{"ً":{"ٌ":11521,"ٍ":"المقدمات الأساسية في علوم القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/المقدمات الأساسية في علوم القرآن - الجديع - ط مركز البحوث الإسلامية","files":["56528.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المقدمات الأساسية في علوم القرآن\nالمؤلف: عبد الله بن يوسف بن عيسى بن يعقوب اليعقوب الجديع العنزي\nالناشر: مركز البحوث الإسلامية ليدز - بريطانيا\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م\nعدد الصفحات: ٥٩١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1920,"ٕ":4,"ٖ":1770155768,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة]","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":5},{"title":"القرآن وإعجازه","level":2,"page":5},{"title":"تعريف القرآن","level":2,"page":5},{"title":"أسماء القرآن","level":2,"page":8},{"title":"تعريف السورة والآية","level":2,"page":9},{"title":"القرآن المعجزة الباقية","level":2,"page":10},{"title":"أنواع الإعجاز في القرآن","level":2,"page":14},{"title":"النوع الأول: الإعجاز اللغوي","level":3,"page":15},{"title":"النوع الثاني: الإعجاز الإخباري","level":3,"page":19},{"title":"النوع الثالث: الإعجاز التشريعي","level":3,"page":24},{"title":"النوع الرابع: الإعجاز العلمي","level":3,"page":25},{"title":"المقدمة الأولى نزول القرآن","level":1,"page":28},{"title":"الفصل الأول: كيفية نزول القرآن","level":2,"page":29},{"title":"المبحث الأول: كيف أنزل القرآن؟","level":3,"page":29},{"title":"المبحث الثاني: حكمة التنزيل مفرقا","level":3,"page":32},{"title":"١ - تثبيت فؤاد النبي ﷺ.","level":4,"page":32},{"title":"٢ - إبطال اعتراضات الكفار.","level":4,"page":33},{"title":"٣ - التدرج في التشريع مراعاة للمكلفين.","level":4,"page":33},{"title":"٤ - توكيد صدق رسول الله ﷺ بكون ما جاء به من عند الله.","level":4,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: من كان ينزل بالقرآن؟","level":3,"page":35},{"title":"الفصل الثاني: أسباب نزول القرآن","level":2,"page":37},{"title":"المبحث الأول: القرآن من جهة النزول قسمان","level":3,"page":37},{"title":"الأول: ما لا يتوقف على سبب.","level":4,"page":37},{"title":"الثاني: ما ينزل لحادثة مخصوصة أو سؤال.","level":4,"page":37},{"title":"المبحث الثاني: الطريق إلى معرفة سبب النزول","level":3,"page":39},{"title":"المبحث الثالث: هل يمكن تكرر النزول؟","level":3,"page":42},{"title":"المبحث الرابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الخامس: فوائد معرفة أسباب النزول","level":3,"page":45},{"title":"المبحث السادس: وجوب التحقق من صحة السبب","level":3,"page":47},{"title":"خلاصة وأحكام","level":3,"page":50},{"title":"الفصل الثالث: معرفة المكي والمدني","level":2,"page":51},{"title":"المبحث الأول: المراد بالمكي والمدني","level":3,"page":51},{"title":"المبحث الثاني: طريق معرفة المكي والمدني","level":3,"page":52},{"title":"المبحث الثالث: خصائص المكي والمدني","level":3,"page":52},{"title":"خصائص المكي","level":4,"page":52},{"title":"خصائص المدني","level":4,"page":53},{"title":"المبحث الرابع: علامات لتمييز المكي والمدني","level":3,"page":54},{"title":"فمن العلامات لمعرفة المكي ما يلي","level":4,"page":54},{"title":"ومن العلامات لمعرفة المدني ما يلي","level":4,"page":55},{"title":"المبحث الخامس: فوائد معرفة المكي والمدني","level":3,"page":56},{"title":"المبحث السادس: حصر السور المكية والمدنية","level":3,"page":57},{"title":"السور المكية","level":4,"page":57},{"title":"السور المدنية","level":4,"page":58},{"title":"المبحث السابع: آيات مدنية في سور مكية","level":3,"page":61},{"title":"الفصل الرابع: أول ما نزل وآخر ما نزل","level":2,"page":64},{"title":"المبحث الأول: أول ما نزل من القرآن","level":3,"page":64},{"title":"المبحث الثاني: آخر ما نزل من القرآن","level":3,"page":67},{"title":"آخر سورة نزلت سورة النصر.","level":4,"page":68},{"title":"الفصل الخامس: الأحرف السبعة","level":2,"page":70},{"title":"المبحث الأول: إنزال القرآن على سبعة أحرف","level":3,"page":70},{"title":"المبحث الثاني: بيان المراد بالأحرف السبعة","level":3,"page":71},{"title":"والراجح من هذه المذاهب المذهب الأول.","level":4,"page":72},{"title":"المقدمة الثانية حفظ القرآن","level":1,"page":79},{"title":"الفصل الأول: جمع القرآن","level":2,"page":80},{"title":"المبحث الأول: تمكين الأمة من حفظ القرآن","level":3,"page":80},{"title":"المبحث الثاني: مراحل جمع القرآن","level":3,"page":82},{"title":"المرحلة الأولى: جمع القرآن في عهد الرسالة","level":4,"page":82},{"title":"الصورة الأولى: الحفظ في الصدور.","level":5,"page":82},{"title":"الصورة الثانية: الحفظ في السطور.","level":5,"page":86},{"title":"فحاصل هذا المبحث","level":5,"page":88},{"title":"المرحلة الثانية: جمع القرآن في عهد الصديق","level":4,"page":89},{"title":"هل هناك جمع وقع في خلافة عمر؟","level":5,"page":91},{"title":"المرحلة الثالثة: جمع القرآن في عهد عثمان","level":4,"page":91},{"title":"المبحث الثالث: الفرق بين جمع الصديق وجمع عثمان","level":3,"page":93},{"title":"الأول: السبب الداعي للجمع.","level":4,"page":93},{"title":"والثاني: الصفة التي وقع عليها الجمع.","level":4,"page":94},{"title":"المبحث الرابع: موقف الصحابة من الجمع العثماني","level":3,"page":95},{"title":"عبد الله بن مسعود والجمع العثماني","level":4,"page":96},{"title":"وببعض ما ذكرت من الوجوه يبطل قول ابن مسعود.","level":4,"page":111},{"title":"ابن مسعود وموافقة الجماعة","level":4,"page":114},{"title":"ماذا عن الصحف التي ردها عثمان إلى حفصة أم المؤمنين؟","level":4,"page":114},{"title":"الفصل الثاني: ترتيب القرآن","level":2,"page":116},{"title":"المبحث الأول: ترتيب الآيات في السور","level":3,"page":116},{"title":"ومن الدليل عليه","level":4,"page":116},{"title":"المبحث الثاني: ترتيب السور","level":3,"page":124},{"title":"المبحث الثالث: أسماء السور","level":3,"page":129},{"title":"المبحث الرابع: فواصل الآيات","level":3,"page":131},{"title":"الترجيح","level":4,"page":133},{"title":"المبحث