{"ً":{"ٌ":115127,"ٍ":"الدلالات العقدية للآيات الكونية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/delalat_akadea/delalat_akadea.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الدلالات العقدية للآيات الكونية (دراسة جامعية)\nالمؤلف: د عبد المجيد بن محمد الوعلان\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، ١٤٣٢ هـ / ١٤٣٣ هـ\nالناشر: دار ركائز للنشر والتوزيع - الرياض- اللملكة العربية السعودية\nالطبعة الأولى: ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م\nعدد الصفحات: ٧٣٣\nأهداه للشاملة: المؤلف؛ جزاه الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الآيات الكونية دراسة عقدية - عبد المجيد الوعلان]\n\nرسالة علمية أراد فيها الباحث جمع الآيات الكونية الواردة في النصوص الشرعية، مع بيان المنهج الشرعي تجاهها، وبيان المخالفات العقدية التي تقع في ذلك، وبيان الموقف العقدي الصحيح من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية","ٓ":"2.0","ٔ":2590,"ٕ":1,"ٖ":1770155991,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":5},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":5},{"title":"أسئلة البحث","level":2,"page":5},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":6},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":9},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":14},{"title":"الصعوبات التي واجهت الباحث","level":2,"page":15},{"title":"الفصل الأول المنهج الشرعي تجاه الآيات الكونية","level":1,"page":17},{"title":"المبحث الأول: المراد بالآيات الكونية","level":2,"page":18},{"title":"تعريف الآيات في اللغة","level":3,"page":18},{"title":"تعريف الكون في اللغة","level":3,"page":20},{"title":"المراد بالآيات الكونية","level":3,"page":21},{"title":"المبحث الثاني أنواع الآيات الكونية","level":2,"page":23},{"title":"أولًا: من حيث العينية","level":3,"page":23},{"title":"النوع الأول: أن تكون من الأعيان","level":4,"page":23},{"title":"النوع الثاني: أن تكون من الأعراض","level":4,"page":23},{"title":"ثانيًا: من حيث التكرار والوقت","level":3,"page":23},{"title":"النوع الأول: آيات متكررة، وتتنوع في أوقاتها","level":4,"page":23},{"title":"١ - آيات يومية","level":5,"page":23},{"title":"٢ - آيات موسمية أو فصلية","level":5,"page":23},{"title":"٣ - آيات ليس لها وقت منتظم يعرفه الناس دون استدلال ونظر","level":5,"page":23},{"title":"النوع الثاني: آيات غير متكررة","level":4,"page":24},{"title":"ثالثًا: باعتبار من تقع عليه","level":3,"page":24},{"title":"النوع الأول: الآيات النفسية","level":4,"page":24},{"title":"النوع الثاني: الآيات الآفقية","level":4,"page":24},{"title":"رابعًا: باعتبار مكان وقوعها","level":3,"page":24},{"title":"النوع الأول: الأرض وما فيها وما هو متصل بها","level":4,"page":24},{"title":"النوع الثاني: ما نراه فوقنا من هذه المنطقة الفضائية بما فيها من أجرام مضيئة وغير مضيئة","level":4,"page":24},{"title":"النوع الثالث: السماوات العلى بما فيها وما فوقها من الكرسي والعرش","level":4,"page":24},{"title":"النوع الأول: العلويات","level":5,"page":24},{"title":"النوع الثاني: السفليات","level":5,"page":25},{"title":"خامسًا: من حيث الظهور والاختفاء","level":3,"page":25},{"title":"النوع الأول: آيات منتظمة الظهور والاختفاء","level":4,"page":25},{"title":"النوع الثاني: آيات لا تختفي أبدًا","level":4,"page":25},{"title":"سادسًا: من حيث الدلالة","level":3,"page":25},{"title":"النوع الأول: نوع يوضح الحكمة الإلهية والسنن الحكيمة في إيجاد الخلق وإنشاء الحوادث","level":4,"page":25},{"title":"النوع الثاني: يتحدث عن المخلوقات ويصف نظام إيجادها الحكيم وأحوالها وفقًا لأحكام سنته","level":4,"page":25},{"title":"سابعًا: من حيث الاستدلال لها","level":3,"page":26},{"title":"النوع الأول: حسي","level":4,"page":26},{"title":"النوع الثاني: نظري","level":4,"page":26},{"title":"النوع الثالث: غيبي","level":4,"page":26},{"title":"المبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية","level":2,"page":27},{"title":"المبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية","level":2,"page":33},{"title":"الفصل الثاني: التفكر في الآيات الكونية وأهميته","level":1,"page":40},{"title":"المبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، وأهميته","level":2,"page":41},{"title":"المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية","level":3,"page":42},{"title":"المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية","level":3,"page":48},{"title":"المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية","level":3,"page":55},{"title":"المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة","level":3,"page":57},{"title":"المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين","level":3,"page":64},{"title":"المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية","level":2,"page":74},{"title":"المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية","level":3,"page":75},{"title":"القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية","level":4,"page":76},{"title":"أولًا: بيان عجزها عن التصرف","level":5,"page":76},{"title":"ثانيًا: الاستدلال بانتظامها وحركتها على وجوب إفراده بالعبادة","level":5,"page":77},{"title":"ثالثًا: بيان خلق الله وتقديره وهدايته لها","level":5,"page":77},{"title":"رابعًا: بيان خضوعها لله - ﷿ -","level":5,"page":78},{"title":"خامسًا: بيان موافقتها للفطرة","level":5,"page":79},{"title":"القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة القرآن الكريم في عرضها وأسلوب ذكرها وإيرادها","level":4,"page":82},{"title":"أولًا: التنوع في صيغ الحث على التفكر في آيات الله الكونية","level":5,"page":82},{"title":"ثانيًا: عرضها بأبسط السبل ولعامة الناس دون الحاجة إلى التعمق والتكلف","level":5,"page":83},{"title":"ثالثا: التدرج في عرضها والبدء بالأهم، فنجد من الهدي القرآني عند عرضه للآيات الكونية البدء بالأهم","level":5,"page":84},{"title":"رابعًا: ذكرها على سبيل العموم والإجمال في الغالب","level":5,"page":85},{"title":"خامسًا: الاستفهام: وقد تعددت طرقه","level":5,"page":86},{"title":"سادسًا: الاستدلال بالآيات الكونية في الحوار والمجادلة","level":5,"page":88},{"title":"سابعًا: التنويع البديع في عرض الآيات الكونية لإقامة الحجة بها على الجاحدين","level":5,"page":90},{"title":"ثامنًا: الإقسام من الله بها لبيان أهمية هذا المقسم به والمقسم عليه","level":5,"page":91},{"title":"تاسعًا: ضرب الأمثال بها للتوضيح والتقريب","level":5,"page":94},{"title":"القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية","level":4,"page":96},{"title":"أولًا: الاستدلال بها على أصول العقائد","level":5,"page":96},{"title":"ثانيًا: الاعتبار والانتفاع بها","level":5,"page":97},{"title":"ثالثًا: بيان امتنان الله - ﷿ - بها على عباده والذي يستلزم إفراده بالعباده","level":5,"page":98},{"title":"رابعًا: بيان آثار صفات الله وأفعاله من خلاله","level":5,"page":99},{"title":"خامسًا: بيان الحكمة في خلق هذه الآيات الكونية، وأن ذلك بالحق، وأنها لم تخلق عبثًا","level":5,"page":101},{"title":"سادسًا: التحدي بها إقامة للتوحيد وردًا للشرك","level":5,"page":102},{"title":"المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية","level":3,"page":104},{"title":"القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية","level":4,"page":107},{"title":"أولًا: بيان عبودية هذه الآيات الكونية لله وأنها تسبح له","level":5,"page":107},{"title":"ثانيًا: الإخبار عن بعض صفاتها وأعمالها","level":5,"page":107},{"title":"القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة السنة في عرضها للآيات الكونية","level":4,"page":108},{"title":"أولًا: استعمال الاستفهام لتقرير الأمور الغيبية المتعلقة بالآية الكونية","level":5,"page":108},{"title":"ثانيًا: ضرب الأمثال بها","level":5,"page":108},{"title":"القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض","level":4,"page":110},{"title":"أولًا: التوسل إلى الله - ﷿ - بربوبيته لها","level":5,"page":110},{"title":"ثانيًا: بيان المسائل العقدية عند حدوث التغيرات الكونية","level":5,"page":110},{"title":"ثالثًا: التنبيه على المخالفات العقدية عند حدوث التغيرات الكونية","level":5,"page":111},{"title":"رابعًا: الأمر بالتوجه والتعلق بالله - ﷿ - عند حدوث تغيرات كونية","level":5,"page":111},{"title":"خامسًا: الخوف والوجل من الله - ﷿ - عند حدوث التغييرات الكونية","level":5,"page":112},{"title":"المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية","level":3,"page":113},{"title":"المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام","level":3,"page":118},{"title":"أولًا: الآيات الكونية والشهادتان","level":4,"page":118},{"title":"ثانيًا: الآيات الكونية والصلاة","level":4,"page":119},{"title":"ثالثًا: الآيات الكونية والزكاة","level":4,"page":121},{"title":"رابعًا: الآيات الكونية والصيام","level":4,"page":121},{"title":"خامسًا: الآيات الكونية والحج","level":4,"page":122},{"title":"الفصل الثالث: التفسير العلمي للآيات الكونية، والدراسات المستقبلية عنها وصلتها بالعقيدة","level":1,"page":124},{"title":"المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة","level":2,"page":125},{"title":"المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي","level":3,"page":126},{"title":"تعريف التفسير العلمي","level":4,"page":127},{"title":"الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي","level":4,"page":130},{"title":"المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة","level":3,"page":131},{"title":"القول الأول: المنع","level":4,"page":132},{"title":"القول الثاني: الجواز","level":5,"page":135},{"title":"الترجيح","level":5,"page":137},{"title":"المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة","level":3,"page":139},{"title":"المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية","level":3,"page":142},{"title":"أولًا: اتهام الجيل الأول من المسلمين- وفيهم رسول الله - ﷺ - بالخطأ في فهم شيء من القرآن","level":4,"page":142},{"title":"ثانيًا: فتح باب الاستدلال بالاحتمالات والظنيات والمتغيرات على المطالب اليقينية من توحيد الربوبية والنبوة والبعث","level":4,"page":142},{"title":"ثالثًا: ظن بعض الناس أن العلم - الذي يزعمونه- هو المهيمن والقرآن تابع","level":4,"page":143},{"title":"رابعًا: زعم بعضهم بأن ما ذكر في القرآن من حجج أنه غير كاف، وأنه إنما يصلح للأميين والأعراب","level":4,"page":143},{"title":"خامسًا: حصر دلالة المراد بالآيات الكونية على وجود الله","level":4,"page":144},{"title":"سادسًا: الظن بأن توحيد الربوبية هو المطلوب للفلاح عند الله","level":4,"page":144},{"title":"سابعًا: صرف الناس عن الغرض الأساس والمطلب الرئيس من القرآن وأنه كتاب هداية وإرشاد إلى أغراض أخرى","level":4,"page":144},{"title":"ثامنًا: التأويل المستمر- مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن","level":4,"page":145},{"title":"تاسعًا: رد بعض الأحاديث الصحيحة أو تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة بحجة أن التفسير العلمي لهذه الآيات الكونية يخالف أو يوافق ما ذكر في هذه الأحاديث","level":4,"page":145},{"title":"عاشرًا: إحداث طريقة مبتدعة لإثبات وجود الخالق وربوبيته وإثبات النبوة لم يكن عليها السلف","level":4,"page":145},{"title":"المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة","level":2,"page":146},{"title":"المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث","level":3,"page":147},{"title":"المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية","level":3,"page":152},{"title":"المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة","level":2,"page":154},{"title":"المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية","level":3,"page":155},{"title":"المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة","level":3,"page":158},{"title":"المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية","level":3,"page":161},{"title":"الفصل الرابع: الأسباب، وصلتها بالآيات الكونية","level":1,"page":164},{"title":"تمهيد","level":2,"page":165},{"title":"المبحث الأول: أنواع الأسباب","level":2,"page":167},{"title":"النوع الأول: أسباب حسية","level":3,"page":167},{"title":"النوع الثاني: أسباب شرعية","level":3,"page":167},{"title":"أنواع الأسباب من حيث الظهور","level":3,"page":167},{"title":"النوع الأول: أسباب غير ظاهرة (خفية)","level":4,"page":167},{"title":"النوع الثاني: أسباب ظاهرة","level":4,"page":168},{"title":"المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة - حكمها-","level":2,"page":169},{"title":"أولًا: أسباب شرعية","level":3,"page":169},{"title":"ثانيا: أسباب مباحة","level":3,"page":169},{"title":"ثالثا: أسباب غير شرعية","level":3,"page":169},{"title":"انواع الناس فى الحكم على الاسباب","level":3,"page":171},{"title":"الأول: من ينكر الأسباب","level":4,"page":171},{"title":"الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب","level":4,"page":172},{"title":"الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله","level":4,"page":172},{"title":"المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية","level":2,"page":177},{"title":"المبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية","level":2,"page":184},{"title":"الفصل الخامس الآيات الكونية السماوية ودلالتها العقدية","level":1,"page":188},{"title":"تمهيد","level":2,"page":189},{"title":"المبحث الأول: السماء","level":2,"page":190},{"title":"السماء في اللغة","level":3,"page":190},{"title":"السماء في الاصطلاح","level":3,"page":190},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - السماء-","level":3,"page":192},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":192},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":194},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":196},{"title":"١ - الثناء على الله","level":5,"page":196},{"title":"٢ - التنزيه","level":5,"page":197},{"title":"٣ - العدل والحكمة","level":5,"page":198},{"title":"٤ - بعض أسماء الله وصفاته","level":5,"page":199},{"title":"٥ - الصفات الفعلية الاختيارية لله","level":5,"page":200},{"title":"٦ - صفة القدرة","level":5,"page":200},{"title":"٧ - صفة الغنى والقوة","level":5,"page":201},{"title":"٨ - صفة الرحمة","level":5,"page":202},{"title":"٩ - صفة العلم","level":5,"page":203},{"title":"١٠ - صفة الكلام لله - ﷿ -","level":5,"page":204},{"title":"١١ - نزول القرآن والشرائع من الله","level":5,"page":205},{"title":"١٢ - صفة العلو","level":5,"page":207},{"title":"أ- إخبار الله - ﷿ - عن نزول الأمر من السماء إلى الأرض","level":6,"page":207},{"title":"ب- رفع الأعمال إلى السماء","level":6,"page":208},{"title":"ج- محاجة الكافرين بعض الأنبياء وطلبهم على سبيل العتو والتمرد تهيئة أسباب الصعود إلى الله - ﷿ - عن طريق أبواب السماء","level":6,"page":208},{"title":"د- رفع النبي - ﷺ - رأسه إلى السماء ينظر إليها ويدعو الله","level":6,"page":209},{"title":"هـ- إخباره - ﷺ - أنه أمين من في السماء","level":6,"page":209},{"title":"و- العروج بالنبي - ﷺ - إلى السماء","level":6,"page":210},{"title":"ز- الإشارة بالأصبع إلى السماء","level":6,"page":210},{"title":"ح- رفع اليدين إلى السماء عند الدعاء","level":6,"page":210},{"title":"١٣ - صفة الاستواء","level":5,"page":211},{"title":"١٤ - صفة النزول","level":5,"page":211},{"title":"١٥ - العرش","level":5,"page":212},{"title":"١٦ - عظم الكرسي","level":5,"page":212},{"title":"١٧ - صفة اليمين لله تعالى","level":5,"page":213},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":213},{"title":"١ - بعض أنواع العبادة القلبية","level":5,"page":216},{"title":"أ- الإخلاص","level":6,"page":216},{"title":"ب- الخوف والخشية والمراقبة","level":6,"page":217},{"title":"ج- التوكل","level":6,"page":217},{"title":"د- اليقين بالله والوثوق بوعده","level":6,"page":218},{"title":"هـ- الإنابة","level":6,"page":219},{"title":"٢ - القسم","level":5,"page":219},{"title":"٣ - التوسل","level":5,"page":220},{"title":"خامسًا: الإيمان بالغيب","level":4,"page":221},{"title":"سادسًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":221},{"title":"سابعًا: الإيمان بالكتب","level":4,"page":224},{"title":"ثامنًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":225},{"title":"تاسعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":228},{"title":"عاشرًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":230},{"title":"الحادي عشر: منهج الاستدلال","level":4,"page":232},{"title":"١ - الاستدلال بالعقل","level":5,"page":232},{"title":"٢ - التصديق والتسليم","level":5,"page":232},{"title":"٣ - ضرب الأمثلة","level":5,"page":233},{"title":"الثاني عشر: الوعد والوعيد","level":4,"page":233},{"title":"الثالث عشر: الولاء والبراء","level":4,"page":235},{"title":"الرابع عشر: الإيمان بالجن","level":4,"page":236},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -السماء-","level":3,"page":237},{"title":"أولًا: إنكار وجود السماوات","level":4,"page":237},{"title":"ثانيًا: إنكار عدد السماوات السبع","level":4,"page":238},{"title":"ثالثًا: إنكار خلق الله للسماوات والأرض في ستة أيام وأنها ست مراحل","level":4,"page":241},{"title":"رابعًا: اعتقاد أن السماوات خلقت من غير مادة","level":4,"page":242},{"title":"خامسًا: اعتقاد التعب والإعياء لله بعد خلق السماوات والأرض","level":4,"page":244},{"title":"سادسًا: اعتقاد أن الله في جوف السماء","level":4,"page":245},{"title":"سابعًا: تحريف مخاطبة الله للسماء وتحريف اتيانها وقولها","level":4,"page":247},{"title":"ثامنًا: تحريف معنى تسبيح السماوات","level":4,"page":250},{"title":"تاسعًا: تحريف معنى بكاء السماء","level":4,"page":251},{"title":"عاشرًا: إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض","level":4,"page":252},{"title":"الحادي عشر: بعض الأدعية والأقوال المخالفة","level":4,"page":253},{"title":"الأدعية والأقوال","level":5,"page":253},{"title":"١ - من ذلك الدعاء بقول: \" اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين، افعل كذا وكذا\"","level":6,"page":253},{"title":"٢ - ذكر أحوال خاصة للسماء عند دعاء المكروب","level":6,"page":254},{"title":"٣ - عدالة السماء","level":6,"page":255},{"title":"٤ - كراهة النظر إلى السماء","level":6,"page":256},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":5,"page":258},{"title":"١ - اعتقاد أن السماوات تدور على منكب ملَك","level":6,"page":258},{"title":"٢ - إمساك السماء والأرض","level":6,"page":259},{"title":"٣ - ماذا يحدث لو عصت السماوات والأرض","level":6,"page":259},{"title":"٤ - ذكر ملائكة السماء ووصفهم بأوصاف لم ترد في الكتاب والسنة","level":6,"page":260},{"title":"٥ - اعتقاد أن إبليس كان يدبر أمر السماء الدنيا","level":6,"page":261},{"title":"المبحث الثاني: الشمس","level":2,"page":262},{"title":"الشمس في اللغة","level":3,"page":262},{"title":"الشمس في الاصطلاح","level":3,"page":262},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - الشمس-","level":3,"page":263},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":263},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":265},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":265},{"title":"١ - صفة العلم والقدرة","level":5,"page":265},{"title":"٢ - صفة الرؤية والعلو","level":5,"page":266},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":268},{"title":"١ - بعض أنواع العبادة القلبية","level":5,"page":271},{"title":"أ- اليقين والإخلاص","level":6,"page":271},{"title":"ب- التوكل","level":6,"page":272},{"title":"٢ - القسم","level":5,"page":272},{"title":"٣ - التوسل","level":5,"page":273},{"title":"خامسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":274},{"title":"سادسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":275},{"title":"سابعًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":277},{"title":"ثامنًا: النهي عن مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم","level":4,"page":277},{"title":"تاسعًا: النهي عن التشبه بالشيطان","level":4,"page":279},{"title":"عاشرًا: الإيمان بالجن","level":4,"page":279},{"title":"الحادي عشر: أصول المناظرة","level":4,"page":280},{"title":"القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الشمس-","level":3,"page":281},{"title":"أولًا: عبادة الشمس","level":4,"page":281},{"title":"ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة الشمس","level":4,"page":282},{"title":"ثالثًا: تحريف معنى سجود الشمس","level":4,"page":283},{"title":"رابعًا: إنكار استئذان الشمس لطلوعها","level":4,"page":285},{"title":"خامسًا: إنكار حبس الشمس","level":4,"page":286},{"title":"سادسًا: إنكار جريان الشمس","level":4,"page":286},{"title":"سابعًا: اعتقاد أن نور الشمس من نور الكرسي","level":4,"page":287},{"title":"ثامنًا: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو أن نورها من نور الله","level":4,"page":288},{"title":"تاسعًا: إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بهما عبادة","level":4,"page":288},{"title":"عاشرا: الجزم بوقوع الكسوف","level":4,"page":290},{"title":"الحادي عشر: تحديد عمر الشمس","level":4,"page":291},{"title":"الثاني عشر: سب الشمس","level":4,"page":292},{"title":"الثالث عشر: مشابهة المشركين في السجود للشمس عند طلوعها أو غروبها","level":4,"page":293},{"title":"الرابع عشر: الطعن في القرآن وزعم تناقضه حيث ورد فيه لفظ \"المشرق\" بصيغة الإفراد، والتثنية، والجمع","level":4,"page":293},{"title":"الخامس عشر: الأقوال والألفاظ المخالفة","level":4,"page":294},{"title":"الأقوال والألفاظ المخالفة","level":5,"page":294},{"title":"١ - تسمية بعض الزهور بـ\"عباد الشمس","level":6,"page":294},{"title":"٢ - التسمية بـ\" عبد الشمس\"","level":6,"page":295},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":5,"page":296},{"title":"١ - دعاء النبي - ﷺ - على الشمس","level":6,"page":296},{"title":"٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار","level":6,"page":296},{"title":"٣ - خشوع الشمس عند تجلي الله","level":6,"page":297},{"title":"٤ - لا تخرج الشمس حتى ينخسها سبعون ألف ملك","level":6,"page":297},{"title":"٥ - اعتقاد أن الشمس حبست لعلي - ﵁ -","level":6,"page":298},{"title":"المبحث الثالث القمر","level":2,"page":299},{"title":"القمر في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":299},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - القمر-","level":3,"page":300},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":301},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":302},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":304},{"title":"١ - صفة العلم والقدرة","level":5,"page":304},{"title":"٢ - صفة الرؤية والعلو","level":5,"page":304},{"title":"رابعًا: توحيد الأولوهية","level":4,"page":305},{"title":"١ - بعض أنواع العبادات القلبية","level":5,"page":305},{"title":"أ- الاستعاذة بالله","level":6,"page":305},{"title":"ب- اليقين والإخلاص","level":6,"page":306},{"title":"٢ - القسم","level":5,"page":306},{"title":"٣ - التوسل","level":5,"page":307},{"title":"خامسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":308},{"title":"سادسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":309},{"title":"سابعًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":311},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية","level":3,"page":312},{"title":"أولًا: عبادة القمر","level":4,"page":312},{"title":"ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة القمر","level":4,"page":313},{"title":"ثالثًا: تحريف معنى سجود القمر","level":4,"page":314},{"title":"رابعًا: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على القمر، أو أن نوره من نور الله","level":4,"page":315},{"title":"خامسًا: إنكار كون خسوف القمر آية من آيات الله يخوف الله به عبادة","level":4,"page":315},{"title":"سادسًا: الجزم بوقوع الخسوف","level":4,"page":316},{"title":"سابعًا: إنكار انشقاق القمر","level":4,"page":317},{"title":"ثامنًا: سب القمر","level":4,"page":317},{"title":"تاسعًا: استقبال القمر عند الدعاء كاستقبال القبلة عند الصلاة","level":4,"page":318},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":319},{"title":"١ - سحر القمر","level":4,"page":319},{"title":"٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار","level":4,"page":319},{"title":"٣ - خشوع القمر عند تجلي الله","level":4,"page":319},{"title":"المبحث الرابع: النجم","level":2,"page":320},{"title":"النجم في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":320},{"title":"النوء في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":320},{"title":"الكوكب في اللغة","level":3,"page":321},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - النجم-","level":3,"page":322},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":323},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":323},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":325},{"title":"١ - اليقين والإخلاص","level":5,"page":325},{"title":"٢ - القسم","level":5,"page":326},{"title":"رابعًا: الإيمان بالكتب","level":4,"page":327},{"title":"خامسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":328},{"title":"سادسًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":329},{"title":"سابعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":329},{"title":"ثامنًا: منزلة الصحابة","level":4,"page":331},{"title":"تاسعًا: النهي عن مشابهة المشركين واليهود والنصارى","level":4,"page":332},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النجم-","level":3,"page":334},{"title":"أولًا: عبادة النجوم","level":4,"page":334},{"title":"ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة النجوم","level":4,"page":335},{"title":"ثالثًا: تحريف معنى سجود النجوم","level":4,"page":339},{"title":"رابعًا: نسبة علم النجوم إلى إبراهيم - ﵇ -","level":4,"page":340},{"title":"خامسًا: الأقوال والألفاظ المخالفة","level":4,"page":341},{"title":"١ - قول مطرنا بنوء كذا، ونحوه","level":5,"page":341},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":342},{"title":"١ - الاستدلال بحديث \"إذا ذكرت النجوم فأمسكوا\" على التنجيم","level":4,"page":342},{"title":"٢ - النهي عن السفر والقمر في العقرب","level":4,"page":342},{"title":"المبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق","level":2,"page":344},{"title":"الرعد في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":344},{"title":"البرق في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":344},{"title":"الصواعق في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":345},{"title":"الدلائل العقدية للآيات الكونية - الرعد والبرق والصواعق-","level":3,"page":347},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":347},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":348},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":348},{"title":"١ - التسبيح","level":5,"page":348},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":349},{"title":"خامسًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":350},{"title":"سادسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":351},{"title":"سابعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":352},{"title":"ثامنًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":352},{"title":"تاسعًا: مسائل الأسماء والأحكام","level":4,"page":353},{"title":"عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال","level":4,"page":354},{"title":"ضرب الأمثال","level":5,"page":354},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق-","level":3,"page":355},{"title":"أولًا: اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة","level":4,"page":355},{"title":"ثانيًا: اعتقاد أن قوس قزح","level":4,"page":355},{"title":"ثالثًا: بعض الأدعية والأقوال المخالفة","level":4,"page":356},{"title":"الأدعية والأقوال المخالفة","level":4,"page":356},{"title":"١ - قول\"غضبت السماء\" عند نزول الصواعق","level":5,"page":356},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":4,"page":357},{"title":"١ - الرعد والبرق والصواعق فوق السماء السابعة","level":5,"page":357},{"title":"٢ - البرق والرعد والصواعق غضب من الله","level":5,"page":357},{"title":"المبحث السادس المطر والثلج والبرد","level":2,"page":358},{"title":"المطر في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":358},{"title":"الثلج في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":359},{"title":"البرد في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":360},{"title":"الدلائل العقدية للآيات الكونية - المطر والثلج والبرد-","level":3,"page":361},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":361},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":362},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":365},{"title":"١ - صفة الرحمة","level":5,"page":365},{"title":"٢ - حكمة الله","level":5,"page":365},{"title":"٣ - صفة العلو","level":5,"page":366},{"title":"٤ - الصفات الفعلية الاختيارية","level":5,"page":366},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":367},{"title":"١ - التبرك","level":5,"page":368},{"title":"خامسًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":368},{"title":"سادسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":369},{"title":"سابعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":370},{"title":"ثامنًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":370},{"title":"تاسعًا: الإيمان بالغيب","level":4,"page":371},{"title":"عاشرًا: مسائل الأسماء والأحكام","level":4,"page":371},{"title":"الحادي عشر تكفير الذنوب","level":4,"page":372},{"title":"الثاني عشر: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال","level":4,"page":374},{"title":"ضرب الأمثال","level":5,"page":374},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -المطر والثلج والبرد-","level":3,"page":376},{"title":"أولًا: نسبة المطر إلى الكواكب","level":4,"page":376},{"title":"ثانيًا: قصر احتباس المطر على الأسباب المادية","level":4,"page":377},{"title":"ثالثًا: تحريف قوله - ﷺ - عن المطر\" حديث عهد بربه\"","level":4,"page":378},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":379},{"title":"١ - المطر بالليل بسب طاعة الله","level":4,"page":379},{"title":"٢ - النهي عن الإشارة إلى المطر والبرق","level":4,"page":379},{"title":"المبحث السابع: الريح والرياح","level":2,"page":380},{"title":"الريح في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":380},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - الريح والرياح-","level":3,"page":383},{"title":"أولًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":384},{"title":"ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":386},{"title":"صفة الرحمة","level":5,"page":386},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":386},{"title":"رابعًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":389},{"title":"خامسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":391},{"title":"سادسًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":392},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الريح والرياح-","level":3,"page":395},{"title":"أولًا: سب الريح","level":4,"page":395},{"title":"ثانيًا: نسبة حصول الذكورة والأنوثة في المولود للريح","level":4,"page":395},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":397},{"title":"١ - الريح مسخرة من الأرض الثانية","level":4,"page":397},{"title":"٢ - ريح الجنوب من الجنة والشمال من النار","level":4,"page":397},{"title":"الفصل السادس: الآيات الكونية الأرضية ودلالتها العقدية.","level":1,"page":399},{"title":"تمهيد","level":2,"page":400},{"title":"المبحث الأول: حركة الأرض","level":2,"page":401},{"title":"الأرض في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":401},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - حركة الأرض-","level":3,"page":405},{"title":"ثبات الأرض","level":4,"page":406},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":410},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":411},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":412},{"title":"١ - التنزيه","level":5,"page":412},{"title":"٢ - صفة الكلام لله - ﷿ -","level":5,"page":412},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":413},{"title":"خامسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":414},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأرض-","level":3,"page":415},{"title":"أولًا: التكفير لمن قال بدوران الأرض","level":4,"page":415},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":417},{"title":"١ - لو كان الله ينام لم تستمسك السماء والأرض","level":4,"page":417},{"title":"المبحث الثاني الجبال","level":2,"page":418},{"title":"الجبل في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":418},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - الجبال-","level":3,"page":422},{"title":"أولًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":423},{"title":"١ - التنزيه","level":5,"page":423},{"title":"٢ - صفة التجلي ورؤية المؤمنين لربهم ﷾","level":5,"page":423},{"title":"ثانيًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":425},{"title":"الخشوع","level":5,"page":426},{"title":"ثالثًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":427},{"title":"رابعًا: الإيمان بالكتب","level":4,"page":427},{"title":"خامسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":428},{"title":"سادسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":430},{"title":"سابعًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":430},{"title":"ثامنًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال","level":4,"page":431},{"title":"ضرب الأمثال","level":5,"page":431},{"title":"تاسعًا: مسائل الأسماء والأحكام","level":4,"page":432},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الجبال-","level":3,"page":433},{"title":"أولًا: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الجبال - التحريف لمعنى محبة الجبل للنبي - ﷺ -","level":4,"page":433},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":434},{"title":"المبحث الثالث الزلازل والخسوف والبراكين","level":2,"page":435},{"title":"الزلزال في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":435},{"title":"الخسف في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":436},{"title":"البركان في الاصطلاح","level":3,"page":436},{"title":"الدلائل العقدية للآيات الكونية - الزلازل والخسوف والبراكين-","level":3,"page":438},{"title":"أولًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":439},{"title":"ثانيا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":440},{"title":"١ - صفة الرحمة","level":5,"page":440},{"title":"٢ - العدل","level":5,"page":441},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":442},{"title":"رابعًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":443},{"title":"خامسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":445},{"title":"سادسًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":445},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الزلازل والخسوف والبراكين-","level":3,"page":447},{"title":"أولًا: اعتقاد أن للبراكين آلهة غير الله تعالى","level":4,"page":447},{"title":"ثانيًا: نسبة حدوث هذه الآيات الكونية - الزلازل والخسوف والبراكين- إلى الطبيعة أو بعض الخرافات","level":4,"page":447},{"title":"المبحث الرابع البحار والأنهار","level":2,"page":451},{"title":"البحر في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":451},{"title":"النهر في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":452},{"title":"الدلائل العقدية للآيات الكونية - البحار والأنهار-","level":3,"page":455},{"title":"أولًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":456},{"title":"ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":459},{"title":"١ - العلم","level":5,"page":459},{"title":"٢ - صفة الكلام","level":5,"page":459},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":460},{"title":"١ - القسم","level":5,"page":462},{"title":"رابعًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":463},{"title":"خامسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":464},{"title":"سادسًا الإيمان بالقدر","level":4,"page":466},{"title":"سابعًا: مسائل على الإيمان","level":4,"page":466},{"title":"تكفير السيئات","level":5,"page":466},{"title":"ثامنًا: الجن","level":4,"page":467},{"title":"تاسعًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال","level":4,"page":467},{"title":"ضرب الأمثال","level":5,"page":467},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - البحار والأنهار-","level":3,"page":469},{"title":"أولًا: تخصيص البحر ببعض الأدعية المبتدعة","level":4,"page":469},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":471},{"title":"١ - حديث استأذن البحر أن يغرق أهلها.","level":4,"page":471},{"title":"٢ - حديث كلام الله للبحر.","level":4,"page":471},{"title":"٣ - البحر هو جهنم.","level":4,"page":471},{"title":"٤ - إن تحت البحر نار، وتحت النار بحر.","level":4,"page":472},{"title":"٥ - تولي الله - ﷿ - قبض أرواح شهداء البحر","level":4,"page":472},{"title":"المبحث الخامس الليل والنهار","level":2,"page":473},{"title":"الليل والنهار في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":473},{"title":"الدلائل العقدية للآيات الكونية - الليل والنهار-","level":3,"page":475},{"title":"أولًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":476},{"title":"ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":478},{"title":"١ - العلم","level":5,"page":478},{"title":"٢ - صفة العلو","level":5,"page":478},{"title":"٣ - صفة اليد وبسطها","level":5,"page":479},{"title":"٤ - صفة النزول","level":5,"page":479},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":480},{"title":"١ - الاستعاذة","level":5,"page":482},{"title":"٢ - القسم","level":5,"page":482},{"title":"رابعًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":483},{"title":"خامسًا: الإيمان بالكتب","level":4,"page":485},{"title":"سادسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":486},{"title":"سابعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":486},{"title":"ثامنًا: مسائل الأسماء والأحكام","level":4,"page":488},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الليل والنهار-","level":3,"page":489},{"title":"١ - اعتقاد أن الليل والنهار هما المتصرفان في إهلاك الناس","level":4,"page":489},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":490},{"title":"١ - اعتقاد نزول الله - ﷿ - ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا.","level":4,"page":490},{"title":"المبحث السادس الحياة والموت","level":2,"page":491},{"title":"الحياة والموت في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":491},{"title":"الدلائل العقدية للآيات الكونية - الحياة والموت-","level":3,"page":497},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":499},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":500},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":502},{"title":"١ - التسبيح","level":5,"page":502},{"title":"٢ - العلم","level":5,"page":503},{"title":"٣ - المحيي والمميت","level":5,"page":503},{"title":"٤ - اليد","level":5,"page":504},{"title":"٥ - التردد","level":5,"page":505},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":506},{"title":"١ - فضل التوحيد","level":5,"page":507},{"title":"٢ - الاستعاذة","level":5,"page":508},{"title":"خامسًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":508},{"title":"سادسًا: الإيمان بالكتب","level":4,"page":509},{"title":"سابعًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":511},{"title":"ثامنًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":512},{"title":"تاسعًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":515},{"title":"عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال","level":4,"page":516},{"title":"١ - ضرب الأمثال","level":5,"page":516},{"title":"٢ - استخدام الألفاظ الشرعية","level":5,"page":516},{"title":"الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام","level":4,"page":517},{"title":"القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت","level":3,"page":519},{"title":"أولًا: إنكار الحياة بعد الموت","level":4,"page":519},{"title":"ثانيًا: نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر","level":4,"page":519},{"title":"ثالثًا: القول بأن الموت أمر عدمي","level":4,"page":520},{"title":"رابعًا: إنكار ذبح الموت يوم القيامة","level":4,"page":521},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":522},{"title":"١ - حديث قبض ملك الموت لداود - ﵇ -.","level":4,"page":522},{"title":"المبحث السابع النوم","level":2,"page":523},{"title":"النوم في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":523},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - النوم-","level":3,"page":524},{"title":"أولًا: وجود الله","level":4,"page":525},{"title":"ثانيًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":526},{"title":"ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":527},{"title":"١ - نفي السِنة والنوم عن الله - ﷿ -","level":5,"page":527},{"title":"٢ - رؤية الله - ﷿ - في المنام","level":5,"page":528},{"title":"رابعًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":529},{"title":"خامسًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":530},{"title":"سادسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":531},{"title":"١ - الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم","level":5,"page":531},{"title":"٢ - رؤية النبي - ﷺ - في المنام","level":5,"page":532},{"title":"٣ - رؤيا الأنبياء وحي","level":5,"page":532},{"title":"٤ - الرؤيا الصالحة","level":5,"page":533},{"title":"سابعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":533},{"title":"ثامنًا: صفة الشيطان","level":4,"page":534},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النوم-","level":3,"page":536},{"title":"أولًا: ترك النوم تعبدًا","level":4,"page":536},{"title":"ثانيًا: الاعتماد على الرؤى في الأحكام","level":4,"page":536},{"title":"الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية","level":3,"page":538},{"title":"١ - ما وقع في نفس موسى: - ﵇ - هل ينام الله؟","level":4,"page":538},{"title":"٢ - الدجال تنام عيناه ولا ينام قلبه","level":4,"page":538},{"title":"المبحث الثامن النبات","level":2,"page":539},{"title":"النبات في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":539},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - النبات-","level":3,"page":541},{"title":"أولًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":543},{"title":"البركة","level":5,"page":544},{"title":"ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":545},{"title":"١ - كلام الله","level":5,"page":545},{"title":"٢ - التسبيح","level":5,"page":546},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":547},{"title":"رابعًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":548},{"title":"خامسًا: الإيمان بالكتب","level":4,"page":548},{"title":"سادسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":550},{"title":"سابعًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":551},{"title":"ثامنًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":554},{"title":"تاسعًا: منزلة الصحابة","level":4,"page":555},{"title":"عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال","level":4,"page":556},{"title":"ضرب الأمثال","level":5,"page":556},{"title":"الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام","level":4,"page":559},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات-","level":3,"page":560},{"title":"أولًا: تسمية الله - ﷿ - بالزارع","level":3,"page":560},{"title":"ثانيًا: تحريف معنى سجود الأشجار","level":3,"page":561},{"title":"المبحث التاسع الأمراض","level":2,"page":562},{"title":"المرض في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":562},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - الأمراض-","level":3,"page":564},{"title":"أولًا: توحيد الربوبية","level":4,"page":566},{"title":"ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":566},{"title":"١ - نفي الشر عن الله","level":5,"page":566},{"title":"٢ - العلو","level":5,"page":567},{"title":"٣ - الشافي","level":5,"page":567},{"title":"٤ - الطبيب","level":5,"page":568},{"title":"ثالثًا: توحيد الألوهية","level":4,"page":568},{"title":"١ - التوكل","level":5,"page":569},{"title":"٢ - الدعاء","level":5,"page":570},{"title":"رابعًا: الإيمان بالملائكة","level":4,"page":571},{"title":"خامسًا: الإيمان بالرسل","level":4,"page":571},{"title":"سادسًا: الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":572},{"title":"سابعًا: الإيمان بالقدر","level":4,"page":572},{"title":"ثامنًا: النهي عن التفرق","level":4,"page":573},{"title":"المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض-","level":3,"page":576},{"title":"أولًا: تحريف معنى حديث: \"مرضت فلم تعدني\".","level":4,"page":576},{"title":"ثانيًا: سب المرض","level":4,"page":577},{"title":"ثالثًا: اليأس من روح الله والقول بأن هذا المرض ليس له علاج","level":4,"page":578},{"title":"الفصل السابع الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة","level":1,"page":579},{"title":"تمهيد","level":2,"page":580},{"title":"الأشراط في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":580},{"title":"أقسام أشراط الساعة","level":3,"page":580},{"title":"الأول: أشراط الساعة الكبرى","level":4,"page":580},{"title":"الثاني: أشراط الساعة الصغرى","level":4,"page":581},{"title":"ضوابط تفسير الآيات والأحاديث الواردة في أشراط الساعة","level":3,"page":581},{"title":"القسم الأول: ضوابط متعلقة بمصادر التلقي","level":4,"page":581},{"title":"القسم الثاني: ضوابط متعلقة بمنهج الاستدلال","level":4,"page":582},{"title":"القسم الثالث: ضوابط متعلقة بمن يقوم بتنزيل النص على الواقع","level":4,"page":582},{"title":"القسم الرابع: ضوابط متعلقة بالحوادث والوقائع المنزل عليها","level":4,"page":582},{"title":"المبحث الأول الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى","level":2,"page":584},{"title":"المطلب الأول: الطاعون","level":3,"page":585},{"title":"تعرف الطاعون في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":585},{"title":"الدلائل العقدية للآية الكونية - الطاعون-","level":4,"page":587},{"title":"أولًا: الإيمان بالملائكة","level":5,"page":587},{"title":"ثانيًا: الإيمان بالرسل","level":5,"page":587},{"title":"ثالثًا: الإيمان القدر","level":5,"page":590},{"title":"رابعًا: مسائل الأسماء والأحكام","level":5,"page":591},{"title":"الشهادة","level":6,"page":591},{"title":"المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز","level":3,"page":592},{"title":"المطلب الثالث: كثرة الزلازل","level":3,"page":596},{"title":"المطلب الرابع: ظهور الخسف","level":3,"page":597},{"title":"الخسف بأهل البدع","level":4,"page":598},{"title":"المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة","level":3,"page":600},{"title":"المطلب السادس: عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا","level":3,"page":602},{"title":"المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات","level":3,"page":605},{"title":"المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى","level":2,"page":607},{"title":"المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال -بإذن الله-","level":3,"page":608},{"title":"١ - عن القمح الذي مع الدجال","level":4,"page":611},{"title":"٢ - أمر الدجال السماء أن تمطر","level":4,"page":611},{"title":"المطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة","level":3,"page":613},{"title":"المطلب الثالث: الدخان","level":3,"page":615},{"title":"المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":618},{"title":"المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس","level":3,"page":624},{"title":"المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين","level":3,"page":627},{"title":"الفصل الثامن الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة","level":1,"page":629},{"title":"تمهيد","level":2,"page":630},{"title":"المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية","level":2,"page":635},{"title":"١ - السماوات","level":3,"page":635},{"title":"طي السماء","level":4,"page":638},{"title":"كيف يكون المهل؟","level":4,"page":640},{"title":"٢ - الشمس والقمر","level":3,"page":642},{"title":"٣ - النجوم والكواكب","level":3,"page":645},{"title":"المبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية","level":2,"page":647},{"title":"١ - الأرض","level":3,"page":647},{"title":"٢ - الجبال","level":3,"page":653},{"title":"٣ - البحار","level":3,"page":656},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":662},{"title":"التوصيات","level":1,"page":664},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":666}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,47":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,133":124,"1,135":125,"1,137":126,"1,138":127,"1,139":128,"1,140":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,159":147,"1,160":148,"1,161":149,"1,162":150,"1,163":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,167":154,"1,169":155,"1,170":156,"1,171":157,"1,172":158,"1,173":159,"1,174":160,"1,175":161,"1,176":162,"1,177":163,"1,179":164,"1,181":165,"1,182":166,"1,183":167,"1,184":168,"1,185":169,"1,186":170,"1,187":171,"1,188":172,"1,189":173,"1,190":174,"1,191":175,"1,192":176,"1,193":177,"1,194":178,"1,195":179,"1,196":180,"1,197":181,"1,198":182,"1,199":183,"1,200":184,"1,201":185,"1,202":186,"1,203":187,"1,205":188,"1,207":189,"1,208":190,"1,209":191,"1,210":192,"1,211":193,"1,212":194,"1,213":195,"1,214":196,"1,215":197,"1,216":198,"1,217":199,"1,218":200,"1,219":201,"1,220":202,"1,221":203,"1,222":204,"1,223":205,"1,224":206,"1,225":207,"1,226":208,"1,227":209,"1,228":210,"1,229":211,"1,230":212,"1,231":213,"1,232":214,"1,233":215,"1,234":216,"1,235":217,"1,236":218,"1,237":219,"1,238":220,"1,239":221,"1,240":222,"1,241":223,"1,242":224,"1,243":225,"1,244":226,"1,245":227,"1,246":228,"1,247":229,"1,248":230,"1,249":231,"1,250":232,"1,251":233,"1,252":234,"1,253":235,"1,254":236,"1,255":237,"1,256":238,"1,257":239,"1,258":240,"1,259":241,"1,260":242,"1,261":243,"1,262":244,"1,263":245,"1,264":246,"1,265":247,"1,266":248,"1,267":249,"1,268":250,"1,269":251,"1,270":252,"1,271":253,"1,272":254,"1,273":255,"1,274":256,"1,275":257,"1,276":258,"1,277":259,"1,278":260,"1,279":261,"1,280":262,"1,281":263,"1,282":264,"1,283":265,"1,284":266,"1,285":267,"1,286":268,"1,287":269,"1,288":270,"1,289":271,"1,290":272,"1,291":273,"1,292":274,"1,293":275,"1,294":276,"1,295":277,"1,296":278,"1,297":279,"1,298":280,"1,299":281,"1,300":282,"1,301":283,"1,302":284,"1,303":285,"1,304":286,"1,305":287,"1,306":288,"1,307":289,"1,308":290,"1,309":291,"1,310":292,"1,311":293,"1,312":294,"1,313":295,"1,314":296,"1,315":297,"1,316":298,"1,317":299,"1,318":300,"1,319":301,"1,320":302,"1,321":303,"1,322":304,"1,323":305,"1,324":306,"1,325":307,"1,326":308,"1,327":309,"1,328":310,"1,329":311,"1,330":312,"1,331":313,"1,332":314,"1,333":315,"1,334":316,"1,335":317,"1,336":318,"1,337":319,"1,338":320,"1,339":321,"1,340":322,"1,341":323,"1,342":324,"1,343":325,"1,344":326,"1,345":327,"1,346":328,"1,347":329,"1,348":330,"1,349":331,"1,350":332,"1,351":333,"1,352":334,"1,353":335,"1,354":336,"1,355":337,"1,356":338,"1,357":339,"1,358":340,"1,359":341,"1,360":342,"1,361":343,"1,362":344,"1,363":345,"1,364":346,"1,365":347,"1,366":348,"1,367":349,"1,368":350,"1,369":351,"1,370":352,"1,371":353,"1,372":354,"1,373":355,"1,374":356,"1,375":357,"1,376":358,"1,377":359,"1,378":360,"1,379":361,"1,380":362,"1,381":363,"1,382":364,"1,383":365,"1,384":366,"1,385":367,"1,386":368,"1,387":369,"1,388":370,"1,389":371,"1,390":372,"1,391":373,"1,392":374,"1,393":375,"1,394":376,"1,395":377,"1,396":378,"1,397":379,"1,398":380,"1,399":381,"1,400":382,"1,401":383,"1,402":384,"1,403":385,"1,404":386,"1,405":387,"1,406":388,"1,407":389,"1,408":390,"1,409":391,"1,410":392,"1,411":393,"1,412":394,"1,413":395,"1,414":396,"1,415":397,"1,416":398,"1,417":399,"1,419":400,"1,420":401,"1,421":402,"1,422":403,"1,423":404,"1,424":405,"1,425":406,"1,426":407,"1,427":408,"1,428":409,"1,429":410,"1,430":411,"1,431":412,"1,432":413,"1,433":414,"1,434":415,"1,435":416,"1,436":417,"1,437":418,"1,438":419,"1,439":420,"1,440":421,"1,441":422,"1,442":423,"1,443":424,"1,444":425,"1,445":426,"1,446":427,"1,447":428,"1,448":429,"1,449":430,"1,450":431,"1,451":432,"1,453":433,"1,454":434,"1,455":435,"1,456":436,"1,457":437,"1,458":438,"1,459":439,"1,460":440,"1,461":441,"1,462":442,"1,463":443,"1,464":444,"1,465":445,"1,466":446,"1,467":447,"1,468":448,"1,469":449,"1,470":450,"1,471":451,"1,472":452,"1,473":453,"1,474":454,"1,475":455,"1,476":456,"1,477":457,"1,478":458,"1,479":459,"1,480":460,"1,481":461,"1,482":462,"1,483":463,"1,484":464,"1,485":465,"1,486":466,"1,487":467,"1,488":468,"1,489":469,"1,490":470,"1,491":471,"1,492":472,"1,493":473,"1,494":474,"1,495":475,"1,496":476,"1,497":477,"1,498":478,"1,499":479,"1,500":480,"1,501":481,"1,502":482,"1,503":483,"1,504":484,"1,505":485,"1,506":486,"1,507":487,"1,508":488,"1,509":489,"1,510":490,"1,511":491,"1,512":492,"1,513":493,"1,514":494,"1,515":495,"1,516":496,"1,517":497,"1,518":498,"1,519":499,"1,521":500,"1,522":501,"1,523":502,"1,524":503,"1,525":504,"1,526":505,"1,527":506,"1,528":507,"1,529":508,"1,530":509,"1,531":510,"1,532":511,"1,533":512,"1,534":513,"1,535":514,"1,536":515,"1,537":516,"1,538":517,"1,539":518,"1,540":519,"1,541":520,"1,542":521,"1,543":522,"1,544":523,"1,545":524,"1,546":525,"1,547":526,"1,548":527,"1,549":528,"1,550":529,"1,551":530,"1,552":531,"1,553":532,"1,554":533,"1,555":534,"1,556":535,"1,557":536,"1,558":537,"1,559":538,"1,560":539,"1,561":540,"1,562":541,"1,563":542,"1,564":543,"1,565":544,"1,566":545,"1,567":546,"1,568":547,"1,569":548,"1,570":549,"1,571":550,"1,572":551,"1,573":552,"1,574":553,"1,575":554,"1,576":555,"1,577":556,"1,578":557,"1,579":558,"1,580":559,"1,581":560,"1,582":561,"1,583":562,"1,584":563,"1,585":564,"1,586":565,"1,587":566,"1,588":567,"1,589":568,"1,590":569,"1,591":570,"1,592":571,"1,593":572,"1,594":573,"1,595":574,"1,596":575,"1,597":576,"1,598":577,"1,599":578,"1,601":579,"1,603":580,"1,604":581,"1,605":582,"1,606":583,"1,607":584,"1,609":585,"1,610":586,"1,611":587,"1,612":588,"1,613":589,"1,614":590,"1,615":591,"1,616":592,"1,617":593,"1,618":594,"1,619":595,"1,620":596,"1,621":597,"1,622":598,"1,623":599,"1,624":600,"1,625":601,"1,626":602,"1,627":603,"1,628":604,"1,629":605,"1,630":606,"1,631":607,"1,633":608,"1,634":609,"1,635":610,"1,636":611,"1,637":612,"1,638":613,"1,639":614,"1,640":615,"1,641":616,"1,642":617,"1,643":618,"1,644":619,"1,645":620,"1,646":621,"1,647":622,"1,648":623,"1,649":624,"1,650":625,"1,651":626,"1,652":627,"1,653":628,"1,655":629,"1,657":630,"1,658":631,"1,659":632,"1,660":633,"1,661":634,"1,662":635,"1,663":636,"1,664":637,"1,665":638,"1,666":639,"1,667":640,"1,668":641,"1,669":642,"1,670":643,"1,671":644,"1,672":645,"1,673":646,"1,674":647,"1,675":648,"1,676":649,"1,677":650,"1,678":651,"1,679":652,"1,680":653,"1,681":654,"1,682":655,"1,683":656,"1,684":657,"1,685":658,"1,686":659,"1,687":660,"1,688":661,"1,689":662,"1,690":663,"1,691":664,"1,693":665,"1,697":666,"1,698":667,"1,699":668,"1,700":669,"1,701":670,"1,702":671,"1,703":672,"1,704":673,"1,705":674,"1,706":675,"1,707":676,"1,708":677,"1,709":678,"1,710":679,"1,711":680,"1,712":681,"1,713":682,"1,714":683,"1,715":684,"1,716":685,"1,717":686,"1,718":687,"1,719":688,"1,720":689,"1,721":690,"1,722":691,"1,723":692,"1,724":693,"1,725":694,"1,726":695,"1,727":696,"1,728":697,"1,729":698,"1,730":699,"1,731":700,"1,732":701,"1,733":702},"ٜ":{"1":[5,733]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,133","1,135","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,167","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,179","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,601","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,655","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,693","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3,4],"6":[5],"9":[6],"14":[7],"15":[8],"17":[9],"18":[10,11],"20":[12],"21":[13],"23":[14,15,16,17,18,19,20,21,22],"24":[23,24,25,26,27,28,29,30,31],"25":[32,33,34,35,36,37,38],"26":[39,40,41,42],"27":[43],"33":[44],"40":[45],"41":[46],"42":[47],"48":[48],"55":[49],"57":[50],"64":[51],"74":[52],"75":[53],"76":[54,55],"77":[56,57],"78":[58],"79":[59],"82":[60,61],"83":[62],"84":[63],"85":[64],"86":[65],"88":[66],"90":[67],"91":[68],"94":[69],"96":[70,71],"97":[72],"98":[73],"99":[74],"101":[75],"102":[76],"104":[77],"107":[78,79,80],"108":[81,82,83],"110":[84,85,86],"111":[87,88],"112":[89],"113":[90],"118":[91,92],"119":[93],"121":[94,95],"122":[96],"124":[97],"125":[98],"126":[99],"127":[100],"130":[101],"131":[102],"132":[103],"135":[104],"137":[105],"139":[106],"142":[107,108,109],"143":[110,111],"144":[112,113,114],"145":[115,116,117],"146":[118],"147":[119],"152":[120],"154":[121],"155":[122],"158":[123],"161":[124],"164":[125],"165":[126],"167":[127,128,129,130,131],"168":[132],"169":[133,134,135,136],"171":[137,138],"172":[139,140],"177":[141],"184":[142],"188":[143],"189":[144],"190":[145,146,147],"192":[148,149],"194":[150],"196":[151,152],"197":[153],"198":[154],"199":[155],"200":[156,157],"201":[158],"202":[159],"203":[160],"204":[161],"205":[162],"207":[163,164],"208":[165,166],"209":[167,168],"210":[169,170,171],"211":[172,173],"212":[174,175],"213":[176,177],"216":[178,179],"217":[180,181],"218":[182],"219":[183,184],"220":[185],"221":[186,187],"224":[188],"225":[189],"228":[190],"230":[191],"232":[192,193,194],"233":[195,196],"235":[197],"236":[198],"237":[199,200],"238":[201],"241":[202],"242":[203],"244":[204],"245":[205],"247":[206],"250":[207],"251":[208],"252":[209],"253":[210,211,212],"254":[213],"255":[214],"256":[215],"258":[216,217],"259":[218,219],"260":[220],"261":[221],"262":[222,223,224],"263":[225,226],"265":[227,228,229],"266":[230],"268":[231],"271":[232,233],"272":[234,235],"273":[236],"274":[237],"275":[238],"277":[239,240],"279":[241,242],"280":[243],"281":[244,245],"282":[246],"283":[247],"285":[248],"286":[249,250],"287":[251],"288":[252,253],"290":[254],"291":[255],"292":[256],"293":[257,258],"294":[259,260,261],"295":[262],"296":[263,264,265],"297":[266,267],"298":[268],"299":[269,270],"300":[271],"301":[272],"302":[273],"304":[274,275,276],"305":[277,278,279],"306":[280,281],"307":[282],"308":[283],"309":[284],"311":[285],"312":[286,287],"313":[288],"314":[289],"315":[290,291],"316":[292],"317":[293,294],"318":[295],"319":[296,297,298,299],"320":[300,301,302],"321":[303],"322":[304],"323":[305,306],"325":[307,308],"326":[309],"327":[310],"328":[311],"329":[312,313],"331":[314],"332":[315],"334":[316,317],"335":[318],"339":[319],"340":[320],"341":[321,322],"342":[323,324,325],"344":[326,327,328],"345":[329],"347":[330,331],"348":[332,333,334],"349":[335],"350":[336],"351":[337],"352":[338,339],"353":[340],"354":[341,342],"355":[343,344,345],"356":[346,347,348],"357":[349,350,351],"358":[352,353],"359":[354],"360":[355],"361":[356,357],"362":[358],"365":[359,360,361],"366":[362,363],"367":[364],"368":[365,366],"369":[367],"370":[368,369],"371":[370,371],"372":[372],"374":[373,374],"376":[375,376],"377":[377],"378":[378],"379":[379,380,381],"380":[382,383],"383":[384],"384":[385],"386":[386,387,388],"389":[389],"391":[390],"392":[391],"395":[392,393,394],"397":[395,396,397],"399":[398],"400":[399],"401":[400,401],"405":[402],"406":[403],"410":[404],"411":[405],"412":[406,407,408],"413":[409],"414":[410],"415":[411,412],"417":[413,414],"418":[415,416],"422":[417],"423":[418,419,420],"425":[421],"426":[422],"427":[423,424],"428":[425],"430":[426,427],"431":[428,429],"432":[430],"433":[431,432],"434":[433],"435":[434,435],"436":[436,437],"438":[438],"439":[439],"440":[440,441],"441":[442],"442":[443],"443":[444],"445":[445,446],"447":[447,448,449],"451":[450,451],"452":[452],"455":[453],"456":[454],"459":[455,456,457],"460":[458],"462":[459],"463":[460],"464":[461],"466":[462,463,464],"467":[465,466,467],"469":[468,469],"471":[470,471,472,473],"472":[474,475],"473":[476,477],"475":[478],"476":[479],"478":[480,481,482],"479":[483,484],"480":[485],"482":[486,487],"483":[488],"485":[489],"486":[490,491],"488":[492],"489":[493,494],"490":[495,496],"491":[497,498],"497":[499],"499":[500],"500":[501],"502":[502,503],"503":[504,505],"504":[506],"505":[507],"506":[508],"507":[509],"508":[510,511],"509":[512],"511":[513],"512":[514],"515":[515],"516":[516,517,518],"517":[519],"519":[520,521,522],"520":[523],"521":[524],"522":[525,526],"523":[527,528],"524":[529],"525":[530],"526":[531],"527":[532,533],"528":[534],"529":[535],"530":[536],"531":[537,538],"532":[539,540],"533":[541,542],"534":[543],"536":[544,545,546],"538":[547,548,549],"539":[550,551],"541":[552],"543":[553],"544":[554],"545":[555,556],"546":[557],"547":[558],"548":[559,560],"550":[561],"551":[562],"554":[563],"555":[564],"556":[565,566],"559":[567],"560":[568,569],"561":[570],"562":[571,572],"564":[573],"566":[574,575,576],"567":[577,578],"568":[579,580],"569":[581],"570":[582],"571":[583,584],"572":[585,586],"573":[587],"576":[588,589],"577":[590],"578":[591],"579":[592],"580":[593,594,595,596],"581":[597,598,599],"582":[600,601,602],"584":[603],"585":[604,605],"587":[606,607,608],"590":[609],"591":[610,611],"592":[612],"596":[613],"597":[614],"598":[615],"600":[616],"602":[617],"605":[618],"607":[619],"608":[620],"611":[621,622],"613":[623],"615":[624],"618":[625],"624":[626],"627":[627],"629":[628],"630":[629],"635":[630,631],"638":[632],"640":[633],"642":[634],"645":[635],"647":[636,637],"653":[638],"656":[639],"662":[640],"664":[641],"666":[642]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^١)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد:\nفإن التفكر في مخلوقات الله وآياته العظيمة، وما يحدثه الله - ﷿ - في هذا الكون، علويه وسفليه، من ليل ونهار، ورياح وأمطار، ورعد وبرق، وخسوف وكسوف، وزلازل وبراكين، وفيضانات وسيول وغير ذلك، كل ذلك بتصريف من الله وحده - ﷿ - عظهٌ واعتبار لمن اعتبر.\nوهذا التفكر يدل على أن هذا الكون له خالق مالك متصرف، مستحق للعبادة وحده، فهو سبحانه يظهر آياته الكونية للناس ليستدلوا بها على أنه هو المستحق للعبادة وحده، وأن كل ما سواه هو الباطل الذي يضمحل ويفنى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^٢)، قال ابن جرير - ﵀ -: \" هذا الذي أخبرتك يا محمد أن الله فعله من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، وغير ذلك من عظيم قُدرته، إنما فعله بأنه الله حقا، دون ما يدعوه هؤلاء المشركون به، وأنه لا يقدر على فعل ذلك سواه، ولا تصلح الألوهة إلا لمن فعل ذلك بقُدرته\" (^٣).\n_________\n(^١) الأنعام: ١.\n(^٢) لقمان: ٣٠.\n(^٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ٢١/ ٩٦، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تقديم يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، ط ٢: ٢/ ٥٧٠.","vol":"1","page":5},{"text":"قال القاسمي (^١) - ﵀ -: \" ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص البارئ بها، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ بسبب أن الحق، وجوده وإلهيته\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) - ﵀ - فيما يحصل به اليقين وأنواع الفكر والاعتبار: \"وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن، والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق،\n_________\n(^١) هو جمال الدين (أو محمد جمال الدين) بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق المعروف بجمال الدين القاسمي، علامة الشام، له مصنفات كثيرة، منها: دلائل التوحيد، والفتوى في الإسلام، نقد النصائح الكافية، وموعظة المؤمنين اختصر به إحياء علوم الدين للغزالي، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد، وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ومحاسن التأويل في تفسير القرآن الكريم، توفي عام ١٣٣٢ هـ.\nانظر: الأعلام لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط ١٥: ٢/ ١٣٥.\n(^٢) محاسن التأويل للقاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت: ٥/ ٤٨١.\n(^٣) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، الإمام العالم العلامة الفقيه، القدوة، وله المصنفات العظيمة، منها: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والتدمرية، والواسطية، وغيرها، توفي عام ٧٢٨ هـ.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، دار المعرفة، بيروت: ٢/ ٣٨٧، والبداية والنهاية لابن كثير، تحقيق: د. عبدالله التركي، دار عالم الكتب، الرياض، ط ١: ١٤/ ١٤١، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ط ١: ٦/ ٨٠، والأعلام للزركلي: ١/ ١٤٤، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، جمع محمد عزير شمس وعلي العمران، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١.","vol":"1","page":6},{"text":"والثالث: العمل بموجب العلم، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^١) ... فبين سبحانه أنه يرُي الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية\" (^٢).\nوالقرآن لم يذكر هذه الآيات الكونية على أنها مقصودة لذاتها؛ ولكنها دعوة عملية للإيمان بالله من منطلق أن كل ما نشاهده في هذا الكون فهو خاضع للنظام الدقيق وللعناية الفائقة، ولرحمة الرحمن بعباده.\nوالنبي - ﷺ - يذكر بعض الآيات الكونية، ثم يذكر بعدها تقرير التوحيد ونفي الشرك وإثبات البعث وغير ذلك من مسائل العقيدة، فكان - ﷺ - يقول: \" أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد - ﷺ -، وملة أبينا إبراهيم، حنيفا مسلما وما كان من المشركين \" (^٣).\nوقد كان للنبي - ﷺ - هديه الواضح تجاه هذه الآيات الكونية، وبيان ما يقع من الناس فيها من مخالفات، تنقص من إيمان العبد أو تزيله، ومن ذلك أنه لما حصل الخسوف في زمنه -﵊- بين أن \" الشمس\n_________\n(^١) فصلت: ٥٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع الشيخ: عبد الرحمن بن قاسم، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤١٢: ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢.\n(^٣) المسند للإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ٢٤/ ٧٧، برقم (١٥٣٦٠)، وقال محققه: إسناده على شرط الشيخين، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، تحقيق: د. فاروق حمادة، دار الكلم الطيب، دمشق، ط ١: ١/ ١٣٨، برقم (١ و٣)، وعزاه النووي لابن السني وصححه، انظر: كتاب الأذكار للنووي، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، دار الهدى، الرياض، ط ٧،: ١٢٥، وقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، تحقيق: حمدي السلفي، دار ابن كثير، دمشق، ط ١: ٢/ ٤٠١، حديث حسن، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١: ٦/ ١٢٣٠.","vol":"1","page":7},{"text":"والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته\" الحديث (^١). فبين أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ونفى ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنهما ينخسفان لموت أحد أو حياته، ثم بين سبب حصول هذا الخسوف- بالإضافة إلى الأسباب الحسية - وهو غيرة الله أن تنتهك محارمه، ثم بين أنه - ﷺ - يعلم - بما أعلمه الله - من الأمور العظيمة التي لا يعلمونها، وهذا من أدلة نبوته.\nومن أجل إيضاح هذه الدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بالآيات الكونية، وبيان ما حصل من الناس من المخالفات العقدية التي تقعُ عند حدوثها، وحيث أن أغلب من تكلم عن هذا الموضوع تكلم من جهة تعلق هذه الآيات بتوحيد الربوبية أو إثبات الرسالة أو البعث، وقلّ من تكلم عنها من جهة تعلقها بمسائل العقيدة الأخرى كتوحيد الألوهية والأسماء والصفات، والإيمان بالغيب، والكتب والرسل، والقدر والفطرة، ومسائل الأسماء والأحكام، والنهي عن مشابهة المشركين ونحو ذلك، رغبت أن يكون بحثي لمرحلة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة - بعد الاستشارة والاستخارة- بعنوان:\n\n\" الدلالات العقدية للآيات الكونية\" (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض: كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف: ٢٠٧، برقم (١٠٤٤).\n(^٢) أصل عنوان الرسالة: الآيات الكونية دراسة عقدية.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n١ - بيان كمال قدرة الله وحكمته - ﷿ - في هذا الكون.\n٢ - بيان منهج القرآن، وهدي النبي - ﷺ - تجاه الآيات الكونية.\n٣ - كثرة الأدلة في الموضوع وتنوعها، مع أنه لم يُنبه في أغلب الكتابة عنها إلا فيما يتعلق بتوحيد الربوبية وإثبات الرسالة والبعث.\n٤ - كثرة الحوادث وتنوعها في هذا الزمن، مع غفلة الناس عنها وعن الاعتبار بها؛ بل والوقوع في المخالفات العقدية فيها.\n٥ - اختلاف الناس في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية، مع وجود بعض المخالفات العقدية في ذلك.\n٦ - أنه لم يسبق أن أفرد الموضوع بدراسة مستقلة وافية - حسب علمي -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهداف البحث:</span>\n١ - جمع الآيات الكونية الواردة في النصوص الشرعية مع بيان المنهج الشرعي تجاهها، وبيان المخالفات العقدية التي تقع في ذلك.\n٢ - بيان الموقف العقدي الصحيح من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أسئلة البحث:</span>\nالسؤال الأول: ما المراد بالآيات الكونية؟\nالسؤال الثاني: ما علاقة توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية؟\nالسؤال الثالث: ما الدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بالآيات الكونية؟\nالسؤال الرابع: ما المخالفات العقدية الواقعة عند حدوث بعض الآيات الكونية؟\nالسؤال الخامس: هل العلم بالأسباب ينافي كون الشيء آية من آيات الله؟","vol":"1","page":9},{"text":"السؤال السادس: ما الموقف العقدي الصحيح من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية؟\nالسؤال السابع: ما الهدي القرآني والنبوي في الاستفادة من الآيات الكونية في تقرير العقيدة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الدراسات السابقة:</span>\nلم يتناول أحد بالبحث - حسب علمي وبعد السؤال - الدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بالآيات الكونية على وجه التفصيل، وأغلب من كتب حول هذا الموضوع كان التركيز في ذلك على جانب توحيد الربوبية والبعث، وتقرير النبوة بإثبات معجزة القرآن والسنة من جهة إخبارها ببعض ما يتعلق بالإعجاز العلمي؛ لكن ثم رسائل تناولت الموضوع ولكن من جوانب أخرى حديثية أو دعوية، بالإضافة إلى بعض الرسائل التي تناولت بعض جوانب البحث ولكنها في جزئية معينة منه، أو تكلمت عن مبحث من مباحثه.\nومن تلك الدراسات:\n١ - \"منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية\"، المقدمة من الباحثة: ليلى بنت صالح بن علي الزامل، لنيل درجة الدكتوراه في تفسير وعلوم القرآن من قسم الدراسات الإسلامية، بكلية التربية للبنات بجدة عام ١٤٢٠.\nوقد تطرقت الباحثة إلى أسلوب القرآن في عرض الظواهر الكونية، وخصائص هذه الظواهر في القرآن وخضوعها وعبوديتها لله، وأهداف منهج القرآن في عرضها ودلالة ذلك على الربوبية والملك لله والحكمة، وعلى البعث، ولم تتطرق الباحثة إلى المسائل العقدية الأخرى.","vol":"1","page":10},{"text":"٢ - \"الفلك وعلاقته بالعقيدة في الكتاب والسنة\"، المقدمة من الباحث: عبد الله بن محمد بن سعيد الأنصاري، متطلب تكميلي لنيل درجة الماجستير من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمركز الدراسات العليا المسائية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام ١٤١١.\nوموضوع البحث يتحدث عن علم الفلك وموضوعه ونموه خلال تاريخ الحضارات، وما يتعلق بذلك من اعتقادات فاسدة.\nومقارنة بين ما جاء في القرآن والسنة عن تفسير ومراحل خلق السماوات والأرض وبين أرجح النظريات العلمية المعاصرة.\nوتفسير حركة الأجرام السماوية في القرآن الكريم وعلم الفلك المعاصر.\nثم تحدث الباحث عن التنجيم قديمًا وحديثًا، وعلاقته بالعلم وموقف العقل والدين منه.\nوختم البحث بالحديث عن الفلك والتوحيد من جهة الربوبية وبعض الأسماء والصفات، وبين حكمة الله وعلمه وقدرته، وأن الله وحده هو الخالق المدبر النافع الضار.\nوبين أن بعض ما انتهى إليه علم الفلك الحديث من أهم دلائل الآفاق المثبتة لوحدانية الله، والموجبة لإفراده بالخلق والتدبير والعبادة.\nوالملاحظات على البحث: أن الباحث لم يذكر الآيات الكونية إلا ما يتعلق بالفلك والنجوم، ولم يذكر المسائل المتعلقة بالآيات الكونية الأخرى.\nكما أنه ذكر المخالفات العقدية من جهة اعتقاد الفلاسفة والوثنين، ولم يذكر المخالفات من غيرهم.\n٣ - \"الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان، والأرض، والفلك، جمع وتخريج ودراسة\"، المقدمة من الباحث: أحمد بن حسن بن أحمد الحارثي، لنيل درجة الماجستير من قسم فقه السنة ومصادرها","vol":"1","page":11},{"text":"بكلية الحديث والدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، عام ١٤١٣.\nوالرسالة كما يظهر من عنوانها تتعلق بالجوانب الحديثية وليس لها علاقة مباشرة بموضوع البحث.\n٤ - \" آيات التخويف الكونية وأثرها في الدعوة إلى الله\"، المقدمة من الباحث: جمعان بن عبد الله بن سرور الغامدي، لنيل درجة الماجستير من قسم الدعوة والاحتساب في المعهد العالي للدعوة الإسلامية، عام ١٤٠٧، والرسالة كما يظهر من عنوانها تتعلق بالجوانب الدعوية وليس لها علاقة بموضوع البحث.\n٥ - \" دراسات فلسفية وإسلامية في الآيات الكونية\"، تأليف عبد الباري بن محمد داود، وقد ذكر المؤلف أن موضوع كتابه هو: \"الحياة الروحية في الآيات الكونية\"، ولذا اعتنى بجانب الحياة الروحية في الإسلام، وعند الرسول - ﷺ - والصحابة والتابعين من بعده. وذكر العلاقة بين الخالق والمخلوق، وأثر التدبر في الكون على الحياة الروحية، وما يدعو إليه هذا التدبر من الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأن الله تعالى عالم الغيب والشهادة.\nولذلك فإنه لم يف بكافة جوانب البحث، ولم يتطرق إلى جوانب العقيدة الأخرى، ولم يربط الآيات الكونية بالمسائل العقدية، ولم يذكر المخالفات العقدية فيها.\n٦ - الدلالات العقدية للماء في القرآن الكريم للدكتور محمد بن عبد الله السحيم ضمن مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء العدد (٩٨)، وهو في صلب الموضوع؛ لكنه لم ينتاول في بحثه إلا الماء.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>خطة البحث:</span>\nيشتمل البحث على مقدمة وثمانية فصول وخاتمة.\nالمقدمة تشتمل على:\n- أهمية الموضوع وأسباب اختياره.\n- أهداف البحث.\n- أسئلة البحث.\n- الدراسات السابقة.\n- خطة البحث.\n- منهج البحث.\nالفصل الأول: المنهج الشرعي تجاه الآيات الكونية.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: المراد بالآيات الكونية.\nالمبحث الثاني: أنواع الآيات الكونية.\nالمبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية.\nالمبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية.\nالفصل الثاني: التفكر في الآيات الكونية وأهميته والهدي القرآني والنبوي تجاهها.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، وأهميته.\nوفيه خمسة مطالب:","vol":"1","page":13},{"text":"المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية.\nالمطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية.\nالمطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية.\nالمطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة.\nالمطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين.\nالمبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية.\nالمطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية.\nالمطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية.\nالمطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.\nالفصل الثالث: التفسير العلمي للآيات الكونية، والدراسات المستقبلية عنها وصلتها بالعقيدة.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي.\nالمطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.\n\nالمطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة.\nالمطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.","vol":"1","page":14},{"text":"المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث.\nالمطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية.\nالمبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.\nالمطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة.\nالمطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول\nالآيات الكونية المستقبلية.\nالفصل الرابع: الأسباب، وصلتها بالآيات الكونية.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: أنواع الأسباب.\nالمبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة.\nالمبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية.\nالمبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية لا ينافي كونها آية من آيات الله.","vol":"1","page":15},{"text":"الفصل الخامس: الآيات الكونية السماوية ودلالتها العقدية.\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: السماء.\nالمبحث الثاني: الشمس.\nالمبحث الثالث: القمر.\nالمبحث الرابع: النجم.\nالمبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق.\nالمبحث السادس: المطر والثلج والبرد.\nالمبحث السابع: الريح والرياح.\nالفصل السادس: الآيات الكونية الأرضية ودلالتها العقدية.\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: حركة الأرض.\nالمبحث الثاني: الجبال.\nالمبحث الثالث: الزلازل والخسوف والبراكين.\nالمبحث الرابع: البحار والأنهار.\nالمبحث الخامس: الليل والنهار.\nالمبحث السادس: الحياة والموت.\nالمبحث السابع: النوم.\nالمبحث الثامن: النبات.\nالمبحث التاسع: الأمراض.\nالفصل السابع: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى.\nوفيه سبعة مطالب:","vol":"1","page":16},{"text":"المطلب الأول: الطاعون.\nالمطلب الثاني: ظهور نار الحجاز.\nالمطلب الثالث: كثرة الزلازل.\nالمطلب الرابع: ظهور الخسف.\nالمطلب الخامس: انتفاخ الأهلة.\nالمطلب السادس: عود أرض العرب مروجًا وأنهارا.\nالمطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات.\nالمبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى.\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال - بإذن الله -.\nالمطلب الثاني: الخسوف الثلاثة.\nالمطلب الثالث: الدخان.\nالمطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها.\nالمطلب الخامس: النار التي تحشر الناس.\nالمطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين.\nالفصل الثامن: الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الآيات الكونية السماوية.\nالمبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية.\nالخاتمة: وفيها ذكر أبرز النتائج.\nالفهارس (^١).\n_________\n(^١) وقد حذفتها عند الطباعة اختصارا، واكتفيت بفهرس المراجع والموضوعات.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>منهج البحث:</span>\nفقد سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي النقدي، وفق الآتي:\n١ - أجمع كل ما يتعلق بالآيات الكونية، وذلك من خلال أدلة الكتاب والسنة، مع تمييز الأحاديث الواردة فيها صحةً وضعفًا.\n٢ - أذكر أهمية هذه الآيات وعبوديتها، وما تضمنته من دلائل عقدية، والمنهج الشرعي تجاهها.\n٣ - أذكر التفسير العلمي للآيات الكونية، والدراسات المستقبلية فيما يتعلق بأشراط الساعة الصغرى والكبرى ويوم القيامة وصلتها بالعقيدة، مع نقل كلام الأئمة عليها، والدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بها.\n٤ - أبين المخالفات العقدية المتعلقة بالآيات الكونية.\n٥ - أعزو الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم.\n٦ - أخرج الأحاديث الواردة في البحث من مصادرها، وأنقل الحكم عليها من كلام أهل العلم؛ إلا ما كان في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بالعزو إليهما لتلقي الأمة لهما بالقبول.\n٧ - أوثق النصوص بعزوها إلى مصادرها.\n٨ - أترجم للأعلام.\n٩ - أعرف بالملل والنحل والفرق، وكذا الأماكن والبلدان.\n١٠ - أعرف بالمصطلحات والألفاظ الغريبة وأضبطها بالشكل.\n١١ - أعمل الفهارس اللازمة.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الصعوبات التي واجهت الباحث:</span>\n١ - تداخل الموضوعات، فالسماء مثلًا تدخل في الآيات الكونية السماوية، وتدخل في الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة، والآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة.\n٢ - كثرة الآيات القرآنية عن الآيات الكونية، فقد بلغت حسب عدّ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة ١٩٣٥ آية (^١).\n٣ - كثرة الأحاديث النبوية عن الآيات الكونية، فقد بلغت حسب عدّ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة ١٧٤٤ حديثا (^٢).\n٤ - طول الموضوع وخصوصًا في بعض الآيات الكونية، وعلى سبيل المثال فقد صدرت رسالة دكتوراه تتعلق بالسماء في القرآن الكريم فقط من إعداد: د. غالب محمد رجا الزعارير، وكذلك رسالة في الماء له أيضًا.\n٥ - كثرة المؤلفات المعاصرة في الإعجاز العلمي مع عدم عنايتها بموضوع البحث.\n٦ - كثرة المؤلفات في الإعجاز العلمي باللغات المختلفة مع عدم إجادة الباحث لها.\n_________\n(^١) انظر: الآيات الكونية في القرآن الكريم من إعداد الهيئة العالمية للإعجاز العلمي بمكة المكرمة، مطبوع بالحاسب الآلي.\n(^٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية، إعداد الشيخ: أبو الأشبال صغير أحمد شاغف، والشيخ: إسماعيل القرشي، مطبوع بالحاسب الآلي: ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":19},{"text":"شكر:\nفإني أشكر الله وأحمده على ما يسر وأعان على إتمام هذا البحث، الذي أسأل الله - ﷿ - أن يكون صالحًا ولوجهه خالصًا.\nكما أشكر بعد شكر الله - ﷿ - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة التي أتاحت لي هذه الفرصة لمواصلة الدراسة.\nكما أتوجه بالشكر لفضيلة الشيخ: د. عبدالكريم بن محمد الحميدي المشرف على هذه الرسالة على ما بذله من جهد ووقت، ونصح وتوجيه، أسأل الله - ﷿ - أن يكون ذلك في ميزان حسناته.\nكما أشكر الأساتذة الأفاضل الذين تكرموا بقبول مناقشة الرسالة، وهما الأستاذ الدكتور سيد عبدالستار مهيوب، وفضيلة الشيخ الدكتور فهد بن سعد المقرن.\nوأشكر كذلك كل من ساهم ومد يد العون لي من أهل بيتي وغيرهم، وأخص منهم فضيلة الأستاذ: محمد المنصور، مدير مكتب الإعجاز العلمي بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة بمكة المكرمة، وفضيلة الشيخ أبو الأشبال صغير أحمد شاغف، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالحفيظ الحداد الباحثان بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي بمكة المكرمة على ما قدموه لي من فهارس للآيات الكونية في القرآن والسنة.\nوبعد فهذا جهد المقل وأستغفر الله وأتوب إليه من الزلل والتقصير، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nعبد المجيد بن محمد الوعلان\n٢٨/ ٤/ ١٤٣٤\nAwalaan@gmail.com","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الأول المنهج الشرعي تجاه الآيات الكونية</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: المراد بالآيات الكونية.\nالمبحث الثاني: أنواع الآيات الكونية.\nالمبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية.\nالمبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الأول: المراد بالآيات الكونية</span>\nالآيات الكونية: هذه الكلمة تتكون من لفظتين: \"الآيات\"، و\"الكونية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>تعريف الآيات في اللغة:</span>\nالآيات جمع آية، والآية: العلامة، والإمارة والجماعة، والجمع آيات وآيٌ وآيايٌ.\nوالآية: من التنزيل ومن آيات القرآن العزيز، وسميت بذلك لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام ويفضي منها إلى غيرها، وقيل سميت بذلك لأنها جماعة من الحروف، وآيات الله عجائبه (^١).\nوالآية كذلك العبرة والعبر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (^٢) أي أمور وعبر مختلفة.\nوتطلق الآية على المعجزة (^٣)، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ١٢/ ١٨٧، قال الكرماني: ما جاء في القرآن من\"الآيات\" فلجمع الدلائل، وما جاء من\"الآية\" فلوحدانية المدلول عليه. البرهان في توجيه متشابه القرآن، تحقيق: أحمد عز الدين خلف الله، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط ١: ٢٤٠، وانظر: درة التنزيل وغرة التأويل للإسكافي، معهد البحوث العلمية، جامعة أم القرى، ط ١: ٢/ ٨٢٠ - ٨٢٥.\n(^٢) يوسف: ٧.\n(^٣) لسان العرب، لابن منظور، تحقيق: عبد الله الكبير وآخرون، دار المعارف: ١/ ١٨٥، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، تحقيق: الشيخ يوسف البقاعي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥: ١/ ٦٢٨، والمعجم الوسيط، قام بإخراجه إبراهيم مصطفى وآخرون، مجمع اللغة العربية، ١٣٨٠: ١/ ٣٥، وتاج العروس من جواهر القاموس لمحمد بن الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، وزارة الأوقاف الكويتية: ٣٧/ ١٢٢.","vol":"1","page":23},{"text":"وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (^١).\nوالآية في القرآن تطلق على معنيين:\nالأول: إطلاق الآية على الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (^٢).\n\nالثاني: إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية (^٣)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٥).\nوأضاف بعضهم إطلاق ثالث وهو: إطلاق الآية على المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن الله، مثل انشقاق البحر لموسى - ﵇ -، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى -بإذن الله- لعيسى - ﵇ - (^٦)، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) المؤمنون: ٥٠.\n(^٢) البقرة: ٢٥٢.\n(^٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٥: ٧/ ٣٣٩، وانظر: مجموع الفتاوى: ١١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(^٤) آل عمران: ١٩٠.\n(^٥) فصلت: ٣٧.\n(^٦) تفسير الشعراوي: ٨/ ٤٧٥٥، ٩/ ٥٧٤٧.\n(^٧) آل عمران: ٤٩.","vol":"1","page":24},{"text":"وهذه المعجزات لا تخرج عن كونها آيات كونية قدرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>تعريف الكون في اللغة:</span>\nالكون: الكاف والواو النون أصل يدل على الإخبار عن حدوث شيء، إما في زمان ماض، أو زمان راهن، يقولون كان الشيء يكون كونا إذا وقع وحضر.\nوالكَون: الحدَث وقد كان كوَنا وكيْنُونِة، والكائنة الحادِثة، والتَّكوُّن التحرك، تقول العرب لمن تشنؤه: لا كان ولا تكوَّن؛ لا كان: لا خُلق، ولا تكوّن: لا تحرك، أي مات، والكائنة: الأمر الحادث. وكوَّنه فتكوَّن: أحدثه فحدث، وكوّن الشيء: أحدثه. والله مكوِّن الأشياء يخرجها من العدم إلى الوجود، والكَوْن: واحد الأكْوان (^١).\nوكوّن الشيء: ركبه بالتأليف بين أجزائه. والكون: الوجود المطلق العام، واسم لما يحدث دفعة كحدوث النور عقب الظلام مباشرة، وإن كان الحدث بالتدريج فهو الحركة، والكونان: الدنيا والآخرة (^٢).\nويستعمل مصطلح الكون في الفيزياء، وفي الفلك ليشير إلى كل شيء موجود، من أصغر الذرات إلى أكثر الأجرام الفلكية بعدًا (^٣).\nويطلق مسمى الكون اليوم على هذا الفضاء الواسع وما به من أجرام، كالسماوات والأرض وما فيهن وما بين ذلك من كل متحرك وساكن مما علمه الإنسان وما جهله (^٤).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ١٤٨، ولسان العرب: ٥/ ٣٩٥٩ - ٣٩٦٣، وتهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، تحقيق: علي حسن هلالي وآخرون: ١٠/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(^٢) المعجم الوسيط: ٢/ ٨١٢، والمعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، القاهرة: ٥٤٥.\n(^٣) الموسوعة العربية العالمية، إعداد مجموعة من الباحثين، مؤسسة أعمال المؤسسة للنشر والتوزيع، ط ٢: ٢٠/ ٢٨٥.\n(^٤) الأجزاء الكونية بين النقل والعقل لعبد العزيز آل عبد الله، مكتبة دار البيان، ط ١: ٧٧. وانظر: الموسوعة الفلكية لفايجرت، وتسمرمان، ترجمة: عبد القوي عياد، ومحمد جمال الدين الفندي: ٣٢٩، ٤٠٤.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المراد بالآيات الكونية:</span>\nيتبين لنا مما سبق أن المراد بالآيات الكونية: أنها المنسوبة إلى الكون الذي هو الخلق الذي كونه الله تعالى فكان، وذلك السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من سائر المخلوقات (^١)، فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية (^٢).\nوهي العجائب - أي السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما- التي في الكون، ويسميها الله سبحانه آيات (^٣)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥).\n\nوهذه الآيات الكونية هي مناط الاستدلال العقلي على وجود الإله (^٦)، وعلى أن خالقها هو الرب المعبود وحده (^٧)، وعلى ما له من حكمة، ورحمة، وقدرة ... (^٨).\n_________\n(^١) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لأبي بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط ١: ١/ ١٤١.\n(^٢) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة للشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٢/ ٣٦٠.\n(^٣) تفسير الشعراوي: ١٠/ ٥٥٩٦.\n(^٤) فصلت: ٣٧.\n(^٥) الروم: ٢١.\n(^٦) المرجع السابق: ١/ ٤٠٣٣، وانظر: النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. عبد العزيز الطويان، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٢/ ٧٧٧.\n(^٧) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٧/ ٣٣٩.\n(^٨) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة لابن عثيمين: ٢/ ٣٦٠.","vol":"1","page":26},{"text":"والعلم الذي يعنى بدراسة الآيات الكونية الآن يسمى: علم الكونيات، وهو دراسة تركيب الكون وتطوره وحركته في علم الفلك والفيزياء الفلكية. وهذه الدراسة تحاول أن تشرح كيفية نشوء الكون، وماذا حدث له في الماضي وماذا يمكن أن يحدث له في المستقبل (^١).\n_________\n(^١) الموسوعة العربية العالمية: ٢٠/ ٣١٥ - ٣١٦.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثاني أنواع الآيات الكونية</span>\nالآيات الكونية تتنوع وتنقسم باعتبارات مختلفة، فمن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>أولًا: من حيث العينية</span>، فتنقسم إلى نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>النوع الأول: أن تكون من الأعيان</span>، كالشمس والقمر والنجوم والأرض والجبال ... فهذه أعيان ظاهرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>النوع الثاني: أن تكون من الأعراض </span>(^١) التي تقوم بغيرها - وتسمى الظواهر الكونية-، كالخسوف والكسوف والزلازل والشهب والنوم (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا: من حيث التكرار والوقت</span>، فتنقسم إلى نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>النوع الأول: آيات متكررة، وتتنوع في أوقاتها</span>، ومنها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - آيات يومية:</span> مثل طلوع الشمس والقمر والليل والنهار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - آيات موسمية أو فصلية:</span> كتغير الأجواء والفصول الأربعة والأمطار في الغالب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - آيات ليس لها وقت منتظم يعرفه الناس دون استدلال ونظر:</span> كالخسوف والكسوف والزلازل.\n_________\n(^١) العرَض: بالتحريك هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به، انظر: التعريفات للجرجاني، تحقيق: محمد المرعشلي، دار النفائس، ط ٢: ٢٢٥، والكليات لأبي البقاء أيوب الكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢: ٦٢٥.\n(^٢) انظر: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات لزكريا بن محمد القزويني، بعناية سوزان مبارك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٦: ١٣.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>النوع الثاني: آيات غير متكررة:</span>\nوهي التي لا تكون إلا في آخر الزمان: كطلوع الشمس من مغربها، وما يحدث للسماء والأرض عند قيام الساعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثالثًا: باعتبار من تقع عليه</span>، فتنقسم إلى نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>النوع الأول: الآيات النفسية:</span> وهي ما يظهره الله من علامات وآثار قدرته في ذوات وأجسام الإنسان من حواس وقوى، وقدرات عقلية وجسمية، وما يصابون به من شر أو خير، ومن نعمة أو نقمة: كالنوم والمرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>النوع الثاني: الآيات الآفقية </span>(^١): وهي ما يظهره الله من علامات قدرته في الأشياء الخارجية، أي الأشياء المحسوسة في أقطار السماوات والأرض (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>رابعًا: باعتبار مكان وقوعها</span>، فتنقسم إلى ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>النوع الأول: الأرض وما فيها وما هو متصل بها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>النوع الثاني: ما نراه فوقنا من هذه المنطقة الفضائية بما فيها من أجرام مضيئة وغير مضيئة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>النوع الثالث: السماوات العلى بما فيها وما فوقها من الكرسي والعرش </span>(^٣).\nومنهم من قسمها باعتبار مكان وقوعها، إلى نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>النوع الأول: العلويات:</span> ويقصد به ما يتعلق بالسماء وأبراجها والكواكب ومداراتها، والشمس والقمر وما يتصل بذلك من علم الفلك.\n_________\n(^١) الآفاق: جمع أفق وهو الناحية من الأرض المتميزة عن غيرها، أو ما ظهر من نواحي الفلك وآطراف الأرض. انظر: لسان العرب: ١/ ٩٦، والقاموس المحيط: ٧٧٨.\n(^٢) تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس: ٢٥/ ١٨، والتفسير الوسيط، لوهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط ٢: ٣/ ٢٣٢١.\n(^٣) الأجزاء الكونية بين النقل والعقل: ٩ - ١٠.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>النوع الثاني: السفليات:</span> وهي ما دون الأفلاك العلوية من النار والهواء والماء والتراب والرياح والسحاب والأرض والجبال والأشجار والبحار والأنهار والحجار والحيوانات والإنسان والنبات والطيور (^١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>خامسًا: من حيث الظهور والاختفاء</span>، فتنقسم إلى نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>النوع الأول: آيات منتظمة الظهور والاختفاء</span>، مثل الشمس والقمر والليل والنهار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>النوع الثاني: آيات لا تختفي أبدًا</span>، مثل السماوات والأرض والجبال والبحار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>سادسًا: من حيث الدلالة </span>فتنقسم إلى نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>النوع الأول: نوع يوضح الحكمة الإلهية والسنن الحكيمة في إيجاد الخلق وإنشاء الحوادث</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>النوع الثاني: يتحدث عن المخلوقات ويصف نظام إيجادها الحكيم وأحوالها وفقًا لأحكام سنته</span>، وتنفيذًا لإرادته ومشيئته ويصف ما فيها من رحمات\n_________\n(^١) انظر: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: ٢٠، ٨٩.\n(^٢) الحجر: ٨٥.\n(^٣) طه: ٥٠.\n(^٤) يونس: ٥.","vol":"1","page":30},{"text":"ونعم للعباد (^١). قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>سابعًا: من حيث الاستدلال لها </span>فتنقسم إلى ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>النوع الأول: حسي</span>، لا يحتاج إلى نظر واستدلال، ولا إلى دليل شرعي، كطلوع الشمس من مشرقها وحرارتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>النوع الثاني: نظري</span>، يحتاج إلى نظر واستدلال (^٥)، كمعرفة وقت الكسوف والخسوف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>النوع الثالث: غيبي</span>، لا يمكن معرفته إلا من طريق النصوص الشرعية، كطلوع الشمس من مغربها، وسجودها تحت العرش، وما يحدث للكون في آخر الزمان (^٦).\n_________\n(^١) التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن، لحنفي أحمد، دار المعارف، مصر، ط ٣٥: ٣.\n(^٢) آل عمران: ١٩٠.\n(^٣) الطلاق: ١٢.\n(^٤) عبس: ١٧ - ٢٢.\n(^٥) انظر: الأجزاء الكونية بين النقل والعقل: ١٥، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: ٦.\n(^٦) عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: ١٩.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية</span>\n\"لقد وفىّ علماء الإسلام الأجلاء المتقدمون منهم والمتأخرون، آيات الكتاب العزيز وسنة رسوله الكريم حقهما من التفسير والشرح والإيضاح والاستنباط، وصنفوا في ذلك كثيرًا من المؤلفات الواسعة والمراجع القيمة في العقائد والتفسير والحديث والفقه وغيرها، وفسروا الآيات الكونية على مقتضى ما جاءت به الشريعة ووفق أصول اللغة وغريبها، وعلى قدر ما توافر لديهم من طرق العلم وأساليب البحث في الكائنات، وقد وفقوا فوصلوا إلى نتائج مشكورة لها قيمتها في الاستدلال على أصول العقائد\" (^١)، وخصوصًا ما يتعلق بالربوبية والبعث والنبوة.\nواعتنوا بالآيات الكونية ودلالتها العقدية وبيان المخالفات العقدية المتعلقة بها سواء كانت ممن هم قبل الإسلام، كأهل الجاهلية والوثنيين والفلاسفة، أو ممن جاء بعده من أهله وغيرهم.\nوتنوعت طرائقهم في التأليف والتصنيف في ذلك (^٢) بين تأليف وتصانيف مستقلة، وبين تضمين لهذه المسائل في الكتب، سواء كتب التفسير أو\n_________\n(^١) التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن: ٣٦.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٧، ومعجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي وبيان ما ألف فيها لعبد الله بن محمد الحبشي، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط ١: ١/ ٢٤، ٢٦، ٢٨، ٧٥، ١٧٥، ٢٠٣، ٣٣٢، ٤٠٩، ٦٣٢، ٢/ ٦٨١، ٧٠٣، ٧٧٦، ٨٠٣، ٩٤٣، ١٠٣٨، ١١٦٧، ١٣١٤.","vol":"1","page":32},{"text":"الحديث وشروحه أو العقائد؛ بل حتى في كتب اللغة والتاريخ والبلدان والأماكن وغير ذلك، عند ذكر تعريف الآية أو مكانها أو تاريخها، تذكر هذه الآية وبعض ما يتعلق بها من دلائل ومسائل عقدية، مع بيان ما وقع فيها من مخالفات.\nففي كتب التفسير عند تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الآيات الكونية تذكر الآية الكونية وما ورد فيها من نصوص، وما تدل عليه من دلائل ومسائل عقدية، ويحذر مما وقع فيها من مخالفات واعتقادات باطلة ويرد على المخالفين فيها (^١).\nأما في كتب الحديث فلهم طرائق منها: جمع الأحاديث الواردة في آية أو عدة آيات كونية، والآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين (^٢).\nومن خلال الكتب الجوامع تذكر بعض الأبواب المتعلقة بالآيات الكونية ويترجم لبعضها بما تدل عليه هذه الآية، مثل ما صنع البخاري - ﵀ - في صحيحه: كتاب بدء الخلق، ثم ذكر تحته عدة أبواب منها (^٣): باب ما جاء في سبع أرضين، باب في النجوم، باب صفة الشمس والقمر، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (^٤).\nوأما شراح الحديث فإنهم يذكرون ما يتعلق بالآية الكونية من دلائل ومسائل عقدية والمخالفات الواقعة فيها والرد على ذلك عند شرحهم للحديث.\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٢١ - ٢٢٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تحقيق: أحمد البردوني: ١/ ٢٥٥ - ٢٦٠، تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠ - ٧١.\n(^٢) انظر: كتاب المطر والرعد والبرق والريح لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، تحقيق: محمد العمودي، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n(^٣) انظر: صحيح البخاري: ٦١٣ - ٦١٦.\n(^٤) الأعراف: ٥٧.","vol":"1","page":33},{"text":"وفي كتب العقيدة تذكر الآيات الكونية، ويستدل بها والتصرف فيها والتدبير لها على وجود الخالق وربوبيته والرد على الملاحدة، كما يستدل بها على البعث بعد الموت، وعلى نبوة محمد - ﷺ - ومعجزاته، ويبين من خلال الآيات الكونية ما يجب على المسلم اعتقاده نحوها، ثم تذكر المخالفات العقدية الواقعة فيها كعبادة النجوم والتنجيم (^١).\nوفي كتب التاريخ المطولة يفتتحون كتبهم بالكلام على ما ورد في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وما فيها من الآيات (^٢).\nبل منهم من صنف في بيان عقيدة المسلمين في آية من آيات الله الكونية، ثم بين العقائد الباطلة المتعلقة بها من الفلاسفة والمشركين وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والرد عليهم في ذلك (^٣).\nبالإضافة إلى التصانيف المنوعة للحث على التفكر في هذه الآيات الكونية وتفاصيل وعجائب صنع الله فيها ثم بيان دلالتها على صفات الله (^٤)، وما وقع فيها من مخالفات وبدع (^٥).\nأما التوسع والتعمق في الآيات الكونية وهذه العلوم وفق ما كان يفعله الفلاسفة ونحوهم فإنه لم يكن من هدي السلف (^٦)، وإنما لما عربت كتب\n_________\n(^١) انظر: كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: رضاء المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، ط ١.\n(^٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير: ١/ ١١ - ٨٨.\n(^٣) انظر: القول في علم النجوم لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: يوسف السعيد، دار أطلس، ط ١.\n(^٤) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة لابن القيم، تحقيق: عصام الدين الصبابطي: ١/ ٢٧٩.\n(^٥) انظر: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: ٢٦، ١٦٩.\n(^٦) انظر: نقض النظريات الكونية، لمحمد بن عبدالله الإمام، دار الآثار، صنعاء، ط ١: ١٩ - ٢٥.","vol":"1","page":34},{"text":"اليونان في بداية الدولة العباسية كان لذلك الأثر الكبير في إفساد عقائد بعض المسلمين، ومن ذلك ما يتعلق بالآيات الكونية والفلك (^١). قال الذهبي (^٢) - ﵀ -: \" لما عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان وعمل رصد الكواكب نشأ للناس علم جديد مرْدٍ مهلكٍ لا يلائم علم النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية\" (^٣)، وكان الذين يشتغلون بعلم الفلك والتأليف فيه وإنشاء المراصد الفلكية\"صنفان من الناس وهم الفلاسفة والمنجمون، وكثير من المنتسبين منهم إلى الإسلام كانوا متهمين في دينهم، بل منهم من هو شر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى وسائر المشركين\" (^٤). وعن هذا العلم المردي المهلك نجم الكلام في القمر وغيره من الأجرام العلوية والإخبار عما فيها بمجرد التخرصات والظنون الكاذبة (^٥).\nأما ما يتعلق بما يحتويه القرآن والسنة من علوم كونية، فإن الغزالي (^٦)\n- ﵀ -\n_________\n(^١) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٢٦.\n(^٢) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، المحدث، له مصنفات عديدة، منها: سير أعلام النبلاء، والعلو للعلي الغفار، والكبائر وغيرها، توفي عام ٧٤٨.\nانظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، دار أم القرى، القاهرة: ٣/ ٤٢٦، وشذرات الذهب: ٦/ ١٥٣.\n(^٣) تذكرة الحفاظ للذهبي، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية: ١/ ٣٢٨.\n(^٤) الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة، للشيخ حمود التويجري: ١١٨، ١٨٣ - ١٨٤، ط ١، وانظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: ١/ ٢٤٠.\n(^٥) المرجع السابق: ١٨٦.\n(^٦) هو محمد بن محمد الطوسي، أبو حامد الغزالي، من رؤوس علماء الكلام، وكانت له عناية بالتصوف وقد غلا فيه، وأقبل في أخر عمره على الحديث، من مصنفاته: إحياء علوم الدين، والمستصفى من علم الأصول، وقواعد الأحكام في إصلاح الأنام، توفي عام ٥٠٥.\n\nانظر: وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت: ٤/ ٢١٦، سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١: ١٩/ ٣٢٢.","vol":"1","page":35},{"text":"هو أكثر من استوفى بيان احتواء القرآن على جميع العلوم، فقال: \" القرآن يحوى سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم (^١)، إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، وحد ومطلع\"، ثم روى عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: \"مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليتدبر القرآن\" (^٢)، ثم يقول بعد ذلك كله: \"وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله - ﷿ - وصفاته، وفى القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفى القرآن إشارة إلى مجامعها\"، ثم يزيد على ذلك فيقول: \"بل كل ما أشكل فهمه على النُظَّار، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات، ففي القرآن إليه رمز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها\" (^٣).\nثم لم يزل الأمر في زيادة حتى\"نظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات\n_________\n(^١) انظر: قانون التأويل لابن العربي، تحقيق: محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ١٩٦.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٠٦، بلفظ\" فليثور القرآن\": ٩/ ١٣٥ - ١٣٦ برقم (٨٦٦٤ و٨٦٦٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد، تحقيق: عبد الله الدويش، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤: ٧/ ٣٤٢: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.\n(^٣) إحياء علوم الدين للغزالي، تحقيق: محمد خير طعمه حلبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ١/ ٣٦٨.\nوانظر: كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٨ - النوع الخامس والستين في العلوم المستنبطة من القرآن-: ٤/ ٢٤، وفيه يقرر أن القرآن مشتمل على كل العلوم.","vol":"1","page":36},{"text":"على الحِكَم الباهرة، في الليل والنهار، والشمس والقمر، ومنازله، والبروج، وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت\" (^١).\nثم وُجِدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم، وراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجًا كبيرًا بين جماعة من أهل العلم، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما أُلِّفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة (^٢).\nحتى وصل الأمر في هذا العصر إلى إنشاء جمعيات ومؤسسات في الدول الإسلامية والغربية تعنى بذلك، وعلى سبيل المثال (^٣):\n١ - الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في مكة المكرمة.\n٢ - لجنة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في مصر.\n٣ - جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في مصر.\n٤ - الهيئة الأردنية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة.\n٥ - الهيئة المغربية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة.\n٦ - جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بولاية كاليفورنيا.\n٧ - الجمعية الكندية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\nوغيرها.\n_________\n(^١) المرجع السابق: ٤/ ٢٦ - ٢٨ باختصار.\n(^٢) انظر: التفسير والمفسرون لمحمد بن حسين الذهبي: ٢/ ٤٨٤ - ٤٩٦.\n(^٣) انظر: قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بين المؤيد والمعارض للدكتور زغلول راغب النجار، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، الأردن، ط ١: ٨٢ - ٩٠.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية</span>\nللتعامل مع الآيات الكونية ضوابط شرعية يجب الالتزام بها، منها:\n١ - الإيمان بجميع ما جاء في القرآن والسنة عن الآيات الكونية مما شهدناه أو غاب عنا، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مما صح به النقل (^١)، وإن خالف نظريات العلم الظنية (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" إن علم الدين طلبًا وخبرًا لا ينال إلا من جهة الرسول - ﷺ -، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة، وما اختص به الرسل وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس\" (^٣).\nوقال الشيخ الألباني (^٤)\n- ﵀ - في تعليقه على حديث الذباب الذي رواه\n_________\n(^١) انظر: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة المقدسي، تحقيق: بشير عيون، دار البيان، دمشق، ط ٢: ٢١.\n(^٢) الدين والعلم، وهل ينافي الدين العلم؟ لمصطفى الغلاييني، المكتبة العصرية، بيروت: ٣٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ١١/ ٣٢٧.\n(^٤) هو محمد ناصر الدين الألباني، من الأعلام البارزين وله عناية بالحديث، وله مصنفات كثيرة، منها: السلسلة الصحيحة والسلسة الضعيفة، وصحيح وضعيف السنن الأربعة، والتوسل وغيرها من الكتب، توفي عام ١٤٢٠.\n\nانظر: كتاب علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب، دار الشواف، الرياض، ط ٤: ١/ ٢٨٧، وكتاب حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه لمحمد بن إبراهيم الشيباني، من منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت، وكتاب الإمام المجدد والعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني لعمر أبو بكر، دار بيت الأفكار الدولية، عمّان.","vol":"1","page":38},{"text":"البخاري في صحيحه (^١) بعد أن بين ثبوته، ورد على من طعن في راوي الحديث أبي هريرة - ﵁ -: \" فهذا هو التحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه؛ لأنهم رموا صحابيا بالبهت، وردوا حديث رسول الله - ﷺ - لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة!\nونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأن النبي - ﷺ - ... ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٢)، لا يهمنا كثيرا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي ومع ذلك فإن النفس تزداد إيمانا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح\" (^٣).\n٢ - أن الله هو المتفرد بالخلق، والمتصرف في الكون.\nوقد بين الله ذلك أتم البيان، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٥)، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ\n_________\n(^١) كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء: ٦٣٣ برقم (٣٣٢٠).\n(^٢) النجم: ٣ - ٤.\n(^٣) السلسة الصحيحة: ١/ ٩٥ - ١٠١ باختصار.\n(^٤) الأنعام: ٧٣.\n(^٥) الأحقاف: ٤.","vol":"1","page":39},{"text":"ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (^١).\n٣ - أن هذه الآيات الكونية لا تخرج عن قضاء الله وقدره ولا عن مشيئته وإرادته، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (^٣).\n٤ - أن كل ما ورد في النصوص الشرعية من الآيات الكونية فهو لبيان كمال قدرة الله وحكمته (^٤)، وتذكير للناس بنعم الله تعالى عليهم ليشكروه حق شكره، وليعبدوه حق عبادته (^٥).\nفذكر الآيات الكونية في القرآن في سياق العظة للاعتبار، وفي مورد الإرشاد للاستدلال على قدرة الخالق وحكمته في مخلوقاته، ليوجه الإنسان ببصيرته إلى خالقه، فيسبحه ويمجده ويعبده حق عبادته (^٦).\nولذلك لا يجوز التكلف فيها ما لا علم للإنسان به والتأويل فيها بغير ما أنزل الله تعالى، كما قال قتادة - ﵀ -: \" خلق هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به\" (^٧).\n٥ - أنه ليس في النصوص الصحيحة ما ينافي العلم الكوني الصحيح، ولا ما يناهض ما أثبته البرهان الساطع، وقام عليه الدليل القاطع (^٨)، بل إن فيه\n_________\n(^١) الحج: ٧٣.\n(^٢) القمر: ٤٩.\n(^٣) الأعلى: ١ - ٣.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٥١٧.\n(^٥) الأجزاء الكونية بين النقل والعقل: ١٢.\n(^٦) الدين والعلم، وهل ينافي الدين العلم؟: ٣٠.\n(^٧) رواه البخاري معلقًا: كتاب بدء الخلق، باب في النجوم: ٦١٤.\n(^٨) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، تحقيق: علي الألمعي وعبدالعزيز العسكر وحمدان الحمدان، دار الفضيلة، الرياض، ط ١: ٢/ ٥٣٨، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، تحقيق: علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط ٣: ٣/ ٨٢٩.","vol":"1","page":40},{"text":"إشارات تدعمه وتثبت رجحان ما يذهب إليه (^١).\n٦ - أن من الآيات الكونية ما لا يمكن العلم به إلا عن طريق النصوص الشرعية الثابتة، ولا مجال للاجتهاد فيه لأن الله قد استأثر بعلم ذلك، كطلوع الشمس من مغربها آخر الزمان، وأهوال يوم القيامة.\nومنها ما يدرك بالحس والمشاهدة، وهذه لا تحتاج إلى دليل شرعي، مثل أن الشمس مضيئة وذات حرارة (^٢).\nومنها ما يدرك بالنظر والاستدلال، كمعرفة وقت الكسوف والخسوف (^٣).\nوعلى هذا فالعلوم الكونية تبنى على أصلين، إما نص شرعي تؤخذ منه الدلالة بصريح لفظ أو مفهوم، وإما محسوس تدركه الحواس البشرية وتصدقه النصوص الشرعية لأنها لا تخالفه في منطوق ولا مفهوم.\nفمرجع القبول لكل العلوم القديمة والحديثة التي تتعلق بالآيات الكونية قام على إحدى قاعدتين، إما النقل الصحيح أو العقل الصريح، إذ لا تخالف بينهما.\n٧ - عدم الخوض في الأمور الغيبية والوقوف مع النصوص الشرعية (^٤)،\n_________\n(^١) الدين والعلم، وهل ينافي الدين العلم؟: ١٣، الأجزاء الكونية بين النقل والعقل: ١٢\n(^٢) انظر: شرح السنة للبغوي، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت: ١٢/ ١٨٣، ط ٢، والأجزاء الكونية بين النقل والعقل: ١٠.\n(^٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض ط ٢: ١/ ١٧٨.\n(^٤) الإتقان في علوم القرآن: ٤/ ١٩٠.","vol":"1","page":41},{"text":"كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (^٢).\n٨ - أن ما سكتت عنه النصوص الشرعية من ظنيات العلم - أي الكوني -، فلا شيء يمنعنا أن نسلم به، حتى يجيء من العلم - أي الكوني - ما يناقضه (^٣).\n٩ - أن هذه الآيات الكونية لحدوثها أسباب حسية، فنزول المطر سبب لحياة الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٤)، وأسباب معنوية، قال تعالى -مبينًا أن الاستغفار من أسباب نزول الأمطار-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^٥).\n١٠ - ما أوتيه الإنسان من علم الآيات الكونية فإنه محدود بما أراده الله تعالى لتقوم الحجة على خلقه بما يظهره لهم من الآيات البينات التي تدل على عظمة هذا الكون وعظمة خالقه (^٦)، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ\n_________\n(^١) النمل: ٦٥.\n(^٢) الكهف: ٥١.\n(^٣) انظر: الصواعق المرسلة: ٣/ ٧٩٨، ٨٣٠، الدين والعلم، وهل ينافي الدين العلم؟: ٣٣.\n(^٤) البقرة: ١٦٤.\n(^٥) نوح: ١٠ - ١٢.\n(^٦) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٢٩، الأجزاء الكونية بين النقل والعقل: ٢٠.","vol":"1","page":42},{"text":"قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (^٢).