته، فتفسد صلاته، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ: (نهى رسول الله ﷺ)، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بعد أن أخرج هذا الحديث من أربع طرق تواترت الآثار عن النبي الأعظم ﷺ بالصلاة في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره)، ثم قال: فقد يجوز أن يكون ذلك على ما اتسع من الثياب خاصة لا على ما ضاق منها، ويجوز أن يكون على كل الثياب ما ضاق منها وما اتسع، فنظرنا في ذلك؛ فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قد حدثنا قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا قصر بن خليفة عن شرحبيل بن سعد قال: حدثنا جابر: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا اتسع الثوب؛ فتعطف به على عاتقك، وإذا ضاق؛ فاتزر به، ثم صل (^١)»، فثبت بهذا الحديث: أن الاشتمال هو المقصود، وأنه هو الذي ينبغي أن يفعل في الثياب التي يصلي فيها، فإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب؛ اتزر به.\nواحتجنا أن ننظر في حكم الثوب الواسع الذي نستطيع أن نئتزر به ويشتمل، هل يشتمل به أو يئتزر، فكيف يعقل؛ فإذا يونس قد حدثنا قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، فنهى ﵇ في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد مئتزرًا به، وقد جاء عنه ﵇ أيضًا: (أنه نهى أن يصلي الرجل في السراويل وحده ليس عليه غيره)، وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، وإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متَّزرًا به، فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن النبيِّ الأعظم ﷺ) انتهى.\nوزعم الكرماني: (أن النهي في الحديث ظاهره يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه؛ إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل؛ جاز).\nقال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ الإجماع ما انعقد على جواز تركه، فهذا أحمد ابن حنبل: لا يجوز صلاة من قدر على ذلك وتركه، ونقل ابن المنذر عن محمد بن علي: عدم الجواز، ونقل بعضهم: وجوب ذلك عن نص الشافعي، واختاره مع أن المعروف في كتب الشافعية خلافه)، وقال الخطابي: (النهي في الحديث نهي استحباب، وليس على سبيل الإيجاب، فقد ثبت أنه ﵇ صلى في ثوب كان بعض طرفيه على [بعض] نسائه وهي نائمة، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأنَّ يئتزر به، ويفضل منه ما يكون لعاتقه؛ إذ كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها، ففي حديث جابر الذي يتلو هذا الحديث أيضًا جواز الصلاة من غير شيء على العاتق) انتهى.\nقلت: وفي رواية عن أحمد: أنه تصح صلاة من قدر على الثوب ويأثم، فجعله واجبًا مستقلًّا، وعلى ما تقدم؛ جعله شرطًا، وهو المشهور عنه، وزعم ابن حجر أن في كلام الخطابي نظر، ولم يذكر وجهه، ونظره مردود عليه؛ لأنَّه لو كان له وجه؛ لذكره.\nوالحاصل: أنه لم يوجد إجماع على جواز تركه، وأن النهي في الحديث للندب والاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٠٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-607>[حديث: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه]</span>\n٣٦٠ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النون: هو الفضل بن دُكين -بضم الدال المهملة- واسمه عمرو بن حماد، القرشي التيمي الطلحي (قال: حدثنا شَيْبَان)؛ بفتح المعجمة أوله، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: هو ابن عبد الرحمن النحوي، المؤدب، البصري، (عن يحيى بن أبي كثير)؛ بالمثلثة، ضد القليل: هو صالح بن المتوكل الطائي، مولاهم العطار، (عن عِكرمة)؛ بكسر العين المهملة، هو المفسر المشهور، مولى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن (قال)؛ أي: يحيى: (سمعته)؛ أي: سمعت عكرمة- (أو كنت سألته)؛ بالشك؛ أي: كنت سمعت منه؛ إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال- (قال): ولابن عساكر: (فقال)؛ أي: عكرمة: (سمعت أبا هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (يقول): جملة فعلية محلها نصب إمَّا مفعول ثاني لـ (سمعت)، وإمَّا حال على قولين مشهورين: (أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ): ففيه الشهادة والسماع من أبي هريرة، وذلك إشارة إلى حفظه، واستحضاره، وإتقانه، كذا في «عمدة القاري» (يقول): جملة محلها نصب كالأولى: (من صلى في ثوب واحد): وسقط في رواية لفظة: (واحد) (فليخالف بين طرفيه)؛ أي: بين طرفي الثوب، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه هو التوشح: وهو الاشتمال على منكبيه، وإنما أمر بذلك؛ ليستر أعلى البدن وموضع الزينة، وفائدة هذه المخالفة ألا يسقط الثوب عنه إذا ركع، وإذا سجد، وهذا الأمر للندب عند الجمهور حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء؛ صحت صلاته، ويقال: إنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ ربما يحتاج إلى إمساكه بيده، فيشتغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nقلت: وربما أنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ تفسد صلاته؛ لاحتياجه إلى عمل كثير في إمساكه، ورفعه، ووضعه، وغير ذلك، والمقصود ستر العورة في الصلاة، وهذه المخالفة؛ لأجل عدم ذلك كله، وزعم ابن بطال أن هذه المخالفة فائدتها في الثوب ألا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، انتهى.\nقلت: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ نظر العورة لا يضر المصلي؛ لأنَّ النظر إلى عورة نفسه مباح، وكذا مسها، وليس لذلك تأثير في صحة الصلاة، والأوجه ما قاله\n_________\n(^١) في الأصل: (صلي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":229},{"text":"إمام الشَّارحين، كما لا يخفى، واحتج أحمد ابن حنبل بظاهر هذا الحديث، وشرط الوضع على عاتقه عند القدرة، وفي رواية عنه: (أنه تصح صلاته، ولكنه يأثم بتركه).\nقلت: ولا دليل فيه له؛ لأنَّ الأمر فيه للندب عند الجمهور، كما مر.\nقال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المخالفة بين طرفي الثوب لا يستر إلا بجعل شيء من الثوب على العاتق)، وزعم ابن حجر أنه في بعض طرق هذا الحديث: «فليخالف بين طرفيه على عاتقيه»، وهو عند أحمد من طريق معمر عن يحيى، وعند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حسين عن شيبان، ثم ادعى أنَّ هذا أولى في مطابقة الترجمة؛ لأنَّ فيه التصريح بالمراد، فالمصنف أشار إليه كعادته)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (دعوى الأولوية غير صحيحة؛ لأنَّ الدلالة على المراد من الطريق الذي للمصنف من نفس الكلام المسوق أولى من الكلام الأجنبي عنه) انتهى.\nقلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ أخذ الدلالة عند المحققين من فحوى الكلام المسوق لا من كلام خارج عنه؛ لأنَّ ذلك معيب في الصناعة، وعادة المؤلف ليست كما ذكره هذا القائل؛ لأنَّ المراد بعادته: ترتيب أبوابه من ترجمتها وأحاديثها المطابقة لها، فإنه يذكر الباب ويترجم عليه، ثم يسوق الأحاديث المطابقة لما ترجم له، فهذه عادته، وكتابه «الجامع الصحيح» يدل عليه، فقول هذا القائل: (إن المصنف أشار بالترجمة إلى ما رواه أحمد والإسماعيلي وأبو نَعيم): غير صحيح؛ لأنَّ ذلك بعيد، وغير مراد للمؤلف؛ لأنَّه لو كان مرادًا له؛ لذكره في كتابه هذا، وبعيد أن يحيل على خلاف كتابه؛ لأنَّه معيب في الصناعة؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشَّارحين: وفي هذا الحديث الشك من يحيى بين السماع والسؤال حيث قال أولًا: (سمعته)؛ أي: سمعت عكرمة، ثم قال: (أو كنت سألته)؛ يعني: سمعت منه إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال، وأخرجه الإسماعيلي عن مكي بن عبدان، عن حمدان السلمي، عن أبي نعيم بلفظ: (سمعته أو كتب به إلي)، والشك هنا من السماع والكتابة، وقال الإسماعيلي: (لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى عن عكرمة)، ورواه هشام، وحسين، ومعمر، وزيد بن سنان؛ كلٌّ قال عن عكرمة لم يذكر خبرًا ولا سماعًا، وأخرجه أبو داود من حديث يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة بالعنعنة من غير شك، ولفظه: «إذا صلى أحدكم في ثوب؛ فليخالف بطرفيه على عاتقيه» انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٠٨\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-608>[باب إذا كان الثوب ضيقًا]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا كان الثوب ضيقًا)؛ أي: كيف يفعل المصلي، والضَّيِّق؛ بفتح الضاد المعجمة، وتشديد المثناة التحتية، ويجوز تخفيفها، وهو صفة مشبهة، واسم الفاعل في هذه المادة: (ضائق) على وزن (فاعل)، والفرق بينهما: أن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، واسم الفاعل يدل على الحدوث، كذا في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٦٠٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-609>[حديث: ما السرى يا جابر</span>؟]\n٣٦١ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يحيى بن صالح): هو أبو زكريا الوُحاظي -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، وبالظاء المعجمة- الحمصي، الحافظ الثقة، المتوفى سنة اثنتين (^١) وعشرين ومئتين (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، وفليح لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى (بن سُلَيْمان) بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية، (عن سعِيد) بكسر العين المهملة (بن الحارث)؛ بالثاء المثلثة: هو الأنصاري قاضي المدينة (قال: سألنا جابر بن عبد الله): هو الأنصاري ﵁، (عن) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) كيف يفعل المصلي؟ (فقال) أي: جابر: (خرجت مع النبيِّ) الأعظم (ﷺ) من المدينة (في بعض أسفاره)؛ أي: في غزوة بواط، كما عينه مسلم في روايته، وبُواط بضم الموحدة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم طاء مهملة، قال الصغاني: (بواط: جبال جهينة في ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة (^٢) برد أو أكثر)، وقال ابن إسحاق: (جميع ما غزا النبيُّ الأعظم ﷺ بنفسه الكريمة سبع وعشرون (^٣) غزوة، غزوة ودان وهي غزوة الأبواء، وغزوة بواط من ناحية رضوى...)، ثم عد الجميع، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\n (فجئت ليلة) أي: إلى النبيِّ الأعظم ﷺ (لبعض أمري)؛ أي: لأجل بعض حوائجي، والأمر: هو واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ فافهم.\n (فوجدته) ﷺ (يصلي): جملة محلها نصب على أنه مفعول ثان لـ (وجدت)، ولم تعلم هذه الصلاة، والظاهر: أنها نافلة الليل يدل عليه قوله: (ما السرى)؛ فافهم.\nقال جابر: (وعلي ثوب واحد): جملة اسمية في محل النصب على الحال، (فاشتملت به)؛ يعني: خالفت بين طرفي الثوب على عاتقي، وهو التوشح: وهو الاشتمال على المنكبين (وصليت إلى جانبه): وكلمة (إلى) في الأصل: للانتهاء؛ والمعنى: صليت منتهيًا إلى جانب النبيِّ الأعظم ﷺ، ويجوز أن تكون بمعنى (في)؛ لأنَّ حروف الجر يقوم بعضها مقام البعض، ويجوز أن يقال: فيه تضمين معنى الانضمام؛ أي: صليت منضمًا إلى جانبه ﵇، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: يعني: أن جابر صلى مقتديًا بالنبيِّ الأعظم ﷺ في النافلة ليلًا، وهو جائز من غير كراهة؛ لأنَّه على سبيل التداعي، ولهذا لم ينهه ﵇ عن ذلك، وأقره عليه؛ فافهم.\n (فلما انصرف) أي: فرغ النبيُّ الأعظم ﷺ من الصلاة؛ (قال) ﵇: (ما السُّرى)؛ بضم السين والقصر؛ أي: ما سبب سيرك ومجيئك إلي في الليل؟ (يا جابر)؛ وإنما سأله عن ذلك؛ لعلمه بأن الداعي له على المجيء بالليل أمر وحاجة ضرورية أكيدة، (فأخبرته بحاجتي) ولم يعلم ذلك الأمر، (فلما فرغت) أي: من بيان حاجتي؛ (قال) ﵇ له: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟)؛ هو استفهام إنكاري، وسبب الإنكار: أن الثوب كان ضيقًا، وأنه خالف بين طرفيه، وأنه تواقص؛ أي: انحنى عليه حتى لا يسقط؛ فكأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساترًا للعورة، فانحنى؛ ليستتر، فأعلمه ﵇ بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، وأمَّا إذا كان ضيقًا؛ فإنه يجزئه أن يئتزر به؛ لأنَّ المقصود هو ستر العورة، وهو يحصل بالائتزار، ولا يحتاج إلى الانحناء المغاير للاعتدال المأمور به، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وقد بيَّن مسلم في روايته سبب الإنكار؛ حيث أخرج هذا الحديث من حديث عبادة عن جابر مطولًا، وفيه: «إذا كان واسعًا؛ فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاشدده على حقوك»، وأخرجه أبو داود كذلك، وحَِقوك؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها: الإزار، والأصل فيه: معقد\n_________\n(^١) في الأصل: (اثنين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ثلاث)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (سبعًا وعشرين)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":229},{"text":"الإزار، ثم سمي به الإزار؛ للمجاورة، وجمعه أحق وأحقاء، انتهى.\nوقال الخطابي: (الاشتمال الذي أنكره ﵇ إنَّما هو اشتمال الصماء، وهو أن يخلل نفسه بثوبه ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك) انتهى.\nقلت: وهو عادة أهل المغرب الذي قال في حقهم: الفصحاء الشح في الغرب، ويتبعه سوء الخلق، ولهذا قيل: حرك؛ ترَ (^١)، قال: من غير تحريك.\n (قلت) أي: قال جابر: قلت: (كان) أي: الذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، فيكون انتصاب (ثوبًا) على أنه خبر (كان)، وفي رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا)؛ وفي رواية أبي ذر وكريمة: (كان ثوب)؛ بالرفع، ووجهه: أن تكون (كان) تامة بمعنى: وجد، فلا تحتاج إلى الخبر، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر، والزركشي، والبرماوي، واعترضه الدماميني، فزعم أن الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأي معنًى لإخباره بوجود ثوب في الجملة؟ فينبغي أن يقدر ما يناسب المقام) انتهى.\nقلت: وهذا ممنوع؛ لأنَّ الاقتصار على ذلك ظاهر غاية الظهور، ومعنى (إخباره بوجود ثوب): أنه ليس عنده غير هذا الثوب الموجود الذي رأيتني أصلي فيه.\nفقوله: (وأي معنًى...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ معناه ما ذكرناه، ويدل على ما قلناه قوله ﵇ له: «فإن كان واسعًا...» إلى آخره: وهو بيان حكم الصلاة في الثوب، وكأنه ﵇ من رحمته لم ينكر عليه لباس الثوب الضيق؛ لإخباره له بأنه لم يوجد عنده غيره، ويدل على أن الثوب كان ضيقًا ما صرح به في رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا).\nوقوله: (فينبغي أن يقدر...) إلخ: لا حاجة إلى ذلك، والمعنى المذكور هنا صحيح، وهو مناسب للمقام، فلا حاجة إلى تقدير آخر؛ فتأمل.\n (قال) ﵇: (فإن كان)؛ أي: الثوب، والفاء تفصيحية؛ تقديره: إذا أردت معرفة بيان الثوب الضيق والثوب الواسع، فإن كان الثوب الذي يريد المصلي الصلاة به (واسعًا) بحيث يشتمل على المنكبين؛ (فالتحف)؛ أي: تغطَّ (^٢) وارتد (به)؛ أي: بأن يخالف بين طرفي الثوب حيث يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره، وزعم القسطلاني أن الملتحف المُؤتز بطرف المرتدي بالطرف الآخر منه.\nقلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه، كذا فسره محمد بن مسلم الزهري، كما تقدم؛ فافهم.\n (وإن كان) أي: الثوب المذكور (ضيقًا)؛ أي: لا يمكن به الاشتمال؛ (فائتزر به): وهو أمر بالائتزار، وهو أن يجعل الثوب وزرة؛ كالفوطة، قال إمام الشَّارحين: (وأصل هذه المادة: أن الفعل «أزر» على ثلاثة أحرف، فلما نقل إلى باب الافتعال؛ صار «ائتزر» على وزن «افتعل» بهمزتين أولاهما مكسورة، وهي همزة الافتعال، والأخرى ساكنة، وهي همزة الفعل، ثم يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: ايتزر، والآخر: أن تقلب تاء مثناة من فوق، وتدغم التاء في التاء، وهذا معنى قول الكرماني: «بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء»، ولفظ الحديث على الوجه الأول) انتهى، والله أعلم.\nوقال ابن بطال: (حديث جابر هذا تفسير لحديث أبي هريرة الذي في الباب المتقدم، وهو «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» في أنه أراد: الثوب الواسع الذي يمكن أن يشتمله، وأمَّا إذا كان ضيقًا، ولم يمكنه أن يشتمل به؛ فليئتزر به)، وقال الكرماني: (فإن قيل: الحديث السابق فيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد مؤتزرًا به، وظاهره: أنه يعارض قوله: «وإن كان ضيقًا؛ فائتزر به»)، وأجاب الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بأن النهي عنه للواجد معه لغيره، وأما من لم يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الضيق مؤتزرًا به) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (ويستنبط من الحديث: جواز طلب الحوائج بالليل من السلطان؛ لخلاء موضعه وسره، وجواز مجيء الرجل إلى غيره بالليل؛ لحاجته، ومن ذلك: أن الثوب إذا كان واسعًا؛ يخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ يئتزر به) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-610>[حديث: كان رجال يصلون مع النبي عاقدي أزرهم على أعناقهم]</span>\n٣٦٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مُسدد)؛ بضم الميم: هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى): هو ابن سعيد القطان، (عن سفيان): هو الثوري، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يكون سفيان بن عيينة؛ لأنَّهما يرويان عن أبي حازم، ورده إمام الشَّارحين فقال: (نص المزي في «الأطراف»: أنه سفيان الثوري) انتهى.\nقلت: ولا يلزم من كونهما يرويان عن أبي حازم أن يكون ابن عيينة، فاحتمال الكرماني غير صحيح؛ فافهم.\n (قال: حدثني)؛ بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: (حدثنا) (أبو حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي: هو سَلَمَة -بفتحات- ابن دينار الأعرج، الزاهد، المدني، (عن سهل): زاد الأصيلي: (ابن سعد): هو أبو العباس، الساعدي الأنصاري الخزرجي (قال) أي: سهل: (كان رجال)؛ أي: الصحابة، زعم الكرماني أن التنكير فيه؛ للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان يخالف ذلك، وهو كذلك، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ما في رواية أبي داود المذكورة يرد ما ذكره؛ لأنَّ في روايته: «رأيت الرجال»؛ بالتعريف) انتهى.\nقلت: والمقام يقتضي أن جميع الرجال؛ أي: الصحابة لا يخالف بعضهم بعضًا؛ لأنَّهم أشد الاتباع له ﵇ لا سيما في الصلاة معه بالجماعة، فإنه لم ينقل تخلف بعضهم عنها، حتى قال بعض علمائنا: (إن الجماعة واجبة)، وقال أحمد: (إنها فرض)؛ فافهم.\n (يصلون مع النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: الصلوات الخمس، وجملة: (يصلون) خبر (كان) (عاقدي أُزْرهم)؛ بضم الهمزة، وسكون الزاي، جمع إزار: وهو الملحفة، والجمع آزرة وأزر، وهو يذكر ويؤنث، وسمي به؛ لأنَّه يشد به الظهر، وأصل (عاقدي): عاقدين، فلما أضيف؛ سقطت النون منه، والجملة محلها نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابها على أنها خبر (كان)، ويكون قوله: (يصلون) في محل النصب على الحال؛ فافهم.\n (على أعناقهم): جمع عنق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث، (كهيئة الصبيان): وفي رواية «أبي داود»: (كأمثال الصبيان)، والمعنى قريب.\nقال إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى: ذكر البخاري هذا الحديث في أول (باب عقد الإزار على القفا) معلقًا؛ حيث قال: (وقال أبو حازم عن سهل: صلوا مع النبيِّ الأعظم ﷺ عاقدي أزرهم على عواتقهم)، وأخرجه هنا مسندًا، كما رأيت، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، ولفظ أبي داود: عن سهل بن سعد قال: (رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله ﷺ في الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء؛ لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال) انتهى، ثم قال:\n_________\n(^١) في الأصل: (ترى)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (تغطى)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":230},{"text":"(وفي الحديث: أن الثوب إذا كان يمكن الالتحاف به؛ كان أولى من الائتزار به؛ لأنَّه أبلغ في الستر) انتهى.\n (وقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، وفي رواية أبي داود: (فقال قائل)، وهذا القائل أعم من أن يكون النبي الأعظم ﷺ أو غيره بأمره، ويؤيده رواية الكشميهني: (ويقال)، وفي رواية النسائي: (فقيل)، وروى أبو داود ثم البيهقي من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول للنساء: «من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهية أن يرين عورات الرجال»، وهذا فيه التصريح بأن القائل النبيُّ الأعظم ﷺ، كذا قاله إمام الشَّارحين الشيخ بدر الدين العيني ﵁، وزعم ابن حجر أن الذي يغلب على الظن أن القائل: بلال، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، فأين غلبة ظنه مع تصريح السيدة أسماء الصديقة بسماعها قول رسول الله ﷺ للنساء؟! وما هذا إلا خبط وتخبيط، وكأنه لم يطلع على ما ذكره إمام الشَّارحين حتى قال ما قال: ومن الذي يجسر بحضرة النبيِّ الأعظم ﷺ أن يأمر بأمر أو ينهى بنهي؟! وقول من قال: إنه أمر بأمر النبيِّ ﵇ له؛ دعوى بلا دليل، فإنه إذا لم يثبت القائل؛ فكيف يدِّعي الأمر له، وما هذا إلا خلط عظيم، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والحق أحق أن يتبع.\n (للنساء)؛ أي: نساء الصحابة اللاتي يصلين وراء الرجال مع النبيِّ الأعظم ﷺ، (لا ترفعن رؤوسكن) أي: من السجود (حتى يستوي الرجال جلوسًا): جمع جالس؛ كالركوع جمع راكع، أو مصدر بمعنى: جالسين، وعلى كل حال فانتصابه على الحال، وإنما نهى النساء عن ذلك؛ لئلا يلمحن عند رفعهنَّ من السجود شيئًا من عورات الرجال، كما وقع التصريح فيه في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق المروي عند أبي داود، كما تقدم، وكذا عند أحمد بلفظ: «فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهة أن يرين عورات الرجال».\nوفي الحديث: دليل على أن المصلي إذا خشي ارتكاب محذور بفعل الواجب؛ يتركه؛ لأنَّ متابعة الإمام في الأركان واجبة، فنهى عنها ﵇ لما يترتب عليها من المفسدة؛ لأنَّ درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة من قواعد الأئمة الحنفية ﵃، وفي الحديث أيضًا: أنه لا يجب الستر من أسفل عند السجود بخلاف الأعلى، وفيه أيضًا: أنه إذا الرجل نظر عورة المصلي؛ لا يفسد صلاته، وفيه: أن النساء يصلين خلف الرجال، ويدل عليه قوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله...»؛ الحديث، وفيه: أن النساء لا يصلين وحدهن بالجماعة؛ لأنَّه ﵇ لم يأمرهن بذلك، فإن فعلن؛ كره تحريمًا، وتقف الإمام وسطهن، وفيه: أن النساء تخرج لصلاة الجماعة في المسجد، وفيه خلاف؛ فبعضهم قال: يخرجن في صلاة الفجر وصلاة العشاءين؛ لأنَّ الفسقة في الأولى: نائمون، وفي الثانية: آكلون، وبعضهم قال: لا يخرجن مطلقًا؛ لفساد الزمان، وهذا هو المتعين؛ لما يشاهد من الفساد، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦١١\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-611>[باب الصلاة في الجبة الشأمية]</span>\nهذا (باب): بيان حكم (الصلاة): فرضها وواجبها ونفلها (في الجُبَّة)؛ بضم الجيم، وتشديد الموحدة: هي التي تلبس فوق الثياب، وجمعها جبات (الشامية): نسبة إلى الشام، ويجوز فيه الألف والهمزة الساكنة، وهو الإقليم المعروف، دار الأنبياء ومقرهم ومرقدهم ﵈، وفيه الصحابة والتابعون والأولياء والأبدال ﵃، وقد ألف في فضله التآليف العديدة، ووردت فيه الأحاديث الشهيرة، فطوبى لمن سكن فيه؛ لأنَّ الله تعالى قد تكفل فيه، والمراد بـ (الجبة الشامية): هي التي ينسجها الكفار، وإنما ذكره بلفظ (الشامية)؛ مراعاة للفظ الحديث، وكان هذا في غزوة تبوك، والشام إذ ذاك كانت دار كفر، ولم تفتح بعد، وإنما أولنا بهذا؛ لأنَّ الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تتحقق نجاستها، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (وقال الحسن): هو البصري، التابعي، المشهور، مما وصله أبو نعيم بن حماد، عن معتمر، عن هشام، عن الحسن قال: (في الثياب)؛ بالتعريف، وفي رواية: (في ثياب)؛ بالتنكير؛ أي: التي (ينسُِجها): من باب (ضرب يضرِب)، ومن باب (نصر ينصُر)، وقال ابن التين: (قرأناه بكسر السين المهملة)، كذا في «عمدة القاري»، فالسين في الأول: مكسورة، وفي الثاني: مضمومة، والضم هو الذي في «الفرع»؛ فتأمل.\n (المجوس): جمع المجوسي، وهو معرفة، سواء كان محلًّى بالألف واللام أم لا، والأكثر على أنه يجري مجرى القبيلة لا مجرى الحي في باب (الصرف)، وفي رواية الكشميهني والحموي: (المجوسي)؛ بالياء بلفظ المفرد، والمراد: الجنس، ولغيرهما: (المجوس)؛ بصيغة الجمع، والجملة صفة لـ (الثياب) في المسافة بين النكرة والمعرفة بلام الجنس قصيرة، فلذلك وصفت المعرفة بالنكرة؛ كما وصف اللئيم بقوله: (يسبُّني) في قول الشاعر:\nولقد أمر على اللئيم يسبُّني... . . . . . . . . . . . .\nكذا في «عمدة القاري»؛ يعني: لأنَّ الجملة وإن كانت نكرة؛ لكن المعرفة بلام الجنس كالنكرة، ومنه قول الشاعر المذكور.\n (لم ير): على صيغة المعلوم؛ أي: لم ير (الحسن): فيكون من باب التجريد، كأنه جرد من نفسه شخصًا، فأسند إليه، كذا في «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أن (لم يُرَ) بصيغة المجهول؛ أي: القوم، انتهى.\nقلت: وهو بعيد؛ لأنَّ الحسن مجتهد تابعي، كالإمام الأعظم، فلا يذكر كلام غيره، بل يذكر الحكم الذي ثبت عنده، كما لا يخفى، فصيغة المعلوم أظهر وأوضح؛ فافهم.\n (بأسًا)؛ أي: حرجًا في لبسها قبل أن تغسل؛ لأنَّ الأصل الطهارة، والأصل: بقاء ما كان على ما كان ما لم يعلم نجاستها يقينًا، ولفظ الحسن على ما رواه أبو نعيم بن حماد: (لا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينسجه المجوسي قبل أن يغسل)، وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب (الصلاة) تأليفه عن الربيع، عن الحسن قال: (لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني) انتهى.\nقلت: وهذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور؛ لأنَّ الثياب على أصل الطهارة ما لم تتحقق نجاستها، فتجوز الصلاة بها وإن لم تغسل، ولا فرق بين أن ينسجها أو يلبسها المجوس واليهود والنصارى؛ فليحفظ، وبهذا قال الشافعي، وكره ذلك ابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة.\nقلت: وكأن [الحكم] الكراهة؛ لأنَّ هؤلاء لا يحترزون عن النجاسات، لكن نجاستها موهومة، والأحكام لا تبنى على الوهم، فتبقى الكراهة؛ فتأمل.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، وذكر الأثرين الأخيرين استطرادًا)، انتهى.\nيعني: ليس فيهما","vol":"1","page":230},{"text":"مطابقة للترجمة، فقال: (وقال مَعْمَر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة: هو ابن راشد، كما وصله عبد الرزاق في «مصنفه» عنه: (رأيت الزهري): هو محمد بن مسلم ابن شهاب، (يلبس): في الصلاة (من ثياب اليَمَن)؛ بفتح التحتية والميم، وهو الإقليم المعروف (ما صُبغ بالبول)؛ بضم الصاد المهملة، إن كان المراد منه جنس البول؛ فهو محمول على أنه يغسله قبل لبسه، وإن كان المراد منه البول المعهود وهو بول ما يؤكل لحمه؛ فهو طاهر عند الزهري، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح.\nقلت: والظاهر: أن مراده الأول، وهو الجنس، وصباغ اليمن الأصفر والترابي، فإنه إذا صبغ بالبول وتلون، ثم غسل بعد ذلك، ولم يذهب لونه؛ فهو طاهر تصح الصلاة معه، وهذا معنى كلام معمر عن الزهري.\n (وصلى علي): زاد الأصيلي: (ابن أبي طالب ﵁) مما رواه ابن سعد (في ثوب غير مقصور)؛ أي: غير مغسول، وهو ما كان على أصل نسجه، أراد به: الخام، والمراد: أنه كان جديدًا لم يغسل، فصلى به قبل أن يغسله، وقال ابن التين: (غير المقصور؛ أي: غير المدقوق)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (القصر: ليس مجرد الدق، والدق لا يكون إلا بعد الغسل الذي يبالغ فيه) انتهى.\nقلت: فغير المقصور هو الخام الذي على أصل نسجه، والمقصور هو المغسول، والدق بعده، وقال الداودي: (أي: لم يلبس بعد).\nقلت: يعني: بأن كان جديدًا.\nوقال إمام الشَّارحين: (روى ابن سعد من طريق عطاء بن محمد قال: رأيت عليًّا ﵁ صلى وعليه قميص كرابيس غير مغسول، فعلم من هذه الآثار الثلاثة: جواز لبس الثياب التي ينسجها الكفار، وجواز لبس الثياب التي تصبغ بالبول بعد الغسل، وجواز لبس الثياب الخام قبل الغسل) انتهى.\nوقال ابن بطال: (واختلفوا في الصلاة في ثياب الكفار، وأجاز الكوفيون والشافعي لباسها وإن لم تغسل حتى يتبين فيها النجاسة، وقال مالك: يستحب ألا يصلي علىها إلا من حر أو برد أو نجاسة بالموضع، وقال أيضًا: تكره الصلاة في الثياب التي ينسجها المشركون وفيما لبسوه، فإن فعل؛ يعيد في الوقت، وقال إسحاق: جميع ثيابهم طاهرة) انتهى.\nقلت: وذكر صاحب «المنية»: (أنه لو أدخل يده في الدهن النجس، أو اختضبت المرأة بالحناء النجس، أو صبغ الثوب بالصبغ النجس، ثم غسل كلًّاثلاثًا؛ طهر)، وقال صاحب «المحيط» في الثوب المصبوغ: (إنما يطهر إن غسله حتى يصفو الماء، ويسيل أبيض) انتهى.\nلكن صرح الإمام الجليل قاضيخان في «الخانية»: (بأن الثوب المصبوغ بالصبغ النجس إذا غسل ثلاثًا؛ يطهر؛ كالمرأة إذا اختضبت بحناء نجس) انتهى.\nلكن ذكر في موضع آخر مسألة الحناء وقال: (وينبغي ألا يطهر ما دام يخرج الماء ملونًا بلون الحناء، فعلم من هذا اشتراط صفو الماء المتقاطر).\nوذكر سيدي الإمام العارف عبد الغني النابلسي: (أن مسألة الحناء أو الصبغ أو غمس اليد في الدهن النجس مبنية على أحد قولين: إمَّا على أنَّ الأثر الذي يشق زواله لا يضر بقاؤه، وإمَّا على ما روي عن الإمام أبي يوسف من أن الدهن يطهر بالغسل ثلاثًا، وعليه الفتوى)، كما في «شرح المنية»، فمن بنى على الأول؛ اشترط في هذه المسائل صفو الماء؛ لكون اللون الباقي أثر شق زواله، فعفي عنه، ومن بنى على الثاني؛ اكتفى بالغسل ثلاثًا؛ لأنَّ الحناء والصبغ والدهن المتنجسان تصير طاهرة بالغسل ثلاثًا، فلا يشترط بعد ذلك خروج الماء صافيًا) انتهى.\nقلت: لكن الأحوط القول الأول، ولهذا قال ابن أمير حاج: (والأشبه القول الأول، فليكن التعويل عليه في الفتوى) انتهى.\nوقال سيدي العارف: (وهذا بخلاف المصبوغ بالدم؛ كالثياب الحمر التي تجلب في زماننا من ديار بكر، فلا تطهر أبدًا ما لم يخرج الماء صافيًا، ويعفى عن اللون، ومن ذلك المصبوغ بالدودة، فإنها ميتة يتجمد فيها الدم النجس ما لم تكن من دود يتولد في الماء، فتكون طاهرة، لكن بيعها باطل، ولا يضمن متلفها، ولا يملك ثمنها بالقبض؛ لأنَّ الميتة ليست بمال) انتهى.\nقلت: يعني: أن المصبوغ بالدم، وكذلك المصبوغ بالبول -كما سبق- يشترط في طهارته صفو الماء قولًا واحدًا اتفاقًا، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب.\n\n <span id=\"b-٦١٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-612>[حديث: يا مغيرة خذ الإداوة]</span>\n٣٦٣ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يحيى): هو ابن موسى، أبو زكريا البلخي المعروف بخَتٍّ-بفتح الخاء المعجمة، وتشديد المثناة الفوقية- كذا جزم به إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يكون ابن جعفر أبو زكريا البيكندي، ويحتمل أن يكون يحيى بن معين؛ لأنَّه يروي عن أبي معاوية، انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، فلا نسلم واحدًا منهما، وقد جزم القسطلاني تبعًا لإمام الشَّارحين: (أنه البلخي)؛ فليحفظ.\n (قال: حدثنا أبو معاوية): هو محمد بن خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الكوفي، الضرير، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يراد به أبو معاوية شيبان النحوي.\nقلت: وهو ممنوع، ولا نسلم ذلك، وقد جزم إمام الشَّارحين وتبعه ابن حجر والقسطلاني: بأنه الأول؛ فليحفظ.\n (عن الأعمش): هو سليمان بن مهران، الكوفي الأسدي، (عن مسلم): هو ابن صُبَيْح -بضم الصاد المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية- أبو الضحى، العطاردي، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يراد به مسلم بن عمران البطين.\nقلت: وهو ممنوع، ولا نسلم ذلك، وقد جزم إمام الشَّارحين وتبعه ابن حجر والقسطلاني: أنه الأول؛ فليحفظ.\nوفي «عمدة القاري»: (وأمثال هذه الترددات لا تقدح في صحة الحديث ولا في إسناده؛ لأنَّ أيًّا كان منهم؛ فهو عدل ضابط بشرط البخاري بدليل أنه قد روى عن كل منهم)، وزعم ابن حجر أن يحيى لم يرو عن شيبان، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: هذا نفي لا يعارض الإثبات) انتهى؛ فافهم.\n (عن مسروق): هو ابن الأجدع الهمداني، وسمي به؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عن مغيرة بن شعبة): هو ابن مسعود الثقفي الكوفي الصحابي، أمير الكوفة ﵁ (قال: كنت مع النبيِّ) الأعظم (ﷺ في سفر)؛ أي: غزوة تبوك، وكانت في رجب سنة تسع، (فقال) ولأبي ذر: (قال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (يا مغيرة؛ خذ الإِداوة)؛ بكسر الهمزة؛ أي: المطهرة، والجمع أداوَى، (فأخذتها): وفيها الماء، كما عند المؤلف في (المسح على الخفين) (فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى)؛ أي: غاب وخفي (عني): فلم أره (فقضى)؛ بالفاء، وللأصيلي: (وقضى) (حاجته) الضرورية (وعليه جُبَّة)؛ بضم الجيم، وتشديد الموحدة: ما تلبس فوق الثياب (شامية): منسوبة إلى الشام؛ يعني: من نسج الكفار القاطنين وقتئذٍ بالشام؛ لأنَّها كانت وقتئذٍ دار كفر، فأنقذها الله","vol":"1","page":231},{"text":"تعالى، وصارت دار إسلام، وتبقى إن شاء الله إلى أن ينزل عيسى من منارتها ﵇، (فذهب) ﵇ (ليخرج يده من كمها)؛ أي: كم الجبة، (فضاقت)؛ أي: الجبة؛ لأنَّ الثياب الشامية كانت حينئذٍ ضيقة الأكمام، (فأخرج) ﵇ (يده من أسفلها) وألقى الجبة على منكبيه، كما في رواية مسلم، وأمر المغيرة بصب الماء، قال المغيرة: (فصببت عليه)؛ أي: الماء حين فرغ من حاجته، كما عند المؤلف، (فتوضأ وضوءه للصلاة)؛ يعني: فغسل وجهه ويديه، كذا عند المؤلف في باب (الرجل يوضئ صاحبه)، وله في (الجهاد): (أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه)، زاد أحمد ابن حنبل: (ثلاث مرات)، وعنده: (فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات)، وللمصنف: (ومسح برأسه) (ومسح على خفيه) والسنة: أن يمسح من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، ويفرج بين أصابعه، ولا يسن تكراره، ولا يستحب مسح أسفله، (ثم صلى)؛ أي: صلاة الفجر؛ كما في «موطأ مالك»، و«مسند أحمد»، و«سنن أبي داود» من طريق عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وفيه: جواز أمر الرئيس غيره بالخدمة، وفيه: وجوب التستر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة، وفيه: جواز الاستعانة على الوضوء، وفيه: استحباب استحضار الماء للوضوء، وفيه: المسح على الخفين، وقد سبق الكلام فيه مستوفًى في باب (المسح على الخفين)، والله تعالى أعلم، اللهم؛ أحسن عاقبتنا بالأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٦١٣\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-613>[باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها]</span>\nهذا (باب): بيان (كراهية التعرِّي): من الثياب (في) نفس (الصلاة): فرضها وواجبها ونفلها، وقوله: (وغيرها): ثابت في رواية الكشميهني والحموي، ساقط في غيرهما؛ يعني: في غير الصلاة.\n\n <span id=\"b-٦١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-614>[حديث جابر: أن رسول الله كان ينقل معهم الحجارة للكعبة]</span>\n٣٦٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مَطَر) بفتح الميم، والطاء المهملة، آخره راء (بن الفضل): هو المروزي (قال: حدثنا رَوْح)؛ بفتح الراء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة: هو ابن عبادة التنيسي (قال: حدثنا زكريا بن إسحاق): هو المكي (قال: حدثنا عَمرو بن دينار)؛ بفتح العين المهملة: هو الجُمَحي؛ بضم الجيم، وفتح الميم، وبالحاء المهملة (قال: سمعت جابر بن عبد الله): هو الأنصاري (يحدث): جملة محلها النصب إمَّا مفعول ثان (^١) لـ (سمعت)، وإمَّا حال على القولين المشهورين: (أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة) أي: مع قريش (للكعبة)؛ أي: لبناء الكعبة، وقال الزهري: (لما بنَت قريش الكعبة؛ لم يبلغ النبيُّ الأعظم ﷺ الحلم)، وقال ابنا بطال والتين: (كان عمره خمس عشرة سنة)، وقال هشام: (كان بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين، وقيل: إن بناء الكعبة كان في سنة ستٍّ وثلاثين من مولده ﵇)، وذكر البيهقي: (أن بناء الكعبة قبل تزويجه ﵇ خديجة ﵂، والمشهور: أن بناء قريش الكعبة كان بعد تزويجه خديجة بعشر سنين، فيكون عمره ﵇ إذ ذاك خمسًا (^٢) وثلاثين سنة، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق)، وقال موسى بن عقبة: (كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة هكذا قاله مجاهد وغيره)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (وعليه إزاره)؛ بالضمير، وفي رواية ابن عساكر: (وعليه إزار)؛ بغير الضمير، والجملة حالية بالواو، وفي بعض الأصول: بغير واو، (فقال له العباس عمه)؛ بالرفع؛ لأنَّه عطف بيان: (يا ابن أخي؛ لو حللت إزارك): جواب (لو) محذوف إن كانت شرطية؛ وتقديره: لو حللت إزارك؛ لكان أسهل عليك، ويجوز أن تكون (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب حينئذٍ، كذا في «عمدة القاري».\n (فجعلت) وفي رواية الكشميهني: (فجعلته)؛ بالضمير؛ أي: الإزار (على منكِبيك)؛ تثنية منكِب؛ بكسر الكاف: موضع الرداء (دون الحجارة)؛ أي: تحتها، (قال)؛ أي: جابر أو من حدثه: (فحله)؛ أي: حل ﵇ الإزار عنه (فجعله على منكبيه) كما قال له عمه العباس، (فسقط)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ حال كونه (مَغْشيًّا)؛ بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة؛ أي: مغمًى (عليه)؛ أي: لانكشاف عورته؛ لأنَّه ﵇ كان مجبولًا على أحسن الأخلاق والحياء الكامل، حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها، فلذلك غشي عليه، وفي رواية الطبراني: فقام وأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانًا»، وفي رواية غير «الصحيحين»: (أن الملَك نزل عليه، فشد عليه إزاره)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ويجمع بينهما: بأنه قام وأخذ إزاره ﵇، والملَك شدَّه عليه، وقال له: لا تمشِ عريانًا؛ فتأمل.\n (فما رُئِيَ)؛ بضم الراء، بعدها همزة مكسورة، فمثناة تحتية مفتوحة، ويجوز كسر الراء، وسكون التحتية، وفتح الهمزة (بعد ذلك) أي: بعد هذه القصة (عريانًا)؛ بالنصب على أنه مفعول ثان (^٣) لـ (رئي)، ويجوز نصبه على الحال، وفي رواية الإسماعيلي: (فلم يتعرَّ بعد ذلك) (ﷺ) ففيه: أنه ﵇ كان في صغره محميًّا عن القبائح وأخلاق الجاهلية، منزهًا عن الرذائل والمعايب قبل النبوة وبعدها، وفي «سيرة ابن إسحاق»: (أنه ﵇ كان يحدث عما كان الله يحفظه في صغره أنه قال: «لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره، وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم ما أراه إلا لكمة وجيعة، ثم قال: شدَّ عليك إزارك، فأخذته، فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي»)، فظاهره: أنه يخالف ما في الباب، وأجاب السهيلي فقال: (وحديث ابن إسحاق هذا إن صح؛ فهو محمول على أنَّ هذا الأمر كان مرتين في حال صغره، وعند بنيان الكعبة)، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم القسطلاني أنه إن ثبت؛ حمل النفي فيه على التعرِّي لغير ضرورة عادية، وما في الباب على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية؛ كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا) انتهى.\nقلت: وما أجاب به السهيلي أظهر؛ لأنَّ قوله: (حمل النفي...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ الضرورة العادية فيه موجودة، ألا ترى إلى قوله ﵇: «لقد رأيتني في غلمان قريش...» إلى آخره، وما هذا إلا ضرورة عادية، وهي موافقة الغلمان.\nوقوله: (وما في الباب على الضرورة العادية): ممنوع أيضًا، فإنه كان لا يفعل ذلك، ويعتذر لعمه العباس، فلا ضرورة فيه أيضًا.\nوقوله: (والنفي فيها...) إلى آخره: هذا مسلَّم؛ لأنَّ ما ذكره ابن إسحاق كان أسبق من هذه القصة، فالنفي الذي في الباب على الإطلاق، ويحتمل تقييده بالضرورة الشرعية كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا، كما ذكره، وكحالة الاغتسال، وحلق العانة، وغيرها؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة من حيث عموم قوله: (فما رئي بعد ذلك)؛ لأنَّ ذلك يتناول ما بعد النبوة كما يتناول ما قبلها، ثم هو بعمومه يتناول حالة الصلاة وغيرها)، ثم قال: (وهذا الحديث من مراسيل الصحابة ﵃، فإن جابرًا لم يحضر هذه القصة؛ لأنَّها كانت قبل البعثة، فإمَّا أن يكون قد سمع ذلك من النبيِّ الأعظم ﷺ بعد ذلك، أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة\n_________\n(^١) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (خمس)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":231},{"text":"﵃، والأقرب: أنه سمعه من العباس ﵁؛ لأنَّه حدث به عنه أيضًا، وسياقه أتم، وقد اتفقوا على الاحتجاج بمرسل الصحابي إلا ما شذ؛ كأبي إسحاق الإسفرايني، لكن في السياق ما يدل على أخذ ذلك من العباس، فلا يكون مرسلًا لا سيما وهو الأقرب)، كما قاله إمامنا الشَّارح رحمه الله تعالى.\nوفي «عمدة القاري»: وفي الحديث: أنه لا يجوز التعرِّي للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة، قالوا: وقد دل حديث العباس المذكور: أنه لا يجوز التعرِّي في الخلوة ولا لأعين الناس، وقيل: إنَّما مخرج القول منه للحال التي كان عليها؛ فحيث كانت قريش رجالها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: «نهيت أن أمشي عريانًا»، وفي مثل هذه الحالة لو كان ذلك نهيًا عن التعرِّي في كل مكان؛ لكان قد نهاه عنه في غسل الجنابة في الموضع الذي قد أمن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعري بحيث يراه فيه أحد، والقعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا، ولذلك نهى الشَّارع عن دخول الحمام بغير إزار.\nفإن قلت: روى القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا: «لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري؛ لواريتها»، وقال علي رضي الله تعالى عنه: (إذا كشف الرجل عورته؛ أعرض عنه الملَك)، وقال أبو موسى الأشعري: (إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي؛ حياءً من ربي).\nقلت: كل ذلك محمول على الاستحباب والندب لاستعمال الستر لا على الحرمة؛ لعدم ما يدل عليها، وفي «التوضيح»: (إذا أوجبنا الستر في الخلوة؛ فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ وجهان؛ أحدهما: لا؛ للنهي عنه، والثاني: نعم؛ لأنَّ الماء يقوم مقام المئزر في ستر العورة) انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nقلت: والمعتمد: القول الثاني؛ لأنَّ المقصود ستر العورة، وهو بأي شيء حصل؛ كفى، فالماء الذي في مغاطس الحمامين يقوم مقام المئزر، فإذا دخله بغير مئزر كما هو العادة في ديارنا الشامية، وكذا المصرية؛ لا يحرم؛ لأنَّه لم تر عورته، ويعد ساترًا لها حكمًا، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦١٥\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-615>[باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء]</span>\nهذا (باب): حكم (الصلاة): فرضها وواجبها ونفلها (في القميص): وهو معروف، وجمعه قمصان، وأقمصة، وقمَّصه تقميصًا وتقمصة؛ أي: لبسه (والسراويل): وهو أعجمي معرب نقله سيبويه عن يونس، وزعم ابن سيده أنه فارسي معرب، وهو يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، والجمع سراويلات، وقال سيبويه: (لا يكسر؛ لأنَّه لو كسر؛ لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد، فترك، أو يقال: هو جمع سروالة)، وقال أبو حاتم: (السراويل: مؤنث، لا يذكرها أحد (^١) علمناه، وبعض العرب تظن السراويل جماعة، وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل؛ بالشين المعجمة).\nقلت: ولما استعملته العرب؛ بدَّلوا الشين سينًا، ثم جمعوه على سراويل، وقد يقال فيه: سراوين؛ بالنون موضع اللام، وفي «الجامع» للقزاز: (سراويل، وسروال، وسرويل، لغات ثلاث)، كذا في «عمدة القاري».\n (والتُّبَّان)؛ بضم المثناة الفوقية، وتشديد الموحدة، قال في «المحكم»: (التبان: شبه السراويل يذكر)، وفي «الصحاح»: (سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، فقد يكون للملاحين).\nقلت: وهو عند العجم من جلد بلا رجلين يلبسه المصارعون، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (والقَباء)؛ بفتح القاف، وتخفيف الموحدة، زعم ابن حجر تبعًا للكرماني أنه ممدود، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: لم يذكره غيره، بل الظاهر: أنه مقصور)، وفي «الجواليق»: (قال بعضهم: هو فارسي معرب، وقيل: عربي، واشتقاقه من القبو؛ وهو الضم والجمع)، وقال أبو علي: (سمي قباء؛ لتقبضه، وقبوت الشيء: جمعته)، وقال أبو عبيد: (هو اليلمق فارسي معرب والقردماني)، وقال السيرافي: (قباء محشوٌّ)، وفي «الجامع»: (سمي قباء؛ لأنَّه يضم لابسه)، وفي «الصحاح»: (تقبيت: إذا لبست قباء)، وفي «المحكم»: (قبا الشيء قبوًا (^٢): جمعه بأصابعه، والقبوة: انضمام ما بين الشفتين، والقباء من الثياب: مشتق من ذلك؛ لانضمام أطرافه، والجمع أقبية)، وفي «مجمع الغرائب» للفارسي عن كعب: (أول من لبس القباء سليمان بن داود ﵉، فكان إذا أدخل رأسه في الثياب؛ لنصت الشياطين؛ يعني: قلعت أنوفها)، وزعم أبو موسى في «المغيث» أنه بالسين: لنست، كذا في «عمدة القاري» والله الهادي.\n\n <span id=\"b-٦١٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-616>[حديث: أوكلكم يجد ثوبين]</span>\n٣٦٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب)؛ بالمهملة والموحدة: هو الأزدي الأنصاري، أبو أيوب (قال: حدثنا حماد بن زيد): هو ابن درهم، أبو إسماعيل الأزرقي، الأزدي، البصري، (عن أيوب): هو السختياني، (عن محمد): هو ابن سيرين المشهور، (عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: قام رجل)؛ أي: من القوم (^٣)، وهو ثوبان، كما بينه الإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه «المبسوط»، وقول ابن حجر وغيره: (لم أقف على اسمه) ممنوع؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافي.\n (إلى النبيِّ) الأعظم (ﷺ) وهو في المسجد النبوي، كما يدل عليه السياق، (فسأله عن) حكم (الصلاة في الثوب الواحد): هل هي صحيحة أم باطلة؟ (فقال) ﵇ للسائل: (أوكلكم؟!)؛ بهمزة الاستفهام الإنكاري الإبطالي، وواو العطف، وأصل الكلام: وأكلَّكم، لكن قدم الاستفهام؛ لأنَّ له صدر الكلام، أو الواو عاطفة على محذوف بين الهمزة، والواو دل عليه المعطوف، ولا تقديم ولا تأخير؛ فالتقدير هنا: أكلكم يجد ثوبين، وكلكم يجد ثوبين، والأول أولى، والتقديم والتأخير أسهل من الحذف؛ والمعنى: ليس كلكم (يجد ثوبين)؛ فلهذا تصح الصلاة في الثوب الواحد، فاللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب، نقول: فإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم؛ فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، كذا في «عمدة القاري».\nومفهوم (^٤) الحديث: التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه في الإجزاء، ولو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد؛ لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأنَّ حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره، كذا قاله الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وقد أشبعنا الكلام فيه في آخر باب (الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به).\n (ثم سأل رجل عمر): هو ابن الخطاب ﵁؛ أي: عن الصلاة في الثوب الواحد، أنهى عنها أم أجازها؟ والسائل يحتمل أن يكون أُبي بن كعب ﵁، ويحتمل أن يكون هو ابن مسعود، وزعم ابن حجر أنه الثاني قال: (لأنه اختلف هو وأُبي في ذلك، فقال أُبي: لا يكره، وقال ابن مسعود: إنَّما كان ذلك وفي الثياب قلة، فقال عمر: القول\n_________\n(^١) في الأصل: (أحدها)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (قباء)، والمثبت موافق لما في «المحكم».\n (^٣) زيد في هامشالأصل: (أي من القوم).\n (^٤) في الأصل: (مفهم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":232},{"text":"ما قال أُبي، ولم يأل ابن مسعود)، ورده إمام الشَّارحين فقال: اختلاف أُبي وابن مسعود في ذلك لا يدل على أن السائل من عمر هو ابن مسعود بعينه، ويحتمل أن يكون هو أُبي بن كعب ﵁، والاحتمال موجود فيهما مع أنه خدش وتخمين، وأمَّا اختلافهما في ذلك؛ فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: (اختلف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد، فقال أُبي: لا بأس به، وقال ابن مسعود: إنَّما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون ثيابًا، فأما إذا وجدوها؛ فالصلاة في ثوبين، فقام عمر ﵁ على المنبر فقال: الصواب ما قال أُبي لا ما قال ابن مسعود) انتهى.\nقلت: ومعنى قوله: (ولم يألُ): أي: لم يقصر، ولا يخفى أن ما قاله ابن حجر دليلًا لمدعاه ليس بشيء؛ لأنَّه ليس فيه أن السائل ابن مسعود، بل غاية ما فيه أنَّهما اختلفا في ذلك، وهو لا يدل على أنه ابن مسعود، بل الظاهر أن يكون السائل هو أُبي بن كعب؛ لأنَّه لما اختلفا هو وابن مسعود؛ أراد أُبي الانتصار لنفسه، فسأل عمر عن ذلك، فقام عمر على المنبر، ففي الرواية: (صلَّى)، وهذا تقديره، وهو يدل على أن السائل أُبي بن كعب، فإن عمر قد سمع كلامهما، ولما فرغا؛ سأل أُبي عمر ما الصواب من القول؟ فقام عمر على المنبر، وقال: (الصواب ما قال أُبي)، فهذه قرينة واضحة دالة على أن السائل هو أُبي بن كعب ﵁؛ فليحفظ.\n (فقال)؛ أي: عمر ﵁ مجيبًا للسائل الذي سأله عن الصلاة في الثوب الواحد: (إذا وسع الله؛ فأوسعوا): فهو دليل على أن الواجب في الصلاة ستر العورة، والثوب الواحد يسترها، فهو كاف، وأن الزيادة عليه مستحب للتجمل وإظهار النعمة، (جمع)؛ أي: ليجمع (رجل عليه): الضمير فيه يرجع إلى الرجل؛ أي: جمع رجل على نفسه (ثيابه): وهذا إلى آخره من تتمة كلام عمر ﵁، ولفظة (جمع) وإن كانت صيغة الماضي، ولكن المراد منها الأمر، وكذلك قوله: (صلى)، ولهذا قال ابن بطال: (يريد: ليجمع عليه ثيابه وليصلِّ فيها) ذكره بلفظ الماضي، ومراده المستقبل؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ والمعنى: يقول الله، يدل عليه: قول عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧]، كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (صلى)؛ أي: ليصل (رجل): فيه تسع صور:\nالأولى: صلاة الرجل (في إزار): هو ما يؤتزر به في النصف الأسفل (ورداء): هو ما يرتدي به في النصف الأعلى.\nالثانية: صلاة الرجل (في إزار وقميص)؛ أي: ليصل فيهما.\nالثالثة: ليصل الرجل (في إزار وقباء)؛ أي: ليصل فيهما، وإنما قدم هذه الصور الثلاثة؛ لأنَّها أستر وأكثر استعمالًا.\nالرابعة: ليصل الرجل (في سراويلَ): غير منصرف على وزن (مفاعيل) (ورداء)؛ أي: ليصل فيهما.\nالخامسة: ليصل الرجل (في سراويل وقميص).\nالسادسة: ليصل الرجل (في سراويل وقباء).\nالسابعة: ليصل الرجل (في تبان وقباء).\nالثامنة: ليصل الرجل (في تبان وقميص).\nوالتاسعة: ستأتي، ولم يقصد بذلك العدد الحصر، بل يلحق بذلك ما يقوم مقامه.\nفإن قلت: كان المناسب أن يقول: أو كذا أو كذا؛ بحرف العطف، فلم ترك حرف العطف؟\nقلت: أخرج هذا على سبيل التعداد، فلا حاجة إلى ذكر حرف العطف؛ كما في قوله ﷺ: «تصدق امرؤ من ديناره من درهمه من صاع تمره»، ويجوز أن يقال: حذف حرف العطف على قول من يجوز ذلك من النحاة؛ والتقدير حينئذ: صلى رجل في إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء... إلى آخره كذلك، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ويحتمل أن يكون المحذوف فعلًا؛ والتقدير: صلى في إزار وقميص، صلى في إزار وقباء، وكذا الباقي، كذا قيل، ثم قال: (والحمل على هذا أولى؛ لثبوته إجماعًا، وحذف حرف العطف بابه الشعر فقط، وعند بعض وقوعه في الشعر مختلف فيه) انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فإن كلًّا من هذين الاحتمالين فيه حذف غاية ما فيه أن الحذف في الأول: حرف العطف، وفي الثاني: الفعل، وحذف حرف العطف أولى من حذف الفعل؛ للدلالة على الأول دون الثاني، وحذف حرف العطف جائز نثرًا ونظمًا، فمن الأول: قوله ﵇: «تصدق امرؤ من ديناره من درهمه»، كما سبق، ومن الثاني كثير في كلامهم، فما قاله هذا القائل غير صحيح، وقوله: (لثبوته إجماعًا): فيه نظر، فإن بعضهم منع ذلك؛ فافهم.\nوزعم الكرماني أنه من باب (الإبدال)، قال إمام الشَّارحين: (كأنه أشار بذلك إلى ما قاله ابن المنير: أنه كلام في معنى الشرط، كأنه قال: إن جمع عليه ثيابه؛ فحسن، ثم فصل الجمع بصور على البدلية) انتهى.\n (قال) أي: أبو هريرة: (وأحسبه)؛ أي: أحسب عمر ﵁ (قال): ليصل رجل (في تبان ورداء) وهذه الصورة التاسعة.\nفإن قلت: كيف يدخل حرف العطف بين قال ومقوله؟\nقلت: هو عطف على مقدر؛ تقديره: بقي شيء من الصور المذكورة، وأحسبه قال: في تبان ورداء، وإنما لم يجزم به أبو هريرة، بل ذكره بلفظ الحسبان لإمكان أن عمر ﵁ أهمل ذلك؛ لأنَّ التبان لا يستر العورة كلها بناء على أن الفخذ من العورة، فالستر به حاصل مع القباء ومع القميص، وأما الرداء؛ فقد لا يحصل به، ورأى أبو هريرة أن انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصورة، وأن الستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابقًا، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nوقال ابن بطال: اللازم من الثياب في الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة، وقول عمر ﵁: (إذا أوسع الله) يدل عليه، وجمع الثياب فيها اختيار واستحسان، ويقال: ذكر صورًا تسعة: ثلاثة منها سابقة: الرداء، ثم القميص، ثم القباء، وثلاثة منها ناقصة: الإزار، ثم السراويل، ثم التبان، وأفضلها: الإزار، ثم السراويل، ومنهم من عكس)، واختلف أصحاب مالك فيمن صلى في سراويل وهو قادر على الثياب، ففي «المدونة»: (لا يعيد في الوقت ولا في غيره)، ومثله عن القاسم، وعن أشهب: (عليه الإعادة في الوقت) وعنه: (أن صلاته تامة إن كان ضعيفًا) انتهى.\nوفي «عمدة القاري»: (وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في لحاف ولا يتوشح به، وأن يصلي في سراويل ليس عليك رداء)، وبظاهره أخذ بعض أصحابنا، وقال: تكره الصلاة في السراويل وحدها، والصحيح: أنه إذا ستر عورته؛ لا تكره الصلاة به) انتهى.\nوفي «مراقي الفلاح»: (وتكره صلاته في السراويل، وكذا في إزار مع قدرته على لبس القميص؛ لما فيه من التهاون والتكاسل وقلة الأدب) انتهى.\nقال المحشي: (وهذا يفيد كراهة التحريم)، وقال في «فتح القدير»: (والصلاة متوشحًا لا تكره، وفي ثوب واحد ليس على عاتقه بعضه تكره إلا لضرورة العدم) انتهى.\nوقال الشرنبلالي: (والمستحب للرجل أن يصلي في ثلاثة أثواب؛ إزار وقميص وعمامة، وللمرأة في قميص وخمار ومِقْنَعة) انتهى، بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح النون: ثوب يوضع على الرأس ويربط تحت الحنك، والقناع أوسع منه؛ لأنَّه يعطف من تحت الحنك ويربط على القفا، والخمار أكبر","vol":"1","page":232},{"text":"منهما؛ لأنَّه يغطى به الرأس، وترسل أطرافه على الظهر أو الصدر) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-617>[حديث: لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوبًا</span>..]\n٣٦٦ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عاصم بن علي): هو ابن عاصم، أبو الحسين الواسطي، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين بواسط (قال: حدثنا ابن أبي ذِئْب)؛ بكسر الذال، وبالهمزة الساكنة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، (عن الزهري): هو محمد بن مسلم ابن شهاب، (عن سالم): هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، (عن) أبيه عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال: سأل رجل): لم يعلم اسمه، كما في «عمدة القاري» (رسول الله ﷺ) وهو في مسجده (فقال)؛ بالفاء التفسيرية؛ إذ هو نفس (سأل)، وللأصيلي: (قال): (ما يلبس المحرم؟): وكلمة (ما) يجوز أن تكون استفهامية، أو نكرة موصوفة أو موصولة، ومحلها نصب مفعول ثان لـ (سأل)، و(يَلبَس)؛ بفتح التحتية والموحدة، مضارع لبِس؛ بكسر الموحدة، و(المحرم): هو إمَّا محرم بالحج أو بالعمرة، وأصله: الداخل في الحرمة؛ لأنَّه يحرم عليه به ما كان حلالًا له قبله من صيد ونحوه، (فقال) ﵇ للسائل: (لا يلبس): من اللُبس؛ بضم اللام من باب (علم يعلم)، وإمَّا من اللَبس؛ بفتح اللام من باب (ضرب يضرب)، يقال: لبست عليه الأمر: إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر، وهو اشتباهه، وروي: (يلبسُْ)؛ بالرفع وبالجزم، فالرفع على أن (لا) نافية، والجزم على أنها ناهية، فتضم السين على الأول، وتكسر على الثاني؛ أي: المحرم (القَميصَ)؛ بالنصب على المفعولية، بفتح القاف، وهو معروف، يتخذ من القطن أو الصوف، جمعه قمص، وأقمصة، وقمصان، وهو مذكر، وقد يؤنث، زاد في رواية باب (من أجاب السائل): (ولا العِمامة)؛ بكسر العين: وهي تيجان العرب، (ولا السراويل): أعجمية عربت، وجاءت (^١) على لفظ الجمع، وهي واحدة تذكر وتؤنث، ولم يعرف الأصمعي إلا التأنيث، ويجمع على السراويلات، وقد يقال: هو جمع، ومفرده سراولة، وهو غير منصرف على الأكثر، وقال سيبويه: سراويل: واحدة أعجمية، فأعربت، فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سميت به رجلًا؛ لم تصرفها، ومن النحاة من لا يصرفه أيضًا في النكرة، ويزعم أنه جمع سراول والسراوين؛ بالنون لغة، والشراويل؛ بالشين المعجمة لغة أيضًا، أفاده إمام الشَّارحين.\n (ولا البُرْنُس)؛ بضم الموحدة والنون، بينهما راء ساكنة: هو ثوب معروف رأسه منه ملتزق فيه، وقيل: هو قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البِرس؛ بكسر الموحدة: وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: هو غير عربي، وكل ما جب فيه موضع لإخراج الرأس منه؛ فهو جبة، وكل ما خيط أو نسج في طرفه ليستمسك على اللابس؛ فهو برنس؛ كالقفاز ونحوه، كذا في «عمدة القاري».\n (ولا ثوبًا)؛ بالنصب عطفًا على قوله: (القميص)، وروي بالرفع على تقدير فعل ما لم يسم فاعله؛ أي: ولا يُلبَس ثوب (مسه زَعْفَران)؛ بالتنكير رواية الأكثرين، وفي رواية: (الزعفران)؛ بالتعريف، وهو بفتح الزاي والفاء، بينهما عين مهملة ساكنة؛ وهو نبت معروف يصبغ به، يقال: إن الكركم عروقه، وإذا كان في مكان لا يدخله سام أبرص، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها نصب أو رفع صفة لـ (ثوب) (ولا وَرْس)؛ بفتح الواو، وسكون الراء، آخره سين مهملة: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب، ويتخذ منه الغمرة للوجه؛ مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه؛ يفتق، فيفيض منه الورس، وإنما عدل عن طريقة أخواته؛ فقال: (ولا ثوبًا مسه زعفران؛ لأنَّ الطيب حرام على الرجل والمرأة)، فأراد التعميم في الحكم للمحرم والمحرمة بخلاف الثياب المذكورة، فإنها حرام على الرجال دون النساء، كذا في «عمدة القاري».\n (فمن لم يجد النَّعْلين)؛ تثنية نَعْل؛ بفتح النون، وسكون العين المهملة: وهو الحِذاء؛ بكسر الحاء المهملة، والمد، وجمعه نعال، وكل ما وقيت به القدم من الأرض؛ فهو نعل؛ (فليلبس) بكسر اللام الأولى وسكونها (الخفين)؛ تثنية خف، معروف، وهذا جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء، (وليقطعهما)؛ بكسر اللام وسكونها؛ عطفًا على (فليلبس)؛ أي: يقطع الخفين، والواو فيه معناها: الشركة والجمع مطلقًا من غير دلالة على تقديم أو تأخير أو مصاحبة، كما نص عليه سيبويه إمام الصنعة، وله شواهد كثيرة في كلام الله تعالى ورسوله ﷺ (حتى): للغاية؛ أي: إلى أن (يكونا): بصورة التثنية، وفي رواية الحموي والمستملي: (حتى يكون)؛ بالإفراد على تقدير كل واحد منهما (تحت الكعبين) والجملة خبر (يكونا) المنصوب بحذف النون، وهو تثنية كعب، والمراد به: المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، لا العظم الناتئ عند مفصل الساق، فإنه في الوضوء.\nوقوله: (فليلبس) (وليقطعهما) صيغة أمر منه عليه [الصَّلاة و] السَّلام، وهو دليل الوجوب، فقطع الخف عند عدم وجود النعل واجب للأمر المذكور، فإن لم يقطعه؛ فعليه الفدية؛ للأمر المذكور، فهو حجة على من زعم أنه إذا لم يجد النعل؛ لا يجب قطع الخف، فإنه القول بالرأي بعينه، ومنازعة السنة به، وحجة على من زعم أنه يجوز لبس الخف بدون قطع؛ لأنَّه إضاعة، وما هذا إلا ورع مظلم؛ لأنَّ هذا القطع ليس بإضاعة؛ لأنَّه أمر من الشَّارع، وهو لم يأمر بالإضاعة، كما لا يخفى، ونبه بالقميص والسراويل على كل ما يعم العورة من المخيط، وبالبرانس على كل ما يغطى به الرأس مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام، وإنما كان لهم؛ لأنَّ النساء مأمورات بستر رؤوسهن، وبالورس والزعفران على ما سواهما من أنواع الطيب، وهو حرام على الرجل والمرأة، والخصوص للرجال من حيث إن الألفاظ كلها للمذكورين، والعموم من الأدلة الخارجة عن هذا الحديث، ويدل عليه رواية: (ولا ثوب)؛ بالرفع، وحكمة تحريم اللباس على المحرم: التذلل والخضوع، وفي الطيب ترك زينة الدنيا، وزاد في رواية ابن عمر في هذا الحديث: (ولا ثوبًا مسه الورس والزعفران إلا أن يكون غسيلًا)، فيجوز لبس الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس إذا كان غسيلًا لا ينفض، وقد أخرج هذه الزيادة الحافظ أبو جعفر الطحاوي ﵁. ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن الصلاة تصح بدون القميص والسراويل وغيرهما من المخيط؛ لأنَّ المحرم مأمور بترك ذلك، وهو مأمور بالصلاة، وهذا الحديث أخرجه المؤلف في آخر كتاب (العلم) في باب (من أجاب السائل بأكثر مما سأله)، وفي (اللباس)، وفي (الحج) أيضًا، وسيجيء البحث فيه إن شاء الله تعالى في كتاب (الحج) مستوفًى إن شاء الله تعالى.\n (وعن نافع): مولى ابن عمر ﵄، (عن ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ مثله)؛ أي: مثل حديث سالم بن عبد الله بن عمر المذكور، وهذا إسناد آخر؛ لأنَّه معطوف على قوله: (عن سالم)، فهو متصل\n_________\n(^١) في الأصل: (جاء)، ولعله تحريف","vol":"1","page":233},{"text":"بالإسناد، فهما إسنادان؛ أحدهما: عن عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، والآخر: عن عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، هذا هو التحقيق، وتردد الكرماني فقال: (هذا تعليق من البخاري، ويحتمل أن يكون عطفًا على سالم، فيكون متصلًا)، وتبعه البرماوي، واعترضه ابن حجر، فزعم أن التجويزات العقلية لا يليق استعمالها في الأمور النقلية)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تشنيع غير موجه؛ لأنَّ الكرماني إنَّما قال: «هذا تعليق» بالنظر إلى ظاهر الصورة، ولم يجزم بذلك، ولهذا قال: «ويحتمل...» إلى آخره) انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن مثل هذا ليس من الأمور النقلية، كما زعمه هذا القائل، بل هو من الأمور التي يكون للرأي فيها مجال، ولا ريب أن احتمال الكرماني: (أنه عطف على سالم، فيكون متصلًا): صحيح، ولو جزم به؛ لكان أحق وأحرى بالقبول، وزعم ابن حجر أن قوله: (وعن نافع) عطف على قوله: (عن الزهري)، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (قصده بذلك إظهار المخالفة بأي وجه يكون، وإلا؛ فلا فساد في المعنى، بل كلاهما بمعنًى واحد، ورواية نافع هذا أخرجه البخاري في آخر كتاب «العلم»: عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ الأعظم ﷺ، وعن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ: «أن رجلًا سأله: ما يلبس المحرم...»؛ الحديث، فقدم طريق نافع، وعطف عليه طريق الزهري، وههنا عكس ذاك؛ حيث قدم طريق الزهري، وعطف عليه طريق نافع) انتهى.\nيعني: لا فرق بين أن يقال: (عطفًا على سالم) أو (عطفًا على الزهري)، وأجاب ابن حجر في الانتقاض: (بأن قوله: «عطفًا على سالم» يصير كأن ابن أبي ذئب رواه عن الزهري عن نافع، فهو عند ابن أبي ذئب عن شيخين بالنزول عن الزهري عن سالم، وبالعكس عن نافع وسالم روياه جميعًا عن ابن عمر)، قال: (فمن كان هذا مبلغ فهمه؛ فكيف يليق به التصدِّي للرد على غيره؟) انتهى.\nقلت: فقد زاد في الطنبور نغمات هذا القائل، وما ذكره غير صحيح، وما فهمه ليس بصواب؛ لأنَّ قوله: (عطفًا على سالم) صحيح، ويصير ابن أبي ذئب رواه عن الزهري عن سالم في الطريق الأول، ويصير ابن أبي ذئب رواه عن نافع عن ابن عمر، فقول هذا القائل: (وبالعكس عن نافع وسالم...) إلى آخره: غير صحيح، فأي عكس هنا، وما هو إلا عكسه؟ فإن نافعًا قد رواه عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي ذئب، وأن سالمًا قد رواه عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي ذئب عن الزهري، فهما إسنادان؛ أحدهما أعلى من الآخر، كما قدمناه، وما ذكره هذا القائل ليس بشيء، وتمامه في «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل المخل»، فارجع إليه؛ فإنه ذكر فيه ما شاع وذاع وملأ الأسماع؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦١٨\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-618>[باب ما يستر من العورة]</span>\nهذا (باب): في بيان (ما يُستَر)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح المثناة الفوقية، ويجوز فتح التحتية، وضم الفوقية (من العورة): وكلمة (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، وكلمة (من) بيانية في الوجهين؛ والتقدير: باب في بيان الشيء الذي يستر؛ أي: الذي يجب ستره من العورة، ثم هذا أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nقلت: لأنَّ ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، ويدل على هذا ما قدمه المؤلف من الحديثين اللذين في الباب قبله، فإنَّ الأول: وهو حديث أبي هريرة يدل على أن ستر العورة واجب في الصلاة، والثاني: وهو حديث ابن عمر يدل على أن ستر العورة واجب خارج الصلاة أيضًا، ولما كان هذا مذهب المؤلف؛ أعقبه بهذا الباب؛ للدلالة على أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وزعم ابن حجر أن المراد من ستر العورة خارج الصلاة فقط، والظاهر من تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب ستر السوءتين، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (وكأنه أخذ ذلك من لفظ الاحتباء الذي في حديث الباب، فإنه قيد النهي فيه بقوله: «ليس على فرجه منه شيء»، وهذا ليس فيه تخصيص بخارج الصلاة، بل النهي فيه أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها، وقوله: «والظاهر...» إلى آخره: ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يدل على ذلك أيُّ تصرف منه ههنا وإن كان مذهبه ذلك) انتهى.\nقلت: وكلام ابن حجر ليس بشيء؛ لأنَّه حجر ليس فيه دسم، فإنه ليس في شيء من هذا الباب ولا ما قبله ما يدل على أن المراد من الستر خارج الصلاة فقط، بل الذي دل عليه هذا الباب، والباب [الذي] قبله على أنه يجب الستر في الصلاة وخارج الصلاة، فإن أحاديث الباب السابق قد علمت وجهها، وهذا الباب ذكر فيه حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي هريرة أيضًا، فهي ثلاثة أحاديث، فالأول: دال على وجوب الستر في الصلاة، والثاني: دال على وجوب الستر في الصلاة وخارج الصلاة، والثالث: دال على وجوب الستر خارج الصلاة، فجمع المؤلف هذه الأحاديث في باب واحد، وترجم لها؛ إشعارًا ودلالة على أن الستر واجب في الصلاة وخارج الصلاة، فمن أين جاء التقييد بخارج الصلاة؟\nوقول ابن حجر: (والظاهر...) إلى آخره: ممنوع، فإن تصرف المؤلف هو ذكر الأحاديث التي ترجم لها، وهي ثلاثة، كما ذكرنا، وكلها دالة على أن الواجب ستر العورة من السرة إلى الركبة، فإن الحديث الأول دال على ذلك، وتقييده بـ (الفرج)؛ نظرًا لأنَّه أغلظ العورة، ومراده العورة بتمامها، وأن الحديث الثاني أدل في الدلالة على وجوب ستر العورة بتمامها، وأن الحديث الثالث أدلُّ أيضًا في الدلالة على وجوب سترها بتمامها؛ لأنَّه نهي عن الطواف عريانًا، وهو يعم العورة، وهي السوءتان وما قبلهما وما بعدهما، فهي من الركبة إلى السرة، ثم ترجم على ذلك المؤلف، وهو يدل على أن مذهبه أن العورة من السرة إلى الركبة، وأنه يجب سترها في الصلاة وخارج الصلاة، وهذا هو الحق، فقول ابن حجر: (إن الواجب ستر السوءتين): تقييد من عنده، وكلام من لم يذق شيئًا في العلم، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، والله أعلم، وقال إمام الشَّارحين: (والعورة: سوءة الإنسان وكل ما يستحى منه) انتهى.\nقلت: والعورة في اللغة: كل ما يستقبح ظهوره، مأخوذة من العور؛ وهو النقص والعيب والقبح، ومنه عور العين، وكلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وسميت السوءة عورة؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وكل شيء يستره الإنسان أنفة أو حياء؛ فهو عورة، والنساء عورة؛ كذا في كتب اللغة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-619>[حديث: نهى رسول الله عن اشتمال الصماء]</span>\n٣٦٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا قُتَيْبَة)؛ بضم القاف، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، تصغير قِتبة؛ بكسر القاف لقبه، واسمه علي، وكنيته: أبو رجاء (بن سعِيد) بكسر العين المهملة: هو ابن جميل البلخي (قال: حدثنا الليث)؛ بالتعريف، وفي رواية: (ليث)؛ بالتنكير: هو ابن سعد بن عبد الرحمن، الفهمي الحنفي، من أتباع الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁، وما","vol":"1","page":233},{"text":"قيل: من أنه مجتهد؛ فغير صحيح وتعصب؛ لأنَّه لم يعلم له مذهب ولا أصحاب ولا كتب، غاية الأمر أنه تفقه في مذهب الإمام الأعظم حتى صار نحريرًا، ثم أخذ الحديث، وصار في علم الحديث إمامًا، وقال يحيى ابن بكير: (الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك)، وقال محمد بن إدريس: (الليث أفقه من مالك، وكأنه أخذ عنه الفقه)، وعلى هذا؛ فمحمد بن إدريس من أتباع أتباع الإمام الأعظم؛ لأنَّ الليث أخذ وتفقه على الإمام محمد بن الحسن، وهو عن الإمام الأعظم، لكن الصحيح أن محمد بن إدريس أخذ الفقه وتفقه على الإمام محمد بن الحسن، كما ذكره ابن حجر في أول «التحفة» للرملي الشافعي؛ فافهم ذلك، ولا تغتر بكلام أهل التعصب والعناد.\n (عن ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله بن عبد الله)؛ بالتصغير في الأول، والتكبير في الثاني (بن عُتْبة)؛ بضم العين المهملة، وسكون الفوقية: هو ابن مسعود ﵁، (عن أبي سعيد): هو سعْد بن مالك؛ بسكون العين المهملة (الخُدْري) بضم الخاء المعجمة، وسكون المهملة، الخزرجي الأنصاري ﵁ (أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء)؛ بالصاد المهملة، والمد، واختلف في تفسيره؛ ففي «الصحاح»: (هو أن يُجَلِّل جسده كله بالإزار وبالكساء، فيرده من قبل يمينه على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانيًا من خلفه على يده اليمنى، وعاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعًا)، وفي «نهاية ابن الأثير»: (هو التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه)، وفي كتاب (اللباس): (هو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب)، وعن الأصمعي: (هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانبًا، فلا يبقى ما يخرج منه يده)، وعن أبي عبيد: (أن الفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، فيبدو منه فرجه).\nوقال إمام الشَّارحين: (وتحقيق هذه الكلمة: أن الاشتمال مضاف إلى الصماء، والصماء في الأصل: صفة، يقال: صخرة صماء: إذا لم يكن فيها خرق ولا منفذ، ومعنى النهي عن اشتمال الصماء؛ أي: نهى عن اشتمال الثوب؛ كاشتمال الصخرة الصماء، واشتمالها كون عدم الخرق والمنافذ فيها، وتشبيه الاشتمال المنهي بها كونها تسدُّ المنافذ كلها، والذي ذكره الكرماني من أن اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم؛ لأنَّ الصماء ضرب من الاشتمال، ليس تفسير ما في لفظ الحديث على ما لا يخفى) انتهى.\nقلت: فسميت الصماء؛ لسد المنافذ كلها، فيكون النهي مكروهًا؛ لعدم قدرته على الاستعانة بيديه فيما يعرض له في الصلاة؛ كدفع الهوام ونحوها، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (ففيه: أنه ﵊ قد نهى عن اشتمال الصماء، وقالوا على تفسير أهل اللغة: إنَّما يكرهاشتمال الصماء؛ لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر أو يتعذر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء: يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة، وإلا؛ فيكره) انتهى.\n (وأن يحتبي)؛ أي: ونهى رسول الله ﷺ أيضًا عن أن يحتبي (الرجل) وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: عن احتباء الرجل، وهو أن يقعد الإنسان على إليتيه، وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما (في ثوب واحد): أو بيده أو نحوها (ليس على فرجه منه)؛ أي: من الثوب ونحوه (شيء): واسم هذه القعدة تسمى: الحُِبوة؛ بضم الحاء وكسرها، وقد كان هذا الاحتباء عادة للعرب في أنديتهم ومجالسهم، فإن كان ينكشف معه شيء من عورته؛ فهو حرام مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وأما إذا كان مستور العورة؛ فلا يحرم، بل يكره، وقال الخطابي: (الاحتباء: هو أن يحتبي الرجل في الثوب ورجلاه متجافيتان عن بطنه، فيبقى هناك إذا لم يكن الثوب واسعًا قد أسبل شيئًا منه على فرجه، وفرجه تبدو منها عورته، وهو منهي عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه)، وقال في موضع آخر: (الاحتباء: أن يجمع ظهره ورجليه بثوب) انتهى.\nقلت: فقد اضطرب كلامه، وهو تناقض، والذي ذكره أهل اللغة والفقهاء: هو أن يندرج في ثوب بحيث لا يدع فيه منفذًا يخرج يديه منه، ولم يتعرضوا لذكر الرجلين؛ لعدم اعتبارهما في ذلك، ومفهوم كلامه أن المراد من العورة السوءتان؛ لأنَّه قال: (وهو منهي عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه)، وليس هذا بمراد، بل المراد من العورة: من السرة إلى الركبة، يدل عليه تصرف المؤلف في هذه الأحاديث التي ترجم لها، وكلها دالة على أن الواجب ستر العورة، وأن العورة: هي من السرة إلى الركبة، والتقييد بـ (الفرج) باعتبار الأغلظ والأفحش لا للتخصيص، بل المراد العورة بتمامها، فإن الحديث الثاني والثالث يدلان على ذلك، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، وقد أشبعنا الكلام على ذلك أول الباب؛ ردًّا على ابن حجر، وكأنه قد تبع الخطابي في ذلك، وكلاهما غير مصيب، كما لا يخفى.\nوقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: «ليس على فرجه منه شيء»، فإن فيه أن يكون الفرج مكشوفًا، فهو يدل على أن ستر العورة واجب، والباب معقود في ستر العورة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٢٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-620>[حديث: نهى النبي عن بيعتين عن اللماس والنباذ]</span>\n٣٦٨ - وبالسند إليه قال: (حدثنا قَبِيْصَة) بفتح القاف، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الصاد المهملة (بن عُقْبة) بضم العين المهملة، وسكون القاف، وليس في رواية الأصيلي: (ابن عقبة) (قال: حدثنا سفيان): هو الثوري، (عن أبي الزِّناد)؛ بكسر الزاي وبالنون: هو عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج): هو عبد الرحمن بن هرمز التابعي، (عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: نهى النبيُّ) الأعظم (ﷺ عن بيعتين)؛ تثنية بيعة؛ بفتح الموحدة وكسرها، والفرق بينهما: أن الفَعلة؛ بالفتح: للمرة، وبالكسر: للحالة والهيئة، كما في «عمدة القاري»، والفتح هو الذي في «الفرع»، كما قاله القسطلاني، ثم قال: (وهو المشهور على الألسنة، لكن الأحسن الكسر) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ فإنه إذا كان الفتح ثابتًا في «الفرع»؛ فلا اعتبار؛ لاشتهاره على الألسنة؛ لأنَّه لا يعتد به، فكم من اشتهر على الألسنةِ! وهو خطأ والصواب خلافه، فلو أسقطها؛ لكان أولى، وهو من هفواته.\nوقوله: (لكن الأحسن الكسر): مسلَّم؛ لأنَّ المراد بالبيعة هنا: الهيئة والحالة؛ كالركبة والجلسة؛ فافهم، ولهذا سوى إمام الشَّارحين بين الفتح والكسر، وأحال الأحسن منهما على المراد به ههنا، كما يقتضيه السياق؛ فليحفظ أحدهما.\n (عن اللِّماس)؛ بكسر اللام، وهو مصدر من لامس، من باب (فاعل)، وقد علم أن مصدره يأتي على (مفاعلة)؛ مثل: ملامسة، وعلى (فعال)؛ مثل: لماس؛ وهو لمس الثوب بلا نظر إليه، وفيه وجوه؛ أحدها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المشتري، ويقول له صاحبه: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، وخيارك إذا رأيته، الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا، فيقول: إذا لمسته؛ فهو مبيع لك، والثاني ما أشار إليه بقوله: (و) عن (النِّباذ)؛ بكسر النون، وبالذال المعجمة، يأتي من بابه (فعال)؛ مثل: نباذ، وعلى","vol":"1","page":234},{"text":"(مفاعلة)؛ مثل: منابذة؛ وهي أن يجعل نفس النبذ بيعًا، وأن يقول: إذا نبذته إليك؛ فلا خيار لك إذا رأيته، ويحتمل أن يراد به نبذ الحصى، وذلك كأن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، وأن يقول: لك الخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، أو أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا كأن يقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة؛ فهو مبيع بكذا، والملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر كانت بيوعًا في الجاهلية، وكأن الرجلان يتساومان المبيع، فإذا ألقى المشتري عليه حصاة، أو نبذه البائع إلى المشتري، أو لمسه المشتري؛ لزم البيع، وقد نهى الشَّارع ﷺ عن ذلك، كذا في «عمدة القاري» نقلًا عن علمائنا الأعلام قدس الله أرواحهم.\nقلت: وهذه الثلاثة البيع فيها فاسد؛ للنهي المذكور في الحديث، وذلك لوجود الشرط الفاسد، أو لعدم الرؤية، أو لوجود القمار، فكانت فاسدة إن سبق ذكر الثمن، وسوف يأتي في (البيوع) بقية الكلام عليه؛ فليحفظ.\n (وأن يشتمل) عطف على قوله: (عن بيعتين)؛ أي: ونهى رسول الله ﷺ أيضًا أن يشتمل، وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: أي: وعن اشتمال الثوب كالصخرة (الصماء)؛ لأنَّها مسدودة المنافذ، فيتعذر أو يتعسر على المشتمل إخراج يديه منه؛ لما يعرض له في صلاته من دفع بعض الهوام ونحوها، أو لانكشاف عورته على تفسير الفقهاء، وهو الموافق لما عند المؤلف في (اللباس)، كما قدمناه، وفي رواية ابن عساكر: (وأن يُشتمل)؛ بضم أوله مبنيًّا للمفعول، و(الصماءُ)؛ بالرفع نائبًا عن الفاعل، (و) نهى (أن يَحتبِي)؛ بفتح أوله، وكسر الموحدة، وفي رواية ابن عساكر: بضم أوله، وفتح الموحدة (الرجل)؛ أي: عن احتباء الرجل القاعد على إليتيه منصبًا ساقيه، ولفظة (الرجل) ساقطة في رواية الأصيلي وابن عساكر؛ ملتفًّا (في ثوب واحد)؛ أي: ليس على فرجه منه شيء، فإن الاحتباء المطلق هنا محمول على المقيد في الحديث الذي قبله، كما قاله إمام الشَّارحين، ففيه: النهي عن اشتمال الصماء، وهو مكروه على تفسير أهل اللغة، ويحرم على تفسير الفقهاء إن انكشف به بعض العورة، وإلا؛ فيكره، وفيه: النهي عن الاحتباء الذي فيه كشف العورة، وهو حرام مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها، كما قدمناه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٢١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-621>[حديث: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان]</span>\n٣٦٩ - وبالسند إليه قال: (حدثنا إسحاق): غير منسوب في رواية الأكثرين، وفي نسخة عن رواية أبي ذر: (إسحاق بن إبراهيم)، قال إمام الشَّارحين: (ولكونه ذكر غير منسوب تردد فيه الحفاظ؛ فمنهم من قال: إسحاق بن منصور، ومنهم من قال: إسحاق بن إبراهيم المشهور بابن راهويه؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عن يعقوب بن إبراهيم، والنسخة التي فيها: إسحاق بن إبراهيم: هي الأصح) انتهى.\nويدل عليه ما قاله الجياني عن ابن السكن: (إذا ذكر إسحاق غير منسوب؛ يكون ابن راهويه).\nقلت: وهذا هو الظاهر كما لا يخفى، فهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور، سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وما زعمه ابن حجر رده إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (قال: حدثنا) وللأصيلي: (أخبرنا) (يعقوب بن إبراهيم): هو ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة، سبط عبد الرحمن بن عوف ﵁ (قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب): هو محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب الزهري، (عن عمه): هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (حُمَيْد) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية (بن عبد الرحمن بن عَوْف)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الواو، التابعي: (أن أبا هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: بعثني أبو بكر): هو عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان الصديق الأكبر ﵁ (في تلك الحجة)؛ أي: التي أمَّر النبيُّ الأعظم ﷺ الصديق على الحاجِّ، وهي قبل حجة الوداع بسنة، وهي السنة التاسعة، كما في «عمدة القاري».\n (في مؤذنين)؛ أي: في رهط يؤذنون في الناس (يوم النحر): وهو يوم العاشر من ذي الحجة، وكأنه مقتبس مما قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، وفي رواية أبي داود: (يوم الحج الأكبر يوم النحر)، والحج الأكبر: الحج، قلت: والحج الأصغر: العمرة، قاله إمام الشَّارحين.\n (نؤذن)؛ بالنون، ثم الهمزة (بِمِنًى)؛ بكسر الموحدة، والميم، وبالقصر، وهي على ثلاثة أميال من المزدلفة، ومقول (المؤذنين) هو قوله: (ألا يحج بعد العام مشرك)؛ بإدغام نون (أن) في (لا يحج)؛ لأنَّ أصله: أن لا يحج، فصار (ألَّا)؛ بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (أَلَا لا يحج)؛ بأداة الاستفتاح قبل حرف النفي، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية، فـ (لا) نافية، و(يحجُ) و(يطوفُ)؛ بالرفع، وزعم ابن حجر أن (لا) حرف نهي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (وليس كذلك، بل هو حرف النفي) انتهى.\nقلت: وهو الظاهر، والمعنى عليه؛ فافهم.\nوقال ابن الدماميني: لأن ما بعده: (ولا يطوف) انتهى.\nيعني: فـ (لا): حرف نفي لا نهي، ويحتمل أن تكون (أن) ناصبة، فـ (يحجَّ) و(يطوفَ) نصبٌ، وقال الكرماني: (هل يكون ذلك العام داخلًا في هذا الحكم أم لا؟\nقلت: الظاهر أن المراد: بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله)، قال إمام الشَّارحين: (وينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنظر إلى التعليل) انتهى.\n (ولا يطوف بالبيت عريان)؛ بالنصب عطفًا على المنصوب قبله، أو بالرفع، كما سبق، فإن منع الطواف عاريًا يدل على وجوب ستر العورة، وهذا وجه المطابقة لما ترجم له؛ لأنَّ ستر العورة إذا كان شرطًا في الطواف الذي هو يشبه الصلاة؛ فاشتراطها في الصلاة أولى وأجدر، فهذا الحديث يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة، وهو يتضمن أمر أبي بكر وأمره بذلك من أمر النبيِّ الأعظم ﷺ؛ حيث إنه أمَّره بالحج، وقد سبق الكلام عليه في باب (وجوب الصلاة في الثياب)، والله أعلم بالصواب.\n (قال: حُمَيْد) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية (بن عبد الرحمن): هو ابن عوف التابعي، (ثم أردف) أي: أرسل (رسول الله ﷺ عليًّا): هو الصديق الأصغر ابن أبي طالب وراء أبي بكر الصديق الأكبر ﵁، (فأمَّره أن يؤذنُ ببراءةٌ)؛ بالرفع على الحكاية، كما في «فرع الينونينية»، ويجوز الفتح على أنها علم للسورة، ويجوز الكسر مع التنوين؛ أي: بسورة براءةٍ، قال إمام الشَّارحين: (وقول حميد هذا مرسل من قبيل مراسيل التابعين؛ لأنَّ حميدًا ليس بصحابي حتى يقال: إنه","vol":"1","page":234},{"text":"شاهده بنفسه)، وقال الكرماني: (ولفظ: «قال حميد» و«قال أبو هريرة» يحتمل أن يكون كل منهما تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكونا داخلين تحت الإسناد، لكن الظاهر من مسألة الإرداف أنه لم يسندها حميد)، وقال في «التوضيح»: (وقول حميد يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة، ويكون الزهري رواه عنه موصولًا عند البخاري)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (الوجه الذي ذكرناه هو الوجه، كما نص عليه المزي وغيره) انتهى.\nقلت: يعني: إنه مرسل من قبيل مراسيل التابعين... إلى آخر، ما ذكرناه عنه قريبًا؛ فافهم.\n (قال: أبو هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي: (فأذَّن)؛ بتشديد الذال المعجمة، (معنا) بفتح العين المهملة وسكونها (علي): هو ابن أبي طالب؛ أي: مع الرهط الذين يؤذنون في الناس (في أهل مِنًى)؛ بكسر الميم، والقصر (يوم النحر): هو يوم العاشر من ذي الحجة، فقالوا: (لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت عريان)؛ بالرفع في (يحج) و(يطوف) فقط، والحكمة في إعطاء علي براءة؛ لأنَّ براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب؛ إذ لا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأرسل ابن عمه الهاشمي حتى لا يبقى (^١) لهم متكلم، وقيل: لأنَّ في سورة براءة ذكر الصديق؛ يعني: قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن غيره يقرؤها.\nفإن قلت: كان علي مأمورًا بالتأذين ببراءة، فكيف قال: (فأذن معنا بأنه لا يحج)؟\nقلت: إمَّا لأنَّ ذلك داخل في سورة براءة، وإمَّا أن معناه: أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد تأذينه ببراءة، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والثاني أوجه؛ فتأمل.\nوقال ابن عبد البر: (أمر النبي الأعظم ﷺ أبا بكر ﵁ بالخروج إلى الحج، وإقامته للناس، فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله؛ لو بعثت بها إلى أبي بكر؛ يقرؤها على الناس في الموسم، فقال: «إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي»، ثم دعا عليًّا ﵁، فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا في منًى»، فخرج على ناقة رسول الله ﷺ، فأذن علي ﵁، فقال أبو بكر: استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، فقال أبو بكر: أميرًا أو مأمور؟ فقال: بل مأمور)، وذكر أحمد في (فضائل علي): (لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: «بالجحفة»؛ بعث النبيُّ الأعظم ﷺ إلى أبي بكر، فرده، وقال: «لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي»، وفي لفظ: (فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله؛ نزل فيَّ شيء؟ قال: «لا، ولكن جبريل ﵇ جاءني، فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك»)، انتهى.\nقلت: وفي هذا بيان حكمة إعطاء علي براءة أيضًا؛ فليحفظ.\nوفي «عمدة القاري»: (ويستنبط منه أنه ﵇ أبطل ما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل بهذا الحديث على أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وهو الموافق لترجمة الباب) انتهى.\nوزعم الكرماني أنه استدل به على أن الطواف يشترط له ستر العورة، قال إمام الشَّارحين: (قلت: إذا طاف الحاج عريانًا؛ لا يعتد به عندهم، وعندنا يعتد به، ولكنه يكره) انتهى.\nقلت: يعني: أنه في مذهب الإمام الأعظم ﵁ لا تشترط ستر العورة في الطواف، فلو طاف عريانًا؛ يصح، ولكنه يكره، وعند الشافعي يشترط سترها فيه، ولو طاف عريانًا؛ لا يصح، واستدل بالحديث المذكور، فاستدل الإمام الأعظم بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، فيشمل العاري وغيره، ولا دلالة للشافعي في هذا الحديث؛ لأنَّه خبر واحد، وزيادة على النص، وهو نسخ، فلا يثبت به الحكم، ولأنه لا يشترط في الطواف الاستقبال، ولا عدم المشي إجماعًا، فعدم اشتراط ستر العورة أولى وأجدر على أن المراد بهذا الحديث النهي، وهو يقتضي الكراهة لا عدم الصحة، فما قاله الإمام الأعظم هو الصواب، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢٢\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-622>[باب الصلاة بغير رداء]</span>\nهذا (باب): حكم (الصلاة بغير رداء)؛ بكسر الراء، وفتح الدال المهملتين، وبالمد: هو ثوب يستر النصف الأعلى من الإنسان بخلاف الإزار؛ فإنه يستر النصف الأسفل.\n\n <span id=\"b-٦٢٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-623>[حديث: دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به]</span>\n٣٧٠ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) هو الأويسي (قال: حدثنا ابن أبي الموالي): هو عبد الرحمن بن زيد بن أبي المَوالي؛ بفتح الميم على وزن (الحواري) (عن محمد بن المنكدر): هو التابعي المشهور (قال: دخلت على جابر بن عبد الله): هو الأنصاري؛ أي: في بيته، كما يقتضيه السياق (وهو يصلي) جملة حالية؛ أي: صلاة نافلة؛ لأنَّ الفرائض يصليها مع النبيِّ الأعظم ﷺ بالجماعة في المسجد (في ثوب) أي: واحد (ملتحفًا)؛ بالنصب على الحال (به)؛ أي: بالثوب، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: (ملتحفٌ)؛ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ملتحف، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ويجوز فيه الجر صفة لـ (ثوب) المجرور، وقيل: على الجوار، وما زعمه ابن حجر رده إمام الشَّارحين.\n (ورداؤه موضوع): جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: موضوع على الشيء، وهناك موضوع على المشجب، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: فمعنى أنه موضوع؛ يعني: عن جسده يحتمل على الأرض أو غيرها، وقوله: (وهناك)؛ يعني في باب (عقد الإزار على القفا)، والمِشْجَب؛ بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم، آخره موحدة: وهو ثلاث عيدان تعقد رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، يعلق عليها الثياب، ويقال لها: السِّيْبَه؛ بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، آخره هاء.\n (فلما انصرف)؛ أي: فرغ جابر من صلاته؛ (قلنا) أي: قال له أصحابه، ومنهم ابن المنكدر: (يا با عبد الله) أصله: يا أبا عبد الله؛ بالهمزة، فحذفت الهمزة تخفيفًا، وهو كنية جابر ﵁، (تصلي)؛ أي: في ثوب واحد؛ والتقدير: أتصلي؛ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار (ورداؤك موضوع) عنك على الأرض أو المشجب؟ (قال)؛ أي: جابر لهم: (نعم) أي: أصلي في ثوب واحد وردائي موضوع؛ (أحببت أن يراني الجهال) وفي الرواية السابقة: (ليراني أحمق) (مثلكم)؛ بالرفع صفة لـ (الجُهَّال)، وهو بضم الجيم، وتشديد الهاء، جمع جاهل، وقدمنا هناك أن (مثل) متوغل في التنكير، فلا يتعرف وإن أضيف إلى المعرفة، فلذلك وقع صفة لنكرة، وهو قوله: (أحمق)، وأمَّا هنا؛ فإنه وقع صفة للمعرفة، فوجهه أنه إذا أضيف إلى ما هو مشهور بالمماثلة؛ تعرَّف، وههنا كذلك، على أن التعريف في (الجهال) للجنس، وهو في حكم النكرة، والمثل؛ يعني: المثيل على وزن (فعيل)، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، فلذلك لم يطابق (الجهال) مع أن التطابق بين الصفة والموصوف في الإفراد والجمع شرط، أو تقول: هو قد اكتسب الجمعية في المضاف إليه، أو هو جنس يطلق على المفرد والمثنى والجمع، كذا قرره إمام الشَّارحين،\n_________\n(^١) في الأصل: (يبق)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":235},{"text":"وقيل: ويجوز النصب على الحال.\n (رأيت النبيَّ) الأعظم (ﷺ) وجملة (يصلي): محلها نصب مفعول ثان (^١) لـ (رأيت) (كذا) وفي رواية الكشميهني: (هكذا)، والإشارة إلى الصلاة في ثوب واحد، وسبب تغليظه القول فيه كونه فهم من كلام السائلين الإنكار عليه، والغرض في محبته لرؤية الجهال؛ ليقع السؤال والجواب، فيستفاد منه بيان الجواز، كذا في «عمدة القاري».\nفإن قلت: اللام في (ليراني)؛ للتعليل والغرض، فكيف وجه إراءته الجهال غرضًا؟\nقلت: الغرض بيان الجواز في ذلك الفعل، فكأنه قال: صنعته محبة لأن يراني الجهال، فينكرون علي بجهلهم، فأظهر لهم جوازه، وإغلاظه عليهم؛ لإنكارهم على فعله؛ لقولهم: (تصلي)؛ لأنَّ الهمزة فيه للإنكار، وهي مقدرة، كما ذكرنا، وقد أسند فعله إلى ما تقرر في صلاته ﷺ حيث كان يصلي هكذا، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢٤\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-624>[باب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ</span>.]\nهذا (باب: ما يُذكَر)؛ بضم التحتية أوله، وفتح الكاف (في) حكم (الفخِذ) وفي رواية الكشميهني: (من الفخذ)، ويجوز في الخاء المعجمة الكسر والسكون، ووجه مناسبته بما قبله: هو أن المذكور في الباب قبله هو الصلاة في ثوب ملتحفًا به لستر العورة، والمذكور في هذا الباب حكم الفخذ، وهو أنه عورة، فإذا كان عورة؛ يجب ستره، والستر إنَّما يكون بالثياب، فتحققت المناسبة بينهما.\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف نفسه، كذا هو ثابت في رواية أبوي ذر والوقت، ساقط في غيرهما: (ويُروى)؛ بضم التحتية أوله مبنيًّا للمفعول، وهو تعليق بصيغة التمريض، وذكره المؤلف عن ثلاثة أنفس:\nالأول: (عن ابن عباس): هو عبد الله بن عباس ﵄، وقد وصله الترمذي وأحمد، فقال الترمذي: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «الفخذ عورة»، وقال: هذا حديث حسن غريب)، وأبو يحيى القتات ضعيف، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على سبعة أقوال؛ قيل: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زاذان، وقيل: ديان، وقيل: عمران، وقيل: دينار، والقَتَّات: بفتح القاف، وتشديد المثناة الفوقية.\n (و) الثاني: عن (جَرْهَد)؛ بفتح الجيم، وسكون الراء، وفتح الهاء، آخره دال مهملة: هو ابن رزاح بن عدي الأسلمي، له صحبة عديدة في أهل المدينة، وقال أبو عمرو: (جعل ابن أبي حاتم جرهد بن خويلد غير جرهد بن رزاح)، وهذا وهم، وهو رجل واحد من أسلم لا يكاد يسلم له صحبة، ويقال: إنه مات سنة إحدى وستين، وفي إسناد حديثه اختلاف كثير، وأخرجه مالك في «الموطأ» عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده قال: وكان جدي من أهل الصُّفة، قال: جلس رسول الله عندي وفخذي مكشوفة، فقال: «خمر عليك، أمَا علمت أن الفخذ عورة»، وقال الدارقطني: (روى هذا الحديث أصحاب «الموطأ»: ابن بكير، وابن وهب، ومعن، وعبد الله بن يوسف، هو عند القعنبي خارج «الموطأ» في الزيادات من مالك، ولم يذكره ابن القاسم في «الموطأ» ولا ابن عفير ولا أبو مصعب... إلى آخره) كلامه، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي عاصم عن سفيان، عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي، عن جده جرهد قال: مر النبيُّ الأعظم ﷺ بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه، فقال: «إن الفخذ عورة»، هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل، وذكره ابن القطان، ثم قال: (وهو معلول بالاضطراب وبجهالة حال الراوي عن جرهد)، وذكره البخاري في «تاريخه»، ثم قال: (ولا يصح)، قال ابن الحذاء: (وإنما لم يخرجه البخاري في «مصنفه» لهذا الاختلاف) انتهى.\nقلت: لكن قد استند فيه لما روي عن ابن عباس وابن جحش، وظاهره الاعتماد عليه؛ لقوله: (وحديث جرهد أحوط)؛ يعني: فينبغي العمل به، فهذا يدل على صحته، وعدم إعلاله؛ فليحفظ.\n (و) الثالث: عن (محمد ابن جحش)؛ بالجيم، ثم الحاء المهملة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو محمد بن عبد الله بن جحش، له ولأبيه صحبة، وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته، وكان محمد صغيرًا في عهد النبيِّ الأعظم ﷺ، وقد حفظ عنه، وكان مولده قبل الهجرة بخمس سنين، هاجر إلى المدينة مع (^٢) أبيه، وله صحبة، وحديثه رواه الطبراني عن يحيى بن أيوب، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش قال: كنت أصلي مع النبيِّ الأعظم ﷺ، فمرَّ على معمر بن عبد الله بن نضلة (^٣) العدوي وهو جالس عند داره بالسوق وفخذاه مكشوفتان، فقال: «يا معمر؛ غطِّ فخذيك؛ فإن الفخذين عورة»، قال ابن حزم: (رواية أبي كثير مجهولة (^٤»، وذكره البخاري في «تاريخه»، وأشار إلى الاختلاف فيه، ورواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، كذا قرره إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى ثلاثتهم.\n (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنه قال: (الفخذ عورة): وهو قول الجمهور من التابعين ومن بعدهم؛ منهم: إمامنا الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، وبه قال محمد بن إدريس، وهو الأصح عند مالك، وأصح الروايتين عن أحمد ابن حنبل حتى قال أئمتنا الأعلام: (إن صلاته مكشوف الفخذ فاسدة)، وقال الأوزاعي: (الفخذ عورة إلا في الحمام)، وقال الإمام الوبري: (السرة من العورة عند الإمام الأعظم).\nقلت: وهي رواية ضعيفة، والمعتمد: أن السرة ليست من العورة، كما نص عليه المنلاخسرو في «الدرر»، وتبعه البرهان الحلبي، وصاحب «البحر» و«النهر»، وقال في «المفيد»: (الركبة مركبة من عظم الفخذ والساق، فاجتمع الحظر والإباحة، فغلب الحظر احتياطًا) انتهى.\nواختلفوا في أن الركبة مع الفخذ عضو واحد، أو كل منهما عضو على حدة؛ ففي «التجنيس»: (الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان والفخذ مغطًّى؛ جازت صلاته؛ لأنَّ نفس الركبة من الفخذ، وقيل: إنها بانفرادها عضو)، ولكن الأصح الأول؛ لأنَّه ليس بعضو على حدة في الحقيقة، بل هي ملتقى عظمي الفخذ والساق، وإنما حرم النظر إليها؛ لتعذر التمييز، فعلى الأول: (من) تبعيضية، وعلى الثاني: بيانية، كذا في «العناية».\nوقال في «الخلاصة»: (والركبة لا تعتبر عضوًا على حدة، بل تبع للفخذ هو المختار) انتهى.\nوقال في «النهر»: (إنه الأصح)؛ فليحفظ، وعورة الرجل من تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، كذا قاله الإمام القدوري؛ لحديث علي بن أبي طالب: قال ﵇: «الركبة من العورة»، وحديث أبي أيوب: «ما فوق الركبتين، وما أسفل من السرة من العورة»، فتعارض المحرم\n_________\n(^١) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (في)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (فضلة)، ولعله تحريف.\n (^٤) في الأصل: (راويه... مجهول)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":235},{"text":"والمبيح في الركبة، فيقدم المحرم، وروى الدارقطني مرفوعًا: «عورة الرجل ما تحت السرة إلى ركبتيه»، فإن فيه جعل الركبة غاية، وقد احتمل دخولها وعدمه، والاحتياط في الدخول، فتدخل، كذا في «شرح المنية».\nوبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها، كذا في «القدوري»، فإن وجهها وكفيها وقدميها ليس بعورة بالإجماع لا في حق الصلاة ولا في حق نظر الأجنبي، حتى إن الأجنبي يباح له النظر إلى وجهها وكفيها وقدميها إذا كان بغير شهوة، وأما ذراع الحرة؛ فظاهر الرواية عن أئمتنا الأعلام: أنه عورة، وفي رواية عن الإمام الأعظم: أن ذراعيها ليسا بعورة، فلو انكشف ذراعاها (^١) في الصلاة؛ لا تفسد، كما في «الاختيار»، وصحح بعضهم: أنه عورة في الصلاة لا خارجها، كما في «فتح القدير»، وقال في «المجتبى»: (الذراع لا يمنع الصلاة، لكن يكره كشفه؛ ككشف القدم)، كما في «القهستاني»، فأفاد أن القدم ليس بعورة، وهو الأصح، كما في «المحيط» و«الهداية»، وقيل: إنه عورة، وصححه الأقطع، وفي «الاختيار»: (الصحيح أن القدم ليس بعورة في الصلاة، وعورة خارجها)، وفي «الحلية»: (الصحيح أنه عورة مطلقًا)، فالأقوال ثلاثة مصححة، وقال القدوري: (وما كان عورة من الرجل؛ فهو عورة من الأمَة، وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بدنها؛ فليس بعورة) انتهى.\nومثل الأمَة القنَّة، وأم الولد، والمدبرة، والمكاتبة، والمستسعاة عند الإمام الأعظم، وقال الصاحبان: المستسعاة حرة، والمراد بالمستسعاة: معتقة البعض، وأما المستسعاة المرهونة إذا أعتقها الراهن وهو معسر؛ فهي حرة اتفاقًا، كذا في «البحر الرائق»، وعورة الرقيق كعورة الحر، والخنثى المشكل الحر كالحرة، والرقيق كالأمَة، قال في «السراج»: الخنثى إذا كان رقيقًا؛ فعورته عورة الأمَة، وإن كان حرًّا؛ فعورته عورة المرأة الحرة، فإن ستر ما بين سرته وصلى؛ قال بعضهم: تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون امرأة، وقال بعضهم: لا تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون رجلًا، والإعادة أحوط، كذا في «النهر الفائق»، وفيه عن «السراج»: (الصغير جدًّا لا عورة له، ولا بأس بالنظر إليها ومسها؛ لأنَّه ﵇ كان يفعل ذلك في الحسن والحسين)، كذا في «الفتاوى»، ومثل الصغير الصغيرة، فيباح النظر والمس، كذا في «معراج الدراية»، والمراد بهما: ما لم يبلغا حد الشهوة، وتمامه في «منهل الطلاب».\nوزعم ابن بطال أن من صلى مكشوف العورة؛ لا إعادة عليه إجماعًا، وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: دعوى الإجماع غير صحيحة، فيكون مراده إجماع أهل مذهبه، انتهى.\nقلت: وقد نقل الشراح: أن الفخذ عورة في أصح أقوال مالك، وعليه فلا إجماع (^٢) في أهل مذهبه، ولا يخفى أن ما زعمه ابن بطال غير صحيح؛ لمنافاته الأحاديث الدالة على وجوب الستر في الصلاة؛ فليحفظ.\nوقال في «التوضيح»: حاصل ما في عورة الرجل خمسة أوجه؛ أصحها وهو المنصوص: أنها ما بين السرة والركبة، وهما ليسا بعورة، وبه قال زفر ومالك، والأصح عند أحمد، ثانيها: أنَّهما عورة كما روي عن الإمام الأعظم، ثالثها: السرة ومن الركبة، رابعها: عكسه، خامسها: القبل والدبر، وهو قول الإصطخري، وهو شاذ، انتهى.\n (وقال أنس) زاد الأصيلي: «ابن مالك»: هو الأنصاري، مما وصله المؤلف قريبًا في هذا الباب: (حَسَرَ)؛ بفتح حروفها المهملات؛ أي: كشف (النبيُّ) الأعظم (ﷺ) في غزوة خيبر الإزار (عن فخذه) فهو دليل على أنه ليس من العورة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن علية، والطبري، وداود، وأحمد في رواية، والإصطخري من الشافعية، قال ابن حزم: العورة المفروض سترها عن الناظر في الصلاة من الرجال الذكر وحلقة الدبر فقط، وليس الفخذ من العورة، وهي من المرأة جميع جسدها حاشا الوجه والكفين فقط، والحر والعبد والحرة والأمَة فيه سواء بلا فرق؛ لحديث أنس الذي أخرجه البخاري: أنه ﵇ غزا خيبر، وفيه: ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذه ﵇، فصح أن الفخذ من الرجل ليس بعورة، ولو كان عورة؛ لما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أَرَاها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى عصمه من كشف العورة في حال الصبا من قبل النبوة، انتهى.\nوالجواب عن هذا الحديث: أنه محمول على غير اختيار الرسول ﷺ فيه، وذلك بسبب ازدحام الناس حيث إنهم في غزوة، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه ﵇، وما ذاك إلا بسبب الازدحام (^٣)، فليس للنبيِّ الأعظم ﷺ فيه اختيار، وما زعمه ابن حزم من أنه: لو كان عورة؛ لما كشفها الله من رسوله... إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ ذلك غير منافٍ؛ لأنَّه إنَّما كان لأجل التشريع حتى يظهر أن الفخذ عورة، لا سيما وقد قال ﵇: «الفخذ عورة»، فيتعين أن يكون قوله ﵇: «الفخذ عورة» بعد حسر الإزار عن فخذه إن كان بغير حاجة، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، فحديث جرهد يكون ناسخًا لحديث أنس، وقال القرطبي: ويرجح حديث جرهد أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق في حديث جرهد، فإنه أعطى حكمًا كليًّا، فكان أولى، وبيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل الخصوصية للنبيِّ الأعظم ﷺ بذلك، أو البقاء (^٤) على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة، انتهى.\nيعني: فيكون منسوخًا كما قلناه، والدليل متى طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، لا يقال: الخصوصية لا بد لها من دليل والأصل عدمها؛ لأنَّا نقول: الظاهر أن ذلك خصوصية، والدليل عليه أن أنسًا رأى فخذه ﵇ دون غيره من الصحابة، فلو كان عامًّا؛ لكان جميع الصحابة رأوا فخذه ﵇، ولم يثبت ذلك عنهم، فالظاهر أنه خصوصية أو منسوخ؛ فافهم.\nفإن قلت: روى الحافظ الطحاوي من حديث حفصة بنت عمر ﵄ قالت: كان رسول الله\n_________\n(^١) في الأصل: (ذراعيها)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (إجماعًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (الازدحال)، وهو تحريف.\n (^٤) في الأصل: (التقاء)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":236},{"text":"ﷺ ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن، فأذن له والنبيُّ الأعظم ﷺ على هيئته، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبيُّ الأعظم ﷺ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له، ثم أخذ رسول الله ﷺ ثوبه فجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله؛ جاء أبو بكر، وعمر، وعلي، وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان؛ تجللت ثوبك، فقال: «أولا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟!»، قالت: وسمعت أبي وغيره يحدثون نحوًا من هذا، وأخرجه أحمد والطبراني أيضًا.\nقلت: أجاب الحافظ الطحاوي عنه: بأنَّ هذا الحديث على هذا الوجه غريب؛ لأنَّ جماعة من أهل البيت روَوْه على غير هذا الوجه المذكور، وليس فيه ذكر كشف الفخذين، فحينئذٍ لا تثبت به الحجة.\nوقال أبو عمر: وحديث حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقي: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه، وقال الطبري: الأخبار التي رويت عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه؛ واهية الأسانيد لا يثبت بمثلها حجة في الدين، ولا الأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والأخبار الواردة في النهي عن كشفها أخبار صحاح، انتهى.\nيعني: تثبت بها الحجة، والنهي يفيد الحرمة، فثبت أن الفخذ عورة يجب ستره في الصلاة وخارجها.\nوقال إمام الشَّارحين: وقول الحافظ الطحاوي: «لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه»: هو حديث عائشة وعثمان، فأخرجه مسلم: أن عائشة ﵂ وعثمان ﵁ قالا: إن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجته، ثم انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ قال ﵇: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال؛ ألَّا يبلغ إلي في حاجته»، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلًا.\nفإن قلت: قد روى مسلم أيضًا في «صحيحه»، وأبو يعلى في «مسنده»، والبيهقي في «سننه» هذا الحديث، وفيه ذكر كشف الفخذين، ولفظ مسلم: أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحالة، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوَّى ثيابه، فلما خرج؛ قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما دخل عثمان؛ جلست وسويت ثيابك؟ فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!».\nقلت: لما أخرجه البيهقي؛ قال: لا حجة فيه؛ لأنَّه مشكوك فيه، فإن الراوي قال: «فخذيه أو ساقيه»، فدل ذلك على أن ما قاله الحافظ الطحاوي: إن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين، وقال أبو عمرو: هذا حديث مضطرب، انتهى.\n (قال أبو عبد الله): هو المؤلف نفسه، كذا في رواية ابن عساكر فقط: (وحديث أنس)؛ أي: ابن مالك المذكور (أسند)؛ يعني: أقوى وأحسن سندًا من الحديث السابق (و) هو (حديث جرهد) وما معه، لكن العمل به (أحوط)؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من حديث أنس، (حتى يُخرَج)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الراء، وفي رواية: (حتى يَخرُج)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء، كذا في «الفرع»، قال إمام الشَّارحين: وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع؛ بفتح النون، وضم الراء، وتبعه ابن حجر (من اختلافهم)؛ أي: العلماء؛ يعني: لما وقع الخلاف في الفخذ هل هو عورة أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه عورة، واحتجوا بحديث جرهد، وبما روي مثله في هذا الباب، وذهب آخرون: إلى أنه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس كأنَّ قائلًا يقول: إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم واحد؛ أحدهما أصح من الآخر؛ فالعمل يكون بالأصح، فههنا حديث أنس أصح من حديث جرهد، فكيف وقع الاختلاف؟ فأجاب المؤلف عن هذا بقوله: «وحديث أنس أسند...» إلى آخره، وتقريره: أن يقال: نعم؛ حديث أنس أسند من حديث جرهد، إلا أن العمل بحديث جرهد؛ لأنَّه أحوط في أمر الدين، وأقرب إلى التقوى؛ للخروج من اختلاف العلماء، ولأجل هذه النكتة؛ لم يقل المؤلف: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال: (باب ما يذكر في الفخذ)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني: إنَّما قال: (باب ما يذكر في الفخذ)؛ لأجل أن يكون جاريًا على القولين في أن الفخذ عورة أم لا؟ وقد صرح علماؤنا الأعلام: بأنه لا بأس بالعمل بالقول الضعيف.\nوقال الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: من السرة إلى موضع نبات شعر العانة ليس من العورة؛ لتعامل العمال في ابتداء ذلك الموضع عند الائتزار، وفي ستره نوع حرج، وهذا القول ضعيف؛ لأنَّ التعامل بخلاف النص لا يعتبر، كما صرح به في «البحر» عن السراج، ومراده بتعامل العمال: عموم البلوى، فإن الناس الآن في زماننا في جميع البلدان لا يسعهم إلا هذا القول، فإنَّهم يدخلون الحمامات، ويئتزرون في المآزر، ويقعدون على الأجران لصب الماء، وحين يصبون الماء على أجسادهم؛ يسقط المئزر عن عورتهم من غير صنع على أفخاذهم، فتنكشف السرة وما تحتها وتبقى العانة مستورة، وكلما ستروا ما فوق العانة؛ يسقط المئزر بصب الماء، وهذا مما شوهد كثيرًا وعمت به البلوى، فينبغي العمل بهذا القول وإن كان ضعيفًا؛ لأنَّ العمل بالقول الضعيف أولى وأحسن من عدم العمل بالقول الصحيح، ولا سيما في خاصة نفسه، فإنه جائز كما صرحوا به، كذا في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.\n (وقال أبو موسى): هو عبد الله بن قيس الأشعري، مما هو طرف من حديث ذكره المؤلف في (مناقب عثمان) ﵁، من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عنه، وفيه: (غطى)؛ بالغين المعجمة، والطاء المهملة؛ أي: ستر (النبيُّ) الأعظم (ﷺ ركبتيه)؛ بالتثنية، وفي رواية: (ركبته)؛ بالإفراد (حين دخل عثمان) هو ابن عفان ﵁، وذلك أدبًا معه واستحياء، وقد بين النبيُّ الأعظم ﷺ معناه، كما في «مسلم» و«البيهقي» بقوله: «ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء؟!»، وقد كان ﵇ يصف","vol":"1","page":236},{"text":"كل واحد من أصحابه، ويفعل معه ما هو الغالب عليه من أخلاقه مما هو مشهور فيه، ولما كان الحياء الغالب على عثمان؛ استحى منه، وذكر أن الملائكة تستحي منه، فكانت المجازاة من جنس فعله، كذا في «عمدة القاري».\nوقال الكرماني: فإن قلت: الركبة لا تخلو إما أن تكون عورة أو لا، فإن كانت عورة؛ فلِمَ كشفها قبل دخول عثمان، وإن لم تكن عورة؛ فلِمَ غطاها عنه؟\nقلت: الشق الثاني هو المختار، وأما التغطية؛ فكانت للأدب والاستحياء منه، انتهى.\nيعني: فكَشْف ركبتيه ﵇ قبل دخول عثمان ﵁ دليل على أنها ليست بعورة، مع أن ستر العورة خارج الصلاة بحضرة الناس واجب إجماعًا إلا في مواضع؛ كالتغوط، والاستنجاء، وحلق العانة، والجماع، واختلف فيه في الخلوة، والصحيح وجوبه إذا لم يكن لغرض صحيح، كما في «البحر».\nوقال صاحب «القنية»: وفي تجرده للاغتسال منفردًا أقوال؛ أحدها: أنه مكروه، الثاني: إذا أمن دخول الناس عليه؛ يعذر، الثالث: أنه يجوز في المدة اليسيرة، وهو قول الإمام الكرابيسي، الرابع: أنه لا بأس به، الخامس: أنه لا يكره أن يغتسل متجردًا في الماء الجاري أو في غيره في الخلوة، وهو قول الإمام أبي نصر بن سلام، السادس: أنه يجوز في بيت الحمام الصغير، وتمامه في «شرح الوهبانية».\nقلت: ولا يشترط سترها عن نفسه، وقيل: يشترط، قال في «مجمع الأنهر»: والشرط سترها عن غيره اتفاقًا لا عن نفسه، هو المختار، كما في «المنية»، وبه يفتى كما في «الدر المختار»، ويكره نظره إلى عورة نفسه؛ لأنَّه يورث النسيان، ومن شمائل سيدنا الصديق الأكبر ﵁: أنه ما نظر إلى عورته قط، وما مسها بيمينه، فإذا كان هذا في عورة نفسه، فما ظنك بعورة غيره؟ كذا نقله القرماني عن حافظ الدين النسفي رحمه الله تعالى.\nولو نظر المصلي إلى عورة غيره؛ لا تفسد صلاته، ولو نظر المصلي إلى فرج امرأة بشهوة؛ حرمت عليه أمها وابنتها، ولو نظر إلى فرج أم امرأته بشهوة؛ حرمت عليه امرأته، ولو نظر إلى فرج امرأته التي طلقها رجعيًّا؛ يصير مراجعًا، ولا تفسد صلاته في الوجوه كلها عند الإمام الأعظم، كما في «الخانية»، وقال الصاحبان: تفسد صلاته كما في «النوازل»، وقال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة هذا للترجمة من حيث إن الركبة إذا كانت عورة؛ فالفخذ بالطريق الأولى؛ لأنَّه أقرب إلى الفرج الذي هو عورة إجماعًا).\nوزعم الداودي أن هذه الرواية المعلقة عن أبي موسى وَهم، وإنما هي ليست من هذا الحديث، وقد أدخل بعض الرواة حديثًا في حديث: إنَّما أتى أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وهو في بيته منكشف فخذه، فلما استأذن عثمان؛ غطى فخذه، فقيل له في ذلك، فقال: «إن عثمان رجل حيي، فإن وجدني على تلك الحالة؛ لم تبلغ حاجته»، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: الذي ذكرناه من رواية عاصم يرد عليه بيان ذلك أنا قد ذكرنا أن في حديث عائشة ﵂: «كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه»، وعند أحمد بلفظ: «كاشفًا عن فخذه» من غير شك، وعنده من حديث حفصة مثله، فقد ظهر من ذلك أن البخاري لم يدخل حديثًا في حديث، بل هما قضيتان متغايرتان في إحداهما (^١) كشف الركبة، وفي الأخرى كشف الفخذ، ورواية أبي موسى التي علقها البخاري في كشف الركبة، ورواية عائشة في كشف الفخذ، ووافقتهما حفصة، ولم يذكر البخاري روايتهما، وإنما ذكر مسلم رواية عائشة، كما ذكرنا) انتهى.\n (وقال زيد بن ثابت): هو الأنصاري النجاري كاتب وحي النبيِّ الأعظم ﷺ، وجامع القرآن العظيم في عهد أبي بكر الصديق الأكبر ﵁، وأمره ﵇ بتعلم كتب اليهود والسريانية، فتعلم كتب اليهود في نصف شهر، والسريانية في سبعة عشر يومًا، وكان من علماء الصحابة ﵃، وقال النبيُّ الأعظم ﷺ في حقه: «أفرضكم زيد»، رواه أحمد بإسناد صحيح، وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، ودفن غربي دمشق بباب السريجة بمسجد معلوم على ما قيل، وهو مشهور بذلك في ديارنا الشريفة الشامية.\nوقال أبو هريرة حين توفي زيد: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا ﵃ أجمعين، وفي «عمدة القاري»: وهذا تعليق، وطرف من حديث وصله البخاري في (تفسير سورة النساء) في نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ...﴾؛ الآية، [النساء: ٩٥] وأخرجه في (الجهاد)، وأخرجه الترمذي في (التفسير)، وقال: (حسن صحيح)، وأخرجه النسائي في (الجهاد)، انتهى.\n (أنزل الله) ﷿ (على رسوله ﷺ)؛ أي: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ...﴾؛ الآية (وفخذه على فخذي): جملة اسمية حالية بالواو، ولأبي ذر: بدونها، (فثَقُلت)؛ بفتح الثاء المثلثة، وضم القاف؛ أي فخذه ﵇ (عليَّ)؛ بفتح التحتية؛ أي: من ثقل الوحي النازل على رسوله ﵇، (حتى خفِت)؛ بكسر الخاء المعجمة؛ أي: ظننت (أن تُرَض)؛ بضم المثناة الفوقية، وفتح الراء، وتشديد الضاد المعجمة على صيغة المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم أيضًا، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: والأول أظهر، كما لا يخفى؛ ومعناه: الكسر؛ لأنَّه من الرض؛ وهو الدق، وكل شيء كسرته؛ فقد رضضته، وقوله: (فخذي)؛ بالرفع بضمة مقدرة على صيغة المجهول، أو بالنصب بفتحة مقدرة على صيغة المعلوم، لكن الأول أظهر؛ لصحة المعنى والسياق؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وإيراد البخاري هذا الحديث هنا ليس له وجه؛ لأنَّه لا يدل على أن الفخذ عورة، ولا يدل على أنه ليس بعورة أيضًا، فأي شيء مال إليه لا يدل عليه على أنه مال إلى أن الفخذ عورة)، قال: (وحديث جرهد أحوط، نعم؛ لو كان فيه التصريح بعدم الحائل؛ لدل على أنه ليس بعورة، إذ لو كان عورة في هذه الحالة؛ لما مكن ﵇ فخذه على فخذ زيد) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن الظاهر أن المؤلف تمسك بالأصل، ورده في «عمدة القاري» فقال: (لم يبين ما مراده من الأصل، وعلى كل حال لا يدل الحديث على مراده صريحًا) انتهى.\nقلت: ومراده بالأصل إنَّما هو المس؛ يعني: يحمل الحديث على المس بدون حائل؛ لأنَّه الأصل، وهو يفيد أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنَّ مس العورة بدون حائل حرام؛ كالنظر إليها، ورد بأنه لو كان فيه تصريح بعدم الحائل؛ لدل على أنه ليس بعورة، ولم يكن في الحديث\n_________\n(^١) في الأصل: (إحديهما)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":237},{"text":"ذكر عدم الحائل لا صريحًا ولا دلالة على أن الغالب أنه ﵇ كان ساترًا فخذه، وكذلك زيد بن ثابت كان ساترًا الفخذ، وهو بالأولى أدبًا مع النبيِّ الأعظم صلى الله عيه وسلم، واستحياءً منه، وهذا هو الظاهر، فإن المؤلف لم يعلم ما مراده بإيراد هذا الحديث، وقد يقال: إن الحديث يدل على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنَّه لا يخلو من كشف عورته غالبًا؛ بسبب الانتقال من جانب إلى آخر، وتصريح زيد بالفخذ يدل على أن فخذه ﵇ قد كشف، لكن يبقى النظر في أنه ﵇ هل أقر على الكشف أم نهى وستر عليه؟ وقد يقال: إن الحديث يدل على أن الفخذ عورة؛ لأنَّ الفخذ على الفخذ لا يكون إلا مستورًا بينهما بساتر، ووجود الساتر على الفخذ يدل عليه القرائن من الأحوال، فإنه ﵇ من عادته ألَّا يكشف عورته ولا فخذه، فإن القرينة الحالية والمقالية يدلان على أن قوله: (فخذه على فخذي)؛ أي: مع وجود الساتر بينهما لا مكشوف، كما ظهر لنا؛ فتأمل، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-625>[حديث أنس: أن رسول الله غزا خيبر فصلينا عندها]</span>\n٣٧١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم): هو ابن كثير الدورقي العبدي الكوفي، فإن أصل الدورقي من الكوفة، وليس هو من بلد دورق، وإنما سمي به؛ لأنَّه كان يلبس قلنسوة دورقية، فنسب إليها (قال: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة)؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة التحتية، نسبه إلى أمه؛ لشهرته بها، فإن اسم أبيه إبراهيم بن سهم بن مقسم البصري، أبو بشر الأسدي؛ أسد خزيمة، الكوفي الأصل، المتوفى ببغداد سنة ثلاث وتسعين ومئة (قال: حدثنا عبد العزيز بن صُهَيْب)؛ بضم الصاد المهملة، وفتح الهاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: هو البُناني؛ بضم الموحدة، وبالنون نسبة إلى بنانة؛ بطن من قريش، التابعي هو وأبوه البصري الأعمى، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك): هو الأنصاري: (أنَّ رسول الله ﷺ غزا خيبر)؛ يعني: غزا بلدة تسمى خيبر؛ فسميت به، والمراد أهلها من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه؛ وهي بلدة عنزة من جهة الشمال أو الشرق من المدينة، على ست مراحل من المدينة، و(خيبر): غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، ولها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة وبني النضير، وكانت غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة في جمادى الأولى، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: (أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام)، كذا في «عمدة القاري».\n (فصلينا عندها) أي: بفنائها خارجًا عنها (صلاة الغداة): وهي الصبح (بغَلَس)؛ بفتح الغين المعجمة واللام: وهو ظلمة آخر الليل، إنَّما فعل هكذا مع أن الإسفار في صلاة الصبح أفضل وأعظم للأجر، إما للتوسعة على أمته، وإما لكونه داخلًا على الأعداء الكفرة لقتالهم، فخشي إن أسفر أن يرَوه فيتأهبوا للقتال فيفوت المقصود، فأسرع بالصلاة في الغلس حتى يتفرغ هو وأصحابه للقتال مع المحافظة للطهارة وأداء الصلاة؛ لأنَّه ربما يشتغل بالقتال فتفوت الصلاة عن وقتها كما وقع له ﵇ في حفر الخندق، فلا دليل فيه على أن الأفضل التغليس، بل الأفضل الإسفار للأحاديث الصحاح الدالة على أن عادته ﵇ الإسفار بالفجر، بل فيها بلفظ الأمر وهو «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، والأمر للوجوب، ولما وجد الصارف عن الوجوب؛ بقي الاستحباب وهو الصواب، وفيه جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح خلافًا لمن زعم من الشافعية أنه مكروه؛ فليحفظ.\n (فركب نبي الله ﷺ)؛ أي: ركب مركوبه، وعن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف)، رواه البيهقي والترمذي، وقال: وهو ضعيف.\nوقال ابن كثير: والذي ثبت في «الصحيح» عند البخاري عن أنس: (أن رسول الله ﷺ أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه)، فالظاهر أنه كان يومئذٍ على فرس لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا؛ فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ويدل على أنه ﵇ ركب يوم خيبر فرسًا قوله: (وركب أبو طلحة): هو زيد بن سهل الأنصاري، شهد العقبة والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، وكان أنس ربيبه، مات سنة اثنتين (^١) أو أربع وثلاثين بالمدينة أو بالشام أو في البحر، والظاهر أنه ركب على فرس يدل عليه.\nقوله: (وأنا رديف أبي طلحة)؛ أي: قال أنس: وأنا رديف أبي طلحة، والجملة اسمية وقعت حالًا، فإن الذي يردف عليه في الغالب الفرس لا الحمار؛ لأنَّه لا قوة له على حمل اثنين، بخلاف الفرس؛ فإنه يحمل اثنين أو ثلاثًا، لا سيما والوقت وقت غزاة فلا يركب في الغزاة إلا الفرس، فهذا يدل على أنه ﵇ وكذا أبو طلحة كانا راكبين في غزوة خيبر كل منهما على فرس، وما رواه البيهقي إن صح؛ فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها، كما سبق قريبًا؛ فليحفظ.\n (فأجرى): على وزن (أفعل) من الإجراء وفاعله (نبيُّ الله ﷺ) والمفعول محذوف؛ تقديره: أجرى مركوبه (في زُقاق خيبر)؛ بضم الزاي، وبالقافين: وهي السكة، يذكر ويؤنث، والجمع: أزقة وزُقَّان؛ بضم الزاي، وتشديد القاف، وبالنون.\nوقال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق، والصراط، والسبيل، والسوق، والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، والجمع: الزقان والأزقة؛ مثل: حُوَار، وحوران، وأحورة، كذا في «عمدة القاري».\n (وإن ركبتي) بالإفراد؛ أي: قال أنس: وإن ركبتي (لتمس) بفتح اللام (فخذ نبي الله ﷺ): حيث كان كل من النبيِّ الأعظم ﷺ ومن أبي طلحة راكبًا (^٢) على فرس؛ لأنَّه لو كان النبيُّ الأعظم ﷺ راكبًا على حمار؛ لما مس فخذه ركبة أنس؛ للفرق بين العلو والسفل، لا يقال: إنَّهما كانا على حمار؛ لأنَّا نقول: هذا ممنوع؛ لقوله: (وأنا رديف أبي طلحة)، والإرداف لا يكون إلا على الفرس، ولا تخالف في تعبيره بالركبة والفخذ؛ لأنَّ مراده المشاكلة والأدب؛ حيث إن الفخذ أعلى من الركبة، فقصد الأدب في التشريف بفخذه ﵇ على أن مس\n_________\n(^١) في الأصل: (اثنين)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (راكب)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":237},{"text":"الفخذ منه لفخذه ﵇ لا يمكن كما يشاهد في حال الراكبين، ولو كان النبيُّ الأعظم ﷺ على حمار؛ لما أمكن مس ركبة أنس فخذه ﵇؛ لأنَّ الفرس أعلى من الحمار، فتعين أنه ﵇ كان يوم خيبر راكبًا (^١) على فرس، وأن أبا طلحة كذلك؛ فليحفظ.\n (ثم حُسِر)؛ بضم الحاء، وكسر السين المهملتين على صيغة المجهول؛ أي: كشف (الإزار) بالرفع نائب فاعل (عن فخذه) متعلق بقوله: (حسر)، وذلك بسبب قوة جريه ﵇، أو بسبب كثرة الزحام، أو بسبب الريح، أو غير ذلك.\nوزعم الكرماني أن في بعض الروايات: (على فخذه)؛ أي: الإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق بـ (حسر)، إلا أن يقال: حروف الجر يقام بعضها مقام الآخر، قال إمام الشَّارحين: إن صحت الرواية هذه؛ يكون متعلق (على) محذوفًا كما قاله؛ لأنَّه حينئذ لا يجوز أن يتعلق (على) بقوله: (حسر)؛ لفساد المعنى، ويجوز أن تكون (على) بمعنى (من)، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: من الناس؛ لأنَّ (على) تأتي لتسعة معان (^٢)؛ منها: أن تكون بمعنى (من)، انتهى.\n (حتى إني أنظر): وفي رواية الكشميهني: (حتى إني لأنظر)؛ بزيادة لام التأكيد (إلى بياض فخذ نبيِّ الله ﷺ): وقد علمت أن لفظة (حُسِر) بالبناء للمجهول، وهو ثابت في أكثر الروايات، واعتمده إمام الشَّارحين قال: والدليل على صحة هذا ما وقع في رواية أحمد في «مسنده» من رواية إسماعيل ابن علية: (فانحسر)، وكذا وقع في رواية مسلم، وكذا رواه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع، وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن القاسم بن زكريا، عن يعقوب بن إبراهيم، ولفظه: (وأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر؛ إذ خر الإزار)، قال: ولا شك أن الخرور هنا بمعنى: الوقوع، فيكون لازمًا، وكذلك الانحسار في رواية مسلم، وهذا هو الأصوب؛ لأنَّه ﷺ لم يكشف إزاره عن فخذه قصدًا، وإنما انكشف عن فخذه؛ لأجل الزحام، أو كان ذلك من قوة إجرائه ﷺ، انتهى.\nوفي رواية «الفرع»: (حَسر)؛ بفتح الحاء والسين المهملتين مبنيًّا للفاعل؛ أي: كشف الإزار، وزعم ابن حجر أنَّ هذا المعنى هو الصواب (^٣)؛ لقول أنس في أول الباب: (حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه)، ولا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاري على خلافه، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: اللائق بحاله الكريمة ﷺ ألَّا يثبت إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله ﷺ: «الفخذ عورة» على ما تقدم.\nوقوله: (لا يلزم من وقوعه...) إلى آخره: منع هذه الملازمة ممنوعة، ولئن سلمنا؛ فيحتمل أن أنسًا ﵁ لما رأى فخذه ﵇ مكشوفًا؛ ظن أنه ﵇ كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلا من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرنا، انتهى.\nقلت: على أن (حَسر) بالبناء للفاعل غير ظاهر الثبوت في الرواية، وإنما هو ظن وتخمين من ابن حجر أنه الصواب وليس بصواب كما ظن، فإن استدلاله بقول أنس أول الباب فاسد؛ لأنَّ البخاري علقه بذكر هذه القطعة من هذا الحديث، وذكره بالمعنى لا باللفظ، وأراد به الإشارة إلى أن الفخذ عورة أم لا؟ على أنه يحتمل معناه: حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه؛ أي: الإزار بسبب أنه تعلق مع غيره من الركاب، فأراد تخليصه من فرس الراكب، فانحسر عن فخذه بغير قصد منه، ويحتمل غير ذلك، فلا دلالة في ذلك على ما ادعاه.\nوقوله: (لا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم...) إلى آخره: ممنوع، فإن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، لا سيما في حديث واحد وقصة واحدة، فإنه قد روي أيضًا هكذا عند أحمد في «مسنده»، وكذا رواه الطبري والإسماعيلي هكذا في هذا الحديث، فمنع الملازمة ممنوع، كما لا يخفى، وعليه؛ فيتعين أن يكون أنس رأى فخذه ﵇ مكشوفًا، فظن أنه ﵇ كشفه، فأسند الفعل إليه، والحال أنه لم يكن كذلك؛ بل من أجل الزحام، أو تعلقه بالغير من الركاب، أو غير ذلك، وهذا هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n (فلما دخل) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ وأصحابه (القرية)؛ أي: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية، كذا في «عمدة القاري» (قال) ﵇: (الله أكبر خربت خيبر)؛ أي: صارت خرابًا، وهل كان ذلك على سبيل الخبرية؟ فيكون من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل بخرابها لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الحراث، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك، قاله إمام الشَّارحين.\n (إنَّا) أصله: (إننا)، فحذفت نون الضمير تخفيفًا (إذا نزلنا بساحة قوم): ساحة الدار: باحتها؛ بالحاء المهملة، والجمع: ساح وساحات، وسوح أيضًا؛ مثل: بدنة وبدن، وخشبة وخشب، كذا في «الصحاح»، قال إمام الشَّارحين: (وعلى هذا؛ فأصل «ساحة»: سوحة، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، وتطلق على الناحية، والجهة، والفناء) انتهى.\nقلت: ويدل عليه قول القرطبي: ومعنى بساحتهم؛ أي: بدارهم، كذا عن السدي وغيره، والساحة والسحسة في اللغة: فناء الدار، وقال الفراء: (نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء) انتهى.\n (﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ﴾) [الصافات: ١٧٧]؛ بفتح الذال المعجمة، (فساء): فعل ذم بمعنى: بئس، وإن المخصوص بالذم محذوف، وهو صباحهم؛ يعني: فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام في (المنذرين) للجنس لا للعهد؛ ليحصل به التفسير بعد الإبهام، فلو حملت على العهد؛ لا يحصل ذلك، فإن أفعال المدح والذم موضوعة للمدح العام والذم العام؛ أي: لمدح المخصوص وذمه بجميع محاسن جنس الفاعل وقبائحه، وذلك إنَّما يكون بكون الفاعل معرفًا بلام الجنس أو مضافًا إلى المعرف بها؛ نحو: نعم صباح القوم زيد، والصباح مستعار من صباح الجيش الذين ساروا ليلًا نحو العدو، فوصلوا ديارهم ومنازلهم وقت الصباح، فأوقعوا بهم ما شاؤوا من النهب والغارة، فصباح الجيش المذكور وقت غارتهم، فإن عادة المغيرين أن يغيروا صباحًا، فسمى الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر تسمية للشيء باسم زمانه ومحله، وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧]؛ يريد: النبيَّ الأعظم ﷺ، وقيل: إن معناه: نزول العذاب، فيكون استعارة تمثيلية؛ حيث شبه حال العذاب النازل بهم بعد ما أنذروا به فأنكروه\n_________\n(^١) في الأصل: (راكب)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (معاني)، والمثبت هو الصواب.\n (^٣) تكرر في الأصل: (الصواب).","vol":"1","page":238},{"text":"بحال جيش أنذر بهجومه قومه بعض نصائحهم، فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة، فأغارهم وقطع دابرهم، فإن ذلك التعبير حقيقة في هذه الهيئة المشبه بها، فأطلق على الهيئة الأولى مجازًا على طريق التمثيل، انتهى.\n (قالها)؛ أي: هذه الجملة ﵇ (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وإنما كررها إخبارًا منه لأصحابه أن النصرة لله ولرسوله ﵇ عليهم حقيقة، (قال)؛ أي: أنس بن مالك: (وخرج القوم إلى أعمالهم) أي: لأعمالهم التي كانوا يعملونها، فكلمة (إلى) بمعنى اللام، فإنها تأتي بمعنى اللام كثيرًا، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أن معناه: خرج القوم إلى مواضع أعمالهم، وتبعه البرماوي تعصبًا، وهذا المعنى قد رده إمام الشَّارحين ولم يرض به، ولا ريب أنه غير ظاهر؛ للفرق بين خروجهم إلى مواضع أعمالهم وبين خروجهم لأعمالهم، فإنَّهم قد يخرجون لمواضع أعمالهم ولا يعملون، ويخرجون لأعمالهم؛ أي: لأجل العمل، فالظاهر هو ما قاله إمام الشَّارحين يدل عليه قوله ﵇: «خربت خيبر»، وذلك بسبب أنه رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم وغير ذلك من آلات الحراث، ولا ريب أنه إذا كان هذا حالهم؛ فالغلبة عليهم، وهو ظاهر في أنَّهم خرجوا لأجل أعمالهم التي يعملونها؛ فليحفظ.\n (فقالوا)؛ أي: أهل خيبر: (محمدٌ)؛ أي: جاء محمد، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد ﵇، كذا في «عمدة القاري».\n (قال عبد العزيز): هو ابن صهيب أحد رواة الحديث عن أنس: (وقال بعض أصحابنا): أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن المجهول، إذ لم يعين هذا البعض منه، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون هذا البعض هو محمد بن سيرين؛ لأنَّ المؤلف أخرج من طريقه أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا البعض هو ثابت البناني؛ لأنَّ مسلمًا أخرجه من طريقه أيضًا، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويحتمل أن يكون هذا البعض غيرهما، وعلى كل حال؛ لا يخرج عن الجهالة) انتهى.\nقلت: والاحتمالان اللذان (^١) ذكرهما ابن حجر ظن وتخمين، فإنه لا يلزم من كون المؤلف أخرج من طريق ابن سيرين أن يكون هو ذلك البعض؛ لأنَّ عادة المؤلف التعدد في الروايات والاختلاف في الطرق، ولا يلزم أيضًا من كون مسلم أخرج من طريق ثابت أن يكون هو ذلك البعض؛ لاحتمال أنَّ هذا الطريق غير طريق المؤلف، فالصواب أنَّ هذا البعض مجهول لم يعلم اسمه؛ فافهم.\n (والخَميسُ)؛ بفتح الخاء المعجمة بالرفع عطفًا على قوله (محمد)، وبالنصب على أن تكون الواو بمعنى (مع)، فيكون المعنى: جاء محمد مع الجيش؛ (يعني)؛ أي: يريد ويقصد بقوله: (الخميس) (الجيش): وهذا المعنى يحتمل أن يكون تفسيرًا من عبد العزيز، ويحتمل أن يكون ممن دونه، وأشار عبد العزيز إلى أنه لم يسمع قوله: (والخميس) من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه، كما سبق.\nقال إمام الشَّارحين: (وسمي الجيش خميسًا؛ لأنَّه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، ويقال: ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحان، وقال ابن سيده: (سمي به؛ لأنَّه يخمس ما وجده)، وقال الأزهري: الخمس إنَّما ثبت في الشرع، وكانت الجاهلية يسمونه بذلك ولم يكونوا يعرفون الخمس) انتهى.\nثم قال الشَّارح: (والحاصل: أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمد والخميس، ثم فسر عبد العزيز (الخميس) بقوله: (الجيش)، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه، وعلى كل حال؛ فهو مدرج) انتهى.\n (قال)؛ أي: أنس: (فأصبناها) أي: خيبر؛ أي: أخذناها (عَنْوة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون؛ أي: قهرًا، يقال: أخذته عنوة؛ أي: قهرًا، وقيل: أخذ عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: (أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهرًا في عنف واحد، وأخذته عنوة؛ أي: صلحًا في رفق)، وزعم ابن التين أنه يجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه»، قال إمام الشَّارحين: (وحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد) انتهى.\nقلت: وظاهر أنَّهم أصابوها قهرًا من غير إطاعة، بل بالقتال، يدل عليه قوله: (عنوة)؛ وهو القهر، وهو ضد الطاعة، ولهذا قال أبو عمرو: (الصحيح: في أرض خيبر كلها عنوة).\nوقال المنذري: واختلف في فتح خيبر هل كانت عنوة، أو صلحًا، أو أجلى أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وبعضها أجلى عنها أهلها؛ قال: والصحيح الثاني، قال إمام الشَّارحين: (وبهذا يندفع التضاد بين الآثار) انتهى.\n (فجُمع) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (السبي)؛ أي: بأمر النبيِّ الأعظم ﷺ؛ وهو ما يؤخذ من الكفار، وسمي سبيًا؛ لأخذه قهرًا مجانًا، (فجاء دِحية)؛ بفتح الدال المهملة وكسرها، زاد ابن عساكر الكلبي: (هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي)، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل ﵇ يأتي النبيَّ الأعظم ﷺ في صورته، وهو مدفون بقرية المزة غربي دمشق ﵁، (فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطني جارية من السبي)؛ أي: من الغنيمة التي غنمتها المسلمون، فإن ولاية الإعطاء لك، (فقال) ﵇ له، وفي رواية: بدون الفاء: (اذهب)؛ أي: إلى المكان الذي جمع فيه السبي (فخذ جارية)؛ أي: منه، وإنما جاز للنبيِّ الأعظم ﷺ أن يأذن لدحية بأخذ جارية قبل القسمة.\nوأجاب إمام الشَّارحين بثلاثة أجوبة:\nالأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذها على سبيل التفضيل له، إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده.\nالثاني: يجوز أن يكون أذن له من الخمس إذا ميز.\nالثالث: يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك، ويحسب من سهمه) انتهى.\nوأجاب الكرماني: بأنه صفي المغنم لرسول الله ﷺ، فله أن يعطيه لمن شاء، ورده إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا الجواب غير مقنع؛ لأنَّه ﵇ قال له ذلك قبل أن يعين الصفي) انتهى.\nقلت: ووجه فساد هذا الجواب ظاهر، كما لا يخفى؛ لأنَّه حين أذن له لم يكن علم ﵇ بما جمع كثيرًا أو قليلًا، وكم يخرج السهم وغير ذلك، وإنما الجواب ما\n_________\n(^١) في الأصل: (الذين)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":238},{"text":"قاله الشَّارح قدس سره، فذهب دحية (فأخذ صَفية)؛ بفتح الصاد المهملة، قيل: وكان اسمها زينب (بنت حُيَيٍّ)؛ بضم الحاء المهملة وكسرها، وفتح التحتية الأولى المخففة، وتشديد الثانية: ابن أخطب بن سَعْيَه -بفتح السين المهملة، وسكون العين المهملة، وفتح التحتية- ابن ثعلبة، وهي من بنات هارون أخ موسى ﵉، وأمها اسمها برة -بفتح الموحدة، وتشديد الراء- بنت سموءل، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق -بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى- قتل يوم خيبر، توفت في خلافة سيدنا معاوية سنة خمسين، كما قاله الواقدي، وقال غيره: ماتت في خلافة علي الصديق الأصغر ﵁، سنة ست وثلاثين، ودفنت بالبقيع، كذا في «عمدة القاري».\n (فجاء رجل): مجهول لم يعرف، قاله إمام الشَّارحين (إلى النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: إلى المكان الذي قاعد فيه، (فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطيت دحية صفية بنت (^١) حيي سيدة قُرَيْظة)؛ بضم القاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المهملة (والنَضِير)؛ بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة؛ وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون ﵇، كذا في «عمدة القاري»، فإنها (لا تصلح إلا لك): من حيث إنها من بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى ﵉، ومن بيت الرئاسة، فإنها من بيت سيد (^٢) قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية، فإنه ﵇ معصوم منها، قاله إمام الشَّارحين.\n (قال) ﵇: (ادعوه) أي: دحية (بها) أي: بصفية، فدعوه، (فجاء بها) إلى المكان الذي فيه النبيُّ الأعظم ﷺ، (فلما نظر إليها النبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: أعجبته من جمالها، وشرفها، وحسنها، ونسبها؛ (قال)؛ أي: لدحية: اترك صفية لي و(خذ جارية من السبي غيرها)؛ أي: غير صفية، فارتجعها منه، وهذا يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه وأذن له في أخذ غيرها، والثاني: أنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا، وشرفًا، وجمالًا؛ استرجعها؛ لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد وعوضه عنها، كذا في «عمدة القاري».\nوفيه عن «سيرة الواقدي»: (أنه ﵇ أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه ﵇ طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها) انتهى.\nوفي «سيرة ابن سيد الناس»: (أنه أعطاه ابنتي عم صفية) انتهى.\nوزعم الكرماني فإن قلت: لما وهبها من دحية؛ فكيف رجع عنها؟\nقلت: إما لأنَّه لم يتم عقد الهبة بعد، وإما لأنَّه أبو المؤمنين وللوالد أن يرجع عن هبة الولد، وإما لأنَّه اشتراها منه، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: أجاب بثلاثة أجوبة: الأول: فيه نظر؛ لأنَّه لم يجر عقد هبة حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها.\nوالثاني: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره؛ يعني: أنه ذكره ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، والحال أن الجمهور على خلافه، فلا يتمشى ما ذكره على مذهب الجمهور، والأوجه هي الثلاثة التي ذكرت عند قوله: (فخذ جارية).\nوالثالث: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه ذكر أنه اشتراها منه؛ أي: من دحية، والحال أنه لم يجر بينهما عقد بيع أولًا، فكيف اشتراها منه بعد ذلك؟\nفإن قلت: وقع في رواية مسلم: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس).\nقلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّه لما أخذها منه على الوجه الذي ذكرناه؛ عوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرُّم والفضل، فأطلق الراوي الشراء عليه؛ لوجود معنى المبادلة فيه، انتهى.\nوقال القاضي عياض: (الأولى عندي: أن صفية كانت فيئًا؛ لأنَّها كانت زوجة كنانة بن الربيع وهو وأهله من بني الحقيق كانوا صالحوا رسول الله ﷺ، وشرط عليهم ألَّا يكتموا كنزًا، فإن كتموه؛ فلا ذمة لهم، فانتقض عهدهم فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي فيء لا يخمَّس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى) انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تفريع على مذهبه: أن الفيء لا يخمس، ومذهب غيره: أن الفيء يخمس) انتهى.\nقلت: يعني: إنَّما ذكر هذا الوجه؛ لأجل ترويج مذهبه من أن الفيء لا يخمس، وهو خلاف ما عليه الجمهور من أن الفيء يخمس، على أن ما ذكره ممنوع؛ لأنَّ أنسًا ﵁ لم يذكر في هذه القصة أنه ﵇ صالحهم، ولا أنه شرط عليهم، ولا أنَّهم نقضوا العهد، وغاية ما فيه أنه ﵇ دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم، ويدل عليه قول أنس: إن رسول الله ﷺ غزا خيبر...) إلى آخره، وهذا لا يدل على ما ذكره؛ فليحفظ، فالحق هو ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصواب.\n (قال) أي: أنس: (فأعتقها) أي: صفية (النبيُّ) الأعظم (ﷺ وتزوجها) بعد ذلك، (فقال له) أي: لأنس (ثابت): هو البناني التابعي: (يابا حمزة)؛ بالحاء المهملة والزاي، أصله: ياأبا حمزة، فحذفت الألف تخفيفًا، وهي كنية أنس ﵁، (ما أصدقها) ﵇؟ (قال)؛ أي: أنس: أصدقها (نفسها أعتقها)؛ أي: بغير عوض، (وتزوجها)؛ أي: بدون مهر، ففيه استحباب عتق السيد أمته وتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، واتفق ثابت البناني، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب عن أنس: (أنه ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)، وبه قال قتادة في رواية، وأخذ بظاهره أحمد ابن حنبل، والحسن، وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: (هو سنة فاصلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول؛ فهي حرة، ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تتزوجه؛ بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم).\nوروى الحافظ الطحاوي عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ثم قال: (فذهب\n_________\n(^١) في الأصل: (بن)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (سيدة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":239},{"text":"قوم: إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإن تزوجت؛ فلا مهر لها غير العتاق)، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»: قلت: أراد بهؤلاء القوم: سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وطاووسًا، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق، فإنَّهم قالوا: إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإذا عقد عليها؛ لا تستحق عليه مهرًا غير ذلك العتاق.\nوممن قال بذلك: سفيان الثوري، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وذكر الترمذي أنه قول الشافعي أيضًا، ونقل القاضي عياض عن الشافعي: أنها بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزويجه؛ فله عليها قيمتها؛ إذ لم يمكن الرجوع فيها، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها؛ صح ذلك عنده.\nوقال ابن بزيزة في «الأحكام»: هذه المسألة اختلف سلف الصحابة فيها، وكان ابن عمر ﵄ لا يراه، وقد روينا جوازه عن علي، وأنس، وابن مسعود، وروينا عن ابن سيرين: أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئًا ما كان، وصح مع كراهة ذلك أيضًا عن الحسن البصري، وجابر بن زيد، والنخعي، وغيرهم.\nوقال النخعي: كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته لله، ثم يتزوجها، وجعلوه كالراكب بدنته، وذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، وابن شبرمة، وجابر بن زيد: أنه ليس لأحد غير النبيِّ الأعظم ﷺ أن يفعل فيتم النكاح بغير صداق، وإنما كان ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ خاصة؛ لأنَّ الله تعالى جعل له أن يتزوج بغير صداق، وكان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، فإن فعل هذا؛ وقع العتاق، ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه؛ تسعى له في قيمتها عند الإمام الأعظم ومحمد بن الحسن، وقال زفر ومالك: لا شيء له عليها، وفي «الأحكام» قال الإمام الأعظم، ومحمد بن الحسن، والشافعي: إن كرهت نكاحه؛ غرمت له قيمتها، ومضى النكاح، فإن كانت معسرة؛ استسعت في ذلك، وقال زفر ومالك: إن كرهت؛ فهي حرة، ولا شيء له عليها، إلا أن يقول: لا أعتق إلا على هذا الشرط، فإن كرهت؛ لم تعتق، فإنه من باب الشرط والمشروط.\nقال إمام الشَّارحين: واستدل الحافظ أبو جعفر الطحاوي على الخصوصية بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٥٠]، ووجه الاستدلال أن الله تعالى لما أباح للنبيِّ الأعظم ﷺ أن يتزوج بغير صداق؛ كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق.\nومما يؤيد ذلك أن النبيَّ الأعظم ﷺ أخذ جويرية (^١) بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، رواه الحافظ الطحاوي من حديث ابن عمر ﵄.\nثم روي عن عائشة ﵂ كيف كان عتاقه ﵇ جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها، قالت: لما أصاب النبيُّ الأعظم ﷺ سبايا بني المصطلق؛ وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها، قالت: (وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت نفسه، فأتت النبيَّ الأعظم ﷺ لتستعينه في كتابتها، فوالله ما هي إلا أن رأيتها على باب الحجرة وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت)، فقالت: يا رسول الله؛ أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على كتابتي، فقال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك»، قلت: نعم، قال: «فقد فعلت»، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا: صهر رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما في أيديهم، قالت: (فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها)، ورواه أبو داود أيضًا.\nوفيه حكم يختص بالنبيِّ الأعظم ﷺ دون غيره، وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره لتعتق بذلك ويكون عتقه مهرها؛ لتكون زوجته، فهذا لا يجوز لأحد غير النبيِّ الأعظم ﷺ، وهذا إذا كان جائزًا للنبيِّ الأعظم ﷺ فجعل عتق الذي تولى عتقه هو مهر المرأة؛ أعتقه أولى وأحرى أن يجوز.\nوقال البيهقي: قال القاضي عياض البرني: قال لي يحيى بن أكتم: هذا كان للنبيِّ الأعظم ﷺ خاصة، وكذا روي عن الإمام الأعظم ﵁ ومحمد بن إدريس أنه حمله على التخصيص، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقًا، ثم تزوجها على غير مهر.\nوقوله في الحديث (حُلوة)؛ بالضم من الحلاوة، وقوله: (مُلَّاحة)؛ بضم الميم، وتشديد اللام؛ معناه: شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، وقال الزمخشري: (وكانت امرأة ملاحة بتخفيف اللام؛ أي: ذات ملاحة، وفعال مبالغة في فعيل نحو: كريم وكرام وكبير وكبار، وفعال بالتشديد أبلغ منه)، وقد ناقش ابن حزم في هذا الموضع، وملخصه أنه قال: (دعوى الخصوصية به ﵇ في هذا الموضع غير صحيحة والأحاديث التي ذكرت ههنا غير صحيحة).\nقال الشَّارح: وقد ردينا عليه في جميع ذلك في «شرحنا لمعاني الآثار»، فمن أراد الوقوف عليه؛ فعليه بالمراجعة، انتهى.\nقلت: وكلام ابن حزم غير معتبر أصلًا؛ لما أنه مشهور بالتعصب والتعنت فلا يلتفت إليه، لا سيما وقد دلت الآية الكريمة على الخصوصية قطعًا، وما ذكر هنا مطلق محمول على المقيد هناك، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فافهم، انتهى.\nقلت: وما استدل به الحافظ الطحاوي من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾؛ الآية للخصوصية ظاهر، وصدر الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَاّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ﴾؛ أي: مهورهنَّ، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، ثم قال: ﴿وَامْرَأَةً﴾؛ أي: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها بغير صداق، فكان النكاح ينعقد في حقه بدون مهر، وكان ذلك من خصائصه ﵇ في النكاح؛ لقوله لك بالخطاب، ولقوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وهو كالزيادة على الأربع، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه أيضًا لا مشاركة لأحد معه فيه.\nواختلف العلماء في أنه ﵇ هل كانت عنده امرأة من التي وهبت نفسها له؟ فقال عبد الله بن مسعود ومجاهد وغيرهما: (لم يكن عنده ﵇ امرأة وهبت نفسها له، ولم يكن عنده\n_________\n(^١) في الأصل: (جويرة)، وكذا في المواضع اللاحقة، ولعله تحريف.","vol":"1","page":239},{"text":"امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ على طريق الشرط والجزاء؛ يعني: المهر).\nوقال جماعة: بل كانت عنده موهوبة، فقيل: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقيل: هي ميمونة بنت الحارث، وقيل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقيل هي خولة بنت حكيم من بني سليم، فقوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ دليل على جواز النكاح بلفظ الهبة له ولأمته ﵇، وزعم الشافعية أنه مخصوص به ﵇، فقالوا: معناه: إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خصائصك.\nورد بأن اللفظ عام يشمله ﵇ وأمته، وبأن الخصوصية لا بد لها من من دليل ولم يوجد، وقال الأئمة الحنفية: معناه تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدًا بالتزويج، فالنكاح ينعقد بلفظ الهبة إذا طلب الزوج منها النكاح والتمكين من الوطء، فقالت: وهبت نفسي منك، وقبل الزوج؛ يكون نكاحًا، ويدل عليه هذه الآية، فإنها قد دلت على إحلال الواهبة وصحة نكاحها بلفظ (الهبة).\nوقد تقرر أنه ﵇ وأمته سواء في الأحكام إلا ما خصه الدليل، ولا دلالة في قوله (خالصة) لك على كون النكاح بلفظ (الهبة) من خصائصه ﵇؛ لما سبق من أن معناه كون الواهبة من أمهات المؤمنين لا تحل لأحد بعده أبدًا، فلو وهبت نفسها من أحد من غير مهر وقبل الزوج بمحضر الشهود؛ يصح النكاح ولها مهر مثلها، هذا هو الصواب، وبه قال إبراهيم النخعي وعلماء الكوفة وغيرهم.\nواختلف هل كان يحل للنبيِّ الأعظم ﷺ نكاح اليهودية أو النصرانية بالمهر؟ فذهب جماعة إلى أنه لا يحل له ذلك لقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾، وذهب جماعة أنه يحل له ذلك، وقال معنى الآية وهي ﴿اللَاّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾؛ أي: الإسلام؛ أي: أسلمن معك، فيدل ذلك على أنه يحل له نكاح غير المسلمة، والله أعلم.\n (حتى إذا كان)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (بالطريق) وذلك أنه جاء في «الصحيح» فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء، وهي قرية جامعة من عمل الفرع لمزينة على نحو أربعين ميلًا من المدينة أو نحوها، والروحاء بفتح الراء وبالحاء المهملة ممدود، كذا في عمدة القاري؛ (جهزتها له أم سليم)؛ بضم السين المهملة، وهي أم أنس بن مالك، (فأهدتها)؛ أي: زفتها (له) ﵇، ومعناه: أهدت أم سليم صفية للنبيِّ الأعظم ﷺ (من الليل) وفي بعض الروايات: (فهدتها)، قيل: وهي الصواب قاله الكرماني وتبعه البرماوي، ويدل عليه قول الجوهري: (الهداء) مصدر قولك هديت أنا المرأة إلى زوجها هذا، كذا في «عمدة القاري».\n (فأصبح النبيُّ) الأعظم (ﷺ عروسًا) على وزن (فعول) يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، يقال رجل وامرأة عروس، وجمع الرجل عرس، وجمع المرأة عرائس، وفي المثل كاد العروس أن يكون ملكًا، والعروس اسم لحصن باليمن، وقول العامة: العروس للمرأة والعريس للرجل ليس له أصل، قاله إمام الشَّارحين.\nوفي رواية «الصحيح» أنه ﵇ أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب، وفي رواية: (أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام فبنى بصفية)، كذا في «عمدة القاري».\nويدل لهذا قوله (فقال) ﵇؛ أي: لأصحابه: (من كان عنده شيء)؛ أي: من الطعام؛ (فليجئ به) إلى مكاننا، وفي رواية: (فليجئني) بنون الوقاية، (وبَسَطَ)؛ بفتحات، (نِطعًا)؛ بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وهو الذي اختاره ثعلب في الفصيح، وهو في رواية «الفرع» وغيره.\nوذكر في «المخصص»: فيه أربع لغات؛ الأولى: بفتح النون وسكون الطاء، الثانية: بفتحتين، الثالثة: بكسر النون وفتح الطاء، الرابعة: بكسر النون وسكون الطاء، وجمعه أنطاع ونطوع، زاد في «المحكم»: أنطع، وقال أبو عمرو الشيباني في «نوادره»: (النطع: هو المبناة والستارة)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والظاهر أن النطع ثوب يشبه ستارة الباب، أو المحمل، أو يشبه اللباد يبسط (^١) على الأرض.\n (فجعل الرجل)؛ أي: من أصحابه الكرام (يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن) إلى تلك النطع فجمعوه فيها، (قال)؛ أي: عبد العزيز بن صهيب: (وأحسبه)؛ أي: أحسب أنس بن مالك (قد ذكر السَّويق)؛ بفتح السين المهملة وهو الدقيق الملتوت بالسمن، وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق وزعم الكرماني، ويحتمل أن يكون فاعل قال هو البخاري ويكون مقولًا للفربري، ومقول أحسب يعقوب، ورده إمام الشَّارحين بأنه غير ظاهر والأول هو الظاهر، كما لا يخفى، انتهى.\nقلت: وهو كذلك فإن ما ذكره الكرماني بعيد غاية البعد لا يعول عليه؛ فافهم.\n (قال) أي: الراوي (فحاسوا) بالحاء والسين المهملتين؛ أي: خلطوا أواتخذوا (حيسًا)؛ بفتح الحاء والسين المهملتين، بينهما مثناة تحتية ساكنة، وهو تمر يخلط بسمن وأقط، يقال: حاس الحيس يحسه؛ أي: يخلطه، وقال ابن سيده: (الحيس: هو الأقط يخلط بالتمر والسمن، وحاسه حيسًا وحيسه خلطه).\nوقال الجوهري: الحيس الخلط، ومنه سمِّي الحيس، وقال الشاعر:\nوإن تكن كريهة أدعى لها... وإذ يحاس الحيس يدعى جندب\nوقال آخر: التمر والسمن جميعًا، والأقط: الحيس إلا أنه لم يخلط.\nوفي «الغريبين» هو ثريد من أخلاط، قال الفارسي: الله أعلم بصحته، كذا في «عمدة القاري».\n (فكانت) بالفاء وفي رواية: (فكانوا) واسم كانت الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتخذ منها الحيس، وعلى الثانية اسمها الواو؛ لأنَّ موضعه رفع وهو يعود إلى الأشياء المصنوعة.\nوقوله: (وليمة)؛ بالنصب خبر كان على الوجهين (رسول الله ﷺ)؛ أي: طعام عرسه، والوليمة: عبارة عن الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأنَّ الزوجين يجتمعان فتكون الوليمة خاصة بطعام العرس، لأنَّه طعام الزفاف، والوكير: طعام البناء، والخرس: طعام الولادة، وما تطعمه النفساء نفسها خرسة، والإعذار: طعام الختان، والنقيعة: طعام القادم من سفره، وكل طعام صنع لدعوة:\n_________\n(^١) في الأصل: (ببسط).","vol":"1","page":240},{"text":"مأدبة ومأدبة جميعًا، والدعوة الخاصة: النقرى، والعامة: الجفلى والأجفلى، كذا في «عمدة القاري».\nوفيه: وهذا الحديث وصل الحديث الذي علقه البخاري فيما قبل [قليل] قريبًا، وهو قوله: وقال أنس: (حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه)، فإن قلت: ما كانت الفائدة بذكر هذا التعليق المقتطع من هذا الحديث المتصل قبل أن يذكر الحديث بكماله؟.\nقلت: يحتمل أن المؤلف أراد به الإشارة إلى أن ما ذهب إليه أنس من أن الفخذ ليس بعورة؛ فلهذا ذكره بعد ذكر ما ذهب إليه ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ فالمطابقة في هذا الحديث المتصل هو أن الفخذ ليس بعورة، ولا يخفى أن المطابقة في التعليق أظهر؛ لأنَّ الحديث يحتمل الوجهين في الفخذ، هل هو عورة أم لا؟ ويحتمل أن قول أنس ليس قطعة من هذا الحديث، بل موصول عند غير المؤلف، وأراد بذكره أن الفخذ ليس بعورة، وأراد بذكر الحديث أن الفخذ عورة؛ لأنَّ قوله (حُسِر) بصيغة المجهول يدل على أن الحسر كان بسبب الازدحام ونحوه؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام:\nالأول: فيه جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح، خلافًا لمن كرهه من بعض الشافعية.\nالثاني: فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وفيه غير ما حديث.\nالثالث: فيه استحباب التكبير والذكر عند الحرب وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥].\nالرابع: فيه استحباب التثليث في التكبير؛ لقوله: قالها ثلاثًا؛ أي: ثلاث مرات.\nالخامس: فيه جواز إجراء الفرس وأنه لا يخل بمراتب الكبير، لا سيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة، أو لتدريب (^١) النفس على القتال.\nالسادس: فيه أن الزفاف في الليل، وقد جاء أنه ﵇ دخل عليها في النهار؛ ففيه جواز الأمرين.\nالسابع: فيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول، والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة، وعندنا إجابة الدعوة سنة سواء كانت وليمة عرس أو غيرها، وبه قال مالك في رواية، وقيل: تجوز الوليمة قبل الدخول، وظاهر الحديث يرده.\nالثامن: فيه جواز إدلال الكبير لأصحابه وطلب طعامهم في نحو الوليمة وغيرها، ويستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم.\nالتاسع: فيه دليل على أن الوليمة تحصل بأي طعام كان ولا تتوقف على شاة، والسنة تقوم بغير اللحم، انتهى.\nقلت: وهذا الحديث يدل لذلك، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢٦\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-626>[باب في كم تصلي المرأة في الثياب]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف (في كم) ثوبًا (تصلي المرأة من الثياب) ولغير الأربعة: (في الثياب)، ولفظة (كم) لها الصدارة سواء كانت استفهامية أو خبرية، ولم تبطل صدارتها هنا؛ لأنَّ الجار والمجرور في حكم الكلمة الواحدة، ومميز (كم) محذوف تقديره: كم ثوبًا؟ قاله إمام الشَّارحين.\n (وقال عِكْرمة)؛ بكسر العين وسكون الكاف هو مولى ابن عباس أحد فقهاء مكة وإمام تفسير القرآن: (لو وارت) أي: سترت وغطت المرأة (جسدها في ثوب) واحد وصلت فيه؛ (جاز) كذا للأربعة، وفي رواية الكشميهني: (لَأجَزْته)؛ بفتح لام التأكيد والجيم وسكون الزاي، من الإجزاء.\nقال إمامنا الشَّارح: وهذا التعليق قد وصله عبد الرزاق، ولفظه: لو أخذت المرأة ثوبًا فتقنعت به حتى لا يرى من شعرها شيء؛ أجزأ عنها، وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: تصلي المرأة في درع وخمار خصيف، وروي أيضًا عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صفيقًا، وذكر عن ميمونة أنها صلت في درع وخمار، ومن طريق أخرى صحيحة أنها اغتسلت في درع واحد فضلًا، وقد وضعت بعض كمها على رأسها.\nومن طريق مكحول عن عائشة وعلي ﵄ قالا: (تصلي في درع سابغ وخمار)، وكذا روي عن أم سلمة من طريق أم محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفد، ومن حديث الليث عن مجاهد قال: (لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب)، وعن الحكم: (في درع وخمار)، وعن حماد: (درع وملحفة تغطي رأسها) انتهى.\nقلت: وما ذكره في التعليق هو معنى ما ذكره عبد الرزاق، والمراد بالثوب: الواسع، يدل عليه رواية عبد الرزاق: (حتى لا يرى...) إلى آخره، وهذا لا يكون إلا واسعًا، فهو حينئذ كثوبين؛ لأنَّ المقصود: الستر وهو يحصل بالواحد الواسع وبالاثنين، لكن المستحب للمرأة ثلاثة أثواب درع، وخمار، ومقنعة؛ فإنه أستر لها، وما ذكره هنا اقتصار بدون الأفضل، والأفضل الثلاثة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-627>[حديث: لقد كان رسول الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء]</span>\n٣٧٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليمان): هو الحكم بن نافع الحمصي (قال: حدثنا شعيب): هو ابن أبي حمزة القرشي، (عن الزهري): هو محمد بن مسلم ابن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة)؛ بضم العين المهملة: هو ابن الزبير بن العوام: (أن عائشة) الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (قالت) والله: (لقد كان رسول الله ﷺ) فـ (اللام) فيه جواب قسم محذوف، كما قدرناه (يصلي الفجر)؛ أي: يصلي صلاة الفجر في بعض أحيانه، لا يقال: إنَّ (كان) تدل على الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: إن التي تدل على هذا هي الناقصة، وهنا (كان) تامة؛ بمعنى: حض، أو وقع، أو وجد، فهي تدل على تلك المرة فقط؛ وهو ذلك الحين التي أخبرت به أنه يصلي في مسجده النبوي، (فيشهد) أي: فيحضر (معه)؛ وفي رواية: (فتشهد)؛ أي: فتحضر معه (نساءٌ)؛ بالتنكير، والتنوين فيه للتنويع، وهو جمع امرأة، لا واحد له من لفظه (من المؤمنات) هو لبيان الواقع (مُتَلفِّعاتٍ)؛ بالنصب على الحال من النساء، وهو بضم الميم وفتح المثناة الفوقية، وبالعين المهملة بعد الفاء المشددة، من التلفع؛ بالفاء والعين المهملة؛ أي: متلحفات، وفي رواية: (متلففات) بالفاء المكررة بدل العين؛ وهي رواية الأصيلي في غير «الفرع»، وله في «الفرع» (متلفعاتٌ) بالرفع صفة للنساء، والأكثر على خلافه.\nقال الأصمعي: (التلفع بالثوب: هو أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنَّه لم يرفع جانبًا منه فيكون فرجة فيه)، وهو عند الفقهاء: مثل الاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.\nوعن يعقوب: (اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة؛ أي: تلتحف به فيغيبها)، وعن كراع: (هو الملفع أيضًا)، وعن ابن دريد: (اللفاع: هو الملحفة أو الكساء)، وقال أبو عمر (^٢): (هو الكساء).\nوعن صاحب «العين»: (تلفع بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب كأنه غطى سواد رأسه ولحيته).\nوفي «شرح الموطأ»: (التلفع: أن تلقي الثوب على رأسه، ثم يلتف به، ولا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف؛ فيكون مع تغطية الرأس وكشفه).\nوفي «المحكم»: (الملفعة: ما يلفع به من رداء،\n_________\n(^١) في الأصل: (لتدريث)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":240},{"text":"أو لحاف، أو قناع).\nوفي «المغيث»: (وقيل: اللفاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ).\nوفي «الصحاح»: (لفع رأسه تلفيعًا: غطاه)، كذا في «عمدة القاري».\n (في مروطهن) المروط: جمع مِرط؛ بكسر الميم، قال القزاز: (المرط: ملحفة يتزر بها، والجمع أمراط ومروط)، وقيل: يكون المرط كساء من خز، أو صوف، أو كتان.\nوفي «الصحاح»: (المِرط بالكسر)، وفي «المحكم»: (وقيل: هو الثوب الأخضر)، وفي «مجمع الغرائب»: (أكيسة من شعر أسود)، وعن الخليل: (هي أكيسة معلمة)، وقال ابن الأعرابي: (هو الإزار).\nوقال النضر بن شميل: (لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء).\nوقال عبد الملك في «شرح الموطأ»: (هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كان (^١) النساء في ذلك الزمان يتزرن به ويتلففن)، كذا قاله الشَّارح.\n (ثم يرجعن) يعني: يصلين مع النبيِّ الأعظم ﷺ صلاة الفجر، ثم يرجعن من المسجد (إلى بيوتهن)؛ أي: بيوت أزواجهن، فالإضافة فيه من حيث سكناهن في البيوت، ويحتمل أنه على الحقيقة، لكن الظاهر الأول؛ لأنَّ السكنى على الزوج شرعًا من جملة النفقة الواجبة عليه لها (ما يعرفهن أحد)؛ أي: من الغلس، كما عند المؤلف في (المواقيت) وفي «سنن ابن (^٢) ماجه»: (يعني من الغلس)، وعند مسلم: (ما يعرفن من الغلس)، وعدم معرفتهن يحتمل أن تكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معناه ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: ما يعرفهن أحد؛ أي: أنساء هن أم رجال؟ وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: ووجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (متلفعات في مروطهن)؛ لأنَّ المستفاد منه صلاتهن في مروط، والمرط: ثوب واحد، ففي الحديث أن المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع؛ جازت صلاتها، وهو الذي ترجم له؛ لأنَّه استدل به على ذلك.\nفإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى، فلا يتم له الاستدلال به؟\nقلت: الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر، ولكن الأصل عدم الزيادة على ما أشار إليه؛ على أنه لم يصرح بشيء، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى كلامه، وتبعه ابن حجر وغيره.\nقلت: ولا ريب أن الأصل عدم الزيادة، والتفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى قول بعيد؛ لأنَّه لم يكن عند النساء وكذا الرجال إلا ثوب واحد، يدل عليه حديث أبي هريرة الذي تقدم في باب (الصلاة في القميص)، وفيه: قام رجل إلى النبيِّ الأعظم ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أَوَكلكم يجد ثوبين؟»؛ يعني: لا يجد كل واحد منكم ثوبين ونحوه عند الحافظ الطحاوي والطبراني، فهذا إخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب؛ والمعنى: أنه ليس لكل واحد منكم ثوبان، وإذا كان هذا حال الرجال؛ فالنساء أولى، فهذا الحديث وإن كان ليس فيه تقييد بذلك لكن المعنى عليه، والمطلق محمول على المقيد، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فتأمل.\nوفي «عمدة القاري»: واختلف في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب؛ فقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس: (تصلي في درع وخمار).\nوقال عطاء: (تصلي في ثلاثة: درع، وإزار، وخمار).\nوقال ابن سيرين: (في أربعة؛ الثلاثة المذكورة وملحفة).\nوقال ابن المنذر: (عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، سواء سترته بثوب واحد أو أكثر).\nولا أحسب ما روي عن المتقدمين: من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب.\nوقال الإمام الأعظم وسفيان الثوري: (قدم المرأة ليست (^٣) بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ صحت صلاتها)، وفي رواية عن الإمام الأعظم: (فسدت صلاتها)، وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهو رواية عن أحمد.\nوقال مالك وابن إدريس: قدم المرأة عورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ أعادت في الوقت عند مالك، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف، وعند ابن إدريس تعيد أبدًا) انتهى.\nوفيه: أن في الحديث دلالة على جواز خروج النساء للصلاة في المسجد بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وكرهه بعضهم للشواب، وقال الإمام الأعظم: (تخرج العجائز لغير الظهر والعصر؛ يعني: لصلاة الفجر والعشاءين)، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن: (يخرجن لجميع الصلوات، لكن اليوم يكره خروجهن للجميع للعجائز والشواب؛ لظهور الفساد وعموم الفتنة) انتهى.\nقلت: ولو نظر الإمام الأعظم ما يترتب على خروجهن من الفساد والفتنة؛ لقال: بحرمة خروجهن مطلقًا، فإن الذي يشاهد منهن في ديارنا الشريفة الشامية؛ يوجب القول بالحرمة والمنع من خروجهن مطلقًا؛ فافهم.\nواستدل بهذا الحديث مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق على أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه ﵇ فعل ذلك مرة، ثم صار يصليها في وقت الإسفار، كما يأتي.\nوقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور من التابعين، وغيرهم: (إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار)، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: رافع بن خديج، روى أبو داود عن محمود بن لبيد عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أصبحوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم، أو أعظم للأجر»، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: (حديث حسن صحيح)، ورواه ابن ماجه والنسائي أيضًا، وفي رواية: (أصبحوا بالفجر)؛ ومعناه: نوروا بصلاة الفجر، ورواه ابن حبان في «صحيحه»، ولفظه: «أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر»، وفي لفظ له: «فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم»، وفي لفظ للطبراني: «فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر».\nومنهم: محمود بن لبيد روى حديثه الإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أصبحوا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم»، ولم يذكر فيه رافع بن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور.\nوقال المزي: (محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي، ولد على عهد رسول الله ﷺ، وفي صحبته خلاف) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية، وذكر ابن أبي حاتم: أن البخاري قال: له صحبة، وقال أبي: لا يعرف له صحبة، وقال أبو عمرو: قول البخاري: «له صحبة»: أولى وأجدر، فعلى هذا؛ يحتمل\n_________\n(^١) في الأصل: (كن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أبي)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (ليس).","vol":"1","page":241},{"text":"أنه سمع هذا الحديث من رافع أولًا فرواه عنه، ثم سمعه من النبيِّ الأعظم ﷺ فرواه عنه) انتهى.\nقلت: وعلى فرض كونه أسقط رافعًا (^١)؛ فهو مرسل، وهو حجة عندنا والجمهور، لكن الظاهر أنه رواه مرتين كما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\nومنهم: بلال ﵁، روى حديثه البزار في «مسنده» نحو حديث رافع، ومنهم: قتادة بن النعمان، روى حديثه الطبراني في «معجمه» من حديث عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعًا نحوه، ورواه البزار أيضًا، ومنهم: ابن مسعود ﵁، روى حديثه الطبراني أيضًا عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم: أبو هريرة ﵁، روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم رجال من الأنصار أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار: أن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «أسفروا بالصبح؛ فإنه أعظم للأجر»، ومنهم أبو هريرة وابن عباس ﵁، أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر»، ومنهم: أبو الدرداء ﵁، أخرج حديثه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «أسفروا بالفجر تفقهوا»، ومنهم: حواء الأنصارية، أخرج حديثها الطبراني من حديث أبي بجيد الحارثي عن جدته حواء الأنصارية، وكانت من المبايعات، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، وابن بُجَيْد؛ بضم الموحدة، وفتح الجيم، بعدها تحتية ساكنة، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وجدته حواء بنت زيد بن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن.\nفإن قلت: كان ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى الأوامر فيه.\nقلت: الأمر إنَّما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة له إلى غيره، وهذه الأوامر ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب.\nفإن قلت: قد يؤول (الإسفار) في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يصبح الفجر، ولم يشك فيه، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة.\nقلت: هذا التأويل غير صحيح، فإن الغلس الذي يقولون به: هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقيل: ظهور الفجر، ولا تصح صلاة الصبح، فثبت أن المراد بالإسفار: إنَّما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس، وزوال الظلمة، وأيضًا فقوله ﵇: «أعظم للأجر»: يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت.\nوأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق ابن راهويه، وأبو داود الطيالسي في «مسانيدهم»، والطبراني في «معجمه» من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع ليلهم من الإسفار».\nوأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» من حديث أبي سعيد بيان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح حين يفسح البصر) انتهى.\nيقال: فسح البصر وانفسح؛ إذا رأى الشيء عن بعد؛ يعني به: إسفار الصبح.\nفإن قلت: قيل: إن الأمر بالإسفار إنَّما جاء في الليالي المقمرة؛ لأنَّ الصبح لا يتبين فيها جدًّا، فأمرهم بزيادة التبيين؛ استظهارًا باليقين في الصلاة.\nقلت: هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا في «معاني الآثار» بسند صحيح، ثم قال: (ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله ﵇ عليه).\nفإن قلت: قد زعم ابن حزم أن خبر الأمر بالإسفار صحيح، إلا أنه لا حجة فيه للحنفية إذا أضيف إلى الثابت من فعله ﵇ في التغليس حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن.\nقلت: الثابت من فعله ﵇ في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنَّه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأنَّ قوله ﵇: «أعظم للأجر»: أفعل التفضيل، فيقتضي أجرين؛ أحدهما: أكمل من الآخر؛ لأنَّ صيغة (أفعل) تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، انتهى.\nقلت: وما زعمه ابن حزم تناقض؛ لأنَّه قال: (خبر الأمر بالإسفار صحيح إلا أنه لا حجة فيه...) إلى آخره، وما هذا إلا تناقض، فإن قوله: (خبر الأمر بالإسفار صحيح) وهو كذلك، ويلزم منه أن يكون حجة للحنفية؛ لأنَّهم يقولون: إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار، وقد صح الحديث به، فهو حجة لهم.\nوقوله: (إلا أنه لا حجة فيه...) إلى آخره: ممنوع، فإنه متى صح الأمر؛ يكون حجة لمن قال بذلك، وقوله: (إذا أضيف...) إلى آخره: ممنوع، فإنه قد ثبت ذلك في بعض الأحيان وهو لا يقاوم ما كان عادة للنبيِّ ﷺ وأصحابه، يدل عليه ما أخرجه الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وسنده صحيح، فهذا يدل على أن عادتهم في صلاة الفجر الإسفار.\nولا ريب أن ذلك هو ما فعله النبيُّ الأعظم ﷺ؛ لأنَّهم أشد اتباعًا له ﵇، فثبت أن التغليس إنَّما كان في بعض الأحيان، وهو محمول على بيان الجواز لأجل التشريع، وثبت أن الأفضل في صلاة الصبح الإسفار، وأنه الثابت من فعله ﵇ على الدوام\n_________\n(^١) في الأصل: (رافع)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":241},{"text":"والاستمرار؛ فافهم.\nفإن قلت: روى أبو داود من حديث ابن مسعود: (أنه ﵇ صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات ﵇)، ورواه ابن حبان أيضًا؛ كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي.\nقلت: يرد هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها) انتهى.\nقالت العلماء: المراد بقوله: (قبل وقتها)؛ يعني: وقتها المعتاد في كل يوم؛ وهو الإسفار لا أنه صلاها قبل الفجر وإنما غلس بها، ويوضحه رواية البخاري: (والفجر حين تبزغ (^١»، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاها بغلس؛ لأنَّ قوله: (قبل وقتها المعتاد) يدل على أن وقت صلاة الفجر المعتاد له ﵇ هو وقت الإسفار دائمًا أبدًا، على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد ابن حنبل: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال النسائي والدارقطني: حديثه ليس بالقوي، انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ فحديثه ضعيف لا يحتج به، وهو لا يُقاومما ذكره البخاري ومسلم؛ فليحفظ.\nفإن قلت: قد قال البيهقي: رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى؛ لأنَّه تعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فإذا دخل الوقت؛ فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأنه ﵇ لا يأمر بأن يصلى في وقت يصليها هو في غيره، وهذا أشبه بسنته ﵇.\nقلت: المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا؛ لأنَّ الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار من أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها.\nفإن قلت: جاء في الحديث: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله»، وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يكون إلا عن تقصير.\nقلت: المراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ أي: الفضل، فكان معنى الحديث: أن من أدَّى الصلاة أول الوقت؛ فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه؛ لامتثاله أمره وأداءه ما وجب عليه، ومن أدى الصلاة في آخر الوقت؛ فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان.\nقلت: فالفضل ملازم للرضوان على أن أداء الصلاة في آخر وقتها ليس تقصيرًا؛ لأنَّه قد أمر بالمحافظة وهي المداومة، وقد فعل ما أمر به وأدى ما وجب عليه، فأين التقصير الذي فعله؟\nفإن قلت: جاء في الحديث: وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة في أول وقتها»، وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به.\nقلت: ذكر الأول للحث والتخصيص والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا؛ فالذي لا يؤدي في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله؛ لأنَّ الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع.\nوحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول.\nفإن قلت: قال البيهقي: قال الشافعي: وحديث رافع له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أنه ﵇ لما حض الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيه؛ احتمل أن يكون من الراغبين (^٢) من تقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: «أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر» معترضًا، فأراد ﵇ فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر، فأمرهم بالإسفار؛ أي: بالتبيين.\nقلت: يرد هذا التأويل وبيطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار»، وقد مر عن قريب.\nقلت: وكان الشافعي أراد بهذا الكلام التوفيق بين الحديثين (^٣)، ولا يخفى أن كلامه باطل غير صحيح؛ لأنَّ التضاد واقع بينهما، وقوله: (إنه ﵇ لما حض...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه ﵇ لا يأمر ولا يحض على تقديم الصلاة عن وقتها، يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها...)؛ الحديث وقد مر، ولا ريب أنه إذا كان كذلك لا يأمر الناس بعدمه، كما لا يخفى.\nوقوله: (احتمل أن يكون...) إلى آخره: ممنوع أيضًا، فإنه ليس في أحاديث الإسفار والتغليس ذكر الفجر الآخر وهو الصادق، ومعلوم أن الصلاة إنَّما تجب عند دخول وقتها وهو ظهور الفجر الصادق في صلاة الفجر، وأما الفجر الكاذب؛ فإنه يكون قبل دخول الوقت، فهو لا عبرة به، ولهذا بينه ﵇ في أحاديث غيرها، ولما كان لا عبرة به هنا؛ لم يتعرض له ﵇ هنا؛ لأنَّ المراد من الإسفار بعد دخول الوقت والفجر الكاذب لا يقال له الفجر الصادق، وشتان بين الصادق والكاذب.\nوقوله: (فأراد ﵇...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه ﵇ قد بين الأوقات، والصلاة إنَّما تجب بدخول وقتها وهو ليس فيه شك، ومن شروط الصلاة: اعتقاد دخول الوقت، والإسفار؛ معناه: التنوير كما فسره ﵇ بقوله: «نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم»، وهذا لا يكون في أول دخول وقت الفجر، بل في آخره، كما لا يخفى، فكلامه غير ظاهر؛ فافهم.\nوقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وإنَّهم -أي: الصحابة- كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، واعترضه ابن حازم في كتاب «الناسخ والمنسوخ»، فزعم أنه ليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنَّ حديث التغليس ثابت، وأنه ﵇ داوم عليه حتى فارق الدنيا.\nقال إمام الشَّارحين: يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم؛ يعني: من قوله: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها؛ يعني: المعتاد في كل يوم، وهو في وقت الإسفار).\nويدل عليه رواية\n_________\n(^١) في الأصل: (ترع)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (الراعين)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (الحدثين)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":242},{"text":"البخاري: (والفجرحين ترع)، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا أبدًا، وحديث التغليس ضعيف لا يحتج به، كما قاله الحفاظ، والأمر هو ما ذكره الحافظ الطحاوي، ويدل عليه اتفاق الصحابة ﵃ بعد النبيِّ الأعظم ﷺ على الإسفار بالصبح؛ لما رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، فهذا دليل واضح على نسخ حديث التغليس؛ لأنَّ إبراهيم أخبر أنَّهم كانوا -أي: الصحابة- اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبيُّ الأعظم ﷺ إلا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، والعجب من بعض شراح «البخاري» أنه يقول: ووهم الحافظ الطحاوي حيث ادعى أن حديث: «أسفروا» ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلا هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني؛ لما اجترأ على مثل هذا الكلام، انتهى كلام الشَّارح.\nقلت: وأراد بهذا البعض: ابن حجر، ولا يتعجب منه؛ لأنَّه مشهور بالتعصب، والتعنت، والعناد، وعدم الإنصاف، وما قال هذا الكلام إلا من عدم وقوفه ومعرفته بحديث إبراهيم النخعي وحديث ابن مسعود، الذي روى الأول ابن أبي شيبة والحافظ الطحاوي، والثاني: البخاري ومسلم، وما قال ذلك إلا ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ولعدم معرفته بمعاني الكلام قال ما قال، فالوهم محيط به، ولله در مؤلف «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، فإنه قد أودع فيه أبحاثًا (^١) رائقة، ونفحات فائقة، وأظهر الأوهام التي وقع فيها ابن حجر الذي تصدر لشرح «البخاري»، وليس الشرح في الحقيقة له، وإنما هو لمن نقل عنه، وهو الشيخ قطب الدين الحلبي، فإنه حين كان ابن حجر في حلب؛ أخذ شرحه واستنسخه ونسبه لنفسه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٢٨\"> </span>(١٤) <span data-type=\"title\" id=toc-628>[باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين، يذكر فيه: (إذا صلى)؛ أي: الشخص سواء كان رجلًا أو امرأةً، وسواء كانت الصلاة فرضًا، أو واجبًا، أو نفلًا (في ثوب) أي: وهو لابس ثوبًا (له أعلام): جمع عَلَم؛ بفتح العين المهملة واللام، (ونظر) أي: المصلي وهو في صلاته (إلى عَلَمها)؛ بفتح العين واللام، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: هل يكره له ذلك أم لا؟ قال الكرماني: (والتأنيث فيه باعتبار الخميصة) انتهى.\nونقله عنه ابن حجر بالعكس، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: فقد وهم ابن حجر، فاختلط عليه النقل، فكيف بذكر المعنى؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٢٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-629>[حديث: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني </span>بأنبجانية أبي جهم]\n٣٧٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن يونس): نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإنما هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي التميمي الكوفي (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (قال: حدثنا ابن شهاب) وفي رواية ابن عساكر: (عن ابن شهاب): هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، (عن عُرْوة)؛ بضم أوله، وسكون ثانيه المهملين: هو ابن الزُّبير -بضم الزاي- ابن العوام؛ بتشديد الواو، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ صلى)؛ أي: صلاة الفرض بأصحابه جماعة في مسجده النبوي (في خَمِيصة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالصاد المهملة: وهي كساء أسود مربع، له أعلام أو علمان، وتكون من خز أو صوف، ولا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، وسميت بذلك؛ للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذة من الخمص؛ وهو ضمور البطن، وزعم ابن حبيب في «شرح الموطأ» أنها كساء صوف، أو مرعزي معلم الصنعة، كذا في «عمدة القاري».\n (لها أعلام): جمع عَلَم؛ بفتحتين، والجملة اسمية محلها الجر؛ لأنَّها صفة لـ (خميصة)، (فنظر) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (إلى أعلامها) وهو في صلاته (نظرة)؛ أي: واحدة، (فلما انصرف)؛ أي فرغ من صلاته واستقبال القبلة؛ استقبل أصحابه وانتزع خميصته (قال) جواب (لما) لهم: (اذهبوا بخميصتي هذه) أي: التي صلى فيها (إلى أبي جَهْم)؛ بفتح الجيم، وسكون الهاء: هو عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، وقيل: اسمه عبيد، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وتوفي في آخر خلافة معاوية ﵁، وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في (المرور)، كذا في «عمدة القاري».\nوفيه: فإن قلت: ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه؟\nقلت: لأنَّ أبا جهم هو الذي أهداها له ﷺ، فلذلك ردها عليه، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي عن عائشة ﵂ قالت: «أهدى أبو جهم إلى النبيِّ الأعظم ﷺ خميصة شامية، لها علم، فشهد فيها النبيُّ الأعظم ﷺ الصلاة، فلما انصرف؛ قال: «ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم، فإنها كادت تفتني» انتهى.\n (وأتوني بأنبجانية أبي جهم) قال إمام الشَّارحين: اختلفوا في ضبط هذه اللفظة ومعناها؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبَِجاني -بكسر الموحدة وفتحها-؛ إذا كان ملتصقًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وقال الجوهري: إذا نسبت إلى منبَج؛ فتحت الباء الموحدة، وقلت: كساء منبَجاني، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني، وقال أبو حاتم: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما يخطئ فيه العامة، وإنما يقال: مَنبَجاني؛ بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لم فتحت الباء، وإنما نسب إلى منبِج بالكسر؟ قال: خرج مخرج منظراني ومخبراني، قال: والنسب مما يغير البناء، وقال القزاز: والنباج: موضع ينسب إليه الثياب المنبجانية، وفي «الجمهرة»: ومنبج: موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية، وفي «المحكم»: أن منبج موضع، قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنَّها إنَّما كثرت مزيدة أولًا؛ فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولًا في الاسم والصفة، وكذلك النباج وهما نباجان؛ نباج بنتل، ونباج ابن عامر، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير القياس، وفي «المغيث»: المحفوظ كسر باء (الأنبِجانية)، وقال ابن الحصار: من زعم أنه منسوب إلى منبج؛ فقد وهم.\nقال إمام الشَّارحين:\n_________\n(^١) في الأصل: (أبحاث)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":242},{"text":"قلت: مَنْبِج؛ بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الموحدة، آخره جيم: بلدة من كور قنسرين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسماها: منبه، وبنى بها بيت نار ووكل بها رجلًا فعربت، فقيل: منبج، والنسبة إليها: منبجي على الأصل، ومنبجاني على غير القياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صدف: صدفي؛ بفتحها، وعن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى مَنبِج؛ بفتح الميم، وكسر الباء، ويقال: نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان، وفي هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب في لفظ الحديث.\nوأما معناها؛ فزعم عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ» هي كساء غليظ يشبه الشملة، يكون سداه قطنًا غليظًا أو كتانًا غليظًا، ولحمته صوف ليس بالمبرم، في فتله لين غليظ يلتحف بها في الفراش، وقد يشتمل بها في شدة البرد، وقيل: هي من أدوان الثياب الغليظة، يتخذ من الصوف، وقيل: هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم؛ فهو خميصة، وإن لم يكن؛ فهو أنبجانية، انتهى كلامه\n (فإنها) أي: الخميصة (ألهتني)؛ أي: شغلتني، وهو من الإلهاء، وثلاثيه لهي الرجل عن الشيء يلهى عنه؛ إذا غفل، وهو من باب (علِم يعلَم)، وأما لها يلهو؛ إذا لعب؛ فهو من باب (نصَر ينصُر)، وفي «الموعب»: وقد لها يلهو والتهى، وألهاني منه كذا؛ يعني: أنساني وشغلني، كذا في «عمدة القاري».\n (آنفًا)؛ بفتح الهمزة الممدودة؛ أي: قريبًا، واشتقاقه من الائتناف (^١) بالشيء؛ أي: الابتداء به، وكذلك الاستئناف، ومنه: أنف كل شيء وهو أوله، ويقال: قلت: آنفًا وسالفًا، وانتصابه على الظرفية، قال ابن الأثير: (قلت: الشيء آنفًا؛ أي: في أول وقت يقرب مني) انتهى.\n (عن صلاتي)؛ أي: عن كمال الحضور فيها، وتدبير أركانها وأذكارها، والاستقصاء في التوجه إلى جناب الجبروت، كذا قاله إمام الشَّارحين، وزعم القسطلاني أنه لا يقال هذا المعنى؛ لأنَّ قوله في التعليق الآتي: (فأخاف أن تفتني) يدل على نفي وقوع ذلك، انتهى.\nقلت: إمام الشَّارحين قد فسر معنى هذا الحديث وهو يدل على أنه قد وقع الإلهاء منه؛ لأنَّ قوله: (ألهتني) صريح في الوقوع، وأما التعليق؛ فإنه لم يتعرض له هنا، وسيأتي الكلام عليه على أنه يحتمل تعدد القصة؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: فإن قلت: كيف بعث ﵇ بشيء يكرهه إلى غيره؟\nقلت: بعثها لأبي جهم لم يكن لما ذكر، وإنما كان لأنها كانت سبب غفلته وشغله عن الخشوع، وعن ذكر الله ﷿، كما قال ﷺ: «اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة، فإنه واد به شيطان»، ألا ترى إلى قوله ﵇ لعائشة في الضب: «إنا لا نتصدق بما لا نأكل»، وكان هو ﷺ أقوى خلق الله لدفع الوسوسة، ولكن كرهها؛ لدفع الوسوسة.\nوزعم ابن بطال أن بعثه ﵇ الخميصة لأبي جهم وطلب أنبجانيته هو من باب الإدلال عليه؛ لعلمه بأنه يفرح بذلك، انتهى.\nفإن قلت: أليس فيه تغيير خاطر أبي جهم بالرد عليه؟\nقلت: لعلمه بأنه يفرح بذلك، كما زعمه ابن بطال.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا ليس بشيء، والأولى منه هو ما دلت عليه رواية أبي موسى المديني: «ردوها عليه وخذوا أنبجانيته»؛ لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه، وعند أبي داود: «شغلني أعلام هذه»، وأخذ كرديًّا كان لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله؛ الخميصة كانت خيرًا من الكردي) انتهى.\nقلت: فهذا يرد ما زعمه ابن بطال، ويدل على أنه ﵇ علم أن أبا جهم يكره رد الهدية، وأنه ﵇ طلب الأنبجانية تطييبًا لخاطره، ولئلا يتأذى قلبه بذلك؛ فافهم.\nفإن قلت: أليس فيه إشارة إلى استعمال أبي جهم الخميصة في صلاته؟\nقلت: لا يلزم منه ذلك، ومثله قوله في حلة عطارد؛ حيث بعث بها إلى عمر بن الخطاب: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها»، وإنما أباح له الانتفاع بها من جهة بيع أو كساء لغيره من النساء.\nفإن قلت: ليست قضية أبي جهم مثل قضية عمر؛ لأنَّه ﵇ قال له: «لم أبعث بها إليك لكذا»، وكذا وهي إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته، فكيف لا تلهي أبا جهم، على أنه قيل: إنه كان أعمى، فالإلهاء مقصود عنده؟\nقلت: لعله ﵇ علم أنه لا يصلي فيها، ويحتمل أن يكون خاصًّا بالشَّارع، كما قال: «كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي».\nفإن قلت: المراقبة شغلت خلقًا من أتباعه حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ولم يعلم به.\nقلت: أولئك كانوا يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم، وكان الشَّارع ﵇ يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل؛ فقال: «لست كأحدكم»، وإذا سلك طريق غيرهم؛ قال: «إنما أنا بشر»، فرد إلى حالة الطبع، فنزع الخميصة ليس فيه ترك كل شاغل، انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث أحكام؛ ففيه جواز لبس الثوب المعلم، وجواز الصلاة فيه، وفيه أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو مجمع عليه، وزعم ابن بطال وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر مما ليس متعلقًا بالصلاة، والذي حكي عن بعض السلف: أنه مما يضر غير معتد به) انتهى.\nوفيه طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عنه، ولهذا قال أصحابنا: المستحب أن يكون المصلي نظره إلى موضع سجوده؛ لأنَّه أقرب إلى التعظيم من إرسال الطرف يمينًا وشمالًا.\nوفيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة، والإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها.\nوفيه منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطئ أحدهم موضع قدمه إذا مشى.\nوفيه تكنية العالم لمن دونه وكذا الإمام.\nوفيه كراهة تزويق المحراب في المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات.\nوفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم، واستدل به الباجي على صحة المعاطاة في العقود؛ لعدم ذكر الصيغة.\nوفيه كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على أردائهم.\nوفيه أن لصور الأشياء الظاهرة تأثيرًا في النفوس الطاهرة (^٢) والقلوب الزكية.\n_________\n(^١) في الأصل: (الإيناء)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (الظاهرة)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":243},{"text":"وقال الطيبي: (إنما أرسلها إليه؛ لأنَّه كان أهداها إياه، فلما ألهاه علمها؛ أي: شغله عن الصلاة بوقوع نظره إلى نقوش العلم؛ ردها عليه، أو تفكره في أن مثل ذلك للرعونة التي لا يليق به ردها إليه، واستبدل منه أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه) انتهى.\n (وقال هشام بن عروة): هو ابن الزبير، قال إمام الشَّارحين: (وهذا تعليق رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، ورواه أبو داود عن عبيد الله، عن معاذ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عنه، ورواه أبو معمر فقال: عمرة عن عائشة، قال الإسماعيلي: ولعله غلط منه، والصحيح عروة، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق، وذكره خلف) انتهى.\nقلت: والظاهر أنه سهو من الناسخ الأول وتبعه النساخ، والصواب عروة، كما لا يخفى، وزعم الكرماني أن قوله: (وقال هشام) عطف على قوله: (قال ابن شهاب)، وهو من جملة شيوخ إبراهيم، ويحتمل أن يكون تعليقًا، انتهى.\nقلت: ولو اضطلع على ما قاله إمام الشَّارحين؛ لم يحتج إلى هذا التردد على أنَّ هذا ظاهر في أنه تعليق، فكأنه لم يضطلع على ما ذكره الشَّارح فتردد، فلله در شارحنا من إمام؛ فافهم.\n (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) الصديقة ﵂ قالت: (قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ) يومًا وهو في حجرتها: (كنت أنظر إلى علمها)؛ بفتح العين المهملة واللام؛ يعني: الخميصة (وأنا في الصلاة): جملة حالية، (فأخاف أن تَفتِنِّي)؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الثانية، وبالنونين، من فتنه يفتنه من باب (ضرب يضرِب)، وفي رواية: (يَفتنني)؛ بفتح التحتية أوله بدل الفوقية، ويجوز أن تكون بالإدغام، وأن تكون بضم المثناة الفوقية من الثلاثي المزيد، يقال: فتنه وأفتنه، وأنكره الأصمعي.\nفإن قلت: كيف يخاف الافتتان من لم يلتفت إلى الأكوان ما زاغ البصر وما طغى؟\nقلت: إنه ﵇ كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، وأما إذا رد إلى طبعه البشري؛ فإنه يؤثر في البشر، واعلم أن هذه الرواية لم يقع له ﵇ شيء من الخرق من الإلهاء؛ لأنَّه قال: «فأخاف»، وهو مستقبل، ويدل عليه أيضًا رواية مالك: «فكاد يفتنني»، فهذا يدل على أنه لم يقع، والرواية الأولى تدل على أنه قد وقع؛ لأنَّه صرح بقوله: «فإنها ألهتني»، والتوفيق بينهما يمكن بأن يقال: للنبيِّ الأعظم ﷺ حالتان؛ حالة بشرية، وحالة يختص بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى الحالة البشرية؛ قال: «ألهتني»، وبالنظر إلى الحالة الثانية؛ لم يحزم به، بل قال: «أخاف»، ولا يلزم من ذلك الوقوع، وأيضًا فيه تنبيه لأمته ليحترزوا عن مثل ذلك في صلاتهم؛ لأنَّ الصلاة المعتبرة أن يكون فيها خشوع، وما يلهي المصلي ينافي الخشوع والخضوع، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم القسطلاني أن قوله: «ألهتني» في الرواية الأولى يحمل على قوله: «كاد» في رواية مالك، فيكون الإطلاق؛ للمبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء، انتهى.\nقلت: وهذا الحمل غير صحيح؛ لأنَّ الرواية الأولى صريحة في وقوع الإلهاء، فكيف يحمل على قرب الوقوع؛ لأنَّ قوله ﵇: «ألهتني»، وأمره لأصحابه بردها إلى أبي جهم، وأمرهم بأن يأتوه بأنبجانيته دليل واضح على تحقق وقوع الإلهاء، ويدل عليه رواية أبي داود: «شغلني أعلام هذه»، وهي تدل على تحقق الوقوع أيضًا، ولا مانع من ذلك؛ فافهم فافهم.\nفالظاهر هو ما قاله إمام الشَّارحين هنا وهناك وهو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، ويحتمل تعدد القصة، ففي القصة المذكورة في الرواية الأولى: (ألهته)؛ يعني: تحقق وقوعه، وفي القصة المذكورة في هذا التعليق لم يقع، بل خاف وقوعه، وفي القصة المذكورة في رواية مالك لم يقع، بل قرب وقوعه؛ لقوله: «فكاد»، وفي القصة المذكورة في رواية الحافظ الطحاوي التعبير بالافتتان وهو لم يقع بل قرب وقوعه لقوله: «فكاد»، ويدل على أن القصة متعددة أن أبا جهم كان تاجرًا وأنه يستجلب أنواع الخميصة والأنبجانية من الشام، وأنه يهدي إلى النبيِّ الأعظم ﷺ في كل مرة خميصة، ويدل على ذلك أن في الرواية الأولى: قال ﵇: «ولها أعلام»؛ بالجمع، وفي الرواية الثانية قال: «إلى علمها»؛ بالإفراد، وفي رواية الحافظ الطحاوي: «لها علم»؛ أي: واحد، فهذا يدل على أن الخميصة المهداة له ﵇ متعددة؛ لأنَّ أبا جهم تارة أهدى له خميصة لها أعلام، وتارة أهدى له خميصة لها علم واحد، ويدل على ذلك أيضًا أنه في الرواية الأولى قال لأصحابه: «اذهبوا وائتوني»، وكذا في رواية أبي موسى قال: «ردوها»، وهو يدل على أن الذين تولوا ردها أصحابه.\nوفي رواية الحافظ الطحاوي: قال ﵇ لعائشة: «ردي هذه الخميصة» وهو يدل على أنها هي التي تولت ردها بنفسها، وهو يدل على تعدد القصة؛ لأنَّ عائشة لم تكن مع أصحابه في المسجد، بل كانت في حجرتها، وقد صلى ﵇ في حجرتها، فإنه لا يمكن اختلاط النساء بالرجال، ولو كان ذلك بحضرتها وحضرتهم؛ لما أمرها بردها، بل كان يأمر بعض أصحابه، فهذا كله يدل على أن القصة متعددة، وفيه أن صلاته في الرواية الأولى كانت فرضًا، وفي هذه الرواية كانت نفلًا، والله تعالى أعلم بالصواب.\n\n <span id=\"b-٦٣٠\"> </span>(١٥) <span data-type=\"title\" id=toc-630>[باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته</span>؟]\nهذا (باب)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف (إن صلى)؛ أي: الشخص سواء كان رجلًا أو امرأة (في ثوب): الجار والمجرور حال؛ أي: حال كونه في ثوب (مُصلَّب)؛ بضم الميم، وفتح اللام المشددة؛ أي: منقوش بصور الصلبان، كذا قاله إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أي:","vol":"1","page":243},{"text":"فيه صلبان، ورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ليس المعنى كذلك، بل معناه: إن صلى في ثوب منقوش بصور الصلبان) انتهى.\nقلت: وقوله: (منقوش بصور الصلبان) يشمل ما إذا كانت الصلبان منسوجة أو معلمة؛ لأنَّ كلًّا منهما يقال له: منقوش، وأما قول ابن حجر: (فيه صلبان): قاصر المعنى؛ لأنَّه غير شامل لما نقش فيه، ولما علم فيه من الصور، بل قاصر على تصور الثوب صلبان، وهو خلاف المعنى المراد، فقد وهم ابن حجر في ذلك، كما بينه صاحب «إيضاح المرام»؛ فافهم.\n (أو): في ثوب ذي (تصاوير)؛ أي: مصور بتصاوير، وهو عطف على (مصلب) مع حذف حرف الصلة كما سيأتي، قال الجوهري: التصاوير: التماثيل، وقد جاء التصاوير، والتماثيل، والتصاليب، فكأنها في الأصل جمع تصوير، وتمثال وتصوير، وفرق العلماء بين الصورة والتمثال؛ فقالوا: الصورة تكون في الحيوان، والتمثال يكون فيه وفي غيره، ويقال: التمثال ما له جرم وشخص، والصورة ما كان رقمًا أو تزويقًا في ثوب أو حائط.\nوقال المنذري: قيل: التمثال: الصورة، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]: إنها صور العقبان والطواويس على كرسي سليمان ﵇ وكان مباحًا، وقيل: صور الأنبياء والملائكة ﵈ من رخام وشبه؛ لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم، وقيل: صور الآدميين من نحاس، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني أن قوله: (أو تصاوير) عطف (على ثوب) لا على (مصلب)، والمصدر بمعنى المفعول، أو على (مصلب)، لكن بتقدير: أنه في معنى ثوب مصور بالصليب فكأنه قال: مصور بالصليب أو بتصاوير غيره.\nوزعم ابن حجر أن قوله: (أو تصاوير)؛ أي: في ثوب ذي تصاوير، فكأنه حذف المضاف؛ لدلالة المعنى عليه، واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: جعل الكرماني (تصاوير) مصدرًا بمعنى المفعول غير صحيح؛ لأنَّ التصاوير اسم للتماثيل، كذا قاله أهل اللغة، وساق كلام الجوهري السابق، ولئن سلمنا كون التصاوير مصدرًا في الأصل جمع تصوير؛ فلا يصح أن يقال عند كونه عطفًا على (ثوب)، أن يقدر: أو إن صلى في ثوب مصورة؛ لعدم التطابق حينئذٍ بين الصفة والموصوف مع أنه شرط، والظاهر: أنه عطفٌ على (مصلب) مع حذف حرف العلة؛ تقديره: إن صلى في ثوب مصور بصلبان أو ثوب مصور بتصاوير التي هي التماثيل، وقول ابن حجر: (لدلالة المعنى عليه): لم يبين أن المعنى الدال عليه ما هو؟ والقول بحذف حرف الصلة أولى من القول بحذف المضاف؛ لأنَّ ذاك شائع ذائع) انتهى.\nقلت: فإن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، فحذف المضاف غير شائع في كلامهم على أنه لم يدل الدليل على حذفه، ولم يظهر المعنى الدال عليه، ولو ظهر لابن حجر؛ لبينه، فكأنه ذكره رجمًا بالغيب، فهو ممنوع، والظاهر بل الصواب: ما قاله الشَّارح ﵁؛ فليحفظ.\n (هل تفسد صلاته): استفهام على سبيل الاستفسار، جرى المؤلف على عادته في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف؛ لأنَّ العلماء اختلفوا في النهي الوارد في الشيء، فإن كان لمعنًى في نفسه؛ فهو يقتضي الفساد، وإن كان لمعنًى في غيره؛ فهو يقتضي الكراهة أو الفساد، فيه خلاف، انتهى.\n (وما ينهى من ذلك)؛ أي: والذي ينهى عن ذلك المذكور؛ وهو الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو بتصاوير، كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية أبي الوقت والأصيلي: (وما ينهى عنه)؛ بالضمير، وفي رواية غيرهم: (وما ينهى عن ذلك)، بكلمة (عن) موضع (من)، والأول أصح، قاله إمام الشَّارحين.\n\n <span id=\"b-٦٣١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-631>[حديث: أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره </span>تعرض في صلاتي]\n٣٧٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو معمر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة (عبد الله بن عمرو)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم: هو البصري (قال: حدثنا عبد الوارث): هو ابن سعيد؛ بكسر العين المهملة، البصري (قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب)؛ بضم الصاد المهملة، البصري (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك): هو الأنصاري (قال: كان قِرام)؛ بكسر القاف، وتخفيف الراء: وهو ستر رقيق من صوف ذو ألوان، وقال أبو سعيد (^١): (القرام): صوف غليظ جدًّا يفرش في الهودج، وفي «المحكم»: هو ثوب من صوف ملون، والجمع قرم، وعن ابن الأعرابي: جمعه قروم، وهو ثوب من صوف فيه ألوان من عهن، فإذا خيطفصار (^٢) كأنه بيت؛ فهو كلة، وقال القزاز وابن دريد: هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ على الهودج وغيره، وقال الخليل: يتخذ سترًا أو يغشى به هودج أو كلة، وزعم الجوهري أنه ستر فيه رقم ونقوش، قال: وكذلك المقرم والمقرمة، كذا في «عمدة القاري».\n (لعائشة)؛ أي: الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (سترت به جانب بيتها): وفي لفظ للنسائي: (كان في بيتي ثوب فيه تصاوير، فجعلته إلى سهوة في البيت، فكان رسول الله ﷺ يصلي إليه)، وفي لفظ: (فإن فيه تمثال طير مستقبل البيت إذا دخل الداخل)، وفي لفظ: (قدم النبيُّ الأعظم ﷺ من سفر وقد استترت بقرام على سهوة لي فيه تماثيل)، (فقال النبي) الأعظم (ﷺ) لعائشة: (أميطي)؛ أي: أزيلي (^٣)، وهو أمر من أماط يميط، قال ابن سيده: يقال: ماط عني ميطًا ومياطًا، وأماط: تنحى وبعد، وأماطه وماطه عني: نحاه ودفعه، قال بعضهم: مطت به وأمطته على حكم ما يتعدى إليه الأفعال غير المتعدية بالفعل في الغالب، وماط الأذى ميطًا وأماطه: نحاه ودفعه، كذا في «عمدة القاري».\n (عنا قرامك هذا): وفي لفظ للنسائي: (ثم قال: «يا عائشة؛ أخريه عني»، فنزعته فجعلته وسائد)، وفي لفظ: (فيه تصاوير، فنزعه ﵇ فقطعه وسادتين، فكان يرتفق عليهما)، وفي لفظ: «أخري هذا، فإني إذا رأيته؛ ذكرت الدنيا»، وفي لفظ: «دخل علي رسول الله ﷺ وقد استترت بقرام فيه تماثيل، فلما رآه؛ تلون وجهه، ثم هتكه بيده، وقال: «إنَّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله»، وفي لفظ: (خرج رسول الله ﷺ خرجة، ثم دخل وقد علقت قرامًا فيه الخيل أولات الأجنحة؛ فلما رآه؛ قال: «انزعيه»).\n (فإنه لا تزال تصاوير) بدون الضمير، والهاء في (فإنه) ضمير الشأن، وفي رواية: (تصاويره)؛ بالإضافة إلى الضمير، فالضمير في (فإنه) يرجع إلى الثوب، كذا في «عمدة القاري».\n (تَعرِض)؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء؛ أي: تلوح لي، وفي رواية الإسماعيلي: (تَعَرَّض)؛ بفتح المثناة والعين، وتشديد الراء، وأصله: تتعرض، فحذفت إحدى التاءين كما في (نار تلظَّى) (في صلاتي)، ووجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الستر الذي فيه التصاوير إذا نهى عنه الشَّارع فمنع لبسه بالطريق الأولى.\nفإن قلت: الترجمة شيئان والحديث لا يدل إلا على شيء واحد وهو الثوب الذي فيه الصورة.\nقلت: نعم ويلحق به الثوب الذي فيه صور الصلبان؛ لاشتراكهما في أن كلًّا منهما عبد من دون الله، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n_________\n(^١) في الأصل: (سعد)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (صار)، والمثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (أزيل)، وهو تحريف.","vol":"1","page":244},{"text":"وزعم الخطابي (^١) فيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها، سواء كانت أشخاصًا ماثلة أو غير ماثلة، وسواء كانت في ستر، أو بساط، أو في وجه جدار، أو غير ذلك.\nقلت: إنَّما قال ذلك؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، وإلا؛ فالحديث لا يشمل ما يبسط ويفرش على الأرض، كما يأتي.\nوقال ابن بطال: علم من الحديث النهي عن اللباس الذي فيه التصاوير بالطريق الأولى، وهذا كله على الكراهة، فإن من صلى فيه؛ فصلاته مجزئة؛ لأنَّه ﵇ لم يعد الصلاة، ولأنه ﵇ ذكر أنها عرضت له ولم يقل: إنه قطعها، ومن صلى بذلك أو نظر إليه؛ فصلاته مجزئة عند العلماء.\nوقال المهلب (^٢): وإنما أمرنا ﵇ باجتناب هذا؛ لإحضار الخشوع في الصلاة وقطع دواعي الشغل، وقيل: إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف ﵁، رواه مالك بن أنس، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله: (أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانًا ينزع غطاء تحته، فقال له سهل: لم تنزعه؟ قال: لأنَّ فيه تصاوير، وقد قال رسول الله ﷺ ما قد علمت، قال: ألم يقل إلا ما كان رقمًا في ثوب؟ قال: بلى، ولكنه لم يكن أطيب لنفسي)، وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب، عن معن، عن مالك به، واحتج أصحابنا بهذا الحديث على أن الصور التي تكون فيما يبسط، ويفترش، ويمتهن خارجة عن هذا النهي الوارد في هذا الباب، وبه قال الثوري، والنخعي، ومالك، وأحمد في رواية، وقال أبو عمر: ذكر ابن القاسم قال: كان الإمام الأعظم وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا في أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وكان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب، وقال أبو عمر (^٣) (وكره الليث التماثيل في البيوت، والأسرة، والقباب، والطساس، والمنارات إلا ما كان رقمًا في ثوب، وأما الشافعي؛ فإنه كره الصور مطلقًا سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوهما، واحتج بعموم حديث النهي، ولم يفرق في ذلك) انتهى.\nقلت: والحديث حجة عليه؛ لأنَّه قد فرق بين المعلق وبين المنبسط المفترش، فالأول مكروه دون الثاني؛ فليحفظ.\nوذكر القسطلاني أن أمره ﵇ بالإماطة في حديث الباب يستلزم النهي عن الاستعمال، انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فإنه ﵇ ذكر سبب الأمر بالإماطة أنه تعرض له في صلاته، فالأمر بالإماطة قاصر على ما كانت الصور في البيوت والستور المعلقة، فلا يشمل ما إذا كانت مبسوطة مفروشة يوطأ عليها بالأرجل، فالنهي خاص بما قلنا، وهو لا يستلزم النهي عن الاستعمال فيما ذكر، لا سيما وقد دل حديث سهل بن حنيف أن النهي منسوخ؛ فافهم.\nوما في حديث عائشة عند المؤلف في (اللباس) قالت: (لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا نقضه)؛ فهو لا يدل على النفي على العموم؛ لأنَّ التصليب خلاف الصورة التي في الثوب، فإنما كان ينقض التصليب؛ لأنَّه معبود عند النصارى، بخلاف الصورة في الثوب، فإنه كان يتركها تبسط وتفرش، يدل عليه حديث سهل بن حنيف على أن قوله: (إلا نقضه)؛ معناه: حوَّله إلى مكان آخر، يقال: نقض زيد باب داره؛ بمعنى: حوَّله، فكان يحوِّله عن موضع صلاته، فالحديث ليس على العموم؛ فافهم.\nوحكى مكي في «الهداية» له: أن جماعة جوزت التصوير، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾، قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه، ورده القرطبي فقال: (ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم: عمل الصور جائز؛ لهذه الآية، وقال قوم: صح النهي عن النبيِّ الأعظم ﷺ عنها، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله بهذا ما كان مباحًا قبله، وكانت الحكمة في ذلك أنه ﵇ بعث والصور تعبد من دون الله، فكان الأصلح إزالتها، وكان ذلك جائزًا في شريعة سليمان ﵇، ونسخ ذلك في شريعة النبيِّ الأعظم ﷺ) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٣٢\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-632>[باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف؛ يذكر فيه حكم (من صلى في فَرُّوج)؛ بفتح الفاء، وضم الراء المشددة، آخره جيم: وهو القباء الذي شق من خلفه، وقال أبو العلاء المعري: يقال فيه: بضم الفاء من غير تشديد على وزن (خروج)، وقال القرطبي: (القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين، ضيق الوسط، مشقوق من خلف، يشمر فيه للحرب والأسفار) انتهى.\nوالمعنى: من صلى وهو لابس فروجًا من (حرير)؛ بالجر صفة لـ (فروج) (ثم نزعه): بعد فراغه من الصلاة، وهذا حكاية ما وقع من النبيِّ الأعظم ﷺ.\n\n <span id=\"b-٦٣٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-633>[حديث: لا ينبغي هذا للمتقين]</span>\n٣٧٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي المصري (قال: حدثنا الليث): هو ابن سعد المصري، وزعم الكرماني أنه عرض عليه المنصور ولاية مصر فاستعفى، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قد قيل: إنه ولي مدة يسيرة، وكان على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁) انتهى.\nقلت: ويدل لذلك ما قاله المؤرخون منهم: -ابن خلكان-: إن الليث حنفي على مذهب الإمام الأعظم ﵁، وما قيل: إنه مجتهد؛ فباطل وتعصب؛ فافهم.\n (عن يزيد) زاد الأصيلي: (هو ابن أبي حبيب)، وفي رواية ابن عساكر: (ابن أبي حبيب): هو المصري، (عن أبي الخير): هو مَرثد -بفتح الميم، وبالثاء المثلثة- اليَزَنِي؛ بفتح التحتية والزاي، بعدها نون مكسورة، (عن عقبة بن عامر): هو الجهني ﵁، كان فصيحًا كاتبًا قارئًا شاعرًا، وهو أحد من جمع القرآن في المصحف، وكان مصحفه على غير تأليف مصحف عثمان بن عفان ﵁، وقد شهد وقعة صفين مع معاوية ﵁، وكان أميرًا على مصر من قبل معاوية، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح، ودفن بمصر سنة ثمان وخمسين ﵁ (قال: أُهدِي)؛ بضم الهمزة، وكسر الدال المهملة على صيغة المجهول من الماضي (إلى النبيِّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ فَرُّوج)؛ بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة وتخفيفها، آخره جيم، وحكي: ضم أوله وتخفيف الراء على وزن (خروج)؛ وهو قباء مشقوق من خلفه، وهو من لبوس الأعاجم (حرير)؛ بالإضافة؛ كما في ثوب خزٍّ، وخاتم فضة، ويجوز أن يكون (حرير) صفة لـ (فروج)، والإعراب يحتمل ذلك والكلام في الرواية، والظاهر أنها الأول، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وكان الذي أهداه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وذكر أبو نعيم أنه أسلم وأهدى إلى النبيِّ الأعظم ﷺ حلة سيراء، وقال ابن الأثير: أهدى للنبيِّ الأعظم ﷺ وصالحه ولم يسلم، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السير، ومن قال: إنه أسلم؛ فقد أخطأ خطأً ظاهرًا، وكان نصرانيًّا، ولما صالحه النبيُّ الأعظم ﷺ؛ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالدًا أسره لما حاصر دومة الجندل أيام أبي بكر الصديق الأكبر ﵁، فقتله مشركًا نصرانيًّا، وأُكَيْدر؛ بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وبالدال والراء المهملتين، ودومة الجندل: اسم لحصن، قال الجوهري: (أصحاب اللغة يقولون: بضم الدال المهملة، وأهل الحديث: يفتحونها، وهو اسم\n_________\n(^١) في الأصل: (الخطاب)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (الهلب)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":244},{"text":"موضع فاصل بين الشام والعراق، على سبع مراحل من دمشق، وعلى ثلاث عشرة (^١) مرحلة من المدينة) انتهى كلامه؛ فافهم.\n (فلبسه): النبيُّ الأعظم ﷺ (فصلى فيه)؛ أي: صلاة الفرض في مسجده، (ثم انصرف)؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة، (فنزعه نزعًا شديدًا)؛ يعني: بسرعة (كالكاره له) ولم يعد تلك الصلاة، فاستدل به بعضهم على جواز الصلاة في الثياب الحرير؛ لكونه ﵇ لم يعد تلك الصلاة، وهذا الاستدلال غير صحيح في ذلك؛ لأنَّ ترك إعادة الصلاة لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده؛ ففيه خلاف العلماء، فقال الإمام الأعظم وأصحابه ﵃: تصح صلاته في الثوب الحرير، ولكنها تكره ويأثم؛ لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال ابن القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير؛ يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، وعليه جل أصحابه، وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره (^٢)، وهو قول أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو والمباهاة، وقال آخرون: إن صلى فيه وهو يعلم أن ذلك لا يجوز؛ يعيد، وفي الحديث جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها، والله أعلم.\n (وقال) ﷺ حين نزعه: (لا ينبغي) أي: لا يطلب لبس (هذا): الثوب الحرير (للمتقين)؛ أي: عن الكفر، وهم المؤمنون، أو عن المعاصي كلها، وهم الصالحون.\nفإن قلت: النساء المتقيات يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهنَّ؟\nقلت: هذه المسألة مختلف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلمنا دخولهن؛ فالحل لهن علم بدليل آخره، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وفي الحديث أحكام؛ منها: حرمة لبس الحرير للرجال في كل الأحوال إلا في صورة يستثنى منها في الحرب، فيجوز لبسه للرجال عند الإمامين: أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ومنها: للجرب، ومنها: لأجل البرد إذا لم يجد غيره، وقد جوز طائفة من الظاهرية: لبسه للرجال مطلقًا، وإليه ذهب عبد الله بن أبي مليكة، واحتجوا في ذلك بحديث مسور بن مخرمة أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي على ما نذكره في موضعه، واحتج الجمهور في ذلك بأحاديث كثيرة؛ منها حديث الباب، وأخرج الحافظ أبو جعفر الطحاوي في هذا الباب عن خمسة عشر نفرًا، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، ومسلمة بن مخرمة، وعقبة بن عامر الجهني، وأبو أمامة، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم.\nوفي الباب عن أم هانئ عند أبي يعلى الموصلي، وأبي ريحانة عند أبي داود، واسم أبي ريحانة شمعون، وأبي موسى الأشعري عند الترمذي، وأحاديث هؤلاء نسخت ما فيه الإباحة للبسه.\nفإن قلت: إذا كان حرامًا على الرجال، فكيف لبس رسول الله ﷺ؟\nقلت: كان ذلك قبل التحريم، وزعم النووي ولعل أول النهي والتحريم كان عند نزعه، ولهذا قال في حديث جابر الذي عند مسلم: (صلى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: «نهاني عنه جبريل ﵇»)، فيكون أول التحريم بهذا، وزعم الكرماني أنَّ هذا تخصيص، ولم يجعله نسخًا؛ حيث قال: شرط النسخ: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا، ثم قال: ولئن سلم أنه حكم شرعي؛ فالنسخ: هو رفع الحكم عن كل المكلفين، وهذا هو عن البعض، فهو تخصيص.\nورده إمام الشَّارحين؛ حيث قال: لبسه ﷺ حكم، ثم نزعه حكم آخر ينسخ الأول، فكما أن الثاني حكم شرعيٌّ كان الأول كذلك، ولكنه نسخ، وكان الثاني يعم الرجال والنساء، لكن خرجت النساء بدليل آخر، وذهبت طائفة إلى تحريم الحرير للرجال والنساء جميعًا، واحتجوا في ذلك بما رواه الحافظ الطحاوي قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: (سألت امرأة ابن عمر قالت: أَنحلَّى بالذهب؟ قال: نعم، قالت: ما تقول في الحرير؟ فقال: يكره ذلك، قلت: ما يكره، أخبرني أحلال هو أم حرام؟ قال: كنا نتحدث أن من لبسه في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة)، وبما رواه الحافظ الطحاوي أيضًا عن بجر بن ناصر قال: حدثنا وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يخبر: أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: «إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها؛ فلا تلبسنها في الدنيا»، وبما رواه أيضًا من حديث الأزرق بن قيس قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يوم التروية وهو يقول: (يا أيها الناس؛ لا تلبسوا الحرير ولا تلبسوها نساءكم ولا أبناءكم، فإنه من لبس في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة)، وأخرجه مسلم أيضًا.\nوأجاب الجمهور عن ذلك: بأن ما روي عن ابن عمر محمول على الرجال خاصة، يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي، وحرام على ذكورها»، رواه الحافظ الطحاوي والطبراني، وما روي أيضًا عن علي بن أبي طالب: أن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي»، أخرجه الحافظ الطحاوي وابن ماجه، وما روي أيضًا عن أبي موسى الأشعري: عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «الحرير والذهب حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها»، أخرجه الحافظ الطحاوي والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح)، وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر، وبأن ما روي عن عقبة يخالفه روايته الأخرى، وهي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم»، وبأن ما روي عن ابن الزبير بأنه لم يبلغه الحديث المخصص؛ لعموم الحرمة في قوله: (من لبسه في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة) انتهى.\nوقال ابن العربي: (اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال؛ الأول: محرم بكل حال، الثاني: محرم إلا في الحرب، الثالث: يحرم إلا في السفر، الرابع: يحرم إلا في المرض، الخامس: يحرم إلا في الغزو، السادس: يحرم إلا في العلم، السابع: يحرم على الرجال والنساء، الثامن: يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل؛ وهو الفرش، التاسع: مباح بكل حال، العاشر: محرم وإن خلط مع غيره؛ كالخز) انتهى.\nقلت: وفيه تكرار، فإن الحرب والغزو شيء واحد، فالقولان يرجعان إلى قول واحد، وقد يقال بدله: يحرم على الرجال دون النساء، ويزاد حادي عشر: يحرم إلا في البرد، والقول الثامن: وهو عدم حرمة افتراشه هو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وتبعه ابن الماجشون من أصحاب مالك، وهو قول العراقيين، وهو إحدى قولين عند الشافعي.\nقال النووي: وهو الأصح، فإن الافتراش ملحق بزينة النساء للأزواج؛ لأنَّ ذلك من تمام\n_________\n(^١) في الأصل: (ثلاثة عشر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) تكرر في الأصل: (ولا غيره).","vol":"1","page":245},{"text":"التزيُّن للزوج المطلوب شرعًا، وصحح الرافعي التحريم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٣٤\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-634>[باب الصلاة في الثوب الأحمر]</span>\nهذا (باب): بيان حكم (الصلاة في الثوب الأحمر)؛ يعني: يجوز ويكره، وزعم ابن حجر أنه يشير إلى الجواز، والخلاف مع الحنفية، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: (مر بالنبيِّ الأعظم ﷺ رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه فلم يرد عليه)، وهو حديث ضعيف الإسناد) انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: لا خلاف للحنفية في جواز ذلك، ولو عرف هذا القائل مذهب الحنفية؛ لما قال ذلك، ولم يكتف بهذا حتى قال: وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر، ولا يحتاج إلى هذا التأويل؛ لأنَّهم لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر حتى تأولوا هذا، وإنما قالوا: مكروه لحديث آخر، وهو نهيه ﷺ عن لبس المعصفر، والعمل بما ورد من الحديثين أولى من العمل بأحدهما، فاحتجوا بالأول على الجواز، وبالثاني على الكراهة.\nوما زعمه هذا القائل من (أن من أدلتهم ما أخرجه أبو داود...) إلى آخره: ممنوع، وعرق العصبية حين تحرك حمله على أن سكت عن قول الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث، قال: (هذا حديث حسن صحيح) انتهى.\nفانظر إلى تعصب ابن حجر وتعنته كيف يطيل لسانه، وهذا عرق فيه قد صار من أعضائه.\n\n <span id=\"b-٦٣٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-635>[حديث: رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم]</span>\n٣٧٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن عرعرة)؛ بالعينين والراءين المهملات، غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث: هو ابن البِرنْد؛ بكسر الموحدة والراء وبفتحها، وبسكون النون، البصري (قال: حدثني) بالإفراد (عُمَر) بضم العين المهملة وفتح الميم (بن أبي زائدة)؛ بالزاي: هو أخو زكريا الهمداني الكوفي، (عن عون) بالنون في آخره (بن أبي جُحَيْفَة)؛ بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، وفتح الفاء، (عن أبيه): هو أبو جحيفة المذكور، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي؛ بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم ألف (^١)، الكوفي ﵁ (قال: رأيت رسول الله ﷺ) أي: بالإبطح بمكة، وقد صرح بذلك في رواية مسلم: (قال: أتيت النبيَّ الأعظم ﷺ بمكة وهو بالإبطح)، وهو الموضع المعروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منًى أقرب، وهو المحصب، وهو خيف (^٢) بني كنانة، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم ابن حجر أنه ذو طُوًى، قال إمام الشَّارحين: (وليس كذلك، كما نبه عليه ابن قرقول) انتهى.\nقلت: وكان ابن حجر لم يقف على ما ذكره ابن قرقول؛ لعدم اطلاعه في كتب اللغة، فيقول رجمًا بالغيب، وهو خطأ ظاهر؛ فافهم.\n (في قُبَّة) بضم القاف، وتشديد الموحدة المفتوحة (حمراء من أدم) وعند النسائي: (وهو في قبة حمراء في نحو من أربعين رجلًا)، قال الجوهري: (القبة: من البناء، والجمع قبب وقباب) انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: المراد من القبة هنا: هي التي تعمل من الجلد، وقد فسر ذلك بكلمة (من) البيانية، والأَدم؛ بفتح الهمزة، والدال المهملة، جمع الأديم، وفي «المحكم»: الأديم: الجلد ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ، وقيل: هو بعد الأفيق، وذلك إذا تم واحمرَّ، والأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير، و(الأدم): اسم الجمع عند سيبويه، والأدايم جمع أديم؛ كيتيم وأيتام وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أدم.\nوفي «المخصص»: إذا شق (^٣) الجلد وبسط حتى يبالغ فيه ما قبل من الدباغ؛ فهو حينئذ أديم وأدم (^٤) وآدمة، وفي «النوادر» للحياني: الأدم والأدم جمع الأديم؛ وهو الجلد، وفي «الجامع»: الأديم: باطن الجلد، انتهى.\n (ورأيت بلالًا): هو مؤذن النبيِّ الأعظم ﷺ؛ بكسر الموحدة أوله (أَخذ)؛ بفتح الهمزة، والخاء المعجمة؛ أي: قد أخذ، ويجوز فتح الهمزة الممدودة، وكسر الخاء المعجمة، والظاهر أن الرواية الأول (وَضوء رسول الله ﷺ)؛ بفتح الواو: وهو الماء الذي يتوضأ به، وفي المعنى الأول: رآه قد أخذه، وفي الثاني: رآه وهو آخذ، وذلك بعد ما توضأ النبيُّ الأعظم ﷺ، (ورأيت الناس) أي: الصحابة (يبتدرون) أي: يتسارعون ويتسابقون إلى (ذلك)؛ باللام، وفي رواية غير الأصيلي وابن عساكر: (ذاك)؛ بغير لام (الوَضوء)؛ بفتح الواو، لأجل التبرك بآثاره الشريفة، (فمن أصاب) أي: أخذ (منه) أي: من الماء (شيئًا؛ تمسح به)؛ أي: بأن مسح وجهه ولحيته وصدره، (ومن لم يصب) أي: من لم يأخذ (منه شيئًا)؛ أي: لكثرة الناس والازدحام، أو لعدم وجود شيء منه؛ (أخذ من بلل يد صاحبه)؛ أي: رفيقه؛ حوزًا على الفضيلة العظيمة، وفي رواية: (من بَلال)؛ بفتح الموحدة وكسرها، والفتح أفصح، وفي رواية مسلم: (وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي؛ فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك)، وفي رواية: (فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله علي وسلم، فابتدره الناس، فنلت منه شيئًا) انتهى.\nقلت: وهذه الرواية تدل على أنه أخذ شيئًا يسيرًا منه، ورواية الباب تدل على أنه لم يأخذ منه شيئًا، لكن لما كان في يده؛ كان هو أحرص على أخذه من غيره؛ فافهم.\n (ثم رأيت بلالًا) بكسر الموحدة؛ أي: المؤذن (أخذ عَنَزَة)؛ بفتح العين المهملة، والنون، والزاي؛ وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، وفيها سنان؛ مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها، كذا في «عمدة القاري»، وفي رواية ذكرها القسطلاني: (عنزة له) انتهى.\nقلت: يحتمل عود الضمير في (له) إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، ويحتمل عوده إلى بلال، ويدل للأول قوله: (فركزها)؛ أي: أدخلها في الأرض بأمر النبيِّ الأعظم ﷺ؛ لأجل الصلاة.\n (وخرج النبيُّ) الأعظم (ﷺ) أي: من قبته الحمراء (في حلة حمراء): الجار والمجرور محله نصب على الحال، والحلة: ثوبان؛ إزار ورداء، وقيل: هي ثوبان من جنس واحد، سميا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يحل على الآخر، وقيل: أصل تسميتها بذلك إذا كان الثوبان جديدين كأحل طيتهما؛ فقيل لهما: حلة لهذا، ثم استمر عليها الاسم.\nوقال ابن الأثير: الحلة: واحدة الحلل؛ وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، وقال غيره: والجمع: حلل وحلال، وحلله الحلة: ألبسه عليها.\nوفي رواية أبي داود: (وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري)، فقوله: (برود) جمع برد، مرفوع؛ لأنَّه صفة الـ (حلة)، وقوله: (يمانية) صفة لـ (برود)؛ أي: منسوبة إلى اليمن، وقوله: (قِطْري)؛ بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، والأصل: قَطَري؛ بفتح القاف والطاء؛ لأنَّه نسبة إلى قطر؛ بلد بين عمان وسيف البحر، ففي النسبة خففوها، وكسروا القاف، وسكنوا الطاء، ويقال: القطري: ضرب من البرود، وفيها حمرة، وقيل: ثياب حمر لها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: حلل جياد، وتحمل من قبل البحرين، وإنما لم يقل: قطرية مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط؛ لأنَّه بكثرة\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (ثم ألف)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (حنيف)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (رشق)، ولعله تحريف.\n (^٤) في الأصل: (أدام)، وهو تحريف.","vol":"1","page":245},{"text":"الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل.\nووصف الحلة بثلاث صفات؛ الأولى: صفة الذات، وهي قوله: (حمراء)، والثانية: صفة الجنس، وهي قوله: (برود)، فبيَّن به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة: صفة النوع، وهي قوله: (قطري)؛ لأنَّ البرود اليمانية أنواع؛ نوع منها قطري بيَّنه بقوله: (قطري) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنه إنَّما لبس النبيُّ ﵇ الحلة الحمراء في السفر؛ ليتأهب للعدو، ويجوز أن يلبس في الغزو بما لا يلبس في غيره.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (فيه نظر؛ لأنَّه ﷺ لم يكن في هذا السفر للغزو؛ لأنَّه كان عقيب حجة الوداع، ولم يبق له غزو إذ ذاك، وكأنَّ هذا القائل نقل عن بعض الأئمة الحنفية أنه ذهب إلى عدم جواز لبس الثوب الأحمر، ثم لما أوردوا عليه ما روي في هذا الحديث؛ أجاب بما ذكرنا).\nقلت: لا النقل عنه صحيح، ولا هو مذهب الأئمة الحنفية، فلا يحتاج إلى الجواب المذكور؛ فافهم.\n (مُشمِّرًا) ثوبه؛ بضم الميم الأولى، وكسر الثانية، وهو بالنصب على الحال من النبيِّ ﷺ، يقال: شمَّر إزاره تشميرًا: رفعه، وشمَّر عن ساقه، وشمَّر في أمره: خف؛ والمعنى: رفعها إلى أنصاف ساقيه، كما جاء في رواية مسلم: (كأني أنظر إلى بياض ساقيه)، كذا في «عمدة القاري».\n (صلى إلى العنزة) أي: مقابل العصا (بالناس) صلاته هذه (ركعتين): وهي صلاة الظهر، وفي رواية مسلم: (فتقدم فصلى الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة) (ورأيت الناس) أي: الأولاد ونحوهم (والدواب) أي: الخيل والحمير والإبل (يمرون بين يدي العنزة) وفي رواية أبي ذر: (من بين يدي العنزة)، وفي رواية: (يمر من ورائها الهراة)، وفي لفظ: (يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع)، ففيه استعمال المجاز، فإن العنزة لا يد لها، وفيه: جواز لبس الثوب الأحمر، وجواز الصلاة فيه، والباب معقود عليه، وفيه: جواز ضرب الخيام والقباب في الأسفار ونحوها، وفيه التبرك بآثار الصالحين، وفيه: استحباب نصب علامة بين يدي المصلي في الصحراء، وفيه: جواز قصر الصلاة في السفر وهو الأفضل عند إمامنا الأعظم، وأصحابه، والجمهور، ويدل عليه أيضًا ما في رواية مسلم، وهو حجة على من زعم أن الإتمام أفضل، وفيه: جواز المرور وراء سترة المصلي، وفيه: جواز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير، والزهد في الدنيا، والحمرة أشهر الملونات، وأجمل الزينة في الدنيا.\nوزعم ابن بطال وفيه: طهارة الماء المستعمل، وهو حجة على الحنفية في قولهم: بنجاسته.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك، فإن المذهب أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه والعجن به غير أنه ليس بطهور، فلا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به، وكونه نجسًا رواية ضعيفة عن الإمام الأعظم، وليس العمل عليها على أن حكم النجاسة في هذه الرواية باعتبار إزالة الآثام النجسة عن البدن المذنب؛ فينجس حكمًا، بخلاف فضل وضوء النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فإنه طاهر من بدن طاهر، وهو طهور أيضًا، أطهر من كل طاهر وأطيب) انتهى.\nقلت: وإنما قال الإمام الأعظم في هذه الرواية بنجاسة المستعمل؛ لما قد شاهد من الناس أنه ينزل الماء من وجوه بعضهم أسود، وتارة ينزل من أيديهم أحمر، وتارة ينزل أصفر، فاستدل به على ارتكابهم شرب الخمر، وأكل الربا، وعدم بر الوالدين، وغير ذلك، وإن هذه الذنوب تذهب مع الماء المتوضأ به، والذنوب نجسة، فالماء المخلوط بها نجس، وهذا من بعض ولاية الإمام الأعظم ﵁؛ فإنه رئيس المجتهدين وسيدهم التابعي الجليل، ويكفيه شرفًا وولاية أن الحكام والسلاطين على مذهبه إلى يوم القيامة، وأن الأولياء العظام من أتباعه، لا سيما مالك بن أنس، والليث بن سعد، ومحمد بن الحسن؛ كلهم من أتباعه، ولا سيما محمد بن إدريس من أتباع محمد بن الحسن.\nوهذا الفضل لم يجتمع في غيره من الأئمة، فحقيق بأن يلقب بالإمام الأعظم، فإذا أطلق؛ لا يراد به غيره، وأن يلقب بإمام الأئمة؛ لأنَّه إمامهم وشيخهم، فهم عياله، كما قال محمد بن إدريس، وكل ما جاء بعده؛ فهو متصرف في مذهبه؛ لأنَّ الروايات عنه كثيرة، فما قال قولًا إلا قال به مجتهد، فله الرئاسة العظمى في العلم والاجتهاد رضي الله تعالى عنه، وحشرنا من بعض خدمهِ تحت لواء سيد المرسلين النبيِّ الأعظم ﷺ.\n\n <span id=\"b-٦٣٦\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-636>[باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة في): بمعنى (على)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ (^١) فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (المنبر)؛ بكسر الميم، من نبرت الشيء؛ إذا رفعته، والقياس فيه فتح الميم؛ لأنَّ الكسر علامة الآلة، ولكنه سماعي (والسُّطوح)؛ بضم السين المهملة، جمع سطح البيت، (والخشب)؛ بفتحتين وبالضمتين أيضًا؛ يعني: يجوز، ولما كان فيه خلاف لبعض التابعين وللمالكية في المكان المرتفع لمن كان إمامًا؛ لم يصرح المؤلف بالجواز وعدمه، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والترجمة شاملة لمن كان في المكان المرتفع، وهو إمام والناس خلفه في المكان المتسفل، ولمن كان في المكان المرتفع وهو مقتدٍ والناس خلفه في المكان المتسفل، وشاملة أيضًا لمن كان في المكان المرتفع وخلفه بعض والبعض أسفل منهم، ولمن كان مقتديًا وحده والإمام والناس وحدهم، وكل ذلك جائز، لكن مع الكراهة؛ لأنَّ فيه التشبه بأهل الكتاب؛ حيث اختص الإمام وكذا المقتدي بمكان وحده، كما سيأتي بيانه.\n (قال أبو عبد الله): هو المؤلف نفسه: (ولم ير) أي: يعتقد (الحسن): هو البصري التابعي (بأسًا) أي: حرجًا ومنعًا (أن يُصلَّى)؛ أي: الشخص؛ بضم التحتية، وفتح اللام المشددة (على الجَمْد)؛ بفتح الجيم، وسكون الميم، آخره دال مهملة، قال السفاقسي: (الجمد؛ بفتح الجيم وضمها: مكان صلب مرتفع).\nوزعم ابن قرقول أن في رواية الأصيلي وأبي ذر: بفتح الميم، وقال ابن التين: بضمها، لكن قال القاضي عياض: الصواب سكونها؛ وهو الماء الجامد من شدة البرد، وفي «المحكم»: (الجمد: الثلج)، وفي «المثنى» لابن عديس: (الجَمد؛ بالفتح)، وقال أبو عبد الله موسى بن جعفر: (الجمَد؛ محرك الميم: الثلج الذي يسقط من السماء)، وقال غيره: الجَمد والجُمد؛ بالفتح والضم، والجُمُد بضمتين: ما ارتفع من الأرض، وفي «ديوان الأدب» للفارابي: (الجمد: ما جمد من الماء، وهو نقيض الذَّوب (^٢)، وهو مصدر في الأصل)، وفي «الصحاح»: (الجمد؛ بالتحريك، جمع جامد؛ مثل: خادم وخدم، والجمْد والجمُد؛ مثل: عسْر وعسُر؛ مكان صلب مرتفع، والجمع أجماد وجماد؛ مثل: رمح وأرماح\n_________\n(^١) في الأصل: (لأصلبنكم).\n (^٢) في الأصل: (يقبض الروب)، وهو تحريف.","vol":"1","page":246},{"text":"ورماح)، كذا في «عمدة القاري».\n (والقناطر)؛ بفتح القاف، جمع قنطرة، وفي رواية الحمُّوي والمستملي: (والقناطير)، قال ابن سيده: (وهو ما ارتفع من البنيان)، وقال القزاز: (القنطرة معروفة عند العرب)، قال الجوهري: (وهي الجسر)، قال إمام الشَّارحين: (القنطرة: ما يبنى بالحجارة، والجسر يعمل من الخشب أو التراب) انتهى.\nقلت: وقد يطلق على كل منهما جسر، لكن الفرق هو الأظهر.\n (وإن) هذه تسمى وصلية؛ لأنَّها توصل حكم ما قبلها بما بعدها؛ فليحفظ (جرى تحتها بول) أو غيره من النجاسات، والضمير في قوله: (تحتها) يرجع إلى (القناطر) فقط، كذا زعمه الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: يجوز أن يرجع الضمير إلى (الجمد) أيضًا؛ لأنَّ الجمد في الأصل ماء، فبشدة البرد يجمد، وربما يكون ماء النهر يجمد فيصير كالحجر حتى تمشي عليه الناس، فلو صلى شخص عليه وكان تحته بول أو نحوه؛ لا يضر صلاته.\nفإن قلت: على هذا كيف يرجع الضمير في (تحتها) إلى الجمد وهو غير مؤنث؟\nقلت: قد سبق أن الجوهري في «الصحاح» قال: إن الجمد جمع جامد، فإذا كان جمعًا؛ يجوز إعادة الضمير المؤنث إليه، وكذلك الضمير في قوله: (أو فوقها أو أمامها)؛ بفتح الهمزة، يجوز أن يرجع إلى (القناطر) بحسب الظاهر، وإلى (الجمد) بالاعتبار المذكور، والمراد من (أمامها): قدامها، انتهى.\nوزعم ابن حجر الجمد: الماء إذا جمد، وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي: (أنه صلى على الثلج). ورده إمام الشَّارحين فقال: (إن لم يقيد الثلج بكونه متجمدًا متلبدًا؛ لا تجوز الصلاة عليه، فلا يكون مناسبًا له، وقال في «المجتبى»: سجد على الثلج، أو الحشيش الكثير، أو القطن المحلوج؛ يجوز إن اعتمد حتى استقرت عليه جبهته، ووجد حجم الأرض، وإلا؛ فلا يجوز، وفي «فتاوى أبي حفص»: لا بأس أن يصلي على الجمد، والبر، والشعير، والتبن، والذرة، ولا يجوز على الأرز؛ لأنَّه لا يستمسك، ولا يجوز على الثلج المتجافي والحشيش وما أشبهه حتى يلبده فيجد حجمه) انتهى.\n (إذا كان بينهما)؛ أي: بين القناطر والبول، أو بين المصلي والبول، وهذا القيد مختص بلفظ (أمامها) دون أخواتها، كذا قاله الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (المصلي غير مذكور، إلا أن يقال قوله: أن يصلي يدل على المصلى) انتهى.\n (سترة): والمراد بها: أن يكون المانع بينه وبين النجاسة إذا كانت قدامه ولم يعين حد ذلك، والظاهر أن المراد منه ألَّا يلاقي النجاسة سواء كانت قريبة منه أو بعيدة، كذا قاله إمام الشَّارحين، وزعم ابن حبيب من أصحاب مالك إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه؛ أعاد الصلاة، إلا أن تكون بعيدة جدًّا، وفي «المدونة»: (من صلى وأمامه جدار أو مرحاض؛ أجزأه) انتهى.\nونص علمائنا الأعلام أن الصلاة في قرب النجاسة تجوز وتكره؛ لاحتمال أن يعود عليه منها شيء، كما تكره الصلاة في الحمام، والكنيف، والمقبرة، والمغتسل، والمزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، ونحوها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n (وصلى أبو هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (على ظهر المسجد) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: (على سقف المسجد)، والمراد به: السطوح، ففيه المطابقة للترجمة (بصلاة الإمام) يعني: مقتديًا بالإمام، فيكون الإمام أسفل من المقتدي، وهو جائز، إلا أنه مكروه، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة قال: (صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل)، وصالح تكلم فيه غير واحد، ولكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة، فتقوَّى بذلك، فلأجل هذا ذكره البخاري بصيغة الجزم، وروى ابن أبي شيبة عن أبي عامر، عن سعيد بن مسلم قال: (رأيت سالم بن عبد الله يصلي فوق ظهر المسجد صلاة المغرب ومعه رجل آخر-يعني: ويأتم بالإمام في رمضان- فقال: لا أعلم به بأسًا إلا أن يكون بين يدي الإمام).\nقلت: وهذا يدل على أن الإمام والمقتدين معه وهو في ظهر المسجد يقتدي بالإمامولا كراهة فيه، وإنما المكروه قيام الإمام على مكان مرتفع والمقتدون أسفل منه، أو قيامه على مكان متسفل والمقتدون خلفه مرتفعون عنه، فهذا مكروه في الصورتين إلا إذا كان مع الإمام واحد يقتدي به، فتنتفي الكراهة، وقد وَرَدَ في حديث ابن مسعود ﵁: (أنه ﵇ نهى أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه؛ يعني: أسفل منه)، كذا في «إمداد الفتاح»، فيكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلى من موضع الآخر إلا إذا أراد التعليم لأفعال الصلاة، أو أراد المأموم التبليغ للقوم؛ فلا كراهة عندنا، وبه قال محمد بن إدريس، وإذا كره أن يعلو الإمام؛ فالمأموم أولى، وهو مذهبنا والشافعيِّ، وزعم ابن حزم أنه لا يجوز ذلك عند الإمام الأعظم ومالك، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (ليس مذهب الإمام الأعظم هذا، وإنما مذهبه أنه يجوز، ولكنه يكره) انتهى.\nقلت: ولا عجب من ابن حزم، فإنه ينقل الأقوال التي لا أصل لها في المذهب، ويعتمد عليها في كتبه، وهو لا يدل إلا على عدم اطلاعه في المذاهب، وقال إمامنا شيخ الإسلام: إنَّما يكره إذا لم يكن عذر، أما إذا كان عذر؛ فلا كراهة، كما في الجمعة إذا كان القوم على الرفِّ وبعضهم على الأرض، والرفُّ؛ بتشديد الفاء شبه الطاق، وقال الحافظ الطحاوي: أنه لا يكره، وعليه أكثر مشايخنا الأعلام رحمهم الملك العلام.\n (وصلى ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (على الثلج)؛ بالمثلثة والجيم؛ يعني: وكان الثلج متلبدًا؛ لأنَّه إذا كان متجافيًا؛ لا تجوز الصلاة عليه، وليس لهذا الأثر مطابقة للترجمة إلا إذا شرطنا التلبد؛ لأنَّه حينئذٍ يكون مُتحجرًا، فيشبه السطح أو الخشب، قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\nقلت: ووجهه ظاهر، فإن الثلج إذا لم يكن متلبدًا؛ يتسفل شيئًا فشيئًا، فلا تستقرُّ عليه الجبهة عند السجود، فاشتراط التلبد لا بد منه، فهذا الأثر فيه اختصار، ومع التلبد يكون متحجرًا، فيشبه السطح؛ لأنَّه عالٍ (^١) على الأرض، فبهذا تحصل المطابقة.\n\n <span id=\"b-٦٣٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-637>[حديث: ما بقي بالناس أعلم مني هو من أثل الغابة]</span>\n٣٧٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله): هو ابن المديني (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عُيَيْنة؛ بضم المهملة، وفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية (قال: حدثنا أبو حازم) بالحاء المهملة، وبالزاي: هو مسلمة بن دينار (قال) أي: أبو حازم: (سألوا) أي: التابعون؛ لأنَّه حين السؤال لم يكن بالمدينة صحابة غير سهل المذكور؛ لقوله الآتي: (ما بقي بالناس أعلم مني)؛ بسكون العين المهملة: هو الساعدي، آخر من مات من الصحابة بالمدينة: (من أي شيء) أي: من أي عود (المِنْبر؟)؛ بكسر الميم، وسكون النون؛ أي: النبوي، فـ (اللام) فيه للعهد عن منبر النبيِّ الأعظم ﷺ، وفي رواية أبي داود: (أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد أمتروا في المنبر، ممِّ عوده؟)؛ أي: وقد شكوا، واختلفوا في منبر النبيِّ الأعظم ﷺ من أي شيء كان عوده؟ كذا قاله إمام الشَّارحين، فليحفظ.\n (فقال) أي: سهل للسائلين:\n_________\n(^١) في الأصل: (عالي)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":246},{"text":"(ما بقي بالناس) وفي رواية الكشميهني: (في الناس)، وفي رواية: (من الناس) (أعلم مني) أي: بذلك المنبر من أي شيء، وهذا لا ينافي وجود أحد من الصحابة في غير المدينة؛ كالكوفة والبصرة؛ لأنَّ مراده الناس التي بالمدينة، وقد يكون الذي في غيرها غير عالم بذلك؛ لكونه صغيرًا؛ فتأمل.\n (هو): مبتدأ؛ أي: المنبر (من أَثْل الغابة) خبره، وفي رواية أبي داود: (من طرفاء الغابة)، و(الأَثْل)؛ بفتح الهمزة، وسكون المثلثة: شجر شبه الطَّرْفاء إلا أنه أعظم منه، قاله ابن سيده، وقال أبو زياد: الأثل: شجر طوال ليس له ورق يثبت، مستقيم الخشب، وخشبه جيد يحمل إلى القرى فيبنى عليه بيوت المدر، وورقه هدب دقاق، وليس له شوك، يصنع منه القصاع، والأواني الصغار والكبار، والمكاتب، والأبواب، وهو النضار، وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب للآنية، وأجود النضار الورس؛ لصفرته، ومنبره ﵇ نضار، وفي «الواعي»: الأثل: حمصة؛ مثل الأشنان، ولها حب؛ مثل حب التنوم، ولا ورق له، وإنما هي أشنانه، يغسل بها القصارون غير أنها ألين من الأشنان.\nوقال القزاز: هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء، وليس به شوك وهو أجود منه عودًا، ومنه يصنع قداح الميسر والتَّنُّوْم -بفتح المثناة الفوقية، وضم النون المشددة، وبعد الواو الساكنة ميم-؛ وهو نوع من نبات الأرض، فيه وفي ثمره سواد قليل.\nو(الغابة)؛ بالغين المعجمة والموحدة: أرض على تسعة أميال من المدينة، كانت إبل النبيِّ الأعظم ﷺ مقيمة بها للمرعى، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه ﵇، وقال ياقوت: (بينها وبين المدينة أربعة أميال)، وقال البكري: (هما غابتان عليا وسفلى)، وقال الإمام الزمخشري: (الغابة: بريد من المدينة من طريق الشام)، وقال الواقدي: (ومنها صنع المنبر)، وفي «الجامع»: (كل شجر ملتف؛ فهو غابة)، وفي «المحكم»: (الغابة: الأجمة التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة)، وقال الإمام: هي أجمة القصب، وقد جعلت جماعة الشجر غابًا، مأخوذ من الغيابة، والجمع: غابات وغاب.\nو(الطَّرْفاء)؛ بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء المهملة، ممدودة؛ شجر من شجر البادية، واحدها طَرفة؛ بفتح الطاء؛ مثل: قصبة وقصبًا، وقال سيبويه: (الطرفاء واحد وجمع)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والطرفاء: شجر له ساق وورق صغير ناعم؛ مثل الصنوبر، قد رأيته في أرض المرج؛ الغوطة عند البحرة، والله أعلم.\n (عمله) أي: المنبر؛ يعني: صنعه ونجره (فلانٌ)؛ بالتنوين؛ لأنَّه منصرف؛ لأنَّه كناية عن علم المذكر، بخلاف فلانة؛ فإنها كناية عن علم المؤنث، والمانع من صرفه وجود العلتين؛ وهما العلمية والتأنيث، كذا في «عمدة القاري».\nقال إمام الشَّارحين: (واختلفوا في اسم فلان الذي نجر منبره ﵇؛ ففي كتاب «الصحابة» لابن الأمين الطليطلي: أن اسم هذا النجار قبيصة المخزومي، ويقال: ميمون، وقيل: صلاح غلام العباس بن عبد المطلب، وقال ابن بشكوال: وقيل: هو ميناء، وقيل: إبراهيم، وقيل: باقوم؛ بالميم في آخره، وقال ابن الأثير: (عمله باقوم، وكان روميًّا غلامًا لسعيد بن العاص، مات في حياة النبيِّ ﷺ).\nوروى ابن سعد في «شرف المصطفى» من طريق ابن لهيعة عن سهل قال: (كان في المدينة نجار واحد يقال له: ميمون)؛ وذكر قصة المنبر، وقال ابن التين: (عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: لامرأة من الأنصار)، وروى أبو داود عن نافع، عن ابن عمر: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ لما بدن؛ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله تجمع أو تحمل عظامك؟ قال: «بلى»، فاتخذ له منبرًا مرقاتين).\nوفي «طبقات ابن سعد» من حديث أبي هريرة قالوا: (كان النبيُّ الأعظم ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائمًا، فقال: «إن القيام شق علي»، فقال تميم الداري: ألا أعمل لك منبرًا كما رأيت بالشام؟ فشاور النبيُّ ﷺ المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب [مِنْ] أعمل الناس، فقال النبيُّ الأعظم ﷺ: «مره أن يعمله»، فعمله درجتين ومقعدًا، ثم جاء به فوضعه في موضعه) انتهى.\nقلت: وروى عبد الرزاق: أن اسم هذا النجار: باقول؛ باللام، والظاهر: أن الأقرب من هذه الأقوال أن اسم هذا النجار كلاب غلام للعباس بن عبد المطلب، كما يدل عليه حديث أبي هريرة، وكذا حديث ابن عمر، والظاهر: أنه هو اختيار إمام الشَّارحين، ويحتمل أن الأقرب أنه باقوم -بالميم- الرومي غلام سعيد بن العاص، كما قاله ابن الأثير، وكذا الغافقي، وزعم ابن حجر أن الأقرب أنه ميمون، كما قاله الصغاني.\nقلت: وهو ممنوع، فإنه لا دليل على أنه هو، وما روى ابن سعد من طريق ابن لهيعة لا يعتمد عليه؛ لشهرة ابن لهيعة بالضعف؛ لأنَّه كذوب، فلا يعول عليه، والأقرب أنه كلاب، كما دل عليه حديث أبي هريرة وابن عمر المروي؛ الأولى: عند ابن سعد، والثاني: عند أبي داود من طريق صحيح؛ فليحفظ.\n (مولى فلانةَ): ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه كناية عن علم المؤنث؛ وهي عائشة الأنصارية، كما قاله إمام الشَّارحين، وسيأتي بيانه، فيحتمل أنها زوجة العباس بن عبد المطلب، ويحتمل أنها زوجة سعيد بن العاص، فأطلق على النجار أنه مولًى لها، إما على الحقيقة، وإما على المجاز؛ فتأمل.\nقال إمام الشَّارحين: وفي «الدلائل» (^١) لأبي موسى المديني نقلًا عن جعفر المستغفري أنه قال في أسماء الرجال في الصحابة: علاثة؛ بالعين المهملة، وبالثاء المثلثة، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم، وقال فيه: أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل، قال أبو موسى: (صحف فيه جعفر أو شيخه، وإنما هي فلانة)، وقال الذهبي: (علاثة في حديث سهل: «أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا»، وإنما هي فلانة) انتهى.\nوقال الكرماني وتبعه البرماوي: قيل في فلانة: اسمها عائشة الأنصارية، وزعم ابن حجر أنَّه أظنُّه صحَّف المصحَّف.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: هذا الطبراني روى في «معجمه الأوسط» من حديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى سارية المسجد، ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا، وبه يستدل على أن فلانة هي عائشة المذكورة، ولا سيما قال قائله: (الأنصارية)، ولا يستبعد\n_________\n(^١) في الأصل: (الدئل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":247},{"text":"هذا وإن كان إسناد الحديث ضعيفًا؛ فحينئذٍ أن المصحِّف من قال: علاثة، لا من قال: عائشة الأنصارية؛ فليحفظ.\nثم قال: وجاء في رواية في «الصحيح»: (أرسل؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ إلى فلانة -سماها سهل-: «مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلمت الناس»، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت بها إلى رسول الله ﷺ، فأمر بها فوضعت ههنا).\nوعن جابر: أن امرأة قالت: (يا رسول الله؛ ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا...)؛ الحديث، وفي «الإكليل» للحاكم عن يزيد بن رومان: (كان المنبر ثلاث درجات، فزاد فيه معاوية لعله قال: جعله ستَّ درجات، وحوَّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذٍ، قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبيِّ الأعظم ﷺ إلى المكان الذي وضعه فيه، وفي «الطبقات»: (كان بينه وبين الحائط ممرَّ الشاة)، وفي «الإكليل» أيضًا من حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس ﵁: (لما كثر الناس؛ قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «ابنوا لي منبرًا»، فبنوا له عتبتين، وقد ذكرنا عن أبي داود في حديث ابن عمر: (مرقاتين)؛ وهي تثنية مرقاة؛ وهي الدرجة.