الخامس: البسملة","level":3,"page":134},{"title":"المبحث السادس: تتمة في مسائل","level":3,"page":137},{"title":"الفصل الثالث: الرسم العثماني","level":2,"page":141},{"title":"المبحث الأول: ما هو الرسم العثماني؟","level":3,"page":141},{"title":"المبحث الثاني: النقط والشكل فيه","level":3,"page":142},{"title":"فما حكم إضافة ذلك إلى المصاحف؟","level":4,"page":142},{"title":"علامات الوقف والسكت وما يتصل بأحكام التلاوة","level":4,"page":143},{"title":"المبحث الثالث: حكم المحافظة عليه في خطوط المصاحف","level":3,"page":144},{"title":"هل تجب المحافظة على خط المصحف عند الاقتباس منه؟","level":4,"page":147},{"title":"المقدمة الثالثة نقل القرآن","level":1,"page":148},{"title":"الفصل الأول: تواتر نقل القرآن","level":2,"page":149},{"title":"المبحث الأول: تعريف التواتر","level":3,"page":149},{"title":"التواتر في اللغة","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الثاني: نقل القرآن","level":3,"page":151},{"title":"المبحث الثالث: الشبهات حول نقل القرآن","level":3,"page":153},{"title":"وتعلقوا بشبهات، يرجع حاصلها إلى ما يأتي","level":4,"page":154},{"title":"الفصل الثاني: القراءات","level":2,"page":175},{"title":"المبحث الأول: أنواع القراءات باعتبار نقلها","level":3,"page":175},{"title":"المبحث الثاني: شروط صحة القراءة","level":3,"page":179},{"title":"المبحث الثالث: فوائد اختلاف القراءات","level":3,"page":181},{"title":"الفصل الثالث: أئمة القراءة","level":2,"page":183},{"title":"المبحث الأول: القراءة سنة متبعة","level":3,"page":183},{"title":"المبحث الثاني: رواة السبعة","level":3,"page":185},{"title":"١ - إمام أهل المدينة نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني","level":4,"page":186},{"title":"اشتهر بنقل قراءته تلميذاه","level":5,"page":187},{"title":"٢ - إمام أهل مكة عبد الله بن كثير بن عمرو الداري","level":4,"page":187},{"title":"اشتهر بنقل قراءته","level":5,"page":188},{"title":"٣ - إمام أهل البصرة أبو عمرو بن العلاء المازني","level":4,"page":189},{"title":"اشتهر بنقل قراءته","level":5,"page":190},{"title":"٤ - إمام أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي","level":4,"page":190},{"title":"اشتهر بنقل قراءته","level":5,"page":190},{"title":"٥ - إمام أهل الكوفة عاصم بن بهدلة ابن أبي النجود الأسدي","level":4,"page":191},{"title":"اشتهر بنقل قراءته تلميذاه","level":5,"page":192},{"title":"٦ - إمام أهل الكوفة حمزة بن حبيب الزيات","level":4,"page":193},{"title":"اشتهر بنقل قراءته","level":5,"page":194},{"title":"٧ - إمام أهل الكوفة علي بن حمزة الكسائي","level":4,"page":195},{"title":"اشتهر بنقل قراءته تلميذاه","level":5,"page":195},{"title":"المقدمة الرابعة النسخ في القرآن","level":1,"page":196},{"title":"الفصل الأول: معنى النسخ وثبوته وحكمته","level":2,"page":197},{"title":"المبحث الأول: معنى النسخ","level":3,"page":197},{"title":"معنى النسخ عند السلف","level":4,"page":198},{"title":"١ - تخصيص العام","level":5,"page":198},{"title":"٢ - تقييد المطلق","level":5,"page":199},{"title":"٣ - تبيين المجمل وتفسيره","level":5,"page":200},{"title":"٤ - ترك العمل بالنص مؤقتا لتغير الظرف","level":5,"page":202},{"title":"٥ - نقل حكم الإباحة الأصلية","level":5,"page":203},{"title":"المبحث الثاني: ثبوت النسخ في الكتاب والسنة","level":3,"page":207},{"title":"المبحث الثالث: الحكمة من النسخ","level":3,"page":217},{"title":"الفصل الثاني: شروط ثبوت النسخ، وما يقع به، وطريق معرفته","level":2,"page":223},{"title":"المبحث الأول: شروط ثبوت النسخ","level":3,"page":223},{"title":"الشرط الأول: أن يكونا ثابتين بالنص.","level":4,"page":224},{"title":"١ - مذاهب الصحابة وأقوالهم.","level":5,"page":226},{"title":"٢ - الإجماع.","level":5,"page":227},{"title":"٣ - القياس.","level":5,"page":229},{"title":"الشرط الثاني: أن يكونا ثابتين نقلا.","level":4,"page":229},{"title":"الشرط الثالث: أن يكونا حكمين شرعيين.","level":4,"page":230},{"title":"الشرط الرابع: أن يكونا عمليين.","level":4,"page":231},{"title":"الشرط الخامس: أن يكونا جزئيين.","level":4,"page":232},{"title":"الشرط السادس: أن يكونا متعارضين في المعنى.","level":4,"page":233},{"title":"الشرط السابع: أن يكون الناسخ متأخرا في زمن تشريعه عن المنسوخ.","level":4,"page":234},{"title":"المبحث الثاني: ما يقع به النسخ","level":3,"page":236},{"title":"الأول: نسخ قرآن بقرآن.","level":4,"page":236},{"title":"والثاني: نسخ سنة بسنة.","level":4,"page":237},{"title":"والثالث: نسخ قرآن بسنة.","level":4,"page":237},{"title":"المذهب الأول: امتناع نسخ الآية بسنة.","level":5,"page":237},{"title":"المذهب الثاني: صحة نسخ الآية بسنة.","level":5,"page":240},{"title":"والرابع: نسخ سنة بقرآن","level":4,"page":242},{"title":"المبحث الثالث: طريق معرفة النسخ","level":3,"page":244},{"title":"١ - أن يأتي في لفظ النص ما يفيده صراحة.","level":4,"page":244},{"title":"٢ - أن يأتي في سياق النص قرينة تدل عليه.","level":4,"page":246},{"title":"٣ - أن يعرف تاريخ المتقدم والمتأخر.","level":4,"page":247},{"title":"الفصل الثالث: أنواع النسخ في القرآن","level":2,"page":250},{"title":"المبحث الأول: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة","level":3,"page":250},{"title":"المبحث الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم","level":3,"page":251},{"title":"المبحث الثالث: نسخ التلاوة والحكم","level":3,"page":254},{"title":"الفصل الرابع: مسائل في النسخ","level":2,"page":256},{"title":"الفصل الخامس: شبهات حول النسخ ودحضها","level":2,"page":262},{"title":"المقدمة الخامسة تفسير القرآن","level":1,"page":267},{"title":"الفصل الأول: معنى التفسير وحكمه","level":2,"page":268},{"title":"المبحث الأول: معنى التفسير","level":3,"page":268},{"title":"١ - التفسير الذي تعرفه العرب من كلامها.","level":4,"page":269},{"title":"٢ - التفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته.","level":4,"page":269},{"title":"٣ - التفسير الذي يعلمه