\n١١ - التثبت من حقائق العلم وعدم إقحامها في غير موضعها في القرآن والسنة، والواجب عند تفسير الآيات الكونية في القرآن أو السنة بالعلم الحديث، أن لا تخالف هذه التفاسير العلمية النصوص الشرعية، ولا تفاسير السلف، مع مراعاة الشروط والضوابط العامة للتفسير (^٣).\nوأنقل كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - تعالى- وهو كالقاعدة الكلية للتعامل مع جميع العلوم الدنيوية، قال - ﵀ -: \" فصل في جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك: أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان فيُصدّق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا، لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده، ولكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه، أو تكذيبه؛ فإنه يمسك فلا يتكلم إلا بعلم. والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول ...\n_________\n(^١) الإسراء: ٨٥.\n(^٢) الروم: ٧ - ٨.\n(^٣) انظر: الإتقان في علوم القرآن: ٤/ ١٨٥ - ١٨٨، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث، لمنصور محمد حسب النبي، دار المعارف، القاهرة: ٥٣، والإعجاز العلمي في القرآن لسامي بن أحمد الموصلي، دار النفائس، بيروت، ط ١: ٤٠.","vol":"1","page":43},{"text":"فالرسول أعلم الخلق بها، وأرغبهم في تعريف الخلق بها، وأقدرهم على بيانها وتعريفها، فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والإرادة، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود، ومن سوى الرسول إما أن يكون في علمه بها نقص أو فساد، وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه، إما لرغبة وإما لرهبة وإما لغرض أخر، وإما أن يكون بيانه ناقصا ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان\" (^١).\n_________\n(^١) رسالة الفرقان بين الحق والباطل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، دار الفكر، بيروت: ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفصل الثاني: التفكر في الآيات الكونية وأهميته</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، أهميته.\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية.\nالمطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية.\nالمطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية.\nالمطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة.\nالمطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين.\nالمبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية.\nالمطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية.\nالمطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية.\nالمطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، وأهميته</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية.\nالمطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية.\nالمطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية.\nالمطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة.\nالمطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية</span>\nلقد أنعم الله - ﷿ - على بني آدم بنعم عظيمة سخرها لهم ليعرفوه بها -سبحانه-، فيعبدوه ويوحدوه، ويقوموا بمهمة الخلافة في هذه الأرض، ويحققوا الغاية التي من أجلها خلقهم الله - ﷿ -. وإن من أعظم هذه النعم نعمة العقل والتفكير التي هي خاصية من خصائص الإنسان التي يتميز بها عن سائر الجمادات والعجماوات.\nوقد ورد الأمر بالتفكر في كتاب الله في آيات عديدة (^١)، سواءً التفكر في الآيات المتلوة، أو الآيات المشاهدة، أو آلاء الله، أو سير الأنبياء مع أقوامهم وعاقبة الفريقين، أو التفكر في الدنيا والآخرة أو غير ذلك.\nونبَّه سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم إلى أن آياته المتلوة والمشاهدة، وآياته في آلائه ونعمه لا ينتفع بها إلا أولو العقول والألباب والتفكير الصحيح؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣)، في آيات كثيرة.\nوالتفكر في آلاء الله والسير المأمور به في القرآن الكريم هو: \"سير القلوب والأبدان الذي يتولد عنه الاعتبار، وأما مجرد نظر العين وسماع الأذن، وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار فغير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إحياء علوم الدين- كتاب التفكر: ٤/ ٥٠١، ومفتاح دار السعادة: ١/ ٢٧٩.\n(^٢) الرعد: ٤، النحل: ١٢، الروم: ٢٤.\n(^٣) الرعد: ٣، الروم: ٢١، الزمر: ٤٢، الجاثية: ١٣.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان المعروف بتفسير ابن سعدي، اعتنى به سعد بن فواز الصميل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٣/ ١١٠٦.","vol":"1","page":49},{"text":"قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١).\n\"فالقرآن يحث بهذه الآيات الإنسان على التأمل والنظر في بديع صنع الله في السماء والشمس والقمر والليل والنهار والضحى والظهيرة والأصيل والغروب، وفي الأرض والجبال والبحار والأنهار والسهول والنبات والرياح والأمطار، وخلق الإنسان والحيوان وسائر الكائنات، وأن أحدًا لا يمكنه حفظ نظام الكون إلا الله تعالى العلي القدير\" (^٢)، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٣).\nفالله - ﷿ - يدعو عباده إلى التعرف عليه وعلى أسمائه وصفاته وآثارها عن طريقين:\nأحدهما: بالنظر في آيات الله المشاهدة في الآفاق والأنفس، وما فيها من العظمة والحكمة والرحمة والإتقان، والتي تدل على خالقها سبحانه وعلى أسمائه وصفاته.\nوقد جاء في القرآن الكريم ما لا يقل عن ثمانمائة آية كونية (^٤)، بل أوصلها بعضهم إلى ما يربو على ألف آية (^٥)، وبلغت حسب عد الهيئة العالمية\n_________\n(^١) النحل: ١٢.\n(^٢) آيات الله في الكون - تفسير الآيات الكونية بالقرآن الكريم لعبد الله شحاته، دار نهضة مصر، القاهرة، ط ٥: ٨١ - ٨٢.\n(^٣) النحل: ١٧.\n(^٤) الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٨١، وانظر: نماذج للآيات الكونية في القرآن: آيات الله في الكون: ٢٤ - ٣٧.\n(^٥) التفسير والمفسرون: ٢/ ٥٠٦.","vol":"1","page":50},{"text":"للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة ١٩٣٥ آية و١٧٤٤ حديثا (^١)، بالإضافة إلى آيات أخرى عديدة تقرب دلالاتها من الصراحة (^٢).\nوالطريق الثاني: بالنظر في آياته المتلوة في كتابه العزيز.\nقال ابن القيم (^٣) - ﵀ - في بيان هذا الأمر: \"فالطريق الأول: النظر في مفعولاته، والثاني التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة، فالنوع الأول: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٥)، وهو كثير في القرآن.\nوالثاني: كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (^٧)، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (^٨)، وهو كثير أيضًا\" (^٩).\n_________\n(^١) انظر: فهرس الآيات الكونية في القرآن الكريم، وفهرس الأحاديث الكونية والطبية.\n(^٢) قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بين المؤيد والمعارض: ١٠ - ١١، ١٣، ٩٩.\n(^٣) هو شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ابن قيم الجوزية، من أئمة السنة وأعلام السلف، من مؤلفاته: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وإعلام الموقعين عن رب العالمين، وزاد المعاد في هدي خير العباد وغيرها، توفي سنة ٧٥١.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة: ٤/ ٤٤٧، وشذرات الذهب: ٦/ ١٦٨.\n(^٤) البقرة: ١٦٤.\n(^٥) آل عمران: ١٩٠.\n(^٦) النساء: ٨٢.\n(^٧) المؤمنون: ٦٨.\n(^٨) ص: ٢٩.\n(^٩) الفوائد لابن القيم، تحقيق: أحمد راتب عرموش، دار النفائس، بيروت، ط ٦: ٣١.","vol":"1","page":51},{"text":"ولما سُألت عائشة - ﵂ - عن أعجب شيء رأيته من رسول الله - ﷺ -، قالت: لما كان ليلةٌ من الليالي قال رسول الله - ﷺ -: \" يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي\". قُلت: والله إني لأحب قُرْبَكَ، وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجْرَهُ (^١)، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيتهُ، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما راهُ يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: \" أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٢) \" (^٣).\nفالله - ﷿ - يقول في هذه الآية\"تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبر ومدَّكر، وآيات وعظات\" (^٤).\n_________\n(^١) مَحْجِرُ العين: ما يبدو من النِقاب، انظر: الصحاح للجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٤: ٢/ ٦٢٤.\n(^٢) آل عمران: ١٩٠.\n(^٣) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ٢/ ٣٨٦ برقم (٦٢٠)، وقال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر: السلسلة الصحيحة: ١/ ١٤٧ برقم (٦٨).\n(^٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٠.","vol":"1","page":52},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" النظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب إليه\" (^١).\nوبتدبر القرآن الكريم تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة عظيم سلطانه وقدرته، وتتحقق العبودية له وكيفية عبادته سبحانه، فيحصل الخشوع والخضوع والتذلل والرجاء والخوف الخ.\nقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢).\nقال ابن كثير (^٣) - ﵀ -: \" يرشدُ تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السماوات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دوابّ مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٥/ ٣٤٣.\n(^٢) يونس: ١٠١.\n(^٣) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي، الإمام الحافظ المحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، واختصار علوم الحديث، توفي عام ٧٧٤.\nانظر: الدرر الكامنة: ١/ ٤٠٠، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٣٢.","vol":"1","page":53},{"text":"ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وأي شيء تُجدي الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (^١) \" (^٢).\nفهذه الآية وغيرها كثير تدعو إلى الأخذ بأسباب العلم والإيمان، ومنها: المشاهدة والتأمل والتفكر في هذه المخلوقات العظيمة.\n_________\n(^١) يونس: ٩٦ - ٩٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٩.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية</span>\nإن المتأمل في أحوالنا اليوم وأحوال الناس بعامة - لا أقول الكفار منهم بل الكثير من المسلمين - يرى البعد الشديد عن التفكير الصحيح النافع الذي يقود صاحبه إلى الخير في الدنيا والآخرة، وإنما نجد أن جل التفكير وقوته وكثافته قد وجه في ما لا ينفع في الآخرة؛ بل فيما يضر صاحبه هنالك من التفكير في شهوات محرمة أو في خواطر وشبهات وأماني باطلة ورديئة.\nوالموفق من وفقه الله - ﷿ - فصرف فكره وهمه في معرفة ربه سبحانه، وذكره وشكره وعبادته، والاستعداد للقائه في الدار الآخرة.\nفالتفكر في خلق الله تعالى يزيد الإيمان في القلب ويقويه ويرسخ اليقين، ويجلب الخشية لله تعالى وتعظيمه، وكلما كان الإنسان أكثر تفكرًا وتأملًا في خلق الله، وأكثر علمًا بالله تعالى وعظمته كان أعظم خشية لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١).\nولهذا كان السلف الصالح على جانب عظيم من هذا الأمر فكانوا يتفكرون في خلق الله ويتدبرون آياته، ويحثون على ذلك، يقول أحدهم: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فَهِمَ، ولا فهم إلا علم، ولا علم إلا عمل. ويقول الآخر: لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوه (^٢)؛ بل قد قال بعضهم: أن السفر في طلب العلم يشمل العلم بآيات الله في أرضه، ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر (^٣).\n_________\n(^١) فاطر: ٢٨.\n(^٢) إحياء علوم الدين: ٤/ ٥٠٣.\n(^٣) المصدر السابق: ٢/ ٢٩٥.","vol":"1","page":55},{"text":"قال ابن سعدي (^١) - ﵀ -: \" التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين\" (^٢)؛ ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر، وليس كل من تفكر أدرك المعنى المقصود (^٣).\nولأهمية التفكر في آيات الله الكونية نجد أن الله -تعالى- قد أقسم ببعضها تنبيها لأهميتها ونظامها وبديع صنعتها (^٤)، وهذا في آيات كثيرة.\nوالتفكر من العبادات القلبية الجليلة، وهو من أفضل أعمال القلب وأنفعها له (^٥)، كما أنه أصل الطاعات ومبدؤها (^٦). وهو سبيل المرء إلى العمل، وإدراك حقائق الأشياء، بل إن حياة المرء وسعادته تبع لأفكاره.\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" وأعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا، فحياتك طيبة سعيدة وإلا فالأمر بالعكس\" (^٧).\n_________\n(^١) هو العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، الفقيه الأصولي المفسر، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان المعروف بتفسير ابن سعدي، والتوضيح المبين لتوحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، والدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية وغيرها من الكتب. توفي عام ١٣٧٦.\nانظر: روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للشيح محمد بن عثمان القاضي، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط ٢: ١/ ٢٢٩، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ٣/ ٢١٨.\n(^٢) تفسير ابن سعدي: ١/ ٢٧٠.\n(^٣) المصدر السابق: ١/ ٤٩٦.\n(^٤) آيات الله في الكون: ٢٠، وانظر: التفكير فريضة إسلامية لعباس محمود العقاد، ضمن موسوعة عباس محمود العقاد الإسلامية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١: ٥/ ٨٢٩.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٨٤.\n(^٦) المصدر السابق: ١/ ١٨٣.\n(^٧) الوسائل المفيدة للحياة السعيدة للشيخ: عبد الرحمن بن سعدي، طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط ٤: ٢٧.","vol":"1","page":56},{"text":"فإعمال الفكر فيما ينفع ويقرب إلى الله من أهم المطالب الدينية. وقد مدح الله عباده الذين يذكرونه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، قائلين: ﴿... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^١).\nولذلك نجد أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أعظم عباد الله تفكرا في آيات الله ومخلوقاته، ونبينا - ﷺ - أكملهم في ذلك حيث كان يتفكر في آيات الله ومخلوقاته.\nفعن ابن عباس - ﵄ - أنه بات عند النبي - ﷺ - ذات ليلة، فقام النبي - ﷺ - من آخر الليل فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية في سورة آل عمران قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٢)، ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ ثم قام فصلى\" (^٣).\nقال النووي (^٤)\n- ﵀ -: \" فيه أنه يستحب قراءتها عند الاستيقاظ في الليل مع\n_________\n(^١) آل عمران: ١٩١.\n(^٢) آل عمران: ١٩٠ - ١٩١.\n(^٣) صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية، استانبول، ط ١: كتاب الطهارة، باب السواك: ١/ ٢٢١ برقم (٢٥٦).\n(^٤) هو أبو زكريا يحيى بن شرف مُري بن حسن بن حسين الحزامي النووي، أحد أعلام الشافعية، من مؤلفاته: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، توفي عام ٦٧٦.\n\nانظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: ٤/ ١٤٧٠، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، دار هجر، القاهرة، ط ٢: ٨/ ٣٩٥.","vol":"1","page":57},{"text":"النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر، وإذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكريره قراءة هذه الآيات، كما ذكر في الحديث والله ﷾ أعلم\" (^١).\nوكان - ﷺ - يأمر بالتفكر فيقول: \" تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في الله \" (^٢).\nوكان الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم من التابعين يمتثلون هذا، وينظرون في ملكوت الله نظر تفكر واعتبار، ويتفكرون في آيات الله المشاهدة وآياته المتلوة، والتي تتضمن آيات الشرعية وآياته الكونية.\nوقد وردت الآثار الكثيرة عنهم في ذلك، فقد سئلت أم الدرداء - ﵂ - عن أفضل عبادة أبي الدرداء - ﵁ - قالت: \" التفكر والاعتبار\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧: ٢/ ١٤٥.\n(^٢) رواه الطبراني في الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥: ٦/ ٢٥٠ برقم (٦٣١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان، تحقيق: عبد العلي حامد، الدار السلفية، بومباي، ط ١: ١/ ٣٥٨ برقم (١١٩)، من حديث ابن عمر وقال: \" هذا إسناد فيه نظر\". قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في إحياء علوم الدين من أخبار- المطبوع مع إحياء علوم الدين-: ٤/ ٥٠٢: قلت: فيه الوازع بن نافع متروك، وأخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع منه بإسناد ضعيف ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه أخر أصح منه. أ. هـ. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٤ - لما ذكر أسانيد الحديث-: ١٩١ برقم (٣٤٢): وأسانيدها ضعيفة؛ لكن اجتماعها يكتسب قوة، والمعنى صحيح. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٣٩٥ برقم (١٧٨٨): وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي والله أعلم.\n(^٣) كتاب الزهد للإمام أحمد، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١: ١٩٨.","vol":"1","page":58},{"text":"وقال أبو الدرداء - ﵁ -: \" تفكر ساعة خير من قيام ليلة\" (^١)، وعن الحسن البصري (^٢)\n- ﵀ -: \" أفضل العمل الورع والتفكر\" (^٣)، وقال عامر بن قيس - ﵁ -: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد - ﷺ - يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر (^٤).\nوقد روي عن ابن عباس - ﵁ - قوله: \"ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه\" (^٥).\nوقال ابن رجب (^٦) - ﵀ -: \" ونقل عن الإمام أحمد - ﵀ - في رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، ورجل أقل الأكل فقلت نوافله، وكان أكثر فكرة أيهما أفضل؟ فذكر ما جاء في الفكر: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، قال: فرأيت هذا عنده أكثر -يعني الفكر- وهذا يدل على تفضيل قراءة التفكر على السرعة، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو المنصوص صريحا عن الصحابة والتابعين\" (^٧).\n_________\n(^١) المصدر السابق: ٢٠٢.\n(^٢) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري، إمام حافظ مفسر، من أئمة التابعين، توفي عام ١١٠.\n\nانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط ٢: ٥/ ١٥٦، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٦٣.\n(^٣) إحياء علوم الدين: ١/ ٢٢٠، وروضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار المغني، الرياض، ط ١: ٣٠١.\n(^٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٨.\n(^٥) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي، أختصره أحمد بن علي المقريزي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢: ١٤٩.\n(^٦) هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي، من مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، وجامع العلوم والحكم، والتخويف من النار وغيرها، توفي سنة ٧٩٥.\nانظر: الدرر الكامنة: ٢: ٣٢١، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٣٠.\n(^٧) تقرير القواعد وتحرير الفوائد لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن القيم، الدمام، ط ١: ١/ ١٣٤.","vol":"1","page":59},{"text":"ومع هذا كله فقد أخبر الله - ﷿ - عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آياته، ودلائل توحيده كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (^١).\nقال ابن جرير (^٢)\n- ﵀ -: \" يقول -جل وعز-: وكم من آية في السماوات والأرض لله، وعبرةٍ وحجةٍ، وذلك كالشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك من آيات السماوات، وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير ذلك من آيات الأرض، ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾، يقول: يعاينونها فيمرُّون بها معرضين عنها لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت عليه من توحيد ربها، وأن الأولوهة لا تنبغي إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كلَّ شيء فدبَّرها\" (^٣).\nوقال تعالى في ذم الغافلين عن آيات الله: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٤).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" يقول الله تعالى مخبرًا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه شيئا، ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم.\n_________\n(^١) يوسف: ١٠٥.\n(^٢) هو أبو جعفر محمد بن يزيد بن كثير الطبري، الإمام المفسر، أحد أعلام السلف، من مؤلفاته: جامع البيان في تأويل آي القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وصريح السنة، وغيرها، توفي سنة ٣١٠.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٢٦٧، شذرات الذهب: ٢/ ٢٦٠.\n(^٣) تفسير الطبري: ١٣/ ٩٢.\n(^٤) يونس: ٧ - ٨.","vol":"1","page":60},{"text":"قال الحسن - ﵀ -: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها (^١)، وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها، فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر\" (^٢).\nوعلى هذا فالتفكر دعوة قرآنية، وسنة نبوية، وآيات القرآن وسنة الرسول - ﷺ - مليئة بالدعوة إلى التفكر والتدبر في الآيات المسطورة، والآيات المنظورة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول - ﷺ - والصحابة والتابعين لابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة، ط ٣.: ٦/ ١٩٢٨\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٢.\n(^٣) النحل: ٤٤.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية</span>\nفي القرآن الكريم ما يزيد على ألف آية تتحدث عن معالم هذا الكون، وتذكر مفرداته من السماوات والأرض، والشمس والقمر، والكواكب والنجوم، والجبال والبحار والأنهار، والمطر والرعد والبرق (^١).\nوهذه الآيات الكونية وما تدل عليه من حقائق علمية، لم تذكر في القرآن الكريم لمجرد الذكر، أو من أجل بيانها للناس ودلالتهم عليها ابتداءً، وإنما هي سيقت مساقا تابعا للغرض والهدف الذي ذكرت في ثناياه، من الاستدلال بها على قضايا كبرى: كالألوهية والنبوات والبعث (^٢).\nفهذا الكون وعجائبه وتنوعه علامات بينة تثبت قدرة الله وحكمته ووحدانيته لمن يتفكر ويتدبر.\nقال ابن القيم - ﵀ - في بيان الحكمة من هذه الآيات الكونية: \" ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة، وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره، ووقوع كل الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه\" ...\nثم قال: \"والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة\n_________\n(^١) انظر: عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم لمحمد السيد راضي جبريل، ضمن بحوث ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤٢١: ٨١.\n(^٢) انظر: سمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم للشيخ ناصر الماجد، موقع ملتقى أهل التفسير على الشبكة العنكبوتية، ١٤٢٥: ٥، Http://www.tafsirmail.com/index.php؟ subaction\n=showfull&amp;id=١٠٧٩٩٠٨٣٨١&amp;archive=&amp;start_from=&amp;ucat=١&amp;do=maqalat","vol":"1","page":62},{"text":"والربوبية والملك، وهو أيضا من موجبات الحمد، فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضا\" (^١).\nوقد بين الله - ﷿ - لبعض الآيات الكونية حكمًا خاصة بها بالإضافة إلى الحكم السابقة من كمال القدرة والدلالة على الربوبية والألوهية والبعث، ومن ذلك الحكمة في خلق النجوم، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (^٣).\nقال قتادة - ﵀ -: \" خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به\" (^٤).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" والحاصل أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات، علم أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مدبرات مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها، فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه\" (^٥).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١: ٢١٤ - ٢١٥.\n(^٢) النحل: ١٦.\n(^٣) الملك: ٥.\n(^٤) سبق تخريجه: ٣٩.\n(^٥) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القران لعبد الرحمن بن سعدي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، ط ١: ٣٢.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة</span>\nإن العقيدة الصحيحة هي أعظم ما جاءت به الرسل، وكل خير في الدنيا والآخرة متوقف على تحقيقها كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)، لذا عني الكتاب الكريم والسنة المطهرة بتثبيتها في النفوس بالدلائل والبراهين العقلية والنقلية (^٢).\nوانتقل رسول الله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى بعد أن مكث يبلغ رسالة ربه ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، كانت مهمته الأولى الدعوة إلى العقيدة الصحيحة وتثبيتها، وما يتصل منها بالله ﷾ أو التدليل على صدق الرسول - ﷺ - أو ما يتصل منها باليوم الآخر.\nولذلك نجد أن غالب السور المكية تناولت البراهين والأدلة ليقتنع بها ذوو العقول في تثبيت العقيدة.\nقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (^٣).\n_________\n(^١) النحل: ٩٧.\n(^٢) انظر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم: في بيان أن القرآن جمع بين الأدلة العقلية والنقلية، والاستدلال بالآيات الكونية على التوحيد وإفراد الله بالعبادة مما فيه تثبيت للمؤمنين: ٢/ ٤٦٠ - ٤٩٤، ٦٨٤، وحماية المجتمع المسلم من الانحراف الفكري د. عبد الله الزايدي، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، العدد (٧٧): ٢٣٩.\n(^٣) الضحى: ١ - ٥.","vol":"1","page":64},{"text":"فأقسم الله سبحانه بهاتين الآتين - الضحى والليل- وهذا دليل على قدرة خالقها، وربط بين آيات الكون وبين التأكيد على أن محمدًا - ﷺ - لم يدْعه ربه، ولم يجفوه، بل بين أنه ربه (^١)، وفي هذا تثبيت له.\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (^٢).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي شك واشتباه، وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم أن تصدقوا ربكم، وتصدقوا رسله في ذلك، ولكن إذا أبيتم إلا الريب، فهاكم دليلين عقليين تشاهدونهما، كل واحد منهما، يدل دلالة قطعية على ما شككتم فيه، ويزيل عن قلوبكم الريب.\nأحدهما: الاستدلال بابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده (^٣).\nوالدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها\" (^٤)، \"وأن الذي أحياها سيحي الموتى، كما أنه قد قرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك، وهو خلق السماوات والأرض، والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المنكرون ذلك - ولن يقدروا على إنكاره - فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى؟ \" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٥٨.\n(^٢) الحج: ٥.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي: ١٢/ ٦.\n(^٤) تفسير ابن سعدي: ٣/ ١٠٩٠ - ١٠٩١ باختصار.\n(^٥) القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن لعبد الرحمن بن سعدي، اعتنى به خالد بن عثمان السبت، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٣٠.","vol":"1","page":65},{"text":"ولقد تنوعت أساليب القرآن في تثبيت العقيدة من خلال الآيات الكونية، من ذلك:\nأولًا: استخدم القرآن السؤال كطريقة للإقناع والوصول إلى الحق الذي هو التوحيد ونبذ الباطل الذي هو الشرك، مستدلًا على ذلك بذكر بعض الآيات الكونية، فقال تعالى منكرا على الكفار شركهم بالله في عبادته في الوقت الذي يقرون فيه بربوبيته (^١): قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٤).\nثانيًا: تصديق خبر الأنبياء بحصول بعض الآيات الكونية.\nفعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - بشقتين. فقال رسول الله - ﷺ -: \" اشهدوا\". وفي حديث أنس - ﵁ - أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر (^٥).\nولذلك ترى المشركين يطلبون من النبي - ﷺ - تصديق خبره ببعض الآيات الكونية، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا\n_________\n(^١) السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم لأحمد بن عبد الفتاح ضليمي، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد (١١١): ٣٨.\n(^٢) العنكبوت: ٦١.\n(^٣) العنكبوت: ٦٣.\n(^٤) الزخرف: ٨٧.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر: ٤/ ٢١٥٨ - ٢١٥٩ برقم (٢٨٠٠، ٢٨٠٢).","vol":"1","page":66},{"text":"الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (^١).\nقال ابن جرير - ﵀ - في تفسير الآية: \" وقالت المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد آية من ربه، تكون حجة لله علينا، كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى؟ قل يا محمد: إنما الآيات عند الله، لا يقدر على الإتيان بها غيره ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وإنما أنا نذير لكم، أنذركم بأس الله وعقابه على كفركم برسوله، وما جاءكم به من عند ربكم ﴿مُبِينٌ﴾ يقول: قد أبان لكم إنذاره\" (^٢)، ثم إن الله - ﷿ - \" لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم؛ لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك\" (^٣)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (^٤).\nومن ذلك المجلس الذي جلس فيه المشركون يطلبون الآيات على وجه العناد والكفر، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) العنكبوت: ٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري: ٢١/ ١١.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٨.\n(^٤) الإسراء: ٥٩.\n(^٥) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.","vol":"1","page":67},{"text":"وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، \"لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا\" (^١).\nثالثًا: بيان عبودية جميع الكائنات لله تعالى بما في ذلك الآيات الكونية، فلا يستوحش السائر إلى الله من قلة السالكين على الطريق فإن جميع المخلوقات العلوية والسفلية تسجد وتسبح لله - ﷿ - إلا من حق عليه العذاب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٢).\nرابعًا: بيان تفرد الله - ﷿ - بخلقها وحكمته وتصرفه فيها، فلله ملك السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، يتصرف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته (^٣).\nقال ابن سعدي - ﵀ - في الطرق الكلية إلى العلم بأنه لا إله إلا الله، وهي من أهم الأمور في تثبيت العقيدة، وأنها ثمان طرق وذكر منها: \" الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية\".\nثم قال: \"الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه\" (^٤).\n_________\n(^١) معالم التنزيل لأبي محمد الحسين البغوي، تحقيق: محمد النمر وآخرون، دار طيبة، الرياض، ط ١: ٢/ ٧١٤ - ٧١٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.\n(^٢) الحج: ١٨.\n(^٣) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥، تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤، تفسير ابن سعدي: ١/ ٤١٨.\n(^٤) تفسير ابن سعدي: ٤/ ١٦٥٨.","vol":"1","page":68},{"text":"خامسًا: إجابة الله - ﷿ - لسؤال أولياءه عن طلبهم بعض الآيات الكونية.\nفإن مما يثبت عقيدة المؤمن أن يريه الله - ﷿ - بعض آياته الكونية، وقد سأل إبراهيم - ﵇ - ربه أن يريه آية من آياته الكونية، يريد أن يطمئن قلبه بها، كما أخبر الله عنه: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^١).\nفالمسألة من قبل إبراهيم - ﵇ - لم تعرض من جهة شك، لكن من قبل زيادة العلم؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيد الاستدلال، وتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان (^٢).\nوقال عن الحواريين: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^٣).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة\n_________\n(^١) البقرة: ٢٦٠.\n(^٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي تحقيق: محمد بن سعد آل سعود، جامعة أم القرى، مكة، ط ١: ٣/ ١٥٤٦،، شرح السنة للبغوي: ١/ ١١٤ - ١١٥، تفسير ابن سعدي: ٤/ ٢٠١٧.\n(^٣) المائدة: ١١٢ - ١١٤.","vol":"1","page":69},{"text":"على نبوتك وصدق ما جئت به.\nوقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك\" (^١).\nسادسًا: سرد الآيات الكونية والإشارة إلى الاعتبار بها.\nفقراءة الآيات التي تتحدث عن إثبات ربوبية الله وألوهيته، وتؤيد ذلك بالأدلة العقلية، وتؤكده بسرد الآيات الكونية مما يزيد الثبات والإيمان، ويدفع الوسوسة والشكوك والأوهام.\nولذلك يرشد الله تعالى إلى الاعتبار بما في الآفاق والأنفس من الآيات المشاهدة كخلق السماوات والأرض وما فيهما، وأن كل ذلك دال على حدوثها، وعلى وجود خالقها وحكمته (^٢)، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (^٤). ولما سمع هذه الآية جبير بن مطعم - ﵁ - قبل إسلامه وما تضمنته من بليغ الحجة، قال: كاد قلبي أن يطير (^٥)، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه - ﵁ - (^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٠، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٥، وتفسير ابن سعدي: ١/ ٤٥٧.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤١٩، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور لأبي الحسن إبراهيم البقاعي، تحقيق: محمد بن عمران الأعظمي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية: ١٨/ ٦٤، ٢٠/ ٢٢٣، ٢٣١.\n(^٣) العنكبوت: ١٩.\n(^٤) الطور: ٣٥.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الطور: ٩٥٤ برقم (٤٨٥٤).\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا: ٧٦٢ برقم (٤٠٢٣).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين</span>\nالله - ﷿ - هو خالق كل شيء وربه ومليكه، وهذه الربوبية للمخلوقاته على نوعين: ربوبية عامة، وربوبية خاصة.\nقال ابن سعدي - ﵀ - في بيان أنواع ربوبية الله لمخلوقاته: \" كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده ومتعلقاتها ولوازمها. وهي على نوعين:\nربوبية عامة: يدخل فيها جميع المخلوقات: برها وفاجرها؛ بل مكلفوها وغير المكلفين، حتى الجمادات. وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاجه أو تضطر إليه في بقائها، وحصول منافعها ومقاصدها فهذه التربية لا يخرج عنها أحد.\nوالنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفقهم لتكميله ويُكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاقَ الرذيلة، وييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى. وحقيقتها: التوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة.\nفحيث أُطلقت ربوبيته تعالى فإن المراد بها المعنى الأول، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢)، ونحو ذلك. وحيث قُيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى\n_________\n(^١) الفاتحة: ٢.\n(^٢) الأنعام: ١٦٤.","vol":"1","page":71},{"text":"الأول وزيادة. ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالبًا، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة\" (^١).\nهذا من جهة ربوبية الله لمخلوقاته، أما من جهة عبودية المخلوقات لله - ﷿ - فهي أيضًا على نوعين: عبودية عامة، وعبودية خاصة.\nقال ابن القيم - ﵀ - في بيان انقسام العبودية إلى عامة وخاصة: \" العبودية نوعان: عامة وخاصة، فالعبودية العامة عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (^٢)، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم (^٣) ...\nوأما النوع الثاني فعبودية الطاعة والمحبة وإتباع الأوامر، قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٥) ...\nفالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته\" (^٦).\nفدل ما سبق على أن للعبودية معنى عاما وهو: القهر والتسخير، وهو\n_________\n(^١) القواعد الحسان: ٨٣، وانظر: العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٧ - ٥٢.\n(^٢) مريم: ٨٨ - ٩٣.\n(^٣) انظر: العبودية: ١٠٤.\n(^٤) الزخرف: ٦٨.\n(^٥) الزمر: ١٧ - ١٨.\n(^٦) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء: ١/ ١٠٥.","vol":"1","page":72},{"text":"يشمل جميع الكائنات كلها، ومعنى خاصا وهو: الطاعة والمحبة والإتباع، وهو يشمل أهل طاعة الله وولايته.\nوهذا الكون الواسع بما فيه من الكائنات كلها يخضع لخالقه وباريه ويؤدي عبوديته له سبحانه. وقد جاء في النصوص الشرعية ما يدل على دخول الكائنات - غير الإنسان- في المعنى الخاص للعبودية، كالطاعة والسجود والتسبيح والاستغفار والإسلام والإشفاق والخشوع وسماع الأذان وشهادتها للمؤذن يوم القيامة وغيرها (^١)، وذلك بما أودعه الله فيها من الإدراك والتمييز.\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٢).\nقال ابن جرير - ﵀ -: \" قال الله للسماء والأرض: جيئا بما خلقت فيكما، أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات، وتشقَّقِي عن الأنهار ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ جئنا بما أحدثت فينا من خلقك، مستجيبين لأمرك لا نعصي أمرك\" (^٣).\nوقال تعالى مخبرًا عن سجود الكائنات: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ\n_________\n(^١) انظر: رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن جامع الرسائل لابن تيمية، المجموعة الأولى، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط ١: ٣ وما بعدها، وعبودية الكائنات لرب العالمين لفريد إسماعيل التوني، مكتبة الضياء، جدة، ط ١: ٢٤٤ وما بعدها.\n(^٢) فصلت: ١١.\n(^٣) تفسير الطبري: ٢٤/ ١١٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ١٠١.","vol":"1","page":73},{"text":"مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١).\nفأثبت الله السجود لهذه الكائنات، ولكن لا نعلم كيفيته، ولا يلزم أن سجودها على سبعة أعضاء كسجود المسلمين، إذ سجود كل شيء بحسبه.\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود كل شيء مما يختص به\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٣).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" يقول تعالى: تقدسه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتجِّلّه وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته.\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد (^٤)، ... كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) الحج: ١٨.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٠.\n(^٣) الإسراء: ٤٤.\n(^٤) انظر: رسالة في قنوت الأشياء كلها لله: ١/ ٤، وعبودية الكائنات لرب العالمين: ٢٣٤.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة: ٦٨٥ برقم (٣٥٧٩).\n(^٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٥ باختصار.","vol":"1","page":74},{"text":"وأما الإسلام، فقد قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (^١).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد العام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعا وكرها ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم يصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور فقير محتاج معبّد مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصور\" (^٢).\nوأما القنوت، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (^٣).\nوالمقصود أن هذه الآيات تؤكد أن جميع المخلوقات، الحيوانات منها والنباتات، ناطقها وجامدها، تسبح الله وتمجده وتقدسه وتصلي له وتوحده (^٤).\nوهذه العبادة من هذه المخلوقات آية من آيات الله العظيمة حين يتصور القلب أن كل حصاة وكل حجر، وكل حبة وكل ورقة، وكل زهرة وكل ثمرة، وكل نبتة وكل شجرة، وكل حيوان وكل إنسان، وكل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء، وكل سكان الأرض والسماء، كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه.\n_________\n(^١) آل عمران: ٨٣.\n(^٢) العبودية: ١٠٤.\n(^٣) الروم: ٢٦.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٠٢، ٣٣٠، ٣٤٤، ٣٥٧، ٣٦٣، ٣٧٤، ورسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى لابن تيمية: ٣.","vol":"1","page":75},{"text":"ولقد أنكر هذه العبودية طائفة من الناس بحجة أن هذه الكائنات لا تعقل ولا تدرك وليس لها أي عبودية لله - ﷿ -، وما ورد في النصوص من سجود هذه الكائنات أو تسبيحها أو نحو ذلك اضطر إلى القول فيها بالتأويل (^١) أو المجاز (^٢). فقالوا عن سجود الشمس في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٣): أن الذي يسجد هو الملك الموكل بها، وتأويل السجود بدلالة تلك الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله، فأستعير السجود لحالة التسخير والانقياد.\nوعن تسبيح الجبال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (^٤)، أن الجبال لم تسبح ولم تردد مع داود - ﵇ -، إنما الأمر أن الجبال كانت تمشي مع داود - ﵇ - فكان كل من رآها كذلك سبح، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة (^٥).\n_________\n(^١) المراد به هنا: صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح. انظر: التعريفات: ١١٢، ومجموع الفتاوى: ٥/ ٣٥، ١٣/ ٢٨٨، ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم اختصره محمد بن الموصلي، تحقيق: الحسن العلوي، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ١/ ٢٢.\n(^٢) المجاز: اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما. انظر: التعريفات: ٢٨٣، أسرار البلاغة في علم البيان للجرجاني، تحقيق: محمد رشيد رضا وأسامة صلاح الدين منيمة، دار إحياء العلوم، بيروت، ط ١: ٤٣٧ - ٤٣٨، ومختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٦٩٠.\n(^٣) الحج: ١٨.\n(^٤) سبأ: ١٠.\n(^٥) انظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤،: ٤/ ٣١٩، ٤٥٣ - ٤٥٤، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي، تحقيق: محمد المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ٤/ ٦٩، ٢٤٣، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داودي، دار القلم، دمشق، ط ٢: ٣٩٣، ٣٩٦.","vol":"1","page":76},{"text":"والقول بالمجاز وتأويل النصوص الشرعية على غير مرادها مخالف لهدي السلف الصالح بل فيه محادة لله تعالى ورسوله في نفي آيات الله تعالى المنزلة وتعطيل معناها. ومخالف لما يجب أن يكون عليه المؤمنون تجاه النصوص الشرعية، حيث إنهم مأمورون بالتسليم لها والإيمان بها وعدم الخوض في الكيفية ما دام قد ثبت صحة النص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (^٢). والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nقال البغوي (^٣)\n- ﵀ -: \" ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح وخشية كما قال - ﷿ -: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي\n_________\n(^١) النور: ٥١.\n(^٢) الأحزاب: ٣٦.\n(^٣) هو أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، من مؤلفاته: معالم التنزيل، وشرح السنة، والأنوار في شمائل النبي المختار، توفي سنة ٥١٦.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٤٣٩، وشذرات الذهب: ٤/ ٤٨.\n(^٤) الإسراء: ٤٤.\n(^٥) النور: ٤١.","vol":"1","page":77},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١)، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى\" (^٢).\nوقال ابن تيمية - ﵀ - في الرد على من فسر السجود والتسبيح بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيها ودلالتها على الصانع فقط: \" وأما تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما ودلالتها على الصانع فقط فالاقتصار على هذا باطل؛ فإن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون في وقت دون وقت، وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى وعلى هذا فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة، وليس المراد هذا فإنه قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (^٣). وقال: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (^٤)، فقد أخبر ﷾ عنه أنه يعلم ذلك، ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس\" (^٥).\nفبيّن - ﵀ -: \" أن دلالتها على الصانع فقط والاقتصار عليه باطل، وذلك لأن الدلالة لا تكون في وقت دون وقت، فإن الله أخبر عن الجبال أنها تسبح مع داود - ﵇ - بالعشي والإشراق، ولو كان المراد الدلالة على الصانع لكان ذلك في كل وقت\" ...\nثم ذكر - ﵀ - أن الله ذكر أن سجودها يكون طوعًا وكرهًا، ولو كان متعلقًا بانفعالها لمشيئة الرب وقدرته فإن ذلك لا ينقسم إلى طوع وكره، فقال:\n_________\n(^١) الحج: ١٨.\n(^٢) تفسير البغوي: ١/ ٦٦.\n(^٣) ص: ١٨ - ١٩.\n(^٤) النور: ٤١.\n(^٥) رسالة في قنوت الأشياء كلها لرب العالمين: ١/ ٤٣.","vol":"1","page":78},{"text":"\"وأيضا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره، وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته لا ينقسم إلى طوع وكره، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره؛ فإن دليل فعل الرب فيها ليس هو فعل منها ألبتة.\nوالقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات، وكون الرب خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر إليها، يبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو والآصال، والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوب\" (^١).\nثم بيّن - ﵀ - أن كونها ساجدة مسبحة\" آية دالة وشاهدة للخالق تعالى بصفاته لكونها مفعولة له، وهذا معنى ثابت في المخلوقات كلها لازم لها، وهي آيات للرب بهذا الاعتبار، وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا الاعتبار؛ لكن ذاك معنى آخر، كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقا وبين كونه عابدا لله، فهذا غير هذا، هذا يتعلق بربوبية الرب له، وهذا يتعلق بتألهه وعبادته للرب\" (^٢).\nوقال أيضًا في الرد على من قال يلزم لسجودها أن يكون لها سبعة أعضاء، ووضع الجبهة على الأرض: \" ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب؛ فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا يسجد، وذلك سجودها كما قال تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (^٣)، وإنما قيل ادخلوه ركعا. ومنهم من يسجد على جنب كاليهود، فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من\n_________\n(^١) المصدر السابق: ١/ ٤٤.\n(^٢) المصدر السابق: ١/ ٤٤.\n(^٣) البقرة: ٥٨.","vol":"1","page":79},{"text":"الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ - في الرد على من قال أن تسبيح الشجر وورقه هو دلالته على صانعه فقط، بعد أن بين الحكمة في خلقها وأنها ساجدة لله مسبحة بحمده: \" وكلها ساجدة لله مسبحة بحمده، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٢)، ولعلك أن تكون ممن غلظ حجابه فذهب إلى أن التسبيح دلالتها على صانعها فقط، فاعلم أن هذا القول يظهر بطلانه من أكثر من ثلاثين وجها قد ذكرنا أكثرها في موضع آخر، وفي أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحا وسجودا وصلاة وتأويبا وهبوطا من خشيته، كما ذكر تعالى ذلك في كتابه فتارة يخبر عنها بالتسبيح وتارة بالسجود وتارة بالصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (^٣)، افترى يقبل عقلك أن يكون معنى الآية قد علم الله دلالته عليه، وسمى تلك الدلالة صلاة وتسبيحا، وفرق بينهما وعطف أحدهما على الأخر، وتارة يخبر عنها بالتأويب، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (^٤)، وتارة يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت كالعشى والإشراق، أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين، وبالجملة فبطلان هذا القول اظهر لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلا على بطلانه والحمد لله\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق: ١/ ٢٧ - ٢٨.\n(^٢) الإسراء: ٤٤.\n(^٣) النور: ٤١.\n(^٤) سبأ: ١٠.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية.\nالمطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية.\nالمطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية.\nالمطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية</span>\nإن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض والأنفس، لا يُراد منه إلا مخاطبة العقول والفطر البشرية، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله وحكمته ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين (^١).\nفالآيات الكونية التي يتحدث عنها القرآن الكريم تتميز بأنها حقائق ضخمة، وخلق عظيم، لا يقدر قدرها إلا الذي أبدعها وخلقها سبحانه وبحمده، وقد أراد الله تعالى أن تكون تلك الآيات الكونية شواهد حق على صدق القرآن الكريم، وبراهين صدق على\nالمبلغ له.\nولهذا نجد أن للقرآن الكريم الهدي الواضح تجاه هذه الآيات الكونية، ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاثة أقسام رئيسة (^٢):\n_________\n(^١) انظر: الموافقات لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، دار ابن القيم، الدمام، ط ١: ٢/ ١٠١ وما بعدها، والتفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٣.\n(^٢) انظر: سمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم: ١.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>أولًا: بيان عجزها عن التصرف</span>.\nإن من الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية أن يبين عجزها، وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئًا (^١)، للاستدلال بذلك على إثبات وجود الله، وتقرير وحدانيته وعظمته وقدرته، قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (^٢).\nقال إبراهيم - ﵇ - في مناظرته لقومه مبينًا عجز هذه الآلهة التي تدعى من دون الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" وبين - يعني إبراهيم - ﵇ - في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة ... فبين أولًا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا\n_________\n(^١) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد بن عبد العظيم الزرقاني، تحقيق: فواز زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣: ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) فاطر: ١٣.\n(^٣) الأنعام: ٧٥ - ٧٩.","vol":"1","page":84},{"text":"تزيغ عنه يمينًا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ \" (^١).\nفالمعبود لا بد أن يكون قائمًا بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شؤونه، فأما الذي لا يستطيع أن يفعل ذلك، فمن أين يستحق العبادة؟ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>ثانيًا: الاستدلال بانتظامها وحركتها على وجوب إفراده بالعبادة</span>، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣)، فالله الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام، وهذا دليل ظاهر على عظمة الخالق، وعظمة أوصافه، وأنه ليس معه آلهة أخرى؛ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (^٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثالثًا: بيان خلق الله وتقديره وهدايته لها</span>، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(^٢) انظر: تفسير ابن سعدي: ١/ ٤٨٦.\n(^٣) يس: ٣٧ - ٤٠.\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٩ - ١٠، تفسير البغوي: ٣/ ٦٤٠، تفسير ابن سعدي: ٣/ ١٤٥٣.\n(^٥) الأعلى: ١ - ٣.","vol":"1","page":85},{"text":"أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (^١).\nفالله هو الذي خلق كل شيء فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه. وقدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله.\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي أتقنها وأحسن خلقها، ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ تقديرًا، تتبعه جميع المقدرات ﴿فَهَدَى﴾ إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>رابعًا: بيان خضوعها لله - ﷿ </span>-.\nأخبر الله - ﷿ - في آيات كثيرة عن خضوع هذه الآيات الكونية له، طوعًا وكرهًا، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٤).\nفجميع ما خلقه في السماوات وما دب على الأرض ومشى على ظهرها\n_________\n(^١) طه: ٥٠.\n(^٢) تفسير ابن سعدي: ٤/ ١٩٥٩، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٧/ ٢٤٢٤ - ٢٤٢٥، وتفسير القرطبي: ٢٠/ ١٥.\n(^٣) النحل: ٤٨ - ٤٩.\n(^٤) فصلت: ١١.","vol":"1","page":86},{"text":"من مخلوقات كلها خاضعة لربها، تسجد له ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>خامسًا: بيان موافقتها للفطرة</span>.\nإذا تدبر الإنسان كتاب الله ﷾ وسنة نبيه - ﷺ - وجد أن الله - ﷿ - قد أنزل الوحي موافقا للفطرة، والواقع المحسوس، لا يستطيع أن ينكر ذلك إلا مكابر قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٢).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وتأمل حال العالم كله علوية وسفلية بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق والفعال على الفعل والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس.\nفالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما\" (^٣).\nومن رحمة الله ﷾ بهذا المخلوق أن وضع الدلائل المساندة للفطرة والموضحة له الطريق الصحيح في السلوك لما يريده خالقه منه، وأعقب ذلك بإرسال الرسل - ﵈ - بالوحي لزيادة التوضيح والبيان لكيفية سلوك هذا الطريق فجاءت معاني النصوص ودلالاتها موافقة لما في الكون من الآيات والحقائق.\n_________\n(^١) انظر: العبودية: ١٠٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٥، وتفسير ابن سعدي: ٢/ ٨٢٦.\n(^٢) الأنعام: ٣٣.\n(^٣) مدارج السالكين: ١/ ٥٩ - ٦٠.","vol":"1","page":87},{"text":"قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾؛ فإن الفطر تشهد بوجوده والاعتراف به؛ ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده. ومن ذلك النظر في هذا الكون، ومن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، ولهذا قالت الرسل لأقوامهم ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سابق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه\" (^٢).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \" فطرق العلم بالصانع فطرية ضرورية ليس في العلوم أجلى منها، وكل ما استدل به على الصانع فالعلم بوجوده أظهر من دلالته، ولهذا قالت الرسل لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي أن يخطر له شك ما في وجود الله سبحانه، ونصب من الأدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله الأدلة على اختلاف أنواعها، ولا يطيق حصرها إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطرة ووضعه في العقل جملة ثم بعث الرسل مذكرين به ... ومفصلين لما في الفطرة والعقل العلم به جملة.\nفانظر كيف وجد الإقرار به وبتوحيده وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في خلقه وأمره المقتضية إثبات رسالة رسله ومجازات المحسن\n_________\n(^١) إبراهيم: ١٠.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٤٤، وانظر: مدارج السالكين: ١/ ٦١.","vol":"1","page":88},{"text":"بإحسانه والمسيء بإساءته مودعا في الفطرة مركوزا فيها، فلو خُلّيت على ما خلقت عليه لم يعرض لها ما يفسدها ويحولها ويغيرها عما فطرت عليه، لأقرت بوحدانيته ووجوب شكره وطاعته، وبصفاته وحكمته في أفعاله، وبالثواب والعقاب، ولكنها لما فسدت وانحرفت عن المنهج الذي خلقت عليه أنكرت ما أنكرت وجحدت ما جحدت\" (^١).\nفالقرآن يخاطب الفطرة بجملتها، يخاطبها من أقصر طريق، ومن أوسع طريق وأعمق طريق.\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٤٢١ - ٤٢٢.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة القرآن الكريم في عرضها وأسلوب ذكرها وإيرادها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>أولًا: التنوع في صيغ الحث على التفكر في آيات الله الكونية</span>، فتارة بالأمر، وتارة بالاستنكار، وتارة بختم الآيات بالتعقل والتفكر، ووصف أصحابها بالعقل، وأولي الألباب، لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون.\nقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٢).\nفأكثر الآيات القرآنية التي سيقت فيها الآيات الكونية، تختم غالبًا بالدعوة والحث على النظر والتفكر والتأمل (^٣).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤)، وفي موضع ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥)، و﴿يَعْلَمُونَ﴾ (^٦)، و﴿يَعْقِلُونَ﴾ (^٧)، و﴿... يَذَّكَّرُونَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) يونس: ١٠١.\n(^٢) ق: ٦ - ٨.\n(^٣) سمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم: ٧.\n(^٤) النمل: ٨٦.\n(^٥) الرعد: ٣.\n(^٦) يونس: ٥.\n(^٧) البقرة: ١٦٤.\n(^٨) النحل: ١٣.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>ثانيًا: عرضها بأبسط السبل ولعامة الناس دون الحاجة إلى التعمق والتكلف</span>.\nفالآيات الكونية تعرض في القرآن لجميع الناس على اختلاف مستوياتهم وعقولهم، ولذلك جاءت هذه الآيات بأبسط وأوضح صورة ليعقلها جميع الناس.\nفلا يشق على آحاد الناس وعامتهم إدراكها. وبذلك فهي سهلة الإدراك، لا تحتاج إلى أدوات علمية ولا إلى تقنية عصرية. ولا يعني هذا أن العالم والأمي يستويان في درجة الإدراك، بل المقصود أنهما يستويان في حصول أصل الإدراك، وإن تفاوتا في درجته ومبلغه (^١).\nقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٢).\nفالمشاهد التي تعرض في هذه الآيات في حاجة إلى العلم لإدراك التدبير والتفكر، وهي معروضة للإنسان حيثما كان، السماء والأرض والجبال والحيوان، وأيًا كان حظ الإنسان من العلم فهي داخلة في عالمه وإدراكه، داعية له حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها بإفراد الله - ﷿ - بالربوبية والألوهية.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (^٣).\nفاختلاف الليل والنهار تعاقبهما، ويشمل كذلك اختلافهما طولًا وقصرًا، وكلتاهما ظاهرتان مشهودتان يعقلهما كل أحد.\nوما خلق الله في السماوات والأرض على اختلاف إشكاله وأنواعه يعقله\n_________\n(^١) المصدر السابق: ٣.\n(^٢) الغاشية: ١٧ - ٢٠.\n(^٣) يونس: ٦.","vol":"1","page":91},{"text":"كل أحد إن في ذلك كله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.\nولذلك لم يكن من الهدي القرآني استخدام الأسلوب الجدلي الذي جد فيما بعد عند المتكلمين والفلاسفة؛ لأن بعض هذا الأسلوب لا يصل إلى القلوب ولا يوافق العقل والفطرة، ولكن الهدي القرآني في عرضه للآيات الكونية بهذا الأسلوب الواضح البسيط هو أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>ثالثا: التدرج في عرضها والبدء بالأهم، فنجد من الهدي القرآني عند عرضه للآيات الكونية البدء بالأهم</span>، ويمهد لذلك بالقضايا المسلمة ثم ينتقل إلى الأصعب حتى يصل إلى المراد، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^١).\nفنلاحظ من خلال الآيات التدرج معهم بالقضايا المسلمة مما أقروا به، ثم الترقي من الأمر السهل إلى الأمر الصعب.\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" أي قل لهؤلاء المكذبين بالبعث، العادلين بالله غيره، محتجا عليهم بما أثبتوه وأقروا به من توحيد الربوبية وانفراد الله بها، على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وبما أثبتوه من خلق المخلوقات العظيمة على ما أنكروه من إعادة الموتى الذي هو أسهل من ذلك: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، ... ثم انتقل إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ... ثم انتقل إلى إقرارهم بما\n_________\n(^١) المؤمنون: ٨٤ - ٩٠.","vol":"1","page":92},{"text":"هو أعم من ذلك كله، فقال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>رابعًا: ذكرها على سبيل العموم والإجمال في الغالب</span>، فالألفاظ القرآنية التي في سياق ذكر آيات الكون تتسم بعموم وإجمال، دون الخوض في تفاصيل وأجزاء الآيات الكونية؛ لأن الغرض والغاية من تلك الحقائق الكونية المذكورة في القرآن الكريم الاستدلال بها على المسائل الكبرى في هذا الدين، وتفاصيل وأجزاء تلك الحقائق الكونية غير مرادة (^٢)؛ لأنها لا تحقق الهدف، فإن أكثر الناس لا يدرك تفاصيل الحقائق الكونية، مما يجعله لا يستوعب الحديث عنها بهذا القدر التفصيلي.\nولا يعنى هذا أن القرآن الكريم لم يرد فيه مواضع جاءت مفصلة، إذ وردت ألفاظ في غاية الدقة والانتقاء لتعبر عن أوصاف دقيقة، كقوله تعالى في وصف مراحل تخلّق الجنين في رحم أمه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (^٣).\nقال الشيخ محمد بن عثيمين (^٤)\n- ﵀ - في تفسير سورة البقرة في فوائد قوله\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي: ٣/ ١١٤٢ - ١١٤٣.\n(^٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٧، وسمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم: ٦.\n(^٣) المؤمنون: ١٢ - ١٤.\n(^٤) هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن عثيمين، الفقيه المفسر، له من المؤلفات: الشرح الممتع على زاد المستقنع، وتقريب التدمرية، وشرح العقيدة الواسطية، وشرح كتاب التوحيد وغيرها من الكتب، توفي عام ١٤٢١.\n\nانظر: الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين لوليد بن أحمد الحسين، سلسلة إصدارات مجلة الحكمة، لندن، ط ١، ومقدمة مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن عثيمين لفهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط ٢: ١/ ٩.","vol":"1","page":93},{"text":"تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (^١): \"ومنها: أنه ينبغي النظر إلى الآيات على وجه الإجمال والتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: مطلق؛ ثم قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ... الخ؛ فيقتضي أن نتأمل أولًا في الكون من حيث العموم، ثم من حيث التفصيل؛ فإن ذلك أيضًا يزيدنا في الإيمان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>خامسًا: الاستفهام: وقد تعددت طرقه</span>، فتارة يكون بالاستفهام التقريري عن الخلق والخالق، وتارة يكون بالاستفهام عن انتظام الكون واتزانه (^٣)، إلى غير ذلك (^٤).\nفالاستفهام التقريري هو: \" الذي يرد في صورة عرض مقدمات أو قضايا مسلمة عند الخصم على صيغة الاستفهام ثم التدرج معه حتى يصل به للإقرار بالقضية المنكرة وينقاد للحق ويسلم له\" (^٥).\nويتوصل به إلى إثبات مقاصد القرآن العظمى كالتوحيد والبعث والوحي، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) البقرة: ٢٥٩.\n(^٢) تفسير القران الكريم، سورة البقرة لابن عثيمين: ٣/ ٢٩٦.\n(^٣) منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية: ١١٣ - ١١٤.\n(^٤) انظر: المصدر السابق: ١١٢ وما بعدها.\n(^٥) المصدر السابق: ١١٣.\n(^٦) النمل: ٦٠ - ٦١.","vol":"1","page":94},{"text":"قال ابن كثير - ﵀ -: \" ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره ... فهم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي أإله مع الله يعبد؟ وقد تبين لكم، ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضًا أنه الخالق الرازق\" (^١).\n\"وهذه الآيات مألوفة ولكن طبيعة قوة الاستفهام أضفت على هذه الآيات الجدة والحداثة بحيث بدت كما لو أنها أول مرة يرى فيها البصر هذا الكون ويرى فيه القدرة الإلهية المتفردة تدبره وتحكمه، ووجه الاستدلال ما يتبدى من هذا الاستفهام من تقدم قضية الخلق على بقية القضايا المعروضة، لشرفها وعظمتها ولأنها كالأم لبقية القضايا\" (^٢).\nومن منهجه في الاستفهام أن يتخذ أسلوب السبر والتقسيم وذلك بأن يحصر جميع الافتراضات الواردة في القضية ثم يبدأ في تفنيد كل افتراض على حده ويبين أنه غير صالح ولا وجه لقبوله حتى يصل للافتراض الصحيح في المسألة، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^٣).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار أن الله خلقهم.\nوقد تقرر في العقل مع الشرع أن ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمور:\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢، وانظر: تفسير البغوي: ٣/ ٤١٠.\n(^٢) منهج القرآن في عرض الظواهر الكونية: ١١٨.\n(^٣) الطور: ٣٥ - ٣٦.","vol":"1","page":95},{"text":"إما أنهم خلقوا من غير شيء، أي لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد، وهذا عين المحال.\nأم هم الخالقون لأنفسهم، وهذا أيضا محال، فإنه لا يتصور أن يوجد أحد نفسه.\nفإذا بطل هذان الأمران، وبان استحالتهما، تعين القسم الثالث وهو: أن الله هو الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>سادسًا: الاستدلال بالآيات الكونية في الحوار والمجادلة</span>، وذلك من أجل إظهار الحق وتفنيد الباطل.\nومن ذلك ما جاء في حوار بعض الأنبياء - ﵈ - مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوالملاحظ عند الاستدلال بهذه الآيات مناسبة هذه الآية الكونية لموضوع الحوار وطبيعته وتوقيته (^٣)، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٤).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" قد اشتملت الآية الأولى على معجزة، وتسلية، وتطمين قلوب المؤمنين، واعتراض وجوابه من ثلاثة أوجه، وصفة المعترض وصفة المسلّم لحكم الله دينه\" ...\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي: ٤/ ١٧٢٦، وانظر: الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، دار العبيكان، ط ٨: ٢٠.\n(^٢) لقمان: ٢٥.\n(^٣) منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية: ٦٩.\n(^٤) البقرة: ١٤٢.","vol":"1","page":96},{"text":"ثم قال جوابا عن الشبهة: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾: \" ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم مجيبا: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة من ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله؟ لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له، فهذا يوجب التسليم لأمره بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم وهدايته وإحسانه أن هداكم لذلك، فالمعترض عليكم معترض على فضل الله حسدا لكم وبغيا\" (^١).\nوكذلك وقوعها موقع الدليل القوى لرد ودحض حجة المجادلين المعاندين بأقوى البراهين الرادعة الزاجرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nقال الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ - في فوائد الآية: \"ثم إن إبراهيم - ﵇ - انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ \". ثم قال: \"ومنها-أي الفوائد-: حكمة إبراهيم - ﵇ - وجودته في المناظرة\" (^٣)، حيث آتى بالأدلة الواضحة التي لا تحتمل المعارضة فعجز المعارض عن الرد.\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي: ١/ ١٠٢.\n(^٢) البقرة: ٢٥٨.\n(^٣) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة لابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>سابعًا: التنويع البديع في عرض الآيات الكونية لإقامة الحجة بها على الجاحدين</span>، والإيضاح والتبيين؛ لأن تعدد أنواع الأدلة يزيد المقصود وضوحًا (^١)، ويكون سببًا لهداية من أراد الله له الهداية (^٢).\nفالتنوع والتعدد في عرض الآيات الكونية ينتج عنه انتفاء الملل والسأم لتعدد وتنوع ما يذكر من الآيات الكونية، فمرة تتحدث الآيات عن الأفلاك والعوالم العلوية، ثم ما تلبث تتحدث عن الجبال والأرض والعوالم السفلية.\nوتستحوذ على اهتمام الناس بمختلف مستوياتهم ومشاربهم، إذ الناس مختلفون فيما يستوقفهم ويسترعي انتباههم.\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤).\nويستخدم في عرض الآيات الكونية أساليب مختلفة: فتارة تعرص مجملة، وتارة مفصلة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (^٥). فقد جاء القرآن بالتوحيد، وسلك إلى تقرير هذه العقيدة وإيضاحها طرقًا شتى، وأساليب متنوعة، ووسائل متعددة ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فالتوحيد لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والرجوع إلى الفطرة ومنطقها (^٦)، وإلى الآيات الكونية ودلالتها؛ ولكن الكفار يزيدون نفورًا كلما سمعوا هذا القرآن.\nويستخدم كذلك مفهوم المقابلة بين هذه الآيات الكونية\"بذكر الشيء مع\n_________\n(^١) تفسير التحرير والتنوير: ٢٦/ ٥٤.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب للرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ١٣/ ٢٠.\n(^٣) الأنعام: ١٠٥.\n(^٤) الأحقاف: ٢٧.\n(^٥) الإسراء: ٤١.\n(^٦) انظر: رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى: ١/ ١١ - ١٢.","vol":"1","page":98},{"text":"ما يوازيه في بعض صفاته ويخالفه في بعضها وتكون بالأضداد وغيرها\" (^١).\nفوصف السماء يقابله الأرض، ووصف الليل يقابله النهار وهكذا.\nقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (^٢)، فوصْف الأرض فراشًا يقابل وصف السماء بناءً، وقد جاء هذا الوصف عن السماء مع الأرض قرارًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (^٣).\nومنه قوله تعالى في المقابلة بين الليل والنهار: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ثامنًا: الإقسام من الله بها لبيان أهمية هذا المقسم به والمقسم عليه</span>، ولبيان آيات العبرة والقدرة التي تظهر في هذا الكون الذي خلقه الله ونظمه (^٦).\nوالقسم في الخطاب من أساليب تأكيد القضية وتقريرها، ودفع الخصم إلى الاعتراف بما يجحد وينكر، أو يتردد ويتخوف منه.\nقال السيوطي (^٧) - ﵀ - مبينا غاية القسم: \"القصد بالقسم تحقيق الخبر\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن لمحمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٩: ٣/ ٤٥٨.\n(^٢) البقرة: ٢٢.\n(^٣) غافر: ٦٤.\n(^٤) يونس: ٦٧.\n(^٥) النمل: ٨٦.\n(^٦) انظر: التعليق العلمي على المنتخب في تفسير القرآن الكريم للجنة القرآن والسنة في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، دار الثقافة، الدوحة، ط ٨: ٨٠١.\n(^٧) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، له مؤلفات كثيرة، منها: الأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع، والخصائص الكبرى، وشرح الصدور بأحوال الموتى والقبور، والدر المنثور في التفسير بالمأثور وغيرها، توفي سنة ٩١١. انظر: الضوء اللامع للسخاوي: ٤/ ٦٥ - ٧٠، وشذرات الذهب: ٨/ ٥١.","vol":"1","page":99},{"text":"وتوكيده\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \" والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلابد أن يكون بما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها\" (^٢).\nويتنوع القسم بالآيات الكونية حسب تنوعها من آيات فلكية وآيات زمنية وآيات جوية (^٣).\nقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (^٤).\nوهذا القسم بهذه الآيات من باب التعظيم والتكريم لهذه المخلوقات وأنها شواهد ودلائل على عظمة الخالق وقدرته وتوحيده.\nقال ابن كثير - ﵀ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (^٥): \"والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله - ﷿ -، يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته\" (^٦).\n_________\n(^١) الإتقان في علوم القرآن: ٤/ ٤٦.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ١٣/ ٣١٤، والتبيان في أقسام القرآن لابن القيم، تحقيق: محمد زهري النجار، المؤسسة السعيدية، الرياض: ١/ ٤٦.\n(^٣) انظر: منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية: ١٦٤.\n(^٤) الواقعة: ٧٥ - ٧٦.\n(^٥) الواقعة: ٧٥.\n(^٦) تفسير ابن كثير: ٤/ ٣١٩، وانظر: الإتقان في علوم القرآن: ٤/ ٤٦.","vol":"1","page":100},{"text":"ولذلك يقسم الله بهذه الآيات الكونية على أمور عظيمة (^١)، ومن ذلك القسم بالزاجرات - وهي الملائكة- تزجر السحاب، وعلى القول الأخر فأنه قسم بالصافات - وهي الطير تصف أجنحتها في الهواء - (^٢)، والسحاب والطير من آيات الله الكونية أقسم بها على التوحيد، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (^٣).\nوعلى أن القرآن الكريم حق وصدق ومنزل من عند الله قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤).\nوعلى أن محمدًا - ﷺ - صادق القول وأن كلامه وحي من الله، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٥).\nوالقسم بهذه الآيات الكونية على نمط جلي واضح، وهو القسم بالظاهرة وأحوالها المنتظمة الدالة على عظمة خالقها، ومشيئته وحكمته ليفرد بالتأله والعبادة كما أفرد بالربوبية، ومن ذلك قسمه سبحانه بالليل في جميع أحواله قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾\n_________\n(^١) انظر: منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية: ١٥٧ - ١٥٨.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٦١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٥.\n(^٣) الصافات: ١ - ٤.\n(^٤) الواقعة: ٧٥ - ٨٠.\n(^٥) النجم: ١ - ٤.\n(^٦) المدثر: ٣٣.\n(^٧) التكوير: ١٧.\n(^٨) الانشقاق: ١٧.","vol":"1","page":101},{"text":"(^١)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>تاسعًا: ضرب الأمثال بها للتوضيح والتقريب </span>\"بتنزيل المعقول منزلة المشهود فيكون التصديق أتم، ومعرفته أكمل، وضبطه أسهل\" (^٤).\nفإن في ضرب الأمثال تقريبا\"للمعاني المعقولة من الأمثال المحسوسة شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وهذا من رحمة الله وحسن تعليمه، فله أتم الحمد وأكمله وأعمه\" (^٥).\nولهذا أكثر الله تعالى في كتابه من ضرب الأمثلة بالآيات الكونية وتنوعها، ففيه التمثيل بالظلمات والنور، والتمثيل بالنبات، والتمثيل بالريح وهكذا (^٦).\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا\n_________\n(^١) الفجر: ٤.\n(^٢) الليل: ١.\n(^٣) الضحى: ٢.\n(^٤) مدارج السالكين: ١/ ٢٧١.\n(^٥) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت: ١/ ١٠٩، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٢/ ٨٤٨، والقواعد الحسان: ٦١ - ٦٢.\n(^٦) انظر: منهج القرآن في عرض الظواهر الكونية: ٩١ وما بعدها، للتعرف على طريقة القرآن في التمثيل بالآيات الكونية.","vol":"1","page":102},{"text":"وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١).\nويلاحظ من خلال ضرب الأمثال البعد عن الغرابة الموهمة أو الغموض، فالغرابة غير مقصودة في أمثال القرآن وغير مرادة؛ فإن ضرب الأمثال إنما يكون\" لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير؛ ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد، ولا ينكره، وكلما ظهرت له الأمثال ازداد المعنى ظهورا، ووضوحا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له فهي ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) إبراهيم: ٢٤ - ٢٧.\n(^٢) الفتح: ٢٩.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أولًا: الاستدلال بها على أصول العقائد</span>.\nفهذه الآيات الكونية وما تدل عليه من حقائق علمية، لم تذكر في القرآن الكريم لمجرد الذكر، أو من أجل بيانها للناس ودلالتهم عليها ابتداءً، وإنما هي سيقت تابعا للغرض والهدف الذي ذكرت في ثناياه، فهي سيقت في سبيل الاستدلال بها على قضايا كبرى كالألوهية والنبوات والبعث والإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر، وهذا النوع كثير في القرآن (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات، فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا، ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق، ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقه، وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم، وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته، وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، مكتبة المعارف، الرياض، ط ٣: ٣١٣، وسمات الآيات الكونية في القرآن الكريم: ١.\n(^٢) بدائع الفوائد لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت: ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"1","page":104},{"text":"ومن ذلك الاستدلال بخلقها وملكها على وجوب إفراد الله بالعبادة كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nقال ابن كثير - ﵀ - في بيان مضمون هذه الآية - بعد أن ذكر ما في هذه الآية من أن الله هو المنعم على عبيده بخلقهم وإسباغه عليهم النعم-: \" ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \" (^٢).\nوقد وصف الله سبحانه القرآن بأنه هدى ورحمة وبيان ورشاد للخلق جميعًا وفي الحق؛ ولذا يجب أن يُقتصر بتلك الآيات فهمًا واستنباطًا على ما يحقق الغاية التي سيقت لها، فهذا الغرض والمقصد هو الهدف الأصيل لسياقها، وكل ما تحقق مع هذا الهدف فهو تبع له دائر في فلكه، لا يجوز أن يجنح بنا النظر والاستنباط عن هذه الدائرة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>ثانيًا: الاعتبار والانتفاع بها</span>.\nيبين الله تعالى أن سياق هذه الآيات الكونية وذكرها إنما هو للعظة والاعتبار، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (^٤)، أي يفهموا ما خلقوا من أجله، ويفقهوا الحقائق الشرعية، والمطالب الإلهية،\n_________\n(^١) البقرة: ٢١ - ٢٢.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠، وانظر: تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القران: ٢٨.\n(^٣) سمات الآيات الكونية في القرآن الكريم: ٦.\n(^٤) الأنعام: ٦٥.","vol":"1","page":105},{"text":"ويتدبروا عن الله آياته وحججه وبراهينه (^١).\n\"وظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم والله أعلم\" (^٢).\nفالنظر إلى الآيات الكونية والاعتبار بحكمة الله في خلقها، دليل عظيم ينتفع به أهل العقول، ولذلك لما عقل أهل الإيمان هذه الآيات حصل لهم الاعتبار والانتفاع فزاد إيمانهم وتعلقهم بربهم فحصلت لهم الهداية.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٣).\nأما من أعرض عن آيات الله ولم يتفكر فيها ويأخذ العبرة منها، فإن الآيات على كثرتها والنذر على قوتها لا تغني عن القوم الظالمين، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثالثًا: بيان امتنان الله - ﷿ - بها على عباده والذي يستلزم إفراده بالعباده</span>.\nفالله - ﷿ - يمن على عباده بخلقه لهذه الآيات العظيمة، وتسخيرها للناس وتيسيرها لهم، وهو بذلك يدعوهم إلى عبادته وحده.\nقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٢٩، ٢٥٥، وتفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٨، وتفسير ابن سعدي: ٢/ ٤٨١.\n(^٢) تفسير الرازي: ١٣/ ٢٠.\n(^٣) آل عمران: ١٩٠ - ١٩١.\n(^٤) يونس: ١٠١.","vol":"1","page":106},{"text":"لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (^١).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \" وهذا امتنان منه على عباده، يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث للزروع والثمار، فتخرج من ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء حقها\" (^٢).\nفتعرض هذه الآيات كلها في معرض نعم الله وفضله على الناس، وفي معرض الوحدانية وإخلاص الدين لله، وهي وإن كانت مننًا يحق أن يشكرها الناس فإنها أيضًا دلائل إذا تفكر فيها المنعَمُ عليهم اهتدوا بها إلى أن الذي يخلق هذا ويبدعه بهذا التناسق هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد وحده ويخلص له الدين وحده\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>رابعًا: بيان آثار صفات الله وأفعاله من خلاله</span>ا.\nفإن من هدي القرآن تجاه الآيات الكونية لفت الأنظار والتفتيش والاعتبار بآثار ربوبية الله وصفاته من الإحياء والإماتة، والرزق وخلق السماوات والأرض والنبات، وإنزال المطر من السحب، وتعاقب الليل والنهار وغيرها كثير (^٤)، للقيام بحق ربوبية الله وألوهيته، فلا يقصد في الحوائج غيره، ولا يتوكل على سواه، ولا يستعن إلا به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" فإذا\n_________\n(^١) الواقعة: ٦٣ - ٦٧.\n(^٢) تفسير ابن سعدي: ٤/ ١٧٦٨، وانظر تفسير البحر المحيط لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢/ ٣٣٠، ٣/ ٤١١.\n(^٣) تفسير التحرير والتنوير: ٢٥/ ٣٣٧، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٢/ ٨٥١.\n(^٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية، تصحيح: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، الرياض، ط ٢: ١/ ١٨٠ - ١٨١.","vol":"1","page":107},{"text":"عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه\" (^١).\nوقال تعالى مبينًا أثرًا من آثار صفاته - وهي صفة الرحمة -: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nقال ابن جرير - ﵀ -: \" فانظر يا محمد - ﷺ -، إلى آثار الغيث الذي ينزل الله من السحاب، كيف يحيي بها الأرض الميتة، فينبتها ويعشبها، من بعد موتها ودثورها، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقول جلّ ذكره: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها بهذا الغيث، لمحيي الموتى من بعد موتهم، وهو على كل شيء مع قدرته على إحياء الموتى قدير، لا يعزّ عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه سبحانه\" (^٣)، \" وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء الله والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال\" (^٤).\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) العبودية: ٥٢.\n(^٢) الروم: ٤٨ - ٥٠.\n(^٣) تفسير الطبري: ٢١/ ٦٤.\n(^٤) تفسير ابن سعدي: ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(^٥) يونس: ٥ - ٦.","vol":"1","page":108},{"text":"قال ابن القيم - ﵀ -: \" فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات؛ فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة، ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل، وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه، وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها، فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه، فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات، منبهه على الاستدلال بالآيات المصنوعات\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>خامسًا: بيان الحكمة في خلق هذه الآيات الكونية، وأن ذلك بالحق، وأنها لم تخلق عبثًا</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) الفوائد: ٣٢، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٢/ ٦٩٩.\n(^٢) الدخان: ٣٨ - ٣٩.","vol":"1","page":109},{"text":"فأخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي بالعدل والقسط، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا (^١)، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (^٢).\nفالله - ﷿ - ما خلق السماوات والأرض عبثا، ولا لعبا من غير فائدة، بل خلقها بالحق وللحق الذي لا يصلح التدبير إلا به، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم، المدبر الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كله، والحمد كله، والعزة كلها، الصادق في قيله، الصادقة رسله، فيما تخبر عنه، وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>سادسًا: التحدي بها إقامة للتوحيد وردًا للشرك</span>، فهي حجة دامغة وبرهان ساطع كما أخبر الله تعالى في قصة مناظرة إبراهيم - ﵇ - مع المشرك الجاحد بألوهية الله وربوبيته، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على أعظم برهان بأوجز عبارة، فإن إبراهيم - ﵇ - لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ١٥٦.\n(^٢) ص: ٢٧.\n(^٣) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ١٧٩،، وتفسير البغوي: ٣/ ٧٠١، ٢٥/ ١٥٢، وتفسير ابن سعدي: ٣/ ١٠٥٩.\n(^٤) البقرة: ٢٥٨.","vol":"1","page":110},{"text":"بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا، فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه، وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة\" (^١).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٤/ ٢٠١٦.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية</span>\nقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن ما فضل به رسول الله - ﷺ - على غيره من البشر إنما هو بالوحي.\nقال جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^١).\nفهو - ﷺ - بشر من بني آدم، ليس له من الأمر شيء، وإنما فضله الله وخصه بالوحي الذي أوحاه إليه، وأمره بإتباعه والدعوة إليه (^٢).\nوالوحي يشمل القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ الذين جاء بهما محمد - ﷺ - من عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤).\nوقد أمر الله - ﷿ - بطاعة رسوله - ﷺ - في آيات كثيرة، وبين أن طاعته من طاعة الله تعالى، وليس ذلك إلا لأنه يتكلم بالوحي وينطق به ويأمر بشريعة الله تعالى ويبين سنن الهدى التي أمره الله تعالى أن يبلغها، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (^٥)،\n_________\n(^١) الكهف: ١١٠، فصلت: ٦.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ١٠٧، وتفسير ابن كثير: ٣/ ١١٤، وتفسير ابن سعدي: ٤/ ١٥٦٤.\n(^٣) النجم: ٣ - ٤.\n(^٤) يونس: ١٥.\n(^٥) النساء: ٨٠.","vol":"1","page":112},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (^١).\nوقد ختمت الرسالات برسالة محمد - ﷺ -، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (^٢).\nفكان محمد - ﷺ - رسولًا للعالمين، وليس خاصًا بقومه من العرب كما كان الأنبياء والمرسلون قبله يرسلون إلى أقوامهم؛ وذلك لأن رسالته هي خاتم الرسالات، ودينه هو الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٤).\nوقال - ﷺ -: \" وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون\".\nوفي رواية: \"كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود\" (^٥).\nوقد بين الله تعالى أنه علم هذا الرسول من العلوم ما لم يكن يعلم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (^٦).\nوقد أمره الله تعالى أن يدعوه بطلب زيادة العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٧). فهذا العلم - ومنه العلم بالآيات الكونية - الذي جاء عن\n_________\n(^١) المائدة: ٩٢.\n(^٢) الأحزاب: ٤٠.\n(^٣) الفرقان: ١.\n(^٤) الأنبياء: ١٠٧.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ برقم (٥٢١، ٥٢٣).\n(^٦) النساء: ١١٣.\n(^٧) طه: ١١٤.","vol":"1","page":113},{"text":"رسول الله - ﷺ - إنما هو من الوحي الذي أوحاه الله تعالى إليه.\nوقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - أنه عندما سأل رسول الله - ﷺ - عن كتابة كل ما يسمعه منه فأوما - ﷺ - بأصبعه إلى فيه، وقال: \"اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق\" (^١).\nفهذا يدل على أن كل ما جاء في السنة المطهرة حق لا شك فيه سواء كان إشارة إلى حقيقة علمية، أو قضية تاريخية عن نبي من الأنبياء، أو عن أحد من أهل زمانه أو غير ذلك، وهو موافق لما جاء في القرآن.\nولما كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون وجوه الإعجاز فيها هي نفس وجوه الإعجاز في القرآن الكريم اللهم إلا فيما كان راجعًا إلى الصفة الإلهية في القرآن الكريم كإعجازه اللغوي والنحوي والصرفي والأسلوبي (^٢).\nويمكن تقسيم الهدي النبوي تجاه هذه الآيات الكونية، كالتقسيم السابق للهدي القرآني تجاهها إلى ثلاثة أقسام رئيسة (^٣):\n_________\n(^١) سنن أبي داود - اعتنى به فريق بيت الأفكار الدولية، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض-: كتاب العلم، باب في كتابة العلم: ٤٠٣ برقم (٣٦٤٦)، ومسند الإمام أحمد: ١١/ ٥٨ برقم (٦٥١٠)، وقال المحقق: إسناده صحيح. ورواه الحاكم في مستدركه، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨: ١/ ١٠٥ - ١٠٦، وقال: رواة هذا الحديث قد احتج بهم عن آخرهم غير الوليد، وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشامي فإنه الوليد بن عبد الله، وقد غلبت على أبيه الكنية، فإن كان كذلك فقد احتج مسلم به. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: إن كان الوليد هو ابن أبي الوليد الشامي فهو على شرط مسلم. قال الألباني على كلام الحاكم: كذا قال، وإنما هو الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث مولى بني الدار حجازي، وهو ثقة كما قال ابن معين وابن حبان. انظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ٤٥ - ٤٦ برقم (١٥٣٢).\n(^٢) انظر: مقارنة بين أسلوب الحديث النبوي وأسلوب القرآن الكريم لمصطفى أحمد الزرقا، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، العدد (١)، عام ١٣٩٥: ٩١ - ٩٥.\n(^٣) انظر: ص ٧٦ من هذا البحث، وسمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم: ١.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>أولًا: بيان عبودية هذه الآيات الكونية لله وأنها تسبح له</span>.\nأخبر النبي - ﷺ - عن عبودية هذه الآيات الكونية لربها، وأنها تسبحه وتلبي مع الملبي، عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل (^١)، وقال - ﷺ -: \" ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه، أو عن شماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا\" (^٢)، فهذا إخبار بأن الحجر يلبي تلبية حقيقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>ثانيًا: الإخبار عن بعض صفاتها وأعمالها</span>.\nأخبر النبي - ﷺ - عن بعض صفات وأعمال هذه الآيات الكونية، فقال عن جبل أحد: \"أحد جبل يحبنا ونحبه\" (^٣).\nوأخبر عن حجر كان يسلم عليه قبل مبعثه -﵊-، فقال: \"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن\" (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٦٨.\n(^٢) سنن الترمذي،، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض: كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر: ١٥٤ برقم (٨٢٨)، وسنن ابن ماجه،، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض: بلفظ\" ما من ملب\"، كتاب المناسك، باب التلبية: ٣١٨ برقم (٢٩٢١)، ورواه الحاكم في المستدرك بلفظ\"ما من مؤمن\": ١/ ٤٥١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب (٨١): ٨٣٨ برقم (٤٤٢٢).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة: ٤/ ١٧٨٢ برقم (٢٢٧٧).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة السنة في عرضها للآيات الكونية</span>\nوأسلوب ذكرها وإيرادها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>أولًا: استعمال الاستفهام لتقرير الأمور الغيبية المتعلقة بالآية الكونية</span>.\nكان من هدي النبي - ﷺ - في التعليم استخدام الاستفهام في بيان المسألة.\nفعن أبى ذر - ﵁ - قال دخلت المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس فلما غابت الشمس، قال: \"يا أبا ذر هل تدرى أين تذهب هذه؟ \" قال: قلت الله ورسوله أعلم.\nقال: \"فإنها تذهب فتستأذن فى السجود فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثانيًا: ضرب الأمثال بها</span>.\nفمن أساليب تعليم النبي - ﷺ - ضرب الأمثال في الأمور المهمة بالأمور المحسوسة المعقولة (^٢)\nفعن أبي هريرة - ﵁ -: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: \"هل تضارون (^٣) في الشمس ليس دونها سحاب؟ \" قالوا: لا يا\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الزمان الذي لا يقبل فيه الإيمان: ١/ ١٣٩ برقم (١٥٩).\n(^٢) انظر: مدارج السالكين: ١/ ٢٧١.\n(^٣) بضم أوله وبالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضرر. أي لا تضرون أحدًا ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة. وجاء بتخفيف الراء من الضير وهو لغة في الضر أي لا يخالف بعض بعضًا فيكذبه وينازعه فيضيره بذلك. انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، تعليق: الشيخ عبد العزيز ابن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر: ١١/ ٤٤٦.","vol":"1","page":116},{"text":"رسول الله، قال: \"فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه حجاب؟ \" قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك\" ...\nثم ذكر حشر الناس يوم القيامة، ومن يجوز الصراط ثم قال: \"وبه كلاليب مثل شوك السعدان. أما رأيتم شوك السعدان؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله\".\nثم ذكر صفة الذين يخرجون من النار من أهل السجود فقال: \"فيُخرجونهم قد امتحشوا (^١)، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة (^٢) في حميل السيل (^٣) \" الحديث (^٤).\n_________\n(^١) بفتح المثناة والمهملة وضم المعجمة. أي احترقوا وزنه ومعناه. انظر: فتح الباري: ١/ ٤٥٧.\n(^٢) بكسر أوله. قال: الفراء هي بزر البقل البري، وقال أبو عمرو: نبت ينبت في الحشيش، وقيل: ما كان في النبات له اسم فواحده حبة بالفتح، وما لا اسم له حبة بالكسر. انظر: فتح الباري: ١/ ١٠١.\n(^٣) هو ما يجيء به السيل من طين وغيره فعيل بمعنى مفعول وقيل هو خاص بما لم يصك قطره ولبعضهم بالهمزة بدل اللام وهو كالحمأة. انظر: فتح الباري: ١/ ١٠٨.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم: ١٢٧٥ برقم (٦٥٧٣).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض</span>\nوالغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>أولًا: التوسل إلى الله - ﷿ - بربوبيته لها </span>(^١):\nكان من هدي النبي - ﷺ - حينما كان يتوجه إلى ربه بالدعاء أن يذكر في دعائه خصائص الربوبية والأسماء والصفات الدالة على توحيد الإثبات والمعرفة، والتي لها علاقة بدلائل الآيات الكونية؛ لأنها من أعظم الدلائل على وحدانية الله سبحانه، فكان - ﷺ - يدعو عند الكرب فيقول: \"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم\" (^٢)، وكان - ﷺ - يفتتح صلاته إذا قام من الليل: \"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>ثانيًا: بيان المسائل العقدية عند حدوث التغيرات الكونية</span>.\nفمن هدي النبي - ﷺ - أن يبين بعض المسائل العقدية عند حصول تغيرات كونية، ويبين السبب في حدوث ذلك.\nفقد أخبر النبي - ﷺ - عند شدة الحر وشدة البرد أن هذه الشدة من فيح\n_________\n(^١) انظر في أحكام التوسل كتاب قاعدة جليلية في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب: ١٢٢٠ برقم (٦٣٤٥).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٣٤ برقم (٧٧٠).","vol":"1","page":118},{"text":"جهنم، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال: \"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم\"، وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" واشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير\" (^١)، إلى غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>ثالثًا: التنبيه على المخالفات العقدية عند حدوث التغيرات الكونية:</span>\nكان من هدي النبي - ﷺ - الواضح التنبيه على المخالفات العقدية خصوصًا عند وجود مناسبة لذلك، فلما كسفت الشمس في اليوم الذي توفي فيه ابنه إبراهيم، وكان من الاعتقادات في الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر يحصل عند موت عظيم أو حياته وربط بعض الصحابة هذه الآية بحالة الوفاة، قطع النبي - ﷺ - هذا الاعتقاد من أصله، فقال: \"الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>رابعًا: الأمر بالتوجه والتعلق بالله - ﷿ - عند حدوث تغيرات كونية</span>.\nفعند حصول أي تغير في هذه الآيات الكونية نجد أن الرسول - ﷺ - يحث أمته على التوجه إلى الخالق والتعلق به، مع بيانه أن هذه الآيات مربوبة مخلوقة يتصرف الله فيها كيف يشاء.\nففي أحاديث الكسوف يأمر - ﷺ - بالإسراع إلى الصلاة والتوجه إلى الله سبحانه، وأن الجرمين السماويين الذي ينتج عنهم أثر الخسوف والكسوف ما هي إلا مأمورة بأمر خالقها تؤدي ما وجب عليها من فعل وليس\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر: ١٢٢ برقم (٥٣٤، ٥٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الكسوف، باب لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا حياته: ٢١١ برقم (١٠٥٧).","vol":"1","page":119},{"text":"لها تأثير في حياة أو موت وإنما المحي والمميت هو خالقها سبحانه، ولذلك جاء في الحديث السابق: \"فإذا رأيتم - يعني الكسوف- فصلوا وادعوا الله\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>خامسًا: الخوف والوجل من الله - ﷿ - عند حدوث التغييرات الكونية</span>.\nفقد كانت حاله - ﷺ - بخلاف حال الناس، من الخوف من الله حتى يعرف ذلك من فعله وحاله، فلما كسفت الشمس قام فزعًا يخشى أن تكون الساعة (^١).\nوعن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم، قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه، قالت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: \"يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الكسوف، باب الذكر في الكسوف: ٢١١ برقم (١٠٥٩).\n(^٢) الأحقاف: ٢٤.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾: ٩٤٨ برقم (٤٨٢٨).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية</span>\nأرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، وحجة على العالمين، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (^١)، وحتى لا يحتج أحد على الله فيقول: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (^٢).\nوما بعث الله رسولًا إلا أيده بالآيات الدالة على صدق رسالته وصحة دعواه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (^٣)، وقال - ﷺ -: \" ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة\" (^٤).\nفمعجزات الأنبياء هي الآيات التي يعجز الله بها البشر أن ياتوا بمثلها ويكون ذلك تأييدًا لأنبيائه.\nقال الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ -: \" معجزات الأنبياء هي الآيات التي أعجزوا بها البشر أن يأتوا بمثلها والله تعالى يسميها آيات، وهي علامات دالة على صدق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيما جاؤوا به من الرسالة\" (^٥).\nوقال ابن القيم - ﵀ - في بيان أن طريقة الاستدلال بالآيات الكونية\n_________\n(^١) النساء: ١٦٥.\n(^٢) طه: ١٣٤.\n(^٣) الحديد: ٢٥.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: \" بعثت بجوامع الكلم\": ١٣٨٧ برقم (٧٢٧٤).\n(^٥) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٥/ ٣٠٣، وانظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٣/ ٢٤٢.","vol":"1","page":121},{"text":"المأخوذة عن طريق الحس لمن شاهدها، واستفاضة الخبر لمن غاب عنها، وأنها من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، ودلالة ذلك على تأييد الله لأنبيائه: \" وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا\" ...\nثم ذكر بعض الأمثلة، ثم قال: \" وأمثال ذلك مما هو من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر\" (^١).\nوقال ابن سعدي - ﵀ - في بيان كيف يقرر القرآن نبوة محمد - ﷺ -، وأنه يكون أحيانا عن طريق الآيات الكونية: \" وتارة يقرر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارق والكرامات، الدالِّ كل واحد منها بمفرده - فكيف إذا اجتمعت - على أنه رسول الله - ﷺ - - الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى\" (^٢).\nوقال أيضا في بيان آيات الرسل والفرق بينها وبين طلبات واقتراحات المكذبين، وكيف يكون تأييد الله لرسله: \" القاعدة الخمسون: آيات الرسول: هي التي يبديها الباري ويبتديها، وأما ما أبداه المكذبون له\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٨٧ - ٤٩٠ باختصار.\n(^٢) القواعد الحسان: ٢٩، ٤٢.","vol":"1","page":122},{"text":"واقترحوه، فليست آيات، وإنما هي تعنتات وتعجيزات.\nوبهذا يعرف الفرق بينها وبين الآيات: وهي البراهين والأدلة على صدق الرسول وغيره من الرسل، وعلى صدق كل خبر أخبر الله به، وأنها الأدلة والبراهين التي يلزم من فهمها على وجهها صدق ما دلت عليه ويقينه\" (^١).\nوقد ذكر الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ - في فوائد آيات الأنبياء ومعجزاتهم: \"أنها دليل على قدرة الله، وأنها دليل على صحة ما جاءت به الرسل، وأنه لا يمكن للمرء إلا أن يصدق برسالة الرسول الذي جاء بها حيث جاء بما لا يقدر عليه أحد سوى الله - ﷿ - \" (^٢).\nثم بين من فوائد هذه الآيات أيضًا: \" بيان رحمة الله بعباده، فإن هذه الآيات التي يرونها مؤيدة للرسل تزيد إيمانهم وطمأنينتهم لصحة الرسالة، ومن ثم يزداد يقينهم وثوابهم ولا يحصل لهم حيرة ولا شك ولا ارتباك\" (^٣).\nفرحمة الله بالرسول الذي أرسله حيث ييسر قبول رسالته بما يجريه على يديه من الآيات ليتسنى إقناع الخلق بأمور لا يستطيعون معارضتها ولا يمكنهم ردها إلا جحودا وعنادا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، أي لما يرون من الآيات الدالة على صدقك.\n﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٤) أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم (^٥).\nومن الآيات التي حصلت للنبي محمد - ﷺ - تأييد له من الله - ﷿ -: \" ما\n_________\n(^١) المصدر السابق: ١٠٦.\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٥/ ٣٠٤.\n(^٣) المصدر السابق: ٥/ ٣٠٥.\n(^٤) الأنعام: ٣٣.\n(^٥) انظر:: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٤.","vol":"1","page":123},{"text":"أظهره الله شاهدًا على صدقه من الآيات الأفقية كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^١)؟ .\nولذلك أمثلة:\nالمثال الأول: انشقاق القمر، فقد انشق القمر وصار فرقتين، وشاهد الناس ذلك، وقد أشار الله إلى ذلك في القرآن، فقال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (^٢) وقد أجمع العلماء على وقوع ذلك في عهد النبي - ﷺ - قبل الهجرة، وقد رآه الناس بمكة. وقال النبي - ﷺ - حين رآه: \" اشهدوا اشهدوا\" (^٣)، وقدم المسافرون من كل وجه فأخبروا أنهم رأوه\" (^٤).\nوالمثال الثاني: \" نزول المطر باستسقائه مباشرة، وإقلاع المطر باستصحائه مباشرة\" (^٥)، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \" أصابت سنة - أي جدب - على عهد رسول الله - ﷺ -، فبينا النبي - ﷺ - يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة (^٦)، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء\n_________\n(^١) فصلت: ٥٣.\n(^٢) القمر: ١ - ٣.\n(^٣) سبق تخريجه: ٦٠.\n(^٤) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٥/ ٣١١ - ٣١٢.\n(^٥) المرجع السابق: ٥/ ٣١٣.\n(^٦) القزعة: بفتح القاف والزاي بعدها مهملة، أي سحاب متفرق. فتح الباري: ٢/ ٥٠٣.","vol":"1","page":124},{"text":"وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه وقال: \"اللهم حوالينا ولا علينا\" فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة (^١)، وسال الوادي وادي قناة (^٢) شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود\" (^٣).\nومن الآيات الكونية التي أخبر - ﷺ - بأنها ستقع، ووقعت كما أخبر: \"إخباره - ﷺ - عن ظهور نار في أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى (^٤)،\nفعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى\" (^٥). فقد خرجت هذه النار (^٦) في جمادى الآخرة سنة ٦٥٤ هـ شرقي المدينة فأقامت نحوًا من شهر وملأت تلك الأودية وشاهد الناس أعناق الإبل ببصرى\" (^٧).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" وهذه النار كانت تحرق الحجر\" (^٨).\n_________\n(^١) الجوبة: بفتح الجيم ثم الموحدة، وهي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب. فتح الباري: ٢/ ٥٠٦.\n(^٢) قناة: بفتح القاف والنون الخفيفة علم على أرض ذات مزارع بناحية أحد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة. فتح الباري: ٢/ ٥٠٦.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة: ١٨٦ برقم (٩٣٣).\n(^٤) بصرى: بضم الباء مدينة معروفة بالشام، وهي مدينة حوران، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، ١٤٠ كم.\n\nانظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٨/ ٣٠، وبلدان الخلافة الشرقية لكي لسترنج، ترجمة بشير فرنيس وكوركس عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢: ٧٢.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز: ٤/ ٢٢٢٧ برقم (٢٩٠٢).\n(^٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٨/ ٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير: ١٧/ ٣٢٨.\n(^٧) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٥/ ٣١٤.\n(^٨) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>أولًا: الآيات الكونية والشهادتان:</span>\nيزخر القرآن الكريم بالعديد من الآيات الكونية، وصور من نشأتها ومراحل تكونها، والسنن الإلهية التي تحكمها، وما يستتبعه كل ذلك من استخلاص للعبرة وتفهم للحكمة، وما يستوجبه من إيمان بالله، وشهادة بكمال صفاته وأفعاله، وهو - ﷾ - الخالق البارئ المصور الذي أبدع الخلق بعلم وقدرة وحكمة. وهي مع ذلك دليل على صدق نبوة محمد - ﷺ -.\nقال ابن سعدي - ﵀ - بعد أن ذكر تقرير الله - ﷿ - لربوبيته وإلهيته، وذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات: \"وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحياته وقيوميته. وما فيها من الإحكام والإتقان والإبداع والحسن دال على كمال حكمة الله وحسن خلقه وسعة علمه. وما فيها من أنواع المنافع والمصالح يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه. وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة.\nوذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام\" (^١).\nأما المكتشفات العلمية فهي دالة على الربوبية من جهة التفاصيل الدقيقة\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي: ٢/ ٥٥١، ٦٩٩، وانظر: الفوائد: ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":126},{"text":"المؤكدة على افتقار الكون إلى خالق مدبر، دون أن تكون معرفة هذه التفاصيل شرطًا في كمال اليقين، كما تعتبر هذه المكتشفات دالة على النبوة من جهة عدم تكذيبها لشيء مما جاء به\nالنبي - ﷺ - (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>ثانيًا: الآيات الكونية والصلاة </span>(^٢).\nإن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ونجد أن لها ارتباطًا وثيقًا بالآيات الكونية، وأول ما يذكر الفقهاء من شروط الصلاة الوقت وتحديده، وهو مرتبط ببعض الآيات الكونية، فصلاة الظهر مثلًا إذا زالت الشمس، وصلاة المغرب إذا غربت وهكذا بقية الصلوات الخمس تعرف أوقاتها بهذه الآيات الكونية (^٣).\nوأفضل الصلاة صلاة جوف الليل (^٤). وصلاة العيد من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال (^٥).\nوقد جاء النهي عن الصلاة في بعض الأوقات: عند طلوع الشمس حتى ارتفاعها قيد رمح، وعند غروبها لأن المشركين يسجدون لها، وعند انتصاف النهار لأن النار تسجر (^٦).\n_________\n(^١) منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية، لسعود بن عبد العزيز العريفي، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (١٩)، العدد (٤٣)، ذو الحجة ١٤٢٨: ٢٨٧.\n(^٢) انظر: أثر القمرين في الأحكام الشرعية لعبد المجيد بن عبد الله اليحيى، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود، المعهد العالي للقضاء، قسم الفقه المقارن: ٥٦ وما بعدها.\n(^٣) المغني لابن قدامة، تحقيق: عبد الله التركي، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٤: ٢/ ٨ - ٣٢.\n(^٤) المصدر السابق: ٢/ ٥٥٥.\n(^٥) المصدر السابق: ٣/ ٢٦٦.\n(^٦) المصدر السابق: ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٧.","vol":"1","page":127},{"text":"ومن شروط الصلاة القبلة، وقد اتفق الفقهاء على أن الشمس والقمر والنجوم - وهي من الآيات الكونية - من دلائل القبلة التي تعرف بها (^١)، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^٢).\nوتشرع بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة عند حصول بعض التغيرات الكونية، فيجوز الجمع بين الصلاتين عند نزول المطر (^٣)، وفي شدة الحر يشرع تأخير صلاة الظهر (^٤). وتشرع صلاة الاستسقاء إذا أجدبت الأرض واحتبس القطر (^٥).\nوالصلاة مشروعة إذا كسفت الشمس أو خسف القمر (^٦)، مع تغير في صفتها عن الصلاة المعتادة حيث زيد في عدد الركوعات، فصلى النبي - ﷺ - صلاة الكسوف أربع ركوعات في ركعتين (^٧).\nولو تأملنا في نفس الصلاة لوجدنا أن النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح يقول: \"اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب\" (^٨).\nوفي صلاة الليل يقول في استفتاحه متوسلًا إلى الله - ﷿ - بخلقه لهذه الآيات الكونية العظيمة: \"فاطر السماوات والأرض\" (^٩).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق: ٢/ ١٠٢ - ١٠٥.\n(^٢) النحل: ١٦.\n(^٣) المصدر السابق: ٢/ ١٣٢.\n(^٤) المصدر السابق: ٢/ ٣٥.\n(^٥) المصدر السابق: ٢/ ٣٣٤.\n(^٦) المصدر السابق: ٢/ ٣٢٠ - ٣٢٣.\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف في المسجد: ٢١٠ برقم (١٠٥٥).\n(^٨) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبير الإحرام والقراءة: ١/ ٤١٩ برقم (٥٩٨).\n(^٩) سبق تخريجه: ١١٠.","vol":"1","page":128},{"text":"وإذا رفع من الركوع قال: \"الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما\" (^١)، إلى غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>ثالثًا: الآيات الكونية والزكاة:</span>\nالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وتجب بشروط منها تمام الحول. وإذا أطلق الحول والسنة عند الفقهاء فالمراد به السنة القمرية، والسنة القمرية هي التي تعتمد على ظهور الهلال واختفائه في بداية الشهر ونهايته (^٢).\nوترتبط بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالزكاة بالآيات الكونية، فيختلف مقدار الزكاة في الزروع والثمار بحسب السقي، ففيما سقت السماء والعيون العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر (^٣).\nوتجب زكاة الفطر بغروب شمس أخر يوم من رمضان، فمن ولد قبل غروب الشمس من أخر شهر رمضان وجب على وليه إخراج زكاة الفطر عنه، ومن ولد بعدها فلا تجب عليه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>رابعًا: الآيات الكونية والصيام:</span>\nالصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام، ويثبت دخول شهره وخروجه برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.\nوقد ورد عند رؤية هلاله أدعية مأثورة عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام: ١/ ٣٤٣ برقم (٤٧١).\n(^٢) المغني: ٤/ ١٤٠.\n(^٣) المصدر السابق: ٤/ ١٦٤.\n(^٤) المصدر السابق: ٤/ ٢٩٨.\n(^٥) انظر: أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها وتطبيقاتها القضائية لأحمد بن عبد الله الفريح، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود، المعهد العالي للقضاء، قسم الفقه المقارن: ٢٩.","vol":"1","page":129},{"text":"والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (^١).\nوالنية لصيام الفرض تبيت من الليل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>خامسًا: الآيات الكونية والحج:</span>\nالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وأول أشهر الحج شوال (^٣)، ويثبت دخوله برؤية هلاله أو إكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا، ويثبت دخول شهر ذي الحجة برؤية هلاله أو إكمال عدة ذي القعدة ثلاثين يوما ..\nويستحب للمحرم الإكثار من التلبية إذا علا مرتفعًا، أو هبط واديًا، ومن أخر الليل (^٤).\nوإذا طلعت الشمس اليوم التاسع دفع الحاج إلى عرفة، والسنة لمن جاء عرفة أن ينزل بنمرة كما فعل النبي - ﷺ - إلى أن تزيغ الشمس، فإذا زاغت صلى الظهر والعصر جمع تقديم، ثم أتى الموقف (^٥).\nومن وقف في عرفة من ليل أو نهار صح حجه، ومن لم يقف بعرفه حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، والوقوف إلى غروب الشمس واجب، ويدفع الناس من عرفة بعد غروب الشمس (^٦).\nويبدأ الانصراف من مزدلفة للضعفة بعد مغيب القمر، وقيل بعد منتصف\n_________\n(^١) المغني: ٤/ ٣٢٥.\n(^٢) المصدر السابق: ٤/ ٣٣٣.\n(^٣) المصدر السابق: ٥/ ١١٠.\n(^٤) المصدر السابق: ٥/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(^٥) المصدر السابق: ٥/ ٢٦٢.\n(^٦) المصدر السابق: ٥/ ٢٦٨.","vol":"1","page":130},{"text":"الليل، ولغيرهم قبل طلوع الشمس (^١).\nوقد قال النبي - ﷺ - في يوم النحر في حجة الوادع: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر بين جمادى وشعبان\" (^٢).\nويبدأ رمى الجمرات بعد زوال الشمس من اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر (^٣).\nوإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، وإن غربت الشمس وهو بها لم يخرج حتى يرمي من غد بعد الزوال (^٤).\nفأنت ترى أن أعمال الحج لها ارتباط واضح بهذه الآيات الكونية، إما في بداية العمل أو نهايته أو خلاله.\n_________\n(^١) المصدر السابق: ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٦.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حجة الوادع: ٨٣٢ برقم (٤٤٠٦).\n(^٣) المغني: ٥/ ٣٢٦.\n(^٤) المصدر السابق: ٥/ ٣٣١.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الفصل الثالث: التفسير العلمي للآيات الكونية،\nوالدراسات المستقبلية عنها وصلتها بالعقيدة</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.\nالمبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.\nالمبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة</span>.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي.\nالمطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.\nالمطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة.\nالمطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي</span>\nظهر في أوائل القرن الرابع عشر الهجري مصطلح\" التفسير العلمي للقرآن\" وما في معناه من المصطلحات الحادثة، والتي تشير إلى تأويل أو تفسير القرآن بما يتفق مع النظريات العلمية أو الاكتشافات الحديثة.\nوأصل هذا التفسير كان قديمًا في وقت الدولة العباسية؛ ولكنه في أول الأمر كان عبارة عن محاولات يُقصد منها التوفيق بين القرآن وما جَدَّ من العلوم، ثم وجِدت الفكرة مركَّزة وصريحة عند الغزالي (^١)، ثم إن هذه الفكرة طُبِّقت علميًا وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي (^٢) ضمن تفسيره للقرآن، ثم وجِدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم؛ ولكنها لم تكن مثل العصر الحديث كثرةً ولا مقاربًا له (^٣)، فراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجًا كبيرًا،\n_________\n(^١) انظر: إحياء علوم الدين: ١/ ٣٦٩، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ٢/ ٥٥٥.\n(^٢) هو محمد بن عمر بن حسين القرشي التيمي الرازي، المعروف بالفخر الرازي ويقال له ابن خطيب الري، من كبار المتكلمين الأشاعرة، له مصنفات كثيرة، منها: مفاتيح الغيب، والمطالب العالية، والمباحث المشرقية، توفي سنة ٦٠٦. انظر: سير أعلام النبلاء: ٢١/ ٥٠٠، والبداية والنهاية: ١٧/ ١١.\n(^٣) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٧، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ٢٦٢ - ٢٦٣، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان لأحمد بن عمر أبو حجر، دار المدار الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٩٣ وما بعدها، والأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان والأرض والفلك لأحمد بن حسن الحارثي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بكلية الحديث والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، مطبوعة بالحاسب الآلي: ١٤.","vol":"1","page":137},{"text":"ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما أُلِّفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>تعريف التفسير العلمي:</span>\nالتفسير في اللغة: الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيان شيء وإيضاحه (^٢)، وهو مصدر فسّر بتشديد السين، والفسر: الإبانة وكشف المغطى، والتفسير مثله، وهو كشف المراد عن اللفظ المشكل (^٣).\nويراد منه الإيضاح والتبيين، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (^٤)، أي أحسن بيانًا وتفصيلًا (^٥).\nوفي الاصطلاح: علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد - ﷺ -، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة\n_________\n(^١) انظر: التفسير: نشأته - تدرجه - تطوره لأمين الخولي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط ١: ٢٠، والتفسير والمفسرون: ٢/ ٤٨٤، ولمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير لمحمد بن لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣: ٢٠٣، واتجاهات التفسير في العصر الراهن لعبد المجيد بن عبد السلام المحتسب، مكتبة النهضة الإسلامية، عمان، ط ٣: ٢٤٧.\n(^٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ١٤٢٠: ٤/ ٥٠٤.\n(^٣) القاموس المحيط: ٤١١، ولسان العرب: ٥/ ٣٤٢١، مادة فسر، وانظر: مباحث في علوم القرآن: ٣١٦.\n(^٤) الفرقان: ٣٣.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٩.","vol":"1","page":138},{"text":"أسباب النزول والناسخ والمنسوخ (^١).\nوقد وصف التفسير هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم.\nوالعلم: هو إدراك الأشياء على حقائقها، أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافًا تامًا (^٢). وأما عند الماديين المحدَثين فهو خاص باليقينيات التي تستند على الحس وحده (^٣).\nوالمقصود بالعلم في هذا المقام: العلم التجريبي، وما يتعلق به من علوم الطبيعة الموجودة في الكون، مثل: الفيزياء، والكيمياء، وطبقات الأرض، وعلم الإحياء، وعلم البحار، وعلم الفلك، وغيرها (^٤)؛ ولذلك فإنه لا بد من تمييز هذا التفسير عن سواه، فلو قيل: \" التفسير العلمي التجريبي للقرآن الكريم\"، أو\" التفسير العلمي بالعلوم التطبيقية أو الطبيعية للقرآن الكريم\"؛ وذلك حتى لا يفهم أن التفاسير الأخرى ليست علمية (^٥).\nوقد عرف التفسير العلمي بعدة تعريفات (^٦) تدور حول كون التفسير العلمي هو التفسير:\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن: ١/ ١٣، والإتقان في علوم القرآن: ٤/ ١٦٧.\n(^٢) انظر: التعريفات: ٢٣٣، والكليات: ٦١٠.\n(^٣) مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ١٤.\n(^٤) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٧، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة لعبد المجيد الزنداني، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١٧، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٧٠.\n(^٥) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٧.\n(^٦) انظر هذه التعريفات في: التفسير نشأته - تدرجه- تطوره: ١٩ - ٢٠، والتفسير والمفسرون: ٣/ ١٤٠، ولمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير: ٢٩٢، واتجاهات التفسير في العصر الراهن: ٢٤٧، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٧٢، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة: ٣٣، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ١٣.","vol":"1","page":139},{"text":"١ - الذي يُحكَّم الاصطلاحات العلمية في ألفاظ القرآن.\n٢ - ويُخضعها له.\n٣ - ويجتهد أو يحاول في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها.\n٤ - ويربط بين الآيات الكريمة ومكتشفات العلوم التجريبية والفلكية والفلسفية، ويكشف الصلة بينهما على ضوء ما تنتجه المختبرات ومراكز البحث في العلوم الدقيقة من معارف وحقائق علمية بغض النظر عن صحة النظرية أو خطئها، وبعضهم يقيد ذلك بما ترجحت صحته، وبعضهم يقيد ذلك بما ثبتت صحته من النظريات.\n٥ - ويُظهر إعجاز القرآن وبيان صلاحيته لكل زمان ومكان.\nوهذه التعريفات نجد أنها تصف التفسير العلمي: بأنه\"تحكيم\" أو\"إخضاع\" للمصطلحات العلمية في فهم القرآن، وهذه عبارة غير صحيحة؛ لأنها جعلت فهم القرآن مرتبطًا بهذه المصطلحات الحادثة وجعلته خاضعًا لها، كذلك أدخلت الآراء الفلسفية ضمن هذا التفسير الذي الأصل فيه أن يكون علميًا (^١)، وبعض هذه التعريفات فسر الآيات القرآنية بالنظريات بغض النظر عن صحتها أو خطئها.\nولعل الأقرب أن يقال في تعريف التفسير العلمي: هو الكشف عن تفاصيل معاني الآية في ضوء ما ثبتت صحته من نظريات العلوم الكونية التجريبية (^٢).\n_________\n(^١) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(^٢) انظر: الإعجاز العلمي في القرآن: ٣٨.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي </span>(^١):\nسبق تعريف التفسير العلمي، أما الإعجاز العلمي فهو: يعني تأكيد الكشوف العلمية الحديثة الثابتة والمستقرة للحقائق الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة بأدلة تفيد القطع واليقين باتفاق المتخصصين (^٢)، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - ﷺ - (^٣).\nومن خلال التعريف يتضح أن الفرق بينهما: أن التفسير العلمي كشف عن معاني الآية أو تفاصيلها، أما الإعجاز العلمي فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة علمية أثبتها العلم أخيرًا، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي: ١٧ - ١٨.\n(^٢) التوصيات الصادر عن المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١١٠.\n(^٣) انظر: المعجزة العلمية في القرآن والسنة: ١٧ - ١٨، ٣٣، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ١٣.\n(^٤) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ٢٦ - ٢٧، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة: ٣٣.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة</span>.\nبعد ثورة المكتشفات العلمية في الغرب في جو معاد للدين منفلت منه، وما أوحت به هذه الحال إلى بعض أبناء المسلمين من أن دينهم هو سبب تخلفهم انتدب طائفة من العلماء لإبطال هذا الأمر المزيف، والتأكيد على أن الإسلام دين العلم ومن ذلك العلم التجريبي، وفي سبيل إثبات ذلك تكلموا في التفسير العلمي للقرآن، وأن كثيرًا من المكتشفات العلمية الحديثة مضمنة في الكتاب والسنة.