\nفإن قلت: في الصحيح ثلاث دَرَجٍ، فما التوفيق بينهما؟\nقلت: الذي قال: (مرقاتين): كأنه لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها، والذي روى ثلاثًا؛ اعتبرها، انتهى كلامه.\nقلت: وهو توفيق حسن بين الروايتين، والله أعلم.\n (لرسول الله) أي: لأجله (ﷺ): ويحتمل أن القصة متعددة، وأن كل واحد من المذكورين قد عمل منبرًا وأنه ﵇ قد اختار لنفسه منهم واحدًا، ويحتمل أن الجميع اشتركوا في عمله، ويحتمل أن كل واحد عمل منبرًا على التعاقب، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.\n (فقام) بالفاء، وفي رواية: (وقام)؛ بالواو، وفي رواية: (فرقى) (عليه) أي: على المنبر (رسول الله ﷺ)؛ لأنَّه أعجبه (حين عُمِل)؛ بضم العين المهملة مبني للمجهول؛ أي: بعد أن فرغ من عمله وجيء به بين يديه (ووُضع)؛ بضم أوله مبني للمجهول أيضًا، في المكان الذي أراده ﵇، فبعد الوضع قام عليه (فاستقبل) ﵇ (القِبلة)؛ بكسر القاف؛ أي: توجه إليها، (كبر) بدون الواو؛ لأنَّه جواب عن سؤال، كأنه قيل: ما عمل بعد الاستقبال؟ قال: كبر، وفي بعض الأصول: (فكبر) بالفاء، وفي بعض النسخ: (وكبر) بالواو، كذا في «عمدة القاري».\n (وقام الناس) أي: الصحابة (خلفه)؛ أي: خلف النبيِّ الأعظم ﷺ؛ أي: وراءه صفوفًا، فكبروا مقتدين به، (فقرأ) ﵇ ما تيسر له من القرآن، (وركع وركع الناس خلفه)؛ أي: متابعين له، (ثم رفع رأسه) أي: من الركوع، (ثم رجع القهقرى)؛ أي: رجع إلى ورائه.\nفإذا قلت: رجعت القهقرى؛ فكأنك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأنَّ القهقرى ضرب من الرجوع، فيكون انتصابه على أنه مفعول مطلق، لكنه من غير لفظ؛ كما تقول: قعدت جلوسًا، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وإنما فعل ﵇ ذلك حتى يكون مستمرًّا على الاستقبال، ولئلَّا يولي ظهره القبلة؛ لأنَّه لو استدبر القبلة؛ لفسدت صلاته، فالاستدامة على استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إن لم يكن خائفًا، كما هو مقرر في الفروع.\n (فسجد على الأرض) وسجد الناس خلفه، (ثم عاد إلى المنبر) قائمًا، (ثم قرأ) ما تيسر له من القرآن، (ثم ركع) وركع الناس خلفه، وإنما لم يذكر ذلك؛ للعلم به مما قدمه، وهو معلوم أيضًا من المقام، (ثم رفع رأسه) من الركوع، (ثم رجع القهقرى) أي: رجع إلى ورائه (حتى سجد بالأرض): والفرق بين قوله السابق: (على الأرض) وبين ما هنا من حيث إن في الأول لوحظ معنى الاستعلاء، وهنا لوحظ معنى الإلصاق، أفاده إمام الشَّارحين.\n (فهذا شأنه) ﵇؛ أي: في هذه الصلاة، أو معناه من حيث صلاته إمامًا واقتداء الناس به، أو نحو ذلك، قال إمام الشَّارحين: (ففي الحديث الدلالة على ما ترجم له؛ وهو جواز الصلاة على المنبر، وقد علل ﵇ صلاته عليه، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم؛ جاز، ولكنه مكروه إلا لحاجة كمثل هذا؛ فمستحب، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والليث بن سعد، وبه قال محمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وعن مالك بن أنس: المنع، وبه قال الأوزاعي، وعندنا: جوازه إذا كان الإمام مرتفعًا مقدار قامة، وعن مالك: يجوز في الارتفاع اليسير، وهذا الحديث حجة عليه؛ فافهم.\nوزعم ابن حزم أن مذهبنا المنع، وهو باطل لا أصل له في المذهب، وما هو إلا من تعصُّبه وعدم اطلاعه.\nوفي الحديث: أن المشي اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقال صاحب «المحيط»: المشي في الصلاة خطوة؛ لا يبطلها، وخطوتين أو أكثر؛ يبطلها، وعلى هذا؛ كان ينبغي أن تفسد هذه الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان لمصلحة؛ ينبغي ألَّا تفسد صلاته، ولا تكره أيضًا، كما في مسألة: من انفرد خلف الصف وحده؛ فإن له أن يجذب واحدًا من الصف الأول إليه ويصطفان، فإن المجذوب لا تفسد صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم الخطابي فيه أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وكان المنبر ثلاث مراق (^١)، ولعله إنَّما قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلا خطوتان، انتهى.\nقلت: وهذه الكيفية التي فعلها ﵇ في صلاته لا تفسدها؛ لأنَّ العمل الكثير المفسد للصلاة إنَّما يكون مفسدًا إذا كان في ركن واحد، أما إذا كان متفرقًا في أركانه؛ فلا يفسد، ولا يجمع، بل يعتبر كل فعل بمفرده، فقول صاحب «المحيط» السابق هذا الحديث يشهد له؛ لأنَّه ﵇ صعد في الركعة الثانية، ونزل في الركعة الأولى، ونزوله خطوة واحدة وهو ركن واحد، وصعوده خطوة واحدة وهو ركن واحد، وعلى كل حال؛ فلا فساد؛ فليحفظ.\nوما زعمه الخطابي يرده رواية أبي داود عن ابن عمر قال: (مرقاتين)، وفي «الإكليل» من حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: (فبنوا له عتبتين)، وعلى هذا؛ فيكون قيامه\n_________\n(^١) في الأصل: (مراقي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":247},{"text":"﵇ على الأولى منهما، فليس في نزوله وصعوده إلا خطوة واحدة؛ فافهم.\nوفي الحديث: استحباب اتخاذ المنبر، وكون الخطبة على شيء مرتفع؛ كمنبر ونحوه، وفيه: استحباب التدريس على شيء مرتفع؛ كالكرسي ونحوه؛ كما يفعله الأتراك في وعظهم، وفيه: تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة، وأنه لا يقدح ذلك في صلاته، وليس هو من باب التشريك في العبادة، بل هو كرافع صوته بالتكبير؛ ليسمعهم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وفيه: أن العالم إذا انفرد بعلم شيء؛ يقول ذلك ليؤديه إلى حفظه، وفيه جواز الصلاة على الخشب ونحوه، بل هو الأفضل عندنا؛ لأنَّه تستحب (^١) الصلاة على الأرض أو على ما تنبته الأرض، وكرهه الحسن وابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة عنهما، والحديث حجة عليهما، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (قال) وللأصيلي: (وقال) (أبو عبد الله) هو البخاري نفسه: (قال علي بن عبد الله) وفي رواية أبي ذر: (قال علي ابن المديني): هو الحجة شيخ المؤلف: (سألني أحمد ابن حنبل): هو الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومئتين، وزعم الشافعية أن أحمد ابن حنبل متصرِّف في مذهب الشافعي؛ لأنَّه ألف مذهبين؛ قديم وجديد، فأخذ أحمد بأحدهما وجعله مذهبًا له.\nقلت: وهذا كلام باطل، بل الإمام أحمد علمه مشهور، وهو حافظ السنة، وفقهه وورعه ظاهر مقبول، فانظر هذه الجرأة على مثل هذا الإمام وما هي إلا من قلة الأدب، ولا عجب؛ فإن دأبهم القدح في الأئمة الأعلام، ولا ريب أن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب؛ كما أن النقي لا يغيره مقل الذباب، وما مثلهم إلا كمثل الذباب الذي تحت ذنب جواد في سيره وكرِّه؛ فلا يعتريه نقص عن حاله، والله تعالى أعلم.\n (عن هذا الحديث)؛ أي: المذكور في هذا الباب (قال) وفي رواية: (فقال) (فإنما) وفي رواية ابن عساكر والأصيلي: (وإنما) (أردت أن النبيَّ) الأعظم (ﷺ كان أعلى)؛ أي: أرفع (من الناس): الذين خلفه في الصلاة؛ (فلا) ولابن عساكر: (ولا) (بأس)؛ أي: لا حرج ولا كراهة (أن يكون الإمام أعلى من الناس) حال الصلاة (بهذا الحديث)؛ أي: بدلالة هذا الحديث، وجوز العلوُّ بقدر درجات المنبر، وزعم بعض الشافعية لو كان الإمام على رأس منارة المسجد والمأموم في قعر بئره؛ صح الاقتداء.\nقلت: وهو مذهب الإمام الأعظم ﵁؛ لأنَّ الشرط تقدُّم الإمام على المأموم، سواء كان أعلى من الناس أو أسفل منهم، بشرط أن يكونوا في المسجد لا في الصحراء، كما هو مقرر في الفروع.\n (قال) أي: علي بن عبد الله المديني: (فقلت)؛ أي: لأحمد ابن حنبل، وفي رواية: (قال: قلت)؛ بدون الفاء: (إن سفيان) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: (فإن سفيان) (بن عُيَيْنة)؛ بضم العين المهملة، وفتح المثناة التحتية الأولى، وسكون الثانية (كان يُسأل)؛ بضم أوله على صيغة المجهول (عن هذا)؛ أي: الحديث المذكور (كثيرًا، فلم) أي: أفلم (تسمعه منه؟ قال: لا) فهو متضمن للاستفهام بدليل الجواب بكلمة (لا)، ثم إن المنفي هو جميع الحديث؛ لأنَّه صريح في ذلك، ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض، والدليل على ذلك: أن أحمد قد أخرج في «مسنده» عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل: (كان المنبر من أثل الغابة) فقط، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: فهذا صريح في أن أحمد لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-638>[حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا]</span>\n٣٧٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم): هو الحافظ البغدادي المعروف بصاعقة (قال: حدثنا يزيد بن هارون): هو الواسطي (قال: أخبرنا حميد) بضم الحاء المهملة (الطويل): هو البصري، (عن أنس بن مالك) هو الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ سقط عن فرس)؛ بدون الضمير، وفي رواية: (عن فرسه)؛ بالضمير، فعلى الأولى؛ يحتمل أن الفرس عارية، وعلى الثانية؛ أن الفرس ملك النبيِّ الأعظم ﷺ، وفي رواية أبي داود: (فصرع عنه)؛ ومعناه: سقط أيضًا، وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، (فجُحِشَت ساقه)؛ بضم الجيم، وكسر الحاء المهملة، وفتح الشين المعجمة، من الجحش، وهو جحش الجلد؛ وهو الخدش، يقال: جحشه يجحشه جحشًا: خدشه، وقيل: أن يصيبه شيء يجحش؛ كالخدش أو أكثر من ذلك، وقيل: الجحش فوق الخدش، وقد يكون ما أصابه ﵇ من ذلك السقوط مع الخدش رضٌّ في الأعضاء وتوجع، فلذلك منعه القيام للصلاة، كذا قاله إمام الشَّارحين، (أو كتفه)؛ يعني: أو جحشت كتفه بالشك من الراوي، وفي رواية: بـ (الواو) الواصلة، وفي رواية الزهري عن أنس عند المؤلف: (فجحش شقه الأيمن)، وعند أحمد عن حميد عن أنس بسند صحيح: (انفكت قدمه)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وعند الإسماعيلي من رواية بشر بن المفضل عن حميد: (انفكت قدمه)، كما عند أحمد، والفرق بين هذه الروايات ظاهر، وليس لأحدها شمول للأخرى، وزعم القسطلاني أن رواية المؤلف (فجحش شقه الأيمن) أشمل.\nقلت: وهو غير ظاهر، فإن معناه: الجنب؛ وهو الخاصرة، فلا يشمل الكتف ولا الساق، كما لا يخفى.\n (وآلى من نسائه شهرًا)؛ أي: حلف ألَّا يدخل عليهنَّ شهرًا، والإيلاء على وزن (إفعال)؛ هو الحلف، يقال: آلى يُولي، وتألَّى بالياء، والألية: اليمين، والجمع ألايا؛ كعطية وعطايا، وإنما عُدِّي آلى بكلمة (من) وهو لا يعدى إلا بكلمة (على)؛ لأنَّه ضمن فيه معنى البعد، ويجوز أن تكون (من) للتعليل مع أن الأصل فيه أن تكون للابتداء؛ أي: آلى من نسائه؛ أي: بسبب نسائه ومن أجلهنَّ، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: (وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء؛ وهو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر وأكثر منها عند الإمام الأعظم، وعند مالك، والشافعي، وأحمد: لا بد من أكثر، والمولي: من لا يمكنه قربان امرأته إلا بشيء يلزمه، فإن وطئها في المدة؛ كفَّر؛ لأنَّه حنث في يمينه، وسقط الإيلاء، وإلا؛ بانت بتطليقة واحدة، وكان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية، فغير الشرع حكمه، ويأتي بيان حكمه في بابه إن شاء الله تعالى) انتهى كلامه\n (فجلس) ﵇ (في مَشْرَبة)؛ بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وضمها؛ وهي الغرفة، ويقال: هي\n_________\n(^١) في الأصل: (يستحب).","vol":"1","page":248},{"text":"أعلى البيت شبه الغرفة، وقيل: الخزانة، وهي بمنزلة السطح لما تحتها، كذا في «عمدة القاري»، (له) أي: ملكه ﵇ (درجتها) أي: سلمها الذي يتوصل إليها (من جُذُوع النخل)؛ بضم الجيم والذال المعجمة، جمع جِذْع -بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة- وجمعه: جذوع وأجذاع، قاله ابن دريد، وقال الأزهري: (ولا يتبين للنخل جذع حتى يتبين ساقها)، وفي «المحكم»: (الجذع: ساق النخلة)، كذا قاله الشَّارح، وفي رواية: (من جُذوعٍ) فقط بضم الجيم والتنوين؛ بغير إضافة؛ والمعنى: أن هذه الغرفة مصنوعة من جذوع النخل.\n (فأتاه أصحابه يعودونه)؛ بالدال المهملة، من العيادة للمريض، (فصلى) ﵇ (بهم) أي: بأصحابه (جالسًا)؛ بالنصب على الحال، صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، كذا قاله البيهقي في «المعرفة» (وهم قيام): جملة اسمية حالية، والقيام: جمع قائم، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ففيه جواز الصلاة على السطح وعلى الخشب؛ لأنَّ المشربة بمنزلة السطح لما تحتها، والصلاة فيها كالصلاة على السطح، وبذلك قال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وكره الحسن وابن سيرين الصلاة على الألواح والأخشاب، وكذلك روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵄، وكذلك روي عن مسروق: أنه كان يحمل لبنة في السفينة يسجد عليها، كذا رواه عنهم ابن أبي شيبة بسند صحيح، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال ابن بطال: ومطابقة الحديث للترجمة في صلاته ﵇ بأصحابه على ألواح المشربة وخشبها، والخشب مذكور في الترجمة، واعترضه الكرماني فقال: ليس في الحديث ما يدل على أنه صلى على الخشب؛ إذ المعلوم منه أن درجها من الجذوع لا نفسها، ويحتمل أنه ذكره لغرض بيان الصلاة على السطح؛ إذ يطلق السطح على أرض الغرفة.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: الظاهر: أن الغرفة كانت من خشب، فذكر كون درجها من النخل لا يستلزم أن تكون البقية من البناء، فالاحتمال الذي ذكره ليس بأقوى من الاحتمال الذي ذكرناه) انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن معنى جذوع النخل: ساقها، والساق: خشب يوضع على الجدران، يعمل منه الأسقف، والدرجة مصنوعة من تلك الجذوع، فهي مبنية من الجذوع؛ لأنَّ سقفها وجدرانها وسطحها كلها من الجذوع، فيطلق عليه أنه صلى على الخشب، وما زعمه الكرماني من أنه ليس في الحديث... إلخ؛ ممنوع، فإن الحديث دال على ذلك، كما لا يخفى.\nوقوله: (إذ المعلوم...) إلى آخره: ممنوع أيضًا، فإن نفس الغرفة مبنية من الجذوع؛ سقفها، وسطحها، وجدرانها، وبابها، كما لا يخفى.\nوقوله: (ويحتمل...) إلى آخره: هذا قاصر؛ لأنَّه لا يشمل الصلاة على الخشب؛ فافهم.\n (فلما سلَّم)؛ بتشديد اللام؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة؛ استقبل الناس، ثم (قال) لهم مبينًا حكم الإمام: (إنما جُعِل) بضم الجيم مبني للمجهول (الإمام)؛ أي: إمامًا، وأتى بكلمة (إنما) للحصر؛ لأجل الاهتمام والمبالغة، والمفعول الثاني لقوله: (جعل) محذوف؛ تقديره: إنَّما جعل الإمام إمامًا؛ (ليؤتم) أي: لأجل أن يقتدى (به) وتتبع أفعاله، والمفعول الأول وهو قوله: (الإمامُ) قائم مقام الفاعل، ففيه دليل على وجوب المتابعة للإمام في جميع الأفعال حتى في الموقف والنية، فقال الإمام الأعظم ومالك: يضر اختلاف النية، وجعلا اختلافها داخلًا تحت الحصر في الحديث، وقال مالك: لا يضر الاختلاف بالهيئة بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عامًّا في ما عدا ذلك، وقال محمد بن إدريس: لا يضر اختلاف النية، وجعل الحديث مخصوصًا بالأفعال الظاهرة.\nقلت: والحديث حجة على الشافعي؛ لأنَّ صلاة النبيِّ الأعظم ﷺ بأصحابه إنَّما كانت واحدة، وهي فرض الظهر، فاختلاف النية يضر الصلاة، وهو الظاهر من الحديث، وكذلك اختلاف الموقف، كما علم من الفروع.\n (فإذا كبر) أي: الإمام للتحريمة؛ (فكبروا)؛ أي: ليكبر من خلفه للتحريمة، وهم المقتدون به، ففيه حجة قوية، ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: أن المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإمام، لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه؛ لأنَّ (الفاء) معناها الحال، وهذا هو الأفضل، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن: الأفضل أن يكون تكبير المقتدي بعد فراغ تكبير الإمام؛ لأنَّ (الفاء) معناها التعقيب، فإن كبر مع الإمام؛ أجزأه عند الإمام محمد رواية واحدة ويكون مسيئًا، وكذلك في أصح الروايتين عن الإمام أبي يوسف، وفي رواية عنه: لا يصير شارعًا، ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع، والبعدية على قولهما أن يوصل ألف (الله) براء (أكبر)، وقال شيخ الإسلام: قول الإمام الأعظم أدق وأجود، وقولهما أرفق وأحوط، وبقولهما قال محمد بن إدريس، وزعم الماوردي إن شرع في تكبيرة الإحرام قبل فراغ الإمام منها؛ لم تنعقد صلاته، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع، فإن قارنه أو سابقه؛ فقد أساء، ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه؛ بطلت صلاته، إلا أن ينوي الإمام المفارقة، ففيه خلاف.\n (وإذا ركع) أي: الإمام؛ (فاركعوا) أي: ليركع من خلفه من المقتدين، (وإذا سجد) أي: الإمام؛ (فاسجدوا)؛ أي: ليسجد من خلفه من المقتدين، و(الفاء) في (فاركعوا) و(فاسجدوا) للتعقيب، وهو يدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود، حتى إذا سبقه فيهما أو أحدهما ولم يلحقه الإمام فيه؛ فسدت صلاته، فلا بد من اشتراكهما في أداء الركن، فلو انفرد المقتدي بركن لم يشاركه فيه إمامه؛ فسدت صلاته.\n (وإن صلى) وللأصيلي: (وإذا صلى) أي: الإمام (قائمًا؛ فصلوا قيامًا)؛ مفهومه: إن صلى قاعدًا؛ يصلي المأموم أيضًا قاعدًا، وهو غير جائز، ولا يعمل به؛ لأنَّه منسوخ لما ثبت أنه ﵇ صلى في آخر عمره قاعدًا، وصلى القوم خلفه قائمين.\nفإن قلت: جاء في بعض الروايات: (فإن صلى قاعدًا؛ فصلوا قعودًا).\nقلت: معناه: فصلوا قعودًا إذا كنتم عاجزين عن القيام مثل الإمام، فهو من باب التخصيص، أو هو منسوخ كما ذكرنا، كذا قاله","vol":"1","page":248},{"text":"إمام الشَّارحين.\nقلت: والصحيح أنه منسوخ، خلافًا لأحمد في مباحث ستأتي.\n (ونزل) ﵇ من المشربة (لتسع وعشرين) يومًا، (فقالوا) أي: الصحابة: (يا رسول الله؛ إنك آليت)؛ بفتح الهمزة وبالمد؛ أي: حلفت ألَّا تدخل على نسائك (شهرًا)؛ يعني: والشهر ثلاثون، فكيف نزلت لتسع وعشرين؟ (فقال) ﵇ لهم: (إن الشهر): اللام فيه للعهد عن ذلك الشهر المعين (تسع وعشرون) وفي رواية: (تسعة وعشرون)، ولا يلزم أن يكون كل الشهور تسعًا وعشرين، ففيه أن الشهر لا يأتي كاملًا دائمًا، وإن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر كذا فجاء الشهر تسعًا وعشرين يومًا؛ يخرج عن يمينه، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر تسعة وعشرين يومًا؛ لم يلزمه أكثر من ذلك، وإذا قال: لله عليه صوم شهر من غير تعيين؛ كان عليه إكمال عدد ثلاثين يومًا.\nوفي الحديث أيضًا مشروعية اليمين؛ لأنَّه ﵇ آلى ألَّا يدخل على نسائه شهرًا، وفيه: استحباب العبادة عند حصول الخدشة ونحوها، وفيه: جواز الصلاة جالسًا عند عدم القدرة على القيام، وهذا في حق الفرائض، أما النوافل؛ فتجوز من قعود مع القدرة على القيام، ولكن له نصف أجر القائم، واستدل أحمد ابن حنبل، وإسحاق، والأوزاعي، وابن حزم بهذا الحديث: على أن الإمام إذا صلى قاعدًا؛ يصلي من خلفه قعودًا، وقال مالك بن أنس: لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائمًا ولا قاعدًا، وقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، والثوري، وأبو ثور، ومحمد بن إدريس، والجمهور من السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا، وهذا في الفرض والواجب، أما النفل؛ فتجوز صلاة القادر على القيام قاعدًا خلف القائم والقاعد؛ لأنَّ النفل يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، كما صرح به «صاحب البحر».\nقال إمام الشَّارحين: والجواب عن حديث الباب من وجوه؛ الأول: أنه منسوخ، وناسخه صلاة النبيِّ الأعظم ﷺ بالناس في مرض موته قاعدًا وهم خلفه قيام، وأبو بكر ﵁ قائم يعلمهم بأفعال صلاته؛ بناء على أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان الإمام وأن أبا بكر كان مأمومًا في تلك الصلاة.\nفإن قلت: كيف وجه هذا النسخ، وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك أنَّ هذا الحديث الناسخ، وهو حديث عائشة فيه: أنه كان ﵇ إمامًا وأبو بكر مأمومًا، وقد ورد فيه العكس، كما أخرجه الترمذي والنسائي عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: (صلى رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدًا)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وأخرج النسائي أيضًا عن حميد، عن أنس قال: (آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم؛ صلى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر ﵁).\nقلت: مثل هذا لا يعارض ما وقع في «الصحيح» مع أن العلماء جمعوا بينهما، فقال البيهقي في «المعرفة»: ولا تعارض بين الحديثين، فإن الصلاة التي كان النبيُّ الأعظم ﷺ إمامًا [فيها] هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان ﵇ فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها ﵇ حتى خرج من الدنيا.\nقال: وهذا لا يخالف ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه ﵇ الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنَّما كان في الركعة الأولى، ثم إنه ﵇ وجد في نفسه خفة، فخرج فأدرك معه الركعة الثانية.\nوقال القاضي عياض: نسخ إمامة القاعد ثبتت بقوله ﵇: «لا يَؤُمنَّ أحد بعدي جالسًا»، وبفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤم أحد منهم قاعدًا وإن كان النسخ لا يمكن بعده ﵇؛ لمثابرتهم على ذلك، يشهد بصحة ذلك نهيه ﵇ عن إمامة القاعد بعده.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا الحديث أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في «سننهما» (^١) عن جابر الجعفي عن الشعبي، وقال الدارقطني: لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي، وهو متروك الحديث مرسل، لا تقوم به حجة، وقال عبد الحق في «أحكامه»: ورواه عن الجعفي مجالد، وهو أيضًا ضعيف) انتهى.\nقلت: وقد يقال: المرسل حجة عند الأئمة الحنفية والجمهور، فيحتج به على ثبوت النسخ، ومراد القاضي عياض إثبات النسخ، وجوابه متضمن لشيئين: إثبات الخصوصية والنسخ، وكلاهما ثابت بهذا الحديث المرسل، وهو حجة؛ فتأمل.\nثم قال إمام الشَّارحين: (الوجه الثاني: أن الحديث كان مخصوصًا بالنبيِّ الأعظم ﷺ، وفيه نظر؛ فإن الأصل عدم الخصوصية حتى يدل عليه دليل، كما عرف في الأصول) انتهى.\nقلت: وفي النظر نظر، فإنه ﵇ لما فعل ذلك، ثم نهى عنه؛ دل على أنه إما نسخ، أو خصوصية، بل الخصوصية أقرب، كما ثبت بهذا الحديث المرسل المذكور آنفًا، فهو دليل الخصوصية؛ فتأمل.\nثم قال إمام الشَّارحين: (الوجه الثالث: يحمل قوله ﵇: «وإذا صلى جالسًا؛ فصلوا جلوسًا» على أنه إذا كان الإمام في حالة الجلوس؛ فاجلسوا، ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك إذا صلى قائمًا؛ فصلوا قيامًا؛ يعني: إذا كان الإمام في حالة القيام؛ فقوموا، ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك في قوله: «فإذا ركع؛ فاركعوا، وإذا سجد؛ فاسجدوا») انتهى.\nقلت: يعني: فحينئذ يكون المراد بذلك المتابعة للإمام في أفعاله من حيث الأركان لا من حيث الاقتداء على هيئته في القعود، والمؤتم مثله، ويحتمل أن يكون المراد به الاقتداء في أثناء الصلاة؛ يعني: متى أدركتم الإمام في القيام؛ فوافقوه، وإن في الجلوس؛ فكذلك، وهكذا؛ فتأمل.\nثم قال إمام الشَّارحين: (ولقائل أن يقول: لا يقوى الاحتجاج على أحمد ابن حنبل بحديث عائشة المذكور: أنه ﵇ صلى جالسًا والناس خلفه قيام، بل ولا يصلح حجة؛ لأنَّه لا تجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائمًا، ثم قعد لعذر، ويجعلون هذا منه عفوًا، سيما وقد ورد في بعض طرق الحديث: أنه ﵇ أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر، رواه الدار قطني في «سننه»، وأحمد في «مسنده») انتهى.\nقلت: وقد يقال: الاحتجاج به قوي، ويجعل هذا كمن سبقه الحدث في الصلاة واستخلف\n_________\n(^١) في الأصل: (سنتيهما).","vol":"1","page":249},{"text":"واحدًامن المقتدين به؛ ليتم بهم صلاتهم، يدل عليه شروعه في الصلاة قائمًا، ثم عرض له العذر المفضي للقعود، فصار أبو بكر مستخلفًا، فإنه ﵇ لما عرض له العذر؛ استخلف أبا بكر، فهو صحيح تجوز الصلاة حينئذ؛ فتأمل.\nثم قال إمام الشَّارحين: ورواية الدارقطني وأحمد مرسلة؛ لأنَّها ليست من رواية ابن عباس عن النبيِّ الأعظم ﷺ، وإنما أوردها ابن عباس، عن أبيه العباس، عن النبيِّ الأعظم ﷺ، وكذلك رواه البزار في «مسنده» بسند فيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف، قال: وكان ابن عباس كثيرًا ما يرسل، كذا قاله ابن القطان في كتابه «الوهم والإيهام»، ورده إمام إمام الشَّارحين فقال: (ورواه ابن ماجه من غير طريق قيس، فقال: حدثنا علي بن محمد: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس: لما مرض رسول الله ﷺ)؛ فذكره... إلى أن قال: (قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﷺ في القراءة من حيث بلغ أبو بكر) انتهى.\nقلت: وقد يقال: إن فيه الرواية تخالفًا، فمفاد الأولى: أن النبيَّ الأعظم ﷺ استخلف أبا بكر، وهذه أبو بكر استخلف النبيَّ الأعظم عليه وسلم، والرواية الصحيحة الأولى وإن كانت مرسلة، وفي بعض طرقها ضعيف، لكن لما كثرت طرقها؛ تقوت؛ فتأمل.\nوزعم الخطابي أن أبا داود ذكر هذا الحديث من رواية جابر، وأبي هريرة، وعائشة، ولم يذكر صلاة رسول الله ﷺ آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهذا آخر الأمرين من فعله ﵇، ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب كتابه أن يذكر الحديث في بابه، ويذكر الذي يخالفه في باب آخر على إثره، ولم أجده في شيء من النسخ، فلست أدري كيف أغفل ذكر هذه القصة، وهي من أمهات السنن، وإليه ذهب أكثر الفقهاء؟\nورده إمام الشَّارحين فقال: (إما (^١) تركها سهوًا وغفلة، أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما ذهب إليه أحمد؛ فلذلك لم يذكر ما ينقضه) انتهى.\nقلت: والظاهر الثاني ولا عبرة بذلك، فإن القصة ثابتة في «الصحيحين»، وهما أقوى وأصح الكتب، وما في غيرهما لا يقاوم في ما فيهما، والحاصل: أن الحجة قوية على أحمد ومن تبعه، وأن ما ذهب إليه منسوخ أو مخصوص، وسيأتي لذلك مزيد كلام إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٦٣٩\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-639>[باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته) وهو (في) حالة (السجود) وفي بعض النسخ: (إذا سجد)؛ يعني: هل تفسد صلاته أم لا؟\n\n <span id=\"b-٦٤٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-640>[حديث: كان رسول الله يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض]</span>\n٣٧٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد): هو ابن مسرهد البصري، (عن خالد): هو ابن عبد الله الواسطي الطحان أبو الهيثم (قال: حدثنا سليمان الشيباني): هو أبو إسحاق الكوفي التابعي، (عن عبد الله بن شداد): هو ابن الهاد المدني، وسقط لفظ (ابن شداد) للأصيلي، (عن ميمونة): هي بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ (قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي) جملة في محل النصب على أنها خبر (كان)؛ يعني: في بيتها صلاة النافلة (وأنا حذاؤه)؛ بكسر الحاء المهملة، وبالذال المعجمة المفتوحة، والجملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: والحال أنا بإزائه ومحاذيه، والحذاء والحذوة والحذة كلها بمعنًى، كذا في «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أن (حذاءه)؛ بالنصب على الظرفية، ويروى: (حذاؤه)؛ بالرفع، قال إمام الشَّارحين: (الصحيح: أن «حذاؤه»؛ بالرفع على الخبرية) انتهى.\nقلت: ورواية الرفع هي رواية الأكثرين، والنصب قيل: إنها رواية «اليونينية»، وللأكثر حكم الكل.\n (وأنا حائض) جملة اسمية وقعت حالًا، إما من الأحوال المترادفة (^٢)، أو من الأحوال المتداخلة، الأولى بالواو والضمير، والثانية بالواو فقط، كذا في «عمدة القاري».\nوإنما ترك التابع مع أنها مؤنث؛ لأنَّه لا فرق بين الحائض والحائضة، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا؛ فهي حائض وحائضة، وأنشد الفراء:\nكحائضة يزني بها غير حائض\nوفي اللغة لم يفرق بينهما، غير أن الأصل فيه التأنيث، ولكن لخصوصية النساء به وعدم الالتباس؛ ترك التاء، كذا في «عمدة القاري»؛ فاعرفه.\n (وربَّما)؛ بتشديد الموحدة، وهي تحتمل التقليل حقيقة، والتكثير مجازًا، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: عند سيبويه وجماعة: أن (رب): حرف تكثير، وعند ابن درستويه وجماعة: أنها للتكثير دائمًا، كما في «المغني»، بل نقل الحلبي عن جماعة: أنها لا تفيد التقليل إلا بقرينة، انتهى.\nوإذا زيدت كلمة (ما) بعدها؛ فالغالب أن تكفها عن العمل، وأن تهيئها للدخول على الجملة الفعلية، وأن يكون الفعل ماضيًا لفظًا ومعنًى، ومنه قول الشاعر:\nربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات\nوتمامه في شرحنا على «الأزهرية».\n (أصابني ثوبه) ﵇ (إذا سجد) في صلاته، (قالت) أي: ميمونة: (وكان) ﵇ (يصلي على الخُمْرة)؛ بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم؛ سجادة صغيرة تعمل من سعف النخيل، وترمل بالخيوط، قيل: سميت خُمرة؛ لأنَّها تستر وجه المصلي عن الأرض، ومنه سمي: الخمار الذي يستر الرأس، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن بطال الخُمْرة: مصلًّى صغير ينسج من السعف، فإن كان كبيرًا قدر طول الرجل أو أكثر؛ فإنه يقال له: حصير، ولا يقال له: خمرة، وجمعها: خمر، وفي حديث ابن عباس: (جاءت فأرة فأخذت نجر الفتيل، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم)، وهذا ظاهر في إطلاق الخمرة على الكبيرة من نوعها، انتهى.\nقلت: الخمرة: السجادة الصغيرة التي تكون على قدر قامة الرجل، ويدل لذلك حديث ابن عباس: وأما الخمرة الكبيرة؛ هي التي تكون أكثر من قدر قامة الرجل، وهي تسمى: سجادة أيضًا وحصيرًا، ولا تسمى خمرة، ففي كلام ابن بطال خلط، كما لا يخفى.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث أحكام؛ الأول: فيه جواز مخالطة الحائض، الثاني: فيه طهارة بدن الحائض وثوبها، الثالث: فيه إذا أصاب ثوب المصلي المرأة؛ لا يضر ذلك صلاته ولو كانت المرأة حائضًا، والباب معقود لذلك.\nوظاهر الحديث يدل على صحة الصلاة، وكانت عادة المؤلف أن يأتي بمثل هذه الترجمة في التراجم إذا كان في الحكم اختلاف، وهذا الحكم ليس فيه اختلاف.\nفإن قلت: روي عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يأتي بتراب فيضعه (^٣) على الخمرة فيسجد عليه.\nقلت: كان هذا منه على تقدير صحته للمبالغة في التواضع والخشوع، لا على أنه كان لا يرى الصلاة على الخمرة، وكيف هذا وقد صلى ﵇ عليها وهو أكثر تواضعًا وأشد خضوعًا؟) انتهى.\nقلت: وقد يقال: مراد عمر بن عبد العزيز بذلك الفضيلة؛ لأنَّ المستحب السجود على الأرض أو على ما تنبته الأرض، فجعل التراب على الخمرة؛ ليكون سجوده على الأرض، وأما صلاته ﵇ عليها؛ فهو لبيان الجواز؛ لأنَّه الشَّارع ﷺ.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: روى ابن أبي شيبة عن عروة: أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض).\nقلت: لا حجة فيه لأحد في خلاف ما فعله النبيُّ الأعظم ﷺ، ويمكن أن يقال: مراده من الكراهة التنزيه، وكذا يقال في كل ما\n_________\n(^١) في الأصل: (لما)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (الترادفة)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (فيوضعه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":249},{"text":"روي عنه بمثله) انتهى.\nالرابع: فيه استحباب حمل السجادة للصلاة حتى في المساجد، لا سيما في زماننا؛ لما يشاهد من التهاون في أمر الطهارة في سجاجيد المساجد وحصرها، بل لو قيل بفرضية حملها غير بعيد.\nالخامس: فيه جواز الصلاة على الخمرة من غير كراهة، وعن ابن المسيب: الصلاة على الخمرة سنة، وقد فعل ذلك جابر، وأبو ذر، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵁، وزعم الكرماني أن فيه أن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة، وتبعه ابن حجر، ورده إمام الشَّارحين، فقال: قصدهما بذلك الغمز في مذهب الحنفية في أن محاذاة المرأة المصلي مفسدة لصلاة الرجل، ولكن هيهات لما قالا؛ لأنَّ المحاذاة المفسدة عندهم أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في الصلاة أداء وتحريمة وغير ذلك، وهم أيضًا يقولون: إن محاذاة المرأة المذكورة في هذا الحديث غير مفسدة، فحينئذٍ إطلاقهما الحكم فيه غير صحيح، وهو من ضربان عرق العصبية) انتهى.\nقلت: ولا شك في ذلك، فإن عرق العصبية لا يفتر عنهما خصوصًا ابن حجر، وكلاهما غير مصيب، فأين لهما من الاعتراض على مذهب الحنفية الذي هو الحق الصواب وما عداه خطأ؟! لا سيما أنَّهما ليس لهما معرفة في مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين حتى قالا هذا القول، فإن محاذاة المرأة إنَّما يكون مفسدًا بشروط؛ منها: أن تكون الصلاة واحدة أداء وتحريمة، وغير ذلك، كما هو مقرر في كتب الفروع، والمرأة التي في هذا الحديث ليست كذلك، بل هي ليست بطاهرة، فهذا كلام من لم يشم شيئًا من العلم، والولد الصغير لا يستنبط هذا الاستنباط، ولكن مرادهم القدح، والعناد، والتعصب، والتعنت، وغير ذلك من الأمور المخالفة للشرع، ألم يعلموا أن الإمام الأعظم حين استنبط الأحكام كان إمامهم محمد بن إدريس منيًا في ظهر أبيه، ثم بعد أن نشأ وقرأ على الإمام محمد بن الحسن قال: الناس عيال للإمام الأعظم؟ وقال: من أراد التفقه؛ فعليه بكتب محمد بن الحسن، فهذا أدب إمامهما، وكان عليهما التأدب أيضًا؛ فإن إمامهما قد تأدب مع إمامنا، وصح أنه صلى الفجر عنده ولم يقنت، وهذا يدل على أنه مقلد لا مطلق، وسيأتي بقية الكلام إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٦٤١\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-641>[باب الصلاة على الحصير]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (الصلاة على الحَصِير)؛ بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، وفي «المحكم»: أنها سفيفة تصنع من بردي وأَسل، سميت بذلك؛ لأنَّها تفرش على وجه الأرض، وكذلك يسمى وجه الأرض حصيرًا، والسَّفيْفة؛ بفتح السين المهملة، وبالفاءين، بينهما تحتية ساكنة: شيء يعمل من الخوص؛ كالزنبيل، والأَسل؛ بفتح الهمزة، والسين المهملة، آخره لام: نبات له أغصان كثيرة دقاق لا ورق لها، وفي «الجمهرة»: (الحصير عربي، سمي حصيرًا؛ لانضمام بعضها إلى بعض)، وقال الجوهري: (الحصير: الباريَّة)، كذا في «عمدة القاري».\nووجه مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله من حيث إن كلًّا منهما ذكر في حكم الصلاة، ففي الأول: السجود على الخمرة؛ وهي السجادة التي توضع على الأرض، وهنا السجود على الحصير التي توضع أيضًا على الأرض، وقدمنا تمام الكلام في باب (عقد الإزار على القفا)؛ فافهم.\n (وصلى جابر) ولأبي ذر وأبي الوقت: (وصلى جابر بن عبد الله): هو الأنصاري ﵁ (وأبو سعيد): هو سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (في السفينة): وهي الفلك؛ لأنَّها تسفن وجه الماء؛ يعني: تقشره، فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سفائن وسفن وسفين (قيامًا): جمع قائم، وأراد به التثنية؛ أي: قائمين، وهو نصب على الحال، وفي بعض النسخ: (قائمًا)؛ بالإفراد بتأويل كل منهما قائمًا، وهذا التعليق وصله أبو بكر ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبيد الله بن أبي عتبة مولى أنس، قال: (سافرت مع أبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله -وأناس قد سماهم، قال-: فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائمًا، ونصلي خلفه قيامًا، ولو شئنا؛ لأرفينا)؛ أي: لأرسينا، يقال: أرسى السفينة؛ بالسين المهملة، وأرفى؛ بالفاء: إذا وقف بها على الشط، والبخاري اقتصر هنا على ذكر الاثنين وهما جابر وأبو سعيد ﵄، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: ووجه مناسبة إدخال هذا الأثر في هذا الباب هو أنَّ هذا الباب في (الصلاة على الحصير)، وفي الباب الذي قبله: (وكان يصلي على الخمرة)، وكل واحد من الحصير والخمرة يعمل من سعف النخل، ويسمى: سجادة، والسفينة أيضًا مثل السجادة على وجه الماء، فكما أن المصلي يسجد على الخمرة والحصير دون الأرض، فكذلك الذي يصلي في السفينة يسجد على غير الأرض) انتهى.\nوزعم ابن المنير في وجه المناسبة بينهما هو أنَّهما اشتركا في الصلاة على غير الأرض؛ لئلا يتخيل أن مباشرة المصلي الأرض شرط من قوله ﵇ لمعاذ: «عفر وجهك في التراب» انتهى.\nورده إمام الشَّارحين: بأنه لا يخلو عن حزازة، والوجه القوي ما ذكرناه، انتهى.\nقلت: ولا مناسبة لحديث معاذ هنا؛ لأنَّه ورد في (التيمم).\nوقوله: (لئلا يتخيل...) إلخ: ممنوع، فإن الصلاة جائزة على الأرض حقيقةً وحكمًا، فالمصلي في السفينة مصلٍّ على الأرض حكمًا، فلا حاجة إلى هذا الكلام؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (ويستنبط من هذا الأثر: هو أن الصلاة في السفينة إنَّما تجوز إذا كان المصلي قائمًا، وقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: تجوز الصلاة فيها قائمًا وقاعدًا، بعذر وبغير عذر، وبه قال الحسن بن مالك، وأبو قلابة، وطاووس، روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة، وروى أيضًا عن مجاهد: أن جنادة بن أبي أمية قال: كنا نغزو معه، لكنا نصلي في السفينة قعودًا، ولأن الغالب فيها دوران الرأس؛ فصار كالمتحقق، والأولى أن يخرج منها إن استطاع الخروج منها، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا تجوز الصلاة في السفينة قاعدًا إلا من عذر؛ لأنَّ القيام ركن، فلا يترك إلا من عذر، والخلاف في غير المربوطة، فلو كانت مربوطة في لجة البحر؛ لم تجز الصلاة قاعدًا إجماعًا، وقيل: تجوز عنده في حالتي الإجراء والإرساء، ويلزمه التوجه للقبلة عند الاستفتاح، وكلما دارت السفينة؛ لأنَّها في حقه كالبيت حتى لا يتطوع فيها مومئًا مع القدرة على الركوع والسجود، بخلاف راكب الدابة) انتهى.\nقلت: فإن راكب الدابة يصلي مومئًا على الدابة إلى أي جهة توجهت به دابته، وهذا إذا كان خارج المصر عند الإمام الأعظم والإمام محمد بن الحسن، وقال الإمام أبو يوسف: يجوز أيضًا إذا كان في المصر، وهذا الأثر المذكور عن جابر وأبي سعيد يدل لما قاله الإمام الأعظم؛ لأنَّ معناه: أن الصلاة تجوز في السفينة قائمًا وقاعدًا من غير عذر؛ لأنَّهما صليا (^١) فيها وهي راسية؛ لقوله: (ولو شئنا؛ لأرفينا)؛ أي: لأرسينا، فإذا كانت كذلك؛ فلا تجوز الصلاة قاعدًا، فلهذا صلى إمامهم قائمًا، وهذا ظاهر؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (صلا)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":250},{"text":"(وقال الحسن): هو البصري، مما وصله ابن أبي شيبة كما سيأتي (تصلي): خطابًا لمن سأله عن الصلاة في السفينة: هل يصلي قائمًا أو قاعدًا؟ فأجابه بقوله له: تصلي (قائمًا)؛ أي: حال كونك قائمًا تركع وتسجد (ما لم تشق)؛ بالفوقية والتحتية (على أصحابك)؛ أي: بالقيام، وكلمة (ما) مصدرية ظرفية، معناها المدة؛ والمعنى: تصلي قائمًا مدة دوام عدم شق أصحابك (تدور معها)؛ أي: مع السفينة حيثما دارت، فأفاد بهذا أنه يلزمه التوجه للقبلة عند الاستفتاح، وكلما دارت السفينة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا لمن زعم عدم لزوم الدوران، (وإلا) أي: وإن لم يشق على أصحابك القيام؛ (فقاعدًا)؛ أي: فصل حال كونك قاعدًا؛ لأنَّ الحرج مدفوع، وأجاز إمامنا رئيس المجتهدين الصلاة في السفينة قاعدًا مع القدرة على القيام، سواء كان بعذر أم لا، وظاهر كلام الحسن البصري هذا: أنَّ القيام ليس شرطًا؛ لأنَّه جعله لأجل الموافقة للأصحاب، وهو دليل الاستحباب؛ كالصوم في السفر إذا كان يشق على الأصحاب؛ فالمستحب الفطر، وإلا؛ فالمستحب الصوم، فكلام الحسن موافق لما ذهب إليه الإمام الأعظم، ولئن قيل غير ذلك؛ فهم رجال ونحن رجال، فإن الأثر عن التابعي لا يعارض مذهب تابعي آخر، بل الصواب ما عليه إمامنا، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: (يصلي)؛ بالمثناة التحتية، وكذلك: (يشق على أصحابه)؛ بضمير الغائب، و(يدور)؛ بالتحتية كذلك، وفي غير رواية أبي ذر: (تصلي)، و(تشق)، و(تدور)؛ بالمثناة الفوقية في الثلاثة، وهي أوفق في المعنى، قيل: وفي متن «الفرع»: (وقال الحسن: قائمًا...) إلى آخره، فأسقط لفظة: (يصلي).\nقلت: والظاهر: أنها سقطت سهوًا أو غفلة من الناسخ؛ لأنَّه لا بد منها لصحة المعنى؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: حدثنا حفص عن (^١) عاصم، عن الشعبي، والحسن، وابن سيرين: أنَّهم قالوا: حل في السفينة قائمًا، وقال الحسن: لا تشق على أصحابك، وفي رواية الربيع بن صالح: أن الحسن ومحمدًا قالا: يصلون فيها قيامًا جماعة، ويدورون مع القبلة حيث دارت، والبخاري اقتصر على الذكر عن الحسن) انتهى.\nقلت: ولعل اقتصاره عليه كونه ذكر التفصيل، وهو إذا شق على أصحابه؛ يصلي قاعدًا، وإلا؛ فقائمًا، والظاهر: أن المؤلف اختار قوله فاقتصر عليه، والظاهر: أن القيام ليس بشرط على قول الحسن وكذلك على قول ابن سيرين لأن الشق على الأصحاب لعدم موافقتهم مستحبٌّ لا واجبٌ، كما يستفاد من كلامهما، وهو ظاهر اللفظ، فصار الحاصل: أن القيام فيها غير شرط، بل مستحب؛ لأجل موافقة أصحابه، وهذا كالصوم في السفر كما ذكرنا، والله تعالى أعلم؛ فافهم ذلك.\n\n <span id=\"b-٦٤٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-642>[حديث: قوموا فلأصل لكم]</span>\n٣٨٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي، وفي رواية: (عبد الله) فقط (قال: حدثنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي، وزعم القسطلاني هو إمام الأئمة.\nقلت: لفظة: (إمام الأئمة) لا تطلق إلا على إمامنا الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁؛ لأنَّه إمامهم ورئيسهم، إلا أن يقال: المراد إمام أئمة مذهبه، وكذلك لفظة: (الإمام الأعظم) لا تطلق إلا على أبي حنيفة ﵁؛ لكونه أقدم الأئمة وإمامهم ورئيسهم؛ حيث إن الأئمة الثلاثة من أتباعه، فإن مالك من تلامذته في الفقه، والشافعي من تلاميذ محمد بن الحسن ووكيع، وهما من تلاميذ الإمام الأعظم، وأحمد من تلاميذ الشافعي؛ فافهم.\n (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحمُّوي: (عن إسحاق ابن أبي طلحة)؛ بنسبته إلى جده، واسم أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري، المتوفى سنة اثنتين (^٢) وثلاثين ومئة، وكان مالك لا يقدم على إسحاق أحدًا في الحديث، (عن أنس بن مالك): هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ: (أن جدته)؛ أي: جدة إسحاق لأبيه، وبه جزم القاضي عياض، وابن عبد البر، وعبد الحق، وصححه النووي، واسمها: (مُلَيْكة)؛ بضم الميم، وفتح اللام، وسكون التحتية: هي بنت مالك بن عدي، وهي جدة أنس بن مالك؛ لأنَّ أمه أم سليم، وأمها مُلَيْكة المذكورة، ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يزور أم سليم...)؛ الحديث، وأم سليم: هي أم أنس، وأمها مُلَيْكة المذكورة، واختلف في اسم أم سليم، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رمية، وقيل: الرميصاء، وقيل: الغميصاء، وقيل: أنيفة؛ بالنون، والفاء مصغرة، وتزوج أم سليم مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد الله وأبا عمير، وعبد الله هو والد إسحاق راوي هذا الحديث عن عمه -أخي أبيه لأمه- أنس بن مالك، وقال جماعة: الضمير في (أن جدته) يعود على أنس نفسه، وبه جزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار، وهو مقتضى ما في «النهاية»، ويؤيده ما ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في «فوائد العراقيين» من حديث إسحاق ابن أبي طلحة، عن أنس قال: (أرسلتني جدتي إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، واسمها مليكة...)؛ الحديث، ولا تنافي بين كون مليكة جدة أنس، وبين كونها جدة إسحاق، كذا قرره إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى.\n (دعت رسول الله ﷺ لطعام) أي: لأجل طعام (صنعته)؛ أي: ركبته، والجملة فعلية في محل الجر؛ لأنَّها صفة (لطعام)؛ أي: مليكة جدة أنس، أو إسحاق، أو ابنتها أم سليم والدة أنس بن مالك (له)؛ أي: لأجله ﵇، (فأكل منه): وعند ابن أبي شيبة عن أنس قال: (صنع بعض عمومتي للنبيِّ الأعظم ﷺ طعامًا، فقالت: إني أحب أن تأكل منه في بيتي، وتصلي فيه، قال: فأتاه، وفي البيت فحل من تلك الفحول، فأمر بجانب منه، فكنس ورش، فصلى وصلينا معه).\nوعند النسائي: (أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلًّى، فأتاها، فعمدت إلى حصير فنضحته، فصلى عليه، وصلوا معه).\nوفي «الغرائب» للدارقطني عن أنس قال: (صنعت مليكة طعامًا لرسول الله ﷺ، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال لي: «قم فتوضأ، ومر العجوز فلتتوضأ، ومر هذا اليتيم فليتوضأ، فلأصلي لكم»، قال: فعمدت إلى حصير عندنا).\n_________\n(^١) في الأصل: (بن)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (اثنين)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":250},{"text":"وفي «سنن البيهقي» من حديث أبي قلابة عن أنس: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يأتي أم سليم يقيل عندها، وكان يصلي على نطع، وكان كثير العرق، فتتبع العرق من النطع تجعله في القوارير مع الطيب وكان يصلي على الخمرة) كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وإفادة هذه الروايات: أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان مجيئه لأجل الصلاة، وكان غرض مليكة الصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها، خلافًا لمن زعم أن مجيئه كان لأجل الطعام، فإن هذه الروايات تردُّ عليه كما هو ظاهر، وسيأتي بقية الكلام عليه.\n (ثُمَّ قَالَ) ﵇ لهم: (قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ) بكسر اللام، وضم الهمزة، وفتح المثناة التحتية، ووجهه أن اللام فيه لام (كي)، والفعل بعدها منصوب بـ (أن) المقدرة؛ تقديره: فلأن أصلي لكم، والياء زائدة، والفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف؛ تقديره: قوموا فقيامكم لأصلي لكم، فاللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن تكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، واللام متعلقة بـ (قوموا)، وفي رواية: (فلأصليْ) بكسر اللام على أنها لام (كي) وسكون الياء، ووجهه: أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف، وفي مثل هذا لغة مشهورة، ويجوز أن تكون اللام لام الأمر، وتثبت الياء في الجزم؛ إجراء للمعتل مجرى الصحيح.\nوفي رواية الأربعة (فلَأصليْ) بفتح اللام وسكون الياء، ووجهه: أن تكون اللام لام الابتداء؛ للتأكيد، أو تكون اللام لام الأمر، وفتحت على لغة بني سليم، وثبتت الياء في الجزم؛ إجراء للمعتل مجرى الصحيح؛ كقراءة قنبل ﴿مَن يَتَّقي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، أو تكون اللام جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف؛ تقديره: إن قمتم؛ فوالله لأصلي لكم.\nواعترض هذا الوجه ابن السِّيد فزعم (وغلط من توهم أنه قسم؛ لأنَّه لا وجه للقسم، ولو أريد ذلك؛ لقال: لأصلين؛ بالنون) انتهى.\nقلت: بل الزاعم أنه لا وجه للقسم هو الغالط الواهم؛ فإن وجه القسم ظاهر وهو مراد، ولا يلزم أن يقول: لأصلين؛ بالنون؛ لأنَّ هذا في القسم الصريح، أما المقدر؛ فلا، وهنا جواب القسم محذوف كما علمت.\nوفي رواية الأصيلي: (فلأصلِّ) بحذف الياء وكسر اللام، ووجهه: أن تكون اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بحذفها.\nوفي رواية حكاها ابن قرقول: (فلنصلِّ) بكسر اللام وبنون الجمع، ووجهه: أن تكون اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء وكسر اللام لغة معروفة.\nوفي رواية الكشميهني: (فأصليْ) بحذف اللام وسكون الياء على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر، وهذه رواية الكشميهني، كما ذكرنا.\nوزعم ابن حجر أنه لم يقف عليها في نسخة صحيحة.\nقلت: وهو ممنوع، فإنه لايلزم من عدم وقوفه عليها ألا تكون ثابتة؛ فإنه ليس هو ممن يحيط بجميع الروايات على أنه ما ذكرناه مثبت، وكلامه ناف، والمثبت مقدم على النافي عند المحققين؛ فافهم.\nفهذه ستُّ روايات مع ذكر أوجه إعرابها، وقد سردها إمامنا الشَّارح ﵁.\n (لَكُمْ)؛ أي لأجلكم، فاللام للعلة من حيث إن صلاته كانت لأجل اقتدائهم به ﵇، فلا يقال: إن الظاهر أن يقول: بكم؛ بالموحدة؛ لأنَّهم قد يصلون معه في المسجد، فأراد ﵇ الصلاة عندهم واقتداءهم به، فهو متضمن لشيئين.\nعلى أنه قد تكون اللام بمعنى الباء؛ لأنَّ حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، ويدل لهذا: ما في «سنن البيهقي» من حديث أبي قلابة عن أنس: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يأتي أم سليم يقيل عندها...)؛ الحديث، وعند ابن أبي شيبة عن أنس فقال: (إني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه) إلى أن قال: (فصلى وصلينا معه) كما تقدم، ولهذا قال السهيلي: إن الأمر في قوله: (قوموا) بمعنى الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، أو هو أمر لهم بالائتمام، لكن أضافه لنفسه؛ لارتباط تعليمهم بفعله، انتهى.\nوزعم ابن حجر أن مجيئه ﵇ كان لأجل الطعام لا ليصلي بهم؛ ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي له، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: قلت: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلَّى ﵇ في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها.\nوقوله: (وهذا هو السر...) إلى آخره: فيه نظر؛ لأنَّه يحتمل أن الطعام كان قد حضر وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر؛ لا يؤخر، فيقدم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان؛ لعدم حضور الطعام، انتهى.\nقلت: ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح ما عند النسائي: (أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها فيصلي في بيتها، فتتخذه مصلًّى...)؛ الحديث، فهذا يدل على أن مجيئه ﵇ كان لأجل الصلاة بهم، وليتخذوا مكان صلاته مصلًّى لهم، لا لأجل الطعام كما زعمه ابن حجر، وكأنه لم يطلع (^١) على هذه الرواية، ويدل أيضًا لما قاله إمام الشَّارحين ما عند ابن أبي شيبة عن أنس قال: (صنع بعض عمومتي للنبيِّ الأعظم ﷺ طعامًا فقالت: إني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه...)؛ الحديث، فهذا يدل على أن الطعام كان قد صُنع وتهيَّأ وحضر في دعوتها، فبدأ ﵇ بالصلاة ثم بالأكل؛ لأنَّه إذا حضر الطعام؛ لا تُقدم الصلاة عليه، ويدل لهذا أيضًا مافي «الغرائب» للدارقطني عن أنس قال: (صنعت مليكة طعامًا لرسول الله ﷺ، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ...)؛ الحديث، فهذا يدل على أن الطعام قد صنع وتهيَّأ وحضر، وأن قصدها من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها، ولما أنَّه قد حضر الطعام؛ فبدأ ﵇ به قبل الصلاة، وفي ذلك روايات أُخَر تدل لما قاله إمام الشارحين، وتردُّ على ما زعمه ابن حجر، فلله در إمامنا الشَّارح ما أعظم فكره وأدق نظره! وحقيق بأن يلقب بإمام الشَّارحين؛ فافهم واحفظ.\n (قَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالك ﵁: (فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا)؛ بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، وهي الباريَّة المتخذة من سعف النخل وشبهه (^٢) قدر طول الرجل بمرتين أو أكثر أو أقل، وعند مسلم: (فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله ﷺ فنقوم خلفه، وكان بساطهم من جريد النخل) انتهى.\n (قَدِ اسْوَدَّ) وفي رواية: (قطعة حصير عندنا خَلق) بفتح الخاء المعجمة (مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ)؛ بضم اللام وكسر الباء الموحدة؛ أي: من كثرة الاستعمال، و(لبس) ههنا ليس من: (لبست\n_________\n(^١) في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (وشهبه)، وهو تحريف.","vol":"1","page":251},{"text":"الثوب)، وإنما من قولهم: لبست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا، فحينئذ يكون معناه: قد اسود من كثرة ما تمتع به في طول الزمان، قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم: وقد استدل به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قاله الحنفية من جواز افتراش الحرير وتوسده، ولكن الذي يدرك المعاني الدقيقة ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويقرُّ أن الحنفية لا يذهبون إلى شيء سدًى، انتهى.\nقلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر، وما زعمه باطل، ومن دأبه التعصب والعناد، وفهم المعاني على خلاف معانيها العربية فإن مراد النبيِّ الأعظم ﷺ بالنهي عن لبس الحرير: لبسه المعتاد على الجسد، وأما افتراش الحرير وتوسده؛ فليس فيه لبس؛ فهو خارج عن النهي، بل هو جائز، وقد فعله كثير من الصحابة والخلفاء ﵁، وصاحب الدار أدرى بالذي فيه.\nوأما (لبس) في الحديث؛ فمعناه: التمتع، من قولهم: لبست المرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا، بدليل قوله في الحديث: (قد اسود) يعني: من كثرة الاستعمال، فإنه لو لم يستعمل؛ لم يسود، فهذا يدل على بطلان قوله: إنَّ معناه الافتراش؛ فافهم، فكيف يزعم ابن حجر هذا الزعم وما هو إلا من تحرك عرق العصبية والعناد؟ فافهم ذلك، ولا تكن من المتعصبين.\n (فَتَنضَحه) من النضح، وهو الرش؛ أي: ترشه (بِمَاءٍ) وفي رواية مسلم: (فيكنس، ثم ينضح) وذلك لأجل تليين الحصير أو لإزالة الأوساخ منه فتنظفه، وهذا يدل على أنها فعلت ذلك من نفسها، وفي رواية مسلم أنه ﵇ أمرها بذلك؛ لأنَّه قال: (فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح...)؛ الحديث، والظاهر: أنها فعلته بأمره ﵇، ويدل له رواية ابن أبي شيبة: (فأمر بجانب منه، فكنس ورشَّ)، وفي «الغرائب» للدارقطني: ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال لي -أي: لأنس-: «قم فتوضأ، ومُرِ العجوز فلتتوضأ، ومُرْ هذا اليتيم فليتوضأ...»؛ الحديث، (فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ)؛ أي: على الحصير لأجل الصلاة، ففيه جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع إلا من شذَّ بحديث أنه لم يصل عليه، وهو لا يصح، كذا ذكره صاحب «التوضيح».\nقال إمام الشَّارحين: وأراد بقوله: (لا يصح)؛ أي: الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن المقدام عن أبيه عن شريح بن هانئ: أنه سأل عائشة ﵂: أكان النبيُّ الأعظم ﷺ يصلي على الحصير والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير، وقالوا: هذا الحديث غير صحيح؛ لضعف يزيد بن المقدام، ولهذا بوب البخاري باب (الصلاة على الحصير)، فإنَّ هذا الحديث لم يثبت عنده، وأورده؛ لمعارضة ما أقوى منه، والذي شذَّ فيه هو عمر بن عبد العزيز، فإنه كان يسجد على التر اب، ولكن يحمل فعله هذا على التواضع، انتهى.\nقلت: وقد صح أنه ﵇ قد صلى على الحصير، وهو أشد تواضعًا وأكثر خضوعًا، والظاهر: أن فعله لبيان الأفضل؛ لأنَّ الأفضل السجود على الأرض أو على ما تنبته الأرض، فإن الحصير وإن كان مما تنبته الأرض لكن التراب أرض حقيقة، وإذا وجد؛ فهو أفضل مما تنبته، والله أعلم.\n (فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (وصففت واليتيم) بإسقاط لفظة (أنا)، وبدل الفاء: واو، وقال إمام الشَّارحين: ومثل هذا فيه خلاف بين الكوفيين والبصريين؛ فعند البصريين لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد تأكيده بضمير منفصل؛ ليحسن العطف على المرفوع المتصل بارزًا كان أو مستترًا؛ كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وعند الكوفيين يجوز ذلك بدون التأكيد.\nو(اليتيمَُ): يجوز فيه الرفع والنصب؛ أما الرفع؛ فلأنه معطوف على الضمير المرفوع، وأما النصب؛ فلأنه يكون الواو فيه واو المصاحبة؛ والتقدير: فصففت أنا مع اليتيم، انتهى.\nقلت: فرواية الأكثرين جارية على مذهب البصريين، ورواية المستملي والحمُّوي جارية على مذهب الكوفيين في جواز عدم التأكيد، و(اليتيمُ)؛ بالرفع رواية أبي ذر، وبالنصب رواية «الفرع» مصححًا عليه.\nوزعم الكرماني أن رواية الرفع وجهها: أن يكون مبتدأ، و(وراءه) خبره، والجملة حال، ورده إمام الشَّارحين وتبعه الشراح بأنه غير موجَّه، بل الرفع على العطف على الضمير المرفوع كما ذكرنا؛ فافهم.\nوقوله (وَرَاءَهُ)؛ أي: خلف النبيِّ الأعظم ﷺ، قال إمام الشَّارحين: واليتيم هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله ﷺ، كذا قاله الذهبي في «تجريد الصحابة»، ثم قال: ولأبيه صحبة، وقال في «الكنى»: (أبو ضميرة مولى رسول الله ﷺ، كان من حِمْير، اسمه سعد)، وكذا قال البخاري: إن اسمه سعد الحميري من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعد الحميري وهو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، انتهى.\nويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سدر، وقيل: روح بن شيرزاد، وضُمَيْرَة؛ بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، وسكون التحتية، وفتح الراء، آخره هاء، انتهى كلام إمام الشَّارحين ﵀.\n (وَالْعَجُوزُ) هي مليكة المذكورة أولًا (من ورائنا)؛ أي: خلفهم، والجملة اسمية وقعت حالًا، وفي حالة الرفع يكون معطوفًا؛ فافهم، قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: وفي الحديث: جواز قيام الطفل مع الرجال في صف واحد، وفيه أيضًا: تأخير النساء عن الرجال، انتهى.\nقلت: فإن تأخُّرهنَّ عن الرجال واجب؛ لئلا تفسد صلاة الرجال المحاذين لهنَّ.\nفهذا الحديث دليل لما قاله الأئمة الحنفية من أن محاذاة المرأة للرجل في صلاة واحدة يفسد صلاة الرجل وغيره المحاذين لها، وهو حجة على من زعم أنه غير مفسد.\nوكذا فيه حجة على من زعم أن محاذاة الطفل للرجل في الصلاة مفسد لصلاة الرجل؛ فإنَّ هذا الحديث صريح في أنها غير مفسدة (^١)؛ لقيام اليتيم مع أنس خلف النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فليحفظ.\n (فَصَلَّى لَنَا) أي: لأجلنا (رَسُول اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ) وهي نافلة النهار، لكن الأفضل في النهار أربع، كما في أحاديث غيرها، لكنه ﵇\n_________\n(^١) في الأصل: (مفسد)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":251},{"text":"اقتصر هنا على الركعتين؛ لأنَّ مراده بالصلاة التعليم بالمشاهدة، وبهما يكفي للتعليم، ويحتمل أنه صلى ركعتين، ثم ركعتين، فاقتصر الراوي على الركعتين الأوليين، (ثُمّ َانْصَرَفَ)؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة وذهب إلى بيته، فيستنبط منه أن الخروج من الصلاة بلفظ السلام ليس بواجب؛ لأنَّه قال: (ثم انصرف)، ولم يقل: ثم سلم، لا يقال: المراد منه الانصراف من البيت الذي هو فيه؛ لأنَّا نقول: ظاهره بل صريحه أن المراد منه الانصراف من الصلاة بالمشي واستدبار القبلة.\nوفيه: أن المنفرد خلف الصف تصح صلاته؛ بدليل وقوف العجوز في الأخير وحدها، وهو مذهب إمامنا رئيس المجتهدين وأصحابه، وبه قال مالك والشافعي، وقال أحمد وأصحاب الحديث: لا يصح؛ لقوله ﵇: «لا صلاة للمنفرد خلف الصف»، وأجيب: بأنه أريد به نفي الكمال لا الصحة، يدل عليه قوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، فإنه أريد به نفي الكمال إجماعًا، وهذا مثله؛ فليحفظ.\nوفي الحديث: دليل على أن الاثنين يكونان صفًّا وراء الإمام، وهو مذهب الإمام الأعظم وكافة العلماء إلا ما روي عن ابن مسعود أنه قال: يكون الإمام بينهما.\nوزعم صاحب «التوضيح» أنه مذهب الإمام الأعظم والكوفيين.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: مذهبه ليس كذلك، بل مذهبه أنه إذا أمَّ اثنين؛ يتقدم عليهما، وبه قال محمد بن الحسن، واحتجَّا بهذا الحديث المذكور في الباب، نعم؛ روي عن الإمام أبي يوسف أنه يتوسطهما، قال صاحب «الهداية»: (ونقل ذلك عن ابن مسعود).\nقلت: هذا موقوف عليه، وقد رواه مسلم من ثلاث طرق، ولم يرفعه في الأوليين، ورفعه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ في الثالثة، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ، وقال أبو عمر (^١): (هذا الحديث لا يصح رفعه، وأما فعله هو؛ فإنما كان لضيق المسجد)، رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» بسنده عن ابن سيرين أنه قال: (لا أرى ابن مسعود فعل ذلك إلا لضيق المسجد أو لعذر آخر، لا على أنه من السنة) انتهى.\nوفيه دليل على أن الأصل في الحصير ونحوه الطهارة، ولكن النضح فيه إنَّما كان لأجل تليين الحصير أو لإزالة الوسخ عنه كما ذكرنا، وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته، ورده إمام الشَّارحين فقال: هذا مبني على مذهبه من أن النجاسة المشكوك فيها تتطهر بنضحها من غير غسل، وعندنا الطهارة لا تحصل إلا بالغسل، انتهى.\nقلت: وما قاله القاضي عياض غير ظاهر فضلًا عن أن يكون أظهر؛ لأنَّ الحصير إنَّما كان طاهرًا، يدل عليه ما في «مسلم»: (فربما تحضر الصلاة، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس...)؛ الحديث، فإنه ﵇ لا يجلس إلا على طاهر، فلو كان نجسًا؛ لم يجلس عليه.\nوفي «سنن البيهقي» من حديث أبي قلابة عن أنس (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يأتي أم سليم يقيل عندها، وكان يصلي على نطع، وكان كثير العرق، وكانت تتبع العرق من النطع وتجعله في القوارير مع الطيب...)؛ الحديث، فهذا يدل أيضًا على أن الحصير كان طاهرًا؛ لأنَّه كان يعرق عليه وتأخذ العرق منه، فلو كان الحصير نجسًا؛ لم تفعل هكذا، ولم يجلس ﵇ عليه، ولا كان يعرق عليه.\nفقوله (والأظهر...) إلى آخره ممنوع، وإنما قاله؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، والصواب: أن النضح إنَّما كان لأجل تليين الحصير أو لأجل إزالة الوسخ عنه لتنظيفه؛ يدل عليه أنه قال في الحديث المذكور: (قد اسود) وإنما يسود الحصير من كثرة الاستعمال.\nويدل عليه أيضًا رواية الدارقطني عن أنس قال: (فعمدت إلى حصير عندنا خلق قد اسود)، وفي رواية: (قطعة حصير عندنا خلق) فوصفه بالخلق الذي هو الرث الغير النظيف دليل على أنه قد اسود من كثرة الاستعمال، فالنضح إنَّما كان لأجل إزالة الوسخ لا لأجل الطهارة، فإن الشيء المتنجس لا يطهره إلا الغسل هذا هو الصواب؛ فافهم.\nوقال النووي: احتج أصحاب مالك بقوله: (من طول ما لبس) على أن من حلف لا يلبس ثوبًا ففرشه؛ فعندهم يحنث، وأجاب أصحابنا: بأن ليس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش في القرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف من حلف لا يلبس ثوبًا، فإن أهل العرف لا يفهمون من لبسه الافتراش، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: ليس معنى اللبس في الحديث الافتراش، وإنما معناه: التمتع، كما قال أصحاب اللغة: يقال: لبست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا طويلًا، وليس هو من اللبس الذي من لبست الثياب، انتهى.\nقلت: وما زعمه النووي متناقض، وحمل اللبس في الحديث على الافتراش باطل، ودعواه القرينة دعوى باطلة، ودعواه أنه المفهوم غير صحيح؛ فإن الحديث ليس فيه قرينة على صحة هذه الدعوى، وليس هو بمفهوم منه أيضًا؛ لأنَّه قال في الحديث: (قد اسود من طول ما لبس) وهو يدل على أنه قد استعمل كثيرًا، واستعماله إنَّما كان لأجل الصلاة، والصلاة مكررة ليلًا ونهارًا، لا سيما يعرض عليه الغبار والتراب، فطول اللبس كناية عن كثرة الاستعمال، فإن عادة حصير الصلاة يفرش وقت الصلاة ويقام عند الفراغ منها، ويوضع في مكان آخر، وأصل هذه المادة المخالطة والمداخلة، فـ (لبس) في الحديث ليس من قولهم: لبست الثوب، وإنما هو من قولهم: لبست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا طويلًا، فيكون المعنى قد اسودَّ من كثرة مما تمتع به في طول الزمان، يدل عليه ما ذكرناه من رواية الدارقطني: (خلق قد اسود)، فوصفه بالخلق دليل على أنه قد استعمل كثيرًا حتى صار خلقًا مسودًّا، وهذا ظاهر بأدنى تأمل، ولكن النووي وغيره إنَّما ذهب إلى هذا المعنى؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه من حرمة افتراش الحرير، فارتكب هذا المعنى الغير الصواب، ولو أنصف؛ لقال كما قلنا، ولكن هيهات من صحة كلامه، لأنَّه خلاف ما قاله أهل اللغة على أن قوله: (بخلاف من حلف...) إلى آخره، فإنه ناقض كلامه وقال: (أهل العرف لا يفهمون...) إلى آخره، فإذا كان كذلك؛ فكيف يفهمون من الحديث أن اللبس بمعنى\n_________\n(^١) في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":252},{"text":"الافتراش؟!\nوعلى ما قاله؛ إن من فهم هذا المعنى لا يكون ممن يدرك دقائق المعاني ومدارك الألفاظ العربية، وهو كذلك فإن من يدرك ذلك لا يقول هذا الكلام المتناقض، ولا يحمل هذا الحمل الباطل، وفوق كل ذي علم عليم.\nوفي الحديث: دليل على صحة صلاة الصبي.\nوفيه: دليل على صحة صلاة الرجل الذي صلى محاذيًا للصبي خلافًا لمن زعم فساد صلاته.\nوفيه: أن إمامة المرأة للرجال غير صحيحة؛ لأنَّه إذا كان مقامها متأخرًا عن مرتبة الصبي فبالأولى ألَّا تتقدمهم إمامة النساء مطلقًا، وحكى بعض العلماء إجازة إمامة الصبي والمرأة في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرهما.\nواستدل الإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن وتبعه الشافعي على أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين، وقال الإمام الأعظم: الأفضل في النهار الأربع، وأجاب عن هذا الحديث: أنه إنَّما فعله؛ لبيان الجواز ولأجل التعليم.\nوزعم ابن حجر أن فيه الاقتصار على نافلة النهار على ركعتين خلافًا لمن اشترط أربعًا.\nورده إمام الشَّارحين فقال: إن كان مراده الإمام الأعظم؛ فليس كذلك؛ لأنَّه لم يشترط ذلك، بل قال: الأربع أفضل، سواء كان في الليل أو النهار، انتهى.\nقلت: فانظر إلى ما زعمه ابن حجر؛ فإنه لم يفرق بين الاشتراط وبين الأفضل، على أنَّ هذا الحديث من صلاته ﵇ ركعتين إنَّما كان لأجل التعليم؛ فإنه ﵇ أراد تعليم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبركهم بذلك، ومعلوم أن بالصلاة ركعتين يحصل التعليم وهو المقصود، فليس فيه دليل على أن الأفضل في النهار ركعتان (^١)؛ لأنَّه قد ورد على سبب، يدل لهذا قوله في الحديث: (فصلى لنا)؛ أي: لأجلنا، وإنما عادته ﵇ في صلاة الليل والنهار الأربع، كما دل على ذلك أحاديث كثيرة، وكأن ابن حجر لم يطلع (^٢) على ذلك؛ فافهم.\nوفي الحديث: استحباب تنظيف مكان المصلى من الأوساخ، وكذلك التنظيف من الكناسات والزبالات.\nوفيه: أن الأفضل أن تكون النوافل في البيت؛ لأنَّ المساجد تبنى لأداء الفرائض.\nوفيه: الصلاة في دار الداعي وتبركه بها.\nوفيه: استحباب التعليم لأفعال الصلاة مشاهدة.\nوزعم ابن حجر أن المرأة قلما تشاهد أفعاله ﵇ في المسجد؛ فأراد ﵇ أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها.\nقلت: وفيه نظر؛ فإن النساء كن يخرجن إلى المساجد ويصلين معه ﵇ كما هو ثابت في الصحيح، ولا ريب أن من صلى مع آخر يشاهد أفعاله ويتعلمها؛ فإنه بسبب اقتدائهن به ضرورة يتعلمن أفعاله ويشاهدن خصاله، ولكن ﵇ في هذا الحديث إنَّما أراد التعليم؛ لعلمه أن هذه العجوز لا تخرج إلى المسجد، فلم تشاهد أفعاله؛ لضعف بنيتها، وعدم قدرتها على الخروج، فكأنه ﵇ لم يرها في المسجد، فأراد تعليمها في بيتها، والظاهر: أنه ﵇ أراد أيضًا تعليمها الوضوء، يدل عليه رواية الدارقطني عن أنس قال: صنعت مليكة طعامًا لرسول الله ﷺ، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال لي: «قم فتوضأ، ومُرِ العجوز فلتتوضأ، ومُرْ هذا اليتيم فليتوضأ، فلأصلي لكم...»؛ الحديث، فهذا يدل على أنه ﵇ أراد تعليمها مع اليتيم أفعال الوضوء والصلاة، فإن الوضوء لم تشاهده، وكذلك الصلاة؛ لكونها عجوزة لا قدرة لها على الخروج لضعفها وكبر سنها؛ فافهم.\nوفي الحديث: إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس، والأكل من طعامها.\nوفيه: جواز صلاة النافلة بالجماعة وهو جائز عندنا من غير كراهة؛ لأنَّه على سبيل التداعي، أما إذا لم يكن على سبيل التداعي؛ فكره أئمتنا الأعلام وجماعة التنفل بالجماعة في غير رمضان.\nفإن قلت: جاء في رواية أبي المسيح: (فحضرت الصلاة)، وفي رواية مسلم: (فربما تحضر الصلاة وهو في بيتها).\nقلت: لا يلزم من حضوروقت الصلاة أن صلاته ﵇ في بيت مليكة كانت للفرض، ألا ترى أن في الرواية الأخرى لمسلم: («قوموا فلأصلي لكم» في غير وقت صلاة، فصلى بنا) على أنه لم ينقل عنه ﵇ أنه ترك صلاة الجماعة في المسجد، ولهذا قال بعض أئمتنا الأعلام: إن صلاة الجماعة واجبة؛ لمواظبته ﵇ عليها، وقال أحمد: إنها فرض، والصحيح عندنا أنها سنة مؤكدة، وظاهر حديث الباب وغيره: أن صلاته ﵇ في بيت مليكة كانت نافلة، ومعنى قوله في الرواية: (فحضرت الصلاة)؛ أي: هيِّئ مكانها من بسط الحصير وكنسه ورشه، وفراغ وضوء أنس واليتيم والعجوز، فهذا معنى حضورها، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٤٣\"> </span>(٢١) <span data-type=\"title\" id=toc-643>[باب الصلاة على الخمرة]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة على الخُمْرة)؛ بضم الخاء المعجمة وسكون الميم: سجادة صغيرة من سعف النخل تزمل بخيوط.\nفإن قلت: قد ذكر المؤلف ذلك في حديث ميمونة في الباب الذي قبل باب (الصلاة على الحصير)، فما فائدة إعادته هنا؟\nقلت: لأنَّه رواه هناك عن مسدد مطولًا، وههنا رواه عن أبي الوليد مختصرًا، فأعاده موافقة له، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني أنه ذكر هناك حكم الصلاة على الخمرة استطرادًا وتبعًا لحكم ما إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا سجد، وههنا ذكر حكم الصلاة على الخمرة استقلالًا بانفراده وحده على حدة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-644>[حديث: كان النبي يصلي على الخمرة]</span>\n٣٨١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدَّثنا أبو الوَلِيد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدَّثنا شُعْبة) هو ابن الحجاج (قال: حدَّثنا سُلَيْمان الشَّيبَانِي) هو أبو إسحاق سليمان بن فيروز التابعي، (عَنْ عَبْد اللّه بْنِ شَدَّادِ) هو ابن الهاد المدني، (عَن مَيْمُونَةُ) هي بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَبِيُّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ) وجملة قولها (يُصَلِّي) محلها النصب خبر (كان) (عَلَى الخُمْرَةٍ)؛ بضم الخاء المعجمة وسكون الميم: سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل، وتزمل بالخيوط، وسميت خمرة؛ لأنَّها تستر وجه المصلي عن الأرض، ومنه سمي الخمار الذي يستر الرأس، والخمرة تطلق على التي كانت قدر طول الرجل أو أكثر أو أقل منه، وجمعها: خُمُر بضمتين.\nوإفادة لفظة (كان) أنه ﵇ كان يصلي على الخمرة دائمًا\n_________\n(^١) في الأصل: (ركعتين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":252},{"text":"مستمرًّا، فيشمل ذلك الفرائض والواجبات والنوافل.\nففيه: جواز الصلاة على الخمرة من غير كراهة، وعن ابن المسيب: الصلاة على الخمرة سنة، وقد فعل ذلك جابر، وأبو ذر، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵃.\nفإن قلت: روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يأتي بتراب فيضعه (^١) على الخمرة، فيسجد عليه.\nقلت: كان هذا منه على تقدير صحتهللمبالغة في التواضع والخشوع، لا على أنه كان لا يرى الصلاة على الخمرة، وكيف هذا وقد صح أنه ﵇ صلى على الخمرة بدون حائل، وهو أكثر تواضعًا وأشد خضوعًا؟!\nفإن قلت: روى ابن أبي شيبة عن عروة: أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض.\nقلت: لا حجة فيه لأحد في خلاف ما فعله النبيُّ الأعظم ﷺ، ويمكن أن يقال: إن مراده من الكراهة التنزيه، وكذا يقال في كل من روى عنه بمثله، انتهى.\nقلت: الجواب الأول هو الصواب، أما الثاني؛ ففيه أن الحديث يدل على جواز الصلاة على الخمرة من غير كراهة، فإن كان مراده كراهة (^٢) التنزيه؛ فليس في الحديث ما يدل عليها؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: هذا طريق آخر لحديث ميمونة، والطريق الأول ذكره في باب (إذا أصاب المصلي امرأته إذا سجد)، لكن هناك عن مسدد عن خالد عن سليمان، وهنا عن أبي الوليد عن شعبة عن سليمان، وفائدة تكراره: اختلاف بعض رجاله في الإسناد، كما ترى، وبيان مقصود شيخه عند نقله الحديث، واختلاف استخراج الأحكام منه، ولكل من مشايخه مقصود غير مقصود الآخر، انتهى، والله أعلم\n\n <span id=\"b-٦٤٥\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-645>[باب الصلاة على الفراش]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة على الفِراش)؛ بكسر الفاء: هو ما يفرش، قال إمام الشَّارحين: والفراش هنا: اسم لما يفرش من أي نوع كان من أنواع ما يبسط، ويجمع على فُرُش بالضم، ويجيء مصدرًا من فرشت الشيء أفرشُه فراشًا إذا بسطته، وهو من باب (نصر ينصُر)، والمناسبة بين البابين ظاهرة، انتهى.\nقلت: والصلاة على الفراش جائزة، سواء كان الفراش ينام عليه مع امرأته أم لا، لكن بشرط أن يكون طاهرًا، وأن يكون يجد حجم الأرض عند السجود، فإذا لم يجد حجمها؛ لم تجز الصلاة عليه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، (وَصَلَّى أَنَسٌ) هو ابن مالك الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ (عَلَى فِرَاشِهِ) بالضمير، وإضافته إليه يدل على أن الفراش الذي يصلي عليه هو الذي كان ينام عليه.\nقال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور؛ كلاهما عن ابن المبارك عن حميد قال: كان أنس يصلي على فراشه، انتهى.\nقلت: فأضافه إليه أيضًا، وهو يدل على أنه الذي ينام عليه، وهو أبلغ في جواز الصلاة؛ لأنَّ النائم لا يخلو عن شيء من النجاسة، لكنه أمر موهوم، والأحكام لا تبنى على الوهم، والأصل في الأشياء الطهارة لا يقال: إن الفراش الذي ينام عليه ثخين لا يجد الساجد عليه حجم الأرض، لأنا نقول: كان عادة الصحابة عدم الترفُّه، وعادتهم ترك زينة الدنيا، فكان فراشهم رقيقًا، يجد الساجد عليه حجم الأرض، بخلاف ما عليه الناس في زماننا من طلب الترفه، وزينة الدنيا، وثخانة الفرش؛ بحيث لا يجد الساجد عليها حجم الأرض، فإن ذلك غير جائز في صحة الصلاة؛ لأنَّه كلما بالغ بالسجود؛ يتسفَّل، وهكذا فإذا كان كذلك؛ لا يصح السجود عليه؛ فافهم.\n (وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالك الأنصاري، مما وصله المؤلف فيما بعد في الباب الذي يليه (كُنَّا)؛ أي: معشر الصحابة ﵃ (نُصَلِّي) أي: الصلوات الخمس (مَعَ النَّبِيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: في مسجده النبوي، (فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا) أي: كل واحد منا أو بعضنا (عَلَى ثَوْبِهِ)؛ أي: الذي كان هو لابسه نحو الفاضل من كمه أو ذيله المتحرك بحركته ضرورة، ويحتمل أن يكون ثوبه الذي يقلعه عن جسمه، لكن هذا الاحتمال بعيد، بل الصواب الأول؛ يدل عليه حديثه المسند الآتي، فإنه يصرح بأن المراد منه بعض ثوبه؛ حيث قال فيه: (فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود)، ويدل عليه أيضًا إضافة الثوب للضمير العائد على الساجد، فهو يدل على أن الثوب المسجود عليه هو الملبوس على المصلي.\nففيه: جواز الصلاة والسجود على فاضل ثوبه المتحرك بحركته؛ كطرف ذيله أو كمه أو عمامته، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور، ومنعه الشافعي، ولهذا زعم القسطلاني حيث فسر قوله على ثوبه؛ أي: الذي لا يتحرك بحركته؛ لأنَّ المتحرك بحركته كالجزء منه.\nقلت: وهذا تفسير مخالف لصريح هذا الأثر وكذلك للحديث المسند الآتي، وإنما فسره بهذا؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ووجه المخالفة أنَّ هذا الأثر مختصر من الحديث المسند الآتي، والحديث دل صريحًا على أن السجود إنَّما كان على طرف ثوب المصلي الذي هو لابسه، وكذلك هذا الأثر؛ حيث إنه أضافه، والإضافة تفيد التخصيص، فالمعنى: على ثوبه المختص به في الصلاة، وهو الذي لابسه؛ كفاضل كمه أو ذيله، ولا ريب أن الثوب الذي على المصلي يتحرك بحركته قيامًا وقعودًا، فدل ذلك على جواز الصلاة في هذه الحالة، وصار الأثر والحديث حجة على الشافعي؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: ووجه مناسبة هذا الأثر للترجمة ظاهرة؛ وهو أنه إذا سجد على ثوبه يكون ساجدًا على الفراش؛ لأنَّه اسم لما يبسط كما ذكرنا، انتهى.\nقلت: وكأن المؤلف أراد بقوله: (باب الصلاة على الفراش): كل ما يبسط على الأرض، سواء كان متصلًا بالمصلي أو لا، فذكر الأثر الأول واستدل به على أن الصلاة على الفراش المنفصل جائزة، وذكر هذا الأثر الثاني واستدل به على جواز الصلاة على ما يفرش مما هو متصل بالمصلي، وهذا اختيار المؤلف كما يفهم من ترتيبه؛ فافهم.\nوفي رواية الأصيلي: سقطت لفظة (أنس)، وهو يوهم أنه بقية الذي قبله، وليس كذلك، وسقط هذا التعليق كله في «الفرع» والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٤٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-646>[حديث: كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته]</span>\n٣٨٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن عبد الله بن أبي أويس المدني ابن أخت مالك بن أنس، وتُكلِّم في إسماعيل وأبيه، لكن أثنى عليه ابن معين وأحمد ابن حنبل، كما قدمناه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد خالي (مَالِكٌ) هو ابن أنس الأصبحي، (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هو سالم المدني (مَوْلَى عُمَرَ) بضم العين المهملة (بنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين المهملة وفتح الموحدة؛ مصغرًا هو التيمي المدني؛ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتحات، هو عبد الله (بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو ابن عوف ﵁، (عَنْ عَائِشَةَ) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زَوْجِ النَّبِيِّ) الأعظم (ﷺ) و﵄ بالجر صفة لعائشة (أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ) أي: في حجرتي (بَيْنَ يَدَيْ) بالتثنية (رَسُول ِاللهِ ﷺ) وهو في حجرتها يصلي التهجد\n_________\n(^١) في الأصل: (فيوضعه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (الكراهة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":253},{"text":"ليلًا (وَرِجْلَايَ) بصيغة التثنية (فِي قِبْلَتِهِ) جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: في مكان سجوده، (فَإِذَا سَجَدَ) ﵇؛ أي: أراد أن يسجد؛ (غَمَزَنِي) من الغمز باليد، قال الجوهري: غمزت الشيء باليد وغمزته بعيني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] والمراد ههنا: الغمز باليد.\nوروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: (كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجلي، فقبضتها فسجد) كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذه الرواية أصرح في المقصود من رواية الباب؛ لأنَّه بيَّن فيها صريحًا أن صلاته ﵇ كانت ليلًا وأنها نفل، وبينت أيضًا أن قوله: (فإذا سجد) على حذف مضاف؛ أي: إذا أراد أن يسجد كما صرحت (^١) به هذه الرواية، وبينت أيضًا أن المراد بالغمز: الضرب باليد، وهو موافق لما قاله أصحاب اللغة، وهي أصرح في المعنى وإن كانت رواية الباب المراد بها الغمز باليد؛ فليحفظ.\nوزعم القسطلاني عند قوله: (غمزني بيده)؛ أي: مع حائل، انتهى.\nقلت: وهذا تفسير منه؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، وهو باطل، فإن قوله: (غمزني) يدل على أنه بدون حائل؛ لأنَّه الأصل؛ لأنَّه لو كان؛ لصرحت به، على أنه الرجل واليد عند أهل العرف والتحقيق كانتا بغير حائل، بل بالمس؛ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود؛ فإنها مصرحة بذلك حيث قالت: (ضرب رجلي) ولا يخفى أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدون حائل، كما هو التحقيق، فبهذا ظهر أن الصواب ما عليه الإمام الأعظم وأصحابه من أن مس المرأة غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ، وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\n (فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ)؛ بفتح اللام وتشديد الياء؛ بصيغة التثنية، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (رجلِيْ) بكسر اللام وسكون الياء؛ بصيفة الإفراد، كذا في «عمدة القاري». قلت: ورواية أبي داود بالإفراد أيضًا، والمعنى: أنها قبضتها عن مكان سجوده ﵇؛ بمعنى: أخرتها عنه (فَإِذَا قَامَ) ﵇؛ أي: من السجود؛ (بَسَطْتُهُمَا) بضمير التثنية رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (بسطتها)؛ بضمير الإفراد؛ كرواية أبي داود؛ يعني: ردتهما إلى مكانهما (وَالْبُيُوتُ) مبتدأ جمع بيت؛ وهو اسم للمكان الذي يبات فيه ليلًا (يَوْمَئِذٍ) معناه: وقتئذ؛ أي: وقتئذ كان الرسول ﵇ حيًّا.\nوقوله: (لَيْسَ فِيهَا) أي: البيوت (مَصَابِيحُ) خبر المبتدأ، والجملة حال، والمصابيح جمع مصباح، قال إمام الشَّارحين: وإنما فسرنا قوله: (يومئذ) هكذا؛ لأنَّ المصابيح من وظائف الليل؛ فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة معناه، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت؛ كما في قوله تعالى ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وهذا اعتذار من عائشة عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى: لو كانت المصابيح موجودة؛ لقبضت رجلي عند إرادته السجود ولما أحوجته إلى غمزي بيده، وهذا يدل على أنها كانت راقدة غير مستغرقة، وإلا؛ لما كانت تدرك شيئًا، سواء كانت مصابيح أم لم تكن، انتهى.\nثم قال: وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة في قولها: (كنت أنام)؛ لأنَّ نومها كان على الفراش، وقد صرحت في حديثها الآخر بقولها: (على الفراش) الذي ينامان عليه.\nثم قال ﵁: وفي الحديث أحكام:\nالأول: فيه جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته، وكرهه بعضهم لغير الشَّارع؛ لخوف الفتنة بها واشتغال القلب بالنظر إليها، وأما النبيُّ الأعظم ﷺ؛ فمنزَّه عن هذا كله مع أنه كان في الليل ولا مصابيح فيه.\nالثاني: فيه استحباب إيقاظ النائم للصلاة.\nالثالث: فيه أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت بين يديه، وهو قول جمهور الفقهاء سلفًا وخلفًا، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه، وبه قال مالك والشافعي، ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها.\nوذهب بعضهم إلى أنه يقطعها مرور المرأة والحمار والكلب، وقال أحمد ابن حنبل: يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، وقد روي ذلك في الحديث.\nوالجواب عن حديث قطع الصلاة بهؤلاء من وجهين:\nالأول: أن المراد من القطع النقص؛ لشغل القلب بهذه الأشياء الثلاثة، وليس المراد به إبطالها؛ لأنَّ المرأة تغير الفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه الأشياء آيلة إلى القطع؛ أطلق عليها القطع.\nوالثاني: أن الحديث منسوخ بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم»، وقد صلى الشَّارع وبينه وبين القبلة عائشة ﵂، وكانت الأتان ترتع بين يديه، ولم ينكره أحد، فدل ذلك على النسخ.\nوذهب ابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة إنَّما هي الحائض، ورُدَّ بأنه قد جاء في روايات هذا الحديث، قال شعبة: وأحسبها قالت: (وأنا حائض).\nفإن قلت: ورد في الحديث: «يقطع الصلاة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير».\nقلت: هذا حديث ضعيف لا يحتج به، انتهى.\nقلت: وقد يقال: إن الصلاة في محل يمر فيه الكلب، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والحمار، والنصراني، والمجوسي؛ مكروهة كراهة تنزيه؛ لقول أئمتنا الأعلام: وتكره الصلاة عند كل شيء يشغل البال ويخل بالخشوع؛ فليحفظ.\nالرابع: فيه أن العمل اليسير في الصلاة غير قادح، واختلف فيه؛ فذهب الإمام الأعظم إلى أن العمل الكثير واليسير في الصلاة مفوض إلى رأي المصلي إن كان له رأي؛ فإن رآه كثيرًا؛ فكثير، وإن رآه يسيرًا؛ فيسير، وفي رواية عنه وصححها الأئمة المتأخرون: أن الكثير مقدر بثلاث حركات متواليات، وما دونها؛ فيسير، وفي رواية عنه: أن الكثير ما يستكثره الناظر، واليسير ما يستقله، وبالرواية الثانية قال الشافعي وغيره، وحديث الباب يدل لها؛ فافهم.\nالخامس: فيه جواز الصلاة إلى النائم، لأنَّه ﵇ كان يصلي في حجرة عائشة وهي نائمة عنده، وكرهه بعضهم؛ لحديث ابن عباس أنه ﵇ قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث».\nوأجاب إمام الشَّارحين فقال: قلت: قال أبو داود روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، وطرقه كلها واهية، وهذا مثلها، وهو أيضًا\n_________\n(^١) في الأصل: (صرح)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":253},{"text":"ضعيف، وصرح به الخطابي وغيره، انتهى.\nقلت: فهو لا يقاوم ما روي في الصحيح، على أنه يحتمل أن ما في الصحيح ناسخ لهذا الضعيف.\nوروى أبو داود عن ابن عمر: أنه كان لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة.\nوروى أيضًا في «مراسيله»: (نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الإنسان إلى نائم أو متحدث).\nوفي «الأوسط» للطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (نهيت أن أصلي خلف النائم أو المتحدثين).\nوروى أبو نعيم عن عبد الله قال: (لا يصلي وبين يديه قوم يمترون).\nوعن سعيد بن جبير: (إذا كانوا يذكرون الله؛ فلا بأس)، وفي رواية: (كره سعيد أن يصلي وبين يديه متحدث).\nوضرب عمر بن الخطاب رجلين؛ أحدهما مستقبل الآخر وهو يصلي.\nقلت: وما رواه عن ابن عمر؛ فسنده منقطع، وما رواه في «مراسيله»؛ فسنده ضعيف، وما رواه الطبراني؛ فسنده ضعيف واه (^١)، وما رواه أبو نعيم؛ فسنده منقطع أيضًا، وقيل: إنه مرسل، وعلى كل؛ فهذه الأحاديث لا يحتج بها؛ لضعفها، وهي لا تقاوم ما روي في الصحيح وما روي عن سعيد بن جبير وغيره، فإن صح؛ فهم رجال ونحن رجال، كما قاله الإمام الأعظم، وما روي عن عمر بن الخطاب؛ فإن صح؛ فهو محمول على أنه رأى منه ما يوجب ذلك؛ لأنَّ الاستقبال منه للآخر لا يوجب الضرب؛ لأنَّه غاية ما فيه أنه مخل بالخشوع، فالصواب: أن كل ما يشغل البال ويخل بالخشوع؛ فهو مكروه كراهة تنزيه؛ فافهم.\nالسادس: فيه دليل على أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء؛ لأنَّه ﵇ لمس عائشة وهو في صلاته.\nوزعم ابن حجر أنه استدل بقولها: (غمزني) على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وتعقب باحتمال الحائل أو بالخصوصية.\nقال إمام الشَّارحين: هذا القائل أخذ هذا من الكرماني؛ فإنه قال: (فإن قلت: هل هو دليل على أن لمس النساء لا ينقض الوضوء؟ قلت: لا، لاحتمال أن يكون بينهما حائل من ثوب ونحوه، بل هو الظاهر من حال النائم).\nورده إمام الشَّارحين فقال: هذا الكلام غير موجه، فإن الأصل في الرجل واليد أن يكونا بغير حائل عرفًا، وقوله: (من ثوب...) إلى آخره فيه بُعْد، وقوله: (أو بالخصوصية) غير صحيح؛ لأنَّه ﵇ في هذا المقام في مقام التشريع لا الخصوصية؛ إذ من المعلوم أن الله عصمه في جميع أفعاله وأقواله، وأيضًا مجرد دعوى الخصوصية بلا دليل باطل، فإذا كان الأمر كذلك قام لنا الدليل من الحديث أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، والعناد بعد ذلك مكابرة، انتهى.\nقلت: وما زعمه الكرماني وتبعه ابن حجر مبني على تعصبهما؛ لأنَّه إنَّما قالا ذلك؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامهما، وقوله: (لاحتمال أن يكون بينهما حائل) ممنوع؛ لأنَّه لم يدل الدليل على وجود الحائل، فإنه ﵇ لم يكن من عادته وضع شيء على يديه لا في الصلاة ولا في غيرها، وإن عائشة ﵂ لم يكن على رجليها شيء من الثياب يدل عليه أنه حين غمزها قبضت رجليها عقيبه، ولهذا قالت: (فقبضت رجلي) فصرحت بالفاء التعقيبية؛ يعني: بلا مهلة، وهذا يدل على أنه غمزها؛ يعني: لمس بشرتها، فإنه لو كان حائل؛ لم تستيقظ في الحال، فاستيقاظها في الحال بلا مهلة دليل على ما قلنا.\nوقوله: (بل هو الظاهر...) إلى آخره ممنوع أيضًا، فأي ظاهر هنا؟ وما هذا إلا أوهى من بيت العنكبوت، بل الظاهر من حالها: عدم الثوب؛ لأنَّ الحر حر الحجاز، وهي والنبيُّعليه السلام في حجرتها، فالقرينة دالة على أنه لم يكن عليها ثوب وإن كان حال النائم الذي في البلاد الباردة التغطية، أما من كان في البلاد الحارة كالحجاز؛ فإنه يشاهد فيها سلفًا وخلفًا قديمًا وحديثًا أن النائم لا يستتر بثوب أصلًا، بل ولا يلبس الشخص حال اليقظة والنوم إلا ثوبًا واحدًا كما هو العادة، فمن أين أتى الكرماني بهذا الكلام الذي لا يقوله من شم شيئًا من رائحة العلم، والعجب من ابن حجر كيف حذا حذوه؟! ولا عجب منه؛ فإنه مشهور بالتعصب والمكابرة والمحاولة التي لا يقبلها طبع سليم، وعلى كل حال؛ فلا عبرة بكلامهما.\nوقوله: (أو بالخصوصية) ممنوع؛ فإن الخصوصية لا بد لها من دليل، ولم يوجد دليل على إثباتها، فدعواها باطلة غير مقبولة، وهذا تسليم منه بأنه لم يكن حائل، فلهذا قال (أو بالخصوصية)، وهيهات إثبات دليلها، بل هذا عام فيه ﵇ وبجميع أمته ممن على الصواب، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: فإذا كان الأمر كذلك؛ قام لنا الدليل من الحديث أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، والعناد بعد ذلك مكابرة.\nقلت: ولنا أدلة أخرى من الكتاب والسنة على ذلك ستأتي في مواضعها، فظهر أن مذهبنا هو الصواب؛ فليحفظ.\nالسابع: فيه جواز الصلاة على الفراش، والباب معقود لذلك، واختلفوا في الصلاة على الفراش وشبهه، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه والشافعي: أنها تجوز على البساط والطنفسة والفراش إذا كان يجد حجم الأرض عند السجود، وروى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء، ولفظه: (ما أبالي لو صليت على ستِّ طنافس بعضها فوق بعض) قال: (وصلى ابن عباس على مسح وعلى طنفسة قد أطبقت البيت صلاة المغرب)، وكذلك فعله أبو وائل، وعمر بن الخطاب، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقال الحسن: لا بأس بالصلاة على الطنفسة، وصلى قيس بن عباد على لبد دابته، وكذلك مرة الهمداني، وصلى عمر بن عبد العزيز على المسح، وكذلك جابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵃.\nقلت: ففعل هؤلاء الصحابة وغيرهم من غير إنكار أحد دليلٌ على جواز الصلاة من غير كراهة.\nوزعم أصحاب مالك أن الصلاة على الطنفسة وشبهها مكروهة، وقال مالك: البساط الصوف والشعر وشبهه إذا وضع المصلي جبهته ويديه على الأرض؛ فلا أرىبالقيام عليها بأسًا، فكأنه يريد أنه مكروه.\nوذكر ابن أبي شيبة عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم عن الأسود وأصحابه أنَّهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمسوح، وقال ابن ابي شيبة: حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن (أنه كان يصلي على طنفسة وقدماه\n_________\n(^١) في الأصل: (واهي)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":254},{"text":"وركبتاه عليها، ويداه وجبهته على الأرض).\nوعن ابن سيرين وابن المسيب وقتادة: أن الصلاة على الطنفسة محدث، وكره الصلاة على غير الأرض عروة بن الزبير، وجابر بن زيد، وابن مسعود، ونهى أبو بكر عن الصلاة على البرادع.\nقلت: وكل هذا خلاف ما روي عن النبيِّ الأعظم ﷺ من قوله وفعله، وقد سبق في الصحيح من حديث ميمونة قالت: وكان النبيُّ ﷺ يصلي على الخمرة.\nوقال أبو نعيم: حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ صلى على بساط)، وحدثنا زمعة عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: (قد صلى رسول الله ﷺ على بساط) انتهى.\nقلت: فهذا دليل على جواز الصلاة على غير الأرض بدون كراهة، وهو شامل لما كان جميع أعضائه على الطنفسة ونحوها، فظهر أن الأفضل الصلاة على الأرض، أو على ما تنبته الأرض؛ كما فعله الشَّارع، وليس بعد النص إلا الرجوع إليه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٤٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-647>[حديث: أن رسول الله كان يصلي وهي بينه وبين القبلة </span>على فراش أهله]\n٣٨٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ)؛ بضم الموحدة مصغرًا: هو أبو زكريا القرشي المخزومي المصري (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ)؛ بالمثلثة هو ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري من تابع التابعين، ولهذا كان من أتباع الإمام الأعظم؛ لأنَّه رئيس التابعين ﵄، (عَنْ عُقَيْلٍ)؛ بضم العين المهملة وفتح القاف مصغرًا: هو ابن خالد بن عَقيل؛ بفتح العين المهملة، الأيلي القرشي الأموي، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني تابعي صغير، ونسبه لجده الأعلى؛ لشهرته به (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ)؛ بضم العين المهملة هو ابن الزبير- بضم الزاي- ابن العوام: (أَنَّ عَائِشَةَ) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (أَخْبَرَتْهُ) أي: أخبرت عروة فقالت له: (أَنَّ رَسُولَ الله ِصلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ يُصَلِّي) أي: في حجرتها، زاد مسلم: (يصلي صلاته كلها من الليل)، وفي لفظ: (وسط السرير)، وفي لفظ: (وأنا حذاؤه وأنا حائض)، وربما قالت: أصابني ثوبه إذا سجد، وفي لفظ:\n (على مرط، وعليه بعضه) (وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ)؛ أي: والحال أن عائشة بين النبيِّ الأعظم ﷺ وبين موضع سجوده (عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ) وفي لفظ: (وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم فأستقبله فأنسل انسلالًا من قبل رجليه)، وعند أبي داود عنها: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاة من الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة، راقدة على الفراش الذي ترقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر؛ أيقظها، فأوترت)، وفي لفظ لمسلم: (حتى إذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجلي، فقبضتها)، وفي لفظ: (فإذا أراد أن يوتر؛ قال: تنحي).\nوقولها: (اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ) كلام إضافي منصوب بنزع الخافض؛ أي: كاعتراض الجنازة، وهي في الحقيقة صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: وهي معترضة بينه وبين القبلة اعتراضًا كاعتراض الجنازة، والمراد: أنها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة شماله كما تكون الجنازة بين يدي المصلي.\nوالجنازة: رويت بالفتح والكسر، واختار ثعلب في «فصيحه»: كسر الجيم، وحكاه في «نوادره» عن أبي زيد، وكذا عن الدينوري بالكسر لا غير، وحكى المطرزي عن الأصمعي: أن الجنازة بالكسر والفتح، وهما لغتان بمعنًى واحد، وكذا قاله كراع، وفرق ابن الأعرابي بينهما فقال: الجنازة بكسر الجيم: النعش، وبفتحها: الميت، وفي «الصحاح»: العامة تقول: الجَنازة بالفتح، والمعنى: الميت على السرير، وقال أبو علي المرزوقي: الجِنازة بالكسر: اسم المتوفى في الأصل، وقال الخليل: الجِنازة بالكسر: سرير الميت، وقال أبو جعفر: لا يقال للميت: جنازة حتى يكون على نعش، ولا يقال للنعش: جنازة حتى يكون عليها ميت، وقال في «المحكم»: جنز الشيء يجنزه جنزًا: ستره، وقال ابن دريد: إن اشتقاق الجنازة من ذلك، وحكاه عن قوم، وقال: ولا أدري ما صحته، وقيل: إنه نبطي، انتهى «عمدة القاري»\nقلت: ومطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة؛ حيث إنه ﵇ كان يصلي على فراش أهله، والمراد به: زوجاته الطاهرات ﵅، وهو شامل للفراش الذي ينامان عليه وعلى ما يبسط لا للنوم، لكن الظاهر الأول؛ لقوله: (وهي بينه وبين القبلة)، ففيه: دليل على جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته.\nوفيه: دليل على أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت بين يديه.\nوفيه: دليل جواز الصلاة على الفراش، وكذا كل شيء يبسط إذا كان تستقر عليه الجبهة عند السجود، وفراش النبيِّ الأعظم ﷺ وأهله وأصحابه كان مما (^١) تستقر عليه الجبهة؛ لأنَّه كان رقيقًا، وكان حشوه من الليف كما ثبت في «الصحيح» بخلاف فرش زماننا؛ فإنها ثخينة، وحشوها من القطن، فهي لا تجوز الصلاة عليها؛ لعدم استقرار الجبهة عليها، والناس عنه غافلون؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٦٤٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-648>[حديث: أن النبي كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة]</span>\n٣٨٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهُ بنُ يُوسُفَ) هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسُف) تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قَالَ: حَدَّثَنا اللَّيثُ) هو ابن سعد المصري الفهمي، (عَن يَزِيدُ) هو ابن أبي حبيب المدني التابعي، (عَن عِراكٍ)؛ بكسر العين وتخفيف الراء المهملتين: هو ابن مالك المدني التابعي، (عَن عُروَةَ)؛ بضم العين المهملة: هو ابن الزُّبير- بضم الزاي- ابن العوَّام -بتشديد الواو- المدني التابعي، ففي إسناده ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: (أَنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ كَانَ) أي: على الدوام والاستمرار (يُصَلِّي) أي: صلاته من الليل كما في الروايات السابقة (وَعَائِشَةُ) أي: زوجته، وهي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ)؛ أي: والحال أن عائشة معترضة بين النبيِّ الأعظم ﷺ وبين موضع سجوده، والمراد: أنها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة شماله كما تكون الجنازة بين يدي المصلي (عَلَى الْفِرَاشِ)؛ بكسر الفاء\n_________\n(^١) في الأصل: (ممن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":254},{"text":"أي: فراش أهله، والجار والمجرور متعلق بقوله: (يصلي) (الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي داود: (راقدة على الفراش الذي ترقد عليه حتى إذا أراد أن يوتر؛ أيقظها)، قال إمام الشَّارحين: وهذا الحديث مرسل، لكنه محمول على أن عروة سمع ذلك من عائشة، يدل على ذلك الرواية التي قبل هذه، وكذا ذكر (^١) هذا مرسلًا الإسماعيلي، وأبو نعيم، والحميدي، وأصحاب الأطراف، وفائدة ذكر المؤلف إياه: الإشعار بأن الحديث روي مسندًا ومرسلًا، انتهى.\nوزعم ابن حجر أن فائدة ذكره التنبيه على تقييد الفراش بكونه الذي ينامان عليه، بخلاف الرواية السابقة؛ فإن فيها (على فراش أهله)، وهو أعم من أن يكون هو الذي ناما عليه أو على غيره، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: ليس فيه زيادة فائدة؛ لأنَّ مقصود البخاري بيان جواز الصلاة على الفراش مطلقًا، وليس المراد: تقييده بكونه الذي ينامان عليه أو غيره، وإنما النكتة في إيراده: الإشعار بأنَّ هذا الحديث روي مسندًا ومرسلًا، انتهى.\nقلت: وكلام إمام الشَّارحين واضح وهو الصواب، فإن مراد المؤلف: بيان حكم الصلاة على الفراش، سواء كان ينام عليه أو لا، ويدل عليه الترجمة التي ذكرها أول الباب؛ فإنه قد أطلقها ولم يقيدها بكون الفراش هو الذي ينام عليه أو لا، وكونه أطلقها يدل على أن مراده الإطلاق، ويدل عليه أيضًا: أنه ذكر في هذا الباب تعليق أنس، وهو يدل على جواز الصلاة على الفراش الذي ينام عليه، ثم أعقبه بذكر التعليق الثاني عن أنس، وهو يدل على جواز الصلاة على الفراش الذي لا ينام عليه، ثم أعقبهما بحديث إسماعيل بن عبد الله، وهو يدل للتعليق الأول، وبحديث يحيى ابن بكير وهو يدل للتعليق الثاني، وكلا الحديثين مسندان، ثم ذكر حديث عبد الله بن يوسف؛ لأجل بيان كونه روي مرسلًا، فهنا دليل واضح إلى مراد المؤلف؛ جواز الصلاة على الفراش مطلقًا، فما زعمه ابن حجر غير موجَّه وغير صواب؛ فافهم.\nوفي الحديث: دليل على جواز الصلاة على الفراش الذي ينام عليه إذا كان يجد حجم الأرض عند السجود.\nوفيه: دليل على جواز الصلاة إلى النائم، سواء كان رجلًا أو امرأة أو غيرهما، وما رواه أبو داود عن عائشة: (كان ﵇ لا يصلي في لحفنا)؛ فقال الحفاظ: إنَّه لم يثبت؛ فافهم، ولئن ثبت؛ فهو لا يقاوم ما في «الصحيح»، أو يحمل على أنه رأى فيها منيًا أو غيره من النجاسات، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٤٩\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-649>[باب السجود على الثوب في شدة الحر]</span>\nهذا (باب) جواز (السُّجُودِ) أي: سجود المصلي (عَلَى الثَّوْبِ)؛ أي: على طرف ثوبه مثل: كمه أو ذيله ونحوهما (فِي شِدَّةِ الْحَرِّ)؛ أي: لأجل شدة الحر، ولفظ: (الحر) ليس بقيد؛ لأنَّ حكم البرد كذلك، وإنما صرح به مقتصرًا عليه؛ موافقة للفظ الحديث، وإنما جاز السجود على طرف ثوبه؛ لحديث الباب، ولأن شدة الحر من فيح جهنم كما ثبت في الصحيح، فكما أن الإنسان يتقي نار جهنم وعذابها بالطاعات؛ كذلك شدة الحر الذي هو من فيحها يتقيه بالثوب يسجد عليه؛ كما في قوله تعالى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]؛ وهو البرد، والمناسبة بين البابين ظاهرة.\n (وَقَالَ الْحَسَنُ) هو البصري التابعي المشهور: (كَانَ الْقَوْمُ) أي: أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ (يَسْجُدُونَ)؛ أي: في صلاتهم كلها (عَلَى الْعِمَامَةِ)؛ بكسر العين المهملة؛ هي الشاش ونحوه، يوضع على الرأس ويكوَّر (^٢) عليه عشرة أكوار أو عشرون كورًا، والكَور؛ بفتح الكاف: الدَوْر: بفتح الدال المهملة وسكون الواو (وَالْقَلَنْسُوَةِ)؛ بفتح القاف واللام، وسكون النون، وضم السين المهملة، وفتح الواو: الغشاء المبيَّض يلبس على الرأس، كذا قاله القزاز، وعن ابن خالويه: العرب تسمي القلنسوة برنسًا، وفي «التلخيص»: البرنس: القلنسوة الواسعة التي تغطى بها العمائم، تستر من الشمس والمطر، وفي «المحكم»: هي من ملابس الروس، وقال ابن هشام: هي التي تقول لها العامة الشاشية، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهي الآن في زماننا من ملابس المتصوفة، يزعمون أن لباسها عين الطريقة والحقيقة؛ وإنما هي رياء وسمعة، ألا ترى أنَّ أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ كانوا يلبسونها من أجل شدة الحر والشمس؛ فافهم.\nوفي «عمدة القاري»: وذكر ثعلب لغة أخرى وهي (القُلَيْسِيَة)؛ بضم القاف، وفتح اللام، وسكون التحتية، وكسر السين المهملة، وفتح التحتية الثانية، آخرها هاء، وفي «المحكم»: وعندي أنَّ (قليسية) ليست بلغة، وإنما هي مصغرة، وقال ابن سيده: وهي (قلنساة)، وجمعها: قلانس، وقلاسي، وقلنس، وقلونس، ثم يجمع على قلنس؛ وفيه قلب؛ حيث جعل الواو قبل النون، وعن يونس: أهل الحجاز يقولون: قلنسية، وتميم تقول: قلنسوة، وفي «شرح المرزوقي»: قلنست الشيء إذا غطيته، انتهى.\n (وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (ويديه في كمه):\nوجه الأول: أنَّ (يداه) كلام إضافي مبتدأ، وقوله: (في كمه) خبره، والجملة: حال، والتقدير: ويدا كل واحد في كمه؛ فلأجل ذلك قال: (ويداه)، وذلك؛ لأنَّ المقام يقتضي أن يقال: وأيديهم في أكمامهم.\nووجه الثاني: أنَّ (يديه) منصوب بفعل مقدر؛ تقديره: ويجعل كل واحد يديه في كمه، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nثم قال: وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي أسامة، عن هشام، عن الحسن: أنه قال: (إنَّ أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في «مصنفه» عن هشام بن حسان عن الحسن نحوه، وأخرج ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عن الحسن: (أنه كان يسجد في طيلسانه)، وأخرج عن محمد بن أبي عدي عن حميد: رأيت الحسن يلبس أنبجانيا في الشتاء، ويصلي فيه، ولا يخرج يديه، وكان عبد الرحمن بن زيد يسجد على كور عمامته، وكذلك الحسن، وسعيد بن المسيب، وبكر\n_________\n(^١) في الأصل: (ذكره)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ويوكور)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":255},{"text":"بن عبد الله، ومكحول، والزهري، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن يزيد، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذا دليل على جواز السجود على كور العمامة والقلنسوة؛ لأنَّ فعل أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ من غير نكير حجة قوية في ذلك؛ لأنَّه في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال من قبيل الرأي، بل من السماع أو الفعل من غير إنكار، ويدل لذلك ما رواه محمد بن أسلم الطوسي عن خلاد بن يحيى، عن (^١) عبد الله بن المحرر، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ سجد على كور عمامته)، قيل: وفي سنده ضعف، لكنه قد يقوى بتعدد الطرق، ولمَّا كان السجود على كور العمامة يفوِّت الأفضل وهو السجود على الأرض أو على ما تنبته الأرض؛ قال أئمتنا الأعلام: ويكره تنزيهًا السجود على كور عمامته من غير ضرورة حرٍّ أو برد أو خشونة الأرض، ولهذا كان عبادة بن الصامت، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر وأبو عبيدة، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وميمون بن مهران، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وجعدة بن هبيرة يكرهون السجود على العمامة؛ يعني: من غير ضرورة حر أو برد أو نحوهما؛ لثبوت فعله عن النبيِّ الأعظم ﷺ وأصحابه من السجود على العمامة تعليمًا للجواز، فلم تكن الكراهة تحريمية، ونبه المحقق ابن أميرحاج على أن صحة السجود على كور العمامة محله إذا كان على الجبهة أو بعضها، أما إذا كان على الرأس فقط، وسجد عليه ولم تصب جبهته الأرض؛ فإن صلاته غير صحيحة؛ لعدم السجود على محله، والناس عنه غافلون، انتهى.\nقلت: وما علمته مما قدمناه حجة على الشافعي؛ حيث منع السجود على العمامة؛ قال: لأنَّه لمَّا لم يقم المسح عليها مقام الرأس؛ وجب أن يكون السجود كذلك، ولأن القصد من السجود التذلل، وتمامه بكشف الجبهة، كذا زعمه القسطلاني.\nقلت: وهذا غير صحيح؛ فإنه قد ثبت في الكتب الستة: أن النبيَّ الأعظم ﷺ قد سجد على عمامته، وكذلك فعله أصحابه، والخلفاء الراشدون، وكذلك التابعون، فكان ذلك كالإجماع منهم على جوازه؛ لأنَّه لم ينكر ذلك أحد منهم؛ فدل على جوازه.\nوقوله: (لأنه لما لم يقم...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه قياس مع الفارق ومع مقابلة النص، وهو باطل، ولأنَّ الجبهة ليست من الرأس، وقد علم أن أصحاب اللغة فسَّروا الوجه بما يواجه به الإنسان والجبهة منه، وسبحانه وتعالى أمرنا بغسل الوجه ومسح الرأس بالنص، فكل واحد منهما مأمور به شرعًا، فبالضرورة لم يقم المسح عليها مقام الرأس، وإذا كان كذلك؛ لم يجب أن يكون السجود كذلك؛ لأنَّ الجهة منفكَّة، وقد ثبت ذلك بدليل آخر كما علمت مما قررنا، وقوله: (ولأن القصد...) إلى آخره: هذا حجة على المانع؛ لأنَّه إذا كان القصد من السجود التذلل، وقد أتى به؛ لأنَّ السجود يتم بوضع الجبهة على الأرض، سواء كان بينهما حائل أم لا.\nفقوله: (وتمامه بكشف الجبهة): ممنوع؛ لأنَّ كشفها ليس من تمامه، فإن أهل اللغة وغيرهم قالوا: السجود: وضع الجبهة على الأرض مطلقًا، بل يتحقق السجود ويتمكَّن الشخص منه بوضع كور عمامته على جبهته (^٢) أكثر، ولمَّا كان الشافعي لا دليل له في منعه السجود على العمامة لا من حديث ولا من قول صحابي؛ استند إلى هذا الكلام الغير الموافق للصواب، وقد علمت أنَّ هذا غير صحيح، وكلام أهل اللغة صريح بخلاف ما قاله، فثبت بذلك مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور سلفًا وخلفًا من جواز السجود على العمامة، والله أعلم.\nقال إمام الشَّارحين: ومطابقة هذا الأثر للترجمة غير ظاهرة إلا بالتعسُّف؛ لأنَّ الترجمة في السجود على الثوب، وهو لا يطلق على العمامة ولا على القلنسوة، ولكن لمَّا كان هذا الباب والأبواب الثلاثة التي قبله في السجود على غير وجه الأرض، بل كان على شيء هو على الأرض، وهو أعم من أن يكون حصيرًا أو خمرة أو فراشًا أو عمامة أو قلنسوة أو نحو ذلك؛ فبهذه الحيثية تدخل العمامة والقلنسوة في هذا الباب، انتهى.\nقلت: ونفس الشاش الذي اتخذ منه عمامة أو قلنسوة يقال له: ثوب، لغة وعرفًا، ومع انضمامه لما يوضع على الرأس من الطاقية والطربوش يقال له: عمامة أو قلنسوة، فيحتمل أن المؤلف نظر إلى الأصل من غير انضمام، فهو ثوب؛ فصح السجود على الثوب، ودخل تحت الترجمة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٥٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-650>[حديث: كنا نصلي مع النبي فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر]</span>\n٣٨٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ) هو الطيالسي البصري (قَالَ: حَدَّثنا بِشْرُ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بنُ المُفَضَّل)؛ بضم الميم، وفتح الفاء، وتشديد الضاد المعجمة المفتوحة؛ هو الرَّقاشي -بفتح الراء- العثماني البصري الذي كان يصلي كل يوم أربع مئة ركعة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (غَالِبٌ)؛ بالغين المعجمة وكسر اللام: ابن خَُطَّاف؛ بضم الخاء المعجمة وفتحها، وتشديد الطاء المهملة (القَطَّانُ)؛ بالقاف البصري، (عَن بَكر بن عَبْدِ اللهِ)؛ بفتح الموحدة في (بَكْر) وسكون الكاف: هو المزني البصري، (عَن أَنس بن مَالك) هو الأنصاري، خادم النبيِّ الأعظم ﷺ أنَّه (قَالَ: كُنَّا) أي: معشر الصحابة ﵃ (نُصَلِّي)؛ بضم النون: ضمير جماعة الذكور (مَعَ النَبِيِّ) الأعظم (ﷺ) أي: في مسجده النبوي، (فَيَضَعُ أَحَدُنَا) جملة معطوفة على قوله: (كنا نصلي)؛ يمعنى: يضع كل واحد من الصحابة (طَرَفَ الثَّوْبِ)؛ أي: ثوبه المتصل به المتحرك بحركته ضرورة، وهذا كلام إضافي منصوب؛ لأنَّه مفعول (يضع)، وتقييد القسطلاني الثوب بالمنفصل أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته تفسيرٌ وتقييد من عنده، ذكره؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، وهو باطل؛ فإنَّ الأصل في الثوب أن يكون متصلًا به ومتحركًا بحركته لغة وعرفًا عند أهل التحقيق، ودعوى القسطلاني باطلة، والمثبت مقدَّم على النافي، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.\nقال إمام الشَّارحين: وفيه: حكاية قول الصحابي عما يفعله والنبيُّ الأعظم ﷺ يشاهده ولا ينكره؛ فيكون تقريرًا منه ﵇.\nفإن قلت: كان أنس خلف النبي ﵇؟\nقلت: نعم؛ وما كان يخفى على النبيِّ الأعظم ﷺ شيء من أحوال من كان خلفه في الصلاة؛ لأنَّه ﵇ قد كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه، كما ثبت في «الصحيح»؛ فيكون قول الصحابي: (كنَّا نفعل كذا) من قبل المرفوع، ولا سيَّما قد اتفق الشيخان على تخريج هذا الحديث في «صحيحيهما»، وكذلك أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، انتهى؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (بن)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (جبهة)، وهو تحريف.","vol":"1","page":255},{"text":"(مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ) متعلق بالجملة قبله، وفي رواية النسائي: (كنَّا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر؛ سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر)، وفي رواية مسلم وأبي داود: (بسط ثوبه فسجد عليه)، وفي رواية ابن أبي شيبة: (كنَّا نصلي مع النبيِّ الأعظم ﷺ في شدة الحر والبرد، فيسجد على ثوبه).\nوهذا الحديث حجة قوية ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه من جواز السجود على الثوب من غير كراهة في شدة الحر والبرد، وهو قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ رواه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم قال: (صلى عمر ﵁ ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر، فطرح طرف ثوبه بالأرض، فجعل يسجد عليه، ثم قال: يا أيها الناس؛ إذا وجد أحدكم الحر؛ فليسجد على طرف ثوبه)، ورواه زيد بن وهب عن عمر بنحوه، وأمر به إبراهيم أيضًا وعطاء، وفعله مجاهد، وقال الحسن: لا بأس به، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن الشعبي، وطاووس، والأوزاعي، والنخعي، والزهري، ومكحول، ومسروق، وشريح، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال صاحب «التهذيب» من الشافعية: وبه قال أكثر العلماء، والحديث حجة على الشافعي؛ حيث لم يجوِّز ذلك، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وأوَّل الحديثَ الشافعيُّ؛ فحمله على الثوب المنفصل أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: لفظ الحديث يرد هذا؛ لأنَّه قال: (طرف ثوبه)، وهو دالٌّ على المتصل به المتحرك بحركته، وكذلك قوله في رواية مسلم وأبي داود: (بسط ثوبه، فسجد عليه)؛ فإن اللفظ يدلُّ على المتصل به؛ لأنَّه قد عقَّب السجود بالبسط، وكذلك يدلُّ على المتصل به قلة الثياب عندهم، انتهى.\nقلت: وهو ظاهر؛ لما سبق في «الصحيح» عنه ﵇ أنه قال: «أَوَلِكلِّكم ثوبان؟!»؛ يعني: لا يجد أحد منهم إلا ثوب واحد، فإذا كان هذا حالهم بشهادة النبيِّ الأعظم صاحب الرسالة العظمى والنبوة الكبرى ﷺ؛ فلا شكَّ أنَّ المراد بالثوب هو المتصل به المتحرك بحركته ضرورةً.\nوزعم البيهقي أنَّ رواية الإسماعيلي: (فيأخذ أحدنا الحصى في يده؛ فإذا برد؛ وضعه وسجد عليه)، يؤيد ما قاله الشافعي؛ لأنَّه لو جاز السجود على شيء متصل به؛ لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.\nوردَّ بأنَّ هذا لا ينهض؛ لأنَّه إنَّما كان يبرَّد الحصى؛ حيث لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترته له؛ لأنَّ من المعلوم أن الحرَّ حرُّ الحجاز، والرجل منهم لم يلبس إلا ثوبًا واحدًا (^١)؛ لشيئين؛ أحدهما: من القلة، والثاني: من الحر؛ ففي شدة الحر يلبسون القمص، وهو ساتر للعورة فقط، وليس له فضلة، فإذا كان كذلك؛ فيبرِّد الحصى.\nوتعلق الشافعي بحديث خباب قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا، فلم يشكنا)؛ أي: لم يزل شكوانا، وبما روي عنه ﵇ أنَّه قال: «ترب جبينك يا رباح».\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد المشهورة (^٢)، ولو ثبت؛ فهو محمول على التأخير الكثير حتى تبرد الرمضاء، وذلك يكون في أرض الحجاز بعد العصر، ويقال: إنَّه منسوخ بقوله ﵇: «أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم»، ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عبد الرحمن قال: (جاءنا رسول الله ﷺ، فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعًا يديه في ثوبه إذا سجد)، رواه أحمد وابن ماجه.\nفإن قلت: هذا محمول على المنفصل الذي لا يتحرك.\nقلت: هذا بعيد؛ لقوله: (بسط ثوبه، فسجد عليه)؛ لأنَّ الفاء فيه للتعقيب.\nوكل حديث احتج به الشافعي؛ فهو محتمل، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين؛ فهو محكم، فيحمل المحتمل على المحكم، انتهى.\nقلت: ويحتمل حديث خباب أنَّ المراد به: مرض الصداع؛ فأمره ﵇ بتتريب الجبين؛ لأجل إزالة الصداع، وذلك أنَّ الصداع يحصل من تسديد المسام، فبالتتريب يتفتح المسام، فيزول، فهو ﵇ طبيب الأرواح والأشباح، فالدليل إذا طرقه الاحتمال؛ بطل الاستدلال به.\nويدل أيضًا على بطلان ما ذهب إليه الشافعي ما روي عن جماعة من الصحابة أنَّهم رووا سجوده ﵇ على كور عمامته؛ منهم: أبو هريرة أخرج حديثه عبد الرزاق في «مصنفه»، ومنهم: عبد الله بن عباس أخرج حديثه أبو نعيم في «الحلية»، ومنهم: عبد الله بن أبي أوفى أخرج حديث ابن أبي حاتم في كتابه «العلل»، ومنهم: عبد الله بن عمر أخرج حديثه أبو القاسم تمَّام بن محمد الرازي في «فوائده»، فهؤلاء أربعة من أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ كانوا يفتون بجواز السجود على الثوب من عمامته وذيله ونحوهما، وهو ضرب من الإجماع؛ لأنَّه لم يروَ عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ المصلي يجوز له أن يسجد على كور عمامته وفاضل ثوبه، وهو الصواب.\nوزعم البيهقي أنَّ سجوده ﵇ على كور عمامته لم يثبت.\nوردَّ بأنَّه قد ثبت في «الصحيح»، وكذلك في الكتب الستة، وحديث ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفى جِيَادٌ، كما قاله النُّقَّاد الموثوق بهم، وما كان منهم ضعيفًا؛ فبتعدد طرقه يقوى أو يشيد بالقوي، والمثبت مقدم على النافي، ودعوى الجرح غير مقبولة؛ لأنَّها نفي والمقبول الصحة، إذا علمت هذا؛ قام لنا الدليل على جواز السجود على كور عمامته، وهو الحقُّ، والعناد بعد ذلك مكابرة.\nوقال إمام الشَّارحين: وقد مرَّ الكلام فيه مستوفًى، وبما ذكرناه ههنا يحصل الجواب عمَّا قاله الكرماني في هذا الباب من فرقه بين المتحرك وغيره، والاستدلال بقوله ﵇: «ترب وجهك»، وحديث الباب أيضًا يردُّ ما ذكره.\nوقوله: (والقياس على سائر الأعضاء) قياس بالفارق، وقياس في مقابلة النص، ونحن قد عملنا أولًا بحديث الباب، فإنَّه مُحكَمٌ لا يحتمل غيره، وبالقياس أيضًا؛ فهو أقوى.\nوقوله: (وفيه أنَّه ﵇ كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده): يردُّه أنَّه إذا سجد على البساط أو نحوه؛ يجوز بالإجماع،\n_________\n(^١) في الأصل: (ثوب واحد)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (مشهورة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":256},{"text":"فإن احتج بقوله ﵇: «مكِّن جبهتك وأنفك من الأرض»؛ فنحن نقول بموجبه؛ وهو وجدان حجم الأرض حتى إذا امتنع حجمها؛ لا يجوز، انتهى.\nقلت: وعلى كلٍّ فكلُّ دليل لنا محْكم، وما استدل به محتمل، فالصواب ما قلنا.\nوزعم ابن حجر أنَّ في حديث الباب تقديم الظهر في أول الوقت.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد تعارضه، ونقول: إنَّ تقديم الظهر رخصة والإبراد سنة، وإذا قلنا: أحاديث الأمر بالإبراد ناسخة؛ لا يبقى تعارض؛ فافهم.\nوممَّا يستنبط من الحديث أنَّ العمل اليسير في الصلاة عفوٌ؛ لأنَّ وضع طرف ثوبه في موضع سجوده عملٌ، انتهى، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٥١\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-651>[باب الصلاة في النعال]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ)؛ بكسر النون، بعدها عين مهملة مفتوحة، جمع: نَعْل؛ بفتح النون وسكون المهملة، وهو الحذاء -بالمد-، مؤنثة، وتصغيرها نُعيلة، والمراد بالنعل: كلُّ ما يلبس اتقاء الوسخ عن الأرض؛ فيشمل البابوج، والكندرة، والزربول، ونحوها، وحكم الصلاة فيها الجواز عند الجمهور؛ لحديث الباب؛ لأنَّه إذا أصابها نجاسة؛ فبالمشي المستلزم للدلك بالتراب تطهر، فهي طاهرة تصح الصلاة عليها وبها، ويجوز لبسها في المسجد وغير ذلك مما سيأتي.\nوالمناسبة بين البابين كما قاله إمامنا الشَّارح: من حيث إن في الباب السابق تغطيةَ الوجه بثوبه الذي يسجد عليه، وفي هذا الباب تغطية بعض القدمين، انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٥٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-652>[حديث: أكان النبي يصلي في نعليه</span>؟]\n٣٨٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: ([حدثنا] آدَمُ)؛ بفتح الهمزة الممدودة (بْنُ أَبِي إِيَاسٍ)؛ بكسر الهمزة وتخفيف التحتية: هو العسقلاني، وسقط عند الأصيلي: (ابن أبي إياس) (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ): غير منصرف، هو ابن الحجَّاج بن الورد الواسطي، المتوفى بالبصرة (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأصيلي وابن عساكر: (حدثنا) (أَبُو مَسْلَمَةَ)؛ بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وفتح اللام (سَعِيدُ)؛ بكسر العين المهملة (بْنُ يَزِيدَ)؛ من الزيادة (الأَزْدِيُّ)؛ بفتح الهمزة؛ نسبة إلى أزد بطن من العرب، هو الكوفي (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ): هو الأنصاري ﵁، خادم النبي الأعظم ﷺ: (أَكَانَ النَّبِيُّ) الأعظم (ﷺ): الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستفسار (يُصَلِّي) صلواته كلها أو أكثرها، فرضها وواجبها ونفلها (فِي نَعْلَيْهِ؟)؛ بفتح النون، تثنية: نعل، وهو الحذاء، مؤنثة؛ يعني: على نعليه، أو بنعليه؛ لأنَّ الظرفية غير صحيحة (قَالَ)؛ أي: أنس بن مالك له: (نَعَمْ)؛ كان يصلي في نعليه، وهو يدلُّ على أنَّه ﵇ كان يكثر الصلاة في نعليه؛ لأنَّ لفظة: (كان) تدلُّ على الدوام والاستمرار، ويلحق بالنعل البابوج، والكندرة، والزربول، ونحوها مما يلبس اتقاء الوسخ من الأرض.\nوقال ابن بطال: معنى هذا الحديث عند العلماء: إذا لم يكن في النعلين نجاسة؛ فلا بأس بالصلاة فيهما، وإن كان فيهما نجاسة؛ فليمسحهما ويصلِّي فيهما، انتهى.\nقلت: وظاهر هذا الحديث أنَّه ﵇ لم ينظر إلى ذلك؛ لأنَّه لم يكن عليهما نجاسة، فالأمر ظاهر، وإن تعلق بهما نجاسة؛ فبالمشي والدلك بالأرض تذهب النجاسة، فيبقى النعل طاهرًا، فالصلاة فيه صحيحة.\nواختلفوا في تطهير النعال من النجاسات؛ فذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك بن أنس: أنَّه يطهر الخف والنعل ونحوهما بالدلك بالأرض أو التراب من النجاسة التي لها جرم، ولو كانت مكتسبة من غيرها؛ كتراب أو رماد، ولو كانت المتجسدة من أصلها أو باكتسابها الجرم من غيرها رطبة على المختار للفتوى؛ لإطلاق حديث الباب، ويدلُّ عليه قوله ﵇: «إذا جاء أحدكم المسجد؛ فلينظر، فإن رأى في نعليه أذًى أو قذرًا؛ فليمسحهما وليصلِّ فيهما»، رواه أبو داود وابن حبان في «صحيحه»، وقوله ﵇: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفِّه؛ فطهورهما التراب»، رواه أبو داود والحاكم وصحَّحه.\nوحديث الباب وهذه الأحاديث حجَّة على الشافعي؛ حيث قال: (لا يطهِّر النجاسة في الخف والنعل إلا الماء)؛ فإنه لا دليل لتخصيصه الماء بالطهورية، فإنه ﵇ قد صلَّى في نعليه وخفيه بعدما أصابهما النجس ودلكهما بالأرض، ولأنه تعالى جعل المطهر الماء والتراب، وزعم ابن دقيق العيد أنَّ الصلاة في النعال من الرخص لا من المستحبات؛ لأنَّ ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: كيف لا يكون من المستحبات؟! بل ينبغي أن يكون من السنن؛ لأنَّ أبا داود روى في «سننه» عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «خالفوا اليهود؛ فإنَّهم لا يصلُّون في نعالهم ولا في خفافهم»، ورواه الحاكم أيضًا؛ فيكون مستحبًّا من جهة مخالفة اليهود، وليس بسنَّة؛ لأنَّ الصلاة في النعال ليست بمقصودة بالذات، وقد روى أبو داود أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ حافيًا ومنتعلًا)، وهذا يدل على الجواز من غير كراهة، وحكى الغزالي في «الإحياء» عن بعضهم: أنَّ الصلاة فيه أفضل، ويستنبط منه جواز المشي في المسجد بالنعال، انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٥٣\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-653>[باب الصلاة في الخفاف]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ)؛ بكسر الخاء المعجمة؛ أي: بالخفاف؛ لأنَّ الظرفية غير صحيحة كما سبق، والخفاف: جمع خُف؛ بضم الخاء المعجمة، وهو ما اتخذ من الجلد الأصفر والأسود الساتر لرؤوس الأصابع إلى فوق الكعبين من الرجل، وإنَّما سمي خفًّا؛ لأنَّ الأمر فيه قد خفَّ؛ أي: سهل من الغسل إلى المسح، والمناسبة بين البابين ظاهرة.\n\n <span id=\"b-٦٥٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-654>[حديث: رأيت النبي صنع مثل هذا</span>.]\n٣٨٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ)؛ بفتح الهمزة الممدودة: هو ابن أبي إياس العسقلاني (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)؛ بضم الشين المعجمة: هو ابن الحجاج الواسطي البصري، (عَنِ الأَعْمَشِ): هو سليمان بن مهران الكوفي التابعي (قَال) أي: الأعمش: (سَمِعْتُ إبراهيم): هو ابن يزيد النخعي التابعي (يُحَدِّثُ)؛ بضم التحتية، (عَنْ هَمَّامِ)؛ بفتح الهاء، وتشديد الميم بعدها على وزن (فعَّال)؛ بالفتح والتشديد (بنِ الْحَارِثِ)؛ بالحاء والراء المهملتين وبالمثلثة: هو الكوفي التابعي، كان من العباد، المتوفى زمن الحجاج، ففي السند ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض (قَالَ) أي: همام: (رَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت، فتقتضي مفعولين أحدهما: (جَرِيرَ) بفتح الجيم (بنَ عَبْدِ الله): هو البجلي الصحابي ﵁، والثاني: جملة قوله: (بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ)؛ أي: وضوءه للصلاة بدون استنجاء من البول، بل استبرأ منه، وهو يدلُّ على جواز الصلاة بدون الاستنجاء خلافًا لمن زعم عدم جوازها، فهذا الحديث حجة عليه؛ لأنَّ جريرًا لم يستنج من البول، والأصل بقاء ما كان على ما كان؛ فافهم.\n (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ)؛ بالتثنية من","vol":"1","page":256},{"text":"رؤوس الأصابع إلى الساق مرة واحدة، (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)؛ أي: وهو لابس لخفيه، ففيه: المطابقة للترجمة؛ لأنَّه قد صلى وهو لابس لهما؛ لأنَّه لو نزعهما بعد الغسل؛ لوجب عليه غسل رجليه، ولو غسل؛ لنقل في الحديث، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ولأنه لو نزعهما بعدما مسح عليهما؛ لوجب عليه غسل الرجلين فقط، فلو كان غسل؛ لكان صرَّح به في هذا الحديث، وعدم التصريح بذلك دليل على أنَّه صلى وهو لابس خفيه، ففيه استحباب الصلاة بالخفين.\n (فَسُئِلَ)؛ بضم السين المهملة على صيغة المجهول؛ أي: سئل جرير عن المسح على الخفين والصلاة فيهما، والسائل له عن ذلك همام، كما بينه الطبراني في حديثه من طريق جعفر بن الحارث عن الأعمش، فعاب عليه ذلك رجل من القوم، كذا في «عمدة القاري»، (فَقَالَ) أي: جرير: (رَأَيْتُ) أي: أبصرت (رسول الله ﷺ)؛ بالنصب مفعول أول لـ (رأيت)، والمفعول الثاني: جملة قوله: (صَنَعَ) أي: فعل وتوضأ وضوءًا (مِثْلَ هَذَا)؛ أي: أنَّه بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى فيهما (قَالَ إبراهيم)؛ أي: المذكور، وهو ابن يزيد النخعي التابعي: (فَكَانَ) أي: حديث جرير هذا (يُعْجِبُهُمْ)؛ أي: القوم وهم الصحابة والتابعون؛ لأنَّه من جملة الذين أسلموا في آخر حياة النبيِّ الأعظم ﷺ، وقد أسلم في السنة التي توفي فيها النبيُّ الأعظم ﵇، وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: (كان يعجبهم هذا الحديث)، ومن طريق عيسى بن يونس: (فكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم) انتهى.\n (لأَنَّ جَرِيرًا): هو ابن عبد الله الصحابي المذكور (كَانَ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ) وفي رواية مسلم: (لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة).\nوفي رواية أبي داود: (أنَّ جريرًا بال، ثم توضأ فمسح على الخفين، ثم قال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح؟ قالوا: إنَّما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد).\nورواه الطبراني في «الأوسط» من حديث ربعي بن حراش عن جرير قال: (وضأت رسول الله ﷺ، فمسح على خفيه بعدما نزلت سورة المائدة)، ثم قال: لم يروه عن حماد بن أبي سليمان عن ربعي إلا ياسين الزيات، تفرد به عبد الرزاق وياسين متكلَّم فيه.\nوفي رواية له من حديث محمد بن سيرين عن جرير: (أنَّه كان مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فذهب النبيُّ الأعظم صلى الله عيه وسلم يتبرَّز، فرجع فتوضأ ومسح على خفيه)، ثم قال: لم يروه عن محمد بن سيرين إلا خالد الحذاء، ولا [عن] خالد إلا حارث بن شريح، تفرد به سنان بن فروخ، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: وفي رواية الترمذي من طريق شهر بن حوشب قال: (رأيت جرير بن عبد الله...)، فذكر نحو حديث الباب قال: (فقلت له: أَقَبْل المائدة أو بعدها؟ قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة)، قال الترمذي: هذا حديث مفسر؛ لأنَّ بعض من أنكر المسح على الخفين تأوَّل أن مسح النبيِّ الأعظم ﷺ على الخفين كان قبل نزول آية الوضوء التي في (المائدة)، فيكون منسوخًا، فذكر جرير في حديثه أنَّه رآه يمسح بعد نزول (المائدة)، فكان أصحاب ابن مسعود يعجبهم حديث جرير؛ لأنَّ فيه ردًّا على أصحاب التأويل المذكور.\nقال إمام الشَّارحين: قلت: قال الله تعالى في سورة (المائدة): ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...﴾؛ الآية [المائدة: ٦]، فلو كان إسلام جرير متقدمًا على نزول (المائدة)؛ لاحتمل كون حديثه في مسح الخفين منسوخًا بآية (المائدة)، فلما كان إسلام جرير متأخرًا؛ علمنا أنَّ حديثه يعمل به، وهو مبيِّن أن المراد بآية (المائدة): غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة الآية، وفي «سنن» البيهقي عن إبراهيم بن أدهم ﵁ قال: (ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير ﵁)، وقد ورد مؤرخًا بحجة الوداع في حديث الطبراني كما ذكرناه.\nثم قال ﵁: واعلم أنَّه قد وردت في المسح على الخفين عدة أحاديث تبلغ التواتر على رأي كثير من العلماء.\nوقال الميموني عن أحمد ابن حنبل: فيها سبعة وثلاثون صحابيًّا، وفي رواية الحسن بن محمد عنه أربعون صحابيًّا، كذا قاله البزار في «مسنده»، وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون صحابيًّا، وفي «الأشراف» عن الحسن: حدثني به سبعون صحابيًّا، وقال ابن عبد البر: مسح على الخفين سائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وعامة أهل العلم والأثر، ولا ينكره إلا مخذول مبتدع خارج عن جماعة المسلمين.\nوقال في «البدائع»: المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة إلا شيئًا روي عن ابن عباس: أنه لا يجوز، وهو قول الرافضة.\nثم قال: وروي عن الحسن البصري أنَّه قال: أدركت سبعين بدريًّا من الصحابة؛ كلُّهم يرون المسح على الخفين، ولهذا قال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين من شرائط السنة والجماعة أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وترى المسح على الخفين، وروي عنه أنَّه قال: ما قلت بالمسح حتى جاءني مثل ضوء النهار، فكان الجحود ردًّا على كبار الصحابة، ونسبته إياهم إلى الخطأ، فكان بدعة، ولهذا قال الإمام الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، انتهى.\nوفي الحديث أحكام:\nالأول: فيه جواز البول بمشهد الرجل، وإن كانت السنة الاستتار عنه.\nالثاني: فيه أنَّ الاستنجاء غير واجب، بل سنة؛ لأنَّه ﵇ بال، ثم توضأ، ثم قام فصلى، ولم يستنج.\nالثالث: فيه جواز المسح على الخفين، وقد سبق في باب (المسح).\nالرابع: فيه جواز الإعجاب ببقاء حكم من الأحكام، وهو يدل على عدم النسخ.\nوقال ابن بطال: وهذا الباب كالباب الذي قبله في أنَّ الخف لو كان فيه قذر؛ فحكمه حكم النعل، انتهى.\nيعني: أنَّه يطهر الخف ونحوه بالدلك بالأرض أو بالتراب من النجاسة التي لها جرم ولو كانت مكتسبة من غيرها؛ لحديث الباب والذي قبله.\nويدلَّ عليه ما رواه أبو داود أنه ﵇ قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه (^١)؛ فطهورهما التراب»، ورواه ابن حبان والحاكم وصححه، وهو حجة على الشافعي؛ حيث لم يجوِّز ذلك، بل شرط في طهارتهما الماء، ولا دليل له في تخصيصه الماء بذلك، وقد قدَّمنا الكلام عليه مستوفًى.\n\n <span id=\"b-٦٥٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-655>[حديث: وضأت النبي فمسح على خفيه وصلى]</span>\n٣٨٨ - وبالسند إليه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ)؛ بالصاد المهملة نسبه لجده؛ لشهرته به، فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر الكوفي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)؛ بضم الهمزة وفتح السين المهملة: هو حماد الكوفي، (عَنِ الأَعْمَشِ): هو سليمان بن مهران الكوفي، (عَنْ مُسْلِمٍ)؛ بضم الميم وسكون السين المهملة: هو ابن صبيح؛\n_________\n(^١) في الأصل: (بخفه)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":257},{"text":"بضم الصاد المهملة، وكنيته أبو الضحى الكوفي، مشهور باسمه وكنيته، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم الكرماني أن (مسلم) هذا هو المشهور بالبطين، ويحتمل أنَّه أبو الضحى، لكن الظاهر الأول.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: كلُّ واحد منهما يروي عن مسروق، والأعمش يروي عن كل واحد منهما، وليس دعوى الظهور للأول بظاهر، بل الظهور للثاني؛ وهو أبو الضحى، ثم رأيت المزي في «الأطراف» في رواية مسلم نصَّ على أنَّه هو أبو الضحى، انتهى.\nقلت: فاستظهار الكرماني غير صواب، وكأنَّه لم يطَّلع (^١) على ما ذكره الحافظ المزي؛ فافهم.\nوقد وهم القسطلاني تبعًا لما وهمه الكرماني، ولم يطَّلع (^٢) على ما ذكره إمام الشَّارحين؛ فقال بالاحتمال، وهو غير صواب، بل الصواب ما ذكره إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\n (عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ على وزن (مفعول): هو ابن الأجدع الكوفي، وسمي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ):مير الكوفة الصحابي الجليل ﵁ (قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: وضوءه للصلاة؛ بأن تمضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح على ناصيته وكان لابسًا (^٣) للخفين، (فَمَسَحَ عَلَى الخفين)؛ أي: من رؤوس الأصابع إلى الساق، (وَصَلَّى)؛ أي: الفريضة أو النافلة فيهما.\nففيه: جواز المسح على الخفين، وفيه: جواز الاستعانة بغيره، وفيه: استحباب الصلاة بالخفين، وهو وجه المطابقة لما ترجم له المؤلف، ففيه: ردٌّ على من اعتاد في زماننا ممن يدعي العلم أنَّه إذا أراد الصلاة؛ خلع خفيه وصلى بدونهما، فإنَّ الصلاة فيهما من تمام الأدب؛ لأنَّه من كمال الزينة التي قال عمر بن الخطاب ﵁ للأعرابي الذي لبس ثيابًا بذلة وصلى فيها: (الله أحق أن تتزين له).\nوفي الإسناد ثلاثة من التابعين؛ وهم الأعمش ومسلم ومسروق يروي بعضهم عن بعض عن الصحابي، وقد سبق الكلام عليه عن قريب، وفي كتاب (الوضوء) أيضًا، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٥٦\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-656>[باب إذا لم يتم السجود]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (إِذَا لَمْ يُتِمَّ) أي: المصلي (السُّجُودَ)؛ أي: في بيان حكم المصلي إذا لم يتم سجوده في صلاته؛ يعني: أنَّه لا يجوز؛ لترتب الوعيد الشديد في حقه.\nقال إمام الشَّارحين: وهذا الباب والباب الذي يليه لم يقعا ههنا أصلًا عند المستملي؛ لأنَّ محلهما في أبواب (صفة الصلاة)، وإنَّما وقعا هنا عند الأصيلي، ولكن قبل باب (الصلاة في النعال)، انتهى.\nوزعم ابن حجر أنَّ إعادة هاتين الترجمتين هنا وفي باب (السجود) الحمل فيه عندي على النُّسَّاخ؛ بدليل سلامة رواية المستملي من ذلك، وهو أحفظهم، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: تكرار هذا الباب وإعادته له وجه؛ لأنَّ عادته التكرار عند وجود الفائدة، وهي موجودة فيه؛ لأنَّه ترجم هنا بقوله: (باب إذا لم يتم السجود)، وهناك ترجم بقوله: (باب إذا لم يتم الركوع)، وشيخه هنا الصلت بن محمد... إلى آخره، وشيخه هناك حفص بن عمر عن شعبة عن سليمان قال: سمعت زيد بن وهب قال: (رأى حذيفة رجلًا)، وفي بقية المتن أيضًا تغاير، وأمَّا الباب الثاني؛ فليس لذكره محل ههنا؛ لأنَّه كما هو المذكور هنا مذكور (^٤) هناك، كذلك ترجمةً ورواةً ومتنًا.\nفإن قلت: على ما ذكره الأصيلي، ما وجه المناسبة بين هذا الباب وبين باب (السجود على الثوب في شدة الحر)؟\nقلت: وجهها ظاهر لأنَّ كلًّا منهما في حكم السجود، انتهى؛ فافهم\n\n <span id=\"b-٦٥٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-657>[حديث حذيفة: رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده]</span>\n٣٨٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا) هكذا رواية الأربعة، وفي رواية: (أخبرنا) (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ): هو ابن عبد الرحمن الخاركي البصري، ونسبته إلى خارك؛ بالخاء المعجمة والراء، وهو من سواحل البصرة (قال: حَدَّثَنَا) هكذا للأربعة أيضًا، وفي رواية: (أخبرنا) (مَهْدِيٌّ)؛ بفتح الميم بلفظ المفعول: هو ابن ميمون أبو يحيى الأزدي المتوفى سنة اثنتين وسبعين ومئة، (عَنْ وَاصِلٍ): هو ابن حيان الأحدب، (عَنْ أَبِي وَائِلٍ)؛ بالهمز: هو شقيق بن سلمة، (عَنْ حُذَيْفَةَ)؛ بضم الحاء المهملة: هو ابن اليمان ﵁: (أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا) قال إمام الشَّارحين: لم يعلم اسمه؛ يعني: أنه رآه يصلي وحده منفردًا في الصحراء أو في المسجد بعيدًا عن الناس (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ) بضم المثناة التحتية أوله (وَلَا سُجُودَهُ)؛ أي: لا يطمئن فيهما، والجملة وقعت صفة لقوله: (رجلًا) (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ)؛ أي: فلما أدَّى الرجل صلاته الناقصة من إتمام الركوع والسجود، والقضاء يجيء بمعنى الأداء؛ كما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ يعني: أدِّيت.\nقلت: وقد يجيء القضاء بمعنى الفراغ، يقال: قضيت صلاتي؛ أي: فرغت منها، والمعنى: فلما فرغ الرجل من صلاته؛ (فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ) هو ابن اليمان؛ أي: للرجل المذكور: (مَا صَلَّيْتَ)؛ أي: ما صليت صلاة كاملة، فالنفي عنه الصلاة نفي كمال؛ لأنَّ إتمام الركوع والسجود لا ينفي الركوع والسجود، فإن إتمام الركوع والسجود ليس من أجزاء الصلاة الركنية، بل من أجزائها المسنونة، فالكل من الركنية لا ينتفي بانتفاء الجزء من المسنون، ولا يلزم منه انتفاء إحدى الركوع والسجود المستلزم لانتفاء الصلاة، لأنَّ إتمام الركن ليس بركن، بل هو مسنون، وهو لا ينافي الصحة.\nوما زعمه القسطلاني من أن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الركوع يلزم منه انتفاء الركوع المستلزم لانتفاء الصلاة ممنوع، وإنَّما ذكره؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه وهو باطل؛ لأنَّه لا يلزم من انتفاء تمام الركوع انتفاء الركوع بالكلية؛ لأنَّ الركن هو الركوع وهو مطلق الانحناء، كما أجمع عليه أهل اللغة، وإتمام الركوع سنة مكمِّل للركن، فالمكمِّل إذا انتفى؛ لا يلزم منه انتفاء الكل، كما لا يخفى، ويدل على ذلك قوله: (قَالَ)؛ أي: أبو وائل: (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنه؛ أي: حذيفة بن اليمان (قَالَ)؛ أي: للرجل المذكور: (لَوْ مُتَّ): روي فيه كسر الميم من مات يمات، وضمِّها من مات يموت، وفي رواية: (ولو مت) (مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ) النبيِّ الأعظم (مُحَمَّدٍ ﷺ)؛ أي: على غير طريقته الكاملة المتناولة للفرض والنفل، فالمراد به التغليظ، والشك من الراوي، ويدلُّ على أنه تغليظ قوله تعالى في آية الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ...﴾؛ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله ﵇: «من استطاع منكم الحج ولم يحج؛ فإن شاء أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا»؛ فإن المراد من الآية والحديث التغليظ إجماعًا؛ لأنَّه لو لم يحجَّ حتى مات؛ فلا يحكم عليه بالموت على الكفر إجماعًا، فكذا هذا، على أنَّ هذا الحديث لا يدل على أنَّ الاطمئنان فرض، بل سنة أو واجب؛ لأنَّ المراد\n_________\n(^١) في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (لابس)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (مذكورًا).","vol":"1","page":257},{"text":"به التغليظ، كما ذكرنا، ويحتمل أنَّ حذيفة لم ير فعل صلاة الرجل حقيقة، بل رأى شبحًا من بعيد قائمًا وقاعدًا (^١)، ثم رآه فأخبره بأنه قد صلى، فيحتمل أنَّه لم ير حقيقة فعله على أنَّ هذا لا يدل على الفرضية؛ لأنَّ حذيفة لم يأمره بالإعادة، ولا ذكر أنَّه يعيد، ولو كان صلَّى صلاة فاسدة؛ لأمره بالإعادة، ولم يذكر في الحديث أنَّه أعاد صلاته ولا أنَّه أمره بالإعادة، وهذا يدل على صحة صلاته.\nوقال ابن البطال: قوله: ما صليت؛ يعني: صلاة كاملة، ونفى عنه العمل بقلَّة التجويد فيها، كما تقول للصانع إذا لم يجد: ما صنعت شيئًا؛ يريد الكمال، وهو يدل على أن الطمأنينة سنة.\nقال إمام الشَّارحين: هذا التأويل لمن يدَّعي أن الطمأنينة في الركوع والسجود سنة، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومحمد بن الحسن، ومالك بن أنس، والجمهور، وعند الإمام أبي يوسف ومحمد بن إدريس أنها فرض، انتهى.\nقلت: والصواب: الأول، وما رواه الطبراني عن أنس مرفوعًا: «ومن لم يتمَّ لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها؛ خرجت وهي سوداء مظلمة، تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله تعالى لفَّت كما يلفُّ الثوب الخلق، ثم ضرب بها وجهه»، وما رواه ابن خيثم: «ساجدًا كخرقة ملقاة وعليه عصافير لا يشعر بها»، فإنَّه يدل على التهديد، والتخويف، والتغليظ، لا على عدم الصحة، يدل عليه أنه قال: (من لم يتم لها خشوعها...) إلى آخره، فإن الخشوع في الصلاة ليس فرضًا إجماعًا، بل هو مستحب، وكذلك الركوع والسجود؛ فإنَّ الإتمام فيهما سنة أيضًا، وحيث قرب عدم تمام الخشوع مع عدم تمام الركوع والسجود دلَّ ذلك على أن إتمامهما سنة، كما لا يخفى، والله أعلم؛ فافهم، فقام لنا الدليل على أن الاطمئنان في الأركان سنة أو واجب وليس بفرض، والعناد بعد ذلك مكابرة؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٦٥٨\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-658>[باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود]</span>\nهذا (باب) بالتنوين (يُبْدي)؛ بضمِّ التحتية من الإبداء؛ وهو الإظهار؛ أي: يظهر، والمعنى: باب بيان أن السنة للمصلِّي أن يبدي (ضَبْعيه) تثنية ضَبْع بفتح الضاد المعجمة وسكون الموحدة وفي «الموعب»: الضَّبع: مثال (صقر): العضد، مذكر، ويقال: الإبط، وقيل: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه، وفي «المخصص»: الضبع: هو إذا أدخلت يدك تحت إبطيه من خلفه، واحتملته، والعضد يذكر ويؤنث، وفي «المحكم»: الضبع يكون للإنسان وغيره، وفي «الجامع»: الضَّبعان: رأسا المنكبين، الواحد: ضبْع؛ ساكن الباء، والجمع أضباع، وقال السفاقسي: الضبع: ما تحت الإبط، ومعنى: (يبدي ضبعيه): لا يلصق عضديه بجنبيه كذا في «عمدة القاري».\n (ويجافي) أي: يباعد عضديه عن (جنبيه) ويرفعهما عنهما (في السُّجود) (ويجافي): من الجفاء؛ وهو البعد عن الشيء، يقال: جفاه إذا أبعد عنه، وأجفاه إذا أبعده، ويجافي بمعنى يجفي؛ أي: يبعد جنبيه، وليست المفاعلة ههنا على بابها؛ كما في قوله تعالى ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ بمعنى: أسرعوا، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: فإن قلت: ما المناسبة بين البابين على تقدير ثبوت هذا الباب ههنا؟\nقلت: من حيث إن المذكور في الباب السَّابق حكم الطمأنينة في السُّجود، وههنا إبداء الضبعين ومجافاة الجنبين في السجود، وكلها من أحكام السجود، انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٥٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-659>[حديث: أن النبي كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض أبطيه]</span>\n٣٩٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا) كذا للأربعة، ولغيرها: (أخبرنا) (يَحْيَى ابنُ بُكَيْرٍ)؛ بضم الموحدة وفتح الكاف مصغَّر بكر: هو البصري (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية: (أخبرنا) (بَكْرُ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف (بنُ مُضَرَ)؛ بضم الميم وفتح الضاد المعجمة: هو البصري، قال إمام الشَّارحين وتبعه الدماميني، والبرماوي، وابن حجر، والقسطلاني: أنَّه روي غير منصرف؛ للعلميَّة والعدل؛ مثل: عمر، انتهى.\nوزعم الكرماني أنَّه ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: هذا بعيد؛ لأنَّه لفظ عربي خالص من مضر اللبن يمضر مضورًا: هو الذي يحذي اللسان قبل أن يروَّب، قال أبو البيداء: اسم مضر مشتقٌّ منه وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انتهى.\n (عَنْ جَعْفَرٍ) زاد الأصيلي: (بن ربيعة): هو ابن سرجيل المصري المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ)؛ بضمِّ الهاء والميم: هو عبد الرحمن الأعرج المشهور بالرواية عن أبي هريرة ﵁، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَالِكٍ): هو ابن القِشْب بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة، وبالموحَّدة الأزدي (ابنِ بُحَيْنَةَ)؛ بضم الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، وفتح النون: هو اسم أم عبد الله؛ فهو منسوب إلى الوالدين، أسلم قديمًا، وصحب النبيَّ الأعظم ﷺ، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، مات زمن معاوية ﵁.\nوالصواب فيه: أن ينون (مالك)، ويكتب (ابن) بالألف؛ لأنَّ ابن بحينة ليس صفة لمالك، بل صفة لعبد الله؛ لأنَّ عبد الله اسم أبيه مالك، واسم أمه بحينة، فبحينة امرأة مالك وأم عبد الله، فليس الابن واقعًا بين علمين منتسبين، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\n (أَنَّ النَّبِيَّ) الأعظم (ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى)؛ أي: سجد، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، كما سيأتي (فَرَّجَ)؛ بفتح الفاء وتشديد الراء وتخفيفها، يقال: فرَّج الله الغم؛ بالتشديد والتخفيف، وهو من باب (ضرب يضرِب)، وهو لفظ مشترك بين فرج العورة والثغر وموضع المخافة، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وظاهر كلامه: أنَّ الرواية بالتشديد والتخفيف، لكن نقل القسطلاني عن السفاقسي أنَّه قال: رويناه بتشديد الراء والمعروف في اللغة التخفيف، وقد يقال: إن إمام الشَّارحين رواه بالتشديد والتخفيف، كما هو ظاهر كلامه؛ فتأمل.\nيعني: فتح ﵇ (بَيْنَ يَدَيْهِ)؛ يعني: وجنبيه، والحكمة فيه: أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، كذا في «عمدة القاري».\nثم قال: وقوله: (بين يديه) على حقيقته؛ يعني: قدَّامه، وأراد ببعد قدَّامه من الأرض (حَتَّى يَبْدُوَ) بواو مفتوحة؛ أي: يظهر (بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)؛ بالتثنية وكسر الهمزة.\nقال إمام الشَّارحين: ويؤيِّد هذا ما في رواية مسلم: (كان إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه).\nوفي رواية الليث: (كان إذا سجد فرَّج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه).\nوعنده أيضًا من حديث ميمونة: (كان ﵇ إذا سجد لو شاءت بهيمة أن تمرَّ بين يديه؛ لمرَّت).\nوفي رواية: (خوَّى بيديه)؛ يعني: جنح حتى يُرى وضح إبطيه من ورائه.\nوعند الترمذي محسَّنًا والحاكم مصحَّحًا: عن\n_________\n(^١) في الأصل: (قائم وقاعد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":258},{"text":"عبد الله بن أقرم قال: فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه ﷺ إذا سجد، وعند الحاكم مصحَّحًا عن ابن عباس قال: أتيت النبيَّ الأعظم ﷺ من خلفه فرأيت بياض إبطيه، وهو مُجِخٌّ قد فرَّج يديه، وعند الدارقطني ملزمًا للبخاري تخريجه عن أحمد بن جزء أنَّه قال: إن كنا لنأوي لرسول الله ﷺ مما يجافي مرفقيه عن جنبيه إذا سجد، وعند أحمد وصحَّحه أبو زرعة الرازي وابن خزيمة عن جابر: كان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا سجد جافى حتى يُرَى بياض إبطيه، وعند ابن خزيمة عن عدي بن عميرة: كان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا سجد يرى بياض إبطيه، وفي «صحيح ابن خزيمة» أيضًا عن البراء: كان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا سجد يرى وضح إبطيه، وعند مسلم من حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة: إذا سجد؛ جافى بين يديه، وعند أبي داود عن أبي مسعود ووصف صلاته ﵇، وفيه: ثم جافى بين مرفقيه حتى استقرَّ كل شيء منه، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nثم قال: وقوله: (يجنح) من التجنيح؛ وهو أن يرفع ساعديه في السجود عن الأرض، فيصيران له مثل جناحي الطير، وكذلك التجنُّح، وقوله: (وَضَح إبطيه)؛ أي: بياضهما، وهو بفتح الواو والضاد المعجمة، وقوله: (بَهمة)؛ بفتح الموحدة، قال الجوهري: البهمة: من أولاد الضأن خاصَّة، ويطلق على الذكر والأنثى، والسخال: أولاد المِعزى، وقال أبو عبيد: البهمة: واحد البهيم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهم: البِهام؛ بكسر الموحدة، وفي رواية الحاكم والطبراني: (بُهيمة)؛ بالتصغير، وقيل: هو الصواب، وفتح الباء خطأ، وقوله: (خوَّى)؛ بالخاء المعجمة وتشديد الواو المفتوحة؛ أي: جافى بطنه عن الأرض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه حتى يخوى ما بين ذلك، وقوله: (مُجِخٌّ)؛ بضم الميم، وكسر الجيم، وبالخاء المعجمة المشدَّدة، مِن جَخَّ؛ بفتح الجيم والخاء المعجمة المشددة: إذا فتح عضديه عن جنبيه، ويروى: جَخِي بالياء وهو أشهر، وهو مثل: جَخَّ، وقيل: كان إذا صلَّى؛ يجنح؛ يعني: تحوَّل من مكان إلى مكان، وقوله: (لنأوي)؛ أي: نرقُّ له ونرثي، يقال: أويت الرجل أوًى؛ إذا أصابه شيء فرثيت له، و(العُفْرة)؛ بضمِّ العين المهملة وسكون الفاء: البياض، وزعم أبو نعيم في «دلائل النبوة» أن بياض إبطيه ﵇ من علامات نبوته، انتهى.\nثم قال الشَّارح: ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (كان إذا صلَّى)؛ لأنَّ المراد من قوله: (صلى): سجد من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء، وإذا فرج بين يديه؛ لا بُدَّ من إبداء ضبعيه، انتهى.\nقلت: ويستنبط من هذا الحديث: التفريج بين اليدين وهو سنة للرجال، أمَّا المرأة والخنثى؛ فيضمان؛ لأنَّ المطلوب في حقهما الستر، وحكي عن بعضهم أن السنة في حق النساء التفريج أيضًا، وبعضهم خيرها بين الانفراج والانضمام.\nوقال أئمتنا الأعلام: وجافى الرجل بطنه عن فخذيه، وعضديه عن إبطيه في غير زحمة، أمَّا فيها؛ فيضم؛ حذرًا عن إضرار الجار، فإنَّ الإضرار حرام، فلا يفعل السنة ويرتكب المحرم، انتهى.\nقلت: وهذا يفعله بعض الجهلة من الشافعية؛ فإنَّهم يجافون ويزدحمون ويؤذون الجار وهو حرام كما هو مشاهد.\nوقال أئمتنا الأعلام: والمرأة تنخفض فتضم عضديها لجنبيها، وتلزق بطنها بفخذيها؛ لأنها عورة مستورة وهذا أستر لها، وقالوا: وجافى الرجل بطنه عن فخذيه، وأبدى عضديه، وذلك سنة، انتهى.\nوممن كان يفعل ذلك ويجافي: أنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وإبراهيم، وعلي بن أبي طالب، وقال عطاء: خفِّفوا (^١) عن الأرض.\nوممن كان يعتمد ورخص للمصلي أن يعتمد بمرفقيه: أبو ذر، وابن مسعود، وابن عمر، وابن سيرين، وقيس بن سعد، وقال أبو عبيد: حدثنا ابن عيينة، عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش قال: شكونا إلى النبيِّ الأعظم ﷺ الادِّعام والاعتماد في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه أو فخذيه.\nوعند الترمذي عن أبي هريرة: اشتكى أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ مشقة السجود عليهم، فقال: «استعينوا بالرُّكب».\nوروى أبو داود ولفظه: اشتكى أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكب».\nوفي «الصحيح»: حدثنا يزيد بن هارون عن ابن عون قال: قلت لمحمد: الرجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبيته، قال: ما أعلم به بأسًا، وحدثنا عاصم عن ابن جريج عن نافع قال: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد، وحدثنا ابن نمير: حدثنا الأعمش عن حبيب قال: سأل رجل ابن عمر أضع مرفقي على فخدي إذا سجدت؟ قال: اسجد كيف يتيسر عليك، وحدثنا وكيع، عن أبيه، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن قيس بن السكن قال: كل ذلك قد كانوا يفعلون، وينضمون ويتجافون، وكان بعضهم ينضم، وبعضم يتجافى، انتهى.\nقلت: يعني: كانوا يتجافون في غير زحمة، وينضمون في الزحمة، وقال الشافعي: يسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وتضم المرأة بعضهما إلى بعض، وقال القرطبي: وحكم الفرائض والنوافل في هذا سواء، انتهى، والله أعلم.\n (وَقَالَ اللَّيْثُ): هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي، من أتباع الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ)؛ بالنصب؛ أي: نحو حديث بكر، فقوله: (وقال الليث) عطف على (بكر)؛ أي: حدثنا يحيى: قال الليث: حدثني جعفر؛ بلفظ التحديث وما روى بكر عنه بطريق العنعنة.\nوهذا التعليق أخرجه مسلم في «صحيحه» فقال: حدثنا عمرو بن سويد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث والليث بن سعد؛ كلاهما عن جعفر بن ربيعة به، وفي رواية عمرو بن الحارث: إذا سجد؛ يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه، وفي رواية الليث: كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري.\n\n <span id=\"b-٦٦٠\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-660>[باب فضل استقبال القبلة </span>بأطراف رجليه]\nهذا (باب) بيان (فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ)؛ بكسر القاف؛ أي: الكعبة، والسين والتاء للطلب؛ أي: باب فضل طلب التوجه للكعبة، ولما فرغ المؤلف من بيان أحكام ستر العورة بأنواعها؛ شرع في بيان استقبال القبلة على الترتيب؛ لأنَّ الذي يريد الشروع في الصلاة يحتاج أولًا إلى ستر العورة، ثم إلى استقبال القبلة، وما يتبعها من أحكام المساجد.\n (يَسْتَقْبِلُ)\n_________\n(^١) في الأصل: (خفوا)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":258},{"text":"أي: المصلي؛ أي: يتوجه (بِأَطْرَافِ) رؤوس أصابع (رِجْلَيْهِ) بالتثنية (القِبلَة)؛ أي: نحو الكعبة، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: (يستقبل القبلة بأطراف رجليه) (قَالَه أَبُو حُمَيْدٍ)؛ بضم الحاء المهملة: هو عبد الرحمن بن سعد الساعدي الأنصاري المدني، قيل: اسمه المنذر، غلبت عليه كنيته، مات في آخر زمن معاوية ﵁، (عَنِ النَّبِيِّ) الأعظم (ﷺ) وسقط في رواية الأصيلي وابن عساكر هذا التعليق بتمامه هنا، وقال الشَّارح: وهذا التعليق قطعة من حديث طويل في (صفة الصلاة) رواه أبو حميد عنه ﵇، وأخرجه البخاري مسندًا فيما بعد في باب (سنة الجلوس في التشهد)، وجعل هذه القطعة ترجمة بباب آخر فيما بعد؛ حيث قال: (باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه).\nفإن قلت: ما مطابقة هذه القطعة للترجمة؟\nقلت: إذا عرف [فرض] الاستقبال وعرف فضله؛ عرفت المطابقة، أمَّا فرضه؛ فهو توجه المصلي بكليته إلى القبلة، وأمَّا فضله؛ فاستقباله بجميع ما يمكن من أعضائه حتى بأطراف أصابع رجليه في التشهد.\nوبوب عليه النسائي فقال: (باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد)، ثم روى حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: (من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنَّ المؤلف أراد بهذا بيان مشروعية الاستقبال بجميع ما يمكن من الأعضاء.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك؛ لأنَّ الترجمة في فضل الاستقبال لا في مشروعيته، كما لا يخفى) انتهى.\nقلت: ولقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر حيث قال هذا الكلام، ولم يدر ما مراد المؤلف، فقد قرأ وما درى، فإن مراد المؤلف في هذه الترجمة فضل الاستقبال، ومن عادته ذكر الأحاديث والتعاليق بعدها؛ لأجل أن يستدل بها على ما ترجم له، فأراد بهذا التعليق الاستدلال على فضل الاستقبال، أمَّا المشروعية؛ فساكت عنها؛ لأنَّه لو كان مراده المشروعية؛ لقال: باب مشروعية استقبال القبلة، ومتى علمت ما قلناه؛ ظهر لك بطلان ما زعمه ابن حجر؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٦١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-661>[حديث: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا </span>فذلك المسلم]\n٣٩١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثنا عَمْرُو)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم، آخره واو (بنُ عَبَّاسٍ)؛ بتشديد الموحدة آخره سين المهملة: هو أبو عثمان الأهوازي البصري، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنا ابنُ مهدِي)؛ بفتح الميم وكسر الدال المهملة: هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان أبو سعيد البصري اللؤلؤي، كذا بالتنكير في رواية الأصيلي وابن عساكر، وفي رواية غيرهما: (ابن المهدي)؛ بالتعريف (قَالَ: حَدّثَنا مَنْصُور بنُ سَعْدٍ)؛ بسكون العين المهملة: هو البصري صاحب اللؤلؤ، (عَنْ مَيْمُونِ)؛ بفتح الميم الأولى وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة (بنُ سِياهٍ)؛ بكسر السين المهملة وتخفيف التحتية، وبعد الألف هاء، وهو بالفارسية معناه: الأسود، ويجوز فيه الصرف ومنعه، أمَّا منعه من الصرف؛ فللعلمية والعجمة، وأمَّا صرفه؛ فلعدم شرط المنع، وهو أن يكون علمًا في العجم، ولفظ (سياه) ليس بعلم في العجم؛ فلذلك يكون صرفه أولى، قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nولقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر؛ حيث قال: إنه عربي، ورده إمام الشَّارحين، فقال: هذا غير صحيح؛ لعدم تصرف وجوه الاشتقاق فيه؛ فليحفظ\n (عَن أَنَس بنُ مَالِكٍ): هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ أنه (قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ) أي: الشخص الذي (صَلَّى صَلَاتَنَا): منصوب بنزع الخافض، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف؛ أي: من صلى صلاة كصلاتنا؛ أي: صلى كما نصلي، ولا يوجد ذلك إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، ومن اعترف بنبوة النبيِّ الأعظم محمد ﷺ؛ فقد اعترف بجميع ما جاء به عن الله ﷿، فلهذا جعل الصلاة علمًا لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين؛ لأنَّهما داخلتان في الصلاة، كذا في «عمدة القاري».\n (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) السين والتاء للطلب؛ أي: وطلب التوجه إلى الكعبة فتوجه إليها، وإنما ذكر استقبال القبلة والصلاة متضمنة له مشروطة به؛ لأنَّ القبلة أعرف من الصلاة، فإن كل واحد يعرف قبلته وإن كان لا يعرف صلاته، ولأنَّ من أعمال صلاتنا ما هو يوجد في صلاة غيرنا؛ كالقيام والقراءة، وأمَّا استقبال قبلتنا؛ فمخصوص بنا، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: ولما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غير عبادة؛ أعقبه بذكر ما يميزه عبادة وعادة، فقال: (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا): فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العادات؛ فكذلك هو من العبادات الثابتة في كل ملة.\nوقال الطيبي: إذا أجري الكلام على اليهود؛ سهل تعاطي عطف الاستقبال على الصلاة بعد الدخول فيها، ويعضده اختصاص ذكر الذبيحة؛ لأنَّ اليهود خصوصًا يمتنعون عن أكل ذبيحتنا، وهم الذين حين تحولت القبلة؛ شنعوا بقولهم: ﴿مَا وَلَاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]؛ أي: صلوا صلاتنا، وتركوا المنازعة في أمر القبلة، والامتناع عن أكل الذبيحة؛ لأنَّه من باب عطف الخاص على العام، فلما ذكر الصلاة؛ عطف ما كان الكلام فيه، وما هو مهتم بشأنه عليها، كما أنه يجب عليهم أيضًا عند الدخول في الإسلام أن يقروا ببطلان ما يخالفون به المسلمين في الاعتقاد بعد إقرارهم بالشهادتين، انتهى.\nقلت: ولا خصوصية لليهود؛ لأنَّ الذين طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة مشركو العرب، كما قاله الحسن، أو هم المنافقون، كما قاله السدي، فكل من اليهود ومشركي العرب والمنافقين سفهاء، فلهذا قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ...﴾؛ الآية، أمَّا اليهود؛ فإنما قالوا ذلك؛ لأنَّهم لا يرون النسخ في الشرائع والأحكام؛ لما زعموا أن نسخها بمعنى البداء، والرجوع عنها بداء، وذلك محال في حق الله ﷿؛ لعلمه بعواقب الأمور أجمع، والبداء والرجوع في الشاهد مبني على الجهل بالعواقب، وقولهم هذا جهل؛ لعدم علمهم بتفسير النسخ، فإنَّ النسخ: عبارة عن انتهاء الحكم إلى وقت معين؛ لانتهاء المصلحة التي شرع الحكم لها، وبيان حكم جديد لمصلحة أخرى في وقت آخر مع بقاء الحكم الأول مشروعًا، ومصلحة وقت كونه مشروعًا، وليس فيه ما فهمته اليهود.\nونظير النسخ في الشاهد أمر الطبيب مريضًا غلبت عليه الصفراء والحرارة بشرب المبردات القاطعة للصفراء، ثم إنَّه متى علم بسكون الصفراء والحرارة واعتدال طبعه؛ نهاه عن ذلك، وأمره بالمعتدل من الشراب، فإن ذلك لم يكن منه بداءً عما أمره في الوقت الأول، وإبطالًا ونقضًا له، بل بيان أنَّ المصلحة في ذلك","vol":"1","page":259},{"text":"الوقت ذاك.\nوأمَّا المشركون والمنافقون؛ فإنما قالوا ذلك من حيث إنهم أعداء الدين، والأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا؛ لم يتركوا مقالًا ألبتة.\n (فَذَلِكَ) جواب الشرط، وهو مبتدأ (الْمُسْلِمُ) بالرفع خبره (الَّذِي لَهُ) بالرفع صفته (ذِمَّةُ الله)؛ بكسر الذال المعجمة، كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: (له)، والجملة صلة الموصول، والذمة: الأمان والعهد؛ والمعنى: في أمان الله وضمانه (وَذِمَّةُ رَسُولِهِ)؛ بكسر الذال المعجمة، ولأبي ذر: (وذمة رسول الله ﷺ)؛ أي: في أمانه وضمانه، ويجوز أن يراد بالذمة: الذمام؛ وهو الحرمة، ويقال: الذمة: الحرمة أيضًا، وقال القزاز: الذمام: كل حرمة تلزمك منها ذمة، تقول: لزمني لفلان ذمام وذمة، ومذمة هذا؛ بكسر الذال المعجمة، وكذا لزمتني له ذَمامة مفتوح الأول، وفي «المحكم» الذمام والمذمة: الحق، والجمع أذمة، والذمة: العهد والكفالة، والجمع ذمم، وقال ابن عرفة: الذمة: الضمان، وبه سُمِّي أهل الذمة؛ لدخولهم في ضمان المسلمين، قال الأزهري في قوله تعالى: ﴿إِلًا وَلاذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]: أي: ولا أمانًا، كذا في «عمدة القاري».\n (فَلَا تُخْفِرُوا)؛ بضم المثناة الفوقية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، من الإخفار، والهمزة فيه للسلب؛ أي: لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل؛ نحو: أشكيته؛ أي: أزلت شكايته، وكذلك: أخفرته؛ أي: أزلت خفارته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال ثعلب: خفرت الرجل؛ إذا أجرته، وأخفرته؛ إذا نقضت عهده، وقال كراع وابن القطان: أخفرته: بعثت معه خفيرًا، وقال القزاز: خفر فلان بفلان وأخفره؛ إذا غدر به، وقال ابن سيده: خفره خفرًا وخفورًا وأخفره: نقض عهده وغدره، وأخفر الذمة: لم يف بها، انتهى.\n (الله) أي: لا تنقضوا عهده ولا تغدروه ولا تفوا (فِي ذِمَّتِهِ)؛ بكسر الذال المعجمة، والضمير فيه يرجع إلى الله تعالى أو إلى المسلم، والأول أظهر؛ لقربه؛ يعني: ولا رسوله، وإنما اكتفى في النهي بذمة الله وحده ولم يذكر الرسول كما ذكر أولًا؛ لأنَّه ذكر الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه عدم إخفار ذمة الرسول، وأمَّا ما ذكره أولًا؛ فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقًا، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم الخطابي أن معنى قوله: (فلا تخفروا الله): لا تخونوا الله في تضييع حق من هذا سبيله، انتهى.\nقلت: وهذا قاصر، فإن من كان هذا سبيله بأن صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ لا يجوز له التعرُّض في هذه الأشياء، أمَّا لو فعل شيئًا مخالفًا لأوامر الله تعالى ورسوله؛ فيجوز التعرض له بأن وجب عليه حد أو جلد أو حق وغير ذلك، فإنَّه حينئذٍ خرج عن كونه في ذمة الله تعالى؛ لأنَّ الذي في ذمته تعالى هو الممتثل لأوامره تعالى المجتنب نواهيه، فمن كان هذا سبيله؛ فهو في ذمة الله تعالى حقًّا.\nأمَّا ما نشاهده من جماعة الشيعة في بلادنا الشامية من صلاتهم معنا، واستقبالهم قبلتنا، وأكلهم ذبيحتنا؛ فهو نفاق وتقية، فنتعرض لهم، وإذا وجب عليهم حد من قتل أو جلد أو نحوها؛ فعلنا بهم؛ لأنَّهم ليسوا في ذمة الله تعالى؛ فافهم.\nففي الحديث: دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم وورعهم حتى يبحث عن باطنهم؛ لأنَّ الله تعالى قد بين أحوال الناس وأن منهم من يظهر قولًا جميلًا وهو ينوي قبيحًا، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥]، وفي «الترمذي» عن بعض كتب الله: (أَبِي تغترون؟! وعليَّ تجترئون؟! فبي حلفت؛ لأبيحن لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران).\nوقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله ﵇: «واستقبل قبلتنا»، وبيان ذلك أنه ﵇ أفرد بذكر استقبال القبلة بعد قوله: «من صلى صلاتنا» مع كونه داخلًا فيها؛ لأنَّه من شرائطها، وذلك؛ للتنبيه على تعظيم شأن القبلة وعظم فضل استقبالها، وهو غير مقتصر على حالة الصلاة، بل أعم من ذلك، كما لا يخفى) انتهى.\nثم قال ﵁: ويستنبط من هذا الحديث: أن أمور الناس محمولة على الظاهر دون الباطن، فمن أظهر شعائر الدين؛ أجريت عليه أحكام أهل الدين ما لم يظهر منه خلاف ذلك، فإذا دخل رجل غريب في بلد من بلاد المسلمين بدين أو مذهب في الباطل غير أنه يرى عليه زي المسلمين؛ حمل على ظاهر أمره على أنه مسلم، حتى يظهر منه خلاف ذلك.\nقلت: ويدل لهذا أنه ﵇ قال لعمر بن الخطاب ﵁ حين طعن برجل بالنفاق قال: «هل شققت على قلبه، أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟»، فأحوال الناس تحمل على الظاهر دون الباطن؛ لأنَّ الباطن لا يطلع (^١) عليه إلا الله تعالى، فالشرع يحكم عليه بالظاهر، أمَّا إذا تبين منه الخروج عن الشرع؛ فيحكم عليه بسبب خروجه، فالشاهد إذا شهد عند القاضي؛ سأل عنه في ظواهر أموره دون باطنها، ويكتفي به؛ فافهم.\nثم قال: وفي الحديث: ما يدل على تعظيم شأن القبلة، وهي من فرائض الصلاة، والصلاة أعظم قربات الدين، ومن ترك القبلة متعمدًا؛ فلا صلاة له، ومن لا صلاة له؛ فلا دين له.\nقلت: يدل عليه قوله ﵇: «الصلاة عماد الدين، فمن تركها؛ فقد هدم الدين»، وقوله ﵇: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة...»؛ الحديث، فقد جعل ﵇ الإسلام مثل قبة على أعمدة، فمن ترك منها واحدًا؛ فقد هدم القبة، كما تقدم في أول كتاب (الإيمان).\nثم قال ﵀: وفي الحديث: أن استقبال القبلة شرط للصلاة مطلقًا إلا في حالة الخوف، فمن كان بمكة -شرفها الله-؛ فالفرض في حقه إصابة عينها، سواء كان بين المصلي وبين الكعبة حائل؛ كجدار، أو لم يكن، حتى لو اجتهد وصلى فبان خطأه؛ فقال الإمام الرازي: يعيد، ونقل ابن رستم عن الإمام محمد بن الحسن: لا يعيد إذا بان خطؤه، سواء كان بمكة أو بالمدينة، قال: وهو الأقيس؛ لأنَّه قد أتى بما في وسعه، وذكر الإمام أبو البقاء أن\n_________\n(^١) في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":259},{"text":"جبريل ﵇ وضع محراب النبيِّ الأعظم ﷺ مسامت الكعبة.\nوقيل: كان ذلك بالمعاينة بأن كشف الحال وأزيلت الحوائل، فرأى رسول الله ﷺ الكعبة، فوضع قبلة مسجده عليها.\nقلت: كما وقع له ﵇ صبيحة الإسراء حين سأله قريش عن صفة مسجد بيت المقدس، فأزيلت الحوائل عنه، وكشف له الحال، فوصفه (^١) لهم، وأمَّا من كان غائبًا عن الكعبة؛ ففرضه جهة الكعبة لا عينها، وهو قول الإمام الكرخي، وأبي بكر الرازي، وأكثر الأئمة الحنفية.\nوقال أبو عبد الله الجرجاني: الفرض إصابة عينها في حق الحاضر والغائب، وهو قول الشافعي، وزعم النووي أنَّ الصحيح عنه فرض المجتهد مطلوبية عينها.\nوفي تعلم أدلة القبلة ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه فرض كفاية، الثاني: أنه فرض عين، ولا يصح، الثالث: أنه فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا.\nوقال البيهقي في «المعرفة» والذي روي مرفوعًا: «الكعبة قبلة من يصلي في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة أهل مكة ممن يصلي في بيته أو في البطحاء، ومكة قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق»، فهو حديث ضعيف لا يحتج به.\nوفي الحديث: أن من جملة الشواهد (^٢) لحال المسلم أكل ذبيحة المسلمين، وذلك أن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون (^٣) من أكل ذبيحة المسلمين، والوثني: الذي يعبد الصنم، انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٦٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-662>[حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله]</span>\n٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذر والوقت: (وحدثنا)؛ بالواو (نُعَيْمٌ)؛ بضم النون وسكون التحتية، بينهما عين مهملة مفتوحة: هو ابن حماد الخزاعي (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ): هو عبد الله، فهو موصول.\nوقال إمام الشَّارحين: حديث أنس هذا أخرجه البخاري في هذا الباب من ثلاثة أوجه:\nالأول: مسند عن عمرو بن عباس، وقد سبق.\nوالثاني: فيه خلاف بين الرواة من أربعة أوجه؛ الأول: حدثه البخاري عن نعيم، ونعيم أخرجه معلقًا؛ حيث قال: (قال ابن المبارك)، وهذا هو المذكور في نسختنا، وهي رواية أبوي ذر والوقت، الثاني: قال محمد بن إسماعيل وقال ابن المبارك: قال ابن عساكر روى البخاري عنه: (قال نعيم)، فالبخاري علقه، وقد وصله الدارقطني من طريق نعيم عن ابن المبارك، الثالث: رواية الأصيلي وكريمة: «قال ابن المبارك»؛ بغير ذكر نعيم، فالبخاري أيضًا علقه عنه، الرابع: وقع مسندًا؛ حيث قال: (حدثنا نعيم: حدثنا ابن المبارك)، هكذا في بعض الأصول، وقد ذكره المؤلف في (الجهاد)، والترمذي في (الإيمان): عن سعيد بن يعقوب عن ابن المبارك، وأخرجه النسائي في (المحاربة): عن محمد بن حاتم، عن حبان، عن ابن المبارك، انتهى.\n (عَنْ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة وسكون التحتية (الطَّوِيلِ): التابعي المشهور، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ): هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمِرْتُ)؛ بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمرني الله تعالى، وإنما طوى ذكر الفاعل؛ لشهرته وتعظيمه (أَنْ) أي: بأن (أُقَاتِلَ النَّاسَ)؛ فكلمة (أَنْ) مصدرية، وأراد بـ (الناس): المشركون؛ أي: بقتل المشركين، فهو من العام الذي أريد به الخاص؛ لأنَّ المراد بـ (الناس): المشركون من غير أهل الكتاب، ويدل لذلك رواية النسائي، ولفظه: «أمرت أن أقاتل المشركين»، أو يكون المراد: مقاتلة أهل الكتاب؛ فافهم.\n (حَتَّى) أي: إلى أن (يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): إنَّما اكتفى بهذا الشطر من غير انضمام (محمد رسول الله)؛ لأنَّه عبر به على طريق الكناية عن الإقرار برسالته بالصلاة والاستقبال والذبح؛ لأنَّ هذه الثلاثة من خواص دين النبيِّ الأعظم ﷺ؛ لأنَّ القائلين: لا إله إلا الله كاليهود؛ فصلاتهم بدون الركوع، وقبلتهم غير الكعبة، وذبيحتهم ليست كذبيحتنا، وقد يجاب: بأنَّ هذا الشطر الأول من كلمة الشهادة شعار لمجموعها، كما يقال: قرأت ﴿الم*ذَلِكَ الكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، والمراد: كل السورة، لا يقال: فعلى هذا؛ لا يحتاج إلى الأمور الثلاثة؛ لأنَّ مجرد هذه الكلمة التي هي شعار الإسلام محرمة للدماء والأموال؛ لأنَّا نقول: الغرض منه بيان تحقيق القول بالفعل، وتأكيد أمره، فكأنه قال: إذا قالوها وحققوا معناها بموافقة الفعل لها؛ فتكون محرمة، وأمَّا تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين؛ فلكونها أظهرها وأعظمها وأسرعها علمًا به؛ إذ في اليوم الأول من الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته وطعامه غالبًا، بخلاف نحو الصوم؛ فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به، ونحو الحج؛ فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين، وقد لا يجب عليه أصلًا، كذا قرره إمامنا الشَّارح.\n (فَإِذَا قَالُوهَا)؛ أي: كلمة الشهادة وصدقوا بمعناها بموافقة الفعل لها (وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا)؛ أي: المخصوصة بنا؛ أي: بأن صلوا بالركوع والسجود والقعود في آخرها، واقتصار القسطلاني على الركوع فقط؛ خطأ ظاهر؛ لأنَّ اليهود يصلون بالركوع فقط، كما هو مشهور عنهم، فلو صلوا بالركوع؛ لم يصيروا مسلمين حتى يصلوا بالركوع والسجود والقعود في آخرها؛ لأنَّ الفارق بيننا وبينهم في الصلاة السجود والقعود الأخير، فإن فعلوا ذلك؛ فلهم أحكام الإسلام، وإلا؛ فلا؛ فافهم\n (وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا)؛ أي: طلبوا التوجه إلى الكعبة التي هدانا الله إليها، وإنما ذكر الاستقبال مع أن الصلاة متضمنة له؛ لأنَّ القبلة أعرف من الصلاة، فإن كل واحد يعرف قبلته وإن كان لا يعرف صلاته كما سبق.\n (وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا)؛ أي: ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا، والذبيحة على وزن (فعيلة) بمعنى المذبوح.\nفإن قلت: فعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ فلا يدخله التاء.\nقلت: لما زال عنه معنى الوصفية وغلبت عليه الاسمية واستوى فيه المذكر والمؤنث؛ فتدخله التاء، وقد يقال: إن الاستواء فيه عند ذكر الموصوف معه، وأمَّا إذا انفرد عنه؛ فلا، قاله إمام الشَّارحين.\n (فَقَدْ حَرُمَتْ)؛ بفتح الحاء وضم الراء المهملتين، كما في رواية «الفرع»، وجوز البرماوي وغيره: ضم الحاء وتشديد الراء، وقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر حيث زعم أنه لم ير في شيء من الروايات تشديد الراء.\nقلت: ولا يلزم من عدم رؤيته ذلك ألَّا يكون ثابتًا في بعض الروايات، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، لا سيما أن التشديد معناه أبلغ في الحرمة من التخفيف، وقد صرح جماعة من الشراح بجوازه، وهو يدل على أنه ثابت في بعض الروايات، والمثبت مقدم على النافي، فليحفظ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: (فوصفهم)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (الشواهل)، ولعله تحريف.\n (^٣) في الأصل: (ينخرجون)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":260},{"text":"(عَلَيْنَا)؛ أي: على النبيِّ الأعظم ﷺ ومن كان أميرًا بعده إلى قيام الساعة (دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ) فلا يجوز التعرُّض لهم حينئذ بدم ولا أخذ مال (إِلَّا بِحَقِّهَا)؛ أي: إلا بحق الدماء والأموال، وذلك من قتل نفس أو حد من الحدود، أو ضمان مال بأن أتلف شيئًا، فيقتص منه في ذلك؛ لأنَّهم حينئذٍ غير معصومين؛ لأنَّ الله تعالى حكم على القاتل بالقتل، والزاني بالرجم أو الجلد، وتارك الصلاة بالحبس والضرب، والغاصب بالضمان، ومتلف الأموال بالمال، وغير ذلك، ومن ذلك زكاة الأموال، والعشر للغنم والبقر والمعز والإبل ونحوها.\nوعند المؤلف في باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة) عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام...»؛ الحديث، فهو محمول على أهل الكتاب المقرين بالتوحيد الجاحدين لنبوة النبيِّ الأعظم ﷺ عمومًا وخصوصًا.\nوفي حديث أبي هريرة عند المؤلف في (الجهاد) الاقتصار على قول: «لا إله إلا الله...»؛ الحديث، وهو محمول على أنه ﵇ قاله في وقت قتاله للمشركين.\nوأمَّا حديث الباب محمول على من دخل الإسلام ولم يعمل الصالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيقاتل حتى يذعن لذلك.\n (وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله)؛ أي: حسابهم بعد ذلك في أمر سرائرهم على الله تعالى، وأمَّا نحن؛ فإنما نحكم عليهم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، ويحتمل المعنى هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدنيا المتعلقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنة والنار والثواب والعقاب؛ فمفوض إلى الله تعالى، ولفظة: (على) مشعرة بالإيجاب، فظاهره غير مراد، فإمَّا أن يكون المراد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنه يجب أن يقع ذلك لا أنه تعالى يجب عليه شيء، خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التشبيه له بالواجب على العباد في أنه لا بد من وقوع ذلك.\nواقتصر على الصلاة؛ لأنها عماد الدين كما ثبت في الحديث، ولم يذكر الزكاة هنا؛ لأنها داخلة في قوله: «إلا بحقها»، فإن الحق في الأموال الزكاة ونحوها.\nففي الحديث: قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر.\nوفيه: الاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة.\nوفيه: ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرع، والحق أنَّ المعتزلة فسقة لا كفار، كما دل عليه هذا الحديث وغيره.\nوفي الحديث: قبول توبة الكافر سواء كان كفرًا ظاهرًا أو باطنًا.\nوزعم ابن المنيِّر أن في الحديث: دليل على قتل تارك الصلاة، وذكره القسطلاني عنه وطول كلامه، وكلاهما غير ظاهر، والحديث لا يدل على ما قاله؛ لأنَّ قوله: «فإذا قالوها وصلوا صلاتنا؛ حرمت دماؤهم» شرط، ومفهومه: أنَّهم إذا قالوها وامتنعوا من الصلاة كسلًا أو نحوه مع اعتقادهم فرضيتها عليهم، كذلك تحرم دماؤهم، أمَّا إذا جَحَدُوا فرضيتها أو لم يفعلوها استخفافًا؛ فحينئذ لم تحرم دماؤهم، لأنَّه ﵇ قد رتب استصحاب سقوط العصمة على ترك الإقرار بفرضيتها لا على تركها، يدل عليه أن الذبيحة لا يقتل تاركها إجماعًا، فكذا هذا، وقولهم: إن الإجماع أخرج الذبيحة فقط؛ مردود، فإنه تخصيص بلا مخصص وترجيح بلا مرجح، فإن النبيَّ الأعظم ﵇ قد جعل هذه الثلاثة أعلى أركان الدين، ولم يفصل بينها بشيء، فعلم منه أنها سواء في الحكم، فثبت بذلك أن تارك الصلاة كسلًا لا يقتل؛ فليحفظ، وهو الصواب، وقد سبق هذا الحديث في باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة)، ومر الكلام عليه مستوفًى.\n\n <span id=\"b-٦٦٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-663>[حديث: من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا </span>وصلى صلاتنا وأكل]\n٣٩٣ - (قال) أي: المؤلف: (وَقَالَ) بالواو (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ): هو المديني: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ)؛ بالمثلثة: هو البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ)؛ بضم الحاء المهملة: هو الطويل التابعي (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ)؛ بفتح الميم الأولى وضم الثانية بينهما تحتية ساكنة (بنُ سِيَاهٍ)؛ بكسر السين المهملة في آخره هاء (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ): هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا معلق وموقوف، أمَّا التعليق؛ فقوله: «قال: قال علي بن عبد الله»، ففاعل «قال» الأول: هو البخاري، وفاعل «قال» الثاني: ظاهر وهو شيخه علي ابن المديني، وأمَّا الوقف؛ فإن أنسًا لم يرفعه) انتهى.\n (قَالَ)؛ أي: ميمون لأنس، ولأبوي ذر والوقت: (فقال)، وسقطت هذه الكلمة عند الأصيلي: (يَا بَا حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، أصله: يا أبا حمزة، فحذفت الهمزة للتخفيف، وأبو حمزة كنية أنس بن مالك؛ (وَمَا يُحَرِّمُ)؛ بالتشديد من التحريم، وكلمة (ما): استفهامية، وهو بواو العطف على شيء محذوف، كأنه سأل عن شيء قبل هذا، ثم قال: (وما يحرم)، ولم تقع الواو في رواية الأصيلي وكريمة، قاله إمام الشَّارحين.\nوقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر؛ حيث زعم أن الواو استئنافية.\nورده إمام الشَّارحين (فقال: الاستئناف كلام مبتدأ، وحينئذ لا يبقى مقول لـ «قال»، فيحتاج إلى تقدير) انتهى.\nقلت: والقاعدة: أنه إذا اجتمع التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين، على أن الكلام متعلق بما قبله؛ فلا وجه لجعله استئنافًا؛ فافهم\n (دَمَ الْعَبْدِ) أي: الرجل المسلم (وَمَالَهُ؟)؛ يعني: ما يدخل دم المسلم وماله في العصمة حتى لا يجوز التعرض له بسوء بغير حق، وإنما وصف المسلم بالعبودية؛ لأنها أشرف المقامات، ولهذا اختارها تعالى لنبيِّه الأعظم ﷺ؛ حيث قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]؛ فافهم.\n (فَقَالَ) أي: أنس بن مالك لميمون: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وحده لا شريك له، في ألوهيته بذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بأن أقر بذلك وصدق، (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) أي: طلب التوجه لقبلتنا؛ وهي الكعبة، (وَصَلَّى صَلَاتَنَا) أي: بالركوع والسجود والقعود، (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا)؛ أي: المذبوحة بأيدي المسلمين، فإن اليهود لا تأكل ذبيحة المسلمين؛ (فَهُوَ الْمُسْلِمُ) حقًّا فيحرم دمه وماله إلا بحق؛ يعني: من فعل هؤلاء الثلاثة؛ فهو معصوم الدم والمال إلا بحقها، (لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) أي: من النفع، (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ)؛ أي: من المضرة،","vol":"1","page":260},{"text":"والتقديم يفيد الحصر؛ أي: له ذلك لا لغيره، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: (فإن قلت: الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، والسؤال هنا عن سبب التحريم، فالجواب كيف يطابقه؟\nقلت: المطابقة ظاهرة؛ لأنَّ قوله: «من شهد...» إلى آخره: هو الجواب وزيادة؛ لأنَّه لما ذكر الشهادة وما عطف عليها؛ علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إلا بحقه) انتهى.\nقلت: وأمَّا طائفة الدروز المشهورين بديارنا الشريفة الشامية المعتقدين الحلول والتناسخ؛ فأفتى الإمام المحقق شيخ الإسلام حامد أفندي العمادي بإباحة دمهم ومالهم، واسترقاق نسائهم وذراريهم، وبذلك أفتى جدي الإمام النحرير شيخ الإسلام زين الدين أفندي بن سلطان الحنفي، وتبعه جماعة من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقد رأيت فتوى بذلك عليها خطوطهم التمسها الوزير الأعظم حين دخل الشام وعصوا عليه، فقاتلهم وانتصر عليهم، وإلى الآن أشرارهم قائمة، وفتنهم دائمة، اللهم؛ أهلكهم ولا تبق (^١) لهم أثرًا برحمتك يا أرحم الراحمين.\n٣٩٣ - (وقال ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم المصري: (أخبرنا يحيى) زاد الأربعة: (ابن أيوب الغافقي): هو المصري (قال: حدثنا حُميد)؛ بضم الحاء المهملة: هو الطويل التابعي، ولابن عساكر: (وقال محمد)؛ أي: المؤلف: (قال ابن أبي مريم: حدثني)؛ بالإفراد (حميد) (قال: حدثنا أنس): هو ابن مالك الأنصاري ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ).\nقال إمام الشَّارحين: (هذا أيضًا معلق، وقد وصله أبو نعيم، وفي هذا فائدة: وهي تصريح حميد بسماعه إياه من أنس، لكن طعن فيه الإسماعيلي، وقال: الحديث حديث ميمون، وإنما سمعه حميد منه، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله: «عن حميد: حدثنا أنس»، ويدل على ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد بن البحتري: حدثنا عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي، عن حميد، عن ميمون قال: سألت أنسًا...؛ الحديث) انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (رواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدًا لم يسمعه من أنس؛ لأنَّه يجوز أن يكون سمعه من أنس، ثم استثبته فيه من ميمون، فكأنه تارة يحدث به عن أنس؛ لأجل العلوِّ، وتارة عن ميمون؛ للاستثبات، وقد جرى عادة حميد وغيره بهذا الطريق.\nفإن قلت: جاء عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وجاء عن ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم»، وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب، فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟\nقلت: إنَّما اختلفت هذه الألفاظ وزادت ونقصت؛ لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئًا فشيئًا، فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في حينه، فصار كل منها في زمانه شرطًا لحقن الدم وحرمة المال، ولا منافاة بين الروايات ولا اختلاف) انتهى.\nقلت: وقد قدمنا أن حديث أبي هريرة محمول على أنه ﵇ قاله وقت قتاله للمشركين، وحديث ابن عمر محمول على أهل الكتاب المقرين بالتوحيد، الجاحدين لنبوة النبيِّ الأعظم ﷺ، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على من دخل في الإسلام، ولم يعمل الصالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيقاتل حتى يذعن لذلك؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٦٤\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-664>[باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق]</span>\nهذا (باب) حكم (قِبلة) بكسر القاف (أهل المدينة) أي: النبوية (وأهل الشام) أي: الكنانة (و) قبلة أهل (المشرق)؛ يعني: وأهل المغرب، وإنما لم يذكر المغرب بعده مع أنَّ العلة فيهما مشتركة؛ لأنَّه قد اكتفى بذكر المشرق عن المغرب؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد، وإنما خص المشرق بالذكر دون المغرب؛ لأنَّ أكثر بلاد الإسلام في جهة المشرق، ولما ذكر المؤلف هذا؛ كأن سائلًا سأله، فقال: كيف قبلة هؤلاء في تلك المواضع؟ فقال: (ليس في المشرق ولا في المغرب قِبلة)؛ يعني: ليس في التشريق ولا في التغريب في المدينة والشام ومن يلحق بهم ممن على سمتهم قِبلة، فأطلق المشرق والمغرب على التشريق والتغريب، والجملة استئنافية من فقه المؤلف جواب عن سؤال، كما سبق.\nقال إمام الشَّارحين: وهذا الموضع يحتاج إلى تحرير قوي، فإن أكثر من تصدى لشرحه لم يغن شيئًا، بل بعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فنقول وبالله التوفيق: إن قوله: (باب) إما أن يضاف إلى ما بعده، أو يقطع عنه، وإن لفظة (قِبلة) بعد قوله: (ولا في المغرب) إما أن تكون موجودة أو لا، ولكل واحد من ذلك وجه، ففي القطع وعدم وجود لفظة (قبلة) يكون لفظ (^٢) (باب) منونًا على تقدير: هذا باب، وهي رواية الأربعة، ويجوز أن يكون ساكنًا مثل تعداد الأسماء؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، ويكون قوله: (قبلة أهل المدينة) الذي هو كلام إضافي: مبتدأ، وقوله: (وأهل الشام)؛ بالجر عطفًا على المضاف إليه، وكذلك قوله: (والمشرق)؛ بالجر، وقوله: (ليس في المشرق): خبر المبتدأ، لكن لا بد فيه من تقديرين؛ أحدهما: أن يقدر لفظ (قبلة) الذي هو المبتدأ بلفظ (مستقبل أهل الشام)؛ لوجوب التطابق بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث، والثاني: أن يؤول لفظ (المشرق) بالتشريق، ولفظ (المغرب) بالتغريب، والعرب تطلق المشرق والمغرب لمعنى التشريق والتغريب، قاله ثعلب، وأما في الإضافة، وتقدير وجود لفظة: (قبلة) بعد قوله: (ولا في المغرب)؛ [فتقديره: هذا باب في بيان قبلة أهل المدينة وقبلة أهل الشام وقبلة أهل المشرق]، وهي رواية الأكثرين؛ فلهذا ترك العاطف، والجملة استئنافية، وهي في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه لما قال: (باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق)؛ انتصب سائل، فقال: كيف قبلة هذه المواضع؟ فقال: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، انتهى.\nقلت: وأراد بقوله: (بعضهم): ابن حجر، فإنه في هذا الموضع قد ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء، وقال: ولا يدري ما يقول من انتهاء الجهالة إليه، فعرِّج عن كلامه؛ تفز بالمقصود، والله أعلم.\nوقال السفاقسي: (يريد: أن قبلة هؤلاء المسمين ليست في المشرق منهم ولا في المغرب؛ بدليل أنه ﵇ أباح لهم قضاء الحاجة في جهة المشرق منهم والمغرب).\nورده إمام الشَّارحين فقال: (ليس هذا معناه، وإنما معناه: القبلة ما بين المشرق والمغرب؛ لما روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»)، ثم قال: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ: «ما بين المشرق والمغرب\n_________\n(^١) في الأصل: (ولا تبقي)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (لفظة)، والمثبت هو الصواب، كذا في الموضع اللاحق.","vol":"1","page":261},{"text":"قبلة»؛ منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وقال عبد الله بن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك؛ فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة، وقوله ﵇: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» ليس عامًّا في سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة المنورة وما وافق قبلتها) انتهى.\nوقال البيهقي: (والمراد: أهل المدينة ومن كانت قبلته على سمت أهل المدينة).\nوقال أحمد بن خالد الوهبي: (قول عمر بن الخطاب ﵁: ما بين المشرق والمغرب قبلة؛ قاله بالمدينة، فمن كانت قبلته قبل قبلة المدينة؛ فهو في سعتها بين المشرق والمغرب، ولسائر البلدان من السعة في القبلة قبل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو ذلك).\nوقال ابن بطال: (وتفسير هذه الترجمة؛ يعني: وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط؛ لأنَّهم إذا شرقوا أو غربوا؛ لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها)، قال: (وأمَّا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي يكون الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها؛ فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنَّهم إذا شرقوا؛ استدبروا القبلة، وإذا غربوا؛ استقبلوا القبلة، وكذلك من كان موازيًا لمغرب مكة، إن غرب؛ استدبر القبلة، وإن شرق؛ استقبل القبلة، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، فهذا هو تغريبه وتشريقه)، قال: (وتقدير الترجمة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق والمغرب ليس في التشريق ولا في التغريب؛ يعني: أنَّهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها) انتهى.\nقلت: وما ذكره إمام الشَّارحين من تقدير (قبلة) بلفظ (مستقبل) لا بد منه؛ لأنَّ التطابق في التذكير والتأنيث بين المبتدأ والخبر واجب، والمشرق بالتشريق، والمغرب بالتغريب؛ يعني: هذا بابٌ -بالتنوين- مستقبل أهل المدينة وأهل الشام ليس في التشريق ولا في التغريب، وقد سقطت التاء من (ليس)، فلا تطابق بينه وبين (قبلة)، فلهذا أول بـ (مستقبل)؛ ليتطابقا تذكيرًا.\nوقال القاضي عياض: (والمشرقُ)؛ بضم القاف: رواية الأكثرين عطفًا على (باب)؛ يعني: وباب حكم المشرق، ثم حذف من الثاني (باب) و(حكم)، وأقيم (المشرق) مقام الأول، وتبعه الزركشي قائلًا: (وهو الصواب)، واعترضه الدماميني، فزعم أن إثبات (قبلة لأهل المشرق) في الجملة لا إشكال فيه؛ لأنَّهم لا بد لهم أن يصلوا إلى الكعبة، فلهم قبلة يستقبلونها قطعًا، وإنما الإشكال لو جعل المشرق نفسه قبلة مع استدبار الكعبة، وليس في جر (المشرق) ما يقتضي أن يكون المشرق نفسه قبلة، وكيف يتوهم هذا، والمؤلف قد ألصق بهذا الكلام قوله: (ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة؟) انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فإن تقدير: باب حكم المشرق؛ له وجه وجيه؛ لأنَّ من كان مقابل مشرق مكة من البلاد التي يكون الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها؛ لا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنَّهم إذا شرقوا؛ استدبروا القبلة، وإن غربوا؛ استقبلوها... إلى آخر ما قاله ابن بطال المتقدم.\nوعلى هذا؛ يكون كلام المؤلف في هذه الترجمة مبنيًّا (^١) على أحكام؛ أحدها: حكم قبلة أهل المدينة والشام، والثاني: حكم قبلة أهل المشرق والمغرب، والثالث: بيان أن ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، فإنَّ عادة المؤلف أخذ أحكام من الأحاديث ووضعها ترجمة، فالحكم الثالث ليس على إطلاقه كما فهمه الدماميني؛ فافهم.\n (لقول النبيِّ) الأعظم (ﷺ) فيما وصله النسائي، وكذا المؤلف في الباب وغيره عن أبي أيوب الأنصاري: أنه ﵇ قال: (لا تستقبلوا القِبلة) بكسر القاف؛ أي: لا تطلبوا التوجه بوجوهكم إلى الكعبة (بغائط): الباء للسببية؛ أي: بسبب وجود الغائط؛ وهو اسم لما اطمأن من الأرض، والمراد به: قضاء الحاجة، (أو بول) زاد في رواية مسلم: «ولا تستدبروها ببول أو غائط»، والظاهر منه اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره إكرام القبلة وتعظيمها عن المواجهة بالنجاسة، وقيل: مثار النهي كشف العورة، وعليه فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة؛ كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاش من المالكية قولًا في مذهبهم مستدلًّا برواية في «الموطأ»: «لا تستقبلوا القبلة بفروجكم»، ولا دليل فيه؛ لأنَّها محمولة على حالة قضاء الحاجة جمعًا بين الراويتين على أنه المراد من الحديث: هو تعظيم القبلة عن المواجهة بالنجاسة، فإذا وطئ أو استنجى مواجهًا للقبلة؛ لا يكره؛ لأنَّه في الأول لم يكن عليه نجاسة حقيقية، وفي الثاني\n_________\n(^١) في الأصل: (مبني)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":261},{"text":"قد أزال النجاسة، وكل منهما طاعة مطلوبة مرغوبة، فليس في استقبال القبلة في ذلك خلل في تعظيم القبلة؛ فليحفظ.\n (ولكن شرقوا أو غربوا)؛ يعني: خذوا في ناحية المشرق أو ناحية المغرب، وفيه: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو لأهل المدينة والشام، ومن كانت قبلتهم على سمتهم، أمَّا من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب؛ فإنه ينحرف إلى جهة الجنوب أو الشمال، ثم إنَّ هذا الحديث يدل على عموم النهي في الصحراء والبنيان، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه، وبه قال أحمد في رواية، وهو قول إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، ومجاهد، وغيرهم؛ لأنَّ المقصود من النهي عدم تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحراء والبنيان، فإن الحائل كما أنه موجود في البنيان كذلك هو موجود في الصحراء؛ كالجبال والأودية، فإنه ليس لأحد أن يدعي نظره للقبلة إذا وقف في الصحراء؛ فليحفظ.\nواحتج البخاري بعموم هذا الحديث، وسوَّى بين الصحارى والأبنية، وجعله دليلًا للترجمة التي وضعها أول الباب، واعترض عليه بأن في حديث أبي داود والمؤلف [ما] يدل على عكس ما أراده، وذلك لأنَّ أبا أيوب قال في حديثه: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، لكنا ننحرف عنها، ونستغفر الله)، ورده إمام الشَّارحين فقال: لا يرد على البخاري هذا أصلًا؛ لأنَّ المنع كان لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحراء والبنيان، ولهذا قال أبو أيوب: (لكنا ننحرف، ونستغفر الله ﷿) انتهى.\nوذهب عروة بن الزبير، وربيعة الرأي، وداود إلى جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا؛ لحديث جابر بن عبد الله عند أبي داود، والترمذي، وأبناء ماجه وخزيمة وحبان: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)، ولا دليل في هذا الحديث لهم؛ لأنَّه يحتمل أنه رأى في الصحراء في مهب ريح بأن كانت الريح تهب على يمين القبلة أو شمالها، فإنَّهما لا يحرمان للضرورة، ويدل عليه حديث ابن عمر: (فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته)، وهذا يرد على من قال بالجواز مطلقًا.\nوزعم المالكية والشافعية أنه لا يحرم الاستقبال في البنيان، ويحرم في الصحراء؛ لحديث ابن عمر المذكور، وردَّ: بأنه لا دليل فيه على ذلك؛ لأنَّه ﵇ جلس على لبنتين لأجل أن يرتفع بهما عن الأرض؛ بدليل كونه على ظهر بيت، وما كان كذلك يحتاج إلى شيء يرتفع عليه لقضاء الحاجة، على أنه يشترط عند الشافعية أن يكون الساتر نحو ذراع، واللبنتان لا يبلغان ذراعًا، فاستدلالهم غير صحيح، والصواب حديث الباب الدال على عموم عدم الجواز مطلقًا، وقد سبق هذا الحديث في (الوضوء)، ومر الكلام عليه مستوفًى؛ فليحفظ، وهو حجة على الشافعي، وزعم القسطلاني أنه يحمل حديث الباب على الصحراء.\nقلت: وهذا الحمل غير صحيح، فإن الحديث صريح في عدم الجواز مطلقًا، فكيف يحمل على هذا، وما هذا إلا تناقض؛ فافهم، وقد سبق الكلام عليه مستوفًى في كتاب (الوضوء).\n\n <span id=\"b-٦٦٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-665>[حديث: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها]</span>\n٣٩٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو المديني (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة المكي (قال: حدثنا الزهري): هو محمد بن مسلم ابن شهاب، (عن عطاء بن يزيد): من الزيادة، زاد في رواية أبوي ذر والوقت: (الليثي)؛ بالمثلثة: هو الجندعي المدني التابعي، (عن أبي أيوب): هو خالد بن زيد بن كليب (الأنصاري) ﵁، كان من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبيُّ الأعظم ﷺ حين قدم المدينة عليه ﵁، وتوفي غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين، ودفن بالقسطنطينية، وبنى عليه قبة السلطان محمد الفاتح العثماني، ومسجدًا (^١) يزار ويتبرك به، وهو جدي وسيدي وسندي، وعقد واسطتي بيني وبين جدي النبيِّ الأعظم ﷺ، وهو بيني وبين رب العزة ﷻ، وتقدست أسماؤه وصفاته بالغفران والعفو والدخول في الجنان: (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ قال: إذا أتيتم) أي: جئتم (الغائط): هو اسم للأرض المطمئنة، والمراد به: قضاء الحاجة؛ (فلا تستقبلوا القِبلة)؛ بكسر القاف؛ أي: لا تطلبوا التوجه للكعبة عند قضاء الحاجة، (ولا تستدبروها)؛ تعظيمًا لها، واحترامًا لشأنها؛ لأنَّه تعالى خصها بالتوجه لها حال العبادة، وبالنظر إليها عبادة أيضًا، فلا يتوجه إليها حال نزول الأنجاس والأقذار، وظاهره اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة أو بكشف العورة، قدمنا أن في ذلك خلافًا مبنيًّا (^٢) على جواز الوطء والاستنجاء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علل بالأول؛ أباح، ومن علل بالثاني؛ منع، والصواب: الإباحة؛ فافهم.\n (ولكن شرقوا أو غربوا)؛ أي: خذوا في ناحية المشرق أو ناحية المغرب، وفيه: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو مخصوص بأهل المدينة؛ لأنَّهم المخاطبون، ويلحق بهم من كانت قبلتهم على سمتهم ممن إذا استقبل المشرق والمغرب؛ لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها، أمَّا من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب؛ فإنه ينحرف إلى جهة الجنوب أو الشمال؛ فافهم.\n (قال أبو أيوب) هو جدي الأنصاري: (فقدِمنا) بكسر الدال المهملة (الشام): هي تذكر وتؤنث، على وزن (فعال)، سميت شامًا؛ لشامات لها؛ يعني: اختلاف أرضها في الألوان، يقال: فلان في قومه شامة؛ إذا كان له مزية عليهم بالكرم، أو بالحلم، أو بالشجاعة، وكذلك الشام، فإن لها مزية زائدة على غيرها؛ لقوله تعالى: (الشام كنانتي من أراد لها بسوء؛ ضريته بسهم منها)، وقوله ﵇ لعبد الله بن حوالة: «عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، وإن الله تكفل لي بالشام وأهله»، قال الراوي أبو إدريس: ومن تكفل الله به؛ فلا ضيعة عليه، وقال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، قال المفسرون: ﴿التِّينِ﴾: مسجد دمشق، وقال تعالى: ﴿أَن بُورِكَ\n_________\n(^١) في الأصل: (مسجد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (خلاف مبني)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":262},{"text":"مَن فِي النَّارِ...﴾؛ الآية [النحل: ٨]، قال صاحب «الكشاف»: (هي أرض الشام، جعلها الله بالبركات موسومة، وبالفضائل موصوفة، وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، وحقت أن تكون كذلك؛ لأنَّها مبعث الأنبياء ﵈، ومهبط الوحي إليهم وكفايتهم أحياء وأمواتًا، وما من نبي إلا منها، أو هاجر إليها)، وقال علي الصديق الأصغر: (طوبى لمن له فيها مسكنًا)، وتمامه في «محاسن الشام».\nوقال إمام الشَّارحين: (الشام: هو الإقليم المشهور، يذكر ويؤنث، ويقال مهموزًا ومسهلًا، وسميت بسام بن نوح ﵇؛ لأنَّه أول من نزلها، فجعلت السين شينًا معجمة؛ تفسيرًا للفظ الأعجمي، وقيل: سميت بذلك؛ لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، فشبهت بالشامات) انتهى.\n (فوجدنا مَراحِيض)؛ بفتح الميم، وكسر الحاء المهملة، والضاد المعجمة، جمع مِرحاض؛ بكسر الميم: وهو البيت (بُنيت)؛ بضم الموحدة أوله، واتخذت لأجل قضاء الحاجة للإنسان؛ أي: التغوط (قِبَل) بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: مقابل (القِبلة)؛ بكسر القاف؛ أي: الكعبة، وكان أهل المدينة يتغوطون في البساتين رجالًا ونساءً، فلما بنيت في الشام المراحيض ورآها أبو أيوب ﵁ حين هاجر إليها وبعد مسيره للمدينة؛ أخبر الصحابة بذلك، فاستحسنوها وبنوا مثلها، فهي بدعة حسنة، يدل عليه ما ذكره المؤلف في باب (خروج النساء إلى البراز)، عن عائشة قالت: (إن أزواج النبيِّ الأعظم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصيع -وهو صعيد أفيح- فكان عمر يقول للنبيِّ الأعظم ﷺ: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﵇ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبيِّ الأعظم ﵇ ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب)، وإنما كن يخرجن لحاجتهن للضرورة من عدم وجود الأخلية في البيوت، فلما اتخذت الكنف فيها؛ منعهن النبيُّ الأعظم ﵇ من الخروج إلا لضرورة شرعية.\nوفي حديث ابن عمر في باب (التبرز في البيوت): (أنه ﵇ كان يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام)، وفي رواية: (مستقبلًا بيت المقدس)، وكل هذه الأحاديث إنَّما وقعت باختلاف الأزمان والأحوال، وإنما المراد على عموم حديث أبي أيوب ﵁، فإنها لا تصلح أن تكون مخصصة له؛ لأنَّ أبا أيوب لم يلتفت إليها، ولم يحتج بها، بل اقتصر على حديثه؛ لكونه أرجح وأثبت؛ فليحفظ.\n (فننحرف)؛ أي: عن جهة القبلة، من الانحراف، وفي رواية: (فنتحرَّف)، من التحرف؛ بتشديد الراء، (ونستغفر الله تعالى)؛ أي: من الاستقبال أو لمن بناها، فإن الاستغفار للمذنبين سنة، وإنما استغفرَ الله تعالى لنفسه لا للناس؛ حيث إنه حين أراد قضاء الحاجة ورأى هذه المراحيض قِبل القبلة وهي منهيٌّ عنها؛ لأنَّ أبا أيوب كان لم ير (^١) حديث ابن عمر مخصصًا، وحمل ما رواه هو على العموم، فهذا الاستغفار كان لنفسه لا للناس.\nفإن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة فيه إلى الاستغفار.\nقلت: أهل الورع والمناصب العالية في التقوى يفعلون مثل هذا؛ بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداء، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن أبا أيوب قضى بعض حاجته قِبَل القِبلة ناسيًا، فلما تذكر؛ انحرف عنها، ثم استغفر الله تعالى، ولهذا قال أئمتنا الأعلام: وإذا جلس مستقبلًا ناسيًا فتذكر؛ يستحب له أن ينحرف بقدر ما يمكن؛ لما أخرجه الطبراني مرفوعًا: «من جلس يبول قبالة القبلة، فانحرف عنها إجلالًا لها؛ لم يقم من مجلسه حتى يغفر له»، ويكره إمساك الصبي نحو القبلة ببول، انتهى؛ فافهم.\nوزعم القسطلاني أن أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر.\nقلت: وهو غير صحيح، فإن مثل هذا الصحابي الجليل لا يقال فيه هكذا، وإنما أبو أيوب لم يره مخصصًا، بل جعله من اختلاف الوقائع والأزمان والأحوال، ولا منافاة، وقد يقال: إن ما رواه أبو أيوب ناسخ لما رواه ابن عمر وغيره؛ لأنَّه عام ليس بمخصوص ومتأخر عنه، ويدل عليه عموم قوله ﵇: «فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها...»؛ الحديث، فإنه عام وأرجح من حديث ابن عمر وأثبت، وعليه العمل في كثير من الأمصار، وهو الصواب.\n (وعن الزهري) عطف على قوله: (حدثنا سفيان، عن الزهري)؛ يعني: بالإسناد المذكور أيضًا، (عن عطاء): هو ابن يزيد الليثي (قال: سمعت أبا أيوب) أي: الأنصاري ﵁، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ مثلَه)؛ بالنصب؛ أي: مثل الحديث السابق، وفائدة ذكره مكررًا: أن في الطريق الأول عنعن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب، وفي هذا الطريق صرح عطاء بالسماع عن أبي أيوب، والسماع أقوى من العنعنة، وقال الكرماني: السماع أقوى من العنعنة، وهي أقوى من (أنَّ)، لكن فيه ضعف من جهة التعليق عن الزهري.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا هو الظاهر، ولكن الحديث بهذا الطريق مسند في «مسند إسحاق ابن راهويه»: عن سفيان... إلى آخره) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٦٦\"> </span>(٣٠) <span data-type=\"title\" id=toc-666>[باب قول الله تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾]</span>\nهذا (باب قول الله تعالى) وفي رواية: (قوله تعالى)، وإنما بوب بهذه الآية الكريمة؛ لأنَّ فيها بيان القبلة، وهذا وجه المناسبة في ذكر هذا الباب بين هذه الأبواب المذكورة هنا المتعلقة بالقبلة وأحكامها: (﴿وَاتَّخِذُوا﴾) [البقرة: ١٢٥]؛ بكسر الخاء المعجمة، بلفظ الأمر على القراءة المشهورة، وهو على إرادة القول؛ يعني: وقلنا لهم اتخِذوا، وهذا الأمر هو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، وقرأ نافع وابن عامر: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾؛ بفتح الخاء، بلفظ الماضي عطفًا على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ (^٢) جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا واتخَذوا﴾، كذا في «عمدة القاري» (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾): هو خليل الرحمن، وأبو الأنبياء عليه وعليهم السلام.\nواختلف المفسرون في المراد بالـ (مقام) ما هو؟ فروى ابن أبي حاتم عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄:\n_________\n(^١) في الأصل: (يرى)، وليس بصحيح.\n (^٢) ﴿إذ﴾ سقط من الأصل.","vol":"1","page":262},{"text":"أنه قال: ﴿مقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: الحرم كله، وروي مثله عن مجاهد وعطاء، وقال السدي: (المقام: هو الحجر الذي وضعت (^١) زوجة إسماعيل قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه)، وحكاه الرازي في «تفسيره» عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، وضعفه القرطبي، ورجح غيره، وهو ليس بشيء؛ لأنَّه قول الجمهور، وحكى ابن بطال عن ابن عباس أنه قال: (الحج كله مقام إبراهيم).\nوروى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبي نجيح عنه قال: (هو عرفة، وجمع، ومنى).\nوقال عطاء: (مقام إبراهيم: عرفة، والمزدلفة، والجمار).\nوروى ابن أبي حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: سمع جابرًا يحدث عن حجة النبيِّ الأعظم ﷺ قال: (لما طاف النبيُّ الأعظم؛ قال له عمر بن الخطاب: هذا مقام أبينا إبراهيم ﵇؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتخذه مصلًّى؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا...﴾؛ الآية).\nوروى عثمان ابن أبي شيبة عن أبي ميسرة قال: (قال عمر: قلت: يا رسول الله؛ هذا مقام خليل ربنا؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتخذه مصلًّى؟ فنزلت).\nوروى ابن مزدويه عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب: (أنه مر بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله؛ أليس نقوم مقام خليل الله؟ قال: «بلى»، قال: أفلا نتخذه مصلًّى؟ فلم نلبث إلا يسيرًا حتى نزلت)، كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (﴿مُصَلًّى﴾) [البقرة: ١٢٥]؛ أي: مدعى يدعى عنده، مأخوذ من صليت؛ بمعنى: دعوت، قاله مجاهد، وقال الحسن: قبلة، وقال السدي وقتادة: أمروا أن يصلوا عنده، وقال الإمام الزمخشري في «تفسيره»: (موضع صلاة يصلون فيه)، وتبعه البرماوي وغيره.\nقال إمام الشَّارحين: (ولا شك أن من صلى إلى الكعبة من غير الجهات الثلاث التي لا تقابل مقام إبراهيم؛ فقد أدى فرضه، فالفرض إذًا البيت لا المقام، وقد صلى الشَّارع خارجها، وقال: «هذه القبلة»، ولم يستقبل المقام حين صلى داخلها، ثم استقبل المقام، فإن المقام إنَّما يكون قبلة إذا جعله المصلي بينه وبين القبلة) انتهى.\nقلت: وهذا يرجح القول الأول، ويضعف غيره، ويدل عليه أنه جار على المعنى اللغوي؛ فتأمل.\n\n <span id=\"b-٦٦٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-667>[حديث: قدم النبي فطاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام]</span>\n٣٩٥ - ٣٩٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا الحُمَيْدي)؛ بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية: هو عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي أبو بكر المكي، ونسبته إلى بطن من قريش، يقال له: حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة المكي (قال: حدثنا عَمْرو) بفتح العين المهملة، وسكون الميم (بن دينار) هو المكي (قال: سألنا ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄ (عن رجل)؛ يعني: عمن فعل هذا، وليس المراد رجل معين، بل جعله مثلًا لأجل تعلم الحكم فيه (طاف بالبيت) أي: الكعبة (للعمرة)؛ باللام كذا هو رواية الأكثرين؛ أي: لأجل العمرة، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (طاف بالبيت العمرةَ)؛ بحذف اللام، وبالنصب، ولا بد من تقدير اللام؛ لأنَّ المعنى لا يصح بدونه؛ فافهم، أفاده إمام الشَّارحين.\nقلت: ورواية النصب على حذف مضاف؛ أي: طواف العمرة، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.\n (ولم يطف) أي: لم يسع (بين الصفا والمروة): فأطلق الطواف على السعي؛ إما لأنَّ السعي نوع من الطواف، وإما للمشاكلة، ولوقوعه في مصاحبة طواف بالبيت، قاله إمام الشَّارحين، ويجوز في (الصفا والمروة) الصرف وعدمه، فإن أريد المكان؛ انصرف، وإن أريد به العلمية والتأنيث؛ منع؛ لأنَّ (الصفا): اسم امرأة، و(المروة) كذلك، قيل: إنه جلس عليهما امرأة مسماة بهذا الاسم، وقيل: إنَّهما امرأتان مسختا ووضعتا في ذلك المكان؛ لأنَّهما علمان على جبلين بمكة؛ فافهم.\n (أيأتي امرأته): الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستفسار؛ أي: أيجوز له الجماع؛ يعني: أحصل له التحلل من الإحرام قبل السعي بين الصفا والمروة أم لا؟ (فقال)؛ أي: عبد الله بن عمر في الجواب عن ذلك: (قدِم) بكسر الدال المهملة (النبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: مكة إلى الحرم، (فطاف بالبيت)؛ أي: حول الكعبة (سبعًا) أي: سبعة أشواط، (وصلَّى خلف المقام) أي: وراء مقام إبراهيم ﵇ (ركعتين)؛ بالتثنية، وهذا موضع مطابقة الحديث للترجمة، كما لا يخفى، قيل: كان إبراهيم يبني الكعبة، وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البناء وضعف عن رفع الحجارة إليه؛ قام على حجر، فهو مقام إبراهيم، قاله ابن عباس ﵁، (وطاف بين الصفا والمروة)؛ بالصرف وعدمه؛ يعني: سعى، فأطلق الطواف وأراد السعي سبع أشواط، فأجاب ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتباع النبيِّ الأعظم ﷺ، لا سيما في أمر المناسك؛ لقوله ﵇: «خذوا عني مناسككم»، والنبيُّ الأعظم ﷺ لم يتحلل قبل السعي، فيجب التأسِّي به، وهو معنى قوله: (وقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة): والأُسوة؛ بضم الهمزة وكسرها؛ أي: قدوة.\nقال عمرو بن دينار: (وسألنا جابر بن عبد الله)؛ أي: الأنصاري عن هذا الحكم، قال إمام الشَّارحين: (ولا يدخل هذا الحديث في مسند جابر؛ لأنَّه لم يرفعه، وإنما هو من مسند ابن عمر؛ فافهم) انتهى.\n (فقال) أي: جابر في الجواب عن ذلك: (لا يقربنَّها) جملة فعلية مضارعة مؤكدة بالنون الثقيلة، وهذا جواب جابر بن عبد الله بصريح النهي عنه (حتى يطوف)؛ أي: إلى أن يطوف؛ يعني: يسعى (بين الصفا والمروة) وإنما خص إتيان المرأة بالذكر وإن كان الحكم سواء في جميع المحرمات؛ لأنَّ إتيان المرأة من أعظم المحرمات.\nوفي الحديث: أن السعي في العمرة واجب، وهو مذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض عن ابن عباس: أنه أجاز التحلل بعد الطواف وإن لم يسع، وهو ضعيف ومخالف للسنة.\nوفيه: أن الطواف لا بد فيه من سبعة أشواط.\nوفيه: الصلاة ركعتين خلف المقام، فقيل: إنها سنة، وقيل: واجبة، وقيل: تابعة للطواف، فإن كان الطواف سنة؛ فالصلاة سنة، وإن كان واجبًا؛ فالصلاة واجبة، كذا قرره إمام الشَّارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله.\n_________\n(^١) في الأصل: (وضعته)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":263},{"text":"<span id=\"b-٦٦٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-668>[حديث: أصلى النبي في الكعبة]</span>\n٣٩٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُسدد)؛ بضم الميم: هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى): هو ابن سعيد القطان البصري، (عن سَيْف)؛ بفتح السين المهملة، وسكون التحتية، آخره فاء، زاد ابن عساكر في روايته: (يعني: ابن أبي سليمان)، كما في «الفرع»، ويقال: ابن سليمان المخزومي المكي، ثبت صدوق، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة (قال: سمعت مجاهدًا): هو الإمام المفسر المشهور (قال): جملة فعلية محلها النصب، إما على الحال، وإما على أنها مفعول ثان (^١) لـ (سمعت) على قولين مشهورين: (أُتِي) بضم الهمزة على صيغة المجهول (ابن عمر): هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄، (فقيل له): قال إمام الشَّارحين: (لم يعلم اسم هذا القائل): (هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة)؛ أي: لأجل الصلاة فيها، (فقال ابن عمر: فأقبلت)؛ أي: حين قال لي هذا القائل: رسول الله دخل الكعبة؛ بادرت لأرى ما يفعل فيها؟ فأقبلت (والنبيُّ) الأعظم (ﷺ قد خرج)؛ أي: من الكعبة، وكأنه وقع مهلة طويلة بين الكلامين، فلم يدرك ابن عمر النبيَّ الأعظم داخل الكعبة، (وأَجدُ)؛ بفتح الهمزة على صيغة المتكلم وحده، من المضارع، وكان المناسب أن يقول: ووجدت، بعد قوله: (فأقبلت)، لكنه عدل عن الماضي إلى المضارع حكاية عن الحال الماضية، واستحقارًا لتلك الصورة، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني: حتى كأن المخاطب يشاهد هذه الصورة.\n (بلالًا): هو المؤذن الصحابي الجليل، وهو منصوب؛ لأنَّه مفعول (أجد)، وقوله: (قائمًا) منصوب؛ لأنَّه حال من (بلال) (بين البابين)؛ أي: مصراعي الباب؛ لأنَّ الكعبة لم يكن لها حينئذٍ إلا باب واحد، وأطلق ذلك باعتبار ما كان من البابين لها زمن إبراهيم الخليل ﵇، أو أنه كان في زمان رواية الراوي لها بابان؛ لأنَّ ابن الزبير ﵁ جعل لها بابين، قاله الكرماني، وارتضاه الشَّارح.\nوزعم ابن حجر (بين البابين)؛ أي: المصراعين، وحمله الكرماني على حقيقة التثنية، وقال: أراد بالباب الثاني: الباب الذي لم تفتحه قريش حين بنت الكعبة، وهذا يلزم منه أن يكون ابن عمر وجد بلالًا في وسط الكعبة، وفيه بعد.\nقلت: فلقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر حتى زعم هذا الكلام، ولهذا ردَّه إمام الشَّارحين، فقال: الكرماني فسر قوله: (بين البابين) بثلاثة أوجه، فأخذ هذا القائل الوجه الأول من تفسيره، ولم يعزه إليه، ثم نسبه لنفسه، ونسب إليه ما لم تشهد به عبارته؛ لأنَّ عبارة الكرماني ما ذكرناه.\nوقوله: (وهذا يلزم منه...) إلى آخره: ممنوع، فإن هذه الملازمة ممنوعة؛ لأنَّ عبارة الكرماني لا تقتضي ذلك.\nوقوله: (وفيه بُعد): ممنوع، وليس فيه بُعد، بل البُعد في الذي اختاره من التفسير، وهو ظاهر لا يخفى، وفي رواية الحموي: (وأجد بلالًا قائمًا بين الناس)؛ بالنون والسين بدل (البابين) انتهى كلامه.\nقلت: وكلام ابن حجر ليس بشيء؛ لأنَّ الملازمة المذكورة ممنوعة كما يعلم من عبارته، وليس فيه بُعد؛ لأنَّه ما المانع من أن يكون وجد بلالًا داخل الكعبة واقفًا بين مصراعي الباب؟ ولا مانع منه، بل هو ظاهر كلام ابن عمر؛ فافهم.\n (فسألت بلالًا)؛ أي: المؤذن (فقلت) أي: لبلال: (أصلَّى)؛ بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر والأصيلي: (صلى)؛ بإسقاطها (النبيُّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ في الكعبة؟)؛ يعني: داخل البيت؛ لأنَّ كلمة (في) للظرفية، (قال) أي: بلال: (نعم؛ ركعتين)؛ أي: نعم؛ صلى ركعتين (بين الساريتين)؛ بالسين المهملة، تنثية سارية؛ وهي الأُسطوانة، وجامع هذه الأوراق منسوب إلى بلدة أسطوان؛ لأنَّ أصله منها، وسمي جدي بالأسطواني؛ لأنَّه كان كالسارية في العلم، وإنما هو أنصاري من ذرية أبي أيوب الأنصاري، وحسيني من ذرية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، كما بينت ذلك في كتاب سميته: «إنجاء الغريق المخزون»؛ فارجع إليه، فإنه نفيس جدًّا، والله أعلم.\n (اللتين على يساره) الضمير فيه يرجع إلى الداخل بقرينة قوله: (إذا دخلت) ولأبي ذر عن الكشميهني: (يسارك)؛ بالكاف، وهذا هو المناسب، أو كان يقول: إذا دخل، ووجه الأول أن يكون من الالتفات، أو يكون الضمير فيه عائدًا إلى البيت، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (ثم خرج)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ من البيت (فصلى) أيضًا (في وجه الكعبة)؛ أي: مواجه باب الكعبة؛ وهو مقام إبراهيم ﵇، أو يكون المعنى: في جهة الكعبة، فيكون أعم من جهة الباب (ركعتين) مقول قوله: (صلى)، ومطابقته للترجمة في قوله: (فصلى في وجه الكعبة)؛ أي: مواجه باب الكعبة؛ وهو مقام إبراهيم ﵇، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (وفي الحديث: جواز الدخول في البيت)، وفي «المغني»: ويستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما فعل النبيُّ الأعظم ﷺ، ولا يدخل البيت بنعليه، ولا خفيه، ولا يدخل الحجر أيضًا؛ لأنَّ الحجر من البيت.\nوفيه: استحباب الصلاة بركعتين في البيت؛ فإن بلالًا أخبر في هذا الحديث: أنه ﵇ صلى فيه ركعتين، وزعم النووي أن أهل الحديث أجمعوا على الأخذ به، وأنه بلال؛ لأنَّه مثبت ومعه زيادة علم؛ فوجب ترجيحه، وأمَّا نفي من نفى كأسامة؛ فسببه أنَّهم لما دخلوا البيت، وأغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء؛ فرأى أسامة النبيَّ الأعظم ﷺ يدعو، فاشتغل هو أيضًا بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والرسول ﵇ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه،\n_________\n(^١) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":263},{"text":"ثم صلى ﵇، فرآه بلال؛ لقربه، ولم يره أسامة؛ لبعده مع خفة الصلاة، وإغلاق الباب، واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وقال بعض العلماء: يحتمل أنه ﵇ دخل البيت مرتين، فمرة صلى فيه، ومرة دعا ولم يصل، فلم تتضاد الأخبار، وأيده إمام الشَّارحين بما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس ﵄ قال: (دخل رسول الله ﷺ البيت فصلى بين الساريتين ركعتين، ثم خرج فصلى بين الباب والحجر ركعتين، ثم قال: «هذه القبلة»، ثم دخل مرة أخرى، فقام فيه يدعو، ثم خرج ولم يصل) انتهى.\nقلت: فهذه الرواية تدل على تعدد دخول البيت، كما لا يخفى.\nقال الشَّارح: فإن قلت: روى الطبراني من حديث ابن عباس قال: ما أحب أن أصلي في الكعبة، من صلى فيها؛ فقد ترك شيئًا خلفه، ولكن حدثني أخي: أنَّ رسول الله ﷺ حين دخلها؛ تأخر بين العمودين ساجدًا، ثم قعد فدعا ولم يصل؟\nقلت: هذان نفي وإثبات في روايتين، فرواية الإثبات مقدمة على النفي، كما ذكرنا، وكيف وقد صرح بلال في هذا الحديث المذكور بقوله: (نعم ركعتين).\nفإن قلت: قال الإسماعيلي: المشهور عن ابن عمر من طريق نافع وغيره عنه أنه قال: (ونسيت أن أسأله كم صلى؟)، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها.\nقلت: أجيب: بأن المراد من قوله: (صلى): الصلاة المعهودة، وأقلها ركعتان؛ لأنَّه لم ينقل عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه تنفل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، وأصرح من هذا ما رواه عمر بن شبة (^١) في كتاب «مكة» من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الحديث: (فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول الله ﵇ ههنا؟ فأشار بيده أن صلى ركعتين بالسبابة والوسطى)، فعلى هذا؛ يحمل قوله: (نسيت أن أسأله كم صلى؟) على أنه لم يسأله باللفظ، ولم يجبه، وإنما استبعد (^٢) منه صلاته الركعتين بالإشارة لا بالنطق، وقد قيل: يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى فسأله.\nوزعم ابن حجر أن فيه نظرًا (^٣) من وجهين؛ أحدهما: أن القصة لم تتعدد؛ لأنَّه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معًا، فقال في هذه: (فأقبلت)، ثم قال: (فسألت بلالًا)، وقال في الأخرى: (فبدرت فسألت بلالًا)، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدًا في وقت واحد، وثانيهما: أن راوي قول ابن عمر: (ونسيت): هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكاية النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلًا.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: في نظره نظر من وجوه:\nالأول: أن قوله: (إن القصة لم تتعدد): دعوى بلا برهان، فما المانع من تعددها؟\nوالثاني: أنه علل على ذلك بالفاء؛ لكونها للتعقيب، ولقائل أن يقول له: فلم لا يجوز أن تكون الفاء ههنا بمعنى «ثم»؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وفي ﴿فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ﴾، وفي ﴿فَكَسَوْنَا﴾ [المؤمنون: ١٤] بمعنى (ثم)؛ لتراخي معطوفاتها، وتارة تكون بمعنى (الواو)؛ كما في قوله:\n. . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . بين الدخول فحومل\nولئن سلمنا أنها للتعقيب؛ فهو في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له؛ إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن كانت مدة متطاولة، ودخلت البصرة فبغداد؛ إذا لم يقم في البصرة، ولا بين البلدين.\nوالثالث: أن قوله: (ويبعد مع طول ملازمته...) إلى آخره: غير بعيد، فإن الإنسان مأخوذ من النسيان، انتهى.\nقلت: ولقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر حتى زعم هذا الكلام، وهو ليس بشيء، فإن قوله: (إن القصة لم تتعدد): دعوى نفي، وهي غير مقبولة، ودعوى التعدد إثبات، وهو مقدم على النفي عند المحققين، ويدل للإثبات -أي: إثبات تعدد القصة- ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس الذي قدمناه قريبًا، فإنه صريح في تعدد القصة، وكذلك ما رواه الطبراني، وكأنَّ ابن حجر لم يفهم معناه، فقال ما قال، وما زعمه من قوله: (فدل على أن السؤال كان واحدًا في وقت واحد): ممنوع؛ لأنَّ الفاء ليست للتعقيب عند المحققين، بل هي ههنا بمعنى (ثم) التي للتراخي؛ لأنَّ قوله: (فأقبلت والنبيُّ ﵇ قد خرج) يدل على أنه وقع مهلة ومدة طويلة بين الكلامين، فلم يدرك ابن عمر النبيَّ ﵇ داخل الكعبة، وما ذاك إلا من وجود التراخي؛ فليحفظ.\nفدل ذلك على أن السؤال كان متعددًا، والوقت متعدد؛ فافهم.\nوقوله: (وثانيهما...) إلى آخره: ممنوع أيضًا، وغير بعيد؛ لأنَّ الإنسان محل للنسيان، وما سمي الإنسان به إلا لأنَّه عهد إليه فنسي، وهو ليس بمعصوم من النسيان؛ لأنَّ العصمة لا تكون إلا للأنبياء ﵈ عند المحققين، خلافًا لفرقة ضالة زعمت أنها تكون لغير الأنبياء، وهو باطل، فلله در إمامنا الشَّارح؛ حيث لم يرض بهذا الكلام؛ لأنَّه يمجه كل من له أدنى ذوق في العلم، والله أعلم.\nوقال القاضي عياض: إن قوله: (ركعتين): غلط من يحيى بن سعيد القطان؛ لأنَّ ابن عمر قال: (قد نسيت أن أسأله كم صلى؟)، وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (لم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يغلط، فقد تابعه أبو نعيم عند البخاري والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن علي عند الإسماعيلي، وعبد الله بن نمير عند أحمد عنه؛ كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضًا، فقد تابعه عليه حصيف عن مجاهد عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد والنسائي، وعمرو بن دينار عند أحمد أيضًا باختصار من حديث عثمان بن طلحة عند أحمد\n_________\n(^١) في الأصل: (شبيه)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (استعبد)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (نظر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":264},{"text":"والطبراني بإسناد قوي، ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان قال: (فلما خرج؛ سألت من كان معه، فقالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى) أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان قال: (لقد صلى ركعتين عند العمودين) أخرجه الطبراني بإسناد جيد، فإذا كان الأمر كذلك؛ فكيف يُقْدِم عياض على تغليط حافظ جهبذ من غير تأمل في بابه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.\nولا حجة في هذا الحديث لمن يقول: الأولى في نفل النهار ركعتان؛ لأنَّ هذه الصلاة قد وردت على سبب وهو دخول البيت المعظم؛ لأنَّ عادة النبيِّ الأعظم ﷺ الصلاة في نفل النهار والليل المطلق أربعًا أربعًا (^١)، يدل عليه حديث ابن عباس ﵄ حين بات عند خالته يرقب صلاة النبيِّ الأعظم ﷺ، وفيه: (كان يصلي أربعًا، لا تسأل عن حسنهن وطولهن)، ولهذا قال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: الأفصل في نفل النهار والليل الأربع؛ لهذا الحديث، وهو حجة على الشافعي في قوله: الأفضل في النوافل مثنى مثنى في الليل والنهار، وهو قول مالك، وأحمد، والإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ فافهم.\nوزعم ابن جرير الطبري أنَّ الصلاة في الكعبة فرضًا كانت أو نفلًا غير صحيحة، وهذا الحديث حجة قوية، ومحجة مستقيمة عليه؛ حيث صلى في الكعبة النبيُّ الأعظم ﷺ وصلاته كانت ذات ركوع وسجود، كما دل عليه صريح هذا الحديث، ولهذا قال الإمام الأعظم وأصحابه: يجوز صلاة الفرض والنفل في الكعبة، وبه قال الشافعي، وزعم أصحاب مالك من صلى على ظهر البيت؛ أعاد أبدًا، وقال مالك: لا يُصلَّى فيه الفريضة ولا ركعتا الطواف الواجب، فإن صلى؛ أعاد في الوقت، ويجوز أن يصلي فيه النافلة، والحديث بإطلاقه حجة عليه؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٦٦٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-669>[حديث: لما دخل النبي البيت دعا في نواحيه كلها]</span>\n٣٩٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق ابن نصر): نسبه لجده هنا، وفي غير هذا المحل نسبه لأبيه؛ تفنُّنًا للعلم به، فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السغدي المدني، هكذا وقع منسوبًا في الروايات كلها، وبه جزم الإسماعيلي، وأبو نعيم، وأبو مسعود، وغيرهم، وذكر أبو العباس في «الأطراف»: أن المؤلف أخرجه عن إسحاق غير منسوب، وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في «مستخرجيهما» من طريق إسحاق ابن راهويه، عن عبد الرزاق شيخ إسحاق ابن نصر فيه، بإسناده هذا، فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد، وكذلك رواه مسلم من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج، وهو الأرجح.\nقلت: وهذا يدل على أنَّ هذا الحديث من مراسيل ابن عباس، وأيضًا لم يثبت أن ابن عباس دخل الكعبة مع النبيِّ الأعظم ﷺ، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (قال: حدثنا عبد الرزاق): هو ابن همَّام -بالتشديد- الصنعاني (قال: أخبرنا): وللأصيلي وأبي الوقت: (حدثنا) (ابن جريج): نسبه لجده؛ لشهرته به، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الكوفي، (عن عطاء)؛ بالمد: هو ابن أبي رَباح المكي (قال: سمعت ابن عباس): هو عبد الله حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، وأخرجه مسلم، وفيه قصة، ورواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أسامة، ولم يذكر ابن عباس (قال): جملة فعلية محلها نصب على الحال، أو على أنها مفعول ثان لـ (سمعت) على قولين مشهورين: (لما دخل النبيُّ) الأعظم (ﷺ البيت) أي: الكعبة المشرفة؛ (دعا) الله تعالى (في نواحيه كلها): جمع ناحية؛ وهي الجهة، (ولم يصل) أي: في البيت (حتى) أي: إلى أن (خرج منه) ورواية بلال المثبت صلاته في البيت أرجح من نفي ابن عباس هذا، لا سيما أن ابن عباس لم يدخل، وعلى هذا؛ فيكون مرسلًا؛ لأنَّه أسنده عن غيره ممن دخل مع النبيِّ الأعظم ﷺ الكعبة، فهو مرسل صحابي، (فلما خرج) ﵇ من البيت؛ (ركع) يعني: صلى (ركعتين): فأطلق الجزء وأراد به الكل (في قُبُل الكعبة)؛ بضم القاف والباء الموحدة، وقد تسكن الموحدة؛ أي: مقابلها، وما استقبلك منها؛ وهو وجهها (وقال) ﵇: (هذه)؛ أي: الكعبة هي (القِبْلة)؛ بكسر القاف، وسكون الموحدة؛ معناه: أن أمر القِبلة قد استقر على استقبال هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إليه أبدًا، قاله الخطابي، ويحتمل أن معناه: أنه علمهم سنة موقف الإمام، فإنه يقف في وجهها دون أركانها وجوانبها الثلاثة وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة، ويحتمل أنه دل بهذا القول على أن حكم من شاهد البيت وعاينه خلاف حكم الغائب عنه فيما يلزمه من مواجهته عيانًا دون الاقتصار على الاجتهاد، وذلك فائدة ما قال: «هذه القِبلة» وإن كانوا قد عرفوها قديمًا، وأحاطوا بها علمًا، قاله إمام الشَّارحين، ويحتمل أن معناه: هذه الكعبة هي المسجد الحرام أمرتم باستقباله لا كل الحرم، ولا مكة، ولا المسجد الذي هو حول الكعبة، بل هي الكعبة نفسها فقط، قاله النووي.\nقلت: وكلامه مضطرب الأول والآخر، وكان حقه أن يقول: معناه: هذه القِبلة هي الكعبة نفسها لا غيرها؛ كالحرم ومكة والمسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها الذي استقر الأمر على استقبالها؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: روى البزار من حديث عبد الله بن حبشي (^٢) الخثعمي قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى باب الكعبة، وهو يقول: «أيها الناس؛ إنَّ الباب قبلة البيت».\nقلت: هذا محمول على الندب؛ لقيام الإجماع على جواز استقبال البيت من جميع جهاته كما أشرنا إليه، ووجه التوفيق بين هذه الرواية والتي قبلها قد سبق مستوفًى، والله أعلم) انتهى.\nقلت: وقد تقدم ذلك أول الباب،\n_________\n(^١) في الأصل: (أربع أريع)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (حبسي)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":264},{"text":"ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (في قبل الكعبة)؛ والمراد: مقابل الكعبة؛ وهو مقام إبراهيم ﵇، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٧٠\"> </span>(٣١) <span data-type=\"title\" id=toc-670>[باب التوجه نحو القبلة حيث كان]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (التوجه نحو)؛ أي: إلى جهة (القِبْلة)؛ أي: الكعبة (حيث كان)؛ أي: حيث كان المصلي؛ أي: حيث وجد في سفر أو حضر، و(كان): تامة؛ فلذلك اقتصر على اسمها، والمراد به: في صلاة الفرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمناسبة بين البابين ظاهرة، (وقال أبو هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁: (قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ: استقبِلِ القِبْلة)؛ بكسر اللام، وكسر القاف، وسكون الموحدة؛ أي: توجه إليها حيث كنت، (وكبِّر)؛ بكسر الموحدة فيها على الأمر، (وكبِّر)؛ بالواو، وفي رواية الأربعة: (فكبِّر)؛ بالفاء، وللأصيلي: (قام النبيُّ الأعظم ﷺ استقبَل، فكبَّر)؛ بالماضي (^١)، وفتح الموحدة فيهما، وهذا التعليق طرف من حديث المسيء صلاته رواه المؤلف في (الاستئذان)، ولفظه هناك: (ثم استقبل القبلة، فكبر)، وتمامه هناك؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٧١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-671>[حديث: كان رسول الله صلى نحو بيت المقدس ستة عشر]</span>\n٣٩٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن رجَاء)؛ بالمد مع تخفيف الجيم: هو البصري الغُداني؛ بضم الغين المعجمة (قال: حدثنا) وللأربعة: (حدثني)؛ بالإفراد (إسرائيل): هو ابن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، (عن) جده (أبي إسحاق): هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي الهمداني التابعي، لا يقال: إنه مدلس؛ لأنَّا نقول: إن المؤلف ساقه في (التفسير) من طريق الثوري بلفظ: (عن أبي إسحاق: سمعت البراء) (عن البَراء)؛ بفتح الموحدة، والراء المخففة (بن عازب): هو أبو عمرو أو أبو عامر الأنصاري الأوسي، المتوفى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، الصحابي الجليل ﵁، وسقط: (ابن عازب) للأصيلي، (قال: كان رسول الله): وللأصيلي: (النبيُّ) الأعظم (ﷺ): إفادة (كان) الدوام والاستمرار (صلَّى نحو) أي: جهة (بيت المَقْدس)؛ بفتح الميم، وسكون القاف، مصدر ميمي؛ كالمرجع، وذلك بالمدينة المنورة (ستة عشر شهرًا): من الهجرة على الأصح، كذا زعمه النووي، (أو سبعة عشر شهرًا): هو الصحيح، وهو قول أبي إسحاق، وابن المسيب، ومالك بن أنس، والشك من البراء، وكذا وقع الشك عند المؤلف في رواية زهير وأبي نعيم، ورواه أبو عوانة في «صحيحه» من رواية أبي نعيم، فقال: (ستة عشر شهرًا) من غير شك، وكذا في رواية مسلم من رواية الأحوص، والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة، ووقع في رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس: (سبعة عشر شهرًا)، كذا قاله الشَّارح، ثم قال: والجمع بينهما أن من جزم بـ (ستة عشر)؛ أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بـ (سبعة عشر شهرًا)؛ عدهما معًا، ومن شك؛ تردد فيهما، وذلك أن قدومه ﵇ المدينة كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: (سبعة عشر شهرًا، وثلاثة أيام)، وهو مبني على أنَّ القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول، وقال ابن حبيب: (كان التحويل في نصف شعبان)، وهو الذي نقله النووي وأقره، ورجح في «شرح مسلم» رواية: (ستة عشر شهرًا)؛ لكونها مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، إلا إن ألغي شهرا القدوم والتحويل؛ فافهم.\nوجاءت فيه روايات أخرى، ففي «سنن أبي داود» و«ابن ماجه»: (ثمانية عشر شهرًا)، وزعم الطبري (ثلاثة عشر شهرًا)، وفي رواية: (سنتين)، وأغرب منهما: (تسعة أشهر، وعشرة أشهر)، وهما شاذتان، انتهى.\nوزعم الطبري أن صلاته ﵇ كذلك كانت بأمر الله تعالى له، انتهى.\nقلت: ويحتمل أنها كانت عن اجتهاد منه ﵇، وفي حديث الطبري من طريق ابن جريج قال: (أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة)، وفي حديث ابن عباس عند أحمد من وجه آخر: (أنه ﵇ كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه).\nقلت: ويجمع بينهما بحمل صلاته في المدينة على الاستمرار باستقبال بيت المقدس، كذا قيل، وفيه نظر، وقد صرح في حديث الطبري بطريق الجمع بين حديث الباب وحديث ابن عباس؛ فافهم.\n (وكان رسول الله رسول الله ﷺ يحب أن يُوجَه)؛ بضم أوله، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يؤمر بالتوجه (إلى الكعبة) وفي حديث ابن عباس عند الطبري: (وكان يدعو وينظر إلى السماء).\nقلت: روي: أنه ﵇ قال لجبريل: «وددت لو أن الله يصرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها»، فقال: إنَّما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل ﵇ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي يسأل ربه، (فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾)؛ أي: تردد وجهك في جهة السماء؛ تطلُّعًا للوحي، وقيل: معناه: تحول وجهك إلى السماء، فيكون قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿تَقَلُّبَ﴾؛ بتقدير: في النظر إلى السماء، وكان الظاهر أن يقول: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، إلا أن تقلب الوجه لمَّا كان أبلغ في انتظار الوحي؛ كان ما عليه النظم أبلغ، وكلمة (قد): للتكثير؛ ومعناها: كثرة الرؤية؛ لأجل طلب مقصوده، قال تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]: اصرفه شطر المسجد الحرام؛ أي: نحوه، والمراد به: الكعبة، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة؛ لأنَّه ﵇ كان في المدينة، والبعيد عنها يكفيه مراعاة الجهة، (فتوجه) ﵇ بعد نزول الآية (نحو الكعبة)؛ أي: جهتها، وإنما كان يحب أن يوجه إليها؛ لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وأسبق القبلتين بالنسبة إلى أهل الإسلام، ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنَّها كانت مفخرةً لهم، وأمنًا، ومزارًا، ومطافًا، ولأجل مخالفة اليهود؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنه يخالفنا في ديننا، ثم يتبع قبلتنا، ولولا نحن؛ لم يدر أين يستقبل؟ فعند ذلك كره ﵇ أن يوجه إلى قبلتهم، فحقق الله تعالى رجاءه ﷺ.\n (وقال السفهاء من الناس) ونزول آية: ﴿قَدْ نَرَى﴾ متقدمة في النزول على قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، ذكره القرطبي (وهم اليهود): هذا تفسير من البراء بن عازب، ومثله روي عن ابن عباس ﵃، وقال الحسن: (هم مشركو العرب)، وقال السدي: (هم المنافقون)، ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ لأنَّ كل واحد منهم من هؤلاء الفرق سفهاء طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فالظاهر إبقاء اللفظ على عمومه، وقد وصف الله تعالى هؤلاء الفرق بالسفاهة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ\n_________\n(^١) في الأصل: (بالميم)، والمثب موافق لما في هامش «اليونينية» من رواية الأصيلي.","vol":"1","page":265},{"text":"عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]؛ أي: أذلها بالجهل والإعراض عن النظر، فإنه لا شك أن كل فرقة منهم راغبون عن ملة إبراهيم، فيكونون سفهاء، فكأنه قال: هؤلاء الراغبون عن ملة إبراهيم قالوا عند إيجاب التوجه إلى الكعبة: (﴿مَا وَلَاّهُمْ﴾)؛ أي: ما حولهم وصرفهم (﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾)؛ أي: التي كانوا على التوجه إليها، وهي بيت المقدس، وكلمة (ما) في ﴿مَا وَلَاّهُمْ﴾: استفهامية مرفوعة المحل على الابتداء، و﴿وَلَاّهُمْ﴾: خبره، والجملة في موضع النصب بالقول، يقال: تولى عن ذلك؛ أي: انصرف، وولاه غيره؛ أي: صرفه، والقِبْلة: فعلة، وقد اشتهر أن الفِعلة: للمرة، والفَعلة: للحال؛ كالجِلسة والقَعدة، نقله في عرف الشرع إلى الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وسميت قِبْلة؛ لأنَّ المصلي يقابلها وهي تقابله؛ فافهم.\nوإنما قال اليهود ذلك؛ بناءً على أنَّهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام، لما زعموا أن نسخها بمعنى البداء، والرجوع عنها بداء، وذلك محال في حق الله تعالى؛ لعلمه بعواقب الأمور، والبداء والرجوع في الشاهد مبني على الجهل بالعواقب؛ كمن بنى بناء، ثم نقضه بما يبدوويظهر له أنه مخطئ وغالط في الفَرض الذي بنى بناءه عليه، واليهود إنَّما قالوا ذلك -وذهبوا إلى امتناع أن ينسخ الله حكمًا مما شرعه أولًا-؛ لجهلهم بتفسير النسخ وحده، ولو عرفوه؛ لما نفوه، فإن النسخ عبارة عن انتهاء الحكم إلى وقت معين؛ لانتهاء المصلحة التي شرع الحكم لها، وبيان حكم جديد لمصلحة أخرى في وقت آخر مع بقاء الحكم الأول مشروعًا، ومصلحة وقت كونه مشروعًا وليس فيه ما فهمته اليهود، وأمَّا المشركون والمنافقون؛ فإنما قالوا ذلك من حيث إنهم أعداء الدين، والأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا؛ لم يتركوا مقالًا، فمنهم من يقول: ما بالهم كانوا على قبلة، ثم تركوها مع أن الجهات لمَّا كانت متساوية في جميع الصفات؛ كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى مجرد عبث، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم؟ وقال المنافقون: اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده؛ فلذلك توجه إليه، وقال آخرون: تحير في دينه؛ حيث لم يثبت على دين، وقال ابن عباس: لمَّا حولت القبلة؛ جاءت جماعة من اليهود، وقالوا: يا محمد؛ ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها؟ فكن على بيت المقدس؛ نتبعك ونصدقك، وأرادوا بذلك فتنة النبيِّ الأعظم ﷺ، فسماهم الله تعالى: سفهاء؛ لأنَّهم كانوا نوافل إبراهيم والكعبة بناؤه، وقبلة إسماعيل، ومع ذلك رغبوا عنها قبل، كان موسى ﵇ يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة، فهي قبلة الأنبياء كلهم ﵈.\n (﴿قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾)؛ يعني: أن الأمكنة كلها والنواحي بأسرها لله تعالى ملكًا وتصريفًا، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة حتى يمتنع إقامة غيره مقامه، وشيء من الجهات إنَّما يصير قبلة لمجرد أن الله تعالى أمر بالتوجه إليه، فله أن يأمر كل وقت بالتوجه إلى جهة من تلك الجهات على حسب الألوهية ونفوذ قدرته ومشيئته ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولعل الوجه في التعبير عن جميع النواحي والأطراف بالمشرق والمغرب أن الشمس بحسب اختلاف حركاتها، وتبدل مطالعها ومغاربها متناولة لأكثر النواحي والجهات، فأقيم الأكثر مقام الكل، كذا قيل، فاتبع اليهود هوى أنفسهم، واستقبلوا المغرب، واتخذوها قبلة، وزعموا أن موسى ﵇ كان في المغرب حينما أكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]، واتبع النصارى هوى أنفسهم أيضًا، واستقبلوا المشرق، واتخذوا جهته قبلة، وزعموا أن مريم حين خرجت من بلدها؛ مالت إلى الشرق، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، والمؤمنون استقبلوا الكعبة؛ طاعة لله تعالى وامتثالًا لأمره، لا ترجيحًا لبعض الجهات المتساوية على بعض بمجرد رأيهم واجتهادهم مع أنها قبلة خليل الله تعالى ورسوله، ومولد حبيبه ﵇.\n (﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾) [البقرة: ١٤٢]: وهو توجه العباد إلى الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، ووجه استقامته كونه مشتملًا على الحكمة والمصلحة موافقًا لما هداهم الله إليه بأن أمرهم بذلك، وأوجبه عليهم؛ فافهم.\n (فصلى)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ صلاة العصر؛ لقول البراء بن عازب في باب (الصلاة من الإيمان): (وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر...)؛ الحديث، وصلى (مع النبيِّ) الأعظم) (ﷺ رجل) اسمه عباد بن نَهِيك -بفتح النون، وكسر الهاء- قاله أبو عمرو، أو عباد بن بشر بن قيظي، قاله ابن بشكوال، وفي رواية باب (الصلاة من الإيمان): (وصلى معه قوم) (ثم خرج) أي: الرجل (بعدما صلى) وكلمة (ما) إما مصدرية أو موصولة؛ أي: بعد صلاته أو بعد الذي صلى؛ أي: انصرف من صلاته، واستقبال القبلة، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (فصلى مع النبيِّ الأعظم ﷺ رجال)؛ بالجمع.\nقال الكرماني: (فصلى): هذه الرواية يرجع الضمير في قوله: (ثم خرج) إلى ما دل عليه (رجال)، وهو مفرد، أو معناه: ثم خرج خارج.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (بل معناه على هذه الرواية: ثم خرج خارج منهم، فيكون الفاعل محذوفًا) انتهى.\n (فمر) أي: ذلك الرجل في طريقه (على قوم من الأنصار): من بني حارثة، وهم أهل مسجد يعرف الآن بمسجد القبلتين (في صلاة العصر) وكأنه ﵇ صلى العصر في أول وقتها، وهؤلاء القوم صلوا العصر في آخر وقتها المستحب، فلا منافاة؛ فافهم.\n (نحو) أي: جهة (بيت المَقْدس): مصدر ميمي؛ كالمَرْجع، وفي رواية الكشميهني: (في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس)، وفي الرواية السابقة:","vol":"1","page":265},{"text":"(وهم راكعون)؛ يعني: حقيقة، أو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، (فقال) أي: الرجل: (هو يشهد): أراد به نفسه، ولكن عبر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد، باب جرد من نفسه شخصًا، أو على طريقة الالتفات، أو نقل الراوي كلامه بالمعنى، ويؤيده الرواية في باب (الإيمان) بلفظ: (أشهد) (أنَّه صلى) أي: العصر (مع رسول الله ﷺ)؛ أي: بالمدينة، (وأنَّه) ﵇ (توجه) في صلاته (نحو) جهة (الكعبة) وللأربعة: (وأنَّه نحو الكعبة)، (فتحرف القوم): الذين صلُّوا العصر نحو بيت المقدس (حتى) أي: إلى أن (توجهوا) (^١)؛ أي: في استدارتهم (نحو) أي: جهة (الكعبة) وهم في صلاتهم، فأتموها لجهة الكعبة.\nففيه: المطابقة للترجمة حيث توجه نحو الكعبة التي استقرت قبلة أبدًا في أي حالة كان المصلي صلاة الفرض.\nوفيه: جواز التحري والاجتهاد في أمر القبلة، فلو تحرى لجهة وشرع في الصلاة، ثم تبدل اجتهاده وهو في الصلاة لجهة أخرى؛ استدار وأتم صلاته، ولو صلى الظهر مثلًا كل ركعة إلى جهة بالتحري؛ جازت صلاته، كما لا يخفى.\nوفيه: بيان شرف النبيِّ الأعظم ﷺ وكرامته على ربه؛ حيث أعطاه ما أحب واختار.\nوفي الحديث: أنه ﵇ صلى العصر، ويدل عليه الرواية في الباب السابق، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر؛ أي: متوجهًا للكعبة، وعند ابن سعد في «الطبقات»: (أنه ﵇ صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون)، وعند ابن سعد: (أنه ﵇ زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى ﵇ لأصحابه ركعتين، ثم أمر، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي: مسجد القبلتين).\nقلت: والظاهر من هذا أنه ﵇ وقع له ذلك مرات متعددة، ويحتمل أنه ﵇ صلى الظهر في آخر وقتها، أو قدم صلاة العصر على وقتها المستحب، فالراوي رآه يصلي صلاة الظهر قرب العصر، فظن أنها العصر، فعبر بما رآه، أو رآه يصلي في أول وقت العصر مقدمها على وقتها المستحب، فظن أنها العصر، فعبر عنها، ويحتمل أنه ﵇ صلى في بيت أم بشر ناسيًا، فأمر بالاستقبال، وقول ابن سعد عن الواقدي: (صلاة الظهر أثبت عندنا)؛ ليس بشيء بعد تصريح الإمام البخاري في باب (الصلاة) عن البراء: (أنه ﵇ صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر)؛ أي: متوجهًا إلى الكعبة، ولا شك أن ذلك أثبت؛ لأنَّ صاحب الدار أدرى؛ فليحفظ.\nوجاء في رواية ابن عمر في «البخاري»، و«مسلم»، و«النسائي»: (أنه ﵇ صلى الصبح)، قال إمام الشَّارحين: (والتوفيق بينها وبين رواية الباب أن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في نفس المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قباء في صبح اليوم الثاني؛ لأنَّهم كانوا خارجين عن المدينة؛ لأنَّ قباء من جملة سوادها، وفي حكم رساتيقها) انتهى.\nوفيه: جواز نسخ الأحكام عند الجمهور إلا طائفة لا يقولون به، ولا يعبأ بهم؛ لموافقتهم لليهود، واختلف في صلاته ﵇ إلى بيت المقدس وهو بالمدينة كمكة؛ فقال جماعة: لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، ثم لما قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، ثم نسخ، وزعم البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فإنه كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر؛ أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفًا لليهود، وقال قوم: كان لبيت المقدس، وفي حديث عند ابن ماجه: (صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين)، وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وكذلك في المدينة، فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس؛ فافهم.\nوفي الحديث: دليل على نسخ السنة بالقرآن عند الإمام الأعظم والجمهور، وهو حجة على الشافعي؛ حيث منعه.\nوفيه: دليل على قبول خبر الواحد.\nوفيه: وجوب الصلاة إلى القبلة، وتقرر الإجماع على أنها الكعبة.\nوفيه: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين أو جهات، كما قدمنا.\nوفيه: أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، وفي هذا الباب أبحاث تقدمت (^٢) في باب (الصلاة من الإيمان)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٧٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-672>[حديث: كان رسول الله يصلي على راحلته حيث توجهت]</span>\n٤٠٠ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مسلم) زاد الأصيلي: (ابن إبراهيم): هو أبو عمرو البصري الأزدي الفراهيدي القصاب (قال: حدثنا هشام) زاد الأصيلي: (ابن أبي عبد الله): هو سندر الربعي الدستوائي البصري (قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير)؛ بالمثلثة: هو صالح بن المتوكل الطائي مولاهم العطار، (عن محمد بن عبد الرحمن): هو ابن ثوبان المدني العامري، قال إمام الشَّارحين: (وليس له في «الصحيح» عن جابر غير هذا الحديث، وفي طبقته محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، ولم يخرج له البخاري عن جابر شيئًا) انتهى.\n (عن جابر) زاد الأصيلي: (ابن عبد الله): هو الأنصاري رضي الله تعالى عنه (قال: كان النبيُّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ) وإفادة (كان) الدوام والاستمرار (يصلي): صلاة النافلة، والجملة فعلية محلها نصب خبر (كان) (على راحلته): الراحلة: الناقة التي تصلح لأن تركب، وكذلك الرحول، ويقال الراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، كذا في «عمدة القاري» (حيث توجهت به)؛ أي: الراحلة؛ يعني: توجه صاحب الراحلة؛ لأنَّها تابعة لقصد توجهه بنفسها من غير أن يسوقها أو يديرها، فإن ساقها أو حولها؛ بطلت صلاته، وظاهر الحديث بل صريحه أنه ﵇ كان يتركها حيثما سارت؛ لتوجهها أول الصلاة إلى المكان المقصود له، فلا يحتاج إلى تحويلها إن دارت، وسيأتي بيانه؛ فافهم.\nوفي حديث ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائي قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر)، وفي حديث جابر عند الترمذي وأبي داود قال: (بعثني النبيُّ الأعظم ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، السجود أخفض من الركوع)، قال الترمذي: (حسن صحيح)، كذا في «عمدة القاري».\n (فإذا أراد) ﵇ أن يصلي (الفريضة)؛ أي: صلاة الفرض العملي والعلمي؛ (نزل)؛ أي: عن راحلته إلى الأرض (فاستقبل القِبلة)؛ أي: توجه إلى الكعبة، وصلى الفرض والوتر، وهذا يدل على عدم ترك استقبال القِبلة في الفريضة، وهو إجماع، ولكن رخص في شدة الخوف.\n_________\n(^١) في الأصل: (توجوا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (تقدم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":266},{"text":"قال في «خلاصة الفتاوى»: (أمَّا صلاة الفرض على الدابة بالعذر؛ فجائزة، ومن الأعذار المطر، إذا كان في السفر، فأمطرت السماء، فلم يجد مكانًا يابسًا ينزل للصلاة؛ فإنه يقف على الدابة مستقبل القبلة، ويصلي بالإيماء إذا أمكنه إيقاف الدابة، فإن لم يمكنه؛ يصلي مستدبر القبلة، وهذا إذا كان الطين بحال يغيب وجهه فيه، فإن لم يكن بهذه المثابة لكن الأرض ندية؛ صلى هنالك)، ثم قال: (وهذا إذا كانت الدابة تسير بنفسها، أمَّا إذا سيرها صاحبها؛ فلا يجوز صلاته مطلقًا فرضًا أو نفلًا، ومن الأعذار كون الدابة جموحًا لو نزل؛ لا يمكنه الركوب، ومنها اللص والمرض، وكونه شيخًا كبيرًا لا يجد من يركبه، ومنها الخوف من سَبُع) انتهى.\nوصرح صاحب «المحيط»: (بأنَّ الصلاة على الدابة في هذه الأعذار جائزة، ولا يلزمه الإعادة بعد زوال العذر، وهذا كله إذا كان خارج المصر) انتهى.