العلماء.","level":4,"page":270},{"title":"٤ - التفسير الذي لا يعلمه إلا الله.","level":4,"page":270},{"title":"تنبيه","level":5,"page":273},{"title":"المبحث الثاني: حكم التفسير","level":3,"page":274},{"title":"حكم التفسير بالرأي","level":4,"page":275},{"title":"الفصل الثاني: المنهج في تفسير القرآن","level":2,"page":282},{"title":"المبحث الأول: شروط المفسر","level":3,"page":282},{"title":"الشرط الأول: صحة الاعتقاد وسلامة المنهج.","level":4,"page":282},{"title":"الشرط الثاني: صحة المقصد والتجرد للحق والسلامة من الهوى.","level":4,"page":283},{"title":"الشرط الثالث: التحري والتثبت في الفهم.","level":4,"page":285},{"title":"الشرط الرابع: الدقة في النقل، واعتماد القوي الثابت.","level":4,"page":285},{"title":"المبحث الثاني: الطرق التي يتبعها المفسر","level":3,"page":286},{"title":"أولا: أن يفسر القرآن بالقرآن.","level":4,"page":286},{"title":"ثانيا: أن يفسر القرآن بالسنة.","level":4,"page":288},{"title":"١ - بيانها لمعاني المفردات.","level":5,"page":289},{"title":"٢ - تفسيرها للإجمال","level":5,"page":290},{"title":"٣ - رفعها للإشكال","level":5,"page":291},{"title":"٤ - توكيدها للقرآن مع زيادة البيان","level":5,"page":292},{"title":"ثالثا: تفسير القرآن بآثار الصحابة.","level":4,"page":293},{"title":"حكم الاستدلال بتفسير الصحابي","level":5,"page":293},{"title":"رابعا: تفسير القرآن بأقوال التابعين ومن بعدهم.","level":4,"page":296},{"title":"خامسا: اعتبار دلالة اللغة، والقياس بالأشباه والنظائر.","level":4,"page":297},{"title":"الأصل الأول: العلم بالعربية.","level":5,"page":297},{"title":"الأصل الثاني: العلم بما يتصل بالقرآن مما له الأثر في فهمه.","level":5,"page":298},{"title":"خاتمة الفصل","level":4,"page":301},{"title":"الفصل الثالث: تاريخ التفسير","level":2,"page":302},{"title":"المبحث الأول: التفسير في عهد الصحابة","level":3,"page":302},{"title":"المبحث الثاني: التفسير في عهد التابعين","level":3,"page":306},{"title":"وممن يلحق بهم","level":4,"page":307},{"title":"تميز أصحاب ابن عباس","level":4,"page":307},{"title":"المبحث الثالث: التدوين في التفسير","level":3,"page":309},{"title":"الفصل الرابع: نقد مناهج التفسير","level":2,"page":314},{"title":"المبحث الأول: المؤلفات في التفسير بالمأثور","level":3,"page":314},{"title":"١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن.","level":4,"page":315},{"title":"٢ - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين.","level":4,"page":316},{"title":"٣ - معالم التنزيل.","level":4,"page":317},{"title":"٤ - زاد المسير في علم التفسير.","level":4,"page":318},{"title":"٥ - تفسير القرآن العظيم.","level":4,"page":320},{"title":"٦ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور.","level":4,"page":320},{"title":"٧ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.","level":4,"page":321},{"title":"المبحث الثاني: نقد المؤلفات على هذا المنهاج","level":3,"page":321},{"title":"المأخذ الأول: إيراد الأحاديث الضعيفة والمنكرة دون بيان","level":4,"page":322},{"title":"١ - رواية مجاهد عن ابن عباس","level":5,"page":323},{"title":"٢ - رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس","level":5,"page":324},{"title":"٣ - رواية عكرمة، عن ابن عباس","level":5,"page":325},{"title":"٤ - رواية أبي صالح باذام مولى أم هانئ، عن ابن عباس","level":5,"page":326},{"title":"٥ - رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس","level":5,"page":328},{"title":"٦ - رواية الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس","level":5,"page":329},{"title":"٧ - رواية عطية بن سعد العوفي، عن ابن عباس","level":5,"page":329},{"title":"٨ - رواية عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن عباس","level":5,"page":330},{"title":"المأخذ الثاني: إيراد الإسرائيليات","level":4,"page":332},{"title":"فما أصل ذلك؟ وما معناه؟ وما حكمه؟","level":5,"page":332},{"title":"فخلاصة القول في الإسرائيليات في نظر الصحابة أنها ثلاثة أقسام","level":5,"page":339},{"title":"المبحث الثالث: التفسير بالرأي","level":3,"page":341},{"title":"المسألة الأولى: التفسير باللغة تفسير بالرأي.","level":4,"page":342},{"title":"المسألة الثانية: صياغة كتابة التفسير باللغة المناسبة.","level":4,"page":343},{"title":"المسألة الثالثة: ترجمة معاني القرآن.","level":4,"page":344},{"title":"المسألة الرابعة: الوقاية من مزالق الرأي في كتب التفسير.","level":4,"page":346},{"title":"المبحث الرابع: تسمية بعض جوامع التفسير","level":3,"page":349},{"title":"١ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.","level":4,"page":349},{"title":"٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل.","level":4,"page":350},{"title":"٣ - البحر المحيط.","level":4,"page":351},{"title":"٤ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور.","level":4,"page":352},{"title":"نقد هذه الكتب","level":4,"page":352},{"title":"المبحث الخامس: تفاسير الفقهاء","level":3,"page":357},{"title":"١ - أحكام القرآن","level":4,"page":357},{"title":"٢ - أحكام القرآن","level":4,"page":358},{"title":"٣ - أحكام القرآن","level":4,"page":359},{"title":"٤ - الجامع لأحكام القرآن.","level":4,"page":359},{"title":"المبحث السادس: التفاسير اللغوية","level":3,"page":361},{"title":"١ - إعراب القرآن.","level":4,"page":361},{"title":"٢ - مشكل إعراب القرآن.","level":4,"page":362},{"title":"٣ - إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن","level":4,"page":362},{"title":"المبحث السابع: تفاسير الصوفية","level":3,"page":363},{"title":"المبحث الثامن: التفسير بالرأي الفاسد","level":3,"page":369},{"title":"الأول: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل.","level":4,"page":371},{"title":"والثاني: مفاتيح الغيب، أو: التفسير الكبير.","level":4,"page":372},{"title":"المبحث التاسع: التفاسير المعاصرة","level":3,"page":373},{"title":"١ - تفسير المنار.","level":4,"page":374},{"title":"٢ - في ظلال