\nواعتبروا ذلك فتحًا جديدًا يساهم في خدمة تفسير القرآن، ودليلًا من أدلة إعجاز القرآن الكريم يخدم نشر الدعوة الإسلامية.\nوقابلتهم طائفة أخرى ترى أن التفسير العلمي للقرآن الكريم غير صحيح في منهجه، وضار بالدعوة الإسلامية، وينحرف بالقرآن عن غايته ويندفع به إلى مجالات لا تحمد عقباها (^١).\nوبناءًا على ذلك اختلفوا في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة على قولين:\n_________\n(^١) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٥٦٧، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٣٧، وخلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين لمحمد الأمين ولد الشيخ، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١٠١.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>القول الأول: المنع </span>(^١).\nومن أدلتهم:\nالدليل الأول: أن القرآن الكريم كتاب هداية، وأن الله لم ينزله ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون، وأنواع المعارف، وإنما القرآن في تناوله لتلك الحقائق العلمية يهدف إلى ما هو أعظم من ذلك بكثير، وهو هداية ودلالة الخلق للإيمان بالله - ﷿ - وعبادته وحده لا شريك له (^٢)، قال تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nالدليل الثاني: أن القرآن في أعلى درجات البلاغة، فإذا قلنا بأن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه محتملة لهذه المعاني المستحدّثة، للزم أن من\n_________\n(^١) انظر: الموافقات: ٢/ ١٠١، ومقال لمفتي مصر السابق محمود شلتوت ضمن مجلة الرسالة - القاهرة، العدد (٤٠٧)، (٤٠٨) من السنة التاسعة، إبريل سنة ١٩٤١، بواسطة كتاب التفسير العلمي للقرآن في الميزان، والتفسير: نشأته- تدرجه-تطوره: ٥٤، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد الدويش، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٣: ٤/ ١٨٠، وكتاب العلم للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين، إعداد: فهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط ١: ١٥٧، واتجاهات التفسير في العصر الراهن: ٣٠٢ - ٣١٣، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٧٨ - ٥٩٨، وحكم تفسير القرآن بنظريات علمية حديثة للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، مقال ضمن مجلة الدعوة، العدد (١٤٤٧)، محرم ١٤٢١: ٢٣، وخلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين: ١٠٣ - ١٠٤، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ١١٣، ٢٦٩.\n(^٢) انظر: الموافقات: ٢/ ١١٢، ١٢٧، مناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٥.\n(^٣) النمل: ١ - ٢.","vol":"1","page":143},{"text":"أنزل عليهم القرآن يجهلون هذه المعاني.\nوإن قيل: إنهم كانوا يعرفونها. قيل: فلِمَ لم يتكلموا بها وتظهر نهضتهم من لدن نزول القرآن الذي حوى علوم الأولين والآخرين؟ ولِمَ لم تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون؟ .\nالدليل الثالث: أن التفسير العلمي للقرآن والسنة يعرضهما للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الآخر، وقد اعترف علماء المادة في هذا القرن: \"بأن العلوم المادية لا تعطى إلا علما جزئيا عن الحقائق\" (^١)، بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية، القارة، الثابتة، المنزلة من عند الله الذي وسع علمه كل شيء.\nالدليل الرابع: قالوا: أن المعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف، ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب (^٢).\nالدليل الخامس: قالوا في جوابهم عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣)، وأنه يشمل جميع العلوم: أن المراد بالكتاب في الآية: اللَّوح المحفوظ، ولم يذكر المفسرون في معناها ما يقتضى تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية (^٤).\nالدليل السادس: أن التفسير العلمي للقرآن يحمل أصحابه والمغرمين به على التأويل المتكلف، واللهث وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا\n_________\n(^١) الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة وتحقيق: عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١: ٢٣.\n(^٢) الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ٣٨.\n(^٣) الأنعام: ٣٨.\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٤٢٠، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٥.","vol":"1","page":144},{"text":"تستقر، ثم يؤدي ذلك في الوقت القريب أو البعيد إلى صراع بين العلم والدين.\nالدليل السابع: قالوا: أنه ينبغي الاستفادة من النظريات العلمية دون إقحامها على القرآن الكريم أو اعتبار أن القرآن مطالب بموافقتها كلما تغيرت من زمن إلى زمن ومن تفكير إلى تفكير (^١).\n_________\n(^١) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٥، والفلسفة القرآنية لعباس محمود العقاد، دار نهضة مصر، القاهرة: ١٠، وتفسير القرآن لمحمود شلتوت، دار الشروق، القاهرة، ط ١٢: ١٣ - ١٤.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>القول الثاني: الجواز </span>(^١).\nومن أدلتهم:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٢)، وهذه العلوم داخلة في عموم الآية.\nالدليل الثاني: جاء في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - سئل عن الحمر الأهلية - عن صدقتها- فقال: \"ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٣) \" (^٤)، وقالوا: هذا نص يشهد أن كل ما دخل تحت نص قرآني عام يعتبر قد نص عليه القرآن (^٥).\nالدليل الثالث: واستدلوا أيضًا ببعض الآثار الواردة عن السلف مثل قول عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \" من أراد علم الأولين والآخرين فليثور (^٦) القرآن\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: جواهر القرآن للغزالي، مكتبة الجندي: ١٢، وإحياء علوم الدين: ١/ ٣٦٩، ومفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: ٤/ ٢٣٨، والجواهر في تفسير القرآن الكريم لطنطاوي جوهري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٤: ١/ ٢ - ٣، واتجاهات التفسير في العصر الراهن: ٢٦٤، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: ٢/ ٥٥١ - ٥٥٩، ٥٦٥ - ٥٧٧، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ١٠٣، ١٦٣.\n(^٢) الأنعام: ٣٨.\n(^٣) الزلزلة: ٧ - ٨.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب شرب الناس والدواب من الأنهار: ٤٤٥ برقم (٢٣١٧).\n(^٥) الإسلام في عصر العلم لمحمد فريد وجدي، الكتاب اللبناني، بيروت، ط ٣: ٣٦٩.\n(^٦) تثوير القرآن: قراءته ومفاتشة العلماء به في تفسيره ومعانيه. انظر: تهذيب اللغة: ١٥/ ٨٠.\n(^٧) سبق تخريجه: ٣٤.","vol":"1","page":146},{"text":"الدليل الرابع: واستدلوا كذلك بأن القرآن هو حجة الله البالغة على عباده أجمعين، وهذه الحجة قائمة إلى يوم الدين، والإعجاز العلمي والتفسير العلمي في هذه الحجة يعجز الملحدون عن أن يجدوا فيه موضعا للتشكيك لأنه دليل عقلي محسوس.\nالدليل الخامس: قالوا: إن القرآن الكريم يحتوي على كثير من الآيات الكونية، ويتوقف على فهمها في ضوء الحقائق العلمية تيسير الدعوة إلى دين الله في هذا العصر، عصر العلم (^١).\n\nوقد وضع المجيزون لهذا النوع من التفسير بعض الضوابط والحدود، - وإن كان بعضهم لم يلتزم بها-، منها (^٢):\n١ - ضرورة التقيد بما تدل عليه اللغة العربية.\n٢ - البعد عن التأويل في بيان إعجاز القرآن.\n٣ - أن لا تُجعل حقائق القرآن موضع نظر، بل تجعل هي الأصل: فما وافقها قبل، وما عارضها رفض.\n٤ - أن لا يفسر القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالفروض والنظريات.\n_________\n(^١) انظر: الإسلام في عصر العلم: ٢٢٢.\n(^٢) انظر: خلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين: ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الترجيح </span>(^١):\nبالتأمل في القولين السابقين يتضح أن القائلين به من أهل الإسلام لا يريدون شيئًا إلا أن يثبتوا للعالم أجمع أن القرآن من عند الله، وأن منزله هو خالق الكون الذي وسع علمه كل شيء، وقد ضمنه هذه الحقائق العلمية، وأنهم بقدر ما يفعلون من ذلك يضيفون إلى أمجاد القرآن أمجادًا، وإلى براهين صدقه شيئًا جديدًا.\nوالمعارضون له يقولون: إن المقررات العلمية تكون عرضة للتبديل والتغيير، وهم لا يريدون أن يربطوا القرآن وتفسيره بعجلة المتغير، وكفى القرآن شرفًا ومجدًا أنه حث على العلم والبحث والنظر ولم يقف حجرة عثرة في سبيل التقدم العلمي والفكري (^٢).\nوليعلم المسلمون أن كتاب الله غني في إثبات صدقه عن العلوم الطبيعية التجريبية، لما فيه من النور والهدى، والشرائع الكاملة، والفصاحة البالغة، وغيرها من أوجه الإعجاز التي عدها العلماء (^٣).\nوليس باللازم أن كل حقيقة علمية أو كل معلومة علمية تجد لها في القرآن\n_________\n(^١) انظر: اتجاهات التفسير في القرآن الرابع عشر: ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢، والمعجزة القرآنية - الإعجاز العلمي والغيبي لمحمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ١٥٣، ولمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير: ٢٩٩، ونقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن لمساعد بن سليمان الطيار، ملتقى أهل التفسير على الشبكة العنكبوتية (الانترنت): ٧، وخلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين: ١٠٦، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٢١٣.\n(^٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ٢٥، والفلسفة القرآنية: ١٨.\n(^٣) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٣، ومناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.","vol":"1","page":148},{"text":"أصلًا؛ لأن القرآن لم يوضع لهذا.\nوعلى هذا يمكن أن يقال: أن التفسير العلمي للقرآن مرفوض إذا اعتمد على النظريات العلمية التي لم تثبت ولم تستقر ولم تصل إلى درجة الحقيقة العلمية.\nومرفوض إذا خرج بالقرآن عن لغته العربية.\nومرفوض إذا صدر عن خلفية تعتمد العلم أصلًا وتجعل القرآن تبعًا.\nومرفوض إذا خالف ما دل عليه القرآن في موضع آخر أو دلت عليه السنة الصحيحة (^١).\nوهو مقبول بشرط (^٢) أن يدل نص الكتاب أو السنة على الحقيقة العلمية بطريق من طرق الدلالة الشرعية، وأن لا يخالف أصلًا في الشرع، وأن لا يتذرع به لنصرة بدعة، وأن يدل الواقع على صحة هذا التفسير.\nوأن يكون هذا التفسير وفقا لقواعد اللغة العربية ومقاصد الشارع وأصول التفسير، وأن لا يخرج عن أقوال السلف، ولا يضادها، مع عدم الجزم بهذا التفسير.\nوأن يكون ممن رزقه الله علمًا بالقرآن الكريم وعلمًا بالسنن الكونية من أهل العلم الشرعي الأصيل وعلوم القرآن واللغة والعقيدة (^٣) ..\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن لمحمود شلتوت: ١١ - ١٤.\n(^٢) انظر: التبيان في أقسام القرآن: ١/ ١٦٨.\n(^٣) انظر: التفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٤٧١، وتقديم عبد المعطي البيومي لكتاب الموسوعة الكونية الكبرى لماهر ابن أحمد الصوفي، المكتبة العصرية، بيروت، ط ١: ٣٣.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة</span>\nالقرآن كلام الله والكون خلق الله، ولا يمكن أن يتعارض كلامه وخلقه، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^١).\nهذا ما يجب على كل مسلم أن يعتقده ويدين به، حتى يسلم له دينه، ولا يرتاب فيه، وأن لا يحمل القرآن كل نظرية علمية (^٢).\nولذا فلابد من هذه القاعدة الأصلية الراسخة وهي أنه لا\" يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة إلا إذا أخطا الناس في فهم الآية القرآنية أو جهلوا الحقيقة العلمية؛ لأنه لا تعارض بين القرآن والعلم مطلقًا\" (^٣).\nوكل ما يقال فيه أنه مخالف للحقائق العلمية فإنه لا يعدو أحد الاحتمالات التالية:\n١ - إما أن يكون الذي نسب إلى العلم لم يصل إلى مرحلة العلم المقطوع به، كالنظريات التي لم تتأكد بعد، أو التي لا سبيل إلى إثباتها بأدلة علمية يقينية.\n٢ - وإما أن يكون النص غير صحيح.\n٣ - وإما أن يكون الفهم الذي فهم منه النص فهم خاطئ، أو حمل\n_________\n(^١) الأعراف: ٥٤.\n(^٢) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٢.\n(^٣) الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٣٧.","vol":"1","page":150},{"text":"عباراته على اصطلاحات لفظية حادثة (^١).\nأما أن يكون النص قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، ثم يخالف الحقيقة والواقع فهذا غير موجود حتما، وليس من الممكن أن يوجد قطعًا (^٢).\nثم يقال لمن يحاول أن يوفق بين القرآن والسنة وبين الحقائق العلمية ويتكلف في ذلك حسبكم أن لا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جَدَّ ويَجِدّ من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة (^٣).\n\"ولا بد من الانتباه لما يدعيه الماديون أن فرضية من الفرضيات، أو نظرية من النظريات قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات تجعلها حقيقة نهائية أو حقيقة موثقا بها. فهذه الحقائق حقائق غير نهائية، ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجارب\n_________\n(^١) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية لعبد المجيد العرجاوي، دار وحي القلم، دمشق، ط ١: ٢٠.\n(^٢) انظر: صراع مع الملاحدة حتى العظم لعبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، ط ٤: ٢٤ - ٢٥، ٢٩ - ٣٠، والبراهين العقلية على وحدانية الرب ووجوه كماله لعبد الرحمن بن سعدي، تحقيق: باسل بن سعود الرشود، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٥٧، ٦٣، وهذا هو الإسلام لمحمد متولي الشعراوي، الدار المصرية للنشر، ١٩٨٧: ٢٠٤، والإعجاز العلمي في القرآن: ٣٦، وكتاب القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم - دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة لموريس بوكاي، دار المعارف، لبنان، ط ٤: ١٤٤، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٤٧، وأثر التدريس بالآيات القرآنية الكونية على التحصيل الدراسي لتدريس وحدة بمادة العلوم للصف الثاني متوسط لمحمد بن أحمد الغامدي، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير من كلية التربية، قسم المناهج وطرق التدريس، بجامعة أم القرى بمكة: ٥٦.\n(^٣) التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٨٥ - ٤٩٤.","vol":"1","page":151},{"text":"الإنسان، وظروف هذه التجارب وأدواتها، هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية، والأمر واضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى علمية، فهذه ليست حقائق علمية حتى بالقياس الإنساني، وإنما هي نظريات وفروض، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية إلى أن يظهر فرض أخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق، ومن ثم فهي قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة! \" (^١).\n_________\n(^١) هذا هو الإسلام: ٢٥، وانظر: الإعجاز العلمي في القرآن: ٣٦، ونقض النظريات الكونية: ٧١.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية</span>\nمن خلال الدراسة والتتبع لبعض تفسير الآيات الكونية في القرآن والسنة بالتفسير العلمي ظهر بعض المخالفات العقدية منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>أولًا: اتهام الجيل الأول من المسلمين- وفيهم رسول الله - ﷺ - بالخطأ في فهم شيء من القرآن</span>، أو خفائه عليهم (^١)، مع أنهم أعلم الناس بما جاء عن الله وعن رسوله - ﷺ -، وكذلك التنقص لتفاسير السلف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>ثانيًا: فتح باب الاستدلال بالاحتمالات والظنيات والمتغيرات على المطالب اليقينية من توحيد الربوبية والنبوة والبعث</span>، وهذا يجعل المسلم يشك في دينه وفي كتاب ربه جل وعلا (^٢)، \" مع أن المطالب العقدية الكبرى لم يجعلها الله - ﷿ - خاضعة للعلم التجريبي ولا يجوز الاستدلال عليها بوجوه هزيلة أو محتملة أو غامضة أو معقدة أو مشكوك فيها، خاضعة لاجتهاد الناس واختلاف قدراتهم وإمكاناتهم؛ وذلك أنها مطالب يقينة لا تحتمل الظنون والريب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ١٨٧، والتفسير والمفسرون: ٢/ ٥٢٣، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٢٧.\n(^٢) انظر: الفلسفة القرآنية: ١٨، ٢٠.\n(^٣) الحجرات: ١٥.\n(^٤) منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٢٩١، وانظر: الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ١٧٣.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>ثالثًا: ظن بعض الناس أن العلم - الذي يزعمونه- هو المهيمن والقرآن تابع</span>، ولذا فهم يحاولون تثبيت القرآن بهذا العلم، أو الاستدلال له من هذا العلم، مع أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (^١)، وهذا العلم المزعوم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>رابعًا: زعم بعضهم بأن ما ذكر في القرآن من حجج أنه غير كاف، وأنه إنما يصلح للأميين والأعراب</span>، أما مع تقدم العلم العصري فإنه لا بد من حجج أخرى تدل الناس في عصر العلم إلى الإيمان (^٣)، مع التركيز على أن الإعجاز العلمي والتفسير العلمي هما الوسيلة المقنعة للدعوة إلى الإسلام، وأن الوسائل الأخرى لم تعد تحرك في الناس ساكنًا؛ لأننا في عصر العلم! (^٤).\nوفي المقابل جعل بعضهم الآيات الكونية في القرآن والسنة مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها، وفي صحتها، وفي دلالتها، وأن هذه الآيات الكونية لم تكن لإقامة الحجة على نبوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- (^٥)، وإنكارهم لتلك الآيات وأن الأنبياء لا يأتون بغير المعقول! ولا بما يبدل سنة الله ونظامه في الكون (^٦).\n_________\n(^١) فصلت: ٤٢.\n(^٢) الإعجاز العلمي في القرآن: ٧، ونقض النظريات الكونية: ٧١.\n(^٣) انظر: المعجزة العلمية في القرآن والسنة: ١١، ١٨، وأصول التفسير وقواعده لخالد بن عبد الرحمن العك، دار النفائس، بيروت ط ٢: ٢٥٥، ومنهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٢٩٠، والإعجاز العلمي في القرآن: ١٣، ٤١.\n(^٤) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٥٠، ٧٧.\n(^٥) انظر: الوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١٠: ٧٢، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، مطبعة المنار، مصر، ط ١: ١١/ ١٥٥، ورسالة التوحيد لمحمد عبده: ٥ - ٦، ومنهج المدرسة العقلية في التفسير: ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(^٦) انظر: التفسير والمفسرون: ٣/ ٢٠١، تفسير القرآن الكريم - سورة البقرة لابن عثيمين: ٣/ ٢٩٤، وكبرى اليقينيات الكونية لمحمد بن سعيد البوطي، دار الفكر، بيروت، دمشق، ٢٧: ٢٢١.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>خامسًا: حصر دلالة المراد بالآيات الكونية على وجود الله</span>، وتوحيد الربوبية، وإثبات النبوة والبعث، مع عدم ذكرهم أو نسيانهم لتوحيد الألوهية ومسائل التوحيد والإيمان الأخرى، مع أن هذه الآيات الكونية والاكتشافات التفصيلية المتعلقة بها دالة على توحيد الربوبية ولو لم تكن جاءت في النص القرآني والسنة النبوية (^١).\nولهذا فإن المنهج الصحيح في الاستدلال بالمكتشفات العلمية على الربوبية أن يسن بها سنة ما ذكر في القرآن من دلالة المخلوقات على الخالق، فهي تدل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته وكماله، دلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع بما فيها من أمارات الحدوث وشواهد الإرادة المخصصة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>سادسًا: الظن بأن توحيد الربوبية هو المطلوب للفلاح عند الله</span>، ولذا تجد التركيز عليه عند غالب من تكلم في هذا الموضوع مع عدم ربطه بما يستلزمه من توحيد الألوهية (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>سابعًا: صرف الناس عن الغرض الأساس والمطلب الرئيس من القرآن وأنه كتاب هداية وإرشاد إلى أغراض أخرى </span>(^٤).\nولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات، ومن حقائق\n_________\n(^١) انظر: مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر لعبد الرحمن بن زيد الزنيدي، دار اشبيليا، الرياض، ط ١: ١٧١.\n(^٢) منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٣٠١، وانظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٢٦، ومدارج السالكين: ٣/ ٣٩٩.\n(^٣) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٦.\n(^٤) انظر: الإعجاز العلمي في القرآن: ١٩ - ٢٠، ٣٤.","vol":"1","page":155},{"text":"عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن (^١)، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>ثامنًا: التأويل المستمر- مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن </span>وحملها على الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>تاسعًا: رد بعض الأحاديث الصحيحة أو تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة بحجة أن التفسير العلمي لهذه الآيات الكونية يخالف أو يوافق ما ذكر في هذه الأحاديث </span>(^٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>عاشرًا: إحداث طريقة مبتدعة لإثبات وجود الخالق وربوبيته وإثبات النبوة لم يكن عليها السلف</span>، وذلك بالنظر في المخلوقات والمعجزات على مقتضى قواعد وأصول محدثة (^٥).\nمثل قول بعضهم: إن الرسالة لا تثبت إلا بعد النظر والتفحص لآيات الأنبياء، ثم نشهد لهم بذلك.\n_________\n(^١) عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: ١١٥.\n(^٢) فصلت: ٥٣.\n(^٣) التفسير العلمي للقرآن في الميزان: ٤٢٠.\n(^٤) انظر: تقويم الأعمال التي تناولت الإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية لأحمد أبو الوفاء عبد الآخر، ضمن بحوث ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية، عام ١٤٢٥، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، مطبوع بالحاسب الآلي: ١٣، والتفسير العلمي للقرآن في الميزان: ١٠٨، والآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٧٧.\n(^٥) انظر: توحيد الخالق لعبد المجيد الزنداني: ١٢٢ - ١٢٣، والفرقان في بيان إعجاز القرآن لعبد الكريم بن صالح الحميد، ط ١: ٤٣.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة</span>.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث.\nالمطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث </span>(^١)\nالمنهج التجريبي هو: المنهج القائم على الملاحظة والتجربة معًا، أو يبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ يقينية تمامًا حتى تصل إلى \"قضايا عامة مستخدمين في كل خطوة التجربة حتى نضمن صحة الاستنتاج، وهو منهج العلوم الطبيعية على وجه الخصوص\" (^٢).\nوهو يمر بثلاث مراحل:\n١ - الملاحظة أو المشاهدة.\n٢ - الفرض.\n٣ - التجريب (^٣).\n٤ - القانون العلمي\nويقوم المنهج التجريبي على ثلاث قواعد (^٤) وهي:\nالقاعدة الأولى: إنكار كل المغيبات التي لا يمكن إخضاعها للملاحظة والتجربة.\n_________\n(^١) انظر: مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر: ١٥٨، ونقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٤.\n(^٢) مناهج البحث العلمي لعبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط ٣: ١٨ - ١٩، المعجم الوسيط: ٢/ ٦٢٤.\n(^٣) المرجع السابق: ١٣١.\n(^٤) مناهج البحث في العقيدة ليوسف بن محمد السعيد، ضمن مجلة الدراسات العربية، كلية دار العلوم جامعة المنيا، العدد (٧)، ٢٠٠٢: ٣٠٠.","vol":"1","page":159},{"text":"القاعدة الثانية: الزعم بأن حتمية القوانين الطبيعية وقوانين التطور العلمي يمكن الاستغناء بهما عن افتراض وجود الله.\nالقاعدة الثالثة: ادعاء كفاية المنهج العلمي في المعرفة من ناحية، والقيم من ناحية أخرى عن المناهج المعرفية التي تعتمد على الدين.\n\nويختلف العلم التجريبي في القرآن عن العلم الحديث بما يلي:\nأولًا: أن القرآن الكريم كتاب هداية، أنزله الله تعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (^٢)، تلك هي مهمة القرآن الأصلية، وقد وضحت سبل الهداية فيه: في عقائده وتشريعاته، وكانت مظاهر القدرة في الآيات الكونية فيه وسيلة من وسائل الاحتجاج للحق الذي جاء به (^٣).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم الرمل والنجوم والهندسة ... ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به، وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها: وهي بين ظنون كاذبة - وإنّ بعض الظن إثم - وبين علوم غير نافعة، نعوذ بالله من علم لا ينفع، وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها\" (^٤).\n_________\n(^١) الإسراء: ٩.\n(^٢) إبراهيم: ١.\n(^٣) عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: ١٠٣، ومناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر: ١٤٧.\n(^٤) الصواعق المرسلة: ٣/ ٨٧٥ - ٨٧٦، باختصار.","vol":"1","page":160},{"text":"فإشارة القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول، ولم ينَزَّل القرآن من أجلها، أما المعلومات الدنيوية بما فيها العلوم التجريبية فإنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعًا وليس أصالةً؛ أي أن القرآن لم يقصد أن يذكرها على أنها حقيقة علمية مجردة، بل ليستدل بها مثلا: على توحيد الله وأحقيته بالعبادة، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات اليوم الآخر، أما أهل العلم الحديث فهي مقصدهم الأول (^١).\n\nثانيًا: لا توجد آية كونية ورد الإشارة إليها في كتاب الله، إلا وهي مدركة لجميع المخاطبين بها، يستوي في ذلك المتقدمون والمتأخرون، فالمتقدمون قد فهموا المراد بها على نحو ما انتهى إليه علمهم، وأدركوا دلالتها على ما سيقت له، وإنما حصل للمتأخرين زيادة في معرفة التفاصيل، ولعل مما يشبه ذلك معرفتنا اليوم بمعاني الآيات التي تتحدث عن أهوال يوم القيامة، ثم مشاهدتها على الواقع حين حصولها، فمعرفتنا اليوم بالمعاني كمعرفة الرسول - ﷺ - بتلك المعاني، ومعرفتنا يوم نرى الواقع كمعرفة العلماء اليوم (^٢).\nأما العلم الحديث فإن القضايا العلمية التي يفسرها لا يدركها إلا الخواص من الناس، ولا يوصل إليها إلا بالمراس.\nثالثًا: أنه ليس هناك تعارض أو تناقض بأي حال، ولا من أي نوع بين أي نص قرآني صريح في دلالته، وبين أي حقيقة علميه بلغت يقين المعاينة، والمشاهدة، ضرورة أن خالق الكون سبحانه هو منزل القرآن الكريم، ولن يكون تناقض أبدا بين قول الله تعالى وبين خلقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٣)، أما\n_________\n(^١) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٥.\n(^٢) انظر: منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٣٠٢.\n(^٣) الأعراف: ٥٤.","vol":"1","page":161},{"text":"العلم الحديث فإن ما أثبته بالأمس نقضه اليوم، وما يثبته اليوم سينقضه بالغد.\nرابعًا: أن بعض الحقائق التي وردت في القرآن والسنة لا يمكن أن تدخل تحت العلم التجريبي (^١)، مثل خلق الكون، والإنسان، والأمور المستقبلية الغيبية مما يحدث للكون عند قيام الساعة (^٢).\nخامسًا: القرآن يقرر القضية حقيقة حيث كانت وانتهت، وهي حقائق قطعية، فهو تقرير من العليم بأسرارها، الخبير بدقائقها، المحيط بعلومها ومعارفها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٣).\nأما العلم التجريبي فهو يبدأ في البحث عنها من البداية حتى يصل إلى الحقيقة العلمية، فهو علم احتمالي في حقائقه وقوانينه (^٤).\nسادسًا: ما ذكر في القرآن من حقائق وفق سنن كونية معينة فإن الله قادر على تغييرها إذ شاء، أما أهل العلم التجريبي المعاصر فإنهم ينكرون ذلك (^٥).\nسابعًا: ظن بعضهم أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي لا تتحقق إلا بتتبع جزئيات الحقائق العلمية وأفرادها وربطها بالإشارات القرآنية، مع أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي متحققة بالمنهج العلمي الاستدلالي وطريقة التفكير النقدي التي يقررها القرآن، ويشهد على ذلك انسجام القضايا الكلية الكبرى في القرآن مع معطيات المنهج العلمي المعاصر (^٦)، وقبل ذلك استدلال القرآن\n_________\n(^١) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٣٨، ومناهج البحث العلمي: ١٣١ - ١٣٢، وصراع مع الملاحدة حتى العظم: ٣٢.\n(^٢) انظر: مناهج البحث في العقيدة: ٣٠٠، وكبرى اليقينيات الكونية: ٢٢٥.\n(^٣) الملك: ١٤.\n(^٤) انظر: مناهج البحث العلمي: ١٤٤، الإسلام يتحدى: ١٤٠، مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر: ١٥٠.\n(^٥) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: ٢٠٣.\n(^٦) انظر: كبرى اليقينيات الكونية: ٣٤.","vol":"1","page":162},{"text":"على المشركين وإلزامهم بما تدل عليه هذه الآيات الكونية من توحيد الربوبية المستلزم لتوحيد الألوهية (^١).\nثامنًا: وسائل المعرفة في القرآن متعددة، أما أصحاب المنهج التجريبي فإنهم يحصرون المعرفة بالتجارب، فكل معرفة حقة عندهم مرتبطة بالتجارب، بحيث يمكن فحصها أو إثباتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة (^٢)، مع أن الحقائق التي يمكن مشاهدتها والتي يمكن عمل التجارب عليها قليلة (^٣).\nتاسعًا: القرآن يذكر القضية العلمية مجملة غير مفصلة في الغالب، أما العلم التجريبي فينحو إلى تفصيل القضية العلمية (^٤).\n_________\n(^١) انظر: منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية: ٢٩٣.\n(^٢) الإسلام يتحدى: ٢٦.\n(^٣) المرجع السابق: ٤٧.\n(^٤) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٥.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية</span>\nقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أعلم بالقرآن وبعلومه وما أُودع فيه من غيرهم، وكان كلامهم في القرآن عن ما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يتبع ذلك، ولم يكن لهم خوض في تفاصيل الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية، ولا يعني هذا أنهم كانوا لا يعرفونها ولا يتأملون فيها، لا؛ بل إنهم لا يتوسعون في ذلك (^١)؛ لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السموات والأرض وفى الأنفس، لا يُراد منه إلا التدبر والتفكر في هذه الآيات، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته فيها (^٢)، ويثبت له بالحجج الواضحة قدرة الله ووجوده ووحدانيته (^٣).\nوهذا هو المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية ليعمل الإنسان فكره وعقله في الآيات الكونية فيقوده ذلك إلى إفراد الله بالعبادة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الموافقات: ٢/ ١٢٧، قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارض: ٣٣، والمعجزة القرآنية - الإعجاز العلمي والغيبي: ١٠، ١٤٧، الإعجاز العلمي في القرآن: ٤٦ - ٤٧.\n(^٢) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٩٣، والمعجزة العلمية في القرآن والسنة: ٤٥.\n(^٣) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: ٢٠٦، والإعجاز العلمي في القرآن: ١٩.\n(^٤) انظر: الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: ٢٧.","vol":"1","page":164},{"text":"قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nفهو لم يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه فهو كتاب هداية وإعجاز، وإذا ذكر فيه شيء من الكونيات فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق، وللاستدلال بها على توحيد الله وأحقيته بالعباده، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات إمكانية البعث، أو غير ذلك (^٣)، ولا يقصد القرآن مطلقا من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة أو غيرها (^٤)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) يونس: ١٠١.\n(^٢) الجاثية: ١٣.\n(^٣) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن: ١٥.\n(^٤) انظر: مناهل العرفان: ٢/ ٢٧٦.\n(^٥) البقرة: ٢.\n(^٦) المائدة: ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية\nوالدراسات حولها وصلتها بالعقيدة</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.\nالمطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة.\nالمطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية</span>\nإن من عقيدة أهل الإسلام التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٢)، فالغيب لله تعالى وحده؛ ولكن من فضل الله ﵎ أنه يطلع بعض رسله على شيء منه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (^٣).\nإلا أن هناك أمورا اختص الله ﵎ بعلمها فهي من الغيب المطلق (^٤) الذي لا يطلع الله ﵎ عليها أحد، ومن ذلك: علم الساعة، متى تقوم؟ فهذه علمها عند الله لا يجليها لوقتها إلا هو، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) النمل: ٦٥.\n(^٢) الأنعام: ٥٩.\n(^٣) الجن: ٢٦ - ٢٧.\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ١١٠، ٢٤/ ٢٥٧، ٢٥٨.\n(^٥) الأعراف: ١٨٧.","vol":"1","page":169},{"text":"ومعرفة الغيب المستقبل لا بد أن يكون الانشغال به ومعرفته عن طريق المصدر الحق؛ فإن مصادر معرفة المستقبل تنقسم إلى ثلاثة أنواع (^١):\nالنوع الأول: مصادر باطلة قطعًا، وما توصل إليه فهو باطل، ومن ذلك ما تحصل معرفته عن طريق التنجيم والكهانة والشعوذة ونحوها (^٢).\nالنوع الثاني: مصادر ظنية، كالرؤى والمنامات، وما عند أهل الكتاب من أخبار مما لم يأت في ديننا ما يدل على بطلانه، وكالدراسات القائمة على الاجتهاد والنظر في سنن الله الكونية.\nالنوع الثالث: المصدر الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوقد ورد في القرآن والسنة الإخبار عن بعض الأمور الغيبية المستقبلية (^٣) التي تحدث لبعض الآيات الكونية في آخر الزمان مما يكون من علامات الساعة، وعند قيامها، مما يستحيل تفسيره مهما تقدمت العلوم وتطورت، ومهما أكتُشف من حقائق الكون (^٤).\nكما لا يمكن إخضاعه للتجربة، وهو أمر لا يتكرر، ولا يستطيع أحد أن يدخله في مفردات العلوم الطبيعية والكونية، وهو مما حجب الله تعالى علمه؛\n_________\n(^١) انظر: من معالم المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية لهاني بن عبد الله الجبير، مجلة البيان، الرياض، ١٤٢٩: ١١٣.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ٤/ ٨٣.\n(^٣) انظر: البداية والنهاية: ١٩/ ٢٨، ٢٥٥، ٢٦٩، ٣٨٠ - ٤٠٠، وقيام الساعة كما يرأها العلم الحديث لعمر بن محمود الراوي، دار وحي القلم، دمشق، ط ١: ٥ - ١٠.\n(^٤) انظر: كبرى اليقينيات الكونية: ٣٠١، والفلك وعلاقته بالعقيدة في الكتاب والسنة لعبد الله بن محمد الأنصاري، بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة: ٤٣٥.","vol":"1","page":170},{"text":"لحكمة يعلمها (^١).\nولهذا لا يجوز لنا أن ندخل في هذه الأمور وتفاصيلها إلا بما جاء في الكتاب والسنة (^٢).\nوبعض ما يذكر من الدراسات ينبغي أن لا يجزم به وبتفاصيله لئلا يخالف المقطوع به من عدم إدراك الغيب، ويمكن الاستفادة منه وفق ضوابط شرعية (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٤٢٥.\n(^٢) انظر: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد: ٢١، وعالم الغيب والشهادة لعثمان جمعة ضميرية، دار السوادي، جدة، ط ١: ٥٨، ١١٢.\n(^٣) انظر: من معالم المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية: ٦٥.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة</span>\nإن كثيرًا من أمور الدين وعقائده إنما هي إيمان بالغيب، فالحياة البرزخية غيب، والحياة الآخرة غيب، من قيام الساعة إلى البعث والنشور إلى الحساب والميزان ... كل هذا غيب يجب الإيمان به.\nوقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم عن بعض الأمور الغيبية، وأخبرنا أنها ستقع، ووقعت هذه الأمور التي أخبر الله عنها على نحو ما أخبر، مما يعرفه المؤمن والكافر، والبر والفاجر.\nفالتنكر للإيمان بالغيب إلحاد ونقص في العلم، والإيمان به من صفات عباد الله المؤمنين المهتدين المفلحين، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١).\nودراسة الغيب المستقبل والإطلاع عليه من أمور الدين التي جاء بها رسولنا - ﷺ -، فقد أخبر الله - ﷿ - عن بعضها، وأخبر الرسول - ﷺ - عن بعضها، وعلَّم ذلك كله للصحابة - ﵁ -، واهتموا به وسألوا عنه؛ لأنه من عقيدتهم، ومن ذلك أن عائشة - ﵂ - سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٢)، أين يكون الناس يومئذ؟ فقال ﵊: \" على الصراط\" (^٣).\n_________\n(^١) البقرة: ٢ - ٥.\n(^٢) إبراهيم: ٤٨.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة: ٤/ ٢١٥٠ برقم (٢٧٩١).","vol":"1","page":172},{"text":"بل إن المشركين قد سألوا رسول الله - ﷺ - عن أمر غيبي مستقبلي وهو: إعادتهم بعد موتهم منكرين بذلك البعث، مستبعدين له، فاحتج الله عليهم بخلق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^١)، فاحتج تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ذلك، بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك (^٢).\n\nوهذه الدراسات لها صلة وثيقة بالعقيدة من جهة أن هذه الدراسات تتكلم عن أمور غيبية.\nوقد جرّت هذه الدراسات ممن لا يؤمن بالغيب إلى إنكار ما أخبر الله عنه ورسوله - ﷺ - مما يكون في أخر الزمان، منكرين بذلك قدرة الله، نافين لحكمته.\nأما أهل الإيمان الذين يؤمنون بالغيب وبقدرة الله وحكمته، وأن الله على كل شيء قدير فكانت عقيدتهم في ذلك الإيمان والتسليم، وعدم الدخول فيما لا علم لهم به وعدم التكلف والتنطع في ذلك، فإن الكلام في مثل هذه الأمور ليس من موضوع علوم الفلك ونحوها (^٣)، وإنما يتكلم فيه حسب النصوص الشرعية، مع الجزم واليقين بوقوعها لأن الله أخبرنا بذلك، قال\n_________\n(^١) الإسراء: ٩٨ - ٩٩.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩، والكون والإنسان في التصور الإسلامي لحامد صادق قنيجي، مكتبة الفلاح، الكويت، ط ١: ٧٣.\n(^٣) انظر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة بالبرهان لمحمود شكري الألوسي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٧٩.","vol":"1","page":173},{"text":"تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^١)، وقال تعالى مخبرًا عن حال الراسخين في العلم مع القرآن: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢).\nثم إن الإيمان بهذه الأخبار - إذا تحققنا صحتها- هو من الإيمان بالله، والإيمان برسوله - ﷺ -، إذ كيف نؤمن بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما! .\nووقوع تلك المغيبات على النحو الذي جاءت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه، وقد يكون ذلك مدخلًا لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي جاءنا من ربنا.\nوكذلك تثبيت الإيمان بيوم القيامة، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله - ﷺ -، والإيمان به إحدى دعائم الإيمان، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به النصوص دليل واضح بَيِّن على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة، فالكل من عند الله ﵎.\n_________\n(^١) البقرة: ٢٨٥\n(^٢) آل عمران: ٧.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية\nحول الآيات الكونية المستقبلية</span>\nبالإضافة إلى ما سبق ذكره من المخالفات العقدية في التفسير العلمي عمومًا (^١)، فإن الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية يتعلق بها بعض المخالفات لتعلقها بالإيمان بالغيب.\nأولًا: الرجم بالغيب فيما يحصل للكون، والخوض في تفصيلات بعض الآيات الكونية المستقبلية دون مراعاة للضوابط الشرعية، وعدم الرجوع إلى ما ورد في الكتاب والسنة (^٢).\nثانيًا: تفسير القرآن وإخضاعه لتلك الدراسات (^٣) دون رجوع لفهم الصحابة والسلف لكتاب الله - ﷿ - وسنة نبيه - ﷺ -، قال ابن مسعود - ﵁ - لما سمع رجل يقص على أصحابه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٤)، قال: \" من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: ص: ١٣٩.\n(^٢) انظر: التفسير والمفسرون: ٢/ ٥٦٨، وتفسير جزء عمّ لمحمد عبده، والموسوعة العربية العالمية: ٢٠/ ٣١٥.\n(^٣) انظر: تفسير القرآن لمحمود شلتوت: ١٣.\n(^٤) الدخان: ١٠.\n(^٥) ص: ٨٦.\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الروم: ٩٣١ برقم (٤٧٧٤).","vol":"1","page":175},{"text":"ثالثًا: التنطع والتكلف في السؤال عن الأمور الغيبية (^١)، وإشغال النفس بها مع أن العلم بها لا يترتب عليه عمل شرعي.\nرابعًا: تحكيم العقل في فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية بحجة عدم موافقتها لتلك الدراسات العلمية (^٢).\nخامسا: إنكار المغيبات المستقبلية بحجة أنه لا يمكن الوصول إلى يقين علمي بشأنها إلا عن طريق التجربة والمشاهدة، وأن إنكارهم يقوم على دعامتين من العلم التجريبي، والعقل المادي (^٣)، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (^٤).\nسادسًا: الإيمان بما أخبر الله به ورسوله مع الشك والتردد في ذلك، والتصديق بما في بعض تلك الدراسات مما لم يؤيده كتاب ولا سنة، فهو يؤمن ببعضها، ويكذب ببعضها الأخر، فاتبع في إيمانه غير سبيل المؤمنين.\nسابعًا: التحريف لبعض الآيات الواردة في الكتاب والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية؛\nلأن الغيبيات والمعجزات لا تقع غالبا تحت الحس، ولا تخضع لمألوف العقل البشري، ولا تجري على السنن المعتادة، ولذا أقدم بعضهم على إنكارها؛ وحاول آخرون تحريفها (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن لمحمود شلتوت: ٣٨٣.\n(^٢) انظر: اتجاهات التفسير في العصر الراهن: ١٣٧.\n(^٣) انظر: تقديم محمد سعيد البوطي لكتاب الموسوعة الكونية الكبرى: ٢٠، والمعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل لعبد الفتاح إبراهيم سلامه، مطبوع بالحاسب: ١.\n(^٤) النمل: ٦٥ - ٦٦.\n(^٥) انظر: المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل: ٢، ٦، والجواهر في تفسير القرآن: ١٣/ ٢٥١ - ٢٥٢.","vol":"1","page":176},{"text":"ثامنًا: إنكار قدرة الله تعالى، واستبعاد وقوع ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله - ﷺ -.\nقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).\nفمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (^٢).\n_________\n(^١) الزمر: ٦٧.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٣١، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٦٧.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الرابع: الأسباب، وصلتها بالآيات الكونية</span>\nوفيه تمهيد وأربعة مباحث:\nالمبحث الأول: أنواع الأسباب.\nالمبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة.\nالمبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية.\nالمبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية لا ينافي كونها آية من آيات الله.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>تمهيد</span>\nالأسباب جمع سبب، والسبب في اللغة يطلق على عدة معان (^١):\nفقد يقصد به ما يتوصل به إلى غيره، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (^٢).\nوقد يأتي بمعنى الحبل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (^٣) أي بحبل (^٤). وهو من الحبال القوي الطويل.\nوقد يأتي بمعنى الباب، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ (^٥) أي أبواب السماوات (^٦).\nوقد يأتي بمعنى الشفيع، كما في قولهم: \"وجعلت فلانًا لي سببًا إلى فلان في حاجتي\"، أي وصلة وذريعة.\nوقد يأتي بمعنى الحياة، كما في قولهم: \" قطع الله به السبب\"، أي الحياة؛ لأنه يتوصل به إلى المقصود.\nوقد يأتي بمعنى المودة، يقال: تقطعت بهم الأسباب أي الوصل\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة: ١٢/ ٣١٣ - ٣١٤، ولسان العرب: ٣/ ١٩١٠ - ١٩١١، والقاموس المحيط: ٨٩، مادة سبب، ونزهة الأعين النواظر في علم الأشباه والنظائر لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق: محمد بن عبد الكريم الراضي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣: ١٣٥.\n(^٢) الكهف: ٨٤.\n(^٣) الحج: ١٥.\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ١٧/ ١٤٩، وتفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦ - ١٠٧، وتفسير السعدي: ٣/ ٩٨١.\n(^٥) غافر: ٣٦ - ٣٧.\n(^٦) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٧٦، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٨٦.","vol":"1","page":181},{"text":"والمودات، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (^١).\nوقد يأتي بمعنى الطريق؛ لأنه بسلوكه يوصل إلى الموضع الذي تريد (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (^٣) الآية.\nوالخلاصة أن السبب في اللغة معناه: كل ما يتوصل به إلى المقصود.\nوالسببية تعني العلاقة بين السبب والمسَبَّب (^٤).\nوفي الاصطلاح عند الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.\nفهو أمر ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على مسبَّبه، ويلزم من وجوده وجود المسبَّب، ومن عدمه عدمه لذاته (^٥).\n_________\n(^١) البقرة: ١٦٦.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ١٧/ ١٤٩، وتفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٣) الكهف: ٨٤ - ٨٥.\n(^٤) المعجم الوسيط، طبعة مكتبة الشروق، ط ٤: ٤١٢.\n(^٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن محمد الآمدي، تعليق: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط ١: ١/ ١٧٠، وشرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول لأحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: محمد الشاغول، المكتبة الأزهرية، القاهرة، ٢٠٠٥ م: ٧٦، وشرح الكوكب المنير لمحمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، مكة، ١٤٠٠: ١/ ٤٤٥، وإتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعبد الكريم بن علي النملة، دار العاصمة، الرياض، ط ١: ٢/ ٢١٨.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المبحث الأول: أنواع الأسباب</span>\nتنقسم الأسباب إلى نوعين (^١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>النوع الأول: أسباب حسية:</span>\nوهي الأسباب التي عرفت عن طريق الحس (^٢) والتجربة، مثل الأدوية، وحصول الكسوف بسب وقع القمر بين الشمس وبين أبصار الناس (^٣)، ونزول المطر عند تراكم السحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>النوع الثاني: أسباب شرعية:</span>\nوهي الأسباب التي يكون الأصل في اعتبارها أسبابًا النصوص الشرعية، كحصول الكسوف تخويفًا من الله لعباده، ونزول المطر بسب الاستغفار.\n\nوتنقسم الأسباب من حيث الظهور والخفاء إلى نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>النوع الأول: أسباب غير ظاهرة (خفية):</span> وهي ما كان من علم الغيب الذي استأثر الله به، ولا يمكن أن تعلم إلا عن طريق الشرع، كولادة عيسى - ﵇ - من غير أب حيث كانت من غير سبب ظاهر موجب للحمل، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٥/ ١٠٥، وإعلام الموقعين: ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤، والتشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي لعبد القادر عودة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٥: ١/ ٤٥١، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١/ ١١٠، ١٦/ ٢٨٩، والشرح الممتع على زاد المستقنع لمحمد بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٥/ ١٧٦، .\n(^٢) الحس: هو الدليل المأخوذ من الرؤية البصرية أو السمع أو الذوق أو الشم. الصحاح: ٤/ ٥٥.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٥/ ١٨٥.","vol":"1","page":183},{"text":"أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>النوع الثاني: أسباب ظاهرة:</span> وهي ما كان معلومًا بالتجربة والحس (^٢)، كولادة عموم الناس.\nوقد يجتمع في الشيء الواحد سبب ظاهر وسبب خفي، فالكسوف والخسوف لهما أسباب ظاهرة يعلمها الناس عن طريق الحساب وعلوم الفلك، ولهما أسباب غير ظاهرة لا تعلم إلا عن طرق الشرع، فهما آيتان يخوف الله بهما عباده (^٣).\nولا تنافي بينهما - أي السبب الظاهر والخفي-؛ لأن الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها، وأنها عقوبة، لها أسباب طبيعية يقدرها الله حتى تكون المسبَّبات، وتكون الحكمة من ذلك هي تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤)، \"ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر\" (^٥).\n_________\n(^١) آل عمران: ٤٧.\n(^٢) انظر: الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، مؤسسة الريان، بيروت، ط ١: ٣٠٥.\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١٦/ ٢٨٩.\n(^٤) الروم: ٤١.\n(^٥) الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٥/ ١٧٧.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة - حكمها</span>-\nتنقسم الأسباب في الشريعة إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>أولًا: أسباب شرعية:</span> وهي التي حثت الشريعة على العمل بها ودعت إليها، كالرقية الشرعية، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (^١)، قال تعالى عن هود - ﵇- أنه قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>ثانيا: أسباب مباحة:</span> وهي الأسباب التي عرفت عن طريق القدر (^٤) - التجربة-، ولم يكن بها مخالفة شرعية، وأن يكون أثرها ظاهرًا مباشرًا، مثل الأدوية.\nوهذان الشرطان حتى لا يقول أحد أني جربت هذا الأمر فوجدته نافعًا، كمن يلبس الحلقة ويعتقد أنها تنفع أو تضر فينتفع (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>ثالثا: أسباب غير شرعية:</span> وهي الأسباب التي جاءت الشريعة بتحريمها أو لم يثبت كونها أسبابًا عن طريق القدر - التجربة- (^٦).\n_________\n(^١) فصلت: ٤٤.\n(^٢) هود: ٥٢.\n(^٣) النحل: ٦٩.\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٦، ٤٢٦، وفتاوى اللجنة الدائمة: ٨/ ٣٢٢.\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى: ١/ ١٣٧، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢: ١/ ١٦٤.\n(^٦) انظر: الموافقات: ١/ ٣٠٧.","vol":"1","page":185},{"text":"وقد تكون هذه الأسباب شركًا أكبر، أو شركًا أصغر، أو محرمة (^١).\nفتكون شركًا أكبر إذا كان السبب خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يعتقد أن هذا النجم يفعل بذاته، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا النجم تصرفا في الكون.\nوتكون شركًا أصغر إذا اعتقد سببًا لم يثبت كونه سببًا لا شرعا ولا حسا; فهذا نوع من الشرك الأصغر، كأن يعتقد أن دخول النجم الفلاني سبب في نزول المطر; لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب (^٢)، ولأن الأسباب قد يكون ارتباطها بمسبباتها ارتباطًا غيبيًا لا يدرك فكيف يقال: إن هذا الشيء سبب لهذا الشيء وهو غير محسوس؟ ففيه نوع من ادعاء علم الغيب.\nقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣)، فسمى الله من يشرع أقوالا وأفعالا وأحكاما لم يأذن بها الله سماهم شركاء، فمن جعل سببا بسبب وهو ليس بسبب شرعي أو قدري كوني فقد وقع في الشرك الأصغر، لأن الله ﷾ لم يأمرنا بهذه الأسباب، فكأنه شرع أسبابًا لم يأذن الله بها (^٤).\nأو \"أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبِّب، وهو الله - ﷿ - وعدم صرف قلبه إليه; فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شركًا\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق: ١/ ٣٢١.\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٧: ٤٥٤ - ٤٦٠، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٢٠٣.\n(^٣) الشورى: ٢١.\n(^٤) انظر: الموافقات: ١/ ٣٤٤.","vol":"1","page":186},{"text":"أكبر; لأن هذا السبب جعله الله سببا\" (^١).\nفعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أنه قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب \" (^٢).\nفإضافة الآية إلى السبب على أنه فاعل بذاته أو أنه سبب ولم يجعله الله سببًا فهذا إخلال بتوحيد الربوبية (^٣).\nفإذا اعتقد أن الكوكب يفعل بذاته فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه سبب فهو شرك أصغر.\nوتكون الأسباب محرمة إذا استعمل ما حرمه الله لجلب منفعة أو دفع مضرة، فعن طارق بن سويد الجعفي - ﵁ - أنه سأل النبي - ﷺ - عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: \"إنه ليس بدواء ولكنه داء \" (^٤).\n\nوالناس في الأسباب طرفان ووسط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الأول: من ينكر الأسباب</span>، وأنه ليس لها تأثير البتة وهذا فيه مكابرة للمعقول.\n_________\n(^١) القول المفيد: ١/ ١٨٣.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم: ١٧٢، برقم (٨٤٦).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٦٧، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٢٠٢.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر: ٣/ ١٥٧٣ برقم (١٩٨٤).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب </span>حتى يجعل ما ليس بسبب سببًا، بل جعل بعضهم الأسباب فاعلة بذاتها وهذا شرك بالله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله</span>، سواء كان سببًا شرعيًا أو كونيًا (^١).\nفإنكار الأسباب بالكلية قدح في الشرع والالتفات والاعتماد عليها بالكلية شرك أكبر والأخذ بها مع التوكل على الله هو دين الإسلام (^٢)، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^٣).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد، فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما: شرك، والآخر: عبودية وتوحيد، فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبِّب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها، وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المسبِّب.\nوأما محوها أن تكون أسبابا فقدح في العقل والحس والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٦٨، والرد على المنطقيين: ٣٠٥، ومفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٢، والقول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ١/ ١٦٤، وكسوف الشمس بين التخويف والتزييف لذياب بن سعد الغامدي، مكتبة المزيني، الطائف، ط ١: ٤٩.\n(^٢) انظر: إحياء علوم الدين: ٤/ ٢٩٠، ٢٩٥، ومجموع الفتاوى: ٨/ ١٧٥، ٥٢٧، ومنهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط ١: ٥/ ٣٦٦.\n(^٣) يوسف: ٦٧.","vol":"1","page":188},{"text":"وحقيقة التوكل القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبِّب، واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه\" (^١).\nثم قال - ﵀ -: \" فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى الله، ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم\" (^٢).\nإلى أن قال - ﵀ -: \" وقد جمع النبي - ﷺ - بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث قال: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز\" (^٣)، فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبِّب، ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها، فالدين كله، ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية\" (^٤).\nثم إن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب، وما سبق في علم الله وحكمه لا ينافي إثباتها، ولا يقتضي إسقاطها، قال ابن القيم - ﵀ -: \" وما سبق به علم الله وحكمه حق، وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا، فسبق العلم\n_________\n(^١) مدارج السالكين: ٣/ ٤٩٩.\n(^٢) المصدر السابق: ٣/ ٥٠٠.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله: ٤/ ٢٠٥٢ برقم (٢٦٦٤).\n(^٤) مدارج السالكين: ٣/ ٥٠١. وانظر: مجموع الفتاوى: ٨/ ١٧٥، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم، تحقيق: مصطفى أبو النصر الشلبي، مكتبة السوادي، جدة، ط ٢: ٢/ ٨٢.","vol":"1","page":189},{"text":"والحكم بحصوله عن سببه، فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه، فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق؛ بل كان شهوده غيبة ونظره عمى، فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره\" (^١).\nبل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع، وهو حاصل بالقدر، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى الشام وعلم في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة - ﵃ - هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة؟ .\nفاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجع إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح - ﵁ - فقال: يا أمير المؤمنين، \" كيف ترجع إلى المدينة؟ أفرارا من قدر الله\"؟ . فقال عمر - ﵁ -: \" نفر من قدر الله إلى قدر الله \"، ثم بعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - وكان متغيبًا في بعض حاجته، فحدثهم أن النبي - ﷺ - قال عن الطاعون: \" إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه\" (^٢).\nولما سُئل الرسول - ﷺ -، أريت رقى نسترقيها، وأدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: \"هي من قدر الله\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق: ٣/ ٥٠٠.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون: ١١٢٣ برقم (٥٧٢٩)، وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٢/ ٨٣ - ٨٤.\n(^٣) رواه الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى والأدوية: ٣٤٣ برقم (٢٠٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء: ٣٧٢ برقم (٣٤٣٧).","vol":"1","page":190},{"text":"فبين - ﷺ -: \" أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب\" (^١).\nفالمسلم يأخذ بالأسباب؛ لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة لأنه مأمور بمراعاتها، لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج، فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء الواجب والسعي والعمل واتخاذ الأسباب امتثالًا وطاعة لأمر الله (^٢).\nويعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله - ﷿ - (^٣).\nويعلم أن الأخذ بالأسباب بمسبباتها، فربط المطر بوجود السحاب، وربط إنجاب الولد بالزواج، وربط دخول الجنة بالعمل الصالح، فالمسبَّب لا يقع إلا إذا وقع سببه، لكن قد يقع السبب، ويختلف عنه سببه لحكمة يعلمها الله تعالى، فقد يوجد السحاب ولا يوجد المطر، لكن لا يوجد مطر إلا بسحاب، وقد يوجد الزواج ولا يوجد الولد، لكن لا يوجد ولد إلا بجماع بالأسباب المعتادة.\n\"ذلك أن شأن الأسباب تحصل عند مسبباتها، وقد يختلف ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب الحاصلة في وقت واحد، أو لكون السبب الواحد قد يكون سببًا لأشياء متضادة باعتبارات فيخطئ تعاطي السبب\n_________\n(^١) رسالة في تحقيق التوكل لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن جامع الرسائل، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط ١: ٩٤.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ١/ ١٣٧، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، تحقيق: محمد جميل غازي، مطبعة المدني: ١٨.\n(^٣) القول المفيد في شرح كتاب التوحيد: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.","vol":"1","page":191},{"text":"في مصادفة المسبب المقصود\" (^١).\nثم إن الله - ﷿ - وإن كان خالقًا للأسباب التي تترتب عليها مسبَّباتها حسب سننه تعالى، فإن ما كان منها شرًا فإنه لا ينسب إليه سبحانه كما قال - ﷺ -: \" والخير كله في يديك والشر ليس إليك\" (^٢).\nفالسبب\" قبيحا من فاعله فلا يقتضى أن يكون قبيحا من خالقه، كما أن كونه أكلا وشربا لفاعله لا يقتضى أن يكون كذلك لخالقه؛ لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره، كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلمًا كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما أو صلاة أو صياما أو طوافا كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف، وكذلك إذا خلق في غيره رائحة خبيثة منتنة كان هو الخبيث المنتن ولم يكن الرب تعالى موصوفا بما خلقه في غيره\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير التحرير والتنوير: ١٣/ ٢١ - ٢٢، وانظر: مجموع الفتاوى: ٨/ ٧٠، ١٣٣، وكلاما كثيرا لعلماء الطبيعة في تخلف الأسباب عن المسببات، وأن هذا أمر معروف، في كتاب الشواهد والنصوص من كتاب الأغلال على ما فيه من زيغ وكفر وضلال بالعقل والنقل لمحمد بن عبد الرزاق حمزة، نشر: عبد الله محمد بابا الشنقيطي: ٢٦ - ٣٥.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٣٥ برقم (٧٧١).\n(^٣) منهاج السنة النبوية: ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وانظر مجموع الفتاوى: ٨/ ١٢٣.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية</span>\nالكون كله أشياءه وأحياءه من خلق الله وإبداعه، أراده الله سبحانه فكان، وليس لشيء ولا لحي في هذا الكون من أمر الخلق ولا التدبير ولا المشاركة شيء بحال، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^١).\nكما أن هذا الكون قائم على أساس العدل والحق والنظام والإحكام، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (^٣).\nفهذا الكون العظيم خاضع لسنن تحكمه فتقوده لحكم عالية، وأغراض سامية، فليس بين هذه الأحداث والحوادث الجارية في هذا الكون ما هو خال عن حكمة متوخّاة، ولا ما هو جار على غير سنن ثابته تربطه بكل أجزاء الحياة، فكل هذا الكون يتم على مقتضى التقدير الأزلي الذي هو القضاء والقدر.\nقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ\n_________\n(^١) سبأ: ٢٢ - ٢٣.\n(^٢) الدخان: ٣٨ - ٣٩.\n(^٣) ص: ٢٧.","vol":"1","page":193},{"text":"الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^١).\nوفي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها ولا تستطيع تعرف كنهها، كحقيقة الروح والعقل.\n\"فمن أراد أن ينظر في خلق الله وقدرته عليه أن يذكر هذه الحقيقة، وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها، فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتحليل والاكتشافات واستجلاء الحقائق الكونية، واستخراج الفوائد العلمية والعملية إلى أقصى حد توصله إليه معلوماته وآلاته، حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه\" (^٢).\nوقد دل القرآن على أن كل شيء يحدث بسب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة\"فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسب، والله خالق الأسباب والمسبَّبات\" (^٣).\nفمن الأسباب المادية قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٤). ومن الأسباب المعنوية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) الأنعام: ١.\n(^٢) مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لعبد الحميد بن باديس، نشر وزارة الشؤون الدينية الجزائرية: ٣٦١.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ٨/ ٧٠.\n(^٤) البقرة: ٢٢.\n(^٥) الأعراف: ٩٦.","vol":"1","page":194},{"text":"والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية على الأسباب بطرق متنوعة (^١).\nوالحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلابد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونها.\nوكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضا، فلابد له من أسباب أخر، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٢).\n\"وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعديدها، فإذن لا يحصرها إلا العلم المحيط\" (^٣) - أي علم الله - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٤).\nولا فرق في ذلك بين الحادث الذي يقع مرة واحدة، والحادث الذي يقع ملايين المرات فكلها تتوقف في بادئ الأمر على إرادة الخلق والإنشاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٥)، فالخالق\n_________\n(^١) انظر: مدارج السالكين: ٣/ ٤٩٨، والجواب الكافي: ١٩.\n(^٢) الزمر: ٦٢.\n(^٣) مقدمة ابن خلدون لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار نهظة مصر، القاهرة، ط ٤: ٣/ ٩٩٦، وانظر قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن لنديم الجسر: ٦٧، لبنان.\n(^٤) الطلاق: ١٢.\n(^٥) يس: ٨٢.","vol":"1","page":195},{"text":"هو الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٢).\nوقد جعل الله - ﷿ - لهذه الآيات الكونية أسبابًا حسية وشرعية، جاء ذكرها في القرآن الكريم:\nفالأسباب الكونية: هي ما أجراه الله من العادة من تعلق المسببات بأسبابها، فتراكم السحب سبب لنزول المطر، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (^٣).\nوفي بعض الظواهر الجوية جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤).\nوفي أطوار النبات جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٥).\nوفي اختلاف الليل والنهار جاء قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ\n_________\n(^١) الفرقان: ٢.\n(^٢) القمر: ٤٩.\n(^٣) فاطر: ٩.\n(^٤) النور: ٤٣ - ٤٤.\n(^٥) الزمر: ٢١.\n(^٦) الإسراء: ١٢.","vol":"1","page":196},{"text":"اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١).\nأما الأسباب الشرعية فإن الاستغفار من أسباب نزول المطر، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^٢).\nوالتقوى من أسباب فتح بركات السماء والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣).\nوالظلم والمعصية من أسباب فساد البر والبحر، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤).\nأما الأسباب الأخرى الباطلة فإنها لا أثر لها في الآيات الكونية، ولا تعلق لها بالسعود ولا النحوس كما يزعم الكهان ونحوهم، فعن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يخبر عن النبي - ﷺ -: \" أن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا\" (^٥).\nقال الخطابي (^٦) - ﵀ -: \" كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب\n_________\n(^١) يس: ٣٧ - ٤٠.\n(^٢) نوح: ١٠ - ١٢.\n(^٣) الأعراف: ٩٦.\n(^٤) الروم: ٤١.\n(^٥) سبق تخريجه: ٥.\n(^٦) هو أبو سليمان حَمْد - بسكون الميم- بن محمد بن إبراهيم الخطابي، من علماء الشافعية والمحدثين، من مصنفاته: معالم السنن، وغريب الحديث، وأعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، توفي عام ٣٨٨.\nانظر: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٢٣، وشذرات الذهب: ٤/ ٤٧١.","vol":"1","page":197},{"text":"حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي - ﷺ - أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما\" (^١).\nوقد اقتضت حكمة الله ترتيب المسبَّبات على الأسباب، \"مع الاستغناء عنها إظهارًا للقدرة، وإتمامًا لعجائب الصنعة، وتحقيقًا لما سبقت به المشيئة، وحقت به الكلمة وجرى به القلم\" (^٢)، وهذا لا يعني رفض مبدأ السببية بل ينبغي الإقرار بأن لكل سبب نتيجة (^٣).\nفالله يأمرنا أن نأخذ بالأسباب وأن نتبع هذه السنن ونفوض أمرنا إليه وحده\nلا شريك له.\nقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (^٤).\nفسنن الله المادية وأسبابها ثابتة لكن الله - ﷿ - إذا شاء أن يخرقها خرقها. فقد يوجد المسبَّب بدون السبب المعتاد، فيحصل الولد بدون جماع، مثل\n_________\n(^١) أعلام الحديث: ١/ ٦١٠.\n(^٢) إحياء علوم الدين: ٢/ ٣٢.\n(^٣) انظر: كبرى اليقينيات الكونية: ٢٨٦.\n(^٤) الواقعة: ٦٣ - ٧٤.","vol":"1","page":198},{"text":"خلق آدم - ﵇ - من غير أب ولا أم، وولادة عيسى ابن مريم - ﵇ - من غير أب، فإن الله - ﷿ - يخلق السبب، ويخلق بالسبب، ويخلق بغير السبب، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١)، وفي هذا بيان لقدرة الله تعالى على إيجاد المسبَّبات العاديات من غير سبب ظاهر.\nوالنار تحرق بإذنه ﷾، فإذا أمرت أن تمتنع من الإحراق امتنعت كنار إبراهيم - ﵇ -، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٢).\nوالماء مغرق، فإذا أمر أن يمتنع من الإغراق امتنع، وإذا أمر أن يغرق أغرق كإغراقه فرعون وقومه، ومنعه من إغراق موسى - ﵇ - وقومه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) آل عمران: ٥٩.\n(^٢) الأنبياء: ٦٩.\n(^٣) البقرة: ٥٠.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية</span>\nلا ينافي كونها آية من آيات الله\nلا بد من التفريق بين ما يكون علمًا قائمًا على أصول مدروسة ثابتة، وبين ما يكون مجرد أوهام وظنون كاذبة. ولهذا التفريق أهمية في معرفة الحق من الباطل، وخصوصًا في هذا العصر إذا علمنا أن فريقًا من المنجمين يموهون على الجهال بأمر العلم بوقت حدوث بعض الآيات الكونية، ويخبرونهم بوقته، فإذا رأوا صدقهم في هذا ظنوا أن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس، والظفر والغلبة، وما شابه ذلك من جنس توقع الكسوف، فيصدقهم الناس بكل ما يخبرون به، فيكذبون معه مائة كذبة، والمبطل لا يستطيع غالبًا نشر باطله إلا بشوب من الحق لأن الباطل المجرد مكشوف فلا بد من التغطية والتعمية (^١)، ولم يعلم هؤلاء أن الإخبار عن هذا يختلف عن الإخبار عن الآخر.\nولحدوث الآيات الكونية أسباب حسية وأسباب شرعية، ولا تعارض بينهما، ولا بين معرفة وقوع الآية الكونية وبين كونها آية من آيات الله، فمعرفة وقوع الآية له أسباب حسية يمكن معرفتها، كمعرفة نزول المطر، والكسوف والخسوف، فهي ليست من الأمور الغيبية بالنسبة لكل أحد، بل غيبي بالنسبة لمن لا يعرف علم حساب سير الكواكب، وليس بغيبي بالنسبة لمن يعرف ذلك العلم؛ لكونه يستطيع أن يعرفه بسبب عادي، وهو هذا العلم، ولا ينافي ذلك كونها آية من آيات الله تعالى، التي يخوف بها عباده ليرجعوا إلى ربهم،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٩٠.","vol":"1","page":200},{"text":"ويستقيموا على طاعته (^١).\nفالله - ﷿ - قدر هذه الآية الكونية، وقدر سيرها وانتظامها واجتماعها في وقت معين، ويحدث بها من التغيرات ما يشاء، ولا يشركه في ذلك أحد، مما يدل على أنها آية من آيات الله، فإذا رأى الناس هذه الآيات وتغيراتها، عرفوا قدرة من خلقها وسيّرها، فعبدوه وحده، وخافوه دون غيره، واستحضروا عظمته وجلاله وكبرياءه (^٢).\nعن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبي - ﷺ - إذا رأى مخيلة (^٣) في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه (^٤)، فعرفته عائشة - ﵂ - فقال النبي - ﷺ -: \" وما أدري لعله كما قال قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ (^٥) ... الآية\" (^٦).\nلكن ينبغي عدم الجزم بوقوع الآية (^٧)؛ لان من يخبر بوقوع الآية الكونية لا يكون مصيبًا في جميع الأوقات، بل قد يخطئ في حسابه، ولا يلزم تصديقه على كل حال (^٨).\n_________\n(^١) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة: ٨/ ٣٢٢.\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١٦/ ٢٩٩، ٣٤٢ - ٣٤٧.\n(^٣) المخيلة: موضع الخيل، والمراد هنا السحابة الخليقة بالمطر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير المبارك ابن محمد الجزري، تحقيق: طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت: ٢/ ٩٣.\n(^٤) أي: كشف عنه الخوف. المصدر السابق: ٢/ ٣٦٤.\n(^٥) الأحقاف: ٢٤.\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: ٦١٦ برقم (٣٢٠٦).\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٨، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، جمع: الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، ط ٢: ١/ ١٦٨ - ١٧٠.\n(^٨) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لعبد الله بن محمد الغنيمان، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":201},{"text":"والله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب والجزم بوقوع شيء غائب على سبيل التحقيق من ادعاء علم الغيب الذي نهى الله عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^١).\nقال القرطبي (^٢) - ﵀ -: \" قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتاب الله، إلا من اصطفى من عباده فمن قال: إنه ينزل الغيث غدًا وجزم به فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا\" (^٣)؛ لادعائه لعلم استأثر الله به، أما إذا لم يجزم بذلك، وجعل هذا الحكم بحسب العادة والتجربة فلا يكفر ولا يفسق، بل يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى أجرى العوائد، وجعل لبعض المغيبات علامات تدل عليها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤).\nقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) الأنعام: ٥٩.\n(^٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي المالكي المفسر، من مصنفاته: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة بأمور الآخرة، والكتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى، وغيرها من الكتب، توفي عام ٦٧١.\nانظر: الديباج المذهب لمعرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة، ط ٢: ٢/ ٢٤٣، وشذرات الذهب: ٧/ ٥٨٤.\n(^٣) تفسير القرطبي: ٧/ ٢.\n(^٤) الأعراف: ٥٧.\n(^٥) الروم: ٤٦.","vol":"1","page":202},{"text":"فالله تعالى جعل هذا النوع من الرياح علامة على المطر، وأرشدنا إلى ذلك.\nوقد روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال للعباس بن عبد المطلب - ﵁ - حين استسقى به: يا عم رسول الله - ﷺ -: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد سقوطها، فما مضت سابعة حتى مطروا، فقال عمر: الحمد لله، هذا بفضل الله ورحمته (^١).\nقال القرطبي - ﵀ - تعالى: \"وكأنّ عمر - ﵁ - قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه: أخرج أم بقيت منه بقية؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٣، مصورة عن دائرة المعارف العثمانية: ٣/ ٣٥٩، وتفسير الطبري: ٢٧/ ٢٤٣، قال الذهبي: حسن غريب، انظر: المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي، أختصره محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، دار الوطن، الرياض: ٣/ ١٢٨٦.\n(^٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٣٠.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفصل الخامس الآيات الكونية السماوية ودلالتها العقدية</span>\nوفيه تمهيد وسبعة مباحث:\nالمبحث الأول: السماء.\nالمبحث الثاني: الشمس.\nالمبحث الثالث: القمر.\nالمبحث الرابع: النجم والنوء.\nالمبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق.\nالمبحث السادس: المطر والثلج والبرد.\nالمبحث السابع: الريح والرياح.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>تمهيد</span>\nالآيات الكونية السماوية هي الآيات العلوية كالسماء والشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها.\nوفي هذا الفصل أذكر الآية الكونية ومعناها وورودها في القرآن والسنة، ودلالتها العقدية على التوحيد بأقسامه الثلاثة -الربوبية والألوهية والأسماء والصفات- وبقية أركان الإيمان، ومسائل العقيدة.\nثم أذكر المخالفات العقدية والأحاديث الموضوعة والضعيفة المتعلقة بهذه الآيات الكونية.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المبحث الأول: السماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>السماء في اللغة:</span> اسم لكل ما ارتفع وعلا، وهو مأخوذ من السمو، وهو العلو، يقال: سما بصره، أي علا، وسما لي شخص: ارتفع حتى استثبته. وهي تذكّر وتؤنّث، وجمعها سماوات، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: السماء (^١).\nوفي الاصطلاح: منطقة فضائية مرئية من الأرض، تبدو كالقبة عليها، تحتوي على الغلاف الجوي (^٢).\nوقد ورد لفظ السماء في القرآن في (١٢٠) موضعًا، وبلفظ الجمع في (١٩٠) موضعًا (^٣).\nوورد لفظ السماء في السنة في (١٦٣) حديثا (^٤).\nوذكر بعض المفسرين أن السماء في القرآن على خمسة أوجه (^٥):\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٩٨، تهذيب اللغة: ١٣/ ٧٩، لسان العرب: ٣/ ٢١٠٧.\n(^٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١٣/ ٩٠، والموسوعة العربية الميسرة إشراف محمد شفيق غربال، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مصورة عن طبعة ١٩٦٥: ٢/ ١٠١٠.\n(^٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، ط ٤: ٤٥٩ - ٤٦٥.\n(^٤) هذا العدد حسب عدّ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة للآيات الكونية في السنة النبوية. انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٦.\n(^٥) انظر: نزهة الأعين النواظر: ٣٥٨، والوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز لأبي عبد الله الحسين بن محمد الدمغاني، تحقيق: محمد حسن الزّفيتي، طبعة وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، عام ١٤١٦: ١/ ٤٣٥، وبصائر ذوي التمييز لمحمد بن يعقوب الفيروزابادي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر، تحقيق: عبدالعليم الطحاوي: ٣/ ٢٦٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٤٠٥.","vol":"1","page":208},{"text":"- أحدها: السماء المعروفة. ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (^٢).\n- والثاني: السحاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٣).\n- والثالث: المطر. ومنه قوله تعالى: ﴿... يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (^٤).\n- والرابع: سقف البيت. ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (^٥).\n- والخامس: سقف الجنة وسقف النار (^٦). ومنه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) البقرة: ٢٩.\n(^٢) التغابن: ٣.\n(^٣) الفرقان: ٤٨.\n(^٤) هود: ٥٢، نوح: ١١.\n(^٥) الحج: ١٥.\n(^٦) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٩٩.\n(^٧) هود: ١٠٧.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الدلائل العقدية للآية الكونية - السماء</span>-:\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: \" ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها إما إخبارا عن عظمها وسعتها، وإما إقساما بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته\".\nثم قال: \" فكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾) (^١)، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (^٢)، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (^٣)، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ (^٤)، ... ولم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>أولًا: وجود الله:</span>\nدلت هذه الآية الكونية على وجود الله، فإن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -، وذلك لافتقار المخلوق إلى\n_________\n(^١) البروج: ١.\n(^٢) الطارق: ١\n(^٣) الشمس: ٥.\n(^٤) الطارق: ١١.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.","vol":"1","page":210},{"text":"الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (^١)، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^٢).\n\nوالعناية بهذه الآية الكونية، والإتقان فيها يدل على وجود خالقها وكمال ذاته وصفاته، قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (^٤).\nولما ذكر الله - ﷿ - استنكاره لمن كفر به في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٥)، ذكر من الأدلة على وجوده - مع ما هو مستقر في الفطر - خلقَ السماوات والأرض (^٦)، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٧).\nولما حصلت المجادلة بين الكفار ورسلهم في الله، قالت لهم رسلهم -ترشدهم إلى الدليل والطريق لمعرفة الله لمن حصل عنده شك أو اضطراب-: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٨) أي: أفي وجوده شك (^٩)،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٥، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٢٠٩ - ٢٢٦.\n(^٢) الطور: ٣٥ - ٣٦.\n(^٣) النمل: ٨٨.\n(^٤) الملك: ٣.\n(^٥) البقرة: ٢٨.\n(^٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٢١٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١٣.\n(^٧) البقرة: ٢٩.\n(^٨) إبراهيم: ١٠.\n(^٩) وهذا على أحد المعنيين في الآية. والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات. انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٨٢.","vol":"1","page":211},{"text":"فهو الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه\" (^١).\nوفي جواب موسى - ﵇ - لفرعون عندما سأله عن رب العالمين وكان يجحد الصانع ويعتقد أنه لا رب سواه: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (^٢) أي خالق جميع ذلك ومالكه هو رب العالمين، وهو الخالق (^٣).\nثم إن الله تعالى يدعو عباده إلى التفكر في مخلوقاته - ومنها السماوات- الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه المعبود وحده (^٤)، فيقول: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nبين الله - ﷿ - أن النظر في ملكوت السماوات والأرض والتأمل في خلقهما يدل على وحدانيته - ﷿ - في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه (^٦)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٨٢.\n(^٢) الشعراء: ٢٤.\n(^٣) المرجع السابق: ٦/ ١٣٨.\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٠٥.\n(^٥) الروم: ٨.\n(^٦) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٣، ٢٨٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.\n(^٧) الأنعام: ٧٥.","vol":"1","page":212},{"text":"وأخبر الله - ﷿ - أن له ملك السماوات ومن فيهن، ويتصرف بها كيف شاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ (^١).\nوأنه الحاكم فيهما كما أنه المالك لهما (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣).\nوأخبر جل وعلا أن السماء والأرض تقوم بأمره لها، وتسخيره إياها، وأنه ممسك لها أن تقع على الأرض إلا بإذنه (^٤)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٧)، فلا يقدر على ذلك إلا الله، وهذا من أدلة ربوبيته (^٨).\nوقد أمر الله رسوله - ﷺ - أن يقول للكفار المشركين بالله، المكذبين لرسوله: أن الله هو رب السماوات والأرض، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (^٩)، فهو وحده الذي قهر كل شيء وغلبه. وهو المالك له المتصرف فيه، ولم ينكر\n_________\n(^١) الأنعام: ١٢.\n(^٢) انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٦٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٧٩.\n(^٣) البقرة: ١٠٧\n(^٤) تفسير ابن كثير: ٦/ ٣١٠.\n(^٥) الروم: ٢٥.\n(^٦) الحج: ٦٥.\n(^٧) فاطر: ٤١.\n(^٨) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٥٦، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٥٥٧.\n(^٩) ص: ٦٥ - ٦٦.","vol":"1","page":213},{"text":"ذلك المشركون (^١)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٢).\nوأنه ﷾ ليس معه في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>١ - الثناء على الله:</span>\nالله - ﷿ - يثني ويمدح نفسه ويحمدها لخلقه للسماوات والأرض، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤).\nولما ذكر حُكْمه في المؤمنين والكافرين وجزائهم قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٥)، فله الحمد والثناء على ربوبيته لسائر الخلائق (^٦).\nوعن ابن أبي أوفى - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع ظهره من الركوع قال: \"سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٢١٤، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٨٠.\n(^٢) لقمان: ٢٥.\n(^٣) سبا: ٢٢ - ٢٣.\n(^٤) فاطر: ١.\n(^٥) الجاثية: ٣٦ - ٣٧.\n(^٦) انظر: تفسير ابن سعدي: ٧٧٨.\n(^٧) صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع: ١/ ٣٦٤ برقم (٤٧٦).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>٢ - التنزيه:</span>\nأخبر الله - ﷿ - عن هذه الآية الكونية العظيمة أنها تسبحه وتقدسه، فقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١).\nوأن السماوات كادت تتفطر عند دعوة المشركين أنَّ لله ولدًا، فقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٢) \"أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد\" (^٣).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: \"إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله\" (^٤).\nوقال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٥). فمن خلق هذه السماوات وأوجدها على غير مثال سابق كيف يكون له ولد؟ ! (^٦).\nوفي رد الله على أهل الكتاب في زعمهم أن لله ولدا (^٧) قال تعالى:\n_________\n(^١) الإسراء: ٤٤.\n(^٢) مريم: ٩٠ - ٩١\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٥/ ٢٦٦.\n(^٤) تفسير الطبري: ١٦/ ١٥٠، وانظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي، ت: عبد الله التركي، دار هجر، ط ١: ١٠/ ١٤٢.\n(^٥) الأنعام: ١٠١.\n(^٦) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٧، وتفسير القرطبي: ٧/ ٥٣.\n(^٧) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٩٦، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦.","vol":"1","page":215},{"text":"﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٢).\nففي هذه الآيات رد على النصارى ومن أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن نسب لله الولد، فأكذب الله جميعهم في دعواهم.\nقال ابن جرير - ﵀ -: \" فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه؟ \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-154>٣).\n\n٣ - العدل والحكمة:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أنه خلق السماوات والأرض بالحق وللحق، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا، وأن ذلك بالعدل والحكمة (^٤)، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (^٥)، وقال\n_________\n(^١) النساء: ١٧١.\n(^٢) البقرة: ١١٦ - ١١٧.\n(^٣) تفسير الطبري: ١/ ٥٨٥، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٦.\n(^٤) انظر: تفسير ابن سعدي: ٧١٢.\n(^٥) ص: ٢٧.","vol":"1","page":216},{"text":"تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٤ - بعض أسماء الله وصفاته:</span>\nورد في القرآن أسماءٌ لله وصفاتٌ مقيدة بالإضافة إلى السماء (^٢)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).\nومن ذلك اسم الله القيوم، ومن صفاته القيّم والقيّام (^٤)، وقد ورد عن النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل أنه يقول: \"اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن\"، وفي لفظ: قيوم، وفي لفظ: قيام (^٥).\nومن ذلك أيضًا رب السماوات، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (^٦).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) النحل: ٣.\n(^٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي، ت: عبد الله الحاشدي، دار السوادي، جدة، ط ١: ١/ ٢٠١، ومجموع الفتاوى: ٦/ ٣٨٦، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، تحقيق: عواد المعتق، دار الرشد، ط ٣: ٤٥.\n(^٣) النور: ٣٥.\n(^٤) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت: ٧.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل: ٢٢٢ برقم (١١٢٠)، وكتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل: ١٢١٥ برقم (٦٣١٧)، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ١٤٢٠ برقم (٧٤٤٢)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٣٢ برقم (٧٦٩).\n(^٦) الصافات: ٤ - ٥.\n(^٧) ص: ٦٥ - ٦٦.","vol":"1","page":217},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>٥ - الصفات الفعلية الاختيارية لله </span>(^٢):\nقد دلت هذه الآية الكونية على الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشية الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣)، وكان ذلك بعد خلق الأرض (^٤).\nوأخبر الله - ﷿ - أنه يمسك السماء أن تقع على الأرض، وعلق ذلك بإذنه ومشيئته، فقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٥) \"أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-157>٦).\n\n٦ - صفة القدرة:</span>\nأمر الله - ﷿ - بالنظر في خلق السماء، وكيف رفعت، ففيه دلالة على قدرته\n_________\n(^١) الجاثية: ٣٦.\n(^٢) الصفات الفعلية الاختيارية: هي الصفات التي\"يتصف بها الرب - ﷿ - فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته: مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه وإحسانه، وعدله ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز، والسنة\". مجموع الفتاوى: ٦/ ٢١٧، ١٦/ ١٣٤، وانظر: رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل: ٢/ ٣، والقول المفيد على كتاب التوحيد: ١/ ١٣٢، وشرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس: ٥٣، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبدالعزيز السلمان، ط ١٣: ١٧٤.\n(^٣) البقرة: ٢٩.\n(^٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٣، وتفسير ابن سعدي: ٤٨.\n(^٥) الحج: ٦٥.\n(^٦) تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٥١.","vol":"1","page":218},{"text":"وعظمته، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (^٢).\nوبين أن من آيات قدرته العظيمة خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).\nكما أخبر الله ﷾ عن كمال قدرته في خلق السماوات بغير عمد (^٤) فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>٧ - صفة الغنى والقوة:</span>\nدلت هذه الآية الكونية على غنى الله وفقر العباد إليه وعجزهم وضعفهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (^٦) فهذه السماء على عظمها وسعتها وكثرة من فيها فإن الله - ﷿ - لا يعجزه أهلها\"بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه\" (^٧).\nوأخبر الله - ﷿ - عن كمال غناه، وأنه غني عن إيمان الطائعين، ولا يضره كفر الكافرين، وأن له ملك السماوات والأرض (^٨)، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) الغاشية: ١٧ - ١٨.\n(^٢) ق: ٦.\n(^٣) الروم: ٢٢.\n(^٤) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣١٩.\n(^٥) لقمان: ١٠.\n(^٦) العنكبوت: ٢٢.\n(^٧) تفسير الطبري: ٢٠/ ١٦٢ - ١٦٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٧١.\n(^٨) انظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣١.","vol":"1","page":219},{"text":"تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٢) \"فهو الغني عما سواه، فكل شيء خلقه وملكه، وكل شيء فقير إليه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٨ - صفة الرحمة:</span>\nلما أخبر الله تعالى أنه المالك للسماوات والأرض ومن فيهن، وهو الغني عن خلقه بين أنه كتب على نفسه الرحمة، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له\" (^٥). ففي الحديث أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ويستجيب لمن يدعوه ويعطي من سائله، وهذا من رحمته - ﷿ - بعباده.\nوقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا\n_________\n(^١) النساء: ١٣١.\n(^٢) لقمان: ٢٦.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٤٨، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٦٥١.\n(^٤) الأنعام: ١٢.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه: ١/ ٥٢١ برقم (٧٥٨).","vol":"1","page":220},{"text":"حوبنا (^١) وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع (^٢) فيبرأ \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>٩ - صفة العلم:</span>\nأخبر الله - ﷿ - عن كمال علمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة ولو كانت في هذه السماء العظيمة، والأرض الوسيعة (^٤)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٦).\nفهذا يدل على كمال صفاته ﷾، وسعة علمه، وأنه يعلم غيب السماوات والأرض، وما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل\n_________\n(^١) بضم الحاء، والمراد ها هنا: الذنب الكبير كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، وهو الحوبة أيضا مفتوحة الحاء مع إدخال الهاء. انظر: عون المعبود: ١٠/ ٢٧٤.\n(^٢) بفتح الجيم أي المرض، أو بكسر الجيم أي المريض. انظر: عون المعبود: ١٠/ ٢٧٥.\n(^٣) سنن أبي داود، كتاب الطب، باب كيف الرقى؟: ٤٢٧ برقم (٣٨٩٢)، والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول من كان به أسرُ-تحقيق: فاروق حمادة، دار الكلم الطيب، دمشق، ط ١: ٥٧٩ برقم (١٠٣٥)، والحاكم في مستدركه: ١/ ٣٤٤، وقال: قد احتج الشيخان بجميع رواه هذا الحديث غير زيادة بن محمد وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث، وقال الذهبي - عن زيادة-: قال البخاري وغيره منكر الحديث. والحديث حسنه ابن تيمية، انظر: العقيدة الواسطية لابن تيمية بشرح محمد خليل الهراس، وتصحيح وتعليق: إسماعيل الأنصاري، دار ابن القيم، الدمام: ١١٧.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٢.\n(^٥) آل عمران: ٥ - ٦.\n(^٦) يونس: ٦١.","vol":"1","page":221},{"text":"عامل بعمله؛ فهو يعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليه منها شيء في الأرض ولا في السماء (^١).\nكما أخبر جل وعلا أنه يعلم الأخبار الماضية عن القوم السابقين ولا يعلمها أحد غيره؛ لأنه سبحانه له غيب السماوات والأرض (^٢): ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).\nوبين الله - ﷿ - سعة علمه بعلمه غيب السماوات والأرض، وأن الخلق لا يعلمون ذلك، وأنه وحده لا شريك له هو المتفرد بعلم غيب السماوات والأرض، وأن غيره عاجز عن ذلك فقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (^٤).\nكما أخبر تعالى بأنه عالم غيب السماوات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه - (^٥) فقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١٠ - صفة الكلام لله - ﷿ </span>-:\nمن الأدلة التي استدل بها أهل السنة في إثبات صفة الكلام لله والرد على\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٥١، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٥٥٧، وتفسير ابن سعدي: ١٢١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري: ١٥/ ٢٦٨، وتفسير ابن كثير: ٥/ ١٥٠.\n(^٣) الكهف: ٢٦.\n(^٤) النمل: ٦٥ - ٦٦\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٣٨.\n(^٦) النمل: ٧٥.\n(^٧) الحج: ٧٠.","vol":"1","page":222},{"text":"من زعم أن المتكلم لا بد أن يكون له لسان وجوف وشفتين، أن الله - ﷿ - أخبر أن السماء تكلمت، في قوله ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ فأثبت الله - ﷿ - للسماء كلامًا. فهل يثبتون لها لسان وجوف وشفتان؟ ! (¬<span data-type=\"title\" id=toc-162>١).\n\n١١ - نزول القرآن والشرائع من الله:</span>\nبين الله - ﷿ - أن هذا القرآن منزل ممن خلق الأرض والسماوات العلى، القادر على كل شيء (^٢)، فقال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (^٣).\nفالذي أنزل هذا القرآن هو رب السماوات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، قال تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (^٤).\nوقد كان أهل الكتاب يسألون النبي - ﷺ - أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^٥).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: انطلق النبي - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل: ٢/ ٣٩٣، ٤/ ١٥٩.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ١٦/ ١٦٠، تفسير ابن كثير: ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣.\n(^٣) طه: ٤.\n(^٤) الدخان: ٥ - ٧.\n(^٥) النساء: ١٥٣.","vol":"1","page":223},{"text":"- ﷺ - وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (^١) فأنزل الله على نبيه - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (^٢) وإنما أوحي إليه قول الجن\" (^٣).\nوقال - ﷺ -: \" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً\" (^٤).\nولما سئلت عائشة - ﵂ - عن قيام النبي - ﷺ - قالت للسائل: \"ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله - ﷿ - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله - ﷺ - وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة\" (^٥).\nوعن حذيفة - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ -: \" أن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن، فقرؤوا القرآن وعلموا من السنة\" (^٦).\n_________\n(^١) الأحقاف: ٣١.\n(^٢) الجن: ١ - ٢.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر: ١٥٩ برقم (٧٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن: ١/ ٣٣١ برقم (٤٤٩).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد - ﵄ - إلى اليمن قبل حجة الوداع: ٨٢١، برقم (٤٣٥١).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض: ١/ ٥١٢ برقم (٧٤٦).\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -: ١٣٨٨ برقم (٧٢٧٦).","vol":"1","page":224},{"text":"وعن ابن عباس - ﵄ - قال: \"بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته\" (^١).\nولما أنكر اليهود النسخ في الشرائع وأن ذلك مستحيل عقلًا، بين الله - ﷿ - أن له ملك السماوات والأرض، وأنه يتصرف فيهما بما يشاء، وأنه الفعال لما يريد، ولا راد لحكمه، وأنه يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء، وأنه ينسخ ويبدل في أحكامه التي يحكم بها بين عباده، وأن الخلق عليهم السمع والطاعة في ذلك كله (^٢)، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>١٢ - صفة العلو:</span>\nقد دلت هذه الآية الكونية على صفة العلو من عدة جهات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>أ- إخبار الله - ﷿ - عن نزول الأمر من السماء إلى الأرض</span>، وهو يدل على علو الله، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (^٤)، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة: ١/ ٥٥٤ برقم (٨٠٦).\n(^٢) تفسير الطبري: ١/ ٥٥٥.\n(^٣) البقرة: ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٤) السجدة: ٥.","vol":"1","page":225},{"text":"لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^١).\nوفي الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ - قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله\" (^٢).\nوعن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ -: أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم \" (^٣).\nوكانت زينب زوج النبي - ﷺ - تفخر على أزواجه تقول: \"زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>ب- رفع الأعمال إلى السماء </span>(^٥)، وهذا أيضًا يدل على علو الله، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>ج- محاجة الكافرين بعض الأنبياء وطلبهم على سبيل العتو والتمرد تهيئة أسباب الصعود إلى الله - ﷿ - عن طريق أبواب السماء</span>، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) الطلاق: ١٢.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: ٩٠٢ برقم (٤٧٠١).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٨ برقم (٣٢١٠).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء: ١٤١٤ برقم (٧٤٢٠).\n(^٥) انظر: تفسير الطبري: ٢١/ ١٤٣، والأسماء والصفات للبيهقي: ٢/ ١٠٤ برقم (٦٦٧).\n(^٦) فاطر: ١٠.\n(^٧) غافر: ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":226},{"text":"وقد كان المشركون يطلبون من النبي - ﷺ - على سبيل التحدي والتعجيز أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وأنهم لن يؤمنوا حتى يرقى للسماء ويفعل ذلك (^١)، قال الله تعالى مخبرًا عن حالهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>د- رفع النبي - ﷺ - رأسه إلى السماء ينظر إليها ويدعو الله </span>(^٣) إشارة منه إلى علو الله تعالى.\nعن أبي بردة عن أبيه - ﵄ - قال: \"صلينا المغرب مع رسول الله - ﷺ - ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال، أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>هـ- إخباره - ﷺ - أنه أمين من في السماء</span>، قال - ﷺ -: \" ألا تأمنوني وأنا أمين\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ١٢٠.\n(^٢) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٥٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٩١، ٤٥٣.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة: ٤/ ١٩٦١ برقم (٢٥٣١).","vol":"1","page":227},{"text":"من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً\" (^١).\nوقد أقر النبي - ﷺ - قول الجارية حينما سألها أين الله؟ قالت: في السماء، بل شهد لها بالإيمان، ففي الحديث أن النبي - ﷺ - سأل الجارية: \" أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها فإنها مؤمنة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>و- العروج بالنبي - ﷺ - إلى السماء:</span>\nفقد عرج بالنبي - ﷺ - إلى السماء، وكلمه ربه، وسمع صريف الأقلام، وفرضت عليه الصلاة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ز- الإشارة بالأصبع إلى السماء:</span>\nفقد كان - ﷺ - يشير بأصبعه إلى السماء يرفعها وينكتها إلى الناس عند ذكر الله في الدعاء حال الخطبة (^٤) إشارة منه إلى علو الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>ح- رفع اليدين إلى السماء عند الدعاء:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه (^٥)، وفي خطبة عرفة رفع النبي - ﷺ - يديه إلى السماء ثم قال: \"اللهم اشهد عليهم، اللهم اشهد عليهم\" (^٦).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أيها الناس إن الله طيب\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ١٩٨.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته: ١/ ٣٨١، برقم (٥٣٧).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء: ٩٠، برقم (٣٤٩).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -: ٢/ ٨٨٦ برقم (١٢١٨).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء: ٢/ ٦١٢ برقم (٨٩٥).\n(^٦) مسند الإمام أحمد: ٣٣/ ٤٤٥ برقم (٢٠٣٣٦)، وقال محققه: حديث صحيح.","vol":"1","page":228},{"text":"لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (^١)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٢)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمة حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>١٣ - صفة الاستواء:</span>\nحيث أخبر الله جل وعلا أن الاستواء على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض (^٤) فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>١٤ - صفة النزول:</span>\nورد في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له\" (^٦)، وفيه دليل على نزول الله سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة (^٧).\n_________\n(^١) المؤمنون: ٥١.\n(^٢) البقرة: ١٧٢.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها: ٢/ ٧٠٣ برقم (١٠١٥).\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ١٩/ ٣٥، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٢٧٤.\n(^٥) الفرقان: ٥٩.\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه: ١/ ٥٢١ برقم (٧٥٨).\n(^٧) انظر: التهميد لابن عبد البر: ٧/ ١٢٨، واجتماع الجيوش الإسلامية: ١٤٣.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>١٥ - العرش:</span>\nبين الله - ﷿ - أن العرش كان موجودًا عند خلق السماوات فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^٢).\nوأخبر - ﷺ - عن صفة العرش بالنسبة للسماء فقال: \"إن عرشه على سمواته لهكذا\" وقال بأصابعه مثل القبة عليه، فالعرش فوق السماوات وهو مثل القبة. قال ابن بشار في حديثه: \"إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>١٦ - عظم الكرسي:</span>\nوفي بيان عظمة الكرسي أخبر الله -﷿- عنه أنه وسع السماوات والأرض، فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) هود: ٧.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉: ٤/ ٢٠٤٤ برقم (٢٦٥٣).\n(^٣) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الجهمية: ٥١٥ برقم (٤٧٢٦)، وقال أبو داود: والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح، وافقه عليه جماعة منهم: يحيى بن معين وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضا، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني. وقال الذهبي في كتاب العلو للعلي العظيم وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها، تحقيق: عبد الله البراك، دار الوطن، الرياض، ١/ ٤١٣: \"هذا حديث غريب جدا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي - ﷺ - هذا أم لا\". وقد قواه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٥٦٩، ومجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٣٥، وأورد ابن القيم في تهذيب السنن: ٧/ ٩٥ - ١١٧: المطاعن التي طعن بها هذا الحديث، وأجاب عنها ومال إلى تصحيح الحديث.","vol":"1","page":230},{"text":"وَالْأَرْضَ﴾ (^١)، وقال رسول الله - ﷺ -: \" ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْس\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>١٧ - صفة اليمين لله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nيقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآية الكونية العظمية، وهو المتفرد بذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥)، وهذا مما يعترف به المشركون، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (^٦)، فكما أنهم يعترفون بذلك فيلزمهم أن\n_________\n(^١) البقرة: ٢٥٥.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة: ٢/ ٥٨٧، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٥. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٤: \" أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع، وقد رُوى عنه من طريق أخرى موصولًا\". وقال الذهبي في العلو ١/ ٨٤٩: هذا مرسل، عبد الرحمن ضُعّف.\n(^٣) الزمر: ٦٧.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة: ١٢٤٩ برقم (٦٥١٩).\n(^٥) الأنبياء: ٣٠.\n(^٦) الزخرف: ٩.","vol":"1","page":231},{"text":"يقروا ويعترفوا بأنه لا إله غيره.\nوإذا كان هؤلاء المشركون لا يتصرفون في هذه السماوات، وليس لهم فيها شرك فلماذا يعبدون معه غيره؟ (^١) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).\nوفي رد الله تعالى على المشركين عبادتهم لغير الله بظنهم أن هؤلاء المعبودين شفعاء ووسائط عند الله، بين - ﷿ - أنه يعلم ما في السماوات والأرض، وأن عبادة هؤلاء من دون الله شرك وضلال، فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣).\nفقرر تعالى أنه هو الذي خلق السماوات والأرض ويعلم ما فيها، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٤)، فأنكر تعالى ذلك عليهم، حيث اعتقدوا ذلك (^٥)، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٧٤، وتفسير ابن سعدي: ٧٧٩.\n(^٢) الأحقاف: ٤.\n(^٣) يونس: ١٨.\n(^٤) الزمر: ٣.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٢٦.\n(^٦) الرعد: ١٦.","vol":"1","page":232},{"text":"وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة على تفرده بالإلهية تفرده بخلق السماوات (^١)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوفي الاستفهام التقريري الذي يعترف به المشركون وغيرهم يبين تعالى أنه المنفرد بالخلق فيقول: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٣) أي أإله مع الله يعبد. فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤).\nوالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يحتجون على أقوامهم بخلق السماوات والأرض على وجوب إفراد الله - ﷿ - بالعبادة دون من سواه، قال تعالى مخبرا عن نوح - ﵇ - في دعوته قوهم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (^٥) منبهًا لهم على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، فهو الذي يجب أن يعبد وحده ولا يشرك به أحد (^٦).\nوفي محاجة إبراهيم - ﵇ - لقومه استدل عليهم بربوبية الله الخالق للسماوات وغيرها على وجوب إفراده بالعبادة (^٧)، فقال: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩١ - ١٩٢.\n(^٢) البقرة: ٢١ - ٢٢.\n(^٣) النمل: ٦٠\n(^٤) النحل: ١٧.\n(^٥) نوح: ١٥.\n(^٦) انظر: تفسير ابن سعدي: ٨٨٩.\n(^٧) انظر: تفسير الطبري: ١٧/ ٤٧، وتفسير القرطبي: ١١/ ٢٩٦.","vol":"1","page":233},{"text":"وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^١).\nويأمر الله - ﷿ - نبيه محمدًا - ﷺ - بأن يقول لقومه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (^٢)، فيكون الجواب الفطري منهم: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (^٣)، وفي هذا يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له (^٤).\nوفي خبر فتية الكهف أنهم قاموا واستدلوا على ربهم الذي يجب أن يعبد ويدعى بقولهم: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (^٥)، فالعبادة لا تنبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض.\nفكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>١ - بعض أنواع العبادة القلبية:</span>\nقد دلت هذه الآية الكونية - السماء - على بعض أنواع العبادة القلبية، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>أ- الإخلاص:</span>\nقال تعالى مخبرا عن إبراهيم - ﵇ - أنه قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٧) \"أي إنما أعبد الله\n_________\n(^١) الأنبياء: ٥٦.\n(^٢) المؤمنون: ٨٦.\n(^٣) المؤمنون: ٨٦ - ٨٧.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٨٩، وتفسير ابن سعدي: ٥٥٧.\n(^٥) الكهف: ١٤.\n(^٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٩٤.\n(^٧) الأنعام: ٧٩.","vol":"1","page":234},{"text":"مخلصا له فهو خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>ب- الخوف والخشية والمراقبة:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أنه يعلم السرائر والظواهر، وأن علمه محيط بالخلق في سائر الأحوال، وبجميع ما في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\n\"وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم\" (^٣)، وأن يراقبوه في كل أحوالهم فإن علمه محيط بكل شيء في السماوات والأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>ج- التوكل:</span>\nإنَّ من له ملك السماوات والأرض هو الذي يجب أن يتوكل عليه ولا يتوكل على غيره (^٤)، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٦).\nفالذي خلق السماوات والأرض هو الذي يجب أن يتوكل عليه فإنه عالم\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٢.\n(^٢) آل عمران: ٢٩.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١، وانظر: تفسير ابن سعدي: ١٢٧.\n(^٤) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٠٩.\n(^٥) النساء: ١٣٢.\n(^٦) هود: ١٢٣.","vol":"1","page":235},{"text":"غيب السماوات والأرض، وإليه المرجع والمآب، وله الخلق والأمر، وهو كاف من توكل عليه وأناب إليه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>د- اليقين بالله والوثوق بوعده:</span>\nحث الله عباده المؤمنين على اليقين به وبنصره والوثوق بوعده فإن له سلطان السماوات والأرض وملكهما (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٤).\nوعن حذيفة - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه\" (^٥).\nفأصبح قلب المؤمن مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وهي باقية إلى أن يبدل الله الأرض والسماوات يوم القيامة، وهذا يقين المؤمن ووثوقوه بوعد الله.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٦٤.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٦٥ - ٦٦.\n(^٣) يونس: ٥٥.\n(^٤) التوبة: ١١٦.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا وإنه يأرز بين المسجدين: ١/ ١٢٨ برقم (١٤٨).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>هـ- الإنابة:</span>\nالإنابة تكون للخالق المالك المتصرف، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) \"أي فاطر السماوات والأرض هو ربي الذي أتوكل عليه، وأنيب إليه، وأفوض أمري إليه\" (^٢).\n\nوالمقصود أن هذه الآية العظيمة من دلائل توحيده، \"فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية ذي الأسماء والصفات\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٢ - القسم:</span>\nقد أكثر الله - ﷿ - من الإقسام بالسماء في كتابه الكريم، قال ابن القيم - ﵀ -: \" ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره\" ...\nثم قال: \"والمقصود أنه سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته\" (^٤).\n_________\n(^١) الشورى: ١٠ - ١١.\n(^٢) تفسير الطبري: ٢٥/ ١٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١٩٣.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤١٨.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وانظر: إمعان في أقسام القرآن لعبد الحميد الفراهي، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٤٩: ٩، ٤١.","vol":"1","page":237},{"text":"ويقسم بها على أن القيامة حق، وعلى البعث والجزاء كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (^١) فاقسم الله - ﷿ - بنفسه وبربوبيته للسماء على أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء أنه حقٌ لا مرية فيه (^٢).\nوكان عمر - ﵁ - إذا أقسم قال: \"أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-185>٣).\n\n٣ - التوسل:</span>\nقال الله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (^٤)، فيوسف الصديق - ﵇ - دعا ربه - ﷿ - لما تمت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما مَنَّ الله به عليه من النبوة والملك، وسأل ربه - ﷿ - متوسلا إليه بربويته وخلقه لهذه المخلوقات العظيمة - والتي منها السماوات- أن يتوفه مسلمًا، وأن يلحقه بالصالحين (^٥).\nوكان من دعائه - ﷺ - إذا قام من الليل في افتتاح صلاته: \"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (^٦).\n_________\n(^١) الذاريات: ٢٣.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ٤١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٢٠.\n(^٣) صحيح البخاري: كتاب الفرائض، باب قول النبي - ﷺ -: لا نورث ما تركنا صدقة: ١٢٨٥ برقم (٦٧٢٨).\n(^٤) يوسف: ١٠١.\n(^٥) انظر: تفسير الطبري: ١٣/ ٨٨، وتفسير القرطبي: ٩/ ٢٧٠.\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب دعاء النبي - ﷺ - ودعائه بالليل: ١/ ٥٣٤ برقم (٧٧٠).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>خامسًا: الإيمان بالغيب:</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٢)، \"فالله - ﷿ - يبين سعة علمه وكمال قدرته في ملكه وعلمه غيب السماوات والأرض، واختصاصه بذلك، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه الله تعالى على ما يشاء\" (^٣).\nوأن العبيد لم يشهدوا خلق السماوات والأرض، ولا يعلمون الغيب، فقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (^٤).\nفهو سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، ولا يخفى عليه شيء في السماوات، وكذلك لا يخفى عليه ما في القلوب من الإيمان والنفاق وغير ذلك (^٥)، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>سادسًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nقال الله تعالى مبينًا أن الملائكة في السماء: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ\n_________\n(^١) النمل: ٦٥.\n(^٢) الزخرف: ٨٥.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٨٩.\n(^٤) الكهف: ٥١.\n(^٥) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٢١٤، وتفسير ابن سعدي: ٨٠٢.\n(^٦) الحجرات: ١٦.\n(^٧) النجم: ٢٦.","vol":"1","page":239},{"text":"لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (^١).\nوعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض\" (^٢).\nوأن لكل سماء مقربوها من الملائكة كما في حديث البراء بن عازب ﵁: \" فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة\" (^٣).\nوأن لكل سماء خازن كما جاء في حديث الإسراء: \"قال جبريل - ﵇ - لخازن السماء الدنيا: افتح\" ... ثم قال: \"حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها افتح\" (^٤).\nوأنهم من جنود الله في السماوات: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) الإسراء: ٩٥.\n(^٢) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٧ برقم (٣٢٠٩).\n(^٣) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر: ٥١٧ برقم (٤٧٥٣)، ومسند الإمام أحمد: ٣٠/ ٤٩٩ برقم (١٨٥٣٤)، قال البيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٣١٩: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن مندة في كتاب الإيمان، تحقيق: علي الفقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ٢/ ٩٦٥: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب بد الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٦ برقم (٣٢٠٧)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ -: ١/ ١٤٨ برقم (١٦٣).\n(^٥) يس: ٢٨.\n(^٦) آل عمران: ١٢٤.","vol":"1","page":240},{"text":"وعن ابن عباس - ﵄ - قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ -في غزوة بدر- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه؛ إذ سمع ضربه بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: \"صدقت ذلك مدد السماء الثالثة\" (^١).\nوأن عددهم في السماء كثير، ولا يعلمه إلا الله - ﷿ - كما جاء في حديث الإسراء\n-بعد مجاوزته إلى السماء السابعة-: \"ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم\" (^٢).\nوأن السماء تئط (^٣) منهم فعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله\" (^٤).\nوأن من أعمالهم النزول بالوحي من السماء (^٥)، قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم: ٣/ ١٣٨٣ برقم (١٧٦٣).\n(^٢) سبق تخريجه: ٢١٣.\n(^٣) الأطيط: صوت الأقتاب، والقتب: صوت الرحل. وأطيطُ الإبل: أصواتها وحنينها. أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطَّت. انظر: النهاية في غريب الحديث: ١/ ٥٤.\n(^٤) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب في قول النبي - ﷺ - لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا: ٣٨٢ برقم (٢٣١٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب ويروى من غير هذا الوجه، والإمام أحمد في مسنده: ٣٥/ ٤٠٥ برقم (٢١٥١٦)، وقال المحقق: حسن لغيره. وانظر: السلسة الصحيحة الأحاديث رقم: ٨٥٢، ١٠٦٠، ١٧٢٢، ٣١٩٤.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٢٧.","vol":"1","page":241},{"text":"الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ (^١).\nوأنهم يصعدون بأعمال العباد وأرواحهم إلى السماء (^٢)، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^٣).\nوفي حديث البراء - ﵁ - قال: \"فيصعدون بها -أي روح الميت-، فلا يمرون - يعني بها- على ملاء من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة\" (^٤).\nوأن الملائكة شهداء الله في السماء، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"مروا بجنازة على النبي - ﷺ - فأثنوا عليها خيرًا، فقال: النبي - ﷺ - وجبت، ثم مروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي - ﷺ -: وجبت، قالوا: يا رسول الله، قولك الأولى والأخرى: وجبت، فقال النبي - ﷺ -: الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>سابعًا: الإيمان بالكتب:</span>\nأخبر الله - ﷿ - عن نزول الكتب من السماء فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ\n_________\n(^١) الحجر: ٨.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٦ - ٨٧، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٥٩.\n(^٣) السجدة: ٥.\n(^٤) سبق تخريجه: ٢١٣.\n(^٥) سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب الثناء: ٢١٩ برقم (١٩٣٣)، وأصله في الصحيحين، وصححه الألباني في أحكام الجنائز وبدعها، دار المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤: ٤٤.","vol":"1","page":242},{"text":"الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (^٢)، بل إن أهل الكتاب كانوا يعلمون ذلك، وقد طلبوا من الرسول - ﷺ - أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراة على موسى - ﵇ - مكتوبة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^٣)، فدل هذا على معرفة أهل الكتاب بأن الكتب تنزل من عند الله من السماء (^٤).\nوكذلك قال كفار قريش (^٥): ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>ثامنًا: الإيمان بالرسل:</span>\nكان مما يستدل به النبي - ﷺ - على أنه رسول الله، وعلى وجوب إفراد الله بالعبادة قوله أن الذي أرسلني هو خالق كل شيء - ومن ذلك السماوات- وربه ومليكه، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة، وله الحكم (^٧)، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي\n_________\n(^١) البقرة: ١٧٦.\n(^٢) النساء: ١٠٥، الزمر: ٢.\n(^٣) النساء: ١٥٣.\n(^٤) انظر تفسير القرطبي: ٦/ ٦، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٦.\n(^٥) انظر: تفسير الطبري: ١٥/ ١٨٨.\n(^٦) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.\n(^٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٠٥، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٩١.","vol":"1","page":243},{"text":"لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (^١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: نهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: \" صدق \". قال: فمن خلق السماء؟ قال: \" الله \". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: \" الله \". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: \" الله \". قال: فبالذى خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: \" نعم \" (^٢).\nومن دلائل نبوته - ﷺ - استدلاله عليهم بعلم الله للقول في السماء والأرض، وأنه لا يمكن أن يكذب عليه، فهو سبحانه لسعة علمه يعلم ما في السماء والأرض (^٣): ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٥)، حتى أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء\" (^٦).\nوقد نبه الله على صدق رسله فيما جاءوا به بما أيدهم به من الآيات، ومنها خلقه للسماوات والأرض (^٧)، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ\n_________\n(^١) الأعراف: ١٥٨.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام: ١/ ٤١ برقم (١٢).\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٣٣٢.\n(^٤) الأنبياء: ٤.\n(^٥) العنكبوت: ٥٢.\n(^٦) سبق: تخريجه: ١٩٧.