\nقلت: أمَّا عدم لزوم الإعادة؛ للقاعدة الأصولية: (أن الساقط لا يعود)، فمتى صحت صلاته بوجه؛ لا يجب عليه إعادتها، وأمَّا كونه خارج المصر؛ لأنَّه لو كان في المصر؛ لا تصح صلاته هذه؛ لأنَّ المصر ليس فيه شيء من هذه الأعذار؛ كما لا يخفى، ومثل صلاة الفرض صلاة الوتر الواجب، والمنذور، والعيدين، وما شرع فيه نفلًا فأفسده، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة التي تلاها على الأرض، كما صرح به في «إمداد الفتاح»، وفيه: (والصلاة في المحمل، وهو على الدابة كالصلاة على الدابة، سواء كانت سائرة أو واقفة، ولو أوقفها وجعل تحت المحمل خشبة ونحوها حتى بقي قرار المحمل على الأرض؛ كان المحمل بمنزلة الأرض، فتصح الفريضة فيه قائمًا) انتهى.\nوأمَّا التنفل على الدابة؛ فلا يجوز إلا إذا كان خارج المصر، وهو المكان الذي يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة، وقيل: قدر فرسخين، وقيل: قدر ميل، والأول هو الأصح، وهذا قول الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن الزبير، وأبي ذر، وأنس، وابن عمر، وبه قال طاووس، وعطاء، والأوزاعي، والثوري، ومالك، والليث، فلا يشترط أن يكون السفر طويلًا، بل لكل من كان خارج المصر؛ فله الصلاة على الدابة، واشترط مالك مسافة القصر، وهو إحدى قولي الشافعي.\nوقال ابن بطال: (واستحب ابن حنبل وأبو ثور: أن يفتتحها متوجهًا إلى القبلة، ثم لا يبالي حيث توجهت، وزعمت الشافعية أن المنفرد في الركوب على الدابة إذا كانت سهلة يلزمه أن يدير رأسها عند الإحرام إلى القبلة على الأصح، وقيل: لا يلزمه كما لا يلزمه في القطار والدابة الضعيفة) انتهى.\nقلت: وظاهر حديث الباب بل صريحه يرد هذا؛ لأنَّه ﵇ كان يصلي على راحلته حيث توجهت، ولأن في التزامه النزول والتوجه انقطاعًا عن النافلة أو القافلة، فيكون حرجًا، فالحديث حجة على من اشترط التوجه واستحبه؛ فليحفظ.\nوأمَّا التنفل في المصر على الدابة؛ فمنعه الإمام الأعظم، والإمام محمد بن الحسن، والإصطخري من الشافعية، وجوزه الإمام قاضي القضاة أبو يوسف، وهو رواية عن الإمام محمد بن الحسن.\nدليل المنع: أنَّ هذه الأحاديث الدالة على جواز التنفل على الدابة وردت في السفر؛ ففي رواية جابر بن عبد الله: كانت في غزوة أنمار، وهي غزوة ذات الرقاع، وفي رواية: (أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره)، وفي رواية ابن عمر: (بطريق مكة)، وفي رواية: (متوجه إلى المدينة)، وفي رواية: (متوجه إلى خيبر).\nوالحاصل: أنها كانت مرات كلها في السفر.\nودليل الجواز: ما رواه أبو يوسف قال: حدثني فلان -وسماه- عن سالم عن ابن عمر: (أنه ﵇ ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة، وكان يصلي وهو راكب).\nوقال ابن بطال: (وروى أنس بن مالك: أنه ﵇ صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماءً) انتهى.\nقلت: وأجاب المانع عن الأول: بأنَّه شاذ، وهو فيما يعم به البلوى لا يكون حجة، وعن الثاني: بأن المراد من أزقة المدينة: الأزقة الخارجة عن المدينة؛ يعني: في أزقة البساتين في المدينة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٧٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-673>[حديث: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به]</span>\n٤٠١ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عثمان): هو ابن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان بن خواستى العبسي الكوفي (قال: حدثنا جرير): هو ابن عبد الحميد بن قرط العبسي الكوفي، (عن منصور): هو ابن المعتمر بن عبد الله الكوفي، (عن إبراهيم): هو ابن يزيد النخعي الكوفي، (عن علقمة): هو ابن قيس النخعي الكوفي (قال: قال عبد الله): هو ابن مسعود، أحد العبادلة الأربعة، وكان قصيرًا نحيفًا، وكان الريح يأخذه حين يمشي، فتنظر إليه الصحابة بحضرة الرسول ﵇، فحين يراهم النبيُّ الأعظم ﷺ؛ يقول: «لساق عبد الله في الميزان أثقل من أُحُد» ﵁، وفي رواية أبي ذر: (عن عبد الله قال:) (صلى النبيُّ) الأعظم (ﷺ): هذه الصلاة، قيل: العصر، وقيل: الظهر؛ يدل للأول: ما رواه الطبراني، من حديث طلحة بن مصرف، عن إبراهيم به: أنها العصر، فنقص في الرابعة، ولم يجلس حتى صلى الخامسة، ويدل للثاني: ما رواه من حديث شعبة عن حماد عن إبراهيم: أنها الظهر، وأنَّه صلاها خمسًا؛ كذا في «عمدة القاري».\n (قال إبراهيم) هو النخعي المذكور: (لا أدري زاد)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ في صلاته، ولابن عساكر: (أزاد)؛ بهمزة الاستفهام (أو نقص) فيها؟ وهذا مدرج، وفي رواية أبي داود: (فلا أدري)؛ أي: فلا أعلم هل زاد النبيُّ الأعظم ﷺ في صلاته أو نقص فيها؟، والمقصود: أنَّ إبراهيم شك في سبب سجود السهو المذكور، وهل كان لأجل الزيادة أو النقصان؟ وهو مشتق من النقص المتعدي لا من النقصان اللازم، والصحيح كما قال الحميدي: أنه (زاد)، قاله إمام الشَّارحين.\n (فلمَّا سلَّم)؛ بتشديد اللام؛ أي: من صلاته ساهيًا؛ (قيل) لم يعلم اسم القائل (له: يا رسول الله؛ أَحَدَث)؛ الهمزة فيه للاستفهام؛ ومعناه: السؤال عن حدوث شيء من الوحي يوجب تغيير حكم الصلاة بالزيادة على ما كانت معهودة أو بالنقصان عنه، قاله الشَّارح.\nقلت: وحاء (أَحَدَث)","vol":"1","page":266},{"text":"مهملة مفتوحة، وكذلك الدال مهملة مفتوحة؛ أي: أوقع (في الصلاة شيء)؛ أي: من الوحي مما يوجب التغيير بزيادة أو نقصان؟ وأمَّا (حدُث) -بضم الدال-؛ فلا يستعمل في شيء من الكلام إلا في قولهم: أخذني ما قدُم وما حدُث؛ للازدواج.\n (قال) ﵇ للسائل: (وما ذاك؟): سؤال من لم يشعر بما وقع منه، ولا يتبين عنده، ولا غلبة ظن، وهو خلاف ما عندهم؛ حيث (قالوا) أي: الصحابة: (صليت كذا وكذا)؛ بالتكرار؛ كناية عما وقع إمَّا زائدًا على المعهود أو ناقصًا عنه، وهذا يدل على أنَّ سلامه من الصلاة كان سهوًا، وهو غير مفسد للصلاة؛ ولهذا قال: (فثنَى)؛ بتخفيف النون، مشتق من الثني؛ يعني: عطف ﵇ (رجليه)؛ بالتثنية رواية الكشميهني والأصيلي، وفي رواية غيرهما: (رجله)؛ بالإفراد، والمقصود منه: فجلس كما هو هيئة القعود للتشهُّد، وليس المراد: أنه تحول عن جهة القبلة، بل ظاهره بل صريحه أنَّه بسط رجليه من غير تحويل عنها، وسمع كلامهم، ويحتمل أنه التفت بعنقه إليهم، ويحتمل أنه لم يلتفت، فالسلام للقطع لا يفسد الصلاة إذا كان ساهيًا، فيعود لسجود (^١) السهو، فيسجده ما لم يتحول عن القبلة أو يتكلم؛ لأنَّهما مبطلان للتحريمة، وقيل: لا يقطع بالتحويل ما لم يتكلم أو يخرج من المسجد، كذا في «الدرر» عن «النهاية»؛ فافهم.\n (واستقبل القبلة)؛ أي: برجليه؛ لأنَّه قد بسطهما، وليس المراد: أنه كان متحولًا عن القبلة، بل المراد: أنه استقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة؛ لأنَّه كان باسطًا لهما؛ فافهم.\n (وسجد سجدتين)؛ بالتثنية؛ أي: للسهو، ففيه دليل على أنَّ سجود السهو سجدتان، وهو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وعامة الفقهاء، وحكي عن الأوزاعي وابن أبي ليلى: أنه يلزمه لكل سهو سجدتان؛ لحديث في ذلك، وقال الحفاظ: إنه ضعيف لا يحتج به؛ فافهم.\n (ثم سلَّم)؛ بتشديد اللام؛ أي: من صلاته، وهذا دليل قوي للإمام الأعظم وأصحابه ﵃ حيث ذهبوا إلى أن سجدتي السهو بعد السلام؛ لأنَّه ﵇ سلَّم، ثم سجد، ثم سلَّم، وهو قول الصديق الأصغر علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص ﵃، وهو قول سفيان الثوري، والحسن البصري، وابن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.\nوهذا الحديث حجة على الشافعي، وأحمد، ومالك؛ حيث ذهبوا إلى أن السجود للسهو قبل السلام، وفي «المغني» (^٢) الحنبلي: السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين (^٣) اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام؛ وهما إذا سلَّم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، وقال مالك وأبو ثور: إن كان السهو لنقص؛ فقبل السلام، وإن كان لزيادة؛ فبعد السلام.\nقلت: وكل هذا ليس فيه دليل من الحديث، وإنما هو قياس، ولا يعمل بالقياس عند وجود النص، فحديث الباب حجة لنا وعلى من خالفنا؛ فافهم، فمذهبنا هو الصواب، فلو سجد المنفرد للسهو قبل السلام؛ جاز، ولكنه مكروه، هذه رواية الأصول، وفي رواية غيرها: لا يجوز؛ لأنَّه قد أداه قبل وقته، وقيل: إن الخلاف في الأولوية، فلو اقتدى حنفي بمخالف في السنن، فسجد الإمام للسهو قبل السلام؛ قيل: يتابعه، وقيل: لا يتابعه، وعليه الإعادة بعد السلام، كذا في «التجنيس».\nقلت: والظاهر الثاني؛ تحقيقًا للمخالفة؛ فافهم.\nوفي الحديث: دليل على أن سجود السهو يتداخل ولا يتعدد بتعدد أسبابه، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء؛ لأنَّه ﵇ تكلم بعد أن سها واكتفى فيه بسجدتين، وقال بعض العلماء: يتعدد السجود بتعدد السهو، وظاهر الحديث يرده، وهو دليل الجمهور؛ فافهم.\nوفي الحديث: دليل على أن سجود السهو في آخر الصلاة؛ لأنَّه ﵇ لم يفعله إلا آخرها، وحكمته: أنه أخر؛ لاحتمال سهو آخر، فيكون جابرًا للكل، وفرع عليه الفقهاء: أنه لو سجد، ثم تبين أنه لم يكن في آخر الصلاة؛ لزمه إعادتها في آخرها، وفيه صورتان:\nإحداهما (^٤): أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت وهو في السجود الآخر، فيلزمه إتمامه ظهرًا، ويعيد السجود.\nوالثانية: أن يكون مسافرًا، فيسجد للسهو، ويصل به إلى الوطن، أو ينوي الإقامة، فيتم، ثم يعيد السجود، كذا في «عمدة القاري».\nوزعم الكرماني أنَّ قوله: (وسجد سجدتين) دليل على أنه لم ينقص شيئًا من الركعات، ولا من السجدات، وإلا لتداركها، فكيف صح أن يقول إبراهيم: (لا أدري؟) بل يعين أنه زاد، فإن النقصان لا يجبر بالسجدتين، بل لا بد من الإتيان بالمتروك؟\nوالجواب: أنَّ كل نقص لا يستلزم الإتيان به، بل كثيرًا منه ينجبر بمجرد السجدتين، ولفظ: (نقص) لا يوجب النقص في الركعة ونحوها، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: قد ذكرنا فيما مضى عن الحميدي أنه قال: (بل زاد)، وكانت زيادته أنه صلى الظهر خمسًا، كما ذكره الطبراني، فحينئذٍ كان سجوده لتأخير السلام، ولزيادته من جنس الصلاة.\nوقوله: (فإن النقصان...) إلخ: غير مسلم؛ لأنَّ النقصان إذا كان في الواجبات، أو في تأخيرها عن محلها، أو في تأخير ركن من الأركان؛ ينجبر بالسجدتين.\nوقوله: (بل لا بد...) إلخ: إنَّما يجب إذا كان المتروك ركنًا، وأمَّا إذا كان من الواجبات، أو من السنن التي في قوة الواجب؛ فلا يلزمه الإتيان بمثله، وإنما ينجبر بالسجدتين) انتهى.\n (فلما أقبل علينا بوجهه)؛ يعني: فلما فرغ من صلاته، واستقبال القبلة؛ انحرف، وتوجه إلى أصحابه بوجهه الشريف ﵇ (قال: إنَّه) أي: الشأن (لو حدث في الصلاة شيء)؛ أي: من الوحي مما يوجب التغيير بزيادة أو نقصان؛ (لنبأتكم) أي: لأخبرتكم (به)؛ أي: بالشيء الحادث أو بالحدوث الذي دل عليه قوله: (لو حدث)؛ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٩]، ونبأتكم من باب (نبَّأ) -بتشديد الباء الموحدة-: وهو ما ينصب ثلاثة مفاعيل، وكذلك (أنبأ) من باب (أفعل)، والثلاثي\n_________\n(^١) في الأصل: (للسجود)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (المفتي)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (موضعين).\n (^٤) في الأصل: (أحدهما)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":267},{"text":"نبأ، والمصدر: النبأ؛ ومعناه: الخبر، تقول: نبأ وأنبأ ونبأ؛ أي: أخبر، ومنه أخذ: النبيء؛ لأنَّه أنبأ عن الله تعالى؛ أي: أخبر، واللام فيه لام الجواب، وتفيد التأكيد أيضًا.\nفإن قلت: أين المفاعيل الثلاثة هنا؟\nقلت: الأول: ضمير المخاطبين، والثاني: الجار والمجرور؛ أعني: لفظة (به)، والثالث: محذوف، أفاده إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أنَّ اللام بعد (لو) لام جواب قسم مقدر.\nقلت: وهو ليس بشيء؛ لتصريح النحاة بأنها لام الجواب، وتفيد التأكيد؛ فافهم.\nقال الشَّارح: (وفيه دلالة على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة؛ لقوله ﵇: «لو حدث في الصلاة شيء؛ لنبأتكم به»)؛ فافهم.\n (ولكن إنَّما أنا بشر مثلكم): لا نزاع أنَّ كلمة (إنما) للحصر، لكن تارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة حصرًا مخصوصًا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، ومعنى الحصر في الحديث: أنه بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء، فإنَّ للرسول ﵇ أوصافًا أخر، قاله إمام الشَّارحين.\n (أنسى كما تنسون)؛ والنسيان في اللغة: خلاف الذِّكر والحفظ، وفي الاصطلاح: النسيان: غفلة القلب عن الشيء، ويجيء النسيان بمعنى: الترك؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله: ﴿وَلَا (^١) تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، انتهى.\nوأَنسى -بهمزة مفتوحة، وسين مهملة مخففة- قال الزركشي: (ومن قيده بضم أوله وتشديد ثالثه؛ لم يناسب التشبيه) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ فإن ضم الأول هو المناسب؛ لحديث: «لا تقل: نسيت، وإنما قل: أُنسيت»؛ بضم الهمزة؛ لأنَّ النسيان منسوب إلى الشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَاّ الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وهنا غير مذكور، فتعين ضم الهمزة، وكونه لا يناسب التشبيه بعيد؛ لأنَّ (تنسون) مأخوذ من لفظ (أنسيت الأمر)؛ والمعنى: أنسى كما ينسى أحدكم، لكن بين اللفظين تغاير من حيث إنه أتى به بصيغة المتكلم وحده مع جمع المخاطبين؛ فافهم.\n (فإذا نسيت) في الصلاة؛ (فذكروني)؛ أي: في الصلاة بالتسبيح ونحوه، ففيه جواز النسيان في الأفعال على الأنبياء ﵈، واتفقوا على أنَّهم لا يقرون عليه، بل يعلمهم الله تعالى به، وقال الأكثرون: (شرطه تنبيهه ﵇ على الفور متصلًا بالحادثة)، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته.\nوالفرق بين النسيان والسهو: أن النسيان: غفلة القلب عن الشيء، والسهو: غفلة الشيء عن القلب، وعن هذا قال قوم: كان ﵇ يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النسيان في حديث ذي اليدين بقوله: «لم أنسَ»؛ لأنَّ فيه غفلة، ولم يفعل.\nوقال القشيري: (الفرق بينهما بعيد، كما في استعمال اللغة، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض).\nوقال القرطبي: (لا نسلم الفرق، ولئن سلمنا؛ فقد أضاف ﵇ النسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله: «أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني»).\nوقال القاضي عياض: (إنما أنكر ﵇ «نسيت» المضاف إليه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نسي»، وقد قال أيضًا: «لا أنسى» على النفي، «ولكن لأُنسَّى»، وقد شك بعض الرواة في روايته، فقال: «أنسى أو أُنسَّى»، وأنَّ «أو» للشك أو للتقسيم، وأنَّ هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك في حديث ذي اليدين؛ أنكره، وقال: «كل ذلك لم يكن»، وفي الرواية الأخرى: «لم أنس ولم تقصر»، أمَّا القصر؛ فبيِّنٌ، وكذلك «لم أنس» حقيقة من قبل نفسي، ولكن الله أنساني)، وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (وفي الحديث: جواز وقوع السهو من الأنبياء ﵈ في الأفعال).\nوقال ابن دقيق العيد: (وهو قول عامة العلماء، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز السهو على الأنبياء ﵈، وهذا الحديث يرد عليهم)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هم منعوا السهو عليه في الأفعال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك: بأن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه؛ لم تحصل منه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة، وهو بيان أحكام الناسي، وتقرير الأحكام، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائيني).\nوقال القاضي عياض: (واختلفوا في جواز السهو عليه ﷺ في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع من أفعاله، وعاداته، وأذكار قلبه؛ فجوزه الجمهور، وأمَّا السهو في الأقوال البلاغية؛ فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على تعمده امتناع تعمده، وأمَّا السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة، وما يتعلق بها، ولا يضاف إلى وحي؛ فجوزه قوم؛ إذ لا مفسدة فيه).\nقال القاضي: (والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدًا ولا سهوًا (^٢)، لا في صحة ولا في مرض، ولا في رضًى ولا في غضب، وأمَّا جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا؛ فغير ممتنع) انتهى، والله أعلم.\n (وإذا شك أحدكم في صلاته)؛ الشك في اللغة: خلاف اليقين، وفي الاصطلاح: الشك ما يستوي فيه طرفا العلم والجهل، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر؛ فهو الظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر؛ فهو أكبر الظن وغالب الرأي، فيكون الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان، انتهى.\n (فليتحرى (^٣) الصواب): التحرِّي: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول، وفي رواية مسلم: (فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب)، وفي رواية: (فليتحرَّى الذي يرى أنه صواب)، ويعلم من هذا أن التحرِّي: طلب أحد الأمرين وأولاهما بالصواب، قاله في «عمدة القاري».\n (فليتم) بانيًا (عليه)؛ أي: على ما هو الصواب، ولولا تضمين الإتمام معنى البناء؛ لما جاز استعماله بكلمة الاستعلاء، وقصد الصواب في البناء على غالب الظن عند الإمام\n_________\n(^١) في الأصل: (فلا)، والمثبت موافق للتلاوة.\n (^٢) في الأصل: (لا عمد ولا سهو)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) كذا في الأصل وفي «اليونينية» بإثبات الياء.","vol":"1","page":267},{"text":"الأعظم، وأصحابه، والجمهور؛ لأنَّه بمنزلة اليقين، وهو صريح الحديث، وزعم الشافعية أنه الأخذ باليقين.\nقلت: وهو مردود؛ لأنَّه لم يعلم اليقين حتى يأخذ به، ولهذا قال ﵇: «فليتحرَّى الصواب»، وهو الأخذ بغالب الظن، ولو كان مراده اليقين؛ لقال: فليأخذ باليقين، ولما قال: «فليتحرَّى الصواب»، والتحري: الاجتهاد في طلب أحد الأمرين؛ علم منه أن المراد بالتحري غلبة الظن؛ فليحفظ.\n (ثم يسلم)؛ أي: للخروج من الصلاة، وهو واجب، (ثم يسجد) أي: للسهو وجوبًا (سجدتين)؛ بالتثنية؛ أي: جبرًا لما حصل في صلاته من الخلل، وفي رواية غير أبي ذر: (ثم ليسلم)؛ بلام الأمر، وفي رواية الأصيلي: (وليسجد)؛ بلام الأمر، وهذا يدل على أن التحري والسجود واجبان للأمر في ذلك، والأمر المطلق يدل على الوجوب، وزعم القسطلاني أن الأمر محمول على الندب، وعليه الإجماع، انتهى.\nقلت: وهو فاسد؛ فإن الأمر فيه للوجوب عند إمامنا الأعظم وأصحابه، وبه قال مالك وأحمد، فالحمل على الندب باطل؛ لأنَّ الأمر المطلق يدل على الوجوب، ودعوى الإجماع باطلة؛ لأنَّه لا دليل يدل عليها، فإن كان مراده إجماع المجتهدين؛ فباطل؛ لأنَّ رأس المجتهدين الإمام الأعظم ومالك بن أنس وأحمد ابن حنبل قالوا بالوجوب، وإن كان مراده إجماع أهل مذهبه؛ فغير صحيح؛ لأنَّ اجتماع أهل المذهب على أمر يقال له: اتفاق، وهو غير لازم لغيرهم، وعلى كلٍّ؛ فهذا كلام من لم يذق شيئًا من العلم؛ فافهم.\nوزاد في الطنبور نغمة الكرماني، فزعم أنه إنَّما عبر بلفظ الخبر في (يسلِّم) و(يسجد)، وبلفظ الأمر في (فليتحرَّى) و(ليتم)؛ لأنَّ السلام والسجود كانا ثابتين يومئذٍ، بخلاف التحري والإتمام؛ فإنَّهما ثبتا بهذا الأمر، وللإشعار بأنَّهما ليسا بواجبين؛ كالتحري والإتمام، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: الفصاحة في التفنُّن في أساليب الكلام، والنبيُّ الأعظم ﷺ أفصح الناس لا يجارى في فصاحته، فلهذا عدل عن لفظ الأمر إلى الخبر، وغير أسلوب الكلام.\nوقوله: (أو للإشعار...) إلى آخره: غير مسلم، بل هما واجبان؛ لمقتضى الأمر المطلق، وهو قوله ﵇: «من شك في صلاته؛ فليسجد سجدتين»، والصحيح من المذهب هو الوجوب، ذكره صاحب «المحيط»، و«المبسوط»، و«الذخيرة»، و«البدائع»، وبه قال مالك وأحمد، وعلى رواية: «فليتحرَّى الصواب، فليتم، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين»؛ لا يرد هذا السؤال، ولا يحتاج إلى الجواب، انتهى.\nقلت: ورواية: (ثم ليسلم)؛ بلام الأمر رواية الأكثرين، وعند أبي ذر: (يسلم)؛ بدونها، وكذلك: (ثم ليسجد)؛ بلام الأمر عند الأكثرين، وعند الأصيلي بدونها.\nوقوله: (فليتحرَّى)؛ بلام الأمر عند جميع الرواة، وكذلك: (فليتم)؛ بلام الأمر عند جميعهم أيضًا؛ فانظر كيف لحظ لروايةٍ الله أعلم بثبوتها، واعترض وسأل ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، وما هذا إلا دأب المتعصبين؛ فافهم.\nزعم الكرماني فإن قلت: السجدة مسلم أنها ليست بواجبة، لكن السلام واجب، قلت: وجوبه بوصف كونه قبل السجدتين؛ ممنوع، وأما نفس وجوبه؛ فمعلوم من موضع آخر، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين فقال: وقوله: (السجدة مسلم...) إلى آخره: غير مسلم؛ لما ذكرنا؛ أي: من قوله ﵇: «ثم ليسجد سجدتين»، فإن الأمر المطلق فيه يدل على الوجوب عند المحققين.\nوقوله: (قلت...) إلى آخره: غير ممنوع؛ لأنَّ محل السلام الذي هو للصلاة في آخرها متصلًا بها، فوجب بهذا الوصف، ولا يمتنع أن يكون الشيء (^١) واجبًا من جهتين؛ فافهم.\nوزعم الكرماني فإن قلت: آخر الحديث يدل على أن سجود السهو بعد السلام وأوله على عكسه، قلت: ومذهب الشافعي: أنه يسن قبل السلام، وتأول آخر الحديث بأنه قول، والأول فعل، والفعل مقدم على القول؛ لأنَّه أدل على المقصود، أو أنه ﵇ أمر بأن يسجد بعد السلام؛ بيانًا للجواز، وفعل نفسه قبل السلام؛ لأنَّه أفضل، انتهى.\nورده إما م الشَّارحين فقال: (لا نسلم أن الفعل مقدم على القول؛ لأنَّ مطلق القول يدل على الوجوب على أنَّا نقول: يحتمل أن يكون سلم قبل أن يسجد سجدتين، ثم سلم سلام سجود السهو، فالراوي اختصره، ولأن في السجود بعد السلام تضاعف الأجر، وهو الأجر الحاصل من سلام الصلاة ومن سلام سجود السهو، ولأنه شرع جبرًا للنقص أو للزيادة التي في غير محلها، وهي أيضًا نقص كالإصبع الزائدة، والجبر لا يكون إلا بعد تمام المجبور، وما بقي عليه سلام الصلاة، فهو في الصلاة) انتهى.\nقلت: ويدل عليه قولهم: إذا اقتدى بالإمام وهو في سجود السهو؛ صح اقتداؤه؛ لأنَّه عاد إلى حرمة الصلاة، وما زعمه الكرماني متناقض؛ لأنَّ قوله: (فإن قلت...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ أول الحديث وآخره يدل على أن سجود السهو بعد السلام؛ لأنَّ أول الحديث: (صلى النبيُّ ﷺ، فلما سلم؛ قيل: يا رسول الله...) إلى آخره، فاكتفى بهذا السلام، ولهذا سجد سجدتي السهو، ثم سلم.\nوقوله: (وتأول آخر الحديث...) إلى آخره: هذا التأويل باطل؛ لأنَّ القول مقدم على الفعل عند المحققين؛ لأنَّ الفعل لا يدل على الوجوب، ويحتمل الندب، والإباحة، والسنية، والخصوصية بخلاف القول؛ فإنه لا يحتمل إلا الوجوب، كما لا يخفى، ولهذا قال العلماء: النظر للقول لا للفعل؛ فافهم.\nوما زعمه من أنه أمر ﵇ بأن يسجد بعد السلام؛ بيانًا للجواز؛ ممنوع، فإن هذا ليس سبيله بيان الجواز، فإن عادته ﵇ على الدوام والاستمرار السجود للسهو بعد السلام قولًا وفعلًا، ففعله هذا ليس لبيان الجواز، بل على سبيل الوجوب؛ للعادة فيه، يدل علىه قوله ﵇: «ولكن إنَّما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون»، فثبت بهذا أن السهو متكرر منه ﵇، وأنه يسجد بعد السلام؛ فافهم.\nوقوله: (وفعل نفسه...) إلى آخره: هذا رجوع؛ لدلالة الحديث على وجوب سجود السهو بعد السلام، كما لا يخفى.\nوقوله: (لأنه أفضل): تناقض، بل هو واجب، كما لا يخفى، وفي الحديث: دليل على أن الإمام أو المأموم إذا شك في صلاته؛ يرجع إلى قول غيره من المأمومين؛ لأنَّه ﵇ قد\n_________\n(^١) في الأصل: (شيء)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":268},{"text":"رجع إلى قول أصحابه وبنى عليه، وهو حجة على الشافعية حيث زعموا أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلا على يقين نفسه.\nوأجاب الكرماني: (بأنه ﵇ سألهم؛ ليتذكر، فلما ذكروه؛ تذكر، فعلم السهو، فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قول الغير، وأنَّ قول السائل أحدث شكًّا عنده ﵇، فسجد بسبب حصول الشك له، فلا يكون رجوعًا إلا إلى حال نفسه).\nورده إمام الشَّارحين فقال: هذا كلام فيه تناقض؛ لأنَّ قوله: (سألهم...) إلى قوله: (فبنى عليه) رجوع إلى قول الغير بلا نزاع، وقوله: (لا أنه رجع إلى مجرد قول الغير): يناقض ذلك، وقوله: (فسجد بسبب حصول الشك): غير مسلم؛ لأنَّ سجوده إنَّما كان للزيادة لا للشك الحاصل من كلامهم؛ لأنَّه لو شك؛ لكان تردُّدًا (^١)؛ إذ مقتضى الشك التردد، فحين سمع قولهم: «صليت كذا وكذا»؛ ثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين) انتهى.\nيعني: فيكون رجوعًا إلى قول الغير.\nقلت: وظاهر الحديث يدل على أن هذا رجوع إلى قول الغير؛ لأنَّه قال السائل: (يا رسول الله؛ أحَدَث في الصلاة شيء؟)؛ أي: من الوحي، فقال ﵇ له: «وما ذاك؟»، وهو سؤال من لم يشعر بما وقع منه، فقالوا: (صليت كذا وكذا)؛ كناية عما وقع، فاعتمد على قولهم، وثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، فكان سجوده ﵇ عملًا بقولهم، ورجوعًا إلى ما قالوه له، ولو كان كما زعمه الكرماني من أنه سألهم ليتذكر، فلما ذكروه؛ تذكر، فعلم السهو، فبنى عليه؛ لكان قوله: «وما ذاك؟» لا فائدة فيه، وكذلك قوله: (قالوا: صليت كذا وكذا)، فإنه لو كان عالمًا بالسهو؛ لكان حين قال السائل له: (أحدث في الصلاة شيء؟)؛ تذكر، ولم يسألهم، فسؤاله (^٢) لهم دليل على أنه ﵇ قد رجع إلى قولهم، وبنى عليه، ويدل عليه الفاء التعقيبية في قوله: (فثنى)، فإنها أفادت أنه حين سمع قولهم: (صليت كذا وكذا)؛ عقب ذلك بالثني لرجليه، ولم يتذكر، ولو كان في ذكره شيء؛ لما احتاج إلى سؤالهم وجوابهم، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم.\nوما زعمه من قول السائل: (أحَدَث...) إلى آخره: ممنوع، فإن سجود السهو شرع في الزيادة أو النقصان لا للشك، فسجوده ﵇ كان لأجل الزيادة، يدل عليه قول السائل: (أحَدَث)؛ أي: شيء من الوحي يوجب الزيادة في الصلاة، وصرح الحميدي: (أنه ﵇ قد زاد في صلاته)، فثبت أن السجود كان للزيادة؛ فافهم.\nوأجاب النووي عن الحديث: (بأنه ﵇ سألهم؛ ليتذكر؛ فلما ذكروه؛ تذكر، فعلم السهو، فبنى عليه لا أنه رجع إلى قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره؛ لرجع ذو اليدين حتى قال ﵇: «لم تقصر ولم أنس»).\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه لا يخلو عن الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكير أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول لا لأجل يقين نفسه)؛ فافهم.\nقلت: وكأن الكرماني أخذ كلامه من كلام النووي، ونسبه لنفسه، وكلامهما باطل ومحاولة وعدول عن الظاهر؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، والحق أن حديث الباب حجة عليهم؛ لأنَّه مصرح بأنه ﵇ قد رجع إلى قولهم، وبنى عليه، كما قدمناه لك؛ فافهم.\nوزعم الكرماني فإن قلت: الصواب غير معلوم، وإلا؛ لما كان ثمة شك، فكيف يتحرى الصواب؟ قلت: المراد منه المتحقق المتيقن؛ أي: فليأخذ باليقين.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا الذي قاله بناء على ما ذهب إليه إمامه، فإنه فسر «الصواب»: الأخذ باليقين، وأما عند الإمام الأعظم؛ فالمراد منه: البناء على غالب الظن واليقين (^٣) في أين ههنا؟) انتهى.\nقلت: وما زعمه الكرماني باطل؛ لأنَّ المراد من قوله ﵇: «فليتحرَّى الصواب»: غلبة الظن؛ لأنَّ التحري: طلب إحدى الأمرين وأولاهما بالصواب، وغلبة الظن: هو صواب الأمرين، ويدل عليه رواية مسلم: (فليتحرَّ (^٤) الذي يرى أنه صواب)، وفي أخرى: (فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب)، فعلم من ذلك أن الصواب معلوم، وهو غلبة الظن، وأما المتيقن؛ فليس يفهم من الحديث؛ لأنَّه لو كان مراده بـ (الصواب): المتيقن؛ لقال: فليأخذ باليقين، ولما عدل عنه إلى قوله: (فليتحرَّى)؛ علم أن المراد بـ (الصواب): غلبة الظن؛ فإنه بمنزلة اليقين، فإن اليقين لم يعلم ههنا، والعناد بعد ذلك مكابرة، فقام لنا الدليل على أن المراد بقوله: (فليتحرَّى الصواب): البناء على غالب الظن؛ فليحفظ.\nوفي الحديث: حجة قوية، ومحجة مستقيمة للإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والكوفيين: على أن من شك في صلاته في عدد ركعاتها؛ تحرى؛ لقوله ﵇: «فليتحرى الصواب»، وبنى على غالب ظنه، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل، وهو حجة على الشافعي في قوله: من شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا مثلًا؛ لزمه البناء على اليقين، وهو الأقل.\nفإن قلت: أمر الشَّارع بالتحري، وهو القصد بالصواب، وهو لا يكون إلا بالأخذ بالأقل الذي هو اليقين على ما بينه في حديث أبي سعيد الخدري: أنَّه ﵇ قال: «إذا صلى أحدكم، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؛ فليبن على اليقين، ويدع الشك...»؛ الحديث، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.\nقلت: هذا محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء، ففي هذا نقول: يبني على الأقل؛ لأنَّ حديثه هذا قد ورد في الشك؛ وهو ما استوى طرفاه ولم يترجح له أحد الطرفين، ففي هذا يبني على الأقل بالإجماع، انتهى قاله في «عمدة القاري».\nقلت: ويدل لما قاله ما رواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني عنه ﵇ أنه قال: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى أو ثنتين؛ فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا؛ فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا؛ فليبن على ثلاث...»؛ الحديث، فأفاد أن المصلي إذا لم يقع تحريه على شيء؛ يبني على الأقل، أمَّا إذا تحرى ووقع تحريه على شيء؛ وجب الأخذ به؛ لقوله ﵇: «فليتحرى الصواب، فليتم»، فالحديث\n_________\n(^١) في الأصل: (تردد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (فسأله)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (المتيقن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (فليتحرَّى)، والمثبت موافق لما في «صحيح مسلم».","vol":"1","page":268},{"text":"وارد في الشك؛ وهو تساوي الأمرين، كما بينه الحديث الثاني.\nواعترض النووي، فزعم أنَّ تفسير الشك هكذا اصطلاح طارئ للأصوليين، وأمَّا في اللغة؛ فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى: شكًّا، سواء المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، فلا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح.\nورده إمام الشَّارحين فقال: هذا غير جيد؛ لأنَّ المراد الحقيقة العرفية؛ وهي أن الشك في اللغة: ما استوى طرفاه، ولم يترجح أحد الطرفين على الآخر، ولئن سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي؛ فليس معنى الشك في اللغة ما ذكره؛ لأنَّ صاحب «الصحاح» وغيره فسر الشك في باب (الكاف)، فقال: (الشك خلاف اليقين)، ثم فسر اليقين في باب (النون)، فقال: (اليقين العلم)، فيكون الشك ضد العلم، وضد العلم الجهل، ولا يسمى المتردد بين وجود الشيء وعدمه جاهلًا، بل يسمى: شاكًّا، فعلم أنَّ قوله: (وأما في اللغة...) إلى آخره: هو الحقيقة العرفية لا اللغوية، انتهى.\nقلت: وقد ذكر النووي في «شرح المهذب» الشك، فقال: (اعلم أنَّ الشك: تردد الذهن بين أمرين على حد سواء عند الأصوليين، وقالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء؛ فهو الشك، وإلا؛ فالراجح الظن، والمرجوح وهم) انتهى.\nفهذا يرد عليه؛ فافهم.\nوفي «عمدة القاري»: (فإن قلت: المصير إلى التحري؛ لضرورة، ولا ضرورة هنا؛ لأنَّه يمكنه إدراك اليقين بدونه بأن يبني على الأقل، فلا حاجة إلى التحري، قلت: التحري يحتاج إليه هنا؛ لأنَّه قد يتعذر عليه الوصول إلى الذي اشتبه عليه بدليل من الدلائل، والتحري عند عدم الأدلة مشروع، كما في أمر القِبلة) انتهى.\nقلت: على أنَّه لم يعلم اليقين ليبني عليه، فمتى شك؛ بقي على احتمال الطرفين، وترجيح أحدهما غلبة ظن، وأما اليقين؛ فهو وهم، كما لا يخفى.\nفإن قلت: يستقبل الصلاة؟\nقلت: لا حاجة لذلك؛ لأنَّه عساه أن يقع له مرة ثانيًا أو ثالثًا إلى ما لا نهاية له.\nفإن قلت: يبنيه على الأقل؟\nقلت: لا وجه لذلك أيضًا؛ لأنَّ ذلك لا يوصله إلى ما عليه، فلا يبني على الأقل إلا عند عدم وقوع تحريه على شيء، كما ذكرنا.\nقلت: والبناء على الأقل عند الشك -الذي هو استواء الطرفين- لا فائدة فيه؛ لأنَّه لم يترجح عنده أحدهما حتى يبني عليه، فهذا اليقين هو الوهم نفسه، فغلبة الظن الأخذ بها صواب؛ فافهم.\nوزعم الشافعية أنَّ في الحديث [حجة] على أنَّ كلام الناسي لا يبطل الصلاة؛ لأنَّه ﵇ في حكم الناسي أو الساهي؛ لأنَّه كان يظن أنَّه ليس فيها، وقال أبو عمر (^١) (ذهب الشافعي: إلى أنَّ الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة؛ لا يبطلها، وهو قول مالك وأصحابه)، وقال مالك: تعمُّد الكلام في الصلاة إذا كان لشأنها وإصلاحها؛ لا يفسدها، وهو قول ربيعة، وقال أحمد: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها؛ لم تفسد، فإن تكلم لغير ذلك؛ فسدت، وقال الشافعي: من تعمد الكلام، وهو يعلم أنَّه لم يتم صلاته، وأنَّه فيها؛ أفسدها، فإن تكلم ناسيًا، أو تكلم وهو يظن أنَّه ليس في الصلاة؛ لا تبطل، وأجمعوا على أنَّ الكلام عامدًا إذا كان المصلي يعلم أنَّه في الصلاة ولم يكن ذلك لإصلاحها؛ أنَّها تفسد، وروي عن الأوزاعي: أنَّه من تكلم لإحياء نفس ونحوه؛ لم تفسد صلاته، وقال الشافعي: إذا تكلم لإحياء صبي [من] الوقوع في هلكة أو نحوها؛ تبطل صلاته، وذهب أحمد: أنَّها لا تبطل، وهو قول أصحاب الشافعي.\nقلت: ولا دليل لهؤلاء على ما قالوه، بل إنَّه لا يجوز الكلام في الصلاة إلا بالتكبير، والتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، ولا يجوز أن يتكلم في الصلاة لأجل شيء حدث من الإمام في الصلاة، والكلام يبطل الصلاة مطلقًا، سواء كان عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، وسواء كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا، سواء كان لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فالكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان، وهذا مذهب رأس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه، وهو قول حماد بن أبي سليمان، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وسفيان الثوري، وعبد الله بن وهب، وابن نافع من أصحاب مالك، وهو قول عطاء، والحسن البصري، وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال السدي: (يعني: ساكتين؛ لأنَّ الآية نزلت في منع الكلام من الصلاة، وكان ذلك مباحًا في صدر الإسلام)، وهذا هو الصحيح؛ لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نُسلِّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه؛ فلم يرد علينا السلام، فقلنا: يا رسول الله؛ كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا، فلم ترد علينا، فقال ﵇: «إن في الصلاة لشغلًا»، وروى زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أحدث من أمره ألا تتكلموا في الصلاة»، وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي، أخرجه مسلم مطولًا، وفيه قال ﵇: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنَّما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا، فهذا نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان عامدًا أو جاهلًا؛ لحاجة الصلاة أو غيرها، وسواء كان ناسيًا أو ساهيًا أو غير ذلك؛ لأنَّ اللفظ مطلق، فيعم الجميع، وأفاد أن الحديث منسوخ؛ لأنَّ الكلام كان مباحًا في صدر الإسلام، ثم نسخ، وحرم في الصلاة، فلا دليل لهم في إباحته، كما لا يخفى، فإن احتاج المصلي إلى تنبيه إمام ونحوه؛ سبح إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت امرأة،\n_________\n(^١) في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":269},{"text":"وذلك؛ لقوله ﵇: «من نابه شيء في صلاته؛ فليقل: سبحان الله، فإنما التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال»، رواه سهل بن سعد، أخرجه الحافظ الطحاوي عنه، وأخرجه البخاري مطولًا، ولفظه: «أيها الناس؛ ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟! إنَّما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته؛ فليقل: سبحان الله! فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت»، وأخرجه مسلم وأبو داود أيضًا، وقوله: «من نابه»؛ أي: من نزل به شيء من الأمور المهمة، والمراد من التصفيق: ضرب ظاهر إحدى يديه على باطن الأخرى، وقيل: بإصبعين من أحدهما على صفحة الأخرى؛ للإنذار والتنبيه، وقال الحافظ الطحاوي: (دل هذا الحديث على أن كلام ذي اليدين لرسول الله ﷺ بما كلمه به في حديث عمران وأبي هريرة كان قبل تحريم الكلام في الصلاة) انتهى.\nقلت: فحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث عبد الله بن مسعود وزيد بن أرقم، فإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام؛ فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث من أدركه الفجر جنبًا، فلا صوم له، وكان كثير الإرسال؛ فافهم.\nفإن قلت: قد جرى الكلام في الصلاة، وقد ورد في الحديث: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته؛ فليقل سبحان الله!»، فلمَ لم يسبحوا؟\nقلت: لأنَّه ﵇ في ذلك الوقت لم يأمرهم بالتسبيح؛ لأنَّ حديث التسبيح متأخر عن إباحة الكلام في الصلاة، ويحتمل أنَّهم توهموا أن الصلاة قصرت أو زادت، وقد جاء في الحديث قال: «وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة؟»، فلم يكن بد من الكلام لأجل ذلك، ثم حرم الكلام في الصلاة بعد ذلك، واستقر الحال على تحريمه، وصار التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وما وراء ذلك تعصب وعناد؛ فافهم.\nفإن قلت: حديث الباب لا يدل على تحريم الكلام في الصلاة؛ لأنَّه قال: «وما ذاك؟».\nقلت: لأنَّ الحديث كان في صدر الإسلام، وكان الكلام فيها مباحًا، وقد ثبت تحريم الكلام في حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم بعد ذلك، فالحديث منسوخ، كما قدمناه.\nوزعم الكرماني (فإن قلت: كيف رجع إلى الصلاة بانيًا عليها، وقد تكلم بقوله: «وما ذاك؟»؟\nقلت: لأنَّه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو أنه خطاب للنبيِّ ﵇ وجواب، وذلك لا يبطل الصلاة، أو كان قليلًا وهو ﵇ في حكم الساهي أو الناسي؛ لأنَّه كان يظن أنه ليس في الصلاة).\nورده إمام الشَّارحين فقال: مذهب إمامه: أن الكلام في الصلاة إذا كان ناسيًا أو ساهيًا لا يبطلها، فلا فائدة حينئذ في قوله: (إنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة)، والجواب الثاني: لا يتمشى بعد النبيِّ الأعظم ﷺ، والجواب الثالث: غير موجه؛ لأنَّ قوله ﵇: «وما ذاك؟» غير قليل، على ما لا يخفى، انتهى.\nقلت: وقد أباح إمامهم الكلام القليل دون الكثير، وقوله ﵇: «وما ذاك؟» كثير؛ لأنَّ الكثير عندهم ما زاد على ثلاثة أحرف، وما دونها أو هي؛ فقليل، فلا دليل لهم من الحديث؛ فافهم. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (فثنى رجليه، واستقبل القبلة)؛ لأنَّه استقبلها بعد أن سلم سلام الخروج من الصلاة، وفيه دليل على جواز النسخ، وجواز توقع الصحابة في ذلك يدل عليه استفهامهم حيث قيل له ﵇: (أحدث في الصلاة شيء؟) والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٧٤\"> </span>(٣٢) <span data-type=\"title\" id=toc-674>[باب ما جاء في القبلة]</span>\nهذا (باب: ما جاء في) أمر (القبلة)، وهو خلاف ما تقدم قبل هذا الباب، فإن ذاك في حكم التوجه إلى القبلة، وهذا في حكم من سها فصلى إلى غير القبلة، وأشار إلى حكم هذا بقوله: (ومن لم ير)، هذه رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي، وفي رواية المستملي: (ومن لا ير)، (الإعادة) وهو عطف على قوله: (في القبلة)؛ أي: وباب: ما جاء فيمن لم ير إعادة الصلاة (على من سها) عن التوجه إلى القبلة، (فصلى إلى غير القبلة) بأن شرق أو غرب أو نحوهما، وزعم الكرماني: أن الفاء في (فصلى) تفسير لقوله: (سها)، فهي تفسيرية.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (وفيه بعد، والأولى أن تكون الفاء للسببية؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، ولو قال: كـ «الواو» لكان أحسن، كما لا يخفى) انتهى.\nومقصود الإمام البخاري في هذا الباب: بيان أن الرجل إذا اجتهد في القبلة، فصلَّى إلى غيرها؛ هل يعيد أم لا؟\nفذهب الإمام الأعظم وأصحابه: إلى أنَّه لا يعيد صلاته؛ لأنَّه قد أتى بما في وسعه، فصلاته صحيحة، وبه قال الثوري، والنخعي، والشعبي، وعطاء، وابن المسيب، وحماد، وهو مذهب المؤلف، وهو رواية عن مالك، وهو قول الحسن والزهري.\nيدل لهذا ما رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عامر بن ربيعة أنَّه قال: كنَّا مع النبيِّ الأعظم ﷺ في سفر، فغيَّمت السماء، وأشكلت علينا القبلة، فصلينا وأعلمنا، فلمَّا (^١) طلعت الشمس؛ إذا نحن قد صلينا لغير القبلة، فذكرنا ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وروى البيهقي في «المعرفة»، من حديث جابر قال: إنَّهم صلوا في ليلة مظلمة؛ كلُّ رجل منهم على حياله، فذكروا ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ، فقال: «مضت صلاتكم»، ونزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.\nوقول الترمذي: (ليس إسناده بذاك)، وقول البيهقي: (حديث جابر ضعيف): ممنوع؛ لأنَّه رُوي حديث جابر من ثلاث طرق؛ أحدها: أخرجه الحاكم في «المستدرك»، عن محمد بن سالم، عن عطاء بن أبي رباح عنه، ثم قال: (هذا حديث صحيح)؛ فافهم، وروي عن مالك فيمن صلى إلى غير القبلة، والحالة هذه: أنه يعيد في الوقت استحسانًا، وقال المغيرة: (يعيد أبدًا)، وعن حميد بن عبد الرحمن، وطاووس، والزهري: (يعيد في الوقت)، وزعم الشافعية: (إن فرغ\n_________\n(^١) في الأصل: (فما)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":269},{"text":"من صلاته، ثم بان له أنَّه صلى إلى الغرب؛ استأنف الصلاة، وإن لم يبن له ذلك إلا باجتهاده؛ فلا إعادة عليه).\nقلت: والأحاديث المذكورة حجة عليهم.\nوزعم الواحدي (أنَّ ابن عمر ذهب إلى أنَّ الآية نازلة في التطوع بالنافلة).\nقلت: وصريح الحديث السابق يرده، وقال ابن عباس: لما توفي النجاشي؛ جاء جبريل إلى النبيِّ الأعظم ﵉، فقال: إنَّ النجاشي توفي؛ فصلِّ عليه، فقال الصحابة في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات ولم يصلِّ لقبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات، فنزلت الآية، وقال قتادة: (هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وهي رواية ابن عباس)، كذا قاله في «عمدة القاري».\nقلت: والأحاديث التي سبقت صريحة في أنَّ الآية نزلت في أمر القبلة، ويدل عليه أنَّ أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ استداروا في الصلاة إليها؛ فليحفظ.\n (وقد سلم النبيُّ) الأعظم (ﷺ في ركعتي الظهر) وللأصيلي: (في ركعتين من الظهر) (وأقبل على الناس بوجهه)؛ أي: من غير تحويل صدره عن القبلة، بل التفت بعنقه، فإقباله عليهم بالوجه فقط، (ثم أتم ما بقي)؛ أي: من صلاته؛ أي: الركعتين الأخيرتين.\nومطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث عدم وجوب الإعادة على من صلى ساهيًا إلى غير القبلة، وهو ظاهر؛ لأنَّه ﵇ في حال إقباله على الناس داخل في حكم الصلاة، وأنَّه في ذلك الزمان ساهٍ مصلٍّ إلى غير القبلة، وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن بطال وابن التين إلى أنَّ هذا التعليق طرف من حديث ابن مسعود الذي سلف.\nورده الشَّارح فقال: (وهذا وهم منهما؛ لأنَّ حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنَّه سلم من ركعتين)؛ فافهم.\nقلت: فلله در هذا الشَّارح! وحقيق بأن يسمى إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٦٧٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-675>[حديث عمر: وافقت ربي في ثلاث]</span>\n٤٠٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمْرو)؛ بفتح العين المهملة وسكون الميم (بن عون)؛ بالنون، هو أبو عثمان الواسطي البزاز -بالزاي المكررة- نزيل البصرة، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئتين (قال: حدثنا هُشَيْم)؛ بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشير -بفتح الموحدة- الواسطي، (عن حُميد)؛ بضم الحاء المهملة، هو الطويل البصري، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك)؛ هو الأنصاري، خادم النبيِّ الأعظم ﷺ (قال: قال عمر) هو ابن الخطاب، القرشي، العدوي، ثاني خلفاء سيد المرسلين ﵁: (وافقت ربي) من الموافقة، من باب المفاعلة الذي يدل على مشاركة اثنين في فعل ينسب إلى أحدهما متعلقًا بالآخر (^١)، والمعنى في الأصل: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، ولكنَّه راعى الأدب، فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر وغيره.\nواعترضه صاحب «اللامع» فقال: (لا يحتاج إلى ذلك، فإن من وافقك؛ فقد وافقته) انتهى.\nقلت: بل يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أفعاله وأحكامه تأتي على وفق إرادته، فقد يريد العبد شيئًا ولا يريد الرب ذلك الشيء؛ يعني: أنه تعالى أراد هذه الأحكام، وإرادته مرضية محبوبة لإرادتي؛ حيث تقع على وفق الحكمة، وإنما يحتاج إليه أيضًا حتى لا ينسب إلى سوء الأدب مع الرب ﷿، وإن كان باب المفاعلة يدل على المشاركة؛ فإنَّها قاعدة اصطلاحية نحوية كما أنَّ الخبر يحتمل الصدق والكذب ولو كان في كلامه تعالى، وذلك من حيث الاصطلاح، وإلا؛ فكلامه تعالى منزَّه عن الكذب، بل هو صدق؛ فافهم.\n (في ثلاث)؛ أي: ثلاثة أمور، وإنَّما لم يؤنث الثلاث مع أنَّ الأمر مذكر؛ لأنَّ المميز إذا لم يكن مذكورًا؛ جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث.\nفإن قلت: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاثة؛ منها: في أسارى بدر؛ حيث كان رأيه ألا يفدون، فنزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ (^٢) لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]، ومنها: في منع الصلاة على المنافقين، فنزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، ومنها: في تحريم الخمر، ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسي، من حديث حماد بن سلمة، عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع، وذكر ما في البخاري قال: ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت كذلك، ومنها: في شأن عائشة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله؛ من زوجكها؟ فقال: «الله تعالى»، قال: أفننظر أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك! هذا بهتان عظيم، فأنزل الله ذلك، وذكر ابن العربي: (أن الموافقة في أحد عشر موضعًا).\nقلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصححًا، من حديث ابن عمر قال: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، وهذا يدل على كثرة موافقته، فإذا كان كذلك؛ فكيف نص على الثلاث في العدد؟\nقلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد عنه، ويحتمل أنَّه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد، وهذا الاحتمال فيه نظر؛ لأنَّ عمر أخبر بهذا بعد موت النبيِّ الأعظم ﷺ، فلا يتجه ما ذكر، ويحتمل أنَّ الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها؛ لغرض له، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: ويحتمل أنَّ الراوي حضر هذه الموافقة في هذه الثلاث، فعبر عما سمعه وقتئذٍ، ثمَّ وقت آخر حضر موافقة أخرى، فعبر عنها، والله تعالى أعلم.\nولموافقات عمر\n_________\n(^١) في الأصل: (بالآخرة)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (تكون)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":270},{"text":"تأليف خاص وصل فيه إلى أكثر من مئة، والله تعالى أعلم.\n (قلت:) وللأربعة: (فقلت) (يا رسول الله؛ لو اتخذنا من مقام إبراهيم) هو خليل الرحمن ﵇؛ (مصلى)؛ أي: قبلة، قاله الحسن، وذلك بأن جعل المصلى بينه وبين القبلة.\nقال إمام الشَّارحين: وجواب (لو) محذوف، ويجوز أن تكون (لو)؛ للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، واختلفوا فيه، فقال ابني الصائغ وهشام: هي قسم برأسها لا تحتاج إلى جواب؛ كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب؛ كجواب (ليت)، وقال ابن مالك: هي (لو) المصدرية أغنت عن فعل التمني، انتهى.\nوزعم ابن حجر: أنها (لو) الشرطية أشربت معنى: التمني.\nقلت: هذا قول ملفق من قولين جعله واحدًا، ونسبه لنفسه، وهو غير ظاهر؛ فافهم.\n (فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾)؛ فيه قراءتان، أحدهما: وهي المشهورة بلفظ الأمر؛ يعني: وقلنا لهم: اتخذوا، والثانية: بلفظ الماضي؛ عطفًا على: ﴿جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُوا﴾، (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) [البقرة: ١٢٥]: تصلون فيه ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات، كما روي عن مقاتل وقتادة والسدي: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا...﴾؛ الآية: أمر بالصلاة عند المقام.\nوأراد عمر بقوله: لو اتخذنا؛ يعني: أفلا نؤثره؛ لفضله بالصلاة فيه؛ تبركًا وتيمُّنًا بموطئ قدم إبراهيم ﵇؟ فالخطاب بالاتخاذ إنَّما هو لأمة نبينا النبيِّ الأعظم ﷺ لا لأمة إبراهيم ﵇.\nوالأمر بتعيين المقام للصلاة للاستحباب؛ لانعقاد الإجماع على أنَّ أماكن المسجد الحرام لا تفاوت بينها في حق ركعتي الطواف ولا في غيرهما من الصلوات، فعلم بذلك أن أهل الإجماع حملوا الأمر بتعيُّن المقام للصلاة على الاستحباب، وهو لا ينافي كون ركعتي الطواف واجبة، كما هو مذهب الإمام الأعظم ﵁؛ فافهم.\nوالمَقام؛ بفتح الميم، ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًّا من قام يقوم، وأن يكون اسمًا لموضع القيام، وهو الموضع الذي يضع عليه الإنسان قدميه حيث يقوم.\nوالمُقام؛ بضم الميم، موضع الإقامة، ونفس الإقامة أيضًا، والتعريف المستفاد من إضافة المقام إلى إبراهيم للعهد، والمعهود موضعه الذي وضع قدميه حين دعا الناس إلى الحج، أو حين رفع بناء البيت، وذلك الموضع هو الحجر الذي فيه أثر قدميه؛ لأنَّه ﵇ قام عليه حقيقة في ذينك الوقتين، ويطلق لفظ: المقام أيضًا على الموضع الذي كان الحجر فيه حين قام عليه ودعا أو رفع البناء؛ لأنَّ ذلك الموضع وإن كان موضعًا للحجر حقيقة وبالذات؛ فهو موضع لإبراهيم؛ توسعًا وبالواسطة، والمقام المذكور في قول النبيِّ الأعظم ﷺ: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما»، وفي قول أنس بن مالك: رأيت المقام فيه أصابعه وأخمص قدميه والعقب غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، فالمراد به: نفس الحجر الذي قام عليه؛ فافهم.\nوروى البغوي: (أن إبراهيم ﵇ استأذن سارة أن يزور إسماعيل ﵇، فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم مكة حتى جاء إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، ويجيء الآن إن شاء الله، فانزل؛ يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن عيشتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة، ولو جاءت يومئذٍ بخبز أو برٍّ أو شعير أو تمر؛ لكان أكثر أراضي الله برًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولته إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك؛ فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، فلمَّا جاء إسماعيل؛ وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم؛ شيخ أحسن الناس وجهًا وأطيبهم ريحًا، فقال: كذا وكذا، فقلت له: كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه، فقال: ذلك إبراهيم ﵇، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ثم لبث ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نباله تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه؛ قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل؛ إن الله أمرني بأمر تعينني عليه؟ قال: أعينك، قال: إنَّ الله أمرني أن أبني هنا بيتًا، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة) انتهى، والله أعلم.\nوتوجيه القراءتين في ﴿وَاتَّخِذُوا﴾: أن يقال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ بلفظ الماضي، فمقام إبراهيم: البيت الذي بناه، وهو الكعبة، والمصلى: القبلة؛ لأنَّ الناس سواء حمل على العموم أو خص بالذاكرين لا يصح أن يخبر عنهم بأنَّهم اتخذوا الحجر المعهود أو موضعه صلاة أو دعاء؛ بمعنى: أنَّهم يصلون فيه أو يدعون؛ لأنَّ اتخاذه كذلك إنَّما هو من أحكام شريعتنا ليس شريعة قديمة مثل كون البيت مثابة، فلا جرم أنَّ معنى (المصلى): الموضع الذي يصلى إليه، فإنَّ موضع الصلاة أعم من الموضع الذي يصلى فيه، ومن الموضع الذي يصلى إليه، واستلزم ذلك أن يقال: مقام إبراهيم: هو الكعبة؛ لأنَّ المتوجه إليه في الصلاة إنَّما هو الكعبة بعينها، وسميت بمقام إبراهيم؛ لاهتمامه بها؛ من حيث إنه بناها بنفسه بمعاونة ابنه إسماعيل.\nوأمَّا إذا قرئ بلفظ الأمر؛ فيصح أن يجعل (المصلى)؛ بمعنى: ما يصلى فيه، وأن يجعل (المقام)؛ بمعنى: موضع القدمين؛ إذ لا مانع من أن يؤمر جميع الناس بأن يصلوا فيه، وإن لم يصحَّ أن يخبر عنهم بأنَّهم صلوا فيه، ويكون لفظ: (مقام إبراهيم) على قراءة الماضي موضوعًا موضع ضمير البيت؛ للإشارة إلى أنَّ","vol":"1","page":270},{"text":"علة اتخاذهم إياه قبلة إضافتُه إلى إبراهيم ﵇؛ من حيث إنَّه بناه بأمر الله تعالى، وروى ابن عباس أنَّه ﵇ قال: «إنَّ لله في كل يوم وليلة مئة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت؛ ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين» انتهى «حواشي شيخ زاده».\n (وآية الحجاب)؛ كلام إضافي يجوز فيه: الرفع والنصب والجر، أمَّا الرفع؛ فيحتمل وجهين؛ أحدهما: بالابتداء محذوف الخبر، تقديره: وآية الحجاب كذلك، والآخر: أن يكون معطوفًا على مقدر، تقديره: هو اتخاذ المصلى وآية الحجاب، وأمَّا النصب؛ فعلى الاختصاص، وأمَّا الجر؛ فعلى أنه معطوف على مجرور مقدر، وهو بدل من (ثلاث)، تقديره: في ثلاث: اتخاذ المصلى وآية الحجاب، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (قلت: يا رسول الله) أي: قال عمر لرسول الله: (لو أمرت نساءك أن يحتجبن)؛ أي: يتسترن عن غير أزواجهن من الأجانب؛ (فإنَّه يكلِّمهنَّ) الفاء؛ للسببية (البَر)؛ بفتح الموحدة، صفة مشبهة، من بررت أبر، من باب علم يعلم، فأنا برٌّ وبارٌّ، ويجمع (البرُّ) على (أبرار)، و(البارُّ) على (البررة)؛ وهو ما قابل الفاجر، (والفاجر)؛ من الفجور، يقال: فجر فجورًا: فسق، وفجر: كذب، وأصله الميل، فالفاجر: المائل عن الحق.\n (فنزلت آية الحجاب) هي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، قال قتادة: (توفي النبيُّ الأعظم ﷺ عن تسع؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية (^١)، وواحدة من بني هارون: صفية، وأمَّا أولاده؛ فالقاسم، وعبد الله، والطاهر، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم؛ كلهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية، وجميع أولاده ﵇ ماتوا في حياته غير فاطمة، وكانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهنَّ، فأحب عمر أن يأمر الله ورسوله بإرخاء الجلابيب عليهنَّ إذا أردنالخروج إلى حوائجهنَّ، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبًا شابًّا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تبرز للحاجة، فتعرض لها بعض الفساق يظن أنها أمة، فتصيح به، فيذهب، فشكوا ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ، فنزلت الآية المذكورة)، والجلابيب: جمع جُلباب؛ بضم الجيم، وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابني عباس ومسعود: أنَّه الرداء، وقيل: إنَّه القناع، والصحيح: أنَّه الثوب الذي يستر جميع البدن، وفي «الصحيحين» عن أم عطية قلت: يا رسول الله؛ إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها»، وفيهما عنه ﵇ أنه قال: «رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»، وثبت عنه أنَّه قال: «نساء كاسيات، عاريات، مائلات، مميلات، رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها»، وكان عمر ﵁ إذا رأى أمَة قد تقنعت ضربها بالدرة؛ محافظة على زيِّ الحرائر، فانظر هذا الزمان الذي كثر فيه الفساد، وأبيحت الخمور، والولد متلف، والبيت مدلف، والرأي مخلف، والعبد مسرف، والقلب خراب، والخطأ صواب، والزنى فاش، والرياء ماش، والإمام داش، والقاضي راش، والصوفي عكر، والصافي كدر، والملك لاه، والوزير ساه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فيجب على كل راع أن يمنع النساء من الخروج والركوب على السروج؛ فافهم، والله أعلم.\n (واجتمع نساء النبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: الذين دخل بهن، والذين عقد عليهن ولم يدخل بهن، والذين خطبهن ولم يتم نكاحه معهن، ومجموعهن نيف وثلاثون، كما بسطه القرطبي في «تفسيره».\n (في الغيرة عليه)؛ بفتح الغين المعجمة، وهي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور؛ بلا هاء؛ لأنَّ فعولًا يشترك فيه الذكر والأنثى، يقال: غرت على أهلي أغار غيرة، فأنا غائر وغيور؛ للمبالغة، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (فقلت) أي: قال عمر (لهن: عسى ربه إن طلقكن)؛ يعني: لتنتهن عن ذلك، وإلا؛ فعسى ربه إن طلقكن (أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنَّ).\nفإن قلت: المبدلات خير (^٢) منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين.\nقلت: إذا طلقهن ﵇؛ لعصيانهن له، وإيذائهن إياه؛ لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة له ﵇، والنزول على رضاه وهواه خيرًا منهن، ولهذا قال تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، وإنَّما أخليتْ هذه الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؛ لأنَّهما صفتان متنافيتان لا يجمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بدٌّ من الواو، قاله الإمام جار الله في «كشافه».\nوقال الإمام حافظ الدين النسفي: (الآية واردة في الإخبار عن المقدرة لا عن الكون في الوقت؛ لأنَّه ﷿ قال: ﴿إِن طَلَّقَكُنَّ﴾، وقد علم أنَّه لا يطلقهن، وهذا كقوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...﴾؛ الآية [محمد: ٣٨]، فهذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهن لا أن في الوجود من هو خير من أمَّة محمد النبيِّ الأعظم ﷺ) انتهى.\n (فنزلت هذه الآية)؛ أي: المذكورة، قال إمام الشَّارحين: ومطابقة هذا الحديث للترجمة في الجزء الأول، وهو قوله: (لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى)، والمراد بـ (المقام): الكعبة على قول، وهي قبلة، والباب في ما جاء في القبلة، وعلى قول من فسر المقام بالحرم؛ فالحرم كله قبلة في حق الآفاقيين، والباب في أمور القبلة، وأمَّا على قول من فسر المقام بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم؛ فتكون المطابقة للترجمة بتعلقه\n_________\n(^١) في الأصل: (وجويرة)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (خيرًا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":271},{"text":"بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة، انتهى.\nثم قال ﵁: (ويستنبط من الحديث أحكام، وهي على ثلاثة أنواع، كما صرح بها الحديث:\nالأول: سؤال عمر ﵁ من رسول الله ﵇ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلًّى.\nوزعم الخطابي أنَّ عمر سأل أن يجعل ذلك الحجر الذي فيه أثر مقامه مصلًّى بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، فنزلت الآية.\nوزعم ابن الجوزي فإن قلت: ما السر في أنَّ عمر لم يقنع بما في شرعنا حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم، وقد نهاه النبيُّ الأعظم ﷺ عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة؟\nوالجواب: أنَّ عمر لما سمع قوله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، ثم سمع: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]؛ علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره، ثم رأى أن البيت مضاف إليه، وأنَّ أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء؛ ليُذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (ولم تزل آثار قدمي إبراهيم ﵇ ظاهرة فيه معروفًا عند العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في «قصيدته اللامية» المعروفة:\nوموطئ إبراهيم في الصخر رطبة... على قدميه حافيًا غير ناعل\nوقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا، كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس، عن الزهري: أن أنس بن مالك حدثهم قال: رأيت المقام فيه أصابعه ﵇ أخمص قدميه غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ: حدثنا يزيد بن زريع: حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَاتَّخِذُوا...﴾؛ الآية [البقرة: ١٢٥]، قال: إنَّما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأُمَّة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالت هذه الأمَّة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى) انتهى.\n (النوع الثاني: الحجاب، فكان ﵇ جاريًا فيه على عادة العرب، ولم يكن يخفى عليه ﵇ أنَّ حجبهن خير من غيره، لكنَّه كان ينظر الوحي؛ بدليل أنَّه لم يوافق عمر حين أشار بذلك)، قاله القرطبي.\nقلت: وحديث الباب يردُّ عليه؛ لأنَّ عمر ﵁ لما سأل رسول الله ﵇ أن يحجب نساءه؛ لم يحصل بينهما عدم موافقة ولا إشارة بالعدم، بل عقب سؤال عمر نزل الحجاب؛ بدليل عليه قوله: (فنزلت آية الحجاب)، فأتى بالفاء التعقيبية؛ إشارة إلى عدم وقوع المهلة بينهما، بل عقب السؤال نزل الحجاب، ويدل عليه أيضًا ما رواه أبو داود الطيالسي: عن أنس قال: قال عمر: (وافقت ربي في أربعة...)؛ الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله؛ لو ضربت على نسائك الحجاب؛ فإنَّه يدخل عليهن البرُّ والفاجر، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]»، وهذا يدل على أنَّه لم يقع بينهما إشارة بعدم الموافقة، بل كان ﵇ يحب في نفسه نزول الحجاب، ولم يأمر به ولم ينه عنه حتى نزلت الآية؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وكان الحجاب في السنة الخامسة، قاله قتادة، وقيل: في السنة الثالثة، وهو قول أبي (^١) عبيدة يعمر بن المثنى، وعند ابن سعد: أنَّه في ذي القعدة سنة أربع، وكان السبب في ذلك أنه لما تزوج زينب بنت جحش؛ أولم عليها، فأكل جماعة، وهي مولية بوجهها إلى الحائط ولم يخرجوا، فخرج رسول الله ﵇ ولم يخرجوا، وعاد ولم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب) انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ فيكون نزول الحجاب سنة خمس؛ لما رواه الدارقطني: أنَّه ﵇ تزوج زينب بالمدينة في سنة خمس من الهجرة، وتوفيت سنة عشرين، وهي بنت ثلاث وخمسين، ذكره القرطبي، وقال القاضي عياض: (أمَّا الحجاب الذي خص به زوجات النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها، ولا إظهار شخصهن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وبنيت عليها قبة لما توفيت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾) انتهى.\nقلت: وهذه الآية عامة شاملة لجميع النساء، فالله سبحانه أمر الجميع (^٢) بالتستر، وأنَّ ذلك لا يكون إلا بما لا يصف (^٣) جلدها إلا إذا كانت مع زوجها؛ فيجب الستر والتقنع في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله ﵇ منعوا النساء المساجد بعد وفاته ﵇ مع قوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، حتى قالت عائشة ﵂: لو عاش رسول الله ﵇ إلى وقتنا هذا؛ لمنعهنَّ من الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.\nقلت: فيجب في زماننا المنع مطلقًا، سواء كان خروجهن للمساجد أو لغيرها؛ لفساد الزمان؛ فافهم.\nالنوع الثالث: اجتماع نساء النبيِّ الأعظم ﷺ في الغيرة عليه، وهو ما ذكره البخاري في تفسير سورة البقرة، حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله؛ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبيِّ الأعظم ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه؛ فقالت: يا عمر؛ أمَا في رسول الله ﵇ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ...﴾؛ الآية [التحريم: ٥]، وأخرج في سورة التحريم: حدثنا عمرو بن عون: حدثنا هشيم عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبيِّ الأعظم ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكنَّ أن\n_________\n(^١) في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (حميع)، والمثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (لا يوصف)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":271},{"text":"يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت الآية.\nقال إمام الشَّارحين: (وأصل هذه القضية: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا صلى الغداة؛ دخل على نسائه امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر ﵄ عكة من عسل، فكانت إذا دخل عليها رسول الله ﷺ مسَلِّمًا؛ حبسته، وسقته منها، وأنَّ عائشة ﵂ أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرة عندها حبشية يقال لها: خضرة: إذا دخل رسول الله ﷺ على حفصة؛ فادخلي عليها، فانظري ماذا يصنع، فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت، فأرسلت إلى صواحبها، وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله ﷺ؛ فقلن: إنا نجد منك ريح مغافر، وهو صمغ العرفط (^١) كريه الرائحة، وكان ﵇ يكره ويشق عليه أن يوجد منه ريح منتنة؛ لأنَّه يأتيه الملَك، فدخل رسول الله ﷺ على سودة، فقالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله ﵇، ثم إني فرقت من عائشة، فقلت: يا رسول الله؛ ما هذه الريح التي أجدها منك، أكلت المغافر؟ قال: «لا، ولكن حفصة سقتني عسلًا»، ثم دخل على عائشة، فأخذت بأنفها، فقال لها النبيُّ الأعظم ﷺ: «ما شأنك؟»، قالت: أجد ريح المغافر، أكلتها يا رسول الله؟ فقال: «لا، بل سقتني حفصة عسلًا»، قالت: جرست إذًا نحله العرفط، فقال لها: «والله لا أطعمه أبدًا»، فحرمه على نفسه، قالوا: وكان ﵇ قسم الأيام بين نسائه، فلما كان يوم حفصة؛ قالت: يا رسول الله؛ إن لي إلى أبي حاجة نفقة لي عنده، فائذن لي أن أزوره، وآتي بها، فأذن لها، فلما خرجت؛ أرسل رسول الله [صلى الله] عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية أم إبراهيم، وكان قد أهداها له المقوقس، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة، فوجدت الباب مغلقًا، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، فقالت: إنَّما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي، وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًّا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقالعليه السلام: «أليس هي جارية قد أحلها الله لي؟ اسكتي، فهي علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن، وهو عندك أمانة»، فلما خرج ﵇؛ قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك أنَّ رسول الله ﵇ قد حرم عليه أمته مارية، فقد أراحنا الله منها، وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه ﵇، فلم تزل بنبي الله ﵇ حتى حلف ألا يقربها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]؛ يعني: العسل ومارية، ثم إنَّ عمر ﵁ لما بلغه ذلك؛ دخل على نساء النبيِّ الأعظم ﷺ، فوعظهن، وزجرهن، ومن جملة ما قال: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله هذه الآية، فهذا من جملة ما وافق عمر ربه، ووافقه ربه ﷿) انتهى، والله تعالى أعلم.\nوبالسند إليه قال: (حدثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم؛ كذا في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر، عن المستملي، قال (أبو عبد الله -أي: المؤلف-: وحدثنا ابن أبي مريم)، وفي رواية ابن عساكر: (قال محمد -أي: المؤلف أيضًا-: وقال ابن أبي مريم)، وفي رواية الأصيلي، عن الحمُّوي والكشميهني: (وقال ابن أبي مريم)، (أخبرنا يحيى بن أيوب) هو الغافقي (قال: حدثني)؛ بالإفراد (حُميد)؛ بضمِّ الحاء المهملة، هو الطويل التابعي (قال: سمعت أنسًا)؛ هو ابن مالك الأنصاري (بهذا)؛ أي: بالحديث المذكور سندًا ومتنًا، فهو من رواية أنس، عن عمر، لا من رواية أنس، عن النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فافهم، نبه عليه إمام الشَّارحين، ثم قال: وهذا ذكره البخاري معلقًا هنا، وفي «التفسير» أيضًا، ونص عليه أيضًا خلف وصاحبا «المستخرج»، وهو الظاهر، ووقع في رواية كريمة: (حدثنا ابن أبي مريم)، وهو غير ظاهر؛ لأنَّ البخاري لم يحتج بيحيى بن أيوب، وإنَّما ذكره في الاستشهاد والمتابعة، وقول ابن طاهر: (خرَّج له الشيخان)، فيه نظر؛ لأنَّه نقض كلام نفسه بنفسه؛ لذكره له ترجمة في «أفراد مسلم»، وفائدة ذكر البخاري له تصريح حميد فيه بسماعه إياه من أنس، فحصل الأمن من تدليسه، انتهى.\nوزعم الكرماني أنَّ استشهاد المؤلف بهذا الطريق؛ للتقوية؛ دفعًا لما في الإسناد السابق من ضعف عنعنة هشيم، فإنَّه قيل: إنَّه مدلس.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (فيه نظر؛ لأنَّ معنعنات «الصحيحين» كلها مقبولة محمولة على السماع، وكلامه يدل على هذا، فذكره كما ذكرنا هو الواقع في محله)؛ فافهم.\nوزعم الكرماني أيضًا: (وإنما لم يعكس المؤلف بأن يجعل هذا الإسناد أصلًا؛ لما في يحيى من سوء الحفظ، ولأنَّ في ابن أبي مريم ما نقله بلفظ النقل والتحديث، بل ذكره على سبيل المذاكرة، ولهذا قال البخاري: قال ابن أبي مريم).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: فيه نظر؛ لأنَّه صرح في رواية كريمة: (حدثنا ابن أبي مريم)، فهو يعكر على ما قاله، والظاهر: أنَّ الكرماني لو اطلع على هذه الرواية؛ لما قال ما ذكره، انتهى.\nقلت: والتصريح بالتحديث ثبت أيضًا في رواية أبي ذر عن المستملي: (قال أبو عبد الله: وحدثنا ابن أبي مريم)، والمستملي أحفظ الرواة، فيكون المؤلف نقله على لفظ النقل والتحديث لا على سبيل المذاكرة، كما زعمه الكرماني، فحقيق بأنَّ الكرماني لم يطلع على هذه الروايات، ولو اطلع؛ لما قال ما قال، فإنَّه قد ركب متن عميا، وخبط خبط عشوى؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٧٦\"> </span>[حديث: بينا الناس في بقباء]\n٤٠٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التنيسي المنْزِل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسُف) تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك)، كذا للأصيلي وابن عساكر، ولغيرهما: (مالك بن أنس)؛ هو الأصبحي المدني، (عن عبد الله بن دينار) هو المكي التابعي، (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي ﵄ (قال: بينا) أصله: بين، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، يقال: بينا وبينما، وهما\n_________\n(^١) في الأصل: (العزقط)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":272},{"text":"ظرفا زمان؛ بمعنى: المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه (إذ) و(إذا)، وقد جاء كثيرًا، تقول: بينا زيد جالس؛ دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل دخل عليه، وبينا هنا: أضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله: (إذ جاءهم آتٍ) انتهى، قرره إمام الشَّارحين.\n (الناس بقُباء)؛ بضمِّ القاف وتخفيف الموحدة بعدها، قال الشَّارح: (وفيه ست لغات: المد، والقصر، والتذكير، والتأنيث، والصرف، والمنع، وأفصحها: المد) انتهى.\nقلت: وأفصحها: المد، والتذكير، والتنوين، هذه اللغة المشهورة، والقصر، والتأنيث، وترك الصرف حكاها صاحب «المطالع» عن الخليل، ثم قال إمام الشَّارحين: وهو موضع معروف ظاهر المدينة، والمعنى هنا: بينا الناس في مسجد قباء، وهم (في صلاة الصبح)، واللام في الناس؛ للعهد الذهني؛ لأنَّ المراد: أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة بمسجدهم، وفي حديث البراء بن عازب المتقدم في صلاة العصر، ولا منافاة بين الخبرين؛ لأنَّ الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، ووقت الصبح في اليوم الثاني إلى من هو خارجها، وهم بنو عمرو بن عوف بقباء، قاله إمام الشَّارحين، وقوله: (إذ جاءهم) جواب (بينا)، كما ذكرنا؛ أي: أهل قباء (آتٍ)؛ بالمد، فاعل من: أتى يأتي، فأُعل إعلال قاضٍ، وهذا الآتي هو عبَّاد -بالتشديد- ابن بشر؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة، قاله في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح.\nقلت: واقتصر ههنا على هذا الآتي، وفي حديث البراء اختلف فيه هل هو عباد بن بشر أو عباد بن نهيك؟ والأول: قول ابن بشكوال، والثاني: قول أبي عمرو، فالظاهر من جزم إمام الشَّارحين تعيين الأول ههنا، لكن يحتمل أن يكون الثاني؛ فافهم.\n (فقال)؛ أي: الآتي: (إنَّ رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن)؛ بالتنكير؛ لأنَّ المراد البعض، وفي رواية الأصيلي: (القرآن)؛ بالألف واللام التي هي للعهد، وأراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ...﴾؛ الآيات [البقرة: ١٤٤]، وأطلق (الليلة) على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا، وفيه أيضًا مجاز حيث ذكر الكل، وهو (قرآن)، وأراد الجزء وهو الآيات، كذا قرره إمامنا الشَّارح ﵁.\n (وقد أُمر)؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول؛ أي: أمر النبيُّ الأعظم ﷺ؛ أي: أمره الحكم العدل سبحانه، وإنَّما حذف للعلم به، وتعظيمه (أن) أي: بأن (يستقبل) أي: باستقبال (الكعبة) فكلمة: (أن) مصدرية مؤولة بمصدر، والمعنى: باستقبالها، كما علمت، (فاستقبَلوها)؛ بفتح الموحدة عند أكثر الرواة على صيغة الجمع من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى النبيِّ الأعظم ﷺ وأصحابه ﵁، ويحتمل أن يكون الضمير راجعًا لأهل قباء؛ يعني: حين سمعوا من الآتي ما بلغهم؛ استقبَلوا الكعبة، وفي رواية الأصيلي: (فاستقبِلوها)؛ بكسر الموحدة على صيغة الأمر للجمع، والأمر فيه لأهل قباء من الرجل الآتي، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقلت: والأظهر أن يكون الضمير راجعًا للنبيِّ الأعظم ﷺ وأصحابه؛ لأنَّ هذا من تمام كلام الآتي؛ يعني: أنَّه أخبرهم بأنَّ الرسول أمر باستقبال الكعبة، فاستقبلها هو وأصحابه، وأنتم كذلك يجب عليكم استقبالها، فإنَّ هذا صار كالتأكيد للأمر المذكور؛ فافهم.\nوقوله: (وكانت وجوههم إلى الشام)؛ من كلام الرجل المخبِر بتغيير القبلة، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أنه من كلام ابن عمر، انتهى.\nقلت: والأظهر أنَّه من كلام الرجل المخبر؛ لأنَّه لما بلغهم ما رأى من تغير القبلة؛ رآهم مستقبلين الشام، فأخبر عنهم بذلك.\nقال إمام الشَّارحين: وعلى هذا -أي: أنه من كلام الرجل-؛ تكون الواو للحال، وتكون الجملة حالية على رواية الأكثرين، وهو أن يكون بصيغة الجمع من الماضي، وعلى رواية الأصيلي تكون الواو للعطف، وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية، والضمير في (وجوههم) يحتمل الوجهين المذكورين، انتهى؛ يعنى: أنه يحتمل رجوعه للنبيِّ الأعظم ﷺ وأصحابه، ويحتمل رجوعه لأهل قباء.\nقلت: والظاهر الأول؛ لأنَّ هذا حكاية عمَّا فعله النبيُّ الأعظم ﷺ وأصحابه، وهو تأكيد للأمر المذكور؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أنَّ الأظهر عود الضمير لأهل قباء، ويرجح رواية الكسر أنَّه عند المصنف في «التفسير»: (وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها)، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأنَّ الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله.\nورده إمام الشَّارحين فقال: («ألا» في مثل هذا الموضع تكون للتنبيه؛ لتدلَّ على تحقق ما بعدها، ولا يسمى حرف استفتاح إلا في مكان يمهل معناها، وفي ترجيحه الكسر بهذا نظر؛ لأنَّه يعكر عليه).\nقوله: (فاستداروا) إذا جعل (وكانت وجوههم)، من كلام ابن عمر، انتهى.\nقلت: وما زعمه ابن حجر غير ظاهر، فضلًا عن أن يكون أظهر، بل هو باطل، والصواب: أنَّ الضمير يرجع للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وأصحابه في الوجهين؛ لأنَّ هذا من كلام الرجل المخبر، ساقه؛ لأجل التحقيق والتأكيد على الذي بلَّغهم به، وما زعمه من ترجيح الكسر هذا ممنوع، وترجيح بلا مرجح، فإنَّ الذي عند المؤلف في «التفسير» لا يدل على ترجيحه؛ لأنَّ المراد بقوله: (ألا فاستقبلوها) تحقيق الوقوع، ويدل على بطلان ما زعمه قوله: (فاستداروا)، فإنَّه يدل على أنَّ الرواية بالفتح، وهي الأرجح؛ لموافقة المعنى، أمَّا على ما زعمه؛ فلا يظهر؛ لأنَّ فيه مخالفة المعنى، وصريح اللفظ يرده، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في","vol":"1","page":272},{"text":"العلم.\n (إلى الكعبة) بأن تحول الإمام عن مكانه، ثم تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحول النساء أيضًا حتى صرن خلف الرجال، فأتمَّ الإمام بهم الصلاة، ففي الحديث: دليل على جواز الاجتهاد في أمر القبلة، وأنَّ المصلي إذا صلى إلى جهة بالتحري، ثمَّ تبدل اجتهاده إلى جهة أخرى، فتحول إليها ثم وثم؛ فصلاته جائزة، ولو صلى الصلاة الرباعية إلى أربع جهات بالتحري؛ جائز.\nفإن قلت: تحولهم مع الإمام فيه عمل كثير، وهو يفسد الصلاة، فكيف أتمَّ الإمام الصلاة بهم؟\nقلت: اختلف في العمل الكثير، فروي عن الإمام الأعظم ﵁: أنَّه مفوض لرأي المصلي إن استكثره؛ فكثير، وإن استقله؛ فقليل، وروي عنه: أنَّ الحركات الثلاث كثير، وبها أخذ الأئمة المتأخرون، فيقال: إنَّ تحولهم لم يكن بثلاث خطوات، بل كان بخطوة أو خطوتين، ويحتمل أنَّ الخطوات لم تكن متوالية، بل وقعت متفرقة، وهو غير مفسد في الصلاة لتخلل المهلة بينها، ويحتمل أنَّ ذلك كان قبل تحريم المشي في الصلاة، والله أعلم.\nوفي الحديث: جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وأنَّه لا يضر صلاته، وفيه: دليل على أنَّ الخشوع في الصلاة مستحب، وفيه: دليل على جواز استماع المصلي كلام من ليس في الصلاة، وأنَّه لا يضر عليه صلاته، والحديث حجة على المتصوفة حيث زعموا أنَّ الخشوع في الصلاة واجب، وهو باطل؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لأمروا بإعادة الصلاة، فلما دلَّ الحديث على أنَّهم أتموا صلاتهم، ولم يعيدوها؛ تبين أنَّها جائزة وإن حصل فيها عدم الخشوع، وصريح الحديث يدل على عدم وجوب الخشوع في الصلاة، وهو الصواب؛ فافهم، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وأفعل التفضيل على بابه بإجماع المفسرين، فمن صلى بدون خشوع؛ فهو مفلح من أهل الفلاح، ومن صلى به؛ فهو أفلح، فدل على أنَّه مستحب لا واجب، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوفي الحديث: أنَّ من لم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك؛ فالفرض غير لازم له، فحكم النسخ لا يثبت في حقه ما لم يبلغه.\nوفي الحديث: جواز قبول خبر الواحد، فلو صلى بالتحري إلى جهة، فجاء رجل وأخبره أنَّ القبلة في جهة أخرى؛ أخذ بقوله، واستدار، وأتمَّ، وهكذا، وكذا لو أخبره أنَّ هذه الذبيحة ذبيحة مسلم؛ فهي طاهرة، أو ذبيحة مجوسي؛ فهي نجسة، ولو أخبره رجلان أحدهما: بأنَّها ذبيحة مسلم، والآخر: أنها ذبيحة مجوسي؛ فلا يأخذ بقولهما؛ لتهاتر الخبرين، وتبقى الذبيحة على الأصل، وهو الحرمة؛ لأنَّه لا تحل إلا بالذكاة الشرعية، ولو أخبره رجلان عن ماء وتهاترا في الطهارة والنجاسة؛ لا يأخذ بقولهما، ويبقى الماء على الأصل، وهو الطهارة الأصلية؛ فافهم.\nوفي الحديث: أنَّ الذي يؤمر به النبيُّ الأعظم ﷺ يلزم أمته.\nقلت: وذلك لعدم قيام الدليل على أنَّه خاصٌّ به، ولأمره ﵇ أصحابه باتباعه، فهو دليل اللزوم على العموم.\nوفي الحديث: أنَّ أفعاله وأقواله يجب الإتيان بها عند قيام الدليل على الوجوب، ويسن ويستحب بحسب المقام والقرائن، ولكنَّ القول يقدم على الفعل عند المحققين، ويستمر الحكم حتى يقوم الدليل على الخصوصية، كما لا يخفى.\nقال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث الدلالة عليها من الجزء الأول، وهو قوله: (وقد أمر أن يستقبل الكعبة)، ومن الجزء الثاني أيضًا، وذلك لأنَّهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه، والجاهل كالناسي؛ حيث لم يؤمروا بإعادة صلاتهم، انتهى.\nوفي الحديث: أنَّه أنزل عليه قرآن، ولم يبينه، وقد بينه إمام الشَّارحين، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ...﴾؛ الآيات [البقرة: ١٤٤]، واختلفوا في المراد من المسجد الحرام، فحكى البغوي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك، وقال جماعة: (القبلة: هي الكعبة، والدليل عليه ما خرِّج في «الصحيحين» عن عطاء، عن ابن عبَّاس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبيُّ ﷺ البيت؛ دعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج منه، فلما خرج؛ ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: «هذه القبلة»)، ورووا أخبارًا كثيرة؛ كلها تدل على أنَّ القبلة هي الكعبة، وقال آخرون: (المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله؛ لأنَّ الكلام يجب أن يحمل على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع)، وقال جماعة آخرون: المراد من المسجد","vol":"1","page":273},{"text":"الحرام: الحرم كله، والدليل عليه قوله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وهو ﷺ إنَّما أسري به من خارج المسجد، فدل هذا على أنَّ الحرم كله يسمى بالمسجد الحرام، كذا قاله الإمام الرازي.\nقلت: وهذا الدليل منقوض؛ لأنَّه ﵇ أسري به ليلًا من بيته، وكان ﵇ قد صلى في المسجد قبل ذلك، فأطلق الإسراء من المسجد؛ لكونه يُصلى فيه ويتعبد به، على أنَّ حجره ﵇ أبوابها في حائط المسجد، وإسراؤه كان من حجرة عائشة باتفاق المحدثين، فليس فيه دليل على أنَّ الحرم كله يسمى مسجدًا حرامًا؛ فافهم.\nثم ذكر أنَّ فرض من يريد الصلاة عند الشافعي أن يستقبل عين الكعبة، والجهة غير كافية، ونقل عن صاحب «التهذيب»: أنَّ الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو امتد الصف في المسجد بحيث ازداد طوله على عرض البيت؛ فإنَّه لا تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة، ومذهب الإمام الأعظم أنَّه يصح؛ لأنَّ إصابة الجهة عنده كافية في صحة الصلاة، واستدل الشافعي: بأنَّ كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، وقد أوجب الله على كافة المكلفين استقبال القبلة، والمكلف لا يخرج عن عهدة ما كُلف به بالشك.\nواحتج الإمام الأعظم ﵁ بأمور من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول:\nأمَّا الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى...﴾؛ الآيات، فظاهرها، بل صريحها يدل على أنَّ إصابة الجهة كافية؛ حيث قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ يعني: جهته وجانبه، ولأنَّه تعالى أوجب على المكلف أن يولِّي (^١) وجهه إلى جانبه، ومن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه، فقد أتى بما أُمر به، سواء كان مستقبلًا للكعبة أو لا، فوجب أن يخرج عن العهدة بإصابة جهة الكعبة، وليس هذا أمر مشكوك؛ لأنَّ الله تعالى أوجب تولي الوجه؛ يعني: البدن كله إلى جهة الكعبة، فهو أمر متيقن، فوجب العمل به.\nوأما السُّنة؛ ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أنَّه ﵇ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، فلو كان الفرض إصابة عين الكعبة؛ لما كان ما بينهما قبلة، وذكر الفقهاء: أنَّ استقبال القبلة واستدبارها لغائط أو بول مكروهان، سواء كان في البنيان أو الصحراء؛ لما في «الصحيحين» أنَّه ﵇ قال: «إذا أتيتم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، فإن هذا الحديث أيضًا يدل على أنَّ من لم يشرق أو يغرب في الخلاء؛ فهو مستقبل للقبلة أو مستدبرها، وهو يستلزم أن يكون ما بينهما قبلة، كما لا يخفى.\nوأمَّا الإجماع؛ فإنَّ الناس من عهد النبيِّ الأعظم ﷺ؛ بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندسًا عند تعيين جهة القبلة فيها مع أنَّ إصابة عين الكعبة لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة، وحيث اجتمعت الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على صحة ما وقع فيها من الصلوات؛ علمنا أنَّ محاذاة عين الكعبة ليست بشرط، وأيضًا لو كان استقبال عين الكعبة واجبًا؛ لكان تعلم الدلائل الهندسية واجبًا على كل أحد؛ لأنَّ استقبال العين لا سبيل إليه إلا بتلك الدلائل، ولما كان تعلمها غير واجب؛ علمنا أنَّ استقبال العين غير واجب.\nوأما المعقول؛ فإن الدائرة وإن كانت عظيمة يكون جميع القطع المفروضة محاذية لمركز الدائرة، والصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة محيطة بالكعبة، والكعبة كأنَّها نقطة لتلك الدائرة إلا أنَّ الدائرة إذا صغرت؛ ظهر التقوس والانحناء في كل واحدة من القطع المفروضة فيها، بل يرى كل قطعة منها شبيهة بالخط المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصف مستطيل ممتد إلى جانبي المشرق والمغرب يزيد طوله على أضعاف مقدار البيت؛ لكون كل واحد مما فيه متوجهًا إلى عين الكعبة، فأمَّا النقطة المفروضة فيها؛ فإنَّما تكون محاذية لمركزها إذا كان الخط الخارج من كل واحدة منها واقعًا على المركز محاذيًا لها، ومجرد كونها من أجزاء الدائرة لا يستلزم ذلك، وهو ظاهر في أنَّ استقبال العين ليس بواجب، وإنما الواجب هو استقبال السمت والجهة، ومعنى استقبال السمت: أنا لو فرضنا خطًّا مستقيمًا من نقطة من النقط المفروضة في دائرة الأفق مارًّا على الكعبة واصلًا إلى النقطة المقابلة على الاستقامة؛ لكان الخط الخارج من جبين المصلي إلى ذلك الخط المار بالكعبة على استقامة من غير أن تكون إحدى الزاويتين الحادتين في الملتقى حادة والأخرى منفرجة، بل يحصل هناك قائمان، أو نقول: هو أن تقع الكعبة فيما بين خطين يلتقيان في الدماغ ليخرجا إلى العينين؛ كما في المثلث.\nوذكر صاحب «الذخيرة» و«الكافي» و«النهاية»: (أنَّ من كان بمكة؛ ففرضه إصابة عينها إجماعًا حتى لو صلى مكيٌّ في بيته؛ ينبغي أن يصلي بحيث لو أزيلت الجدران؛ يقع الاستقبال على عين الكعبة، بخلاف الآفاقي فإنَّ فرضه إصابة جهتها لا عينها في الصحيح)، وهذا قول الشيخ أبي الحسن الكرخي، والشيخ أبي بكر الرازي؛ لأنَّه ليس في وسع المصلي سوى هذا، والتكليف بحسب الوسع، واحترز بـ (الصحيح) عن قول أبي عبد الله الجرجاني، فإنَّه قال: (من كان غائبًا عن الكعبة؛ ففرضه إصابة عينها؛ لأنَّه لا فضل في النص)، وهو قول الشافعي.\nوثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة، فعلى قول الجرجاني والشافعي؛ يشترط، وعلى\n_________\n(^١) في الأصل: (يول)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":273},{"text":"قول الكرخي والرازي؛ لا يشترط، وهذا لأنَّ إصابة عينها لما كانت فرضًا عند الجرجاني والشافعي، ولا يمكن إصابة عينها حال غيبته عنها إلا من حيث النية؛ عينها، وعند الكرخي والرازي، لما كان الشرط في حق من غاب عنها إصابة جهتها، وإصابة الجهة لا تتوقف على نية العين؛ قالا: (لا حاجة إلى اشتراط نية العين)، وذكر الزندوستي: (أنَّ الكعبة قبلة من يصلي في المسجد الحرام، والحرم قبلة العالم)، وقيل: إنَّ مكة وسط الدنيا، فقبلة أهل المشرق إلى المغرب عندنا، وقبلة أهل المغرب إلى المشرق، وقبلة أهل المدينة إلى عين من توجه إلى المغرب، وقبلة أهل الحجاز إلى بيان من توجه إلى المغرب؛ كذا في «النهاية» و«الذخيرة».\nوالحاصل: أنَّ الأئمة الحنفية وكذا الشافعية متفقون على أنَّ القبلة في حق من عاين البيت: هي عين البيت، وفي حق من غاب عن البيت وبعُد: هي سمت البيت وجهته، وخالف الشافعية والجرجاني، فزعموا أنَّ من غاب عنها هي عين الكعبة، وقولهم لا شاهد له؛ فليحفظ، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٧٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-677>[حديث: صلى النبي الظهر خمسًا فقالوا: أزيد في الصلاة]</span>\n٤٠٤ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري، (عن شعبة) هو ابن الحجاج، الواسطي، ثم البصري، (عن الحكم)؛ بفتحتين، هو ابن عُتَيْبة؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية بعدها موحدة، (عن إبراهيم) هو ابن يزيد النخعي، (عن علقمة) هو ابن قيس النخعي، (عن عبد الله) هو ابن مسعود الصحابي الجليل ﵁ (قال: صلى النبيُّ) الأعظم (ﷺ) بمسجده النبوي (الظهر) وعند الطبراني أنها: (العصر)، فنقص في الرابعة، ولم يجلس حتى صلى الخامسة، وهو يوافق قوله: (خمسًا)؛ أي: خمس ركعات؛ يعني: أنه قعد على رأس الرابعة، ثم قام إلى الخامسة ساهيًا، وقيدها بسجدة، (فقالوا) أي: الصحابة: (أزيد في الصلاة؟)؛ الهمزة فيه للاستفهام، ومعناه: السؤال عن حدوث شيء من الوحي يوجب الزيادة في الصلاة على ما كانت معهودة، (قال) ﵇: (وما ذاك؟) سؤال من لم يشعر بما وقع منه، ولا يتبين عنده، ولا غلبه (^١) ظن، وهو خلاف ما عندهم؛ حيث (قالوا: صليت خمسًا)؛ أي: خمس ركعات زيادة على المعهود، فلما سمع ﵇ ما قالوه؛ أخذ بقولهم، فبادر، (فثنى)؛ بخفيف النون، مشتق من: الثني؛ أي: عطف، والمعنى: أنَّه جلس على هيئة قعود التشهد (رجليه)؛ بالتثنية، وعند ابن عساكر: (رجله)؛ بالإفراد، (وسجد سجدتين)؛ أي: للسهو، ففي الحديث: جواز وقوع السهو من الأنبياء ﵈، وفيه: جواز النسيان في الأفعال على الأنبياء ﵈، ولا حجة فيه لمن زعم أنَّ كلام الناسي وغيره لا يبطل الصلاة؛ لأنَّ هذا الحديث منسوخ؛ لأنَّ الكلام كان مباحًا في صدر الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: ساكتين، وبقوله ﵇: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنَّما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، فهذا نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان عامدًا أو ناسيًا، جاهلًا أو مخطئًا، إمامًا أو منفردًا أو مقتديًا، لمصلحة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه الإمام أو غيره؛ سبح إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت امرأة؛ لقوله ﵇: «أيها الناس؛ مالكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم بالتصفيق، إنَّما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته؛ فليقل: سبحان الله، فإنَّه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت»، أخرجه الشيخان، والطحاوي، والنسائي، وأبو داود.\nوفيه: دليل على أنَّ سجود السهو سجدتان.\nوفيه: دليل على أنَّ سجود السهو بعد السلام؛ لأنَّه ﵇ قد صلى خمسًا، وسلم من الصلاة، ولما قالوا له: (أزيد؟) رجع إلى قولهم، وعاد إلى حرمة الصلاة، وسجد للسهو، ثم سلم، وهذا اختصار من الراوي قد دلَّ عليه الرواية السابقة، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، وهو حجة على من زعم أنَّ سجود السهو قبل السلام.\nوفيه: دليل على أنَّ الإمام إذا سها في صلاته في عدد ركعاتها؛ يرجع إلى قول المأمومين خلفه؛ لأنَّه ﵇ قد رجع إلى قول أصحابه، وبنى عليه، وأتم صلاته؛ بدليل قوله: (فثنى رجليه)، فأتى بالفاء التعقيبية؛ يعني: لمَّا قالوا له؛ عقَّبه بثني رجليه، وعلى كلٍّ؛ لا يخلو عن الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره، كما قدمناه، وهو حجة على من زعم أنَّه لا يجوز رجوع الإمام إلى قول غيره؛ فافهم.\nوفيه: دليل على أنَّ سجود السهو في آخر الصلاة.\nقال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة التي هي قوله: (ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى) ظاهرة؛ لأنَّه ﵇ سها فصلى، ولم يعد تلك الصلاة، ووجه احتجاج البخاري بهذا الحديث هو أنَّ إقباله على الناس بوجهه بعد انصرافه بعد السلام كان في غير صلاته؛ لأنَّه كان في وقت استدبار القبلة في حكم المصلي؛ لأنَّه لو خرج من الصلاة؛ لم يجز له أن يبني على ما مضى منها، فظهر بهذا أنَّ من أخطأ القبلة لا يعيد) انتهى؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٧٨\"> </span>(٣٣) <span data-type=\"title\" id=toc-678>[باب حك البزاق باليد من المسجد]</span>\nولما فرغ المؤلف من بيان أحكام القبلة؛ شرع في بيان أحكام المساجد فقال: (باب)؛ أي: هذا باب في بيان (حكِّ البزاق باليد) سواء كان بآلة أو لا (من المسجد) الألف واللام فيه؛ للجنس، فيعم كل مسجد، والبزاق؛ بالزاي لغة مشهورة، وكذلك بالصاد المهملة، ويقال: بالسين المهملة، لكنها لغة ضعيفة؛ وهو ما يتفل من الفم مطلقًا، سواء كان من فم الإنسان أو غيره، والمناسبة بين البابين ظاهرة.\n\n <span id=\"b-٦٧٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-679>[حديث: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه]</span>\n٤٠٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قُتَيْبَة)؛ بضمِّ القاف، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، هو ابن سعيد الثقفي البلخي (قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر) هو الأنصاري المدني، (عن حُميد)؛ بضمِّ الحاء المهملة، هو ابن أبي حميد تير، الخزاعي، البصري، المشهور بالطويل، (عن أنس)، زاد الأصيلي: (ابن مالك) هو الأنصاري خادم رسول الله ﷺ، وتعدد هذا الحديث عن أنس، وأبي هريرة، وعائشة عند مسلم، والمؤلف، والنسائي، وأبي داود تنفي تهمة تدليس حُميد؛ فافهم.\n (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ رأى)؛ أي: أبصر، فهي\n_________\n(^١) في الأصل: (غلبة).","vol":"1","page":274},{"text":"بصرية تقتضي مفعولين؛ أحدهما: قوله: (نُخَامَة)؛ بضمِّ النون، وفتح الخاء المعجمة والميم، بينهما ألف، وهي النخاعة، يقال: تنخم الرجل: إذا تنخع، وفي «المطالع»: (النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاق: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف)؛ كذا في «عمدة القاري»، فما زعمه القسطلاني من أنَّها: (ما يخرج من الرأس) خطأ ظاهر؛ لأنَّ الذي يخرج من الرأس هو المخاط لا النخامة؛ فافهم، (في القبلة): هو على حذف تقديره: في حائط المسجد الذي في جهة القبلة، والمفعول الثاني: محذوف تقديره: ملقاة في القبلة؛ فافهم.\n (فشق ذلك عليه)؛ يعني: كره ﵇ هذا الفعل (حتى رُؤِيَ)؛ بضمِّ الراء، وكسر الهمزة، وفتح التحتية، وللأصيلي وأبي ذر: (حتى رِيْء)؛ بكسر الراء وسكون التحتية آخره همزة؛ أي: شوهد أثر المشقة (في وجهه) المنير، وفي رواية المؤلف في «الأدب» من حديث ابن عمر: (فتغيظ على أهل المسجد)، وعند النسائي عن أنس قال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار، فحكتها، وجعلت مكانها خلوفًا، قال رسول الله ﷺ: «ما أحسن هذا!»، وفي كتاب أبي نعيم: «من ابتلع ريقه؛ إعظامًا للمسجد، ولم يمح اسمًا من أسماء الله ببزاق؛ كان من خيار عباد الله»، وذكر ابن خالويه عن أنس: أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ لما رأى نخامة في المحراب؛ قال: «من إمام هذا المسجد؟»، قالوا: فلان، قال: «قد عزلته»، فقالت امرأته: لم عزل النبيُّ زوجي عن الإمامة؟ فقال: رأى نخامة في المسجد، فعمدت إلى خلوف طيب، فخلَّقت به المحراب، فاجتاز ﵇ بالمسجد، فقال: «من فعل هذا؟» قال: امرأة الإمام، قال: «قد وهبت ذنبه لامرأته، ورددته إلى الإمامة»، فكان هذا أول خلوق كان في الإسلام؛ كذا في «عمدة القاري»، (فقام) ﵇، (فحكه) أي: أثر النخامة (بيده) الشريفة.\nفإن قلت: في الحديث الحك باليد من غير ذكر آلة، وكذلك الترجمة.\nقلت: وقوله في الحديث: «بيده» وفي الترجمة باليد أعم من أن يكون فيها آلة أو لا، على أنَّ أبا داود روى عن جابر قال: (أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا، وفي يده عرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون...)؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّه باشر بيده بعرجون فيها، والعُرجون-بضمِّ العين المهملة-: وهو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوج، وهو من الانعراج، وهو الانعطاف، وجمعه: عراجين، والواو والنون فيه زائدتان، وقوله: (ابن طاب): هو رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من تمر المدينة، ومن عادتهم أنَّهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحد، ومع هذا يحتمل تعدد القصة، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: والظاهر أنَّ القصة متعددة، والأصل في اليد أن تكون بغير آلة، وقد يقال: يحتمل اتحاد القصة، ويكون الحديث المطلق هنا هو المقيد عند أبي داود، فهو من باب حمل المطلق على المقيد؛ فتأمل.\n (فقال) ﵇، ولابن عساكر: (وقال): (إن أحدكم إذا قام في صلاته) الفرق بين قام في الصلاة، وقام إلى الصلاة: أن الأول: يكون بعد الشروع، والثاني: عند الشروع، قاله في «عمدة القاري»، (فإنَّه يناجي ربه) ﷿، والمناجاة والنجوى؛ هو السر بين الاثنين، يقال: ناجيته؛ أي: ساررته، وكذلك: نجوته نجوًا، ومناجاة الرب مجاز؛ لأنَّ القرينة صارفة عن إرادة الحقيقية؛ إذ لا كلام محسوسًا بينهما إلا من طرف العبد، فيكون المراد لازم المناجاة، وهو إرادة الخير، ويجوز أن يكون من باب التشبيه؛ أي: كأنه يناجي ربه، والتحقيق فيه: أنَّه شبه العبد وتوجهه إلى ربه تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة، والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رحمته، ورأفته، مع الخضوع والخشوع بمن يناجي مولاه ومالكه، فمن شرائط حسن الأدب: أن يقف محاذيه، ويطرق رأسه، ولا يمد بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات شيء وإن كان الله منزهًا عن الجهات؛ لأنَّ الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها ببعض، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: فيكون المعنى على الأول: أنَّ العبد في صلاته يطلب الرحمة، والبركة، والعفو، والغفران، ودخول الجنان من خالقه بفضله تعالى.\n (أو أن)؛ بفتح الهمزة وكسرها؛ كما في «اليونينية»، ولأبي ذر عن الحمُّوي والمستملي: (وأن)؛ بواو العطف، ورواية الأكثرين بالشك (ربه)؛ أي: اطلاع أو رحمة ربه على ما (بينه وبين القبلة) فإنَّ هذا الكلام لا يصح على ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى منزه عن الحلول في المكان، فالمعنى على التشبيه؛ أي: فإنَّه بينه وبين القبلة، قاله الشَّارح، وقال الخطابي: (معناه: أنَّ توجهه إلى القبلة مفضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: كأنَّه مقصوده بينه وبين قبلته، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق ونحوه من أثقال البدن)، وقال ابن بطال: (وظاهر هذا محال؛ لأنَّ الرب منزَّه عن المكان، فيجب على المصلي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتنخم في توجهك إلى رب الأرباب، وقد أعلمنا الله بإقباله على من توجه إليه) انتهى.\n (فلا يبزقنَّ)؛ بنون التوكيد الثقيلة، وللأصيلي: (فلا يبزق)؛ بإسقاطها (أحدكم)؛ أي: المخاطبون، وهم الصحابة ﵃، وليس المراد التخصيص، بل المراد عموم جميع الأمة، كما لا يخفى (قِبَل) بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (قبلته): التي عظمها الله تعالى، فلا تقابل بشيء يقتضي الاحتقار والاستخفاف بها؛ كالبزاق وغيره، فإنَّ الله تعالى جعله مرجعًا للزائرين من حيث إنَّهم لا يقضون منه وطرًا بزيارته مرة أو مرتين، بل كلما أتوه وانصرفوا عنه؛ اشتاقوا إلى الرجعة إليه؛ لما اعتقدوا في زيارته من الفوائد المتعلقة بمحو الخطيئات ورفع الدرجات ما لم يعتقدوا مثله في سائر الأعمال، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ...﴾ إلى أن قال","vol":"1","page":274},{"text":"تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ...﴾؛ الآيات [البقرة: ١٢٥]، ولأنَّ الجلوس في المسجد الحرام ناظرًا إلى الكعبة من جملة العبادات المرضية؛ بدليل ما روي عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ لله في كل يوم وليلة مئة وعشرين رحمة، تنزل على هذا البيت ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين»، وجعله تعالى أمنًا من القحط، ومن الجدب، والخسف، والمسخ، والزلازل، والغارات، والجنون، والجذام، والبرص، ونحوها من البلايا التي تخل بالبلد، وجعل سبحانه من التجأ إليه آمنًا من القتل، ومن الأسباب الموجبة للقتل، فمن جنى خارج الحرم، كما لا يقتل في الحرم؛ لا يخرج منه ليقتل خارج الحرم عند الجمهور، (ولكن) يبزق (عن يساره)؛ أي: لا عن يمينه؛ تشريفًا لليمين، ولا أمامه؛ تشريفًا للقبلة، وجاء في رواية البخاري: (فإنَّ عن يمينه ملكًا)، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: «لا يبزق عن يمينه؛ فعن يمينه كاتب الحسنات، ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره»، وقوله: (فإنَّ عن يمينه ملَكًا) دليل على أنَّه لا يكون حالتئذٍ عن يساره ملَك؛ فإنَّه في طاعة، لا يقال: يخدشه قوله ﵇: «إنَّ الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع»؛ لأنَّا نقول: هذا حديث ضعيف لا يحتج به، قاله إمام الشَّارحين.\n (أو تحت قدميه)؛ بالتثنية، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: (قدمه)؛ بالإفراد؛ يعني: اليسرى؛ كما في حديث أبي هريرة في الباب الذي بعده، وزاد أيضًا من طريق همام عن أبي هريرة: (فيدفنها)، كما سيأتي، وزعم النووي أنَّ هذا في غير المسجد، أمَّا فيه؛ فلا يبزق إلا في ثوبه، انتهى.\nقلت: يرده سياق الحديث؛ لأنَّه يدل على أنَّه في المسجد، ويدل عليه حديث أبي هريرة: أنَّه يدفنها، فدل هذا على أنَّه في المسجد، وأنَّ كفارتها دفنها، وسيأتي؛ فافهم.\n (ثم أخذ) ﵇ (طرف رِدائه)؛ بكسر الراء؛ هو ما يتزر به للنصف الأعلى، (فبصق فيه) بالصاد المهملة، (ثم رد بعضه على بعض): ففيه البيان بالفعل؛ ليكون أوقع في نفس السامع؛ فافهم.\n (فقال) ﵇: (أو يفعل هكذا): عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك؛ أي: ولكن يبزق عن يساره أو يفعل هكذا، وليست كلمة (أو) ههنا للشك، بل للتنويع؛ ومعناه: أنَّه مخير بين هذا وهذا، قاله إمام الشَّارحين، واعترضه القسطلاني، فزعم أنَّه سيأتي أنَّ المؤلف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البزاق، وحينئذٍ فـ (أو) للتنويع، انتهى.\nقلت: مراده أنَّ إمام الشَّارحين جعل (أو) للتنويع؛ أي: التخيير بين الثلاثة، وهو ظاهر حديث الباب، وأنَّ المؤلف جعل التخيير في الأوليين، وحمل الثالث على ما إذا بدره البزاق.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ المؤلف قد جعل هذا ترجمة في باب سيأتي، وذكر حديثه، والحديث ليس فيه مطابقة لما ترجم له؛ لأنَّه ليس فيه ذكر أنَّه بدره البزاق، فالحمل من عنده، وهو مخالف لصريح أحاديث الأبواب الآتية، فلا يعتد به، نعم؛ لو كان مذكورًا في الحديث؛ فهو مقبول، والبحث في النقول غير مقبول على أنَّ ظاهر الأحاديث بل صريحها أنَّ التخيير في الثلاثة مطلقًا، سواء بدره البزاق أو لا، كما لا يخفى؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: تعظيم المساجد عن أثقال البدن، وعن القاذورات بالطريق الأولى، وفيه: احترام جهة القبلة، وفيه: إزالة البزاق وغيره من الأقذار من المسجد، وفيه: إذا بزق؛ يبزق عن يساره، ولا يبزق أمامه؛ تشريفًا للقبلة، ولا عن يمينه؛ تشريفًا لليمين، واعلم أنَّ البصاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إليه أم لا، فإن احتاج؛ يبزق في ثوبه (^١)، فإن بزق في المسجد؛ يكون خطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفنها) انتهى.\nقلت: والظاهر أنَّ الذي أُعدَّ في المسجد من زمن واقفه؛ كالحياض المعدة للوضوء في المساجد، فإنَّه لو بزق في مجاريها؛ لا بأس به، أمَّا ما حدث بعد الواقف كالبحرة التي وسط برَّاني الجامع الشريف الأموي، والحنفيات المتخذة في جُوَّانيه؛ فالظاهر أنَّه لا يجوز البساق فيها؛ لأنَّ مكانها كان مسجدًا، فإنَّ الأولى أحدثها عثمان باشا، والثانية من وصية داود باشا، فكان البازق يبزق في المسجد، فلا يجوز، وهذا غفلة عظيمة من علمائنا الشاميين؛ فافهم.\nوقول القاضي عياض: (البزاق في المسجد ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، أمَّا من أراد دفنه؛ فليس بخطيئة)، رده إمام الشَّارحين بأنَّه غير صحيح، والحق ما ذكرناه، انتهى.\nقلت: يعني: أنَّه خطيئة مطلقًا؛ لأنَّه ﵇ لما رآه في حائط المسجد؛ حكه وأزاله، وهو دليل على أنَّها خطيئة، كما سيأتي.\nواختلفوا في المراد بدفنه؛ فذهب الإمام الأعظم والجمهور: إلى أنَّ دفنه بتراب المسجد ورمله وحصبائه إن كانت هذه الأشياء فيه؛ وإلا؛ فيخرجها من المسجد.\nقلت: وإلقاؤها في فعله ونحوه دفن لها، كما لا يخفى.\nوزعم أصحاب الشافعي أنَّ عليه إخراجها مطلقًا، وقيل: إن لم تكن المساجد تربة وكانت ذات حصر؛ فلا يجوز إلقاؤها، وفي الحديث: دليل على أنَّ البزاق طاهر، وكذا النخامة، وليس فيه خلاف إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي أنَّه يقول: (البزاق نجس)، وقال القرطبي: (الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة، وأنَّ الدفن لا يكفيه).\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هو كما قال، وأنَّ في دفنه كفارته).\nقلت: يعني: أنَّ النهي في الحديث يقتضي التحريم، وأنَّ الدفن يكفي؛ لأنَّه ﵇ صرح بأنَّ الدفن يكفي، ولا فرق فيه بين أن يكون في ثوبه أو في التراب ونحوه؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وقيل: النهي للتنزيه، والأصح أنَّه للتحريم).\nقلت: ويدل عليه إطلاق النهي في الحديث، فإنَّه يقتضي التحريم، ويدل عليه ما في «صحيح ابن خزيمة» و«صحيح ابن حبان» من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «من تفل تجاه القبلة؛ جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه»، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعًا: «يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه»، وروى أبو داود من حديث أبي سهلة السائب بن خلاد قال: من أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (في ثوبه).","vol":"1","page":275},{"text":"أنَّ رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة ورسول الله ينظر، فقال ﵇ حين فرغ: «لا يصلي لكم»، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله، فذكر ذلك لرسول الله، فقال: «نعم»، وأحسبه قال: «إنَّك آذيت الله ورسوله»؛ والمعنى: أنَّه فعل فعلًا لا يرضي الله ورسوله، وروى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، كما ذكرناه فيما سبق، وفي رواية مسلم: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل (^١) ربه، فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ ...»؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ المراد بالنهي التحريم؛ لأنَّه قد اقترن بالوعيد، ولا سيما أنَّه مؤذٍ لله ولرسوله، وهو يدل على التحريم، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٦٨٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-680>[حديث: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه]</span>\n٤٠٦ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل (^٢) (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن نافع): مولى ابن عمر المدني، (عن عبد الله بن عمر): هو ابن الخطاب القرشي العدوي ﵄: (أنَّ رسول الله ﷺ رأى)؛ أي: أبصر، فتقتضي مفعولين أحدهما: قوله: (بصاقًا)؛ بالصاد المهملة؛ وهو ما يسيل من الفم (في جدار القِبْلة)؛ بكسر القاف، وسكون الموحدة، وفي رواية أبي ذر عن المستملي: (في جدار المسجد).\nقلت: وهي أعم من كونه في جدار القبلة، أو في الشمال، أو غيرهما، لكن بقية الحديث يدل على أنَّ المراد بجدار المسجد إنَّما هو القبلي، وقد يقال المراد الأعم، فإنَّ جميع جدران المسجد الأربع منهيٌّ عن البصاق فيها، كما لا يخفى، وإنمَّا خصص القبلي؛ لشرفه من حيث الاستقبال.\n (فحكه)؛ أي البصاق إمَّا بيده، كما في الحديث السابق، وإمَّا بالعرجون، كما في حديث أبي داود، (ثم أقبل على الناس)؛ أي: بوجهه المنير، وهذا شامل لأمرين؛ أحدهما: أنه فرغ من صلاته، فرأى البصاق فحكه، ثم أقبل على الناس، والثاني: أنه كان يخطب لهم، فرأى البصاق فنزل، فحكه، ثم أقبل على الناس، ويدل للثاني ما في رواية المؤلف في أواخر (الصلاة) من طريق أيوب عن نافع في قبلة المسجد: (ثم نزل فحكها بيده)، فهذه تدل على أنه كان في حالة الخطبة، وقد صرح الإسماعيلي بذلك في روايته من طريق شيخ المؤلف وزاد فيه قال: (وأحسبه دعا بزعفران، فلطخه به)، وزاد عبد الرزاق في روايته عن معمر، عن أيوب: (فلذلك صنع الزعفران في المساجد).\nقلت: وإنما خص الزعفران؛ لأنَّ فيه رائحة طيبة، وشكله وصفته مستحسنة مناسبة للمساجد، والظاهر أنه كان طريًّا حيث لطخه بالزعفران؛ لأنَّ اليابس لا يعلق عليه شيء من ذلك؛ فافهم.\n (فقال) لهم: (إذا كان أحدكم يصلي) سواء كان في المسجد، أو في البيت، أو في غيرهما؛ (فلا يبصق) بالصاد المهملة، والجزم على النهي (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (وجهه): والمراد: مقابل وجهه، وهو قدامه؛ لأنَّ ذلك يخل بالخشوع، ويشغل الفكر، ويسخط الرب، ولهذا قال: (فإن الله قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (وجهه)؛ أي: وجه المصلي، وهذا على سبيل التشبيه؛ أي: فإن الله في مقابل وجهه؛ أي: القصد منه تعالى، وقيل المراد: عظمته ورحمته، وقيل: ثوابه ونحو ذلك، فلا يقابل هذه الجهة بالبزاق الذي هو للاستخفاف لمن يبزق إليه وتحقيره، (إذا صلى) سواء كانت فريضة، أو واجبة، أو نافلة، وهذا يدل على أن البصاق في القبلة منهي عنه، سواء كان في المسجد أو غيره، كما ذكرنا؛ لأنَّ اللفظ والتعليل عامٌّ.\nومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث أنَّ المتبادر إلى الفهم من إسناد الحك إليه أنه كان بيده، وأن المعهود من جدار القبلة: جدار قبلة مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ، كما قاله إمام الشَّارحين قال: (وبهذا التقرير يسقط سؤال من يقول: إن هذا الحديث لا يدل إلا على بعض الترجمة، ولا يعلم أن الحك كان بيده، ولا من المسجد؛ فافهم) انتهى.\nقلت: لأنَّ الأصل في الحك أن يكون باليد؛ لأنَّه المتبادر، وأن الأصل بالصلاة أن تكون بمسجده ﵇؛ لأنَّه لم يكن وقتئذٍ مسجد غيره، فالحديث مطابق للترجمة كلها لا بعضها، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٦٨١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-681>[حديث: أن رسول الله رأى في جدار القبلة مخاطًا فحكه]</span>\n٤٠٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسيالمنزل، الدمشقي الأصل (^٣) (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن هِشام بن عُروة)؛ بكسر الهاء في الأول، وضم العين المهملة في الثاني، (عن أبيه): هو عُروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة أم المؤمنين): هي الصديقة بنت الصديق ﵄ قالت: (إنَّ رسول الله ﷺ رأى) أي: أبصر (في جدار القبلة)؛ أي: جدار قبلة مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ (مُخَاطًا)؛ بضمِّ الميم، وفتح الخاء المعجمة؛ وهو ما يسيل من الأنف، (أو بصاقًا)؛ بالصاد المهملة؛ هو ما يسيل من الفم، (أو نُخَامة)؛ بضمِّ النون، وفتح الخاء المعجمة؛ هي ما تخرج من الصدر، كما نص عليه في «المطالع»، وقول القسطلاني: (النخامة -بالميم-: من الرأس، والنخاعة -بالعين-: من الصدر): خطأ؛ لأنَّ هذه التفرقة لم تذكر في كتب اللغة، وإنما الذي نص عليه اللغويون: (أنَّ النخامة -بالميم-، ويقال فيها: النخاعة -بالعين-: هو ما يخرج من الصدر)، كما قدمناه؛ فافهم.\nقال إمام\n_________\n(^١) في الأصل: (فيتقبل)، والمثبت موافق لما في «صحيح مسلم».\n (^٢) في الأصل: (التنيسي الأصل، الدمشقي المنزل)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.\n (^٣) في الأصل: (التنيسي الأصل، الدمشقي المنزل)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.","vol":"1","page":275},{"text":"الشَّارحين: هكذا وقع في «الموطأ» بالشك كما هنا، وفي رواية الإسماعيلي من طريق معن عن مالك: (أو نخاعًا) بدل: (مخاطًا) انتهى.\nقلت: والشك يحتمل من عائشة، ويحتمل من هشام، والظاهر الأول؛ فافهم.\n (فحكه)؛ أي: الذي رآه في الجدار بيده الشريفة؛ لأنَّه الأصل، فهو مطابق للترجمة، كما لا يخفى، وفي الحديث: دليل على أنَّ البصاق والمخاط والنخامة طاهر، وأنَّ من دفنه بثوب وصلى فيه؛ فصلاته جائزة، وفيه: وجوب إزالة الأوساخ والزبالات من المسجد، فإن كل ما يؤذي العين يؤذي المسجد، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٨٢\"> </span>(٣٤) <span data-type=\"title\" id=toc-682>[باب حك المخاط بالحصى من المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (حك) أي: إزالة (المُخاط)؛ بضمِّ الميم؛ أي: ما يسيل من الأنف (بالحصى): وللأصيلي: (بالحصباء)، والمراد الأعم؛ يعني: سواء كان بالحصى، أو العود، أو نحوهما (من المسجد)؛ الألف واللام فيه للجنس، والمراد: جميع المساجد التي يصلى فيها.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: ذكر في الباب السابق حك البصاق باليد، وذكر هنا حك المخاط بالحصى، فهل فيه زيادة فائدة؟\nقلت: نعم؛ ذلك، فإن المخاط غالبًا يكون له جرم لزج، فيحتاج في قلعه إلى معالجة، وهي بالحصى ونحوه، والبصاق ليس فيه ذلك، فيمكن نزعه بلا آلة، إلا أن يقال: إن خالطه بلغم؛ فحينئذٍ يلحق بالمخاط) انتهى.\nقلت: والمناسبة بينهما ظاهرة؛ لأنَّ كلًّا منهما في إزالة ما على جدار المسجد.\n (وقال ابن عبَّاس): هو عبد الله، حَبر هذه الأمة، وترجمان القرآن ﵄: (إن وطئت على قذر)؛ بالذال المعجمة؛ أي: طاهر؛ كالمخاط ونحوه (رطب) أي: في المسجد؛ (فاغسله)؛ لأنَّه يعلق بالرجل، فلا يزول بغير الماء؛ للزوجته، (وإن كان) أي: القذر المذكور (يابسًا؛ فلا)؛ أي: فلا تغسله، بل يكفي حكه؛ لأنَّه لا يعلق منه بالرجل شيء، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح، وقال في آخره: (وإن كان يابسًا؛ لم يضره)، وزعم القسطلاني أن القذر أعم من كونه طاهرًا أو نجسًا، وهو ممنوع؛ لأنَّ المراد بالقذر: الطاهر فقط، يدل عليه أن الواطئ عليه في المسجد، وأنه يريد الصلاة، والقذر النجس لا يكون في المسجد، وعلى ما زعمه لا يكون في التعليق مطابقة للترجمة، وهو خلاف مراد المؤلف، كما لا يخفى.\nوقال إمام الشَّارحين: ووجه مناسبة هذا التعليق للترجمة: أنَّ في حديث الباب حك النخامة بالحصى، وفي الترجمة: حك المخاط بالحصى، وهذا يدل على أنه كان يابسًا؛ لأنَّ الحك لا يفيد في رطبه؛ لأنَّه ينتشر به، ويزداد التلوث، فظهر الفرق بين رطبه ويابسه وإن لم يصرح به في ظاهر الحديث، ففي الرطب يزال بما يمكن إزالته به، وفي اليابس بالحصاة ونحوها، فكذلك في أثر ابن عبَّاس الفرق حيث قال: (إن كان رطبًا؛ فاغسله، وإن كان يابسًا؛ فلا)؛ أي: فلا يضرك وطؤه، فتكون المناسبة بينهما من هذه الحيثية، وهذا القدر كاف؛ لأنَّه إقناعي لا برهاني، انتهى.\nوقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر، فزعم أن مطابقة الأثر المذكور للترجمة الإشارة إلى أن العلة في النهي احترام القبلة لا مجرد التأذي بالبزاق ونحوه، فلهذا لم يفرق بينه وبين رطب ويابس، بخلاف ما علة النهي فيه مجرد الاستقذار؛ فلا يضر وطء اليابس منه.\nورده إمام الشَّارحين فقال: هذا تعسُّف، وبعد عظيم؛ لأنَّ قوله: (النهي فيه احترام القبلة...) إلخ: غير موجه؛ لأنَّ علة النهي فيه احترام القبلة، وحصول التأذي منه، كما ذكرنا في حديث أبي سهلة: «إنَّك آذيت الله ورسوله»، وحصول الأذى فيه هو ما ذكره في الحديث: «فإنَّ الله قبل وجهه إذا صلى»، وبزاقه إلى تلك الجهة أذًى كبير، وهو من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم؛ ومعناه: لا يرضى الله به ولا يرضى به رسوله أيضًا، وتأذيه ﵇ من ذلك هو أنه نهاه عنه ولم ينته، وفيه ما فيه من الأذى، فعلم من ذلك أن العلة العظمى هي حصول الأذى مع ترك احترام القبلة، والحكم يثبت بعلل شتى.\nوقوله: (بخلاف ما علة النهي فيه مجرد...) إلخ: غير صحيح؛ لأنَّ علة النهي فيه كونه نجسًا، ولم يسقط عنه صفة النجاسة غير أن وطء يابسه لا يضره؛ لعدم التصاقه بالجسم، وعدم التلوث لا لمجرد كونه يابسًا حتى لو صلى على مكان عليه نجس يابس؛ لا تجوز صلاته، ولو كان على بدنه أو ثوبه نجاسة؛ لا تجوز أيضًا، فعلم أن النجاسة المانعة تضره مطلقًا غير أنه عفي عن يابسها في الوطء، انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٨٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-683>[حديث: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه]</span>\n٤٠٨ - ٤٠٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل): هو المنقري البصري، المعروف بالتبوذكي (قال: حدثنا) وفي رواية كريمة: (أخبرنا) (إبراهيم بن سَعْد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري المدني، (عن حُميد) بضمِّ الحاء المهملة (بن عبد الرحمن): هو ابن عوف القرشي المدني الزهري: (أنَّ أبا هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي (وأبا سعيد) هو سعد بن مالك الخدري ﵄ (حدثاه)؛ أي: أنَّهما حدثا حميدًا: (أنَّ رسول الله ﷺ رأى) أي: أبصر (نُخامة)؛ بضمِّ النون، وهي النخاعة؛ وهي ما يخرج من الصدر (في جدار المسجد)؛ أي: في جدار قبلة المسجد النبوي، فالألف واللام فيه للعهد، (فتناول حَصاة)؛ بفتح الحاء المهملة؛ هي صغار الحجر (فحكها)؛ بالكاف؛ أي: النخامة، ولأبوي ذر والوقت، وابن عساكر، والأصيلي: (فحتها)؛ بالمثناة الفوقية بدل الكاف، ومعناهما واحد (فقال) ﵇: (إذا تنخم أحدكم)؛ أي: رمى بالنخامة وهو في مصلاه كما دل عليه الأحاديث السابقة؛ (فلا يتنخمنَّ) بنون التوكيد الثقيلة (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (وجهه)؛ أي: وجه المصلي، (ولا عن يمينه)؛ لشرف اليمين، وجاء في رواية المؤلف: (فإنَّ عن يمينه ملَكًا)، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: (لا يبزق عن يمينه،","vol":"1","page":276},{"text":"فعن يمينه كاتب الحسنات)، وقوله: (فإنَّ عن يمينه ملَكًا) دليل على أنه لا يكون حالتئذٍ عن يساره ملك، فإنَّه في طاعة، لا يقال: يرد هذا قوله ﵇: «إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع»؛ لأنَّا نقول: هذا حديث ضعيف لا يحتج به، وتمامه فيما قدمناه، (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى)؛ لأنَّه ليس في اليسرى شرف، وكذلك تحت القدم، وكلمة (أو) فيه ليست للشك، بل للتنويع؛ يعني: أنه مخير بين هذا وهذا.\nفإن قلت: الباب معقود على حك المخاط، والحديث يدل على حك النخامة.\nقلت: ذكر المخاط في الترجمة، والنخامة في الحديث؛ إشعارًا بأن بينهما اتحادًا في الثخانة واللزوجة، وأن حكمهما واحد من هذه الحيثية وإن كان بينهما فرق (^١) من حيث إنَّ المخاط يكون من الأنف، والنخامة من الصدر، كما ذكرناه عن «المطالع»، كذا قرره إمام الشَّارحين قال: (وهذا أوجه مما زعمه الكرماني حيث قال: «لما كانا فضلتين طاهرتين؛ لم يفرق بينهما؛ إشعارًا بأن حكمهما واحد»)، انتهى.\nقلت: وليس مراد المؤلف كونهما فضلتين طاهرتين، بل مراده أن كلًّا منهما لزج ثخين، لا يزول عن الجدار إلا بالحك، فكل منهما يزول بالحك، ولهذا ترجم بـ (باب حك المخاط...) إلخ، فالحق أن ما زعمه الكرماني ليس له وجه وإن تبعه القسطلاني تعصبًا؛ لأنَّه ليس بمراد للمؤلف، والصواب ما ذكره إمام الشَّارحين رضي الله تعالى عنه؛ فليحفظ، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٨٤\"> </span>(٣٥) <span data-type=\"title\" id=toc-684>[باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة]</span>\nهذا (باب) بالتنوين؛ يذكر فيه: أن المصلي (لا يبصق)؛ بالصاد المهملة لغة؛ كالسين والزاي (عن يمينه في الصلاة)؛ يعني: لا يجوز له ذلك، فإن فعل؛ تفسد صلاته؛ لأنَّ إلقاء البصاق يكون بحروف مفهمة، فإن ظهرت؛ فسدت، وإلا؛ فلا فساد، بل يكره، كما سنذكره.\n\n <span id=\"b-٦٨٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-685>[حديث: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه]</span>\n٤١٠ - ٤١١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير)؛ بضمِّ الموحدة، تصغير بكر، (قال: حدثنا الليث): هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي، من أتباع الإمام الأعظم، كما قاله أهل التاريخ، والمثبت مقدم على النافي؛ فافهم، (عن عُقَيل)؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح القاف: هو ابن خالد، (عن ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري المدني، (عن حُميد) بضمِّ الحاء المهملة (بن عبد الرحمن) هو ابن عوف القرشي المدني: (أنَّ أبا هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، (وأبا سعيد) هو سعد بن مالك الخدري ﵄ (أخبراه) وفي حديث الباب الذي قبله: (حدثاه) (أنَّ رسول الله ﷺ رأى) يعني: أبصر (نُخامة)؛ بضمِّ النون، وهي النخاعة، تقال بالميم كالعين؛ ما يخرج من الصدر (في حائط المسجد) وفي الحديث السابق: (في جدار المسجد)؛ يعني: النبوي، فالألف واللام للعهد، (فتناول رسول الله ﷺ) أي: بيده الكريمة (حَصَاة)؛ بفتح المهملتين؛ هي صغار الحجر (فحتها)؛ بمثناة فوقية، وفي الحديث السابق: (فحكها)؛ بالكاف؛ يعني: أزال أثرها عن الجدار، (ثم قال) ﵇: (إذا تنخم أحدكم) أي: رمى بالنخامة؛ (فلا يتنخم): وفي رواية «الفرع»: (إذا تنخمنَّ؛ فلا يتنخمنَّ)؛ بنون التأكيد فيهما معًا؛ كالحديث السابق (قِبَل) بكسر القاف، وفتح الموحدة (وجهه)؛ أي: جهته (ولا عن يمينه)؛ لأنَّ القبلة واليمين مشرف، فلا يقابل بخسيس ممتهن، (وليبصق عن يساره)؛ لعدم شرفه، (أو تحت قدمه اليسرى)؛ لامتهانها، فقد فسر القدم باليسرى، وهناك أطلقها، والمطلق محمول على المقيد.\nقال إمام الشَّارحين قدِّس سره: (ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «فلا يتنخم قبل وجهه، ولا عن يمينه»؛ أي: ولا يتنخم عن يمينه).\nفإن قلت: الترجمة: (لا يبصق عن يمينه)، ولفظ الحديث: «لا يتنخم».\nقلت: جعل النبيُّ الأعظم ﷺ حكم النخامة والبصاق واحدًا، ألا ترى أنه في حديث أنس الآتي قال: «فلا يبزقن في قبلته، ولكن عن يساره»، بعد أن رأى نخامة في القبلة، فدل ذلك على تساويهما في الحكم، ثم هذا الحديث غير مقيد بحالة الصلاة إلا في حديث أنس المتقدم، وفي حديث ابن عمر المتقدم أيضًا الذي روي الأول: عن قتيبة، والثاني: عن عبد الله بن يوسف، وفي حديث أنس الآتي الذي رواه عن آدم، ومن ذلك جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره، ونقل عن مالك أنه قال: (لا بأس به خارج الصلاة)، وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود: أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، وعن معاذ بن جبل أنه قال: (ما بصقت عن يميني منذ أسلمت)، وعن عمر بن عبد العزيز: أنه نهى ابنه عنه مطلقًا، وهذه كلها تشهد للمنع مطلقًا، وقال القاضي عياض: (النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنَّما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر؛ فله ذلك)، وقال الخطابي: (إن كان عن يساره واحد؛ فلا يبزق في واحد من الجهتين، ولكن تحت قدمه أو ثوبه)، وقد روى أبو داود عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام الرجل إلى الصلاة أو إذا صلى أحدكم؛ فلا يبزق أمامه، ولا عن يمينه، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى»، وقد ذكرنا لفظ (القول) أنه يستعمل عند العرب في معانٍ كثيرة، انتهى.\nقلت: وأشار إمام الشَّارحين إلى أن هذا الحديث ليس فيه مطابقة للترجمة؛ لأنَّه ليس فيه التقييد بحالة الصلاة، وهو كذلك، وأشار إلى أنه مطابق للترجمة مع ضميمة حديث أنس السابق واللاحق، وكذلك في حديث ابن عمر، فإن فيهم التقييد بحالة الصلاة، والحديث المطلق هنا هو المقيد هناك، وقد يقال الحديث هنا مطابق؛ لأنَّ قوله: «فلا يتنخم قِبَل وجهه» قرينة دالة على أنه كان في الصلاة، وعليه؛ فهو غير جائز في حالة الصلاة؛ لأنَّه يفسدها إذا ظهر حروف كـ (تف) ونحوه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٨٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-686>[حديث: لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه]</span>\n٤١٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا حفص بن عُمر)؛ بضمِّ العين المهملة: هو ابن الحارث الحوضي (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (قتادة): هو ابن دعامة التابعي المفسر المشهور (قال: سمعت أنسًا) وللأصيلي: (أنس بن مالك): هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ أنَّه (قال: قال النبيُّ)\n_________\n(^١) في الأصل: (فرقًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":276},{"text":"الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ): والجملة فعلية محلها نصب، إمَّا على الحال، وإمَّا على أنها مفعول ثان لـ (سمعت) على قولين مشهورين: (لا يتفِلن)؛ بكسر الفاء في «الفرع»، ويجوز الضم؛ أي: لا يبزقن (أحدكم بين يديه)؛ يعني: قدامه، والمراد: جهة وجهه، (ولا عن يمينه)؛ لشرف اليمين، (ولكن عن يساره أو تحت رجله)؛ بالإفراد؛ أي: اليسرى، وكلمة (أو) فيه ليست للشك، بل للتنويع؛ يعني: أنه مخير بين هذا وهذا.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنَّ معنى: «لا يتفلن»: لا يبزقن، والتفل شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ) انتهى.\nقلت: وليس في هذا الحديث أيضًا تقييد بحالة الصلاة إلا في رواية آدم الآتية، وحديث أنس السابق في باب (حك البصاق باليد من المسجد)، وكأنه جنح المؤلف إلى أن المطلق محمول على المقيد، كما ذكرناه آنفًا؛ فافهم.\nوقدمنا المنع منه في الجهة اليمنى مطلقًا داخل الصلاة وخارجها، وسواء كان في المسجد أو في غيره، وروي عن مالك وغيره: أنه لا بأس به خارج الصلاة؛ لما في حديث أبي هريرة حيث قال: «فإن عن يمينه ملكًا»، فخصه بحالة الصلاة أخذًا من علة النهي المذكور؛ لأنَّه لا يكون عن يساره ملكًا، وحديث: «إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع» فضعيف لا يحتج به، كما قدمناه، والله تعالى أعلم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٨٧\"> </span>(٣٦) <span data-type=\"title\" id=toc-687>[بابٌ: لِيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى</span>.]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين (ليبزق)؛ بالزاي، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: (ليبصق)؛ بالصاد المهملة، ومعناهما واحد (عن يساره أو تحت قدمه اليسرى) وكلمة (أو) فيه للتنويع، وذكر المؤلف في هذا الباب حديثين؛ أحدهما: عن أنس بن مالك، وقد تكرر، وفيه القيد بحالة الصلاة، والآخر: عن أبي سعيد الخدري، وليس فيه القيد بالصلاة على ما سيجيء، والمناسبة بين البابين ظاهرة.\n\n <span id=\"b-٦٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-688>[حديث: إن المومن إذا كان في الصلاة فإنَّما يناجي ربه]</span>\n٤١٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس، وهو غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، وقيل: ليس فيه علمية، بل العجمة ووزن الفعل (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (قال: حدثنا قتادة): هو ابن دعامة التابعي المفسر (قال: سمعت أنس بن مالك): هو الأنصاري، خادم النبيِّ الأعظم ﷺ أنَّه (قال) جملة فعلية محلها نصب مفعول ثان أو حال: (قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ) حين رأى نخامة في جدار قبلة المسجد النبوي: (إنَّ المؤمن) يعني: صفته، وحقه، وسريرته (إذا كان في الصلاة) وإفادة (كان) الدوام والاستمرار؛ يعني: في كل صلاة، سواء كانت فرضًا، أو واجبةً، أو نفلًا، أو صلاة جنازة، أو عيد، أو نحوها (^١)؛ (فإنما يناجي ربَّه) ﷿، والمناجاة والنجوى: هو السر بين الاثنين، يقال: ناجيته؛ أي: ساررته، ومناجاة الربِّ مجاز؛ لأنَّ القرينة صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي؛ إذ لا كلام محسوسًا بينهما إلا من طرف العبد، فيكون المراد لازم المناجاة، وهو إرادة الخير والبركة، ويجوز أن يكون من باب التشبيه؛ كأنه شبَّه العبد وتوجهه إلى ربِّه في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار وطلب الرحمة والغفران بمن يناجي مولاه ومالكه، فمن شرائط حسن الأدب: أن يقف محاذيه، ويُطرِق رأسه، ويراعي جهة أمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات شيء وإن كان الله تعالى منزهًا عن الجهات؛ لأنَّ الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها ببعض، انتهى.\n (فلا يبزقنَّ) بالزاي ونون التأكيد الثقيلة (بين يديه)؛ يعني: قُدامه، والمراد: جهة وجهه، (ولا عن يمينه)؛ لشرف اليمين؛ لأنَّها خصت بالشيء النفيس؛ كدخول المسجد، والخروج من الخلاء، وغير ذلك مما فيه تشريف، (ولكن عن يساره)؛ لعدم شرفها؛ لأنَّها خصت بالشيء الحقير؛ كالخروج من المسجد، والدخول في الخلاء، وغير ذلك مما فيه حقارة؛ والمعنى: ولكن ليبزق عن يساره، (أو تحت قدمه)؛ أي: اليسرى، كما في الحديث السابق، وكلمة (أو) فيه للتنويع، فهو مخير بين هذا وهذا، وفيه المطابقة للترجمة، لكن لم يصرح في الحديث تقييد القَدم باليسرى، لكنه عُلم من الحديث السابق، فهو مطابق، وحُمِل المطلق على المقيد، وقد تقدم في باب (حكِّ البزاق): أنَّه يدفنه، وأن كفارتها دفنها، وفي الحديث: شرف اليمين على اليسار، وفيه: أن الصلاة أعظم العبادات؛ لكونها مناجاة الربِّ ﷿، وفيه: أن البزاق إنَّما يباح عن اليسار أو تحت القدم مع دفنها، كما في الحديث السابق، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٨٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-689>[حديث: أن النبي أبصر نخامة في قبلة المسجد فحكَّها بحصاة]</span>\n٤١٤ - وبالسند إليه قال: (حدثنا علي) زاد الأصيلي: (ابن عبد الله): هو المديني، ولابن عساكر: (أخبرنا علي) (قال: حدثنا) ولابن عساكر: (أخبرنا) (سفيان) هو ابن عيينة (قال: حدثنا الزهري): هو محمد بن مسلم بن شهاب المدني، (عن حُميد) بضمِّ الحاء المهملة\n (بن عبد الرحمن): هو ابن عوف القرشي الزهري المدني، (عن أبي سعيد): هو سعد بن مالك الخدري ﵁، وفي رواية ابن عساكر كما في «الفرع»: (عن أبي هريرة) بدل (أبي سعيد).\nقال إمام الشَّارحين: (وهو وهم، ووافقه في هذا ما ذكره البخاري في آخر الحديث: «وعن الزهري...» إلخ، فظن أنه عن أبي هريرة وأبي سعيد معًا وفرَّقهما) انتهى؛ فافهم.\n (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ): أراد أن يصلي في مسجد، فدخل، ثم (أبصر): ناقصة، فتقتضي مفعولين؛ أحدهما: قوله: (نُخامة)؛ بضمِّ النون؛ ما يخرج من الصدر، والثاني: ملقاة (في) جدار (قبلة المسجد)؛ أي: النبوي، (فحكَّها) بالكاف؛ أي: أزال أثرها من الجدار (بحَصَاة)؛ بفتح المهملتين؛ صغار الحجر، وفي رواية المستملي: (بحصا).\nقلت: والظاهر أن الهاء المثناة سقطت من الناسخ سهوًا؛ لأنَّ الرسم واحد؛ فافهم.\n (ثم نهى أن يبزق الرجل) ومثله المرأة والصغير (بين يديه)؛ أي: قدامه؛ يعني: جهة وجهه، والنهي يقتضي التحريم، كما قدمناه، وهو الأصح، وهو قول الإمام الأعظم والجمهور، وقيل: إنه للتنزِّيه، وهو شاذ، وبه قال الشافعي، (أو عن يمينه) وكلمة (أو) (^٢)؛ للتنويع؛ يعني: لا يفعل هذا ولا هذا، (ولكن) يبصق (عن يساره)؛ لحقارة اليسار، (أو تحت قدمه اليسرى) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي الوقت: (وتحت)؛ بواو العطف، ووقع في رواية مسلم عن أبي هريرة: (ولكن عن يساره تحت\n_________\n(^١) في الأصل: (نحوهما)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أول)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":277},{"text":"قدمه)؛ بحذف كلمة (أو)، وكذا وقع للبخاري من حديث أنس في أواخر (الصلاة)، ورواية كلمة (أو) أعم وأشمل، قاله الشَّارح.\nوزعم الكرماني فإن قلت: لفظ (عن يساره) شامل لقدمه اليسرى، فما فائدة تخصيصها بالذِّكر؟ قلت: ليس شاملًا لها؛ إذ جهة اليمين والشمال غير (^١) جهة التحت والفوق، انتهى.\nورده إمام الشَّارحين: (بأن فيه تناقضًا (^٢» انتهى.\nقلت: ووجهه أن اليسار -أي: يسار الواقف- يتناول الجهة كلها فوق وتحت، والقدم اليسرى مختصٌ بموضع القدم من تحت، فليس هو شامل لها، وبينهما فرقٌ بيِّنٌ (^٣)، وإنما خصَّها؛ لاحتمال الدفن، ويؤيده قوله: (وكفَّارتها دفنها).\nوزعم الكرماني فإن قلت: هذه الترجمة مقيدة بالقدم اليسرى، ولفظ الحديث ليس فيه تقييد القدم باليسرى، قلت: يُقيَّدُ به عملًا بالقاعدة المقررة من تقييد المطلق.\nوردَّه إمام الشَّارحين: (بأن لفظ الحديث: «أو تحت قدمه اليسرى»، وكأن في نسخته قد سقطت منه لفظة «اليسرى»، فبنى هذا السؤال والجواب على هذا) انتهى.\nقلت: لفظة (اليسرى) ثابتة في جميع الروايات، وليس لأحدٍ روايةٌ بإسقاطها، فنسخة الكرماني خطأ، وبنى عليها كلامه من غير تدبرٍ ولا تفحص، فإنا قد عَهِدنا الشراح يجمعون نسخًا متعددة؛ لأجل المراجعة في ضبط الألفاظ على الوجه الصحيح، ولم نعهد أن أحدًا يتصدر لشرح مثل هذا الكتاب، وليس عنده إلا نسخة واحدة، فليس هذا دَأَب المحصلين؛ فافهم.\n (وعن الزهري) هو محمد بن مسلم: (سمع حُميدًا): هو ابن عبد الرحمن السابق، (عن أبي سعيد) أي: الخدري (نحوَه)؛ بالنَّصب؛ يعني: مثل الحديث السابق، وأشار المؤلف بهذا إلى أن الزهري روى هذا الحديث من وجهين؛ أحدهما: بالعنعنة، والآخر: صرح فيه بسماعه من حميد، وزعم الكرماني أن هذا تعليق، واعترضه ابن حجر بأنَّه وهم، بل هو موصول، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (ظاهر الأمر أنه تعليق، ودعوى أنه موصول يحتاج إلى دليل، ولم يبين وجه ذلك) انتهى.\nقلت: يعني: أن البيِّنة للمدَّعي، فالمدَّعي بشيء إذا لم يبين حجته؛ لم يقبل منه؛ لأنَّه خبر محتمل لوجهين؛ أرجحهما الثاني؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٩٠\"> </span>(٣٧) <span data-type=\"title\" id=toc-690>[باب كفَّارة البزاق في المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان (كفارة) خطيئة (البُزَاق) بضمِّ الموحدة، وفتح الزاي (في المسجد) بدفنه، والألف واللام فيه للجنس؛ أي: في كل مسجد، ولو كان مصلَّى عيد وجنازة.\nقال إمام الشَّارحين: (والكفَّارة على وزن «فَعَّالة»؛ للمبالغة؛ كقتَّالة وضرَّابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسمية، وهي عبارة عن الفعلة والخَصْلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تسترها وتمحوها، وأصل المادة من الكفر، وهو الستر، ومنه سمي الزَّراع كافرًا؛ لأنَّه يستر الحَب في الأرض، وسُمِّي المخالف لدين الإسلام كافرًا؛ لأنَّه يستر الدين الحق، والتكفير: هو فعل ما يجب بالحديث، والاسم منه: الكفَّارة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٩١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-691>[حديث: البزاق في المسجد خطيئة]</span>\n٤١٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا آدم)؛ بالمدِّ: هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة): هو ابن الحجاج (قال: حدثنا قتادة): هو ابن دعامة التابعي المفسر (قال: سمعت أنس بن مالك) هو الأنصاري: أنَّه (قال: قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ) والجملة فعلية محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت) (البُزَاق)؛ بضمِّ الموحَّدة، وفتح الزاي؛ ما يخرج من الفم (في المسجد) الألف واللام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد، ومثله مصلَّى الجنازة والعيدين.\nقال إمام الشَّارحين: (وهو ظرف للفعل، فلا يُشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه؛ تناوله النهي) انتهى.\nقلت: لأنَّه حينئذٍ يصدق عليه أنه بصق في المسجد، وفي رواية مسلم: (التفل في المسجد)؛ بالمثناة الفوقية، وفي رواية أبي داود: (وكفَّارته أن تواريه)؛ أي: تغيِّبه؛ يعني: تدفنه (خطيئة)؛ أي: إثم، وأصلها بالهمزة، ولكن يجوز تشديد التحتية، قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: فأفاد أن الرواية بالهمز، ويجوز التشديد؛ فافهم.\n (وكفَّارتها) أي: الخطيئة (دفنها)؛ أي: في تراب المسجد، ورمله، وحصائه إن كانت هذه الأشياء فيه، وإلا؛ فيخرجه، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من دخل هذا المسجد، فبزق فيه أو تنخَّم؛ فليحفر فليدفنه، فإن لم يفعل؛ فليبزق في ثوبه، ثم ليخرج به»، وقوله: «فإن لم يفعل»؛ أي: فإن لم يحفر أو لم يمكن الحفر؛ فليبزق في ثوبه، وروى الطبراني في «الأوسط» عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفَّارته دفنه»، وإسناده ضعيف، وزعم النووي أن هذا في غير المسجد، وأما المصلِّي في المسجد؛ فلا يبزق إلا في ثوبه.\nقلت: وما زعمه مخالف لصريح الأحاديث، ولهذا قال القاضي عياض: (البزاق إنَّما يكون خطيئة إن لم يدفنه، فمن أراد دفنه؛ فليس بخطيئة).\nقال إمام الشَّارحين: (ويرد على ما زعمه النووي أحاديث كثيرة، وكلها تدل على أن ذلك كان في المسجد، فقد روى أحمد في «مسنده» من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا بإسناد حسن: «من تنخَّم في المسجد؛ فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه، فيؤذيه»، وروى أحمد أيضًا والطبراني بإسنادٍ حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «من تنخَّع في المسجد، فلم يدفنه؛ فسيِّئة، وإن دفنه؛ فحسنة»، وفي حديث أبي ذرٍّ عند مسلم: «وجدت في مساوئ أعمال أمتي النُّخامة تكون في المسجد لا تدفن»، قال القرطبي: «فلم يثبت لها حكم السيِّئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل فيه وبتركها غير مدفونة»، وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة: أنه تنخَّم في المسجد ليلة، فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم تكتب عَلَيَّ خطيئة) انتهى.\nقلت:\n_________\n(^١) في الأصل: (عين)؛ ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (تناقض)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (فرقا بينا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":277},{"text":"وكأن النووي لم يطلع على هذه الأحاديث حتى قال هذا الكلام المخالف لصريح الأحاديث الواردة في ذلك، وزعم القسطلاني أن حاصل النزاع بين النووي والقاضي عياض: أن ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله: «البزاق في المسجد خطيئة»، وقوله: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه»، فالنووي يجعل الأول عامًّا، ويَخصُّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي عياض يجعل الثاني عامًّا، ويَخصُّ الأول بمن لم يرد دفنها، وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر؛ كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر) انتهى.\nقلت: وما زعمه ممنوع، فإنَّه ليس ههنا عمومان متعارضان ولا متفقان، فإن قوله: «البزاق في المسجد خطيئة» ليس عامًّا، بل هو خاص بمن كان يبزق في المسجد، فإنَّه صريح الحديث؛ بدليل قوله: «وكفَّارتها دفنها»، ولهذا ترجم المؤلف بـ (باب كفَّارة البزاق في المسجد)، وإنَّ قوله ﵇: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه» عامٌّ في جميع الأحوال، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود: أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، ومثله عن معاذ بن جبل، ونهى عنه مطلقًا عمر بن عبد العزيز، ويؤيده الأحاديث السابقة عند أحمد والطبراني وغيرهما؛ فليحفظ.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وفيه التصريح بسماع قتادة عن أبي هريرة، فانتفى تدليسه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٦٩٢\"> </span>(٣٨) <span data-type=\"title\" id=toc-692>[باب دفن النُّخامة في المسجد]</span>\n\nهذا (باب دفن النخامة في المسجد) ويجوز في لفظة (باب) التنوين وعدمه، وعلى الأول: يكون قوله: (دفن) مبتدأ، والخبر محذوف؛ تقديره: جائز، وعلى الثاني: يكون (باب) مضافًا لمحذوفٍ مضافٍ لتاليه؛ تقديره: باب جواز دفن... إلخ، والدفن: هو التَّواري؛ أي: التغيب بحيث لم يظهر للناظر، و(النُّخامة)؛ بضمِّ النون: ما يخرج من الصدر، والألف واللام في (المسجد)؛ للجنس، والمناسبة بين البابين ظاهرة.\n <span id=\"b-٦٩٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-693>[حديث: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه]</span>\n٤١٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق ابن نصر)؛ نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاري (قال: حدثنا) ولأبوي ذر والوقت: (أخبرنا) (عبد الرزاق): هو ابن همام الصنعاني، صاحب «المصنف»، (عن مَعْمَر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين ساكنة، وللأصيلي: (أخبرنا مَعمَر): هو ابن راشد البصري، (عن همَّام) على وزن (فعَّال)؛ بالتشديد: هو ابن مُنَبْه -بضمِّ الميم، وفتح النون، وتشديد (^١) الموحدة- ابن كامل الصنعاني، أخو وهب: أنَّه (سمع أبا هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة)؛ أي: إذا أراد أحدكم القيام إليها على حد قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، والمراد: أنه تهيأ إليها بأن استقبل القبلة، وأتى بالسنن، وبهذا التقدير اضمحل ما زعمه القسطلاني من أنه فسر القيام: بالشروع فيها؛ لأنَّه لا يوافق قوله: (فلا يبصق)؛ بالصاد المهملة، والجزم على النهي؛ لأنَّ البصاق يكون خروجه بحروف مفهمة، وهي تفسد الصلاة، وهو خلاف ما أراده ﵇، ويؤيده قوله ﵇: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن»، أخرجه مسلم وغيره، ولا ريب أن الحروف المفهمة كلام، ويدل عليه الحصر في قوله: «إنما هي...» إلى إلخ، فإنَّها تسبيح وقرآن؛ فافهم.\n (أَمامه)؛ بفتح الهمزة؛ أي: قدامه؛ والمراد: جهة القبلة، (فإنما) وللكشميهني: (فإنَّه)؛ أي: مريد الصلاة أو المصلي (يناجي الله) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنه يناجيه تعالى، والرب ﷿ يناجيه من جهة لازم ذلك؛ وهو إرادة الخير والبركة، فهو من باب المجاز؛ لأنَّ القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلام محسوسًا إلا من جهة العبد (ما دام في مصلاه)؛ أي: مدة دوامه في مصلاه، قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: وأشار به إلى أن كلمة (ما) ظرفية مصدرية؛ معناها: المدة؛ يعني: مدة دوامه قاعدًا في مكان صلاته متوجهًا للكعبة، ويدل عليه قوله ﵇: «إنكم في صلاة ما انتظرتموها»؛ يعني: ما دمتم منتظرين الصلاة، فأنتم فيها حكمًا من حيث إقبال الرب عليه بالرحمة والعفو والغفران، وهذا يؤيد ما قلناه، ويرد على ما زعمه القسطلاني آنفًا.\nقال الشَّارح: (فإن قلت: هذا تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، ورواية: «أذى المسلم» يقتضي المنع مطلقًا ولو لم يكن في الصلاة.\nقلت: هذه مراتب، فكونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد) انتهى.\nقلت: وقوله: (هذا تخصيص المنع...) إلخ: قد يقال: إنه تخصيص المنع مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها؛ لأنَّ من توضأ أو أذن أو أقام للصلاة يناجي ربه ﷿؛ فهو مصلٍّ حكمًا، وهو موافق لما في رواية: (أذى المسلم)، فيكون المنع المطلق.\nوقوله: (فكونه في الصلاة أشد...) إلخ: لما يلزم عليه من إظهار الحروف وفساد الصلاة، وهو غير جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا (^٢) تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].\nوقوله: (وكونه في جدار القبلة...) إلخ؛ لأنَّ القبلة لها شرف ومزية على غيرها من الجهات؛ لقوله ﵇: «فإن الله قِبَلَ وجهه»؛ أي: رحمته، كما قدمنا؛ فافهم.\n (ولا) يبصق (عن يمينه؛ فإن عن يمينه مَلَكًا)؛ بفتح الميم واللام والكاف، وهذا يقتضي اختصاص منع البزاق عن يمينه؛ لأجل الملك، وفي يساره أيضًا ملك.\nقلت: إنَّ لكل واحد قرينًا، وموقفه عن يساره، كما ورد في حديث أبي أمامة، رواه الطبراني، فإنَّه بين يدي الله وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره، فلعل المصلي إذا تفل عن يساره؛ يقع على قرينه، وهو الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء، كذا قاله إمام الشَّارحين، وأجاب غيره: بأن لليمين شرفًا، قال إمامنا: (وفيه نظر).\nقلت: ووجهه أن على اليمين ملكًا كما أن على اليسار ملكًا أيضًا، فأين الشرف الذي لليمين على اليسار؟ وقد يقال: إن لليمين شرفًا من حيث إنَّه ﵇ كان يبدأ بها في مشيه ودخوله وخروجه وأحواله كلها، وقد يقال: هذا لا يقتضي الشرف؛ لاحتمال أنه يفعل ذلك؛ لأجل التسهيل عليه والعادة.\n_________\n(^١) في الأصل: (وسكون)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.\n (^٢) في الأصل: (لا)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":278},{"text":"وأجاب بعض: بأن الصلاة أُمُّ الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها الكائن عن اليسار، قال إمامنا الشَّارح: (وفيه نظر؛ لأنَّه ولو لم يكتب؛ لا يغيب) انتهى.\nقلت: ويدل عليه قوله ﵇: «إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا حال الجماع ودخول الخلاء»، على أنَّه لكاتب السيئات دخل في الصلاة، كما أنَّ لكاتب الحسنات دخلًا (^١) فيها من حيث إنَّ المصلي يحصل له تفكر في أمور الدنيا غالبًا، خصوصًا في أهل زماننا، فإن تفكر في صلاته أنَّه يفعل الأمر القبيح أو المكروه أو المحرم؛ يخرج من فمه ريح منتنة، فيعلم الملَك أنَّه قد هم بمعصية، فيكتبها، وإن تفكر أنَّه يفعل الأمر الحسن؛ يخرج من فمه ريح طيبة، فيعلم الملَك أنَّه قد همَّ بطاعة، فيكتبها، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث، ويدل عليه الحديث السابق آنفًا، فإنَّه يقتضي عدم المفارقة أصلًا إلا في هذين الموضعين، وهذا يدل صريحًا أنَّ الملكين لا يفارقان العبد أصلًا إلا في الموضعين؛ فافهم.\n (وليبصق عن يساره)؛ لأنَّ اليمين لها فضل على اليسار في الجملة، (أو تحت قدمه)؛ بالإفراد؛ أي: اليسرى، كما قيَّدَها في حديث أبي سعيد السابق، وهذا صريح في أنَّه كان في المسجد؛ بدليل قوله في أول الحديث: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة»، والقيام إليها لا يكون إلا في المسجد، ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد والطبراني بإسناد حسن مرفوعًا: «من تنخع في المسجد، فلم يدفنه؛ فسيئة، وإن دفنه؛ فحسنة»، وروى مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: «وجدت في مساوئ أعمال أمتي النخامة تكون في المسجد لا تدفن»، قال القرطبي: (فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل به، وبتركها غير مدفونة) انتهى.\nوبهذا تعلم سقوط ما زعمه النووي وتبعه القسطلاني أنَّ هذا في غير المسجد، أمَّا المصلي في المسجد؛ فلا يبزق إلا في ثوبه؛ لأنَّ هذا تخصيص بلا مخصص، وتقييد الإطلاق بشيء مخالف؛ لظاهر حديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة الدالة صريحًا على أن ذلك كان في المسجد؛ فافهم.\nوقول القسطلاني معلِّلًا بأنَّه قد قال: (إنه خطيئة، فلم يأذن فيه)، يرده: أنه قد قال: (وكفارتها دفنها)؛ كما في حديث أنس في الباب قبله، وقد ترجم له المؤلف بـ (باب كفارة البزاق في المسجد)، ولا يلزم من كونها خطيئة عدم الإذن بفعلها في المسجد؛ لأنَّ قوله: (وكفارتها دفنها) دليل على الإذن فيها، وأنها إذا دفنت؛ تخرج عن كونها خطيئة، فقد حفظ شيئًا، وغاب عنه أشياء على أن قوله: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) دليل صريح على الإذن بفعلها، ولو لم يأذن بها؛ لم يجعل لها كفارة، ويدل عليه قوله: (فيدفنها)؛ أي يغيبها بتراب المسجد، ورمله، وحصائه، وبذلك تخرج عن كونها خطيئة، وقوله: (فيدفنُها)؛ بالرفع، وهو الذي في «الفرع» على أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو يدفنها، ويجوز النصب؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الجزم عطفًا على الأمر، وتأنيث الضمير فيه على تأويل البصقة التي يدل عليها قوله: (وليبصق)، وقيل: إنَّما لم يغطها (^٢)؛ لأنَّ التغطية يستمر بها الضرر؛ إذ لا يؤمن أن يجلس غيره عليها، فتؤذيه، بخلاف الدفن؛ فإنَّه يفهم منه التعميق في باطن أرض المسجد، ويؤيده ما رواه الطبراني: «فليحفر وليدفنه»، وعند ابن أبي شيبة مرفوعًا: «إذا بزق في المسجد؛ فليحفر وليمعن»، وفي «صحيح ابن خزيمة»: «فليبعد»، لا يقال: إن الباب معقود على دفن النخامة، والحديث يدل على دفن البزاق؛ لأنَّا نقول: قد قلنا فيما مضى: أنه لا تفاوت بينهما في الحكم، ومطابقته للترجمة ظاهرة من قوله: (فيدفنها)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقلت: ومثل دفنها بل أبلغ إلقاؤها في نعله أو بابوجه، كما هو العادة في زماننا، فإن ذلك مثل بزقه في ثوبه؛ لأنَّ مآله الخروج بها من المسجد، ثم دفنها ينبغي أن يُقيَّد بكون البزاق لم يخالطه نجس؛ كَدَمٍ من بين أسنانه، فلو تنجس؛ ينبغي أن يخرجه من المسجد؛ لأنَّه نجاسة، وقد يقال: لما كان الدفن مستلزم للحفر والتعميق، وهو يستلزم عدم ظهوره، وعدم إيذاء أحد به؛ لا بأس به؛ لأنَّه يكون في باطن أرض المسجد، والسجود على أعلاه لا يضر الصلاة، نعم، لو كان المسجد لم يوجد فيه تراب، أو رمل، أو حشيش، ونحوها؛ فإن كان البزاق باقيًا على طهارته؛ فيدلكها بشيء حتى يذهب أثرها، وإن كان متنجسًا؛ ينبغي أن يتعين عليه إخراجه من المسجد؛ لأنَّ في إبقائه إيذاء للمسجد والمصلين بالنجاسة، وهو غير جائز، ومثل دفن البزاق الطاهر دلكه في الحشيش، أو الحصير، أو غيرهما، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٩٤\"> </span>(٣٩) <span data-type=\"title\" id=toc-694>[باب: إذا بَدَرَهُ البزاق فليأخذ بطرف ثوبه]</span>\nهذا (باب)؛ بالتنوين: (إذا بدره)؛ بدال وراء مهملتين؛ أي: غلب على من كان في المسجد (البُزَاق)؛ بضمِّ الموحدة، وفتح الزاي، ولم يقدر على دفعه؛ (فليأخذ)؛ بدون ضمير، والأولى أن يلحقه ضميرٌ مذكرٌ (^٣)؛ ليعود على البزاق، أو ضميرٌ مؤنثٌ (^٤)؛ ليعود على البزقة المدلول عليها قوله: (إذا بدره البزاق) (بطرف ثوبه) قد يقال: فيه إتلاف المال، وهو غير جائز، وقد يجاب: بأن الثوب يغسل بخلاف المسجد، فإنَّه يدل على الاستخفاف، كما سيأتي.\nوقال إمام الشَّارحين: (لا يقال: بدره، بل يقال: بدر إليه)، وقال الجوهري: (بَدَرْتُ إلى الشيء، أَبْدُرُ، بُدورًا: أسرعت، وكذلك: بادرت إليه، وتَبادَرَ القوم: أسرعوا) انتهى.\nقلت: وهذا اعتراض على المؤلف في قوله: (إذا بدره)؛ لأنَّه مخالف للغة، وكذلك أنكره، واعترض عليه السروجي، وأجاب عن المؤلف ابن حجر، وتبعه البرماوي، والدماميني: (بأنَّه من باب المُغَالبة؛ أي: بادر البزاق، فبدره؛ أي: غلبه في السَبْق) انتهى.\nقلت: وهذا الجواب ليس لابن حجر، كما يُتوهم، وإنما هو للزركشي، فنسبه ابن حجر لنفسه، وعلى كلٍّ؛ فهو مردود؛ لأنَّ إمام الشَّارحين قد رد على ابن حجر كعادته، فقال: (هذا كلام من لم يمس شيئًا من علم التصريف، فإن في باب المغالبة يقال: بادرني، فبدرته، ولا يقال: بادرت كذا، فبدرني، والفعل اللازم في باب المغالبة يجعل متعديًا بلا حرف صلة، يقال: كارمني فكرمته، وليس ههنا باب المغالبة حتى يقال: بدره) انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٩٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-695>[حديث: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه]</span>\n٤١٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مالك بن إسماعيل) هو أبو غسان النهدي الكوفي (قال: حدثنا زُهير)؛ بضمِّ\n_________\n(^١) في الأصل: (دخل)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (يغطيها)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (ضميرًا مذكرًا)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (ضميرًا مؤنثًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":278},{"text":"الزاي، مصغَّرًا: هو ابن معاوية الكوفي (قال: حدثنا حُميد)؛ بضمِّ الحاء المهملة: هو الطويل التابعي، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك): هو الأنصاري ﵁: (أنَّ النبيَّ) الأعظم (ﷺ رأى) أي: أبصر (نُخَامة)؛ بضمِّ النون، وفتح الخاء المعجمة: ما يخرج من الصدر (في القبلة)؛ أي: في الحائط القبلي من المسجد النبوي، وقول القسطلاني: (في جهة حائطها)؛ ممنوع؛ لأنَّ النخامة المرئية ليست في جهة القبلة، بل في حائط القبلة؛ لأنَّ جهة القبلة يطلق على ما بين المشرق والمغرب، بخلاف حائط القبلة، فإنَّه مخصوص بحائط المسجد القبلي؛ فافهم.\n (فحكها) بالكاف؛ أي: أزال أثرها (بيده) الكريمة، يحتمل أنه باشر ذلك بنفس يده، ويحتمل أنه باشر ذلك بعرجون كان بيده، كما في حديث أبي داود، ويحتمل تعدد القصة، كما سبق، وفي رواية: (فحكه)؛ أي: أثر النخامة، وقول القسطلاني: (أي: البصاق)؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يوجد أنه رأى بصاقًا حتى يدل الضمير على البصاق، وإنما هو رأى نخامة، فضمير المؤنث يرجع إليها، وضمير المذكر يرجع إلى أثرها، كما لا يخفى.\n (ورُؤِيَ)؛ بضمِّ الراء، وكسر الهمزة، وفتح التحتية، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والأصيلي: (ورِيْءَ)؛ بكسر الراء، وسكون التحتية، وفتح الهمزة (منه) ﵇ (كراهيةُ)؛ بالرفع نائب فاعل، (أو رُئِيَ) بضمِّ الراء، وكسر الهمزة، وفتح التحتية (كراهيته) ﵇ (لذلك)؛ أي: لأجل رؤية النخامة في القبلة، وكلمة (أو) (^١)؛ للشك، وهو من الراوي.\nقلت: يحتمل من حميد، ويحتمل من أنس، والظاهر الأول، و(كراهيته) مرفوع بـ (رُؤي) المبني للمفعول.\n (وشدتُه عليه)؛ أي: على ذلك الفعل، وهو بالرفع عطفًا على (كراهيته)، أو بالجر عطفًا على قوله: (لذلك)، وفي رواية أنس في باب (حك البزاق): (فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه)، وفي رواية النسائي: (فغضب حتى احمر وجهه)، وهذا بيان لقوله: (كراهيته) و(شدته)، والروايات تفسر بعضها بعضًا، (وقال) ﵇؛ أي: بعدما رئي منه الكراهية والشدة: (إنَّ أحدكم إذا قام في صلاته): يحتمل على الحقيقة، ويحتمل أنه أراد القيام إلى صلاته، والثاني أعم، والظاهر: أنه هو المراد؛ لأنَّ استقبال القبلة في غير الصلاة عبادة؛ كما أن النظر إلى الكعبة في غير صلاة عبادة أيضًا؛ فتأمل.\n (فإنما يناجي ربه) تعالى؛ أي: من جهة مساررته بالقرآن الذي هو كلامه والأذكار وغير ذلك، فكأنه يناجيه، والله تعالى يناجيه من جهة لازم ذلك؛ وهو إرادة الخير والرحمة، فهو من باب المجاز؛ لأنَّ القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلام محسوسًا إلا من جهة العبد، وزعم النووي أنَّ (^٢) هذا إشارة لإخلاص القلب، وحضوره، وتفريغه لذكر الله تعالى، انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، فإن المناجاة: المساررة، وهي بكلامه تعالى وذكره، وأمَّا الإخلاص والحضور؛ فخارج عن ذلك، فتارة تكون المناجاة بإخلاص، وتارة بدونه، وكل ذلك جائز؛ لأنَّ المالك من كرمه العفو عن مملوكه، ولعل النووي أشار بهذا إلى قول المتصوفة: إنَّ الخشوع في الصلاة واجب، فإن كان مراده هذا؛ فغير مقبول منه؛ لأنَّ الإجماع منعقد على أنَّه ليس بواجب؛ فافهم.\n (أو ربه) تعالى؛ بالرفع مبتدأ خبره قوله: (بينه وبين قبلته)؛ بالضمير، ولأبوي ذر والوقت: (وبين القبلة)؛ بحذفه، والجملة معطوفة على (يناجي ربه) عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وظاهر هذا غير مراد؛ لأنَّ الله تعالى منزه عن المكان والجهة، وإنما المراد: إقباله تعالى على عبده بالرحمة، والعفو، والغفران، والكرم، والإحسان، كما سبق في باب (حك البزاق) (فلا يبزقنَّ)؛ بنون التأكيد الثقيلة؛ أي: أحدكم (في قبلته)؛ أي: في جدار القبلة، (ولكن) يبزق (عن يساره)؛ لعدم شرف اليسار، (أو تحت قدمه)؛ بالإفراد؛ أي: اليسرى، كما في الحديث السابق؛ لأنَّ محل وطء القدم ليس له شرف، (ثم أخذ) ﵇ (طرف رِدائه)؛ بكسر الراء: ما يغطي النصف الأعلى (فبزق فيه) بالزاي (ورد بعضه على بعض) يعني: غيبها فيه، (قال) ﵇، وللأصيلي وابن عساكر: (فقال) (أو يفعل هكذا) عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك؛ والمعنى: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، ففيه البيان بالفعل، وهو أوقع في النفس، وكلمة (أو) (^٣) ليست للشك، بل هي للتنويع؛ ومعناه: التخيير؛ أي: هو مخير بين هذا وهذا.\nفإن قلت: ليس في الحديث مطابقة للترجمة؛ لأنَّه لم يذكر فيه بدر البزاق.\nقال إمام الشَّارحين: (الترجمة مشتملة على شيئين؛ أولهما: مبادرة البزاق، والآخر: هو أخذ المصلي بزاقه بطرف ثوبه، وفي الحديث ما يطابق الثاني، وهو قوله: «ثم أخذ طرف ردائه، فبزق فيه»، وليس للجزء الأول ذكر في الحديث، ولهذا اعترض عليه في ذلك، ولكن يمكن أن يقال وإن كان فيه تعسف، كأنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: «وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة؛ فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى بعضه على بعض»، وروى أبو داود: «فإن عجلت به بادرة؛ فليقل بثوبه هكذا، وَضَعَهُ على فيه، ثم دلكه»، وقوله: «بادرة»؛ أي: حِدَّة، وبادرة الأمر: حِدَّتُه؛ والمعنى: إذا غلب عليه البصاق أو النخامة؛ فليقل بثوبه هكذا، وقوله: «وضعه على فيه» تفسير لقوله: «فليقل به»، ولأجل ذلك ترك العاطف؛ أي: وضع ثوبه على فيه حتى يتلاشى البزاق فيه) انتهى.\nقلت: ووجه التعسف: أن ذكر الترجمة لشيء لم يذكره تحتها، ويشير إلى بعض طرقه مما لم يذكره، وما ذكره الشَّارح ترميم لعبارة المؤلف، وأنَّ ذكر الترجمة وعدم ذكر ما يدل عليها أو على بعضها معيبٌ في الصناعة، ولعل المؤلف جنح إلى أن قوله: (ثم أخذ طرف ردائه...) إلى آخره يطابق الجزء الأول من الترجمة أيضًا؛ لأنَّ مبادرة البزاق لا يكون إلا بسعال وتنحنح غالبًا، فإذا حصل له ذلك، وغلب عليه البزاق أو النخامة؛ لا يسعه أن يبزق عن يساره، أو تحت قدمه؛ لطول المدة، بل يعجل بأخذ طرف ثوبه، وأيضًا إذا حصل له سعال ونحوه؛ يضطر إلى وضع طرف ثوبه على فمه حتى لا يخرج من فيه صغار البزاق، فيصيب بعض من على يمينه أو شماله أو أمامه، وفي هذه الحالة يضطر إلى أن يبزق بطرف ثوبه؛ محافظة على عدم إيذاء الجار، وعلى هذا؛ يكون قوله: «ثم أخذ طرف ردائه...) إلى آخره مطابق لجزئي (^٤) الترجمة، والله أعلم.\nوفي الحديث فوائد؛ منها: استحباب إزالة ما يستقذر أو يتنزه عنه من المسجد، ومنها: تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها.\nقلت: ومثل الإمام نائبه، وهو الناظر أو المتولي على أوقافه ومصارفه، وكذلك الكناس، والشعال، والحسكي، ونحوهم،\n_________\n(^١) في الأصل: (أول)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (أنَّه)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (أول)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (للجزئي)، وهو تحريف.","vol":"1","page":279},{"text":"فيجب عليهم تعاهد المسجد من وقوع القاذورات فيه، والكناسات، والزبالات، ونحوها.\nومنها: أن البصاق طاهر، وكذلك النخامة والمخاط، ولم يخالف في ذلك إلا إبراهيم النخعي، فإنَّه يقول: (كل ما تستقذره النفس نجس).\nومنها: أن التحسين والتقبيح إنَّما هو بالشرع ككون اليمين مفضلة على اليسار، واليد مفضلة على القدم.\nومنها: أن الرجل إذا رأى ما يُكره شرعًا أن يزيله بيده، ولهذا كان الأمر بالمعروف واجبًا، وهو على التفصيل؛ لقوله ﵇: «من رأى منكم منكرًا؛ فليغيره بيده، فإن لم يقدر؛ فبلسانه، فإن لم يقدر؛ فبقلبه، وهو أضعف الإيمان»، ويشترط أن يكون الأمر بالمعروف بالمعروف لا بالشدة إلا إذا رأى أحدًا كشف عورته؛ فينهاه بشدة، كما بُين في كتب الفروع، وقد انتهت الجهالة إلى قوم، فزعموا أن البصاق والنفخ والتنحنح في الصلاة جائز مطلقًا، غير مفسد؛ استدلالًا بهذا الحديث.\nقلت: وهو استدلال فاسد، ودعوى بلا برهان، فإن قوله ﵇: «إذا قام في صلاته»؛ معناه: أن أحدكم إذا أراد القيام إلى صلاته؛ ينبغي له أن يتهيأ لها، ومن جملة ذلك: أنه إذا غلب عليه البلغم والبزاق، وأراد أن يبزق؛ يفعل، كما ذكره في الحديث، وليس المراد أنه يفعل ذلك في حال صلاته؛ لأنَّه ﵇ قال: «إن صلاتنا هذه لا يَصْلُح فيها شيء من كلام الناس، إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن»، رواه مسلم وغيره، ولا ريب أن البصاق والنفخ والتنحنح ملحق بكلام الناس؛ لأنَّ الكلام لا يَحْسُن إلا بذلك، ويدل عليه الحصر في الحديث على أنها تسبيح وقراءة قرآن؛ يعني: لا غيرهما من أفعال الناس، ولو سلمنا أنه كان في حال الصلاة؛ فالغالب في البزاق أنه يخرج من الفم بدون حرف ولا صوت، لا سيما إذا أخذه بطرف ردائه؛ فإنَّه لا يسمع لذلك صوت أصلًا، ولهذا قال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: (إن البصاق والنفخ في الصلاة غير مفسد إذا كان بدون صوت ولا حروف، فإن كان يسمع؛ فهو مفسد؛ لأنَّه بمنزلة الكلام، وإن التنحنح في الصلاة إذا كان بعذر كأن وقف في حلقه البلغم، فمنعه عن القراءة ونحوها؛ فإنَّه غير مفسد، وإن كان بدون عذر، كما يفعله ذرية يأجوج ومأجوج؛ فمفسد للصلاة)، وفي رواية عنه: (إن حصل منه ثلاثة حروف؛ تفسد صلاته، وفي الحرفين قولان: الاحتياط المنع، وهو الأصح)، وزعم الشافعية وكذا الحنابلة أن النفخ والتنحنح إن ظهر من كل منهما حرفان أو حرف مفهم؛ كـ (قِ)؛ من الوقاية، أو مدة بعد حرف؛ بطلت صلاته، وإلا؛ فلا، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٦٩٦\"> </span>(٤٠) <span data-type=\"title\" id=toc-696>[باب عِظَة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة]</span>\nهذا (باب) حكم (عِظَة الإمام) أي: وعظه (الناسَ)؛ بالنصب على المفعولية (في) أي: بسبب ترك (إتمام الصلاة)؛ أي: بأن يتموا صلاتهم ولا يتركوا منها شيئًا، (وذكر القبلة)؛ بالجر عطف على (عظة)؛ أي: وفي بيان القبلة، والعظة على وزن (علَة (^١» مصدر من وَعَظ يعظ وَعظًا، وعظة (^٢)، ومَوعظَة، وأصل (عظة): وعظ، فلما حذفت الواو؛ عوضت منها التاء في آخره، أمَّا الحذف؛ فلوجوده في فعله، وأما كسر العين؛ فمن الواو؛ فافهم، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، وإذا قلت: وعظته فاتعظ؛ أي: قبل الموعظة، ووجه المناسبة في ذكر هذا الباب عقيب الأبواب المذكورة من حيث إنَّه كان فيها أمر ونهي وتشديد فيهما، وهي كلها وعظ ونصح، وهذا الباب أيضًا في الوعظ والنصح، انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٩٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-697>[حديث: هل تَرون قِبلتي هاهنا؟! فوالله ما يخفى عليَّ </span>خشوعكم ولا ركوعكم]\n٤١٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي الكلاعي الدمشقيُّ الأصل (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي الزِّناد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف النون: هو عبد الله بن ذكوان القُرشي المدني، (عن الأعرج): هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني: (أنَّ رسول الله)\nولأبي الوقت: (عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: هل تَرون)؛ بفتح المثناة الفوقية، استفهام على سبيل إنكار ما يلزم منه؛ المعنى: أنتم تحسبون (قِبلتي ههنا) وأنني لا أرى إلا ما في هذه الجهة؟! (فوالله): قَسَم منه ﵇، وجوابه قوله: (ما يخفى عليَّ)؛ بفتح التحتية، (خشوعُكم) بالرفع فاعل (يخفى)؛ المراد به: السجود؛ لأنَّه غاية الخشوع، وقد صرح في رواية مسلم: (بالسجود)، ويجوز أن يُراد به أعم من ذلك، فيتناول جميع أفعالهم في صلاتهم، وقوله: (ولا) يخفى عليَّ (ركوعُكم) بالرفع عطفًا على (خشوعكم)؛ يعني: إذا كنت في الصلاة مستدبرًا لكم.\nفإن قلت: إذا كان الخشوع بمعنى الأعم يتناول الركوع أيضًا، فما فائدة ذكره؟\nقلت: لكونه أكبر من عمد الصلاة؛ لأنَّ الرجل ما دام في القيام؛ لا يتحقق أنه في الصلاة؛ فإذا ركع؛ يتحقق أنه في الصلاة، ويكون فيه عطف العام على الخاص؛ والمعنى: أن رؤيتي لا تختص بجهة قبلتي هذه، فإني أرى من خلفي كما أرى من جهة قبلتي.\n (أَني)؛ بفتح الهمزة (لأراكم) اللام فيه للتأكيد، وهو إما بيان لجواب القسم، أو بدل منه (من وراء ظهري): واختلف في ذلك؛ فقيل: كانت له ﵇ عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائمًا، وقيل: كانت بين كتفيه عينان مثل سم الخياط؛ يعني: خرق (^٣) الإبرة يبصر بهما، لا يحجبهما ثوب ولا غيره، وقيل: بل كانت صورهم تتطبع في حائط قبلته كما تتطبع في المرآة مُثلَتُهُم فيها، فيشاهد بذلك أفعالهم، واختلف أيضًا في معنى هذه الرؤية؛ فقال قوم: المراد بها: العلم إمَّا بطريق أنه كان يوحى إليه بيان كيفية فعلهم، وإمَّا بطريق الإلهام، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان ذلك بطريق العلم؛ ما كانت فائدة في التقييد بقوله: «من وراء ظهري»، وقال قوم: المراد بها: أنه يرى مَن عن يمينه، ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في بعض الأحوال، وهذا أيضًا ليس بشيء، وقال الجمهور: إنها من خصائصه ﵇، وإن إبصاره إدراك حقيقي انخرقت له فيه العادة، ولهذا\n_________\n(^١) في الأصل: (فعلة)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (ووعظة)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (خرءة).","vol":"1","page":279},{"text":"خرَّج البخاري هذا الحديث في (علامات النبوة)، وفيه دلالة لأهل السنة من الماتردية والأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، وهذا هو الحق الصواب؛ لأنَّ الرؤية لا يشترط عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، ولا بعد، ولهذا حكموا بجواز رؤية الباري تعالى في الدار الآخرة، خلافًا للمعتزلة في الرؤية مطلقًا، وللمُشَبِّهة والكَرَّامية في خلوها عن المواجهة والمكان، فإنَّهم إنَّما جوزوا رؤية الله تعالى؛ لاعتقادهم كونه تعالى في الجهة والمكان، وأهل السنة أثبتوا رؤية الله تعالى بالنقل والعقل، وبينوا بالبرهان على أن تلك الرؤية مبرأة عن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي، كما بين في موضعه، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nثم قال: (ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ في هذا الحديث وعظًا لهم وتذكيرًا وتنبيهًا بأنَّه لا يخفى عليه ركوعهم وسجودهم، ولا يظنون أنه لا يراهم؛ لكونه مستدبرًا لهم، وليس كذلك؛ لأنَّه ﵇ يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه، ويستفاد من الحديث: أنه ينبغي للإمام إذا رأى أحدًا (^١) مُقصِّرًا في شيء من أمور دينه أو ناقصًا للكمال منه؛ أن ينهاه عن فعله، ويحضَّه على ما فيه جزيل الحظ، ألا ترى أنه ﵇ كيف وبَّخ من نقص كمال الركوع والسجود، ووعظهم في ذلك بأنَّه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من بين يديه، وفي «تفسير سنيد» عن أنس، ولفظه: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري»، وفي لفظ: «أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وإذا سجدتم»، وفي لفظ: «إني لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وإذا ما سجدتم»، وعند مسلم: صلى بنا ذات يوم، فلما قضى صلاته؛ أقبل علينا بوجهه، فقال: «أيها الناس؛ إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي»، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده؛ لو رأيتم ما رأيت؛ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنة والنار») انتهى.\nقلت: أشار ﵇ بهذا إلى أن السبق في الأركان غير جائز، وقد ورد: أن الذي يرفع رأسه في الركوع قبل إمامه؛ أنه يُحوِّل رأسه رأس حمار يوم القيامة، فإن من سبق إمامه في ركن، ولم يشاركه إمامه فيه؛ فقد بطلت صلاته، وإن شاركه فيه؛ صحت وكان مسيئًا، ولا ريب أنه ﵇ رأى في النار من يُعذَّب بهذا الفعل حتى أخبر عنه ونهى وزجر، وقال: «رأيت الجنة والنار»؛ إشارةً إلى هذا، فإنَّه في أمته رؤوف رحيم ﷺ.\n\n <span id=\"b-٦٩٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-698>[حديث: إني لأراكم من ورائي كما أراكم]</span>\n٤١٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى بن صالح): هو الوُحاظي -بضمِّ الواو، وتخفيف المهملة، ثم المعجمة- الحمصي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، عن نيف وسبعين، (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بضمِّ الفاء، وفتح اللام، وسكون التحتية، آخره مهملة (بن سُليمان)؛ بضمِّ المهملة، (عن هِلال)؛ بكسر الهاء (بن علي) ويقال: (هلال بن أبي هلال بن علي)، ويقال: (ابن أسامة) الفِهري المديني، المتوفى آخر خلافة هشام بن عبد الملك، (عن أنس بن مالك): هو الأنصاري، خادم رسول الله ﷺ (قال: صلى لنا)؛ أي: لأجلنا، وفي رواية كريمة: (صلى بنا)؛ بالموحدة؛ يعني: إمامًا (النبيُّ) الأعظم، ولأبي ذر: (رسول الله) (ﷺ صلاة)؛ بالتنكير للإبهام، كذا قال الشَّارح، وتبعه الشراح.\nقلت: والظاهر أنها صلاة الجمعة، يدل عليه قوله: (ثم رَقِيَ)؛ بفتح الراء، وكسر القاف، وفتح التحتية، ويجوز فتح القاف على لغة طيِّئ؛ ومعناه: صعد (المِنْبَر)؛ بكسر الميم، وسكون النون، وتخفيف الموحدة المفتوحة، ويجوز كسرها، فإنَّه لا يخطب إلا بعد صلاة الجمعة، فيتعين أنها هي، لا يقال: إن الخطبة تكون بعد صلاة الكسوف والاستسقاء؛ لأنَّا نقول: قوله: (صلاة) يدل على أنها كانت ذات ركوع وسجود من الفرائض؛ لأنَّها مطلقة، وهاتين (^٢) الصلاتين لا يذكر إحداهما (^٣) إلا بقيدها؛ فافهم.\n (فقال في الصلاة): فيه حذف؛ تقديره: فقال في شأن الصلاة وفي أمرها، أو يكون متعلقها محذوفًا؛ تقديره: أراكم في الصلاة، كذا قرره في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أنه متعلق بقوله بعد: «لأراكم»، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا غلط؛ لأنَّ ما في حيز «أن» لا يتقدم عليها) انتهى.\n (وفي الركوع)؛ أي: وفي شأنه، وإنما أفرده بالذكر، وإن كان داخلًا (^٤) في الصلاة؛ للاهتمام بشأنه؛ إمَّا لأنَّه أعظم أركانها؛ بدليل أنَّ المسبوق لو أدرك الركوع؛ فقد أدرك تلك الركعة بتمامها، وإمَّا لأنَّه ﵇ علم أنَّهم قصَّروا في حال الركوع؛ فذكره؛ لزيادة التنبيه، انتهى.\nإلى أن قال ﵇: (أَني) بفتح الهمزة (لأراكم) اللام فيه للتأكيد (من ورائي): وفي رواية: (من وراء)؛ بحذف التحتية منه، والاكتفاء بالكسرة عنها، وزعم الكرماني أن لفظ الحديث السابق يقتضي عموم الرؤية من الوراء لجميع الأحوال، وسياق اللفظ يقتضي خصوصها بحال الصلاة، قال إمام الشَّارحين: (حُكي عن مجاهد: أنَّه كان في جميع أحواله) انتهى.\nقلت: وعليه فتكون الرؤية من الوراء عامة في جميع أحواله، كما هو مقتضى لفظ الحديث السابق، لا يقال: المطلق محمول على المقيد؛ لأنَّا نقول: ليس هذا منه؛ لأنَّ هذا خاص به ﵇، والخصوصية تدل على العموم،\n_________\n(^١) في الأصل: (أحد)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (هذين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (أحدهما)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (دخلًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":280},{"text":"ويحتمل تعدد القصة؛ فافهم.\n (كما أراكم)؛ أي: من أمامي، وصرح به في رواية أخرى، كما سيأتي، وفي رواية مسلم: (إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي)، وعن تقي بن خالد: أنه ﵇ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء، والكاف في (كما أراكم)؛ للتشبيه، فالمشبه به: الرؤية المقيدة بالقُدام، والمشبه: المقيدة بالوراء، قاله إمام الشَّارحين، وبقية الكلام سبق في الحديث السابق.\n\n <span id=\"b-٦٩٩\"> </span>(٤١) <span data-type=\"title\" id=toc-699>[باب هل يقال: مسجد بنى فلان</span>؟]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (هل يقال: مسجد بني فلان؟)؛ يعني: هل يجوز أن يضاف مسجد من المساجد إلى قبيلة، أو إلى أحد مثل بانيه أو الملازم للصلاة فيه، فيقال: مسجد بني أمية، أو مسجد سنان باشا؟\nنعم؛ يجوز، والدليل عليه حديث الباب المروي عن ابن عمر الآتي ذكره، وإنما ترجم المؤلف الباب بلفظة (هل) التي للاستفهام؛ إشارةً إلى أنَّ في هذا خلاف إبراهيم النخعي، فإنَّه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ذكره عنه ابن أبي شيبة، وحديث الباب يرد عليه، والجواب عن تمسكه بالآية: أن الإضافة فيها إلى الله تعالى حقيقة، وإضافتها إلى غيره إضافة تمييز وتعريف على سبيل المجاز لا للملك، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.\nقلت: وقد يقال: إن إبراهيم النخعي لا يمنع الجواز، بل كان يكره ذلك، وبين الكراهة وعدم الجواز فرق بيِّن (^١)، فالأولى عدم الاعتداد بخلافه؛ لأنَّ الكراهة لا تفيد عدم الجواز، وعادة المؤلف إطلاق ترجمته، وعدم القطع بالحكم؛ فلهذا أتى بالاستفهام، وقد يقال: إن عادة المتقدمين التعبير بالكراهة، ومُرادهم عدم الجواز، وعليه فيكون مراده بالكراهة عدم الجواز؛ فافهم.\nقال إمامنا الشَّارح: (ووجه ذكر هذا الباب ههنا، ووجه المناسبة بينه وبين الأبواب المتقدمة: أن المذكور في الأبواب السابقة أحكام تتعلق بالمساجد، والمذكور في هذا الباب أيضًا حكم من أحكامها، وهذا القدر كاف) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٠٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-700>[حديث: أن رسول الله سَابَق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء]</span>\n٤٢٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي الكلاعي الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن نافع): هو مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر): هو ابن الخطاب القرشي العدوي ﵄: (أنَّ رسول الله ﷺ سابق) من المسابقة؛ وهي السبق الذي يشترك فيه الاثنان، وباب المفاعلة يقتضي ذلك (بين الخيل) على حُلَل أتته من اليمن، فأعطى السابق: ثلاث حلل، وأعطى المُصلِّي: حُلتين، والثالث: حلة، والرابع: دينارًا، والخامس: درهمًا، والسادس: فضة، وقال: «بارك الله فيك وفي كلكم (^٢)، وفي السابق، والفِسْكِل»، وهو بكسر الفاء والكاف، وسكون المهملة، آخره لام؛ الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل، قاله ابن التين (التي أُضمرت)؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، من الإضمار، يقال: ضمر الفرس -بالفتح- وأضمرته أنا، والضُّمْر -بضمِّ الضاد المعجمة، وسكون الميم-: الهزال، وكذلك الضمور، وتضمير الفرس: أن يعلف حتى يسمن، ثم يرده إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا.\nوفي «النهاية»: (وتضمير الفرس: هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا؛ لتنحف، وقيل: تشد عليها سروجها، وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها، فيذهب رهلها، ويشتد لحمها، ورَهَلَها -بفتح الراء والهاء واللام- من رهِل لحمه؛ بالكسر: اضطرب واسترخى، قاله الجوهري، والمضمر: الذي يضمر خيله لغزو أو سباق، والمضمار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل، ويكون وقتًا للأيام التي تضمر فيها)، قاله إمام الشَّارحين.\n (من الحَفْياء)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، وبالتحتية، والألف ممدودة، قال السفاقسي: (وربما قرئ بضمِّ الحاء مع القصر، وقدم بعضهم الياء على الفاء؛ وهو اسم موضع بقرب المدينة، والخيل التي أضمرت هي التي كانت المسابقة (^٣) بينها، وكان فرس النبيِّ الأعظم ﷺ بينها يسمى: السَّكْبَ-بتشديد السين المهملة، وسكون الكاف، وفتح الباء الموحدة- وكان أغر محجلًا، طلق اليمين، له مسحة، وهو أول فرس مَلَكه، وأول فرس غزا عليه، واشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي: الضرس، فسماه ﵇ السَّكْب، وسابق عليه فسبق، وفرح به، وهو أول فرس سابق عليه فسبق، وفرح المسلمون به)، قاله إمام الشَّارحين.\n (وأَمَدها) بفتح الهمزة والميم؛ أي: غايتها (ثنية الوَداع)؛ بفتح الواو، عند المدينة، وبينها وبين الحفياء خمسة أميال أو ستة أو سبعة، وسميت بذلك؛ لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها، والثنية لغة: الطريقة إلى العقيقة، واللام فيه للعهد، كذا في «عمدة القاري».\n (وسابق) ﵇ أيضًا (بين الخيل التي لم تُضَمَّر)؛ بضمِّ المثناة الفوقية، وفتح الضاد المعجمة، وتشديد الميم المفتوحة، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية: بضمِّ المثناة، وسكون الضاد، وتخفيف الميم؛ يعني: لم تجلل عليها؛ ليكثر عرقها، ويقوى لحمها، بل كانت كعادتها، وليس المراد منه: أنها مهزولة، بل هي متوسطة في السمن؛ فافهم.\n (من الثنية)؛ بالمثلثة، والنون، والتحتية؛ هي الموضع المذكور آنفًا (إلى مسجد بني زُرَيْق)؛ بضمِّ الزاي المعجمة، وفتح الراء، وسكون التحتية، آخره قاف، وبنو زريق بن عامر بن حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وإضافة المسجد إليهم إضافة تمييز وتعريف؛ حيث إنَّهم بنوه لا للملك، كما تقدم، وهذا موضع المطابقة للترجمة.\nوقال صاحب «التوضيح»: (بنو زريق بطن من الخوارج)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (تفسيره بهذا ههنا غلط، والصحيح هو الذي ذكرناه) انتهى.\nقلت: والظاهر أن قوله: (من الخوارج) تحريف من الناسخ، فزاد الألف، وأبدل الراء واوًا، فإنَّه قريب التصحيف؛ فافهم.\nوقوله: (وأن) بفتح الهمزة (عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب (كان فيمن سابق بها)؛ أي: بالخيل أو بهذه المسابقة، كذا\n_________\n(^١) في الأصل: (فرقًا بينًا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (كلمكم).\n (^٣) تكرر في الأصل: (المسابقة).","vol":"1","page":280},{"text":"قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.\nقلت: والظاهر أن يقال بها؛ أي: بالخيل التي لم تضمر؛ لأنَّها أقرب مذكور؛ فافهم، يجوز أن يكون مقول ابن عمر بطريق الحكاية عن نفسه باسمه على لفظ الغيبة، كما تقول عن نفسك: العبد فعل كذا، ويجوز أن يكون مقول نافع، انتهى.\nقلت: والظاهر الثاني، فإن المسابقة على الخيل التي لم تضمر يدل على قوة راكبها وشجاعته، ولهذا كان ﵇ يسابق على الخيل التي لم تضمر وعلى التي أضمرت، وإن المسابقة على التي أضمرت يدل على قوة نفس الخيل وشدتها، فالمسابقة على التي لم تضمر أبلغ وأشد في القوة والشجاعة، فإن الدابة قوية بقوة راكبها؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: دليل على جواز المسابقة بين الخيول، وجواز تضميرها وتمرينها على الجري، وإعدائها لذلك؛ لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرًّا وفرًّا، وهذا بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ...﴾؛ الآية [الأنفال: ٦٠]، وكان الجاهلية يفعلونها، فأقرها الإسلام، ولا يختص جوازها بالخيل خلافًا لقوم، والحديث محمول على ما إذا كان بغير رهان، والفقهاء شرطوا فيها شروطًا، منها: جواز الرهان من جانب واحد، وأمَّا من الجانبين؛ فقمار إلا بمحلل، وقد علم في موضعه، وليس في الحديث دلالة على جواز ذلك، ولا على منعه، وفيه: تجويع البهائم على وجه الصلاح، وليس من باب التعذيب، وفيه: بيان الغاية مقدار أمدها، وفيه: جواز إضافة المسجد إلى بانيه أو إلى مصلٍّ فيه، كما ذكرناه، وكذلك يجوز إضافة أعمال البر إلى أربابها، ونسبتها إليهم، وليس في ذلك تزكية لهم) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٠١\"> </span>(٤٢) <span data-type=\"title\" id=toc-701>[باب القسمة وتعليق القنو في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (القِسمة)؛ بكسر القاف؛ أي: للشيء (وتعليق القِنْو)؛ بكسر القاف، وسكون النون، بالجر؛ عطفًا على (القسمة) (في المسجد)؛ الألف واللام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد، والجار والمجرور متعلق بـ (القسمة)، وزعم القسطلاني أنه يتعلق بكل من (القسمة) و(تعليق).\nقلت: والأول هو الأظهر، وهو الذي اختاره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه موافق للمعنى بخلاف ما زعمه؛ فافهم.\nوالقسمة في المسجد جائزة؛ لأنَّه ﵇ قد فعلها، كما في حديث الباب، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة؛ لأنَّها في أحكام تتعلق بالمساجد؛ فافهم.\n (قال أبو عبد الله) هو المؤلف نفسه: (القِنْو) بكسر القاف، وسكون النون: (العِذْق)؛ بكسر العين المهملة، وسكون الذال المعجمة: هو كالعنقود للعنب، والعَذق -بفتح العين المهملة-: النخلة، وقال ابن سيده: (القنو والقنا: الكِباسة بشماريخه وبسره، والقنا -بالفتح- لغة فيه، والجمع في كل ذلك: أقناء، وقنوان، وقنيان)، وفي «الجامع»: (في القنوان لغتان: كسر القاف وضمها، وكل العرب تقول: قِنو وقُنو في الواحد) انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ فتفسير المؤلف فيه نظر.\n (والاثنان قِنوان): على وزن (فِعلان)؛ بكسر الفاء والنون، (والجماعة أيضًا)؛ مصدر: آض؛ بمعنى: رجع (قنوان)؛ بالرفع والتنوين، على وزن (فعلان) أيضًا، ويفرق بين التثنية والجمع بسقوط النون في التثنية عند الإضافة، وبثبوتها في الجمع، وبكسرها في التثنية، وإعرابها في الجمع؛ (مثل: صنو وصنوان)؛ يعني: في الحركات والسكنات، وفي التثنية والجمع، والصاد المهملة فيها مكسورة، والصنو: هو النخلتان أو ثلاث، يخرج من أصل واحد، وكل واحدة منهن: صنو، والاثنان: صنِوان؛ بكسر النون، والجمع: صنوان بإعرابها، والمؤلف لم يذكر جمعه؛ لظهوره من الأول، وهذا التفسير من قوله: (قال أبو عبد الله) إلى ههنا ثابت عند أبي ذر، وابن عساكر، وأبي الوقت، ساقط عند غيرهم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٠٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-702>[حديث: أُتي النبي بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد]</span>\n٤٢١ - (وقال إبراهيم؛ يعني: ابن طَهْمان)؛ بفتح الطاء المهملة، وسكون الهاء؛ هو ابن شعبة أبو سعيد الخراساني، المتوفى بمكة سنة ثلاث وستين ومئة، وسقط اسم أبيه في رواية الأربعة، وإثباته هو الأصح، كما قاله إمام الشَّارحين؛ ليزول الاشتباه، قال الحافظ المزي: (هكذا هو في «البخاري» غير منسوب، وذكره أبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي في ترجمة: عبد العزيز بن صهيب عن أنس، وكذلك رواه عمر بن محمد بن بُجَير؛ بضمِّ الموحدة، وفتح الجيم، ونسبه عمر إلى جده البجري في «صحيحه» من رواية: إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وقيل: إنه عبد العزيز بن رفيع، وقد روى أبو عوانة في «صحيحه» حديثًا من رواية: إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أنس: «تسحروا، فإنَّ في السحور بركة»، وروى أبو داود والنسائي حديثًا من رواية: إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة حديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث...»؛ الحديث، فيحتمل أن يكون هذا، ويحتمل أن يكون هذا، والله أعلم أيهما هو) انتهى.\nوقد اعترضه ابن حجر، فزعم أن قول المزي: (وقيل: إنه عبد العزيز بن رفيع) ليس بشيء.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (قوله: «ليس بشيء» يرجع إلى صاحب هذا القيل؛ لأنَّ المزي قال بالاحتمال، كما ذكرنا) انتهى.\nقلت: بل مراد ابن حجر الغمز على المزي بذكره هذا القيل، وغمزه مردود عليه، فإن الرواة الأربعة قد أسقطوا ذكر أبيه، فاختلف فيه، وإن كان الأصح أنه ابن طهمان، فلا اعتراض على المزي في ذكره؛ لوجود الاشتباه، على أنه لم يجزم، بل قال بالاحتمال، وظاهر كلامه: اعتماد أنه ابن طهمان؛ لأنَّه قد قواه بالنقول، وذكره معتمدًا عليه، ثم ذكر القول الثاني بصيغة التمريض، وهو يدل على ضعفه، كما لا يخفى، وقال الإسماعيلي: (ذكره البخاري عن إبراهيم، وهو ابن طهمان فيما أحسب بغير إسناد؛ يعني: تعليقًا).\nقال إمام الشَّارحين: ثم إنَّ هذا المعلق وصله أبو نعيم الحافظ: حدثنا محمد بن إبراهيم بن علي: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد: حدثني أبي: حدثني إبراهيم بن إبراهيم، (عن عبد العزيز بن صُهَيب)؛ بضمِّ","vol":"1","page":281},{"text":"الصاد المهملة، وفتح الهاء: هو البصري الأعمى، (عن أنس): هو ابن مالك الأنصاري ﵁ أنَّه (قال: أُتي) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول (النبيُّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)، وقوله: (بمال) متعلق بـ (أُتي)، وهو مُنَوَّن ومجهول، وقد تعين هذا المال فيما رواه ابن أبي شيبة من طريق حُميد مرسلًا: أنَّه كان مئة ألف، وأنَّه أرسل به العلاء بن الحضرمي (من) خراج (البحرين) قال: وهو أول خراج حُمِل إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، وقد روى المؤلف في (المغازي) من حديث عمرو بن عوف: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ صَالَحَ أهل البحرين، وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة ابن الجراح ﵁ إليهم، فقَدِمَ أبو عبيدة بمال، فسمعت الأنصار بقُدُومه...)؛ الحديث.\nفإن قلت: ذكر الواقدي في (الرِّدة): (أنَّ رسول العلاء بن الحضرمي بالمال: هو العلاء بن جارية الثقفي).\nقلت: يحتمل أنه كان رفيق أبي عبيدة، فاقتصر في رواية الواقدي عليه.\nفإن قلت: في «صحيح البخاري» من حديث جابر: أنه ﵇ قال له: «لو جاء بمال البحرين؛ أعطيتك»، وفيه: فلم يقدم مال البحرين حتى مات ﵇، فهذا يعارض حديث الباب.\nقلت: لا معارضة في ذلك؛ لأنَّ المراد: أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبيُّ الأعظم ﵇، فإنَّه كان في مال خراج أو جزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة، وأما البحرين؛ فهو تثنية بحر في الأصل، وهي بلدة مشهورة بين البَصرة وعُمان، وهي هَجَر، وأهلها: عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مَعَد بن عدنان، وقال القاضي عياض: (قيل: بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخًا)، وقال البكري: (لما صالح أهله رسول الله ﵇؛ أمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي)، وزعم أبو الفرج في «تاريخه» أنها وبية، وأن ساكنها معظمهم مطحولون، وأنشد:\nمن يسكن البحرين يَعظُم طحاله... ويُغبَط بما في جوفه وهو ساغب\nوزعم ابن سعد أنه ﵇ لما انصرف من الجعرانة -يعني: بعد قسمة غنائم حنين- أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي، وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام، فكتب إلى رسول الله ﵇ بإسلامه وتصديقه، كذا في «عمدة القاري».\n (فقال) ﵇: (انثروه)؛ بالنون ثم المثلثة؛ أي: صبوه (في المسجد) أي: النبوي المدني، فـ (أل) فيه للعهد (وكان) أي: المال المأتي من البحرين (أكثر مال أُتي) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول (به رسول الله ﷺ)؛ بالرفع نائب فاعل، يحتمل من البحرين، ويحتمل من غيرها، لكن تقدم أن المال كان مئة ألف، وهو ليس بكثير، لكن كونه أتي من البحرين كثير حيث إنَّه الواجب عليهم وقتئذٍ، وبالنسبة لما قبل ذلك، (فخرج رسول الله ﷺ) أي: من حجرته (إلى الصلاة)؛ أي: لأدائها في مسجده، والظاهر أنها الظهر، (ولم يلتفت إليه)؛ أي: إلى المال الذي قدم من البحرين، (فلما قضى صلاته)؛ أي: فرغ من صلاته، واستقبال القبلة؛ قام من مكانه، ثم (جاء فجلس إليه)؛ أي: عند ذلك المال؛ لأجل قسمته بين الناس، (فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه) من ذلك المال؛ (إذ جاءه العبَّاس)؛ وهو عم النبيِّ الأعظم ﷺ ابن عبد المطلب، وكلمة (إذ) ظرف في الغالب، والعامل فيه يجوز أن يكون قوله: (فجلس إليه)، ويجوز أن يكون قوله: (يرى)، قاله إمام الشَّارحين، وزعم في «المصابيح» أن المعنى: فبينما هو على ذلك؛ إذ جاءه العبَّاس، ذكره القسطلاني.\nقلت: وعليه؛ فهي ظرف للمفاجأة، وفيه نظر؛ لأنَّ العبَّاس لم يفاجئ النبيَّ الأعظم ﵇، بل جاءه؛ ليرى هذه القسمة حيث إنَّه ﵇ ما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، فمجيئه ليس على سبيل المفاجأة، بل على سبيل التعجب من كرمه ﵇، وعلى هذا؛ فهي ظرف ألبتة، وليس معناها المفاجأة؛ فافهم.\n (فقال: يا رسول الله؛ أعطني) من هذا المال كما أعطيت الناس، (فإني فاديت نفسي)؛ يعني: يوم بدر حيث أُخِذَ أسيرًا، وفاديت: من المُفَادَاة، يقال: فَادَاه يفاديه: إذا أعطى فداءه وأنقذ نفسه، ويقال: فدى وأفدى وفادى، ففدى: إذا أعطى المال لخلاص نفسه، وأفدى: إذا أعطى المال لخلاص غيره، وفادى: إذا افتَّكَ الأسير بأسير مثله، كذا في «عمدة القاري».\n (وفاديت عَقِيلًا)؛ بفتح العين المهملة، وكسر القاف، وهو ابن أبي طالب، وكان هو أيضًا أُسر يوم بدر مع عمه العبَّاس، (فقال له)؛ أي: للعبَّاس (رسول الله ﷺ: خذ) أي: افتح ثوبك وخذ، (فحَثَا)؛ بفتح الحاء المهملة والثاء المثلثة، من الحثية؛ وهي ملء اليد، يقال: حثوت له: إذا أعطيته شيئًا يسيرًا، والضمير فيه يرجع إلى العبَّاس (في ثوبه)؛ أي: حثا العبَّاس في ثوب نفسه مرة بعد أخرى إلى أن ملأ ثوبه كما يظهر، (ثم ذهب) ﵁ عن المجلس يسيرًا (يُقله)؛ بضمِّ التحتية، من الإقلال؛ وهو الرفع والحمل، (فلم يستطع)؛ أي: حمله لكثرته، (فقال) أي العبَّاس: (يا رسول الله؛ اؤمر بعضهم)؛ أي: بعض الحاضرين (يرفعه)؛ أي: المال الذي أخذته (إليَّ)؛ بفتح التحتية؛ أي: عليَّ؛ لأنَّي لم أستطع حمله؛ لكثرته، و(يرفعه)؛ بياء المضارعة، والضمير المستتر فيه يرجع إلى البعض، والبارز إلى المال الذي حثاه العبَّاس في ثوبه، وهو بالجزم على أنه جواب الأمر؛ أي: فإن تأمره يرفعه، وبالرفع على الاستئناف؛ والتقدير: هو يرفعه، وفي رواية أبي ذر: (بِرفْعه)؛ بالباء الموحدة المكسورة، وسكون الفاء، و(اؤْمر)؛ بهمزة مضمومة، وأخرى ساكنة، وتحذف الأولى عند الوصل، وتصير الثانية ساكنة، وهذا جار على الأصل، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: (مُر) على وزن (عل)، فحذفت منه فاء الفعل؛ لأنَّ أصله: أمر؛ لأنَّه من أمر يأمر؛ مهموز الفاء، فحذفت همزة الكلمة؛ لاجتماع الهمزتين في أول الكلمة المؤدي إلى الاستثقال، فبقي: امُرْ، فاستغني عن همزة الوصل؛ لتحرك ما بعدها، فحذفت، فصار: (مُر)، على وزن (عل)، قاله إمامنا الشَّارح.\n (قال) ﵇ لعمه: (لا) أي: لا آمر أحدًا يرفعه عليك، (قال: فارفعه أنت عليَّ، قال: لا) أرفعه، وإنما لم يأمر النبيُّ الأعظم ﷺ أحدًا بإعانته في الرفع ولا أعانه بنفسه، يحتمل أنه فعل ذلك؛ زجرًا له عن الاستكثار من المال، وألا يأخذ منه إلا قدر حاجته، ويحتمل أنه فعل","vol":"1","page":281},{"text":"ذلك؛ لينبهه على أن أحدًا لا يحمل عن أحد شيئًا، وفي المَثَل: كل عنزة معلقة من عرقوبها.\n (فنَثَر)؛ بفتح النون، والثاء (^١) المثلثة؛ أي: صب العبَّاس (منه) أي: من المال الذي أخذه، (ثم ذهب يُقله)؛ بضمِّ التحتية، من الإقلال؛ وهو الرفع والحمل؛ (يعني: فلم يستطع) حمله؛ لثقله، (فقال) العبَّاس: (يا رسول الله؛ اؤمر)؛ بضمِّ الهمزة الأولى، وسكون الثانية، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: (مر) على وزن (عل)، كما سبق (بعضهم) أي: بعض الحاضرين (يرفعه)؛ بياء المضارعة، والرفع على الاستئناف، والجزم؛ جوابًا للأمر، (قال: لا) آمر بذلك، (قال: فارفعه أنت عليَّ) بفتح التحتية، (قال: لا) أرفعه عليك، (فنثر) أي: صب العبَّاس (منه)؛ أي: من المال، (ثم احتمله) أي: رفعه بنفسه (فألقاه على كاهله)؛ هو ما بين كتفيه؛ لأنَّه حينئذٍ خَفَّوأمكن رفعه وحمله، (ثم انطلق)؛ أي: العبَّاس يمشي فيه، (فما زال رسول الله ﷺ يُتْبِعه)؛ بضمِّ التحتية، وسكون الفوقية، وكسر الموحدة، من الإتباع؛ أي: لم يزل ﵇ يتبع العبَّاس (بصره حتى خفي علينا)؛ يعني: لم نره (عجبًا من حرصه)؛ يعني: تعجب من حرصه على المال، وانتصاب (عجبًا) على أنه مفعول مطلق من قبيل ما يجب حذف عامله، ويجوز أن يكون منصوبًا على أنه مفعول له، (فما قام رسول الله ﷺ)؛ أي: من ذلك المجلس، (وثَم) بفتح المثلثة؛ أي: هنالك (منها) أي: من الدراهم الآتية من البحرين (درهم)؛ بالرفع: مبتدأ، وخبره قوله: (منها) مقدمًا، والجملة وقعت حالًا، والمقصود منه: إثبات القيام عند انتفاء الدرهم؛ إذ الحال قيدللمنفي (^٢) لا للنفي، والمجموع مُنْتَفٍ بانتفاء القيد؛ لانتفاء المقيد وإن كان ظاهره نفي القيام حال ثبوت الدرهم، قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.\nوذكره البرماوي بعينه، ونسبه لنفسه، فخفي على القسطلاني، فزعم أنَّ بين الكلامين تغايرًا (^٣)، وليس كذلك، بل أصل العبارةلإمام الشَّارحين؛ فافهم.\nقال إمامنا الشَّارح: (فإن قلت: الترجمة مشتملة على شيئين؛ أحدهما: القسمة في المسجد، والآخر: تعليق القنو فيه، وليس في حديث الباب إلا ما يطابق الجزء الأول، قلت: ذكر أبو محمد بن قتيبة في «غريب الحديث» تأليفه في هذا الحديث: أنَّه لما خرج رأى أقناءً معلقة في المسجد، وكان أمر بهنَّ، كل حائط بقنو يعلق في المسجد؛ ليأكل منه من لا شيء له، وقال ثابت في كتاب «الدلائل»: «وكان عليها معاذ بن جبل في عهده ﵇») انتهى.\nومن عادة المؤلف الإحالة على أصل الحديث وما أشبهه، والمناسبة ما بينهما: أنَّ كلَّ واحد منهما وضع في المسجد لا للادخار، وعدم التفاته ﵇ إليه؛ استقلالًا للدنيا وما فيها، فسقط بما ذكرنا قول ابن بطال في عدم ذكر المؤلف حديثًا في تعليق القنو: أنَّه أغفله، وكذلك سقط كلام ابن التين: أُنْسيَه، انتهى.\nوزعم ابن الملقن أنَّ المؤلف أخذ تعليق القنو من جواز وضع المال في المسجد بجامع أنَّ كلًّا منهما وضع؛ لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى حديث عوف بن مالك الأشجعي عند النسائي بإسناد قوي: أنَّه ﵇ خرج وبيده عصًا، وقد علَّق رجل قنو حشف، فجعل يطعن في ذلك القنو، ويقول: «لو شاء ربُّ هذه الصدقة؛ لتصدق بأطيب من هذا»، وليس على شرطه، انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه لما كان الحديث ليس على شرطه؛ لا يجوز له أخذ الحكم منه، ووضعه ترجمة ويحيل عليه؛ لأنَّه عنده ليس بقوي، فكيف يعتمد الحكم، وليس يعتمد دليله؟ على أنَّ ما في النسائي حديث مستقل ليس أصلًا لحديث الباب، وقياسه على وضع المال في المسجد قياس مع الفارق؛ لأنَّ القنو المعلق يفيد أنَّه علَّقه صاحبه؛ لأجل أن يصلِّي، ثم يرجع يأخذه، ولهذا قال ﵇ لمَّا رآه: «لو شاء رب هذه الصدقة...» إلى آخره، فأفاد أنَّه لم يعلق للصدقة، بل للحفظ، فالأظهر ما قاله إمام الشَّارحين؛ لأنَّه إشارة إلى أصل الحديث؛ فليحفظ.\nوفي الحديث أحكام منها: أنَّ القسمة مفوضة إلى الإمام أو نائبه على قدر اجتهاده.\nومنها: أنَّ السلطان إذا علم حاجة لأحد إلى المال؛ لا يحل له أن يدخر منه شيئًا، وسلاطين زماننا عن هذا غافلون.\nومنها: أنَّ فيه كرم النبيِّ الأعظم ﷺ، وزهده في الدنيا حيث لم يلتفت إلى المال، ولم يبق عنده منه شيء، وأنَّه لم يمنع شيئًا سُئِلَه إذا كان عنده.\nومنها: أنَّ للسُّلطان أن يرتفع عما يدعى إليه من المهنة والعمل بيده، وله أن يمتنع من تكليف ذلك غيره إذا لم يكن للسلطان في ذلك حاجة.\nومنها: أنَّ فيه وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة وغيرها في المسجد؛ لأنَّ المسجد لا يحجب أحدًا من ذوي الحاجة من دخوله، والناس فيه سواء.\nومنها: أنَّ الأقناء في المسجد وما يشبهه لا بأس به.\nومنها: أنَّ الماء الذي أعدَّ للسَّقي في المسجد يشرب منه ويتوضأ؛ لأنَّه إنَّما جعل؛ لدفع العطش، ولم يردَّ به أهل المسكنة، فلا يترك شربه، وعليه تعامل الناس في الأمصار.\nوقال ابن بطال: (وفي الحديث: أنَّ العطاء لأحد الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في كتابه دون غيرهم؛ لأنَّه أعطى العبَّاس لمَّا شكا إليه من الغرم، ولم يسوِّه في القسمة مع الثمانية، فلو قسَّم ذلك على التساوي؛ لما أعطى العبَّاس بغير مكيال ولا ميزان).\nواعترضه الكرماني فقال: (لا يصح هذا الكلام؛ لأنَّ الثمانية هي مصارف الزكوات، والزكاة حرام على العبَّاس، بل كان هذا المال إمَّا فيئًا أو غنيمةً).\nورده إمام الشَّارحين فقال: (لم يكن هذا المال فيئًا، وإنَّما كان خراجًا؛ لما رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد مرسلًا، وفيه: «وهو أول خراج حمل إلى رسول الله ﷺ...»؛ الحديث، ولو وقف الكرماني على هذا؛ لما قال هذا الكلام) انتهى.\nقلت: وما ذكره ابن بطال من جعله المال من الزكاة، فقد تبعه عليه صاحب «التلويح» حيث قال: (وفي الحديث: دلالة للإمام الأعظم ومن تبعه أنَّه يجوز الاقتصار على بعض الأصناف الثمانية المذكورين في الآية؛ لأنَّه أعطى العبَّاس لمَّا شكا إليه الغرم بغير وزن، ولم يسوِّه في القسمة بين الثمانية، ولم ينقل أنَّه أعطى أحدًا مثله).\nواعترضه إمام الشَّارحين فقال: (وكلام ابن بطال وهم، وكلام\n_________\n(^١) في الأصل: (الثاء)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (للنفي)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (تغاير)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":282},{"text":"صاحب «التلويح» صادر من غير تأمُّل؛ لأنَّه ليس للأصناف الثمانية دخل في هذا، ولا المال كان من مال الزكاة) انتهى.\nقلت: يعني: أنَّ المال كان خراجًا، ولا حاجة للاستدلال للإمام الأعظم بهذا الحديث المحتمل، فإنَّ له أدلَّة كالجبال الراسخات، ذكرت في أبواب (الزكاة)، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٠٣\"> </span>(٤٣) <span data-type=\"title\" id=toc-703>[باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب فيه]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (من دُعِي) بضمِّ الدال وكسر العين المهملتين، وفي رواية كريمة: (دَعَا) بفتح الدال والعين المهملتين (لطعام) وقوله: (في المسجد) متعلِّق بـ (دُعي) لا (لطعام)، وعُدِّيَ (دُعي) هنا باللام؛ لإرادة الاختصاص، فإذا أريد الانتهاء؛ عدِّيَ بـ (إلى)؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]، أو معنى: الطلب عدِّي بـ (الباء)؛ نحو قوله: دعا هرقل بكتاب رسول الله ﷺ، فتختلف صلة الفعل بحسب اختلاف المعاني المرادة، أفاده إمام الشَّارحين.\nقلت: والألف واللام في (المسجد) للجنس، فيشمل كلَّ مسجد، ولا بأس في ذلك، كما يفعل في ديارنا في المواسم من دعاء القاطنين والجالسين في المسجد الشريف الأموي جعله الله معمورًا محفوظًا إلى ما بعد نزول عيسى ابن مريم من منارته الشرقية ﵇ إلى دور أهل الخير والصلاح لأنواع الأطعمة الفاخرة، (ومن أجاب منه) كذا في رواية الأكثرين، وللكشميهني: (إليه)، ولغيره: (فيه)، والفرق بين هذه الروايات أنَّ كلمة (من) في رواية: (منه) للابتداء، والضمير فيه يعود على المسجد، وفي رواية: (إلى) يعود الضمير إلى (الطعام)، وفي رواية: (فيه) يعود الضمير إلى (المسجد)، وقصد المؤلف من هذا التبويب الإشارة إلى أنَّ هذا من الأمور المباحة، وليس من اللغو الذي يمنع في المساجد، والمناسبة بين البابين ظاهرة من حيث إنَّ كلًّا منهما حكم من أحكام المساجد، فإنَّ من باب: (حك البزاق باليد في المسجد) إلى قوله: باب: «سترة الإمام» خمسة وخمسون بابًا؛ كلُّها فيما يتعلق بأحكام المساجد، فلا يحتاج إلى ذكر المناسبة بينها على الخصوص؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-704>[حديث: وجدت النبي في المسجد معه ناس]</span>\n٤٢٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي، الدمشقي الأصل، الكلاعي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس، المدني، الأصبحي، (عن إسحاق بن عبد الله) زاد في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي: (ابن أبي طلحة) كما في «الفرع»، وهو ابن أخي أنس من جهة الأم: (سمع) وللأصيلي: (أنه سمع) (أنسًا) وفي رواية: (أنس بن مالك هو الأنصاري)، (وجدت) يعني: يقول: وجدت؛ أي: أصبت، ولهذا اكتفى بمفعول واحد، ولابن عساكر: (قال: وجدت) (النبيَّ) الأعظم (ﷺ) وقوله: (في المسجد)؛ أي: المدني النبوي، فـ (أل) للعهد حال من (النبيِّ) وقوله: (معه ناس) جملة اسمية وقعت حالًا، ولأبي الوقت: (بالواو) (فقمت) من المجلس، (فقال لي) ﵇: (أأرسلك) بهمزتين، وفي بعض الأصول: (أرسلك) بغير همزة الاستفهام (أبو طلحة؟) هو زيد بن سهل الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، شهد المشاهد كلها، وهو زوج أم أنس المتوفى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على الأصح، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن الملقن (أن «آرسلك» -بالمد- وهو علم من أعلام نبوته؛ لأنَّ أبا طلحة أرسله بغتة).\nورده صاحب «المصابيح»: (بأنَّه لا يظهر هذا مع وجود الاستفهام؛ إذ ليس فيه إخبار ألبتة) انتهى.\nقلت: بل الذي يظهر أنَّه ﵇ كان عنده عِلم من أبي طلحة، وسؤال أنس استفهام بأنَّه عنده عِلم.\n (قلت) وللأصيلي وابن عساكر: (فقلت)؛ بالفاء: (نعم) أي: أرسلني، (فقال) ﵇، ولأبي ذر: (قال) (لطعامٍ؟)؛ بالتنكير، وفي رواية: (للطعام) (قلت: نعم) أي: لطعام، (فقال) ولأبي ذر والأصيلي: (قال) (لمن حوله) بالنصب على الظرفية؛ أي: لمن كان حوله، وفي رواية: (لمن كان معه) (قوموا) أمر بالقيام من مجلسه للذهاب معه، (فانطلق)؛ أي: إلى بيت أبي طلحة، وفي بعض الأصول: (فانطلقوا)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ ومن معه، (وانطلقت) أي: قال أنس: وانطلقت (بين أيديهم)؛ يعني: معهم.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للترجمة كلها ظاهرة، أما الشق الأول؛ فلأنا قد ذكرنا أنَّ «في المسجد» يتعلق بقوله: «دعي» لا بقوله: «لطعام»، فحصل الدعاء إلى الطعام في المسجد، وأما الشق الثاني؛ فهو إجابة النبيِّ الأعظم ﷺ بقوله لمن حوله: «قوموا»، فبهذا التقرير يندفع اعتراض من يقول: إن المطابقة للترجمة في الشق الثاني فقط؛ فافهم) انتهى.\nوفي الحديث أحكام منها: جواز الحِجابة، وهو أن يتقدم بعض الخدام بين يدي الإمام ونحوه.\nومنها: جواز الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن وليمة.\nومنها: أنَّ الدعاء إلى ذلك من المسجد وغيره سواء؛ لأنَّ ذلك من أعمال البر، وليس ثواب الجلوس في المسجد بأقل من ثواب الإطعام.\nومنها: دعاء السلطان إلى الطعام القليل.\nومنها: أن الرجل الكبير إذا دُعي إلى طعام، وعَلِمَ أن صاحبه لا يكره أن يَجلِبَ معه غيره، وأنَّ الطعام يكفيهم؛ أنه لا بأس بأنَّ يحمل معه من حضره، وإنَّما حملهم النبيُّ الأعظم ﷺ إلى دار أبي طلحة -وهو قليل-؛ لعلمه أنَّه يكفيهم جميعهم؛ لبركته، وما خصَّه الله به من الكرامة والفضيلة، وهو من علامات النبوة، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وبهذا علم أنَّ تكثير القليل من الكرامات، وأنَّ تقليل الكثير ليس من الكرامات، بل من البدع المنكرات؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٠٥\"> </span>(٤٤) <span data-type=\"title\" id=toc-705>[باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء]</span>\nهذا (باب) حكم (القضاء) وهو الحكم على الخصمين (و) حكم (اللِّعان) بكسر اللام (في المسجد)؛ (أل) فيه؛ للجنس، وقوله: (بين الرجال والنساء) حشو؛ لأنَّه لا يكون إلا بينهما، ولهذا لم يثبت في رواية المستملي، وهو أحفظ الرواة، وثبت في رواية غيره؛ لبيان الواقع؛ فافهم.\nوعطف اللعان على القضاء من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ القضاء أعم من أن يكون في اللعان وغيره، واللعان مصدر: لاعن، من اللعن؛ وهو الطرد والإبعاد، وسمي به؛ لما فيه من لعن","vol":"1","page":282},{"text":"نفسه في الخامسة، وهي من تسمية الكل باسم البعض؛ كالصلاة تسمى ركوعًا وسجودًا، واللعان عند الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: شهادات مؤكدات بالأيمان، مقرونة باللعن، قائمة مقام القذف في حقه، ومقام حد الزنى في حقها، وعند مالك والشافعي وأحمد: هو أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة بشرط أهليَّة اليمين، وصفة اللعان: ما نطق به نص القرآن في سورة النور، وهو أن يبدأ القاضي بالزوج، فيشهد أربع شهادات، يقول في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى، يشير إليها في كل مرة، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى، ثم تشهد المرأة أربع شهادات، تقول في كل مرة: أشهد بالله إنه لَمِنَ الكاذبين فيما رماني به من الزنى، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى، كما بسط في محله.\n\n <span id=\"b-٧٠٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-706>[حديث: أن رجلًا قال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وَجَد </span>مع امرأته رجلًا]\n٤٢٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى) زاد الكشميهني في روايته: (ابن موسى)؛ هو المعروف بالخَتِّ -بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية- البلخي، كذا جَزَم به ابن السكن وغيره، وقيل: هو يحيى بن جعفر البيكندي، وقال الكرماني: (يحتمل أنَّه يحيى بن معين؛ لأنَّه سمع من عبد الرزاق).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الأصح ما قاله ابن السكن) انتهى.\nقلت: فاحتمال أنَّه ابن جعفر أو ابن معين ليس بشيء، بل هو ابن موسى، كما جزم به ابن السكن وغيره، ونصَّ إمام الشَّارحين: (أنَّه الأصح، ويدل عليه: أنَّه ثبت في رواية الكشميهني: «ابن موسى»، وبهذا تعين أنَّه ابن موسى، وتعليل الكرماني بأنَّه سمع من عبد الرزاق لا يدلُّ على أنَّه ابن معين؛ لأنَّ سماعه لا ينفي سماع غيره منه أيضًا، فقد يكون راوٍ سمع من أكثر من عشرة أو أكثر، فهذا لا يدل على ما قاله)؛ فافهم.\n (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (حدثنا) (عبد الرزاق)؛ هو ابن همام -على وزن (فعَّال) - الصنعاني، صاحب «المصنف» (قال: أخبرنا ابن جُرَيْج)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الراء، وسكون التحتية، هو عبد الملك ابن جريج المكي (قال: أخبرني)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (أخبرنا) (ابن شهاب)؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني، (عن سهل بن سعْد)؛ بسكون العين المهملة، هو ابن مالك الساعدي الخزرجي، أبو العبَّاس: (أنَّ رجلًا) قيل: إنَّه هلال بن أمية، وقيل: إنَّه عاصم بن عَدي العجلاني، وقيل: إنَّه عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد العجلاني.\nقلت: ويدلُّ للأول: حديث أنس ﵁: أنَّ هلال بن أميَّة قذف شريك بن سحماء بامرأته، فرفع لرسول الله ﷺ، فقال: «ائت بأربعة شهداء، وإلا فحدٌّ (^١) في ظهرك...»؛ الحديث، وفيه: فنزلت آية اللعان، أخرجه المؤلف، ومسلم، والنسائي.\nويدل للثاني: حديث الزهري عن سهل بن سعد الساعدي: أنَّ عويمرًا جاء إلى عاصم بن عدي، فقال: «أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فقتله، أتقتلونه؟ سل يا عاصم رسول الله...»؛ الحديث، أخرجه الطحاوي.\nويدل للثالث: حديث ابن عبَّاس: «أنَّه ﵇ لاعَنَ بين العجلاني وامرأته...»؛ الحديث، أخرجه الطحاوي، وأحمد في «مسنده»، والبيهقي في «سننه»، ووقع في حديث عبد الله بن مسعود: «وكان رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ، فَلَاعَنَ امرأته»، وقال المهلب: (الصحيح: أنَّ القاذف عويمر، والذي ذكر في حديث ابن عبَّاس وابن مسعود هو عويمر العجلاني، وكونه هلال بن أميَّة خطأ، وأظنُّ غلطًا من هشام بن حسان، وذلك؛ لأنَّها قصة واحدة، والدليل عليه: توقفه ﵇ فيها حين نزلت الآية، ولو أنَّهما قضيَّتان؛ لم يتوقف عن الحكم في الثانية بما نَزَل عليه في الأولى) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: كأنَّه تبع في هذا الكلام محمد بن جرير، فإنَّه قال في «التهذيب»: (يستنكر قوله في الحديث: «هلال بن أمية»، وإنَّما القاذف عويمر بن الحارث العجلاني، وفيما قالاه نظر؛ لأنَّ قصة هلال وقذفه زوجته بشريك ثابتة (^٢) في «صحيح البخاري» في موضعين: «الشهادات» و«التفسير»، وفي «صحيح مسلم» من حديث أنس).\nوقال ابن التين: (الصحيح: أنَّ هلالًا لَاعَنَ قَبْلَ عويمر).\nوقال الماوردي في «الحاوي»: (الأكثرون على أنَّ قضيَّة هلال أسبق من قصة عويمر).\nوفي «الشامل» لابن الصبَّاغ: (قصة هلال تبيِّن أنَّ الآية نزلت فيه أولًا) انتهى.\nقلت: وحاصله: أنَّ القضيَّة ليست واحدة، بل متعددة، وأنَّ نزول الآية إنَّما كان في قصة هلال، وأنَّها كانت قبل قصة عويمر، ويدلَّ عليه: حديث أنس السابق المروي في «الصحيحين» و«النسائي»، فإنَّه صريح في ذلك، ويدلُّ على التعدد: كون القضية ذكرت مرات في «الصحيحين» بأشخاص متعددة، وقول المهلب: (وكونه هلال بن أمية خطأ) ليس بشيء؛ لأنَّه قد ذكر في حديث أنس السابق، فكيف يزعم أنَّه خطأ؟ وما هذا إلا كلام من لم يشم شيئًا من رائحة العِلم.\nوقوله: (وأظن غلطًا من هشام) ممنوع؛ فإنَّه قد ذكر أيضًا من طرق متعددة، فكيف يزعم أنَّه غلط؟ وما هو إلا كلام من يصدر عنه من غير تأمل.\nوقوله: (والدليل عليه...) إلى آخره ممنوع، فإنَّه ﵇ يحتمل أنَّه ظنَّ أنَّ الحكم خاص به دون غيره، فتوقف في الحكم، ولذلك نظائر منها: أنَّه ﵇ حين صلى في المسجد الأقصى بالأنبياء، فأذَّن جبريل، وأقام الصلاة، ولمَّا أُسرِيَ به، وهبط إلى الأرض؛ توقف في علامة للصلاة، فأشار الصحابة بالناقوس، وبعضهم بالدف، فلم يعجبه ذلك حتى رأى زيد وغيره رؤية الأذان، فظنَّ ﵇ أنَّه خاص بتلك الليلة، وكذلك ما نحن فيه، فإنَّه ظنَّ أنَّ الحكم ليس عامًّا، بل خاص، ثم لما وقعت القصة المرة الثانية؛ جاء جبريل مقررًا للحكم السابق، وأخبره بأنَّ الحكم عام.\nوقوله: (والذي ذكر في حديثي ابني مسعود وعبَّاس أنه عويمر) ليس بصريح، بل هو ظن وتخمين؛ لأنَّه لم يذكر في حديثهما أنَّه عويمر، والصحيح أنَّ القصة متعددة.\n_________\n(^١) في الأصل: (فخذ)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (بابيه)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":283},{"text":"وقيل: إنَّ الرجل سعد بن عبادة، وفيه نظر؛ لأنَّ الحديث فيه: «فتلاعنا»، ولم يتَّفق لسعد ذلك، قاله بعضهم.\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لاحتمال أنَّه قد اتفق له ذلك، والمثبت مقدم على النافي.\nوزعم القسطلاني أنَّ حديث الزهري السابق لا يدل على أنَّ الرجل هو عاصم بن عدي؛ لأنَّ عاصمًا رسول الواقعة لا سائل لنفسه؛ لأنَّ عويمرًا (^١) قال له: سل يا عاصم رسول الله صلى الله ﵇، فجاء عاصم، فسأل، فكره ﵇ المسائل، فجاء عويمر بعده، وسأل).\nقلت: وفيه نظر؛ لاحتمال أنَّ عاصمًا سأل لنفسه؛ لأنَّ القضية قد وقعت لعاصم ولعويمر، فسأل عاصم لنفسه أولًا، ثم سأل عويمر بعده، ويحتمل أنَّه لمَّا وقعت القضية لعويمر؛ سأل عاصمًا، فذكر أنَّه وقعت له أيضًا، فسأله (^٢) عويمر لأن يسأل لنفسه ولعويمر، فحديث الزهري دالٌّ على أنَّ القصة وقعت لعاصم أيضًا، خلافًا لما زعمه؛ فافهم.\n (قال: يا رسول الله؛ أرأيت رجلًا)؛ الهمزة فيه للاستفهام؛ أي: أخبرني عن حكم رجل (وجد مع امرأته رجلًا)؛ أي: أجنبيًّا يزني بها، (أيقتله)؛ فيه حذف دلَّ عليه الأحاديث التي ذكرها المؤلف، والمحذوف: أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المُتلاعنين، فقال النبيُّ الأعظم ﷺ: «قد قضى الله فيك وفي امرأتك».\nقال: (فتلاعنا) أي: الرجل والمرأة اللعان المذكور في سورة النور (في المسجد) قال سهل بن سعد: (وأنا شاهد) لذلك، فلمَّا فرغا؛ قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها؛ فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبيِّ الأعظم ﷺ، فقال: «ذاك تفريق بين كلِّ متلاعنين...»؛ الحديث، وسيأتي في (اللعان).\nومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (أيقتله)؛ لأنَّه لو لم يَرَ مباشرة تامَّة؛ لمَّا سأل رسول الله ﷺ عن جواز قتل الرجل، وإلا؛ فمجرد وجدان الرجل مع امرأته غير مباشرة لا يقتضي سؤال القتل فيه، ففي الجملة ليس فيه إشعار بالزنى، ولا يقتضيه إلا ما يفهم من قوله: (أيقتله)، فإنَّه مشعر بالزنى، وإنَّما ذكر المؤلف هذا الحديث مختصرًا ههنا؛ لأجل الاستدلال على جواز القضاء في المسجد، وهو جائز عند الإمام الأعظم وأكثر العلماء.\nوقال أئمتنا الأعلام: المستحب أن يجلس القاضي مجلس الحكم في الجامع، فإن كان بجنب داره مسجد؛ فله ذلك، وإن قضى في داره؛ جاز، والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر حتى لا يخفى على أحد جلوسه، ولا يؤم حكمه، وقد كان الشعبي يقضي في الجامع، وشُريح يقضي في المسجد ويخطب بالسواد، وقد قضى النبيُّ الأعظم ﷺ في مسجده بين الأنصار في مواريث تقادمت، وكانت الأئمة يقضون في المساجد، وقضى عثمان بن عفان بين سقاء وخصم له في المسجد.\nوقال مالك: (جلوس القاضي في المسجد للحكم من الأمر القديم المعمول به).\nوقال أشهب: (لا بأس للقاضي أن يقضي في المسجد).\nوكان ابن أبي ليلى يقضي في المسجد.\nقلت: وإنَّما جوزوا ذلك؛ لأنَّ الحكم على الخصمين عبادة، والمسجد بني؛ للعبادة، فحقه أن يحكم فيه.\nوروي عن ابن المسيب: أنَّه كره القضاء في المسجد.\nوعن عمر بن عبد العزيز: (لا يقعد القاضي في المسجد يدخل فيه المشركون، فإنَّهم نجس)، وتلا الآية.\nوكان يحيى بن يعمر يقضي في الطريق، فقصد رجل إلى منزله، فقال: (القاضي لا يؤتى في منزله).\nوقال الشافعي: (يكره قعود القاضي في المسجد للحكم إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له فيه حكومة).\nقلت: والحديث حجة عليهم؛ لأنَّه ﵇ قد قضى في حوادث متعددة في المسجد، وآية: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]؛ يعني: في الاعتقاد عند الجمهور، ولا مانع من دخولهم المساجد بدون إذن المسلم؛ لاحتمال إسلامهم، كما قالوا: إنَّهم يعلمون القرآن لئلَّا يهتدوا.\nوحديث: «جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم» إن صحَّ؛ فمحمول على ما قبل الحكم؛ لأنَّه في الغالب يحصل بين الخصمين تشاجرٌ ورفع صوت، أمَّا عند الحكم؛ فلا يكون ذلك، كما لا يخفى؛ فإن الخصمين عند القاضي في مجلس الحكم يكونان في السكونة والوقار وغضِّ البصر.\nفائدة: ابن أبي ليلى كان قاضي الكوفة، فجاء يومًا ليجلس مجلسه في المسجد للحكم، فسمع رجلًا عند باب المسجد يقول لرجل آخر: يا بن الزانيين، فقال: خذوه، فاضربوه حدين، فأخذوه، ودخلوا به المسجد، فضربوه حدين، فأخبر بذلك الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، فقال: يا للعجب من قاضي بلدنا! قد أخطأ في خمسة مواضع في مسألة واحدة:\nأما الأول: فإنَّه قد أخذ القاذف من غير أن يخاصم المقذوف.\nوالثاني: أنَّه لو خاصم؛ يجب عليه حدٌّ واحد وإن قذف ألف رجل.\nوالثالث: أنَّه لو كان الواجب عنده حدَّين؛ ينبغي أن يتخلَّل بينهما بيوم أو أكثر حتى يَجِفَّ أثر الضرب الأول، وهو قد وَالَى بين الحدين.\nالرابع: أنَّه قد حدَّ في المسجد، وقد قال ﵇: «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وسلَّ سيوفكم، وإقامة حدودكم».\nالخامس: أنَّه قذف الوالدين، ولم يسل عنهما هل هما في حال الحياة أم لا؟ فإن كان في الحياة؛ فالخصومة إليهما، وإلا؛ فالخصومة إلى الابن، كذا ذكره أصحاب المناقب، وذكره غير واحد من أهل التاريخ، والحديث المذكور رواه البخاري في «تاريخه» وابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع؛ فانظر فقه الإمام الأعظم ما أصوبه، وما أدقَّ نظره! وحقيق بأن يلقب برئيس المجتهدين، ولقد عُرِض عليه القضاء مرَّات متعدِّدة، فأبى ولم يقبله من شدَّة ورعه وزهده وصلاحه ﵁، ونفعنا به في الدارين، وحشرنا في زمرته ومن خُدَّامه وأتباعه تحت لواء سيد العالمين، ورأس الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم.\n\n <span id=\"b-٧٠٧\"> </span>(٤٥) <span data-type=\"title\" id=toc-707>[باب إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء أو حيث أمر ولا يتجسس]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا دخل) الرجل (بيتًا) لغيره بإذنه، وقوله: (يصلي)؛ أي: فيه، (حيث شاء)؛ كذا في رواية الأكثرين، وعليه؛ فهمزة الاستفهام مقدرة فيه تقديره: أيصلي؟ وفي رواية هكذا بهمزة الاستفهام؛ يعني: أيصلي في البيت حيث شاء؛ اكتفاءً بالإذن العام في الدخول؟ (أو) يصلي (حيث أمر)؛ أي: في المكان الذي أمره صاحب البيت؛ لأنَّه ﵇ استأذنه في موضع\n_________\n(^١) في الأصل: (عويمر)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (فاسله)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":283},{"text":"الصلاة، ولم يصلِّ حيث شاء؛ كما في حديث الباب، فبَطُلَ حكم (حيث شاء)، قاله ابن بطال،\nقال: ويؤيده قوله: (ولا يتجسَّس)؛ بالجيم، أو بالحاء المهملة، وبالضم، أو بالجزم؛ أي: لا يتفحص مكانًا يصلي فيه.\nوقال ابن المنير: (والظاهر الأول، وإنما استأذن ﵇؛ لأنَّه دعي إلى الصلاة؛ ليتبَّرك صاحب البيت بمكان صلاته، فسأله ﵇؛ ليُصلِّ في البقعة التي يجب تخصيصها بذلك، وأمَّا من صلى لنفسه؛ فهو على عموم الإذن إلَّا أن يَخُص صاحب البيت ذلك العموم فيختص به) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ فإن المؤلف عادته عدم القطع بالحكم، ولهذا أتى بالترجمة بكلمة (أو) التي لأحد الشيئين؛ إشعارًا بأنَّ الحديث يطابق إمَّا الحكم الأول، أو الثاني، والظاهر أن المراد: الحكم الثاني، والحكم الأول باطل، فكأن المؤلف قال: (باب: «إذا دخل بيتًا يصلي حيث أمر ولا يتجسس»)، وهذا هو المطابق للحديث، فإن الرجل الذي يدخل دار غيره يحتاج إلى الإذن العام في الدخول والقعود، وأمَّا الصلاة؛ فيحتاج إلى الإذن الخاص؛ لأنَّ المكان الذي دخله يحتمل أنَّه غير طاهر، ويحتمل أنَّ الرجل لا يعلم جهة القبلة، فيلزمه السؤال عن ذلك؛ لأنَّ الاجتهاد لا يصح هنا، وكذلك النبيُّ الأعظم ﷺ إنَّما استأذن؛ ليعلم طهارة المكان مع تبرُّك صاحب البيت بصلاته، فسؤاله (^١) إنَّما كان عن طهارة المكان، لا سيما وصاحب البيت إذا كان له أولاد صغارٌ (^٢) لا يميزون بين الطاهر والنجس يلزم السؤال ألبتة، وعلى هذا؛ فالدخول للبيت على عموم الإذن إلَّا أن يخص صاحبه بمكان فيختص.\nوأمَّا الصلاة؛ فهي على الإذن الخاص، كما ذكرنا، وعليه فالمراد: أنَّ الحديث يطابق الشق الثاني من الترجمة، والشق الأول المراد به: الدخول فقط، ويدلُّ لما قلناه حديث عتبان في الباب الذي بعده، وفيه: «فاستأذن رسول الله ﷺ، إلى أن قال: ثم قال: «أين تحب أن أصلي لك...؟»؛ الحديث، وعليه؛ فيتعين أن يكون استئذانه إنَّما هو في الدخول، وقوله: «أين تحب» استئذان في مكان الصلاة، وحديث الباب قطعة من حديث الباب الآتي؛ لأنَّهما واحد على أنَّ (^٣) الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، كما ستقف عليه، فما ذكره ابن المنير ليس بشيء؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٠٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-708>[حديث: أين تحب أن أصلي لك من بيتك]</span>\n٤٢٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)؛ بفتح الميم واللام، بينهما مهملة ساكنة، هو ابن قعنب الحارثي البصري (قال: حدثنا إبراهيم بن سعْد)؛ بسكون العين المهملة، هو المدني، سبط عبد الرحمن بن عوف، (عن ابن شهاب)؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني، وصرح أبو داود الطيالسي في «مسنده» بسماع إبراهيم بن سعد من ابن شهاب، (عن محمود بن الرَّبِيْع)؛ بفتح الراء وسكون التحتية، بينهما موحدة مكسورة، هو الخزرجي الأنصاري الصحابي، وعند المؤلف من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قال: أخبرني محمود (عن عتْبَان بن مالك)؛ بكسر العين المهملة وضمها، وسكون الفوقية، بعدها موحدة مفتوحة، هو الأنصاري السالمي المدني، كان إمام قومه على عهده ﵇، المتوفى بالمدينة زمن معاوية ﵁، وصرَّح المؤلف في رواية يعقوب بسماع محمود من عتبان.\nقلت: ومع هذا، فقد صرَّح إمام الشَّارحين: (بأن عنعنة «الصحيحين» محمولة على السماع مقبولة)؛ فافهم.\n (أنَّ النبيَّ) الأعظم، ولأبي ذر: (أنَّ رسول الله) (ﷺ أتاه في منزله)؛ أي: يوم السبت، ومعه أبو بكر وعمر ﵄، كما عند الطبراني، وفي لفظ: أن عتبان لقي النبيَّ ﷺ يوم جمعة، فقال: إنِّي أحبُّ أن تأتيني، وفي بعضها: أنَّ عتبان بعث إليه.\nوعند ابن حبان في «صحيحه» عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا من الأنصار أرسل إلى رسول الله ﷺ: أن تعال، فخُطَّ لي مسجدًا في داري أصلي فيه، وذلك بعدما عمي، فجاء، ففعل.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا كأنَّه عتبان) انتهى.\n (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ: (أين تحب أن أصلي) يعني: أين تريد أن أخصَّ مكانًا لصلاتي (لك من بيتك) وفي رواية الكشميهني: (في بيتك)، والإضافة في (لك) باعتبار الموضع المخصوص، فالأداء فيه له، وإلا؛ فالصلاة لله ﷿، أفاده إمام الشَّارحين.\n (قال) أي: عتبان: (فأشرت له) ﵇ (إلى مكان) من بيتي نظيف طاهر مقابل للكعبة، (فكبر النبيُّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: تكبيرة الإحرام، (وصففنا)؛ أي: جعلنا صفًّا (خلفه) ولأبي ذر: (فصففنا)؛ بالفاء، ولابن عساكر: (وصفَّنا)؛ بالواو مع الإدغام، لا يقال: إنَّ إقامة الصف بعد التكبير؛ لأنَّا نقول: الواو لمطلق الجمع لا تقتضي الترتيب، فصفَّهم ﵇ صفًّا خلفه، ثم كبر، (فصلى ركعتين) قال ابن بطال: (ولا يقتضي لفظ الحديث أن يصلي حيث شاء، وإنَّما يقتضي الحديث أن يصلي حيث أُمِر؛ لقوله: «أين تحب أن أصلي لك؟»، فكأنَّه قال: باب: «إذا دخل بيتًا هل يصلي حيث شاء أو حيث أُمِر؟»؛ لأنَّه ﵇ استأذنه في موضع الصلاة، ولم يصلِّ حيث شاء، فبطل الحكم الأول، وبقي الحكم الثاني، وهو وجه مطابقة الحديث للجزء الثاني من الترجمة) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث استحباب تعيين مصلًّى في البيت إذا عجز عن حضور الجماعة.\nوفيه: جواز الجماعة في البيوت.\nوفيه: جواز النوافل بالجماعة.\nوفيه: إتيان الرئيس في موضع المرؤوس.\nوفيه: تسوية الصف خلف الإمام.\nوفيه: ما يدلُّ على حُسن خلقه ﵇ وتواضعه مع جلالة قدره وعِظَم منزلته) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٠٩\"> </span>(٤٦) <span data-type=\"title\" id=toc-709>[باب المساجد في البيوت]</span>\nهذا (باب) حكم اتخاذ (المساجد في البيوت)، وهذا الباب والذي قبله في الحقيقة باب واحد؛ لأنَّ المؤلف ليس له إلا حديث واحد من عتبان، وإنَّما أخرجه في عدة مواضع مفرقًا ومطولًا ومختصراَ؛ لأجل التراجم.\n (وصلى البَرَاء)؛ بفتح الموحدة وتخفيف الراء (بن عاذب) بالذال المعجمة ﵁ (في مسجد داره في جماعة) وفي رواية الأربعة: (جماعة)؛ بالنصب وإسقاط (في)، وفي رواية: (في مسجده في داره)، وهذا تعليق روى معناه ابن أبي شيبة، وأشار المؤلف به إلى أن صلاته بالجماعة في مسجد داره دليل على جواز اتخاذ المساجد في البيوت؛ لأنَّه لو كان غير جائز؛ لما صلى البراء، ولما تابعوه على ذلك، فهو كالإجماع على جواز الصلاة في البيوت جماعة وانفرادًا؛ لأنَّ الأرض كلها جُعِلت مسجدًا وطهورًا؛ كما في\n_________\n(^١) في الأصل: (فسأله)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (أولادًا صغارًا)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (أنه).","vol":"1","page":284},{"text":"«الصحيح»، وهذا وجه مطابقته للترجمة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-710>[حديث: أين تحب أن أصلي من بيتك</span>؟]\n٤٢٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سعِيد ابن عُفَيْر)؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية، نسبه لجده؛ لشهرته به، وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري، وعين سعِيد مكسورة (قال: حدثني) بالإفراد (الليث) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عُقَيل)؛ بضمِّ العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد الأيلي، (عن ابن شهاب)؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني، ونسبه لجده؛ لشهرته به (قال: أخبرني) بالإفراد (محمود بن الرَّبيع) بفتح الراء (الأنصاري) الخزرجي الصحابي: (أن عتْبان بن مالك)؛ بضمِّ العين المهملة وكسرها وسكون الفوقية، هو الأنصاري السالمي المدني الصحابي المتوفى بالمدينة زمن معاوية، والجملة في محل النصب على أنها مفعول ثان؛ لقوله: (أخبرني)، كذا في «عمدة القاري».\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: رواية الصحابي عن الصحابي، فإن قلت: من قوله: «أنَّ عُتْبان» إلى قوله: «قال عتبان» من رواية محمود بغير واسطة، فيكون مرسلًا، فلا يكون رواية الصحابي عن الصحابي.\nومن هذا قال الكرماني: «الظاهر أنَّه مرسل»؛ لأنَّه لا جرم أنَّ محمودًا سمع من عتبان أنَّه رأى بعينه ذلك؛ لأنَّه كان صغيرًا عند وفاة النبيِّ ﵇.\nقلت: قد وقع تصريحه بالسماع عند البخاري من طريق مَعْمَر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، كما مر في الباب الماضي، ووقع التصريح بالتحديث أيضًا بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب عند أبي عوانة؛ فيكون رواية الصحابي عن الصحابي، فيُحمل قوله: «قال عتبان» على أن محمودًا أعاد اسم شيخه؛ اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث) انتهى.\nقلت: وهذا يردُّ على ما زعمه الكرماني، وكأنَّه لم يطلع (^١) على هذه الروايات، فللَّه درُّ إمامنا الشَّارح!\nواختلف فيما إذا قال: (حدثنا فلان بن فلان قال: كذا، أو فعل كذا)، فقال الجمهور: هو كـ (عن) محمول على السماع بشرط أن يكون الراوي غير مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء على الأصح.\nوقال أحمد وغيره: (يكون منقطعًا حتى يتبين السماع)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ومع هذا، فإنَّ عنعنة «الصحيحين» مقبولة محمولة على السماع؛ فافهم.\n (وهو من أصحاب رسول الله ﷺ) وكان إمام قومه على عهد النبيِّ الأعظم ﷺ (ممَّن شهد بدرًا من الأنصار) ﵁، أشار بذلك؛ لإفادة تقوية الرواية، وتعظيمه، والافتخار، والتلذذ به، وإلا؛ كان هو مشهورًا بذلك، أو غرضه التعريف للجاهل به؛ فافهم.\n (أنَّه أتى رسول الله ﷺ) وهذا بدل من قوله: (أنَّ عتبان)، وفي رواية ثابت عن أنس: (عن عتبان).\nفإن قلت: جاء في رواية مسلم: أنَّه بعث إلى النبيِّ الأعظم ﷺ يطلب منه ذلك، فما وجه الروايتين؟\nقلت: يحتمل أن يكون جاء إلى النبيِّ ﵇ بنفسه مرة، وبعث إليه رسوله مرة أخرى؛ لأجل التذكير، قاله إمام الشَّارحين.\nوزَعْمُ ابن حجر يحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا.\nوردَّه في «عمدة القاري» فقال: (الأصل في الكلام الحقيقة، والدليل عليه: ما رواه الطبراني من طريق أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنَّه قال: قال للنبيِّ (^٢) ﷺ يوم جمعة: «لو أتيتني يا رسول الله»، وفيه: أنَّه أتاه يوم السبت) انتهى.\nقلت: ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وههنا أمكن الحمل على الحقيقة، بل تعين الحمل عليها بدلالة ما رواه الطبراني، فكلام ابن حجر ليس بشيء؛ فافهم.\n (فقال يا رسول الله: قد أنكرت بصري) يحتمل معنيين: ضعف البصر، أو العمى.\nوفي رواية مسلم: (لما ساء بصري).\nوفي رواية الإسماعيلي: (جعل بصري يكلُّ).\nوفي رواية أخرى لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت: (أصابني في بصري بعض الشيء).\nوكل ذلك يدلَّ على أنَّه لم يكن بلغ العمى.\nوفي رواية للبخاري في باب: (الرخصة في المطر) من طريق مالك عن ابن شهاب، فقال فيه: (إنَّ عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله ﷺ: إنَّها تكون الظلمة والسَّيل، وأنا رجل ضرير البصر).\nفإن قلت: بين هذه الرواية والروايات التي تقدمت تعارض.\nقلت: لا معارضة فيها؛ لأنَّه أطلق عليه العمى في هذه الرواية؛ لقربه منه، وكان قد قَرُبَ من العمى، والشيء إذا قرب إلى الشيء يأخذ حكمه، انتهى، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (وأنا أصلي لقومي)؛ أي: لأجلهم، والمعنى: أنَّه كان يؤمهم، وصرَّح بذلك أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد؛ كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وصرَّح بذلك أيضًا المؤلف في باب (الرخصة في المطر) من طريق مالك عن ابن شهاب، ولم يبيِّن مَنْ قومه، والظَّاهر: أنَّهم جمع من الأنصار؛ فتفحَّص.\n (فإذا كانت الأمطار)؛ أي: وجدت؛ فـ (كان) تامة، ولهذا ليس لها خبر، وهو جمع مطر؛ وهو ماء المزن؛ (سال الوادي)؛ أي: سال ماؤه، فهو من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال (الذي بيني وبينهم) وفي رواية الإسماعيلي: (يسيل الوادي الذي بيني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم)، كذا في «عمدة القاري».\n (لم أستطع أن آتي مسجدهم) ولابن عساكر: (المسجد) (فأصلي بهم) بالموحدة، ونصب (أُصلِّيَ) عطفًا على قوله: (أن آتيَ) وللأصيلي: (فأصلِّي لهم)؛ باللام؛ أي: لأجلهم.\n (وودِدْت)؛ بكسر الدال المهملة الأولى، ومعناه: تمنيت، قاله ثعلب.\nوفي «الجامع» للقزاز، وحكى الفراء عن الكسائي: (ودَدت)؛ بالفتح، ولم يحكها غيره، والمصدر: وُدٌّ فيهما، ويقال في المصدر: الوَد، والوِد، والوُد والوَداد، والوِداد، والكسر أكثر، والوِدادة والوَدادة، وجاء: مودَّة، حكاه مكي في «شرحه».\nوقال اليزيدي في «نوادره»: (ليس في شيء من العربية ودَدَت مفتوحة)؛ كذا في «عمدة القاري».\n (يا رسول الله أنك تأتيني فتصليَْ)؛ بسكون التحتية وبنصبها، كما في «الفرع»؛ جوابًا للتمني؛ لوقوع الفاء بعد التمني (في بيتي) يحتمل الإضافة أن تكون للملك، وأن تكون لغيره، وأضافه لنفسه؛ باعتبار سكناه\n_________\n(^١) في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (النبي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":284},{"text":"فيه، والظاهر الأول، (فأتخذه مُصلَّى)؛ بضمِّ الميم، موضع صلاة، (وأتخذَُه)؛ بالرفع على الاستئناف، أو بالنصب عطفًا على الفعل المنصوب، وكلاهما في «الفرع»، كذا قرره الزركشي.\nومثله في «عمدة القاري»، قال: (لأن الفاء وقعت بعد النهي المستفاد من الودادة) انتهى.\nواعترض الدماميني ذلك فقال: (إن ثبتت الرواية بالنصب؛ فالفعل منصوب بـ «أن» مضمرة، وإضمارها هنا جائز لا لازم، و«أن» والفعل بتقدير مصدر معطوف على المصدر المسبوك من: أنَّك تأتيني؛ أي: وددت إتيانك فصلاتك، فاتخاذي مكان صلاتك مصلًّى، وهذا ليس في شيء من جواب التمني الذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت «أن» هنا؛ لم يمتنع، وهناك يمتنع، ولو رفع «تصلي» وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدم، وهو قولك: «تأتيني»؛ لصحَّ، والمعنى بحاله) انتهى.\nقلت: واعتراضه وارد على ما قرره الزركشي؛ لأنَّه جعل النصب بالعطف على الفعل المنصوب، وأمَّا على ما ذكره إمام الشَّارحين؛ فلا يرد شيء؛ لأنَّه جعل النصب بـ (أن) المضمرة؛ حيث علله بقوله: (لأن الفاء وقعت بعد النهي...) إلى آخره؛ يعني: فهو منصوب بـ (أن) مضمرة، إلى آخر ما قاله الدماميني، والرواية بالنصب ثابتة في «الفرع» كالرفع، فالمعنى عليه صحيح، ولكنَّ إمامنا الشَّارح قد اختصر عبارته وأوضحها الدماميني؛ فافهم.\n (قال) أي: الراوي: (فقال له) أي: لعُتبان (رسول الله ﷺ: سأفعل)؛ بالهمز، يعني: أصلي لك في بيتك، (إن شاء الله) تعالى علقه بمشيئة الله تعالى؛ عملًا بقوله تعالى في الكهف: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وأراد: التبرُّك؛ لأنَّ اطلَاعَه بالوحي على الجزم بأنَّه سيقع غير مستبعد في حقِّه ﵇، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر وغيره.\nقلت: ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا (^١) يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، فجميع أفعاله وأقواله ﵇ مقرونة بالوحي، ولمَّا قال لعتبان: «سأفعل»؛ علم منه تحقق الفعل؛ لأنَّه ﵇ لا يخبر بأمر يفعله ولم يفعله؛ لأنَّه لا يخبر بخلاف الواقع، وعقَّبه بالمشيئة؛ تبرُّكًا بقوله تعالى، وإشارة إلى أنَّ جميع الأفعال بيد الله تعالى؛ فافهم.\nوزعم الكرماني أنَّه ليس المراد به مجرد التبرك؛ إذ محل استعماله؛ إنَّما هو فيما كان مجزومًا به، وتبعه البرماوي.\nقلت: وفيه نظر؛ فإنَّ استعمال المشيئة للتبرك ههنا حيث إنَّه ﵇ علم بالوحي أنَّه يفعل ذلك، ولولا علمه بذلك؛ لما وعده بالفعل؛ لأنَّه لو لم يعلم؛ لكان خلف بالوعد، وهو محال عليه قطعًا ﷺ؛ فافهم.\n (قال عتبان)؛ هو محمول على أنَّ محمودًا أعاد اسم شيخه؛ اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث، كما مر، (فغدا رسول الله) وللأصيلي والكشميهني: (فغدا على رسول الله) (ﷺ) زاد الإسماعيلي: (بالغد) (وأبو بكر)؛ هو عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان ﵄، وعند الطبراني من طريق أبي أويس أنَّ السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه وقع يوم السبت، كما سبق (حين ارتفع النهار)؛ تفسير لقوله: (فغدا)؛ يعني: أنَّه توجه إليه يوم السبت وقت الغداة، (فاستأذن رسول الله ﷺ)؛ يعني: في الدخول، وهذا يعين ما قلناه في الحديث السابق؛ فافهم.\n (فأذنت له) وفي رواية الأوزاعي: (فاستأذنا؛ فأذنت لهما)؛ أي: للنبيِّ الأعظم ﵇ وأبي بكر.\nوفي رواية أبي أويس: (ومعه أبو بكر وعمر ﵄).\nوفي رواية مسلم من طريق أنس عن عتبان: (فأتاني ومن شاء الله من أصحابه).\nوفي رواية الطبراني من وجه آخر عن أنس: (فأتاني في نفر من أصحابه).\nقال إمام الشَّارحين: (والتوفيق بين هذه الروايات هو أنَّ أبا بكر كان معه في ابتداء توجههم، ثمَّ عند الدخول أو قبله بقليل اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه) انتهى.\nقلت (^٢): (فلم يجلس) ﵇ (حين دخل البيت) وفي رواية الكشميهني: (حتى دخل)؛ أي: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه.\nقال النووي في «شرح مسلم»: زعم بعضهم أن «حتى» غلط، وليس بغلط؛ لأنَّ معناه: لم يجلس في الدار ولا في غيرها حتى دخل البيت مبادرًا إلى قضاء حاجته التي طلبها منه، وجاء بسببها، وهي الصلاة في بيته، وفي رواية يعقوب عند الطيالسي والبخاري: (فلما دخل؛ لم يجلس حتى قال: «أين تحب؟»)، وكذلك للإسماعيلي.\nقال إمام الشَّارحين: (إنما يتعيَّن كون رواية الكشميهني غلطًا؛ إذا لم يكن لعتبان دار فيها بيوت، وأمَّا إذا كانت له دار؛ فلا يتعين) انتهى.\nقلت: ولا يخفى أنَّ دُور الصحابة ليس فيها بيوت، فإنَّ الدار بيت ومرتفق فقط، وليست دار أحدهم ذات بيوت، فإنَّه ﵇ كانت حُجَره بيوتًا، والبيت: ما يبات فيه، وكأن النووي قاس البيت على بيت زمانه من اشتماله على عشرة أماكن أو أكثر أو أقل، وهو قياس مع الفارق، فإنَّ بين بيت الصحابة وبيت ما بعدهم فرقًا بيِّنًا، كما لا يخفى، وعليه؛ فيتعين كون رواية الكشميهني غلطًا؛ لأنَّه ليس في البيت مكان يقف فيه، بل الباب على الطريق متصل بمكان البيتوتة؛ فافهم.\n (ثم قال) ﵇ لعتبان: (أين تحب أن أصلي من بيتك) وللكشميهني: (في بيتك)؛ يعني: في أي مكان تريد أن أخصَّ الصلاة فيه وتجعله مصلًّى؟\nفإن قلت: أصل (من)؛ للابتداء، فما معنى: (من بيتك)؟\nقلت: الحروف ينوب بعضها عن بعض، فـ (من) ههنا؛ بمعنى: (في)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا (^٣) خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].\n (قال) عتبان: (فأشرت له) ﵇ (إلى ناحية من البيت)؛ ليصلي فيها، وهذا يعين ما قلناه من أنَّ دار عتبان لم تكن فيها بيوت؛ لأنَّه لو كان فيها بيوت؛ لقال: فأشرت إلى بيت منها، ولمَّا قال: إلى ناحية من البيت؛ علم منه البيت هو ما يبات فيه، وأنه ليس يوجد غيره، وهذا أكبر ردٍّ على ما زعمه\n_________\n(^١) في الأصل: (ولا)، والمثبت موافق للتلاوة.\n (^٢) بياض في الأصل.\n (^٣) في الأصل: (ما)، والمثبت موافق للتلاوة.","vol":"1","page":285},{"text":"النووي آنفًا؛ فافهم.\n (فقام رسول الله ﷺ فكبَّر)؛ أي للصلاة.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا يدلُّ على أنه حين دخل؛ جلس، ثم قام، فكبر للصلاة، وبينه وبين ما قبله تعارض، ويمكن دفعه بأن يقال: لما دخل قبل أن يجلس؛ قال: أين تحب؟ ويحتمل أنَّه جلس بعده جلوسًا، ثم قام، فكبر) انتهى.\nقلت: والظاهر: الأول، وهو أنه ﵇ لما دخل؛ قال لعتبان: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» فأشار له إلى ناحية من البيت، فجلس فيها إمَّا لأجل الاستراحة، وإما لانتظار مجيء بقية الصحابة، فلما أخذ الراحة أو حضر بقية القوم؛ قام، فكبر، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّه قال: فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال: (وقد يقال: إنَّ معناه: فلم يجلس جلوسًا طويلًا، بل خفيفًا)؛ فافهم\n (فقمنا فصففنا)؛ بالفكِّ للأربعة، و(نا) فاعل، ولغيرهم: (فصفَّنا)؛ بالإدغام، و(نا) مفعول؛ أي: حوله أو جعلنا صفًّا حوله، (فصلى) ﵇ (ركعتين، ثم سلم)؛ أي: من صلاته، ففيه دليل على مشروعية صلاة النافلة في جماعة بالنهار، وأنه لا كراهة فيه؛ حيث كان على سبيل التداعي، كما صرح به أئمتنا الأعلام.\nوليس في الحديث دليل على أن السنة في نوافل النهار ركعتان؛ لأنَّ هذه الصلاة كانت خصوصية لعتبان بدليل أنه سأله أن يصلي في بيته؛ ليتخذه مصلًّى، وأوعده ﵇ بأنَّه سيفعل ذلك، فلم يُخْلِف وعده، وصلى ركعتين؛ تطييبًا لخاطره، وخصوصية له، بل كانت عادته ﵇ في صلاة النهار الأربع كالليل؛ ولهذا قال أئمتنا الأعلام: الأفضل في الليل والنهار الأربع، والدليل عليه: حديث عائشة المروي في «الصحيحين» قالت: «كان النبيُّ الأعظم ﷺ يصلي بالليل أربع ركعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن»، وفيهما عنها: «أنَّه ﵇ كان يصلي الضحى أربعًا»، وقد ثبتت مواظبته على الأربع نهارًا، وكلمة (كان) تدل على: الدوام والاستمرار، وهذا هو المذهب الصواب المختار، وهو حجة على الشافعي وغيره في أنَّ الأفضل في النهار والليل مثنى مثنى؛ فافهم.\n (قال) أي: عتبان: (وحبسناه) (^١)؛ أي: منعناه بعد الصلاة عن الرجوع (على خَزِيْرَة صنعناها له)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي، وسكون التحتية، وفتح الراء، آخره هاء تأنيث، قال ابن سيده: (هي اللحم الغاث -بالمثلثة-؛ أي: المهزول يؤخذ، فيقطع صغارًا، ثم يطبخ بالماء، فإذا أميت طبخًا؛ ذرَّ عليه الدقيق، فعصد به (^٢)، ثم أدم بأي إدام شِيْءَ، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها اللحم، وقيل: هي بلالة النخالة تصفَّى، ثم تطبخ، وقيل: هي الحساء من الدسم والدقيق).\nوعن أبي الهيثم: (إذا كان من دقيق؛ فهي خزيرة، وإذا كان من نخالة؛ فهي حريرة)؛ بالمهملات.\nوفي «الجمهرة» لابن دريد: (الخزيرة: دقيق يلبك بشحم كانت العرب تعير بأكله، وفي موضع: يعيَّر به بنو مجاشع، قال: والخزيرة: السخينة (^٣».\nوقال الفارسي: (أكثر هذا الباب على فعيلة؛ لأنَّه في معنى مفعول).\nوفي رواية الأوزاعي عند مسلم: (على جشيشة)؛ بجيم ومعجمتين.\nقال أهل اللغة: (هي أن تطحن الحنطة قليلًا، ثم يلقى فيها شحم أو غيره).\nوفي «المطالع»: (أنها رويت في «الصحيحين» بحاء وراءين مهملات).\nوحكى البخاري في (الأطعمة) عن النضر: (أنها تصنع من اللبن)؛ كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والحريرة؛ بالحاء والراءين المهملات، هو المعروف، وهي دقيق يطبخ بالماء، ويوضع معها السمن، وهو الموافق؛ لما في «المطالع»، فما ذكره إمام الشَّارحين اصطلاح في اللغة القديمة، وإنَّما المعروف ما ذكرناه، لكنَّ الفرق بين المهمل والمعجم، فاللغة بالمعجم، وتصحف الناس، فاستعملوها بالمهمل، وهو الموافق لرواية «الصحيحين» في غير هذا الموضع؛ فافهم.\n (قال) أي: عتبان: (فثاب)؛ بالمثلثة والموحدة بينهما ألف؛ أي: جاء، يقال: ثاب الرجل: إذا رجع بعد ذهابه.\nوقال ابن سيده: (ثاب الشيء ثوبًا وثؤبًا: رجع، وثاب جسمه ثوبانًا: أقبل).\nوقال الخليل: (المثابة: مجتمع الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للميت: مثابة)، كذا في «عمدة القاري».\n (في البيت رجال)؛ أي: اجتمعوا وجاؤوا، وكلمة (في) بمعنى: (إلى)؛ لأنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض (من أهل الدار)؛ أي: من أهل المحلة؛ لقوله ﵇: «خير دور الأنصار دار بني النجار»؛ أي: محلتهم، والمراد: أهلها، ويقال: الدار: القبيلة أيضًا (ذو عدد)؛ أي: أصحاب عدد، والمراد به: الكثرة، فجاء بعضهم إثر بعض، وإنَّما جاؤوا؛ لسماعهم بقدوم النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فافهم.\n (فاجتمعوا)؛ (الفاء) عاطفة، وهو يقتضي المغايرة، والمعنى هنا: أنَّهم اجتمعوا داخل البيت، وتفسير إمام الشَّارحين (ثاب): باجتمعوا صحيح، والمعنى: أنَّهم اجتمعوا في الدار، وهذا الاجتماع هو غير ذاك الاجتماع؛ لأنَّه هنا كان اجتماعهم داخل البيت، وهناك كان اجتماعهم في الدار؛ بعضهم عند بابها، وبعضهم في دهليزها، وبعضهم على باب البيت، وبعضهم داخل البيت، وعلى هذا؛ قد حصل التغاير بين المعطوفين، وبهذا التقرير سقط ما زعمه القسطلاني تبعًا «للمصابيح» من أنه لا يَحْسُنُ تفسير (ثاب رجال): باجتمعوا؛ لأنَّه يلزم منه عطف الشيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل، فالأولى تفسيره: بجاء بعضهم إثر بعض) انتهى.\nقلت: بل يَحْسُن تفسير (ثاب) بـ (اجتمعوا)، ولا يلزم منه عطف الشيء على مرادفه؛ لأنَّ معنى (ثاب رجال): اجتمعوا في الدار متفرقين فيها، ومعنى (فاجتمعوا)؛ يعني: في داخل البيت غير متفرقين، كما قررناه؛ فافهم.\n (فقال قائل منهم) لم يسم هذا القائل، قاله إمام الشَّارحين: (أين مالك بن الدُخَيْشِن)؛ بضمِّ الدال المهملة، وفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية، وكسر الشين المعجمة، آخره نون، (أو ابن الدُخْشُن)؛ بضمِّ الدال المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وضم الشين المعجمة، وحُكي كسر أوله، والشك فيه من الراوي هل هو مصغر أو مكبر؟ ووقع في رواية مسلم من طريق معمر: بالشك أيضًا، لكن عند المؤلف في (المحاربين) من رواية معمر: (الدخشن)؛ بالنون مكبرًا من غير شك.\nوكذا في رواية مسلم من طريق يونس.\nوفي رواية أبي داود الطيالسي: (الدخشم)؛ بالميم.\nوكذا في\n_________\n(^١) في الأصل: (وحسبناه)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (فعصيدة)، والمثبت موافق لما في «المحكم».\n (^٣) في الأصل: (السنجينة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":285},{"text":"رواية مسلم عن أنس عن عتبان.\nوكذا في رواية الطبراني من طريق النضر بن أنس عن أبيه، قال أحمد بن صالح: (وهو الصواب)، أفاده إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (فقال بعضهم)؛ أي: بعض القوم، وهم الصحابة، قيل: هو عتبان راوي الحديث، ونسب بعضهم هذا القول إلى ابن عبد البر، وهو غير ظاهر؛ لأنَّه قال: (لا يصح عن مالك النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه).\nوقال أيضًا: (لم يختلف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو)، ثم ساق بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة: أن النبيَّ ﷺ قال لمن تكلم فيه: «أليس قد شَهِدَ بدرًا؟».\nوذكر ابن إسحاق في (المغازي): (أن النبيَّ ﵇ بعث مالكًا هذا، ومعن بن عدي، فحرقا مسجد الضرار)، فدل ذلك كله على أنه بريء مما اتهم به من النفاق.\nفإن قلت: إذا كان كذلك؛ فكيف قال هذا القائل: (إنَّا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين)؟\nقلت: لعله (^١) كان له عذر في ذلك، كما كان لحاطب بن أبي بلتعة، وهو أيضا ممن شهد بدرًا، ولعلَّ الذي قال ذلك بالنظر إلى الظاهر، ألا ترى أن النبيَّ الأعظم ﷺ كيف قال عند قوله هذا: «فإنَّ الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، وهذا إنكار لقوله هذا.\nويجوز أن يكون اتهامه إياه بالنفاق غير نفاق الكفر، كذا قرره إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (ذلك) باللام؛ أي: ابن الدخشم، أو ابن الدخيشن، أو ابن الدخشن (منافق لا يحب الله ورسوله)؛ لأنَّه كان يَودُّ أهل النفاق، (فقال رسول الله ﷺ) رادًّا على هذا القائل مقالته هذه: (لا تقل ذلك)؛ باللام، وفي رواية: (ذاك)؛ بدونها؛ أي: القول: بأنَّه منافق، (أَلا تَراه)؛ بفتح همزة (ألا) الاستفتاحية، وفتح مثناة (تَراه) الفوقية (قد قال: لا إله إلا الله)، وفي رواية أبي داود الطيالسي: (أما يقول: لا إله إلا الله)، وفي رواية مسلم: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله).\nفإن قلت: لا بد من محمد رسول الله.\nقلت: قال الكرماني: (هذا إشعار لكلمة الشهادة بتمامها).\nقلت: هذا في حق المشرك، وأمَّا في حق غيره؛ فلا بد من ذلك، قاله إمام الشَّارحين؛ يعني: لا بد من ضميمة: محمد رسول الله ﵇، (يريد بذلك)؛ أي: بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله (وجه الله)؛ أي: ذات الله وحده، وهذه شهادة من رسول الله ﷺ بالإيمان منه باطنًا، وبراءته من النفاق؛ كذا في «عمدة القاري».\nقلت: فإن من قال كلمة الإخلاص لا بد أن يقولها مخلصًا لله تعالى؛ لأنَّه ليس لأحد التعرُّض له في عدمها من حيث إنَّه مخالط لأهل الإسلام في عبادتهم وشرائعهم ونحوها، لا سيما في زماننا من ترك كل ملة على ملتها، وعدم التعرُّض لها بسوء، وعلى هذا؛ فمن أظهر الإسلام وشعائره وفعل العبادات؛ فإنَّه يحكم عليه بالإسلام باطنًا وظاهرًا؛ لأنَّه ليس له في ذلك سبب موجب لدخوله في الإسلام حتى يكون نفاقًا، بل السبب: مرضاة الله ﷿.\n (قال) أي: الرجل القائل: (الله ورسوله أعلم)؛ أي: بقوله ذلك، وكأنَّه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولهذا (قال: فإنَّا نرى وجهه) أي: توجهه (ونصيحته للمنافقين)، وفي رواية الأصيلي: (إلى المنافقين).\nزعم الكرماني فإن قلت: يقال: نصحت له لا إليه، قلت: قد ضمن معنى الانتهاء.\nوزعم ابن حجر الظاهر أنَّ قوله: (إلى المنافقين) متعلق بقوله: «وجهه»، فهو الذي يتعدى بـ (إلى)، وأمَّا متعلق (ونصيحته)؛ فمحذوف للعِلم به.\nوردَّ كلامهما إمام الشَّارحين حيث قال: (كل منهما لم يُمْعن على قانون العربية؛ لأنَّ قوله: «ونصيحته» عطف على قوله: «وجهه»، و«نصيحته» داخل في حكمه؛ لأنَّه تابع له، وكلمة «إلى» تتعلق بقوله: «وجهه»، ولا يحتاج إلى دعوى حذف متعلق المعطوف؛ لأنَّه يكتفى فيه بتعلق المعطوف عليه) انتهى؛ فافهم.\n (قال) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (فقال) (رسول الله ﷺ) رادًّا على هذا القائل مقالته هذه: (فإن الله قد حرَّم) بتشديد الراء المهملة (على النار من قال: لا إله إلا الله) هذا في حق المشرك، أمَّا في حق غيره؛ فلا بدَّ من ضميمة: محمد رسول الله ﵇، كما مر (يبتغي) أي: يطلب (بذلك) أي: بما قاله (وجه الله) ﷿؛ أي: ذاته.\nوفيه ردٌّ على المرجئة القائلين: (بأنَّه يكفي في الإيمان النطق فقط من غير اعتقاد).\nوالمراد بالتحريم هنا: تحريم الخلود؛ جمعًا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعاصي في النار، وتوفيقًا بين الأدلة.\nوعن الزهري: (أنه نزلت بعد هذا الحديث فرائض وأمور نرى أنَّ الأمر انتهى إليها).\nوعند الطبراني: (أنه من كلام عتبان).\nوقال ابن الجوزي: (الصلوات الخمس فرضت بمكة قبل هذه القضية بمدة)\nوظاهر (^٢) الحديث يقتضي: أنَّ مجرد القول يدفع العذاب ولو ترك الصلاة.\nوالجواب: أنَّ من قالها مخلصًا؛ فإنَّه (^٣) لا يترك العمل بالفرائض؛ إذ إخلاص القول حامل على أداء اللازم، أو أنه يحرم عليه خلوده فيها.\nوقال ابن التين: (معناه: إذا غفر له وتقبل منه، أو يكون أراد: نار الكافرين، فإنَّها محرمة على المؤمنين، فإنَّها كما قال الداودي: «سبعة أدراك والمنافقون في الدرك الأسفل من النار مع إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه»)؛ كذا في «عمدة القاري».\nوقوله: (قال ابن شهاب)؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، أحد رواة هذا الحديث، تعليق من المؤلف.\nوزعم ابن حجر أنه مسند بالإسناد السابق قال: ووهم من قال: إنه تعليق).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلت: ظاهره التعليق، فإنَّه قال: «قال ابن شهاب» بدون العطف على ما قبله) انتهى.\nقلت: وهذا هو الظاهر، فإنَّه لو كان مُسْنَدًا؛ لأتى بحرف العطف، ولأن المؤلف قد\n_________\n(^١) في الأصل: (لعل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) تكرر في الأصل: (وظاهر).\n (^٣) في الأصل: (لأنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":286},{"text":"أتى بهذا؛ لأجل التقوية ونحوها مما سيأتي، وهذا يدل على أنه تعليق؛ فافهم.\n (ثم سألت الحُصَين) وفي رواية الكشميهني: (ثم سألت بعد ذلك الحُصَين) (بن محمد)؛ وهو بضمِّ الحاء المهملة، وبفتح الصاد المهملة، هكذا ضبطه جميع الرواة إلا القابسي، فإنَّه ضبطه بالضاد المعجمة، وغلطوه في ذلك (الأنصاري)، ثم المدني من ثقاة التابعين.\nفإن قلت: محمود كان عدلًا، فلمَ سأل الزهري غيره؟\nقلت: إمَّا للتقوية ولاطمئنان القلب، وإمِّا لأنَّه عرف أنه نقله مرسلًا، وإمَّا لأنَّه تحمَّله وهو صبي، واختُلِفَ في قبول المتحمل زمن الصبا؛ كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والأظهر: أنَّ تَحَمُّل الصبي زمن صباه وتحديثه بعده مقبول، وعليه الجمهور، ويدل عليه: ما ذكره الفقهاء في أبواب (الشهادات): أنَّ الصبي إذا تحمَّل الشهادة في حال صباه وأدَّاها حال بلوغه؛ فهي مقبولة معتبرة؛ فافهم.\n (وهو أحد بني سالم) هي قبيلة من الأنصار (وهو)؛ أي: الحصين بن محمد، وإنما أعاد الضمير؛ لطول الكلام (من سَراتهم)؛ بفتح السين المهملة؛ أي: سراة بني سالم، جمع سُرى، قال أبو عبيد: (هو المرتفع القدر).\nوفي «المُحْكم»: (السرو (^١): المروءة والشرف، سروسراوة، وسروًا الأخيرة عن سيبويه واللحياني، وسرا سروًا، وسرى يسري سراء، ولم يحك اللحياني مصدر سرا إلا ممدودًا، ورجل سري من قوم أسرياء: شرفاء؛ كلاهما عن اللحياني، والسراة: اسم للجمع، وليس يجمع عند سيبويه، ودليل ذلك قولهم: سروات).\nوفي «الصحاح»: (وجمع السرى: سراة، وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره).\nوفي «الجامع»: (وقولهم: فلان سري، إنَّما معناه في كلام العرب: الرفيع، وهو من سرو الرجل يسرو: صار رفيعًا، وأصله: من السراة، وهو من أرفع المواضع من ظهر الدابة، وقيل: بل السراة: الرأس، وهو أرفع الجسم)، كذا في «عمدة القاري»؛ يعني: من أشرف بني سالم.\nوقوله: (عن حديث محمود بن الربيع) زاد ابن عساكر: (الأنصاري) متعلق بقوله: (سألت) (فصدقه بذلك)؛ أي: بالحديث المذكور، وهذا يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضًا من عتبان، ويحتمل أن يكون حمله من صحابي آخر، وليس للحصين ولا لعتبان في «الصحيحين» سوى هذا الحديث، كذا قاله إمامنا الشَّارح، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.\nوفي الحديث أحكام:\nالأول: جواز إمامة الأعمى مع وجود مثله بصيرًا، ولكنَّه يكون مكروهًا، فإن لم يوجد غيره؛ فلا كراهة، وصرَّح الإمام الشيخ علاء الدين المفتي بديارنا الشريفة الشامية في «شرحه» على «ملتقى الأبحر»: بكراهة إمامة الأعمى كراهة تنزيه؛ لأنَّه لا يتحفظ من النجاسات، فإن لم يوجد غيره؛ فلا كراهة.\nالثاني: جواز التخلف عن الجماعة؛ لعذر؛ كمطر، وظلمة، وخوف على نفسه، وغيرها، وقد ورد في الحديث: أنَّ من كان نيَّته حضور الجماعة لولا العذر؛ يحصل له (^٢) ثوابها، وإن لم يحضرها؛ فإن الأعمال بالنيات، كما صرَّح به في «إمداد الفتاح».\nالثالث: فيه جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، وليس ذلك من الشكوى.\nالرابع: جواز اتخاذ موضع معيَّن للصلاة.