القرآن.","level":4,"page":375},{"title":"٣ - التحرير والتنوير.","level":4,"page":376},{"title":"٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.","level":4,"page":377},{"title":"المبحث العاشر: تتمة","level":3,"page":378},{"title":"من المباحث المهمة في تفسير القرآن، مما خص بالبحث: تفسير مشكل القرآن.","level":4,"page":378},{"title":"من المناهج المبتكرة في التفسير المعاصر للقرآن ثلاثة أنماط","level":4,"page":378},{"title":"١ - التفسير الموضوعي للقرآن","level":5,"page":378},{"title":"٢ - التفسير العلمي","level":5,"page":379},{"title":"٣ - التفسير العددي للقرآن","level":5,"page":380},{"title":"الفصل الخامس: قواعد التفسير","level":2,"page":381},{"title":"المبحث الأول: محتوى القرآن","level":3,"page":381},{"title":"الأصل الأول: أمثال القرآن.","level":4,"page":383},{"title":"الأصل الثاني: جدل القرآن.","level":4,"page":386},{"title":"الأصل الثالث: أحكام القرآن.","level":4,"page":389},{"title":"كيف تستفاد الأحكام من القرآن؟","level":5,"page":390},{"title":"كيف تدل ألفاظ القرآن على الأحكام؟","level":5,"page":391},{"title":"المبحث الثاني: قواعد لغوية","level":3,"page":392},{"title":"١ - اتباع معنى الكلمة القرآنية كما جاء به لسان العرب، وما عرف من كلامهم، وملاحظة الوجوه فيه.","level":4,"page":392},{"title":"٢ - هل في القرآن ألفاظ مترادفة؟","level":4,"page":393},{"title":"٣ - الحقيقة والمجاز","level":4,"page":395},{"title":"المجاز","level":5,"page":396},{"title":"٤ - الكناية","level":4,"page":399},{"title":"٥ - دلالة المشترك اللفظي","level":4,"page":399},{"title":"٦ - فهم المراد باللفظ من خلال السياق.","level":4,"page":400},{"title":"٧ - ملاحظة تأثير القواعد النحوية","level":4,"page":401},{"title":"٨ - تأثير التغيير الصرفي في المعنى.","level":4,"page":402},{"title":"٩ - علوم المعاني البلاغية في القرآن","level":4,"page":402},{"title":"١٠ - اشتمال القرآن على المحسنات البديعية","level":4,"page":411},{"title":"المبحث الثالث: قواعد أخرى","level":3,"page":412},{"title":"المقدمة السادسة أحكام قراءة القرآن","level":1,"page":419},{"title":"الفصل الأول: تجويد تلاوة القرآن","level":2,"page":420},{"title":"المبحث الأول: معنى التجويد وأصل استمداده","level":3,"page":420},{"title":"فهذان طريقان عرفنا بهما صفة تجويد القرآن","level":4,"page":422},{"title":"المبحث الثاني: حكم القراءة بالتجويد","level":3,"page":423},{"title":"المبحث الثالث: كيف تضبط تلاوة القرآن؟","level":3,"page":427},{"title":"المبحث الرابع: مراتب التلاوة","level":3,"page":430},{"title":"الهدي النبوي في صفة الترتيل","level":4,"page":432},{"title":"المبحث الخامس: الوقف والابتداء","level":3,"page":435},{"title":"تنبيهات","level":4,"page":438},{"title":"الفصل الثاني: أخذ القرآن والاعتناء به","level":2,"page":441},{"title":"المبحث الأول: أمر الله تعالى باتباع القرآن","level":3,"page":441},{"title":"المبحث الثاني: تعلم القرآن وتعليمه، والفضل فيه","level":3,"page":443},{"title":"المبحث الثالث: أمر السنة بالتمسك بالقرآن والعمل به","level":3,"page":448},{"title":"المبحث الرابع: الاعتناء بحفظ القرآن","level":3,"page":451},{"title":"هدي الصحابة في حفظ القرآن","level":4,"page":454},{"title":"المبحث الخامس: الأمر بتعاهد القرآن خشية تفلت حفظه","level":3,"page":457},{"title":"المبحث السادس: التحذير من هجر القرآن","level":3,"page":459},{"title":"والأقسام التي تكون عليها تلاوة القرآن من حيث حكمها ثلاثة","level":4,"page":463},{"title":"الأول: فرض عين.","level":5,"page":463},{"title":"والثاني: فرض كفاية.","level":5,"page":463},{"title":"والثالث: تلاوة مندوبة.","level":5,"page":464},{"title":"المبحث السابع: ما جاء في نسيان الحفظ للقرآن","level":3,"page":466},{"title":"الفصل الثالث: أدب تلاوة القرآن","level":2,"page":474},{"title":"المبحث الأول: آداب قارئ القرآن","level":3,"page":474},{"title":"هل يجوز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن؟","level":4,"page":476},{"title":"ومما يعين قارئ القرآن على التدبر أمور يراعيها حال التلاوة، منها","level":4,"page":482},{"title":"١ - أن يقرأ في موضع سكون،","level":5,"page":482},{"title":"٢ - أن يتهيأ لتلاوته بصفاء الفكر،","level":5,"page":483},{"title":"٣ - أن يبدأ قراءته بالاستعاذة بالله من الشيطان، فإنها مطردة له.","level":5,"page":484},{"title":"الأولى: حكمها","level":6,"page":484},{"title":"والثانية: صيغتها","level":6,"page":486},{"title":"٤ - أن يحسن صوته بقراءته ما استطاع دون تكلف.","level":5,"page":486},{"title":"وعلى قارئ القرآن أن يحذر من القول في تفسيره بغير علم.","level":4,"page":502},{"title":"المبحث الثاني: أحكام يحتاج إلى معرفتها القارئ","level":3,"page":507},{"title":"١ - الطهارة لقراءة القرآن","level":4,"page":507},{"title":"المسألة الأولى: الطهارة من الحدث الأصغر","level":5,"page":508},{"title":"المسألة الثانية: الطهارة من الحدث الأكبر","level":5,"page":511},{"title":"المسألة الثالثة: طهارة الموضع الذي يقرأ فيه","level":5,"page":512},{"title":"المسألة الرابعة: السواك لقراءة القرآن","level":5,"page":515},{"title":"٢ - أحكام متفرقة","level":4,"page":516},{"title":"أن يتوقى استعمال آيات الكتاب للشيء يعرض من أمر الدنيا.","level":5,"page":516},{"title":"ما يسمى ب (التنكيس) في القراءة وارد على معنيين","level":5,"page":518},{"title":"قراءة البسملة أثناء السورة","level":5,"page":520},{"title":"الجمع في التلاوة الواحدة بين قراءتين فأكثر من البدع المتأخرة.","level":5,"page":521},{"title":"القراءة بالقراءات الشاذة من المنكرات","level":5,"page":522},{"title":"سجود التلاوة","level":5,"page":523},{"title":"الاجتماع لقراءة القرآن","level":5,"page":526},{"title":"تكبير الختم","level":5,"page":528},{"title":"دعاء الختم","level":5,"page":531},{"title":"ختم التلاوة بالتصديق مما جرت به عادة القراء، وليس بسنة","level":5,"page":534},{"title":"استماع القرآن","level":5,"page":536},{"title":"المبحث الثالث: أحكام تتعلق بالمصاحف","level":3,"page":537},{"title":"١ - مس المصحف مع الحدث","level":4,"page":537},{"title":"٢ - السفر بالمصحف إلى أرض الكفار","level":4,"page":542},{"title":"ويتفرع عن هذه المسألة: هل يجوز أن يعطى الكافر مصحفا يقرأ فيه بغرض دعوته إلى الإسلام؟","level":5,"page":543},{"title":"٣ - بيع المصحف وشراؤه","level":4,"page":546},{"title":"٤ - تكريم المصحف","level":4,"page":549},{"title":"أما التعظيم الذي وجدنا له أصلا في النصوص أو فعل السلف، فمثل","level":5,"page":551},{"title":"تقبيل المصحف","level":5,"page":552},{"title":"أن لا يقول: (مصيحف) تصغيرا، فهذا مما لا يناسب الاحترام.","level":5,"page":552},{"title":"٥ - ماذا يصنع بأوراق المصحف البالية؟","level":4,"page":553},{"title":"٦ - فضل التلاوة من المصحف","level":4,"page":554},{"title":"خاتمة","level":1,"page":557},{"title":"مسرد المراجع","level":1,"page":558}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,33":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,205":196,"1,207":197,"1,208":198,"1,209":199,"1,210":200,"1,211":201,"1,212":202,"1,213":203,"1,214":204,"1,215":205,"1,216":206,"1,217":207,"1,218":208,"1,219":209,"1,220":210,"1,221":211,"1,222":212,"1,223":213,"1,224":214,"1,225":215,"1,226":216,"1,227":217,"1,228":218,"1,229":219,"1,230":220,"1,231":221,"1,232":222,"1,233":223,"1,234":224,"1,235":225,"1,236":226,"1,237":227,"1,238":228,"1,239":229,"1,240":230,"1,241":231,"1,242":232,"1,243":233,"1,244":234,"1,245":235,"1,246":236,"1,247":237,"1,248":238,"1,249":239,"1,250":240,"1,251":241,"1,252":242,"1,253":243,"1,254":244,"1,255":245,"1,256":246,"1,257":247,"1,258":248,"1,259":249,"1,260":250,"1,261":251,"1,262":252,"1,263":253,"1,264":254,"1,265":255,"1,266":256,"1,267":257,"1,268":258,"1,269":259,"1,270":260,"1,271":261,"1,272":262,"1,273":263,"1,274":264,"1,275":265,"1,276":266,"1,277":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,286":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,296":285,"1,297":286,"1,298":287,"1,299":288,"1,300":289,"1,301":290,"1,302":291,"1,303":292,"1,304":293,"1,305":294,"1,306":295,"1,307":296,"1,308":297,"1,309":298,"1,310":299,"1,311":300,"1,312":301,"1,313":302,"1,314":303,"1,315":304,"1,316":305,"1,317":306,"1,318":307,"1,319":308,"1,320":309,"1,321":310,"1,322":311,"1,323":312,"1,324":313,"1,325":314,"1,326":315,"1,327":316,"1,328":317,"1,329":318,"1,330":319,"1,331":320,"1,332":321,"1,333":322,"1,334":323,"1,335":324,"1,336":325,"1,337":326,"1,338":327,"1,339":328,"1,340":329,"1,341":330,"1,342":331,"1,343":332,"1,344":333,"1,345":334,"1,346":335,"1,347":336,"1,348":337,"1,349":338,"1,350":339,"1,351":340,"1,352":341,"1,353":342,"1,354":343,"1,355":344,"1,356":345,"1,357":346,"1,358":347,"1,359":348,"1,360":349,"1,361":350,"1,362":351,"1,363":352,"1,364":353,"1,365":354,"1,366":355,"1,367":356,"1,368":357,"1,369":358,"1,370":359,"1,371":360,"1,372":361,"1,373":362,"1,374":363,"1,375":364,"1,376":365,"1,377":366,"1,378":367,"1,379":368,"1,380":369,"1,381":370,"1,382":371,"1,383":372,"1,384":373,"1,385":374,"1,386":375,"1,387":376,"1,388":377,"1,389":378,"1,390":379,"1,391":380,"1,392":381,"1,393":382,"1,394":383,"1,395":384,"1,396":385,"1,397":386,"1,398":387,"1,399":388,"1,400":389,"1,401":390,"1,402":391,"1,403":392,"1,404":393,"1,405":394,"1,406":395,"1,407":396,"1,408":397,"1,409":398,"1,410":399,"1,411":400,"1,412":401,"1,413":402,"1,414":403,"1,415":404,"1,416":405,"1,417":406,"1,418":407,"1,419":408,"1,420":409,"1,421":410,"1,422":411,"1,423":412,"1,424":413,"1,425":414,"1,426":415,"1,427":416,"1,428":417,"1,429":418,"1,431":419,"1,433":420,"1,434":421,"1,435":422,"1,436":423,"1,437":424,"1,438":425,"1,439":426,"1,440":427,"1,441":428,"1,442":429,"1,443":430,"1,444":431,"1,445":432,"1,446":433,"1,447":434,"1,448":435,"1,449":436,"1,450":437,"1,451":438,"1,452":439,"1,453":440,"1,454":441,"1,455":442,"1,456":443,"1,457":444,"1,458":445,"1,459":446,"1,460":447,"1,461":448,"1,462":449,"1,463":450,"1,464":451,"1,465":452,"1,466":453,"1,467":454,"1,468":455,"1,469":456,"1,470":457,"1,471":458,"1,472":459,"1,473":460,"1,474":461,"1,475":462,"1,476":463,"1,477":464,"1,478":465,"1,479":466,"1,480":467,"1,481":468,"1,482":469,"1,483":470,"1,484":471,"1,485":472,"1,486":473,"1,487":474,"1,488":475,"1,489":476,"1,490":477,"1,491":478,"1,492":479,"1,493":480,"1,494":481,"1,495":482,"1,496":483,"1,497":484,"1,498":485,"1,499":486,"1,500":487,"1,501":488,"1,502":489,"1,503":490,"1,504":491,"1,505":492,"1,506":493,"1,507":494,"1,508":495,"1,509":496,"1,510":497,"1,511":498,"1,512":499,"1,513":500,"1,514":501,"1,515":502,"1,516":503,"1,517":504,"1,518":505,"1,519":506,"1,520":507,"1,521":508,"1,522":509,"1,523":510,"1,524":511,"1,525":512,"1,526":513,"1,527":514,"1,528":515,"1,529":516,"1,530":517,"1,531":518,"1,532":519,"1,533":520,"1,534":521,"1,535":522,"1,536":523,"1,537":524,"1,538":525,"1,539":526,"1,540":527,"1,541":528,"1,542":529,"1,543":530,"1,544":531,"1,545":532,"1,546":533,"1,547":534,"1,548":535,"1,549":536,"1,550":537,"1,551":538,"1,552":539,"1,553":540,"1,554":541,"1,555":542,"1,556":543,"1,557":544,"1,558":545,"1,559":546,"1,560":547,"1,561":548,"1,562":549,"1,563":550,"1,564":551,"1,565":552,"1,566":553,"1,567":554,"1,568":555,"1,569":556,"1,570":557,"1,571":558,"1,572":559,"1,573":560,"1,574":561,"1,575":562,"1,576":563,"1,577":564,"1,578":565,"1,579":566,"1,580":567,"1,581":568,"1,582":569,"1,583":570,"1,584":571,"1,585":572,"1,586":573,"1,587":574,"1,588":575,"1,589":576,"1,590":577,"1,591":578},"ٜ":{"1":[5,591]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,33","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,431","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3,4],"8":[5],"9":[6],"10":[7],"14":[8],"