\n(^٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٦٢.","vol":"1","page":244},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).\nوقال موسى - ﵇ - لفرعون مبينًا الحجة على رسالته، وأن هذه الحجج لا تكون إلا من رب السماوات والأرض (^٢): ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (^٣).\nوفي حديث الإسراء بيَّن - ﷺ - أنه عرج به إلى السماء، ووجد فيها الأنبياء: آدم، ويحيى، ويوسف، وإدريس، وهارون، وعيسى، وموسى، وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (^٤).\nومن الإيمان بالرسل الإيمان بما جاءوا به، وأنه من عند الله، وقد نزل من السماء إلى الأرض، فعن ابن عباس - ﵄ - أنه كان يحدث: \"أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني أرى الليلة ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا، قال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني فلأعبرنها، قال رسول الله - ﷺ -: اعبرها، قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل\n_________\n(^١) الأعراف: ١٨٥.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٣٧، وتفسير ابن كثير: ٥/ ١٢٤.\n(^٣) الإسراء: ١٠٢.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات: ١/ ١٤٨ - ١٤٩ برقم (١٦٣، ١٦٤).","vol":"1","page":245},{"text":"من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله - ﷺ -: أصبت بعضا، وأخطأت بعضا، قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت؟ قال: لا تقسم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>تاسعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nأقسم الله - ﷿ - بربوبيته للسماء والأرض على أن ما وعد\"به من أمر القيامة والبعث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون\" (^٢)، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (^٣).\nواستدل الله - ﷿ - على البعث وإعادة الأجساد بقدرته في خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٤)، قال ابن كثير - ﵀ -: \" أي إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام\" (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا: ٤/ ١٧٧٧ برقم (٢٢٦٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٢٠.\n(^٣) الذاريات: ٢٣.\n(^٤) سبأ: ٩.\n(^٥) تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٦، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٧٥٠.","vol":"1","page":246},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١)، فمن قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى (^٢).\nوأخبر الله - ﷿ - أن السماء تطوى يوم القيامة فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض\" (^٤).\nوأخبر سبحانه أنه سيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فهو مالك السماوات والأرض الغني عما سواه (^٥)، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (^٦).\nومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالجنة والنار، وقد بين الله - ﷿ - صفة الجنة وأن عرضها عرض السماوات والأرض، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٧)، وقال تعالى:\n_________\n(^١) الأحقاف: ٣٣.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٦/ ٤٣، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٣٠٥.\n(^٣) الزمر: ٦٧.\n(^٤) سبق تخريجه: ٢٠٤.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠٥، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٦٠.\n(^٦) النجم: ٣١.\n(^٧) آل عمران: ١٣٣.","vol":"1","page":247},{"text":"﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^١).\nوقد دعا النبي - ﷺ - هرقل إلى الجنة، ووصف له عرضها بأنه كعرض السماوات والأرض (^٢).\nوفي غزوة بدر قال رسول الله - ﷺ -: \" قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري - ﵁ -: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم\" (^٣).\nوأن الجنة درجات، وما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، عن أبى سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" يا أبا سعيد، من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة \". فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها على يا رسول الله، ففعل، ثم قال: \" وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض \". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: \" الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>عاشرًا: الإيمان بالقدر:</span>\nالقدر أربعة مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق (^٥). وأخبر الله - ﷿ -\n_________\n(^١) الحديد: ٢١.\n(^٢) مسند الإمام أحمد: ٣/ ٤٤٢ برقم (١٥٦٩٣)، ومسند أبي يعلى: ٣/ ٧٠ برقم (١٥٩٧). قال ابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ١٧٧: \"هذا حديث غريب تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به\".\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب باب ثبوت الجنة للشهيد: ٣/ ١٥٠٩ برقم (١٩٠١).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات: ٦/ ٣٧ برقم (٤٩٨٧).\n(^٥) انظر: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: أشرف عبد المقصود، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ١٠٥.","vol":"1","page":248},{"text":"أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^١).\nوأنه قدر المقادير وكتبها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^٢).\nكما بين سبحانه أن الأمور لا تقع إلا بإذنه ومشيته ومن ذلك وقوع السماء على الأرض فقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٣) \"أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه\" (^٤).\nولما يذكر الله - ﷿ - خلق السماوات والأرض وأنه هو المتصرف فيها يبين\"أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء\" (^٥)، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) هود: ٧.\n(^٢) سبق تخريجه: ٢٠٣.\n(^٣) الحج: ٦٥.\n(^٤) تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٥١، وانظر: تفسير القرطبي: ١٢/ ٩٣.\n(^٥) المرجع السابق: ٧/ ٢١٦، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٧٦٢.\n(^٦) الشورى: ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":249},{"text":"وعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات؛ لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات؛ لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسى\" (^١)، فمن فعل الأسباب الشرعية والحسية التي أمر الله بها؛ فلن يضره شيء في الأرض ولا في السماء إلا بإذن الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>الحادي عشر: منهج الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>١ - الاستدلال بالعقل:</span>\nمن منهج القرآن الاستدلال بالعقل في إثبات توحيد الربوبية والألوهية مستدلًا في ذلك بخلق السماوات، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (¬<span data-type=\"title\" id=toc-194>٢).\n\n٢ - التصديق والتسليم:</span>\nلما كان خلق السماوات من الأمور الغيبية كان الواجب على المسلم الإيمان بذلك والتصديق به، وعدم الخوض فيما لا علم له به، قال ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (^٣): \"لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها\" (^٤)، ومعناه أن هذه الأمور قد\n_________\n(^١) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح: ٥٤٩ برقم (٥٠٨٨)، وسنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى: ٥٣٦ برقم (٣٣٨٨)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط ١: ٣/ ٩٥٨.\n(^٢) الطور: ٣٥ - ٣٦.\n(^٣) الطلاق: ١٢.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢٨/ ١٧٢. وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ١٥٦.","vol":"1","page":250},{"text":"لا تدركه عقول بعض الناس فيكذب بها، فالواجب التسليم للنصوص والتصديق بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>٣ - ضرب الأمثلة:</span>\nمن منهج القرآن ضرب الأمثلة مستخدمًا في ذلك السماء لبيان حال المشركين وظلالهم وبعدهم عن الهدى، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (^١).\nوضرب الله مثلًا لقلب الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصول الإيمان إليه كمن يصّعد في السماء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)، \"فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الثاني عشر: الوعد والوعيد:</span>\nلما ذكر الله - ﷿ - وجوب إتباع الرسول - ﷺ -، ووبخ وهدد أهل الكتاب على عدم إتباعه بقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤)، بين سبب ذلك فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٥) \"أي هو\n_________\n(^١) الحج: ٣١.\n(^٢) الأنعام: ١٢٥.\n(^٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٨.\n(^٤) آل عمران: ١٨٨.\n(^٥) آل عمران: ١٨٩.","vol":"1","page":251},{"text":"مالك كُل شيء، والقادر على كل شيء فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا نقمته وغضبه، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر منه\" (^١).\nوأخبر الله - ﷿ - أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء (^٢)، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٣).\nوكان المشركون يسألون رسولهم العذاب من السماء، قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٤)، أي: جانبا من السماء، أو عذابًا من السماء (^٥).\nوقال تعالى عن المشركين أنهم قالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٦).\nوبين - ﷺ - أن الذنوب ولو عظمت وبلغت السماء فإن الله - ﷿ - يغفرها ولا يبالي، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم \" (^٧).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٣، وانظر: تفسير: الطبري: ٢٦/ ٩٣.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٣٧، وتفسير ابن سعدي: ٧٩٢.\n(^٣) الفتح: ١٤.\n(^٤) الشعراء: ١٨٦ - ١٨٧.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ١٣٦.\n(^٦) الأنفال: ٣٢.\n(^٧) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة: ٤٥٨ برقم (٤٢٤٨)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: ٢/ ٣٤٦ برقم (١٥٢٦): \"إسناده حسن\"، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه: ٢/ ٤١٧ برقم (٣٤٢٦) \"حسن صحيح\".","vol":"1","page":252},{"text":"وبين كذلك عقوبة من تكلم بكلمة من سخط الله، وأنه ليقع منها أبعد من السماء، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه قال: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأسا إلا ليضحك بها القوم، وإنه ليقع منها أبعد من السماء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الثالث عشر: الولاء والبراء:</span>\nقد جاء في النصوص أن السماء تبكي عند فقد المؤمن، وأن أبوابها تفتح له، أما الكافر فلا تبكي عليه، ولا تفتح له أبوابها (^٢)، قال تعالى عن حال الكافرين: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (^٣).\nوفي حديث البراء بن عازب - ﵄ - في بيان حال روح المؤمن عند الموت، قال - ﷺ -: \" فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله، - ﷿ -: اكتبوا كتاب عبدي في عِليِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى\".\nوفي بيان حال روح الكافر قال: \"وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد، فانتزعوا روحه،\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد: ١٧/ ٤١٣ برقم (١١٣٣١)، قال الهيثمي في\"مجمع الزوائد\" ٨/ ١٧٩: رواه أحمد، وفيه أبو إسرائيل بن خليفة، وهو ضعيف. وأصله عند البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان: ١٢٤٢ برقم (٦٤٧٧)، ولفظه: \"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق\".\n(^٢) انظر: كتاب العظمة: ٥/ ١٧١٤، وتفسير البغوي: ٤/ ١١٦، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٣٩، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٢٥٣.\n(^٣) الدخان: ٢٩.","vol":"1","page":253},{"text":"كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، وتنزع نفسه مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله: أن لا تعرج روحه من قبلهم، فإذا عرج بروحه، قالوا: رب فلان بن فلان عبدك، قال: أرجعوه، فإني عهدت إليهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الرابع عشر: الإيمان بالجن:</span>\nكانت الجن تتخذ المقاعد في السماء الدنيا تسترق السمع من السماء (^٢)، ولما بعث الله محمدًا - ﷺ - منعت من ذلك، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٢١٣.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٤٠.\n(^٣) الجن: ٨ - ٩.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -السماء</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>أولًا: إنكار وجود السماوات:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار وجودها، وأن المراد بها الأفلاك أو الأجرام العلوية (^١)، وأن سعة الجو غير متناهية، وأن الكون\" لا زال يتوسع حتى الآن\" (^٢)، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (^٣)، ومعنى هذا عندهم نفي وجود السماوات السبع (^٤).\nوهذا القول هو قول متأخري الفلاسفة\" فلا سماء عندهم بل الأجرام العلوية قائمة بالجاذبية؛ فإن الشمس وسائر الكواكب السيارات عليها بل وجميع الثوابت ليست مركوزة في جسم من الأجسام\" (^٥).\nوالحق الذي تدل عليه الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة\"أن هذا\n_________\n(^١) انظر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ١٩، ونقض النظريات الكونية: ١٢٧ - ١٢٩.\n(^٢) أسرار الكون بين العلم والقرآن عبد الدائم الكحيل: ٣٠، وانظر: توحيد الخالق لعبدالمجيد الزنداني: ٢٨٠.\n(^٣) الذاريات: ٤٧.\n(^٤) وينبغي أن يلاحظ أنهم حين يذكرون السماء في الكون الأعلى فهم يريدون بها الفضاء، والنجوم، والمجرات. انظر: الموسوعة الفلكية: ٢٢١، ٤٠٩، ونقض النظريات الكونية: ٤١.\n(^٥) ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ٢٥.","vol":"1","page":255},{"text":"الفضاء الذي نحن فيه يبتدي من الأرض، وينتهي إلى السماء الدنيا\" (^١).\n\"والرسل - ﷺ - كلهم أخبروا بوجود السماوات، وهذا خاتمهم - ﷺ - قد ذكر ما ذكر مما رأى في معراجه في السماوات واستفتاحه لها بواسطة جبريل، كل ذلك يبطل تأويل من أول\" (^٢).\nوقد أخبر الله - ﷿ - عن هذه السماء وأنها مبنية فقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ (^٣).\nومما يدل على وجود السماء\" أن الله ذكر للسماء أحوالًا وأوصافًا لا يصح انطباقها على الفضاء، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (^٤)، وهذا يكون يوم القيامة والفضاء لا يوصف بالانشقاق، ومثله قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (^٥)، يعني يوم القيامة، فلولا أنها بناء لما وصفها بالتشقيق ....\nوفي مواضع يذكر الرب - ﷿ - السماء والأرض وما بينهما، فلولا أن للفضاء نهاية، وللسماء جرما لما قال الرب: وما بينهما\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>ثانيًا: إنكار عدد السماوات السبع:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار عدد السماوات السبع، وأن المراد\"بالسماوات السبع التي يرد ذكرها في كثير من الآيات هي\n_________\n(^١) الصواعق الشديدة: ١٢٤، ١٥٢، وانظر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة: ٤٠.\n(^٢) ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ٢٦.\n(^٣) النازعات: ٢٧ - ٢٨.\n(^٤) الانشقاق: ١.\n(^٥) الفرقان: ٢٥.\n(^٦) هداية الحيران في مسألة الدوران لعبد الكريم الحميد، ط ٢: ٣٤.","vol":"1","page":256},{"text":"على أرجح الأقوال الكواكب السبع السيارة المعروفة\" (^١).\nيقول الدكتور محمد جمال الفندي: \" الغالب (والله أعلم) أنها - أي السماوات السبع- تحديد للنوع وليس للكم. وما السماوات السبع التي ترتفع فوق رؤوسنا سوى:\n١ - الغلاف الجوي.\n٢ - الشهب.\n٣ - النيازك.\n٤ - القمر.\n٥ - الكواكب السيارة.\n٦ - المذنبات.\n٧ - الشمس\" (^٢).\nوقال بعضهم أن: \" الأفلاك تسعة وليست سبعة، والعدد سبعة في القرآن يراد به التعدد\" (^٣).\n\"فلم يثبتوا من السماوات سبعا ولا أكثر من ذلك ولا أنقص، والمتشرعون منهم قالوا: المراد من السماوات السبع أصناف أجرام الكواكب، فإنهم جعلوها على سبعة أصناف في المقدار\" (^٤).\n_________\n(^١) القرآن وإعجازه العلمي، لمحمد إسماعيل إبراهيم: ٥٩، وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٣٣.\n(^٢) السماوات السبع، للدكتور محمد جمال الدين الفندي: ١١٣ - ١١٤، وانظر: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن: ١٣٥.\n(^٣) انظر: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، لموريس بوكاى، دار المعارف، لبنان، ط ٤: ١٦٣ وما بعدها، والكون والرؤية العلمية في القرآن والأديان السماوية الأخرى - دراسة مقارنة، رسالة ماجستير إعداد الطالب: أشرف أحمد محمد محمد عماشة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة: ٤٢.\n(^٤) ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ٢٥ - ٢٦.","vol":"1","page":257},{"text":"وهذا الرأي لا يتفق مع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (^١)، فالآية تدل على أن السماوات السبع واحدة فوق واحدة (^٢).\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣)، \"أي أتم خلقهن من تلك المادة الدخانية، فجعلهن سبع سماوات تامات منتظمات الخلق\" (^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ (^٥)، قال ابن حزم - ﵀ - (^٦): \" وهكذا قام البرهان من قبل كسوف الشمس والقمر وبعض الدرارى لبعض على أنه سبع سماوات، وعلى أنها سبع طرائق\" (^٧).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٨)، فالشمس والقمر\n_________\n(^١) نوح: ١٥.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٩/ ١١٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٢٣٣، والبحر المحيط لأبي حيان، تحقيق: عادل عبد الموجود، وآخرون، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١: ٦/ ٢٨٦، ٢٨٧.\n(^٣) البقرة: ٢٩.\n(^٤) تفسير القرآن الحكيم، لمحمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٢: ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(^٥) المؤمنون: ١٧.\n(^٦) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، فقيه محدث متكلم، له مؤلفات كثيرة، منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والدرة فيما يجب اعتقاده، والمحلى، والإجماع، وغيرها.\nانظر: سير أعلام النبلاء: ١٨/ ١٨٤، وشذرات الذهب: ٣/ ٢٩٩.\n(^٧) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، المطبعة الأدبية، ط ١: ٢/ ٩٨.\n(^٨) الأعراف: ٥٤.","vol":"1","page":258},{"text":"والنجوم معطوفة على السماوات والأرض، أي أنهن لسن بجزء من السماوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>ثالثًا: إنكار خلق الله للسماوات والأرض في ستة أيام وأنها ست مراحل:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار خلق الله للسماوات في ستة أيام، وأن هذه الأيام الواردة في الآيات عبارة عن ست مراحل، أقام الله عليها الكون، وأسماها ستة أيام، وربط ذلك بالنظام السداسي (^١)، يقول الكتور جميل القدسي الدويك: \"وأن الأيام هنا ليست كأيامنا هذه، إنما هي مراحل طويلة، فإنشاء الكون كله وبنائه وتعميره من قبل الله وإصلاحه على أكمل وجه كان قائما على النظام السداسي فتأملوا ذلك في القرآن العظيم\" (^٢).\nأما علماء الإسلام فيقولون أن الله خلق هذه السماوات والأرض في ستة أيام ولكنهم اختلفوا هل هذه الأيام من أيام الدنيا أو أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \" وخلقها الله - ﷿ - في ستة أيام، والأيام أطلقها الله - ﷿ - ولم يبين أن اليوم خمسين ألف سنة، أو أقل، أو أكثر، وإذا\n_________\n(^١) أي شيء قائم على البناء والنمو والربو خلقه الله ﷾ مبنيا على نظام سداسي، انظر: اكتشاف الآلية التي يؤثر بها قرين الإنسان من الشيطان عليه في الوسواس والسحر والتلبس والمس والأمراض النفسية والعلاج الناجح لكل ذلك من خلال أطعمة القرآن والرقية الشرعية والاستعاذة بالله، بحث خاص مقدم من مركز الأبحاث العلمية في مؤسسة الدكتور جميل القدسي الدويك لمؤتمر العلاج بالقرآن بين الدين والطب: ٣٧.\n(^٢) اكتشاف الآلية التي يؤثر بها قرين الإنسان من الشيطان عليه: ٣٧ - ٣٨، باختصار.\n(^٣) انظر: تفسير الطبري: ١٠٤ - ١٠٥، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢١٩.","vol":"1","page":259},{"text":"أطلق يحمل على المعروف المعهود وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة (^١)، فالجمعة منتهى خلق السماوات والأرض ومبتدئه الأحد، والسبت ليس فيه خلق لا ابتداء ولا انتهاء.\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>رابعًا: اعتقاد أن السماوات خلقت من غير مادة:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية القول بأن السماوات خلقت من غير مادة، وبأن مادة السماوات ليست مبتدعة، مما يلزم عليه القول بقدم العالم (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" فأما قول الدهرية: بأن السماوات لم تزل على ما هي عليه ولا تزال فهذا تكذيب صريح وكفر بين بما في القرآن وما اتفق عليه أهل الإيمان وعلموه بالاضطرار أن الرسل أخبروا به وكذلك قول الجهمية (^٤)، أو من يقول: منهم إن السماوات والأرض خلقتا من غير\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب ابتداء الخلق وخلق آدم - ﵇ -: ٤/ ٢١٤٩ برقم (٢٧٨٩).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم- الحجرات إلى الحديد - للشيخ محمد بن عثيمين، دار الثريا، الرياض، ط ١: ٣٦٤.\n(^٣) انظر: جامع المسائل لابن تيمية، فصل في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع، تحقيق: عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧، ومنهاج السنة: ١/ ٣٦٠، ودرء التعارض: ٨/ ٢٨٧ - ٢٩٠.\n(^٤) الجهمية: أصحاب الجهم بن صفوان، وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز بمرو في آخر ملك بني أمية، ينفون الأسماء والصفات ويزعمون أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط. انظر: الملل والنحل للشهرستاني، تحقيق: محمد فتح الله بدران، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٣٦، والفرق بين الفرق لعبد القاهر بن قاهر البغدادي، تحقيق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، ط ٢: ١٩٤.","vol":"1","page":260},{"text":"مادة، ولا في مدة، وأنهما يفنيان أو يعدمان، أو أن الجنة تفنى أيضا: كل ذلك مخالف لنصوص القرآن\" (^١).\nوهذا القول لم يقل به أحد من سلف الأمة، بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة، وفي مدة، كما دل عليه القرآن (^٢) قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\" (^٥).\nوقد أخبر سبحانه أنه استوى إلى السماء الدنيا وهي دخان، فقال لها وللأرض:\n﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٦).\n\"وثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية: ١/ ١٥٩.\n(^٢) انظر: المرجع السابق: ١/ ١٥٢ - ١٥٤.\n(^٣) فصلت: ٩ - ١٢.\n(^٤) البقرة: ٢٩.\n(^٥) سبق تخريجه: ٢٠٣.\n(^٦) فصلت: ١١.","vol":"1","page":261},{"text":"أنه خلق السماء من بخار الماء، ونحو ذلك من النقول التي يصدقها ما يخبر به أهل الكتاب عن التوراة وما عندهم من العلم الموروث عن الأنبياء. وشهادة أهل الكتاب الموافقة لما في القرآن أو السنة مقبولة\" (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (^٢)، ونظائر ذلك في القرآن.\nوفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض\" (^٣). وفي رواية صحيحة: \" ثم خلق السماوات والأرض\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>خامسًا: اعتقاد التعب والإعياء لله بعد خلق السماوات والأرض:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية زعم اليهود أن الله تعالى استراح يوم السبت، بعد خلقه السماوات والأرض -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا- فعن قتادة قال: قالت اليهود -عليهم لعائن الله-: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه:\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل: ٢: ٤/ ٢٣٤، وانظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد الله بن صالح الغصن، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٢٧٢.\n(^٢) الرعد: ٤٣.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: ٦١٣ برقم (٣١٩١)، بلفظ\"ولم يكن شيء غيره\".\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: ١٤١٣ برقم (٧٤١٨).","vol":"1","page":262},{"text":"﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي من إعياء ولا نصب ولا تعب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>سادسًا: اعتقاد أن الله في جوف السماء:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية اعتقاد أن الله في جوف السماء، وأن قوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٣) يقتضي أن يكون الله في جوف الأفلاك، ونحو ذلك، وظن أن هذه المعاني الفاسدة هي ظاهر القرآن، وأن مسماها ظاهره وحقيقته.\nوالجواب عن هذا أن السلف ﵏ لم يعتقدوا أن هذا المعنى الفاسد ظاهر هذه النصوص، ولا أنها تدل على ذلك.\n\"وقد أخبر الله - ﷿ - في القرآن أنه استوى على العرش، وأن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، وأخبر بعلوه في غير موضع من كتابه، وهذه كلها نصوص تنفي أن تكون صفاته تشبه صفات خلقه، أو يكون حالا في المخلوقات، وأخبر بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٤)، وبقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٥) ونحو ذلك أن يماثله العباد في صفاتهم، فتكون صفاته\n_________\n(^١) الأحقاف: ٣٣.\n(^٢) غافر: ٥٧.\n(^٣) الملك: ١٦.\n(^٤) الشورى: ١١.\n(^٥) الإخلاص: ٤.","vol":"1","page":263},{"text":"كصفات خلقه\" (^١).\nفهو ﷾ قد قال في كتابه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (^٢).\nوثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال للجارية: \"أين الله؟، قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة\" (^٣).\nقال مالك بن أنس - ﵀ -: إن الله في السماء، وعلمه في كل مكان (^٤).\nوقيل لعبد الله بن المبارك - ﵀ -: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه (^٥).\nوقال أحمد بن حنبل - ﵀ - كما قال هذا وهذا (^٦).\nوعلى هذا فالمراد بفي\"إما أن تكون بمعنى \"على\"، كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٧) أي على جذوع النخل، وكقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٨) أي عليها، فالمعنى أأمنتم من على السماء.\n_________\n(^١) مسألة في تأويل الآيات وإمرار الصفات كما جاءت لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن جامع المسائل، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٣/ ١٧٢ - ١٧٤.\n(^٢) الملك: ١٦ - ١٧.\n(^٣) سبق تخريجه: ٢٠١.\n(^٤) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٤: ١٠٧، ومسائل الإمام أحمد برواية أبي داود، تحقيق: طارق عوض الله، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١: ٣٥٣ برقم (١٦٩٩).\n(^٥) الرد على الجهمية لأبي سعيد عثمان الدارمي، تحقيق: بدر البدر، دار ابن الأثير، الكويت، ط ٢: ٤٧ برقم (٦٧)، والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ١١١.\n(^٦) انظر: درء التعارض: ٢/ ٣٤.\n(^٧) طه: ٧١.\n(^٨) آل عمران: ١٣٧.","vol":"1","page":264},{"text":"وإن كانت على بابها وهي الظرفية، فيكون المراد بالسماء العلو، فالله في العلو المطلق\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>سابعًا: تحريف مخاطبة الله للسماء وتحريف اتيانها وقولها:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف مخاطبة الله للسماء، وتحريف اتيانها وقولها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٢).\nفقالوا في مخاطبة الله للسماء في قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا﴾ قولان:\nأحدهما: أنه قول تكلم به.\nالثاني: أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد (^٣).\n\nأما قول السماء فقيل فيه:\nأنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما.\nوقيل أن هذا مجاز، وإنما المعنى أنها ظهر منها من اختيار الطاعة والخضوع والتذلل ما هو بمنزلة لقول ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم، كتبها ورتبها: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم: ٨٥، ١١١، وانظر: بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٥٥٨، وتقريب التدمرية للشيخ محمد بن عثيمين، دار الوطن، الرياض، ط عام ١٤٢٤: ٧١.\n(^٢) فصلت: ١١.\n(^٣) انظر: النكت والعيون لعلي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت: ٥/ ١٧٢، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤\n(^٤) انظر: المرجع السابق: ٥/ ١٧٢ - ١٧٣، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لعبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: الرحالة الفاروق وآخرون، وزارة الأوقاف القطرية، الدوحة، ط ٢: ٧/ ٤٦٨.","vol":"1","page":265},{"text":"وقيل: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى (^١).\nومنهم من جعل قول السماء هو الموجات الصوتية التي حدثت عند انفجار الكون، أو أنه ذبذبات كونية هادئة (^٢).\n\"بل إنهم يصورن ذلك في رسوم بيانية، ويزعمون من خلال تحليل العلماء لهذه الذبذبات أن الكون كان هادئًا ومطيعًا، وانه يوافق قول الله تعالى عن السماء في بداية الخلق\" (^٣): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٤).\nوالجواب أن هذه التأويلات والتحريفات باطلة؛ فإن الله - ﷿ - قادر على مخاطبة الجمادات (^٥)، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (^٦).\nوما في نطق السماء من العجب؟ \" والله ﵎ ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخّر الجبال والطير، بالتّسبيح. قال تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (^٧)، وقال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (^٨)، أي سبّحن معه، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٩).\" (^١٠).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤.\n(^٢) أسرار الكون بين العلم والقرآن: ٣، ٢٩.\n(^٣) المرجع السابق: ٣١.\n(^٤) فصلت: ١١.\n(^٥) انظر: مبحث عبودية الكائنات: ٦٥.\n(^٦) الأحزاب: ٧٢.\n(^٧) ص: ١٩.\n(^٨) سبأ: ١٠.\n(^٩) الإسراء: ٤٤.\n(^١٠) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، ط ٢: ١١٣.","vol":"1","page":266},{"text":"وهذا القول لا شيء يدفعه، والعبرة به أتم والقدرة فيه أظهر (^١).\nكما أن الله - ﷿ - خاطبهما خطاب من يعقل، وذكر جوابهما، وكان الجواب لجمع العقلاء فقال: ﴿طَائِعِينَ﴾، ولم يقل طائعتين على اللفظ، ولا طائعات على المعنى، لأنهما سماوات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، ولما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل (^٢).\nأما الإتيان فإن معناه عندهم غير مراد\" لأن السماء والأرض لا يتصور أن يأتيا، ولا يتصور منهما طواعية أو كراهية إذ ليستا من أهل العقول والإدراكات، ولا يتصور أن الله يكرههما على ذلك لأنه يقتضي خروجهما عن قدرته\" (^٣).\nوفيه قولان:\n\"أحدهما: أنه قال ذلك قبل خلقها، ويكون معنى ائتيا أي كونا فكانتا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤).\nالثاني: قول الجمهور أنه قال ذلك لهما بعد خلقهما.\nفعلى هذا يكون في معناها أربع تأويلات:\nأحدها: معناه أعطيا الطاعة في السير المقدر لكما طوعًا أو كرهًا أي اختيارًا أو إجبارًا.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ٧/ ٤٦٨.\n(^٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤، وانظر: شرح الأربعين النووية لابن عثيمين، دار الثريا، الرياض، ط ١: ٥١.\n(^٣) التحرير والتنوير: ٢٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(^٤) النحل: ٤٠.","vol":"1","page":267},{"text":"الثاني: ائتيا عبادتي ومعرفتي طوعًا أو كرهًا باختيار أو غير اختيار.\nالثالث: ائتيا بما فيكما طوعًا أو كرهًا.\nالرابع: كونا كما أمرت من شدة ولين، وحزن وسهل ومنيع وممكن\" (^١).\nونقول -كما سبق- أن الله على كل شيء قدير، قال ابن عباس - ﵄ - في معنى ذلك: \"قال الله - ﷿ -: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>ثامنًا: تحريف معنى تسبيح السماوات:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى تسبيح السماوات، وحمله\" على معنى الانقياد والتسخير الذى يصدر عن طواعية على سبيل الاستعارة بالكناية\" (^٣)، أو أن تسبيحها هو\"ما يظهر فيه من لطيف صنعة الله وبديع قدرته الذي يعجز الخلق عن مثله فيوجب ذلك على من رآه تسبيح الله وتقديسه\" (^٤).\nوقد سبق الكلام على هذه المسألة في مبحث عبودية الكائنات (^٥)، وأن السماء تسبح تسبيحًا حقيقيًا، الله أعلم بكيفيته، وأن هذا التسبيح زائد على ما\n_________\n(^١) النكت والعيون: ٥/ ١٧٢ - ١٧٣، ومفاتيح الغيب: ٢٧/ ٥٥٧ - ٥٥٨، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤، وتفسير البغوي: ٤/ ٥٩.\n(^٣) من بلاغة القرآن في التعبير بالغدو والآصال والعشي والإبكار، إعداد: الدكتور محمد محمد عبد العليم دسوقي: ٤٧، ٧١.\n(^٤) النكت والعيون: ٣/ ٢٤٥.\n(^٥) انظر: ٦٥.","vol":"1","page":268},{"text":"فيها من الدلالة (^١)، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>تاسعًا: تحريف معنى بكاء السماء:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى بكاء السماء، وأن المراد بذلك أنه\" عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات ... وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه\" ...\nأو أن\"في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة\".\nوفي كيفية بكاء السماء ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان.\nوقيل: بكاؤهما حمرة أطرافها.\nوقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن (^٣).\nومن المخالفات أيضًا اعتقادهم أن بكاء السماء ناتج عن ولادة الكون، كما يقوله البروفيسور ويتل في خبر علمي: \"يمكننا سماع البكاء الناتج عن ولادة الكون\" (^٤).\nثم يقول صاحب الكتاب: \"وهذا الخبر العلمي يعطي إمكانية حدوث الصوت والبكاء وغير ذلك مما لم نكن نفهمه من قبل. وهذا يؤكد أن كل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٢/ ٤٠٦.\n(^٢) الإسراء: ٤٤.\n(^٣) انظر هذه الأقوال في: تفسير القرطبي: ١٦/ ١٣٩ - ١٤١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(^٤) نقلا عن: أسرار الكون بين العلم والقرآن: ٣١.","vol":"1","page":269},{"text":"كلمة في القرآن هي الحق، بل لماذا لا يكون هذا الصوت الكوني هو امتثال لأمر الله تعالى؟ \" (^١).\nوالصواب أنها تبكي بكاء حقيقيا إذ لا استحالة في ذلك، وإذا كانت السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك (^٢).\nوقال مجاهد - ﵀ -: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل! . وقال علي وابن عباس - ﵄ -: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>عاشرًا: إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض، \"فلم يعرف الإنسان مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم، فعرفنا أن السماء مرتفعة، وليست قريبة كما يظن النظر المجرد\" (^٤).\nوهذا مخالف لقول النبي - ﷺ - الذي أخبر فيه أن ارتفاع السماء مسيرة خمسمائة سنة، فعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ \" قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال:\n_________\n(^١) المرجع السابق: ٣١.\n(^٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٣٩ - ١٤١.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(^٤) توحيد الخالق: ٢٨٠.","vol":"1","page":270},{"text":"\"بينهما مسيرة خمسمائة سنة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الحادي عشر: بعض<span data-type=\"title\" id=toc-211> الأدعية والأقوال </span>المخالفة:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -السماء- ذكر بعض الأدعية والأقوال المخالفة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>١ - من ذلك الدعاء بقول: \" اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين، افعل كذا وكذا</span>\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" هذه المسألة مبنية على مسألة كلام الله، ونحو ذلك من صفاته، هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته؟ أو يقال: إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وإنها مع ذلك صفات فعليه؟ وهذا فيه قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة.\" (^٢)\nثم بين - ﵀ - أن هذا القول هو مذهب الكلابية (^٣)،\nأما أهل السنة فلا يقال\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد: ٣/ ٢٩٢ برقم (١٧٧٠)، وسنن أبي داود في كتاب السنة، باب في الجهمية: ٥١٤ - ٥١٥ برقم (٤٧٢٣)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحاقة: ٥٢٦ برقم (٣٣٢٠) وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٨٨، ٤١٢، ٥٠٠، ٥٠١، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال في موضع آخر: هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ورواه غيرهم. انظر: مجموع الفتاوى: ٣/ ١٩١ - ١٩٢، وتهذيب السنن لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت: ٧/ ٩٤، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٤٢٩، وتخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لفريح بن صالح البهلال، دار الأثر، ط ١: ١٤٠ - ١٤٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٨/ ٣٨٤.\n(^٣) الكلابية: من الفرق الكلامية، ظهرت نهاية القرن الثاني، وهم أتباع عبدالله بن سعيد بن كلَاّب وهم ينفون الصفات ويقولون أن الإيمان المعرفة بالقلب والإقرار باللسان.\n\nانظر: كتاب أصول الدين لأبي منصور عبدالقاهر البغدادي، دار صادر، بيروت، ط ١: ٢٤٩، ومجموع الفتاوى: ١٢/ ١٧٨، ومختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٢٦، ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٧٧، والفصل في الملل والنحل: ٥/ ٧٧، والملل والنحل ١١/ ٩٣.","vol":"1","page":271},{"text":"عندهم قدر أن يتكلم، أو يقول (^١)، وقالوا لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وكما شاء (¬<span data-type=\"title\" id=toc-213>٢).\n\n٢ - ذكر أحوال خاصة للسماء عند دعاء المكروب:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: \"كان رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار يكني أبا معلق، وكان يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا.\nفخرج مرة فلقيه لص مقنع بالسلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك.\nقال: ما تريد إلا دمي؟ شأنك بالمال.\nقال: أما المال فلي فلست أريد إلا دمك.\nقال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات.\nقال: صل ما بدا لك.\nفتوضأ ثم صلى أربع ركعات وكان من دعائه في آخر سجدة أنه قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات.\nفإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة. واضعها بين أذني فرسه، فلما أبصر به اللص: أقبل نحوه فطعنه فقتله.\nثم أقبل إليه، فقال: قم، قال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله تعالى بك اليوم.\nقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة.\n_________\n(^١) المرجع السابق: ١٧/ ٥٥.\n(^٢) المرجع السابق: ١٧/ ١٦٦.","vol":"1","page":272},{"text":"دعوت الله بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة.\nثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجيجا.\nثم دعوت بدعائك الثالث فقيل: دعاء مكروب.\nفسألت الله ﷿ أن يوليني قتله.\nقال أنس: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أم غير مكروب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>٣ - عدالة السماء:</span>\nقال الشيخ بكر أبو زيد (^٢)\n- ﵀ -: \" هذا تعبير حادث في عصرنا، يريدون به: عدل الله - سبحانه - على معنى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٣).\nفالمراد إن كان كما ذكر فهو حق، والتعبير غير سديد، بل هو قريب من إطلاقات الكلاميين التي لم يأت بها كتاب ولا سنة، كما في قولهم: \"قوة خفية\" فليجتنب (^٤).\nوسئل الشيخ بن عثيمين - ﵀ - عن حكم مقولة: \"عدالة السماء، ونور السماء\" وما أشبه ذلك؟:\n_________\n(^١) كرامات أولياء الله لأبي القاسم هبة الله اللالكائي: ٩/ ١٦٦، وقال محقق الكتاب: سنده ضعيف، فيه ثلاثة أشخاص لم أجد تراجمهم. وذكر القصة ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، القاهرة: ط ١: ١٢/ ٦١٥.\n(^٢) هو بكر بن عبد الله أبو زيد، كان رئيسًا للمجمع الفقه الإسلامي، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وله مشاركة في التأليف في: الحديث والفقه واللغة والمعارف العامة، منها: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، والحدود والتعزيرات، والجناية على النفس وما دونها، وغيرها. توفي عام ١٤٢٩.\n\nانظر: مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ١/ ١٥.\n(^٣) الكهف: ٤٩.\n(^٤) معجم المناهي للشيخ بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط ٣: ٣٨٣.","vol":"1","page":273},{"text":"فأجاب: \"هم يريدون بنور السماء وهداية السماء نور الله - ﷿ -؛ لأنه في السماء، ولكن الأفضل أن يعدلوا عن هذه الكلمات، وأن يقولوا: نور الله وهداية الله، كما قال النبي ﵊: \"إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها \" (^١)، قال: \" كان الذي في السماء\" فإطلاق مثل هذه العبارات يجب على الإنسان التوقف فيها، وأن يقال: الأفضل أن تضيفوا الشيء إلى من هو له حقيقة؛ لأن مجرد السماء ليس فيها هداية وليس فيها نور وإنما هو نور الله - ﷿ - وهداية الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>٤ - كراهة النظر إلى السماء:</span>\nزعمًا منهم أن ذلك يدل على تحيز الله - ﷿ -، وأن\" هذا الأدب مطلوب من كل الناس، وإن كان الحق تعالى لا يتحيز ولا تأخذه الجهات\" (^٣)، وزعم بعض الزهاد أنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعًا وتذلًا (^٤).\nوقد استدلوا بنهي النبي - ﷺ - عن رفع البصر في الصلاة (^٥)، فقالوا: \"أقرب ما يكون العبد إلى ربه في الصلاة، ونهي الرسول ﵊ رفع البصر إلى السماء يدل على أن القرب من الله ليس بالتوجه إلى السماء، وهذا يدل على عدم التحيز والمكان، فلو كان الله في السماء لكان أولى التوجه في\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها: ٢/ ١٠٥٩ برقم (١٤٣٦).\n(^٢) لقاء الباب المفتوح للشيخ محمد بن عثيمين، دار الوطن، الرياض: ٨١/ ٢٩.\n(^٣) العهود المحمدية لعبد الوهاب الشعراني: ٦٨٨.\n(^٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال، تحقيق: ياسر إبراهيم، مكتبة الرشد: ٩/ ٣٦٠، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني، ضبطه: عبد الله محمود عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢٢/ ٣٤٣.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب النهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة: ٢/ ٢٩ برقم (٩٩٤، ٩٩٥).","vol":"1","page":274},{"text":"البصر إلى حيث الله، ولما نهى الرسول عن ذلك ... دل على عدم تحيز الله ووجوده في مكان\" (^١).\nوقد وردت السنة الصحيحة برد ذلك، وقد بوب البخاري - ﵀ - في صحيحه بقوله: باب رفع البصر إلى السماء (^٢)، وذكر بعض الأحاديث والتي فيها رفع النبي بصره إلى السماء، وفي هذا رد على من كره ذلك (^٣).\n_________\n(^١) سليم الحشيم، منتدى الأصلين - على شبكة الانترنت (وهو منتدى أشعري).\nhttp: //www.aslein.net/showthread.php؟ t=٨١٧٢\n(^٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء: ١١٩٦، برقم (٦٢١٤، ٦٢١٥).\n(^٣) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال: ٩/ ٣٦١، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٢/ ٣٤٣.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>١ - اعتقاد أن السماوات تدور على منكب ملَك:</span>\nجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود - ﵁ - فقال: \"من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: من لَقيتَ؟ قال: لقيتُ كعبًا. فقال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك. قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١) \".\nوذهب جُندَب البجلي إلى كعب الأحبار فقدم عليه، ثم رجع، فقال له عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \" حدثنا ما حدثك. فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك. قال عبد الله - ﵁ -: لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك، ثم قال: ما تنتكت (^٢) اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ كفى بها زوالا أن تدور\" (^٣).\n_________\n(^١) فاطر: ٤١.\n(^٢) النكت: أن تنكت بقضيب في الأرض فتؤثر بطرفه فيها. انظر: لسان العرب: ١٠/ ٨٣.\n(^٣) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره: ٢٢/ ١٧١، قال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٨: وهذا إسناد صحيح إلى كعب، وإلى ابن مسعود.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>٢ - إمساك السماء والأرض:</span>\nعن أبي هريرة a قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي عن موسى - ﵇ - على المنبر قال: \"وقع في نفس موسى - ﵇ -: هل ينام الله - ﷿ -؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فتكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلًا إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٣ - ماذا يحدث لو عصت السماوات والأرض:</span>\nروي عن موسى -﵊- أنه قال: \" يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي\" (^٢).\nوقد دلت الآية على خلافه لأن الله سبحانه أمرهما أن يأتيا طوعا أو كرها فكيف تعصيانه؟ وإن عصته كيف لا تأتيان كرها؟ فإنما أمره إن أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم: ١٠/ ٣١٨٦، والطبري في تفسيره: ٥/ ٣٩٤، وأبو يعلى في مسنده، تحقيق حسين أسد، دار الثقافة العربية، دمشق، ط ١: ١٢/ ٢١، قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع. وقال في موضع أخر: \"حديثًا غريبًا بل منكرًا\". انظر تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٩، ٣/ ٥٥٨.\n(^٢) انظر: الكشف والبيان، لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ٨/ ٢٨٧، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤، ولم يذكرا له سندًا، وإنما قال الثعلبي بلغنا، ولم أعثر عليه في كتب السنة.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>٤ - ذكر ملائكة السماء ووصفهم بأوصاف لم ترد في الكتاب والسنة:</span>\nقد ورد في بعض الكتب وصف لملائكة كل سماء (^١)، من الأوصاف التي لم تذكر في القرآن، ولم تصح عن النبي - ﷺ -، فيجب تركها واطراحها وعدم الخوض في علم الغيب إلا بما جاء عن الله ورسوله (^٢).\nفعن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم قال: كان العباس بن أنس بن عامر السلمي شريكا لعبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله - ﷺ -، قال: فخرج حتى أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا عباس، إن الذي أنزل علي الوحي أرسلني إلى الناس كافة، بلسان عربي مبين، من فوق سبع شداد إلى سبع غلاظ، يتنزل الأمر بينهن إلى كل مخلوق بما قضي عليهم من زيادة أو نقصان، فقال العباس: وكيف خلق الله سبعا شداد وسبعا غلاظا؟ ولم خلقهن؟ فقال رسول الله - ﷺ -: خلق الله ﷾ السماء الدنيا فجعلها سقفًا مخفوظًا، وجعل فيها حرسا شديدا وشهبا، ساكنها من الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، في صورة البقر مثل عدد النجوم، شرابهم النور والتسبيح، لا يفترون من التهليل والتكبير.\nوأما السماء الثانية فساكنها عداد القطر في صور العقبان، لا يسأمون ولا يفترون ولا ينامون، منها ينشق السحاب حتى يخرج من تحت الخافقين فينتشر في جو السماء، معه ملائكة يصرفونه حيث أمروا به، أصواتهم التسبيح، وتسبيحهم تخويف.\nوأما السماء الثالثة فساكنها عدد الرمل في صور الناس، ملائكة ينفخون في البروج كنفخ الريح، يجأرون إلى الله ﵎ الليل والنهار، وكأنما يرون ما يوعدون.\n_________\n(^١) عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: ٣٩٨.\n(^٢) انظر: عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر، دار النفائس، ط ١٢: ٩.","vol":"1","page":278},{"text":"وأما السماء الرابعة فإنه يدخلها كل ليلة حتى يخرج إلى عدن، ساكنها عدد ألوان الشجر صافون مناكبهم معا، في صور الحور العين، من بين راكع وساجد، تبرق وجوههم بسبحات ما بين السموات السبع والأرض السابعة.\nوأما السماء الخامسة فإن عددها يضعف على سائر الخلق في صورة النسور، منهم الكرام البررة، والعلماء السفرة، إذا كبروا اهتز العرش من مخافتهم وصعق الملائكة، يملأ جناح أحدهم ما بين السماء والأرض.\nوأما السماء السادسة فحزب الله الغالب، وجنده الأعظم، لو أمر أحدهم أن يحذف السموات والأرض بأحد جناحيه اقتلعهن، في صورة الخيل المسومة.\nوأما السماء السابعة ففيها الملائكة المقربون، الذين يرفعون الأعمال في بطون الصحف، ويخفضون الميزان، فوقها حملة العرش الكروبيون، كل مفصل من أحدهم أربعون ألف سنة، أو قال أربعون سنة، فتبارك الله رب العالمين ديان الدين خالق الخلق رب العالمين\" (^١).\n\n٥ - إبليس كان يدبر أمر السماء الدنيا:\nروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا\" (^٢).\n_________\n(^١) كتاب العظمة: ٣/ ١٠٥٥ برقم (٥٧٢)، وذكره الكتاني في الأحاديث الموضوعة، انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة لعلى بن محمد بن العراق الكتاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢: ١/ ٢١٣.\n(^٢) شعب الإيمان للبيهقي: ١/ ٤١٩ برقم (١٤٥)، قال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٨ بعد أن ساق بعض الآثار عن الأخبار المتعلقة إبليس - ومنها هذا الخبر: \"وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا\".","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الثاني: الشمس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>الشمس في اللغة:</span> الشين والميم والسين أصل يدل على تلوُّن وقلة استقرار، والشمس معروفة، وسميت بذلك لأنها غير مستقرة، وهي أبدًا متحركة (^١).\nوهي تجمع على شُمُوس، كأنهم جعلوا كل ناحية منها شَمْسًا، كما قالوا للَمفْرِق مَفارق، وتصغيرها شُمَيْسِة (^٢).\nوفي الاصطلاح: كرة هائلة من الغاز المتوهج في وسط المجموعة الشمسية، وهي واحدة من بلايين النجوم في الكون، لا تتميز عنها بشيء (^٣).\nوفي الموسوعة الفلكية: هي الجسم المركزي في المجموعة الشمسية، وهي عبارة عن كرة مشعة، فتبدو لنا كقرص مضئ مستدير وواضح التحديد (^٤).\nوقد ورد لفظ الشمس في القرآن في (٣٢) موضعًا (^٥). وفي السنة في (٨٧) حديثًا (^٦).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة: ٣/ ٢١٢.\n(^٢) الصحاح: ٣/ ٩٤٠.\n(^٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١٤/ ٢٤٦.\n(^٤) الموسوعة الفلكية: ٢٣٦.\n(^٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٤٩١ - ٤٩٢.\n(^٦) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الدلائل العقدية للآية الكونية - الشمس</span>-:\nالشمس آية كبرى ودلالة عظمى من آيات الله تعالى، وشروقها وغروبها بنظام لا تحيد عنه منذ خلقها الله - ﷿ - دليل على قدرة الله وعلمه وحكمته.\nولما ذكر ابن القيم - ﵀ - فصولًا متعلقة بالكواكب والشمس وما فيها من الحكم والمنافع، وأن الله - ﷿ - \" لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر\" (^١).\nقال: \"وهل هذا إلا صنع من بهرت العقول حكمته، وشهدت مصنوعاته ومبتدعاته بأنه الخالق البارئ المصور الذي ليس كمثله شيء، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنعه، وأنه العليم الحكيم، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأن هذه إحدى آياته الدالة عليه، وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافرت فيها إليه، وأنه خلق مسخر مربوب مدبر\".\nثم قال: \" فهذا الترتيب والنظام الذي هي عليه من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>أولًا: وجود الله:</span>\nأخبر الله - ﷿ - عن محاجة إبراهيم - ﵇ - للنمرود في وجود الله، وكان النمرود ينكر وجود الله - ﷿ -، وأن يكون ثم إله غيره، وأنه يحي ويميت، فاستدل إبراهيم - ﵇ - على وجود الله، وأنه المالك المتصرف المستحق للعبادة وحده - بعد الاستدلال بأن الله يحي ويميت- بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.\n(^٢) المرجع السابق: ١/ ٣٢٦.","vol":"1","page":281},{"text":"مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).\nفحدوث هذه الأشياء المشاهدة وإيجادها بعد العدم، وعدمها بعد الوجود دليل على وجود الله؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب، فإذا\" كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب.\nفلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة\" (^٢).\nوفي\" ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك\" (^٣).\nوقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة على وجوده وقدرته التامة خلق الشمس وجريانها (^٤)، فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٥).\n\nوفي قوله - ﷺ -: \" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله\" (^٦)، \" أي دليلان\n_________\n(^١) البقرة: ٢٥٨.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦، وانظر: تفسير السعدي: ١١١.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٥.\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٩، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٦، تفسير ابن كثير: ٦/ ٥٧٥.\n(^٥) يس: ٣٧ - ٣٨.\n(^٦) سبق تخريجه: ٥.","vol":"1","page":282},{"text":"على وجود الحق سبحانه، وقهره، وكمال الإلهية\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nالرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله - ﷿ - يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك الشمس (^٢)، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (^٥).\nوهي مدبرة مسخرة\"لا تصرف لها في نفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة لا إله يعبد من دون الله\" (^٦)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>١ - صفة العلم والقدرة:</span>\nأخبر الله - ﷿ - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه،\n- ومنها الشمس- فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن علي القرطبي، تحقيق: محي الدين مستو وآخرون، دار ابن كثير، بيروت، ط ١: ٢/ ٥٥٢.\n(^٢) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٦٥٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٦، ٧/ ٨٦.\n(^٣) الصافات: ٥.\n(^٤) الأنبياء: ٣٣.\n(^٥) نوح: ١٥ - ١٦.\n(^٦) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٥.\n(^٧) الأعراف: ٥٤.","vol":"1","page":283},{"text":"نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣).\nففي هذه الآيات\"ينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات، في أرجاء السماوات نورا وضياء\" (^٤)، وأن ذلك استقام للناس\" بجعل الله حركات الشمس والقمر على نظام واحد لا يختلف، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته، وهذا بحسب ما يظهر للناس منه ولو اطلعوا على أسرار ذلك النظام البديع لكانت العبرة به أعظم\" (^٥).\nوقوله - ﷺ - في الحديث عن الشمس والقمر أنهما: \"آيتان من آيات الله\" (^٦)، أي علامتان دالتان على وحدانية الله وعظيم قدرته (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>٢ - صفة الرؤية والعلو:</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون الله ﵎\n_________\n(^١) يونس: ٥.\n(^٢) النحل: ١٢.\n(^٣) يس: ٣٨ - ٤٠.\n(^٤) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦١.\n(^٥) التحرير والتنوير: ٦/ ٣٧٨.\n(^٦) سبق تخريجه: ٥.\n(^٧) فتح الباري: ٢/ ٥٢٨.","vol":"1","page":284},{"text":"بأبصارهم يوم القيامة (^١)، وأنهم يرونه - ﷿ - كما يرون الشمس والقمر صحوًا ليس دونها سحاب، - من جهة العلو - فعن أبي هريرة - ﵁ -: أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \" هل تضارون (^٢) في القمر ليلة البدر؟ . قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ . قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك\" (^٣).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: \" أن ناسًا في زمن رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم، قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ﷿ - لأبي بكر بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: د. عبد العزيز الشهوان، دار الرشد، الرياض، ط ١: ١/ ٢٥٤، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للألكائي، تحقيق: أحمد الحمدان، دار طيبة، الرياض: ٣/ ٣٨٧، ٤٧٠، والحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني، تحقيق: محمد المدخلي ومحمد أبو رحيم، دار الراية، الرياض، ط ٢: ٢/ ١١٧، ٢٥١.\n(^٢) \"وفي الرواية الأخرى هل تضامون؟، وروى تضارون بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر، ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر، وروى أيضا تضامون بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضم التاء، ومعنى المشدد هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته، ومعنى المخفف هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب\". شرح النووي على مسلم: ٣/ ١٨.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ١٤١٦ برقم (٧٤٣٧).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٧ برقم (١٨٣).","vol":"1","page":285},{"text":"وليس المراد من الأحاديث تشبيه الله بالقمر والشمس - تعالى الله- بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، فالله ليس له مثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)، ﷾: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٢).\nومع إخباره - ﷺ - أنهم يرونه، فيه إخبارهم أنهم يرونه في جهة منهم - وهي العلو - وذلك من وجوه:\n\"أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون في جهة منهم، فأما رؤية ما ليس في جهة فلم يكونوا يتصورونه، فضلا عن أن يكون اللفظ دالًا عليه، بل لا يتصور أحد من الناس وجود موجود في غير جهة.\nالثاني: أنه قال: \" فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحوًا، وكما ترون القمر صحوًا\"، فشبه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر، وهما يريان من جهة العلو.\nالثالث: أنه قال: \" هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ \".\nفشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات، إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nالله - ﷿ - يستدل على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر على وجوب إفراده\n_________\n(^١) الشورى: ١١.\n(^٢) مريم: ٦٥.\n(^٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ٢/ ١٥٤، وانظر: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٠٩ - ٤١٥.","vol":"1","page":286},{"text":"بالعبادة (^١)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢).\nفالمشركون - الذين يعبدون مع الله غيره - معترفون أنه المستقل بخلق السماوات والأرض والشمس والقمر\"فإذا كان الأمر كذلك فلم يُعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية\" (^٣).\nوالإيمان بأن الله هو الخالق المالك المتصرف، والتفكر في ملكوته - ومنه الشمس- يستلزم وجوب إفراد الله بالعبادة، كما أخبر الله - ﷿ - عن إبراهيم - ﵇ - في مناظرته لقومه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٤)؛ لأن التأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض وتصريفهما وغير ذلك مما أخبر الله عنه\"يدل على وحدانية الله في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه\" (^٥).\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^٦)، فالله - ﷿ - يظهر هذه الآيات ليستدل بها على أنه الحق، وأن كل ما\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط عام ١٤١٥: ٦/ ٦٧٣.\n(^٢) العنكبوت: ٦١.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٩٤، وانظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٦١.\n(^٤) الأنعام: ٧٥.\n(^٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠، وانظر: تفسير السعدي: ٢٦٢.\n(^٦) لقمان: ٢٩ - ٣٠.","vol":"1","page":287},{"text":"سواه باطل، وأنه القادر على هذه الأشياء وحده، فكل ما في السماوات والأرض خلقه وعبيده، فوجب أن تكون العبادة له وحده لا إله إلا هو (^١).\nوفي آية أخرى قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٢).\nفلما ذكر الله - ﷿ - الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، والتي تقطع الفلك وتسير إلى غاية لا يعلم قدرها إلا الذي قدرها وسخرها وسيرها، قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾، فالذي\"يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس، الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله ربكم\" (^٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤).\nفهذا استدلال واعتبار\" بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهية المستلزم لانتفاء الإلهية عما لا تقدر على مثل هذا الصنع العجيب، فلا يحق لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حق لها في الإلهية\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٥٠.\n(^٢) فاطر: ١٣ - ١٤.\n(^٣) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٤٨.\n(^٤) الأنعام: ٩٥ - ٩٦.\n(^٥) التحرير والتنوير: ٦/ ٣٧٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٤.","vol":"1","page":288},{"text":"كما أخبر تعالى\" أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها\" (^١) - ومن ذلك الشمس-، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية (^٢).\nوعن أبي ذر، - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>١ - بعض أنواع العبادة القلبية</span>، ومنها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>أ- اليقين والإخلاص:</span>\nإن رؤية الآيات - ومنها الشمس- والتفكر فيها يزيد القلب يقينًا وإيمانًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٤) أي\"نريه ملكوت السماوات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين\" (^٥).\nثم ذكر الله - ﷿ - قول إبراهيم - ﵇ - بعد غياب الشمس، وأنه تبرأ من الشرك، وأنه وجه وجهه لله - ﷿ -، مخلصًا له، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣.\n(^٢) الحج: ١٨.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان: ١/ ١٣٨ برقم (١٥٩).\n(^٤) الأنعام: ٧٥.\n(^٥) تفسير البغوي: ٢/ ٣٦.\n(^٦) الأنعام: ٧٨.","vol":"1","page":289},{"text":"وفي حديث الكسوف حث النبي - ﷺ - عند رؤية هذه الآية إلى الإخلاص لله تعالى، حيث أمر بالمبادرة بالعبادة لله تعالى (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>ب- التوكل:</span>\nلما ذكر الله - ﷿ - أنه رب المشرق والمغرب بين سبحانه أنه الإله الحق، وأنه هو الذي يجب أن يتخذ وكيلا، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (^٢)، فهو\"المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>٢ - القسم:</span>\nأقسم الله - ﷿ - بالشمس ومشرقها في مواضع من كتابه على أنه تعالى لا إله إلا هو، وعلى كمال قدرته، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (^٥) الآيات، فأقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة (^٦)، وعلى سبق القدر، وكتابة الأعمال، وأن الله - ﷿ - أرشد النفس إلى فجورها وتقواها، وبين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها (^٧).\nوهذا القسم\"فيه التنبيه على كمال ربوبيته وعزته، وحكمته وقدرته،\n_________\n(^١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، القاهرة، ط ٣: ٣/ ٣٣٦.\n(^٢) المزمل: ٩.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٥٥.\n(^٤) المعارج: ٤٠.\n(^٥) الشمس: ١.\n(^٦) انظر: تفسير السعدي: ٩٢٦.\n(^٧) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٦٢٣ - ٦٢٤، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٤١٠.","vol":"1","page":290},{"text":"وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه، المرشدة إليه، بما تضمنته من عجائب الصنعة، وبديع الخلقة، وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له، وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه، وأنها مسخرة مذللة، منقادة لأمره، مطيعة لمراده منها، ففي الأقسام بها تعظيم لخالقها ﵎، وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته.\nوأنها أدلة على بارئها وفاطرها، وعلى وحدانيته، وأنه لا تنبغي الربوبية والإلهية لها بوجه ما، بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>٣ - التوسل:</span>\nقد كان من دعاء النبي - ﷺ -: \" اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك\" (^٢).\n\"فهذا دعا لله تعالى وتوسل إليه بما وصف به نفسه في قوله - ﷿ - \" (^٣): ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، تحقيق: كلال حسن علي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ١٨٩ برقم (٥٠٦)، قال ابن عبد البر: \" لم تختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه، ورواه أبو شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن يسار\". انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي، تحقيق: سعيد أعراب: ٢٤/ ٥٠، والمصنف لابن أبي شيبة، تحقيق: محمد عوامة، دار القبلة، جدة، ط ١: ١٥/ ١١ برقم (٢٩٨٠٣).\n(^٣) انظر: المنتقى شرح موطأ مالك للقاضي سليمان الباجي، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢/ ٤٢٩.\n(^٤) الأنعام: ٩٦.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>خامسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nأخبر النبي - ﷺ - أن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان أو قرن الشمس، فعن عبد الله ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قام إلى جنب المنبر فقال: \"الفتنة ها هنا، الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (^١) أو قال قرن الشمس\" (^٢).\n\"وكان - ﷺ - يحذر من ذلك، ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوته - ﷺ - \" (^٣).\nوقد حبست الشمس لنبي من الأنبياء، وهو يوشع بن نون ﵇ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلِفات، وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه\" (^٤)، \"وحبس الشمس\n_________\n(^١) اختلف الناس في المراد بقرن الشيطان، فقيل: حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وطاقته، وقيل: إن ذلك استعارةً وكناية عن إضراره، لما كانت ذوات القرون تسلط بقرونها على الأذى استعير للشيطان ذلك، وقيل: قرن الشيطان أمة تعبد الشمس، وقيل: القرنان: جانبا الرأس، فهو على ظاهره، قال النووي: \"وهذا هو الأقوى\". انظر: إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: ٣/ ٢٠٨. والتمهيد: ٤/ ١٠، والاستذكار لابن عبد البر، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة، بيروت، ط ١: ١/ ٣٦٤، وشرح النووي على صحيح مسلم: ٦/ ١١٢.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ - \" الفتنة من قبل المشرق\": ١٣٥٥ برقم (٧٠٩٢).\n(^٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٤/ ١٩٩.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الغنائم، باب قول النبي - ﷺ -: \" أحلت لكم الغنائم\": ٥٩٧ برقم (٣١٢٤).","vol":"1","page":292},{"text":"على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nذكر الله - ﷿ - في سورة الرعد تفصيل بعض آياته - ومنها الشمس احتجاجًا بها على المعاد ولقاء الله- فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (^٢) أي\" يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجًا بها عليكم أيها الناس، لتوقنوا بلقاء الله والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك\" (^٣).\nوقال الله تعالى مستدلًا على البعث - بعد أن ذكر جملة من الآيات والمخلوقات العظيمة، ومنها الشمس - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ (^٤)، أي اطلب منهم الفتوى، فيما تسألهم عنه أهم أشد خلقا؟ أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم؟ .\n\"وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره، هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة، ومردة الجن، والسماوات والأرض، والمشارق، والمغارب، والكواكب، أشد خلقا منا ; لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت ; لأن من المعلوم بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما -ومن ذلك الشمس- قادر على أن يخلق الأصغر الأقل\" (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري: ٦/ ٢٢٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٣١.\n(^٢) الرعد: ٢.\n(^٣) تفسير الطبري: ١٣/ ١١٥، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣٠.\n(^٤) الصافات: ١١.\n(^٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٦/ ٦٧٨.","vol":"1","page":293},{"text":"وقد قرر الله تعالى وقوع المعاد مستدلا بخلقه السماوات والأرض وجعله المشارق والمغارب للشمس والكواكب، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (^١)، فالذي خلق السماوات والأرض، وجعل مشرقًا ومغربًا، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها، قادر على أن يعيدهم يوم القيامة (^٢).\nوأخبر النبي - ﷺ - أن جهنم تسجر إذا قامت الشمس حتى تزول، ففي حديث إسلام عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه قال: \"يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار\" (^٣).\nوهذا دليل على أن النار مخلوقة وموجودة الآن.\n_________\n(^١) المعارج: ٤٠ - ٤١.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٢٩، وتفسير السعدي: ٨٨٨.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عبسة: ١/ ٥٦٩ برقم (٨٣٢).","vol":"1","page":294},{"text":"كما أخبر - ﷺ - عن الجنة والنار عندما كسفت الشمس (^١)، فدل هذا الحديث أيضًا على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان الآن.\nكما أن النبي - ﷺ - خرج فزعًا لما كسفت الشمس يخشى أن تكون الساعة، \"لما جاء أن القيامة تكون وهما مكسوفان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>سابعًا: الإيمان بالقدر:</span>\nبين تعالى قدرته على خلق الأشياء وتسخيره إياها على مقتضى حكمته، فذكر أنه خلق الشمس، وأنها تحت قهره وتسخيره ومشيئته، وأنها تجري لأجل مسمى، وأن جريانها مع القمر بحساب مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤)، \"فدلهم الله - ﷿ - بذلك على قدرته ووحدانيته\" (^٥).\nولما كان هذا الأمر يدل على قدرة الله تعالى وتقديره وعلمه وعزته ختمت كثير من هذه الآيات بالعزة والعلم (^٦) - والعلم من مراتب الإيمان بالقدر-، كما في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>ثامنًا: النهي عن مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم:</span>\nورد النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لما في ذلك من\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار: ٢/ ٦٢٢ برقم (٩٠٤).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٣/ ٣٣٣.\n(^٣) يس: ٣٩ - ٤٠.\n(^٤) الأنعام: ٩٦.\n(^٥) تفسير القرطبي: ٧/ ٤٦.\n(^٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٥، ٦/ ٥٧٧.\n(^٧) يس: ٣٧، ٣٨.","vol":"1","page":295},{"text":"مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم؛ فإن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان وعندئذ يسجد لها الكفار، \"وقد نهينا عن التشبه بهم، بل وعما يؤدي إليه أو يوهمه\" (^١).\nوفي حديث إسلام عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه قال: \"يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار\" (^٢).\n\"وكان - ﷺ - يكره التشبه بالكفار ويحب مخالفتهم وبذلك وردت سنته - ﷺ -، وكأنه أراد - والله أعلم - أن يفصل دينه من دينهم، إذ هم أولياء الشيطان وحزبه فنهى عن الصلاة في تلك الأوقات\" (^٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" (^٤)، وفي هذا الحديث التحذير من\"التشبه\n_________\n(^١) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد بن علان الصديقي، اعتنى به: سمير خالد الرجب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ٢/ ٣٣٥.\n(^٢) سبق تخريجه: ٢٦٣.\n(^٣) التمهيد: ٤/ ١١، وانظر: الاستذكار: ١/ ٣٦٤.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر: ١/ ٤٣٤ برقم (٦٢٢).","vol":"1","page":296},{"text":"بأفعال المنافقين الذين كانوا لا يأتون الصلاة إلا كسالى\" (^١).\nوكان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة، ولا يفيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله - ﷺ - فأفاض قبل أن تطلع الشمس (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>تاسعًا: النهي عن التشبه بالشيطان:</span>\nقد نهى النبي - ﷺ - أن يقعد الرجل بين الظل والشمس، وقد جاء أن الجلوس بين الشمس والظل هي جلسة الشيطان، فعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ -: \" نهى أن يجلس بين الضِحِ (^٣) والظِلِ، وقال: مجلس الشيطان\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>عاشرًا: الإيمان بالجن:</span>\nبين النبي - ﷺ - أن الشياطين تنتشر وتنبعث إذا غابت الشمس، فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء (^٥)؛ فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء\" (^٦).\n_________\n(^١) الاستذكار: ١/ ٣٧٦.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع: ٣٢٣ برقم (١٦٨٤).\n(^٣) والضِّحُّ بالكسر: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/ ٧٥.\n(^٤) مسند الإمام أحمد: ٢٤/ ١٧٤ برقم (١٥٤٢١)، وقال محققه: إسناده حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٨/ ١١٧ برقم (١٢٩٢٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير كثير بن أبي كثير وهو ثقة.\n(^٥) الفواشى: كل منتشر من المال كالإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها، وهى جمع فاشية؛ لأنها تفشو أي تنتشر في الأرض. وفحمة العشاء: ظلمتها وسوادها، وفسرها بعضهم هنا بإقباله وأول ظلامه. شرح النووي على مسلم: ١٣/ ١٨٦.\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب وذكر اسم الله عليها وإطفاء السراج والنار عند النوم وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب: ٣/ ١٥٩٦ برقم (٢٠١٣).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الحادي عشر: أصول المناظرة:</span>\nمن أصول المناظرة عند أهل السنة المخاطبة بالدليل والمقدمات التي لا يمكن أن يجحدها الخصم (^١)، وإلزام المدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة (^٢)، فإبراهيم - ﵇ - لما ذكر الدليل الأول على وجود الله وإلهيته، وأن الله هو الذي يحي ويميت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (^٣)، وهذا الدليل\" الذي استدل به إبراهيم قد تمَّ وثبت موجبه، فلما ادعى الكافر أنه يفعل كما يفعل الله فيكون إلها مع الله، طالبه إبراهيم بموجب دعواه مطالبة تتضمن بطلانها\" (^٤): ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٥).\n\"فقال: إن كنت أنت ربا كما تزعم، فتحيي وتميت كما يحيي ربي ويميت، فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته وتسخيره ومشيئته، فإن كنت أنت ربا فات بها من المغرب\" (^٦)، فعند ذلك بهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.\n_________\n(^١) معارج الوصول لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى: ١٩/ ١٦٤.\n(^٢) الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٩١.\n(^٣) البقرة: ٢٥٨.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٤، وانظر: الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٩٠.\n(^٥) البقرة: ٢٥٨.\n(^٦) المرجع السابق: ٢/ ٢٨٤.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الشمس</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>أولًا: عبادة الشمس:</span>\nمن القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله - ﷿ -، فجعلوا من الشمس إله الآلهة ورب الأرباب (^١)، وجعلوا لها مصحفًا، ويسبحون لها ويدعونها، قال تعالى مخبرا عن الهدد أنه قال عن قوم سبأ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (^٢).\nوقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس\" (^٣).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده.\nويقول بعضهم: في كتاب مصحف الشمس، مصحف القمر، مصحف زحل، مصحف عطارد، وبعضهم يقول: تسبيحة الشمس، تسبيحة القمر،\n_________\n(^١) ومنهم الصابئة، وعبدة الكواكب في الهند: الدينيكيتية. انظر: الملل والنحل للشهرستاني: ٢/ ١٢٩١، ١٣١٠، قصة الحضارة لول ديورانت، ترجمة: د. زكي نجيب محمود، الإدارة الثقافية في الجامعة العربية: ١/ ١٠٣، والموسوعة الفلكية: ٢٣٦.\n(^٢) النمل: ٢٤.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٣ برقم (١٨٢).","vol":"1","page":299},{"text":"تسبيحة عطارد، تسبيحة زحل، ولا يتحاشى من ذلك، وبعضهم يقول: دعوة الشمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زحل، وبعضهم يقول: هيكل الشمس والقمر وعطار.\nوفي هذا الكتاب من مخاطبة الشمس بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله ﷿ ولا ينبغي لأحد سواه ومن الخضوع والذل والعبادة\" (^١).\nفبين الله تعالى أن الشمس والقمر\"عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به\" (^٢)، وبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة الشمس:</span>\nمن القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة\"من السعد والنحس، وتعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر\" (^٥).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٦/ ١٨٧.\n(^٣) فصلت: ٣٧.\n(^٤) الحج: ١٨.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٧٠، وانظر: إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: ٣/ ١٨٢، وشرح النووي على مسلم: ٣/ ٣٣٣، وفتح الباري: ٢/ ٥٢٨، والتنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام لعبد المجيد بن سالم المشعبي، مكتبة ابن القيم، المدينة، ط ١: ٣٥ وما بعدها، والموسوعة الفلكية: ٢٧٨.","vol":"1","page":300},{"text":"وليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي - ﷺ - في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: \" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>ثالثًا: تحريف معنى سجود الشمس:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٢).\nوعن أبي ذر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت\" (^٣).\nفقال بعضهم أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد. وقيل المراد بالسجود الدلالة على الله، يعني أن هذه المخلوقات تدل على الله، وعلى أنه يستحق أن يسجد له كل شيء، وأن يعبده كل شيء (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٥.\n(^٢) الحج: ١٨.\n(^٣) سبق تخريجه، ص: ٢٦٠.\n(^٤) انظر: زاد المسير: ٤/ ٣١٩، ٤٥٣ - ٤٥٤، وتفسير البيضاوي: ٤/ ٦٩، ٢٤٣، ومشكلات الأحاديث النبوية وبيانها لعبد الله القصيمي، المجلس العلمي السلفي، باكستان، ط ١: ١٦٢.","vol":"1","page":301},{"text":"وقيل المراد بسجود الشمس هو سجود الملَك الموكل بها (^١).\nوأما سجودها تحت العرش، فإن العرش لعظم ذاته كالرحى فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها (^٢).\nوقيل المراد بالسجود تحت العرش هو وقوعها تحته حقيقة في آخر الدنيا عند انقضاء مهمتها، وسكون حركتها. والمعنى أن الشمس تبقى في شأنها إلى أن يأذن الله بفساد العالم، فتقع تحت العرش ساجدة (^٣).\nوقيل أن تقييد السجود بتحت العرش كناية عن رجوعها إلى الله، ومبالغة في الانقياد وعبارة عن تمام ذلك. والمعنى في ذلك المبالغة، ولا تراد الحقيقة. فقوله إنها تسجد تحت العرش يعنى أنها خاضعة له أكمل الخضوع وأتمه (^٤).\nفالحديث عبارة عن أن الشمس مسخرة لله، خاضعة لأمره الكوني، سائرة على حسب ما أراد وقدر، حتى كأنها عاقلة، تسمع خطابه (^٥).\nوالجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجودًا حقيقيًا الله أعلم بكيفيته، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (^٧)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ\n_________\n(^١) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٥/ ١١٩.\n(^٢) انظر: المرجع السابق: ٢٢/ ١١٩.\n(^٣) انظر: فتح الباري: ٨/ ٥٤٢، ومشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٤.\n(^٤) مشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٣.\n(^٥) انظر: فتح الباري: ٦/ ٢٢٣، وطرح التثريب في شرح التقريب، للحافظ العراقي، دار أم القرى، القاهرة: ٧/ ٢٤٧، ومشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٥.\n(^٦) انظر: ٦٥.\n(^٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣.","vol":"1","page":302},{"text":"لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١).\nوهذه الأقوال التي ذكرت ليس عليها دليل ومخالفة\" لظاهر الحديث، وعدول عن حقيقته، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه، إن علمنا لا يحيط به\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>رابعًا: إنكار استئذان الشمس لطلوعها:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى استئذان الشمس الوارد في السنة من حديث أبي ذر - ﵁ - قال: \"دخلت المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس، فلما غابت الشمس، قال يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها\" (^٣).\nفقيل بأن استئذان الشمس مجاز يراد به طاعتها لخالقها، وطلوعها وغروبها بمشيئته وإرادته، حتى كأنه يأمرها وينهاها فتعقل عنه، وحتى كأنها تستأذنه في رواحها وغدوها، وهذا كله يعبر عن الخضوع (^٤).\nونقول في ذلك مثل ما سبق في السجود، وأنها تستأذن حقيقة، والله أعلم بكيفية ذلك، فقد أخبرنا أنها تستأذن، ولم يخبرنا كيف تستأذن.\n_________\n(^١) الإسراء: ٤٤.\n(^٢) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٥/ ١١٩.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان: ١/ ١٣٨ برقم (١٥٩).\n(^٤) مشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٣.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>خامسًا: إنكار حبس الشمس:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار حبسها لنبي من الأنبياء، وأن هذا يتعارض مع نواميس الكون، ويحدث له اضطربًا.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلْفات، وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه\" (^١).\nوالجواب عن أن الأمر متعلق بآية وكرامة لنبي من أنبيائه، \"وحبس الشمس على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته\" (^٢)، وما نواميس الكون ومسير الشمس والقمر إلا أمر من المعتاد على الناس، فإذا أمرهما خالقهما بالتخلف، أو التأخر، أو حتى تغيير الوجهة تماما، فلا يسعهما إلا الامتثال لأوامر الله ﷾ والله على كل شيء قدير (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>سادسًا: إنكار جريان الشمس:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار جريانها، وأنها ثابتة، وأن الذي يسير هو الفلك (^٤).\nوقد أخبر الله - ﷿ - في آيات كثير أن الشمس تجري، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٢٦٢.\n(^٢) فتح الباري: ٦/ ٢٢٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٣١.\n(^٣) انظر: المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم: ٣/ ٥٣٢، وفتح الباري: ٦/ ٢٢٣.\n(^٤) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٥/ ١١٩، والموسوعة الكونية الكبرى: ٢/ ٢١٣، ٢١٥، ونقض النظريات الكونية: ١٤٣، وكتاب النور في الرد على من قال أن الشمس ثابتة والأرض حولها تدور لمحمد اليحيا، ط ٣: ١٨، ٢٣.","vol":"1","page":304},{"text":"الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣)، إلى غير ذلك من الآيات، فيجب علينا\" أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ ... ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٤)، \" (^٥)، \"وهذه الآيات الكريمات دلائل قاطعة، وبراهين ساطعة على أن الشمس جارية لا ثابتة\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>سابعًا: اعتقاد أن نور الشمس من نور الكرسي:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية اعتقاد أن نور الشمس جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من نور العرش، ونور العرش جزء من نور الستر (^٧)، واستدلوا على ذلك بقول عكرمة - ﵁ - أنه قال: \"لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابًا واحدًا من سبعين حجابا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها، ونور\n_________\n(^١) الرعد: ٢.\n(^٢) يس: ٣٨.\n(^٣) الأنبياء: ٣٣.\n(^٤) الملك: ١٤.\n(^٥) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين: ٣/ ٢٨٣، وانظر: التعليق المختصر على القصيدة النونية لابن القيم، تعليق الشيخ صالح الفوزان، أشرف على الطبع: عبد السلام السليمان: ١/ ٣٣٠.\n(^٦) الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب، للشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، مكتبة الرياض الحديثة، ط ٣: ٢٢.\n(^٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٨٩.","vol":"1","page":305},{"text":"الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا\".\nوهذا الأثر ضعيف ولا يثبت (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>ثامنًا: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو أن نورها من نور الله:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو نورها من نور الله، ولذلك نهى بعض الفقهاء عن استقبال الشمس وقال في علة ذلك: أن اسم الله مكتوب عليها، ومنهم من قال لأن نورها من نور الله (^٢).\nوهذا لم يثبت به حديث عن النبي - ﷺ - (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>تاسعًا: إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بهما عبادة:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده، وأن هذا أمر طبيعي.\n_________\n(^١) قال ابن كثير: ٧/ ٤٨٩: \"رواه ابن أبي حاتم\". ولم أجده -حسب بحثي-، وذكره ابن حجر في فتح الباري: ٩/ ٢١، وعزاه لعبد بن حميد عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة، ثم قال: \" وإبراهيم فيه ضعف\".\n(^٢) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور البهوتي، تحقيق: إبراهيم أحمد عبد الحميد، دار عالم الكتب، الرياض، ط عام ١٤٢٣: ١/ ٧٦.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٦.","vol":"1","page":306},{"text":"وقد سبق الكلام على منزلة الأسباب في الشريعة (^١)، وأن الناس في هذا المقام طرفان ووسط:\nالطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية.\nوالطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل.\nوالوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله - ﷿ -، وأنه آية يخوف الله بها عبادة (^٢).\nفأسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، والأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - ليس فيها\"إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفي تأثر النيرين بموت أحد أو حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرض لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبار بأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله\" (^٣).\nوفيها كذلك بيان أنها من آيات الله يخوف بها عباده، والأمر بالأسباب التي يدفع به موجب الكسوف من أمر النبي - ﷺ - بالعتاقة والصلاة والدعاء والصدقة (^٤).\n\"وكونه تخويفا لا ينافي ما قدره أهل الهيئة فيه؛ لأن لله أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عنه، وقدرته حاكمة على كل سبب ومسبب بعضهما على بعض\" (^٥).\n_________\n(^١) ص: ١٦٤.\n(^٢) انظر: مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩١ وما بعدها.\n(^٣) انظر: المرجع السابق: ٢/ ٢٩٥.\n(^٤) انظر: المرجع السابق: ٢/ ٢٩٦.\n(^٥) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، دار المعرفة: ٢/ ٣٤٧.","vol":"1","page":307},{"text":"وليس\"من شرط التخويف ألا يكون له سبب، فإن الله كون العالم على هذا الشكل الذي يوجد فيه كسوف، ولو شاء لكونه على خلاف ذلك\" (^١).\nوالتخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية\" من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي - ﷺ - فزعًا يخشى أن تقوم الساعة؛ وكيف لا وقد قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^٢)؟ .\nوأيضًا فإن كل ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة الله تعالى، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يُوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا.\nوأيضًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرتهما\" (^٤).\n\nالعاشر: الجزم بوقوع الكسوف:\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية الجزم بوقوع الكسوف،\n_________\n(^١) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ٣/ ١٢٨.\n(^٢) القيامة: ٧ - ٩.\n(^٣) فاطر: ٢٨.\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣، وانظر: فتح الباري: ٢/ ٥٣٧، وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن، الرياض، ط: ١/ ٤٠٦، فقد ذكر سبع فوائد لحدوث الكسوف.","vol":"1","page":308},{"text":"ووقوع الكسوف يدرك بالحساب، وليس من علم الغيب والمستقبل، إلا أنه لا يجزم بوقوعه، ولا يصدق القائل به ولا يكذب، لأنه أمر حسابي قد يصيب وقد يخطئ، كأخبار بني إسرائيل (^١)، \"وفرق بين من يعلن ذلك ويجزم به، وبين من يخبر عن أهل الحساب أنهم يقولون ذلك\" (^٢).\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن تحديد أهل الحساب لوقت الكسوف: فبين أن حكم ذلك حكم أخبار بني إسرائيل التي قال فيها رسول الله - ﷺ -: \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم\" (^٣)، والعلة في ذلك هو احتمال أَن يكون ما ذكروه حقًا فيكون من كذبهم مكذبًا بحق، أو احتمال أَن يكون ما اخبروا به كذبًا فيكون من صدقهم مصدقًا بالكذب.\nومثلهم المخبرين عن الكسوف والخسوف قد يكونون مصيبين في حسابهم فيكون مكذبهم مكذبًا بصدق، وقد يكونون مخطئين فيكون مصدقهم مصدقًا بالباطل والكذب (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الحادي عشر: تحديد عمر الشمس:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحديد عمر الشمس في الماضي بـ ٤.٤٩ مليار سنة، وأنها تبقى قريبا من هذا الرقم (^٥)، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم: ٣/ ١٢٨.\n(^٢) انظر: المرجع السابق: ١/ ١٦٨.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: ٨٤٨ برقم (٤٤٨٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٨.\n(^٥) انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(^٦) النمل: ٦٤.","vol":"1","page":309},{"text":"والله ﷾ أخبر أن الساعة من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١)، والشمس إنما تجمع عند قيام الساعة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>الثاني عشر: سب الشمس:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية سب الشمس، وقد ورد النهي عن ذلك، فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم\" (^٣).\nفهي من مخلوقات الله المسيرة بأمره، وسبها يعود على خالقها، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: \"يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار\" (^٤).\n_________\n(^١) الأعراف: ١٨٧.\n(^٢) القيامة: ٦ - ٩.\n(^٣) مسند أبي يعلى: ٤/ ١٣٩ برقم (٢١٩٤)، والطبراني في الأوسط: ٧/ ٤٣ برقم (٦٧٩٥)، وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٧ برقم (١٣٠٠١): \" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعيد بن بشير، وثقه جماعة وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى بإسناد ضعيف\".\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر: ٤/ ١٧٦٢ برقم (٢٢٤٦).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الثالث عشر: مشابهة المشركين في السجود للشمس عند طلوعها أو غروبها:</span>\nمن المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية مشابهة المشركين في الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ فإنه وقت مقارنة الشيطان للشمس وعند ذلك يسجد لها الكفار، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الصلاة في هذه الأوقات.\n\"فهذه الصلاة في وقت النهي فيها مصلحة تكثير العبادة، وتحصيل الأرباح، ومزيد الثواب، والتقرب إلى رب الأرباب، وفيها مفسدة المشابهة بالكفار في عبادة الشمس، وفي تركها مصلحة سد ذريعة الشرك، وفطم النفوس عن المشابهة للكفار حتى في وقت العبادة، وكانت هذه المفسدة أولى بالصلاة في أوقات النهي من مصلحتها، فلو شرعت لما فيها من المصلحة لفاتت مصلحة الترك وحصلت مفسدة المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصلاة حينئذ\" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>الرابع عشر: الطعن في القرآن وزعم تناقضه حيث ورد فيه لفظ \"المشرق\" بصيغة الإفراد، والتثنية، والجمع</span>.\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية زعمهم التناقض في القرآن، فقالوا: إنه ورد في القرآن آيات متناقضة، فورد لفظ المشرق مرة بصيغة الإفراد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (^٢)، ومرة بصيغة التثنية في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (^٣)، ومرة بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (^٤)، وهذا تناقض.\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١٤٦.\n(^٢) البقرة: ١١٥.\n(^٣) الرحمن: ١٧.\n(^٤) المعارج: ٤٠.","vol":"1","page":311},{"text":"وقد بين أهل العلم المراد بذلك، فقالوا: إن قوله: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (^١)، المراد به جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك، فلله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم.\nوقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾، يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف ومغربهما. وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما.\nوقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي: مشارق الشمس ومغاربها الثلاثمائة وستون. وقيل: مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الخامس عشر:<span data-type=\"title\" id=toc-260> الأقوال والألفاظ المخالفة:</span></span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>١ - تسمية بعض الزهور بـ\"عباد الشمس</span>\":\nوهذا أمر لا يجوز لأن الزهور لا تعبد الشمس وهو تعبيد لغير الله، وهي إنما تعبد الله - ﷿ - كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٣). \"وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمراقبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات\" (^٤).\n_________\n(^١) البقرة: ١١٥.\n(^٢) انظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١: ٢٢، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٩٢، فتح الباري: ٤/ ٤٤٧، وأضواء البيان ٦/ ٦٧٥.\n(^٣) فصلت: ٣٧.\n(^٤) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٣/ ١١٨، وانظر: معجم المناهي اللفظية: ٣٧٤.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>٢ - التسمية بـ\" عبد الشمس</span>\":\nوهذا تعبيد لغير الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس، كما كان اسم أبى هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله، من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله.\nونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغير النبى - ﷺ - ذلك وعبدهم لله وحده\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١/ ٣٧٨، وانظر: معجم المناهي اللفظية: ٣٧٦، ٣٨٠.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>١ - دعاء النبي - ﷺ - على الشمس:</span>\nعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: نظر رسول الله - ﷺ - إلى الشمس حين غابت، فقال: \"في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله، لأحرقت ما على الأرض\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" الشمس والقمر ثوران عقيران في النار\" (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة\". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: أحسبه قال: وما ذنبهما (^٣).\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد: ١١/ ٥٢٦ برقم (٦٩٣٤)، وقال محققه: \"إسناده ضعيف\"، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٢، وقال: \"وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم\".\n(^٢) مسند أبي يعلى: ٧/ ١٤٨ برقم (٤١١٦)، قال ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٠٦: \"لا يصح\". وقال ابن كثير ٨/ ٣٢٩: \"هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف\".\n(^٣) مسند البزار، لأبي بكر أحمد بن عمرو البزار، تحقيق: عادل بن سعد، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط ١: ١٥/ ٢٤٣ برقم (٨٦٩٦)، وقال: \"هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا نعلم روى عبد الله الداناج عن أبي سلمة، إلا هذا الحديث\".","vol":"1","page":314},{"text":"وقد ورد الحديث عند البخاري بلفظ: \"الشمس والقمر مكوران (^١) يوم القيامة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>٣ - خشوع الشمس عند تجلي الله:</span>\nفي بعض ألفاظ حديث الكسوف: \"إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله - ﷿ - إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٤ - لا تخرج الشمس حتى ينخسها سبعون ألف ملك:</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - أنه قال له: أرأيت ما جاء عن النبي - ﷺ - في أمية بن أبي الصلت، آمن شعره، وكفر قلبه، قال: هو حق فما أنكرتم من شعره؟ قالوا أنكرنا قوله:\nوالشمس تطلع كل آخر ليلةٍ ... حمراء يصبح لونها يتوردُ\n_________\n(^١) أي يلفان ويجمعان ويلقيان فيها. النهاية في غريب الحديث والأثر: ٤/ ٢٠٨.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر: ٦١٥ برقم (٣٢٠٠).\n(^٣) سنن النسائي، كتاب الكسوف، نوع آخر من صلاة الكسوف: ١٧٤ برقم (١٤٨٥)، مسند الإمام أحمد: ٣٠/ ٢٩٥ برقم (١٨٣٥١)، قال ابن حجر في فتح الباري - عن هذا الحديث وقد نقل عن أبي حامد الغزالي إنكار هذه الزيادة- ٢/ ٥٣٧: \"قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا\".\n\nوقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٩٦: \"وليس الأمر في هذه الزيادة كما قاله أبو حامد فإن اسنادها لا مطعن فيه، رواته كلهم ثقات حفاظ؛ لكن لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف، فقد رواها عن النبي - ﷺ - بضعة عشر صحابيا ... فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة التى ذكرت في حديث النعمان بن بشير، فمن ههنا نخاف أن تكون أدرجت في الحديث إدراجا\". وانظر: مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٧.","vol":"1","page":315},{"text":"تأبى فما تطلع لهم في رُسْلها ... إلا معذبةً وإلا تجلدُ\nفما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك عن الله يأمرها بالطلوع، فتشتعل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع، فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها، وما غربت الشمس قط إلا خرت ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين عينيه، فيحرقه الله تحتها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>٥ - اعتقاد أن الشمس حبست لعلي - ﵁ </span>-:\nعن أسماء بنت عميس - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر بالصهباء (^٢)، ثم أرسل عليًا في حاجة، فرجع وقد صلى النبي - ﷺ - العصر، فوضع النبي - ﷺ - رأسه في حِجْر علي فنام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: \" اللهم إن عبدك عليًا احتبس بنفسه على نبيه، فرُدَّ عليه الشمس\" (^٣).\n_________\n(^١) الاستذكار: ١/ ٣٦٢، التمهيد: ٤/ ٩، وإسناده ضعيف، انظر: فيض القدير: ١/ ٥٧، كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس لإسماعيل بن محمد العجلوني، تصحيح: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، ط ٢: ١/ ١٩.\n(^٢) موضع قريب من خيبر. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ط ٢: ٣/ ٤٣٥.\n(^٣) المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، دار الرشد، الرياض، ط ٢: ٢٤/ ١٤٤، ١٤٧ - ١٥٢. وحكم عليه محقق الكتاب بالوضع، وشرح مشكل الآثار للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢: ٣/ ٩٢ - ٩٤ برقم (١٠٦٧، ١٠٦٨)، وحكم عليه محقق الكتاب بالضعف، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ٢/ ١١٩ برقم (٦٦٧).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المبحث الثالث القمر</span>\nالقمر في اللغة: القاف والميم والراء أصل صحيح يدلُ على بياضٍ في شيء، ثم يتفرّع منه. ومن ذلك القَمَر: قَمَر السَّماء، سمَّي قمرًا لبياضه، وتصغير القمر: قُمير (^١).\nوفي الصحاح (^٢): أن القمر بعد ثلاث إلى آخر الشهر سُمّي قَمَرًا لبياضه ... وليلة قَمْراءُ أي مُضِيئة، وأقمرت ليلتنا أي أضَاءتْ، وأَقْمَرْنَا أي طلع علينا القَمَرْ.\nوفي الاصطلاح: هو جرم صغير غير ملتهب، كروي الشكل سيار تابع للأرض (^٣).\nوفي الموسوعة الفلكية: جسم سماوي يدور حول الأرض ... يضيء بواسطة ضوء الشمس المنعكس عليه (^٤).\nوقد ورد لفظ القمر في القرآن في (٢٦) موضعًا (^٥)، معظمها جاءت مقترنة بلفظة الشمس في (١٨) موضعًا (^٦).\nووردت في السنة في (٣٢) حديثًا (^٧).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٥.\n(^٢) الصحاح: ٢/ ٧٩٨.\n(^٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١٨/ ٣١٨.\n(^٤) الموسوعة الفلكية: ٣٤٧.\n(^٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٩٠٢.\n(^٦) المرجع السابق: ٩٠٢.\n(^٧) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الدلائل العقدية للآية الكونية - القمر</span>-:\nالقمر آية من آيات التي تدل على خالقها وعلى قدرته وعلمه وحكمته، فهو آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١).\nوقد سبق في المبحث السابق - عن الآية الكونية الشمس (^٢) - كلام ابن القيم - ﵀ - بأن الله - ﷿ - \" لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر\" (^٣).\nوقال - ﵀ - عن القمر: \"وانظر إلى القمر وعجائب آياته، كيف يُبديه الله كالخيط الدَّقيق، ثم يتزايد نوره، ويتكامل شيئًا فشيئًا كلَّ ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود على حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيتُ العباد في معاشهم وعباداتهم ومناسكهم، فتميَّزت به الأشهر والسنون، وقام به حسابُ العالم مع ما في ذلك من الحكَم والآيات والعبر التي لا يُحصيها إلَاّ الله\" (^٤).\nولما كان القرآن كثيرًا ما يقرن بين الشمس والقمر كان الاستدلال بالقمر على المسائل العقدية- في مواضع كثيرة - هو نفس الاستدلال بالشمس،\n_________\n(^١) يس: ٣٧ - ٤٠.\n(^٢) ص: ٢٥٠.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.\n(^٤) المرجع السابق: ١/ ٣٠٦.","vol":"1","page":318},{"text":"وسأشير إلى ذلك - إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>أولًا: وجود الله:</span>\nسبق في مبحث الآية الكونية الشمس الاستدلال بها في مناظرة إبراهيم - ﵇ - لقومه على وجود الله (^١)، وأنه المستحق للعبادة، وكذلك استدل إبراهيم - ﵇ - بالقمر من ضمن أدلته على وجود الله وأنه المستحق للعبادة، قال تعال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٢).\nكما ذكر في المبحث السابق -الشمس- (^٣) أن الله - ﷿ - ذكر من الأدلة على وجوده وقدرته التامة العظيمة خلق الشمس، وكذلك في هذا الموضع فإن خلق القمر، وتقديره منازلَ، وجعله يسير سيرًا آخر، يستدل به على مضي الشهور (^٤)، \"يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء - وإن كان مقتبسًا من الشمس- حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم - وهو أصل العذق (^٥) -\" (^٦)، دليل وأضح بيّن على وجود الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ\n_________\n(^١) ص: ٢٥١.\n(^٢) الأنعام: ٧٧ - ٧٩.\n(^٣) ص: ٢٥٢.\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٩، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٦، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٥٧٥.\n(^٥) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٠.\n(^٦) تفسير ابن كثير: ٦/ ٥٧٥.","vol":"1","page":319},{"text":"فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١).\nوفي قوله - ﷺ -: \" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله\" (^٢)، \" أي دليلان على وجود الحق سبحانه، وقهره، وكمال الإلهية\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nالرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله - ﷿ - يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك القمر (^٤)، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (^٧).\nفالقمر مخلوق مدبر مسخر، لا تصرف له في نفسه بوجه ما، بل ربه وخالقه سبحانه يتصرف به كيف شاء، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٨).\nوعن طلحة بن عبيد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى الهلال، قال:\n_________\n(^١) يس: ٣٧ - ٤٠.\n(^٢) سبق تخريجه ص: ٥.\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٢/ ٥٥٢.\n(^٤) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٦٥٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٦، ٧/ ٨٦.\n(^٥) الصافات: ٥.\n(^٦) الأنبياء: ٣٣.\n(^٧) نوح: ١٥ - ١٦.\n(^٨) الأعراف: ٥٤.","vol":"1","page":320},{"text":"\"اللهم أهلله (^١) علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله\" (^٢).\nوفي قوله: \"ربي وربك الله\"، \"تنزيه للخالق أن يشاركه في تدبير ما خلق شيء، ... وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع لا إلى المصنوع\" (^٣).\nولهذا كان النبي - ﷺ - إذا رأى الهلال كبر، فعن عبد الله ابن عمر - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رأى الهلال قال: \" الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله\" (^٤).\n\"لأنه آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، والتكبير تعظيم لله، واعتقاد أنه أكبر من كل شيء، وأنه لا شيء أكبر منه\" (^٥).\n_________\n(^١) كذا عند الترمذي، وعند أحمد\" أهله\".\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول عند رؤية الهلال: ٥٤٥ برقم (٣٤٥١)، والمسند: ٣/ ١٧ برقم (١٣٩٧)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال ابن علان في\"الفتوحات الربانية\" ٤/ ٣٢٩: \"إنما حسنه الترمذي لشواهده، وقول الترمذي: غريب، أي: بهذا السند\"، وانظر السلسلة الصحيحة: ٤/ ٤٣٠ برقم (١٨١٦).\n(^٣) فيض القدير: ٥/ ١٣٥.\n(^٤) سنن الدارمي، كتاب الصوم، باب ما يقال عند رؤية الهلال: ٢/ ٧ برقم (١٦٨٧)، قال الألباني: \" حديث صحيح بشواهده\". انظر: الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط ١: ١٣٩.\n(^٥) فقه الأدعية والأذكار، لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١: ٣/ ٢٥٤.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>١ - صفة العلم والقدرة:</span>\nقد سبق في مبحث الشمس (^١) بيان الاستدلال بخلقها على كمال قدرة الله وعلمه، وعظيم سلطانه، وأن في جعله الشمس ضياءً والقمر نورًا، وفي جريانهما على نظام واحد، دليل من أعظم الدلائل على علم الله وقدرته.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٢)، دليل على قدرته وعلمه، حيث جعل \"سلطان القمر بالليل، وقدره منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نُوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر\" (^٣).\nوفي آية أخرى بعد أن ذكر التقدير للشمس والقمر، بين أن هذا التقدير من عزيز عليم، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>٢ - صفة الرؤية والعلو:</span>\nسبق في مبحث الشمس بيان الاستدلال بها على صفة الرؤية والعلو (^٥)، وحيث قرن القمر بالشمس في نفس الحديث؛ فإنه يستدل به نفس الاستدلال من إثبات رؤية الله تعالى وعلوه، وأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر صحوًا ليس دونها سحاب، ومن جهة العلو.\n_________\n(^١) ص: ٢٥٤.\n(^٢) يس: ٣٩ - ٤٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٤٨.\n(^٤) الأنعام: ٩٦.\n(^٥) ص: ٢٥٥.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>رابعًا: توحيد الأولوهية:</span>\nسبق في مبحث الشمس الاستدلال بها على توحيد الألوهية (^١)، وحيث قرن القمر بالشمس في الآيات القرآنية كان وجه الدلالة منه على توحيد الألوهية هو نفس وجه دلالة الشمس على توحيد الألوهية، فإن الخالق لهذه الآية الكونية - القمر - المسخر له هو المستحق للعبادة، والذي يجب أن يفرد بالعبادة كما أنه المتفرد بالخلق والتسخير.\nقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>١ - بعض أنواع العبادات القلبية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>أ- الاستعاذة بالله:</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (^٤)، والغاسق: القمر، وإذا وقب: أي دخل في الخسوف، وأخذ الغيبوبة وأظلم، أو دخل في الظلمة (^٥).\nوقد أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من القمر إذا وقب، فعن عائشة - ﵂ - أن\n_________\n(^١) ص: ٢٥٧.\n(^٢) العنكبوت: ٦١.\n(^٣) لقمان: ٢٩ - ٣٠.\n(^٤) الفلق: ١ - ٣.\n(^٥) انظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٣٠، وتفسير البغوي: ٤/ ٧٢٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٥٣٥.","vol":"1","page":323},{"text":"النبي - ﷺ - نظر إلى القمر فقال: \"يا عائشة، تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>ب- اليقين والإخلاص:</span>\nإن رؤية الآيات الكونية - ومنها القمر- والتفكر فيها يزيد القلب يقينًا وإيمانًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٢)، \"أي نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا\" (^٣).\nثم ذكر الله - ﷿ - قول إبراهيم - ﵇ - بعد غياب القمر، وأنه تبرأ من الشرك، ووجه وجهه لله - ﷿ -، مخلصًا له، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٤).\n\nوفي حديث الكسوف حث النبي - ﷺ - عند رؤية هذه الآية إلى الإخلاص لله، حيث أمر بالمبادرة بالعبادة لله تعالى (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>٢ - القسم:</span>\nسبق في المبحث السابق الشمس إقسام الله بها (^٦)، وحيث قرن القمر\n_________\n(^١) سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المعوذتين: ٥٣٣ برقم (٣٣٦٦)، والمسند: ٤٣/ ٨ برقم (٢٥٨٠٢)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وانظر: السلسلة الصحيحة: ١/ ٧١٤ برقم (٣٧٢).\n(^٢) الأنعام: ٧٥.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩١.\n(^٤) الأنعام: ٧٧ - ٧٨.\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٣/ ٣٣٦.\n(^٦) ص: ٢٦٠.","vol":"1","page":324},{"text":"بالشمس، فإنه ذكر معها في الآيات المقسم بها، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (^١).\nكما أقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، على أن سقر\n-جهنم- إحدى الأمور العظام، لاشتمال هذه المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سلطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه (^٢)، فقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (¬<span data-type=\"title\" id=toc-282>٣).\n\n٣ - التوسل:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٤) بيان أن من دعاء النبي - ﷺ -: \" اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك\" (^٥).\nوأن هذا توسل إلى الله - ﷿ - بما وصف من أفعاله به نفسه - ومنه جعل الشمس والقمر حسبانًا - في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) الشمس: ١ - ٢.\n(^٢) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٥٠٦، وتفسير السعدي: ١/ ٨٩٧.\n(^٣) المدثر: ٣٢ - ٣٥.\n(^٤) ص: ٢٦١.\n(^٥) سبق تخريجه: ٢٦١.\n(^٦) الأنعام: ٩٦.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>خامسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١)، وقد كان هذا في زمن رسول الله - ﷺ - (^٢)، وهو من الأدلة والآيات البينة على نبوة محمد - ﷺ -.\nفقد سأل أهل مكة رسولَ الله - ﷺ - آية، فأراهم انشقاق القمر، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"سأل أهل مكة النبي - ﷺ - آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ \" (^٣).\nوعنه - ﵁ - أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتى رأوا حِرَاء بينهما (^٤).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - شقين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: \" اشهدوا\" (^٥).\nوفي شمائل الرسول - ﷺ - وصف وجه كأنه قطعة قمر، ففي قصة توبة كعب بن مالك - ﵁ -، قال: \" فلما سلمت على رسول الله - ﷺ -، وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله - ﷺ - إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه\" (^٦).\nوقد سئل البراء - ﵁ -: \" أكان وجه النبي - ﷺ - مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر\" (^٧).\n_________\n(^١) القمر: ١.\n(^٢) انظر: دلائل النبوة لأبي بكر أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق: عبد المعطي القلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢/ ٢٦٢، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٧٢، ٤٧٥، والبراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(^٣) سبق تخريجه: ٦٠.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: ٧٣٣ برقم (٣٨٦٧).\n(^٥) سبق تخريجه: ٦٠.\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -: ٦٨١ برقم (٣٥٥٦).\n(^٧) صحيح البخاري كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -: ٦٨١: برقم (٣٥٥٢).","vol":"1","page":326},{"text":"\"كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء - ﵁ - فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس بيان الاستدلال بها على الإيمان باليوم الآخر (^٢)، وحيث قرن القمر بالشمس؛ فإنه يستدل به على الإيمان باليوم الآخر بنفس الاستدلال بالشمس.\nوقد ذكر الله - ﷿ - أنه يفصّل الآيات - ومنها القمر- لعل الناس يوقنون بلقاء ربهم، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (^٣) أي\" يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجًا بها عليكم، أيها الناس، لتوقنوا بلقاء الله، والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك\" (^٤).\nوكما ذُكر أيضًا في المبحث السابق: الشمس (^٥)، وجه الدلالة على البعث، من جهة أن الذي خلق هذه الآيات العظيمة - ومنها الشمس والقمر - قادر على البعث بعد الموت، وإعادة الخلق.\n_________\n(^١) فتح الباري: ٦/ ٥٧٣، ٨/ ١٢٢، عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٤/ ١١٠.\n(^٢) ص: ٢٦٣.\n(^٣) الرعد: ٢.\n(^٤) تفسير الطبري: ١٣/ ١١٥، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣٠.\n(^٥) ص: ٢٦٤.","vol":"1","page":327},{"text":"وفي بيان أول زمرة (^١) تدخل الجنة بين - ﷺ - أنهم على صورة القمر، فقال: \"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب\" (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا زمرة واحدة، منهم على صورة القمر\" الحديث (^٣).\n\" يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وكماله، وهي ليلة أربعة عشر، وبذلك سمي القمر بدرًا في تلك الليلة، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم\" (^٤).\nوقد أقسم الله تعالى بآيات الليل - ومنها القمر إذا امتلأ نورًا بإبداره (^٥) - على ركوب الناس أطوارًا متعددة، وأحوالًا متابينة، من خلق في مراحل متعددة، ثم موتٍ، ثم بعثٍ ومجازاةٍ، وهذه الأمور دالة على أن الله وحده هو المعبود، المدبر لعباده بحكمته ورحمته، وعلى البعث والجزاء (^٦)، قال تعال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الآيات (^٧).\n_________\n(^١) الزمرة: الجماعة في تفرقة بعضها في اثر بعض. انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٩٠.\n(^٢) صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة: ٤/ ٢١٧٨ برقم (٢٨٣٤).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب: ١/ ١٩٨ برقم (٢١٧).\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٧/ ١٧٩، وانظر: فتح الباري: ١١/ ٤١٣.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣٥٩.\n(^٦) تفسير السعدي: ١/ ٩١٨.\n(^٧) الانشقاق: ١٦ - ١٩.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>سابعًا: الإيمان بالقدر:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس الاستدلال بها على الإيمان بالقدر (^١)، وحيث قرن القمر بالشمس فإنه يستدل به نفس الاستدلال بالشمس على الإيمان بالقدر من جهة خلق الله للأشياء ومنها القمر، وتسخيره له على مقتضى حكمته، وأن ذلك بتقدير من العزيز العليم، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) ص: ٢٦٤.\n(^٢) يس: ٣٩ - ٤٠.\n(^٣) الأنعام: ٩٦.","vol":"1","page":329},{"text":"القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>أولًا: عبادة القمر:</span>\nمن القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله - ﷿ -، فجعلوا القمر إلهًا وربًا (^١)، وجعلوا له مصحفًا، ويسبحون له ويدعونه.\nوقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر\" (^٢).\nوسبق في المبحث السابق: الشمس (^٣) كلام ابن القيم - ﵀ - عن تعظيم المشركين للشمس والقمر والكواكب، وأنهم يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده.\nوأنهم جعلوا للقمر مصحفًا، وتسبيحةً خاصة، وأن في مصحف القمر من مخاطبته بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله - ﷿ -، ولا ينبغي لأحد سواه، ومن الخضوع والذل والعبادة.\nوسبق بيان أنهما مخلوقان من مخلوقاته، تحت قهره وتسخيره، وأنهما يسجدان لخالقهما، وأن الله نهى عن عبادتهما والسجود لهما، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ\n_________\n(^١) ومنهم الصابئة، وعبدة الكواكب في الهند - الجندريكنية. انظر: الملل والنحل: ٢/ ١٢٩٢، والموسوعة العربية: ١٨/ ٣٣٠.\n(^٢) سبق تخريجه: ٢٦٩.\n(^٣) ص: ٢٦٩.","vol":"1","page":330},{"text":"وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (^٢).\nوفي حديث رؤية الهلال (^٣): قوله: \"ربي وربك الله\": \"فيه إثبات أن الناس والقمر وجميع المخلوقات كلها مربوبة لله مسخرة بأمره خاضعة لحكمه، وفي هذا رد على من عبدها من دون الله.\nوفيه إقتداء النبي - ﷺ - بأبيه إبراهيم - ﵇ - حيث قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (^٤)، بعد قوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (^٥) \" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة القمر:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٧) بيان أن من القوادح العقدية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة من السعود والنحوس، وما تعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر.\nوبيان أنه ليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي - ﷺ - في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية\n_________\n(^١) فصلت: ٣٧.\n(^٢) الحج: ١٨.\n(^٣) سبق تخريجه: ٢٩٠.\n(^٤) الأنعام: ٧٦.\n(^٥) الأنعام: ٧٦.\n(^٦) فيض القدير: ٥/ ١٣٥.\n(^٧) ص: ٢٧٠.","vol":"1","page":331},{"text":"من أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته\" (^١).\nوكذلك يقال في القمر، وأن حركته ليس لها تأثير في الحوادث، وأن القمر مسخر بأمر الله (^٢)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>ثالثًا: تحريف معنى سجود القمر:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٤)، بيان أن من المخالفات العقدية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٥).\nفقال بعضهم: أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد، وقيل: المراد بالسجود الدلالة على الله.\nوكذلك قيل في سجود القمر.\nوالجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجودًا حقيقيًا الله أعلم بكيفيته، وأن هذا السجود من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها ونسلم، وأن كل شيء يسجد لله طوعا\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٥.\n(^٢) انظر: مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(^٣) الأعراف: ٥٤.\n(^٤) ص: ٢٧١.\n(^٥) الحج: ١٨.\n(^٦) انظر: ٦٥.","vol":"1","page":332},{"text":"وكرها، وأن وسجود كل شيء مما يختص به (^١)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>رابعًا: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على القمر، أو أن نوره من نور الله:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٣) أن من المخالفات العقدية اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو نورها من نور الله، ولذلك نهى بعض الفقهاء عن استقبال الشمس وقال في علة ذلك: أن اسم الله مكتوب عليها، ومنهم من قال لأن نورها من نور الله.\nوكذلك قيل في القمر، أن اسم الله مكتوب عليه، أو أن نوره من نور الله (^٤)، وهذا لم يثبت به حديث عن النبي - ﷺ - (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>خامسًا: إنكار كون خسوف القمر آية من آيات الله يخوف الله به عبادة:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٦) بيان أن من المخالفات العقدية إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده، وأن هذا أمر طبيعي.