\nفإن قلت: روى أبو داود في «سننه» من النهي عن إيطان موضع معين من المسجد.\nقلت: هو محمول على ما إذا استلزم رياء وسمعة ونحوهما.\nقلت: ووجه النهي عن ذلك: أنه في صلاته في مواضع من المسجد يكون فيه تكثير الشهود له في الصلاة؛ لما ورد في الحديث: «أن الأرض تشهد لمن يسجد عليها»، ومثله: حلق الشعر، وقص الأظفار يوم الجمعة، ورد: أنَّه يفعل ذلك بعد الصلاة؛ لأجل أن يشهد معه يوم القيامة، لكن لما كان الغالب في اتخاذ موضع للصلاة حصول الرياء، والسمعة، والإشارة إليه بأنَّه مصلى فلان؛ ورد النهي عنه؛ كما في حديث أبي داود، أمَّا إذا أمن من ذلك؛ فلا كراهة، كما دل عليه حديث الباب؛ فافهم.\nالخامس: استحباب تسوية الصفوف، يدل عليه حديث أنس قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة، ثم رقي المنبر، فقال في الصلاة: «أقيموا صفوفكم وتراصوا (^٣)، فإني أراكم من وراء ظهري...؛») الحديث؟، كما سبق في (عِظَة الإمام)، والأمر فيه للندب بالإجماع، ويحتمل أنه ﵇ قاله حيث كان المسجد ضيقًا حتى يسع الناس، بدليل: أنه رآهم يوم الجمعة؛ لأنَّه بعد الصلاة رقي المنبر، أمَّا إذا كان المسجد واسعًا كمسجد بني أمية؛ فالظاهر: أنه لا يندب التراص (^٤)، وهذا بخلاف ما يفعله بعض المتعصبين من الشافعية من التزاق بعضهم ببعض لزقًا شديدًا بحيث يكون الرجل على الرجل، فمكروه أو حرام؛ لأنَّ ذلك يفضي إلى إيذاء الجار، وربَّما يكون جاره مريضًا أو شيخًا فانيًا، فإنَّه يتضرر بذلك، وضرر المسلم أو إيذاؤه حرام، فيظنُّ أنه قد فعل مستحبًّا يثاب على فعله، والحال أنه فعل معصية يعاقب على فعلها؛ فافهم.\nالسادس: جواز اتخاذ مسجد في البيت، وأنه لا يخرج عن ملك صاحبه، بخلاف المتخذ في المحلة.\nقلت: يعني: فإنَّه يخرج عن ملك صاحبه، ومثله المتخذ في البيت مع الإذن العام لكل أحد من الناس، فإنَّه حينئذ يخرج عن مِلكه، فما ذكر في الباب محمول على أنه لم يأذن لكل أحد، بل الإذن فيه خاص؛ فافهم.\nالسابع: استحباب التبرُّك بمصلى الصالحين، ومساجد الفاضلين.\nالثامن: استحباب الدعوة لغير وليمة عرس، أمَّا هي؛ فواجبة، وأنه من دعي من الصالحين إلى شيء يتبرك به منه؛ فله أن يجيب إليه إذا أَمِنَ العُجْب.\nالتاسع: وجوب الوفاء بالوعد؛ لما في «الصحيح» في (علامات المنافق)؛ منها: «إذا وعد؛ أخلف»، فمن وعد في شيء؛ يجب الوفاء به، وهذا إذا ذكره على الجزم، أمَّا إذا وعده وألحق به\n_________\n(^١) في الأصل: (السرة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (لها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (وتراضوا)، وهو تصحيف.\n (^٤) في الأصل: (التراض)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":286},{"text":"المشيئة وأخلف؛ لا بأس بذلك؛ لأنَّ الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى.\nالعاشر: وجوب إكرام العلماء العاملين؛ لأنَّهم ورثة الأنبياء ﵈ بالطعام وشبهه إذا دعوا إلى ذلك.\nالحادي عشر: استحباب التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان؛ لما في «الصحيح»: «اذكروا الفاجر بما فيه؛ ليحذره الناس».\nالثاني عشر: أنَّ السلطان يجب عليه أن يستثيب في أمر من يذكر عنده بفسق، ويوجه له أجمل الوجوه.\nالثالث عشر (^١): استحباب السؤال عمَّن لم يحضر الجماعة مع القوم إذا كانت عادته الحضور معهم، فإذا كان له عذر؛ وإلا؛ فهو من أهل الشَّر.\nالرابع عشر: جواز استدعاء المفضول للفاضل؛ لمصلحة.\nالخامس عشر: جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه إذا علم أنَّ الطعام يكفيهم.\nالسادس عشر: وجوب الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان قد تقدم منه استدعاء.\nالسابع عشر: استحباب اجتماع أهل المحلة إذا ورد إلى منزل بعضهم رجل صالح، فيحضروا مجلسه؛ لزيارته، وإكرامه، والاستفادة منه.\nالثامن عشر: استحباب الذبِّ عمَّن ذكر بسوء، وهو بريء منه.\nالتاسع عشر: أنَّه لا يخلد في النار من مات على التوحيد.\nقلت: ظاهر الحديث يدل على أنَّ من قال: لا إله إلا الله مخلصًا؛ تُحرَّم عليه النار.\nالعشرون: جواز إسناد المسجد إلى القوم.\nالحادي والعشرون: جواز إمامة الزائر والمَزُورِ برضاه.\nوقال ابن بطال: (وفي الحديث ردٌّ على من قال: «إذا زار قومًا؛ فلا يؤمهم»؛ مستدلًّا بما روى وكيع، عن أبان بن يزيد، عن بديل بن ميسرة، عن أبي عطية، عن رجل منهم: كان مالك بن الحويرث يأتينا في مصلَّانا، فحضرت الصلاة، فقلنا له: تقدم، فقال: لا، ليقدم بعضكم، فإنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «من زار قومًا؛ فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم»).\nقال ابن بطال: (وهذا إسناد ليس بقائم، وأبو عطية مجهول يروي عن مجهول، وصلاة النبيِّ ﵇ في بيت عتبان مخالفة له)، وكذا ذكره السفاقسي.\nقال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر في مواضع:\nالأول: رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم، وابن ماجه عن سويد عن عبد الله، وأبو الحسين المعلم عن محمد بن سليمان الباغندي (^٢): حدثنا محمد بن أبان الواسطي قالوا: حدثنا أبان.\nالثاني: قوله: «إسناده ليس بقائم»، يردُّه قول الترمذي: «هذا حديث حسن».\nالثالث: الذي في «أبي داود»، و«الترمذي»، و«النسائي»، و«المصنف» أن أبا عطية قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا...؛ فذكره من غير واسطة).\nوقال الترمذي: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ الأعظم ﷺ وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر)، وقال بعض أهل العلم: (إذا أُذِنَ له؛ فلا بأس أن يصلي بهم).\nوقال إسحاق: (لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أَذِنَ له صاحب المنزل، وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم يقول: ليُصلِّ بهم رجل منهم).\nوقال مالك: (يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة).\nوقد روي عن أبي موسى: أنه أمر ابن مسعود وجذبه في داره.\nوقال أبو البركات ابن تيمية: (أكثر أهل العلم على أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رَبِّ المنزل) انتهى.\nومذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: أنَّه يستحبُّ لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه، والمراد بصاحب المنزل: الساكن فيه، سواء كان بإجارة أو عارية، وصاحب المنزل يُقدَّم على المالك، فإذا اجتمع قوم في منزل؛ فصاحبه أحق بالإمامة، وإذا اجتمع قوم وفيهم السلطان وغيره؛ فيقدَّم السلطان، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ويقدَّم القاضي على إمام المسجد، وهذا واجب؛ لأنَّ في تقديم غيره عليه إهانة له، ثم الأعلم بأحكام الصلاة صحةً وفسادًا، ثم الأقرأ، وإنَّما قدَّم الأعلم على الأقرأ؛ لأنَّ القراءة إنَّما يحتاج إليها؛ لإقامة ركن واحد، والفقه يحتاج إليه؛ لجميع الأركان، والواجبات، والسنن، والمستحبات (^٣) على أنَّ الزائد على حفظ ما به سنة القراءة غير محتاج إليه، والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يُعرف إلا بالعلم، وكم من قارئ لم يحفظ شيئًا في الفقه، فكيف يقدَّم على الفقيه الحافظ لأحكام الله تعالى؟ كذا في «إمداد الفتاح»، والله تعالى أعلم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧١١\"> </span>(٤٧) <span data-type=\"title\" id=toc-711>[باب التيمن في دخول المسجد وغيره]</span>\nهذا (باب التيمُّن) أي: بيان البداءة باليمين (في دخول المسجد)؛ فـ (أل) للجنس، فيشمل كل مسجد، ولو مصلَّى جنازة أو عيدين (وغيره)؛ بالجرَّ عطفًا على المسجد؛ يعني: وغير المسجد مثل البيت والمنزل وغيرهما، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم الكرماني أنه معطوف على الدخول، وتبعه ابن حجر.\nقلت: وهو غير ظاهر، فإنَّ المراد بالغيريَّة؛ أي: غير المسجد، ولا معنى لغيرية الدخول؛ فافهم.\n (وكان ابن عمر)؛ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي ﵄ (يبدأ) أي: في دخول المسجد (برجله اليمنى) وذكر الخروج في مقابلة قرينة دالَّة على ذلك، (فإذا خرج) أي: من المسجد؛ (بدأ برجله اليسرى)، ومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، ويؤيِّد فعل ابن عمر ما رواه الحاكم في «المستدرك» من طريق معاوية بن قرة عن أنس ﵁ أنَّه كان يقول: (من السنَّة إذا دخلت المسجد؛ أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت؛ أن تبدأ برجلك اليسرى)، وقول الصحابي: من السنة كذا، محمول على أنَّه مرفوع إلى النبيِّ الأعظم ﷺ، وهو الصحيح، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وظاهر كلامه أنَّه لم يقف\n_________\n(^١) سقط من الأصل: (عشر).\n (^٢) في الأصل: (الباعندي)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (والمستحباب)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":287},{"text":"على هذا الأثر موصولًا عن ابن عمر؛ حيث لم يتعرض لذلك، ولهذا قال ابن حجر: لم أره موصولًا عنه.\nقلت: وعدم رؤيته له لا ينفي رؤيته لغيره على أنَّه المؤلف حافظ أجمع على جلالته المسلمون، فلا ينقل شيئًا يكون غير ثابت، وقد جنح لهذا إمام الشَّارحين حيث أيَّد فعل ابن عمر بما رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس، وعليه؛ فلا كلام؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧١٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-712>[حديث: كان النبي يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله]</span>\n٤٢٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب) بحاء، وراء مهملتين، ثم موحدة (قال: حدثنا شعبة)؛ هو ابن الحجاج، (عن الأَشْعَث) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح العين المهملة، آخره مثلثة (بن سُليم)؛ بضمِّ السين المهملة؛ مصغَّرًا، (عن أبيه)؛ هو سليم بن الأسود المُحاربي -بضمِّ الميم- الكوفي، (عن مسروق)؛ هو ابن الأجدع الكوفي أبو عائشة، أدرك الصدر الأول من الصحابة، وأسلم قبل وفاته ﵇، وسمي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ أنَّها (قالت: كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ) أفادت (كان) الدَّوام والاستمرار (يحب التيمُّن)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: البداءة باليمين لحسنه.\nإن قلت: المحبَّة أمر باطني، فمن أين علمت عائشة محبته؟\nقلت: قد علمت محبَّته ﵇ لهذه الأشياء إمَّا بالقرائن، أو بإخباره ﵇ لها بذلك، انتهى.\nقلت: ويقال: علمت ذلك بسبب مداومته واستمراره على فعله ذلك، كما أفاده تعبيرها بـ (كان)؛ فافهم.\n (ما استطاع) يجوز أن تكون كلمة (ما) موصولة، فتكون بدلًا من التيمُّن، ويجوز أن تكون بمعنى: ما دام، وبه احترز عمَّا لا يستطيع فيه التيمُّن شرعًا؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، قاله إمام الشَّارحين (في شأنه كلِّه) الجار والمجرور يتعلق بالتيمُّن، ويجوز أن يتعلق بالمحبة أو بهما، على سبيل التنازع، وتأكيد الشأن بقولها: (كلِّه) يدلُّ على التعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثوب، والخفَّ، والسراويل، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل، والشرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصِّ الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك، إلا ما خُصَّ بدليل؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل، فاستحب فيها التياسر؛ لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: (أنَّ كل ما كان من باب التكريم والتزين؛ فاستحب فيه اليمين، وكل ما كان من باب الإزالة؛ فاستحب فيه التياسر)، لا يقال: حلق الرأس من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر؛ لأنَّا نقول: هو من باب التزين، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن.\n (في طُهوره) بضمِّ الطاء المهملة؛ لأنَّ المراد: تطهره، وتفتح؛ أي: البداءة بالشق الأيمن في الغسل، وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى في الوضوء، وروى أبو داود في «سننه» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا توضأتم؛ فابدؤوا بميامنكم»، فإن قَدَّم اليسرى؛ جاز، ولكنَّه يكره تنزيهًا، وأمَّا الكَفَّان والخدان والأذنان؛ فيُطهرَان دفعة واحدة، نصَّ أئمتنا الأعلام عليه، (وترجله) بالجيم؛ أي: الابتداء بالشق الأيمن في تسريح لحيته ورأسه، ومن المستحبات جمع الشعر والظفر ونحوهما من أجزاء البدن ودفنها، وألا يقطع شيئًا إلا وهو متوضئ، وروى الترمذي في «الشمائل» من حديث عبد الله بن معقل قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الترجل إلا غبًّا؛ أي: وقتًا بعد وقت)، وظاهره: أنَّه يُرجل بعد كلِّ وضوء، وقيل: إنَّه يفعل يومًا ويترك يومًا، ونقل عن الحسن: أنَّه في كل أسبوع، ولعله محمول على تمشيط شعر الرأس.\nقلت: وظاهر الحديث: يدل على أنَّه بعد كل وضوء؛ لحديث الباب وحديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وُضع له سواكه وطهوره ومشطه، فإذا هيئه الله من الليل؛ استاك وتوضأ وامتشط»، رواه ابن الجوزي في كتاب «الوفاء»، وفي حديث أُبي بن كعب قال: قال ﵇: «من سرَّح لحيته كلَّ يوم؛ عوفي من أنواع البلاء، وزيد في عمره»، وعنه ﵇: «من مرَّ المشط على حاجبيه، عوفي من البلاء»، وعن علي بن أبي طالب مرفوعًا: «عليكم بالمشط؛ فإنَّه يذهب الفقر، ومن سرَّح لحيته حين يصبح؛ كان له أمانًا حتى يمسي»، وعن وهب بن منبه: (من سرَّح لحيته بلا ماء؛ زاد همُّه، أو بماء؛ نقص همُّه، ومن سرَّحها قائمًا؛ ركبه الدين، أو قاعدًا؛ ذهب عنه الدين، ومن سرَّحها يوم الأحد؛ زاده الله نشاطًا، أو الاثنين؛ قضى حاجته، أو الثلاثاء؛ زاده الله رخاءً، أو الأربعاء؛ زاده الله نعمة، أو الخميس؛ زاد الله في حسناته، أو الجمعة؛ زاده الله سرورًا، أو السبت؛ طهر قلبه)، كذا في «نزهة المجالس» لعبد الرحمن الصفوري.\nقلت: وهذا يدل لما قلناه، ويدل عليه أيضًا ما في «الشمائل» عن أنس قال: (كان ﵇ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته)، وفي «الإحياء» في حديث غريب: (أنَّه ﵇ كان يسرح لحيته في اليوم مرتين)، وقد أوضح المقام الإمام المحقق خاتمة المحدثين منلا علي القاري في رسالة خاصة في تسريح اللحية، والله أعلم.\n (وتنعله)؛ بفتح الفوقية والنون، وتشديد العين المهملة المضمومة؛ أي: الابتداء بلبس اليمين من نعليه، وموقع (في طهوره) من الإعراب: البدل من قوله: (في شأنه) بدل بعض من كلٍّ.\nفإن","vol":"1","page":287},{"text":"قلت: إذا كان كذلك؛ يفيد استحباب التيمن في بعض الأمور، وتأكيد شأنه بالكلِّ يفيد استحبابه في كلِّها.\nقلت: هذا تخصيص بعد تعميم، وخصَّ هذه الثلاثة بالذكر؛ اهتمامًا بها وبيانًا لشرفها، ولا مانع أن يكون بدل الكل من الكل؛ لأنَّ الطهور مفتاح أبواب العبادات، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، وأحوال الإنسان، إمَّا أن تتعلق بجهة الفوق، أو بجهة التحت، أو بالأطراف؛ فجاء لكلٍّ منها بمثال، كذا قاله إمام الشَّارحين، وهذا الحديث قد سبق في باب (التيمن في الوضوء والغسل)؛ فافهم.\nومطابقته للترجمة من حيث عمومه؛ لأنَّ عمومه يدلُّ على البداءة باليمين في دخول المسجد وغيره، والشأن بمعنى الحال، والمعنى: يحب التيمن في جميع حالاته، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧١٣\"> </span>(٤٨) <span data-type=\"title\" id=toc-713>[باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد]</span>\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (هل تُنبش) بضمِّ المثناة الفوقية؛ أي: تحفر (قبور مشركي الجاهلية)؛ يعني: يجوز نبش قبور المشركين الذين هلكوا في الجاهلية؛ لما صُرِّح به في حديث الباب، و(هل) ههنا؛ للاستفهام التقريري، وليس باستفهام حقيقي، صرَّح بذلك جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، وتأتي (هل) أيضًا بمعنى (قد)، كذا فسر الآية جماعة منهم: ابن عبَّاس، والكسائي، والفراء، والمبرد وذكر في «المقتضب»: (أنَّ «هل» للاستفهام نحو: هل جاء زيد، ويكون بمنزلة «قد» نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾)، وقد بالغ الإمام الزمخشري، فقال: (إنَّها أبدًا بمعنى (قد)، وإنَّما الاستفهام مستفاد من همزة مقدرة معها)، ونقله في «المفصل» عن سيبويه، وقال في «كشافه»: (﴿هَلْ أَتَى﴾، على معنى: التقرير والتقريب فيه جميعًا)، ومن عَكَس الزمخشري ههنا فقد عَكَسَ نفسه:\nإذا قالت حذام فصدقوها... فإنَّ القول ما قالت حذام\nوهذا الذي ذكرناه أحسن من الذي يقال: إنَّ ذكر كلمة (هل) هنا ليس له محل؛ لأنَّ عادته إنَّما يذكر (هل)؛ إذا كان حكم الباب فيه خلاف، وليس ههنا خلاف، ولم أرَ شارحًا ههنا شفى العليل، ولا أروى الغليل، قاله إمام الشَّارحين، وفسر ابن حجر: باب: (هل تنبش قبور مشركي الجاهلية) بقوله: (أي: دون غيرهم من قبور الأنبياء وأتباعهم).\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تفسير عجيب مستفاد من سوء التصور؛ لأنَّ معناه ظاهر، وهو جواز نبش قبور المشركين؛ لأنَّهم لا حرمة لهم، فيستفاد منه عدم جواز نبش قبور غيرهم، سواء كانت قبور الأنبياء أو قبور غيرهم من المسلمين؛ لما فيه من الإهانة لهم، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّ حرمة المسلم لا تزول حيًّا وميتًا، فإن كان هذا القائل اعتمد هذا التفسير على حديث عائشة المذكور في الباب؛ فليس فيه ذكر النبش، وهو ظاهر، وإنما فيه: أنَّهم إذا مات فيهم رجل صالح يبنون على قبره مسجدًا، ويصورون فيه تصاوير، ولا يلزم من ذلك النبش؛ لأنَّ بناء المسجد على القبر من غير نبش متصور) انتهى.\n (ويُتَّخَذ مكانها مساجد) عطف على قوله: (تنبش)، و(مكانها)؛ بالنصب على الظرفية، و(مساجد)؛ مرفوع؛ لأنَّه مفعول ناب عن الفاعل، هذا إذا جُعل الاتخاذ متعديًا إلى مفعول واحد، فإذا جُعل متعديًا إلى مفعولين على ما هو الأصل من أنه من أفعال التصيير كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]؛ فيكون أحد المفعولين (مكانها)، فيُرفع على أنَّه مفعول قام مقام الفاعل، والمفعول الثاني هو (مساجد)؛ بالنصب، كذا قرره إمام الشَّارحين، ثم قال: (فإنَّ الكرماني ذكر فيه ما لا يخفى عن نظر وتأمل) انتهى.\nقلت: وهذا التفسير مبني على روايتين في ذلك؛ أحدهما: نصب (مكانَها)، و(مساجدَ) مفعولين لـ (يتخذ)، والثانية: نصب (مكانَها) على الظرفية، ورفع (مساجدُ) نائبًا عن الفاعل؛ فافهم، والله أعلم.\n (لقول النبيِّ) الأعظم؛ أي: لأجل قوله فيما وصله المؤلف في أواخر كتاب (الجنائز)، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو عوانة عن هلال، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله (ﷺ: لعن الله اليهود) زاد في رواية (الجنائز): (والنصارى)؛ أي: لأجل كونهم، (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وهذا تعليل لقوله: (ويتخذ مكانها مساجد) خاصة؛ لأنَّ الترجمة شيئان، والتعليل للشق الثاني، ووجه الاستدلال به: أنَّ اليهود لَّما خصوا باللعنة باتخاذهم قبور الأنبياء مساجد؛ عُلم منه عدم جواز اتخاذ قبور غيرهم ومن هم في حكمهم من المسلمين؛ لما فيه من الإهانة لهم؛ لأنَّ حرمة المسلم لا تزول حيًّا وميتًا، لا يقال: في اتخاذ قبور المشركين مساجد تعظيم لهم؛ لأنَّا نقول: لا يستلزم ذلك؛ لأنَّه إذا نُبشت قبورهم ورُميت عظامهم؛ تصير الأرض طاهرة منهم، والأرض كلُّها مسجد؛ لقوله ﵇: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، رواه المؤلف فيما سبق، وقال أئمتنا الأعلام: (ويجوز نبش قبور الكفار وجعل مكانها مساجد)، وبه صرح الإمام الجليل قاضيخان، لكن قيده بكون عظامهم فنيت وادثرت آثارهم، فأفاد أنَّ إلقاء عظامهم مكروه؛ لأنَّ فيه إهانة لبني آدم؛ لأنَّ عظم الآدمي وإن كان كافرًا؛ فهو غير مهان، وفيه تأمل، واستدل أئمتنا الأعلام على جواز ذلك بما فعله النبيُّ الأعظم ﷺ في نبش قبورهم، واتخذ مكانها مسجده النبوي، وإنَّما كان النبش جائزًا؛ لما فيه من الاستهانة فيهم، ولأنَّه لا ذمة لهم، فلا حرج في نبشهم واتخاذ مكانهم مساجد؛ لأنَّه من قبيل تبديل السيئة بالحسنة، وعلى هذا؛ فلا تعارض بين فعله ﵇ في نبش قبورهم واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه ﵇ من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد؛ لما ذكرنا من الفرق، وفي هذا الحديث: الاقتصار على لعن اليهود؛ فيكون قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» واضحًا؛ لأنَّ النصارى لا يزعمون نبوة عيسى، بل يدعون أنَّه ابن أو إله أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتى يكون له قبر، وأمَّا من قال منهم: إنه قتل؛ فله في ذلك كلام حاصله: أنَّه رُفع إلى السماء، وسينزل، واستشكلت (^١) الرواية التي في كتاب (الجنائز) من إثبات اللعن لليهود والنصارى، وأجيب: بأنَّه مبني على أنَّه ﵇ كان مبلِّغًا للشريعة السابقة، أو أنَّه قُتل ودُفن بالأرض في بيت لحم، وسيأتي بقية الكلام عليه في موضعه.\n (وما يكره من الصلاة في القبور) هذا عطف على قوله: (هل تنبش)، لا يقال: إنَّ هذه جملة خبرية، وقوله: (هل تنبش) جملة طلبية، فكيف يصح عطفها عليها؟ لأنَّا نقول: قد ذكرنا أنَّ (هل) استفهام تقريري، وهو في حكم الجملة الخبرية الثبوتية، وقوله هذا يتناول ما إذا صلى على القبر أو إليه أو بينهما، وفيه حديث أبي مرثد واسمه: كناز بن الحصين، أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ولفظه: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها»، وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام...»؛ الحديث، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: يعني: أنه تجوز\n_________\n(^١) في الأصل: (واستشكل).","vol":"1","page":288},{"text":"الصلاة على القبور، ولكنَّها مكروهة.\n (ورأى عمر) هو ابن الخطاب -كما في رواية الأصيلي- القرشي، العدوي، المدني، ثاني خلفاء سيد المرسلين (أنس بن مالك) هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم ﷺ (يصلي عند قبر) شامل لما أنه صلى عليه، أو إليه، أو بينهما، (فقال: القبرَ القبرَ)؛ بالنصب فيهما على التحذير، محذوف العامل وجوبًا، وهو اتقِ أو اجتنب، وفي بعض الروايات بهمزة الاستفهام؛ أي: أتصلي عند القبر؟ (ولم يأمره بالإعادة)؛ أي: لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته تلك، فدلَّ على أنَّه يجوز، ولكنَّه يكره؛ لأنَّ فيه التشبه بأهل الكتاب، كما يدلُّ عليه الحديث الآتي، وتعليل القسطلاني الكراهة بأنَّه صلى على نجاسة ولو كان بينهما حائل؛ ممنوع؛ فإنَّ النجاسة مفقودة ههنا، ولو كان فيه نجاسة؛ لما صحت الصلاة، على أنَّ هذا التعليل مخالف لصريح الحديث الآتي؛ لأنَّ صريحه أنَّ علة الكراهة التشبه بأهل الكتاب، كما لا يخفى.\nوهذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في «مصنفه» على ما حكاه ابن حزم عن سفيان بن سعيد، عن حُميد، عن أنس قال: رآني عمر أصلي عند قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك، قال: وعن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: رآني عمر أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا يصلى إليه، قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي، فيتنحى عن القبور، ورواه أبو نُعيم شيخ المؤلف عن حريث بن السائب قال: سمعت الحسن يقول: بينا أنس يصلي إلى قبر؛ فناداه عمر: القبرَ القبرَ، وظنَّ أنَّه يعني القمر، فلمَّا رأى أنَّه يعني القبر؛ تقدم، وصلى، وجاز القبر، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (واختُلف في جواز الصلاة على القبور، فذهب أحمد ابن حنبل: إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا، ولا بين أن يكون بين القبور، أو في مكان منفرد عنها؛ كالبيت، أو العلو أم لا) انتهى.\nقلت: والمشهور عن أحمد: عدم صحة الصلاة، قال في «تنقيح المقنع»: (ولا تصح الصلاة تعبدًا في مقبرة غير صلاة الجنازة، ولا يضر قبران ولا ما دفن بداره)؛ فافهم\nوذهب الإمام الأعظم وأصحابه والثوري والأوزاعي: إلى كراهة الصلاة في المقبرة والحمَّام، ولم يرَ مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا، وحكى أبو مصعب عن مالك: كراهة الصلاة في المقبرة، كما ذهب إليه الجمهور، وقال في «إمداد الفتاح» نقلًا عن «الفتاوى»: (لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيها موضع معدٌّ للصلاة، وليس فيه قبر؛ لأنَّ الكراهة معللة بالتشبه بأهل الكتاب، وهو منتفٍ فيما كان على الصفة المذكورة) انتهى.\nقلت: وتعبيره: بـ (لا بأس) يفيد أنَّه خلاف الأولى، ويجمع بينهما بأنَّ الكراهة في المقبرة؛ للتحريم، وفيما أُعدَّ للصلاة؛ للتنزيه؛ لحديث ابن عمر: (أنَّه ﵇ نهى أن يُصلى في سبعة مواطن، وعدَّ منها المقبرة...)؛ الحديث، رواه الترمذي وابن ماجه، والنهي يقتضي التحريم، وهو يتناول المقبرة وما فيه قبر، أمَّا الذي أُعدَّ منها للصلاة؛ فلا كراهة؛ يعني: تحريمية، بل هو خلاف الأولى، وكذا يكره أن يتوجه المصلي إلى قبر النبيِّ الأعظم ﷺ، أو إلى قبر غيره من الأنبياء عليهم [السلام]، أو قبر الصحابة، والتابعين، والأولياء المكرمين؛ لأنَّ في ذلك كله التشبه بأهل الكتاب، وزعم أبو ثور أنَّه لا يصلى في حمام ولا مقبرة؛ لظاهر الحديث السابق.\nوقال الرافعي: (أمَّا المقبرة؛ فالصلاة فيها مكروهة بكل حال).\nوفرَّق الشافعي بين المنبوشة وغيرها، فإن كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم؛ لم تجز الصلاة فيها؛ للنجاسة، وإن صلَّى في مكان طاهر منها؛ صحَّت.\nقلت: وهذا كلُّه خلاف الحديث، فإنَّ صريحه يدلُّ على الكراهة في كل حال، كما لا يخفى، وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك، وهم: عمر، وعلي، وأبو هريرة، وأنس، وابن عبَّاس، ﵁، وزعم أنَّه ما يَعْلم لهم مخالفًا من الصحابة، وحكاه عن جماعة من التابعين، وهم: النخعي، وابن جبير، وطاووس، وعمرو بن دينار، وخيثمة، وغيرهم.\nواعترضه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: «ما نعلم لهم مخالفًا» معارض بما حكاه الخطابي في «معالم السنن» عن عبد الله بن عمر: أنَّه رخَّص الصلاة في المقبرة، وحُكي أيضًا عن الحسن البصري: أنَّه صلى في المقبرة.\nوفي «شرح الترمذي»: «حكى أصحابنا خلافًا في الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة، فقيل: المعنى فيه: ما تحت مصلاه من النجاسة، وقيل: المعنى فيه: حرمة الموتى»، قال ابن الرفعة: «فينبغي أن تقيَّد الكراهة بما إذا حاذى الميت، أمَّا إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة؛ فلا كراهة، ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر، أو بجانبه، أو إليه، ومنه يؤخذ: أنَّه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها) انتهى.\nقلت: وقول الترمذي: (حكى أصحابنا خلافًا...) إلى آخره ممنوع؛ فإن علَّة الكراهة على التحقيق إنَّما هو التشبُّه بأهل الكتاب، كما هو صريح الحديث الآتي.\nوقوله: (وقيل المعنى فيه: ما تحت مصلاه من النجاسة) ممنوع، فإن النجاسة إذا كانت في جوف الأرض، وصلَّى على أعلاها؛ فكيف يضرُّ صلاته؟ وما هو إلا بعيد عن القول.\nوقوله: (وقيل: لحرمة الموتى) ممنوع؛ فإن الموتى بصلاة المرء عندهم تنزل عليهم الرحمة، فالحرمة فيهم في عدم نبش قبورهم، لا في الصلاة عليها، كما لا يخفى، وعلى كلٍّ؛ فالنهي يقتضي كراهة الصلاة في المقبرة، وهو حجَّة على أهل الظاهر حيث قالوا: تحرم الصلاة في المقبرة، سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار، وعلى أبي ثور، كما تقدم، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٧١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-714>[حديث: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا</span>...]\n٤٢٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن المثنَّى)؛ بفتح النون المشددة بعد المثلثة، هو البصري (قال: حدثنا يحيى)؛ هو ابن سعيد القطان البصري، (عن هشام) هو ابن عروة (قال أخبرني) بالإفراد (أبي)؛ هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) ولابن عساكر: (عن عائشة أم المؤمنين)، وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه: (قال: أخبرتني عائشة)؛ وهي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أنَّ أم حَبيبة)؛ بفتح الحاء المهملة، أم المؤمنين، واسمها: رَملة -بفتح الراء- بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأموية، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش -بتقديم الجيم على الحاء المهملة- إلى الحبشة، فتوفِّي هناك، فزوجها (^١) [النجاشي] رسولَ الله ﷺ، وبعثها إليه، وكانت من السابقات إلى الإسلام، توفِّيت سنة أربع وأربعين بالمدينة على الأصح، (وأم سلَمة)؛ فتح اللام، هي (^٢) أم المؤمنين أيضًا، واسمها هند -على الأصح- بنت أبي أمية المخزومي، هاجرت مع زوجها أبو سلمة إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة؛ مات زوجها، فتزوجها رسول الله ﵇ ورضي الله عنها (ذكرتا)؛ بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة وأم سلمة، هكذا في رواية الأكثرين على الأصل، ووقع في رواية المستملي والحمُّوي: (ذكرا)؛ بالتذكير، وهو خلاف الأصل، والأظهر: أنَّه تحريف من النساخ، أو من بعض الرواة غير المميزين، قاله إمام الشَّارحين.\n (كَنيسة)؛ بفتح الكاف، وهي معبد النصارى، ويقال لها: مارية، والمارية؛ بتخفيف التحتية: النقرة، وبتشديدها: القطاة الملساء، كذا في «عمدة القاري».\n (رأينها)؛ بصيغة جمع المؤنث من الماضي، وإنَّما جمع؛ باعتبار من كان مع أم حبيبة وأم سلمة، وفي رواية الكشميهني والأصيلي: (رأيتاها) على الأصل بضمِّير التثنية (بالحبشة)؛ بفتح الحاء المهملة\n_________\n(^١) في الأصل: (فتزوجها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (هم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":288},{"text":"وذلك، قبل أن تهاجرا إلى المدينة، وفي رواية: ذكرها القسطلاني ولم يَعْزُها لأحد: (رأياها)؛ بمثناة تحتية.\nقلت: والظاهر: أنَّها تحريف من النساخ، والحاصل: أن الأكثر: (رأينها)؛ بنون جمع يحتمل على أن أقل الجمع اثنان، ويحتمل على أنَّه كان معهما غيرهما من النسوة، وهو الظاهر، والرواية الثانية بمثناة فوقية وضمير التثنية على الأصل، والرواية الثالثة الله أعلم بصحتها.\n (فيها تصاوير)؛ أي: تماثيل، جمع (تِمثال)؛ بكسر المثناة الفوقية، قيل: كانت من زجاج، ونحاس، ورخام، وقيل: طلمسات كان يعملها، ويحرم على كل مُضرٍّ أن يتجاوزها، فلا يتجاوزها، فيعمل تمثالًا (^١) للذباب، أو للبعوض، أو للتماسيح في مكان، ويأمرهم ألا يتجاوزوها، فلا يتجاوزه واحد أبدًا مادام ذلك التمثال، والجملة اسمية محلها نصب؛ صفة لكنيسة، (فذكرتا ذلك للنبيِّ) الأعظم (ﷺ)؛ أي: ذكرتا هذه التصاوير في تلك الكنيسة، وقيل: إنَّها صور الأنبياء ﵈، والعلماء، والعباد، وغيرهم، ويدلُّ لذلك قوله: (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لهما: (إنَّ أولئكِ)؛ بكسر الكاف؛ لأنَّ الخطاب لمؤنث، وقد تفتح الكاف (إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات)؛ عطف على (كان)، وجواب (إذا) قوله: (بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تِيْك الصور)؛ بكسر المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر: (تلك)؛ باللام بدل المثناة التحتية؛ يعني: كانت تصور في معابدهم؛ ليراها الناس، فيزدادوا (^٢) في العبادة، ويجتهدوا فيها، ويتذكروا عبادتهم، وهذا يدلُّ على أنَّ التصوير كان مباحًا في ذلك الزمان، وقد نسخ ذلك في شرعنا، ويدلُّ على ذلك قوله ﵇: (فأولئكِ)؛ بكسر الكاف خطاب للمؤنث، وقد تفتح، وفي رواية: (وأولئك)؛ بالواو (شِرار الخلق عند الله يوم القيامة)؛ بكسر الشين المعجمة، جمع: (الشر)؛ كخيار جمع: (خير)، وتِجَار جمع: (تجر)، وأما الأشرار؛ فقال يونس: (واحدها: شر أيضًا).\nوقال السفاقسي: (جمع شر كزند وأزناد).\nوقال الأخفش: (شرير؛ مثل يتيم وأيتام).\nقال القرطبي: (إنما صوَّر أوائلهم الصور؛ ليستأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم، ثم خَلَف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان: إنَّ أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظِّمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيُّ الأعظم ﷺ عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسدُّ الذرائع في قبره الشريف ﵇، وكان ذلك في يوم مرض موته؛ إشارةً إلى أنَّه من الأمر المحكم الذي لا ينتسخ بعده، ولما احتاجت الصحابة ﵃ والتابعون إلى زيادة مسجده المعظَّم ﷺ؛ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلَّا يصل إليه العوام، فيؤدِّي ذلك إلى المحذور، ثم بنوا على القبر جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرفوهما حتى التقيا حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر الشريف) انتهى.\nوقال البيضاوي: (لَّما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجَّهون في الصلاة نحوها، واتَّخذوها أوثانًا؛ لعنهم النبيُّ الأعظم ﷺ، ومنع المسلمين عن ذلك، فأمَّا من اتَّخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرُّك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجُّه إليه؛ فلا يدخل في الوعيد المذكور)، وقال ابن بطال: (وفي الحديث نهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير، وإنما نهي عنه؛ لاتخاذهم القبور والصور آلهة، وفيه دليل على تحريم التصوير للحيوان خصوصًا الآدمي الصالح، وفيه منع بناء المساجد على القبور، ومقتضاه التحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟) انتهى.\nقلت: ويستثنى من النهي عن اتخاذ القبور مساجد ما إذا كانت المقبرة دائرة، فبناء المسجد عليها؛ ليصلَّى فيه لا بأس بذلك، وبه صرَّح الإمام الجليل قاضيخان من أهل المذهب المعظم، وبه صرَّح البندنجي من الشافعية، وذلك لأنَّ المقابر وقف، وكذا المسجد، فمعناهما واحد، كما لا يخفى، وقوله: (وفيه النهي عن فعل التصاوير) يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق يقول: إنِّي وكِّلت بثلاث: بكل جبارعنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا (^٣) آخر، والمصورين»، رواه الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن غريب صحيح)، وفي «البخاري «و«مسلم» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وهذا يدلُّ على المنع من تصوير شيء أيُّ شيء كان، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠].\nوقوله: (وفيه منع بناء المساجد...) إلى آخره؛ يعني: أن يسوَّى القبر أو القبور مسجدًا (^٤) يصلَّى فيه، وهذا مكروه، وهو ليس على إطلاقه، وفيه تفصيل، فإن كانت المقبرة للكفار؛ فيجوز نبشها، واتِّخاذ مكانها مسجدًا، وقد ترجم له المؤلف فيما مضى، وإن كانت للمسلمين؛ فيحرم ذلك، سواء كان فيها قبور أحد الأنبياء أو المسلمين؛ لأنَّ حرمة المسلم لا تزول حيًّا وميتًا، وفي ذلك إهانة له، فيحرم ذلك، كما لا يخفى، إلا إذا كانت المقبرة دائرة؛ فلا بأس بأن يجعل عليها مسجدًا (^٥) يصلى فيه؛ لأنَّ كل ذلك وقف منفعة للمسلمين.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وفيه: ذم الفاعل للمحرمات، وفيه: أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل) انتهى.\nوقد سبق: أنَّ الصلاة في المقبرة لا تصحُّ عند أحمد، والظاهرية، وأبي ثور، وتصحُّ وتكره عند الإمام الأعظم، والثوري، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والشافعي فيما قاله الرافعي، وتصحُّ بدون كراهة عند الحسن البصري، وتبعه القاضي حسين، وهو مروي عن ابن عمر، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-715>[حديث: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا]</span>\n٤٢٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد)؛ هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا عبد الوارث)؛ هو ابن سعيد التميمي البصري، (عن أبي التَيَّاح)؛ بفتح الفوقية، وتشديد التحتية، آخره حاء مهملة، هو يزيد بن حميد، الضبعي، البصري، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك)، هو الأنصاري أنَّه (قال: قدِم) بكسر الدال المهملة (النبيُّ) الأعظم (ﷺ المدينة)، قال الحاكم: (تواترت الأخبار بوروده عليه والسلام قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول)، وقال محمد بن موسى الخوارزمي: (وكان ذلك اليوم الخميس الرابع من تيرماه، ومن شهور الروم العاشر\n_________\n(^١) في الأصل: (تمثال)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (فيزداد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (إله)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (مسجد)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (مساجد)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":289},{"text":"من أيلول سنة سبعمئة وثلاث وثلاثين لذي القرنين).\nوقال الخوارزمي: (من حين ولد إلى حين أسري به أحد وخمسون سنة، وسبعة أشهر وثمانية وعشرين يومًا، ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم، فذلك ثلاث وخمسون سنة، وكان ذلك يوم الخميس).\nوقال ابن سعد في «الطبقات»: (إنَّه ﵇ خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فأقام يوم الثلاثاء بقديد، وقدم على بني عمرو بن عوف لليلتين خلتا من ربيع الأول، ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فنزل على كلثوم بن هدم، وهو السبت عندنا).\nوذكر البرقي: (أنَّه ﵇ قدم المدينة ليلًا)، وعن جابر: (لما قدم المدينة نحر جزورًا)، كذا في «عمدة القاري».\n (فنزل أعلى) وللأصيلي: (في أعلى) (المدينة)، وفي رواية أبي داود: (فنزل في عُلوِّ المدينة)؛ بالضم، وهي العالية (في حيٍّ)؛ بتشديد التحتية، وهي القبيلة، وجمعها أحياء، كذا قاله إمام الشَّارحين، (يقال لهم: بنو عَمرو بن عَوف)؛ بفتح العين المهملة فيهما، وبالفاء في الأخير، (فأقام النبيُّ) الأعظم (ﷺ فيهم) أي: في بني عمرو (أربع عشرة ليلة)، هذه رواية الأكثرين، وكذا في رواية أبي داود عن شيخه مسدد، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت ونسبها إمام الشَّارحين للمستملي والحمُّوي: (أربعًا وعشرين ليلة)، وعن الزهري: (أقام فيهم بضع عشرة ليلة)، وعن عويمر بن ساعدة: لبث فيهم ثماني عشرة ليلة، ثم خرج، كذا قاله إمام الشَّارحين، (ثم أرسل) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ، وهو في بني عمرو (إلى بني النجَّار)؛ بتشديد الجيم، أبو قبيلة من الأنصار، وبنو النجار هم: بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار: قبيل كثير من الأنصار منه بطون، وعمائر، وأفخاذ، وقفائل، وتيم اللات: هو النجار، سمي بذلك؛ لأنَّه اختتن بقدُّوم، وقيل: بل ضرب رجلًا بقدُّوم، فجرحه، ذكره الكلبي وأبو عبيدة، وإنما طلب بني النجار؛ لأنَّهم كانوا أخواله ﵇؛ لأنَّ هاشمًا جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: ولأجل هذا خصَّهم ﵇ بالإرسال عن غيرهم، (فجاؤوا متقلدي السيوف)؛ بالجِّر وحذف نون (متقلِّدين)، وإضافة (المتقلدين) إلى (السيوف)، هكذا في رواية كريمة، وفي رواية الأكثرين: (متقلدين السيوفَ)؛ بنصب السيوف وثبوت النون؛ لعدم الإضافة، وعلى كل حالٍ هو منصوب على الحال من الضمير الذي في (فجاؤوا)، والتقلُّد: جَعْلُ نِجاد السيف على المنكب؛ كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والمعنى: جاؤوا جاعلين سيوفهم على مناكبهم؛ خوفًا من اليهود، وليروه ﵇ ما أعدُّوه؛ لنصرتهم من شجاعتهم وقوتهم، قال أنس بن مالك: (كأني أنظر إلي النبيِّ) الأعظم (ﷺ على راحلته)؛ أي: ناقته التي تسمى: القصواء، فإنَّ الرَّاحلة: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: وفي بعض النسخ: (وكأني)؛ بالواو، وفي بعضها: (فكأني)؛ بالفاء، والمعنى: وكأني الآن، فالتشبيه باعتبارين، و(كأنَّ)؛ للتحقيق؛ كقوله: كأن الأرض ليس بها هلال (وأبو بكر)؛ أي: الصديق الأكبر، عبد الله بن أبي قحافة عثمان ﵄ (ردفه)؛ الجملة اسمية محلها نصب على الحال من (النبي)، أو من فاعل (أنظر)؛ أي: راكب خلفه، فإنَّ الرِّدْف -بكسر الراء وسكون الدال المهملتين-: المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب، وأردفته أنا: إذا أركبته معك، وذاك الموضع الذي يركبه: رِدَاف، وكل شيء يتبع سببًا؛ فهو ردفه، وكان لأبي بكر ناقة، فلعلَّه تركها في بني عمرو بن عوف؛ لمرض أو غيره، ويجوز أن يكون ردَّها إلى مكة؛ ليحمل عليها أهله، وثَمَّ وجه آخر حسن: وهو أنَّ ناقته كانت معه، ولكنَّه ما ركبها؛ لشرف الإرداف خلفه، فإنَّه تابعه، والخليفة بعده، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (ومَلَأ)؛ بفتحتين آخره همزة من غير مد (بني النجار حوله) ﵇؛ إكرامًا له، وأدبًا معه، وافتخارًا به، والملأ: أشراف القوم ورؤساؤهم، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم ملأى (^١) بالرأي والغنى، والملأ: الجماعة، والجمع: أملاء، قال ابن سيده: (وليس الملأ من بني «رهط» وإن كانا اسمين؛ لأنَّ «رهطًا» لا واحد له من لفظه، والملأ: رجل مالئ جليل ملأ العين بجهرته، فهو كالعرب والرَّوَح (^٢)، وحكى ملأته على الأمر: املأه، ومالأته كذلك؛ أي: شاورته، وما كان هذا الأمر عن ملأ منَّا؛ أي: عن تشاور واجتماع)، كذا في «عمدة القاري»، والجملة اسمية حالية أيضًا، (حتى ألقى) أي: حتى طرح النبيُّ الأعظم ﷺ رحله، فهو مبني للفاعل، ويحتمل للمفعول، كذا زعمه العجلوني.\nقلت: وهذا الاحتمال بأنَّه مبني للمفعول غير ظاهر؛ لأنَّ أنسًا أخبر عنه ﵇ بأنَّه ألقى رحله، فيتعين أن يكون مبنيًّا للفاعل، والمفعول محذوف، وهو الرحل، يقال: ألقيت الشيء: إذا طرحته.\n (بفِناء) بكسر الفاء مع المد: سعة أمام الدار، والجمع: أفنية، وفي «المجمل»: (فناء الدار: ما امتد من جوانبها)، وفي «المحكم»: (وتبدل الموحدة من الفاء).\n (أبي أيوب) أي دار أبي أيوب، واسمه: خالد بن زيد الأنصاري، جعل جبار بن صخر يَنخَسُها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار؛ أَعَنْ منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام؛ لضربتك بالسيف.\nقال إمام الشَّارحين: (جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلمي، ويقال: جابر بن صخر الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا، وهو صحابي كبير، روى محمد بن إسحاق: عن أبي سعد الخطمي، سمع جابرًا بن عبد الله قال: صليت خلف رسول الله ﷺ أنا وجابر بن صخر، فإمامنا خلفه، والصحيح: أنَّ اسمه جبار بن صخر، وذكر محمد بن إسحاق في كتاب «المبتدأ وقصص الأنبياء ﵈»: «أن تُبَّعًا؛ وهو ابن حسان، لمَّا قدم مكة قبل مولده ﵇ بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربع مئة رجل من الحكماء؛ فاجتمعوا وتعاقدوا على ألا يخرجوا منها، فسألهم تُبَّع عن سر ذلك، فقالوا: إنَّا نجد في كتبنا أنَّ نبينا اسمه محمد، هذه دار مهاجره، فنحن نقيم بها لعل أن نلقاه، فأراد تُبَّع الإقامة معهم، ثمَّ بنى لكل واحد من أولئك دارًا، واشترى له جارية، وزوجها منه، وأعطاهم مالًا جزيلًا، وكتب كتابًا فيه إسلامه، وقوله:\nشهدت على أحمد أنَّه... رسول من الله بارئ النسم\nفي أبيات، وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد ﵇ إن أدركه، وإلا؛ من أدركه من ولده، وبنى للنبي ﵇ دارًا ينزلها إذا قدم المدينة، فتداور الدار المُلَّاك إلى أن صارت إلى\n_________\n(^١) في الأصل: (مليء)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (كالعزب والزوج)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":289},{"text":"أبي أيوب ﵁، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربع مئة، ويزعم بعضهم: أنَّهم كانوا الأوس والخزرج، ولمَّا خرج ﵇؛ أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه ﵇؛ قال: «أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تُبَّع الأول»، فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف النبيَّ ﵇، فقال: من أنت؟ فإني لم أرَ في وجهك أثر السحر، وتوهم أنَّه ساحر، فقال: «أنا محمد، هات الكتاب»، فلما قرأه؛ قال: «مرحبًا بتبع الأخ الصالح» ثلاث مرات»، وفي «سير ابن إسحاق»: «أنَّ اسمه تبان أسعد أبو كرب، وهو الذي كسا البيت الحرام»، وفي «مغايص الجوهر في أنساب حمير»: «كان يدين بالزبور»، وفي «معجم الطبراني» مرفوعًا: «لا تسبوا تبَّعًا»، وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد ﵁: أنَّه قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «لا تسبوا تبعًا؛ فإنَّه كان قد أسلم»، وأخرجه أحمد في «مسنده»: «وتُبَّع -بضمِّ المثناة الفوقية، وفتح الموحدة المشددة، آخره عين مهملة- لقب لكلِّ من ملَك اليمن؛ مثل كسرى لقب لكل من ملَك الفرس، وقيصر لكل من ملَك الروم»، وقال عكرمة: «إنَّما سُمي تُبَّعًا؛ لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار، فأسلم، قال: وهذا تبع الأوسط، وأقام مَلِكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل: ثمانين سنة»، وقال ابن سيرين: «هو أول من كسا البيت وملك الدنيا والأقاليم بأسرها»، وحكى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أنَّه قال: «كان إذا عرض الخيل؛ قاموا صفًّا من دمشق إلى صنعاء»، وهذا بعيد إن أراد به صنعاء اليمن؛ لأنَّ بينها وبين دمشق أكثر من شهرين، والظاهر: أنَّه أراد بها صنعاء دمشق، وهي قرية على باب دمشق من ناحية باب الفراديس، واتصلت حيطانها بالعقيبة، وهي محلة عظيمة بظاهر دمشق، وذكر ابن عساكر في كتابه: «أنَّ تُبَّعًا هذا لمَّا قدم مكة، وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب؛ كان في مئة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان، ومئة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة»، وذكر أيضًا: «أنَّ تُبَّعًا لمَّا خرج من يثرب؛ مات في بلاد الهند»، وذكر السهيلي: «أنَّ دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب، فاشتراها منه بعد ما خربت المغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه المغيرة، وتصدق بها على أهل بيت فقراء بالمدينة») انتهى.\n (وكان) أي النبيُّ الأعظم ﷺ (يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة) فلا يخص مكانًا بصلاته، بل يصلي في أي مكان حضرت الصلاة فيه؛ لأنَّه ﵇ قد جعلت له الأرض كلُّها مسجدًا وطهورًا، فهو من خصائصه دون سائر الأنبياء ﵈، ولأنَّ في ذلك تكثير الشهود للمصلي؛ لأنَّ الأرض تشهد بالصلاة لمن صلى عليها، ففيه: أنَّ المسلم يكره له أن يخصَّ موضعًا للصلاة فيه دون غيره؛ لأنَّ في اختصاصه بموضع مخصوص رياءً وسمعة وغير ذلك؛ فافهم، وهذا أكبر ردٍّ على من اعتاد في زماننا اختيار مكان مخصوص للصلاة وراء الإمام من الشافعية، ويزعم أنَّ الصلاة في الصف الأول خلف الإمام أفضل، فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، فإنَّ الصف الأول من المشرق إلى المغرب، وكله خلف الإمام، ولكنَّه هو يقصد مكانًا مخصوصًا خلف الإمام حتى يقال: إنَّه رجل صالح متعبد، بل هو طالح مخالف للسنة؛ لأنَّ في ذلك رياء وسمعة، وهو مكروه؛ فافهم.\n (ويصلي في مرابض الغنم) جمع مِربِض؛ بكسر الموحدة والميم، بينهما راء مهملة ساكنة، آخره معجمة، والمراد: مأواها، وهو عطف على قوله: (وكان يحب) من عطف الخاص على العام؛ يعني: أنَّه كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ولو كان في مرابض الغنم، وعلى هذا؛ فليس يحب الصلاة في مرابض الغنم إلا إذا أدركته الصلاة فيها، وقد يقال: هو عطف على (أن يصلي) والمعنى: وكان يحب أن يصلي في مرابض الغنم، وسبب محبته؛ لأنَّه قد أدركته الصلاة فيها، فالمحبة ليست للمكان، بل لإقامة الصلاة في وقتها؛ محافظة عليها في أول الوقت، وهذا هو الظاهر، فعلى الأول: فقوله: (ويصلي) مرفوع، وعلى الثاني: منصوب عطفًا على (أن يصلي)، وهو الأظهر؛ فافهم.\n (وإنَّه)؛ بكسر الهمزة؛ لأنَّه كلام مستقل بذاته؛ وفي «الفرع»: بفتح الهمزة، والجملة مستأنفة أو حال؛ أي: أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ (أَمر)؛ بفتح الهمزة؛ مبنيًا للفاعل، وفي رواية: بضمِّها؛ مبنيًّا للمجهول، وعلى هذا؛ يكون الضمير في (إنه) للشأن، قاله إمامنا الشَّارح.\n (ببناء المسجد)؛ بكسر الجيم وفتحها؛ وهو الموضع الذي يسجد فيه، وفي «الصحاح»: (المسجَد؛ بفتح الجيم: موضع السجود، وبكسرها: البيت الذي يصلى فيه، ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين، وعن الفراء: «سمعت المسجِّد؛ بالكسر والفتح، والفتح جائز وإن لم نسمعه»، وقال الزجاج: «كل موضع يتعبد فيه مسجد») انتهى.\n (فأرسل) ﵇ (إلى ملأ) أي: جماعة (من بني النجار) وللأربعة: (إلى ملأ بني النجار) بإسقاط كلمة (من) الجارة؛ هم أشرافهم، (فقال) ﵇ لهم: (يا بني النجار) خطاب لبعضهم، وأطلق عليهم باعتبار الشرف والرئاسة؛ (ثامنوني)؛ بالمثلثة بعدها ألف، فميم، فنون، بينهما واو، من ثامنت الرجل في البيع أثامنه: إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه وشرائه، كذا قاله إمام الشَّارحين في «شرحه على سنن أبي داود»، وزعم ابن حجر أنَّ معناه: (اذكروا لي ثمنه).\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس دالًّا على المقصود؛ لأنَّ ذكر الثمن لا يدل على البيع، فقد يطلب الرجل ثمن متاعه وليس مقصوده بيعه.\nوزعم الكرماني أنَّ معناه: بيعونيه بالثمن.\nقلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّ المساومة ليس معناها طلب البيع، بل المقاولة على الثمن.\nوقال صاحب «التوضيح»: (معناه: قدِّروا لي ثمنه؛ لأشتريه منكم، وبايعوني فيه).\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ذكر قدر الثمن ليس يفيد المقصود، بل قد يذكر قدر الثمن ولا يراد البيع، وهذا معنى ما زعمه ابن حجر، فكأنَّه أخذه من كلام صاحب «التوضيح»، ونسبه لنفسه، وإمامنا الشَّارح قد سرد كلام هؤلاء الثلاثة، وقال: (كل ذلك ليس تفسيرًا لموضوع","vol":"1","page":290},{"text":"هذه المادة، والتفسير هو الذي ذكرته) انتهى.\nقلت: والمعنى: أنِّي أريد الشراء منكم، فقولوا لي عن ثمنه حتى أشتريه منكم.\n (بحائطكم) أي: بستانكم؛ لأنَّ الحائط ههنا: البستان، يدل عليه قوله: (وفيه نخل)، وفي لفظ: (كان مربدًا)؛ وهو الموضع الذي يجعل فيه الثمر؛ لينشف.\nقلت: والمعنى واحد.\n (هذا) وكان موضع مسجده الشريف النبوي، (قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) ﷿؛ أي: من الله؛ كما في رواية الإسماعيلي، وقد جاء في كلام العرب: أنَّ (إلى) بمعنى (من)؛ للابتداء كقوله:\n. . . . . . . . . . . . . . . . ... فلا يروي إليَّ ابن أحمرا\nأي: مني، وزعم العجلوني (أنَّه يكون قد تمَّ الكلام عند ثمنه، و«إلا» بمعنى «لكن»؛ أي: لكن الأمر فيه إلى الله).\nقلت: وهذا تعسف وبعد عن الظاهر؛ لأنَّ قولهم: (والله لا نطلب ثمنه) يرد ما قاله، فكيف يقول: (قد تم الكلام عند ثمنه)؟ فإنَّهم لم يذكروا له ثمنه، ولم يتمَّ الكلام، وكون (إلا) بمعنى (لكن) غير ظاهر؛ لأنَّها لا تأتي بمعناها، على أنَّ الكلام لا يحتاج إلى استعارتها لمعناها؛ فافهم.\nوزعم الكرماني أنَّا لا نطلب ثمنه المصرف في سبيل الله، وأطلق الثمن عليه؛ للمشاكلة.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تعسف مع تطويل المعنى، بل المعنى: لا نطلب الثمن إلا من الله، كما في رواية الإسماعيلي، ويجوز أن يكون «إلى» ههنا على معناها؛ لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: ننهي طلب الثمن إلى الله، كما في قولهم: أحمد إليك الله، والمعنى: أنهي حمده إليك، والمعنى: لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن؛ أي: الأجر من الله تعالى، وهذا هو المشهور في «الصحيحين»)، قال: (وذكر محمد بن سعد في «الطبقات» عن الواقدي: «أنه ﵇ اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها أبو بكر الصديق ﵁، ويقال: كان ذلك مربدًا ليتيمين، فدعاهما ﵇، فساومهما؛ ليتخذه مسجده، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك»، وفي «المغازي» لأبي معشر: «فاشتراه أبو أيوب منهما، وأعطاهما الثمن، وبناه مسجدًا، واليتيمان هما: سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل: معاذ بن عفراء، وقال معاذ: يا رسول الله؛ أنا أرضيهما، فاتخذه مسجدًا، وقال: إنَّ بني النجار جعلوا حائطهم وقفًا، فأجازه النبيُّ الأعظم ﷺ»)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقال ابن بطال: (واستدل بهذا على صحة وقف المشاع، وقال: وقف المشاع جائز عند مالك، وهو قول أبي يوسف والشافعي خلافًا لمحمد بن الحسن) انتهى.\nقلت: وقف المشاع الذي لا تمكن قسمته؛ كالحمام والبئر جائز عند الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن، واختلفا في الممكن قسمته، فأجازه الإمام أبو يوسف، وبه أخذ أئمة بلخ، وأبطله الإمام محمد، فلو وقف أحد الشريكين حصته من أرض؛ جاز، كما في «الإسعاف»، فما زعمه ابن بطال فيه نظر؛ لأنَّ ما ذكره ليس على إطلاقه، ومع هذا قال إمام الشَّارحين: (والصحيح: أنَّ بني النجار لم يوقفوا شيئًا، بل باعوه بالثمن، ووقفه النبيُّ الأعظم ﷺ، وجعله مسجدًا، فليس هو وقف مشاع) انتهى.\n (فقال) ولابن عساكر: (قال) (أنس) هو ابن مالك الأنصاري: (فكان فيه) أي: الحائط المذكور (ما أقول لكم)، وكلمة (ما) موصولة؛ بمعنى: الذي، والعائد محذوف تقديره: أقوله لكم، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة (قبور المشركين)؛ بالرفع بدل أو بيان لقوله: (ما أقول لكم)، كذا اقتصر عليه إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.\nقلت: ويجوز أن يكون مرفوعًا على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو قبور، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: قبور المشركين فيه، وزعم العجلوني أنَّه يجوز نصبه بـ (أعني).\nقلت: الرواية بالرفع، فلا يجوز التجاوز عنها، أمَّا من حيث العربية؛ فيجوز النصب في مثل هذا التركيب، أما هنا؛ فلا يجوز.\n (وفيه خرب)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المهملة، بعدها موحدة، جمع خربة، كما يقال: كلم وكلمة، وهذا هو الرواية المعروفة، قاله أبو الفرج ابن الجوزي، وقال أبو سليمان: (حدثناه: بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء المهملة، جمع خربة؛ كـ (عنب وعنبة)؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم، وهما لغتان صحيحتان مرويتان)، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: الأولى رواية الأكثرين ههنا، وكذا ضبطه في «سنن أبي داود»، ويجوز أن يكون اسم جمع، والثانية رواية أبي ذر، وزعم الخطابي: (لعل صوابه: خُرب -بضمِّ الخاء المعجمة- جمع خربة؛ وهي الخروق في الأرض، إلا أنَّهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة في أرض أو جدار)، قال: ولعل الرواية جرْف -بالجيم- جمع جِرِفَة، وهي جمع جُرُف، كما يقال: حرج وحرجة، وترس ترسة، وأبين من ذلك إن ساعدته الرواية أن يكون حَدَبًا جمع حَدَبَة -بالمهملة- وهو الذي يليق بقوله: (فسويت)، وإنَّما يسوى المكان المحدودب أو موضع من الأرض فيه خروق وهدوم، فأمَّا الخرب؛ فإنَّها تعمر ولا تسوى.\nقلت: وهذا غير ظاهر، فإنَّ الخرب هو ما يخرب من البناء، كما مر، ولا ريب أنَّ الخرب تبنى وتعمر وتسوى حتى تصير مستوية؛ كالأرض الملسة، ولهذا اعترضه صاحب «المصابيح»، فقال: (وما ذكره ليس بشيء؛ لأنَّ خربًا لا يمنع تسويتها؛ لاحتمال أن يكون فيها بناء تهدم، ونقض منع من اصطحاب الأرض واستقرائها، ولا يدفع الرواية الصحيحة بما قاله) انتهى.\nواعترضه أيضًا القاضي عياض قال: لا حاجة إلى هذا التكليف، فإنَّ الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أمر بقطع النخل؛ لتسوية الأرض؛ أمر بالخرب، فرفعت رسومها، وسويت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح: (فأمر بالحرث، فحرث)، وهو الذي","vol":"1","page":290},{"text":"زعمه ابن الأثيرأنَّه روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريد: الموضع المحروث للزراعة، انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي رواية الكشميهني: «حَرْث»؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء بعدها مثلثة، ولكن قيل: إنه وهم) انتهى.\nقلت: الذي قال: (إنَّه وهم) ابن حجر، وهو من انتهاء الجهالة إليه، وعدم تعرفه في المعاني، فإنَّ هذه الرواية هي رواية حماد بن سلمة عن أبي التياح، وكذلك هي في رواية ابن أبي شيبة، كما سبق قريبًا، والمعنى عليه صحيح؛ لأنَّ الحرث؛ بالمهملة والمثلثة: الموضع المحروث للزراعة، كما قاله ابن الأثير، فيكون المراد: أنَّه أمر بتسوية موضع الحرث وبسطها متسوية للمصلين، وقال ابن الأثير: (قد روي بالحاء المهملة والمثلثة) كما مر، وعلى هذا؛ فلا وهم في هذه الرواية، إنَّما الواهم ابن حجر، وقد علل كلامه بأنَّ رواية البخاري عن عبد الوارث عن أبي التياح لا من رواية حماد عنه.\nقلت: وهذا تعسف وبُعْدٌ عن الظاهر، فإنَّه لا يلزم من رواية المؤلف عن عبد الوارث أنَّه تكون رواية حماد عنه وهمًا (^١)؛ لأنَّ الشيخ واحد وهو أبو التياح، فروى عنه حماد: أنَّه بالمهملة والمثلثة، وروى عنه عبد الوارث: بالمعجمة والموحدة، وهذا لا مانع منه، فيحتمل أنَّ عبد الوارث روى عنه هكذا وهكذا، فأخذ الكشميهني بالمهملة والمثلثة، وهذا ليس فيه وهم، وقد نقل عبارته العجلوني، ولم يعترضه؛ لأنَّه يتعصب له دائمًا أبدًا، وإمامنا الشَّارح لم يعترضه من أدبه وحفظه وعلمه بأنَّ الرواية ثابتة، فلا حاجة إلى ردِّ ما يقال فيها؛ فافهم.\n (وفيه نخل) أي: في الحائط المذكور، وزعم العجلوني أي: في الخرب.\nقلت: وهو تعسف بعيد؛ لأنَّ الخرب لا يزرع عليها نخل ولا غيره، فهي محتاجة للتعمير والبسط، فكيف قال هذا القائل هذا الكلام الذي هو صادر عن غير تأمُّل؟\n (فأمر النبيُّ) الأعظم (ﷺ بقبور المشركين) متعلق بـ (أمر)؛ يعني: التي في الحائط، (فنبشت)؛ أي: حفرت وغُيِّبت عظامها، وزعم العجلوني أي: أخرجت العظام ورميت في غير موضع.\nقلت: هذا بإطلاقه ممنوع، فإن كان مراده أنَّ العظام أخرجت ودفنت في موضع آخر؛ فمسلم أنَّه جائز، وإن كان مراده إخراجها ورميها غير مدفونة؛ فغير جائز، والظاهر: أنَّ هذا مراده؛ لأنَّ قوله: (ورُميت) معناه: أُلقيت غير مدفونة، وهذا غير جائز؛ لأنَّ أجزاء الآدمي ولو كافرًا محترمةٌ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وإكرامه: دفنه تحت الأرض، كما لا يخفى، (ثم) أمر ﵇ (بالخِرَب)؛ بكسر المعجمة وفتح المهملة، أو بفتح المعجمة وكسر المهملة، (فسُوِّيت)؛ يعني: ألقي عليها التراب وغيره حتى بسطت، وسُطِّحت، وصارت سهلة، وليس معناه: أزيل ما كان فيها، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ الخرب خروق وفرج في الأرض، وليس فيها شيء حتى يزال، بل تحتاج إلى وضع تراب أو مدر حتى تبسط، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (و) أمر ﵇ (بالنخل، فقطع) أي: من أصله حتى لا ينبت، فيؤذي المسجد، (فصفوا النخل قبلة المسجد) من صففت الشيء صفًّا: إذا وضعته مصفوفًا؛ أي: جعلوا موضع النخل جهة القبلة للمسجد، وقيل: المعنى: جعلوا النخل في جهة قبلة المسجد.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي «مغازي ابن أبي بكر»، عن ابن إسحاق: جعل قبلة المسجد من اللَّبِن، ويقال: من حجارة منضودة بعضها على بعض)، وسيأتي في «الصحيح»: (أن المسجد كان على عهده ﵇ مبنيًّا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا...)؛ الحديث.\nقال إمام الشَّارحين: ولعل المراد بالقبلة: جهتها لا القبلة المعهودة اليوم، فإنَّ ذلك لم يكن ذلك الوقت، وورد أيضًا: أنَّه كان في موضع المسجد الغرقد، فأمر أن يقطع، وكان في المربد قبور جاهلية، فأمر بها ﵇، فنُبشت، وأمر بالعظام أن تُغيَّب، وكان في المربد ماء مستنجل، فسيَّروه حتى ذهب، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مُرَبع، ويقال: كان أقلَّ من المئة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبيُّ الأعظم ﷺ ينقل معهم اللَّبِن والحجارة بنفسه، ويقول:\nهذا الجمال لا جمال خيبر (^٢) ... هذا أبر ربنا وأطهر\nوجعل ﵇ قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له: باب الرحمة؛ وهو الباب الذي يدعى باب العاتكة، والثالث: الذي يدخل منه ﵇؛ وهو الباب العثماني، وجعل طول الجدار قامة وبسطة، وعُمُده الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تسقفه، فقال: «عريش كعريش موسى خَشيبات»، وتمام الأمر أعجل من ذلك، وسيجيء في الكتاب عن ابن عمر أنَّ المسجد كان على عهده ﵇ مبنيًّا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعُمُده خشب (^٣) النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهده ﵇ باللبن والجريد، وإنَّما دعمه خشبًا، ثمَّ غيره عثمان بن عفان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة، وجعل عمده حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وفي «الإكليل»: (ثمَّ بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز)، وفي «الروض»: (ثمَّ بناه المهدي، ثم زاد فيه المأمون، ثمَّ لم يبلغنا تغيره إلى الآن) انتهى.\nقلت: وقد بلغني تغيره، وهو أنَّ السلطان عبد المجيد بن محمود العثماني قد زاد فيه زيادة كثيرة، وبناه بالحجارة المرمر، وفتح له بابًا سماه: الباب المجيدي، وإذا شاء الله تعالى أن يتفضل عليَّ بالزيارة؛ نحقق ذلك بمنه تعالى وكرمه.\n (وجعلوا عضادتيه الحِجَارة)؛ بكسر الحاء\n_________\n(^١) في الأصل: (وهم)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (خبير)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (الخشب)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":291},{"text":"المهملة وفتح الجيم، وعضادتيه: تثنية عِضادة -بكسر العين المهملة، وبالضاد المعجمة المفتوحة- قال أبو عمرو: (هي جانب الحوض)، وقال صاحب «العين»: (أعضاد كل شيء: ما يشدده من حواليه من البناء وغيره مثل عضاد الحوض: وهي صفائح من حجارة يُنصبن على شفيرة، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يطبق الباب؛ إذا أصفق)، وقال الأزهري: (عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله)، زاد القزار: (فوقهما العارضة) انتهى.\nقلت: والمعروف: أنَّ العضادة هي التي على يمين الباب، وأخرى عن يساره، يعلوهما قوس يُبنون من الحجارة، فالباب مركب منهما، ولكنَّ ظاهر اللفظ يدلُّ على أنَّهم جعلوا عضادتي المسجد حجارة، وهما حائطان كل واحد منهما بموضع واحد مربع البناء عال يوضع عليهما الأقواس؛ لأجل السقف؛ فافهم.\n (وجعلوا ينقلون الصخر)؛ بالمعجمة: الحجارة الكبار، وضمائر الرفع السابقة واللاحقة ههنا ترجع للصحابة ﵁ (وهم يرتجزون)؛ أي: ينشدون أشعار الرجز؛ تنشيطًا لنفوسهم؛ ليسهل عليهم العمل، والرجز: ضَرْبٌ من الشعر، وقد رجز الراجز وارتجزه.\n (والنبيُّ) الأعظم (ﷺ يرتجز معهم) والجملة حالية، وإنَّما كان يفعل ذلك؛ تطييبًا لخاطرهم وتنشيطًا لعملهم (وهو) أي: النبيُّ الأعظم ﵇ (يقول) والجملة أيضًا حالية: (اللهم) أي: يا الله، وقال الكوفيون: (أصله: الله آمنا بخير؛ أي: اقصدنا، فخُفِف، فصار: اللهم، وقال البصريون: (اللهم: دعاء لله بجميع أسمائه؛ لأنَّ الميم تُشعِر بالجمع، كما في «عليهم»).\nقلت: وما قاله الكوفيون هو الظاهر؛ لأنَّ أصله عندهم: الله آمنا، فهو دعاء بالخير من الله تعالى، وما زعمه البصريون ليس بشيء؛ لأنَّه ليس فيه ما يدل على أنَّه دعاء بجميع أسماء الله تعالى؛ لأنَّ الميم للتفخيم لا للجمع، كما زعموا، يدل عليه أنَّ أصله: يا الله، فحذفت ياء، وعُوِّض عنها (^١) الميم؛ للتفخيم، وليدل على المحذوف؛ فافهم.\n (لا خير إلا خير الآخرة)، وفي رواية أبي داود: (اللهم؛ إنَّ الخير خير الآخرة) (فاغفر للأنصار)؛ كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: (فاغفر الأنصار)؛ بحذف اللام، ووجهه: أن يضمن (اغفر) معنى (استر) أو (ارحم)، وفي رواية أبي داود: (فانصر الأنصار)، والأنصار: جمع نصير؛ كـ (الأشراف): جمع شريف، والنصير والناصر: من نصره الله على عدوه، ينصره نصرًا، والاسم: النصرة، وسموا بذلك؛ لأنَّهم أعانوا النبيَّ الأعظم ﷺ على أعدائه، وشدوا منه، وهم الأوس والخزرج، كذا في «عمدة القاري».\n (والمهاجرة) أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية؛ محبة فيه ﵇، وطلبًا للآخرة، والهجرة في الأصل: من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرًا وهجرانًا، ثمَّ غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال: منه هاجر مهاجرة، قاله إمام الشَّارحين.\nفإن قلت: الشِّعر حرام على النبيِّ الأعظم ﷺ بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فكيف كان ينشد الرجز من الشعر مع أصحابه؟ كما في حديث الباب، وقوله: يوم حنين وغيره:\nهل أنتِ إلا إصبع دَمِيت... وفي سبيل الله ما لقيت\nوقوله:\nأنا النبيُّ لا كذب... أنا ابن عبد المطلب\nوما هذا إلا يرد على الآية الكريمة.\nقلت: لا يرد على الآية شيء من ذلك، فإنَّ العروضيين (^٢) وأهل الأدب اتفقوا على أنَّ الرجز لا يكون شعرًا، وعليه يحمل ما جاء عنه ﵇ من ذلك، كذا أجاب إمامنا الشَّارح.\nقلت: ويدل عليه أنَّ الخليل قد أنكر كون الرجز من الشعر، وزعم القرطبي أنَّ الصحيح في الرجز: أنَّه من الشعر، وإنَّما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاده ﵇ إياه، فقال: (لو كان شعرًا؛ لما عَلِمَه)، قال: (وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور؛ لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنَّه يعلم الشعر ولا ينسب إليه) انتهى.\nقلت: وهذا ليس بشيء، فإنَّ من أنشد الشعر ولو قليلًا يقال: إنَّه شاعر يعلم الشعر، وكذلك من قاله، أو تمثل به ولو كان على وجه الندور، فيقال: إنَّه شاعر، ويدلُّ عليه ما قاله الحسن بن أبي الحسن: أنشد ﵇: «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»، فقال أبو بكر: يا نبي الله؛ إنَّما قال الشاعر:\nهريرة ودع إن تجهزت غاديًا... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا\nفقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنَّك رسول الله، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، فهذا يدلُّ على أنَّ إنشاد الشعر ولو قليلًا يقال لمنشده شاعر؛ بدليل أنَّه ﵇ لم يقل ذلك على الوجه الموزون، بل غيره، كما لا يخفى، وأيضًا فإنَّه ﵇ قد أنشد قول طرفة، فقال:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار\nفقال أبو بكر: يا رسول الله؛ لم يقل هكذا، وإنَّما قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nفقال: أشهد أنَّك رسول الله، وأنَّك لست بشاعر، ولا تحسنه، وهذا يردُّ أيضًا على من زعم أنَّ البيت الواحد ليس بشعر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لقاله ﵇ على طبق ما قاله الشاعر، ولم يغيره، فهذا يدلُّ على أنَّ من أنشد الشعر ولو بيتًا واحدًا؛ يقال له: إنَّه شاعر، وقال ابن التين: (لا ينطلق على الرجز شعر، وإنَّما هو كلام مسجع؛ بدليل أنَّه يقال لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر، ويقال: أنشد الرجز، ولا يقال: أنشد شعرًا، وقيل: إنَّما قاله الشَّارع ليس برجز ولا موزون).\nواختلف هل يحل له الشعر؟ فعلى القول بنفي الجواز: هل يحكي بيتًا واحدا؟ فقيل: إنه لا يتمه إلا متغيرًا، ويدل عليه\n_________\n(^١) في الأصل: (عنه).\n (^٢) في الأصل: (العرضيين)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":291},{"text":"ما قدمناه، ويقال أيضًا: إنَّه ﵇ في حديث الباب قرأهما بالتاء المتحركة؛ خروجًا عن وزن الشعر؛ لأنَّه لو قرئ البيت بوزن الشعر؛ ينبغي أن يوقف على قوله: (الآخرة) و(المهاجرة)، وقال الأخفش: (قوله: «أنا النبي لا كذب» ليس بشعر)، وقال الخليل: (إنَّ ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعرًا)، وروي عنه: (أنَّه من منهوك الرجز)، قيل: لا يكون منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله: (لا كذب)، ومن قوله: (عبد المطلب)، ولم يعلم كيف قاله ﵇، قال ابن العربي: (والأظهر من حاله أنَّه قال: «لا كذب»؛ برفع الباء، وبخفض الباء من «عبد المطلب» على الإضافة)، قال النحاس: (إنَّما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب؛ لم يكن شعرًا؛ لأنَّه إذا فتح الباء من البيت الأول، أو ضمها، أو نونها، وكسر الباء في الثاني؛ خرج عن وزن الشعر)، وأمَّا قوله: «هل أنتِ إلا إصبع دميت»؛ فهو من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من «دميت»، فإن سكن؛ لم يكن شعرًا بحال؛ لأنَّ هاتين الكلمتين على هذه الصفة لا يكون فعولًا، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، والظاهر: أنَّه ﵇ قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع، وهذا لا يكون شعرًا، ويقال أيضًا: إنَّ إصابة الوزن أحيانًا لا يوجب أنَّه يعلم الشعر، فقد يأتي ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعرًا ولا معناه؛ كقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، وقد ذكر ابن العربي منها آيات أخر، وأخرجها عن الوزن، وقال الزجاج: (معنى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾؛ أي: ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمتنع أن ينشد شيئًا من الشعر)، قال النحاس: (فإنَّما أخبر الله تعالى عنه أنَّه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنَّه لا ينشد الشعر)، قال القرطبي: (فإنشاد الشعر على وجه الندور وإضافة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر باتفاق العلماء، كما أنَّ من خاط شيئًا لا يقال: إنَّه خياط)، وقال بعضهم: (أجمع أهل اللغة على من قال قولًا موزونًا ولا يقصد به الشعر؛ فليس بشعر، وإنَّما وافق الشعر، وإنَّما الذي نفاه الله عنه؛ فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بذلك بالاتفاق)، قال الزجاج: (ومعنى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أي: ما يتسهل له قول الشعر، لا الإنشاد)، ورو ى ابن القاسم عن مالك: (أنَّه سئل عن إنشاد الشعر، فقال: لا تكثرن به، فمن عيبه أنَّ الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾)، وروي أنَّ المأمون قال لأبي علي المنقري: (بلغني أنَّك أُمِّي، وأنَّك لا تقيم الشعر، وأنَّك تلحن، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أمَّا اللحن؛ فربما سبق لساني منه شيء، وأمَّا الأمية وكسر الشعر؛ فقد كان رسول الله ﷺ لا يكتب ولا يقيم الشعر، فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك، فزدتني رابعًا، وهذا الجهل يا جاهل أنَّ ذلك كان للنبيِّ الأعظم ﷺ فضيلة؛ لئلا تدخل الشبهة على من أُرْسِل إليه، فيظنَّ أنَّه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع منه ﵇؛ لنفي الظِنَّة، لا لعيب في الشعر والكتابة) انتهى.\nوفي الحديث أحكام:\nالأول: فيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك.\nالثاني: فيه جواز الصلاة في مرابض الغنم، لكن مع الكراهة.\nالثالث: فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع إذا كانت داثرة.\nالرابع: فيه ندب ملاقاة القادم من السفر والمشي معه؛ إكرامًا له.\nالخامس: فيه جواز قطع الأشجار المثمرة؛ للضرورة والمصلحة، إمَّا لاستعمال خشبها، أو ليغرس مكانها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، وكذلك قطعها في بلاد الكفار إذا لم يُرجَ فتحها؛ لأنَّ فيه نكاية وغيظًا لهم وإرغامًا.\nالسادس: فيه جواز الارتجال، وقول الأشعار، ونحوها؛ لتنشيط النفوس، وتسهيل الأعمال، والمشي عليها.\nالسابع: فيه أنَّ القبر إذا لم يكن فيه شيء من أثر الميت، ومن ترابه المختلط بالصديد؛ تجوز الصلاة فيه، لكن مع الكراهة، أمَّا إذا بسط عليه شيء حائل؛ فلا كراهة، بل خلاف الأولى.\nالثامن: فيه جواز نبش قبور المشركين؛ لأنَّه لا حرمة لهم.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختص بمن دفن فيه، قد حازه، فلا يجوز بيعه، ولا نقله؟ قلت: تلك القبور التي أمر ﵇ بنبشها لم يكن ملكًا لمن دفن فيها، بل لعلها كانت مغصوبة، ولهذا باعها مُلاكها، وعلى تقدير التسليم أنَّها حبست، فهو ليس بلازم، وإنَّما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قالت الفقهاء: إذا دفن المسلم في أرض مغصوبة، ولم يرض صاحبها؛ يجوز إخراجه فضلًا عن المشركين، وقد يجاب: بأنَّه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم، فجاز ذلك، فإن قلت: هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار؛ ليتخذ مكانها مساجد؟ قلت: أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث، وبما رواه أبو داود: أنَّه ﵇ قال: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يدفع عنه، فلما خرج؛ أصابته النقمة، فدفن بهذا المكان، وأنَّه دفن معه غصن من ذهب، فابتدر الناس، فنبشوه، فاستخرجوا الغصن»، قالوا: فإذا جاز نبشها لطلب المال؛ فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، بل هو مأجور في ذلك، وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الإمام الأعظم والكوفيون والشافعي وأشهب؛ لحديث الباب، وقال الأوزاعي: «لا يفعل؛ لأنَّه ﵇ لما مر بالحِجْر؛ قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين»، فنهى أن يُدخل عليهم بيوتهم، فكيف قبورهم؟»، وقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي: «قد أباح دخولها على وجه البكاء»، فإن قلت: هل يجوز أن يُبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت: إذا دثرت المقبرة، ولم يكن شيء من أجزاء الموتى يجوز أن تبني مسجدًا، قال ابن القاسم: «لو أنَّ مقبرة من مقابر المسلمين عفت، فبنى قوم عليها مسجدًا؛ لم أرَ بذلك بأسًا؛ لأنَّ المقابر كلها وقف من أوقاف المسلمين؛","vol":"1","page":292},{"text":"لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا دَرَست، واستغني عن الدفن فيها؛ جاز صرفها إلى المسجد؛ لأنَّ المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد» (^١)، وذكر أصحابنا: أنَّ المسجد إذا خرب ودثر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عفت ودثرت؛ تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا؛ يجوز أن يبني موضع المسجد دارًا، وموضع المقبرة مسجدًا، وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب؛ تكون لبيت المال) انتهى.\nقلت: والظاهر أنَّ هذا مذهب مالك، وفيه نظر؛ لأنَّ المسجد، ولو خرب؛ يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة؛ لأنَّ الواقف وقفه على جهة برٍّ لا تنقطع أبدًا، فلا يجوز بيعه ولو خرب؛ لأنَّ الوقف إذا حكم به الحاكم؛ خرج عن مِلك صاحبه، ولا يعود إليه أبدًا.\nفإذا خرب المسجد ودثر؛ قال الإمام الناطفي: (يؤاجر قطعة منه بقدر ما ينفق عليه) كذا في «الظهيرية» الفتاوى المشهورة، وقال في «جواهر الفتاوى»: (إذا خرب المسجد، وتفرق أهله، وبعض المتغلبة قد يستولوا على خشبه؛ فإنَّه يجوز أن يباع الخشب بإذن القاضي، ويمسك الثمن، ويصرفه إلى بعض المساجد، أو إلى هذا المسجد)، وقال السيد أبو شجاع: (رباط خَرِب، وهو في بعض الطرق، ولا تنتفع به المارة، وله أوقاف، قال: يجوز صرفها إلى رباط آخر ينتفع به المارة) انتهى.\nوعلى هذا المقبرة؛ فإنَّه يؤاجر منها قطعة، ويصرف عليها؛ لأنَّ الوقف يبقى أبدًا مدى الدهر؛ فافهم، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ﵁.\n\n <span id=\"b-٧١٦\"> </span>(٤٩) <span data-type=\"title\" id=toc-716>[باب الصلاة في مرابض الغنم]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة في مرابض الغنم) جمع مَربِض؛ بفتح الميم وكسر الموحدة؛ لأنَّه من ربض يربِض؛ مثل ضرب يضرِب، يقال: ربض في الأرض: إذا ألصق بها وأقام ملازمًا لها، واسم المكان: مربض؛ وهو مأوى الغنم، وربوض الغنم مثل بروك الإبل، وفي «الصحاح»: (ربوض الغنم، والبقر، والفرس، والكلب مثل بروك الإبل، وجثوم الطير).\nوالغنم: اسم جنس جمعي؛ كالإبل، يقع على الذكر والأنثى، وإذا صغرتها؛ قلت: غنيمة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، انتهى، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم العجلوني أنَّ في بعض الأصول: (في مواضع) بدل (مرابض).\nقلت: والمشهور: الأول، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنَّه لم يَعْزُه لأحد من الرواة، فيحتمل أنَّه تحريف من النساخ، وقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر، فزعم أنَّ (مِربض)؛ بكسر الميم، قال إمام الشَّارحين: (وهو غلط منه) انتهى.\nوانتصر العجلوني لابن حجر تعصبًا، فزعم أنَّه يتكلف له بجعله اسم آلة تجوزًا؛ كالمنبر، فلا غلط، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ مرابض الغنم: مأواها ومواضعها، وليس آلة للصلاة فيها، كما زعمه، فإنَّ اسم الآلة ما يعمل باليد؛ كالملقط والقدوم، وهذا ليس كذلك، ولا حاجة إلى هذا التكليف الغير الموافق للأصول الصرفية، وقوله: (تجوُّزًا) ممنوع، فإنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يجوز العمل بالمجاز عند المحققين، وقوله: (كالمنبر) ممنوع أيضًا، فإنَّه آلة لرُقيِّ الخطيب عليه، وليس هو مثل المربض، وبينهما فرق بيِّن (^٢)، وعلى كل حال؛ فما قالاه غلط وفاسد، والعناد بعد ذلك مكابرة؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ المذكور في هذا الباب بعينه طرفٌ من الحديث المذكور في الباب السابق، لكنَّ المذكور هناك أنَّه ﵇ كان يحب الصلاة حيث أدركته إذا دخل وقتها، سواء كان في مرابض الغنم أو غيرها، والمذكور ههنا أنَّه كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-717>[حديث: كان النبي يصلي في مرابض الغنم]</span>\n٤٢٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب)؛ بالحاء المهملة والراء المهملة، ضد الصلح، هو الأزدي، الواشحي، البصري، قاضي مكة (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج البصري، (عن أبي التيَّاح)؛ بفتح الفوقية، وتشديد التحتية، آخره مهملة، هو يزيد بن حميد الضبعي، البصري، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك)، هو الأنصاري أنه (قال: كان) هي للدوام والاستمرار (النبيُّ) الأعظم (ﷺ يصلي) أي: الفرائض، والواجبات، والسنن، وجملة (يصلي) محلها نصب خبر كان، و(النبيُّ)؛ بالرفع اسمها (في مرابض الغنم)؛ بفتح الميم وكسر الموحدة؛ أي: مأواها، وهو متناول لما كان بعد بناء مسجده أو قبله، ويدل عليه التعبير بـ (كان) الدالة على الدوام والاستمرار، ففيه دليل على طهارة بول مأكول اللحم وروثه؛ لأنَّ المرابض لا تخلو عن ذلك، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، فلا تكون نجسة، وهذا قول الإمام محمد بن الحسن، ومالك، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والزهري، والثوري، وابن سيرين، وابن المنذر، وابن حبان، وابن خزيمة، والرُّوياني، والإصطخري من الشافعية، ويدلُّ لهم ما في قصة رعل وذكوان: أنَّهم شربوا أبوال الإبل بأمره ﵇ لهم.\nوذهب الإمام الأعظم والإمام أبو يوسف ﵄ إلى أنَّ أبوال مأكول اللحم وروثه نجس نجاسة مخففة؛ حيث يعفى عن ربع الثوب المصاب منها، والدليل عليه: أنَّه ﵇ صلى في مرابضها، ولا ريب أنَّ من صلى فيه يتلوث منها بشيء (^٣)، وهو قدر ربع الثوب، فهو معفوٌّ عنه، وما زاد على ذلك يؤاخذ به.\nوذهب الشافعي إلى أنَّ الأبوال كلها نجسة.\nقال ابن المنذر: (أجمع كل من يُحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي، فإنَّه قال: «لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها»).\nورُدَّ بأنَّه ﵇ قد صلى في مرابضها وهي لا تخلو عن أبعارها وأبوالها.\nوقد صلى فيها ابن عمر، وجابر وأبو ذر، والزبير، والحسن، وابن سيرين وغيرهم، وأجازوا الصلاة فيها، فدلَّ ذلك على طهارة أبعارها وأبوالها.\nواعترض بأنَّه ﵇ كان يصلي فيها على\n_________\n(^١) في الأصل: (واحدًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (فرقًا بينًا)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (شيء)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":292},{"text":"حصير ونحوه، فالحديث محمول على وجود الحائل.\nوردَّ بأنَّ الأصل عدم الحائل لغة وعرفًا وشرعًا، وعادتهم الصلاة على الأرض بدون حائل؛ لأنَّه إذ ذاك لم يكن طنافس ولا سجاجيد.\nواعترض بأنَّها شهادة نفي، وهي غير مقبولة، على أنَّه قد ثبت في «الصحيحين» عن أنس: (أنَّه ﵇ صلى على حصير في دارهم).\nورُدَّ بأنَّ شهادة النفي غير مقبولة؛ إذا لم يكن النفي متواترًا، أما هنا؛ فقد تواترت الأخبار عنهم أنَّه لم يكن حائل، وحديث أنس مخصوص بدارهم، والدار غير مربض الغنم، فلا يردُّ، فافهم.\n (ثم سمعته) أي: قال أبو التيَّاح: سمعت أنس بن مالك، فيكون الضمير عائدًا على أنس، وزعم ابن حجر أنَّ الضمير فيه يعود على أبي التياح، ويكون القائل: (ثم سمعته) هو شعبة، انتهى.\nقلت: وقد ردَّه إمام الشَّارحين، ثم قال: (القائل هو أبو التيَّاح، سمع من أنس أولًا بالإطلاق، ثم سمع بقيد... إلى آخر كلامه)، وقد أنصف العجلوني ههنا؛ حيث ردَّ كلام ابن حجر فقال: (هو خلاف الظاهر) انتهى.\nقلت: وهذا هو ظاهر اللفظ، فإنَّ ابن حجر قد صدر منه ذلك من غير تأمل، فإنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور كما لا يخفى، وأقربه أنس، والقائل أبو التياح؛ لأنَّه تابعي؛ فافهم، قال إمام الشَّارحين: (يعني: أبو التياح يقول: ثمَّ سمعت أنسًا).\n (بعدُ): بالبناء على الضمَّ؛ لنيَّة معنى الإضافة إليه؛ أي: بعد القول الأوَّل وهو: (كان يصلي في مرابض الغنم)، (يقول) أي: ثانيًا (كان) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (يُصلي في مرابِض الغنم قبل أن يُبنى) بضمِّ التحتية أو بفتحها على البناء للمفعول أو للفاعل (المسجد)؛ أي: النبوي، فأشار بذلك إلى قوله أوَّلًا: مطلق، وقوله ثانيًا: مقيَّد، فالحكم أنَّهما إذا وردا سواء يحمل المطلق على المقيد، عملًا بالدليلين، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني: أنَّه يفهم من هذه الزيادة، أنَّه ﵇ لم يصلِّ في مرابض الغنم بعد بناء المسجد، فيكون ذلك المطلق مقيدًا بهذا؛ للقاعدة الأصولية أنَّ المطلق يحمل على المقيد تقدم أو تأخر؛ عملًا بالدليلين؛ فليحفظ.\nوزعم ابن حزم أنَّ هذا الحديث منسوخ؛ لأنَّ فيه: (أنَّ ذلك كان قبل أن يبنى المسجد) فاقتضى أنَّه كان في أول الهجرة.\nورُدَّ عليه بما صحَّ عن عائشة: (أنَّه ﵇ أمرهم ببناء المساجد في الدور، وأن تُطيب وتُنظف)، رواه أبو داود، وأحمد وغيرهما، وصححه ابن خزيمة، ولأبي داود نحوه من حديث سمرة، وزاد: (وأن يطهرها)، قال: وهذا بعد بناء المسجد.\nوما ادعاه من النسخ يقتضي الجواز، ثم المنع.\nويرُدَّ هذا: إذنه ﵇ في الصلاة في مرابض الغنم، يدل عليه ما في «صحيح ابن حبان»: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم، وأعطان الإبل؛ فصلوا في مرابض الغنم» قال الترمذي والطوسي: حديث حسن صحيح، وعن أبي زرعة مرفوعًا: «الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلوا في مرابضها»، ذكره النيسابوري في «تاريخه»، وتمامه فيما تقدم في باب: (أبوال الإبل والدواب والغنم).\nوتجوز الصلاة أيضًا في مراح البقر؛ لما في مسند عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن رجل حدثه عن ابن المغفل: (نهى النبيُّ ﵇ أن يُصلَّى في معاطن الإبل، وأمر أن يُصلَّى في مراح الغنم والبقر) انتهى.\nفإن قلت: ويعارضه ما في «مسند أحمد» من حديث ابن عمر؛ (أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ؛ كان يصلي في مرابد الغنم، ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر).\nقلت: لا يعارضه؛ لأنَّ هذا الحديث سنده ضعيف كما قال الحفَّاظ، ولئن صح؛ فالأول أمر وهو قول، وهذا فعل، والقول مقدم على الفعل، كما قاله المحققون.\nفإن قلت: في سند الأول مجهول.\nقلت: قد روي بطرق مختلفة عن غير مجهول، وبها قد انتفى ذلك؛ فافهم.\nقال ابن بطال: (وحديث الباب حجة على الشافعي؛ لأنَّ الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أنَّ مرابطها لا تسلم من البعر والبول، فدلَّ على الإباحة، وعلى طهارة البول والبعر، وفيه المطابقة للترجمة) انتهى.\nواعترضه العجلوني؛ تعصبًا لمذهبه بأنَّ الأصل في مرابضها الطهارة في أمكنتها وإن كان الغالب عدمها، وإذا تعارضا؛ قدم الأصل، مع أنَّه لم يدلَّ الدليل على عدم الحائل، فلعله كان يفرش عليها شيئًا ثم يصلي فيه، انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، فإنَّ الأصل في مرابضها ألا يخلو عن أبعارها وأبوالها، وقوله: (وإن كان الغالب عدمها) تناقض ظاهر وتسليم بأنَّ أمكنتها لا تسلم عن أبعارها، وليس في ذلك تعارض؛ لأنَّ الأدلة تضافرت (^١) على إباحة الصلاة في مرابضها، ولم يوجد دليل على الحظر حتى يحصل التعارض، وقوله: (مع أنَّه لم يدل...) إلخ ممنوع؛ فإنَّ الدليل هو أنَّ الأصل عدم الحائل لغة وعرفًا، وقوله: (فلعله كان يفرش) ممنوع؛ لأنَّه لم يدلَّ دليل على أنَّه كان يفرش في مرابضها شيئًا يصلي عليه، مع أنَّ الأصل عدمه، وتمامه فيما قدمناه، على أنَّه روى أبو داود مرفوعًا: «صلوا في مواطن الغنم؛ فإنَّها بركة» وروى البيهقي: «إنَّها من دواب الجنَّة»، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يحب الصلاة في مرابضها، وهو دليل على جواز الصلاة فيها، وهو مذهب الجمهور، لكن مع الكراهة عند إمامنا الأعظم.\nوزعم الشافعية أنَّها لا تصح في معاطن الغنم، والحديث حجة عليهم، كما قدمناه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧١٨\"> </span>(٥٠) <span data-type=\"title\" id=toc-718>[باب الصلاة في مواضع الإبل]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة في مواضع)؛ بالجمع، وفي بعض الأصول: (موضع)؛ بالإفراد (الإبل) هي اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهي مؤنثة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، وقد تُسكَّن الباء؛ للتخفيف، والجمع: آبال.\nقال إمام الشَّارحين: ثم إنَّ البخاري إن أراد من مواضع الإبل معاطنها؛ فالصلاة فيها مكروهة عند قوم خلافًا لآخرين، وإن أراد بها أعمَّ من ذلك؛ فالصلاة فيها غير مكروهة بلا خلاف، وعلى كلا التقديرين لم يذكر في الباب حديثًا يدلُّ على أحد الفصلين، وإنَّما ذكر فيه الصلاة إلى البعير، وهو لا يطابق الترجمة، انتهى.\n_________\n(^١) في الأصل: (تظافرت).","vol":"1","page":293},{"text":"واعترضه العجلوني كعادته؛ بأنَّ نفيه الخلاف في الشق الثاني غير مسلم بلا خلاف؛ إذ من أفراده الصلاة في معاطنها، والخلاف فيه ثابت، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ مراده من (الأعم): مواضعها حال غيبتها إذا كانت طاهرة، فالصلاة فيها غير مكروهة بلا خلاف؛ لأنَّ من جعل علة الكراهة نفادها؛ فهي غير موجودة، ومن جعلها النجاسة؛ فهي أيضًا غير موجودة، فالمراد بـ (الأعم): المغايرة لا ما تحته أفراد؛ فافهم.\nوتعبير المؤلف بـ (المواضع) أعم من (المعاطن)؛ لأنَّها تشمل مواضعها حال إقامتها عند الماء وغيره، حال حضورها، أو غيبتها، وهذا هو مراد المؤلف، فإنَّه لا يرى الكراهة فيها مطلقًا على الظاهر؛ لأنَّه لم يورد في الباب حديثًا يدلُّ على الكراهة، بل يدلُّ حديث الباب على عدمها، وليس مراده اختصاص الكراهة بالمعاطن، بل مراده الأعم، وأنَّه لا كراهة مطلقًا، وهذا ظاهر.\nوقد يقال: إن كانت عبارة إمام الشَّارحين على ظاهرها، وأراد بالأعم: ما تحته أفراد؛ فبيَّن أولًا: أنَّ الصلاة في المعاطن مكروهة عند قوم خلافًا لآخرين، وبيَّن ثانيًا: أنَّ الصلاة فيما عدا المعاطن غير مكروهة بلا خلاف؛ حيث إنَّه لم يعتبر خلاف بعض الناس، أو إنَّه أراد بنفي الخلاف عدم وجود علة النهي من النجاسة أو النفاد؛ فافهم.\nوفسر القسطلاني (المواضع) بـ (المعاطن) تبعًا لابن حجر، واعترضه العجلوني بأنَّ إبقاء المواضع على عمومها أولى، فإنَّ الحكم أعم.\nقلت: وهو مردود، فإنَّه إذا لم تكره الصلاة في المواطن؛ ففي غيرها من باب أولى، لكن يقال عليه: إنَّ ظاهر ترجمة المؤلف أنَّ مراده: الأعم؛ وهو عدم الكراهة مطلقًا، فالأولى له أن يُبيِّن الحكم فيه، كما فعل إمام الشَّارحين؛ فافهم.\nوالمناسبة بين البابين من حيث إنَّ الباب السابق في بيان جواز الصلاة في مرابض الغنم، وههنا جواز الصلاة في مرابض الإبل، وكلاهما حكم من أحكام الصلاة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-719>[حديث: رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره]</span>\n٤٣٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا صدقة بن الفضل) هو المروزي (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: (حدثنا) (سُليمان) بضمِّ المهملة (بن حَيَّان)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتية، وبالنون، يجوز فيه الصرف وعدمه، وهو أبو خالد الأحمر الأزدي، الجعفري (^١)، الكوفي، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة (قال: حدثنا) ولابن عساكر: (أخبرنا) (عُبيد الله) بضمِّ العين المهملة؛ مصغَّرًا؛ هو ابن عبد الله -بالتكبير- ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي كان من سادات أهل المدينة فضلًا وعبادةً، توفي سنة سبع وأربعين ومئة، (عن نافع) هو مولى ابن عمر (قال: رأيت) مولاي (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄ (يُصلي) أي: الفرض وغيره (إلى بعيره) أي: إلى جانب بعيره، وفي «المحكم»: (البعير: الجمل البازل، وقيل: الجذع، وقد يكون للأنثى، حكي عن بعض العرب: شربت من لبن بعيري، وصرعتني بعيرٌ لي، والجمع: أبعِرَة وأباعِر وأباعِير، وبُعران، وبَعران)، وفي «المخصص»: (قال الفارسي: أباعر؛ جمع أبعرة، كأسقية وأساق)، وفي «الجامع»: (البعير بمنزلة الإنسان بجمع المذكر والمؤنث من الناس، إذا رأيت جملًا على البعد؛ تقول: هذا بعير، فإذا استثبته؛ تقول: هذا جمل أو ناقة).\nقال الأصمعي: (إذا وضعت الناقة ولدها ساعة تضعه؛ سليل قبل أن يُعلم أذكر هو أم أنثى؟ فإذا عُلم؛ فإن كان ذكرًا؛ فهو: سقب وأُمُّه مسقب، وقد أذكرت؛ فهي: مذكر، وإن كانت أنثى؛ فهي: حائل، وأمها أم حائل، فإذا مشى؛ فهو: راشح، والأمُّ مرشح، فإذا ارتفع عن الراشح؛ فهو: جادل، فإذا حمل في سنامه شحمًا؛ فهو: مُجذ (^٢) ومُكعِر، وهو في هذا كله حوار، فإذا اشتدَّ؛ قيل: ربع، والجمع: أرباع ورباع، والأنثى: ربعة، فلا يزال ربعًا حتى يأكل الشجر، ويعين على نفسه، ثم هو فصيل وهبع، والأنثى: فصيلة، والجمع: فُصْلان وفِصْلان؛ لأنَّه فُصل عن أمه، فإذا استكمل الحول، ودخل في الثاني؛ فهو: ابن مخاض، والأنثى: بنت مخاض، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة؛ فهو: ابن لبون، والأنثى: بنت لبون، فإذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة؛ فهو: حقٌّ، والأنثى: حقَّة، سمي به؛ لأنَّه استحق أن يحمل عليه ويركب، فإذا مضت الرابعة ودخل في الخامسة؛ فهو: جذع، والأنثى: جذعة، فإذا مضت الخامسة ودخل في السادسة، وألقى ثنيته؛ فهو: ثنيٌّ، والأنثى: ثنيَّة، فإذا مضت السادسة ودخل في السابعة؛ فهو: رباع، والأنثى: رباعيَّة، فإذا مضت السابعة ودخل في الثامنة وألقى السن؛ فهو: سديس وسدس؛ لغتان، وكذا يقال للأنثى، فإذا مضت الثامنة ودخل في التاسعة؛ فهو: فاطر وبازل؛ لأنَّه فطر نابه وطلع، وكذا يقال للأنثى، فإذا مضت التاسعة ودخل في العاشرة؛ فهو: مخلف، ثمَّ ليس له اسم بعد ذلك بلا خلاف، لكن يقال له: بازل عام وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد على ذلك، فإذا كبر؛ فهو: عوذ، والأنثى: عوذة، فإذا ارتفع عن ذلك؛ فهو قحر، والجمع: أقحر وقحور)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (وقال) ولأبي ذر (فقال): أي: ابن عمر: (رأيت النبيَّ) الأعظم (ﷺ يفعله) أي: يُصلي الفرض وغيره والبعير في طرف قبلته، ورواه الترمذي أيضًا عن ابن عمر: (أنَّ النبي الأعظم ﷺ صلى إلى بعيره أو راحلته، وكان يصلي إلى راحلته حيثما توجهت به)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه البزار في «مسنده» عن أبي الدرداء قال: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم)، وذكر مالك في «الموطأ» أنَّه بلغه: (أن ابن عمر كان يستتر براحلته في السفر إذا صلى)، ووصله ابن أبي شيبة في «مصنفه».\nففي الحديث جواز الصلاة إلى الحيوان، ونقل ابن التين عن مالك: أنه لا يُصلى إلى الجمل والحمير؛ لنجاسة أبوالها.\nوفيه جواز الصلاة بقرب البعير، وأنَّه لا بأس أن يستتر المصلي بالراحلة والبعير في الصلاة، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم: أنَّهم لا يرون به بأسًا، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أنس: (أنَّه صلَّى وبينه وبين القبلة بعير عليه محمله)، وروي أيضًا الاستتار بالبعير عن سويد بن غفلة، والأسود بن يزيد، وعطاء بن أبي رباح\n_________\n(^١) في الأصل: (الجعفي)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.\n (^٢) في الأصل: (محذ)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":293},{"text":"والقاسم، وسالم، وعن الحسن: (لا بأس أن يستتر بالبعير)، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار»: (لا أعلم فيه- أي: في الاستتار بالراحلة- خلافًا)، وقال ابن حزم: (من منع الصلاة إلى البعير؛ فهو مبطل) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا الحديث يخبر أنَّه ﵇ صلى إلى البعير لا في موضعه، فلا يطابق للترجمة)، وعن هذا قال الإسماعيلي: (ليس في هذا الحديث بيان أنَّه صلى في مواضع الإبل، وإنما صلى إلى البعير لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في موضع؛ صار ذلك الموضع عطنًا، أو مأوًى للإبل) انتهى.\nوعلله إمام الشَّارحين بأنَّ (العطن): اسم لمبرك الإبل عند الماء؛ لتشرب عللًا بعد نهل، فإذا استوفت؛ رُدَّت إلى المراعي، انتهى.\nوقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر، فأجاب بأنَّ المؤلف يشير إلى أنَّ الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، لكن لها طرق قوية؛ منها: حديث جابر بن سمرة عند مسلم، وحديث البراء بن عازب عند أبي داود، وحديث أبي هريرة عند الترمذي، وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي، وحديث سبرة بن معبد عند ابن ماجه، وفيها كلها التعبير بمعاطن الإبل، فمراد المؤلف: الإشارة إلى ما ذكر من علة النهي عن ذلك؛ وهي كونها من الشياطين، كأنه يقول: لو كان ذلك مانعًا من صحَّة الصلاة؛ لامتنع مثله في جعلها أمام المصلي، وكذلك صلاة راكبها، وقد ثبت أنَّه ﵇ كان يصلي النافلة وهو على بعيره، انتهى كلامه\nوقد ردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: «إن المؤلف يشير إلى أنَّ الأحاديث...» إلى آخره - ليت شعري- ما وجه هذه الإشارة؟! وبم دلَّ على ما ذكره؟\nوقوله: «وفيها كلها التعبير بمعاطن الإبل» ليس كذلك، فإنَّ المذكور في حديث جابر بن سمرة عند مسلم، وحديث البراء بن عازب عند أبي داود: «مبارك الإبل»، والمبارك غير المعاطن؛ لأنَّ المبرك أعمُّ؛ فافهم\nوقوله: «فمراد المؤلف: الإشارة إلى ما ذكر من علة النهي...»: إلى آخره ممنوع، وسبحان الله! ما أبعد هذا الجواب عن موقع الخطاب! فإنَّه متى ذكر علَّة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل حتى يشير إليه؟! ولم يذكر شيئًا في كتابه من أحاديث النهي في ذلك، وإنما ذكره غيره:\nفمسلم في «صحيحه» ذكر حديث جابر بن سمرة من رواية جعفر بن أبي ثور عنه: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أَأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت؛ توضأ، وإن شئت؛ فلا تتوضأ»، قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «فتوضأ من لحوم الإبل»، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا».\nوأبو داود ذكر حديث البراء من رواية ابن أبي ليلى وفيه: سئل عن الصلاة في مبارك الإبل، قال: «لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنَّها من الشياطين».\nوالترمذي ذكر حديث أبي هريرة من حديث ابن سيرين عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل».\nوابن ماجه ذكر حديث سبرة بن معبد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، أخبرني أبي عن أبيه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يصلَّى في أعطان الإبل، ويصلَّى في مراح الغنم».\nوذكر ابن ماجه أيضًا حديث عبد الله بن مغفل من رواية الحسن عنه قال: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل؛ فإنَّها خلقت من الشياطين».\nوذكر أيضًا حديث ابن عمر من حديث محارب بن دثار يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا من لحوم الإبل...»؛ الحديث، وفيه: «ولا تصلوا في معاطن الإبل».\nوذكر الطبراني في «الأوسط» حديث أسيد بن خضير قال: قال رسول الله ﷺ: «توضَّؤوا من لحوم الإبل، ولا تصلُّوا في مناخها».\nوأخرج أيضًا في «الكبير» حديث سليك الغطفاني عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «توضَّؤوا من لحوم الإبل، ولا توضَّؤوا من لحوم الغنم، وصلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في مبارك الإبل».\nوذكر أحمد في «مسنده» حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يصلي في مرابد الغنم، ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر».\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» أيضًا، ولفظه: «لا تصلوا في أعطان الإبل، وصلوا في مراح الغنم».\nوذكر الطبراني أيضًا حديث عقبة بن عامر في «الكبير»، و«الأوسط» عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل ومبارك الإبل».\nوذكر أحمد والطبراني أيضًا حديث يعيش الجهني، المعروف بذي الغرة من رواية ابن أبي ليلى عنه قال: «عرض أعرابي لرسول الله ﷺ...»؛ الحديث، وفيه: «تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل، فنصلِّي فيها؟ فقال ﵇: لا»، وأخرجه أحمد أيضًا.\nفهذا كله كما رأيت وقع في موضع: «مبارك الإبل»، وفي موضع: «مناخ الإبل»، وفي مواضع: «مرابد الإبل»، ووقع عند الطحاوي في حديث جابر بن سمرة «أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ أصلي في مباءة الإبل؟ قال: لا»، و«المباءة»: المنزل الذي تؤويإليه الإبل، و«الأعطان»: جمع عطن؛ وهو الموضع الذي يناخ فيه عند ورودها الماء، و«المبارك»: جمع مبرك، وهو موضع بروك الجمل في أي موضع كان، و«المُناخ»؛ بضمِّ الميم: المكان الذي تناخ فيه الإبل، و«المرابد»؛ بالمهملة: الأماكن التي تحبس فيها الإبل وغيرها من البقر والغنم، فكل عطن مبرك، وليس كل مبرك عطنًا؛ لأنَّ العطن الموضع الذي يناخ فيه عند ورودها الماء فقط، والمبرك أعم؛ لأنَّه الموضع المتخذ لها في كل حال، فإذا كان كذلك؛ فتكره الصلاة في مبارك الإبل ومواضعها، سواء كانت عطنًا، أو مناخًا، أو مباءة، أو مرابد، وغير ذلك.\nفدلَّ هذا كله على أنَّ علة النهي فيه كونها خلقت من الشياطين، ولا سيَّما فإنَّه ﵇ علل ذلك بقوله: «فإنَّها خلقت من الشياطين» وقد مرَّ في رواية أبي داود: «فإنَّها من الشياطين»، وفي رواية ابن ماجه: «فإنَّها خلقت من الشياطين» وهذا يدلُّ على أنَّ الإبل مخلوقة من الجن؛ لأنَّ الشياطين من الجن على الصحيح من الأقوال، وعن هذا قال يحيى بن آدم: «جاء النهي من قبل أنَّ الإبل يخاف وثوبها، فتعطب","vol":"1","page":294},{"text":"من تلاقي حينئذ، ألا ترى أنَّه يقول: إنَّها جنٌّ من جنٍّ خُلقت»، واستصوب هذا أيضًا القاضي عياض) انتهى.\nقلت: والحاصل: أنَّ العلة في النهي؛ ما يخاف من وثوبها وعطب من يلاقيها، فيشغل البال، ويخلُّ بالخشوع، فالصلاة عندها مكروهة؛ لأنَّها خُلقت من الشياطين، فيخاف منها كما يخاف منهم، وهذا هو الأظهر.\nوقال ابن حبان: (معنى حديث: «فإنَّها خُلقت من الشياطين» أي: خلقت معها بدليل: صلاته ﵇ عليها الوتر والنافلة).\nورُدَّ ما قاله بأنَّه إن أريد خَلقها معها حقيقة؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ الجن خُلقوا قبل الإنس والحيوان بأزمنة كثيرة، وإن أريد المبالغة في نفورها وشرودها؛ اتجه ما قاله، انتهى.\nقلت: وصريح حديث ابن ماجه أنها خلقت من الشياطين، وكذا حديث أبي داود: (فإنَّها من الشياطين)، وفي حديث: (أنَّ على سنام كل واحد منها شياطين)، يدلُّ على أنها مخلوقة من الجن؛ لأنَّ الشياطين من الجن على الصحيح، ولأنَّ خصالها من خصال الشياطين، فإنَّ كلمة (من) في الأحاديث: للتبعيض، فهي مخلوقة منهم، وذلك بأن خلقت أولًا حقيقة من الشياطين، ثم خلقت ثانيًا بهذه الهيئة الموصوفة بها الآن، فهي مشوبة بالخلقة الأصلية من حيث نفارها، وشرودها، وعطب صاحبها؛ كنهشه وضربه برجلها وغير ذلك، وصلاته ﵇ عليها الوتر والنافلة كان للضرورة؛ حيث كان يصلي عليها ليلًا في القافلة وهي سائرة، فلم يتيسَّر له ﵇ النزول عنها، وكان له أعداء كثيرة، ومعلوم أنَّ ذلك كان في مبدأ الإسلام.\nعلى أنَّ تأويل ابن حبان غير صحيح، فإنَّه لو كان كما قاله؛ يلزم عليه عدم النهي الوارد في الأحاديث الصحاح من النهي عن الصلاة في أعطانها ونحوه؛ لأنَّه سبحانه قد خلق أجناسًا كثيرة في زمن واحد؛ إنسًا وجنًّا وحيوانًا، وجعل كل جنس على خِلقَة وصفة مخصوصة لا يتجاوزها إلى غيرها من المخلوقين، فيلزم عليه عدم فائدة الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عندها، وكلامه ﵇ مُصان عن اللغو وعدم الفائدة، فليُحفظ.\nوقد انتصر العجلوني لابن حجر، فأجاب عما قاله إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: «ليت شعري ما وجه هذه الإشارة...» إلى آخره، لعل وجه الإشارة إفراد الصلاة في مواضع الإبل بترجمة؛ كترجمة مرابض الغنم؛ كراهة الصلاة فيها، فلو ثبتت عنده على شرطه؛ لذكر الكراهة فيها.\nوقوله: «سبحان الله! ما أبعد هذا الجواب...» إلى آخره، ليس الجواب لابن حجر حتى ينسبه إليه، ولئن سلم؛ فلا يُردُّ عليه؛ لأنَّه لم يدَّعِ أنَّه هو الذَّاكر لعلَّة النهي؛ لأنَّ «ذكر» يحتمل أنه مبني للمفعول، لا للفاعل، وقد يقال عليه: إنه ليس الغرض بيان صحة الصلاة إليها وعدمها فقط؛ بل المراد: بيان كراهتها وعدمها، فلو زاد في الجواب: أو كان ذلك مقتضيًا للكراهة؛ لاقتضاها في جعلها أمامه، فإنَّ الخلاف بين العلماء في الأمرين معًا ظاهر) انتهى.\nقلت: وكلام شيخ عجلون فاسد الاعتبار؛ لأنَّ كون وجه الإشارة ما ذكره غير صحيح، فإنَّ المؤلف غرضه بيان الأحكام: فبيَّن أولًا حكم الصلاة في مرابض الغنم وذكر حديثها، ثم ذكر حكم الصلاة في معاطن الإبل وذكر حديثها، وليس مراده: بإفراد أحدهما عن الآخر الإشارةَ إلى الأحاديث التي ليست على شرطه، الفارقة بين حكم الصلاة فيهما، فلو كان مراده هذا؛ لم يذكر في الباب حديثًا؛ بل اقتصر على الإشارة، وهذا من أبعد البعيد أن يترجم لشيء، ويشير إلى أحاديث لم تذكر في كتابه، ولا سيما أنها لم تكن على شرطه، فهي لا يحتجُّ بها عنده، فكيف يشير إليها ويحتجُّ بها؟ وما هذا إلا قول صادر من غير تأمُّل.\nعلى أنَّه ظاهر تعبير المؤلف بـ (المواضع) الأعم من المعاطن أنه لا يرى الكراهة فيهما مطلقًا؛ لأنَّه لم يورد في الباب ما يدلُّ للكراهة؛ بل يدلُّ على عدمها، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس مراده الإشارة إلى الأحاديث الفارقة التي ليست على شرطه، وعلى كلِّ حال؛ لا يصحُّ جعل بيان التراجم الإشارة المذكورة؛ لأنَّه ليس مراده الإشارة إليها؛ بل بيان الأحكام من كراهة الصلاة وعدمها، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوقوله: (ليس الجواب لابن حجر...) إلى آخره؛ ممنوع وفاسد؛ فإن ابن حجر قال في «فتحه»: (هكذا قلت...) إلى آخره، فنسبة الجواب إليه صحيح، كما دلَّ عليه كتابه وكلامه، وهذا يظهر لمن اطلع (^١) على كتابه.\nوقوله: (ولئن سلم...) إلى آخره؛ ممنوع، بل هو وارد عليه؛ لأنَّه قد ادعى في أول كلامه، أنه هو الذاكر لعلة النهي.\nوقوله: (لأن «ذكر» ...) إلخ: كلام بارد من ذهن شارد (^٢) مقول بالاحتمال، وهو باطل، فإن (ذكر) مبني للفاعل قطعًا؛ لأنَّه فهم من الأحاديث علة النهي، ثم قال: (ومراده -أي: المؤلف- الإشارة إلى ما -أي: الذي- ذكر-أي: ذكرناه- من علة النهي...) إلى آخره.\nوقوله: (وقد يقال...) إلى آخره: هذا تنزل في الجواب، وهو يدل على أنَّ عبارة ابن حجر قاصرة، وفيها تناقض، فإن مراد المؤلف: بيان كراهة الصلاة وعدمها، لا صحتها وعدمها، وعلى كون ابن حجر زاد في الجواب ما ذكره، كذلك فاسد؛ فإن الأحاديث التي ليست على شرطه وإن كان مقتضاها ذلك، لكن المؤلف لم يحتجَّ بها، ولم يستدل بها، وهذا أيضًا ليس بمراد للمؤلف.\nوقول ابن حجر: (وقد ثبت أنَّه ﵇ كان يصلي النافلة وهو على بعيره) أخذه من كلام ابن حبان، وقد علمت ردَّه، وهذا دأبه يأخذ كلام غيره، وينسبه لنفسه، فإن كان صوابًا؛ اعتمد عليه، وإن خطأ؛ تبرأ منه، وليس هذا من دأب المحصلين الفاضلين، بل من دأب قليلين البضاعةَ المحاولين؛ فافهم ذلك.\n_________\n(^١) في الأصل: (اضطلع)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (سارد)، وهو تصحيف، وكذا في المواضع اللاحقة.","vol":"1","page":294},{"text":"وقال إمام الشَّارحين: وذكروا أيضًا أنَّ علة النهي فيه من ثلاثة أوجه:\nأحدها: عن شريك بن عبد الله أنه كان يقول: (نهي عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأنَّ أصحابها من عادتهم التغوط بقرب إبلهم، والبول أيضًا، فينجسون بذلك أعطان الإبل، فنهي عن الصلاة فيها؛ للنجاسة لا لعلة الإبل، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت، بخلاف مرابض الغنم، فإن أصحابها عادتهم تنظيف مواضعها وترك البول (^١) فيها، فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك)، وهذا بعيد جدًّا مخالف لظاهر الأحاديث.\nالوجه الثاني: أنَّ علة النهي هي كون أبوالها وأرواثها في معاطنها، وهذا أيضًا بعيد؛ لأنَّ مرابض الغنم تشركها في ذلك.\nالوجه الثالث: ذكره يحيى بن آدم: (أنَّ العلة في اجتناب الصلاة في معاطن الإبل؛ الخوف من نفورها وشرودها بخلاف الغنم؛ لأنَّه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل) انتهى.\nقلت: وهذه الأوجه بعيدة عن النظر كما قال؛ لأنَّ في الوجه الأول يلزم عليه أنَّ كل موضع نجس لا يصلى فيه، وعليه لا يكون فائدة لتخصيص أحاديث (^٢) الإبل بهذا الحكم، وكلامه ﵇ مُصَان عن عدم الفائدة، ولهذا قال: (وهذا بعيد جدًّا مخالف لظاهر الأحاديث).\nوأنَّ الوجه الثاني يلزم عليه؛ أنَّ كل موضع فيه روث أو بول لا يُصلَّى فيه، وقد صرح في الحديث أنَّه يصلَّى في مرابض الغنم، وكذلك البقر مع أنَّه لا تخلو مواضعها عن بول وروث.\nولأن الوجه الثالث يلزم عليه مخالفة الحديث، فإنَّه قد علَّله؛ بأنَّها خلقت من الشياطين، فمكانها كمكان الخلاء وغيره، ولهذا قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (إن كانت العلة هي ما قال شريك؛ فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول، سواء كان عطنًا أو غيره، وإن كانت ما قاله يحيى؛ فإن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس سواء كان عطنًا أو غيره) انتهى.\nقلت: وكذلك يلزم على الوجه الثاني حيث يكون الروث والبول؛ فالصلاة مكروهة كما ذكرنا، وهذا اعتراض على ما ذكر من علة النهي المذكورة.\nواعترضه ابن حجر فقال: (إنَّ النظر يقتضي عدم الفرق بين الإبل والغنم في الصلاة وغيرها)، كما هو مذهب أصحابه.\nوتعقب بأنَّه مخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة بالتفرقة، فهو قياس فاسد الاعتبار.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا الكلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ الطحاوي قطٌّ ما قال: «إن النظر يقتضي عدم التفرقة»، وإنما قال: «حكم هذا الباب من طريق النظر أنَّا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم: أنَّ الصلاة فيها جائزة، وإنَّما اختلفوا في أعطان الإبل، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها، فكان يجيء في النظر أيضًا أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل؛ كهو في مواضع الغنم قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا»، فمن تأمل ما قاله؛ علم أنَّ القياس الذي ذكره ليس من جهة عدم التفرقة، وليس هو بمخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة بالتفرقة، وإنما ذهب؛ لعدم التفرقة من حيث معارضة حديث صحيح لتلك الأحاديث المذكورة، وهو قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فمفهومه يدل: على جواز الصلاة في أعطان الإبل وغيرها بعد أن كانت طاهرة، وهو مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب الإمام الأعظم أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وآخرون، وكرهها الحسن البصري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وعن أحمد في الرواية المشهورة عنه: أنه إذا صلى في أعطان الإبل؛ فصلاته فاسدة، وهو مذهب أهل الظاهر) انتهى.\nوزعم العجلوني أنَّ ظاهر كلامه أنَّ المرجَّح عند أحمد أنَّ الصلاة صحيحة في أعطان الإبل مع الكراهة، مع أنَّه قال في «المنتهى»: (ولا يصح تعبدًا صلاةٌ في أعطان إبل؛ وهي: ما تقيم فيها وتأوي إليها، ولا فرق في المعاطن بين أن تكون فيها إبل عند الصلاة أو لا) انتهى.\nولم أر في مذهبهم القول بأنَّها مكروهة فقط مع صحة الصلاة فضلًا عن أنه مذهب أحمد، انتهى.\nقلت: وما زعمه مردود عليه؛ لأنَّ إمام الشَّارحين قد بيَّن أنَّ في رواية عن أحمد: أنَّ الصلاة في معاطن الإبل صحيحة مع الكراهة، وأن في الرواية المشهورة عن أحمد أنَّ الصلاة في معاطنها فاسدة، فهو لم يقل في الرواية الأولى: (مذهب أحمد)، وإنما قال: (وبما ذهب إليه الجمهور موافق لرواية عن أحمد)، وتصريحه بأنَّ الرواية المشهورة عن أحمد بالفساد دليل: على أنه مذهب أحمد.\nوقوله: (ولم أر في مذهبهم...) إلى آخره: كلام بارد من ذهن شارد، فإنَّه لم يُحط بمذهبهم، ولا بأقوال الإمام أحمد، ومن حفظ حُجة على من لم يحفظ، فإنَّ المجتهدين قد يجتهدون (^٣) في حكم بالصحة، ثم يزول، ويجتهدون فيه بالصحة، وعدم رؤيته لا يمنع رؤية غيره؛ بل العجلوني لم يُحط بمذهب إمامه فضلًا عن غير مذهبه، وإمام الشَّارحين مشهور بالاطلاع (^٤) على مذاهب المخالفين، وأقوالهم أكثر من غيره من الشراح، على أنَّ المُثبت مُقدَّم على النافي؛ فافهم.\nوفي «شرح الترمذي»: (وحَمَل الشافعي وغيره النهي عن الصلاة في معاطن الإبل على الكراهة إذا كان بينه وبين النجاسة التي في أعطانها حائل، فإن لم يكن بينهما حائل؛ لا تصح صلاته)\nوردَّه إمام الشارحين فقال: (إذا لم يكن بين المصلي وبين النجاسة حائل؛ لا تجوز صلاته في أي مكان كان) انتهى.\nقلت: يعني فلم يحصل تخصيص في الحكم، مع أنَّ الأحاديث طافحة في بيان الصلاة في مواطن الإبل، فيلزم على ما قاله عدم فائدة\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (والبول)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (للتخصيص الأحاديث)، والمثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (يجتهدوا)، وليس بصحيح، وكذا في الموضع اللاحق.\n (^٤) في الأصل: (بالاضطلاع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":295},{"text":"ذكر المعاطن في الأحاديث، مع أنها مصانة عن عدم الفائدة.\nوقال إمام الشَّارحين: (وجواب آخر عن الأحاديث المذكورة؛ وهو أنَّ النهي فيها للتنزيه، كما أن الأمر في مرابض الغنم للإباحة، وليس للوجوب اتفاقًا، ولا للندب) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أنَّ الجواب أخذه من قول ابن حجر: (جمع بعض الأئمة بين عموم قوله: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وبين الأحاديث بحملها على كراهة التنزيه) انتهى.\nقلت: تحرك عرق العصبية، فانظر أنَّ ابن حجر نفسه قد أخذ كلامه من كلام بعض الأئمة الناقل عنه، وإمام الشَّارحين قد أخذه أيضًا من كلام هذا البعض، فكيف يقال: إنَّه أخذه من قول ابن حجر؟ فإن ابن حجر ليس هذا الجواب له، بل هو ناقله عن بعض الأئمة كما علمت، فانظر هذا التعصب البارد الذي يمجه من ليس له ذهن شارد.\nومذهب إمامنا الأعظم: أنَّ الصلاة في معاطن الإبل مكروهة، قال صاحب «النهر»: (ومن المكروهات: الصلاة في مظان النجاسة؛ كمعاطن الإبل، والمجزرة، والمغتسل، والحمام)، وجزم في «زاد الفقير» لابن الهمام: بأنَّه إذا غسل موضعًا من الحمام، وصلى فيه؛ فلا بأس به، وكذا لو صلى في موضع نزع الثياب) انتهى.\nوصرَّح به الإمام الجليل قاضيخان، والمراد بمعاطنها: مباركها مطلقًا، فإذا لم تكن الإبل في معاطنها؛ فلا تكره الصلاة فيها، كما صرَّح به ابن الملك في «شرحه على الوقاية».\nوروى ابن القاسم عن مالك: (أنه لا بأس بالصلاة في معاطن الإبل)، وروى أصبغ عن مالك: (أنه يعيد في الوقت).\nوعند الشافعي: (الصلاة في معاطن الإبل والبقر مكروهة؛ لشيئين: خشية النِّفار، وللنجاسة).\nوزعم العجلوني أنَّ إمام الشَّارحين لم يفصح عن مذهبه مع أنَّ الحكم مصرَّح به عندهم، انتهى.\nقلت: قد أفصح عنه، كما علمت عبارته في ما سبق، غير أنَّه صرَّح بجواز الصلاة، ولم يصرِّح بالكراهة نصًّا، وصرحَّ بها ضمنًا في آخر كلامه، كما علمت عبارته، على أنَّ الحكم في كتب مذهبنا مشهور عند أقلِّ صغير طالب، والكتب طافحة به، فلعلم ذلك اقتصر على ما ذكره، وإنما الجاهل يظنُّ أنه لم يذكر الحكم؛ لعدم معرفته؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: في حديث البراء عند أبي داود: وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلوا؛ فإنَّها بركة»، وعند الطبراني في حديث عبد الله بن مغفل: «فإنَّها بركة من الرحمن»، وفي رواية أحمد «فإنَّها أقرب من الرحمة»، وعند البزار في حديث أبي هريرة: «فإنَّها من دواب الجنة»، فكل هذا يدلُّ على استحباب الصلاة في مرابض الغنم؛ لما فيها من البركة وقُرب الرحمة.\nقلت: هذه الأحاديث ذكرت للترغيب في الغنم؛ لإبعادها عن حكم الإبل؛ إذ وَصفُ أصحاب الإبل الغِلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم السكينة، ولا تعلُّق لاستحباب الصلاة في مرابض الغنم في ذلك) انتهى.\nقلت: وإنما وصفها ﵇ بالبركة، وقُرب الرحمة؛ لِمَا أنها تلد في الحول ولدًا واحدًا، ومع هذا؛ فهي كثيرة جدًّا، ولأنَّها لا تنام في آخر الليل، بخلاف غيرها؛ كالكلاب؛ فإنَّها تلد في الحول أولادًا خمسة أو أكثر، ومع هذا؛ فهي قليلة، ولأنَّها تنام آخر الليل، وهو مخصوص بنزول الرحمات، والتجليات، والفيوضات.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: مرابد البقر هل ملحقة بمرابد الغنم، أو بمرابد الإبل؟\nقلت: ذكر أبو بكر بن المنذر أنَّها ملحقة بمرابد الغنم، فلا تكره الصلاة فيها) انتهى.\nقلت: وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال مالك، وعطاء، والشافعي على ما نقله ابن حجر، يدلُّ عليه حديث عبد الله بن مغفل في «مسند عبد الله بن وهب»: (نهى النبيُّ الأعظم ﷺ، أن يُصلَّى في معاطن الإبل، وأمر أن يُصلَّى في مراح الغنم والبقر)، ويدلُّ عليه حديث: «أينما أدركتك الصلاة؛ فَصلِّ» فهو بعمومه يتناوله.\nفإن قلت: في حديث ابن عمر في «مسند أحمد»: (أنه ﵇ كان يصلي في مرابد الغنم، ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر)، فألحقها بالإبل.\nقلت: وأجاب إمام الشَّارحين بأن في إسناده عبد الله بن لهيعة، والكلام فيه مشهور، انتهى.\nقلت: يعني أن سنده ضعيف لا يحتج به، وهو لا يقاوم الصحيح الذي ذكرناه، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٢٠\"> </span>(٥١) <span data-type=\"title\" id=toc-720>[باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله]</span>\nهذا (باب) حكم (من صلى) الفرض وغيره (وقدامَه)؛ بالنصب على الظرفية: خبر مقدم؛ أي: بين يديه (تَنُّورٌ)؛ بالرفع مبتدأ مؤخر، والجملة اسمية وقعت حالًا، وهو بفتح المثناة الفوقية، وضم النون المشددة، وهو مشهور، تارة يحفر من الأرض حفيرة، وتارة يتخذ من الطين، ويدفن في الأرض، ويوقد فيه النار إلى أن يحمى فيخبز فيه، وتارة يطبخ فيه، فقيل: هو عربي، وقيل: مُعرَّب توافقت عليه العرب والعجم، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح، غير الكرماني؛ فإنَّه خص التنور بالحفيرة، وهو وهم؛ لأنَّ أكثر ما يكون يتخذ من الطين، ويدفن بعضه في الأرض، ويوقد فيه النار للخبز.\n (أو نار) عطف على ما قبله، وإنما ذكر النار بعد ذكر التنور مع أن ذكر النار يغني عن ذكر التنور؛ اهتمامًا به؛ لأنَّ عبدة النار من المجوس لا يعبدون إلا النار المكومة المتوقدة بالجمر الظاهرة؛ كالتي في التنور، وربما لا تظهر النار من التنور؛ لعمقه ولقلة النار، (أو شيء مما يعبد) هذا من عطف العام على الخاص، تقديره: أو صلى وقدَّامه شيء مما يُعبد؛ كالأوثان، والأصنام، والتماثيل، والصور، ونحو ذلك بما يعبده أهل الضلال والكفر، وتمثيل العجلوني ذلك بالشمس فيه نظر؛ لأنَّها وإن كان يعبدها قوم، إلا أنها لا تكون بين يدي المصلي، ولا يمكن ذلك، ولم يصرِّح أحد من المجتهدين بكراهة","vol":"1","page":295},{"text":"الصلاة في الشمس، وكذلك القمر والنجوم، فمن أين للعجلوني ذلك؟! فتنبه.\n (فأراد) أي: المصلي المفهوم من: (صلى) وقدامه شيء من هذه الأشياء (به) أي: بفعله المذكور من صلاته إليها (وجه الله تعالى) أي: ذاته تعالى، وسقط لفظ (تعالى) من نسخة، وكذلك سقط لفظ (وجه) لغير أبوي ذر والوقت، وأشار المؤلف بهذه الترجمة: إلى أنَّ الصلاة إلى شيء مما ذكر لا تكون مكروهة إذا قصد به وجه الله تعالى، ولم يقصد الصلاة إليه، وعند أئمتنا الأعلام يكره ذلك مطلقًا؛ لأنَّ فيه التشبه بعبدة هذه الأشياء المذكورة ظاهرًا، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن سيرين: أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال: (بيت نار) انتهى.\nقلت: وقد يقال: إن مراد المؤلف بهذه الترجمة: إلى أنَّ الصلاة تكره إلى هذه الأشياء، وإن قصد بها وجه الله تعالى، يدل عليه: أنه خص التنور بالذكر؛ للإشارة إلى ما ذكر عن ابن سيرين آنفًا، فإنَّه مطلق يشمل ما إذا قصد بها وجه الله، وسيأتي بيانه؛ فافهم.\n (وقال الزهري): هو محمد بن مسلم ابن شهاب المدني، وهذا تعليق وصله المؤلف في باب: (وقت الظهر عند الزوال) مطولًا (أخبرني) بالإفراد (أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك ﵁) أنه (قال: قال النبيُّ) الأعظم (ﷺ: عُرضت)؛ بضمِّ العين المهملة مبني للمفعول؛ أي: صورت ومثلت خارج الصلاة (عليَّ) بفتح التحتية (النار) أي: الجهنمية، يحتمل عرضها الله عليه بأن كشف الستر ورفع الحجاب عنه ﵇ حتى رآها كما وقع له صبيحة الإسراء، وفي صلاة النجاشي؛ حيث أزيلت الحُجُب فرأى مسجد بيت المقدس، ورأى جنازة النجاشي، وبينه وبين ذلك مسافة بعيدة، لكن الظاهر: أنه رأى صورتها وصفتها لاحقيقتها؛ فافهم\n (وأنا أصلي) جملة حالية؛ أي: وأنا أريد الصلاة؛ لأنَّ العرض لا يكون إلا قبل الصلاة؛ فافهم، ففيه المطابقة للترجمة من حيث إنَّه شاهد النار وهو في الصلاة، وفيه كلام سيأتي، ففيه جواز صلاة (^١) المرء وبين يديه نار ونحوها، لكن مع الكراهة عند الإمام الأعظم ومن تبعه؛ لأنَّ فيه التشبه بعبادة المذكورات ظاهرًا.\nوزعم الشافعية على ما نقله ابن حجر أن الصلاة صحيحة، ولا كراهة عندهم، وقال العجلوني: (إذا عرضت له في الصلاة ولم يمكنه التنحي عنها؛ فلا كراهة) انتهى.\nقلت: ومفهومه أنه إذا أمكنه التنحي عنها، ولم يتنح وصلى؛ فصلاته مكروهة، كما هو في مذهبنا؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٢١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-721>[حديث: أُريت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع]</span>\n٤٣١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)؛ بفتحات: هو القعنبي البصري، (عن مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن زيد بن أسلم)؛ بصيغة الفعل الماضي: هو المدني، مولى عمر بن الخطاب ﵄، (عن عطاء بن يَسَار)؛ بفتح التحتية، وتخفيف المهملة، هو المدني القاص الهلالي مولى أم المؤمنين ميمونة ﵂، (عن عبد الله بن عبَّاس) حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن رضي الله عنهماأنَّه (قال: انخسفت الشمس)؛ أي: انكسفت.\nروى جماعة أنَّ الكسوف يكون في الشمس والقمر، وروى جماعة فيهما، بالخاء المعجمة، وروى جماعة في الشمس: بالكاف، وفي القمر: بالخاء، وهو الكثير في اللغة، وهو اختيار الفراء، يقال: كسفت الشمس وكسفها الله وانكسفت، وخسف القمر وخسفه الله وانخسف.\nقال الأزهري: (خسف القمر، وكسفت الشمس؛ إذا ذهب ضوءها).\nوقال أبو عبيدة: (خسف القمر؛ ذهب ضوءه، وقيل: الكسوف: أن يكسف ببعضهما، والخسوف: أن يخسف بكلِّهما قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، وقال: الكسوف في الوجه: الصفرة والتغير).\nوقال ابن حبيب في «شرح الموطأ»: (الكسوف: تغير اللون، والخسوف: انخسافهما، وكذلك تقول لعين الأعور إذا انخسفت وغارت في جفن العين، وذهب نورها، وضياؤها).\nوفي «شرح الفصيح»: (كسفت الشمس: اسودت في رأي العين من ستر القمر إياها عن الأبصار، وبعضهم يقول: كسفت مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وانكسفت).\nوعن أبي حاتم: (الكسوف: ذهاب ضوء بعض الشمس؛ لخفاء بعض جرمها) وتمامه في «عمدة القاري».\nقلت: وسبب الكسوف وكذا الخسوف؛ حيلولة الأرض بينهما؛ لأنَّ الأرض والسماء كلاهما كروية، فالشمس والقمر يدوران في قنطرة البروج، فإذا وصل القمر أو الشمس إلى المنطقة؛ تحول الأرض بينهما؛ فيحصل ذلك وتمامه في محله؛ فافهم.\n (فصلى رسول الله ﷺ) أي: صلاة الكسوف، وهي سنَّة عند الإمام الأعظم والجمهور، وقيل: واجبة، وهي ركعتان؛ كهيئة النفل من غير أذان ولا إقامة، بركوع واحد، بإمام الجمعة، بدون جهر بالقراءة ولا خطبة، وهذا بيان الأقل، فإن صلى أربعًا، أو أكثر كل شفع بتسليمة أو كل شفعين؛ فهو مخير، لكن الأفضل الأربع كما في «البحر»، وسيأتي في بابه تمامه إن شاء الله (قال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ بعد فراغه من صلاته (أُرِيت) بضمِّ الهمزة، وكسر الراء، مبني للمفعول؛ أي: أبصرت، وحذفت الهمزة بعد الراء؛ لأجل التخفيف؛ أي: أراني الله تعالى رؤية عين (النار) بالنصب: مفعول ثان لـ (رأى)، بمعنى: أبصر؛ لتعديته له بالهمزة؛ أي أبصرتها بعيني في الصلاة، كما وقع له ليلة المعراج أنه رآها ببصره الشريف، أعاذنا الله منها، والظاهر: أنه رأى صورتها، وصفتها، لا حقيقتها؛ فافهم.\n (فلم أر مَنظَرًا) أي: موضع نظر، وهو بفتح الميم وفتح (^٢) الظاء المشالة، فإن ماضيه: (نظر) كـ (ضرب) و(سمع)، كما في «القاموس»، وأما نظر بمعنى: فكَّر؛ فهو كـ (نصر)، كما فيه أيضًا (كاليوم) الكاف للتشبيه، بمعنى: مثل، وهو صفة للمنظر بمعنى: الزمان، فاليوم صفة له، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف؛ أي: رؤية مثل رؤية اليوم، والأول أظهر؛ فافهم.\n (قَطٌّ): هي ظرف لاستغراق زمان مضى؛ فتختص بالنفي مشتقة من قطنطه؛ أي: قطعته؛ فمعنى (مافعلته قَطُّ)؛ أي: ما فعلته فيما مضى من عمري، وهي بفتح القاف، وتشديد الطاء المهملة المضمومة في أفصح اللغات، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه مع ضمِّها\n_________\n(^١) في الأصل: (الصلاة)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (بكسر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":296},{"text":"وإسكانها، وبنيت؛ لتضمُّنها معنى: مذ وإلى؛ إذ المعنى: مذ أن خلقت إلى الآن، وإنَّما بنيت على حركة؛ لئلَّا يلتقي ساكنان، وعلى الضَّمَّة تشبيهًا بالغايات، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.\n (أفظعَ)؛ بالنصب، صفة لقوله: منظرًا، وفيه حذف تقديره: فلم أرَ منظرًا أفظع، مثل منظر اليوم، وأفْظَع: بالفاء الساكنة، قبلها همزة، وبالظاء المشالة، آخره عين مهملة؛ أفعل تفضيل، وصلته محذوفة؛ أي: منه، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] أو أفظع؛ بمعنى: فظيع، مثل أكبر بمعنى: كبير، والفظيع: الشنيع؛ الشديد المجاوز المقدار، يقال: فظُع الأمر- بالضمِّ- فظاعة فهو فظيع؛ أي: شديد شنيع جاوز المقدار، وكذلك: أفظع الأمر فهو منفظع، وأُفظِعَ الأمر -على ما لم يسمَّ فاعله-؛ أي: نزل به أمر عظيم، فإن قلت: أفظع -أفعل- ولا يستعمل إلا بـ (من)، قلت: أفظع هنا بمعنى: فظيع؛ فلا يحتاج إلى (من) أو يكون على بابه، وحذف منه كما في: (الله أكبر)؛ أي: أكبر من كل شيء، كذا قرره إمام الشَّارحين بزيادة.\nومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّه ﵇ شاهد النار وهو في صلاته، وفيه كلام: قال ابن بطال: (الصلاة جائزة إلى كل شيء، إذا لم يقصد الصلاة إليه، بل قصد بها الله تعالى والسجود لوجهه خالصًا، ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها، كما لم يضرَّه ﵇ ما رآه في قبلته) انتهى.\nقلت: لم يتعرض لكون ذلك مكروهًا أم لا، كما أنَّ المؤلف أجمل ترجمته، ولم يبيِّن أنَّه يكره ذلك أو لا يكره، لكنَّ إيراده الحديثين المذكورين في الباب يدلُّ: على احتمال عدم الكراهة؛ لأنَّه ﵇ لا يصلي صلاة مكروهة، وقد يقال عليه: إن صلاته ﵇ لا توصف بالكراهة؛ لكونه هو المشرع، ولهذا قال إمام الشَّارحين: لا يتم الاستدلال بهذا للمؤلف من وجوه:\nالأول: ما ذكره القاضي السروجي في «شرح الهداية» فقال: (لا دلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة؛ لأنَّه ﵇ قال: «أُريت النار» ولا يلزم أن تكون أمامه متوجهًا إليها، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو يساره أو غير ذلك).\nالوجه الثاني: ما ذكره هو أيضًا فقال: (ويحتمل أن يكون ذلك وقع له قبل شروعه في الصلاة) انتهى.\nالوجه الثالث: ما ذكره الإسماعيلي بقوله: (ليس ما أراه الله تعالى نبيَّه ﵇ من النار حين أطلعه عليها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم، ولا حكم ما أُري ليخبرهم كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائمًا موضوعًا، فجعله أمام مصلاه وقبلته).\nالوجه الرابع: ما ذكره السفاقسي: (ليس في الحديث ما بوب عليه؛ لأنَّه لم يفعله مختارًا، وإنَّما عرض ذلك؛ لمعنى أراده الله تعالى، ورؤيته ﵇ للنار رؤية عين، كشف الله عنها فأراه إياها، وكذلك الجنة، كما كشف له عن المسجد الأقصى) انتهى.\nوقد انتهت الجهالة لابن حجر، فأجاب عن ذلك حيث قال: كأنَّ البخاري كوشف بهذا الاعتراض فعجَّل بالجواب عنه حيث صدر الباب بالمعلَّق عن أنس، ففيه: «عرضت علي النار وأنا أصلي»، وثنَّى بحديث ابن عبَّاس وفيه ما يقتضي أنه رآها أمامه؛ حيث قالوا له بعد انصرافه: يا رسول الله؛ رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؛ أي: تأخَّرت إلى خلف، فأجابهم: بأنَّ ذلك بسبب كونه رأى النار، ولا فرق بين القريب والبعيد من المصلي؛ لما في حديث أنس المعلَّق هنا، والموصول في «التوحيد» من قوله: «لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط» انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: هذا كلام تمجُّه الأسماع، وتستمجه الطباع، وانظر إلى هذا الأمر الغريب العجيب؛ شخص يكاشف اعتراض شخص يأتي بعده بمدة مقدار خمس مئة سنة، أو أكثر، ويجيب عنه بتصدير هذا الباب الذي فيه حديث أنس معلقًا، وحديث ابن عبَّاس موصولًا، ومع هذا لا يتم الجواب بما ذكره، ولا يتم الاستدلال به للبخاري، وبيان ذلك: أنَّ قوله: «وأنا أصلي» في حديث أنس، يحتمل أن يكون المعنى: وأنا أريد الصلاة، ولا مانع من هذا التقدير، وأما تناوله الشيء وتأخره إلى خَلْف في حديث ابن عبَّاس؛ لا يستلزم أن يكون ذلك بسبب رؤيته النار أمامه، ولا يستحيل أن يكون ذلك بسبب رؤيته إياها من يمينه أو شماله أو غير ذلك.\nوقوله وفي (^١) جوابه: (أنَّ ذلك بسبب كونه رأى النار)؛ مسلَّم أن ذلك كان بسبب كونه أُري النار، ولكن لا نسلِّم أنَّه كان بسبب كون رؤيته النار أمامه، ولئن سلمنا؛ فنقول: لنا جوابان آخران غير الأربعة المذكورة:\nأحدهما: أنَّه ﵇ أريها في جهنم، وبينه وبينها ما لا يحصى من بعد المسافة، فعدم كراهة صلاته ﵇ كان لذلك.\nوالآخر: يجوز أن يكون ذلك منه ﵇، رؤية علم روحي باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلًا ما لم يعرفه قبل ذلك) انتهى كلامه ﵁\nواعترضه العجلوني، فزاد في الطنبور نغمة حيث قال: (وقوله: «انظر إلى هذا الأمر الغريب...» إلى آخره، لعلَّه نظير الفنقلة من المؤلفين، وقوله: «يحتمل أن يكون المعنى...» إلى آخره، انظر ارتكابه خلاف الظاهر، لا سيما في الأول من غير سبب، وقوله: «ولئن سلمنا...» إلى آخره كأنَّه غفل عما للمؤلف في «التوحيد»، وفيه: «لقد عُرضت عليَّ الجنة والنار أنفًا في عرض هذا الحائط»، فتأمل منصفًا، ولا تكن في الأمور متعسِّفًا) انتهى.\nقلت: لقد تعسَّف العجلوني فيما قاله، ولم يُنصِف، فهو مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله... . . . . . . . . . . . . . .\nفقوله: (لعله نظير الفنقلة من المؤلفين)؛ كلام بارد، وكيف ينسب مثل هذا الكلام إلى المؤلفين؟! فإن الفنقلة: الإتيان باللفظ على غير صيغته الأولى بدون تغيير المعنى، وهذا\n_________\n(^١) تكرر في الأصل: (وفي).","vol":"1","page":296},{"text":"ليس كذلك؛ بل هو أمر غريب عجيب، فإنَّ الاطِّلاع على المغيبات لا يكون إلا لله تعالى أو نبيه الأعظم، حيث أطلعه تعالى على ما سيقع في أمته، وقد نصَّ العلماء أن من ادَّعى علم الغيب يكفر، قال تعالى: ﴿قُل لايَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَاّ اللهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فابن حجر قد أثبت للبخاري الاطلاع على الغيب، فهو مردود.\nوقوله: (انظر ارتكابه خلاف الظاهر...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإنَّ هذا صريح لفظ الحديث، وله نظائر في كلام الله تعالى ورسوله الأعظم، قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أي: أردتم القيام لها، وفيه أحاديث، وكلها تدلُّ على هذا التقدير، وهو ليس بخلاف الظاهر، بل المعنى عليه؛ لأنَّه ﵇ قال: «عرضت عليَّ النار»، ومعلوم أنَّ العارض له إياها جبريل، والعرض إنَّما يكون قبل الصلاة، فكأنَّ قوله: «وأنا أصلي» أي: وأنا أريد الصلاة، على أنه لو كان رآها في نفس صلاته؛ لكان يقول: رأيت النار، فتصريحه بالعرض قرينة دالة على أنَّه لم يكن في الصلاة حينئذ؛ فافهم.\nوقوله: (كأنه غفل عما في «التوحيد» ...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإن إمام الشَّارحين لم يغفل عنه، بل هو حفظه قبل أن يصير العجلوني منيًا في ظهر أبيه، ولكنه أعرض عنه؛ لأنَّ معناه لا يدلُّ لما نحن فيه؛ فإنَّ قوله ﵇: «عرضت عليَّ الجنة، والنار أنفًا في عرض هذا الحائط» معناه، مُثِّلت، وصُوِّرت، ورقِّمت صورتها في عرض هذا الحائط، لأنَّ من المعلوم أن وجود الجنة والنار في حائط ما مستحيل، فالمراد لازم ذلك، وهو التمثيل والصورة، وعلى هذا؛ فلا دلالة فيه، وكذلك يجوز أن يكون المعنى في حديث ابن عبَّاس (أريت النار) أي: صفتها وصورتها، لا هي حقيقةً، بل مجازًا؛ فافهم.\nوقول ابن حجر: (ولا فرق بين القريب من المصلي والبعيد...) إلى آخره: كلام فاسد؛ فإن الفرق بينهما ظاهر لمن له أدنى تأمل، فإنَّ النار في تحت الأرض السابعة السفلى، فكونه رآها أمامه بعيد عن النظر؛ لأنَّ الظاهر يردُّه، بل إنه رآها تحت قدميه، ويدل عليه أنه تأخَّر عن مكانه، وعلى كلٍّ؛ فالرؤية حقيقة مستحيلة، بل إنه رأى صورتها وصفتها، كما علمت، والله أعلم.\nوقال ابن التين: (لا حجة في الحديث على الترجمة، لأنَّه ﵇ لم يفعل ذلك اختيارًا، وإنمَّا عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراه الله تعالى من تنبيهه للعباد).\nواعترضه ابن حجر فقال: (وتُعقب بأن الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (لا نُسلِّم التسوية؛ فإن الكراهة تتأكد عند الاختيار، وأما عند عدمه، فلا كراهة؛ لعدم العلة الموجبة للكراهة؛ وهي التشبُّه بعبدة النار)\nواعترضه العجلوني، بأنَّه أخذه من قول ابن حجر، وهو لا يرد؛ لأنَّ مناط التسوية في الحقيقة هو التعليل بقوله؛ لأنَّه ﵇ لا يقرُّ على باطل، وقد حذفه غفلة.\nقلت: لم يأخذه إمام الشَّارحين من قول ابن حجر، ولم يغفل عنه، ولم يحذفه، وإنمَّا أعرض عنه؛ لمخالفته الظاهر، فإنَّ هذا الجواب لم يقله ابن حجر، وإنما قاله غيره، فنسبه لنفسه، وعلى كلٍّ؛ فهو وارد عليه، فإن قوله (لأن مناط التسوية...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإنَّه ﵇ قد عُرضت عليه، وهو كاره لها بدليل: أنه ﵇ قد تأخر عنها حين رؤيتها، فلو كان غير كاره لها؛ لما تأخر عنها، وبهذا كانت الكراهة متأكدة عند الاختيار، ولا كراهة عند عدمه، وما ذكره من علَّة التسوية؛ من أنه لا يقر على باطل إنَّما هو فيما يفعله بنفسه، فإن كان باطلًا؛ لا يقرُّ عليه، وإن كان حقًّا؛ أقرَّ عليه، وههنا ليس كذلك، فإنَّه ﵇ لم يعرض هو بنفسه النار على نفسه، بل قد عرضت له، وهو كاره من رؤيتها على أنَّ هذا في حقه ﵇، أمَّا غيره؛ فلو فعل المعاصي كلها؛ أقرَّ عليه، لأنَّه لا وحي بعده ﵇، فتحصل بذلك عدم التسوية المذكورة؛ فافهم، وكم للعجلوني من تعصُّب بارد، وكثرة كلام فاسد، والله تعالى يحفظنا من التعصب والعناد، والله ولي السداد.\nهذا وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: مشروعية صلاة الكسوف، وهي سنة عند الجمهور، وفيه: أنَّ النار مخلوقة اليوم؛ إذ لا قائل بالفرق، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وفيه: من معجزاته ﵇ رؤيته النار رأي (^١) عين حيث كشف الله عنه الحجب؛ فرآها معاينة، كما كشف له عن المسجد الأقصى، وفيه: ما بوَّب له البخاري من عدم كراهة الصلاة إذا كان بين يدي المصلي نار ولم يقصد به إلا وجه الله تعالى) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٢٢\"> </span>(٥٢) <span data-type=\"title\" id=toc-722>[باب كراهية الصلاة في المقابر]</span>\nهذا (باب كراهية) وفي بعض الأصول: (كراهة) (الصلاة) أي: الفريضة وغيرها (في المقابر) جمع (مقبُرة)؛ بضمِّ الموحدة، هو المسموع، والقياس فتحها، وفي «شرح الهادي» أن ما جاء على (مفعُلة)؛ بالضم: يراد بها: أنها موضوعة لذلك ومتخذة له، فإذا قالوا (المقبَرة) بالفتح؛ أرادوا: مكان الفعل، وإذا ضمُّوا؛ أرادوا: البقعة التي من شأنها أن يقبر بها، وكذلك المشرُفة والمشرُبة، والتأنيث في هذه الأسماء لإرادة البقعة أو للمبالغة؛ ليدل على أنَّ لها ثباتًا في أنفسها، والكراهة والكراهية كلاهما مصدران، تقول: كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية، فهو شيء كريه ومكروه.\nوبين البابين تناسب من حيث الضديَّة، كذا قرَّره إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني أنَّ الباب السابق ترجم له المؤلف، واستدل عليه بعدم كراهة الصلاة، وههنا أثبت الكراهة، فالتناسب من حيث الضد، ويقال: كلٌ (^٢) منهما في حكم من أحكام الصلاة، والمكروه ضد المحبوب، وهو يشمل الكراهة التحريمية والتنزيهية، ولم يبيِّن المؤلف ما مراده منهما، لكن إطلاق الكراهة يفيد: أنها للتحريم، كما سيأتي بيانه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٢٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-723>[حديث: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا]</span>\n٤٣٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُسدد): هو ابن مُسرهَد -بضمِّ أولهما- البصري (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري، (عن عُبيد الله) بضمِّ العين المهملة؛ مصغرًا، زاد الأصيلي (بن عمر): هو العمري (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع) هو مولى ابن عمر\n_________\n(^١) في الأصل: (أي)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (كلًّا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":297},{"text":"المدني، (عن) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي، العدوي، ﵄، (عن النبيِّ) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم)؛ أي: بعضها، قال الكرماني: وهو مفعول الجَعْل، وهو متعدٍّ إلى واحد؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وهو بخلافها بمعنى: التصيير، فإنَّها متعدية إلى اثنين؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] انتهى.\nقلت: ولا مانع من جعلها ههنا بمعنى: المتعدية لاثنين؛ الأول (في بيوتكم)، والثاني: (من صلاتكم)؛ لأنَّها اسم بمعنى: بعض؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (ومعناه: صلُّوا في بيوتكم، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة؛ والمراد بها: صلاة النافلة؛ أي: صلُّوا النوافل في بيوتكم) انتهى.\nقلت: يعني: أنَّ هذا البعض المأمور بجعله في البيوت هو النافلة التي لم تشرع في المسجد، بخلاف نحو التراويح، وركعتي الطواف، ويدلُّ عليه حديث «الصحيحين»: «صلُّوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة».\nوقال القاضي عياض: (قيل: هذا في الفريضة، ومعناه: بعض فرائضكم في بيوتكم؛ ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد؛ من نسوة، وعبيد، ومريض، ونحوهم، قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة؛ لإخفائها).\nقال إمام الشَّارحين: (فعلى التقدير الأول: تكون «من» في قوله «من صلاتكم»: زائدة، ويكون التقدير: اجعلوا صلاتكم في بيوتكم، ويكون المراد منها: النوافل، وعلى التقدير الثاني: تكون «من» للتبعيض مطلقًا، ويكون المراد من الصلاة: مطلق الصلاة، ويكون المعنى: اجعلوا بعض صلاتكم -وهو النفل من الصلاة المطلقة- في بيوتكم، والصلاة المطلقة تشمل النفل والفرض؛ على أنَّ الأصح: منع مجيء «من» زائدة في الكلام المثبت، ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة، لا كلِّها ولا بعضها؛ لأنَّ الحث على النفل جاء في البيوت، وذلك لكونه أبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك به البيت، وتنزل الرحمة فيه والملائكة، وينفر الشيطان منه، على ما دلَّ عليه حديث الطبراني: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة») انتهى كلامه\nقال القرطبي: (من) للتبعيض، والمراد: النوافل، بدليل: رواية مسلم عن جابر مرفوعًا «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده؛ فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته».\nواعترضه ابن حجر، فزعم أنه ليس في الحديث ما ينفي احتمال الفريضة.\nوردَّه العجلوني؛ بأنَّه في غاية البعد مع قوله: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده»؛ فإن المراد بها: الفرائض قطعًا، ولهذا قال النووي: لا يجوز حمله على الفريضة، بل المراد: الحث على جعل النفل في البيت، انتهى.\nقلت: هذا عجيب من العجلوني حيث ردَّ على ابن حجر، ولا عجب؛ فإنَّ الطبع يَمُجُّ ما قاله؛ فافهم، والله أعلم.\n (ولا تتخذوها) أي: بيوتكم (قبورًا) أي: كالقبور مهجورة من الصلاة وقراءة القرآن، وهذا من التشبيه البليغ البديع؛ بحذف حرف التشبيه؛ للمبالغة حيث شبَّه البيت الذي لا يصلَّى ولا يقرأ فيه بالقبر الذي لا يتمكن الميت من العبادة فيه، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: ويدلُّ عليه ما في رواية مسلم: «مَثَلُ البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت»، وكذلك ما رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن ابن سابط عن أبيه يرفعه: «نوِّروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتَّخذوها قبورًا، كما اتخذها اليهود والنصارى؛ فإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتَّسع على أهله، ويكثُر خيره، وتَحضُره الملائكة وتُدْحض عنه الشياطين، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يَضيق على أهله، ويقلُّ خيره، وتنفر منه الملائكة، وتَحْضر فيه الشياطين» انتهى.\nقلت: والصلاة تشتمل على قراءة القرآن، وذكر، ونحوها؛ فهي أولى بالمقصود، وإنَّما تَحضر الملائكة؛ لأجل سماعها تلاوة القرآن؛ لأنَّها لا تحفظه، بل تسمعه من بني آدم؛ وفيه حديث.\nوقال الخطابي: (يحتمل أن يكون معناه: لا تجعلوا بيوتكم أوطانًا للنَّوم لا تُصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، وأمَّا من أوَّله على النهي عن دفن الموتى في البيوت؛ فليس بشيء، فقد دُفِن رسول الله ﷺ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته) انتهى.\nواعترضه ابن حجر، فزعم أنَّ ماادُّعي أنَّه تأويل هو ظاهر الحديث، ولا سيما أن جعل النهي حكمًا منفصلًا عن الأمر، انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر الحديث لا يدلُّ على ما ذكره، فإنَّ الحديث يشتمل على جملتين متعلقتين ببعضهما بعضًا، ولا يجوز إفراد أحدهما عن الأخرى، والثانية دالة: على عدم صلاة المرء في بيته، فقوله: (ولا سيما...) إلخ؛ غير صحيح؛ لأنَّ هذا الجعل لا يجوز، ويلزم عليه تغيير مراده ﵇ من عدم صلاة المرء في بيته؛ للقرينة الدالة على ذلك، وهي قوله (اجعلوا...) إلى آخره؛ فافهم.\nواعترضه أيضًا الكرماني فقال: فيه نظر، ودفن رسول الله ﵇ في بيته لعلَّه كان من خصائصه سيما وقد روي: «الأنبياء يُدفنون حيث يموتون» انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: هذه الرواية رواها ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: «ما قُبض نبي إلا دُفن حيث يُقبض»، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو","vol":"1","page":297},{"text":"ضعيف، وروى الترمذي في «الشمائل» والنسائي في «الكبرى» من طريق سالم بن عبيد الأشجعي عن أبي بكر الصديق أنه قيل له: وأين دفن رسول الله ﷺ؟ قال: «في المكان الذي قبض الله روحه فيه، فإنَّه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب»، وإسناده صحيح، ولكنَّه موقوف، وحديث ابن ماجه أكثر تصريحًا في المقصود، انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nقلت: وحديث ابن ماجه له طرق أخرى مرسلة، ذكرها البيهقي في «الدلائل»؛ فافهم.\nوقال ابن حجر: إذا حُمِل دفنه ﵇ على الاختصاص؛ لم يَبْعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متجه، لأنَّ استمرار الدفن في البيوت ربما صيَّرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر»؛ فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: لا نسلِّم هذا الاقتضاء من ظاهر اللفظ، بل المعنى الذي يدلُّ عليه ظاهر اللفظ: لا تجعلوا بيوتكم خالية عن الصلاة؛ كالمقابر، فإنَّها ليست بمحلٍّ للعبادة، ولهذا احتجَّت به طائفة على كراهة الصلاة في المقابر، انتهى.\nقلت: فهو نظير حديث الباب بلا فرق، وقول ابن حجر: إذا حُمل دفنه... إلى آخره؛ ظاهره التبرُّؤ منه مع التردُّد فيه، والحال أنَّ هذا الحمل متعين؛ فإنَّ دليل الخصوصية موجود، كما صرَّح به في حديث ابن ماجه، والترمذي، والنسائي، فلا وجه للتردُّد، ونَهي غيره عن ذلك متعين أيضًا؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: قيل: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنَّها في كراهة الصلاة في المقابر، والمراد من الحديث: ألَّا يكونوا في بيوتهم كالأموات في القبور؛ حيث انقطعت عنهم الأعمال، وارتفعت التكاليف، وهو غير متعرِّض لصلاة الأحياء في ظواهر المقابر، ولهذا قال: «لا تتخذوها قبورًا»، ولم يقل: مقابر، انتهى.\nوقال الخطابي: في الحديث دليل على أنَّ الصلاة لا تجوز في المقابر، وتبعه البغوي، ونقل ابن المنذر عن أهل العلم: أنَّهم استدلوا بهذا الحديث على أنَّ المقبرة ليست بموضع للصلاة، انتهى.\nقال العجلوني: وعلى هذا حمله البخاري، فترجم بكراهة الصلاة في المقابر، انتهى.\nقلت: وفيه بُعد؛ فإن الحديث لا يدل على ما ذكره؛ لأنَّ معناه: لا تجعلوا بيوتكم خالية عن الصلاة؛ كالمقابر، ولهذا اعترض على الخطابيِّ إمامُ الشَّارحين فقال: الحديث لا يدلُّ على هذا، بل الترجمة تساعده، انتهى.\nيعني: لا كلام لنا في الترجمة بدون الحديث، بل لا بدَّ من بيان الاستدلال للترجمة، وما زعمه العجلوني من هذا الحمل ممنوع؛ لأنَّ بين عدم الجواز وبين الكراهة فرقًا، فإن الجوازَ يقال في الذي يحرم فعله، والكراهة فيما يجوز فعله، لكنَّه خلاف الأولى، على أنَّ ما ذكره ابن المنذر ليس بشيء؛ لأنَّه إذا كان استدلالهم بهذا الحديث؛ فالحديث لا يدلُّ لهم؛ لما علمت من معناه، وإن كان بغيره؛ فربما دل عليه أحاديث غيره.\nوقال الإسماعيلي: هذا الحديث يدلُّ على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر، واعترضه ابن حجر بأنَّه قد ورد بلفظ: المقابر، كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر (^١)» انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: هذا عجيب! كيف يقال: حديث يرويه غيره بأنَّه مطابق لما يترجم به، انتهى.\nقلت: فهو لا ينهض دليلًا؛ لأنَّه قد رواه مسلم، والبخاري لو كان معتمدًا عليه؛ لاحتج به، فعدم ذكره له دليل على أنه لم يستدلَّ به؛ فافهم.\nوقال السفاقسي: إن البخاري تأوَّل هذا الحديث على منع الصلاة في المقابر، ولهذا ترجم به، وليس كذلك؛ لأنَّ منع الصلاة في المقابر أو جوازها لا يفهم من الحديث، واعترضه ابن حجر فقال: إن أراد أنَّه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق؛ فمُسلَّم، وإن ادعى نفي ذلك مطلقًا؛ فلا؛ فقد قدمنا وجه استنباطه، انتهى.\nقلت: حيث قال: استنبط من الحديث أنَّ القبور ليست بمحل العبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، وكأنه أشار إلى ما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» انتهى.\nقلت: وقد ردَّه إمام الشَّارحين، فقال: دعواه بأنَّ البخاري استنبط كذا، وأنَّه أشار إلى حديث أبي سعيد أعجب وأغرب من الأول؛ لأنَّ معنى قوله ﵇: «لا تتخذوها قبورًا»: لا تتخذوها خالية من الصلاة وتلاوة القرآن؛ كالقبور؛ حيث لا يُصلَّى فيها ولا يقرأ القرآن عندها، ويدلُّ على هذا ما رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن ابن سابط عن أبيه يرفعه: «نوِّروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتَّخذوها قبورًا، كما اتخذها اليهود والنصارى، فإنَّ البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتُدحض عنه الشياطين، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يَضيق على أهله، ويقلُّ خيره، وتنفر منه الملائكة، وتحضر فيه الشياطين» انتهى.\nوأيضًا، فإنَّ معنى هذا على التشبيه البليغ، فحذفت منه أداة التشبيه؛ لأنَّ معناه: لا تجعلوها مثل القبور؛ حيث لا يصلى فيها، ولا دلالة بهذا أصلًا على أنَّها ليست بمحل للعبادة بنوع من أنواع الدلالات اللفظية، انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nقلت: وهو في غاية من الحسن، ويدل عليه أيضًا ما في رواية مسلم: «مَثَل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمَثَل الحي والميت»؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (مقابرًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":298},{"text":"وعلى كل حال؛ فلا دلالة في الحديث لما ترجم له المؤلف، وقد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة تدل على كراهة الصلاة في المقبرة، واستدلت بها جماعة على كراهة الصلاة فيها، لكن المؤلف لم يشر إليها ولم يحتج بها؛ لكونها ليست على شرطه، وهي ما روي عن أبي سعيد الخدري، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عبَّاس، وحذيفة، وأنس بن مالك، وأبي أمامة، وأبي ذر.\nفروى الترمذي حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، ثم قال الترمذي: (وفي الباب: عن علي)، وذكر من ذكرناهم، ففيه كراهة الصلاة في المقبرة والحمام، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وتبعهم مالك والشافعي، يدل عليه عموم قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وبه قال الأوزاعي والثوري، وزعم أبو ثور أنَّه لا يُصلى في المقبرة والحمام، وزعم أهل الظاهر أنَّه تحرم الصلاة في المقبرة مطلقًا، وقال أحمد: لا تصح الصلاة في المقبرة والحمام، وقد صلى الحسن البصري في المقبرة، وقد سبق بيانه.\nوفي حديث الباب دليل على أنَّ من صلى في بيته جماعة؛ فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها، وقال إبراهيم النخعي: إذا صلى الرجل مع الرجل؛ فهما جماعة، ولهما التضعيف خمسًا وعشرين درجة، وقال أئمتنا الأعلام: الأفضل في غير الفرائض المنزل، وروي عن جماعة: أنَّهم كانوا لا يتطوعون في المسجد؛ منهم: حذيفة، والسائب بن يزيد، والربيع بن خيثم، وسويد بن غفلة، وروي: أنَّ أحمد، وإسحاق، وابن المديني اجتمعوا في دار أحمد، فسمعوا النداء، فقال أحدهم: اخرج بنا إلى المسجد، فقال أحمد: خروجنا إنَّما هو للجماعة، ونحن جماعة، فأقاموا الصلاة وصلوا في البيت، وروى ابن أبي شيبة بسند جيد عن زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: «صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا»، وروى أيضًا عن علي يرفعه: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا».\nقلت: وهذا يؤيد القول بأنَّ الحديث ورد في صلاة الفريضة؛ ليقتدي به من لا يستطيع الخروج إلى المسجد؛ فافهم.\nوروى الطحاوي من حديث سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده: أنه ﵇ صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما فرغ؛ رأى الناس يسبحون، فقال: «يا أيها الناس؛ إنَّما هذه الصلاة في البيوت»، وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا.\nقلت: ومعنى (يسبحون)؛ أي: يصلون النافلة؛ بدليل قوله: (إنَّما هذه الصلاة).\nوروى الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث عبد الله من حديث عبد الله بن سعد قال: سألت النبيَّ ﷺ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد، فقال: «قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد؛ إلا أن تكون صلاة مكتوبة»، وأخرجه الطبراني أيضًا.\nوقال الإمام المرغيناني في «الهداية»: (ويستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، والسنة فيها الجماعة على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل مسجد عن إقامتها؛ كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض؛ فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة؛ لأنَّ أفراد الصحابة يُروى عنهم التخلف) انتهى.\nوقد ترجم الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي (باب القيام في شهر رمضان): هل هو في المنازل أفضل أم مع الإمام؟ وروى حديث أبي ذر قال: صُمت مع النبيِّ ﷺ...؛ الحديث، وفيه: (أنَّ القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة)، وذهب جماعة من أصحاب الإمام الأعظم-وهم: عيسى بن أبان، وبكار بن قتيبة، وأحمد بن أبي عمران، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك-: إلى أنَّ القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، استدلالًا بهذه الأحاديث، وتبعهم أحمد، وإسحاق، والمزني، وابن الحكم من أصحاب الشافعي، وهو المروي عن جابر، وعلي، وعبد الله، وابن سيرين، وطاووس، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وخالفهم في ذلك مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وربيعة، وإبراهيم، والحسن، وعلقمة، فقالوا: صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وبه قال سالم والقاسم، وروي عن ابن عمر، ولكن الأحاديث تدل للأول، وهي حجة عليهم؛ فافهم، وتمامه في «عمدة القاري» اللهم؛ فرج عني ما أهمني برحمتك يا باري.\n\n <span id=\"b-٧٢٤\"> </span>(٥٣) <span data-type=\"title\" id=toc-724>[باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة): فرضها، وواجبها، ونفلها (في مواضع)؛ بالجمع، وللأصيلي: (في موضع)؛ بالإفراد (الخَسف)؛ بفتح الخاء المعجمة؛ أي: في الأمكنة التي خسفت بأهلها من الأمم السابقة (والعذابِ)؛ بالجر عطفًا على ما قبله، من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ الخسف من أفراد العذاب، والخسف للمكان: ذهابه في الأرض؛ والمعنى: وباب حكم الصلاة في مواضع نزل عليها العذاب.\nيقال: خَسَف المكان يَخْسف خسفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسفًا؛ أي: غاب به فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، وخُسُوف العين: ذهابها في الرأس، وخُسُوف القمر: كسوفه، وخسف هو في الأرض، وخسف به.\nوتقديرنا لفظ (حكم) تبعًا لإمام الشَّارحين أولى من تقدير (جواز) كما فعل العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعم، وعادة المؤلف إطلاق الترجمة حتى تشمل الجواز وعدمه وإن كان المراد منها جواز الصلاة في هذه الأمكنة على خلاف فيه، سيأتي، ولكن بقي الإبهام في الكراهة وعدمها؛ لأنَّ المؤلف كعادته لم يبين ذلك، ولكن تصديره بأَثَرِ عَليٍّ يدل أنَّ الصلاة في هذه الأمكنة مكروهة، كما سيأتي.\nوالمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأنَّ كلًّا منهما في بيان كراهة الصلاة، والأول في المقابر، وهذا في موضع العذاب؛ فافهم.\n (ويُذكر): بضمِّ التحتية أوله، تعليق بصيغة التمريض، ومطابقته للترجمة ظاهرة، وهو يدل على أنَّ مراده من عقد الباب","vol":"1","page":298},{"text":"الإشارة إلى أنَّ الصلاة في مواضع الخسف مكروهة؛ لأنَّه قال: (أن عليًّا): هو الصديق الأصغر ابن أبي طالب ﵁ (كره الصلاة): فرضها، وواجبها، ونفلها (بخسف بابل): اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، قاله الجوهري، وقال البكري: (بابل بالعراق؛ مدينة السحر معروفة)، وقال الأخفش: (ممنوعة من الصرف؛ للعَلَمِيَّة والتأنيث)، قال إمام الشَّارحين: (وذلك أنَّ اسم كل شيء مؤنث إذا كان أكثر من ثلاثة أحرف؛ فإنَّه لا ينصرف في المعرفة)، قال: وربما سموا العراق: بابلًا، قال عمر بن أبي ربيعة -وأتى البصرة فضافه ابن هلال المعروف بصديق الجن-:\nيا أهل بابل ما نَفَست عليكم... من عيشكم إلا ثلاث خِلال\nماء الفرات وظل عَيْش بارد... وغِنَى مسمعتين لابن هلال\nوذكر الطبري: (أنَّ بابل: اسم قرية، أو موضع من مواضع الأرض، واختُلف فيها؛ فقال السدي: هي بابل دنياوند، وقيل: بالعراق، وورد في ذلك حديث مروي عن عائشة، وإنَّما سميت ببابل؛ لأنَّه بات الناس ولسانهم سرياني، فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنتين وسبعين لسانًا، كُلٌ يبلبل بلسانه، فسمي الموضع: بابلًا) انتهى.\nقلت: والمشهور أنَّ أرض بابل من مدينة حلب وما وراءها؛ كمرعش، وديار بكر، وغيرهما؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة: عن وكيع: حدثنا سفيان: حدثنا عبد الله بن شريك عن عبد الله بن أبي المُحِلِّ العامري قال: «كنا مع علي ﵁، فمررنا على الخسف الذي ببابل، فلم يُصلِّ حتى أجازه»؛ أي: تعداه، والمُحِلُّ بضمِّ الميم، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام) انتهى.\nقلت: وقد رواه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن علي قال: (ما كنت لأصلي في أرض خَسَف الله بها ثلاث مرار)، قاله ابن حجر، ثم قال: (والظاهر أنَّ قوله: «ثلاث مرار» ليس متعلقًا بالخسف؛ لأنَّه ليس فيه إلا خسف واحد، وإنَّما أراد الرواي: أنَّ عليًّا قال ذلك ثلاثًا) انتهى.\nقلت: وفيه نظر، بل الظاهر أنَّ قوله: (ثلاث مرار)، متعلق بالخسف؛ يعني: أنَّ الخسف وقع لهذه الأرض ثلاث مرار؛ بأن خسف بها أولًا، ثم أعيدت، ثم خسف بها ثانيًا، ثم أعيدت، ثم ثالثًا، ولا مانع من ذلك؛ لأنَّ القدرة صالحة، وفيه تنبيه إلى مبدأ الإنسان ومعاده ومبعثه، فقوله: (لأنَّه ليس فيه إلا خسف واحد)؛ ممنوع؛ لأنَّها دعوى بلا دليل، وهي غير مقبولة.\nوقوله: (وإنَّما الراوي...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لكان يقال: (ثلاثًا) بدون تصريح بقوله: (مرار) الدالة على تكرار وقوع الخسف، فصريح قوله: (ثلاث مرار) يدل لما قلناه؛ فليُحفظ.\nقال إمام الشَّارحين: (وروى أبو داود في «سننه» من حديث حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري، عن علي ﵁: «أنَّه مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر، فلما برز منها؛ أتى المؤذن فأقام، فلما فرغ من الصلاة؛ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنَّها ملعونة»، قال ابن يونس: «أبو صالح الغفاري سعيد بن عبد الرحمن روى عن علي، وما أظنه سمع منه»، وقال ابن القطان: «في سنده رجال لا يُعرفون»، وقال عبد الحق: «حديث واه»، وقال البيهقي: «إسناده غير قوي») انتهى.\nقلت: وحاصله أنَّه ضعيف، وزعم ابن حجر أنَّ اللائق بتعليق المؤلف ما رواه ابن أبي شيبة، انتهى.\nورده العجلوني فقال: (ما رواه أبو داود وابن أبي شيبة كلاهما لائق به، وما رواه أبو داود أليق؛ لأنَّ المؤلف أورده بصيغة التمريض؛ فتأمل) انتهى.\nقلت: تأملته؛ فرأيته في غاية من الحسن، بل قلت: إنَّ ما رواه أبو داود هو اللائق قطعًا بتعليق المؤلف؛ لأنَّه قد صرح به: بأنَّها ملعونة؛ يعني: لم ينزل عليها من الرحمات شيء، وقول المؤلف: (ويذكر) صيغة تمريض تدل على ضعف إسناد الحديث، وقد صرَّح الأئمة بضعفه، كما علمت؛ فافهم.\nوالمراد بالخسف: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ...﴾؛ الآية [النحل: ٢٦]، قال الإمام النسفي: (إنَّ هذا البناء كان لبختنصر)، وقال ابن عبَّاس وزيد بن أسلم: (هو صرح نمرود بن كنعان)، قال ابن عبَّاس: (كان طوله في السماء خمسة آلاف ذراع)، وقال كعب: (كان طوله في السماء فرسخين)، وبه قال مقاتل، انتهى.\nوقال أهل الأخبار: إنَّ المراد بذلك ما بناه نمرود بن كنعان؛ فإنَّه بنى ببابل بنيانًا عظيمًا يقال له: المجدل؛ أي: القصر، انتهى.\nقال النسفي: (قال مقاتل: فهبت ريح فألقت رأسها في البحر، وخَرَّ عليهم الباقي من فوقهم، وذلك لأنَّهم كانوا يترصدون (^١) خبر السماء، فأهب الله الريح، فخرَّ عليه وعلى قومه فهلكوا).\nقال الخطابي: (لا أعلم أحدًا من العلماء حَرَّم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا»، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون نهاه أن يتخذها وطنًا ومقامًا، فإذا أقام بها؛ كانت صلاته بها، وهذا من باب التعليق في علم البيان) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (قلت: أراد بها الملازمة الشرعية؛ لأنَّ من لَازِمِ إقامة الشخص بمكان أن تكون صلاته فيه، فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، وإنَّما قيدنا الملازمة بالشرعية؛ لانتفاء الملازمة العقلية) انتهى كلامه، وقد اختصر عبارته العجلوني ونسبها لنفسه؛ فليتنبه.\nوقال الخطابي أيضًا: (لعل النهي لعلي خاصة، ألا ترى أنَّه قال: «نهاني»، ولعل ذلك إنذار منه ما لقي من المحنة بالكوفة) انتهى.\nقلت: دعواه الخصوصية تحتاج إلى دليل، وقوله: (نهاني) لا يدل عليها؛ لأنَّه ﵇ قال ذلك له عند إرادته السفر، فهو توصية له بذلك، وهي على العموم، ولهذا ترجم المؤلف بـ (باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب)، ولم يجعل ذلك خاصًّا بعلي؛ فافهم.\nعلى أنَّ الظاهر: أنَّه نهاه أن يتخذها وطنًا؛ لأنَّه إذا أقام بها كانت صلاته بها؛ فتأمل.\nوقال إمام الشَّارحين: (وقد وردت أحاديث فيها النهي عن الصلاة في مواضع؛ منها: حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن\n_________\n(^١) في الأصل: (يترصدوا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":299},{"text":"يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله»، رواه الترمذي وابن ماجه، قال القرطبي: «وإسناده ليس بقوي؛ لأنَّه فيه: زيد بن جبيرة، وقد تكلم فيه من قِبِل حفظه».\nوقال ابن العربي: المواضع التي لا يصلى فيها ثلاثة عشر موضعًا، فذكر السبعة المذكورة، وزاد: الصلاة إلى المقبرة، وكذا الصلاة وأمامك جدار مرحاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبِيْعة، وفي قبلتك تماثيل، وفي دار العذاب.\nوزاد بعضهم: الصلاة في الأرض المغصوبة، وإلى النائم، والمتحدث، والصلاة في بطن الوادي، والصلاة في بطن الضراوي، فصارت الجملة ثمانية عشر، فنقول:\nأمَّا المزبلة؛ فهي المكان الذي يلقى فيه الزبل؛ وهو السرجين، وفيها لغتان؛ فتح الموحدة وضمها، والصلاة فيها، فإن كانت فيها نجاسة؛ فلا تصح عليها بدون حائل، وإن فرش عليها حائلًا (^١) بينه وبينها وصلى؛ فصلاته مكروهة تحريمًا، وإن لم يعلم فيها نجاسة أم لا وصلَّى فيها بحائل؛ فصلاته مكروهة تنزيهًا.\nوأمَّا المجزَرة؛ فهي -بفتح الزاي-: المكان الذي ينحر فيه الإبل، ويذبح فيه البقر والغنم، وهي أيضًا محل الدماء والأرواث، فصلاته فيها على التفصيل في المزبلة، وهذا مذهب الإمام الأعظم، ومالك، وغيرهما، وقال أحمد: الصلاة فيهما لا تصح.\nوأمَّا المقبرة؛ فقدمنا الكلام فيها.\nوأمَّا قارعة الطريق؛ فلما فيها من شغل الخاطر بمرور الناس ولفظهم، ويلحق بها صلاته في دكانه، فإنَّه مكروه لذلك.\nوأمَّا الحمام؛ فالصلاة فيه مكروهة عند الجمهور، وفصَّل أئمتنا الأعلام، فقالوا (^٢): إن صلى في داخله بأن غسل موضعًا وصلى فيه؛ فصلاته مكروهة، وإلا؛ فلا، وإن صلى في خارجه عند محل خلع الثياب؛ فلا بأس بذلك، وقال أحمد: لا تصح الصلاة في الحمام، ومن صلى؛ أعاد، والعلة في الكراهة الغُسَالات، وقيل: لأنَّها مأوى الشياطين، فعلى الأول؛ إن صلى في مكان طاهر فيها؛ لا تكره تحريمًا، بل تنزيهًا، وعلى الثاني؛ تكره الصلاة فيه، سواء كان في داخله أو خارجه، ويلزم منه أن تكره الصلاة في غير الحمام أيضًا؛ لعدم خلوِّ الأمكنة من الشياطين.\nقلت: وقد يقال: إنَّ الشياطين في الحمام أكثر من غيره.\nوأمَّا معاطن الإبل؛ فقد سبق الكلام عليه.\nوأمَّا الصلاة فوق ظهر بيت الله؛ ففيه تفصيل، قال في «نور الإيضاح»: (صح فرض ونفل فيها؛ لقوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ...﴾؛ الآية [البقرة: ١٢٥]، ولحديث بلال: «أنَّه ﵇ دخل البيت وصلى فيه»، وصح فرض ونفل فوقها وإن لم يتخذ سترة، لكنه مكروه؛ لإساءة الأدب باستعلائه عليها، ومن جعل ظهره إلى غير وجه إمامه فيها أو فوقها؛ صح اقتداؤه، إلا أنَّه يكره إذا قابل وجهه وجه إمامه، وإن جعل ظهره إلى وجه إمامه؛ لا يصح، وصح الاقتداء خارجها بإمام فيها والباب مفتوح، وإن تحلقوا حولها والإمام خارجها؛ صح، إلا أنَّه لا يصح صلاة من كان أقرب إليها من جهة إمامه) انتهى بزيادة من الشرح.\nوقال أحمد: لا تصح الصلاة فوقها، وفي «شرح الترمذي»: (لم يصح فيه حديث).\nوأمَّا الصلاة إلى جدار مرحاض؛ فلما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عمر قال: (لا يصلى إلى الحش)، وعن علي: (لا يصلى تجاه الحش)، وعن إبراهيم: (كانوا يكرهون ثلاثة أبيات القبلة)، وذكر منها: الحش، وهو حجة على الشافعي؛ حيث قال: لا تكره الصلاة وبين يديه جيفة، وحكى الطبري: أنَّه يكره استقبال الجدار النجس في الصلاة، وقال ابن حبيب المالكي: من تعمَّد الصلاة إلى نجاسة؛ بطلت صلاته، إلا أن يكون بعيدًا جدًّا، ونص علماؤنا الأعلام: على أنَّه تكره الصلاة قريبًا من نجاسة.\nوأمَّا الصلاة في الكنيسة والبَيعة؛ فكرهها الحسن البصري، وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: أنَّ ابن عبَّاس كره الصلاة في الكنيسة إذا كانت فيها تصاوير، ولم يَرَ الشَّعبي وعطاء بالصلاة في الكنيسة والبيعة بأسًا، وكذلك ابن سيرين، وقال الإمام الأعظم: تُكره الصلاة في الكنيسة والبيعة، وإن تكرر منه الدخول إليهما؛ يعذر بما يليق به، كما صرح به في «البحر».\nوأمَّا الصلاة إلى قبلة فيها تماثيل؛ فهي مكروهة كما قدمناه.\nوأمَّا الصلاة في دار العذاب؛ فلما تقدم من تعليق المؤلف عن علي.\nوأمَّا الصلاة في الأرض المغصوبة؛ فلما فيه من استعمال حق الغير بغير إذنه، وهو حرام، فتحرُم الصلاة فيها، ولا ثواب له، فإن كانت لكافر؛ لا يصلي فيها، ويصلي في الطريق، وإن كانت لمسلم؛ صلى فيها؛ لأنَّ المسلم يعفو عن المسلم.\nوأمَّا الصلاة إلى النائم والمتحدث؛ فلما روى ابن عبَّاس النهي عن ذلك، رواه أبو داود وابن ماجه؛ لأنَّه يشغل البال، ويُخلُّ بالخشوع، وربما تفسد صلاته من ظهور شيء من النائم والمتحدث؛ فافهم.\nوأمَّا الصلاة في بطن الوادي؛ فهو خوف السيل السالب للخشوع.\nوأمَّا الصلاة في مسجد الضِرار؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقال ابن حزم: (لا تصح الصلاة فيه؛ لأنَّه ليس موضع صلاة)، وقال: (لا تجوز الصلاة في مسجد يستهزأ فيه بالله، أو رسوله، أو بشيء من الدين، أو في مكان يُكفر فيه بشيء، فإن لم يمكنه الخروج وصلى؛ جازت صلاته) انتهى.\nقلت: ولا فرق في ذلك بينها وبين الكنيسة والبيعة، فإنَّ فيهما يكفر بالله ورسوله؛ فلا وجه؛ لعدم صحة صلاته، بل صلاته فيه صحيحة مع الكراهة؛ فافهم ذلك، وسيأتي بقية الكلام على ذلك في آخر الباب.\n\n <span id=\"b-٧٢٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-725>[حديث: لا تدخلوا على هؤلاء المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكين]</span>\n٤٣٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسماعيل): هو ابن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي المدني، وتكلم فيه كأبيه، لكن أثنى عليه أحمد ابن حنبل وابن معين (قال: حدثني)؛ بالإفراد خالي (مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن عبد الله بن دِينار)؛ بكسر أوله: هو المدني، (عن عبد الله بن عمر): هو ابن الخطاب القرشي العدوي المدني: (أنَّ رسول الله ﷺ)؛ بفتح الهمزة، وجملة: (قال): محلها رفع خبر (أنَّ)؛ أي: لأصحابه حين مروا بالحجر وديار ثمود في حال توجههم إلى تبوك: (لا تَدخُلوا) بفتح الفوقية، وضم الخاء المعجمة (على هؤلاء المعذَّبين)؛ بفتح الذال المعجمة؛ يعني: ديار هؤلاء وهم\n_________\n(^١) في الأصل: (حائل)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (فقال)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":299},{"text":"أصحاب الحِجْر قوم ثمود، وهؤلاء قوم صالح ﵇، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ...﴾ الآية [الحجر: ٨٠]، و(الحِجْر)؛ بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: يطلق على معان؛ منها: الكعبة، ومنها: الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]؛ أي: حرامًا محرمًا، ومنها: العقل؛ لقوله تعالى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]، والحجر: حجر القميص، ومنها: القوس الأنثى، ومنها: ديار ثمود -وهو المراد ههنا-: وهي ما بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي فيه ثمود، قاله قتادة، وقال الطبري: (هي أرض بين الحجاز والشام، وهم قوم صالح)، وقال الزهري: هو اسم مدينتهم، وإنَّما قال: ﴿المُرْسَلِينَ﴾ -وهو صالح وحده- إشعارًا بأنَّ من كذب نبيًّا؛ فقد كذب الأنبياء؛ لأنَّهم على دين واحد في الأصول، فلا يجوز التفريق بينهم، وقيل: كذَّبوا صالحًا ومن تقدمه من النبيين، وروى المؤلف في (المغازي) عن ابن عمر: (أنَّ النبي الأعظم ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك؛ أمرهم ألَّا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنَّا واستقينا، فأمرهم أن يهريقوا الماء، وأن يطرحوا العجين)، وروى أيضًا في (التفسير) عن ابن عمر: (أنَّ الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر في أرض ثمود، فاستقَوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم أن يهريقوا ما استقَوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تَرِدُها الناقة)، وروى أيضًا في (الأنبياء) عن ابن عمر قال: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر، فقال لنا رسول الله: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم...»؛ الحديث، قال المهلب: إنَّما قال ﵇: «لا تدخلوا» من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط والغضب، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] في مقام التوبيخ على السكون فيها، وقد تشاءم ﵇ بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها ثم صلى، فكراهة الصلاة في موضع الخسف أولى.\nثم استثنى من ذلك، فقال: (إلا أن تكونوا باكين) حقيقة، أو متباكين حالًا أو مآلًا في ذلك المكان من شدة الخوف، فأباح الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار خوفًا من حلول مثل ذلك بكم، وهذا يدل على أنَّ من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأنَّ الصلاة موضع البكاء والاعتبار، وزعمت الظاهرية أنَّ من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك؛ فعليه سجود السهو إن كان ساهيًا، وإن تعمد ذلك؛ بطلت صلاته، قال الشَّارح: (وهو خُلفٌ من القول؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على فساد صلاة من لم يبكِ، وإنَّما فيه خوف نزول العذاب به) انتهى.\nوزعم ابن حجر: ليس المراد الاقتصار في البكاء على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند كل جزء من الدخول، وأمَّا الاستغراق؛ فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولوية، وسيأتي أنَّه ﵇ لم ينزل فيه ألبتة، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فيه نظر، وبُعدٌ عن الظاهر؛ لأنَّ ظاهر الحديث يدل على إباحة دخولهم إذا كانوا باكين مطلقًا، سواء كانوا حقيقة أو متباكين في حال دخولهم أو في انتهائه، والمراد به الخوف والاعتبار، وهو يحصل بدون بكاء، فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم له، فلا يلزم البكاء دائمًا كما زعمه، بل يلزم دوام الخوف والاعتبار مع البكاء في جزء من الدخول، سواء كان في الابتداء أو في الانتهاء، والبكاء لا يلزم أن يكون حقيقة، بل يجوز أن يكون حكمًا وهو المتباكي، وقوله: (وسيأتي...) إلخ: ممنوع، فإنَّا قدمنا عن المؤلف: أنَّه ﵇ نزل على الحجر...؛ الحديث، وقد رواه المؤلف من طرق متعددة في أبواب متفرقة، وهو صريح في أنه نزل فيه ألبتة؛ فافهم، والله أعلم.\n (فإن لم تكونوا باكين)؛ أي: حالًا أو مآلًا في ذلك المكان من شدة الخوف حقيقة، ولا متباكين ولا خائفين معتبرين، أمرهم بالتفكر في أحوالهم؛ (فلا تدخلوا عليهم)؛ أي: لا تدخلوا ديارهم، قال الخطابي: معنى الحديث: أنَّ الداخل في ديار القوم الذين أهلكوا بالعذاب إذا دخلها ولم يجلب ما يرى من آثار ما نزل بهم بكاءً، ولم يبعث حزنًا، إمَّا شفقة عليهم، وإمَّا خوفًا من حلول مثلها به؛ فهو قاسي القلب، قليل الخشوع، غير مستشعر للخوف والوجل، فلا يأمن إذا كان حاله هكذا أن يصيبه ما أصابهم، وهذا معنى قوله: (لا يصيبُكم)، وللمؤلف في (الأنبياء): (أَن يصيبكم)؛ بفتح الهمزة، وفيه إضمار؛ تقديره: حذرًا أن يصيبكم، أو خشية أن يصيبكم (ما أصابهم)؛ أي: من العذاب، و(يصيبُكم) بالرفع؛ على أن (لا) نافية؛ لأنَّه استئناف كلام، وفسَّره ابن حجر؛ أي: لئلا يصيبكم، وردَّه إمامنا الشَّارح فقال: (الجملة الاستئنافية لا تكون تعليلًا)؛ فافهم، ثم قال ابن حجر: (ويجوز الجزم على أن «لا» ناهية، وهو أوجه)، واعترضه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا مبنيٌّ على صحة الرواية بذلك، وقوله: «وهو أوجه» غير موجَّه؛ فإنَّه لم يبين وجهه) انتهى.\nقلت: والظاهر من كلام ابن حجر أنه تفسير إعراب، ولم أر أحدًا من الشراح ذكر الرواية في ذلك، والظاهر: أنَّه بالرفع لا غير؛ لأنَّه استئناف كلام؛ فافهم.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: كيف يصيب عذاب الظالمين لغيرهم وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]؟)\nقلت: لا نسلِّم الإصابة إلى غير الظالمين، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وأمَّا الآية الأولى؛ فمحمولة على عذاب يوم القيامة، ولا نسلِّم أنَّ الذي يدخل موضعهم ولا يتضرع ليس بظالم؛ لأنَّ ترك التضرع فيما يجب التضرع فيه ظلمٌ، انتهى.\nقلت: يعني: فيُطلب في حقه الخوف والاعتبار؛ لأنَّه تعالى مقلِّب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، ولا (^١) يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.\nقال الكرماني: (فإن قلت: كيف دلالة الحديث على الترجمة؟ قلت: من جهة استلزامه مصاحبة الصلاة بأسرِها للبكاء، وهي مكروهة، بل لو ظهر من البكاء حرفان أو حرف مفهم، أو ممدود؛ تبطل صلاته) انتهى.\nقلت: لا يلزم مصاحبة الصلاة بأسرها للبكاء؛ لأنَّ المراد بالحديث: الخوف والاعتبار، وهو يحصل بدون البكاء، ويلزم مصاحبة البكاء في جزء من الدخول، ولا يلزم في الصلاة البكاء؛ لأنَّ الصلاة محلٌّ للبكاء والخشوع؛ ولهذا قال ابن بطال: (والحديث يدلُّ على إباحة الصلاة هناك؛ لأنَّ الصلاة موضع بكاء وتضرع) انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ فلا مطابقة للحديث على الترجمة، لكن قال إمام الشَّارحين: (هذا الحديث مطابق لأثر عليٍّ من حيث عدم النزول من النبي الأعظم ﷺ لما مرَّ بالحجر ديار ثمود في حالة توجهه\n_________\n(^١) سقط من الأصل: (ولا).","vol":"1","page":300},{"text":"إلى تبوك، وأثر عليٍّ كذلك من حيث إنَّه لم ينزل لما أتى خسف بابل، فأثر عليٍّ مطابق للترجمة على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك حديث ابن عمر مطابق للترجمة؛ لأنَّ المطابق للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء، وعدم نزولهما فيهما يستلزم عدم الصلاة فيهما، وعدم الصلاة لأجل الكراهة، والباب معقود لبيان الكراهة، فحصلت المطابقة) انتهى.\nثم قال: وفي الحديث دلالة على أن ديار هؤلاء لا تُسكَن بعدهم، ولا تتخذ وطنًا؛ لأنَّ المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيًا أبدًا، وقد نُهي أن تُدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وروى الحاكم في «الإكليل» بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: (رأيت رجلًا جاء بخاتم وجده بالحِجر في بيوت المعذَّبين، فأعرض عنه النبي الأعظم ﷺ، واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: «ألقِه»، فألقاه)، وقدمنا أن عند المؤلف في (المغازي) و(التفسير) و(الأنبياء): أنَّه ﵇ نهى أن يُستقى من مياههم...؛ إلى آخر ما قدمنا.\nوفي الحديث: المنع من المقام بدورهم والاستيطان بها، وفيه: الإسراع عند المرور بديار المعذبين؛ كما فعل ﵇ في وادي محسر؛ لأنَّ أصحاب الفيل هلكوا هناك؛ ولهذا قنَّع النبي الأعظم ﷺ رأسه لما مرَّ بديار المعذبين، وقد أسرع السير حتى جاز المدينة ولم يصلِّ هناك، وكذلك عليٌّ وضع على رأسه حين مرَّ بابل، وفيه: أمرهم بالبكاء؛ لأنَّه ينشأ عن التفكر في مثل ذلك، وقال ابن الجوزي: (التفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل هذا المقام ثلاثة أقسام:\nأحدها: تفكر يتعلق بالله تعالى إذ قضى على أولئك بالكفر.\nالثاني: يتعلق بأولئك القوم إذ بارزوا ربهم (^١) بالكفر والعناد.\nالثالث: يتعلق بالمارِّ عليهم؛ لأنَّه وفق للإيمان، وتمكن من الاستدراك والمسامحة في الزلل) انتهى.\nقلت: وعلى هذا؛ ينبغي أيضًا الإسراع عند المرور بمقابر الكفار اليهود والنصارى؛ لأنَّهم معذبين تنزل عليهم اللعنة والغضب؛ خوفًا من أن يصيبه منه شيء.\nوفي الحديث: دلالة على كراهة الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، والباب معقود عليه، وفيه: دلالة على كراهة الدخول في تلك المواضع، سواء كانت موضع مقام الكفار أو موضع خسف أو عذاب، وأمر ﵇ بهرق ما استقوا من بئر ثمود، وإلقاء ما عجن وخبز به؛ لأجل أنَّه ماء سخط، فلم يجز الانتفاع به؛ فرارًا من سخط الله تعالى، وقال: «اعلفوه الإبل»، فالوضوء به مكروه.\nوأمره ﵇ أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم، وخَفِيت آثارهم؛ كما أنَّ في الأول دليلًا (^٢) على بغض أهل الفساد، وذمِّ ديارهم وآثارهم، هذا وإن كان التحقيق أنَّ الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمبغوض مبغوض.\nوقال الإمام أحمد ابن حنبل: (ولا تصحُّ الصلاة في بقعة مغصوبة، ومقبرة، وحمام، وحشٍّ، وأعطان إبل، ومجزرة وإن كانت طاهرة، ولا في قارعة الطريق، ولا بأسطحتها، ولا في الكعبة)، قال ابن العربي: (فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»؛ فلا يجوز التيمُّم بترابها، ولا الوضوء بمائها، ولا الصلاة فيها؛ لحديث ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أن يُصلَّى في سبع مواطن...»؛ الحديث، رواه الترمذي)، وقال مالك في «المجموعة»: (لا يصلَّى في أعطان الإبل وإن فرش ثوبًا، ولا على بساط فيه تماثيل، ولا في الدَّار المغصوبة، وذكر بعضهم: أنَّه كره مالك الصلاة في الدار المغصوبة)، قال القرطبي: (والصحيح الذي يدلُّ عليه الخبر والنظر: أنَّ الصلاة بكل موضع طاهر صحيحةٌ جائزة، وما روي من قوله ﵇: «إنَّ هذا وادٍ به شيطان»، وقول عليٍّ: «نهاني رسول الله أن أصلي [بأرض] بابل»، وقوله: حين مر بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المُعذَّبين»)؛ فإنَّه مردود إلى الأصول المجمع عليها، وما روي من النهي عن الصلاة في تلك المواضع؛ كله منسوخ ومدفوع بقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإنَّه قال: «أُعطيت خمسًا لم يؤتهن أحد قبلي...»؛ الحديث رواه الجماعة، ومن الجائز على فضائله ﵇ الزيادة، وغير جائز النقصان، يدلُّ عليه قوله ﵇ لأبي ذر: «حيث ما أدركتك الصلاة؛ فصلِّ، فإن الأرض كلها مسجدٌ (^٣)» ذكره المؤلف، ولم يخص موضعًا من موضع.\nوأمَّا حديث الترمذي؛ فهو انفرد به زيد بن جبيرة، وأنكروه عليه، ولا يعرف الحديث مسندًا إلا برواية يحيى بن أيوب عن (^٤) زيد بن جبيرة، وكتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن هذا الحديث، فكتب إليه ابن نافع: (لا أعلم من حدَّث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل) ذكره الحلواني عن ابن أبي مريم عن الليث.\nوحديث علي: (نهاني...)؛ إسناده ضعيف.\nواتخاذه ﵇ مسجده على مقبرة المشركين دليل: جواز الصلاة في المقبرة، وكذلك وردت السنة باتخاذ البيع والكنائس مساجد، وروى النسائي عن طلق بن علي قال: (خرجنا وفدًا إلى النبيِّ ﷺ، فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا...)؛ الحديث، وفيه: «فإذا أتيتم أرضكم؛ فاكسروا بيعتكم واتخذوها مسجدًا»، وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أنه ﵇ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم.\nوهذا كله حجة مستقيمة على أحمد ومن تبعه في عدم جواز الصلاة في تلك المواضع.\nوقول ابن العربي: (فإن هذه المواضع مستثناة من قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا») ممنوع؛ فإنَّه دعوى باطلة لا دليل عليها، بل المراد بالأرض كلها، كما جاء في رواية المؤلف، كما سبق، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: (بهم)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (دليل)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (مسجدًا)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (بن)، وهو تحريف.","vol":"1","page":300},{"text":"<span id=\"b-٧٢٦\"> </span>(٥٤) <span data-type=\"title\" id=toc-726>[باب الصلاة في البيعة]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة): فرضها، وواجبها، ونفلها (في البِيعة) بكسر الموحدة: معبد النصارى، والكنيسة: معبد اليهود.\nفإن قلتَ: إذا كان كذلك؛ فكيف عقد الباب للصلاة في البيعة، والمذكور في الحديث هو الكنيسة؟\nقلتُ: عقد الباب هكذا على قول من لم يفرِّق بينهما؛ فإن الجوهري قال: (الكنيسة والبيعة للنصارى)، ويقال البيعة: (صومعة الراهب) ذكره في «المحكم»، ويقال: البيعة، والكنيسة: للنصارى، والصلوات: لليهود، والصوامع: للرهبان، وقال الداودي: (البيع: لليهود، والصلوات: للصابئين، وقيل: كالمساجد للمسلمين)، وقال القاضي عياض: (وأنكر بعض أهل اللغة هذه المقالة)، وقال الجواليقي: (جعل بعض العلماء البيعة والكنيسة فارسيتين معرَّبتين)، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وحاصله: أنَّه اختلف أهل اللغة في ذلك، فقال بعضهم: البيعة للنصارى، والكنيسة لليهود، وقال بعضهم: البيعة والكنيسة للنصارى، والصلوات لليهود، والصوامع للرهبان.\nوزعم ابن حجر أنَّ المعتمد الثاني، ويدخل في حكم البيعة: الكنيسة وبيت المدراس، والصومعة وبيت الصنم، وبيت النار ونحو ذلك، انتهى.\nقلت: ولم يقل أحد من أهل اللغة أنَّ المعتمد الثاني، بل ذكروا هذا وهذا، فهو اعتماد من عنده، وهو مردود، على أن كلامه فيه تناقض؛ لأنَّه قال: (ويدخل في حكم البيعة: الكنيسة)؛ فجعل الكنيسة غير البيعة؛ فافهم.\nوفي «القاموس»: (أنَّ الكنيسة والبيعة للنصارى)، وعليه؛ فتحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، قال العجلوني: (ويقال قاس البيعة في الترجمة، على الكنيسة في الحديث) انتهى.\nقلت: ولم يبين الجامع بينهما، وقد يقال: الجامع بينهما هو وجود التماثيل في كلٍّ، لكن يقال عليه: إنَّ التماثيل في البيعة فقط؛ لأنَّ النصارى هم الذين يصورون صور عبادهم من الرهبان، بخلاف اليهود، فإنَّهم لا يصورون ولا يضعون الصور في كنائسهم؛ فافهم.\nوالظاهر: هو الأول، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] فالصوامع: جمع (صومعة)؛ وهو موضع يتعبد فيه الرهبان، والبيع: جمع (بيعة)؛ وهي للنصارى، وصلوات كنائس اليهود، والصلوات معرَّبة أصلها بالعبرانية: صلواث بالمثلثة، وهي في لغتهم بمعنى: المصلى؛ فافهم.\nوقال المهلب: (هذا باب ليس معارضًا لباب: من صلى وقدامه نار أو تنور؛ لأنَّ الاختيار ألَّا يبتدئ بالصلاة إلى شيء من معبودات الكفار، إلا أن يعرض له، كما في حديث صلاة الخسوف، وعرض النار عليه ﷺ).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (تقرير معنى المعارضة بين البابين أن في هذا الباب كراهة الصلاة أو تحريمها، وفي ذلك الباب جوازها مع عدم الكراهة، وتقرير الجواب: أن ما كان في ذاك الباب بغير الاختيار، وما في هذا الباب من قول عمر: «إنَّا لا ندخل كنائسكم»؛ يعني: بالاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إلى ذلك) انتهى.\nوأراد المؤلف بهذه الترجمة؛ على أنَّ الصلاة في البيع، والكنائس، ونحوهما مكروهة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه ﵃، وذلك لأنَّ في الصلاة عندهم يجلب الاستهزاء بعبادتنا، ويلزم عليه المجادلة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ...﴾؛ الآية [العنكبوت: ٤٦]، ولأن فيها الصور والتماثيل، وقد نهينا عن الصلاة عندها، ولهذا قالوا: إذا تكرَّر منه الدخول للبيع ونحوها؛ يعزَّر بما يليق به، كما صرَّح به صاحب «البحر» وقال الشافعي: (الصلاة في البيع ونحوها مكروهة بشرط وجود التماثيل، وهو مروي عن ابن عبَّاس) والله أعلم.\n (وقال عمر): هو ابن الخطاب أمير المؤمنين ﵁، مما وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: لما قَدِم عمر الشام؛ صنع له رجل من النصارى طعامًا، وكان من عظمائهم، وقال: أحبُّ أن تجيبني وتكرمني، فقال له عمر: (إنَّا)؛ بكسر الهمزة، أصله: إننا، فحذفت النون الثانية تخفيفًا، وهي للتأكيد، والمحذوفة: اسمها (لا ندخل كنائسكم)؛ بكاف الخطاب، وميم الجمع، وللأصيلي: (كنائسهم) بضمير الجمع الغائب، والرجل المذكور اسمه قسطنطين، سمَّاه مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مسجعة بن ربعي عن عمر في قصة طويلة أخرجها، وقول عمر هذا في حكم المرفوع؛ لأنَّ معناه: نهينا أن (^١) ندخل كنائسكم، والناهي هو النبيُّ الأعظم ﷺ لا غير، فقول الصحابي: إنَّا لا نفعل كذا، ونحوه في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال من قبل الرأي، لأنَّه لا مجال للرأي فيه، والنهي يقتضي الكراهة؛ فدل هذا على كراهة الصلاة في البيع، والكنائس، ونحوهما؛ فافهم.\nوقوله: (من أجل التماثيل)؛ جمع (تِمثال) بكسر أوله؛ وهو الصورة (التي فيها الصور) بالجمع، قيل: وفي نسخة بالإفراد؛ تعليل لعدم دخوله كنائسهم.\nقال إمام الشَّارحين: (الجملة اسمية؛ لأنَّ الصور بالرفع مبتدأ مؤخر، وقوله: «فيها» خبره مقدَّم؛ أي: في الكنائس، والجملة صلة الموصول، وقعت صفة للكنائس لا للتماثيل؛ لفساد المعنى، لأنَّ التماثيل هي الصور، ويروى: «الصورِ»؛ بالجر، فعلى هذا؛ يكون الموصول مع صلته صفة التماثيل، ويكون (الصورِ)؛ بالجر بدلًا من التماثيل، أو عطف بيان، ويجوز نصب الصور على الاختصاص، وفي رواية الأصيلي: «والصور»؛ بواو العطف على التماثيل، والمعنى: ولأجل الصور التي فيها، والصورة أعم من التماثيل) انتهى كلامه\nوقال العجلوني: (ويجوز جعل «التي» نعتًا للتماثيل، و«فيها الصور» من مبتدأ وخبر، أو الظرف المقدَّر بـ «استقرَّ»، وفاعله صلة الموصول، و«الصور»؛ بمعنى: المصورات، وبينها وبين التماثيل عموم وخصوص مطلق؛ فكل تمثال صورة، ولا عكس، وضمير «فيها» على هذا للتماثيل، وهو من ظرفية العام في الخاص، أو هو من باب التجريد) انتهى.\nقلت: وظاهر كلام إمام الشَّارحين، وكذا الكرماني أن جعل (التي) نعتًالـ (كنائس) متعين؛ لأنَّه قد نفى جعلها صفة للتماثيل؛ لفساد المعنى، وهو كذلك؛ لأنَّ عدم دخوله الكنائس من أجل الصور لا التماثيل؛ لأنَّ التمثال قد يكون على خلاف الصورة، والمراد بالتماثيل: الصلبان المعلقة في الكنائس، فهي ليست بصورة ذي روح، فبين الصور والتماثيل عموم وخصوص وجهي يجتمع أحدهما في مادة، وينفرد أحدهما في مادة أخرى، فيجتمعان في الصورة مطلقًا، وتنفرد الصورة بذي الروح، وتنفرد التماثيل في غير ذي روح؛ مثل الصلبان ونحوها، إذا علمت هذا؛ لم يصح جعلها نعتًا لـ (التماثيل)؛ لفساد المعنى؛ فافهم.\nثم قال العجلوني: (وقوله: «لأن التماثيل هي الصور»؛ فيه أنَّ الصور أعم) انتهى.\nقلت: هذا أخذه من كلام إمام الشَّارحين حيث قال: والصورة\n_________\n(^١) في الأصل: (ألا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":301},{"text":"أعم من التماثيل، انتهى.\nقلت: فإذا كان هذا كلامه؛ كيف يعترض عليه؟ وقد يقال هذا على المعنى الثاني الذي ذكرناه.\nورواية الرفع لأبي ذر، ورواية النصب صحح عليها في «الفرع» و«أصله»، ويجوز نصبها بإضمار: أعني، فتكون مفعولة لفعل محذوف، وقال في «المصابيح» عن ابن مالك: (إنه يجوز في رواية الجر كونه معطوفًا بواو محذوفة).\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّ حروف العطف كأحرف الجر لا تعمل محذوفة، فيتعيَّن كونه بدلًا أو عطف بيان، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد صرح أن في رواية الأصيلي: بواو العطف على التماثيل، وعليه؛ فلا حاجة إلى هذا؛ فافهم.\nوقد انتهت الجهالة لابن حجر، فزعم أنَّ (الصورُ)؛ بالرفع أي: أنَّ التماثيل مصورة، والضمير في (فيها) على هذا للتماثيل، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين بأنَّ هذا توجيه من لا يعرف من العربية شيئًا، انتهى.\nوتبعه العجلوني فقال: (هو غير ظاهر، سواء كان بيان معنى أو إعراب، وقد يقال: إنَّما هو من قلم الناسخ، فأراد أن يقول: أي: أنَّ «الصور»؛ بمعنى: المصورة مظروفة في التماثيل، ولهذا جعل ضمير «فيها» راجعًا إلى التماثيل لا إلى الكنيسة مع أنه لا يستقيم المعنى؛ لأنَّه يلزم عليه أن تكون التماثيل مصورة في التماثيل) انتهى.\nقلت: ولا يلزم أن يقال: (هو من قلم الناسخ)؛ لأنَّ كم مرة ظهر عدم معرفته في علم العربية، وهذا منها، فلا تغترَّ بما قاله؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إنَّ عدم دخوله في كنائسهم لأجل الصور التي فيها، ولولا الصور؛ ما كان يمتنع من الدخول، وعند الدخول لا يمنع الصلاة، فحينئذ صحَّ فعل الصلاة في البيعة من غير كراهة إذا لم يكن فيها تماثيل، ومما يؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن سهل بن سعد، عن حميد، عن بكر قال: كتبت إلى عمر ﵁ من نجران: إنَّهم لم يجدوا مكانًا أنظف ولا أجود من بيعة؛ فكتب إليه، انضحوها بماء وسدر، وصلوا فيها) انتهى.\nقلت: يعني: لأنَّه يغلب عليها النجاسات، وهم لا يفرقون (^١) الطهارة من النجاسة، فأفاد أنَّ الصلاة في البيع والكنائس إنَّما تكون صحيحة إذا كان المكان طاهرًا، والصلاة فيها حينئذ غير مكروهة، يدل عليه: أنَّ السنة وردت باتخاذ البيع والكنائس مساجد، وقد يقال: إنَّ الصلاة في البيع والكنائس مكروهة؛ لأنَّها بقعة غضب وسخط، فإنَّها بقعة يُعصَى الله تعالى فيها، ويكفر به، وليس كذلك المقبرة؛ مع أنَّ الجمهور على أنَّ الصلاة في المقبرة مكروهة، وذهب أحمد وغيره: إلى أنها لا تصح، كما قدمناه، ولأنَّ في صلاته في البيع ونحوها يلزم منه استهزاء الكفار بعبادة الإسلام، وقد نُهينا عن مجادلتهم؛ لأنَّه يلزم منه المجادلة في الديانات، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ...﴾؛ الآية [العنكبوت: ٤٦]، فليكن الحق أنَّ الصلاة في البيع والكنائس مكروهة مطلقًا، سواء كان فيها تماثيل وصور أم لا؛ فافهم.\n (وكان) عبد الله (ابن عبَّاس) حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ﵄ (يصلي) أي: الفرض وغيره (في البِيْعة)؛ بكسر الموحدة، وسكون التحتية: معبد النصارى (إلا بيعة فيها تماثيل) جمع (تِمثال)؛ بكسر الفوقية.\nوهذا التعليق وصله البغوي في «الجعديات»، وزاد فيه: (فإن كان فيها تماثيل؛ خرج فصلَّى في المطر)، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند فيه خصيف-وفيه كلام- عن مقسم عن ابن عبَّاس أنه: كره الصلاة في الكنيسة؛ إذا كان فيها تصاوير، ولم يَرَ عطاء والشعبي وابن سيرين بالصلاة في الكنائس والبيع بأسًا، وهو قول مالك، وروي عنه: أنه كره الصلاة فيها؛ لما يصيب أهلها فيها من الخنازير والخمر، إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: ومطابقته للترجمة ظاهرة، وقد يقال: الصلاة في الكنائس والبيع مكروهة؛ لأنَّها مأوى الشياطين، وبقعة غضب الله عليها؛ لأنَّها محل يكفر بالله فيه، وهو مذهب الحسن البصري.\nويدل للكراهة: أنَّ الكنائس والبيع مأوًى لكلٍّ من الخنازير، والكلاب، والخمر، ونحوها من النجاساتالتي يجتنبها المصلي إذا أراد الصلاة، وقد نصَّ أئمتنا الأعلام على أنَّ الصلاة تكره في قرب النجاسات؛ كالمزبلة وحائط نجس.\n\n <span id=\"b-٧٢٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-727>[حديث: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا]</span>\n٤٣٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد): غير منسوب، وفي رواية ابن عساكر: (محمد بن سلَام)؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وعزاها صاحب «عمدة القاري» لابن السكن؛ فإنَّه صرَّح به في روايته (قال أخبرنا)؛ بالجمع، وللأصيلي بالإفراد (عَبْدة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة آخره هاء، هو لقبه، واسمه عبد الرحمن بن سليمان، (عن هِشام بن عُروة)؛ بكسر الهاء في الأول، وضم العين المهملة في الثاني، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة): هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أن أم سَلَمة)؛ بفتح الهمزة في «أن»، وفتح المهملات في «سلمة»؛ أم المؤمنين، واسمها: هند -على الأصح- بنت أبي أمية المخزومية، هاجر بها زوجها إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة؛ مات زوجها، فتزوجها النبيُّ الأعظم ﷺ.\n (ذكرتْ) بتاء التأنيث (لرسول الله ﷺ كَنيسة)؛ بفتح الكاف: معبد اليهود، ويقال لها: صِلاة؛ بكسر الصاد المهملة، ويقال: إنَّها معبد النصارى (رأتها)؛ أي: أم سلمة، (بأرض الحبشة) حين كانت مع زوجها الأول أبو سلمة هناك (يقال لها)؛ أي: لتلك الكنيسة، و«يُقال»؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول: (مارِيةُ)؛ بتخفيف الراء والتحتية: النقرة، وبتشديدها: القطاة الملساء، قاله إمام الشارحين، وهي بالرفع نائب فاعل «يقال».\n (فذكرتْ) أي: أم سلمة (له) أي: للنبيِّ الأعظم ﷺ (ما رأت فيها) أي: في الكنيسة (من الصور)؛ أي: التماثيل المصورة، (فقال رسول الله ﷺ) أي: لها: (أولئكِ) بكسر الكاف خطابًا للمؤنث، ويجوز فتحها (قوم)؛ أي: من النصارى، (إذا مات فيهم العبد الصالح)؛ أي: من نبي أو غيره، (أو الرجل الصالح): كذلك، وكلمة «أو» للشك من الراوي، والظاهر: أنَّه من هشام؛ (بنوا على قبره مسجدًا) هذا جواب كلمة «إذا»، (وصوروا فيه) أي: في المسجد (تلكِ الصور)؛ باللام، وفي رواية: «تيكِ»؛ بفوقية ثم تحتية، بدل اللام، والكاف فيهما مكسورة، ويجوز فتحها؛ أي: لأجل\n_________\n(^١) في الأصل: (لا يوقرون)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":301},{"text":"أن يتذكروا عبادته، فيجتهدوا في العبادة.\nوقال القرطبي: (وذكر أنَّها صور الأنبياء ﵈ والعلماء، وكانت تصوَّر في المساجد؛ ليراها الناس؛ فيزدادوا عبادة واجتهادًا).\n (أولئكَِ)؛ بكسر الكاف وفتحها (شِرار الخلق عند الله)؛ بكسر الشين المعجمة، جمع (الشر)؛ كالخيار جمع (الخير)، والتجار جمع (التجر)، وأما الأشرار؛ فقال يونس: (واحدها شر)، أيضًا قال الأخفش: (شرِّير مثل يتيم وأيتام).\nقال القرطبي: (إنَّما صوَّروا أوائلهم الصور؛ ليتأنَّسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة؛ فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خَلَف من بعدهم خلوف وجهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان: إنَّأسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيُّ الأعظم ﷺ عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسد الذرائع في قبره ﵇).\nوكان ذلك في مرض موته؛ إشارة إلى أنَّه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده، ولمَّا احتاجت الصَّحابة والتَّابعون ﵃ إلى زيادة مسجده ﵇؛ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلَّا يصلِّ إليه العوام، فيؤدِّي إلى ذلك المحذور، ثمَّ بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرَّفوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر، انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: «بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور»؛ لأنَّ الباب معقود في الصلاة في البيعة، وقد مرَّ أنَّها تكره الصلاة في البيعة إذا كانت فيها الصور) انتهى.\nوزعم العجلوني والقسطلاني تبعًا لابن حجر أن وجه المطابقة في قوله: (بنوا على قبره مسجدًا)؛ فإن فيه الإشارة إلى نهي المسلم عن أن يصلي في الكنيسة؛ فيتخذها بصلاته مسجدًا، انتهى.\nقلت: وهو قاصر؛ لأنَّ الباب معقود؛ لبيان جواز الصلاة في البيعة، مع عدم الكراهة إذا لم يكن فيها صور، وليس المراد منه النهي عن أن يتخذ المسلم الكنيسة بصلاته مسجدًا، فإنَّه لو كان كما قالوا؛ فلا دلالة في الحديث على الترجمة، فما قاله إمام الشَّارحين هو الصواب.\nوفي الحديث: كراهة الصلاة في الكنيسة، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومثلها البيعة، وبه قال الشافعية، وزعم الحنابلة أنَّ الصلاة غير مكروهة، والحديث حجة عليهم، وفيه النهي عن فعل التصاوير، وأنَّه حرام، سواء كان في حيوان أو غيره.\nوفيه: منع بناء المساجد على القبور، وفيه: ذم فاعل المحرمات، وفيه: جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وفيه: أنَّ الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.\nومقتضى الأحاديث تدل على أنَّ الصور ممنوعة، ثم جاء: (إلا ما كان رقمًا في ثوب)؛ فخُصَّ من جملة الصور، ثم تثبت الكراهة فيه بقوله ﵇ لعائشة في الثوب: «أخِّريه عني»، وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»: وهو يدلُّ على المنع من التصوير بشيء؛ أي شيء كان، ويستثنى من ذلك لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة: أنَّه ﵇ تزوجها وهي بنت سبع (^١)، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع، ولُعَبُها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان عشرة، وعنها أيضًا قالت: (كنت ألعب بالبنات عند النبيِّ الأعظم ﷺ، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان ﵇ إذا دخل؛ يتقمعن منه، فيسريهن إلي؛ فيلعبن معي) أخرجهما مسلم في «صحيحه»، قال العلماء: وذلك للضرورة الداعية إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن، انتهى.\nقلت: هذا أمر باق إلى يومنا هذا؛ فإن البنات يجعلن شيئًا من الخروق وغيره، ويجعلنه كالبنات ويلعبن فيه البنات؛ فهو مستثنًى من النهي للحاجة، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٢٨\"> </span>(٥٥) [باب....]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين ثابت لأكثر الرواة، ساقط في رواية الأصيلي، ولم يذكر له ترجمة عند من أثبته، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وله تعلُّق بذاك، ووجه تعلُّقِه أنَّ كلًّا منهما مشتمل على الزجر عن اتخاذ القبور مساجد، والتصوير مذكور هناك، وههنا يشير إلى أن اتخاذ القبور مساجد مذموم، سواء كان فعل ذلك بصور أم لا، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n\n <span id=\"b-٧٢٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-729>[حديث: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]</span>\n٤٣٥ - ٤٣٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليَمان)؛ بفتح التحتية: هو الحَكَم-بفتحتين- ابن نافع الحمصي، البهراني، مولى امرأة من بهراء، المتوفى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين (قال أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة؛ بالمهملة، والزاي، دينار القرشي، الأموي، مولاهم: أبو بشر، (عن الزهري) هو محمد بن مسلم ابن شهاب المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عتْبة) بسكون الفوقية، هو ابن مسعود: (أن عائشة)؛ بفتح الهمزة، هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (وعبد الله بن عبَّاس) بالنصب عطفًا على عائشة ﵃ (قالا) بالتثنية: (لما نزل)؛ بفتحتين، على صيغة المعلوم، في رواية أبي ذر، وفاعله محذوف؛ أي: الموت، وفي رواية غيره: بضمِّ النون، وكسر الزاي على صيغة المجهول.\nوقوله: (برسول الله ﷺ) نائب فاعل، والنزلة كالزكام، قاله العجلوني.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ في تمثيله بالزكام سوء أدب في حقه ﵇؛ لأنَّه يلزم منه نزول أنفه ﵇، فربما يأنف منه من رآه، فيقع في محظور، وإنَّما النزلة مثل وجع رأس، أو ظهر، أو قلب، مما لم ينفر من رآه؛ فافهم.\nوقوله: (طفِق) جواب (لمَّا) وهي بكسر الفاء، وقد تفتح (^٢)، وقد تبدل باء موحدة.\nقال إمام الشَّارحين: (وهو من أفعال المقاربة: وهي على ثلاثة أنواع؛ منها: ما وضع للدلالة على الشروع في الخبر، وأفعاله: أنشأ وطفق وجعل وعلق واحد، وتعمل هذه الأفعال عمل كان إلا أن خبرهن يجب كونه جملة، وحكى الأخفش طَفَق يَطْفِق، مثل ضرَب يضرِب\n_________\n(^١) في الأصل: (تسع)، والمثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (تكسر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":302},{"text":"وطَفِق يَطْفَق، مثل علِم يعلَم، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدرًا، حكى الأخفش: طفوقًا؛ عمن قال: طَفق بالفتح، وطِفقًا بالكسر، ومعناه ههنا: جعل) انتهى.\nقلت: واسمها عائد للنبيِّ الأعظم ﷺ، وخبرها جملة قوله: (يطرح خميصة)؛ بالنصب مفعول (يطرح)؛ وهي كساء له أعلام، أو علمان أسود مربع (له) جار ومجرور محله النصب صفة لـ (خميصة) (على وجهه) متعلق بقوله: يطرح، (فإذا اغتمَّ) بالغين المعجمة؛ أي: صار له غم، وأخذ بنفسه من شدة الحر الحاصل من طرحها على وجهه، وفي «القاموس»؛ الغم: شدة الحر كاد يأخذ بالنفس، انتهى.\nقلت: فتفسير الشراح له: (تسخن) تفسيرٌ باللازم، قال الكرماني: ويقال: غمَّ يومنا؛ إذا كان يأخذ بالنفس من شدة الحر، انتهى؛ فافهم\n (كشفها) أي: الخميصة (عن وجهه) الشريف، قلت: والظاهر أنَّها الكفية التي يستعملها الأعراب، والبغداديون، والمسافرون؛ لأجل دفع حر الشمس؛ فافهم.\n (فقال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وهو كذلك) أي: وهو في تلك الحالة؛ أي: حالة الطرح والكشف عن وجهه، وهذا مقول الراوي.\nوزعم ابن حجر ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي ذكرت فيه أم سلمة وأم حبيبة أمر الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا بعيد جدًّا لا يخفى على الفطن) انتهى.\nقلت: ووجه بعده: أنَّ ظاهر لفظ الحديث يرده ويخالفه؛ لقوله: (فإذا اغتم؛ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك) حيث أتى بـ (الفاء) التي للتعقيب، فعقب القول بالكشف على أنَّ هذا فيما ذكر في باب (هل تنبش قبور مشركي الجاهلية) والقصة هناك غير القصة ههنا، بدليل أنَّ التي ذكرت هناك هي أم سلمة وأم حبيبة، وههنا ذكرت عائشة وابن عبَّاس، مع اختلاف الألفاظ، فالتباين بينهما ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم\nولا يقال: إنَّه قد ذكر ذلك في باب (الصلاة في البيعة)؛ لأنَّه حين ذكرت أم سلمة الكنيسة؛ فقال: «أولئك...» إلى آخره وهذا غير ذاك كما لا يخفى.\n (لعنة الله) مبتدأ ومضاف إليه، وخبره: قوله (على اليهود والنصارى) واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، يقال: لعنه الله، يلعنه لعنًا فهو ملعون، ولعين، ويقال: رجل لُعَنة؛ بفتح العين المهملة؛ أي: كثير اللعن، ولعْنة؛ بسكونها؛ أي: تلعنه الناس، وقال مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال: (دواب الأرض تلعنهم)، وقال ابن عبَّاس: (اللاعنون: كل شيء إلا الإنس والجن)، وقال قتادة: (هم الملائكة)، وقال عطاء: (الإنس والجن)، وقوله ﵇: «من أخفر مسلمًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وقوله ﵇: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق»، سميت ملاعن؛ لأنَّ الناس يلعنون فاعل ذلك، فهي مواضع لعن، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] هي: الشديدة من شدائد الدهر، ثم أتبعه ﵇ ببيان سبب لعنهم فقال: (اتخذوا) أي: اليهود والنصارى (قبور أنبيائهم مساجد) فهي جملة مستأنفة بيانية لموجب لعنهم، وقال إمام الشَّارحين: كأنَّه جواب عن سؤال سائل، ما سبب لعنهم؟ فأجيب عنه بقوله: (اتخذوا)؛ يعني: القبور مساجد يعبدون أنبياءهم المدفونة بها.\nوقوله: (يُحذِّر)؛ بتشديد الذال المعجمة المكسورة، وضم التحتية أوله، والفاعل (^١) هو النبيُّ الأعظم ﷺ (أمته) أي: أمة الإجابة لا الدعوة؛ بدليل قوله: (ما صنعوا) أي: من اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، جملة مستأنفة أخرى من كلام الراوي، لا من كلامه ﵇، وإنَّما كان يحذرهم من ذلك الصنيع؛ لئلا يفعل بقبره الشريف مثله، ولعلَّ الحكمة فيه: أنَّه يصير بالتدريج شبيهًا بعبادة الأصنام، وكلمة (ما) موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد إليه محذوف تقديره: (صنعوه)، كما ثبت في نسخة، في محل نصب على المفعول الثاني لـ (يحذر)، ومفعوله الأول: محذوف يقدر بما قلناه، وضمير المرفوع عائد إلى اليهود والنصارى.\nفإن قلت: استشكل ذكر النصارى في الحديث؛ لأنَّهم ليس لهم نبي إلا عيسى، ولا قبر له؛ لأنَّه حي في السماء.\nقلت: يحتمل أنَّه من باب التغليب؛ حيث غلَّب اليهود على النصارى بجامع الكفر في كل منهما.\nويحتمل كونه على حذف جملة تقديره: اتخذت اليهود قبور أنبيائهم مساجد، واتخذت النصارى أمكنة عيسى مساجد، فإنَّهم قد اتخذوا مكان ولادته في بيت لحم، ومكان النخلة، ومكان مهده، وغير ذلك مساجد.\nويحتمل أنَّهم اتخذوا قبور الأنبياء السابقة مساجد؛ كداود وسليمان.\nويحتمل أنَّ المراد: الأنبياء وصالحو (^٢) أتباعهم؛ حيث اكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر صالحيهم على حد قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ويؤيده ما في رواية مسلم من طريق جندب: «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم»، ولهذا قال في النصارى حين أفردهم: «إذا مات فيهم الرجل الصالح»، وقال في اليهود حين أفردهم: «اتخذوا قبور أنبيائهم».\nويحتمل أنَّ المراد بالاتخاذ أعم من كونه ابتداعيًّا أو اتباعيًّا؛ لأنَّ اليهود ابتدعت والنصارى اتبعت، ولا ريب أنَّ النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود؛ فتأمل.\nوزعم ابن حجر فأجاب: بأنَّ للنصارى أنبياء غير عيسى، لكنهم ليسوا برسل؛ كالحواريين ومريم في قول.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (وفيه نظر؛ لأنَّه جاء في رواية عن عكرمة وقتادة والزهري «أنَّ الثلاثة الذين أتوا إلى أنطاكية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] كانوا رسلًا من الله تعالى، وهم: صادق ومصدوق وشلوم»، وعن قتادة أنَّهم كانوا رسلًا من عيسى ﵇، فعلى هذا؛ لم يكونوا أنبياء، فضلًا عن أن يكونوا رسلًا من الله تعالى، وأما مريم؛ فزعم ابن حزم وآخرون أنَّها نبية، وكذلك سارة أم إسحاق وأم موسى ﵈، وعند الجمهور كما حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره من أهل السنة والجماعة أنَّ النبوة مختصة بالرجال،\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (نائب)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (وصالحي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":302},{"text":"وليست في النساء نبية) انتهى.\nواعترضه العجلوني تعصبًا لابن حجر، فقال: لا نظر؛ لأنَّ المجيب قال: (في قول)؛ فافهم.\nقلت: بل فيه نظر؛ لأنَّ الاعتراض متوجه على هذا القول الذي اعتمده قائله وجزم به؛ لأنَّه لم يذكر غيره؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة التي في باب المترجم، في قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ لأنَّهم إذا اتخذوها مساجد يصلون فيها، ويسمون المساجد البيع والكنائس، والباب معقود في الصلاة في البيع) انتهى.\nقلت: وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاة في البيع والكنائس مكروهة ولو لم يكن فيها تصاوير، فإنَّ هذا الباب تابع للباب السابق، فالظاهر: أنَّ المؤلف ألحقه؛ لبيان ثبوت الكراهة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-730>[حديث: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]</span>\n٤٣٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسلَمة)؛ بفتح الميم واللام، بينهما مهملة ساكنة، هو القعنبي المدني، (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني التابعي، (عن سعيد بن المسيّب)؛ بفتح التحتية وكسرها، هو المدني التابعي، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي ﵁ (أنَّ)؛ بفتح الهمزة وتشديد النون (رسول الله ﷺ)؛ بالنصب: اسمها، وخبرها: جملة قوله (قال: قاتل الله اليهود)؛ أي: قتلهم الله؛ لأنَّ فَاعَل (يجيء) بمعنى فَعل أيضًا، كقولهم سافر وسارع بمعنى: سفر وسرع، ويقال: معناه: لعنهم الله، ويقال: عاداهم الله، ويقال: القتال ههنا: عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤداه ومؤدى اللعنة واحد، وإنَّما خصص اليهود ههنا بالذكر بخلاف ما تقدم؛ لأنَّهم أسسوا هذا الاتخاذ وابتدؤوا به، واتبعتهم النصارى، فهم أظلم، أو لأنَّهم أشد غلوًّا فيه، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\n (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة، جواب سؤال سائل يقول: ما سبب قوله: قاتل الله اليهود؟ فأجاب بقوله: «اتخذوا...» إلى آخره.\nومطابقة (^١) الحديث لترجمة الباب المترجم ظاهرة مما سبق، وفيه: منع البناء على القبر؛ لأنَّ أبا داود أخرج هذا الحديث، وترجم له: (باب البناء على القبر)، وروي أيضًا عن أحمد ابن حنبل: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سمع جابرًا يقول: (سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يقعد على القبر وأنيقصَّص، وأن يبنى عليه)، وأخرجه مسلم أيضًا والترمذي، وفي روايته (وأن يكتب عليها)، والنسائي أيضًا، وفي روايته (وأن يزاد عليه) انتهى.\nقلت: ففيه النهي عن القعود على القبر، ومقتضاه التحريم، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أنَّ القعود على القبر؛ لقراءة القرآن لا يكره، وكذلك وطؤها؛ لما رواه مالك في «الموطأ»: أنَّ عليًّا ﵁ كان يتوسد القبور ويضطجع عليها، وفي «الصحيح» تعليقًا، قال نافع: (كان ابن عمر يجلس على القبور)، ووصله الحافظ أبو جعفر الطحاوي، ثم أخرج عن زيد بن ثابت مرفوعًا قال: (وإنَّما نهى النبيُّ ﷺ عن الجلوس على القبور؛ لحدث، أو بول، أو غائط، وأمَّا الجلوس لغير ذلك؛ فلم يدخل في النهي عن ذلك)، وهذا قول الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال مالك.\nوفي الحديث الذي عند أبي داود النهي عن أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، ومقتضى النهي التحريم، وقد صرَّح أئمتنا الأعلام بحرمة البناء عليه، وتجصيصه؛ للزينة، وأمَّا الكتابة؛ فقال صاحب «المحيط»: (إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر، ولا يمتهن به؛ جازت، أما الكتابة من غير عذر؛ فلا) انتهى والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٣١\"> </span>(٥٦) <span data-type=\"title\" id=toc-731>[باب قول النبي: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا]</span>\nهذا (باب) بيان (قول النبيِّ) الأعظم (ﷺ) في الحديث المشهور (جعلت لي) أي: ولأمتي (الأرض) أي: جنسها (مسجدًا وطَهورًا)؛ بفتح الطاء المهملة على المشهور، فتجوز الصلاة في أي مكان كان منها، إلا أن يمنع مانع شرعي، وتقدم ذلك في حديث جابر في أوائل (التيمم)، ولا تفاوت بينهما في المعنى.\nوفائدة إيراد هذا الباب عقيب الأبواب المتقدمة: الإشارة إلى أنَّ الكراهة فيها ليست للتحريم؛ لأنَّ عموم قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» يدلُّ على جواز الصلاة على أي جزء كان من أجزاء الأرض، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وقيل: إنَّ الكراهة فيها للتحريم، وعموم الحديث مخصوص بها، والأول هو الأولى عند المحققين؛ لأنَّ الحديث إنَّما سيق في مقام الاستنان، فلا ينبغي أن يكون مخصوصًا، فدخل في عمومه -كما قال ابن بطال- المقابر والمرابض والكنائس، وغيرها.\nقلت: ولا يَرِد المتنجس من الأرض؛ لأنَّه لعارض شرعي؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٣٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-732>[حديث: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي]</span>\n٤٣٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن سِنان)؛ بكسر المهملة وتخفيف النون، هو أبو بكر البصري الباهلي العَوَقِي؛ بفتح المهملة والواو مع كسر القاف، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال حدثنا هُشَيْم)؛ بضمِّ الهاء وفتح المعجمة وسكون التحتية: هو ابن بَشِير؛ بفتح الموحدة وكسر المعجمة، السلمي، مولاهم الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومئة ببغداد، قال القسطلاني: («بشير» بوزن «عظيم»، الفقيه الثبت، لكنَّه كثير التدليس والإرسال الخفي) انتهى.\nقلت: التدليس والإرسال الخفي إذا كان لغرض صحيح؛ غير مذموم، وهو معتبر عند المحدثين، كما عُلم في محله، وقول العجلوني: هشيم بن كثير؛ بالمثلثة، مكبرًَّا خطأٌ ظاهر؛ فليتنبه.\n (قال حدثنا سَيَّار)؛ بفتح المهملة أوله وتشديد التحتية، آخره راء، على وزن (فعَّال) بالتشديد: هو ابن أبي سيار، واسمه وردان العنزي الواسطي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئة، وقوله (هو أبو الحَكَم)؛ بفتحتين لقب سيار، يحتمل أنَّه من كلام محمد بن سنان، ويحتمل أنَّه من كلام المؤلف؛ للتعريف، وجزم العجلوني بالثاني، قلت: وليس له دليل عليه، وإنَّما هو محتمل، بل الظاهر الأول، يدل عليه أنَّ التعريف يكون من شيخه؛ لأنَّه لم يدركه؛ فافهم.\n (قال: حدثنا يَزيد)؛ بفتح أوله من الزيادة؛ هو ابن صُهيب؛ بضمِّ الصاد المهملة (الفقير) الكوفي، الثبت، الفقيه، الحجة، التابعي الجليل، أحد مشايخ الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وإنَّما\n_________\n(^١) في الأصل: (مطابقته)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":303},{"text":"اشتهر بالفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره (قال: حدثنا جابر بن عبد الله) هو الأنصاري، الصحابي الجليل ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ) أي: عام غزوة تبوك، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أحمد: (أعطيت)؛ بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول؛ أي: أعطاني الله (خمسًا) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: «فضلت على الأنبياء بست»، ولعله اطلع أولًا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي، وإلا؛ فخصوصياته كثيرة، والتنصيص على العدد لا يدل على نفي ما عداه، وتمامه في «عمدة القاري» (لم يعطهن أحد)؛ بالبناء للمفعول؛ كالأفعال بعده؛ أي: لم تجتمع لأحد، قاله الداودي وغيره (من الأنبياء قبلي)؛ أي: ولا نبي بعده، وأمته في بعضها تبع له، وزاد في حديث ابن عبَّاس: «لا أقولهن فخرًا»، وظاهر هذا الحديث أنَّ كلَّ واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله، وهو كذلك (نُصِرت)؛ بضمِّ النون، وكسر المهملة (بالرُّعب)؛ بضمِّ الراء أي: الخوف، الخوف يقذف في قلوب أعدائه (مسيرة شهر)؛ بالنصب على الظرفية، وجعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين بلده، وبين أحد من أعدائه أكثر منه (وجُعلت لي)؛ أي: ولأمتي أمة الإجابة؛ لأنَّ أمة الدعوة غير مخاطبين بفروع الإيمان على التحقيق عند الجمهور (الأرض) أي: كلها (مسجِدًا)؛ بكسر الجيم؛ أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون آخر، ويحتمل أنَّه مجاز عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلمَّا جازت الصلاة في الأرض كلها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق عليها اسمه.\nفإن قلت: ما الداعي إلى العدول عن حمله على حقيقته اللغوية، وهي موضع السجود؟\nقلت: أجاب في «المصابيح»: بأنَّه إن بني على قول سيبويه: أنَّه إذا أريد به موضع السجود قيل: مسجَد بالفتح فقط؛ فواضح، وإن جوز الكسر فيه؛ فالظاهر أنَّ الخصوصية هي كون الأرض محلًّا لإيقاع الصلاة بجملتها، لا لإيقاع السجود فقط، فإنَّه لم ينقل عن الأمم الماضية أنَّها كانت تخص السجود بموضع دون موضع، انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فقد نقل ذلك في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا «وكان من قبل إنَّما يصلون في كنائسهم»، وهذا نص في محل النزاع، فتثبت الخصوصية، ويدل عليه ما أخرجه البزار من حديث ابن عبَّاس نحو حديث الباب وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه»؛ فليحفظ.\nوعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوص بما نهى الشَّارع عن الصلاة فيه، ففي حديث ابن عمر عند ابن ماجه والترمذي (نهى النبيُّ الأعظم ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن، في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله ﷿) قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي، وقد تُكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وفي حديث أبي سعيد الخدري، عند أبي داود والترمذي مرفوعًا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» قال الترمذي: حديث فيه اضطراب، وقد ضعفه غيره، وفي حديث عليٍّ أنَّه كره الصلاة بخسف بابل، رواه المؤلف تعليقًا، ووصله ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف، وفي حديث ابن عمر كما تقدم، جميع ذلك في الأبواب المتقدمة، فهي محمولة على الكراهة في هذه المواضع، كما قدمناه.\n (و) جعلت لي الأرض (طَهورًا)؛ بفتح الطاء على المشهور، والمراد: جميع أجزائها؛ من حجر، ومدر، وتراب، ورمل، وجص، ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣]: وهو كل ما كان من أجزاء الأرض؛ ففيه جواز التيمم بجميع أجزائها، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومالك، والجمهور، وهو حجة على الشافعي؛ حيث شرط التراب استدلالًا برواية مسلم: «وجعلت تربتها لنا طهورًا» فقال: هو خاص يحمل على العام، ورُدَّ بأنَّه لا خصوصية بلفظ التراب؛ لأنَّ تربة كل مكان ما فيه من تراب وحجر ومدر ونحوها، وأجيب: بأنَّه قد ورد الحديث المذكور بلفظ التراب، رواه ابن خزيمة، ورُدَّ بأنَّه إن صح؛ يحمل على الغالب، فإنَّ الغالب على أجزاء الأرض التراب، فذكره؛ لكونه غالبًا لا للاحتراز، وتمامه فيما قدمناه؛ فافهم.\n (وأيما) بالواو، وللأصيلي: (فأيما) (رجلٍ) بالجر على الإضافة كائنٍ (من أمتي) والنساء والخناثى كالرجال (أدركته الصلاة) أي: دخل وقتها، والجملة محلها الجر: صفة لرجل و(أي): مبتدأ فيه معنى الشرط، زيد عليها (ما)؛ لزيادة التعميم، و(رجل) مضاف إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: «فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء، وجد الأرض طهورًا ومسجدًا»؛ (فليصل) أي: حيث أدركته الصلاة في أي مكان كان، وهو خبر المبتدأ، (وأحلت لي الغنائم)؛ جمع غنيمة، وفي رواية مسلم: (المغانم)؛ جمع مغنم، وهي ما حصل من الكفار بعد قتالهم، وفي رواية المؤلف السابقة: «ولم تحل لأحد قبلي»؛ لأنَّ منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانت الغنيمة حرامًا عليهم، بل تجيء نار تحرقها (وكان النبي) أي: غيري من الأنبياء (يبعث إلى قومه) المبعوث إليهم (خاصة)؛ بمعنى: خصوصًا، فهو من المصادر التي جاءت على (فاعلة)، كـ (القافية) و(العافية) منصوب على أنَّه مفعول مطلق بمحذوف تقديره: أخص النبي غيري من الأنبياء بالبعثة إلى قومه خصوصًا؛ بناء على المشهور من جواز حذف عامل المؤكِد؛ بكسر الكاف، خلافًا لابن مالك، و(التاء) فيها للتأنيث أو للمبالغة، ويجوز انتصابها أيضًا على الحال بمعنى: مخصوصًا، كما أوضحته في شرحي على «شرح الأزهرية» الذي سميته «تاج الأسطوانية»؛ فيراجع، (وبعثت إلى الناس كافة) أي: جميعًا، وهو مما يلزمه النصب على الحال، واستهجن إضافتها؛ نحو كافتهم، كذا قاله الشَّارح؛ أي: قومي وغيرهم من العرب، والعجم، والأسود، والأحمر، فـ (الناس): يشمل الإنس والجن، فمن أجاب منهم؛ يقال له: أمة الإجابة، والذي لم يجب؛ يقال له: أمة الدعوة، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: «وأرسلت إلى الخلق كافة»؛ وهي أصرح الروايات وأشملها، وهي تؤيد قول من قال: إنه","vol":"1","page":303},{"text":"﵇ أرسل إلى الملائكة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، (وأعطيت الشفاعة)؛ أي: العظمى، أو التي لأهل الصغائر والكبائر، أو من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، أو لرفع الدرجات في الجنة، أو في إدخال قوم الجنة بلا حساب، انتهى، وتمامه فيما قدمناه في (التيمم)، لكنَّ الشفاعة العظمى لا يشاركه بها أحد من الأنبياء وغيرهم، أمَّا غيرها؛ فيشاركه بها الأنبياء والعلماء وغيرهم؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٣٣\"> </span>(٥٧) <span data-type=\"title\" id=toc-733>[باب نوم المرأة في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (نوم المرأة في المسجد) سواء كانت حرة أو أمة، فإذا أمِنَت على نفسها، ولم يكن لها مسكن؛ فيجوز نومها فيه، كما يجوز لها السكنى فيه أيضًا، كذا أطلق الشراح، وينبغي تقييده بما إذا لم تكن حائضة، فإنَّ في حال حيضها لا يجوز لها النوم ولا السكنى في المسجد، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٧٣٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-734>[حديث: أن وليدة كانت سوداء]</span>\n٤٣٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبيد)؛ بضمِّ أوله؛ مصغرًا غير مضاف، وفي رواية: عبيد الله (بن إسماعيل) هو الكوفي الهَبَّاري، بفتح الهاء وتشديد الموحدة، وعبد الله: اسمه في الأصل كما ثبت في هذه الرواية، وعبيد: لقبه غلب عليه، وعرف به (قال: حدثنا أبو أسامة): هو حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، (عن هِشام)؛ بكسر الهاء هو ابن عروة، (عن أبيه): هو عروة بن الزبير بن العوام المدني، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أنَّ)؛ بفتح الهمزة (وَليدة)؛ بفتح الواو مكبرًا؛ يعني: أمة، والوليدة في الأصل: الطفلة، وقد تطلق على الأَمَة وإن كانت كبيرة، وفي «المخصص»: إذا ولد المولود، فهو وليد ساعة تلده أمه، والأنثى وليدة، وفي «المحكم»: الجمع: ولدان، كذا في «عمدة القاري» (كانت سوداء)؛ يعني: كانت امرأة كبيرة سوداء، ولم يذكر أحد اسمها، قاله إمام الشَّارحين (لحي من العرب) أي: لقبيلة منهم، ومتعلق اللام محذوف تقديره: كانت لحي من العرب، وهي في محل نصب على الوصفية، ولم يذكر أحد اسم الحي التي كانت لهم، قاله إمام الشَّارحين، (فأعتقوها) أي: الوليدةَ قومُها، (فكانت معهم) أي: لم تخرج عنهم، (قالت) أي: الوليدة: (فخرجت صبية) لم يقف على اسمها إمام الشَّارحين (لهم) أي: لهؤلاء الحي، وروى ثابت في «الدلائل» من طريق أبي معاوية عن هشام، فزاد فيه: أنَّ الصبية كانت عروسًا، فدخلت في مغتسلها، وكان (عليها) أي: الصبية (وشاح أحمر)؛ بكسر الواو، وبضمِّها، وتبدل همزة مكسورة، فيقال: الإشاح على البدل من الواو؛ وهو خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، والجمع: أوشحة، ووشح، ووشائح وفي «المخصص»: (الوشاح: من وسط إلى أسفل، ولا يكون الوشاح وشاحًا حتى يكون منظومًا بلؤلؤ أو ودع)، وفي «الجامع»: (الوشاح: خرز تتوشح المرأة به، ويقال له أيضًا: الوشجن)، وفي «المغيث»: (الوشاح: قلادة) (من سُيور)؛ بضمِّ المهملة، جمع سَير؛ بفتحها، وهو ما يقطع من الجلد غالبًا، وفي «المنتهى»: (إشاح: وهو ينسج من أديم عرضًا، وينظم عليه الجواهر، فيكون نظمان؛ أحدهما معطوف على الآخر، والجمع: وشح)، وفي «الصحاح» (الوشاح: ينسج من أديم عرضًا، ويرصع بالجواهر، وتشده المرأة بين عاتقها وكشحها)، وقال الداودي: (الوشاح: ثوب؛ كالبُرد، ونحوه)، قال في «المصابيح»: (هذا يصلح تفسيرًا لما في الحديث) انتهى.\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّ الوشاح هو من الجلد بدليل قوله: (من سيور) وهو: ما يقطع من الجلد، وكان عليه اللؤلؤ، فهذا يخالف ما زعمه؛ فافهم.\n (قالت) أي: الوليدة، وزعم القسطلاني، وتبعه العجلوني؛ أي: عائشة.\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ عائشة لم تحضر القصة، وإنَّما الوليدة الحاضرة، وهي تقص القصة على عائشة، ويدل عليه ما رواه ثابت في «الدلائل» وفيه: (أنَّ الصبية كانت عروسًا، فدخلت في مغتسلها، فوضعت الوشاح)، فهذا يدل على أنَّ القائل ذلك هي الوليدة، ويدل عليه أيضًا آخر الحديث؛ حيث قالت عائشة: فحدثتني بهذا؛ فافهم.\n (فوضعته) أي: الوشاح على الأرض، أو شيء؛ لأجل الاغتسال (أو وقع منها) بالشك من الراوي، والظاهر أنَّه من عائشة، وروى ثابت في «الدلائل»: فوضعت الصبية الوشاح، من غير شك (فمرت به) أي: بالوشاح، وسقطت لفظة (به) للأربعة (حُدَيَّاة)؛ بضمِّ الحاء وفتح الدال المهملتين، وتشديد التحتية، بعدها ألف، وفي آخره تاء، قال إمام الشَّارحين: والأصل فيها أن يقال حُديْأة؛ بهمزة مفتوحة بعد التحتية الساكنة؛ لأنَّها مصغر (حدأة) على وزن (عنبة)، ولكن أبدلت الهمزة ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصارت حدية، فقيل: حصلت الألف من إشباع الفتحة، وقيل: إنَّها كلمة موضوعة بلفظ التصغير مرادفة لـ (الحدأة)، وقال أمامنا الشَّارح: (وجمع الحدأة: حدء (^١) مقصور [و] مهموز نص عليه ثعلب)، وقال ابن قتيبة: (وجمعه حدان)، وقال ابن سيده: (والحداء أيضًا؛ بالمد والكسر: جمع الحدأة وهو نادر)، وقال ابن عديس: (ومن العرب من يسميها أيضًا الحِدَو؛ بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين بعدها واو ساكنة)، قال أبو منصور: (ومنه قول ابن عبَّاس «لا بأس بقتل الحدو»)، وقال ابن عديس: (وهي الحدى؛ مثل العزى، وأهل الحجاز يقولون لها: حديَّة، يشددون التحتية ولا يهمزون، والجمع: حدادي، وعن أبي حاتم أنَّه خطَّأهم في هذا، وقال ابن الأنباري: (الحداء جمع حدأة، وربما فتحوا الحاء فقالوا: حدأة وحداء، والكسر أجود)، وفي «الموعب»: (هي طائر يأكل الجرزان).\nقال إمام الشَّارحين: (هي الطائر المعروف الذي هو من الفواسق الخمس المأذون بقتلهن في الحل والحرم) انتهى.\nقلت: وهي معروفة يقال لها: شوحة، تأكل الجيف.\n (وهو) أي: الوشاح (مُلقًى)؛ بضمِّ الميم: اسم مفعول؛ أي: مرميٌّ على الأرض، أو على السرير ونحوه، والجملة محلها نصب على الحال من الوشاح أو من ضميره، (فحسِبته) أي: ظنت الحدياة الوشاح (لحمًا) أي: سمينًا؛ لأنَّه كان من جلد أحمر، وعليه اللؤلؤ، وهذا لا ينافي كونه مرصعًا باللؤلؤ والجواهر؛ لأنَّ بياض اللؤلؤ والجوهر على حمرة الجلد يصير كاللحم السمين المرغوب فيه لمن يأكله، (فخطَفته)؛ بفتح الطاء المهملة، وزعم القسطلاني وتبعه العجلوني أنَّه بكسر الطاء المهملة على الأفصح، انتهى.\nقلت: وفتح الطاء أيضًا فصيح؛ لأنَّه من باب نصر ينصُر؛ فافهم، والخطف: الأخذ بالقوة والقهر بدون حق مترتب.\n (قالت) أي: الوليدة: (فالتمسوه) أي: طلب هؤلاء الحي الوشاح المذكور بالسؤال والتفتيش عنه، (فلم يجدوه)؛\n_________\n(^١) في الأصل: (حدة).","vol":"1","page":304},{"text":"أي: الوشاح عند الصبية، وفي الكلام حذف وهو: أنَّ الصبية التمست وشاحها أولًا، فلم تجده فسألت عنه الحي المذكور، فالتمسوه ثانيًا، فلم يجدوه؛ فافهم.\n (قالت) أي: الوليدة: (فاتهموني به) أي: بأخذ الوشاح المذكور؛ يعني: بسرقته (قالت) أي: الوليدة لا عائشة كما زعم القسطلاني وتبعه العجلوني: (فطفقوا) أي: شرعوا (يفتشون)؛ أي: يكشفون عن ثيابها وينظرون ثيابها، هل الوشاح معها؟ ويؤيد ما قلناه رواية الأصيلي وابن عساكر: (يفتشوني)؛ بضمِّير المتكلم، فهو يدل على أنَّ هذا قول الوليدة، وزعم العجلوني أنَّ هذه الرواية على حكاية لفظ الوليدة، انتهى.\nقلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ هذا ليس بقول عائشة، بل هو قول الوليدة؛ لأنَّها المخبرة عن حالها في ذلك، وهذا هو الحقيقة، وما زعمه محاولة وخروج عن الظاهر؛ فافهم.\n (حتى) أي: إلى أن (فتشوا قبُلها)؛ بضمِّ القاف والموحدة؛ أي: فرجها، فإن قلت كان القياس أن يقال: (قبلي)، بياء المتكلم.\nقلت: إن كان هذا من كلام عائشة؛ فهو على الأصل، وإن كان من كلام الوليدة؛ فهو من باب الالتفات، أو من باب التجريد، فكأنَّها جردت من نفسها شخصًا وأخبرت عنه، والظاهر: أنَّه من كلام الوليدة، كذا قاله إمام الشَّارحين، وكذا استظهر أنَّه من كلام الوليدة ابن حجر العسقلاني في «فتحه».\nقلت: وهذا هو الظاهر، ويدل عليه رواية الأصيلي وابن عساكر السابقة، وكذلك رواية المؤلف في (أيام الجاهلية): (حتى فتشوا قبلي) بياء المتكلم؛ فليحفظ\n (قالت) أي: الوليدة (والله إني لقائمة معهم) أي: مع هؤلاء الحي (إذ مرت الحدياة) أي: المذكورة، وكلمة (إذ) على أربعة أقسام؛ أحدها: أن تكون اسمًا للزمن الماضي، والثالث في استعمالها: أن تكون ظرفًا، و«إذ» ههنا من هذا القبيل، وتمامه في موضعها، قاله إمام الشارحين.\nقلت: وهي وإن كانت ظرفًا إلا أنَّها ههنا للمفاجأة؛ فافهم.\nزاد ثابت في «الدلائل»: (قالت: فدعوت الله أن يبرئني، فجاءت الحدياة، وهم ينظرون) (فألقته) أي: رمت الحدياة الوشاح المذكور (قالت) أي: الوليدة: (فوقع) أي: الوشاح (بينهم) أي: بين هؤلاء الحي (قالت) أي: الوليدة: (فقلت) أي: لهؤلاء الحي: (هذا) أي: الوشاح المذكور هو (الذي اتهمتموني به) أي: نسبتموني إلى سرقته (زعمتم) أي: أني أخذته، فحذف مفعول (زعمت)؛ للقرينة الدالة عليه، بل صرح به في نسخة، قال الأصمعي: (الزعم: الكذب)، وقال الواحدي: (وأكثر ما يستعمل بمعنى فيمالا يتحقق)، قال ابن المظفر: (أهل العربية يقولون: زعم فلان؛ إذا شك فيه ولم يدر لعله كذب أو باطل)، وقال شريح: (زعموا: كنية الكذب) انتهى.\nفقولها: (زعمتم) تريد: كذبتم علي (وأنا منه بريئة)؛ الجملة حالية، والضمير في (منه) يرجع إلى الزعم الذي يدل عليه (زعمتم) ويجوز أن يرجع إلى الوشاح؛ أي: من أخذه؛ قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: والذي يظهر أنَّ المعنى الثاني أوفق للمقام، وإن كان المعنى الأول صحيحًا؛ فتأمل.\n (وهو ذا هو) قال إمام الشَّارحين: فيه أوجه من الإعراب:\nالأول: أن يكون (هو) الأول مبتدأً و(ذا) خبره، و(هو) الثاني خبر بعد خبر، ويكون (هو) الأول راجعًا (^١) إلى الوشاح و(ذا) إشارة إلى المُلقى.\nالثاني: أن يكون (هو) الثاني تأكيدًا للأول.\nالثالث: أن يكون تأكيدًا لـ (ذا).\nالرابع: أن يكون بيانًا له.\nالخامس: أن يكون (ذا) مبتدأ ثانيًا، وخبره (هو) الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.\nالسادس: أن يكون (هو) ضمير الشأن، ويكون (ذا) مع (هو) الثاني جملة، أو الثاني خبرًا (^٢) محذوفًا والجملة تأكيدًا للجملة.\nالسابع: أن يكون (ذا) منصوبًا على الاختصاص.\nووقع في رواية أبي نعيم (وها هو ذا)، وفي رواية ابن خزيمة (وهو ذا) كما ترون، انتهى.\n (قالت) أي: عائشة، قاله الشَّارح وتبعه الشرَّاح: (فجاءت)؛ أي: الوليدة؛ أي: بعد ما هاجرت من بلاد هؤلاء الحي (إلى رسول الله) وللأصيلي: (إلى النبي الأعظم) (ﷺ)؛ أي: إلى مدينته المنورة حتى تشرفت برؤيته، (فأسلمت)؛ أي: على يديه، (قالت)؛ أي: عائشة: (فكانت)؛ أي: الوليدة، وللكشميهني (فكان)، قلت: والظاهر: أنها بمعنى: وجد، وقوله (لها خباء) خبر ومبتدأ، و(في المسجد) متعلق بـ (وجد).\nوزعم العجلوني أن (كان) في هذه الرواية على إسناد (كان) إلى خباء في (لها خباء) و(لها) خبرها مقدم، والأقرب جعله حالًا والخبر (في المسجد) (^٣) انتهى.\nقلت: وهو غير ظاهر مع ما فيه من التعسف؛ فافهم، و(الخِباء): بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الموحدة، وبالمد؛ وهي خيمة تكون من وبر، أو صوف، وهي على عمودين أو ثلاثة وما فوقها.\nوقال أبو عبيدة: (الخباء لا يكون إلا من شعر).\nقلت: وفيه نظر، ففي «المخصص»: (الخباء: يكون من وبر، أو صوف، ولا يكون من شعر).\nوقال الكلبي: (بيوت العرب ستة: مظلة من شعر، خباء من صوف، بجاد من وبر، خيمة من شجر، أقنة (^٤) من حجر، قبة من أدم).\nوقال ابن دريد: (الأخبية: بيوت الأعراب، فإذا ضخم الخباء؛ فهو بيت، والخباء مشتق من خبأت خبيئًا، ويقال: تخبأت).\nوعن الفارسي: (أصل هذه الكلمة التغطية)، وعن ابن السكيت: (أخبينا خباء: نصبناه، واستخبيناه: نصبناه ودخلنا فيه) انتهى.\n (في المسجد)؛ أي: النبوي، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حال و(ال) في (المسجد) للعهد؛ أي: المعهود عن عائشة، وهو مسجده ﵇ (أو حِفْش) بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء آخره شين معجمة؛ وهو بيت صغير قريب السمك، مأخوذ من الانحفاش؛ وهو الانضمام، وذكر ابن عديس: أنه الصغير من بيوت الأعراب، وقيل الحفش: بالفتح والكسر والاسكان: وبفتح الفاء: البيت القريب السمك من الأرض وجمعه: أحفاش وحفاش، وفي «المخصص»: (أنه من الشعر، لا من الآجر)، وفي «المغرب»: (استعير من حفش المرأة؛ وهو درجها)، وقال أبو عبيد: (هو البيت البردي، وقيل: الخرب)، وقال الجوهري: (وهو وعاء المغازل).\nقلت: (لكنه استعير للبيت الصغير) قاله إمام الشَّارحين.\nوكلمة (أو) للشك من عائشة (قالت)؛ أي: عائشة: (فكانت)؛ أي: الوليدة (تأتيني فتحدِّث عندي)؛ بلفظ المضارع، أصله: تتحدث من التحدث، فحُذفت إحدى التاءين، فعند سيبويه: المحذوف التاء الثانية؛ لأنَّ الثقل نشأ منها، وقيل: هي الأولى؛ لأنَّها زائدة، كذا في\n_________\n(^١) في الأصل: (راجع)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (خبر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (بالمسجد).\n (^٤) في الأصل: (أفتتة)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":304},{"text":"«عمدة القاري».\nقلت: والأظهر: الأول، والعلة في الحذف التخفيف.\n (قالت)؛ أي: عائشة (فلا تجلس)؛ أي: الوليدة المذكورة (عندي مجلسًا إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا)؛ بمثناة فوقية، قبل العين، كذا في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية غيرهم (من أعاجيب) بالهمزة بدل التاء، وأعاجيب جمع (أعجوبة)، كأحدوثة، وكذلك تعاجيب، فلا واحد له من لفظه، كما قاله ابن سيده، والجوهري، وقال الزركشي: (لا واحد له من لفظه، ومعناه: عجائب)، قال في «المصابيح»: (ولا أدري لم لا يُجعل جمعًا لتعجيب مع أنَّه ثابت في اللغة؟ يقال: عجَّبت فلانًا تعجيبًا إذا جعلته يعجب، وجمع المصدر باعتبار أنواعه لا يمتنع) انتهى.\nقلت: ولم أر من الشراح من تكلم فيه، والظاهر: أنَّه وجيه، لكن أهل اللغة كالجوهري، وابن سيده، وغيرهما، لم يسلموه؛ فافهم.\n (ألا)؛ بتخفيف اللام للضرورة؛ استفتاحية (إنَّه)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الله تعالى (من بلدة الكفر أنجاني)، وهذا البيت من البحر الطويل، وأجزاؤه ثمانية، وهي فعولن مفاعيلن، ثمان مرات، وفيه القبض في الجزء الأول، وهو حذف الخامس الساكن قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن حجر إن أشبعت حركة الحاء من (الوشاح)؛ صار سالمًا أو قلت: (ويوم وشاحٍ)؛ بالتنوين، وبحذف (أل): من الوشاح صار في أول جزء من البيت، وهو أخفُّ من الأول، واستعمال القبض في الجزء الثاني وكذا السادس في أشعار العرب؛ كثيرٌ، وأما أشعار المولدين؛ فيندر استعماله، انتهى.\nقلت: هذا قياس علم العروض، لكنَّ الرواية ههنا تخالفه؛ فافهم.\n (قالت: عائشة)؛ أي: الصديقة ﵂: (فقلت لها) أي: للوليدة: (ما شأنك لا تقعدين)؛ بضمِّ العين المهملة (معي مَقعدًا)؛ بفتح الميم (إلا قلت هذا)؛ أي: إلا أنشدت هذا البيت، (قالت)؛ أي: عائشة: (فحدثتني بهذا الحديث)؛ أي: المتضمن للقصة المذكورة، أو المراد بالحديث القصة المعروفة.\nومطابقته للترجمة في قولها: (وكان لها خباء في المسجد)؛ لأنَّها لم تنصب (خباء) فيه إلا للبيتوتة، والنوم فيه.\nقال ابن بطال: (وفي الحديث: أنَّ من لم يكن له مسكن، ولا مكان مبيت؛ أن يباح له المبيت في المسجد سواء كان رجلًا أو امرأة عند حصول الأمن من الفتنة) انتهى.\nقلت: ومن كان بهذه الحالة؛ فهو المسافر، أمَّا المقيم؛ فيكره له النوم في المسجد سواء كان ليلًا أو نهارًا، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور.\nوفي الحديث جواز استظلال الشخص في المسجد بالخيمة ونحوها مما لم يكن فيه تضييق على المصلين.\nوفيه أنَّ السنة الخروج من بلدة جرت فيها فتنة على الإنسان؛ تشاؤمًا بها، وربما كان الذي جرى عليه من المحنة سببًا لخير أراده الله بها في غير تلك البلدة كما جرى لهذه السوداء، أخرجتها فتنة الوشاح إلى بلاد الإسلام، ورؤية سيد الأنام ﵇، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧]، وفيه فضل الهجرة من دار الكفر، انتهى.\nوزعم العجلوني أنَّ فيه إجابة دعوة المظلوم ولو كان كافرًا؛ لأنَّ في السياق ما يدل على أن إسلامها كان بعد قدومها المدينة، انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر السياق يدلُّ على أنَّ إسلامها كان قبل قدومها، ولئن سلم؛ فيحتمل أنَّها أسلمت قبل، ثم جدَّدت إسلامها بعد قدومها، لكن ليس في السياق ما يدلُّ على دعوتها أيضًا، وعلى كلٍّ؛ فهو غير ظاهر؛ والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٣٥\"> </span>(٥٨) <span data-type=\"title\" id=toc-735>[باب نوم الرجال في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (نوم الرجال): ليلًا أو نهارًا (في المسجد) (أل) فيه للجنس.\nقال إمام الشَّارحين (فإن قلت: لم ما قال: نوم الرجل؛ مثل ما قال في الباب السابق: نوم المرأة على الإفراد؟\nقلت: أمَّا الإفراد هناك؛ فلأجل أنَّ الحديث الذي فيه في قصة امرأة واحدة، وأمَّا الجمع ههنا؛ فلأن الأثر الذي ذكره في أول هذا الباب في الجماعة، على أنَّ في بعض النسخ: باب «نوم الرجل») انتهى.\nقلت: يعني: بالإفراد وهو للجنس، فيساوي الجمع، وتقديرنا الحكم أولى من تقدير غيرنا الجواز؛ لأنَّ الحكم أعم؛ فيشمل الجائز المكروه وغيره؛ فافهم.\nوإن كان مراد المؤلف الجواز على ما فيه، كما سيأتي؛ فافهم.\n (وقال أبو قِلَابة)؛ بكسر القاف، وتخفيف اللام، واسمه عبد الله بن زيد، قال إمامنا الشَّارح: هذا التعليق قطعة من قصة العرنيين، وقد تقدم حديثهم في (الطهارة)، وهذا اللفظ أورده المؤلف موصولًا في (المحاربين) من طريق وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، (عن أنس) زاد الأصيلي (ابن مالك): هو الأنصاري أنَّه قال: (قدِم) بكسر الدال المهملة (رَهط)؛ بالراء المهملة: هو ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة (من عُكْل) بضمِّ المهملة وسكون الكاف وبلام: قبيلة من العرب معروفة (على النبيِّ) الأعظم (ﷺ، فكانوا) أي: الرهط (في الصُفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء؛ وهي موضع في أخريات المسجد النبوي، عليه سقائف مظلله، تأوي إليه الفقراء والمساكين، فنُسبوا إليها، فيقال لهم: أصحاب الصُفَّة، وقيل سموا بأصحاب الصفة؛ لأنَّهم كانوا يصفون على باب المسجد.\nومطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنَّهم كانوا ينامون في الصفة على عهده ﵇، وهو يدلُّ على الجواز من غير كراهة؛ لأنَّهم كانوا غرباء مسافرين، أمَّا المقيمون؛ فكره ذلك لهم؛ لأنَّ المقيم لابدَّ له من مسكن، أمَّا الغريب المسكين؛ فليس له مسكن، فيباح له ذلك؛ فافهم.\n (وقال عبد الرحمن بن أبي بكر) زاد الأصيلي: (الصديق) ﵁، شهد عبد الرحمن بدرًا مع المشركين، ثم أسلم، وهاجر قبل الفتح، وكان أشجع قريش، مات قريب مكة سنة ثلاث وخمسين، وقيل: بعدها، وحمل على رقاب الرجال إلى مكة، وهو شقيق عائشة أم المؤمنين، ولمَّا أخبرت بموته؛ خرجت من المدينة حاجَّة حتى وقفت على قبره، فبكت وتمثلت بقول الشاعر:","vol":"1","page":305},{"text":"وكنا كندمان جذيمة حقبة... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا\nفلما تفرقنا كأني ومالكًا... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا\nوقالت: أما والله لو حضرتك؛ لدفنتك حيث مت.\nوزعم العجلوني أن عبد الرحمن هذا ليس هو المدفون بمرج الدحداح- مقبرة من مقابر دمشق الشام- بل ذاك من نسله على ما قيل، انتهى.\nقلت: وقد اشتهر هذا المكان بقبر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄، وعليه قبة عظيمة ومكان مبارك يقصد بالزيارة، ويستجاب فيه الدعاء.\n (كان أصحاب الصُفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: موضع مظلل من المسجد، تأوي إليه المساكين، ولهذا قال: (الفقراء)؛ بالتعريف لغير الأربعة ولهم (فقراء)؛ بالتنكير، وعليه؛ فهو خبر (كان) لا غير، بخلافه على التعريف؛ فهو إما اسم (كان) مؤخرًا، و(أصحاب) خبرها مقدم؛ لأنَّهما معرفتان أو بالعكس وهو أولى.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق أول حديث طويل يأتي ذكره في باب: «السَمَر مع الأهل»، وأوله: حدثنا أبو النُّعمان قال: حدثنا معتمر قال: حدثنا أبو (^١) سليمان قال: حدثنا أبو عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء وأن النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «من كان عنده طعام اثنين؛ فليذهب بثالث...»؛ الحديث) انتهى.\nقلت: ووجه مطابقته للترجمة من حيث إنَّ قوله: (أصحاب الصفة)؛ مشعر بنومهم في المسجد؛ لأنَّها من المسجد؛ ففيه جواز النوم في المسجد للفقراء الغرباء الذين ليس لهم مسكن ولا مأوًى، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، كما رواه عنهما ابن أبي شيبة، وسيأتي تمامه، إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٧٣٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-736>[حديث ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد]</span>\n٤٤٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد): هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى): هو ابن سعيد القطان، (عن عُبيد الله)؛ بضمِّ العين المهملة؛ مصغرًا: هو ابن عمر العمري (قال: حدثني) بالإفراد (نافع): هو مولى ابن عمر المدني (قال أخبرني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمر): هو ابن الخطاب القرشي العدوي، وسقط (ابن عمر) لغير أبي ذر: (أنه كان ينام وهو شاب) جملة اسمية حالية (أعزب) نعت لشاب، أو خبر بعد خبر، و(أعزب): بالهمزة رواية الأكثرين وهي لغة قليلة، بل أنكرها القزاز حيث قال في «الجامع»: (العزب: الذي لا امرأة له، وكذلك المرأة التي لا زوج لها، كل واحد منهما عزب، وعزبة، وقد عزب الرجل يعزب عزوبة فهو عزب، ولا يقال: أعزب).\nوردَّ أبو إسحاق الزجَّاج على ثعلب في «الفصيح» في قوله: (امرأة عزبة) فقال: (هذا خطأ، وإنَّما يقال: رجل عزب وامرأة عزب، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ لأنَّه مصدر، قال الشاعر:\nيا من يدل عزبًا على عزب... على فتاة مثل نبراس الذهب)\nوالنِبْراس؛ بكسر النون وسكون الموحدة: المصباح.\nوالمشهور: عَزَب؛ بفتحتين، كذا ضبطه الدمياطي، وقال صاحب «المنتهى»: (العزب؛ بالتحريك نعت للذكر والأنثى، لكن قد ثبت في رواية أبي ذر: عزِب؛ بكسر الزاي وبدون الهمز).\nقال البرماوي: (وهي اللغة الفصيحة).\nوقال الكسائي: (العزبة التي لا زوج لها، والأول أشهر).\nوقال ابن درستويه: (العامة تقول: عزبة؛ وهو يجوز في المصادر إذا غلبت على الصفة حتى جرت مجرى الأسماء، وليس بالمختار).\nوفي «المحكم»: (رجل عزب ومعزابة: لا أهل له، وامرأة عزبة وعزب، والجمع «أعزاب»، وجمع العازب: «عزاب»، والعزب: اسم للجمع، وكذلك العزيب: اسم للجمع).\nوقال في «القاموس»: (العزب؛ محركة: من لا أهل له؛ كالمعزابة والعزيب، ولا تقل: أعزب أو قليل، والجمع «أعزاب»، وهي عزبة وعزب، والاسم العزبة والعزوبة، والفعل كنصر، وتعزَّب: ترك النكاح).\nوزعم العجلوني: أن في القسطلاني تبعًا «للمصابيح»، وفي رواية أبي زيد: (عزب)، قال: أقول: هو أبو زيد المروزي وهو محتمل؛ فإن القسطلاني ذكره في (الخطبة) انتهى.\nقلت: وهو فاسد؛ لأنَّ العجلوني نقل عن هذه النسخة المصحَّفة، وإنما نسخ القسطلاني جميعها، (ولأبي ذر...) إلخ. وإذا كان صاحب «المصابيح» روى عن أبي زيد؛ لا يلزم أن يكون هو الراوي ههنا؛ فإنَّا لم نعهد رواية عن أبي زيد المروزي ههنا، ولا يلزم من ذكر القسطلاني له في (الخطبة) أن يكون راويًا عن المؤلف ههنا، وليس في ذلك احتمال، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (لا أهل له)؛ أي: لا زوجة لابن عمر، وهو إن كان مفهومًا من قوله: (أعزب) إلا أنَّه قد ذكره؛ لأجل التأكيد، أو التأسيس، أو التعميم، فإنَّه من العام بعد الخاص؛ لأنَّ الأهل يشمل الأقارب والزوجة؛ فافهم.\n (في مسجد النبيِّ) الأعظم (ﷺ) الجار والمجرور متعلق بقوله (ينام) وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أواخر (الصلاة) في باب (فضل قيام الليل مطولًا)، وفيه: (وكنت غلامًا شابًّا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ...)؛ الحديث، وأخرجه مسلم وابن ماجه، ولفظ مسلم: (كنت أبيت في المسجد ولم يكن لي أهل)، ولفظ ابن ماجه: (كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ)، ففيه: جواز النوم في المسجد لمن هو أعزب غير غريب، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وابن سيرين، وهو أحد قولي الشافعي.\nومذهب الإمام الأعظم: أنَّ النوم في المسجد لغير الغريب مكروه؛ لأنَّ المساجد إنَّما بنيت للعبادة لا للنوم، وهو مذهب ابن عبَّاس، فإنَّه قال: (لا تتخذوا المسجد مرقدًا)، وروي عنه أنه قال: (إن كنت تنام فيه لصلاة؛ فلا بأس)،\n_________\n(^١) في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":305},{"text":"وقال مالك: (لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد)، وبه قال أحمد وإسحاق، وكره النوم فيه: ابن مسعود، وطاووس، ومجاهد، وهو قول الأوزاعي.\nوالظاهر: أنَّ نوم ابن عمر فيه كان نهارًا لا ليلًا؛ لأنَّ قوله: (كان ينام)، أو (كنت أنام)، أو (كنا ننام) على اختلاف الروايات؛ محتمل للوجهين؛ أرجحهما: الأول، فلا دلالة فيه على ما ذكر، وسُئِل ابن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه فقالا: (كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصُفَّة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد).\nقلت: وهذا يدلُّ على الإباحة للغريب الفقير الأعزب، ويدلُّ على كراهته لغيره، كما لا يخفى، وذكر الطبري عن الحسن قال: (رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين).\nقلت: لعله كان نائمًا نهارًا لا ليلًا، ويحتمل أنَّه كان ينتظر الصلاة، ومثل النوم فيه الأكل، والشرب، والجلوس؛ فهو مكروه إلا لمعتكف؛ لأنَّ المساجد قد بنيت للعبادة، كما لا يخفى؛ فافهم، والصحيح عند الشافعي: عدم الكراهة، وما ذكرناه حجة عليه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٣٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-737>[حديث: قم أبا تراب قم أبا تراب]</span>\n٤٤١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قتيبة بن سعِيد)؛ بكسر العين المهملة: هو ابن جميل الثقفي البلخي، و(قتيبة): لقبه، غلب عليه وعرف به، واسمه يحيى (قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة، والزاي: هو المدني، ولم يكن بالمدينة أفقه منه بعد مالك المتوفى سنة أربع وثمانين ومئة، (عن) أبيه (أبي حازم) واسمه سَلَمَة -بفتحات- ابن دينار الأعرج المدني الزاهد، (عن سهل بن سعْد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن مالك الساعدي الأنصاري الصحابي آخر من مات من الصحابة ﵁ (قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة)؛ أي: الزهراء ابنته ﵇، و(بيت) منصوب: مفعول (جاء)؛ لأنَّه متعدٍّ، (فلم يجد عليًّا)؛ أي: ابن أبي طالب الصديق الأصغر زوج فاطمة ﵄ (في البيت) وهل البيت لعلي أو لفاطمة؟ ظاهر اللفظ: يدل للثاني، ويحتمل أنَّه لعلي، وعبَّر به باعتبار سكناها فيه؛ فافهم.\n (فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لابنته فاطمة: (أين ابن عمكِ؟)؛ بكسر الكاف: أراد به: علي بن أبي طالب، وفي الحقيقة: هو ابن عم النبيِّ الأعظم ﷺ، وإنَّما اختار هذه العبارة ولم يقل: أين زوجك؟ أو أين علي؟ لأنَّه ﵇ فهم أنَّه جرى بينهما شيء؛ فأراد استعطافها عليه بذكر القرابة النسبية التي بينهما) قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وفيه إطلاق ابن العم على أقارب الأب؛ لأنَّه ابن عم أبيها، ويحتمل أنَّه أراد بهذه العبارة ظاهرها، وهو أنَّه يقال لوالد الزوج: عم في العرف؛ فأراد ابن عمها في الزوجية؛ فافهم.\n (قالت) ولابن عساكر (وقالت)؛ بالواو، وللأصيلي (فقالت)؛ بالفاء؛ أي: فاطمة: (كان بيني وبينه شيء)؛ أي: أمر يقتضي المنافرة بين الزوجين عادة، (فغاضبني) من باب المفاعلة الموضوع لمشاركة الاثنين، لكنه ابتدأ هو بالمغاضبة، (فخرج)؛ أي: علي، (فلم)؛ بالفاء، وللأصيلي (ولم)؛ بالواو (يَقِل)؛ بفتح التحتية، وكسر القاف: من القيلولة، وللأصيلي وابن عساكر (يُقل)؛ بضمِّ أوله من (الإقالة)؛ بمعنى: (القيلولة)، والقائلة: وهو النوم في نصف النهار، وقال الزمخشري: (الهاء في القائلة تدل على الساعة؛ كقولهم: الهاجرة)، وقال الفراء: (قلت: وأنا أقيل قيلًا ومقيلًا وقيلولة وقائلة)، وفي «نوادر اللحياني»: (أنا قائل، والجمع قائلون وقيال)، وفي «المخصص»: (قوم قيَّل؛ بالتشديد)، وفي «الصحاح»: (قيل؛ بالتخفيف مثل صاحب وصحب)، كذا في «عمدة القاري».\n (فقال رسول الله ﷺ لإنسان) وللطبراني: (فأمر إنسانًا معه، فوجده مضطجعًا في فيء الجدار، وقال بعضهم: هو عمران بن حصين).\nوزعم ابن حجر أنَّه ظهر له أنَّه سهل راوي الحديث؛ لأنَّه لم يذكر أنَّه كان معه غيره.\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّه لو كان هو الراوي؛ لكان يقول: فقال لي، ولم يقل: لإنسان، وظاهر اللفظ: يدل على أنَّ سهلًا لم يحضر القصة، بل كان في المسجد؛ فسمع هذه القصة من عمران، وقوله: (لأنَّه لم يذكر...) إلخ: تردُّه رواية الطبراني: (فأمر إنسانًا معه)؛ فهي تدلُّ على أنَّ (الإنسان) هو عمران بن حصين، وهو الصواب؛ فافهم.\n (انظر أين هو)؛ أي: في أي مكان علي؟\nفإن قلت: ينافيه ما للمؤلف في «الأدب»: (أنه ﵇ قال لفاطمة: «أين ابن عمك؟» قالت: في المسجد).\nقلت: لا ينافيه؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المراد من قوله: «انظر أين هو»: المكان المخصوص من المسجد، أو هل بقي فيه، أو تحول منه؟ فافهم.\n (فجاء)؛ أي: فذهب ذلك الإنسان الذي أمره، فرأى عليًّا في المسجد، ثم جاء إلى النبيِّ الأعظم ﷺ (فقال: يا رسول الله؛ هو) أي: علي (في المسجد)؛ أي: النبوي والجار والمجرور متعلق بقوله: (راقدٌ)؛ أي: نائم، وهو بالرفع خبر لقوله: (هو)، ويحتمل أنَّه خبر أول، و(راقد) خبر ثان، (فجاء رسول الله ﷺ)؛ أي: إلى المسجد المدني؛ ليراضي عليًّا، ولا يخفى ما فيه من غاية التواضع واللطف منه ﵇؛ حيث إنَّه لم يستحضر عليًّا للمنزل، بل ذهب بنفسه الشريفة إليه؛ فرآه (وهو مضطجع): جملة اسمية محلها نصب على الحال، وكذلك قوله: (قد سقط) أي: وقع (رِدَاؤه)؛ بكسر الراء، وفتح الدال المهملتين: وهو ما يستر أعلى البدن، جملة حالية (عن شِقه)؛ بكسر الشين المعجمة؛ أي: جانبه الأيسر؛ لأنَّه كان ينام على الأيمن، كما هو السنة (وأصابه) أي: عليًّا (تراب)؛ أي: من تراب المسجد، والجملة حالية، (فجعل رسول الله ﷺ): ملاطفًا ومؤانسًا لعلي (يمسحه) أي: التراب (عنه)؛ أي: عن علي (ويقول) له: (قم؛ أبا تراب، قم أبا تراب)؛ بتكرار الجملة للتأكيد، إيقاظًا لعلي من نومه، و(أبا تراب): منادى حذف منه حرف النداء تقديره: يا أبا تراب، على حد قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]\nومطابقة الحديث للترجمة، ظاهرة وظاهر الحديث: يدل على أنَّ","vol":"1","page":306},{"text":"نوم علي في المسجد إنَّما كان نهارًا لا ليلًا، يدل عليه قولها: (فخرج، فلم يَقِل)؛ يعني: وأنَّه أقال في المسجد، والقيلولة: النوم في نصف النهار؛ ففيه: دليل على جواز النوم نهارًا في المسجد لغير الغريب، ولغير الفقير، ولغير الأعزب، وهذا القيد وهو كونه (نوم النهار) قد غفل عنه العجلوني.\nوقد يقال: لا دلالة فيه لجواز النوم في المسجد لغير الغريب؛ لأنَّ عليًّا لما كان ممنوعًا من النوم في البيت من أجل المغاضبة؛ فكأنه كالغريب الأعزب؛ حيث إنَّه منع من البيت والزوجة طبعًا؛ لعدم الائتلاف الحاصل بينهما؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام:\nالأول: فيه جواز دخول الوالد بيت ولده بغير إذن زوجها.\nالثاني: فيه استعطاف الشخص غيره بذكر ما بينهما من القرابة.\nالثالث: فيه إباحة النوم في المسجد لغير الغريب، أو لغير الفقير، وكذلك القيلولة في المسجد؛ فإنَّ عليًّا لم يقل عند فاطمة ونام في المسجد، وروى أبو نعيم في كتاب (المساجد) بسنده إلى جبير بن مطعم عن أبيه يرفعه: «لاتمنعوا القائلة في المسجد مقيمًا ولا ضعيفًا»\nالرابع: فيه جواز الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنية، إذا كان ذلك لا يغضبه، بل يؤنسه.\nالخامس: فيه مداراة الصهر، وتسلية أمره في غيابه.\nالسادس: فيه جواز التكنية بغير الولد؛ لأنَّه ﵇ كناه: (أبا تراب)، وعند المؤلف في (الاستئذان): (ما كان لعلي اسم أحبُّ إليه من أبي تراب، وأنَّه كان يفرح بها).\nالسابع: فيه فضيلة عظيمة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، انتهى.\nوزعم العجلوني أنَّ فيه: أنَّه لا بأس بإبداء المنكبين في غير الصلاة، انتهى.\nقلت: بل لا بأس بذلك في الصلاة أيضًا؛ لأنَّه ليس فيه كشف العورة؛ فافهم.\nوفيه إباحة الأكل والشرب في المسجد قياسًا على النوم فيه إذا لم يضر المسجد، والظاهر: أنَّه مباح للغريب، والمسافر، والفقير، أمَّا المقيم الذي له مسكن؛ فيكره ذلك له؛ لأنَّ منزله أولى في ذلك.\nوفيه جواز النوم على التراب إذا لم يضر جسده، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-738>[حديث: رأيت سبعين من أصحاب الصفة]</span>\n٤٤٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يوسف بن عيسى): هو ابن يعقوب المروزي (قال حدثنا ابن فُضَيْل)؛ بضمِّ الفاء وفتح المعجمة؛ مصغرًا: هو محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة، (عن أبيه) هو فضيل المذكور، (عن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة، والزاي: هو سلْمان؛ بسكون اللام: الأشجعي الكوفي المدني.