15":[9],"19":[10],"24":[11],"25":[12],"28":[13],"29":[14,15],"32":[16,17],"33":[18,19],"34":[20],"35":[21],"37":[22,23,24,25],"39":[26],"42":[27],"44":[28],"45":[29],"47":[30],"50":[31],"51":[32,33],"52":[34,35,36],"53":[37],"54":[38,39],"55":[40],"56":[41],"57":[42,43],"58":[44],"61":[45],"64":[46,47],"67":[48],"68":[49],"70":[50,51],"71":[52],"72":[53],"79":[54],"80":[55,56],"82":[57,58,59],"86":[60],"88":[61],"89":[62],"91":[63,64],"93":[65,66],"94":[67],"95":[68],"96":[69],"111":[70],"114":[71,72],"116":[73,74,75],"124":[76],"129":[77],"131":[78],"133":[79],"134":[80],"137":[81],"141":[82,83],"142":[84,85],"143":[86],"144":[87],"147":[88],"148":[89],"149":[90,91,92],"151":[93],"153":[94],"154":[95],"175":[96,97],"179":[98],"181":[99],"183":[100,101],"185":[102],"186":[103],"187":[104,105],"188":[106],"189":[107],"190":[108,109,110],"191":[111],"192":[112],"193":[113],"194":[114],"195":[115,116],"196":[117],"197":[118,119],"198":[120,121],"199":[122],"200":[123],"202":[124],"203":[125],"207":[126],"217":[127],"223":[128,129],"224":[130],"226":[131],"227":[132],"229":[133,134],"230":[135],"231":[136],"232":[137],"233":[138],"234":[139],"236":[140,141],"237":[142,143,144],"240":[145],"242":[146],"244":[147,148],"246":[149],"247":[150],"250":[151,152],"251":[153],"254":[154],"256":[155],"262":[156],"267":[157],"268":[158,159],"269":[160,161],"270":[162,163],"273":[164],"274":[165],"275":[166],"282":[167,168,169],"283":[170],"285":[171,172],"286":[173,174],"288":[175],"289":[176],"290":[177],"291":[178],"292":[179],"293":[180,181],"296":[182],"297":[183,184],"298":[185],"301":[186],"302":[187,188],"306":[189],"307":[190,191],"309":[192],"314":[193,194],"315":[195],"316":[196],"317":[197],"318":[198],"320":[199,200],"321":[201,202],"322":[203],"323":[204],"324":[205],"325":[206],"326":[207],"328":[208],"329":[209,210],"330":[211],"332":[212,213],"339":[214],"341":[215],"342":[216],"343":[217],"344":[218],"346":[219],"349":[220,221],"350":[222],"351":[223],"352":[224,225],"357":[226,227],"358":[228],"359":[229,230],"361":[231,232],"362":[233,234],"363":[235],"369":[236],"371":[237],"372":[238],"373":[239],"374":[240],"375":[241],"376":[242],"377":[243],"378":[244,245,246,247],"379":[248],"380":[249],"381":[250,251],"383":[252],"386":[253],"389":[254],"390":[255],"391":[256],"392":[257,258],"393":[259],"395":[260],"396":[261],"399":[262,263],"400":[264],"401":[265],"402":[266,267],"411":[268],"412":[269],"419":[270],"420":[271,272],"422":[273],"423":[274],"427":[275],"430":[276],"432":[277],"435":[278],"438":[279],"441":[280,281],"443":[282],"448":[283],"451":[284],"454":[285],"457":[286],"459":[287],"463":[288,289,290],"464":[291],"466":[292],"474":[293,294],"476":[295],"482":[296,297],"483":[298],"484":[299,300],"486":[301,302],"502":[303],"507":[304,305],"508":[306],"511":[307],"512":[308],"515":[309],"516":[310,311],"518":[312],"520":[313],"521":[314],"522":[315],"523":[316],"526":[317],"528":[318],"531":[319],"534":[320],"536":[321],"537":[322,323],"542":[324],"543":[325],"546":[326],"549":[327],"551":[328],"552":[329,330],"553":[331],"554":[332],"557":[333],"558":[334]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[مقدمة]</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nالحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.\nأمّا بعد ..\nفإنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.\nلقد كانت الرّغبة لديّ في تحرير مقدّمات مهمّة تتّصل بالكتاب العزيز قديمة، وذلك على سبيل المشاركة في تقريب العلوم الأساسيّة لفهم الكتاب والسّنّة، دون بخس لما سبق به أهل العلم في هذا الباب، ولكن بمنهج محرّر يجمع بين صحيح النّقل وصريح العقل دون تكلّف، مجانب الاستدلال بالضّعيف من الأخبار، غير جار على المعتاد من التّقليد لا في المضمون ولا في الأسلوب، إذ لو كنّا مجرّد نقلة لكان الإبقاء على مؤلّفات الأقدمين أولى من تكلّف التّصنيف.\nوعلوم القرآن أولى وأوّل ما يشمّر له أصحاب الهمم العالية، إذ هي مفاتيح سائر علوم الإسلام، ولا يحسن بالطّالب أن يقدّم عليها سواها","vol":"1","page":5},{"text":"فيشتغل بحديث أو فقه أو غير ذلك، ولمّا يأخذ من علم القرآن قاعدته، وإنّي لأعجب من منتسب للعلم قد ذهب حظّه من علوم الكتاب، واقتصر سعيه على طرف من فتات المسائل، فاستبدل الّذي هو أدنى بالّذي هو خير، وأسوأ منه حالا من تدنّى تحصيله من ذلك إلى قدر لا يحسن معه تلاوة القرآن وهو يتصدّى لعظام الأمور!\nوحيث لا يخفى أنّ علوم القرآن بمعناها العامّ لا حصر لها بأنواع معيّنة، فهو الكتاب الّذي قال الله تعالى فيه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فإنّ الكلام فيها إنّما هو من حيث النّظر إلى معرفة مقدّمات أساسيّة ينبغي الإلمام بها لكلّ راغب في دراسة هذا الكتاب العزيز، توضّح مزاياه، وتحقّق إسناده، وتهدي إلى معرفته وفهمه.\nومن خلال الدّراسة تحصّل لي أنّ البحث في ذلك يتناول معرفة المقدّمات السّتّ التّالية:\nالمقدّمة الأولى: نزول القرآن.\nالمقدّمة الثّانية: حفظ القرآن.\nالمقدّمة الثّالثة: نقل القرآن.\nالمقدّمة الرّابعة: النّسخ في القرآن.\nالمقدّمة الخامسة: تفسير القرآن.\nالمقدّمة السّادسة: أحكام قراءة القرآن.","vol":"1","page":6},{"text":"وربّما أدرجت مباحث أخرى في جملة (علوم القرآن) كالكلام على خصائصه وأسلوبه اللّغويّ، وأسلوب القصّة فيه، وقوانين الجدل والمناظرة، وطريقة وأنواع الأحكام فيه، وشبه ذلك، ممّا ينقسم إجمالا إلى ثلاثة أقسام:\nأوّلها: مباحث تتّصل بإبراز الإعجاز في القرآن، وهذا ليس علما تطبيقيّا من علوم القرآن، وقد قدّمت بالتّنبيه على أهمّه، والمقصود الاعتناء بالعلوم التأصيليّة العامّة الّتي سمّيتها ب (المقدّمات) لتكون قاعدة لغيرها، لا بالإنشائيّات الأدبيّة.\nوثانيها: مباحث تندرج تحت علم التّفسير، والّذي يعنينا هنا هو ذكر مقدّمة تحتوي على أصول عامّة في هذا الفنّ العظيم، فالقصّة القرآنيّة والمثل في القرآن مثلا ممّا يعرف من تفاصيل ذلك الفنّ، ولا ينبغي إدراجه تحت المقدّمات في علوم القرآن.