\nوبينتُ فيه منزلة الأسباب في الشريعة، وأن الناس في هذا المقام طرفان ووسط:\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣.\n(^٢) الإسراء: ٤٤.\n(^٣) ص: ٢٧٥.\n(^٤) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع: ١/ ٧٦.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٦.\n(^٦) ص: ٢٧٥.","vol":"1","page":333},{"text":"الطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية.\nوالطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل.\nوالوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله - ﷿ -، وأنه آية يخوف الله بها عبادة.\nوأن أسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، وأن حدوث الكسوف آية يخوف الله بها عبادة، وأن ذلك لا يتعارض مع الأسباب الحسية ومعرفتها.\nوأنه ليس من شرط التخويف أن لا يكون له سبب.\nوأن التخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي - ﷺ - فزعًا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا وقد قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^١)؟ .\nوكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه آية من آيات الله يخوف الله به عباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>سادسًا: الجزم بوقوع الخسوف:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٢) أن من المخالفات العقدية الجزم بوقوع الكسوف، وبيان أن معرفة وقوع الكسوف لا يلزم منه وقوعه، وأن أخبار الحسابين كأخبار بني إسرائيل، لا تصدق ولا تكذب.\nوكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه لا يجوز الجزم بوقوعه، وأن أمر الحسابين في ذلك لا يصدق، ولا يكذب.\n_________\n(^١) القيامة: ٧ - ٩.\n(^٢) ص: ٢٧٧.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>سابعًا: إنكار انشقاق القمر:</span>\nإن من دلائل نبوة محمد - ﷺ - انشقاق القمر له ﵊، وقد أنكر كفار قريش ذلك، وقالوا: إنه سحر (^١)، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (^٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \"انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ -، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة.\nقال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا: ذلك\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>ثامنًا: سب القمر:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٤) بيان أن من المخالفات العقدية سب الشمس، وذكر الحديث الوارد في ذلك، وفيه النهي أيضًا عن سب القمر، فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: دلائل النبوة: ٢/ ٢٦٢، ومنهج المدرسة العقلية: ٥٨٣.\n(^٢) القمر: ١ - ٢.\n(^٣) مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، ط ١: ١/ ٢٣٦ برقم (٢٩٣)، والبيهقي في دلائل النبوة: ٢/ ٢٦٢، والبخاري تعليقًا، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: ٧٣٤ برقم (٣٨٦٩)، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٧٤، وتغليق التعليق على صحيح البخاري للحافظ أحمد بن حجر، تحقيق: سعيد القزقي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٤/ ٨٨.\n(^٤) ص: ٢٧٩.\n(^٥) سبق تخريجه: ٢٧٩.","vol":"1","page":335},{"text":"وبيان أن سبها يعود على خالقها، وأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: \"يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>تاسعًا: استقبال القمر عند الدعاء كاستقبال القبلة عند الصلاة:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية استقبال الهلال عند الدعاء كما تستقبل القبلة عند الصلاة، \"وكل ذلك لا يجوز؛ لما تقرر في الشرع أنه لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة\" (^٢).\nعن على - ﵁ - قال: \"إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسا، بل يكفي أحدكم أن يقول: ربي وربك الله\" (^٣).\nوعن ابن عباس - ﵄ - \" أنه كره أن ينتصب للهلال، ولكن يعترض فيقول: الله أكبر الحمد لله الذي أذهب هلال كذا وكذا، وجاء بهلال كذا وكذا\" (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٢٧٩.\n(^٢) تعليق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني على كتاب الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣٩.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: حمد الجمعة ومحمد اللحيدان، دار الرشد، الرياض، ط ١: ٤/ ١٥٨ برقم (٩٨١٧).\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٦٠ برقم (٩٨٢٦).","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>١ - سحر القمر:</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: \"كُسِفَ القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فقالوا: سُحِر القمر، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (^١) \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢).\n\n٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس (^٣) بيان ضعف الحديث الوارد في ذلك وأنه لا يصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٣ - خشوع القمر عند تجلي الله:</span>\nفي بعض ألفاظ حديث الكسوف: \"إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله - ﷿ - إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له\".\nوسبق في المبحث السابق: الشمس بيان ضعف هذالزيادة في الحديث وأنها لا تصح (^٤).\n_________\n(^١) القمر: ١ - ٢.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني: ١١/ ٢٥٠ برقم (١١٦٦٨).\n(^٣) ص: ٢٨١.\n(^٤) ص: ٢٨٢.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>المبحث الرابع: النجم</span>\nالنجم في اللغة:\nالنون والجيم والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على طلوع وظهور، ونَجَمَ النَّجمُ: طَلَعَ، ونجم السن والقرنُ: طلعا.\nوالنجم الثريا، اسم لها. وإذا قالوا طلع النجم، فإنهم يريدونها. وليس لهذا الحديث نجم، أي أصل ومَطْلَع (^١).\nوفي الصحاح: النجم: الكوكب. والنجم الثريا، وهو اسم لها علم، فإذا قالوا طلع النجم يريدون الثريا، وإن أخرجت منه الألف واللام تَنَكّر (^٢).\nوفي الاصطلاح: النَّجمة كرة ضخمة من غاز متوهج في السماء (^٣).\nوفي الموسوعة الفلكية: النجم: كرة غازية مضيئة، وذات درجة حرارة عالية (^٤).\n\nالنوء في اللغة:\nنوى: النون والواو والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على معنيين: أحدهما مَقْصَدٌ لشيء، والآخر عَجَمُ شيء.\nوبالهمز كلمةٌ تدلُّ على النُّهُوض وناءَ ينوءُ نوءًا: نَهَضَ .... والنَّوْءُ من\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(^٢) الصحاح: ٥/ ٢٠٣٩.\n(^٣) الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٢٢٧.\n(^٤) الموسوعة الفلكية: ٥٢٥.","vol":"1","page":338},{"text":"أنواءِ المطَر كأنَّه ينهَض بالمطر (^١).\nوفي الصحاح: نوأ: ناء ينوء نوءا: نهض بجهد ومشقة. وناء: سقط وهو من الأضداد، والنوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من الشرق يقابله من ساعته، والجمع أنواء (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>الكوكب في اللغة:</span>\nفي معجم مقاييس اللغة: معنى كوكب في مادة\"كب\"، وهذا الباب أصل صحيح يدل على جمع وتجمع، ولا يشذ منه شيء، يقال لما تجمع من الرمل كُباب، ومن الباب كوكب الماء وهو معظمه ... والكوكب يسمى كوكبًا من هذا القياس (^٣).\nوفي الصحاح: الكوكب النجم، يقال كوكب وكوكبة، كما قالوا: بياض وبياضة، وعجوز وعجوزة. وكوكب الشئ: معظمه (^٤).\n\nوقد ورد لفظ النجم في القرآن في (٤) مواضع، وبلفظ الجمع في (٩) مواضع (^٥)، أما لفظ النوء فلم يرد في القرآن.\nوأما لفظ الكوكب فقد ورد في القرآن في (٣) مواضع، وبلفظ الجمع في موضعين (^٦).\nوقد وردت النجوم والكواكب في السنة في (٦٠) حديثًا (^٧).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٦٦.\n(^٢) الصحاح: ١/ ٧٨ - ٧٩.\n(^٣) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ١٢٤.\n(^٤) الصحاح: ١/ ٢١٣.\n(^٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٦١.\n(^٦) انظر: المرجع السابق: ٧٩٠.\n(^٧) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الدلائل العقدية للآية الكونية - النجم</span>-:\nالنجم آية من آيات الله التي تدل على خالقها وعلى قدرته وعلمه وحكمته، فهو آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، وقد ذكرها الله - ﷿ - ضمن جملة من آياته في سورة النحل، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، ثم قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nوقد سبق في المبحثين السابقين - عن الآيتين الكونية الشمس والقمر (^٣) - كلام ابن القيم - ﵀ - بأن الله - ﷿ - لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر.\n\"وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم هذا القسم\" (^٤) كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (^٦).\n_________\n(^١) النحل: ١٢.\n(^٢) النحل: ١٦ - ١٧.\n(^٣) ص: ٢٥٠.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٤.\n(^٥) الواقعة: ٧٥ - ٧٦.\n(^٦) النجم: ١.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>أولًا: وجود الله:</span>\nسبق في المبحثين السابقين - الشمس والقمر- (^١) الاستدلال بهما في مناظرة إبراهيم - ﵇ - على قومه على وجود الله ووحدانيته، وأنه المستحق للعبادة (^٢)، وكذلك استدل إبراهيم - ﵇ - بالكوكب - وهو النجم- من ضمن أدلته على وجود الله وأنه المستحق للعبادة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣).\nوهذه النجوم التي خلقها الله، وجعلها مصابيح وزينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، \"من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nالرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله - ﷿ - يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك النجوم (^٥)، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ\n_________\n(^١) ص: ٢٥٢، ٢٨٨.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.\n(^٣) الأنعام: ٧٥ - ٧٩.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٢٦.\n(^٥) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٦٥٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٦، ٧/ ٨٦.","vol":"1","page":341},{"text":"يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣)، فدلائل\"التسخير والاضطرار عليها من لزومها حركة لا سبيل لها إلى الخروج عنها، ولزومها موضعا من الفلك لا تتمكن من الانتقال عنه، واطراد سيرها على وجه مخصوص لا تفارقه البتة أبين دليل على أنها مسخرة مقهورة على حركاتها، محركة بتحريك قاهر لا متحركة بإرادتها واختيارها\" (^٤).\nفلا تصرف لها في نفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يتصرف بها كيف شاء، وهذا من أدلة ربوبية الله ووحدانيته، ومن أعظم الأدلة\"وأوضحها على أن العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم، قدره أحسن تقدير، ونظمه أحسن نظام، وأن الخالق له يستحيل أن يكون اثنين، بل إله واحد لا إله إلا هو، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا\" (^٥).\nوقد أخبر الله - ﷿ - بأنه رب الشعرى - وهو نجم-، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ (^٦)، \"وخصها الله بالذكر، وإن كان رب كل شيء، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أن جنس ما يعبده المشركون\n_________\n(^١) النحل: ١٢.\n(^٢) النحل: ١٦ - ١٧.\n(^٣) الأعراف: ٥٤.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١٧٩.\n(^٥) المرجع السابق: ١/ ٣١٩.\n(^٦) النجم: ٤٩.","vol":"1","page":342},{"text":"مربوب مدبر مخلوق، فكيف تتخذ إلها مع الله\" (^١).\nوأقسم الله - ﷿ - بالنجوم، وعظم ذلك القسم، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (^٢)، وهو\" سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤)، لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة - ومنها النجوم-، وما أنعم به من النعم العظيمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد، وأنه الخالق لجميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد، فكما أنه المنفرد بالخلق والتدبير فهو أحق بالعبادة كلها، وهو واحد في خلقه وتدبيره وواحد في إلهيته وتوحيده وعبادته (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>١ - اليقين والإخلاص:</span>\nسبق في المبحثين السابقين الشمس والقمر (^٦) بيان أن رؤية الآيات الكونية - ومنها الشمس والقمر- والتفكر فيها يزيد القلب يقينًا وإيمانًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٧)، \"أي نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا\" (^٨).\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٨٢٢، وانظر: تفسير الطبري: ٢٧/ ٩٠.\n(^٢) الواقعة: ٧٥ - ٧٦.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٥.\n(^٤) النحل: ١٦ - ١٧.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦٤، تفسير السعدي: ٤٣٧.\n(^٦) ص: ٢٥٩، ٢٩٢.\n(^٧) الأنعام: ٧٥.\n(^٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩١.","vol":"1","page":343},{"text":"وبيان قول إبراهيم - ﵇ - بعد غياب الشمس والقمر، وأنه تبرأ من الشرك، ووجه وجهه لله - ﷿ -، مخلصًا له.\nوفي أول الآيات ذكر الله - ﷿ - قول إبراهيم - ﵇ - عن الكوكب - وهو النجم-، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (^١).\nثم ذكر بعدها توجه إبراهيم - ﵇ - إلى ربه، وبراءته من الشرك وإخلاصه العبادة للذي فطر السماوات والأرض: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (¬<span data-type=\"title\" id=toc-309>٢)\n\n٢ - القسم:</span>\nالخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يجوز له أن يقسم إلا بالخالق وأسمائه وصفاته (^٣).\nوقد أقسم الله تعالى بالنجم عند هويّه أي سقوطه في الأفق في أخر الليل، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٤)، كما أقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من النجوم فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (^٥).\n\" لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به\" (^٦)، وغاية\n_________\n(^١) الأنعام: ٧٦.\n(^٢) الأنعام: ٧٨ - ٧٩.\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: ٥٩٠.\n(^٤) النجم: ١ - ٤.\n(^٥) الطارق: ١ - ٤.\n(^٦) تفسير السعدي: ٨١٨.","vol":"1","page":344},{"text":"هذا الإقسام من الله\" التنبيه على كمال ربوبيته وعزته وحكمته وقدرته وتدبيره، وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه، بما تضمنته من عجائب الصنعة، وبديع الخلقة، وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له، وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه، وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره، مطيعة لمراده منها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>رابعًا: الإيمان بالكتب:</span>\nقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^٢).\nلما قال الكفار ما قالوا عن القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة (^٣) أقسم الله تعالى بالنجوم ومواقعها أي مساقطها في مغاربها، وعظم هذا المقسم به\" لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها\" (^٤).\nأقسم بذلك على\"إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم\" (^٥)، في كتاب معظم محفوظ موقر.\nوسبق بيان إقسام الله تعالى بالنجم عند هويه (^٦)، ومن جملة المقسم عليه \" صحة ما جاء به الرسول - ﷺ - من الوحي الإلهي، لأن في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) الواقعة: ٧٥ - ٧٨.\n(^٣) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٣١٤، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٥٤٣.\n(^٤) تفسير السعدي: ٨٣٦.\n(^٥) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ٤/ ٥٠.\n(^٦) ص: ٣١٣.","vol":"1","page":345},{"text":"للسماء، فكذلك الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>خامسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nكان من علامة مبعث النبي - ﷺ - رمي الجن بالنجوم، ومنعها من استراق السمع، عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوه فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله - ﷺ - منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلي بين جبلين أراه قال: بمكة، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض\" (^٢).\nوسبق بيان إقسام الله تعالى بالنجم عند هويه (^٣)، ومن جملة المقسم عليه \"تنزيه الرسول - ﷺ - عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٨١٨، وانظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٧.\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة سبأ: ٥١٢ برقم (٣٣٢٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ومسند الإمام أحمد: ٤/ ٢٨٣ برقم (٢٤٨٢)، ٥/ ١٢٥ برقم (٢٩٧٦)، وقال المحقق: إسناده حسن.\n(^٣) ص: ٣١٣.\n(^٤) تفسير السعدي: ٨١٨.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>سادسًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nسبق في مبحث الآية الكونية القمر (^١) بيان الإقسام من الله - ﷿ - بالسماء والطارق، والمقسم عليه أن كل نفس عليها من الله حافظ من الملائكة يحرسها من الآفات (^٢)، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nأخبر النبي - ﷺ - أن الجنة درجات، وأن أهل الدرجات العلى يراهم من تحتهم كما يرون النجم الطالع في أفق السماء، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر، وعمر منهم وأنعما\" (^٤).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن أهل الجنة ليتراءون الغُرفة في الجنة، كما تراؤون الكوكب في السماء\" (^٥).\nوفي بيان صورة أهل الجنة عند دخولهم الجنة بين - ﷺ - أن الزمرة الثانية على أشد نجم في السماء، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم\n_________\n(^١) ص: ٣١٣.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ١٧٣، تفسير البغوي: ٤/ ٥٩٣.\n(^٣) الرعد: ١١.\n(^٤) سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق - ﵁ -: ٥٧٣، برقم (٣٦٥٨)، وقال: هذا حديث حسن روي من غير وجه، ومسند الإمام أحمد: ١٧/ ٣١٠ برقم (١١٢١٣)، قال المحقق: حسن لغيره، وقال البغوي في شرح السنة: ١٤/ ٩٩ برقم (٣٨٩٢): هذا حديث حسن.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء: ٤/ ٢١٧٧ برقم (٢٨٣٠).","vol":"1","page":347},{"text":"على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل\" (^١).\nوفي حديث أخر بين - ﷺ - أنهم على صورة أضواء كوكب دري، فقال: \"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوإ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب\" (^٢).\nوأخبر - ﷺ - أنه أعطي الحوض، وأن عدد آنيته عدد النجوم، وفي رواية أكثر من عدد النجوم، فعن أنس - ﵁ - قال: \"بينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (^٣)، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي - ﷿ -، عليه خير كثير وحوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج (^٤) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي؟ فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك\" (^٥).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: \"والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم: ٤/ ٢١٧٨ برقم (٢٨٣٤).\n(^٢) سبق تخريجه: ٢٩٦.\n(^٣) الكوثر: ١ - ٣.\n(^٤) أي يجتذب ويقتطع، وأصل الخلج: الجذب والنزع. النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٥٩.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة: ١/ ٣٠٠ برقم (٤٠٠).","vol":"1","page":348},{"text":"ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>ثامنًا: منزلة الصحابة:</span>\nعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون\" (^٢).\nفي هذا الحديث تشبيه منزلة الصحابة للأمة بمنزلة النجوم للسماء (^٣)؛ فالنجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك الصحابة، والنجوم زينة للسماء، ورجوم للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحي الوارد إلى الرسل من الله على أيدي ملائكته، وكذلك الصحابة زينة للأرض ورجومًا لشياطين الإنس والجن الذي يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (^٤)، فإذا انطمست النجوم، أوشك أن تضل الهداة، وهو\"إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض\" (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته: ٤/ ١٧٩٨ برقم (٢٣٠٠).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة: ٤/ ١٩٦١ برقم (٢٥٣١).\n(^٣) انظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: أحمد أبو العينيين، دار الفضيلة، الرياض، ط ١: ٤٣٧.\n(^٤) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ١٠٩.\n(^٥) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري، تحقيق، عبد الرحمن محمد عثمان، دار ابن تيمية، القاهرة: ١٠/ ٢٢٧.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>تاسعًا: النهي عن مشابهة المشركين واليهود والنصارى:</span>\nسبق في المبحث السابق: الشمس الاستدلال بها على النهي عن مشابهة المشركين (^١) في السجود لها عند غروبها، وفيما يتعلق بالنجم ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد، وهو النجم - وسمي النجم شاهدا؛ لأنه يشهد بمغيب الشمس ودخول الليل (^٢).\nعن أبي بصرة الغفاري - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر بالمخَمَّص (^٣) فقال: \"إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد\" (^٤).\nكما أن النبي - ﷺ - أخبر أن تأخير الفطر حتى تشتبك النجوم وكذلك تأخير صلاة المغرب عادة أهل الكتاب - اليهود والنصارى- وقد أمرنا بمخالفتهم (^٥)، قال - ﷺ -: \" لا تزال أمتي بخير - أو قال على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم\" (^٦)، وكذلك فعلت الرافضة (^٧)، فالحديث\n_________\n(^١) ص: ٢٦٥.\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٣/ ٤٥٨.\n(^٣) بخاء معجمة: طريق في جبل عير إلى مكة. انظر: معجم البلدان: ٥/ ٧٣.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها: ١/ ٥٦٨ برقم (٨٣٠).\n(^٥) انظر: منهاج السنة النبوية: ١/ ٣١.\n(^٦) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في وقت المغرب: ٧٠ برقم (٤١٨)، ومسند الإمام أحمد: ٢٨/ ٥٦٤ برقم (١٧٣٢٩)، وقال محققه: إسناده حسن، وصححه الألباني: انظر: صحيح سنن أبي داود: ١/ ٨٤.\n(^٧) الرافضة: طائفة من أهل البدع والضلال، سموا بذلك لكونهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الشيخين، وهم يعرفون اليوم بالشيعة والإمامية، والاثنى عشرية والجعفرية، وأصولهم أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامية، وقد ستروا تحت كل واحد منها بعض بدعهم، ويغلب عليهم الغلو في أئمتهم.\nانظر: فرق الشيعة للحسن النوبختي، تحقيق: محمد آل بحر العلوم، المكتبة الأزهرية، القاهرة، ومقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت: ١/ ٦٥، الفرق بين الفرق: ٢٩، الفصل في الملل والنحل: ٥/ ٣٥.","vol":"1","page":350},{"text":"\"يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم، مستحبا والحديث يرده\" (^١).\n_________\n(^١) عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة: ٢/ ٨٧، وانظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني: ٢/ ٣١٣.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النجم</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>أولًا: عبادة النجوم:</span>\nسبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (^١)، بيان أنهما عبدا من دون الله - ﷿ -، وأنهما جعلا آلهة وأربابًا (^٢)، وجعلوا لهما مصحفًا، ويسبحون لهما ويدعونهما.\nكماسبق أيضًا في المبحثين السابقين: الشمس والقمر كلام ابن القيم - ﵀ - عن تعظيم المشركين للشمس والقمر والكواكب، وأنهم يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده.\nوأنهم جعلوا للكواكب مصحفًا، وتسبيحةً خاصة، وأن في مصحف الكواكب من مخاطبته بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله - ﷿ -، ولا ينبغي لأحد سواه، ومن الخضوع والذل والعبادة.\nوهذه النجوم والكواكب من مخلوقات الله، تحت قهره وتسخيره، وتسجد لخالقها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) ص: ٢٦٩، ٢٩٨.\n(^٢) انظر: الملل والنحل: ٢/ ١٢٩٢، والموسوعة العربية العالمية: ١/ ٦٠٣.\n(^٣) الحج: ١٨.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة النجوم:</span>\nسبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (^١) بيان أن من المخالفات العقدية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس والقمر، وما تقتضيه هذه الحركة من السعود والنحوس، وما تعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر.\nوكذلك يقال في نسبة الحوادث والسعود والنحوس إلى النجوم والبروج، فقد جعلوا لكل نجم ولكل برج من البروج تأثيرًا في الحوادث وعلامة عليها، وربط لها بالاعتقادات الباطلة.\nوقد كانت العرب إذا رمي بنجم تقول: ولد رجل عظيم، أو مات رجل عظيم، وتدعي نسبة ما يحدث في هذه المدة من مطر أو ريح أو برد أو حر إلى النجم الساقط، أو النجم الطالع (^٢).\nعن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله - ﷺ - رمي بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \" ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله - ﷺ -: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض\n_________\n(^١) ص: ٢٧٠، ٢٩٩.\n(^٢) انظر: كتاب الاستذكار، كتاب الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم: ٧/ ١٥٣.","vol":"1","page":353},{"text":"أهل السماوات بعضا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون (^١) فيه ويزيدون\" (^٢).\n\nوعلم التنجيم ينقسم إلى قسمين (^٣):\nالأول: علم التأثير، وهو أن يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية; فهذا محرم باطل، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد\" (^٤).\nوقال - ﷺ - في الشمس والقمر: \" إنهما آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته\" (^٥)، فالأحوال الفلكية لا علاقة بينها وبين الحوادث الأرضية.\nالثاني: علم التسيير، وهو ما يستدل به على الجهات والأوقات; فهذا جائز، وقد يكون واجبا أحيانا، كما قال الفقهاء: إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم والشمس والقمر (^٦)،\n_________\n(^١) قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٤/ ٢٢٦: هذه اللفظة ضبطوها من رواية صالح على وجهين: أحدهما: بالراء والثانى بالذال، ووقع فى رواية الأوزاعى وبن معقل الراء باتفاق النسخ، ومعناه يخلطون فيه الكذب، وهو بمعنى يقذفون.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان: ٤/ ١٧٥٠ برقم (٢٢٢٩).\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٤٤١،، والقول المفيد على كتاب التوحيد: ١/ ٥١٩.\n(^٤) سنن أبي داود، كتاب الطب، باب في النجوم: ٤٢٨ برقم (٣٩٠٥)، وسنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب في تعلم النجوم: ٤٠٠ برقم (٣٧٢٦)، والإمام أحمد في مسنده: ٥/ ٤١ برقم (٢٨٤٠)، وقال محققه: إسناده صحيح. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود: ٢/ ٧٣٩.\n(^٥) سبق تخريجه: ٥.\n(^٦) انظر: المغني: ٢/ ١٠٢ وما بعدها، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي، إشراف زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣: ١/ ٢١٧.","vol":"1","page":354},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nونسبة الحوادث إلى الكواكب على أقسام (^٣):\nالقسم الأول: نسبة الفعل للكوكب، وادعاء أنه هو يفعل بذاته فهذا كفر أكبر؛ لأن الخلق والأمر لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٤).\nالقسم الثاني: اعتقاد أن الفعل من عند الله، مع نسبته إلى الكوكب والنوء نسبة سبب، فهذا من الشرك الأصغر، وقد دلت الأدلة على تحريمه، منها:\nقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٥)، فهذه الآية نزلت في الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبونه إلى الله تعالى.\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: مطر الناس على عهد النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: \" أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر\". قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٦) \" (^٧).\nوعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أنه قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة\n_________\n(^١) النحل: ١٦.\n(^٢) الأنعام: ٩٧.\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٤، والقول المفيد: ٢/ ٣١، والتنجيم والمنجمون وحكم الإسلام في ذلك: ١٥٢ وما بعدها.\n(^٤) الأعراف: ٥٤.\n(^٥) الواقعة: ٨٢.\n(^٦) الواقعة: ٧٥ - ٨٢.\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء: ١/ ٨٤ برقم (٧٣).","vol":"1","page":355},{"text":"الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب\" (^١).\nالقسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولًا ولا اعتقادًا، وهذا جائز، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٣).\nوقد دلت الآيات السابقة على جواز جعل الرياح علامة على المطر بحسب ما جرت به العادة، وكذلك الأنواء يجوز جعلها علامة على ما جرت به العادة، بشرط أن يعتقد أن النوء لا تأثير له في نزول المطر، ولا هو فاعل، وأن المنفرد بإنزاله هو الله وحده (^٤).\nوعن سعيد بن المسيب (^٥)\n- ﵀ - قال: \"قد حدثني من لا أتهم أنه شهد\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء: ١/ ٨٣ برقم (٧١).\n(^٢) الأعراف: ٥٧.\n(^٣) الفرقان: ٤٨.\n(^٤) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٥، والقول المفيد: ٢/ ٣١.\n(^٥) هو: سعيد بن حزن بن المسيب القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ -، وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة. وتوفي سنة ٩٤.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢١٧، وشذرات الذهب: ١/ ٣٧٠.","vol":"1","page":356},{"text":"المصلى مع عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو يستسقي بالناس عام الرمادة، قال: فدعا والناس طويلًا، واستسقى طويلًا، وقال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال له العباس - ﵁ -: يا أمير المؤمنين إن أهل العلم بها يزعمون أنها تعترض بالأفق بعد وقوعها سبعًا. قال: فوالله ما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس\" (^١).\nقال الشافعي - ﵀ -: \" إنما أراد عمر بن الخطاب - ﵁ - بقوله: كم بقي من وقت الثريا؟ ليعرفهم بأن الله - ﷿ - قدر الأمطار في أوقات فيما جربوا، كما علموا أنه قدر الحر والبرد بما جربوا في أوقات\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>ثالثًا: تحريف معنى سجود النجوم:</span>\nسبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (^٣)، بيان أن من المخالفات العقدية تحريف معنى سجود الشمس والقمر، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٤).\nفقال بعضهم: أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد، وقيل: المراد\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٣٥٩، والطبري في تفسيره: ٢٧/ ٢٤٣ قال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير، تحقيق حامد إبراهيم أحمد، ومحمد العقبي، مطبعة الإمام، مصر: ٣/ ٣٣٢: \"حسن غريب\".\n(^٢) الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، مصر، ط: ٢/ ٥٥٢.\n(^٣) ص: ٢٧١، ٣٠٠.\n(^٤) الحج: ١٨.","vol":"1","page":357},{"text":"بالسجود الدلالة على الله.\nوكذلك قيل في سجود النجوم، وأن سجودها سجود ظلها كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ (^١)، وقيل: أن سجوده طلوعه (^٢).\nوالجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٣) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجودًا حقيقيًا الله أعلم بكيفيته، وأن هذا السجود من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها ونسلم، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (^٤)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>رابعًا: نسبة علم النجوم إلى إبراهيم - ﵇ </span>-:\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة علم النجوم إلى إبراهيم - ﵇ - استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^٦)، وهذا من\"الكذب والافتراء على خليل الرحمن - ﵇ -؛ فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجوم، ثم قال لهم: إني سقيم، فمن ظن من هذا أن علم أحكام النجوم من علم الأنبياء، وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء، ونسبهم إلى ما لا يليق، وهو من جنس من نسبهم إلى\n_________\n(^١) النحل: ٤٨.\n(^٢) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٢٨٤، تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٨٩.\n(^٣) انظر: ٦٥.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣، تفسير السعدي: ٨٢٨.\n(^٥) الإسراء: ٤٤.\n(^٦) الصافات: ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":358},{"text":"الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقى غيرهم ...\nولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء وأتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما أرسلهم به\" (^١).\nوهذا الفعل والصنيع من صنائع المشركين وعلومهم، وقد بعثت الرسل بالإنكار على هؤلاء المشركين ومحقهم، ومحق علومهم وأعمالهم من الأرض، وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل صلوات (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>خامسًا: الأقوال والألفاظ المخالفة:</span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النجم - ذكر بعض الأقوال المخالفة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>١ - قول مطرنا بنوء كذا، ونحوه:</span>\nوسبق بيان حكم ذلك والتفصيل فيه (^٣).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وانظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٨٣.\n(^٢) انظر: المرجع السابق: ٢/ ٢٧٣.\n(^٣) ص: ٣٢٢، وانظر: معجم المناهي اللفظية: ٥١٣ - ٥١٩.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>١ - الاستدلال بحديث \"إذا ذكرت النجوم فأمسكوا\" على التنجيم:</span>\nعن ثوبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا ذكر أصحابي فامسكوا، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا، إذا ذكر القدر فأمسكوا\" (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" فهذا الحديث لو ثبت لكان حجة عليه لا له؛ إذ لو كان علم الأحكام النجومية حقا لا باطلا لم ينه عنه النبي - ﷺ -، ولا أمر بالإمساك عنه؛ فإنه لا ينهى عن الكلام في الحق، بل هذا يدل على أن الخائض فيه خائض فيما لا علم له به، وأنه لا ينبغي له أن يخوض فيه، ويقول على الله ما لا يعلم، فأين في هذا الحديث ما يدل على صحة علم أحكام النجوم\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-325>٢).\n\n٢ - النهي عن السفر والقمر في العقرب:</span>\nروي عن علي - ﵁ - أنه قال: \"لا تسافروا في محاق الشهر، ولا إذا كان\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الكبير: ٢/ ٩٦ برقم (١٤٢٧)، ورواه من حديث ابن مسعود - ﵁ -: ١٠/ ١٩٨ برقم (١٠٤٤٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٧/ ٤١٢: \"فيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف\"، وقال في حديث ابن مسعود: \"فيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٨.","vol":"1","page":360},{"text":"القمر في العقرب\" (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وأما أحاديث النهي عن السفر والقمر في العقرب فصحيح من كلام المنجمين، وأما رسول رب العالمين فبريء ممن نسب إليه هذا الحديث وأمثاله ولكن إذا بعد الإنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول - ﷺ - جوز عقله مثل هذا\" (^٢).\n_________\n(^١) يروى عن علي - ﵁ - من قوله، انظر: الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث لأحمد بن عبد الكريم العامري، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار الراية، الرياض، ط ٢: ١٤٠، وقال الصغاني في الموضوعات: ١/ ٦١ برقم (٩٩): \"موضوع\"، وانظر مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦١.\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٨.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق</span>\nالرعد في اللغة:\nالراء والعين والدال أصل واحد يدل على حركة واضطراب. وكل شيء اضطرب فقد ارتعد ... ومن الباب الرَّعْد، وهو مَصْع مَلَكٍ يسوق السَّحَاب. والمَصْع: الحركة والذهاب والمجيء (^١).\nوفي الصحاح: الرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب (^٢).\nوفي الاصطلاح: الرَّعد تفريغ كهربائي من سحابة إلى أخرى أو من سحابة إلى الأرض، يصحبه انبعاث شرارات تعرف بالبرق. وهذه الشرارات تحدث حرارة عالية في مناطق الهواء التي تنبعث منها فتتمدد تلك المناطق على نحو فجائي، وهذه الحرارة تجعل جزيئات الهواء تتمدد أو تتطاير في كل الاتجاهات. وبينما تبحث الجزيئات عن حيز أكبر، فإنها تصطدم بعنف بطبقات الهواء البارد، محدثة موجة هوائية ضخمة يكون لها صوت الرعد (^٣).\n\nالبرق في اللغة:\nالباء والراء والقاف أصلان تتفرع الفروع منهما: أحدهما لمعانُ الشيء، والآخر اجتماع السواد والبياض في الشيء. والبرق: وَمِيضُ السَّحاب، يقال\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٤١١.\n(^٢) الصحاح: ٢/ ٤٧٤.\n(^٣) الموسوعة العربية العالمية: ١١/ ٢٥٣.","vol":"1","page":362},{"text":"بَرَقَ السَّحَابُ بَرْقًا وبَريقًا. وأبْرَقَ أيضًا لغة (^١).\nوفي الصحاح: برق السيف وغيره يبرق بروقا، أي تلالا. والاسم البريق. والبرق: واحد بروق السحاب. ويقال رعدت السماء وبرقت برقانا (^٢).\nوفي الاصطلاح: البَرْق شرارة كهربائية عملاقة في السماء. وأغلب البرق الذي يراه الناس يكون بين السحابة وسطح الأرض. ولكن من الممكن حدوث البرق أيضًا داخل سحابة، أو بين السحابة والهواء، أو بين سحابتين (^٣).\n\nالصواعق في اللغة:\nالصاد والعين والقاف أصل واحد يدلّ على صَلْقَةٍ وشِدَّة صوت. ومن ذلك الصعق، وهو الصوت الشديد. يقال حِمارٌ صَعِقُ الصوت، إذا كان شديده. ومنه الصَّاعقة، وهي الوقع الشديد من الرعد. ومنه قولهم: صَعِق، إذا مات، كأنَّه أصابته صاعقة (^٤).\nوفي الصحاح: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد. يقال: صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا: صيحة العذاب (^٥).\nوفي الاصطلاح: دوي حاد يسبقة عادة وميض البرق، وهو ناتج عن\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٢١.\n(^٢) الصحاح: ٤/ ١٤٤٨.\n(^٣) الموسوعة العربية العالمية: ٤/ ٣٣٦.\n(^٤) معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٢٨٥.\n(^٥) الصحاح: ٤/ ١٥٠٦.","vol":"1","page":363},{"text":"انفجار شحنة كهربائية كامنة في السماء (^١).\n\nوقد ورد لفظ الرعد في القرآن في موضعين (^٢)، ولفظ البرق في (٥) مواضع (^٣)، ولفظ الصاعقة في (٦) مواضع، وبلفظ الجمع في موضعين (^٤).\nوورد الرعد والبرق والصاعقة في السنة في (٢١) حديثًا (^٥).\n_________\n(^١) قاموس الجغرافيا لمجموعة من الأساتذة بإشراف علي لبيب، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط ١: ١٤٧.\n(^٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٤٠٩.\n(^٣) انظر: المرجع السابق: ١٥٠.\n(^٤) انظر: المرجع السابق: ٥١٨.\n(^٥) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>الدلائل العقدية للآيات الكونية - الرعد والبرق والصواعق</span>-:\nالرعد والبرق والصواعق من آيات الله الكونية، وجند من جنود الله التي لا يعلمها\nإلا هو.\nوأفرد القرآن الكريم سورة باسم الرعد ذكر الله تعالى فيها من آيات القدرة وعجائب الكون الدالة على وحدانيته وقدرته: الرعد والبرق والصواعق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>أولًا: وجود الله:</span>\nأمر الله - ﷿ - بالتفكر في آياته المشاهدة المحسوسة ومنها البرق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢) فجعل\" إراءتهم البرق، وأنزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به آيات لقوم يعقلون؛ فإن هذه أمور مرتبة بالأبصار، مشاهدة بالحس، فإذا نظر فيها ببصر قلبه - وهو عقله - استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته، وإمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه\n_________\n(^١) الرعد: ١٢ - ١٣.\n(^٢) الروم: ٢٤.","vol":"1","page":365},{"text":"الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب - وهو العقل - فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر، والمدلول عليه المشهود بالعقل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nقد جعل الله - ﷿ - البرق دليلًا على عظمته (^٢)، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٣).\nومن آيات الله التي يستدل بها على توحيد الربوبية إنزال المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، وقبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخاف ويُطمع فيه، فهذه الآيات دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها (^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>١ - التسبيح:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أن الرعد يسبحه وينزهه عن كل عيب ونقص (^٦)، قال تعالى:\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٨٩.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٧٣.\n(^٣) النور: ٤٣ - ٤٤.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣١٠، وتفسير السعدي: ٦٣٩.\n(^٥) الروم: ٢٤.\n(^٦) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٥١٨.","vol":"1","page":366},{"text":"﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^١).\nوعن عبد الله بن الزبير - ﵁ -: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: \"سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٣).\nأخبر الله - ﷿ - في هذه الآيات - فيما يتعلق بالبرق والرعد والصواعق- أنه يُري عباده البرق الذي يخاف منه الصواعق والهدم، وأنواع الضرر على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه، وأن الرعد يسبح بحمده، وأنه يرسل الصواعق على من يشاء من عباده بحسب ما شاءه وأراده (^٤).\nفإذا كان الله - ﷿ - هو الذي يفعل ذلك وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تصرف جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما عبد من دون الله فألوهيته باطلة (^٥)، لذا قال بعدها: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ\n_________\n(^١) الرعد: ١٣.\n(^٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الكلام، باب: القول إذا سمعت الرعد: ٧٥٧ برقم (١٩٣٠)، والسنن الكبرى للبيهقي: كتاب صلاة الاستسقاء، باب: ما يقول إذا سمع الرعد: ٣/ ٣٦٢، وصححه النووي في الأذكار، كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة، باب ما يقول إذا سمع الرعد: ٣٠٢ برقم (٥٢١). وانظر: الاستذكار، كتاب الكلام، باب: القول إذا سمعت الرعد: ٢٧/ ٣٨٠.\n(^٣) الرعد: ١٢ - ١٣.\n(^٤) انظر: تفسير السعدي: ٤١٤.\n(^٥) انظر: المرجع السابق: ٤١٤.","vol":"1","page":367},{"text":"مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>خامسًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بما أخبر به النبي - ﷺ - من أعمالهم، وقد سئل النبي - ﷺ - عن الرعد، فأخبر أنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب، وأن الصوت الذي يسمع هو زجره السحاب (^٢).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: أقبلت يهود إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: \"ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق (^٣) من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله\"، فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: \"زجرة بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت\" (^٤).\nوهذا لا يخالف التفسير العلمي له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وقد روي عن بعض السلف أقوال لا تخالف ذلك، كقول من يقول: إنه اصطكاك أجرام السحاب، بسبب انضغاط الهواء فيه، فإن هذا لا يناقض\n_________\n(^١) الرعد: ١٤.\n(^٢) انظر: كتاب المطر والرعد والبرق والريح: ١١٣، ١٢٣، وتفسير البغوي: ٢/ ٥١٨، والاستذكار، كتاب الكلام، باب القول إذا سمعت الرعد: ٢٧/ ٣٨٠.\n(^٣) مخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، أراد أنه آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه. انظر: النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٦.\n(^٤) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الرعد: ٤٩٦ برقم (٣١١٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل: ٨/ ٢١٧ برقم (٩٠٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: ٣/ ٦٤.","vol":"1","page":368},{"text":"ذلك، فإن الرعد مصدر رعد يرعد رعدًا، وكذلك الراعد يسمى رعدًا، كما يسمى العادل عدلا.\nوالحركة توجب الصوت، والملائكة هي التي تحرك السحاب، وتنقله من مكان إلى مكان.\nوكل حركة في العالم العلوي والسفلي فهي عن الملائكة. وصوت الإنسان هو عن اصطكاك أجرامه الذي هو شفتاه، ولسانه، وأسنانه ولهاته، وحلقه، وهو مع ذلك يكون مسبحا للرب، وآمرا بمعروف وناهيا عن منكر، فالرعد إذًا صوت يزجر السحاب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>سادسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nالصواعق جند من جند الله يؤيد بها رسله، وقد بعث النبي - ﷺ - رجلًا مرة إلى رجل من فراعنة العرب يدعوه إليه، فذهب إليه، وقال: يدعوك رسول الله - ﷺ -. قال: وما الله؟ أمن ذهب هو أو من فضة أو من نحاس؟ فأخبر النبي - ﷺ - بذلك، فأرسل إليه النبي - ﷺ - مرارًا، وهو يقول مثل هذا، فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف (^٢) رأسه (^٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٤) \"أي يرسلها نقمَةً ينتقم بها ممن يشاء\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٦٣. وانظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود الألوسي أبو الفضل، دار إحياء التراث العربي، بيروت: ١/ ١٧١.\n(^٢) القحف: العظم فوق الدماغ. انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٦١.\n(^٣) انظر: أسباب النزول للواحدي، تحقيق: أحمد صقر، دار القبلة، جدة: ٣١٤، وتفسير القرطبي: ٩/ ٢٦٩.\n(^٤) الرعد: ١٣.\n(^٥) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٤٢.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nفي بيان حال الناس يوم القيامة عند مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم بين النبي - ﷺ - أن أولهم يمر كالبرق، ففي حديث أبى هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" فيأتون محمدا - ﷺ -، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتى الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق\". قال: قلت بأبي أنت وأمي: أي شيء كمر البرق؟ قال: \" ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجرى بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا - قال -: وفى حافتى الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس فى النار\" (^١).\nوفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله: وما الجسر؟ قال دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>ثامنًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها: ١/ ١٨٦ برقم (١٩٥).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٧ برقم (١٨٣).","vol":"1","page":370},{"text":"وقد أخبر الله - ﷿ - أنه يصيب بالصواعق من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (^١)، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>تاسعًا: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\nبين الله - ﷿ - في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين.\nوهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي (^٣) -الذي ذكر الله فيه الرعد والبرق والصواعق- قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).\nوقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير السعدي: ٥٧٠.\n(^٢) الرعد: ١٣.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٨.\n(^٤) البقرة: ١٩ - ٢٠.\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٨٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>ضرب الأمثال:</span>\nمن منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد ضرب الله مثلًا في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه الرعد والبرق والصواعق-، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nفالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق، والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع،، والبرق ما فيه من الوعد والوعيد، وما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان.\nوالصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد.\nثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (^٢) \" لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان ...\nفكلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين\" (^٣).\n_________\n(^١) البقرة: ١٩.\n(^٢) البقرة: ٢٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>أولًا: اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة الباطلة، فقد ظن قدماء الإغريق والرومان أن البرق هو أحد أسلحة الآلهة. وفي بعض المجتمعات الإفريقية كانوا يعتقدون أن الناس والأماكن التي يصيبها البرق ملعونة. وحتى القرن الثامن عشر، كان بعض الناس في أوروبا وأمريكا يعتقدون بإمكان تفادي حدوث البرق إذا دقوا أجراس الكنائس (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>ثانيًا: اعتقاد أن قوس قزح </span>(^٢)\nهو إله الرعد والبرق عند العرب:\n_________\n(^١) الموسوعة العربية العالمية: ٤/ ٣٣٦.\n(^٢) قوس قزح هو الخطوط والطرائق الملونة التي تبدوا في السماء على شكل قوس أيام الربيع، وهو من التقزيح وهو التحين، وقيل من القزح، وهي الطرائق والألوان التي في القوس أو هو من قزح الشيء إذا ارتفع .. ويقال: قزح اسم ملك موكل به. وقزح أيضًا اسم جبل بالمزدلفة. انظر: لسان العرب: ٥/ ٣٦١٩.\nوجاء قوس قزح في بعض الأحاديث منها: \"لا تقولوا قوس قزح فإن قزح شيطان -أو هو الشيطان- ولكن قولوا قوس الله ﷿ فهو أمان لأهل الأرض من الغرق\"، وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات: ١/ ٢١٣، والكتاني في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة: ١/ ١٩١.\nوقال عنه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة: ٢/ ٢٦٤: \"موضوع\".\n\nوقال الشيخ ابن باز: لا دليل على كراهة قول قوس قزح. انظر: الدرر البازية على زاد المعاد، تفريغ لتعليقات الشيخ ابن باز - ﵀ - على زاد المعاد لابن القيم، مطبوع بالحاسب الآلي: ١/ ٨٤.","vol":"1","page":373},{"text":"من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات اعتقاد أن قوس قزح هو إله الرعد والبرق والمطر عند العرب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>ثالثًا: بعض<span data-type=\"title\" id=toc-347> الأدعية والأقوال المخالفة:</span></span>\nومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق- ذكر بعض الأدعية والأقوال المخالفة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>١ - قول\"غضبت السماء\" عند نزول الصواعق:</span>\nفي سؤال وجه لفضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله-: \"هل تصح هذه العبارة (غضبت السماء)؟ وهي تكثر عند الأدباء والشعراء\".\nفأجاب بقوله: \" الذي يظهر أن هذه العبارة تقال إذا نزلت شهب أو صواعق مرعبة أو بَرَد مدمر أو طوفان مغرق، فهذه الأمور يجوز أن يقال عنها: إنها نقم سماوية أو مصائب سماوية، على معنى أنها جاءت من جهة السماء، وأما أن تنسب إلى غضب السماء فلا يجوز، لأن ذلك يتضمن أن السماء تغضب، ولا دليل على هذا، ويتضمن أن هذه الكوارث بفعل السماء، وليس كذلك، بل هي بفعل الله، فيلزم منه الشرك في الربوبية، وإذا أريد بقول القائل: (غضبت السماء) التجوز بذلك عن غضب الله، فهو أقبح، فإنه يتضمن إضافة صفة الله إلى غيره، أو تشبيه غيره تعالى به، وبكل حال فلا يجوز استعمال هذه العبارة، والله أعلم.\nويشبه هذه العبارة قول بعضهم (عدالة السماء)، يريد بها الأحكام الشرعية، المشتملة على غاية العدل والحكمة\" (^٢).\n_________\n(^١) الموسوعة العرب\nية العالمية: ١/ ٦٠٣، وانظر: موقع ويكيبديا: www.wikipedia.org، والبرق بين العلم والإيمان لعبد الدائم الكحيل: ٤.\n(^٢) موقع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك الرسمي.\nhttp://albrrak.net/index.php? option=com_ftawa&amp;task=view&amp;id=٣٦٩٥٣","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>١ - الرعد والبرق والصواعق فوق السماء السابعة:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق\". الحديث (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>٢ - البرق والرعد والصواعق غضب من الله:</span>\nعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سمع الرعد والصواعق قال: \"اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك\" (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"قال ربكم - ﷿ -: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد\" (^٣).\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد: ١٤/ ٢٨٦ برقم (٨٦٤١)، قال المحقق: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، وجهالة أبي الصلت، وضعفه ابن كثير، انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٥١٧.\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا سمع الرعد: ٥٤٥، برقم (٣٤٥٠)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومسند الإمام أحمد: ١٠/ ٤٧ برقم (٥٧٦٣) وقال محققه: إسناده ضعيف، وضعفه النووي في الأذكار، كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة، باب ما يقول إذا سمع الرعد: ٣٠٢ برقم (٥٢٠).\n(^٣) مسند أبي داود الطيالسي: ٤/ ٣١٢ برقم (٢٧٠٩)، ومسند الإمام أحمد: ١٤/ ٣٢٧ برقم (٨٧٠٨)، وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: ٢/ ٣٠٦، والألباني في السلسة الضعيفة: ٢/ ٢٨٧ برقم (٨٨٣).","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المبحث السادس المطر والثلج والبرد</span>\nالمطر في اللغة:\nالميم والطاء والراء أصل صحيح فيه معنيان: أحدهما الغيث النازل من السماء، والآخر جنس من العدو. فالأول المطر، ومطرنا مطرا. وقال ناس: لا يقال أمطر إلا في العذاب، قال الله تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ (^١). وتمطر الرجل: تعرض للمطر. ومنه المستمطر: طالب الخير.\nوالثاني قولهم: تمطّر الرجل في الأرض، إذا ذهب. والمتمطّر: الراكب الفرس يجري به. وتمطّرت به فرسه: جرت (^٢).\nوفي الصحاح: المطر: واحد الأمطار. ومطرت السماء تمطرا مطرا، وأمطرها الله، وقد مطرنا. وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنى. ومطر الرجل في الأرض مطورا، أي ذهب. وتمطّر مثله. ويقال: ذهب البعير فلا أدرى من مطّر به (^٣).\nوفي الاصطلاح: المطر شكل من أشكال قطرات الماء المتساقطة. وتتشكل قطرات المطر عندما تتحد قطيرات الماء في السحب، أو عندما تنصهر أشكال التساقط مثل الجليد والمطر الثلجي والبَرَد. وتسقط الأمطار\n_________\n(^١) الفرقان: ٤٠.\n(^٢) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(^٣) الصحاح: ٢/ ٨١٨.","vol":"1","page":376},{"text":"على معظم أنحاء العالم، ويكون التساقط في المناطق المدارية على شكل أمطار. أما في القارة المتجمدة الجنوبية وفي بعض الأماكن الأخرى في العالم فيكون التساقط ثلجًا.\nوتتفاوت قطرات المطر في أحجامها تفاوتًا كبيرًا، كما تتفاوت في سرعة سقوطها (^١).\nوالمطر في القرآن على وجهين (^٢):\nأحدهما: المطر المعروف. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ (^٣).\nوالثاني: الحجارة. ومنه قوله تعالى في قصة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ (^٤).\n\nالثلج في اللغة:\nالثاء واللام والجيم أصل واحد، وهو الثلج المعروف. ومنه تتفرع الكلمات المذكورة في بابه. يقال أرض مثلوجة إذا أصابها الثلج (^٥).\nوفي الاصطلاح: الثلج ماء متجمّد يتكون عندما تنخفض درجة حرارة المياه إلى درجة الصفر المئوية على أسطح البحيرات، والأنهار، والشوارع والأرصفة المبتلة. ويعد الجليد، والمطر الثلجي، والصقيع، والبَرَد صورًا من الثلج (^٦).\n_________\n(^١) الموسوعة العربية العالمية: ٢٣/ ٤١٥.\n(^٢) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٤١.\n(^٣) النساء: ١٠٢.\n(^٤) الأعراف: ٨٤، الشعراء: ١٧٣.\n(^٥) معجم مقاييس اللغة: ١/ ٣٨٥، الصحاح: ١/ ٣٠٢.\n(^٦) الموسوعة العربية العالمية: ٨/ ٤٧.","vol":"1","page":377},{"text":"البرد في اللغة:\nالباء والراء والدال أصول أربعة: أحدها خلاف الحر، والآخر السكون والثبوت، والثالث الملبوس، والرابع الاضطراب والحركة. وإليها ترجع الفروع (^١).\nوالبرَد بالتحريك: حب الغمام، وحب المزن (^٢).\nوفي الاصطلاح: البَرَدُ مطر جامد ينزل من السماء على شكل كتل جليدية كروية، أو غير منتظمة، وتُسمى هذه الكتل حبُّ البرد. ويتراوح حجم هذه الكتل، بين حجم حبة البازلاء، وحجم البرتقالة، ويمكن أن يكون أكبر من ذلك (^٣).\nوقد ورد لفظ المطر في القرآن في (٦) مواضع (^٤)، ولفظ الثلج لم يرد في القرآن، ولفظ البرد في موضع واحد (^٥).\nوورد المطر في السنة في (٤٩) حديثًا (^٦).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٤١.\n(^٢) القاموس المحيط: ٢٤٢، الصحاح: ١/ ١٠٥، ٢/ ٤٤٦.\n(^٣) قاموس الجغرافيا: ١٤٧.\n(^٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٤٢.\n(^٥) انظر: المرجع السابق: ١٤٩.\n(^٦) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>الدلائل العقدية للآيات الكونية - المطر والثلج والبرد</span>- (^١):\nالمطر والثلج والبرد من آيات الله الكونية، وقد ذكر الله - ﷿ - إنزال المطر في معرض الامتنان على عباده، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢)، وفي موضع آخر بعد أن ذكر إنزال المطر من السماء نهى عن جعل الند له ﷾، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\n\"والله سبحانه إنما يدعو عباده إلى النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها وبديع عجائب الصنعة والحكمة فيها واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها\" (^٤)، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>أولًا: وجود الله:</span>\nقد أمر الله - ﷿ - بالتفكر في آياته المشاهدة المحسوسة ومنها المطر، قال\n_________\n(^١) انظر: الدلالات العقدية للماء في القرآن الكريم للدكتور محمد السحيم، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، العدد (٩٨).\n(^٢) النحل: ١٠ - ١١.\n(^٣) البقرة: ٢٢.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٧٦.\n(^٥) الروم: ٥٠.","vol":"1","page":379},{"text":"تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، وقد سبق نقل كلام ابن القيم - ﵀ - على هذه الآية (^٢)، وأن الأمور المذكورة فيها\" مرتبة بالأبصار، مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه - وهو عقله - استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته، وإمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب - وهو العقل - فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر، والمدلول عليه المشهود بالعقل\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nقد بين الله - ﷿ - عظيم قدرته في مخلوقاته وأنه الخالق لها المتصرف فيها، ومن ذلك ما ذكره الله - ﷿ - عن المطر والبرد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤)، فمن أدلة عظمته - ﷾- وربوبيته أنه يسوق السحاب قطعا متفرقة، ثم يؤلف بين تلك القطع، فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال، فينزل منه المطر وينتفع به الناس، وتارة ينزل الله من\n_________\n(^١) الروم: ٢٤.\n(^٢) ص: ٣٣١.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٨٩.\n(^٤) النور: ٤٢ - ٤٤.","vol":"1","page":380},{"text":"ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه بحسب ما اقتضاه حكمه القدري، وحكمته التي يحمد عليها، فالذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر، كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة\" (^١).\nومن آيات الله التي يستدل بها على توحيد الربوبية\"إنزال المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، وقبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخاف ويُطمع فيه، فهذه الآيات دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها\" (^٢)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٣).\nوكان من هدي النبي - ﷺ - أن يفسر عن ثوبه عند نزول المطر، فسئل عن ذلك فقال: \"إنه حديث عهد بربه\" (^٤) أي قريب العهد بخلق الله تعالى له (^٥)، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٦).\nومن أدلة ربوبية الله - ﷿ - استجابته لدعاء الداعي، ومن مواطن الاستجابة عند نزول المطر (^٧)، قال - ﷺ -: \" ثنتان لا تردان، أو قل ما تردان، الدعاء عند\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٥٧٠، بتصرف يسير.\n(^٢) انظر: المرجع السابق: ٦٣٩، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣١٠.\n(^٣) الروم: ٢٤.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء: ٢/ ٦١٥ برقم (٨٩٨).\n(^٥) انظر: فتح الباري: ٢/ ٦٠٤، وشرح صحيح مسلم للنووي: ٦/ ٤٣٥.\n(^٦) البقرة: ١١٧.\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٧/ ١٢٩.","vol":"1","page":381},{"text":"النداء، وتحت المطر\" (^١).\n\nأما الاستمطار وهو: \"عملية إسقاط المطر من السحب بطريقة علمية بحته تُجْرَى على السحب المتكوِّنة في الجو. ويسمى أيضًا تطعيم السحب. يستخدم الناس هذه الطريقة، لزيادة كمية المياه بمنطقة معيَّنة، أو لتوفير المياه للري، أو لتوليد الطاقة الكهربائية من المحطات الكهرومائية. وتُستخدم أيضًا لمنع سقوط الأمطار الغزيرة، في المناطق الزراعية خوفًا من تلف المحاصيل\" (^٢)، فهذا لا يتم إلا في ظروف خاصة كتوفر السحب، ودرجة معينة لها، إلى غير ذلك من الشروط، ولا يزال العلماء غير قادرين على إثبات أثرها العلمي في كل الحالات (^٣).\nوعلى هذا فإنه يجب الإيمان بأن الله تعالى هو الذي ينزل المطر في كل الأحوال، والإنسان بما يسميه الاستمطار الصناعي لم يصنع المطر، ولم يسقطه إلى الأرض، بل يتسبب من خلال ما وفقه الله وهداه إليه من العلم ببعض السنن الكونية التي جعلها الله تعالى في هذا الكون على توفير سبب نزول المطر، ويبذل سببًا، والأمر إلى الله تعالى أولًا وأخرًا، إن شاء انزل المطر، وإن شاء منعه.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب الدعاء عند اللقاء: ٢٨٨ برقم (٢٥٤٠)، وله شواهد، انظر: معجم الطبراني الكبير: ٨/ ١٦٠ برقم (٧٧١٣)، ومعجم الطبراني الصغير: ١/ ٢٨٦، وصحيح الجامع الصغير: ١/ ٥٩٠ برقم (٣٠٧٨).\n(^٢) الموسوعة العربية العالمية: ١/ ٧٢٤.\n(^٣) المرجع السابق: ١/ ٧٢٤.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>١ - صفة الرحمة:</span>\nالمطر من رحمة الله (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ثم قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٣)\nوكان النبي - ﷺ - إذا رأى المطر يقول: \"رحمة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>٢ - حكمة الله:</span>\nإن التأمل والتفكر في هذه الآيات الكونية - المطر والثلج والبرد - يدل على حكمة الله - ﷿ -، \" في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلالها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر، وفي ذلك فساد فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها ...\nثم أنزله على الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الأرض ...\nثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا أخذت الأرض\n_________\n(^١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٤٣، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٢١.\n(^٢) الروم: ٤٦ - ٥٠.\n(^٣) الشورى: ٢٨.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر: ٢/ ٦١٦ برقم (٨٩٩).","vol":"1","page":383},{"text":"حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها اقلع عنها وأعقبه بالصحو\" (^١)، ولو استمر أحدهما\n-المطر أو الصحو - لحصل الفساد والضرر.\n\"فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الأمر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الأخر واستقام أمر العالم وصلح\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٣ - صفة العلو:</span>\nسبق بيان أن من هدي النبي - ﷺ - أنه يحسر عن ثوبه عند نزول المطر (^٣)، وعندما سئل عن ذلك قال: \"إنه حديث عهد بربه\"، لأنه نزل من جهة العلو (^٤).\nوهذا من الأدلة التي فيها إثبات علو الله تعالى، وأنه فوق السماوات، وقد ذكر هذا الحديث الذهبي - رحمه- في كتابه العلو في سياق الأحاديث الدالة على علو الله (^٥)، ولو كان على ما يقول المبتدعه من أن الله \" في كل مكان، ما كان المطر أحدث عهدًا بالله من غيره من المياه والخلائق\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٤ - الصفات الفعلية الاختيارية:</span>\nالله - ﷿ - يفعل ما يشاء ويختار، فهو سبحانه يفعل ما يشاء في أي وقت شاء، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٢٣.\n(^٢) المرجع السابق: ١/ ٢٢٣.\n(^٣) ص: ٣٤٨.\n(^٤) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٥/ ٢٢٥.\n(^٥) العلو للعلي الغفار: ١/ ٤٦٧.\n(^٦) الرد على الجهمية لأبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، ت: بدر البدر، دار ابن الأثير، الكويت، ط ٢: ٥٣.","vol":"1","page":384},{"text":"الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (^١)، وفي الحديث السابق أن النبي - ﷺ - قال عن المطر: \"إنه حديث عهد بربه\"، وذلك أن الله ﷾ يخلق ما يشاء، وهذا المطر خلقه الله تعالى في حين نزوله، ويستفاد من ذلك\"ثبوت الأفعال الاختيارية لله - ﷿ - التي تقع بمشيئته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nمن منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية الاستدلال عليه بالربوبية؛ فإن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن ذلك الاستدلال على المشركين عباد الأصنام الذين يقرون بأن الله - ﷿ - هو الخالق، - وبأنه الذي ينزل المطر وينبت الشجر - على إفراد الله بتوحيد العبادة، \" والقرآن مناد عليهم بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم إليه رسله\" (^٣)، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٥).\nفإذا كان الله - ﷿ - هو الذي يفعل ذلك وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تجعل جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما\n_________\n(^١) الشورى: ٢٧.\n(^٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٥/ ٢٢٥.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٩٤.\n(^٤) النمل: ٦٠.\n(^٥) العنكبوت: ٦٣.","vol":"1","page":385},{"text":"عبد من دون الله فألوهيته باطلة (¬<span data-type=\"title\" id=toc-365>١).\n\n١ - التبرك:</span>\nقد سمى الله - ﷿ - المطر رحمة، وجعله مباركًا، وطهورًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (^٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - مطر، قال: فحسر رسول الله - ﷺ - ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله: لم صنعت هذا؟ قال: \"لأنه حديث عهد بربه تعالى\" (^٤).\nفهو حديث عهد بربه أي بتكوين ربه إياه، والمعنى أن المطر رحمة وهو قريب العهد بخلق الله تعالى فيتبرك بها (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>خامسًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بما ورد من أعمالهم في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (^٦)، ومن أعمالهم إنزال المطر، والموكل بذلك هو ميكائيل - ﵇ - (^٧).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن سعدي: ٤١٤.\n(^٢) الفرقان: ٤٨.\n(^٣) ق: ٩.\n(^٤) سبق تخريجه: ٣٤٨.\n(^٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٢/ ٥٤٦، الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، دار ابن عفان، الخبر، ط ١: ٢/ ٤٧٤.\n(^٦) النازعات: ٥.\n(^٧) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٦، ١٩/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٤، وتفسير البغوي: ٤/ ٥٤٧.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>سادسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن دلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - استجابة الله لدعائه بنزول المطر (^١)، عن أنس بن مالك - ﵁ -: \" أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - ﷺ - قائما ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانقلعت وخرجنا نمشى في الشمس\" (^٢).\nوهذا من دلائل نبوة محمد - ﷺ - \" وعظيم كرامته على ربه ﷾ بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلا بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ت: محمد رواس قلعجي، وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، ط ٣: ٤٤٨، والصحيح المسند من دلائل النبوة، لمقبل بن هادي الوادعي، دار ابن تيمية، القاهرة، ط ٢: ٢٠٧.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة: ٢٠١ برقم (١٠١٤)، وصحيح مسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء: ٢/ ٦١٢ برقم (٨٩٧)\n(^٣) شرح النووي على مسلم: ٦/ ١٩٢، وانظر: فتح الباري: ٢/ ٥٠٦.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - ﷺ - مما يكون فيه، ومن ذلك الحوض، وفي وصف النبي - ﷺ - وصفه له بأنه أشد بياضًا من الثلج، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إن حوضى أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>ثامنًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.\nوقد أخبر الله - ﷿ - أنه يسوق السحاب قطعا متفرقة، ثم يؤلف بين تلك القطع فيجعله سحابًا متراكبًا مثل الجبل، ثم ينزل منها البرد، فيصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (^٣).\nوأخبر النبي - ﷺ - أنه ما من ساعة من ليل ولانهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء، فعن المطلب بن حنطب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" ما\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء: ١/ ٢١٧ برقم (٢٤٧).\n(^٢) انظر: تفسير السعدي: ٥٧٠.\n(^٣) النور: ٤٣.","vol":"1","page":388},{"text":"من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>تاسعًا: الإيمان بالغيب:</span>\nإن للآيات الكونية ارتباطًا وثيقًا بعلم الغيب، حيث أن أوقات حدوثها لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٢).\nوقد بين النبي - ﷺ - أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وذكر منها المطر، فعن عبدالله ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>عاشرًا: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\nسبق الكلام في المبحث السابق - الرعد والبرق والصواعق (^٤) - أن الله - ﷿ - بين في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين.\nوهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب\n_________\n(^١) معرفة السنن والآثار للبيهقي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الوفاء، القاهرة، ط ١: ٥/ ١٩٤ برقم (٧٢٦٢)، وهو مرسل، انظر: فيض القدير: ٥/ ٤٩٤.\n(^٢) لقمان: ٣٤.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الرعد، باب قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: ٩٠٠ برقم (٤٦٩٧).\n(^٤) ص: ٣٣٦.","vol":"1","page":389},{"text":"المثل المائي (^١)، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nوقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>الحادي عشر تكفير الذنوب:</span>\nكان من هدي النبي - ﷺ - إذا افتتح صلاته أن يسأل الله - ﷿ - أن يطهره الله من الخطايا بالماء والثلج والبرد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \" كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة- قال: أحسبه قال: هنية - فقلت بأبي وأمي يا رسول الله: إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد\" (^٤).\nوذلك أن\" الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٨.\n(^٢) البقرة: ١٩ - ٢٠.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٨٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير: ١٥٥ برقم (٧٤٤).","vol":"1","page":390},{"text":"وضعفه، والماء يغسل الخبث ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا\" (^١).\nوكذلك كان النبي - ﷺ - يدعو للميت بذلك، فعن عوف بن مالك - ﵁ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: \"اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر - أو من عذاب النار -، قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت\" (^٢).\nفجعل\" الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (^٣)، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في الإطفاء وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد بدليل جموده؛ لأن ما هو أبرد فهو أجمد\" (^٤).\n_________\n(^١) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط ١: ١/ ٢١٨.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة: ٢/ ٦٦٢ برقم (٩٦٣).\n(^٣) الجن: ٢٣.\n(^٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٥/ ٢٩٤، وانظر: فتح الباري: ٢/ ٢٣٠.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الثاني عشر: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>ضرب الأمثال:</span>\nمن منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد سبق في المبحث السابق - الرعد والبرق والصواعق (^١) - أن الله ضرب مثلًا في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه المطر -، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (^٢).\n\"فالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق\" (^٣).\nوأخبر النبي - ﷺ - أن الفتن تقع خلال البيوت كمواقع المطر، فعن أسامة - ﵁ - قال: أشرف النبي - ﷺ - على أطم (^٤) من آطام المدينة فقال: \"\" هل ترون ما أرى؟ \" قالوا: لا. قال: \" إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع المطر \" (^٥).\nوالتشبيه بمواقع المطر: في الكثرة والهرم (^٦).\n_________\n(^١) ص: ٣٥٩.\n(^٢) البقرة: ١٩.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.\n(^٤) الأطم: بضم الهمزة والطاء هو القصر والحصن. ومعنى أشرف: علا وارتفع. شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: \" ويل للعرب من شر قد اقترب\": ١٣٥٠ برقم (٧٠٦٠)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر: ٤/ ٢٢١١ برقم (٢٨٨٥).\n(^٦) شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧.","vol":"1","page":392},{"text":"وضرب النبي - ﷺ - في بيان خيرية الأمة مثلًا بالمطر، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره\" (^١).\nومعناه أن الدين\"كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم.\nوكذلك الزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها\" (^٢).\n_________\n(^١) سنن الترمذي، كتاب الأدب: ٤٥٩ برقم (٢٨٦٩)، وقال: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ومسند الإمام أحمد: ١٩/ ٣٣٤ برقم (١٢٣٢٧)، وقال المحقق: حديث قوي بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٧/ ٥١٩، وانظر: فتح الباري: ٧/ ٦، وفيض القدير: ٥/ ٥١٦.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -المطر والثلج والبرد</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>أولًا: نسبة المطر إلى الكواكب:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية نسبة المطر إلى الكواكب، عن زيد ابن خالد - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله: عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله - ﷺ - الصبح، ثم أقبل علينا، فقال: \" أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا، فهو مؤمن بالكوكب، كافر بي\" (^١).\nوسبق بيان حكم نسبة المطر إلى الكواكب، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام (^٢):\nالقسم الأول: نسبة الفعل للكوكب، وادعاء أنه هو يفعل بذاته فهذا كفر أكبر؛ لأن الخلق والأمر لله وحده.\nالقسم الثاني: اعتقاد أن الفعل من عند الله، مع نسبته إلى الكوكب والنوء نسبة سبب، فهذا من الشرك الأصغر.\nالقسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولًا ولا اعتقادًا، وهذا جائز.\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ١٦٣.\n(^٢) انظر: ١٦٣.","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>ثانيًا: قصر احتباس المطر على الأسباب المادية:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية قصر احتباس المطر على الأسباب المادية، ونسبة ذلك إلى طبائع الأماكن الأرضية والرياح (^١) دون اعتقاد أن ذلك قد يكون بسب الذنوب والمعاصي، وأن ذلك ابتلًا أو اختبارًا من الله - ﷿ - لعباده ليعلم سبحانه من يصبر ويحتسب ويرجع إلى ربه، ومن يقنط ويسخط من قضاء الله (^٢)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤)،\nقال ابن قدامة (^٥) - ﵀ -: \" فإن المعاصي سبب الجدب، والطاعة تكون سببًا للبركات\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: غربة الإسلام، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ت: عبد الكريم التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ١: ٢/ ٥٧٩.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢٥٣، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٥١.\n(^٣) الأعراف: ٩٦.\n(^٤) الروم: ٤١.\n(^٥) هو عبد الله بن محمد بن قدامه الجماعيلي المقدسي، من أكابر علماء الحنابلة، من مؤلفاته: المغني، وروضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه، وغيرها من المؤلفات، توفي عام: ٦٢٠.\nانظر: شذرات الذهب: ٧/ ١٥٥، وسير أعلام النبلاء: ٢٢/ ١٦٥ - ١٧٣.\n(^٦) المغني: ٢/ ١٤٨.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>ثالثًا: تحريف قوله - ﷺ - عن المطر\" حديث عهد بربه</span>\":\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية تحريف قوله - ﷺ -: \" حديث عهد بربه\" (^١)، وأن المراد به ظهور متعلق الإرادة، وأن إرادة الله قديمة (^٢).\nوأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله - ﷿ - فعال لما يريد، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٤).\nفالله - ﷿ - متصف بصفة الإدارة ولم يزل متصف بتلك الصفة، وإرادة الله جل وعلا متجددة، فما من شيء يحدث في ملكوت الله إلا وقد شاءه الله جل وعلا حال كونه وأراده، كما أنه جل وعلا شاءه في الأزل وأراده.\nفمشيئته في الأزل بمعنى إرادة إحداثه في الوقت الذي جعل الله جل وعلا ذلك الشيء يحدث فيه، لكن من حيث تعلقها بالمعين هذا متجددة (^٥).\nوفي هذا الحديث إثبات الأفعال الاختيارية لله -﷿- (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٣٥٠.\n(^٢) انظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله الأبي، مكتبة طبرية: ٣/ ٤٩.\n(^٣) هود: ١٠٧.\n(^٤) البروج: ١٤ - ١٦.\n(^٥) اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ، اعداد: عادل رفاعي، دار العاصمة، الرياض، ط ١: ١/ ٣١٢.\n(^٦) انظر: شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين: ١٥٥.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>١ - المطر بالليل بسب طاعة الله:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"قال ربكم - ﷿ -: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد\".\nسبق تخريجه وبيان ضعفه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>٢ - النهي عن الإشارة إلى المطر والبرق:</span>\nعن عروة بن الزبير - ﵄ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشر إليه، وليصف ولينعت\" (^٢).\nقال الشافعي - ﵀ -: لم تزل العرب تكره الإشارة إليه في الرعد، ولعل ذلك خوفا من الصواعق (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٣٤٠.\n(^٢) المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٣/ ٩٤ برقم (٤٩١٧)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الإشارة للمطر: ٣/ ٣٦٢، وهو ضعيف، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ١٠/ ٢٥٦ برقم (٤٧١٠).\n(^٣) الأم للشافعي، دار الفكر، بيروت ط ٢: ١/ ٢٩٠.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>المبحث السابع: الريح والرياح</span>\nالريح في اللغة:\nأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياء لكسرة ما قبلها (^١)، والريح: الغلبة والقوة (^٢) في قوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^٣).\nوالريح: الهواء إذا تحرك (^٤)، ونسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء، وهي مؤنثة (^٥).\nوالريح: واحدة الرياح والأرياح، وقد تجمع على أرواح، لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو، كقولك: أروح الماء، وتروحت بالمروحة. ويقال: ريح وريحة، كما قالوا: دار ودارة (^٦).\nوالرياح بلفظ الجمع تطلق ويراد بها الخير، والريح بلفظ المفرد تطلق ويراد بها العذاب أو الشر غالبًا إلا إذا قيد هذا المفرد بوصف خرج عن هذه القاعدة (^٧).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٤٥٤.\n(^٢) المصدر السابق: ٢/ ٤٦٤.\n(^٣) الأنفال: ٤٦.\n(^٤) المعجم الوسيط: ١/ ٣٨١.\n(^٥) لسان العرب: ٣/ ١٧٦٣.\n(^٦) الصحاح: ١/ ٣٦٧، لسان العرب: ٣/ ١٧٦٣.\n(^٧) لسان العرب: ٣/ ١٧٦٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٣١.","vol":"1","page":398},{"text":"قال القرطبي: \" فمن وحد الريح فلأنه اسم للجنس يدل على القليل والكثير.\nومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح.\nومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن، نحو: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^١)، و﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (^٢)، فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (^٣) \" (^٤).\nوفي الاصطلاح:\nالرياح هواء متحرّك عبر سطح الأرض (^٥)، وتموجات مكونات الغلاف الجوي من غازات وأبخرة وغبار حسب العوامل والمؤثرات.\n\"وتحدث الرياح نتيجة التسخين غير المتساوي للغلاف الجوي، عن طريق الطاقة المنبعثة من الشمس. تُسخِّن الشمس سطح الأرض بطريقة غير متساوية، فالهواء الذي يعلو المناطق الحارة يتمدد ويرتفع، ويحل محله هواء من المناطق الأبرد، وتسمى هذه العملية دورة.\nفالدورة فوق الأرض بكاملها تسمى الدورة العامة، بينما تسمى الدورات النسبية الصغرى والتي يمكن أن تتسبب في حدوث تغيرات في الرياح يومًا بعد يوم، الدورات النسبية الشاملة للرياح.\n_________\n(^١) الروم: ٤٦.\n(^٢) الذاريات: ٤١.\n(^٣) يونس: ٢٢.\n(^٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٨، وانظر: التحرير والتنوير ٢١/ ١٢١، البرهان في علوم القرآن ٤/ ٩ - ١١.\n(^٥) الموسوعة العربية العالمية: ١١/ ٤٣٣.","vol":"1","page":399},{"text":"أما الرياح التي من الممكن أن تحدث في مكان واحد فقط، فإنها تسمى الرياح المحلية\" (^١).\nوذكر بعض المفسرين أن الريح في القرآن على ثلاثة أوجه (^٢):\nأحدها: الريح نفسها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^٥). والثاني: الرائحة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ (^٦).\nوالثالث: القوة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^٧).\nوقد ورد لفظ الريح في القرآن في (١٧) موضعًا، ولفظ الرياح في (١٠) مواضع (^٨).\nوورد لفظ الريح والرياح في السنة في (٨٠) حديثًا (^٩).\n_________\n(^١) المرجع السابق: ١١/ ٤٣٤.\n(^٢) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٤١.\n(^٣) البقرة: ١٦٤.\n(^٤) الأعراف: ٥٧.\n(^٥) الروم: ٤٦.\n(^٦) يوسف: ٩٤.\n(^٧) الأنفال: ٤٦.\n(^٨) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٤١٤.\n(^٩) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>الدلائل العقدية للآية الكونية - الريح والرياح</span>-:\nالريح والرياح من آيات الله الكونية، وقد ذكرها الله - ﷿ - ممتن بها على عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢).\nفهذه آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة، وتصريف الرياح في هاتين الآيتين هي من الأمور التي امتن الله بها على عباده دالة من تفكر فيها وتأملها أن وراءها خالقًا حكيما (^٣).\nوقد جعلها الله أحد جنوده المسخرين تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، يأمرها بالخير فتكون السحاب وتسوقه إلى حيث يشاء ثم ينزل المطر، ويأمرها فتلقح الأشجار والسحاب. ويأمرها فتلطف الجو وتحسنه، ويأمرها بغير ذلك مما شاء فتلحق الضرر والدمار بمن يشاء، إلى غير ذلك من مزاياها وخصائصها.\n\"وهذه الريح فيها من المصالح ما لا يعلمه إلا الله، فتأمل مثلًا: كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر، فسخرت له المثيرة أولًا فتثيره بين السماء\n_________\n(^١) البقرة: ١٦٤.\n(^٢) الجاثية: ٣ - ٥.\n(^٣) انظر: التبيان في أقسام القرآن: ٢/ ٦٦ - ٦٧.","vol":"1","page":401},{"text":"والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كِسفه وقطعه، ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقا واحدا، ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما لا ماء فيه، ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك، ثم سخرت له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>أولًا: توحيد الربوبية:</span>\nمن آيات الله الدالة على قدرته وتدبيره وسلطانه، تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره، وإجرائه الهواء بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم، وتصرفه سبحانه في هذه الريح التي لو شاء لأسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تظل راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره.\nقال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢).\nأي تقليبها في مهابها: قبولًا ودبورًا وجنوبًا وشمالًا، وفي أحوالها: حارةً وباردةً وعاصفةً ولينة، وتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطورًا تسوقه، وأوانةً تجمعه، ووقتًا تفرقه، وحينًا تصرفه. وتارة بالرحمة وتارة بالعذاب (^٣)، آية من آيات الله يتصرف فيها، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله، فلو أراد كل من في العالم قلب الريح من الشمال إلى الجنوب أو إذا كان الهواء ساكنًا أن\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٣.\n(^٢) البقرة/ ١٦٤.\n(^٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":402},{"text":"يحركه لتعذر (^١)، وهذا من أدلة ربوبيته - ﷾-.\nقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (^٢).\n\"فهو سبحانه إذا شاء جعل الريح ساكنة فوقفت، وإن شاء أرسلها ريحًا قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد؛ ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة\" (^٣)، وهذا دليل على كمال قدرته وسلطانه (^٤).\nوأخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف، وأنه ينزل من هذه الخزائن بقدر معلوم كما يشاء ويريد، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والرحمة بعباده.\nوأنه وحده تعالى يرسل الرياح اللواقح (^٥)، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير الرازي: ٢٧/ ١٤٩، ١٤/ ١١٤.\n(^٢) الشورى: ٣٢ - ٣٥\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٠٩.\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢٢٩، زاد المسير: ٦/ ٣٠٧.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٣١، وتفسير السعدي: ٤٣١.\n(^٦) الحجر: ٢١ - ٢٥.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>صفة الرحمة:</span>\nالرياح من المبشرات برحمة الله، وهي كذلك تسير الفلك وهذا من رحمة الله (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^٣)\nوفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها\" (^٤).\nوالروح\"بفتح الراء بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٥)، أي يرسلها الله تعالى من رحمته لعباده\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nمن منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية الاستدلال عليه\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٢١.\n(^٢) الروم: ٤٦.\n(^٣) الفرقان: ٤٨ - ٥٠.\n(^٤) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا هاجت الريح: ٥٥٠ برقم (٥٠٩٧)، والمسند: ١٣/ ٦٩ برقم (٧٦٣١)، وقال محققه: \"صحيح لغيره\"، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٩٦٠.\n(^٥) يوسف: ٨٧.\n(^٦) عون المعبود شرح سنن أبي داود: ١٤/ ٣.","vol":"1","page":404},{"text":"بالربوبية؛ فإن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن ذلك الاستدلال على المشركين الذين يقرون بأن الله - ﷿ - هو الخالق المتصرف في الكون على إفراد الله بتوحيد العبادة، والإخلاص في جميع الأحوال.\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١).\nفالمشركون يتركون ما كانوا يعبدون من دون الله لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، ويصرخون بدعوة فاطر الأرض والسماوات -الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات- وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال (^٢)، فإذا كان الله - ﷿ - هو الذي يفعل ذلك وحده، وهو الذي يخلصهم من شر هذه الريح؛ فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تجعل جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما عبد من دون الله فألوهيته باطلة (^٣).\nولذلك يشرع للمسلم إذا عصفت الريح أن يقول ما حدثت به عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - إذا عصفت الريح قال: \"اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به\" (^٤).\n_________\n(^١) يونس: ٢٢.\n(^٢) تفسير السعدي: ٤٦٣.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي: ٨/ ٣٢٥، وتفسير السعدي: ٤١٤، ٤٦٣.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر: ٢/ ٦١٦ برقم (٨٩٩).","vol":"1","page":405},{"text":"وقد أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة بالله عند شدة الريح، فعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: بينا أنا أسير مع رسول الله - ﷺ - بين الجحفة والآبواء؛ إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله - ﷺ - يتعوذ بـ: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (^١)، و﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (^٢)، ويقول: \" يا عقبة! تعؤذ بهما؛ فما تعوذ متعوذ بمثلهما! \". قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة (^٣).\nومن الدلائل السماوية على ألوهية الله أن الله - ﷿ - يرسل الرياح بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٤) أي أإله مع الله فعل هذا، فيستحق أن يعبد! . فإذا كان الله هو الذي يفعل هذا الأمر وحده إذا فهو المستحق للعبادة وحده (^٥).\nوقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة على تفرده بالإلهية تفرده بالخلق والملك والتصرف، ومما ذكر ﷾ تصريف الرياح، تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب، وتارة من الشمال، وتارة من الشرق، وتارة من الغرب (^٦)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ\n_________\n(^١) الفلق: ١.\n(^٢) الناس: ١.\n(^٣) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في المعوذتين: ١٧٦ برقم (١٤٦٣)، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود: ١/ ٢٧٥.\n(^٤) النمل: ٦٣.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٠٦.\n(^٦) انظر: المرجع السابق: ١/ ٤٧٥.","vol":"1","page":406},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١).\nوفي تعداد الآيات الدالة على تفرد الله بالألوهية في سورة فاطر بعد أن ذكر الله - ﷿ - خلق السماوات والأرض، ذكر الرياح مستدلًا\" بتصريف الأحوال بين السماء والأرض -وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال المطر\" (^٢) - على ألوهيته، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (^٣) الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>رابعًا: الإيمان بالرسل:</span>\nالريح من جند الله، يعز الله بها أولياءه، ويذل بها أعداءه، أكرم الله تعالى بها أنبيائه ونصرهم بها، فأكرم الله - ﷿ - بها سليمان - ﵇ - (^٤)، قال تعالى ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (^٦).\nونصر بها نبينا - ﷺ - والمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ\n_________\n(^١) البقرة: ١٦٤.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ٢٢/ ٢٦٧.\n(^٣) فاطر: ٩.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٣٥٨.\n(^٥) ص: ٣٥ - ٣٦.\n(^٦) الأنبياء: ٨١.","vol":"1","page":407},{"text":"بَصِيرًا﴾ (^١)، وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور (^٢) \" (^٣).\nومن دلائل نبوة الأنبياء وصدقهم نصر الله لهم على أعدائهم وإهلاكهم، وقد أخبر الله - ﷿ - أنه أهلك بعض الأمم المكذبة للرسل بإرسال الريح عليهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (^٥).\nوفي تسلية الله - ﷿ - لنبيه - ﷺ - في تكذيب من كذبه من قومه أخبر الله - ﷿ - أنه عذب القوم المجرمين بالريح التي فيها عذاب اليم (^٦)، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا\n_________\n(^١) الأحزاب: ٩.\n(^٢) الصبا: بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصور هي الريح الشرقية، والدبور بفتح أوله وتخفيف الموحدة المضمومة مقابلها. فتح الباري: ٦/ ٣٠١.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب: ٧٨٠ برقم (٤٠١٥).\n(^٤) فصلت: ١٥ - ١٦.\n(^٥) الحاقة: ٦.\n(^٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٨٥ - ٢٨٦.","vol":"1","page":408},{"text":"مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (^١).\nولذلك كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرَ به وذهب عنه ذلك، قالت عائشة - ﵂ -: فسألته، فقال: \" إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي\" (^٢).\nومن دلائل نبوته - ﷺ - إخباره بالغيب الذي أطلعه الله عليه من وقت الريح وأنها ستهب الليلة وما يتبع ذلك من ضرر (^٣)، فعن أبي حميد - ﵁ - قال: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - غزوة تبوك فأتينا وادي القُرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله - ﷺ -: اخرصوها، فخرصناها وخرصها رسول الله - ﷺ - عشرة أوسق، وقال: أحصيها حتى نرجع إليك - إن شاء الله-، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال: رسول الله - ﷺ -: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طئ\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - ﷺ - مما يكون فيه، ومن ذلك المرور على الصراط، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن بعض من يمر عليه يمر كالريح، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة\n_________\n(^١) الأحقاف: ٢١ - ٢٥.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر: ٢/ ٦١٦ برقم (٨٩٩).\n(^٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٥/ ٤٢.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ -: ٤/ ١٧٨٤ برقم (١٣٩٢).","vol":"1","page":409},{"text":"إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: فيقول إبراهيم - ﵇ -: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى - ﷺ - الذي كلمه الله تكليما، فيأتون موسى - ﷺ - فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى - ﷺ -: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدا - ﷺ - فيقوم، فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>سادسًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشيئة الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.\nوقد أخبر الله - ﷿ - أن الريح تُسيّر السفن بمشيئته، فإن شاء جعل الريح ساكنه، وإن شاء حركها، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٢)، فهذه الريح التي تسير السفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك، ولو شاء لحركها حتى لا تقف (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها: ١/ ١٨٦ برقم (١٩٥).\n(^٢) الشورى: ٣٢ - ٣٤\n(^٣) تفسير الطبري: ٢٥/ ٤١، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٣٣.","vol":"1","page":410},{"text":"ثم هو سبحانه إذا شاء جعل هذه الريح طيبة باردة، وإذا شاء جعلها قوية مدمرة مع\" أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهي مع ذلك في غاية القوة، تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان العظيم\" (^١).\n\nسابعًا: مسائل الأسماء والأحكام:\nأخبر النبي - ﷺ - أن بعث الريح قد يكون لموت منافق، فعن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بعثت هذه الريح لموت منافق\"، فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات (^٢).\nأي عقوبة له، وعلامة لموته وراحة البلاد والعباد منه (^٣).\n\nثامنًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:\nضرب الأمثال:\nمن منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد ضرب الله مثلًا لمحق ثواب أعمال الكفار في هذه الدنيا في إنفاقهم مثل الريح الباردة الشديدة التي فيها نار إذا أنزلت على حرث قد آن حصاده فدمرته وأهلكته (^٤)، قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) لباب التأويل في معاني التنزيل لعلي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩: ١/ ١٣٦.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ٤/ ٢١٤٥ برقم (٢٧٨٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم: ١٧/ ١٢٧.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.\n(^٥) آل عمران: ١١٧.","vol":"1","page":411},{"text":"وضرب الله مثلًا لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت بالرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة، فلا يقدرون على شيء من أعمالهم التي كسبوها في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم (^١)، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (^٢).\nوضرب الله للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى بمن تهوي به الريح في مكان سحيق بعيد مهلك لمن هوى فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٣٥٣.\n(^٢) إبراهيم: ١٨.\n(^٣) الحج: ٣١.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الريح والرياح</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>أولًا: سب الريح:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية سبها، وهو سب لخالقها؛ لأنه الخالق لها، المتصرف فيها، والمرسل والآمر لها، قال - ﷺ -: \" لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت، به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>ثانيًا: نسبة حصول الذكورة والأنوثة في المولود للريح:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة الذكورة والأنوثة في المولود إلى الريح\" فإذا كانت الريح شمالا كان الولد ذكرا، وإذا كانت جنوبا كان المولود أنثى\" (^٢).\nوهذا\"باطل من وجوه كثيرة معلومة بالحس والعقل وأخبار الأنبياء؛ فإن الإذكار والإيناث لا يقوم عليه دليل ولا يستند إلى أمر طبيعي وإنما هو مجرد مشيئة الخالق البارئ المصور الذي ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (^٣)،\n_________\n(^١) سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب النهي عن سب الريح: ٣٢٧ برقم (٢٢٥٢)، والمسند: ٣٥/ ٧٥ برقم (٢١١٣٨)، وقال محققه: \" حديث صحيح\"، وصححه الألباني: انظر: صحيح سنن الترمذي: ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢١٧.\n(^٣) الشورى: ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":413},{"text":"﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (^١)، وكذا هو قرين الأجل والرزق والسعادة والشقاوة حين يستأذن الملك الموكل بالمولود ربه وخالقه فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ سعيد أم شقي؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) طه: ٥٠.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته: ٤/ ٢٠٣٦ برقم (٢٦٤٣).\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢١٧.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>١ - الريح مسخرة من الأرض الثانية:</span>\nعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" الريح مسخرة من الثانية -يعني من الأرض الثانية-فلما أراد الله أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، قال: أي رب، أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار: لا إذًا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم. فهي التي يقول الله في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (^١) \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-397>٢).\n\n٢ - ريح الجنوب من الجنة والشمال من النار:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح، وهي التي ذكر الله في كتابه، فيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فتصيبها نفحة منها فبردها هذا من ذاك\" (^٣).\n_________\n(^١) الذاريات: ٤٢.\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١٠/ ٣٣١٣ برقم (١٨٦٦٥)، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٥٩٤، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: \"بل منكر، فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود، وعند مسلم أنه ثقة، ودراج وهو كثير المناكير\". وقال ابن كثير: \"هذا الحديث رفعه منكر، والأقرب أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم\". انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٢٣.\n(^٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المطر والرعد والبرق والريح: ١٤٠، والطبري في تفسيره: ١٤/ ٣٠، وضعفه ابن كثير في تفسيره: ٤/ ٥٣١، والألباني في ضعيف الجامع الصغير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣: ٤٦١ برقم (٣١٤٤).","vol":"1","page":415},{"text":"وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها بابا مغلقا، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأزَيب (^١)، وهي فيكم الجنوب\" (^٢).\n_________\n(^١) من أسماء ريح الجنوب. وأهل مكة يستعملون هذا الاسم كثيرا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٣٢٤.\n(^٢) مسند الحميدي، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ٢: ٢٢٣ برقم (١٢٩)، والعظمة للأصبهاني: ٤/ ١٣٣٨ برقم (٨٤٥)، وقال الألباني: موضوع. انظر: ضعيف الجامع الصغير: ٢٣٢ برقم (١٦٠٧).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>الفصل السادس: الآيات الكونية الأرضية ودلالتها العقدية</span>.\nوفيه تمهيد وتسعة مباحث:\nالمبحث الأول: حركة الأرض.\nالمبحث الثاني: الجبال.\nالمبحث الثالث: الزلازل والخسوف والبراكين.\nالمبحث الرابع: البحار والأنهار.\nالمبحث الخامس: الليل والنهار.\nالمبحث السادس: الحياة والموت.\nالمبحث السابع: النوم.\nالمبحث الثامن: النبات.\nالمبحث التاسع: الأمراض.","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>تمهيد</span>\nالآيات الكونية الأرضية هي الآيات السفلية كالأرض والجبال والبحار والأنهار وغيرها.\nوفي هذا الفصل أذكر الآية الكونية ومعناها وورودها في القرآن والسنة، ودلالتها العقدية على التوحيد بأقسامه -الربوبية والأسماء والصفات والألوهية- وبقية أركان الإيمان ومسائل العقيدة.\nثم أذكر المخالفات العقدية والأحاديث الموضوعة والضعيفة المتعلقة بهذه الآيات الكونية.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>المبحث الأول: حركة الأرض</span>\nالأرض في اللغة:\nالهمزة والراء والضاد ثلاثة أصول، أصل يتفرع وتكثر مسائله، وأصلان لا ينقاسان بل كل واحد موضوع حيث وضعته العرب. فأما هذان الأصلان فالأرض الزكمة، رجل مأروض أي مزكوم، وهو أحدهما، والآخر الرِعدة، يقال بفلان أرض أي رِعدة.\nوأما الأصل الأول: فكل شيء يسفل ويقابل السماء، يقال لأعلى الفرس سماء، ولقوائمه أرض.\nوالأرض: التي نحن عليها أنثى وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة؛ ولكنهم لم يقولوا، وفي التنزيل ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^١)، والجمع آراض وأرضين وأروض وأرضون الواو عوض من الهاء المحذوفة المقدرة (^٢).\nوفي الاصطلاح:\nالأرض كرة ضخمة يتكون سطحها من صخور وتربة وماء، ويحيط بها الهواء. وليست كروية تمامًا؛ إذ إن المسافة بين القطبين أقصر من قطرها عند خط الاستواء (^٣).\n_________\n(^١) الغاشية: ٢٠.\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٧٩ - ٨١، لسان العرب: ٣/ ٢١٠٧.\n(^٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١/ ٥١١، ٥١٤.","vol":"1","page":420},{"text":"وقد ورد لفظ الأرض في القرآن في (٤٥١) موضعًا، ولم يرد بلفظ الجمع (^١).\nووردت الأرض في السنة في (١٠٣) حديثًا (^٢).\nوذكر بعض المفسرين أن الأرض في القرآن على سبعة عشر وجها (^٣):\nالأول: بمعنى الجنة، قال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ (^٥).\nالثاني:: بمعنى أرض مكة، قال تعالى: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (^٧).\nالثالث: بمعنى المدينة النبوية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (^٩)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (^١٠).\nالرابع: بمعنى أرض الشام وبيت المقدس، قال تعالى: ﴿كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ (^١١)، وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (^١٢).\n_________\n(^١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٣٤ - ٤٢.\n(^٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.\n(^٣) انظر: نزهة الأعين النواظر: ١٦٨، وبصائر ذوي التمييز: ٢/ ٥٤.\n(^٤) الأنبياء: ١٠٥.\n(^٥) الزمر: ٧٤.\n(^٦) النساء: ٩٧.\n(^٧) الرعد: ٤١.\n(^٨) النساء: ٩٧.\n(^٩) العنكبوت: ٥٦.\n(^١٠) الإسراء: ٧٦.\n(^١١) الأعراف: ١٣٧.\n(^١٢) الأنبياء: ٧١.","vol":"1","page":421},{"text":"الخامس: بمعنى أرض مصر خصوصًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (^٢).\nالسادس: أرض الغرب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣).\nالسابع: الأرضون السبع، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٤).\nالثامن: أرض الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^٥).\nالتاسع: بمعنى القبر، قال تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ (^٦).\nالعاشر: أرض القيامة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (^٧).\nالحادي عشر: أرض التيه، قال تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٨).\nالثاني عشر: بمعنى أرض بني قريظة، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (^٩).\n_________\n(^١) القصص: ٤.\n(^٢) يوسف: ٥٥.\n(^٣) الكهف: ٩٤.\n(^٤) هود: ٦.\n(^٥) المائدة: ٣٣.\n(^٦) النساء: ٤٢.\n(^٧) الزمر: ٦٩.\n(^٨) المائدة: ٢٦.\n(^٩) الأحزاب: ٢٧.","vol":"1","page":422},{"text":"الثالث عشر: أرض الروم: ومنه قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (^١).\nالرابع عشر: أرض الأردن، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (^٢).\nالخامس عشر: أرض الحجر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nالسادس عشر: أرض فارس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (^٤)، وقيل: أراد بهذه الأرض النساء.\nالسابع عشر: القلب: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥) يعنى منفعة مواعظ القرآن في قلوب الخلْق.\n_________\n(^١) الروم: ١ - ٣.\n(^٢) البقرة: ٦٠.\n(^٣) الأعراف: ٧٣.\n(^٤) الأحزاب: ٢٧.\n(^٥) الرعد: ١٧.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>الدلائل العقدية للآية الكونية - حركة الأرض</span>-:\nعظم الله من شأن الأرض في كتابه ودعا عباده إلى النظر إليها والتفكر في خلقها، ونوه بذكرها أكثر مما عظم من شأن الشمس والقمر والكواكب. وقرن خلقها مع خلق السماوات في عدة آيات من القرآن. وأخبر أنه خلقها وما فيها في أربعة أيام، وأنه خلق السماوات وما فيهن في يومين وذلك يدل على عظم الأرض (^١)، \"وعظمة خالقها، وسعة سلطانه، وعميم إحسانه، وإحاطة علمه، بالظواهر والبواطن\" (^٢)، وأنه وحده الأحد الفرد الصمد، وأنه لم يخلق الخلق سدى.\nقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ط ١: ١٧.\n(^٢) تفسير السعدي: ٨٠٩.\n(^٣) الذاريات: ٢٠.\n(^٤) الذاريات: ٤٨.\n(^٥) غافر: ٦٤.\n(^٦) البقرة: ٢٢.\n(^٧) الغاشية: ١٧ - ٢٠\n(^٨) الجاثية: ٣.","vol":"1","page":424},{"text":"قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: \"وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها\" ...\nثم ذكر بعض أنواع الخلق فيها، وأن الله - ﷿ - خلقها\"فراشا ومهادا، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادا تحفظها لئلا تميد بهم\" ...\nثم قال - ﵀ -: \" ولولا أن هذا من أعظم آياته لما نبه عليه عباده وهداهم إلى التفكير فيه\" (^١).\nولما كان القرآن كثيرًا ما يقرن بين السماوات والأرض كان الاستدلال بالأرض على المسائل العقدية- في مواضع كثيرة - هو نفس الاستدلال بالسماوات، وسأشير إلى ذلك - إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>ثبات الأرض:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أنه خلق الأرض ومدها وأرساها بجبال راسيات شامخات ترسو بها، أي تثبت (^٢)، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ باختصار، وانظر: التحرير والتنوير: ٢٧/ ١٩، ٣٠/ ٣٠٣.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٠، ١٠/ ١٣، ٩٠، وتفسير البغوي: ٢/ ٥٠٩، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣١، ٥٦٣، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٢/ ٣٦٠.\n(^٣) الرعد: ٣.","vol":"1","page":425},{"text":"أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١)، \"ولو كانت تجري وتدور على الشمس ... لكانت تزول من مكان إلى مكان وهذا خلاف نص الآية الكريمة\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٤) أي: \"قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك\" (^٥).\nوقد نقل أكثر من واحد الإجماع على وقوف الأرض وسكونها (^٦)، بل نُقل إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك (^٧).\nوأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها، وزلزلة الأرض على نوعين: زلزلة عامة وهي التي تكون يوم القيامة، وزلزلة خاصة وهي التي تكون في نواحي الأرض (^٨).\n_________\n(^١) فاطر: ٤١\n(^٢) الصواعق الشديدة: ٢٣.\n(^٣) غافر: ٦٤.\n(^٤) النمل: ٦١.\n(^٥) تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٠٣.\n(^٦) انظر: الفرق بين الفرق: ٢٩٠.\n(^٧) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٠. وانظر: الصواعق الشديدة: ٥٣، وذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق: ٣٤٧.\n(^٨) انظر: تفسير التحرير والتنوير: ١٧/ ١٨٧، وتتمة أضواء البيان للشيخ عطية سالم: ٩/ ٤٣٠.","vol":"1","page":426},{"text":"وعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت\" (^١).\nوفي حديث صفوان بن عسال المرادي - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: \" ذكر بابا من قِبل المغرب مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما، قال سفيان: قِبل الشام، خلقه الله يوم خلق السموات والأرض مفتوحا - يعني للتوبة - لا يغلق حتى تطلع الشمس منه\" (^٢).\n\"وهذا الحديث الصحيح من أقوى الأدلة على أن الأرض ساكنة لا تدور ولا تفارق موضعها أبدًا. وهذا مستفاد من النص على أن باب التوبة ثابت في ناحية المغرب لا يزايله ولا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها\" (^٣)، ولو كانت متحركة لكانت وجهة ذلك الباب تختلف بحسب دوران الأرض فتكون من ناحية المغرب تارة ومن ناحية المشرق تارة ... (^٤).\nوالله\"لم يقرن الأرض في القرآن كله من أوله إلى آخره في حال ذكرها مقرونة مع غيرها لم يذكرها مقرونة إلاّ مع السماوات، وأما الشمس فلم يذكرها مقرونة إلاّ مع القمر والنجوم الأخرى، وهذا له دلالة على أن الثابت يُذكر مقرونًا مع الثابت، والمتحرك يُذكر مقرونًا مع المتحرك، بل حتى لو جاء ذكر تلك الأجرام مقرونة فإن الله تعالى يذكر أولًا السماوات والأرض بعدها،\n_________\n(^١) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ١١٥: ٥٣٣ برقم (٣٣٦٩)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني، انظر: ضعيف سنن الترمذي: ٤٤٠ برقم (٦٦٨).\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده: ٥٥٦ برقم (٣٥٣٥)، وقال: حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني، انظر: صحيح الترمذي: ٣/ ١٧٣ برقم (٢٨٠١).\n(^٣) الصواعق الشديدة: ٣٣.\n(^٤) انظر: المصدر السابق: ٣٣.","vol":"1","page":427},{"text":"ثم يذكر الشمس والقمر والنجوم بعد ذلك، فلم يأت قط في القرآن أن الشمس ذُكرت مقرونة مع السماوات في آية، أو أن الشمس تُذكر بعد السماوات في حال ذكر الأجرام الكونية معها، ثم تُذكر الأرض مع القمر والنجوم، وهذا يدل على أن الثوابت تذكر مع بعضها وهي السماوات والأرض، وأن المتحركة تذكر مع بعضها وهي الشمس والقمر والنجوم وهذه الحقيقة واضحة لكل من تدبر آيات القرآن\" (^١).\nوقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ -: عن دوران الأرض؟ ودوران الشمس حول الأرض؟ وما توجيهكم لمن أسند إليه تدريس مادة الجغرافيا وفيها أن تعاقب الليل والنهار بسبب دوران الأرض حول الشمس؟ فأجاب فضيلته بقوله: \"خلاصة رأينا حول دوران الأرض أنه من الأمور التي لم يرد فيها نفي ولا إثبات لا في الكتاب ولا في السنة، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (^٢) ليس بصريح في دورانها، وإن كان بعض الناس قد استدل بها عليه محتجًا بأن قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن للأرض حركة، لولا هذه الرواسي لاضطربت بمن عليها. وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٣). ليس بصريح في انتفاء دورانها، لأنها إذا كانت محفوظة من الميدان في دورانها بما ألقى الله فيها من الرواسي صارت قرارًا وإن كانت تدور.\nأما رأينا حول دوران الشمس على الأرض الذي يحصل به تعاقب الليل والنهار، فإننا مستمسكون بظاهر الكتاب والسنة من أن الشمس تدور على\n_________\n(^١) جريان الشمس وسكون الأرض لخالد بن صالح الغيص،\nhttp: //islamtoday.net/nawafeth/artshow-٤٠ - ١٤٢٧٢٦.htm\n(^٢) النحل: ١٥.\n(^٣) غافر: ٦٤.","vol":"1","page":428},{"text":"الأرض دورانًا يحصل به تعاقب الليل والنهار، حتى يقوم دليل قطعي يكون لنا حجة بصرف ظاهر الكتاب والسنة إليه - وأنى ذلك - فالواجب على المؤمن أن يستمسك بظاهر القرآن الكريم والسنة في هذه الأمور وغيرها \" (^١).\nوهذه المسألة تكمن أهميتها في أنها تتعلق بإيماننا وتصديقنا بالقرآن الكريم الذي سنسأل عنه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (^٢).\nفإن من أولى صفات المؤمنين المذكورة في القرآن هي أنهم يؤمنون بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (^٣)، ودين الله لم يأت ليوافق ما درج وسار عليه الناس في أقوالهم وعاداتهم وعلومهم بل جاء ليبين الحق ولو خالف ما عليه الناس من باطل، كما جاء في صفة نبينا - ﷺ - عندما سأل هرقل عظيم الروم أبا سفيان عن نبينا: \" قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>أولًا: وجود الله:</span>\nسبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٥) - الاستدلال بالآية الكونية - السماء- على وجود الله، وذلك أن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ١/ ٧٠.\n(^٢) الزخرف: ٤٣ - ٤٤.\n(^٣) البقرة: ٣ - ٤.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -: ٢٢ برقم (٧).\n(^٥) ص: ١٨٣.","vol":"1","page":429},{"text":"دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -؛ لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (^١)، وأن العناية بها، والإتقان فيها يدل على وجود خالقها وكمال ذاته وصفاته، وكذلك يقال في خلق الأرض والاستدلال به على وجود الله - ﷿ - كما قيل في السماء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nسبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٤) - بيان الاستدلال بالآية الكونية السماء على ربوبية الله، وأن النظر في ملكوت السماوات والتأمل في خلقها يدل على ربوبية الله ووحدانيته - ﷿ -، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه (^٥)، وكذلك يقال في الآية الكونية - الأرض- كما قيل في السماء، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٦).\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٥، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد: ٢٠٩ - ٢٢٦.\n(^٢) العنكبوت: ٤٤.\n(^٣) إبراهيم: ١٠.\n(^٤) ص: ١٨٥.\n(^٥) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٣، ٢٨٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.\n(^٦) الأنعام: ٧٥.","vol":"1","page":430},{"text":"دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>١ - التنزيه:</span>\nسبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٤) - أن السماء والأرض تسبح الله وتقدسه، وتنزهه عما وصفه المشركون، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>٢ - صفة الكلام لله - ﷿ </span>-:\nسبق في الفصل الخامس - مبحث السماء - (^٧) أن من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة لإثبات صفة الكلام لله - ﷿ - والرد على من زعم أن\n_________\n(^١) البقرة: ١٠٧\n(^٢) ص: ٦٥ - ٦٦.\n(^٣) لقمان: ٢٥.\n(^٤) ص: ١٨٨.\n(^٥) الإسراء: ٤٤.\n(^٦) مريم: ٩٠ - ٩١.\n(^٧) ص: ١٩٥.","vol":"1","page":431},{"text":"المتكلم لا بد أن يكون له لسان وجوف وشفتان، أن الله - ﷿ - أخبر أن السماء تكلمت، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^١)، فكذلك يستدل بتكلم الأرض على إثبات صفة الكلام لله - ﷿ - ويرد على من زعم أن المتكلم لا بد أن يكون له لسان وجوف وشفتان (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nالله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٣).\nقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\nأي\"أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضر ولا ينفع، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرون عليها لا تميد بكم ﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ يقول: بينها أنهارا ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي ثوابت الجبال، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بين العذب والملح، أن يفسد أحدهما صاحبه ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه؟\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله، وما عليهم من الضر في إشراكهم في\n_________\n(^١) فصلت: ١١.\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل: ٢/ ٣٩٣، ٤/ ١٥٩.\n(^٣) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧ وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.\n(^٤) النمل: ٦١.","vol":"1","page":432},{"text":"عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كل معبود سواه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nاستدل الله - ﷿ - على البعث وإعادة الأجساد بقدرته على خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٢).\nفلو تدبروا هذه الحجة وتأملوها لبأن لهم وظهر أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على البعث وإعادة الأجساد، وأن من أنكر ذلك فإنه مستكبر معناد للحق (^٣)، قال ابن كثير - ﵀ -: \" أي إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري: ١٩/ ٤٨٤.\n(^٢) سبأ: ٩.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١٥٢، وتفسير ابن سعدي: ٧٥٠.\n(^٤) تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٦.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأرض</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>أولًا: التكفير لمن قال بدوران الأرض:</span>\nمن المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية الإقدام على تكفير من قال بدوران الأرض، \"بغير حجة يعتمد عليها، من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -، ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه، ومن القول عليه بغير علم، وهو خلاف طريقة أهل العلم والإيمان من السلف الصالح - ﵃ - وجعلنا من أتباعهم بإحسان، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما\" (^١)، وقال - ﷺ -: \" من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه\" (^٢)، أي رجع عليه ما قال\" (^٣).\nوقد أنكر الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤) - ﵀ - تكفير من قال بدوران الأرض،\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر: ١/ ٧٩ برقم (٦٠).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم: ١/ ٧٩ برقم (٦١).\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبدالعزيز بن باز، جمع: محمد الشويعر، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٣: ٩/ ٢٥٦، وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٢/ ١٢٥.