\nقال إمام الشَّارحين: (وأبو حازم هذا أكبر من أبي حازم الذي قبله في السن واللقاء وإن كانا جميعًا مدنيين، تابعيين، ثقتين، ويحتاج الواقف هنا أن يكون على التيقُّظ؛ لئلَّا يقع التلبيس؛ لأجل التشابه) انتهى.\nوذكر نحوه ابن حجر، واعترضه العجلوني فقال: (يفترقان بأنَّ الأول اسمه سلمة بن دينار ويروي عن سهل بن سعد، وهذا اسمه سلمان الأشجعي ويروي عن أبي هريرة؛ فاعرف الامتياز بينهما) انتهى.\nقلت: هذا التفريق يحتاج إلى التأمل والتفحص عن أسماء الرجال، والمؤلف ذكر الأول والثاني بلفظ: (أبو حازم)، ولا ريب أنَّ فيه اشتباهًا، ولا يلزم من رواية الأول عن سهل ألَّا يروي عن أبي هريرة أو بالعكس؛ لأنَّ كلًّا منهما تابعي يروي عن الصحابي، فما زعمه العجلوني ليس في محله، وهو غير ظاهر، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر؛ الدوسي الصحابي الجليل ﵁ أنَّه (قال: رأيت) وفي رواية الأربعة: (لقد رأيت) (سبعين) أي: شخصًا (من أصحاب الصُّفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: موضع في مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ تأوي إليه الفقراء والمساكين، كما مر.\nوهذا يشعر بأنَّهم كانوا أكثر من سبعين وهو كذلك، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبيُّ الأعظم ﵇ في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصُّفَّة أيضًا، لكنَّهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة) انتهى.\nقلت: وقد جمع ابن الأعرابي، والسلمي، والحاكم، وأبو نعيم: أصحاب الصفة وعند كل منهم ما ليس عند الآخر؛ فيراجع.\nوقوله: (ما منهم رجل عليه رِدَاء)؛ بكسر الراء وفتح الدال المهملتين، والمد: هو ما يستر أعلى البدن، جملة حالية من (سبعين)، ويحتمل أنَّها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ فتأمل.\n (إمَّا) بكسر الهمزة؛ للتفصيل (إزار)؛ بكسر الهمزة، والمعجمة والمهملة: هو ما يستر النصف الأسفل من البدن؛ يعني: إمَّا عليه إزار فقط، فـ (إزار): خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه (وإِمَّا كِساء)؛ بكسر الهمزة، وكسر الكاف مع المدِّ، لكنَّه على الهيئة المذكورة في قوله: (قد ربطوا)؛ أي: الأكسية، وهي صفة لـ (الكساء) والعائد إليه محذوف للعلم به، تقديره: (ربطوه)، وجمع الضمير في (ربطوا) العائد إلى (الرجل) و(الكساء)؛ لأنَّ المراد به: الجنس؛ كالضمير في قوله: (في أعناقهم)؛ لأنَّ المراد به الجنس، (فمنها)؛ أي: الأكسية، وجمع باعتبار أنَّ المراد بـ (الكساء) الجنس أيضًا (ما يبلغ نصف الساقين) ولم يُثنَّى لفظ: (النصف)؛ للعلم بأنَّ المراد منه التشبيه؛ حيث أضيف إلى الساقين؛ قاله العجلوني.\nقلت: ليس كذلك، فإنَّه لو أريد به التثنية لم تسقط الألف، بل النون فقط للإضافة، فلم يبق علامة تدل على التثنية، بل لفظ: (نصف) مفرد، ولم يُثنِّه؛ للعلم بأنَّ لكل رجل منهم ساقين؛ فافهم\n (ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه)؛ أي: يجمع الواحد منهم الكساء بيده، وزاد الإسماعيلي في روايته: (أنَّ ذلك في حال كونهم في الصلاة) قاله إمامنا الشَّارح، وعزا هذه الرواية القسطلاني للأصيلي، انتهى.\nقلت: والظاهر: أنَّه خطأ، بل هي","vol":"1","page":306},{"text":"رواية الإسماعيلي، كما ذكرها الشَّارحون؛ فافهم\n (كراهية)، بتخفيف التحتية، وفي رواية: (كراهة) بحذفها، وفي رواية: (مخافة)، وهي بالنصب مفعول لأجله (أن تُرى) بضمِّ الفوقية (عورته)؛ أي: من تحت الإزار والكساء، والمعنى: أنَّه لم يكن لأحد منهم ثوبان، ويدلُّ عليه قول جابر بن عبد الله: (وأيُّنا كان له ثوبان على عهد رسول الله ﷺ؟)، كما سبق في باب (عقد الإزار على القفا).\nومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (من أصحاب الصفة)؛ لأنَّه يشعر بأنَّهم كانوا ينامون فيها، واستوطنوها.\nوفيه: جواز النوم للفقير الغريب الأعزب في المسجد، وهو يفيد أنَّه يكره النوم في المسجد للمتزوج، وكذلك من له مسكن، وهو كذلك؛ فإنَّ المساجد إنَّما بنيت للعبادة؛ كصلاة، وتلاوة قرآن، وتدريس فقه أو حديث ونحوها مما لم يشغل المصلين، فما يفعله بعض المتصوفة: من إقامة الأذكار في المساجد مع رفع الصوت والتغني؛ فهو أمر منكر مذموم لا أصل له في السنة، بل هو بدعة منكرة، كيف وقد ثبت عن صاحب الرسالة العظمى والنبوة الكبرى: «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي»؛ فيجب على كل من له قدرة أن يغير المنكرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوفي الحديث: افتراض ستر العورة في الصلاة وخارجها، وفيه: جواز الأكل والشرب في المسجد للغريب والفقير الأعزب؛ كالهنود، والأغوان الذين في رواق المسجد الأموي في ديارنا الشريفة الشامية.\n\n <span id=\"b-٧٣٩\"> </span>(٥٩) <span data-type=\"title\" id=toc-739>[باب الصلاة إذا قدم من سفر]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة) في المسجد، وغيره (إذا قدم)؛ بكسر الدال المهملة؛ أي: الرجل (من سفر)؛ بالتنكير، وظاهره: الإطلاق؛ أي: سواء كان طويلًا، أو قصيرًا في طاعة أو لا، وزعم العجلوني أنَّ المتبادر منه الطويل، انتهى.\nقلت: ليس كذلك، بل المتبادر منه الإطلاق؛ لأنَّ الإتيان بالصلاة بعد القدوم من السفر إنَّما هي لأجل الشكر على نعمة السلامة، وهي لا تخص سفرًا دون سفر، كما لا يخفى، ويدلُّ عليه تنكيره السفر في الترجمة؛ فإنَّه يفيد الإطلاق وهو الأولى؛ فافهم\n (وقال كعب بن مالك): هو الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين أنزل الله فيهم آية: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وشهد العقبة مع السبعين، المتوفى بالمدينة سنة خمسين: (كان النبيُّ) الأعظم (ﷺ إذا قدم) بكسر الدال المهملة (من سفر)؛ بالتنكير، وقوله (بدأ)؛ بالهمز في آخره؛ جواب (إذا) (بالمسجد)؛ أي: النبوي (فصلى فيه)؛ أي: في المسجد قبل ذهابه لبيته، وأقلُّ الصلاة فيه: ركعتان ينوي بهما سنة القدوم من السفر، ويحصل بها تحية المسجد؛ لأنَّ النفل يتداخل بعضه في بعض، كما لو نوى سنة الوضوء، وسنة تحية المسجد وغيرهما من النوافل في صلاة واحدة؛ كفى ذلك وحصل ثواب الجميع.\nقال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق ذكره البخاري مسندًا في غزوة تبوك، وهو حديث طويل يرويه عن يحيى ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدثني حين تخلف عن غزوة تبوك...؛ الحديث بطوله، وفيه: (وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد؛ فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس...)؛ الحديث، ومطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٤٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-740>[حديث: صل ركعتين]</span>\n٤٤٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد بن يحيى)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام على وزن (فعَّال)؛ بالتشديد: هو ابن صفوان الكوفي السلمي سكن مكة، وتوفي سنة سبع عشرة ومئتين (قال: حدثنا مِسْعَر)؛ بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين المهملتين: هو ابن كدام الكوفي (قال: حدثنا مُحَارِب) بضمِّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، آخره موحدة (بن دِثار)؛ بكسر الدال المهملة، وبالمثلثة، وبالراء: هو السدوسي قاضي الكوفة؛ (عن جابر بن عبد الله): هو الأنصاري الصحابي ﵁ أنَّه (قال: أتيت النبيَّ)؛ الأعظم (ﷺ) وقوله: (وهو في المسجد)؛ أي: المدني، جملة محلها نصب على الحال من (النبي) (قال: مِسْعَر): المذكور (أُراه)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظنُّ محاربًا شيخه (قال: ضحًى)؛ أي: وقت الضحوة؛ أي: زاد جابر لفظة: (ضحى)؛ لكن هل زادها عقب أتيت أو عقب وهو في المسجد؟ توقف فيه العجلوني.\nقلت: والظاهر: الثاني، يدلُّ عليه تأخير كلام مِسْعَر المشعر بأنَّه زادها عقب قوله: (وهو في المسجد)؛ فهو كلام مدرج من الراوي، وأن ضمير (أراه) المنصوب يرجع لـ (محارب).\n (فقال)؛ أي: لي النبي الأعظم ﷺ: (صل ركعتين)؛ أي: للقدوم من السفر وليستا بتحية المسجد، وإن حصل بهما التحية، بل تحصل بكل صلاة عقب دخوله ما لم يوجد قاطع، ولا يتقيَّد فعل هاتين الركعتين بالمسجد؛ بل يجوز فعلهما (^١) في المنزل، لكن المسجد أفضل؛ لأنَّه المأثور، ويشترط لصحة هذه الصلاة ونحوها ألَّا يؤديها في وقت منهيٍّ عنه كالأوقات الثلاث المشهورة؛ وهي عند الطلوع، وعند الاستواء، وعند الغروب؛ فإنَّ هذه الأوقات تكره فيها النافلة، وكذلك كل ما وجب في الذمة -فرضًا كان أو واجبًا- قبل دخولها؛ فلا يصحُّ؛ فافهم؛\n_________\n(^١) في الأصل: (فعلها)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":307},{"text":"كما دلَّ عليه هذا الحديث، وأمَّا الصلاة في ابتداء السفر؛ فالسنة فعلها في المسجد.\nوقوله: (وكان لي عليه)؛ أي: على النبي الأعظم ﷺ (دين) هو أوقيَّة ثمن بعير (فقضاني)؛ أي: فقضانيه عند قدومه من السفر (وزادني)؛ أي: على الدين، من كلام جابر، وفي رواية الحموي: (وكان له)؛ أي: لجابر عليه؛ أي: على النبي، (فقضاني)، وعلى هذه الرواية ففيه التفات، وزعم ابن حجر أنَّ رواية غير الحموي أيضًا فيه التفات، وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (الالتفات لا يجيء إلا في رواية الحموي، لا مطلقًا)؛ فافهم.\nوفي الحديث استحباب قضاء الدين زائدًا، وهو من باب المروءة.\nوفي الحديث دليل على أنَّه لا يصحُّ في الأوقات الثلاثة شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخول هذه الأوقات، وأمَّا النافلة؛ فتكره كراهة تحريم في هذه الأوقات ولو كان لها سبب؛ كالمنذور وركعتي الطواف وتحية المسجد ونحوها؛ لقوله في الحديث: (ضحًى)؛ أي: وقت الضحى؛ وهو ارتفاع الشمس قدر رمحين؛ لأنَّه ﵇ حضر في المسجد مع طلوع الشمس، فلم يصلِّ حتى ارتفعت الشمس، وبعد ارتفاعها صلَّى؛ ولهذا قال مسعر: (ضحًى).\nوزعم ابن حجر أنَّ الحديث لا حجة فيه؛ لأنَّها واقعة عين، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ عادته ﵇ سفرًا وحضرًا عدم الصلاة في هذه الأوقات، ويدلُّ عليه حديث عقبة بن عامر: (ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وحين تضيف (^١) للغروب حتى تغرب)، رواه مسلم وغيره، ونحوه للنسائي ومالك في: «الموطأ»، ولعل ابن حجر لم يطَّلع على هذا، ولا ريب أنَّ النهي يقتضي الكراهة التحريمية، ولأنَّ الصلاة وجبت في وقت كامل؛ فلا تؤدَّى في وقت ناقص؛ لأنَّه ﵇ قال: «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت؛ فارقها...» الحديث، رواه النسائي، ولنا أحاديث كثيرة في ذلك.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ الترجمة في بيان الصلاة عند القدوم من السفر، ومشروعية هذه الصلاة أعمُّ من أن يكون بفعله ﵇ وأن يكون بقوله، فبيَّن الأول بالحديث المعلق، والثاني بحديث جابر) انتهى.\nوزعم ابن حجر: أنَّ ذكر حديث جابر بعد المطلق ليجمع بين فعله ﵇ وأمره، فلا يظن أن ذلك من خصائصه، انتهى، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: فلا يظن أن ذلك من خصائصه) ليس كذلك؛ لأنَّه يشعر أن كل فعل يصدر منه ﵇ يظن فيه أنَّه من خصائصه، وليس كذلك؛ فإنَّ مواضع الخصوص لها قرائن تدل على ذلك، انتهى.\nقلت: على أن ما ذكره ابن حجر اقتصار على مجرد النقل من غير معرفة حق الكلام.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض» بأنَّه ليس في الكلام إشعار بما قال، انتهى.\nقلت: وهو كلام فاسد، بل في كلامه إشعار، كما قاله إمامنا الشَّارح؛ لأنَّه جعل الجمع بين الفعل والأمر ينفي ظنَّ أنَّ الفعل من خصائصه، ومفهومه أنَّه لولا الجمع بينهما؛ لظن ذلك في كل فعل؛ إذ لا فرق بين هذه المسألة وغيرها؛ فليحفظ.\nوقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه دلالته على الترجمة؟ قلت: هذا الحديث مختصر من مطول ذكره في (البيوع) وغيره، وفيه: أنَّه قال: (كنت مع النبي ﷺ في غزاة واشترى مني جملًا بأوقية، ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي، وقدمت بالغداة، فوجدته على باب المسجد، فقال: «الآن قدمت؟» قلت: نعم، قال: «فادخل فصلِّ ركعتين»)، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (هذا في الحقيقة وجه الترجمة على ما ذكرناه، ولكنَّه اقتصر على مجرد النقل، ولم يوفِ حق الكلام)، وقال صاحب «التلويح»: (وليس فيه ما بوب عليه هذا؛ لأنَّ لقائل أن يقول: إن جابرًا لم يقدم من سفر؛ لأنَّه ليس فيه ما يشعر بذلك)، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام عجيب، وكيف هذا والحديث مختصر من مطول؟ وفيه التصريح بقدومه من السفر، وقد جرت عادة البخاري في مثل هذا الإحالة على أصل الحديث؛ فافهم) انتهى.\nوقد اعترضه العجلوني بأنَّ هذه الاعتراضات غير واردة على ما ذكره إلا على ما ذكره ابن حجر.\nقلت: بل هي واردة على جميع ما ذكر، كما علمت من عبارتهم، والحق أحقُّ أن يتبع، ولا يقول هذا إلا من لم يكن عنده شيء من الفهم؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٤١\"> </span>(٦٠) <span data-type=\"title\" id=toc-741>[باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين]</span>\nهذا (باب) بالتنوين (إذا دخل)؛ أي: الداخل المفهوم من دخل (المسجد): (أل) فيه للجنس؛ فيشمل كل مسجد، وفي رواية الأصيلي وكريمة: (إذا دخل أحدكم المسجد)، وقوله: (فليركع) جواب (إذا)؛ ولذا دخلته الفاء، وقوله: (ركعتين) ثابت في أكثر الروايات، ساقط في بعضها، والمراد بها: تحية المسجد؛ فإنَّه يسنُّ فعلها في وقت غير مكروه، وإنَّما اقتصر على الركعتين؛ لأنَّها المذكورة في حديث الباب، فلا يطلب في حقِّه الزيادة عليهما؛\n_________\n(^١) في الأصل: (تضيق)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":307},{"text":"فلو زاد عليهما بتسليمة واحدة؛ جاز، وتصير الصلاة جميعها نفلًا، وتكفي عن التحية؛ لأنَّ المراد الصلاة، وقد حصلت؛ فافهم، (قبل أن يجلس)؛ فإذا جلس؛ هل تفوت أم لا؟ ومفهوم الترجمة: أنَّها تفوت، لكن هذا التقييد اتفاقي أغلبي، فإذا جلس؛ لا تفوت، فيصليهما، ولكن الأفضل فعلهما قبله، كما صرَّح بذلك أئمتنا الأعلام، وسيأتي بيانه، وقوله: (فليركع)؛ المراد به: فليُصلِّ؛ فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ فافهم، وقوله: (قبل أن يجلس) ثابت عند ابن عساكر، ساقط عند غيره.\n\n <span id=\"b-٧٤٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-742>[حديث: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس]</span>\n٤٤٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، المتوفى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي (يوسُف): تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني (عن عامر بن عبد الله بن الزُّبَير)؛ بضمِّ الزاي، وفتح الوحدة: هو ابن العوام القرشي المدني أبو الحارث؛ بالمثلثة، كان عالمًا عابدًا (عن عَمْرو)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم (ابن سُلَيْم)؛ بضمِّ السين المهملة، وسكون التحتية (الزُّرَقي)؛ بضمِّ الزاي، وفتح الراء: هو الأنصاري المدني (عن أبي قَتادة)؛ بفتح القاف: هو الحارث -بالمثلثة- ابن رِبْعيٍّ؛ بكسر الراء، وسكون الموحدة، وبالعين المهملة، وبالتحتية المشددة (السَّلَمي)؛ بفتح السين المهملة واللام، كذا للأصيلي والجياني، وقال القاضي عياض: (أهل العربية يفتحون اللام؛ كراهة توالي الكسرات، وأمَّا الأكثرون من أصحاب الحديث؛ فضبطوها بكسر اللام؛ نسبة إلى سِلمة؛ بكسرها)، فارس رسول الله ﷺ المتوفى بالمدينة سنة أربع وخمسين، قاله ابن الأثير، وقال في «التقريب»: (أبو قتادة الأنصاري: هو الحارث، ويقال: أبو عمرو، أو النعمان، بن ربعي بن بلدمة، السَّلَمي المدني، شهد أُحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا).\nوقال إمام الشَّارحين: (وقال الدارقطني: رواه شيخ يقال له: سعيد بن عيسى، عن عبد الله بن إدريس، عن زكريا، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبي قتادة، ولم يتابع عليه، وسعيد هذا ضعيف، وليس هو من حديث زكريا، ولا من حديث الشعبي، والمحفوظ قول مالك ومن تابعه: وقال سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن جابر بن عبد الله؛ فَوَهِم بذكره جابرًا)، وقال الطوسي في «الأحكام»، والترمذي في «الجامع»: (حديث سهيل غير محفوظ)، وقال علي بن المديني: (حديث سهيل خطأ)، وقال ابن ماجه: (رواه الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عامر، عن أبي قتادة، وهو وهم) انتهى.\nقلت: والحاصل: أنَّ سهيلًا (^١) رواه عن جابر بدل عن أبي قتادة، وهو خطأ، والمحفوظ عن أبي قتادة؛ فافهم.\n (أنَّ رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد)؛ أي: وهو متوضئ، أو هو مُحدث، لكنه توضَّأ قبل جلوسه وبعده، كما سيأتي، و(أل) فيه للجنس؛ فيشمل كلَّ مسجد ولو مُصلَّى عيد وجنازة؛ (فليركع)؛ أي: فليصلِّ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، والأمر فيه ليس للفرض، بل للسنيَّة والاستحباب (ركعتين) تحية المسجد؛ فإنَّها حقُّ المسجد.\nفإن قلت: الشرط: سبب للجزاء؛ فما السبب ههنا؟ هل هو الركوع، أم الأمر بالركوع؟\nقلت: إن أريد بالأمر تعلُّق الأمر؛ فهو الجزاء، وإلا؛ فالجزاء هو لازم الأمر؛ وهو الركوع، والمراد من الركعتين: تحية المسجد، ولا يتأدَّى هذا بأقل من الركعتين؛ لأنَّ هذا العدد المفهوم لأكثره بالاتفاق، واختلف في أقله، والصحيح: اعتبارهما، قاله إمام الشَّارحين.\n (قبل أن يجلس)؛ تعظيمًا للبقعة، فلو جلس؛ هل يشرع له التدارك أو لا؟ صرَّح أئمتنا الأعلام بأنَّها لا تفوت بالجلوس، فيصليها ولو جلس، ولكنَّ الأفضل فعلها قبله، ولهذا قال عامة العلماء: يصليها كلما (^٢) دخل، وقال بعضهم: يجلس ثم يقوم، فيصليها، ويدلُّ لما قلناه: ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه»: عن أبي ذر قال: (دخلت المسجد؛ فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فقال: «يا أبا ذر؛ إنَّ للمسجد تحيةً، وإنَّ تحيته ركعتان، فقم فاركعهما»، قال: فقمت، فركعتهما).\nقال صاحب «البحر»: (وإذا تكرر دخوله؛ يكفيه ركعتان في اليوم، وقال في «الإمداد»: (وأداء الفرض ينوب عنها)، قاله فخر الدين الزيلعي، وذلك بأن دخل المسجد، فرأى القوم شرعوا في صلاة الفرض، أو قَرُب قيام القوم، وهو يريد الصلاة معهم، فإنَّه يصلي معهم، وتندرج التحية في الفرض وإن لم ينوِها، وصرَّح في «البدائع»: أن كل صلاة صلاها فقد حصَّل التحية، انتهى.\nقلت: إلا أنَّه يُستثنى سجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، فإنَّها لا تكفي؛ لأنَّها ليست (^٣) صلاةً حقيقية، وتكره التحية للداخل والخطيبُ على المنبر؛ لأنَّه ممنوع من الصلاة وقتئذٍ، وكذلك يكره فعلها عند إقامة الصلاة المكتوبة؛ لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة»، رواه الشيخان، ولا تسنُّ لداخل المسجد الحرام؛ لاشتغاله بالطواف، واندراجها تحت ركعتيه، وإنَّما تسنُّ التحية إذا دخل في غير وقت كراهة، أما إذا دخل في الأوقات الثلاثة المنهي عن الصلاة فيها؛ فلا يصليها، بل يؤخرها؛ ولهذا قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (من دخل المسجد في أوقات النهي؛ فليس بداخل في أمره ﵇ بالركوع عند دخوله المسجد) انتهى.\nقلت: يعني: فإن الأمر لا يشملها؛ لأنَّ حديث الباب وإن كان مطلقًا (^٤) إلا أنَّه مقيَّد في الأحاديث غيره؛ ففي حديث عقبة بن عامر: (ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وحين تضيف (^٥) للغروب حتى تغرب)، رواه مسلم وغيره.\nقال ابن حجر: (وهما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة؛ فلا بد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص الأمر وتعميم النهي، وهو قول الحنفية والمالكية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو الأصحُّ عند الشافعية) انتهى.\nقلت: وبقول الحنفية قالت الحنابلة، وقد يقال: إنَّ الأمر بالصلاة لكل داخل وإن كان مطلقًا (^٦) فهو محمول على المقيد في أحاديث (^٧) النهي؛ فليس فيهما عمومان، بل عموم واحد؛ وهو الأمر بالصلاة لكل داخل سوى الأوقات المنهية.\nوقال ابن بطال: (اتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر محمول على الندب، والاستحباب، والإرشاد، مع استحبابهم الركوع لكل من دخل المسجد؛ لما روي: أنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: (سهيل)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (كما).\n (^٣) في الأصل: (ليس).\n (^٤) في الأصل: (مطلق)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (تضيق)، وليس بصحيح.\n (^٦) في الأصل: (مطلق)، وليس بصحيح.\n (^٧) في الأصل: (الأحاديث).","vol":"1","page":308},{"text":"كبار أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون)، وأوجب أهل الظاهر فرضًا على كلِّ مسلم داخل في وقت تجوز فيه الصلاة الركعتين، وزعم ابن حجر: واجب في كل وقت؛ لأنَّ فعل الخير لا يُمنع منه إلا بدليل لا معارض له، انتهى.\nقلت: وهو كلام فاسد الاعتبار؛ فإن الصلاة في الأوقات المنهي عنها ليس هو فعل خير، ألا ترى إلى قوله ﵇: «إنَّ الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت؛ فارقها، ثم إذا استوت؛ قارنها، فإذا زالت؛ فارقها، فإذا دَنَت للغروب؛ قارنها، فإذا غربت؛ فارقها»، ونهى عن الصلاة في تلك الساعات، رواه مالك في «الموطأ»، والنسائي، وغيرهما، ولا ريب أنَّ هذا دليل لا معارض له؛ لأنَّه قطعي، كما علم فيالأصول، وقال الحافظ الطحاوي: ويدلُّ لعدم الوجوب: قوله ﵇ للذي رآه يتخطى: «اجلس، فقد آذيت»، ولم يأمره بصلاة، انتهى.\nواعترضه ابن حجر بأنَّ الأمر بالجلوس حتى لا يتخطى؛ فلا ينافي أنَّه يصلي في مجلسه، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء؛ فإنَّ أمره ﵇ بالجلوس أعم من ألَّا يتخطى وألَّا يصلي في مجلسه؛ لأنَّه لو كان مراده الصلاة؛ لقال له ﵇: صلِّ مكانك، على أنَّ فيه أنَّه لم يأمره بالصلاة، فهو دليل واضح لما قلناه، فإنَّه لو كان الوقت وقت صلاة؛ لأمره بالصلاة، فقُدِّم ذلك دليل على أنَّه ليس بواجب عليه؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر معترضًا على ابن بطال بنقله الوجوب عن أهل الظاهر؛ فقال: الذي صرَّح به ابن حزم عدمه، انتهى.\nقلت: ابن حزم-وإن كان لا يقول بالوجوب- لا ينافي أنَّه ليس واجبًا عند أهل الظاهر، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مُقدَّمٌ على النافي؛ فافهم.\nواعلم أن حديث الباب قد ورد على سبب؛ وهو أن أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي الأعظم ﷺ جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له: «ما منعك أن تركع؟» قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد؛ فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، أخرجه مسلم وغيره، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من وجه آخر حسن عن أبي قتادة: «أعطوا المساجد حقَّها»، قيل: يا رسول الله؛ وما حقها؟ قال: «ركعتين قبل أن تجلس»، وزاد أبو أحمد الجرجاني: (وإذا دخل بيته؛ فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته خيرًا)، لكن قال: (وإسناده منكر)، ونقل أبو محمد الإشبيلي عن البخاري: أن هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك ابن قطان، وزعم أنَّه لا يصحُّ نسبته إليه، وروى ابن حبان في «صحيحه» حديث التحية عن أبي قتادة يرفعه بزيادة: (قبل أن يجلس أو يستخير)، قال العجلوني: (ولينظر معنى: «أو يستخير») انتهى.\nقلت: معناه: قبل أن يستخير موضعًا لصلاته وجلوسه؛ لأنَّ الداخل في المسجد ينظر موضعًا يكون نظيفًا خاليًا عن الزحمة وغيرها، فأمره ﵇ قبل أن يجلس أو يستخير موضعًا لصلاته المفروضة ولجلوسه: أن يركع ركعتين، هذا ما ظهر لي، والعلم عند الله.\nوقال السفاقسي: (وفقهاء الأمصار حملوا الأمر في الحديث على الندب؛ لقوله ﵇ للذي سأله عن الصلوات الخمس: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، ولو قلنا بوجوب الركعتين؛ لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل بذلك، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء؛ لزم منه أنَّه لا يجب عليه سجودهما، فإن قصد دخول المسجد ليصلي فيه في الأوقات المكروهة؛ فلا يجوز له ذلك عند الشافعي)، وردَّه النووي فقال: (هي سنة بالإجماع؛ فإن من دخل في وقت كراهة؛ يكره له أن يصليهما في قول أبي حنيفة وأصحابه، وحكي ذلك عن الشافعي، والصحيح: أنه لا كراهة) انتهى.\nقلت: وفي دعواه الإجماع نظر، فقد قال القاضي عياض: وظاهر مذهب مالك: أنَّهما من النوافل، وقيل: من السنن، فإذا دخل مجتازًا؛ فهل يؤمر بهما؟ خفف مالك في ذلك، وعن بعض أصحابه: أنَّ من تكرَّر دخوله المسجد سقطتا عنه، انتهى، وهذا يدلُّ على أنَّها ليست سنة، فأين الإجماع؟!\nواستدلَّ ابن حجر بقوله: (قبل أن يجلس) على أنَّه إذا خالف وجلس؛ لا يشرع له التدارك، ونقله القسطلاني عن جماعة من الشافعية.\nقلت: وردَّه إمام الشَّارحين بما رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي ذر: (أنَّه دخل المسجد، فقال له النبي الأعظم ﷺ: «أركعت ركعتين؟» فقال: لا، قال: «قم فاركعهما»)، وترجم عليه ابن حبان: (باب تحية المسجد لا تفوت بالجلوس)، وقال الطبري: (يحتمل أن يقال: فِعلُهما قبل الجلوس فضيلة، وبعده جواز، ويحتمل أن يقال: فعلهما قبله أداء، وبعده قضاء، ويحتمل أنَّ مشروعيتهما بعد الجلوس إذا لم يَطُل الفصل) انتهى.\nقلت: الاحتمال الأول هو الصواب، أمَّا الثاني؛ ففيه نظر؛ لأنَّ النفل لا يوصف بأداء ولا قضاء، فإذا فات وقت النافلة؛ لا تقضى، وأمَّا الثالث؛ ففيه نظر أيضًا؛ لأنَّ ظاهر الأحاديث أن مشروعيتهما من وقت الدخول، ويستمر إلى ما بعد الجلوس إلى أن يؤديها أو يصلِّي فريضة أو نافلة غيرها، أو يخرج من المسجد، وقال فقهاؤنا الأعلام: ومن دخل المسجد ولم يتمكن من صلاة التحية؛ فليقل أربع مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنَّها الباقيات الصالحات، وصلاة الحيوانات والجمادات.\nويكره دخول المسجد على سبيل المرور من غير صلاة؛ فإن اضطرَّ إلى ذلك؛ فلينو الاعتكاف ويدخل، فإنَّه يجوز وإن لم يجلس؛ لأنَّ بوضع القدم على الأرض يحصل ذلك، فإنَّ أدنى الاعتكاف لحظة من الزمن، وهي فائدة عظيمة تخفى على كثير ممن يدَّعي العلم، وأمَّا الجلوس في المسجد للمحدث [حدثًا] أصغر؛ فيجوز إجماعًا ولو لغير غرض، ولا كراهة فيه، وحديث: «إنما بُنِيت المساجد لذكر الله»؛ فضعيف، وهذا بخلاف ما يفعله أهل زماننا من الجلوس في المسجد والتكلم بكلام الناس مع الغيبة وغيرها؛ فحرام قطعًا؛ لأنَّ الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات؛ كما تأكل النار الحطب، كما ورد في الحديث، فهذا في المباح، فما بالك في الغيبة التي صارت في زماننا فاكهة المجالس؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n <span id=\"b-٧٤٣\"> </span>(٦١) <span data-type=\"title\" id=toc-743>[باب الحدث في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (الحدث) الحاصل (في المسجد)","vol":"1","page":308},{"text":"والمراد منه: الحدث الناقض للوضوء؛ كالريح ونحوه، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: الحدث لغة: الشيء الحادث، وأمَّا شرعًا؛ فمانعية شرعية رافعة للطهارة إلى استعمال المطهر؛ كالريح ونحوه، وزعم العجلوني أنَّ الحدث يُطلق شرعًا على أمور؛ منها: الأمر الناقض للوضوء، انتهى.\nقلت: وهو فاسد؛ فإن الحدث هو المعنى الحالُّ بصاحبه، الرَّافعُ للطهارة إلى استعمال المطهِّر، وليس له إطلاقات، بل هو أصل وتحته أمور معنوية، وليست هي أمورًا (^١) حقيقية؛ فافهم.\nوقال المازري: أشار البخاري إلى الرد على مَنْ مَنَع المُحدِث من دخول المسجد والجلوس فيه، وجعله كالجُنُب، وهو مبني على أنَّ الحدث ههنا الريح ونحوه، وبذلك فسره أبو هريرة، كما سبق في كتاب (الطهارة)، وزعم ابن حجر: قيل: المراد بالحدث هنا أعم؛ أي: مالم يحدث سواء، ويؤيده رواية مسلم: «ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه» على أنَّ الثانية تفسير للأولى، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (لا نسلِّم أنَّ الثانية تفسير للأولى؛ لعدم الإبهام، غاية ما في الباب ذكر فيه شيئين؛ أحدهما: حدث الوضوء، والآخر: حدث الإثم، على أنَّ مالكًا وغيره قد فسَّروا الحدث بنقض الوضوء) انتهى.\nثم قال: فإن قلت: قد ذكر ابن حبيب عن إبراهيم النخعي: أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى يقول: «هو حدث الإثم»، قلت: لا منافاة بين التفسيرين؛ لكونهما مصرحين في رواية مسلم، وروايةالبخاري مقتصرة على تفسير مالك وغيره، ولهذا جاء في رواية أخرى للبخاري: «ما لم يُؤذِ؛ يُحدِث فيه»؛ فهذه تصرِّح بأن المراد من الأذى: هو الحدث الناقض للوضوء، ومن هذا قالوا: إنَّ رواية الجمهور: (ما لم يحدث) في الحديث؛ بالتخفيف: من الإحداث، لا بالتشديد: من التحديث، كما رواه بعضهم، وليست بصحيحة، ولهذا قال السفاقسي: (لم يذكر التشديد أحد) انتهى.\nقلت: ومراده بقوله: (بعضهم): ابن حجر العسقلاني؛ فإنَّه قد زعم أن (يحدِّث) بالتشديد، ولا معنى له ههنا، وهو كلام من لم يذق شيئًا من الفهم، ولهذا قال الزركشي: (المراد به: الحدث الناقض للوضوء)، وهو تفسير أبي هريرة راوي الحديث، انتهى.\nيعني: فلا عبرة بتفسير غيره؛ فافهم\n\n <span id=\"b-٧٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-744>[حديث: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه]</span>\n٤٤٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي الزِّنَاد)؛ بكسر الزاي، وفتح النون: هو عبد الله بن زكوان المدني، (عن الأعرج): هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، (عن أبي هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي ﵁: (أنَّ)؛ بفتح الهمزة، وتشديد النون (رسولَ الله ﷺ)؛ بالنصب اسمها، وخبرها جملة قوله: (قال: الملائكة) وفي رواية الكشميهني: (أنَّ الملائكة) وهي جمع (ملاك)، على الأصل؛ كالشمائل جمع (شمال)، وهو مقلوب (مألك) من (الألوكة)؛ وهي الرسالة؛ لأنَّهم وسائط بين الله وبين الناس، فهم رسل الله أو كالرسل إليهم، كذا قيل.\nوالمشهور: أن أصل ملائكة: ملأك على وزن (فعلل)، نقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت الهمزة تخفيفًا؛ فصار ملك، فلما رجع؛ ردت الهمزة المحذوفة، فقيل: ملائك، والتاء فيه؛ لتأنيث الجمع؛ لكونه بمعنى: الجماعة، كما في الصياقلة في جمع (صيقل)، وإنَّ أصله: مألك على وزن (مفعل) من (ألك)؛ بمعنى: أرسل، وفاؤه همزة، وعينه لام، و(الألوكة): الرسالة، و(مألك): موضع الرسالة أو مصدر بمعنى المفعول؛ فيكون (ملاك) مقلوبًا من (ملأك) نقلت همزة (مألك) إلى مكان اللام وقدمت اللام، فقيل: (ملأك) على وزن (مفعل)، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، فصار: (ملك) على وزن (معل)؛ بحذف الفاء، فلما جمع؛ ردت الهمزة المحذوفة، فقيل: (ملائك) على وزن (معافل) بالقلب؛ لأنَّ التكسير يردُّ الأشياء إلى أصولها، فعلى هذا؛ تكون ميم (ملك) زائدة ويكون وزنه (معلًا)، وذهب بعضهم إلى أنَّ الميم في (ملك): أصلية والهمزة زائدة، واختاره ابن كيسان.\nواختلف الناس في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنَّها ذوات موجودة قائمة بأنفسها؛ فذهب أكثر المسلمين إلى أنَّها أجسام لطيفة هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلِّين بأنَّ الرسل كانوا يرونهم كذلك، وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان، وزعم الحكماء أنَّها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، منقسمة إلى قسمين:\nقسم: شأنهم الاستغراق في معرفة الله والتنزُّه عن الاشتغال بغيره، كما وصفهم في محكم التنزيل فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]: وهم العليون والمقربون.\nوقسم: يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء، وجرى به القلم الإلهي، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم المدبِّرات أمرًا؛ فمنهم سماوية، ومنهم أرضية على تفصيل في ذلك مذكور في كتاب «الطوالع».\n (تصلي على أحدكم): قال إمامنا الشَّارح: («الملائكة»: جمع محلًّى باللام؛ فيفيد الاستغراق) انتهى؛ يعني: يشمل الحفظة، والسيارة، وغيرهما، وتبعه الكرماني، والقسطلاني، وغيرهما، وخالفهم ابن حجر فقال: (المراد بالملائكة الحفظة أو السيارة، أو أعم من ذلك) انتهى.\nقلت: وفيه قصور؛ لأنَّ لفظ: (الملائكة) جمع محلًّى باللام؛ فيفيد العموم ولا مخصص، ولا وجه لتخصيص العام من غير مخصص؛ فيشمل جميع الملائكة الذين قدمنا ذكرهم؛ لأنَّ اللفظ عام؛ فافهم.\n (مادام) أي: أحدكم؛ أي: مدة دوامه (في مُصلاه)؛ بضمِّ الميم، وهو اسم مكان، قاله إمام الشَّارحين؛ يعني: في مكان صلاته (الذي صلى فيه) وهو المسجد يدلُّ على ذلك رواية البخاري، فيما يتعلق بالمساجد على ما يأتي، ولفظه: «فإنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة؛ لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد؛ كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه...»؛ الحديث.\nوالأحاديث تفسِّر بعضها بعضًا، فعلم أنَّ المراد بقوله: (في مصلاه): هو المكان الذي يصلَّى فيه في المسجد، وإن كان بحسب اللغة يطلق على المُصلَّى الذي في غير المسجد، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nقلت: وعلى هذا؛ يقال فيما رواه المؤلف في باب (من جلس في المسجد ينتظر الصلاة) ولفظه: «ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة»؛ فإن المراد: مكان الصلاة؛ وهو المكان الذي يصلِّي\n_________\n(^١) في الأصل: (أمور)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":309},{"text":"فيه، فقوله: «ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه»؛ قيد؛ لصلاة الملائكة عليه، ومفهومه: إذا انصرف من مكانه الذي يصلي فيه في المسجد؛ لا تصلي عليه الملائكة، وليس كذلك؛ لأنَّه صرح في الحديث، كما نقله إمامنا الشَّارح قريبًا ولفظه: «كان في صلاة ما كانت تحبسه...»؛ الحديث، وعلى هذا؛ فالمراد به: أنَّه تصلي عليه الملائكة ما دام منتظرًا للصلاة، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحوَّل إلى غيره ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج منه؛ فلا تصلي عليه؛ فالمراد بقوله: «في مصلاه»: إنَّما هو المسجد، كما قرره إمام الشَّارحين قريبًا.\nوقال ابن حجر: (يمكن حمل «في مصلاه» ههنا على المكان المُعدِّ للصلاة لا الموضع الخاص بالسجود، فلا تخالف بين حديث الباب والحديث (^١) الأتي في باب «من جلس في المسجد») انتهى.\nقلت: إن كان مراده بالمكان المعد للصلاة: المسجد؛ فمسلَّم، كما ذكرناه، وإن كان مراده غير ذلك؛ فغير مسلَّم، كما بيناه قريبًا، والله أعلم.\nوقوله: (ما لم يُحْدِث): قيد ثان لصلاة الملائكة عليه، وهو بضمِّ التحتية أوله، وسكون الحاء المهملة، والمراد به: الحدث الناقض للوضوء، والمعنى: تصلِّي عليه مدة دوامه في المسجد، ومدة دوامه لم يحصل منه حدث.\nقال إمام الشَّارحين: (رواية الجمهور؛ بالتخفيف من الإحداث، لا بالتشديد من التحديث، كما رواه بعضهم وليست بصحيحة، ولهذا قال السفاقسي: «لم يذكر التشديد أحد») انتهى.\nقلت: مراده بقوله: (بعضهم): ابن حجر العسقلاني؛ فإنَّه رواها بالتشديد من التحديث، وليست هذه الرواية بصحيحة؛ لأنَّ المراد بالحدث: الناقض للوضوء، ولهذا نفى السفاقسي عن جميع الرواة ذكرها.\nوقال الزركشي في «التنقيح»: (قصد البخاري بهذا الباب تفسير الحدث بالناقض للطهارة، وهو تفسير أبي هريرة راوي الحديث، وفسره غيره بالحديث في غير ذكر الله) انتهى.\nقلت: ولا ريب أن تفسير أبي هريرة هو الصواب؛ لأنَّ صاحب الدار أدرى، ولهذا قال الداودي: (روي: «يحدِّث»؛ بتشديد الدال، وهو غريب) انتهى.\nوقوله: (تقول) أي: الملائكة: (اللهم؛ اغفر له)؛ يعني: يا ألله؛ اغفر له ذنوبه (اللهم؛ ارحمه)؛ يعني: يا ألله؛ أنزل عليه رحمتك؛ بيان وتفسير لقوله: (تصلي) السابق.\nقال إمام الشَّارحين: (والفرق بين المغفرة والرحمة أن المغفرة: ستر الذنوب، والرحمة: إفاضة الإحسان إليه) انتهى.\nوقال العجلوني: (وذكر غيره أنَّ المغفرة لا تستدعي سبق ذنب) انتهى.\nقلت: وهو ممنوع، ويردُّه قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ فإنَّه يدلُّ على أن المغفرة ستر الذنوب الحاصلة سابقًا ولاحقًا؛ لأنَّ معنى الآية قيل: (ما تقدم): قبل الوحي (وما تأخر): بعد الوحي، وقيل: قبل الهجرة وبعدها، وقيل: قبل المعراج، وقيل: (ما تقدم): من ذنب آدم وحواء، (وما تأخر): من ذنب الأُمَّة، وقيل: ما كان قبل النبوة، (وما تأخر): عصمته من ذلك، وقيل: المراد ذنوب أمته، وعلى كل حالٍ؛ فهو دليل على أن المغفرة لا تكون إلا بعد سبق الذنوب؛ فالمغفرة سترها.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مما سبق، والحاصل في معناه: أنَّ الملائكة تصلي على العبد ما دام في المسجد متوضئًا، فإذا خرج من المسجد؛ فلا تصلي عليه، وإنَّهم يصلون عليه ما لم تُنقض طهارته، فإذا أحدث؛ حُرِم صلاتهم، ولو كان مستمرًّا جالسًا ينتظر الصلاة.\nوقال السفاقسي: (الحدث في المسجد خطيئة يُحرَم به المُحدِث الاستغفار من الملائكة، ولما لم يكن الحدث فيه الكفارة ترفع أذاه عنهم، كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه؛ عوقب العبد بحرمان الاستغفار من الملائكة؛ لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة).\nوقال ابن بطال: (من أراد أن تحطَّ عنه الذنوب بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مصلاه بعد الصلاة؛ ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجوٌّ إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]).\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحول إلى غيره، وفيه: أن الحدث في المسجد يبطل ذلك ولو استمر جالسًا، وفيه أن الحدث في المسجد أشد من النخامة فيه) انتهى.\nقلت: إنَّما كان أشد؛ لأنَّ النخامة كفارتها دفنها، وأما الحدث؛ فلا كفارة له.\nوقال إمام الشَّارحين: (اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد؛ فروي عن أبي الدرداء: أنَّه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء، وعن عليٍّ مثله، وروي ذلك عن عطاء، والنخعي، وابن جبير، وكَرِه ابن المسيب والحسن البصري أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء) انتهى.\nقلت: وهل إذا أحدث في المسجد، ثم توضأ وانتظر، يعود استغفار الملائكة عليه أم لا؟ والظاهر: أنَّه يعود؛ لأنَّ المراد: انتظاره متطهرًا وقد حصل وإن كان قد وقع منه الحدث؛ لأنَّ هذا من باب زوال المانع؛ فتأمل، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٤٥\"> </span>(٦٢) <span data-type=\"title\" id=toc-745>[باب بنيان المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان صفة (بُنيان)؛ بضمِّ أوله: مصدر (المسجد)؛ أي: النبوي، فاللام فيه للعهد، وجوَّز البرماوي كونها للجنس، قال العجلوني: (وهو غير ظاهر).\nقلت: بل الظاهر: كونها للعهد؛ فافهم.\nقال في «القاموس»: (البني: نقيض الهدم (^٢)، بناه يبنيه بنيًا، وبناءً، وبنيانًا، وبنيةً، وبنايةً، والبناء: المبني والجمع «أبنية»، وجمع الجمع: «أبنيات»، والبُِنية -بالكسر والضم-: ما بنيته، والجمع «بُِنًى»؛ بالضم والكسر، ثم قال: والبنية؛ كغنية: الكعبة، وبنى فلانًا: اصطنعه (^٣)، وعلى أهله، وبها: زفها؛ كابتنى) انتهى.\nوقال الجوهري: (البنيان: الحائط يقال: بنى فلانٌ (^٤) بيتًا، من البنيان، وبنى على أهله بناء؛ أي: زفها، والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ) انتهى.\n (وقال أبو سعيد): هو سعْد -بسكون العين- ابن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر -بالموحدة والجيم- وهو خدرة الذي ينسب إليه أبو سعيد، فيقال: الخدري، وهو ابن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الخدري، وغزا أبو سعيد أُحدًا، وبعد ذلك مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وكان أبوه سعد بن مالك صحابيًّا استشهد يوم أُحد، ولم يكن في أصحابه أفقه أو أعلم من أبي سعيد، كذا قاله سهل بن سعد، كما رواه حنظلة الجمحي، توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، أو أربع وسبعين، ودفن بالبقيع (كان سقف المسجد)؛ أي: مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ في زمنه، فاللام فيه للعهد، وزعم الكرماني أنَّها للجنس، قال إمام الشَّارحين: (وهو بعيد) انتهى.\nقلت: ووجهُ بعده أنَّ هذا التعليق رواه المؤلف مسندًا في (الاعتكاف)، وأبواب (صلاة الجماعة)، فهو مختصر من مطول، ولفظه: (قال أبو سعيد: جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف...) إلى أن قال: (فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته)؛ فهذا يدلُّ على أن المسجد إنَّما هو المسجد النبوي المدني؛ فافهم.\n (من جَريد النخل)؛ بفتح الجيم: هو الذي يجرد عنه الخوص، فإن لم يجرد؛ يسمى سعفًا، ومطابقة\n_________\n(^١) في الأصل: (حديث)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (العدم)، والمثبت موافق لما في «القاموس».\n (^٣) في الأصل: (اصطفه)، وهو تحريف.\n (^٤) في الأصل: (فلانًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":309},{"text":"هذا التعليق للترجمة ظاهرة، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\n (وأَمَرَ) بفتحات (عمر): هو ابن الخطاب أمير المؤمنين ﵁؛ أي: في زمن خلافته (ببناء المسجد)؛ أي: مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ (وقال)؛ أي: عمر للصانع الذي يبنيه: (أكِنَّ الناس من المطر): قال إمام الشَّارحين: فيه أوجه:\nالأول: (أَكِنَّ)؛ بفتح الهمزة، وكسر الكاف، وفتح النون، على صورة الأمر: من الإكنان، وهي رواية الأصيلي؛ يعني: اصنع لهم كنًّا يسترهم عن المطر والشمس، وهذه الرواية هي الأظهر، يدلُّ عليه أنَّه ذكر قبله قوله: (أمر عمر) وقوله بعده: (وإياك) وذلك؛ لأنَّه أولًا أمَر بالبناء، وخاطب أحدًا بذلك، ثم حذَّره من التَّحمير والتصفير بقوله: «وإياك أن تحمِّر أو تصفِّر» والإكنان: من أكننت الشيء إذا صنته وسترته، وحكى أبو زيد والكسائي: كننته من الثلاثي؛ بمعنى أكننته، وقال ثعلب: (أكننت الشيء إذا أخفيته، وكننته: إذا سترته بشيء، ويقال: أكننت الشيء: سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي: أسررته)، وقال أبو عبيدة: (قالت تميم: كننت الجارية أكِنها كِنًّا -بكسر الكاف- وأكننت العلم والسر، وقالت قيس: كننت السر والعلم؛ بغير ألف، وأكننت الجارية؛ بالألف)، وقال ابن الإعرابي: (أكننت السر وكننت وجهي من الحر وكننت سيفي، قال: وقد يكون هذا بالألف أيضًا).\nالوجه الثاني: (أُكِنُّ الناس): بضمِّ الهمزة، وكسر الكاف، وتشديد النون المضمومة، بلفظ المتكلم من المضارع، قال ابن التين: (هكذا رويناه، وهي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي)، وفي هذا الوجه التفات، وهو أنَّ عمر أخبر عن نفسه، ثم التفت إلى الصانع، فقال: (وإياك)، ويجوز أن يكون تجريدًا، فكأن عمر بعد أن أخبر عن نفسه جرَّد عنها شخصًا؛ ثم خاطبه بذلك.\nالوجه الثالث: قاله القاضي عياض: (كِنَّ الناس): بحذف الهمزة، وكسر الكاف، وتشديد النون من: كنَّ يكن وهو صيغة أمر، وأصله: (أكن)؛ بالهمزة، لكنها حذفت تخفيفًا على غير قياس، وهذه رواية غير أبي ذر، والأصيلي.\nالوجه الرابع: (كُنَّ) بضمِّ الكاف: من (كنَّ) فهو مكنون وهذا له وجه، ولكن الرواية لا تساعده، انتهى كلام إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nقلت: وهذا الوجه الأخير ذكره أيضًا ابن مالك، ومعناه: صانه، لكن الرواية لا تساعده، كما قال؛ فافهم.\nواعترض العجلوني الوجه الثاني؛ فقال: التجريد ذكره ابن حجر، وأما الالتفات؛ فليتأمل في صحته، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ فإن ما ذكره ابن حجر من التجريد هو قد أخذه من كلام إمام الشَّارحين ونسبه لنفسه، فلله درُّ إمامنا الشَّارح ما أغزر علمه وفهمه! وقوله: (وأما الالتفات...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ معناه صحيح، كما لا يخفى على أهل التحقيق، ولا يلزم من عدم ذكر ابن حجر للالتفات ألا يكون صحيحًا؛ لأنَّ ابن حجر ليس عنده إحاطة بجميع المعاني، بل ما ذكره هو مَبْلَغه من العلم، على أنَّ وجه الالتفات ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، وليس للعجلوني كلام مع إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (وإياك) تحذير للصانع (أن تُحَمِّر أو تُصَفِّر)؛ بضمِّ أولهما، وفتح ثانيهما، وتشديد الثالث مكسورًا، ومفعولهما محذوف؛ أي: (احذر من أن تحمِّر المسجد، أو تصفِّره)؛ فكلمة: (أن) مصدرية، ومراده: الزخرفة، وروى ابن ماجه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر مرفوعًا: «ما ساء عملُ قومٍ قط إلا زخرفوا مساجدهم»، كذا قاله إمام الشَّارحين.\n (فَتَفْتِن الناس)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون الفاء من (فتن يفتن)، من باب ضرب يضرِب، فتنًا وفتونًا؛ إذا امتحنه.\nوضبطه ابن التين؛ بضمِّ المثناة الفوقية من (أفتن)، والأصمعي أنكر هذا، وأبو عبيدة أجازه وقال: فتن وأفتن بمعنًى وهو قليل، والفتنة: اسم وهو في الأصل من الافتتان والاختبار، ثم كثر استعمالها؛ بمعنى: الإثم والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصَّرف عن الشيء، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وقد تبع ابن التين الزركشي، فضبطه بضمِّ الفوقية.\nوقال الكرماني: وتفتن من «الفتنة»، وفي بعضها من «التفتين».\nواعترضه إمام الشَّارحين فقال: إذا كان من (التفتين)؛ يكون من باب التفعيل، وماضيه فتَّن بتشديد التاء الفوقية، وعلى ضبط ابن التين يكون من باب الإفعال وهو: الإفتتان بكسر الهمزة، وعلى كل حال؛ فهو بفتح النون؛ لأنَّه معطوف على منصوب بكلمة (أن)، انتهى.\nومطابقته للترجمة ظاهرة، والمراد بالمسجد: مسجده ﵇، ويأتي في هذا الباب: أنه روي من حديث نافع إلى آخره ورواه أبو داود، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني أنَّ هذا الأثر المروي عن عمر طرفٌ من قصة في ذكر تجريده المسجد؛ فافهم.\nوقال ابن بطال: (كأنَّ عمر فهم ذلك من الشَّارع؛ حيث ردَّ خميصة أبي جهم من أجل أعلامها، وقوله فيها: «إنها ألهتني عن صلاتي»، ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم خاص بهذه المسألة؛ فقد روى ابن ماجه بسنده إلى عمر مرفوعًا: «ما ساء عمل قوم قطٌّ إلا زخرفوا مساجدهم»، ورجاله ثقات إلا شيخه جبارة بن المفلس، ففيه مقال) انتهى.\nقلت: فعلى الأول: يكون عمر قاس أعلام الخميصة على زخرفة المساجد بجامع الإلهاء في كلٍّ عن الخشوع في الصلاة، وعلى الثاني: يكون الاستدلال من الحديث، لكن الاحتمال الأول أظهر؛ لأنَّ حديث أبي جهم مذكور في «الصحيحين»؛ فافهم. والله أعلم.\n (وقال أنس): هو ابن مالك الأنصاري خادم رسول الله ﷺ: (يَتباهَون)؛ بفتح أوله والهاء: من المباهاة، وهي المفاخرة؛ أي: يتفاخرون (بها)؛ أي: بالمساجد، والسياق يدلُّ عليه؛ يعني: أنَّهم يزخرفون المساجد ويزيِّنونها بأنواع البناء والزينة، ثم يتعدون فيها ويتمارون، (ثم لا يُعمِّرونها)؛ بضمِّ أوله، وتشديد الميم، ويجوز فتح أوله التحتية، وضم الميم، ويجوز كسرها: من التعمير، والضمير يرجع إلى المساجد؛ يعني: لا يشتغلون بما بنيت المساجد له من الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر، والتدريس، ونحوها (إلا قليلًا)؛ بالنصب على الاستثناء، ويجوز الرفع من جهة النحو على أنَّه بدل من ضمير الفاعل، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: ضمير الفاعل يرجع إلى الناس؛ كالضمير في (يتباهون) المدلول عليه، وضمير (بها) يرجع إلى المساجد، كما قدمنا؛ للقرينة الحالية والمقامية، وأفاد إمامنا الشَّارح أنَّ الرفع يجوز من جهة القواعد النحوية، ولكن الرواية لا تساعده؛ لأنَّها بالنصب؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق مرفوع في «صحيح ابن خزيمة» عن محمد: حدثنا سعيد عن أبي عامر قال: قال أبو قلابة: انطلقنا مع أنس نريد الزاوية-يعني: قصر أنس- فمررنا بمسجد، فحضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد، فقال بعض القوم: نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمِّرونها إلا قليلًا أو قال: يعمِّرونها قليلًا»، ورواه أبو يعلى الموصلي أيضًا في «مسنده»، وروى أبو داود في «سننه» عن أنس:","vol":"1","page":310},{"text":"أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»، وأخرجه ابن ماجه، والنسائي أيضًا، وروى أبو نعيم في كتاب «المساجد» من حديث علي بن حرب عن سعد بن عامر عن الخزاز: «يتباهون بكثرة المساجد»، ومن حديث محمد بن مصعب القرقساني عن حماد: «يتباهى الناس ببناء المساجد») انتهى.\nقلت: والحديث الأول أولى، وأنسب بمراد البخاري، وروى البغوي عن أنس بلفظ: «سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد، ولا يعمِّرونها إلا قليلًا».\nقلت: وفي حديث أنس عَلَمٌ من أعلام نبوته؛ لإخباره ﵇ بما سيقع في أمته، فوقع كما قال، والله أعلم، وفيه: أن نقش المسجد وتزيينه مكروه، وهو قول الإمام الأعظم رأس المجتهدين ﵁، وتمامه سيأتي، والله أعلم.\n (وقال ابن عبَّاس): هو عبد الله أحد العبادلة الأربعة، وحَبْرُ هذه الأمة وترجمان القرآن ﵄: (لِتُزَخْرِفُنها)؛ باللام المكسورة أو المفتوحة، وضم الفوقية وفتح الزاي، وسكون المعجمة، وكسر الراء، وضم الفاء؛ لإسناده إلى واو الضمير المحذوفة؛ لالتقائها ساكنة مع نون التأكيد، والضمير المنصوب يعود على المساجد، والضمير المرفوع إلى المذكورين، وهو من التزخرُّف، وهو التزين، يقال: زخرف الرجل كلامه: إذا موَّهه وزيَّنه بالباطل، والزُّخرف: الذهب ونحوه.\nوأما اللام فيه؛ فذكر الطيبي في «شرح المشكاة» فيه وجهين؛ الأول: أن تكون مكسورة، وهي لام التعليل؛ للنفي قبله والمعنى: ما أُمرت بتشييد المساجد لأجل زخرفتها، والتشييد: -من شيَّد (^١) يشيِّد- رفع البناء والإحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، والوجه الثاني: فتح اللام على أنها جواب القسم، انتهى.\nواعترضه ابن حجر فزعم أنَّ هذا الوجه الثاني هو المعتمد، والأول لم تثبت به الرواية أصلًا.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الذي قاله الطيبي هو الذي يقتضيه الكلام ولا وجه لمنعه، ودعوى عدم ثبوت الرواية يحتاج إلى برهان) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ ما قاله الطيبي محتمل إن جعله من كلام ابن عبَّاس تعليلًا للحديث قبله، وإن ادَّعى أنَّه من كلام النبيِّ ﵇؛ فلا وجه له، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، ولا يذهب عليك أن كلام الطيبي مبني على كلام ابن عبَّاس؛ لأنَّه صرَّح بقوله؛ تعليلًا للنفي قبله، وليس الطيبي يدَّعي أنَّه من كلام النبيِّ الأعظم ﷺ، على أنه إذا كان من كلامه؛ فما المانع من عدم وجهه؟ لأنَّ كلام ابن عبَّاس وإن كان في الظاهر مفعولًا؛ إلا أنه متعلق بما قبله وعلى الانفعال يظهر المعنى أيضًا؛ فافهم، ولا تغترَّ بما زعمه العجلوني؛ لأنَّه مشهور بالتعصُّب، والمعنى ههنا: تمويه المساجد بالذهب، ونحوه.\n (كما زخرفت)؛ أي: زينت (اليهود)؛ أي: كنائسهم (و) زخرفت (النصارى)؛ أي: بيعهم؛ فالمفعول في كلٍّ منهما محذوف للعلم به، قال الخطابي: (إنَّما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم حين حرَّفت الكتب وبدَّلتها؛ فضيَّعوا الدين وعرَّجوا على الزخارف والتزين) انتهى.\nوقال البغوي: (إنَّهم زخرفوا المساجد عندما بدَّلوا دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم وسيصير أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتزبينها) انتهى.\nقلت: وقول الخطابي والبغوي: (إنَّ التَّزخرف وقع حين تبديل الكتب والدين)؛ يحتاج إلى حجة وبرهان؛ لأنَّه لا يلزم من تبديل الكتب زخرفة معابدهم، وقول البغوي: (بالمساجد): غير مناسب؛ لأنَّ المساجد للمسلمين، ولليهود الكنائس، وللنصارى البيع، فكان عليه أن يقول: زخرفوا معابدهم، كما لا يخفى.\nوقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق رواه أبو داود موصولًا عن ابن عبَّاس هكذا موقوفًا، وروى معه مرفوعًا من حديث الثوري عن يزيد بن الأصم عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أُمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عبَّاس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، وإنما اقتصر البخاري على الموقوف منه ولم يذكر المرفوع منه؛ للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله، وإرساله، ويزيد هذا روى له مسلم والأربعة) انتهى.\nوزعم ابن حجر -بعد أن ذكر مثل هذا آخذًا من كلام إمام الشَّارحين- فزعم أن كلام ابن عبَّاس فيه مفصول من كلام النبيِّ ﵇ في الكتب المشهورة، انتهى.\nقلت: وهو ممنوع؛ فإن ظاهر اللفظ يدل على أنه موصول بكلام النبيِّ الأعظم ﷺ، كما صرح به أبو داود، كما قدمناه.\nوقد روي الحديث من طريقين عن ابن عبَّاس موقوفًا ومرفوعًا، فالموقوف مفصول ظاهرًا، لكنه متعلق بما قبله، والمرفوع موصول، وقد خفي هذا على ابن حجر حتى زعم هذا الكلام.\nوفي الحديث المرفوع وهذه الآثار المذكورة دليلٌ واضح لمذهب أئمتنا الأعلام حيث قالوا: إن نقش المسجد وتزيينه مكروه، ولا يجوز من مال الوقف، فإن فعل؛ يغرم الذي يخرجه سواء كان ناظرًا أو غيره، ووجه الكراهة إذا كان من مال الناظر شيئان؛ أحدهما: اشتغال المصلين بذلك، فيُخل بالخشوع، وربما يجرهم إلى فساد الصلاة، وثانيهما: إخراج المال في غير وجهه، فيكون تبذيرًا وإسرافًا وهو مكروه، وعند الشافعي كذلك، قال في «الروض» و«شرحه»: (ويُكره نقش المسجد واتخاذ الشرفات له؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، فإن كان ذلك من ريع الوقف؛ فحرام) انتهى.\nوقد خفي على ابن حجر الحكم عند الشافعي؛ فزعم في «المنحة» أنه لا بأس بنقش المسجد إذا كان المال من غير بيت المال على سبيل التعظيم، واعترضه العجلوني فقال: (هذا جارٍ على غير مذهبه) انتهى.\nقلت: بل هو ليس جاريًا على مذهبه، ولا على مذهب غيره، بل هو قول بالرأي، ولعله جَنَح إلى قول بعض أئمتنا الأعلام: (لا بأس بنقش المسجد للتعظيم)، وهذا القول معناه: أن تركه أولى؛ كما صرَّح به الشراح، ومنهم إمام الشَّارحين؛ فابن حجر قد خفي عليه هذا المعنى، وخفى الصحيح في مذهب الإمام الأعظم، وخفي عليه أيضًا مذهب إمامه الشافعي، فلا تغترَّ بكلامه، وعرِّج عنه، وانظر الصحيح\n_________\n(^١) في الأصل: (شدَّ)، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":310},{"text":"ودع الفاسد.\nوزعم ابن حجر أنَّ التشييد: من شيَّد يشيِّد؛ رفع البناء والإحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] انتهى.\nقلت: الحصر المذكور فاسد، فإنَّه يجوز أن يكون من شاد الحائط بالشيد؛ طينه، وقال في «القاموس»: (شاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد؛ وهو ما طلي به حائط من جص ونحوه).\nوقول الجوهري: (من طين أو بلاط بالموحَّدة غلط، والصواب بالميم؛ لأنَّ البلاط حجارة لا يطلى بها، وإنما يطلى بالملاط: وهو الطين، والمَشيْد: المعمول به، وكمؤيَّد (^١): المطول) انتهى؛ فافهم، ثم رأيت العجلوني اعترض بنحو ما ذكرته؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٤٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-746>[حديث: أن المسجد كان على عهد رسول الله مبنيًا باللبن]</span>\n٤٤٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله): هو ابن جعفر بن نجيح أبو الحسن المشهور بالمديني المصري (قال: حدثنا) كذا للأصيلي، ولغيره (حدثني) بالإفراد (يعقوب بن إبراهيم)، زاد الأصيلي: (ابن سعْد)؛ بسكون العين المهملة (قال: حدثنا أبي): هو إبراهيم المذكور، ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأصل العراقي الدار (عن صالح بن كيسان)؛ بفتح الكاف: هو أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز الأموي (قال: حدثنا نافع): هو مولى ابن عمر المدني، ففي السند رواية الأقران: وهي رواية صالح عن نافع؛ لأنَّهما من طبقة واحدة، وفيه رواية التابعي عن التابعي؛ لأنَّ صالحًا ونافعًا كلاهما تابعيان، قاله إمام الشَّارحين: (أنَّ) بفتح الهمزة (عبد الله) زاد الأصيلي (ابن عمر): هو ابن الخطاب القرشي العدوي (أخبره) أي: أخبر نافعًا (أنَّ) بفتح الهمزة أيضًا (المسجد)؛ أي: النبوي، فالألف واللام فيه للعهد (كان) أي: المسجد (على عهد) أي: أيام وزمان (رسول الله)، وللأصيلي: (النبي) الأعظم (ﷺ مَبْنيًّا)؛ بفتح الميم، وسكون الموحدة، وتشديد التحتية، من البناء؛ وهو وضع شيء على شيء بصفة يراد بها الثبوت والدوام (باللَّبِن)؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، ويجوز فيه تسكين الموحدة مع كسر اللام أيضًا: وهو الطوب النيء قبل أن يشوى، فإذا شوي؛ فهو الآجرُّ؛ بالمد، (وسقفه الجريد)؛ أي: جريد النخل؛ وهو الذي يجرد عنه الخوص، وإذا لم يجرد؛ يسمى: سعفًا، والجملة محلها نصب على الحال، ويحتمل عطف سقفه على اسم (كان) المستتر؛ لوجود الفاصل، فتنصب (الجريد) عطفًا على خبرها، وهذا الاحتمال ذكره العجلوني، ولكن فيه نظر، على أن الرواية لا تساعده؛ فافهم، وذكر مثله مع ما فيه من الركاكة وعدم مساعدة الرواية له في قوله: (وعُمُده خشب النخل): الجملة حالية كالأولى على الأظهر و(العُمُد)؛ بضمَّتين، أو بفتحتين: كخشب، قال العجلوني: (ويجوز تسكين الثاني في المضمومتين منهما، فيجوز فيهما ستة أوجه؛ فتدبر) انتهى، قلت: يتأمل توجيهها، والظاهر أنَّها أربعة أوجه؛ فافهم، قال الجوهري: (العمود: عمود البيت، وجمع القلة: «أعمدة» وجمع الكثرة: «عُمُد» و«عَمد»، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩])، وقال الكرماني: (والخشب: مفردًا وجمعًا) وظاهره: في جميع وجوهه؛ فتأمل، (فلم يزد فيه) أي: المسجد (أبو بكر): هو الصديق الأكبر ﵁ (شيئًا)؛ المراد به: أنه لم يغير فيه شيئًا زمن خلافته لا بزيادة ولا نقصان، (وزاد فيه) أي: المسجد (عمر) هو ابن الخطاب ﵁؛ أي: في زمن خلافته يعني: في الطول والعرض، وهذه الزيادة وكذا زيادة عثمان قد بيَّنها مفصلة السمهودي في «تاريخه»، (وبناه) أي: عمر حين زاد فيه (على بنيانه) أي: الأصلي الذي كان (في عهد) أي: زمن (رسول الله ﷺ) والجار والمجرور: صفة للبنيان، أو حال منه.\nقال الكرماني: (فإن قلت: إذا بنى على ذلك البنيان؛ فكيف زاد فيه؟ قلت: لعلَّ المراد بالبنيان: بعضها أو الآلات، أو بزيادة رفع سمكها، أو المراد على هيئة بنيانه ووصفها) انتهى.\nقلت: والذي يظهر من السياق أن الصواب هو المعنى الأخير؛ لأنَّ بنيان بعضها غير ظاهر، وكذلك الآلات غير ظاهر أيضًا، وكذلك زيادة رفع سمكها؛ لأنَّه في هذه الأوجه لا يقال: إنَّه بناه على بنيانه، فالمراد: أنه بناه على هيئة بنيانه ووصفها الأصلية مع زيادة طوله وعرضه، ويدل لهذا قوله: (باللبن والجريد): متعلق بقوله: (وبناه)؛ يعني: في حيطانه وسقفه؛ كما كان على عهده ﵇ بهما (وأعاد) أي: عمر ﵁ (عمده خشبًا)؛ أي: كما كانت؛ لأنَّها تَلِفَت وبَلِيَت، فلم يغير فيه شيئًا من هيئته إلا توسعته وبناه بجنس آلاته الأصلية، قال السهيلي: (نخرت عمده في خلافة عمر، فجددها) انتهى.\n (ثم غَيَّره)؛ بفتح العين المعجمة، وتشديد التحتية (عثمان بن عفان): أمير المؤمنين ﵁؛ أي: زمن خلافته فوسعه وغير آلاته، (فزاد) أي: عثمان (فيه) أي: في المسجد النبوي (زيادة): كثيرة؛ أي: من جهة التوسيع، (وبنى جداره)؛ بالإفراد، والظاهر: أنَّ المراد: جدرانه الأربع، وقد يقال: إنه بنى جداره الذي زاده (بالحجارة المنقوشة)؛ بالتعريف فيهما، هكذا رواية غير الحموي والمستملي، وفي روايتهما: (بحجارة منقوشة)؛ بالتنكير؛ أي: بدلًا عن اللبن كذا في «عمدة القاري»، (والقَصَّةِ)؛ بالجر، بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهو الجص بلغة أهل الحجاز، يقال: قصَّص جداره؛ أي: جصَّصَه، وزعم الخطابي: القصَّة: تشبه الجص، وليست هي، وقال إمام الشَّارحين: (القصة: الجص، لغة فارسية معربة، وأصلها: كج، وفيه لغتان: فتح الجيم وكسرها، وهو الذي تسميه أهل مصر: جيرًا، وأهل البلاد الشامية يسمونه: كِلْسًا) انتهى، قلت: هو بكسر الكاف وسكون اللام آخره مهملة، وهو الحجارة الكدانة تحرق فتصير كلسًا، وقوله: (وجعل عمده): عطف على قوله: (وبنى جداره) (من حجارة منقوشة)، وقوله (وسَقَفَه)؛ بلفظ الماضي: من التسقيف، من باب التفعيل عطفًا على (جعل)، وفي رواية «فرع اليونينية»: (وسقْفَه): بلفظ الاسم عطف على (عمده)، أفاده إمام الشَّارحين، قلت: فهو بإسكان القاف، وفتح الفاء، وضبطه البرماوي: (وسقَّفه): بتشديد القاف، انتهى، قلت: التشديد؛ للمبالغة ولا مبالغة في السقف، على أن (^٢) الرواية لا تساعده؛ لأنَّها إما بلفظ الماضي مخففًا أو الاسم؛ فافهم، وقوله: (بالساج): متعلق بقوله: (وسَقَفَه)، وزعم العجلوني أنَّه متعلق بقوله: (وجعل)، قلت: والظاهر: ما ذكرناه؛ فافهم، و(الساج)؛ بالسين المهملة، والجيم؛ وهو ضرب من الخشب معروف يؤتى به من الهند، وله قيمة، قاله إمام الشَّارحين، أي: عظيمة، الواحدة: ساجة.\nقال إمامنا الشَّارح: ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.\nوقال ابن بطال: (ما ذكره البخاري في هذا الباب يدل على أنَّ السنة في بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تشييدها وتحسينها؛ خشية الفتنة والمباهاة ببنائها، وكان عمر مع الفتوحات التي كانت في أيامه وتمكنه\n_________\n(^١) في الأصل: (كمريد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":311},{"text":"من سعة المال لم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي الأعظم ﷺ، وإنَّما احتاج إلى تجديده؛ لأنَّ جريد النخل قد كان نخر في أيامه وبلي، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر؛ فحسنه بما يقتضي الزخرفة، فلم يزد فيه على أن جعل مكان اللبن حجارة وقصة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصر هو وعمر رضي الله عنهماعن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علمهما بكراهة النبي الأعظم ﷺ ذلك، وليُقتدى بهما في الأخذ من المقاصد بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة منها، ولهذا فقد أنكر على عثمان بعض الصحابة) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة ﵃، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك؛ صونًا من الفتنة) انتهى.\nقلت: وذكر النووي وغيره أن أول من وسَّع المسجد واتخذ له جدارًا دون القامة عمر بن الخطاب، وذلك؛ لأنَّه اشترى دورًا وضمَّها إليه، ثم وسَّعه عثمان واتَّخذ له الأروقة وبناه بالأحجار المنقوشة، ثم وسعه عبد الله بن الزبير، ثم عبد الملك بن مروان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، ثم المأمون، وعليه استقرَّ بناؤه إلى الآن على الصحيح، انتهى، قلت: وقد وسَّعه أيضًا السلطان عبد المجيد العثماني في زمن خلافته سنة نيف وسبعين ومئتين وألف.\nوقال ابن المُنيِّر: (لما شيَّد الناس بيوتهم وزخرفوها؛ ناسب أن يُصنع ذلك بالمساجد صونًا لها عن الاستهانة، وقد حدث عند الناس مؤمنهم وكافرهم تشييد بيوتهم وتزيينها ولم يمكن أن يمنعوا من ذلك؛ فكان بيت الله أولى، وذلك لو أنا بنينا مساجدنا باللبن النيء وسقفناها بالسعف، وجعلناها متطامنة بين الدور الشاهقة، وفعلها أهل الذمة؛ لكانت مستهانة، فحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا، ولو أنَّ المسجد الشريف أعيد بالطين والسعف، وشيدت دور المدينة إلى جنبه؛ لكان ذلك إهمالًا من المسلمين؛ فالذي اختاره الله تعالى الآن للمسلمين خيرًا إن شاء الله تعالى، ولو كان الزمان كما كان؛ لما عدل منه عن إعادة المسجد إلى ما يناسب حال القوم من التواضع والتقنع) انتهى.\nواعترضه بعضهم -على ما نقله ابن حجر- بأن المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السلف وترك الرفاهية؛ فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة؛ فلا؛ لبقاء العلة، انتهى.\nواعترضه العجلوني فقال: (المقرر في مذهبهم التفصيل بين كونه في القبلة؛ فيكره، وإلا؛ فلا)، قال الشيخ خليل في «مختصره»: (وكره تزويق قبلة المسجد) انتهى؛ فاعرفه، انتهى.\nوزعم ابن حجر: ورخَّص في ذلك بعضهم وهو قول أبي حنيفة ﵁ إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (مذهب أصحابنا: أنَّ ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد؛ معناه: تركه أولى، وقدمرَّ الكلام فيه عن قريب) انتهى.\nقلت: وعبارته فيما تقدم، وبهذا استدل أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه، وقول بعض أصحابنا: لا بأس بنقشه؛ معناه: أنَّ تركه أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذي يصرفه سواء كان ناظرًا أو غيره، انتهى.\nواعترضه العجلوني بعبارة «النهر» منتصرًا لابن حجر؛ فإنَّها يعلم منها أنَّه قيل: بندبه، لا كما يُفهمه كلامه، وعبارة «النهر»: (ولا يُكره أيضًا نقشه بالجِصِّ -بالكسر والفتح، معرَّب كج- وبالذهب ونحوه)، قيل: هذه العبارة مساوية لقول «الجامع»: (لا بأس بذلك)؛ بناءً على أنَّ المنفي كراهة التحريم، وأنَّ لفظ: (لا بأس) لا يلزم استعماله فيما تركه أولى.\nوقال السرخسي: (إن ما في «الجامع» فيه إشارة إلى أنه لا يأثم، ولا يؤجر، وقيل: يندب، والكلام في غير المحراب: أمَّا هو؛ فيكره نقشه، وفي داخل المسجد، أما خارجه؛ فيكره) انتهى.\nقلت: وكلام العجلوني فاسد الاعتبار؛ فإن المصرَّح به في كتب المذهب المعظم كـ «التنوير» و«شروحه»: أنه لا بأس بنقش المسجد -خلا محرابه- بجص وماء ذهب لو بماله لا من مال الوقف، وضمن متولِّيه لو فعل، قال صاحب «النهاية»: (أفاد أنَّ المستحب غيره؛ لأنَّ البأس الشدَّة؛ فلفظ: «لا بأس»: دليل على أنَّ المستحب غيره)، انتهى، وقال في «المضمرات»: (الصرف إلى الفقراء أفضل، وعليه الفتوى)، ومثله في: «الهندية»، وقيل: إنه مكروه؛ للحديث الصحيح: «إن من أشراط الساعة أن تزيَّن المساجد...» الحديث؛ فإن العلة في الكراهة: هو إلهاء (^١) المصلين، وقد صرَّح صاحب «البدائع» وغيره أن الخشوع في الصلاة مستحب، ومثله في «الأشباه» فأفاد أن الكراهة للتنزيه، وهي أمارة قولهم: (لا بأس)، فإنَّها تدل على أن تركه أولى؛ وهي مفادة كراهة التنزيه، ولا فرق في جدرانه؛ لأنَّ المحراب يلهي الإمام، وجدار القبلة بتمامه يلهي المصلين خلفه، وكذا حائط الميمنة والميسرة يلهي القريب منه، بخلاف السقف والمؤخر؛ لأنَّه لا يلهي، وإذا كان الإلهاء موجودًا في حائط القبلة والميمنة والميسرة؛ للمصلين؛ فات الخشوع، وتكون الصلاة مكروهة تنزيهًا، ففعل النقش في هذه الحيطان مكروهة تنزيهًا؛ كما لا يخفى، وهذا معنى عبارة «النهر» وهو الموافق لعبارة إمام الشَّارحين، فما فهمه العجلوني غير صحيح؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٤٧\"> </span>(٦٣) <span data-type=\"title\" id=toc-747>[باب التعاون في بناء المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (التعاون)؛ أي: تعاون الناس بعضهم بعضًا (في بناء المسجد)؛ بالإفراد، والألف واللام فيه للجنس، وهي رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والحموي: (في بناء المساجد)؛ بالجمع.\nو(التعاوُن)؛ بضمِّ الواو: مصدر تعاون القوم؛ تساعدوا، وتقدير الحكم في الترجمة أولى من تقدير الجواز؛ كما فعله العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعم والثاني أخص، ومراد المؤلف: العموم كما هي عادته في جميع التراجم، وأشار المؤلف بهذه الترجمة إلى أنَّ التعاون في فعل الخير بين الناس مطلوب مرغوب فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]؛ فتعاون الناس بعضهم بعضًا مندوب كبناء المساجد، وتعمير السُّبُلات وغير ذلك، فمن زاد في معاونته؛ زاد أجره، وهو شامل للمعاونة بالمال أو البدن، أما الصلاة والصوم؛ فليس فيهما معاونة؛ لأنَّهما عبادة قاصرة على صاحبها، فلا يجوز التعاون فيها؛ كما لا يخفى؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (الإلهاء)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":311},{"text":"(وقول الله ﷿) كذا في رواية الكشميهني على ما قاله القسطلاني، لكن قال إمام الشَّارحين: (إنها رواية الأكثرين)، وزاد فيه: (إلى قوله: ﴿المهتدين﴾)، وتبعه ابن حجر في «الفتح» و«العمدة»، وقال إمام الشَّارحين أيضًا: (وفي رواية أبي ذر: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]، ولم يقع في روايته لفظ: «وقول الله ﷿») انتهى، وفي رواية ابن عساكر: (قوله تعالى)، كذا ذكرها القسطلاني بدون عطف، وفي رواية بالعطف، والله تعالى أعلم: (﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾)؛ أي: بالله؛ أي: ما ينبغي لهم وما استقام لهم (﴿أَن يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللهِ﴾)؛ بالإفراد في رواية الأكثرين، وهي قراءة يعقوب، وأبي عمرو، وابن كثير، وأراد به: المسجد الحرام، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (﴿مساجد﴾)؛ بالجمع على ما في القسطلاني، وقد اشتبه عليه العجلوني عبارته؛ فزعم أن رواية أبي ذر: (﴿مسجد﴾)؛ بالإفراد وليس كذلك، وهذه الرواية هي قراءة الآخرين، والمراد بقراءة الجمع: المسجد الحرام أيضًا، ولهذا قال الحسن البصري: (إنما قال: ﴿مساجد﴾؛ لأنَّه قبلة المساجد كلها)، وقال القزاز: (إنما ذهبت العرب بالواحد إلى الجميع، وبالجميع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون، فيقول: أخذت في ركوب البراذين، ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار، ويريد: الدراهم والدنانير)، وقال صاحب «الكشاف»: (والمراد بـ «المسجد»؛ بالإفراد: المسجد الحرام، يدل عليه أن سبب نزول الآية: أنَّ المهاجرين والأنصار أقبلوا على أسارى بدر، فعيَّروهم بالشرك، وطفق علي بن أبي طالب يوبِّخ العبَّاس بقتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم، وأغلظ عليه في القول، فقال العبَّاس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، فقالوا: أوَلكم محاسن؟ فقالوا: نعم، ونحن أفضل منكم جدًّا، إنَّا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني؛ فنزلت)، ولا يرد على هذا قراءة: (المساجد)؛ بالجمع التي هي قراءة الأكثرين؛ لأنَّهم جوزوا أنَّ المراد بها: المسجد الحرام، وإنَّما جمع؛ لأنَّه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر سائر المساجد، أو لأنَّ كل بقعة منه مسجد، أو أنَّ المراد به الجنس؛ أي: جنس المساجد، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها؛ دخل تحت ذلك ألَّا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد؛ لأنَّ طريقه طريق الكناية؛ كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله؛ أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك، انتهى.\nوزعم ابن حجر أنَّ المؤلف ذكر هذه الآية لمصيره إلى ترجيح أحد الاحتمالين من الآية؛ لأنَّ قوله: ﴿مساجد الله﴾: يحتمل أن يراد بها: موضع السجود، وأن يراد بها: المساجد، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها: بنيانها، وأن يراد بها: الإقامة فيها لذكر الله تعالى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ما قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلًا، وإنَّما يناسب معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...﴾ الآية [التوبة: ١٨]، على أن أحدًا من المفسِّرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، وإنما هذا تصرُّف منه بالرأي في القرآن؛ فلا يجوز ذلك، ويجب الإعراض عنه، قال المفسرون: معنى هذه الآية؛ ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده [لا شريك له، ومن قرأ ﴿مسجد الله﴾ أراد به: المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض] (^١) الذي (^٢) بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسَّسه خليل الرحمن ﵇، ثم ساق عبارة الزمخشري...) إلى آخر كلامه ﵁.\nواعترضه العجلوني؛ فقال: (دعواه عدم مناسبة ما قاله ابن حجر لمعنى هذه الآية وحصره المناسبة لمعنى الثانية؛ غير ظاهر، وكذا دعواه أن ما قاله لم يذكره أحد من المفسرين؛ لأنَّه قد ذكر هذا المعنى البغوي في «تفسيره» وعبارته: «أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأنَّ المساجد إنَّما تعمر لعبادة الله تعالى وحده، فمن كان كافرًا بالله؛ فليس من شأنه أن يعمرها؛ فذهب جماعة إلى أنَّ المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمته عند الخراب؛ فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا يمتثل، وحمل بعضهم العمارة ههنا على دخول المسجد والقعود فيه» انتهى، فانظر إلى قوله: «فذهب جماعة...» إلخ؛ تجده دافعًا لاعتراضه، وما نقله عن الزمخشري لا ينافي ما ذكره ابن حجر، على أنَّ الكرماني وغيره قال في كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم، وفيه إرشاد إلى أن للعالم الفَهِم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين بشرط موافقته للأصول الشرعية، انتهت؛ فأعجب من قوله وتشنيعه) انتهى.\nقلت: وما ذكره العجلوني فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قوله (دعواه عدم مناسبة ما قاله...) إلى آخره،؛ ممنوع؛ فقد ذكر ذلك القاضي البيضاوي، وعبارة البيضاوي: (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ...﴾ الآية؛ أي: إنَّما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها، وصيانتها عما لم تُبنَ له: كحديث الدنيا، وعن النبي ﷺ: قال الله تعالى: «إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زوَّاري فيها عُمَّارها؛ فطوبى لعبد تطهَّر في بيته ثم زارني في بيتي؛ فحقعلى المَزُور أن يكرم زائره») انتهى، فهذا دليل ظاهر على أن ما ذكره مناسب لمعنى الآية الثانية؛ كما قاله إمام الشَّارحين، لكن فيه أن ما زعمه ابن حجر تلفيق وخلط؛ لأنَّ بعضه يوافق معنى ما ذكره البيضاوي، وبعضه لا يوافق أصلًا؛ بل ولا يوافق أحدًا، فهو خبط في الكلام؛ فكأنَّه قال ولا يدري ما يقول؛ فافهم.\nوقوله: (وكذا دعواه أن ما قاله لم يذكره أحد...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ فإن عبارة البغوي لا تدل على ما قاله؛ لأنَّه لم يقل: إنَّ المراد من الآية: أن يراد بها موضع السجود، فهو قول بالرأي بعينه، وكذا لم يقل البغوي: وأن يراد بها المساجد.\nوقوله: (فانظر إلى قوله: فذهب جماعة...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه وإن كان ظاهره أنَّه موافق لما قاله ابن حجر، لكنه في الحقيقة مخالف له ومباين؛ لأنَّ عبارة البغوي مبنية على مرمة المساجد؛ لأنَّه قال: (من مرمته عند الخراب)، وما زعمه ابن حجر أنَّه يراد بعمارتها: بنيانها؛ لأنَّ منطوق الآية ومفهومها أنه يجب على المسلمين منعهم من بناء المساجد؛ كما قاله البغوي وغيره؛ فلا شك أن ما قاله ابن حجر تصرُّف من عنده وهو القول بالرأي\n_________\n(^١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».\n (^٢) في الأصل: (التي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":312},{"text":"بعينه، وإنَّما اقتصرنا على عبارة البغوي؛ لأنَّ العجلوني جعلها سندًا ومستندًا له، والحال أن ابن حجر قد تصرَّف في عبارة البغوي، وخبط وخلط، ونسبها لنفسه، وليس في ذلك دفع لما قاله إمام الشَّارحين، بل الصواب هو ما قاله إمام الشَّارحين.\nوقول العجلوني: (وما نقله عن الزمخشري لا ينافي ما قاله ابن حجر)؛ ممنوع، فإن المنافاة بينهما ظاهرة لمن كان عنده شيء من العلم، كما علمت من عبارته، وما قاله إمام الشَّارحين من معنى الآية هو ما قاله الإمام مفتي الثقلين العلامة أبو السعود ونجم الدين النسفي والبيضاوي وغيرهم، وهو خلاف ما زعمه ابن حجر؛ لأنَّ قوله: (وأن يراد بها الإقامة فيها لذكر الله): هذا توجيه معنًى بالرأي بعينه أيضًا؛ فإن الكافر المشرك لا يوحِّد الله، ولا يصلي في مسجد، ولم يقل أحد من المفسرين ذلك، وعلى كلٍّ فما ذكره العجلوني لا ينهض دليلًا لصحة كلام ابن حجر؛ فليحفظ.\nوما نقله عن الكرماني... إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ ما ذكره خاص بالمجتهد المطلق كإمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ومن جرى مجراه، وابن حجر لم يبلغ رتبة الاجتهاد، بل ولا رتبة المؤلفين المتقنين، وإنما هو من المؤلفين الغير المتقنين، على أنَّ ما ذكره مقيَّد بأن يكون موافقًا للأصول الشرعية، وما ذكره ليس كذلك، بل هو قولٌ بالرأي بعينه؛ لأنَّه لم يذكره أحد من المفسِّرين؛ فيجب الإعراض عنه.\nوقوله: (فأعجب من قوله وتشنيعه)، لا عجب ولا تشنيع، بل ما ذكره إمام الشَّارحين هو الصواب الموافق لقول العلماء الراسخين، وليس له في ذلك حظ نفس ولا هوًى، وإنما هو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يخل ذلك بمعنى القرآن العظيم، وأعجب من قول العجلوني حيث درج على هذا الكلام الذي يرده أهل العلم العظام.\n (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾) الظرفان متعلقان بـ ﴿شاهدين﴾ وهو حال من فاعل ﴿يعمروا﴾؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين؛ عمارة بيت الله وكفرهم بالله بعبادة غيره، وقال الحسن: (لم يقولوا: نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر)، وقال الضحاك، عن ابن عبَّاس: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك لأنَّ كفار قريش كانوا ينصبون أصنامهم على البيت الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكلما طافوا شوطًا؛ سجدوا لأصنامهم ولم يزدادوا بذلك من الله إلا بعدًا)، وقال السُّدي: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر: هو أنَّ النصراني يُسأل من أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك)، وقال النسفي: (هو قولهم: لبيك لا شريك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك؛ أي: ليس لهم أن يحجوها وهم قائلون ذلك في الحج).\n (﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾)؛ أي: بطل ثوابها لشركهم، والمراد بالأعمال: ما ذكروه من محاسنهم، كذا قاله نجم الدين النسفي، وقال جار الله الزمخشري: هي العمارة والحجابة، وفك العاني، والسقاية ونحوها، انتهى، قلت: وهي بمعنى ما تقدم.\nواعترضه العجلوني فزعم أنَّ الأولى العموم؛ لأنَّ أعمال الكفار كلها مردودة لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، انتهى.\nقلت: العموم موجود في كلام الزمخشري؛ لأنَّه بيَّن أعمالهم التي يفتخرون بها، وعمم بقوله: وغيرها، وما ذكره من الآية فيه نظر؛ لأنَّ الآية مخصوصة بالدار الآخرة، فلا يجازون عليها في الآخرة وإنما المجازاة تكون في الدنيا، فإن الكفار إذا عملوا خيرًا؛ يجازون عليه في الدنيا بكثرة الأموال والأولاد، أو دفع الضرر والشدة وغير ذلك، فإذا وصلوا للدار الآخرة؛ لم يجدوا من أعمالهم شيئًا؛ فافهم.\n (﴿وَفِي النَّارِ﴾)؛ أي: الجهنمية؛ أي: لا في غيرها (﴿هُمْ خَالِدُونَ﴾)؛ أي: لكفرهم لا غيرهم من المسلمين؛ فافهم، وإن عُذِّب منهم من يعذب، فإنَّهم إلى الجنة صائرون، ومهما طالت مدتهم لا بد من دخولهم الجنة، وقول المتصوفة: (إن الكفار يعتادون عذاب النار فلم يحصل لهم بعد ذلك ألم العذاب) مردود بنصوص القرآن؛ لأنَّ الله وصف العذاب بكونه مؤلمًا، وإذا كان كما زعمه؛ يلزم في ذلك ألَّا يكونوا معذبين، وهو خلاف إخبار الله عنهم، وهو لا يخلف الميعاد.\n (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ﴾) في قراءة ﴿مسجد الله﴾ بالإفراد كما في «الكشاف» (﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾) وحده، والإيمان بالنبي الأعظم ﷺ، وإنما لم يذكره؛ لأنَّه إذا جرى ذكر الله تعالى؛ يكون ذكره ﵇ مقارنًا لذكره تعالى، كما في كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة وغيرها، فلما كانا مزدوجين صارا كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن الآخر، فكان الإيمان به ﵇ مندرجًا تحت ذكر الإيمان بالله تعالى، ويحتمل أنه لم يذكره لدلالة قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ لأنَّهما ذكرتا بلام العهد والمعهود من الصلاة والزكاة عند المسلمين ليس إلا الأعمال التي أتى بها رسول الله ﷺ، وإتيان تلك الأعمال يستلزم الإيمان به ﵇؛ فافهم، (﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾) ﴿من﴾ الموصولة أو النكرة الموصوفة فاعل ﴿يعمر﴾ المقدم عليه المفعول؛ اعتناءً بالمساجد، (﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾)؛ أي: أداها وحافظ عليها في أوقاتها، وهو معطوف على قوله: ﴿آمن﴾ (﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾)؛ أي: أداها لأربابها، والمعنى: إنَّما يستحق القيام بعمارة المساجد من كان متصفًا بهذه الأوصاف المذكورة (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ﴾)؛ أي: لم يخف في الدين غير الله، ولم يترك أمر الله لخشية غيره، قاله البغوي، وقال صاحب «الكشاف»: (فإن قلت: المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك ألَّا يخشاها، قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وألَّا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه حق الله وحق نفسه؛ قدم حق الله على حق نفسه، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم، وهذه الآية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كالمؤكدة","vol":"1","page":312},{"text":"بمضمون السابقة؛ ومعناه: إنَّما يستقيم عمارة المساجد لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها: تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج والمصابيح، ورَمِّ (^١) ما وَهَى منها وإصلاحه، وقمِّها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومنه: درس العلم؛ بل هو أجلُّه وأعظمه، وصيانتها مما لم تبنَ له من أحاديث الدنيا، فضلًا عن فضول الحديث) انتهى.\nقلت: وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] فإن الخوف من المضار النفسانية أمر جبلِّي لا محذور فيه، وإنما المحذور ترجيح حق نفسه على حق الله تعالى، وأن يجعل فوات حظ نفسه كعذاب الله تعالى.\n (﴿فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾) [التوبة: ١٨] جمع؛ مراعاة لمعنى ﴿من﴾ بعد الإفراد لمراعاة لفظها، قال البيضاوي: (ذكره بصيغة التوقع؛ قطعًا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخًا لهم بالقطع بأنَّهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرًا بين «عسى» و«لعل»، فما ظنك بأضدادهم؟! ومنعًا للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا على أعمالهم) انتهى، وقال الإمام نجم الدين النسفي: («عسى» من الله إطماع، وإطماع الكريم إيجاب؛ أي: المستكملون هذه الأوصاف والخصال ثابتون على الهداية خارجون عن الضلالة)، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي الأعظم ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ﴾ ...» الآية [التوبة: ١٨]، وقال القشيري: (عمارة المساجد التي هي مواقف العبودية لا تتأتى إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يعمِّر المسجد بتخريب أوطان شهوته، والزاهد يعمِّره بتخريب أوطان مُنْيَته، والعارف يعمِّره بتخريب أوطان عِلاقَته، والموحِّد يعمِّره بتخريب أوطان ملاحظته، ولكلٍّ منهم صنف مخصوص، وكذلك رتبتهم في الإيمان مختلفة، فإيمان من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتَّان ما هم) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (ثمَّ إنَّ البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة، وحديث الباب لا يطابقها، ولو ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ الآية؛ لكان أجدر وأقرب للمطابقة، ولكن يمكن أن يوجه ذلك وإن كان فيه بعض تعسُّف؛ وهو أن يقال: إنَّه أشار به إلى أنَّ التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنَّما يكون للمؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة، ألا ترى أنَّ العبَّاس لما أُسِر (^٢) يوم بدر وعيَّره علي بن أبي طالب بكفره وأغلظ له؛ ادَّعى أنَّهم كانوا يعمرون المسجد الحرام، فبيَّن ذلك الله تعالى أنَّه غير مقبول منهم؛ لكفرهم؛ حيث أنزل على نبيه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ الآية [التوبة: ١٧]، ثم أنزل في حق المسلمين الذين يتعاونون في بناء المساجد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ ...؛ الآية، والمعنى: إنِّما العمارة المعتدة بها: عمارة من آمن بالله، فجعل عمارة غيرهم كلا عمارة؛ حيث ذكرها بكلمة الحصر، وروى عبد بن حميد في «مسنده» عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ عمَّار المسجد هم أهل الله» ورواه أبو بكر البزَّار، ولا شكَّ أنَّ أهل الله هم المؤمنون) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزاد في الطنبور نغمة، فزعم أنَّ الآيتين (^٣) مذكورتان في رواية أبي ذر التي ذكرها، وهما دالتان على فضيلة تعمير المساجد ومدح العامرين بها، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وليس لقائله مسٌّ بفهم المعاني، فإنَّ كون الآيتان مذكورتين (^٤) في رواية أبي ذر لا ينافي أنَّ الآية الأولى من جملة الترجمة، وأنَّها لا تطابق حديث الباب، فكم ذكر المؤلف آية أو حديثًا في باب مترجم وهو لا يطابق الترجمة؟! لكن يجب على المؤلف أن يصدِّر بآية: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾؛ لأنَّ مراد المؤلف: الاستدلال على ما ترجم له، وهذه الآية صريحة في الدلالة على ذلك، وأن الآية الأخرى لا يُستدلُّ بها؛ لأنَّ العمارة المقبولة إنَّما هي من المؤمنين، وأمَّا الكفار؛ فلا يُعتدُّ بفعلهم، كيف يجعل فعل الكفار دليلًا على حكم من أحكام الله مع أنَّه تعالى قد ذمَّ فعلهم ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١٧]؟!، فهذا ذمٌّ وعدم رضًا بهذا الفعل منهم فالآية الأولى تطابق الترجمة، وأمَّا الثاني؛ فإنَّها قريبة من التطابق لما ذكره إمام الشَّارحين من الوجه المذكور، على أنَّ الحديث المروي عن أنس صريح في أنَّ الذي يمدح في عمارة المسجد إنَّما هو المؤمن لا الكافر، فكيف يقول: (وهما دالَّتان...) إلخ؟ فمن أين جاءت الدلالة المذكورة؟ ومن أين جاء المدح للعامرين؟ نعم؛ مدح الله المؤمنين في الآية الثانية، وذمَّ ومنع المشركين في الآية الأولى، وما هذا إلا قول أضعف من [بيت] العنكبوت، فلا تغتر بكلام العجلوني، فإنَّه مشهور بالتعصب على إمام الشَّارحين، ولم يصل إلى مرتبة علمه في العالمين؛ فافهم.\nوروى البغوي «بسنده» إلى أبي هريرة أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد وراح؛ أعدَّ الله له منزلة من الجنة كلَّما غدا وراح»، وروى أيضًا بسنده إلى عثمان بن عفان أنَّه أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك وأحبُّوا أن يدعه، فقال عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له قصرًا كهيئته في الجنة»، وفي لفظ له من طريق آخر: «بنى الله له بيتًا في الجنة»، وقال صاحب «الكشاف»: وعن النبي الأعظم ﷺ: «يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد، يقعدون فيها حِلَقًا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة»، وعنه ﵇: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»، وقال ﵇: «من أَلِفَ المساجد؛ أَلِفَه الله»، وعن أنس بن مالك: «من أَسْرَج في مسجد سراجًا؛ لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك\n_________\n(^١) في الأصل: (وذم)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (أسرى).\n (^٣) في الأصل: (الآيتان)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (مذكورتان)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":313},{"text":"المسجد ضوءه» انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٤٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-748>[حديث: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة]</span>\n٤٤٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد): هو ابن مسرهد الأسدي البصري، (قال: حدثنا عبد العزيز بن مختار) أبو إسحاق الدباغ البصري الأنصاري، وفي بعض الأصول: (المختار)؛ باللام؛ للمح الأصل، (قال: حدثنا خالد الحَذَّاء)؛ بفتح المهملة، وتشديد المعجمة، هو ابن مهران البصري، (عن عكرمة): هو مولى ابن عبَّاس، المفسِّر المشهور، وقد سكن البصرة (قال لي)؛ أي: قال: قال لي: (ابن عبَّاس): هو عبد الله، حَبر هذه الأمة وترجمان القرآن، قال إمام الشَّارحين: (وهذا الإسناد كلُّه بصري؛ لأنَّ ابن عبَّاس أقام على البصرة أميرًا مدة وعكرمة معه) انتهى، (ولابنه): معطوف على الياء بإعادة الجار؛ ليكون جائزًا اتفاقًا، والضمير فيه يرجع إلى ابن عبَّاس، وقوله: (عليٍّ)؛ بالجر بدل من ابنه، أو عطف بيان، هو ابن عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وكنيته أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، وكان مولده ليلة قتل علي بن أبي طالب؛ فسمي باسمه وكني بكنيته، وكان غاية في العبادة، والزهادة، والعلم، والعمل، وحسن الشكل، والثقة، وكان يدعى السجَّاد-بتشديد الجيم-؛ لكونه كثير الصلاة، فقد كان يصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة، وكان له خمس مئة أصل زيتون، فيصلي في كل يوم عند أصل كل شجرة ركعتين، وهو جدُّ السفاح والمنصور الخليفتين، المتوفى قبل العشرين ومئة، إمَّا سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة، أو عشرة، عن ثمان أو تسع وسبعين سنة، أفاده إمامنا الشَّارح، قلت: وقول العجلوني: (مات بعد العشرين ومئة) خطأ ظاهر: (انطلِقا)؛ بكسر الهمزة واللام: فعل أمر مثنَّى (إلى أبي سعيد): هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، (فاسمعا) ولأبي ذر: (واسمعا) بالواو (من حديثه)؛ أي: المطلق الذي يسمعه الناس، وزعم العجلوني: أنَّه يحتمل أنَّه عيَّن لهما الحديث يسألانه عنه أو أطلق، انتهى، قلت: ظاهر اللفظ يدل على الإطلاق، ويدل عليه أنَّه أتى به بصيغة التنكير، والاحتمال الأول بعيد جدًّا؛ لأنَّه لو كان مراده التعيين لعيَّن لهما الحديث لأجل السؤال عنه، وظاهر اللفظ يخالفه؛ فافهم، وقوله: (فانطلقنا) من مقول عكرمة؛ (فإذا هو) أي: أبو سعيد، وكلمة (إذا) ههنا للمفاجأة (في حائط) أي: بستان له وسمِّي به؛ لأنَّه لا سقف له كذا في «عمدة القاري» (يصلحه) جملة محلها الرفع؛ لأنَّها خبر لقوله: (هو)، وهل المراد بالإصلاح السقي أو الزراعة وحفر الأرض ونحوها؟ فإن اللفظ عام، وقد بيَّن المؤلف في (الجهاد) أنَّ المراد به الأول، ولفظه: (فأتيناه وهو وأخوه في حائطهما يسقيانه)، قال إمام الشَّارحين: (قيل: أخوه هذا لأمه وهو قتادة بن النعمان، ورُدَّ بأن هذا لا يصح؛ لأنَّ علي بن عبد الله بن عباس ولِد في آخر خلافة علي بن أبي طالب ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في أواخر خلافة عمر بن الخطاب، وليس لأبي سعيد أخ شقيق ولا أخ من أبيه ولا من أمه إلا قتادة، فيحتمل أن يكون المذكور هو أخوه من الرَّضاعة، والله أعلم) انتهى، (فأخذ رِدَاءه)؛ بكسر الراء وفتح الدال المهملتين، وهو ما يستر النصف الأعلى؛ أي: فأخذ أبو سعيد رداء نفسه.\nقال العجلوني: كأنَّه بعد أن سألاه الحديث أو اتفق له ذلك، انتهى.\nقلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ المراد: سماع الحديث لا السؤال عنه، فإنَّه لم يقل لهما ابن عبَّاس: اذهبا فاسألانه؛ بل أَخْذُ الرداء قد اتفق له في هذه الحالة كما ذكرنا؛ فافهم.\n (فاحتَبَى)؛ بالحاء المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وفتح الموحدة؛ يقال: احتبى الرجل؛ إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، كذا في «عمدة القاري».\nقال العجلوني: ويحتمل أنَّه احتبى بردائه.\nقلت: واحتباء الرجل أن يقعد على أليتيه، وينصب ساقيه ملتفًّا في ثوبه الواحد، والظاهر أنَّه احتبى بردائه؛ لأنَّه كان في حائطه يصلحه، والغالب أن يكون غير محبيٍّ به، فلما فرغ من ذلك؛ أخذ ردائه، فاحتبى به، وهذه الاحتمالات من أجل عدم وجود لفظة (به)، فلو كانت؛ لتعين ما قلناه؛ فافهم.\n (ثم أنشأ)؛ أي: شرع أبو سعيد، قال إمام الشَّارحين: وهي بمعنى: طفق، وهما من أفعال المقاربة، وضعا للدلالة على الشروع في الخبر، ويعملان عمل (كان) إلا أنَّ خبرهما يجب أن يكون جملة، ويشاركهما في هذا: (جعل) و(علق) و(أخذ)، انتهى، فقوله: (يحدثنا)؛ جملة محلها النصب خبر (أنشأ) (حتى أتى) أي: أبو سعيد (ذِكْرَ)؛ بالنصب مفعول (أتى)، وفي رواية كريمة والأربعة: (حتى إذا أتى على ذِكْرِ)، وفي رواية الأصيليوأبي ذر عن المستملي والكشميهني: (حتى أتى على ذكر) (بناء المسجد) أي: النبوي، فالألف واللام فيه للعهد (فقال) أي: أبو سعيد (كنا) أي: معشر الصحابة (نحمل لَبِنةً)؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، بعدها نون، وهي: الطوب النيئ، فإذا شوي بالنار؛ فهو الآجر؛ بالمد، وانتصابها على المفعولية لـ (نحمل)، وقوله: (لبنةً) بالتكرار؛ منصوب على التأكيد، وأفاد التكرار أنَّ كل واحد يحمل في كل مرة لبنة، (وعمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لبنتين لبنتين)؛ بالتكرار أيضًا؛ يعني: يحمل عمَّار في كلِّ مرة لبنتين، وزاد معمر في روايته: (لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ)، وفيه زيادة أيضًا لم يذكرها البخاري، ووقفت عليها عند الإسماعيلي وأبي نعيم في «المستخرج» من طريق خالد الواسطي، عن خالد الحذَّاء؛ وهي: (فقال رسول الله ﷺ: «يا عمَّار؛ ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد من الأجر»)، قاله إمام الشَّارحين، قلت: يعني: يريد الزيادة في الثواب بحمله أكثر من أصحابه، (فرآه النبي) الأعظم (ﷺ)؛ الضمير المنصوب فيه يرجع إلى عمَّار ﵁، (فينفض)؛ بالمضارع موضع الماضي؛ لاستحضار صورة النفض في نفس السامع حتَّى كأنَّه شاهده، ولابن عساكر وأبي الوقت: (فنفض)؛ بالماضي، وللأصيلي وعزاها إمام الشَّارحين للكشميهني: (فجعل ينفض) (التراب عنه)؛ أي: عن عمَّار، وزاد المصنف في (الجهاد): (عن رأسه)، وكذا هي رواية مسلم، (ويقول)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ في هذه الحالة (ويح عمَّار!)؛ بفتح الحاء المهملة لا غير، يحتمل أنَّه منادى بحذف حرف النداء على حد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، و(ويح): كلمة رحمة، بخلاف (ويل)؛ فإنَّها كلمة عذاب، لكن كلام الجوهري وغيره صريح في أنَّ نصبه بفعل مقدَّر، فإنَّه قال: (تقول: ويحٌ لزيد وويلٌ له، برفعهما على الابتداء، ولك أن تقول: ويحًا لزيد وويلًا له، فتنصبهما بإضمار فعل، ولك أن تقول: ويحك وويلك، وويل زيد وويحه","vol":"1","page":313},{"text":"بالإضافة، فتنصبهما لا غير بإضمار فعل)؛ فافهم، (تقتله الفئة) أي: الجماعة (الباغية)؛ أي: المخالفة للإمام بتأويل، الخارجة عن طاعته بتأويل باطن ظنًّا وبمتبوع مطاع، قيل: هم الشاميون أصحاب معاوية ﵁ الذين قتلوه في وقعة صفين (يدعوهم إلى الجنة)؛ أي: يدعو عمَّارٌ الفئة الباغية إلى سبب دخول الجنَّة؛ وهو إطاعة الإمام الواجب اتِّباعه؛ وهو علي بن أبي طالب، وأعيد الضمير إليهم وهم غير مذكورين صريحًا (ويدعونه إلى النار)؛ أي: تدعوا هؤلاء الفئة الباغية عمَّارًا إلى النار؛ أي: إلى سبب دخولها، فإنَّ الطاعة سبب دخول الجنَّة، كما أنَّ المعصية سبب دخول النار؛ وهي المخالفة، لكنَّهم معذورون؛ لتأويلهم الذي ظهر لهم، وسقط في رواية الأكثرين: (تقتله الفئة الباغية)، فأشكل عليها مرجع الضمير في (يدعوهم)، فإنَّه أعيد الضمير عليهم مع أنَّهم غير مذكورين صريحًا، لكن ثبت في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما هذه الزيادة، وكذلك ثبتت في نسخة الصغاني المقابلة على نسخة الفربري التي بخطه، ولهذا أثبتُّها تبعًا لإمام الشَّارحين.\nثم قال: (فإن قلت: كان قتل عمَّار بصفين، وكان مع علي بن أبي طالب، وكان الذين قتلوه مع معاوية، وكان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز أن يدعونه إلى النار؟! وأجاب ابن بطال فقال: «إنما يصح هذا في الخوارج الذين بَعَثَ إليهم عليٌّ عمَّارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنَّه لا يجوز أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل»).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (تبع ابن بطَّال في ذلك المهلَّب، وتابعه على ذلك جماعة في هذا الجواب، ولكن لا يصحُّ هذا الجواب؛ لأنَّ الخوارج إنَّما خرجوا على علي بن أبي طالب بعد قتال عمَّار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك؛ لأنَّ ابتداء أمرهم كان عقيب التحكيم بين علي ومعاوية، ولم يكن التحكيم إلا بعد انتهاء القتال بصفِّين، وكان قتل عمَّار قبل ذلك قطعًا) انتهى.\nويقال أيضًا: إنَّ المبعوث إليهم عمَّار إنَّما هم أهل الكوفة ليستنفرهم (^١) على قتال عائشة ومن معها في وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة كثيرون.\nوزعم ابن حجر فأجاب: بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار: كفار قريش.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (وهذا لا يصح؛ لأنَّه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة توضح بأن الضمير يعود على قتلة عمَّار، وهم أهل الشام).\nقال الحميدي: لعل هذه الزيادة لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمدًا، ولم يذكرها في «الجمع بين الصحيحين»، قال: وقد أخرجها الإسماعيلي، والبرقاني في هذا الحديث، انتهى.\nثم قال إمام الشَّارحين: (والجواب الصحيح في هذا أنَّهم كانوا مجتهدين ظانين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم، فإن قلت: المجتهد إذا أصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجر، فكيف الأمر ههنا؟ قلت: الذي قلنا جواب إقناعي فلا يليق أن يذكر في حق الصحابة خلاف ذلك؛ لأنَّ الله أثنى عليهم وشهد لهم بالخيرية والفضل بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال المفسرون: هم أصحاب النبي الأعظم ﷺ) انتهى.\nقلت: ويؤيده قوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، ولأن معاوية ﵁ كان أمين الوحي وكاتبه، وثبت أنه ﵇ قال له: «إذا ولِّيت؛ فاعدل»، فلهذا طلب الولاية لنفسه؛ حيث إنَّه بشَّره ﵇ بها، فلا تغتر بقول الزنادقة الملحدين الذين يقذفون في حق معاوية ﵁، فهو بريء مما قالوا، فلو أنفق أَحَدٌ مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ فضلهم، كما صرح به الحديث وتمامه في «شرح الشفا» لمنلا علي القاري قُدِّس سره.\nقال الحميدي: ويظهر لي أنَّ البخاري حذف هذه الزيادة وهي: «تقتله الفئة الباغية»؛ لنكتة، وهي أن أبا سعيد اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي الأعظم ﷺ، فدل على أنَّها في هذه الرواية مدرجة، والرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري، وأخرجها البزار بسنده إلى أبي سعيد، لكن فيه: قال أبو سعيد: فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله ﷺ أنَّه قال: «يا ابن سميَّة؛ تقتلك الفئة الباغية»، وقد عين أبو سعيد من حدَّثه بذلك؛ ففي «مسلم» و«النسائي» عن أبي سعيد قال: حدثني من هو خير مني أبو قتادة، فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد منه ﵇ دون غيره.\n (قال) أي: أبو سعيد: (يقول عمَّار: أعوذ بالله من الفِتن)؛ بكسر الفاء، جمع فِتنة؛ بكسرها أيضًا، وهي الامتحان والاختبار كقوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، يقال: افتتن الرجل؛ إذا أصابته فتنة، فذهب عقله أو ماله؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أنَّ التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأنَّه مما يجري للإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وكري الأنهار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها.\nوفيه: الحث على أخذ العلم من كل أحد وإن كان الآخذ أفضل من المأخوذ منه، ألا ترى أن ابن عبَّاس مع سعة علمه أمر ابنه عليًّا بالأخذ عن أبي سعيد الخدري؟ قيل: يحتمل أن يكون إرسال ابن عبَّاس إليه؛ لطلب علو الإسناد؛ لأنَّ أبا سعيد أقدم صحبة وأكثر سماعًا من النَّبي الأعظم ﷺ، قلت: ومع هذا لا ينافي ذلك ما ذكرناه.\nوفيه: أنَّ العالم له أن يتهيأ للحديث، ويجلس له تعظيمًا.\nوفيه: ترك التحديث في حالة المهنة؛ إعظامًا للحديث وتوقيرًا لصاحبه، وهكذا كان السلف.\nوفيه: أن للإنسان أن يأخذ من أفعال البِر ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمَّار لبنتين.\nوفيه: إكرام العامل في سبيل الله والإحسان إليه بالفعل والقول.\nوفيه: علامة النبوة؛ لأنَّه ﵇ أخبر بما يكون، فكان كما قال.\nوفيه: إصلاح الشخص ما يتعلق بأمر دنياه، كإصلاح بستانه وكَرْمِه بنفسه، وأنَّه كان السلف على ذلك؛ لأنَّ فيه إظهار التواضع ودفع الكبر، وهما من أفضل الأعمال الصالحة.\n_________\n(^١) في الأصل: (ليستفرهم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":314},{"text":"وفيه: فضيلة ظاهرة لعليٍّ وعمَّار ﵄.\nوفيه: ردٌّ على النواصب الزاعمين أن عليًّا لم يكن مصيبًا على حروبه.\nوفيه: استحباب الاستعاذة من الفتن؛ لأنَّه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور أم مأزور؟ إلا بغلبة الظن، ولو كان مأجورًا؛ لما استعاذ عمَّار من الأجر) انتهى.\nوقال ابن بطال: (وفيه: ردٌّ للحديث الشائع: «لا تستعيذوا بالله من الفتن فإنَّ فيها حصاد المنافقين»).\nقال الشَّارح: (ويروى: «لا تكرهوا الفتن»، ولكن لم يصح هذا فإن عبد الله بن وهب قد سئل عن هذا فقال: إنَّه باطل) انتهى.\nقلت: وقد قال غيره كالسخاوي: إنه باطل، لكن له وجه صحيحومعنى صريح: في أن وجود الفتن تجرُّ بعض المنافقين للوقوع في الهلاك، فيتخلص (^١) منهم الصالحون المتقون ويستريحون من إيذائهم، وإنِّما استعاذ عمَّار؛ لأنَّه بسبب وجود الفتنة ربما الإنسان لا يصبر فيحصل له الضجر، وربما يقع في محظور وغير ذلك، أمَّا الذي يحفظ دينه وعرضه وماله؛ فهو في الفتنة مأجور؛ لأنَّها من قبيل الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٤٩\"> </span>(٦٤) <span data-type=\"title\" id=toc-749>[باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (الاستعانة) أي: طلب الإعانة (بالنَّجَّار)؛ بفتح النون، وتشديد الجيم على وزن «فعَّال»، وهو الذي يعمل صنعة النجارة (والصُّنَّاع)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد النون جمع: صانع، وهو من قبيل عطف العام على الخاص، قاله إمام الشَّارحين، (في أعواد المنبر والمسجد) متعلق بـ (الاستعانة)، فهو متعلق معنًى بـ (النجار والصناع)، و(المسجد): عطف على (المنبر) أو على (أعواد)، قاله الكرماني، وتبعه البرماوي، واعترضه العجلوني فقال: (عطفه على «المنبر» لا يخلو من توقف) انتهى، قلت: لا توقف فيه أصلًا، بل المعنى فيه صحيح، كما لا يخفى.\nوزعم ابن حجر فيه لف ونشر، فقوله: (في أعواد المنبر) يتعلق بالنَّجار، وقوله: (والمسجد) يتعلق بـ (الصُّنَّاع)؛ أي: والاستعانة بالصُنَّاع في بناء المسجد.\nورده إمام الشَّارحين فقال: (لا يصح ذلك من حيث المعنى؛ لأنَّ النَّجار داخل في الصُّنَّاع، وشرط اللف والنشر أن يكون من متعدد) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن ما ذكره ابن حجر مقابل لعطف العام على الخاص، وعليه فلا يكون النَّجار داخلًا في الصُّنَّاع، على أنَّه وإن كان داخلًا فيه؛ فالتعدد موجود، انتهى.\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ كونه من عطف العام على الخاص يلزم عليه أن يكون النَّجار داخلًا في الصُّنَّاع؛ لأنَّ النَّجار صانع من جملة الصُّنَّاع.\nوقوله: (على أنَّه...) إلخ: هذا تنزل في الجواب، وهو ليس بشيء أيضًا، فإن التعدد غير موجود، فإن النَّجار يقال له: صانع، وهو من جملة الصُّنَّاع؛ فإن الذي يحتاج في بناء المسجد النَّجار وغيره من الصُّنَّاع، وكذلك المنبر؛ فافهم، على أنَّه وإن كان بحسب الظاهر من اللفظ أنَّه متعدد، لكن من حيث المعنى غير متعدد، بل هو شيء واحد؛ لأنَّ لفظ (الصُّنَّاع) ومعناه واحد وتحته أفراد، وعلى كل حال فما زعمه ابن حجر والعجلوني غير صحيح، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٧٥٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-750>[حديث: بعث رسول الله إلى امرأة أن مري غلامك النجار يعمل لي]</span>\n٤٤٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قتيبة) زاد الأصيلي: (ابن سعِيد) بكسر العين المهملة (قال: حدثنا عبد العزيز): هو ابن أبي حازم (عن أبي حازم): هو سلمة بن دينار، ولأبوي ذر والوقت: (حدثني) بالإفراد (أبو حازم) (عن سهل): هو ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة الساعدي الأنصاري ﵁ (قال: بعث رسول الله ﷺ) أي: أرسل (إلى امرأة): هي عائشة الأنصارية، كما صرَّح الطبراني: (أن مري غلامكِ)؛ بكسر الكاف؛ وكلمة: (أن) مفسرة بمنزلة (أي)، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ويحتمل أن تكون مصدرية؛ بأن يقدر قبلها حرف الجر، وعن الكوفيين: إنكار (أن) التفسيرية ألبتة، ويروى: (مري) بدون (أن)، و(مري): أمرٌ من (أمر يأمر)، والياء التحتية علامة الخطاب للمؤنث، كذا قرره إمام الشَّارحين، قلت: وعلى مذهب الكوفيين يتعين جعلها مصدرية، و(مري) أفصح من (اؤمري)؛ لأنَّه في ابتداء الكلام؛ فافهم.\nوهذا الغلام هو مولى هذه المرأة، واسمه باقوم-بالميم- الرومي، وقيل: باقول: باللام، فيما رواه عبد الرزاق، وقيل: قبيصة المخزومي، وقيل: مينا، وقيل: صالح مولى العبَّاس، وقيل: ميمون، كما تقدم ذلك في باب (الصلاة في السطوح والمنبر والخشب).\n (يعملْ): مجزوم في جواب الأمر؛ أي: يصنع لي (أعوادًا)؛ أي: منبرًا مركبًا منها (أجلسُ عليهن)؛ بالرفع؛ أي: أنا أجلس عليها، والجملة صفة (أعوادًا) مقدرة أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.\nقال إمام الشَّارحين: (وههنا مسألة وهي: أنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمرٌ بذلك الشيء أم لا؟ وهل الغلام مأمور من قبل النبي الأعظم ﷺ أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح عدمه) انتهى.\nقلت: الأصوليون منعوا ذلك، وعليه فلا يكون النَّجار مأمورًا من جهته ﵇، ونظيره قوله ﵇: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين».\nوهذا الحديث أخرجه المؤلف في (البيوع) بهذا الإسناد بتمامه، وههنا اختصره، وفيه: الاستعانة بأهل الصنعة فيما يشمل المسلمين نفعه، وفيه: التقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، وفيه: استحباب الجلوس على شيء مرتفع لأجل الوعظ والدرس ونحوه، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٥١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-751>[حديث: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه]</span>\n٤٤٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام: هو ابن يحيى صفوان السلمي الكوفي نزيل مكة (قال: حدثنا عبد الواحد بن أَيْمَن)؛ بفتح الهمزة، وسكون التحتية، وفتح الميم، آخره نون؛ هو الحبشي المكي القرشي المخزومي، (عن أبيه): هو أيمن المذكور (عن جابر) زاد الأصيلي: (ابن عبد الله): هو الأنصاري الصحابي ﵄: (أن امرأة): هي عائشة الأنصارية، كما صرح بها الطبراني، وهي المذكورة في حديث سهل (قالت: يا رسول الله؛ ألا):\n_________\n(^١) في الأصل: (فتتخلص)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":314},{"text":"هي مخففة مركبة من همزة الاستفهام و(لا) النافية، وليست حرف تنبيه، ولا حرف تحضيض، كذا قاله إمام الشَّارحين، قلت: فهي للعرض، (أجعل لك شيئًا) أي: منبرًا (تقعد عليه) أي: حين الخطبة (فإن لي غلامًا نَجَّارًا)؛ بفتح النون، وتشديد الجيم: صانع النِّجارة، وفي «عمدة القاري»: أن في رواية الكشميهني: (فإن لي غلامٌ نجارٌ) انتهى؛ يعني: برفع (غلام) على أن اسم (أن) ضمير الشأن، وزعم العجلوني أن في بعض نسخ القسطلاني: (فإني لي غلام)، وهي ظاهرة، قلت: جميع نسخ القسطلاني: (فإن لي) بدون تحتية، فمن أين أتى بها شيخ عجلون؟! فافهم، والمراد به: المملوك (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (إن شئتِ)؛ بكسر التاء الفوقية؛ خطاب المؤنث؛ يعني: إن شئت؛ فافعلي لي ذلك، وقال إمامنا الشَّارح: الجزاء محذوف؛ تقديره: إن شئت؛ عملت، ويروى: «إن شئت فعلت»، فلا حذف؛ فافهم، (فعملت) أي: المرأة المذكورة (المنبر)؛ أي: النبوي، وإضافة العمل إلى المرأة مجاز؛ كإضافة الجعل إليها؛ لأنَّ العامل إنَّما هو الغلام، وهي الآمرة بذلك، فالإضافة باعتبار أنَّها آمرة العامل حقيقة، فهو كقولهم: كسا الخليفة الكعبة.\nفإن قلت بين هذين الحديثين تخالف؛ لأنَّه ﵇ في حديث سهل سأل المرأة، وفي حديث جابر: أنَّ المرأة سألته ﵇.\nقلت: لا تخالف؛ لأنَّه ﵇ أرسل إلى المرأة وأمرها بأن تأمر غلامها يعمل له أعوادًا يجلس عليهن، فظنت أنَّ المراد به لأجل القعود فقط، فسألته ﵇ أنَّ الغلام يجعل له أعوادًا لأجل المنبر يخطب (^١) عليه، فالسؤال منها كان بيانًا لسؤاله ﵇، ويحتمل تعدد القصة؛ لأنَّ الغلام اختُلف باسمه، فيحتمل أن كل واحد منهم عمل منبرًا، ويحتمل أنَّهم اشتركوا في عمله، وسأل مولاته أن تسأله ﵇ عن صفته؛ فافهم.\nوأجاب ابن بطال: (بأن تكون المرأة ابتدأت بالسؤال، فلما أبطأ الغلام في عمله؛ أرسل إليها ﵇ يستنجزها إتمامه؛ لعلمه بطيب نفسها بما بذلته من صنعة غلامها، ويمكن أن يكون إرساله ﵇ إلى المرأة؛ ليُعرِّفها صفة ما يصنع الغلام في الأعواد) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنَّ المصنف أخرجه في (علامات النبوة) من هذا الوجه بلفظ: (ألا أجعل لك منبرًا)، فلعل التعريف وقع بصفة مخصوصة للمنبر، ويحتمل أنَّه لما فوَّض إليها بقوله لها: (إن شئت) كان ذلك سبب البطء، لا أنَّ الغلام كان شرع وأبطأ، ولا أنَّه جهل الصفة، وهذا أوجه الأوجه في نظري، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، فإن التعريف إنَّما وقع لأجل بيان الشيء الذي يقعد عليه وهو المنبر؛ لأنَّ قولها: (أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟) يوهم أن يكون ذلك الشيء كرسي أو تخت، وهذه الرواية عرَّفت أنَّ المراد به: المنبر.\nوقوله: (وقع بصفة مخصوصة...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ المنبر ليس له أوصاف متعددة حتى يبين الصفة المخصوصة؛ بل هو معلوم بصفة واحدة؛ فافهم.\nوقوله: (ويحتمل أنه لمَّا فوَّض...) إلخ: ممنوع أيضًا، فإنَّ قوله: (إن شئت) ذكره لأجل تطييب خاطرها تواضعًا منه ورحمة بها، مع علمه (^٢) بها أنها تريد خدمة النبي الأعظم ﷺ بذلك، على أنها قالت له: (ألا أجعل؟) فكانت هي السائلة لذلك، وإذا كان الأمر هكذا؛ فلا يحصل منها ولا من غلامها بطء، غاية الأمر أن غلامها قد شرع في عمل المنبر، فاشتبه عليه أنَّ المراد بذلك الشيء هل هو شيء يقعد عليه كالتخت والسرير أو المنبر؟ فأبطأ حتى استفهم عنه؛ لأنَّه كان جاهلًا تلك الصفة؛ لأنَّها لم تكن معهودة عنده، بدلالة قرينة الحال والمقال من الحديثين المذكورين؛ فافهم.\nفإن قلت: حديثي الباب لا يدلان على الترجمة بتمامها، بل على الشق الأول منها، وهو الاستعانة بالنَّجار في أعواد المنبر، ولا يدلان على الشق الثاني منها، وهو الاستعانة بالصُّنَّاع في المسجد.\nقلت: أجاب الكرماني: (بأنَّه إمَّا اكتفى بالنَّجار والمنبر؛ لأنَّ الباقي يعلم منه، وإمَّا أنَّه أراد أن يُلحِق إليه ما يتعلق بذلك ولم يتفق له، أو لم يثبت عنده بشرطه حديثٌ يدل عليه)، قال إمام الشَّارحين: (الجواب الأول أوجه من الثاني) انتهى.\nقلت: ويحتمل أنَّه أراد أنَّ عمل المنبر يحتاج إلى الصُّنَّاع؛ لأنَّه لا بد فيه من عمل الخشب، والرفوف، والمسامير، والنجار، وكل ذلك يعمله الصُّنَّاع المتفاوتون في الصناعة؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أنه أشار به إلى حديث طلق بن علي قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ فكان يقول: «قربوا اليمامي من الطين، فإنَّه أحسنكم له مسًّا، وأشدكم له سكبًا»، رواه أحمد، وفي لفظ له: فأخذت المسحاة، فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: «دعوا الحنفي والطين، فإنَّه أضبطكم للطين»، ورواه ابن حبان في «صحيحه» بلفظ: فقلت: يا رسول الله أنا أنقل كما ينقلون، فقال: «لا، ولكن اخلط لهم الطين فأنت أعلم به» انتهى.\nقلت: وهذا بعيد جدًّا، فإن المؤلف لم يتفق له ذكر ترجمة ويشير بها إلى حديث لم يذكره أصلًا وليس على شرطه، وهو كلام غير موجه وبعيد عن الأذهان؛ لأنَّه معيب في الصناعة، والبخاري دقيق النَّظر، وإنَّما هذا من فتور ذهن ابن حجر، فإنَّه من دأبه ذكر كلام لا طائل تحته، ولا معنى عنده، بل هو كلام من لم يشم شيئًا من رائحة العلم؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: قيل: هذا الحديث لا يدل على الاستعانة؛ لأنَّ هذه المرأة قالت ذلك من تلقاء نفسها، وأجيب: بأنَّها استعانت بالغلام في نجارته المنبر، ومن فوائد هذا الحديث: قبول البذل إذا كان بغير سؤال، واستنجاز الوعد ممن يعلم منه الإجابة، والتقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٥٢\"> </span>(٦٥) <span data-type=\"title\" id=toc-752>[باب من بنى مسجدًا]</span>\nهذا (باب) بيان فضل (من بنى) أي: الذي عمَّر (مسجدًا) لله تعالى؛ أي: تقربًا إليه، وطلبًا لثوابه، وهربًا من عقابه.\n\n <span id=\"b-٧٥٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-753>[حديث: من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة]</span>\n٤٥٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى بن سُلَيْمان)؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية: هو ابن يحيى الجعفي المكي، المتوفى بمصر يوسف ﵇، سنة ثمان وثلاثين ومائتين (قال: حدثني) بالإفراد، ولابن عساكر: (حدثنا) بالجمع (ابن وهب)؛ مكبَّرًا: هو عبد الله المصري القرشي الثقة (قال: أخبرني) بالإفراد (عَمرو)؛ بفتح العين المهملة: هو ابن الحارث\n_________\n(^١) في الأصل: (تخطب).\n (^٢) في الأصل: (عمله)، وهو تحريف.","vol":"1","page":315},{"text":"أبو أمية المؤدب الأنصاري المصري الفقيه، المتوفى بمصر سنة ثمان وأربعين ومئة، المعروف: بدرة الغواص: (أَنَّ) بفتح الهمزة (بُكَيْرًا)؛ بضمِّ الموحدة، وفتح الكاف، وسكون التحتية: هو ابن عبد الله الأشج المدني، خرج قديمًا إلى مصر فنزل بها (حدثه) وللأصيلي: (أخبره)؛ أي: حدَّث عمرًا: (أَنَّ) بفتح الهمزة (عاصم بن عُمر) بضمِّ العين المهملة (بن قَتادة)؛ بفتح القاف، الأوسي الأنصاري، المتوفى بالمدينة سنة عشرين ومئة (حدثه)؛ أي: حدَّث بكيرًا: (أَنَّه) بفتح الهمزة؛ أي: عاصمًا (سمع عُبيد الله)؛ بضمِّ العين المهملة، مصغَّرًا: هو ابن الأسود الخَوْلاني؛ بفتح المعجمة، وسكون الواو، وبالنون؛ نسبة إلى خولان قبيلة، وهو ربيب ميمونة أم المؤمنين ﵄: (أنه سمع عثمان بن عفان)؛ بمنع الأول، وصرف الثاني، وقال في «القاموس»: («عفان» كشدَّاد، اسم ويصرف) انتهى، ولك أن تأخذه من العفِّ، فتمنعه من الصرف، فتأمل.\nقال إمام الشَّارحين: وفي هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وهم بكير وعاصم وعبيد الله، وفيه ثلاثة من أول الإسناد مصريون، وثلاثة في آخره مدنيون، وفي وسطه مدني سكن مصر؛ وهو بكير، انتهى.\n (يقول): جملة محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا من عثمان ﵁ (عند قول الناس فيه)؛ أي: في عثمان ﵁، وذلك أن بعضهم أنكروا عليه عند تغييره بناء المسجد، وجعله بالحجارة المنقوشة والقصة، وتسقيفه بالساج، ووقع بيان ذلك عند مسلم؛ حيث أخرجه من طريق محمود بن لبيد الأنصاري- وهو من صغار الصحابة- قال: (لمَّا أراد عثمان بناء المسجد؛ كره الناس ذلك، وأحبوا أن يَدَعوه على هيئته)؛ أي: في عهد النبي الأعظم ﷺ، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في آخر سنة خلافته، ففي كتاب «السر» عن ابن وهب: أخبرني مالك: أنَّ كعب الأحبار كان يقول عند بناء عثمان المسجد: (لوددت أنَّ هذا المسجد لا ينجز، فإنَّه إذا فرغ من بنائه؛ قُتل عثمان)، قال مالك: (فكان كذلك) انتهى.\nوجمع ابن حجر بين القولين: بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني كان تاريخ انتهائه. انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ المدة بينهما كثيرة، فإن القول الثاني شاذ، وإن أول خلافته كانت سنة ثلاث وعشرين، ووفاته كانت سنة خمس وثلاثين؛ فافهم.\n (حين بنى) أي: أمر ببنائه (مسجد الرسول)، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحموي: (مسجد رسول الله)، وفي رواية: (مسجد النبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: بنى جداره بحجارة منقوشة وبالقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، كما بينته رواية ابن عمر في باب (بنيان المسجد)، كما مر، وكذلك رواية مسلم السابقة.\nقال إمام الشَّارحين: (ولم يبن عثمان المسجد إنشاء، وإنما وسَّعه)، وقال البغوي: (لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة لا مجرد توسعته) انتهى، قلت: وهو كذلك؛ لأنَّه ﵇ قال: (مسجدي هذا مسجد، ولو مد إلى صنعاء)، كما سيأتي في «الصحيح»، ولأن زخرفة المساجد غير مطلوبة، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عن أنس مرفوعًا: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على النَّاس زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا»، وروى أبو داود عن أنس أنَّه ﵇ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى النَّاس في المساجد»، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وروى أبو داود عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أُمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عبَّاس: (لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى)، كما قدمناه.\nوزعم ابن حجر أنه يؤخذ منه: إطلاق البناء في حق من جدد، كما يطلق في حق من أنشأ، أو المراد بـ (المسجد) هنا: بعض المسجد من إطلاق الكل على البعض، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ذكر هذا القائل شيئين: الأول: مستغنًى عنه فلا حاجة إلى ذكره، والثاني: لا يصح؛ لأنَّه ذكر في «باب بنيان المسجد» حديث عبد الله بن عمر، وفيه: «ثم غيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج» انتهى، فهذا يدلُّ على أنَّه غيَّر الكل وزاد فيه؛ يعني: في الطول والعرض، وكان المسجد مبنيًّا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النَّخل، وبناه عثمان بالحجارة، وجعل عمده من الحجارة، وسقفه بالساج، فكيف يقول هذا القائل: «أو المراد بالمسجد هنا: بعضه»، فهذا كلام من لم يتأمل ويتصرف من غير وجه) انتهى كلام إمامنا الشَّارح.\nوقوله: (إنكم أكثرتم): مقول لقوله: (يقول) ومفعوله محذوف؛ للعلم به، والتقدير: إنكم أكثرتم الكلام في الإنكار على ما فعلته، (وإني سمعت النبي) الأعظم، ولأبوي ذر والوقت: (رسول الله) (ﷺ)، وقوله: (يقول) جملة محلها نصب على الحال أو مفعول ثانٍلـ (سمعت) على القولين المشهورين: (من بنى مسجدًا) التنوين فيه للشيوع، فيتناول من بنى مسجدًا صغيرًا أو كبيرًا، يدل عليه حديث أنس بن مالك أخرجه الترمذي مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، وروى ابن أبي شيبة حديث الباب عن عثمان من وجه آخر، وزاد فيه: (ولو كمفحص قطاة)، وروى مسلم عن ابن عبَّاس مثله، وزاد فيه: (ولو كمفحص قطاة)، وروى ابن خزيمة عن جابر مرفوعًا: «من حفر ماء لم يشرب منه كبد حي من جن ولا أنسولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر؛ بنى الله له بيتًا في الجنة».\nوللعلماء في توجيه هذا قولان؛ فقال أكثرهم: هذا محمول","vol":"1","page":315},{"text":"على المبالغة؛ لأنَّ المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه، لا يكفي مقداره للصلاة فيه، ويؤيده حديث جابر الذي ذكرناه، وقال آخرون: هو على ظاهره، والمعنى على هذا: أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر.\nقيل: هذا كله بناءًا (^١) على أنَّ المراد بالمسجد ما يتبادر إليه الذهن؛ وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد: موضع السجود؛ وهو ما يسع الجبهة؛ فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر.\nقلت: قوله (من بنى) يقتضي وجود بناء على الحقيقة مشتمل على المسجد المعهود بين الناس، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة عند الطبراني في «الأوسط» مرفوعًا: «من بنى لله بيتًا»، وحديث عمر ﵁ مرفوعًا: «من بنى مسجدًا لله؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، رواه الطبراني في «معجمه»، وفي لفظ: «من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله»، وكل ذلك يدل على أنَّ المراد بالمسجد: هو المكان المتخذ لا موضع السجود فقط، وهو الذي ذهب إليه الفرقة الأولى، ولكن لا يمنع إرادة موضع السجود مجازًا، فيدخل فيه المواضع المحوطة إلى جهة القبلة، وفيها هيئة المحراب في طرقات المسافرين والحال أنها ليست كالمساجد المبنية بالجدران والسقوف، وربما يجعل منها موضع في غاية الصغر، يدل عليه حديث أبي قرصافة عند الطبراني في «الكبير»: أنه سمع النبي الأعظم ﷺ يقول: «ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى مسجدًا لله؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، قال رجل: يا رسول الله؛ وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: «نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين»، واسم أبي قرصافة: جندرة بن خيشنة، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» رحمه الباري.\nقلت: ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «من بنى مسجدًا يصلى فيه؛ بنى الله له بيتًا في الجنة أفضل منه»، رواه الطبراني في «معجمه الكبير»، وهو يدل على أنَّ المراد بالمسجد: المسجد المعهود بين الناس؛ فافهم.\nويشترط أن يكون البناء من المال الحلال؛ لأنَّ المسجد قربة إلى الله تعالى، والمال الحرام لا يتقرب به، ولا يحصل له هذا الثواب المخصوص إلا إذا كان من الحلال، يدل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من بنى بيتًا يعبد الله فيه حلالًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة من الدُّر والياقوت»، رواه البيهقي في «الشعب» والطبراني في «الأوسط»، وحديث أنس مرفوعًا: «كل بناء وَبَاله على صاحبه يوم القيامة إلا المسجد؛ فإنَّ له به قصرًا في الجنَّة من لؤلؤ»، رواه أبو نعيم، وهذا يدل على أنَّ المسجد الذي يكون عليه هذا الأجر هو من بُني من المال الحلال، أما الذي بُني من أموال الناس، كبعض المساجد والمدارس في ديارنا الشامية؛ بنتها الوزراء؛ فهي عليهم وزر، ولا يثابون عليها، ولهذا تراها مظلمة مأوى غير أهلها؛ فافهم.\nو(المَفحَص): بفتح الميم والحاء المهملة كـ (مقعَد)، هو مجثمها؛ لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنها تفحص عنه التراب؛ أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف.\n (قال بكير) هو ابن عبد الله الأشج المذكور: (وحسبت) أي: ظننت (أنَّه) أي: عاصمًا شيخه الذي روى عنه هذا الحديث (قال) في روايته: (يبتغي)؛ أي: يطلب (به)؛ أي: ببنائه المسجد (وجه الله) تعالى؛ أي: ذاته.\nقال إمام الشَّارحين: وهذه الجملة مدرجة معترضة، وقعت في البين ولم يجزم بها بكير، فلذلك ذكرها بالحسبان، وليست هذه الجملة في رواية جميع من روى هذا الحديث، فإن لفظهم فيه: «من بنى لله مسجدًا، بنى الله له مثله في الجنة»، فكأن بكيرًا نسي لفظة «لله» فذكرها بالمعنى، فإن معنى قوله «لله»: يبتغي به وجه الله؛ لاشتراكهما في المعنى المقصود؛ وهو الإخلاص، ثم إن لفظة «يبتغي به» على تقدير ثبوتها في كلامه ﵇؛ تكون حالًا من فاعل «من بنى»، والمراد بـ «وجه الله»: ذاته تعالى، وابتغاء وجه الله: هو الإخلاص؛ وهو أن يكون بنيَّةٍ مخلصةٍ في ذلك طلبًا لمرضات الله تعالى من دون رياء وسمعة، حتى قال ابن الجوزي: «من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه؛ كان بعيدًا من الإخلاص».\nفإن قلت: فعلى هذا لا يحصل الوعد المخصوص لمن يبنيه بالأجرة؛ لعدم الإخلاص؟\nقلت: الظاهر هذا، ولكنَّه يؤجر في الجملة، يدل عليه ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «إنَّ الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة؛ صانعه المحتسب في صنعته، والرامي به، والممد به»، فقوله: «المحتسب في صنعته»: هو من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يكون إلا من المتطوع.\nفإن قلت: قوله: «من بنى» حقيقته أن يباشر البناء بنفسه؛ ليحصل له الوعد المخصوص فلا يدخل فيه الأَمْرُ بذلك.\nقلت: يتناول الأمرَ أيضًا بنيَّتِه، والأعمال بالنيات، لا يقال: يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممتنع؛ لأنَّا نقول لا امتناع (^٢) فيه عند الشافعي، وأمَّا عند الأئمة الحنفية؛ فهو من باب عموم المجاز، وهو أن يحمل الكلام على معنًى مجازيٍّ يتناول الحقيقة، وهذا يسمى عموم المجاز، ولا نزاع في جواز استعمال اللفظ في معنًى مجازيٍّ يكون المعنى الحقيقي من أفراده، كاستعمال (الدابة) عرفًا فيما يدب على الأرض، ومثال ذلك: فيمن أوصى لأبناء زيد مثلًا، وله أبناء أبناء أبناء يستحق الجميع عند الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ عملًا بعموم المجاز؛ حيث يطلق الأبناء على الفريقين) انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nوزعم الكرماني أن من كتب اسمه على المسجد الذي بناه؛ يريد به: التذكير بالدعاء له؛ فإنَّه لا يكون بعيدًا من الإخلاص.\nقلت: وكأنه مراده الاعتراض على ابن الجوزي فيما ذكره قريبًا، ولا ريب أنَّه بعيد عن الإخلاص؛ لأنَّه وإن كان مراده التذكير بالدعاء له، لكنه مشوب بالرياء والسمعة، والإخلاص: هو الخالي عن الرياء والسمعة، وليس هذا منه؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أنه يدخل في بناء المسجد من حوَّط بقعة من الأرض مسجدًا، أو وقف بناء كان يملكه مسجدًا، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وهو مشتمل على شيئين؛ الأول: أنه من حوَّط بقعة من الأرض مسجدًا، وهذا لا يسمى مسجدًا؛ لأنَّ التحويط لا يقال له: بناء، ولأن المراد من المسجد: هو الذي يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة، أما هذا؛ فهو قريب التغيير، ولا يعلم أنه مسجد؛ لأنَّ الذي يعلم أنه مسجد هو ما يبنى مسجدًا ويجعل له محراب وغيره من صفة المساجد، والثاني: أنَّه من وَقف بناء كان يملكه مسجدًا، وهذا أيضًا لا يسمى مسجدًا؛ لأنَّ المراد بالبناء مسجدًا: البناء قصدًا لجعله مسجدًا، أما هذا؛ فهو ليس مراده ببنائه مسجدًا؛ بل إنَّما عرض له أن يجعله مسجدًا، وهو وإن كان له ثواب في الجملة، لكن ليس كالثواب الموعود به المخصوص، فإن الأحاديث تدل على أنَّ المراد به: البناء قصدًا، ودلت أيضًا على أنَّ المراد بـ (المسجد):\n_________\n(^١) في الأصل: (بناء)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (لامتناع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":316},{"text":"المسجد المعهود عند الناس، فالأرض المحوطة ليست مسجدًا داخلة في بناء المسجد؛ لأنَّها تقبل التغيير، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوقوله: (بنى الله له مثلَه في الجنة): جواب الشرط، وإسناد البناء إلى الله مجاز اتفاقًا قطعًا، وإنما أظهر الفاعل فيه؛ لأنَّ في تكرار اسمه تعظيم له، وتلذُّذ للذاكر كقوله:\nأعد ذكر نعمان لنا إن ذكره... هو المسك ما كرَّرته يتضرَّع\nقاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن حجر: لئلا تتنافر الضمائر أو يتوهَّم عوده على باني المسجد.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (كلا الوجهين غير صحيح، أمَّا الأول؛ فلأنَّ التنافر إنَّما يكون إذا كانت الضمائر كثيرة، وليس هنا كذلك، وأمَّا الثاني؛ فممنوع قطعًا؛ للقرينة الحالية والمقالية) انتهى.\nو(مثلَه): منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: بناءً مثلَه في الجنة، متعلِّق بمحذوف وقع صفة لـ (مثله)، والتقدير: بنى الله له مثله كائنًا في الجنة.\nوزعم ابن حجر أنَّه متعلق بـ (بنى) أو هو حال من مثله.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك، وكيف يكون حالًا من مثله، وشرط الحال أن يكون من معرفة، كما عرف في موضعه، ولفظة «مثل» لا تتعرف وإن أضيفت (^١» انتهى.\nواعترضه العجلوني، فزعم أنَّ (مثل) يتخصص، وهو كافٍ في مجيء الحال منه.\nقلت: وهو فاسد؛ لأنَّ النحاة نصُّوا على أن (مثل) لا يتعرف، وإن أضيف فهو على التنكير أبدًا، ولم ينصَّ أحد على أنَّه يتخصَّص، ولا على أنَّه كافٍ، فهو قول لا دليل عليه؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (و«المثل» في اللغة: الشبه، يقال: هذا الشيء على مثل هذا؛ أي: شبهه، وقال الجوهري: «مثل»: كلمة تسوية، يقال: هذا مِثله؛ بكسر الميم، ومَثله؛ بفتحها، كما يقال: شِبهه؛ بالكسر، وشَبهه؛ بالفتح، وعند أهل المعقول المماثلة بين الشيئين: هو الاتحاد في النوع، كاتحاد زيد وعمرو في الإنسانية، وإذا كان في الجنس يسمى مجانسة، كاتحاد الإنسان مع الفرس في الحيوانية.\nوقد اختلفوا في المراد بالمثلية ههنا؛ فقال قوم- منهم ابن العربي-: يعني مثله في القدر والمساحة، قلت: يردُّ هذا حديث عبد الله بن عمرو عند أبي نعيم الأصبهاني بلفظ: «بنى الله له بيتًا أوسع منه»، ورواه الإمام أحمد أيضًا، وكذلك في حديث أسماء وأبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم، وقال قوم: يعني مثله في الجودة، والحصانة، وطول البقاء، قلت: هذا ليس بشيء على ما لا يخفى، مع أنَّه قد ورد في حديث واثلة بن الأسقع عند أحمد والطبراني: «بنى الله له بيتًا في الجنة أفضل منه») انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nوقال صاحب «المفهم»: (هذه المثلية ليست على ظاهرها، وإنَّما يعني أنَّه يبني له بثوابه بيتًا أشرف وأعظم وأرفع منه).\nوقال النووي: (يحتمل قوله: «مثله» أمرين؛ أحدهما: أن يكون معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأمَّا صفته في السعة وغيرها، فمعلوم فضلها؛ فإنَّها «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، والثاني: أنَّ معناه: أنَّ فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا) انتهى.\nواعترضه إمام الشَّارحين، فقال: (الوجه الثاني لا يخلوعن بُعد) انتهى.\nقلت: يعني: أنَّ الوجه الأول له وجه، وأما الثاني؛ فليس له وجه صحيح؛ لأنَّ البيوت في الجنة تشمل بيوت الأنبياء، والأصحاب، والأولياء، والمجتهدين، والصديقين، فمن بنى مسجدًا لله تعالى؛ لا يسع أحدًا أن يقول: بنى الله له بيتًا مثل بيوت الأنبياء أو أفضل منها، وما هذا إلا قول صادر من غير تأمل، ولا تصرف كما لا يخفى، فقد ورد في «الصحيح»: أنَّ من أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ فضل أصحابه ﵇؛ فكيف يبلغ ببنائه المسجد بيتًا أفضل من بيته ﵇ في الجنة، فهذا قول غير صحيح أصلًا، كما لا يخفى.\nوقال بعض شرَّاح «الترمذي»: ويحتمل أنَّه أراد أن ينبِّه بقوله: (مثله) على الحض على المبالغة في إرادة الانتفاع به في الدنيا، في كونه ينفع المصلين ويكنُّهم عن الحر والبرد، ويكون في مكان يحتاج إليه ويكثر الانتفاع به؛ ليقابل الانتفاع به في الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له في الجنة.\nوقال صاحب «المفهم»: (هذا البيت -والله أعلم- مثل بيت خديجة ﵂ الذي بُشرت به «ببيت في الجنة من قصب»؛ يريد: من قصب الزمرد والياقوت).\nواعترضه إمام الشَّارحين فقال: (قد ذكرنا حديث أبي هريرة عند الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «شعب الإيمان»: «بنى الله له بيتًا في الجنة من در وياقوت») انتهى، قلت: يعني: فلا خصوصية لبيت خديجة، بل هو عام لكل من بنى لله مسجدًا، ويدل على العموم حديث أنس عند أبي نعيم: «كل بناء وباله على صاحبه يوم القيامة إلا المسجد؛ فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤ»، ومثله حديث ابن عبَّاس عند أبي مسلم الكجي، فهو يدل على أن ذلك عام، وإفادة هذه الرواية أنَّ المثل المراد به: القصر؛ لأنَّه ينتفع به أكثر؛ لأنَّه يطلُّ على أنهار الجنة وثمارها، وغير ذلك من أنواع النعيم.\nوقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فما معنى التقييد بـ «مثله»؟\nقلت: أجابوا عن هذا بوجوه؛ الأول: ما قاله بعضهم أنه ﵇ قاله قبل نزول هذه الآية، قلت: وهذا بعيد ولا يعلم ذلك إلا بالتأريخ، الثاني: أنَّ المثليَّة إنَّما هي بحسب الكميَّة، والزيادة تحصل بحسب الكيفية، قلت: المثلية بحسب الكمية تسمى مساواة؛ كاتحاد مقدار مع آخر في القدر، وفي الكيفية تسمى مشابهة، الثالث: أن التقييد به لا ينفي الزيادة، واستبعده بعضهم، وليس ببعيد، الرابع: أن المقصود منه بيان المماثلة في أن أجزاء هذه الحسنة من جنس العمل لا من غيره، وعندي جواب آخر فتح لي به من الأنوار الإلهية؛ وهو أنَّ المجازاة بالمثل عدلٌ منه، والزيادة عليه بحسب الكيفية والكمية فضلٌ منه) انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nقلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر العسقلاني، فإنَّه قد ذكر هذا الجواب في «شرحه»، وهو غير صحيح؛ لأنَّه إنَّما يعلم ذلك بثبوت التاريخ، ولم يوجد، فهو قول بالرأي، والجواب الثالث: قاله الكرماني أيضًا، وهو صحيح؛ لأنَّ القاعدة أنَّ التنصيص على عدد لا ينفي الزيادة عليه، وهو قول المحققين، فكيف يقول ابن حجر: (وهو بعيد)، والظاهر أنَّ معناه بعيد عن فهمه لا عن فهم غيره؛ فافهم، والذي أجاب به إمامنا الشَّارح هو الصواب، ويكون المعنى فيه: بنى الله له عشرة أبنية مثله بحكم الفضل وأوسع بما «لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وإن كان الأصل أن يكون واحدًا بحكم العدل، وفضل الله أوسع.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّ الباب معقود في بيان فضل من بنى المسجد؛ ففيه دليل على استحباب بناء المساجد؛ لأنَّها بيوت الله تعالى وقد أضافها تعالى لنفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ...﴾ الآية [التوبة: ١٨]، وحسبك بهذا شرفًا لها، وقد تفضَّل الله على بانيها بأن له بيتًا في الجنة، وثواب المسجد جارٍ مستمرٌّ لمن بناه في حياته وبعد مماته ما دامت السماوات والأرض؛ لأنَّه مسجد إلى يوم القيامة ولو خرب ودثر؛ لأنَّ مراد الواقف الدوام والاستمرار، وزعم ابن بطال أنه إذا خرب ولم يذكر الله فيه؛ لا يكون له ثوابه، وهو ممنوع، فإن الثواب حاصل له مطلقًا؛ لأنَّه مسجد ولو صار\n_________\n(^١) في الأصل: (أضيف)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":316},{"text":"كومًا من تراب؛ فافهم.\nوفي الآية دليل على أنَّ الباني يختم له بالإيمان، وفي الحديث دليل على أنَّ الباني يدخل الجنة؛ لأنَّ المراد بالبناء له أن يسكنه فيه، وهو لا يكون إلا بعد دخول الجنة، رزقنا الله ذلك بفضله.\nومما يدل على فضل المسجد، ما رواه أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «العلل» من حديث معاذ مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن علَّق فيه قنديلًا؛ صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يطفئ ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرًا؛ صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه قذاة؛ كان له كِفلان من الأجر»، قال إمام الشَّارحين: (وفيه كلام كثير) انتهى، قال العجلوني: (ولينظر هل المراد الطعن فيه أم لا؟) انتهى، قلت: لا محل للطعن هنا؛ لأنَّ المقام في فضائل الأعمال، وهو يعمل فيه بالحديث الضعيف، ولكن مراده: أنَّ الأحاديث الواردة في فضل المساجد كثيرة، واقتصر على ما ذكره منها مع أنه -﵀- قد أطال في شرحه «عمدة القاري»، وأخرج حديث الباب عن ثلاثة وعشرين صحابيًّا؛ فارجع إليه إن شئت، وقد خفي هذا على العجلوني وغيره ممن تصدر لشرح «الصحيح»؛ فافهم، ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾.\n\n <span id=\"b-٧٥٤\"> </span>(٦٦) <span data-type=\"title\" id=toc-754>[باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد]</span>\nهذا (بابٌ) -بالتنوين- ثابت عند الأكثرين، ساقط عند الأصيلي (يأخذ) أي: شخص (بنصول النبل) كذا في رواية الأكثرين، ولابن عساكر: (يأخذ بنصال النبل) بالموحدة فيهما، ولأبي ذر: (يأخذ نصول النبل) بحذف الموحدة.\nو(النصول): جمع نصل، ويجمع أيضًا على نصال، كما في لفظ حديث الباب، وقال الجوهري: (النصل: نصل السهم والسيف والرمح، والجمع نصول ونصال)، وقال في «القاموس»: (النصل والنصلان: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن مقبض، والجمع: أنصل ونصال ونصول).\nو(النَّبْل)؛ بفتح النون، وسكون الموحدة، آخره لام: السهام العربية، مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، وفي «القاموس»: (النَّبل: السهام بلا واحد أو نبلة، والجمع: أنبال ونبال ونبلان، والنَّبَّال: صاحبه وصانعه؛ كالنَّابل، وحرفته النبالة) انتهى.\nوقوله: (إذا مر في المسجد) يجوز في (إذا) أن تكون لمجرد الظرفية متعلقة بـ (يأخذ)، وأن تكون شرطية وجوابها محذوف مقدَّر بـ (يأخذ بنصول النبل)؛ لدلالة (يأخذ) المتقدم عليه.\nوقال إمام الشَّارحين: (وجواب «إذا»: هو قوله «يأخذ» مقدمًا)، واعترضه العجلوني بأنَّه ضعيف مذهب للكوفيين، أو مقدر بيستحب لمن معه نبل أن يأخذ بنصولها.\nقلت: كونه ضعيفًا ممنوع؛ لأنَّه مذهب مستقل صحيح للأئمة الكوفيين، ولم ينص أحد على ضعفه من النحاة في هذه المسألة، وقوله: (أو مقدر...) إلخ؛ لا يلزم هذا التقدير؛ لأنَّ المعنى على عدمه صحيح، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين فإن عادة المؤلف إطلاق تراجمه، وإحالة الحكم على الحديث الذي يذكر بعدها؛ فافهم.\nنعم؛ يقدر الحكم المطلق ويحال بيانه على الحديث، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (هذا باب فيه بيان أنَّ الشخص يأخذ بنصول السهم إذا مرَّ في مسجد من المساجد، وإنما قدَّرنا هكذا؛ لئلا يقع لفظ: «باب» ضائعًا، وأيضًا فيه بيان أنَّ الضمير المرفوع في «يأخذ» يرجع إلى هذا المقدر؛ لئلا يكون إضمارًا قبل الذكر، وليلتئم التركيب، ولم أر أحدًا من الشراح يذكر شيئًا في مثل هذه المواضع، مع أن فيهم من يدعي دعاوى عريضة في هذا الباب، وليس له حظٌّ من هذه الدقائق) انتهى.\nقلت: فأفاد أن ذكر الشخص مقدمًا على (يأخذ) أولى؛ لأنَّ فيه التئام (^١) الباب معه، وعليه فلا يحتاج لتقدير في لفظ (باب)، وهذا معنى صحيح، وأفاد أيضًا: أنَّ الضمير في (يأخذ) يرجع على الشخص المدلول عليه: بـ (يأخذ)، أو مر عليه أو لاختصاره، ولا ريب أن هذه دقائق وحقائق من المعاني المفردة، وبهذا ظهر أن تقدير إمام الشَّارحين أولى من تقدير العجلوني، على أنه قد أخذه منه ونسبه إلى نفسه، وقال: هو أولى، وليس كذلك، فمن تأمل كلامه؛ علم أنه مأخوذ من كلام إمامنا الشَّارح، فحقيق بأن يسمى إمام الشَّارحين ﵁، ورحمه أرحم الراحمين.\n\n <span id=\"b-٧٥٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-755>[حديث: أمسك بنصالها]</span>\n٤٥١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قُتيبة) بضمِّ القاف، زاد الأربعة: (ابن سعيد): هو ابن جميل بن طريف الثقفي البغلاني (قال: حدثنا سفيان): هو ابن عيينة الكوفي ثم المكي، فإن قلت: قد تغير حفظه وربما دلَّس؛ قلت: إنَّما تغير حفظه في آخر عمره، وإنَّما يدلِّس عن الثقات، وهذا لا يقدح فيه؛ فافهم، (قال: قلت لعَمرو)؛ بفتح العين المهملة، هو ابن دينار: (أسمعت) بهمزة الاستفهام (جابر بن عبد الله): هو ابن عمرو بن حرام-بمهملتين- الأنصاري ثم السَّلَمي؛ بفتحتين، وقوله: (يقول) جملة محلها نصب على أنَّها حال أو مفعول ثان لـ (سمعت): (مر رجل) لم يعلم اسمه (في المسجد)؛ أي: النبوي، فـ (أل) فيه للعهد (ومعه سِهام)؛ بكسر السين المهملة: جمع سهم؛ يعني: قد أبدى وأظهر نصولها، وعند مسلم في (الأدب) من طريق أبي الزبير عن جابر: (أن النبي الأعظم ﷺ أمر رجلًا كان يتصدق بالنَّبل في المسجد ألَّا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها)، (فقال له) أي: للرجل (رسولُ الله ﷺ)؛ أي: حين رآه يفعل ذلك: (أمسك بنصالها)؛ أي: مخافة أن تخدش أحدًا من المسلمين، جمع (نصل)؛ وهو رأس الرمح من الحديد، ويقال لها: الحربة.\nومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه ﵇ أمره بإمساك النصال عند المرور في المسجد.\nقال إمام الشَّارحين: (وفيه-أي الحديث-: السؤال عن السماع بطريق الاستفهام، ولم يذكر له جواب؛ يعني: لم يذكر قتيبة جواب عمرو عن الاستفهام).\nقال ابن بطال: (فإن قيل: حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد؛ لأنَّه لم يقل سفيان: إن عمرًا قال له: نعم؛ قلنا: قد ذكر البخاري في غير كتاب «الصلاة» أنه قال له: نعم؛ فبان بقوله: «نعم» إسناد الحديث).\nوقال صاحب «التلويح»: (هذه المسألة اختلف فيها المحدثون؛ فمنهم من شرط النطق إذا قال له التلميذ: أخبرك فلان بكذا؟ ومنهم من لم يشترطه، وذكره البخاري في موضع آخر عن علي بن عبد الله عن سفيان فقال: نعم) انتهى.\nقال إمامنا الشَّارح: (المذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين -منهم البخاري- أن قول الشيخ: «نعم» لا يشترط، بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا، فعلى هذا فالإسناد في حديث جابر ظاهر، ومع ذلك فقد جاء في رواية الأصيلي أنه قال له: «نعم»، فانقطع النزاع) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنَّه لم ير هذه الزيادة في رواية الأصيلي، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (عدم رؤيته لا يستلزم عدم الرواية عنه، فإن لم يره هو، فقد حكى من هو أكبر منه أنه روى عنه لفظ: «نعم») انتهى، قلت: فمن روى هذه الزيادة وحكاها هو أكبر من ابن حجر في العلم والفضل؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين في «شرحه»: (وأخرج الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث أبي البلاد عن محمد بن عبد الله قال: كنَّا عند أبي سعيد الخدري، فقلب رجل نبلًا، فقال أبو سعيد: «أما كان هذا يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن تقليب السلاح، وسله؟!»؛ يعني: في المسجد، وروى ابن ماجه من حديث زيد بن جبير -وهو ضعيف- عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: «خصال لا تنبغي في المسجد؛ لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيها سلاح، ولا يُنْبَضُ فيه بقوس،\n_________\n(^١) في الأصل: (ائتلام)، وهو تحريف.","vol":"1","page":317},{"text":"ولا ينثر فيه نبل، ولا يمرُّ فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حدٌّ، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقًا»، وروي أيضًا من حديث الحارث بن نبهان؛ وهو متروك الحديث، عن عتبة بن يقظان؛ وهو غير ثقة، عن أبي سعيد؛ وهو مجهول الحال والعين، عن مكحول، عن واثلة؛ وأنكر سماعه منه ابن مسهر والحاكم، وقال البخاري في «تاريخه الأوسط» سمع منه: أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال: «جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمِّروها في الجُمَع»، وعنده أيضًا من حديث ابن عبَّاس ﵄: «نزِّهوا المساجد ولا تتخذوها طرقًا، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينثر فيه نبل، ولا يسلُّ فيه سيف، ولا يضرب فيه حد، ولا ينشد فيه شعر، فإن أنشد؛ فقل: فضَّ الله فاك».\nويستفاد من الحديث تأكيد حرمة المسلمين؛ لأنَّ المساجد مورودة بالخلق لا سيما في أوقات الصلوات، وهذا التأكيد من النبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّه خشي أن يؤذى بها أحد، وفيه: كريم خلقه ورأفته ﵇ بالمؤمنين، وفيه: التعظيم لقليل الدم وكثيره، وفيه: أنَّ المسجد يجوز فيه إدخال السلاح) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٥٦\"> </span>(٦٧) <span data-type=\"title\" id=toc-756>[باب المرور في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (المرور) بالنبل (في المسجد): الألف واللَّام فيه للجنس، فيشمل كلَّ مسجد، وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ كما فعله العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعمُّ، وإن كان المراد به الجواز؛ والتقدير: باب جواز المرور بالنبل في المسجد إذا أمسك نصالها.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي هذه التَّرجمة نوعُ قصورٍ على ما لا يخفى) انتهى، قلت: وجه القصور: أنَّ المؤلف أطلق ترجمته وكان عليه أن يقيِّدها بقوله: بابالمرور في المسجد بالنبل إذا أمسك نصالها؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٥٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-757>[حديث: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل </span>فليأخذ على نصالها]\n٤٥٢ - وبالسند إلى المؤلِّف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل): هو المنقري التَّبوذكي البصري (قال: حدثنا عبد الواحد): هو ابن زياد، العبدي مولاهم، البصري (قال: حدثنا أبو بُرْدة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون الرَّاء: هو بُريد؛ مصغَّر بَرْد، ضدُّ الحَرِّ (بن عبد الله): هو ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي (قال) أي: أبو بردة (سمعت) جدي (أبا بردة): هو عامر، فأبو بردة الأصغر يروي عن جده أبي بردة الأكبر؛ وهو يروي (عن أبيه): هو أبو موسى، واسمه عبد الله بن قيس الأشعري الصَّحابي الجليل ﵄.\nوزعم العجلوني أنَّه وقع في القسطلاني تسمية أبي موسى بعامر، وهو سبق قلم؛ فاعرفه.\nقلت: لم يسبق قلم القسطلاني إلى ذلك، وإنَّما قال: (سمعت جدي أبا بردة عامرًا عن أبيه أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس): هكذا عبارته في جميع النُّسخ، وكأنَّ العجلوني سبق قلمه إلى هذا الكلام، وهو غير صواب؛ فافهم.\n (عن النَّبي) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: من مر في شيء) أي: مسجد (من مساجدنا) أي: المسلمين (أو) مر في سوق من (أسواقنا)؛ أي: المسلمين، وهذا يدل على أنَّ المسلم إذا مر بها في كنيسة أو بيعة أو سوق كفار؛ لا يطلب منه أن يأخذ بنصالها؛ لأنَّ الكافر لا حرمة له، وقد يقال: إنَّ لهم مالنا، وعليهم ما علينا، ويمكن أن يقال: المراد من عدم الأخذ بنصالها: هو بيان استعلاء المسلمين على الكافرين، وحرمتهم عليهم، وتذكيرًا لهم بعدم المخالفة، وتنبيهًا على أنَّهم إن خالفوا؛ فدواؤهم السيف في أعناقهم؛ فليحفظ، قال إمامنا الشَّارح: (وكلمة «من» موصولة تضمنت معنى الشرط في محل رفع على الابتداء، وخبره قوله: «فليأخذ»، وكلمة «أو» للتنويع من الشَّارع، وليست للشك من الراوي) انتهى، وقوله (بنبل): متعلق بـ (مر)، والباء فيه للمصاحبة؛ ومعناه: من مر مصاحبًا للنبل، وليست الباء فيه للإلصاق؛ مثل: مررت بزيد، كذا في «عمدة القاري»، ويحتمل أن الجار والمجرور حال من ضمير قوله: (مرَّ)؛ فتأمل، و(النَّبل)؛ بفتح النُّون وسكون الموحَّدة: السهام العربية، مؤنثة لا واحد لها من لفظها، كما قدمناه، وقوله: (فليأخذ على نصالها): جواب (مَنْ) الموصولة أو خبرها، زاد الأصيلي: (بكفه)، و(على نصالها) متعلق بـ (يأخذ) لتضمنه معنى الاستعلاء للمبالغة، فعديت بـ (على)، وإلا فالوجه تعديته بالباء، ويحتمل أن (على) بمعنى الباء؛ كما هي في رواية حمَّاد بن عمرو من طريق ثابت عن أبي بردة، (لا يعقرُ)؛ أي: لا يجرح، وهو مرفوع، ويجوز الجزم نظرًا إلى أنَّه جواب الأمر، قاله إمام الشَّارحين، وجوز القسطلاني تبعًا لـ «المصابيح» جزمه بـ (لا) الناهية، والظَّاهر: أن الرواية بالرفع، ويحتمل أنها بالجزم؛ فافهم، وفي «القاموس»: (العقر: الجرحُ وأثرٌ كالحز في قوائم الفرس والإبل، والعقيرة: ما عقر من صيد أو غيره، واعتقر الظهر من الرحل والسرج) انتهى، (بكفه مسلمًا): الباء فيه تتعلق بقوله: (فليأخذ) لا بقوله: (لا يعقر)، فإن العقر بالكف لا يتصور.\nووقع في رواية الأصيلي: (فليأخذ على نصالها بكفه لا يعقر مسلمًا)، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nوقال الكرماني: (يحتمل أن يراد منه: كف النفس؛ أي: لا يعقر بكفه نفسه عن الأخذ؛ أي: لا يجرح بسبب تركه أخذ النصال).\nواعترضه إمام الشَّارحين، فقال: لا يبعد هذا الاحتمال، ولكن الأول راجح، ويؤيده رواية مسلم من حديث أبي أسامة: «فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين»، وله من طريق ثابت عن أبي بردة: «فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها» انتهى.\nقلت: وعلى هذا يتعين المعنى الأول، ويكون هو الصَّواب، وما ذكره الكرماني بعيد عن الصَّواب، فإن الأول قد تبعه فيه صاحب «التنقيح» والقسطلاني وغيرهما، فليكن هو الصَّواب؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مَن مرَّ»؛ فإنَّه صرح فيه بلفظ المرور، وجعله شرطًا، ورتَّب عليه الجزاء، وهو قوله: «فليأخذ»، فدلَّ هذا على جواز المرور في المسجد بنبل يأخذ نصالها، وبهذا التقدير: يحصل الجواب عن سؤال الكرماني حيث قال: «فإن قلت: ما وجه تخصيص هذا الحديث -يعني: حديث أبي موسى- بهذا الباب، وتخصيص الحديث السَّابق -يعني: حديث جابر المذكور- بالباب السَّابق مع أن كلًّا من الحديثين يدل على كل من التَّرجمتين؟»، وتقدير الجواب: هو أنَّه نظر إلى لفظ الرسول ﵇، حيث لم يكن في الأول لفظ المرور في لفظ الرسول ﵇، وفي الثاني ذكره معقودًا بالوجه الذي ذكرناه) انتهى كلام إمام الشَّارحين، وانتهت الجهالة لابن حجر، فذكر كلامًا لا يليق بهذا المقام؛ فاجتنبه.\n\n <span id=\"b-٧٥٨\"> </span>(٦٨) <span data-type=\"title\" id=toc-758>[باب الشِّعر في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم إنشاد (الشِّعْر في المسجد)؛ بكسر [الشين المعجمة، وإسكان] العين المهملة، وهو الكلام الموزون المقفَّى، والألف واللَّام في (المسجد): للجنس، فيشمل مسجد النَّبي الأعظم ﷺ وغيره","vol":"1","page":317},{"text":"من المساجد، قال إمام الشَّارحين: وفي بعض النُّسخ: (باب إنشاد الشعر في المسجد).\n\n <span id=\"b-٧٥٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-759>[حديث: يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس]</span>\n٤٥٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليَمان) بفتح التحتية (الحَكَم) بفتحتين (بن نافع) هو البهراني الحمصي، وسقط للأصيلي: (أبو اليمان) (قال: أخبرنا شعيب): هو ابن أبي حمزة -بالمهملة والزاي- الأموي، واسم أبي حمزة: دينار الحمصي (عن الزهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب التَّابعي المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمَة)؛ بفتحات، هو عبد الله، وقيل: إسماعيل (بن عبد الرحمن بن عوف) هو الزهري المدني؛ هكذا رواه شعيب عن الزهري بلفظ: (أخبرني أبو سلمة)، وتابعه إسحاق بن راشد عن الزهري كذلك؛ كما أخرجه النسائي، لكن أخرجه البخاري في (بدء الخلق) من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري بلفظ: (عن سعيد بن المسيب) بدل (أبي سلمة)، وتابعه معمر عند مسلم، وإبراهيم بن سعيد وإسماعيل بن أمية عند النسائي، وهذا الاختلاف غير قادح؛ لأنَّ الزهري من أصحاب الحديث، فالراجح عنده أنَّه عنهما معًا، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وهو لا يضر؛ لأنَّ الزهري إمام تابعي ثقة، فلا يقدح ذلك فيه؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أن في الإسناد نظر؛ لأنَّ لفظ سعيد بن المسيب: (مر عمر في المسجد وحسان ينشد الشعر فيه، فزجره، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله...)؛ الحديث، ورواية سعيد لهذه القصة مرسلة؛ لأنَّه لم يدرك زمن المرور.\nقلت: وقد رده إمام الشَّارحين فقال: (يحتمل أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعد، أو من حسان، أو وقع استشهاد أبي هريرة لحسان مرة أخرى، فحضر سعيد ذلك، ويؤيده سياق حديث الباب، فإن فيه: أن أبا سلمة سمع حسانًا يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنَّه أصغر من سعيد، فدل ذلك على تعدد الاستشهاد، ويحتمل أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة واستشهاده به إنَّما وقع متأخرًا؛ لأنَّ كلمة «ثم» لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدد، غاية الأمر: أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنَّه المرفوع، وهو موصول بلا تردد) انتهى.\n (أنه) أي: أبا سلمة (سمع حسان بن ثابت): هو ابن المنذر بن حرام؛ ضد الحلال (الأنصاري) المدني، شاعر النَّبي الأعظم ﷺ، من فحول شعراء الإسلام والجاهلية، وعاش كل واحد منهم مئة وعشرين سنة، وقال أبو نعيم: لا يعرف بالعرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، واتفقت مددأعمارهم هذا القدر غيرهم، وعاش حسان في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام كذلك، مات سنة خمسين بالمدينة.\nفإن قلت: حسان منصرف أو غير منصرف؟ قلت: إن كان مشتقًا من (الحسن)؛ فهو: منصرف، وإن كان من (الحس)؛ فغير منصرف؛ فافهم كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وعلى منع الصرف يكون فيه العلمية، وزيادة الألف والنُّون، وحاصله: أنَّه يجوز فيه الصرف وعدمه على ما علمت، وقول العجلوني: يجوز في (حسان) الصرف وعدمه، ليس على إطلاقه، بل على هذا التفصيل؛ فافهم.\n (يستشهد أبا هريرة): هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁؛ يعني: يطلب منه الشهادة، والجملة محلها النصب على الحال من (حسان).\nفإن قلت: لا بد للشهادة من نصاب، فكيف يثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة فقط؟\nقلت: أجيب بأن هذه رواية حكم شرعي، وفيها يكفي عدل واحد، وأطلق الشهادة على سبيل التجوز؛ لأنَّه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد كما بين في موضعه، قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: (فإن قلت: هذا الحديث يعد من مسند حسان، أو من مسند أبي هريرة؟\nقلت: لم يذكر أبو مسعود (^١) والحميدي وغيرهما أن لحسان رواية في هذا الحديث، ولا ذكروا له حديثًا مسندًا، وإنَّما أوردُوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة، وخالف خلفٌ فذكره في مسند حسان، وأنه روى عن النَّبي الأعظم ﷺ هذا الحديث، وذكر في مسند أبي هريرة: أن البخاري أخرجه في «الصلاة» عن أبي اليمان، وذكر ابن عساكر لحسان حديثين مسندين؛ أحدهما هذا، وذكر أنَّه في «سنن أبي داود» من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: وليس في حديثه استشهاد حسان به، وأنه في «النسائي» مرة بالاستشهاد، ومرة من حديث سعيد عن عمر بعدمه، ثم أورده في مسند أبي هريرة من طريق أبي سلمة عنه، وفي «كتاب ابن منده» من حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: «مرَّ عمر بحسان...»؛ الحديث، وقال المنذري: وسعيد لم يصح سماعه من عمر، وإن كان سمع ذلك من حسان؛ فمتصل، وأخرج النسائي الحديث في «القضاء»، عن ابن بزيع، عن ابن زريع، عن شعبة، عن عدي، عن البراء بن عازب، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ: «اهجهم أو هاجهم -يعني: المشركين- وجبريل معك»، رواه سفيان عن شعبة، فجعله من مسند البراء بن عازب ﵁) انتهى كلام إمام الشَّارحين.\n (أَنشُدك اللهَ)؛ بفتح الهمزة، وضم الشين المعجمة، ونصب الجلالة؛ ومعناه: سألتك الله، قاله إمام الشَّارحين، وزعم العجلوني تبعًا لغيره أن معناه: ذكَّرتك الله، وفي رواية كما في «التنقيح»: (بالله)، قلت: أما المعنى الذي ذكره؛ فغير صحيح، وأما الرواية؛ فلم يَعزُها لأحد من الرواة، ولم يذكرها الشَّارح، ولا غيره، فالله أعلم بصحتها، وإنما كان المعنى غير صحيح؛ لما في «عمدة القاري»: (قال الجوهري: «نشدت فلانًا أنشده نشدًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله»، وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله؛ أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشدانًا ومناشدة، وتعديته إلى مفعولين؛ إما لأنَّه بمنزلة «دعوت»؛ حيث قالوا: نشدتك الله وبالله؛ كما قالوا: دعوت زيدًا وبزيد، أو لأنَّهم ضمَّنوه معنى «ذكرت»، فأما أنشدتك بالله؛ فخطأ) انتهى، قلت: وبهذا ظهر أن ما قاله العجلوني تبعًا لما زعمه ابن حجر من أن النشد: التذكير (^٢)؛ فغير صحيح؛ لأنَّ مراد حسان: القسم والسؤال بالله على صحة كلامه، وأما التذكير؛ فهو يسبقه النِّسيان، وهو غير صحيح، كما لا يخفى؛ فافهم، ويدل عليه ما في «القاموس»: (فلان نشد؛ قال له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله، وقد ناشده مناشدة ونشادًا: حلفه) انتهى، قلت: وبهذا علم أن المراد به: التحليف للمخاطب، لا التذكير؛ فليحفظ.\n (هل سمعت النَّبي) الأعظم (ﷺ) وقوله: (يقول) جملة فعلية محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت)؛ فافهم: (يا حسان؛ أجب عن (^٣) رسول الله ﷺ) وفي رواية سعيد: (أجب عني)، ومعنى الأول: أجب الكفار عن جهة النَّبي الأعظم ﷺ، ولفظ: الجهة مقدر، ويجوز أن يُضمَّن (أجب) معنى: ادفع، والمعنى: ادفع عن رسول الله ﷺ الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ، ولهذا عدَّاه بـ (عن)، وليس هو من إجابة السؤال، ولا هو منه، ويحتمل أن يكون الأصل رواية سعيد وهي: (أجب\n_________\n(^١) في الأصل: (سعيد)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (التذكر)، ولعل المثبت هو الصواب، وكذا في الموضع اللاحق.\n (^٣) في الأصل: (على)، وهو تحريف.","vol":"1","page":318},{"text":"عني)، ثم نقل حسان ذلك بالمعنى، وزاد فيه لفظ: (رسول الله ﷺ)؛ تعظيمًا له، ويحتمل أن تكون تلك لفظه ﵇ بعينه؛ لأجل المهابة، وتقوية لداعي الأمور، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكما يقول: (الخليفة أمير المؤمنين يرسم لك)؛ لأنَّ فيه تعظيمًا له، وتقوية للمأمور ومهابة، بخلاف قوله: (أنا أرسم)، والمراد بالإجابة: الرد على الكفار الذين هجوه ﵇، وروى ابن ماجه، عن البراء بن عازب، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ: «اهجهم أو هاجهم -يعني المشركين- وجبريل معك»، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»؛ فافهم، (اللهم) أي: يا الله (أيِّده)؛ بفتح الهمزة، وتشديد التحتية؛ أي: قوِّيه، قال الشَّارح: وهذا دعاء منه ﵇ لحسان، دعا له بالتأييد؛ وهو القوة على الكفار (بروح القُدُس): الباء فيه تتعلق بقوله: (أيده)، والمراد به هنا: جبريل ﵇، يدل عليه ما رواه البخاري من حديث البراء بلفظ: (وجبريل معك).\nو(القُدُس): بِضَمِّ القاف والدَّال؛ بمعنى: الطهر، وسمي جبريل بذلك؛ لأنَّه خلق من الطهر، وقال كعب: القدس: الرب ﷿، ومعنى روح القدس: روح الله، وإنما سمي بالروح؛ لأنَّه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيا (^١) به الأرواح، وقيل: معنى القدس: البركة، ومن أسماء الله تعالى: القدوس؛ أي: الطاهر المنزه عن العيوب، ومنه: الأرض المقدسة وبيت المقدس؛ لأنَّه الموضع الذي يُتقَدَّس فيه؛ أي: يُتطَهَّر فيه من الذنوب، كذا قاله الشَّارح.\nقلت: وقيل: روح القدس: مَلَك عظيم، أعظم الملائكة خلقًا، وقيل: مَلَك أشرف الملائكة، وقيل: خلق كهيئة الناس، وقيل: أرواح بني آدم، وبيت المَقْدِس؛ يقال: بفتح الميم، وإسكان القاف، وكسر الدَّال، ويقال: بِضَمِّ الميم، وفتح القاف، وفتح الدَّال المشددة؛ لغتان مشهورتان، قال في «الصِّحاح»: بيت المقدس؛ يشدد ويخفف، والذي يفهم من كلام الجوهري وإمامنا الشَّارح أنَّه اسم ومصدر، قال أبو علي: وأما بيت المقدس؛ فلا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فإن كان مصدرًا؛ كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا؛ فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره: على معنى إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، وقال الزَّجاج: البيت المقدس؛ أي: المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، انتهى، والله أعلم.\n (قال أبو هريرة: نعم)؛ أي: سمعته يقول ذلك، بل روى الترمذي مُصححًا عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار).\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للتَّرجمة غير ظاهرة ههنا؛ لأنَّه ليس فيه صريحًا أنَّه كان في المسجد، والتَّرجمة هو الشعر في المسجد، ولكن البخاري روى هذا الحديث في «بدء الخلق» وفيه التصريح أنَّه كان في المسجد، فقال: حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: مرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله؛ أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»، قال: نعم، وهما حديث واحد، ويقال: إن الشعر المشتمل على الحق مقبول؛ بدليل دعاء النَّبي الأعظم ﷺ لحسان على شعره، فإذا كان كذلك؛ لا يمنع في المسجد، كسائر الكلام المقبول، ومراد البخاري من وضع هذه التَّرجمة: هو الإشارة إلى جواز الشعر المقبول في المسجد، والحديث يدل على هذا بهذا الوجه، فيقع التطابق بين الحديث والتَّرجمة لا محالة) انتهى.\nثم قال: (ففيه الدلالة: على أنَّ الشعر الحق لا يحرم في المسجد، والذي يحرم فيه الخنا، والزور، والكلام الساقط).\nوقد اختلف العلماء في جواز إنشاد الشعر مطلقًا:\nفذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا نَكْتُ عِرض من المسلمين، ولا فحش، وبه قال الإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، والشعبي، وابن سعد البجلي، وابن سيرين، وابن المسيب، والقاسم، والثَّوري، والأوزاعي، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد؛ لحديث الباب، وحديث الترمذي عن عائشة المارِّ قريبًا، وحديث ابن ماجه، عن البراء، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ: «اهجهم أو هاجهم -يعني: المشركين- وجبريل معك».\nوذهب الحسن البصري إلى أنَّه يكره رواية الشعر وإنشاده، وبه قال: مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله، وعمرو بن شعيب؛ لما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (نهى النَّبي ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد)، وحسَّنه الترمذي، والطوسي، وما رواه أبو داود عن زُفر بن وثيمة عن حكيم بن حزام مرفوعًا: (نهى النَّبي ﷺ أن يستفاد في المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود)، وما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» من حديث ابن المنكدر عن أُسيد بن عبد الرحمن: أن شاعرًا جاء إلى النَّبي ﷺ وهو في المسجد قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: «لا»، قال: بلى، فقال له ﵇: «فاخرج من المسجد»، فخرج، فأنشد، فأعطاه ﵇ ثوبًا، وقال: «هذا بدل ما مدحت به ربك»، وما رواه الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي من حديث عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا؛ خير له من أن يمتلئ شعرًا»، ورواه البزار وابن أبي شيبة، وأخرجه المؤلف عن ابن عمر، ولما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن النَّبي ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يريه؛ خير من أن يمتلئ شعرًا»، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه والطَّحاوي والطَّبراني عن عوف بن مالك وأبي الدرداء.\nوأجاب الجمهور: بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة، حتى قال ابن حزم: إنَّه لا يصح، وأما حديث حكيم بن حزام؛ فإنَّه ضعيف، كما قاله الإشبيلي، وقال ابن القطان: لم يبين أبو محمَّد من أمره شيئًا، وعلته الجهل بحال زفر؛ فلا يعرف، قلت: أما زفر؛ فإن حاله معروف، وقد وثقه عثمان الدارمي، ويحيى، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وصحح له الحاكم، وإنما العلة في حكيم بن حزام، وأما حديث أسيد؛ ففي سنده ابن أبي نجيح، شيخ الشَّافعي، وفيه كلام شديد، وهو ضعيف، فلا يعول عليه.\n_________\n(^١) في الأصل: (فيجيء)، وهو تحريف.","vol":"1","page":318},{"text":"وقالوا: إن هذه الأحاديث قد وَرَدت على خاص من الشعر، وهو أن يكون فيه فحش وخنا.\nوقال أبو نعيم الأصبهاني: (نُهِي عن تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين في المسجد، فأما أشعار الإسلام والمحقين؛ فواسع غير محظور).\nوقال الشعبي: (المراد من الشعر الممنوع: هو الذي هجي به النَّبي ﵇)، وقال أبو عبيد: (عندي غير ذلك؛ لأنَّ ما هجي به ﵇ لو كان شطر بيت؛ لكان كفرًا، ولكن وجهه: أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذكر)، قيل: فيه نظر؛ لأنَّ الذين هجوا رسول الله ﷺ كانوا كفارًا، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر من غير هجو، غاية ما في الباب قد زاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، والذي قاله الشعبي أوجه، وقال الإمام الطَّحاوي: (لو كان أريد بذلك ما هجي به رسول الله ﵇ من الشعر؛ لم يكن لذلك الامتلاء معنًى؛ لأنَّ قليل ذلك وكثيره كفر، ولكن ذكر الامتلاء يدل على معنى في الامتلاء ليس فيما دونه، فهو على الشعر الذي يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا ذكر ولا تسبيح ولا غيرها، فأما من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك؛ فليس ممن يمتلئ جوفه شعرًا، فهو خارج من قوله ﵇: «لأن يمتلئ جوف أحدكم...»؛ الحديث).\nوقال أبو عبد الملك: (كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش (^١)، وكان المشركون إذ ذاك يدخلون المسجد، فلما كمل الإسلام؛ زال ذلك كله)، قلت: أشار بذلك إلى النَّسخ، ولم يوافقه أحد على ذلك، كذا قاله في «عمدة القاري».\nثم قال: (وقوله في حديث عمر: «قيحًا»؛ منصوب على التمييز، وهو الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح، وقوله: «حتى يريه»: من الوَرْي، وهو الداء، يقال: وَرِيَ يَرِي (^٢)، فهو مَوْرِيٌّ إذا أصاب جوفه الداء، وقيل: معناه: حتى يصيب رئته (^٣)، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه خلاف السياق.\nوفي حديث الباب: جواز الانتصار من الكفار، وينبغي ألا يبدأ المشركون بالسب والهجاء؛ مخافةً من سبهم الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة كابتدائهم به؛ فيكف أذاهم أو نحوه كما فعله ﵇.\nوفيه: استحباب الدعاء لمن قال شعرًا، مثل قصة حسان، وفيه: فضيلة حسان ﵁، والله تعالى أعلم.\nوفي «المنحة»: (والحاصل: أن إنشاد الشعر جائز بلا كراهة إن كان حقًّا، ومكروه تحريمًا إن كان باطلًا، ومكروه تنزيهًا إذا غلب عليه اشتغال به عن القرآن والذكر) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ الشعر لا يخلو (^٤) إما أن يكون جائزًا أولا، والثاني مكروه تحريمًا، فكراهة التنزيه ليس لها محل؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٦٠\"> </span>(٦٩) <span data-type=\"title\" id=toc-760>[باب أصحاب الحراب في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم لعب (أصحاب الحِراب) بحرابهم (في المسجد)؛ أي: في أي مسجد من المساجد، فـ (أل) فيه: للجنس، و(الحِراب): بكسر الحاء المهملة: جمع حربة، كالقصاع جمع قصعة، والحِراب أيضًا: مصدر من حارب يحارب محاربة وحرابًا، والمراد هنا الأول، ونصال حرابهم: مشهورة، والمراد من أصحاب الحراب هنا: هم الذين يتشاققون بالسلاح كالحراب ونحوها؛ للاشتداد والقوة على الحرب مع أعداء الدين.\nوما قدَّرنا أولى من تقدير العجلوني الجواز؛ لأنَّ الحكم أعم وأشمل، وكذا هو أولى من تقدير ابن حجر والقسطلاني: جواز دخولهم، كما لا يخفى؛ لأنَّ دخول أصحاب الحراب المسجد لا يسع أحدًا أن يقول: غير جائز، وإنما المقصود هنا: بيان حكم لعبهم بالحراب في المسجد، هل هو جائز أم لا؟ وحديث الباب يدل على جوازه في المسجد وغيره؛ لأنَّه يعين على قتال أعداء الدين.\nوقال المهلب: (المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال الجامعة لمنفعة الدين وأهله؛ فهو جائز في المسجد وغيره، واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من الاستعداد للعدو، والقوة على الحرب) انتهى.\nوذكر نحوه ابن بطال، وذلك لتكون كلمة الله العليا (^٥)، وهو على نصرهم إذا يشاء قدير.\nوزعم ابن حجر أن البخاري أشار إلى تخصيص الحديث السَّابق في النَّهي عن المرور في المسجد بالنصل غير معمود، والفرق بينهما: أن التحفظ في هذه الصورة سهل، بخلاف مجرد المرور، فإنَّه قد يقع بغتة، فلا يتحفظ منه، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، فإن البخاري ليس مراده بهذا الباب تخصيص الحديث السَّابق، وليس في كلامه الإشارة إلى ذلك أصلًا، فمن أين علم ذلك؟ بل قصد البخاري في هذا الباب والتَّرجمة: بيان حكم مستقل لا تعلق فيه بما قبله، وما ذكره من الفرق ممنوع؛ لأنَّ التحفظ باللعب بالحراب أمر صعب كما هو مشاهد لكل بصير؛ لأنَّه تارة يقف، وتارة يرجع يمينًا، وتارة شمالًا، وتارة جنوبًا، وتارة خلفًا، ولابد من وجود أناس معهم، فالغالب في ذلك وجود العطب، أما حال المرور في المسجد؛ فالتحفظ ممكن؛ لأنَّه ليس له شيء يشغله، فدائمًا متحفظ وآخذ بالنصل؛ مخافة أن يصيب أحدًا من المسلمين؛ فانظر إلى ما زعمه هذا القائل تجده غير صواب، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٦١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-761>[حديث: لقد رأيت رسول الله يومًا على باب حجرتي]</span>\n٤٥٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله): هو ابن يحيى أبو القاسم القرشي العامري المدني (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، (عن صالح) زاد الأصيلي: (ابن كيسان): هو أبو محمَّد المؤدب التَّابعي، [مؤدب] ولد عمر بن عبد العزيز الأموي، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني التَّابعي (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين المهملة في الأول، وضم الزاي المعجمة في الثاني: هو ابن العوام المدني التَّابعي: (أن) بفتح الهمزة (عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (قالت: لقد رأيت)؛ أي: والله لقد أبصرت (رسول الله ﷺ) وفُهِم معنى القسم من اللَّام و(قد) اللتان تدلان على التأكيد، و(رأيت) بمعنى: أبصرت؛ فلذلك اقتصر على مفعول واحد (يومًا) بالنصب على الظرفية (على باب حجرتي)؛ بِضَمِّ الحاء المهملة، وفي رواية: (في باب حجرتي)؛ وهي البيت الذي يُنَام فيه، وهي: الأدورة (^٦) (والحبشة): هي جنس من السودان مشهور (يلعبون في المسجد)؛ أي: بحرابهم، والجملة محلها نصب على الحال من الفاعل أو المفعول، وجملة (ورسول الله ﷺ يسترني) محلها نصب على الحال أيضًا، قال إمام الشَّارحين: (وهذا يدل على أنَّ هذا كان بعد نزول\n_________\n(^١) في الأصل: (الجيش)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (يورى).\n (^٣) في الأصل: (ريبة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (يخل)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (العلى)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٦) في الأصل: (الأوددة)، وهو تحريف.","vol":"1","page":319},{"text":"الحجاب) (برِدائه)؛ بكسر الرَّاء: هو ما يستر النصف الأعلى من البدن؛ حتى لا يراني أحد من الأجانب (أنظر إلى لعبهم)؛ أي: بحرابهم، وهو يستلزم النَّظر إلى ذواتهم، ففيه دليل واضح على (^١) جواز نظر النساء إلى الرجال، ووجوب استتارهن عنهم، وهذا مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه ﵁، والجمهور من العلماء، وخالفهم الشَّافعي؛ فزعم أن نظر الأجنبية إلى الأجنبي حرام، والحديث حجة عليه.\nوزعم ابن حجر أن حديث الباب لا يدل على جواز النَّظر؛ لأنَّ عائشة نظرت لعبهم وحرابهم لا وجوههم وأبدانهم، ولا يلزم منه تعمد نظر البدن، وإن وقع بلا قصد؛ صَرَفَتْه حالًا، ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، أو عائشة لم تبلغ مبلغ النساء، ولأنه ﵇ أمر ميمونة وأم سلمة وقد رآهما تنظران لابن أم مكتوم بالاحتجاب منه، فقالت له أم سلمة: أليس هو أعمى لا يبصر؟ فقال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟» كذا زعمه العجلوني.\nقلت: وهذا الاستدلال فاسد وبعيد عن الأفهام؛ لأنَّ عائشة كانت تنظر إلى لعبهم بالحراب، وهو يستلزم النَّظر إلى أبدانهم وذواتهم ضرورة، والنَّبي الأعظم ﷺ لم ينهها أن تنظر ذواتهم وأبدانهم، بل أطلق لها إباحة النَّظر في لعبهم وأبدانهم وذواتهم، فبقي الحكم على العموم، ويدل لذلك ما ذكره البخاري في باب (إذا كان الثوب ضيقًا)، عن سهل الساعدي، وفيه قال النَّبي ﷺ للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا»، وعند أحمد، وأبي داود بلفظ: «فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم»؛ كراهة أن يرين عورات الرجال، انتهى، فهذا يدل على إباحة نظر النساء للرجال؛ لأنَّه لو كان غير جائز؛ لما أباح لهن الصلاة خلف الرجال، وبين في الحديث أن النَّهي في رفع رؤوسهن؛ خشية رؤيتهن عورات الرجال، وهو يدل على أنَّ رؤية ذوات الرجال وأبدانهم للنساء جائز لا محظور فيه، ويدل لذلك إباحة خروج النساء للجماعات في المساجد، وكذلك خروجهن للحمامات ولأجل شراء الأكل ونحوه من الرجال الأجانب في الأسواق، ويلزم على ما زعمه الحرج في ذلك، وهو مدفوع بالنص.\nوقوله: (ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الحجاب): ممنوع؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما كان ﵇ يسترها، فستره لها دليل على أنَّه كان ذلك بعد نزول الحجاب، ولهذا كان يدخل على زوجاته ﵇ البر والفاجر في ابتداء الإسلام كما قال عمر بن الخطاب، وسأله أن يحجب نساءه، فأنزلت آية الحجاب، فلو كان ذلك قبل نزولها؛ لما سترها ﵇ بردائه.\nوقوله: (أو عائشة لم تبلغ مبلغ النساء): ممنوع أيضًا؛ لأنَّ قولها: (يسترني بردائه) يدل على أنَّها كانت وقتئذ بالغة مبلغ النساء.\nوقوله: (ولأنه ﵇ أمر ميمونة...) إلى آخره؛ هذا حديث ضعيف، كما قاله الثقات، ولئن صح؛ فهو لا يقاوم الصَّحيح على أنَّه محتمل؛ لأنَّ أم سلمة وميمونة كانتا غير متسترتين (^٢) كما يستتر النساء من الرجال، فأمرهما بالاحتجاب؛ لكونهما كانتا مكشوفتين، ويدل لذلك قول أم سلمة: (أليس هو أعمى؟)؛ أي: لا يبصرنا، ونحن كذلك، ويحتمل أنَّه أمرهما بذلك؛ لأجل أن الخلوة بالمرأة الأجنبية حرام، فالنَّهي إنَّما كان لأجل الخلوة، لا لأجل النَّظر إليه، ويحتمل أن ابن أم مكتوم كان ذا (^٣) ثوب واحد مستتر فيه، فخشي ﵇ أن ينظرن إلى عورته، ويحتمل غير ذلك، والدليل إذا طرقه الاحتمالات؛ سقط الاستدلال به، فبقي الحكم؛ وهو حل نظر النساء للرجال بدون شهوة، وهو الصَّواب، وما عداه مكابرة وعناد، والحق أحق أن يتبع.\nوفي الحديث: دليل على جواز النَّظر إلى اللعب باللهو المباح، بل هذا في الحقيقة طاعة؛ لأنَّه مما ينتفع به في الجهاد وإن كان لعبًا صورة، ولهذا جاز اللعب في المسجد، وقد ترك ﵇ عائشة تنظر إلى لعبهم؛ لتضبط السُّنَة في ذلك، وتنقل تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء المسلمين، وتعرفهم بذلك.\nوفيه: حسن خلقه ﵇، ومعاشرته لأهله، وفضيلة عائشة، وعِظَم منزلتها عنده عليه وعليها السَّلام، والله أعلم.\n٤٥٥ - (زاد) ولأبي الوقت: (وزاد) (إبراهيم بن المنذر): هو ابن عبد الله الأسدي الحزامي؛ نسبة لجده حزام، وقول العجلوني والقسطلاني: الحازمي؛ خطأ ظاهر، كما لا يخفى؛ فاعرفه، (قال: حدثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: (حدثني)؛ بالإفراد، وفي القسطلاني: وفي رواية: (حدثه)، قال العجلوني: هو عليها من الالتفات على رأي السكَّاكي، قلت: لكن لم يعزها لأحد من الرواة، فالظَّاهر أنها تحريف، ولئن صحت؛ فهو من باب التجريد؛ بأن جرد من نفسه شخصًا فخاطبه؛ فافهم، (ابن وهب): هو عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي مولاهم، المصري، وقول العجلوني: هو عبد الله بن مسلم، خطأ؛ فاجتنبه، (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس): هو ابن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب): هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني (عن عروة) هو ابن الزُّبير بن العوام، (عن عائشة)؛ أي: الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهماأنها (قالت: رأيت) أي: أبصرت (النَّبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: في المسجد النَّبوي (والحبشة): هم جنس من السودان (يلعبون بحرابهم) الجار والمجرور مفعول لقوله: (زاد ابن المنذر)؛ وهو فاعل (قال)، يعني: أن رواية إبراهيم بن المنذر مثل رواية صالح بن كيسان لكن بزيادة لفظة: (بحرابهم)، فيحصل بها المطابقة للتَّرجمة.\nوقال الكرماني: (يحتمل قوله: «زاد إبراهيم» التَّعليق)، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (هو تعليق بلا احتمال، وقد وصله الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر عن يونس) انتهى.\nوفي هذا دليل على جواز نظر النساء إلى الرجال، ووجوب استتارهنَّ عنهم.\nوفيه: جواز اللعب بالحراب في المسجد على الوجه الذي ذكرناه، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة؛ أما القرآن؛ فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وأما السنة؛ فحديث واثلة بن الأسقع الذي أخرجه ابن ماجه: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم»، ورُدَّ بأنَّ الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادَّعاه، ولا عُرف التاريخ حتى يثبت النَّسخ، انتهى.\nقال العجلوني: (وقد يقال: إن الحديث بنحو ما رواه البخاري في «التاريخ الأوسط» بلفظ: «جنبوا مساجدنا صبيانكم، ومجانينكم، وشرائكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم،\n_________\n(^١) في الأصل: (إلى)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (متسترين)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (ذي)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":319},{"text":"وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمِّروها في الجُمَع) انتهى.\nقلت: وهو وإن كان بنحوه، لكنه أيضًا لا يدل على منع لعبهم في المسجد؛ لأنَّ الحديثان ليس فيهما منع اللعب، بل فيهما منع المقاتلة بالسيوف.\nوزعم ابن حجر عن مالك: (أن لعبهم كان خارج المسجد، وكانت عائشة فيه، وهذا لا يثبت؛ لأنَّ مالكًا صرح في طرف هذا الحديث بخلافه، وفي بعضها: أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال النَّبي ﵇: «دعهم»، فإن اللعب بالحراب ليس لعبًا مجردًا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو) انتهى.\nقلت: والظَّاهر أن مذهب مالك منع اللعب بالحراب في المسجد كما يؤخذ من كلام أبي الحسن اللخمي؛ وهو غير صحيح؛ لأنَّ حديث الباب صريح في الجواز، فيكون حجة عليه، وقوله: (إن لعبهم كان خارج المسجد) يرده قول عائشة: (والحبشة يلعبون في المسجد).\nوزعم ابن حجر أن البخاري قصد بالتَّرجمة أصل الحديث لا خصوص السياق الذي يورده، ولم أقف على طريق يونس من رواية إبراهيم بن المنذر موصولة، انتهى.\nقلت: وهذا غير صحيح، فإن البخاري قصده الإشارة بالتَّرجمة للسياق الذي يورده؛ لأنَّه يجعله دليلًا على التَّرجمة؛ لأنَّ الحديث وإن كان ليس فيه تصريح بأن لعبهم كان بحرابهم، لكن اللعب لا يكون إلا بالحراب، وساق التَّعليق بعده؛ ليدل على هذا القيد فيكون دليلًا على ترجمته.\nوقوله: (ولم أقف...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإن من هو أكبر منه -إمام الشَّارحين- قد وقف على وصله عند الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر عن يونس، وعند مسلم عن أبي طاهر عن ابن وهب؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٦٢\"> </span>(٧٠) <span data-type=\"title\" id=toc-762>[باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (ذكر البيع والشراء)؛ أي: الإخبار بوقوعهما من غير كراهة في الخطبة (على المنبر) الكائن (في المسجد)؛ أي: النَّبوي وغيره، بخلاف فعل البيع والشراء، فإنَّه منهي عنه فيه، وليس المراد: أنَّه أوقعهما فيه كما توهمه بعضهم؛ حيث زعم أنَّه لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، كما نبَّه عليه إمام الشَّارحين، فقوله: (على المنبر): متعلق بقوله: (ذِكرُ)، وقوله: (في المسجد): صفة للمنبر أو حال منه، وفي رواية تقديم (المسجد) على (المنبر)، وفي رواية أبي ذر: (على المنبر والمسجد)؛ بالواو العاطفة، وعليها فيشكل تعدية (ذكر) بـ (على) بالنسبة للمسجد؛ لأنَّ التقدير يكون: وعلى المسجد، وأجاب إمام الشَّارحين: (بأنه ضمَّنه معنى الاستعلاء؛ عكس قوله تعالى: ﴿لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وبأنه يغتفر بالتَّابع ما لا يغتفر في المتبوع، وبأنه من باب قولهم: علفتها تبنًا وماء باردًا؛ فإن تقديره: وسقيتها ماء باردًا؛ لأنَّه لا يعلف بالماء) انتهى بزيادة.\nوقال المازري: اختلفوا في جواز ذلك في المسجد مع اتفاقهم على صحة العقد لو وقع، انتهى.\nقلت: فيه نظر، فإن العقد حال الخطبة جائز مع الحرمة عند الإمام الأعظم وأصحابه، وغير صحيح عند مالك ومن تبعه، وأما العقد في المسجد في غير حال الخطبة من غير إحضار السلعة؛ فجائز غير مكروه، وبها؛ مكروه؛ فافهم.\nوقد خبط هنا العجلوني وخلط، وأطلق في محل التقييد، وغير العبارة، ولم يفهم الإشارة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٦٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-763>[حديث: ابتاعيها فأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق]</span>\n٤٥٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله)، هو المديني ابن جعفر السعدي مولاهم، المدني البصري (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري، وفي «مسند الحميدي»: (عن سفيان: حدثنا يحيى) (عن عَمْرة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم: هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، المدنية الموثقة، المتوفاة قبل المئة، ويقال: بعدها، كذا في «التقريب»، قلت: وقد كان ابن المديني يفخم أمرها، وهي إحدى الثقات العلماء، المتوفاة سنة ثمان وتسعين على الأصح، كما قاله الكرماني، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (قالت) أي: عائشة: (أتتها بريرة)، فاعل (قالت): يحتمل أن يكون عمرة، ويحتمل أن يكون عائشة، فإن كان عمرة؛ فلا التفات، وإن كان عائشة؛ ففيه التفات من الحاضر إلى الغائب.\nو(بَرِيْرَة)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الرَّاء الأولى، وفتح الثانية، بينهما تحتية ساكنة، وزعم القرطبي: أن وزنها: «فعيلة»، من البر، ويحتمل أن يكون بمعنى: مفعولة؛ أي: مبرورة؛ كـ (أكيلة السبع)؛ أي: مأكولة، ويحتمل أن تكون بمعنى: فاعلة؛ كرحيمة؛ بمعنى: راحمة، وهي بنت صفوان، كانت لقوم من الأنصار، أو مولاة لأبي أحمد بن جحش، وقيل: مولاة لبعض بني هلال، وكانت قبطية، وزعم الكرماني: أنها مولاة لعائشة كانت لعتبة بن أبي لهب.\nقلت: ذكرها الذهبي في «الصَّحابيات» وقال: يقال: إن عبد الملك بن مروان سمع منها، وفي «معجم الطَّبراني» من حديث عبد الملك بن مروان قال: (كنت أجالس بريرة بالمدينة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك؛ إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته؛ فاحذر الدنيا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الرجل يدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق») انتهى، وعبد الملك اختلف في مولده، فقال خليفة بن خياط: سنة ثلاث، وقال أبو حسان الزيادي: سنة خمس، وقال محمَّد بن سعد: سنة ست وعشرين، وولاه معاوية ﵁ ديوان الخراج (^١)، وعمره ست عشرة سنة، فعلى هذا؛ تكون بريرة موجودة بعد سنة أربعين.\nوقد اختلف في اسم زوج بريرة، ففي الصَّحيح: أنَّه مُغِيْث؛ بِضَمِّ الميم، وكسر الغين المعجمة، وسكون التحتية، آخره مثلثة، وعند الصريفيني عن العسكري: معتِب؛ بعين مهملة، وكسر المثناة الفوقية، آخره موحَّدة، وعند أبي موسى الأصبهاني: أنَّه مقسم؛ بميم، ثم قاف، ثم سين مهملة، آخره ميم، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nوقال القسطلاني: (بريرة: بعدم الصرف؛ لأنَّه منقول من بريرة؛ واحدة البرير؛ وهو ثمر الأراك، وهي بنت صفوان فيما نقل عن النَّووي في «التهذيب»، قال البلقيني: لم يقله غيره، وفيه نظر) انتهى.\n (تسألها)؛ أي: تستعطي بريرة عائشة (في كتابتها)؛ أي: في شأنها، والجملة محلها نصب على الحال من (بريرة)، والأصل في السؤال أن يعدَّى بـ (عن)؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، ولكن لما كان سؤالها بمعنى: الاستعطاء؛ بمعنى: تستعطيها في أمر كتابتها؛ عُدِّي بكلمة الظرف، ويجوز أن يكون معنى (تسأل): تستعين بالتضمين، على أنَّ في رواية جاءت\n_________\n(^١) في الأصل: (الجراح)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":320},{"text":"هكذا.\nوالكتابة: لغة: مصدر كتب، من الكَتْب؛ وهو الجمع، ومنه: كتبت القربة إذا خرزتها، وسمي هذا العَقْد كتابة ومكاتبة؛ لأنَّ فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأنَّ فيه جمعًا بين نجمين فصاعدًا، أو لأنَّ كلًا منهما يكتب الوثيقة، وفي الشرع: تحرير المملوك يدًا في الحال، ورقبة في المآل؛ لأنَّ المكاتب لا يتحرر رقبة إلا إذا أدى المال، وهو بدل الكتابة، وأما في الحال؛ فهو حر من جهة اليد فقط، حتى يكون أحق بكسبه، ويجب على المولى الضمان بالجناية عليه أو على ماله، ولهذا قيل: (المكاتب طار عن ذل العبودية، ولم ينزل في ساحة الحرية، فصار كالنعامة إن استطيرت؛ تباعدت، وإن استحملت؛ تطايرت)، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\n (فقالت)؛ أي: عائشة مخاطبة لبريرة: (إن شئتِ)؛ بكسر التَّاء؛ لأنَّه خطاب المؤنث؛ (أعطيتُ) بلفظ المتكلم (أهلَكِ) بكسر الكاف؛ أي: مواليك، وهو منصوب على أنَّه مفعول أول لـ (أعطيت)، ومفعوله الثاني محذوف وهو ثمنك؛ لدلالة الكلام عليه، كذا قاله إمامنا الشَّارح، (ويكون الوَلاء)؛ بفتح الواو، هو في عرف الفقهاء: تناصر يوجب الإرث والعقل؛ لأنَّ الولاء لغة: النصرة والمحبة، إلا أنَّه اختص في الشرع بولاء العتق والموالاة، واشتقاقه من (الولي) وهو القربوحصول الثاني بعد الأول من غير فصل، انتهى، (لي) أي: لا لأهلك، (وقال أهلها) أي: موالي بريرة لعائشة ﵄: (إن شئتِ) بكسر التَّاء؛ (أعطيتِها)؛ بكسر التَّاء أيضًا؛ أي: بريرة، وهو مقول القول (ما) أي: الذي (بقي) من مال الكتابة في ذمة بريرة.\nقال إمام الشَّارحين: (ومحل هذه الجملة النصب؛ لأنَّها وقعت مفعولًا ثانيًا لقوله: «أعطيتها»، ومفعوله الأول الضمير المنصوب في «أعطيتها») انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن محل (ما) الموصولة النصب، لا الجملة على الصَّحيح، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ دأب المؤلفين التسامح في مثل هذا في عباراتهم، ومعلوم أن محل الموصول النصب؛ فافهم، وقد يقال أيضًا: إن جمهور النحاة جوزوا أن يكون محل الجملة بتمامها النصب، وقال بعضهم: وهو الأصح، وعلى هذا فالاعتراض غير وارد من أصله؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كم كان مال الكتابة على بريرة؟\nقلت: ذكر في باب «الكتابة» من حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نُجمت عليها في خمس سنين...»؛ الحديث.\nفإن قلت: ذكر في باب «سؤال الناس»: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني، فقال: «خذيها فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق»، فبين الروايتين تعارض.\nقلت: هذا الحديث أصح؛ لاتصاله ولانقطاع ذاك، ولأن راوي هذا عن أمه، وهو أعرف بحديث أمه وخالته.\nوقيل: يحتمل أن تكون هذه الخمسة الأواق التي قد استحقت عليها بالنجوم من جملة التسعة، أو أنها أعطت نجومًا وفَضُلَ عليها خمسة.\nقلت: هذا يرده ما رواه البخاري في «الشروط في البيع»: «ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا».\nوالأواق: جمع أُوقيَّة؛ بِضَمِّ الهمزة، وتشديد التحتية، والجمع يشدد ويخفف، مثل أثفية وأثافي وأثافٍ، وربما يجيء في الحديث: «وقية» (^١)، وليست بالعالية، وهمزتها زائدة، وكانت الأوقية قديمًا عبارة عن أربعين درهمًا، ثم إنها تختلف باختلاف اصطلاح البلاد)، انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nواعترضه العجلوني فزعم أن قوله: (هذا الحديث أصح؛ لاتصاله ولانقطاع ذاك): كلٌّ منهما متصل، كما يعلم من الوقوف عليه، وعبارته غير محررة، وقوله: (بحديث أمه وخالته)؛ أين الأم والخالة؟ وقوله: (يرده ما رواه...) إلخ؛ لا ينافيه؛ لاحتمال أنها جاءت مرتين، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإن البخاري ذكر في باب (المكاتب ونجومه) تعليقًا عن اللَّيث: حدثني يونس، عن ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: (إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمسة أواق، نُجمت عليها في خمس سنين...)؛ الحديث، ولا ريب أنَّه منقطع، وأن عروة ابن أخت عائشة، فهي خالته، كما لا يخفى، وفي بعضها: عن أسماء؛ وهي أخت عائشة وأم هشام وعروة؛ لأنَّ المؤلف قد ذكر هذا الحديث في أربعة عشر (^٢) موضعًا، وقوله: (لا ينافيه...) إلخ؛ ممنوع؛ فإن المنافاة بينهما ظاهرة كما لا يخفى؛ فافهم.\nوالأوقية في ديارنا الشامية: سبعة وستين درهمًا، وكذلك في حلب، إلا أنها في سنة تسع وسبعين صارت في حلب فقط ثمانين درهمًا، وفي المدينة: عشرين درهمًا، والله تعالى أعلم.\n (وقال سفيان) هو ابن عيينة، أحد الرواة المذكورين في الحديث (مرة) أي: أخرى، فهو موصول غير معلق، وأشار بذلك إلى أن سفيان حدَّث به على وجهين، فمرة قال: (إن شئتِ؛ أعطيتِها ما بقي)، ومرة قال: (إن شئتِ) بكسر التَّاء (أعتقتِها)؛ أي: بدل (أعطيتِها)، والمثناة الفوقية فيهما مكسورة بلا تحتية بعدها على الأفصح، (ويكون الوَلاء) بفتح الواو (لنا) أي: عليها، (فلما جاء رسول الله ﷺ)؛ أي: لحجرة عائشة ﵂؛ (ذكَّرتْهُ) بتشديد الكاف، وسكون التَّاء بعدها هاء؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ (ذلك)؛ أي: الشرط المذكور.\nوقال إمام الشَّارحين: («ذكرته» يحتمل أربعة وجوه؛ الأول: «ذكَّرته»: بالتشديد، وبالضمير المنصوب، الثاني: «ذكَّرت»: بالتشديد بدون الضمير، والثالث: «ذَكَرت»: على صيغة الماضي للمؤنث الواحدة بالتخفيف بدون الضمير، والرابع: «ذَكَرته»: بالتخفيف والضمير؛ لأنَّ «ذَكَر» بالتخفيف يتعدى؛ يقال: ذَكَرت الشيء بعد النِّسيان، وذَكَرته بلساني وبقلبي، وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته بمعنًى) انتهى.\nقلت: ولم يبين الرواية ههنا، لكن الذي يظهر من كلامه وكذا من كلام صاحب «التنقيح»: أن الرواية ههنا: بتشديد الكاف، وبهاء الغيبة للمنصوب، وهو المفهوم من كلام القسطلاني؛ حيث قال: بتشديد الكاف، وسكون تائها (^٣)؛ كما في (الفرع) و(أصله)، وقال الكرماني: («ذَكَرتُه»؛ بلفظ التكلم، والمتكلم به عائشة، والراوي نقل لفظها بعينه،\n_________\n(^١) في الأصل: (بقية)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أربع عشرة)، ولا يصح.\n (^٣) زيد في الأصل: (بلفظ المتكلم)، ولعل الصواب حذفها.","vol":"1","page":320},{"text":"وبالغيبة؛ كأن عائشة جردت من نفسها شخصًا، فحكت عنه، فالأول: حكاية الراوي عن لفظ عائشة، والثاني: حكاية عائشة عن نفسها) انتهى، قلت: ولم يبين وجه الرواية.\nوقال القسطلاني: («ذَكَّرَتْه»؛ بتشديد الكاف، وسكون التَّاء، كما في «الفرع» و«أصله»، فيكون من كلام الراوي بمعنى ما وقع من عائشة، أو بِضَمِّها مع سكون الرَّاءبلفظ التكلم (^١)، ويكون من كلام عائشة) انتهى.\nوزعم ابن حجر: «ذكَّرته ذلك»: كذا وقع هنا بتشديد الكاف، فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك وغيره بلفظ: ذكرت؛ لأنَّ التذكير يستدعي سبق علم بذلك، ولا يتجه تخطئة هذه الرواية؛ لاحتمال السبق على وجه الإجمال، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لم يبين أحد ههنا راوي التشديد، ولا راوي التخفيف، واللَّفظ يحتمل أربعة أوجه...) إلى آخر (^٢) ما قدمناه عنه قريبًا، انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن راوي التشديد هنا الجميع، وراوي التخفيف مالك وغيره، وما ذكره من الوجوه، لا داعي إليها، بل لا يصح بعضها، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لم يعلم الرواية في لفظ (ذكرته)، فمن أين يزعم أن راوي التشديد هنا الجميع؟ لأنَّه لم ينص أحد من الشراح على أنَّ الرواية عند الجميع بالتشديد، غير أن القسطلاني قال: بتشديد الكاف في (الفرع) و(أصله)، وهو لا يدل على أنَّه عند الجميع، وكون راوي التخفيف مالك وغيره؛ كلام من لم يمس شيئًا من المعاني؛ لأنَّه لا يخفى أن رواية مالك وغيره ليست في «الصَّحيح» هنا، بل في غير «الصَّحيح»، فلا داعي لذكرها هنا؛ فافهم، وما زعمه من أنَّه (لا داعي لذكره الوجوه)؛ ممنوع؛ لأنَّه لما كانت (^٣) الرواية هنا غير معلومة صريحًا؛ احتاج إلى بيان احتمالات اللَّفظ، وهو أكبر داعٍ لذكرها؛ وكون لا يصح بعضها؛ ممنوع أيضًا، بل هي جميعًا صحيحة، ولم يبين وجه عدم صحة بعضها، ولو كان لها وجه صحيح؛ لذكره، وما هذا إلا من كثرة تعصبه، وشدته في كلامه.\nوحاصله: أن الأوجه الأربعة صحيحة المعنى سواء كانت الرواية بالتشديد أو بالتخفيف، على أنَّ أمام الشَّارحين قد ذكر وجه كل وجه منها، وهو يدل على صحتها عند أهل المعاني والعرفان، لا عند أهل الغفلة والنِّسيان؛ فافهم.\nوأشار ابن حجر بقوله: (فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك بالتخفيف) إلى ما قاله الزركشي من أن الصَّواب: (ذكرت له ذلك) انتهى.\nواعترضه الدماميني فقال: وكأنَّه فهم أن الضمير المنصوب عائد إلى النَّبي ﵇ و(ذلك) مفعول، فاحتاج إلى تقدير الحرف ضرورةَ أنَّ (ذكر) إنَّما يتعدى بنفسه، وليس الأمر كما ظنه، بل الضمير المنصوب عائد إلى الأمر المتقدم، و(ذلك) بدل منه، والمفعول الذي يتعدى إليه هذا الفعل بحرف الجر حذف مع الحرف الجار له؛ لدلالة ما تقدم عليه، فآل الأمر إلى أنَّها قالت: فلمَّا جاء رسول الله ﵇ ذكرت ذلك الأمر له، وليت شعري! ما المانع من حمل هذه الرواية الصَّحيحة على الوجه السائغ، ولا غبار عليه؟! انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أنَّه لا يتأتَّى هذا إلا مع التخفيف، مع أن فيه كثرة حذف، وقوله: (ليت شعري...) إلخ، فيه أنَّ الرواية بالتخفيف، على هذا المنوال لم نر أحدًا أثبتها هنا في هذا الموضع، نعم؛ هي رواية مالك المعلقة، ولو جعل (ذكر) المشدد بمعنى المخفف، وأعرب اسم الإشارة بدلًا من الضمير الراجع إلى الأمر؛ لكان وجهًا، انتهى.\nقلت: وهذا كلام غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (لا يتأتَّى هذا...) إلخ؛ ممنوع، فما المانع من إجرائه في رواية التشديد؟\nوقوله: (مع أن فيه كثرة حذف)؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه ليس فيه كثرة حذف، ألا ترى إلى قوله: (فآل الأمر...) إلخ، فأين كثرة الحذف؟ فافهم.\nوقوله: (فيه أنَّ الرواية...) إلخ؛ ممنوع، بل الرواية على هذا المنوال بالتشديد أيضًا، فكما يجوز توجيه التشديد بذلك، كذلك يجوز توجيه التخفيف.\nوقوله: (لم نر أحدًا أثبتها...) إلخ؛ ممنوع، فإن إمام الشَّارحين ورئيس المحققين قد أثبتها في الأوجه الأربعة التي ذكرها في «شرحه»، مع أنَّها ثابتة في رواية مالك وغيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثْبِت مقدَّم على النافي.\nوقوله: (ولو جعل «ذكر» ...) إلخ؛ هذا التوجيه هو عين ما ذكره الدماميني، فكيف يعترض عليه ويذكر مثله، وينسبه لنفسه، ويعتمد عليه؟! وما هو إلا تناقض وعدم معرفة بمعاني الكلام.\nوحاصله: أنَّ ما زعمه العجلوني بعيد عن النَّظر، وتعصب وعناد؛ فاجتنبه، والله أعلم.\n (فقال) وقوله (النَّبي) الأعظم (ﷺ) ثابت عند أبي ذر ساقط عند غيره؛ أي: قال لعائشة: (ابتاعيها) أي: اشتري بريرة، (فأعتقيها) بهمزة القطع في الثاني، والوصل في الأول، (فإنَّ الوَلاء)؛ بفتح الواو مع المد؛ أي: الإرث، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (فإنما الولاء) (لمن أعتق)، وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء، واختلفوا فيمن أعتق على أنلا ولاء له؛ وهو المسمى بالسائبة؛ ومذهب الجمهور: أن الشرط باطل، والولاء لمن أعتق، وعند أحمد: أنَّه لم يكن له الولاء عليه، فلو أخذ من ميراثه شيئًا؛ رده في مثله، وقال مالك، ومكحول، وأبو العالية، والزهري، وعمر بن عبد العزيز: يُجعل ولاؤه لجماعة المسلمين؛ كما فعله بعض الصَّحابة، كذا في «عمدة القاري».\n (ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر)؛ أي: خطيبًا يوم الجمعة، ولهذا أتى بـ (ثم) التي للتراخي حتى يكون الحكم عامًّا، وكان ﵇ من عادته أنَّه إذا لم يعجبه أمر من أصحابه؛ قام على المنبر خطيبًا، وذكره مبهمًا؛ تطييبًا لخاطرهم، فمن كان فعل شيئًا منه؛ انتهى عنه ورجع.\n (وقال سفيان) هو ابن عيينة أحد الرواة المذكورين في الحديث (مرة: فصعِد) بكسر العين المهملة، وقد تفتح بِقلَّة؛ أي: بدل (قام) (رسول الله ﷺ على المنبر)؛ أي: خطيبًا، وأراد أنَّه روي بوجهين مرة قال: (ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر)، ومرة قال: (فصعد رسول الله ﷺ على المنبر)؛ يعني: أنَّه روي عنه اللَّفظان في مرتين، وذكر في باب (الشراء والبيع\n_________\n(^١) (بلفظ المتكلم): جاء في الأصل بعد قوله: (بتشديد الكاف وسكون التاء)، ولعل الصواب إثباتها هنا.\n (^٢) في الأصل: (آخره)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (كان)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":321},{"text":"مع النَّساء): قال لي النَّبي ﷺ: «اشتري وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام من العشيِّ، فأثنى على الله بما هو أهله...»؛ الحديث (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في خطبته: (ما بال أقوام)؛ أي: ما حالهم وشأنهم، وفي باب (الشراء والبيع مع النَّساء): «ما بال أناس»، وإنَّما لم يصرح ﵇ بالقائل؛ لأنَّه من خلقه العظيم؛ لأنَّه لا يواجه شخصًا معينًا بمكروه، ولا يذكره بين الناس بشيء لا يوافق الشرع، بل يأتي بلفظ مبهم، فصاحب الأمر يفهم ذلك ويرتدع عنه، (يشترطون شروطًا) جمع شرط؛ أي: في عقودهم وبيعهم وشرائهم (ليس) التذكير باعتبار جنس الشرط، أو باعتبار المذكور، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال الكرماني: (التذكير باعتبار الاشتراط)، قال إمام الشَّارحين: وفيه نظر لا يخفى، انتهى، قلت: وهو كذلك لأنَّ الاشتراط قول غير مذكور، فلا يصح عليه المعنى؛ فافهم، وفي رواية الأصيلي: (ليست) بالتأنيث؛ أي: الشروط (في كتاب الله) ﷿ ولا في سنة رسوله، فأجاب ﵇ عن ذلك بقوله: (من اشترط) أي: من الناس (شرطًا) في بيعه أو شرائه (ليس) أي: الشرط (في كتاب الله) ولا في سنة رسوله ﵇؛ (فليس) أي: ذلك الشرط (له) أي: لا يستحقه (وإن) وصلية (اشترط) في عقده (مئة مرة)، وعند المؤلف في باب (الشراء والبيع مع النَّساء): «وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أحق وأوثق»، وكذا في رواية ابن ماجه، وذكر (المئة) للمبالغة في الكثرة، لا أنَّ (^١) هذا العدد بعينه هو المراد، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن حجر أنَّ لفظ (المئة) للمبالغة، فلا مفهوم له، وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (لم يدر هذا القائل أنَّ مفهوم اللَّفظ في اللُّغة هو معناه، وعلى قوله؛ يكون هذا اللَّفظ مهملًا، وليس كذلك، وإن كان قال ذلك على رأي الأصوليين؛ حيث فَرَّقوا بين مفهوم اللَّفظ ومنطوقه، فهذا الموضع ليس محله) انتهى.\nوقال الشيخ تقي الدين: يحتمل أن يريد بـ «كتاب الله»: حكم الله، ويراد بذلك: نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير واسطة، فإنَّ الشريعة كلها في كتاب الله إما بغير واسطة كالمنصوصات في القرآن من الأحكام، وإما بواسطة قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، و﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] انتهى.\nوقال الخطابي: (ليس المراد: أنَّ ما لم ينص عليه في كتاب الله باطل، فإن لفظ «الولاء لمن أعتق» -أي: مثلًا- من قوله ﵇، لكنَّ الأمر بطاعته في كتاب الله، فجاز إضافته إلى الكتاب)، واعتُرض بأن ذلك لو جاز؛ لجازت إضافة ما اقتضاه كلامه ﵇ إليه، ورُدَّ بأنَّ الإضافة إنَّما هي بطريق العموم، وهذا بناء على أنَّ المراد بكتاب الله تعالى: القرآن، نظير قول ابن مسعود لأم يعقوب في الواشمة: (مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﵇، وهو في كتاب الله بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾).\nوأجاب إمام الشَّارحين: بأنه يحتمل أن يكون المراد بكتاب الله: حكم اللهسواء ذكر في القرآن أو السنة، أو المراد من الكتاب: المكتوب، يعني: المكتوب في اللوح المحفوظ، انتهى.\nقلت: وهذا الجواب هو الصَّواب، ولهذا اقتصر عليه القسطلاني وغيره من الشراح؛ فافهم.\nقال إمامنا الشَّارح: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُعلم من قوله ﵇: «ما بال أقوام يشترطون...» إلى آخره؛ لأنَّه ﵇ ذكر هذا عقيب قضية مشتملة على بيع وشراء، وعتق وولاء؛ لأنَّه ﵇ لمَّا قال: «ابتاعيها فأعتقيها، فإنَّ الولاء لمن أعتق» قبل صعوده المنبر؛ دلَّ على حكم هذه الأشياء، ثم لمَّا قال على المنبر: «ما بال أقوام...» إلى آخره؛ أشار به إلى القضية التي وقعت، فكأنَّ إشارته به إليها كوقوعها على المنبر في المسجد، وهذا هو الوجه، لا ما ذكره أكثر الشراح بما تنفر عنه الطباع وتمج عنه الأسماع، وسيعلم ذلك من يقف عليه) انتهى، قلت: وأشار بهذا إلى ما زعمه ابن حجر العسقلاني، فإنَّه قد قام وقعد، وخلط وخبط، وقال ولا يدري ما يقول، من فهمه السقيم وذهنه الفاتر العميم؛ فافهم ذلك.\nوفي الحديث أحكام ذكرها إمامنا الشَّارح:\nالأول: فيه دليل على جواز الكتابة، فإنْ كاتب رجلٌ عبده أو أمته على ما شرط عليه، وقَبِلَ العبد ذلك؛ صار مكاتبًا، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ودلالة هذا على مشروعية العقد لا تخفى على عارفٍ بلسان العرب سواء كان الأمر للوجوب أو لغيره، وهذا ليس أمر إيجاب بإجماع بين الفقهاء، سوى ما ذهب إليه داود الظَّاهري ومن تبعه، وروي نحوه عن عمرو بن دينار، وعطاء، وأحمد في رواية، والشَّافعي في رواية.\nفإن قلت: ظاهر الأمر للوجوب، كما ذهب إليه هؤلاء.\nقلت: هذا في الأمر المطلق المجرد عن القرائن، وأما ههنا؛ فالأمر مقيد بقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وهو قرينة صارفة عن الوجوب، فيكون الأمر للندب.\nوذهب بعض أصحابنا إلى أنَّه أمر إباحة، وفيه نظر؛ لأنَّ الحمل على الإباحة إلغاء الشرط؛ لأنَّه مباح بدونه بالاتفاق، وكلامه تعالى منزَّه عن ذلك.\nوالمراد بالخير المذكور: ألا يضر المسلمين بعد العتق، فإن يضرهم؛ فالأفضل ألَّا يكاتبه وإن كان يصح، وعن ابن عبَّاس وابن عمر وعطاء: الخير: الكسب خاصة، وعن الثَّوري والحسن: أنه الأمانة والدِّين خاصة، وقيل: هو الوفاء والصلاح، وإذا فقد الأمانة والكسب؛ لا يكره عندنا، وبه قال مالك والشَّافعي، وقال أحمد وإسحاق وابن القطان من الشَّافعية: يكره.\nولا يعتق المكاتب إلا بأداء الكلِّ عند الجمهور؛ لما رواه أبو داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبي الأعظم ﷺ أنَّه قال: «المكاتب عبد ما بقي من كتابته درهم»، وروى الشَّافعي في «مسنده»: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن زيد بن ثابت قالفي المكاتب: (هو عبد ما بقي عليه درهم)، واختاره لمذهبه، وهو مذهب أئمتنا الأعلام، وفيه اختلاف الصَّحابة، ومذهب ابن عبَّاس: أنَّه يعتق كما أخذ الصحيفة من مولاه؛ يعني: يعتق بنفس العقد، وهو غريم المولى بما عليه من بدل الكتابة، ومذهب ابن مسعود: أنَّه يعتق إذا أدى قيمة نفسه، ومذهب زيد: ما ذكرناه وإنما اختاره الأربعة؛ لأنَّه مؤيد بالحديث المذكور، انتهى.\nقلت: بقي على الشَّافعي أنَّ ما رواه لا ينهض دليلًا لمذهبه؛ لأنَّ في سنده ابن أبي نجيح؛ وهو ضعيف، ولأنَّه موقوف؛ وهو لا يحتج به؛ فافهم.\nالثاني من الأحكام: جواز تزويج الأمة المزوجة؛ لأنَّ بريرة كانت مزوجة، وقد ذكرنا اسمه والاختلاف فيه.\nفإن قلت: كان زوجها حرًّا أو عبدًا؟ قلت: في رواية البخاري عن ابن عبَّاس قال: (رأيته عبدًا-يعني: زوج بريرة- كأنَّي أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النَّبي الأعظم ﷺ لعمه العبَّاس: «ألا تعجب من حب (^٢) مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا؟!» فقال ﵇: «لو راجعْتِه»، قالت: يا رسول الله؛ تأمرني، قال: «إنما أنا شافع»، قالت: فلا حاجة لي فيه).\nفإن قلت: ذكر في (الفرائض): (قال الحَكَم: كان زوجها حرًّا)، قلت: وقول الحكم مرسل، وذكر في (ميراث السائبة): قال الأسود: (وكان زوجها حرًّا)، قال: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عبَّاس أصح، وفي «مسلم» أيضًا عن عبد الرحمن: (وكان زوجها عبدًا).\nالثالث من الأحكام: فيه دليل على تنجم الكتابة؛ لقولها: (كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية).\nوقال الشيخ تقي الدين: وليس فيه تعرض للكتابة (^٣) الحالَّة فنتكلم عليه،\n_________\n(^١) في الأصل: (الكثرة، لأن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (محب)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (لكتابة)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":321},{"text":"قلت: يجوز عند أصحابنا الأعلام أن يشترط المال حالًّا ومنجَّمًا؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوَهُمْ﴾ من غير شرط التنجيم والتأجيل، فلا يزاد على النصِّ بالرأي، وبه قال مالك، وفي «الجواهر» قال أبو بكر: ظاهر قول مالك: أنَّ التنجيم والتأجيل شرط فيه، ثم قال: وعلماؤنا النظار يقولون: إنَّ الكتابة الحالَّة جائزة، ويسمونها قطاعة، وهو القياس، وقال الشَّافعي: لا تجوز الكتابة حالًّا، ولابد من نجمين، وبه قال أحمد في رواية، وأخرى عنه؛ كما ذهب إليه أئمتنا الأعلام، وهو الصَّواب.\nالرابع من الأحكام: اشتراط الولاء للبائع، هل يفسد العقد؟ فيه خلاف، وظاهر الحديث يدل على أنَّه لا يفسده؛ لما قال في الحديث المذكور: «واشترطي لهم الولاء»، ولا يأذن النَّبي الأعظم ﷺ في عقد باطل، وقال الشيخ تقي الدين: إذا قلنا: إنَّه صحيح: فهل يصح الشرط؟ فيه خلاف عند الشَّافعي، والقول ببطلانه موافق للحديث، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين.\nفإن قلت: كيف يأذن النَّبي الأعظم ﷺ في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن في البيع حتى يقع على هذا الشرط ويُقدم البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟\nقلت: أجيب عنه بأجوبة:\nالأول: ما قاله الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: وهو أنَّه لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلا من رواية مالك عن هشام، فأما من سواه، وهو اللَّيث بن سعد وعمرو بن الحارث؛ فإنَّهما رويا عن هشام أن (^١) السؤال لولاء بريرة إنَّما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم، فقال ﷺ: «لا يمنعك ذلك عنها، ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق»، وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام: «خذيها واشرطي، فإنَّما الولاء لمن أعتق»، مع أنَّه يحتمل أن يكون معنى (اشرطي): أظهري؛ لأنَّ الاشتراط في كلام العرب: الإظهار، ومنه قول أوس بن حجر:\nفأشرط فيها نفسه وهو مُعصم... . . . . . . . . . . . . .\nأي: أظهر نفسه، أي: أظهري الولاء الذي يوجبه إعتاقك أنَّه لمن يكون العتاق منه دون من سواه.\nالثاني: أن معنى (اشترطي لهم)؛ أي: عليهم، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، قيل: فيه نظر؛ لأنَّ سياق الحديث وكثيرًا من ألفاظه ينفيه، ورُدَّ بأنَّ القرينة الحالية تدل على هذا مع أن مجيء اللَّام بمعنى (على) كثير في القرآن، والحديث، والأشعار، كما لا يخفى.\nالثالث: أنَّه على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النَّهي، كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ [الإسراء: ٦٤]، ألا ترى أنَّه ﵇ صعد المنبر وخطب، وقال: (ما بال أقوام...) إلى آخره.\nالرابع: أنَّه ﵇ قد كان أخبرهم بأنَّ الولاء لمن أعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فوَرَد هذا اللَّفظ على سبيل الزجر، والتوبيخ، والتنكير؛ لمخالفتهم الحكم الشرعي.\nالخامس: أنَّ إبطال هذا الشرط عقوبة ونكال؛ لمعاندتهم في الأمر الشرعي فصار هذا من باب العقوبة بالمال؛ كحرمان القاتل من الميراث، وكان ﵇ بيَّن لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما لحُّوا وعاندوا؛ أبطل شرطهم.\nالسَّادس: أنَّ هذا خاص بهذه القضية، لا عام في سائر الصور، ويكون سبب التخصيص بإبطال هذا الشرط: المبالغة في زجرهم عن هذا الاشتراط المخالف للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بتلك الواقعة؛ مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج.\nوقال القاضي عياض: (المشكل في هذا الحديث: ما وقع في طريق هشام ههنا، وهو قوله ﵇: «اشتريها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء»، فكيف أمرها ﵇ بهذا وفيه عقد بيع على شرط؛ وهو لا يجوز وتغرير (^٢) بالبائعين إذا شرط لهم ما لا يصح؟ ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض الناس؛ أنكر هذا الحديث أصلًا، وحكي ذلك عن يحيى بن أكتم، وقد وقع في كثير من الروايات سقوط هذه اللَّفظة، وهذا الذي شجع يحيى على إنكارها) انتهى.\nالخامس من الأحكام: ما زعمه الخطابي أنَّ فيه دليلًا على جواز بيع المكاتب رضي به أو لم يرض، عجز عن أداء نجومه أو لم يعجز، أدى بعض النجوم أم لا، وقال الشيخ تقي الدين: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والفرق بين أن يُشتَرى للعتق؛ فيجوز، أو للاستخدام؛ فلا يجوز، أما من أجاز بيعه؛ فاستدل بهذا الحديث، فإنَّه ثبت أنَّ بريرة كانت مكاتبة، وهو قول عطاء، والنخعي، وأحمد، ومالك في رواية، وقال أبو حنيفة والشَّافعي ومالك في رواية: لا يجوز بيعه، وهو قول ابن مسعود وربيعة، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه: أنَّه لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبًا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته (^٣) بحال، وهو قول الشَّافعي بمصر، وكان بالعراق يقول: يجوز بيعه، وقال النَّووي: (قال بعض العلماء يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام) انتهى.\nالسَّادس من الأحكام: ما زعمه الخطابي: فيه جواز بيع الرقبة بشرط العتق؛ لأنَّ القوم قد تنازعوا الولاء، ولا يكون الولاء إلا بعد العتق، فدل على أنَّ العتق كان مشروطًا في البيع.\nواعترضه إمامنا الشَّارح فقال: إذا اشترط البائع على المبتاع إيقاع معنًى من معاني البر، فإن اشترط عليه من ذلك ما يتعجل، كالعتق المعجل؛ فذلك جائز عند الشَّافعي، وغير جائز عند الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁.\nفإن امتنع البائع من إنفاذ العتق؛ فقال أشهب: يجبر على العتق، وقال ابن كنانة: لو رضي البائع بذلك لم يكن له ذلك ويعتق عليه، وقال ابن القاسم: إن كان اشتراه على إيجاب العتق؛ فهو حر، وإن اشتراه من غير إيجاب عتق؛ لم يجبر على عتقه، والإيجاب: أن يقول: [إن] اشتريته منك؛ فهو حر، وإن لم يقل ذلك وإنما اشترط أن يستأنف عتقه (^٤) بعد كمال ملكه؛ فليس بإيجاب، وقال الشَّافعي: (البيع فاسد، ويمضي العتق اتباعًا للسنة)، وروي عنه: (البيع جائز والشرط باطل)، وروى المزني عنه: (لا يجوز تصرف المشتري بحال في البيع الفاسد)، وهو قول الإمام الأعظم وأصحابه ﵃، واستحسن الإمام الأعظم والإمام محمَّد بن الحسن أن يجيز له العتق، ويجعل عليه الثمن، وإن مات قبل أن يعتقه؛ كانت عليه القيمة، وقال الإمام أبو يوسف: (العتق جائز وعليه القيمة).\nوالحجة القوية للإمام الأعظم في هذا الباب وأمثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النَّبي الأعظم ﷺ: (نهى عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيعة)، وعنه أيضًا: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، أخرجه الأربعة والطَّحاوي بأسانيد صحاح، وفسروا قوله ﵇: (وعن شرطين في بيع)؛ بأن البيع في نفسه شرط، فإذا شرط فيه شرط آخر؛ فقد\n_________\n(^١) في الأصل: (عن)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وتقدير)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (كتابية)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (عنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":322},{"text":"صار شرطين.\nوقول الخطابي: (فدل على أنَّ العتق كان مشروطًا في البيع)؛ لا دليل له فيه ظاهرًا، والحكم به على جواز البيع بالشرط غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لظاهر الحديث الصَّحيح؛ فليحفظ.\nالسَّابع من الأحكام: ما زعمه الخطابي أيضًا: فيه أنَّه ليس كل شرط يشترط في بيع كان قادحًا في أصله ومفسدًا له، وأن معنى ما وَرَد من النَّهي عن بيع وشرط منصرف إلى بعض البيوع وإلى نوع من الشروط، وقال القاضي عياض: (الشروط المقارنة للبيع ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يكون من مقتضى العقد؛ كالتسليم وجواز التصرف في البيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه؛ لأنَّه يقضى به وإن لم يشترط، والثاني: ألا يكون من مقتضاه، لكنها من مصلحته؛ كالحيل، والرهن، واشتراط الخيار، فهذا أيضًا يجوز اشتراطه؛ لأنَّه من مصلحته فأشبه ما كان من مقتضاه، الثالث: أن تكون خارجة عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود، بل يمنع من مقتضى العقد، أو يوقع فيه غررًا (^١) أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة، وهذا موضع اضطراب العلماء) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: وعند أصحابنا الأعلام البيع بالشرط على ثلاثة أوجه:\nالأول: البيع والشرط كلاهما جائزان، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: أنَّ كل شرط يقتضيه العقد ويلائمه؛ فلا يفسده؛ بأن اشترى أمة بشرط أن تخدمه أو يغشاها، أو دابة بشرط أن يركبها، ونحو ذلك، النوع الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد، ولكنه يلائمه بأن شرط أن يرهنه بالثمن رهنًا وسماه، أو يعطيه كفيلًا وسماه، والكفيل حاضر، فقبله، وكذلك الحوالة؛ جاز ذلك استحسانًا، خلافًا للإمام زفر رحمه الله تعالى، النوع الثالث: كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولكن وَرَد الشرع بجوازه؛ كالخيار والأجل، أو لم يرد الشرع به ولكنه متعارف متعامل بين الناس به؛ بأن اشترى نعلًا على أنْ يحذوه البائع أو قلنسوة بشرط أن يبطنها؛ جاز ذلك استحسانًا، خلافًا للإمام زفر ﵁.\nالوجه الثاني: البيع والشرط (^٢) كلاهما فاسدان، وهو كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه وفيه منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه؛ بأن اشترى حنطة على أنْ يطحنها البائع، أو عبدًا على ألا يبيعه، وكذا على ألا يعتقه، خلافًا للشافعي فيه، فإن أعتقه ضَمِنَ الثمن استحسانًا عند الإمام الأعظم، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن: عليه قيمته.\nالوجه الثالث: البيع جائز والشرط باطل، وهو على ثلاثة أنواع؛ الأول: كل شرط لا يقتضيه العقد وليس فيه منفعة، بل فيه مضرة؛ بأن باع ثوبًا أو دابة بشرط ألا يبيعه ولا يهبه، أو طعامًا بشرط ألا يأكل منه ولا يبيعه (^٣)؛ جاز البيع وبطل الشرط، الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد، وليس فيه منفعة ولا مضرة لأحد؛ بأن باع طعامًا بشرط أن يأكله؛ جاز البيع وبطل الشرط، الثالث: كل شرط يوجب منفعة لغير المتعاقدين والمبيع؛ نحو: البيع بشرط أن يقرض أجنبيًّا؛ لا يفسد البيع، انتهى.\nالثامن من الأحكام: ما زعمه الخطابي: فيه دليل على أنَّه لا ولاء لمن أسلم على يديه ولا لمن حالف إنسانًا على المناصرة، وقال الشيخ تقي الدين: فيه حصر الولاء للمعتق فيقتضي ذلك أن لا ولاء بالحلف والموالاة، وبإسلام الرجل على يدي الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين الفقهاء، ومذهب الشَّافعي: لا ولاء في شيء منها؛ للحديث، انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: الولاء عند أصحابنا الأعلام نوعان؛ أحدهما: ولاء العتاقة، والآخر: ولاء الموالاة، وقد كانت العرب تتناصر بأشياء؛ بالقرابة، والصداقة، والحلف، والمؤاخاة، والعصبة، وولاء العتاقة، وولاء الموالاة، وقد قرر النَّبي الأعظم ﷺ تناصرهم بالولاء بنوعيه؛ وهما: العتاقة وولاء الموالاة، وقال ﵇: «إنَّ مولى القوم منهم وحليفهم منهم»، رواه أربعة من الصَّحابةرضي الله عنهم، فالإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» من حديث إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «مولى القوم منهم، وابن أختهم منهم، وحليفهم منهم»، والبزار في «سننه» من حديث أبي هريرة عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «حليف القوم منهم، وابن أختهم منهم»، والدارمي في «مسنده» من حديث عمرو بن عوف: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ابن أخت القوم منهم، وحليف القوم منهم»، والطَّبراني في «معجمه» من حديث عتبة بن غزوان عن النَّبي الأعظم ﷺ؛ نحوه، والمراد بالحليف: مولى الموالاة (^٤)؛ لأنَّهم كانوا يؤكدون الموالاة (^٥) بالحلف، انتهى.\nقلت: وهذه الأحاديث صحيحة الأسانيد، وهي حجة على الشَّافعي وغيره ممن (^٦) منع ذلك؛ فافهم.\nالتاسع من الأحكام: ما قاله إمامنا الشَّارح: فيه أنَّه يستحب للإمام عند وقوع بدعة أن يخطب الناس، ويبين لهم حكم ذلك وينكر عليهم، كما فعل النَّبي الأعظم ﷺ.\nالعاشر من الأحكام: فيه أنَّه يستحب للإمام أن يحسن العشرة مع رعيته، ألا ترى أنَّه ﵇ لما خطب الناس؛ لم يواجه صاحب الشرط بعينه؛ لأنَّ المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة وشهرة عليه.\nالحادي عشر: فيه المبالغة في إزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه.\nالثاني عشر: فيه جواز كتابة الأمَة دون زوجها.\nالثالث عشر: فيه أنَّ زوج (^٧) الأمة ليس له منعها من السعي في كتابتها.\nوقال أبو عمرو: لو استدل من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها؛ كان حسنًا، انتهى، قلت: ليس هذا بحسن أصلًا، فإن الحسن ما استحسنه الشَّارع، وقد فرض الخدمة داخل الدار على الزوجة، وخارج الدار على الزوج، وهو حكمة بالغة من الشَّارع وحس عظيم؛ فافهم.\nالرابع عشر: فيه دليل على أنَّ العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها، وفراقها له، كما أنَّ لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه، وكذلك له أن يبيعها من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان عقده.\nالخامس عشر: فيه دليل على أنَّ بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها؛ لأنَّ العلماء قد اجتمعوا -ولم يُختلف في تلك الأحاديث أيضًا-: أن بريرة كانت حين اشترتها عائشة ذات زوج، وإنما اختلفوا في زوجها هل كان حرًّا أو عبدًا؟ وقد أجمع علماء المسلمين على أنَّ الأمة إذا أُعتقَتْ وزوجها عبد أنَّها تُخير، واختلفوا إن كان زوجها حرًّا هل تخير أم لا؟\nالسَّادس عشر: فيه دليل على جواز أخذ السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس؛ لترك النَّبي الأعظم ﷺ زجرها عن مسألة عائشة؛ لأنَّها كانت تستعينها في أداء نجمها، وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس، وقال: يطعمني أوساخ الناس.\nالسَّابع عشر: فيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة؛ لأنَّها إذا خيرت فاختارته؛ بقيت معه وهو عبد وهي حرة.\n_________\n(^١) في الأصل: (غرورًا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (والشراء)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (يبيع)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (المولاة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (المولاة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٦) في الأصل: (مما)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٧) في الأصل: (الزوج).","vol":"1","page":322},{"text":"الثامن عشر: قالوا: فيه دليل على ثبوت الولاء في سائر وجوه (^١) العتق؛ كالكتابة والتَّعليق بالصِّفة وغيرها.\nالتاسع عشر: فيه دليل على قبول خبر العبد والأمة؛ لأنَّ بريرة أخبرت أنَّها مكاتبة، فأجابتها عائشة بما أجابت، انتهى.\n (قال علي) هو ابن عبد الله المديني شيخ البخاري: (قال يحيى) هو ابن سعيد القطان (وعبد الوهاب) هو ابن عبد المجيد الثقفي وهو معطوف على يحيى، وفي رواية ابن عساكر: (قال أبو عبد الله -يعني: البخاري- قال: يحيى وعبد الوهاب)، وعليها فيكون معلقًا، وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمَّد بن بشار عنهما، (عن يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري، (عن عمرة)؛ أي: المذكورة في السند السَّابق زاد الأصيلي: (نحوه)؛ يعني: نحو رواية مالك من صورة الإرسال، وعدم ذكر (المنبر) و(عائشة)، (وقال جعفر بن عَون) بالنُّون آخره قبلها واو ساكنة، وعين مفتوحة مهملة، مما وصله النسائي والإسماعيلي، (عن يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري (قال: سمعت عمرة قالت: سمعت عائشة)، ففي هذا الطريق التصريح بسماع كل من يحيى وعمرة، فأُمِنَ بذلك الإرسال بخلاف السَّابق، فإنَّه بالعنعنة مع إسقاط عائشة، وإنما أفرد المؤلف رواية سفيان؛ لمطابقتها للتَّرجمة بذكر المنبر فيها، ويؤيده أنَّ التَّعليق عن مالك متأخر في رواية كريمة عن طريق جعفر بن عون؛ فافهم، وتمامه في «عمدة القاري».\n (رواه) ولأبي ذر، والأصيلي: (ورواه) بالواو؛ أي: حديث الباب، وهذه رواية (الفرع) وفي رواية تقديمه عن قوله: (قال علي) (مالك): هو ابن أنس الأصبحي، فيما وصله المؤلف في باب المكاتب، (عن يحيى) هو ابن سعيد، (عن عمرة) هي بنت عبد الرحمن المذكورة: (أن بريرة)؛ يعني: فذكر الحديث، لكنه لم يسنده إلى عائشة، (ولم يذكر) مالك فيه قوله: (فصعد المنبر)، وفي رواية: (ولم يذكر صعد على المنبر)، فصورة سياقه الإرسال، وقد وصله النسائي والإسماعيلي من رواية جعفر بن عون، وفيه عن عائشة قالت: (أتتني بريرة...)؛ فذكر الحديث، وليس فيه ذكر المنبر أيضًا، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٦٤\"> </span>(٧١) <span data-type=\"title\" id=toc-764>[باب التقاضي والملازمة في المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (التقاضي) بالضَّاد المعجمة؛ أي: مطالبة الغريم بقضاء الدَّين (و) حكم (الملازمة)؛ أي: ملازمة الغريم في طلب الدَّين، وقوله: (في المسجد) متعلق بـ (التقاضي)، وبـ (الملازمة) أيضًا بالتقدير؛ لأنَّه معطوف عليه، قاله إمام الشَّارحين، قلت: فهو على سبيل التنازع أو حذف من الأول بناء على ما اختاره البصريون، والألف واللَّام في (المسجد) للجنس، فيشمل كل مسجد من مساجد المسلمين، وجوَّز العجلوني أن يكون (في المسجد) حال من التقاضي ومن الملازمة، قلت: الأول أظهر كما لا يخفى؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٦٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-765>[حديث: ضع من دينك هذا]</span>\n٤٥٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا) بالجمع، ولابن عساكر: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمَّد) هو ابن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي البخاري، المعروف بالمسندي، المتوفى يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عثمان بن عُمر)؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو ابن فارس البصري العبدي (قال: أخبرنا يونس) هو ابن يزيد الأيلي، (عن الزهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب المدني، (عن عبد الله بن كعب بن مالك) هو الأنصاري السلمي المدني (عن كعب)؛ أي: أبيه ابن مالك الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا...﴾ الآية [التوبة: ١١٨]، المتوفى بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عمي ﵃: (أنه) بفتح الهمزة؛ أي: كعبًا (تقاضى)؛ بالضَّاد المعجمة؛ أي: طالب، وهو على وزن (تفاعل)، وأصل هذا الباب لمشاركة أمرين فصاعدًا؛ نحو: تشاركا، قاله الشَّارح، وقوله: (ابنَ أبي حدرد) بنصب (الابن) مفعول لـ (تقاضى)؛ لأنَّه متعد إلى مفعول واحد وهو الابن، قاله الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: إذا كان (تفاعل) من (فاعل) المتعدي إلى مفعول واحد كضارب؛ لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب؛ يتعدى إلى واحد، انتهى، قلت: فقد أطلق الكرماني في محل التقييد، والمراد: الثاني، كما لا يخفى.\nوقوله: (دينًا): منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين؛ قاله الكرماني.\nقال الشَّارح: إنَّما وُجِّه بهذا؛ لأنَّا قلنا أن (تفاعل) إذا كان من المتعدي إلى مفعولين؛ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فليس (دينًا) منصوب بـ (تقاضى)؛ لأنَّ (تقاضى) مطاوع (قاضى) المتعدي إلى اثنينن فيتعدى لواحد، وقول «القاموس»: من تقاضاه الدين؛ بمعنى: أقبضه لا طالبه، كما ذكره المؤلف في باب (الصلح).\nوقول العجلوني: (ويجوز أن يكون بمعنى: سأله الدين، فيصح أن ينصب مفعولين)؛ ممنوع؛ لأنَّ اللَّفظ يرده، فإن المقاضاة غير السؤال، كما لا يخفى.\nواسم أبي حدرد: عبد الله بن سلامة، كما صرح به البخاري في إحدى رواياته، وهو صحابي على الأصح، شهد الحديبية وما بعدها، توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة، وقال الذهبي: عبد الله بن سلامة بن عُمَيْر؛ هو عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي، أُمِّر على غير سرية، وحروف (حَدْرَد) كلها مهملات، والحاء والرَّاء مفتوحتان، والدَّال ساكنة، وقال الجوهري: حدرد: اسم رجل، ولم يأت من الأسماء على «فعلع»؛ بتكرار العين غيره، كذا في «عمدة القاري»، قلت: وهو في الأصل: القصير، ثم جعل عَلمًا؛ فافهم.\nوقوله: (كان له عليه): جملة محلها النصب صفة لقوله: (دينًا)؛ أي: كان لكعب على ابن أبي حدرد، وكان الدين أوقيتين، كما أخرجه الطَّبراني من طريق الزهري عن كعب: أنَّه ﵇ مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له ﵇: «هكذا»؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أد إليه ما بقي من حقه»، (في المسجد)؛ أي: الشريف النَّبوي، والجار والمجرور متعلق بـ (تقاضى)، قاله الشَّارح، قلت: فالألف واللَّام فيه للعهد.\nوجوز العجلوني أن يكون الجار والمجرور حال من فاعله أو مفعوله أو منهما، انتهى.\nقلت: الأول أظهر؛ لأنَّ ذلك صفة لازمة سيق به؛ لأجل مطابقته للتَّرجمة، أما الحال؛ فصفة غير لازمة، فكونه حالًا هنا غير ظاهر، والأظهر الأول كما لا يخفى؛ فافهم.\n (فارتفعت)؛ أي: عَلَتْ عن الأصل (أصواتهما) بالجمع، وهو فيه من قبيل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت، قاله إمامنا الشَّارح (حتى سمعهما)؛ أي: الرجلين باعتبار الأصوات\n_________\n(^١) في الأصل: (الوجوه).","vol":"1","page":323},{"text":"أو باعتبار الصوتين نظرًا إلى أنَّه المراد، ويدل عليه أنَّه عند أبي ذر والأصيلي في روايتهما: (حتى سمعها)؛ أي: الأصوات (رسول الله ﷺ)، وقوله: (وهو) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (في بيته) جملة اسمية في محل نصب على الحال من رسول الله ﵇، (فخرج) أي: النَّبي الأعظم ﵇ من بيته (إليهما)؛ أي: إلى الرجلين؛ ليفصل بينهما، والفاء للتعقيب، وفي رواية الأعرج: (فمر بهما النَّبي الأعظم ﷺ).\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كيف التوفيق بين الروايتين؛ لأنَّ الخروج غير المرور؟ قلت: وفَّق قوم بينهما بأنَّه يحتمل أن يكون مرَّ بهما أولًا، ثم إنَّ كعبًا لما أشخص خصمه للمحاكمة فتخاصما، وارتفعت أصواتهما، فسمعها ﵇، وهو في بيته فخرج إليهما).\nواعترضه ابن حجر فزعم أن فيه بعدًا؛ لأنَّ في الطريقين أنَّه ﵇ أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدم؛ لما احتاج إلى الإعادة، والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: وقوله: «وفيه بعد» الذي استبعد هذا فقد أبعد؛ لأنَّ إعادة ذلك قد تكون للتأكيد؛ لأنَّ الوضيعة أمر مندوب، والتأكيد بها مطلوب.\nوقوله: «والأولى...» إلخ؛ إن أراد بالأمر المعنوي: الخروج؛ ففيه إخراج اللَّفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة، والأولى أن يكون اللَّفظ على معناه الحقيقي، ويكون المعنى أنَّه ﵇ لما سمع أصواتهما؛ خرج من البيت لأجلهما، ومر بهما، والأحاديث يُفسر بعضها بعضًا، ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة، وفي رواية الطَّبراني من حديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: (أنه ﵇ مر به، وهو ملازم رجلًا (^١) في أوقيتين، فقال له ﵇: «هكذا»؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أدِّ إليه ما بقي من حقه») انتهى.\nقلت: وهذا هو الصَّواب، وما زعمه ابن حجر باطل ممنوع.\nوقوله: (فيه بُعد)؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر الإشارة إلى كعب بالوضعية في الطريقين ألا يكون ﵇ مر بهما، مع أنَّه قد ثبت في رواية الطَّبراني: (أنه ﵇ مر بهما) كما ساقها إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، وإعادته ﵇ الأمر له بالوضيعة ظنًّا منه ﵇ باحتمال عدم الوضع؛ لأنَّ الأمر فيه للندب، فأعاده؛ للتأكيد ولخوف الغفلة والنِّسيان.\nوقوله: (والأولى...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يبين ما معنى هذا الأمر المعنوي؟ وكيف يحمل عليه واللَّفظ في الأحاديث صريح في المعنى الحقيقي؟! فالحمل عليه متعين؛ لأنَّه لا يعدل عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، وههنا يتعين الحمل على الحقيقي، والحمل على المعنوي هنا مخالف لصريح لفظ الأحاديث، فلا يعول عليه مع أن معناه غير ظاهر؛ فافهم.\nوزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم معترضًا على إمام الشَّارحين فقال: (أقول: لا شك في استبعاده، واحتمال التأكيد خلاف الأصل، ومراده «والأولى...» إلى آخره؛ أي: من هذا الوجه المستبعد، وإن كان الأولى منهما بقاء اللَّفظ على حقيقته) انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، بل الصَّواب أنَّه غير بعيد عن الأفهام، والمعنى الصَّحيح الموافق للأحاديث هو ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه لم يُخلَّ بمعنًى من المعاني ويلزم على ما ذكره الزاعم فوت بعض معاني الأحاديث بدون فائدة، وكلامه ﵇ مصان ومنزه عن عدم الفائدة.\nوقوله: (واحتمال التأكيد...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ التأكيد ههنا لازم؛ حيث إنَّ الأمر المذكور للندب لا للفرضية، فلو كان الأمر فرضًا؛ لا يلزم التأكيد، لكن لما كان الأمر فيه للندب؛ كان التأكيد فيه لازمًا، لاسيما أنَّه ﵇ قد ظنَّ أنَّه نسي أو غفل بسبب المخاصمة، فأعاده؛ لأجل التأكيد والتذكير وغير ذلك مما يفيد إتيانه بالوضيعة.\nوقوله: (ومراده...) إلخ؛ هذا تَنزُّلٌ منه، والمحققون قالوا: لا يجوز العدول عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا، فالحمل على المعنى الحقيقي ههنا متعين؛ لأنَّه الأصل في الكلام، والمعنى عليه في الروايات، وعلى ما زعمه الزاعم؛ يلزم منه الخلل في المعاني والألفاظ، وخلو الأحاديث عن المعنى، وهو غير جائز؛ فاجتنب ذلك ولا تكن من الغافلين، والله أعلم؛ فافهم.\n (حتى كَشَفَ)؛ بفتحات؛ أي: رفع (سِجْف)؛ بكسر السين المهملة وفتحها، بعدها جيم ساكنة وفاء، قاله إمام الشَّارحين، قلت: وظاهره أن الكسر والفتح سواء، وزعم ابن حجر أنَّه بكسر السين، وقد تفتح فجعل الفتح أقل من الكسر، وهو مخالف لما في «القاموس»؛ لأنَّه قال: السَّجفويكسر، وككِتَاب، وهو صريح في أن الكسر مساوي للفتح أو أقل من الفتح، وهو يَرد ما زعمه ابن حجر، ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين، أي: ستر (حُجرته)؛ بِضَمِّ الحاء المهملة: حظيرة الإبل، ومنه: حجرة الدار، تقول: احتجر حجرة؛ أي: اتخذها، والجمع: حُجَر -كغُرْفَة وغُرَف- وحُجُرات؛ بِضَمِّ الجيم، وهو غاية لقوله: (فارتفعت أصواتهما)، ووجه جعله غاية أنَّه ﵇ لما سمع صوتهما؛ إما أنَّه رفع صوته حتى أسمعهما أنَّه سيخرج إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، وأنه علم بحالهما، وإما أنَّه قام من مجلسه ومشى حتى انتهى إلى باب حجرته حتى كشف سجفها، فقوله: (فخرج إليهما) يحتمل المعنيين المذكورين، فهذا وجه جعله غاية لقوله: (فخرج إليهما).\nوقد خفي هذا على العجلوني فزعم: (وانظر وجه جعله غاية لقوله: «فخرج إليهما» ولو قال: حين كشف؛ لكان أظهر، فكأنَّه أوَّل «فخرج إليهما» بـ «أراد»؛ فتأمل) انتهى.\nقلت: أما قوله: (وانظر...) إلى آخره؛ قد علمت وجهه مما ذكرناه، وقوله: (ولو قال...) إلى آخره؛ ممنوع، ولا حاجة إليه مع ظهور وجهه؛ لأنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يصار إلى المجاز عند المحققين، وعدم التأويل أولى من التأويل، ولا ريب أن كلام الراوي أظهر وأولى؛ لأنَّه متضمن لمعانٍ قد خفيت على كثير؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (قال ابن سيده: السجف: الستر، وقيل: هو الستران المقرونان بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين مقرونين؛ فكل شق منه سجف، والجمع: أسجاف وسجوف، وربما قالوا: السجاف والسجف والتسجيف: إرخاء السجف، زاد في «المخصص» و«الجامع»: وبيت مسجف، وفي «الصِّحاح»: أسجفت الستر؛ أي: أرسلته، وقال:\n_________\n(^١) في الأصل: (رجل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":323},{"text":"القاضي عياض: لا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين، قلت: الذي قاله ابن سيده يرده) انتهى كلام إمامنا الشَّارح.\nقلت: ووجه الرد أنَّه قال: السَّجف: الستر، وهو الأشمل بما قاله القاضي، وكذلك قول «الصِّحاح»: أسجفت الستر: أرسلته، فإنَّه أيضًا أشمل، وكذلك قول «القاموس»: السجف: الستر.\nوزاد في الطنبور نغمة العجلوني معترضًا على الشَّارح بأن قول ابن سيده: (وقيل: هو الستران...) إلخ، وكذا وقع في قول «القاموس»؛ هو عين ما قاله القاضي عياض، والشيء إذا كان فيه خلاف؛ لا يرد أحد القولين بالآخر إلا إذا كان منه، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول ابن سيده: (وقيل) قول ضعيف عند اللغويين؛ لأنَّه صيغة تمريض يأتي بها المؤلفون؛ للإشارة لضعف قول قائله وشذوذه، فهو غير مُعْتد به؛ لأنَّ الذي عليه أئمة اللُّغة هو الأول، وهو ظاهر في الرَّد على القاضي عياض، وكذلك عبارة «القاموس»؛ لأنَّه قال: (السجف: الستر، سجوف وأسجاف)، ثمَّ قال: (والسجف: الستران)، وهو عين كلام ابن سيده، وعلى كلِّ حال فإنَّ القول الثاني شاذ أو ضعيف، والصَّحيح الأول، وهو ظاهر في الرد عليه، فكأنَّه لا خلاف؛ لضعف القول الثاني، فحينئذ صح القول بالرد؛ فافهم.\n (فنادى) أي: النَّبي الأعظم ﷺ: (يا كعبُ) بالبناء على الضم (قال)؛ أي: كعب: (لبيك يا رسول الله) تثنية اللب؛ وهو الإقامة، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي (^١) الذي للتأكيد والتكرار، ومعناه: لبًّا بعد لب؛ أي: أنا مقيم على إجابتك وطاعتك إقامة بعد إقامة، أفاده إمام الشَّارحين، (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ: (ضعْ) على وزن (فع) أمر من وضع يضع، والمراد به: الحط من الدين؛ أي: حط عن غريمك (من دينك)، والأمر فيه للندب، قاله الشَّارحون، قلت: الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف عنه، وههنا جاء الدليل على الندب كما يفهم من كلامهم، (هذا) مفعول قوله: (ضع)، وهو إشارة إلى الشطر الآتي (وأومأ) بهمز أوله وآخره؛ أي: أشار ﵇ (إليه) أي: إلى كعب، وقوله: (أي الشطرَ)؛ أي: النصف، تفسير من الراوي لقوله: (هذا)، وجاء تفسير (الشطر) بالنصف في رواية الأعرج، كما سيأتي عند المؤلف، و(الشطر): منصوب تفسير لقوله: (هذا) المنصوب، وضمير (إليه) راجع إلى كعب كما ذكرناه، (قال) أي: كعب: والله (لقد فعلت يا رسول الله)؛ أي: ما أمرت به، وأخرجت منه الشطر، إنَّما أتى به ماضيًا مؤكدًا باللَّام والقسم المدلول عليه بها وبـ (قد)؛ مبالغة في امتثال ما أمره به، ولأبي ذر وابن عساكر والمستملي: (قد فعلت) بإسقاط اللَّام و(يا رسول الله)، (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ لابن أبي حدرد: (قم) خطاب لابن أبي حدرد؛ (فاقضه)؛ أي: حقه، وهو الشطر على الفور والأمر على جهة الوجوب، لأنَّ رَبَّ الدين لما أطاع بوضع ما أُمر به؛ تعيَّن على المديان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يجتمع على رَبِّ الدين وضيعة ومطل، قاله إمام الشَّارحين.\nوفيه إشارة إلى أنَّه لا يجتمع الوضيعة والتأجيل؛ لأنَّ صاحب الدين يتضرر -كما ذكرناه- إلا أن يرضى رَبَّ الدين بالتأجيل، فيكون جائزًا؛ لأنَّه قد رضي بماله مؤجلًا، فلا عذر له.\nقال إمام الشَّارحين: وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في التَّقاضي ظاهرة، وأما في الملازمة؛ فبوجهين؛ أحدهما: أن كعبًا لما طالب ابن أبي حدرد بديْنه في مسجده ﵇؛ لازمه إلى أن خرج النَّبي الأعظم ﷺ وفصل بينهما، والآخر: أنَّه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع كما سنذكرها، فذكر في باب (الصلح) وفي باب (الملازمة) عن عبد الله بن كعب عن أبيه: (أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال فلزمه...)؛ الحديث، فكأنه أشار بلفظ الملازمة هنا إلى الحديث المذكور، على أنَّ ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التَّرجمة بهذه الطريقة، انتهى.\nثم قال: (وفي الحديث دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار منه ﵇، وقد أفرد له البخاري بابًا يأتي عن قريب.\nفإن قلت: قد وَرَد في حديث واثلة عند ابن ماجه يرفعه: «جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم»، وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير بن مطعم، ولفظه: «ولا يرفع فيه الأصوات»، وكذا حديث ابن عمر عند (^٢) أحمد.\nقلت: أجيب بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض، ولكن هذا الجواب لا يعجبني؛ لأنَّ الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش، وقال مالك: «لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا، وأمَّا التجارة والصرف؛ فلا أحبه») انتهى كلام إمامنا الشَّارح.\nوزعم ابن بطال: وفيه إنكار رفع الصوت في المسجد بغير القراءة إلا أنَّه ﵇ لم يُعنفهما على ذلك؛ إذ كان لا بد لهما منه، انتهى.\nقلت: وفيه بُعد؛ لأنَّه ليس في الحديث الإنكار في رفع الصوت في المسجد، وإنما كان خروجه ﵇ إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، ولاحتمال وقوع مشاتمة بينهما توجب التعزير (^٣) فبادر ﵇ للفصل بينهما، ولهذا قال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز؛ لما تركهما النَّبي ﵇، ولبيَّن لهما ذلك، انتهى.\nواعترضه ابن حجر فزعم بأنَّ لِمَن منع ذلك أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به واقتصر على الصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه لو كان تقدم نهيه عن ذلك؛ لما كان يحصل بينهما مخاصمة ورفع صوت، ولكان ﵇ يعيد النَّهي لهما على سبيل التأكيد والتذكير، واقتصاره على الصلح إنَّما كان لأجل تطييب خاطرهما، وحتى لا يحصل بينهما مشاتمة ومنافرة توجب التعزير، فاقتصاره على الصلح كان لأجل هذا لا لأجل ترك المخاصمة، فإن المخاصمة؛ لإظهار الحقوق غير مذمومة سواء كانت في المسجد أو غيره؛ فافهم.\nوقال إمامنا الشَّارح: (وفي الحديث جواز الاعتماد على الإشارة؛ لقوله «هكذا»، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت؛ لدلالتها عليه، فيصح على هذا يمين الأخرس، وشهادته، وأمانه، وعقوده؛ إذا فهم عنه ذلك.\n_________\n(^١) في الأصل: (الثنا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) زيد في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (التعذير)، وهو تحريف، وكذا في الموضع اللاحق.","vol":"1","page":324},{"text":"وفيه: إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه؛ لأنَّ نزاعهما لم يكن في الدَّين، وإنَّما كان في التقاضي، وأمّا الصلح على الإنكار؛ فأجازه الإمام الأعظم وكذا مالك بن أنس، وهو قول الحسن وغيره، ومنعه محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن أبي ليلى.\nوفيه: الملازمة في الاقتضاء، وفيه: الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحُسن التوسط بينهم، وفيه: قبول الشفاعة في غير معصية، وفيه: إسبال الستور عند الحجرة) انتهى.\nوقال ابن بطال: (وفيه: المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة، وفيه: الحض على الوضع عن المعسر والقضاء بالصلح إذا رآه صلاحًا، والحكم عليه بالصلح إذا كان فيه صلاح له؛ لقوله: «قم فاقضه») انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٦٦\"> </span>(٧٢) <span data-type=\"title\" id=toc-766>[باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان]</span>\nهذا (باب) بيان فضل (كَنس المسجد)؛ بفتح الكاف، مصدر كَنَسَ؛ كـ (نَصَرَ): إزالة الكُناسة -بالضم- وهي القمامة منه، قال الدماميني: (نبه به على مشروعية مثل هذا ولا يتخيل أنَّه ترفُّه للمصلين واشتغال بالدنيا وزينتها) انتهى، قلت: يعني: أنَّه نبَّه بهذا على أنَّه يستحب تنظيف محل الصلاة كالمسجد ونحوه التي هي أفضل العبادة ومناجاة الرب ﷿، فيكون على أكمل الحالات وأحسن الهيئات، (والتقاط الخِرَق)؛ بكسر الخاء المعجمة، وفتح الرَّاء: جمع خِرْقَة -كسِدْرَة وسِدَر- وهي قطع الثوب البالي الممتهن، قال إمام الشَّارحين: (والالتقاط هو أن تعثر على الشيء من غير قصد وطلب) انتهى.\nواعترضه العجلوني (بأنَّه لم يعثر عليه في اللُّغة، لكنه قد يوافق الاصطلاحي، واستند لما في «القاموس»: الالتقاط: مصدر التقط؛ وهو أخذ الشيء من الأرض) انتهى.\nقلت: وهذا كلام بارد من ذهن شارد، فإنَّه لا يلزم من عدم اطلاعه (^١) عدم اطلاع غيره عليه لاسيما وقد أثبته مثل هذا الإمام فلا ينبغي القول بعدم وجوده؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مقدَّم على النافي، على أنَّه ما ذكره عن «القاموس» غير صحيح؛ لأنَّ عبارة «القاموس» هكذا: (لقطه: أخذه من الأرض...) إلى أن قال: (والتقطه: عثر عليه من غير طلب) ثم قال: (واللُّقاطة (^٢)؛ بالضم: ما كان ساقطًا مما لا قيمة له) انتهى، ومثله في «مختار الصِّحاح»، وزاد فيه: (من باب «نصر») انتهى، فهذا كما رأيت يوافق ما قاله إمام الشَّارحين، ويخالف ما زعمه شيخ عجلون، وكأنَّه لم يفهم عبارة «القاموس» حتى قال هذا الكلام، أو أنَّ نسخته غير مصححة، ويلزمه النقل عن نسخة صحيحة، ثم إنْ كان فيه كلام؛ يتكلم، وإلا فما بلغ رتبة هذا أن يتكلم على إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (و) التقاط (القَذَى) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم تأخيره عن قوله: (العيدان)، و(القَذَى)؛ بفتح القاف والذَّال المعجمة: جمع قذاة، وجمع الجمع: أقذية، قال الجوهري: (القذى في العين والشراب: ما يسقط فيه)، قلت: المراد منه ههنا: كِسر الأخشاب، والقش ونحو ذلك، قاله إمامنا الشَّارح ﵁، قلت: فالمراد به هنا: كل ما يسقط في البيت ونحوه إذا كان يسيرًا، كالقش وكسر الخشب ونحوها، (والعِيدان)؛ بكسر العين المهملة: جمع عُود؛ بالضم، فقلبت الواو ياء في الجمع؛ لانكسار ما قبلها، ويجمع أيضًا على أعواد، والمراد به: أعواد الخشب والشجر ونحوها، وقوله: (منه) ثابت في رواية الأصيلي ساقط عند غيره، ولكن يُقدَّر فيه، وهو يتعلق بـ (الالتقاط)، وعطف الالتقاط وما بعده على ما قبله من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الكنس أعم من الالتقاط؛ لأنَّه يزيل الخرق والقذى والعيدان، وكذا التراب ونحوه، فهو أعم كما لا يخفى، ووهم العجلوني تبعًا لابن حجر في «المنحة»، فزعم أنه من عطف العام على الخاص، ووجه الوهم ما ذكرناه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٦٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-767>[حديث: أفلا كنتم آذنتموني به دلوني على قبره]</span>\n٤٥٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب)؛ ضد الصلح، هو البصري الأزدي القاضي بمكة، الواشحي؛ بمعجمة فمهملة؛ نسبة إلى واشح؛ بطن من الأزد، (قال: حدثنا حمَّاد بن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن ثابت) هو أبو محمَّد البناني البصري، قال بكر بن عبد الله: (من سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت، يظل يراوح بين قدميه وجبهته)، وكان يقوم الليل خمسين سنة رحمه الله تعالى، (عن أبي رافع) هو نُفَيْع؛ بِضَمِّ النُّون، وفتح الفاء، وسكون التحتية، الصائغ التَّابعي الكبير، قال إمام الشَّارحين: ولقد وهم من قال إن أبا رافع صحابي وقال: وهو رواية صحابي عن صحابي، وليس كما قاله، فإن ثابتًا البناني لم يدرك أبا رافع الصَّحابي، انتهى، قلت: فإن أبا رافع الصَّحابي مولى النَّبي الأعظم ﷺ، واختلف في اسمه فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، قاله في «الاستيعاب»؛ فافهم، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁: (أنَّ) بفتح الهمزة (رجلًا أسود أو امرأة سوداء) كلمة (أو) فيه للشك.\nقال إمام الشَّارحين: (الشك فيه إمَّا من ثابت أو من أبي رافع، ولكن الظَّاهر أنَّه من ثابت؛ لأنَّه رواه عنه جماعة هكذا، وأخرج البخاري أيضًا عن حمَّاد بهذا الإسناد قال: «ولا أراه إلا امرأة»، وأخرجه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: «امرأة سوداء» من غير شك، ووقع في رواية البيهقي من حديث ابن بريدة عن أبيه: أن اسم المرأة أم محجن) انتهى كلامه، قلت: وحديث ابن بريدة سنده حسن، ورواية ابن خزيمة تعيَّن أنَّ الشك من ثابت، وبه جزم أبو الشيخ في كتاب «الصلاة» بسند مرسل، فالأرجح أنَّ الشك من ثابت؛ فليحفظ.\nقال ابن حجر: فإن كان محفوظًا؛ فهذا اسمها، وكنيتها أم محجن، انتهى، قلت: لاشك أن كون اسمها أم محجن؛ لأنَّه رواه البيهقي بسند حسن هكذا كما رأيت، ولا ريب أنَّه هو المحفوظ.\nوفي «المنحة»: (اسمها أم محجن، وقيل: محجنة، وأما الرجل؛ فلم يُسمَّ) انتهى، قلت: وعلى هذا فاسمها محجنة، وكنيتها أم محجن؛ فتأمل.\nوذكر ابن منده في الصَّحابة: خرقاء: امرأة كانت تَقُم المسجد، انتهى، قلت: يحتمل أنَّ هذه المرأة غيرها، وأن اللاتي (^٣) يقمن المسجد غير واحدة؛ لأنَّ مرادهن الثواب والفضل، فكل واحدة تباشر يومًا، والله أعلم.\nوزعم في «المنحة» تبعًا للكرماني أنَّ الشك من أبي هريرة، قلت: وهو بعيد عن النَّظر، ويدل عليه ما أخرجه ابن خزيمة الذي ذكره قريبًا إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (كان) أو كانت (يقُم)؛ بِضَمِّ القاف، من قمَّ الشيء يقُمُّ قمًّا، من باب (نَصَرَ ينْصُر)؛ ومعناه: كنس (المسجد)؛ أي: النَّبوي من القُمامة؛ بالضم، وهي الزبالة، وقال إمام الشَّارحين: القمامة؛ بالضم: الكناسة، قاله ابن سيده، وقال اللحياني: قمامة البيت ما كسح منه فألقى بعضه على بعض، وهي لغة حجازية، والمِقمَّة؛ بكسر الميم: المكنسة، وفي «الصِّحاح»: والجمع: القمام.\nوتقديرنا: (أو كانت) هو المناسب لسابقه أو يجعل اسم (كان) ضمير المذكور أو الشخص؛\n_________\n(^١) في الأصل: (اضطلاعه)، وكذا في الموضع اللاحق.\n (^٢) في الأصل: (والالتقاطة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (التن)، وهو تحريف.","vol":"1","page":324},{"text":"فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «كان يقم المسجد»؛ أي: يكنسه، فإن قلت: و«التقاط الخرق...» إلى آخره من جملة التَّرجمة، وليس في الحديث ما يدل عليه، قلت: أجاب الكرماني: بأنه لعل البخاري حمله بالقياس على الكنس والجامع بينهما التنظيف) انتهى.\nقلت: ويدل عليه أنَّ الكنس أعم من التقاط الخرق ونحوها، والتكنيس يستلزم التقاط الخرق؛ لأنَّه إذا كنس التراب والقشَّ؛ فبالأولى أن يكنس الخرق؛ فافهم.\nوأجاب ابن حجر، فزعم أنَّ الذي يظهر من تصرف البخاري أنَّه أشار بكل ذلك إلى ما وَرَد في بعض طرقه صريحًا، ففي طريق العلاء المتقدم: (كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد)، وفي حديث بريدة المتقدم: (كانت مولعة بلقط الأذى من المسجد)، ثم زعم وتكلف من لم يطلع (^١) على ذلك، فزعم أنَّه يؤخذ من إتيان النَّبيِّ القبرَ حتى صلى عليه، فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد، انتهى.\nقلت: وهذا كلام صادر من غير تأمل؛ لأنَّه كيف يترجم المؤلف بشيء، ويشير في ترجمته إلى طريق لم يذكره هو تحت ترجمته ولا في بابه، وهذا من أبعد البعيد؛ لأنَّه لو كان مراده الإشارة إليه؛ لكان يضعه في الباب تحت تلك التَّرجمة.\nفإن قلت: عدم ذكره له؛ لكونه غير موافق لشرطه؛\nقلت: إذا كان غير موافق لشرطه؛ يكون غير محتج به، ولا يصلح دليلًا لما ترجم له، ولهذا ترك ذكره وإنما أراد بقوله: (والتقاط الخرق) بالقياس على الكنس؛ لأنَّ كلًّا منهما المراد به: التنظيف، ولأنَّ الكنس أعم وأشمل.\nوقوله: (وتكلف...) إلخ؛ مراده به: ابن بطال الشَّارح؛ لأنَّه ذكره في «شرحه»، وسنذكر عبارته، وهو غير تكلف (^٢)، فإنَّ صلاته ﵇ على قبره؛ إكرامًا وتعظيمًا له؛ حيث إنَّه كان ينظف المسجد، فيؤخذ منه الترغيب في تنظيف المسجد، ويدل عليه أنَّه ﵇ سأل عنه ولم يسأل عن غيره من الناس ممن دُفن ولم يعلم به، وإن علم بدفن أحد؛ لم ينقل أنَّه صلَّى عليه، ولم يقل لهم: (أفلا آذنتموني به)، فسؤاله ﵇ وصلاته عليه إنَّما كان لأجل كونه كان يكنس المسجد، وينظفه فجعل ذلك إكرامًا له وتعظيمًا؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية ابن حجر، فإنَّه مشهور.\n (فمات)؛ أي: الرجل، أي: أو ماتت المرأة، (فسأل النَّبي) الأعظم (ﷺ عنه)؛ أي: أو عنها؛ أي: عن حاله أو حالها، ومفعول (سأل) محذوف؛ أي: سأل الناس عنه، (فقالوا)؛ أي: الناس؛ يعني: الصَّحابة (مات)؛ أي: أو ماتت، وفي «عمدة القاري»: وفي رواية البيهقي: أنَّ الذي أجاب النَّبي ﷺ عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق ﵁، انتهى، قلت: لكن يعكر عليه قوله ههنا: (فقالوا)؛ بصيغة الجمع الذكور، إلا أن يقال: إنَّهم اشتركوا في الجواب، ونص على أبي بكر؛ لكونه أفضل الصَّحابة وأعظمهم منزلة؛ فتأمل.\n (قال): ولأبوي ذر والوقت: (فقال)؛ بالفاء؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ: (أفلا): الهمزة إما مقدمة من تأخير؛ لدلالة الآتي عليه، أو في محلها، لكن قال إمام الشَّارحين: ولابد من مقدر بعد الهمزة، والتقدير: أدفنتم؟ (^٣) فلا (كنتم آذنتموني)؟؛ بفتح الهمزة مع المد؛ أي: أعلمتموني (به) أو بها؛ أي: بموته أو بموتها حتى أصلي عليه، وعند المؤلف في (الجنائز): (فحقروا شأنه)، ولابن خزيمة: (قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك).\nوفي «عمدة القاري»: وإنما قال ذلك؛ لأنَّ صلاته ﵇ عليهم رحمة ونور في قبورهم، على ما جاء في رواية مسلم: (أن امرأة أو شابًّا...)؛ الحديث، وزاد في آخره: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم»، قيل: لم يخرِّج البخاري هذه الزيادة؛ لأنَّها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بيَّن ذلك غير واحد من أصحاب حمَّاد بن زيد.