\n(^٤) هو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، من أئمة أهل السنة في هذا العصر، له من المؤلفات: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، والعقيدة الصحيحة، ونقد القومية العربية، وغيرها، توفي عام ١٤٢٠.\nانظر: مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة: ١/ ٣٠، وعالم فقدته الأمة لممحمد بن سعد الشويعر، ط ١.","vol":"1","page":434},{"text":"فقال: \"أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر من قال به\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز: ٩/ ٢٢٨.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>١ - لو كان الله ينام لم تستمسك السماء والأرض:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي عن موسى - ﵇ - على المنبر قال: \"وقع في نفس موسى - ﵇ -: هل ينام الله - ﷿ -؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فتكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلًا إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض\" (^١).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٢٤٢.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>المبحث الثاني الجبال</span>\nالجبل في اللغة:\nالجيم والباء واللام أصل يطرد ويقاس، وهو تجمع الشيء في ارتفاع. والجبل معروف، وهو اسم لكل وتد من أوتاد الأرض إذا عظم وطال، والجمع أَجْبُل وأَجْبال وجِبال، وأَجْبَل القومُ صاروا إِلى الجَبَل وتَجَبَّلوا دَخَلوا في الجَبَل (^١).\nوفي الاصطلاح:\nالجبل جزء من تضاريس الأرض، يعلو كل ما يجاوره. والجبال عامة أكبر من التلال.\nوللجبال جوانب ومنحدرات شديدة وقمم وأجرف حادة، أو مستديرة قليلًا. وكثير من علماء الأرض يعتبرون المنطقة المرتفعة من الأرض جبلًا إذا احتوت على نطاقين مناخيين أو أكثر، ونطاقين من الحياة النباتية أو أكثر، على ارتفاعات مختلفة. وفي معظم أرجاء العالم فإن ارتفاع جبل ما يجب ألا يقل عن ٦٠٠ م عمَّا حوله ليحتوي على نطاقين مناخيين. وعادة يعبر عن ارتفاع الجبل بالمسافة التي ترتفعها قمته فوق مستوى سطح البحر (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٥٠٢، لسان العرب: ١/ ٥٣٧.\n(^٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٨/ ٢٠١.","vol":"1","page":437},{"text":"وقد ورد لفظ الجبل في القرآن في (٦) مواضع، وبلفظ الجمع في (٣٣) موضعًا (^١).\nوورد الجبل والجبال في السنة في (٤٢) حديثًا (^٢).\nوذكر بعض المفسرين أن الجبل في القرآن على عشرين وجها (^٣):\nالأول: جبال الموج للسلامة في حق نوح - ﵇ -، والهلكة في حق المشركين من قومه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ (^٤).\nالثاني: جبال ثمود للمهارة والحذاقة: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ (^٥)، وفي موضع: ﴿فَارِهِينَ﴾ (^٦).\nالثالث: محل موسى - ﵇ - حال الرؤية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (^٧).\nالرابع: جبل إبراهيم - ﵇ - لإظهار القدرة والإحياء بعد الإماتة: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ (^٨).\nالخامس: جبل بنى إسرائيل لقبول الأمر والشريعة: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ (^٩).\nالسادس: الجبل المذكور لتأثير المكر والحيلة من القرون الماضية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(^٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.\n(^٣) انظر: بصائر ذوي التمييز: ٢/ ٣٦٢.\n(^٤) هود: ٤٢.\n(^٥) الحجر: ٨٢.\n(^٦) الشعراء: ١٤٩.\n(^٧) الأعراف: ١٤٣.\n(^٨) البقرة: ٢٦٠.\n(^٩) الأعراف: ١٧١.\n(^١٠) إبراهيم: ٤٦.","vol":"1","page":438},{"text":"السابع: جبل النحل لتحصيل العسل للشفاء والراحة: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ (^١).\nالثامن: المذكور للكنّ والكفاية: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ (^٢).\nالتاسع: المذكور لقهر المتكبرين عن الرعونة والتكبر: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (^٣).\nالعاشر: تزعزع الجبال بيانا لصعوبة حال القيامة: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ (^٤)،\n﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ (^٥)، ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (^٦).\nالحادي عشر: المذكور للمتكبرين والمدعين لإظهار السياسة: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (^٧).\nالثاني عشر: السؤال عن حال الجبال وبيان صعوبتها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ (^٨).\nالثالث عشر: المذكور بالتسبيح موافقة لداود - ﵇ -: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ (^٩)، ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ (^١٠)، ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (^١١).\n_________\n(^١) النحل: ٦٨.\n(^٢) النحل: ٨١.\n(^٣) الإسراء: ٣٧.\n(^٤) الكهف: ٤٧.\n(^٥) الطور: ١٠.\n(^٦) التكوير: ٣.\n(^٧) مريم: ٩٠.\n(^٨) طه: ١٠٥.\n(^٩) ص: ١٨.\n(^١٠) الأنبياء: ٧٩.\n(^١١) سبأ: ١٠.","vol":"1","page":439},{"text":"الرابع عشر: المذكور للانقياد وموافقته للشجر والنجوم إظهارا للخدمة (^١): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ (^٢).\nالخامس عشر: جبال البرد والمطر: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (^٣).\nالسادس عشر: الإخبار عن حال الجبال في القيامة لبيان الحيرة والدهشة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (^٤).\nالسابع عشر: المذكور لعرض الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (^٥).\nالثامن عشر: المذكورة في سورة الواقعة والحاقة والقارعة لتأثير صعوبة القيامة: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (^٦)، ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (^٧)، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^٨).\nالتاسع عشر: المذكور لتثبيت الأرض وتسكينها: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (^٩).\nالعشرون: لبيان برهان الموحدين: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: مبحث عبودية الكائنات: ٦٥، وفيه بيان سجود وتسبيح هذه الكائنات سجودا وتسبيحًا حقيقيًا، الله أعلم بكيفيته.\n(^٢) الحج: ١٨.\n(^٣) النور: ٤٣.\n(^٤) النمل: ٨٨.\n(^٥) الأحزاب: ٧٢.\n(^٦) الواقعة: ٥.\n(^٧) الحاقة: ١٤.\n(^٨) القارعة: ٥.\n(^٩) النازعات: ٣٢.\n(^١٠) الغاشية: ١٩.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>الدلائل العقدية للآية الكونية - الجبال</span>-:\nالجبال من آيات الله العظيمة التي أمر الله - ﷿ - بالتفكر فيها (^١)، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٢).\nوهي من دلائل وحدانية الله - ﷿ - ومما يقر به المشركون، وقد سأل ضمام - ﵁ - قبل إسلامه النبي - ﷺ - واستحلفه\"بالذي نصب الجبال\" (^٣) على صدق رسالته، وأن الله أمره بالدعوة إلى التوحيد.\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: \" فصل، ثم تأمل الحكمة العجيبة في الجبال الذي يحسبها الجاهل الغافل فضلة في الارض لا حاجة اليها وفيها من المنافع ما لا يحصيه الا خالقها وناصبها، وفي حديث إسلام ضمام بن ثعلبة قوله للنبي - ﷺ -: \" بالذي نصب الجبال وأودع فيها المنافع آلله امرك بكذا وكذا؟ قال: اللهم نعم\" ...\nثم ذكر جملة من المنافع، ثم قال: \" ولقد دعانا الله سبحانه في كتابه إلى النظر فيها وفي كيفية خلقها فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٤)، فخلْقُها ومنافعها من أكبر الشواهد على قدره باريها وفاطرها وعلمه وحكمته\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٤، والتحرير والتنوير: ٣٠/ ٣٠٤.\n(^٢) الغاشية: ١٧ - ٢٠.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام: ١/ ٤١ برقم (١٢)، وحديث إسلام ضمام بن ثعلبة في صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم: ٣٦ برقم (٦٣)\n(^٤) الغاشية: ١٧ - ٢٠.","vol":"1","page":441},{"text":"ووحدانيته، هذا مع أنها تسبح بحمده وتخشع له، وتسجد وتشقق وتهبط من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الأمانة إذ عرضها عليها وأشفقت من حملها ...\nفهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>أولًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>١ - التنزيه:</span>\nسبق في الفصل الخامس - مبحث السماء (^٢) - أن السماء والأرض تسبح الله وتقدسه، وتنزهه عما وصفه المشركون، وكذلك الجبال فإنها تكاد أن تسقط من دعوة المشركين لله الولد تنزيها وتعظيما لله تعالى، قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>٢ - صفة التجلي ورؤية المؤمنين لربهم ﷾:</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٣٦ باختصار.\n(^٢) ص: ١٨٨.\n(^٣) مريم: ٩٠ - ٩١.\n(^٤) الأعراف: ١٤٣.","vol":"1","page":442},{"text":"في هذه الآية إثبات صفة التجلي لله - ﷿ -، فإن الله تجلى للجبل فجعله دكًا ولم يطق الثبات (^١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أحمد: أراناه معاذ، قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال فضرب صدره ضربة شديدة. وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد! يحدثني به أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - فتقول أنت ما تريد إليه\" (^٢).\nقال الإمام أحمد - ﵀ -: \" وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًا، ولا يماثله شيءٌ من الأشياء في شيءٍ من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجلِّيه تجلِّي أحد\" (^٣).\nوفي الآية أيضًا دليل على إثبات رؤية المؤمنين لربهم؛ لأن الله رتب الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - لموسى - ﵇ - في بيان سبب عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ (^٤) إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد: ٧/ ١٥٣، مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢١٤، وتفسير السعدي: ٣٠٢، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٢/ ٤٠.\n(^٢) مسند الإمام أحمد: ١٩/ ٢٨١ برقم (١٢٢٦٠)، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمه فمن رجال مسلم.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ٥/ ٢٥٧.\n(^٤) الأعراف: ١٤٣.\n(^٥) الأعراف: ١٤٣.","vol":"1","page":443},{"text":"فالله - ﷿ - لم ينسب موسى - ﵇ - إلى الجهل بسؤال الرؤية، ولم يقل إني لا أرى، بل علق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا.\nوهذا من أدلة رؤية المؤمنين لربهم، ولكنهم لا يرونه في الدنيا، وإنما يرونه في الآخرة، كما وردت بذلك الآيات والأحاديث الصحيحة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (^١)، وقال تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^٢)، فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا (^٣). وقال - ﷺ -: \" تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه - ﷿ - حتى يموت\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>ثانيًا: توحيد الألوهية:</span>\nسبق في المبحث السابق - الأرض (^٥) - أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٦)، وذكر منها الجبال التي جعلها الله رواسي، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا\n_________\n(^١) القيامة: ٢٢ - ٢٣.\n(^٢) المطففين: ١٥.\n(^٣) انظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لأبي عبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة، تحقيق: الوليد بن سيف نصر، دار الراية، الرياض، ط ١: ٣/ ٥٩، وكتاب التوحيد لابن خزيمة: ١/ ٣٥٤.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد: ٤/ ٢٢٤٤ برقم (١٦٩).\n(^٥) ص: ٣٩٩.\n(^٦) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.","vol":"1","page":444},{"text":"أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nوفي دعوة الله للمشركين لإفراده بالعبادة ذكر الله - ﷿ - جملة من النعم، ومنها الجبال التي جعل منها الحصون والمعاقل، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ وعلل ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (^٢)، \"أي حتى تؤمنوا بالله وحده، وتتركوا الشرك وعبادة الأوثان، فتدخلوا جنة ربكم\" (^٣).\nومن دلائل توحيد الله - ﷿ - التفكر في خلق السماوات والأرض وما فيها، ومن ذلك نصب الجبال، فإن فيها خلق بديع، وقد سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها (^٤)، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>الخشوع:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أن من صفات عباده المؤمنين الخشوع، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) النمل: ٦١.\n(^٢) النحل: ٨١.\n(^٣) التحرير والتنوير: ١٧/ ٢٢٧.\n(^٤) تفسير السعدي: ٩٢٢.\n(^٥) الغاشية: ١٧ - ٢٠.\n(^٦) المؤمنون: ١ - ٢.\n(^٧) الأنبياء: ٩٠.","vol":"1","page":445},{"text":"وبين الله - ﷿ - أن الجبال لو أنزل عليها القرآن لخشعت وتصدعت من خشية الله، فكذلك ينبغي أن يكون قلب المؤمن خاشعا عند سماعه للقرآن ومواعظه (^١)، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>ثالثًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن\nذلك الملك الموكل بالجبال وهو ملك الجبال، وقد ورد ذكره في حديث خروج النبي - ﷺ - إلى أهل الطائف في بداية البعثة ودعوته إياهم وعدم استجابتهم له، وفيه يقول النبي - ﷺ -: \" فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال. فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي - ﷺ - بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>رابعًا: الإيمان بالكتب:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أن القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ - مهيمنا على جميع الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٧٨، وتفسير السعدي: ٨٥٣.\n(^٢) الحشر: ٢١.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين: ٣/ ١٤٢٠ برقم (١٧٩٥).","vol":"1","page":446},{"text":"الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^١)، كما أخبر تعالى عن فضل القرآن على غيره من الكتب، وأنه لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره (^٢)، وذلك\"لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>خامسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات: الآية التي أظهرها الله - ﷿ - لقوم موسى - ﵇ - لأخذ العهد عليهم للعمل بالتوراة، فكان رفع الطور (^٥)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٦).\nومن الآيات التي أيد الله بها رسله تسخير الجبال مع نبي الله داود - ﵇ -: \" وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا وتسبيحا وتمجيدا، وكان قد أعطاه الله من حسن الصوت ورقته ورخامته، ما لم يؤته أحدا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال الصم والطيور البهم، وهذا\n_________\n(^١) المائدة: ٤٨.\n(^٢) انظر: تفسير السعدي: ٤١٨، والتحرير والتنوير: ١٣/ ١٤٣.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٦٠، وانظر: تفسير الطبري: ١٦/ ٤٤٩.\n(^٤) الرعد: ٣١.\n(^٥) انظر: سنن النسائي الكبرى، كتاب التفسير، سورة طه: ١٠/ ١٧٢ برقم (١١٢٦٣)، وتفسير الطبري: ٩/ ١٣٠.\n(^٦) الأعراف: ١٧١.","vol":"1","page":447},{"text":"فضل الله عليه وإحسانه\" (^١). قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (^٣).\nومن دلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - أنه ضرب جبل أحد برجله لما رجف به، وقال له: اسكن فسكن، عن أنس - ﵁ - قال: صعد النبي - ﷺ - أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل، فقال: \"اسكن، وضربه برجله فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان\" (^٤).\nومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله على - ﷿ - على يدي أتباع الرسل، إجابة لدعوتهم ونصرة لهم، ومن ذلك قصة الغلام مع الملك الذي أرداد أن يقتله إن لم يرجع عن دينه، فأبى الغلام، فأمر الملك\" نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٥٢٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٧، والتحرير والتنوير: ١٧/ ١١٩.\n(^٢) الأنبياء: ٧٩\n(^٣) ص: ١٧ - ١٨.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي - ﵁ -: ٧٠٦ برقم (٣٦٩٧)، وانظر: دلائل النبوة للبيهقي: ٦/ ٣٥٠، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٦/ ٤٥٥.\n(^٥) صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقاق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام: ٤/ ٢٢٩٩ برقم (٣٠٠٥) وانظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٣٠، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٨/ ٤٨٤.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل الجبال أوتادا للأرض تمسكها عن الأضطراب، وأن القادر على ذلك قادرٌ على البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (^١).\nفالذي أنعم\"بهذه النعم العظيمة، التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف تكفرون به وتكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟ ! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟ \" (^٢).\nوفي معرض الأدلة الواضحة التي استدل الله بها على منكري البعث ذكر الله - ﷿ - أنه ثبت الأرض بالجبال الرواسي (^٣)، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>سابعًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وقد نبه الله - ﷿ - على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (^٥)، فخلق الجبال مختلفة الألوان، كما\n_________\n(^١) النبأ: ٦ - ١٧.\n(^٢) تفسير السعدي: ٩٠٦.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣١٦، وتفسير السعدي: ٩٠٩.\n(^٤) النازعات: ٢٧ - ٣٣.\n(^٥) فاطر: ٢٧.","vol":"1","page":449},{"text":"هو مشاهد من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق - وهي الجدد جمع جدة- مختلفة الألوان. وفيها غرابيب سود، أي شديدة السواد جدا؛ ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته.\nوفي\"تفاوتها دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>ثامنًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>ضرب الأمثال:</span>\nضرب الله - ﷿ - مثالًا للقاسية قلوبهم - الذين نسوا الله- وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن بالجبل الجامد الذي لو أنزل عليه القرآن لخشع وتصدع من خشية الله، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nأي\"لو كان المخاطب بالقرآن جبلا، لتأثر بخطاب القرآن تأثرا ناشئا من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن\" (^٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^٤)، قيل: أن الجبال\"ضُربت مثلًا لأمر النبي\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٦٨٨.\n(^٢) الحشر: ٢١.\n(^٣) التحرير والتنوير: ٢٨/ ١١٦، وانظر: تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٤.\n(^٤) إبراهيم: ٤٦.","vol":"1","page":450},{"text":"- ﷺ -، وثبوت دينه كثبوت الجبال الراسية والمعنى: لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال، لما زال أمر الإسلام\" (^١).\nوفي بيان عناية الله تعالى بصدقة عبده إذا قبلها منه أخبر النبي - ﷺ - أن الله - ﷿ - يربيها حتى تكون مثل الجبل، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيبٍ ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، فإن اللَّه يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>تاسعًا: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون بكل ذنب، وأن من أرتكب كبيرة من الكبائر فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\nوأخبر النبي - ﷺ - أن أناس من المسلمين يأتون يوم القيامة بذنوب كالجبال فيغفرها لهم، عن أبي بردة عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: \"يجيء الناس يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى (^٤) \" (^٥)\n_________\n(^١) زاد المسير في علم التفسير: ٤/ ٣٧٤، وانظر: تفسير البغوي: ٢/ ٥٦٩.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: ١٤١٥ برقم (٧٤٣٠) وانظر: فتح الباري: ١٣/ ٤١٥، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان: ١/ ٣٨٤.\n(^٣) النساء: ٤٨.\n(^٤) معناه: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين، ولا بدمن هذا التأويل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقوله ويضعها المراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم، كما ذكرناه؛ لكن لما أسقط ﷾ عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا فى معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الاثم الباقى وهو إثمهم، ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها بأن سنوها فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها. والله أعلم. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي: ١٧/ ١٨٥.\n(^٥) صحيح مسلم، كتابة التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله: ٤/ ٢١١٩ برقم (٢٧٢٦)، .","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الجبال</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>أولًا: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الجبال - التحريف لمعنى محبة الجبل للنبي - ﷺ </span>-، فقد أخبر النبي - ﷺ - عن جبل أحد بقوله: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\" (^١).\nفقيل المراد بذلك: يحبنا أهله، وقيل: نحن نحبه ونستبشر برؤيته، فلو كان هو ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام ومجانسة الألفاظ، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: أن محبتنا له محبة من يعتقد أنه يحبنا، وقيل: أن تكون المحبة هنا عبارة عن الانتفاع بمن يحبنا في الحماية والنصرة (^٢).\nوالصحيح أن\"محبته حقيقية كما يسبح كل شيء حقيقة؛ ولكن لا يفهم ذلك الناس وغير نكير أن يصنع الله محبة رسوله في الجماد وفيما لا يعقل كعقل الآدميين، كما وضع الله خشيته في الحجارة فأخبر في محكم كتابه بأن منها ما يهبط من خشية الله ... ومثل هذا كثير قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (^٣) \" (^٤)\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه: ٢/ ١٠١١ برقم (١٣٩٢).\n(^٢) انظر هذه الأقوال في: الأسماء والصفات للبيهقي: ٢/ ٢٨١، وإكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: ٤/ ٤٨٥، والاستذكار: ٢٥/ ٣٤.\n(^٣) الإسراء: ٤٤.\n(^٤) الاستذكار ٢٥/ ٣٥، وانظر: شرح النووي على مسلم: ٩/ ١٤٠، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٨/ ١٠.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\nعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى. ووقع بمكة: حراء، وثَبِير، وثور\" (^١).\n_________\n(^١) وهو حديث موضوع: قال أبو حاتم بن حبان الحافظ: هذا حديث موضوع ولا أصل له. انظر الموضوعات لابن الجوزي: ١/ ١٧٣، وقال ابن كثير: \"هذا حديث غريب، بل منكر\". انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٠١.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>المبحث الثالث الزلازل والخسوف والبراكين</span>\nالزلزال في اللغة:\nالزاء واللام أصل مطرد منقاس في المضاعف، وكذلك في كل زاء بعدها لام في الثلاثي. وهذا من عجيب هذا الأصل. تقول: زلَّ عن مكانه زَليلًا وزَلًاّ. وتزلزَلت الأرضُ: اضطربت، وزُلْزِلَتْ زِلْزَالًا.\nوالزَّلْزَلة والزَّلْزال تحريك الشيء، وقد زَلْزَله زَلْزَلةً وزِلْزالًا، والاسم الزَّلْزال وزَلْزَلَ اللهُ الأَرْضَ زَلْزَلَةً وزِلْزالًا بالكسر فَتَزَلْزَلَتْ هي. والزَّلْزَلة التخويف والتحذير ومنه قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (^١) أَي خوفوا وحذروا، والزلازل الشدائد والأهوال، والزَّلزلة في الأصل الحركة العظيمة والإزعاج الشديد ومنه زَلْزَلة الأرض (^٢).\nوفي الاصطلاح:\nالزلزال هو: اهتزاز الأرض بسبب انكسار وزحزحة مفاجئة لقطاعات عريضة من قشرة الأرض الصخرية الخارجية. وهو من أعظم الأحداث ذات القوة الهائلة التي تُصيب الأرض ولها نتائج مرعبة (^٣).\n_________\n(^١) البقرة: ٢١٤.\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٢، لسان العرب: ٣/ ١٨٥٦.\n(^٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١١/ ٥٩١.","vol":"1","page":455},{"text":"الخسف في اللغة:\nالخاء والسين والفاء أصل واحد يدل على غموض وغؤور، وإليه يرجع فروع الباب. فالخسْف والخسَف غموض ظاهر الأرض. قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (^١).\nوالخسف سُؤُوخُ الأَرض بما عليها. خَسَفَتْ تَخْسِفُ خَسْفًا وخُسوفًا وانْخَسَفَتْ، وخَسَفَها الله، وخَسَف الله به الأَرضَ خَسْفًا أَي غابَ به فيها. وخَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ خُسوفًا: ذهَب في الأَرض وخَسَفَه الله تعالى، وخُسِفَ بالرجل وبالقوم إذا أَخذته الأرض ودخل فيها والخَسْفُ إلْحاقُ الأَرض الأُولى بالثانية (^٢).\nوفي الاصطلاح:\nانقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وعكسه. يقال: خسفت الأرض وخسف الله الأرض فانخسفت، فهو يستعمل قاصرا ومتعديا، وإنما يكون الخسف بقوة الزلزال (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>البركان في الاصطلاح:</span>\nهو فتحة في سطح الأرض، تتفجر وتثور من خلالها الحمم، والغازات الحارة، والشظايا الصخرية. وتتشكل هذه الفتحة عند اندفاع الصخر المنصهر من باطن الأرض، متفجرًا على سطح الأرض. وتكون معظم البراكين على هيئة جبال، وبخاصة الجبال المخروطية الشكل التي تكونت حول الفتحة\n_________\n(^١) القصص: ٨١.\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٢/ ١٨٠، ولسان العرب: ٢/ ١١٥٧.\n(^٣) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٨٥.","vol":"1","page":456},{"text":"نتيجة تجمع وتراكم الحمم ومواد أخرى قُذِفت إلى سطح الأرض أثناء الثوران البركاني (^١).\nوقد وردت الزلزلة في القرآن في (٦) مواضع، والخسف في (٨) مواضع، أما البركان فلم يرد في القرآن (^٢).\nووردت الزلازل في السنة في (٢٣) حديثًا (^٣).\n_________\n(^١) الموسوعة العربية العالمية: ٤/ ٣٤٢.\n(^٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٢٩٥، ٤٢١.\n(^٣) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٨.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>الدلائل العقدية للآيات الكونية - الزلازل والخسوف والبراكين</span>-:\nالزلازل والخسوف والبراكين من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته، وتصرفه ﷾ في هذا الكون، ونفوذ مشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.\nوفيها تذكير الله لعباده بقوته، وتعريفهم بعجزهم وضعفهم، وأنهم مهما بلغ تقدمهم المادي، ومعرفتهم بوقت هذه الزلازل فإنهم لا يقدرون ردها، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فالله - ﷿ - هو المهيمن على كل شيء، فلا راد لما قضاء.\nوهي جند من جنود الله التي يسخرها الله عقابا للمذنبين، وابتلاء للصالحين، وعبرة للناجين، وظهور هذه الزلازل والخسوف والبراكين وعيد من الله لأهل الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (^٣).\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا أثر هذه الآيات الكونية على حياة الناس: \" فصل، ثم تأمل خلق الارض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة لتكون مهادا ومستقرا للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الحيوان والناس من السعي\n_________\n(^١) الإسراء: ٥٩.\n(^٢) يونس: ١٠١.\n(^٣) الإسراء: ٦٠.","vol":"1","page":458},{"text":"عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم، والنوم لهدوهم، والتمكن من أعمالهم، ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قرارا ولا هدوا، ولا ثبت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنّون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف تصيرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>أولًا: توحيد الربوبية:</span>\nالزلازل والخسوف والبراكين من أعظم الدلائل على عظمة الله تعالى، ففيها بيان قدرة الله وعظيم تصرفه وملكه وتدبيره لهذا الكون، وأن القادر عل هذه الأمور كلها هو الله سبحانه، وأن المخلوقات مع ما وصلت إليه من الإمكانات والطاقات والقدرات، وما اخترعوه من أجهزة الأرصاد التي يعرفون من خلالها أي حدث يحدث من زلازل وغيرها عاجزة عن أن تفعل أي شيئًا.\nفحدوث هذه الآيات الكونية فجاءة يحبط إدعاءتهم وما قدروه (^٤)، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ\n_________\n(^١) النحل: ١٥.\n(^٢) غافر: ٦٤.\n(^٣) مفتاح دار السعادة لابن القيم، طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض: ١/ ٢١٧.\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير: ٢٠/ ٢٥١، والإعجاز العلمي في القرآن لسامي الموصلي: ٦٩.","vol":"1","page":459},{"text":"حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>ثانيا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>١ - صفة الرحمة:</span>\nأخبر الله تعالى عن حلمه وإمهاله وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على أن يخسف بهم الأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥)، فهم لا يُعجزون الله على أي حال كانوا عليه.\nفبين سبب عدم الخسف بهم وهو أنه ﷾ رؤوف رحيم، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة (^٦).\nوهذه الزلازل والخسوف والبراكين لو حدثت فهي رحمة للمؤمنين، فإن ما يصيبهم في الدنيا يحصل لهم به تكفير السيئات، قال - ﷺ -: \" عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر\n_________\n(^١) النحل: ٤٥.\n(^٢) الإسراء: ٦٨.\n(^٣) الملك: ١٦.\n(^٤) النمل: ٦٥.\n(^٥) النحل: ٤٥ - ٤٧.\n(^٦) تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٦.","vol":"1","page":460},{"text":"فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له\" (^١).\nوعن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: \"يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوّلهم وآخرهم\"، قالت: قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأوّلهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: \"يخسف بأوّلهم وآخرهم، ثمّ يبعثون على نيّاتهم\" (^٢).\n\"فبعث كل واحد منهم على حسب أعماله من خير وشر، فإن كانت نيته وعمله صالحة فعقباه صالحة وإلا فسيئة، فذلك العذاب طهرة للصالح ونقمة على الفاسق، فالصالح ترفع درجاته والطالح تسفل دركاته، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب والعقاب، بل يجازى كل واحد بعمله على حسب نيته\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>٢ - العدل:</span>\nإن الله - ﷿ - حكم عدل لا يظلم الناس شيئا، وإذا أصاب الناس زلزال أو خسف أو غيرهما فإن ذلك بسب ذنوبهم وعصيانهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٤).\nولما ذكر الله - ﷿ - عقوبة قارون، وفرعون، وهامان، بعد أن بعث الله إليهم موسى - ﵇ -، بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، بين أن سبب تلك العقوبة - والتي منها الخسف - هو ظلمهم، وأن الله لم يظلمهم، فلم\"يكن الله ليهلك هؤلاء الأمم -الذين أهلكهم- بذنوب غيرهم، فيظلمهم\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير: ٤/ ٢٢٩٥ برقم (٢٩٩٩).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق: ٣٩٩ برقم (٢١١٨).\n(^٣) فيض القدير بشرح الجامع الصغير: ٢/ ٢٠١.\n(^٤) الكهف: ٤٩.","vol":"1","page":461},{"text":"بإهلاكه إياهم بغير استحقاق، بل إنما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم، مع تتابع إحسانه عليهم\" (^١).\nقال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٢).\nفالله - ﷿ - \" ما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nفي دعوة المشركين إلى إفراد الله بالعبادة والدعاء، يخوفهم الله - ﷿ - بعقابه ويذكر ما يدل من أفعاله على وحدانيته، وأنه هو النافع الضار، المتصرف في خلقه بما يشاء، ومن جملة ما يذكره الله - ﷿ - هذه الآيات الكونية - الزلازل والخسوف- (^٤)، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨.\n(^٢) العنكبوت: ٣٩ - ٤٠.\n(^٣) تفسير السعدي: ٦٣١\n(^٤) التحرير والتنوير: ٢٢/ ١٥٣.\n(^٥) سبأ: ٩.\n(^٦) الإسراء: ٦٧ - ٦٨","vol":"1","page":462},{"text":"فذكرهم الله تعالى بشواهد الربوبية والإنعام، وأنه على كل شيء قدير، إن شاء أنزل عليهم العذاب من أسفل منهم بالخسف، وبأنه تعالى قادر على تعذيب من كفر بالله وأشرك معه إلها آخر (^١)، ليتدبروا فيتركوا العناد، ويفردوه بالعبادة.\nوعند وجود الشدائد والخوف - ومن ذلك الزلازل- يلجأ الإنسان إلى ربه ومعبوده، ويتعوذ به من جميع الشرور، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فأقبل الليل قال: \"يا أرض ربى وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، ومن شر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد\" (^٢).\nفقوله: \"من شرك\"، \"أي من شر ما حصل من ذاتك من الخسف والزلزلة والسقوط عن الطريق والتحير في الفيافي\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>رابعًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبروا به مما وقع، ومما سيقع، ومن ذلك الزلازل والخسوف التي أخبر بها النبي - ﷺ - وهي من دلائل نبوته (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المرجع السابق: ٢٩/ ٣٢.\n(^٢) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل: ٢٩٤، برقم (٢٦٠٣)، ومسند الإمام أحمد: ١٠/ ٣٠٠ برقم (٦١٦١)، وقال محققه: إسناده ضعيف. وانظر: سنن أبي داود: ٢٥٥.\n(^٣) عون المعبود: ٧/ ٢٦٣.\n(^٤) لمعرفة الزلازل التي وقعت على الأمة الإسلامية انظر: كتاب المدهش لابن الجوزي، ت: فتحي الجندي، دار الكوثر، الرياض، ط ١: ١٠٠، وكتاب كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة للسيوطي، ت: عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة، ط ١: ٦٤، وزلازل جزيرة العرب في المصادر الإسلامية (منذ القرن الأول حتى القرن الحادي عشر الهجري/القرن السابع حتى القرن السابع عشر الميلادي) لخالد يونس الخالدي، مجلة الجامعة الإسلامية- سلسلة الدراسات الإنسانية-المجلد السابع عشر، العدد الأول: ٣٥٩ - ٣٧٠.","vol":"1","page":463},{"text":"ومن الآيات النبوية التي أخبر بها النبي - ﷺ - كثرة الزلازل في آخر الزمان، قال - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج -وهو القتل القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض \" (^١).\nوفي حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان\" (^٢).\nقيل المراد بالزلازل: \" على ظاهره جمع زلزلة وهي اضطراب الأرض\" (^٣).\nوقوله - ﷺ -: \" في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين:\nيا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور\" (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب ما قيل في الزلازل والآيات: ٢٠٥ برقم (١٠٣٦).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب ما قيل في الزلازل والآيات: ٢٠٥ برقم (١٠٣٧).\n(^٣) فتح الباري: ١/ ١٢٨.\n(^٤) سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب علامة المسخ والخسف: ٣٦٧ برقم (٢٢١٣). وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ٣٩٢ برقم (١٧٨٧).","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من أحوال القبر وعذابه ونعميه، ومن أن الأرض تأكل أجساد الأموات إلا الأنبياء (^١)، فعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب\" (^٢).\nوقد أخبر النبي - ﷺ - عن رجل خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجّل جُمتَه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة\" (^٣)، \"ومقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسد هذا الرجل\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>سادسًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته وكتابته لكل شيء، فهذا الكون يجري بتقدير الله ﷾، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٥)، ومن الأمثلة على ذلك الزلازل والخسوف التي يحدثها الله تعالى، فإنها تقع بمشيئة الله، ولا يستطيع أحد ردها، مهما وضع الخلق من أجهزة والآت لرصدها؛ فإنها تقع بإذن الله، بل يفجؤون بها، وتقلب عليهم بيوتهم وجسورهم ونحو ذلك\n_________\n(^١) انظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: ٣٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية: ٤٠١.\n(^٢) صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين: ٤/ ٢٢٧٠ برقم (٢٩٥٥).\n(^٣) صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء: ١١٣٢ برقم (٥٧٨٩).\n(^٤) فتح الباري: ١٠/ ٢٦١.\n(^٥) الحديد: ٢٢.","vol":"1","page":465},{"text":"دون أن يشعروا بقرب وقوعه.\n\"فما من شيء يحدث في الأرض ولا في السماء، في البر أو البحر أو الجو إلا في كتاب، وهذا يجعل الإنسان المؤمن يسلم ويرضى بالقضاء والقدر، فما من مصيبة كالزلازل والخسوف والبراكين وغير ذلك إلا وقد كتبها الله ﷾ من قبل خلق الإنسان، وهذا يدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي الإيمان بأن الله ﷾ قدر هذه الأشياء قبل أن توجد\" (^١).\nومن كمال\"قدرة الله تعالى أنه أعطى بعض الحيوانات، التي ليس لها عقول تفكر، ولا علم ولا حضارة، أعطاها غريزة الاحساس بقرب وقوع الزلزال، ولذلك فهي تسارع بمغادرة المكان أو يحدث لها هياج، إن كانت محبوسة في الأقفاص أو حظائر مغلقة، وذلك ليلفتنا الله ﷾ إلى أن العلم يأتي منه ﷾ ولا يحصل عليه الانسان بقدرته، فيعطي سبحانه من لا قدرة له على الفكر والكشف العلمي ما لا يعطيه لذلك الذي ميزه بالعقل والعلم.\nلماذا؟ لنعلم أن كل شيء من الله فلا نعبد قدراتنا، ولا نقول: انتهى عصر الدين والايمان وبدأ عصر العلم، بل نلتفت الى أن الله يعطي لمن هم دوننا في الخلق علما لا نصل نحن اليه، فنعرف أن كل شيء بقدرته وحده ﷾\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير لمعة الاعتقاد لعبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، الرياض، ط ١: ٢٣٢، بتصرف يسير.\n(^٢) الآيات الكونية ودلالتها على وجود الله تعالى، لمحمد متولي الشعراوي، أشرف واعتنى به: أحمد الزغبي: ١٤.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الزلازل والخسوف والبراكين</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>أولًا: اعتقاد أن للبراكين آلهة غير الله تعالى:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - البراكين - اعتقاد أن لها آلة غير الله تعالى، ويعود لفظ بركان إلى Valcan إله النار عند الرومان القدماء، ويعتقدون أن ما ينتج عنها من دمار وخراب هو من غضب الإله (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>ثانيًا: نسبة حدوث هذه الآيات الكونية - الزلازل والخسوف والبراكين- إلى الطبيعة أو بعض الخرافات:</span>\nفبعظهم ينسب حدوث هذه الآيات الكونية إلى وجود دواب خيالية تشبه الحيوانات التي يراها ولكنها أكثر منها ضخامة تقوم بحمل الأرض، ونتيجة لحركة هذه الدواب تهتز الأرض محدثة الزلازل، ومن تلك الأساطير المعروفة أسطورة الثور الذى يحمل الأرض على أحد قرنيه، فإذا ما أجهده حمله الثقيل نقلها إلى القرن الثاني، وهو ما ينجم عنه اهتزاز كوكب الأرض (^٢).\nأو تنسب هذه الآيات الكونية إلى غير خالقها سبحانه كأن ينسب ما يحدث من زلازل وبراكين وفيضانات إلى الطبيعة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ١٣/ ١٨٧، الله لعباس محمود العقاد: ٧٦.\n(^٢) انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ١٣/ ١٧٩.\n(^٣) انظر: الإسلام يتحدى: ٨١.","vol":"1","page":467},{"text":"ومنهم من يفسر الزلازل والخسوف والبراكين تفسيرا ماديا بحتًا، فيقولون أن سبب هذا الزلزال ضعف في القشرة الأرضية، ووجود اختلالات وفجوات في داخلها، أو أن هذا شيء يحصل في الكرة الأرضية كل مائتي عام.\nوالجواب عن هذا أن نقول نحن لا ننكر وجود مثل هذه الأسباب (^١)، ولكننا يجب أن نعلم أن وراء هذه الأسباب المادية أسبابًا شرعية هي التي سببت هذا الخلل في القشرة الأرضية أو غيره من الأسباب، ثم حصلت تلك الكوارث والمصائب، فهذه الأسباب المادية التي يذكرونها -إن صحت- لا تعدو أن تكون وسيلة لما تقتضيه الأسباب الشرعية من المصائب والعقوبات العامة. يقول الله تعالى بعد أن ذكر مصارع الأمم السالفة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٢).\nوهذه\"الزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات والحوادث لها أسباب وحكم فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك.\nوأما أسبابه فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض كما ينضغط الريح والماء في المكان الضيق فإذا انضغط طلب مخرجا فيشق ويزلزل ما قرب منه من الأرض.\nوأما قول بعض الناس إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض فهذا جهل، وإن نقل عن بعض الناس، وبطلانه ظاهر، فإنه لو كان كذلك لكانت الأرض\n_________\n(^١) انظر: فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ٣/ ١٠٦ ومجلة البحوث العدد ٧٧: ٤٥.\n(^٢) العنكبوت: ٤٠.","vol":"1","page":468},{"text":"كلها تزلزل، وليس الأمر كذلك، والله أعلم\" (^١).\nثم إن وجود هذه الأسباب التي خلقها الله تعالى، التي متى وجدت وجد الزلازل هذا لا يمنع أبدًا من تغير هذه السنة، ووقوعها في مناطق صلبة.\nوالله - ﷿ - لم يخلق الأشياء ولم يقدرها إلا لحكمة، وحصر الحكمة والعلة في الظواهر الطبيعة، من تغير في سير الأرض، ومواقع الجزر والقارات: تحكم بغير دليل.\nولما حدث الخسف بقارون فعلًا لم يكن السبب أن القشرة الأرضية كانت لينة وهينة بل السبب أنه عصى الله ورسوله، قال الله عنه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (^٢).\nوعندما أخبر - ﷺ - عن الرجل الذي خسف به لم يقل: إن السبب في الخسف هزة أرضية بل خسف به بسبب تكبره وتجبره، قال - ﷺ -: \" بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة\" (^٣).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^٤).\nفقوله: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي الرجفة والخسف (^٥)، فلا تنسب الحوادث للطبيعة ولا نشتم الطبيعة لأنها غير فاعلة، وإنما الفاعل هو الله،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٦٤، وانظر: كشف الصلصلة في وصف الزلزلة: ٢٥.\n(^٢) القصص: ٨١.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤): ٦٧١ برقم (٣٤٨٥).\n(^٤) الأنعام: ٦٥.\n(^٥) تفسير القرطبي: ٧/ ٩.","vol":"1","page":469},{"text":"وهو الذي يجعلها سببا لعذابه أو بلائه أو رحمته.\nوالقول عن هذه الآيات بأنه أمر طبيعي يبطل انتقام الله لأوليائه، قال ﷾ عن قوم صالح - ﵇ -: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (^١).\nوقال تعالى عن قوم شعيب - ﵇ -: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) الأعراف: ٧٧ - ٤٧\n(^٢) العنكبوت: ٣٧.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>المبحث الرابع البحار والأنهار</span>\nالبحر في اللغة:\nسمِّي البَحر بحرًا لاستبحارِه، وهو انبساطُه، وسَعَتُه، وعمقه، ويقال إِنما سمي البَحْر بَحْرًا لأَنه شَقَّ في الأَرض شقًّا وجعل ذلك الشق لمائه قرارًا، والبَحْرُ في كلام العرب الشَّقُّ.\nوالبَحْرُ الماءُ الكثيرُ مِلْحًا كان أَو عَذْبًا وهو خلاف البَرِّ، وقد غلب على المِلْح حتى قَلّ في العَذْبِ، وجمعه أَبْحُرٌ وبُحُورٌ وبِحارٌ، وماءٌ بَحْرٌ مِلْحٌ قَلَّ أَو كثر.\nوالأنهار كلها بحار، وكل نهر لا ينقطع ماؤه من الأَنهار العذبة الكبار فهو بَحْرٌ، وأَما البحر الكبير الذي هو مغيض هذه الأَنهار فلا يكون ماؤُه إِلَاّ ملحًا أُجاجًا ولا يكون ماؤه إِلَاّ راكدًا، وأَما هذه الأَنهار العذبة فماؤُها جار وسميت هذه الأَنهار بحارًا لأَنها مشقوقة في الأَرض شقًّا (^١).\nوفي الاصطلاح:\nالمحيط: جسم مائي عظيم يغطي أكثر من ٧٠% من سطح الأرض. ويحتوي على ٩٧% من جميع المياه الموجودة على الأرض.\nويشتمل كل محيط على أجسام مائية أصغر حجمًا تسمى بحارا وخلجانًا وشبه خلجان، تقع على امتداد حواف المحيطات. وعمومًا تعني كلمة البحر أيضًا المحيط (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٠١، لسان العرب: ١/ ٢١٥.\n(^٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٢/ ٢٧٩، ٤/ ١٩٣.","vol":"1","page":471},{"text":"النهر في اللغة:\nالنون والهاء والراء أصل صحيح يدلّ على تفتُّح شيءٍ أو فتحِه. وسمِّي النّهرُ لأنَّه يَنْهَر الأرض أي يشقُّها. وجمع النَّهر أنهارٌ ونُهُر ونهور. واستَنْهَرَ النّهرُ: أخَذَ مَجراه. وأنْهَر الماءُ: جرى (^١).\nوالنَّهَر من مجاري المياه. ونَهَرَ الماءُ، إِذا جرى في الأَرض، وجعل لنفسه نَهَرًا، ونَهَرْتُ النَّهْرَ حَفَرْتُه، ونَهَرَ النَّهْرَ يَنْهَرُهُ نَهْرًا أَجراه (^٢).\nوفي الاصطلاح:\nمسطح مائي ينساب على اليابسة في مجرى طويل. وتبدأ معظم الأنهار من أعالي الجبال أو التلال، وقد يكون منبع النهر مثلجة، أو نهرًا جليديًا ينصهر، أو ينبوعًا، أو بحيرة تفيض مياهها. ويتلقى النهر أثناء جريانه في مجراه المزيد من المياه من الجداول، والأنهار الأخرى، ومياه الأمطار، ويقع مصب النهر في نهايته، حيث تصب مياهه في نهر أكبر، أو في بحيرة، أو في أحد المحيطات (^٣).\nوقد ورد لفظ البحر في القرآن في (٣٣) موضعًا، وبلفظ التثنية في (٥) مواضع، وبلفظ الجمع في (٣) مواضع (^٤).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٦٢.\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٦٢، ولسان العرب: ٦/ ٤٥٦٦.\n(^٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٥٣٩.\n(^٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ١٤٥.","vol":"1","page":472},{"text":"وورد لفظ النهر في القرآن في (٣) مواضع، وبلفظ الجمع في (٥١) مواضع (^١).\nأما في السنة فقد وردت البحار في (٥٩) حديثًا (^٢).\nوذكر بعض المفسرين أن البحر في القرآن ورد على أنحاء (^٣):\nالأول: بمعنى ضد البر: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ (^٤)، ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ (^٥).\nالثاني: بمعنى بحر فارس والروم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (^٦).\nالثالث: بمعنى البحر الذي تحت العرش المجيد، وفيه عجائب لا يعلمها إلا الله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (^٧).\nالرابع: بمعنى الأرياف والقرى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^٨) أي فى البوادى والحواضر.\nأما النهر فورد على أنحاء كذلك (^٩):\nالأول: نهر الأردن بالشام، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (^١٠).\nالثاني: معناه العيون. قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (^١١).\n_________\n(^١) انظر: المرجع السابق: ٨٩٠.\n(^٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.\n(^٣) انظر: بصائر ذوي التمييز: ٢/ ٢٢٥.\n(^٤) الدخان: ٢٤.\n(^٥) يونس: ٩٠.\n(^٦) فاطر: ١٢.\n(^٧) الطور: ٤ - ٦.\n(^٨) الروم: ٤١.\n(^٩) انظر: بصائر ذوي التمييز: ٢/ ١٢٩.\n(^١٠) البقرة: ٢٤٩.\n(^١١) محمد: ١٥.","vol":"1","page":473},{"text":"الثالث: بساتين الدنيا وأنهارها، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^١).\nالرابع: تجرى تحت غرفها وعلاليها الأنهار، قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٢). والله أعلم.\n_________\n(^١) نوح: ١٢.\n(^٢) البينة: ٨.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>الدلائل العقدية للآيات الكونية - البحار والأنهار</span>-:\nتعددت الآيات الكريمة التي يذكر الله فيها تسخير البحر، وأن ذلك دليل على قدرته ﷾ ورحمته بعباده، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣).\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: \" فصل ومن آياته وعجائب مصنوعاته البحار المكتنفة لأقطار الأرض التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الارض، حتى أن المكشوف من الارض والجبال والمدن بالنسبة الى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب ﵎ له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها، هذا طبع الماء، ولهذا حار عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الأرض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وأن يغمره، ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الأزلية والحكمة الإلهية التي اقتضت ذلك ليعيش الحيوان الأرضي في الأرض، وهذا حق،\n_________\n(^١) الجاثية: ١٢.\n(^٢) النحل: ١٤.\n(^٣) الحج: ٦٥.","vol":"1","page":475},{"text":"ولكنه يوجب الاعتراف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته وصفات كماله، ولا محيص عنه\" ...\nثم ذكر جملة من عجائب البرح، وقال: \"وإذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف اجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها\" ....\nثم قال: \"فما أعظمها من آية، وأبينها من دلالة، ولهذا يكرر سبحانه ذكرها في كتابه كثيرًا، وبالجملة فعجائب البحر وآياته أعظم وأكثر من أن يحصيها إلا الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>أولًا: توحيد الربوبية:</span>\nلما بين الله تعالى جهل المعرضين عن أدلة التوحيد ومناقشتهم وفساد تفكيرهم في ذلك، ذكر أدلة دالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة من الآيات الكونية التي يدركها ويشاهدها عيانا كل مخلوق، ومنها: البحار المالحة والعذبة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (^٣) فالله وحده هو \"الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب شديد العذوبة، وهذا مالح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا\n_________\n(^١) الحاقة: ١٢ - ١٣.\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(^٣) الفرقان: ٥٣.\n(^٤) الرحمن: ١٩ - ٢١.","vol":"1","page":476},{"text":"أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١) \" (^٢).\nوفي سورة النمل لما ذكر الله تعالى قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم، ثم رد على المشركين ببيان الأدلة المختلفة على وحدانيته وتفرده بالخلق، وقدرته، وإخلاص العبادة له، قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، فذكر منها مما يتعلق بالأرض وأنه جعل ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ وجعل ﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾، ثم قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أيوجد إله مع الله فعل هذا وأبدع هذه الكائنات؟ ! بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحق فيتبعونه، ولا يعرفون قدر عظمة الإله المستحق للعبادة.\nوفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (^٤) دليل على ربوبية الله تعالى، فإن خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسرا للانتفاع بالأسفار فيه حين لا تغني طرق البر في التنقل عنه، فجعله قابلا لحمل المراكب العظيمة منها، أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته (^٥).\n_________\n(^١) النمل: ٦١.\n(^٢) التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، لوهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط ٢: ١٩/ ٨٤، وانظر: التحرير والتنوير: ١٩/ ٥٣.\n(^٣) النمل: ٥٩ - ٦١.\n(^٤) لقمان: ٣١.\n(^٥) التحرير والتنوير: ٢١/ ١٩٠.","vol":"1","page":477},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^١).\nفهذه المخلوقات العظيمة، وما فيها من العبر دالة على كماله ﷾ وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: الذي انفرد بخلقها وتسخيرها، وهو وحده المتصرف فيها، وهو الرب المألوه المعبود، الذي له الملك كله، وأن الذي يدعى من غير الله الله لا يملكون شيئًا\" (^٢).\nوأخبر النبي - ﷺ - أن ملك الله - ﷿ - لا ينقص منه شيء ولو أعطى كل إنسان مسألته إلا كما ينقص البحر إذا أدخل فيه المخيط، وهذا من باب التوضيح والتقريب وإلا فملك الله أعظم من ذلك، وعن أبي ذر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - عن الله - ﷿ - قال: \"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر\" (^٣).\n_________\n(^١) فاطر: ١٢ - ١٤.\n(^٢) انظر: تفسير السعدي: ٦٨٦.\n(^٣) صحيح مسلم، باب تحريم الظلم، كتاب البر والصلة والآداب: ٤/ ١٩٩٤ برقم (٢٥٧٧).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>١ - العلم:</span>\n\" قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^١).\nهذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلا لعلم الله المحيط\" وأنه شامل للغيوب كلها، ومن ذلك ما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها.\nفهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث\" (^٢).\nوفي بيان سعة علم الله قال الخضر لموسى i: \" والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر\" (^٣)، \"فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك بأن الله له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>٢ - صفة الكلام:</span>\n\" قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ\n_________\n(^١) الأنعام: ٥٩.\n(^٢) تفسير السعدي: ٢٥٩ باختصار.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ٩١، برقم (٤٧٢٦).\n(^٤) تفسير السعدي: ٤٨٨، ٦٥٠.","vol":"1","page":479},{"text":"سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^١)، فأخبر الله - ﷿ - عن عظمته وسعة صفاته وأن العباد لا يحيطون بشيء منها، ومن تلك الصفات كلام الله، الذي لو كان البحر مددًا لها، وأشجار الدنيا من أولها إلى آخرها، من أشجار البلدان والبراري، والبحار، أقلام، لنفد البحر، وتكسرت الأقلام، قبل أن تنفد كلمات ربي، وهذا شيء عظيم، لا يحيط به أحد.\n\" وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (^٢).\n\" \"وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات، منقضية منتهية، وأما كلام الله، فإنه من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة، ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب فالله فوق ذلك\" (^٣).\n\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nسبق في المبحث السابق - الأرض (^٤) - أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٥)، وذكر منها الأنهار التي جعلها في الأرض (^٦)، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) لقمان: ٢٧.\n(^٢) الكهف: ١٠٩.\n(^٣) تفسير ابن سعدي: ٤٨٨.\n(^٤) ص: ٣٩٣.\n(^٥) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.\n(^٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٠٣.\n(^٧) النمل: ٦١.","vol":"1","page":480},{"text":"ولما ذكر الله - ﷿ - أنه الإله الواحد المعبود بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^١) ذكر الحجة على ذلك التي تبين التوحيد، وكان من جملة ما ذكر الله تعالى تسخير البحر لتجري فيه الفلك (^٢)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٣).\nوقد أمر الله - ﷿ - نبيه محمدًا - ﷺ - أن يقول للمشركين ملزما لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، على ما أنكروا من توحيد الإلهية: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^٤).\nثم كان الجواب: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ \"فأي برهان أوضح من هذا على بطلان الشرك، وصحة التوحيد؟ \" (^٥).\nوقد استدل الله بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها، بتفرده ﷾ بالإلهية فقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٦)، \"فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها\n_________\n(^١) البقرة: ١٦٣.\n(^٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٢، والتحرير والتنوير: ٢/ ٧٦.\n(^٣) البقرة: ١٦٤.\n(^٤) الأنعام: ٦٣.\n(^٥) تفسير السعدي ص: ٢٦٠، ٣٦١، وانظر: التحرير والتنوير: ٧/ ٣٩٢، ١١/ ١٣٥.\n(^٦) فاطر: ١٢.","vol":"1","page":481},{"text":"بخصائص مختلفة واتحاد أنواعها في خصائص متماثلة استدلالًا على دقيق صنع الله تعالى، ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما.\nفالتقدير: وخلق البحرين العذب والأجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما، ففي الكلام إيجاز حذف، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه؛ لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع الله تعالى\" (^١) الذي يستلزم إفراد الله بالعبادة لأن القادر على ذلك هو الله وحده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>١ - القسم:</span>\nيقسم الله بمخلوقاته مما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته (^٢)، ويقسم بها على أن القيامة واقعة، ومن ذلك القسم بالبحر، قال تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (^٣).\nفالله ﷾ يقسم بهذه الخلائق العظيمة على أمر عظيم، وهو وقوع العذاب على الكافرين (^٤).\n\"ومناسبة القسم به -أي البحر- أنه به أهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون (^٥).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ٢٢/ ٢٧٩.\n(^٢) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣١٤، وإمعان في أقسام القرآن: ٩/ ٤١.\n(^٣) الطور: ١ - ٧.\n(^٤) انظر: زاد المسير ٨/ ٤٧.\n(^٥) التحرير والتنوير: ٢٧/ ٣٩.","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>رابعًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات الآية التي أظهرها الله - ﷿ - لموسى - ﵇ - وقومه حينما أمره بضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كالطود العظيم فنجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه (^١)، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (^٣).\nوقد كان المشركون يطلبون من النبي - ﷺ - على سبيل التحدي والتعجيز- بعض الآيات والتي منها تفجير الأنهار وأنهم لن يؤمنوا حتى يفعل ذلك (^٤)، قال الله تعالى مخبرًا عن حالهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ... (^٥).\nومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله - ﷿ - لأتباع الرسل،\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٥، وتفسير السعدي: ٥٩٢، والتحرير والتنوير: ١/ ٤٩٤.\n(^٢) الشعراء: ٦١ - ٦٨.\n(^٣) البقرة: ٥٠.\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ١٢٠، ٦/ ٩٥، وتفسير السعدي: ٥٧٨.\n(^٥) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.","vol":"1","page":483},{"text":"إجابة لدعوتهم ونصرة لهم (^١).\nوقد شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - الجوع فقال: \"عسى الله أن يطعمكم\"، فأتينا سيف البحر، فزخر (^٢) البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار فاطبخنا واشتوينا وأكلنا حتى شبعنا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد أقسم الله - ﷿ - بالبعث والجزاء بالآيات العظيمة التي منها البحر المسجور (^٤).\nقال تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (^٥).\nفهذه\"الأشياء التي أقسم الله بها، مما يدل على أنها من آيات الله وأدلة توحيده، وبراهين قدرته، وبعثه الأموات، ولهذا قال: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ أي: لا بد أن يقع، ولا يخلف الله وعده وقيله\" (^٦).\nوأخبر الله - ﷿ - أن في الجنة أنهارًا، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٤٧\n(^٢) أي: علا موجه، شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٤٧.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر: ٤/ ٢٣٠٨ برقم (٣٠١٤).\n(^٤) المسجور: أي المملوء، وقيل: الموقد، انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ٦١.\n(^٥) الطور: ١ - ٧.\n(^٦) تفسير السعدي: ٨١٣.","vol":"1","page":484},{"text":"وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (^١).\nوأخبر النبي - ﷺ - عن ما في الدنيا من أنهار الجنة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة\" (^٢).\nوفي الحديث: عن مالك بن صعصعة - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر، فإذا ورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات\" (^٣).\nففي الأرض أربعة أنهار أصلهما من الجنة (^٤)، \"وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه\" (^٥).\nوفي بيان شدة حر جهنم أخبر النبي - ﷺ - أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وأنها ضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك لما انتفع بها، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\" (^٦).\n_________\n(^١) محمد: ١٥.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة: ٤/ ٢١٨٣ برقم (٢٨٣٩).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٦ برقم (٣٢٠٧).\n(^٤) فتح الباري- ٧/ ٢١٣.\n(^٥) شرح النووي على مسلم ١/ ٢٩٥.\n(^٦) مسند أحمد ١٢/ ٢٨٠، برقم (٧٣٢)، قال المحقق: وهو صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن كثير: إسناده صحيح. انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ١٨٩.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>سادسًا الإيمان بالقدر:</span>\nسبق في المبحث السابق - الجبال (^١) - أن من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وأن الله - ﷿ - نبه على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، وفي هذه الآيات الكونية -البحار والأنهار- يقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٢).\nوهذا التفاوت دليل عقلي على مشيئة الله تعالى التي خصصت ما خصصت منها بطعمه، فهذا عذاب فرات وهذا ملح أجاج، وقدرة الله وحكمته ورحمته، وسعة علمه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>سابعًا: مسائل على الإيمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>تكفير السيئات:</span>\nفي بيان النبي - ﷺ - تكفير الأعمال الصالحة -ومنها التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح- للسيئات أخبر النبي - ﷺ - أن هذه الخطايا تُكفّر وإن كانت مثل زبد البحر (^٤)، وهذا كناية عن المبالغة في الكثرة (^٥).\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من قال سبحان الله وبحمده\n_________\n(^١) ص: ٤١٠.\n(^٢) فاطر: ١٢.\n(^٣) انظر: تفسير السعدي: ٦٨٨، التحرير والتنوير: ٢٢/ ٢٧٩.\n(^٤) وهو ما يعلو على وجه البحر. فيض القدير: ٦/ ١٤٧.\n(^٥) فتح الباري: ١١/ ٢٠٦، ٢/ ١٢، فيض القدير ٦/ ١٩٠.","vol":"1","page":486},{"text":"في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" (^١).\nوعنه - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير - غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>ثامنًا: الجن:</span>\nالجن وصفاتهم من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن عرش إبليس على البحر (^٣).\nعن جابر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة\" (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>تاسعًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>ضرب الأمثال:</span>\nمن منهج وطريقة أهل السنة في الاستدلال ضرب الأمثال للتوضيح والتقريب، ومن ذلك مما يتعلق بهذه الآيات الكونية -البحار والأنهار- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التهليل: ١٢٢٩، برقم (٦٤٠٥).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفة: ١/ ٤١٨ برقم (٥٩٧).\n(^٣) انظر: فتح الباري: ٦/ ٣٤١.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا: ٤/ ٢١٦٧ برقم (٢٨١٣).\n(^٥) فاطر: ١٢.","vol":"1","page":487},{"text":"وهذا مثل ضربه الله\"في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع كما لا يشبه البحر العذب والملح الأُجاج، ومن كل أي ومن كل واحد منهما تأكلون لحمًا طريًا وتستخرجون حلية\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (^٢).\nوهذا مثل ضربه الله للكافر وبطلان عمله بالبحر اللجي، وهو البعيد القعر الكثير الماء، يغشاه بعلوه موج، وهو ما ارتفع من الماء، من فوقه موج متراكم بعضه على بعض، من فوق الموج سحاب، وهذه كلها ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة البحر (^٣)\n\"وهذا التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة محسوسة كما يقال شاهدت سواد الكفر في وجه فلان\" (^٤)\n_________\n(^١) انظر: تفسير الرازي: ٢٦/ ١٠، والكشاف: ٣/ ٦١٤.\n(^٢) النور: ٤٠.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي ١٢/ ٢٨٣، وتفسير السعدي: ٥٦٩.\n(^٤) التحرير والتنوير ١٨/ ٢٥٥.","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - البحار والأنهار</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>أولًا: تخصيص البحر ببعض الأدعية المبتدعة:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - البحار والأنهار - تخصيص أدعية خاصة بالبحر، ومنها دعاء البحر، والذي فيه:\n\"وسخر لنا هذا البحر، وكل بحر هو لك في الأرض والسماء والملك والملكوت وبحر الدنيا وبحر الآخرة ... كما سخرت البحر لموسى - ﵇-\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" هذا كلام لا يقوله من يتصور ما يقول فإن الإنسان إذا كان راكبا بحرا من البحار فما يصنع حينئذ بتسخير البحار البعيدة؟ ! ...\nوأيضا فقول القائل: سخر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى كلام باطل، فإن الله فرق البحر لموسى حتى مشى على الأرض لم يركب البحر، وهذا الداعي ليس مطلوبه أن يفرقه له، ولو طلب ذلك لم يفرقه الله له، فلا يجوز طلب تسخير كتسخير موسى، وإن قال: أردت به أصل التسخير لا صفته فقوله سخر لنا هذا البحر كاف، فلا حاجة إلى التشبيه، مع أن فرق البحر لموسى لا يسمى تسخيرا بل هو أعظم من التسخير.\nوإن أراد به خرق العادة كما خرقت العادة لموسى وإبراهيم وداود\n_________\n(^١) انظر: حزب البحر - ضمن كتاب درة الأسرار وتحفة الأبرار للحميري: ٧٥، ومواقع الفرقة الشاذلية على الانترنت ... http://www.shazly.com/awrad.php? page=bahr.htm\nhttp://www.shazellia.com/viewpage.php? page_id=٧","vol":"1","page":489},{"text":"وسليمان كان هذا جهلا فإن ركوب البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة.\nوالكلام المعروف في مثل هذا أن يقال: يا من فرق البحر لموسى، وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وسخر الريح والجن لسليمان سخر لنا هذا البحر؛ لأن هذا وصف لله بكمال القدرة العظيمة التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة، فيقال: يا من فعل هذا افعل بنا هذا.\nوأما أن يقال: سخر لنا هذا كما سخرت هذا فلم يعرف عن المتقدمين مثل هذا الكلام بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من يتصور ما يقول\" (^١).\n_________\n(^١) الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: علي العمران، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٣٦ - ٤٥، باختصار.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>١ - حديث استأذن البحر أن يغرق أهلها</span>.\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله - ﷿ - \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>٢ - حديث كلام الله للبحر</span>.\nعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \" أن الله تعالى كلم البحر، فقال للبحر الذي بالشام: يا بحر إنما قد خلقتك فأكثرت فيك من الماء حامل فيك عبادا يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ويكبروني ويمجدوني فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم، قال الله: إني أحملهم على ظهرك، وأجعل بأسك في نواحيك. ثم قال للبحر الذي باليمين: مثل ذلك، فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهلك وأكبرك معهم، فأحملهم في بطني وبين أضلاعي، قال الله: أفضلك على البحر الآخر بالحلية والطيب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>٣ - البحر هو جهنم</span>.\nعن يعلى بن أمية - ﵁ -، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: \"البحر هو جهنم\"،\n_________\n(^١) مسند أحمد: ١/ ٣٩٥ برقم (٣٠٣) وقال محققه: إسناده ضعيف لجهالة الشيخ الذي روى عنه العوام بن حوشب، وأبو صالح مولى عمر مجهول أيضًا. وانظر: العلل المتناهية: ١/ ٤١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٣٠.\n(^٢) حديث موضوع، انظر: العلل المتناهية: ١/ ٣٧ - ٤٠، والسلسلة الضعيفة: ١٣/ ١٠٦٧.","vol":"1","page":491},{"text":"قالوا ليعلى، فقال: ألا ترون أن الله - ﷿ - يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (^١) قال: \" لا، والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله - ﷿ -، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله - ﷿ - \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>٤ - إن تحت البحر نار، وتحت النار بحر</span>.\nعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \" لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز فى سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>٥ - تولي الله - ﷿ - قبض أرواح شهداء البحر:</span>\nعن أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"شهيد البحر مثل شهيدي البر. والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر. وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله. وإن الله - ﷿ - وكل ملك الموت بقبض الأرواح. إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين. ولشهيد البحر الذنوب والدين\" (^٤).\n_________\n(^١) الكهف: ٢٩.\n(^٢) مسند أحمد: ٢٩/ ٤٧٨، برقم (٧٩٦)، وقال محققه: \"إسناده ضعيف، محمد بن حيي مجهول، وعبد الله بن أمية لم يرو عنه غير أبي عاصم، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في\"الثقات\"، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ١/ ٢٣٤، \"رواه الحاكم في الأهوال من هذا الوجه، بلفظ إن البحر، وقال: إنه صحيح الإسناد، وقد قدمت الرواية الصحيحة، أن جهنم تحت الأرض السابعة\". انتهى. وانظر: السلسلة الضعيفة: ٣/ ٩٢ برقم (١٠٢٣).\n(^٣) سنن أبى داود، كتاب الجهاد، باب في ركوب البحر في الغزو: ٢٨٣ برقم (٢٤٨٩)، وقال: \"رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح\"، ورواه البزار من حديث نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. انظر: التلخيص الحبير: ٢/ ٤٢٤ برقم (٨٥٢)، والسلسلة الضعيفة: ١/ ٢٨١ برقم (٤٧٨).\n(^٤) سنن ابن ماجه: ٢/ ٩٢٨، كتاب الجهاد، باب فضل غزو البحر: ٣٠٣ برقم (٢٧٧٨)، وقال الألباني: ضعيف جدًا. سلسلة الأحاديث الضعيفة: ٢/ ٢٢٢ برقم (٨١٧).","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>المبحث الخامس الليل والنهار</span>\nالليل والنهار في اللغة:\nالليل: اللام والياء واللام كلمة، وهي الليل خلاف النهار، والليل عقيب النهار ومبدؤه من غروب الشمس، والليل ظلام الليل، والنهار الضياء فإذا أفردت أحدهما من الآخر قلت: ليلة يوم.\nالنهار: النون والهاء والراء أصل صحيح يدل على تفتح شيء أو فتحه. ومنه النهار: انفتاح الظلمة عن الضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس (^١).\nوالنهار اسم وهو ضد الليل، والنهار اسم لكل يوم، والليل اسم لكل ليلة، لا يقال نهار ونهاران ولا ليل وليلان، إنما واحد النهار يوم، وتثنيته يومان، وجمعه أيام، وضد اليوم ليلة وجمعها ليال.\nوفي الاصطلاح:\nاليوم هو الزمن (الوقت) الذي تستغرقه الأرض في الدوران حول نفسها، ويسمى اليوم الشمسي. وتطلق كلمة يوم في العادة على الوقت الذي تكون فيه الشمس ساطعة على ذلك الجزء الذي نعيش فيه على الأرض. وتطلق أيضا كلمة ليل على الوقت الذي يكون فيه الجزء الذي نعيش فيه مظلما، أو بعيدا عن الشمس. ولكن الليل في حقيقة الأمر ما هو إلا جزء من اليوم (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٢٥، لسان العرب: ٥/ ٤١١٥، ٦/ ٤٥٥٧.\n(^٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٧/ ٣٨٩.","vol":"1","page":493},{"text":"وقد ورد لفظ الليل في القرآن في (٩٠) موضعًا، وبلفظ الجمع في (٤) مواضع (^١)، وأما لفظ النهار فقد ورد في (٥٧) موضعًا (^٢).\nوورد الليل في السنة في (٥٦) حديثًا، والنهار في (٣٧) حديثًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٣١ - ٨٣٣.\n(^٢) انظر: المرجع السابق: ٨٩٠ - ٨٩١.\n(^٣) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٦.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>الدلائل العقدية للآيات الكونية - الليل والنهار</span>-:\nمن أعظم حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته خلق الضدين، إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه، كالليل والنهار.\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآيات الكونية: \" فصل، ومن آياته سبحانه تعالى الليل والنهار، وهما من أعجب آياته، وبدائع مصنوعاته، ولهذا يعيد ذكرهما في القرآن ويبديه كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (^٢) وقوله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣) وقوله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (^٤)، وهذا كثير في القرآن فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته، كيف جعل الليل سكنا ولباسا، يغشى العالم فتسكن فيه الحركات وتأوى الحيوانات إلى بيوتها والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح ﷾ بالنهار، يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فياله\n_________\n(^١) فصلت: ٣٧.\n(^٢) الفرقان: ٤٧.\n(^٣) الأنبياء: ٣٣.\n(^٤) غافر: ٦١.","vol":"1","page":495},{"text":"من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر وتكرره.\nودوام مشاهدة النفوس له بحيث صار عادة ومألفا منعها من الاعتبار به والاستدلال به على النشأة الثانية وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة ولا قصور في حكمته ولا في علمه يوجب تخلف ذلك، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهذا أيضًا من آياته الباهرة أن يعمي عن هذه الآيات الواضحة البينة من شاء من خلقه فلا يهتدي بها ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء إلى حلقه وهو يستغيث من العطش وينكر وجود الماء، وبهذا وأمثاله يعرف الله - ﷿ - ويشكر ويحمد ويتضرع اليه ويسأل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>أولًا: توحيد الربوبية:</span>\nبين الله - ﷿ - أن النظر في ملكوت السماوات والأرض والتأمل في خلقهما يدل على وحدانيته - ﷿ -، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه (^٢).\nوعظمة هذا الكون، وإبداع السموات والأرض، وتصرف الرب - ﷿ - فيه ومن ذلك الليل والنهار، يدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، ويتصرف فيهما بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وتغير أحوالهما بالحرارة والبرودة، وتعاقبهما بنظام ثابت دقيق، دليل قاطع محسوس على وجود الإله الخالق المبدع، والرب الواحد المتصرف، الذي لا رب سواه، ولا معبود بحق غيره (^٣).\nقال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وانظر: مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٦٢٥.\n(^٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٣، ٢٨٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.\n(^٣) انظر: التفسير المنير: ١٨/ ٢٦٥.\n(^٤) النور: ٤٤.","vol":"1","page":496},{"text":"وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ -: \" قال الله - ﷿ -: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار\" (^١).\nومن أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى أن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئًا، وخلقه تعالى الأضداد لبيان أنها مقهورة (^٢)، ومن ذلك الليل والنهار فيدخل بعضها على بعض فيحصل الفصول والضياء والنور والظلمة والسكون والانتشار قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٣).\nوقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ربوبيته وإلهيته وعلى كماله في أسمائه وصفاته اختلاف الليل والنهار، وأخبر أنها آيات لقوم يتقون (^٤)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (^٥).\nكما أخبر الله - ﷿ - أنه جعل الليل سكنًا والنهار معاشًا وبين عجز الآلهة التي تعبد من دون الله عن ذلك، وأنه لا دليل لهم على عبادتها؛ فإنها لا تملك شيئًا، وهذه من الحجج والأدلة التي يستدل بها على عظمة الخالق وربوبيته (^٦)، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٢٧٩.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦١، تفسير السعدي: ١٢٦.\n(^٣) آل عمران: ٢٦ - ٢٧.\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٢، التفسير المنير: ١٥/ ٣٣.\n(^٥) يونس: ٦.\n(^٦) تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٨٢، ٥/ ٣٤١.","vol":"1","page":497},{"text":"يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>١ - العلم:</span>\nفي سياق التذكير بعلم الله تعالى وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد وأنه محاسبهم يوم القيامة، بعد أن ذكر الله أن له ملك السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٣)، فكل ما سكن في الليل والنهار فهو ملك الله، وخص ما سكن من ذلك لتقرير عموم الملك لله تعالى بأن ملكه شمل الظاهرات والخفيات، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>٢ - صفة العلو:</span>\nمن الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله تعالى أن الأعمال ترفع إليه ﷾، وقد جاء في الحديث أن الأعمال ترفع\n_________\n(^١) يونس: ٦٦ - ٦٧.\n(^٢) الأعراف: ٥٤.\n(^٣) الأنعام: ١٣.","vol":"1","page":498},{"text":"إلى الله تعالى بالليل والنهار (^١)، عن أبي موسى - ﵁ - قال: \" قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، ويرفع إليه عمل النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>٣ - صفة اليد وبسطها:</span>\nمن الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات اليد لله تعالى، وأنه يبسطها كيفما شاء ما جاء في الحديث أن الله يبسط يده للتائب بالليل وبالنهار (^٣)، عن أبي موسى - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله - ﷿ - يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-484>٤).\n\n٤ - صفة النزول:</span>\nأخبر النبي - ﷺ - أن الله - ﷿ - ينزل إلى السماء الدنيا وذلك كل ليلة (^٥)، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له،\n_________\n(^١) انظر: الرد على الجهمية، للدارمي: ٥٣، والعلو للعلي الغفار للذهبي: ٢٣، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (في التوحيد)، للشيخ حافظ الحكمي، تحقيق: عمر أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ٣: ١/ ١٦١.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه: ١/ ١٦١، برقم (١٥٧).\n(^٣) انظر: كتاب التوحيد لابن منده، تحقيق: علي الفقيهي، دار الغرباء، المدينة، ط ٢: ٢/ ٩٣، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٣/ ٤١٤، والإبانة لابن بطة: ٣/ ٣٠٩.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة: ٤/ ٢١١٣، برقم (٢٧٥٩).\n(^٥) انظر: الإبانة لابن بطة: ٣/ ٢٠١، والتوحيد لابن خزيمة: ١/ ٢٨٩.","vol":"1","page":499},{"text":"ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nيقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآيات الكونية العظمية، وهو المتفرد بذلك:\nومن ذلك تفرده بخلق السماوات والأرض، وتصرفه في الليل والنهار واختلافها في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر، فهي آيات في خلقها وإحكامها وإتقانها يدل على وجوب إفراد الله بالعبادة وأن لا شريك معه غيره ﷾ (^٢): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ الفتح: ١٥: ١٤٢٩ برقم (٧٤٩٤)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه: ١/ ٥٢١، برقم (٧٥٨).\n(^٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩١ - ١٩٢، وتفسير السعدي: ١٦١.\n(^٣) آل عمران: ١٩٠ - ١٩١.\n(^٤) الأنعام: ٦٠.","vol":"1","page":500},{"text":"(٣٠)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣)، \"فالله - ﷿ - يظهر هذه الآيات ليستدل بها على أنه الحق، وأن كل ما سواه باطل، وأنه القادر على هذه الأشياء وحده، فكل ما في السماوات والأرض خلقه وعبيده، فوجب أن تكون العبادة له وحده لا إله إلا هو\" (^٤).\nومن الأدلة التي ذكرها الله - ﷿ - على أنه سبحانه هو المعبود وحده لا شريك له قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥).\n\"فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له\" (^٦).\n_________\n(^١) لقمان: ٢٩ - ٣٠.\n(^٢) فاطر: ١٣ - ١٤.\n(^٣) الرعد: ٣.\n(^٤) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٤٨، وانظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٥٠.\n(^٥) الأعراف: ٥٤.\n(^٦) تفسير السعدي: ٩١، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٤، والتحرير والتنوير: ٦/ ٣٧٨.","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>١ - الاستعاذة:</span>\nأمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من الليل ومن شره وشر ما فيه (^١)، فعن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا أمسى قال: \"أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: أراه قال فيهن: له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة، وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل، وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر، وإذا أصبح قال ذلك أيضا أصبحنا وأصبح الملك لله\" (^٢).\nوقد أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من الغاسق، وقد قيل إن الغاسق: هو الليل إذا أقبل بظلامه (^٣)، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>٢ - القسم:</span>\nأقسم الله - ﷿ - بالليل والنهار \"وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره\" ...\nفهو \"سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تحفة الأحوذي: ٩/ ٣٣٤.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل: ٤/ ٢٠٨٨، برقم (٢٧٣٣).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٣٠، وتفسير البغوي: ٤/ ٧٢٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٥٣٥.\n(^٤) الفلق: ١ - ٣.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وانظر: إمعان في أقسام القرآن: ٩، ٤١.","vol":"1","page":502},{"text":"فأقسم تعالى بالليل وقت إدباره، ووقت تغطيته وجه الأرض، والنهار وقت إسفاره وتجليته ما على الأرض، إلى غير ذلك، \"لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سلطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه\" (^١).\nفقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>رابعًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بجميع ما أخبر الله به ورسوله - ﷺ - عنهم وعن أعمالهم، ومن ذلك أن النبي - ﷺ - أخبر أن لليل ملائكة وللنهار ملائكة ويجتمعون في صلاة الفجر (^٥)، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين درجة، قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر\"، قال أبو هريرة - ﵁ -: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٦) \" (^٧).\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٨٩٧، وانظر: التحرير والتنوير: ٣٠/ ٣١٢.\n(^٢) المدثر: ٣٢ - ٣٤.\n(^٣) الشمس\" ١ - ٤.\n(^٤) الفجر: ٤.\n(^٥) انظر: فتح الباري: ٢/ ٣٦.\n(^٦) الإسراء: ٧٨.\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها: ١/ ٤٤٩، برقم (٦٤٩).","vol":"1","page":503},{"text":"ومن أعمالهم أنهم يشهدون ويحضرون قراءة الليل (^١)، عن جابر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل\" (^٢).\nوأن منهم من الموكل بحفظ أعمال بني آدم في الليل والنهار (^٣)، كما في الحديث: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" (^٤).\nوأنهم يسبحون الله الليل والنهار (^٥)، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (^٦).\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٩٣، وفتح الباري: ١/ ١٠٦.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله: ١/ ٥٢٠، برقم (٧٥٥).\n(^٣) الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة للشيخ صالح الفوزان، دار الوطن، الرياض، ط ١: ١٨.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما: ١/ ٤٣٩ برقم (٦٣٢).\n(^٥) تفسير ابن كثير: ٥/ ٣٣٦.\n(^٦) الأنبياء: ١٩ - ٢٠.\n(^٧) فصلت: ٣٧ - ٣٨.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>خامسًا: الإيمان بالكتب:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أنه أنزل هذا القرآن في الليل، بل أقسم على ذلك (^١)، وبين أنه أنزله في ليلة مباركة (^٢)، فقال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (^٤).\nولما ذكر الله - ﷿ - القرآن والأمر بتعظيمه في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٥) ذكر من الآيات والأدلة ما يدل على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحِكم والأحكام، ومن هذه الآيات التي ذكرها الليل والنهار (^٦)، فقال تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٧).\nوأقسم الله - ﷿ - على علو سند القرآن وجلالته بالليل إذا أدبر، وقيل أقبل، وبالصبح إذا انشق نوره (^٨)، فقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٤٥، وتفسير السعدي: ٧٧١.\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٩٣، فتح الباري: ١/ ١٠٦.\n(^٣) الدخان: ١ - ٣.\n(^٤) القدر: ١ - ٣.\n(^٥) الجاثية: ١ - ٢.\n(^٦) انظر: تفسير السعدي: ٧٧٥.\n(^٧) الجتثية: ٥ - ٦.\n(^٨) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٠، وتفسير السعدي: ٩١٢، والتحرير والتنوير: ٣٠/ ١٥٢.\n(^٩) التكوير: ١٧ - ١٩.","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>سادسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبر الله به عنهم ومن ذلك الإسراء، وقد كان الإسراء بالنبي - ﷺ - ليلًا (^١)، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).\nفأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه.\nولما قال المشركون: أن الله ترك محمدًا - ﷺ - (^٣) أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله - ﷺ - ونصره له (^٤)، فقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nأقسم الله تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، على عظم النار يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا\n_________\n(^١) انظر: السنة لأحمد بن محمد بن هارون الخلال، تحقيق: عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط ١: ١/ ٢٣٩، والحجة في بيان المحجة: ١/ ٥٣٦، والإسراء والمعراج لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، عمان، ط ٥: ٧.\n(^٢) الإسراء: ١.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والبر، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين: ٣/ ١٤٢١، رقم (١٧٩٧).\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٩٢.\n(^٥) والضحى: ١ - ٣.","vol":"1","page":506},{"text":"أَسْفَرَ﴾ (^١)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا﴾ أي النار ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (^٢) \" أي لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر عما خلق له وعما يحبه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم (^٣).\nومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل الليل لباسًا وجعل النهار معاشا، وأنه أظلم الليل، وأبرز وأظهر النهار، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (^٥).\nفالذي أنعم\"بهذه النعم العظيمة، التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف تكفرون به وتكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟ ! أم كيف\n_________\n(^١) المدثر: ٣٢ - ٣٤.\n(^٢) المدثر: ٣٥.\n(^٣) تفسير السعدي: ٨٩٧.\n(^٤) النبأ: ٦ - ١٧\n(^٥) النازعات: ٢٧ - ٣٢.","vol":"1","page":507},{"text":"تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟ \" (^١).\nكما أن الله - ﷿ - أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال وأقسم على ذلك بالنهار كله وبالليل وما جمعه (^٢)، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ... الآيات (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>ثامنًا: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\nخلق الله - ﷿ - الناس مؤمن وكافر، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٤) والله - ﷿ - في كتابه حينما يذكر الزمان ويذكر الليل والنهار يبين حال الناس بعده وأنهم فريقان مؤمن وكافر، مصدق ومكذب، مزكي لنفسه ومدسيها (^٥)، واختيار القسم بالليل والنهار لبيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة (^٦)، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (^٧).\nوقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) تفسير السعدي: ٩٠٦.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣٥٩، والتفسير المنير: ٣٠/ ١٤٤.\n(^٣) الانشقاق: ١٦ - ١٩.\n(^٤) التغابن: ٢.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٥٠.\n(^٦) انظر: التحرير والتنوير: ٣٠/ ٣٧٨.\n(^٧) الليل: ١ - ٤.\n(^٨) الشمس: ١ - ١٠.\n(^٩) المدثر: ٣٢ - ٣٧.","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الليل والنهار</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>١ - اعتقاد أن الليل والنهار هما المتصرفان في إهلاك الناس:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الليل والنهار- اعتقاد أن الليل والنهار هما المتصرفان في إهلاك الناس، قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ (^١)، وقال - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ - أنه قال: \"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^٣)، ومناسبة ذكره هذه الجملة: أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات الإلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإنسان، فهذه الجملة بدل اشتمال من جملة ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو أيضا مناسب لمضمون جملة ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو الله تعالى فإنهم يعتقدون أن الليل والنهار هما اللذان يفنيان الناس.\nفإنه لما قال: \" ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أبطل بعده اعتقاد أهل الشرك أن للزمان الذي هو تعاقب الليل والنهار والمعبر عنه بالدهر تصرفا فيهم\" (^٤).\n_________\n(^١) الجاثية: ٢٤.\n(^٢) سبق تخريجه: ٢٧٩.\n(^٣) الحديد: ٥ - ٦.\n(^٤) التحرير والتنوير: ٢٧/ ٣٦٦.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>١ - اعتقاد نزول الله - ﷿ - ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا</span>.\nعن عائشة - ﵂ - قالت: \"فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت يا رسول الله: إني ظننت أنك أتيت بعض نساءك، فقال: إن الله - ﷿ - ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيفغر لأكثر من عدد شعر غنم كلب\" (^١).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها؛ فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر\" (^٢).\nوهي أحاديث ضعيفة.\n\nأما نزول الله ﷿ كل ليلة إلى السماء الدنيا فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان برقم (٧٣٩)، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه من الحجاج، وسمعت محمد بضعف هذا الحديث. وانظر: ضعيف سنن الترمذي برقم ٧٣٩\n(^٢) رواه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، برقم (١٣٨٨). قال الألباني: ضعيف جدا أو موضوع. وانظر: ضعيف سنن بن ماجه برقم (١٣٨٨)\n(^٣) سبق تخريجه: ٢٩٩.","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>المبحث السادس الحياة والموت</span>\nالحياة والموت في اللغة:\nالحياة نقيض الموت كُتِبَتْ في المصحف بالواو ليعلم أَن الواو بعد الياء في حَدِّ الجمع وقيل على تفخيم الأَلف.\nوحَيَّ يَحْيَا ويَحَيّ فهو حَيٌّ، وللجميع حَيُّوا بالتشديد، ولغة أُخرى حَيَّ، وللجميع حَيُوا خفيفة\nوالموت: الميم والواو والتاء أصلٌ صحيح يدلُّ على ذَهاب القُوّة من الشيء. منه المَوْتُ: خلاف الحياة، وقد مات يموت ويمات أيضًا.\nورجل مَيِّتٌّ ومَيْتٌ، وقيل المَيْتُ الذي ماتَ، والمَيِّتُ والمائِتُ الذي لم يَمُتْ بَعْد، وقومٌ مَوتى وأَمواتٌ ومَيِّتُون ومَيْتون، والأُنثى مَيِّتة ومَيْتَة ومَيْتٌ والجمع كالجمع (^١).\n\nوفي الاصطلاح:\nالحياة. يواجه معظم الناس بعض الصعوبات، في التمييز بين الكائنات الحية\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٨٣، لسان العرب: ٢/ ١٠٧٥، ٦/ ٤٤٩٤، الصحاح: ٢/ ٢٨٨، ٧/ ١٧٣.","vol":"1","page":511},{"text":"والجماد، ويعد الناس الأشياء كائنات حية إذا كان لديها القدرة على القيام ببعض الأنشطة مثل النمو والتكاثر ... أما علماء الأحياء فيجدون صعوبات شديدة في تعريف الحياة، على الرغم من معرفتهم الواسعة بالأحياء. وتكمن هذه الصعوبة في تحديد الخط الفاصل بين الكائنات الحية والجماد. فالفيروس على سبيل المثال، يعد جسيما بدون حياة وهو خارج الخلية الحية، ولكنه يكون أكثر نشاطا ويتكاثر بسرعة داخل الخلية الحية. وبدلا من إيجاد التعريف الدقيق للحياة، ركز علماء الأحياء بعمق على فهم الحياة عن طريق دراسة الكائنات الحية نفسها. ويطلق على العلم الذي يهتم بدراسة الحياة اسم علم الأحياء (^١).\nأما الموت فهو خروج الروح إلى بارئها، حيث ينتقل الشخص بعد ذلك إلى حياة برزخية ثم تقوم قيامته؛ وهو نهاية الحياة؛ فكل شيء حي نهايته الموت، ولكن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يدرك الموت ويتخيله.\nأما الأوجه الطبية للموت: فقد لاحظ العلماء ثلاثة أنواع للموت. وهذه الأنواع هي: البلى الفيزيولوجي، والنخر، والموت الجسدي.\nوالبلى الفيزيولوجي أو البلي الوظيفي: هو استمرار موت وتجدد الخلايا كل على حده أثناء الحياة. فباستثناء الخلايا العصبية فإن كل خلايا الكائن يستمر تجددها بمعدل ثابت. وعلى سبيل المثال، تتكون خلايا الجلد الجديدة تحت السطح لأن الخلايا القديمة تموت وتزول.\nويعني النخر: موت الأنسجة أو حتى العضو كله. فأثناء النوبة القلبية، على سبيل المثال، يوقف تجلط الدم وصوله إلى جزء من القلب، فيموت الجزء المتأثر، ولكن الكائن الحي يستمر في الحياة ما لم يكن التلف شديدا.\nوالموت الجسدي، نهاية كل عمليات الحياة في الكائن. فالشخص الذي يتوقف قلبه ورئتاه عن العمل قد يعتبر ميتا سريريا، ولكن الموت الجسدي ربما لا يكون قد حدث بعد؛ لأن الخلايا المنفردة تستمر في الحياة لعدة\n_________\n(^١) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٩/ ٥٩٣.","vol":"1","page":512},{"text":"دقائق. وقد يعود الشخص إلى الحياة مرة أخرى إذا عاود القلب والرئتان العمل مرة ثانية، وأعطيت الخلايا حاجتها من الأكسجين. وبعد حوالي ثلاث دقائق تبدأ خلايا الدماغ وهي الأكثر حساسية لنقص الأكسجين في الموت، وغالبًا ما يتبعها موت الإنسان في الحال، وتستحيل إعادة الحياة إلى جسده. وتدريجيا تبدأ خلايا الجسم الأخرى كذلك في الموت. وآخر ما يموت خلايا العظم والشعر والجلد التي قد تستمر في النمو لعدة ساعات (^١).\nوقد ورد لفظ الحياة في القرآن في (٧١) مواضعًا (^٢)، وورد لفظ الموت في (٣٥) موضعا (^٣).\nوذكر أهل التفسير أن الحياة في القرآن على خمسة أوجه (^٤): -\nأحدها: نفخ الروح في الحيوان بالخلق الأول، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (^٥) أي: نطفا فنفخ فيها الروح. وقال تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ (^٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^٨)، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق: ٢٤/ ٣٥٨، بتصرف يسير.\n(^٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٢٨٣ - ٢٨٦.\n(^٣) انظر: المصدر السابق: ٨٥١ - ٨٥٤.\n(^٤) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٢٥٣، وبصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزير: ٢/ ٥١٢.\n(^٥) البقرة: ٢٨.\n(^٦) آل عمران: ٢٧.\n(^٧) الحج: ٦٦.\n(^٨) غافر: ١١.\n(^٩) الجاثية: ٢٦.","vol":"1","page":513},{"text":"والثاني: إحياء الموتى بعد خروج الأرواح منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^٢).\nوالثالث: الهدى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (^٥).\nوالرابع: البقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٧)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٨).\nوالخامس: حياة الأرض بالنبات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ (^٩).\nأما الموت فقد ذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على سبعة أوجه (^١٠): -\nأحدها: الموت نفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^١١)،\n_________\n(^١) آل عمران: ٤٩.\n(^٢) القيامة: ٤٠.\n(^٣) الأنعام: ١٢٢.\n(^٤) يس: ٧٠.\n(^٥) فاطر: ٢٢.\n(^٦) البقرة: ٤٩.\n(^٧) البقرة: ١٧٩.\n(^٨) المائدة: ٣٢.\n(^٩) فاطر: ٩.\n(^١٠) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٧١، وبصائر ذوي التمييز: ٤/ ٥٣٦.\n(^١١) آل عمران: ١٨٥.","vol":"1","page":514},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (^٢).\nوالثاني: النطفة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^٤)، فالموتة الأولى كونهم نطفا.\nوالثالث: الضلال. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (^٧).\nوالرابع: الجدب. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٨)، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ (^٩)، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (^١٠)، وكل بلد ميت في القرآن فالمراد به الأرض المجدبة.\nوالخامس: الحرب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ (^١١).\n_________\n(^١) الزمر: ٣٠.\n(^٢) الجمعة: ٨.\n(^٣) البقرة: ٢٨.\n(^٤) غافر: ١١.\n(^٥) الأنعام: ١٢٢.\n(^٦) النمل: ٨٠.\n(^٧) فاطر: ٢٢.\n(^٨) فاطر: ٩.\n(^٩) يس: ٣٣.\n(^١٠) الزخرف: ١١.\n(^١١) آل عمران: ١٤٣.","vol":"1","page":515},{"text":"والسادس: الجماد. ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (^١)، يعني الأوثان.\nوالسابع: الكفر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (^٢)، فالميت ها هنا الكافر.\n_________\n(^١) النحل: ٢١.\n(^٢) آل عمران: ٢٧.","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>الدلائل العقدية للآيات الكونية - الحياة والموت</span>-:\nقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^١).\nفي هذه الآيات التعظيم للخالق ﷾ والتأكيد على تفرده بالربوبية والألوهية.\nوأنه ﷾ خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا. ومن لوازم تفرده ﷾ بكل ذلك ألا يعبد غيره، ولا يقصد سواه بدعاء أو رجاء أو طلب، ولا يشرك في عبادته أحد، وأن ينزه فوق كل وصف لا يليق بجلاله.\nوفيها أيضًا بيان حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته في خلق الضدين -الحياة والموت- إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه وعجز المخلوقين (^٢).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (^٣).\nوهذه سنة الله في خلقه، منذ خلق آدم - ﵇ - وحتى يوم القيامة فالبشرية مهما أوتيت من قوة وعلم فلن تستطيع أن تخلق أحدا، ولن تجد لها من الموت مهربًا ومخرجًا، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ\n_________\n(^١) الملك: ١ - ٢.\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٦٢٥، ومدارج السالكين: ٢/ ١٩٤.\n(^٣) الحج: ٧٣.","vol":"1","page":517},{"text":"اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (^٢).\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآيات الكونية: \" فصل وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده الى الفكر فيه أوقعك على العلم به ﷾، وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فبهذا تعرّف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته، ونذكر لذلك أمثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه يستدل بها على غيرها، فمن ذلك خلق الإنسان وقد ندب سبحانه إلى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (^٥).\nوهذا كثير في القرآن يدعو العبد إلى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره، إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار\n_________\n(^١) الأحزاب: ٣٨.\n(^٢) الأحزاب: ٦٢.\n(^٣) الطارق: ٥.\n(^٤) الذاريات: ٢١.\n(^٥) الحج: ٥.","vol":"1","page":518},{"text":"في الوقوف على بعضه، وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (^١)، فلم يكرر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب، ولا لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذلك كله، هو المقصود بالخطاب وإليه جرى ذلك الحديث\" (^٢).\nوهو أن تظهر للعباد قدرة الرب في خلق المتضادات المتقابلات، وفي ذلك أدل الدلائل على كمال قدرة الله وعزته وسلطانه وملكه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>أولًا: وجود الله:</span>\nقد دلت هذه الآية الكونية على وجود الله، فإن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (^٤).\n\"وشواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه\" (^٥).\nوأخبر الله - ﷿ - عن محاجة إبراهيم - ﵇ - للنمرود في وجود الله، وكان النمرود ينكر وجود الله - ﷿ -، وأن يكون ثم إله غيره، وأنه يحي ويميت،\n_________\n(^١) عبس: ١٧ - ٢٢.\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ١/ ١٨٧ باختصار.\n(^٣) انظر: مدارج السالكينن: ٢/ ١٩٤.\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٥، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد: ٢٠٩ - ٢٢٦.\n(^٥) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٨٢.","vol":"1","page":519},{"text":"فاستدل إبراهيم - ﵇ - على وجود الله، وأنه المالك المتصرف المستحق للعبادة وحده -بأن الله هو الذي يحي ويميت- بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).\n\"فحدوث هذه الأشياء المشاهدة وإيجادها بعد العدم، وعدمها بعد الوجود دليل على وجود الله؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب، الذي يحيي ويميت والذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته\" (^٢).\nوفي\" ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك\" (^٣)، وهذا برهان لا يقبل المعارضة بوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nيخبر الله - ﷿ - أنه مالك الملك وأن له الملك المطلق والتدبير كله، وذكر من ذلك بعض التصاريف التي انفرد بها ﷾ ومنها الإحياء والإماتة.\nوهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا (^٤)، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٥).\nومن الأدلة على تفرد الله - ﷿ - بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٦).\nفهذا الرجل الذي مر على قرية خاوية على عروشها قد باد أهلها وفني مكانها، قال جهلًا بقدرة الله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأماته الله - ﷿ - وحماره، ثم أحياه وحماره، وفي هذا أعظم دليل على تفرده سبحانه بالإحياء والإماتة (^٧).\nكما أخبر الله - ﷿ - في عدة آيات أن له ملك السماوات والأرض وأن هو المحيي المميت فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٨). وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا\n_________\n(^١) البقرة: ٢٥٨.\n(^٢) المرجع السابق: ١/ ٦٨٦، وانظر: تفسير السعدي: ١١١.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٥.\n(^٤) تفسير السعدي: ١٢٦.\n(^٥) آل عمران: ٢٦ - ٢٧.\n(^٦) البقرة: ٢٥٩.\n(^٧) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩٠.\n(^٨) التوبة: ١١٦.","vol":"1","page":521},{"text":"وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^١).\nفقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: \"لتصوير معنى الملك في أتم مظاهره المحسوسة للناس المسلم بينهم أن ذلك من تصرف الله تعالى لا يستطيع أحد دفع ذلك ولا تأخيره\" (^٢).\nومن الأدلة على تفرد الله - ﷿ - بالخلق أنه ﷾ خلق آدم - ﵇ - من غير أب ولا أم، وخلق عيسى - ﵇ - من أم بلا أب، وخلق باقي الخلق من أم وأب، قال تعالى عن آدم وعيسى i: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣)، وقال أيضا عن عيسى - ﵇ -: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤) وقال عن بقية الخلق: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ (^٧).\n_________\n(^١) الملك: ١ - ٢.\n(^٢) التحرير والتنوير: ١١/ ٤٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ١٧٦.\n(^٣) آل عمران: ٥٩.\n(^٤) آل عمران: ٤٥ - ٤٧.\n(^٥) النحل: ٤.\n(^٦) غافر: ٦٧.\n(^٧) النجم: ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":522},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"خلق الله - ﷿ - آدم على صورته طوله ستون ذراعا \" (^١).\nوفيه إثبات خلق الله - ﷿ - لآدم - ﵇ - (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>١ - التسبيح:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٣) ثم علل ذلك التسبيح بأن له ملك السماوات والأرض فله ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي، ومن ضمن ذلك أنه يحيي ويميت، فقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).\n\"فالإحياء والإماتة مما يشتمل عليه معنى ملك السماوات والأرض؛ لأنهما من أحوال ما عليهما، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض، ولظهور أن هاذين الفعلين لا يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملا فيهما، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي جحده المشركون، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته: ٦٣٤، برقم (٣٣٢٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير: ٤/ ٢١٨٣، برقم (٢٨١٤).\n(^٢) فتح الباري: ٦/ ٣٦١.\n(^٣) الحديد: ١.\n(^٤) الحديد: ٢.\n(^٥) الفرقان: ٣.\n(^٦) التحرير والتنوير: ٢٧/ ٣٥٨.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>٢ - العلم:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^١).\nفي هذه الآية بيان سعة علم الله، وأن ما ذكر فيها من مفاتيح الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ ومنها أنه لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، وكذلك لا تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك (^٢).\nكما أخبر الله - ﷿ - عن عموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء، وأنه هو الذي يخلق الخلق، وأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تسقطه الأرحام قبل التسعة الأشهر، وما تزد فوق التسعة (^٣)، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (^٤).\nوكان رسول الله - ﷺ - يدعو ربه: الحياة على الخير أو الوفاة على الخير، ويتوسل إليه بصفة العلم والقدرة على الخلق: \"اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>٣ - المحيي والمميت:</span>\nوهاتان الصفتان ثابتة بالكتاب والسنة، وهما صفتان فعليتان (^٦)، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٨) وفي الحديث: \"اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي\" (^٩).\n_________\n(^١) لقمان: ٣٤.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٢، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٩٢.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٦، وتفسير السعدي: ٤١٤.\n(^٤) الرعد: ٨ - ٩.\n(^٥) سنن النسائي، كتاب السهو، باب (٦٢): ١٥٤، برقم (١٣٠٥)، ومسند أحمد: ٣٠/ ٢٦٥، برقم (٨٣٢٥) وقال محققه: \"حديث صحيح\"، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن النسائي: ١/ ٢٨٠.\n(^٦) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٨٦.\n(^٧) الحج: ٦٦.\n(^٨) فصلت: ٣٩.\n(^٩) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب تمني كراهة الموت لضر نزل به: ٤/ ٢٠٦٤، برقم (٢٦٨٠).","vol":"1","page":524},{"text":"وقد ذكر إبراهيم - ﵇ - هاتين الصفتين في خصائص المعبود الحق، فقال في وصف رب العالمين (^١): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>٤ - اليد:</span>\nصفة اليد من الصفات الثابتة لله - ﷿ - ومما يتعلق بهذه الآية الكونية\n-الموت- فقد ذكر النبي - ﷺ - أن الموت بيد الله - ﷿ -.\n_________\n(^١) انظر: تفسير السعدي ص: ٥٩٢.\n(^٢) الشعراء: ٧٥ - ٨١.","vol":"1","page":525},{"text":"فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله قال لي أنفق أنفق عليك\"، وقال رسول الله - ﷺ -: \" يمين الله ملآى لا يغيضها سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه قال وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض\" (^١).\nومعنى القبض الموت (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>٥ - التردد:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته\" (^٣).\nفي هذا الحديث أن الله يكره أن يفعل شيئًا يكرهه عبده المؤمن، وهو يتعلق بهذه الآية الكونية - الموت- فيتردد لا للشك أو كون هذا مصلحة أو غير مصلحة، أي ليس عن جهل، لكن يتردد من جهة ما يتعلق بالعبد، هل يفعله والعبد يكره ذلك، أم لا يفعله.\n\"فالتردد نوعان: تردد للشك في النتيجة، وهذا منزه عنه الله - ﷿ - لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وتردد بما يتعلق بالغيب مع العلم\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف: ٢/ ٦٩٠، برقم (٩٩٣).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٤٣٤، وفتح الباري: ١٣/ ٣٩٥.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع: ١٢٤٦، برقم (٦٥٠٣).","vol":"1","page":526},{"text":"بالنتيجة، وهذا يوصف الله به وليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nفي تقرير الله - ﷿ - لألوهيته، واحتجاجه على المشركين بما يقرون به يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآية الكونية -الحياة والموت-، وهو المتفرد بذلك (^٢):\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٤).\nكما قرر الله هذا التوحيد، وأنكر على المشركين دعوتهم غير الله معه، وبأنه سبحانه هو الخالق للعباد وهو المحيي والمميت لهم، فإذا كان هو الذي يفعل ذلك وحده فيجب أن يعبد وحده (^٥)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ\n_________\n(^١) لقاءات الباب المفتوح للشيخ محمد بن عثيمين: ٥١ - ٦٠، دار الوطن، الرياض: ٢١٥، وانظر: مجموع الفتاوى: ١٠/ ٥٨، ١٨/ ١٢٩.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ٢٥/ ٢٨٤.\n(^٣) الأنعام: ٦٠ - ٦٢.\n(^٤) التوبة: ١١٦.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٥١، وتفسير السعدي: ٤٨/ ٦٤٣، ٧٤٢.","vol":"1","page":527},{"text":"الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (^٤).\nوإبراهيم - ﵇ - تبرأ من جميع الآلهة التي تعبد إلا الله رب العالمين الذي يحيي ويميت (^٥)، قال تعالى عن إبراهيم - ﵇ - أنه قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>١ - فضل التوحيد:</span>\nأخبر النبي - ﷺ - عن فضل التوحيد، وأنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فعلق هذه الفضل بالموت عليه (^٧)، عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار، وقلت: إنه من\n_________\n(^١) غافر: ٦٧ - ٦٨.\n(^٢) الحج: ٦٦.\n(^٣) البقرة: ٢٨.\n(^٤) الروم: ٤٠.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ١٠، وتفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٥.\n(^٦) الشعراء: ٧٥ - ٨٢.\n(^٧) انظر: شرح النووي على مسلم: ١/ ١٩٧.","vol":"1","page":528},{"text":"مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" (^١). وفي حديث أبي ذر - ﵁ - أن جبريل - ﵇ - قال للنبي - ﷺ -: \" بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-510>٢).\n\n٢ - الاستعاذة:</span>\nأمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات أي فتنة الحياة والموت (^٣).\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>خامسًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بجميع ما أخبر الله عنه، وأخبر عن رسوله - ﷺ - عنهم وعن أسمائهم، ومن ذلك ملك الموت (^٥)، وكذلك الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن ذلك الملائكة الموكلة بقبض الأرواح.\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (^٦).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومن مات مشركًا دخل النار: ١/ ٩٤، برقم (٩٢).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة: ٢/ ٦٨٧ برقم (٩٤).\n(^٣) انظر: شرح النووي على مسلم: ٥/ ٨٥، ١٧/ ٣٠.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في صلاة: ١/ ٤١٢، برقم (٥٨٨).\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٦١، والإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة: ١٧.\n(^٦) السجدة: ١١.","vol":"1","page":529},{"text":"الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (^٤).\nومن الملائكة الملك الموكل بالأرحام ونفخ الروح (^٥)، عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: \"حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق، إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك، مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>سادسًا: الإيمان بالكتب:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أن القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ - مهيمنا على جميع الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٧)، كما أخبر تعالى عن فضل القرآن على غيره من\n_________\n(^١) الأنعام: ٦١.\n(^٢) النساء: ٩٧.\n(^٣) النحل: ٣٢.\n(^٤) محمد: ٢٧.\n(^٥) انظر: شرح النووي عل مسلم: ٨/ ٤٨٩، والإيمان بالملائكة وأثره على الأمة: ١٧.\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته: ٤/ ٢٠٣٦، برقم (٢٦٤٣).\n(^٧) المائدة: ٤٨.","vol":"1","page":530},{"text":"الكتب أنه لو كان في الكتب الماضية كتاب يكلم الموتى لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره (^١)، وذلك \"لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٣).\nولما أخبر الله عن القرآن أنه منزل من عنده في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٤) أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، وذكر منها خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها، فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥).\n\"فهذه كلها آيات بينات وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال وعلى البعث والنشور\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير السعدي: ٤١٨، والتحرير والتنوير: ١٣/ ١٤٣.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٦٠، وانظر: تفسير الطبري: ١٦/ ٤٤٩.\n(^٣) الرعد: ٣١.\n(^٤) الجاثية: ١ - ٢.\n(^٥) الجاثية: ٣ - ٦.\n(^٦) تفسير السعدي: ٧٧٥.","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>سابعًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات الآية التي أظهرها الله - ﷿ - لقوم عيسى - ﵇ - وأنه كان يحيي الموت (^١)، قال تعالى عن عيسى - ﵇ - ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nوأي\"آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان\" (^٣).\nومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله - ﷿ - على يدي أتباع الرسل، إجابة لدعوتهم ونصرة لهم، ومن ذلك ما أخبر الله به عن قوم موسى - ﵇ - حين أمرهم بضرب القتيل ببعض البقرة، فقام وأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٤).\nومن دلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - فيما يتعلق بهذه الآيات -الحياة والموت- أنه أخبر بطول حياة الصحابي رويفع - ﵁ -، فوقع كما أخبر (^٥)\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥، وفتح الباري: ٦/ ٤٧٥.\n(^٢) آل عمران: ٤٩.\n(^٣) تفسير السعدي: ١٣١.\n(^٤) البقرة: ٧٢ - ٧٣.\n(^٥) انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ١/ ١٥١.","vol":"1","page":532},{"text":"حيث طالت حياته إلى سنة ٥٦ للهجرة (^١).\nفعن رويفع - ﵁ - قال: قال لى رسول الله - ﷺ -: \" يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدى فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا - ﷺ - منه برئ \" (^٢).\nومن آيات الرسل أن الله - ﷿ - يخبرهم عند قبض أرواحهم (^٣)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: \" أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر، فقال: إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله - ﷺ - عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله - ﷺ - هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>ثامنًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٦.\n(^٢) سنن أبى داود، كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يتنجى به: ٢٩ برقم (٣٦)، وسنن النسائي، كتاب الزينة، باب عقد اللحية: ٥١٩، برقم (٥٠٦٧).\nقال ابن الملقن إسناده جيد، انظر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن، تحقيق: مصطفى أبو الغيط وآخرين، دار الهجرة، الدمام، ط ١: ٢/ ٣٥٢. وصحيح سنن أبي داود: ١/ ١٠.\n(^٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته: ٨٤٠، برقم (٤٤٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها: ٤/ ١٨٩٣، برقم (٢٤٤٤).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة: ٧٤٠، برقم (٣٩٠٤).","vol":"1","page":533},{"text":"والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل إحياء الموتى، وذكر على ذلك أمثلة فقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٣) وغيرها من الآيات.\nفالذي أحيا هؤلاء الأموات قادر على أن يحيى جميع الخلق وفيه دليل على البعث (^٤).\nوفي جملة الأدلة التي استدل الله بها على منكري البعث ذكر الله - ﷿ - أنه يحي ويميت، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٥).\n\"فكان افتتاحه بأن الله هو المتوحد بملك ما في السماوات والأرض فهو\n_________\n(^١) البقرة: ٢٥٩.\n(^٢) البقرة: ٧٢ - ٧٣.\n(^٣) البقرة: ٥٥ - ٥٦.\n(^٤) انظر: أضواء البيان: ٣/ ٢٠٤.\n(^٥) يونس: ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":534},{"text":"يتصرف في الناس وأحوالهم في الدنيا والآخرة تصرفا لا يشاركه فيه غيره فتصرفه في أمور السماء شامل للمغيبات كلها، ومنها إظهار الجزاء بدار الثواب ودار العذاب وتصرفه في أمور الأرض شامل لتصرفه في الناس. ثم أعقب بتحقيق وعده، وأعقب بتجهيل منكريه، وأعقب بالتصريح بالمهم من ذلك وهو الإحياء والإماتة والبعث\" (^١).\nكما استدل الله - ﷿ - على البعث بأصل الخلق فقال تعالى في الإنكار على من استبعد وقوع البعث بعد الموت: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٤).\nأما الآخرة فقد أخبر الله - ﷿ - بأنه من قدم عليه مجرمًا كافرًا بالله فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ١١/ ١٩٩.\n(^٢) القيامة: ٣٦ - ٤٠.\n(^٣) الأنبياء: ١٠٤.\n(^٤) الحج: ٥ - ٧.","vol":"1","page":535},{"text":"جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (^١)، وقال أيضًا عن الكافر الأشقى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (^٢).\nفالمعذب\"فيها لا يموت ولا يحيا، لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها، وإنما حياته محشوة بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يقدر قدره، ولا يفتر عنه ساعة، يستغيث فلا يغاث، ويدعو فلا يستجاب له\" (^٣).\nوأخبر النبي - ﷺ - أنه يؤتى بالموت في الآخرة فيذبح، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: \" يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>تاسعًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه وقدرته ومشيئته، وقد نبه الله - ﷿ - على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتضادة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (^٦) إلى غيرها من الآيات.\n_________\n(^١) طه: ٧٤.\n(^٢) الأعلى: ١٢ - ١٣.\n(^٣) تفسير السعدي: ٥٠٩، وانظر: التحرير والتنوير: ١٨/ ١٥.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ مريم: ٣٩: ٩١٤ برقم (٤٧٣٠).\n(^٥) النجم: ٤٤.\n(^٦) الشعراء: ٨١.","vol":"1","page":536},{"text":"وفي هذا دليل على علم الله ومشيئته وقدرته (^١).\nكما أخبر الله - ﷿ - أنه لن تموت نفس إلا بإذنه وتقديره حتى تستوفي المدة التي ضربها الله لها (^٢) وأنه لا ينفع ولا يدفع الحذر من القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (^٣).\nكما أخبر النبي - ﷺ - أن الآجال مكتوبة، فعن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>١ - ضرب الأمثال:</span>\nضرب الله - ﷿ - مثلًا للمؤمنين بالأحياء، والكافرين بالأموات، وأنهم لا يستوون (^٥)، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>٢ - استخدام الألفاظ الشرعية:</span>\nورد في القرآن إطلاق لفظ الموت على الجمادات، وهو أيضا مشهور في لغة العرب (^٧)، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ\n_________\n(^١) انظر: تفسير السعدي: ٦٨٨.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٩، ٢/ ٢٦٠، وتفسير السعدي: ٧٢٥.\n(^٣) آل عمران: ١٤٥.\n(^٤) سبق تخريجه: ٤٨٦.\n(^٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٥٤٢.\n(^٦) فاطر: ٢٢.\n(^٧) انظر: شرح التدمرية للشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك، إعداد: عبالرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، ط ١: ١٦٠ - ١٦٢.","vol":"1","page":537},{"text":"يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (^٣)، ففي هذا الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات الذين ينفون الموت والحياة عن الجمادات، ويزعمون أن الجمادات لا يقال لها حية ولا ميتة، ويصح نفيها عما ليس قابلًا لهما (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الخلود في النار معلق بالموت على الكفر، وأن التوبة مقبولة ما لم يغرر العبد (^٥)، وهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء ولا يعلمون ما يختم للرجل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(^١) النحل: ٢٠ - ٢١.\n(^٢) المائدة: ١١٠.\n(^٣) الأعراف: ١١٧.\n(^٤) المرجع السابق: ٢٣١.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٨٨، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٨، والحجة في بيان المحجة: ١/ ٥١٧، وإعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد: ١/ ٢٥٥.\n(^٦) البقرة: ٢١٧.","vol":"1","page":538},{"text":"وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (^١).\nأما التوبة قبل الموت، فقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٢).\nوقال - ﷺ -: \" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر \" (^٣).\n_________\n(^١) آل عمران: ٩١.\n(^٢) النساء: ١٨.\n(^٣) سنن الترمذي: كتاب الدعوات، باب (٩٨): ٥٥٦ برقم (٣٥٣٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ومسند الإمام أحمد: ١٠/ ٣٠٠ برقم (٦١٦٠)، وقال محققه: إسناده حسن.","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>أولًا: إنكار الحياة بعد الموت:</span>\nمن القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت - إنكار الحياة بعد الموت، قال الله تعالى مخبرًا عن المكذبين بالبعث: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (^١).\nورد الله عليهم قولهم بأن الذي بدأ الخلق فإن الإعادة عليه أهون (^٢)، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>ثانيًا: نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر:</span>\nمن القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت- نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر، قال تعالى مخبرًا عن حال المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٥) فأكذبهم الله في قولهم هذا فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (^٦)، ثم بين أن الذي\n_________\n(^١) مريم: ٦٦ - ٦٧.\n(^٢) انظر: تفسير السعدي: ٤٩٨.\n(^٣) الروم: ٢٧.\n(^٤) مريم: ٦٧.\n(^٥) الجاثية: ٢٤.\n(^٦) الجاثية: ٢٤.","vol":"1","page":540},{"text":"يحيى ويميت هو الله تعالى (^١)، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>ثالثًا: القول بأن الموت أمر عدمي:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت- القول بأن الموت أمر عدمي، فإذا انعدمت الحياة مات المخلوق الحي، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ (^٣) أي قدر.\nوأهل السنة والجماعة على أن الموت أمر وجودي (^٤).\nويؤكد ذلك حديث ذبح الموت الذي رواه أبوسعيد الخدري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ - ﷺ - قول الحق ﵎: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٦٩.\n(^٢) الجاثية: ٢٦.\n(^٣) الملك: ٢.\n(^٤) انظر: درء التعارض: ٢/ ٢٨٣، وشرح الطحاوية: ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٨/ ١٧٦، تتمة أضواء البيان: ٨/ ٣٣١.\n(^٥) مريم: ٣٩.\n(^٦) سبق تخريجه: ٤٩٢.","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>رابعًا: إنكار ذبح الموت يوم القيامة:</span>\nمن المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية - الحياة والموت- إنكار ذبح الموت، وقد جاء بذلك الحديث الصحيح وأنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح (^١) فقيل معنى: \"ثم يذبح: \"ذاك شيء يخلق الله عند ذبحه علما ضروريا في قلوبهم أنه لا موت بعد ذلك، ولو شاء لخلق العلم من غير ذبح أيضا، لكن لا يسأل عما يفعل، وإلا فالموت على تقدير فرض تجسمه وذبحه لا يوجب ذبحه العلم بعدم الموت بعد ذلك، لإمكان خلق مثله وإعادته كما أعاد الموتى المذبوحين منهم وغيرهم\" (^٢).\nوقيل: \"الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقى في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين\" (^٣).\nوالصحيح أنه لا مانع من ذلك فالله على كل شيء قدير، وذلك أنه ينشئ من الأعراض أجسامًا يجعلها مادة لها، كما ثبت في صحيح مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان (^٤) ونحو ذلك من الأحاديث، وأن الأعمال توضع في ميزان والله على كل شيء قدير (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٤٩٢.\n(^٢) حاشية مسند الإمام أحمد لأبي الحسن محمد السندي، تحقيق: نور الدين طالب، وزارة الأوقاف القطرية، ط ١: ٦/ ٣٧٠.\n(^٣) انظر: تفسير الرازي: ١/ ٢٩٨٣، وفتح الباري: ١١/ ٤٢١، وعارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٠/ ٢٧، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي: تحقيق: الصادق بن إبراهيم، دار المنهاج، ط ١: ٢/ ٩٢٧.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة: ١/ ٥٥٤ برقم (٨٠٥).\n(^٥) انظر: شرح الطحاوية: ٧٩، والتفسير القيم لابن القيم جمع محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة.","vol":"1","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>١ - حديث قبض ملك الموت لداود - ﵇ </span>-.\nعن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كان داود النبي فيه غيرة شديدة، وكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع\"، قال: \" فخرج ذات يوم، وأغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل الدار، والدار مغلقة، والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمتنع مني الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبا بأمر الله، فرمل داود مكانه حيث قبضت روحه حتى فرغ من شأنه، وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهم الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا\" (^١).\n_________\n(^١) مسند أحمد: ١٥/ ٢٥٤، برقم (٩٤٣٢)، وقال محققه: إسناده ضعيف لانقطاعه.","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>المبحث السابع النوم</span>\nالنوم في اللغة:\nالنون والواو والميم أصلٌ صحيح يدل على جمود وسكون حركة. منه النوم. نامَ ينام نَوْمًا ومَناما. وهو نَؤُومٌ ونُوَمَة: كثير النَّوم.\nوقد نام ينام فهو نائم. والجمع نيام، وجمع النائم نوم على الاصل، ونيم على اللفظ (^١).\nوفي الاصطلاح:\nالنوم فترة من الراحة يفقد النائم خلالها إدراكه بما يحيط به. ويختلف النوم عن الغيبوبة، في إمكانية إنهائه بسهولة.\nوعندما ينام الإنسان، تتضاءل جميع أنشطته، وترتخي عضلاته. وتتباطأ ضربات القلب، وينخفض معدل التنفس، ويصبح الشخص كلما تعمق في نومه أقل إدراكا، لكل ما يجري حوله (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٣٧٢، والصحاح: ٦/ ٣٢٤، ولسان العرب: ٦/ ٤٥٨٣.\n(^٢) الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٥٨٩.","vol":"1","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>الدلائل العقدية للآية الكونية - النوم</span>-:\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (^١).\nويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (^٢).\nفأخبر الله - ﷿ - أن من علامات قدرته ورحمته تعالى التمكين من الراحة من التعب، والهدوء والاستقرار بالليل، وأن في هذه الآية من الدلالات والعبر لمن تدبرها وتأملها، وذلك من وجهين:\n\"أحدهما: أن هذين حالتان متعاورتان على الناس، قد اعتادوهما، فقل من يتدبر في دلالتهما على دقيق صنع الله تعالى، فمعظم الناس في حاجة إلى من يوقفهم على هذه الدلالة ويرشدهم إليها.\nوثانيهما: أن في ما يسمعه الناس من أحوال النوم ما هو أشد دلالة على عظيم صنع الله تعالى مما يشعر به صاحب النوم من أحوال نومه؛ لأن النائم لا يعرف من نومه إلا الاستعداد له، وإلا أنه حين يهب من نومه يعلم أنه كان نائما، فأما حالة النائم في حين نومه ومقدار تنبهه لمن يوقظه، وشعوره بالأصوات التي تقع بقربه، والأضواء التي تنتشر على بصره فتنبهه أو لا تنبهه، كل ذلك لا يتلقاه النائم إلا بطريق الخبر من الذين يكونون أيقاظا في وقت نومه. فطريق العلم بتفاصيل أحوال النائمين واختلافها السمع، وقد يشاهد\n_________\n(^١) الروم: ٢٣.\n(^٢) الفرقان: ٤٧.","vol":"1","page":545},{"text":"المرء حال نوم غيره إلا أن عبرته بنومه الخاص به أشد، فطريق السمع هو أعم الطرق لمعرفة تفاصيل أحوال النوم، فلذلك قيل ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، وأيضًا لأن النوم يحول دون الشعور بالمسموعات بادئ ذي بدء قبل أن يحول دون الشعور بالمبصرات\" (^١).\nكما أن الله - ﷿ - يضرب لنا مثل الموت والبعث كمثل النوم والاستيقاظ حتى يقرّب المعنى إلى عقولنا (^٢)، فيقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - في بيان شأن هذه الآية الكونية: \"فهذا النوم من آيات الله - ﷿ -، تأتي القوم مثلا في حجرة أو في سطح أو في بر، وهم نيام كجثث موتى لا يشعرون بشيء، ثم هؤلاء القوم يبعثهم الله - ﷿ -، ثم إن الإنسان يعتبر بالنوم اعتبارا آخر، وهو إحياء الأموات بعد الموت، فإن القادر على رد الروح حين يصحو الإنسان ويستيقظ ويعمل عمله في الدنيا، قادر على أن يبعث الأموات من قبورهم، وهو على كل شيء قدير\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>أولًا: وجود الله:</span>\nلما ذكر الله - ﷿ - حال المعرضين عن التوحيد وجهلهم بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ٢١/ ٧٦، ٩/ ٤٥.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١٠١.\n(^٣) الزمر: ٤٢.\n(^٤) شرح رياض الصالحين، للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: مدار الوطن، الرياض، طبعة عام ١٤٢٦ هـ: ٤/ ٣٣٤.","vol":"1","page":546},{"text":"يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^١) ذكر سبحانه بعدها الأدلة القاطعة حسا وعقلا على وجود الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، وذكر منها -النوم- فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (^٢)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^٣).\n\"ففي هذه الآيات الكونية الليل والنهار والنوم، الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، فجعل الله لكل ظرف ما يناسبه تماما ويحقق المقصود على أكمل وجه\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>ثانيًا: توحيد الربوبية:</span>\nيقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥)، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (^٦).\nفهذه الآيات فيها\"دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة\n_________\n(^١) الفرقان: ٤٣ - ٤٤.\n(^٢) الفرقان: ٤٧.\n(^٣) الفرقان: ٥٠.\n(^٤) انظر: التفسير المنير: ١٩/ ٧٩ باختصار، وتفسير ابن كثير: ٦/ ١١٣.\n(^٥) الزمر: ٤٢.\n(^٦) الأنعام: ٦٠ - ٦١.","vol":"1","page":547},{"text":"لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة\" (^١).\nفهو سبحانه المتصرف في الوجود وهو الذي يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى والوفاة الصغرى -النوم-.\nوكان النبي - ﷺ - إذا أراد أن ينام قال: \"باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ من منامه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور\" (^٢).\nفالإنسان يعتمد على الله\"ويجعل كل شيء بيد الله - ﷿ -، ويعظم الله - ﷿ - ويعلم بأن كل شيء بقدرته ومشيئته وإرادته، وهو المحيي والمميت\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>١ - نفي السِنة والنوم عن الله - ﷿ </span>-:\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة نفي السنة والنوم عن الله - ﷿ - كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة؛ وذلك لكمال حياته وقيوميته (^٤).\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (^٥).\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات فقال: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور -أو النار-لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه (^٦) ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (^٧).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٧/ ١٠١، وانظر: تفسير السعدي: ٧٢٥.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا أصبح: ١٢١٧ برقم (٦٣٢٤).\n(^٣) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين: ٣/ ٢٨٨.\n(^٤) انظر: الإبانة لابن بطة: ٣/ ٣٢٣، شرح الطحاوية: ١/ ٧٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨.\n(^٥) البقرة: ٢٥٥.\n(^٦) أي نوره وجلاله وبهاؤه. انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ١٤.\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: \" إن الله لا ينام\" وفي قوله: \"حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\": ١/ ١٦١، برقم (١٧٩).","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>٢ - رؤية الله - ﷿ - في المنام:</span>\nرؤية الله - ﷿ - يقظة لا تحصل في الدنيا لأحد من الناس حتى الأنبياء - ﵈ - (^١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢)، وقال - ﷺ -: \" لن يرى أحد منكم ربه - ﷿ - حتى يموت\" (^٣)، أما رؤيته أثناء النوم فقد تحصل على الوجه اللائق بكمال الله تعالى وجلاله، كما أن الرؤية تختلف بحسب حال العبد الرائي.\nقال الشيخ: عبدالعزيز بن باز - ﵀ -: \" ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وآخرون أنه يمكن أنه يرى الإنسان ربه في المنام (^٤)، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة؛ لأن الله لا يشبهه شيء ﷾، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥) فليس يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا؛ لأن الله لا يشبهه شيء ﷾، فلا شبيه له ولا كفو له.\nوذكر الشيخ تقي الدين - ﵀ - في هذا أن الأحوال تختلف بحسب حال العبد الرائي (^٦)، وكل ما كان الرائي من أصلح الناس وأقربهم إلى الخير كانت\n_________\n(^١) انظر: الحجة في بيان المحجة: ١/ ٢٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية: ١٦٠، ١٦٢.\n(^٢) الأعراف: ١٤٣.\n(^٣) سبق تخريجه: ٤٠٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٩٠، وانظر: نقض الدارمي: ٢/ ٣٨، وشرح السنة للبغوي: ١٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(^٥) الشورى: ١١.\n(^٦) المرجع السابق: ٣/ ٣٩٠.","vol":"1","page":549},{"text":"رؤيته أقرب إلى الصواب والصحة، لكن على غير الكيفية التي يراها، أو الصفة التي يراها؛ لأن الأصل الأصيل أن الله لا يشبهه شيء ﷾.\nويمكن أن يسمع صوتًا، ويقال له كذا، وافعل كذا، ولكن ليس هناك صورة مشخصة يراها تشبه شيئا من المخلوقات؛ لأنه سبحانه ليس له شبيه ولا مثيل ﷾\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>رابعًا: توحيد الألوهية:</span>\nيذكر الله - ﷿ - من الأدلة على تفرده بالألوهية تفرده بالربوبية والخلق، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في جميع المخلوقات ومنها هذه الآية الكونية -النوم- (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (^٣).\nولما كان النائم بمنزلة الميت، والنوم أخوت الموت؛ علّم النبي - ﷺ - وأرشد من أراد النوم أن يدعو ربه - ﷿ - ويسلم نفسه إليه، وأن يفوض أمره إليه وأن يوجه وجهه إليه مخلصًا له ويتوكل عليه (^٤)، فقال - ﷺ -: \" اللهم أسلمت نفسي\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبدالعزيز بن باز: ٦/ ٣٦٨، وانظر: كتاب رؤية الله في المنام لعمر إبراهيم، دار ابن الجوزي، عمان: ٣٨.\n(^٢) انظر: تفسير السعدي: ١٦١، ٢٥٩، والتحرير والتنوير: ٦/ ١٣٩.\n(^٣) الأنعام: ٦٠ - ٦٢.\n(^٤) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الرسالة بيروت، ط ١: ٤/ ٢١٩.","vol":"1","page":550},{"text":"إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت، فإن مات مات على الفطرة\" (^١).\nوقد أمر الله - ﷿ - عباده بخوفه ورجاءه، ونهاهم عن الأمن من مكره فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٣)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -النوم- فقد توعد الله - ﷿ - من أمن مكره أن يأتيهم العذاب وهم نائمون، وهذا من مكر الله بهم، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى عن أصحاب الجنة: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (^٥).\nفالواجب على العبد أن يجعل خوفه مع الرجاء، ورجاءه مع الخوف، وأن لا يأمن من مكر الله كما لا يقنط من رحمة الله، فالخوف من مكر الله توحيد وإيمان، والأمن من مكر الله ينافي التوحيد؛ لأنه يدل على عدم الخوف من الله - ﷿ - (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>خامسًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nرأي النبي - ﷺ - في اليقظة جبريل - ﵇ - وله ستمائة جناح (^٧)، أما غير النبي\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعا والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضطجع: ٤/ ٢٠٨١ برقم (٢٧١٠).\n(^٢) آل عمران: ١٧٥.\n(^٣) الأعراف: ٩٩.\n(^٤) الأعراف: ٩٧.\n(^٥) القلم: ١٩.\n(^٦) انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: ٢/ ٧١.\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى: ١/ ١٢٨، برقم (١٧٤).","vol":"1","page":551},{"text":"- ﷺ - فإنهم لم يروا الملائكة إلا إذا تحول الملائكة إلى صورة بشرية، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (^١) وقد رأى الصحابة - ﵃ - جبريل - ﵇ - (^٢).\nأما رؤية الملائكة في المنام فهي جائزة (^٣) ويدل لذلك حديث عبدالله بن عمر - ﵄ -، قال - ﷺ -: \" فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم ترع\" (^٤).\nوهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>سادسًا: الإيمان بالرسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>١ - الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم:</span>\nومما اختص الله تعالى به الأنبياء أنّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام (^٦)، قال\n_________\n(^١) مريم: ١٧.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان: ٣٣ برقم (٥٠).\n(^٣) انظر: شرح السنة للبغوي: ١٢/ ٢٢٨، وبيان تلبيس الجهمية: ١/ ٧٣ - ٧٤.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل عبدالله بن عمر - ﵄ -: ٤/ ١٩٢٧، برقم (٢٤٧٩).\n(^٥) بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٧٤.\n(^٦) انظر: صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه: ٦٨٣، برقم (٣٥٧٠)، وشرح النووي على مسلم: ٣/ ٧٤، وفتح الباري: ٦/ ٥٧٩، ومدارج السالكين: ١/ ٦٢.","vol":"1","page":552},{"text":"- ﷺ - عن نفسه: \" إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>٢ - رؤية النبي - ﷺ - في المنام:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \" من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة\" (^٢).\nوعن جابر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي \" (^٣).\nفقد دلت هذه الأحاديث على أن النبي - ﷺ - يُرى في المنام وأن من رآه فقد رآه حقيقة فإن الشيطان لا يتمثل به (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>٣ - رؤيا الأنبياء وحي:</span>\nقال تعالى عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥).\nفهذه الآية إخبار من الله - ﷿ - عن إبراهيم - ﵇ - أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ثم بين الله - ﷿ - أن هذه رؤيا حق حيث أن إبراهيم سعى لتنفيذ رؤياه ﴿فَلَمَّا\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة: ١/ ٥٠٩، برقم (٧٣٨).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام: ١٣٣٧ برقم (٦٩٩٤).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، باب قول النبي - ﷺ -: من رآني في المنام فقد رآني: ٤/ ١٧٧٦ برقم (٢٢٦٨).\n(^٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٢/ ٣٦٣، وفتح الباري: ١٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(^٥) الصافات: ١٠٢ - ١٠٥.","vol":"1","page":553},{"text":"أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فأخبر الله - ﷿ - أن إبراهيم قد صدق هذه الرؤيا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>٤ - الرؤيا الصالحة:</span>\nكان أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصالحة، فكان - ﷺ - إذا رأى الرؤيا تأتي كفلق الصبح (^٢)، فكان ذلك إرهاصا للنبوة وتمهيدا لها لمدة ستة أشهر، وأخبر ﵊ أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ ولذا قال - ﷺ -: \" الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة\" (^٣).\nفالرؤيا الصالحة من المبشرات وفيها إشعار للمؤمن بخير سيقع ليغتنمه أو شر ليحذر منه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله به أو أخبرت به رسله -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله - ﷿ - من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل النوم سباتًا أي راحة للأبدان (^٥)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً\n_________\n(^١) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٤٩١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٢٨.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -: ٢١ برقم (٣).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الرؤيا: ٤/ ١٧٨٤، برقم (٢٢٦٣).\n(^٤) انظر: فتح الباري: ١٢/ ٣٦٣، وشرح النووي على مسلم: ٧/ ٤٥١، والرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين لسهل بن رفاع العتيبي، كنوز أشبيليا، الرياض، ط ١: ٢٢٦.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ١٧١.","vol":"1","page":554},{"text":"ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (^١).\n\"فالمساء والصيرورة إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله، ولهذا جعل الله سبحانه في النوم والانتباه بعده دليلا على البعث والنشور لأن النوم أخو الموت والانتباه نشور وحياة\" (^٢).\nومما يتعلق أيضًا بهذه الآية الكونية من أمور الآخرة: \"أن الجنة لا نوم فيها بإجماع المسلمين\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>ثامنًا: صفة الشيطان:</span>\nأخبر النبي - ﷺ - أن الشيطان يبول في أذن من نام حتى أصبح ولم يصل (^٤)، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: \" ذكر عند النبي - ﷺ - رجل فقيل: ما زال نائما حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أذنه\" (^٥).\nفيستفاد منه وقت بول الشيطان (^٦).\nكما أخبر النبي - ﷺ - أن الشيطان يأتي الإنسان عند النوم فينومه حتى لا يقول الأذكار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" خلتان من حافظ عليهما، أدخلتاه الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل\" قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: \"أن تحمد الله وتكبره وتسبحه\n_________\n(^١) النبأ: ٦ - ٧.\n(^٢) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: ١٣/ ٤٠٧، وانظر: تفسير السعدي: ٩٠٦.\n(^٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ١٣.\n(^٤) انظر: فتح الباري: ٣/ ٢٨.\n(^٥) صحيح البخاري، أبواب التهجد، باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه: ٢٢٦، برقم (١١٤٤).\n(^٦) فتح الباري: ٣/ ٢٨.","vol":"1","page":555},{"text":"في دبر كل صلاة مكتوبة عشرا، عشرا، وإذا أويت إلى مضجعك تسبح الله وتكبره وتحمده مائة مرة، فتلك خمسون ومائتان باللسان، وألفان وخمس مائة في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مائة سيئة؟ \" قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟ قال: \" يجيء أحدكم الشيطان في صلاته، فيذكره حاجة كذا وكذا، فلا يقولها، ويأتيه عند منامه، فينومه، فلا يقولها، قال: ورأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده\" (^١).\nكما أخبر النبي - ﷺ - إن الحلم من الشيطان، عن أبي قتادة عن أبيه - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \" الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره\" (^٢).\nوإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الكل بخلق الله وتقديره (^٣).\n_________\n(^١) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في التسبيح عند النوم: ٥٤٦ برقم (٥٠٦٠)، ومسند الإمام أحمد: ١١/ ٤١، برقم (٦٤٩٨)، وقال محققه: حديث حسن لغيره، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٩٥٥.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده: ٦٢٩ برقم (٣٢٩٢).\n(^٣) فتح الباري: ١٢/ ٣٩٣.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النوم</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>أولًا: ترك النوم تعبدًا:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية، ترك النوم تعبدًا، والظن أن ذلك من القربات، وهذا أمر لم يشرعه الله - ﷿ - وأنكره النبي - ﷺ - (^١).\nعن أنس - ﵁ -: \" أن نفرا من أصحاب النبي - ﷺ - سألوا عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على فراش، فحمد الله وأئنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>ثانيًا: الاعتماد على الرؤى في الأحكام:</span>\nسبق أن الرؤيا الصالحة من المبشرات (^٣)؛ ولكن هذه الرؤيا -وإن كانت رأى فيها النبي - ﷺ - فلا يجوز أن يؤخذ منها الأحكام، ويخالف بها أحكام الشريعة دون أن يعرضها على الكتاب والسنة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري: ٩/ ١٠٥، ومعارج القبول: ٣/ ١٢٣٤.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح: ١٠٠٥ برقم (٥٠٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه: ٢/ ١٠٢٠ برقم (١٤٠١)، ١٣/ ٢٧٣.\n(^٣) ص: ٥١١، وانظر: فتح الباري: ١٢/ ٣٠١، ٤٠٥، والذخيرة للقرافي، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب، بيروت: ١٣/ ٢٧٣.\n(^٤) انظر: المدخل لابن الحاج، مكتبة دار التراث: ٤/ ٢٨٦.","vol":"1","page":557},{"text":"فأخذ الأحكام من المنامات مخالف لقول النبي - ﷺ -: \" تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله \" (^١) فجعل - ﷺ - النجاة من الضلالة في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فقط لا ثالث لهما، ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد لهما ثالث (^٢).\nفعلى من رأى رؤيا أن يعرضها على\"الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا\" (^٣).\nأما الرؤى التي رآها الصحابة وعُمل بها كرؤيا عبدالله بن زيد - ﵁ - في الأذان.\nفإن النبي - ﷺ - لما سمعها أقرها، وقال: \" إنها لرؤيا حق لقد أراك الله حقا\" (^٤)، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -: ٢/ ٨٨٦، برقم (١٢١٨).\n(^٢) انظر: المدخل: ٤/ ٢٨٧.\n(^٣) الاعتصام للشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد، المنامة: ٢/ ٧٨.\n(^٤) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان: ٧٧، برقم (٤٩٩)، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود: ١/ ٩٨.\n(^٥) انظر: فتح الباري: ٢/ ٧٩.","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:</span>\nورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>١ - ما وقع في نفس موسى: - ﵇ - هل ينام الله</span>؟\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي عن موسى - ﵇ - على المنبر، قال: \"وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما\". قال: \"فجعل ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان\" قال: \"ضرب الله له مثلا - ﷿ -: أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>٢ - الدجال تنام عيناه ولا ينام قلبه:</span>\nعن أبي بكرة - ﵁ -، عن أبيه قال: وصف رسول الله - ﷺ - ذات يوم صفة الدجال، وصفة أبويه، قال: \" يمكث أبوا الدجال ثلاثين سنة لا يولد لهما، ثم يولد لهما ابن مسرور مختون، أقل شيء نفعا وأضره، تنام عيناه، ولا ينام قلبه\" (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٢٤٢.\n(^٢) مسند الإمام أحمد: ٣٤/ ١٥٠، وقال محققه: إسناده ضغيف لضعف علي بن زيد- وهو ابن جدعان-، ومؤمل بن إسماعيل، وقال ابن كثير: \"منكر جدًا\". انظر: البداية والنهاية: ١٩/ ٢٠٤.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>المبحث الثامن النبات</span>\nالنبات في اللغة:\nنبت: النون والباء والتاء أصل واحد يدلّ على نماءٍ في مزروع، ثم يستعار. فالنَّبت معروفٌ، يقال نَبَت. وأنْبَتَتِ الأرض. ونَبَّتُّ الشَّجرَ: غَرستُه.\nوكلُّ ما أَنْبَتَ الله في الأَرض فهو نَبْتٌ والنَّباتُ فِعْلُه، ويَجري مجْرى اسمِه، يقال: أَنْبَتَ اللهُ النَّبات إِنْباتًا ونحو ذلك (^١).\n\nوفي الاصطلاح:\nهي مجموعة رئيسية من الكائنات الحية، تشتمل على نحو ٣٥٠،٠٠٠ نوع، من أمثلتها الأشجار والأزهار والأعشاب والشجيرات والحشائش.\nوتقسم النباتات إلى مجموعتين تبعًا لطريقة حصولها على غذائها. وتعرف جيمع النباتات الخضراء بأنها ذاتية التغذية، حيث تحتوي على يخضور (كلوروفيل)، يمكنها من اقتناص ضوء الشمس واستخدامه في إنتاج الغذاء، والمواد الأخرى التي تحتاج إليها في النمو. وتعرف الأنواع الأخرى من النباتات بأنها غير ذاتية التغذية، وتفتقر إلى اليخضور (الكلوروفيل)، ولا تستطيع إنتاج غذائها، وقد تكون متطفلة، أو رمِّية (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٧٨، لسان العرب: ٦/ ٤٣١٧.\n(^٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٦٠/٨٣.","vol":"1","page":560},{"text":"وقد ورد لفظ النبات في القرآن في (٤) مواضع (^١)، وورد في السنة في (٥١) حديثًا (^٢).\nوذكر بعض المفسرين أن النبات في القرآن على أربعة أوجه (^٣):\nأحدها: النبات بعينه. ومنه قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ (^٥).\nوالثاني: الإخراج، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (^٦).\nوالثالث: الخلق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (^٧).\nالرابع: التربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٦٠.\n(^٢) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٤.\n(^٣) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٨١.\n(^٤) المؤمنون: ٢٠.\n(^٥) عبس: ٢٧ - ٢٨.\n(^٦) البقرة: ٢٦١.\n(^٧) نوح: ١٧.\n(^٨) آل عمران: ٣٧.","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>الدلائل العقدية للآية الكونية - النبات</span>-:\nورد ذكر النباتات وإنباتها وإخراجها من الأرض وإثمارها، في كثير من آيات القرآن الكريم، وخصوصًا الآيات المكية.\nوهذا لم يكن\"لمجرد تعداد نعم الله فحسب، إنما جاء في آيات ترتبط بعملية الخلق والإحياء والبعث والنشور، وفي آيات تحض الناس على التبصر والتأمل، والتعقل والتدبر، وفي آيات تبطل ما ينكره الكافرون من قدرة الله على الإحياء وخلق الحي من الميت، وبعث الناس من قبورهم بعد موتهم وهلاكهم\" (^١).\nقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nومن يتأمل في هذه النباتات والثمار كيف نوعها الخالق في أحجامها وأشكالها وألوانها وروائحها ومذاقها، وهي في بقعة واحدة، وتسقى بماء واحد. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٣).\nفإنه سيرى:\n_________\n(^١) حياة النبات في ضوء القرآن والسنة والعلم الحديث، لكمال الدين البتانوني، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة:\nwww.quran-n.com/firas/arabicold/print-details.php؟ page=show-det ٨&amp;id=٧٣٣\n(^٢) فصلت: ٣٩.\n(^٣) الرعد: ٤.","vol":"1","page":562},{"text":"عجائبُ لا تنتهي في النبات ... تَدَلُّ على الخالق المقتدرْ (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: \" فهذا النبات يغذي، وهذا يصلح الغذاء، وهذا ينفذه، وهذا يضعف، وهذا سم قاتل، وهذا شفاء من السم، وهذا يمرض، وهذا دواء من المرض، وهذا يبرد، وهذا يسخن، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق، وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال اليها، وهذا يدفع البلغم والسوداء، وهذا يستحيل اليهما، وهذا يهيج الدم، وهذا يسكنه، وهذا ينوم، وهذا يمنع النوم، وهذا يفرح، وهذا يجلب الغم إلى غير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولاعرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الاحاطة بها وتفصيلها.\nوانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه، كيف يقوى قسره واجتذابه من مقره ومركزه إلى فوق، ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها، ثم تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر.\nثم انظر إلى تكون حمل الشجرة، ونقلته من حال إلى حال كتنقل أحوال الجنين المغيب عن الأبصار ترى العجب العجاب، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين، بينا تراها حطبا قائما عاريا لا كسوة عليها إذ كاسها ربها وخالقها من الزهر أحسن كسوة، ثم سلبها تلك الكسوة، وكساها من الورق كسوة هي أثبت من الأولى، ثم اطلع فيها حملها ضعيفا ضئيلا بعد أن أخرج ورقها صيانة وثوبا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجب به من الحر والبرد والآفات،\n_________\n(^١) انظر: براهين وأدلة إيمانية لعبد الرحمن حسن حبنكه الميداني، دار القلم دمشق، ط ١: ٤٦٩.","vol":"1","page":563},{"text":"ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبان أمه، ثم رباها ونماها شيئا فشيئا حتى استوت وكملت وتناهى ادراكها، فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء.\nهذا وكم لله من آية في كل ما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لايبصرونه، تفنى الأعمار دون الإحاطة بها وجميع تفاصيلها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>أولًا: توحيد الربوبية:</span>\nبين سبحانه قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، ومن ذلك النباتات فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (^٢).\nثم بين ﷾ أن هذا الذي ذكره في الآية هو خلقه سبحانه وتقديره وحده لا شريك له في ذلك (^٣)، فقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٣٦.\n(^٢) لقمان: ١٠.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٣٣، ٣/ ٣٤٧.\n(^٤) لقمان: ١١.\n(^٥) الأنعام: ١٤١.","vol":"1","page":564},{"text":"الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).\nفالله - ﷿ - هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما -ومن ذلك النباتات- بالحق، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما، وأنه وحده المتصرف المدبر لهما، وفيها أيضًا بيان كمال قدرة الخالق - ﷿ - (^٢).\nفلو اجتمعت البشرية جميعا على صناعة شجرة واحدة من العدم لما استطاعت، بل غصنا واحدا، بل ورقة واحدة، بل بذرة واحدة.\nفهو سبحانه: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>البركة:</span>\nأخبر النبي - ﷺ - عن بعض النباتات أنها مباركة ومن ذلك النخلة، فعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: بينا نحن عند النبي - ﷺ - جلوس إذا أتي بجمار نخلة فقال النبي - ﷺ -: \" إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم، فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحدثهم فسكت، فقال النبي - ﷺ -: هي النخلة\" (^٤).\nوقال - ﷺ -: \" من الشجر شجرة تكون مثل المسلم، وهي النخلة \" (^٥).\n\"وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن\n_________\n(^١) النحل: ١٠ - ١١.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٧، وتفسير السعدي: ٤٣٦.\n(^٣) الأنعام: ٩٩.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب أكل الجمار: ١٠٧٥، برقم (٥٤٤٤)،\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب بركة النخل: ١٠٧٥، برقم (٥٤٤٨).","vol":"1","page":565},{"text":"حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>١ - كلام الله:</span>\n﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢).\nعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر\" (^٣).\nفمثل النبي - ﷺ - في الحديث بهذه النباتات.\nوفي هذا الحديث أيضا دليل على\"أن التلاوة غير المتلو، فالتلاوة عمل العبد، وهي مخلوقة، وأما المتلو، فهو كلام الله - ﷿ - منزل غير مخلوق، ولهذا بوب البخاري - ﵀ - بهذه الترجمة حتى قال: \"لا تجاوز حناجرهم\" فدل على\n_________\n(^١) فتح الباري: ١/ ١٤٥.\n(^٢) لقمان: ٢٧.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام: ٩٩٧ برقم (٥٠٢٠)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن: ١/ ٥٤٩، برقم (٧٩٧).","vol":"1","page":566},{"text":"أن تلاوة القارئ عمل له. أما المتلو، فهو كلام الله يقرؤه البر والفاجر\" (^١). والناس يتفاوتون في التلاوة فهي أعمالهم، وأعمالهم مخلوقة، وأما كلام الله فمنزل غير مخلوق (¬<span data-type=\"title\" id=toc-557>٢).\n\n٢ - التسبيح:</span>\nيسبح الله نفسه وينزهها عن أحوال المشركين تنزيها عن كل ما لا يليق بإلهيته وأعظمه الإشراك به (^٣)، أو أنه يكون له ظهير، أو عوين، أو وزير، أو صاحبة، أو ولد، أو سَمِيٌّ، أو شبيه، أو مثيل في صفات كماله ونعوت جلاله، أو يعجزه شيء يريده (^٤)، ويذكر في ذلك خلق النباتات، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٥).\nولما ذكر الله - ﷿ - بعض الأدلة على الألوهية والقدرة والبعث في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (^٦). فهو سبحانه المتفرد بخلق النباتات وما يسره من الحرث والزرع، وأنه لو شاء لجعله\n_________\n(^١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، للشيخ عبدالعزيز الراجحي، مطبوع بالحاسب الآلي: ١/ ٢٠٣.\n(^٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان: ٢/ ٦٣١.\n(^٣) التحرير والتنوير: ٢٣/ ١٥.\n(^٤) تفسير السعدي: ٦٩٥.\n(^٥) يس: ٣٣ - ٣٦.\n(^٦) الواقعة: ٦٣ - ٦٧.","vol":"1","page":567},{"text":"محطما لا نفع فيه ولا رزق، أمر بتسبيحه وتنزييه عن جميع النقائص (^١)، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nسبق في المبحث السابق: الأرض (^٣) أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله - ﷿ - بالعبادة (^٤).\nقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^٥).\n\"فخلق هذه النبات وتنوعها دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلا عن واحد لا شريك له\" (^٦).\nوقد ذكر الله في\"تفاصيل ما به يعرف ويتعين أنه الإله المعبود وأن عبادته هي الحق وعبادة ما سواه هي الباطل\" (^٧) خلق النبات والأشجار فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٨).\nولما سأل فرعون موسى عن ربه ومعبوده كان من ضمن إجابته أنه الذي\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٢٢.\n(^٢) الواقعة: ٧٤.\n(^٣) ص: ٣٩٣.\n(^٤) التحرير والتنوير: ٢٤/ ١٨٩، ١٧/ ٥٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٩٦.\n(^٥) الشعراء: ٧ - ٩.\n(^٦) التحرير والتنوير: ١٩/ ١٠٠.\n(^٧) تفسير السعدي: ٦٠٧.\n(^٨) النمل: ٦٠.","vol":"1","page":568},{"text":"خلق الأزواج من النبات (^١): ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>رابعًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن ذلك ميكائيل الموكل بالنبات (^٣).\nوأخبر النبي - ﷺ - أن الملائكة تتأذى من بعض النباتات كما يتأذى بنو آدم، فعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"من أكل من هذه البقلة -الثوم- وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم\" (^٤)، \"وهذا يدل على أن الملائكة تُنزه عن هذه الروائح\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>خامسًا: الإيمان بالكتب:</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي: ١١/ ٢٠٤، ٢٦٠.\n(^٢) طه: ٤٩ - ٥٤.\n(^٣) انظر: مسند الإمام أحمد: ١/ ٢٧٤، برقم (٢٤٨٣)، وشرح الطحاوية: ١/ ٢٨٠، والبداية والنهاية: ١/ ١٠٥.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها: ١/ ٣٩٤، برقم (٥٦٤)\n(^٥) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٢/ ٤٩٩.","vol":"1","page":569},{"text":"لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^١).\nفمثل الله - ﷿ - \" حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعد بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها:\nفإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طيب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين.\nوأما قوله تعالى: ثم يجعله حطاما فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار. وفي تعقيب هذا بقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (^٢)، إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل\" (^٣).\nوفي معناه قول النبي - ﷺ -: \" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" (^٤).\n_________\n(^١) الزمر: ٢١.\n(^٢) الزمر: ٢٢ - ٢٣.\n(^٣) التحرير والتنوير: ٢٣/ ٢٧٦.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب فضل من علِم وعلَّم: ٤١، برقم (٧٩).","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>سادسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات التي أظهرها الله - ﷿ - لنبيه محمدًا - ﷺ - انقياد الأغصان والأشجار له عند قضاء حاجته.\nفعن جابر - ﵁ - قال: سرنا مع رسول الله - ﷺ - حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله - ﷺ - يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله - ﷺ - فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله - ﷺ - إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصّف مما بينهما لأم بينهما -يعني جمعهما- فقال: التئما علي بإذن الله، فالتأمتا، قال جابر - ﵁ -: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله - ﷺ - بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله - ﷺ - مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق\" (^١).\nوكذلك حنين الجذع للنبي - ﷺ - (^٢)، عن ابن عمر - ﵄ - قال: \"كان النبي - ﷺ - يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه\" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر: ٤/ ٢٣٠٦، برقم (٣٠١٢).\n(^٢) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٤/ ٤٨٧.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ٦٨٦، برقم (٣٥٨٣).","vol":"1","page":571},{"text":"وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -: \" أن النبي - ﷺ - كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا، قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي - ﷺ - فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسكَّن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله عنه وأخبرت عنه رسله -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة عليه إحياء الأرض بعد موتها بالنبات من كل زوج وصنف وهو دليل عقلي مشاهد محسوس (^٢).\nفقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\nكما أمر الله - ﷿ - بالتفكر في تكوّن الحبوب والثمار التي بها طعام الإنسان،\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ٦٨٦، برقم (٣٥٨٤).\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٢/ ٦، ١٥/ ٢٥.\n(^٣) الحج: ٥ - ٧.\n(^٤) يس: ٣٣ - ٣٦.","vol":"1","page":572},{"text":"فإن الأجساد تخرج من الأرض للبعث كما تخرج تلك النباتات (^١)، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (^٢).\nوهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلا للقيامة بإحياء الأرض بعد موتها (^٣).\nوأخبر النبي - ﷺ - في بيان كيف ينبت الموحدون بعد خروجهم من النار وسرعة ذلك وحسنه (^٤)، وشبه ذلك بنبات الحِبة في حميل السيل (^٥).\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبة تكون في حميل السيل، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله - ﷺ - قد كان بالبادية \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير: ٣٠/ ١٣٠.\n(^٢) عبس: ١٧ - ٣٢.\n(^٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٣.\n(^٤) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٢٣.\n(^٥) الحبة بكسر الحاء وهى بزر البقول والعشب تنبت في البرارى وجوانب السيول وجمعها، وأما حميل السيل فبفتح الحاء وكسر الميم وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء ومعناه محمول السيل. انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٢٣.\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار: ١/ ١٧٢، برقم (١٨٥).","vol":"1","page":573},{"text":"كما أن النبي - ﷺ - شبه الخطاطيف التي على الجسر يوم القيامة بشوك السعدان، وهي شوكة عظيمة مثل المحك من كل الجوانب (^١).\nفعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: \" قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان\" (^٢).\nوقد ورد في الكتاب والسنة أن في الجنة أشجار ونباتات، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى عن نعيم أصحاب اليمين: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (^٤).\nوقال تعالى عن الجنة: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (^٦).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم: ١/ ٣٢٣.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٧، برقم (١٨٣).\n(^٣) البقرة: ٢٥.\n(^٤) الواقعة: ٢٧ - ٣٠.\n(^٥) الرحمن: ٥٢.\n(^٦) الرحمن: ٦٨.\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة: ٦٢٤، برقم (٣٢٥١).","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>ثامنًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وقد نبه الله - ﷿ - على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وما فيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ (^٢) وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ (^٤) وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٥).\nفهذا\"الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع، في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها.\nفهذا في غاية الحلاوة وذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة وذا عَفِص، وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى. وهذا أصفر وهذا أحمر، وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق. وكذلك الزهورات مع أن كلها يستمد من طبيعة واحدة، وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن\n_________\n(^١) فاطر: ٢٧.\n(^٢) معروشات: ما انبسط على وجه الأرض مثل البطيخ والكرم، وغير معروشات: ما قام على ساق مثل النخل، وقيل المعروشات ما أثبته ورفعه الناس، وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار. انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٩٨، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤٧.\n(^٣) الأنعام: ١٤١.\n(^٤) الصنوان: النخلات والنخلتان يجمعهما أصل واحد، وغير الصنوان المتفرق. انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٢.\n(^٥) الرعد: ٤.","vol":"1","page":575},{"text":"كان واعيا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ \" (^١).\nوفي\"تفاوتها أيضًا دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى\" (^٢).\nوأخبر الله - ﷿ - أن النبات إنما يخرج بإذن الله وإرادته، وليست الأسباب مستقلة بذلك (^٣)، فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>تاسعًا: منزلة الصحابة:</span>\nبين الله - ﷿ - أن مثل الصحابة في الإنجيل في مناصرتهم للنبي - ﷺ - وتأييدهم ومآزرتهم له كمأزرة فراخ الزرع للزرع إلى أن يشب ويقوى.\nقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (^٥) فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣٢، ٣/ ٣٠٧.\n(^٢) تفسير السعدي: ٦٨٨.\n(^٣) انظر: تفسير السعدي: ٢٩٢.\n(^٤) الأعراف: ٥٨.\n(^٥) شطأه: أي فراخه. انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٦٢.","vol":"1","page":576},{"text":"مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١).\nوقيل هذا مثل ضربه الله لأصحاب محمد - ﷺ - في أنهم يكونون قليلًا ثم يكثرون ويزدادون (^٢).\nوقيل: إن الصحابة\"كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>ضرب الأمثال:</span>\nمن منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثال للتوضيح والتقريب، وقد ضرب الله - ﷿ - مثلًا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وبيان شرف هذه النفقة كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n\"وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كأن العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة\" (^٥).\n_________\n(^١) الفتح: ٢٩.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٩٥، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٣٦٢.\n(^٣) تفسير السعدي: ٧٩٥.\n(^٤) البقرة: ٢٦١.\n(^٥) تفسير السعدي: ١١٢، وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.","vol":"1","page":577},{"text":"وضرب الله ﷾ مثلًا للحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض من زرع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، ثم أصبح هشيمًا تذروه الرياح (^١)، فقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٣).\nوضرب النبي - ﷺ - مثلًا في بيان حال المؤمن الذي يقرأ القرآن، والذي لا يقرأ القرآن، والمنافق الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأ القرآن ببعض النباتات وذلك للتوضيح والتفريق بين حالهم (^٤)، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٦٠.\n(^٢) الكهف: ٤٥.\n(^٣) يونس: ٢٤ - ٢٥.\n(^٤) انظر: شرح النووي على مسلم: ٦/ ٨٤، وفتح الباري: ١/ ١٤٧ ..\n(^٥) سبق تخريجه: ٥٢٤.","vol":"1","page":578},{"text":"\"فهذه أمثال ضربها الرسول - ﷺ - لبيان تفاوت الناس في هذه الأمور، وأن من كان عنده القرآن فإنه جمع بين خصلتين محمودتين: إيمان وقراءة القرآن، وشبهه بالأترجة التي طعمها حلو، وريحها طيب، وشبه المؤمن الذي لا يقرأ القرآن بالتمرة التي طعمها طيب ولكن لا ريح لها، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب، ولكن طعمها مر، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها\" (^١).\nكما أن النبي - ﷺ - شبه المسلم بالنخلة في \"كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة، ومن خشبها وورقها وأغصانها فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأوانى وغير ذلك، ثم آخر شيء منها نواها وينتفع به علفا للابل، ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها، فهي منافع كلها، وخير وجمال، كما أن المؤمن خير كله، من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره، والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك\" (^٢).\nوعن عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي.\nقال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: فقال هي النخلة، قال: فذكرت ذلك لعمر، قال: لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح سنن أبي داود للشيخ عبدالمحسن العباد، مطبوع على الحاسب الآلي: ١/ ٢.\n(^٢) شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٥٤.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن كالنخلة: ٤/ ٢١٦٤، برقم (٢٨١١).","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الناس يتفاضلون في الإيمان (^١)، وقد بين النبي - ﷺ - ذلك، وضربه له مثلا ببعض النباتات والثمار، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر\" (^٢).\n\"وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة على تقسيم الحاصل؛ لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، وعلى هذا فقس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه في المذكورات منتزع عن أمرين محسوسين طعم وريح وليس بمفرق\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط ١: ٣٢، والحجة في بيان المحجة: ١/ ٤٤٠، وصفة المنافق لجعفر بن محمد الفريابي، تحقيق: بدر البدر، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، ط ١: ٥٧.\n(^٢) سبق تخريجه: ٥٢٤.\n(^٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان ملاء القاري، تحقيق: جمال عيتاني، المكتبة العلمية، بيروت، ط ١: ١٢/ ٦٤٦.","vol":"1","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>أولًا: تسمية الله - ﷿ - بالزارع </span>(^١):\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات - تسمية الله - ﷿ - بالزارع. من قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (^٢)، والصحيح أنه لا يجوز أن يقال لله تعالى: (الزارع) على أنه اسمًا له أو صفةً من صفاته وإنما يقال: هو الزارع على أنه خبر عن فعلٍ من أفعال الله تعالى، وليس كل فعلٍ فعله الله تعالى يشتق له منه اسمًا أو صفة (^٣).\nقال الشيخ حافظ حكمي (^٤) - ﵀ -: \" ومن الخطأ ما عده بعضهم، ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما، فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي، بتحقيق علي البجاوي، دار الجيل، بيروت: ٢/ ٨٠٧، وإيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لمحمد بن إبراهيم المرتضى، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٦٠.\n(^٢) الواقعة: ٦٤.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٨/ ١٩٦.\n(^٤) هو الشيخ حافط بن أحمد بن علي الحكمي، عالم متفنن، له مؤلفات كثيرة منها: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة، والسبل السوية في فقه السنن المروية، واللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون، توفي عام ١٣٧٧ هـ. انظر: الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، د. أحمد بن علوش، والنهضة الإصلاحية في جنوب المملكة، لعمر مدخلي: ١٧٨","vol":"1","page":581},{"text":"صفات كمال ومدح وتوحيد، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^١) .. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (^٢). الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>ثانيًا: تحريف معنى سجود الأشجار:</span>\nقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (^٤) والنجم ما لا ساق له، والشجر ما له ساق (^٥).\nفقيل في سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقيل: سجودهما دوران الظل معهما، وقيل: إن معنى السجود أنها مسخرة لله فلا تعبدوها، وقيل: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله - ﷿ -، فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله - ﷿ - وانقيادها له (^٦).\nوقد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٧) أن سجود هذه الكائنات سجود حقيقي الله أعلم بكيفيته لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٨).\n_________\n(^١) الأنبياء: ١٠٤.\n(^٢) الواقعة: ٦٣ - ٦٤.\n(^٣) معارج القبول: ١/ ١١٩.\n(^٤) الرحمن: ٦.\n(^٥) انظر: تفسير الطبري: ٢٧/ ١٣٦، وتفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٣.\n(^٦) انظر هذه الأقوال في تفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٤.\n(^٧) ص: ٦٥.\n(^٨) الإسراء: ٤٤.","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>المبحث التاسع الأمراض</span>\nالمرض في اللغة:\nالميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان. منه العِلَّة. والمرض السقم نقيض الصحة يكون للإنسان والبعير، وهو اسم للجنس، ومرض فلان مرَضًا ومرْضًا فهو مارض ومَرِض ومريض، والأنثى مريضة. وشمس مريضة، إذا لم تكن مشرقة.\nوالمَرْضُ والمرَضُ الشَّكُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (^١) أَي شكٌّ ونفاقٌ وضَعْفُ يَقِين، يقال المرَضُ والسُّقْم في البدَن والدِّينِ جميعًا، كما يقال الصِّحةُ في البدَن والدين جميعًا، والمرَضُ في القلب يَصْلُح لكل ما خرج به الإِنسان عن الصحة في الدين ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^٢)، ويقال قلب مَرِيضٌ من العَداوةِ وهو النِّفاقُ (^٣).\n\nوفي الاصطلاح:\nالمرض اعتلال الجسم أو العقل. وقد يكون المرض عارضا خفيفا مثل التهاب الحلق أو خطيرا مثل النوبة القلبية. ويمكن للأمراض أن تصيب أي جزء في الجسم. كما يمكنها أن تؤثر على صحة الشخص العقلية والوجدانية.\nوتحدث أمراض عديدة بسبب كائنات حية دقيقة مثل البكتيريا أو الفيروسات، تقوم بغزو الجسم. وهذه الكائنات الدقيقة تسمى عادة جراثيم\n_________\n(^١) البقرة: ١٠.\n(^٢) الأحزاب: ٣٢.\n(^٣) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣١١، لسان العرب: ٦/ ٤١٨٠.","vol":"1","page":583},{"text":"ولكن العلماء يسمونها أحياء مجهرية.\nوتسمى الأمراض الناتجة عن هذه الأحياء الأمراض المعدية، وتسمى الأمراض الأخرى أمراضا غير معدية (^١).\nوقد ورد لفظ المرض في القرآن في (١٢) موضعًا (^٢)، وورد في السنة في (١١) حديثًا (^٣).\nوذكر بعض المفسرين أن المرض في القرآن على ثلاثة أوجه (^٤):\nأحدها: مرض البدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (^٧).\nوالثاني: الشك. ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (^٨)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (^٩)، وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (^١٠).\nوالثالث: الفجور. ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^١١).\n_________\n(^١) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٣/ ١٠٥.\n(^٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٣٩.\n(^٣) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٤.\n(^٤) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٤٥، وبصائر ذوي التمييز: ٤/ ٤٩٢.\n(^٥) البقرة: ١٩٦.\n(^٦) التوبة: ٩١.\n(^٧) النور: ٦١، الفتح: ١٧.\n(^٨) البقرة: ١٠.\n(^٩) التوبة: ١٢٥.\n(^١٠) محمد: ٢٠.\n(^١١) الأحزاب: ٣٢.","vol":"1","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>الدلائل العقدية للآية الكونية - الأمراض</span>-:\nالله ﷾ حكيم عليم، لم يخلق شيئًا إلا وله فيه حكمة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^١)، ومن حكمته ﷾ أن خلق الصحة وخلق ما يضادها من الأمراض، وهذا من آيات الله العظيمة التي أمر الله - ﷿ - بالتفكر فيها (^٢).\n\"ومن تأمل خلق الأضداد فى هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغنى بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته\" (^٣).\nولله - ﷿ - في هذه الأمراض حكم عظيمة، فمن فوائد المرض وتمام نعمة الله على عبده، أنه ينزل بعبده من الضر والشدائد ما يلجئه إلى المخاوف، حتى يلجئه إلى التوحيد، ويتعلق قلبه بربه فيدعوه مخلصًا له الدين، قال الله تعالى عن نبيه أيوب - ﵇ -: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٤).\nفكشف الله ضره وأثنى عليه، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) الأنعام: ٨٣.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٤، والتحرير والتنوير: ٣٠/ ٣٠٤.\n(^٣) زاد المعاد: ٤/ ١٥١.\n(^٤) الأنبياء: ٨٣.\n(^٥) ص: ٤٤.","vol":"1","page":585},{"text":"ومن فوائد المرض: انتظار المريض للفرج، الأمر الذي يجعل العبد يتعلق قلبه بالله وحده، وخصوصًا إذا يئس المريض من الشفاء من جهة المخلوقين وحصل له الإياس منهم وتعلق قلبه بالله وحده، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج.\nومن فوائد المرض: أنه علامة على إرادة الله بصاحبه الخير، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من يرد الله به خيرًا يصب منه \" (^١).\nومن فوائد المرض: أن الله يستخرج به الشكر، فإن العبد إذا ابتلي بعد الصحة بالمرض، وبعد القرب بالبعد، اشتاقت نفسه إلى العافية، وبالتالي تتعرض إلى نفحات الله بالدعاء، فإنه لا يرد القدر إلا الدعاء، بل ينبغي له أن يتوسل إلى الله ولا يتجلد تجلد الجاهل؛ فإن الله أمر العبد أن يسأله تكرمًا، وهو يغضب إذا لم تسأله، فإذا منح الله العبد العافية وردها عليه عرف قدر تلك النعمة؛ فلهج بشكره شكر من عرف المرض وباشر وذاق آلامه لا شكر من عرف وصفه ولم يقاس ألمه، فإذا نقله ربه من ضيق المرض والفقر والخوف إلى سعة الأمن والعافية والغنى فإنه يزداد سروره وشكره ومحبته لربه بحسب معرفته وبما كان فيه.\nومن فوائد المرض: معرفة العبد ذله وحاجته وفقره إلى الله، فأهل السماوات والأرض محتاجون إليه سبحانه، فهم فقراء إليه وهو غني عنهم، ولولا أن سُلط على العبد هذه الأمراض لنسي نفسه، فجعله ربه يمرض ويحتاج، لتظهر بذلك عبوديته لربه، وفي الأمراض من الحِكم والأسرار ما لا يعمله إلا الله تعالى.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض: ١١٠٩ برقم (٥٦٤).","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>أولًا: توحيد الربوبية:</span>\nالأمراض خلق من خلق الله - ﷿ - فعن أم الدرداء - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله خلق الداء والدواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام\" (^١).\nوعن أنس - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>١ - نفي الشر عن الله:</span>\nمن مقتضى الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات الإيمان بأن أفعال الله - ﷿ - كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه، ليس فيها شر بوجه من الوجوه، وأما من جهة العبد فنفس المقدور قد يكون شرًا لما يلحقه من المهالك (^٣)، وقد قال النبي - ﷺ -: \" والخير كله في يديك والشر ليس إليك\" (^٤)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -الأمراض- أخبر الله - ﷿ - عن إبراهيم - ﵇ - أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (^٥) فأسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني: ٢٤/ ٢٥٤ برقم (٦٤٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ١٧٤ برقم (١٦٣٣).\n(^٢) مسند الإمام أحمد: ٢٠/ ٥٠، برقم (١٢٥٩٦)، وقال محققه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.\n(^٣) انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ١٢١.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٢٤ برقم (٧٧١).\n(^٥) الشعراء: ٨٠.","vol":"1","page":587},{"text":"غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^١) فأسند الإنعام إلى الله، ﷾، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن (^٢): ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>٢ - العلو:</span>\nمن أنواع الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله نزول الأمر من الله تعالى (^٤)، ومن ذلك نزول الداء والدواء من الله، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء \" (^٥).\nوالمراد إنزال علم ذلك الدواء والشفاء (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>٣ - الشافي:</span>\nمن أسماء الله - ﷿ - الشافي (^٧)، فهو سبحانه وحده الشافي لجميع الأمراض، وقد دل على هذا الاسم حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"كان النبي - ﷺ - يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه، أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا \" (^٨).\n_________\n(^١) الفاتحة: ٦ - ٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٦، وانظر: التحرير والتنوير: ١٩/ ١٤٢.\n(^٣) الجن: ١٠.\n(^٤) انظر: شرح الطحاوية: ١٤٤، ٢٦٤، إعلام الموقعين: ٢/ ٢٨٢.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما انزل الله داء إلا أنزل شفاء: ١١١٦ برقم (٥١٧٨).\n(^٦) فتح الباري: ١٠/ ١٣٥.\n(^٧) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٢١٨، وكتاب التوحيد لابن منده: ٢/ ١٣٩.\n(^٨) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى: ١١٢٦ برقم (٥٧٥٠)، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض: ٤/ ١٧٢١ برقم (٢١٩١).","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>٤ - الطبيب:</span>\nعد بعض أهل العلم الطبيب من أسماء الله - ﷿ - (^١)، عن أبي رمثة - ﵁ -؛ قال: \"أتيت للنبي - ﷺ - مع أبي فرأى التي بظهره، فقال: يا رسول الله، ألا أعالجها لك فإني طبيب، قال: أنت رفيق والله الطبيب\" (^٢).\nوعن عائشة - ﵂ -: قالت: \"مرض رسول الله - ﷺ - فوضعت يدي على صدره، فقلت: اذهب البأس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي، وكان رسول الله - ﷺ - يقول: الحقني بالرفيق الأعلى والحقني بالرفيق الأعلى \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>ثالثًا: توحيد الألوهية:</span>\nكثيرًا ما يستدل الله - ﷿ - وجل في كتابه على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ومما يتعلق بهذه الآية الكونية -الأمراض- أن إبراهيم - ﵇ - حين تبرأ من المشركين وآلهتهم التي تعبد إلا الله - ﷿ - رب العالمين ذكر من جملة صفاته أنه يشفي المرض (^٤)، فقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، تحقيق: حلمي فودة، دار الفكر: ١/ ٢٠٩، رقم (١٥٣٧)، الأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٢١٧، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى، لمحمد بن خليفة التميمي، دار إيلاف، ط ١: ٢٩٣، وأسماء الله الحسنى لعبدالله الغصن، دار الوطن، الرياض: ٣٥٥.\n(^٢) سنن أبي داود، كتاب الترجل، باب في الخضاب: ٤٥٨ برقم (٤٢٠٧)، ومسند الإمام أحمد: ٢٩/ ٣٩ برقم (١٧٤٩٢)، وقال محققه: إسناده صحيح. وانظر: السلسلة الصحيحة: ٤/ ٥١ برقم (١٥٣٧).\n(^٣) مسند الإمام أحمد: ٤١/ ٢٩١ برقم (٢٤٧٧٤)، وقال محققه: إسناده صحيح.\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ١٠، وتفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٥.","vol":"1","page":589},{"text":"(٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (¬<span data-type=\"title\" id=toc-581>١).\n\n١ - التوكل:</span>\nجاء في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والبرد، وأن فعل هذه الأسباب التي جعلها الله أسبابًا مما أمرت به الشريعة، وأن تركها يقدح في التوكل ويضعفه (^٢).\nوأخبر النبي - ﷺ - أن المرض لا يعدي بنفسه، وأن مخالطة المريض لا تضر إلا بإذن الله - ﷿ - وأنه سبحانه هو المقدر لذلك فوجب فعل الأسباب بالابتعاد عن أسباب الشر، والتوكل على الله، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى (^٣)، فقام أعرابي فقال أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الضباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب. فقال النبي - ﷺ -: فمن أعدى الأول\" (^٤).\nوالمرض يتعدى من محل إلى محل، ويتعدى من المريض إلى السليم، ويتعدى من الجربى إلى الصحيحة، هذا شيء موجود.\nفبين الرسول - ﷺ -، أن مجرد مقاربة المريض أو القدوم على المحل الموبوء هذا سبب، أما التأثر فهو بيد الله ﷾، فقد يدخل الإنسان في الأرض الموبوءة ولا يصاب، وقد يورد الممرض على المصح ولا\n_________\n(^١) الشعراء: ٧٥ - ٨٢.\n(^٢) انظر: الفصل الرابع من هذا البحث: ١٦٢.\n(^٣) المراد بالعدوى: انتقال المرض من شخص إلى شخص، أو من بهيمة إلى بهيمة، أو من مكان إلى مكان. انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: ٢/ ٨.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا عدوى: ١١٣٠ برقم (٥٧٧٥).","vol":"1","page":590},{"text":"يصاب، قد ينام المريض بجانب الصحيح ولا يصاب، وقد يصاب، فما وجه التفريق بين الحالتين؟ وجه التفريق: أن هذا راجع إلى مشيئة الله تعالى (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>٢ - الدعاء:</span>\nكان من هدي النبي - ﷺ - الدعاء عند وجود المرض، والاستعاذة بالله ﷾، فعن عائشة - ﵂ - قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المريض يدعو له، قال أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا\" (^٢)، وهذا الدعاء من جملة الأسباب التي أمر الله بها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٣)، \"وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيء الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير، ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالًا على ما قدر فيلزم ترك العمل جملة، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي السهم، والله أعلم\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٨، وفتح الباري: ١٠/ ١٦٠.\n(^٢) سبق تخريجه: ٥٤٦.\n(^٣) غافر: ٦٠.\n(^٤) مرعاة المفاتيح المطبوع بحاشية مشكاة المصابيح، لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري، إدارة البحوث الإسلامية والدعوة والإفتاء بالجامعة السلفية - الهند: ٩/ ٥٢٥.","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>رابعًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومنها أنهم يمنعون مرض الطاعون من دخول المدينة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: \" على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>خامسًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات: الآية التي أظهرها الله - ﷿ - على يد رسوله عيسى - ﵇ - حيث كان يبرئ الأبرص والأكمه (^٢)، قال تعالى عنه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nومما يتعلق بهذه الآية الكونية أيضًا بشرية الرسل، وأنه يصيبهم ما يصيب غيرهم من الأمراض (^٤)، وأنهم يخيرون عند مرضهم بين الدنيا والآخرة، فعن عائشة - ﵂ -، قالت: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خير \" (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، أبواب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة: ٣٥٧ برقم (١٨٨١).\n(^٢) انظر: تفسير السعدي: ١٣١.\n(^٣) آل عمران: ٤٩.\n(^٤) انظر: فتح الباري: ١٠/ ٢٢٧، وفيض القدير: ٥/ ٥٠١.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ النساء: ٦٩: ٨٧١ برقم (٤٥٨٦).","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله به ورسوله - ﷺ - من الجنة والنار، ومن ذلك أن الحمى من فيح جهنم فدل على أن النار مخلوقة الآن (^١)، فعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: \"الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>سابعًا: الإيمان بالقدر:</span>\nمن الإيمان بالقدر الإيمان بمشيئة الله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل مؤمن يعرف ويوقن تمامًا أن من يتعرض لمسببات المرض فإن ذلك لا يعني أبدًا أنه سوف يصاب بهذا المرض إذا أراد الله ﷾ حفظه وتجنيبه، ومن لا يتعرض لمسببات المرض فإن ذلك لا يعني للمرء أنه لن يصاب بالمرض إذا قدر مُقدِر المقادير ومُسببُ الأسباب أن يصاب هذا المرء بالمرض، ومن واجب المسلم التوكل على الله ﷾ في جميع أمور حياته اليومية، لكنه مأمور بالأخذ بالأسباب والتحصن ضد مسببات الأمراض (^٣).\nوقد علق النبي - ﷺ - البرأ من المرض على إذنه ومشيئته ﷾، فعن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: أنه قال: \"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى\" (^٤)، \"ففيه الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري: ٦/ ٣٢٠، ٣٣٠، ومعارج القبول: ٢/ ٨٦١.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة: ٦٢٥ برقم (٣٢٦٣).\n(^٣) انظر: الإعجاز العلمي في لفظتي المريض والمرض في الأحاديث النبوية، لعبدالبديع حمزة زللي: ٢، وإعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد: ٢/ ٨.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي: ٤/ ١٧٢٩ برقم (٢٢٠٤).","vol":"1","page":593},{"text":"الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر. وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: \" إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا \" الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله في حديث جابر - ﵁ -: \" بإذن الله\"، فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك\" (^١).\nولما خرج عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى الشام ووجد الوباء قد وقع بها، رجع بعد اختلاف الصحابة في ذلك (^٢)، فقيل له تفر من قدر الله، فقال - ﵁ -: \" أفر من قدر إلى قدر\". ثم أخبره عبدالرحمن بن عوف - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه \"، قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>ثامنًا: النهي عن التفرق:</span>\nحذر النبي - ﷺ - من الافتراق، وبين أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم بين حال هؤلاء المتفرقين وأنه\n_________\n(^١) فتح الباري: ١٠/ ١٣٥.\n(^٢) انظر: الاستذكار: ٢٦/ ٧٠.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون: ١١٢٣ برقم (٥٧٢٩)، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها: ٤/ ١٧٤٠ برقم (٢٢١٩).","vol":"1","page":594},{"text":"كحال من يتجارى به الكَلَب، فعن معاوية بن أبى سفيان - ﵁ - قال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا فقال: \"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة، وهي الجماعة\". زاد ابن يحيى وعمرو فى حديثيهما \" وإنه سيخرج من أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه \".\nوقال عمرو: \" الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله \" (^١).\nفبين - ﷺ - أن هذه الأهواء تتجارى بهم، كما يتجارى الكلب لصاحبه؛ \"فإن الكلب داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلِب، وهو داء يصيب الكلب كالجنون. وعلامة ذلك فيه أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنسانًا ساوره (^٢)، فإذا عقر هذا الكلب إنسانًا عرض له من ذلك أعراض رديئه، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشًا، ولا يزال يستسقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه\" (^٣)، وكذلك البدع تدخل فيهم وتؤثر في أعضائهم (^٤).\n\"فشبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلًا، بحال صاحب الكَلَب وسريان تلك\n_________\n(^١) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب شرح السنة: ٥٠٣، برقم (٤٥٩٧)، ومسند الإمام أحمد: ٢٨/ ١٣٥ برقم (١٦٩٣٧)، وقال محققه: إسناده حسن. وحسنه الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٨٦٩.\n(^٢) أي وثب عليه. انظر: تهذيب اللغة: ١٣/ ٣٥.\n(^٣) معالم السنن للخطابي، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت: ٧/ ٤.\n(^٤) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: ١/ ٣٨٢.","vol":"1","page":595},{"text":"العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحدًا إلا كُلِب -أي جن-، ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالبًا، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا\" (^١).\n_________\n(^١) المرجع السابق: ١/ ٢٧٨.","vol":"1","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>أولًا: تحريف معنى حديث: \"مرضت فلم تعدني</span>\".\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الأمراض- تأويل معنى حديث\"مرضت فلم تعدني\"، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله - ﷿ - يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال يا رب: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال يا رب: كيف أسقيك، وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي\" (^١).\nفقالوا هذا الحديث يتضمن معنى باطلًا -وهو أن الله يمرض تعالى الله عن ذلك- ولذا يجب صرفه عن ظاهره (^٢).\nوالجواب: أن\"الحديث صريح بأن الله لم يمرض، ولم يأكل ولم\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض: ٤/ ١٩٩٠ برقم (٢٥٦٩).\n(^٢) انظر: العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لمحمد بن إبراهيم ابن الوزير، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص ٣: ٤/ ١٤١.","vol":"1","page":597},{"text":"يشرب، وإنما العبد هو الذي مرض وطعم وسقي، والمعنى: لوجدت ذلك أي: ثواب ذلك عندي، يعني وجدت ذلك، يعني ثوابه، ثواب العمل، لوجدت ذلك عندي، وإلا فالله -﷾- فوق العرش، مستوٍ على العرش، بائنٌ من خلقه.\nوإنما هذا العبد؛ ولذلك قال: أما علمت أن عبدي مرض؟ أما علمت أن عبدي جاع؟ أما علمت أن عبدي استسقى؟ فالعبد هو الذي مرض وهو الذي جاع، وهو الذي استسقى، لوجدت ذلك عنده يعني ثوابه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>ثانيًا: سب المرض:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الأمراض - سبها ووصفها بالخبث، وهذا أمر لا يجوز فإن سبها سب لخالقها، وهو الله - ﷿ -، وقد ورد في الحديث عن جابر بن عبدالله - ﵄ - أن أم السائب قالت: \"الحمى لا بارك الله فيها\"، فقال النبي - ﷺ - لها: \"لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديث\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \" الحمى هي السخونة، وهي نوع من الأمراض وهي أنواع متعددة، ولكنها تكون بقدر الله - ﷿ -، فهو الذي يقدرها وقوعًا، ويرفعها ﷾، وكل شيء من أفعال الله فإنه لا يجوز للإنسان أن يسبه؛ لأن سبه سب لخالقه جل وعلا، ولهذا قال - ﷺ -: \" لا تسبوا\n_________\n(^١) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ٤/ ١٤١، وانظر: شرح النووي على مسلم: ٨/ ٣٧١، ومجموع الفتاوى: ٣/ ٤٣ - ٤٤، ٢/ ٤٦٢، ومجموع فتاوى ومقالات ابن باز: ٣/ ٧٤.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة: ٤/ ١٩٩٣، برقم (٢٥٧٥).","vol":"1","page":598},{"text":"الدهر فإن الله هو الدهر \" (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>ثالثًا: اليأس من روح الله والقول بأن هذا المرض ليس له علاج:</span>\nمن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية: اليأس من روح الله، واعتقاد أن بعض الأمراض ليس لها علاج، ومن ذلك قول بعض الأطباء هذا مرض ليس له علاج، ميئوس منه ولا يقيد ذلك بقوله: ليس له علاج عندي أو نحو ذلك (^٣)، وهذا الأمر مخالف للحديث الصحيح: \"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء\" (^٤)، وفي رواية: \"علمه من علمه وجهله من جهله\" (^٥)، وقوله - ﷺ -: \" لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى\" (^٦).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر: ٤/ ١٧٦٢ برقم (٢٢٤٦).\n(^٢) شرح رياض الصالحين للشيخ محمد بن عثيمين: ٦/ ٤٦٧، وانظر: فتاوى الشيخ صالح الفوزان، مجلة الدعوة العدد (٢٠٠٩)، ٤ شعبان ١٤٢٦ هـ.\n(^٣) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، العدد ٧: ٣/ ٥٦٣.\n(^٤) سبق تخريجه: ٥٤٥.\n(^٥) مسند الإمام أحمد: ٦/ ٥٠ برقم (٣٥٧٨)، وقال محققه: صحيح لغيره.\n(^٦) سبق تخريجه: ٥٥١.","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>الفصل السابع الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى\nالمبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>تمهيد</span>\nأخبر الله - ﷿ - أن للساعة علامات، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (^١).\nو\" أشراطها أي أماراتها وعلاماتها\" (^٢).\nوالأشراط في اللغة:\nجمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شُرط السلطان، وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده (^٣).\nوفي الاصطلاح:\nهي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها (^٤).\nوتنقسم أشراط الساعة إلى قسمين (^٥):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>الأول: أشراط الساعة الكبرى:</span>\nوهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعًا، وتكون غير معتادة الوقوع.\n_________\n(^١) محمد: ١٨.\n(^٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٤٠.\n(^٣) انظر: الصحاح: ٣/ ١٣٦، والنهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٦٠.\n(^٤) الجامع لشعب الإيمان: ٢/ ١٨٩، والمنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٤٢٢.\n(^٥) انظر: فتح الباري: ١٣/ ٩١، ومقدمة الدكتور محمد العقيل في تحقيقه لكتاب القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٦٣، وأشراط الساعة ليوسف الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢: ٩.","vol":"1","page":603},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-597>الثاني: أشراط الساعة الصغرى:</span>\nوهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في أصلها معتادة الوقوع.\nوهذه الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة لها دلالتها العقدية من الإيمان بالغيب واليوم الآخر، وما أخبر الله به من أشراط الساعة الصغرى والكبرى، والإيمان بقدرة الله وملائكته، وصدق رسوله - ﷺ - وغيرها من الدلائل.\nأما ما سأذكره من النظرة العلمية المعاصرة وبعض هذه التفسيرات فهو فقط لمجرد معرفة بعض أقوال أهل التفسير والإعجاز العلمي، ولا يعني التسليم بكل ما ذكر؛ لأنه لا بد قبل الخوض في ذكر بعض هذه التفسيرات للآيات والأحاديث التي وردت في أشراط الساعة وأحوال القيامة أن يرجع لهذه الضوابط في تنزيل هذه التفسيرات المعاصرة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (^١):\nتتت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>القسم الأول: ضوابط متعلقة بمصادر التلقي:</span>\n١ - الاقتصار على نصوص الوحيين.\n٢ - الحرص على جمع روايات وألفاظ الأحاديث والآثار في الباب الواحد ثم التحقق من ثبوتها.\n٣ - تعظيم النص بأن يكون حكمًا على الواقع لا العكس.\n_________\n(^١) موقف أهل السنة والجماعة من تنزيل نصوص الفتن وأشراط الساعة على الحوادث، السفياني أنموذجًا، إعداد: زاهر بن محمد الشهري، رسالة ماجستير، في قسم الثقافة الإسلامية، كلية التربية، جامعة الملك سعود: ٢٢١ وما بعدها، باختصار.","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>القسم الثاني: ضوابط متعلقة بمنهج الاستدلال:</span>\n١ - حمل النصوص الشرعية على ظاهرها.\n٢ - التحقق من معنى النص وفهمه على مقتضى لغة العرب التي نزل بها.\n٣ - أن لا تفسر النصوص الشرعية المتعلقة بالفتن وأشراط الساعة وفق الأخبار الإسرائيلية.\n٤ - مراعاة الألفاظ الشرعية.\n٥ - عدم تحديد تواريخ وأوقات معينة لوقوع الفتن وأشراط الساعة مما لم يرد في النصوص.\n٦ - مراعاة البعد الزمني والتسلسلي في ترتيب أشراط الساعة.\n٧ - عدم محاكمة نصوص المستقبل للواقع الحالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>القسم الثالث: ضوابط متعلقة بمن يقوم بتنزيل النص على الواقع:</span>\n١ - الإخلاص وقصد الحق في البحث والخروج عن الهوى.\n٢ - الرجوع إلى أهل العلم، والسير على منهاجهم.\n٣ - التأني لمن أراد التنزيل.\n٤ - التفريق عند التنزيل بين ما يقطع بتحققه وبين ما يكون في دائرة الظن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>القسم الرابع: ضوابط متعلقة بالحوادث والوقائع المنزل عليها:</span>\n١ - التحقق من الوقائع والحوادث.\nوهذا التحقق له جانبان:\nالأول: التثبت من طبيعة الوقائع والحوادث.\nوالثاني: أن تستكمل الوقائع والحوادث للأوصاف الواردة في النص.","vol":"1","page":605},{"text":"٢ - عدم محاولة افتعال واقع معين أو أحداث لتنزل عليها النصوص.\n٣ - ليس شرطًا أن تربط كل فتنة وحدث بنصوص الفتن وأشراط الساعة على وجه التحديد والتعيين.","vol":"1","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>المبحث الأول الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى</span>\nوفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: الطاعون.\nالمطلب الثاني: ظهور نار الحجاز.\nالمطلب الثالث: كثرة الزلازل.\nالمطلب الرابع: ظهور الخسف.\nالمطلب الخامس: انتفاخ الأهلة.\nالمطلب السادس: عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا.\nالمطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات.","vol":"1","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>المطلب الأول: الطاعون</span>\nالطاعون وباء معروف، وهو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدِرة، ويحصل معه خفقان القلب والقيء، وقلما يلبث صاحبها (^١).\n\nوفي عرف المعاصرين:\nالطاعون مرض إنتاني وبائي، عامله جرثومة بشكل العصية اكتشفها العالم (بيرسين) سنة ١٨٤٩ فسميت باسمه، وكان يأتي بشكل جائحات تجتاح البلاد والعباد، وتحصد في طريقها الألوف من الناس، وهو يصيب الفئران عادة ثم تنتقل جراثيمه منها إلى الإنسان بواسطة البراغيث، فتصيب العقد البلغمية في الآباط والمغابن (^٢).\nوقد ذكر النووي - ﵀ - أن الطاعون قد أصاب المسلمين في أزمنة متعددة، منها:\n١ - طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله - ﷺ - سنة ست من الهجرة.\n٢ - طاعون عمواس بالشام في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - ومات فيه أبو عبيدة عامر بن الجراح - ﵁ -، وخلق كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكان عدد الموتى خمسة وعشرين ألفا.\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري: ١/ ١٤٩، وشرح النووي على مسلم: ١/ ١٠٥، والأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها، للدكتور: محمد البار، دار المنارة، جدة، ط ٢: ١٧.\n(^٢) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليوسف الحاج أحمد، مكتبة ابن حجر، دمشق، ط ١٢: ٦١٠، والإعجاز العلمي في السنة النبوية، لصالح رضا، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١: ٥٤٥، والموسوعة العربية العالمية: ٢٧/ ٤٨.","vol":"1","page":609},{"text":"٣ - الطاعون الذي وقع في زمن ابن الزبير - ﵁ - في شوال سنة تسع وستين، ومات في خلال ثلاثة أيام في كل يوم منها سبعون ألفا، ومات فيه لأنس بن مالك - ﵁ - ثلاثة وثمانون ابنا، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة - ﵁ - أربعون ابنا.\n٤ - طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ بالعذارى، ويقال له: طاعون الأشراف: لكثرة من مات فيه من الأشراف، وكان ذلك الطاعون سنة سبع وثمانين، ووقع بالبصرة والكوفة والشام وواسط، ومات فيه خلق كثير.\n٥ - طاعون الكوفة، سنة خمسين للهجرة، ومات فيه المغيرة بن شعبة - ﵁ -.\n٦ - طاعون سنة مائة وإحدى وثلاثين، وبدأ في رجب واشتد في رمضان، وكان يحصى في سكك المربد كل يوم ألف جنازة، ثم خف في شوال (^١).\n_________\n(^١) الأذكار: ٢٢٤.","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>الدلائل العقدية للآية الكونية - الطاعون</span>-:\nالطاعون مرض من الأمراض، وقد سبق ذكر الدلائل العقدية للأمراض عموما (^١)، وحيث أن للطاعون تعلق بأشراط الساعة الصغرى فسيتم ذكر الدلائل المتعلقة به خصوصا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>أولًا: الإيمان بالملائكة:</span>\nمن الإيمان بالملائكة: الإيمان بأعمالهم ومنها أنهم يحرسون المدينة من دخول الطاعون. عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال، ولا الطاعون إن شاء الله \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>ثانيًا: الإيمان بالرسل:</span>\nمن الإيمان بالرسل الإيمان بجميع ما أخبروا به ومن ذلك انتشار الطاعون عند ظهور الفاحشة، عن عبدالله بن عمر - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا\" (^٣).\nيقول الدكتور محمد على البار في كتابه - الأمراض الجنسية - عن انتشار الأمراض: \"ولا شك أن الهربس لم يكن منتشرًا بهذه الصورة ولا قريبًا من\n_________\n(^١) ص: ٥٤٤.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة: ١٣٦١ برقم (٧١٣٤).\n(^٣) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات: ٤٣٢ برقم (٤٣٢)، ومستدرك الحاكم: ٤/ ٥٤٠، وقال صحيح على شرط مسلم، وانظر: فتح الباري: ١٠/ ١٩٣، والسلسلة الصحيحة: ١/ ١٦٧.","vol":"1","page":611},{"text":"عشرها أو واحد بالمئة منها منذ عشرين عاما فقط\" (^١).\nأيضًا: \"فإن أحدا من العلماء لم يسبق له وصف هذا المرض أو الطاعون من قبل وهو ما ختم به رسول الله - ﷺ - حديثه الشريف في قوله: \" ... التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا\" فانظر إلى خبر رسول الله - ﷺ - الواثق في الله تعالى\" (^٢).\nوهذا يدل على صدق ما أخبر به الرسول - ﷺ - وإعجاز في حديثه من جهتين:\nإن رسولنا الكريم - ﷺ - يخبر عن حال أهل الفاحشة في كل زمان ومكان، بثقة المتكلم عن الله، وما كان أغناه أن يصف الطواعين والأوجاع بأنها لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، هذا لو كان بشرا عاديا حتى يضمن كلامه في المستقبل ... ولكن رسولنا الكريم يثق في الله تعالى ويتكلم عن الله، فأنبأ أن هذه الطواعين والأوجاع سيصيب الله بها أهل الفاحشة، وستكون جديدة وغير معروفة. وهكذا نرى في حديث رسول الله - ﷺ - إعجازين:\n\"الأول: إخباري ... تحديد لأهل الفاحشة بقوله: إن الله سيبتليهم بأمراض.\nالثاني: طبي إعجازي ... تحديد نوعية هذه الطواعين بأنها لم تكن في أسلافهم الذين مضوا .. \" (^٣).\nوالإعجاز النبوي يظهر في الحديث أيضًا في منع الشخص المقيم في\n_________\n(^١) الأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها: ٦، ١٧، ٢٢٩.\n(^٢) قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه، للأستاذ الدكتور: عبدالله بن عبدالعزيز المصلح، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط ١: ٣٢.\n(^٣) انظر موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث للأستاذ عبدالرحيم مارديني، دار المحبة، بيروت: ١٢٠ - ١٢١.","vol":"1","page":612},{"text":"أرض الوباء أن يخرج منها حتى وإن كان غير مصاب، فإن منع الناس من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون أمرًا واضحًا ومفهومًا بدون الحاجة إلى معرفة المرض، ولكن منع من كان في البلدة المصابة بالوباء من الخروج منها حتى وإن كان الشخص سليمًا أمر غير واضح العلة، والعادة أن الإنسان يفر من البلدة المصابة إلى بلدة أخرى سليمة، حتى لا يصاب بالعدوى، لكن الطب الحديث أثبت أن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملًا للميكروب، وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس، ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضًا، فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أثر من آثاره، فالحمى الشوكية، وحمى التيفود، والزخار، والباسيلي، والسل، بل وحتى الكوليرا، والطاعون قد تصيب أشخاصًا عديدين دون أن يبدو على أي منهم علامات المرض، بل ويبدو الشخص وافر الصحة سليم الجسم، ومع ذلك فهو ينقل المرض إلى غيره من الأصحاء.\nوهناك أيضًا فترة الحضانة، وهي الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأعراض منذ دخول الميكروب وتكاثره حتى يبلغ أشده، وفي هذه الفترة لا يبدو على الشخص أنه يعاني من أي مرض، ولكن بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر على -حسب نوع المرض والميكروب الذي يحمله- تظهر عليه أعراض المرض الكامنة في جسمه (^١).\nفهذه بعض الحقائق التي تدل على صدق النبي - ﷺ - وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.\n_________\n(^١) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة والمطهرة: ٦٠٧ - ٦٠٩.","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>ثالثًا: الإيمان القدر:</span>\nعلى المؤمن إذا علم بوجود الطاعون في بلده أن لا يخرج منها خوفا منه، فلا يدري فلربما يصاب به في بلدة أخرى، أو قد يصاب بغيره من الأمراض، فعليه أن يتوكل على الله تعالى، وأن يصبر محتسبا، وألا يخرج وليس ذلك من باب إلقاء اليد إلى التهلكة، بل ذلك من قبيل امتثال أمر النبي - ﷺ -، وكذلك إذا علم المسلم أن هناك بلدا بها مرضا خطيرا، فيجب عليه أن لا يقدم إليها فرارا من أن يصيبه، فإن تعمد وقدم وأصيب به، فهذا من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة والانتحار، لمخالفة أمر النبي - ﷺ - في ذلك، عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه\" (^١)، فعلى المسلم أن يستسلم لقضاء ربه ﵎، ويصبر متوكلًا على الله تعالى، في مقابلة هذا البلاء الخطير، والداء الكبير، وألا يجزع، لأن الأمر كله لله (^٢).\nوقد سألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن الطاعون؟ فقال عنه: \"إنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد\" (^٣).\nولما أراد عمر بن الخطاب - ﵁ - دخول الشام وعلم أن بها الطاعون، توقف فلم يدخلها، ثم دعا المهاجرين الأولين، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤): ٦٦٩، برقم (٣٤٧٣).\n(^٢) انظر: الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف الكويتية، ط ١: ٢٨/ ٣٣٠.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤): ٦٦٩، برقم (٣٤٧٤).","vol":"1","page":614},{"text":"ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر - ﵁ - في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، قال أبو عبيدة بن الجراح - ﵁ -: أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفر من قدر الله، إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف - ﵁ -، وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه\"، قال: فحمد الله عمر ثم انصرف\" (^١). ولم يدخل - ﵁ - من باب الطيرة أو التشاؤم، بل من باب عدم إلقاء النفس إلى التهلكة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>رابعًا: مسائل الأسماء والأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>الشهادة:</span>\nمن مات بالطاعون فهو شهيد أي في حكم الآخرة، أما في الدنيا فإنه لا يعامل معاملة الشهيد؛ فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، عن أنس بن مالك - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: \"الطاعون شهادة لكل مسلم\" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون: ١١٢٣ برقم (٥٧٢٩).\n(^٢) انظر: فتح الباري: ١٠/ ١٦٢، وشرح النووي على مسلم: ٩٤/ ٢٠٩.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء: ٣/ ١٥٢٢ برقم (١٩١٦).","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز</span>\nمن أشراط الساعة الصغرى ظهور نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى \" (^١)، وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام ٦٥٤ هـ، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم بوصفها.\nقال النووي - ﵀ -: \" خرجت في زماننا نار في المدينة سنة أربع وخمسين وست مائة، وكانت نارا عظيمة جدا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة\" (^٢).\nونقل ابن كثير - ﵀ - أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وهذه النار مما تواتر العلم بخروجها (^٣)، ونقل عن أبي شامة المقدسي (^٤): \" في سنة أربع وخمسين وستمائة في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في بعض تلك الأودية طول أربعة فراسخ، وعرض أربعة\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر خروج النار: ١٣٥٩ برقم (٧١١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٢٨.\n(^٣) انظر: البداية والنهاية: ١٧/ ٣٢٩، وشرح النووي على مسلم: ١٨/ ٢٨.\n(^٤) هو أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المقرئ النحوي المؤرخ، صاحب التصانيف، ومنها الباعث على إنكار البدع والحوادث، توفي سنة ٦٦٥ هـ. العبر في خبر من غبر لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت: ٣/ ٣١٢، وشذرات الذهب: ٥/ ٣١٨.","vol":"1","page":616},{"text":"أميال، تسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وأن ضوءها كان الناس يسيرون عليه بالليل إلى تيماء (^١)، وأنها استمرت شهرا، وقد ضبط ذلك أهل المدينة وعملوا فيها أشعارا\" (^٢).\nوهذه النار غير النار التي تخرج في آخر الزمان وتحشر الناس وتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا (^٣)، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى- في ذكر أشراط الساعة الكبرى (^٤).\nأما النظرة العلمية المعاصرة لهذا الحديث الشريف فقد ذكر الدكتور: زغلول النجار حفظه الله أن: \"في هذا الحديث الشريف إشارة علمية دقيقة إلى حقيقة من حقائق أرض الحجاز لم تدرك إلا في منتصف القرن العشرين، حين بدئ في رسم الخريطة الجيولوجية لأرض شبه الجزيرة العربية، وكان من نتائج ذلك انتشار الطفوح البركانية على طول الساحل الغربي لجزيرة العرب من عدن جنوبًا إلى المرتفعات السورية شمالًا، عبر كل من الحجاز والأردن، وفلسطين، مغطية مساحة من تلك الطفوح تقدر بحوالي مائة وثمانين ألفًا (١٨٠.٠٠٠ كم ٢) من الكيلومترات المربعة، ومكونة واحدًا من أهم أقاليم النشاط البركاني الحديث في العالم، ويقع نصف هذه المساحة تقريبًا في أرض الحجاز (حوالي تسعين ألفًا من الكيلو مترات المربعة) موزعة في ثلاثة\n_________\n(^١) تيماء: بالفتح، بلدة تقع شمال المدينة النبوية على بعد (٤٢٠) كيلا والتيماء في الأصل: الأرض التي لا ماء فيها. معجم البلدان: ٢/ ٦٧، والمعالم الأثرية في السنة النبوية لمحمد بن محمد حسن شراب، دار القلم، دمشق، ط ١: ٧٤.\n(^٢) البداية والنهاية: ١٩/ ٢٨.\n(^٣) انظر: فتح الباري: ١٣/ ٧٩، والإشاعة لأشراط الساعة، لمحمد بن رسول البرزنجي، مع تعليقات المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، اعتنى به: حسين محمد علي شكري، دار المنهاج، جدة، ط ٣: ٩٠.\n(^٤) ص: ٥٩٦.","vol":"1","page":617},{"text":"عشر حقلًا بركانيًا تعرف باسم الحرات، وأغلب هذه الحرات تمتد بطول الساحل الشرقي للبحر الأحمر ممتدة في داخل أرض الحجاز بعمق يتراوح بين ١٥٠ كيلو مترًا، ٢٠٠ كيلو مترًا، ويعتقد بأن هذه الطفوح البركانية قد تدفقت عبر عدد من الصدوع الموازية لاتجاه البحر الأحمر، ومن فوهات مئات من البراكين المنتشرة في غرب الحجاز، كما يعتقد بأن تلك الصدوع والبراكين لا تزال نشطة منذ نشأتها وإلى يومنا الحاضر، سببت العديد من الهزات الأرضية، كما تم مشاهدة تصاعد أعمدة من الغازات والأبخرة الحارة من عدد من تلك الفوهات البركانية\" (^١).\nثم بين أن المدينة تقع\"بين حرة رهط في الجنوب، وحرة خيبر في الشمال، وتمتد حرة رهط بين المدينة المنورة شمالًا، ووادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة جنوبًا عبر مسافة تقدر بحوالي ٣١٠ كيلو مترًا في الطول، وستين كيلو مترًا في متوسط العرض لتغطي مساحة تقدر بحوالي ١٩٨٣٠ كيلو مترًا مربعًا، بسمك متوسط حوالي المائة متر وإن كان يصل إلى أربعمائة مترًا في بعض الأماكن\" (^٢).\nثم ذكر أنه يوجد عدد من الفواهات البركانية في منطقة المدينة، \"ومعنى هذا الكلام أن المنطقة مقبلة حتمًا على فترة من الثورات البركانية تندفع فيها الحمم من تلك الفوهات والصدوع كما اندفعت من قبل بملايين الأطنان، فتملأ المنطقة نارًا ونورًا تصديقًا لنبوءة المصطفى - ﷺ - التي قال فيها: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى\" (^٣).\n_________\n(^١) نار من أرض الحجاز، للدكتور: زغلول النجار:\nhttp: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=d ٧ dc ٩٠ f ٧ a ٥ dae ٦٨ c ٥ adf ٦٨٦٨ be ٨٣٣٨ f ٧\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":618},{"text":"\"وأنه قد تم تسجيل زلزالين كبيرين وقعا في حرة خيبر، أحدهما في سنة ٤٦٠ هـ، والآخر في سنة ٦٥٤ هـ، وقد سبقت الزلزال الأخير أصوات انفجارات عالية، تلتها ثورة بركانية كبيرة، وصاحبتها هزات أرضية استمرت بمعدل عشر هزا ت يوميًا، لمدة خمسة إلى ستة أيام، قدرت شدة أكبرها بخمسة درجات ونصف الدرجة على مقياس ريختر، وقد كونت هذه الثورة البركانية الأخيرة عددًا من المخاريط البركانية، ورفعت بملايين الأطنان من الحمم في اتجاه الجنوب، ولا تزال تلك المخاريط تتعرض لأعداد كبيرة من الرجفات الاهتزازية الخفيفة التي توحي بأن الصهارات الصخرية تحت المخروط البركاني لا تزال نشطة، مما يؤكد حتمية وقوع ثورات بركانية عارمة تخرج من أرض الحجاز في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك تصديقًا لنبوءة النبي الخاتم، والرسول الخاتم - ﷺ - وشهادة له بالنبوة وبالرسالة، وبأنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض\" (^١).\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>المطلب الثالث: كثرة الزلازل</span>\nمن علامات الساعة وأماراتها التي أخبر عنها الرسول - ﷺ -: كثرة الزلازل، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ... \" (^١).\nوقد وقع في كثير من البلاد من الزلازل (^٢).\nيقول الحافظ ابن حجر (^٣) - ﵀ -: \" وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها\" (^٤).\nوقد كثرت الزلازل في عصرنا الحاضر في أماكن متعددة، وهذا مصداق لما أخبر به رسول الله - ﷺ - (^٥).\nوعن أبى موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: \" أمتى أمة مرحومة، ليس عليها فى الآخرة عذاب، إنما عذابها في الدنيا، الفتن والزلازل \" (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب (٢٥): ١٢٥٩، برقم (٧١٢١).\n(^٢) قد سبق ذكر بعض المصادر التي ذكرت الزلازل التي وقعت على الأمة الإسلامية: ٤٢٢.\n(^٣) هو أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، أحد أعلام المحدثين، من مؤلفاته: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تهذيب التهذيب، والإصابة في تمييز الصحابة، توفي سنة ٨٥٢ هـ. نظر: الضوء اللامع: ٢/ ٣٦، وشذرات الذهب: ٧/ ٢٧٠.\n(^٤) فتح الباري: ١٣/ ٨٧.\n(^٥) انظر: موقع الدكتور: زغلول النجار، بركان أيسلندا، وكتاب الزلازل حقيقتها وآثارها للدكتور: شاهر جمال آغا، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت: ٢٣١.\n(^٦) سنن أبي داود، كتاب الفتن والملاحم، باب ما يرجى في القتل: ٤٦٦ برقم (٤٢٧٨)، قال ابن حجر: سنده حسن. انظر: بذل الماعون في فضل الطاعون، لابن حجر، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار العاصمة، الرياض، ط ١: ٢١٣، والسلسلة الصحيحة: ٢/ ٦٨٤.","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>المطلب الرابع: ظهور الخسف </span>(^١)\nمن أشراط الساعة التي أخبر عنها النبي - ﷺ - ظهور الخسف (^٢)، عن عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور \" (^٣).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: \" سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر \" (^٤).\nومن الخسوف الكبيرة التي تكون قرب قيام الساعة، الخسف بجيش كامل في آخر الزمان، كما في الحديث عن بُقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد\n_________\n(^١) خسف الله به الأرض أي غيبه فيها. انظر: لسان العرب: ٢/ ١١٥٧، والقاموس المحيط: ٧٢٤.\n(^٢) انظر: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبدالله التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ٢: ٢/ ٢٣٩، والزلازل، لإبراهيم طربيه، مجلة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، العدد ٢٢، وزلزال المحيط الهندي ٢٠٠٤ رؤية إيمانية، للدكتور حسني الدسوقي، مجلة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، العدد ٢٠.\n(^٣) سنن الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف: ٣١٧، برقم (٢٢١٢) وقال: هذا حديث غريب، وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٥/ ٢٣٦.\n(^٤) المعجم الكبير للطبراني: ٦/ ١٥، وصححه الألباني. انظر: صحيح الجامع الصغير: ١/ ٦٨٣، والسلسلة الصحيحة: ٤/ ٢٩٣.","vol":"1","page":621},{"text":"الأسلمي، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - على المنبر يقول: \"يا هؤلاء، إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا، فقد أظلت الساعة \" (^١).\nوقد أخبرنا الرسول - ﷺ - ببعض المواضع التي يقع فيها الخسف والقذف والمسخ، فعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" يا أنس، إن الناس يمصرون أمصارًا. فإن مصرًا يقال له: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>الخسف بأهل البدع:</span>\nعن عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إنه سيكون في هذه الأمة أو في أمتي - الشك منه- خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر\" (^٣).\nكما جاء في الحديث الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة\nوعن عائشة - ﵂ -؛ قالت: قال: رسول الله - ﷺ -: \" يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم \". قالت: قلت: يا\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد: ٤٥/ ٩٩، برقم (٢٧١٢٩)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: عادل بن سعد والسيد بن محمود إسماعيل، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١: ١٠/ ٢٤٤، رواه الحميدي ورجاله ثقات. وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة: ٣/ ٤٢٩.\n(^٢) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة: ٤٧٠ برقم (٢٤٣٠٧)، وصححه الشيخ الألباني والشيخ عبدالقادر الأرناؤوط، انظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير: ٤/ ٥١٣، وصحيح سنن أبي داود: ٣/ ٨١٢.\n(^٣) سنن الترمذي، كتاب القدر، باب ١٦: ٣٥٨، برقم (٢١٥٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وحسنه الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي: ٢/ ٢٢٨.","vol":"1","page":622},{"text":"رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ .\nقال: \"يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم \" (^١).\nولفظ مسلم: قالت عائشة - ﵂ -: \" عبث (^٢) رسول الله - ﷺ - في منامه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله! فقال: \"العجب أن أناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم \". فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: \"نعم؛ فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل؛ يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى؛ يبعثهم الله على نياتهم \" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق: ٣٩٩، برقم (٢١١٨).\n(^٢) عبث: هو بكسر الباء. معناه اضطراب بجسمه. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٦.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت: ٤/ ٢٢١٠ برقم (٣٨٨٤).","vol":"1","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة</span>\nمن أشراط الساعة الصغرى انتفاخ الأهلة (^١)، حيث يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا، حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة، فعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يرى الهلال الليلة فيقال هو ابن ليلتين \" (^٢)، وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قَبَلا (^٣)، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة \" (^٤).\nوهذا الحديث واضح اليوم، فكم يختلف الناس في دخول الشهر وخروجه خصوصًا عند دخول شهر رمضان وخروجه، وكم هو اليوم؟ وذلك لانتفاخ الهلال، حتى يُرى وكأنه لليلتين.\nوعن أبي البختري (^٥) - ﵀ - قال: \"خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس - ﵄ - فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض\n_________\n(^١) انتفاخ الأهلة: عظمها. فيض القدير: ٦/ ١٠.\n(^٢) المعجم الصغير للطبراني، تحقيق: محمد سليمان سمارة، دار إحياء التراث العربي، بيروت: ٣٦٧، وله طرق يقوي بعضها بعضًا. انظر: المقاصد الحسنة: ٦٧٧، والسلسلة الصحيحة: ٥/ ٣٦٦.\n(^٣) قبلًا: بفتح القاف والباء أي يرى ساعة ما يطلع لعظمه ووضوحه من غير أن يتطلب. فيض القدير: ٦/ ١٠.\n(^٤) المعجم الصغير للطبراني: ٤٦٧.\n(^٥) هو سعيد بن فيروز ابن أبي عمران البختري، الطائي الكوفي، توفي سنة ثلاث وثمانين. انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي، تحقيق: بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ١١/ ٣٢.","vol":"1","page":624},{"text":"القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه، قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله قال: \"إن الله مدَّه للرؤية، فهو لليلة رأيتموه\" (^١).\nوفي رواية عنه: \"أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس - ﵄ - يسأله، فقال ابن عباس - ﵄ -: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله قد أمدَّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة\" (^٢).\nقال القاضي عياض (^٣) - ﵀ -: \" قال بعضهم: الوجه أن يكون أمدَّه بالتشديد من الإمداد، ومدَّه من الامتداد. قال القاضي: والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها، ومعناه أطال مدته إلى الرؤية ... يقال منه مدَّ وأمدَّ. قال الله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ (^٤)، قرئ بالوجهين أي يطيلون لهم. قال: وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له. قال صاحب الأفعال: أمددتك أي أعطيتكها، أو يكون من الإمداد وهي الزيادة في الشيء من غيره.\nفهؤلاء الرهط، أبو البختري ومن معه لما استنكروا كِبَرَ جرم الهلال، ورأوا أنه أكبر من أن يكون ابن ليلة، لعلوِّه وضخامته، بيَّن لهم ابن عباس - ﵄ - أنه ابن ليلة، وألَاّ عبرة بكبره، معللًا بأن الله هو الذي مدَّه ليروه\" (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمده للرؤية: ٢/ ٧٦٥ برقم (١٠٨٨).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمده للرؤية: ٢/ ٧٦٥ برقم (١٠٨٨) ..\n(^٣) هو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي المشهور بالقاضي، من علماء المالكية، من مؤلفاته: إكمال المعلم بفوائد مسلم، والشفا في حقوق المصطفى، وترتيب المدارك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤.\nانظر: سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٢١٢، وشذرات الذهب: ٤/ ١٣٨.\n(^٤) الأعراف: ٢٠٢.\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٤/ ٢٣، وشرح النووي على مسلم: ٧/ ١٩٨.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>المطلب السادس: عود أرض العرب مروجًا (^١) وأنهارًا</span>\nمن أشراط الساعة ما أخبر به النبي - ﷺ - من عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل زكاة ماله، فلا يجد أحدا يقبلها، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارا\" (^٢).\n\"إن أرض العرب أرض قاحلة كما هو معروف، شحيحة المياه، قليلة النبات، غالب مياهها من الآبار والأمطار، فمن علامات الساعة أن تنقلب هذه الأرض ويكثر فيها المياه، حتى تكون أنهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات، وذلك إما بسبب حفر الآبار وزراعة الأرض، وإما بسبب تغير المناخ أو غير ذلك\" (^٣).\nوقد ورد في خصوص منطقة تبوك -شمال أرض العرب- أنها تكون جنانًا، ففي حديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن غزوة تبوك، أن النبي - ﷺ - قال: \"يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا\" (^٤)، وقد ملئت أرض تبوك جنانا، فالمزارع والبساتين والحدائق في كل مكان، بل أصبحت تبوك تصدر الكثير من الفواكه والخضراوات والزهور والحبوب إلى\n_________\n(^١) المروج: جمع مرج، والمرج: الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تمرج فيه الدواب، أي تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت. انظر: النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣١٥.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها: ٢/ ٧٠٠ برقم (١٥٧).\n(^٣) انظر: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة -مكة- ط ٤: ٧٥.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ -: ٤/ ١٧٨٤ برقم (٧٠٦).","vol":"1","page":626},{"text":"بعض البلدان المجاورة، بسبب الاهتمام المتزايد من أهالي المنطقة بالزراعة، وحفر الآبار الارتوازية التي ينبع منها الماء بكثرة ووفرة، كما اتجهت الحكومة إلى إنشاء السدود التي تحبس المياه، حتى أصبحت وكأنها أنهارا تجري لري الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، حتى أصبحت مروجا ومزارع وخضرة يانعة.\nوقد قال النووي - ﵀ - في تأويل قوله - ﷺ -: \" حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا\": \"معناه: أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به\" (^١).\nوفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة.\nوالصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب (^٢).\nوفي قوله - ﷺ -: \" تعود\": والعود (^٣) في الأصل هو رجوع الأمر إلى شيء سبق أن كان عليه. ومتصفًا به. هذه حقيقة العود.\nأما معنى الحديث في النظرة العلمية المعاصرة: فإن \" أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا، وأنها بعد فترة من الزمن أصبحت صحراء مجدبة قليلة الماء والأنهار، وأنها بعد ذلك ستعود ثانية فتجري فيها الأنهار وتمتلئ بالمرج\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم: ٧/ ٩٧.\n(^٢) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: ٢/ ١٩٠.\n(^٣) انظر: الصحاح: ٣/ ٧٦، معجم مقاييس اللغة: ٤/ ١٨١، القاموس المحيط: ٢٧٠.","vol":"1","page":627},{"text":"الأخضر الذي يعلو أرضها.\nأما الشق الأول: وهو أن أرض العرب كانت تعلوها الخضرة، والمروج، وتسيل فيها الأنهار، فقد أثبتتها دراسات متعددة، وبينت تلك الدراسات أنها كانت كذلك.\nوأما الشق الثاني: وهو أنها ستعود ثانية مروجًا تعلوها الخضرة، وتنتشر في أنحائها البساتين، وتفوح في أجوائها عطر الأزاهير، إن هذا الأمر الذي يتحدث به رسول الله - ﷺ - منذ القرون المتطاولة الممتدة، لا يتصوره الإنسان يحدث في أرض جرداء ممتدة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي تعلوها الرمال الكثيفة التي لا تنبت كلًا ولا تمسك ماء\" (^١)؛ ولكنه يؤمن ويسلم ويصدق بما قاله الرسول - ﷺ -.\n\" وأما الأنهار وظهورها، فإننا سنترك ذلك للمستقبل القريب الذي سيطلعنا أو أبناءنا على ذلك، ولعل ما ثبت حديثًا في الدراسات الجيولوجية بأن المياه الجوفية في الأرض تتحرك باتجاه الجزيرة العربية، أقول: لعل ذلك مقدمة لظهور الأنهار في جزيرة العرب، وصدق رسول الله - ﷺ - \" (^٢).\nونحن لا نشك بما قاله رسول الله - ﷺ - وأن جزيرة العرب ستعود جنات وأنهارًا، وأن غدًا لناظره قريب (^٣).\n_________\n(^١) الإعجاز العلمي في السنة النبوية: ٩٢٤.\n(^٢) المرجع السابق: ٩٢٥.\n(^٣) انظر: مروج وأنهار أرض العرب في الماضي والمستقبل، دراسة في الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، للأستاذ الدكتور علي صادق، ضمن بحوث المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة: ١٦١. وعودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا. م. جمال عبدالمنعم الكومي، مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة- العدد السادس: ١٦٧.","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات</span>\nمن أشراط الساعة كثرة المطر وقلة النبات، فعن أبى هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرًا لا تُكِنُّ (^١) منه بيوت المدر (^٢)، ولا تُكنُّ منه إلا بيوت الشعر \" (^٣).\nوعن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليست السَّنَة (^٤) بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا \" (^٥).\nفإذا كان المطر سببًا في إنبات الأرض فإن لله تعالى أن يوجد ما يمنع هذا السبب من ترتب المسبب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها لا يعجزه شيء (^٦).\nومعنى الحديث: \"أن القحط الشديد ليس بأن لا يمطر بل بأن يمطر ولا ينبت؛ وذلك لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور مخائله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلًا من أول الأمر والنفس مترقبة لحدوثها\" (^٧).\nأما النظرة العلمية المعاصرة: فقد حذر علماء البيئة من أن التلوث الذي\n_________\n(^١) الكن: ما يردّ الحر والبر من الأبنية والمساكن. النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٢٠٦.\n(^٢) المدر: الطين المتماسك لئلا يخرج منه الماء. النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣٠٩.\n(^٣) مسند الإمام أحمد: ١٣/ ١١ برقم (٧٥٦٤)، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر: السلسلة الصحيحة: ٧/ ٧٩٤.\n(^٤) المراد بالسنة هنا: القحط. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٣١.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة: ٤/ ٢٢٢٨ برقم (٢٩٠٤).\n(^٦) انظر: إتحاف الجماعة: ٣/ ٢٢٥.\n(^٧) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: ٣/ ٥٦٤.","vol":"1","page":629},{"text":"تشهده الأرض سوف يكون له تأثير على الأمطار، \"ويقولون بأن مياه الأمطار كانت نقية قبل عدة قرون، أما هي اليوم فغالبًا ما تكون ملوثة بحمض الكبريت، ويسمونها الأمطار الحامضية.\nويقولون إذا زادت نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو عن حدود معينة فإنه سيلوث ماء المطر، وسوف يضر هذا الماء بالتراب، فيكون سببًا في فساد التربة بدلًا من أن يكون غذاء للنباتات والأشجار\" (^١). والله أعلم.\n_________\n(^١) أمطار لا تُنبت لعبد الدائم الكحيل موقع عبد الدائم الكحيل للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\nhttp: //www.kaheel ٧.com/modules.php؟ name=News&amp;file=article&amp;sid=٦٨٦","vol":"1","page":630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى</span>\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال بإذن الله.\nالمطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة.\nالمطلب الثالث: الدخان.\nالمطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها.\nالمطلب الخامس: النار التي تحشر الناس.\nالمطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال -بإذن الله</span>-\nمن أشراط الساعة الكبرى خروج الدجال (^١)، وقد ورد أنه يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، ويأتي القوم فيدعوهم فلا يستجيبون له، فيصبحون ممحلين (^٢).\nففي حديث النواس بن سمعان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتبنت .. ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة (^٣)، فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٤) \" الحديث (^٥).\nومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار، أو معه ما يشبه نهرا من ماء، ونهرا من نار، وواقع الأمر ليس كذلك، فإن الذي يرونه نارا إنما هو ماء بارد، وحقيقة الذي يرونه ماء باردا نار.\n_________\n(^١) انظر: أشراط الساعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار لعبدالملك بن حبيب الأندلسي، تحقيق: عبدالله بن عبدالمؤمن القماري، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٩٧، والبداية والنهاية: ١٩/ ١١٣، وأشراط الساعة، ليوسف الوابل: ٢٧٥.\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٥٨ - ٥٩.\n(^٣) الخربة: أي الأرض الخراب. انظر: الصحاح: ٢/ ٣٥، والقاموس المحيط: ٧٤.\n(^٤) أي ذكور النحل. قال القاضي المراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة، لكن كنى عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها لأنه متى طار تبعته جماعته. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٦٧.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٧).","vol":"1","page":633},{"text":"عن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في الدجال: \" إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار\" (^١).\nوفي رواية عند مسلم قال رسول الله - ﷺ -: \" لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: أحدهما: رأي العين، ماء أبيض، والآخر: رأي العين، نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد\" (^٢).\nوفي رواية أخرى عن حذيفة - ﵁ -: \" إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا، فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا، فإنه ماء عذب طيب\" (^٣).\nفيتضح من هذه النصوص أن الناس لا يدركون ما مع الدجال حقيقة، وأن ما يرونه لا يمثل الحقيقة بل يخالفها، ولذلك فقد جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم: \"وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة هي النار \" (^٤).\nومن فتنته أنه يقتل ذلك الرجل المؤمن الذي يخرج إليه ويشهد عليه بأنه الدجال، ثم يعجز عن قتله ولا يسلط عليه، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان فيما\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال: ١٣٦٠ برقم (٧١٣٠).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٤٨ برقم (٢٩٣٤).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٤٩، برقم (٢٩٣٥).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٦).","vol":"1","page":634},{"text":"يحدثنا أنه قال: \"يأتي الدجال - وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول الدجال، أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه\" (^١).\nوهذه الآية التي أعطاها الله آياها من إحياء الموتى -وهي آية عظيمة من آيات الأنبياء كما حصل لعيسى - ﵇ - إنما هي على سبيل الفتنة للعباد، وقد بأن لهم بالأدلة أنه المسيح مبطل غير محق في دعواه وأنه أعور، ومكتوب على وجهه كافر يقرؤه كل مسلم. وهذا نقص له في ذاته وقدره.\nأما آيات الأنبياء فهي سالمة من المعارضة فلا يوجد تشابه بينهما (^٢).\nومن الأمور التي تحصل عند خروج الدجال حبس المطر والنبات، فقبيل خروج الدجال بثلاث سنوات، يأمر الله الأرض في السنة الأولى أن تمسك ثلث نباتها، والسماء أن تمسك ثلث مطرها، وفي السنة الثانية: يأمر الله الأرض أن تمسك ثلثي النبات، والسماء أن تمسك ثلثي المطر، وفي السنة الثالثة: قبل خروجه يأمر الله الأرض فلا تنبت شيئا، ويأمر السماء فلا تمطر شيء، فلا يبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله.\nعن أسماء بنت يزيد الأنصارية - ﵂ -؛ قالت: كان رسول الله - ﷺ - في بيتي، فذكر الدجال، فقال: \"إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة: ١٣٦١ برقم (٧١٣٢).\n(^٢) انظر: فتح الباري: ١٣/ ١٠٣، شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧١.","vol":"1","page":635},{"text":"نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت ... \" (^١).\nومن المخالفات العقدية فيما يتعلق بهذا الأمر ما يقع لبعضهم نتيجة محاكمة المستقبل للواقع الحالي أن يتأول تلك النصوص في ضوء ما يعايشه هو، ظنًا منه أن الشرط سيكون من جنس ما يراه ويعايشه مع كون النص متضمنا لنقيض هذا، فمن أمثلة هذه التأويلات ما ذكره هشام كمال عبدالحميد في كتابه اقترب خروج المسيخ الدجال، حيث قال\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>١ - عن القمح الذي مع الدجال:</span>\n\"بالنسبة لما سيكون مع الدجال من كميات كبيرة من القمح تشبه الجبال، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بزراعة مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية تحت الأرض باستخدامهم أساليب زراعية متطورة كالتهجين، وذلك قبل خروج الدجال بعشرات السنوات، ثم تقوم الشياطين بتخزين هذا القمح في صوامع تحت الأرض، وبأسلوب تخزين جيد يحفظها لفترات طويلة حتى يصل حجمها المخزون على مدار عدد من السنوات إلى ما يشبه الجبال، فيخرج الدجال ومعه هذه الكميات التي يغوى بها أهل الأرض\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-622>٢).\n\n٢ - أمر الدجال السماء أن تمطر:</span>\nويقول: \"وبالنسبة لقيام الدجال بأمر السماء أن تمطر فتمطر أمام الناس، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بصنع أجهزة علمية للدجال تصنع سحابا صناعيا مزودا بشحنات كهربائية مسجل عليها بصمة صوت الدجال (مثل نظام الخزائن\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد: ٤٥/ ٥٦٠، برقم (٢٧٥٧٩)، قال ابن كثير: لا بأس بإسناده. البداية والنهاية: ١٩/ ١٧٥، وانظر: إتحاف الجماعة: ٢/ ٣٧١.\n(^٢) اقتراب خروج المسيح الدجال، لهشام كمال عبدالحميد، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١: ٢٩.","vol":"1","page":636},{"text":"البنكية التي لا تفتح إلا ببصمة صوت صاحب الخزينة فقط)، فتطلق الشياطين هذه السحابة من الأجهزة المعدة لذلك من مكان بعيد عن المكان الذي يقف فيه الدجال أمام الناس، وعندما تمر السحابة من فوقهم ينادي الدجال بإسقاط مطرها فتصطدم ذبذبات صوته بالذبذبات المسجلة لصوته على السحابة فتحدث شرارة كهربائية أو صاعقة بها وتسقط مطرها، ويمكن تخيل ذلك أيضا بقيام الشياطين بإطلاق السحابة الصناعية في السماء من مكان بعيد، وعندما ينادي عليها الدجال تقوم الشياطين من خلال أجهزة اتصال كاللاسلكي أو من خلال سماع صوته، وهم في مكانهم بالضغط على جهاز مثل الريموت كنترول، فيجعلون السحابة تسقط ما فيها من ماء، ويظن الناس أنها أمطرت بأمر الدجال\" (^١).