\nقلت: قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة (^٤)، فإمَّا أن يكون عن ثابت عنه ﵇ مرسلًا، كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت، عن أنس، عنه ﵇، رواه غير حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع فلم يذكرها، ووقع في «مسند أبي داود الطيالسي» عن ثابت بهذه الزيادة، وزاد بعدها: (فقال رجل من الأنصار: إن أبي أو أخي مات أو دفن؛ فصلِّ عليه، فانطلق معه ﵇...)؛ الحديث، انتهى.\n (دلوني على قبره، أو قال: على قبرها) كلمة (أو) للشك، يحتمل من ثابت، ويحتمل من أبي رافع، والأظهر الأول كما سبق، (فأتى) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (قبره) ولابن عساكر: (قبرها)، (فصلى عليه) وفي رواية: (عليها)، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع النَّبي الأعظم ﷺ فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: فلانة، فعرفها، وقال: «ألا آذنتموني بها، فإنَّ صلاتي عليها رحمة لها»، ثم أتى القبر فصفنا خلفه، فكبَّر عليه، انتهى.\nقال صاحب «التلويح»: وهذا يحتاج إلى تأمل ونظر؛ لأنَّ يزيد قُتل باليمامة سنة ثنتي عشرة، وخارجة توفي سنة مئة أو أقل من ذلك، وسنه سبعون سنة، فلا يتجه سماعه منه بحال، كذا في «عمدة القاري».\nقال ابن بطال: (وفي الحديث الحض على كنس المساجد، وتنظيفها؛ لأنَّه ﵇ إنَّما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي أنَّه ﵇ كنس المسجد) انتهى، وسلمه إمام الشَّارحين، واعترضه ابن حجر تعصبًا بأنه تكلف، وقد سبق رده قريبًا، فلا تغفل.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: استحباب الإعلام بالموت.\nوفيه: أن على الراوي التنبيه على شكه فيما رواه مشكوكًا.\nوفيه: خدمة الصالحين، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده.\nوفيه: المكافأة بالدعاء والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم.\nوفيه: الرغبة في شهود جنائز الصالحين.\nوفيه: جواز الصلاة على القبر، وهي مسألة خلافية؛ فجوَّزها طائفة؛ منهم: علي، وأبو موسى، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، والشَّافعي، ومنعها طائفة؛ منهم: النخعي، والحسن البصري، والثَّوري، وهو قول الإمام الأعظم أبي حنيفة، واللَّيث، ومالك، ومنهم من قال: إنَّما يجوز إذا لم يصلِّ الولي أو الوالي، ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل: إلى شهر، وقيل: ما لم يَبْلَ جسده، وقيل: أبدًا) انتهى.\n_________\n(^١) في الأصل: (يضطلع).\n (^٢) في الأصل: (تكليف)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (إذ دفنتم)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (رافع)، وهو سبق نظر.","vol":"1","page":325},{"text":"وقال الكرماني: (وفي الحديث: جواز الصلاة على القبر، وأنَّها لا تجوز عليه إلا عند حضور قبره) انتهى، قلت: فالحديث حجة على الشَّافعي في جوازه الصلاة على الغائب؛ لأنَّه ﵇ سأل عنه حتى دلوه على قبره، فقام فصلى عليه، ولم يصلِّ في مسجده عليه صلاة الغائب، كما لا يخفى.\nوزعم العجلوني أنَّ مذهب الشَّافعي أنَّه تصح الصلاة عليه، ولو بعد بلائه على الصَّحيح؛ لبقاء عجب الذنب، انتهى.\nقلت: ويردُّ هذا أنَّه ﵇ صلى عليه قبل ثلاثة أيام؛ لما رواه ابن حبان من حديث خارجة بن زيد المتقدم، وفيه: (فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد...)؛ الحديث، ومن المعلوم أن الجديد: ما دفن يومه إلى دون الثلاثة أيام، ويدل على ذلك حديث الباب؛ لأنَّه قال: (فمات، فسأل النَّبي ﷺ عنه، فقالوا: مات...)؛ الحديث، فأتى بالفاء التعقيبية بألفاظه الدَّالة على أنَّهم لمَّا رجعوا من دفنه سألهم ﵇ عنه، ثم بادروا إلى الصلاة على قبره، وهذا يدل على أنَّ الصلاة بعد ثلاثة أيام لا تجوز، كما لا يخفى.\nومذهب إمامنا الأعظم رئيس المجتهدين أنَّه إذا صُلِّي على جنازة؛ لا تعاد الصلاة عليها ثانيًا؛ لأنَّها غير مشروعة، وصلاته ﵇ إنَّما كانت خصوصية ورحمة به، يدل عليه قوله ﵇: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم»، رواه مسلم، وقوله ﵇: «فإنَّ صلاتي عليه رحمة له»، رواه ابن حبان في «صحيحه»، فهذا دليل واضح على أنَّ صلاته عليه كانت خصوصية ورحمة للميت، كما صرح به الحديث، وله ﵇ أن يخصَّ ما شاء بمن شاء؛ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فافهم.\nواستثنى أئمتنا الأعلام ما إذا صلى على جنازةٍ غير الوليِّ ثم حضر الوليُّ بعد الصلاة؛ فله أن يعيد الصلاة عليها، وإذا لم يصلِّ عليه حتى دفن؛ صلى على قبره مالم ينتفخ أو ينفسخ، وقدَّره المتأخرون بثلاثة أيام، ومذهبنا هو الصَّواب، وحديث الباب يدل عليه، وكذلك حديث مسلم وحديث ابن حبان، كما رأيت بيانه، وسيأتي تمام الكلام عليه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٧٦٨\"> </span>(٧٣) <span data-type=\"title\" id=toc-768>[باب تحريم تجارة الخمر في المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان (تحريم تجارة الخمر في المسجد): الجار والمجرور متعلق بالتحريم لا بالتجارة، ولابد من تقدير مضاف؛ لأنَّ المراد: بيان ذلك وبيان أحكامه، وليس المراد أن تحريمها مختص بالمسجد؛ لأنَّها حرام سواء كانت في المسجد أو في غيره؛ كذا قاله إمام الشَّارحين.\n\n <span id=\"b-٧٦٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-769>[حديث: لما أنزل الآيات في الربا من سورة البقرة في الربا]</span>\n٤٥٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحَّدة، بصورة المثنى، فيجوز إعرابه كإعرابه وكإعراب المفرد، وهذا لقب له كما سبق، واسمه عبد الله بن عثمان المروزي، وأصله من البصرة، توفي سنة إحدى وعشرين ومئتين، (عن أبي حمزة)؛ بالمهملة والزاي: هو محمَّد بن ميمون السكري، (عن الأعمش): هو سليمان بن مهران الكوفي التَّابعي، (عن مسلم): هو ابن صُبَيح؛ بِضَمِّ المهملة، وفتح الموحَّدة، مصغر صبح، أبي الضُّحى الكوفي التَّابعي، (عن مسروق): هو ابن الأجدع الكوفي التَّابعي، وسمِّي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهماأنها (قالت: لما أُنْزِل) بِضَمِّ الهمزة، وسكون النُّون، وكسر الزاي، ولأبي ذر وابن عساكر: (أُنْزِلَت)؛ بالتَّاء مع البناء للمفعول أيضًا، ولابن عساكر أيضًا: (نَزَلَت)؛ بالبناء للفاعل مخففًا (الآياتُ)؛ بالرفع: فاعل أو نائبه (من سورة) وفي رواية: (في سورة) (البقرة)؛ أي: في السورة التي ذكرت فيها البقرة، والجار والمجرور صفة لـ (الآيات)، أو حال منها ويحتمل تعلقه بالفعل، لكنه بعيد؛ فتأمل، (في الربا) بالقصر؛ أي: في تحريمه، والجار والمجرور يحتمل (^١) أنَّه متعلق بالفعل، ويحتمل كونه صفة لـ (الآيات) أو حالًا منها، والأول أظهر.\nقال إمام الشَّارحين: (والربا: مقصور من ربا يربو؛ إذا زاد، فيكتب بالألف، وأجاز الكوفيون كتبه بالياء؛ بسبب الكسرة في أوله، وقد كتب في المصحف بالواو، قال الفراء: إنَّما كتبوه بالواو؛ لأنَّ أهل الحجاز تعلموا الخطَّ من أهل الحيرة، ولغتهم: الربو، فعلموهم صورة الخط على لغتهم، قال: ويجوز كتبه بالألف وبالواو وبالياء) انتهى، وزعم العجلوني أن ظاهر كلام الفراء: أنَّ هذه تجري في المصحف وفي غيره؛ فيراجع، انتهى، قلت: الظَّاهر أنَّها لا تجري في المصحف؛ لأنَّ رسم الكلام القديم سنَّة متَّبعة، والمتواتر أنَّ رسمه هكذا بالواو، فلا يجوز كتبه بغيرها، وكلام الفراء مبني على اللُّغة العربية والقواعد الرسمية، وهو لا ينافي ذلك، قال الكرماني: (إنَّما رُسم في القرآن بالواو، كالصلاة؛ لتغليظه وتفخيمه في لغة، وأما في غير القرآن؛ فيكتب بالألف) انتهى، وقال القسطلاني: (زيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع، والمراد بـ «الآيات»: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَايَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ...﴾ إلى آخر العشر؛ أي: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]، والمراد من الأكل: الأخذ والتناول، وإنما خصَّ الأكل بالذكر؛ لأنَّه أعظم منافع المال، ولأنَّ الربا شائعٌ في المطعومات) انتهى.\nوقوله (خرج النَّبي) الأعظم (ﷺ) أي: من بيته (إلى المسجد) جواب (لمَّا)، و(أل) في (المسجد): للعهد؛ أي: المعهود؛ وهو المسجد النَّبوي (فقرأهنَّ) أي: الآيات المذكورة (على الناس)؛ أي: الصَّحابة، والمراد: من كان حاضرًا منهم،) (ثم حرَّم) بالتشديد؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ؛ أي: ذكر تحريم (تجارة الخمر)؛ أي: في المسجد، والمراد: أنَّه بيَّن أن تجارة الخمر حرام، فهو تأكيد للأمر بالتحريم، أعاده؛ لاحتمال عدم فهم تحريمها من الآيات، فأعاده بيانًا وإيضاحًا لما تلاه، قال إمام الشَّارحين: (تجارة الخمر؛ أي: بيعها وشرائها) انتهى.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقال صاحب «التوضيح» آخذًا من كلام ابن بطال: (وغرض البخاري في هذا الباب أن المسجد لمَّا كان للصلاة ولذكر (^٢) الله، منزهًا عن الفواحش والخمرُ والرِّبا من أكبر الفواحش؛ يمنع من ذلك، فلمَّا ذكر الشَّارع تحريمهما في المسجد؛ ذكر أنَّه لا بأس بذكر المحرمات والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها والمنع منها) انتهى.\nوأخذ\n_________\n(^١) في الأصل: (فيحتمل)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (وكذكر)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":325},{"text":"ابن حجر من كلامه فقال: («باب تحريم تجارة الخمر في المسجد»؛ أي: جواز ذكر ذلك) انتهى.\nوردَّ هذا كله إمامنا الشَّارح، فقال: (كلُّ هذا خارج عن المهيع، وتصرفات بغير تأمُّل؛ لأنَّه لا فائدة في بيان جواز ذكر ذلك في المسجد؛ إذ هو مبيَّن من الخارج، وليس غرض البخاري ذلك، وإنما غرضه بيان أنَّ تحريم تجارة الخمر وقع في المسجد؛ لأنَّ ظاهر حديث الباب يصرح بذلك؛ لأنَّ عائشة ﵂ قالت: «لما نزلت الآيات في سورة البقرة في الربا؛ خرج النَّبي ﷺ إلى المسجد...»؛ الحديث، فهذا ظاهره أن تحريم تجارة الخمر بعد نزول آيات الربا.\nفإن قلت: كان تحريم الخمر قبل نزول آيات الربا بمدة طويلة، كما صرحوا به، فلما حُرِّمت الخمر؛ حُرِّمت التجارة فيها أيضًا قطعًا، فما الفائدة في ذكر تحريم تجارتها ههنا؟\nقلت: يحتمل كون تحريم التجارة فيها قد تأخر عن وقت تحريم عينها، ويحتمل أن يكون ذكره ههنا تأكيدًا ومبالغة في إشاعة ذلك، أو يكون قد حضر المجلس من لم يبلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك، فأعاد ﵇ ذكر ذلك للإعلام لهم، وكان ذلك لرسول الله ﵇ في المسجد، وهذا أيضًا هو موقع التَّرجمة، وليس ذلك مثل ما قال بعضهم: «وموقع التَّرجمة أن المسجد منزه عن الفواحش فعلا وقولًا، لكن يجوز ذكرها فيه للتحذير منها» انتهى، قلت: إذا كان ذكر الفواحش جائزًا في المسجد؛ لأجل التحذير، فما وجه تخصيص ذكر صاحبه تحريم الخمر بالمسجد؟ وجواب هذا يلزم هذا القائل، فعلى ما ذكرناه لا يَرِد سؤال، فلا يحتاج إلى جواب) انتهى كلام إمام الشَّارحين، قلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر؛ فإنَّه القائل لهذا، آخذًا من كلام صاحب «التوضيح»؛ فاعرفه.\nوزعم العجلوني: إن كان النَّبي ﵇ لم يذكر تحريم التجارة في الخمرة قبل هذه القصة؛ فالحقُّ ما قاله صاحب «عمدة القاري»، وإلا؛ فالحقُّ ما قاله ابن حجر وابن الملقن، ويكون ذكر تحريمها ثانيًا؛ لمزيد التأكيد، وإن لم يعلم واحد من الأمرين بخصوصه؛ فالأمر محتمل، والتَّرجمة كذلك، لكنَّها ظاهرة فيما قاله صاحب «عمدة القاري»، ويدل للأخير كل (^١) منهم) انتهى.\nقلت: هذا كلام متناقض، والحقُّ أحق أن يتَّبع، فإنَّ الحق ما قاله إمام الشَّارحين، ولا ريب أن النَّبي الأعظم ﷺ لم يذكر تحريم تجارة الخمر قبل هذه القصة؛ لأنَّ حديث الباب صريح في ذلك؛ لأنَّ قول عائشة: (فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر) صريح في ذلك قطعًا، وقوله: (وإلا فالحقُّ...) إلخ؛ غير صحيح كما ذكرنا، وقوله: (ويكون ذكر...) إلخ؛ غير صحيح أيضًا؛ لأنَّه ﵇؛ إذا ذكر أمرًا أو نهيًا لشيء؛ يذكره مرة واحدة، فإنَّ تجارة الخمر حرام، فذكر حرمتها حين قرأ الآيات، ومن عادته عدم الإعادة، ولا فائدة في التأكيد هنا؛ لأنَّ الحكم واحد لم يتغير؛ حيث إنَّه قد ذكره عند قراءته الآيات، وقوله: (وإن لم يعلم...) إلخ؛ لا احتمال في الأمر ولا في التَّرجمة، ومقصود البخاري هو ما قاله إمام الشَّارحين قطعًا، والعناد بعد ذلك مكابرة.\nوزعم العجلوني أن قول إمام الشَّارحين: (فإن قلت...) إلخ، قد سبقه إليه القاضي عياض: فنسبه لنفسه، انتهى.\nقلت: هذا تعصب بارد من ذهن شارد، فإنَّ إمامنا الشَّارح قد اشتهر فضله وعلمه في الآفاق، وعُلم عند المحققين أن مثل هذا الكلام يقوله من تلقاء نفسه من علمه وفضله، ولا كلام لنا مع القاضي إذا كان قال مثل قوله؛ فقد صادف الرأيان على السواء، وهذا لا يعد نقصًا في حق إمام الشَّارحين، بل هو دال على كثرة علمه، وغزارة فهمه، وقوة استحضاره، فرحم الله تعالى هذا الشَّارح، وحقيق بأن يلقَّب بإمام الشَّارحين؛ فافهم، ولا تكن من المتعصبين.\nوقال ابن كثير في «تفسيره»: (قال بعض من تكلم على هذا الحديث: لما حرَّم الربا ووسائله؛ حرَّم (^٢) الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك)، قال إمامنا الشَّارح: (ظاهر هذا يدل على أنَّ تحريم الخمر كان مع تحريم الربا، ولكن قالوا: إن تحريم الخمر قبل تحريم الربا بمدة طويلة كما ذكرنا عن قريب) انتهى.\nوفي الحديث أحكام؛ الأول: فيه تحريم الرِّبا، وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عبَّاس رضي الله عنهماأنَّه قال: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق)، وروى ابن جرير عن ابن عبَّاس قال: (يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قال: وذلك حين يقوم من قبره)، الثاني: فيه تحريم تجارة الخمر، الثالث: فيه تحريم الخمر، والعلة فيه: النَّجاسة الخفيفة في رواية عن الإمام الأعظم، أو الغليظة في رواية أخرى، والإسكار، وعند الشَّافعي كذلك، وسيأتي مزيد كلام لذلك في محلِّه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٧٧٠\"> </span>(٧٤) <span data-type=\"title\" id=toc-770>[باب الخدم للمسجد]</span>\nهذا (باب) في بيان أمر (الخَدَم)؛ بفتحتين: جمع خادم، ويجمع أيضًا على خُدَّام؛ بِضَمِّ المعجمة، وتشديد المهملة (للمسجد)؛ باللَّام رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة: (في المسجد)، وكان المناسب أن يكون هذا الباب عقيب باب (كنس المسجد) على ما لا يخفى، كذا قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\n (وقال ابن عبَّاس) هو عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب، حبر هذه الأمَّة، ويسمَّى البحر؛ لغزارة علمه، وكان يفتي في عهد الصديق والفاروق، ويشاورانه مع أهل بدررضي الله عنهم، توفي بالطَّائف سنة ثمان وستين، عن إحدى وسبعين سنة.\nوهذا التَّعليق وصله الضحاك في «تفسيره» عنه، ووصله أيضًا ابن أبي حاتم -لكن بمعناه- في تفسير قوله تعالى حكاية عن حَنَّة -بفتح المهملة، وتشديد النُّون آخره هاء- بنت فاقوذا -بالفاء أوله بعد ألف، ثم قاف بعد واو، ثم ذال معجمة ثم ألف- وهي: امرأة عمران بن ماثان، وهي أم مريم والدة عيسى النَّبي الذي ينزل في ديارنا آخر الزمان، وليس هو عمران بن يصهر؛ لأنَّه والد موسى الكليم وهارون الكريم، وكان بين العمرانين ألف\n_________\n(^١) في الأصل: (كلًّا)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (وحرَّم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":326},{"text":"وثمان مئة سنة، كما قاله أبو السعود، وكانت حَنَّة عاقرًا، فرأت يومًا طائرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فسألت الله تعالى أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحقَّقت الحمل؛ قالت ما أخبر الله تعالى عنها بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي﴾ (﴿نَذَرْتُ﴾): النَّذر: ما كان وعدًا على شرط، كما في «القاموس»، والنَّذر: واحد النُّذور، وقد نذر لله كذا، من باب (ضرب) و(نصر)، ويقال: نذر على نفسه نذرًا، ونذر ماله نذرًا، وتناذر القوم كذا؛ خوف بعضهم بعضًا، كذا في «مختصر الصِّحاح»، والنَّذر: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى، كذا في «تعريفات السيد»، قلت: وهذا أولى مما في «القاموس»؛ فافهم، فعلي (﴿لَكَ﴾)؛ أي: قاصدًا بالنذر ابتغاء وجهك؛ أي: ذاتك (﴿مَا فِي بَطْنِي﴾): إنَّما عبرت بـ (ما) الموضوعة لمن لا يعقل؛ لأنَّه مبهم لم تعلمه أذكر أم أنثى (﴿مُحَرَّرًا﴾) [آل عمران: ٣٥]، كذا في رواية الأكثرين، وهو بالنصب على الحال، أي: معتقًا، وفي رواية الأصيلي: (تعني: محررًا)، وعليها؛ فهو منصوب بـ (تعني) على المفعولية، والضمير في (تعني) يرجع إلى حنة أم مريم، (للمسجد)؛ أي: الأقصى، فاللَّام للعهد، وهو بيت المقدس بالاتفاق، قالوا: وسمِّي الأقصى؛ لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام (تخدُمه)؛ بِضَمِّ الدَّال، وفي أوله مثناة فوقية أو تحتية للمؤنث الغائب؛ أي المسجد: لا أُشغله بشيء سوى الخدمة، أو مخلصًا للعبادة، وفي رواية أبي ذر: (تخدمها)؛ أي: المساجد، أو الصخرة، أو الأرض المقدسة.\nقال البيضاوي: (روي أنَّ أمَّ مريم كانت عاقرًا عجوزًا، فبينا هي في ظل شجرة؛ إذ رأت طائرًا يطعم فرخه، فحنَّت إلى الولد وتمنَّته، فقالت: اللهم إنَّ لك نذرًا إن رزقتني ولدًا؛ أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من خَدَمِه، فحملت بمريم، ومات عمران، وهذا النذر كان مشروعًا عندهم في الغلمان، فلعلَّها بَنَتِ الأمر على التقدير أو طلبت ذكرًا، فلما وضعتها؛ قالت: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾، قالته تحسرًا وتحزنًا لما فاتها مما كانت ترجوه من ذكر؛ لتحرره لخدمة المسجد الأقصى، ﴿فتقبَّلها ربها﴾ [آل عمران: ٣٧]: فرضيها في النذر مكان الذكر) انتهى.\nقلت: والظَّاهر أن قولها: ﴿رب إنِّي وضعتها أنثى﴾ ليس للتحسُّر والتحزُّن لما فاتها من ذكر، بل لكون المسجد يدخل فيه الكبير والصغير، والذكر، والبرُّ والفاجر، فخافت من خدمتها الفتنة والعار، ووقوعها في المحظور؛ لأنَّ الذكر إذا خالط الذكور وغيرهم؛ لا يقع في الفتنة، بخلاف الأنثى، فقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ يعني: حفظها ورضيها للنذر مكان الذكر، وأنَّه حفظها مما يُتوهم وقوعه من الفتنة؛ فيراجع.\nوقال إمام الشَّارحين: (أشار البخاري بهذا التَّعليق إلى أن تعظيم المسجد بالخدمة كان مشروعًا في الأمم الماضية، ألا ترى أن الله تعالى حكى عن حَنَّة أمِّ مريم أنَّها لمَّا حَبلَت؛ نذرت لله تعالى أن يكون ما في بطنها محرَّرًا، يعني: عتيقًا يخدم المسجد الأقصى، ولا يكون لأحد عليه سبيل، ولولا أنَّ الخدمة للمساجد مما يتقرب به إلى الله تعالى؛ لمَا نذرت به، وهذا موضع التَّرجمة) انتهى، قلت: وهذا مبني على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنَّه تعالى قصَّه علينا ورسوله ﵇ من غير إنكار، فصارت خدمة المسجد مطلوبة.\nبقي أنَّه هل يصح النذر بخدمة المسجد؟ والظَّاهر: أنَّه غير صحيح؛ لأنَّه ليس من جنسه واجبًا؛ فيراجع.\nوزعم ابن حجر أن مناسبة هذا التَّعليق لحديث الباب؛ من جهة صحَّة تبرع المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد لتقرير النَّبي ﷺ لها على ذلك، انتهى.\nقلت: وأراد بالمرأة التي أقامت نفسها لخدمة المسجد: المرأة السَّوداء، فإنَّه ﵇ أقرَّها ولم ينكر عليها، لكنَّ فيه أنَّ مريم لم تتبرَّع بنفسها، بل أمها نذرت أن تكون خادمة للمسجد، والنذر من الشَّخص لا يجري على غيره ولو كان ولدًا له، فما قاله غير ظاهر.\nوزعم العجلوني أنَّه لا يقال: حقه أن يقول: بإقامة ولدها؛ لأنَّ النَّاذرة هي أمُّ مريم لا مريم نفسها، ولعله أراد: أن مريم أقامت نفسها بعد أن بلغت مبلغًا يصح منها الإقامة، انتهى.\nقلت: وفيه بعد؛ لأنَّ أمَّ مريم وإن كانت هي النَّاذرة، لكنَّها لم تنذر نفسها، بل نذرت ولدها، وهي لا تملك منعه من الاشتغال بغير خدمة المسجد.\nولو قيل: (حقه أن يقول: بإقامة ولدها) لا يصح أيضًا؛ لأنَّ المرأة السوداء ليس لها ولد، ولو كان؛ فهي لم تقمه لأجل خدمة المسجد، بل تولت خدمته بنفسها؛ فهذا الجواب غير صحيح.\nوأما قوله: (ولعله أراد...) إلخ؛ فله وجه، لكن إن ثبت أنَّ مريم كانت بالغة، مع أن الذي ذكره المفسِّرون أن حَنَّة وضعت مريم في المسجد قبل بلوغها مبلغًا يصح منها الإقامة، ويلزم أيضًا ثبوت تبرُّع مريم بالخدمة في المسجد؛ لاحتمال عدم رضاها بالمكث فيه، وأمها لم تملكها، والذي يجنح للقلب أن المناسبة بين التَّعليق والحديث: هو مجرد خدمة مريم في المسجد مع قطع النَّظر عن النِّذر الذي وقع من أمها حَنَّة، كما أنَّ المرأة السوداء تبرَّعت بالخدمة من غير نذر منها ولا من أمها إن لو كانت، ولهذا أشار البخاري بالتَّعليق إلى أنَّ تعظيم المساجد بالخدمة مطلوب، وهو مشروع في الأمم السَّالفة، وقد أقرَّه النَّبي الأعظم ﷺ، ولم ينكره؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٧٧١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-771>[حديث: أن امرأةً كانت تقم المسجد]</span>\n٤٦٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن واقد)؛ بالقاف والدَّال المهملة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو أحمد بن عبد الملك بن واقد الحرَّاني البصري، أبو يحيى، المتوفى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وفي «التقريب»: (أنَّه ثقة تُكلم فيه بلا حجة) (قال: حدثنا حمَّاد)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، زاد الأصيلي: (ابن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن ثابت)؛ بالمثلَّثة: هو أبو محمَّد البناني البصري، (عن أبي رافع) هو نُفيع الصائغ التَّابعي الكبير، كما سبق؛ فافهم، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁: (أنَّ) بفتح الهمزة (امرأة أو رجلًا) وكلمة (أو) للشك من أبي رافع، أو أبي هريرة، أو ثابت (كانت تقم)؛ أي: أو كان يقم؛ بِضَمِّ القاف، من قمَّ الشيء يقُمُّ قمًّا، من باب (نصر ينصر)؛ أي: يكنس (المسجد)؛ أي: النَّبوي -فاللَّام للعهد- من القُمامة، وهي الزبالة والكناسة، فحذف في هذا الباب ما يتعلق بالمذكر، عكس ما سبق في باب (كنس المسجد)، وكلٌّ منهما جائز.\nوزعم العجلوني أن ما هنا أولى.\nقلت: لم يبين وجه الأولوية، ولا وجه لما زعمه، بل كل (^١) منهما جائز، وليس أحدهما أولى من الآخر، وقال الدماميني: (حذف «أو كان» كما سبق، فحذف من الأول خبر المؤنث، وهنا خبر المذكر؛ اعتبارًا بالسَّابق؛ ليكون جاريًا على المهيع الكثير، وهو الحذف\n_________\n(^١) في الأصل: (كلًّا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":326},{"text":"من الثاني؛ لدلالة الأول) انتهى.\nقال القسطلاني: (نعم؛ في رواية أبي ذر: «كان يقم المسجد»؛ بالتذكير) انتهى، واستدل العجلوني بهذه الرواية على أولوية ما هنا، كما سبق، قلت: وهو لا يدلُّ لما قاله؛ لأنَّ هذه الرواية ذكرت كبقية الروايات، فليست تدل على الأولوية، كما لا يخفى؛ فافهم، على أنَّه أكثر الروايات: (كانت) بالتأنيث؛ فليحفظ.\nوقوله: (ولا أراه) بِضَمِّ الهمزة؛ أي: لا أظنه (إلا امرأة) من كلام أبي رافع، ويحتمل أن يكون من كلام أبي هريرة، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: والضَّمير في (أراه) يرجع إلى الشَّخص المذكور الذي كان يقمُّ المسجد.\nوأمَّا قوله: (فذكر) أي: أبو هريرة (حديث النَّبي) الأعظم (ﷺ) أي: الذي تقدم ذكره قريبًا: (أنَّه) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (صلَّى)؛ أي: صلاة الجنازة (على قبره)؛ أي: الرجل، فهو من كلام أبي رافع لا غير، وفي رواية أبي الوقت والأصيلي: (قبرها)؛ أي: المرأة، وفي رواية: (على قبر)؛ بالتنكير.\nوزعم الكرماني أن لفظة: (أنَّه) يحتمل أن يكون تفسير الحديث، فلا يكون المذكور إلا الصلاة، وأن يراد به ذكر الحديث الذي فيه: (أنَّه صلى على قبرها)، فالمذكور جميع الحديث الذي تقدم في باب كنس المسجد، انتهى، قلت: وهذا كله صادر من غير تأمُّل؛ لأنَّ قوله: (فذكر حديث النَّبي ﷺ) صريح في أنَّه ذكره بتمامه، وأن من جملة الحديث أنَّه ﵇ صلَّى على قبرها، فالضَّمير في (أنَّه) يتعين رجوعه إلى النَّبي الأعظم ﷺ، ثم رأيت البرماوي قال: (والضمير في «أنَّه» راجع إلى النَّبي ﵇) انتهى، قلت: فلا حاجة إلى ما زعمه الكرماني؛ لأنَّ لفظ السياق يردُّه، كما لا يخفى؛ فافهم.\nففي الحديث المطابقة للتَّرجمة، وفيه: الحضُّ على كنس المسجد وتنظيفه؛ لأنَّه ﵇ إنَّما خصَّه بالصَّلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي عنه ﵇: (أنَّه كنس المسجد)، وفيه: الترغيب في شهود الجنائز لا سيما الصَّالحون.\nوفيه: جواز الصلاة على القبر، وهو مروى عن علي وأبي موسى، وهو قول الأوزاعي وأحمد والشَّافعي، ومنعها الإمام الأعظم، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثَّوري، واللَّيث، ومالك، وأجابوا عن حديث الباب ونحوه: بأنه خصوصية ورحمة للميت؛ يدل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه»: (إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)، وما رواه ابن حبان في «صحيحه» عن يزيد بن ثابت قال: (خرجنا مع النَّبي ﷺ، فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؛ فقيل: فلانة، فعرفها وقال: «ألا آذنتموني بها، فإنَّ صلاتي عليها رحمة لها» ...)؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ صلاته كانت خصوصية، وقد سبق بقية الكلام عليه في الباب السَّابق؛ فيراجع، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٧٢\"> </span>(٧٥) <span data-type=\"title\" id=toc-772>[باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد]</span>\nهذا (باب) في بيان حكم (الأسير): (فعيل) بمعنى (مفعول)، من أسره: شده بالأساري، وهو القِد، ومنه سمِّي الأسير؛ لأنَّهم كانوا يشدُّونه بالقِد، فسمِّي كلُّ أخيذٍ أسيرًا وإن لم يشدَّ به، كذا في «عمدة القاري»، (أو) حكم (الغريم)؛ وهو الذي عليه الدَّين، وقد يكون الغريم الذي له الدَّين، والمراد هنا: الأول، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وكلمة (أو) فيه للتنويع، وهي رواية الأكثرين، وفي رواية ابن السكن وابن عساكر: (والغريم) بواو العطف، انتهى، وقوله: (يُربَط)؛ بِضَمِّ أوله مبني للمجهول (في المسجد): اللَّام فيه للجنس؛ أي: أي مسجد كان، جملة وقعت حالًا من كل واحد من الأسير والغريم، بتقدير جملة أخرى نحوها للمعطوف عليه، كذا قاله إمامنا الشَّارح.\nواعترضه العجلوني بأنه لا حاجة إليه، وجوَّز كون جملة (يربط في المسجد) حال من المضاف إليه، قال: (ويجوز جعلها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وحقه تثنية ضمير «يربط» على الروايتين؛ لأنَّ «أو» التنويعية كالواو، ولعله أراد كلًّا منهما أو المذكور) انتهى.\nقلت: وهذا تعصب بارد، فإنَّ ما قاله إمامنا الشَّارح صحيح المعنى، كما لا يخفى؛ لأنَّ البخاري أتى بكلمة (أو) إشارة إلى أن حكم الأسير كحكم الغريم، وأن كلًّا منهما يربط في المسجد، ولا ريب أنَّ الأسير غير الغريم لكنَّ حكمهما واحد، وعلى هذا فالجملة تكون حالًا من كل منهما بالتقدير المذكور.\nوما زعمه العجلوني غير ظاهر؛ لأنَّه على جعل الجملة حالًا من المضاف إليه -وهو الأسير- لا يكون للغريم حكم، ويصير الضمير في (يربط) للأسير، وهو باطل؛ لأنَّه يكون حكم الغريم مسكوتًا عنه، وهو خلاف المقصود.\nوقوله: (وحقه...) إلخ: غير صحيح؛ لأنَّ ضمير (يربط) على كون الجملة من الأسير والغريم يعود على كل واحد منهما، فيقال: حكم الأسير حال كونه يربط في المسجد، وحكم الغريم حال كونه يربط في المسجد، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، على أنَّ كلمة (أو) هنا المراد بها: تنويع الجنس لا الحكم، فإن الحكم فيهما واحد، والجنس مختلف؛ لأنَّ الأسير غير الغريم، فمراد المؤلف: بيان أن حكم الأسير كحكم الغريم.\nوقوله: (ولعله...) إلخ: لا حاجة لما زعمه بعدما علمت ما ذكرناه، وتقديرنا الحكم عند قوله: (أو الغريم) لازم ظاهر المعنى، وذلك حتى يعود الضمير في (يربط) إلى كل واحد منهما؛ فافهم.\nوزعم العجلوني أنَّه يجوز تنوين (باب)، وما بعده: مبتدأ ومعطوف عليه، والجملة في (يربط في المسجد) خبره.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه يلزم عليه فوتَ حكم الغريم، وخلوَّ ضمير في (يربط) يعود على الغريم، فيصير قوله: (أو الغريم) لا فائدة فيه، وهو غير ظاهر؛ فافهم.\nثم قال العجلوني: (وأمَّا قول القسطلاني: «باب» حكم «الأسير أو الغريم» حال كونه «يربط في المسجد» الإباحة؛ فلعله تقدير معنى لا إعراب) انتهى.\nقلت: هو ممنوع، بل هو تقدير معنى وإعراب أيضًا؛ لأنَّ قوله: (باب): خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، وقوله: (حكم): مبتدأ، وقوله: (الإباحة): خبره، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم ذلك، ولا تكن من المتعصبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":327},{"text":"والمراد بالحكم: الإباحة، وسيأتي أن القاضي شريح كان يأمر بربط الغريم في سارية من سواري المسجد.\n\n <span id=\"b-٧٧٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-773>[حديث: إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة]</span>\n٤٦١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) هو أبو يعقوب الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، وهو من مشايخ الشَّافعي كما ذكره الرازي، وقال أحمد ابن حنبل: (إسحاق عندي إمام، وما عبر الجسر أفقه منه)، ولد سنة إحدى وستين ومئة، وتوفي بنيسابور سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومئتين، وإنما لقب براهويه؛ لأنَّه ولد في طريق مكة، ومعنى الطريق بالفارسية: (راه)، ومعنى: (ويه): وجد، فكأنَّه وجد في الطريق، (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (رَوح)؛ بفتح الرَّاء آخره حاء مهملة: هو ابن عُبادة؛ بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الموحَّدة، ابن العلاء البصري، المتوفى سنة خمس ومئتين (ومحمَّد بن جعفر) هو الهذلي البصري، المشهور بغُندر؛ بِضَمِّ الغين المعجمة؛ كلاهما (عن شعبة) هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري (عن محمَّد بن زِيَاد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية، هو القرشي الجمحي المدني التَّابعي الجليل، وقول العجلوني: (مولى آل عثمان بن مظعون) خطأ ظاهر؛ فاجتنبه، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁، (عن النَّبي) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: إن عِفريتًا)؛ بكسر العين المهملة: على وزن: (فِعليت)، قاله ابن الحاجب، وفي «المحكم»: (رجل عفر وعفرية وعفارية وعفريت: بيِّن العفارة خبيث منكر)، وقال الزجاج: (العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء، وقد تعفرت)، وفي «الجامع»: (والشَّيطان: عفريت وعفرية، وهم العفاريت والعفارية، قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ﴾ [النمل: ٣٩]، وقرأ بعضهم: «عفرية من الجن»)، قال الجوهري: (إذا سكنت الياء؛ صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها؛ فالتَّاء هاء في الوقف)، كذا في «عمدة القاري»، (من الجن) احترازًا عن العفريت من غيرهم، قال ابن سيده: (الجن: نوع من العالم، والجمع: جنان، وهم الجِنَّة، والجني؛ منسوب إلى الجن أو الجنة، والجنة: طائفة الجن، والمجنة والجن، وأرض مجنة: كثيرة الجن، والجان: أبو الجن، وهم اسم جمع) انتهى، وفي «القاموس»: (والجان: اسم جمع للجن وحية أكحل العينين لا تؤذي، كثيرة في الدور، والجِن؛ بالكسر: الملائكة كالجِنة، ومن الشباب وغيره: أوله وحدثانه، ومن النبت: زهره ونوره، والجِني؛ بالكسر: نسبة إلى الجن أو الجنة) انتهى هذه عبارة «القاموس» الصَّحيحة، وقد نقل العجلوني عبارته بتصحيف ظاهر مُخلٍّ بالمعنى من عدم معرفته؛ فافهم.\nويطلق الشَّيطان على كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن، والشَّيطان من الجن إذا أعياه المؤمن وعجز عن إغوائه؛ ذهب إلى متمرد من الإنس، فأغراه على المؤمن ليفتنه، وقال مالك بن دينار: (شياطين الإنس أشدُّ عليَّ من شياطين الجن؛ لأنَّي إذا تعوذت بالله من شياطين الجن؛ ذهبوا عني، وشياطين الإنس تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانًا)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nقال إمام الشَّارحين: واعلم أنَّ الموجود الممكن الذي ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز هم الأرواح، وهي إما سفلية أو علوية؛ فالسفلية؛ إمَّا خيرة؛ وهم صالحوا الجن، أو شريرة؛ وهم مردة الشياطين، والعلوية؛ إما متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح الفلكية، أو غير متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح المطهرة المقدسة، وقال ابن دريد: الجن خلاف الإنس، يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه وغطاه في معنَّى واحد: إذا ستره، وكل شيء استتر عنك؛ فقد جن عنك، وبه سميت الجن، وقال ابن عقيل: إنَّما سمي الجن جنًّا؛ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، انتهى.\nثم قال إمام الشَّارحين: ثم اعلم أنَّ الجن يتطورون في صور شتى، ويتشكلون في صورة الإنس، والبهائم، والحيات، والعقارب، والإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطير.\nوقال القاضي أبو يعلى: (ولا قدرة للشياطين ولا للجن ولا الملائكة على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، إنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله تعالى كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا فعلهوتكلم به؛ نقله الله من صورة إلى صورة أخرى، وأمَّا أن يصوِّر نفسه؛ فذلك محال؛ لأنَّ انتقالهم من صورة إلى صورة [إنما يكون] بنقض (^١) البنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقضت؛ بطلت الحياة، والقول في تشكيل الملائكة كذلك) انتهى.\n (تَفلَّت)؛ بفتح المثناة الفوقية، وتشديد اللَّام؛ أي: تعرض فلتة؛ أي: بغتة، وفي «المحكم»: أفلت الشيء: أخذه بغتةً في سرعة، وكان ذلك فلتة؛ أي: فجأة، والجمع: فلتات، لا يجاوز بها جمع السَّلامة، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي «المنتهى»: تفلت علينا وإلينا، وفي «الصِّحاح»: أفلت الشيء تفلت وانفلت بمعنًى، وأفلته غيره، كذا في «عمدة القاري»، وقال القزاز: تفلت؛ أي: توثب (عليَّ) بتشديد الياء المفتوحة (البارحةَ)؛ بالنصب على الظرفية لـ (تفلت)، وهي أقرب ليلة مضت، وفي «المنتهى»: كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة والبارحة الأولى، ومنه ثلاث ليالٍ، وفي «المحكم»: البارحة: هي الليلة الحالية (^٢)، ولا تحقر، وقال قاسم في «الدلائل»: يقال: بارحة الأولى: يضاف الاسم إلى الصِّفة، كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: «كانت لي شاة فعدا (^٣) عليه الذئب بارحة الأولى»، كذا في شرح إمام الشَّارحين.\nقلت: وظاهره أنَّها لا تطلق على الليلة البعيدة، بقي أنَّ ظاهر كلام «المحكم» أنَّها تطلق على الليلة الحالية، وهو خلاف المتبادر من كلامهم، وخلاف الاستعمال، إلا أن يقال: إنَّها الحالية بمعنى المتصلة بالليلة الحالية لكنَّه بعيد؛ فافهم.\n (أو قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (كلمة)؛ أي: جملة كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقد قال هو جملة من كلمات (نحوَها)؛ بالنصب صفة لـ (كلمة)؛ أي: نحو قوله: (تفلت عليَّ البارحة) والمراد أنَّها تشبهها، كما في الرواية الآتية للمؤلف آخر (الصلاة): «عرض لي فشد علي»، ووقع في رواية عبد الرزاق: «عرض لي في صورة هر»، ووقع في رواية مسلم: «جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي»، فضمير (نحوها) يرجع إلى قوله: (تفلت عليَّ البارحة)، كما ذكرنا، وبه علم أنَّ قول العجلوني: (فضمير «نحوها» لجملة «تفلت علي البارحة») ليس على إطلاقه؛ لأنَّ الضمير في (نحوها) ليس عائدًا على الجملة، بل على قوله: (تفلت علي البارحة)؛ فافهم، وأمَّا قول الكرماني: (فضمير «نحوها» يرجع إلى «البارحة»)؛ فغير ظاهر؛ لأنَّ صريح اللَّفظ يدل على أنَّه قال نحو قوله: (تفلت علي البارحة)، ويدل عليه رواية البخاري ومسلم وعبد الرزاق كما علمتها آنفًا؛ فافهم، (ليَقْطَع) بفتح التحتية، والطاء المهملة، وسكون القاف (عليَّ) بتشديد التحتية المفتوحة (الصلاة) قال العجلوني: لم أقف على تعيين الصلاة، ولعلها نافلة الليل، انتهى، قلت: ويحتمل أنَّها نافلة النهار، ويحتمل أنَّها فريضة الليل أو النهار، ولا مانع منه؛ فليحفظ، (فأمكنني) بعدم الإدغام (الله منه)؛ يعني: قوَّاني وعصمني الله منه، وقد جاء في تفسير ذلك في رواية النسائي حيث قال: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي» انتهى، (فأردت) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (وأردت)؛ بواو العطف (أن) بفتح الهمزة\n_________\n(^١) في الأصل: (ينقض)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) كذا في الأصل، وفي «المحكم»: (الخالية).\n (^٣) في الأصل: (فغدا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":327},{"text":"(أربِطه) بكسر الموحَّدة الخفيفة وضمها (إلى سارية) أي: مع سارية (من سوار المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام للعهد، والسارية: الأسطوانة؛ أي: من أسطوانة من أساطين المسجد النَّبوي، قال القليوبي: وجملتها الآن مئتان وست وتسعون أسطوانة، انتهى، وقد زاد في عمارته السلطان عبد المجيد العثماني زيادة لم أرها، ونسأل الحنان المنان أن يرزقنا زيارة النَّبي الأعظم ﷺ بالصحة والأمان، آمين، (حتى تصبحوا)؛ أي: تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر (وتنظروا إليه) أي: إلى العفريت (كلُّكم) بالرفع تأكيد للضمير المرفوع.\nقال إمام الشَّارحين: يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه كان شغلًا يسيرًا، فلا تفسد به الصلاة، انتهى.\nقال العجلوني: (والأرجح كون ربطه خارج الصلاة؛ لأنَّ ربطه بالسارية يحتاج إلى عمل كثير لا يسير كما قاله، على أنَّ في رواية النسائي السَّابقة أنَّها تدل على كثرة العمل؛ فتأمل) انتهى.\nقلت: بل هما احتمالان، والأرجح أنَّه ﵇ أراد ربطه وهو في الصلاة، يدل عليه صريح لفظ الحديث؛ حيث قال: «فأمكنني الله منه فأردت...» إلخ، فأتى بالفاء المفيدة للتعقيب؛ يعني: أنَّه وقت إمكانه منه أراد ربطه؛ لأجل ألا يفر منه، فيفوت المقصود وهو نظرهم إليه.\nوقوله: (لأنَّ ربطه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يحتمل أنَّه ﵇ كان قريبًا من السارية، أو أشار إليها لتقرب منه، وربطه لا يحتاج إلى عمل كثير؛ لأنَّ الكثير ما يستكثره الناظر، أو ما يفوَّض إلى رأي المصلي، والربط لا يكون كذلك، بل هو عمل يسير غير مفسد للصلاة، ورواية النسائي السَّابقة لا تدل على العمل الكثير؛ لأنَّه قال فيها: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه»، فهي ظاهرة في أنَّها عمل يسير لا كثير، ويحتمل تعدد القصة، فكل رواية في قصة بانفرادها، وهو الأظهر، ويحتمل أنَّ على رواية النسائي يكون المعنى: فأخذته بيدي من رقبته حتى خنقته ووجدت برد لسانه، فهو عمل واحد يسير لا كثير كما زعمه؛ فليحفظ.\n (فذكرت) أي: تذكرت (قول أخي) أي: في النُّبوة أو الدِّين (سليمان) هو ابن داود ﵉ الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]؛ أي: مطيع رجَّاع، وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأنَّ الله تعالى قد أثنى على عبدين أحدهما صابروالآخر شاكر ثناءًا واحدًا، فقال: في وصف أيِّوب: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وقال في وصف سليمان: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ انتهى، قلت: وعلى هذا لا فضل للغني الشاكر على الفقير الصابر، بل هما في الفضل سواء، وفيه خلاف؛ والجمهور على أنَّ الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأنَّ نفعه عام لنفسه ولغيره فهو أولى بالفضل، وأمَّا الفقير الصابر؛ فنفعه قاصر على نفسه فقط؛ فليحفظ: (﴿رب اغفر لي﴾)؛ أي: ذنبي، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين (﴿وهب لي﴾) [ص: ٣٥] كذا لأبي ذر، ولغيره: (رب هب لي) وإسقاط (﴿رب اغفر لي﴾) سوى ابن عساكر، فإنَّه رواه بلفظ (هب لي) فقط كما في (الفرع) و(أصله)، ووقع في رواية مسلم كرواية أبي ذر على نسق التلاوة.\nقال ابن حجر: (والظَّاهر أنَّ غير رواية أبي ذر من تغيير بعض الرواة) انتهى.\nقلت: وعليه فهو تصحيف من بعض الرواة، وليس كذلك؛ لأنَّ أكثر الرواة رووا: (ربِّ هب لي)، ولا يمكن اجتماع الجمهور على تصحيف الرواية، وكل راوٍ روى على ما سمعه فهذه الجرأة مذمومة؛ ولهذا قال الكرماني: (لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن، لا على قصد أنَّه قرآن) انتهى، قلت: يعني: أنَّ رواية أبي ذر على قصد أنَّه قرآن، ورواية غيره على قصد الاقتباس من القرآن، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ لأنَّه صادر من غير تأمل؛ فليحفظ.\n (﴿مِلكًا﴾) بكسر الميم مفعول ﴿هب﴾، وزعم العجلوني أنَّه بِضَمِّ الميم، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ القاعدة عند المحققين أنَّ المُلك إذا أضيف لله تعالى بِضَمِّ الميم؛ كقوله: ﴿المُلْكُ اليَوْمَ (^١) لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وإذا أضيف إلى العبد بكسر الميم؛ كقولنا: الدار مِلك زيد؛ فليحفظ.\nفإن قلت: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى وبغضه فيها وحقارتها لديه؟\nقلت: هو محمول على أداء الحقوق لله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، وظهور عبادته، ونظم قانون الحكم النافذ على خلقه منه، وتحقيق الموعود في أنَّه يعلم مالا يعلم أحد (^٢) من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وحاشى سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنَّه هو والأنبياء ﵈ أزهد خلق الله في الدنيا، وإنَّما كان سؤاله مملكتها لله تعالى؛ كما سأل نوح دمارها وهلاكها، وكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، وقد قيل: إنَّ ذلك كان بأمر من الله ﷿ على الصِّفة التي علم الله أنَّه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده.\nقال الحسن البصري: (ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمة غير سليمان فإنَّه قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا..﴾ الآية [ص: ٣٩])، قلت: وهذا يردُّ ما رُوي في الخبر أنَّ آخر الأنبياء دخولًا الجنة سليمان بن داود؛ لمكان ملكه في الدنيا، وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا ذكره صاحب «القوت»، قلت: وقد نص الحفاظ الثقات أنَّ هذا الحديث باطل لا أصل له؛ لأنَّه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه؛ لأنَّه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولًا الجنة وهو سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠]، ويدل عليه ما عند المؤلف في «الصَّحيح»: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته...»؛ الحديث، فجعل له من قبيل السؤال حاجة مقضية، فلهذا لم تكن عليه تبعة، والله تعالى أعلم.\n (﴿لا ينبغي﴾) أي: لا يطلب (﴿لأحد من بعدي﴾)؛ أي: من البشر أو أعم؛ أي: أن يسأله فكأنَّه ﵇ سأل منع السؤال لأحد من بعده حتى لا يتعلق به أمل لأحد،\n_________\n(^١) ﴿اليوم﴾: سقطت من الأصل.\n (^٢) في الأصل: (أحدًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":328},{"text":"ولم يسأل منع الإجابة، وقيل: إنَّ سؤاله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهرًا في خلق السماوات والأرض؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النَّبي الأعظم ﷺ العفريت المذكور، وأراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان؛ تركه مع القدرة عليه؛ حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان وأنَّه مما اختص به، فلو أعطي أحد بعده مثله؛ ذهبت هذه الخصوصية، فكأنَّه ﵇ كره أن يزاحمه في تلك الخصوصية بعد أن علم أنَّه شيء هو الذي خص به من سحرة الشياطين، وأنَّه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده، والله أعلم؛ فليحفظ.\nوقال القاضي عياض: (امتنع ﵇ من ربطه؛ إمَّا لأنَّه لم يقدر عليه؛ لأنَّه قد رده الله خاسئًا، وإما لأنَّه لما ذكر دعوة سليمان؛ لم يتعاطَ ربطه؛ لظنه أنَّه لا يقدر عليه أو تواضعًا وتأدبًا) انتهى.\nقلت: يرد هذا ما جاء في رواية النسائي بقوله: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وعند ابن أبي الدنيا: «فأخذت بحلقه، فوالذي بعثني بالحق؛ ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح طريحًا في المسجد»؛ فافهم، وأجاب العلامة القاري: (إنَّما تركه إيماء لكونه معجزة مختصة بسليمان)، قلت: وهو الظَّاهر؛ فتأمَّل.\nقال القسطلاني: (وزاد في حاشية «الفرع» و«أصله» بعد قوله: «﴿بعدي﴾» مما ليس عليه رقم أحد من الرواة: «﴿إنَّك أنت الوهاب﴾»).\n (قال روح) هو ابن عبادة المذكور في سند الحديث دون رفيقه محمَّد بن جعفر، فهو موصول لا غير، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد تردد الكرماني في كونه معلقًا أو موصولًا، قلت: ولا وجه لتردده، بل هو موصول قطعًا بدليل رواية البخاري في (أحاديث الأنبياء) عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر وحده، فزاد في آخره أيضًا: «فرددته خاسئًا»، وفي رواية مسلم: «فرده الله خاسئًا»، فعلى هذا دلَّ على أنَّ قوله: (قال روح) داخل تحت الإسناد، كما لا يخفى، ولعل الكرماني لم يطلع على ذلك؛ فافهم: (فرده) أي: رد النَّبيُّ الأعظم ﷺ العفريتَ حال كونه (خاسئًا)؛ أي: مطرودًا بعيدًا، وفي «الصِّحاح»: خسأت الكلب: طردته، وخسأ الكلب نفسه، يتعدى ولا يتعدى، ويكون الخاسئ بمعنى: الصاغر الذليل، وفي «المحكم»: (الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين بالبعد: الذي لا يترك أن يدنو من الناس، وخسأ الكلب يخسأ خسئًا وخسوءًا، فخسأ وانخسأ، ويقال: أخسأُ إليك وأخسأْ عني) انتهى.\nقلت: فعلى ما شرحنا يكون فاعل (رده) النَّبي الأعظم ﵇، ويؤيده رواية المؤلف في (الأنبياء) لكن عن محمَّد بن جعفر وحده: «فرددته خاسئًا»، ويحتمل أن يكون فاعل (رده) الله تعالى، ويؤيده رواية مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ: «فرده الله خاسئًا»، قيل: وفي بعض النُّسخ هنا: (فرده الله خاسئًا)؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «الأسير» ظاهرة، وأمَّا قوله: «والغريم»؛ فبالقياس عليه؛ لأنَّ الغريم مثل الأسير في يد صاحب الدين، ففي الحديث: دليل على إباحة ربط الأسير والغريم في المسجد، وعلى هذا بوَّب البخاري، ومن هذا قال المهلب: إنَّ في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحقٍّ عليه أو دين والتوثق منه في المسجد وغيره) انتهى.\nوقال الخطابي: (فيه دليل على أنَّ رؤية البشر الجنَّ غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف؛ فدركه غير ممتنع أصلًا، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]؛ فإنَّ ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبوا الأمان من غائلتهم، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك) انتهى، واعترضه الكرماني فقال: (لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المفاد منها أنَّ رؤيته إيانا مقيدة بهذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت) انتهى، قلت: وقد تبعه البيضاوي؛ حيث قال: (ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا) انتهى، يعني: في بعض أحوالهم، وهو حال بقائهم على صورهم الأصلية؛ لأنَّ حديث الباب وغيره يدل على رؤيتهم، وهو جواب عنه؛ فافهم.\nوقال الإمام جار الله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيه دليل بيِّن على أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زعْمَ من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة) انتهى، واعترضه العجلوني فقال: (حديث الباب وغيره من الأحاديث يرده) انتهى، قلت: ما بلغ هذا رتبة الرد على مثل هذا الإمام؛ لأنَّ الآية صريحة فيما قاله، وأما الحديث وغيره؛ فليس فيه ردٌّ لما قاله؛ لأنَّ رؤية النَّبي الأعظم ﷺ العفريتَ خاص به دون غيره من أمته، كما أنَّ رؤيته الملائكةَ خاص به، يدل عليه أنَّه ﵇ لما خرج في جنازة بعض أصحابه؛ مشى على رؤوس رجليه، فسئل عن ذلك، فقال: «لازدحام الملائكة»، فأصحابه لم يروا الملائكة وقتئذٍ، وكذلك الجن؛ فإن رؤيتهم كانت خاصة به ﵇ دون غيره من الأُمَّة، ويدل على الخصوصية أنَّ أحدًا من أصحابه لم ير أحدًا منهم، إلا أنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وذلك لأنَّهم لا قدرة لهم على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنَّما يظهرون إذا فعلوا ضروبًا من الأفعال أو قرأوا كلمات علمهم الله إياها، إذا فعلوها أو تكلموا بها؛ نقلهم الله من صورة إلى صورة أخرى، ولا يمكن أن يصوروا أنفسهم؛ لأنَّ ذلك محال؛ لأنَّه يلزم منه نقض البُنية؛ وهو يستلزم تفريق الأجزاء؛ وهو يستلزم إبطال الحياة، فالصورة الحقيقية التي لهم لا ترى للأنس أصلًا، إنَّما يرى صورة أخرى كما ذكرنا، هذا معنى كلام الإمام جار الله، وقد خفي هذا على العجلوني حتى قال ما قال ولم يدر المقال؛ فافهم.\nوفي «عمدة القاري»: (قال ابن بطال: ورؤيته ﵇ العفريتَ هو مما خُصَّ به كما خصَّ برؤية الملائكة، وقد أخبر ﵇: أنَّ جبريل ﵇ له ست مئة جناح، ورأى النَّبي ﵇ الشَّيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه؛ لأنَّ الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنَّه ألقى في روعه ما وهب سليمان ﵇، فلم ينفِّذ ما قوي عليه من حبسه؛ رغبة عما أراد سليمان الانفراد به وحرصًا على إجابة الله دعوته، وأمَّا غير النَّبي ﵇ من الناس؛ فلا يُمكَّن منه، ولا يرى أحدٌ الشَّيطانَ على صورته غيره ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية، لكن يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حية فقتله، فمات الرجل به، وبيَّن النَّبي ﵇ ذلك بقوله: «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم؛ فاقتلوه»، رواه الترمذي والنسائي في «اليوم والليلة» من حديث أبي سعيد الخدري) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم.\nوحديث الباب رواه مسلم، قال النَّووي في «شرحه»: فيه دليل على أنَّ الجن موجودون وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية؛ فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالة لما قال النَّبي ﵇","vol":"1","page":328},{"text":"ما قال من رؤيته إياهم، ومن أنَّه كان يربطه لتنظروا إليه ويلعبوا به ولدان أهل المدينة) انتهى.\nقلت: قوله: (وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين): المراد بهم: النَّبي الأعظم ﷺ وسليمان دون أمة (^١) نبينا ﵇، وكذلك قوله: (وأمَّا الآية...) إلخ: خاصٌّ بالنَّبي الأعظم وسليمان دون أمة نبينا، وقوله: (ومن أنه...) إلخ: هذا يدل على أنَّه ﵇ أحب أن تنظر إليه أصحابه، لكن منعه من ذلك دعوة سليمان مع أنَّ الجن مستورون عن الإنس، ولا يمكن رؤية البشر الجن على الصِّفة الأصلية، بل إذا تصوروا بصورة أخرى يمكن، وقوله: (ويلعبوا به...) إلخ: هذه دعوى لا دليل عليها فهي مردودة؛ فافهم.\nوقال القاضي عياض: (وقيل: إنَّ رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية، إلا للأنبياء ومن خرقت له العادة، وإنَّما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار) انتهى.\nواعترضه النَّووي فقال: هذه دعوى مجردة، فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إن رؤيتهم...) إلخ: دليلها صريح الآية ظاهرًا، وقوله: (إلا للأنبياء) دليله حديث الباب فإنَّ رؤية العفريت مما اختص به ﵇ دون أحد من أصحابه وكذلك سليمان، وقوله: (ومن خرقت له العادة)، هم الأبدال والنجباء؛ لما في الحديث أنَّه كل واحد منهم على قدم نبي من الأنبياء، وما كان معجزة لنبي؛ جاز أن يكون كرامة لولي، وفيه أحاديث يطول سردها، وقوله: (وإنما يراهم...) إلخ: دليلها الآثار التي ذكرها، فكيف قال النَّووي ما قال؟! فافهم.\nوقد ذكر سيدي العارف الشيخ عبد الغني النابلسي أنَّه كان يجتمع بالقاضي شمهورش، ويقرأ عليه، ويدارسه، وهو كان قاضي الجن، وقيل: إنَّه صحابي؛ لأنَّه بلغ من العمر مدة طويلة، قيل: من جن نصيبين أو من غيرهم.\nوقد اشتهر عند علماء الروحاني أنهم قالوا: إذا قرأ الإنسان كلمات وأسماء سريانية عددًا مخصوصًا بصفة مخصوصة؛ أنَّه يجتمع بالجن الخادم لهذه الكلمات، كما ذكر ذلك أحمد البوني في «شمس المعارف»، والله أعلم أن الظَّاهر أن الممتنع رؤيتهم على صورتهم الأصلية من غير طلب وقصد، أمَّا على صورة أخرى بطلب من عزيمة ونحوها؛ فغير ممتنع؛ فليحفظ.\nوقد حدثني شيخي عن شيخه الشيخ محمَّد الكزبري: أنَّه كان عنده مرة الشيخ عبد القادر القباني فأخبره: أنَّ له شيخًا من الجن، فاستأذنه بالاجتماع به، فأذن له، فاستأذن الشيخ الجني، فأذن له لكن بشرط أن يكون الوقت ليلًا وأن يكون بغير نور، فاجتمعوا في مكان، وسمع صوته ولم ير شخصه، وأنَّ صوته رقيقٌ (^٢)، هكذا قال، والله أعلم.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ أصحاب سليمان ﵇ كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم؛ لم تكن تقوم الحجة له؛ لمكانته عليهم) انتهى، واعترضه العجلوني فزعم أنَّ في دلالته على ما ذكر خفاء، انتهى، قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ الحديث فيه أنَّه ﵇ أحبَّ أن يربط العفريت، وتنظر إليه أصحابه ويشاهدوه، فتذكَّر قول سليمان؛ حيث إنَّه كانت أصحابه تشاهد الجن؛ فلم يفعل وترك ذلك؛ حرصًا على إجابة دعوة سليمان؛ فافهم، وفي «تفسير القرطبي»: (قال علي: بينا سليمان على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه؛ إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، قال جابر: قال ﵇: «كان نقش خاتم سليمان: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله»، وحكى يحيى الشيباني عن ابن عبَّاس: أنَّ الذي أخذ خاتمه صخر من الشياطين، ثم إنَّه وجد الخاتم في عسقلان، قال علي ﵁: لما أخذ سليمان الخاتم؛ أقبلت إليه الشياطين، والجن، والإنس، والطير، والوحش، والريح، وهرب الشَّيطان، فاستشارهم حتى أرسل إليه، وأوثقه في جبل الدخان) انتهى، قلت: فهذا يدل على أنَّ أصحاب سليمان يشاهدون الجن والشياطين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ...﴾؛ الآية [النمل: ١٧]، وبهذا كفاية، والله أعلم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ الجن ليسوا باقين على عنصرهم النَّاري، ولأنَّه ﵇ قال: «إنَّ عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهتي»، وقوله ﵇: «رأيت ليلة أسري بي عفريتًا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت إليه رأيته»، ولو كانوا باقين على عنصرهم النَّاري، وأنهم نار محرقة؛ لما احتاجوا إلى أن يأتي الشَّيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشَّيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما يحرق الآدميَّ النَّارُ الحقيقية بمجرد اللمس، فدل هذا على أنَّ تلك النَّارية انغمرت (^٣) في سائر العناصر حتى صار البرد، ويؤيده قوله ﵇: «حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وفي رواية: «برد لعابه») انتهى، قلت: وهذا كلام في غاية من التحقيق.\nوقال البغوي: (وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأمَّا الشياطين؛ فليس فيهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس)، وذكر وهب: أنَّ من الجن من يولد لهم، ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، من نار السموم: ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله، ويقال: السموم بالنهار، والحرور بالليل، وعن الكلبي: السموم: نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السَّماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجب فهوت إلى ما أمرت، فالهدة التي تسمع هي خرق (^٤) ذلك الحجاب، وقيل: نار السموم: لهب النَّار، وقيل: من نار السموم؛ أي: من نار جهنم.\nوعن الضحاك عن ابن عبَّاس: (كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وأما الملائكة؛ فخلقوا من النور) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.\nقلت: وما يزعمه الناس من أنَّ الجن تصرع بعض الإنس بكلمات يقرؤها المشايخ؛ فباطل، ولهذا قال الإمام الجبائي: الناس يقولون: المصروع إنَّما حصلت له تلك الحالة؛ لأنَّ الشَّيطان يمسه ويصرعه؛ وهو باطل؛ لأنَّ الشَّيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس، ويدل عليه وجوه:\nأحدها: قوله تعالى حكاية عن الشَّيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وهذا صريح في أنَّه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء.\nوثانيها: أنَّ الشَّيطان ليس كثيف الجسم، وإلا لوجب أن نشاهده؛ إذ لو كان كثيفًا ويحضر ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس، ورعود، وبروق، وجبال، ونحن لا نراها، وذلك جهالة؛ لأنَّه لو كان جسمًا كثيفًا؛ كيف يمكن أن يدخل الشَّيطان في باطن بدن الإنسان؟ ولو لم يكن جسمًا كثيفًا؛ لكان جسمًا لطيفًا كالهواء، ومثل ذلك يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرًا على الصرع للإنسان وقتله.\nثالثها: لو كان الشَّيطان يقدر على أنْ يصرع ويقتل؛ لصحَّ أن يفعل مثل معجزات الأنبياء، وذلك يجر إلى الطعن في النُّبوة.\nرابعها: أنَّ الشَّيطان لو قدر على ذلك فلمَ لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولمَ لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا ينصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويزيل عقولهم؟ وكل هذا ظاهر الفساد.\nوزعم قوم أنَّ الشَّيطان يقدر على ذلك لما روي: (أنَّ الشياطين في زمان سليمان كانوا يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل)، ولقوله تعالى ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذا صريح في ذلك.\nوأجيب عن الأول: بأنَّه تعالى كثَّف (^٥) أجسامهم في زمان سليمان، فلما صارت كثيفة؛ قدرت على الأعمال الشاقة، وهو من معجزاته.\nوعن الثاني: أنَّ الشَّيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو قول أيِّوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وإنَّما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة؛ لأنَّ الله خلقه عند ضعف الطبع وغلبة السوداء عليه، فلا جرم يخاف ويفزع عند تلك الوسوسة، ولهذا لا يوجد في الفضلاء.\nوقد أفرد بيان الجن وأحكامها الإمام العلامة بدر الدين الشبلي الحنفي في كتاب سماه «آكام المرجان في أحكام الجان»، فعليك به؛ لأنَّه لم يُسبق بمثله، وقد أودع فيه من التحقيقات الرَّائقة والتدقيقات الفائقة بما لم يسمع بمثله، فلله دره ما أعلمه، وفيه من أحكامهم: ولا خلاف في أنَّهم مكلفون، مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النَّار، واختلفوا في ثواب الطائعين؛ ففي «الفتاوى البزازية»\n_________\n(^١) في الأصل: (أمتي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (رقيقًا)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (انغمزت)، وهو تصحيف.\n (^٤) في الأصل: (حرق)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٥) في الأصل: (كشف)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":329},{"text":"معزوًّا (^١) لـ «الأجناس» عن الإمام الأعظم أنَّه قال: (ليس للجن ثواب) انتهى، وذلك؛ لأنَّه جاء في القرآن فيهم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١١] والمغفرة لا تستلزم الإثابة؛ لأنَّه ستر؛ منه: المغفر للبيضة (^٢)، والإثابة بالوعد فضل، فثوابهم النَّجاة من النَّار، وإليه ذهب جماعة، وبه قال اللَّيث وأبو الزناد، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: (لهم ثواب كما عليهم عقاب)، وبه قال مالك وابن أبي ليلى.\nقال في «الفتاوى السراجية»: (ولا تجوز المناكحة بين بني آدم والجن وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس) انتهى، وتبعه في «منية المفتي»، و«الفيض»؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] أي: من جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقكم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي: من الآدميين، ولما رواه حرب الكرماني في «مسائله» عن الزهري قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الجن) وهو مرسل، لكنَّه حجة عند الجمهور لا سيما وقد اعتضد بأقوال العلماء؛ فروي المنع عن الحسن البصري، وقتادة، والحاكم، وابن (^٣) قتيبة، وإسحاق بن راهويه، وعقبة [بن] الأصم، وغيرهم، فإذا تقرر المنع من نكاح الأنسي الجنية، فالمنع من نكاح الجني الأنسية أولى.\nوسئل مالك عن نكاح الجن، فقال: (ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكن أكره إذا وجد امرأة حامل، قيل لها: من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد في الإسلام) انتهى.\nقال الإمام الجليل قاضيخان في «فتاواه»: (امرأة قالت: معي جني يأتيني في النَّوم مرارًا، وأجد منه في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي، قال: لا غسل عليها) انتهى، وقيده المحقق الكمال بن الهمام بما إذا لم تُنزل، أمَّا إذا أَنزلت؛ وجب الغسل؛ لأنَّه احتلام.\nويصح الصلاة خلف الجني؛ لأنَّه مكلف بلا خلاف، وتنعقد الجماعة بهم؛ لما رواه أحمد في «مسنده» عن ابن مسعود في قصة الجن وفيه: (لما قام رسول الله ﷺ يصلِّي؛ أدركه شخصان منهم فقالا: يا رسول الله؛ إنَّا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، فقال: فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، ثم انصرف).\nورواية الجني مقبولة، وقال السيوطي: لا شك في جواز روايتهم عن الإنس ما سمعوه سواء علم الإنسي بهم أولا، وأمَّا رواية الإنسي عنهم؛ فالظَّاهر منعها؛ لعدم حصول الثِّقة بعدالتهم.\nوذبيحة الجني لا تؤكل؛ لأنَّه ﵇ نهى عن أكل ذبائح الجن كما في «الملتقط».\nوالجمهور على أنَّه لم يكن من الجن نبي، وذهب الضحاك وابن حزم على أنَّه كان منهم نبي، وتمامه في «آكام المرجان».\nولم يعرف العجلوني مذهب إمامه، فلم يتعرض لأحكامهم مع أنَّه لازم؛ تتميمًا للفائدة حتى لا تشتاق النفس إلى ذلك؛ فليحفظ والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٧٤\"> </span>(٧٦) <span data-type=\"title\" id=toc-774>[باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد]</span>\n (باب الاغتسال إذا أسلم)؛ أي: هذا باب في بيان حكم اغتسال الكافر إذا أسلم؛ أي: في المسجد (و) بيان حكم (ربط الأسير) (فعيل) بمعنى (مفعول) قال في «الصِّحاح»: أسره؛ أي: شده بالأساري، وهو القد، ومنه سمي الأسير؛ لأنَّهم كانوا يشدونه بالقد، كما مر، (أيضًا) مصدر (أضَّ) بمعنى: رجع، وقوله: (في المسجد) اللَّام فيه للجنس، والجار والمجرور متعلق بـ (الاغتسال) و(ربط الأسير) على سبيل التنازع، أو حال منهما، أو صفة لهما؛ فافهم، وفي رواية أبي ذر: (ويربط الأسير أيضًا في المسجد) وعليها؛ فالجار والمجرور متعلق بـ (يربط)، ويجوز تنوين (باب) خبرًا لمبتدأ محذوف، وجعل (الاغتسال) مرفوعًا مبتدأ، والخبر محذوف؛ تقديره: مندوب، فيقال: بابٌ -بالتنوين- الاغتسال على الكافر إذا أسلم مندوب، وقوله: (وربط الأسير) بالرفع معطوف على الاغتسال، وقوله: (في المسجد) متعلق أيضًا: بـ (الاغتسال)، وبـ (يربط)، أو حال منهما أو صفة لهما.\nقال إمام الشَّارحين: (وهذه التَّرجمة وقعت هكذا في أكثر الروايات، وليس في رواية كريمة والأصيلي قوله: «وربط الأسير أيضًا في المسجد») انتهى، وقال القسطلاني: (إنَّ قوله: «وربط الأسير...» إلى أول السند ساقط عند ابن عساكر، وأبوي ذر والوقت).\nوقال إمام الشَّارحين: (ووقع عند البعض لفظ «باب» بلا ترجمة، وهو الصَّواب لأنَّ حديث الباب من جنس حديث الباب الذي قبله، ولكن لما كانت بينهما مغايرة ما؛ فصل بينهما بلفظ «باب» مفردًا، وهو أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ همَّ بربط العفريت بنفسه ولكنه لم يربطه؛ لمانع ذكرناه، وههنا ربطه غيره، فلذلك فصل البخاري بينهما بلفظ «باب» مفردًا، وهذا أصوب من النُّسختين المذكورتين؛ لأنَّ في نسخة الجمهور، ذكر الاغتسال إذا أسلم، وليس في حديث الباب ذكر لذلك ولا إشارة إليه، وفي نسخة الأصيلي: «ربط الأسير» غير مذكور، وحديث الباب يصرح بذلك) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ ما أوردَه على نسخة الجمهور غير وارد إن لم نجعل (في المسجد) متعلقًا بـ (الاغتسال) أيضًا، وحديث الباب مصرح فيه بالاغتسال، لكنه خارج المسجد، وظاهره وإن كان قبل الإسلام، لكنَّ المراد: بعد الإسلام؛ لما في حديث ابني خزيمة وحبان من التصريح بأنه بعد الإسلام، ويمكن حمل ما هنا على أنَّه أظهر الإسلام بين الصَّحابة وإن كان أسلم قبلُ عند خروج النَّبي ﵇ إليه في المرة الثالثة؛ فتأمَّل) انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وقول صادر من غير اعتبار؛ لأنَّ كون (في المسجد) متعلقًا بـ (الاغتسال) و(ربط الأسير) متعين كما أوضحناه قريبًا، وذلك لصحة المعنى، وحديث الباب غير مصرح بالاغتسال في المسجد، بل صرح بالاغتسال خارج المسجد وهو غير مراد، وصريح الحديث أنَّ الاغتسال منه وقع قبل الإسلام، وكونه بعد الإسلام يحتاج لدليل، وما ذكره عن ابن حبان وابن خزيمة، لا ينهض دليلًا؛ لأنَّ فيه (فمرَّ عليه النَّبي ﵇ يومًا فأسلم فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل...)؛ الحديث، ويأتي بتمامه قريبًا، وهو يقتضي أنَّ القصة متعددة، ويحتمل أنَّ معنى: (أسلم) انقاد للإسلام؛ لأنَّ في أول الحديث أنَّه ﵇ كان يهدده، ويقول ثمامة: (إن تقتل تقتل)، وفي آخر الحديث قال ﵇ لأصحابه: «لقد حسن إسلام أخيكم»، وهذا يدل على أنَّ إسلامه الحقيقي كان بعد الاغتسال، وعلى كل حال؛ فالاغتسال إنَّما كان خارج المسجد، وإمكان كونه أظهر الإسلام بين الصَّحابة ممنوع؛ لأنَّه لو كان كما ذكر؛ لكانت الصَّحابة أخبرت النَّبي ﵇ بإسلامه ولما قالوا له: (ما تصنع بقتل هذا؟) كما عند ابني خزيمة وحبان، وهو كان يهدده وهم شاهدون، وهذا ظاهر في مرات متعددة، ولم يكن إسلامه قبل خروجه ﵇، بل إنَّما كان بعد حله وبعثه لأجل الاغتسال، كما هو صريح حديث الباب، وحديث ابني خزيمة وحبان.\nوالحاصل: أنَّ ما قاله إمام الشَّارحين هو الصَّواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، وما زعمه العجلوني باطل صادر من فكر عاطل؛ فافهم، والله أعلم.\nوقال ابن المُنَيِّر: (ولم يورد المؤلف قصة ثمامة في باب «الأسير يربط في المسجد» مع أنَّها أليق بحسب الظَّاهر؛ لاحتمال أنَّ المؤلف آثر الاستدلال بقصة\n_________\n(^١) في الأصل: (معزيًّا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (المغفرة لأبيضة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (والحاكم بن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":329},{"text":"العفريت على قصة ثمامة، لأنَّ الذي همَّ بربط العفريت هو النَّبي ﵇، والذي ربط ثمامة غيره، ولمَّا رآه مربوطًا قال: «أطلقوا ثمامة»، فهو بأن يكون إنكار الربط أولى من [أن] يكون تقريرًا) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا قول صادر من غير تأمل؛ لأنَّ ابن إسحاق صرح في «المغازي» أنَّ النَّبي ﵇ هو الذي أمرهم بربط ثمامة، فإذا كان كذلك؛ كان حديث ثمامة من جنس حديث العفريت، ولكن لما كان بينهما مغايرة ما؛ فصل بينهما بلفظ «باب») انتهى.\nوتبعه ابن حجر حيث قال: (وكأنَّ ابن المُنَيِّر لم ينظر سياق هذا الحديث تامًّا لا في «البخاري» ولا في غيره، فقد أخرجه البخاري في «المغازي» من هذا الوجه مطولًا، وفيه أنَّه ﵇ مرَّ على ثمامة ثلاث مرات، وهو مربوط في المسجد، وإنَّما أمر بإطلاقه في اليوم الثالث، وكذا أخرجه مسلم وغيره، وإني لأتعجب منه كيف جوز أنَّ الصَّحابة يفعلون في المسجد أمرًا لا يرضى به النَّبي ﵇؟! فهو كلام فاسد مبني على فاسد) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ التَّرجمة وقعت لابن المُنَيِّر كما ذكر، فاحتاج إلى توجيهها، ولم ينظر لما وقع في غيرها، فإن نظر إليه؛ اتجه اعتراض ابن حجر عليه بما ذكره وإن كان فيه تكلف، انتهى.\nقلت: وقوع التَّرجمة هكذا غير عذر؛ لأنَّه كان يمكنه تصحيحها بالمقابلة على نسخة صحيحة، على أنَّ توجيهها بما ذكر غير صواب؛ لأنَّه مخالف لصريح الأحاديث مع الجرأة على الصَّحابة الكرام، ولا مانع من نظره لما وقع في غيرها وعدم فهم معناها؛ لأنَّ الذي يقول هذا الكلام لا يفهم المعنى المرام، فصح قول ابن حجر: (فهو كلام فاسد مبني على فاسد)، وصح قول إمام الشَّارحين: (هذا قول صادر من غير تأمل)؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وأبعد من الكل النُّسخة التي ذكرها ابن المُنَيِّر وهي: «باب ذكر الشراء والبيع» فيه: «أبو هريرة بعث رسول الله ﵇ خيلًا...»؛ الحديث، ثم قال: وجه مطابقة حديث ثمامة للبيع والشراء في المسجد أنَّ الذي تخيل المنع مطلقًا إنَّما أخذه من ظاهر أنَّ هذه المساجدإنَّما بنيت للصلاة ولذكر الله، فبيَّن البخاري تخصيص هذا العموم بإجازة فعل غير الصلاة في المسجد، وهو ربط ثمامة؛ لأنَّه مقصود صحيح، فالبيع كذلك، انتهى، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وقال صاحب «التلويح» بعد أن نقل هذا الكلام منكرًا عليه ومستبعدًا وقوعه منه:\nوذاك لعمري قول من لم يمارس... كتاب «الصَّحيح» المنتقى في المدارس\nولم ير ما قد قاله في الوفود من... سياق حديث واضح متجانس\nوكان الشيخ قطب الدين الحلبي تبع ابن المُنَيِّر في ذلك، وأنكر عليه تلميذه صاحب «التوضيح»، وهو محل الإنكار؛ لأنَّ التَّرجمة التي ذكرها ليست في شيء من نسخ «البخاري») انتهى كلام إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.\nوقال ابن حجر: (يحتمل أن يكون البخاري بيَّض للتَّرجمة فسدَّ بعضهم البياض بما ظهر له، ويدل عليه أنَّ الإسماعيلي ترجم عليه بـ «باب دخول المشرك المسجد»، وأيضًا فالبخاري لم تجرِ عادته بإعادة لفظ ترجمة عقب الأخرى، و«الاغتسال إذا أسلم» لا تعلق له بأحكام المساجد إلا على بُعْد بأن يقال: الكافر جنب غالبًا، والجُنب ممنوع من المسجد إلا لضرورة، فلما أسلم؛ لم تبق ضرورة للبثه في المسجد جنبًا فاغتسل؛ لتُسوَّغ له الإقامة في المسجد) انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ احتمال كون البخاري بيَّض للتَّرجمة ممنوع؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يذكر تعليقًا وحديثًا، وهذا أبعد البعيد أن يذكر التَّعليق والحديث، ويبيض للتَّرجمة، واحتمال أن بعضهم سد هذا البياض أبعد منه؛ لأنَّ رواة «البخاري» كلهم عدول، ولم يحصل من العدل جرأة على مثل «البخاري»، فهذا يعد نقصًا في رواة «البخاري»، وهو غير صحيح، وكون الإسماعيلي ترجم له بما ذكر؛ لعلَّ هذه التَّرجمة مثل ترجمة ابن المُنَيِّر لم توجد في نسخ البخاري، وكون البخاري لم تجر عادته بإعادة ترجمة عقب أخرى؛ ممنوع؛ لأنَّ عادته إعادة الأحاديث مرات في أبواب متعددة وهذا مثله، والعادة تثبت بمرة، وكون الاغتسال لا تعلق له بأحكام المساجد؛ ممنوع؛ لأنَّ تعلقه ظاهر، فإنَّ الكافر جنب في الغالب، وهو ممنوع من دخول المسجد، فلمَّا أسلم؛ احتاج إلى الصلاة في المسجد، فيغتسل ثم يدخل، فهو حكم من أحكام المساجد، والله أعلم.\n (وكان شُرَيْح)؛ بِضَمِّ الشين المعجمة، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، هو ابن الحارث الكندي، كان من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، وكان في زمن النَّبي الأعظم ﷺ، ولم يلقه، قضى بالكوفة من قبل عمر بن الخطاب ﵁، ومن بعده ستين سنة، مات سنة ثمانين، كذا قاله إمام الشَّارحين، وفي «التقريب»: (شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي أبو أمية، مخضرم ثقة، وقيل: له صحبة، مات قبل الثمانين أو بعدها، وله مئة وثمان سنين أو أكثر، يقال: حكم سبعين سنة) انتهى، (يأمر الغريم)؛ أي: الذي عليه الدين، وقد يكون الغريم الذي له الدين، والمراد هنا الأول؛ فافهم، (أن يُحبَس)؛ بِضَمِّ أوله مبني للمجهول؛ أي: يأمره بأن يحبس نفسه في المسجد (إلى) أي: مع (سارية) أي: أسطوانة (المسجد)؛ أي: مسجد الكوفة، فاللَّام فيه للعهد، ويحتمل أنَّه ضَمَّن (يحبس) معنى (يضم) فعدي بـ (إلى)، قيل: وفي نسخة (أن يَحبِس) بالبناء للفاعل، قال ابن مالك: (وفي إعراب هذا وجهان؛ أحدهما: أن يكون الأصل «بالغريم»، و«أن يحبس» بدل اشتمال، ثم حذفت الباء كما في قول الشاعر:\nأمرتك الخير\nوالثاني: أن يريد: كان يأمره أن ينحبس، فجعل المطاوَع موضع المطاوِع لاسلتزامه إياه) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا تكلف، وحذف الباء في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، وهذا التركيب ظاهر، فلا يحتاج إلى مثل هذا الإعراب، ولا شك أنَّ المأمور هو الغريم، أمر بأن يحبس نفسه","vol":"1","page":330},{"text":"في المسجد، فإن قضى ما عليه من الدينح ذهب في حاله، وإلا أُمِر به في السجن، و«أن يحبس» أصله: بأن يحبس، و«يحبس» على صيغة المجهول؛ يعني: أمره أن يحبس نفسه في المسجد أولًا، وعند المُطل يحبس في السجن) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم: يتأمل دعواه ظهور التركيب مع جريانه على القواعد من غير ما قاله ابن مالك، فإنَّ المراد أنَّ شريحًا يأمر غيره بأن يحبس الغريم، ويربطه بسارية المسجد، على أنَّ الباء في الغريم موجودة في بعض الأصول الصَّحيحة؛ فتأمل.\nقلت: تأملته فوجدته فاسد الاعتبار، فإنَّ ظهور التركيب مع جريانه على القواعد غير ما زعمه ابن مالك ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، كما بيَّنها إمام الشَّارحين، كما رأيت، فيقال: (كان شريح) (كان) واسمها، و(يأمر الغريم): فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر (كان)، و(أن) حرف مصدري، و(يحبس): فعل مضارع منصوب بها، وهي في تأويل مصدر؛ تقديره: بحبس نفسه... إلخ.\nوقوله: (فإنَّ المراد...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ ظاهر اللَّفظ أنَّ شريحًا يأمر الغريم بحبس نفسه في المسجد، وليس في هذا التَّعليق ذكر غير شريح والغريم كما رأيت، فإنَّ في وقتهم لم يكن حاجب ولا شرطي، بل بمجرد علمه الحق وأنَّه يجب عليه كذا؛ يفعل ذلك الغريم وحده، ولا يقاس زمانهم على زماننا، فإنَّه قياس مع الفارق؛ فافهم.\nوقوله: (على أنَّ الباء...) إلخ، الله أعلم بصحة هذا الأصل الموجودة فيه، لأنَّ أحدًا من الشراح لم يذكرها أصلًا، لا من نسخة صحيحة ولا غيرها، والظَّاهر أنَّها تحريف من الناسخ، فلا يعول عليها، على أنَّ من القواعد أنَّ حذف الباء في الشعر جائز؛ للضرورة، وأمَّا ههنا؛ فلا يجوز؛ لعدم الضرورة، فقياس النثر على الشعر قياس مع الفارق؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: ومطابقة هذا الأثر للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة، وهو تعليق من البخاري، وقد وصله معمر عن أيِّوب عن ابن سيرين قال: (كان شريح إذا قضى على رجل بحق؛ أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحق، وإلا أمر به في السجن) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٧٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-775>[حديث: بعث النبي خيلًا قبل نجد فجاءت برجل]</span>\n٤٦٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسف)؛ تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: حدثنا اللَّيث)؛ بالمثلَّثة: هو ابن سعد الفهمي، المصري، القلقشندي المولد، الحنفي المذهب على التحقيق (قال: حدثني) بالإفراد رواية الأربعة، ولغيرهم: (حدثنا) بالجمع (سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين المهملة فيهما، واسم أبي سعيد: كيسان، هو المقبري المدني، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومئة، لا يقال: إنَّه مدلس؛ لاحتمال التحديث والسَّماع قبل الاختلاط؛ فافهم: (أنَّه) بفتح الهمزة؛ أي: سعيدًا (سمع أبا هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (حدثني أبو هريرة) (قال) أي: أبو هريرة: (بعث النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست، قاله ابن إسحاق، أو على رأس تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة، قاله ابن سعد، إلى القُرَطَاء؛ بِضَمِّ القاف، وفتح الرَّاء والطاء المهملة، وهم نفر من بني أبي بكر بن كلاب، وكانوا ينزلون البَكرات؛ بفتح الموحَّدة في الأصل؛ جمع بكرة، وهي ماء بناحية ضَرِيَّة؛ بفتح الضَّاد المعجمة، وكسر الرَّاء، وتشديد التحتية؛ وهي أرض كثيرة العشب، وإليها ينسب الحمى، وضريَّة في الأصل: بنت ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وسمي الموضع المذكور باسمها، وبين ضريَّة والمدينة: سبع ليال، كذا قرره إمام الشَّارحين، (خيلًا)؛ أي: فرسانًا، قاله الجوهري، والخيل أيضًا: الخيول، قاله إمامنا الشَّارح.\nوزعم ابن حجر (أي: رجالًا على خيل)، وردَّه في «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا تفسير من عنده، وهو غير صحيح، بل المراد ههنا من الخيل: هم الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أي: بفرسانك ورجالتك، والخيَّالة: أصحاب الخيول) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أنَّ تفسيره (خيلًا) هنا بـ (رجالًا على خيل) صحيح على أنَّ الذي رأيناه في نسخ ابن حجر: خيلًا؛ أي: فرسانًا، والأصل أنَّهم كانوا رجالًا على خيل، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ المراد بالخيل -كما قاله إمام اللُّغة الجوهري-: الفرسان، وقد جاء ذلك في القرآن، ومثله في «مختصر الصِّحاح»؛ حيث قال: (والخيل: الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾؛ أي: بفرسانك ورجالتك) انتهى، ومثله في «القاموس» حيث قال: (الخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له، والفرسان) انتهى، وعلى هذا فتفسير ابن حجر غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لأهل اللُّغة، وهو تفسير من عنده، وهو مردود، والذي يفهم من «القاموس» أنَّ الرجل الراكب على فرس يقال له: فارس، وجمعه: فرسان، فالفارس: اسم للرجل والدَّابة معًا؛ فافهم.\nوقوله: (على أنَّ الذي...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ جميع نسخ ابن حجر هكذا: (خيلًا؛ أي: رجالًا على خيل) فكيف يدعي هذا هربًا من الاعتراض؟\nوقوله: (والأصل...) إلخ؛ لا عبرة بهذا؛ لأنَّه غير مراد، بل المراد تفسير أئمة اللُّغة، وهو يخالفه، على أنَّه وإن كان الأصل فيه ذلك لا يقال له ذلك؛ لأنَّه خلاف اللُّغة؛ فافهم.\n (قِبَل نَجْد)؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة، وهو الجهة، يقال: جلس قُبالته؛ بالضم؛ أي: تجاهه والمقابلة: المواجهة، ونَجْد؛ بفتح النُّون وسكون الجيم؛ وهي الأرض المرتفعة، ضد الغور، وهي تهامة إلى العراق، وهي من جزيرة العرب.\nقال المدائني: (جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، أمَّا التهامة؛ فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأمَّا نجد؛ فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأمَّا الحجاز؛ فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأمَّا العروض؛ فهي اليمامة إلى البحرين).\nوقال الواقدي: (الحجاز من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يشارف (^١) أرض البصرة؛ فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطَّائف؛ نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر؛ فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد؛ فهو حجاز، سمي به؛ لأنَّه يحجز بينهما) انتهى.\n (فجاءت)؛ أي: الخيل، وهذا المبعث هو سرية كان أميرها محمَّد بن مسلمة، أرسله ﵇ في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطَاء، وكانت غيبته بها تسع عشرة ليلة، وقدم آخر ليلة من المحرم، (برجل من بني حَنيفة)؛ بفتح الحاء المهملة قبيلة مشهورة (يقال له) أي: للرجل: (ثُمَامة بن أُثَال) بالمثلَّثة فيهما مع ضم أولهما، وتخفيف ثانيهما ورابعهما، وهو في الأول ميم، وفي الثاني لام؛ فافهم، (فربطوه)؛ أي: فربط الخيلُ الرجلَ بأمر من النَّبي الأعظم ﷺ كما صرح به ابن إسحاق في «مغازيه»، وزعم العجلوني أنَّه يحتمل غيرهم، قلت: وهذا الاحتمال بعيد عن النَّظر؛ فافهم، (بسارية) أي: أسطوانة (من سواري) أي: من أساطين (المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وعلى هذا؛ فيكون حديث ثمامة من جنس حديث العفريت غير أنَّ بينهما فرقًا؛ من حيث إنَّ هناك حصل من النَّبي الأعظم ﷺ همٌّ وإرادةٌ لربطه، وإنَّما امتنع لمانع، وههنا أمرهم بربطه، كما رواه ابن إسحاق كما ذكرناه، وزعم العجلوني أنَّ هنا حصل ربطه منهم، فأقره ﵇، كما تقدم فيما رواه ابن إسحاق، انتهى، قلت: الذي تقدم عن ابن إسحاق أنَّه ﵇ هو الذي\n_________\n(^١) في الأصل: (يشارق)، وهو تحريف.","vol":"1","page":330},{"text":"أمرهم بربطه كما صرح به إمام الشَّارحين، وابن حجر، والقسطلاني، وغيرهم، فما نقله العجلوني غير صحيح؛ فليحفظ.\n (فخرج النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: من حجرته بعدما أمرهم بربطه، ودخل حجرته (فقال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ لأصحابه، أو للذين ربطوه، وذلك في اليوم الثالث لما تقدم أنَّ الحديث أخرجه المؤلف في «المغازي»، وفيه أنَّه ﵇ مرَّ على ثمامة ثلاث مرات، وهو مربوط في المسجد، ففي المرة الثالثة قال لهم: (أطلقوا) بفتح الهمزة، وهي همزة قطع (ثمامة)؛ أي: من القيد، إنَّما أمرهم بإطلاقه؛ منًّا عليه؛ إما للتآلف، وإما لأنَّه أسلم لمَّا مر عليه النَّبي الأعظم ﷺ، كما رواه ابني خزيمة وحبان من حديث أبي هريرة.\nوقال الكرماني: (يحتمل أنَّه ﵇ أطلقه لما علم أنَّه آمن بقلبه وسيظهره بكلمة الشهادة، وقال ابن الجوزي: لم يسلم تحت الأسر؛ لعزة نفسه، وكان ﵇ أحس بذلك منه، فقال: «أطلقوه»، فلما أُطلق؛ أسلم) انتهى.\nوردَّهما إمام الشَّارحين، فقال: (يرد هذا حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة وابن حبان، وفيه: «فمرَّ ﷺ عليه يومًا فأسلم فحلَّه»، فهذا يصرح بأنَّ إسلامه كان قبل إطلاقه، فيُعذر الكرماني في هذا؛ لأنَّه قال بالاحتمال، ولم يقف على حديث أبي هريرة، وأمَّا ابن الجوزي؛ فكيف غفل عن ذلك مع كثرة اطلاعه في الحديث؟!) انتهى.\nقلت: أي: في الموضوع لا الصَّحيح حتى أفرط في أحاديث صحاح، وحكم عليها بالوضع، وقد قال الحفاظ: لا عبرة بوضع ابن الجوزي ورفع الحاكم، فيحتمل أنَّه لم يطلع على حديث أبي هريرة، لا يقال: يمكن حمل كلامهما -كما زعمه العجلوني- على أنْ يريد بقوله سيظهره بعد إطلاقه بين جمع الصَّحابة؛ لأنَّا نقول: صريح حديث أبي هريرة: أنَّه أسلم حين مرَّ عليه النَّبي ﵇، وكان بين جمع الصَّحابة، فأمرهم ﵇ بإطلاقه؛ لإسلامه صريحًا بين الصَّحابة، فإسلامه كان بعد إطلاقه؛ فليحفظ.\n (فانطلق) وفي رواية: (فذهب)؛ أي: ثمامة، وهذا تفريع على قوله: (فأطلقوه) يعني: فأطلقوه، فانطلق (إلى نَجْلٍ) بفتح النُّون، وسكون الجيم، آخره لام، وهو الماء النابع من الأرض، وقال الجوهري: (استنجل الموضع؛ أي: كثر به النجل، وهو الماء يظهر من الأرض)، وهكذا وقع في النُّسخة المقروءة على أبي الوقت، وكذا زعم ابن دريد.\nوفي أكثر الروايات: (إلى نخل)؛ بالخاء المعجمة، وكذا في رواية مسلم، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: (أنَّ ثمامة أُسِر، فكان النَّبي ﷺ يغدو إليه فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: إن تقتل؛ تقتل ذا دم، وإن تمنَّ؛ تمنَّ على شاكر، وإن تُرِد المال؛ نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب النَّبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمرَّ عليه النَّبي ﷺ يومًا، فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النَّبي ﷺ: «لقد حسن إسلام أخيكم»)، وبهذا اللَّفظ أيضًا خرَّجه ابن حبان في «صحيحه».\nوأخرجه البزار أيضًا بهذا الطريق وفيه: (فأمره النَّبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر)، وفي بعض الروايات: (أنَّ ثمامة ذهب إلى المصانع، فغسل ثيابه واغتسل)، وفي «تاريخ البرقي»: (فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر ﵄)، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: وهذا كله يؤيد الرواية بالخاء المعجمة؛ لأنَّ (الحائط) البستان، والغالب فيه الماء.\nوذكر ابن حجر حديث أبي هريرة وأيد به رواية الخاء المعجمة.\nواعترضه العجلوني بأنّه لا تأييد فيه؛ لأنَّه يجوز أن يكون انطلاقه إلى حائط أبي طلحة إلى حاجة، فرأى فيه النجل الذي هو الماء، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، بل فيه تأييد ظاهر؛ لأنَّ (الحائط) البستان الذي فيه الماء، والنجل؛ بالجيم: موضع الماء النابع.\nوكون ثمامة انطلق لحاجة في حائط أبي طلحة فرأى فيه الماء؛ يحتاج إلى دليل، بل إنَّما ذهب لحائطه؛ لأنَّ النَّبي الأعظم ﷺ بعث به إليه، وأمره أن يغتسل فيه، كما تقدم في حديث أبي هريرة قريبًا.\nوعند البزار: (فأمره ﵇ أن يغتسل بماء وسدر)، فهذا دليل على أنَّ ثمامة إنَّما ذهب لأجل الاغتسال، كما هو صريح الحديث، وإنَّما أمره ﵇ وبعث به إلى الحائط؛ لأجل الاغتسال، ولا حاجة لثمامة غير الاغتسال وغسل الثياب، ولا يمكن من ثمامة قضاء حاجة غير الاغتسال؛ لأنَّ النَّبيَّ الأعظم ﷺ بعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، كما في حديث أبي هريرة، وهو ظاهر في أنَّه ﵇ بعث [معه] بعضًا من الصَّحابة حتى لا يهرب إلى أهله، ومعلوم أنَّ الأسير يكون بيد الناظر عليه كالطير في القفص، وأصحابه ﵇ لا يخالفون أمره ﵇، فلا يمكن منهم ذلك كما لا يخفى؛ فافهم.\n (فاغتسل)؛ أي: ثمامة، وفي رواية البزار: (أنَّه ﵇ أمره أن يغتسل بماء وسدر)، وفي بعض الروايات: (فغسل ثيابه واغتسل)، وفي «تاريخ البرقي»: (فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر ﵄)، والظَّاهر أنَّه لأجل أن يعلِّموه كيفية الاغتسال، وغسل الثياب، والطهارة وغير ذلك من فروع الإيمان، وفي رواية أبي هريرة في «صحيحي ابني (^١) خزيمة وحبان»: (أنه اغتسل وصلى ركعتين) (ثم دخل المسجد)؛ أي: النَّبويَّ، فاللَّام فيه للعهد، وفيه النَّبي الأعظم ﷺ وأصحابه الكرام، (فقال)؛ أي: ثمامة (أشهد)؛ أي: أقر وأذعن بقلبي، وأصدق بلساني: (أن لا إله إلا الله) وإنَّما قدَّم النَّفي على الإثبات، ولم يقل: الله لا إله إلا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؛ لأنَّه إذا نفى أن يكون هناك إله غير الله؛ فقد فرغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله بالجوارح الظَّاهرة والباطنة؛ فافهم.\n (وأنَّ محمَّدًا رسول الله)؛ أي: وأشهد أنَّه رسول الله؛ لأنَّ المراد بالشهادة: تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكره من الاعتقادات، ولهذا قال في «الأشباه»: الإيمان: تصديق محمَّد ﷺ في جميع ما جاء به من الدين ضرورة، والكفر: تكذيبه ﵇ فيما جاء به من الدين ضرورة، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فلا بدَّ من إعادة (أشهد) في صحة الإسلام عند الحنفية، وهو المرجح عند الشَّافعية؛ فيراجع.\nقال العجلوني: (ولم نرَ من ذكر من الشراح أنَّ هذا الحديث من مراسيل أبي هريرة مع أنَّ إسلامه سنة سبع، وهذه القضية وقعت قبل، كما تقدم، لكنَّ مرسل الصَّحابي حكمه الوصل على الصَّواب؛ فليعرف) انتهى.\nقلت: ولكون حكم مرسل الصَّحابة الوصل؛ لم يتعرض أحد من الشراح لذلك؛ لكونه معلومًا ضرورة؛ فليحفظ.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة، كما في الأثر المذكور) انتهى.\nقلت: بقي على المؤلف أنَّه لم يذكر حديثًا يطابق الجزء الأول من التَّرجمة؛ لأنَّ من المعيب على كلِّ مصنف أن يترجم لشيء ولم يتعرض له\n_________\n(^١) في الأصل: (ابن)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":331},{"text":"بذكر حديث يطابقه.\nوقد يقال: إنَّ هذا الحديث مصرح به بالاغتسال، لكنَّه خارج، وظاهره أنَّه كان قبل إسلامه، لكن المراد أنَّه بعد إسلامه؛ لحديث أبي هريرة عند ابني حبان وخزيمة من التصريح بأنَّه بعد إسلامه، فيحتمل أنَّ المؤلف أراد حمل حديث الباب على هذا، ويحتمل أنَّه أراد أنَّ ثمامة أظهر إسلامه بين الصَّحابة، وإن كان أسلم قبلُ عند خروجه ﵇ إليه في المرة الثالثة لكنه بعيد؛ لأنَّه عليه لا يكون الاغتسال وقع في المسجد، والتَّرجمة أنَّه كان في المسجد، فالصَّواب من القول: أنَّ لفظ (باب) مجردًا من غير ترجمة أحسن، ولا احتياج إلى التكلفات والتعسفات؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث فوائد؛ الأولى: جواز دخول الكافر المسجد، وقال ابن التين: وعن مجاهد وابن محيريز: جواز دخول أهل الكتاب فيه، وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك والمزني: لا يجوز، وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة: يجوز للكتابي دخول المسجد دون غيره، واحتج بما رواه أحمد ابن حنبل في «مسنده» بسند جيد عن جابر ﵁: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد») انتهى.\nقلت: وحديث الباب يدل لما قاله؛ فافهم.\nواعترضه العجلوني بأنَّ المحفوظ عن الحنفية الجواز مطلقًا، ولعله قول للإمام، انتهى.\nقلت: ما آن لهذا أن يحفظ مذهب الأئمة الحنفية فضلًا عن مذهبه، بل هذا الذي قاله إمام الشَّارحين هو مذهب الإمام الأعظم؛ لما في «الأشباه والنظائر» من أحكام الذمي: (ولا يمنع من دخول المسجد جنبًا بخلاف المسلم، ولا يتوقف جواز دخوله على إذن مسلم عندنا، ولو كان المسجد الحرام) انتهى.\nفهذا هو المحفوظ، لا ما زعمه هذا القائل؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكفار فيها مناقض لرفعها، وبقوله ﵇: «إنَّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر»، والكافر لا يخلو عن ذلك، وبقوله ﵇: «لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب» والكافر جنب) انتهى.\nقلت: ولا حجة له في ذلك؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ معناه كما قاله المفسرون: أنجاس في اعتقادهم، وأفعالهم، وأقوالهم؛ لأنَّهم يشركون بالله غيره، ويريدون بأعمالهم سواه، فالآية في دخولهم للحج؛ لأنَّهم كانوا يعملون في الحج أعمال المشركين، فأمر الله بتنزيه المسجد الحرام والحرم عن ذلك، فأمَّا نفس الدخول للمسجد ولو المسجد الحرام؛ فغير ممنوع؛ لأنَّ الجمهور اتفقوا على أنَّ الكفر لا يؤثر في نجاسة بدن الكافر نجاسة حقيقية، وإنَّما يؤثر في نجاسة باطنه، فكأنَّ صفة الكفر القائم بهم بمنزلة النَّجاسة الملتصقة بالشيء في باطنه، والنَّجاسة إذا كانت في معدنها لا تؤثر في الظَّاهر، ألا ترى أنَّ المسلم حاملٌ للنجاسة في باطنه، وهي غير مؤثرة في ظاهره، كما لا يخفى.\nولأنَّ قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ معناه كما قاله المفسرون: ترفع بالصلوات وتلاوة القرآن، ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: الأذكار من تسبيح، وتهليل، وذكره تعالى وغير ذلك، هذا هو المراد برفعها، فلا تناقض بدخول الكفار المساجد لرفعها؛ لأنَّهم لا يؤثرون في الظَّاهر، ولا يلزم من دخولهم إبطال الصلوات والأذكار، فدخولهم ليس بممنوع، كما لا يخفى.\nوقال مجاهد: ﴿أَن تُرْفَعَ﴾ معناه: تبنى، وعليه أيضًا فلا تناقض في ذلك، لأنَّ دخول الكافر لا ينافي عمارتها وبناءها، كما لا يخفى.\nوقال الحسن: معناه: تعظَّم، وعليه فدخوله لا ينافي تعظيمها، والجمهور على الأول؛ فافهم.\nولأنَّ قوله ﵇: «إنَّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر»؛ المراد به: حقيقة النَّجاسة، ولا شكَّ أنَّ المسجد يجب تنزيهه عنها، وأمَّا الكافر؛ فليس بنجس حقيقة ولا حكمًا.\nوقوله: (والكافر لا يخلو عن ذلك) ممنوعٌ؛ لأنَّ هذا من الأمور الوهمية، والأحكام لا تبنى على الوهم؛ لأنَّه يجوز أن يكون الكافر نظيفًا ومغتسلًا من النَّجاسات ليس عليه شيء منها.\nولأنَّ قوله ﵇: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» أي: حقيقة، وكون الكافر جنبًا أمر موهوم، والأحكام لا تبنى عليه، على أنَّ حديث الباب يدل صريحًا على جواز دخول الكافر المسجد؛ لأنَّ الصَّحابة لما جاؤوا بثمامة؛ أمرهم النَّبي الأعظم ﷺ أن يربطوه في المسجد، كما صرح به ابن إسحاق، وثمامة كان وقتئذٍ كافرًا، فلو كان الكافر نجسًا أو يناقض لرفع المسجد؛ لما أمرهم بربطه، وكون الكافر لا يخلو عن الأقذار والجنابة أمر موهوم فلم يلتفت إليه النَّبي الأعظم ﷺ، وأمر به فربط في المسجد، وبقي على ذلك أيامًا.\nوالحاصل: أنَّ ما استدل به مالك من المنع غير ظاهر، ولا ينهض دليلًا لما قاله؛ فليحفظ.\nوقال الشَّافعي وأحمد ابن حنبل: يجوز دخول الكافر سواء كان كتابيًا أو غيره المسجد لحاجة وإذن مسلم ولو حكمًا، إلا المسجد الحرام فلا يمكَّن الكافر منه؛ لحديث الباب، ولأنَّ ذات الكافر ليست بنجسة.\nقلت: وحديث الباب يدل على جواز دخول الكافر المُعاهِد؛ لأنَّ ثمامة كان من خدمة أهل العهد، واشتراط الإذن من المسلم زائد على النص؛ لأنَّه غير مذكور في الحديث؛ لأنَّ ثمامة كان بأيديهم مغلولًا، وجاؤوا به وربطوه في المسجد، أمَّا لو جاء وحده ودخل بإذن منهم؛ ينبغي أن يكون دليلًا مع أنَّه غير مصرح به في الأحاديث، فهو شرط زائد على النص؛ فلا يقبل.\nواستثناء المسجد الحرام ممنوع، ويرده قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والخطاب إنَّما كان للمشركين كما هو صدر الآية، فالمعاهد خارج عن الآية، فيجوز له الدخول في الحرم كما هو صريح الآية؛ فافهم.\nوفي الحديث: طلب الاغتسال إذا أسلم الكافر، فإن أسلم طاهرًا؛ يندب له الاغتسال، وإن أسلم جنبًا؛ فُرض عليه الاغتسال، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور؛ لأنَّ ثمامة يحتمل أن يكون طاهرًا أو جنبًا، فإن كان طاهرًا؛ فأمره ﵇ له بالاغتسال محمولٌ على الندب؛ لأنَّه للتنظيف، يدل عليه ما رواه البزار وغيره من حديث أبي هريرة، وفيه: (فأمره ﵇ أن يغتسل بماء وسدر)، فإنَّما كان السدر؛ لأجل النظافة، والاغتسال؛ لأجل أن يألف العبادات ويتعلمها، ويدل عليه أنَّ في بعض الروايات: (أمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر)، وما ذاك إلا لأجل أن يتعلم ثمامة منهما كيفية الاغتسال، وإن كان جنبًا؛ فيحتمل أنَّه ﵇ علم حاله فأمره بالاغتسال على سبيل الوجوب، ويدل عليه ما في «صحيح ابن حبان» أنَّه أمره أن يغتسل ويصلِّي ركعتين.\nوقال ابن بطال: (أوجب أحمد الغسل على من أسلم مطلقًا).\nقلت: الأمر عند الجمهور للندب، بل هو على التفصيل، فإن أسلم طاهرًا؛ يندب في حقه الاغتسال، وإن جنبًا؛ افترض عليه، فلو أسلم طاهرًا متوضئًا أو مغتسلًا حال الكفر وأراد الصلاة بعد الإسلام؛ جازت صلاته بذلك الوضوء أو الغسل؛ لأنَّ وضوء الكافر واغتساله صحيح، هذا مذهب","vol":"1","page":331},{"text":"الإمام الأعظم رئيس المجتهدين.\nوزعم الشَّافعية الأفضل أن يغتسل إن لم يكن جنبًا، وإلا؛ وجب الغسل وإن اغتسل في الكفر؛ لعدم صحة الغسل منه عندهم.\nوزعم ابن بطال وقال مالك: إذا أسلم النصراني؛ فعليه الغسل؛ لأنَّهم لا يتطهرون، فقيل: معناه: لا يتطهرون من النَّجاسة في أبدانهم؛ لأنَّه استحيل عليهم التطهير من الجنابة وإن نووها؛ لعدم الشرع، وقال: وليس في الحديث أنَّه ﵇ أمره بالاغتسال، ولذلك قال مالك: لم يبلغنا أنَّه ﵇ أمر أحدًا أسلم بالغسل، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ الكفار يتطهرون من النَّجاسة في أبدانهم؛ لأنَّهم يغتسلون بالصيف بالمياه الباردة، وفي الشتاء بالمياه الحارة في الحمامات، كما هو مشاهد من حالهم، لكن ليس اغتسالهم على الوجه المخصوص، بل يعممون البدن بالماء، وهو كاف في صحة الغسل، ولم يلزم لهم نية؛ لأنَّ وضوء الكافر واغتساله صحيح، فلو أسلم بعده؛ جازت صلاته به؛ فافهم.\nوقوله: (وقال: وليس في الحديث...) إلخ: رده إمام الشَّارحين، فقال: (قد مر في حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن حبان، وابن خزيمة، والبزار، وفيه: «فأمره ﵇ أن يغتسل»، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن أبيه، عن جده قال: «لما أسلمت؛ أمرني النَّبي ﷺ بالاغتسال»، وفي «الحلية» لأبي نعيم عن واثلة قال: «لما أسلمت؛ قال لي النَّبيُّ ﷺ: اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر»، وفي كتاب «القرطبي» روى عبد الرحيم بن عبيد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ أمر رجلًا أسلم أن يغتسل بماء وسدر) انتهى.\nقلت: إذا علمت ذلك؛ ظهر لك أنَّ في الحديث أنَّه ﵇ أمره بالاغتسال، فلا عبرة بكلامه؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مقدم على النافي، وإنما ذكر ذلك ترويجًا لمذهبه.\nوقول مالك: (لم يبلغنا...) إلخ: يرده ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه قد ثبت أنَّه ﵇ أمر بذلك، وهو لا ينافي بلوغه لغيره؛ لأنَّ الحفاظ قد أثبتوه في كتبهم الصِّحاح.\nوزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم أنَّه يحمل كلام مالك على عدم بلوغ الخبر إليه بحسب ظنه، أو لأنَّه لم يثبت عنده، فلا ينافي ما مر، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ مالكًا قد نفى بلوغ الخبر إليه قطعًا، ولم يقل: بحسب ظني، وكونه لم يثبت عنده؛ ممنوع؛ لأنَّه قال: لم يبلغنا، ولم يقل: لم يثبت عندنا.\nوقوله: (فلا ينافي ما مر)؛ أي: الأحاديث الدَّالة على أمره بالاغتسال، بل هو مناف لكلامه؛ لأنَّه قد نفى ذلك، وهو ثابت في الأحاديث الصِّحاح، فكيف لا ينافيه وما ذا إلا تعصب بارد من ذهن شارد؛ فليحفظ.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أسر الكافر وجواز إطلاقه، وللإمام في حق الأسير العاقل القتل، أو الفداء، أو الاسترقاق، أو الإطلاق منًّا عليه.\nوفيه: جواز ربط الأسير في المسجد، وزعم القرطبي يمكن أن يقال: إنَّ ربطه بالمسجد؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، فيأنس ذلك).\nقلت: يوضح هذا ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن عثمان بن أبي العاص: أنَّ وفد ثقيف لما قدموا؛ أنزلهم النَّبيُّ ﵇ المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم، وقيل: يمكن أن يكون ربطه في المسجد؛ لأنَّه لم يكن له موضع يربط فيه إلا المسجد.\nثم قال: (وأخذ ابن المنذر من هذا الحديث: جواز دخول الجنب المسلم المسجد، وأنَّه أولى من المشرك؛ لأنَّه ليس بنجس بخلاف المشرك) انتهى.\nقال العجلوني: (وهذا القول في غاية الضعف والغرابة) انتهى.\nقلت: ليس هذا القول بأضعف من قول إمامه الشَّافعي: في جواز دخول المسلم الجنب المسجد على وجه المرور، بل هو غريب أيضًا؛ لأنَّ المرور دخول وزيادة، وقد قال ﵇ في الحديث الصَّحيح: «لا أُحِل المسجد لحائض ولا جنب»، وهو محكم لا يحتمل غيره، وقوله تعالى: ﴿إِلَّاعَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]؛ فمعناه: أي: مسافرين، باتفاق المفسرين؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٧٧٦\"> </span>(٧٧) <span data-type=\"title\" id=toc-776>[باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم]</span>\nهذا (باب): حكم نصب (الخَيْمة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية: البيت المستدير، أو الذي على ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام، ويستظل بها في الحر والمطر، أو هي كل بيت يبنى من عيدان الشجر، والجمع: خيمات، وخيام، وخيم؛ بالفتح، وكعنب كما في «القاموس»، (في المسجد للمرضى)؛ أي: لأجلهم، وهو جمع مريض من نزل به المرض (وغيرهم)؛ أي: من ذوي العاهات والحاجات، وتقديرنا الحكم أولى من تقدير الجواز كما فعل العجلوني، وإن كان المراد بالحكم الجواز؛ لحديث الباب، إلا أنَّ الحكم أعم؛ لشموله الجواز وغيره؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٧٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-777>[حديث: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل]</span>\n٤٦٣ - وبالسند إلى المؤلف: (حدثنا زكريا): يجوز فيه المد والقصر (ابن يحيى): هو ابن عمر أبو السكين الطائي الكوفي، قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر، وقال القسطلاني: (هو البلخي اللؤلؤ الحافظ) انتهى، وتقدم في باب (إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا) أنَّه اختلف فيه، ومال الغساني والكلاباذي هناك: أنَّه زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤ البلخي، المتوفى سنة ثلاثين ومئتين، ومال إمام الشَّارحين وابن حجر: أنَّه زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي أبو السكين، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين، فالخلاف هناك جارٍ ههنا؛ فليحفظ، وكل (^١) منهما شيخ للبخاري، ويروي عن عبد الله المذكور؛ فليحفظ.\n (قال: حدثنا عبد الله بن نُمَيْر) بِضَمِّ النُّون، وفتح الميم، وسكون التحتية، هو الكوفي (قال: حدثنا هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه) هو عروة بن الزُّبير بن العوام المدني، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: أنَّها (قالت: أُصيب) بِضَمِّ الهمزة، مبنيًّا للمجهول (سَعْد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن معاذ أبو عمرو سيد الأوس، بدري كبير، قال أبو نعيم: مات سنة خمس في شوال، وكذا قال ابن إسحاق، ونزل في جنازته سبعون ألف مَلَك ما وطئوا الأرض قبل، واهتز له عرش، وفي رواية: العرش.\nفإن قلت: ما وجه اهتزاز العرش له؟\nقلت: أجيب عنه بأجوبة؛ الأول: أنَّه اهتز استبشارًا لقدوم روحه، الثاني: أن المراد: اهتزاز حملة العرش ومن عنده من الملائكة، الثالث: المراد بالعرش: الذي وضع عليه، وسيأتي عند البخاري: أنَّ رجلًا قال لجابر بن عبد الله: إنَّ البراء بن عازب يقول: اهتز السرير، فقال: إنَّه كان بين هذين الحيين ضغائن، قال ابن الجوزي وغيره: يعني بالحيين: الأوس والخزرج، وكان سعد من الأوس، والبراء من الخزرج، وكل منهم لا يقر بفضل صاحبه عليه، قال صاحب «التلويح»: وفيه نظر من حيث إنَّ سعدًا والبراء كل منهما أوسي، وإنما أشكل عليهم فيما أرى أنَّه رأى في نسب البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج، وسعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث الأوسي، فظن أنَّ الخزرج الأول هو أبو الخزرجيين ففرق بينهما، وإنما هو الخزرج أبو الحارثين المذكورين في نسبهما، وهو ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة،\n_________\n(^١) في الأصل: (وكلًّا).","vol":"1","page":332},{"text":"كذا ذكر نسبهما ابن سعد، وابن إسحاق، وخليفة، وآخرين.\n (يوم الخندق) ويسمى: الأحزاب، وكان في ذي القعدة، ذكره ابن سعد، وقال موسى بن عقبة: (في شوال سنة أربع)، وقال ابن إسحاق: (في شوال سنة خمس)، وذكر أبو عمرو أن سعدًا مات بعد الخندق بشهر، وبعد قريظة بليال، كذا في «عمدة القاري»، (في الأَكْحل)؛ بفتح الهمزة، والحاء المهملة، بينهما كاف ساكنة، على وزن (الأفعل): عرق في اليد، ويقال له: النساء في الفخذ، وفي الظَّهر: الأبهر، قاله في «المخصص» و«المجمل»، وقيل: الأَكحل: عرق الحياة، ويدعى: نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع من اليد؛ لم يرق الدم، وفي «الصِّحاح»: (هو عرق في اليد يفصد، ولا يقال: عرق الأكحل)، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: فقول العجلوني: (هو عرق في وسط الذراع)؛ غير ظاهر؛ لأنَّه مخالف لكلام أهل اللُّغة؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: رماه رجل من قريش يقال له: حبان ابن العرقة، وهو حبان بن أبي قيس من بني معيص (^١) بن عامر بن لؤي، والعرقة: هي أم عبد مناف، واسمها قلابة بنت سعد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص، سميت العرقة؛ لطيب ريحها، فيما ذكره الكلبي، وقال أبو عبيد بن سلام: (العرقة: هي أم حبان، وتكنى: أم فاطمة)، قال السهيلي: (وهي جدة خديجة، أم أمها هالة) انتهى؛ فليحفظ.\n (فضرب النَّبي) الأعظم (ﷺ خيمة في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، و(ضرب) يستعمل لمعاني كثيرة، وأصل التركيب يدل على الإيقاع، والباقي يستعمل ويحمل عليه، وههنا المعنى: نصب خيمة وأقامها على أوتاد مضروبة في الأرض، والخيمة: بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، والجمع: خيمات وخيم؛ مثل: بدرة وبدر، والخيم مثل الخيمة، والجمع: خيام؛ مثل: فرخ وفراخ، وعند أبي نعيم الأصبهاني: (ضرب له النَّبي ﷺ خباء في المسجد)، والخباء: واحد الأخبية، هو من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك؛ فهو بيت، كذا قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: وضرب الخيمة إنَّما كان لسعد؛ (ليعوده) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (من قريب)؛ أي: من مكان قريب له ﵇، وذلك لمحبته لسعد ولعيادة المرضى؛ فليحفظ، (فلم يَرُعْهم)؛ بِضَمِّ الرَّاء، وفتح التحتية أوله، وسكون العين المهملة، من الروع؛ وهو الفزع، يقال: رعت فلانًا، وروعته فارتاع؛ أي: أفزعته ففزع، وقال الخطابي: الروع: إعظامك الشيء وإكباره فترتاع، قال: وقد يكون من خوف، وفي «المحكم»: الروع، والرواع، واليروع: الفزع، راعني الأمر روعًا ورووعًا -عن ابن الأعرابي كذلك حكاه بغير همز، وإن شئت؛ همزت-، وارتاع منه وله، وروَّعه فتروَّع، ورجل روع ورائع متروع، كلاهما على النسب.\nوالمعنى ههنا: فلم يرعهم؛ أي: لم يفزعهم إلا الدم، وقال الخطابي: (والمعنى: أنَّهم بينا هم في حال طمأنينة وسكون حتى أفزعهم رؤية الدم فارتاعوا له)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nوزعم العجلوني أنَّه يجوز في (يرعهم) ضم أوله، وكسر الرَّاء، على أنَّه من أراع؛ بمعنى: أفزع، انتهى.\nقلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ الرواية لا تساعده، ولأنَّ المعنى عليه غير ظاهر؛ فتأمل.\n (وفي المسجد) أي: النَّبوي (خيمة) أي: أخرى (من بني غِفار)؛ بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء، آخره راء: هم من كنانة رهط أبي ذر الغِفاري، والجملة معترضة بين الفعل -أعني: (لم يرعهم) - والفاعل؛ أعني: قوله: (إلا الدم)، وجوز العجلوني كون الجملة حالًا.\nقلت: هو غير ظاهر، وكونها معترضة هو الصَّواب، ولهذا اقتصر عليها إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (يسيل إليهم)؛ أي: إلى بني غِفار؛ لأنَّ خيمتهم كانت أنزل من خيمة سعد، قال إمامنا الشَّارح: (وهذه الخيمة كانت لرقية الأنصارية، وقيل: الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت به ضيعة من المسلمين) انتهى.\n (فقالوا) أي: بنو غِفار: (يا أهل الخيمة؛ ما هذا الذي يأتينا من قِبَلكم؟)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: من جهتكم، وكلمة (ما) استفهامية، والإشارة إلى الذي يسيل، فاستفهامهم إنَّما كان عن ذات الذي يسيل إليهم؛ لأنَّهم لم يعلموا كونه دمًا أو غيره؛ لوقوعه ليلًا؛ يعني: فإن كان نجسًا؛ احترزنا منه، وإلا؛ فنحفظ ثيابنا منه أيضًا لتلوثها.\nوقول العجلوني: (واستفهامهم إمَّا عن ذات الآتي، وإمَّا عن سببه إن علموه)؛ لا وجه لتردده، والاحتمال الثاني بعيد؛ لأنَّ استفهامهم إنَّما كان عن ذاته ما هو؟ أنجسٌ أم ماء طاهر؟ لأجل الاحتراز عنه، ويدل عليه الإشارة في قوله: (ما هذا؟)؛ فافهم.\n (فإذا سعد يغذو)؛ بالغين والذَّال المعجمتين؛ أي: يسيل، وهو فعل مضارع، من غذا العرق نفسه، يغذوغذوًا (^٢) غذوانًا؛ إذا سال، وكل ما سال؛ فقد غذا، والغذوان: المسرع، كذا في «عمدة القاري».\nوقيده الخطابي بالدوام، فقال: (غذا الجرح: سال ودام سيلانه) انتهى.\nقلت: وهذا القيد غير لازم؛ لأنَّ أئمة اللُّغة لم يقيدوه بالدوام، فإنَّ مجرد السيلان كاف، كما هو ظاهر لفظ الحديث، فهذا القيد من عنده، وهو غير مقبول؛ فافهم.\nوقوله: (جُرحُه) بِضَمِّ الجيم، مرفوع؛ لأنَّه فاعل (يغذو) (دمًا) منصوب على التمييز، (فمات) أي: سعد (فيها)؛ أي: في الخيمة، أو في الجراحة التي الجرح بمعناها، أو في المرضة على أنَّ (في) للسببية، وفي رواية الأربعة: (منها)؛ أي: الجراحة أو المرضة، ونسب هذه الرواية إمام الشَّارحين للكشميهني والمستملي، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أن السلطان أو العالم إذا شق عليه النهوض إلى عيادة المريض، يزوره ممن يهمه أمره؛ ينقل المريض إلى موضع يخف عليه فيه زيارته ويقرب منه) انتهى.\nقلت: وفي الحديث: استحباب عيادة المريض للحديث، ومما وَرَد في الحديث الصَّحيح في حق الزائر قوله ﵇: «عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع»، والمخارف: جمع مخرفة؛ كمرسلة البستان؛ يعني: من فَعَل عيادة المريض؛ فهو على بساتين الجنة.\nوقال ابن بطال: (في الحديث: جواز سكن المسجد للعذر، والباب مترجم به).\nوقال إمام الشَّارحين: (استدل بالحديث مالك وأحمد على أنَّ النَّجاسة ليست إزالتها بفرض، ولو كانت فرضًا؛ لما أجاز ﵇ للجريح أن يسكن في المسجد، وبه قال الشَّافعي في القديم.\nقلت: لقائل أن يقول: إنَّ سَكَنَ سعد في المسجد كان بعد ما اندمل جرحه، والجرح إذا اندمل؛ زال ما يخشى من نجاسته) انتهى كلامه.\nقلت: واستدلالهم بذلك فيما ذكر فاسد؛ لأنَّ هذه القصة واقعة حال، فعليه يحتمل أنهم غسلوه، وهو الظَّاهر من حالهم من حيث استفهام بني غِفار وسؤالهم عن الذي سال إليهم، هل هو نجس أم ماء طاهر؟ فانتظروا بذلك الجواب عن الحال، وأنهم إذا قالوا: نجس؛ يغسلوه؛ فافهم.\nولنا أدلة أخرى على وجوب إزالة النَّجاسة.\nوزعم العجلوني أنَّ ما ذكره إمام الشَّارحين هو أحد قولي مالك: أنَّ إزالة النَّجاسة للصلاة سنة، والصَّحيح عنده خلافه، ولا نعرف قولًا فيه لأحمد والشَّافعي في القديم، نعم؛ في رواية عن أحمد: أنَّها واجبة، والصَّحيح: أنَّها شرط، كما في «المنتهى»، انتهى.\nقلت: وما زعمه هذا القائل هو ظاهر الفساد؛ لأنَّ المشهور عن مالك: أنَّ النَّجاسة ليست إزالتها بفرض، وهو المعتمد عندهم، وفي\n_________\n(^١) في الأصل: (تعيص).\n (^٢) في الأصل: (نفسه وغذوًا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":332},{"text":"قول ضعيف عندهم: أنَّها واجبة، ولهذا قال ابن بطال المالكي: (وفي الحديث: أنَّ النجاسات ليست إزالتها بفرض، ولو كانت فرضًا؛ لما أجاز ﵇ للجريح أن يسكن في المسجد) انتهى.\nفهذا -كما رأيت- نص على أنَّ المعتمد عند مالك عدم الوجوب، وصاحب الدار أدرى، ثم رأيت القرطبي المالكي صرَّح بذلك، فما زعمه العجلوني فاسد.\nوقوله: (ولا نعرف...) إلى آخره: انظر هذا القائل هل أحاط علمه بمذهب الشَّافعي الجديد حتى يكون أحاط علمه بمذهبه القديم، وهل أحاط بمذهب أحمد بعد الإحاطة بمذهبه، على أنَّ قول إمام الشَّارحين معتمد، بل هو أوثق من غيره من الشراح، فإنَّ عدم معرفة هذا القائل بمذهبه (^١) القديم لا ينفي معرفته عن غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبِت مقدَّم على النافي، وكون الرواية عن أحمد: أنَّها واجبة؛ ضعيفة، وكون الصَّحيح: أنَّها شرط عندهم؛ إنَّما هو عند المتأخرين، أمَّا عند المتقدمين؛ فليست بشرط، وهو الصَّحيح كما نص عليه في «الغاية» و«شرحها»؛ فانظر تعصب العجلوني البارد، ولا غروًا، فإن الشَّافعية هذا حالهم.\nواعلم أنِّي أكثر النقل عن إمام الشَّارحين لا للتبري، بل لكونه أوثق من غيره من الشراح، وحتى يعرف الحاسدون أنَّ جميع الشراح عيال على شرحه، ألا ترى أنَّك إذا نظرت إلى الشروح الموجودة؛ تجدها كلها مأخوذة منه، وهذا شيء محقق؛ لأنَّه مبني على المشاهدة والعيان، فلله دره من إمام، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٧٨\"> </span>(٧٨) <span data-type=\"title\" id=toc-778>[باب إدخال البعير في المسجد للعلة]</span>\nهذا (باب) حكم (إدخال البعير) يشمل الجمل والناقة؛ كالإنسان للرجل والمرأة (في المسجد) اللَّام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد (للعلة)؛ أي: الحاجة، وهي أعم من أن يكون الضعف أو غيره، وقيل: المراد بالعلة: الضعف.\nواعترض عليه بأنَّ هذا ظاهر في حديث أم سلمة دون حديث ابن عبَّاس.\nوأجيب: بأنَّ أبا داود روى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قدم مكة، وهو يشتكي فطاف على راحلته، ومع هذا كله؛ فتقييد العلة بالضعف لا وجه له؛ لأنَّا قلنا: إنَّها أعم، فيتناول الضعيف، وأن يكون طوافه على بعيره؛ ليراه الناس، كما جاء عن جابر: أنَّه إنَّما طاف على بعيره؛ ليراه الناس وليسألوه، فإنَّ الناس غشوه، كذا قرره إمام الشَّارحين.\n (وقال ابن عبَّاس) هو عبد الله المطلبي، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن: (طاف النَّبي) الأعظم (ﷺ على بَعيره)؛ بفتح أوله يشمل الجمل والناقة؛ كالإنسان للرجل والمرأة، وإنما سمي بعيرًا إذا أجدع، والجمع أبعرة، وأباعر، وبعران، كذا في «مختصر الصِّحاح»، وفي رواية: (على بعير)؛ أي: في المسجد؛ لأنَّه لا يصح الطواف خارجه.\nوقال إمامنا الشَّارح: (ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ فيه إدخال البعير في المسجد للعلة؛ لأنَّه ﵇ لما قدم مكة؛ كان يشتكي على ما رواه أبو داود عنه، فذكره البخاري معلقًا، وذكره مسندًا في باب «من أشار إلى الركن» في كتاب «الحج») انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٧٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-779>[حديث: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة]</span>\n٤٦٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (^٢)، الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن محمَّد بن عبد الرحمن) هو ابن الأسود (ابن نَوفَل) بفتح النُّون والفاء، المعروف بيتيم عروة بن الزُّبير، (عن عروة) زاد ابن عساكر: (ابن الزُّبير) هو ابن العوام المدني، (عن زينب) وفي رواية: (بَرة)؛ بفتح الموحَّدة، وتخفيف الرَّاء، وهو اسمها الأصلي قبل تغيير النَّبي الأعظم ﷺ له (بنت أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، (عن) أمها (أم سلمة) هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي إسناده رواية تابعي عن تابعي، وهما: محمَّد وعروة، ورواية عروة عن صحابية، وهي زينب؛ لأنَّها سمعت النَّبي ﷺ عند البخاري، وفيه رواية صحابية عن صحابية، وهما: زينب وأم سلمة، وفيه أنَّ رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري) انتهى.\nأنَّها (قالت) أي: أم سلمة: (شكوت إلى رسول الله ﷺ) وقوله: (إنِّي أَشتكي)؛ بفتح الهمزة، محله نصب؛ لأنَّه مفعول (شكوت)، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه؛ إذا توجع منه، وشكوت فلانًا؛ إذا خبرت عنه بسوء فعله بك، قاله إمامنا الشَّارح، (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ لها: (طوفي) أي: حول الكعبة (من وراء الناس وأنتِ) بكسر التَّاء (راكبة) الواو للحال، والجملة حالية؛ والمعنى: طوفي من ورائهم حال كونك راكبة على البعير، وإنَّما أمرها بالطواف من وراء الناس؛ لأنَّها إذا طافت معهم ربما تؤذي الدَّابة أحدًا أو تدوس عليه، والإيذاء حرام، قالت: (فطفت) أي: كما أمرها ﵇؛ أي: راكبة على بعير من وراء الناس، قال إمام الشَّارحين: (ففيه المطابقة للتَّرجمة، وفيه: جواز إدخال البعير في المسجد لعلة الضعف) انتهى، وجملة: (ورسول الله ﷺ يصلِّي) أي: الصبح -كما في الكفيري- (إلى جنب) وفي نسخة: (جانب) (البيت)؛ أي: الكعبة، محلها نصب؛ لأنَّها حالية، والواو للحال.\nوزعم العجلوني أنها مستأنفة.\nقلت: وهو بعيد، كما لا يخفى.\nو(البيت): عَلَم على الكعبة شرفها الله تعالى، قال الكرماني: (وفائدة ذكر البيت: أنَّه كان يصلِّي منها إلى الجَنْب؛ يعني: قريبًا من البيت لا بعيدًا منه).\nوقال ابن عبد البر: (وصلاته إلى جنب البيت من أجل أنَّ المقام كان حينئذٍ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر ﵁ من ذلك المكان إلى صحن المسجد) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (والوجه في ذلك أنَّ البيت كله قبلة، فحيث صلى المصلي منه إذا جعله أمامه؛ كان حسنًا جائزًا) انتهى.\nقلت: فإن الذي يفهم من كلام ابن عبد البر تخصيص الصلاة، وتعيينها إلى المقام، ولا وجه له؛ لأنَّ البيت كله قِبلة؛ فافهم.\nوزعم العجلوني أنَّه لا يفهم من كلامه تعيين الصلاة إلى المقام، انتهى.\nقلت: لا يخفى على أولي الأفهام والبصائر أنَّ كلامه يفيد تخصيص الصلاة وتعيينها إلى المقام، كما هو ظاهر؛ لأنَّه جعل علة صلاته إلى جانب البيت من أجل أن المقام كان ملصقًا بالبيت، وهو ظاهر في التَّعيين، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، ولا عبرة بما يفهمه الغبي صاحب الفهم القاصر؛ فافهم.\nوجملة (يقرأ) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (بالطور وكتاب مسطور) محلها نصب على الحال من فاعل (يصلِّي)، ويحتمل أنَّ محلها رفع خبر بعد خبر، ويحتمل كونها مستأنفة، لكنه بعيد، والأول أظهر، وقولها: (بالطور)؛ أي: بسورة ﴿والطور﴾، ولعلها لم تذكر واو القسم؛ لأنَّ لفظ (الطور) كأنَّه صار علمًا للسورة، قاله إمام الشَّارحين، ومثله في «الكرماني».\nقال العجلوني: (ولعل مراده: كالعَلَم الأصلي، وإلا؛ فهو علم لها بالغلبة) انتهى.\nقلت: وكلامه يحتمل أنَّه صار عَلَمًا أصليًّا للسورة، ويحتمل أنَّه صار علمًا بالغلبة على السورة، وكل منهما محتمل، وهو ظاهر، فلا حاجة لما زعمه هذا القائل؛ فافهم.\nو﴿الطور﴾ معناه -كما قاله البيضاوي وغيره-: طور سينين، جبل بمدين، سمع موسى فيه كلام الله، والطور: الجبل بالسريانية، أو ما طار من أوج الإبعاد إلى حضيض المواد أو وقف عالم الغيب إلى عالم الشهادة، و﴿كتاب﴾: المكتوب، و(المسطور): ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد بـ (الكتاب): القرآن، أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، أو ألواح موسى، أو في مكتوب\n_________\n(^١) في الأصل: (بمذهب)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (الأصل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":333},{"text":"أوليائه من المعارف والحكم، أو ما يكتبه الحفظة، انتهى.\nقال ابن بطال: (وفي الحديث: جواز دخول الدَّواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج لذلك؛ لأنَّ بولها ليس بنجس، بخلاف غيرها من الدَّواب؛ فلا يجوز، وهو قول مالك).\nواعترضه ابن حجر بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز في غيرها عند الحاجة، بل الأمر دائر على التلويث وعدمه، فحيث خيف التلويث؛ امتنع الإدخال، وإلا؛ فلا.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وفيه نظر؛ لأنَّ قوله ﵇: «طوفي وأنت راكبة» لا يدل على أنَّ الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنه مصروف عن الظَّاهر؛ لدلائل أخرى؛ منها: الخبر المار: «جنبوا مساجدكم..»؛ فتأمل، انتهى.\nقلت: هذا الحديث مقيد بالضرورة، وأمَّا: «جنبوا مساجدكم»؛ فليس مقيدًا بالضرورة، فيحمل المطلق على المقيد على القاعدة المشهورة، وعلى هذا؛ فالحديث ليس مصروفًا عن الظَّاهر كما زعمه هذا القائل، على أنَّه قد جاء عند البخاري: (أنه ﵇ أمر أناسًا (^١) من عكل بلقاح وأن يشربوا من أبوالها...)؛ الحديث، وهو ظاهر في أنَّه يدل على الطهارة، لكنه مقيد بالضرورة كما هنا.\nوالحاصل: أنَّ حديث الباب يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة، وكذا حديث عكل، وكذلك حديث: «جنبوا مساجدكم»، فإنَّه محمول على المنع إلا للضرورة، وهذا توفيق حسن بين الأحاديث، فلا تعارض؛ فافهم ولا تكن من الغافلين.\nوزعم ابن حجر أنَّ ناقته ﵇ كانت مدربة معلمة، فيؤمن منها ما يخاف من التلويث وهي سائرة، فيحتمل أنَّ بعير أم سلمة كان كذلك، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (سلمنا هذا في ناقة النَّبي ﷺ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة وهي طائفة، ولئن قيل: إنَّها كانت ناقته ﵇؛ قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل) انتهى.\nقلت: واحتمال كون بعير أم سلمة كان معلمًا بعيد عن الظَّاهر؛ لأنَّه ليس جميع الإبل معلمة، ومع هذا يحتاج ذلك إلى دليل وبرهان، وإلا؛ فهو مردود لا يقبله النعسان.\nوزعم العجلوني أنَّه غير وارد لمن تأمل.\nقلت: بل هو وارد عليه؛ لأنَّه قائل بالاحتمال بلا دليل، فهو قول بالرأي؛ فاجتنبه.\nوقال إمام الشَّارحين: (ومن فوائده: أنَّ النساء ينبغي لهنَّ أن يطفن من وراء الرجال؛ لأنَّ للطواف شبهًا للصلاة، ومن سنن النساء فيها أن يكنَّ خلف الرجال، فكذلك في الطواف.\nومنها: أنَّ راكب الدَّابة ينبغي له أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة.\nومنها: جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور؛ يعتبر عندنا، وعند الشَّافعي: لا يجوز؛ لقوله ﵇: «الطواف بالبيت صلاة»، ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه، فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر وجماعة، وقال القرطبي: الجمهور على كراهة ذلك، قلنا: نحن أيضًا نقول بالكراهة حتى إنَّه يعيده ما دام بمكة، وسيجيء مزيد لذلك في «الحج») انتهى.\nقلت: وهذه العبارة بتمامها لإمامنا الشَّارح، فذكرها شيخ عجلون، ونسبها لنفسه، واعترضه: بأنَّ عند الشَّافعي إن ركب بلا عذر؛ لم يكن، قال: ولعله قول ضعيف لم أقف عليه، انتهى.\nقلت: فقد نص الإسنوي وجماعة: على أنَّه مكروه، وبحث الأذرعي واعتمد أنَّه لا يجوز كما ذكره في «التحفة»، فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، وهو وإن كان لم يقف عليه؛ لقصور علمه؛ فقد وقفنا عليه ونص عليه أصحاب الشَّافعي؛ فليحفظ، ولا تكن من الغافلين؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٨٠\"> </span>(٧٩) [بابٌ]\nهذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، وبهذا التقدير صار معربًا، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (إن لم نقدِّر شيئًا (^٢) قبل لفظ: «باب» أو بعده؛ لا يكون معربًا؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، ثم إنَّ البخاري جرت له عادة، وهي أنَّه إذا ذكر لفظ: «باب» مجردًا عن التَّرجمة؛ يدل ذلك على أنَّ الحديث الذي يذكره بعده يكون له مناسبة بأحاديث الباب الذي قبله، وههنا لا مناسبة بينهما أصلًا بحسب الظَّاهر على ما لا يخفى، لكن تُكُلِّف في ذلكفقيل: تعلقه بأبواب المساجد من جهة أنَّ الرجلين تأخرا مع النَّبي ﷺ في المسجد في تلك الليلة المظلمة؛ لانتظار صلاة العشاء معه، وقال بعضهم: فعلى هذا كان يليق أن يترجم له: فضل المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة، قلت: كل واحد من الكلامين غير موجه؛ لأنَّ حديث الباب لا يدل عليهما أصلًا؛ لأنَّ حديث الباب في الرجلين اللذين خرجا من عند النَّبي ﷺ في ليلة مظلمة حتى أتيا أهلهما) انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nومراده بقوله: (فقيل) هو قول ابن رشيد، وبقوله: (بعضهم) ابن حجر، واعترضه العجلوني، فزعم أنَّه لا وجه لاعتراضه عليهما، فإنَّهما أبديا مناسبة لذكره في أبواب المساجد أخذًا من كلام ابن بطال، انتهى.\nقلت: ليس كل من أبدى (^٣) مناسبة يقبل منه، وأي مناسبة ههنا، والحديث الذي ذكره في الباب لا يدل عليها، فإنَّ الباب الذي قبله في إدخال البعير المسجد، وههنا في الرجلين الذين خرجا من عنده ﵇ في ليلة مظلمة حتى أتيا أهلهما، فما المناسبة بينهما؟ كما لا يخفى، على أنَّ كلام ابن بطال فيه بُعد كما ستقف عليه قريبًا.\nوزعم ابن حجر أنَّ المؤلف بيَّض لهذا الباب، فاستمر كذلك، وكأنَّه تلجج بحديث أبي داود وغيره عن بريدة من قوله ﵇: «بشر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد يوم القيامة بالنور التام» انتهى.\nقلت: كون المؤلف بيَّض له فاستمر كذلك يدل على أنَّ المؤلف لم ير مناسبة لحديث الباب مع أحاديث الباب الذي قبله؛ لأنَّه لو كان فيه أدنى مناسبة؛ لذكر ترجمة تناسبه، وكونه تلجج بحديث أبي داود بعيد عن الأفهام؛ لأنَّه لو كان مراده هذا؛ لترجم له وذكره تحت ترجمته، ومن البعيد أن يترجم لشيء من الأحاديث ولم يذكرها؛ لأنَّه معيب عند المؤلفين، كما لا يخفى، ولأنَّ فيه تشتيت الأذهان بلا برهان؛ لأنَّ عادته ذكر الأحاديث حتى يستدل بها، وما لم يذكره يكون غير موافق لشرطه، فلا يعتمد عليه، فكيف يترجم أو يجنح إليه، وهو لا يستدل به؛ فافهم ذلك.\nوقال ابن بطال: (إنَّما ذكر البخاري هذا الحديث في باب أحكام المساجد؛ لأنَّ الرجلين كانا مع النَّبي ﷺ في المسجد، وهو موضع جلوسه مع أصحابه، وأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركته ﵇، وفضل مسجده وملازمته، وذلك آية للنبي ﵇ وكرامة له) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا أيضًا فيه بُعد، والوجه أن يقال: إنَّهما لما كانا في المسجد مع النَّبي ﷺ وهما ينتظران صلاة العشاء معه؛ أُكرما\n_________\n(^١) في الأصل: (أناس)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (شيءٌ).\n (^٣) في الأصل: (أيد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":333},{"text":"بهذه الكرامة، وللمسجد في حصول هذه الكرامة دخل، فناسب ذكر حديث الباب ههنا بهذه الحيثية) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن ما ذكره هو كلام ابن بطال، وابن رشيد، وابن حجر، ولا وجه لاعتراضه على ابن بطال، انتهى.\nقلت: ليس من عادة إمام الشَّارحين أن يأخذ كلام غيره، وينسبه لنفسه، بل هذه عادة ابن حجر، وما ذكره ليس كلام هؤلاء، بل هو كلام من نفسه لم يسبقه إليه أحد، فهو من فيض الوهاب في مناسبة ذكر حديث الباب ههنا.\nواعتراضه على ابن بطال وجيه؛ لأنَّه قال: (لأنَّ الرجلين كانا معه ﵇ في المسجد، وهو موضع جلوسه مع أصحابه...) إلخ، فما معنى هذا الكلام؟ وأي مناسبة في موضع جلوسه مع أصحابه بما سبق؟ وما هذا إلا تعصب بارد.\nونقل العجلوني عنهم: أنَّه يستدل له بأنَّ الله يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قبورهم وفي جميع أعضائهم، وكان الأولى بالبخاري أن يترجم لهذا الحديث بـ (باب قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾) [النور: ٤٠] انتهى.\nقلت: وهذا كلام غير ظاهر؛ لأنَّه إنْ أراد بقوله: (يستدل له...) إلخ: وجه المناسبة بين حديث الباب وبين الذي قبله؛ فلا شك في منعه، وأنَّه بعيد؛ لأنَّ الحديث السَّابق ليس فيه ما ذكر ولا إشارة إليه، وإنْ أراد به: فضل حضور الجماعة معه ﵇؛ فلا شك في ذلك، ومع هذا فهو غير مناسب لما قبله، كما لا يخفى.\nوقوله: (وكان الأولى...) إلخ؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ هذه الكرامة ليست عامة في جميع الناس، فكم شخص يصلِّي وليس له نور، على أنَّ المراد بالنور: الإيمان، فمن لم يجعل الله له إيمانًا؛ فما له من إيمان وإن صلى وصام، والظَّاهر أن يقال في وجه المناسبة: إنَّ حديث الباب لما كان فيه أنَّ الرجلين كانا في مسجده ﵇؛ ناسب أن يذكر في (أبواب المساجد)، ومناسبته بما قبله من حيث إنَّ الرجلين كانا قد صليا معه صلاة العشاء في المسجد، وفي الحديث السَّابق: أنَّ أم سلمة كانت في المسجد، وصلت معه ﵇ صلاة الصبح في المسجد وسألته، وكان الأولى أن يترجم البخاري له بـ (باب فضل الصلاة مع الجماعة)، أو (باب فضل الصلاة معه ﵇)، أو (باب فضل صلاة العشاء)؛ فتأمَّل، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٨١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-781>[حديث: أنَّ رجلين من أصحاب النبي خرجا من عند النبي </span>في ليلة مظلمة]\n٤٦٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن المثنى) بلفظ المفعول من التثنية، هو ابن عبيد العنزي البصري (قال: حدثنا معاذ بن هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي البصري (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو هشام المذكور، (عن قتادة) هو ابن دعامة السدوسي البصري (قال: حدثنا أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) هو الأنصاري، خادم النَّبي الأعظم ﷺ: (أَنَّ رجلين) بفتح الهمزة (من أصحاب النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: الأنصار، وهما: عباد بن بشر وأسيد بن حضير، كما عند المؤلف في (مناقب الأنصار)، وقال حمَّاد: حدثنا ثابت عن أنس: (كان أسيد وعباد بن بشر عند النَّبي ﷺ)، وقال السفاقسي: (هما عباد بن بشر وعويم بن ساعدة) انتهى.\nقلت: يرده ما ذكرناه عن المؤلف.\nو(عَبَّاد): بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة، و(بِشْر): بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة، الأنصاري، قُتل يوم اليمامة، و(أُسيد): بِضَمِّ الهمزة، مُصغَّر أسد، و(حُضَيْر): بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح الضَّاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، و(عُوَيم): بِضَمِّ العين المهملة، وفتح الواو، مصغر عوم، انتهى.\n (خرجا) أي: الرجلان (من عند النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: بعدما صليا صلاة العشاء معه ﵇ في مسجده النَّبوي، كما يدل عليه السياق؛ فافهم، (في ليلة مظلِمة)؛ بكسر اللَّام، اسم فاعل، من أظلم الليل؛ بمعنى: ظهر، وقال الفراء: (ظلِم -بالكسر- وأظلم بمعنًى) انتهى، (ومعهما مثل المصباحين)؛ أي: نور مثل نور المصباحين، والجملة محلها نصب على الحال بالواو والضمير، وجملة: (يضيئان بين أيديهما): محلها نصب على الحال من (المصباحين)، أو صفة لهما، لكنه بعيد، و(يضيئان): من أضاء، تقول: ضاءت النَّار، وأضاءت مثله، وأضاءته النَّار، يتعدى ولا يتعدى، قاله الشَّارح، وقال الإمام الزمخشري: (أضاء؛ بمعنى: نور، متعد، وبمعنى: لمع، لازم، و«أظلم» يحتمل التَّعدي، ويحتمل عدمه، وهو الظَّاهر)، فـ (بين أيديهما) -أي: أقدامهما-: مفعول فيه إن كان (أضاء) لازمًا، ومفعول به إن كان متعديًا؛ فليحفظ.\n (فلما افترقا) أي: الرجلان؛ أي: كل واحد (صار مع كل واحد منهما) أي: من الرجلين (واحد)؛ أي: نور واحد يضيء له وحده، وارتفاعه على أنَّه فاعل (صار) (حتى أتى أهله)؛ أي: منزلهم؛ أي: وانتهى؛ لانتهاء الحاجة.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: دلالة ظاهرة لكرامة الأولياء، ولا شك فيه، وفيه رد على من ينكر ذلك) انتهى.\nقلت: وذلك لأنَّ الإضاءة لهما كرامة ببركة النَّبي الأعظم ﷺ، ومعجزة له، وخصهما بهذه الكرامة؛ لاحتياجهما إلى النور حيث خرجا من عنده في ليلة مظلمة، ولإظهار سر قوله ﵇ فيما رواه أبو داود وغيره: «بَشِّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، فجعل الله لهما في الدنيا بعض ما ادَّخر لهما في الآخرة.\nثم قال إمام الشَّارحين: (وقد وقع مثل هذا قديمًا وحديثًا، أمَّا قديمًا؛ فمن ذلك ما ذكره ابن عساكر وغيره عن قتادة بن النعمان: «أنَّه خرج من عند رسول الله ﷺ وبيده عرجون، فأضاء له العرجون».\nوفي «دلائل البيهقي» من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس: حدثني أبي: «أنَّ أبا عبس كان يصلِّي مع النَّبي ﷺ الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة يخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة».\nومن حديث كثير بن زيد، عن محمَّد بن حمزة بن عمرة الأسلمي، عن أبيه قال: «كنَّا مع رسول الله ﷺ فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير»، وفي لفظ: «نفرت دوابنا ونحن في مشقة...»؛ الحديث.\nوأمَّا حديثًا؛ فمن ذلك ما يثبت بالتواتر عن جماعة من طلبة العلم الثقاة: أنَّهم كانوا مع الشيخ الإمام العلامة حسام الدين الرهاوي -مصنف «البحار» وغيره- في وليمة بمدينة عينتاب في ليلة مظلمة شاتية، فلما تفرقوا؛ أراد جماعة أن ينوروا على الشيخ إلى باب داره؛ لشدة الظلمة، فما رضي بذلك فردهم، فرجعوا، وتبع الشيخ جماعة من بُعْد، فقالوا وهم يحلفون: إنَّهم شاهدوا نورين عظيمين مثل الفوانيس؛ أحدهما عن يمين الشيخ، والآخر عن شماله، فلم يزالا معه إلى أن وصل إلى باب داره، فلما فتح الباب ودخل الشيخ؛ ارتفع النوران، ولقد أخبرني عنه جماعة بكرامات أخرى غير ذلك، وهو أحد مشايخي الذين انتفعت بهم، وأخذت عنهم) انتهى كلام إمامنا الشَّارح ﵁.\nووجه مطابقة الحديث ومناسبته قد ذكرناها فيما سبق أول الباب مع مزيد كلام، والله أعلم.","vol":"1","page":334},{"text":"<span id=\"b-٧٨٢\"> </span>(٨٠) <span data-type=\"title\" id=toc-782>[باب الخوخة والممر في المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان أمر (الخَوْخَة) بفتح الخاءين المعجمتين، وبينهما واو ساكنة؛ وهي باب صغير في الجدار مثل الطاقة، قال في «القاموس»: (الخَوْخَة: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترق ما بين كل دارين ما عليه باب) انتهى، وقال في «الصِّحاح»: (الخَوْخَة: كوة في الجدار تؤدي الضوء)، وقال في «مختصره»: (الخَوْخَة: كوة (^١) في الجدار تؤدي الضوء) انتهى، وقال ابن قرقول: (هي باب صغير قد يكون بمصراع وقد لا يكون، وأصلها فتح في حائط) انتهى.\nقلت: وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ (الخَوْخَة: باب صغير في باب كبير على المشهور، لكن كلام الكرماني يقتضي أنَّها الباب الصغير مطلقًا سواء كان في كبير أم لا) انتهى.\nقلت: والكرماني قال: (هي الباب الصغير) انتهى، وهو قاصر، وليس فيه اقتضاء لما زعمه على أنَّه متى وجد النقل عن أئمة اللُّغة؛ فلا يعدل عنه، وهو الذي يكون مشهورًا، لا ما زعمه من أنَّه مشهور، فإنَّه لا أصل له في اللُّغة فضلًا عن أن يكون مشهورًا، وما هذا إلا قول من لم يمس شيئًا من العلوم؛ فليحفظ.\n (والمَمَرِّ)؛ بفتح الميمين، وتشديد الرَّاء؛ أي: موضع المرور، وقوله: (في المسجد) متعلق بـ (الخَوْخَة والمَمَرِّ) على سبيل التنازع، ويحتمل أنَّه حال منهما، أو صفة لهما، والأول أظهر؛ فافهم.\nقال إمامنا الشَّارح: (والظَّاهر أنَّ مراد البخاري من وضع هذه التَّرجمة: الإشارة إلى جواز اتخاذ الخَوْخَة والمَمَرِّ في المسجد؛ لأن حديث الباب يدل على ذلك) انتهى.\nقلت: وعلى هذا فيكون المعنى: باب جواز اتخاذ الخوخة والممر في المسجد، فكانت التَّرجمة لشيئين، وزعم العجلوني أنَّ التَّرجمة لشيء واحد، وهو اتخاذ الخَوْخَة، وهو بعيد عن النَّظر؛ لأنَّ المؤلف صرح بترجمته للشيئين؛ فافهم.\nقال الدماميني في «المصابيح»: (نبَّه المؤلف بذلك على أنَّ المرور في المسجد لما يعرض للإنسان من شؤونه جائز، وهو من قبيل الاتفاق بما لا يضر كبير مضرة، ولا يقال: إنَّ المساجد لم توضع طرقات، فإنَّ التشديد في ذلك تنطع، والمسجد والطرقات كلها لله مرافق للمسلمين، فيستعان ببعضها على بعض؛ كمجامع مصر، وجامع الإسكندرية الوسط، وقد كان ممر أبي بكر إلى داره في المسجد) انتهى.\nواعترضه العجلوني: بأنَّ الذي يستفاد من حديث الباب أنَّ جواز الخَوْخَة والمَمَر في المسجد خاص بنحو الخليفة والإمام، وأمَّا جواز المرور فيه لغير من ذكر بكراهة أو بدونها؛ فمعلوم من دليل آخر، انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فإنَّ صريح حديث الباب يدل على الجواز مطلقًا، وكونه خاص بنحو الخليفة والإمام يحتاج إلى دليل، وبمجرد الدعوى لا يقبل، على أنَّ أبا بكر لم يكن إذ ذاك خليفةً ولا إمامًا، فكيف يدعي ذلك؟ ولو كان كما زعمه؛ لكان ذلك خاصًّا بالنَّبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّه هو الخليفة والإمام دون أبي بكر، والحديث صريح بخلافه.\nوقوله: (وأمَّا جواز المرور...) إلخ؛ فيه نظر أيضًا؛ لأنَّ هذا الحديث يدل على الجواز مطلقًا، وهو يفيد عدم الكراهة، فلا احتياج لدليل آخر لما ذكر؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٨٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-783>[حديث: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار </span>ما عند]\n٤٦٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنان) بكسر السين المهملة، ثم نونين، بينهما ألف (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بِضَمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، ذكره بلقبه؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه عبد الملك بن سليمان (قال: حدثنا أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون، وسكون الضَّاد المعجمة، ذكره بكنيته؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه سالم بن أبي أمية، (عن عُبيد بن حنين) بِضَمِّ العين المهملة، مصغر العبد، ضد الحر، و(حُنَيْن): بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح النُّون، وسكون التحتية، آخره نون، هو أبو عبد الله المدني، المتوفى بالمدينة سنة مئة وخمس، (عن بُسْر) بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون المهملة، آخره راء (ابن سَعِيد) بكسر العين المهملة، المدني الزاهد، المتوفى بالمدينة سنة مئة، (عن أبي سعيد) هو سعد بن مالك (الخدري) الصَّحابي الجليل ﵁، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد)؛ بإسقاط (بُسْر).\nوقال الكرماني: (وقع في بعض النُّسخ: «عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن عُبيد وعن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها: «عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بدون الواو بينهما) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: قال ابن السكن عن الفربري: قال محمَّد بن إسماعيل: هكذا رواه محمَّد بن سِنان، عن فليح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سَعِيد، وهو خطأ، وإنما هو عن عُبيد بن حُنَيْن وعن بُسْر بن سعيد (^٢)؛ يعني: بواو العطف، وكذا خرجه مسلم: عن سعيد بن منصور، عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد وبُسْر، عن أبي سعيد، ورواه عن فُلَيح كرواية سعيد بن يونس بن محمَّد عند ابن أبي شيبة، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري»: حدثنا محمَّد بن سِنان: حدثنا فُلَيح: حدثنا أبو النَّضْر، عن عُبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في (فضل أبي بكر): عن عبيد الله بن محمَّد، عن ابن عامر: حدثنا فُلَيح: حدثنا سالم، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد، وفي (هجرة النَّبي ﷺ): عن إسماعيل بن عبد الله: حدثني مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء»، وفيه: (فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا)، وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة، وابن وهب، ومعن، ومطرف، وإبراهيم بن طهمان، ومحمَّد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى، قال الدارقطني: (لم أره في «الموطأ» إلا في كتاب «الجامع» للقعنبي، ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه؛ فإنما رواه في غير «الموطأ»).\nقال إمام الشَّارحين: وكأنَّ هذا الاختلاف إنَّما أتى من فُلَيح؛ لأنَّ الحديث حديثه وعليه يدور، وهو عند بعضهم هو لين الرواية، وحاصل الكلام: أنَّ فُلَيحًا كان يروي تارة عن عُبيد وعن بسر كليهما، وتارة يقتصر على أحدهما، والخطأ من محمَّد بن سِنان؛ حيث حذف الواو العاطفة.\nوعلى هذا؛ فانتقاد الدارقطني عليه هذا الحديث بقوله: (رواية من رواه عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر غير محفوظة)؛ لا وجه له مع إفصاحه بما ذكره؛ إذ ليست هذه بعلة قادحة؛ فليحفظ.\n (قال) أي: أبو سعيد الخدري: (خطب النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: في مرضه الذي توفي فيه، كما يفيده حديث ابن عبَّاس الآتي، (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في خطبته: (إنَّ الله) ﷾ (خيَّر) ماضي التخيير (عبدًا)؛ أي: فوض إليه الخيار بين الشيئين، وإنَّما ذكره منكرًا للإبهام على السامعين؛ ليظهر فهم\n_________\n(^١) في الأصل: (كورة)، وليس يصحيح.\n (^٢) في الأصل: (سعد)، وهو تحريف.","vol":"1","page":334},{"text":"أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الشرف، وإلا؛ فهو ﵇ العبد المخيَّر (بين الدنيا)؛ أي: البقاء فيها إلى وقت يعلمه، وسميت دنيا؛ لدنوها وقربها من الزوال (وبين ما عنده)؛ أي: عند الله؛ وهو الدار الآخرة وما أعد له فيها من النعيم المقيم، وسميت آخرة؛ لتأخرها عن الدنيا، أو لعدم زوالها، فهي آخرة حقيقة.\nوقوله: (فاختار) أي: العبد المخيَّر (ما) أي: الذي (عند الله)؛ أي: من النعيم الدائم، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت، (فبكى أبو بكر) زاد الأصيلي: (الصديق)؛ أي الأكبر ﵁، والفاء للسببية.\nوقوله: (فقلت في نفسي) ... إلى قوله: (أعلمنا) من كلام أبي سعيد الخدري: (ما يبكي) كلمة (ما) استفهامية مبتدأ، وقوله: (هذا الشيخ)؛ يعني: أبا بكر الصديق، منصوب على المفعولية، وما بعده بالتبعية، و(يبكي): من الإبكاء لا من البكاء؛ لأنَّ بكيته؛ بمعنى: بكيت عليه، وهنا المعنى: أي شيء يجعل هذا الشيخ باكيًا؛ فافهم.\nوقوله: (إنْ يكنِ اللهُ خيَّرَ عبدًا؟) قيد للاستفهام؛ أي: إن كان الله خيَّر بعض عباده بين ما ذكر، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (إنْ يكنْ لله عبدٌ خُيِّر).\nقال إمام الشَّارحين: (وإعراب الأولى هو أنَّ «إن» بالكسر: شرطية، و«يكن»: فعل الشرط، وهو مجزوم، ولكنه لما اتصل بلفظ «الله»؛ كسر؛ لأنَّ الأصل في الساكن إذا حُرك؛ حُرك بالكسر، قال الكرماني: «والجزاء محذوف، يدل عليه السياق»، قلت: لا حاجة إلى هذا، بل الجزاء قوله: «فاختار ما عند الله») انتهى كلام [إمام] الشَّارحين.\nواعترضه العجلوني، فزعم أنَّ فيه نظر؛ لأنَّه ليس المعنى عليه، انتهى.\nقلت: واعتراضه ونظره مردودان عليه، بل المعنى عليه صحيح، ويدل عليه دخول الفاء، وهي لا تدخل إلا على الجزاء كما هنا؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة.\nثم قال إمام الشَّارحين: (و«خَيَّر» على صيغة المعلوم من التخيير، و«عبدًا»: مفعوله، والضمير في «فاختار» يرجع إلى العبد، و«ما عند الله»: في محل النصب، مفعوله، وإعراب الرواية الثانية: هو أنَّ «إنْ» أيضًا: كلمة شرط، و«يكنْ»: مجزوم به، وقوله: «عبد»: مبتدأ، وخبره قوله: «لله» مقدمًا، وقوله: «خُيِّر» على صيغة المجهول في محل رفع؛ لأنَّه صفة لـ «عبد»، والجزاء هو قوله: «فاختار») انتهى.\nقال العجلوني: (ولم يتعرض لاسم «يكن» أو فاعلها، ولعله ضمير الشأن، والمناسب جعل «عبد» مرفوع «يكن» تامة أو ناقصة، و«لله»: حال منه على جعلها تامة أو ناقصة، وجملة «خير» صفة لـ «عبد»، أو خبرًا لـ «يكن»؛ مثل قولك: إن يكن في الدار رجل قائمًا؛ فالأمر كذا؛ فتأمَّل) انتهى.\nقلت: وهذا فيه تكلف وتعسف لا حاجة إليه.\nوقوله: (ولم يتعرض لاسم «يكن» ...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّه قد صرح بأنَّ الجزاء قوله: (فاختار)، ولهذا دخلته الفاء، وإذا وجد فعل الشرط وجزاؤه؛ لا حاجة إلى غيره؛ لأنَّه اسمها وفاعلها في الحقيقة.\nوقوله: (ولعله ضمير الشأن): كلام غير موجه؛ لأنَّ كلمة (إن) شرطية، فكيف تجعل للشأن؟! وهو خلاف القواعد.\nوقوله: (والمناسب...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فيه تكلفًا لا حاجة إليه، مع كونه غير موافق للمعنى المراد منه؛ فافهم.\nوقال الدماميني: (ووقع في بعض النُّسخ: «أن يكون اللهُ عبدًا خيَّر»؛ بتقديم المفعول مع فتح «أن» وكسرها).\nوقال السفاقسي: (ويصح أن تكون الهمزة -يعني: همزة «إن» - مفتوحة)، قال ابن التين: (على أنَّها تعليلية)، وقال إمام الشَّارحين: بأن (^١) يكونمنصوبًا بـ (أن)، ويكون المعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا؟\nقال ابن حجر: (وفيما قاله ابن التين نظر)، ولم يذكر وجهه.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (في نظره نظر؛ لأنَّ التعليل هنا لأجل فراقه ﵇، لا على كونه خُيِّر بين الدنيا وبين ما عنده).\nواعترضه العجلوني، فزعم بل النَّظر في نظره؛ لأنَّه علل بعكس ما قاله، انتهى.\nقلت: هذا محاولة وخروج عن الظَّاهر؛ لأنَّه لم يذكر وجه النَّظر بل ذكره رجمًا بالغيب، وعلى فرض كون التعليل بالمعنى المذكور؛ إنَّما هو بحسب ظاهر الأمر، وإنما هو في الحقيقة لأجل الفراق، وهو يستلزم أن يكون خيِّر بين الأمرين، فما زعمه ليس في محله وإنما هو من تحريك عرق العصبية؛ فافهم.\nواستشكل جزم (يكن) على فتح (أن)، وأجاب الكرماني قياسًا على توجيه ابن مالك في حديث: (لن ترع): بأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكن النُّون له، وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين.\nوقال العجلوني: (يحتمل أنَّها جازمة؛ كقوله: تعالوا إلى أن يأتنا العيد) انتهى.\nقلت: يحتمل كونها جازمة في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، والذي يفهم من كلام إمام الشَّارحين: أنَّه على الفتح بالنصب لا غير؛ لأنَّه قال: بأن (^٢) يكون منصوبًا بـ (أن) كما ذكرنا عبارته، وظاهر اقتصاره على النصب أنَّه لا يجوز غيره وهو الرواية، واقتصار الكرماني على الجزم وتوجيهه قياسًا كما مر؛ غير ظاهر؛ لأنَّه قياس مع الفارق، والرواية لا تساعده، وعلى هذا فلا يلزم توجيه الجزم، ولا التعرض إليه؛ لأنَّه غير محتاج إليه؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية العجلوني؛ لأنَّه قد تحرك عرقه؛ فافهم.\n (بين الدنيا) متعلق بقوله: (خيِّر) (وبين ما عنده) أي: الله تعالى من النعم الدائمة، (فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبدَ)؛ أي: المخير بين الأمرين، و(العبدَ): منصوب؛ لأنَّه تابع لاسم (كان)، وهو الرواية.\nوزعم العجلوني أنَّه يحتمل النصب والرفع، كما يحتمل (هو) المحل وعدمه، انتهى.\nقلت: احتمال النصب مع احتمال المحل في (هو) هو الصَّواب؛ لأنَّه الرواية والمعنى عليه، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّ الرفع لا وجه له صحيح، وكون (هو) لا محل له بعيد أيضًا؛ لأنَّه يخل في المعنى، والرواية لا تساعد هذا؛ فليحفظ.\nوسقط هنا أيضًا: (فاختار ما عند الله) للأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت.\n (وكان أبو بكر) أي: الصديق الأكبر ﵁ (أعلمنا) أي: أكثرنا علمًا؛ حيث فهم أنَّه رسول الله ﷺ، فبكى حزنًا على فراقه وقال: (بل نفديك بآبائنا وأموالنا وأولادنا)، وإنما كان أبو بكر أعلم الصَّحابة؛ لأنَّه لم ينكر عليه أحد\n_________\n(^١) في الأصل: (فإن)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (فإن)، وهو تحريف.","vol":"1","page":335},{"text":"ممن حضر من الصَّحابة حين قال أبو سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا)، اختصه الشَّارع بالخصوصية العظمى، وأظهر أنَّ للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق، ولهذا (قال) وللأصيلي وأبي ذر: (فقال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ: (يا أبا بكر؛ لا تَبك)؛ بفتح الفوقية؛ أي: على فراقي، وهذا أمر منه له بالصبر، وأعقبه بتسلية نفسه، وسكون روعه، وعلل ذلك بقوله: (إنَّ أمنَّ الناس)؛ بنصب (أمنَّ) اسم (إنَّ)، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية كما في «التنقيح»: (إنَّ من أمن الناس) على حذف اسمها والمجرور صفته؛ أي: رجلًا من أمن، وجوز الدماميني أن يكون على حد قوله ﵇: «إنَّ من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، فأمَّا (من) زائدة في الإيجاب والتعريف على رأي الأخفش، وأمَّا اسمها؛ فضمير الشأن محذوف (^١)، انتهى، (عليَّ) بتشديد ياء المتكلم (في صحبته وماله أبو بكر)؛ أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، من المن؛ بمعنى: العطاء من غير استثابة، ومنه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]، وقوله: ﴿لَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنَّه مبطل للثواب، لأنَّ المنة لله ولرسوله في قبول ذلك، قاله الخطابي، وقال القرطبي: ووزن «أمن»: «أفعل» من المنة؛ أي: الامتنان؛ أي: أكثر منةً؛ ومعناه: أنَّ أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتن بها، وذلك لأنَّه بادر بالتصديق، ونفقة الأموال، وبالملازمة، والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأنَّ الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل، لكن النَّبي الأعظم ﷺ بجميل أخلاقه وكرم أعرافه، اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم، ليسنَّ (^٢)؛ كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا كافيناه ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة» انتهى.\n (ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم: (ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا)، قال إمام الشَّارحين: الاتخاذ: (افتعال) من الأخذ، و(اتخذ) يتعدى إلى مفعول واحد، ويتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: أختار وأصطفي، وههنا سكت عن أحد مفعولهما، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنَّه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلًا؛ (لاتخذت) منهم (أبا بكر) يعني: خليلًا، كما هو ثابت في رواية الأصيلي دون غيره؛ فافهم، والخليل: المخال؛ وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخِل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك (^٣)، وقيل: أصل الخلة: الانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقال ابن فورك: (الخلة: صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل: الخليل: من لا يتسع قلبه لغير خليله)، وقال القاضي عياض: أصل الخلة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله؛ أي: المنقطع إليه؛ لِقَصْرِهِ حاجته عليه، وقيل: الخلة: الاختصاص بأصل الاصطفاء، وسمي إبراهيم خليل الله؛ لأنَّه والى فيه وعادى فيه، وقيل: سمي به؛ لأنَّه تخلل بخلالٍ حسنة، وأخلاق كريمة، وخله الله: نصره وجعله إمامًا لمن بعده.\nوزَعْمُ السفاقسي أنَّه كان اتخذ خليلًا من الملائكة، ولهذا قال: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي»؛ يرده قوله ﵇: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي»؛ أي: أنَّ حب الله لم يُبقِ في قلبي موضعًا لغيره تعالى.\nومعنى الحديث: أنَّ أبا بكر متأهل لأن يتخذه ﵇ خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنَّه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنَّها مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن يَعْلَق القلب به؛ فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشةأنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة.\nوقد اختلف أرباب القلوب في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أنَّ المحبة أعلا؛ لأنَّها صفة النَّبي الأعظم ﷺ وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواء؛ فلا يكون الخليل إلا حبيبًا ولا الحبيب إلا خليلًا.\nوزعم الفراء أنَّ معناه: فلو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر؛ لأنَّ الخليلك من تفرد بخله من الفضل لا يشركه فيها أحد.\nوقيل: معنى الحديث: لو كنت منقطعًا إلى غير الله؛ لانقطعت إلى أبي بكر، لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك، وقول بعض الصَّحابة: (سمعت خليلي يقول) لا بأس به؛ لأنَّ انقطاعه إلى النَّبي الأعظم ﷺ انقطاع إلى الله ﷿، والممتنع انقطاعه ﵇ إلى غير الله تعالى لا انقطاع غيره إليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وأخذ عبارته العجلوني ونسبها لنفسه، ولهذا عزوتها إليه؛ فافهم.\nوقال الخطابي: (الخليل: الفقير، كأنَّهم غيروا فقره إلى محبته، والاسم منه: الخَلة؛ بالفتح، ومن المحبة: الخُلة؛ مضمومة، وقيل: الخليل: مشتق من خلة المرعى؛ وهو نبات تستحليه الماشية فتستكثر منه) انتهى.\n (ولكن أُخُوَّة الإسلام)؛ بِضَمِّ الهمزة والخاء المعجمة، مع تشديد الواو، كذا في رواية الأكثرين، وللأصيلي: (ولكن خُوَّة الإسلام)؛ بحذف الهمزة.\nقال الكرماني: (وتوجيهه أن يقال: نقلت حركة الهمزة إلى النُّون في «لكن»، وحذفت الهمزة، فعرض بعد ذلك استثقال ضمة من كسرة وضمة، فسكَّن النُّون تخفيفًا، فصار: «ولكن خوة»، وسكون النُّون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي (^٤)، ثم نقل عن ابن مالك أنَّ فيه ثلاثة أوجه؛ سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النُّون وحذف الهمزة، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال: إنَّ «لكنْ» على حالها ساكنة النُّون، وحذفت الهمزة من «أخوة» اعتباطًا، ولهذا قال ابن التين: رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وكأنَّ الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع، وقوله: «أخوة الإسلام»: كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: ولكن أخوة الإسلام أفضل أو نحوه، ويؤيده أنَّ في حديث ابن عبَّاس الذي بعده وقع هكذا) انتهى كلامه.\nقال العجلوني: (ليتأمل في دعواه الكلية، وهل القاعدة الحذف الاعتباطي أو القياسي؟ والمقرر الأول) انتهى.\nقلت: مراد الكرماني وابن مالك: أنَّ الحذف هنا قياسي مع أنَّ القاعدة أنَّه اعتباطي، على أنَّ ما قالاه تكلف وتعسف بلا فائدة، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصَّواب، ولا تغتر بما يزعمه أهل التعصب البارد،\n_________\n(^١) في الأصل: (محذوفًا).\n (^٢) في الأصل: (ليس)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (من أزلك)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٤) في الأصل: (الأصيلي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":335},{"text":"فإنَّه من توغلهم الشارد.\n (ومودته)؛ أي: مودة الإسلام، وهو معطوف على (أخوة) الواقع مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: أفضل، قال العجلوني: (ويجوز العكس) انتهى.\nقلت: هو غير ظاهر، بل الظَّاهر الأول، ويدل عليه تصريح حديث ابن عبَّاس الآتي بذلك؛ فافهم.\nقال إمامنا الشَّارح: (والفرق بين الخلة والمودة باعتبار المتعلق مع أنَّهما بمعنى واحد، وهو أنَّه أثبت المودة؛ لأنَّها بحسب الإسلام والدين، ونفى الخلة؛ للمعنى الذي ذكرناه، والدليل على أنَّهما بمعنى واحد: قوله في الحديث الذي بعده: «ولكن خلة الإسلام»، بدل لفظ المودة، وقد قيل: إنَّ الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة، فنفى الخاص وأثبت العام.\nفإن قيل: المراد من السياق أفضلية أبي بكر، وكل الصَّحابة داخلون تحت أخوة الإسلام، فمن أين لزم أفضليته؟\nقلت: بأنَّها تعلم مما قبله ومما بعده) انتهى.\nوقال الكرماني: (ليس المراد تفضيل المودة على الخلة، فـ «أفضل» المقدر -كالآتي- بمعنى: الفاضل)، ثم قال: (والمودة الإسلامية متفاوتة بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله، وتحصيل كثرة الثواب، وذلك معنى الأفضلية، ولا شك أنَّ الصديق أفضل الصَّحابة من هذه الحيثية، أو «أفضل» ليس على حقيقته، أو معناه: أنَّ مودة الإسلام معه أفضل من مودته مع غيره) انتهى.\n (لا يبقينَّ)؛ بالنُّون المشددة؛ للتأكيد، قال الكرماني: (بلفظ المجهول، ويروى بلفظ المعروف أيضًا) انتهى.\n (في المسجد): متعلق بـ (يبقى)، واللَّام فيه للعهد؛ أي: النَّبوي، والمراد به العام، (باب)؛ بالرفع، قال إمام الشَّارحين: (في صيغة المجهول يكون لفظ «بابُ» مرفوعًا على أنَّه مفعول ناب عن الفاعل؛ والتقدير: لا يبقي أحد في المسجد، وفي صيغة المعلوم يكون «باب» مرفوعًا على أنَّه فاعل، ولا يقال: كيف ينهى الباب عن البقاء وهو غير مُكلَّف؛ لأنَّا نقول: إنَّه كناية؛ لأنَّ عدم البقاء لازم للنَّهي عن الإبقاء، فكأنَّه قال: لا يبقيه أحد حتى لا يبقى، وذلك كما يقال: لا أريتك ههنا؛ أي: لا تقعد عندي حتى لا أراك) انتهى.\nوقد أخذ العجلوني عبارته، وتصرف بها، ونسبها لنفسه؛ فافهم.\nوالباب في الأصل: فرجة في حائط صغيرًا كان أو كبيرًا، والمراد به ههنا: الخَوْخَة؛ لأنَّها كوة (^١) في جدار ترى الضوء، كما قاله أهل اللُّغة، وهذا تفسير لما في التَّرجمة من الخَوْخَة، فالمراد بها: الباب في الجدار، وهو المراد به هنا: الخَوْخَة الآتية في لفظ الحديث الثاني، فإنَّها المأمور بسدها، فلا تغاير بين التَّرجمة والحديثين؛ فليحفظ.\n (إلا سدَّ)؛ بالنصب، استثناء مفرغ؛ تقديره: لا يبقى باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد، ويحتمل أن يكون إلا بابًا سُدَّ، والجملة صفة لـ (بابًا) المقدر، مستثنًى من كلام تام غير موجب، فيجوز رفعه اتباعًا (إلا بابَ أبي بكر)؛ بالنصب على الاستثناء من (بابًا) المقدر، فيجوز فيه الوجهان؛ فـ (بابًا) المقدر مستثنًى أولًا، ومستثنًى منه ثانيًا، فلا يلزم كون الفعل مستثنًى ومستثنًى منه.\nوحاصل المعنى: لا يبقى باب غير مسدود إلا باب أبي بكر ﵁.\nقال الخطابي: (إنَّ أمره ﵇ بسد الأبواب غير الباب الشَّارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدل على اختصاص شديد لأبي بكر وإكرام له؛ لأنَّهما كانا لا يفترقان) انتهى.\nوقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ الخَوْخَة هي الباب الصغير، وقد يكون بمصراع واحد وبمصراعين، وأصلها: فتح في حائط.\nفإن قلت: التَّرجمة شيئان؛ أحدهما: الخَوْخَة، والآخر: المَمَر، ومطابقته للخَوْخَة ظاهرة، وليس فيه ذكر المَمَر.\nقلت: المَمَر من لوازم الخَوْخَة، فذكرها يغني عن ذكره) انتهى.\nثم قال: (وفي الحديث دلالة على أنَّه قد أفرده في ذلك بأمر لا يشاركه فيه غيره، فأولى ما انصرف إليه التأويل فيه الخلافة، وقد أكثر الدلالة عليها بأمره إياه بالإمامة في الصلاة التي بنى لها المسجد).\nقال الخطابي: (ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصَّحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين في ذلك باستخلافه ﵇ في أعظم أمور الدين؛ وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور، ولأنه ﵇ كان يخرج من باب بيته وهو في المسجد للصلاة، فلما غلَّق الأبواب إلا باب أبي بكر؛ دلَّ على أنَّه يخرج منه إليه للصلاة، فكأنَّه ﵇ أمر بذلك على أنَّه من بعده يفعل ذلك هكذا.\nفإن قلت: روي عن ابن عبَّاس: أنَّه ﵇ قال: «سدوا الأبواب إلا باب علي ﵁».\nقلت: قال الترمذي: هو حديث غريب، وقال البخاري: حديث: «إلا باب أبي بكر»؛ أصح، وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحراني عن شعبة، وقال ابن عساكر: وهو وهم، قال صاحب «التوضيح»: وتابعه إبراهيم بن المختار) انتهى.\nقال العجلوني: (قيل: الحديث على طرق يقوي بعضها بعضًا، بل قال ابن حجر: في بعضها إسناده قوي، وفي بعضها رجاله ثقاة) انتهى.\nقلت: هذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول الترمذي: (غريب)، وقول الحاكم: (تفرد به مسكين)، وقول ابن عساكر: (وهم)؛ يرد هذا، ومن القواعد: أنَّ الجرح مقدم على التَّعديل، ويحتمل أنَّه ﵇ قال لعلي هذا خصوصية له، وتطييبًا لخاطر ابنته فاطمة، وإلا فالقرائن في الأحوال والأقوال تدل على أنَّه خاص بأبي بكر، وأنَّ الخلافة له، يدل عليه أنَّه أمره بالصلاة مقامه، ولم يأمر عليًّا كما ثبت في «البخاري»، فما زعمه العجلوني وابن حجر يوافق قول الشيعة الفرقة الضالة، فلا ينبغي القول بذلك، ولذلك أجمعت الصَّحابة على استخلاف أبي بكر دون علي؛ لعلمهم ذلك منه ﵇ بالقرائن بالقول والفعل، ولم يلتفتوا إلى حديث علي؛ لعلمهم أنَّه خصوصية له؛ لأجل خاطر فاطمة ﵄؛ فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين.\nوقال ابن بطال: (وفي الحديث التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤهم؛ خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن) انتهى.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أنَّه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم بالنص لا بالمعنى.\nوفيه: دليل على أنَّ أبا بكر أعلم الصَّحابة ﵃.\nوفيه: الحض على اختيار ما عند الله تعالى، والزهد في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين.\nوفيه: أنَّ على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، واختصاصه بالفضيلة التي لم يُشارَك فيها كما خصه ﵇ بما لم يشركه غيره، وذلك أنَّه جعل بابه في المسجد؛ ليخلفه في الإمامة فيخرج من بيته إلى المسجد، كما كان ﵇ يخرج، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافته بعده ﵇.\nوفيه: إئتلاف النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل».\nوفيه: أنَّ المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا من حاجة مهمة.\nوفيه: أنَّ الخليل\n_________\n(^١) في الأصل: (كورة)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":336},{"text":"فوق الصديق والأخ) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٨٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-784>[حديث: إنه ليس من الناس أحد أَمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر]</span>\n٤٦٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن محمَّد الجُعْفي) بِضَمِّ الجيم، وسكون العين المهملة، هو المسندي (قال: حدثنا وهب بن جَرير) بفتح الجيم (قال: حدثنا أبي) هو جَرير بن حازم -بالحاء المهملة والزاي- العتكي (قال: سمعت يَعْلى) بفتح التحتية أوله، وسكون العين المهملة (بن حَكِيم)؛ بفتح الحاء المهملة، وكسر الكاف، هو الثقفي المكي، سكن البصرة، ومات بالشام، قال البازلي: (أدرك زمن الصَّحابة، ولم يثبت أنَّه أدرك أحدًا منهم) انتهى، (عن عِكرمة) بكسر العين المهملة، مولى ابن عبَّاس ﵄، (عن ابن عبَّاس) هو عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب القرشي ﵄: أنَّه (قال: خرج رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: من حجرته للصلاة، والظَّاهر أنَّها صلاة الجمعة، كما يدل عليه السياق؛ فافهم، (في مرضه الذي مات فيه) والظَّاهر أنَّه كان وجع رأس من شدة الحرارة، وقوله: (عاصبًا) بالنصب على الحال، وهو الشد، وقوله: (رأسَه) بالنصب أيضًا، مفعوله، وقوله: (بخِرْقة) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الرَّاء المهملة: قطعة من القطن المسدود، والمراد بها: المنديل، متعلق بـ (عاصبًا).\nقال إمام الشَّارحين: (ويروى: «عاصب رأسه»؛ بالإضافة، وقال ابن التين: «المعروف: عصب رأسه تعصيبًا»، قلت: ذكر صاحب «دستور اللُّغة» «عصب» بالتخفيف أيضًا، فقال: «عصب: شدَّ» ذكره في باب «فعَل يفعِل»؛ بفتح العين في الماضي، وكسرها في المستقبل) انتهى.\nقلت: وعلى الرواية الثانية يحتمل قوله: (عاصب) الرفع والنصب؛ فافهم.\nقيل: وفي رواية الفرع: (عاصب رأسه)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال، والله أعلم.\n (فقعَد)؛ بفتح العين المهملة؛ أي: على المنبر لأجل الخطبة للناس، (فحمد الله)؛ أي: على وجوه الكمال، والمراد: أنَّه ﵇ قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، كما وَرَد عنه، (وأثنى عليه)؛ أي: على ذاته بعدم النقصان فيه، والمراد: أنَّه ﵇ وصف ذاته بصفات الكمال، ونزهه عن صفات النقص والمستحيلة، (ثم قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ: (إنَّه) أي: الشأن (ليس من الناس) أي: الصَّحابة، فغيرهم من باب أولى (أحد أمنَّ)؛ بتشديد النُّون خبر (ليس)؛ أي: أكثر عطاء وبذلًا، من منَّ عليه منًّا: أنعم، ومنه: المنان من أسمائه الحسنى (عليَّ) بتشديد ياء المتكلم (في نفسه وماله): فقد بذلهما في حبه ﵇، ومن بَذلِ نفسه: ما وقع له في الغار، كما نطق بها القرآن، ولم يكن معه ﵇ غير أبي بكر بالإجماع (من أبي بكر بن أبي قُحَافة)؛ بِضَمِّ القاف، وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف فاء، واسمه عثمان بن عامر التيمي، أسلم يوم الفتح، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات بالمدينة، وله سبع وتسعون سنة، وليس في الصَّحابة من في نسله ثلاثة بطون صحابيون إلا هو، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (وفي حديث أبي سعيد السَّابق: «إنَّ أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر»، والفرق بين العبارتين: أنَّ الأولى أبلغ؛ لأنَّ الثانية تحتمل أن يكون له من يساويه في المنة؛ إذ المنفي هو الأفضلية لا المساواة) انتهى، ومثله في الكرماني.\nواعترضه العجلوني بأنَّ المقام مقام المدح وهو يأباها، فصار المقصود منهما واحدًا؛ فافهم، انتهى.\nقلت: لا ريب أنَّ المقام في كل منهما للمدح، لكن الأولى أبلغ في المدح بخلاف الثانية، وما المانع من وجود المساواة؟ فإنَّ الصَّحابة كلهم قد أفدوه ﵇ بأنفسهم وأموالهم، فيكون هو مثلهم لكن بزيادة، ويزاد أيضًا على ما في الرواية الأولى فإنَّها قد نطقت بالزيادة التامة، وليس المقام يأباها، ولا المقصود منهما واحد؛ لأنَّه ﵇ أولًا قد ساواه مع بقية الصَّحابة، ثم استثناه منهم، وخصه بالزيادة في الفضل، فليس مراد العبارتين واحدًا كما زعمه؛ فليحفظ.\n (ولو كنت متخذًا من الناس) أي: الصَّحابة وغيرهم بالأولى (خليلًا)؛ أي: موافقًا ومسايرًا في الطريق، أو من لا يسع قلبه لغير خليله، أو لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر، ولذا قال: (لاتخذت أبا بكر)؛ أي: خليلًا منهم، فمفعوله الثاني محذوف إن أخذ من المتعدي لاثنين، وإلا؛ فلا حذف؛ فافهم، (ولكن خلة الإسلام أفضل)؛ أي: فاضلة؛ لأنَّ المراد: أنَّ الخلة بالمعنى الأول أعلى مرتبة وأفضل من كل خلة من المحبة على ما عليه الجمهور؛ استدلالًا بهذا الحديث وأمثاله، كما قدمناه قريبًا، والخُلَّة -بضم الخاء المعجمة، وتشديد اللَّام- في الأصل: ما خلا عن النبت كما في «الصِّحاح»، وقال في «القاموس»: (الخُلة -بالضم-: الخليلة (^١) والصداقة المحضة لا خلل فيها، تكون في عفاف وفي دعارة، والجمع: خلال؛ ككتاب)، وهي بهذا المعنى أنسب ههنا مما ذكرناه عن «الصِّحاح»، وأمَّا قول الكرماني نقلًا عن الجوهري: الخلة: الخليل؛ فلا يناسب هنا، كما لا يخفى إن كان الخليل بمعنى: الشخص المخالل؛ فتدبره، كذا زعمه العجلوني.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ما قاله الجوهري وجهه ظاهر؛ لأنَّ الخليل: الشخص: المخال، وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك (^٢) في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك (^٣)، كما صرح به أهل اللُّغة؛ فليحفظ، فما زعمه العجلوني؛ ليس يشيء؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين نقلًا عن ابن بطال: (إنَّه وقع في الحديث -أي: الأول-: «ولكن أخوة الإسلام»، ولا أعرف معناه)، قال: (وقد وجدت الحديث بعده «خلة» بدل «أخوة»، وهو الصَّواب؛ لأنَّه ﵇ صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر الخلالة، فأتى بلفظ مشتق منها، ولم أجد «خوة» بمعنى «خلة» في كلام العرب) انتهى.\n (سُدُّوا) بِضَمِّ السين المهملة، والدَّال المهملة المشددة (عني) أي: عن مسجدي (كل خُوخة)؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة؛ أي: باب (في هذا المسجد) أي: النَّبوي (غير خوخة) أي: باب (أبي بكر)؛ أي: الصديق الأكبر ﵁، وفي رواية الكشميهني: (إلا) بدل (غير)، قال الكرماني: (لفظ «هذا المسجد» لا يتناول إلا مسجده الشريف) انتهى.\nبناءً على أنَّ اللَّام فيه للعهد، لكن الحكم فيه عام قياسًا عليه، كما لا يخفى، كما سبق أنَّ المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا لحاجة مهمة؛ فافهم.\nوفي الحديث المطابقة للتَّرجمة؛ لأنَّ فيه الأمر بسد كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، وأمَّا المَمَر، فإن جعل اسم موضع والمراد به: الخوخة؛ فهو ظاهر، وإن كان المراد به الأعم منها؛ فبالقياس عليها، وإن\n_________\n(^١) في الأصل: (الخلية)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (يوافق)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (خلالًا من أزلك)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":336},{"text":"جعل مصدرًا بمعنى: المرور؛ فدلالته عليه باللزوم، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (المَمَر من لوازم الخَوْخَة، فذِكرها يغني عن ذكره) انتهى.\nثم قال: (والظَّاهر من وضع هذه التَّرجمة: الإشارة إلى جواز اتخاذ الخوخة والممر في المسجد؛ لأنَّ حديث الباب يدل على ذلك) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّه إن أراد بـ (يدل على) جواز اتخاذ الخوخة والممر لنحو الإمام؛ فمُسلَّم، وإن أراد العموم؛ فلا؛ لأنَّ الشَّارع أمر بسد كل خوخة غير خوخة أبي بكر؛ فافهم.\nقلت: وهو غير ظاهر، فإنَّ كون جواز اتخاذ الخوخة والممر لنحو الإمام يحتاج لدليل، والحديث لا يدل عليه؛ لأنَّ أبا بكر لم يكن إذ ذاك إمامًا، بل المراد بجواز اتخاذ الخوخة والممر على العموم مطلقًا، سواء كان مدرسًا، أو ناظرًا، أو متوليًّا، أو مؤذنًا، أو غير ذلك؛ لأنَّ حديثي الباب مطلق، فيحمل على العموم.\nولهذا قال الدماميني في «المصابيح»: (نبَّه بذلك على أنَّ المرور في المسجد لما يعرض للإنسان من شؤونه جائز، وهو من قبيل الاتفاق بما لا يضر كبير مضرة، ولا يقال: إنَّ المساجد لم توضع طرقات؛ فإنَّ التشديد في ذلك تنطع، والمسجد والطرقات كلها لله مرافق للمسلمين، فيستعان ببعضها على بعض؛ كمجامع مصر، وقد كان ممر أبي بكر إلى داره في المسجد) انتهى.\nوقال صاحب «المنحة»: (أي: جوازهما فيه) انتهى؛ فهو ظاهر في العموم، ويحتمل أنَّ الشَّارع أمر بسد كل خوخة تطل على حجرته؛ لأنَّ قوله في الحديث: (سُدُّوا عني)؛ أي: عن حجرتي، أو عن بابي حتى لا أحد ينظر إليه ﵇؛ لكونه كان في مرضه الذي مات فيه؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (ويستفاد من هذا الحديث: جواز الخطبة قاعدًا، قاله الكرماني، قلت: هذه الخطبة لم تكن واجبة، وباب التطوع واسع) انتهى.\nقلت: والظَّاهر أنَّ هذه الخطبة كانت خطبة جمعة، ويحتمل أنَّها لم تكن للجمعة بل للتذكير، وعلى الأول؛ فتجوز الخطبة الواجبة قاعدًا أو مضجعًا، كما في «التاترخانية»؛ لأنَّ القيام حال الخطبة سنة لا واجب، فلو قعد فيهما أو في أحدهما؛ أجزأه وكره من غير عذر، فلو كان مريضًا؛ أجزأه من غير كراهة، هذا مذهب الإمام الأعظم ﵁ والجمهور، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٨٥\"> </span>(٨١) <span data-type=\"title\" id=toc-785>[باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد]</span>\nهذا (باب) حكم اتخاذ (الأبواب) جمع باب؛ وهو الفرجة في الحائط (والغَلَق)؛ بفتح الغين المعجمة واللَّام؛ وهو المغلاق؛ وهو ما يغلق به الباب، قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: وبه صرح في «الصِّحاح» و«مختصره» و«القاموس»، والظَّاهر أنَّه الخشبة، أو العصاة، أو القفل، والغال؛ مما يغلق به الباب؛ كالمفتاح للغال ونحوه، ويدل لهذا حديث الباب؛ فافهم.\nويحتمل أنَّ المراد: حكم غلق الأبواب في غير وقت صلاة، فيكون الغلق شاملًا للفتح والغلق في وقت الصلاة وفي غير وقتها، والمقصود منه الصيانة والحفظ؛ فافهم.\nوقوله: (للكعبة والمساجد) بيان لاتخاذ الأبواب وغلقها؛ يعني: باب حكم اتخاذ الأبواب وغلقها الكائن للكعبة والمساجد، فهو بيان وتفسير للسابق، فقول العجلوني: (من عطف العام على الخاص)؛ غير ظاهر؛ لأنَّ الكلام الأول لم يتم إلا بلاحقه، وليس فيه عطف، بل هو بيان وتفسير لذلك؛ فافهم، على أنَّ الكعبة تابعة للمسجد الحرام، فذكر المساجد يغني عنها، لكن لما كان لها أحكام مختصة بها؛ نص عليها بانفرادها؛ تفسيرًا لما سبق، وهي ليس لها أبواب بل واحد فقط كما هو المعهود منها.\nوالمراد بالحكم: الوجوب، ولهذا قال ابن بطال: (اتخاذ الأبواب للمساجد واجب؛ لتصان عن مكان الريب وتنزه عما لا يصلح فيها؛ أي: ولأجل حفظها من أيدي العادية وغيرها، فاتخذت الأبواب؛ لحفظها مما يدانسها).\nوتقدير (الحكم) أولى من تقدير العجلوني (الجواز)؛ لأنَّه خاص والحكم أعم، وهو أولى؛ فافهم.\nوقوله: (قال أبو عبد الله)؛ أي: محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري الجعفي، جامع هذا «الصَّحيح»، ثابت عند الأكثرين، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر: (وقال لي عبد الله بن محمَّد) هو الجعفي المسندي مذاكرةً: (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عينية، (عن ابن جريج) بجيمين مصغرًا، هو عبد الملك بن عبد العزيز (قال: قال لي ابن أبي مُلكية)؛ بِضَمِّ الميم؛ بالتصغير، هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ملكية، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي القاضي: (يا عبد الملك) هو اسم ابن جريج؛ (لو رأيتَ) بفتح التَّاء (مساجد ابن عبَّاس وأبوابها)؛ أي: لرأيت عجبًا أو حسنًا؛ لإتقانها، فجزاء (لو) محذوف، كما قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (ويحتمل أن تكون «لو» للتَّمني، فلا تحتاج إلى الجزاء، وهذا الكلام يدل على أنَّ هذه المساجد كانت لها أبواب وأغلاق بأحسن ما يكون، ولكن كانت في الوقت الذي قال ابن أبي مُليكة لابن جريج: «خربت واندرست»، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «وأبوابها») انتهى.\nقلت: يعني: وإنَّ الغالب أنَّ لأبوابها أغلاقًا.\nقال العجلوني: (وهل الجمع مراد فيها؛ لأنَّها كانت متعددة أو هي اسم لمسجد واحد عمَّره في الكوفة أو غيرها؛ فليحرر) انتهى.\nقلت: قول ابن أبي مليكة: (لو رأيت مساجد ابن عبَّاس) يدل على أنَّ الجمع الحقيقي مراد فيها؛ لأنَّه الأصل في الكلام، فهي متعددة؛ لأنَّه لا مانع من أنَّه عمَّر مسجدًا في الكوفة، ومسجدًا في الطَّائف، ومسجدًا في غيرهما؛ لأنَّه قد سكن الطَّائف وتوفي فيه، ومسجده هناك مشهور؛ كما هو في الكوفة وغيرهما؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٧٨٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-786>[حديث: أن النبي قدم مكة فدعا عثمان بن طلحة ففتح]</span>\n٤٦٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: ([حدثنا] أبو النُّعمان) بِضَمِّ النُّون، هو محمَّد بن الفضل السدوسي البصري (وقتيبة) زاد أبو ذر: (ابن سعيد): هو المنقري (قالا) بالتثنية: (حدثنا حمَّاد) زاد أبوا ذر والوقت: (ابن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن أيوب) هو السختياني، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄: (أن النَّبي) الأعظم (ﷺ قدِم)؛ بكسر الدَّال المهملة (مكة) أي: المكرمة عام الفتح، (فدعا) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (عثمان بن طلحة) هو ابن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى العبدري الحجبي، قتل أبوه وعمه يوم أُحُد كافرين في جماعة من بني عمهما، وهاجر هذا مع خالد بن الوليد وعمرو، ودفع النَّبيُّ ﵇ له وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان مفتاح الكعبة، كذا في «عمدة القاري».\nوقال الكرماني: (أسلم عثمان يوم هدنة الحديبية، وجاء يوم الفتح بمفتاح الكعبة وفتحها، فقال ﵇: «خذوها -يعني: المفتاح- يا آل أبي طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم»، ثم نزل المدينة، فأقام بها إلى وفاة النَّبي ﵇، ثم تحول إلى مكة ومات بها سنة اثنتين وأربعين) انتهى.\nوقال البيضاوي وغيره: (أسلم عثمان يوم الفتح، وأتى يوم الفتح بمفتاح الكعبة وفتحها، ودفع رسول الله مفتاح الكعبة إليه وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان لما نزلت آية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾) [النساء: ٥٨] انتهى.\nوهو مخالف لما زعمه الكرماني من أنَّه أسلم يوم الحديبية؛ فيحرر.\nوقال العجلوني: (ورجوع ضمير «خذوها» إلى","vol":"1","page":337},{"text":"المفتاح صرح به الكرماني، والعيني، وغيرهما، وكأنَّه أثبته باعتبار أنَّه آلة الفتح، ولا يمتنع رجوعه إلى السدانة؛ فتأمل) انتهى.\nقلت: ويحتمل أنَّه أراد بقوله: «خذوها»؛ أي: الكعبة، وأخذ المفتاح قرينة إلى أنَّها تكون بأيديهم ولا تنزع منهم؛ فتأمل.\nوكون الإمام العيني صرح به؛ ممنوع، بل نقل عبارة الكرماني وظاهره التبري منها، حيث لم يتعرض لمرجع الضمير، وانظر ما معنى السدانة التي (^١) ذكرها العجلوني.\nوفي «مختصر الصِّحاح»: (السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام، والجمع: السدنة) انتهى، وعلى هذا فالضمير يرجع إلى الكعبة؛ لأنَّها كانت بيت الأصنام.\nوفي «القاموس»: (السدانة: خدم الكعبة، وسَدَنَ ثوبه: أرسله) انتهى، وعلى هذا فيكون السدانة: ثياب الكعبة، ومرجع الضمير إليها ظاهر؛ فتأمل مع ما سبق.\n (ففَتَحَ البابَ)؛ أي: باب الكعبة، وظاهر كلام الشراح أنَّ الرواية بالبناء للفاعل؛ أي: أنَّه ﵇ فتح الباب، وهو منصوب، ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول؛ لأنَّه ﵇ قد سلَّم المفتاح إلى آل أبي طلحة، فيحتمل أنَّ الفاتح عثمان أو غيره؛ فافهم، (فدخل النَّبي) الأعظم (ﷺ) أي: في الكعبة (وبلال) عطف على قوله: (النَّبي)؛ أي: ودخل بلال أيضًا مع النَّبي الأعظم ﷺ، وهو المؤذن، ابن رباح مولى الصديق الأكبر ﵄، واسم أمه: حمامة، أسلم قديمًا، فعذبه قومه، وجعلوا يقولون له: ربك اللات والعزى، وهو يقول: أَحدٌ أَحد، فأتى عليه الصديق فاشتراه بسبع أواق، وأعتقه، فشهد بدرًا، والحديبية، والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇، وهو أول من أذَّن لرسول الله، وكان يؤذن له سفرًا وحضرًا، توفي بالشام سنة عشرين، عن بضع وستين سنة، وقبره بمقبرة باب الصغير، عليه قبة عظيمة، يزار ويتبرك به، وغير ذلك فيه نظر؛ فافهم، (وأُسَامة بن زيد)؛ بِضَمِّ الهمزة، وفتح السين المهملة: حِبُّ رسول الله ﵇ الذي ولاه ﵇ وكان صغيرًا، (وعثمان بن طلحة) هو العبدري الحجبي، المار آنفًا، قال إمام الشَّارحين: (وإدخاله ﵇ هؤلاء الثلاثة معه لِمعَانٍ تخص كل واحد منهم، فأمَّا دخول بلال؛ فلكونه مؤذنه وخادم أمر صلاته، وأمَّا أسامة؛ فلأنه كان يتولى خدمة ما يحتاج إليه، وأمَّا عثمان؛ فلئلا يتوهم الناس أنَّه ﵇ عزله عن ولايته، ولأنَّه كان يقوم بفتح الباب وإغلاقه) انتهى.\n (ثم أُغلِق البابَ)؛ بِضَمِّ الهمزة، وكسر اللَّام، مبنيًا للمفعول، كذا في رواية الأكثرين، وفي روايةٍ-كما في القسطلاني من غير عَزوٍ-: (ثم أَغلَق) بفتح الهمزة واللَّام، مبنيًا للفاعل، و(البابَ) منصوب على المفعولية، وعليها فيكون الفاعل النَّبيَّ الأعظم ﷺ، وعلى الأولى يكون واحدًا من هؤلاء الثلاثة؛ فافهم.\nوالحكمة في غلق الباب ما قاله الخطابي وابن بطال: إنَّ إغلاق باب الكعبة كان لئلا يَكْثُر الناس عليه، فيصلُّون بصلاته ﵇، ويكون ذلك عندهم من المناسك، كما فعل في صلاة الليل حين لم يخرج إليهم؛ خشية أن يكتب عليهم.\nوقيل: إنَّما كان ذلك لئلا يزدحموا عليه؛ لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه.\nوقيل: ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، كذا في «عمدة القاري».\nوفي العجلوني: (وقيل: للتمكن من الصلاة في جميع جهاتها؛ لأنَّ الصلاة إلى الباب لا تصح إذا كان مفتوحًا من غير شاخص مرتفع) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّ فتح الباب غير مانع للصلاة، فإن شرط صحة الصلاة: استقبال جزء من بقعة الكعبة أو هوائها، فإن القبلة اسم لبقعة الكعبة المحدودة وهوائها إلى عنان السَّماء، وليس بناؤها قبلة، ولهذا حين أزيل البناء زمن عبد الله بن الزُّبير ﵁؛ صلى الصَّحابة ﵃ إلى البقعة أو هوائها دون البناء وإن كان البناء المرتفع يسمى كعبة؛ لأنَّه مأخوذ من الارتفاع، ومنه: الكاعب، فكان هذا إجماع من الصَّحابة على ذلك، فهذه العلة غير ظاهرة، وما قدمناه آنفًا أولى بالصَّواب؛ فافهم.\n (فلبث)؛ بالمثلَّثة، من اللبث؛ وهو المكث؛ أي: مكث (فيه)؛ أي: في البيت العتيق النَّبيُّ الأعظم ﷺ ومن كان معه ممن سبق (ساعة)؛ أي: مقدار ساعة زمانية، وهي خمس عشرة درجة، وهي المعروفة بستين دقيقة؛ لأنَّ هذا المقدار من الزمن هو الذي يسع الصلاة، والدعاء، ونحوهما.\nوقول العجلوني: (أي: لغوية)؛ ممنوع؛ لأنَّها حصة من الزمن ولو لحظة، وهي لا تسع الصلاة والدعاء ونحوها؛ فافهم.\n (ثم خرجوا)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ ومن دخل معه ممن (^٢) سبق، وأتى بـ (ثم) المفيدة للتراخي؛ لأنَّه كان لبثهم ساعة زمانية كما ذكرنا، وهو يؤيد ما قلناه؛ فافهم.\nقال العجلوني: (وفي نسخة: «ثم خرج») انتهى.\nقلت: الله أعلم بصحتها، وليس المعنى عليها بظاهر؛ لأنَّ الذي خرج ليس فردًا بل جمعًا؛ فليحفظ.\n (قال ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (فبَدَرتُ)؛ بفتح الموحَّدة والدَّال المهملة؛ أي: أسرعت؛ يعني: أنَّ ابن عمر لما رآهم خرجوا من البيت؛ بادر للسؤال عن صلاة النَّبي الأعظم ﷺ، (فسألت بلالًا)؛ أي: قلت له: هل صلى النَّبي الأعظم ﷺ في البيت أم لا؟ (فقال) أي: بلال: (صلى فيه) أي: صلى النَّبي الأعظم ﷺ في البيت المعظم، (فقلت: في أيٍّ؟) بتنوين (أيٍّ)؛ يعني: في أيِّ نواحيه؟ كما ثبت في بعض النُّسخ، (قال) أي: بلال: (بين الأسطوانتين) تثنية الأُسطوانة؛ بِضَمِّ الهمزة، ووزنها: أفعوانة، وقيل: فعلوانة، قاله إمامنا الشَّارح، زاد الكرماني: (وقيل: أفعلانة).\nوفي «عمدة القاري»: (وسيجيء في كتاب «الحج» عن ابن عمر: «أنَّه سأل بلالًا: هل صلى فيه رسول الله ﷺ؟ قال: نعم؛ بين العمودين -وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة- ثم صلى»، وفي لفظ: «فمكث في البيت نهارًا طويلًا، ثم خرج فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم فوجدت بلالًا قائمًا وراء الباب، فقلت له: أين صلى؟ فقال: بين ذينك العمودين المقدمين، قال: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء») انتهى.\nقلت: وهذان العامودان هما المعبَّر عنهما ههنا بـ (الأسطوانتين)؛ فافهم.\n (قال ابن عمر: فذهب عليَّ) بفتح ياء المتكلم؛ أي: أُنْسِيت (أَن أَسأله) بفتح همزة (أَن) المصدرية، وهي في محل رفع فاعل (ذهب)؛ أي: ذهب عليَّ سؤال بلال: (كم صلى) النَّبي الأعظم ﷺ في البيت؟ أي: فاتني أن أسأله عن مقدار ما صلى؛ لأنَّ (كم) الاستفهامية للسؤال عن الكمية.\nوفي «عمدة القاري»: (وروى أحمد من حديث عثمان بن طلحة بسند صالح: «أنَّ النَّبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه ركعتين بين الساريتين (^٣)».\nوفي «فوائد سمويه»: «أنَّ عبد الرحمن بن الوضاح قال: قلت لشيبة: زعموا أنَّ النَّبي ﷺ دخل الكعبة فلم يصلِّ فيها، قال: كذبوا،\n_________\n(^١) في الأصل: (الذي)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (مما)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (السائريتين)، وهو تحريف.","vol":"1","page":337},{"text":"والله لقد صلى ركعتين بين العمودين، ثم ألصق بهما بطنه وظهره».\nومطابقته للتَّرجمة في قوله: «ففتح الباب»، وفي قوله: «ثم أغلق».\nوفي الحديث: أنَّ اتخاذ الأبواب للمساجد واجب.\nوفيه: أنَّ المستحب لمن يدخل الكعبة أن يصلِّي فيها بين الأسطوانتين، كما فعل النَّبي الأعظم ﷺ) انتهى.\nقلت: وفي الحديث: دليل على جواز الصلاة داخل البيت فرضًا كانت أو نفلًا؛ لأنَّ صلاته ﵇ وإن كانت نفلًا فالفرض في معناه فيما هو من شرائط الجواز دون الأركان، ولأنها صلاة استجمعت شرائطها بوجود استقبال القبلة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ لأنَّ الأمر بالتطهير للصلاة فيه ظاهر في صحتها فيه؛ إذ لا معنى لتطهير المكان لأجل الصلاة وهي لا تجوز في ذلك المكان؛ فليحفظ، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».\nوقال ابن بطال: (الحكمة في غلق الباب لئلا يظن الناس أنَّ الصلاة في البيت سُنَّة).\nواعترضه ابن حجر، فقال: (ولا يخفى ما فيه).\nقال العجلوني: (ولعله لما قال البرماوي من أنَّ ذلك سنَّة لكن في النفل دون الفرض؛ فقيل بعدم جوازه) انتهى.\nقلت: وكلام ابن بطال ظاهر لا غبار عليه؛ لأنَّ صلاته ﵇ في البيت أمر مستغرب؛ لأنَّه لم يكن عادة له ﵇، فلا ريب أنَّ الناس يظنوا أنَّ الصلاة فيه سنة، ويدل عليه أنَّه ﵇ حين خرج لصلاة الليل، فلما رأى الناس كثروا وظنوا أنَّ صلاة الليل سنة؛ لم يخرج إليهم؛ خشية أن تكتب عليهم، فما زعمه ابن حجر؛ باطل غير ظاهر كما لا يخفى.\nوقول البرماوي: في الفرق بين النفل والفرض، وأنَّه قيل بعدم جوازه؛ لا وجه لذلك؛ لأنَّه لا فرق بين النفل والفرض؛ لأنَّ الفرض في معنى النفل حيث هو من شرائط الجواز دون الأركان، والآية المطهرة تدل على ذلك، فالآية وكذا الحديث حجة على من منع الصلاة في الكعبة؛ لأنَّ الصلاة أحق بأن تكون في بيت الله؛ لأنَّها عبادة الله تعالى، فلا وجه لهذا الكلام الصَّادر من غير مرام؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٨٧\"> </span>(٨٢) <span data-type=\"title\" id=toc-787>[باب دخول المشرك المسجد]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (دخول المشرك المسجد) اللَّام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله مع ذكر مفعوله على حد قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وهذه التَّرجمة هنا ترد على الإسماعيلي حيث ترجم بها بدل ترجمة: (باب الاغتسال إذا أسلم) هناك، وعليه ففيه تكرار ظاهر، ويحتمل أنَّه أسقط هذه التَّرجمة هنا مع حديثها؛ لعلمها مما سبق؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: هذه التَّرجمة مكررة؛ لأنَّه ذكر هناك وربط الأسير أيضًا في المسجد، وربطه فيه يستلزم إدخاله.\nقلت: أجيب: بأن هذا أعم؛ لأنَّ المشرك أعم من أن يكون أسيرًا أو غير أسير.\nقلت: هذا غير مقنع؛ لأنَّ الأسير أيضًا أعم من أن يكون مشركًا أو غير مشرك) انتهى كلامه.\nقلت: ولم يذكر جوابًا مقنعًا.\nوأجاب العجلوني: (بأنَّ الدخول عُلِم من الباب السَّابق بطريق اللزوم، وأمَّا هنا؛ فبالقصد) انتهى.\nقلت: وهذا أيضًا غير مقنع؛ لأنَّه لما علم الدخول من الباب السَّابق، وإن كان بطريق اللزوم؛ فقد علم حكمه، فإعادته مرة ثانية وإن كان بالقصد؛ يكون تكرارًا لا محالة.\nوقد يقال: إنَّه لما ذكر ربط الأسير تبعًا لاغتسال الكافر إذا أسلم وكان في بيان دخول الكافر المسجد خفاء؛ ترجم له بما فيه إيضاح وبيان لحكمه على طريق الاستقلال بدون التبعية؛ فافهم، وعليه فلا تكرار في التراجم كما لا يخفى؛ فاحفظ.\n\n <span id=\"b-٧٨٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-788>[حديث: بعث رسول الله خيلًا قبل نجد فجاءت]</span>\n٤٦٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قتيبة)؛ تصغير قتبة، وكنيته: أبو رجاء، واسمه علي بن سعيد بن جميل البغلاني، قرية من قرى بلخ، المتوفى سنة أربعين ومئتين (قال: حدثنا اللَّيث) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي، من أتباع الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، (عن سعِيد بن أبي سعِيد)؛ بكسر العين المهملة فيهما، واسم أبي سعيد: كيسان، هو المقبري المدني، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومئة: (أنَّه) أي: سعِيدًا (سمع أبا هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل (يقول) جملة فعلية محلها نصب؛ إمَّا مفعول ثان (^١) لـ (سمع)، وإمَّا حال على الخلاف: (بعث رسول الله ﷺ) لعشر خلون من محرم سنة ست إلى القرطاء (خيلًا)؛ أي: فرسانًا، وهم ثلاثون، أميرهم: محمَّد بن مسلمة، وكانت غيبته تسع عشرةليلة (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: الجهة، يقال: جلس قُبالته -بالضم-؛ أي: تجاهه (نَجْد)؛ بفتح النُّون، وسكون الجيم: وهي الأرض المرتفعة، ضد الغور، وهي تهامة إلى العراق، وهي من جزيرة العرب، (فجاءت) أي: الخيل (برجل من بني حَنيفة)؛ بفتح الحاء المهملة: قبيلة مشهورة (يقال له) أي: للرجل: (ثُمَامَة بن أُثَال)؛ بالمثلَّثة فيهما مع ضم أولهما، وتخفيف ثانيهما ورابعهما، وهو في الأول ميم، وفي الثاني لام، (فربطوه)؛ أي: بإذنه ﵇ وأمره، كما صرح به ابن إسحاق كما تقدم (بسارية) أي: أسطوانة (من سواري) أي: من أساطين (المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وإنما فعل به ذلك؛ لينظر حسن صلاة المسلمين، واجتماعهم عليها، فيرق قلبه ويألف الإسلام، وهذا الحديث قد سبق في باب (الاغتسال إذا أسلم)، واختصره المؤلف هنا مقتصرًا على مطابقة التَّرجمة؛ وهو دخول المشرك المسجد، والمراد به: الذمي؛ لأنَّ ثمامة كان ذميًّا.\nفقال الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁: يجوز دخول الكتابي المسجد ولو المسجد الحرام، لا الحربي؛ لحديث الباب وحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم»، رواه أحمد بسند جيد.\nوقال مالك وقتادة والمزني وعمر بن عبد العزيز: لا يجوز دخول الكافر المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ...﴾؛ الآية [التوبة: ٢٨]، ولا حجة لهم فيها؛ لأنَّ معناه: أنجاس في اعتقادهم، وأقوالهم، وأفعالهم؛ لأنَّهم يشركون بالله غيره، ويريدون بأعمالهم سواه، فالآية في دخولهم للحج (^٢)، أمَّا نفس الكافر؛ فغير نجس؛ لأنَّ الكفر لا يؤثر في بدنه.\nوقال الشَّافعي وأحمد: يجوز دخول الكافر المسجد لحاجة وإِذْنِ مسلم سواء كان كتابيًّا أو غيره إلا المسجد الحرام؛ لحديث الباب، ولا حجة لهما فيه؛ لأنَّ ثمامة كان إمَّا ذميًّا أو خدمًا لأهل العهد كما هو صريح الحديث، واشتراط الإذن شرط زائد على النص؛ لأنَّه غير مذكور؛ لأنَّ ثمامة كان مغلولًا بأيديهم، واستثناء المسجد الحرام يرده قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا...﴾؛ الآية [التوبة: ٢٨]، والخطاب إنَّما كان للمشركين كما هو صدر الآية، فالمعاهد خارج عن الآية؛ فافهم.\nوتمامه تقدم في الباب السَّابق بأبسط من هذا، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٨٩\"> </span>(٨٣) <span data-type=\"title\" id=toc-789>[باب رفع الصوت في المساجد]</span>\nهذا (باب) حكم (رفع الصوت في المساجد) ولأبي ذر: (في المسجد)؛ بالإفراد، قال إمام الشَّارحين: (وهو أعم من أن يكون ممنوعًا أو غير ممنوع، فذكر المؤلف الحديثين فيه إشارة إلى بيان تفصيل فيه مع الخلاف، فالحديث الأول يدل على المنع، والحديث\n_________\n(^١) في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (الحج)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":338},{"text":"الثاني يدل على عدمه، وقد ذكرنا الخلاف فيه فيما تقدم، وهو «باب التقاضي والملازمة في المسجد») انتهى، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٧٩٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-790>[قول عمر: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما]</span>\n٤٧٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو المديني (قال: حدثنا يحيى بن سعِيد) بكسر العين المهملة، هو القطان (قال: حدثنا الجُعَيْد)؛ بِضَمِّ الجيم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره دال مهملة، ويقال له: جعيد أيضًا؛ بدون الألف واللَّام، ويقال له: الجعد أيضًا؛ بدون التصغير، وهو اسمه الأصلي، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي: (الجعد) (بن عبد الرحمن) بن أوس، وهو ثقة (قال: حدثني) بالإفراد (يَزِيد) بفتح التحتية أوله، وكسر الزاي (ابن خُصَيْفة)؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة، وفتح الصَّاد المهملة، وسكون التحتية، وبالفاء: ابن أخي السائب المذكور فيه، وخُصَيْفة جده، وأبوه عبد الله بن خُصَيْفة، وقد نُسب إلى جده، (عن السائب) بالسين المهملة (بن يَزِيد)؛ بفتح التحتية أوله، من الزيادة: هو الكندي الصَّحابي، وهو عم يزيد ابن خُصَيْفة، وروى الجعيد عن السائب بدون واسطة في باب (استعمال فضل وضوء الناس)، وهنا روى عنه بواسطة يزيد، وروى حاتم بن إسماعيل هذا الحديث عن الجعيد عن السائب بلا واسطة، أخرجه الإسماعيلي، وصح سماع الجعيد من السائب كما ذكرنا الآن، فلا يكون هذا الاختلاف قادحًا، وروى عبد الرزاق هذا من طريق أخرى عن نافع قال: كان عمر يقول: لا تكثروا اللغط، فدخل المسجد؛ فإذا هو برجلين قد ارتفعت أصواتهما، فقال: إنَّ مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت...؛ الحديث، وهذا فيه انقطاع؛ لأنَّ نافعًا لم يدرك هذا الزمان، كذا قاله إمام الشَّارحين، (قال) أي: السائب بن يَزِيد: (كنت قائمًا)؛ بالقاف للأكثرين، وفي رواية: (نائمًا)؛ بالنُّون، ويؤيد هذه الرواية ما ذكره الإسماعيلي عن أبي يعلى: حدثنا محمَّد بن عباد: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد، عن السائب قال: (كنت مضطجعًا)، قاله إمام الشَّارحين، وقال في «المنحة»: (وروي: «مضطجعًا»، وظاهره هنا أنَّه مُدْرَج) انتهى.\nقلت: هذا الظَّاهر ليس بظاهر؛ لأنَّه رواية هنا أيضًا، وليس فيه دليل على الإدراج؛ فافهم، واعرفه.\n (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، (فحَصَبَني)؛ بفتحات، من حصبت الرجل أحصِبه -بالكسر-؛ أي: رميته بالحصباء، قاله إمام الشَّارحين، ومثله في «الصِّحاح» (رجلٌ) بالتنوين، (فنظرت) أي: إلى الرجل الحاصب؛ (فإذا هو عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين القرشي ﵁، قال إمامنا الشَّارح: (كلمة «إذا» للمفاجأة، وهو مبتدأ، و«عمر» خبره، ويروى: «فإذا عمر بن الخطاب»، فعلى هذا «عمر» مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: فإذا عمر حاضر أو وقف) انتهى.\n (فقال) أي: عمر للسائب: (اذهب فائتني بهذين)؛ يعني: بهذين الشخصين، وكانا ثقفيين (^١)، كذا في رواية عبد الرزاق، قاله إمام الشَّارحين.\nقلت: يعني: لم يعلم اسمهما، وهو كذلك؛ فافهم.\n (فجئته بهما) أي: فأتيت عمر بالشخصين، (قال): ولأبوي ذر والوقت: (فقال) أي: عمر ﵁: (مَن) ولأبي الوقت وابن عساكر: (ممن) (أنتما؟ أو من أين أنتما؟) كلمة (أو) فيه للشك من الراوي، والأولى استفهام عن ذات الشخصين، والثانية عن قبيلتهما، والثالثة عن مكانهما، (قالا) أي: الشخصان: (من أهل الطَّائف)، وهذا يصلح جوابًا عن الأخيرين بلا ريب، وعن الأول بتكلف؛ فافهم.\nوالطَّائف: بلد بالحجاز من أعمال مكة المشرفة على يومين منه، قيل: بينهما ستون ميلًا، نسب إليها كثير من العلماء، وهي مدينة صغيرة منحصرة، مياهها عذبة، وهواؤها معتدل صحيح، وضياعها متصلة البطيح، باردة الماء، كثيرة الفواكه، وبها مآثر نبوية، كذا في «القاموس».\nوقال الأمساطي: ومن أرض الحجاز: الطَّائف، وهي مدينة صغيرة على ظهر جبل قريب من مكة، فيها فواكه ومياه جارية، ويحمد فيه الماء، وليس في الحجاز مكان يحمد فيه الماء سواها).\nوقد سكنها ثقيف، وهو قسي بن منبه بن معد بن يقدم بن أقصى بن إياد بن نزار (^٢) بن معد بن عدنان، ومن فضلهم ما رواه النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد هممت ألَّا أقبل هدية إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي».\nوفي «الجامع الصغير» للأسيوطي: «أول من أشفع له من أمتي: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الطَّائف»، وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» من حديث عبد الله بن جعفر.\nوفي حديث طويل: «الطَّائف قرية يونس بن متى ﵇»، وأشار إليه في قوله تعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قالوا: هما مكة والطَّائف، ومن فضلها (^٣) ما في «البيضاوي» في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]: نزلت حين هم ﵇ بالدعاء على ثقيف.\nوروى صاحب «الفائق»: أنَّه ﵇ قال: «لا يحب ثقيفًا إلا مؤمن، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من ثقيف أحد»؛ تكرمة لهم، وتمامه في «الطيف الطَّائف بفضل الطَّائف» للشيخ محمَّد بن علان الصديقي؛ فيراجع.\n (قال) أي: عمر ﵁: (لو كنتما من أهل البلد) أي: المدينة المنورة؛ (لأوجعتكما)؛ أي: جَلْدًا، كما هو في رواية الإسماعيلي؛ يعني: لعدم عذركما، ففيه -كما قاله إمام الشَّارحين-: ما يدل على جواز قبول اعتذار أهل الجهل بالحكم إذا كان في شيء يخفى مثله، انتهى.\nقال العجلوني: (وهو يدل على أنَّه تقدم نهيه عن ذلك) انتهى.\nقلت: هذا فاسد الاعتبار، فإنَّه ليس فيه ما يدل على تقدم النَّهي؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك أول الأمر بالنَّهي، ويدل عليه أنَّهما جهلا الحكم؛ لأنَّه لم يصدر، ولم يتقدم، فلو كان النَّهي معلومًا؛ لما فعلا ذلك؛ فليحفظ.\nثم بيَّن سبب الجلد بقوله: (ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم (ﷺ) وهذا خطاب لهذين الشخصين، وهي جملة مستأنفة لا محل لها، وهي في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، كأنَّهما قالا: لم توجعنا؟ قال: لأنَّكما ترفعان... إلخ.\nفإن قلت: ما وجه الجمع في (أصواتكما) مع أن الموجود صوتان لهما؟\nقلت: المضاف المثنى معنًى إذا كان جزء ما أضيف إليه الأفصح أن يذكر بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويجوز إفراده؛ نحو: أكلت رأس شاتين، والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وإن لم يكن جزؤه؛ فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية؛ نحو: سلَّ الزيدان سيفهما، فإن أمن اللبس؛ جاز جعل المضاف بلفظ الجمع؛ كما في قوله ﵇: «يعذبان في قبورهما».\nوفي رواية الإسماعيلي: (برفعكما أصواتكما)؛ أي: بسبب رفعكما أصواتكما، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nوزعم ابن حجر أنَّ هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأنَّ عمر لا يتوعد الرجلين بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي، انتهى.\nوردَّه إمامنا الشَّارح فقال: (لا نسلم ذلك؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك باجتهاده ورأيه) انتهى.\n_________\n(^١) في الأصل: (ثقفيان)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (نوار)، وهو تحريف.\n (^٣) في الأصل: (فضله)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":338},{"text":"قلت: وهذا هو الظَّاهر؛ لأنَّه لم يتقدم نهي عن ذلك أصلًا، ولهذا قال العجلوني: وما ذكره ابن حجر؛ فيه وقفة؛ أي: من حيث إنَّ الظَّاهر أنَّ ذلك كان منه بطريق الاجتهاد والرأي، لا من طريق السَّماع من النَّبي الأعظم ﷺ، ويدل عليه أنَّه لو كان بطريق السَّماع؛ لكان يقول: سمعت النَّبي ﷺ، أو أَمَرَ، أو نَهَى، فحيث لم يذكر شيئًا من ذلك؛ عُلِم أنَّه بطريق الاجتهاد كما لا يخفى؛ فافهم.\nوفي هذا الحديث دلالة على منع رفع الصوت في المساجد، وأنَّه غير جائز؛ لأنَّه بني للصلاة وتلاوة القرآن، وهي تكون بالسَّكينة، والوقار، والتدبر لمعاني القرآن، ورفع الصوت ينافي ذلك، ويشغل المصلين، ويلهيهم؛ فهو لا يجوز.\nوقال ابن بطال: (قال بعضهم: أمَّا إنكار عمر ﵁؛ فلأنَّهما رفعا أصواتهما فيما لا يحتاجان إليه من اللغط الذي لا يجوز في المسجد، وإنَّما سألهما من أين أنتما؟ ليعلم أنَّهما إن كانا من أهل البلد، وعلما أنَّ رفع الصوت في المسجد باللغط فيه غير جائز؛ زجرهما وأدبهما، فلما أخبراه أنَّهما من غير البلد؛ عذرهما بالجهل) انتهى.\nوقال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للتَّرجمة في أحد احتماليها وهو المنع، وفيه: جواز تأديب الإمام من يرفع صوته في المسجد باللغط، ونحو ذلك) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٩١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-791>[حديث: أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد </span>دينًا له عليه]\n٤٧١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد) هو ابن صالح المصري، كما وقع في رواية ابن شبويه عن الفربري، وجزم به ابن السكن والحاكم في «المدخل»، وقال الكلاباذي: (قال ابن منده الأصفهاني: كل ما قال البخاري في «الجامع»: أحمد عن ابن وهب؛ فهو ابن صالح المصري، وقيل: إنَّه أحمد بن عيسى التستري، ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما؛ كذا قرره إمامنا الشَّارح (قال: حدثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: (أخبرنا) (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس بن يزيد) هو الأيلي، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني التَّابعي (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن كعب بن مالك) هوالأنصاري: (أَنَّ) -بفتح الهمزة- أباه (كعب بن مالك) هوالأنصاري السلمي المدني الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، مات بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عَمِي ﵄ (أخبره) أي: أخبر كعبُ ابنَه عبد الله (أنَّه) أي: أنَّ كعبًا (تقاضى) أي: طالب (كعب بن أبي حدرد) بمهملات: هو عبد الله بن سلامة، كما صرح به المؤلف في إحدى رواياته، وهو صحابي على الأصح، و(تقاضى) على وزن (تفاعل)، وأصله لمشاركة أمرين فصاعدًا؛ نحو: تشاركا، قال الكرماني: (هو متعد إلى مفعول واحد، وهو الابن)، قال إمام الشَّارحين: (إذا كان «تفاعل» من «فاعل» المتعدي إلى مفعول واحد؛ كضارب؛ لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين؛ كجاذبته الثوب؛ يتعدى إلى واحد) انتهى، (دينًا) منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين، قاله الكرماني، وإنما وجه بهذا؛ لأنَّا قلنا: إنَّ (تفاعل) إذا كان من المتعدي إلى مفعولين؛ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، قاله الشَّارح، (له عليه) ولأبوي ذر والوقت: (كان له عليه)؛ أي: كان الدين لكعب بن مالك على كعب بن أبي حدرد، والجملة محلها نصب صفة (دينًا) (في عهد رسول الله ﷺ) أي: في زمن حياته (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وهو متعلق بـ (تقاضى)، (فارتفعت) أي: علت (أصواتهما) من قبيل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت، قاله الشَّارح، (حتى سمعها)؛ أي: أصواتهما، وللأصيلي: (حتى سمعهما)؛ أي: كعبًا وابن أبي حدرد باعتبار صوتيهما (رسول الله ﷺ) وقوله: (وهو في بيته) جملة اسمية بالواو محلها النصب على الحال من الرسول الأعظم ﵇.\nقال القسطلاني: (ولم ينكر عليهما رفع أصواتهما في المسجد؛ لأنَّ ذلك لطلب حق ولا بد فيه من رفع الصوت كما لا يخفى) انتهى.\nقلت: إنَّما لم ينكر عليهما ذلك؛ لأنَّهما في حال المخاصمة؛ فخشي أن يقذف الشَّيطان في قلوبهما شيئًا، وطلب الحق لا يلزم أن يكون بعنف ورفع صوت؛ لأنَّه يجوز أن يكون بسهولة وسكينة، لا سيما في المسجد بحضرة النَّبي الأعظم ﷺ، كما دل عليه أحاديث يأتي بيانها، والمطلق محمول على المقيد، والحاظر مقدم على المبيح؛ فافهم.\n (فخرج إليهما رسول الله ﷺ) لعل المراد بـ (فخرج) (^١): أراد الخروج إليهما ليظهر جعل قوله: (حتى كشف سجف حجرته) -أي: ستر باب بيته- غاية له، ويحتمل تعلقه بقوله: (فارتفعت أصواتهما)، وقد سبق أنَّه ﵇ مر بهما، فيكون المعنى: أنَّه ﵇ لما سمع صوتهما؛ خرج من البيت لأجلهما، ومر بهما، فلا تنافي بين الروايتين؛ فافهم.\nوقال ابن سيده: (السجف؛ بالسين المهملة، والجيم، والفاء: الستر، وقيل: الستران المقرونان بينهما فرجة)، كما قدمناه؛ فافهم.\n (ونادى) أي: النَّبي الأعظم ﷺ: (يا كعبُ بنَ مالك)؛ بِضَمِّ (كعب)؛ لأنَّه علم مفرد، ويجوز فتحه إتباعًا، وأمَّا (بنَ)؛ فهو منصوب لا غير؛ لأنَّه مضاف، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (ونادى كعب بن مالك) قال: يا كعب؛ (قال): وللأصيلي (فقال)؛ بالفاء؛ أي: كعب: (لبيك يا رسول الله)؛ تثنية اللب؛ وهو الإقامة، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي الذي للتأكيد والتكرار، ومعناه: لبًّا بعد لبٍّ، أي أنا مقيم على طاعتك وإجابتك بعد إجابة، (فأشار) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (بيده) بالإفراد؛ أي: إليه (أن ضع): على وزن (فع)؛ أمر من وضع يضع (الشطر)؛ أي: النصف، كما صرح به الأعرج في روايته (من دينك) وفي رواية الطَّبراني من حديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أنَّ النَّبي ﷺ مرَّ به، وهو ملازم رجلًا (^٢) في أوقيتين...؛ الحديث، فعُلِم منه أنَّ الدَّين كان أوقيتين؛ فافهم.\n (قال كعب: قد فعلت يا رسول الله)؛ أي: وضعت عنه الشطر، وهذا مبالغة في الامتثال بالأمر؛ لأنَّه أتى بـ (قد) المفيدة لتحقيق الأمر وتأكيده، (قال رسول الله ﷺ) مخاطبًا لابن أبي حدرد على سبيل الأمر: (قم فاقضه)؛ أي: فادفع له الشطر الثاني الذي هو حقه بعد الوضع، وإنَّما أمره بذلك؛ لئلا يجتمع على رب الدَّين الحط والتأجيل.\nقال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للتَّرجمة في الاحتمال الثاني، وهو عدم المنع) انتهى، أي: يدل على جواز رفع الصوت في المسجد؛ لأنَّهما لما رفعا أصواتهما فيه؛ لم ينكره النَّبي الأعظم ﷺ عليهما؛ لأنَّه كان لحاجة، وأنَّ حديث عمر يدل على عدم الجواز، فيحمل على ما لا يحتاج إليه، ولهذا أنكر عليهما عمر، وأراد ضربهما، لكن عَذَرهما للجهل.\nقال إمام الشَّارحين: (وقد وَرَد في حديث واثلة عند ابن ماجه يرفعه:\n_________\n(^١) في الأصل: (بيخرج)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (رجل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":339},{"text":"«جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم»، وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير بن مطعم، ولفظه: «ولا ترفع [فيه] الأصوات»، وكذا حديث ابن عمر عند أحمد.\nوأجيب: بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة، وفيه نظر؛ لأنَّ الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش، وقال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا، وأمَّا التجارة والصرف؛ فلا أحبه) انتهى.\nوقال ابن بطال: (وفيه دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم إنكاره ﵇) انتهى.\nوزعم العجلوني عنه أنَّ مالكًا كرهه مطلقًا سواء كان في العلم أو غيره، انتهى.\nقلت: وهو مخالف لما نقله إمام الشَّارحين وابن بطال عنه، ولعله قول شاذ عنده؛ لأنَّ مالكًا كان يلقي الحديث في مسجد النَّبي الأعظم ﷺ، ويحضره الجم الغفير، فيحتاج إلى رفع صوته؛ فافهم.\nوأباح رفع الصوت في المسجد الإمام الأعظم ﵁، قال ابن عيينة: (مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة؛ الصوت لا ينبغي أن يرفع فيه، فقال: دعهم، فإنَّهم لا يفقهون إلا بهذا).\nوقال ابن الملقن: (وفي خبر لا يُقوَّى: أنَّه ﵇ نهى عن رفع الصوت في المساجد، وإنشاد الشعر، وطلب الضالة، والصفقة في البيوع) انتهى.\nوالحاصل: أنَّ أحاديث النَّهي كلها ضعيفة لا يحتج بها، فبقي الأمر على التفصيل الذي ذكره إمام الشَّارحين، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٩٢\"> </span>(٨٤) <span data-type=\"title\" id=toc-792>[باب الحلق والجلوس في المسجد]</span>\nهذا (باب) حكم (الحِلَق) وقوله: (والجلوس) من عطف العام على الخاص (في المسجد) اللَّام فيه للجنس؛ أي: في أي مسجد كان، والمراد بالحكم الجواز؛ يعني: يجوز ذلك خصوصًا إذا كان لعلم، أو ذكر، أو قراءة قرآن؛ لحديث الباب، و(الحِلَق)؛ بكسر الحاء المهملة، وفتح اللَّام، كذا قاله الخطابي، ى وقال ابن التين: (بفتح الحاء واللَّام، جمع حلقة؛ مثل: تمرة وتمر، ونسب العجلوني الأول لرواية الأكثرين، والثاني لرواية ابن عساكر؛ فتأمل، واللَّام مفتوحة على كل حال).\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي «المحكم»: الحلقة: كل شيء استدار؛ كحلقة الحديد، والفضة، والذهب، وكذا هو في الناس، والجمع: حلاق على الغالب، وحلق على النادر؛ كهضبة وهضب، والحلق عند سيبويه: اسم للجمع، وليس بجمع؛ لأنَّ «فعلة» ليست مما يكسر على «فعل»، ونظير هذا ما حكاه من قولهم: فلكة وفلك، وقد حكى سيبويه في الحلَقة فتح اللَّام، وأنكرها ابن السكيت وغيره، وقال اللحياني: حلْقة الباب وحلَقته؛ بإسكان اللَّام وفتحها، وقال كراع: حلقة القوم وحلقتهم (^١)، وحكي: حلقة القوم وحلاق، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء: حلَقة في الواحد بالتحريك، والجمع: حلقات، وفي «الموعب»: الحلق: مؤنثة في القياس، إلا أنَّي رأيته في رَجَزِدُكين مذكرًا، وبلغني: أنَّ بعضهم يقول: الحلَقة؛ بالتحريك، وهو لغة قليلة، فجاء التذكير على هذا، وحكى مكي عن الخليل: حلَقة؛ بالتحريك، قال الفرزدق:\nيا أيها الجالس وسط الحلَقة... أفي زنًى جلدت أم في سرقة\nوفي «المجرد»: حلقة القوم وحلقة، والجمع: حلق وحلق وحلاق) انتهى.\nوفي «القاموس»: (حلَقة الباب والقوم، قد تفتح لامها وتكسر، وليس في الكلام: حلقة -محركة- إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، والجمع: حلَق- محركة وكبدر- وحلقات؛ محركة وبكسر اللَّام) انتهى.\n\n <span id=\"b-٧٩٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-793>[حديث: مثنى مثنى فإذا خشي الصبح صلى واحدة]</span>\n٤٧٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا بِشْر) بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة (ابن المفضل)؛ بِضَمِّ الميم على صيغة المفعول: هو ابن لاحق الرقاشي البصري، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة، (عن عُبيد الله)؛ بِضَمِّ العين المهملة على صيغة التصغير، وللأصيلي: (حدثنا عبيد الله) هو ابن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي ﵄: أنَّه (قال: سأل رجل): قال إمام الشَّارحين: لم يعرف اسمه (النَّبيَّ) الأعظم (ﷺ)، وقوله: (وهو على المنبر): جملة حالية من النَّبي ﵇: (ما ترى): يحتمل أن يكون من الرأي؛ أي: ما رأيك؟ وأن يكون من الرؤية التي هي العلم والمراد لازمه؛ أي: ما حكمك؟ فإنَّ العالم يحكم بعلمه شرعًا؛ فافهم (في صلاة الليل)؛ أي: هل هي تصلى أربعًا أربعًا أو ركعتين ركعتين؟ (قال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ مجيبًا للسائل، وهو على منبره في مسجده بقوله: (مثنى مثنى) مقول القول، وهو في الحقيقة جملة؛ لأنَّ مقول القول يكون جملة، فالمبتدأ محذوف؛ تقديره: صلاة الليل مثنى مثنى؛ أي: اثنين اثنين، والثاني تأكيد للأول، وهو غير منصرف؛ لأنَّ فيه العدل التحقيقي والصِّفة، قاله إمام الشَّارحين.\nوقال الزركشي: (واستشكل بعضهم التكرار، فإنَّ القاعدة فيما عدل من أسماء الأعداد ألَّا يكرر، فلا يقال: جاء القوم مثنى مثنى.\nوأجيب: بأنَّه تأكيد لفظي لا لقصد التكرار، فإنَّ ذلك مستفاد من الصيغة)، ثم قال: إنَّ أصل السؤال فاسد، بل لا بد من التكرار إذا كان العدل في لفظ واحد؛ كمثنى مثنى، وثُلاث ثُلاث، قال الشاعر:\nهنيئًا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التمر مخمس مخمسا\nومنه الحديث، فإن وقعت بين لفظين أو ألفاظ مختلفة؛ لم يجز التكرار؛ كـ ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، والحكمة في ذلك: أنَّ ألفاظ العدد المعدولة مشروطة بسبق ما يقع فيه التفصيل تحقيقًا؛ نحو: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]، أو تقديرًا؛ نحو: «صلاة الليل مثنى مثنى»، فإذا أريد تفصيله من نوع واحد؛ وجب تكراره؛ لأنَّ وقوعه بعده إمَّا على جهة الخبرية، أو الحالية، أو الوصفية، فحمله عليه يقتضي مطابقة له، فلا بد من تكراره لتحصل الموافقة له؛ لأنَّه لا يحسن وصف الجماعة باثنين وإن كان من ألفاظ\n_________\n(^١) في الأصل: (وحلقهم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":339},{"text":"مقدرة متعددة، فالمجموع تفصيل للمجموع، فكان وافيًا به، فلأجل ذلك لم يكرر؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وإنَّما كان العدل في هذه الألفاظ من غير تكرار؛ ليصيب كل ناكح ما شاء من هذه الأعداد؛ إذ لو كان من لفظ واحد؛ لاقتصر الناكحون على ذلك العدد، انتهى.\nوردَّه الدماميني فقال: (لا أعرف أحدًا من النحاة ذهب إلى هذا التفصيل الذي ذكره، وفي «الصِّحاح»: إذا قلت: جاءت الخيل مثنى؛ فالمعنى: اثنين اثنين؛ أي: جاؤوا مزدوجين، فهذا مما يقدح في إيجاب التكرير في اللَّفظ الواحد، ثم بناء ما ذكره على الحكمة التي أبداها بناء ضعيف؛ لأنَّ المطابقة حاصلة بدون تكرير اللَّفظ المعدول من جهة المعنى، وذلك لأنَّك إذا قلت: جاء القوم مثنى؛ إنَّما معناه: اثنين اثنين... وهكذا؛ فهو بمعنى: مزدوجين، كما قال الجوهري، ولا شك في صحة حمل مزدوجين على القوم، ثم تكرير اللَّفظ المعدول لا يوجب المطابقة؛ لأنَّ الثاني كالأول سواء، وليس ثم حرف يقتضي الجمع حتى تحسن المطابقة التي قصدها، فلا يظهر وجه صحيح لما قاله وبناه) انتهى.\nقلت: وقد سلمه الشَّارحون، فكان أصل السؤال صحيحًا، والتكرار للتأكيد كما سبق؛ فافهم.\nقلت: بقي على الدماميني أنَّه لا يلزم من عدم معرفته التفصيل عن أحد من النحاة ألَّا يكون وجهًا صحيحًا مذهبًا لأحد من النحاة؛ لأنَّه لم يُحِط بمذاهب النحو جميعها، والمثبِت مقدَّم على النافي، وما ذكره عن «الصِّحاح» لا يقدح في إيجاب التكرار؛ لأنَّه مبني على اللَّفظ الواحد، وههنا المعنى مبني على تكرار اللَّفظ، والحكمة في الآية مبنية (^١) على وجه صحيح، لأنَّ المطابقة حاصلة بالتكرار وعدمه، على أنَّها (^٢) ليست حاصلة من جهة اللَّفظ، ولا يلزم وجود حرف يقتضي الجمع، لأنَّ الحرف وإن كان غير موجود؛ فهو مقدر الوجود؛ لأجل صحة المعنى المراد منه على أنَّه قد أيد كلامه بآيات من القرآن الفصيح مع المعنى الصَّحيح، والحروف تعمل موجودة ومقدرة، ويستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى؛ فافهم.\n (فإذا خشي أحدُكم) هكذا رأيناه في النُّسخ الصَّحيحة بذكر (أحدكم) المرفوع على الفاعلية، وعليه شرح إمام الشَّارحين، ووقع في بعض النُّسخ بدونه، وعليها شرح القسطلاني، فجعل مرجع فاعل (خشي) المصلي (الصبح) أي: طلوع الفجر الصَّادق (صلى واحدة) أي: صلى ركعة واحدة مع شفع قبلها متصلًا بها، (فأوترت) على صيغة الماضي؛ أي: تلك الصلاة المذكورة (له) أي: للمصلي (ما صلى) جملة محلها نصب مفعول (أوترت)، والفاعل: الضمير الذي يرجع إلى الصلاة، والعائد إلى (ما) الموصولة أو الموصوفة محذوف؛ أي: صلاه.\nواستدل الشَّافعي على أنَّ أقل الوتر ركعة واحدة لهذا الحديث، وعليه فإسناد الإيتار إلى الركعة هنا وفي الآتي إسناد مجازي عقلي؛ لأنَّ الموتر الشخص.\nوهذا الاستدلال خلاف الظَّاهر، ويدل على فساده: (أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى سعيدًا يوتر بركعة، فقال: ما هذه البتيراء؟ تشفعها أو لأؤدبنك)، وروي: (أنَّ سعد بن أبي وقاص أوتر بركعة، فقال له عبد الله بن مسعود: ما هذه البتيراء؟ ما أجزأت ركعة قط، وحلف على ذلك أيمانًا)، رواه أصحاب السنن على شرط الشيخين، وسيأتي لذلك مزيد؛ فافهم.\nوقوله: (وإِنَّه) بكسر الهمزة؛ أي: ابن عمر، جملة مستأنفة (كان يقول) من كلام نافع، فالضمير يرجع إلى ابن عمر، والقائل نافع؛ فافهم: (اجعلوا آخر صلاتكم) وقوله: (بالليل) ثابت في النُّسخ الصَّحيحة، وعليها شرح إمام الشَّارحين، وعزاها إلى رواية الكشميهني والأصيلي، ساقط في بعض النُّسخ؛ فافهم، (وترًا): زاد ابن عساكر وأبو الوقت: (فقط)، ثم أكد ذلك بقوله: (فإن النَّبي) الأعظم (ﷺ أمر به)؛ أي: بالوتر أو بالجعل الذي دل عليه قوله: (اجعلوا).\nقال إمامنا الشَّارح: (ومطابقة هذا الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ كونه ﵇ على المنبر يدل على جماعة جالسين في المسجد، ومنهم الرجل الذي سأله عن صلاة الليل) انتهى.\nوقال ابن بطال: (شبَّه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد حوله ﵇ وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم) انتهى.\nقال إمام الشَّارحين: (فعلى هذا طابق الحديث جزأي التَّرجمة كليهما) انتهى.\nقلت: أي: فإنَّ الظَّاهر أنَّه ﵇ لا يكون في المسجد وهو على المنبر يخطب إلا وعنده جماعة جلوس محلقين به كالمتحلقين؛ فافهم.\nوفي الحديث: جواز الحِلَق في المسجد لسماع العلم وقراءته، وكذا للذكر، وقراءة القرآن، ونحو ذلك.\nفإن قلت: روى مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق، فقال: «ما لي أراكم عزين؟»، فهذا يعارض ذاك.\nقلت: تحلقهم هذا كان لغير فائدة ولا منفعة، بخلاف تحلقهم في ذاك؛ لأنَّه كان لسماع العلم والتعلم، فلا معارضة.\nوفيه: أنَّ الخطيب إذا سئل عن أمر الدِّين؛ أنَّ له أن يجاوب من سأله، ولا يضر ذلك خطبته.\nوفيه: أنَّ صلاة الليل ركعتان.\nقلت: ولا دلالة فيه؛ لأنَّه ﵇ كان حكيمًا ينظر للسائل، ويجيبه على قدر طاقته على الطاعة، فجوابه ﵇ له بذلك لا يقتضي أنَّ الأفضل في صلاة الليل مثنى؛ لأنَّ هذه واقعة حال مع علمه ﵇ من السائل أنَّه لا يقدر على أزيد من ركعتين، فأجابه على حسب حاله، فلا يصلح الحديث دليلًا لمن استدل به؛ فافهم.\nواختلف في النوافل، ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ الأفضل الأربع ليلًا أو نهارًا، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: الأفضل بالليل ركعتان وبالنهار أربع.\nوقال مالك والشَّافعي وأحمد: الأفضل أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا؛ لحديث الباب، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه وارد على سبب، ومع ذلك فهو واقعة حال، وقد طرقه الاحتمال والتأويل، والدليل إذا وجد به ذلك؛ سقط الاستدلال به؛ فافهم.\nوأما الإمام الأعظم؛ فاحتج في صلاة الليل بما رواه أبو داود في «سننه» من حديث عائشة ﵂: أنَّها سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، فقالت: (كان يصلِّي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه...)؛ الحديث بطوله، وفي آخره: (حتى قُبض على ذلك)، واحتج في صلاة النهار بما رواه مسلم من حديث معاذة: أنَّها سألت عائشة ﵂: كم كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى؟ قالت: (أربع ركعات يزيد ما شاء)، ورواه أبو يعلى في «مسنده»، وفيه: (لا يفصل بينهنَّ بسلام).\nفإن قلت: روى الأربعة عن ابن عمر: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى».\nقلت: لمَّا رواه الترمذي؛ سكت عنه، إلا أنَّه قال: اختلف أصحاب شعبة فيه؛ فرفعه بعضهم، ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ ولم يذكر فيه صلاة النهار.\nوقال النسائي:\n_________\n(^١) في الأصل: (مبني)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":340},{"text":"(هذا الحديث عندي خطأ)، وقال في «سننه الكبرى»: (إسناده جيد، إلا أنَّ جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فيه، فلم يذكروا فيه النهار)؛ منهم: سالم، ونافع، وطاووس، والحديث في «الصَّحيحين» من حديث جماعة عن ابن عمر، وليس فيه ذكر النهار، وروى الإمام أبو جعفر الطَّحاوي عن ابن عمر: (أنَّه كان يصلِّي بالليل ركعتين، وبالنهار أربعًا)، ثم قال: فمحال أن يروي ابن عمر عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه، فعلم بذلك أنَّه كان ما روي عنه عن رسول الله ﷺ ضعيفًا أو كان موقوفًا غير مرفوع.\nفإن قلت: روى أبو نعيم في «تاريخ أصفهان»، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وروى إبراهيم الحربي في «غريب الحديث» عنه ﵇ قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى».\nقلت: الذي رواه البخاري ومسلم أصح منهما، وأقوى، وأثبت، وعلى تقدير التسليم؛ فنقول: معناه: شفعًا لا وترًا من إطلاق الملزوم على اللازم مجازًا؛ جمعًا بين الدليلين، وفيه: فإنَّ قوله: (فإذا خشي الصبح؛ صلى واحدة) احتج به من يقول: إنَّ الوتر ركعة واحدة، وكذا بما رواه مسلم من حديث أبي مجلز قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النَّبي ﷺ قال: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وإليه ذهب عطاء، وابن المسيب، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وجعلوا هذا الحديث أصلًا في الإيتار بركعة، إلا أنَّ مالكًا قال: ولا بد أن يكون قبلها شفع؛ ليسلِّم بينهن في الحضر والسفر، وعنه: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة، وكذا فعله سحنون، وقال ابن العربي: (الركعة الواحدة لم تشرع إلا في الوتر)، وفعله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسعد، وابن عبَّاس، ومعاوية، وأبي موسى.\nوقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وسفيان الثَّوري، وأبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، وأحمد ابن حنبل في رواية، وعمر بن عبد العزيز، والحسن بن حي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم: الوتر ثلاث ركعات لا يُسلِّم إلا في آخرهن كصلاة المغرب.\nوقال ابن عبد البر: يروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي أمامة، وحذيفة، والفقهاء السبعة، والعبادلة، وأبي هريرة ﵃.\nوأجابوا عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الحديث ونحوه: بأنَّ قوله ﷺ: «الوتر ركعة من آخر الليل» أن يكون ركعة مع شفع تقدمها، وذلك كله وتر، فتكون الركعة توتر الشفع المتقدم.\nوقد بين ذلك آخر حديث الباب الذي احتج به هؤلاء، وهو قوله: «فأوترت له ما صلى»، وكذلك قوله ﵇ في الحديث الثاني من هذا الباب: «فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت»، وآخر حديثهم حجة عليهم.\nوروى الترمذي في «جامعه» عن علي بن أبي طالب ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث...)؛ الحديث.\nوروى الحاكم في «مستدركه» عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن).\nوروى النسائي والبيهقي من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يسلم في ركعتي الوتر).\nوقال الحاكم: (لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر)، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه).\nوروى الإمام أحمد من حديث عمران بن حصين: (أنَّ النَّبي ﷺ كان يوتر بثلاث...)؛ الحديث.\nوروى مسلم وأبو داود من رواية علي بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه: (أنَّه رقد عند رسول الله ﷺ...)؛ فذكر الحديث، وفيه: (ثم أوتر بثلاث).\nوروى النسائي من رواية يحيى بن الجزار عن ابن عبَّاس قال: (كان رسول الله ﷺ يصلِّي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث).\nوروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن أبزى عن أُبي بن كعب ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات).\nوروى ابن ماجه من رواية الشعبي قال: (سألت ابن عبَّاس وابن عمر ﵃ عن صلاة رسول الله ﷺ؛ فقالا: ثلاث عشرة؛ منها ثمان بالليل، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر).\nوروى الدارقطني في «سننه» من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «وتر الليل ثلاث كوتر النهار؛ صلاة المغرب».\nوروى محمَّد بن نصر المروزي من حديث أنس بن مالك ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث).\nوروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن البصري ﵁ قال: (أجمع المسلمون على أنَّ الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن).\nفإن قلت: روي عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: «لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب».\nقلت: روي هذا موقوفًا على أبي هريرة كما روي مرفوعًا، ومع هذا هو معارض بحديث علي وعائشة ومن ذكرنا معهما من الصَّحابة.\nوأيضًا فإنَّ قوله: (لا توتروا بثلاث): معناه: كراهة الوتر من غير تطوع قبله من الشفع، فيكون المعنى: لا توتروا بثلاث وحدها من غير أن يتقدمها شيء من التطوع الشفع، بل أوتروا هذه الثلاث مع شفع قبلها؛ ليكون خمسًا، وإليه أشار بقوله: (وأوتروا بخمس)، أو أوتروا هذه الثلاث مع شفعين قبلها؛ ليكون سبعًا، وإليه أشار بقوله: (أو بسبع)؛ أي: أوتروا بسبع ركعات؛ أربع تطوع، وثلاث وتر، ولا تفردوا هذه كصلاة المغرب ليس قبلها شيء من التطوع، وإليه أشار بقوله: (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) في كونها ثلاث ركعات ليس قبلها شيء.\nوالنَّهي ليس بوارد على تشبه الذات بالذات، وإنَّما هو وارد على تشبيه الصِّفة بالصِّفة، ومع هذا فيما ذكره نفي أن تكون الركعة الواحدة وترًا (^١)؛ لأنَّه أمر بالإيتار بخمس أو بسبع ليس إلا؛ فافهم.\nفإن قلت: قال محمَّد بن نصر المروزي: (لم نجد عن النَّبي ﷺ خبرًا ثابتًا مفسرًا أنَّه أوتر بثلاث لم يسلِّم إلا في آخرهن، كما وجدنا في الخمس والسبع والتسع؛ غير أنَّا وجدنا عنه أخبارًا أنَّه أوتر بثلاث لا ذِكْر للتسليم فيها).\nقلت: يرد عليه ما ذكرناه عن «المستدرك» من حديث عائشة: (أنَّه كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن)، وفي حديث أُبي بن كعب: (لا يسلم إلا في آخرهن)، وقد قيل: لعل محمَّد بن نصر لا يرى هذا ثابتًا.\nقلت: هذا تعصب بارد\n_________\n(^١) في الأصل: (وتر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":340},{"text":"لا يجدي، ولا يلزم من عدم رؤيته ثابتًا ألَّا يكون ثابتًا عند غيره؛ أي: ومع هذا فقد أثبته الجم الغفير من الحفاظ، وأجمع عليه المسلمون، وفيه أنَّ قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا): دليل على أنَّ ذلك يقتضي الوجوب؛ لظاهر الأمر به، ولكنه مستحب في حق من لا يغلبه النَّوم، فإن كان يغلبه ولا يثق بالانتباه؛ أوتر قبله، كذا قرره إمام الشَّارحين صاحب «عمدة القاري» ﵁، اللهم ارحمه وأجزه عنا خيرًا، فإنَّه أودع دقائق وحقائق مما لم يسبق إليه، وحقيق بأن يكون إمامًا للشارحين؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٧٩٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-794>[حديث: مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر]</span>\n٤٧٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو النعمان) هو محمَّد بن الفضل (قال: حدثنا حمَّاد) زاد الأربعة: (ابن زيد) هو ابن درهم أبو إسماعيل البصري، (عن أيوب) هو السختياني، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب ﵄: (أَنَّ) بفتح الهمزة (رجلًا) لم يعرف اسمه (جاء إلى النَّبي) الأعظم (ﷺ) وهو في مسجده النَّبوي يوم الجمعة كما يفهم من السياق (وهو يخطُب)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة؛ أي: على منبره الشريف للناس، (فقال) أي: الرجل: (كيف صلاة الليل؟) أي: هل تصلى أربع ركعات أم ركعتين؟ (فقال) ولأبي ذر: (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ مجيبًا له: (مثنى مثنى) مقول القول، وهو في الحقيقة جملة؛ لأنَّ مقول القول يكون جملة، فالمبتدأ محذوف؛ تقديره: صلاة الليل مثنى مثنى؛ أي: اثنين اثنين، والثاني تأكيد للأول، وهو غير منصرف؛ لأنَّ فيه العدل التحقيقي والصِّفة، أفاده إمامنا الشَّارح، (فإذا خشيت الصبحَ)؛ أي: طلوع الفجر الصَّادق، و(الصبحَ): منصوب مفعول (خشِيت)؛ بكسر الشين المعجمة، خطاب للرجل المذكور، ويلحق به غيره ممن يفعل ذلك.\nوقول العجلوني: (خطاب لكل من يتأتى منه الخطاب): فيه نظر؛ لأنَّ وجود التَّاء تمنع ذلك؛ لأنَّها موضوعة للخطاب، والمخاطب هو الرجل المذكور لا غيره، نعم؛ مع عدم وجود التَّاء يحتمل ذلك، ولا رواية فيه، بل جميع الروايات على وجودها؛ فليحفظ.\n (فأوتر بواحدة)؛ أي: بركعة واحدة بعد شفع قبلها متصلًا بها، فهو ثلاث ركعات؛ وهو الوتر، وقد بين ذلك أحاديث؛ منها: حديث عائشة، وعمران بن حصين، وغيرهما: (أنَّه ﵇ كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن)، رواه أحمد والحاكم، وقال: (على شرط الشيخين)، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فافهم.\nوقوله: (توترْ) مجزوم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويروى: بالرفع على الاستئناف، وقوله: (لك) ثابت في رواية الكشميهني والأصيلي، كما قاله إمام الشَّارحين، ساقط عند غيرهم (ما قد صليت)؛ أي: الذي قد صليته، فكلمة (ما) الموصولة محلها نصب على المفعولية لـ (توتر)، وفاعله عائد إلى المخاطب لا إلى الواحدة؛ كما يدل عليه وجود التَّاء المخاطبة، وإن احتمل على بعد جعله للواحدة، وزيادة (لك) لا يدل عليه؛ لأنَّه لا مانع من وجود خطأ بين في الكلام؛ فافهم، وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم.\n (فقال) وفي رواية: (وقال) (الوَلِيد بن كَثير)؛ بفتح الواو، وكسر اللَّام، و(كَثير) ضد القليل، فهما بالتكبير، هو أبو محمَّد القرشي المخزومي المدني، سكن الكوفة، وكان ثقة عالمًا بالمغازي، مات بها سنة إحدى وخمسين ومئة: (حدثني) بالإفراد (عُبيد الله)؛ بالتصغير: هو شقيق سالم؛ لقوله: (ابن عَبد الله)؛ بالتكبير: هو ابن عمر بن الخطاب ﵄: (أَنَّ)؛ بفتح الهمزة (ابن عمر) أي: والده المذكور (حدثهم) إنَّما أتى بلفظ: (حدثهم) بالجمع؛ إشارة إلى أنَّه لم يكن منفردًا عند التحديث به، قاله إمام الشَّارحين، وليس هو عبيد الله السَّابق، فإن ذاك يروي عن نافع، ولم يدرك ابن عمر؛ فليحفظ، (أنَّ رجلًا) بفتح الهمزة، ولم يعرف اسمه (نادى النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: فسأله عن صلاة الليل هل تصلى أربعًا أم ركعتين؟ وأجابه بأنها: مثنى مثنى، (وهو) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، والجملة حالية، والضمير يحتمل أن يعود على الرجل أو على النداء، والأقرب الأول؛ لأنَّ هذا التَّعليق وصله مسلم من طريق أبي أسامة عن الوليد، وهو بمعنى حديث نافع عن ابن عمر، فهو يؤيد أنَّ الضمير يعود عليه ﷺ، فإنَّه كان يخطب على منبره في مسجده؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وهذا علقه البخاري وأراد به بيان أنَّ ذلك كان في المسجد؛ لأنَّ صحة مطابقة الحديث للتَّرجمة به) انتهى، أي: فإنَّ الظَّاهر منه ﵇ لا يكون في المسجد إلا وحوله جماعة جلوس محلقين به، وقال إمام الشَّارحين: (وبهذا يرد على الإسماعيلي حيث اعترض على البخاري بأنَّه ليس فيما ذكر دلالة على الجلوس في المسجد) انتهى.\nوليس في هذا وسابقه دلالة على أنَّ صلاة الليل مثنى ومثله النهار؛ كما ذهب إليه المالكية، والشَّافعية، والحنابلة؛ لأنَّ هذه واقعة حال وردَّة على سؤال رجل، فأجابه ﵇ على قدر طاقته واستطاعته، وإلا؛ فالأفضل الأربع ليلًا ونهارًا؛ لحديث عائشة ﵂: (أنَّها سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، فقالت: كان يصلِّي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه...)؛ الحديث، رواه أبو داود في «سننه»، وفي آخره: (حتى قبض على ذلك)، ولما رواه مسلم من حديث معاذة: (أنَّها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى؟ قالت: أربع ركعات يزيد ما شاء)، ورواه أبو يعلى في «مسنده»، وفيه: (لا يفصل بينهنَّ بسلام)، وهذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ﵁ والجمهور، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: الأفضل في الليل مثنى، وفي النهار أربع، وسيأتي مزيد لذلك في (النوافل) إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٧٩٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-795>[حديث: ألا أخبركم عن الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله]</span>\n٤٧٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل الدمشقي الأصل (^١) (قال: أخبرنا) ولابن عساكر والأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري البخاري، ابن أخي أنس لأمه، التَّابعي، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومئة: (أنَّ أبا مُرَّة)؛ بضم الميم، وتشديد الرَّاء، واسمه يزيد (مولى عَقيل) بفتح العين المهملة (بن أبي طالب)، وقيل: مولى أخيه علي الصديق الأصغر، وقيل: مولى أختهما أم هانئ (أخبره عن أبي واقِد)؛ بالقاف المكسورة، والدَّال المهملة: هو الحارث بن عوف، وقيل: هو الحارث بن مالك، وقيل: هو عوف بن الحارث، الصَّحابي (اللَّيثي) -بالمثلَّثة- البدري في قول، المتوفى بمكة سنة ثمان وستين، (قال) أي: أبو واقِد: (بينما رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم (ﷺ) وأصل (بينما): (بين)، زيدت عليها لفظة (ما)، وهي من الظروف التي لزمت إضافتها إلى الجملة، وفي رواية: (بينا)؛ بدون (ما)، وأصلها: (بين)، فاشبعت فتحة النُّون بالألف، والعامل فيه معنى المفاجأة (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، والجار والمجرور حال من الرسول؛ كما قاله القسطلاني تبعًا لإمام الشَّارحين.\nوزعم العجلوني أنَّه متعلق بخاص خبر المبتدأ؛ كـ (جالس)؛ للقرينة، ولا يخرجه ذلك عن الاستقرار؛ فتدبر.\nزاد المؤلف في روايته في كتاب (العلم): (والناس معه)، وهو أصرح؛ لما ترجم له المؤلف؛ فافهم، والله أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: (التنيسي الأصل الدمشقي المنزل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":341},{"text":"(فأقبل) جواب (بينما)، وفي رواية كتاب (العلم): (إذ أقبل)، وما ههنا أفصح؛ لقول الأصمعي: (لا يُستَفصَح مجيء «إذ» و«إذا» في جواب «بين»)، وبهذا ظهر فساد قول العجلوني: إنَّ جواب (بين) بـ (إذا) هو المعروف؛ فافهم، (ثلاثة نَفَر)؛ بالتحريك، ولم يُسَم واحد من الثلاثة؛ أي: ثلاثة رجال من الطريق، فدخلوا المسجد، كما في حديث أنس: (فإذا ثلاثة نفر مارين)، وللأصيلي: (فأقبل نفر ثلاثة)، (فأقبل اثنان) أي: من النفر الثلاثة (إلى رسول الله ﷺ)؛ أي: إلى مجلسه، (وذهب واحد)؛ أي: منهم، وهو الثالث عطف على قوله: (فأقبل)؛ أي: مضى في طريقه منفردًا، (فأَمَّا)؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم: تفصيلية، والفاء تفصيحية؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ يعني: فإذا أردت جزاء كل واحد منهم؛ فأمَّا (أحدهما)؛ أي: أحد اللذين أقبلا إليه ﵇، وهو بالرفع مبتدأ، وخبره قوله: (فرأى فُرجة)؛ بِضَمِّ الفاء وفتحها، لغتان؛ وهي الخلل بين الشيئين، وفرق بينهما، فالضم: اسم للخلل بين الشيئين، والفتح: للتفصي من الهم، وهذا هو المشهور؛ والمعنى: أنَّه رأى خللًا في الحلقة، كما ثبت للأصيلي والكشميهني، (فجلس)؛ أي: في الفُرجة، وهو عطف على (رأى)، وفيه المطابقة للتَّرجمة، وأتى بالفاء في (فرأى)؛ لتَضَمُّن (أَمَّا) معنى الشرط.\n (وأمَّا الآخَر)؛ بالمد وفتح الخاء المعجمة؛ أي: المغاير للأول، وهو الثاني من اللذين أقبلا؛ (فجلس خلفهم)؛ أي: خلف القوم، وكأنَّه لم يجد هناك فرجة يجلس فيها، وهو منصوب على الظرفية.\n (وأمَّا الآخر)؛ بالمد وفتح الخاء المعجمة أيضًا، وهو الثالث الذي ذهب وحده؛ (فأدبر ذاهبًا)، من الإدبار؛ أي: التولي؛ يعني: ولَّى منصرفًا مستمرًا في ذهابه ولم يرجع، و(ذاهبًا) منصوب على الحال، (فلما فَرَغَ)؛ بفتح الفاء والرَّاء والغين المعجمة؛ أي: تمم وكمل (رسول الله ﷺ) حديثه الذي كان مشتغلًا به من قراءة القرآن وتعليمه، أو العلم والأحكام، أو الذكر وفضله، أو الخطبة ونحوها؛ (قال) جواب (لما): (ألَا)؛ بالتخفيف، حرف تنبيه، والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام، و(لا) للنَّفي، والأظهر الأول (أخبركم عن الثلاثة) وللأصيلي: (عن النفر الثلاثة)؛ أي: ما جزاؤهم عند الله بما فعلوه، (أمَّا أحدهم)؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم، للتفصيل، و(أحدُهم): مرفوع على الابتداء، خبره قوله: (فأوى)؛ بهمزة مقصورة؛ أي: التجأ (إلى الله) سبحانه؛ حيث دخل مجلس النَّبي الأعظم ﷺ، (فآواه) بهمزة ممدودة (الله إليه)؛ أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه، ويؤويه يوم القيامة إلى ظل عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجاز؛ لاستحالته في حقه تعالى، فالمراد لازمه؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويسمى هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة.\n (وأمَّا الآخَر)؛ بالمد وفتح المعجمة؛ (فاستحى)؛ أي: ترك المزاحمة حياء من النَّبي الأعظم ﷺ ومن أصحابه؛ حيث جلس خلف القوم، وعند الحاكم: (ومضى الثاني قليلًا، ثم جاء فجلس)، قال إمام الشَّارحين: (والمعنى: أنَّه استحى من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث)، (فاستحى الله منه)؛ أي: بأن رحمه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُذَم به، وهو محال على الله تعالى، فيكون مجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، انتهى.\n (وأمَّا الآخر)؛ بالمد، وهو الثالث؛ (فأعرض)؛ أي: ولَّى مدبرًا عن مجلس النَّبي الأعظم ﷺ، (فأعرض الله عنه)؛ أي: جازاه بأن سخط عليه وغضب ولم يرض منه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الإعراض: هو الالتفات إلى جهة أخرى، وهو غير لائق بالله تعالى، فيكون مجازًا عن السخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا الرجل كان منافقًا، فأطلع اللهُ النَّبيَّ الأعظم ﷺ على أمره وحاله، والمراد في مثل هذه الإطلاقات غاياتها ولوازمها، والعلاقة بين الحقيقي والمجازي اللزوم والقرينة الصَّادقة هو العقل، وفي رواية: (وأمَّا الآخر؛ فاستغنى، فاستغنى الله عنه)، كذا في «عمدة القاري».\nوهذا الحديث سبق في باب (من قعد حيث ينتهي به المجلس) من كتاب (العلم)، وفيه المطابقة لما ترجم له خصوصًا في قوله: (فرأى فُرجة في الحلقة)؛ ففيه: جواز الحِلَق في المسجد للعلم، والذكر، وقراءة القرآن، ونحوها.\nوفيه: أنَّ للخطيب إذا سئل أن يجيب في حال الخطبة، ولا يضر ذلك في خطبته.\nوفيه: سد الفرج في حلق العلم؛ كما في الصلاة وصف القتال.\nوفيه: ابتداء العالم جلساءه بالعلم قبل أن يُسأل عنه.\nوفيه: الثناء على من زاحم في طلب الخير.\nوفيه: مدح الحياء والثناء على صاحبه.\nوفيه: ذم الزاهد في العلم وسماعه وأهله.\nوفيه: جواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ (^١) أحدًا.\nوفيه: أنَّ من سبق إلى موضع من المسجد؛ فهو أحق به، فليس لأحد أن يقيمه عنه.\nوفيه: ندب الجلوس حيث ينتهي به المجلس.\nوفيه: أنَّ الإنسان إذا فعل قبيحًا؛ جاز أن ينسب إليه، وأنَّ من أعرض عن مجالسة العلماء؛ فإنَّ الله يعرض عنه، انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٩٦\"> </span>(٨٥) <span data-type=\"title\" id=toc-796>[باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل]</span>\nهذا (باب) حكم (الاستلقاء): مصدر (استلقى)، وثلاثيه: لقى يلقى، فنقل إلى باب الاستفعال، فقيل: استلقى على قفاه، ذكره الجوهري في باب (اللقاء)، وذكر فيه: (واستلقى على قفاه)، ومصدره إذن يكون: استلقاء، وذكره ابن الأثير في باب سلنق (^٢) يسلنق ومستلق؛ بالنُّون في الأول، وبالتَّاء في الثاني، والصَّحيح ما ذكره الجوهري، كذا قاله إمام الشَّارحين، (في المسجد) اللَّام فيه للجنس؛ أي: في أيِّ مسجد كان، والجار والمجرور متعلق بـ (الاستلقاء)، وبقوله: (ومدِّ الرِّجل) على سبيل التنازع، أو حال منهما، أو صفة لهما؛ فافهم.\nوقوله: (ومدِّ) بالجر عطفًا على (الاستلقاء) (الرِّجل)؛ بكسر الرَّاء؛ أي: في المسجد، والمراد بالحكم الجواز؛ لحديث الباب، وهو صادق بجواز جمعهما فيه، فأحدهما أولى سوى أنَّه يكره مد الرِّجل إلى القبلة عند الإمام الأعظم؛ لأنَّ الله تعالى جعلها قبلة للعبادة، فلا يفعل جهتها مما فيه عدم الأدب، ولا نص في ذلك عن الشَّافعي، غير أنَّه صرح بحرمة مد الرِّجل إلى المصحف، فقاس ابن حجر المكي الكعبة عليه، انتهى.\nوالفرق بينهما ظاهر كما لا يخفى، وسقط المعطوف للأصيلي، وأبي ذر، وابن عساكر، وثبت عند غيرهم، وكذا في نسخة الصاغاني، وكذا في نسخةٍ عند أبي ذر وابن عساكر، كما في (الفرع).\n\n <span id=\"b-٧٩٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-797>[حديث: رأى رسول الله مستلقيًا في المسجد]</span>\n٤٧٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسلَمَة)؛ بفتحات: هو القعنبي المدني، (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب):\n_________\n(^١) في الأصل: (يؤذي).\n (^٢) في الأصل: (نسلق)، وهو تحريف.","vol":"1","page":341},{"text":"هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن عَبَّاد) بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة (بن تميم) هو ابن يزيد الأنصاري المدني، الصَّحابي في قول الذهبي، والتَّابعي في قول غيره، (عن عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني المقتول بالحَرَّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعباد وعمه تقدما في باب (لا يتوضأ من الشك): (أنَّه رأى)؛ أي: أبصر، فلهذا اكتفي لها بمفعول واحد (رسول الله ﷺ)، وقوله: (مستلقيًا): حال من الرسول الأعظم؛ أي: متكئًا على ظهره (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وقوله: (واضعًا [إحدى رجليه على الأخرى] (^١»: حال من النَّبي الأعظم أيضًا، فهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون قوله: (واضعًا): حال من الضمير الذي في (مستلقيًا)، فعلى هذا يكون الحالان متداخلتين، كذا قرره إمامنا الشَّارح.\nومطابقته للحديث ظاهرة، وقال الخطابي: (فيه بيان جواز هذا الفعل، والنَّهي الوارد عن ذلك منسوخ بهذا الحديث)، قال إمام الشَّارحين: (قلت: النَّهي ما روى جابر بن عبد الله: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقٍ»، وأجاب الخطابي عن النَّهي بجواب آخر: وهو أنَّ علة النَّهي عنه أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإنَّ الإزار ربما ضاق، فإذا شال لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى؛ بقيت هناك فُرجة تظهر منها عورته، وممن جزم بأنه منسوخ ابن بطال) انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nقال ابن حجر: (الجواب الثاني أولى من ادعاء النَّسخ؛ لأنَّه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به: البيهقي، والبغوي، وغيرهما) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (القائل بالنَّسخ ما ادعى أنَّ النَّسخ بالاحتمال، وإنَّما جزم به، فكيف يدعي الأولوية بالاحتمال، ويقوي دعوى النَّسخ ما روي عن عمر وعثمان: أنَّهما كانا يفعلان ذلك على ما سيأتي، ويقال: يحتمل أنَّ الشَّارع فعل ذلك لضرورة أو كان ذلك بغير محضر جماعة، فجلوسه ﵇ في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع، والاحتباء، وجلسات الوقار، والتواضع) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ الخطابي لما ردد في الجواب بين النَّسخ وبين الحمل على إذا خشي بدوَّ عورته كان بصورة الاحتمال.\nوعبارة ابن بطال: (وكأنَّ البخاري ذهب إلى أنَّ حديث جابر منسوخ بهذا الحديث، واستدل على نسخه بحديث الخليفتين بعده، ولا يجوز أن يخفى عليهما الناسخ والمنسوخ) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ حديث الخليفتين بعده لا يدل على خصوص النَّسخ؛ لاحتمال أن يكون النَّهي عندهما محمولًا على ما إذا خشي بدوَّ العورة، فلا نسخ، انتهى.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: بأنَّه لا حرج في دعوى الأولوية بالاحتمال، وأمَّا النَّسخ؛ فلا يثبت إلا بمعرفة التاريخ أو بتنصيص الشَّارع، انتهى.\nقلت: كلام العجلوني وابن حجر كلاهما فاسد الاعتبار.\nأمَّا قوله: (بأن الخطابي لما ردد في الجواب...) إلخ؛ فيرده أنَّه ذكرهما بصيغة الجزم، ولم يذكرهما بصيغة الاحتمال، فليس في كلامه ما يدل على أنَّه قائل بالاحتمال ولو صورة، على أنَّ المعتبر للفظ لا للصورة؛ فافهم، وعبارة ابن بطال صحيحة لا يرد عليها ما ذكره، فإنَّ حديث الخليفتين بعده يدل على النَّسخ قطعًا؛ لأنَّهما لا يفعلان شيئًا مخالفًا لسنته ﵇؛ لأنَّهما أعلم بحاله، وعَلِما أنَّ النَّهي كان في ابتداء الأمر، ثم إنَّه نسخ بفعله، كما لا يخفى.\nوما ذكره من الحمل على ما إذا خشي عندهما؛ ممنوع؛ لأنَّهما لا يفعلان شيئًا من تلقاء أنفسهما، بل حتى يعلما ويشاهدا ذلك من فعله ﵇، واستلقاؤه ﵇ لم يخف عليهما قطعًا؛ لأنَّهما دائمًا معه ﵇ مترقبين لأفعاله، ومن البعيد كونه ﵇ مستلقيًا في المسجد ولم يره خليفته الفاروق وذو النورينولم يعلما به، فنسبة عدم علم الناسخ والمنسوخ لهما جرأة عظيمة يجب الإعراض عنها، فلا تغتر بما زعمه.\nوأمَّا قول ابن حجر: (لا حرج في دعوى الأولوية بالاحتمال)؛ ممنوع؛ لأنَّه قد ذكر الأولوية بغير دليل، فالحرج ظاهر؛ لأنَّ القول بغير مستند غير مقبول، لا سيما في الأحكام، فكيف يقول: لا حرج؟! وما هذا إلا القول بالرأي بعينه يجب الإعراض عنه.\nوقوله: (وأمَّا النَّسخ...) إلخ؛ لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أنَّ عمر وعثمان رضي الله عنهماأعلم الناس بمعرفة التاريخ وبأقوال الشَّارع وأفعاله، ولا ينكر ذلك إلا كل معاند، وفعلهما دليل على كون فعله ﵇ كان ناسخًا للنَّهي، ولا يتصور أن يفعلا شيئًا منهيًّا عنه من الشَّارع؛ لأنَّهما أشد اتباعًا للسنة، فهذا أقوى دليل على النَّسخ، كما لا يخفى، على أنَّ ما فعله الخليفتان كان بمحضر الصَّحابة، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فصار ذلك منهم إجماعًا على نسخه، كما لا يخفى؛ فافهم.\nفانظر جرأة ابن حجر والعجلوني على خليفتي رسول الله ﷺ وما زعما فيهما؛ فاجتنبه.\nوقال المازري: إنَّ النَّهي وقع في غير الكتب الصِّحاح؛ كـ «أبي داود»، لكنه عام؛ لأنَّه قول، والاستلقاء فعل، فهو خاص قد يدعى قصره عليه لولا ما صح عن الخليفتين، فصار تعارضًا (^٢) بين الحديثين، ثم أجاب بنحو ما ذكره الخطابي.\nواعترضه ابن حجر بأنَّ حديث النَّهي في «البخاري» في (اللباس)، وبأنَّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظَّاهر أنَّ فعله ﵇؛ لبيان الجواز، أو كان في وقت الاستراحات لا في مجتمع الناس؛ لِمَا عُرِفَ من عادته في الجلوس بينهم بالوقار التام؛ كالتربع والاحتباء، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، وحفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، فإنَّ حديث النَّهي وإن كان ذكره البخاري في (اللباس)، لكنه منسوخ بفعل الخليفتين، فلم يُلتَفت إليه، وبقي الفعل، فليس ثمة تعارض، وإلى هذا أشار المازري بقوله: (ولولا ما صح عن الخليفتين)، ثم أجاب: بأنَّ النَّهي منسوخ بفعلهما.\nوقوله: (وبأنَّ الخصائص...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ المازري بناها على فرض ثبوت عدم فعل الخليفتين ذلك، لا مع ثبوت فعلهما، ومعنى كلامه: أنَّه إذا ثبت فعلهما ذلك؛ فيكون دليلًا على النَّسخ، فليس للنَّهي محل لذلك، على أنَّه لو لم يصح عنهما؛ لكان قوله بالخصوصية مقبولًا؛ فانظر كيف فهم هذا الكلام؟\nوقوله: (والظَّاهر...) إلخ؛ هذا ليس بظاهر؛ لأنَّ الشَّارع وخلفاءه الذين أُمرنا باتباعهم قد فعلوا ذلك، فلا يكون فعلهم مبنيًّا على بيان الجواز؛ لأنَّه يقال فيما إذا تعارض دليلان، وليس هنا كذلك؛ فافهم.\nوقوله: (أو كان في وقت...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فعله ﵇ لا يدل على هذا، فإنَّ الحديث يرده، ومحل الاستراحة المنزل لا المسجد، وليس في الحديث إشارة إلى هذا، وإنَّما كان ﵇ يفعل ذلك في مجتمع الناس؛ بدليل كونه في المسجد وهو لا يخلو عن الناس، وكفى بذلك رؤيته لعمر بن الخطاب وعثمان ﵄ حتى فعلا كفعله؛ لأنَّهما أشد اتباعًا له، كما لا يخفى، وعادته التربع إذا كان في مجمع مذاكرة العلم وحوائج الناس لا مطلقًا، كما زعمه؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث الاتكاء في المسجد، والاضطجاع فيه، وكذا أنواع الاستراحات غير الانبطاح (^٣) -وهو الوقوع على الوجه-، فإن النَّبي الأعظم ﷺ قد نهى عنه، وقال: «إنَّها ضجعة يبغضها الله تعالى») انتهى؛ فليحفظ.\n_________\n(^١) ما بين معقوفين مثبتٌ من «الصحيح».\n (^٢) في الأصل: (تعارض)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (الانطباع)، وهو تحريف.","vol":"1","page":342},{"text":"(وعن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن سعيد بن المسيَّب)؛ بفتح التحتية المشددة وبكسرها، وكان يقول: (بكسر الياء، سيَّب الله من يسيب أبي)، توفي بالمدينة سنة إحدى ومئة، وهو ابن حزن القرشي المخزومي، المتفق على أنَّ مرسلاته أصح المراسيل، (قال) أي: سعيد: (كان عمر) هو ابن الخطاب القرشي، أحد الخلفاء الراشدين (وعثمان) هو ابن عفان، ثالث الخلفاء المهديين، الملقب بذي النورين ﵄ (يفعلان ذلك)؛ أي: الاستلقاء المذكور، والوضع في المسجد، وإفادة (كان) الدوام والاستمرار غالبًا، وهو بواو العطف معطوف على الإسناد المذكور، ولهذا قال صاحب «التوضيح»: (ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في «جمعه»، فقال: «إنَّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك»، وقد أخرج البرقاني هذا الفعل من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري متصلًا بالحديث الأولولم يذكر سعيد بن المسيَّب، وسعيد لم يصح سماعه من عمر، وأدرك عثمان، ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله ﷺ) انتهى.\nوقال ابن حجر: («وعن ابن شهاب»: معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبي، وهو كذلك في «الموطأ»، وغفل عن ذلك من زعم أنَّه معلق) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (يريد به الكرماني؛ حيث قال: يحتمل أن يكون هذا معلقًا وأن يكون داخلًا تحت الإسناد السَّابق، فالكرماني ما جزم بأنَّه معلق، بل قال بالاحتمال، وهو صحيح بحسب الظَّاهر، وتصريح أبي داود بذلك في كتابه لا يدل على أنَّ هذا داخلًا في الإسناد المذكور ههنا قطعًا، ورواية أبي داود هكذا: «حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك»؛ أي: من الاستلقاء والوضع) انتهى.\nوأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: (بأنَّ تصريح مثل مَنْ ذَكَرَ بذلك يرجح الوصل، ويُصيِّر احتمال التَّعليق كالعدم) انتهى.\nقلت: هو غير ظاهر، فإنَّ تصريح أبي داود يحتمل التَّعليق والوصل، بل الأول أظهر؛ لأنَّ ابن المسيب لم يصح سماعه من عمر، ولا من عثمان، ولا يحفظ له رواية، كما قدمناه عن صاحب «التوضيح»؛ فافهم.\nونقل العجلوني عن النَّووي: (أنَّ ابن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقيل: لأربع سنين، ورأى عمر وسمع منه، ومن عثمان، وعلي، وغيرهم، ثم نقل عن أحمد: أنَّه رأى عمر وسمع منه)، ثم قال العجلوني: (وبه تعلم أنَّ ما ذكره ابن الملقن وإن تبعه عليه في «العمدة»؛ ليس بعمدة) انتهى.\nقلت: أراد بهذا الاعتراض على إمام الشَّارحين وعلى صاحب «التوضيح»، واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ ابن خلكان قال في ترجمته: (سمع سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة، وغيرهما، وأكثر روايته المسند عن أبي هريرة، وكانت ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر) انتهى، ولم يذكر أنَّه سمع من عمر، وعثمان، وعلي، كما رأيت على أنَّ كونه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر يرد كونه سمع منه؛ لأنَّ صحة سماع الصبي مشروط بأن يكون ابن خمس سنين، وليس ابن المسيب سنه وقتئذٍ خمسًا، كما لا يخفى، وفيه خلاف؛ فابن العربي يشترط فيه بلوغ خمس، وابن العجمي بلوغ سبع، وهو قول الجمهور، وقال جماعة: بلوغ خمس مطلقًا، قاله القاضي عياض، وقدمناه في باب (متى يصح سماع الصغير)؛ فاعرفه.\nقال إمام الشَّارحين: (اختلف جماعة من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم في هذا الباب؛ فذهب محمَّد بن سيرين ومجاهد وطاووس وإبراهيم النخعي إلى أنَّه لا يكره وضع إحدى الرِّجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عبَّاس وكعب بن عجرة.\nوخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: لا بأس بذلك؛ وهم: الحسن البصري، والشَّعبي، وابن المسيب، وأبو مجلز، ومحمَّد ابن الحنفية، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد، وابن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود، وأنس ﵃.\nوقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: «حدثنا وكيع، عن عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن ابن المسيب: أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلانه».\nوروي عن عبد الله بن مالك عن أبيه قال: «دخل على عمر ورآه مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى».\nوروي عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث: «أنه رأى ابن عمر يضطجع فيضع إحدى رجليه على الأخرى».\nوحدثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع: «كان ابن عمر يستلقي على قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، ولا يرى بذلك بأسًا، ويفعله وهو جالس لا يرى بذلك بأسًا».\nوحدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه قال: «رأيت ابن مسعود ﵁ مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]».\nوحدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن عمران -يعني: ابن مسلم- قال: «رأيت أنسًا ﵁ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى») انتهى.\nوالحاصل: أنَّ الاستلقاء في المسجد ومد الرِّجل فيه؛ غير مكروه، إلا أنَّه يكره مد الرِّجل نحو الكعبة، وهذا مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وهو قول الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٧٩٨\"> </span>(٨٦) <span data-type=\"title\" id=toc-798>[باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس]</span>\nهذا (باب) بيان حكم بناء (المسجد)؛ أي: الجامع سواء كان كبيرًا أو صغيرًا (يكون) أي: بناؤه (في الطريق) أي: طريق الناس (من غير ضرر بالناس) ولأبي ذر: (للناس)، وفي بعض الأصول زيادة: (فيه)، والمراد بالحكم: الجواز، لكن بشرط ألَّا يكون فيه ضرر لهم.\nولما كان بناء المسجد على أنواع؛ نوع منه يجوز بالإجماع؛ وهو أن يبنيه في ملكه، ونوع يجوز ذلك بشرط ألَّا يضر بأحد؛ وذلك في المباحات، وقد شذ بعضهم في ذلك فمنعه، وأراد البخاري بهذا الباب الرد على هؤلاء، واحتج على ذلك بقصة أبي بكر الصديق ﵁، وعلم بذلك النَّبي الأعظم ﷺ وأقره على ذلك، ولم ينكر عليه، وما رواه عبد الرزاق عن علي وابن عمر من المنع؛ فسنده ضعيف لا يحتج به، أو محمول على وجود الضرر، والصَّحيح ما نقل عن أبي بكر ﵁، أفاده إمام الشَّارحين.\n (وبه)؛ أي: بجواز بناء المسجد في الطريق بحيث لا يحصل ضرر للناس (قال الحسن) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري التَّابعي، (وأيِّوب) هو السختياني البصري، (ومالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، وبه قال الجمهور.\nوفائدة التصريح بهؤلاء مع أنَّه جائز عند الجمهور؛ لأنَّه لما وَرَد عنهم هذا الحكم صريحًا؛ صرَّح المؤلف بأسمائهم، قاله الشَّارح.\nوقال صاحب «التوضيح»: (وأجاز مالك بناء المسجد بفناء الدار إذا كان لا يضر بالساكنين؛ لأنَّ نفعه كالاستطراق، وإليه ذهب البخاري كما في ترجمته، قال ابن شعبان: وينبغي تجنب الصلاة في المساجد المبنية حيث لا يجوز بناؤها","vol":"1","page":342},{"text":"في الطرقات ونحوها؛ لأنَّها وضعت في غير حقها، فمن صلى فيها متأولًا أنَّه صلى في الطريق؛ أجزاه)، قال: (ولو كان مسجد في متسع وأراد الإمام الزيادة فيه ما لا يضر بالساكنين؛ لم يمنع عند مالك، ومنعه ربيعة، وصححه ابن بطال؛ لأنَّه غير عائد إلى جميعهم، وقد ترتفق به الحائض والنفساءن ومن لا تجب عليه من الأطفال، ومن يسلكه من أهل الذمة) انتهى.\nقلت: وما صححه ابن بطال هو الصَّواب، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n\n <span id=\"b-٧٩٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-799>[حديث: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين]</span>\n٤٧٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير)؛ بِضَمِّ الموحَّدة مصغرًا، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فأبوه عبد الله، المخزومي البصري (قال: حدثنا اللَّيث) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي، (عن عُقَيل)؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو ابن خالد الأيلي المصري، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (عُروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين المهملة في الأول، وضم الزاي في الثاني: هو ابن العوام القرشي المدني، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: (فأخبرني)؛ بالفاء، ولأبي الوقت والأصيلي: (وأخبرني)؛ بالواو، وعليهما فهو معطوف على مقدر كأن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بكذا وكذا فأخبرني أو وأخبرني عقيب تلك الإخبارات بهذا: (أنَّ عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوج النَّبي) الأعظم (ﷺ) ورضي عنهما: أنَّها (قالت: لم أعقل) أي: لم أعرف (أبوي)؛ أي: أبا بكر وأم رومان، وهذه التثنية من باب التغليب، وفي بعض النُّسخ: (أبواي)؛ بالألف، وذلك على لغة بني الحارث بن كعب جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف (^١)؛ كعصى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب، أفاده إمام الشَّارحين.\nقلت: والتغليب جَارٍ على الروايتين؛ فافهم.\n (إلا وهما يدِينان الدِّينَ)؛ بكسر الدَّال المهملة فيهما؛ أي: يتدينان بدين الإسلام، وانتصاب (الدِّين) بنزع الخافض، يقال: دان بكذا ديانة، وتديَّن به تديُّنًا، ويحتمل أن يكون مفعولًا به، و(يدين) بمعنى: يطيع، ولكنه فيه تجوز من حيث جعل الدِّين كالشخص المطاع، قاله في «عمدة القاري».\nقلت: وعلى هذا؛ فهو على سبيل الاستعارة المكنية والتخييلية، وفي الكلام إشارة إلى تقدم إسلام أم رومان أيضًا؛ فليحفظ.\n (ولم يمُر)؛ بِضَمِّ الميم؛ أي: لم يمض (علينا)، ففيه تغليب المتكلم، وللأصيلي، وأبي الوقت، وابن عساكر: (عليهما) أي: على أبوي (يوم) وهو شرعًا: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعند أهل الفلك: من طلوع الشمس إلى غروبها، وقولها: (إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار)؛ بالنصب على الظرفية الزمانية، صادق بالنهار الشرعي والفلكي، بل الأظهر الثاني؛ فافهم (بكرةً وعشيةً): منصوبتان على الظرفية يدلان على التأكيد، أو هما بدلان؛ فافهم، (ثم بدا)؛ بغير همز؛ أي: ظهر، من بدا الأمر بدوًّا-مثل: قعد قعودًا- أي: ظهر، قال الجوهري: (بدا له في هذا الأمر؛ أي: نشأ له رأي فيه)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وفي التعبير بـ (ثم) إشارة إلى التراخي، وهو على حقيقته؛ لأنَّ ههنا قصة سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.\n (لأبي بكر): متعلق بـ (بدا) (فابتنى مسجدًا) أي: أمر ببنائه (بفِناء داره)؛ بكسر الفاء ممدودًا؛ وهو ما امتد من جوانبها، (فكان) أي: أبو بكر (يصلِّي فيه)؛ أي: في المسجد المذكور ليلًا، وبعض صلاة النهار، (ويقرأ القرآن)؛ أي: ما نزل منه وقتئذٍ، (فيقف عليه) أي: على أبي بكر حين يقرأ في المسجد (نساء المشركين وأبناؤهم) في ذهابهم وإيابهم في الطريق، وكان المسجد له شبابيك تطل على الطريق العام فينظرونه منها (يعجبون منه)؛ أي: من أبي بكر في حسن قراءته، أو من القرآن العظيم، (وينظرون إليه) حيث يقرأ بين المشركين جهرًا ولا يبالي بهم.\n (وكان أبو بكر رجلًا بكَّاء)؛ بتشديد الكاف على وزن (فعَّال)، مبالغة (باك)؛ أي: كثير البكاء من خشية الله تعالى (لا يملك عينيه)؛ بالتثنية؛ أي: لا يطيق إمساكهما ومنعهما من البكاء؛ (لرقة قلبه)، قال إمام الشَّارحين: (وفي بعض النُّسخ: «لا يملك عينه»؛ بالإفراد، وهو وإن كان مفردًا، لكنه جنس يطلق على الواحد والاثنين) انتهى، (إذا قرأ القرآن)، قال الشَّارح: («إذا»: ظرفية، والعامل فيه: «لا يملك»، أو شرطية، والجزاء مقدر يدل عليه: «لا يملك»؛ فافهم، (فأفزع)، من الإفزاع: وهو الإخافة؛ أي: أخاف (ذلك)؛ أي: وقوف من ذكر عليه، قاله الشَّارح، و(ذلك) فاعل (أخاف)، وزعم العجلوني: (ويحتمل أنَّ الإشارة لفعل أبي بكر المذكور)؛ وهو بعيد، والأول أظهر؛ لأنَّ فعله لا يخوفهم، كما لا يخفى، وقوله: (أشراف)؛ بالنصب مفعول (أفزع)؛ أي: أعاظم (قريش من المشركين)؛ أي: خافوا من ميل الأبناء والنساء إلى دين الإسلام.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، قال إمامنا الشَّارح: (وقد ذكر البخاري في كتاب «الهجرة» هذا الحديث مطولًا بهذا الإسناد، وزاد فيه بعد قوله: «عشية» وقبل قوله: «ثم بدا لأبي بكر» قصة طويلة في خروج أبي بكر من مكة، ورجوعه في جِوَارِ ابن الدغنة، واشتراطه عليه ألَّا يستعلن بعبادته، فعند فراغ القصة قال: «ثم بدا») انتهى.\nقلت: وحاصل القصة: أنَّ الصديق لما أوذي؛ خرج من مكة مهاجرًا حتى بلغ برك الغماد (^٢)، فرده ابن الدغنة، ورجع معه إلى مكة، وأجاره منهم بشرط ألَّا يصلِّي في بيته، ولا يستعلن بالقراءة، ثم بعد ذلك بدا للصديق، فابتنى مسجدًا بفِناء داره، فسير المشركون إلى ابن الدغنة، فجاء للصديق، فقال له: إمَّا أن تصلي في بيتك، وإلا؛ فرد جواري، فقال الصديق: فإنِّي أرضى بجوار الله، وأرد إليك جوارك، وهذا من قوة يقين الصديق ﵁، انتهى.\nوقال إمام الشَّارحين: (ويستفاد من الحديث: جواز بناء المسجد في الطريق إذا لم يكن ضرر للعامة كما ذكرنا، وفيه: بيان فضل أبي بكر ﵁ مما لا يشاركه فيه أحد؛ لأنَّه قصد تبليغ كتاب الله وإظهاره مع الخوف على نفسه، ولم يبلغ شخص هذه المنزلة بعد رسول الله ﷺ، وفيه: فضائل أخرى لأبي بكر، وهي قدم (^٣) إسلامه وإسلام أبويه، وتردد رسول الله ﷺ إليه طرفي النهار، وكثرة بكائه، ورقة قلبه، مما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى) انتهى.\n\n <span id=\"b-٨٠٠\"> </span>(٧٨) <span data-type=\"title\" id=toc-800>[باب الصلاة في مسجد السوق]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة في مسجد السوق)؛ بالإفراد لأبي ذر، وفي رواية الأكثرين: (مساجد)؛ بالجمع، والمراد به: جواز الصلاة في المساجد التي بنيت في الأسواق والشوارع، وقال الكرماني:\n_________\n(^١) تكرر في الأصل: (ألف).\n (^٢) في الأصل: (العماد)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (أقدم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":343},{"text":"(المراد بـ «المساجد»: مواضع إيقاع الصلاة، لا الأبنية الموضوعة للصلاة من المساجد، فكأنَّه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق).\nوقال ابن بطال: (روي: «أنَّ الأسواق شر البقاع»، فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنَّه لا يجوز الصلاة في الأسواق استدلالًا به، فجاء بحديث أبي هريرة؛ إذ فيه إجازة الصلاة في السوق، وإذا جازت الصلاة في السوق فُرادى؛ كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة).\nوقال ابن حجر: (موضع التَّرجمة الإشارةُ إلى أنَّ الحديث الوارد في أنَّ الأسواق شر البقاع، وأنَّ المساجد خير البقاع، كما أخرجه البزار وغيره؛ لا يصح إسناده، ولو صح؛ لم يمنع وضع المسجد في السوق؛ لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خير).\nواعترضهم إمام الشَّارحين، فقال: (كل منهم قد تكلف؛ أمَّا الكرماني؛ فإنَّه ارتكب المجاز من غير ضرورة، وأمَّا ابن بطال؛ فإنَّه من أين تحقق خشية البخاري مما ذكره حتى وضع هذا الباب؟ وأمَّا القائل الثالث -يعني: ابن حجر-؛ فإنَّه أبعد جدًّا؛ لأنَّه من أين علم أنَّ البخاري أشار به إلى ما ذكره؟ والأوجه أن يقال: إنَّ البخاري لما أراد أن يورد حديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى أنَّ المصلي لا يخلو إمَّا أن يكون في المسجد التي بني لها، أو في بيته الذي هو منزله، أو السوق؛ وضع بابًا فيه جواز الصلاة في المسجد الذي في السوق، وإنَّما خص هذا بالذكر من بين الثلاثة؛ لأنَّه لما كان السوق موضع اللغط، واشتغال الناس بالبيع والشراء، والأيمان الكثيرة فيه بالحق والباطل، وربما كان يُتَوهم عدم جواز الصلاة فيه من هذه الجهات؛ خصه بالذكر) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم: (يقال عليه: من أين مراد البخاري ما ذكره؟ فما كان جوابه فهو جوابهم، وقوله عن الكرماني: أنَّه ارتكب المجاز من غير ضرورة؛ فيه أنَّه الأصل الحقيقي إلا أن يريد بالنسبة للمعنى المتعارف، على أنَّه ليس الكلام للكرماني، بل لصاحب التراجم كما نقله عنه الكرماني)، وقال العجلوني قبله: (وما قاله الكرماني أنسب، والأولى أن يراد ما يشمل الأمرين معًا؛ لأنَّه أعم فائدة) انتهى.\nقلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ قوله: (يقال عليه...) إلى آخره؛ صاحب الفهم الصَّحيح يعلم أنَّ مراد البخاري ما ذكره من وضع حديث أبي هريرة تحت هذه التَّرجمة، وفيه المطابقة لها صريحًا، وفيه بيان أنَّ المصلي إذا صلى في بيته؛ لم يحصل له هذا الثواب، وهو صادق بوجهين، فهو ثلاثة التي (^١) ذكرها إمام الشَّارحين، وليس هذا يصلح جوابًا لهؤلاء كما زعمه؛ لأنَّ الكرماني لم يأخذ كلامه من بيان الحديث، بل أخذه من الفهم السقيم، وابن بطال أخذ كلامه من حديث: «شر البقاع الأسواق»، وتبعه ابن حجر، وأخذ من كلامه واستند لهذا الحديث، وكل هذا ليس بمراد للمؤلف، فليس لهؤلاء جواب غير أنَّه كلام غير مفيد للمقام على أنَّ حديث: «شر البقاع الأسواق» لا يصح إسناده، فهو ضعيف، فكيف يحتج به؟ وكيف يتوهم أحد منه عدم الجواز مع وجود حديث أبي هريرة؟ فإنَّ البخاري لو كان مراده الحديث وصح عنده؛ لذكره، وما ذلك إلا قول صادر من غير تأمل.\nوقوله: (فيه أنَّه الأصل...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ الأصل في الكلام الحقيقة عند أهل المعارف لا المجاز، ولم يقل أحد غيره بأنه الأصل على أنَّه لا يجوز عند المحققين العدول عن الحقيقة إلى المجاز مع وجود الحقيقة؛ لأنَّها الأصل في الكلام؛ فليحفظ، فهذا كلام صادر من غير تأمل.\nوقوله: (إلا أن يريد..) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا، فمن المتعارف أنَّ المسجد اسم للأبنية المعروفة، وليس يعرف أنَّ المسجد موضع إيقاع الصلاة، كما لا يخفى.\n (وكونه ليس الكلام للكرماني..) إلى آخره: ليس بلازم؛ لأنَّ إمام الشَّارحين ينظر للمقال، ولا ينظر لمن قال، وليس له فيه حظ نفس ولا نحوه، على أنَّه كم وقع الكرماني في خبط أبلغ من هذا، وكم رأينا له هفوات، فليس هذا بأول هفوة، على أنَّه لو كان المراد بالمساجد مواضع إيقاع الصلاة -كما زعمه وادعى العجلوني أنَّه أنسب-؛ لكان حديث أبي هريرة غير مطابق للتَّرجمة، ولكان على المؤلف أن يترجم له بـ (باب مواضع الصلاة)، ولما ترجم بهذا؛ علم أنَّ ما ذكره ليس بمراد له، ولا إشارة إليه، كما لا يخفى.\nوقوله: (والأولى أن يراد...) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ البخاري صرح في ترجمته بلفظ: (المساجد)، ولم يرد به مواضع الصلاة، كما هو صريح ترجمته، والحديث يدل عليه، وليس فيما ذكره العجلوني أعمية فائدة؛ لأنَّ الفائدة بما ترجم به موجودة بالعموم على أنَّه ليس فيما ذكره فائدة أصلًا؛ لأنَّه إذا حمل كلامه على ما يلزم عليه العمل بحقيقة الكلام ومجازه وهو غير جائز عند الجمهور، والمؤلف لا يعمل بمثله؛ فعلم منه أنَّه ليس بمراد للمؤلف ولا إشارة إليه.\n (وصلى ابن عون)؛ بالنُّون، هو عبد الله بن أرطبان البصري، من السَّادسة، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، يروي عن ابن سيرين وغيره، وزعم ابن المُنَيِّر أنَّه ابن عمر، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّه تصحيف، والصَّحيح أنَّه ابن عون، وكذا وقع في الأصول) انتهى.\nقال العجلوني: (رأيت في «المصابيح» نقلًا عنه: «ابن عون» بلا تصحيف) انتهى.\nقلت: هذه النُّسخة التي رآها أيضًا هي تصحيف؛ لأنَّ الثابت في النُّسخ عنه: «ابن عمر» بالتصحيف كما نقله الشراح، فكيف يدعي ذلك؟ فافهم.\n (في مسجد في دار يغلق عليهم الباب)؛ أي: على ابن عون ومن معه باب الدار، فضمير (عليهم) يرجع له ولمن معه، قال القسطلاني: (وليس في هذا ذكر السوق، فالله أعلم بوجه المطابقة) انتهى.\nقلت: أشار إلى أنَّه لا مطابقة بين هذا والتَّرجمة، والظَّاهر أن يقال: إنَّ دار ابن عون في السوق والمسجد الذي فيها بابه في السوق، وأنَّ أهله يصلُّون فيه؛ بدليل قوله: (عليهم)، فإنَّه راجع إلى ابن عون ومن معه، وهم أهل السوق، فصدق عليه أنَّ صلاته كانت في مسجد السوق، وإغلاق الباب؛ لأجل عدم دخول كلب ونحوه، لا لأجل الناس؛ فافهم، فطابق التَّرجمة من هذا الوجه؛ فافهم.\nوزعم صاحب «المنحة» بأنَّ وجه المطابقة قياس اتخاذ المسجد في السوق على اتخاذه في الدار بجامع أنَّ كلًّا منهما محجور بأهل ما حواه، انتهى.\nقلت: هذا قياس مع الفارق، ولو كان مراد المؤلف اتخاذ المسجد في الدار؛ لكان ترجم له أو أدخله في ترجمته، وليس لهذا الجامع الذي ذكره وجه، فإنَّ السوق ليس أهله محجورين وكذلك الدار؛ لأنَّ السوق يدخله البائع، والشَّاري، والمتفرج، والغريب، والمقيم، وكذلك الدار يدخلها صاحب الحاجة، والضيف، ونحوهما؛ فافهم.\nوقال ابن المُنَيِّر: (وجه المطابقة: أنَّ المصنف أراد أن يبين جواز بناء المسجد داخل السوق؛ لئلا يتخيل متخيل من كونه محجورًا منع الصلاة فيه؛ لأنَّ صلاة ابن عمر كانت في دار تغلق عليهم، فلم يمنع التحجير اتخاذ المسجد فيها، وخص السوق في التَّرجمة؛\n_________\n(^١) في الأصل: (الذي)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":343},{"text":"لئلا يتخيل أنَّها لما كانت شر البقاع وبها يركز الشَّيطان رايته -كما وَرَد في الحديث- يمنع ذلك من اتخاذ المساجد فيها، وتنافي العبادة كما نافتها الطرقات، ومواضع العذاب والحَمَّام؛ فبيَّن بحديث أبي هريرة أنَّها محل للصلاة؛ كالبيوت، فيجوز أن يبنى فيها المسجد) انتهى.\nقلت: كل هذا تكلف، وغير مراد للبخاري؛ لأنَّه من أين علم أنَّ مراد البخاري بيان جواز بناء المسجد داخل السوق؟ فلو كان مراده هذا؛ لكان يقول: باب جواز بناء المسجد في السوق، وإنَّما مراده: جواز الصلاة في مسجد السوق، وليس يتخيل أحد منع الصلاة في السوق؛ لكونه محجورًا بل هو غير محجور، ألا ترى أنَّ المؤمن لا يمنع مؤمنًا من دخول المسجد، فكيف يكون محجورًا؟ ودار ابن عون كانت في السوق وليس في المسجد الذي بها حجر؛ لأنَّ غلق الباب إنَّما كان لأجل ألَّا يدخل عليهم كلب أو نحوه، فيفسد عليهم صلاتهم.\nوتخصيص السوق بالتَّرجمة موافقة للأثر والحديث، لا لأنَّها شر البقاع وركوز الشَّيطان، فإنَّ حديث: «شر البقاع»؛ ضعيف لا يحتج به كما قدمناه، والشَّيطان يركز في كل مكان خبيث، ألا ترى أنَّ الشخص إذا باع واشترى على قانون الشرع؛ يذكر عليه الملائكة وأنَّه عبادة، ولا تنافي فيما ذكره من الطرقات ونحوها؛ لأنَّها لم تكن معدة للصلاة، فقالوا بكراهة الصلاة فيها، أمَّا مسجد السوق؛ فلا كراهة فيه؛ لأنَّه مسجد أُعِد للصلاة فيه، فهذا قياس مع الفارق؛ فافهم، وما ذكرناه في وجه المطابقة هو الصَّواب؛ لأنَّه من فيض الوهاب.\nزاد في الطنبور نغمة الكرماني، فزعم أنَّ غرض البخاري من هذا الأثر الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع اتخاذ المساجد في الدار المحجوبة عن الناس، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (جازف الكرماني في هذا؛ لأنَّ الحنفية لم يقولوا هكذا، بل المذهب فيه أنَّ من اتخذ مسجدًا في داره وأفرز طريقه؛ يجوز ذلك، ويصير مسجدًا، فإذا أغلق بابه وصلى فيه؛ يجوز مع الكراهة، وكذا الحكم في سائر المساجد) انتهى.\nوشاركه في المجازفة العجلوني، فزعم أنَّه يمكن حمل كلام الكرماني على ما قاله، والمكروه تحريمًا ممتنع في الجملة، فلا مجازفة، انتهى.\nقلت: هذا تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّه كيف يحمل كلامه على ما قاله، وقد قال الكرماني: (قالوا بامتناع)؛ وهو عدم الجواز، وبين هذا وبين الجواز مع الكراهة فرق ظاهر كما بين السَّماء والأرض، ولم يصرح إمام الشَّارحين بأنَّ الكراهة للتحريم، فمن أين جاء بها؟ وما هذا إلا جرأة على رئيس المجتهدين.\nعلى أنَّ الكرماني قال: (في الدار المحجوبة عن الناس)، وإمام الشَّارحين قال: (فإذا أغلق بابه)، فبين الدار المحجوبة والمسجد المغلق بابه فرق ظاهر (^١)، فلا يمكن حمل كلامه على شيء أصلًا، وليس هو بالإمام الأعظم ولا بأمثاله حتى يحمل كلامه على محمل حسن، بل يقال: هو خطأ ظاهر، وجرأة على صاحب المذهب المعظم، وإذا كان لم يعرف مذهب رأس المجتهدين؛ كيف يتعرض لمذهبه بالخطأ الظَّاهر؟\nعلى أنَّ ما ذكره البخاري من الأثر إن لو فرض أنَّه كان مخالفًا للمذهب لا يعارضه، ولا يلتفت إليه؛ لأنَّه ليس من كلام النَّبي الأعظم ﵇، ولا من كلام الصَّحابةرضي الله عنه، ومع هذا؛ فكلام التَّابعين كذلك لا يعارِض؛ لأنَّهم رجال ونحن رجال، كما قاله الإمام الأعظم، فكيف إذا كان كلام أتباع التَّابعين فبالأولى؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٠١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-801>[حديث: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته]</span>\n٤٧٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا أبو معاوية) هو محمَّد بن حازم الضرير، (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، (عن أبي صالح) هو ذكوان المدني، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الصَّحابي الجليل ﵁، (عن النَّبي) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: صلاة الجمِيع)؛ بتحتية بعد الميم المكسورة؛ أي: صلاة الجماعة كما في رواية، و(الجميع) في اللُّغة: ضد المتفرق، والجيش أيضًا والحي: المجتمع، ويؤكد به يقال: جاؤوا جميعًا؛ أي: كلهم، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nقال الكرماني: (صلاة الجميع؛ أي: في الجميع؛ يعني: صلاة الجماعة)، واعترضه الشَّارح بأنَّه تصرف غير مرضي، وكذلك اعترضه ابن حجر بأنَّه تكلف لا حاجة إليه، انتهى.\nوزعم العجلوني بأنَّ ما ذكره الكرماني تصرف مرضي، ولا تكلف فيه، فإنَّ الإضافة على معنى (في) انتهى.\nقلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ كلام الكرماني مبني على التكرار في معاني الألفاظ، كما هو ظاهر، وهو تصرف غير مرضي لأهل المعاني، ولا ريب أنَّه تكلف لا حاجة إليه عند أهل المعارف، وكون الإضافة على معنى (في) لا يدل على ما زعمه، فإنَّ تفسيره أيضًا صلاة الجماعة على معنى (في) لا كلام فيه، بل في التفسير المذكور؛ فافهم.\n (تزيد)؛ بمثناة فوقية؛ أي: تفوق صلاة الجماعة (على صلاته)؛ أي: على صلاة الشخص المنفرد المدلول عليه بالجميع الذي بمعنى الجماعة، ونقل الكفيري عن «الكاشف» أنَّه قال: (هو مبتدأ، والمضاف محذوف؛ أي: ثواب صلاة الرجل في الجماعة، والضمير في «تزيد» راجع إليه) انتهى، (في بيته)؛ أي: منزله منفردًا، ومثله ما لو كان في أي مكان منفردًا، (وصلاته): عطف على (صلاته)؛ أي: وتزيد على صلاته بانفراده (في سوقه)؛ أي: في مسجد سوقه على حذف مضاف، والقرينة الحالية والمقالية تعين أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه)؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق: الطريق، ولا كلام لنا فيه: فتعين أن يكون المراد به مسجد السوق؛ فافهم، والدليل على كونه منفردًا قوله: (في بيته)؛ لأنَّه قرينة ظاهرة عليه؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل يصلِّي في بيته منفردًا؛ فافهم، ويدل عليه ما عند ابن ماجه: «فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده...»؛ الحديث، (خمسًا وعشرين)؛ بالنصب على أنَّه مفعول لقوله: (تزيد)؛ نحو قولك: زدت عليه عشرة ونحوها (درجةً)؛ بالنصب على التمييز، وعند ابن ماجه: (جزءًا).\nوفي لفظ: (بضعًا (^٢) وعشرين درجة)، وفي لفظ: (بضعة وعشرين جزءًا).\nوعند السراج: (تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ).\nوفي لفظ: (خير من صلاة الفذ).\nوفي لفظ: (صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصلِّيهما وحده).\nوفي «سنن الكشي»: (صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ).\nوعند البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة).\nوعند ابن حبان من حديث أُبي بن كعب: (أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين درجة، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين، وما كثر؛ فهو أحب إلى الله ﷿).\nوعند السراج من حديث أنس موقوفًا بسند صحيح: (تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعًا وعشرين صلاة).\nوفي كتاب ابن حزم: (صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعًا وعشرين درجة).\nوعند ابن حبان: (تكتب صلاته بخمسين درجة).\nوعند أبي داود: (بلغت خمسين صلاة).\nوعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود: (صلاة الجمع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفًا، كلها مثل صلاته).\nوفي «تاريخ البخاري» من حديث الإفريقي عن قباث بن أشيم: (صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى).\nوعند ابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عبَّاس: (فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، قال: فإن كانوا أكثر؛ فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: نعم).\nوفي «فضائل القدس» لأبي بكر الواسطي من حديث أبي الخطاب: (وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته على الساحل بألفي ألف صلاة، وصلاته بسواك بأربع مئة صلاة).\nوعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب: (صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مئة صلاة)، كذا في «عمدة القاري» مختصرًا.\nقال العجلوني: (قال الكرماني: وقد عبر عن الانفراد بكونه في البيت أو السوق؛ إذ الغالب أنَّ صلاة الرجل فيها تكون\n_________\n(^١) في الأصل: (فرقًا ظاهرًا)، ولا يصح.\n (^٢) في الأصل: (بعضًا)، وهو تحريف.","vol":"1","page":344},{"text":"بالانفراد ويدل لأنَّ هذا هو المراد: ما رواه المصنف في «فضل الجماعة» عن أبي سعيد الخدري: أنَّه سمع النَّبي ﷺ يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»، وليس فيه -أي لحديث الباب- ذكر المسجد في السوق، ولم أر في بعض طرقه ذكره، ولا من تعرض له من الشراح، فلا تحصل به المطابقة للتَّرجمة إذا أريد فيها المسجد الشرعي إلا ببعض التكلفات يراد به اللغوي، ولعل ذلك هو الحامل لما نقله الكرماني في تفسيره في التَّرجمة: بمواضع إيقاع الصلاة، وهو المناسب دون ما في «الفتح» و«العمدة»؛ فراجعه وتأمله) انتهى كلامهما.\nقلت: كل منهما غير مصيب، وأراد بـ «الفتح» ما ذكره ابن حجر، و«العمدة» ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهما قالا: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وصلاته في سوقه») انتهى؛ يعني: على حذف مضاف؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ مسجد السوق لا توجد فيه الجماعة في غالب الأوقات، فصلاة الرجل الواحد فيه كصلاته في بيته منفردًا.\nوإنَّما جعل البيت ومسجد السوق في حكم واحد؛ لعدم وجود الجماعة غالبًا فيهما، وبهذا تحصل المطابقة للتَّرجمة، وهذا هو مراد المؤلف؛ لأنَّه ترجم بـ (الصلاة في مسجد السوق)، وساق هذا الحديث، وأشار إلى أنَّ قوله: (وصلاته في سوقه)؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق طريق العامة، والصلاة فيه مكروهة، ولا كلام فيها هنا، وإنَّما المراد: مسجد السوق، كما لا يخفى.\nوكيف غفل العجلوني والكرماني عن هذا حتى قالا ما لا تقبله الطباع؟ على أنَّ ما ذكراه من قوله: (وقد عبر عن الانفراد...) إلى آخره؛ ليس على ما ينبغي.\nولا حاجة إلى حديث أبي سعيد، فإنَّ في رواية البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة).\nوعند ابن ماجه: (فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمس وعشرون جزءًا)، وقوله: (وحده): صادق على ما إذا كان في بيته أو مسجد سوقه، كما لا يخفى، فهذا يوضح ويبين أنَّ المراد به الإنفراد؛ فافهم.\nوقوله: (وليس فيه...) إلى آخره؛ ممنوع، فإنَّ ذكر السوق قرينة دالة على أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه)؛ أي: مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق ليس بمحل للصلاة، وإنَّما هو طريق العامة، كما لا يخفى.\nوقوله: (ولم أر في بعض طرقه..) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من عدم رؤيته له أن لا يكون موجودًا، على أنَّه لا يلزم التصريح بالمسجد؛ لأنَّه معلوم من المقام، والقرائن تدل عليه.\nوقوله: (ولا تعرَّض له من الشراح..) إلى آخره: لا يخفى أنَّ عدم تعرضهم لذلك لكونه واضحًا غير خفي، وإنَّما يخفى على من يدعي الفهم وليس عنده منه شيء، وحصول المطابقة لحديث الباب لما ترجم ظاهرة، وأنَّ المراد بالمسجد: الشرعي، ولا تلكف فيه، وأنَّ المدعي للتكلف غير مصيب، بل في أنَّ المراد به: اللغوي تكلف لا يطاق، كما زعمه الكرماني؛ لأنَّ مواضع الصلاة لا إشارة إليها ههنا ولا تعرض، وهي غير مناسبة للمقام، كما لا يخفى، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق بزيادة؛ فافهم، فما في «الفتح» و«العمدة» هو العمدة؛ فليحفظ.\n (فإنَّ أحدكم): خطاب خاص، والمراد به العام، هكذا بالفاء رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (بأنَّ أحدكم)؛ بالموحَّدة، ووجهها: أن تكون الباء للمصاحبة، فكأنَّه قال: تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أُخَر؛ وهو رفع الدرجات، وصلاة الملائكة، ونحوها، ويجوز أن تكون للسببية، قاله إمام الشَّارحين، (إذا توضأ فأحسن)؛ أي: فأسبغ، كذا هو بدون مفعوله؛ والتقدير: فأحسن الوضوء، والإحسان إلى الوضوء: إسباغه برعاية السنن والآداب، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذا تعليل لما سبق، ويدل على حذف المفعول السياق من الكلام؛ لأنَّه يقتضي أنَّ هناك مفعولًا محذوفًا، وقال القسطلاني: (نعم؛ ألحق في «الفرع» لا في «أصله»: «وضوءه» بعد «فأحسن»، ويشبه أن يكون بغير خط كاتب الأصل).\nوزعم العجلوني أنَّه يوجد في كثير من النُّسخ المعتمدة: (فأحسن الوضوء)؛ بالألف واللَّام.\nقلت: لم نر في النُّسخ هكذا مطلقًا ولو غير معتمدة، فالله أعلم بصحتها مع أنَّ القسطلاني ذكر لفظ: (وضوءه) مع عدم الاعتماد عليه، وما هذا إلا تصحيف من النَّاسخين؛ فافهم.\n (وأتى المسجد) أي: الجامع حال كونه (لا يريد) أي: بإتيانه (إلا الصلاة)، فالجملة حالية، والمضارع المنفي إذا وقع حالًا؛ يجوز فيه الواو وتركه، وهو عطف على قوله: (فتوضأ).\nوزعم العجلوني أنَّه عطف على (فأحسن).\nقلت: ما قلناه هو الصَّواب؛ لأنَّ المراد: الوضوء وإتيان المسجد وهو متوضئ وإحسان الوضوء؛ أي: إسباغه من المكملات؛ فافهم.\nقال الكرماني: (ومثل الصلاة الاعتكاف مثلًا؛ إذ المراد من الحصر: أنَّه لا يريد إلا العبادة، واقتصر على الصلاة؛ لأنَّها الأغلب) انتهى.\nقلت: هذا غير ظاهر؛ لأنَّ الثواب المذكور إنَّما وَرَد في الصلاة خاصة، ولهذا اقتصر عليها؛ لأنَّها قد اشتملت على قيام، وركوع، وسجود، وذكر، وتسبيح، وقراءة قرآن بالاستقلال، أمَّا الاعتكاف؛ فليس كذلك؛ لأنَّه مكث في المسجد فقط، وهو وإن كان عبادة إلا أنَّها قاصرة، والصلاة أعم، فالمراد من الحصر إنَّما هو حصر الصلاة لا العبادة مطلقًا؛ فليحفظ.\n (لم يخط خَطوةً)؛ بفتح الخاء المعجمة وضمها، روايتان، وقال السفاقسي: (رويناه بفتح الخاء)، وقال القرطبي: (الرواية بِضَمِّ الخاء، فالمضمومة: ما بين القدمين، والمفتوحة: المرة الواحدة)، وهي منصوبة على المفعول المطلق لقوله: (يخط)، ويحتمل أنها مفعول به؛ لأنَّ المعنى: لم يفعل خطوة، قلت: وهو بعيد، والأول أظهر؛ فافهم، (إلا رفعه الله بها)؛ أي: بالخطوة الواحدة، وسقط لفظ: الجلالة للأصيلي (درجة) أي: واحدة (أو حطَّ)؛ بتشديد الطاء المهملة؛ أي: أسقط وأزال (عنه خطيئة)؛ أي: واحدة، ونصب (درجة) و(خطيئة) على التمييز، قاله القسطلاني.\nواعترضه العجلوني فقال: (والظَّاهر أنَّ نصب «درجة» و«خطيئة» على المفعولية لفعليهما، لا نصب على التمييز كما قاله القسطلاني مع أنَّه سيأتي له في باب «فضل الجماعة» أنَّه أعربهما نائبين عن الفاعل؛ لأنَّ الرواية هناك: «إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة») انتهى.\nقلت: ما قاله القسطلاني أولى وأنسب، وهو الظَّاهر، وما ذكره عن باب (فضل الجماعة) مبني على الرواية، فإنَّ الإعراب على حسب العوامل المقتضية له، فإذا كانت الرواية هكذا؛ فالإعراب هكذا، أمَّا ههنا؛ فالفعل مفعوله موجود وهو الضمير، و(رفع) لا يتعدى إلى مفعولين، كما لا يخفى، فتجويز النصب على المفعولية غير ظاهر، كما لا يخفى.\nوهكذا رواية الكشميهني بـ (أو)، وللأصيلي: (وحط عنه بها خطيئة)؛ بالواو، وزيادة: (بها)، قال الشَّارح: (وهذا أشمل، وقد تكون «أو» بمعنى الواو، فلا تنافي)؛ فليحفظ، والله أعلم، اللهم أحسن عاقبتنا في","vol":"1","page":344},{"text":"الأمور كلها.\n (حتى يدخل) أي: أحدكم (المسجد)؛ أي: الجامع، وهذا غاية لرفع الله له بالخطوة درجة ولحط الخطيئة عنه، فالمقتضي للرفع والحط المشي إلى المسجد، فإذا دخله؛ زال مقتضيها، فلهذا جعله غاية لهما، ولم يبق على عدم ثواب أصلًا، بل ثواب آخر، وترقي في الدرجات، ونجاة من الهلكات أشار إلى ذلك بقوله: (وإذا دخل) أي: الرجل المذكور (المسجد) أي: الجامع؛ (كان في صلاة)؛ أي: حكمًا من حيث الثواب؛ أي: في ثواب (ما كانت)؛ بالتأنيث؛ أي: الصلاة، ولأبي ذر: (ما كان)؛ بالتذكير؛ أي: المسجد، كذا ذكره إمام الشَّارحين، وهو أعم مما فسره العجلوني بالفعل أو مكثه؛ لأنَّ المسجد مذكور في السياق، فالضمير في (كان) يتعين رجوعه إليه، أمَّا الفعل أو المكث؛ فغير مذكور، على أنَّ المسجد أعم وأشمل؛ فافهم، (تحبسه)؛ بالفوقية على الرواية الأولى، وبالتحتية على الثانية، وكلمة (ما) مصدرية معناها المدة؛ والتقدير: مدة دوام حبس الصلاة أو المسجد إياه، وفاعل (تحبسه)؛ بالفوقية: ضمير الصلاة، وبالتحتية: ضمير المسجد؛ فليحفظ.\nوزعم القسطلاني: (وحذف الفاعل؛ للعلم به).\nقلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ الفاعل الضمير، فلا حذف للفاعل على أنَّه قيل: وجد في نسخة معتمدة التصريح بالفاعل، وعليها؛ ففيه تنازع، وفي بعض الأصول تقديمها على (تحبسه)؛ فافهم.\nوقوله: (وتصلي) أي: تدعو؛ (يعني: عليه الملائكة): معطوف على جواب (إذا)، وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ: (يعني)، وكذا لفظ: (عليه) أيضًا لابن عساكر، وثبت عنه في نسخة: (ما دام)؛ أي: المصلي (في مجلسه الذي يصلِّي فيه)؛ أي: ما دام المصلي في المجلس الذي صلى فيه الفريضة الأولى، أو تحيته المسجد، أو السنة القبلية، وهذا ظاهر الحديث.\nوقيل: المراد بالمجلس: المسجد؛ والمعنى: ما دام المصلي في مسجده الذي صلى فيه، وهو مخالف للفظ الحديث، ويدل للأول ما ثبت في بعض الروايات: (ما دام في مصلاه)، وهو مكان الصلاة، فهو المجلس الذي قد صلى فيه، قيل: إنَّ الثاني أرحج.\nقلت: ليس في الحديث ما يدل على صحته فضلًا عن أرجحيته؛ فافهم.\nوقوله: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه): جملة حالية، بتقدير: قائلين؛ والمعنى: وتدعو له الملائكة قائلين: اللهم؛ لأنَّه لا يصح المعنى إلا بذلك، وقيل: إنَّه بيان للصلاة، فالجملة مستأنفة، انتهى.\nقلت: ليست الجملة مستأنفة، بل هي حالية، ويدل عليه تعلقها بما قبلها، كما لا يخفى، وزاد ابن ماجه: (اللهم تب عليه).\nوقوله: (ما لم يؤذ): متعلق بـ (تصلي عليه)، و(ما) ظرفية مصدرية؛ بمعنى المدة؛ أي: مدة عدم الإيذاء، وقال إمامنا الشَّارح: (يؤذ)؛ بِضَمِّ التحتية أوله، وبالذَّال المعجمة، من الإيذاء، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المصلى، ومفعوله محذوف؛ تقديره: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم: الحدث في المسجد، ولهذا قال: (يُحدثْ فيه)؛ أي: في مجلسه، وهو بِضَمِّ التحتية أوله، من الإحداث؛ بكسر الهمزة، وهو مجزوم في رواية الأكثرين على أنَّه بدل من (يُؤذ)، وفي رواية الكشميهني: (ما لم يؤذ بحدث فيه)؛ بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بـ (يؤذ)، وفي رواية أبوي ذر والوقت: (يحدثُ)؛ بالرفع على الاستئناف.\nوقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «ما لم يحدث»؛ بطرح لفظ: «يؤذ»؛ أي: ما لم ينقض الوضوء، والذي ينقض الوضوء الحدث).\nواعترضه ابن حجر، فقال: (يحتمل أن يكون أعم من ذلك).\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الحديث رواه أبو داود في «سننه»، ولفظه: «مالم يؤذ فيه»؛ والمعنى: ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدًا بقوله أو فعله، أو «يحدثْ»؛ بالجزم من الإحداث؛ بمعنى الحدث، لا من التحديث؛ فافهم، فإنَّه موضع تأمل) انتهى.\nقلت: أشار بهذا إلى ما ذكره الكرماني وابن حجر، وكلاهما غير مصيب؛ لأنَّ الكرماني اقتصر على الحدث الناقض للوضوء، وهو ليس بمراد؛ لأنَّ الملائكة تتأذى (^١) بغيره أيضًا، وابن حجر أراد الأعم من ذلك، وهو أنَّ معنى: «يحدث» (^٢) من التحديث؛ أي: ما لم يتكلم، وهو غير مراد، بل المراد الأعم؛ وهو ما لم يؤذ في مجلسه أحدًا بقوله أو فعله، وهو شامل للبطش باليد واللسان، والحدث شامل لخروج الدم والريح والبول، فالإيذاء شامل لإيذاء الملائكة، والمسجد، والآدميين؛ لأنَّ الملائكة لا ترضى بذلكولا الخالق ﷿، فلهذا إذا فعل شيئًا مما ذكر؛ تترك الدعاء له وتنصرف، كما لا يخفى؛ فافهم.\nقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: الدلالة على فضيلة الجماعة، وفيه: جواز اتخاذ المساجد في البيوت والأسواق).\nوقال ابن بطال: (وفيه: أنَّ الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة).\nواعترضه الكرماني بأنَّه لم يقل: يساوي صلاته منفردًا خمسًا وعشرين حتى يكون له درجة منها، بل قال: (يزيد)، فليس للمنفرد من الخمس والعشرين شيء.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، ولو كان وقف على الروايات التي ذكرناها؛ لما قال ذلك كذلك) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّه على فرض أن إحدى الروايات التي ذكرها تفيد ذلك، لا يرد على الكرماني؛ لأنَّ اعتراضه على قوله: (فيه)؛ أي: في حديث الباب؛ فافهم وأنصف، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، وأمر بالفهم، ولم يفهم معنى الكلام، وأمر بالإنصاف، ولم ينصف في المرام، فإنَّ إمام الشَّارحين قال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، وعذره بأنَّه لم يقف على الروايات التي ذكرها، فهي مسكوت عنها.\nوالحال أنَّ هذه الروايات توضح وتبين المراد من الحديث المذكور، فإنَّ الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى، ولا مانع من جعله للمنفرد درجة منها، فإنَّ فضل الله واسع غير محصور، وقد ذكرنا فيما سبق بعض الروايات في ذلك، وأنَّها صريحة فيما قاله، فما زعمه الكرماني والعجلوني غير صحيح)؛ فليحفظ.\nعلى أنَّ حديث الباب مقيد بما في الروايات، فهي صريحة في أنَّ للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (وفيه ما استدل به بعض المالكية على أنَّ صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، ورُدَّ هذا بما ذكرنا عن ابن حبان: «وما كثر؛ فهو أحب إلى الله تعالى»، وإلى مطلوبيَّةِ الكثرة ذهب الشَّافعي وابن حبيب) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن يتأمل اقتصاره عليهما، فإنَّ مطلوبية الكثرة في الجماعة إذا لم يعارضها غيرها؛ يذهب إليه كل أحد على ما لا يخفى، انتهى.\nقلت: إنَّما اقتصر عليهما؛ لأنَّه اشتهر عن الشَّافعي أنَّ الكثرة غير مطلوبة، ولا ثواب في الكثرة، ويحتمل اقتصاره عليهما؛ لما يشاهد من الزحام في صف الشَّافعية، فإنَّ الرجل يؤذي جاره بيده وجنبه ورجله، والإيذاء حرام، فأحدهم يظن نفسه أنَّه فعل مندوبًا، والحال أنَّه فعل محرمًا، فذهبا إلى مطلوبية الكثرة وإن كان زحام وضيق مع أنَّ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.\nتتمة: قال إمام الشَّارحين: (اختلفوا في الجمع بين رواية: «بسبع وعشرين درجة»، وبين رواية: «خمس وعشرين»؛ فقيل: السبع متأخرة عن الخمس، فكأنَّ الله أخبره بخمس ثم زاده، ورُدَّ هذا بتعذر التاريخ، وأجيب: بأنَّ الفضائل لا تنسخ، فتعين أنَّه متأخر.\nوقيل: إنَّ صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة، ورُدَّ هذا بقوله:\n_________\n(^١) في الأصل: (تتأذ)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (بحدث)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":345},{"text":"﵇: «وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفًا».\nوقيل: إنَّ الصلاة التي لم يكن فيها فضيلة الخُطَا إلى الصلاة، ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس، والتي فيها ذلك تفضل بسبع.\nوقيل: إنَّ ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة؛ فمن أكملها وحافظ عليها؛ فوق من أخل بشيء من ذلك.\nوقيل: إنَّ الزيادة لصلاتي العشاء والصبح؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة: «تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر»، فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة، واستئناف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة.\nوقيل: لا منافاة بين الحديثين؛ لأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين.\nوقال ابن الأثير: إنَّما قال: «درجة»، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًّا، ولا شيئًا من أمثال ذلك؛ لأنَّه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنَّ تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأنَّ الدرجات إلى جهة فوق.\nقلت: قد جاء فيه لفظ: الجزء والضعف، كما قدمناه، فكأنَّه لم يَطَّلع عليهما.\nوقد قيل: إنَّ الدرجة أصغر من الجزء، فكأنَّ الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات؛ كانت سبعًا وعشرين درجة.\nقلت: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّه جاء في «الصَّحيحين»: «سبعًا وعشرين درجة»، و«خمسًا وعشرين درجة»، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة.\nوقد قيل: يحتمل أن يكون الدرجة في الآخرة، والجزء في الدنيا.\nفإن قلت: قد علم وجه الجمع بين هذين العددين، ولكن ما الحكمة من التنصيص عليهما؟\nقلت: نقل الطيبي عن التوربشتي: وأمَّا وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى؛ فإنَّ المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النُّبوة التي قصرت عقول الألباب عن إدراك جملها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النُّبوة هي اجتماع المسلمين مصطفِّين كصفوف الملائكة المقربين، واقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام، وغيرها، انتهى.\nقلت: هذا لا يشفي الغليل، ولا يجدي العليل، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، والعنايات المحمَّدية: أنَّ كل حسنة بعشر أمثالها بالنص، وأنَّه لو صلى في بيته؛ كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سوقه؛ كان لكل صلاة عشرًا (^١)، ثم إنَّه إذا صلى بالجماعة؛ يضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاة، وأمَّا زيادة الخمسة؛ فلأنَّه أدى فرضًا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة على عشرين إنعامًا وفضلًا منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين.\nوجواب آخر: وهو أنَّ مراتب الأعداد آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، والمئة من الأوساط، وخير الأمور أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المئة، وللربع حكم الكل.\nوأمَّا زيادة السبعة؛ فقال الكرماني: «يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد الركعات في اليوم والليلة؛ إذ الفرائض سبع عشرة، والرواتب المؤكدة عشرة» انتهى.\nقلت: الرواتب المؤكدة اثني عشر؛ لحديث المثابرة، فيصير تسعة وعشرين، فلا يطابق الواقع، فنقول: يمكن أن يقال: إنَّ أيام العمر سبعة، فإذا صلى بالجماعة؛ يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة، وأمَّا الوتر؛ فلعله شرع بعد ذلك.\nثم العلماء اختلفوا هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنَّما يكون للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد؟ قال القرطبي: «والظَّاهر الأول؛ لأنَّ الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم») انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nواعترضه العجلوني بأنَّ تعليله بقوله: (فإن أحدكم...) إلى آخره: يقتضي ترجيح الثاني لا سيما على رواية الفاء، انتهى.\nقلت: بل الأظهر الأول؛ لأنَّ الجماعة سواء كانت في المسجد، أو في البيت، أو غيرهما لها هذا الفضل؛ لأنَّ الفضل محكوم به للجماعة مطلقًا، وأمَّا الحديث؛ فمبني على الغالب؛ بدليل ما رواه البخاري في «تاريخه»: «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى»، ويدل عليه أيضًا روايات تقدم ذكرها، فهذا كما رأيت غير مقيد بالمسجد، بل الفضل عام مطلقًا؛ فافهم.\nواعترض العجلوني على قوله: (الرواتب المؤكدة اثني عشر) بأنَّ هذا لا يرد على الكرماني؛ لأنَّه مبني على مذهبه أنَّ الأربعة قبل الظُّهر مؤكدة.\nقلت: هو ممنوع، فهو وإن كان موافقًا لمذهب الأئمة الحنفية إلا أنَّه يرد على الكرماني؛ حيث إنَّه ثابت في الحديث الذي ذكره، ويدل عليه ما في «الصَّحيحين»: «من ترك أربعًا قبل الظُّهر؛ لم تنله شفاعتي»، وهو شامل لما تُرِك بعضها؛ كأن صلى ركعتين، فإنَّه لا يكون مؤديًا بل تاركًا، فهو يدل على تأكيد الأربع، كما لا يخفى، ولم يرجع العجلوني عن تعصبه وعناده، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٠٢\"> </span>(٨٨) <span data-type=\"title\" id=toc-802>[باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره]</span>\nهذا (باب) حكم (تشبيك الأصابع)؛ أي: إدخال أصابع إحدى اليدين بين أصابع اليد الأخرى، وهي جمع إصبع، وفيها عشر لغات: تثليث الهمزة والموحَّدة، والعاشرة: أُصبُوع؛ بِضَمِّ الهمزة والموحَّدة أيضًا مع الواو، (في المسجد وغيره)، والألف واللَّام فيه للجنس؛ فيشمل كل مسجد، وأراد بالغير: المنزل، أو الدكان، أو غيرهما.\nوالمراد بالحكم: الجواز، وهو ظاهر ترجمة المصنف، وأنَّه لا كراهة فيه؛ لأنَّ حديث أبي موسى دال على جواز التشبيك مطلقًا، وحديث أبي هريرة يدل على جوازه في المسجد، ففي غيره من باب أولى، وسيأتي بيان مذاهب الأئمة فيه.\nواعترض بأنَّ حديث أبي موسى يدل على الجواز مطلقًا، ولا ذكر للمسجد فيه.\nوأجيب: بأنَّ التَّرجمة في بعض النُّسخ: (في المسجد وغيره)، وهي ظاهرة، وأمَّا على باقي النُّسخ -أي: التي سقط منها لفظ: (وغيره) -؛ فإمَّا أنَّ الراوي اختصر الحديث، أو اكتفى البخاري بدلالته على بعض التَّرجمة؛ حيث دل الحديث الذي بعده على تمامها؛ فتأمَّل.\nقال إمام الشَّارحين: (والموجود في غالب النُّسخ في هذا الباب حديثان؛ أحدهما: حديث أبي موسى، والآخر: حديث أبي هريرة، وفي بعض النُّسخ حديث آخر عن ابن عمر ﵄، وجد ذلك بخط البرزالي، ولم يستخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال أيضًا، وإنما حكى أبو مسعود الدمشقي في كتاب «الأطراف»: أنَّه رآه في كتاب أبي رميح عن الفربري، وحمَّاد بن شاكر عن البخاري، وهو هذا) انتهى.\n\n <span id=\"b-٨٠٣\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-803>[حديث: شبك النبي ﷺ أصابعه]</span>\n٤٧٨ - ٤٧٩ - ٤٨٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا حامد بن عُمر)؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو البكراوي من ذرية أبي بكرة الثقفي، القاضي بكرمان، نزيل نيسابور، المتوفى بها سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، (عن بِشْر)؛ بكسر الموحَّدة أوله: هو ابن المفضل الرقاشي، الذي كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ويصلِّي كل يوم أربع مئة ركعة، المتوفى سنة\n_________\n(^١) في الأصل: (عشر)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":345},{"text":"سبع وثمانين ومئة، والمُفضَّل؛ بِضَمِّ الميم، وفتح الضَّاد المعجمة المشددة، (قال: حدثنا عاصم) هو ابن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني، وثَّقه أحمد وغيره، (قال: حدثنا واقد)؛ بالقاف: هو ابن محمَّد بن زيد المذكور، فهو أخو عاصم، وثَّقه أبو زرعة وغيره، (عن أبيه) هو محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثقه غير واحد، (عن ابنِ عُمر)؛ بِضَمِّ المهملة: هو عبد الله المذكور القرشي العدوي (أو ابنِ عَمرو)؛ بفتح العين المهملة، بالجر عطفًا على «ابنِ» المجرور قبله: هو عبد الله -أيضًا-ابن عَمرو بن العاص، وكلمة «أو» فيه للشك، قال إمام الشَّارحين: والظَّاهر أنَّ الشك من واقد، انتهى، فافهم، (قال) أي: ابن عُمر أو ابن عَمرو على الشك: (شبَّك): ولابن عساكر: «يشبك» (النَّبيُّ) الأعظم (ﷺ أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع يده اليمنى في اليد اليسرى، وسيأتي سبب تشبيكهما في هذا الحديث مما سيأتي عن الحُميدي.\n (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، وفي رواية: (قال البخاري)، والأولى هي الصَّواب؛ لأنَّها على عادة المؤلف في التعبير عن نفسه، والثانية ذكرها العجلوني، ولم يعزُها لأحد من الرواة، فالله أعلم بصحتها؛ فافهم: (وقال عاصم بن علي) هو ابن عاصم بن صهيب الواسطي، شيخ المؤلف والدارمي، كان من الثقات والأعيان، وقال ابن معين: هو ضعيف، وذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، مات في نصف رجب سنة إحدى وعشرين ومئتين، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: وهذا تعليق من البخاري، ووصله إبراهيم الحرمي في «غريب الحديث» له قال: حدثنا عاصم بن علي: حدثنا عاصم بن محمَّد عن واقد: سمعت أبي يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ»؛ فذكره، انتهى، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، وغيرهما.\nقال العجلوني: إذا كان عاصم بن علي شيخ المؤلف؛ فلم جزموا بتعليق الحديث وعُدُوله عن «حدثنا»؟ وأجاب: بأنَّه كان على سبيل المذاكرة، ولعله ثبت عندهم أنَّه لم يسمعه منه؛ فتأمَّل.\nقلت: عادة المؤلف ذكر التعاليق وهذا منها، وعدوله عن «حدثنا»؛ لأنَّ عاصم بن محمَّد قال: «سمعت هذا الحديث من أبي فلم أحفظه، فقوَّمه لي واقد»، ولأجل هذا ذكره المؤلف بصيغة التَّعليق.\nوكونه على سبيل المذاكرة ممنوعٌ؛ لأنَّها لا تمنع قول: «حدثنا»، كما لا يخفى، فكم تحصل المذاكرة مع المشايخ ويقول المذاكر: «حدثنا».\nوقوله: «ولعله ثبت عندهم أنَّه لم يسمعه منه»: ممنوع؛ لأنَّه شيخه والشيخ يسمع منه عادة، لا سيما وقد قال: «قال أبو عبد الله: وقال عاصم»، فهذا يدل على سماعه منه، ولكن سبب تعليقه هو ما ذكرناه؛ فافهم.\n (حدثنا عاصم بن محمَّد) هو ابن زيد بن عبد الله العمري المدني (قال: سمعت هذا الحديث) أي: المذكور آنفًا (من أبي) هو محمَّد بن زيد المذكور، (فلم أحفظه)؛ أي: منه؛ لما أنَّه كان في مكان فيه شيء يشغل البال ويُخلُّ بالحفظ، أو لكونه كان صغيرًا فلم يعِ، ويحتمل غير ذلك، (فَقَوَّمه)؛ بفتحات مع تشديد الواو؛ أي: صححه (لي واقد) هو أخوه ابن محمَّد المذكور، (عن أبيه) هو محمَّد بن زيد المذكور (قال) أي: واقد: (سمعت أبي) هو محمَّد بن زيد المذكور (وهو يقول) جملة حالية: (قال عبد الله) هو ابن عمرو بن العاص من غير شك، كذا جزم به القسطلاني، وتبعه العجلوني، لكن مقتضى كلام إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» أنَّه على الشك أيضًا، ويدل عليه أنَّ الحديث واحد، وقد يقال: إنَّه ابن عمر بن الخطاب من غير شك؛ لأنَّه أطلقه، فينصرف إليه؛ فافهم: (قال رسول الله ﷺ)، وقوله: (يا عبد الله بن عَمرو) بفتح العين المهملة ثابت في أكثر الروايات، ساقط عند الأصيلي؛ فافهم؛ (كيف بك إذا بقِيت) بكسر القاف (في حُثَالة من الناس؟) الجار والمجرور صفة (حُثَالة)، وهي بِضَمِّ الحاء المهملة، وتخفيف الثَّاء المثلَّثة، قال ابن سيده: هي ما يخرج من الطعام من زوان (^١) ونحوه مما لاخير فيه، وقال اللحياني: هي أجلُّ من التراب والدقاق قليلًا، وخصه بالحنطة، والحُثَالة والحثل: الرديء من كل شيء، وقيل: هو القشارة من التمر والشعير وما أشبههما، وحُثَالة القرظ: نفايته، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والمراد بها: جهال الناس، ويقال لهم: الهمج؛ لما في الحديث: «الناس اثنان؛ عالم ومتعلم»، والباقي همج وهم رعاع الناس؛ أي: أخساؤهم؛ والمعنى: كيف بك إذا بقِيت في همج الناس وجهالهم؟\n (بهذا)؛ أي: بالحديث السَّابق، وهو تشبيكه ﵇ لأصابعه، ففي الحديث: جواز تشبيك الأصابع سواء كان في المسجد أو غيره؛ لإطلاق الحديث، ولكن العلماء اختلفوا في تشبيكها في المسجد وفي الصلاة؛ فقال الإمام الأعظم وأصحابه: ويكره تشبيكها -أي: الأصابع- في الصلاة؛ لقول عمر بن الخطاب فيه: «تلك صلاة المغضوب عليهم»، وكذا يكره تشبيكها حال السعي إلى الصلاة؛ لما روى أحمد، وأبو داود، وغيرهما مرفوعًا: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد؛ فلا يشبك بين يديه؛ فإنَّه في صلاة»، وإذا كان منتظرًا لها بالأولى، والذي يظهر أنَّ الكراهة تحريمية؛ للنَّهي المذكور، كما في «البحر»، وأمَّا إذا انصرف من الصلاة؛ فلا بأس به، وحكمة النَّهي: أنَّه من الشَّيطان، كما في الحديث، وأنَّه يجلب النَّوم؛ وهو من مظان الحدث، وأنَّ صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبَّه عليه في حديث ابن عمر، فكره ذلك لما هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في النَّهي عنه، انتهى، وكره تشبيكها في الصلاة إبراهيم النخعي، وهو قول مالك، وهو قول أحمد أيضًا، كما صرح به في «الغاية» و«شرحها»، ورخص فيه ابن عمر وابنه سالم، فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكرهما ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنَّهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنَّما يكره في الصلاة، ولم يذكر العجلوني الحكم فيه في مذهبه.\nوقد وَرَد النَّهي عن ذلك في أحاديث؛ منها: ما ذكرناه عن أحمد وأبي داود.\nومنها: ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن كعب بن عجرة: أن النَّبي ﷺ قال له: «يا كعب؛ إذا توضأت فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد؛ فلا تشبك بين أصابعك، فإنك في صلاة».\nومنها: ما أخرجه الحاكم في «مستدركه» من حديث إسماعيل بن أمية، عن سعيد، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد؛ كان في صلاة حتى يرجع، فلا تقل هكذا»، وشبك بين أصابعه، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.\nومنها: ما رواه ابن أبي شيبة عن مولًى لأبي سعيد وهو مع النَّبي ﷺ، فدخل ﵇ المسجد فرأى رجلًا جالسًا وسط الناس -وقد شبك بين أصابعه- يحدث نفسه، فأومأ إليه رسول الله ﷺ، فلم يفطن له، فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: «إذا صلى أحدكم؛ فلا يشبكن بين أصابعه، فإنَّ التشبيك من الشَّيطان (^٢)».\nفإن قلت: هذه الأحاديث معارضة لحديث الباب.\nقلت: غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية.\nقلت: أحاديث النَّهي صِحاح، وقد بلغت قريبًا من التواتر؛ لكثرة رواتها، وتعدد طرقها، فهي مقاومة لحديث الباب في الصحة، بل تترجح عليه، فيبقى التعارض، فيحمل حديث النَّهي على ما إذا كان في الصلاة وحالة السعي إليها، ويحمل حديث الإباحة على ما إذا كان خارج الصلاة وانصرف منها، وهذا وجه التوفيق بينهما؛ فليحفظ.\nوقال\n_________\n(^١) في الأصل: (ذودن)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (الصلاة)، وهو سبق نظر.","vol":"1","page":346},{"text":"ابن بطال: (وجه إدخال هذه التَّرجمة في الفقه بما روي في النَّهي عن التشبيك في المسجد، وقد وَرَدت فيه مراسيل، ومسند من طريق غير ثابتة).\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: كأنَّه أراد بالمسند حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه.\nفإن قلت: حديث كعب هذا رواه أبو داود، وصححه ابن حبان وابن خزيمة.\nقلت: في إسناده اختلاف، فضعَّفه بعضهم بسببه، وقيل: ليس بين هذه الأحاديث معارضة؛ لأنَّ النَّهي إنَّما وَرَد عن فعل ذلك في الصلاة أو في المضي إلى الصلاة، وفعله ﵇ ليس في الصلاة ولا في المضي إليها، فلا معارضة إذًا، وبقي كل حديث على حياله.\nفإن قلت: في حديث أبي هريرة الذي في الباب وقع تشبيكه ﵇ وهو في الصلاة.\nقلت: إنَّما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة، والرواية التي فيها النَّهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة؛ لأنَّ فيها ضعيفًا ومجهولًا، وقد رواها ابن أبي شيبة، ولفظه: «إذا صلى أحدكم؛ فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشَّيطان، وإنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه».\nوقال ابن المُنَيِّر: (التحقيق أنَّه ليس بين هذه الأحاديث تعارض؛ إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنَّما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في اللَّفظ) انتهى.\nأي: فهو لمعنًى صحيح كإراحة الأصابع ونحوها.\n (ولفظه) أي: الحديث المذكور (في «جمع الحميدي»)؛ أي: كتاب «الجمع بين الصَّحيحين» الذي جمعه أبو عبد الله محمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد بن يصل الأزدي الحميدي الأندلسي، الحافظ المشهور، المتوفى ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مئة ببغداد، وليس هذا عبد الله بن الزُّبير الحميدي، فإنَّه شيخ المؤلف، توفي سنة تسع عشرة ومئتين؛ فافهم.\nوالظَّاهر أنَّ هذا من زيادات بعض الرواة، ورأيتها ثابتة في نسخة إمام الشَّارحين ملحقة بالحديث، فألحقتها تبعًا له حتى تتم الفائدة؛ لأنَّه قد شرحها في شرحه ﵁.\n (في مسند ابن عمر)؛ أي: من رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب: (شبك النَّبي) الأعظم (ﷺ أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع يده في أصابع يده الأخرى، (وقال: كيف أنت يا عبد الله إذا بقِيت) بكسر القاف (في حُثالة) بِضَمِّ المهملة، وتخفيف المثلَّثة (من الناس)؛ أي: جهَّالهم وأوساخهم (قد مُرِحَت) بِضَمِّ الميم، وكسر الرَّاء، وفتح الحاء المهملة (عهودهم وأماناتهم)، قال أبو المعالي: (إذا لم تثبت وأمرحوها؛ إذا لم يوفوا بها وخلطوها، ومرحت أماناتهم: فسدت، ومرح الدِّين: اختلط واضطرب)، وفي «المحكم»: (مرح الأمر مرحًا، فهو مارح ومريح: التبس واختلط، ومرح أمره يمرحه: ضيَّعه، ورجل ممراح: يمرح أموره ولا يحكمها، ومرح العهد والدِّين والأمانة: فسد، وأمرح عهده: لم يف به) انتهى، (واختلفوا فصاروا هكذا) وإنَّما كان سبب اختلافهم فساد عهودهم وخيانة أماناتهم، (وشبك) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (بين أصابعه)؛ أي: أدخل بعضها في بعض، فالإشارة إلى التشبيك، ويحتمل هذا من كثرة الفتن التي تحدث بهم، فهو إخبار بما سيقع، (قال) أي: عبد الله: (فكيف أفعل يا رسول الله؟)؛ يعني: إذا رأيت هذا الزمان وأهله هكذا؟ (قال) ﵇ له: (تأخذ ما تعرف)؛ أي: تُقبِلُ على الذي تعرفه صحيحًا في الشريعة، (وتدع) أي: تترك (ما تنكر)؛ أي: الذي ينكره ويرده الشرع المطهر (وتقبل على خاصتك)؛ أي: خواص أهلك، أو خواص الناس، وهم الذين امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، (وتدعهم) أي: بقية الناس؛ أي: تتركهم (وعَوَامَّهم)؛ بفتح العين المهملة والواو مع تشديد الميم؛ أي: الذين لا يقرؤون ولا يفهمون الشرع أو هم الخائضون في المعاصي المنهمكون في حب الدنيا على غير ما يرضي الله تعالى ورسوله ﵇، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفي الحديث: «عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة».\nوقال إمام الشَّارحين: (مطابقة الحديث للتَّرجمة في أحد جزأيها، واكتفى البخاري بدلالته على بعض التَّرجمة حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها) انتهى.\nقلت: وعلى هذا لا معارضة لأحاديث النَّهي؛ لأنَّ المنهي عنه فعله على وجه الولع والذي في الحديث إنَّما هو لقصد التمثيل وتصوير المعقول بصورة المحسوس، كما فعله ﵇ لابن عمر حيث شبك أصابعه؛ ليمثل له صفة اختلاطهم.\nوقال إمامنا الشَّارح: (وحكمة النَّهي عن التشبيك أمور؛ أحدها: لكونه من الشَّيطان كما سبق في الحديث، الثاني: لأنَّه يجلب النَّوم وهو من مظان الحدث، الثالث: أنَّ صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف كما نبَّه عليه في الحديث المذكور، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله ﵇ للمصلين: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم») انتهى.\nوفي «المنحة»: (ويكره التشبيك في الصلاة وكذا في غيرها بلا حاجة) انتهى.\nقلت: وهذا مذهب محمَّد بن إدريس، وقد أغفلناه فيما سبق؛ لأنَّ العجلوني لم يتعرض له؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٠٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-804>[حديث: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا]</span>\n٤٨١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام (بن يحيى) هو ابن صفوان أبو محمَّد السلمي الكوفي، سكن مكة مات بها قريبًا من سنة ثلاث عشرة ومئتين (قال: حدثنا سفيان) هو الثَّوري الكوفي، (عن أبي بُردة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، واسمه بريد؛ مصغر برد، وفي رواية الكشميهني: (عن بريد) (بن عبد الله بن أبي بُردة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، ابن أبي موسى الأشعري الكوفي، (عن جده) هو أبو بردة بن أبي موسى الكوفي، الثِّقة قاضي الكوفة، واسمه الحارث، وقيل: عامر، وهو جد أبي بردة الأول، (عن أبي موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، (عن النَّبي) الأعظم (ﷺ) أنَّه (قال: إنَّ)؛ بكسر الهمزة، وسقطت لابن عساكر (المؤمن للمؤمن)؛ أي: في الحاجة والمصلحة يلتمسان قضاءها (كالبُنْيان)؛ بِضَمِّ الموحَّدة وسكون النُّون؛ أي: كالحائط، وبمعنى المصدر أيضًا من (بنى يبني) (يشُدُّ)؛ بِضَمِّ المعجمة مضارع، وفي رواية المستملي: (شد) على صيغة الماضي (بعضُه)؛ بالرفع فاعله (بعضًا)؛ بالنصب مفعوله، ويقرب منه قوله ﵇: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (وشبَّك) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع إحدى اليدين في أصابع الأخرى، وللأصيلي: (بين أصابعه)، والمقصود من هذا التمثيل: قوة تعاضد بعضهم لبعض، وفي السَّابق: تمثيل هيئة اختلاطهم","vol":"1","page":346},{"text":"تصويرًا للمعقول بالمحسوس، ومطابقته للتَّرجمة في إحدى جزأيها، واكتفى المؤلف به حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها، كما ذكرنا.\nوهذا الحديث مبني على سبب؛ وهو قصد التمثيل والتصوير في العقل بصورة المحسوس، فليس فيه دلالة على جواز التشبيك مطلقًا من غير كراهة، ولهذا قال الإمام الأعظم: ويكره تشبيك الأصابع في الصلاة، وحال السعي إليها، وحال انتظارها، وبه قال إبراهيم النخعي، ومالك، وأحمد ابن حنبل، والجمهور.\nوقال في «المنحة»: (وفيه: جواز التشبيك، وهو كذلك حتى في الصلاة، لكنه فيها مكروه، وكذا في غيرها بلا حاجة) انتهى.\nقلت: هو غير صحيح؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنَّه ﵇ شبك أصابعه وهو في الصلاة، وليس في الحديث دليل على جوازه؛ لأنَّه ﵇ شبك أصابعه؛ لأجل التمثيل، وهو غرض صحيح.\nوقوله: (حتى في الصلاة...) إلخك تناقض ظاهر وليس هذا بمذهب إمامه الشَّافعي، وقد اختلط عليه الحكم، وقد ذكر الشَّافعية أنَّ التشبيك لا يكره إلا في الصلاة مطلقًا، أو وهو ينتظر في المسجد كما نقله غير واحد، فانظر هذا التهاون في النقل؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٨٠٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-805>[حديث: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة</span>؟]\n٤٨٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق) هو ابن منصور بن بهرام، كما جزم به أبو نعيم، وعليه درج إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني.\nقلت: وحيث وقع هنا غير منسوب؛ يحتمل هو ويحتمل أنَّه إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومئتين، ويؤيده ما قاله الجياني عن ابن السكن: إذا وقع في هذا الكتاب: (إسحاق) غير منسوب؛ فهو ابن راهويه، ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عنه المؤلف؛ فتأمل.\n (قال: حدثنا ابن شُميل)؛ بِضَمِّ المعجمة، ولابن عساكر: (النَّضر بن شميل) هو البصري، تقدم في باب (حمل العنزة) (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (ابن عَوْن)؛ بالنُّون، وفتح العين المهملة، وإسكان الواو: هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، (عن ابن سيرين) هو محمَّد التَّابعي المشهور، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁ أنَّه (قال: صلى بنا) أي: معشر الصَّحابة (رسول الله ﷺ) أي: في مسجده النَّبوي (إحدى صلاتي)؛ بالتثنية، قال الكرماني: وفي بعضها: بالإفراد فهي للجنس (العشي) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الحموي والمستملي: (العشاء)؛ بالمد، والظَّاهر أنَّه وهم؛ لأنَّه صح في رواية أخرى للبخاري: (صلى بنا رسول الله ﷺ الظُّهر أو العصر).\nوفي رواية مسلم: (صلى بنا رسول الله ﷺ العصر)، وفي أخرى له: (صلى ركعتين من صلاة الظُّهر ثم سلم).\nوفي رواية أبي داود: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر).\nوفي رواية الطَّحاوي: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر، وأكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر)، وقوله: (أكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر) هو قول ابن سيرين؛ أي: أكبر ظني أنَّ أبا هريرة ذكر صلاة الظُّهر، وكذا ذكره البخاري في «الأدب».\nوأطلق على الظُّهر والعصر صلاة العشي؛ لأنَّ العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، كذا قاله إمام الشَّارحين.\nثم قال: (فإن قلت: قال الجوهري: العشي والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة.\nقلت: الذي ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما ذكرنا، وقال الأزهري: العَشِيُّ؛ بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد التحتية: ما بين زوال الشمس وغروبها) انتهى.\nقلت: وما ذكره إمامنا الشَّارح من أنَّ رواية المستملي والحموي: (العشاء) وهم، قد تبعه عليه ابن حجر، والقسطلاني، وغيرهما.\nواعترضهم العجلوني بما في «الصِّحاح»: (العشاء؛ بالمد والكسر: مثل العشي؛ من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاءان: المغرب والعتمة، وزعم قوم أنَّ العشاء: من زوال الشمس إلى طلوع الفجر)، وبما في «القاموس»: (والعشاء: أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر)، ثم قال: (وبذلك تعلم صحة معنى هذه الرواية، فلا ينبغي التوهيم، وكلام الكرماني يومئ إلى التصحيح؛ فتأمل) انتهى.\nقلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ عبارة «الصِّحاح» هي كلام الجوهري، وقد أجاب عنه إمام الشَّارحين بأنَّ ما ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، وآخر عبارة الجوهري في «الصِّحاح» الذي هي (وزعم قوم..) إلى آخره: هو الصَّواب في أصل الوضع والاستعمال، ومثله عبارة «القاموس»، على أنَّ أبا بكر الرازي قد اعترض على الجوهري في «مختصره» حيث قال: (قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين الشمس إلى غروبها، وصلاتا العشي: هما الظُّهر والعصر، فإذا غابت الشمس؛ فهو العشاء) انتهى، وكذلك الزبيدي والمنلا علي القاري اعترضا على صاحب «القاموس» واعتمدا على ما ذكره الأزهري؛ فليحفظ.\nولا يخفى عليك أنَّ ما ذكره إمام الشَّارحين من رواية البخاري، وكذا رواية مسلم، وكذلك رواية أبي داود والطَّحاوي؛ يدل صريحًا أنَّ المراد بصلاتي العشاء: هما الظُّهر والعصر، فإنَّ الأحاديث وكذا الروايات تفسر بعضها بعضًا، فثبت بذلك أنَّ رواية المستملي والحموي وَهَمٌ ألبتة غير صحيحة المعنى، والكرماني لم يتعرض لها، بل سكت عنها، وسكوته يدل على عدم رضاه بها، لا أنَّه يومئ إلى التصحيح كما زعمه، ويحتمل سكوته اشتباهه بالمعنى، وكأنَّه لم يقف على كلام الأزهري، ولا على كلام الرازي، والقاري، والزبيدي، ولو وقف على كلامهم؛ لم يتوقف بأنها وهم؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين.\n (قال ابن سيرين) هو محمَّد التَّابعي المشهور بالتعبير المذكور (قد سماها) أي: إحدى صلاتي العشي (أبو هريرة) أي: لنا، (ولكن نسيت) أي: غفلت عنها (أنا)؛ أي: دون أصحابي، والمراد: أنَّه نسي تعيينها، وقد سماها في رواية «مسلم»: أنَّها العصر، وفي رواية أخرى (^١) لمسلم: أنَّها الظُّهر، وفي رواية أبي داود والطَّحاوي: أنَّها الظُّهر أوالعصر على الشك، كما أوضحه إمام الشَّارحين فيما ذكرناه عنه آنفًا؛ فافهم، (قال)؛ أي: أبو هريرة: (فصلى بنا)؛ أي: معشر الصَّحابة؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ في مسجده ركعتين من الظُّهر أو العصر، (ثم سلم)؛ أي: من صلاته ساهيًا أنَّه أتمها، فهو في الصلاة حكمًا ما دام في المسجد ما لم يأت بمناف، (فقام) ﵇ (إلى خشبة معروضة) أي: موضوعة بالعرض أو مطروحة (في المسجد)؛ أي: في ناحية منه، واللَّام فيه للعهد، وهو مسجده ﵇ (فاتكأ)؛ بالهمز في آخره؛ أي: اعتمد (عليها) أي: على تلك الخشبة (كأنَّه غضبان)؛ بمعجمتين، ولعله رأى من بعض أصحابه شيئًا فأنكره فغضب؛ لأنَّه كان يغضب لله، ويرضى لله، لا يفعل ولا يقر إلا على الذي أوحي إليه من ربه ﷿.\nوفي حديث عمران بن حصين: (أنه ﵇ دخل منزله)، ولا يجوز لأحد أن ينصرف عن القبلة، ويمشي وقد بقي عليه شيء من صلاته.\nوأجيب: بأنه فعل ذلك وهو لا يرى أنَّه في الصلاة، لا يقال: إنَّه يلزم عليه أنَّه لو باع أو أكل وهو لا يرى أنَّه في الصلاة أنَّه لا يخرجه ذلك منها؛ لأنَّا نقول: هذا كله منسوخ، فلا يعمل به اليوم، انتهى.\nقلت: والمقرر في الفروع: أنَّ السَّلام سهوًا لا يقطع الصلاة، فهو ﵇ سلم ساهيًا أنَّه أتمها، ودخوله منزله لا ينافي ذلك؛ لأنَّ منزله -وهي حجرته- داخل المسجد، والساهي لا تقطع صلاته ما لم يخرج من المسجد، فهو لم يخرج منه فهو في الصلاة حكمًا، والانصراف عن القبلة إنَّما يكون قاطعًا لها إذا كان يصلِّي في الصحراء، أمَّا المسجد؛ فلا يقطعها ذلك بل بالخروج منه، وبهذا يعلم الجواب عما ذكر؛ فليحفظ.\n (ووضع يده اليمنى على اليسرى) ولأبي الوقت والأصيلي: (على يده اليسرى) (وشبَّك) بتشديد الموحَّدة (بين أصابعه)؛ أي: أدخل الأصابع بعضها بين بعض\n_________\n(^١) في الأصل: (آخر)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":347},{"text":"(ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى)؛ يعني: أنَّه بعدما شبَّك بين أصابعه؛ وضع بطن يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وهذا بيان وإيضاح للوضع الأول فلا تكرار كما توهمه العجلوني؛ لأنَّ قوله: (ووضع يده اليمنى على اليسرى) صادق بوضع الأصابع، ثم إنَّه شبك بينها، ثم وضع بطن اليمنى على ظهر اليسرى.\nقال إمام الشَّارحين: (يحتمل أن يكون هذا الوضع حال التشبيك، وأن يكون بعد زواله وعند الكشميهني: «وضع خده الأيمن» بدل «يده اليمنى») انتهى، ومثله في الكرماني.\nقلت: وعلى هذه الرواية أنَّه لما فرغ من التشبيك؛ وضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، واليمنى ليس لها وضع أو هي موضوعة وحدها، فيكون الوضع الأول حال التشبيك، والوضع الثاني -وهو وضع خده الأيمن- بعد زواله وبهذا تعلم ما في عبارة العجلوني من الخفاء وعدم ظهور المراد؛ فافهم.\n (وخرجت السرعانُ من أبواب المسجد)؛ أي: النَّبوي؛ أي: من أبواب الداخل منه وهو الحرم، لا الخارج عنه وهو البراني الذي أبوابه على الطريق؛ فافهم، وسرعان الناس؛ بالتحريك: أوائلهم، ويقال: أخفَّاؤهم والمستعجلون منهم الذين يتسارعون إلى الخروج من المسجد ولا يلبثون فيه للذكر بعد الصلاة، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه؛ أي: فهو برفع النُّون فاعل، وهذا هو الصَّواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللُّغة وكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير: السَّرَعان؛ بفتح السين والرَّاء المهملتين: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الرَّاء).\nقلت: وكذا نقله القاضي عياض عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في «البخاري»: بِضَمِّ السين وإسكان الرَّاء، ووجهه: أنَّه جمع سريع؛ كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، ومن قال: سِرَعان بكسر السين؛ فهو خطأ، ويقال أيضًا: سِرْعان؛ بكسر السين وسكون الرَّاء، وهو جمع سريع؛ كرعيل ورعلان، وأمَّا قولهم: سرْعانَ ما فعلت؛ ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، مع إسكان الرَّاء، والنُّون مفتوحة أبدًا، كذا قرره إمام الشارحين.\nقلت: وما ذكره من أنَّ (سرْعانَ) فيه ثلاث لغات قد تبعه عليه صاحب «التنقيح» وغيره.\nواعترضه الدماميني بأنَّ هذا في (سرْعانَ) اسم الفعل، وهي مبنية على الفتح دائمًا، لكنه عبر عنه بالنصب، وأمَّا هنا؛ فهو (سريع) معرب فنقل اللَّفظ في غير محله، انتهى.\nقلت: واعتراض الدماميني متوجه على صاحب «التنقيح» ومن حذا حذوه، وأمَّا إمام الشَّارحين؛ فلم يخف عليه ذلك؛ حيث قال: (وأمَّا قولهم..) إلى آخره؛ فهذا كما رأيت يدل على أنَّه خارج عما هنا، ألا ترى إلى قوله في أول عبارته: (ويلزم الإعراب نونه...) إلى آخره؛ أي: فهو معرب، فلله دره من إمام، وحقيق بأن يقال له: إمام الشَّارحين؛ فافهم.\n (فقالوا)؛ أي: السرعان؛ تعجبًا من صلاته ﵇ الظُّهر أوالعصر ركعتين، وسلم منها، وكان في مسجده غير مسافر: (قُصِرت الصلاة؟)؛ بِضَمِّ القاف وكسر الصَّاد المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية: بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة على البناء للفاعل؛ أي: خفَّت وقلَّت ركعاتها؛ لأنَّه من القصر، وهو القلة من الكثرة، والمراد به: التخفيف.\nقال المنذري: (الأَولى: البناء للمفعول؛ لقوله: «لم تُقْصَر»؛ للبناء له، ولا خلاف فيه، فكذا الأول).\nواعترضه الدماميني، فقال: (وبهذا الترجيح نظر)، ولم يذكر وجهه.\nقلت: ولعل وجهه أنَّه لا يلزم من كون قوله: «لم تقصر» بالبناء للمفعول بلا خلاف أن يكون قوله: (قصرت) بالبناء للمفعول أولى من البناء للفاعل مع أنَّهما روايتان؛ الأولى رواية الأكثرين، والثانية رواية البعض، ولم يعزها إمام الشَّارحين ولا غيره لأحد من الرواة، بل قال: (ويروى) وهو كافٍ؛ فافهم.\nواللَّام في (الصلاة) للعهد؛ أي: المعهودة للمقيم، وهي الأربع، وكأنَّهم ظنوا نزول الوحي أو حدوث شيء يوجب قصر الصلاة، وسؤالهم إنَّما كان لبعضهم بعضًا أو للقوم الحاضرين في المسجد الذين لم يسرعوا في الخروج.\n (وفي القوم أبو بكر) أي: الصديق الأكبر (وعمر) أي: ابن الخطاب ﵄، والجملة حالية (فهاباه)؛ بضمير منصوب، ويروى بدونه لكنه مقدر، وهو عائد إلى النَّبي الأعظم ﷺ، وضمير التثنية المرفوع يعود لأبي بكر وعمر، وهو من الهيبة؛ وهو الخوف والإجلال، وقد هابه يهابه، والأمر منه: هَبْ؛ بفتح الهاء، انتهى، (أن يكلماه)؛ أي: خاف أبو بكر وعمر أن يسألا النبي الأعظم ﷺ عن صلاته ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ لما علما منه الغضب؛ لأنَّه انصرف من الصلاة كأنَّه غضبان أو إجلالًا له؛ لاحتمال نزول أمر عليه، فخافا السآمة، فلم يكلماه بذلك، وكلمة (أن): مصدرية، والتقدير من التكليم.\nوقوله: (وفي القوم رجل): جملة اسمية وقعت حالًا (في يديه) بالتثنية (طول يُقال) بِضَمِّ التحتية أوله (له) أي: لذلك الرجل: (ذو اليدين)، والجملتان صفتان لرجل، أو الثانية حالية أو مستأنفة.\nوفي رواية الإمام الحافظ أبي جعفر الطَّحاوي: (فقام رجل طويل اليدين، كان رسول الله ﷺ سماه: ذا اليدين)، وفي رواية: (رجل من بني سليم)، وفي رواية: (رجل يقال له: الخرباق بن عمرو، وكان في يده طول)، وفي رواية: (كان رجل بسيط اليدين)، وقع ذلك في رواية الطَّحاوي في حديث عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بهم الظُّهر ثلاث ركعات ثم سلَّم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صلَّيت ثلاثًا، قال: فجاء فصلَّى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم)، وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده»، والطَّبراني في «الكبير».\nوخِرباق -بكسر الخاء المعجمة- ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين أيضًا، وكلاهما لقب عليه.\nوقال السمعاني: (ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنَّه كان يعمل بيديه جميعًا).\nوقال ابن حبان في «الثقات»: ذو اليدين -ويقال له: ذو الشمالين أيضًا- ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي.\nوقال أبو عبد الله العدني في «مسنده»: قال أبو محمَّد الخزاعي: ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين، ابن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.\nوقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدَّثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عكرمة قال: (صلَّى النَّبي ﵇ بالناس ثلاث ركعات، ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟»، قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات، فقال: «أكذلك يا ذا اليدين؟»، وكان يسمى: ذا الشِّمالين، فقال: نعم؛ فصلَّى ركعة وسجد سجدتين).\nوقال ابن الأثير: (ذو اليدين: اسمه الخِرباق، من بني سليم، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين، خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وإنَّ قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك).\nوقال القاضي عياض في «شرح مسلم»: وأمَّا حديث ذي اليدين؛ فقد ذكر مسلم في حديث عمران بن الحصين: (أنَّ اسمه الخرباق، وكان في يديه طول)، وفي الرواية الأخرى: (بسيط اليدين)، وفي حديث أبي هريرة: (رجل من بني سليم)، ووقع للعذري: (سلم)، وهو خطأ، وقد جاء في حديث عبيد بن عُمَيْر مفسرًا، فقال فيه: (ذو اليدين أخو بني سليم)، وفي رواية الزهري: (ذو الشمالين رجل من بني زهرة)، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أنَّ حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قال: لأنَّ ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بني سليم؛ فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم إن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر، فليس هو الخِرباق، وهو رجل آخر حليف لبني زهرة، واسمه عُمَيْر بن عبد عمرو","vol":"1","page":347},{"text":"من خزاعة؛ بدليل رواية أبي هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: (صلى بنا رسول الله ﷺ...)، وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخيبر [بعد] يوم بدر بسنين (^١)، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من الوهم، وقد عدها بعضهم حديثين في نازلتين، وهو الصَّحيح ولاختلاف صفتهما؛ لأنَّ في حديث الخِرباق ذي الشمالين: أنَّه سلَّم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين: من اثنتين، وفي حديث الخِرباق: أنَّها العصر، وفي حديث ذي اليدين: أنَّها الظُّهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله، انتهى، وتبعه أبو عمر (^٢) بن عبد البر تعصبًا.\nوردَّ ذلك كله إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع: أنَّه وقع في كتاب «النسائي»: أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد كلاهما لقب على الخِرباق، كما ذكرنا، حيث قال: أخبرنا محمَّد بن رافع: حدَّثنا عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، عن أبي هريرة قال: (صلى النَّبي ﷺ الظُّهر أو العصر، فسلم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال: «ما يقول ذو اليدين؟!»، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمَّ بهم الركعتين اللتين نقصتا)، وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين.\nوقال النسائي أيضًا: حدثنا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: (نسي رسول الله ﷺ فسلَّم في سجدتيه، فقال ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: «أصدق ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فقام فأتمَّ الصلاة)، وهذا أيضًا سند صحيح، صرح فيه أيضًا أنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس وغيره.\nوقال النسائي أيضًا: حدثنا عيسى بن حماد: حدثنا اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: (أنَّ رسول الله ﷺ صلى يومًا فسلَّم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله؛ أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم تنقص الصلاة ولم أنس»، قال: بلى والذي بعثك بالحق، قال رسول الله: «أصدق ذو اليدين؟» قالوا: نعم، وصلى بالناس ركعتين)، وهذا أيضًا سند صحيح على شرط مسلم.\nوأخرج نحوه الإمام الطَّحاوي عن ربيع المؤذن، عن شعيب بن اللَّيث، عن اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب... إلى آخره.\nوأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنفه»؛ فثبت بهذا أنَّ الزهري لم ينفرد بذلك، وأنَّ المخاطب للنبي ﷺ ذو الشمالين، وأنَّ من قال ذلك لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في «الصَّحيحين» عدم صحته، فثبت أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد، كلاهما لقب على الخِرباق، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنَّه خلاف الأصل في هذا الموضع.\nفإن قلت: أخرج البيهقي حديثًا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النَّبي ﵇، فزعم أنَّ الذي قُتِل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف بني زهرة من خزاعة، وأمَّا ذو اليدين الذي أخبر بسهوه ﵇؛ فإنَّه بقي بعده ﵇، كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان، قال: حدثني شعيث (^٣) بن مطير عن أبيه ومطير حاضروصدقه، قال شعيث: يا أبتاه؛ أخبرتني أنَّ ذا اليدين لقيك بذي خشب فأخبرك: أنَّ رسول الله ﷺ...؛ الحديث، ثم قال البيهقي: (وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة: «فقال ذو الشمالين: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة؟»، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ، فإنَّ ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب، وليس له راوٍ).\nقلت: هذا سنده ضعيف؛ لأنَّ فيه معدي بن سليمان، وقال أبو زرعة: (هو واهي الحديث)، وقال النسائي: (ضعيف الحديث)، وقال أبو حاتم: (يحدِّث عن ابن عجلان مناكير)، وقال أبو حيان: (يروي المقلوبات عن الثقات، والملزوقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد).\nوفي سنده أيضًا شعيث، وهو لم يعرف حاله، فهو مجهول، ووالده (^٤) مطير قال فيه ابن الجارود: لم يكتب حديثه، وذكره الذهبي في «الضعفاء»، وقال: (لم يصح حديثه)، وفي «الكاشف»: مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه ابناه شعيث وسليم، لم يصح حديثه، ولضعف هذا السند قال البيهقي في «المعرفة»: (ذو اليدين بقي بعد النَّبي ﷺ فيما يقال)، ولقد أنصف في هذه العبارة.\nثم إنَّ قول شيخه أبي عبد الله: (كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ): خطأ وغير صحيح، روى مالك في «موطئه» عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي خيثمة: بلغني أنَّه ﵇ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار؛ الظُّهر أو العصر، فسلَّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين -رجل من بني زهرة بن كلاب-: أقصرت الصلاة؟ ...؛ الحديث، وفي آخره: مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن...؛ بمثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية: أنَّه ذو الشمالين، لا يقال: إنَّه مرسل؛ لأنَّا نقول: ذكر أبو عمر (^٥) في «التَّمهيد» أنَّه متصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرناه مما روى النسائي آنفًا.\nوقول الحاكم عن ذي الشمالين: (لم يعقب) يفهم من ظاهره أنَّ ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك كما قاله الحفاظ.\nفإن قلت: إنَّ ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا على شخص واحد على ما جزمتم به؛ فهو يدل على أنَّ أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة؛ لأنَّ ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر وأبو هريرة أسلم عام خيبر وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول: (صلى بنا رسول الله...)؛ الحديث، وفيه: (فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله)، أخرجه مسلم وغيره، وفي رواية: (صلى لنا رسول الله...)؛ الحديث.\nقلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: بأنَّ معناه: صلى بالمسلمين وهو ليس منهم، وهذا جائز في اللُّغة كما روي عن النزال بن سبرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف...»؛ الحديث، والنزال لم ير (^٦) رسول الله ﷺ، وإنَّما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاووس قال: قدم علينا معاذ بن جبل، فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا، وإنَّما أراد: قدم بلدنا؛ لأنَّ معاذًا قدم اليمن من عهده ﵇ قبل أن يولد طاووس، ومثله ما ذكره البيهقي: أنَّ النَّهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد قال: (جاءنا أبو ذر...) إلى آخره، قال البيهقي: مجاهد لم يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: (جاءنا)؛ أي: جاء بلدنا؛ فافهم، انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nقلت: وعلى هذا فأبو هريرة كان حاضرًا تلك الصلاة، ولم يكن وقتئذٍ مسلمًا، وإطلاق قوله: (صلى لنا) أو (بنا) على قومه وغيرهم دونه شائع في كلام الله تعالى ورسوله ﵇ وهو معروف في اللُّغة، كما لا يخفى.\nوقال القرطبي: (لا يجوز أن يقال: «صلى بنا» وهو كافر ليس من أهل الصلاة، ويكون ذلك كذبًا) انتهى.\nقلت: ممنوع، فإنَّه إن أراد غير جائز في اللُّغة، فما قدمنا صريح في الرد عليه، وأنَّه جائز، وإن أراد في غيرها؛ فجائز أيضًا، فإنَّ المجاز في الكلام لم ينكره أحد من أولي الألباب، ولا مانع من كونه كان كافرًا؛ لأنَّه لعله قد اهتدى بتلك الصلاة وأسلم بعدها.\nوكونه كذبًا لعله كان جائزًا في دينهم؛ لأنَّ الإخبار به صحيح، وأراد به: قومه لا نفسه، فإنَّ الكفار لا يبالون بالكذب؛ لأنَّه غير حرام عندهم، فما زعمه هذا باطل.\nفإن قلت: روي في بعض روايات «مسلم»: أنَّ أبا هريرة قال في قصة ذي اليدين: (بينا أنا أصلي مع النَّبي ﷺ)، وهذا صريح في أنَّه حضر تلك الصلاة وكان مسلمًا.\nقلت: الروايات المشهورة: (صلى لنا) أو (بنا)، فيحتمل على\n_________\n(^١) في الأصل: (بسنتين)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.\n (^٣) في الأصل: (شعيب)، وهو تصحيف، وكذا في المواضع اللاحقة.\n (^٤) في الأصل: (وولده)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.\n (^٦) في الأصل: (يرد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":348},{"text":"هذه الرواية أنَّ بعض الرواة فَهِم من قوله: (صلى بنا): أنَّه كان حاضرًا وصلى معهم، فروى الحديث بالمعنى على زعمه، وقال: (بينا أنا أصلي)، والرواية بالمعنى جائزة بالشروط، ويحتمل أن يكون المعنى: بينا أنا أريد الصلاة مع النَّبي ﵇ والحال هو لم يدخل في الإسلام بل أراده؛ لما رأى من حسن صلاته ﵇، فأبو هريرة قد شاهد تلك الصلاة ولم يصلِّ معهم؛ لأنَّه كان كافرًا؛ فافهم.\nوالحاصل بل الصَّواب: أنَّ ذا اليدين المذكور في هذا الحديث هو ذو الشمالين، فهما لقبان لواحد على الصَّحيح، والله تعالى أعلم.\n (قال) وفي رواية: (فقال)؛ أي: الرجل: (يا رسول الله؛ أنَسِيت) بفتح النُّون وكسر السين المهملة المخففة (أم قَصُرت الصلاة؟)؛ بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة؛ لأنَّه من باب (فَعُل يَفعُل)؛ بالضم فيهما، فما زعمه العجلوني من أنَّه بفتح القاف وكسر الصَّاد غير ظاهر كما لا يخفى؛ أي: هل خفَّت من الأربع إلى الركعتين في الرُّباعي أم نسيت؟\n (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ له: (لم أَنْسَ) بفتح الهمزة وسكون النُّون مجزوم بحذف الألف (ولم تُقصر)؛ بِضَمِّ الفوقية أوله مبنيًّا للمفعول؛ أي: الصلاة، وفي رواية مسلم: (كل ذلك لم يكن)، وفي رواية أبي داود: (وكل ذلك لم أفعل)، وزعم النَّووي أنَّ معناه: لم يكن المجموع ولا ينفي أحدهما، والصَّواب: أنَّ معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أنِّي أكملت الصلاة أربعًا، ويدل عليه قوله: (لم تُقصر ولم أنس).\nويقال: (لم أنس): يرجع إلى السَّلام؛ أي: لم أنسه فيهإنَّما سلمت قصدًا، أو لم أنسه في نفس السَّلاموإنَّما سهوت عن العدد.\nواعترضه القرطبي بأنَّه فاسد؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون جوابًا عما سئل عنه، ويقال: بين السَّهو والنِّسيان فرق (^١).\nوقيل: كان ﵇ يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النِّسيان؛ لأنَّ فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي.\nوقال القشيري: (الفرق بين السَّهو والنِّسيان في الاستعمال ظاهر في اللُّغة، وكان يلوح من اللَّفظ أنَّ النِّسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسَّهو: عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النِّسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسَّهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض).\nواعترضه القرطبي بأنَّا لا نسلم الفرق، ولئن سلم؛ فقد أضاف ﵇ النِّسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله: «إنَّما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني».\nوقال القاضي عياض: إنَّما أنكر ﵇ (نسيتُ) المضافة إلى نفسه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نُسِّي»، وقال أيضًا: «لا أنسى» على النَّفي «ولكن أُنَسَّى»، وقد شك بعض الرواة، فقال: (أنسى أو أُنسَّى)، وأن (أو) للشك أو للتقسيم، وأنَّ هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك؛ أنكره وقال: «كل ذلك لم يكن»، وفي الأخرى: «لم أنس ولم تقصر»، أمَّا القصر؛ فبيِّن، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي ولكنَّ الله أنساني.\nقال إمام الشَّارحين: (ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أنَّ النَّهي في الحديث عن إضافة «نسيت» إلى الآية الكريمة؛ لأنَّه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النَّهي الخاص النَّهي عن إضافته إلى كل شيء)؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: (تحقيق الكلام في هذا المقام أنَّ قوله: «لم أنس ولم تقصر» مثل قوله: «كل ذلك لم يكن»؛ والمعنى: كل من القصر والنِّسيان لم يكن، فيكون في معنى: لا شيء منهما بكائن على شمول النَّفي وعمومه؛ لوجهين:\nأحدهما: أنَّ السؤال عن أحد الأمرين بـ «أم» يكون لطلب التَّعيين بعد ثبوت أحدهما عند التكلم لا على التَّعيين، غير أنَّه إمَّا بالتَّعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة للمستفهم، لا بنفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنَّه عارف بأنَّ الكائن أحدهما.\nوالثاني: لما قال ﵇: «كل ذلك لم يكن»؛ قال له ذو اليدين: «قد كان بعض ذلك»، ومعلوم أنَّ الثبوت للبعض إنَّما ينافي النَّفي عن كل فرد لا النَّفي عن المجموع، وقوله: «قد كان بعض ذلك» موجبة جزئية، ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أنَّ ذا اليدين فهم السلب الكلي؛ لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي.\nوههنا قاعدة أخرى: وهي أنَّ لفظة «كل» إذا وقعت في حيز النَّفي؛ كان النَّفي يوجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد؛ كقولك: ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدراهم، وقوله:\nما كل ما يتمنى المرء يدركه....\nوإن وقع النَّفي في حيزها؛ اقتضى السلب عن كل فرد؛ كقوله ﵇: «كل ذلك لم يكن») انتهى كلام إمام الشَّارحين.\nوهو الصَّواب الموافق للخطاب؛ فافهم، وكل ما قاله هؤلاء خارج عن المقام، وبعيد عن الأفهام إلا إمامنا الشَّارح، فإنَّه قد فهم موقع الخطاب، وتكلم بالصَّواب، فلله دره من إمام.\nوقال الخطابي: («لم أنس ولم تقصر»: يتضمن أمرين: أحدهما: حكم في الدين، وهو لم تقصر -عصمه الله من الغلط فيه-؛ لئلا يعرض في أمر الدين إشكال، والآخر: حكاية عن فعل نفسه وقد جرى الخطأ فيه؛ إذ كان غير معصوم مما يدفع إليه البشر من الخطأ والنِّسيان، والأمر موضوع عن الناسي، وتلافي الأمر في المنسي سهل غير متعذر) انتهى.\nقال العجلوني: (ومقتضاه: أنَّه «لم أنس» كذب، لكن محذور فيه، والأنزه أن يقال: لم أنس بحسب ظني فلا كذب؛ لأنَّ الظن هو الواقع والخبر مطابق له، فهو صدق) انتهى.\nقلت: وهذا كله خارج عن المقام ولا يليق بهذا النَّبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّه وإن كان يجوز عليه الخطأ والنِّسيان لكن لا يقر عليه، بل يأتيه الوحي على الصَّواب، والأمر موضوع عن الناسي بالنسبة للأمة؛ لأنَّه ﵇ قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنِّسيان...»؛ الحديث؛ أي: رفع إثم ذلك، أمَّا هو ﵇؛ فليس كذلك؛ لأنَّه وإن وقع منه، لكن لا يقره الله عليه، بل يوحي إليه بخلافه، ومع هذا فهو ﵇ لم يقع في ظنه الخطأ والنِّسيان؛ لقوله: «كل ذلك لم يكن»، فإخباره ﵇ كان موافقًا للواقع في ظنه، لكن لما كان الأمر على خلافه؛ يوهم أنَّه خطأ ونسيان بحسب الواقع، وهو لا يوصف بأنَّه كذب؛ لأنَّه كان على غير قصد، والكذب: ما أخبر به عن قصد على خلاف الواقع، ومن الواجب الاعتقاد بأنَّه ﵇ معصوم من الكذب ألبتة، فما زعمه الخطابي والعجلوني غير صواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم.\nولهذا قال ابن حجر: (إنَّ العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأمَّا إخباره عن الأمور الوجودية؛ فيجوز فيها النِّسيان) انتهى.\nقلت: يعني: لكنَّه لا يقر عليه لوقوع الغلط في أمور الدين وهو محال؛ فليحفظ.\n (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ للقوم الحاضرين: (أكما)؛ بهمزة الاستفهام؛ أي: هل الأمر واقع كما (يقول ذو اليدين)؛ أي: من أنَّي صليت ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ وهي صلاة القصر، ولهذا قال: أقصرت؟ (فقالوا) أي: القوم: (نعم)؛ أي: الأمر كما يقول، وفي رواية للبخاري: (فقال الناس: نعم)، وفي رواية أبي داود: (فأومؤوا أي نعم).\nقال إمام الشَّارحين: (ويمكن الجمع بينهما بأنَّ بعضهم أومأ وبعضهم تكلم.\nفإن قلت: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة؟\nقلت: لأنَّهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنَّهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح: «أنَّ الجماعة أومؤوا -أي: أشاروا- أي نعم»، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا) انتهى.\nوقال النَّووي: (هذا كان خطابًا للنبي ﷺ وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا) انتهى.\nقلت: هذا بعيد عن النَّظر؛ لأنَّه ولو كان خطابًا فهو مبطل، بل إنَّما المبطل\n_________\n(^١) في الأصل: (فرقًا)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":348},{"text":"ما كان عن قصد خطاب، والظَّاهر أنَّ قول الراوي: (فقالوا: نعم)؛ أي: أشاروا برؤوسهم أي نعم، ويدل عليه رواية أبي داود: (فأومؤوا)، فيكون الرواي روى ذلك بالمعنى على أنَّه يحتمل أنَّ الذي تكلم أمره ﵇ بالإعادة بعده، وهو غير بعيد، هذا وسيأتي أنَّ الكلام في الصلاة كان مباحًا ثم مُنِع منها؛ لحديث: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن»، فهذا كله منسوخ، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، كما سيأتي تحقيقه.\n (فتقدم) أي: النَّبي الأعظم ﷺ لمكانه الأول أو غيره على القوم، (فصلى ما ترك)؛ أي: الذي تركه من الركعتين (ثم سلَّم)؛ أي: من صلاته؛ لكونها قد تمت، (ثم كبر)؛ أي: لسجود السَّهو، وقول العجلوني؛ أي: للإحرام؛ غير ظاهر كما لا يخفى، (وسجد مثل سجوده) أي: للصلاة (أو أطول) أي: منه، (ثم رفع رأسه)؛ أي: من السُّجود مكبرًا، (ثم كبر)؛ أي: للسجود ثانيًا، وسقط لابن عساكر: (ثم كبر)، (وسجد مثل سجوده) أي: للصلاة (أو أطول)؛ أي: منه، فالسُّجود وقع منه مرتين؛ لأنَّ سجود السَّهو سجدتان، ففيه دليل على الاجتزاء بسجدتين عن السَّهوات؛ لأنَّه ﵇ سها عن الركعتين وتكلم ناسيًا، واقتصر على السجدتين، وفيه دليل على أنَّ سجود السَّهو (^١) سجدتان، وفيه: دليل وحجة للإمام الأعظم ومن قال بقوله: إنَّ سجدتي السَّهو (^٢) بعد السَّلام، وهو حجة على الشَّافعي في أنها قبل السَّلام، وكأنَّه لم يبلغه هذا الحديث؛ فافهم.\n (ثم رفع رأسه وكبَّر)؛ أي: للرفع من السُّجود؛ أي: وسلم، كما سيأتي، وإنَّما فعل هذا؛ لأنَّه قد رجع إلى قول القوم في أنَّه صلى ركعتين، فأتمها، وهو دليل واضح لمذهب الإمام الأعظم في أنَّ الساهي يرجع إلى كلام القوم ويبني على غالب ظنه، وهو المرجح عن مالك.\nوزعم الشَّافعية أنَّ الساهي يعمل بيقينه ولا يرجع إلى قول القوم، وهو رواية عن مالك، والحديث حجة عليهم، وأجاب النَّووي: بأنَّه ﵇ سألهم؛ ليتذكر، فلما ذكَّروه؛ تذكر بعلم السَّهو، فبنى عليه لا أنَّه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره؛ لرجع ذو (^٣) اليدين حين قال ﵇: «لم أنس ولم تقصر».\nوردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه لا يخلو من الرجوع إليهم سواء كان رجوعه للتذكير أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول ﷺ لا لأجل يقين نفسه) انتهى.\nقلت: وعلى كل حال فالرجوع إلى قول القوم موجود يدل عليه أنَّه ﵇ سأل القوم عما يقوله ذو اليدين، فحين قالوا: نعم؛ أخذ بقولهم وتقدم وتمم صلاته، فلو كان ذلك لأجل التذكير؛ لكان اقتصر على سؤال ذي اليدين ولم يسأل القوم؛ فافهم.\nقال ابن عون: (فربما سألوه)؛ أي: ابن سيرين: هل في الحديث: (ثم سلم؟)؛ يعني: سألوا ابن سيرين: أنَّ رسول الله ﷺ بعد هذا السُّجود هل سلم مرة أخرى أو اكتفى بالسَّلام الأول؟ وكلمة (رُبَّ) أصلها للتقليل، وكثر استعمالها في التكثير، ويلحقها كلمة (ما) فتدخل على الجمل، قاله إمام الشَّارحين.\nولم يبين أحد من الشراح السائل له عن ذلك، والظَّاهر أنَّه من دونه من الرواة؛ فافهم.\n (فيقول)؛ أي: ابن سيرين، وللأصيلي: (يقول): (نُبئت)؛ بِضَمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول؛ أي: أخبرت (أنَّ عمران بن حُصَين) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد (^٤) (قال) أي: في روايته: (ثم سلم)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ بعد هذا السُّجود مرة أخرى، وهذا يدل على أنَّ ابن سيرين لم يسمع: (ثم سلم) من عمران.\nوقد بيَّن أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال: حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى قال: حدثني الأشعث بن محمَّد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب، عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم).\nورواية ابن سيرين عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، وكذا رواه النسائي، والترمذي وقال: (حسن غريب)، ورواه الطَّحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء قال: سمعت أبا قلابة يحدِّث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله ﷺ صلى بهم الظُّهر ثلاث ركعات، ثم سلم وانصرف، فقال له الخِرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صليت ثلاثًا، قال: فجاء فصلى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم).\nوأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد الحرمي، واسم عمه أبي المهلب عمرو بن معاوية، قاله النسائي، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النَّضر بن عمرو، قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّه قد اشتهر بأبي المهلب؛ فافهم.\nوفي الحديث: دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد على ما ترجم عليه الباب.\nوفيه دليل على أنَّ من قال ناسيًا: لم أفعل كذا، وكان قد فعله؛ أنَّه غير كاذب.\nوفيه: جواز التلقيب الذي سبيله التعريف دون التهجين.\nوفي الحديث: دليل على أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد، وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح ذلك؛ لأنَّه ﵇ تقدم فصلى، وفي رواية: (فرجع إلى مقامه)، وفي رواية عمران: (فجاء فصلى ركعة)، وهذا مجمل، وقد فصله الفقهاء ﵃:\nفذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّه إذا سلم ساهيًا على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم؛ عاد إلى القضاء لما عليه، ولو اقتدى به رجل؛ يصح اقتداؤه، أمَّا إذا صرف وجهه عن القبلة، فإن كان في المسجد ولم يتكلم؛ فكذلك؛ لأنَّ المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنَّه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر؛ لا يعود إليه، وتفسد صلاته، وأمَّا إذا كان في الصحراء، فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار؛ عاد إلى القضاء لما عليه، وإن جاوزها؛ فلا يعود وتفسد صلاته، وإن مشى أمامه، فإن كان مشى قدر الصفوف التي خلفه؛ تفسد صلاته، وإن كان أقل؛ فلا تفسد، وعليه القضاء لما عليه، وهو مروي عن الإمام أبي يوسف؛ اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل: إذا جاوز موضع سجوده؛ تفسد صلاته، وإن لم يجاوزه؛ لا تفسد، وعليه قضاء ما تركه، وهو الأصح.\nوعند الشَّافعي وجهان؛ أحدهما: أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح؛ لأنَّه ثبت في رواية مسلم: أنَّه ﵇ مشى إلى الجذع وخرج السرعان، وفي رواية: (دخل منزله)، وفي رواية: (دخل الحجرة، ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته).\nوالوجه الثاني وهو المشهور عنده: أنَّ الصلاة تبطل بذلك، وقال النَّووي: (وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها) انتهى.\nقلت: وكأنَّه استشكله هو وإمامه، واستصعبا التأويل؛ لأنَّ ما ذكره مخالف للحديث ومصادم له، كما لا يخفى.\nأمَّا على مذهب الإمام الأعظم؛ فالأمر ظاهر بلا إشكال؛ لأنَّه صريح الحديث\n_________\n(^١) في الأصل: (السَّهوي).\n (^٢) في الأصل: (السَّهوي).\n (^٣) في الأصل: (ذي)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (بفتح المهملتين)، والمثبت موافق لما في المصادر.","vol":"1","page":349},{"text":"وموافق له، كما لا يخفى.\nوعن مالك: أنَّه ما لم ينتقض وضوءه؛ يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بحديث عمران.\nقلت: هو مخالف للحديث؛ لأنَّه ليس فيه عدم نقض الوضوء، ولا تعرض إليه ولا إشارة إليه، بل الذي فيه أنَّه ما لم يخرج من المسجد؛ لأنَّه ﵇ لم يخرج منه، وخروجه إلى منزله أو حجرته ليس بمنافٍ؛ لأنَّ منزله من المسجد وفنائه، بدليل صحة الاعتكاف فيه كما قدمناه؛ فافهم.\nواستدل بالحديث قوم على أنَّ الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة؛ لا يقطع الصلاة، وأنَّ الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السَّهو؛ لا يقطع الصلاة، وهو قول مالك، وربيعة، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق.\nقال ابن عبد البر: ذهب الشَّافعي إلى أنَّ الكلام والسَّلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك، وإنَّما الخلاف أنَّ مالكًا كان يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وأنَّ الشَّافعي يقول: من تعمد الكلام وهو يعلم أنَّه لم يتم صلاته وأنَّه فيها؛ فسدت صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنَّه ليس في الصلاة؛ لا يبطلها.\nوقال أحمد ابن حنبل: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها؛ لم تفسد، فإن تكلم لغير ذلك؛ فسدت، ذكره الأشرم، وقال الخرقي عنه: أنَّ من تكلم عامدًا أو ساهيًا؛ بطلت صلاته إلا الإمام خاصة، فإنَّه إذا تكلم لمصلحة صلاته؛ لم تبطل صلاته.\nوأجمع المسلمون على أنَّ الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنَّه في الصلاةولم يكن ذلك في إصلاح صلاته؛ أنَّه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أنَّه قال: من تكلم لإحياء نَفْسٍ أو مثله من الأمور الجسام؛ لا تفسد صلاته بذلك، انتهى.\nقلت: وهذا الاستدلال فاسد، ولا سلف ولا خلف لهم في ذلك، والصَّواب من القول ما ذهب إليه الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والجمهور أنَّ الكلام في الصلاة يبطلها سواء كان ناسيًا أو جاهلًا، لإصلاحها أو لا، كيفما كان، وهو قول سفيان الثَّوري، وإبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن البصري، وحمَّاد بن سليمان، وقتادة، وغيرهم.\nقال الحارث بن مسكين: (أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده؛ فإنَّه يقول بقوله، وأمَّا أصحابه؛ فيأبونه ويقولون: إنَّما كان هذا في صدر الإسلام، فأمَّا الآن؛ فقد عرف الناس صلاتهم، فمن تكلم فيها؛ أعادها، وهو قول العراقيين، والثَّوري، والنخعي، وعطاء، والحسن، وحمَّاد، وقتادة، فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على أيِّ حال كان، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن الأرقم، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام؛ فإنَّه أرسل حديث ذي اليدين، كما أرسل حديث: «من أدركه الفجر جُنبًا؛ فلا صوم له»، وكان كثير الإرسال) انتهى.\nقلت: أمَّا حديث ابن مسعود؛ فرواه المؤلف ومسلم في «صحيحيهما» في (المناقب) في باب (هجرة الحبشة) وغيره: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نُسلِّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا عليه، فلم يرد علينا، قلنا: يا رسول الله؛ كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا، فلم ترد علينا، فقال ﵇: «إنَّ في الصلاة لشغلًا».\nوأمَّا حديث زيد؛ فرواه أبو داود في «سننه» وغيره: عن زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام)، وقال جماعة: معنى قوله تعالى: ﴿قَانِتِينَ﴾: ساكتين، وهو قول السدي؛ لأنَّ الآية نزلت في المنع عن الكلام في الصلاة، وكان مباحًا في صدر الإسلام.\nوقال ابن مسعود ﵁ كما رواه أصحاب السنن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله أحدث من أمره ألَّا تكلموا في الصلاة».\nوقال إمام الشَّارحين: والدليل على أنَّ الحديث منسوخ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ عمل بعد رسول الله ﷺ بخلاف ما كان ﵇ عمله يوم ذي اليدين، والحال أنَّه كان في من حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك؛ لما عمل بخلاف ما عمل به النَّبي الأعظم ﷺ.\nوأيضًا فإنَّ عمر ﵁ قد فعل ذلك بحضرة الصَّحابةرضي الله عنه، ولم ينكر عليه منهم أحد، فصار ذلك منهم إجماعًا على النَّسخ.\nوروى الحافظ الطَّحاوي ذلك عن ابن مرزوق قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: (صلى عمر بن الخطاب بأصحابه، فسلَّم في ركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي جهزت عِيرًا من العراق بأجمالها وأحقابها حتى وَرَدت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات) انتهى.\nقلت: وكأنَّ المخالف لنا لم يبلغه نزول الآية، ولا حديث ابن مسعود ولا زيد بن الأرقم، ولا صلاة عمر بن الخطاب ﵃، وهذا ضرب من الإجماع، بل الإجماع كله؛ لأنَّ الذين أجمعوا على منع الكلام في الصلاة من أصحاب النَّبي الأعظم ﷺ ثلاثة أفتوا به؛ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن الأرقم ﵃.\nولم يُرْوَ عن أحد من الصَّحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف هؤلاء الثلاثة بعد نزول الآية لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأنَّ الصَّحابة أجمعوا على أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على كل حال، وبه قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، ومحمَّد بن نصر، ومحمَّد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمَّد بن إسماعيل، وغيرهم من أهل الحديث، والله تعالى أعلم.\nوفي «العجلوني»: (وفيه: أنَّ من تكلم ناسيًا؛ لا تفسد صلاته؛ لأنَّه ﵇ تكلم لظنه أنَّه أكمل الصلاة، وسبيله سبيل الناسي، وأمَّا ذو اليدين؛ فأمره متأول؛ لأنَّ الزمان زمان نسخ، فجرى منه مجرى من هو خارج الصلاة، وأمَّا كلام الشيخين؛ فإنَّه كان واجبًا عليهم إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فلم يقدح في صلاتهم) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد؛ لأنَّه ﵇ وإن كان ظنه أنَّه أكمل صلاته، فليس سبيله سبيل الناسي، فلا دليل فيه لما ذكر؛ لأنَّ بين الناسي وغيره فرقًا بيِّنًا، ولا عذر للناسي؛ لأنَّ قوله ﵇: «رُفِع عن أمتي الخطأ والنِّسيان»؛ معناه: رفع إثمهما، على أنَّه قال: «عن أمتي»، ولم يقل: عني، والنِّسيان لا يضر عليه من الله تعالى.\nوأمَّا ذو اليدين؛ فعلى ما ذكره؛ صلاته فسدت، فهو تناقض في كلامه، كما لا يخفى.\nوأمَّا كلام الشيخين... إلخ؛ فيه نظر، بل هو قادح في صلاتهم؛ لأنَّ الآية إنَّما هي (^١) في الدعاء خارج الصلاة لا فيها؛ للقرينة الدَّالة على ذلك؛ لأنَّه (^٢) فيها ممنوع منه، كما لا يخفى.\nوظاهر الحديث يدل على أنَّ العمل الكثير والخطوات في الصلاة لا تبطلها، واختلف في ذلك، ومذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وكذا المشي فيها خطوات.\nواختلف أيضًا في العمل الكثير؛ فظاهر الرواية عن الإمام الأعظم: أنَّه مفوض لرأي المصلي، فإن رآه كثيرًا؛ فكثير، وإن قليلًا؛ فقليل، وقيل: إنَّه ما استكثره الناظر، والقليل ما استقله، وقيل: إنَّه ما فعل ثلاث مرات متواليات في ركن واحد، وقد صححه غير واحد، وعلى هذا فالنَّبي الأعظم ﷺ رأى أنَّ هذا العمل قليل، وأنَّه غير مفسد، ولذلك بنى على صلاته وأتمها، ونقل النَّووي: أنَّ المشهور عن الشَّافعي أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وهو ثلاث حركات.\nواعترضه الكرماني بأنَّ الذي رجحه في «التحقيق» أنَّها لا تبطل بذلك، واعترضه العجلوني بأنَّه ضعيف، بل الراجح أنَّها تبطل بالعمل الكثير وإن كان ناسيًا، انتهى.\nقلت: قد نص الكرماني كلامه وعزاه إلى «التحقيق»، وأنَّه المرجح، وهو كتاب معتمد عندهم، ولعله قول\n_________\n(^١) في الأصل: (هو)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) زيد في الأصل: (في)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":349},{"text":"الشَّافعي القديم، وهذا قوله في الجديد، وعلى كل حال؛ فهو مخالف للحديث؛ لأنَّ مشيه ﵇ إلى الجذع ودخوله في منزله ومجيئه إلى المكان الأول هو زيادة على عشر حركات، كما لا يخفى.\nوهذا الحديث قد تقدم في باب (التوجه نحو القبلة)، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى في باب (السَّهو) مع مزيد الكلام فيه، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٠٦\"> </span>(٨٩) <span data-type=\"title\" id=toc-806>[باب المساجد التي على طرق المدينة]</span>\nهذا (باب) بيان حكم الصلاة في (المساجد التي على طُرق)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة، جمع طريق، ويجمع أيضًا على طرائق؛ وهو الشَّارع الموصل إلى (المدينة) المنورة، والمراد: الطرق التي يتوصل بها إلى المدينة من أيِّ ناحية كانت.\nوزعم العجلوني: (أي: في نواحيها واقعة بينها وبين مكة) انتهى.\nقلت: هذا ليس بقيد معتبر، بل هو تقييد من عنده، والمراد به الأعم، وهو ظاهر التَّرجمة؛ فافهم.\nو(المدينة) تسمى أيضًا: طَيبة -بفتح الطاء المهملة-، وهو اسم من أسمائها، وقد روي: أنَّ لها في التوراة أحد عشر اسمًا، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وكانت قبل الإسلام تسمى بـ (يثرب)؛ باسم رجل من العماليق؛ قبيلة منسوبة إلى عملاق كان يسكنها، فلما جاء الإسلام وسكنها النَّبي الأعظم ﷺ؛ كره لها هذا الاسم؛ لما فيه من لفظ التثريب، فسماها: طَيبة، وقد جاء في القرآن لفظ (يثرب)، ولكن الله لم يسمِّها بذلك، وإنَّما قاله حكاية عن الكفار والمنافقين: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، فنبه تعالى بما حكى عنهم أنَّهم قد رغبوا عن اسم سماها به رسول الله ﷺ، وأبوا إلا ما كانوا عليه من جاهليتهم، وقد سماها تعالى المدينة بقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقد روي في معنى قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: أنَّه المدينة، وأنَّ ﴿مخرج صِدْقٍ﴾: مكة، و﴿سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]: الأنصار، وقد وَرَد: (من سمى المدينة بـ «يثرب»؛ فليستغفر الله هي طابة هي طابة)، رواه أحمد ابن حنبل في «مسنده» عن البراء ﵁؛ فليحفظ.\nقيل: وفي نسخة قبل باب (بسم الله الرحمن الرحيم).\nقلت: الله أعلم بصحتها؛ لأنَّه ليس فيه استئناف كلام، بل هو ملحق بسابقه؛ فافهم.\nوقوله: (والمواضع)؛ أي: وبيان حكم الصلاة في المواضع؛ أي: الأماكن (التي صلى فيها النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: ولم تجعل مساجد، ثابت في أكثر الروايات، ساقط في بعضها، كما قاله إمامنا الشَّارح.\nوتقديرنا: بيان حكم الصلاة؛ أولى وأظهر من تقدير صاحب «المنحة»: أي: باب مشروعية الصلاة فيها، وكذا أولى من تقدير العجلوني: (وذلك من حيث الصلاة فيها وبيانها) انتهى؛ لأنَّ الصلاة في هذه الأماكن والطرقات مشروعيتها معلومة من قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، كما رواه المؤلف فيما سبق، وإنَّما المجهول حكم الصلاة فيها، فأراد المؤلف بما ترجم به بيان حكمها، فما زعمه في «المنحة» غير ظاهر.\nوقول العجلوني: (وذلك...) إلى آخره: مقلق محتاج للبيان ولا معنى له؛ لأنَّ قوله: (من حيث الصلاة)؛ لم يبين ما معنى هذه الحيثية، فإن كان مراده جوازها؛ فهو ظاهر من الحديث السَّابق، وإن كان مراده مشروعيتها؛ فظاهر أيضًا منه.\nوقوله: (وبيانها)؛ أي: بيان المواضع والطرقات، ففيه نظر ظاهر؛ لأنَّ المؤلف ليس مراده بيان ذلك، وليس في كلامه تعرض إليه، ولا إشارة عليه، وإنَّما مراده بيان حكم الصلاة في الطرق والأماكن؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين.\n\n <span id=\"b-٨٠٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-807>[حديث: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق </span>فيصلي فيها]\n٤٨٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدَّمي)؛ بتشديد الدَّال المهملة، اسم مفعول، نسبه لجده؛ لشهرته به؛ لأنَّه محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم البصري، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا فُضيل بن سُليمان)؛ بِضَمِّ أولهما مصغرين: هو النُميري -بضم النُّون- البصري (قال: حدثنا موسى بن عُقْبَة)؛ بِضَمِّ العين المهملة وسكون القاف وفتح الموحَّدة: هو صاحب المغازي المشهور، ثقة، ولم يثبت أنَّ ابن معين ليَّنه، ذكره في «التقريب» (قال: رأيت سالم بن عبد الله) هو ابن عمر بن الخطاب القرشي المدني ﵃ (يتحرى)؛ أي: يجتهد ويقصد ويختار (أماكن): جمع مكان؛ وهو الموضع، ويجمع أيضًا على أمكنة، كما في «القاموس» (من الطريق): وهو مذكر ويؤنث، جمع أطرق، وطرق، وأطرقاء، وأطرقة، وطرائق: وهو الشَّارع الموصل إلى الشيء المقصود، والطرقة؛ بالضم: الظلمة والطمع، والمطاريق: القوم المشاة، وأطرق: سكت ولم يتكلم، وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض (فيصلِّي فيها)؛ أي: الصلاة المفروضة أو النافلة، والظَّاهر الأول؛ لأنَّه كان مسافرًا؛ وهو لا يتنفل عادة، ويحتمل أنَّه يقصد الصلاة فيها، وعليه فالظَّاهر أنَّها النافلة، ويحتمل أنَّه يجمع بين الفرض والنفل فيها؛ فافهم، وسيأتي في الحديث الثاني في هذا الباب: أنَّه كان يصلِّي الظُّهر والصبح فيها (ويحدِّث)؛ بتشديد الدَّال المهملة؛ يعني: إذا سأله سائل: لِمَ خصصت هذه الأماكن بالصلاة؟ فيقول: (أنَّ أباه) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (كان يصلِّي فيها)؛ أي: في تلك الأماكن، وهذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه مصدَّر بالتبعية للآباء، وإنَّما الجواب الواضح قوله: (وأنَّه)؛ أي: أباه عبد الله المذكور (رأى النَّبي) الأعظم (ﷺ يصلِّي في تلك الأمكنة)؛ أي: الصلاة المفروضة، أو النافلة، أو كلاهما، وسيأتي في حديث الباب: أنَّه كان يصلِّي الظُّهر والصبح، فإنَّها أمكنة معظمة، وآثار مُعمَّرة، وتعظيمها إنَّما يكون بالصلاة فيها، فلهذا خصها ﵇ بالصلاة بمحضر من ابن عمر وغيره من أصحابه، وهم أشد اتباعًا لآثاره وأفعاله ﵇.\nوزعم العجلوني أنَّ لفظة (يصلِّي) ساقطة لابن عساكر، انتهى.\nقلت: وإن كانت كذلك، لكنَّها مقدرة الوجود، ولا يصح المعنى إلا بها، كما لا يخفى؛ فافهم، وجمهور الرواة على وجودها ثابتة.\nقال إمام الشَّارحين: (وأنَّه رأى) هذا مرسل من سالم إذ لم يتصل سنده، انتهى، وقال البرماوي: (إن كان الضمير لسالم؛ فمرسل) انتهى.\nقلت: (وأنَّه) عطف على (ويحدِّث)؛ يعني: أنَّ سالمًا يحدَّث: أنَّ أباه رأى النَّبي ﵇ يصلِّي، فلا يلزم من كونه مرسلًا أن يكون الضمير لسالم، بل الضمير راجع إلى أبيه عبد الله، ومع هذا فهو مرسل؛ لأنَّ قوله: (وأنَّه) معطوف على قوله: (ويحدِّث) كما ذكرنا؛ فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين.\n (وحدَّثني) بالإفراد (نافع) هو مولى ابن عمر، القائل ذلك هو موسى بن عقبة، وهو عطف على (رأيت)؛ أي: قال موسى: وحدثني... إلخ، قاله إمام الشَّارحين.\nوفي «المنحة»: (وفي نسخة قبل «وحدثني»: «ح»، فهو من كلام البخاري فيكون تعليقًا) انتهى.\nقلت: قدَّمنا أنَّ إمام الشَّارحين قال: (القائل ذلك هو موسى)، ومثله في «الكرماني»، و«ابن حجر»، وغيرهما، ولم يتعرض أحد لهذه النُّسخة، فالله أعلم بصحتها.\nوزعم ابن حجر أنَّه لم يسق البخاري [لفظ] فُضيل بن سُليمان، بل ساق لفظ أنس بن عياض، وكأنَّه اعتمده؛ لأنَّه أتقن من فُضيل، انتهى.\nقلت: لا يلزم من سوقه [لفظ] أنس كونه أتقن من فضيل؛ لأنَّه أيضًا متقن ثبت، بل إنَّما ساق ذلك لأجل التفنن في السند، وذكر أشياخه كما هي عادته في أبوابه؛ فليحفظ.\n (عن ابن عمر) هو عبد الله ﵄ (أنَّه) أي: ابن عمر (كان يصلِّي في تلك الأمكنة)؛ أي: لِمَا رآه من صلاته ﵇ فيها، ففيه المطابقة للتَّرجمة.\nوقوله: (وسألت سالمًا) أي: ابن عبد الله بن عمر، عطف على قوله: (رأيت)، فهو من كلام موسى بن عقبة (ولا أعلمه إلا وافق نافعًا) أي: مولى ابن عمر (في الأمكنة) أي: المواضع (كلها)؛ أي: التي حول المدينة، التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ (إلَّا أنَّهما) أي: سالمًا ونافعًا (اختلفا في مسجد)؛ أي: هل صلى فيه النَّبي الأعظم ﷺ","vol":"1","page":350},{"text":"أم لا؟ وهو الذي (بشرف)؛ بفتح المعجمة والرَّاء، آخره فاء: المكان العالي (الرَّوْحاء)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة، وبالمد: هي قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلًا، قاله البكري، وسميت روحاء؛ لكثرة رواحها، وفيها بناء يزعمون أنَّه قبر مضر بن نزار، قاله كثير، والنسب إليها: روحائي على غير قياس، وقد قيل: روحاوي على القياس، قاله أبو عبيد، والرَّوحاء: أربعة برد إلا ثلاثة أميال، قاله الزمخشري.\nوثبت في «صحيح مسلم» في باب (الآذان): أنَّ بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلًا.\nوعند ابن أبي شيبة: على ثلاثين ميلًا.\nوقال ابن قرقول: هي من عمل الفرع على نحو أربعين ميلًا من المدينة.\nوقال أبو عبيد: روى نافع عن مولاه: أنَّ بهذا الموضع المسجد الصغير دون الموضع الذي بالشرف، قال: وروى أصحاب الزهري عنه، عن حنظلة بن علي، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده؛ ليهلنَّ ابن مريم بفج الرَّوحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنينهما»، وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة مثله.\nوروى غير واحد: أنَّ رسول الله ﷺ قال -وقد وصل المسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية-: «هذا واد من أودية الجنة، وصلى في هذا الوادي قبلي سبعون نبيًّا ﵈، وقد مر به موسى بن عمران حاجًّا أو معتمرًا في سبعين ألفًا من بني إسرائيل على ناقة له ورقاء عليها عباءتان قطويتان يلبي».\nوحاصله: أنَّ ابن عمر كان يتبرك بهذه الأماكن المذكورة، فيصلِّي فيها، وتشديده بالإتباع مشهور، ولا يعارضه ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنَّه كان في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه، ويصلُّون فيه، ويقولون: صلى النَّبي الأعظم ﷺ فيه، فقال: «من عرضت له الصلاة؛ فليصلِّ، وإلا؛ فليمض، فإنَّما أهلك أهل الكتاب أنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا»؛ لأنَّ ذلك محمول من عمر ﵁ على أنَّه كره زيارتهم لمثلها بغير صلاة، وخشي أن يشكل على من لا يعرف حقيقة الأمر فيه، فيلتزم الناس الصلاة فيه، فيرى الناس ذلك واجبًا، وكلا الأمرين مأمون على ابن عمر، وكان يتبرك بتلك الأماكن، فالتبرك بآثار الصالحين ثابت، وفي «الصَّحيح» كما سبق صلاته ﵇ في موضع من بيت عتبان؛ ليتخذه مصلى وغير ذلك، انتهى أفاده إمام الشَّارحين بزيادة.\n\n <span id=\"b-٨٠٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-808>[حديث: أن رسول الله كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر]</span>\n٤٨٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذِر)؛ بكسر الذَّال المعجمة: هو الحزامي المدني -بالزاي المعجمة- نسبة إلى أحد أجداده، فإنَّه إبراهيم بن المنذِر بن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد الصمد بن قصي المديني، المتوفى سنة ست وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا أنس بن عِياض)؛ بكسر العين المهملة: هو المدني، المتوفى سنة ثمانين ومئة.\n (قال: حدثنا موسى بن عقبة) هو صاحب المغازي، المدني المشهور الثِّقة، (عن نافع) هو أبو عبد الله المدني التَّابعي مولى ابن عمر ﵄، المتوفى سنة عشرين ومئة: (أنَّ عبد الله)؛ بفتح الهمزة؛ زاد الأصيلي: (يعني: ابن عمر)، ولأبوي ذر والوقت: (أنَّ عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب القرشي المدني ﵄ (أخبره) أي: أخبر نافعًا (أنَّ رسول الله ﷺ) بفتح الهمزة (كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (ينزل بذي الحُلَيفة)؛ بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح اللَّام؛ وهو الميقات المشهور لأهل المدينة، وهو من المدينة على أربعة أميال، ومن مكة على مئتي ميل غير ميلين، وزعم الكرماني بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع ومنها إلى مكة عشر مراحل، وزعم ابن التين أنَّها أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النَّبي الأعظم ﷺ، كذا في «عمدة القاري»، (حين يعتمر، وفي حجته حين حج)؛ أي: حجة الوداع، قيل: وفي نسخة: (حين يحج)، وعلى الأولى شرح إمام الشَّارحين، وقال: (إنَّما قال في العمرة بلفظ المضارع، وفي الحج بلفظ الماضي؛ لأنَّه ﵇ لم يحج إلا مرة واحدة، وتكررت منه العمرة) انتهى، وتبعه ابن حجر وغيره.\nوزعم الكرماني أنَّ المضارع قد يفيد الاستمرار.\nوردَّه إمامنا الشَّارح: (بأنَّ الماضي أقوى في إفادة الاستمرار من المضارع؛ لأنَّ الماضي قد مضى واستقر بخلاف المضارع) انتهى.\nواعترضه ابن حجر تعصبًا بأنَّ من يستدل على الاستمرار بالاستقرار، فما له ولتعقيب كلام الناس؟ انتهى.\nقلت: انظر إلى هذا الكلام الذي لا يصدر من ذوي الأفهام، والحال أنَّه لم يستدل بذلك، وإنَّما ذكر المعنى الذي يفيده اللَّفظ في الكلام على القواعد الموضوعة للنحاة الموافقة للمرام، وإنَّما قال ذلك في تعقيب كلام الناس عدم فهمهم الكلام بالمعاني والأساس.\nويدل على صحة ما قاله إمامنا الشَّارح أنَّ لفظ (كان) يفيد الدوام والاستمرار في الألفاظ المطلقة، ثم عبر بالعمرة بالمضارع المطلق، فأفاد التكرار، وعبر بالحج -في قوله: (وفي حجته)؛ أي: التي حجها، وهي حجة الوادع- بالماضي المقيد، فأفاد عدم التكرار، والوقوع مرة واحدة، وهذا ظاهر اللَّفظ؛ فليحفظ، ولا عليك من لقلقة اللسان بغير حجة وبرهان؛ فافهم.\nوالنُّسخة الثانية الله أعلم بصحتها، ولم ينقلها أحد من الشراح غير العجلوني ذكرها ولم يَعزُها لأحد من الرواة، وهو نقل أوهى من بيت العنكبوت؛ لأنَّه من غير برهان ولا نعوت؛ فافهم.\n (تحت سَمُرة)؛ بفتح السين المهملة، وضم الميم: وهي شجرة الطلح، وهو عظام الأشجار التي لها شوك، وتعرف عند الناس: بأم غيلان، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهي كثيرة في البساتين في ديارنا الشريفة الشامية، وتوضع في الحدود بينها؛ لأنَّها تُعمَّر كثيرًا كما يعهد من حالها.\n (في موضع المسجد الذي بذي الحليفة) قيل: وفي نسخة: (الذي كان بذي الحليفة)، وهذا موضع التَّرجمة، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة في الفصلين) انتهى، (وكان إذا رجع من غزوة)؛ بالتأنيث، وفي رواية: بحذف التَّاء؛ (وكان (^١) في تلك الطريق)؛ أي: طريق ذي الحليفة، والجملة حالية بالواو، وفي رواية: بحذف الواو، فهي صفة\n_________\n(^١) في الأصل: (كان)، وأُثبتت الواو؛ لأنه شرح عليها.","vol":"1","page":350},{"text":"للغزو، ووجه التذكير في (كان) باعتبار السفر، ويجوز أن يرجع الضمير فيه للنبي الأعظم ﷺ، قاله إمامنا الشَّارح، وما شرحنا عليه هو رواية الأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي، (غزوة وكان) بالتَّاء والواو، وعليها شرح إمام الشَّارحين، (أو حج أو عمرة هبط من بطن واد) هو وادي العقيق، وسقط كلمة (من) لأبوي ذر والوقت، وعند ابن عساكر: (هبط من ظهر واد)، والهبوط: النزول من الأعلى إلى الأسفل، وإنَّما لم يؤخر لفظ: (كان) في تلك الطريق عن الحج والعمرة؛ لأنَّهما لم يكونا إلا من تلك الطريق، (فإذا ظهر من بطن واد)؛ أي: علا في أعلاه وارتفع في وادي العقيق المذكور؛ (أناخ)؛ أي: أقعد راحلته، وهو جواب (إذا) (بالبطحاء) هو تراب لين السيول، والجمع: بطحاوات وبطاح، فإن اتسع وعرض؛ فهو الأبطح، والجمع: الأباطح، كما في «المحكم»، وقال بعضهم: الأبطح: لا ينبت (^١) شيئًا، إنَّما هو بطن الوادي، وفي «الجامع»: (الأبطح والبطحاء والبطاح: الرمل المنبسط على وجه الأرض)، وفي «الواعي»: (البطحاء: حصى ورمل ينقل من مسيل الماء)، وقال النَّضر بن شميل: (بطحاء الوادي وأبطحه: حصاة اللين)، وقال أبو سليمان: (هي حجارة ورمل)، وقال الدَّاودي: (البطحاء: كل أرض منحدرة)، وفي «المنتهى»: (الأبطح: مسيل واسع، فيها دقاق الحصى، والجمع: الأباطح، وكذلك البطحاء)، وفي «الصِّحاح»: البطاح: على غير قياس، والبطيحة؛ مثل: الأبطح، كذا في «عمدة القاري».\n (التي على شَفير الوادي)؛ بفتح الشين المعجمة؛ أي: طرفه، وقال ابن سيده: (شفير الوادي وشفره: ناحيته من أعلاه) (الشرقيةِ) بالجر: صفة (البطحاء)، (فعرَّس)؛ بتشديد الرَّاء، قال الأصمعي: (عرَّس المسافرون تعريسًا؛ إذا نزلوا نزلة في وجه السحر، وأناخوا إبلهم فروحوها ساعة حتى يرجع إليها أنفسها)، وعن أبي زيد: (عرَّس القوم تعريسًا في المنزل حيث نزلوا بأيِّ حينٍ كان من ليل أو نهار)، وفي «المحكم»: (المعرس: الذي يسير نهاره، ويعرِّس؛ أي: ينزل أول الليل)، وفي «الصِّحاح»: (أعرسوا لغة فيه قليلة، والموضع: مِعرس ومَعرس)، وفي «الغريبين» (^٢): (التعريس: نومة المسافر بعد إدلاج الليل)، وفي «المغيث»: (عرَّس؛ أي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس: النزول لغير إقامة)، أفاده إمام الشَّارحين.\nقلت: وحاصله: أنَّ التعريس: نزول استراحة، وأكثره في آخر الليل، وخصَّه الأصمعي: بآخر الليل، وأطلق فيه أبو زيد؛ فليحفظ.\n (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك (حتى يُصبح)؛ بِضَمِّ المثناة التحتية؛ أي: يدخل في الصباح، وهي تامة لا تحتاج إلى الخبر، واستغنت بمرفوعها (ليس عند المسجد الذي بحجارةٍ، ولا على الأكَمة)؛ بفتح الهمزة والكاف: هي التل من القف من حجارة واحدة، قاله ابن سيده، وقيل: هي دون الجبال، وقيل: هي الموضع الذي قد اشتد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع: أَكَم، وأُكُم، وأُكْم، وإكام، وآكام، وآكُم؛ كأَفْلُس، الأخيرة عن ابن جني، وفي «الواعي»: (الآكام: دون الضراب)، وفي «الصِّحاح»: (والجمع: أكمات، وجمع الأكم: آكام؛ مثل: عنق وأعناق) انتهى.\nوالحاصل: أنَّه يجمع على (أَكَم)؛ بفتحات؛ وهو على (إِكام)؛ بكسر الهمزة -كجبل وجبال (^٣) -؛ وهو على (أُكُم)؛ بضمتين -نحو: كِتَاب وكُتُب-؛ وهو على (آكام)؛ كعُنُق وأعناق؛ فافهم.\n (التي عليها المسجد، كان ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك (خَلِيج)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللَّام، آخره جيم: واد عميق ينشق من آخر أعظم منه، قاله ابن التِّين، وفي «المنتهى»: (هو شرم من البحر اختلج منه، والخليج (^٤): النهر العظيم، والجمع: خلجان، وربما قيل للنهر الصغير يخلج من النهر الكبير: خليج)، وفي «المحكم»: الخليج: ما انقطع من معظم الماء؛ لأنَّه يجبذ منه، وقد اختلج، وقيل: الخليج: شعبة تتشعب من الوادي تعير بعض مائه إلى مكان آخر، والجمع: خلج وخلجان، وقال الإمام الزمخشري: (جبل خليج: أحد جبال مكة) انتهى، (يصلِّي)؛ بتحتية أوله، وفي رواية: (فصلى) (عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ (عنده) أي: عند الخليج المذكور (في بطنه) أي: وسطه (كُثُب)؛ بِضَمِّ الكاف وضم الثَّاء المثلَّثة، جمع كثيب؛ هو رمل اجتمع وكل ما اجتمع من شيء وانهار؛ فقد انكثب فيه، ومنه اشتق: الكثيب من الرمل؛ في معنى: مكثوب؛ لأنَّه انصب في مكان واجتمع فيه، والجمع: كثبان؛ وهي تلال من رمل، قاله أبو المعالي، وفي «المحكم»: (الكثيب من الرمل: القطعة تبقى محدودبة، وقيل: هو ما اجتمع واحدودب، والجمع: أكثبة وكثب)، وفي «الجامع»: (إنَّما سمي كثيبًا؛ لأنَّ ترابه دقاق كأنَّه مكثوب؛ أي: منثور بعضه على بعض؛ لرخاوته)، كذا في «عمدة القاري».\n (كان رسول الله ﷺ) وقوله: (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك، متعلق بقوله: (يصلِّي)، وهذا مرسل من نافع، كما قاله إمام الشَّارحين وغيره، (فدحا): الفاء للعطف، و(دحا)؛ بالدَّال والحاء المهملتين، مبنيًّا للفاعل، من الدحو؛ وهو البسط، يقال: دحا يدحوويدحى دحوًا، قاله ابن سيده، وفي «الغريبين»: كل شيء بسطته ووسعته؛ فقد دحوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أي: بسطها ووسعها؛ للوقوف بها عند فصل القضاء، وبهذا تعلم فساد تفسير العجلوني: الدحي: بالرفع، فإنَّه غير موافق للُّغة ولا للقرآن العظيم؛ فافهم، بل هو تفسير من عنده، وهو غير مقبول، (السيل)؛ أي: المطر النازل من الجبال (فيه)، ولأبي ذر: (فدحا فيه السيل) (بالبطحاء): متعلق بـ (دحا)، وفي رواية الإسماعيلي: (فدخل)؛ بالخاء المعجمة واللَّام، وفي رواية: (قد جاء)؛ بكلمة (قد) للتحقيق، وكلمة (جاء) من المجيء فهما كلمتان؛ فليحفظ، (حتى دَفن)؛ بالبناء للفاعل؛ أي: السيل، قيل: وفي رواية: بالبناء للمفعول، فنائبه قوله: (ذلك المكان الذي كان عبد الله) أي: ابن عمر (يصلِّي فيه)؛ أي: غيَّبه وغيَّر صفته، فلم يظهر بعد ذلك.\n (وأنَّ)؛ بفتح الهمزة، معطوف على قوله: (أنَّ عبد الله أخبره) (عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب (حدَّثه)؛ أي: حدَّث نافعًا مولاه، وهو من قول موسى بن عقبة، فهو موصول بالإسناد السَّابق، وهذا يجري في نظائره، وقال الكرماني: إنَّما قال في الأول: «أنَّ عبد الله أخبره»، وفي المرات الآتية: «أنَّ عبد الله حدَّثه»؛ للفرق عند بعضهم بأنَّ الإخبار: القراءة على الشيخ، والتحديث: قراءة الشيخ.\nواعترضه العجلوني بأنَّ الظَّاهر أنَّهما بمعنًى، انتهى.\nقلت: قد سبق ذلك في باب (العلم)، وأنَّ مذهب الجمهور -ومنهم المؤلف- على أنَّه لا فرق بين (حدثنا)، و(أخبرنا)، و(أنبأنا)، وأنَّها بمعنًى، وبه قال ابن عيينة، والأئمة الكوفيون، ومالك، والحسن البصري، ويحيى القطان، وأهل الحجاز، فإذا كان هذا مذهب الجمهور؛ فكيف يدعي أنَّه الظَّاهر، فإنَّ الظَّاهر يقال\n_________\n(^١) في الأصل: (يثبت)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (العربيين)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (وإجبال)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (والخلج)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":351},{"text":"في أحد قولين مرجحين، بل في قول قوي وقول ضعيف؛ لأنَّ الفرق قول ضعيف عند أهل النَّظر، وأمَّا المؤلف ههنا؛ فلم ينظر لهذا حتى زعم الكرماني ما زعم، بل إمَّا للتفنن في العبارة، أو ساق اللَّفظ بعينه، وإنَّما مذهبه عدم الفرق، كما ترجم به بباب مستقل؛ فافهم ولا تكن من الغافلين.\n (أنَّ النَّبي) الأعظم (ﷺ صلى) أي: الفرض والنفل جميعًا (حيث) بالمهملة والمثلَّثة (المسجد الصغير): نعت لـ (المسجد)، وفي رواية: (صلى جَنْب)؛ بالجيم والنُّون والموحَّدة، وعلى الأولى؛ (المسجدُ): مرفوع خبر مبتدأ محذوف، و(الصغيرُ): مرفوع نعت له؛ لأنَّ (حيث) لا تضاف إلا إلى الجملة على الأصح؛ وتقديره: حيث هو بالمسجد ونحوه، وعلى الثانية؛ مجرور بالإضافة، و(الصغير): نعت له مجرور، أفاده الشَّارح.\n (الذي دون المسجد)؛ أي: أنزل من المسجد (الذي بشرف) أي: أعلى (الروحاء)؛ بالمد: قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وهي آخر السيالة للمتوجه إلى مكة والمسجد الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم، (وقد كان عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب (يُعلِّم)؛ بِضَمِّ التحتية أوله، من (أعلم) من العلامة في رواية أبوي ذر والوقت، وفي رواية غيرهما: (يَعلم)؛ بفتح التحتية من العِلْم، وفي رواية: (تَعلَّم)؛ بفتح الفوقية، وتشديد اللَّام المفتوحة (المكان الذي كان) وسقطت (كان) لابن عساكر (صلى فيه النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: صلاته الفرض والنفل جميعًا بمحضر من ابن عمر وغيره من الصَّحابة ﵃ أجمعين (يقول) أي: ابن عمر: (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك (عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافَة)؛ بتخفيف الفاء؛ أي: على جانب (الطريق)؛ أي: الشَّارع، وحافتا الوادي: جانباه (اليمنى): صفة لـ (حافَة)؛ أي: لا اليسرى، وقوله: (وأنت ذاهب إلى مكة): صفة لقوله: (حافَة) (بينه) أي: بين هذا المسجد (وبين المسجد الأكبر رمية حجر أو نحو ذلك)؛ أي: مقدار مسافة ذلك.\n (وأنَّ) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (ابن عمر)؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهمابالإسناد المذكور، فهو من قول موسى بن عقبة (كان يصلِّي إلى العِرْق)؛ بكسر العين المهملة وسكون الرَّاء المهملة، وبالقاف؛ أي: عرق الظبية، وقال أبو منصور: (العِرْق: الجبل الصغير، ويقال أيضًا للأرض الملح التي لا تنبت)، وقال أبو عبيد: (هو واد معروف)، وقال ابن فارس: (ينبت الطرفاء، وقيل: ينبت الشجر)، وقال الخليل: (العِرْق: الجَبْل الرقيق من الرمل المستطيل مع الأرض)، وقال الدَّاودي: (هو المكان المرتفع)، أفاده في «عمدة القاري»، (الذي كان عند منصرَف الرَّوحاء)؛ بفتح الرَّاء المهملة فيهما مع [المد] في الثاني؛ وهي القرية الجامعة على ليلتين من المدينة؛ يعني: عند آخر الرَّوحاء (وذلك العِرْق انتهاء)؛ بالمد (طرفه (^١) على حافَة)؛ أي: جانب (الطريق)، ولأبي ذر عن الكشميهني: (انتهى طرفه)؛ بالقصر، فعل وفاعل (دون المسجد الذي بينه وبين المنصرَف)؛ بفتح الرَّاء؛ أي: أنزل منه (وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتُني)؛ بِضَمِّ المثناة فوق على صيغة المجهول من الماضي (ثَمَّ)؛ بالمثلَّثة، متعلق به؛ أي: هنالك (مسجد) يحتمل أنَّ الباني له أحد من قريش من الجاهلية ممن يعبد الأصنام، ويشرك بالله غيره، ويدل على هذا قوله: (فلم يكن عبد الله) زاد الأصيلي: (ابن عمر) (يصلِّي في ذلك المسجد)؛ لعله لما فيه من الصور والأصنام كما ذكرنا، فلا وجه لقول العجلوني: (ولينظر من الباني له؟)؛ لأنَّه لا شك أنَّ الباني غير مسلم، بل مشرك أو منافق، ولهذا قال: (وكان) أي: ابن عمر، وللأصيلي: بإسقاط الواو (يتركه على يساره وورائه)؛ بالجر عطفًا على (يساره)، وبالنصب على الظرفية؛ بتقدير: (في) ظرفًا (يصلِّي) أي: ابن عمر (أمامه) أي: قدام المسجد (إلى العِرْق نفسه) أي: عرق الظبية، (وكان عبد الله) أي: ابن عمر (يروح) أي: يمر (من الرَّوحاء) بالمد (فلا يصلِّي الظُّهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلِّي فيه الظُّهر) أي: اتباعًا حيث الوقت متسع، (وإذا أقبَل) بفتح الموحَّدة (من مكة فإن مرَّ) بتشديد الرَّاء (به) أي: بذلك المكان (قبْل) بسكون الموحَّدة (الصبح) أي: طلوع الفجر الصَّادق (بساعة): يحتمل أنَّها اللحظة والحصة من الزمان، ويحتمل الساعة المعلومة، وهي خمس عشرة درجة، (أو من آخر السحر): وهو عبارة عما بين الفجر الكاذب والصَّادق، والفرق بين العبارتين-أعني: قوله: (قبل الصبح بساعة)، وقوله: (آخر السحر) - هو أنَّه أراد بـ (آخر السحر): أقل من ساعة، وأراد الإبهام؛ ليتناول قدر الساعة وأقل وأكثر منها، قاله الشَّارح في «عمدة القاري»، (عرَّس)؛ بتشديد الرَّاء، جواب (أنَّ)؛ أي: نزل للاستراحة في ذلك الوقت (حتى يصلِّي بها الصبح)؛ أي: بمكة؛ لفضل الصلاة فيها.\n (وأنَّ) بفتح الهمزة، معطوف على سابقه (عبد الله) أي: ابن عمر (حدَّثه)؛ أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول: (أنَّ النَّبي) الأعظم، ولابن عساكر: (رسول الله) (ﷺ كان ينزل تحت سَرْحَة)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة: وهو شجر عظام طوال (ضخمة)؛ أي: عظيمة، وقال أبو زيد: السَّرْح من العضاه، واحدته: سَرْحَة، والسَّرْح: طوال في السَّماء، وقد تكون السَّرْحة دوحة محلالًا (^٢) واسعة، يحل تحتها الناس في الصيف، ويبنون تحتها البيوت، وقد تكون منه العشة القليلة الفروع والورق، وللسرح عنب يسمى آءُ، واحدته: آءة، يأكله الناس أبيض، ويرببون منه الرب، ورقته صغيرة عريضة، تأكله الماشية لو تقدر عليه ولكن لا تقدر؛ لطوله، ولا صمغ له، ولا منفعة فيه أكثر من هذا إلَّا أنَّ ظله صالح، ومن ذلك قال الشاعر:\nفيا سَرْحَة الركبان ظلك بارد... وماؤك عذب لا يحل لشارب\nوليس للسرح شوك، وقال أبو عمرو: السَّرْح يشبه الزيتون، وروى الفراء عن أبي الهيثم: أنَّ كل شجرة لا شوك فيها؛ فهي سَرْحَة، يقال: ذهب إلى السَّرْح؛ وهو السهل من كل شيء، وأخبرني أعرابي: أنَّ في السَّرْحة غبرة، وهي دون الأثل في الطول، وورقها صغار، وهي سبطة الأفنان (^٣)، وهي مائلة النبتة أبدًا، وميلها من بين جميع الشجر في شق اليمين، ولم أبل عليه كذبًا، وزعم بعضهم أنَّ السَّرْح من نبات القف، وقيل: من نبات السهل، وهو قول الأصمعي، وفي «المطالع»: (قيل: هي الدِّفلى)، وقال أبو علي: (هو نبت، يقال لها: هدب، وليس لها ورق، وهو يشبه الصوف)، قاله إمام الشَّارحين.\n (دون الرُّوَيْثَة)؛ أي: تحتها أو قريب منها، وهي بِضَمِّ الرَّاء، وفتح الواو، مع سكون التحتية، وفتح المثلَّثة\n_________\n(^١) في الأصل: (طرفة).\n (^٢) في الأصل: (مجلالًا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (الأقنان)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":351},{"text":"على لفظ التصغير؛ وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا، ومن الرُّوَيْثَة إلى السقيا عشرة فراسخ، وعقبة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيثة، وبينها وبين العرج ثلاثة أميال، وهي غير الرُّويثة؛ ماء لبني عجل بين طريق الكوفة والبصرة، ذكره ياقوت، كما في «عمدة القاري».\nوقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «الرَّقْشة»؛ بفتح الرَّاء، وسكون القاف، وإعجام الشين)، وزعم الخطابي أنَّه اسم موضع، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ البكري لم يذكر إلا الرقاش، وقال: هو بلد) انتهى.\nقلت: وليس هناك بلاد ولا بلد تسمى بالرَّقشة، ولا موضع يسمى بهذا الاسم، فالظَّاهر أنَّه تصحيف.\nوقال القاضي عياض: («دون الرُّوَيثة» تصحيف، والصَّواب: بعواسج عن يمينك)، قال العجلوني: (إن ثبتت به الرواية؛ فهو أولى) انتهى.\nقلت: الرواة كلهم على الأول، ولم يذكر أحد منهم ذلك أصلًا، ولئن ثبت؛ فهو ليس بأولى؛ لأنَّ المكان جامع لقرًى شتى، ولم يتبين المكان بعينه، بل إنَّما وقعت القصة من نزوله ﵇ عند الشجرة، وهي بين القرى، وأقربها قرية الرويثة، فلا عليك من كلام القاضي والعجلوني؛ فافهم.\n (عن يمين الطريق) أي: لا عن شماله (ووُجاه)؛ بِضَمِّ الواو وكسرها؛ بمعنى: تجاه (الطريق)؛ أي: مقابلها، و(وجاه)؛ بالجر عطفًا على (يمين)، أو بالنصب على الظرفية (في مكان بَطِح)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الطاء المهملة وبسكونها؛ أي: واسع (سهل) أي: لا وعر فيه ولا حجارة (حتى)؛ بالمثناة فوق، وللأصيلي وأبي ذر: (حين)؛ بالتحتية والنُّون (يُفضي)؛ بِضَمِّ أوله التحتية وبالفاء، من الإفضاء؛ بمعنى الخروج، يقال: أفضيت؛ إذا خرجت إلى الفضاء، أو بمعنى الدفع؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أو بمعنى الوصول، والضمير في (يفضي) يرجع إلى النَّبي الأعظم ﷺ، ويجوز أن يرجع إلى المكان، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nوقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ بلفظ الخطاب) انتهى.\nقلت: لم يعزها لأحد من الرواة، فالله أعلم بصحتها.\n (من أَكَمة)؛ بفتح الهمزة والكاف؛ وهي التل العالي كما تقدم (دُوين)؛ بِضَمِّ الدَّال المهملة، مصغر الدُّون، وهو نقيض الفوق، ويقال: هو دون ذاك؛ أي: أقرب منه (بريد) هو المرتب واحدًا بعد واحد، والمراد به: موضع البريد، وقيل: المراد به: سكة الطريق (الرُّوَيثة) وسقط (البريد) لابن عساكر (بميلين)؛ يعني: بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرُّويثة ميلان، (وقد انكسر أعلاها)؛ أي: السَّرْحة، (فانثَنى)؛ بفتح المثلَّثة على صيغة المعلوم من الماضي؛ ومعناه: انعطف (في جوفها) أي: السَّرْحة (وهي قائمة على ساق)؛ أي: كالبنيان ليست متسعة من أسفل، ولا ضيقة من فوق (وفي ساقها كُثُب)؛ بضمتين، جمع كثيب؛ وهو الرمل المجتمع تلال كثيرة.\n (وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المتقدم (أنَّ النَّبي) الأعظم (ﷺ صلَّى) أي: الصبح أو غيره من فرض ونفل (في طرف تَلْعَة)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون اللَّام، وفتح العين المهملة: هي أرض مرتفعة عريضة، يتردد فيها السيل، والتَّلْعَة: مجرى (^١) الماء من أعلى الوادي، والتَّلعة: ما انهبط من الأرض، وقيل: هي مثل الرحبة، والجمع في كل ذلك: تلع وتلاع، وعن بعضهم: التَّلعة: أرض مرتفعة غليظة، وربما كانت على غلظها عريضة، وفي «الجامع»: (التَّلعة من الوادي: ما اتسع من فوقه، وقيل: هي مسيل من الأرض المرتفعة إلى بطن الوادي، فإن صغر عن ذلك؛ فهي شعبة، فإذا عَظُم فكان نصف الوادي؛ فهي الميثاء، قيل: والأصل في التَّلعة الارتفاع)، كذا في «عمدة القاري»، (من وراء العَرْج)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الرَّاء، ثم جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة، بينها وبين الرُّويثة أربعة عشر ميلًا، قال السكوني: (المسجد النَّبوي على خمسة أميال من العَرْج وأنت ذاهب إلى الهضبة، عندها قبران أو ثلاثة، عليها زحم حجارة، قال كثير: إنَّما سمي العَرْج لتعريجه، وبين العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلًا)، وقال ياقوت: (العَرْج: قرية جامعة من نواحي الطَّائف، والعَرْج: عقبة بين مكة والمدينة على جادة الطريق، تذكر مع السقيا، وسوق (^٢) العَرْج: بلد بين المحالب والمهجم)، وقال الزمخشري: (العرج: واد بالطَّائف، والعرج أيضًا: منزل بين المدينة ومكة، وجاء فيه فتح الرَّاء أيضًا)، كذا قرره إمامنا الشَّارح.\n (وأنت ذاهب إلى هَضْبَة)؛ بفتح الهاء، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الموحَّدة؛ وهي الجبل المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: (الهضبة من الجبال: ما طال واتسع وانفرد، وهي الهضبات والهضاب)، وعن سيبويه: (وقد قالوا: هضبة وهضب)، وقال صاحب «العين»: (الهضبة: كل جبل خلق من صخرة واحدة، وكل ضخرة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة)، وفي «الجامع»: (هي القطعة المرتفعة من أعلى الجبل)، وفي «المجمل»: (هي أكمة ملساء قليلة النبات)، وفي «المطالع»: (هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل) انتهى.\n (عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رَضْم)؛ بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد المعجمة، وللأصيلي: (رَضَم)؛ بفتحها (من حجارة)، قال الشَّارح: (الرضم: الحجارة البيض (^٣)، والرضمة: الصخرة العظيمة مثل الجزور (^٤)، وليست بثابتة، والجمع: رضم ورضام، ورَضَمَ الحجارة: جعل بعضها على بعض، وكل بناء بني بصخر: رضيم، ذكره ابن سيده، وفي «الجامع»: (ومرضوم) انتهى، (عن يمين الطريق)؛ أي: لا عن يساره، ولم يذكر أحد من الشراح أسماء أصحاب هذه القبور، والظَّاهر أنَّهم من قريش من الجاهلية (عند سَلِمات الطريق)؛ بفتح السين المهملة وكسر اللَّام، كذا في رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية الباقين: بفتح اللَّام، قيل: هي بالكسر: الصخرات، وبالفتح: الشجرات، وقال أبو زياد: (من العضاه السلم: وهو سليب العيدان طولًا، يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دقاق طوال، حار إذا أصاب رِجل الإنسان، وكل شيء من السلمة مُرُّ يدبغ)، وقال غيره: السلمة: أطيب العضاه ريحًا، وبرمتها أطيب البرم ريحًا، وهي صفراء تؤكل، وقيل: ليس شجرة أذرى من سلمة، ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط، ويجمع على أسلام، وأرض مسلوماء؛ إذا كانت كثيرة السلم، وفي «الجامع»: (ويجمع أيضًا على سلامى) انتهى.\n (بين أولئك السَّلِمات) وفي بعض النُّسخ: (من أولئك)، وهي في النُّسخة الأولى ظاهر التعلق بما قبله، وفي الثانية بما بعده، قاله الشَّارح، ومثله في «الكرماني»، قال العجلوني: (فتأمله) انتهى.\nقلت: لا وجه للتأمل فيه، فإنَّ كلامه ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم.\n (كان عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ (يروح) من الرواح؛ وهو الذهاب؛ يعني: يذهب (من العَرْج بعد أن تميل الشمس من الهاجرة): متعلق بـ (يروح)؛\n_________\n(^١) في الأصل: (مجرد)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وتسوق)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) تكرر في الأصل: (والرضمة).\n (^٤) في الأصل: (الجرور)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":352},{"text":"وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، (فيصلي الظُّهر)؛ لأنَّ ميلان الشمس عن كبد السَّماء دخول وقت الظُّهر والجمعة (في ذلك المسجد)؛ أي: للإتباع.\n (وأنَّ عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب، بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول (أنَّ رسول الله ﷺ نزل) أي: عن راحلته (عند سَرحات)؛ بفتح الرَّاء، وبالحاء المهملة، جمع: سَرْحة؛ بسكون الرَّاء؛ وهي الشجرة العظيمة الضخمة كما سبق (عن يسار الطريق) أي: لا عن يمينه (في مَسِيل)؛ بفتح الميم، وكسر المهملة: واد منحدر مجوَّف يجري فيه الماء النازل من الجبال (دون هَرْشَى)؛ بفتح الهاء، وسكون الرَّاء، وفتح الشين المعجمة، مقصور، على وزن (فَعلى): هو جبل من بلاد تهامة، وهو على ملتقى طريق الشام والمدينة في أرض مستوية هضبة ململمة لا تنبت شيئًا، وهي قرية قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ويقرب منها طَفِيل؛ بفتح الطاء المهملة، وكسر الفاء، وهو جبل أسود، على الطريق من ثنية هرشى ثلاثة أودية: غزال، وذو ذروان، وكلية، وكلها لخزاعة، وبأعلى كلية ثلاثة أجبل صغار، يقال لها: سنابك، وغدير خم: واد يصب في البحر، وفي «الموعب»: (هرشى: ثنية قرية من الجحفة)، وقال الزمخشري: (هرشى: هضبة دون المدينة)، وقال علي: (هرشى: نقب في حرة (^١) بين الأخيمص وبين السقيا على طريق المدينة، ويليه (^٢) جبال يقال لها: طوال هرشى)، وفي «المغيث»: (سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم، والتهريش: الإفساد بين الناس)، كذا في «عمدة القاري».\n (ذلك المسيل لاصق بكُراع هرشى)؛ بِضَمِّ الكاف؛ أي: طرفها، يقال: كراع الأرض وأكارعها: أطرافها، كما في «القاموس»؛ أي: متصل بأطرافها غير فاصل، وكراعها: ما يمتد منها دون سفحها (بينه) (^٣)؛ أي: بين كراع هرشى (وبين الطريق قريبٌ من غَلوة سهم)؛ بفتح الغين المعجمة: وهي الغاية مقدار رمية، كما في «الصِّحاح»، وفي «المغيث»: (لا تكون الغَلوة إلا مع تصعيد السهم)، وقال ابن سيده: غلا بالسهم غَلْوًا وغُلُوًّا، وغالى به غلاء: رفع به يده يريد أقصى الغاية، وهو من التجاوز، فرجل غلاء: بعيد الغلو بالسهم، وغَلَا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى؛ وكذلك الحجر، وكل مرماة: غلوة، والجمع: غلوات وغلًا، وقد تستعمل الغَلوة في سباق الخيل، وقال الفقهاء: الغَلوة: أربع مئة ذراع، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: الذي في «المغرب»، وكذا في «الذخيرة» و«المستصفى»: أنَّه ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة ذراع، لكن لما كانت الأربع مئة هي الغاية؛ عبَّر بها، والسهم: واحد النبل.\nوقد نظم ابن الحاجب مقدار البريد، والفرسخ، والميل، والباع، والذراع فقال:\nإنَّ البريد من الفراسخ أربع... ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا\nوالميل ألف أي من الباعات قُلْ... والباع أربع أذرع فتتبع\nثم الذراع من الأصابع أربع... من بعدها العشرون ثم الأصبع\nست شعيرات فظهر شعيرة... منها إلى بطن لأخرى (^٤) توضع\nثم الشعيرة ست شعرات فقل... من شعر بغل ليس فيه موضع\nوتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصَّواب.\n (وكان عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب ﵄ (يصلي إلى سَرْحة)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة؛ أي: شجرة ضخمة عظيمة (هي أقرب السَّرحات) أي: الشجرات (إلى الطريق) أي: الشَّارع، (وهي) أي: تلك السرحة (أطولهن)؛ أي: أطول تلك السَّرحات الموجودات هناك.\n (وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول (أنَّ النَّبي) الأعظم (ﷺ كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (ينزل) أي: عن راحلته إذا كان في سفر أو في حضر (في المَسيل)؛ بفتح الميم: المكان المنحدر (الذي في أدنى مَرِّ الظَّهران)؛ أي: في الأقرب منه، و(مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الرَّاء: قرية ذات نخل وثمار، وقال البكري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، مضاف إلى (الظَّهران)؛ بظاء معجمة، وبين مَرٍّ والبيت ستة عشر ميلًا، قال إمام الشَّارحين: (هو الوادي الذي تسميه العامة بطن مَرْو؛ بسكون الرَّاء، بعدها واو)، وقال كثير: (سميت مرًّا لمرارة مائها)، وقال أبو غسان: (سميت بذلك؛ لأنَّ في بطن الوادي بين (^٥) [مر] ونخلة كتابةٌ بعِرْقٍ (^٦) من الأرض أبيضَ هجاء: «مر» إلا أنَّ الميم غير موصولة بالرَّاء، وببطن مَرٍّ تخزعت خزاعة عن أخواتها، فبقيت بمكة، وسارت أخواتها إلى الشام أيام سيل العرم)، وقال الزمخشري: (مر الظَّهران بتهامة قريب من عرفة)، وعن صاحب «العين»: (الظَّهران: من قولك: من ظهرهم)، وقال الفراء: (لم أسمع إلا تثنية الظَّهران، ولم يُجمَع ولم يُوحَّد)، كذا في «عمدة القاري»، (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل (المدينة حين يهبط)، وفي رواية: (حتى (^٧) يهبط) أي: ينحدر (من الصَّفْراوات)؛ بفتح الصَّاد المهملة، وسكون الفاء، جمع صفراء؛ ممدود؛ وهي الأودية والجبال التي بعد مر الظَّهران، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: من وادي الصفراوات)؛ بزيادة (وادي)، (ينزل)؛ بالمثناة التحتية كما في (الفرع) وغيره، قاله القسطلاني، وقال إمام الشَّارحين: (تنزل)؛ بلفظ الخطاب؛ ليوافق قوله: (وأنت ذاهب إلى مكة)، وتبعه الكرماني وغيره، وكأنَّها رواية غير (الفرع)؛ فافهم، (ليس بين مَنزل رسول الله ﷺ)؛ بفتح الميم؛ أي: مكان نزوله عن راحلته أو للاستراحة (وبين الطريق إلا رمية حَجر)؛ بفتح الحاء المهملة بعدها جيم، واحد الأحجار؛ أي: مقدار رميته.\n (وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور سابقًا (أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل)؛ أي: عن راحلته أو للاستراحة (بذي طُوى)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والمستملي: (بذي الطِّواء)؛ بزيادة الألف واللَّام، وقيده الأصيلي بالكسر، وحكى عياض وغيره الفتح أيضًا، وزعم النَّووي: (ذو طَوَى؛ بالفتح على الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، وبفتح الواو المخففة، وفيه لغتان: الصرف وعدمه، وهي عند باب مكة بأسفلها)، وزعم الجوهري (ذو طُوى)؛ بالضم: موضع بمكة، وأمَّا طِوى؛ فهو اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقلت: وما رواه الأصيلي بالكسر، قال القسطلاني: (إنَّها رواية أبي ذر عن الكشميهني أيضًا)، وما رواه الحموي وغيره: (بذي الطِّواء)؛ بزيادة (أل) مع كسر الطاء والمد، وفي رواية «الفرع» و«أصله»: (طَوى) بفتح الطاء، وليس فيه ضم الطاء ألبتة، كما قاله القسطلاني، وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الذي في «الفرع»\n_________\n(^١) في الأصل: (حزة)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (وأيلية)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (بيته)، وهو تصحيف.\n (^٤) في الأصل: (الأخرى)، والمثبت موافق للوزن.\n (^٥) في الأصل: (بئر)، وهو تحريف.\n (^٦) في الأصل: (معرق)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٧) في الأصل: (حين)، والمثبت من هامش «اليونينية».","vol":"1","page":352},{"text":"ضم الطاء؛ فافهم، فإنَّه غلط؛ فاجتنبه.\n (ويَبيت)؛ بفتح التحتية، من البيتوتة؛ وهي المبيت ليلًا؛ أي: كان يفعل ذلك بذي طوى (حتى يصبح) أي: يطلع الفجر (يصلِّي الصبح) أي: بها (حين يقدَم) بفتح الدَّال المهملة (مكة) أي: حاجًّا، أو غازيًا، أو غيرهما، (ومصلَّى رسول الله ﷺ)؛ بفتح اللَّام؛ أي: موضع صلاته (ذلك على أَكَمَة)؛ بفتح الهمزة والكاف والميم؛ أي: تلٍّ عالٍ من حجر واحد، أو موضع مرتفع ما حوله كما سبق، (غليظة) وفي نسخة: (عظيمة)؛ أي: ضخمة كبيرة (ليس في المسجد الذي بُني) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك مما بنوه الجاهلية أو غيرهم، (ولكن أسفل من ذلك)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل، وبالنصب؛ أي: في أسفل ظرفًا (على أكمة غليظة)، وفي نسخة: (عظيمة)، وهذا بيان وإيضاح للأول لا تأكيد، كما توهمه العجلوني، فإنَّه غير مصيب؛ فافهم.\n (وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على السَّابق (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول كما سبق (أن النَّبي) الأعظم (ﷺ استقبل فُرْضَتَيِ الجبل)؛ أي: توجه إليها وجعلها مقابل وجهه، وهي بِضَمِّ الفاء، وسكون الرَّاء، وفتح الضَّاد المعجمة، ومثناة فوقية مفتوحة وتحتية مكسورة؛ لالتقاء الساكنين، تثنية: فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل، وقيل: الشق المرتفع كالشرافة، ويقال أيضًا لمدخل النهر، وفرضة البئر ثلمته (^١) التي يستقى منها، وفي «المحكم»: (فرضة النهر: مشرب الماء منه، والجمع: فرض وفراض)، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nقلت: ومثله في «مختار الصِّحاح» و«القاموس»، وذكر نحوه ابن حجر والقسطلاني، وبه ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الفرضة: ما انحدر من وسط الجبل، انتهى، لأنَّه ليس له أصل في كلام أهل اللُّغة، ومعناه فاسد أيضًا؛ لأنَّه قد يكون في جوانبه، أو أعلاه، أو غير ذلك؛ فليحفظ.\n (الذي بينه) ولابن عساكر وأبي الوقت: (الذي كان بينه) أي الجبل المفروض (وبين الجبل الطويل)؛ أي: الذي ليس فيه فرضة، وقوله: (نحو الكعبة) -أي: ناحيتها- متعلق بـ (الطويل)، أو ظرف للجبل، أو بدل من الفرضة، قاله إمام الشَّارحين.\nوقوله: (فجعل) أي: عبد الله بن عمر (المسجد الذي بُني) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (ثَمَّ)؛ بالمثلَّثة المفتوحة؛ أي: هنالك (يسار المسجد): الظَّاهر أنَّه من كلام نافع، وفاعله عبد الله، و(يسار) مفعول ثان، كذا قاله في «عمدة القاري»، وبه جزم القسطلاني وغيره؛ فافهم، (بطرف الأَكَمَة)؛ بفتح الهمزة والكاف والميم: المكان المرتفع؛ أي: جانبها، وهو صفة للمسجد الثاني (ومصلَّى) بفتح اللَّام (النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) (ﷺ) أي: موضع صلاته (أسفل منه)؛ بالنصب على الظرفية، وبالرفع خبر لقوله: (ومصلَّى)، والجملة حالية، قاله العجلوني، وقال القسطلاني: وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل منه، وهو مبني على نصب (ومصلى) بجعله معطوفًا على المسجد، ووجهه ظاهر، فلا حاجة لما زعمه العجلوني؛ فافهم، (على الأكمة) أي: التل العالي (السوداء): خبر بعد خبر أو حال، وقوله: (تدع) أي: تترك (من الأكمة عشرة أذرع)؛ بالذَّال المعجمة، ولأبي ذر: (عشر أذرع)؛ بدون التأنيث (أو نحوَها)؛ بالنصب معطوف على ما قبله؛ أي: دون العشرة؛ بيان لمصلى النَّبي ﵇.\nوزعم العجلوني أنَّها جملة مستأنفة.\nقلت: ليس فيه استئناف أصلًا، وإنَّما هو متعلق بما قبله على كونه بيانًا وأيضاحًاله؛ فافهم.\n (ثم تصلي مستقبل)؛ بالنصب على الحال؛ أي: حال كونك مستقبل (الفُرْضتين)؛ بِضَمِّ الفاء وسكون الرَّاء، تثنية فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل كما سبق، ويدل عليه قوله: (من الجبل الذي بينك وبين الكعبة)؛ أي: حائلًا بينهما.\nففي الحديث: بيان وجه تتبع ابن عمر المواضع التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ، وهو أنَّه كان يستحب التتبع لآثاره ﵇ والتبرك بها، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين.\nوقد روى شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: (كان عمر بن الخطاب ﵁ في سفر، فصلى الغداة، ثم أتى على مكان، فجعل الناس يأتونه ويقولون: صلى فيه النَّبي ﷺ، فقال عمر: إنَّما هلك أهل الكتاب أنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم، فاتَّخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة؛ فليصلِّ، وإلا؛ فليمض)، قالوا: وإنَّما كره ذلك عمر؛ لأنَّه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع، فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم، فيرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزامًا شديدًا؛ أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها؛ ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة.\nوهذا الباب قد اشتمل على تسعة أحاديث قد أخرجها الحسن بن سفيان في «مسنده» مفرقة سوى الثالث، وأخرج منها الإمام مسلم بن الحجاج الحديثين الأخيرين في (الحج)، وهذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجد ذي الحليفة، والمساجد التي بالرَّوحاء يعرفها أهل تلك النَّاحية.\nواستفيد من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النَّبي الأعظم ﷺ والتبرك بها على الوجه الذي قدمناه.\nوروى أشهب عن مالك: أنَّه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشَّارع، فقال: ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قباء؛ لأنَّه ﵇ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك المواضع.\nقلت: إنَّما لم يعجبه؛ لاحتمال اعتقاد العوام ذلك واجبًا، أمَّا إذا فعل ذلك لأجل التبرك؛ فمستحب، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوزعم البغوي من الشَّافعية أنَّ المساجد التي ثبت أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها؛ تعين عليه كالاعتكاف فيها؛ كما تتعين المساجد الثلاثة.\nواعترضه العجلوني فقال: (هو ضعيف، فقد قال الرملي وغيره: وإلحاق البغوي بمسجد المدينة سائر مساجده ﵇ مردودٌ، وبه يعلم رد إلحاق بعضهم مسجد قباء بالثلاثة) انتهى.\nقلت: لم يبين وجه الرد على هذا لا من آية، ولا حديث، ولا غيرهما، فالظَّاهر عدم ضعفه، ولهذا نقله القسطلاني عنه وسلَّمه؛ لما أنَّه قول معتمد عندهم، والله أعلم.\nومذهب الإمام الأعظم ﵁: أنَّ تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير ملغاة، فيجوز صوم رجب عن صوم شعبان، ويجوز صلاة ركعتين بمصر نَذَر أداءهما بمكة، ويجوز التصدق بدرهم عن درهم عينه له، ويجوز الصرف لزيد الفقير بنذره لعمرو، وقال الإمام زفر: إذا عيَّن ذلك؛ تعيَّن عليه.\nويستحب أن يأتي مسجد قباء فيصلِّي فيه ويدعو، كما صرح به في «إمداد الفتاح».\nوقد ذكر المؤلف المساجد التي بطرف المدينة إلى مكة، ولم يذكر المساجد التي بالمدينة؛ لأنَّه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه، وقد ذكر عمر بن شبه النميري في «أخبار المدينة» المساجد والأماكن التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ بالمدينة مستوعبًا لها، وقد أوضحها إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» غاية الإيضاح، وذكرها (^٢) بأسانيدها؛ فارجع إليه، وقال: روى غير واحد من أهل العلم: أنَّ كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنيٌّ بالحجارة المنقوشة المطابقة؛ فقد صلى فيه النَّبي الأعظم ﷺ، وذلك أنَّ عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم متوافرون عن ذلك، ثم بناها\n_________\n(^١) في الأصل: (تلمته)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (وذكر)، ولعل المثبت هو الصواب.\nهذه (أبواب سترة المصلي)، وهذه التَّرجمة ساقطة في «اليونينية»، ولهذا أسقطها إمام الشَّارحين في شرحه؛ أي: هذه أبواب في بيان أحكام سترة المصلي.\nقال الشَّارح: (ووجه المناسبة بين هذه الأبواب والأبواب التي قبلها من حيث إنَّ الأبواب السَّابقة في أحكام المساجد بوجوهها، وهذه الأبواب في بيان أحكام المصلين في غيرها، وهي خمسة أبواب متناسقة) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ هذه أعم، فإنَّ من صلى في المسجد متباعدًا عن جداره أو عن ساريته أكثر من ثلاثة أذرع؛ لا تكون صلاته محترمة، انتهى.\nقلت: وهذا باطل؛ لأنَّه مبني على مذهبه، وهو غير صحيح؛ لأنَّ الصلاة في المسجد لا تحتاج إلى سترة من جدار، أو سارية، أو غيرهما، ولا تكون غير محترمة، بل هذه التَّرجمة خاصة بغير المساجد؛ بدليل أنَّ الأحاديث التي ذكرت في هذه الأبواب إنَّما هي في الصحراء، وهذا حديث ابن عبَّاس، وكذا حديث ابن عمر، وكذا ما بعدهما في الصلاة في الصحارى لا في المساجد، وهذا هو مراد المؤلف بهذه التَّرجمة، كما لا يخفى؛ فافهم.","vol":"1","page":353},{"text":"بالحجارة المنقوشة المطابقة، وأكثرها قد اندرس واندثر، وبقي من المشهورة الآن مسجد قباء، ومسجد الفضيح -وهو شرقي مسجد قباء-، ومسجد بني قريظة، ومشربة أم إبراهيم -وهي شمالي مسجد قريظة-، ومسجد بني ظفر -شرقي البقيع، ويعرف بمسجد البغلة-، ومسجد بني معاوية -ويعرف بمسجد الإجابة-، ومسجد الفتح -قريب من جبل سلع-، ومسجد القبلتين في بني سلمة، كذا في «عمدة القاري».\nوإنَّما سمي بمشربة أم إبراهيم؛ لأنَّ مارية ولدت فيه إبراهيم، وأخرج أبو داود في «المراسيل» عن بكير بن عبد الله الأشج قال: (كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده ﵇ يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلُّون في مساجدهم بأذانه؛ أقربها: مسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابخ، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة)، وقد أوضح ذلك الإمام الشَّارح في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، والله تعالى الهادي.\n\n <span id=\"b-٨٠٩\"> </span>(٩٠) <span data-type=\"title\" id=toc-809>[باب سترة الإمام سترة من خلفه]</span>\nهذا (باب) بالتنوين (سُترة الإمام)؛ أي: من يصلِّي بالناس إمامًا وبين يديه سترة؛ نحو: جدار، وعنزة، وغيرهما (سُترة لمن) وفي رواية: (من)؛ أي: من كان (خلفه)؛ أي: من المصلين، فبوجود الإمام لا يحتاجون إلى سترة.\nوالسُّترة؛ بِضَمِّ السين المهملة: ما يستتر به، والمراد بها هنا: عكازة، أو عصى، أو عنزة، أو نحو ذلك، ومثلها: الجدار، والعامود، والسارية المركوزة في بعض الأرض والبساتين، والحكمة فيها: كف النَّظر للمصلي عما وراءها؛ لئلا يتفرق خاطره، ومنع من يجتاز بقربه.\nولفظ (باب): مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرنا، ويكون (سترة) مرفوعًا على الابتداء، وخبره (سترة) الثاني، ويجوز جره بالإضافة؛ والتقدير: باب بيان كون سترة الإمام... إلى آخره، وهو ظاهر؛ فافهم.\nولا يخفى أنَّ التَّرجمة مشتملة على شيئين؛ أحدهما: بالمطابقة؛ وهو أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، وثانيهما: بالالتزام؛ وهو أنَّ الإمام سترة لمن خلفه، والصف الأول سترة للصف الثاني وهكذا؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٨١٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-810>[حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان]</span>\n٤٩٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتْبة)؛ بِضَمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية: هو ابن مسعود المدني الصَّحابي أحد الفقهاء السبعةرضي الله عنه، (عن عبد الله بن عبَّاس): هو بحر العلم، وحبر الأمة، وترجمان القرآن ﵄، وسقط (عبد الله) لابن عساكر: أنَّه (قال: أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمار أَتان)؛ بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية: الأنثى من الحمير.\nولما كان الحمار شاملًا للذكر والأنثى؛ خصَّه بقوله: (أتان)، وإنَّما لم يقل: حمارة ويكتفي عن تعميم (حمار) ثم تخصيصه؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا زعمه الكرماني.\nواعترضه البرماوي بأنَّ (حمارًا) مفرد لا اسم جنس جمعي؛ كتمر.\nقال إمام الشَّارحين: (الأحسن في الجواب: أنَّ «الحمارة» قد تطلق على الفرس الهجين كما قاله الصغاني، فلو قال: على حمارة؛ لربما كان يفهم أنَّه أقبل على فرس هجين، وليس الأمر كذلك على أنَّ الجوهري حكى أنَّ «الحمارة» في الأنثى شاذة) انتهى.\nو(أتانٍ)؛ بالجر والتنوين؛ كـ (حمار) على النعت له، أو بدل الغلط، أو بدل بعض من كل؛ لأنَّ الحمار يطلق على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل؛ نحو: ﴿شَجَرَةٍ [مُّبَارَكَةٍ] (^١) زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥].\nوقال ابن الأثير: (إنَّ فائدة التنصيص على كونها أنثى: الاستدلال على أنَّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة بالطريق الأولى؛ لأنَّهن أشرف).\nواعترض بأنَّ العلة ليست مجرد الأنوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنَّها مظنة الشهوة، انتهى.\nقلت: العلة الأنوثة البشرية مع كونها في الصلاة الواحدة؛ فهي مظنة الشهوة لا مطلقًا؛ لأنَّ المس بلا حائل أو به يوجدها، بخلاف النَّظر، فإنَّه يمنع ذلك، كما لا يخفى.\n (وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام)؛ أي: قاربت البلوغ بالاحتلام، والمعنى: أنَّه كان مراهقًا (ورسول الله ﷺ يصلِّي بالناس بمنًى) بالصرف وعدمه، والأجود الصرف، وكتابته بالألف، وسميت بذلك لما يمنى؛ أي: يراق بها من الدماء، كذا رواه مالك وأكثر أصحاب الزهري.\nووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة: (بعرفة)، وجمع بينهما بأنَّهما قضيتان.\nورُدَّ بأنَّ الأصل عدم التعدد، لا سيما مع اتحاد مخرج الحديث.\nوزعم بعضهم أنَّ رواية ابن عيينة شاذة، وكان ذلك في حجة الوداع لا في الفتح على الصَّحيح؛ فتأمله.\n (إلى غير جِدار)؛ بكسر الجيم: هو الحائط، وهو متعلق بـ (يصلِّي)؛ أي: إلى شيء يستره غير جدار؛ كعصا أو عنزة.\nوزعم ابن حجر أنَّ معناه: أي: إلى غير سترة أصلًا، كما قاله الشَّافعي، وعليه فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه ﵇ صلى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البيهقي: (باب من صلى إلى غير سترة) انتهى.\nوردَّه الشَّارح في «عمدة القاري»: بأنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ قوله: (إلى غير جِدار) مشعر بأنَّ ثمة سترة؛ لأنَّ لفظة (غير) تقع دائمًا صفة لمحذوف؛ تقديره: إلى شيء غير جِدار، وهو أعم من أن يكون عصا، أو عنزة، أو نحوها، وهذا القائل لم يقف على وجه الكلام، والبيهقي أيضًا لم يقف على هذه النُّكتة، والبخاري دقيقٌ نظره، فأورَد هذا الحديث في هذا الباب؛ للوجه الذي ذكرناه، على أنَّ ذلك معلوم من حال النَّبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّ المعروف من عادته أنَّه كان لا يصلِّي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ويؤيده ذكر الحديثين بعده المصرح فيهما بالسترة، فهو من باب حمل المطلق على المقيد.\nوقول ابن عبَّاس: (فمررت بين يدي) أي: قدام (بعض الصف)، فالتعبير باليد مجاز، وإلا، فالصف لا يد له (فنزلت وأرسلت) ولأبي ذر: (فأرسلت)؛ بضمير المتكلم فيهما (الأتان ترتعُ)؛ أي: تأكل، و(ترتعُ) مرفوع، والجملة محلها نصب على الحال من (الأتان)، وهي حال مقدرة؛ لأنَّه لم يرسلها في تلك الحال، وإنَّما أرسلها قبل مقدرًا كونها على تلك الحال، وجوز ابن السيد فيه أن يريد: لترتع، فلما حذف الناصب؛ رُفِع؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]،\n_________\n(^١) ﴿مباركة﴾: سقطت من الأصل.","vol":"1","page":353},{"text":"قاله الدماميني، وقيل: (ترتع): تسرع في المشي، والأول: أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في (الحج): (نزلت عنها فرتعت)، (ودخلت في الصف، فلم ينكر): على صيغة المعلوم من الإنكار؛ وهو الجحود؛ أي: فلم يجحد (ذلك) الفعل (عليَّ) بفتح التحتية (أحدٌ): بالرفع فاعله؛ أي: لم ينكر ذلك الفعل عليَّ النَّبيُّ الأعظم ﷺ ولا غيره من أصحابه، وهذا يشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة غير الجدار؛ لم يكن لهذا الإخبار فائدة؛ إذ مروره حينئذٍ لا ينكره أحدٌ أصلًا.\nقلت: وهذا ليس بشيء، وإنَّما لم ينكروا عليه ذلك؛ لعلمهم أنَّ سترة الإمام سترة لهم؛ بدليل عادته ﵇ أنَّه لم يصلِّ في الصحراء إلا وأمامه سترة.\nومع هذا؛ فالكلام ونحوه ممنوع في الصلاة؛ لأنَّه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبقوله ﵇: «إنَّ في الصلاة شغلًا»، كما في «مسلم» وغيره، وهذا هو المعهود عندهم، وفائدة هذا الإخبار: أنَّه لما مر بين يدي الصف ولم ينكر عليه أحد؛ تبين أنَّ سترة الإمام سترة لهم وأنَّ صلاتهم صحيحة، وأنَّه لم يقطعها عليهم حيث السترة موجودة؛ بدليل أنَّهم لم يؤمروا بالإعادة، فالحقُّ ما قاله إمام الشَّارحين، وهو أحكم الحاكمين؛ فافهم.\nفإن قلت: لا يلزم مما ذكر اطلاعه ﵇ على ذلك لاحتمال أن يكون الصف الأول حائلًا دون رؤيته له.\nقلت: قد ثبت أنَّه ﵇ كان يرى في صلاته من ورائه كما يرى من أمامه.\nوعند المؤلف في (الحج): أنَّه مرَّ بين يدي بعض الصف الأول، فلم يكن حائل هناك دون الرؤية، وفي رواية البزار: (والنَّبي ﷺ يصلِّي المكتوبة ليس شيء يستره)، قالوا: هذا يؤيد عدم الحائل.\nقلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ ما رواه المؤلف في (الحج) لا يدل عليه؛ لأنَّ الصف الأول طويل وهو من المشرق إلى المغرب، وكان مروره في أوله أو في آخره، فلم يدرك السترة ولم يرها، وما رواه البزار لا يدل عليه أيضًا؛ لأنَّه لما نزل عن الحمار وهي ترتع؛ دهش، فلم ير السترة لدهشته لا سيما في مصلى النَّبي الأعظم ﵇ على أنَّه في أكثر الروايات كما رواه المؤلف ههنا، وهو من باب حمل المطلق على المقيد، كما لا يخفى، ويحتمل أنَّ في الرواية طيًّا؛ وهو ليس شيء يستره غير سترته، وهذا الحديث بعينه قد تقدم في كتاب (العلم) في باب (متى يصح سماع الصغير)، وتقدم الكلام عليه هناك.\n\n <span id=\"b-٨١١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-811>[حديث: أن رسول الله كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة]</span>\n٤٩٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق) ولا بن عساكر: (إسحاق؛ يعني: ابن منصور) هو ابن بهرام الكوسج، كذا جزم به خلف، وأبو نعيم، وغيرهما، وفي أكثر الروايات: (إسحاق) غير منسوب، فيحتمل أنَّه ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، ويؤيده ما قاله الجياني عن ابن السكن: أنَّه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوب؛ فهو يكون ابن راهويه، لكن رواية ابن عساكر تعين الأول؛ فتأمَّل، (قال: حدثنا عبد الله بن نُمير)؛ بِضَمِّ النُّون مصغرًا: هو الكوفي (قال: حدثنا عبيد الله) بالتصغير (بن عمر) هو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان القرشي العدوي المدني، المتوفى سنة تسع وأربعين ومئة، وليس هو منسوبًا لجده الأعلى كما زعمه العجلوني، بل هذا أبوه وشهرته به؛ فليحفظ، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني، (عن ابن عمر) هو عبد الله الصَّحابي المدني القرشي العدوي المشهور: (أنَّ) بفتح الهمزة (رسول الله ﷺ كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (إذا خرج يوم العيد)؛ أي: الأضحى والفطر إلى الصحراء لصلاة العيد؛ (أمر بالحربة)؛ أي: أمر خادمه بأخذها معه، وهو جواب (إذا)، والمراد بها: العنزة الآتية، وقيل: إنَّها غيرها، وإنَّه تارة كان يَركُز الحربة، وتارة العنزة، وهو الأصح؛ لما يأتي من إفراد كل منهما بباب، كذا قيل، وفيه بُعد؛ لأنَّه لا يلزم من إفراد كل منهما بباب أن يكون تارة يركز الحربة، وتارة العنزة؛ لأنَّ المؤلف مراده بيان الأحكام في تراجمه، وأنَّه كما يجوز وضع الحربة كذلك يجوز وضع العنزة، وإنَّما كان يوضع للنبي الأعظم ﷺ العنزة، وإنَّما عبَّر هنا عنها بالحربة؛ لما أنَّ برأس العنزة حربة، فإنَّ العنزة عصا توضع الحربة برأسها، وقد لا توضع نادرًا، فعبَّر عن العنزة بالحربة من إطلاق البعض على الكل مجازًا؛ فافهم.\nوعند المؤلف في (العيدين) عن نافع: (كان يغدو إلى المصلى والعنزة تحمل وتنصب بين يديه، فيصلِّي إليها)، وزاد ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيلي: (وذلك أنَّ المصلى كان فضاء ليس فيه شيء يستره)؛ فليحفظ.\n (فتوضع بين يديه) بالتثنية (فيصلِّي إليها) أي: قريبًا منه؛ لما رواه أصحاب السنن عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليدن منها...»؛ الحديث، ويجعلها على جهة أحد حاجبيه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد إليها صمدًا؛ لما رواه أصحاب السنن أيضًا عن المقداد أنَّه قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عمود، ولا عود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمده صمدًا)؛ أي: لا يقابله بل كان يميل عنه، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور؛ فليحفظ.\n (والناسُ)؛ بالرفع عطفًا على الضمير المستتر في (يصلِّي) الواقع فاعلًا؛ لوجود الفاصل، ويحتمل على بُعدٍ أنَّه مبتدأ، وخبره الظرف؛ أعني: قوله: (وراءَه)؛ فإنَّه منصوب على الظرفية، متعلق بـ (يصلُّون)، والجملة محلها نصب على الحال.\nقلت: الأول أظهر، وهذا فيه تكلف وتعسف.\n (وكان) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (يفعل ذلك)؛ أي: الأمر بوضع الحربة بين يديه والصلاة إليها (في السفر)؛ أي: على سبيل الدوام والاستمرار كما يفيده التعبير بـ (كان) حيث لا جِدار في الصحراء، فليس ذلك مختصًّا بيوم العيد، بل عام في الصلوات كلها، ولهذا قال الإمام محمَّد بن الحسن ﵁: (يستحب لمن يصلِّي في الصحراء أن يكون بين يديه شيء مثل عصًا ونحوها، فإن لم يجد؛ يستتر بشجرة ونحوها)، ويدل عليه حديث المقداد السَّابق قريبًا؛ فافهم.\nوقوله: (فمِن ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: فمن أجل ذلك (اتخذها) أي: الحربة أو هو الرمح الطويل العريض النصل (الأُمراء)؛ بِضَمِّ الهمزة، جمع أمير، (فعيل) بمعنى: (فاعل)؛ أي: أُمِّرَ على الناس، فيخرج بها بين أيديهم في العيد، والسفر، ونحوهما، من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه بدون هذه الجملة.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من وجوه:\nأحدها: أنَّه لم ينقل وجود سترة لأحد من المأمومين، ولو كان؛ لنقل لتوفر الدواعي على نقل الأحكام الشرعية، فدل ذلك على أنَّ سترته ﵇ كانت سترة لمن صلى خلفه.\nوالثاني: أنَّ قوله: (فيصلِّي إليها والناس وراءه) يدل على دخول الناس في السترة؛ لأنَّهم تابعون للإمام في جميع ما يفعله.\nوالثالث: أنَّ قوله: (وراءه) يدل على أنَّهم كانوا وراء السترة أيضًا، إذ لو كانت لهم سترة؛ لم يكونوا وراءه بل كانوا وراءها، كذا قرره إمام الشَّارحين.\nونقل القاضي عياض الاتفاق على أنَّ المأمومين يصلُّون إلى سترة الإمام، واختلفوا هل سترتهم سترة الإمام أو سترتهم الإمام نفسه؟ انتهى.\nواعترضه ابن حجر،","vol":"1","page":354},{"text":"فزعم: فيه نظر؛ لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن عمرو الغفاري الصَّحابي: أنَّه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، وفي رواية: أنَّه قال لهم: «إنَّها لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم»، ويظهر أثر الخلاف: فيما لو مر بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول: إنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه؛ تضر صلاته وصلاتهم، وعلى قول من يقول: إنَّ الإمام نفسه سترة لمن خلفه؛ تضر صلاته ولا يضر صلاتهم، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا يَرِد هذا على ما نقله القاضي عياض من الاتفاق؛ لاحتمال أنَّه لم يقف على قوله ﵇: «سترة الإمام سترة لمن خلفه»، أخرجه الطَّبراني من حديث أنس، وكذا روي عن ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق موقوفًا عليه، على أنَّ الرواية عن الحكم مختلفة، ومع هذا لا يقاوم ما روي عن ابن عمر.\nوقوله: «وأثر الخلاف» ممنوع، بل سترة الإمام سترة مطلقًا بالحديث المذكور، فإذا وجدت سترة؛ لا تضر صلاة الإمام ولا صلاة المأمومين) انتهى؛ فليحفظ.\nثم قال ﵁: (وفي الحديث: الاحتياط وأخذ الآلة؛ لدفع الأعداء سيما في السفر.\nوفيه: جواز الاستخدام وأمر الخادم.\nوفيه: أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، وادعى بعضهم فيه الإجماع، نقله ابن بطال، قالوا: السترة عند العلماء سنة مندوب إليها، وقال الأبهري: سترة المأموم سترة إمامه، فلا يضر المرور بين يديه؛ لأنَّ المأموم تعلقت صلاته بصلاة إمامه.\nقال: ولا خلاف أنَّ السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه، وفي الأمن قولان عند مالك، وعند الشَّافعي مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث؛ لأنَّها تصون البصر.\nفإن كان في الفضاء؛ فهل يصلِّي إلى غير سترة؟ أجازه ابن القاسم؛ لحديث ابن عبَّاس المذكور، وقال مطرف وابن الماجشون: لا بد من سترة، وذكر عن عروة، وعطاء، وسالم، والقاسم، والشعبي، والحسن؛ أنهم كانوا يصلُّون في الفضاء إلى غير سترة، وقال الإمام محمَّد بن الحسن: يستحب لمن يصلِّي في الصحراء أن يكون بين يديه شيء مثل عصًا ونحوها، فإن لم يكن؛ يستتر بشجرة ونحوها.\nوقال أصحابنا: المعتبر في مقدار السترة: ذراع فصاعدًا؛ لحديث طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل؛ فلا يضرك من مرَّ بين يديك»، رواه مسلم في «صحيحه».\nوذكر شيخ الإسلام في «مبسوطه» في حديث أبي جحيفة الآتي ذكره: أنَّ مقدار العنزة طول ذراع في غلظ أصبع، ويؤيد ذلك قول ابن مسعود: ويجزئ من السترة السهم، وفي «الذخيرة»: طول السهم ذراع، وعرضه قدر أصبع.\nواختلف أئمتنا الأعلام فيما إذا كانت السترة أقل من ذراع، وقال شيخ الإسلام: لو وضع قناة أو جعبة بين يديه وارتفع قدر ذراع؛ كان سترة بلا خلاف، وإن كان دونه؛ ففيه خلاف.\nوفي «غريب الرواية»: النهر الكبير ليس بسترة كالطريق، وكذا الحوض الكبير.\nوقال مالك: تجوز القلنسوة العالية والوسادة بخلاف السوط، وجوَّز في «العتبية»: التستر بالحيوان الطاهر، بخلاف الخيل، والبغال، والحمير، وجوَّز بظهر الرجل، ومنع بوجهه (^١)، وتردد في جنبه، ومنع بالمرأة، واختلفوا في المحارم، ولا يستتر بنائم، ولا مجنون، ومأبون في دبره، ولا كافر) انتهى.\nوعند أحمد ابن حنبل: تكره الصلاة بموضع يحتاج فيه إلى المرور، ويحرم مرور بين مصلٍّ وبين سترته، ولو بَعُدَ عنها، ومع عدمها يحرم المرور قريبًا منه، وحد القرب: ثلاثة أذرع فأقل بذراع اليد، فإن مرَّ بين يدي المأمومين هل يأثم؟ فيه قولان له، وليس وقوفه بمكروه، كذا في «شرح الكفاية».\nوقال الإمام الشرنبلالي: (وإن لم يجد ما ينصبه؛ فليَخُطَّ خطًّا؛ لحديث أبي داود، ولفظه: «فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا»، فقيل: يخط طولًا، وقيل: عرضًا مثل الهلال، ولو طرح سوطًا لصلابة الأرض؛ لم يعتد به، وقال شيخ الإسلام: ولا بأس بترك السترة إذا أمن المرور؛ لحديث ابن عبَّاس) انتهى، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨١٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-812>[حديث: أن النبي صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة]</span>\n٤٩٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطياليسي البصري (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عَوْن) بفتح المهملة، وإسكان الواو (بن أبي جُحَيفة) بِضَمِّ الجيم، وفتح المهملة مصغرًا (قال: سمعت أبي) هو أبو جحيفة، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي -بضم المهملة- الكوفي، وفي بعض النُّسخ: (يحدث): (أنَّ النَّبي) الأعظم (ﷺ) بفتح الهمزة (صلى بهم) أي: بأصحابه (بالبطحاء)؛ أي: بطحاء مكة، ويقال له: الأبطح أيضًا؛ وهو كل أرض منحدرة أو مسيل واسع فيه دقاق الحصى، وقد سبق تحقيقه، (وبين يديه) بالتثنية (عَنَزة)؛ بفتح العين المهملة؛ وهي نصف الرمح، وخصها بعضهم بأنَّ سنانها في أسفلها، بخلاف الرمح؛ فإنَّ له سنانًا في الأعلى وفي الأسفل أيضًا، كما لا يخفى؛ فافهم، والجملة وقعت حالًا، (الظُّهرَ)؛ بالنصب مفعول (صلى) (ركعتين)؛ بالنصب بدل من المفعول أو حال منه، وإنَّما صلاه هكذا؛ لكونه خرج من مكة ناويًا السفر؛ ففرض المسافر ركعتين، (والعصرَ) بالنصب عطفًا على ما قبله (ركعتين): بدل أو حال أيضًا، وزاد في رواية آدم الآتية بعد بابين عن شعبة عن عون: (وذلك كان بالهاجرة)؛ وهي وقت اشتداد الحر عند الظهيرة، فكأنَّه ﵇ خرج بالهاجرة فصلى الظُّهر، ثم دخل وقت العصر، فصلى العصر، فكان كل صلاة بوقتها.\nوزعم النَّووي أنَّه يكون ﵇ جمع بين الصلاتين في وقت الأولى، انتهى.\nقلت: ليس كما قال، وليس الواقع هذا، وإنَّما قال ذلك استنصارًا لمذهبه، والحقُّ أنَّه صلى الظُّهر في وقتها، والعصر في وقتها، يدل عليه أنَّ ما رواه آدم لفظه: (خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتي بوضوء، فتوضأ، فصلى بنا الظُّهر والعصر...)؛ الحديث، ولا ريب أنَّ (الهاجرة): اشتداد الحر وهو قريب العصر، وإتيانه بوضوء ووضوؤه (^٢) يحتاج إلى مدة من الزمن، فلما فرغ من الوضوء؛ صلى الظُّهر في وقتها، فلما فرغ منه؛ دخل وقت العصر، فقام فصلاه، فليس فيه الجمع بين الصلاتين كما زعمه؛ فليحفظ.\n (يَمر) بمثناة تحتية مفتوحة أو بالفوقية (بين يديه) بالتثنية؛ أي: أمام النَّبي الأعظم ﷺ (المرأة والحمار)؛ يعني: بين العنزة والقبلة لا بين المصطفى والسترة، يدل عليه أنَّ في رواية عمر بن زائدة في (الصلاة في الثوب الأحمر): (ورأيت الناس والدَّواب يمرون بين يدي العنزة)؛ فليحفظ، والجملة محلها نصب على الحال، والجملة الفعلية إذا وقعت حالًا وكان فعلها مضارعًا؛ يجوز فيها الواو وتركها.\nقال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للتَّرجمة من الوجه الذي ذكرناه في الحديث السَّابق، وفيه: جعل السترة بين يديه إذا كان في الصحراء، وفيه: أنَّ مرور المرأة والحمار لا يقطع الصلاة، وهو قول عامة العلماء، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، والشَّافعي؛ لحديث الباب، فإنَّه يدل على عدم قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار، وحديث\n_________\n(^١) في الأصل: (توجهه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (ووضوئه)، ولا يصح.","vol":"1","page":354},{"text":"«الصَّحيحين» عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله يصلِّي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة)، وقد روي هذا بوجوه؛ منها فيه: (وأنا حائض وأنا حذاءه)، ووجهه: أنَّ اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلي وبين القبلة؛ لا يقطع الصلاة، فالمارة بالطريق الأولى.\nوبوَّب أبو داود في «سننه»: (باب من قال: الحمار لا يقطع الصلاة)، وبوَّب أيضًا: (باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة)، ثم روى عن الفضل بن عبَّاس قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه عبَّاس، فصلى في الصحراء ليس بين يديه سترة وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك)، وأخرجه النسائي أيضًا.\nوروي عن ابن عبَّاس: يقطع الصلاة الكلب الأسودوالمرأة الحائض.\nوعن عكرمة: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي.\nوروي عن أنس ومكحولوأبي الأحوصوالحسن: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة.\nوعن عطاء: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود والمرأة الحائض.\nوعن أحمد ابن حنبل في المشهور عنه: يقطع الصلاة مرور الكلب الأسود البهيم (^١)، وفي رواية أخرى عنه: يقطعها أيضًا الحمار، والمرأة، والبهيم.\nوزعم ابن الملقن أنَّ عند أحمد: الكلب الأسود لا يقطع الصلاة، واعترضه العجلوني بأنَّ فيه نظر؛ لأنَّ في «شرح المنتهى» صرَّح أنَّ مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة بلا خلاف عندهم، وإنَّما الخلاف في المرأة والحمار، والصَّحيح: أنَّ مرورهما يقطعها، ثم قال العجلوني: (ولم أر في مذهبهم حكم ما إذا مرَّ بين السترة والمصلي، والظَّاهر أنَّ مروره لا يضر؛ لعدم التقصير منه) انتهى.\nقلت: هو لم يُحطْ بمذهبه فضلًا عن مذهب أحمد على أنَّه هذه جرأة على المذهب؛ كيف يستظهر حكمًا لم يره عندهم؟ وانظر تعليله بعدم التقصير، وقد رأيت الحكم عندهم؛ ففي «الكفاية» و«شرحها»: (ويحرم مرور بين مُصلٍّ وبين سترته ولو بَعُدَ عنها، ومع عدمها -أي: السترة- يحرم المرور بين يديه قريبًا منه، وحدُّ القُرْب: ثلاثة أذرع فأقل من قَدم المصلي بذراع اليد) انتهى.\nفهذا كما رأيت قد صرح بحرمة المرور، وأنَّه لا يقطع الصلاة، فالحكم وإن كان مسطورًا في محله، إلا أنَّ الجرأة عليه مذمومة؛ للحديث الصَّحيح: «أجرؤكم على الفتياأجرؤكم على النَّار»؛ فانظر جرأة الشَّافعية على المذاهب، وما هذا إلا سوء الأدب؛ فافهم.\nويدل لما ذهب إليه هؤلاء ما رواه مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود»، قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ قال: يا بن أخي؛ سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان».\nقلت: ولا دليل فيه لاحتمال أنَّه منسوخ بحديث أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان».\nوفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني في «سننه»، وأبي أمامة وأنس عنده أيضًا، وجابر عند الطَّبراني في «الأوسط»، وهذه الأحاديث وإن تكلم فيها ابن الجوزي تعصبًا إلا أنَّ طرقها عديدة وبها تتقوى وترتقي إلى رتبة الصَّحيح أو الحسن؛ لأنَّه لا عبرة بوضع ابن الجوزي عند المحدثين على أنَّه قال النَّووي: وتأول الجمهور القطع في الحديث على قطع الخشوع جمعًا بين الأحاديث.\nقال إمام الشَّارحين: (هذا جيد فيما إذا كانت أحاديث هذا الباب مستوية الأقدام، وأمَّا إذا قلنا: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم؛ فالأخذ بالأقوى أولى وأقوى) انتهى.\nقلت: ما زعمه النَّووي غير جيد؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة ليس شرطًا فيها حتى يحمل القطع على قطع الخشوع، فالصَّواب ما قاله إمام الشَّارحين أنَّ أحاديث الجمهور أقوى وأصح، والعمل بالأقوى والأصح متعين؛ فافهم.\nلا يقال: إنَّ مرور حمار ابن عبَّاس كان خلف الإمام بين يدي بعض الصف والإمام سترة لمن خلفه؛ لأنَّا نقول: هو مردود بما رواه البزار: أن المرور كان بين يديه ﵇، وحديث أبي داود عن سعيد بن غزوان عن أبيه قال: أقبلت وأنا غلام حتى مررت بينه وبين النخلة، فقال ﵇: «قطع صلاتنا...»؛ الحديث، فهو قد سكت عنه أبو داود، وقال غيره: إنَّه واهٍ، وعلى كل؛ فهو منسوخ بحديث ابن عبَّاس؛ لأنَّ ذلك كان بتبوك، وحديثه كان في حجة الوداع بعدها.\nوفي الحديث: جواز قصر الصلاة الرُّباعية، بل هو أفضل من الإتمام، وهل هو رخصة أو عزيمة؟ فيه خلاف بين الإمام الأعظم وبين الشَّافعي على ما يأتي بيانه، والحقُّ ما قاله الإمام الأعظم: أنَّ القصر عزيمة؛ لقول عائشة: (إنَّ الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر)، رواه أبو داود، فإذا أتم الرُّباعية؛ إن قعد القعود الأول؛ صحت مع الكراهة، وإن لم يقعد؛ فسدت صلاته، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٨١٣\"> </span>(٩١) <span data-type=\"title\" id=toc-813>[باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة]</span>\nهذا (باب) بيان (قدْرِ)؛ بإسكان الدَّال المهملة؛ بمعنى: مقدار (كم ينبغي) أي: يُطلَب شرعًا (أن يكون بين المصلِّي)؛ بكسر اللَّام، اسم فاعل؛ أي: الشخص الذي يريد الصلاة (والسُّترة)؛ أي: بينهما، وهي أعم من أن تكون عنزة، أو حربة، أو عصا، أو نحوها؛ وهي -بضم السين المهملة-: ما يستتر به عند الصلاة من المارين.\nوزعم ابن حجر أنَّه يحتمل فتح اللَّام؛ أي: المكان الذي يُصَلَّى فيه.\nوردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا الاحتمال أخذه قائله من كلام الكرماني حيث قال: «فإن قلت: الحديث دل على القدر الذي بين المصلَّى -بفتح اللَّام- والسترة، والتَّرجمة بكسر اللَّام؛ قلت: معناهما متلازمان» انتهى.\nقلت: لا يلزم من تلازمهما عقلًا اعتبار المقدار؛ لأنَّ اعتبار المقدار بين المصلي وبين السترة، لا بينهما وبين المكان الذي يصلِّي فيه) انتهى كلامه.\nواعترضه العجلوني بأنَّه وارد؛ لأنَّ اعتبار المكان المصلَّى من حيث إنَّه مصلًّى فيه اعتبار المصلِّي فيه، والأمر سهل، انتهى.\nقلت: هذا كلام فاسد التركيب والمعنى، فإنَّ اعتبار المصلِّي غير اعتبار المكان الذي يصلِّي فيه، وبينهما تنافٍ؛ لأنَّ التَّرجمة صريحة في أنَّ المراد بالمصلِّي؛ بكسر اللَّام: الشخص الذي يريد الصلاة؛ بدليل عطف (السترة) عليه، وهو يقتضي المغايرة؛ لأنَّ السترة إذا وضعت في المسجد الصغير؛ فمكانها يقال له أيضًا: مصلَّى؛ بفتح اللَّام، فيصير ذلك عامًّا في مكان السترة، وليس هذا بمراد للمؤلف، وإنَّما مراده: بكسر اللَّام: الشخص الذي يصلِّي أو يريد الصلاة؛ فافهم.\n_________\n(^١) في الأصل: (والبهيم)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":355},{"text":"قال إمامنا الشَّارح: (ولفظة «كم» سواء كانت استفهامية أو خبرية لها صدر الكلام، وإنَّما قدم لفظة «القدر» عليها؛ لأنَّ المضاف والمضاف إليه في حكم كلمة واحدة، ومميز «كم» محذوف؛ لأنَّ الفعل لا يقع مميزًا؛ والتقدير: كم ذراعًا ونحوه) انتهى.\n\n <span id=\"b-٨١٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-814>[حديث: كان بين مصلى رسول الله وبين الجدار ممر الشاة]</span>\n٤٩٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو) بالواو مع فتح العين المهملة (بن زُرارة)؛ بِضَمِّ الزاي، وبراءين بينهما ألف: هو أبو محمَّد النيسابوري، المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا) وفي رواية غير أبي ذر: (أخبرنا) (عبد العزيز بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي، (عن أبيه)؛ أي: أبي حازم، واسمه سلمة بن دينار، ولأبي ذر: (أخبرني أبي)، (عن سهل) زاد الأصيلي: (ابن سعْد)؛ بإسكان العين المهملة: هو الساعدي الصَّحابي ﵁ (قال: كان بين مصلَّى) بفتح اللَّام (رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ وهو المكان الذي يصلِّي فيه، والمراد به: مقامه ﵇، وكذا هو في رواية أبي داود، قاله الشَّارح.\nوزعم ابن حجر تبعًا للكرماني المراد بالمصلى: موضع القدم.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (يتناول ذلك موضع القدم وموضع السُّجود أيضًا) انتهى.\nقلت: والتعميم أولى؛ فافهم.\n (وبين الجدار)؛ أي: الحائط القبلي من المسجد النَّبوي، وفي (الاعتصام): (مما يلي القبلة) (ممرُّ الشاة)؛ بميمين وتشديد الرَّاء: هو موضع مرورها، وفي رواية أبي داود عن سهل قال: (كان بين مقام النَّبي ﷺ وبين القبلة ممر العنْز)؛ بسكون النُّون: وهو الماعز؛ أي: موضع مرورها.\nقال الكرماني: و(«ممر»: منصوب؛ لأنَّه خبر «كان»، والاسم: قدر المسافة أو الممر، والسياق يدل عليه) انتهى.\nواعترضه البرماوي بأنَّ النصب يحتاج لثبوت الرواية حتى يحتاج للتأويل، انتهى.\nقال العجلوني: (إذا لم تعلم الرواية يجوز ما تجوِّزه العربية على أنَّ صنيع الكرماني يقتضي ثبوت الرواية به؛ فتأمَّل) انتهى.\nقلت: إذا لم تُعْلَم الرواية؛ لا يجوز النطق به؛ لئلا يدخل تحت الوعيد، والكرماني ليس في كلامه دلالة الاقتضاء، غاية كلامه توجيه النصب، وهو لا يقتضي ثبوت الرواية، وظاهر كلام غير واحد من الشراح أنَّ الرواية بالنصب للأكثرين، وبالرفع رواية البعض، كما يعلم من كلام إمام الشَّارحين والقسطلاني، ووجَّهَ الرفعَ في «عمدة القاري» بأن تكون (كان) تامة، ويكون (ممر الشاة) اسمها، ولا يحتاج إلى خبر، أو تكون ناقصة والخبر هو الظرف، انتهى.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.\nوفيه: استحباب القرب من السترة، ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ السنة في ذلك ألَّا يزيد ما بينها وبينه على ثلاثة أذرع، كما قاله المحقق ابن أمير حاج.\nقال السيد أحمد الطحطاوي: (والظَّاهر اعتبار هذا القَدْر من قَدَمه) انتهى.\nقلت: فعلى هذا يكون من موضع السُّجود إلى موضع السترة مقدار موضع مرور الشاة، كما في الحديث.\nوقد وَرَد الأمر بالدنو من السترة؛ منها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليَدْنُ منها لا يقطع الشَّيطان عليه صلاته».\nوقال القرطبي: (بعض المشايخ حمل حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث بلال: «أنَّ النبي ﷺ لما صلى في الكعبة؛ جعل بينه وبين القبلة قريبًا من ثلاثة أذرع» على ما إذا ركع أو سجد)، قال: (ولم يحدَّ مالك في هذا حدًّا إلا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من يمر بين يديه، وقيده بعض الناس بشبر، وآخرون: بثلاثة أذرع، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وهو قول عطاء، وآخرون: بستة أذرع، وذكر السفاقسي: قال أبو إسحاق: «رأيت عبد الله بن مغفل يصلِّي بينه وبين القبلة ستة أذرع»، وفي رواية: «ثلاثة أذرع»، ونحوه في «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح) انتهى.\nوقال ابن التين: (ويجمع بين حديث الباب وحديث بلال بأنَّه إذا قام؛ كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة، وإذا سجد أو ركع؛ كان بينهما ثلاثة أذرع من موضع رجليه) انتهى.\nوسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٨١٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-815>[حديث: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها]</span>\n٤٩٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا المكي) زاد الأصيلي: (ابن إبراهيم) هو البلخي (قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد)؛ بِضَمِّ العين المهملة مصغرًا: هو الأسلمي مولى سلمة ابن الأكوع، (عن سَلَمَة)؛ بفتحات: هو ابن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي المدني الصَّحابي، المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة.\nقال إمامنا الشَّارح: (ورجاله ثلاثة ذكروا في باب «إثم من كذب على النَّبي ﷺ»، وهذا من ثلاثيات البخاري) انتهى.\n (قال) أي: سَلمة: (كان جدار المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد (عند المِنبَر)؛ بكسر الميم وفتح الموحَّدة، من تتمة اسم (كان)؛ أي: الجدار الذي عند منبر النَّبي الأعظم ﷺ، وخبر (كان) جملة قوله: (ما كادت الشاة تجوزها)، ويجوز أن يكون الخبر قوله: (عند المنبر)، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ تقديره: إذا كان الجدار عند المنبر فما مقدار المسافة بينهما؟ فأجاب بقوله: (ما كادت الشاة تجوزها)؛ أي: مقدار ما كادت الشاة تجوز المسافة، وليس بإضمار قبل الذكر؛ لأنَّ سوق الكلام يدل عليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وتبعه البرماوي، والقسطلاني، وجوز العجلوني أن تكون الجملة خبرًا ثانيًا.\nقلت: الأظهر: الأول؛ فتأمَّل.\nو(تجوزها): بالجيم والزاي، والضمير فيه عائد إلى المسافة، وهي ما بين الجدار والمنبر، و(كاد): من أفعال المقاربة، وخبره يكون فعلًا مضارعًا بغير (أن)، كما في هذه الرواية، وفي رواية الكشميهني: (أن تجوزها)، ووجهه: ما قاله الشَّارح: أن تكون (أن) تدخل على خبر (كاد)، كما تحذف من خبر (عسى)، إذ هما أخوان يتقارضان، لا يقال: إذا دخل حرف النَّفي على (كاد)؛ يكون للنَّفي كما في سائر أفعاله؛ لأنَّا نقول: القواعد النحوية تقتضي النَّفي، والموافق هنا الإثبات؛ للحديث الأول، انتهى.\nثم قال إمام الشَّارحين: (وهذا الحديث موقوف على سَلمة، لكنه في الأصل مرفوع، يدل عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: «كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما يمر العنز») انتهى، ومثله في ابن حجر والقسطلاني.\nثم قال الشَّارح: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من حيث إنَّه ﵇ كان يقوم بجنب المنبر؛ لأنَّه لم يكن لمسجده محراب، فيكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنَّه","vol":"1","page":355},{"text":"قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلي وسترته قدر ما بين منبره والجدار القبلي، وقيل غير ذلك، تركناه؛ لأنَّه [لا] طائل تحته) انتهى.\nقلت: أشار بهذا إلى ما قاله ابن حجر وعبارته بعد كلام الكرماني: (وأوضح منه ما ذكره ابن رشيد: أنَّ البخاري أشار بهذه التَّرجمة إلى حديث سهل الذي سبق في باب «الصلاة على المنبر»، فإنَّ فيه: «أنَّه ﵇ قام على المنبر وصلى عليه»، فاقتضى أنَّ ذكر المنبر يؤخذ منه موضع قيام المصلي، فإنَّ أكثر أجزاء الصلاة حصلت على المنبر، ونزوله عن المنبر؛ لأنَّ الدرجة لم تسع قدر سجوده، ولما سجد في أعلاه؛ صارت الدرجة العليا سترة له) انتهى.\nقلت: هذا تكلف وكونه-البخاري- أشار بترجمته إلى حديث سهل بعيد جدًّا؛ لأنَّه لو كان مراده هذا؛ لكان ذكر الحديث تحت ترجمته، وليس فيه اقتضاء كون المنبر قيام المصلي؛ لأنَّ المنبر ليس محلًّا للصلاة، ولا يسع المصلي عليه؛ لأنَّه درجات، فليس فيه مكان يسع أركان الصلاة، على أنَّه ليس لهذه التَّرجمة إشارة عليه ولا دلالة إليه، وهذا من هفوات ابن حجر وابن رشيد، ولهذا اعترضه العجلوني، فقال: (يتوقف في دعواه الأوضحية)؛ يعني: فإنَّه محل خفاء ظاهر من الحديث للتَّرجمة، وعلى كل حال؛ فكلامه لا طائل تحته؛ فافهم.\nوفي الحديث: دلالة على استحباب القرب من السترة، ومذهب الأئمة الحنفية: أنَّ السنة ألَّا يزيد ما بين المصلي والسترة على ثلاثة أذرع من قدم المصلي كما بيناه.\nوقال البغوي: (استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر مكان السُّجود، وكذلك بين الصفوف).\nوقول ابن الصلاح: (قدروا ممر الشاة بثلاث أذرع)، لا يخفى ما فيه من البعد؛ فافهم.\nومذهب الشَّافعي وأحمد كما قاله القسطلاني: أن يكون بين المصلي والسترة أقل من ثلاثة أذرع.\nوقال ابن القاسم عن مالك: (ليس من الصَّواب أن يصلِّي وبينه وبين السترة صفان).\nوروى ابن المنذر عن مالك: (أنَّه تباعد عن سترة وأن شخصًا قال له: أيها المصلي؛ ألا تَدْنُ من سترة، فمشى الإمام إليها وهو يقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]).\nوجمع ابن التين بين حديث الباب وحديث بلال بما إذا قام؛ كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة، وإذا سجد أو ركع؛ كان بينهما ثلاثة أذرع من موضع رجليه، ولم يحدَّ في ذلك مالك حدًّا إلا بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع المار فيه، وقد سبق في الحديث الأول، والله تعالى أعلم بالصَّواب.\n\n <span id=\"b-٨١٦\"> </span>(٩٢) <span data-type=\"title\" id=toc-816>[باب الصلاة إلى الحربة]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة إلى) جهة (الحَرْبة)؛ أي: المركوزة بين المصلي وبين القبلة، و(الحَرْبة): بفتح الحاء، وإسكان الرَّاء المهملتين؛ وهي دون الرمح العريض النصل.\n\n <span id=\"b-٨١٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-817>[حديث: أن النبي كان يركز له الحربة فيصلي إليها]</span>\n٤٩٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان، (عن عبيد الله)؛ بالتصغير: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري القرشي المدني العدوي (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع) هو مولى ابن عمر المدني، (عن عبد الله) زاد أبو ذر: (ابن عمر) هو ابن الخطاب ﵄: (أنَّ النَّبي) الأعظم، بفتح الهمزة (ﷺ كان يُركَز)؛ بِضَمِّ التحتية أوله مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذر والأصيلي: بالفوقية، من الركز بالزاي؛ وهو الغرز في الأرض؛ أي: تُغرَز (له الحَرْبة)؛ أي: عند إرادته الصلاة.\nوقال أهل السير: كانت للنبي الأعظم ﷺ حربة دون الرمح يقال لها: العنزة، فكأنَّها صارت بالغلبة علمًا لها؛ قاله الشَّارح.\nقلت: ويحتمل أنَّه أطلق عليها الحربة؛ لأنَّ برأسها حربة؛ من إطلاق البعض وإرادة الكل مجازًا، فإنَّ العنزة: هي العكازة، والغالب أن يكون برأسها حربة؛ وهي مقدار نصف الرمح كما قدمناه.\n (فيصلِّي) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (إليها)؛ أي: يتوجه إليها ولا يصمد إليها صمدًا؛ لحديث أبي داود عن المقداد قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عود، ولا عمود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمد [له] صمدًا)؛ أي: لا يقابله مستويًا مستقيمًا، بل كان يميل عنه، فالسنة: أنَّ يجعل السترة على أحد حاجبيه، وهو مذهب رأس المجتهدين الإمام الأعظم ﵁؛ فافهم.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وساقه في الباب قبله، وذكره هنا مختصرًا.\n\n <span id=\"b-٨١٨\"> </span>(٩٣) <span data-type=\"title\" id=toc-818>[باب الصلاة إلى العنزة]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة إلى) جهة (العَنَزة)؛ بفتح العين المهملة والنُّون وبالزاي؛ أي: الحربة المركوزة بين المصلي وبين القبلة، وقيل: زُجُّها إلى أسفل، وهي نصف الرمح، وما قيل: إنَّها أقصر من الحربة؛ ممنوع؛ لتصريح أهل السير: بأنه ﵇ كانت له حربة دون الرمح، يقال لها: العَنَزة، كما قدمناه؛ فافهم.\nقيل: على المؤلف حذف أحد البابين؛ لوجود التكرار.\nوأجيب: بأنَّه لا تكرار لهذا الباب مع سابقه، وفيه تأمل؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨١٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-819>[حديث: خرج علينا رسول الله بالهاجرة فأتي بوضوء]</span>\n٤٩٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج (قال: حدثنا عَون) بفتح العين المهملة وبالنُّون (بن أبي جُحيفة) بِضَمِّ الجيم مصغرًا (قال: سمعت أبي)؛ أي: أبا جُحيفة، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي (قال) وللأصيلي: (يقول): (خرج علينا رسول الله): ولأبوي ذر والوقت: (النَّبي) الأعظم (ﷺ) أي: إلى الصحراء ونحن هناك (بالهاجرة)؛ أي: فيها؛ وهي وقت اشتداد الحر عند الظهيرة، (فأُتي) بِضَمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: ماء للوضوء (فتوضأ)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ؛ أي: وضوءه للصلاة (فصلى) بالفاء، وفي رواية: بالواو (بنا) أي: معشر الصَّحابة (الظُّهرَ والعصرَ)؛ بالنصب على المفعولية والعطف؛ أي: صلى الظُّهر أولًا في وقتها، فلما فرغ منها؛ دخل وقت العصر، فقام فصلى بهم العصر، فتكون صلاته في وقتين حقيقة، وإنَّما عبر عنهما بوقت واحد ظاهرًا مجازًا؛ لقرب وقتهما، ولقلة الزمن بينهما، لا أنَّه ﵇ جمع بينهما بوقت واحد كما يتوهمه المخالفون؛ لأنَّه ليس في الحديث ما يدل عليه؛ لأنَّه لما خرج بالهاجرة -وهي اشتداد الحر-، وهو قرب العصر؛ فاشتغل بالوضوء وصلاة الظُّهر، وهو يحتمل المدة، فلما فرغ من ذلك؛ دخل وقت العصر وهو في صلاة الظهر، أو حين فرغ منها، والصلاة إذا وقعت تحريمتها في الوقت؛ فهي أداء لا قضاء، وهذا ظاهر لمن له أدنى وقوف على معرفة","vol":"1","page":356},{"text":"معاني الكلام.\n (وبين يديه) بالتثنية (عَنَزة)؛ بفتح العين المهملة والنُّون؛ وهي مقدار نصف الرمح، والجملة حالية، قال الشَّارح: (قيل: فيه تكرار؛ لأنَّ العنزة هي الحربة، ورُدَّ بأنَّ الحربة غير العنزة؛ لأنَّ الحربة: هي الرمح العريض النصل، والعنزة: مثل نصف الرمح) انتهى؛ فافهم.\n (والمرأة والحمار يمرون من ورائها)؛ أي: العَنَزة، والجملة أيضًا حالية، قال إمام الشَّارحين: (كان القياس في ذلك أن يقال: يمران؛ بلفظ التثنية؛ لأنَّ المذكور مثنى، وهو المرأة والحمار، ووجهوا هذا بوجوه، وأوجهها ما قاله ابن التين: فيه إطلاق اسم الجمع على التثنية، قال: لأنَّ مثل هذا وقع في الكلام الفصيح) انتهى.\nقلت: وعلى هذا فلا خلاف في الكلام ولا تقدير، وزعم العجلوني: ولا بد من حذف في الكلام؛ ليطابق (يمرون) بالجمع، وإلا؛ فالظَّاهر: يمران، أي: والمرأة والحمار وغيرهما؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]؛ أي: ومن أنفق من بعده؛ والتقدير: والمرأة والحمار وراكبه.\nقال ابن مالك: (فحذف الراكب؛ لدلالة الحمار عليه، وغلب تذكير الراكب أيضًا المفهوم على تأنيث المرأة، وكذا (^١) الفعل على الحمار، فقال: «يمرون»؛ كقوله: راكب البعير طليحان؛ أي: البعير وراكبه طليحان) انتهى.\nقلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ فيه حذفًا وتقديرًا، وعدم الحذف والتقدير أولى عند المحققين، وانظر تكرار كلامه بلا فائدة.\nوقال إمام الشَّارحين: (وتوجيه ابن مالك فيه تعسف وبُعْدٌ عن الظَّاهر) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ ما وجهه ابن مالك واقع في الفصيح، وجَارٍ على القواعد، انتهى.\nقلت: كيف يكون جاريًا على القواعد، والقاعدة عند النحاة: إذا اجتمع التقدير وعدمه؛ فعدم التقدير أولى، وكأنَّه لم يطلع على هذه القاعدة، وكون ما وجهه واقع في الفصيح مسلم، لكنه على سبيل القلة والندور، وما قاله ابن التين جار على الفصيح الكثير المشهور المتواتر، وإذا اجتمع المشهور والنادر؛ فالمشهور أولى عند المدققين.\nوزعم ابن حجر أنه أراد الجنس، ويؤيده رواية: (والناس والدَّواب يمرون)، والظَّاهر أنَّ الذي وقع هنا من تصرف الرواة، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (قوله: «كأنَّه أراد الجنس»؛ هذا ليس بشيء؛ لأنَّه إذا أريد الجنس؛ يراد به: جنس المرأة وجنس الحمار، فيكون تثنية، فلا يطابق الكلام.\nوقوله: «والظَّاهر...» إلخ: هذا أيضًا ليس بشيء؛ لأنَّ فيه نسبتهم إلى ذكر ما (^٢) يخالف القواعد) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ الجنس في المرأة والحمار يصدق بأفراد كثيرة، فلا يكون تثنية، وكونه مخالفًا للقواعد فيه أنَّه موافق لها، وإن كان غيره هو الظَّاهر، انتهى.\nقلت: هذا كلام بارد من ذهن شارد؛ لأنَّه وإن كان يصدق على أفراد، لكنه تثنية حقيقة؛ لأنَّ مسمى المرأة واحد، وكذا مسمى الحمار واحد، فلا يكون إلا تثنية على أنَّه لا يصح هنا إرادة الجنس؛ لأنَّه ليس هناك غيرها، فإرادة العهد صواب، ويدل عليه أنَّه ﵇ خرج للصحراء، وهناك ليس بمقر للنساء والحُمُر، فالصَّواب: كون اللَّام فيه للعهد.\nوكونه موافقًا للقواعد؛ ممنوع، فأي قاعدة توافق ما زعمه؟ فإنَّ الرواة يشترط فيهم الحفظ والأمانة، وما زعمه ينافيه؛ لأنَّهم لا يصدر منهم نقص في الألفاظ، ولا تغيير، ولا تبديل، وما زعمه ينافيه مع ما فيه من الجرأة وسوء الأدب بالصَّحابة الذين قال فيهم النَّبي الأعظم ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» ﵃ أجمعين، فلا عليك من كلامه، ويجب اجتنابه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٢٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-820>[حديث: كان النبي إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ومعنا]</span>\n٥٠٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن حاتِم) بكسر الفوقية (بن بَزِيْع)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الزاي، وسكون التحتية آخره مهملة: هو أبو بكر أو أبو سعيد البصري، نزيل بغداد، المتوفى سنة تسع وأربعين ومئتين (قال: حدثنا شاذان)؛ بالشين والذَّال المعجمتين، تثنية شاذ، هو ابن عامر البغدادي، (عن شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عطاء) بالمد (بن أبي مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية، واسمه منيع، هو البصري الثِّقة أبو معاذ، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئة (قال) وفي رواية: (يقول): (سمعت أنس بن مالك) هوالأنصاري البصري ﵁ (قال)؛ أي: أنس، والجملة فعلية محلها نصب مفعول ثان لـ (سمعت) أو حال (كان النَّبي) الأعظم (ﷺ إذا خرج)؛ أي: من حجرته، أو من بين الناس إلى الصحراء (لحاجته)؛ أي: للتخلي من البول أو الغائط؛ (تبعته)؛ أي: ذهبت معه، وذلك على الدوام والاستمرار كما يفيده التعبير بـ (كان)، وهذا قبل اتخاذ الكنف في البيوت، وهو جواب (إذا) (أنا)؛ بالرفع تأكيد للضمير المرفوع في (تبعته)، ويعطف عليه قوله: (وغلام): لم يعلم اسمه، وفي رواية الإسماعيلي في باب (من حمل معه الماء لطهوره): (أنا وغلام من الأنصار)، وعند المؤلف هناك: (وغلام منا)؛ أي: من قومنا أو من خدمه ﵇، ويحتمل أنَّ في التعبير قلبًا، وأصل الكلام: تبعته وأنا غلام؛ لأنَّ أنسًا كان يخدمه ﵇ حين جاءت به أمه وهو صغير لم يبلغ الحلم، فقالت: خذ هذا يخدمك، وكانت تقول للنبي الأعظم: خويدمك (^٣) أنس ادع (^٤) له، فعلى هذا لم يكن معه أحد، لكن قد يقال: إنَّهما اثنان، ويدل عليه قوله: (ومعنا)؛ فإنَّه يدل على الجمع، وقد يقال: المراد بالجمع ما فوق الواحد، ويحتمل تعدد القصة؛ فافهم، (عُكَّازة): الجملة حالية، وهي -بضم العين المهملة، وتشديد الكاف، وبالزاي- عصًا ذات زج من حديد في أسفلها، وقد تكون بدون زُج.\nوزعم ابن المُنَيِّر: فيه دليل حَسَنٌ للصوفية على اتخاذ العكاز وما أدى نجوًا إلا هذا النجو، ثم اتبعهم أعرامهم فيه، انتهى.\nقلت: فيه نظر، فإنَّ حمل العكازة يستحب لكل [من] بلغ سن الأربعين، وإنَّما خص المتصوفة؛ لأنَّهم يتجاهرون بحمل العكازة، ولبس الخرقة على رؤوسهم وأجسادهم وغير ذلك مما يدل على مقصدهم من الرياء والسمعة، ومشيهم في الأسواق؛ ليراهم الناس أنَّهم الزهاد في الدنيا وما هو إلا مخرفة وهزأة، لما يشاهد ممن ادعى ذلك كثرة الحب للدنيا والإقبال على أهلها وطلب ما بأيديهم، وهو خلاف فعلهم، كما لا يخفى.\nوقوله: (وما أدى...) إلى آخره: ممنوع؛ لما رواه الدارقطني في «أفراده» عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله؛ أراك تدخل الخلاء ثم يجيء الرجل يدخل بعدك، فما يرى لما خرج منك أثرًا، فقال: «أما علمتِ أنَّ الله أمر الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء؟».\nوفي «الشفا»: عن ابن سعد عن عائشة أنَّها قالت للنبي ﷺ: إنَّك تأتي الخلاء، فلا نرى منك شيئًا من الأذى، فقال: «يا عائشة؛ أوما علمت أنَّ الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء؟» انتهى؛ فافهم.\nوقد نقل العجلوني كلام ابن المُنَيِّر ولم يتكلم عليه، إمَّا من التعصب، وإمَّا من قلة البضاعة، والله أعلم؛ فافهم.\n (أو قال) أي: أنس: (عصًا)؛ أي: بدل العكازة، وكلمة (أو) للشك\n_________\n(^١) في الأصل: (وذا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (إلى ما ذكر)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (خودمك)، ولعله تحريف.\n (^٤) في الأصل: (ادعوا)، ولا يصح.","vol":"1","page":356},{"text":"من الراوي، والمراد بالعصا: عود صغير طول ذراع فأكثر في غلظ الإبهام فأكثر، وإنَّما قلنا هذا؛ ليحصل الفرق [بين] العصا والعكازة؛ لأنها وإن كان الغالب فيها زج حديد إلا أنَّها تكون بدونه، وهي يعتمد عليها في المشي والقيام ونحوهما، بخلاف العصا، فإنَّه لا يعتمد عليها؛ لعدم قوتها فتنكسر؛ فافهم، (أو عَنَزة)؛ بفتح العين المهملة والنُّون والزاي رواية الأكثرين، ففيه المطابقة للتَّرجمة، قال إمام الشَّارحين: (وفي رواية المستملي والحموي: «أو غَيْره»؛ بالغين المعجمة، وسكون التحتية، وبالرَّاء المهملة، فإن صح هذا؛ فليس فيه ما يطابق التَّرجمة، والضمير فيه يرجع إلى غير العكازة والعصا؛ والتقدير: أو غير كل واحد منهما) انتهى.\nوزعم ابن حجر أنَّ هذه الرواية تصحيف.\nوردَّه الشَّارح، فقال: (كيف يكون تصحيفًا وهي رواية المستملي والحموي، فكأنَّ هذا القائل ارتكب هذا؛ لئلا يقال: إنَّ الحديث لا يطابق التَّرجمة) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ القاضي عياض قال: (الصَّواب: الرواية الأولى؛ لموافقتها للأمهات)، قال: (وبه يندفع الاعتراض، وقد يقال: إنَّ المطابقة حاصلة على هذه الرواية أيضًا؛ لأنَّ «أو غيره»؛ -أي: غير المذكور من العصا والعكازة- يشمل العنزة، أو هي في معنى أحد المذكورات) انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه، وقول القاضي: (الصَّواب...) إلخ: لا يدفع هذا الاعتراض؛ لأنَّ فيه تسليم الرواية الثانية غاية ما فيه ترجيح الرواية الأولى، وهو غير دافع، على أنَّ المقرر عند المحدثين: أنَّ المستملي أحفظ الرواة، فكيف يقال فيه أنَّه مصحف مع رواية الحموي مثله؟ فالقول بأنَّهما تصحفا الرواية قول صادر من غير تأمل، ولا يعول عليه، ويجب اجتنابه.\nوقوله: (وقد يقال...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه على ما زعمه، وإن كان يشمل العنزة على بُعْدٍ، لكنه غير مذكور في الحديث، وعليه فلا يطابق التَّرجمة، كما لا يخفى على أنَّه أتى بالعكازة والعصا بالتنكير، وهو يدل على الجنس، فيكون قوله: (أو غيره) على الرواية الثانية؛ أي: غير المذكور من جنس العصا والعكاز، وهو لا يشمل العنزة، فلا يطابق.\nوقوله: (أو هي...) إلخ: ممنوع أيضًا؛ لأنَّ كونها في معنى المذكورات هي العصا والعكاز نفسهما غير أنَّه يحتمل التخالف في أنواع الشجر؛ كالعود من الرمان، أو الزيتون، أو النخل، أو نحوها، وعليه فلا مطابقة للتَّرجمة أيضًا، وهذا صريح في تسليمه عدم المطابقة، وعلى كل حال العنزة على الرواية الثانية غير مذكورة قطعًا، فلا مطابقة فيه للتَّرجمة؛ فافهم.\n (ومعنا إِدَاوة)؛ بكسر الهمزة، وتخفيف الدَّال المهملة: إناء صغير من جلد؛ كالسطيحة مملوءة ماء، والجملة حالية أو مستأنفة (فإذا فرغ) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (من حاجته)؛ أي: البول والغائط؛ أي: قضائها؛ (ناولناه الإِداوة)؛ أي: ليتوضأ بالماء الذي فيها بعد استنجائه بالأحجار، ويحتمل أنَّه ليستنجي بالماء، والظَّاهر: الأول؛ لأنَّه ﵇ من عادته الدوام على الوضوء؛ لمناجاة ربه، فلا يمكث على غير طهارة، وبقضاء حاجته انتقضت طهارته؛ فلذا أخذ الإداوة لأجل الوضوء، كما لا يخفى، واستظهر العجلوني تبعًا لابن الملقن الثاني تعصبًا، قال: (لأنَّ العادة في الوضوء الصب على اليد) انتهى.\nقلت: هذا ممنوع؛ لأنَّ عادته ﵇ أخذ الإداوة بيده، ويصب على الأخرى، فيجمع الماء فيها ويتوضأ، وهذه عادة شائعة عند الخاص والعام، وكون العادة في الوضوء الصب؛ ممنوع؛ لأنَّه فعل المترفهين المتكبرين لا يليق بالمتعبدين، والنَّبي الأعظم ﷺ سيد المتواضعين، ويدل عليه الحديث المرفوع: «أنا لا أستعين في وضوء بأحد»، قاله ﵇ لعمر بن الخطاب وقد بادر لصب الماء عليه؛ فافهم.\nوقال ابن بطال: (فيه الاستنجاء بالماء).\nوردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا ليس بصريح؛ لأنَّ قوله: «فإذا فرغ من حاجته» يشمل الاستنجاء بالحجر، ويكون مناولة الماء لأجل الوضوء) انتهى.\nقلت: وهذا هو الظَّاهر، كما قدمناه.\nواعترضه العجلوني بأنَّه غير وارد؛ لأنَّه لم يدَّعِ الصراحة، انتهى.\nقلت: ممنوع، بل هو وارد؛ لأنَّ اللَّفظ أعم شامل لكل منهما، وإن كان الظَّاهر الوضوء، وابن بطال لما جزم بقوله: (وفيه...) إلخ؛ دل هذا على دعواه الصراحة، على أنَّ إمامنا الشَّارح مراده أنَّ لفظ الحديث أعم، واقتصاره عليه دليل على أنَّه مدعي الصراحة؛ فافهم، ولا تغتر بكلام العجلوني، فإنَّه رأس المتعصبين؛ فاجتنبه.\nوقال ابن بطال: (فيه: خدمة السلطان والعالم).\nواعترضه الشَّارح، فقال: (حصره في الاثنين لا وجه له، والأحسن أن يقال: فيه خدمة الكبير) انتهى.\nقال العجلوني: (تأمل قوله: «والأحسن» مع قوله: «لا وجه له») انتهى.\nقلت: هذا القائل لم يقف على معاني الكلام، فإنَّ معنى قوله: (الأحسن...) إلخ؛ أي: الحسن والصَّواب، و(أفعل) التفضيل ليس على بابه، وليس في كلام ابن بطال حسن أصلًا؛ لأنَّه قاصر، والتعبير بالكبير هو الصَّواب؛ لأنَّه أعم وأشمل، وانظر تقديم السلطان على العالم، فإنَّ فيه سوء الأدب بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وهم الحكام على السلاطين والأمراء، كما لا يخفى.\nوفي الحديث: استحباب اتخاذ العنزة ونحوها مع قاضي الحاجة؛ لأجل أن ينبش بها الأرض الصلبة؛ لئلا يعود عليه شيء من الرشاش، ولأجل أن يركزها المصلي أمامه يستتر بها عن المارين كما فعله ﵇.\nومذهب الإمام الأعظم رئيس الأئمة المجتهدين: يستحب للمصلي أن يغرز سترة؛ لما تقدم من الأحاديث، وتكون طول ذراع فصاعدًا؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «يجزئ من السترة قدر مؤخر الرحل، ولو بِدِقَّةِ شعر»، رواه الحاكم على شرط الشيخين، وتكون في غلظ الإصبع؛ لأنَّه أدنى ما يظهر للناظر، والمقصود أن يظهر للمارين، وفي أقل من ذلكلا يحصل، وقوله ﵇: «ولو بدقة شعر» خرج مخرج النادر على سبيل المبالغة في وضع السترة، يدل عليه حديث: «ليستتر أحدكم ولو بسهم»، فإن لم يجد ما ينصبه؛ فليَخُطَّ خطًّا بالعرض مثل الهلال؛ لما في السنن مرفوعًا: «إن لم يكن معه عصا؛ فليخط خطًّا»، وقيل: يخط مدور كالمحراب، كما في «شرح النقاية» للقهستاني و«الإمداد»، ومثله في «شرح المشكاة» لإمام المحدثين المنلا القاري.\nوقال ابن بطال: (وقال مالك: أقل ما يجزئ المصلي من السترة غلظ الرمح والعصا وارتفاع ذلك قَدْر عظم الذراع، ولا يجيز الخط غير الشَّافعي) انتهى.\nقلت: وحصره ممنوع، فإنَّ إمامنا الأعظم يقول به","vol":"1","page":357},{"text":"كما قدمناه للحديث، وهو قول أحمد ابن حنبل كما صرح به صاحب «المنتهى»، والسترة عنده؛ كما عند الحنفية والشَّافعية، وهو قول الثَّوري وعطاء، ومن المعلوم أنَّ الصلاة بدون سترة صحيحة، لكنها مكروهة؛ فانظر كيف حصر ابن بطال الجواز في الشَّافعي من عدم اطلاعه على الأحكام في المذاهب، وقدمنا الكلام عليه فيما سبق؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٢١\"> </span>(٩٤) <span data-type=\"title\" id=toc-821>[باب السترة بمكة وغيرها]</span>\nهذا (باب) حكم (السترة) المركوزة بين المصلى وبين الكعبة (بمكة وغيرها)؛ أي: من سائر الأماكن؛ لدرء المارين عنه، والمراد بالحكم الاستحباب؛ لحديث الباب.\nقال إمام الشَّارحين: (إنَّما قيد بمكة؛ دفعًا لما يتوهم أنَّ السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة، وكل من يصلِّي في مكان واسع؛ فالمستحب له أن يصلِّي إلى سترة بمكة كان أو غيرها، إلا أن يصلِّي بمسجد مكة بقرب القبلة حيث لا يمكن لأحد المرور بينه وبينها، فلا يحتاج إلى سترة؛ إذ قبلة مكة سترة له، فإن صلى في مؤخر المسجد بحيث يمكن المرور بين يديه، أو في سائر بقاع مكة إلى غير جدار أو شجرة أو ما أشبهها؛ فينبغي له أن يجعل أمامه ما يستره من المرور بين يديه، كما فعل الشَّارع حين صلى بالبطحاء إلى عنزة، والبطحاء خارج مكة) انتهى.\n\n <span id=\"b-٨٢٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-822>[حديث: خرج رسول الله بالهاجرة فصلى بالبطحاء]</span>\n٥٠١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حَرْب) بفتح المهملة، وسكون الرَّاء، ضد الصلح (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عتيبة -بالتصغير-، التَّابعي الصغير الكوفي، (عن أبي جُحيفة)؛ بِضَمِّ الجيم مصغرًا: هو وهب بن عبد الله السُّوائي الكوفي (قال) وفي رواية: (يقول): (خرج رسول الله ﷺ): يحتمل أنَّه من حجرته أو من مكة، وفي رواية تقدمت في باب (استعمال فضل وضوء الناس): أنَّ خروجه كان من قبة حمراء من أدم بالأبطح (بالهاجرة)؛ أي: في سفر؛ وهي وقت اشتداد الحر في وسط النهار، (فصلى بالبطحاء)؛ أي: بطحاء مكة، ويقال: الأبطح أيضًا، وهو خارج مكة (الظُّهر والعصر)؛ أي: أنَّه صلى الظُّهر أولًا، ثم دخل وقت العصر فصلاه؛ لأنَّ خروجه ووضوءه وصلاته الظُّهر يحتاج إلى مدة طويلة تستغرق وقت الظُّهر، فلما فرغ منها أو في أثنائها؛ دخل وقت العصر فصلاه، فليس فيه أنَّه جمع بينهما كما زعمه بعض الناس؛ لأنَّه مخالف لعادته ﵇؛ فافهم، وقوله: (ركعتين): يتعلق بكل واحد من الظُّهر والعصر؛ أي: كل واحدة منهما ركعتين قصرًا للسفر، (ونَصَبَ)؛ أي: أمر أن ينصب، وفي نسخة: بالبناء للمفعول (بين يديه) بالتثنية؛ أي: أمامه (عَنَزَة)؛ بفتح المهملة والنُّون والزاي: أقصر من الرمح، وأطول من العصا، وفيها زُجٌّ كزج الرمح، وإنَّما صلى إليها؛ لأنَّه ﵇ كان في الصحراء، فإنَّ الصلاة في المسجد الكبير لا تحتاج إلى سترة، غاية ما فيه أنَّه يحرم المرور في موضع سجوده، وحد المسجد: أن يكون أربعين ذراعًا في أربعين ذراعًا؛ فافهم.\n (وتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، ويحتمل في هذه الواو أن تكون للحال، ويحتمل أن تكون للعطف، وعلى الثاني لا يقال: كيف نصب العنزة والوضوء قبل الصلاة؟ فكيف عكس؟ لأنَّا نقول: إنَّ الواو للعطف لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا، ولا تعقيبًا، ولا معية؛ كما هي الأصل، كما في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...﴾؛ الآية [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ...﴾؛ الآية [آل عمران: ٥٥]، وأمثال ذلك في الفصيح كثير، (فجعل الناس) أي: الصَّحابة (يتمسحون بوَضوئه)؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، وكأنَّهم اقتسموه بينهم، أو كانوا يتناولون من الذي يتقاطر حين التوضؤ، والأول أظهر بالسياق، وإنَّما كان تمسحهم به؛ لأجل التَّبرك به؛ لكونه مس جسده الشَّريف المقدس، ففيه: بيان أنَّ الماء المستعمل طاهر، وعلى الأول فالماء طاهر مع ما حصل له من التَّشريف والبركة بوضع يده فيه، والتَّمسح تفعل، كأنَّ كل واحد منهم مسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى؛ كقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]؛ أي: يشربه جرعة بعد أخرى، أو هو من باب التكلف؛ لأنَّ كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتعنَّى لتحصيله، ويتكلف بتناوله، كـ (تشجَّع) و(تصبَّر)، وجملة (يتمسحون): في محل نصب خبر (جعل) الذي هو من أفعال المقاربة.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من قوله: (فصلى بالبطحاء)؛ لأنَّها في مكة، ولمَّا كان فضاء؛ نُصِب له بين يديه عنزة، فصلى إليها، وقد سبق في الباب قبله وفي باب (استعمال فضل وضوء الناس).\nوفيه: التَّبرك بآثار الصالحين.\nوفيه: استحباب وضع العنزة أمام المصلي في الصحراء؛ لدرء المارِّين.\nقال ابن بطال: (المعنى في السترة للمصلي: دفع المارِّ بين يديه، فمن صلى في مكان واسع؛ فالمستحب له أن يصلِّي إلى سترة بمكة أو غيرها، ويكره له ترك ذلك) انتهى.\nوزعم ابن حجر: (إنَّ الذي أظنه أنَّ البخاري أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق بـ «باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء»، ثم أخرج عن المطلب أنَّه قال: «رأيت النَّبي ﷺ يصلِّي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم -أي: الناس- سترة»، وأخرجه أيضًا أصحاب «السنن»، وهو معلول وإن كان رجاله موثَّقين فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث، وأنَّه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، وهذا هو المعروف عند الشَّافعية، ولا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطَّائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة: جواز ذلك في جميع مكة) انتهى.\nقلت: وفيه نظر، فإنَّ المؤلف في بيان أحكام سترة المصلي، ومن جملة المصلين المصلي بمكة، فأشار بترجمته إلى دفع ما يتوهم أنَّ مكة لا يحتاج المصلي فيها إلى سترة؛ لقرب القبلة إليه، وأراد أنَّه لا فرق في وضع السترة بين مكة وغيرها.\nوكونه أشار إلى ضعف الحديث؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يشر إليه في شيء، فهو بعيد عن النَّظر على أنَّه كيف يقول: رجاله موثَّقون، ويقول: إنَّه معلول، فهذا تناقض في الكلام والمعاني، وكون ما ذكره المعروف عند الشَّافعية، كذلك هو المعروف عند الأئمة الحنفية والمالكية، وإنَّما اغتفر بعض الفقهاء ذلك للطَّائفين، لم يبين ما هم، ولعل وجهه أن المسجد كبير حينئذٍ لا يحتاج إلى سترة، أو أنهم يصلُّون في مكان من جهة القبلة بحيث لا سبيل للمارِّين إليه، وتعليله بالضرورة فيه نظر؛ إذ لا ضرورة فيه، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٢٣\"> </span>(٩٥) <span data-type=\"title\" id=toc-823>[باب الصلاة إلى الأسطوانة]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة) مطلقًا (إلى) جهة (الأُسْطُوانة) إذا كان في موضع فيه أُسطُوانة، وهي بِضَمِّ الهمزة والطاء المهملة، وسكون المهملة بينهما؛ وهي السارية، معرَّب أستون، قال إمام الشَّارحين:","vol":"1","page":357},{"text":"(والنُّون فيها أصلية، ووزنها: «أُفعوالة»؛ مثل: أُقحوانة؛ لأنَّه يقال في أساطين: مسطنة، وقال الأخفش: وزنها «فعلوانة»، وهو يدل على زيادة الواو والألف والنُّون، وقال قوم: وزنها «أفعلانة»، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما جمع على أساطين؛ لأنَّ ليس في الكلام «أفاعين») انتهى.\nوزعم ابن حجر الغالب أنَّ الأسطوانة تكون من بناء بخلاف العمود، فإنَّه من حجر واحد.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (الغالب لا طائل تحته، ولا نسلم أنَّ العمود يكون من حجر واحد؛ لأنَّه ربما يكون أكثر من حجر واحد، ويكون من خشب أيضًا) انتهى.\nوالمراد بالحكم: الاستحباب؛ للأحاديث السَّابقة واللاحقة.\nوقال ابن بطال: (لمَّا تقدم أنَّه ﵇ كان يصلِّي إلى الحربة؛ كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى؛ لأنَّها أشد سترة).\nواعترضه ابن حجر، فقال: (إفادة ذلك بالنص على وقوعه أعلى من الفحوى) انتهى.\nقلت: أراد بالنص حديثي الباب، وفيه أنَّه لمَّا تقدم أنَّه ﵇ كان إلى الحربة يصلِّي؛ علم منه مشروعية السترة بالحربة، ولمَّا كانت الأسطوانة أشد سترة؛ علم أنَّها أولى بالستر من غيرها، وحديثي الباب ليس بصريح في ذلك، فلا يقال: إنَّه نصٌّ بذلك، كما لا يخفى، فكأنَّه لمَّا كان في الحكم سواء؛ أشار لما تقدم؛ لأنَّه أظهر، هذا معنى كلام ابن بطال، وبه اندفع ما زعمه ابن حجر؛ فافهم.\n (وقال عمر) هو ابن الخطاب، أمير المؤمنين، ثاني خلفاء سيد المرسلين ﵁: (المصلون)؛ أي: الذين يدخلون المسجد لأجل الصلاة فيه، وكذلك تلاوة القرآن والذكر (أحق) أي: أولى (بالسواري)؛ أي: في التستر بها لصلاتهم، وهي جمع سارية؛ وهي الأسطوانة، كما قاله ابن الأثير والجوهري، والظَّاهر أن السارية من ذوات الياء، قاله إمام الشَّارحين (من المتحدثين إليها): متعلق بـ (المتحدثين) جمع متحدث؛ بمعنى المتكلم؛ أي: المتكلمين، ووجه الأحقية ما قاله الشَّارح: (أنَّ المصلين والمتحدثين مشتركان في الحاجة إلى السارية، فالمتحدثون إلى الاستناد إليها، والمصلون لجعلها سترة لصلاتهم لكن المصلين في عبادة، فكانوا أحق بها) انتهى.\nقلت: وأفاد قوله: (أحق) إلى أنَّ المتكلمين في المسجد هم في عبادة؛ حيث إنَّهم ينتظرون الصلاة، فكأنَّهم في الصلاة حكمًا، يدل عليه قوله ﵇: «إنَّكم في صلاة ما انتظرتموها» كما سبق في «الصَّحيح»، والمصلون يصلُّون حقيقة، فهم أولى بها، وأفاد أنَّ التحدث في المسجد غير مكروه إذا كان مباحًا ولم يترتب عليه مفسدة؛ كغيبة ونحوها، وقد ابتلي به أكثر الناس.\nقال الشَّارح: (وهذا التَّعليق وصله أبو بكر ابن أبي شيبة والحميدي من طريق هَمْدان -بَريد عمر؛ أي: رسوله إلى أهل اليمن- عن عمر ﵁ به، وهَمْدان؛ بفتح الهاء، وسكون الميم، وبالدَّال المهملة، ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ السواري هي الأساطين) انتهى.\n (ورأى) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب ﵄، كذا وقع بإثبات (ابن) في رواية أبي ذر، والأصيلي، وغيرهما، وعند البعض: (رأى عمر)؛ بحذف (ابن)، كذا قاله الشَّارح، وزعم ابن حجر أنَّ حذف (ابن) أشبه بالصَّواب؛ لأنَّه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» من طريق معاوية بن قرة بن إياس عن أبيه-وله صحبة- قال: (رآني عمر وأنا أصلي)، فذكر مثله سواء، ولكن زاد: (فأخذ بقفاي)، وبه عرف تسمية المبهم المذكور في التَّعليق، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (رواية الأكثرين أشبه بالصَّواب مع احتمال أن تكون قضيتان إحداهما عن عمر، والأخرى عن ابنه، ولا مانع لذلك، وقوله: «وبه عرف...» إلخ، هذا إنَّما يكون إذا تحقق اتحاد القضية) انتهى.\nقلت: والظَّاهر أنَّهما قضيتان، كما لا يخفى.\n (رجلًا): سبق أنَّه قرَّة المزني على ما زعمه ابن حجر، وفيه ما علمت؛ فافهم (يصلِّي) أي: في المسجد النَّبوي (بين أُسْطُوانتين)؛ بِضَمِّ الهمزة والطاء، تثنية أُسطوانة؛ وهي السارية؛ أي: بغير سترة أمامه والناس يمرون أمامه (فأدناه)؛ أي: قربه من الإدناء (^١)؛ وهو التقريب؛ أي: قرب عمر أو ابنه الرجل (إلى سارية)؛ أي: أُسطوانة من الذين صلى بينهما، (فقال) أي: عمر أو ابنه للرجل: (صلِّ إليها)؛ أي: متوجهًا إليها، وإنَّما كره عمر ذلك؛ لانقطاع الصفوف، قاله ابن التين، وقيل: أراد بذلك أن تكون صلاته إلى سترة، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: والظَّاهر الثاني؛ لأنَّ الرجل كان يصلِّي وحده منفردًا، فلو كان يصلِّي بجماعة؛ لم يقل له ذلك؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه كما ثبت فيما سبق، ويدل عليه قوله: (صلِّ إليها)، فلو كان مقتديًا؛ فسترته لا تفيد شيئًا، كما لا يخفى، فما زعمه ابن التين ليس بشيء؛ فافهم.\nوفي الأثر المذكور: دليل على أنَّ المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين غير مبطل للصلاة؛ لأنَّ عمر أدناه إلى إحدى (^٢) الساريتين وهو في الصلاة.\nوفيه: جواز تكليم المصلي؛ لأنَّ عمر قال له: (صلِّ إليها) ولم يتكلم الرجل؛ لأنَّه ممنوع من الكلام؛ حيث إنَّه في الصلاة؛ فافهم.\nوفيه: وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.\nوفيه: أنَّ الإمام أو غيره إذا رأى منكرًا؛ يغيره بيده، كما فعل عمر ﵁، وإلا؛ فبلسانه، وإلا؛ فبقلبه، وهو أضعف الإيمان.\nوزعم ابن حجر أنَّ البخاري أراد بإيراد أثر عمر: أنَّ المراد بقول سلمة: (يتحرى الصلاة عندها)؛ أي: إليها، وكذا قول أنس: (يبتدرون السواري)؛ أي: يصلُّون إليها، انتهى.\nقلت: هذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان مراده ما ذكر؛ لكان حقه أن يذكر الحديثين أولًا، ثم التَّعليق بعدهما؛ ليكون تفسيرًا لهما، ولمَّا قدَّم ذكر التَّعليق عليهما؛ عُلِم منه أنَّه لم يرد ذلك لا بإشارة ولا غيرها، وأنَّه جرى على عادته من ذكر التَّعاليق ثم الأحاديث تحت ترجمته، ومعلوم أنَّ الصلاة عندها؛ أي: إليها متوجهًا؛ لأنَّ المؤلف في معرض السترة للمصلي، فما زعمه بعيد عن النَّظر؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٢٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-824>[حديث: رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها]</span>\n٥٠٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا المكي) زاد الأصيلي: (ابن إبراهيم) هو البلخي (قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد)؛ بالتصغير: هو الأسلمي مولى سلمة ابن الأكوع (قال: كنت) بصيغة المتكلم (آتي) بمد الهمزة للمتكلم من الإتيان (مع سَلَمَة)؛ بفتحات (ابن الأكوع): واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي المدني، الصَّحابي المشهور؛ يعني: إلى المسجد النَّبوي للصلاة (فيصلي)؛ أي: سلمة، وفي نسخة: (فنصلي)؛ بالنُّون؛ أي: أنا وهو (عند الأُسطُوانة)؛ بِضَمِّ الهمزة؛ أي: السارية، فاللَّام فيها للعهد، وهي المتوسطة في الروضة، وتعرف بأُسطوانة المهاجرين (التي عند المصحف)؛ أي: المعهود الذي كان في المسجد، قال الشَّارح: وهذا يدل على أنَّه كان في المسجد النَّبوي موضع خاص للمصحف الذي كان ثمة من عهد عثمان بن عفان ﵁، ووقع عند مسلم بلفظ: (يصلي وراء الصندوق)، وكأنَّه كان للمصحف صندوق يوضع فيه، انتهى.\nوقوله: (فقلت) من كلام يزيد؛\n_________\n(^١) في الأصل: (الإدنان)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (أحد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":358},{"text":"أي: قال: يزيد لابن الأكوع: (يا با مسلم): أصله (يا أبا): حذفت الهمزة تخفيفًا، وهذا كنية سلمة ابن الأكوع (أراك) أي: أبصرك (تتحرى) أي: تجتهد، وتختار، وتقصد (الصلاة عند هذه الأسطوانة)؛ أي: من بين أساطين المسجد، فتخصها بالصلاة عندها، (قال) أي: سلمة: (فإنَّي رأيت النَّبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ)؛ أي: حين يصلِّي في مسجده (يتحرى) أي: يختار (الصلاة عندها)؛ أي: عند أُسطوانة المهاجرين، يحتمل أنَّه كان يخصها رأفة ورحمة بالمهاجرين، ويحتمل لأنَّها مقدمة في السترة على العنزة.\nوقال الشَّارح: (وينبغي أن تكون الأسطوانة أمامه ولا تكون إلى جنبه؛ لئلا يتخلل الصفوف شيء ولا يكون له سترة.\nومطابقته للتَّرجمة ظاهرة من قوله: «فيصلِّي عند الأسطوانة»، وقوله: «يتحرى الصلاة عندها») انتهى.\nقلت: وفي الحديث: فضيلة الصلاة عند هذه الأُسطوانة، وروى ابن النجار في «تاريخ المدينة» عن عائشة ﵂ أنَّها كانت تقول: (لو عرفها الناس؛ لاضطربوا عليها بالسهام)، وأنَّها أسرَّتها إلى ابن الزُّبير، فكان يكثر الصلاة عندها، وأنَّ المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، انتهى، ومثله في «أخبار المدينة» لمحمَّد بن الحسن؛ فافهم.\nوالجمهور على أنَّ المصاحف التي نسخت بأمر الإمام عثمان كانت أربعة، أرسل واحدًا للكوفة، وآخر للبصرة، وآخر للشام، وترك واحدًا عنده بالمدينة.\nوقيل: كتب سبعة، بعث واحدًا إلى مكة، وآخر للشام، وآخر لليمن، وآخر للبحرين، وآخر للبصرة، وآخر للكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.\nفالمتفق عليها خمس: مصحف الشام، ومكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، واختلف في ثلاثة: مصر، واليمن، والبحرين.\nوالذي عليه الجم الغفير من العلماء وفضلاء الشام أنَّ المصحف الموجود الآن بالشام في الجامع الشَّريف الأموي في بيت الخطابة، هو الذي عليه دم سيدنا عثمان ﵁ على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وهذا مما بلغ حد التواتر، وهو الصَّواب، وما زعمه أهل مصر أنَّه الموجود في قبة السلطان الغوري؛ فلا أصل له؛ لأنَّه لم يُبْعَث لهم مصحف على قول الجمهور، فكيف يكون عندهم هذا؟ ويدل للأول أنَّ بني أمية كانت سلطنتهم في الشام وكانوا يستصحبون هذا المصحف معهم في الخزائن، فهو هو بلا ريب، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٢٥\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-825>[حديث: رأيت كبار أصحاب النبي يبتدرون السواري عند المغرب]</span>\n٥٠٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قَبِيْصة)؛ بفتح القاف، وكسر الموحَّدة، وسكون التحتية: هو ابن عقبة الكوفي (قال: حدثنا سفيان) هو الثَّوري الكوفي، (عن عَمرو) بفتح العين المهملة (بن عامر) هوالأنصاري الكوفي، قال الشَّارح: (وليس هو والد أسد، فإنَّه بجلي، ولا عمرو بن عامر البصري، فإنَّه سلمي) انتهى، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) هوالأنصاري خادم النَّبي الأعظم ﷺ أنَّه (قال: لقد أدركت) هكذا في رواية المستملي والحموي، وفي رواية غيرهما: (لقد رأيت) (كِبار): جمع كبير؛ بمعنى: عظيم؛ ككريم وكِرام (أصحاب): جمع صاحب، أو اسم جمع له؛ بمعنى: صحابي (محمَّد) هو علم على النَّبي الأعظم نبينا، وفي نسخة: (النَّبي) الأعظم (ﷺ) والمفعول الثاني لـ (رأيت) أو (أدركت) هو جملة قوله: (يبتدرون السواري)، جمع سارية، وهي الأُسطوانة؛ أي: يتسارعون إليها ليجعلوها سترة لصلاتهم (عند المغرب)؛ أي: عند أذان المغرب، كما صرح به مسلم والإسماعيلي، وهذا الابتدار هو الإجابة للصلاة بالفعل فلا حاجة لإجابة المؤذن حينئذٍ بالقول؛ لأنَّ في ابتدارهم إجابة وزيادة، وليس المراد: بعد إجابة المؤذن؛ لأنَّها مقدمة، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ المراد: أنَّهم لمَّا سمعوا الأذان؛ ابتدروا فهو إجابة بالفعل، وهي أبلغ من الإجابة بالقول.\n (وزاد شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عَمرو)؛ بفتح العين: هو ابن عامر المذكور، (عن أنس) هو ابن مالك: (حتى) وفي رواية: (حين) (يخرج النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: من بعض حجر نسائه.\nقال الشَّارح: (وهذا تعليق وصله البخاري في كتاب «الأذان» من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري، وزاد فيه أيضًا: «يصلُّون الركعتين قبل المغرب») انتهى.\nوبهذا أخذ الشَّافعي في استنان صلاة ركعتين خفيفتين قبل المغرب، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأهل الظَّاهر.\nوالمشهور عن أصحاب الشَّافعي عدم استنانهما، بل ولا استحبابهما، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وهو قول أبي بكر الصديق الأكبر، وعمر الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعلي الصديق الأصغر ﵁، وهو قول كثير من أصحاب النَّبي الأعظم ﷺ، وبه قال مالك، وقال إبراهيم النخعي: هي بدعة، وسيأتي في بابه بقية الكلام عليه.\nوفي الحديث: استحباب الصلاة أول وقتها.\nوفيه: المبادرة للطاعات خصوصًا الصلاة.\nوفيه: استحباب الصلاة إلى سترة، ولو كانت مغصوبة، خلافًا لأحمد.\nواعلم أنَّ السترة للمصلي على وجوه؛ أحدها: نحو الأُسطوانة، والجدار، والعمود، الثاني: نحو العصا، والحربة المغروزة، والمتاع إذا كانت الأرض صلبة، الثالث: بسط مصلًّى؛ كسجادة مفروشة، الرابع: أن يخط أمامه خطًا بالعرض مثل الهلال، وقيل: مدور شبه المحراب.\nوالسُّنة أن يقرب منها؛ لما رواه أبو داود مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليدن منها، لا يقطع الشَّيطان عليه صلاته»، ولا يزيد ما بينها وبينه على ثلاثة أذرع، واعتبار ذلك من عقب القدمين كما صرح به المحشي، وبه قال ابن حجر من الشَّافعية، وخالفه الرملي، وزعم أنَّه من الأصابع، ويجعل السترة على جهة أحد حاجبيه؛ لما رواه أبو داود وغيره عن المقداد أنَّه قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمد [له] صمدًا)؛ يعني: لا يقابلها مستويًا مستقيمًا، بل كان يميل عنها إلى جهة اليمين، وروى أبو داود مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم؛ فليجعل أمامه شيئًا، فإن لم يجد؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا، ثم لا يضره ما مرَّ أمامه)، وقاس الأئمة السجادة على الخط، وقدم على الخط؛ لأنَّه أظهر للمارِّين.\nولا بدَّ في جميع هذه المذكورات أن تكون ذراعًا (^١) فصاعدًا؛ لما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: «يجزئ من السترة قدر مؤخر الرحل»، وروى أصحاب السنن عن عطاء قال: آخرة الرحل: ذراع فما فوقه).\nوأن تكون السترة في غلظ الأصبع؛ لأنَّ بما دونها لا يظهر للناظر؛ لحديث أصحاب السنن مرفوعًا: «استتروا في صلاتكم ولو بسهم»، وإطلاق الأحاديث في الأمر بوضع سترة، والسهم ليس بأقل\n_________\n(^١) في الأصل: (ذراع)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":358},{"text":"من غلظ الإصبع، بل غلظها بزيادة، وإطلاق السترة يفيد أن تكون تبدو للناظر ولا يبدو في أقل من ذلك، وهذا مذهب الإمام الأعظم ومالك، وهو حجة على الشَّافعي؛ حيث لم يشترط فيها عرضًا (^١)، وهو شامل للخيط، وهو لا يسمى سترة شرعًا ولا لغةً ولا عرفًا؛ فافهم.\nوقال الشَّافعي: لا بد أن تكون ثلثي ذراع فأكثر، وما رويناه حجة عليه؛ لأنَّ مؤخر الرحل أقل ما يكون ذراع كما ذكرنا.\nوقال العلامة القهستاني: ويستتر بكل ما انتصب؛ كإنسان قائم أو قاعد أو دابة، وفي «القنية»: بظهر رجل لا بوجهه، وفي جنبه قولان، ولا يستر بامرأة غير محرم، واختُلف في المحارم، ولا يستر بنائم، ولا مجنون، ولا مأبون في دبره، ولا كافر، انتهى.\nوسيأتي بيان دفع المار في بابه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٨٢٦\"> </span>(٩٦) <span data-type=\"title\" id=toc-826>[باب الصلاة بين السواري في غير جماعة]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة) المفروضة في المسجد (بين السواري) أي: الأساطين والأعمدة (في غير جماعة) قيد بها؛ لأنَّه لا تكره الصلاة بين السواري إذا كان منفردًا اتفاقًا، أمَّا مع الجماعة؛ فمكروهة إذا كان بين الأساطين، وهو شامل لما إذا كان وحده بين الأساطين مقتديًا بالإمام، ولما إذا كان مع جماعة مقتدين بالإمام بين الأساطين، والإمام في الصورتين ليس معهم، بل إمَّا في محرابه أو في قبلة الحائط، أو في تجاه سارية، لكن ظاهر كلام إمام الشَّارحين وغيره أنَّ المنفرد وحده بين الأساطين مقتديًا بالإمام الذي في محرابه ونحوه لا كراهة فيه؛ حيث قال: يعني: إذا كان منفردًا؛ لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، انتهى.\nفهذا كما رأيت يشير إلى أنَّه لا كراهة في ذلك، فإنَّ كلامه جامع للصورتين الذين ذكرناهما، ومع هذا؛ فليس فيه ما يقتضي الكراهة كما سيأتي؛ لأنَّه اختلف في علة الكراهة؛ فقيل: إنَّ العلة النَّهي الوارد، وقال إمامنا الشَّارح: (قيد بـ «غير جماعة»؛ لأنَّ ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة) انتهى، وقيل: إنَّ العلة أنَّ بين السواري محل وضع النعال، وقيل: إنَّ العلة كونه موضع مصلى مؤمني الجن، وقيل: خشية أن يمر مار بين يديه.\nقلت: وهذه العلل دائرة مع المعلول، فالظَّاهر أنَّ المكروه صلاته وحده منفردًا بين السواري مقتديًا بالإمام، أمَّا مع جماعة مقتدين بين السواري بالإمام؛ فلا كراهة فيه، كما لا كراهة إذا كان منفردًا وحده بين الأساطين بصلاة نفسه، فالصور ثلاثة: واحدة مكروهة، والأخريان لا كراهة فيهما، كما لا يخفى.\n\n <span id=\"b-٨٢٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-827>[حديث: دخل النبي البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال]</span>\n٥٠٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) هو ابن سلمة المنقري البصري البدري الذي يقال له: التَّبوذكي (قال: حدثنا جُويرية (^٢»؛ بِضَمِّ الجيم مصغرًا: هو ابن أسماء الضبعي، واسمه واسم أبيه من الأعلام المشتركة بين الرجال والنساء، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، روى عنه هنا بلا واسطة، ويروي عنه أيضًا بواسطة مالك بن أنس، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهماأنَّه (قال: دخل النَّبي) الأعظم (ﷺ البيت)؛ أي: الكعبة المشرفة، وفي رواية ابن عمر في باب (الأبواب والغلق للكعبة والمساجد): (أن النَّبي الأعظم ﷺ قَدِمَ مكة -أي: عام الفتح-، فدعا عثمان بن طلحة ففتح الباب، فدخل النَّبي الأعظم ﷺ)؛ أي: البيت (وأسامة بن زيد) هو خادمه، (وعثمان بن طلحة) هو الحجبي صاحب مفتاح البيت، وإنَّما أذن له بالدخول ودخل معه حتى لا يتوهم الناس عزله عن سدانة البيت، (وبلال) هو مؤذنه وخادم أمر صلاته، زاد في رواية الباب السَّابق: (ثم أغلق الباب)، وذلك لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعال النَّبي الأعظم ﷺ ليأخذوها عنه كما شاهدوا، فهذه الرواية دلت على أنَّ الرواية هنا كذلك، ويدل عليه قوله: (فأطال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ المكث فيه لأجل الصلاة والدعوات، (ثم خرج)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ وأصحابه من البيت، ويستفاد التراخي من قوله: (فأطال)، فقوله: (ثم): للتأكيد، وفي رواية الباب السَّابق: (فلبث فيه ساعة، ثم خرجوا).\nوقوله: (وكنت)؛ بالواو في رواية الأصيلي وابن عساكر، وبحذفها في رواية أبي ذر وكريمة إلى قوله: (أين صلى) من مقول ابن عمر (أول الناس دخل): جملة حالية، وكلمة (قد) مقدرة (على أَثَره)؛ بفتحتين؛ أي: على عقبه، وهي رواية «اليونينية»، وفي رواية: بكسرٍ فسكونٍ، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: (ثم خرج ودخل عبد الله على إثره أول الناس)؛ أي: دخولًا البيت، (فسألت بلالًا) أي: المؤذن: (أين صلَّى)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ؟ (قال)؛ أي: بلال، ولأبوي ذر والوقت: (فقال): صلَّى (بين العمودين المقدمين): وفي رواية الكشميهني: (المتقدمتين).\nومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.\nوفي الحديث: أنَّ الصلاة بين السواري للمنفرد غير مكروهة، وأمَّا مع الجماعة؛ فمكروهة كما بيَّنَّاه، وقال الرافعي: احتج البخاري بحديث ابن عمر عن بلال على أنَّه لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، وأشار إلى أنَّ الأَولى للمنفرد أن يصلِّي إلى السارية، ومع هذه الأولوية فلا كراهة في الوقوف بينها، فأمَّا في الجماعة؛ فالوقوف بين الساريتين كالصلاة إلى السارية، انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ فيه نظر؛ لورود النَّهي الخاص عن الصلاة بين السواري، كما رواه الحاكم من حديث أنس بإسناد صحيح، وهو في «السنن» الثلاثة، وحسَّنه الترمذي، انتهى.\nقلت: حفظ هذا القائل شيئًا، وغاب عنه أشياء، فإنَّ حديث النَّهي المذكور محمول على ما إذا صلى وحده منفردًا بين السواري مقتديًا بالإمام، فصلاته مكروهة؛ لأنَّ ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة، أمَّا إذا صلى منفردًا بين الساريتين بغير جماعة؛ فلا كراهة فيه، كما لا كراهة في صلاة المقتدين بين السواري بالإمام في محرابه، وهذا معنى كلام الرافعي، وقال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع إذا ضاق المسجد، وإنَّما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا.\nوقال مالك: لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد، وكان سعيد بن جبيروإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الأئمة الكوفيين، وأجازه ابن سيرين والحسين.\nوقال الطَّبري: كره قوم الصف بين السواري؛ للنَّهي الوارد، ومحل الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إمَّا لأنَّه موضع النِّعال، أو لانقطاع الصف، وقال القرطبي: سبب كراهة ذلك أنَّه مصلى الجن المؤمنين.\nوقال ابن بطال: إنَّما يكره أن يكون الصف تقطعه أُسطوانة إذا صلوا جماعة خشية أن يمر أحد بين يديه وإن كان الإمام سترة لمن خلفه، ويستحب أن تكون الأُسطوانة خلف الصف وأمامه يستتر\n_________\n(^١) في الأصل: (عرض)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (جويرة).","vol":"1","page":359},{"text":"بها المصلي في الجماعة، انتهى.\nقلت: وكلامه مخالف للنص؛ وهو قوله ﵇: «سترة الإمام سترة لمن خلفه»، أخرجه الطَّبراني من حديث أنس، وكذا روي عن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، فإنَّ هذا نص على أنَّه إذا صلى الإمام في محرابه والمقتدون خلفه بين الأساطين؛ لا تكره صلاتهم وإن مرَّ أحد أو كلب أو غيرهما؛ لأنَّ سترة إمامهم سترة لهم بالنص، كما لا يخفى.\nوقوله: (ويستحب...) إلخ: هذا إذا كان الإمام قدام الصف محكمًا، أما إذا كان الإمام في محرابه وخلفه صف وبعده صف آخر بين الأساطين؛ فلا كراهة في ذلك بالنص، على أنَّ هذا مذهبه، وهو لا يعارض الحديث، بل الحديث حجة عليه؛ فافهم.\nثم قال ابن بطال: واختلف السلف في الصلاة بين السواري؛ فكرهه أنس وقال: (كنا نتَّقيه على عهد رسول الله ﷺ)، وفي لفظ: (كنا نُنهى عن الصلاة بين السواري ونُطرد عنها)، صححها الحاكم، وقال ابن مسعود: (لا تصفوا بين الأساطين)، وكرهه حذيفة وإبراهيم وقال: (لا تصفوا بين الأساطين وأتموا الصفوف)، وسلفهم أثر عمر في ذلك، انتهى.\nقلت: هذا محمول على العلة في النَّهي كما تقدم، إمَّا لأنَّها موضع وضع النِّعال، وهي دائرة، فإذا زالت العلة؛ انتفت الكراهة، وإمَّا لكون المسجد واسعًا، وإمَّا لانقطاع الصفوف، أو غير ذلك مما سبق، فالعلة دائرة مع المعلول، وحيث انتفت العلة انتفت الكراهة على أنَّ هذا روي موقوفًا، وهو لا يُقاوِم المرفوع؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٢٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-828>[حديث: أن رسول الله دخل الكعبة وأسامة بن زيد]</span>\n٥٠٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن نافع) هو المدني مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي ﵄، وسقط (عبد الله) لابن عساكر: (أنَّ رسول الله ﷺ) بفتح الهمزة (دخل الكعبة)؛ أي: بعد أن أمر عثمان بفتح بابها بعد قدومه إلى مكة عام الفتح كما بيَّنتْه الرواية السَّابقة (وأسامة بن زيد) هو خادمه ﵇، قال الشَّارح: بنصب (أسامة) عطفًا على (رسول)، ويجوز رفعه عطفًا على فاعل (دخل) (وبلال) هو المؤذن المدفون بمقبرة باب الصغير بديارنا الشريفة الشامية (وعثمان بن طلحة الحَجَبِي)؛ بفتح الحاء المهملة والجيم، وبالموحَّدة المكسورة؛ نسبة إلى حجابة الكعبة، وهو الذي بيده مفتاح الكعبة (فأغلقها)؛ أي: أغلق عثمان الحجبي الكعبة؛ أي: بابها بأمره ﵇ (عليه)؛ أي: على النَّبي الأعظم ﷺ وأصحابه المذكورين، وإنَّما أغلق الباب عليهم؛ لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعال النَّبي الأعظم ﷺ، وإنَّما خَصَّ عثمان الحجبي بالغلق دون غيره من الموجودين؛ لأنَّه صاحب مفتاح الكعبة، أو (^١) حتى لا يتوهم الناس عزله عن سدانة الكعبة؛ فافهم، (ومكَث) بفتح الكاف وضمها (فيها)؛ أي: الكعبةِ النَّبيُّ الأعظم ﷺ وأصحابه المذكورون، وكان مكثه طويلًا، كما بيَّنتْه الرواية السَّابقة، وذلك لأجل الصلاة والدعوات.\nوقوله: (فسألتُ) بضمير المتكلم (بلالًا حين خرج) أي: من الكعبة: (ما صنع النَّبي) الأعظم (ﷺ؟) -أي: في الكعبة- من كلام ابن عمر، (قال) أي: بلال: (جعل) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه)؛ بالنصب على الظرفية، وذلك حين صلى في الكعبة، وإنَّما قدم اليسار على اليمين مع أنَّ اليمين أشرف؛ لأنَّ هذا حكاية الجعل المذكور عن هيئة الفعل في اللَّفظ مع قطع النَّظر عن الشرف في أحدهما، (وكان البيت يومئذٍ)؛ أي: يوم إذ دخله ﵇، وذلك عام الفتح (على ستة أعمدة)، وزعم الكرماني: وفي بعضها: (ستة)؛ بإسقاط لفظة: (على)، فهي مقدرة على طريق نزع الخافض، انتهى.