\nوهذا من الخطأ والضلال البين؛ فإن فيه إنكار لما ثبت في السنة، وقياس للأمور المستقبلية على الأحوال التي يعيشها الإنسان. وهذا من أمور الغيب التي يجب التصديق بها (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق: ٢٩.\n(^٢) انظر: تحذير ذوي الفطن من عبث الخائضين في أشراط الساعة، لأبي عبدالله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، مكتبة السلف الصالح، جدة: ١٣/ ٢١، وموقف أهل السنة والجماعة من تنزيل نصوص الفتن وأشراط الساعة على الحوادث: ٢٣٨.","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>المطلب الثاني: الخسوفات الثلاثة</span>\nمن العلامات الكبرى التي أخبر الرسول - ﷺ - بحدوثها في آخر الزمان الخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ففي حديث حذيفة بن أسيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، وذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارًا تخرج من اليمن تطرد الناس إلى المحشر \"، وفي رواية \"ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس\" (^١).\nفهذه الخسوفات الثلاثة من الأشراط الكبرى التي لا تظهر إلا في آخر الزمان، وهي غير الخسوفات التي وقعت في الماضي وفي أماكن متعددة؛ لأن تلك من أشراط الساعة الصغرى، أما هذه الخسوفات الثلاثة فهي خسوفات عظيمة.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \" وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدرًا\" (^٢).\nأما النظرة العلمية المعاصرة عن الخسوفات الثلاثة، فقد اكتشف علماء الجيولوجيا أن عدن فوق فوهة بركان عظيم هائل خامد (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة: ٤/ ٢٢٢٥، برقم (٢٩٠١).\n(^٢) فتح الباري: ١٣/ ٨٤، وانظر: إتحاف الجماعة: ٢/ ٢٦٢.\n(^٣) بركان عدن ونيران الحشر، لطارق عبده إسماعيل، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: http://quran-m.com","vol":"1","page":638},{"text":"ويقول المهندس: معروف عقبة في بحثه (عدن البعد التاريخي والحضاري): \"ومن المعلوم أن البراكين الكبيرة تكون مصحوبة بزلازل بسبب تكسر طبقات القشرة الأرضية جراء اندفاع الحمم البركانية من قاع الأرض إلى الطبقات العليا، مما يسبب انزلاق لطبقات القشرة الأرضية محدثة ما يسمي بالزلزال من قبل خروج الحمم إلى سطح الأرض ثم بعد حدوث الزلزال تكون الحمم البركانية قد ألقت بأثقالها من الحديد المنصهر فوق سطح الأرض\" (^١).\nفهناك علاقة وثيقة بين الزلزال والبركان، فكلاهما يعمل بنفس الآلية، \"ويعتبر العلماء اليوم بعض الزلازل مؤشرًا على قرب حدوث البركان الذي تقذف فيه الأرض كميات كبيرة من الحمم المنصهرة\" (^٢)، \"ولذا قد ذكر رسول الله - ﷺ - مع حديث بركان عدن عدة خسوف، وكما هو معلوم\"أن الخسف له علاقة بالزلازل أيضًا ويكون الترتيب العلمي الجيولوجي الحدثي مطابق لترتيب حديث رسول الله والآيات التي ذكرناها كالتالي: - زلازل ثم خسوف ثم براكين وأقواها وأولها بركان عدن وبما أن البراكين معظمها تحت البحار فعندئذ سيكون ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٣) \" (^٤). والله أعلم.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) التكوير: ٦.\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>المطلب الثالث: الدخان</span>\nمن علامات الساعة وأشراطها العظمى ظهور دخان قبل قيام الساعة، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (^١).\nوفي حديث حذيفة - ﵁ - المتقدم، قال: اطلع علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر الساعة فقال: \" ما تذاكرون \"؟ قلنا: نذكر الساعة، قال: \" إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آَيات فذكر الدخان ... \" (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" بادروا بالأعمال ستا: وذكر منها الدخان ... \" (^٣).\nوقد اختلف العلماء حول المراد بالدخان ومتى يحدث؟ على قولين:\n١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي - ﷺ - حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان (^٤).\nوقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (^٥) - ﵀ - قال:\n_________\n(^١) الدخان: ١٠ - ١٣.\n(^٢) سبق تخريجه: ٥٨٦.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية أحاديث الدجال: ٤/ ٢٢٦٧، برقم (٢٩٧٤).\n(^٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٥/ ١٣٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٣١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٧.\n(^٥) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمذاني، الوادعي، الكوفي، من كبار أئمة التابعين وفقهائهم، ثقة عابد، أخرج له الستة، توفي سنة ٦٣ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٣، تهذيب التهذيب: ١٠/ ١٠٩.","vol":"1","page":640},{"text":"\" كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود - ﵁ - فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًا يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله - ﷿ - قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (^١)، إن رسول الله - ﷺ - لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: \" اللهم سبع كسبع يوسف\"، قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان\" (^٢).\n٢ - وذهب كثير من العلماء إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة.\nوقد رجح الحافظ ابن كثير - ﵀ - هذا القول مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان).\nقال ابن كثير - ﵀ - بعد ذكر الأدلة وقول ابن عباس - ﵁ - في أن الدخان من الآيات المنتظرة\"وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين - ﵃ -، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بين\n_________\n(^١) ص: ٨٦.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب الدخان: ٤/ ٢١٥٥، برقم (٢٧٩٨).","vol":"1","page":641},{"text":"واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود - ﵁ - إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا\" (^١).\nأما النظرة العلمية المعاصرة فيقول الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- عن الإشارات العلمية والحقائق التاريخية في سورة الدخان: \"الإشارة إلى دخان السماء الذي يصل إلى الأرض في صورة من صور العقاب الإلهي، أو كواحدة من العلامات الكبرى للساعة، ونحن نرى اليوم نجوم السماء تتخلق من دخان السماء، ثم تنفجر بعد انتهاء أجلها لتعود إلى دخان السماء.\nوهذه العلامة إشارة إلى بدء انهدام النظام الكوني بتحول النجوم إلى دخان يصل إلى سكان الأرض كنوع من العذاب الأليم الذي توعد الله - تعالى - به العاصين من عباده\" (^٢).\nوهكذا ذكر، والله أعلم بحقيقة الأمر.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٤٩، وانظر: البداية والنهاية: ١٩/ ٢٦٥.\n(^٢) تفسير قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ للدكتور زغلول النجار.\nhttp: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=٢ fdae ٢٣ a ٨ ce ٧١١٩ cca ٣١٨ ebebb ٤٧٩ b ٦٧","vol":"1","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها</span>\nطلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة (^١).\nقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا \" (^٣).\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها\" (^٤).\nوقد ذكر القرطبي - ﵀ - عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال: \"قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ١٤٥، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٣٧١.\n(^٢) الأنعام: ١٥٨.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها: ١٢٤٧ برقم (٦٥٠٦).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب: ٤/ ٢١١٣ برقم (٢٧٥٩).","vol":"1","page":643},{"text":"في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت\" (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ... \" الحديث (^٢).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \" أن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب\" (^٣).\nأما النظرة العلمية المعاصرة لهذه الآية فقد ذكر الأستاذ خالد بن حمزة مدني تصورًا لطلوع الشمس من مغرب الأرض -والله أعلم بحقيقة ذلك- فقال: \"بعد استقرار الشمس المقدر في المكان والزمان، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤)، يمكن تصور طلوعها من مغرب الأرض دون أن ندخل في التعريف عن الكيفية، بتغيير اتجاه دوران الأرض كأن يكون معاكسًا لدوران كارنجتون R. Carrington.\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ١٣٤٦.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه وذهاب أهل الخير وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان والنفخ في الصور وبعث من في القبور: ٤/ ٢٢٦٠ برقم (٢٩٤١).\n(^٣) فتح الباري: ١١/ ٣٥٣.\n(^٤) يس: ٣٨.","vol":"1","page":644},{"text":"وهكذا سيكون في المجموع خلال عملية توسع الكون وانكماشه، اتجاهان مختلفان لدوران الأرض: الأول هو الذي نعيشه ونراه حيث تدور الأرض من غربها إلى شرقها لتطلع الشمس من مشرق الأرض، والثاني هو الذي يراه الإنسان قبل قيام الساعة حيث ستطلع الشمس من مغرب الأرض. إنهما عمليتان للشروق والغروب لا تتمان في وقت واحد، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (^١)، والذي يدل على أن الخالق واحد أحد، هو الإله بربوبيته وسلطانه وتوجيهه خلال عملية التوسع والانكماش، ليبقى التعبير واحدًا، فحيثما وجد الشروق والغروب هناك قدرة الله ودقة صُنعه\".\nثم قال: \"ومن خلال ما أتاح لنا التفسير العلمي، نرى أن هناك مشرقين مختلفين في المكان والزمان: الأول هو الذي نراه الآن الناتج عن عملية الفتق أو الانفجار العظيم وبناء الكون وتوسعه حيث تدور الأرض من غربها إلى شرقها لتطلع الشمس من مشرق الأرض، والآخر هو الذي سيراه الإنسان قبل قيام الساعة أي عند بداية انكماش الكون وعملية طي السماء حيث ستطلع الشمس من مغرب الأرض. والله اعلم، وإنما الموفق من وفقه الله\" (^٢).\nوذكر الأستاذ عبدالكحيل الدائم تفسيرًا لطلوع الشمس من مغربها -والله أعلم بحقيقته أيضًا- يقول: \"يتحدث العلماء اليوم عن تباطؤ في سرعة دوران الأرض حول نفسها، وهذا التباطؤ سيستمر حتى تتوقف الأرض عن الدوران،\n_________\n(^١) الدخان: ١٧.\n(^٢) مفهوم ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ للأستاذ خالد بن حمزة مدني، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ومجلة الهيئة، العدد (١٩).\nوانظر: التعقيب عليه، للدكتور هاني محمد خليع في نفس الموقع، ومجلة الهيئة العدد (٢٣).","vol":"1","page":645},{"text":"ولكن ماذا يعني ذلك؟ إننا نرى الشمس تطلع من الشرق كل يوم بسبب دوران الأرض حول نفسها، فإذا ما توقفت الأرض فإن ذلك سيؤدي إلى تغير اتجاه دورانها فتظهر الشمس من المغرب، وبذلك يتحقق قول الرسول الكريم - ﷺ -: \" حتى تطلع الشمس من مغربها\"\" (^١).\nوذكر الدكتور أحمد عوض عبدالهادي سؤالًا عن طلوع الشمس من مغربها وأجاب عنه فقال: \"والسؤال الآن: ما هي المقدمات لطلوع الشمس من المغرب؟ وكيف ستتغير تلك الحركة؟\nالجواب: لكي تتغير تلك الحركة تغيرًا كليًا لا بد أولا أن تتباطأ حركة الأرض تدريجيًا عند دورانها حول نفسها حتى تتوقف توقفا كاملا، ثم تبدأ بالدوران العكسي حول نفسها أيضًا وعندها تطلع الشمس من المغرب، وهذا يعني أنه عند حصول ذلك التباطؤ يرافقه تباطؤ لوقت حصول الليل والنهار بالتأكيد! لأن سبب حصول الليل والنهار كما ذكرنا آنفا هو دوران الأرض حول نفسها خلال أربع وعشرين ساعة بالحساب الزمني الحالي، وعليه سيكون طول الليل والنهار عند حصول التباطؤ أكثر من أربع وعشرين ساعة، وهذا التباطؤ سيكون تدريجيا وبالتالي ستكون زيادة طول الليل والنهار تدريجية أيضا، لأن التوقف لو تم بشكل مفاجئ لدمر وأهلك كل من على الأرض من أحياء بل الأرض كلها.\nويمكننا أن نستأنس بالحديث الذي رواه النواس بن سمعان - ﵁ - وهو حديث طويل عن الدجال وظهوره آخر الزمان وهو علامة أيضا على قرب الساعة، وجاء في الحديث: \"قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال:\n_________\n(^١) مطلع الشمس من مغربها، هل هناك إشارات علمية لذلك، للدكتور عبدالكحيل الدائم، موقع: www.kaheel ٧.com","vol":"1","page":646},{"text":"أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره\" (^١)، فأصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه عن لبث الدجال في الأرض عند ظهوره، فكان جوابه - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى، أن لبثه أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا هذه، فيمكننا أن نفهم من هذا الحديث؛ إذا قلنا أن ظهور الدجال سيكون في أيام تباطؤ الأرض جمعا بين حديثي الرسول - ﷺ -: حديث طلوع الشمس من مغربها، وحديث خروج الدجال، حيث كلا الحديثين لهما علاقة ببعضهما من حيث التغير الزمني والفلكي، فطلوع الشمس من مغربها عبارة عن تغير فلكي وأما ظهور الدجال فيقع وقت ظهوره تغير زمني.\nفإذا جاز لنا ذلك، ولا مانع من استشراف المستقبل بما لا يخل بأصل ديني أو اعتقاد ثابت عند المسلمين، أقول إذا جاز لنا ذلك فإن ظهور الدجال سيكون عند توقف الأرض، وليس قبل ذلك لأن أول يوم ذكره نبينا - ﷺ - وصفه بيوم كسنة، وهو أطول يوم على أهل الأرض قاطبة، فسيكون نهار مدته سنة، لمن هم يواجهون الشمس من أهل الأرض، وسيكون ليل مدته سنة، لمن هم في الاتجاه الآخر من أهل الأرض.\nثم تبدأ الأرض بالحركة البطيئة بالاتجاه المعاكس للاتجاه الذي هو عليه دورانها اليوم، وبالتالي سيبدأ الليل والنهار بالتناقص تدريجيا بعد ذلك اليوم الطويل، فيتقلص هذا الوقت في اليوم الذي يليه مباشرة فيصير كشهر، ثم يصير اليوم الثالث كجمعة أي كأسبوع، ثم تعود الأيام كأيامنا هذه، وهذا\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٧).","vol":"1","page":647},{"text":"يعني أن الأرض ستعود تتحرك حركتها الطبيعية بعد ذلك التباطؤ والتوقف\" (^١).\n_________\n(^١) أحداث النهاية بين العلم والقرآن والسنة\"طلوع الشمس من مغربها\"، للدكتور أحمد عوض عبدالهادي، موقع موسوعة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، http: //www.quran-m.com/firas/arabicold/؟ page= show_det&amp;id=٢١١٠&amp;select_page=١٢\nوانظر: الإعجاز في طلوع الشمس من مغربها، لقسطاس إبراهيم، موقع جامعة الإيمان.\nwww.jameataleman.org/agas/jowi/jowi","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس</span>\nمن الآيات الكبرى والعلامات العظمى لأشراط الساعة والمؤذنة بقيام القيامة خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم.\nوجاءت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن من قعرة عدن، وجاءت روايات أخرى بأنها تخرج من بحر حضرموت.\nعن حذيفة بن أسيد - ﵁ - في ذكر أشراط الساعة وآخره قوله - ﷺ -: \" وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم \"، وفي رواية: \" نار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس\" (^١).\nوعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس \" (^٢).\nأما النظرية العلمية المعاصرة ففي الدراسات الحديثة عن عدن \"وجد أن مدينة عدن يقع معظمها بالبحر المحيط، وهي قد تكونت من بركان عظيم جدًا أنفجر من جانب البحر، وأستمر دهرًا، ثم بعد خموله وبروده أصبح له فوهة مقعرة ككل البراكين ولكنها كبيرة جدًا جدًا، وأصبحت فيما بعد هي مدينة عدن التاريخية ... \" (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه: ٥٨٦.\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز: ٣٦٧ برقم (٢٢١٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومسند الإمام أحمد: ٨/ ١٣٤ برقم (٤٥٣٨) وقال محققه: \"إسناده صحيح\"، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي: ٢/ ٢٤٣.\n(^٣) بركان عدن ونيران الحشر لطارق عبده إسماعيل، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة\nhttp://www.quran-m.com/container.php? fun=artview&amp;id=٦٨٧.","vol":"1","page":649},{"text":"ولقد قدر العلماء قوة هذا البركان بمائة قنبلة هيدروجينية.\nويقول المهندس: معروف عقبة في بحثه (عدن البعد التاريخي والحضاري: \"يعتبر بركان عدن أحد المراكز البركانية الستة التي تقع في خط بركاني واحد، وتمتد من باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حتى مدينة عدن، ولقد حدث مؤخرًا منذ أيام نشاط أحد هذه المراكز البركانية الستة بجبل الطير قبالة سواحل اليمن بالبحر الأحمر، وأخيرًا نستعرض ملخص وجه الإعجاز العلمي والجغرافي والتاريخي والغيبي لحديث رسول الله عن مدينة عدن:\n١ - أخبر رسول الله - ﷺ - أن عدن مدينة مقعرة الشكل فقال \"قعرة عدن\" وهذا لم يتضح إلا بالتصوير عن بعد بالطيران أو بالأقمار الصناعية.\n٢ - أخبر رسول الله - ﷺ - أن عدن تقوم على بركان خامد، ولكن امتداده بالفعل يصل للب الكرة الأرضية، الذي هو معروف أنه كتلة ضخمة جدًا من الحديد والنيكل المنصهر، وقد خرجت الحمم النارية من هذا البركان في ثورة عظيمة في المياه القريبة من الساحل بالبحر المحيط، كون بعدها هذا البركان جبل ضخم فوقه فوهة عظيمة، كانت هي مدينة عدن، وستخرج النار مرة أخرى من نفس المكان، وهذا أمر معتاد في معظم البراكين في العالم، وسيكون الخروج الأخير في صورة أشد وأقوى سيسوق فيها البشر لمكان الحشر بأرض الشام\" (^١).\nوذكر الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- أن من آخر المستجدات في\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"1","page":650},{"text":"مجال الإعجاز العلمي: \"ما أثبته العلم منذ عدة سنوات، هو وجود طفوح بركانية غرب الجزيرة العربية تزيد عن ٩٠.٠٠٠ كيلوًا متر ممتدة إلى الجولان هذه الطفوح مليئة بالفوهات البركانية التي لا تزال نشطة إلى يومنا هذا، ومنها حوالي ٧٠٠ فوهة بركانية حول المدينة المنورة، سجلت ما لا يقل عن ٣٠٠ هزة أرضية خلال سنة واحدة، مما يؤكد أنها لا تزال نشطة، وبالتالي فلابد لها من أن تفور في يوم من الأيام وحتمية العلم تؤكد ذلك وستكون فورتها من علامات الساعة\" (^١).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) ٧٠٠ فوهة بركانية حول المدينة المنورة ستكون فورتها من علامات الساعة، للدكتور زغلول النجار، موقع المدينة المنورة. www.madenah-manawara.com/vb/showthread.php؟ t=٢٨٣٨٦","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين</span>\nمن علامات الساعة الكبرى الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين، فقد أخبر النبي - ﷺ - عن ريحٍ طيبةٍ تخرج لقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان، فتهب فلا يبقى على ظهر الأرض من يقول الله إلا وأخذته، فيبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة، وقد جاء في وصفها أنها ألين من الحرير، فقال -﵊- بعد ما ذكر خروج الدجال وقتله، وبعد خروج يأجوج ومأجوج وفنائهم، قال: \"فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر (^١)، فعليهم تقوم الساعة\" (^٢).\nوعن عائشة - ﵂ - أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى\"، فقالت عائشة - ﵂ -: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^٣) أن ذلك تاما، قال: \"إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم \" (^٤).\n_________\n(^١) أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧٠.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه: ٤/ ٢٢٥٠ برقم (٢٩٣٧).\n(^٣) التوبة: ٣٣.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة: ٤/ ٢٢٣٠، برقم (٢٩٠٦).","vol":"1","page":652},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة (وفي رواية: مثقال ذرة) من إيمان؛ إلا قبضته\" (^١).\nأما النظرة العلمية المعاصرة فلم أجد من تكلم عنها فيما يتعلق بالإعجاز العلمي -حسب علمي-.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في الريح التي تكون قرب القيامة تقبض من في قلبه شيء من الإيمان: ١/ ١٠٩، برقم (١١٧).","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>الفصل الثامن الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: الآيات الكونية السماوية.\nالمبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية.","vol":"1","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>تمهيد</span>\nالآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة منها آيات سماوية -كالسماء والشمس والقمر والنجوم والكوكب-، ومنها آيات أرضية -كالأرض والجبال والبحار-، وأهوال يوم القيامة وما يحدث لهذه الآيات الكونية من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها (^١).\nوقدم الله ﷾ مشاهد ما يقع للآيات السماوية على مشاهد ما يقع للآيات الأرضية، فقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٣)،، وقال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (^٤).\nفيجب التصديق بها وعدم التكلف فيها؛ فإن مثل هذه الأمور لا تدرك إلا بخبر عن الله - ﷿ - وعن ونبيه - ﷺ -.\nوقد سبق في المبحث السابق - الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة -\n_________\n(^١) ذكر القرطبي تفسيرًا للنصوص الواصفة لأهوال يوم القيامة -ومنها هذه الآيات الكونية- في كتابه التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ٢/ ٥٣٨.\n(^٢) الانفطار: ١ - ٣.\n(^٣) الانشقاق: ١ - ٥.\n(^٤) التكوير: ١ - ١١.","vol":"1","page":657},{"text":"بيان الضوابط في دراسة مثل هذه الأمور وسبب إيراد كلام المعاصرين عن التفسير والإعجاز العلمي (^١).\n\nقال الحليمي (^٢)\n- ﵀ -: \" وقد أخبر الله - ﷿ - على لسان نبيه - ﷺ - أنه مفني ما على وجه الأرض ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، وأن البحار تسجر، والكواكب تنثر فيذرها قائمة صفصفًا لا ترى فيها عوجا ولا أمتًا، وكل ذلك كائن على ما جاء به الخبر، وعد الله صدق وقوله حق. وأما ما وراء ذلك مما لم يخبر الله - ﷿ - عنه بشيء، فأمره إليه وهو أعلم بما هو فاعله.\nولا ينبغي لنا أن نتكلم فيه بشيء لأن القول على كل حال بغير علم حرام، فالاجتراء به على الله جل ثناؤه أشد وأولى بالحرمة، أعني بهذا إن سائل سأل: أن السماء إذا طويت والشمس إذا كورت أو الكواكب إذا انتثرت، أو عن الأرض بعد ركوب الناس الصراط وفراغها منهم، ماذا يكون من أمرها بعد ذلك؟ لم يكن له جواب يمكن القطع به، والأولى بالمسؤول أن يقول: كما قال الرسول - ﷺ - للذي سأله عن الساعة: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (^٣).\nفإن مثل هذا لا يدرك إلا بخبر ولم يأتنا في هذه الأبواب عن الله جل ثناؤه خبر إلا أن في الجملة يخبرنا بانتقاض الأجسام، فإن أراد الله تعالى أفناها\n_________\n(^١) ص: ٥٦٣.\n(^٢) هو أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، كان رئيس المحدثين والمتكلمين في بلاد ما وراء النهر، من مؤلفاته: المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة ٤٠٣.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٢٣١، وشذرات الذهب: ٣/ ١٦٧.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله: ١/ ٣٦ برقم (١٨).","vol":"1","page":658},{"text":"وحبس البقاء عنها، وفعل ذلك بها، وإن أراد غير ذلك فله الخلق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير\" (^١).\n\" وقد ذكر د. زغلول النجار -حفظه الله-: \"من ضوابط التعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ما يلي:\n١ - عدم الخوض في القضايا الغيبية غيبة مطلقة، وضرورة التوقف في ذلك عند حدود النصوص الواردة في كتاب الله أو في أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين - ﷺ -، انطلاقًا من الإيمان الكامل بهما، واعترفا بعجز الإنسان عن الوصول إلى مثل هذه الغيوب المطلقة بغير هداية ربانية.\n\" ٢ - التأكيد على أن الآخرة بتفاصيلها المختلفة وأحداثها المتتابعة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا مغايرة كاملة، وعلى ذلك فإن وقوع الآخرة لا يحتاج إلى أي من سنن الدنيا البطيئة الرتيبة؛ لأن الله تعالى يصف وقوعها بالفجائية الشديدة، وذلك بقوله -عز من قائل- مخاطبًا خاتم أنبيائه ورسله - ﷺ -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n\" وعلى ذلك فإن المشتغلين بعلوم الكون إذا استخدموا عددًا من الشواهد الحسية التي أبقاها الله تعالى لنا في صخور الأرض أو في صفحة السماء للتدليل على حتمية الآخرة من أجل البرهنة على تلك الحتمية وعلى ضرورتها، فإن ذلك لا يمكن أن يعني قدرتهم على استشراف زمن وقوعها الذي هو من صميم الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(^٢) الأعراف: ١٨٧.\n(^٣) تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ للدكتور زغلول النجار. موقع الدكتور زغلول النجار.\nhttp: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=٦٦ e ٠٧٥٣٨١ fbee ٨ ee ٢٧٤٩٠ f ٩٩٢ ab ٣٣١٢ d","vol":"1","page":659},{"text":"\" فيوم القيامة من الأمور الغيبية التي لا يصح الكلام فيها إلا بدليل من الكتاب أو السنة ... كما أن الآخرة لا تنطبق عليها نواميس الدنيا ... فلها نواميس مختلفة ... ولذلك لا يصح أن نطبق قوانين الدنيا على الآخرة ... وإنما نصدق بما جاءنا عن رسولنا الكريم - ﷺ - ... ولا نخوض في أشياء غيبية لا نعرفها ... لأن هذا من القول بغير علم ... وقد قال الله ﷾: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١) \" (^٢).\nوقد ذكر ابن القيم - ﵀ - عن الوفاء ابن عقيل (^٣) - ﵀ - جوابًا لمن ذكر لماذا يخرب الله العالم عند يوم القيامة؟ .\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وقرأ قارئ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، وفي الحاضرين أبو الوفاء ابن عقيل، فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية، وسير الجبال، ودك الأرض، وفرط السماء، ونثر النجوم، وكورت الشمس؟ فقال: إنما بنى لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه لحسن التأمل والتذكر. فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خربها لانتقال الساكن منها، فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معمورًا\n_________\n(^١) الإسراء: ٣٦.\n(^٢) موسوعة الإعجاز العلمي ليوسف الحاج: ٤٠٤.\n(^٣) هو أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، من علماء الحنابلة، وله مؤلفات كثيرة، منها: كتاب الفنون، الذي يزيد على أربعمائة مجلد، توفي عام ٥١٣. انظر: سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٤٤٣، وشذرات الذهب: ٦/ ٥٨.","vol":"1","page":660},{"text":"بهم وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبًا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم. فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار ودلالة على عظيم عزته وقدرته وسلطانه وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته فتبارك الله رب العالمين\" (^١).\n_________\n(^١) التفسير القيم لابن القيم: ٥٠٥.","vol":"1","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية</span>\nوعد الله ﷾ بأن يجعل للكون نهاية، كما خلقه سبحانه فإنه سوف ينهيه ويطويه، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^١)، ومن الآيات الكونية السماوية التي وردت في النصوص: السماوات، والشمس، والنجوم، والكواكب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>١ - السماوات:</span>\nأخبر الله - ﷿ - أن هذه السماوات على ارتفاعها النائي، وسمكها العظيم، وعددها الكثير، وجمالها الباهر، تأتي ساعة من الساعات ويكون في ذلك خرابها وزوالها في يوم القيامة.\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (^٢)، يوم القيامة تتحرك السموات لأمر الله تعالى فيموج بعضها في بعض، ثم تنشق على عظمها وسمكها وارتفاعها، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٣).\nوهي عندما تنشق يكون لها لون وشكل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (^٤)، قال ابن كثير - ﵀ -: \" أي تذوب كما يذوب الدردي (^٥)، والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي\n_________\n(^١) الأنبياء: ١٠٤.\n(^٢) الطور: ٩.\n(^٣) الانشقاق: ١ - ٢.\n(^٤) الرحمن: ٣٧.\n(^٥) دردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله. لسان العرب: ٢/ ١٣٥٥.","vol":"1","page":662},{"text":"يدهن بها. فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ (^٢) كدردي الزيت، ثم يكون الضعف والوهن في السماء على عظمها وقوتها (^٣)، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (^٦)، فهي تتشقق وتنفطر وتضعف ويكون فيها فُرج أي: أبواب (^٧)، كما أخبر ﷾: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ (^٨).\nوفي نهاية الأمر تنتهي السماء وذلك بنزعها وطيها (^٩)، قال تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (^١٠) فقلعت ونزعت بشدة فطويت (^١١)، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١٢)، وأن هذا الطي كطي السجل للكتب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^١٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٩٨.\n(^٢) المعارج: ٨.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٦٥.\n(^٤) الحاقة: ١٦.\n(^٥) المرسلات: ٩.\n(^٦) الانفطار: ١.\n(^٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٩٧.\n(^٨) النبأ: ١٩.\n(^٩) وقد ذكر علماء الفلك أن ذلك سيأتي. انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ٢٠/ ٢٦٢.\n(^١٠) التكوير: ١١.\n(^١١) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٣٥.\n(^١٢) الزمر: ٦٧.\n(^١٣) الأنبياء: ١٠٤.","vol":"1","page":663},{"text":"وقد جاءت الأحاديث الصحيحة دالة على مثل ما دلت عليه النصوص القرآنية، ومبينة لما يقوله الحق ﵎ بعد قبضه الأرض، وطيه السماء، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض\" (^١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \" (^٢).\nأما النظرة العلمية المعاصرة فإن علماء الفلك وردت التساؤلات عنهم، ما مستقبل الكون؟ فذكروا أن الكون يتسم بالصفات التالية:\n١ - كون يتوسع إلى مرحلة معينة أو زمن معين، ثم يقف التمدد عند نقطة معينة، وذلك بسبب تفوق الجاذبية الذاتية للكون، بعد ذلك يعود للتقلص من جديد وانكماش الكون على نفسه حتى يعود للحالة ذاتها التي حدثت قبل الانفجار العظيم، أي نهاية الكون من جديد، وإذا كان الكون بهذه الصورة فإن الفضاء يتحدب حول الكون، أي يصبح الكون على شكل منحنى.\n٢ - كون يتوسع مع تباطؤ في حركة فرار المجرات، لكن هذا التوسع سيبقى إلى الأبد، أي لن تستطيع كثافة الكون أن تسيطر على قوة الانفجار التي أدت إلى تمدد الكون\" (^٣).\nولكن سواء حدث للكون النمط الأول أو الثاني فإن فناء هذا الكون\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله يوم القيامة: ١٢٤٩ برقم (٦٥٢١).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ٤/ ٢١٤٨ برقم (٢٧٨٨).\n(^٣) الموسوعة الفلكية الحديثة، لعماد مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط ١: ٣٣٦.","vol":"1","page":664},{"text":"وانهياره أمر لا مفر منه، ففي النمط الأول\"فإن الكون سينكمش ويعود إلى مرحلة البداية، وهي حالة من حالات الانهيار للكون، أما في النمط الثاني يبقى الكون يتمدد إلى فترة معينة بحيث تنتهي الطاقة كليًا من الكون، حيث ينتهي الهيدروجين من النجوم، ويصبح الكون بالتالي جثة هامدة، لذلك فإن مستقبل الكون هو الموت في كلا النموذجين\" (^١).\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-632> طي السماء:</span>\nفقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٢).\nففي هذه الآية يخبرنا الله - ﷿ -: \" أولًا: أنه مهما اتسع الكون وكثرت محتوياته وثقل وزرنه فهو لن يتكبر أو يستعصي على خالقه بل سيطويه في سهولة ويسر كما يطوي صاحب السجل صحائفه.\nويؤكد لنا العزيز القدير هذه الحقيقة في آية أخرى بقوله: إن ذلك على الله يسير، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٣)، وفي آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٤).\nويشبه لنا ثانيًا: الكون بالصحائف المستوية، وقد يكون الكون مستويًا فعلًا وهي الحالة بين الكون المنغلق والمنفتح عندما تكون كثافة الكون تساوي\n_________\n(^١) المرجع السابق: ٣٣٦.\n(^٢) الأنبياء: ١٠٤.\n(^٣) العنكبوت: ١٩.\n(^٤) الروم: ٢٧.","vol":"1","page":665},{"text":"الكثافة الحرجة وهذا ما يرجحه كثير من الفلكيين. وقد يبدو لنا مستويًا -وإن كان حقيقة غير ذلك- بسبب عظمة الخالق.\nوهنا نرى مدى قرب تشبيه الكون لصفحات السجل، استواء نراه في الكون من كل جانب حتى يخيل لنا أنه فعلًا مستويًا -وقد يكون كذلك- لاستواء الصحائف.\nويربط أذهاننا ثالثًا: بعملية انكماش الكون وانهياره فتشبيه طي الكون بطي الصحائف لهو تشبيه تفوق روعته أي وصف ولا يمكن أن يصدر إلا من الحكيم العليم الذي خلق هذا الكون، فبعد تمدد الكون واتساعه إلى ما هو عليه الآن -أو إلى ما سوف يصبح عليه في المستقبل- يطوي الخالق هذا الكون بكل ما فيه فيعود هذا الشيء الذي كبر واتسع إلى ما كان عليه\" (^١).\nثم ذكر صاحب موسوعة الإعجاز العلمي التفسير العلمي لطي السماء فقال: \"إن عملية انكماش الكون وانهياره على نفسه هذا الانهيار الهائل إلى نقطة بدايته لهو أقرب تفسير يستطيع العلم أن يقدمه حاليًا لطي الكون أو طي السماء إلى ما كانت عليه في بداية الخلق، ومع ذلك فهناك بعض الملاحظات التي يجب أن نأخذها في الاعتبار:\nالأولى: التعبير العلمي أو الإنساني لعملية الانكماش الذي يتبعه انهيار هائل هو انعكاس لما يراه أو يتصوره الإنسان في هذا الحدث الهائل من قوة وعنف تفوق مقدراته وطاقاته بل وخياله ...\nومن ناحية أخرى نرى في التعبير القرآني لطي السماء أو الكون هدوء يعكس مقدرة الخالق المقتدر، الذي يصدر منه هذا الحديث، فنهاية الكون كله بالنسبة إليه ليست بأكثر من عمل سهل هين نقوم به نحن كل يوم، ألا وهو\n_________\n(^١) موسوعة الإعجاز العلمي، ليوسف الحاج: ٤٠١ - ٤٠٢.","vol":"1","page":666},{"text":"علي بعض الصحف ليس فيه عناء على الخالق كما لا يسبب طي الصحف أي عناء لنا.\nالثانية: إذا كان انتهاء الكون حسب التفسير العلمي بانكماشه ثم انهياره يساعدنا في فهم الآية الكريمة وفي تفسير طي السماء الآن وإعادة الكون إلى ما بدأ منه، بل الأكثر من ذلك نجد فيه اتفاقًا كبيرًا مع النص القرآني، فليس معنى ذلك أن هذا هو التفسير الوحيد للآية الكريمة، فالطي الإلهي للكون ممكن أن يتخذ صورة نموذج الانكماش والانهيار، وممكن أن يتم بصورة أخرى قد نعلمها وقد لا نعلمها\" (^١).\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-633> كيف يكون المهل</span>؟\nفإن المهل سائل لزج حار، يتكون من الحجارة وما فيها من المعادن، ويخرج من الأرض متدفقًا في الهواء أو منسكبًا فوق الأرض وله دورة خاصة لحياته فقد ينشط مع البراكين وقد يسكن مع خمولها (^٢).\nثم إن تأين (^٣) الغازات التي تدخل في تركيب الهواء الجوي،\"لا يتم بدون طاقة عالية الشدة، عندئذ تصبح السماء يوم القيامة مثل المهل، أي مثل المهل\n_________\n(^١) المرجع السابق: ٤٠٢ - ٤٠٣.\n(^٢) الإعجاز العلمي -الأرض وعلوم البحار- أ. د. محمد وليد كامل.\nhttp://www.eajaz.org/arabic/index.php? option=com_content&amp;view= article&amp;id =٢٩١: ٢٠١٠ - ٠٧ - ٢٥ - ١٢ - ٤١ - ٥٥&amp;catid=١١٢: ٢٠١٠ - ٠٨ - ٢٤ - ٢٢ - ٣٤ - ٤١&amp;Itemid=٩٧\n(^٣) التأين: عملية فيزيائية لتحويل الذرة أو الجزء إلى أيونات بإضافة أو إزالة جسيمات مشحونة مثل الإلكترونات. والأيون: هو ذرة مشحونة كهربائيا بعد تفاعل كيميائي أخذت إلكترونات من ذرة أو ذرات أو أعطتها إياها. انظر: موسوعة ويكيبيديا.\nhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٨%A ٣%D ٩%٨ A%D ٩%٨٨%D ٩%٨٦","vol":"1","page":667},{"text":"في حرارته وتأين مكوناته من ذرات العناصر الكيميائية، إذ يختلف مهل الأرض عن مهل السماء في نوعية العناصر الكيميائية\" (^١).\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"1","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>٢ - الشمس والقمر:</span>\nإن الشمس والقمر من الآيات الكونية التي يجري خرابها يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^١).\nيذهب ضوء القمر وتظلم الشمس وتجمعان معا ويرمى بهما، قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (^٢) ولعلماء التفسير أقوال في معنى تكوير الشمس، فقيل: ذهابها، وقيل ذهاب ضوئها وقيل رمي بها، وغير ذلك. قال ابن جرير - ﵀ -: \" والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال ﴿كُوِّرَتْ﴾ كما قال الله جل ثناؤه، والتكوير في كلام العرب: (جمع بعض الشيء إلى بعض)، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة وهو جمع الثياب بعضها إلى بعض ولفها، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها فعلى التأويل الذي تأولناه وبيناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل وجه صحيح، وذلك أنها إذا كورت ورمي بها ذهب ضوءها\" (^٣).\n\" وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" الشمس والقمر مكوران يوم القيامة\" (^٤).\n_________\n(^١) القيامة: ٧ - ٩.\n(^٢) التكوير: ١.\n(^٣) تفسير الطبري: ٣٠/ ٨١.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر ﴿بِحُسْبَانٍ﴾: ٦١٥ برقم (٣٢٠٠).","vol":"1","page":669},{"text":"\" أما النظرة العلمية المعاصرة فيقول الدكتور زغلول النجار -حفظه الله- عن جمع الشمس والقمر يوم القيامة: \"وهي تعبر عن نزع الإنسان من هول علامة من علامات تدمير الكون، فجمع الشمس والقمر أصبح حقيقة علمية الآن، لأنه ثبت بقياسات دقيقة للغاية أن القمر (الذي يبعد عنا في المتوسط حوالي ٤٠٠ ألف كم) يتباعد عنا بطريقة مستمرة بمعدل ثلاثة سنتيمترات في السنة، وهذا التباعد سيدخل القمر وقت من الأوقات في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه الشمس، وهذا من التنبؤات العلمية المبنية على استقراءات كونية، وحسابات فلكية دقيقة، فالقمر يستمر بتباعده عن الأرض لابد وأن يؤدي به هذا التباعد في يوم من الأيام إلى أن تبتلعه الشمس، ولكن متى سيتم ذلك؟ هذا في علم الله ﷾\" (^١).\n\" وذكر الدكتور يوسف الحاج في بيان مصير الشمس بين القرآن والعلم ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أن\"نفاد الهيدروجين من قلب الشمس ووفرة الهيليوم داخله تؤدي إلى حصول لا تجانس واضح في توزيع المادة، فإن الهيليوم أثقل من الهيدروجين بأربع مرات، وهذا يعني اختلاف كثافة مادة النجم وفقدان التوازن. لذلك لابد من حركة شاملة لإعادة توازن جسم الشمس ...، ويحصل هذا إذا انتفخ الجزء الخارجي من مادة الشمس انتفاخًا هائلًا فيما يتقلص اللب. وعندئذ يتغير لون الشمس إلى الأحمر ...\n_________\n(^١) من آيات الإعجاز في القرآن الكريم- جمع الشمس والقمر- للدكتور: زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار،\nhttp: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=f ٢٨٤ c ٥ e ٢ c ٢٥٠ ded ٠٨ b ٠٩ a ٤٥٠ ccc ٢ e ٧٢٦\nوانظر: أسرار الشمس بين الوصف القرآني وحقائق علم الفلك الحديث، لصبحي رمضان فرج مدرس.\nhttp: //quran-m.com/container.php؟ fun=avtviewyid=١٠٢٠","vol":"1","page":670},{"text":"\" وإذ تضعف القوى الداخلية في اللب، فإن القشرة الخارجية المنتفخة لا تستطيع أن تسند نفسها على شيء فينهار جسم الشمس على بعضه في عملية تسمى (التكوير) وذلك بسبب جاذبية أجزائه بعضها للبعض الآخر، مما يجعلها تنكمش انكماشًا مفاجئًا وسريعًا، فتنسحق المواد للشمس، وتتداخل الجزئيات، وتتقارب الذرات تقاربًا شديدًا حتى تكاد تتداخل، إلا أن قوة التنافر الكهربائي بين الأغلفة الإلكترونية للذرات تقاوم تدخلها عندما تصبح المسافة بينها قليلة، ... وبذلك تتعادل قوة التنافر الكهربائي مع قوى الجذب التي تؤدي إلى تكوير الشمس، وعندما يحصل هذا التوازن تكون الشمس قد وصلت إلى مستقرها\" (^١).\nثم ذكر أن\"علماء الفلك يقدرون بأن الشمس تسبح إلى الوقت الذي ينفد فيه وقودها فتنطفئ، هذا هو المعنى العلمي الذي أعطاه العلماء لمستقر الشمس، هذا بالإضافة إلى ما تم كشفه في القرن العشرين من أن النجوم كسائر المخلوقات تنمو وتشيخ ثم تموت، فقد ذكر علماء الفلك في وكالة الفضاء الأمريكية (nasa) أن الشمس عندما تستنفذ طاقتها تدخل في فئة النجوم الأقزام ثم تموت وبموتها تضمحل إمكانية الحياة في كوكب الأرض، إلا أن موعد حدوث ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى الذي قال في كتابه المجيد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) موسوعة الإعجاز العلمي، ليوسف الحاج: ٣٥٦.\n(^٢) الأعراف: ١٨٧.\n(^٣) المرجع السابق: ٣٦٨.","vol":"1","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>٣ - النجوم والكواكب:</span>\nالنجوم والكواكب خلق من ذلك الكون الذي أذن الله تعالى بخرابه وتغير أموره بما شاء الله تعالى، قال الله تعالى عن النجوم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (^١)، أي ذهب ضياؤها فلم يكن لها نور ولا ضوء (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (^٣) أي تناثرت وتغيرت وتساقطت (^٤).\nأما النظرة العلمية المعاصرة لها فإن النجوم تختلف عن الكواكب السيارة اختلافًا بينًا، \"فالنجم عبارة عن كتلة ضخمة جدًا من الغاز الساخن والملتهب، وتشع النور والحرارة ذاتيًا، أما الكواكب فهو عبارة عن كتلة صلبة من الصخور أو الغازات الصلبة، ويدور حول النجم ... ويستمد الكوكب نوره وحرارته من النجم الذي يدور حوله\" (^٥).\nوقد ذكروا أن النجوم تمر في مراحل عمرية مختلفة، حيث توجد نجوم في مرحلة الولادة، ونجوم في مرحلة الشباب، ونجوم في مراحل الشيخوخة، ونجوم في مرحلة الاحتضار وأخرى ميتة (^٦).\n\"ويتوقع العلماء أن تنفصل المجرات عن بعضها البعض، وتصبح مثل جزر منفصلة من نجوم ميتة يصعب رؤية بعضها البعض أيضًا. أي أن النجوم\n_________\n(^١) المرسلات: ٨.\n(^٢) تفسير الطبري: ٢٩/ ٢٧٧.\n(^٣) التكوير: ٢.\n(^٤) المرجع السابق: ٣٠/ ٨٢.\n(^٥) الموسوعة الفلكية الحديثة: ٢٧٥.\n(^٦) المرجع السابق: ٢٨٩.","vol":"1","page":672},{"text":"ستنطفئ تدريجيًا ويختفي ضوؤها، وهذا ما أخبر عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، فهذه الآية تؤكد أن النجوم لن تدوم إلى الأبد، بل سينفذ وقودها، وتنخفض شدة إضاءتها تدريجيًا حتى تنطمس كليًا\" (^١).\nويقولون أيضًا: \"ستصبح مجرتنا (درب التبانة) مثل جزيرة منفصلة في بحر غير متغير من فضاء أسود تمامًا في غضون ١٥ مليار عام القادمة، والمدة الحقيقية لا يعلمها إلا الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، وهذا ما يعتقد به العلماء، فيقولون: مع مرور الزمن ستنطفئ النجوم في جميع المجرات تدريجيًا، تاركة مجاميع باردة من كواكب مدمجة ستلهبها (الثقوب السوداء) \" (^٢).\n_________\n(^١) الانهيار الكوني لعبدالدائم الكحيل.\nwww.kaheel ٧.com/modules.php؟ name=news&amp;file=article&amp;sid\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>المبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية</span>\nوعد الله ﷾ بأن يجعل للكون نهاية، كما خلقه سبحانه، فإنه سوف يعيده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^١)، ومن الآيات الكونية الأرضية التي وردت في النصوص: الأرض، والجبال، والبحار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>١ - الأرض:</span>\nمن الآيات الكونية يوم القيامة: تحرك الأرض وارتجاجها وتحركها وارتجافها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ (^٢)، وتزلزلها: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (^٣)، ودكها: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (^٤)، ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (^٥)، وتمهد وتسوى وتصبح كالبساط الواحد لا ارتفاع ولا انخفاض فيها، قال تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (^٦)، وتمد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (^٧) مثل مد الأديم ففي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \" ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم (^٨) \" (^٩)، وتلقي ما في بطنها من الأموات وتتخلى عنهم ﴿وَأَلْقَتْ مَا\n_________\n(^١) الأنبياء: ١٠٤.\n(^٢) المزمل: ١٤.\n(^٣) الزلزلة: ١.\n(^٤) الحاقة: ١٤.\n(^٥) الفجر: ٢١.\n(^٦) طه: ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٧) الانشقاق: ٣.\n(^٨) الأديم: الجلد ما كان. لسان العرب: ٩/ ١٢١٩.\n(^٩) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم: ٤٤٠ برقم (٤٠٨)، قال البوصيري في الزوائد: ٣/ ٢٦١: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وانظر: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ٥٠٣/ ٦٥٨.","vol":"1","page":674},{"text":"فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ (^١).\nقال ابن كثير - ﵀ - في بيان حال الإنسان إذا رأى ما يحدث للأرض وأنه استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها\"أي تقلبت الحال فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها، من الزلزال الذي لا محيد عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين وحينئذ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار\" (^٢)، فهو مشهد عظيم.\nثم بعد هذه المشاهد للأرض، يبدلها الله تعالى كما قال - ﷿ -:\n﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٣).\nوقد اختلف في تبديل الأرض، فقيل:\n١ - تبدل الأرض أرضا أخرى من فضة.\n٢ - وقيل تبدل نارا.\n٣ - وقيل تبدل خبزة.\n٤ - وقيل تبدل غير ذلك.\nذكر هذا ابن جرير - ﵀ - وقال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون المبدلة أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا،\n_________\n(^١) الانشقاق: ٤.\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٨/ ٤٦٠.\n(^٣) إبراهيم: ٤٨.","vol":"1","page":675},{"text":"وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أيُ ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٢).\nوهذا مشهد عظيم فيه بيان لعظمة الله تعالى وقدرته وهيمنته على خلقه أجمعين.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ \" (^٣).\nوعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يطوي الله - ﷿ - السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \" (^٤).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٥) - ﵀ -: \" هذه الأحاديث وما في معناها\n_________\n(^١) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٩، وانظر: فتح الباري: ١١/ ٣٧٥.\n(^٢) الزمر: ٦٧.\n(^٣) سبق تخريجه: ٢٠٤.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب المنافقين وصفاتهم: ٤/ ٢١٤٨، برقم (٢٧٨٨).\n(^٥) هو الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، من أئمة الدعوة النجدية، وله من المؤلفات: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وقرة عيون الموحدين، والرد على داود بن جرجيس وغيرها، توفي عام ١٢٨٥ هـ. انظر: مشاهير علماء نجد، للشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ، دار اليمامة، الرياض، ط ٢: ٧٨، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبدالله البسام، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ١/ ١٨٠.","vol":"1","page":676},{"text":"تدل على عظمة الله وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته وقد تعرف ﷾ إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان\" (^١).\nفيقبض الحق ﵎ الأرض بيده في يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، كما قال ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٢).\nوهذا القبض للأرض يقع بعد أن يفني الله خلقه.\nوالأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٣).\nعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها معلم (^٤) لأحد\" (^٥).\n_________\n(^١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبدالرحمن بن حسن، تحقيق الوليد الفريان، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١١: ٢/ ٨٤٧.\n(^٢) الزمر: ٦٧.\n(^٣) إبراهيم: ٤٨.\n(^٤) العفراء: بالعين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة.\nوالنقي: بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحوري، وهو الدرمك، وهو الأرض الجيدة.\nالمعلم: أي ليس بها علامة سكنى أو بناء ولا أثر.\nانظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٧/ ١٣٤.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة: ٤/ ٢١٥٠ برقم (٢٧٩٠).","vol":"1","page":677},{"text":"وأخبر الرسول - ﷺ - أن الوقت الذي يتم فيه هذا التبديل هو وقت يكون الناس على الصراط، عن عائشة - ﵂ - قالت: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (^١)، فأين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: على الصراط\" (^٢).\nوعن ثوبان - ﵁ - أن حبرًا من أحبار اليهود سأل الرسول - ﷺ - فقال: \"أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هم في الظلمة دون الجسر\" (^٣).\nكما أخبر عنها أنها تشرق وتضيء يوم القيامة بنور ربها (^٤)، قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ (^٦) \"خطاب لسيد المخاطبين - ﷺ - أو لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية، أي: وترى جميع جوانب الأرض: بارزة بادية ظاهرة، أما ظهور ما كان منها تحت الجبال فظاهر، وأما ما عداه فكانت الجبال تحول بينه وبين الناظر قبل ذلك أو تراها بارزة لذهاب جميع ما عليها من الجبال والبحار والعمران والأشجار، وإنما اقتصر على زوال الجبال\n_________\n(^١) إبراهيم: ٤٨.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة: ٤/ ٢١٥٠ برقم (٢٧٩١).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما: ١/ ٢٥٢ برقم (٣١٥).\n(^٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١١٨.\n(^٥) الزمر: ٦٩.\n(^٦) الكهف: ٤٧.","vol":"1","page":678},{"text":"لأنه يعلم منه زوال الأرض بطريق الأولى\" (^١).\nوقد أنكر بعضهم زلزلة الأرض يوم القيامة، وقال: إن المقصود بذلك أنه الزلزال الوضعي الصناعي الذي يحصل بواسطة الحفريات وغيرها، يقول أحمد فائق رشد في تفسير سورة الزلزلة: \"ليس المقصود هنا زلزلة الأرض الطبيعية ولاشيء كهذا؛ لأن الزلازل الأرضية لا تخرج لنا الأثقال الموجودة في باطن الأرض بل بالعكس إذا كانت الرجة شديدة، والهزة قوية مديدة فتبتلع القرى والمباني\" (^٢)، ثم قال: \"فالمقصود من كلام الله هو غير ذلك بل هو الزلزال الوضعي الصناعي الذي يحدث بواسطة الأيدي البشرية يعني الحفريات العديدة العظيمة التي تقوم بها جماعات وشركات لأغراض مختلفة، منها البحث عن الآثار القديمة، والمدن المطمورة. ومنها -وهو المقصود المطلوب هنا- البحث عن المعادن، الكنوز الثمينة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والفحم وسائر المعادن الثقيلة\" (^٣)، ثم قال: \"من يزور منجمًا واحدًا من مناجم التعدين للحديد مثلًا أو للفحم .. يرى ما يدهش من جبال الأتربة والصخور المستخرجة من باطن الأرض\".\nبل قال: \"والمعنى الباطني: الزلزلة: الشك في الإيمان والاضطراب في الاعتقاد وضعف الثقة بصاحب الأمر، والأرض رمز الأمة\" (^٤).\nولا شك أن هذا الكلام غير صحيح ولا يستحق الرد عليه، فهو مخالف للنصوص الشرعية، والعقول السوية (^٥).\n_________\n(^١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ١٥/ ٢٨٨.\n(^٢) تفسير القرآن من القرآن في دائرة العلم والعقل والواقع المحسوس، لأحمد فائق رشد، مطبعة النصر بالفجالة: ٤٢.\n(^٣) المرجع السابق: ٤٣.\n(^٤) المرجع السابق: ٤٩.\n(^٥) انظر: شوائب التفسير في القرن الرابع عشر، لعبدالرحيم فارس أبو علبة، رسالة دكتوراه بكلية الشريعة التابعة لدار الفتوى بلبنان، جامعة بيروت الإسلامية، مطبوعة بالحاسب الآلي: ١/ ١١٥.","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>٢ - الجبال:</span>\nأخبر الله ﵎ أن الأرض الثابتة، وما عليها من جبال صم راسية تُحمل في يوم القيامة عندما ينفخ في الصور فتدك دكة واحدة: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (^١).\nوقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ (^٢).\nفأول ما يجري للكائنات عند زلزلة الأرض هو ذهاب الجبال لأنها هي الرواسي للأرض كما أخبر الله تعالى عن هذا بقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (^٤).\nفيزيل الله الجبال من أماكنها ويذهبها ﷾، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (^٦)، فتراها كأنها ثابتة، باقية على ما كانت عليه وهي تمر مر السحاب، أي تزول عن أماكنها (^٧).\n_________\n(^١) الحاقة: ١٣ - ١٥.\n(^٢) الكهف: ٤٧.\n(^٣) النبأ: ٦ - ٧.\n(^٤) النازعات: ٣٢.\n(^٥) طه: ١٠٥ - ١٠٧.\n(^٦) النمل: ٨٨.\n(^٧) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٤٢، وتفسير السعدي: ٦١٠.","vol":"1","page":680},{"text":"قال تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ (^١)، فتزال الجبال عن أماكنها وذلك بصيرورتها هباء ثم ذهابها.\nقال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (^٢) فصارت كالدقيق.\nوفتتت فصارت أرضًا، وقيل نسفت (^٣)، كما قال تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (^٤).\nوهو الرمل الذي تحرك أسفله فينهال عليك من أعلاه (^٥).\nفتبقى الأرض مستوية لا حجر فيها ولا شجر ولا انخفاض ولا ارتفاع فهي ظاهرة مكشوفة جميعها للرائي (^٦).\nهذا وصف، ثم يعطي ﷾ وصفا آخر لما يحصل للجبال من عجائب قدرته تعالى وأن لا شيء وإن عظم بمستحيل مع قدرة الله تعالى فيقول - ﷿ -: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ (^٧)، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^٨) والعهن هو: الصوف المصبوغ ألوانا، المنفوش: النفش: مدك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض (^٩).\nهذه حال الجبال يوم القيامة وصفاتها المروعة بعد الصلابة والقوة والكبر\n_________\n(^١) الطور: ١٠.\n(^٢) الواقعة: ٥ - ٦.\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ١٧٦، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٣٠٥.\n(^٤) طه: ١٠٥.\n(^٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٤٧، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٢٥٦.\n(^٦) انظر: تفسير القرطبي: ١١/ ٢٤٥.\n(^٧) المعارج: ٩.\n(^٨) القارعة: ٥.\n(^٩) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٦٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٤٦٨.","vol":"1","page":681},{"text":"والكثرة تصير بهذه الصفات ثم يذهبها الله تعالى حتى يصبح لا أثر لها.\nقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (^٢).\n\" قال د. زغلول النجار -حفظه الله-: \"فإن عملية ما يحدث للجبال يوم القيامة هو عملية غيبية غيبة مطلقة، ولا يمكن للعلم الكسبي أن يقول فيها شيئًا على الإطلاق، ولولا ما توافر لنا من هدي خاتم الأنبياء والمرسلين - ﷺ - في وصف كيفيات ما يحصل لها ما كان ممكنًا لنا أن نخوض في أمور غائبة عنا غيبة مطلقة كهذه الأمور\" (^٣).\n_________\n(^١) النبأ: ٢٠.\n(^٢) التكوير: ٣.\n(^٣) تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ للدكتور زغلول النجار. موقع الدكتور زغلول النجار.\nhttp: //www.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=٦٦ e ٠٧٥٣٨١ fbee ٨ ee ٢٧٤٩٠ f ٩٩٢ ab ٣٣١٢ d","vol":"1","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>٣ - البحار:</span>\nمن المشاهد المهولة في يوم القيامة تغير البحار عن طبيعتها المعهودة لما يحصل لها من أمر الله تعالى وذلك بخرابها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^١).\nوقد ذكر المفسرون أقوالًا كثيرة لمعنى سجرت وكلها تعطي معنى للتغيرات العظيمة التي أرادها الله تعالى.\nفقيل معنى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أي أوقدت فصارت نارا تضطرم.\nوقيل: ملئت بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها.\nوقيل أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، وقيل فجرت فصارت بحرا واحدا.\nوقيل: هو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته.\nوقيل معنى سجرت: أنها صارت حمراء كالدم (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٣) \"أي فتح بعضها على بعض، عندما تسوى الأرض بعد زوال الجبال وتصبح قاعا صفصفا، يذهب البرزخ الحاجز، والحجر الذي كان يمنع الماء من الفيضان على الأرض، فتتدفق المياه على بعضها، وهي نار تضطرم فتوجف القلوب وتضطرب من هذا المشهد المروع\" (^٤).\n_________\n(^١) التكوير: ٦.\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٣٠، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٣٣١، وتفسير الشوكاني المعروف بفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، تحقيق: د. عبدالرحمن عميرة، دار الوفاء، المنصورة، ط ٢: ٥/ ٥١٦.\n(^٣) الانفطار: ٣.\n(^٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣٤١.","vol":"1","page":683},{"text":"أما النظرة العلمية المعاصرة فيقول د. زغلول النجار -حفظه الله- عن البحر المسجور: \"من المعاني اللغوية للبحر المسجور هو المملوء بالماء، والمكفوف عن اليابسة، وهو معنى صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة، كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين، ومن المعاني اللغوية لهذا القسم القرآني المُبهِر أيضا أن البحر قد أُوقد عليه حتى حمي قاعه فأصبح مسجورًا، وهو كذلك من الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين، والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبدًا، وهذا ما نفصله في الأسطر التالية:\nأولًا: \" ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (^١) بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة \" ...\nثم ذكر دورة تكوّن مياه الأرض، ثم قال: \"هذه الدورة المُحكَمة للمياه حول الأرض أدَّت إلى خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها، وإبقاء أقله على اليابسة، وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات، وبقيت نسبة ضئيلة على هيئة ماء عذب على اليابسة\".\nثم ذكر: \"أن الجليد المُتجمِّع فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال المُرتفِعة فوق سطحها إذا انصهر، وهذا لا يحتاج إلا إلى مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية، وإذا حدث ذلك فإن كم الماء الناتج سوف يؤدي إلى رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات إلى أكثر من مائة متر، فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان والمُمتدَّة حول شواطئ تلك البحار والمحيطات \".\n_________\n(^١) الطور: ٦.","vol":"1","page":684},{"text":"ثم قال: \"من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ بأن الله\n-تعالى- يمن علينا- وهو صاحب الفضل والمنة- بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات، وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة منذ خلق الإنسان، وذلك بحبس كميات من هذا الماء في هيئات مُتعدِّدة أهمها ذلك السُمْك الهائل من الجليد المُتجمِّع فوق قطبي الأرض وعلى قمم الجبال، والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي، وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي، ولولا ذلك لغطى ماء الأرض أغلب سطحها، ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية، والحيوانية، والنباتية، وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض، وفي إعدادها لكي تكون صالحة للعمران \".\nوقد ذكر عن الحمم التي في النار أن العلم أثبت\"سنة ١٩٦٢ أن قاع البحر يتسع من منتصفه، واتساع البحر صفة تلازم بحار العالم اليوم، وأحدث محيط وهو البحر الأحمر الذي يسمى المحيط الوليد (Baby Ocean) يتسع قاعه منذ نشأته باستمرار، ويبلغ معدل اتساعه السنوي حاليا ٤ - ٦ سم.\nوالمعروف بالمشاهدة أن الحمم تصعد، من تحت البحر، من عند الأماكن التي يتسع فيها البحر، وتبرد وتكون قاع البحار. ومن المؤكد أن تحت البحر نارًا، ومن المعلوم لدى علماء الجيولوجيا والبحار أن البحر الأحمر لم يكن له وجود في الزمن الماضي، وكانت أرض العرب وأرض أفريقية قطعة واحدة تشكل يابسة تسمى الأرض العربية النوبية، ثم خسفت الأرض عبر الخط الذي يمتد بمحاذاة منتصف البحر الأحمر الحالي. ومدت الأرض من هذا الموضع، وتصدعت وأخذ الخسف يكبر شيئا فشيئًا، وصاحبه هبوط الأرض، واتصل جوفها بسطحها، وصعدت الحمم من باطن الأرض، وبردت الحمم لتكون أول جزء من قاع البحر، وكانت تلك اللحظة","vol":"1","page":685},{"text":"شهادة ميلاد البحر. ومنذ تلك اللحظة والبحر يتسع باستمرار من منتصفه، ومنذ تلك اللحظة لا يتوقف صعود الحمم، ويظل البحر مسجورًا بالنار من منتصفه\" (^١).\nوقد ذكر كذلك الحقيقة المؤكدة أن قاع البحر مسجور، والدليل على ذلك حيد - حافة- وسط المحيط (^٢).\nوفي مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة\"أن قاع البحر يسجر بالنار عند المنطقة الناتجة من تباعد القطعتين، ولا يكون البحر بحرًا إلا إذا كانت حالته أنه مسجور.\nفالبحار مسجورة من منتصفاتها، ولكن بالقدر الذي يسمح لها بالوجود إلى أن يأتيها الأمر فتسجر وتفجر ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٣)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٤). وحينئذ ستمد الأرض مدًا من منتصفات قيعان البحار، وتصعد الحمم من عندها فتملأ البحر نارًا وحينئذ تسجر البحار، وتمد البحار من منتصفاتها فتخرج أثقال الأرض، وحينئذ تفجر البحار ويكون قد تحقق قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) \"والبحر المسجور\" للدكتور: زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار.\nwww.elnaggarzr.com/index.php؟ itm=f ١٧٥٨٥٩٢٧٨٣٩٣٦٠ a ٤٩ ife ٩٦٤٦٠٨٩٦٠٦٧\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) التكوير: ٦.\n(^٤) الانفطار: ٣.\n(^٥) الانشقاق: ٣ - ٥.\n(^٦) البحر المسجور واتساع قاع البحر، مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة، العدد (٢٧)، وموقع الهيئة.\nhttp: //www.eajaz.org/arabic/؟ option=com_content&amp;view=article&amp;id=٧٩٧&amp;catid=٨٥: ٢٧","vol":"1","page":686},{"text":"والتفسير الثاني للبحر المسجور: يقول الدكتور زغلول النجار: \"بمعنى القائم على قاع أحمته الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض فجعلته شديد الحرارة \" (^١).\nثم ذكر قيعان محيطات الأرض وما فيها وما يحصل لها وما ينتج منها من توسع وأنه \"يصاحب كل من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطي، واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية، والثورات والطفوح البركانية \" (^٢).\nثم ذكر تكون سلاسل من الصخور البركانية، وما يحصل من اندفاع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان وأنه\"مع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة يتسع قاع المحيط باستمرار، وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطيء المحيط يمنة ويسرة، ليحل محلها أحزمة أحدث عمرا تتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة، وتترتب بصورة متوازية علي جانبي أغوار المحيطات والبحار، ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المتسع بنصف معدل اتساعه الكلي تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه، وبذلك يمتليء محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المندفعة عبر مستويات الصدوع الممزقة لقاعه فتسجره، بينما\n_________\n(^١) والبحر المسجور للدكتور زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار.\nhttp: //www.eajaz.org/arabic/index.php؟ option=com_content&amp;view=article&amp;id=٢٤٣: --٦&amp;catid=١١٢: ٢٠١٠ - ٠٨ - ٢٤ - ٢٢ - ٣٤ - ٤١&amp;Itemid=٩٧\nوانظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ٣٠/ ٦٠٣.\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":687},{"text":"تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع، والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة ...\nبذلك ثبت لكل من علماء الأرض والبحار - بالأدلة المادية الملموسة - أن كل محيطات الأرض (بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي)، وأن أعدادا من بحارها (من مثل البحر الأحمر)، قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي، وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساسا في قيعان البحار والمحيطات\" (^١).\nوفي الختام يجب أن نعلم كما ذكرنا سابقا (^٢) \" أن يوم القيامة من الأمور الغيبية التي لا يصح الكلام فيها إلا بدليلٍ من الكتاب أو السنة .. كما أنّ الآخرة لا تنطبق عليها نواميس الدنيا .. فلها نواميس مختلفة، ولذلك لا يصح أن نطبق قوانين الدنيا على الآخرة .. وإنّما نصدق بما جاءنا عن رسولنا الكريم صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا .. ولا نخوض في أشياءٍ غيبية لا نعرفها .. لأن هذا من القول بغير علمٍ\" (^٣).\nوقد قال ﷾: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) المرجع السابق، وانظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ٣٠/ ٦٣.\n(^٢) ص: ٦٠٦.\n(^٣) موسوعة الإعجاز العلمي ليوسف الحاج: ٤٠٤.\n(^٤) الإسراء: ٣٦.","vol":"1","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:\nفقد انتهيت - بعون الله تعالى وتوفيقه - من إتمام هذا البحث وإكماله، وقد بذلت فيه جهدي وطاقتي.\nهذا ويمكن أن أجمل أهم النتائج والفوائد التي توصلت إليها في الأمور التالية:\n١ - أن بحث الآيات الكونية ودراستها وتعلمها وتعليمها من الأمور المهمة، فقد أمر الله بالنظر والتفكر فيها لأنه يقوي الإيمان في القلوب، ويؤدي إلى الإكثار من الأعمال الصالحة، والاستعداد للقدوم على الدار الآخرة.\n٢ - أهمية الإيمان بالغيب والتسليم والتصديق بالنصوص الشرعية، ودراسة الإعجاز العلمي وفق الضوابط الشرعية.\n٣ - التفريق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي.\n٤ - أن الأسباب لها مكانتها في الشريعة، فيجب فعل الأسباب مع الاعتماد وتفويض الأمر لله.\n٥ - أن الآيات الكونية السماوية والأرضية لها دلالتها العقدية في جميع أبواب العقيدة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر ومسائل الإيمان ولأسماء والأحكام وغيرها.\n٦ - معرفة الموقف العقدي الصحيح من التفسير العلمي للآيات الكونية","vol":"1","page":689},{"text":"في القرآن والسنة.\n٧ - استحالة التصادم بين الحقائق القرآنية والحقائق العلمية، فإذا حصل تعارض بين حقيقة قرآنية وما يعتقد أنه حقيقة علمية، فيجب تمحيص هذه الحقيقة العلمية، التي غالبا ما يثبت أنها ليست حقيقة، بل هي نظرية، وإن أي خلاف ناشئ فهو حتمًا ناتج من أحد الأمرين: إما جهل لغوي باللغة العربية .. وإما جهل علمي.\n٨ - معرفة الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية والاستفادة منه في تقرير العقيدة.","vol":"1","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>التوصيات</span>\n١ - تخصيص وأختيار أحد التفاسير أو كتب السنة واستخراج الدلالات العقدية التي ذكرها عن الآيات الكونية كتفسير ابن كثير أوتفسير الطاهر بن عاشور أو صحيح البخاري.\n٢ - تفصيل البحث في آية من الآيات الكونية وبيان دلالتها العقدية على جميع مسائل الإيمان، والتوسع في بحثها، وخصوصًا لمن لديه إلمام باللغات الأخرى وخصوصًا الإنجليزية، مثل الماء، أو الشمس أو الأرض أو غيرها.\n٣ - تكوين لجنة مختصة بفحص ومراجعة الكتابات والبحوث المتعلقة بالآيات الكونية فيما يتعلق بالمسائل العقدية.\n٤ - بيان دلالة الآيات الكونية على مسألة من المسائل العقدية، مثلًا دلالة الآيات الكونية على الإيمان بالملائكة، على الإيمان بالقدر ... إلخ.\n\nوفي الختام:\nأحمد الله تعالى وأشكره أن أعانني على إتمام هذا البحث وإخراجه بهذه الصورة التي أرجو أن أكون قد وفقت بها في عرضه، وبيان أهم جوانبه على الوجه المطلوب.\nأسأل الله ﵎ أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل واتباع كتابه وسنة نبيه - ﷺ -، وأن يجنبنا الزلل ومزالق الأهواء، وأن يأخذ بنواصينا لما فيه رضاه وسعادتنا في الدارين، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه به، وأن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":691},{"text":"الفهارس العامة\nوتشتمل على\n- فهرس المصادر والمراجع\n- فهرس الموضوعات","vol":"1","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١. ٧٠٠ فوهة بركانية حول المدينة المنورة ستكون فورتها من علامات الساعة، للدكتور زغلول النجار، موقع المدينة المنورة.\n٢. الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لأبي عبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة، تحقيق: الوليد بن سف نصر، دار الراية، الرياض، ط ١.\n٣. اتجاهات التفسير في العصر الراهن لعبد المجيد بن عبد السلام المحتسب، مكتبة النهضة الإسلامية، عمان، ط ٣.\n٤. اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣.\n٥. إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبدالله التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ٢.\n٦. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، تحقيق: عادل بن سعد والسيد بن محمود إسماعيل، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١\n٧. إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعبد الكريم بن علي النملة، دار العاصمة، الرياض، ط ١.\n٨. اتساع قاع البحر للدكتور زغلول النجار، مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة، العدد (٢٧)، وموقع الهيئة على شبكة الانترنت.\n٩. الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين لسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٨.\n١٠. أثر التدريس بالآيات القرآنية الكونية على التحصيل الدراسي لتدريس وحدة بمادة العلوم للصف الثاني متوسط لمحمد بن أحمد الغامدي، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير من كلية التربية، قسم المناهج وطرق التدريس، بجامعة أم القرى بمكة.\n١١. أثر القمرين في الأحكام الشرعية لعبد المجيد بن عبد الله اليحيى، رسالة لنيل درجة الماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود، المعهد العالي للقضاء، قسم الفقه المقارن.\n١٢. اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، تحقيق: عواد المعتق، دار الرشد، ط ٣.\n١٣. الأجزاء الكونية بين النقل والعقل لعبد العزيز آل عبد الله، مكتبة دار البيان، ط ١.\n١٤. الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان والأرض والفلك لأحمد بن حسن الحارثي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بكلية الحديث والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، مطبوعة بالحاسب الآلي.\n١٥. أحداث النهاية بين العلم والقرآن والسنة، للدكتور أحمد عوض عبدالهادي، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة على شبكة الانترنت.\n١٦. أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها وتطبيقاتها القضائية لأحمد بن عبد الله الفريح، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود، المعهد العالي للقضاء، قسم الفقه المقارن.\n١٧. أحكام القرآن لابن العربي، بتحقيق علي البجاوي، دار الجيل، بيروت.\n١٨. الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن محمد الآمدي، تعليق: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط ١.\n١٩. إحياء علوم الدين للغزالي، تحقيق: محمد خير طعمه حلبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١.\n٢٠. الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١.\n٢١. الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب، للشيخ عبد العزيز بن عبد الله باز، مكتبة الرياض الحديثة، ط ٣.\n٢٢. الأذكار للنووي، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، دار الهدى، الرياض، ط ٧.\n٢٣. أسباب النزول للواحدي، تحقيق: أحمد صقر، دار القبلة، جدة.\n٢٤. الاستذكار لابن عبد البر، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة، بيروت، ط ١.\n٢٥. الإسراء والمعراج لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، عمان، ط ٥.\n٢٦. أسرار البلاغة في علم البيان للجرجاني، تحقيق: محمد رشيد رضا وأسامة صلاح الدين منيمة، دار إحياء العلوم، بيروت، ط ١.\n٢٧. أسرار الشمس بين الوصف القرآني وحقائق علم الفلك الحديث، لصبحي رمضان فرج مدرس، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.","vol":"1","page":697},{"text":"٢٨. أسرار الكون بين العلم والقرآن لعبد الدائم الكحيل، موقع عبد الدائم الكحيل.\n٢٩. الإسلام في عصر العلم لمحمد فريد وجدي، الكتاب اللبناني، بيروت، ط ٣.\n٣٠. الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة وتحقيق: عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١.\n٣١. أسماء الله الحسنى لعبدالله الغصن، دار الوطن، الرياض، ط ١.\n٣٢. الأسماء والصفات للبيهقي، تحقيق: عبد الحاشدي، دار السوادي، جدة، ط ١.\n٣٣. الإشاعة لأشراط الساعة، لمحمد بن رسول البرزنجي، مع تعليقات المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، اعتنى به: حسين محمد علي شكري، دار المنهاج، جدة، ط ٣.\n٣٤. أشراط الساعة ليوسف الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢.\n٣٥. أشراط الساعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار لعبدالملك بن حبيب الأندلسي، تحقيق: عبدالله بن عبدالمؤمن القماري، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١.\n٣٦. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، القاهرة: ط ١.\n٣٧. أصول التفسير وقواعده لخالد بن عبد الرحمن العك، دار النفائس، بيروت ط ٢.\n٣٨. أصول الدين لأبي منصور عبدالقاهر البغدادي، دار صادر، بيروت، ط ١.\n٣٩. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين","vol":"1","page":698},{"text":"الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٥.\n٤٠. إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n٤١. الاعتصام للشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد، المنامة.\n٤٢. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: أحمد أبو العينيين، دار الفضيلة، الرياض، ط ١.\n٤٣. الإعجاز العلمي - الأرض وعلوم البحار- أ. د. محمد وليد كامل، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n٤٤. الإعجاز العلمي في السنة النبوية، لصالح رضا، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١.\n٤٥. الإعجاز العلمي في القرآن لسامي بن أحمد الموصلي، دار النفائس، بيروت، ط ١.\n٤٦. الإعجاز العلمي في لفظتي المريض والممرض في الأحاديث النبوية، لعبدالبديع حمزة زللي.\n٤٧. الإعجاز في طلوع الشمس من مغربها، لقسطاس إبراهيم، موقع جامعة الإيمان اليمنية.\n٤٨. أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي تحقيق: محمد بن سعد آل سعود، جامعة أم القرى، مكة، ط ١.\n٤٩. إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.","vol":"1","page":699},{"text":"٥٠. الأعلام لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط ١٥.\n٥١. اقتراب خروج المسيخ الدجال، لهشام كمال عبدالحميد، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١.\n٥٢. اكتشاف الآلية التي يؤثر بها قرين الإنسان من الشيطان عليه في الوسواس والسحر والتلبس والمس والأمراض النفسية والعلاج الناجح لكل ذلك من خلال أطعمة القرآن والرقية الشرعية والاستعاذة بالله، بحث خاص مقدم من مركز الأبحاث العلمية في مؤسسة الدكتور جميل القدسي الدويك لمؤتمر العلاج بالقرآن بين الدين والطب.\n٥٣. إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، القاهرة، ط ٣.\n٥٤. إكمال المعلم شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله الأبي، مكتبة طبرية.\n٥٥. الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، مصر، ط ٢.\n٥٦. الإمام المجدد والعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني لعمر أبو بكر، دار بيت الأفكار الدولية، عمّان.\n٥٧. الأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها، للدكتور: محمد البار، دار المنارة، جدة، ط ٢.\n٥٨. أمطار لا تُنبت لعبد الدائم الكحيل موقع عبد الدائم الكحيل للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n٥٩. إمعان في أقسام القرآن لعبد الحميد الفراهي، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٤٩.\n٦٠. إنه الحق، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة -مكة- ط ٤.","vol":"1","page":700},{"text":"٦١. الانهيار الكوني لعبدالدائم الكحيل، موقع د. عبدالدائم الكحيل.\n٦٢. أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي، تحقيق: محمد المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١.\n٦٣. الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث، لمنصور محمد حسب النبي، دار المعارف، القاهرة.\n٦٤. الآيات الكونية ودلالتها على وجود الله تعالى، لمحمد متولي الشعراوي، أشرف واعتنى به: أحمد الزغبي.\n٦٥. آيات الله في الكون - تفسير الآيات الكونية بالقرآن الكريم لعبد الله شحاته، دار نهضة مصر، القاهرة، ط ٥.\n٦٦. إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لمحمد بن إبراهيم المرتضى، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٧. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لأبي بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط ١.\n٦٨. الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة للشيخ صالح الفوزان، دار الوطن، الرياض، ط ١.\n٦٩. الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط ١.\n٧٠. البحر المحيط لأبي حيان، تحقيق: عادل عبد الموجود، وآخرون، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١.\n٧١. البحر المسجور للدكتور زغلول النجار، موقع د. زغلول النجار.\n٧٢. البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق: د. عبدالله التركي، دار عالم الكتب، الرياض، ط ١.\n٧٣. البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير","vol":"1","page":701},{"text":"لابن الملقن، تحقيق: مصطفى أبو الغيط وآخرين، دار الهجرة، الدمام، ط ١.\n٧٤. البراهين العقلية على وحدانية الرب ووجوه كماله لعبد الرحمن بن سعدي، تحقيق: باسل بن سعود الرشود، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n٧٥. البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية، لعبد المجيد العرجاوي، دار وحي القلم، دمشق، ط ١.\n٧٦. براهين وأدلة إيمانية لعبد الرحمن حسن حبنكه الميداني، دار القلم دمشق، ط ١.\n٧٧. البرق بين العلم والإيمان لعبد الدائم الكحيل، موقع د. عبدالدائم الكحيل.\n٧٨. بركان أيسلندا، للدكتور زغلول النجار، موقع الدكتور: زغلول النجار.\n٧٩. بركان عدن ونيران الحشر، لطارق عبده إسماعيل، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n٨٠. البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه الحجة والبرهان لبرهان الدين أبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني، تحقيق: أحمد عز الدين خلف الله، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط ١.\n٨١. البرهان في علوم القرآن لمحمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت.\n٨٢. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزير، لمحمد بن يعقوب الفيروزابادي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر، تحقيق: عبدالعليم الطحاوي.\n٨٣. بلدان الخلافة الشرقية لكي لسترنج، ترجمة بشير فرنيس وكوركس","vol":"1","page":702},{"text":"عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢.\n٨٤. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية، تصحيح: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، الرياض، ط ٢.\n٨٥. تاريخ الخلفاء للسيوطي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر.\n٨٦. تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق: أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، ط ٢.\n٨٧. التبيان في أقسام القرآن لابن القيم، تحقيق: محمد زهري النجار، المؤسسة السعيدية، الرياض.\n٨٨. تتمة أضواء البيان للشيخ عطية سالم، دار ابن تيمية القاهرة.\n٨٩. تحذير ذوي الفطن من عبث الخائضين في أشراط الساعة، لأبي عبدالله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، مكتبة السلف الصالح، جدة.\n٩٠. التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس.\n٩١. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري، تحقيق، عبد الرحمن محمد عثمان، دار ابن تيمية، القاهرة.\n٩٢. تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لفريح بن صالح البهلال، دار الأثر، ط ١.\n٩٣. تذكرة الحفاظ للذهبي، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية.\n٩٤. التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي: تحقيق: الصادق بن إبراهيم، دار المنهاج، ط ١.\n٩٥. التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي لعبد القادر عودة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٥.","vol":"1","page":703},{"text":"٩٦. التعريفات للجرجاني، تحقيق: محمد المرعشلي، دار النفائس، ط ٢.\n٩٧. التعليق العلمي على المنتخب في تفسير القرآن الكريم للجنة القرآن والسنة في المجلس العلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، دار الثقافة، الدوحة، ط ٨.\n٩٨. التعليق المختصر على القصيدة النونية لابن القيم، تعليق الشيخ صالح الفوزان، أشرف على الطبع: عبد السلام السليمان.\n٩٩. تغليق التعليق على صحيح البخاري للحافظ أحمد بن حجر، تحقيق: سعيد القزقي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n١٠٠. تفسير البحر المحيط لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١.\n١٠١. التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن، لحنفي أحمد، دار المعارف، مصر، ط ٣.\n١٠٢. التفسير العلمي للقرآن في الميزان لأحمد بن عمر أبو حجر، دار المدار الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n١٠٣. تفسير القرآن الحكيم، لمحمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٢.\n١٠٤. تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تقديم يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، ط ٢.\n١٠٥. تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله - ﷺ - والصحابة والتابعين لابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة، ط ٣.","vol":"1","page":704},{"text":"١٠٦. تفسير القرآن الكريم- سورة البقرة - للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n١٠٧. تفسير القرآن الكريم- سورة الحجرات إلى الحديد - للشيخ محمد بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n١٠٨. تفسير القرآن لمحمود شلتوت.\n١٠٩. تفسير القرآن من القرآن في دائرة العلم والعقل والواقع المحسوس، لأحمد فائق رشد، مطبعة النصر بالفجالة.\n١١٠. التفسير القيم لابن القيم جمع محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة.\n١١١. التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب للرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١.\n١١٢. التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب من القرآن الكريم المعروف بتفسير الفخر الرازى، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، دار إحياء التراث العربى.\n١١٣. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، لوهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط ٢.\n١١٤. التفسير الوسيط، لوهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط ٢.\n١١٥. تفسير جزء عمّ لمحمد عبده.\n١١٦. تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ للدكتور زغلول النجار. موقع الدكتور زغلول النجار.\n١١٧. تفسير قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ للدكتور زغلول النجار. موقع الدكتور زغلول النجار.\n١١٨. التفسير والمفسرون لمحمد بن حسين الذهبي.","vol":"1","page":705},{"text":"١١٩. التفسير: نشأته - تدرجه - تطوره لأمين الخولي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط ١.\n١٢٠. تقريب التدمرية للشيخ محمد بن عثيمين، دار الوطن، الرياض، ط عام ١٤٢٤.\n١٢١. تقرير القواعد وتحرير الفوائد لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن القيم، الدمام، ط ١.\n١٢٢. تقويم الأعمال التي تناولت الإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية لأحمد أبو الوفاء عبد الآخر، ضمن بحوث ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية، عام ١٤٢٥، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، مطبوع بالحاسب الآلي.\n١٢٣. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي، تحقيق: سعيد أعراب.\n١٢٤. التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام لعبد المجيد بن سالم المشعبي، مكتبة ابن القيم، المدينة، ط ١.\n١٢٥. تنزيه الشريعة المرفوعة لعلى بن محمد بن العراق الكتاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢.\n١٢٦. تهذيب السنن لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n١٢٧. تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي، تحقيق: بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١.\n١٢٨. تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، تحقيق: علي حسن هلالي وآخرون.","vol":"1","page":706},{"text":"١٢٩. توحيد الخالق لعبد المجيد الزنداني.\n١٣٠. التوصيات الصادر عن المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n١٣١. تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٧.\n١٣٢. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان المعروف بتفسير ابن سعدي، اعتنى به سعد بن فواز الصميل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n١٣٣. تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القران لعبد الرحمن بن سعدي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، ط ١.\n١٣٤. التيسير بشرح الجامع الصغير لمحمد عبد الرؤوف المناوي، مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، ط ٣.\n١٣٥. تيسير لمعة الاعتقاد لعبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، الرياض، ط ١.\n١٣٦. جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١.\n١٣٧. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تحقيق: أحمد البردوني.\n١٣٨. الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين لوليد بن أحمد الحسين، سلسلة إصدارات مجلة الحكمة، لندن، ط ١.\n١٣٩. الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، جمع","vol":"1","page":707},{"text":"محمد عزير شمس وعلي العمران، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١.\n١٤٠. جريان الشمس وسكون الأرض لخالد بن صالح الغيص موقع الإسلام اليوم.\n١٤١. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، تحقيق: علي الألمعي وآخرون، دار الفضيلة، الرياض، ط ١.\n١٤٢. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، تحقيق: محمد جميل غازي، مطبعة المدني.\n١٤٣. جواهر القرآن للغزالي، مكتبة الجندي.\n١٤٤. الجواهر في تفسير القرآن الكريم لطنطاوي جوهري. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٤.\n١٤٥. حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المطبوع ضمن عون المعبود.\n١٤٦. حاشية مسند الإمام أحمد لأبي الحسن محمد السندي، تحقيق: نور الدين طالب، وزارة الأوقاف القطرية، ط ١.\n١٤٧. الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني، تحقيق: محمد المدخلي ومحمد أبو رحيم، دار الراية، الرياض، ط ٢.\n١٤٨. حكم تفسير القرآن بنظريات علمية حديثة للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، مقال ضمن مجلة الدعوة، العدد (١٤٤٧)، محرم ١٤٢١.\n١٤٩. حماية المجتمع المسلم من الانحراف الفكري د. عبد الله الزايدي، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، العدد (٧٧).\n١٥٠. حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه لمحمد بن إبراهيم الشيباني، من منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت.","vol":"1","page":708},{"text":"١٥١. حياة النبات في ضوء القرآن والسنة والعلم الحديث، لكمال الدين البتانوني، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n١٥٢. خلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن الكريم بين المجيزين والمانعين لمحمد الأمين ولد الشيخ، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n١٥٣. الدر المنثور في التفسير المأثور لجلال الدين السيوطي، ت: عبد الله التركي، دار هجر، ط ١.\n١٥٤. درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض ط ٢.\n١٥٥. درة التنزيل وغرة التأويل الخطيب الإسكافي، تحقيق: محمد مصطفى آيدين، معهد البحوث العلمية، جامعة أم القرى، ط ١.\n١٥٦. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، دار أم القرى، القاهرة.\n١٥٧. دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد الله بن صالح الغصن، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n١٥٨. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١.\n١٥٩. دلائل النبوة لأبي بكر أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق: عبد المعطي القلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١.\n١٦٠. دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ت: محمد رواس قلعجي، وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، ط ٣.\n١٦١. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد بن علان الصديقي،","vol":"1","page":709},{"text":"اعتنى به: سمير خالد الرجب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١.\n١٦٢. الديباج المذهب لمعرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة، ط ٢.\n١٦٣. الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، دار ابن عفان، الخبر، ط ١.\n١٦٤. الدين والعلم، وهل ينافي الدين العلم؟ لمصطفى الغلاييني، المكتبة العصرية، بيروت.\n١٦٥. الذخيرة للقرافي، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب، بيروت.\n١٦٦. ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ط ١.\n١٦٧. ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، دار المعرفة، بيروت.\n١٦٨. الرد على الجهمية لأبي سعيد عثمان الدارمي، تحقيق: بدر البدر، دار ابن الأثير، الكويت، ط ٢.\n١٦٩. الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: علي العمران، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١.\n١٧٠. الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، مؤسسة الريان، بيروت، ط ١.\n١٧١. الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، دار العبيكان، ط ٨.\n١٧٢. رسالة التوحيد لمحمد عبده.\n١٧٣. رسالة الفرقان بين الحق والباطل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، دار الفكر، بيروت.\n١٧٤. رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى لشيخ الإسلام ابن تيمية،","vol":"1","page":710},{"text":"ضمن جامع الرسائل لابن تيمية، المجموعة الأولى، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط ١.\n١٧٥. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود الألوسي أبو الفضل، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٧٦. روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي، إشراف زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣.\n١٧٧. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار المغني، الرياض، ط ١.\n١٧٨. روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للشيح محمد بن عثمان القاضي، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط ٢.\n١٧٩. الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين لسهل بن رفاع العتيبي، كنوز أشبيليا، الرياض، ط ١.\n١٨٠. رؤية الله في المنام لعمر إبراهيم، دار ابن الجوزي، عمان.\n١٨١. زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤.\n١٨٢. زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الرسالة بيروت، ط ١.\n١٨٣. زلازل جزيرة العرب في المصادر الإسلامية (منذ القرن الأول حتى القرن الحادي عشر الهجري/القرن السابع حتى القرن السابع عشر الميلادي) لخالد يونس الخالدي، مجلة الجامعة الإسلامية- سلسلة الدراسات الإنسانية-المجلد السابع عشر، العدد الأول.\n١٨٤. الزلازل حقيقتها وآثارها للدكتور: شاهر جمال آغا، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.","vol":"1","page":711},{"text":"١٨٥. الزلازل، لإبراهيم طربيه، مجلة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، العدد ٢٢.\n١٨٦. زلزال المحيط الهندي ٢٠٠٤ رؤية إيمانية، للدكتور حسني الدسوقي، مجلة الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، العدد ٢٠.\n١٨٧. سبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني.\n١٨٨. السلسلة الصحيحة للألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١.\n١٨٩. سمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم للشيخ ناصر الماجد، موقع ملتقى أهل التفسير على الشبكة العنكبوتية، ١٤٢٥.\n١٩٠. السماوات السبع، للدكتور محمد جمال الدين الفندي.\n١٩١. السنة لأحمد بن محمد بن هارون الخلال، تحقيق: عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط ١.\n١٩٢. السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٤.\n١٩٣. السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٣، مصورة عن دائرة المعارف العثمانية.\n١٩٤. السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم لأحمد بن عبد الفتاح ضليمي، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد (١١١).\n١٩٥. سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١.\n١٩٦. شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ط ١.\n١٩٧. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للألكائي، تحقيق: أحمد الحمدان، دار طيبة، الرياض.","vol":"1","page":712},{"text":"١٩٨. شرح الأربعين النووية لابن عثيمين، دار الثريا، الرياض، ط ١.\n١٩٩. شرح التدمرية للشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك، إعداد: عبالرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، ط ١.\n٢٠٠. شرح السنة للبغوي، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٠١. شرح العقيدة الواسطية من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم، كتبها ورتبها: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم.\n٢٠٢. شرح الكوكب المنير لمحمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، مكة، ١٤٠٠.\n٢٠٣. الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: .\n٢٠٤. شرح النووي على صحيح مسلم، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧.\n٢٠٥. شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول لأحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: محمد الشاغول، المكتبة الأزهرية، القاهرة، ٢٠٠٥ م.\n٢٠٦. شرح رياض الصالحين، للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، مدار الوطن، الرياض، طبعة عام ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٧. شرح سنن أبي داود للشيخ عبدالمحسن العباد، مطبوع بالحاسب الآلي.\n٢٠٨. شرح صحيح البخاري لابن بطال، تحقيق: ياسر إبراهيم، مكتبة الرشد.\n٢٠٩. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبدالله بن محمد","vol":"1","page":713},{"text":"الغنيمان، دار العاصمة، الرياض، ط ٢.\n٢١٠. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، للشيخ عبدالعزيز الراجحي، مطبوع بالحاسب الآلي.\n٢١١. شرح مشكل الآثار للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢.\n٢١٢. شعب الإيمان للبيهقي، تحقيق: عبد العلي حامد، الدار السلفية، بومباي، ط ١.\n٢١٣. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم، تحقيق: مصطفى أبو النصر الشلبي، مكتبة السوادي، جدة، ط ٢.\n٢١٤. الشواهد والنصوص من كتاب الأغلال على ما فيه من زيغ وكفر وضلال بالعقل والنقل لمحمد بن عبد الرزاق حمزة، نشر: عبد الله محمد بابا الشنقيطي.\n٢١٥. شوائب التفسير في القرن الرابع عشر، لعبدالرحيم فارس أبو علبة، رسالة دكتوراه بكلية الشريعة التابعة لدار الفتوى بلبنان، جامعة بيروت الإسلامية، مطبوعة بالحاسب الآلي.\n٢١٦. الصحاح للجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٤.\n٢١٧. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣.\n٢١٨. الصحيح المسند من دلائل النبوة، لمقبل بن هادي الوادعي، دار ابن تيمية، القاهرة، ط ٢.\n٢١٩. صحيح سنن أبي داود للألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط ١.","vol":"1","page":714},{"text":"٢٢٠. صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية، استانبول، ط ١.\n٢٢١. صحيح وضعيف الجامع الصغير للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣.\n٢٢٢. صراع مع الملاحدة حتى العظم لعبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، ط ٤.\n٢٢٣. صفة المنافق لجعفر بن محمد الفريابي، تحقيق: بدر البدر، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، ط ١.\n٢٢٤. الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة، للشيخ حمود التويجري، ط ١.\n٢٢٥. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، تحقيق: علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط ٣.\n٢٢٦. طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، دار هجر، القاهرة، ط ٢.\n٢٢٧. طرح التثريب في شرح التقريب، للحافظ العراقي، دار أم القرى، القاهرة.\n٢٢٨. طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١.\n٢٢٩. عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٣٠. عالم الغيب والشهادة لعثمان جمعة ضميرية، دار السوادي، جدة، ط ١.\n٢٣١. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر، دار النفائس، ط ١٢.","vol":"1","page":715},{"text":"٢٣٢. عالم فقدته الأمة لمحمد بن سعد الشويعر، ط ١.\n٢٣٣. العبر في خبر من غبر لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت.\n٢٣٤. عبودية الكائنات لرب العالمين لفريد إسماعيل التوني، مكتبة الضياء، جدة، ط ١.\n٢٣٥. العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n٢٣٦. عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات لزكريا بن محمد القزويني، بعناية سوزان مبارك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٦.\n٢٣٧. العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: رضاء المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، ط ١.\n٢٣٨. العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: أشرف عبد المقصود، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١.\n٢٣٩. العلم للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين، إعداد: فهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط ١.\n٢٤٠. علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام، دار العاصمة، الرياض، ط ٢.\n٢٤١. علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب، دار الشواف، الرياض، ط ٤.\n٢٤٢. العلو للعلي الغفار وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها، لمحمد بن أحمد الذهبي، ت: عبد الله البراك، دار الوطن، الرياض، ط ١.\n٢٤٣. عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مصورة عن الطبعة المنيرية.","vol":"1","page":716},{"text":"٢٤٤. عمل اليوم والليلة، للنسائي، تحقيق: د. فاروق حمادة، دار الكلم الطيب، دمشق، ط ١.\n٢٤٥. عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم لمحمد السيد راضي جبريل، ضمن بحوث ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤٢١.\n٢٤٦. العهود المحمدية لعبد الوهاب الشعراني.\n٢٤٧. العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لمحمد بن إبراهيم ابن الوزير، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣.\n٢٤٨. عودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا. م. جمال عبدالمنعم الكومي، مجلة الهيئة العلمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة- العدد (٦).\n٢٤٩. عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة\n٢٥٠. غربة الإسلام، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ت: عبد الكريم التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ١.\n٢٥١. فتاوى الشيخ صالح الفوزان، مجلة الدعوة العدد (٢٠٠٩)، ٤ شعبان ١٤٢٦ هـ.\n٢٥٢. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد الدويش، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٣.\n٢٥٣. فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، تعليق: الشيخ عبد العزيز بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر.","vol":"1","page":717},{"text":"٢٥٤. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني، تحقيق: د. عبدالرحمن عميرة، دار الوفاء، المنصورة، ط ٢.\n٢٥٥. فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبدالرحمن بن حسن، تحقيق الوليد الفريان، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١١.\n٢٥٦. فرق الشيعة للحسن النوبختي، تحقيق: محمد آل بحر العلوم، المكتبة الأزهرية، القاهرة.\n٢٥٧. الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن قاهر البغدادي، تحقيق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، ط ٢.\n٢٥٨. الفرقان في بيان إعجاز القرآن لعبد الكريم بن صالح الحميد، ط ١.\n٢٥٩. الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، المطبعة الأدبية، ط ١.\n٢٦٠. فصل في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع لابن تيمية، ضمن جامع المسائل،، تحقيق: عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١.\n٢٦١. فقه الأدعية والأذكار، لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١.\n٢٦٢. الفلسفة القرآنية لعباس محمود العقاد، دار نهضة مصر، القاهرة.\n٢٦٣. الفلك وعلاقته بالعقيدة في الكتاب والسنة لعبد الله بن محمد الأنصاري، بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة.\n٢٦٤. فهرس الأحاديث الكونية والطبية، إعداد الشيخ: أبو الأشبال صغير أحمد شاغف، والشيخ: إسماعيل القرشي، مطبوع بالحاسب الآلي: ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":718},{"text":"٢٦٥. فهرس الآيات الكونية في القرآن الكريم من إعداد الهيئة العالمية للإعجاز العلمي بمكة المكرمة، مطبوع بالحاسب الآلي.\n٢٦٦. الفوائد لابن القيم، تحقيق: أحمد راتب عرموش، دار النفائس، بيروت، ط ٦.\n٢٦٧. فيض القدير بشرح الجامع الصغير للمناوي، دار المعرفة.\n٢٦٨. قاموس الجغرافيا لمجموعة من الأساتذة بإشراف علي لبيب، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط ١.\n٢٦٩. القاموس المحيط للفيروزآبادي، تحقيق: الشيخ يوسف البقاعي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥.\n٢٧٠. قانون التأويل لابن العربي، تحقيق: محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n٢٧١. القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم - دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة لموريس بوكاي، دار المعارف، لبنان، ط ٤.\n٢٧٢. القرآن وإعجازه العلمي، لمحمد إسماعيل إبراهيم.\n٢٧٣. قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن لنديم الجسر، لبنان.\n٢٧٤. قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بين المؤيد والمعارض للدكتور زغلول راغب النجار، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، الأردن، ط ١.\n٢٧٥. القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للسخاوي تحقيق: محمد العقيل، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١.\n٢٧٦. القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن لعبد الرحمن بن سعدي، اعتنى به خالد بن عثمان السبت، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n٢٧٧. قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه، للأستاذ","vol":"1","page":719},{"text":"الدكتور: عبدالله بن عبدالعزيز المصلح، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط ١.\n٢٧٨. القول المفيد في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢.\n٢٧٩. القول في علم النجوم لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: يوسف السعيد، أطلس، ط ١.\n٢٨٠. قيام الساعة كما يرأها العلم الحديث لعمر بن محمود الراوي، دار وحي القلم، دمشق، ط ١.\n٢٨١. كبرى اليقينيات الكونية لمحمد بن سعيد البوطي، دار الفكر، بيروت، دمشق.\n٢٨٢. كتاب التوحيد لابن منده تحقيق: علي الفقيهي، دار الغرباء، المدينة، ط ٢.\n٢٨٣. كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ﷿ - لأبي بكر بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: د. عبد العزيز الشهوان، دار الرشد، الرياض، ط ١.\n٢٨٤. كتاب الزهد للإمام أحمد، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١.\n٢٨٥. كتاب المطر والرعد والبرق والريح لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، تحقيق: محمد العمودي، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١.\n٢٨٦. كتاب النور في الرد على من قال أن الشمس ثابتة والأرض حولها تدور لمحمد اليحيا، ط ٣.\n٢٨٧. كسوف الشمس بين التخويف والتزييف لذياب بن سعد الغامدي، مكتبة المزيني، الطائف، ط ١.\n٢٨٨. كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور البهوتي، تحقيق: إبراهيم","vol":"1","page":720},{"text":"أحمد عبد الحميد، دار عالم الكتب، الرياض، ط عام ١٤٢٣.\n٢٨٩. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٩٠. كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس لإسماعيل بن محمد العجلوني، تصحيح: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، ط ٢.\n٢٩١. كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة للسيوطي، ت: عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة، ط ١.\n٢٩٢. كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن، الرياض.\n٢٩٣. الكشف والبيان، لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١.\n٢٩٤. الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، ط ١.\n٢٩٥. الكليات لأبي البقاء أيوب الكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢.\n٢٩٦. الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبدالعزيز السلمان، ط ١٣.\n٢٩٧. الكون والإنسان في التصور الإسلامي لحامد صادق قنيجي، مكتبة الفلاح، الكويت، ط ١.\n٢٩٨. الكون والرؤية العلمية في القرآن والأديان السماوية الأخرى -","vol":"1","page":721},{"text":"دراسة مقارنة، رسالة ماجستير إعداد الطالب: أشرف أحمد محمد محمد عماشة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة، مطبوع بالحاسب الآلي.\n٢٩٩. اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ، تحقيق: عادل رفاعي، دار العاصمة، الرياض، ط ١.\n٣٠٠. لباب التأويل في معاني التنزيل لعلي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩.\n٣٠١. لسان العرب، لابن منظور، تحقيق: عبد الله الكبير وآخرون، دار المعارف.\n٣٠٢. لقاءات الباب المفتوح للشيخ محمد بن عثيمين: ٥١ - ٦٠، دار الوطن، الرياض.\n٣٠٣. لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير لمحمد بن لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣.\n٣٠٤. لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة المقدسي، تحقيق: بشير عيون، دار البيان، دمشق، ط ٢.\n٣٠٥. الله لعباس محمود العقاد.\n٣٠٦. ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة بالبرهان لمحمود شكري الألوسي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n٣٠٧. مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، مكتبة المعارف، الرياض، ط ٣.\n٣٠٨. مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لعبد الحميد بن باديس، نشر وزارة الشؤون الدينية الجزائرية.","vol":"1","page":722},{"text":"٣٠٩. مجلة الرسالة - القاهرة، العدد (٤٠٧)، (٤٠٨) من السنة التاسعة، إبريل سنة ١٩٤١.\n٣١٠. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، العدد ٧.\n٣١١. مجمع الزوائد للهيثمي، تحقيق: عبد الله الدويش، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤.\n٣١٢. مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع الشيخ: عبد الرحمن بن قاسم، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤١٢.\n٣١٣. مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، جمع: عبد الرحمن بن قاسم، ط ٢.\n٣١٤. مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن عثيمين لفهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط ٢.\n٣١٥. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبدالعزيز بن باز، جمع: محمد الشويعر، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٣.\n٣١٦. محاسن التأويل للقاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت.\n٣١٧. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لعبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: الرحالة الفاروق وآخرون، وزارة الأوقاف القطرية، الدوحة، ط ٢.\n٣١٨. مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم اختصره محمد بن الموصلي، تحقيق: الحسن العلوي، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١.\n٣١٩. مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي، أختصره أحمد بن علي المقريزي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢.","vol":"1","page":723},{"text":"٣٢٠. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء.\n٣٢١. المدخل لابن الحاج، مكتبة دار التراث.\n٣٢٢. المدهش لابن الجوزي، ت: فتحي الجندي، دار الكوثر، الرياض، ط ١.\n٣٢٣. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان ملاء القاري، تحقيق: جمال عيتاني، المكتبة العلمية، بيروت، ط ١.\n٣٢٤. مروج وأنهار أرض العرب في الماضي والمستقبل، دراسة في الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، للأستاذ الدكتور علي صادق، ضمن بحوث المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n٣٢٥. مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود، تحقيق: طارق عوض الله، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١.\n٣٢٦. المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط ١.\n٣٢٧. مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، ط ١.\n٣٢٨. مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم أسد، دار الثقافة العربية، بيروت، ط ٢.\n٣٢٩. المسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١.\n٣٣٠. مسند البزار، لأبي بكر أحمد بن عمرو البزار، تحقيق: عادل بن سعد، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط ١.\n٣٣١. مسند الحميدي، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث،","vol":"1","page":724},{"text":"دمشق، ط ٢.\n٣٣٢. مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري، إدارة البحوث الإسلامية والدعوة والإفتاء بالجامعة السلفية - الهند.\n٣٣٣. مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها لعبد الله القصيمي، المجلس العلمي السلفي، باكستان، ط ١.\n٣٣٤. المصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: حمد الجمعة ومحمد اللحيدان، دار الرشد، الرياض، ط ١.\n٣٣٥. المصنف لابن أبي شيبة، تحقيق: محمد عوامة، دار القبلة، جدة، ط ١.\n٣٣٦. المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢.\n٣٣٧. مطلع الشمس من مغربها، هل هناك إشارات علمية لذلك، للدكتور عبدالكحيل الدائم، موقع: د. عبدالدائم الكحيل.\n٣٣٨. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (في التوحيد)، للشيخ حافظ الحكمي، تحقيق: عمر أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ٣.\n٣٣٩. معارج الوصول لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى.\n٣٤٠. المعالم الأثرية في السنة النبوية لمحمد بن محمد حسن شراب، دار القلم، دمشق، ط ١.\n٣٤١. معالم التنزيل لأبي محمد الحسين البغوي، تحقيق: محمد النمر وآخرون، دار طيبة، الرياض، ط ١.","vol":"1","page":725},{"text":"٣٤٢. معالم السنن للخطابي، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n٣٤٣. معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى، لمحمد بن خليفة التميمي، دار إيلاف، ط ١.\n٣٤٤. المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل لعبد الفتاح إبراهيم سلامه، مطبوع بالحاسب الآلي.\n٣٤٥. المعجزة العلمية في القرآن والسنة لعبد المجيد الزنداني، ضمن كتيب تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أبحاث المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n٣٤٦. المعجزة القرآنية - الإعجاز العلمي والغيبي لمحمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣.\n٣٤٧. المعجم الأوسط للطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥.\n٣٤٨. معجم البلدان لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ط ٢.\n٣٤٩. المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، دار الرشد، الرياض، ط ٢.\n٣٥٠. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، ط ٤.\n٣٥١. معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط ٣.\n٣٥٢. معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي وبيان ما ألف فيها لعبد الله بن محمد الحبشي، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط ١.","vol":"1","page":726},{"text":"٣٥٣. المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، القاهرة.\n٣٥٤. المعجم الوسيط، قام بإخراجه إبراهيم مصطفى وآخرون، مجمع اللغة العربية، ١٣٨٠.\n٣٥٥. معجم مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ١٤٢٠.\n٣٥٦. معرفة السنن والآثار للبيهقي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الوفاء، القاهرة، ط ١.\n٣٥٧. المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في إحياء علوم الدين من أخبار- للحافظ العراقي، المطبوع مع إحياء علوم الدين.\n٣٥٨. المغني لابن قدمة، تحقيق: عبد الله التركي، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٤.\n٣٥٩. مفتاح دار السعادة لابن القيم، طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.\n٣٦٠. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة لابن القيم، تحقيق: عصام الدين الصبابطي.\n٣٦١. مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داودي، دار القلم، دمشق، ط ٢.\n٣٦٢. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن علي القرطبي، تحقيق: محي الدين مستو وآخرون، دار ابن كثير، بيروت، ط ١.\n٣٦٣. مفهوم ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ للأستاذ خالد بن حمزة مدني، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ومجلة الهيئة، العدد (١٩).\n٣٦٤. مقارنة بين أسلوب الحديث النبوي وأسلوب القرآن الكريم","vol":"1","page":727},{"text":"مصطفى أحمد الزرقا، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، العدد، عام ١٣٩٥.\n٣٦٥. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٤.\n٣٦٦. مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.\n٣٦٧. مقدمة ابن خلدون لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار نهظة مصر، القاهرة، ط ٤.\n٣٦٨. الملل والنحل، تحقيق: محمد فتح الله بدران، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١.\n٣٦٩. من آيات الإعجاز في القرآن الكريم- جمع الشمس والقمر- للدكتور: زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار.\n٣٧٠. من بلاغة القرآن في التعبير بالغدو والآصال والعشي والإبكار، إعداد: الدكتور محمد محمد عبد العليم دسوقي.\n٣٧١. من معالم المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية لهاني بن عبد الله الجبير، مجلة البيان، الرياض، ١٤٢٩.\n٣٧٢. مناهج البحث العلمي لعبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط ٣.\n٣٧٣. مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر لعبد الرحمن بن زيد الزنيدي، دار اشبيليا، الرياض، ط ١.\n٣٧٤. مناهج البحث في العقيدة ليوسف بن محمد السعيد، ضمن مجلة الدراسات العربية، كلية دار العلوم جامعة المنيا، العدد (٧)، ٢٠٠٢.","vol":"1","page":728},{"text":"٣٧٥. مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد بن عبد العظيم الزرقاني، تحقيق: فواز زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣.\n٣٧٦. المنتقى شرح موطأ مالك للقاضي سليمان الباجي، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١.\n٣٧٧. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط ١.\n٣٧٨. المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، تحقيق: حلمي فودة، دار الفكر.\n٣٧٩. منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية، لسعود بن عبد العزيز العريفي، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (١٩)، العدد (٤٣)، ذو الحجة ١٤٢٨.\n٣٨٠. منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية لليلى بنت صالح الزامل، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوارة من كلية التربية للبنات بجدة، مطبوعة بالحاسب الآلي.\n٣٨١. منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١.\n٣٨٢. المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي، أختصره محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، دار الوطن، الرياض.\n٣٨٣. المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي، تحقيق حامد إبراهيم أحمد، ومحمد العقبي، مطبعة الإمام، مصر.\n٣٨٤. الموافقات لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، دار ابن القيم، الدمام، ط ١.","vol":"1","page":729},{"text":"٣٨٥. موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث للأستاذ عبدالرحيم مارديني، دار المحبة، بيروت.\n٣٨٦. موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليوسف الحاج أحمد، مكتبة ابن حجر، دمشق، ط ١٢.\n٣٨٧. الموسوعة العربية العالمية، إعداد مجموعة من الباحثين، مؤسسة أعمال المؤسسة للنشر والتوزيع، ط ٢.\n٣٨٨. الموسوعة العربية الميسرة إشراف محمد شفيق غربال، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مصورة عن طبعة ١٩٦٥.\n٣٨٩. الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف الكويتية، ط ١.\n٣٩٠. الموسوعة الفلكية الحديثة، لعماد مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط ١.\n٣٩١. الموسوعة الفلكية لفايجرت، وتسمرمان، ترجمة: عبد القوي عياد، ومحمد جمال الدين الفندي.\n٣٩٢. الموسوعة الكونية الكبرى لماهر ابن أحمد الصوفي، المكتبة العصرية، بيروت، ط ١.\n٣٩٣. الموطأ، لمالك بن أنس، تحقيق: كلال حسن علي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١.\n٣٩٤. موقف أهل السنة والجماعة من تنزيل نصوص الفتن وأشراط الساعة على الحوادث، السفياني أنموذجًا، إعداد: زاهر بن محمد الشهري، رسالة ماجستير، في قسم الثقافة الإسلامية، كلية التربية، جامعة الملك سعود، مطبوعة بالحاسب الآلي.\n٣٩٥. نار من أرض الحجاز، للدكتور: زغلول النجار، موقع الدكتور زغلول النجار.","vol":"1","page":730},{"text":"٣٩٦. النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. عبد العزيز الطويان، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١.\n٣٩٧. نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، لابن حجر، تحقيق: حمدي السلفي، دار ابن كثير، دمشق، ط ١.\n٣٩٨. نزهة الأعين النواظر في علم الأشباه والنظائر لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق: محمد بن عبد الكريم الراضي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣.\n٣٩٩. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لأبي الحسن إبراهيم البقاعي، تحقيق: محمد ابن عمران الأعظمي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية.\n٤٠٠. نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن لمساعد بن سليمان الطيار، موقع ملتقى أهل التفسير.\n٤٠١. نقض النظريات الكونية، لمحمد بن عبدالله الإمام، دار الآثار، صنعاء، ط ١.\n٤٠٢. النكت والعيون لعلي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٠٣. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير المبارك ابن محمد الجزري، تحقيق: طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت.\n٤٠٤. هداية الحيران في مسألة الدوران لعبد الكريم الحميد، ط ٢.\n٤٠٥. هذا هو الإسلام لمحمد متولي الشعراوي، الدار المصرية للنشر، ١٩٨٧.\n٤٠٦. الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز لأبي عبد الله الحسين بن محمد الدمغاني، تحقيق: محمد حسن الزّفيتي، طبعة وزارة الأوقاف","vol":"1","page":731},{"text":"المصرية، القاهرة، عام ١٤١٦.\n٤٠٧. الوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١٠.\n٤٠٨. الوسائل المفيدة للحياة السعيدة للشيخ: عبد الرحمن بن سعدي، طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط ٤.\n٤٠٩. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.\n\nمواقع انترنت\n٤١٠. منتدى الأصلين - وهو منتدى أشعري-: www.aslein.net .\n٤١١. موقع الإسلام اليوم: www.islamtoday.net.\n٤١٢. موقع التصوف روح الإسلام للفرقة الشاذلية: www.shazly.com.\n٤١٣. موقع الدكتور زغلول النجار: www.elnaggarzr.com.\n٤١٤. موقع الشيخ عبد الرحمن البراك: http: //albrrak.net.\n٤١٥. موقع الطريقة الشاذلية الدرقاوية: www.shazellia.com.\n٤١٦. موقع المدينة المنورة: www.madenah-manawara.com.\n٤١٧. موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا: www.wikipedia.org.\n٤١٨. موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة بمكة www.eajaz.org.\n٤١٩. موقع جامعة الإيمان: www.jameataleman.org.","vol":"1","page":732},{"text":"٤٢٠. موقع عبد الدائم الكحيل للإعجاز العلمي في القرآن والسنة: www.kaheel ٧.com.\n٤٢١. موقع ملتقى أهل التفسير: www.tafsir.net.\n٤٢٢. موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: www.quran-m.com.","vol":"1","page":733}]}