\nقلت: ويفهم منه أنَّ لفظ: (ستة) مجرور بـ (على) مقدرة، وفيه أنَّ حروف الجر لا تعمل مقدرة، وقوله: (على طريق نزع الخافض): مفهومه أنَّها منصوبة بنزع الخافض، وهذا تناقض في الكلام مع خفاء المعنى المرام على أنَّه لم يَعزُ هذه النُّسخة لأصل يعتمد عليه، ولا لرواية راوٍ يعول عليه، فالله أعلم بصحتها، وعلى تقدير صحتها؛ فالصَّواب أنَّ (ستة) منصوب، إمَّا على الحال أو على التمييز، ويحتمل على بُعدٍ أنَّه منصوب على طريق نزع الخافض على هذه النُّسخة؛ فافهم.\n (ثم صلى)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ في الكعبة بين الأعمدة، ففيه: جواز الصلاة بين الأساطين من غير كراهة، وهو شامل للنفل والفرض مع جماعة وبدونها، فإنَّ لفظ الحديث مطلق، ولا مانع أنَّه ﵇ قد صلى في الكعبة جماعة، فإنَّها تحصل بواحد فأكثر -وكان معه ثلاثة- ولو كانت نفلًا؛ لأنَّ النفل بالجماعة مشروع ولو على سبيل التداعي، وهذا حجة على من كره ذلك مما قدمناه.\n (وقال إسماعيل) هو ابن أبي أويس -كما في رواية أبي ذر والأصيلي- ابن أخت مالك بن أنس، وفي رواية كريمة: (وقال لنا)، وهذه الرواية أحط رتبة ودرجة من (حدثنا)، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر والقسطلاني، وهذا يدل على أنَّ (لنا) ثابتة في رواية كريمة فقط، وزعم العجلوني أنَّها ثابتة في الروايتين، وليس كذلك كما لا يخفى؛ فافهم، وهذا موصول كما صرح به إمامنا الشَّارح؛ فافهم: (حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الأصبحي؛ أي: بهذا الحديث مع تتمة سنده السَّابق (وقال) ولأبي ذر: (فقال)؛ أي: في آخر الحديث: (عمودين عن يمينه)، فإن قلت: في رواية مالك إشكال؛ لأنَّه قال: (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه)، وهذان اثنان، ثم قال: (وثلاثة أعمدة وراءه) فتكون الجملة خمسة، ثم قال: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة).\nقلت: أجاب الكرماني: بأنَّ لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بيَّنه مالك في رواية إسماعيل بن أبي أويس، وهي قوله: (وقال لنا إسماعيل: حدثني مالك، فقال: عمودين عن يمينه)، فحينئذٍ تكون الأعمدة ستة.\nوأجاب ابن حجر: بأنَّه حيث ثنَّى؛ أشار إلى ما كان عليه البيت في الزمن النَّبوي، وحيث أفرد؛ أشار إلى ما كان عليه بعد ذلك، ويشير إليه قوله: (وكان البيت يومئذٍ)، فإنَّ فيه إشعارٌ (^٢) بتغيره عن هيئته الأولى.\nوقال خلف: لم أجده من حديث إسماعيل، وقد اختلف عن مالك في لفظه، فرواه مسلم: (عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه) عكس رواية إسماعيل، وفي رواية البخاري: (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه)، قال البيهقي: هو الصَّحيح، وفي رواية: (جعل عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره) عكس ما سبق.\nوقد ذكر الدارقطني الاختلاف على مالك فيه؛ فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: (عمودًا عن يمينه)، ووافق إسماعيل في قوله: (عمودين\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (لأنه).\n (^٢) في الأصل: (إشعارًا).","vol":"1","page":359},{"text":"عن يمينه) ابن القاسم، ومحمَّد بن الحسن، والقعنبي، وأبو مصعب، وأبو حذافة، وكذا ابن مهدي في إحدى الروايتين عنه، وأجاب قوم عنه باحتمال تعدد الواقعة.\nوفي رواية عن عثمان بن عمر عن مالك: (جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره)، فعلى هذا تكون الأعمدة سبعة، ويردها قوله: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة) بعد قوله: (وثلاثة أعمدة وراءه)، وعن هذا قال الدارقطني: (لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك).\nوأجاب الكرماني بجوابين آخرين؛ الأول: هو أنَّ الأعمدة الثلاثة المقدمة ما كانت على سَمْتٍ واحد بل عمودان مُسَامتان، والثالث على غير سَمْتِهِمَا، ولفظ (المقدمين) في الحديث السَّابق يشعر به، فتعرض للعمودين المسامتين وسكت عن ثالثهما، والثاني: أن تكون الثلاثة على سمت واحد، وقام رسول الله ﷺ عند الوسطاني.\nقلت: ويؤيد الوجه الأول منهما ما رواه مجاهد عن ابن عمر في باب: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فإنَّ فيها: (صلى بين الساريتين اللتين على يسار الداخل)، وهو يدل على أنَّه كان هناك عمودان على اليسار وأنَّه صلى بينهما، فيحتمل أنَّه كان هناك عمود آخر عن اليمين وعلى غير سمت العمودين، وعلى هذا فمن قال: (جعل على يمينه عمودين)، ومن قال: (جعل عمودًا عن يمينه)، كلاهما صحيح، وعلى الوجه الثاني يصح قول من قال: (جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره)، وكأنَّه لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: (عمودين) اعتبره.\nوأجاب قوم: بأنَّه ﵇ انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل به الصلاة لقلته، وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الصلاة في البيت إنَّما كانت للتبرك والفضل، والانتقال المذكور زيادة فضيلة وهو وجيه، واحتمال تعدد الواقعة بعيد؛ لاتحاد مخرج الحديث، وجزم البيهقي بترجيح رواية إسماعيل، وتمامه في الشرح، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٢٩\"> </span>(٩٧) [بابٌ]\nهذا (بابٌ)؛ بالتنوين، قال الشَّارح: (فإذا لم تقدر شيئًا؛ لا يكون معربًا؛ لأنَّ الإعراب يكون بالعقد والتركيب، كذا وقع لفظ «باب» بلا ترجمة في رواية الأكثرين، وليس لفظ «باب» في رواية الأصيلي، وعلى قول الأكثرين؛ هو كالفصل من الباب الذي قبله، وإنَّما فصله؛ لأنَّ فيه زيادة، وهي مقدار ما كان بينه وبين الجدار من المسافة) انتهى، يعني: وليس فيه تصريح بكون الصلاة وقعت بين السواري، وإنَّما فيه بيان المقدار المذكور.\nوزاد الكرماني: أو لأنَّ الموضع المذكور من كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كونها بين الأسطوانتين، انتهى.\nقلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّه لا يلزم ذلك؛ لأنَّه قد يكون ليس هناك أسطوانة ولا أسطوانتان، فالصَّواب ما علل به إمام الشَّارحين، وتبعه العجلوني، ولم يعزه إليه، ونسبه لنفسه، وهذه عادته، فلله در إمامنا ﵁.\n\n <span id=\"b-٨٣٠\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-830>[حديث: أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه]</span>\n٥٠٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا) بالجمع، ولأبي الوقت بالإفراد (إبراهيم بن المنذر)، اسم فاعل من الإنذار، هو أبو إسحاق الحزامي المديني (قال: حدثنا أبو ضَمْرة)؛ بفتح الضَّاد المعجمة، وسكون الميم: هو أنس بن عياض اللَّيثي المدني، المتوفى سنة مئتين، كما مر في باب (التبرز في البيوت) (قال: حدثنا موسى بن عقبة) هو ابن أبي عياش المديني، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني: (أنَّ) بفتح الهمزة (عبد الله) زاد الأصيلي: (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي المدني ﵄ (كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (إذا دخل) أي: ابن عمر (الكعبة)؛ أي: البيت الحرام للصلاة فيه الفرض أو الواجب أو النفل، وقوله: (مَشى): جواب (إذا)؛ بفتح الميم، مصدر مشى يمشي مشيًا (قِبَل وجهه)؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل وجهه (حين يدخل)؛ أي: ابن عمر الكعبة؛ يعني: لا يقف، بل بمجرد الدخول يمشي؛ لأنَّه ليس لوقوفه فائدة؛ فافهم، (وجعل الباب) أي: باب الكعبة (قِبَل)؛ بكسر أوله وفتح ثانيه؛ أي: مقابل (ظهره)، وقوله: (فمَشى): الفاء فيه للتعقيب (حتى يكونَ)؛ بالنصب؛ أي: إلى أن يكون (بينه) أي: ابن عمر (وبين الجدار) أي: جدار الكعبة الجنوبي (الذي قِبَل)؛ بكسر أوله وفتح ثانيه؛ أي: مقابل (وجهه)؛ أي: وجه ابن عمر، وقوله: (قريبًا)؛ بالنصب، ويروى: بالرفع، وهو الأصل؛ لأنَّه اسم (يكون)، والظرف المقدم خبرها، ووجه النصب أن يكون اسمه محذوف؛ تقديره: يكون القَدْر أو المكان قريبًا من ثلاثة أذرع، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الكرماني، والبرماوي، وابن حجر، يعني: أنَّ (قريبًا) بالنصب خبر (كان) والاسم محذوف، وزعم الزركشي أنَّه خطأ.\nقلت: رواية النصب لأكثر الرواة ثابتة لا محالة، ووجهها ظاهر، فخطؤه مردود عليه.\nوعبارة ابن حجر تفيد أنَّ الرواية بالنصب لا غير، قلت: وفيه قصور، فإنَّ الرواية بالرفع ثابتة لبعض الرواة، بل قال في «التنقيح»: الصَّواب الرفع، ووجَّهه الدماميني بأنَّه على حذف الموصول وبقاء صلته؛ أي: حتى ما يكون، قال: ولكنه ليس بمقيس، انتهى، قلت: وما قَدَّر به إمامنا الشَّارح هو الصَّواب، والسياق يدل عليه، بخلاف تقدير الدماميني، فإنَّ فيه تعسفًا وخروجًا عن القواعد.\nوزعم العجلوني أنَّ (بين) تتصرف قليلًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قراءة الرفع، فلو حمل ما هنا عليه؛ لكان وجيهًا؛ فتأمله.\n (من ثلاثة أذرع)؛ بالتأنيث رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: (ثلاث)؛ بالتذكير، ووجه التأنيث مع أنَّ الذراع مذكر: أنَّه شبهه بذراع اليد؛ وهو يجوز تذكيره وتأنيثه، قاله الكرماني.\nوقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: الذراع مذكر فما وجه تركه التَّاء؟\nقلت: أجاب بعضهم: بأنَّ الذراع يذكر ويؤنث، وليس كذلك على الإطلاق، بل الذراع الذي يذرع به يذكر، وذراع اليد يذكر ويؤنث، وههنا شبهه بذراع اليد) انتهى.\nقلت: مراده بقوله: (بعضهم): ابن حجر، فإنَّه قال: (الذراع يذكر ويؤنث)، ولم يقيده بشيء، وتبعه القسطلاني، وفيه نظر ظاهر لا يخفى؛ حيث لم يفرق بين الذي يذكَّر فقط وبين الذي يذكَّر ويؤنث؛ فافهم.\nوأجاب العجلوني تعصبًا بأنَّه يمكن حمل كلام ابن حجر على ذراع اليد لا الآلة مع أنَّه مؤنث.\nقلت: وهو ظاهر الفساد مع ما فيه من العناد؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ وصريحه يدل على أنَّ المراد ذراع الآلة؛ لأنَّه هو الذي يذرع به، وتمسح به الأرض، ويبتاع به العامة، وهو مذكَّر لا غير، فكيف يحمل على ما ذكر؟ وما ادعاه من أنَّ الذراع بمعنى الآلة مؤنث؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يقل به أحد من أئمة اللُّغة ولا غيرهم، فهو تأنيث من عنده مردود عليه؛ فافهم.\nوقوله: (صلى): جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا (يَتوخى)؛ بفتح التحتية أوله، وبالخاء المعجمة، آخره ألف وتكتب ياء؛ أي: يتحرَّى، يقال: توخيت مرضاتك؛ أي: تحريت وقصدت، والجملة محلها نصب على الحال (المكان) بالنصب على المفعولية من الكعبة المشرفة (الذي أخبره به) أي: بذلك المكان منها (بِلال)؛ بكسر الموحَّدة، مؤذن النَّبي الأعظم ﷺ: (أنَّ) بفتح الهمزة (النبي) الأعظم (ﷺ)، وخبر (أنَّ) جملة قوله: (صلى فيه)؛ أي: في ذلك المكان الذي أخبره به بلال ﵁.\n (قال) أي: عبد الله بن عمر ﵄: (وليس على أحدنا) ولابن عساكر: (وليس على أحد)؛ بحذف لفظة (نا)، وقوله: (بأس): اسم (ليس)؛ أي: شدة (إن صلى)؛ بكسر الهمزة، و(صلى)؛ بلفظ الماضي، وفي رواية الكشميهني: (أن يصلِّي) بفتح الهمزة، ولفظ المضارع؛ والتقدير: ولا بأس من أن يصلِّي، وحذف حرف الجر سائغ، كذا قرره إمام الشَّارحين، وتبعه الشَّارحون؛ فافهم، (في أيِّ نواحي) أي: في أيِّ جهات (البيت) أي: الكعبة المعظمة (شاء)؛ أي: فهو مخيَّر في الصلاة في أيِّ مكان شاء منها.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة في الباب السَّابق بطريق الاستلزام، وهو أنَّ الموضع المذكور من","vol":"1","page":360},{"text":"كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كون صلاته بين الساريتين.\nقلت: وفيه تعسف قدمنا وجهه قريبًا.\nوفي الحديث: جواز الصلاة مطلقًا فرضها وواجبها ونفلها في البيت الحرام، وهو مذهب الأئمة الحنفية، وبه قال الشَّافعي، وتبعهم أحمد ابن حنبل في النفل، وخالفهم في الفرض، فمنع الفريضة فيها، والحديث حجة عليه.\nوفيه: استحباب الدنو من السترة؛ لأنَّ الشَّارع قد أمر بالدنو منها؛ كيلا يتخلل الشَّيطان ذلك، والأمر هنا للاستحباب، كما لا يخفى.\nوفيه: أنَّ السترة بين المصلي والقبلة ثلاثة أذرع، وادعى ابن بطال أنَّ الذي واظب عليه النَّبي الأعظم ﷺ في مقدار ذلك ممرُّ الشاة، كما جاء في الآثار، انتهى.\nولم يعترضه أحد من الشراح، وأقول: هذه دعوى لا دليل لها؛ لأنَّه قد جاء في الآثار تارة: (ثلاثة أذرع)، وتارة: (ممر الشاة)، بل الذي دلت عليه الآثار المواظبة على ثلاثة أذرع؛ لأنَّه هو الذي يتمكن المصلي من دفع المار بين يديه، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح: (قال أبو إسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلِّي بينه وبين القبلة ستة أذرع)، وفي نسخة: (ثلاثة أذرع)، ولهذا لم يحدَّ مالك بن أنس في هذا حدًّا إلا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد؛ فافهم.\nوفي الحديث: أنَّه لا يشترط في صحة الصلاة في البيت موافقة المكان الذي صلى فيه النَّبي الأعظم ﷺ، كما أشار إليه ابن عمر، ولكن الموافقة أولى، وإن كان يحصل الفرض بغيره، ففيه أنَّه تستحب الصلاة في ذلك المكان؛ لأجل الموافقة.\nوقد قدمنا أنَّ الحديث لا يدل صريحًا على الصلاة بين الساريتين، وقد اختلف السلف في الصلاة بين السواري؛ فأجازه الأئمة الكوفيون، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وقال مالك: لا بأس بالصلاة بينها لضيق المسجد، وكرهها أنس بن مالك؛ لورود النَّهي بذلك، رواه الحاكم وصححه، وقال ابن مسعود: (لا تصفوا بين الأساطين وأتموا الصفوف)، قال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد، وإنَّما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا، وقال القرطبي: سبب الكراهة أنَّه روي: أنَّ بين الأساطين مصلى الجن المؤمنين، انتهى.\nقلت: وسبب الكراهة أنَّ بين الأساطين مكانٌ مُعدٌّ لوضع النعال، وهي ملوثة بالنجاسات غالبًا، فالتحرز عنها مطلوب، وقد يقال: إنَّ النعال تطهر بالدلك، فهي طاهرة عند الجمهور، وأقول: ولمَّا وَرَد: أنَّ بين الأساطين مصلى الجن؛ فلا مجال لإيراد سبب آخر؛ فافهم، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٣١\"> </span>(٩٨) <span data-type=\"title\" id=toc-831>[باب: الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ</span>.]\nهذا (باب) حكم (الصلاة) أي: بالتوجه (إلى الراحلة) قيل: وفي نسخة: (على الراحلة)، وهي بمعنى (إلى)؛ لأنَّ حروف الجر يستعار بعضها مكان بعض، ويأتي بعضها بمعنى بعض، وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ لأنَّه أعم؛ فافهم.\nوالمراد بالحكم: الجواز لا الندب كما زعمه العجلوني، فإنَّه غير مصيب؛ لأنَّ المندوب الصلاة إلى سترة لا خصوص الراحلة ونحوها؛ فليحفظ.\nوالرَّاحلة: النَّاقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل؛ عُرِّفت، والهاء فيه للمبالغة؛ كما يقال: رجل داهية وراوية، وقيل: إنَّما سميت راحلة؛ لأنَّها ترحل، كما قال تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]؛ أي: مرضية، وتجمع على رواحل، وقال الجوهري: الراحلة: الناقة التي تصلح لأن يوضع عليها الرحل، وقال الأزهري: الراحلة: المركب النجيب ذكرًا كان أو أنثى، انتهى.\n (و) إلى (البعير) وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، يقال للجمل: بعير، وللناقة: بعير، وبنو تميم يقولون: بِعير وشِعير؛ بكسر الباء الموحدة والشين المعجمة، والفتح هو الفصيح، وإنَّما يقال له: بعير؛ إذا أجدع، والجمع: أبعرة في أدْنى العدد، وأباعر في الكثير، وأباعير وبعران، وهذه عن الفراء، ومعنى أجدع: إذا دخل في السَّنة الخامسة.\nقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: إذا أطلق البعير على الناقة، والراحلة هي الناقة، فما فائدة ذِكر البعير؟ قلت: ذهب بعضهم إلى أنَّ الراحلة لا تقع إلا على الأنثى، ولأجل ذلك أردفه بالبعير، فإنَّه يقع عليهما) انتهى.\nقلت: فعطف (البعير) على (الراحلة) من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ الراحلة خاصة بالناقة والبعير أعم، وسقط لفظ: (البعير) للأصيلي.\n (و) إلى (الشجر) هو جمع شجرة؛ وهي ما له ساق من النباتات، (و) إلى (الرَّحْل)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الحاء المهملة؛ وهو للبعير أصغر من القتب، وهو الذي يركب عليه، وهو الكُور، بِضَمِّ الكاف؛ كالسرج للفرس.\nقال ابن بطال: وهذه الأشياء كلها تجوز الصلاة إليها، وكذا تجوز إلى كل شيء طاهر، انتهى.\nقلت: وفي إطلاقه نظر؛ لأنَّ كل شيء غير ما ذكر يشترط فيه أن يكون طول ذراع فأكثر؛ لحديث عائشة عند النسائي قالت: سئل رسول الله ﷺ في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرَّحْل»؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٨٣٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-832>[حديث: أن النبي كان يعرض راحلته فيصلي إليها]</span>\n٥٠٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدَّمي) بتشديد الدَّال المهملة، اسم مفعول (البصري) وهي ساقطة في بعض النُّسخ (قال: حدثنا مُعتمر) بِضَمِّ الميم، اسم فاعل (بن سُليمان) بِضَمِّ السين المهملة، (عن عبيد الله) بالتصغير، زاد الأصيلي: (ابن عمر)، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني ﵄، (عن النَّبي) الأعظم (ﷺ) وقوله: (إنَّه) بكسر الهمزة (كان)؛ أي: في بعض الغزوات، لا يقال: إنَّ لفظة (كان) للدوام والاستمرار؛ لأنَّا نقول: ليست هي في هذا المعنى في جميع الأوقات، بل تارة وتارة؛ بدليل أنَّه ﵇ كان يصلِّي في المسجد النَّبوي لغير راحلة؛ فافهم، (يُعرِّض)؛ بِضَمِّ التحتية وتشديد الرَّاء، من التعريض؛ أي: يجعلها عرضًا، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه في «الفتح»، وفي رواية: (يَعْرُض)؛ بفتح أوله وسكون ثانية وضم ثالثه أو كسره، واستوجهها القاضي عياض كما في «التنقيح».\nقلت: ولم يذكر وجهها أحد من الشراح، ولعله أنَّ الرواية الأولى تفيد المبالغة بخلاف الثانية، فيحتاج في الأولى إلى عمل كثير من تسويتها إمَّا بنفسه أو بغيره، بخلافه على الثانية فإنَّه لا يحتاج لشيء سوى وضعها تلقاء وجهه الشريف ﷺ، وهو كان لحصول المقصود؛ فتأمَّل.\n (راحلته)؛ أي: المخصوصة به ﵇ في أسفاره بدليل إضافتها إليه، ولو قال: راحلة؛ بالتنكير؛ لاحتمل أن يجعل راحلة غيره من أصحابه، ولعله إنَّما كان يفعل ذلك لأجل التشريع من حيث إنَّ الإنسان إذا كان مسافرًا مع جماعة؛ يجعل راحلة نفسه دون غيره؛ لاحتمال نجاسة راحلة غيره، أو عدم إذنه، أو غير ذلك؛ فافهم (فيصلِّي إليها)؛ أي: يجعلها سترة في صلاته تلقاء وجهه الشريف ﷺ.\n (قلت) من قول نافع لمولاه ابن عمر، كما صرح به إمام الشَّارحين حيث قال: (فإن قلت: مَنْ السائل هنا مِنَ المسؤول؟ قلت: الذي يدل [عليه] الظَّاهر أنَّه كلام نافع، وهو السائل، والمسؤول عنه: هو ابن عمر، لكن وقع في رواية الإسماعيلي من طريق عبيدة بن حميد عن عبيد الله بن عمر أنَّه كلام عبيد الله، والمسؤول نافع، فعلى هذا يكون هذا مرسلًا؛ لأنَّ فاعل «يأخذ» هو النَّبي الأعظم ﷺ ولم يدركه نافع) انتهى.\nقلت: وقد تمسك بهذه الرواية العجلوني، واعتمد أنَّ السائل عبيد الله والمسؤول نافع، ونفى القول بأنَّه من قول نافع والمسؤول ابن عمر، ولا يخفى أنَّ الظَّاهر يخالفه، فإنَّ سياق اللَّفظ يدل صريحًا على أنَّ السائل نافع، والمسؤول ابن عمر ﵄، ورواية الإسماعيلي لا تدل على ذلك؛ لأنَّها من طريق آخر غير ما ذكر، فهي قصة أخرى غير هذه، فالصَّواب ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ، ولا حاجة إلى دعوى الإرسال هنا؛ لأنَّه مخالف للظاهر كما لا يخفى، نعم؛ هو واقع في رواية الإسماعيلي، وهي قضية","vol":"1","page":360},{"text":"أخرى؛ فليتأمل.\n (أفرأيت) الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة؛ أي: أرأيت في تلك الحالة فرأيت في هذه الحالة الأخرى؟ والمعنى: أخبرني عن هذه، وفي رواية الأصيلي: (أرأيت)؛ بدون الفاء (إذا هبَّت)؛ بتشديد الموحَّدة؛ بمعنى: هاجت وتحركت، يقال: هبَّ الفحل؛ إذا هاج، وهبَّ البعير في السير؛ إذا نشط، وقال ابن بطال: هبَّت: زالت عن مواضعها وتحركت، يقال: هبَّ النائم من نومه؛ إذا قام، وقيده الأصيلي: بِضَمِّ الهاء على البناء للمفعول، والفتح أصوب، كذا في «عمدة القاري»، وفي بعض النُّسخ: (إذا هب)؛ بدون التَّاء، كما زعمه الكرماني، (الرِّكاب)؛ بكسر الرَّاء، وتخفيف الكاف: الإبل التي يسار عليها، والواحدة الراحلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: الركْب؛ مثل: الكتْب؛ بسكون ثانيه، وقال ابن بطال: هبَّت: زالت عن مواضعها وتحركت فشوشت على المصلي لعدم استقرارها، وجواب الاستفهام أو الشرط محذوف؛ تقديره: ما الذي يصنع المصلي؟ (قال)؛ أي: ابن عمر لنافع، لا نافع لعبيد الله: (كان)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ إذا أراد الصلاة في الصحراء؛ (يأخذ الرَّحل): هذه رواية الأكثرين، وفي رواية: (يأخذ هذا الرَّحل)؛ أي: يقيم الرَّحل عن الناقة، فيضعه على الأرض قِبَل وجهه الشريف؛ لأنَّه لو تركه عليها؛ لشوشت عليه من أجل حركتها، وعدم استقرارها، وزعم ابن بطال؛ أي: يتركه على الناقة، ونقله العجلوني عنه، وكلاهما غير مصيب؛ لأنَّ في تركه عليها تشويشًا كما ذكرنا، وليس المعنى كما زعمه بل ما ذكرناه، كما لا يخفى على من له أدنى فهم في المعاني، ويدل لما قلناه قوله: (فيُعَدِّله)؛ بِضَمِّ التحتية، وفتح العين المهملة، وكسر الدَّال المهملة المشددة، من التَّعديل؛ وهو تقويم الشيء، يقال: عدَّلته فاعتدل؛ أي: قومته فاستقام؛ والمعنى: أنَّه يقيمه تلقاء وجهه؛ لأنَّ الإبل إذا هاجت؛ شوشت على المصلي لعدم استقرارها، فحينئذٍ كان النَّبي الأعظم ﷺ يعدل عنها إلى الرَّحل، فيجعله سترة، كذا قاله إمامنا الشَّارح، وتبعه الشراح.\nوضبطه ابن حجر: بفتح التحتية، وسكون العين، وكسر الدَّال؛ أي: يقيمه تلقاء وجهه، انتهى.\nوهذا كما رأيت خلط وخبط، ولهذا ردَّه إمام الشَّارحين حيث قال: (والصَّواب ما ذكرناه؛ لأنَّه من باب «فعَّل»؛ بالتشديد، وقد يأتي بمعنى «فعَل»؛ بالتخفيف، كما يقال: زلته وزيلته، وكلاهما بمعنى: فرقته) انتهى.\nقلت: فأفاد أنَّه قليل، والصَّواب الأول؛ فاعرفه، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ فافهم.\n (فيصلِّي إلى أَخَرَته)؛ بفتح الهمزة والخاء المعجمة والرَّاء، بلا مد، ويجوز المد في الهمزة، ولكن بكسر الخاء؛ وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب؛ يعني: يصلِّي إلى آخرة الرَّحل فيجعلها على أحد حاجبيه، ولا يصمد (^١) إليها صمدًا (أو قال: مُؤْخِرته)؛ بـ (أو) التي للشك، وهو من نافع لا من عبيد الله، وفيها وجوه؛ أحدها: بِضَمِّ الميم، وكسر الخاء، وسكون الهمزة، والثاني: بفتح الخاء المشددة، والثالث: إسكان الهمزة، وتخفيف الخاء، وقال أبو عبيد: يجوز كسر الخاء وفتحها، وأنكر ابن قتيبة الفتح، وقال ابن مكي: لا يقال: مقدِّم ومؤخِّر؛ بالكسر إلا في العين خاصة، وأمَّا في غيرها؛ فلا يقال إلا بالفتح فقط، وقال الجوهري: مؤخرة الرَّحل: لغة قليلة في آخرته، وقال ابن التين: رويناه بفتح الهمزة، وتشديد الخاء مع فتحها، وقال القرطبي: مُؤخِّرة الرحل: هو العود الذي يكون في آخر الرحل، بِضَمِّ الميم، وكسر الخاء، الرابع: روى بعضهم: بفتح الهمزة وتشديد الخاء، كذا قرره في «عمدة القاري».\n (وكان ابن عمر يفعله) هو مقول نافع، والضمير المنصوب في (يفعله) راجع إلى كل واحد من التعريض والتَّعديل اللذين يدل عليهما قوله: (يعرِّض) وقوله: (فيعدِّله) من قبيل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ فافهم.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: (فيعرض إلى راحلته فيصلِّي إليها)، وفي قوله: (كان يأخذ الرَّحل...) إلى آخره، وأمَّا البعير؛ فقد روى ابن أبي شيبة عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: (أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ كان يصلِّي إلى بعيره)، وأمَّا الصلاة إلى الشجر؛ ففي حديث علي بن أبي طالب قال: (لقد رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ، فإنَّه كان يصلِّي إلى شجرة يدعو حتى أصبح)، رواه النسائي بإسناد حسن.\nقلت: وهذا غير ظاهر.\nوقال إمام الشارحين: (فإن قلت: حديث الباب لا يدل على الصلاة إلى البعير والشجر؛ قلت: كأنَّه وضع التَّرجمة على أنَّه يأتي لكل جزء منها بحديث، فلم يجد على شرطه إلا حديث الباب، وهو يدل على الصلاة إلى الراحلة أو الرحل، واكتفى به عن بقية ذلك بالقياس على الراحلة) انتهى.\nوقد أخرج النسائي من حديث عائشة ﵂: سئل رسول الله ﷺ في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرحل»، وعلى كل حال فإحالة التَّرجمة في مطابقتها لحديث خارج عن بابها بل عن كتابها غير ظاهرة مع ما فيها من البعد.\nوقال الكرماني: دلالة الحديث على الصلاة إلى البعير والشجر والرحل بالقياس على الراحلة.\nوزعم ابن حجر: كأنَّه ألحق البعير بالراحلة للمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أنَّه أشار إلى ما رواه أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع بلفظ: (كان يصلِّي إلى بعيره)، وبه حصل المقصود، ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق: (أنَّ ابن عمر كان يكره أن يصلِّي إلى بعير إلا وعليه رحل)، وألحق الشجر بالرحل، انتهى ملخصًا.\nقلت: وهذا كله لا يجدي، وما هو إلا مأخوذ من كلام الكرماني، ولم يبين المعنى الجامع بين البعير والراحلة، فإنَّا قد أسلفنا أنَّ الراحلة خاصة بالنَّاقة، والبعير: هو الذي دخل في سن الخامسة، فليس فيه معنًى جامعًا بينهما، بل بينهما عموم وخصوص.\nوما ذكره من الاحتمال بعيد جدًّا؛ لأنَّه إحالة على غير موجود في الباب، بل ولا في الكتاب أصلًا، فكيف يشير إليه؟ وما زعمه من حصول المقصود والتأييد، أين المقصود الذي حصل؟ وأين التأييد؟ فإنَّ ما أخرجه عبد الرزاق يدل على منع الصلاة إلى البعير مجردًا عن رحله، والتَّرجمة صريحة في الصلاة إلى البعير مجردًا عن الرحل كما صرح به الحديث أيضًا؛ حيث قال: (كان يأخذ الرحل فيعدله)، وعلى كل حال؛ فما زعمه غير مفيد وغير ظاهر، بل الجواب الصَّحيح الموافق للصواب ما قاله إمام الشَّارحين ﵁؛ فافهم.\nقال الخطابي: وفي الحديث: دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان، انتهى.\nوقال ابن بطال: وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شيء طاهر.\nوقال القرطبي: في هذا الحديث: دليل على جواز التستر بالحيوان، ولا يعارضه النَّهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأنَّ المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذٍ؛ إمَّا لشدة نتنها، وإمَّا لأنَّهم كانوا يَتخلَّون بينها مستترين، وقيل: علة النَّهي في ذلك كون الإبل خُلِقت من الشياطين، وقد سبق الكلام فيه، أفاده في «عمدة القاري».\nقلت: فيحمل ما وقع منه في حالة السفر من الصلاة إليها على الضرورة، ونظير ذلك صلاته إلى السرير الذي عليه المرأة؛ لأنَّ البيت كان حينئذٍ ضيقًا، وعلى هذا؛ فقول الأئمة الحنفية والشَّافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة؛ محمولٌ على حالة الاختيار لا حالة الاضطرار.\nوروى عبد الرزاق بسنده إلى ابن عمر: (أنَّه كان يكره أن يصلِّي إلى بعير إلا وعليه رحل)، ولعله أنَّها في حال شد الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها عنه، والله تعالى أعلم.\nقال القسطلاني: والحديث من الرُّباعيات، واعترضه العجلوني بأنَّه خماسي لا رباعي، انتهى.\nقلت: بل هو رباعي؛ لأنَّ الحديث مشتمل على جُمَلٍ من الكلام، وقوله: (وكان ابن عمر يفعله) وقوله (قلت: أفرأيت) من كلام نافع، فهو من إطلاق الجزء على الكل مجازًا، فبهذا صح ما قاله القسطلاني، وفسد ما زعمه العجلوني؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٣٣\"> </span>(٩٩) <span data-type=\"title\" id=toc-833>[باب الصلاة إلى السرير]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة إلى السرير)؛ أي: الذي عليه المرأة، والمراد: على السرير؛ لأنَّ كلمة (إلى) بمعنى (على)؛ لأنَّ حروف الجر يقام بعضها مقام بعض لا سيما هو واقع في الفصيح، قال الله تعالى: ﴿لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على جذوعها، وفي رواية ابن عساكر: (باب الصلاة على السرير)؛ فليحفظ، وتقدير: (حكم) أولى من تقدير الجواز؛\n_________\n(^١) في الأصل: (يصمت)، وهو تحريف.","vol":"1","page":361},{"text":"لأنَّ الحكم أعم؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٣٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-834>[حديث عائشة: أعدلتمونا بالكلب والحمار لقد رأيتني </span>مضطجعةً على]\n٥٠٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عثمان ابن أبي شيبة): نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة -واسمه إبراهيم- بن عثمان أبو الحسن العبسي الكوفي، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة، المتوفي في المحرم سنة تسع وثلاثين ومئتين، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين (قال: حدثنا جَرير)؛ بفتح الجيم: هو ابن عبد الحميد الرازي، الكوفي الأصل، (عن منصور) هو ابن المعتمر -بلفظ الفاعل- السُّلَمي الكوفي، (عن إبراهيم) هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي التَّابعي، (عن الأسود) هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي التَّابعي، خال إبراهيم المذكور، (عن عائشة): الصديقة بنت الصديق الأكبر أم المؤمنين ﵂ وعن أبويها، وفي إسناد الحديث: رواته كوفيون، ورواية تابعي عن تابعي عن الصَّحابية، وهما موافقان في اسم الأب والجد والنسبة، ويفترقان من حيث إنَّ إبراهيم تابعي صغير، والأسود تابعي كبير، وإنَّما سمي الأسود؛ لأنَّه كان شديد السمرة، فلونه مائل إلى السواد، فسمي به، والله أعلم.\n (قالت)؛ أي: لمن كان في حضرتها من الرجال والنساء لما قالوا: (يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار): (أَعَدَلتمونا)؛ بفتح الهمزة التي هي للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وفتح العين المهملة والدَّال المخففة؛ معناه: لم عدلمتونا (بالكلب والحمار؟!)، وظاهر كلامها يدل على أنَّها تقول بأنَّ الكلب والحمار يقطعان الصلاة، وإنَّما أنكرت عليهم تسويتهم المرأة بهما مع شرفها وخستهما، (لقد) وفي رواية: (ولقد) (رأيتُني)؛ بِضَمِّ المثناة الفوقية للمتكلم، وكون ضميري الفاعل والمفعول عبارتين عن شيء واحد من جملة خصائص أفعال القلوب، قاله الكرماني، ومقتضاه أنَّها قلبية هنا، وهو بعيد، والظَّاهر أنها بصرية، ويدل عليه قول إمام الشَّارحين: المعنى: رأيت نفسي، حتى لا يقال: فيه كون الفاعل والمفعول واحدًا، أفاده العجلوني.\nقلت: والصَّواب: أنها بصرية، والمعنى كما ذكره إمامنا الشَّارح، ومراده الرد على الكرماني؛ لأنَّه ذكر عبارته ثم ناقضها بما ذكر، وهو الحق، كما لا يخفى على أولي الألباب.\n (مضطجعةً)؛ بالنصب على الحال؛ لأنَّ الرؤية هنا من رؤية العين، قاله الشَّارح، ويحتمل نصبه على أنَّه مفعول ثان؛ فافهم، (على السرير)، جمعه (^١) أسرة وسُرُر: بِضَمِّ الرَّاء، وبعضهم يفتحها؛ وهو التخت المعروف، وكان في زمانهم يتخذ من الخوص وإلى الآن في الحجاز، وأمَّا في ديارنا الشريفة الشامية؛ فيتخذ من الخشب والدفوف، كما لا يخفى، (فيجيء النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: إلى بيتها حتى يصل إلى السرير، (فيتوسط السرير)؛ أي: يجعل نفسه في وسط السرير، يدل عليه أنَّ البيوت وقتئذٍ ضيقة لا تسع غير السرير، كما روي في الأحاديث؛ فافهم.\nوفسره العجلوني: أي: بالتوجه إليه من غير جلوس عليه.\nقلت: وهو خلاف ظاهر اللَّفظ؛ لأنَّ المراد من توسطه السرير: الجلوس عليه، وهو الظَّاهر، وما رواه البخاري في (الاستئذان) كما يأتي لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّ ما ذكر هنا قصة غير القصة التي ذكرت في (الاستئذان)، فافترقا، ويدل عليه اختلاف ألفاظهما متنًا وسندًا ورجالًا؛ فليحفظ.\n (فيصلي)؛ أي: عليه، ففيه المطابقة للتَّرجمة؛ لأنَّ مراده فيها: الصلاة على السرير؛ فافهم (فأَكره)؛ بفتح الهمزة؛ أي: قالت عائشة ﵂: فأكره؛ أي: لا أحب (أن) بفتح الهمزة (أَسْنَحَه)؛ بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح النُّون والحاء المهملة، كذا في رواية (الفرع) و(أصله)، وفي فرع آخر: بِضَمِّ الهمزة، وفتح السين، وتشديد النُّون المكسورة، وفتح الحاء، وللأصيلي: بِضَمِّ الهمزة، وسكون السين، وكسر النُّون، وفتح الحاء، والرواية الأولى اقتصر عليها إمامنا الشَّارح، وكذا الكرماني وابن حجر، وتبعهم القسطلاني، وهذا يدل على أنَّه هو المعروف في اللُّغة، لكن قال ابن التين: بكسر النُّون فيما رويناه، ورواه غيره: بفتح النُّون، وقال الدماميني: بكسر النُّون وفتحها، والمعروف في اللُّغة الفتح، وقد جاء: (فأكره أن أستقبله)، وفي رواية: (فأكره أن أجلس فأؤذيه)، وقال في «عمدة القاري»: هو من قولك: سنح لي الشيء؛ إذا عرض، تريد: أنَّي أكره أن أستقبله ببدنه في صلاته، ومن هذا سوانح الظباء؛ وهو ما يعترض المسافرين فيجيء عن مياسرهم ويجوز إلى ميامنهم، والسانح عند العرب: ما يمر بين يديك عن يمينك، وكانوا يتيمنون به، ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك؛ لأنَّه أمكن للرمي، والبارح عكسه، والعرب تتطير به، وقال صاحب «العين»: أسنحه: أي أظهر له، وكلما عرض لك؛ فقد سنح، انتهى.\n (فأنسَلُّ)؛ بقطع الهمزة، وفتح السين المهملة، وتشديد اللَّام على صيغة المتكلم من المضارع عطفًا على (أكره)؛ أي: أخرج بخفية أو برفق (من قِبَل)؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة؛ أي: من جهة (رجلي السرير)؛ بلفظ التثنية مضافًا إلى (السرير) (حتى أنسَلَّ)؛ أي: أخرج بخفية أو برفق كسابقه إلا أنَّ هذا منصوب؛ أي: إلى أن أنسل (من لِحَافي)؛ بكسر اللَّام، وفتح الحاء المهملة؛ أي: ما يلتحف به الإنسان اتقاء البرد.\nففي الحديث: دليل على جواز الصلاة على السرير.\nوفيه: دلالة على أنَّ مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع صلاته؛ لأنَّ انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي.\nوفيه: جواز الصلاة بحضرة نائم أو مضطجع ولو امرأة.\nوفيه: أنَّ المرأة إذا مست الرجل وبالعكس؛ لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ عائشة ﵂ مست بدنه ﵇ وهو في الصلاة، ولم ينكر عليها؛ فافهم.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ التَّرجمة في حكم الصلاة على السرير، وفي الحديث: (فيتوسط السرير، فيصلِّي فيه)، فهو يدل على أنَّه يصلِّي على السرير، كما نبَّه عليه الكرماني، وقال: حروف الجر يقام بعضها مقام البعض.\nوقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: وقوله: «فيتوسط السرير» يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه.\nقلت: لا نسلم ذلك؛ لأنَّ معنى قوله: «فيتوسط السرير»: يجعل نفسه في وسط السرير.\nفإن قلت: ذكر البخاري في «الاستئذان» حديث الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة: «كان يصلِّي والسرير بينه وبين القبلة»، فهذا يبين أنَّ المراد من حديث الباب أسفل السرير.\nقلت: لا نسلم ذلك؛ لاختلاف العبارتين مع احتمال كونهما في الحالتين، فإذا علمت ذلك؛ علمت أنَّ قول الإسماعيلي: بأنَّه دال على الصلاة على السرير لا إلى السرير، غير وارد، يظهر ذلك بالتأمل) انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أنَّ المراد: الصلاة إلى السرير بالتوجه إليه، كما يدل عليه رواية مسروق، فيكون قوله: (يتوسط السرير)؛ أي: أسفل منه، ونقله عن ابن حجر، ثم زعم وأيد كلامه بأنَّ الكلام في السترة والصلاة إليها لا في الصلاة على السرير، ورواية ابن عساكر يحتمل أن ترد (على) بمعنى (إلى) انتهى.\nقلت: وهذا تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّ كون المراد ما زعمه خلاف الظَّاهر من اللَّفظ، فإنَّ التَّرجمة في الصلاة على السرير كما بينته رواية ابن عساكر، وهو يعين أنَّ الصلاة فوقه كما في قولك:\n_________\n(^١) في الأصل: (جمع)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":361},{"text":"صليت على الطنفسة، فإنَّه يكون المراد منه: أنَّه قد صلى فوقها، وهو المتعين في اللُّغة، فما زعمه خلاف اللَّفظ واللُّغة، كما لا يخفى، ورواية مسروق لا تدل لما زعمه؛ لاختلاف اللَّفظ متنًا وسندًا ورجالًا، وهو يدل على أنَّها قصة أخرى غير هذه، ولو كانت قصة واحدة؛ لكان البخاري ذكرها ههنا، واستدل بها لما ترجمه، ولكن لما كان مراد البخاري بترجمته: الصلاة فوق السرير؛ ذكر رواية الأسود واقتصر عليها؛ لما أنَّها مطابقة لترجمته، بخلاف رواية مسروق، فإنَّه لا تدل لما ترجم له فافترقا.\nوما زعمه من أنَّ الكلام في السترة غير وارد؛ لأنَّ هذا المذكور حكم من أحكام الصلاة، والمؤلف بصدد أحكام الصلاة وما هنا منها، فبين في هذا الباب أنَّ الصلاة كما تجوز على الأرض كذلك تجوز على السرير؛ أي: فوقه؛ لأنَّ السرير له سترة في جوانبه، وهي تكفي المصلي، وبهذا فهو داخل تحت السترة، كما لا يخفى ورواية ابن عساكر تعين ما ذكرناه.\nوما زعمه من الاحتمال بعيد جدًّا؛ لأنَّ (على) أصل معناها: الاستعلاء، وورودها بمعنى (إلى) خلاف معناها المذكور في الفصيح، كما لا يخفى، فما زعمه رجم بالغيب، وهو عليه معيب؛ فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٣٥\"> </span>(١٠٠) <span data-type=\"title\" id=toc-835>[باب يرد المصلي من مر بين يديه]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين (يَرُدُّ المصلي) ذكرًا كان أو أنثى (مَنْ) أي: الشخص الذي (يمر بين يديه)؛ أي: سواء كان المار ذكرًا أو أنثى آدميًا أو غيره، وهل يرده إذا مر بين يديه في موضع سجوده أو يرده مطلقًا؟ وهل له حد معلوم؟ وهل الرد واجب أم سنة أم مستحب؟ وهل هو مقيد بمكان مخصوص أو في جميع الأمكنة؟ وسيأتي ذلك مفصلًا إن شاء الله تعالى.\nومنه أنَّ اتخاذ السترة للمصلي مستحب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال مالك بن أنس، ومحمَّد بن إدريس، وقال أحمد ابن حنبل: إنَّه واجب، وروي عن مالك: أنَّه يجوز تركه، وقال عطاء مثله، كما يأتي إن شاء الله تعالى.\n (وردَّ ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄؛ أي: المار بين يديه وهو في الصلاة، مما وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفهما»، وذكرا أنَّ المار المذكور هو عَمرو بن دينار حال كون ابن عمر (في التشهد)؛ فالجار والمجرور حال؛ أي: حال كونه في تشهد الصلاة خارج الكعبة، وفيه المطابقة للتَّرجمة؛ لأنَّه ردَّه وهو في الصلاة.\nوقوله: (وفي الكعبة): عطف على مُقدَّر؛ أي: وردَّ ابن عمر المار بين يديه عند كونه في الصلاة في داخل الكعبة وفي غيرها أيضًا، ويحتمل أن يراد به كون الرد في حالة واحدة؛ وهي جمعه بين كونه في التشهد وفي الكعبة، وعليه فلا حاجة إلى المقدر، قاله الكرماني وإمام الشَّارحين.\nقلت: لكن ظاهر اللَّفظ أنَّه وقع منه الرد في حالتين؛ أحدهما: في تشهد الصلاة خارج الكعبة، وثانيهما: في الصلاة داخل الكعبة، وهو ما دل عليه رواية أبي نعيم وابن أبي شيبة؛ لأنَّهما وصلا الأثر المذكور في كتاب «الصلاة» لأبي نعيم شيخ المؤلف من طريق صالح بن كيسان قال: (رأيت ابن عمر يصلِّي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه يبادره، قال: يرده)، وروي من طريق عمرو بن دينار قال: (مررت بابن عمر بعدما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع، فارتفع من مكانه فدفع في صدري)، وفي رواية لأبي نعيم: (فانتهرني بتسبيحة)، وروى ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن دينار قال: (مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة، فارتفع من قعوده، ثم دفع في صدري)، فهذا يدل على أنَّه وقع ذلك مرتين في حالتين، لا ما زعمه الكرماني؛ فافهم.\nوفي حديث يزيد الفقير شيخ الإمام الأعظم قال: (صليت إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلًا أكرَه أن يمر بين يديه منه).\nومطابقة الأثر للتَّرجمة ظاهرة، بقي أنَّه يدل على أنَّ المرور بين يدي المصلي ولو كان داخل الكعبة ممنوع، لكن حديث يزيد الفقير يدل على أنَّ ابن عمر كان يرد المار خارج الكعبة، وروى أحمد وأبو داود عن المطلب بن أبي وداعة: (أنَّه رأى النَّبي الأعظم ﷺ يصلِّي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة)، فهذا يدل على أنَّه لا يمنع المار داخل الكعبة؛ لأنَّها جميعها قبلة كما قدمنا، وعلى هذا لا يمنع المار داخل الكعبة، وخلف المقام، وحاشية المطاف، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابهرضي الله عنهم، والجمهور.\nوقال الإشبيلي في «الجمع بين الصَّحيحين»: كذا وقع: (وفي الكعبة)، وقال ابن قرقول: وردَّ ابن عمر في التشهد وفي الركعة، وقال القابسي: (وفي الركعة) بدلًا من (الكعبة) هو الصَّواب، انتهى.\nقلت: لكن رواية أبي نعيم أنَّه في الكعبة، وكذلك صرح الإشبيلي، كما سبق، وهي رواية الجمهور، على أنَّه ليس في رواية أبي نعيم ولا ابن أبي شيبة ذكر الركعة، بل الذي فيهما ذكر الكعبة والتشهد؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أن رواية الجمهور متجهة، وتخصيص الكعبة بالذكر؛ لئلا يخيل أنَّه يغتفر فيها المرور؛ لكونها محل المزاحمة، انتهى.\nوردَّه إمامنا الشَّارح، فقال: (الواقع في نفس الأمر عن ابن عمر في الرد في غير الكعبة وفي الكعبة أيضًا، فلا يقال فيه التخصيص، والتعليل فيه بكون الكعبة محل المزاحمة غير موجَّه؛ لأنَّ في غير الكعبة أيضًا توجد المزاحمة سيما في أيام الجمع في الجوامع ونحو ذلك) انتهى.\nواعترضه العجلوني تعصبًا، فزعم بأن المزاحمة في الكعبة كل يوم لأجل الزائرين، وكون الواقع في نفس الأمر كلا الأمرين لا ينافي التخصيص، انتهى.\nقلت: هو تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّ رواية الجمهور: وقوع الرد من ابن عمر في حالتين: في الكعبة وخارجها، كما دل عليه رواية أبي نعيم وابن أبي شيبة، وعليه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص بالكعبة وما هي إلا غير مفيدة، وقد يدعى التخصيص على رواية (الركعة) بدل (الكعبة)، فيقال: إنَّما خص الكعبة بالذكر؛ لأنَّ جميعها قبلة، فلا يحتاج فيها إلى سترة، وهو غير مراد هنا.\nوما زعمه من أن المزاحمة في الكعبة كل يوم؛ باطل؛ لأنَّ أيام المزاحمة ليست على الدوام، بل في بعض أيام الموسم على أنَّه قد لا تفتح الكعبة أصلًا، وقد تفتح في غير أيام الموسم، فليست كل يوم توجد المزاحمة كما زعمه، على أنَّه قد توجد المزاحمة في الجامع أكثر من الكعبة بكثير، والزائرون لا يوجد لهم الدخول إلا في بعض الأحيان في وقت غفلة الناس ليس في كل يوم (^١)، وكون الواقع في نفس الأمر كلا الأمرين لا ينافي، بل هو مَنَافٍ كما ذكرنا؛ فافهم.\n (وقال)؛ أي: ابن عمر أيضًا، مما وصله عبد الرزاق عنه، ولفظه عن ابن عمر قال: (لا تدع أحدًا يمر بين يديك، وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله؛ فقاتله)، ولفظ هنا موافق لرواية الكشميهني، كذا في «عمدة القاري»: (إن أبى) بكسر همزة (إن)، وفتحها في (أبى) مع فتح الموحَّدة؛ أي: إن امتنع المار من عدم المرور بكل وجه (إلا أن تقاتله)؛ بمثناة فوقية أوله للمخاطب؛ أي: إلا أن يقاتل المصلي المارَّ؛ (قاتله)؛ أي: ادفعه (^٢) بالسُّهولة أو بالقهر لا أنَّه يجوز قتله، فإن دم المسلم مضمون، والمقصود المبالغة في كراهة المرور كما وَرَد في الفصيح، قال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ معناه: ومن لم يحج، ومنه الحديث: (من استطاع منكم الحج ولم يحج، فإن تهيَّأ أنْ يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا)، فلا يسع أحدًا أن يحكم على من لم يحج بالكفر بالإجماع، فالمراد به: التغليظ، وههنا مثله، وهذا مذهب الإمام الأعظم والجمهور، وشذت طائفة كما يأتي بيانه؛ فافهم.\nقال الشَّارح: وقوله: (قاتله) على وجهين: أحدهما: أن يكون لفظ (قاتَلَه) بصيغة الفعل الماضي، وهذا عند كون لفظ: (إلا أن تقاتِلَه) بصيغة الفعل المضارع المعلوم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى المار الذي هو فاعل لفظة: (أبى)، والمنصوب يرجع إلى المصلي، والضمير المرفوع في (قاتَلَه) يرجع إلى المصلي، والمنصوب يرجع إلى المار.\nوالوجه الثاني: أن يكون لفظة: (إلا أن تقاتِلَه) بصيغة المخاطب؛ أي: إلا أن يقاتل المار، وقوله: (قاتِلْه) رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (فقاتِلْه)؛ بكسر المثناة الفوقية، وسكون اللَّام على صيغة الأمر للحاضر.\nفإن قلت: لفظة: (قاتِلْه) في الوجه الثاني جملة أمرية، والجملة\n_________\n(^١) تكرر في الأصل: (يوم).\n (^٢) في الأصل: (دفعه)، والمثبت موافق لما شرح عليه المصنف.","vol":"1","page":362},{"text":"الأمرية إذا وقعت جزاءً للشرط؛ فلا بد فيها من الفاء.\nقلت: تقدير الكلام: فأنت قاتله، انتهى.\nوقال الكرماني: ويجوز حذف الفاء منها؛ نحو:\nمن يفعل الحسنات اللهُ يشكرها... . . . . .. . . . . . . . . . . . . .\nوردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ حذف الفاء فيها لضرورة الوزن، فلا يقاس عليه، ويروى: «فقاتله»؛ بالفاء على الأصل) انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن حذف الفاء واقع في الاختيار بِقلَّة كما قاله المبرد، ومنه قوله ﵇: «فإن جاء صاحبها، وإلَّا؛ استمتع بها» انتهى.\nقلت: وقوع الحذف اختيارًا قليل ونادر، وهو لا حكم له، بل هو في مقام العدم، فلهذا لم يذكره الشَّارح المحقق وغيره، والجمهور من النحاة أنَّه على التقديم والتأخير، فإذا قلت: إن قام زيد؛ أقوم؛ بالرفع، فما محل (أقوم)؟ ومذهب سيبويه: أن (أقوم) ليس هو الجواب، وإنما هو دليل الجواب، وهو مؤخر من تقديم، والجواب محذوف، والأصل: أقوم إن قام زيد، ومذهب الكوفيين: أنَّ (أقوم) نفس الجواب على إضمار الفاء والمبتدأ؛ والتقدير: فأنا أقوم، وتمامه في شرحنا على «الأزهرية» المسمى بـ «تاج الأسطوانية على شرح شرح الأزهرية»، ويقاس عليه ما ههنا، فلا عليك من العجلوني، فإنَّه بالتعصب مشهور؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٨٣٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-836>[حديث: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس]</span>\n٥٠٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو مَعْمَر)؛ بفتح الميمين: هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد البصري، المتوفى بها سنة أربع وعشرين ومئتين، وقد سبق في باب (قوله ﵇: «اللهم علمه الكتاب») (قال: حدثنا عبد الوارث) هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري، المتوفى بها في المحرم سنة ثمانين ومئة، تقدم أيضًا في هذا الباب (قال: حدثنا يونس) هو ابن عبيد -بالتصغير- ابن دينار، أبو عبد الله البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، (عن حُميد)؛ بِضَمِّ الحاء، تصغير الحمد (بن هِلَال)؛ بكسرالهاء، وتخفيف اللَّام: العدوي البصري، التَّابعي الجليل، لم يفضلوا عليه أحدًا في العلم في زمانه، (عن أبي صالح) هو ذكوان السَّمان التَّابعي المدني: (أن أبا سعيد) هو سعد بن مالك الخدري، الصَّحابي الجليل، (قال: قال رسول الله ﷺ).\n (ح): مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، وعلامته حرف الحاء المهملة المفردة، وهي ساقطة في «اليونينية»، ولا يضر في التحويل كون المحول إليه فيه زيادة قصة، والتفاوت بين الإسنادين أن الأول فيه: (عن أبي صالح أن أبا سعيد)، والثاني: (قال أبو صالح: رأيت أبا سعيد)، والثاني أقوى، فإن الاعتبار بالحديث، ولا تفاوت فيه بينهما، وقد ساق البخاري هذا الحديث في (بدء الخلق) بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يونس بعينه، وههنا من لفظ سليمان لا من لفظ يونس، كذا في «عمدة القاري» مع تغيير؛ فافهم.\n (قال: حدثنا آدم)؛ بهمزة ممدودة، ولأبي الوقت: (آدم بن أبي إياس) هو العسقلاني (قال: حدثنا سليمان بن المُغيرة)؛ بِضَمِّ الميم: هو القيسي البصري، قال إمام الشَّارحين: (ولم يخرج المؤلف لسليمان شيئًا موصولًا غير هذا الحديث) انتهى.\nوزعم ابن حجر أن لفظ الحديث في (بدء الخلق) مغاير لما هنا، وليس فيه تقييد الرفع بما إذا كان المصلي يصلِّي إلى سترة، والمطلق محمول على المقيد؛ لأنَّ المصلي إلى غير سترة مقصر لا سيما إن صلى في شارع المشاة، انتهى.\nقلت: وفيه: أن ما هنا قصة غير القصة التي ذكرت في (بدء الخلق)، ولا يلزم الحمل المذكور؛ لأنَّ الرفع يطلب مطلقًا، ولو كان يصلِّي إلى غير سترة، كما إذا صلى في مكان ونسي أن يغرز سترة، أو صلى في مكان لا يظن فيه المرور، ثم جاء مار وأراد المرور؛ فليدفعه، فإنَّه في هذا غير مقصر؛ فليحفظ.\n (قال: حدثنا حميد بن هلال) هو العدوي التَّابعي (قال: حدثنا أبو صالح السَّمان) هو المدني التَّابعي، ففي الإسنادين رواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قال: رأيت) أي: أبصرت (أبا سعيد الخدري) هو سعد بن مالك، الصَّحابي الجليل المشهور ﵁، والمفعول الثاني هو قوله: (في يوم جمعة)، وقوله: (يصلِّي إلى شيء)؛ أي: عنزة ونحوها طول ذراع بغلظ إصبع (يستره من الناس)؛ أي: من مرورهم بين يديه، جملة محلها نصب على الحال، وهل هذه صلاة الجمعة أو غيرها؛ الظَّاهر: الثاني؛ كصلاة سنة الجمعة أو نفل أو غيرهما؛ لأنَّ صلاة الجمعة لا تؤدى إلا مع الإمام وهو يصلِّي في محرابه، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ويحتمل أنَّه كان يصلِّي في غير المسجد، وعلى كل حال؛ فهي غير صلاة الجمعة؛ فافهم، (فأراد شاب من بني أبي مُعَيْط)؛ بِضَمِّ الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، وأبو معيط في قريش، واسمه أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية الأكبر، هو والد عقبة بن أبي مُعَيْط الذي قتله النَّبي الأعظم ﷺ صبرًا، و(مُعَيْط): تصغير معط؛ وهو الذي لا شعر عليه، فالأمعط والأمرط سواء، قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nواختلف في اسم الشاب المذكور على أقوال؛ أحدها: أنَّه الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط؛ لما في كتاب (الصلاة) للبخاري من طريق شيخه أبي نعيم عن زيد بن أسلم قال: (بينما أبو سعيد قائمًا يصلِّي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه).\nالثاني: أنَّه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ لما في «مصنف ابن أبي شيبة» من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين قال: (كان أبو سعيد قائمًا يصلِّي، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه فأبى إلا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره؛ لأخذت).\nالثالث: أنَّه داود بن مروان؛ لما رواه عبد الرزاق من طريق سليمان بن موسى، ولفظه: (أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة...)؛ فذكر الحديث، وبه جزم ابن الجوزي، وروى عبد الرزاق الحديث، عن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: (فذهب ذو قرابة لمروان)، ومن طريق أبي العلاء فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: (مَرَّ رجلٌ بين يدي أبي سعيد من بني مروان)، وللنسائي من وجه آخر: (فمر ابن لمروان).\nثم قال إمامنا الشَّارح بعد أن ساق الطرق: (والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد؛ لأنَّ في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظرًا لا يخفى) انتهى.\nوتبعه ابن حجر وغيره، ونظر ابن حجر في القول الأول: بأن في الحديث: (أنه دخل على مروان)، وزاد الإسماعيلي: (ومروان يومئذٍ أمير على المدينة)، ولم يكن مروان أميرًا على المدينة إلا في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد يومئذ فيها، وأيضًا لم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وقال في الثالث: وفيه نظر؛ لأنَّ فيه أنَّه من بني أبي معيط وليس مروان من بنيه، بل أبو معيط ابن عم (^١) والد مروان، لكن يحتمل أن داود نسب إلى ابن معيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان كان أخا الوليد بن عقبة لأمه، فنسب داود إليه مجازًا، وفيه بعد، والأقرب أن الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، انتهى.\nقلت: وفيما قاله نظر؛ لأنَّ قوله: (ولم يكن مروان\n_________\n(^١) في الأصل: (عمر)، وهو تحريف.","vol":"1","page":362},{"text":"أميرًا على المدينة...) إلخ؛ لا ينافي ذلك، فإنَّه قد دخل على مروان لأجل الشكاية إليه وإن لم يكن أميرًا، فإن كثيرًا من الناس إذا وقع في أمر؛ يشكو أمره أولًا لصاحبه أو صديقه أو قريبه ثم يشكو للحاكم، فيجوز أن يكون الوليد شكا أمره أولًا لمروان.\nوقوله: (ولم يكن يومئذ شابًّا...) إلخ: كلام متناقض على أنَّه قد استوجهه؛ فافهم.\nوقوله في الثالث: (إنَّه بعيد): ليس كذلك؛ لأنَّه يجوز أن ينسب إلى ما ذكره؛ لشهرته به على طريقة المجاز، وهو سائغ في الكلام، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (أن يجتاز)؛ بالجيم والزاي، من الجواز؛ أي: يمر، جملة محلها نصب مفعول (أراد) (بين يديه)؛ بالتثنية؛ أي: بين يدي أبي سعيد (فدفع) وفي بعض النُّسخ: (فدفعه)؛ بالضمير (أبو سعيد) أي: سعد بن مالك الخدري (في صدره) أي: في صدر الشاب المذكور (فنظر الشاب) يحتمل أنَّه نظر إليه متعجبًا من فعله به، ويحتمل أنَّه نظر طريقًا يمر فيه غيره، ويدل عليه قوله: (فلم يجد) أي: الشاب (مَسَاغًا)؛ بفتح الميم والسين المهملة، وبالغين المعجمة؛ أي: طريقًا يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق؛ إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيء: طاب (إلا بين يديه) أي: أبي سعيد، (فعاد) أي: الشاب (ليجتاز) أي: ليمر بين يديه، (فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى)؛ أي: من المرة الأولى أو الدفعة الأولى، كما في «عمدة القاري»، (فنال)؛ بالفاء والنُّون؛ أي: فأصاب (الشاب من أبي سعيد): من عرضه بالشتم، وهو من النيل؛ وهو الإصابة، كذا قال الشراح.\nقلت: وفيه: أن الشاب لم ينل من أبي سعيد شتمًا (^١) في عرضه، وإنما أصابه منه شتم باليد المرة بعد أخرى.\n (ثم) إن الشاب رجع ولم يمر بين يدي أبي سعيد حتى (دَخَل على مروان بن الحَكَم)؛ بفتحتين: الأموي أبو عبد الملك، يقال: إنَّه رأى النَّبي الأعظم ﷺ ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفي النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلموهو ابن ثمان سنين، توفي بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين عن ثلاث وستين سنة، وتقدم ذكره في باب (البزاق).\nقلت: ودفن بباب الصغير ﵁.\n (فشكى) أي: الشاب (إليه) أي: إلى مروان (ما لقِي)؛ بكسر القاف؛ أي: الذي لقيه (من أبي سعيد)؛ أي: من الدفع الذي دفعه أبو سعيد، وإنما شكى إليه؛ لأنَّه يحتمل أنَّه صديقه، أو صاحبه، أو لقرابته منه، ويحتمل أنَّه ابن زوجة مروان، وسماه ابنه مجازًا كما سبق، ويحتمل غير ذلك كما قدمنا؛ فليحفظ.\n (ودخل أبو سعيد خلفه على مروان)؛ يعني: أن أبا سعيد لما رأى الشاب رجع وذهب إلى دار مروان؛ علم أنَّه يشتكي عليه إليه، فأتم صلاته وذهب خلفه حتى دخل على مروان؛ لأجل أن يعلمه أن المرور بين يدي المصلي غير جائز؛ لاحتمال أن الحديث لم يبلغهم؛ فافهم.\n (فقال) أي: مروان (لأبي سعيد: ما لك ولابن أخيك): وكلمة (ما) مبتدأ، و(لك): خبره، (ولابن أخيك): عطف عليه بإعادة الخافض، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة، وإنما لم يقل: ولأخيك؛ بحذف (الابن)؛ نظرًا إلى أنَّه كان شابًّا أصغر منه، قاله الشَّارح، (يا با سعيد؟) وهذا يدل على أنَّ المارَّ بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد بن عقبة؛ لأنَّ أباه عقبة قتل كافرًا، قاله المحقق بدر الدين العيني الحنفي رضي الله تعالى عنه، آمين.\n (قال)؛ أي: أبو سعيد لمروان والشاب: لم أفعل الدفع المذكور من تلقاء نفسي لغرض هوًى، وإنما فعلته اتِّباعًا لرسول الله ﷺ؛ لأني (سمعت النَّبي) الأعظم (ﷺ)، وجملة: (يقول) محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت) (إذا صلى أحدكم)؛ أي: في الصحراء أو في مسجد صغير دون أربعين ذراعًا في أربعين ذراعًا، كما قدمناه (إلى شيء يستره)؛ أي: كعنزة ونحوها مما طوله ذراع بغلظ إصبع (من الناس)؛ أي: من مرورهم بين يديه، أمَّا المسجد الكبير؛ فلا يحتاج المصلي فيه من السترة، كما سبق غير أنَّه إذا مر أحد بين يديه؛ يدفعه؛ فافهم، (فأراد أحد) من الناس (أن يجتاز) أي: يمر (بين يديه) أي: في موضع سجوده؛ (فليدفعه) وفي رواية مسلم: (فليدفع في نحره)؛ أي: بالأسهل والأخف، وقال القرطبي: بالإشارة ولطيف المنع، انتهى.\nوهل الدفع المذكور مندوب أم واجب؟ قال النَّووي: وهذا الأمر أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه، واعترضه الشَّارح: بأن أهل الظَّاهر قالوا بوجوبه؛ لظاهر الأمر، فكأنَّ النَّووي ما اطَّلع على هذا.\nوقال ابن بطال: اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأمَّا إذا صلى إلى غير سترة؛ فليس له؛ لأنَّ التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلِّي فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلا ما قام الدليل عليه وهي السنة التي وَرَدت السنة بمنعها، انتهى.\nقلت: هذا ليس على إطلاقه؛ لأنَّ المصلي بمكان يملكه من موضع قدميه إلى موضع سجوده سواء كان يصلِّي إلى سترة أو لا، فإذا صلى إلى سترة؛ فظاهر، وأمَّا إذا صلى لغير سترة؛ فليس لأحد أن يمر بين يديه، وله دفعه مطلقًا، كما إذا صلى ونسي وضع السترة أو في مكان لا يظنُّ المرور فيه، فجاء مار؛ فله دفعه، كما لا يخفى، وقد سبق ذلك؛ فافهم.\nوقال إمامنا الشَّارح: (ولا يجوز للمصلي المشي من موضعه ليَرُدَّ المار، وإنما يدافعه ويرده من موضعه؛ لأنَّ مفسدة الشيء في الصلاة أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، ولا يجمع بينهما) انتهى.\nقلت: وظاهره أنَّ هذا مذهب الإمام الأعظم ﵁، لكن قد ذكر في «المنية» و«شرحها» للحلبي البرهان: أن المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لا يضرها ولا يفسدها، انتهى.\nوفي «عمدة القاري»: وفي «الكافي»: يدفعه ويصر على ذلك، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشد من الدرء، ولا ينتهي إلى ما يفسده صلاته، وهذا هو المشهور عن مالك وأحمد، وقال أشهب: إن قَرُبَ منه؛ درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه؛ لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه؛ لا يَرُدُّه؛ لأنَّه مرور ثان، وكذا رواه ابن القاسم عن مالك، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وقال ابن مسعود وسالم: يردُّه من حيث جاء، وإذا مر بين يديه ما لا يؤثر فيه الإشارة كالهرة؛ قال مالك: دفعه برجله أو ألصقه إلى السترة، انتهى.\n (فإن أبى)؛ أي: امتنع المار من الرجوع؛ (فلِْيقاتله)؛ بكسر اللَّام الجازمة وسكونها؛ أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، قال القرطبي: وأجمعوا على أنَّه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح ولا بغيره؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها، والخشوع فيها، وقال القاضي عياض: أجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقابلته بالسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز، فهلك من ذلك؛ فلا قَوَدَ عليه باتفاق العلماء، وهل يجب ديته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان لمالك، وتجب الدية والكفارة عند سيدنا الإمام الأعظم؛ لأنَّ دم المسلم مضمون، والحديث محمول على التغليظ كما في آية الحج وحديثه، ولا دِية ولا كفارة عند الشَّافعي، وفيه الدية عند أحمد ابن حنبل، وقال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، والجمهور على أنَّ معنى: (فليقاتله): الدفع بالقهر لا جواز القتل؛ لأنَّ المقصود المبالغة في كراهة المرور، وفي «التَّمهيد»: العمل القليل في الصلاة جائز؛ نحو: قتل برغوث، وحك جسد، وقتل عقرب بما خفَّ من الضرب ما لم يكن كثيرًا، فإن كثر؛ يفسد الصلاة، وشذ جماعة من الشَّافعية، فزعموا إلى أنَّه يقاتله حقيقة، وردَّه ابن العربي، فقال: المراد: المدافعة.\nوأبعد الباجي فزعم أن المراد بالمقاتلة: اللعن، وأنكره جماعة بأنه يستلزم التكلم في الصلاة؛ وهو مبطل، وأجاب بعضهم باحتمال أن يريد لعنه بالدعاء من غير خطاب، لكن فعل أبي سعيد يرده، وهو أدرى بالمراد.\nقلت: وما هذا إلا خلاف الحق والصَّواب، فإنَّ لعن\n_________\n(^١) في الأصل: (شتم)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":363},{"text":"الكافر المعين؛ لا يجوز، فكيف بلعن المسلم الموحد لله الشاهد بالرسالة للنبي الأعظم ﷺ، فإنَّ لعنه كبيرة من الكبائر، وكذلك لا يجوز لعنه بالدعاء من غير خطاب؛ لأنَّ اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ولا يستحق ذلك إلا من أشرك في الله تعالى، أمَّا المسلم؛ فلعنه حرام كبيرة تغمس صاحبها في جهنم؛ فانظر هذه الجرأة الوخيمة من هؤلاء الذين يستحقون من الله العذاب الأليم، وقد أعمى الله أبصارهم عن قوله تعالى في آية الحج: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾، وعن قوله ﵇: (من استطاع منكم الحج ولم يحج، فإن شاء أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا)، فإن الأئمة أجمعوا على أنَّ المراد به: التغليظ لا الكفر حقيقة، وما نحن فيه مثله، فإن مراده ﵇ بالمقاتلة المدافعة، كما ذكره جمهور العلماء؛ فليحفظ.\nوقوله: (فإنما هو) أي: المار (شيطان): بيان وتعليل للمقاتلة، قال في «عمدة القاري»: وهذا من باب التشبيه للمبالغة؛ أي: إنَّما هو كالشَّيطان، أو يراد به: شيطان الإنس، وإطلاق الشَّيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوقال الخطابي: (معناه: أن الشَّيطان يحمله على ذلك، ويحركه إليه، وقد يكون أراد بالشَّيطان: المار بين يديه نفسه، وذلك أن الشَّيطان: هو المارد الخبيث من الجن والإنس).\nوقال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشَّيطان، ويؤيده حديث ابن عمر عند مسلم: (لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله، فإن معه القرين)، ومثله عند ابن ماجه.\nوقال ابن المنكدر: (فإنَّ معه العُزَّى، وقيل: معناه: إنَّما هو فعل الشَّيطان لشغل قلب المصلي، كما يخطر الشَّيطان بين المرء ونفسه) انتهى.\nوفي الحديث: طلب اتخاذ السترة للمصلي، وفيه خلاف؛ ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه ﵃: أنها مستحبة، وبه قال مالك والشَّافعي، ويجوز تركها عند مالك، وقال أحمد: إنها واجبة، فإن لم يجد؛ وضع خطًّا؛ لحديث ابن عمر الذي صححه الحاكم: (لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا (^١) يمر بين يديك)، وعند أبي نعيم: قال عمر بن الخطاب: (لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته؛ ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس)، وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه، وقال بالاستحباب جماعة؛ إبراهيم النخعي، وعطاء، والقاسم، وسالم، رواه ابن أبي شيبة.\nوحدُّها: من قدمي المصلي إلى موضع سجوده، واختار شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، والإمام قاضي خان: أنَّه يكره المرور في موضع سجود المصلي، وقيل: مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل: ثلاثة أذرع، وقيل: بأربعين ذراعًا، وقدره الشَّافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحده مالك.\nوكذلك يستحب في الصحراء أن يتخذ سترة، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا، ولا يضره ما مر أمامه»، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وقال القاضي عياض: هذا حديث ضعيف، وضعفه ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية، والشَّافعي، والنَّووي.\nويستحب أن تكون السترة قدر ذراع، وأن يكون بغلظ إصبع؛ لأنَّ ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد، ويقرب المصلي من السترة، ويجعلها على أحد حاجبيه الأيمن أو على الأيسر، كما نص عليه أئمتنا الأعلام؛ لما روى أبو داود من حديث المقداد بن الأسود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عمود، ولا عود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا)؛ يعني: لم يقصده قصدًا بالمواجهة، والصمد: القصد لغة، وسترة الإمام سترة لمن خلفه.\nوالمعتبر عندنا الغرز دون الخط والإلقاء؛ لأنَّ المقصود هو الدرء بالخط، والإلقاء لا يُحصِّلُ المقصود، وقال شيخ الإسلام في «المبسوط»: إنَّما يغرز إذا كانت الأرض رخوة، أمَّا إذا كانت صلبة؛ فيضع وضعًا، لكن يضع طولًا لا عرضًا، وفي «المحيط»: الخط ليس بشيء، وهو قول الجمهور، وجوَّزه أشهب، وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، والشَّافعي بالعراق، ثم قال بمصر: لا يخط، وحديث أبي هريرة المار ضعَّفه جماعة؛ عبد الحق، وابن حزم، وغيرهما، ولا يضر وضع سترة مغصوبة، فإنَّها معتبرة عندنا، وعند أحمد تبطل الصلاة، ومثله الثوب المغصوب، انتهى وتمامه في «عمدة القاري».\nوفيه: أن المار كالشَّيطان في أنَّه يشغل قلب المصلي عن مناجاة ربه تعالى، وفيه: أنَّه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين: إنَّه شيطان، وفيه: أن الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المار شيطانًا بمروره بين يديه، وفيه: أن دفع الأمور بالأسهل فالأسهل، وفيه: أن المنازعات لا بد [فيها] من الرفع للحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، وفيه: أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي له منتفعًا به، انتهى، والله أعلم.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.\n\n <span id=\"b-٨٣٧\"> </span>(١٠١) <span data-type=\"title\" id=toc-837>[باب إثم المار بين يدي المصلي]</span>\nهذا (باب) بيان (إِثم المار بين يدي المصلِّي)؛ بكسر اللَّام، وأصل (المار): مارر، فأسكنت الرَّاء الأولى، وأدغمت في الثانية، والإدغام في مثله واجب، قاله الشَّارح، وهو من الكبائر إذا صلى إلى سترة في الصحراء، أو في المسجد الصغير، وكذا إذا صلى إلى غير سترة في المسجد الكبير، وإنما كان كبيرة؛ لذكر الوعيد عليه في الأحاديث؛ منها: حديث الباب، ومنها: حديث أنس بن مالك عند الترمذي: «لأَنْ يقف أحدكم مئة عام؛ خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلِّي»، ومنها: ما رواه ابن عبد البر موقوفًا: (لأن يكون الرجل رمادًا يذرى به؛ خير له من أن يمر بين يديه رجل متعمدًا وهو يصلِّي) انتهى، وهذا يدل على أنَّ المرور مكروه تحريمًا، فإن صلى إلى غير سترة في الصحراء أو في المسجد الصغير؛ فإن الكراهة تعود على المصلي دون المار؛ لتقصير المصلي في عدم السترة، وقد يقال: إنهما يشتركان في الإثم؛ لأنَّ المصلي مقصر كما علمت، وكذلك المار يكون مقصرًا؛ لأنَّه علم المصلي أنَّه في الصلاة ومر بين يديه، وكذا إذا مر في موضع سجوده في المسجد الكبير؛ فإن الإثم على المار كما قررناه، وتمامه في شرحنا على «القدوري».\n\n <span id=\"b-٨٣٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-838>[حديث: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان </span>أن يقف أربعين]\n٥١٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة: هو سالم بن أبي أمية (مولى عُمر بن عُبيد الله) بِضَمِّ العين المهملة فيهما، (عن بُسْر) بِضَمِّ الباء الموحَّدة، وسكون السين المهملة (بن سعيد)؛ بالتحتية بعد العين المهملة مكبرًا: هو الحضرمي المدني الزاهد التَّابعي الثِّقة، المتوفى سنة مئة، ولم يخلف كفنًا، قلت: والبسر: أوله طلع؛ ثم خَلال -بالفتح-، ثم بَلَح -بفتحتين-، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر، وبابه (نصر): (أنَّ زيد بن خالد)؛ بفتح الهمزة: هو الجهني الصَّحابي ﵁ (أرسله)؛ أي: جعله رسولًا؛ يعني: جعل زيدٌ بُسرًا رسولًا برسالته، كذا في «الصِّحاح»، فما فسره العجلوني: (أي: بعثه)؛ مخالف للُّغة؛ فافهم، (إلى أبي جُهَيم)؛ بِضَمِّ الجيم، وفتح الهاء: هو عبد الله بن جُهَيم، قال إمامنا الشَّارح: أبو جُهَيم -بالتصغير- -مر في باب (التيمم في الحضر) - ابن عبد البر راوي حديث التيمم هو غير راوي حديث المرور، وقال الكلاباذي: أبو جهيم، ويقال: أبو جهم بن الحارث، روى عنه البخاري في (الصلاة) و(التيمم)، وقال النَّووي: أبو جهيم راوي حديث المرور وحديث التيمم، عن أبي الجهم -مكبرًا- المذكور في حديث الخميصة والإنبجانية؛ لأنَّ اسمه عبد الله وهو أنصاري، واسم ذلك عامر وهو عدوي، وقال الذهبي: (أبو الجهيم، ويقال: أبو الجهم بن الحارث بن الصمة، كان أبوه من كبار الصَّحابة)، ثم قال: (أبو جهيم: عبد الله بن جهيم، جعله وابن الصمة واحدًا أبو نعيم وابن منده، وكذا قاله مسلم في بعض كتبه، وجعلهما ابن عبد البر اثنين، وهو أشبه،\n_________\n(^١) في الأصل: (أحد)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":363},{"text":"لكن متن الحديث واحد) انتهى، قلت: وما ذكر من أنَّ المرسِل زيد، والمرسَل بسر، والمرسل إليه أبو جهيم في هذا الحديث هو ما ذكره في «الموطأ» لم يختلف فيه، وتابعه سفيان الثَّوري عن أبي النَّضر عند مسلم، وابن ماجه، وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النَّضر فقال: عن بسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جُهيم إلى زيد بن خالد أسأله...؛ فذكر هذا الحديث، قال ابن عبد البر: انقلب على ابن عيينة، وقال ابن معين: إنَّه خطأ، واعترضه ابن القطان، فقال: ليس بخطأ؛ لاحتمال أن يكون أبو جُهيم بعث بسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جُهيم، انتهى، قلت: وفيه أنَّه لم يذكر ذلك في المتن، فالاحتمال بعيد.\nوزعم ابن حجر أن قولهم: أخطأ فلان، مبني على غلبة الظن، ولا يشترط الخطأ في نفس الأمر، انتهى.\nقلت: لا يخفى أن غلبة الظن منزَّلة منزلة اليقين عند المحققين، وأمَّا نفس الأمر؛ فلا يطَّلع عليه إلا رب العزة جلَّ وعلا؛ فافهم، والله أعلم.\n (يسأله) أي: يسأل أبا جُهيم: (ماذا سمع من رسول الله ﷺ) أي: عن الذي سمعه (في) حكم الشخص (المار بين يدي المصلي؟)؛ أي: أمامه في موضع سجوده، أو بينه وبينه ثلاثة أذرع أو رمية حجر؛ أقوال للعلماء، والصَّواب: الأول كما علمت، (فقال أبو جُهيم) بالتصغير: (قال رسول الله ﷺ) أي: في حق المار المذكور: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه)؛ أي: من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكشميهني: (ماذا عليه من الإثم)، وليست (^١) هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، وكذا في «الموطأ» ليست هذه الزيادة، وكذا في سائر المستندات والمستخرجات غير أنَّه وقع في «مصنف ابن أبي شيبة»: (ماذا عليه)؛ يعني: من الإثم، وعيب على الطَّبري؛ حيث عزا هذه الزيادة في (الأحكام) للبخاري، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال القسطلاني: (هذه الزيادة ثابتة في «اليونينية» من غير عزو) انتهى، وأنكر ابن الصلاح على من أثبتها، لكن قال النَّووي: في رواية رويناها في «الأربعين»: (ماذا عليه من الإثم) انتهى، قلت: وعلى كل فهي ثابتة، والمثبت مقدم على النافي.\nوزعم ابن حجر أنه يحتمل أن هذه الزيادة ذكرت في أصل «البخاري» حاشية، فظنها الكشميهني من الأصل؛ لأنَّه ليس من أهل العلم ولا الحفاظ، بل كان راوية، انتهى.\nقلت: هذا متعسف؛ لأنَّه حيث ذكرت في الأصل؛ فلا ريب أنَّها منه، وظن الكشميهني معتبر، ويقال له: غلبة الظن، وهو بمنزلة اليقين، وكيف يزعم هذا القائل أنَّه ليس من أهل العلم ولا الحفاظ، وقد ذكر المحدثون: أن الرواي لا بد فيه من العدالة والإتقان والحفظ، فنفي العلم يستلزم الجهل، ونفي الحفظ يستلزم البلادة، وهما ينافي الراوي، وعليه فلا يجوز الرواية عنه، فكيف رُويت عنه الأحاديث الصَّحيحة؛ فانظر ما زعمه هذا القائل.\nوقال إمامنا الشَّارح: (وكلمة «ما»: استفهام، ومحلها الرفع على الابتداء، وكلمة «ذا»: إشارة خبره، والأَولى أن تكون «ذا» موصولة؛ بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأنَّ تقديره: ماذا عليه من الإثم؟ ثم إن «ماذا عليه»: في محل نصبٍ سدَّ مسدَّ المفعولين لقوله: «لو يعلم»، وقد علق عمله بالاستفهام) انتهى.\nقلت: وإنما أبهم الإثم في رواية الصَّحيح إشارة إلى أنَّ هذا الإثم عظيم كبير، لا يتقدر بقدر، ولا يوصف بوصف، ولا يدخل تحت عبارة؛ فافهم.\nوما ذكره العجلوني هنا غير سديد؛ لأنَّ فيه خلطًا وخبطًا؛ فاجتنبه.\nوقوله: (لكان أن يقف أربعين): جواب (لو)، وكلمة (أن): مصدرية؛ والتقدير: لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي؛ لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمر؛ أي: مروره بين يديه، قاله إمام الشَّارحين.\nوزعم الكرماني أنَّ جواب (لو) ليس المذكور؛ إذ التقدير: لو يعلم ماذا عليه؛ لوقف أربعين، ولو وقف أربعين؛ لكان خيرًا له.\nوردَّه الشَّارح بأنَّه لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسف، وحق التركيب ما ذكرناه؛ فافهم، انتهى.\nواعترضه العجلوني بأنَّ ما ذكره الكرماني أدق وأتم في الارتباط، والمعنى يدل عليه، نعم؛ ليس هو بمتعين كما في «الفتح»، انتهى.\nقلت: اعتراض الناقل والمنقول عنه؛ كلاهما غير صواب؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ يدل لما قاله إمامنا الشَّارح، بل الظَّاهر أنَّه متعين ههنا، وعليه المعنى ظاهر، وأمَّا ما زعمه الكرماني؛ فإنَّه قاصر فاسد التركيب، غير مرتبط كلامًا ومعنًى، فما زعمه العجلوني تبعًا لابن حجر تعصب بارد من ذهن شارد؛ فافهم.\n (خيرًا له) قال الشَّارح: (فيه روايتان النصب والرفع؛ أمَّا النصب؛ فظاهر؛ لأنَّه خبر لـ «كان»، واسم «كان» هو قوله: «أن يقف»؛ لأنا قلنا: إن كلمة «أن» مصدرية، وأن التقدير: لكان وقوفه خيرًا له أربعين، وأمَّا الرفع؛ فقد قال ابن العربي: هو اسم «كان»، ولم يذكر خبره ما هو، وخبره هو قوله: «أن يقف»؛ والتقدير: لو يعلم المار ماذا عليه؛ لكان خير وقوفه أربعين) انتهى.\nوزعم ابن حجر: (يحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها)، وردَّه الشَّارح: بأنَّه تعسف، واعترضه العجلوني بأن لا تعسف، بل كل في مركزه، ولا إخبار عن النكرة بمعرفة، وتقدير ضمير الشأن متداول، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه فاسد الاعتبار والتركيب مع خفاء المعنى المراد منه، على أنَّه ليس كل في مركزه، كما لا يخفى، وليس فيه الإخبار عن النكرة بمعرفة مع أنَّه جائز عند جماعة، وضمير الشأن وإن كان تقديره متداولًا، لكنه في غير هذا، أمَّا ههنا؛ فغير متداول، بل غير ظاهر المعنى مع ما فيه من الخفاء وعدم ظهورالمراد؛ فافهم.\n (من أن يمر)؛ أي: المار، متعلق بقوله: (خيرًا)، وكلمة (من): هي الجارة للمفضل عليه (بين يديه)؛ أي: يدي المصلي؛ أي: أمامه بالقرب منه، وإنما عبر باليدين؛ إمَّا لكون أكثر الشغل يقع بهما، وإمَّا لأنَّ المار يمر قرب يدي المصلي، فللقرب المذكور عبَّر بهما؛ فليحفظ، وإنما خص الوقوف -وهو تعذيب- جزاءً لفعله وهو أهون؛ لأنَّ عذاب الدنيا أسهل من عذاب الآخرة.\nوقد قال إمام الشَّارحين: وروى ابن ماجه عن النَّبي الأعظم ﷺ: «لأنْ يقوم أربعين خير له من أن يمر بين يديه»، قال سفيان: فلا أدري أربعين سنة، أو شهرًا، أو صباحًا، أو ساعةً، وفي «مسند البزار»: «لأنْ يقوم أربعين خريفًا خير له»، وفي «صحيح ابن حبان» عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضًا في الصلاة؛ كان لأن يقيم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها»، وفي «الأوسط» للطبراني عن عبد الله بن عَمرو مرفوعًا: «إن الذي يمر بين يدي المصلي عمدًا؛ يتمنى يوم القيامة أنَّه شجرة يابسة»، وفي «المصنف» عن عبد الحميد عاملِ عمر بن عبد العزيز: قال ﵇: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه؛ لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه»، وقال ابن مسعود: (المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه، وكان إذا مر أحد بين يديه؛ التزمه حتى يرده)، وقال ابن بطال: قال عمر ﵁: (لكان يقوم حولًا خير له من مروره)، وقال كعب الأحبار: لكان أن يُخسَف به خير له من أن يمر بين يديه، انتهى.\nقلت: فهذا كله يدل على الوعيد\n_________\n(^١) في الأصل: (وليس)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":364},{"text":"الشديد، ولهذا قال الشَّارح: وفي الحديث: أن المرور بين يدي المصلي مذموم، وفاعله مرتكب الإثم.\nوقال النَّووي: فيه: دليل على تحريم المرور، فإنَّ في الحديث النَّهي الأكيد، والوعيد الشديد، فيدل على ذلك.\nقلت: فعلى ما ذكره ينبغي أن يكون المرور بين يدي المصلي من الكبائر، اختلف في تحديد ذلك؛ فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبينه ثلاثة أذرع، وقيل: بينهما قدر رمية حجر، وقد مر الكلام فيه، انتهى، قلت: والقول الأول هو الصَّواب، وعليه الجمهور من أولي الألباب.\n (قال أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون، وسكون المعجمة: هو سالم بن أبي أمية المذكور في السند السَّابق: (لا أدري أقال)؛ بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر: بإسقاطها، لكنها مقدرة، وفاعله بُسر بن سعيد، وهو من كلام مالك.\nوزعم الكرماني أن فاعله بسر أو رسول الله ﷺ، وهو إما من كلام مالك؛ فهو مسند، وإما تعليق من البخاري.\nوردَّه إمامنا الشَّارح، فقال: (الظَّاهر من اللَّفظ: أنَّه بُسر بن سعيد، وهو من كلام مالك وليس من تعليق البخاري؛ لأنَّه ثابت في «الموطأ» من جميع الطرق، وكذلك هو ثابت في رواية النَّووي وابن عيينة) انتهى، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني؛ فليحفظ.\n (أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟): وللبزار: (خريفًا)، ولابن ماجه: (أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعة)، ولابن حبان: (مئة عام)، كما قدمناه، وإنما ذكر هذا؛ لأنَّه ذكر العدد؛ أعني: (أربعين)، ولا بد له من مميز؛ لأنَّه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا، فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قلت: قال الكرماني: وأبهم الأمر؛ ليدل على الفخامة، وأنَّه مما لا يقادر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، انتهى.\nوردَّه الشَّارح، فقال: (الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معين، ألا ترى كيف تعين فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «لكان أن يقف مئة عام...»؛ الحديث؟ وكذا عيَّن في «مسند البزار» من طريق سفيان بن عيينة: «لكان أن يقف أربعين خريفًا») انتهى.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: هي أسرار، وأمثالها لا يعلمها إلا الشَّارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين؛ كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأنَّ أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أريد التكثير؛ ضوعف كل واحد إلى عشرة أمثاله) انتهى.\nواعترضه الشَّارح، فقال: (غفل الكرماني عن رواية المئة حيث قصر في بيان الحكمة على الأربعين).\nوزعم ابن حجر في التنكيت على الكرماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق (الأربعين) للمبالغة في تعظيم الأمور لا لخصوص عدد معين.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا ينافي رواية المئة بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما؛ لأنَّ لقائل أن يقول: لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر؟ ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو الستين أو نحو ذلك؟ والجواب الشافي في ذلك: أن تعيين الأربعين الوجه الذي ذكره الكرماني، وأمَّا وجه ذكر المئة؛ فما ذكره الحافظ الطَّحاوي: أنَّه قيد بالمئة بعد التقييد بالأربعين؛ لزيادة في تعظيم الأمر على المار؛ لأنَّ المقام مقام زجر، وتخويف، وتشديد.\nفإن قلت: من أين علم أن التقييد بالمئة بعد التقييد بالأربعين؟\nقلت: وقوعهما معًا مستبعد؛ لأنَّ المئة أكثر عددًا من الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المئة؛ لعدم الفائدة، وكلام الشَّارع كله حكمة وفائدة، والمناسبة أيضًا تقتضي تأخير المئة عن الأربعين.\nفإن قلت: قد علم وجه الحكمة في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المئة؟\nقلت: المئة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف، وخير الأمور أوساطها، وهذا مما تفردت به) انتهى كلام إمامنا الشَّارح الحافظ بدر الدين العيني قدس سره العزيز، ونفعنا به في الدارين.\nثم قال: (وفي الحديث: عموم النَّهي لكل مُصلٍّ، وتخصيص بعضهم بالإمام والمنفرد؛ لا دليل عليه، وفيه: طلب العلم، والإرسال لأجله، وفيه: جواز الاستنابة، وفيه: أخذ العلماء بعضهم من بعض، وفيه: الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو؛ لإرسال زيد بن خالد بُسَر بن سعيد إلى أبي جُهيم، ولو طلب العلو؛ لسعى هو بنفسه إلى أبي جُهيم، وفيه: قبول خبر الواحد) انتهى.\nومراده بقوله: (وتخصيص بعضهم...) إلى آخره: بعض المالكية؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه فانتفى (^١) المأموم، ورُدَّ بأنَّه لا يطابق المدعى؛ لأنَّ السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد.\nوقال ابن بطال: فُهِم من قوله: (لو يعلم): أن الإثم يختص بمن يعلم بالمنهي وارتكبه، واعترضه ابن حجر: بأنَّه بعيد.\nوردَّه الشَّارح: بأنَّه ليس فيه بُعد؛ لأنَّ (لو) للشرط، فلا يترتب الحكم المذكور إلا عند وجود العلم، انتهى.\nقلت: ويدل عليه قول النَّبي الأعظم ﷺ: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه»؛ ومعناه: رفع الإثم عند الجمهور، فالذي لم يعلم مخطئ بالفعل المذكور، وهو غير مؤاخذ به؛ لعدم علمه، لا يقال: يعارضه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]؛ لأنَّا نقول: إن معناه: فاسألوهم حين وجودهم، أمَّا عند عدم وجودهم؛ فالإثم مرفوع؛ للحرج، كما إذا كان في مفازة، أو في الصحراء، أو مسافرًا، أو في قرية، أو نحوها، وفي هذه الأماكن لا يوجد من أهل الذكر أحد، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فرفع عنه الإثم للحرج، كما لا يخفى.\nوزعم ابن حجر أنَّ ظاهر الحديث أن الوعيد يختص بمن مر، لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة التشويش على المصلي؛ فهو في معنى المار، انتهى.\nقلت: ظاهر الحديث يخالفه، فإن من وقف بين يديه، أو جاء وقعد، أو جاء ورقد؛ فهو مار حقيقة وزيادة، فإن المار عابر سبيل، أمَّا هذا؛ فقد زاد؛ لأنَّه مر بين يديه، وزاد عليه الوقوف أو القعود أو الرقود، فهو مَارٌّ حقيقة، وليس العلة كما زعمه، وإنَّما العلة ما قاله النَّبي الأعظم ﷺ: «فإنَّما هو شيطان»، كما سبق.\nوذكر ابن دقيق العيد: أنَّ بعض المالكية قَسَّم أحوال المار والمصلي أربعة أقسام؛ الأول: أن يصلِّي إلى سترة في غير مشرع وللمار مندوحة؛ فيأثم المار دون المصلي، الثاني: أن يصلِّي في مشرع مسلوك بغير سترة أو متباعدًا عن السترة ولا يجد المار مندوحة؛ فيأثم المصلي دون المار، الثالث: أن يصلِّي بغير سترة ويجد المار مندوحة؛ فيأثمان جميعًا، الرابع: أن يصلِّي إلى سترة، لكن لا يجد المار مندوحة؛ فلا يأثمان جميعًا، انتهى.\nقلت: ونقل ذلك المحقق ابن أمير حاج الحلبي في «شرحه على المنية»، ثم قال: وقواعدنا لا تأباه، قلت: لكن في الصورة الرابعة ينبغي أن يأثم المار فقط؛ لأنَّه يمكنه\n_________\n(^١) في الأصل: (فانتقى)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":364},{"text":"أن ينتظر المصلي حتى يفرغ من صلاته أو يضع هو له سترة ثم يمر، وقد يقال: إنَّه في أمر مهم يخاف فوته إن انتظر، ولم يجد شيئًا يضعه سترة؛ فحينئذ لا يأثم للحرج، والأعمال بالنيات، والله يعفو عن الزلات، ويثيب على الحسنات، ويغفر السيئات.\n\n <span id=\"b-٨٣٩\"> </span>(١٠٢) <span data-type=\"title\" id=toc-839>[باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي]</span>\nهذا (باب) حكم (استقبال الرجل الرجل) وفي (الفرع) من غير تكرار (وهو يصلِّي)؛ أي: والحال أنَّه يصلِّي، فالواو للحال، والسين والتَّاء للطلب؛ أي: إقبال، وعلى الأولى هو من إضافة المصدر إلى فاعله، و(الرجل) مفعوله، وعلى الثانية من إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله، وعليهما؛ فجملة: (وهو يصلِّي): محلها نصب على الحال من الفاعل المذكور أو المحذوف لا من المفعول فيهما، وقال الكرماني: يحتمل عود لفظ (هو) إلى الرجل الثاني، فيكون الرجلان متواجهين، وإلى الأول فلا يلزم التواجه، وذلك يتصور في الصلاة عند الكعبة، وللأربعة زيادة: (هل يكره أم لا؟)، وفي نسخة الصغاني: (استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلِّي)، وكذا في أصل الفرع.\nوظاهر التَّرجمة يدل على أنَّ الاستقبال مكروه مطلقًا سواء شغل بال المصلي أو لا.\nوزعم ابن حجر إلى التفصيل بين ما إذا ألهاه؛ فيكره، أو عدمه؛ فلا يكره، وإلى هذا جنح المصنف، وجمع بين ما ظاهره الاختلاف، انتهى.\nقلت: هذا التفصيل لا دليل عليه وليس في التَّرجمة ولا في الآثار وغيرها ما يدل عليه ولا إشارة إليه، وإنما الذي جنح إليه البخاري ودلت ترجمته والآثار عليه؛ هو أنَّ الاستقبال في الصلاة مكروه مطلقًا شغل البال أو لا، ويدل عليه أنَّه يفيد التعظيم له، وهو يشبه الصلاة إليه، فيكون تشبهًا بأهل الكتاب، وهو مكروه؛ فافهم.\nوعلل بعض أئمتنا الأعلام الكراهة بأنَّه تشبه بعبادة الصورة، قال القاضي عياض: وهو قول عامة العلماء، وقد روى البزار عن علي ﵁: (أن النَّبي الأعظم ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره بإعادة الصلاة)، قال أئمتنا الأعلام: إنَّما أمره بالإعادة؛ لإزالة الكراهة لا لفساد الصلاة، فما زعمه ابن حجر فاسد الاعتبار؛ فافهم، وسيأتي بقية الكلام عليه.\n (وكره) بالتشديد والتخفيف (عثمان) هو ابن عفان، أحد الخلفاء الراشدين، الأموي شهيد الدار، القائم بالأسحار، الذي تستحي منه ملائكة الغفار رضي الله تعالى عنه (أن يُستقبل)؛ بِضَمِّ التحتية مبنيًّا للمفعول (الرجلُ)؛ بالرفع نائب فاعل، وقوله: (وهو يصلِّي): جملة اسمية محلها نصب على الحال من (الرجل)، ويجوز أن يكون قوله: (يَستقبل)؛ بفتح التحتية مبنيًّا للفاعل، و(الرجلُ): فاعله، والمفعول محذوف؛ تقديره: شخصًا آخر، وجملة: (وهو يصلِّي): محلها نصب على الحال من المفعول، وعلى الأول اقتصر الكرماني، وذكر الوجهين إمامنا الشَّارح، وتبعه القسطلاني، والعجلوني، وغيرهما.\nومطابقة هذا الأثر للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه دال على كراهة استقبال الرجل الرجل، وهو يصلِّي.\nوزعم ابن حجر: أن هذا الأثر عن عثمان لم أره، وإنما رأيت في «مصنف ابن أبي شيبة» و«مصنف عبد الرزاق» وغيرهما من طريق هلال بن يسار عن عمر بن الخطاب: (أنه زجر عن ذلك)، وفيهما أيضًا عن عثمان ما يدل على عدم كراهته ذلك؛ فليتأمل؛ لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل تصحيف من (عمر) إلى (عثمان) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا يلزم من عدم رؤيته هذا الأثر عن عثمان ألَّا يكون منقولًا عنه، وليس بسديد زعم التصحيف بالاحتمال الناشئ عن غير دليل.\nفإن قلت: روايةُ عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عثمان بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليلُ الاحتمال.\nقلت: لا نسلم ذلك؛ لاحتمال أن يكون المنقول عنه آخرًا بخلاف ما نُقِل عنه أولًا؛ لقيام الدليل عنده بذلك) انتهى كلامه.\nوقد نقل العجلوني عبارة إمامنا الشَّارح هنا باختصار مخل، ثم قال: ولو اعترض قوله: (لاحتمال أن ما وقع هنا تصحيف)؛ لكان أقوى مع أن الشَّارح قد اعترض قوله ذلك كما علمت، وإنما أوقع العجلوني اختصاره المخل؛ فافهم؛ يعني: أنَّ دعوى التصحيف لا دليل عليها، ولا ينبغي التكلم بها؛ لما يلزم منها سوء الأدب مع الرواة، ووقوع الخلل في كلامهم وروايتهم، وهو قول صادر من غير تأمل؛ فاجتنبه.\nوقوله: (وهذا) كذا في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، ولغيرهم: (وإنَّما هذا)؛ أي: الذي كرهه عثمان ﵁ (إذا اشتغل)؛ أي: المستقبل المصلي (به)؛ أي: بالرجل الآخر مطلقًا سواء كان مصليًا أو لا، فلا وجه لما زعمه العجلوني من التقييد بالمصلي؛ لأنَّ المصلي لا يشتغل بالمصلي، كما لا يخفى، وذلك عن الخشوع، وحضور القلب، ونحوهما من آداب الصلاة، (فأمَّا إذا لم يشتغل به)؛ أي: فلا بأس، فالجواب محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه.\nقال الشَّارح: (هو من كلام البخاري يشير به إلى التفصيل؛ وهو أن استقبال الرجل الرجل في الصلاة إنَّما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلي؛ لأنَّ علة الكراهة هي كف المصلي عن الخشوع وحضور القلب، وأمَّا إذا لم يشغله؛ فلا بأس به) انتهى.\nقلت: والغالب أن المستقبل المصلي يشتغل بالرجل الآخر الذي أمامه، وسواء كان مصليًا أو لا، ومن غير الغالب قد لا يشتغل، لكنه نادر، وهو لا حكم له، فبقيت الكراهة؛ فليحفظ.\nواستدل البخاري لما ذكره بقوله: (فقد قال زيد بن ثابت) هوالأنصاري النجاري الفرضي، كاتب وحي النَّبي الأعظم ﷺ: (ما باليت)؛ أي: ما أكترث (^١) بالاستقبال المذكور، يقال: لا أباليه؛ أي: لا أكترث له، وقوله: (إنَّ) بكسر الهمزة (الرجل لا يقطع صلاة الرجل): استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة.\nوأقول: ما ذكره البخاري من أثر زيد بن ثابت لا ينهض دليلًا لما قاله؛ لأنَّ المراد بالقطع: الفساد لا الكراهة، ويدل عليه أنهم استعملوا القطع بمعنى الفساد في الأحاديث والآثار؛ فقد روى عبد الرزاق عن الحَكَم بن عمرو الغفاري الصَّحابي: (أنَّه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حَميرٌ بين يدي أصحابه، فأعاد لهم الصلاة، ثم قال لهم: لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم)، وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: (أن مرور الحمار يقطع الصلاة)، وفي حديث أبي داود: (أن الحمار والغلام يقطعان الصلاة)، فهذا يدل على أنَّ المراد بالقطع: الفساد لا الكراهة؛ لأنَّ الحَكَم قد أعاد الصلاة بأصحابه وعبَّر بالقطع، كما لا يخفى.\nعلى أنَّه روى أبو نعيم في كتاب «الصلاة»: حدثنا مسعر قال: أراني أول من سمعه من القاسم قال: (ضرب عمر ﵁ رجلين؛ أحدهما مستقبل، والآخر يصلِّي)، ثم روى عن سعيد بن جبير: (أنه كره أن يصلِّي وبين يديه مخنث محدث)، وقد ذكرنا عن عمر: أنه زجر عن ذلك، كما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ولا يخفى أن الضرب والزجر لا يكون إلا لأمر مكروه تحريمًا، وقدمنا عن البزار عن علي: (أن النَّبي الأعظم ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره بإعادة الصلاة)، وإنما أمره بذلك لإزالة الكراهة؛ لأنَّ كل صلاة أُديت مع الكراهة يطلب إعادتها، كما نص عليه أئمتنا الأعلام ﵃ أجمعين.\nوكره ابن مسعود ﵁ الصلاة خلف المتحدثين، وقال نافع: (كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد؛ قال لي: ولِّ ظهرك)، وهو قول مالك، وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلا بعد الجمعة.\nوالإمام الأعظم\n_________\n(^١) في الأصل: (أكثرت)، وهو تصحيف، وكذا في الموضع اللاحق.","vol":"1","page":365},{"text":"وأصحابه والجمهور على كراهة استقباله بوجهه، وقال في «الدر المختار»: (وتكره صلاته إلى وجه إنسان ككراهة استقباله، فالاستقبال لو من المصلي؛ فالكراهة عليه، وإلا؛ فعلى المستقبل، ولو كان بعيدًا ولا حائل) انتهى.\nوفي «الذخيرة» قال محمَّد: (وإن شاء الإمام استقبل الناس بوجهه إذا لم يكن بحذائه رجل يصلِّي، ولم يفصِّل بين ما إذا كان المصلي في الصف الأول أو الأخير، وهذا ظاهر المذهب) انتهى.\nوأجاز الثَّوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين، وقال الحسن وقتادة: يستره إذا كان جالسًا، وعن الحسن: يستره، ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظَّهر، وتمامه في «عمدة القاري».\n\n <span id=\"b-٨٤٠\"> </span>[حديث: قد جعلتمونا كلابًا؟! لقد رأيت النبي يصلي وإني لبينه وبين]\n٥١١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسماعيل بن خليل) هو أبو عبد الله الخزاز -بمعجمات- الكوفي (قال: حدثنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (أخبرنا) (علي بن مُسهِر) بِضَمِّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء: الكوفي، كلاهما قد ذُكرا في باب (مباشرة الحائض) (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، وسمي بذلك؛ لعمش كان في عينيه (عن مسلم) بِضَمِّ الميم، وكسر اللَّام المخففة، كذا لأبي ذر وابن عساكر، وعند غيرهما: (يعني: ابن صُبيح) بالتصغير.\nوزعم الكرماني: أنَّه مسلم البطين، وردَّه الشَّارحفقال: (الظَّاهر أنَّه مسلم بن صبيح أبو الضُّحى) انتهى.\nقلت: ويدل لما قاله رواية أبي الوقت والأصيلي، فإنَّها صرحت بأنه ابن صبيح؛ فافهم.\n (عن مسروق) هو ابن الأجدع الكوفي، وسمي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره (عن عائشة) هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أنَّه) بفتح الهمزة؛ أي: الشأن (ذُكر) بِضَمِّ أوله؛ مبني للمجهول (عندها) أي: ذكر بعض الصَّحابة بحضرة عائشة (ما يقطع الصلاة)؛ أي: المار الذي يقطعها، وكلمة (ما) موصولة، أو نكرة موصوفة، ومحلها رفع نائب الفاعل، والجملة حال أو صفة، (فقالوا) أي: الذاكرون، ولأبي ذر: (قالوا): (يقطعها) أي: الصلاة (الكلب والحمار والمرأة)؛ أي: مرورها بين يدي المصلي، ولم يذكر إمام الشَّارحين ولا غيره أسماء الذين ذكروا ذلك عندها، والظَّاهر أنهم: أبو هريرة وعروة وأبو ذر، يدل عليه أنَّه روى مسلم من رواية عروة: (قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار...)؛ الحديث، وفي «مصنف ابن عبد البر» من رواية القاسم قال: (بلغ عائشة أنَّ أبا هريرة يقول: إنَّ المرأة تقطع الصلاة)، وروى مسلم من حديث أبي ذر: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب...)؛ الحديث، فهذا يدل على [ما] قلناه؛ فافهم.\n (قالت)؛ أي: عائشة، ولأبوي ذر والوقت: (فقالت)؛ أي: عائشة لهم: (قد جعلتمونا كلابًا؟!)؛ أي: كالكلاب في حكم قطع الصلاة بمرورنا بين يدي المصلي، وظاهر كلام السيدة عائشة يفيد أنَّها تقول: بأنَّ الكلب والحمار يقطعان الصلاة، وإنَّما أنكرت عليهم تسويتهم المرأة بهما مع شرفها وخسَّتهما، وهذا الحديث تقدم في باب (الصلاة على السرير) وفيه قالت لهم: (أعدلتمونا بالكلب والحمار؟!)، وهذا من التشبيه البليغ، (لقد رأيت) أي: أبصرت (النَّبي) الأعظم وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ) وجملة (يصلِّي): محلها نصب مفعول ثان، والظَّاهر أنها النافلة؛ للقرينة الحالية والمقالية [الدَّالة] على ذلك (وإني لبينه) بكسر الهمزة؛ أي: بين النَّبي الأعظم ﷺ (وبين القبلة) والجملة محلها نصب على الحال، وقوله: (وأنا مضطجعة) جملة حالية (على السرير) جمعه (^١) أسرَّة وسُرُر: بِضَمِّ الرَّاء، وقيل بفتحها؛ وهو التخت المعروف المتخذ في زمان النَّبي الأعظم وأصحابه صلى الله عليه وعليهم وسلم من الخوص، وفي زماننا من الخشب والدف والحديد، كما لا يخفى، (فتكون لي الحاجة)؛ أي: فتعرض لي حاجة الإنسان، ويحتمل الأعم منها، (فأكرَه) بالفاء رواية الكشميهني، وفي رواية الأكثرين: (وأكره) بالواو العاطفة، أوالحالية، كذا ذكر الروايتين هكذا إمام الشَّارحين، وعكس في ذلك العجلوني فجعل الواو رواية الكشميهني، والفاء للأكثرين، وهو غير مصيب؛ فافهم، (أن أستقبله)؛ أي: لا أحب استقباله وهو في الصلاة (فأنسَلُّ انسلالًا) بقطع الهمزة وفتح السين المهملة، وتشديد اللَّام على صيغة المتكلم من المضارع، وهو عطف على قوله (فأكره)؛ أي: أخرج بخفية أو برفق.\n (وعن الأعمش) هو سليمان، وهذا معطوف على الإسناد الذي قبله، فهو موصول كما في «عمدة القاري» و«الفتح»، وليس هو معلق كما زعمه الكرماني، (عن إبراهيم) هو النخعي، (عن الأسود) هو ابن يزيد النخعي أيضًا، (عن عائشة) قال الشَّارح: ونبَّه به على أنَّ ابن مسهر قد روى هذا الحديث عن الأعمش بإسنادين إلى عائشة؛ أحدهما: عن مسلم، عن مسروق، عنها باللَّفظ المذكور، والآخر: عن إبراهيم، عن الأسود، عنها بالمعنى، وأشار إليه بقوله: (نحوَه) بالنصب مفعول (أخبرنا).\nفإن قلت: لفظ (نحو) يقتضي المماثلة بينهما من كل الوجوه، وليس ههنا كذلك.\nقلت: لا نسلم أنَّه كذلك، بل يقتضي لفظ (نحو) المشاركة في أصل المعنى المقصود فقط، وعلى هذا يحمل لفظ: (مثل) الواقع في بعض النُّسخ على لفظ: (نحو)؛ فليحفظ.\nواعلم أنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة مختلف فيها، والصَّواب ما ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»: أنَّ عائشة ﵂ كانت مضطجعة على السرير، وكانت بين النَّبي الأعظم ﷺ، وبين القبلة فيكون استقبال الرجل المرأة في الصلاة، ولم تكن تشغله ﵇، فدل على عدم الكراهة، ولا يقال: التَّرجمة في استقبال الرجل الرجل، وفيما ذكر استقبال الرجل المرأة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنساء واحد في الأحكام الشرعيةإلا ما خصه الدليل، وقد ذكرنا أن التَّرجمة رويت على ثلاثة أوجه، وهذا الوجه الواحد، وأما الأخريين؛ فالتطابق فيهما ظاهر، انتهى.\nوزعم ابن المُنَيِّر لا مطابقة بين حديث (^٢) عائشة والتَّرجمة، لكنه يدل على المقصود بالأولى وإن لم يكن فيه تصريح بأنها كانت مستقبلة، فلعلها كانت منحرفة أو مستديرة، انتهى.\nقلت: المطابقة بينهما ظاهرة، ولم يذكر وجه الأولوية، وعائشة كانت مستقبلة؛ لأنَّ قولها: (وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة) يدل عليه، كما لا يخفى.\nوزعم ابن رشيد: (غرض البخاري أن شُغْل المصلي بالمرأة في قبلته على أي حال كان أشد من شغله بالرجل، ومع ذلك فلم تضر صلاته ﵇؛ لأنَّه غير مشتغل بها، فكذلك لا تضر صلاة من لم يشتغل بها، فالرجل من باب أولى) انتهى.\nقلت: وفيه أن هذا يدل على الكراهة؛ لأنَّ المرأة إذا كانت في قبلة المصلي ومثلها الرجل؛ فيخشى اشتغال المصلي بالنَّظر إليها عن صلاته، ولا يقدر أحد ما كان يقدر عليه النَّبي الأعظم ﷺ من حفظ النَّظر والخاطر، وذكر نحوه الكرماني.\nوالحاصل: أن المطابقة فيه ظاهرة على الوجه الذي ذكرناه عن إمامنا في «عمدة القاري»، والله الهادي.\n\n <span id=\"b-٨٤١\"> </span>(١٠٣) <span data-type=\"title\" id=toc-841>[باب الصلاة خلف النائم]</span>\nهذا (باب) حكم (الصلاة) فرضها، وواجبها، ونفلها (خلف) الشخص (النائم) هل يكره أم لا؟ وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ لأنَّه أعم؛ فافهم.\nويجوز تنوين (باب) ويكون (الصلاة) مبتدأ والخبر محذوف؛ تقديره (^٣): جائزة، والمراد بالشخص: الرجل والمرأة والصبي والصبية، فهو أعم.\n\n <span id=\"b-٨٤٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-842>[حديث: كان النبي يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه]</span>\n٥١٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُسدد) بِضَمِّ الميم: هو ابن مُسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان (قال: حدثنا هشام)؛\n_________\n(^١) في الأصل: (جمع)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (الحديث)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (تقدير).","vol":"1","page":365},{"text":"بكسر الهاء: هو ابن عروة (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو عروة بن الزُّبير بن العوام (عن) خالته (عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄، زوج النَّبي الأعظم ﷺ، (قالت: كان النَّبي) الأعظم (ﷺ) هذا التركيب وأمثاله يفيد الدوام والاستمرار؛ لوجود لفظة (كان) فإنَّها لإفادة ذلك؛ فافهم، (يصلِّي)؛ أي: صلاته من الليل، وقوله: (وأنا راقدة)؛ أي: نائمة، جملة حالية، وقوله: (معترضة): صفة لـ (راقدة)، أو خبر بعد خبر، وقوله: (على فراشه): متعلق بـ (راقدة) أو بـ (معترضة) والأظهر: الأول، وهل اعتراضها كان بين النَّبي الأعظم ﷺ وبين القبلة، أو كانت منحرفة عنه؟ والظَّاهر: الأول؛ لما سبق من حديثها: أنها كانت تعترض بينه وبين القبلة، ولأن البيوت كانت وقتئذ ضيقة لا تسع غير الفراش أو الفراشين؛ فتأمل، (فإذا أراد أن يوتر)؛ أي: فإذا فرغ من صلاته النافلة وأراد النَّبي الأعظم ﷺ أن يصلِّي الوتر الواجب في آخر الليل؛ (أيقظني) من الإيقاظ؛ أي: نبهني من النَّوم؛ لأجل أن أصلي معه (فأوترتُ معه)؛ بتاء المتكلمة لا الغائبة؛ أي: صلَّيت معه الوتر، ففيه: استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه، وفيه: أن صلاة الوتر إمامًا في غير رمضان إذا كانت على سبيل التداعي؛ غير مكروهة، وهذا مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، لا يقال: إن التَّرجمة خلف النائم، والحديث خلف (^١) النائمة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنساء واحد في الأحكام الشرعية إلا ما خصَّه الدليل، على أنَّه إذا جاز خلف النائمة؛ فخلف النائم بالطريق الأولى، وأراد بـ (النائم): الشخص النائم ذكرًا كان أو أنثى، ففي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائمين جائزة بلا كراهة عندنا.\nوقال ابن بطال: الصلاة خلف النائم جائزة إلا أن طائفة كرهتها؛ خوف ما يحدث من النائم فيشتغل المصلي به أو يضحكه؛ فتفسد صلاته، وقال مالك: لا يصلِّي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاووس، وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم، انتهى.\nقلت: وما قالت به الطَّائفة من الكراهة وتعليلهم بالخوف؛ أمر موهوم غير محقق، والأحكام لا تبنى على الوهم، وما قاله مالك؛ فيه نظر؛ لأنَّه ليس للسترة فائدة، فإن مشروعية السترة درء المارين، ولا نعهد نائمًا يمشي، فإن كان مراده بنفي الصلاة إلى النائم: الكراهة وبوجود السترة تنتفي الكراهة؛ فلا وجه له؛ لأنَّ علة الكراهة: ظهور شيء يشغل المصلي أو يضحكه، وإن كان مراده أنه لا بدَّ من السترة؛ فهي لا تفيد شيئًا، وليست مشروعة، كما لا يخفى.\nوروى أبو داود عن ابن عبَّاس: أن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث»، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وروى البزار عن ابن عبَّاس أن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين»، وروى ابن عدي عن ابن عمر نحوه، وروى الطَّبراني عن أبي هريرة نحوه.\nوأجاب الإمام البخاري وأشار بهذه التَّرجمة إلى ضعف هذه الأحاديث، ولهذا قال أبو داود: طرق حديث ابن عبَّاس كلها واهية، كما في «عمدة القاري».\nوقال الخطابي: حديث ابن عبَّاس لا يصحُّ؛ لضعف سنده، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»: وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يسمِّ مَنْ حدَّثه، وفي سند ابن ماجه أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتج بحديثه، وحديث أبي هريرة وابن عمر واهيان أيضًا، وروى البزار عن محمَّد ابن الحنفية عن أبيه علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره أن يعيد الصلاة، قال: يا رسول الله؛ إني صليت وأنت تنظر إلي)، قال: هذا حديث لا نحفظه إلا بهذا الإسناد، وكأنَّ هذا المصلي كان مستقبل الرجل بوجهه؛ فلم يتنح عن حياله.\nوروى أبو بكر ابن أبي شيبة عن مجاهد: (أن النَّبي الأعظم ﷺ نهى أن يصلَّى خلف النُّوام والمتحدثين)، وفي سنده عبد الكريم بن أمية؛ وهو متروك الحديث، انتهى.\nوالحاصل: أن هذه الأحاديث ضعيفة لا يحتج بها، لا يقال: إنها تتقوى بتعدد طرقها واختلاف أسانيدها؛ لأنَّا نقول: إن تقوت؛ فهي محمولة على ما إذا كان للمتحدثين أصوات يخاف منها التغليط أو الشغل للمصلي، وعلى ما إذا (^٢) كان للنائمين شيء يظهر فيضحك المصلي فيفسد صلاته، وفي الحديث: استحباب إيقاظ النائم للطاعة، وفيه: أن الوتر يكون بعد النَّوم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٤٣\"> </span>(١٠٤) <span data-type=\"title\" id=toc-843>[باب التطوع خلف المرأة]</span>\nهذا (باب) حكم صلاة (التطوع)؛ أي: النافلة، ومثلها الفريضة والواجبة (خلف المرأة) ومثله خلف الرجل بالأولى، هل هو جائز مع الكراهة أو بدونها؟ ويجوز التنوين في لفظة: (باب) فـ (التطوع): مبتدأ، والظرف خبره متعلق بخاص؛ نحو: جائز؛ للقرينة على ذلك، وما قدرناه هو ما ارتضاه إمامنا الشَّارح في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني، وهو أولى مما زعمه العجلوني؛ لأنَّه قاصر، وفيه ركاكة مع خفاء المعنى المراد منه؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٤٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-844>[حديث: قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته]</span>\n٥١٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (^٣) الدمشقي المولد (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة: هو سالم المدني (مولى عمر بن عبيد الله)؛ بالتصغير: هو التيمي المدني، (عن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله (بن عبد الرحمن) هو ابن عوف ﵁، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوجِ النَّبي) الأعظم (ﷺ) ورضي الله عنهما، وهو بالجر صفة لـ (عائشة) (أنها قالت: كنت أنام) أي: في حجرتي (بين يدي) بالتثنية (رسول الله ﷺ) وهو في حجرتها يصلي التهجد ليلًا (ورجلاي) بصيغة التثنية (في قبلته) جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: في مكان سجوده، (فإذا سجد)؛ أي: فإذا أراد ﵇ السُّجود؛ (غمزني): من الغمز باليد أو ضربني بيده من غير حائل، كما هو الأصل، وفي «الصِّحاح»: غمزت الشيء باليد وغمزته بعيني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، وفي «القاموس»: غمزه بيده: شِبْهُ لهزه، شِبْهُ نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار، انتهى، فالمراد ههنا: الغمز باليد، قال الكرماني: فالغمز قبل السُّجود لا فيه؛ لأنَّ (إذا) للاستقبال، انتهى.\nوروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: (كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجلي، فقبضتها، فسجد)، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: وهذه الرواية أصرح في المقصود؛ لأنَّها بيَّنت أن المراد بالغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما في كتب اللُّغة؛ فليحفظ.\nوزعم القسطلاني عند قوله: (غمزني بيده)؛ أي: مع حائل، انتهى.\nقلت: وهذا تفسير من عنده، ذكره ترويجًا لما ذهب إليه الشَّافعي: من أن المسَّ باليد مبطل للوضوء، والحق الصَّواب: أن هذا فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قولها: (غمزني)؛ أي: بيده بدون حائل فإنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرَّحت به، على أنَّه -الرِّجْل واليد عند أهل التحقيق- كانتا بغير حائل، بل كان ذلك بالمسِّ؛ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود فإنَّها مصرحة\n_________\n(^١) في الأصل: (خالف)، ولعله تحريف.\n (^٢) في الأصل: (ذا)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (الأصل)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":366},{"text":"بذلك؛ حيث قالت: (ضرب رجلي)، ومن المعلوم أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما لا يخفى، فبهذا ظهر أن الصَّواب: ما عليه الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أن مس المرأة غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.\n (فقبضت رجلَيَّ)؛ بفتح اللَّام، وتشديد التحتية، بصيغة التثنية؛ أي: ضممتهما عن مكان سجوده ﵇، يعني: أخَّرتهما عنه؛ ليسجد مكانهما، (فإذا قام) ﵇؛ أي: من السُّجود؛ (بسطهما)؛ بضمير التثنية؛ أي: رددتهما إلى مكانهما، (والبيوت): مبتدأ، جمع بيت؛ وهو اسم للمكان الذي يبات فيه ليلًا (يومئذ) معناه: وقتئذ؛ أي: وقت إذ كان النَّبي الأعظم ﷺ حيًّا.\nوقوله: (ليس فيها) أي: البيوت (مصابيح): خبر المبتدأ، والجملة حالية أو مستأنفة، والمصابيح: جمع مصباح، قال إمام الشَّارحين: وإنما فسرنا قوله: (يومئذ) هكذا؛ لأنَّ المصابيح من وظائف الليل؛ فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة (^١) معناه، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وهذا اعتذار من عائشة عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى: لو كانت المصابيح موجودة؛ لقبضت رجلي عند إرادته السُّجود، ولما احتجت إلى غمزي بيده، انتهى.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه قد علم من عادة النَّبي الأعظم ﷺ أن صلاته للفرائض والواجبات كانت في المسجد بالجماعة، فتكون صلاته في بيته ليلًا نافلة تطوعًا.\nوفي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائم ذكرًا كان أو أنثى جائزة من غير كراهة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور.\nوزعم ابن حجر: وفيه: إشارة إلى عدم الاشتغال بها فمَنْ أَمِنَ ذلك؛ لم يكن في حقه، انتهى.\nقلت: وفيه بعدٌ؛ فإن المؤلف ليس مراده الاشتغال وعدمه بترجمته، وإنما مراده حكم صلاة التطوع خلف المرأة، وقد بين في الباب قبله حكم الصلاة خلف النائم، على أنَّه ليس في ذلك اشتغال أصلًا؛ لأنَّ البيوت لم يكن فيها مصابيح، وإن كان -كما في زماننا-؛ فإن المصلي يحبس نظره وخاطره في موضع سجوده، ولهذا لم تضر صلاته ﵇؛ فليحفظ.\nوقال الكرماني: فإن قلت: لفظ التَّرجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إلى المصلي؛ فما وجه دلالة الحديث عليه؟! قلت: لا نسلِّم ذلك الاقتضاء، ولئن سلَّمنا؛ فالسنة للنائم التوجه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة أنها لا تتركها، انتهى.\nواعترضه ابن حجر فقال: ولا يخفى تكلُّفه، وسنة ذلك للنائم في ابتداء النَّوم لا في دوامه؛ لأنَّه قد ينقلب وهو لا يشعر، انتهى.\nقلت: واعتراضه مردود عليه وليس فيه تكلف؛ لأنَّ غمزه ﵇ لعائشة إنَّما كان في ابتداء نومها، وهي لا تترك النَّوم على القِبْلة، ويدلُّ عليه أنها كانت راقدة لمَّا غمزها؛ قَبضَت رجليها، فلو كانت مستغرقة في النَّوم؛ لم تشعر بذلك؛ لأنَّ النائم لا يدرك شيئًا سواء كان في البيت مصابيح أو لم يكن؛ فافهم.\nثم زعم ابن حجر: والذي يظهر أن معنى: (خلف المرأة): وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها، ولو أراده؛ لقال: خلف ظهر المرأة، والأصلعدم التقدير، انتهى.\nقلت: واعترضه العجلوني فقال: الذي استظهره أشار إليه الكرماني أولًا، ولا يخفى ما في قوله: ولا يخفى تكلفه... إلخ؛ فتدبر، انتهى.\nقلت: لقد أنصف العجلوني هنا، والعجب من الشَّارح المحقق حيث لم يتعرَّض إليه ولا عجب، فإن ما زعمه ابن حجر لا يقوله من شمَّ أدنى رائحة في العلم من تناقضه وركاكته، فلذا لم يعرِّج عليه، وعلى كل حال فما زعمه هذا القائل هو قد أخذه من كلام الكرماني، بل هو عينه، لكن قد غير عبارته بعبارة ركيكة، فلا حاجة إلى شغل الفكر لبيان ردها، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته ﵇ إلى السرير التي كانت عليه؛ لأنَّه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، وهو أولى من حمله على حالة واحدة، كما جنح إليه الإسماعيلي فيما سبق بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه، انتهى.\nقلت: وهذا بعيد جدًّا، فإن هذه الحالة هي عين الحالة التي تقدمت في صلاته إلى السرير؛ لأنَّ قولها هناك: فيجيء النَّبي ﷺ فيتوسط السرير؛ معناه: يجعل نفسه في وسط السرير، كما يدل عليه اللَّفظ، وفي هذه الحالة يحتمل أنها كانت تقبض رجليها حتى يسجد مكانهما، ويحتمل أن السرير واسع لا يحتاج فيه إلى ذلك، والحمل على الحالة الواحدة هو الصَّواب لما ذكرناه، وما زعمه من الأولوية مردود؛ لعدم ما يدل عليها من شيء، والإسماعيلي أدرى بالمراد من الحديث، فجعله صلاته فوق السرير لا أسفل منه هو الصَّواب، كما لا يخفى؛ فافهم.\nوفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته، وفيه: أن العمل في الصلاة غير قادح إذا كان يسيرًا، وهو مفوَّض إلى رأي المصلي، أو ما يعده الناظر يسيرًا، أو ما كان دون ثلاث حركات، وفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وفيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهذا الحديث مع بقية مباحثه قد تقدم في باب (الصلاة على الفراش)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٤٥\"> </span>(١٠٥) <span data-type=\"title\" id=toc-845>[باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء]</span>\nهذا (باب) بيان قول: (من قال لا يقطع) أي: لا يفسد (الصلاة شيء)؛ أي: من غير فعل المصلي أو من مرور الكلب، والمرأة، والحمار، وغيرها، وأشار المؤلف بهذه التَّرجمة إلى الردِّ على من يقول: يقطع الصلاة مرور هذه الثلاثة، وإنما لم يخصها بالترجمة، بل عمَّم؛ ليشملها وغيرها، والمراد بالقطع: الفساد والبطلان، وهذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه الدارقطني عن سالم مرفوعًا، ورواه أبو داود عن أبي سعيد مرفوعًا، ورواه الدارقطني عن أنس وأبي أمامة، ورواه الطَّبراني عن جابر مرفوعًا، ورواه سعيد بن منصور عن علي وعثمان موقوفًا.\nفإن قلت: إذا كانت التَّرجمة لفظ حديث مرفوع؛ كان عليه أن يترجم بغيره ويذكر الحديث على عادته.\nقلت: الحديث المذكور ليس على شرطه، على أنَّه قد نصَّ الحُفَّاظ على ضعف أسانيده، لكن ما رواه سعيد بن منصور إسناده صحيح، لكنه موقوف، فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ اختار الإمام البخاري أن يجعل الحديث ترجمة لِبابٍ مستقل؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٤٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-846>[حديث: شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي]</span>\n٥١٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عُمر بن حفص)؛ بِضَمِّ العين، زاد أبو ذر: (ابن غياث) (قال: حدثنا أبي) هو حفص بن غياث، (قال: حدثنا الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، (قال: حدثنا إبراهيم)، ولابن عساكر: (عن إبراهيم) هو النخعي، (عن الأسود) هوابن يزيد النخعي، وهو خال إبراهيم، (عن عائشة): هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄.\n (وقال الأعمش)؛ بالواو العاطفة على الإسناد السَّابق، فهو موصول مقول حفص، وتردَّد الكرماني فقال: هذا إما تعليق وإما داخل تحت الإسناد الأول سواء كان بكلمة (ح) مهملة كما في بعض النُّسخ أو لم يكن، انتهى، لكن جزم الشراح بأنه موصول داخل تحت الإسناد الأول، وظاهر اللَّفظ يدل عليه، فلا وجه لتردُّده؛ فافهم، (حدثني)؛ بالإفراد، وهذا تحويل من سند إلى سند آخر سواء كان بكلمة (ح) مهملة كما في بعض النُّسخ أو لم يكن، (مسلم) هو أبو الضُّحى ابن صبيح، (عن مسروق) هو ابن الأجدع، (عن عائشة): هي الصديقة بنت الصديق\n_________\n(^١) في الأصل: (حقيقته)، ولعله تحريف.","vol":"1","page":366},{"text":"الأكبر ﵄، (قال)؛ أي: إن مسروقًا قال: (ذُكِر)؛ بِضَمِّ الذَّال مبني للمفعول (عندها) أي: بحضرة عائشة (ما يقطع) أي: يبطل (الصلاة)، وكلمة (ما) موصولة، ويجوز فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبره قوله: (الكلب) والجملة محلها النصب مفعول ما لم يسم فاعله؛ وهو (ذُكِر) على صيغة المجهول، وثانيهما: أن يكون (ما) مفعول ما لم يسم فاعله، ويكون قوله: (الكلب) بدلًا منه، أفاده الشَّارح، (الكلبُ)؛ بالرفع، كما ذكرنا، ويجوز أن يكون (الكلب) فاعلًا لفعل محذوف، يدل عليه رواية علي بن مسهر: (ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا: يقطعها الكلب) (والحمار والمرأة)؛ بالرفع فيهما، وزعم العجلوني أنه يجوز نصب (الكلب) وما بعده مفعول لمحذوف نحو: فذكروا الكلب، وقد صرح بهذا الفعل في بعض الأصول الصَّحيحة، انتهى.\nقلت: الروايات الصَّحيحة كما ذكرنا، وما زعمه إن ساعدته الرواية؛ فله وجه، وكون الفعل مصرَّحًا به؛ الله أعلم به؛ لأنا لم نر أحدًا من الشراح قد ذكر هذا؛ فتدبر، والذاكرون عندها هم ابن أختها عروة، وأبو هريرة، وأبو ذر، وابن عبَّاس ﵃؛ لما في «مسلم» من طريق عروة: (قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار...)؛ الحديث، وفي «ابن عبد البر» من رواية القاسم قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المرأة تقطع الصلاة، وحديث أبي ذر عند مسلم، وحديث ابن عبَّاس عند ابن ماجه؛ فليحفظ.\n (قالت) أي: عائشة ﵂: (شبهتمونا بالحمير والكلاب؟!)؛ بالجمع فيهما، ورواه مسلم عنها بلفظ: (قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمير؟!)، وهما بمعنًى، وتقدم من طريق علي بن مسهر بلفظ: (جعلتمونا كلابًا؟!) وهو تشبيه بليغ، وخطابها إنَّما كان لابن أختها عروة، ولأبي هريرة، ولأبي ذر، وابن عبَّاسرضي الله عنه، كما دلت عليه الروايات السَّابقة.\nقال ابن مالك: في هذا دليل على جواز تعدي المشبه به بالباء، والمشهور تعدية مشبه إلى مشبه ومشبه به بدون باء، كقول امرئ القيس:\nفشبهتهم في الآل لما تكمشوا... حدائق دوم أو سفينًا مُقيرًا\nوقد كان بعض المعجبين يخطِّئ سيبويه وغيره في قولهم: شبه كذا بكذا، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان، وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء المتأخرين، انتهى.\nوأخرج الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صحاح، وروى مسلم، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي؛ فإنَّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنَّه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» قلت: يا أبا ذر؛ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي؛ سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان»، وأخرجه الأربعة أيضًا مختصرًا ومطولًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود.\nوروى ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض»، وقيَّد المرأة بالحائض في روايته، فهذا يدل على أنَّ الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار يقطع الصلاة، وهو مروي عن أنس، ومكحول، وأبي الأحوص، والحسن، وعكرمة، وعن عكرمة: (يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي)، وعن عطاء: (لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود والمرأة الحائض)، وقال أحمد ابن حنبل: (يقطع الصلاة الكلب الأسود والبهيم)، وعنه: (يقطعها أيضًا الحمار والمرأة)، وقال الظَّاهرية: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة؛ للحديث المذكور.\nوقال الأئمة الحنفية وتبعهم المالكية والشَّافعية: إنَّه لا يقطع الصلاة الكلب الأسود، ولا الحمار، ولا المرأة ولو حائضًا؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس قال: (أقبلتُ راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الحُلم ورسول الله ﷺ يصلي بالناس يمضي إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف؛ فلم ينكر ذلك عليَّ أحد)، وأخرج أيضًا عن عون بن أبي جحيفة قال: (سمعت أبي يحدث أن رسول الله ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظُّهر ركعتين والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار)، وكذلك حديثي الباب، وأخرج أبو داود عن الفضل بن عبَّاس قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه ابن عبَّاس فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بال ذلك؟)، وأخرجه النسائي أيضًا، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان»، وروى الدارقطني عن ابن عمر مثله، وأبي أمامة وأنس نحوه، وروى الطَّبراني في «الأوسط» عن جابر نحوه.\nفإن قلت: حديث أبي سعيد، وابن عمر، وأبي أمامة، وأنس ﵃ زعم ابن الجوزي أنَّه لا يصح منها شيء، وزعم ابن حبان أنه لا يحل الاحتجاج بها.\nقلت: نصَّ الحفاظ وغيرهم أنَّه لا عبرة بوضع ابن الجوزي فإنَّه متعصِّب، ومثلهابن حبان، على أنَّه قد رويت بطرق مختلفة عن عدة صحابة وبه تتقوى وترتقي، وليس يتعين علينا الاستدلال بها، بل يكفينا ما روى البخاري.\nوقال النَّووي: (وتأوَّل الجمهور القطع المذكور على قطع الخشوع جمعًا بين الأحاديث) انتهى.\nقلت: وفيه نظر لأنَّ الخشوع ليس بشرط في الصلاة، ولا يلزم الجمع؛ لأنا نقول: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم، والأخذ بالأقوى أولى؛ فافهم، فإن حديث ابن عبَّاس صريح في الاستدلال؛ لأنَّ حماره قد مرَّ بين يدي النَّبي الأعظم ﷺ، كما رواه البزار، ودل حديث عائشة المذكور على أنَّ المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وكذلك دل حديث أم سلمة وميمونة بنت الحارث،؛ فأخرج الإمام الطَّحاوي حديث أم سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: (كان يُفرَش لي حِيَال مُصلَّى رسول الله ﷺ كان يصلي وإني حياله)، وأخرجه أحمد في «مسنده»، وأخرج الطَّحاوي حديث ميمونة عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: (كان فراشي حِيَال مُصلَّى رسول الله ﷺ فربما وقع ثوبه عليَّ وهو يصلي)، وأخرجه أبو داود ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخُمرة)، والمصلَّى؛ بفتح اللَّام؛ وهو الموضع الذي كان يصلي فيه النَّبي الأعظم ﷺ في بيته، وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، والخُمرة؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة: حصير صغير يُعمَل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف.\nفإن قلت: ما استدل به الجمهور مطلق، وحديث القطع مقيدن وهو يقضي على المطلق.\nقلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي فقال: قد تواترت الآثار عن رسول الله ﷺ بما يدل على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل مار بين يدي المصلي شيطانًا في حديثي ابن عمر وأبي سعيد، وأخبر أبو ذر: أن الكلب الأسود إنَّما يقطع الصلاة؛ لأنَّه شيطان، فكانت العلة التي لها جعلت لقطع الصلاة قد جعلت من بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبي الأعظم ﷺ: أنهم لا يقطعون الصلاة، فدل على أنَّ كل مار بين يدي المصلي سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصلاة، والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ابن عمر مع روايته ما ذكرنا عنه ﵇ قد روي عنه من بعده: حدثنا يونس: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: (يقطع الصلاة الكلب والحمار)، فقال ابن عمر: (لا يقطع","vol":"1","page":367},{"text":"صلاة المسلم شيء)، فقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله ﷺ حتى صار ما قال به أولى عنده من ذلك، انتهى.\nوزعم ابن حجر: وتعقب بأنَّ النَّسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ وتقدر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق والجمع لم يتعذر، انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: لا نسلم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عمر ﵄ بعدما روي عنه: أن المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك؛ لم يقل بما قال: من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أن ابن عبَّاس الذي هو أحد رواة القطع روي عنه: أنَّه حمله على الكراهة؛ قال البيهقي: روى سماك عن عكرمة: قيل لابن عبَّاس: أتقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفع، فما يقطع هذا، ولكن يكره، انتهى.\nوقال الإمام الحافظ الطَّحاوي: وقد روي عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ: أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، ثم أخرج عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح: أن عليًا وعثمان رضي الله عنهماقالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرؤوا ما استطعتم، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وأخرج الطَّبراني من حديث عَلِيٍّ مرفوعًا: «لا يقطع الصلاة شيء إلا لحدث» انتهى.\nوقال الشَّافعي: تأول القطع بنقص الخشوع، قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة غير شرط اتفاقًا.\nوقال بعضهم: حديث أبي ذر مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة، قلت: وهذا مبني على أنَّ حديث عائشة ناسخ لحديث أبي ذر؛ لأنَّه متأخر عنه، كما حققه الحافظ الطَّحاوي.\nوزعم العجلوني أن قول بعضهم مبني على أنَّهما متعارضان ولا تعارض؛ لإمكان الجمع بنقص الخشوع.\nقلت: ما زعمه فاسد الاعتبار فإن ظاهر اللفظ يدل على أنَّ هذا مبني على النَّسخ لا على التعارض؛ لأنَّ قوله: (حديث أبي ذر مقدَّم) يعلم منه حقيقة أن حديث عائشة هو المتأخر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وما زعمه من عدم التعارض لإمكان الجمع؛ فاسد أيضًا؛ لأنَّ الجمع بنقص الخشوع باطل؛ لأنَّه غير شرط، كما ذكرنا، فالحق والصَّواب ماقلناه؛ فليحفظ.\nفإن قلت: إنكار عائشة على من ذكر المرأة مع الحمار والكلب فيما يقطع الصلاة مع أنها روت الحديث عن النَّبي الأعظم ﷺ؛ كما رواه أحمد ابن حنبل، ولفظه: «لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة»، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ لقد قُرِنَّا بذوات سوء.\nقلت: إن عائشة لم تنكر الحديث ولم تُكذِّب أبا هريرة، وإنما أنكرت بقاء الحكم وعدم المصير إلى النَّسخ؛ لأنَّها كانت ترى نسخ الحكم، ولهذا قالت: (والله لقد رأيت) أي: بصرت (النَّبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (ﷺ) وجملة (يصلي): محلها نصب مفعول ثان؛ أي: النافلة ليلًا، ومع هذا كانت عائشة تكره أن يذكر المرأة مع الحمار والكلب؛ لشرفها وخستهما، ولهذا قالت: يا رسول الله؛ لقد قُرنَّا بذوات سوء؛ فافهم، وفي هذا دليل على جواز الحلف بدون استحلاف، وفيه: استحباب قيام الليل بالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، ولو بحضرة أهله وهم نيام؛ لما في ذلك من الثواب الجزيل، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، (وإنِّي)؛ بكسر الهمزة وتشديد النُّون، بعدها ياء المتكلم، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (وأنا) (على السرير)، وفي رواية: (إلى السرير)؛ أي: عليه، فكلمة (إلى) بمعنى: على، وحروف الجر يستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى على أولي الألباب، والجملة اسمية محلها نصب على الحال من عائشة، وكذلك قولها: (بينه وبين القبلة)؛ أي: أمامه بالقرب من موضع سجوده؛ جملة حالية، وقوله: (مضطجعةٌ)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا تكون الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن يكون (مضطجعةٌ)؛ بالرفعخبرًا لقوله: (وأنا) أو (إني)؛ أي: والحال أني مضطجعة على السرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النصب في (مضطجعة)؛ فعلى أنَّه حال من عائشة أيضًا، ثم يجوز أن يكون هذان حالان مترادفين، ويجوز أن يكونا متداخلين، كذا حققه إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».\nقلت: وكون (مضطجعةً) بالنصب رواية أبي ذر، والوجهان في «اليونينية».\nوالحاصل: أنه يجوز فيها وجهان: الرفع والنصب؛ فالرفع له وجهان، والنصب له وجه واحد؛ فافهم.\n (فتبدوا)؛ أي: تظهر (لي الحاجة)، وفي «مسند السراج»: (فيكون لي حاجة)؛ أي: حاجة الإنسان ويحتمل الأعم منها، (فأكره)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لا أحب (أن أجلس)؛ أي: مستقبل النَّبي الأعظم ﷺ، وذكر في باب (الصلاة على السرير): (فأكره أن أسنحه)، وفي باب (استقبال الرجل): (فأكره أن استقبله)، والمقصود من ذلك كله واحد، لكن باختلاف (^١) المقامات اختلفت العبارات، قاله الشَّارح، (فأؤذي)؛ بلفظ المتكلم من المضارع، وفاعله: الضمير فيه، وهو معطوف على (أجلس)، وقوله: (النَّبيَّ) الأعظم (ﷺ)؛ بالنصب مفعول (أؤذي)، وعند النسائي من طريق شعبة، عن منصور، عن الأسود، عن عائشة في هذا الحديث: (فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)، قلت: وعلى هذا فالمراد بالإيذاء في حديث الباب: هو المرور بين يديه، وذلك لأنَّه ﵇ في مقام المناجاة لربه تعالى، فربما بمرورها يحصل له قطع ذلك، وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\n (فأنسلُّ)؛ بالرفع عطفًا على (فأكره) لا على (أجلس) ولا (فأؤذي)؛ لفساد المعنى؛ فتأمل، قاله العجلوني.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه يجوز عطفه على (فأؤذي) وعليه فالمعنى به صحيح؛ لأنَّ وجه انسلالها عدم إيذائه ﵇، وكذا يجوز عطفه على (أجلس) والمعنى به صحيح؛ لأنَّ علة انسلالها هو عدم جلوسها؛ لعدم إيذائها النَّبي الأعظم ﷺ، لكن فيه تكلف، وإلى هذا أشار العجلوني بالتأمل.\nفالحاصل: أن (فأنسل) يجوز فيه الرفع والنصب؛ ومعناه: أي: أمضي بتأنٍّ وتدريج وخفية ورفق، وفي رواية الطَّحاوي وكذا المؤلف: (فأنسل انسلالًا) (من عند رجليه)؛ بالتثنية؛ أي: من جهتهما، فإذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس تشتغل بها أكثر، فغيرها من الكلب والحمار بالطريق الأولى، وروى الشيخان عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة)، وفي رواية: (وأنا حذءاه)، وفي أخرى: (وأنا حائض)، ولا يخفى أن اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلي وبين القبلة لا يقطع الصلاة؛ فغيرها من الحمار والكلب بالأولى.\nوزعم ابن حجر أن التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل بها وهي راقدة من جهة الحركة والسكون، انتهى.\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ المرأة سواء كانت قاعدة أو راقدة لا تشوش على المصلي، وليس بين القاعدة والراقدة فرق أصلًا، فإنَّه كما تتحرك القاعدة كذلك تتحرك الراقدة، فإن النائم لا ينام على جنب واحد طول نومه، بل ينقلب يمينًا وشمالًا، ويدل على [ما] قلناه أن عائشة قالت: (فأكره أن أجلس فأؤذي)، إنَّما كَرِهَت الجلوس؛ لأنَّه بجلوسها تستقبل وجهه ﵇، كما دلت عليه رواية باب (استقبال الرجل)، فإنَّها صرحت هناك بقولها: (فأكره أن أستقبله)، ومعلوم أن الاستقبال منهي عنه في حديث ما؛ فافهم.\nثم زعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه، انتهى.\nقلت: الظَّاهر من حال عائشة: أنها أنكرت مساواة المرأة للحمار والكلب، وأنكرت حكم قطع\n_________\n(^١) في الأصل: (اختلاف)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":367},{"text":"الصلاة بالمرأة، والحمار، والكلب، وأنكرت على الذي لم يقل بنسخ الحكم، فإنكارها إنَّما كان لبقاء الحكم وعدم المصير إليه، وأما المرور؛ فإنما أنكرت فعله؛ لعلمها بحديث المار وماذا عليه من الإثم؛ لأنَّه ﵇ لمَّا شرع في الصلاة؛ لم يضع سترة؛ لأنَّه ليس في بيته سوى عائشة وهي راقدة، فلا تلزم السترة حينئذ، فلما أفاقت عائشة ولم تر السترة بين يديه؛ كرهت أن تجلس فتستقبله وتؤذيه بالمرور بين يديه؛ فانسلت، ويدل عليه رواية النسائي: (فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)، فالمراد بالإيذاء: المرور، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، وذلك لأنَّ الصلاة مناجاة الرب، فالنَّبي الأعظم ﷺ له المقامات العالية في المناجاة، فخشيت أن تشغله أو تلهيه بمرورها؛ فانسلت، إذا علمت هذا؛ علمت أن عبارته قاصرة؛ فافهم.\nفإن قلت: التَّرجمة عامة والحديث خاص، فما مطابقته للتَّرجمة؟\nقلت: أجاب إمامنا الشَّارح: بأن عائشة أنكرت على من ذكر عندها أن الصلاة يقطعها الكلب، والحمار، والمرأة؛ بكونها على السرير بين يديه ﵇ وبين القبلة وهي مضطجعة، ولم يجعل ذلك ﵇ قاطعًا لصلاته؛ فهذه الحالة أقوى من المرور، فإذا لم يقطع في هذه ففي المرور بالطريق الأولى، ثم المرور عامٌّ من أي حيوان كان؛ لأنَّ الشَّارع جعل كل مارٍّ بين يدي المصلي شيطانًا، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم، وهو بعمومه يتناول بني آدم وغيرهم، ولم يجعل نفس المرور قاطعًا، وإنما ذمَّ المار حيث جعله شيطانًا من باب التشبيه، انتهى، قلت: وهو وجيه فاحفظه.\nوزعم الكرماني: (فإن قلت: دل الحديث على أنَّ المرأة لا تقطع فقط، والتَّرجمة أعم من ذلك، قلنا: المراد من «الشيء» هذه الثلاثة، والقرائن تدل على التخصيص) انتهى.\nقلت: وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وهو فاسد الاعتبار فإن لفظة (شيء) في التَّرجمة عامة تشمل بني آدم والحيوانات؛ لأنَّها نكرة في مقام النَّفي، فتَعُم، والحديث دال على ذلك؛ لأنَّ عائشة لمَّا أنكرت على من يقول: بقطع الصلاة بهذه الثلاثة؛ شمل إنكارها المرأة جميع بني آدم، والكلب والحمار جميع الحيوانات؛ لأنَّ الألف واللَّام في كل منها للجنس ويلحق بها ما عداهما من كل ما يدبُّ على وجه الأرض، وذلك بحكم المرور، كما بيَّنه حديث أبي سعيد: (إن المار شيطان)، وهو عام، فيعمُّ؛ فافهم.\nثم زعم الكرماني: (فإن قلت: غرض عائشة دفع المساواة بينها وبين الحمار والكلب، وعليه لزم المساواة في عدم القطع لا فيه؛ قلت: غرضها نفي المساواة في الشر لا مطلق المساواة، أو لعل مذهبها أن الكلب والحمار يقطعان) انتهى.\nقلت: وهذا ليس بشيء فإن غرضها عدم المساواة من حيث إنَّ المرأة لا تذكر مع الكلب والحمار؛ لشرفها وخستهما، ويدل عليه ما رواه أحمد عنها: (لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ لقد قُرنَّا بذوات سوء)، وليس مذهبها: أنهما يقطعان؛ لأنَّ حديث الباب دال على ذلك؛ لأنَّها أنكرت بقاء حكم قطع الصلاة بهذه، وأنكرت عدم النَّسخ، يدل عليه قولها: (والله لقد رأيت...) إلخ، فإنَّه دال على أنَّها كانت ترى نسخ الحكم، وأنكرت بقاء الحكم وعدم المصير إليه؛ فافهم.\nوقال الكرماني: (فإن قلت: القائلون بقطع الصلاة بمرورهم من أين قالوا به؟ قلت: إما باجتهادهم، ولفظ: «شبهتمونا» يدل عليه، وإما بما ثبت عندهم من قول الرسول بذلك) انتهى.\nوردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا السؤال سؤال من لم يقف على الأحاديث التي فيها القطع، وأحد شقي الجواب غير موجه؛ لأنَّه لا مجال للاجتهاد عند وجود النصوص) انتهى.\nثم قال الكرماني: فإن قال الرسول به؛ فلم لا نحكم بالقطع؟ قلت: إما لأنها رجحت خبرها على خبرهم من جهة أنها صاحبة الواقعة، أو من جهة أخرى، أو أنها أولت القطع بقطع الخشوع ومواظبة القلب اللسان في التلاوة لا قطع أصل الصلاة، أو جعلت حديثها وحديث ابن عبَّاس من مرور الحمار والأتان ناسخين له، وكذا حديث أبي سعيد؛ حيث قال: (فليدفعه فليقاتله) من غير حكم بانقطاع الصلاة بذلك.\nفإن قلت: لم لا تعكس بأن تجعل الأحاديث الثلاثة منسوخة به؟ قلت: للاحتراز عن كثرة النَّسخ؛ إذ نسخ حديث واحد؛ أهون من نسخ ثلاثة أو لأنها كانت عارفة بالتاريخ وتأخرها عنه) انتهى.\nقلت: الجواب الأول: (أنها رجحت خبرها...) إلخ، لم يذكر وجه الترجيح سوى أنها صاحبة الواقعة وهو لا يفيد الترجيح، والجواب الثاني: فاسد الاعتبار؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة غير شرط اتفاقًا، والجواب الثالث؛ وهو النَّسخ هو الصَّواب، فإنَّها قد أنكرت بقاء حكم القطع، ورأت النَّسخ فيه، ويدل عليه قولها: (والله لقد رأيت...) إلخ.\nوالجواب في الثاني: (للاحتراز...) إلخ: فيه نظر، فإن الأحاديث الثلاثة في حكم واحد وحديثها في حكم واحد، ففيه نسخ حكم وإثبات حكم، فليس فيه كثرة النَّسخ، والجواب الثاني: إن كان معناه أن حديثها هو المتأخر عن حديثهم؛ فهو صواب، وإن كان حديثهم هو المتأخر عن حديثها؛ فليس بشيء؛ لأنَّ عائشة جعلت حديثها ناسخًا لأحاديثهم سواء كان مقدمًا أو مؤخرًا، بل الظَّاهر: أن حديثها هو المتأخر، وأن أبا هريرة وأبا سعيد لم يبلغهم النَّسخ إلا منها، يدل عليه أن الحافظ الطَّحاوي أخرج عن ابن المسيب بإسناد صحيح أن عليًّا وعثمان قالا: (لا يقطع صلاة المسلم شيء...)؛ الحديث، ولا يخفى أن مثل هذا لا يقال بالرأي، بل بالسَّماع من النَّبي الأعظم ﷺ؛ فإنَّهما من الملازمين لأفعال المصطفى وأقواله ﵄، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٤٧\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-847>[حديث: لقد كان رسول الله يقوم فيصلي من الليل]</span>\n٥١٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) هو الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، هذه رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: (إسحاق) غير منسوب، وجزم ابن السكن بأنه ابن راهويه، وقال: كل ما في «البخاري»: (عن إسحاق) غير منسوب؛ فهو ابن راهويه، وزعم أبو نعيم أنَّه إسحاق بن منصور الكوسج، قال الكلاباذي: (إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور كلاهما يرويان عن يعقوب)، كذا حققه صاحب «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر والقسطلاني، وزعم العجلوني أن رواية أبي ذر: (إسحاق بن منصور)؛ وهو خطأ ظاهر؛ فاجتنبه، (قال أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (يعقوب بن إبراهيم)، زاد أبو ذر وأبو الوقت: (ابن سعد) هو المدني، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (حدثنا) بالجمع، ولأبي ذر: (أخبرنا) (ابن أخي ابن شهاب) هومحمَّد بن عبد الله بن مسلم الزهري المدني: (أنه) بفتح الهمزة (سأل عمه) هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني (عن الصلاة) مطلقًا (يقطعها)؛ بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أيقطعها، وسياق الكلام يدل عليه، قيل: وفي نسخة: أيقطعها -بإثبات الهمزة- (شيء)؛ أي: من مرور الكلب، والحمار، والمرأة، (فقال) أي: ابن شهاب، وللأصيلي: (قال) (لا يقطعها شيء)؛ أي: لا يقطع الصلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور الثلاثة التي وقع النزاع فيها؛ لأنَّ القواطع في الصلاة كثيرة؛ مثل القول والفعل الكثير وغيرهما، وما من عام إلا وقد خص، قاله إمامنا الشَّارح، قلت: وقد يقال في معناه: لا يقطعها شيء؛ أي: من غير فعل المصلي، وفيه: أنَّه لو ألقى أحد عليه نجسًا مانعًا؛ يقطع صلاته مع أنَّه من غير فعل المصلي؛","vol":"1","page":368},{"text":"فتأمل.\n (أخبرني عروة بن الزُّبير) هو من تتمة مقول ابن شهاب، قاله الشَّارح في «عمدة القاري» وتبعه الكرماني وكذا ابن حجر والقسطلاني، وخالفهم العجلوني فزعم أنَّه من قول عم ابن شهاب، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ يخالفه؛ فافهم: (أن عائشة زوجَ النَّبي) الأعظم (ﷺ) بفتح همزة (أن) ونصب (زوج) صفة لـ (عائشة) (قالت: لقد كان رسول الله ﷺ)، وأفادت لفظة (كان) الدوام والاستمرار (يقوم فيصلي من الليل)؛ أي: النافلة؛ ومعناه: يقوم فيصلي النافلة بعض الليل، فإنما أتت بكلمة (من) إشارة إلى أنَّه يقوم بعض الليل لا الليل كله، وزعم العجلوني: (من الليل)؛ أي: فيه، كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: فيه، انتهى، قلت: وفيه نظر، ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فافهم، (وإني) بكسر الهمزة (لمعترضة بينه) أي: رسول الله ﷺ (وبين القبلة) والجملة اسمية مؤكدة بـ (إن) واللَّام، في موضع نصب على الحال، (على فراش أهله)، كذا في رواية الأكثرين، وهو متعلق بـ (يصلي)، وهو يدل على أنَّ صلاته كانت على الفراش، ويحتمل تعلقه بـ (يقوم)، وهو متعين في رواية المستملي: (عن فراش أهله)؛ بكلمة (عن)، أفاده الشَّارح بزيادة.\nومطابقته للتَّرجمة ظاهرة في قول الزهري، وأما في قول عائشة؛ فإن اعتراضها بينه وبين القبلة غير قاطع لصلاته، واعتراضها شامل لمسها ونومها ورقودها، فالمارة لا تقطع بالطريق الأولى، وهذا يدل على أنَّ حديث: (يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار) منسوخ بهذا؛ لأنَّه ﵇ قد صلى وهي معترضة، فلم تضر صلاته.\nوزعم ابن حجر أن الدلالة من هذا الحديث أن حديث: (يقطع الصلاة المرأة...) إلخ: يشمل ما إذا كانت مارة، أو قائمة، أو قاعدة، أو مضطجعة، فلما ثبت أنَّه ﵇ صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، ففي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور الثلاثة، وفرَّق بعضهم بين المرور وغيره فقال: المرور حرام، فكان قاطعًا للصلاة بخلاف غيره، ونازع بعض آخر في الاستدلال بأن العلة في قطع الصلاة بالمرأة التشويش من رؤيتها، وهذا مأمون في حديث عائشة حيث قالت: (والبيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح)، وبأن المرأة في غير حديث عائشة مُطلَقة، وفي حديثها مقيدة بالزوجة، فيحمل حديث غيرها على حديثها، ويكون القطع مقيدًا بالأجنبية خشية الافتتان بها، وبأن حديث عائشة واقِعةُ حال بخلاف حديث أبي ذر؛ فإنَّه سيق للتشريع العام، انتهى.\nقلت: وكل هذا منظور فيه؛ لأنَّ شمول الحديث لما ذكره غير ظاهر؛ لأنَّه غير مذكور في الحديث ولا يفيده ولا يشير إليه، بل الحديث شامل لمسها، ونومها، ورقودها، وقعودها؛ لأنَّ المضطجع تارة يكون نائمًا، وتارة يكون راقدًا، وتارة يكون قد عرض عليه القعود، كما لا يخفى، ولمَّا ثبت أنَّه ﵇ قد صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل هذا على النَّسخ ألبتة في المضطجع، وفي غيره بالقياس عليه، وهو مساوٍ له؛ لأنَّ الحادثة واحدة، والحكم واحد، والواقعة واحدة، فصح القياس وثبتت المساواة بينهما.\nوتفريق بعضهم بين المرور وغيره وأن المرور حرام؛ غير ظاهر؛ لأنَّ المرور وإن كان حرامًا، لكن في نفسه لا يتعدى إلى غيره من قطع الصلاة، فإن القطع حكم آخر وهو منسوخ بدليل آخر، وهو حديث الباب ومنازعة البعض لا تخلو عن نظر، فإن كان العلة التشويش؛ فيرده صلاته ﵇ وعائشة معترضة بينه وبين القبلة ولم تضر صلاته.\nوزعمه بأن التشويش مأمون في حديث عائشة؛ لعدم المصابيح؛ ممنوع، فإن وجود المصابيح ليس بعلة؛ لأنَّه قد يخطر بخاطر الإنسان وإن لم يكن مصابيح، على أنَّه -المصلي- إذا كان في صلاته مشتغلًا بها لا يخطر بباله شيء آخر غيرها، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].\nوما زعمه من أن حديث عائشة مقيد بالزوجية وغيره مطلق؛ ممنوع، فإنَّه لا فرق بين الزوج والأجنبية في الصلاة، والحمل غير ظاهر، وحديث عائشة ليس واقعة حال، بل هو عام سيق للتشريع، وأما حديث أبي ذر؛ فالظَّاهر: أنَّه واقعة حال، على أنَّه منسوخ بحديثها؛ لأنَّها أعلم من أبي ذر بالأحكام مع ملازمتها لأقوال الرسول الأعظم ﷺ وأفعاله، فلو لم تعلم بالنَّسخ؛ لما أنكرت على الذين ذكروا عندها قطع الصلاة.\nوالحاصل: أن أحاديث قطع الصلاة منسوخة، والعناد بعد ذلك مكابرة.\nوادعى ابن بطال أن ذلك من خصائصه ﵇؛ لأنَّه يملك إربه بخلاف غيره، انتهى.\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّ دعوى الخصوصية لا بد لها من دليل يدل عليها ولم يوجد ما يدل عليها، وكون غيره لا يملك إربه؛ ممنوع، فإنَّه قد ثبت عنه ﵇: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، فإذا كانت الخيرية باقية في أمته؛ فلا شك أن المصلي يملك إربه؛ فافهم.\nوقيل: الحكمة في تخصيص القطع بالثلاثة: أن الجميع في معنى الشَّيطان؛ الكلبُ بنَصِ الحديث، والمرأة من جهة أنها تقْبِل في صورة شيطان وتُدْبِر كذلك وأنها من حبائل الشَّيطان، وأما الحمار؛ فلِمَا جاء من اختصاص الشَّيطان به في قصة نوح ﵇ في السفينة، انتهى.\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّه إذا ثبت أن حكم قطع الصلاة بهذه الثلاثة منسوخ؛ فلا حاجة إلى إبداء حكمة لذلك، على أنَّه قد نص الحديث أن الكلب الأسود شيطان لا مطلق الكلب، كما لا يخفى، ومع هذا فقد ثبت في «الصَّحيحين»: أن الشَّيطان عَرَض للنبي الأعظم ﷺ في صلاته ولم يضرها ولا قطعها، وقد تقدم أن الشَّيطان نفسه لو مر بين يدي المصلي؛ لم تفسد صلاته بدليل الحديث المذكور.\nفإن قلت: في الحديث أنَّه جاء ليقطع صلاته.\nقلت: قد بينت رواية مسلم أن سبب القطع مجيء الشَّيطان بشهاب من نار ليجعله في وجهه ﵇، وأما مجرد المرور؛ فقد حصل ولم تفسد به الصلاة؛ فافهم.\nوفي الحديث: أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه: جواز الصلاة إلى المرأة، وكرهه بعضهم، وفيه: استحباب صلاة الليل، وفيه: جواز الصلاة على الفراش، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٤٨\"> </span>(١٠٦) <span data-type=\"title\" id=toc-848>[باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة]</span>\nهذا (باب) بيان حكم (من حمل) زاد الأربعة: (في الصلاة)، وفي نسخة (بابٌ) بالتنوين (إذا حمل)؛ أي: المصلي، (جارية صغيرة على عنقه) هل تفسد صلاته أم لا؟\nوقال ابن بطال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا؛ ليدل على أنَّ حمل المصلي الجارية على العنق لا تضر صلاته؛ لأنَّ حملها أشد من مرورها بين يديه، فلما لم يضر حملها؛ كذلك لا يضر مرورها، قال الشَّارح: قلت: فلذلك ترجم البخاري هذا الباب بهذه التَّرجمة وبينه وبين الأبواب التي قبله مناسبة من هذا الوجه، انتهى.\nوزعم ابن حجر: وتقييد المصنف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك، انتهى.\nقلت: تقييد البخاري الصغيرة مبني على الأغلب الكثير أن الصغير يحمل عادة مع أن حكم حمل الكبيرة كذلك؛ لأنَّ المعتبر هو","vol":"1","page":368},{"text":"العمل في الصلاة، فإن كان يسيرًا؛ فلا فساد، وإن كان كثيرًا؛ تفسد صلاته، وهو مفوض لرأي المصلي، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، إذا علمت هذا؛ ظهر لك فساد ما زعمه ابن حجر؛ فافهم، وقد خفي عليه أن القيود تارة تذكر لبيان الواقع، وتارة لبيان الغالب، وتارة للاحتراز، وما هنا من الوسط، والعالم النحرير يفرق بين ذلك؛ فليحفظ.\n\n <span id=\"b-٨٤٩\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-849>[حديث: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله]</span>\n٥١٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (^١) الدمشقي المولد (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ الزاي: هو ابن العوام المدني، (عن عَمرو) بفتح العين المهملة (ابن سُليم) بِضَمِّ السين المهملة (الزُرَقي)؛ بِضَمِّ الزاي وفتح الرَّاء: هو الأنصاري، نسبة إلى زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، (عن أبي قتادة) هو الحارث بن ربعي السلمي (الأنصاري) توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وقيل: اسمه النعمان، وفي رواية أحمد عن عمرو بن سليم: (أنَّه سمع أبا قتادة يقول): (إن رسول الله ﷺ) بكسر الهمزة (كان يصلي)؛ أي: في بعض الأوقات، لا يقال: إنَّ (كان) تفيد الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: ليست هي كذلك دائمًا، بل تذكر لأمر نادر، كما هنا للقرينة الحالية والمقالية الدَّالة على ذلك؛ فافهم، (وهو حاملٌ أُمامةَ): الواو للحال، والجملة اسمية محلها نصب على الحال، و(حاملٌ): بالتنوين، و(أمامةَ): بالنصب، وهو المشهور، ويروى بالإضافة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]؛ بالوجهين في القراءة، قاله الشَّارح، وقال الكرماني: فإن قلت: قالت النحاة: فإن كان اسم الفاعل للماضي؛ وجبت الإضافة، فما وجه عمله؟ قلت: إذا أريد به حكاية الحال الماضية؛ جاز إعماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، انتهى، و(أُمَامَة): بِضَمِّ الهمزة وتخفيف الميمين (بنتَ زينبَ)؛ بالفتح والكسر صفة لـ (أمامة) على الوجهين، (بنتِ رسول الله)، وفي رواية: (ابنةِ رسول الله) (ﷺ)؛ بالجر لا غير، نَعتٌ لـ (زينب)، وجُوِّز القطع نصبًا ورفعًا؛ فتأمل.\nقال الشَّارح: ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.\nفإن قلت: أين الظهور وقد خصص بالتَّرجمة الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟\nقلت: كأن البخاري أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى؛ منها لمسلم من طريق بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم، وصرح فيه: (على عنقه)، وكذا في رواية أبي داود، وفي رواية له: (فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه)، وفي رواية لأحمد من طريق ابن جريج: (على رقبته) انتهى.\nقال الشَّارح: وكانت زينب أكبر بنات النَّبي الأعظم ﷺ، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إليه، وأولاده ﵇ كلهم (^٢) من خديجة سوى إبراهيم، فإنَّه من مارية القبطية، تزوجها قبل البعثة، قال الزهري: وكان عمره ﵇ يومئذٍ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة، وقيل: ثلاثين، وكان عمرها أربعين، وقيل: خمسًا وأربعين، فولدت له القاسم وبه كان يكنى، والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.\nوتزوج بزينب أبو العاص فولدت منه عليًّا وأمامة هذه، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة فولدت منه محمَّدًا، وكانت وفاة زينب سنة ثمان، ولهذا قال: (ولأبي العاص) عطف على زينب بإظهار اللَّام المقدرة في المعطوف عليه، قاله إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما ابن حجر والقسطلاني.\nوزعم العجلوني: ولو جعل خبرًا لمحذوف؛ أي: وهي لأبي العاص؛ لم يمتنع، انتهى.\nقلت: بل هو ممنوع لأنَّ هذه الصيغة تفيد أن أمامة ليست بنتًا لأبي العاص، بل تخصه مثل أن تكون ربيبة أو خادمة أو نحوها، بخلاف العطف، فإنَّه يقتضي المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فما زعمه غير ظاهر، والأول: هو الظَّاهر؛ فافهم.\nوإنما نسبها إلى أمها أولًا؛ لما زعمه ابن العطار من أن الولد ينسب إلى أشرف الأبوين دينًا ونسبًا؛ لأنَّ والد أمامة كان يومئذ مشركًا، ثم بيَّن أنها من أبي العاص؛ تبيينًا لحقيقة نسبها، كذا في «العجلوني».\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الولد ينسب إلى أبيه، وقد صرح القرآن العظيم بذلك قال تعالى: ﴿ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٥]، وما زعمه من أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه؛ ممنوع هنا؛ لأنَّ هذا في السبايا إذا سبيت الصغار وأسلم آباؤهم؛ فيتبعونهم، أو أمهاتهم؛ فكذلك، فهو خاص بأهل الحرب بخلاف ما هنا، ألا ترى أن عليًّا ينسب إلى أبيه أبي طالب وهو قد مات على الكفر، ويدل لما ذكرنا: أن هذا الحديث رواه مسلم وغيره، وفيه: فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب، ورواه أحمد عن عمرو بن سليم، وفيه: (يحمل أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ)، فهذا كما رأيت قد نسبوها إلى أبيها وجعلوا أمها تبعًا؛ للبيان؛ فافهم.\nقال إمامنا الشَّارح: واختلف في اسم أبي العاص؛ بدون ياء بخلاف عمرو بن العاصي؛ فإنَّه بالياء على الأشهر، فقيل: اسمه لقيط؛ بالتكبير، وقيل: مقسم، وصححه الكرماني، وقيل: القاسم، قال الشَّارح: وهو أكثر في اسمه، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، ويعرف بجَرْوِ البطحاء، وأم أبي العاص: هالة (^٣)، وقيل: هند بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، وأبو العاص أسلم قبل الفتح وهاجر وَرَدَّ عليه النَّبيُّ الأعظم ﷺ ابنته زينب وماتت معه؛ أي: في عصمته سنة ثمان.\nوقال ابن إسحاق: (وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله ﷺ أن يزوجه (^٤) بابنتها زينب، وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينهما).\nوقال ابن كثير: (إنَّما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين، ووقع في الأسر)، قال ابن هشام: (وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام)، وقال ابن إسحاق عن عائشة: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم (^٥)؛ بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداءأبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها؛ فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردَّوا عليها الذي لها.\nوقال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب؛ يعني: أن تهاجر إلى المدينة؛ فوفى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاص بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، ثم آخر الأمر أسلم، وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ، وعن ابن عبَّاس: (رد عليه رسول الله ﷺ ابنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئًا)، والله أعلم، انتهى.\n (بن الربيع)؛ بدون هاء، وفي رواية: بهاء (ابن عبد شمس) نسبه لجده، وإلا فأبوه عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، والذي عن مالك: (ابن ربيعة) بالهاء، والصَّواب: (ابن الربيع) بدون هاء، وأصلحه ابن وضاح في رواية يحيى، قال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده، قال القاضي عياض: وهذا غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع\n_________\n(^١) في الأصل: (الأصل)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (كلها)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (هدلة)، وهو تحريف.\n (^٤) في الأصل: (يزوجها)، ولا يصح.\n (^٥) في الأصل: (أسرهم).","vol":"1","page":369},{"text":"بن عبد العزى بن عبد شمس.\nقال ابن حجر: والمخالفة فيه من مالك لا من البخاري، وغفل الكرماني فقال: خالف البخاري القوم من جهتين فقال: (ربيعة)؛ بحرف التأنيث، وعندهم: (الربيع)؛ بدونه، وقال: (ربيعة بن عبد شمس)، وهم قالوا: (ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس) انتهى، وكذلك اعترض الكرمانيَّ إمامُ الشَّارحين فقال: لو اطلع الكرمانيُّ على كلام القوم؛ لما قال ذلك، وتمامه فيه.\nوزعم العجلوني بأنه لا غفلة من الكرماني؛ لأنَّه يصح أيضًا نسبة الغفلة إلى البخاري وإن كان تابعًا لمالك فيها، وأن الاعتراض في الأصل من ابن الأثير؛ فتدبر، انتهى.\nقلت: الغفلة من الكرماني محققة، كما لا يخفى؛ لأنَّه لم يفرق، ولا يصح أن تكون الغفلة من البخاري؛ لأنَّه كثيرًا ما يذكر أشياخه في سنده وينسبهم إلى أجدادهم؛ لشهرتهم به، على أنَّه إذا كان البخاري تابعًا لمالك؛ فالغفلة من مالك قطعًا، والله أعلم.\n (فإذا سجد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (وضعها)؛ أي: أمامة على الأرض، كذا في رواية مالك، (وإذا قام) أي: من السُّجود (حملها)؛ أي: أمامة على عنقه، أو على عاتقه، أو على رقبته، كما سبق من الروايات في ذلك، وفي رواية مسلم، وأحمد، والنسائي، وابن حبان عن عامر بن عبد الله: (فإذا ركع؛ وضعها)، وفي رواية أبي داود عن عمرو بن سليم: (حتى إذا أراد أن يركع؛ أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد حتى إذا أفرغ من سجوده فقام؛ أخذها فردها في مكانها)، كذا في «عمدة القاري».\nوفي الحديث أحكام:\nأحدها: أنَّه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض، والواجب، والنفل، ويجوز ذلك للإمام والمقتدي والمنفرد، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.\nقال صاحب «البدائع»: إذا أخذ المصلي قوسًا ورمى به؛ فسدت صلاته، وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته؛ تفسد؛ لوجود العمل الكثير، وأما إذا حملت الصبي بدون الإرضاع؛ فلا يوجب الفساد، ثم روى حديث الباب وقال: هذا الصنيع لم يكره منه ﷺ؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك؛ لعدم من يحفظها أو لبيانه الشرع بالفعل، وهذا غير موجب للفساد، ومثل هذا لا يكره لواحد منا أن يفعله عند الحاجة، أمَّا بدونها؛ فمكروه، انتهى.\nوقال النَّووي: وعند الشَّافعي يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام، والمنفرد، والمأموم، انتهى.\nوقال أحمد: يجوز ذلك، قال الأشرم: سئل أحمد: أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قال: نعم، واحتجَّ بحديث أبي قتادة.\nوقال مالك: لا يجوز حمل الصبي ونحوه في الصلاة الفريضة، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على صلاة النفل، قال ابن عبد البر: ومن الدليل على صحة ما قاله إني لا أعلم خلافًا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد، فإن حديث الباب صريح في جواز ذلك في الفرض والنفل، وما زعمه من الحمل غير صحيح، كما سيأتي، وما زعمه ابن عبد البر فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لا يلزم من عدم علمه الخلاف في كراهة الصلاة بذلك أن يكون دليلًا لمدعاه، ألا ترى أن مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والشَّافعي وأصحابه، وأحمد ابن حنبل: أن هذا الفعل جائز من غير كراهة لا سيما وقد فعله النَّبي الأعظم ﷺ، وفعله لا يوصف بكراهة، بل هو شرع لنا إلى قيام الساعة، وكأنَّه أراد بنفي الخلاف الإجماع على كراهة هذا الفعل، ولا يخفى أن الأمة لا تجتمع على حكم مخالف لما فعله الشَّارع، وإن أراد إجماع مذهبهم؛ فهو غير معتبر ولا مقبول، على أنَّه إنَّما قالوا ما قالوا تعصُّبًا وترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، وهو باطل، والحق أحق أن يتبع؛ فافهم.\nوقال إمام الشَّارحين: روى سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري قال: (رأيت النَّبي الأعظم ﷺ يؤمُّ الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب ابنة رسول الله ﷺ على عاتقه)؛ فهذا صريح في أنَّه ﵇ كان في صلاة الفرض، ولأن الغالب في إمامة رسول الله ﷺ كانت في الفرائض دون النوافل.\nوفي رواية أبي داود عن أبي قتادة الأنصاري قال: (بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظُّهر أوالعصر وقد دعاه بلال للصلاة؛ إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلَّاه وقمنا خلفه...)؛ الحديث، وفي كتاب «النسب» للزبير بن بكار، عن عمرو بن سليم: (أن ذلك كان في صلاة الصبح).\nقال الشيخ تقي الدين: روي عن مالك: أنَّه منسوخ، قال أبو عمر (^١) بن عبد البر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة، وقد ردَّ هذا بأن قوله ﵇: «إن في الصلاة لشغلًا» كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان فيه إثبات النَّسخ بمجرد الاجتهاد، انتهى.\nقلت: والنَّسخ بالاجتهاد غير مقبول على أنَّ الجمهور من أهل العلم قالوا: إن هذا الفعل عمل غير متوالٍ، وليس فيه حركات ثلاث متوالية، والطمأنينة في الأركان موجودة قطعًا، فأين الفساد والكراهة؟ فافهم.\nوروى أشهب وابن نافع عن مالك: أن هذا الفعل كان للضرورة، وادعى بعضهم أنَّه خصوصية، وردَّه النَّووي بأنَّ هذا دعوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوٌّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متضافرة على أنَّ هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرَّقت، وفعله ﵇ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه، انتهى.\nوزعم الخطابي يشبه أن يكون صنيع رسول الله ﷺ لا عن قصد وتعمد في الصلاة، ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة؛ فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها، فإذا أراد أن يسجد وهي على عنقه؛ وضعها بأن يحطَّها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيام وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى؛ لم يدافعها ولم يمنعها حتى إذا قام؛ بقيت محمولة معه، هذا عندي وجه الحديث، ولا يتوهَّم عليه ﷺ أنه كان يتعمَّد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى؛ لأنَّ الكل في ذلك قد يكثر فيتكرر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية؛ فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صنيعه وصفته من الأمر؟!\nوقد رد هذا إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» والنَّووي؛ فقال الشَّارح: فقوله في الحديث: «فقام، فأخذها، فردها في مكانها»: صريح في أن الحمل والوضع كان منه ﵇ لا من أمامة، وقال النَّووي: وما ذكره الخطابي باطل ودعوى مجردة، ومما يرده (^٢) قوله في «صحيح مسلم»: (فإذا قام؛ حملها)، وقوله: (فإذا رفع من السُّجود؛ أعادها)، وقوله في غير رواية مسلم: (خرج علينا حاملًا أمامة فصلى...)، وذكر الحديث، وأما قضية الخميصة؛ فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنَّه يشغل القلب، وإن سلمنا؛ فيترتب عليه فوائد وقواعد، كما ذكرناها، بخلاف الخميصة،\n_________\n(^١) في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (يرد)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":369},{"text":"فالصَّواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، انتهى.\nوزعم بعض أصحاب مالك أنَّه ﵇ لو تركها؛ لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها.\nقلت: وهذه الدعوى مردودة؛ لأنَّه ﵇ قد وضعها، ثم ركع وسجد، كما رواه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، ولم يذكر أحد من الرواة أنَّه حين وضعها بكت، والأصل العدم وبقاء ما كان على ما كان، فهذا يدل على أنَّ حمله ﵇ إياها لبيان الجواز؛ فافهم.\nوقال الباجي: (إن وجد من يكفيه أمرها؛ جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد؛ جاز فيهما) انتهى.\nقلت: وهذه أيضًا مردودة؛ لأنَّه لم يفرق في الحديث بين الفرض والنفل، بل هما على السواء، فقد كان ﵇ يحملها في الفرض إمامًا وفي النفل، فإذا جاز في الفرض؛ فالنفل أولى، على أنَّه ﵇ كان إذ ذاك له نسوة وبنات وجوارٍ، ولم يأمر أحدًا منهن بحملها، بل تولَّى ذلك بنفسه في صلاته؛ لبيان الشرع.\nوقال الفاكهاني: كان السرُّ في حمله ﵇ أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، وخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم.\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم أن يكون ذلك في الصلاة، بل يكون خارجها، وأما السر في ذلك؛ فهو (^١) بيان الجواز والتشريع؛ فليحفظ.\nوالثاني من الأحكام: فيه جواز إدخال الصغار في المساجد.\nوالثالث: جواز صحة صلاة من حمل آدميًّا، وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا.\nوالرابع: فيه تواضعه ﵇، وشفقته على الصغار، وإكرامه لهم؛ جبرًا لهم ولوالديهم، أفاده الشَّارح.\nوقال الشَّافعي: فيه دليل على ترجيح العمل بالأصل على الغالب، وردَّه الشيخ ابن دقيق العيد بأنَّ حكاية الأحوال لا عموم لها.\nوفي الحديث: دليل على أنَّ لمس البنات غير مبطل للصلاة ولا للطهارة، وهو مذهب الجمهور.\nوزعم الشَّافعية أنَّها مَحرَم، أو واقعة حال، أو مع حائل.\nقلت: هذه دعاوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها، فقد كان ﵇ يقبِّل عائشة ويمس غيرها من زوجاته ويصلي ولم يتوضأ؛ كما ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما، وقد تكرر منه ﵇ هذا الفعل في الفريضة والنَّافلة في حال الإمامة والانفراد، واحتمال الحائل ممنوع؛ لأنَّ الأصل عدمه، ولو كان؛ لذكره الرواة، واحتمال المَحرَميَّة باطل؛ فإن الزوجة ليست بمَحرَم، وكونها واقعة حال باطلة؛ لأنَّ هذا الحكم سيق للتشريع بأن يبقى ليوم القيامة؛ فافهم.\nوحاصله: أن هذه محاولة ذكرت ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٥٠\"> </span>(١٠٧) <span data-type=\"title\" id=toc-850>[باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض]</span>\nهذا (بابٌ) -بالتنوين- يذكر فيه حكم ما (إذا صلى) أي: الرجل (إلى فِراش)؛ بكسر الفاء: ما يفرش -أي: يبسط- على الأرض (فيه حائض)؛ أي: امرأة حائض، هل تصحُّ صلاته أم لا؟ وهل تكره أم لا؟\nوتقدير الحكم أولى من الجواز؛ لأنَّه أعم، كما لا يخفى، وزعم الكرماني: باب هذه المسألة -وهي ما يقوله الفقهاء-: إذا صلَّى كذا وكذا؛ كيف يكون حكمه؟ وردَّه الشَّارح بأنَّ هذا تعسُّف، ولو قال: معناه: إلى فراش فيه حائض كيف يكون حكمه؟ يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على عدم الكراهة، انتهى.\nقلت: وقد فرغ المؤلِّف من بيان أحكام المار بين يدي المصلي، وهذا شروع في بيان فروع من أحكام الصلاة؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٥١\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-851>[حديث: كان فراشي حيال مصلى النبي فربما وقع ثوبه عليَّ]</span>\n٥١٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن زُرارة)؛ بِضَمِّ الزاي، ثم بالرَّاء المكررة: هو أبو محمَّد النيسابوري (قال: أخبرنا هُشيم)؛ بِضَمِّ الهاء مصغرًا: هو ابن بُشير -بِضَمِّ الموحَّدة- الواسطي المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئة، (عن الشيباني) هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي، وما زعمه العجلوني من أنَّه سليمان بن إسحاق؛ خطأ ظاهر؛ فافهم، (عن عبد الله بن شداد بن الهادِ)؛ بتخفيف الدَّال المهملة، واسمه أسامة اللَّيثي الكوفي، (قال: أخبرتني خالتي مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة (بنت الحارث)؛ بالمثلَّثة، إحدى زوجات النَّبي الأعظم ﷺ، (قالت: كان فِراشي)؛ بكسر الفاء؛ أي: ما أفترشه حال إرادة النَّوم (حِيَال)؛ بكسر الحاء المهملة، وفتح التحتية؛ أي: بجنبه، كما في الحديث الذي بعد هذا، فهو ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)؛ أي: كائنًا في حذاء (مُصلَّى) بِضَمِّ الميم، وفتح اللَّام (النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: الموضع الذي كان يصلي فيه في بيته؛ وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، (فربما وقع ثوبه) أي: أصاب ثوب النَّبي الأعظم ﷺ (عليَّ)؛ بتشديد التحتية المفتوحة؛ أي: حال صلاته، (وأنا على فراشي)؛ أي: نائمة، وفي رواية: (وأنا حائض)؛ أي: متلبسة بالحيض، فلم ينكر علي النَّبي الأعظم ﷺ، ولم تضر صلاته، وإفادة كلمة (رُبَّ): أن كثيرًا ما يقع هذا الفعل له ﵇؛ لأنَّ (رُبَّ) عند سيبويه وجماعة: حرف تكثير، وعند ابن درستويه وجماعة: أنها للتكثير دائمًا، كما في «المغني»، بل نقل الحلبي عن جماعة: أنها لا تفيد التقليل إلا بقرينة، انتهى، وإذا زيدت كلمة (ما) بعدها؛ فالغالب أن تكفَّها عن العمل، وأن تهيئها للدخول على الجمل الفعلية، وأن يكون الفعل ماضيًا لفظًا ومعنًى، كما في الحديث؛ ومنه قول الشاعر:\nربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات\nوتمامه في شرحنا على «الأزهرية».\nوفي الحديث: المطابقة لما ترجم له المؤلف، واعترض على المؤلف بوجهين؛ الأول: كيف دل على التَّرجمة التي هي كون المصلي منتهيًا إلى الفراش؛ لأنَّه قال: إذا صلى إلى الفراش، وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية؟ والثاني: أن الحديث يدل على اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته؛ فهذا يدل على جواز القعود لا على جواز المرور.\nوأجاب شارحنا في «عمدة القاري» عن الأول: (بأنه لا يلزم أن يكون الانتهاء من جهة القبلة، وكما أنها منتهية إلى جنبه ﵇، فكذلك هو ﵇ أيضًا منتهيًا إليها وإلى فراشها)، وعن الثاني: (بأن ترجمة الباب ليست معقودة للاعتراض؛ فإن المتعلق بالاعتراض قد تقدم، والذي قصده البخاري بيان صحة الصلاة ولو كانت الحائض بجنب المصلي ولو أصابتها ثيابه، لا كون الحائض بين المصلي وقبلته) انتهى.\nقلت: فإن البخاري قد شرع هنا في بيان مسائل الصلاة صحة، وفسادًا، وكراهةً وعدمها، بعد أن تمَّم أحكام السترة، والمار بين يدي المصلي.\nوفي الحديث أحكام؛ منها: استحباب صلاة الليل، ومنها: جواز الصلاة بحضرة النائم، وأنه لا كراهة فيه، ومنها: أن المصلي إذا أصاب ثوبه الحائض؛ لا تضر صلاته، ولا كراهة عليه؛ لأنَّه ﵇ قد أصاب ثوبه ميمونة وهي حائض؛ فلم تضر صلاته، وفيه: استحباب وضع السجادة للصلاة عليها، وقد سبق هذا الحديث في باب: (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته في السُّجود)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٥٢\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-852>[حديث: كان النبي يصلي وأنا إلى جنبه نايمة]</span>\n٥١٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو النُّعمان)؛ بِضَمِّ النُّون: هو محمَّد بن الفضل السدوسي -بمهملات- المعروف بعارم، (قال: حدثنا عبد الواحد بن زِيَاد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية: هو البصري، (قال: حدثنا الشيباني)، زاد في رواية غير الأصيلي وابن عساكر: (سليمان) هو ابن فيروز التَّابعي الكوفي، (قال: حدثنا عبد الله بن شَدَّاد)؛ بفتح المعجمة، والمهملتين أولاهما مشددة: هو ابن الهاد؛ واسمه أسامة، اللَّيثي المدني، وهذا الإسناد بعينه سبق في باب (مباشرة الحائض)، (قال: سمعت) خالتي (مَيْمُونة)؛ بفتح الميم أولى، وضم الثَّانية، بينهما تحتية ساكنة: هي بنت الحارث، وجملة (تقول) من الفعل والفاعل: محلها نصب مفعول ثان لـ (سمعت)، أو حال: (كان النَّبي) الأعظم (ﷺ)، وأفادت لفظة (كان): الاستمرار والدوام (يصلي): جملة محلها نصب خبر (كان)؛ أي: في حجرته النافلة ليلًا، (وأنا إلى جنبه نائمةٌ)؛ بالرفع خبر (وأنا) المتعلق به (إلى جنبه)، والجملة حالية، وفي رواية باب (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته في السُّجود) قالت: (وأنا حذاؤه)؛ أي: والحال أنا بإزائه ومحاذيه، وقد بينت رواية الباب هنا أن المراد: أنها نائمة بجنبه،\n_________\n(^١) في الأصل: (هو)، وليس بصحيح.","vol":"1","page":370},{"text":"(فإذا سجد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في صلاته؛ (أصابني ثوبه)، وفي رواية المستملي والكشميهني: (ثيابه)؛ بالجمع، وفي رواية أبي ذر: (أصابتني ثيابه)؛ بتاء التأنيث في (أصابتني)، وإنما كان يصيبها؛ لقربها منه ﵇، وجملة (وأنا حائض): حالية، ثابتة في رواية أبي ذر، ساقطة عند غيره.\nو(حائض)؛ بدون تاء، قال الكرماني: (فإن قلت: قالوا: إذا أريد الحدوث؛ يقال: حائضة، وإذا أريد الثبوت وأن من شأنها الحيض؛ يقال: حائض، ولا شك أن المراد ههنا: كونها في حالة الحيض؟ قلت: معناه: أن «الحائضة» مختصة بما إذا كانت فيه، و«الحائض» أعم منه) انتهى.\nوردَّه الشَّارح، فقال: (لا فرق بين الحائض والحائضة، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا؛ فهي حائض وحائضة، وأنشد الفراء:\nكحائضة يزني بها غير حائض...\nوفي اللُّغة: لم يفرق بينهما، غير أن الأصل فيه التأنيث، ولكن لخصوصية النساء به، وعدم الالتباس؛ ترك التَّاء) انتهى، فاعرفه.\nوقوله: (زاد مُسدد)؛ بِضَمِّ الميم: هو ابن مسرهد البصري، (عن خالد) هو ابن عبد الله الطَّحان الواسطي (قال: حدثنا سليمان الشيباني) هو ابن إسحاق المدني: (وأنا حائض) مقدمة في بعض النُّسخ، مؤخرة على حديث أبي النعمان، وفي بعضها لفظ: (باب) قبل حديث أبي النعمان، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة كما قدمناه؛ فافهم.\nوفي الحديث أحكام:\nالأول: فيه جواز مخالطة الحائض، وقد كان بنو إسرائيل يخصون الحائض في النَّوم والأكل والشرب، ولا يخالطونها بشيء أصلًا، وقد نسخ هذا.\nالثاني: فيه طهارة بدن الحائض وثيابها.\nالثالث: فيه إذا أصاب ثوبُ المصلي المرأةَ الحائضةَ؛ لا تضر صلاته.\nالرابع: فيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء؛ لأنَّه ﵇ قد أصاب ثوبه ميمونة، والغالب أن المصلي يرفع ثيابه إذا أصابت غيره فتصيب يده بدنها لا سيما وهي نائمة بجنبه.\nالخامس: اخترعه بعض المتعصبين: أن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة.\nقلت: وليس في الحديث ما يدل على هذا أصلًا غير أنَّه فيه: أنَّه ﵇ صلى بجنب ميمونة وهي نائمة، وهو قائم، وقاعد، وساجد، فأين المحاذاة؟ وكأنَّ هذا القائل مراده الغمز في مذهب رأس المجتهدين وسيدهم أبي (^١) حنيفة الإمام الأعظم: أن محاذاة المرأة تفسد الصلاة، وقد حفظ شيئًا هذا القائل وغاب عنه أشياء؛ فإن المحاذاة المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في الصلاة أداءً وتحريمة، وغير ذلك من الشروط المقررة في كتب الفروع، والمرأة في هذا الحديث ليست كذلك، بل ليست بطاهرة أصلًا؛ فهذا كلام من لم يشم شيئًا من رائحة العلم، بل شم التعصب، والتعنت، والعناد، ألم يعلم أن الإمام الأعظم حين أخذ الحكم في هذه المسألة كان إمامهم منيًا في ظهر أبيه؛ فعليك بالأدب تنل (^٢) أعالي الرتب؛ فافهم، وتمامه فيما سبق.\n\n <span id=\"b-٨٥٣\"> </span>(١٠٨) <span data-type=\"title\" id=toc-853>[باب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين (هل يَغمِز)؛ بفتح أوله، وكسر الميم من باب (ضرب)؛ أي: ينخس باليد (الرجل) وهو في الصلاة (امرأته) النائمة (عند) إرادة (السُّجود) في الصلاة (لكي يسجد) في مكان اضطجاعها؟ فإن فعل ذلك ما حكمه؟\nقال إمام الشَّارحين: (يعني: إذا غمزها؛ فلا يترتب عليه من فساد الصلاة شيء، وبيَّن البخاري في هذا الباب صحة الصلاة ولو أصابها بعض جسده، وبيَّن في الباب السَّابق صحتها ولو أصابها بعض ثيابه) انتهى.\n\n <span id=\"b-٨٥٤\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-854>[حديث: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار</span>!]\n٥١٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو بن عَلي)؛ بفتح العين فيهما: هو الباهلي الفلاس، (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري، (قال: حدثنا عُبيد الله)؛ بالتصغير: هو ابن عبد الله العمري المدني، (قال: حدثنا القاسم) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق الأكبر ﵄، (عن عائشة): هي عمته الصديقة أم المؤمنينزوج النَّبي الأعظم ﷺ (قالت)؛ أي: في جواب من قال: (يقطع الصلاة الحمار، والكلب، والمرأة)؛ أي: مرورها بين يدي المصلي، والذي قال ذلك: هو أبو هريرة، وأبو ذر، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم بحضرة عائشة ﵂، فقالت لهم: (بئسما) وكلمة (بئس) من أفعال الذم، كما أن كلمة (نِعْم) من أفعال المدح، وشرطهما: أن يكون الفاعل المظهر فيهما معرَّفًا باللَّام، أو مضافًا إلى المعرف بها، أو مضمرًا مميزًا بنكرة منصوبة، وههنا يجوز الوجهان؛ الأول: أن يكون (ما) بمعنى: الذي، ويكون فاعلًا لـ (بئس)، والجملة -أعني قوله: (عدَلتمونا)؛ بتخفيف الدَّال؛ أي: شبَّهتمونا، كما في رواية باب (لا يقطع الصلاة شيء)، أو جعلتمونا أو تسويتكم إيانا- صلة الموصول، ويكون المخصوص بالذم محذوفًا؛ والتقدير: بئس الذي عدلتمونا (بالكلب والحمار) ذلك الفعل، والوجه الثاني: أن يكون فاعل (بئس) مضمرًا مميزًا، وتكون الجملة بعده صفة له، والمخصوص أيضًا محذوف؛ والتقدير: بئس شيئًا ما عدلتمونا بالحمار شيء، وفي الوجهين المخصوص بالذم مبتدأ، وخبره الجملة التي قبله؛ كذا قرره إمام الشَّارحين؛ والمعنى: لم شبهتمونا بهما مع شرف المرأة وخستهما؟!\nثم استدلت على ما أنكرته بقولها: (لقد رأيتُني)؛ بِضَمِّ الفوقية، واللَّام موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لقد رأيتني، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب؛ والتقدير: رأيت نفسي، كذا أفاده الشَّارح.\nوقال الكرماني: (إن كانت الرؤية بمعناها الأصلي؛ فلا يجوز حذف أحد مفعوليه، وإن كانت بمعنى: الإبصار؛ فلا يجوز اتحاد الضميرين).\nوأجاب العلامة الفاضل الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾: (جاز حذف أحدهما؛ لأنَّه مبتدأ في الأصل، فيحذف كالمبتدأ)، وهذا مخالف لما ذكره في «المفصل»، و«الكشاف»: (لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي الحسبان).\nوأجيب: بأنه قد روي عنه أيضًا: أنَّه إذا كان الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد؛ جاز الحذف، وأمكن الجمع بينهما بأن القول بجواز الحذف فيما إذا اتحد الفاعل والمفعول معنًى، والقول بعدمه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديث من القسم الأول؛ والتقدير: رأيت نفسي معترضة مثلًا، أو أعطى للرؤية التي بمعنى الإبصار حكم الرؤية التي من أفعال القلوب، انتهى.\n (ورسول الله ﷺ يصلي): جملة اسمية وقعت حالًا على الأصل؛ أعني بالواو؛ أي: صلاته من الليل (وأنا مضطجعة): جملة حالية أيضًا؛ أي: نائمة (بينه وبين القبلة)؛ أي: معترضة بينهما أمامه وليس بينه وبينها سترة؛ لأنَّها حينئذٍ غير مشروعة؛ لأنَّ السترة شرعت لدفع المار، ولا مار في ذلك الوقت، والنائم ليس له قوة على المشي ونحوه، (فإذا أراد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (أن يسجد) أي: السُّجود في صلاته؛ (غمز رجليَّ)؛ بالتثنية، قال في «الصِّحاح»: غمزت الشيء بيدي؛ ومنه قوله:\nوكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما\nوغمزته بعيني؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، والمراد ههنا: الغمز باليد، وفي رواية للبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني)، وفي رواية أبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ)، فبينت هذه الرواية أن المراد من الغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما قاله أهل اللُّغة، (فقبضتهما)؛ أي: أخرتهما عن مكان سجوده؛ ليسجد مكانهما،\n_________\n(^١) في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (تنال)، ولا يصح.","vol":"1","page":370},{"text":"وبهذا صرَّح الطَّحاوي في روايته؛ حيث قالت: فإذا سجد؛ غمزني فرفعتهما فقبضتهما، فإذا قام؛ مددتهما، وللبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني فقبضت رجليَّ، وإذا قام؛ بسطهما)، ولأبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ فضممتهما إليَّ ثم سجد)، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.\nففيه أن الرجل المصلي إذا غمز امرأته وهي نائمة عند السُّجود لأجل أن يسجد مكان رجليها؛ لا يفسد الصلاة، وليس فيه كراهة، وجه عدم الفساد: أن الغمز حركة أو حركتان لا ثالث لهما، وهو غير مفسد للصلاة، ووجه عدم الكراهة: أنَّه ﵇ قد فعله، وهو لا يوصف بالكراهة، ولو كان مكروهًا؛ لما فعله أو لنهى عنه.\nوفي الحديث: دليل على أنَّ لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور سلفًا وخلفًا؛ لأنَّه ﵇ قد لمس عائشة بيده الشريفة ومضى في صلاته.\nوتأوَّل الشَّافعية أنَّه ﵇ مس عائشة بيده مع الحائل ويحتمل الخصوصية.\nقلت: إنَّما زعموا هذا؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم: أن المس ناقض، ولا دليل لهم في ذلك، فإن قولها في الحديث: (غمزني) يدل على أنَّه بدون حائل؛ لأنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرحت بذلك، ولا يخفى أن اليد والرجل عند أهل الصرف واللُّغة كانتا بغير حائل، بل المس: وَقْعُ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود: (ضرب رجليَّ)، ولا يخفى أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما هو التحقيق.\nودعوى الخصوصية باطلة؛ لأنَّه لا بدَّ لها من دليل ولم يوجد، بل هذا الحكم عام، ويدل عليه أنَّه قد تكرَّر منه ﵇ هذا الفعل، وهو يدل على العموم، ومن ادعى الخصوصية؛ فعليه الدليل، وتمامه فيما قدمناه.\nفظهر أن الصَّواب: ما قلناه والعناد بعد ذلك مكابرة.\nوفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته.\nوفيه: استحباب صلاة الليل.\nوفيه: استحباب إيقاظ النائم لحاجة.\nوفيه: دليل على أنَّ المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت بين يديه، وهو قول الجمهور سلفًا وخلفًا، وبه قال الإمام الأعظم، وتبعه مالك والشَّافعي، ولا يخفى أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها.\nوقال أحمد: يقطع الصلاة الكلب الأسود؛ لحديث أبي سعيد: (أن الكلب الأسود شيطان)، وذهب جماعة: إلى أن الصلاة يقطعها مرور الكلب، والحمار، والمرأة، وفي ذلك حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي ذر.\nوالجواب عنها من وجهين:\nأحدهما: أن المراد بالقطع النقص؛ أي: نقص الخشوع؛ لشغل القلب بمرورها، وليس المراد إبطالها؛ لأنَّ المرأة يتغير (^١) الفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه الأشياء آيلة للقطع؛ أطلق عليها القطع مجازًا.\nوالثاني: أن الأحاديث الواردة في ذلك منسوخة بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم»، أخرجه الطَّحاوي، وبوَّب عليه البخاري، وقد صلى الشَّارع ﵇ وبينه وبين القبلة عائشة، وكانت الأتان ترتع بين يديه ولم ينكره أحد، كما أخرجه البخاري عن ابن عبَّاس، فدل هذا على النَّسخ، ولهذا أنكرت عائشة ﵂ على الذي ذكر عندها القطع بهذه الأشياء، وإنما أنكرت؛ لعلمها أن هذا الحكم منسوخ، فالظَّاهر: أنهم لم يبلغهم النَّسخ إلا منها.\nوذهب عطاء وغيره: إلى أنَّه يقطعها المرأة الحائض، ورُدَّ بأن قد جاء في روايات هذا الحديث قالت: (وأنا حائض)، وحديث: (يقطع الصلاة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير)، ضعيف لا يحتج به.\nوفي الحديث: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وهو حركة أو حركتان، والثلاث كثير.\nوفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وحديث ابن عبَّاس أنَّه ﵇ قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث»، نص الحفاظ على أنَّ طرقه واهية وهو ضعيف لا يحتج به، فهو لا يقاوم ما روي في «الصَّحيح»، على أنَّ ما في «الصَّحيح» ناسخ له، وقد وَرَد أحاديث في النَّهي عن الصلاة خلف النائم أو المتحدث، ونص الحفاظ على أنَّها ضعيفة واهية؛ فافهم.\nوفي الحديث: جواز الصلاة على الفراش، ومذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: على أنَّه تجوز الصلاة على البساط والطنفسة والفراش إذا كان يجد الساجد عليه حجم الأرض عند السُّجود، وبه قال الشَّافعي.\nوزعم المالكية أن الصلاة على الطنفسة وشبهها مكروهة، ولا سَنَدَ لهم في ذلك، والحجة عليهم قول النَّبي الأعظم ﷺ وفعله؛ ففي «البخاري» من حديث ميمونة قالت: (وكان النَّبي الأعظم ﷺ يصلي على الخُمرة)، وروى أبو نعيم عن ابن عبَّاس: (أن النَّبي الأعظم ﷺ صلى على البساط)، فهذا دليل على أنَّ الصلاة على ذلك غير مكروهة، والأفضل الصلاة على الأرض وعلى ما تنبته الأرض، كما فعله الشَّارع وليس بعد النص إلا الرجوع إليه، والله تعالى أعلم، وهذا الحديث قد مضى مع ما يتعلق به في باب (الصلاة على الفراش)، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٥٥\"> </span>(١٠٩) <span data-type=\"title\" id=toc-855>[باب المرأة تطرح عن المصلى شيئًا من الأذى]</span>\nهذا (بابٌ) بالتنوين (المرأة) مبتدأ (تطرح)؛ أي: ترمي، خبره (عن المصلي شيئًا من الأذى) وكلمة (من) بيانية؛ أي: النجس، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أي: نجس، واقتصر إمام الشَّارحين على تنوين (باب)، وزعم العجلوني أنَّه يجوز تركه، وعليه؛ فالجملة حال من المضاف إليه، أو مستأنفة، انتهى، قلت: الظَّاهر: أنَّه بالتنوين فقط؛ لأنَّه على عدمه يختل التركيب والمعنى؛ فافهم.\nقال ابن بطال: (هذه التَّرجمة قريبة من التراجم التي قبلها؛ لأنَّ المرأة إذا تناولت ما على ظهر المصلي؛ فإنَّها تقصد إلى أخذ ذلك من أي جهة كانت، فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه؛ فليس دونه) انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ فإن هذه التَّرجمة مستقلة بنفسها لا تَعلُّق لها بالأبواب والتراجم التي قبلها، فإن أحكام السترة والمرور قد أتمها البخاري وأكملها، وقد ذكر في هذا الباب والذي قبله مسائل في أحكام الصلاة؛ لأنَّه من تتمة كتاب (الصلاة)، وليس في الحديث مرور غير أنها قد تناولت القذر من ظهر المصلي، وهو ليس بمرور أصلًا، ومراد البخاري بهذا الباب: أن المرأة إذا طرحت قذرًا عن ظهرالمصلي؛ هل تفسد صلاته أم لا؟ فالفساد ناشئ من وقوع الأذى على ظهره وهو يصلي، هل يمضي في صلاته أم يقطعها؟\nوذكر حديث الباب في باب مستقل وترجم له: (باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة؛ لم تفسد عليه صلاته)، ذكره في (الطهارة)، وإنما أعاده هنا لبيان اختلاف العلماء في ذلك، ولأن عادته تكرار الأحاديث؛ لأخذ الأحكام منها مع تغيير السند والمتن؛ فافهم.\n\n <span id=\"b-٨٥٦\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-856>[حديث: اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش]</span>\n٥٢٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد بن إسحاق) هو ابن الحصين بن جابر السلمي (السُّرْماري)؛ بِضَمِّ المهملة وسكون الرَّاء؛ كذا في «التقريب» و«لب الألباب»؛ نسبة إلى سرمار قرية من قرى بخارى، وهو الذي يضرب بشجاعته المثل، قتل ألفًا من الترك، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، قاله الشَّارح، قلت: هو غير منسوب رواية الأكثرين، ولابن عساكر ما ذكرنا، ولأبي ذر والأصيلي: (السُّوْرَمارِي)؛ بِضَمِّ المهملة، وسكون الواو، مع فتح الرَّاء، بعدها ميم ثم راء مكسورة بينهما ألف، وقال الشَّارح: السَِّرْماري؛ بكسر المهملة وفتحها وسكون الرَّاء الأولى، ومثله في «الكرماني» و«ابن حجر»، (قال: حدثنا عُبيد الله) بالتصغير (بن موسى) هو ابن باذام الكوفي (قال: حدثنا إسرائيل) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، (عن أبي\n_________\n(^١) في الأصل: (تغير).","vol":"1","page":371},{"text":"إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي التَّابعي، تقدَّما في كتاب (العلم)، (عن عَمرو) بفتح العين (بن مَيْمُون)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة: هو أبو عبد الله الأَوْدِي -بفتح الهمزة وبالدَّال المهملة- الكوفي، أدرك زمن النَّبي الأعظم ﷺ ولم يَلْقَه، وحج مئة حجة وعمرة، وأدَّى صدقته إلى عمال رسول الله ﵇، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية فاجتمعت عليها القردة ورجموها، توفي سنة خمس وسبعين، أفاده شارحنا في باب (إذا ألقي على ظهر المصلي قذر)، قلت: وعلى هذا فهو تابعي مخضرم، وهو غير عمرو بن ميمون المخزومي؛ فافهم، (عن عبد الله) هو ابن مسعود، الصَّحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة، وكان قصيرًا دقيق الساقين، وكان الريح يأخذه حين يمشي، فرآه بعض الصَّحابة فتبسم، فقال له النَّبي الأعظم ﷺ: «لَسَاق عبد الله بن مسعود في الميزان أثقل من أحُد»، وإنما أطلقه البخاري ولم ينسبه لأبيه؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق، كما أنَّه إذا أُطلِق الإمام الأعظم؛ فالمراد به: أبو حنيفة النعمان الكوفي التَّابعي رأس المجتهدين وسيدهم؛ فافهم، (قال: بينما)؛ بالميم ظرف مضاف إلى الجملة بعده، والعامل فيه معنى المفاجأة التي في (إذ قال قائل)، ولا يجوز أن تعمل فيه (يصلي)؛ لأنَّه حال عن رسول الله ﷺ المضاف إليه (بين)، فلا يعمل فيه.\nوزعم العجلوني (بينما) بالميم الكافة لـ (بين) عن الإضافة، انتهى.\nقلت: فيه نظر؛ لأنَّ (بينا) بالألف كـ (بينما) بالميم مكفوفان عن الإضافة إلى المفرد ومضافان إلى الجملة، وهو مذهب الجمهور، وذهب قوم إلى أن (ما) والألف كافتان عن الإضافة، والجملة بعدهما لا محل لها من الإعراب، وذهب آخرون إلى أن الألف لا تكف عن الإضافة إلى الجملة، بخلاف (ما)، والصَّحيح الأول، أفاده السيوطي في «همع الهوامع»، إذا علمت هذا؛ ظهر لك فساد ما زعمه العجلوني من وجوه لا نطيل بذكرها؛ فافهم.\n (رسول الله ﷺ): مبتدأ خبره قوله: (قائم) حال كونه (يصلي)؛ أي: منفردًا ليس معه أحد من أصحابه، ويحتمل أنها الضُّحى، أو نفلًا محضًا، أو ركعتي الطواف، ويدل عليه قوله: (عند الكعبة)؛ أي: البيت الحرام؛ أي: مقابل الكعبة (وجمعُ قُرَيْش)، وفي (الفرع): (وجمعٌ من قُرَيْش)؛ بِضَمِّ القاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، مصغر قرش، وتصغيره للتعظيم، المراد بهم الأربعة المذكورون قريبًا؛ يعني: المراد الكفار منهم، فهو عام أريد به الخصوص بقرينة القصة، لا يقال: كيف جاز الدعاء على كل قريش وكان فيهم مسلمون كالصديق الأكبر ﵁ وغيره؛ لأنَّا نقول: اللَّفظ لا عموم له، ومراده بالكفار منهم، ففيه: أن لفظ (قريش) موضوع لهذه القبيلة على العموم؛ فتأمل، (في مجالسهم): جمع مجلس، و(قريش): مأخوذ من التقرش؛ وهو التجمع لاجتماعهم بعد افتراقهم، وقيل: من القرش؛ وهو الكسب؛ لأنَّهم كانوا تجارًا، وقد سأل سيدنا الإمام معاوية الكبير خليفة رسول الله ﷺ على التحقيق سيدنا عبد الله بن عبَّاس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن لم سميت قريش؟ فقال: سميت بدابة في البحر يقال لها: القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا يعلى عليها.\nوأجمعوا على أنَّه إذا أريد به الحي؛ صرف، وإن أريد به القبيلة؛ منع من الصرف، كما في سائر أسماء القبائل، فقريش: هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر؛ فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه، وربما قالوا: قرشي (^١)، وقيل: قريش: بنو فهر بن مالك بن النضر، فمن لم يلده؛ فهو ليسبقرشي، والأصح الأول، قال تبع:\nوقريش هي التي تسكن البحر... بها سميت قريش قريشا\nتأكل الغث والسمين ولا تترك (^٢) ... فيها لذي جناحين ريشا\nهكذا في البلاد حي قريش... يأكلون البلاد أكلًا كميشا\nولهم آخر الزمان نبي يكثر... القتل فيهم والخموشا (^٣)\nوتمامه في شرحنا على «الأزهرية» عند إعراب قوله تعالى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١].\n (إذ قال قائل منهم) هو أبو جهل كما صرح به مسلم في روايته، وقدمنا أن ما في (إذ) من معنى المفاجأة هو العامل في (بينما)، ولا يصح أن يعمل فيه (يصلي)؛ لأنَّه حال من رسول الله ﷺ المضاف إليه (بين)، فلا يعمل فيه، وهذا ما ذكره إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما البرماوي.\nونظر فيه العجلوني بأن (ما) كافة لها عن الإضافة إلى المفرد، وزعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن المضاف إليه (بين) هو الجملة الاسمية، و(ما) زائدة على كل حال، انتهى.\nقلت: قد نقلنا عن «الهمع» آنفًا أن (بينا) و(بينما) يضافان إلى الجملة عند الجمهور، وهو الأصح، فما زعمه العجلوني وابن حجر مبني على القول الشاذ، فلا يعول عليه؛ فافهم، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام».\n (أَلا تنظرون)؛ بفتح الهمزة، أداة استفتاح مراد بها التنبيه (إلى هذا المرائي): اسم فاعل من الرياء؛ وهو التعبد في الملأ دون الخلوة؛ ليراه الناس، وهذه الجملة والتي بعدها مقول القول، والذي قال هذا هو أبو جهل، كما صرح به مسلم من رواية زكريا، وزاد فيه: (وقد نُحِرَت جزور بالأمس) (أيُّكم) بتشديد التحتية استفهامية (يقوم إلى جَزُور)؛ بفتح الجيم وضم الزاي، من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث، والجمع: الجزر، يقال: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، قاله إمامنا الشَّارح هناك.\nوزعم ابن حجر أن الجزور ما يجزر؛ أي: يقطع، وردَّه شارحنا في «عمدة القاري»، فقال: (لا يدرى من أيِّ موضع نقله؟) واعترضه العجلوني فزعم أنَّه نقله من كتب اللُّغة، ففي «الصِّحاح»: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، وفي «المحكم»: الجزور: الناقة المجزورة، والجمع: الجزائر، وفي «القاموس»: الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، انتهى.\nقلت: هذا مبلغه من العلم، وما زعمه مردود عليه، فإنَّه لم يصرح أحد من أئمة اللُّغة أن معناه القطع، كما زعمه ابن حجر، فظهر أنَّه تفسير من عنده لا مستند له فيه ولا يعول عليه، بل ما ذكر من هذه النقول يشهد لما قاله إمامنا الشَّارح، فهذا دليل له لا عليه؛ فانظر التعصب البارد من ذي الذهن الشارد، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فافهم.\n (آل فلانٍ) بالتنوين، اسم مبهم لقبيلة من قبائل العرب لم تعرف أسماؤهم، قاله الشَّارح، وزعم ابن حجر يشبه أن يكونوا آل أبي معيط؛ لمبادرة عقبة بن أبي معيط إلى إحضار ما طلبوه منه، انتهى.\nقلت: هذا رجم بالغيب؛ لأنَّه ليس له دليل، والدعوى بدون برهان لا تسمع، ومبادرة عقبة لذلك لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّه لا يلزم من مبادرته أن يكون الجزور لآل أبي معيط، وإنما كان المبادر لأجل أن يفوز بهذه الشقاوة حتى يرضي أبا جهل، ويكون عنده مقدمًا مقربًا، على أنَّه قد اختلف في الذي بادر؛ فقيل: إنَّه أبو جهل نفسه؛ لقوله في الحديث: «فانبعث أشقاهم»، ولا ريب أنَّه أشقاهم، كما سيأتي؛ فافهم.\n (فيَعمِدُ) بالرفع عطف على (يقوم)، ويروى بالنصب؛ لأنَّه وقع بعد الاستفهام، قاله إمامنا الشَّارح، وهو بفتح التحتية وكسر الميم،\n_________\n(^١) زيد في الأصل: (وهو العباس)، ولعل الصواب حذفه.\n (^٢) في الأصل: (تزل)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (والحمق بشا)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":371},{"text":"من باب (ضرب)، لكنه يتعدى باللَّام، كما ذكره في «الصِّحاح»؛ حيث قال: عمدت للشيء أعمد عمدًا: قصدت له؛ أي: تعمدت، انتهى، (إلى فرثها)؛ أي: لفرثها على ما في «الصِّحاح» (ودمها)، والفرث: التفل الذي في الكرش، وقال ابن عبَّاس: إن البهيمة إذا اعتلفت وأنضج العلف في كونها؛ كان أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا، وأعلاه دمًا؛ يعني: أن أوسطه يكون مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن؛ لأنَّهما لا يكونان في الكرش، بل الكبد يجذب صفارة الطعام المهضم في الكرش، وكل حيوان له كرش إلا بني آدم، فإنَّه ليس له كرش، بل معدة وبها يجتمع المأكول وينهضم ويتولد دمًا وبلغمًا وسودًا وصفرًا، ويجري كل واحد إلى مكانه، فالدم مقره القلب، وسلطانه الدماغ، وتمامه في كتب الطب، وقد أغفل هذا المعنى العجلوني ولم يتعرض له ولم يصب في ذلك؛ لأنَّه مهم؛ فافهم، (وسَلَاها)؛ بفتح السين المهملة واللَّام، وبالقصر؛ وهي الجلدة التي يكونفيها الولد، والجمع: أسلاء، وخص الأصمعي السلى بالماشية، وفي الناس بالمشيمة، وفي «المحكم»: السلى: يكون للناس والخيل، وفي «الصِّحاح»: السلى؛ مقصور: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي، إن نزعت عن وجه الفصيل بساعة؛ يولد، وإلا؛ قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن، وألف (السلى) منقلبة عن ياء تحتية، ويقويه ما حكاه أبو عبيد عن بعضهم أنَّه يقول: سليت الشاة؛ إذا نزعت سلاها، أفاده شارحنا الهمام هناك، وتخصيص الكرماني (السلى) بما يكون فيه ولد الناقة؛ تفسير وتخصيص من عنده مردود عليه؛ لأنَّه مخالف لأئمة اللُّغة؛ فليحفظ، (فيجيء به) أي: بما ذكر، (ثم يمهلُه)؛ بالرفع أو النصب تبعًا لـ (يعمد)، وهو من الإمهال؛ وهو الانتظار؛ يعني: ينتظره (حتى إذا سجد)؛ أي: إلى أن يسجد النَّبي الأعظم ﷺ، فهو غاية للإمهال (^١)؛ (وضعه)؛ أي: ما ذكر، وهو جواب (إذا)، زاد المؤلف سابقًا: (على ظهره) (بين كتفيه)؛ بالتثنية على الإضافة، كما قدمناه، وكأنَّه أمره أن يقف خلف ظهره، فلم يدر إلا وقد وضعه عليه، (فانبعث أشقاهم)؛ أي: انتهض وأشرع، وهو مطاوع (بعث)، يقال: بعثه وانبعثه بمعنًى؛ فانبعث؛ أي: أشقى القوم؛ وهو عقبة بن أبي مُعَيط؛ بضم أوله، وفتح ثانيه، كما سماه شعبة عند مسلم، وكذا الإسماعيلي، ورواه أبو داود في «مسنده» بلفظ: (فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره)، وقال الدَّاودي: أشقى القوم: هو أبو جهل، قلت: وعليه فكونه أشقاهم ظاهر في نفس الأمر، لكن الذي تولى ذلك هو عقبة؛ فافهم، والصَّحيح الأول، وعليه الشَّارحون وإمامهم، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا منه؛ لأنَّه مع مشاركتهم في الكفر انفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم، ولهذا قتلوا في الحرب وهو قُتِلَ صبرًا، كما سيأتي.\n (فلمَّا سجد رسول الله ﷺ) أي: في صلاته؛ (وضعه) أي: ما ذكر على ظهره (بين كتفيه)؛ بالتثنية والإضافة.\nفإن قلت: لم لم يره النَّبي الأعظم ﷺ حين وضعه، وقد وَرَد أنَّه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه؟\nقلت: يحتمل أنَّه لم يره؛ لأنَّه مشغول بالعبادة ومستغرق فيها، ويحتمل أنَّه رآه وتركه حتى فعل ما فعل؛ لينفذ قضاء الله تعالى فيهم، أو لأنَّه كان الإسلام وقتئذ ضعيفًا فخشي وقوع الفتنة فتركه، والله أعلم.\n (وثبت) أي: استقام أو استمر (النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: في صلاته (ساجدًا)؛ أي: لا يرفع رأسه، كما [في] رواية المؤلف هناك؛ أي: من السُّجود بل أبطأ فيه، (فضحكوا)؛ أي: الجمع من قريش؛ أي: استهزاءً، قاتلهم الله تعالى (حتى مال بعضهم إلى)؛ بمعنى: على، كما في رواية الأربعة، أو بالعكس (بعض من الضحك)؛ أي: من كثرته، وكأنَّه وصل إلى حد القهقهة، عليهم الغضب.\nوزعم العجلوني أن في رواية غير هذا الموضع: (حتى مال بعضهم إلى بعض من كثرة الضحك).\nقلت: فيه خفاء؛ لأنَّه لم يبين أن هذه في «البخاري» أم في غيره؟ وفي أي بحث هي؟ ومن رواها؟ والجهل في ذلك غير مقبول؛ فافهم.\n (فانطلق منطلق): لم يعرف اسمه، وزعم ابن حجر يحتمل أنَّه ابن مسعود الراوي، انتهى، قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّه لو كان هو؛ لقال: فانطلقتُ، وإنما مراده أن المنطلق غيره، ويدل عليه رواية المؤلف في (الطهارة)، ولفظه هناك: قال -أي: ابن مسعود-: (فانبعث أشقى القوم به فنظر حتى إذا سجد النَّبي الأعظم ﷺ؛ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا لو كان لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة)، فهذا يدل على أنَّ ابن مسعود قد كان حاضرًا وقتئذٍ، واستمر حضوره حتى جاءت فاطمة ونظر ما فعلته، وأن المنطلق غيره؛ لقوله: (وأنا أنظر)؛ أي: إلى النَّبي الأعظم ﷺ وأنه قد ثبت ساجدًا وهو على ظهره إلى أن جاءت فاطمة، فهذا يدلُّ على أنَّه لم يفارقه، وأنَّه لم ينطلق، بل كان غيره؛ فليحفظ، (إلى فاطمة) هي ابنة النَّبي الأعظم ﷺ (وهي جويرية (^٢»؛ أي: صغيرة، وهو تصغير جارية، قاله الشَّارح، والظَّاهر: أنَّها كانت دون عشر أو دون البلوغ، وتزوجها علي بن أبي طالب وكان سنُّها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، بعد وقعة أحد، توفيت بعد أبيها بستة أشهر بالمدينة يوم الثُّلاث، لثلاث خلون من رمضان، ودفنت ليلًا، وفضائلها كثيرة، وكفى بها شرفًا كونها بضعة من النَّبي الأعظم ﷺ، أفاده الشَّارح هناك، (فأقبلت) أي: على أبيها ﵇ (تسعى) أي: تمشي إليه بلين ورفق، وزعم العجلوني؛ أي: تسرع، قلت: هو تفسير من عنده؛ لأنَّ السعي ليس بمعنى: الإسراع، بل معناه: المشي عادة، كما ذكرنا، ويدلُّ عليه قوله ﵇: «إذا أتيتم الصلاة؛ فائتوها وأنتم تسعون، ولا تأتوها هرولة»، ولا يخفى أن الإتيان إلى الصلاة بالإسراع مكروه، وهو الهرولة، أما السعي؛ فهو بلين ورفق، وهو مراد الحديث وحديث الباب؛ لأنَّ الصلاة المطلوب فيها التذلل والخضوع في المشي إليها، والإسراع ينافيه؛ فافهم، (وثبت النَّبي) الأعظم (ﷺ ساجدًا)؛ أي: استقام أو استمر في صلاته حالة كونه ساجدًا لا يرفع رأسه من السُّجود، بل أبطأ فيه، (حتى ألقته)؛ أي: رمت ما وضعوه عن ظهره ﵇، وعند المؤلِّف سابقًا: (فطرحته عن ظهره)، وإنَّما لم يطرحه ابن مسعود ﵁ مع أنَّه كان حاضرًا وقتئذٍ؛ لأنَّه لم يكن له بمكة عشيرة؛ لكونه هذليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارًا، فخاف من أذاهم له، ويدلُّ عليه ما عند المؤلف قال: (وأنا أنظر لو كان لي منعة) -أي: عزٌّ وجاه-؛ (لطرحته)، كما صرح به مسلم، وعند البزار: (وأنا أرهب منهم)؛ فافهم.\n (وأقبلت) أي: فاطمة (عليهم) أي: على الجمع من قريش (تسُبهم)؛ بِضَمِّ السين المهملة؛ أي: تشتمهم، زاد البزار في روايته: (فلم يردُّوا عليها شيئًا)، ففيه: دليل على قوة نفس فاطمة الزهراء مع صغرها؛ لشرفها في نفسها وقوتها؛ لكونها صرَّحت بشتمهم وهم من رؤساء قريش، فلم يردُّوا عليها؛ خوفًا من أن تطرحه عليهم؛ لشدَّة تغيُّظها من هذا الفعل القبيح، قاتلهم الله تعالى، وهذا بعض أفعال الكلب المملوءة بالمكر والحسد والفجور، كما بيَّنتُ ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المحزون (^٣)»؛ فافهم، (فلما قضى رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم (ﷺ الصلاة)؛ أي: فرغ من صلاته وأتمَّها، وعند البزار: (فلما قضى صلاته)، وكذا للمؤلف في (الطهارة)، ونحوه لمسلم والنسائي؛ (قال اللهم) أي: يا الله (عليك بقريش)؛ أي: بهلاكهم، أو ألصق عذابك بكفار قريش، أو عليك بقريش الكفار، فهو على حذف مضاف أو صفة، وزاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق: (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) (اللهم عليك بقريش) والمراد: الكفار منهم، أو من سمَّى منهم؛ وهم أبو جهل وأصحابه، فهو عامٌّ أريد به الخصوص بقرينة القصة، لا يقال: كيف جاز الدعاء على كل قريش وفيهم مسلمون؟ لأنا نقول: لا عموم للَّفظ؛ فافهم، (اللهم عليك بقريش) وعند أبي داود عن شعبة في هذا الحديث قال ابن مسعود: (لم أره دعا عليهم إلا يومئذٍ)، وإنما استحقُّوا الدعاء حينئذٍ؛ لما قدموا عليه من التهكُّم والإيذاء حال عبادة\n_________\n(^١) في الأصل: (للإمهار)، وهو تحريف.\n (^٢) في الأصل: (جويرة)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٣) في الأصل: (المخزون)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":372},{"text":"ربِّه ﷾ (ثلاثًا)؛ أي: قال هذه الجملة وكررها ثلاث مرات، وزاد مسلم في رواية زكريا: (وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل؛ سأل ثلاثًا)، وعند المؤلف في (الطهارة): (فيشق ذلك -أي: الدعاء- عليهم؛ إذ دعا عليهم، قال -أي: ابن مسعود-: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة)؛ يعني: كان اعتقادهم إجابة الدعوة لا من جهة النَّبي الأعظم ﷺ، بل من جهة المكان؛ لشرف البلد ولتعظيمهم له مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم الخليل ﵇، وعند مسلم من رواية زكريا: (فلما سمعوا صوته؛ ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته)، ففيه: معرفة الكفار صدق النَّبي الأعظم ﷺ؛ لخوفهم من دعائه، ولكنْ لأجل شقائهم الأزلي؛ حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له ﵇.\nوفيه: جواز الدعاء على الظالم، وفصَّل بعضهم فقال: محلُّه ما إذا كان كافرًا، أمَّا المسلم؛ فيستحب الاستغفار له والدعاء له بالتوبة، قاله الشَّارح هناك.\nوزعم ابن حجر أنَّه لو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر؛ لما كان بعيدًا؛ لاحتمال أنَّه ﵇ اطَّلع عليهم أنَّهم لا يؤمنون، والأَولى أن يُدْعَى لكلِّ حيٍّ بالهداية، انتهى.\nقلت: وفيه نظر، بل الحديث دالٌّ على جواز الدعاء على الكافر والظالم، ويدلُّ عليه عموم قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿أَلا لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لأنَّ في الدعاء بالهلاك لهم تخليص الناس من شرِّهم وأذاهم لا سيما من يتظاهر في زماننا في إيذاء المسلمين ويتجاسرون عليهم بالفجور والشرور، فلا ريب أن الدعاء عليهم جائز، بل لو قيل بوجوبه؛ لم يبعد لا سيما جماعة الكلب العقور المحشوَّة بالمكر والحسد والشرور، اللهم أحسن عاقبتنا.\n (ثم سمَّى) أي: عيَّن أفرادَ الجمع من قريش النَّبيُّ الأعظم ﷺ في دعائه ما كان أجمله أولًا، ودعاؤه ﵇ عليهم المجمل والمفصل إنَّما كان خارج الصلاة بعد الفراغ منها؛ لقوله فيما تقدم: (فلما قضى الصلاة)، ولمسلم: (فلما قضى صلاته)، وكذلك عند البزار وأبي داود، لكن في «مسلم»: أنَّه كان مستقبل القبلة، وذلك من عادته ﵇ في الدعاء أنَّه يدعو دبر الصلاة مستقبل القبلة، ووقع عند المؤلف في (الطهارة): (فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه ثم قال: اللهم...)؛ الحديث، ففيه: أنَّه قد يُتوَّهم أن الدعاء وقع في الصلاة؛ وهو ممنوع، فإنَّ تصريح المؤلف هنا ومسلم وغيرهما بقوله: (فلما قضى الصلاة) يدلُّ على أنَّه وقع بعد الفراغ من الصلاة، على أنَّ (^١) كلمة (ثم) تشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وقد وقع بهذه المهلة بقية أفعال الصلاة، ويحتمل أن الراوي اختصر ذلك، والصَّواب: أن الرواية هناك مختصرة من الرواية هنا، ويدلُّ لها ما في «مسلم» وغيره، والروايات تفسِّر بعضها بعضًا؛ فليحفظ.\nفقال: (اللهم عليك بعَمرو بن هشام)؛ بفتح العين: المخزومي، وعند المؤلف في (الطهارة): (اللهم عليك بأبي جَهل)؛ بفتح الجيم، وهو كنية عمرو بن هشام، فلعله ﵇ سمَّاه وكنَّاه معًا.\nقلت: بل سمَّاه تارة، وكنَّاه أخرى؛ لأنَّه ﵇ من عادته إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، كما في «مسلم»، ويعرف أيضًا بابن الحنظلية، وكان أحول مأبونًا؛ لقول عتبة بن ربيعة فيه: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، وكان يكنَّى في الجاهلية: بأبي الحكم، فكنَّاه ﵇ بأبي جهل، وفيه يقول الشاعر:\nالناس كنَّوه أبا حكم... والله كنَّاه أبا جهل\nوقيل: يكنَّى أبا الوليد، ولمَّا رآه ﵇؛ قال: «هذا فرعون هذه الأمة».\n (وعُتْبةَ) بِضَمِّ العين، وسكون الفوقية، والجر بالفتحة، (بن رَبيعة)؛ بفتح الرَّاء، بالجر بالفتحة، ابن عبد شمس، (وشيبة بن ربيعة) هو أخو عتبة، (والوَلِيد بن عُتْبة)؛ بِضَمِّ العين وسكون المثناة الفوقية، وواو الوَلِيد مفتوحة ولامه مكسورة، وهو المذكور آنفًا، ووقع عند مسلم من رواية زكريا: (والوليد بن عقبة)؛ بالقاف، وهو وهَمٌ نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصَّواب، أفاده إمامنا الشَّارح هناك، (وأُمَيَّةَ)؛ بالجر بالفتحة عطفًا على المجرور، وهو بِضَمِّ الهمزة، وتخفيف الميم، وتشديد التحتية (بن خلف) هو ابن صفوان بن أمية، وعند المؤلف في (الطهارة): (أو أُبَي بن خلف) بالشك من شعبة، والصَّحيح: أميَّة؛ لأنَّ المقتول ببدر أميَّة بإطباق أصحاب المغازي عليه، وأخوه أُبَي بن خلف قُتِلَ بأُحُد، قاله الشَّارح، (وعُقْبة) بِضَمِّ العين وسكون القاف (بن أبي مُعَيْط)؛ بِضَمِّ الميم، وفتح المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، واسمه أبان بن أبي عمرو لعنه الله، (وعُمَارة) بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الميم (بن الوَلِيد)؛ بفتح الواو مع كسر اللَّام، ابن المغيرة، وعند المؤلف في (الطهارة): (وعد السَّابع فلم يحفظه)، قال إمامنا الشَّارح: ولم يذكره الراوي هناك، وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيه وهنا تذكره، انتهى، وقد خبط الكرماني هنا وخلط؛ فاجتنبه، ونقله العجلوني عنه؛ فافهم.\n (قال عبد الله) أي: ابن مسعود ﵁: (فوالله) وعند المؤلف: (فوالذي نفسي بيده)، وعند مسلم: (والذي بعث محمَّدًا بالحق) وعند النسائي: (والذي أنزل عليه الكتاب)، والمراد باليد: القدرة؛ أي: بقدرته، ولعلَّ ابن مسعود قال ذلك كله تأكيدًا وتأسيسًا لكلامه، ففيه: جواز الحلف من غير استحلاف، وإنما صدَّر كلامه باليمين؛ لشدَّة تثبُّته فيما يقوله فيهم لعنهم الله، (لقد رأيتهم)؛ أي: الجمع من قريش، زاد المؤلف: (لقد رأيت الذين عدَّ رسولُ الله ﷺ) (صرعى): جمع صريع، كجرحى جمع جريح، مفعول ثانٍ لـ (رأيت)، قاله إمامنا الشَّارح وتبعه القسطلاني؛ أي: مقتولين.\nوزعم العجلوني أنَّه ينبغي أن يكون حالًا؛ فإنَّ (رأيت) بصرية، وإن أمكن توجيه الأول بمعنى: مقتول، انتهى.\nقلت: وفيه بُعد؛ لأنَّ الصَّواب: كونه مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ (رأيت) علمية؛ بمعنى: اعتقدت؛ أي: صِدْقه ﵇ في الدعاء عليهم حيث إنَّه نفذ فيهم قريبًا، ولهذا أكَّده بالأيمان؛ فافهم.\n (يوم بدر): هي اسم موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهي ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة مذكرًا ومؤنثًا، وقيل: بدر: بئر كانت لرجل يسمى بدرًا، فسميت باسمه، انتهى، (ثم سُحِبوا)؛ بِضَمِّ أوله على البناء للمفعول؛ أي: جُرُّوا كما يُجرُّ الكلب المنتن (إلى القَلِيب)؛ بفتح القاف وكسر اللَّام، وهو البئر قبل أن تطوى، يذكَّر ويؤنَّث، وقال أبو عبيد: هي العادية القديمة من لدن عاد لا يعرف صاحبها، وقال ابن سيده: هي البئر مطلقًا، وجمع القلة: أقلبة (^٢)، والكثرة: قُلُب، أفاده إمامنا الشَّارح، (قَلِيبِ بدر)؛ بالجر بدل من سابقه؛ على حد قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ*نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٦ - ١٧]، ويجوز فيه الرفع والنصب من جهة العربية، أمَّا الرفع؛ فعلى أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو قليب بدر، وأمَّا النصب؛ فعلى تقدير: أعني قليبَ بدر، قاله إمام الشَّارحين، فأفاد أن الرواية بالجر فقط، وبهذا ظهر فساد تعميم العجلوني الأوجه الثلاثة مع عدم بيان الرواية منها؛ فافهم.\nزاد شعبة في روايته: (إلا أميَّة فإنَّه تقطَّعت أوصاله؛ لأنَّه كان بادنًا؛ أي: سمينًا، وإلا عمَارة فإنَّه مات في خلافة عمر ﵁ في أرض الحبشة)، فعلى هذا يحمل قوله: (لقد رأيتهم)؛ أي: رأيت أكثرهم؛ فتأمل، وقد يقال: إنَّه رآهم جميعًا صرعى؛ أي: مطرحين في القَلِيب ولا يدري هل قتلوا جميعًا أم أكثرهم؟ فأخبر عمَّا رآه منهم؛ فهو على إطلاقه؛ فتدبَّر.\nواعلم أن أبا جهل قتله معاذ بن عمرو بن\n_________\n(^١) في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (أقبلة)، وهو تحريف.","vol":"1","page":372},{"text":"الجموح ومعاذ بن عفراء (^١)، كما ذكره في «الصَّحيحين»، ومرَّ عليه ابن مسعود ﵁ وهو صريع، فاحتزَّ رأسه، وأتى به النَّبيَّ الأعظم ﷺ فقال: هذا رأس عدوِّ الله، فنَفَّله النَّبي الأعظم ﷺ بسيفه، وقال: «الحمد لله [الذي] أخزاك يا عدوَّ الله، هذا كان فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر»، وفي رواية البيهقي: (فخرَّ رسول الله ﷺ ساجدًا)، قلت: ففيه: دليل على استحباب سجدة الشُّكر، وأنَّها مشروعة، وعلى أنَّ الإنسان إذا كان له عدوٌّ فهلك، أو حاجة قضيت؛ أن يحمد الله ويسجد لله تعالى شكرًا لما أنعمه عليه؛ فليحفظ.\nوأمَّا عتبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة، وقيل: علي.\nوأمَّا شيبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة أيضًا.\nوأمَّا الوليد بن عتبة؛ فقتله عبيدة بن الحارث وقيل: علي.\nوأما أميَّة بن خلف؛ فقيل: قتله رجل من الأنصار، وقيل: قتله خارجة بن زيد، وقيل: حبيب بن أساف، وفي السِّيَر من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن بلالًا ﵁ خرج إليه ومعه نفر من الأنصار، فقتله، وذكر ابن الجوزي أنَّه ﵇ قتله وكان بدينًا؛ أي: سمينًا، فلما قتل؛ انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جُرَّ إلى القليب فتقطَّع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى في حقهم خطابًا لنبيِّه الأعظم ﷺ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وهو الذي كان يعذب بلالًا ﵁ في مكة.\nوأما عقبة بن أبي معيط؛ فقتله علي ﵁، وقيل: عاصم بن ثابت، والأصح: أن النَّبي الأعظم ﷺ قتله بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة، فهو لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، فقتله ﵇ بهذا الموضع، ويسمَّى عرق الظبية، وهو من الروحاء، وقيل: إنَّه قال لرسول الله ﷺ: أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال: «نعم»، ثم قال: «بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام؛ إذ أخذ بمنكبي، فلف ثوبه على عنقي، فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان»، وكان عقبة من المستهزئين أيضًا، وذكر ابن حبيب أنَّه من زنادقة قريش.\nوأمَّا عمارة بن الوليد؛ فإنَّه مات بأرض الحبشة زمن عمر بن الخطاب ﵁، وله قصة مع النجاشي، وحاصلها: أن عمارة قد تعرض لامرأة النجاشي فأمر ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبةً له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن هلك لعنه الله.\n (ثم قال رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم (ﷺ)؛ أي: بعد سحبهم وإلقائهم في القليب مع غيرهم؛ لأنَّ الذين ألقوا فيه بضعة وعشرون رجلًا، كما رواه قتادة عن أنس عن أبي طلحة، وفي رواية: (أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طوًى من أطواء بدر)، وكلمة (ثم) تشعر بها.\nوزعم العجلوني؛ أي: بعد قتلهم.\nقلت: وفيه بُعد؛ لأنَّهم لم يصيروا من أصحاب القليب إلا بعد إلقائهم فيه؛ فافهم.\n (وأُتْبع أصحاب القليب لعنة): (وأُتبع)؛ بِضَمِّ الهمزة، إخبار من الرسول ﷺ بأنَّ الله أتبعهم اللعنة؛ أي: كما أنهم مقتولون في الدنيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويروى: (وأَتبع)؛ بفتح الهمزة، ويروى: بلفظ الأمر، فهو عطف على قوله: (اللهم عليك بقريش)؛ أي: قال في حياتهم: اللهم أهلكهم، وقال في هلاكهم: أتْبِعْهم اللعنة، قاله إمامنا الشَّارح.\nقلت: فيكون على الأول فعلًا ماضيًا مبنيًّا للمفعول، و(أصحاب): مرفوع نائب فاعل، وعلى الثاني: منصوب، والله أعلم.\nفإن قلت: إلقاؤهم في البئر دفنٌ لهم، والحربيُّ لا يجب دفنه، بل يترك في الصحراء، وهم كانوا حربًا.\nقلت: إلقاؤهم في البئر كان تحقيرًا لهم؛ لئلا يتأذى الناس برائحتهم، ولم يكن دفنًا.\nفإن قلت: في «سنن الدارقطني»: من سننه ﵇ في مغازيه: إذا مرَّ بجيفة إنسان؛ أمر بدفنه ولا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا.\nقلت: إنَّما كان لا يسأل؛ لأنَّه كان يعلم بالوحي أنَّه إذا كان مؤمنًا؛ كان يستحقُّ الدفن؛ لكرامته، وإن كان كافرًا؛ فلئلا يتأذى الناس برائحته، على أنَّ المراد بدفنه ليس دفنًا شرعيًّا، بل صبُّ التراب عليه؛ للمواراة.\nفإن قلت: صبُّ التراب عليهم كان يقطع رائحتهم.\nقلت: كان إلقاؤهم في البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت مع زيادة التحقير لهم.\nفإن قلت: كيف كان إلقاؤهم في البئر والناس ينتفعون بمائها؟\nقلت: البئر لم يكن فيها ماء، وكانت عادية (^٢) مهجورة، وقيل: إنَّه وافق أنَّه كان حفرها رجل من بني النار، اسمه بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة، الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، فكان ذلك فألًا مقدمًا لهم، انتهى.\nومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ حيث إنَّ فاطمة ﵂ ألقت وطرحت عن أبيها ﵇ الأذى وهو في الصلاة ولم تضر صلاته، كما ذكرناه أول الباب.\nقال الكرماني: وفي الحديث: الدعاء على الكفار إذا آذوا المؤمنين، وكان هؤلاء ممن لا يرجى دخولهم في الإسلام، وأجاب الله دعوته فيهم، وأنزل في شأنهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾، وأمَّا من رُجي منهم الإسلام؛ فلم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية والتوبة والدخول في الإسلام، انتهى.\nقلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس في الحديث ما ذكره من التفصيل، وليس فيه أنَّه كان يدعو بالهداية والتوبة، وإن كان ذُكِر في غيره، وما ذكره من أنَّه إن رجي إسلامه؛ لا يدعو عليه؛ مخصوص بزمن النَّبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّه ينزل عليه الوحي بذلك، أما في زماننا؛ فلا وحي، ورجاء الإسلام من الكفار مستحيل؛ لما يشاهد من عنادهم في كفرهم ونفاقهم؛ لأنَّ كثيرًا (^٣) ما قد دخل بعضهم في الإسلام، ثم ارتدَّ -والعياذ بالله-، ورجع إلى كفره وضلاله، ولم يثبت واحد منهم على الإسلام، فإذا كان الأمر كذلك؛ جاز الدعاء عليهم بالهلاك مطلقًا سواء رجي أم لا، كما قدمناه؛ فافهم.\nوفي الحديث: دلالة على أنَّ من عرض له في أثناء صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء؛ لا تفسد صلاته، كما لو عرضت له نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها، فإنَّها لا تفسد صلاته بالاتفاق، فيحتمل أنَّ فاطمة طرحته قبل مضي زمان أداء ركن، ويحتمل أنَّه قد فرغ من صلاته وسجد بعدها شكرًا لله تعالى، أو كان عليه سجود سهو فسجده وهو ساجد؛ جاء عقبة فطرحه عليه، والسجدة لا توصف وحدها بصلاة، ويدل على هذا ما عند المؤلف في (الطهارة): (فرفع رأسه -أي: من السُّجود- ثم قال: «اللهم»)، وللبزار: (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ اللهم عليك»)، فهذا يدلُّ على أنَّ الدعاء وقع عقيب الرفع من السُّجود وأنَّ المطروح كان في حال السُّجود؛ الشُّكر أو السَّهو، وهذا لم يضر صلاته، والروايات التي فيها: (فلما قضى صلاته) ظاهرة أيضًا؛ لأنَّه قد قضى صلاته وانتقل إلى سجود الشُّكر أو السَّهو، وهو توفيق بين الروايات، وتصحيح لحكم الصلوات؛ فتأمل.\nوزعم الخطابي أنَّ أكثر العلماء على أنَّ السَّلى نجس، وتأولوا معنى الحديث على أنَّه ﵇ لم يكن تُعُبِّد إذ ذاك بتحريمه؛ كالخمر كانوا يلابسون الصلاة وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلمَّا حرمت؛ لم تجز الصلاة فيها، واعترضه ابن بطال بأنَّه لا شكَّ أنَّها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ لأنَّها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة، ورُدَّ عليه بأنَّ الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسَّلى من ذلك.\nقال النَّووي: وهذا ضعيف؛ لأنَّ روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر؛ لأنَّه يتضمن النَّجاسة من حيث إنَّه لا ينفكُّ من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان، فهو نجس، انتهى.\nقلت: وهذا ليس بضعيف؛\n_________\n(^١) في الأصل: (غفراء)، وهو تصحيف.\n (^٢) في الأصل: (عادته)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (كثير)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":373},{"text":"لأنَّ روث مأكول اللحم طاهر، يدلُّ عليه ما رواه المؤلف في باب (الصلاة في مرابض الغنم)، عن أنس قال: (كان النَّبي الأعظم ﷺ يصلي في مرابض الغنم)، وروى في باب (الصلاة في مواضع الإبل)، عن نافع قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهمايصلي إلى بعيره، وقال: رأيت النَّبي الأعظم ﷺ يفعله)، فهذا يدل على طهارة روث مأكول اللحم وبوله؛ لأنَّ المرابض لا تخلو عن الروث والبول، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، فلا تكون نجسه، وحاله ﵇ أجلُّ وأعظمُ من أن يصلي في مكان نجس، وهذا قول الإمام محمَّد بن الحسن، ومالك، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والزهري، والثَّوري، وابن سيرين، وابن المنذر، وابن حبان، وابن خزيمة، والروياني، والإصطخري من الشَّافعية، وجماعة، وكفى بهؤلاء قدوة، فكيف يكون ضعيفًا؟!\nوقوله: (ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان)، قال إمامنا الشَّارح: لو كان كما ذكر؛ كان جميع أجزائها نجسة.\nقلت: وهذا إنَّما كان قبل التعبُّد بتحريم ذبائحهم.\nواعترض أنَّه يحتاج إلى تأريخ، ولا يكفي فيه الاحتمال.\nقلت: الاحتمال الناشئ عن دليل كافٍ، ولا شكَّ أن تماديه ﵇ في هذه الحالة قرينة تدلُّ على أنَّه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنَّه ﵇ لا يستقر على أمر غير مشروع ولا يقرر غيره عليه؛ لأنَّ حاله أجلُّ وأعظم من ذلك، انتهى.\nثم قال النَّووي: والجواب عن الحديث: أنَّه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده؛ استصحابًا للطهارة، وما يدرى هل كانت هذه الصلاة فريضة فيجب إعادتها، أو غيرها فلا يجب؟ وإن وجبت الإعادة؛ فالوقت يوسع لها، فلعله أعادها، انتهى.\nواعتُرض عليه بأنَّه لو أعاد؛ لنُقل، ولم ينقل عنه الإعادة.\nوأجاب عنه إمام الشَّارحين: بأنَّه لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر، بل يجوز أنَّه أعادها لمَّا علم من فاطمة أنَّها (^١) طرحت عنه الأذى وهو في الصلاة.\nفإن قلت: كيف لا يعلم بما وضع على ظهره وأن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه؟\nقلت: لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه عليهالسلام بذلك؛ لأنه كان إذا دخل في الصلاة؛ استغرق باشتغاله بالله تعالى (^٢)، ولئن سلمنا إحساسه به، فقد يحتمل أنَّه لم يتحقق نجاسته، والدليل عليه أن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة، وقد يقال: إن الفرث والدم كانا داخل السلى (^٣) وجلده الظَّاهر طاهر، فكان كحمل القارورة المرصَّعة، انتهى.\nواعترضه العجلوني فزعم أن هذا الجواب غير صحيح؛ لأنَّ حمل النَّجاسة في الصلاة ولو في قارورة طاهرة غير جائز، انتهى.\nقلت: هذا مردود عليه، بل هذا الجواب صحيح؛ لأنَّ النَّجاسة ما دامت في معدنها تجوز فيها الصلاة، ألا ترى أن الإنسان يصلي والحال أنَّه حامل في بطنه أرطالًا من النَّجاسة ولا يسع أحدًا أن يحكم بعدم صحة صلاته؟! قال في «الفتاوي الظهيرية»: الصبي إذا كان ثوبه نجسًا أو هو نجس فجلس على حجر المصلي وهو يستمسك بنفسه أو الحمَام النجس إذا وقع على رأس المصلي وهو يصلي؛ جازت صلاته؛ لأنَّه لم يصر المصلي حاملًا للنجاسة، كذا في «البحر الرَّائق»، وكذا لو مسَّ المصلي نحو حائط نجس بيابس في الصلاة لا يضرُّه؛ لأنَّه لا يعدُّ حاملًا للنجاسة، كما في «شرح النقاية» للقهستاني، وكذا لو صلى وفي كمِّه بيضة مزرة قد صار مخُّها دمًا؛ جازت صلاته؛ لأنَّه في معدنه، والشيء مادام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة، كذا في «المحيط».\nفالحاصل: أن الفرث والدم كانا داخل السلى (^٤) وجلدته الظَّاهرة طاهرة، فالنَّجاسة في معدنها، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة؛ فليحفظ.\nوزعم أشهب أن الحديث حجَّة على أنَّ إزالة النَّجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبي.\nوردَّه إمامنا الشَّارح بأنَّ الدلائل القطعية توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه والمكان الذي يصلي فيه، فهي ترد عليه، انتهى.\nوهذا الحديث قد سبق في باب (إذا ألقي على المصلي قذر؛ لا تفسد صلاته)، وتقدم الكلام [عليه]، والله تعالى أعلم.\n\n <span id=\"b-٨٥٧\"> </span>«٩» <span data-type=\"title\" id=toc-857>[كتاب مواقيت الصلاة]</span>\nهذا (كتاب) أحكام (مواقيت الصلاة)، ولمَّا فرغ من بيان الطهارة بأنواعها التي هي شرط الصلاة؛ شرع في بيان الصلاة بأنواعها التي هي المشروطة، والشرط مقدم على المشروط، وقدَّمها على الزكاة، والصوم، وغيرهما؛ لمَا أنَّها تاليةُ الإيمان، وثانية في الكتاب والسنة، ولشدَّة الاحتياج وعمومه إلى تعلُّمها؛ لكثرة وقوعها ودورانها، بخلاف غيرها من العبادات، كذا في «عمدة القاري».\nقلت: لا يقال: إنَّه تقدَّم كتاب (الصلاة)؛ لأنَّا نقول: ما قدَّمه تابع لكتاب (الطهارة)؛ بدليل ذكر أحكام النجاسات وغيرها فيه، أمَّا هنا؛ فهو كتاب مستقل؛ لبيان أحكام الصلاة وأوقاتها؛ فليحفظ.\nو(الكتاب): مصدر بمعنى الجمع لغة، بمعنى: المكتوب، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، فالمصدر كتب وكتابة وكتبًا، والجمع: ضم شيء إلى شيء، ومنه: كتبت البغلة: إذا جمعت بين شفريها بشعرة، ثم جعل شرعًا عنوانًا لمسائل مستقلة مطلقًا، وهو شامل لما كان تحته نوع واحد أو أكثر، كلُّ نوع يسمى بابًا، وكلُّ باب يشتمل على صنف من المسائل أو أكثر، وقيد الإطلاق مخرج للباب؛ لأنَّه طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة مع قطع النَّظر عن تبعيَّتها للغير أو تبعيَّة الغير لها.\nفالفرق بين الكتاب والباب: أن الكتاب قد يكون تابعًا وقد لا يكون، بخلاف الباب فإنَّه لا بدَّ أن يكون تابعًا أو متتبعًا، وتمامه فيما قدمناه وفي «شرحنا على القدوري»، وقلت فيه: والصلاة: اسم مصدر (صلَّى)، والمصدر: التصلية، وإنما عدلوا عن المصدر إلى اسمه؛ لإيهامه خلاف المراد والمقصود، وهو التصلية بمعنى: التعذيب بالنَّار، فإنَّه مصدر مشترك بين (صلَّى)؛ بالتشديد بمعنى: دعا، و(صلَى)؛ بالتخفيف بمعنى: أحرق، ووزنها (فعلة)، واللام: واو؛ بدليل الجمع على (الصلوات)، فقلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإنما رسمت في القرآن بالواو؛ لأجل التفخيم والتعظيم.\nواختلف في حقيقتها لغة؛ فقال الفاضل الزمخشري: إن حقيقة (صلَّى) حرَّك الصلوين (^٥)؛ لأنَّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ويقال للداعي: مصليًا؛ تشبيهًا في تخشُّعه بالراكع والساجد، واختاره أبو علي واستحسنه ابن جني، والصلْوان؛ بالسكون: العظمان الناتئان في أعالي الفخذين اللذان عليهما الأليتان، والجمهور على أنَّ حقيقتها: الدعاء، فهي فيه حقيقة، وتستعمل في غيره مجازًا، وبهذا جزم الجوهري وغيره، والقرآن ورد بلغة العرب قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادع لهم، وإنما عُدِّي بـ (على)؛ باعتبار لفظ الصلاة، وفي الحديث في إجابة الدعوة: «وإن كان صائمًا؛ فليصلِّ»؛ أي: فليدع لهم بالخير والبركة، ومنه: الصلاة على الميت، ومنه: قول الأعشى:\nتقولُ بنتي وقد قربتُ مرتحَلا... يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصابَ والوجعا\nعليك مثلَ الذي صليت فاغتمضي... نومًا فإنَّ لجنب المرء مضطجعا\nوفي الشريعة: عبارة عن الأركان والأفعال المخصوصة المعهودة؛ أي: حقيقة، وفي الدعاء مجازًا، فهي في اللُّغة: حقيقةٌ في الدعاء مجازٌ في العبادة، وفي الشرع: حقيقةٌ في العبادة مجازٌ في الدعاء، ففي المعنى الشرعي: المعنى اللغوي وزيادة، فتكون من الأسماء المغيرة لا المنقولة، وتمامه فيه؛ فليحفظ.\nوقال إمامنا الشَّارح: والمواقيت: جمع ميقات على وزن (مِفْعَال)، وأصله: موقات؛ قلبت الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، من وقَّت الشيء يقَّته إذا بيَّن حده، وكذا وقَّته يوقِّته، ثم اتسع فيه، فأطلق على المكان في الحجِّ، والتوقيت: أن يُجعَل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، وكذلك التأقيت، وقال السفاقسي: الميقات: هو الوقت المضروب للفعل والموضع، وفي «المنتهى»: كل ما جعل له حين وغاية؛ فهو موقت، ووقَّته ليوم كذا؛ أي: أجَّله، وفي «المحكم»: وقت موقوت وموقَّت: محدود، انتهى.\n\n (بسم الله الرحمن الرحيم) هي ثابتة في رواية الأكثرين، ساقطة في رواية كريمة، (باب مواقيت الصلاة وفضلها)، كذا في رواية أبي ذر عن المستملي و(الفرع) و(أصله)، وفي رواية الحموي: البسملة ثم كتاب ثم باب، وللأصيلي: تقديم البسملة ثم كتاب ولم يذكر باب، وتمامه في «عمدة القاري».\nومن العادة المستمرة عند المصنفين: أن يذكروا الأبواب بعد لفظ الكتاب، فإنَّ الكتاب يشمل الأبواب والفصول، و(الباب): هو النوع، وأصله: البوب؛ قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح\n_________\n(^١) في الأصل: (أنَّه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) زيد في الأصل: (أعلم).\n (^٣) في الأصل: (الصلاة)، وليس بصحيح.\n (^٤) في الأصل: (الصلاة)، وليس بصحيح.\n (^٥) في الأصل: (الصلويين)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":373},{"text":"ما قبلها، ويجمع على أبواب، وقد قالوا: أبوبة، وإنما جُمِعَ في قول القتال الكلابي:\nهتَّاك (^١) أخبية ولَّاج أبوبة... . . . . . . . . . . . . . . .\nللإزدواج، ولو أفرده؛ لم يجز، ويقال: أبواب مبوَّبة، كما يقال: أصناف مصنَّفة، والبابة: الخصلة، والبابات: الوجوه، قال ابن السكيت: البابة عند العرب: الوجه، انتهى.\n (وقولِ الله ﷿)؛ بالجر عطفًا على (مواقيت)؛ أي: هذا باب مواقيت الصلاة وباب بيان قوله... إلخ، وللأصيلي: (وقولِه ﷿).\nوزعم العجلوني أنَّه يجوز فيه الرفع، كما في بعض الأصول، ووجهه ظاهر، انتهى.\nقلت: وجهه غير ظاهر؛ لأنَّه إذا جعل عطفًا على (كتاب) أو (باب) أو غيرهما؛ يكون تكلفًا، ولا يجوز جعله خبر مبتدأ محذوف؛ لوجود الواو العاطفة مع تعلقها بما قبلها وما بعدها، وكونها في بعض الأصول؛ لم يبين ما هذا الأصل من أيَّ راوٍ هو؟ والذي عليه الجمُّ الغفير من الشَّارحين أنَّه بالجر فقط لا سيما إمامهم صاحب «العمدة»، فإنَّه اقتصر على الجر، فلو كان ثمة رواية بالرفع؛ لذكرها؛ فافهم.\n (﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾) أي: الشرعيَّة (﴿كَانَتْ﴾) فيه: دليل على أنَّ الصلاة كانت على الأمم السالفة كلها، قلت: وعلى هذا لم تكن الصلاة من خصائص هذه الأمة، وفيه: أن صلاتهم كانت بركوع دون سجود، فالسُّجود من خصائص هذه الأمة، كما حقَّقه شيخ مشايخنا الفاضل الرحمتي في «حواشي الدر المختار»، قلت: والجمهور على أنَّه السُّجود؛ لأنَّ الركوع كان في شريعة موسى ﵇، ومما اختص به نبينا الأعظم ﷺ مجموع الصلوات الخمس، ولم تجتمع لأحد من الأنبياء غيره، فإنَّ الأمم السالفة كانت تصلي عند الطلوع وعند الغروب فقط، وتمامه في «شرحنا على القدوري»، (﴿عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾)؛ أي: مفروضة على جميع المكلفين، فهي فرض عين على كلِّ مكلَّف بعينه، وهو المسلم البالغ العاقل ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، وفيه: دليل على أنَّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وفيه خلاف، فعند الإمام الأعظم ﵁: هم مخاطبون بها، وهو قول مالك وأكثر أصحابه، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن غير مخاطبين، وبه قال الشَّافعي، (﴿كِتَابًا﴾): مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مكتوبًا مفروضًا، (﴿مَوْقُوتًا﴾) [النساء: ١٠٣]؛ أي: موجبًا مفروضًا، قاله ابن عبَّاس، ووافقه مجاهد وغيره، فـ ﴿مَوْقُوتًا﴾ تأكيد لـ ﴿كِتَابًا﴾، وقيل: معناه: محدودًا، كما سيأتي، يعني: أن الصلاة فريضة من الله مفروضة لأوقات معلومة، كلما مضى وقت واحدة؛ جاء وقت واحدة أخرى، ليست كالصوم الذي هو مفروض في السنة مرة واحدة، والحج الذي هو مفروض العمر مرة واحدة، وذلك لتأكُّدها وجلالة أمرها، ولهذا كانت فارقة بين المسلم والكافر.\nوثبوتها: بالكتاب، والسنة، والإجماع، فيكفر جاحدها، وتاركها عمدًا تكاسلًا فاسق؛ يحبس حتى يصلي؛ لأنَّه يحبس لحقِّ العبد، فحقُّ الحقِّ أحقُّ، لا يقال: إنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على المسامحة؛ لأنَّا نقول: لا تسامح في شيء من أركان الإسلام، وقال الإمام المحبوبي: لو تركها تكاسلًا؛ يضرب حتى يسيل منه الدم، وهو ظاهر المذهب، وكذا الذي يفطر في رمضان يُحبَس حتى يُحدِثَ توبة، هذا مذهب الإمام الأعظم والجمهور، وقال مالك والشَّافعي وأحمد: إذا أقرَّ بها، وتركها تكاسلًا؛ يقتل، قيل: حدًّا، وقيل: كفرًا، وقد نظم ذلك بعض الأفاضل فقال وأجاد:\nفي حكم من ترك الصلاة وحكمه... إن لم يقر بها كحكم الكافر\nفإذا أقر بها وجانب فعلها... فالحكم فيه للحسام الباتر\nوبه يقول مالك والشَّافعي... والحنبلي تمسُّكًا بالظَّاهر\nوأبو حنيفة لا يقول بقتله... ويقول بالحبس الشديد الزاجر\nالمسلمون دماؤهم معصومة... حتى تراق بمستنيرٍ باهر\nمثل الزنى والقتل في شرطيهما... وانظر إلى ذاك الحديث الساخر\nهذي مقالات الأئمة كلهم... وأصحها ما قلته (^٢) في الآخر\nأي: وهو قول الإمام الأعظم إمام الأئمة ورأس المجتهدين.\nوالحسام: السيف، فإنَّ دم المسلم معصوم، ولا يخرجه من الإسلام إلا جحود ما أدخله فيه، ولم يوجد دليل على جواز قتل المسلم التَّارك لها تكاسلًا لا من الكتاب ولا السنة غير أنَّ فيهما التأكيد على الفرضية؛ فافهم.\nوروى القاضي إسماعيل في «أحكامه» في هذه الآية من طريق حمران عن عثمان مرفوعًا: «من علم أن الصلاة عليه حقًّا يقينًا مكتوبًا؛ دخل الجنة»، فهذا يدل على أنَّه يدخل الجنة بمجرد علمه بذلك وإن تركها تكاسلًا.\nولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها الشرعي بغير عذرٍ شرعيٍّ أصلًا في أيِّ حالٍ كان، ولو كان في حال الخوف، ووجود العدو، والتحام الحرب، فليس ذلك بعذر، ولهذا شرعت صلاة الخوف، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد بن الحسن، وكافَّة أصحابه، ومن يقول بقوله، وهو مذهب العلماء كافَّة، كما هو مسطور في كتب المذهب المعظَّم.\nوزعم العجلوني أن عند الإمام أبي يوسف يجوز تأخير الصلاة عن وقتها عند التحام الحرب، فيصليها قضاءً عند الاطمئنان، انتهى.\nقلت: وما زعمه فاسد الاعتبار يجب الإعراض عنه، فإن الإمام أبا يوسف لا يقول بذلك أصلًا، ولم ينقل أحد من علماء المذهب عنه ذلك أصلًا، غير أنَّ الإمام فخر الدين الزيلعي في «شرحه على الكنز» ذكر عنه روايتين في صلاة الخوف، هل هي مشروعة في زماننا أم خاصَّة في زمن النَّبي الأعظم ﷺ؟ فروي عنه: أنها مشروعة في زماننا وهي المشهورة عنه، وفي رواية أخرى: أنها ليست بمشروعة في زماننا، وهي رواية شاذة، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فهو خطاب للنبي الأعظم ﷺ على الخصوص، والمعنى: أنهم يتحرون الصلاة خلفه ﵇، وزال ذلك حين قبض ﵇، فانتسخ، ولم يذكر هذه الرواية غيره، فهي شاذة، وعليها فإنَّه لا يقول بترك الصلاة، بل يؤدُّون الصلاة ركبانًا فرادى بالإيماء أو رجالًا واقفين إلى أيِّ جهة قَدرُوا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] يدلُّ على أنَّ حالة الخوف لا تصحُّ الصلاة.\nهذا وقد ترك النَّبي الأعظم ﷺ أربع صلوات في غزوة الأحزاب، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم نارًا»، كما ثبت ذلك في «الصَّحيحين»، والله تعالى أعلم، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في محلِّه، فما زعمه باطل.\nوكذا ما زعمه البيضاوي من نسبة ذلك للإمام الأعظم؛ خطأ ظاهر يجب الإعراض عنه، فإنَّ هذه مجازفة وبهتان عظيم على إمام أئمة المسلمين ورأس المجتهدين رضي الله تعالى عنه.\nثم إنَّ البخاري فسَّر قوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾ بقوله: (وقَّته عليهم)؛ أي: وقَّت الله الكتاب-أي: المكتوب- الذي هو الصلاة عليهم؛ أي: على المسلمين، وليس هذا بإضمار قبل الذكر؛ لوجود القرينة، ووقع في أكثر الروايات: (موقوتًا موقَّتًا وقَّته عليهم)، وليس في بعض النُّسخ لفظ (موقَّتًا)؛ يعني: بالتشديد.\nواستشكل ابن التين تشديد القاف من (وقَّته) وقال: المعروف في اللُّغة التخفيف.\nقلت: ليس فيه إشكال؛ لأنَّه قد جاء في اللُّغة: (وقَّته)؛ بالتشديد، و(وقَته)؛ بالتخفيف، فكأنَّه ما اطلع على ما في «المحكم» وغيره، كذا قرره إمامنا الشَّارح، لا يقال: مراد ابن التين: أن التخفيف هو المشهور لغة، والتشديد قليل، لأنا نقول: إنَّه خلاف المفهوم من كلامه، على أنَّه غير مسلَّم له قلَّة التشديد؛ لذكرهما في كتب اللُّغة كثيرًا على السواء؛ فافهم.\nوزعم ابن حجر أن قوله: (موقَّتًا): بيان لقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾.\nوردَّه الشَّارح بأنَّ هذا كلام واهٍ، وليس في لفظ ﴿مَوْقُوتًا﴾ إيهام حتى يبيِّنه بقوله: (موقَّتًا)، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ يعني: مفروضًا، وقيل: يعني: محدودًا، انتهى.\nواعترضه العجلوني بأن ﴿مَوْقُوتًا﴾ جاء بمعنى: مفروضًا، وبمعنى: محدودًا، والمراد: الثاني؛ لئلا يتكرر مع ﴿كِتَابًا﴾، وهذا اعتراض على البخاري أيضًا، انتهى.\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ معناه: مفروضًا عند الجمهور من المفسِّرين وغيرهم، وكونه جاء بمعنى محدودًا عند البعض -وهو شاذٌّ- لا يعتمد عليه؛ لأنَّه مخالف للجمهور من أهل التفسير واللُّغة وغيرهم، فلا يعتدُّ به، على أنَّه المراد: المفروض، لا كما زعمه؛ لأنَّه يكون تأكيدًا لـ ﴿كتابًا﴾، والمقام يقتضي التأكيد والحث عليها، فناسب هذا المعنى بذلك، فلا يكون تكرارًا.\nوأمَّا المحدود؛ فلا معنى له في ذلك، على أنَّه لم يذكر أحد من العلماء أنَّ المراد: المحدود، وهذا يتوجه على القائل به سواء كان البخاري أم غيره؛ فافهم.\nونقل ابن رجب عن الشَّافعي: أنَّ ﴿مَوْقُوتًا﴾ معناه: الوقت الذي تصلى فيه وعددها، انتهى.\nقلت: بيان الأوقات لم يثبت بهذه الآية، ولم يتعرض أحد لهذا المعنى وهو غريب، وكذا قوله: (وعددها)، فمن أين ظهر العدد؟ ولهذا قال العجلوني: لعله أخذ العدد بِضَربٍ\n_________\n(^١) في الأصل: (هتاخ)، وليس بصحيح.\n (^٢) في الأصل: (قتله)، وهو تحريف.","vol":"1","page":374},{"text":"من التجوز، وهو نقل غريب، انتهى.\n\n <span id=\"b-٨٥٨\"> </span><span data-type=\"title\" id=toc-858>[حديث: مواقيت الصلاة وفضلها]</span>\n٥٢١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)؛ بفتحات: هو القعنبي المدني (قال: قرأت على مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني: (أنَّ) بفتح الهمزة (عمر بن عبد العزيز) هو ابن مروان الأموي، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويقال له: الأشج، ولُقِّب بذلك؛ لِشَجَةٍ كانت بجبينه، وقد عُبِّر عنه وعن يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بقولهم: الأشج والناقص أعدلا بني مروان؛ أي: عادلاهم، فالأشج: هو عمر ﵁، والناقص: هو يزيد، لقب به؛ لأنَّه نقص أرزاق الجند، توفي عمر في خامس وعشرين رجب سنة إحدى ومئة، قيل: بدير سمعان بحمص، وقيل: بدمشق بمحلة القنوات، وتقدم أول كتاب (الإيمان)، (أخَّر الصلاة يومًا): هي صلاة العصر، كما رواه المؤلف في (بدء الخلق) من طريق اللَّيث عن ابن شهاب قال: (أخَّر العصر شيئًا)، ويدلُّ عليه قول عروة الآتي: (ولقد حدثتني عائشة...)؛ الحديث.\nقال إمامنا الشَّارح: و(يومًا)؛ بالتنكير ليدلَّ على التقليل، ومراده: يومًا ما، لا أن ذلك كان سجيته؛ كما كانت ملوك بني أمية تفعله لا سيما العصر، فقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان ﵁، وكان أبو مسعود ينكر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، وكذا كان الحجاج يفعله، انتهى، وكذلك قال ابن عبد البر: إن عمرما فعل ذلك إلا يومًا لا أنَّه عادته، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب: أنَّه أخَّر الصلاة مرَّة يعني: العصر.\nوزعم ابن حجر أنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا عمل المغيرة وغيره من الصَّحابة، انتهى.\nقلت: لا يخفى أن المغيرة وعمر وغيرهما من الصَّحابة كانوا يرون المفاضلة؛ لأنَّهم أشدُّ اتباعًا لرسول الله ﷺ، والظنُّ بهم خلاف ذلك افتراء ومخالفة للنبي الأعظم ﷺ، ولكن إنَّما تطلب المفاضلة إذا كان الرجل غير مشغول بأمر مهم، أمَّا المشغول بأمور مهمَّة؛ كمعاشه والسعي على عياله، لا سيما عمر ﵁؛ فإنَّه مشغول بأمور المسلمين وتدبير أحوالهم؛ فلا ريب أن ذلك غير مطلوب في حقه؛ لأنَّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح؛ فافهم.\nثم قال إمام الشَّارحين: وأمَّا عمر بن عبد العزيز؛ فإنَّه قد أخَّرها عن الوقت المستحب المُرغَّبِ فيه لا عن الوقت، ولا يعتقد ذلك فيه؛ لجلالته، وإنكار عروة عليه إنَّما وقع؛ لتركه الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل ﵇، وما رواه الطَّبراني عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: (دعا المؤذن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها)، فمعناه: أنَّه قارب المساء لا أنَّه دخل فيه، انتهى، وكذلك قال ابن عبد البر: المراد: أنَّه أخَّرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنَّه أخرها حتى غربت الشمس، انتهى.\nوزعم العجلوني أن هذا متعين في حق الصَّحابة بخلاف غيرهم؛ فلا مانع أن عمر أخرها حتى خرج الوقت بالكلية لا سيما وهو كان أميرًا على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، والناس على دين ملوكهم، وكان ذلك عادة بني أمية، انتهى.\nقلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ فإن عمر ﵁ قد أجمع العلماء على عدالته وجلالته وعلو قدره، وقد شهد النَّبي الأعظم ﷺ كما في الحديث الصَّحيح: أن خير القرون قرنه ثم الذين يلونهم، فلا ريب أن عمر تابعي كان في عصر الصَّحابة، وقد شهد لهم ﵇ بالخيرية، فكيف يظن به ذلك؟! على أنَّه قد وقع عليه نظر الصَّحابة ﵁، وبه كفاية، فقد منع مما زعمه هذا القائل موانع، ولا يلزم من كونه أميرًا من قبل الوليد أن يكون يؤخر الصلاة عن وقتها مثله، ألا ترى أن معاوية بن يزيد قد أجمعت الأمة على فضيلته، وعلو درجته، وكثرة عبادته، وزهده، وأجمعت على قبح أبيه ولعنه وطرده، وكون الناس على دين ملوكهم؛ هذا ليس بحديث، بل هو مَثَلٌ جارٍ على ألسنة الناس، فلو كان كما ذكر؛ فقد انتفت الخيرية في هذه الأمة، وقد أثبتها النَّبي الأعظم ﷺ بقوله: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، كما ثبت في «الصَّحيحين»، ولا يلزم من كون عادة بني أمية تأخير الصلاة أن يكون هو مثلهم، ويدل على ما قلناه قوله هنا: (يومًا)، وفي «بدء الخلق»: (شيئًا)، فإنَّه قد أتى بهما بالتنكير وهو يدل على التقليل؛ فعلى الأولى أن التأخير وقع مرة واحدة، وعلى الثانية وقع يسيرًا؛ لقوله: (شيئًا)؛ يعني: أخَّر الصلاة تأخيرًا يسيرًا، وهذا لا يبلغ خروج الوقت، بل أخَّرها عن الوقت المستحب، هذا هو الصَّواب، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ فإنَّه قد كان سالكًا مسلك جدِّه من الأمهات عمر بن الخطاب في هديه، ورشده، وشدته في الدين، وزهده المتين، ولم ينقصه أحد في عبادته غير هذا القائل، فقد زاد في الطنبور نغمات ووقع في الهفوات، وخاض الذلات، اللهم احفظ ألسنتنا عن الخوض في عبادك الصالحين، وارزقنا الأدب في حقهم، وحقق في قلوبنا حبهم يا أرحم الراحمين.\nوزعم ابن حجر في باب (تضييع الصلاة) أنَّه كان على طريقة أهل بيته حتى أخبره عروة بذلك، انتهى.\nقلت: وهذا فاسد وواهٍ؛ لأنَّه مقول بغير دليل ولا مستند؛ فهو مردود؛ لأنَّه من أين علم ذلك؟ فهل أخبره بذلك جبريل أو إبليس؟! وعمر ﵁ إذا غفل عن قول عروة لم يغفل عن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فإنَّه كان أعلم من غيره بكثير في معاني القرآن والسنة، فهذا القائل قد خاض ووقع في الذلات، والله أعلم.\n (دخل عليه) أي: على عمر ﵁ (عُروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين في الأول والزاي في الثاني: هو ابن العوام المدني، (وأخبره أن المُغيرة بن شُعبة)؛ بِضَمِّ الميم والشين المعجمة، الصَّحابي الجليل تقدم في آخر (الإيمان) (أخر الصلاة يومًا) هي العصر، كما رواه عبد الرزاق، والمراد: أنَّه أخرها عن وقتها المستحب المرغب فيه لا أنَّه أخرها حتى غربت الشمس، ويدل عليه قوله: (يومًا)، فإنَّه نكَّره، والتنكير يدل على الندرة والمرة الواحدة، وقوله: (أخر)، فإنَّه يدل على ما قلنا؛ لأنَّه لو كان المراد الثاني؛ لقال: أخرج، وهذا يدل لما قدمناه أيضًا؛ فليحفظ، (وهو بالعراق): جملة اسمية وقعت حالًا من المغيرة مقرونة بالواو، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية بن أبي سفيان ﵄، والمراد به: عراق العرب؛ وهو من عبادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، وفي رواية القعنبي وغيره عن مالك: (وهو بالكوفة)، وكذا أخرجه الإسماعيلي، والكوفة من جملة العراق العربي، كذا قرره إمامنا الشارح، قلت: فالتعبير (بالكوفة) أخص من التعبير (بالعراق)؛ لأنَّها من جملته، وقال في «القاموس»: سميت بها؛ لتراسخ عراق النخل والشجر فيها، أو لأنَّه استكفى أرض العرب، أو سمي بعراق المزادة؛ لجلدة تجعل على طرفي ملتقى الجلد إذا خرز في أسفلها؛ لأنَّ العراق بين الريف والبر، أو لأنَّه على عراق دجلة والفرات؛ أي: شاطئهما، أو معرب (إيران) اسم لشهر قبطي؛ ومعناه: كثرة النخل والشجر، والعراقان: الكوفة والبصرة، انتهى.\n (فدخل عليه) أي: على المغيرة بن شعبة (أبو مسعود) هو كنية عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصَّحابي، تقدم في آخر (الإيمان)، (فقال) أي: أبو مسعود (للمغيرة) أي: ابن شعبة المذكور: (ما هذا) استفهام توبيخي؛ أي: أي شيء هذا التأخير الذي وقع منك (يا مغيرة؟)، وقوله: (أليس قد علمت): قال إمامنا الشَّارح: الرواية وقعت هكذا: (أليس)، وكان مقتضى الكلام أن يقول: (ألست)؛ بالخطاب، قال القشيري: الرواية جائزة إلا أن المشهور في الاستعمال: (ألست)؛ بالخطاب، انتهى، وقال البرماوي: الأفصح (ألست)، وزعم ابن حجر كذا الرواية وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر: (ألست)، وفي مخاطبة الغائب: (أليس)، انتهى، ونحوه للزركشي، وإمامنا الشَّارح لم يفصل هذا التفصيل، وقد علمت عبارته، فما زعمه العجلوني فاسد الاعتبار؛ فافهم.\nواعترض صاحب «المصابيح» على ابن حجر بأنَّه يوهم جواز استعمال (^١) هذا التركيب مع إرادة أن يكون ما دخلت عليه ضمير المخاطب، وليس كذلك، بل هما تركيبان مختلفان، وليس أحدهما بأفصح من الآخر، فإنَّه يستعمل كل منهما في مقام خاص، فإن أريد إدخال (ليس) على ضمير المخاطب؛\n_________\n(^١) في الأصل: (الاستعمال)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":374},{"text":"تعين (ألست قد علمت)، وإن أريد إدخالها على ضمير الشأن مخبرًا عنه بالجملة التي أسند فعلها إلى المخاطب؛ تعين (أليس)، انتهى.\nوقال العجلوني: ليتأمل معنى قول ابن حجر: مخاطبة الغائب، فإن الغائب لا يكون مخاطبًا، إلا أن يقال: مراده بذلك الإخبار عن ضمير الشأن الغائب بجملة مسند فعلها إلى المخاطب، كما يشير إليه كلام «المصابيح»، وقد يقال مراده ما في «المصابيح»، انتهى.\nقلت: كل ذلك فيه ركاكة وخروج عن الظَّاهر، وكونه أراد الإخبار عن ضمير الشأن؛ بعيد عن الأفهام؛ لأنَّ المغيرة حاضر فكيف يخبر عنه بالغائب، وكونه مراده ما في «المصابيح»؛ بعيد جدًّا؛ فتأمل.\nوقال القاضي عياض: يدل ظاهر قوله: (قد علمت) على عِلْمِ المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة، قال إمامنا الشَّارح: ولأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في قوله: (أليس)، ولكن يؤيد الوجه الأول رواية شعيب عن ابن شهاب عند البخاري في (غزوة بدر) بلفظ: (فقال: لقد علمتَ)؛ بغير الاستفهام، ونحوه عن عبد الرزاق عن معمر وابن جريج، انتهى.\nقلت: فإن ما ذكره المؤلف في (المغازي) وكذا عبد الرزاق يدل صريحًا على علم المغيرة بذلك؛ لعدم أداة الاستفهام، بخلاف الرواية هنا، فإن ظاهرها ما قاله القاضي، لكن يحمل ما هنا على ما هناك، والروايات تفسر بعضها بعضًا؛ فليحفظ.\n (أنَّ جبريل) -﵇- بفتح الهمزة (نزل)؛ أي: صبيحة ليلة الإسراء التي فرضت فيها الصلوات، كما بيَّنته رواية ابن إسحاق في «المغازي»، وعبد الرزاق في «مصنفه» بسندهما: (لمَّا أصبح النَّبي الأعظم ﷺ من الليلة التي أسري به؛ لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس فأمر فَصِيْحَ بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلى رسول الله ﷺ بالناس...)؛ الحديث.\nوزعم ابن حجر أن فيه ردًّا على من زعم أن بيان الأوقات إنَّما وقع بعد الهجرة، والحقُّ أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النَّبي الأعظم ﷺ، انتهى.\nقلت: وفيه تناقض؛ لأنَّ بين البيانين صار مدة، ولا يمكن أن النَّبي الأعظم ﷺ بعد بيان جبريل ﵇ له الأوقات أن يتأخر عن بيانها لأمته، فقد كان من عادته ﵇ إذا نزل عليه جبريل بحكم من الأحكام فمتى جلا عنه الوحي؛ يُبلِّغ الحكم من غير تأخير؛ فافهم.\n (فصلى)؛ أي: جبريل الظُّهر؛ أي: صلاته، زاد أبو الوقت: (برسول الله ﷺ)، وسقط (فصلى) لابن عساكر، والفاء فيه: للتعقيب؛ لأنَّ صلاة جبريل عقب نزوله حين زاغت الشمس، ويحتمل أن تكون للسببية، قيل: وفي الكلام حذف معطوف يقدر في المواضع الخمسة؛ بنحو: والناس؛ أي: وصلى الناس خلف رسول الله ﷺ، كما يدل عليه رواية جابر الآتية إن شاء الله تعالى، (فصلى رسول الله ﷺ)؛ أي: الظُّهر بصلاة جبريل متابعًا له في كل ركن لا مقتديًا به حقيقة؛ لأنَّ المراد تعليمه كيفيتها وقد حصلت بهذا، ويحتمل أنَّه ﵇ صلى بعد فراغ جبريل، ووجهه (^١) ظاهر، وقال القاضي عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ جبريل، لكن المنصوص في غيره أنَّ جبريل أمَّ النَّبي الأعظم ﷺ، فيحمل قوله: (صلَّى، فصلَّى): على أنَّ جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة؛ تابعه النَّبي الأعظم ﷺ ففعله، انتهى.\nقال إمامنا الشَّارح: (ومبنى كلام القاضي على أنَّ الفاء في الأصل للتعقيب، فيدل على أنَّ صلاته ﵇ كانت عقيب فراغ جبريل ﵇ من صلاته، وحاصل جوابه: أنَّه جعل الفاء على أصلها وأوَّله بالتأويل المذكور) انتهى، قلت: وبه جزم النَّووي، ويدل عليه ما رواه المؤلف من طريق اللَّيث: «نزل جبريل فأمَّني، فصليت معه».\nوقال إمامنا الشَّارح: (وذهب بعضهم إلى أن الفاء هنا بمعنى: الواو؛ لأنَّه ﵇ إذا ائتمَّ بجبريل؛ يجب أن يكون مصليًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها؛ وجب ألَّا يكون مصليًا معه، واعترض عليه بأنَّ الفاء إذا كانت بمعنى الواو؛ يحتمل أن يكون النَّبي الأعظم ﷺ صلى قَبْلَ جبريل؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك.\nقلت: مجيء الفاء بمعنى الواو لا ينكر؛ كما في قوله:\n. . . . . . . . . . . . ... بين الدخول فحومل\nفإنَّ الفاء فيه بمعنى الواو، والاحتمال الذي ذكره المعترض يُدفَع بأن جبريل هنا مُبينٌ لهيئة الصلاة التي فرضت ليلة الإسراء، فلا يمكن أن يكون صلاته بعد صلاة النَّبي الأعظم ﷺ، وإلا؛ لا يبقى لصلاة جبريل فائدة، ويمكن أن تكون الفاء هنا للسببية؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]) انتهى كلام إمام الشَّارحين، وقد ذكر عبارته العجلوني ونسبها لنفسه؛ فافهم.\nوقال في «المغني»: وتفيد الفاء العاطفة ثلاثة أمور: الترتيب، والتعقيب، والسببية، وهذا غالب في العاطفة جملة أو صفة؛ نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، ونحو: ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ*فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ*فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٣ - ٥٥]، انتهى، فالتعقيب والسببية من إفادات الفاء العاطفة وهي هنا كذلك، وجعلهم كل واحد قولًا مستقلًا، أجيب عنه: بأنَّ السببية قد تنفك عن التعقيب؛ فتدبره.\n (ثم صلى)؛ أي: جبريل العصر، (فصلى رسول الله ﷺ)؛ أي: العصر معه، (ثم صلى)؛ أي: جبريل المغرب، (فصلى رسول الله ﷺ)؛ أي: المغرب معه، (ثم صلى)؛ أي: جبريل العشاء، (فصلى رسول الله ﷺ)؛ أي: العشاء معه، (ثم صلى)؛ أي: جبريل الفجر، (فصلى رسول الله ﷺ)؛ أي: الفجر معه، بتكرير صلاتهما خمس مرات.\nوعبر بـ (الفاء) في صلاة النَّبي الأعظم ﷺ؛ لأنَّها متعقبة لصلاة جبريل بالمعنى الذي قدمناه، وعبر بـ (ثم) في صلاة جبريل؛ لتراخيها عن سابقتها إلا الصلاة الأولى، فإنَّها كانت عقب نزوله، كما ذكرناه، فلذا عطفها بالفاء أيضًا، وأمَّا مفعولات الأفعال؛ فمحذوفة؛ لدلالة المقام عليها، كما ذكرناها فيما سبق، ويحتمل تنزيلها منزلة اللازم.\nقال ابن الملقن: ولم يذكر هنا الأوقات للصلوات، وإنما ذكر عددها؛ لأنَّها كانت معلومة عند المخاطب فأبهمها، وقال ابن رجب: وليس في الحديث ذكر بيان شيء من الأوقات.\nقلت: وسيأتي للمؤلف بيان كل وقت صلاة على التَّعيين ابتداءً وانتهاءً، ولكن من فعل النَّبي الأعظم ﷺ دون بيان جبريل، لكن ذكر غير المؤلف بيانها من بيان جبريل، فقد روى النسائي عن جابر ﵁، كما نقله ابن الأثير في «جامع الأصول»، ولفظه: (أنَّ جبريل أتى النَّبي الأعظم ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى الظُّهر حين زالت الشمس، وأتاه حين صار الظل مثل الشخص، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت (^٢) الشمس، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى العشاء، ثم أتاه حين سطع الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى الغداة، ثم أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل (^٣) الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظُّهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثلي شخصه -بالتثنية-، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصلى المغرب، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع كما صنع، فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة فصلى الغداة، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت).\nوفي رواية قال: (جاء جبريل إلى النَّبي ﷺ حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمَّد؛ فصلِّ الظُّهر، فصلاها حين مالت الشمس، ثم جاءه جبريل حين كان فيء الرجل مثليه، فقال: قم يا محمَّد؛ فصلِّ العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس، فقال: قم فصلِّ المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم فصلِّ العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا، فقال: قم فصلِّ، فقام فصلى الفجر،\n_________\n(^١) في الأصل: (ووجه)، ولعل المثبت هو الصواب.\n (^٢) في الأصل: (وجبب)، وهو تصحيف.\n (^٣) في الأصل: (الظل)، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":375},{"text":"فقال: ما بين هذين وقت كله) انتهى.\nقلت: في الحديث بروايته البيان بالقول.","vol":"1","page":375}]}