\nوثالثها: ما يتّصل بمباحث الأحكام، فمحلّه تأصيلا علم (أصول الفقه)، وتفريعا (الفقه)، وأخذه من هناك أولى، خصوصا وأنّ السّنّة تشارك القرآن في ذلك من كلّ وجه، إذ طبيعة الأحكام فيهما واحدة.\nواستثنيت من ذلك (موضوع النّسخ) فجعلته إحدى هذه (المقدّمات)، مع مشاركة السّنّة للقرآن فيه، وذلك لما له من الصّلة بسلامة القرآن.\nكذلك، ليس من مباحث علوم القرآن المحضة: علم النّحو، وعلم","vol":"1","page":7},{"text":"الصّرف، وعلوم البلاغة، وإن اتّصلت به أو كان السّبب في وضعها وإنشائها؛ لأنّها صارت قوانين لعموم لغة العرب، واعتنى النّاس\nبها على سبيل الاستقلال لهذه العلّة، فأغنت أبحاثها الخاصّة عن إقحامها في علوم القرآن المحضة.\nفهذا الكتاب قد أتيت فيه على تحرير تلك المقدّمات، مع التّقديم بين يديها بتمهيد لبيان الاعتقاد في القرآن وأسمائه وتعريف السّورة والآية، ولبيان ما يعود إليه إعجازه.\nوالله ﵎ أسأل أن يتقبّل هذا الجهد منّي، وأن يرفعني به ووالديّ وأهل بيتي، ومن بذل جهدا في مراجعته، ومن كان سببا في نشره، إلى منازل أوليائه\nالمقرّبين، وأن ينفع به جميع من وقف عليه، هو وليّ ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.\nوكتب أبو محمّد عبد الله بن يوسف الجديع في محرّم الحرام ١٤٢٢ هـ\n***","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>القرآن وإعجازه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تعريف القرآن:</span>\nالقرآن في لغة العرب: مصدر كالقراءة، ومعناه الجمع، وسمّي القرآن الّذي أنزل الله على محمّد ﷺ قرآنا؛ لأنّه يجمع السّور ويضمّها (١).\nوهو اسم للكتاب العربي المنزل على محمّد ﷺ والمكتوب في المصاحف، المبتدأ بالبسملة فسورة الفاتحة، والمختتم بسورة النّاس.\nوهو ذاته المكتوب في اللّوح المحفوظ، كما قال الله تعالى:\nبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ [البروج: ٢١ - ٢٢]، وفي الكتاب المكنون، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ\n(٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وفي الصّحف المكرّمة، كما قال الله ﷿: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ ١٦ [عبس: ١١ - ١٦].\nوهو غير التّوراة الّتي أنزل الله على موسى، وغير الإنجيل الّذي أنزل على عيسى.\n_________\n(١) هذا التّعريف أصحّ ممّا اختاره الشّافعيّ ﵀، أنّ (القران) اسم جامد، كالتّوراة والإنجيل، وكان لا يهمزه، على قراءة ابن كثير المكّيّ.\nانظر: مناقب الشافعيّ، للبيهقيّ (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، والأسماء والصّفات، للبيهقيّ كذلك (٢/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":9},{"text":"وهو جميعه بسوره وآياته وكلماته كلام الله تعالى، تكلّم به، أسمعه لرسوله جبريل ﵇، فنزل به جبريل مبلّغا إيّاه كما سمعه لرسول الله محمّد ﷺ، كما قال الله ﷿: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢]، وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ١٩٤ [الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٤].\nفبلّغه محمّد ﷺ كما أنزل عليه ما كتم منه حرفا، وبلّغه أصحابه للأمّة من بعده ما كتموا منه حرفا، وهو بأيدي النّاس في المصاحف مسطور، وفي قلوب الحفّاظ محفوظ، تعهّد الله تعالى بحفظه فما يقدر على تبديل شيء منه أحد حتّى يرفع من الصّدور والسّطور بإذنه تعالى.\nكما قال الله ﷿: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا [الإسراء: ٨٦ - ٨٧]، فدلّ على أنّ القرآن يمكن أن يرفعه الله بقدرته إن شاء.\nوقد صحّ من حديثي حذيفة بن اليمان وأبي هريرة، رضي الله\nعنهما، عن النّبيّ ﷺ قال: «ليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (رقم: ٤٠٤٩) والحاكم في «المستدرك» (رقم:\n٨٤٦٠) من طريق أبي معاوية الضّرير، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن ربعيّ بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثّوب، حتّى لا يدرى ما صيام ولا صلاة، ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من النّاس: الشّيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلّا الله، فنحن نقولها».\nقلت: إسناده صحيح، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط مسلم»، وقال البوصيريّ في «زوائد ابن ماجة» (٣/ ٢٥٤): «هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات».\nوأمّا من حديث أبي هريرة؛ فأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» (رقم: ٦٨٥٣) من طريق عليّ بن مسهر عن سعد بن طارق (وهو أبو مالك الأشجعيّ) عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ، وفيه الجملة المذكورة. وإسناده صالح.\nورواه فضيل بن سليمان عن أبي مالك الأشجعيّ عن ربعيّ عن حذيفة، وعن أبي حازم عن أبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ: «يسرى على كتاب الله ليلا، فيصبّح النّاس ليس في الأرض ولا جوف مسلم منه آية».\nأخرجه الضّياء المقدسيّ في «اختصاص القرآن بعوده إلى الرحيم الرّحمن» (رقم:\n١٧) والدّيلميّ في «مسند الفردوس» (٤/ ١٦٧/ ب- زهر) وإسناده صحيح.\nفبيّنت هذه الرّواية أنّ أبا مالك حفظ الحديث عن حذيفة وأبي هريرة جميعا.\nورواه بعضهم موقوفا على حذيفة وأبي هريرة، والرّفع أصحّ، على أنّ مثل هذا لا يقال من قبل الرّأي، فله حكم الرّفع.","vol":"1","page":10},{"text":"وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة صفة لا إضافة خلق، هذا اعتقاد أهل السّنّة والجماعة، وهو الّذي دلّت عليه البراهين النّقليّة والعقليّة (١).\nو(القرآن) اسم لجميع الكتاب المنزل.\n_________\n(١) هذه الجملة بيان للاعتقاد في القرآن العظيم، وتفصيلها في كتابي «العقيدة السلفية في كلام ربّ البريّة».","vol":"1","page":11},{"text":"كما أنّ الجزء منه كآية أو نحوها يسمّى (قرآنا) أيضا، كما قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف: ٢٠٤]، وهذا مراد به بعض القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أسماء القرآن:</span>\nسمّى الله تعالى القرآن العظيم بأسماء، ونعته بنعوت، فمن أسمائه:\n١ - الكتاب، كما قال تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢].\n٢ - كلام الله، كما قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التّوبة: ٦].\n٣ - الفرقان، كما قال ﷿: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].\n٤ - الذّكر، كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩].\n٥ - المصحف، وهي تسمية ظهرت بعد أن جمع القرآن في عهد الصّدّيق، كما سيأتي شرحه، ولم يثبت حديث مرفوع إلى النّبيّ ﷺ من قوله في إطلاق هذه التّسمية على القرآن المجموع فيما بين الدّفّتين؛ لأنّه لم يكن في عهده بين دفّتين على هيئة المصحف.","vol":"1","page":12},{"text":"وتسمية (المصحف) جاءت من الصّحف الّتي جمع بعضها إلى بعض فأصبحت على هيئة الكتاب.\nوأمّا ما ذكر الله ﷿ من نعوت كلامه المنزل على محمّد ﷺ فكثير، فهو: هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة، وذكرى، وبشرى، ونذير، وبيان، وروح، ونور، ومبين، ومفصّل، ومبارك، وبصائر، وكريم، وعليّ، وحكيم، وعزيز، ومجيد، وقيّم، وأحسن الحديث، وغير ذلك من الصّفات الدّالّة على عظمته ومنزلته ورفيع قدره ممّا اقترن بذكره أو عند الإشارة إليه في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>تعريف السورة والآية:</span>\nالسّورة، قيل في معناها أقوال أعدلها ما يأتي:\nالأوّل: يقال (سورة) للمنزلة من البناء، فسمّيت (السّورة) من القرآن بذلك؛ لأنّها منزلة بعد منزلة، مقطوعة عن الأخرى، أو لأنّها درجة إلى غيرها.\nوالثّاني: الشّرف والمنزلة، ومنه قول النّابغة:\nألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب\nفسمّيت (السّورة) من القرآن بذلك لشرفها ومنزلتها.","vol":"1","page":13},{"text":"والثّالث: أصلها (سؤرة) وهي بقيّة الشّيء، ترك الهمز فيها تسهيلا لكثرتها في الكلام والقرآن، وعليه تكون (السّورة) بمعنى القطعة من القرآن (١).\nوالآية: العلامة، وسمّيت (الآية) من القرآن بذلك- فيما قيل-\nلأنّها علامة لانقطاع كلام من كلام، أو لأنّها بمنزلة أعلام الطّريق المنصوبة للاهتداء بها (٢).\nوكذلك (الآية) الجماعة في قول بعض أهل العربيّة، وعليه فسمّيت (الآية) من القرآن بذلك لأنّها جماعة حروف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>القرآن المعجزة الباقية:</span>\nإعجاز القرآن: إثباته عجز البشر عن الإتيان بمثله أو بمثل بعضه، في ألفاظه ومعانيه.\nوهذه الخصوصيّة جعلت القرآن أعظم الأدلّة على صدق النّبيّ ﷺ في رسالته، والحجّة الباقية على النّاس إلى أن تقوم السّاعة.\n_________\n(١) لسان العرب، مادة: سور (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧).\n(٢) لسان العرب، مادة: أيا (١٤/ ٦٢).\n(٣) معجم مقاييس اللّغة، لابن فارس (١/ ١٦٨ - ١٦٩)، الصّحاح، للجوهري (٦/ ٢٢٧٦).","vol":"1","page":14},{"text":"قال الله ﷿: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].\nوعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النّبيّ ﷺ:\n«ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١).\nوقد كان الله ﷿ يجري على أيدي رسله وأنبيائه ويسوق لهم\nمن البراهين ما يدلّ على صدقهم أنّهم مبعوثون من عند الله، ممّا لا يقع مثله في العادة لغيرهم من البشر، وهو معجزاتهم، كعصا موسى، وإحياء عيسى للموتى، والإسراء والمعراج لنبيّنا ﷺ، لكنّ تلك المعجزات كانت أدلّة لمن شهدها، ونصيب من لم يشهدها إنّما هو الخبر الواجب التّصديق، بخلاف القرآن، فإنّه المعجزة الباقية، الّتي لم تزل حيّة بين النّاس، لم يتبدّل ولم يتغيّر، ولن يكون ذلك في يوم من الدّهر.\nتحدّى الله ﷿ أرباب الفصاحة والبيان، بل جميع بني الإنسان، بل حتّى لو ظاهرهم عليه الجانّ، ولم يزل يتحدّى: أن يأتوا بمثل هذا القرآن،\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٩٦، ٦٨٤٦) ومسلم (رقم: ١٥٢).","vol":"1","page":15},{"text":"أو بمثل بعضه، فما فعلوا، ولن يفعلوا.\nكما قال جلّ وعلا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ٨٨ [الإسراء: ٨٨]، وقال ﷿: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود: ١٣ - ١٤]، وقال سبحانه:\nوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].\nتحدّاهم بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله، على مثاله في النّظم والتّأليف والإحكام، وفي المعاني والدّلالات والأحكام، فعجزوا عن معارضته في كلّ ذلك، عن مماثلته بعباراتهم، أو مجاراته ببيانهم، أو مسابقته بقوانينهم وشرائعهم.\nذلك؛ لأنّه كلام ربّ العالمين ﵎، وكلامه سبحانه من\nصفاته، وهو الّذي لا مثل له في ذاته ولا في صفاته، كما قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١]، فكما لا مثل له في سمعه، ولا مثل له في بصره، ولا مثل له في سائر صفاته، فكذلك لا مثل له في كلامه.","vol":"1","page":16},{"text":"فهذه- والله- هي العلّة الّتي فارق بها كلامه سائر الكلام، وعجز لأجله الخلق عن معارضته، فليس كشعرهم ولا كنثرهم، ولا كقوانينهم وشرائعهم، مع أن حروفه من حروف كلامهم، ومفرداته من مفردات قاموسهم، فلم يجدوا له في ألسنتهم مع الفصاحة، ولا في عقولهم مع الرّجاحة، ما يمكنهم به أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فقد أبت قوانين الشّعر وأساليب النّثر ولوائح الأنظمة أن يقايس بها ويجري عليها.\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: ٣٧ - ٣٩].\nوعن أبي ذرّ الغفاريّ، ﵁، قال:\nخرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشّهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمّنا، (فذكر قصّة إسلامه)، وفيها قال أبو ذرّ:\nفقال أنيس: إنّ لي حاجة بمكّة فاكفني، فانطلق أنيس حتّى أتى مكّة، فراث (١) عليّ ثمّ جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكّة على دينك، يزعم أنّ الله أرسله، قلت: فما يقول النّاس؟ قال:\nيقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشّعراء، قال أنيس:\nلقد سمعت قول\n_________\n(١) فراث: أي أبطأ.","vol":"1","page":17},{"text":"الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء (١) الشّعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر، والله إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>أنواع الإعجاز في القرآن:</span>\nيعسر أن تحدّ وجوه الإعجاز في القرآن العظيم، فكلّ شيء منه لا نظير له، فهو باهر في ألفاظه وأسلوبه، في تأليفه ونظمه، في بيانه وبلاغته، في تشريعه وحكمه الّتي\nحيّرت الألباب، في أنبائه وأخباره، في تاريخه وحفظه، في علومه الّتي لا تنقطع ولا تقف عند غاية.\nوقد أجمل وصفه وأحسنه من قال:\n«فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة (٣)، ولا يشبع منه العلماء،\n_________\n(١) أقراء الشّعر: طرقه وأنواعه وأوزانه وقوافيه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في «صحيحه» (رقم: ٢٤٧٣).\n(٣) هذا وصف عجيب، وسمة خاصّة لهذا القرآن العظيم، فإنّه تتلوه ألسنة لم تفتق بالعربيّة، بل ربّما تعسّر عليها قراءة سواه من الكلام العربيّ، أمّا هو فتنطلق به الألسنة مع عجمتها، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، وهذا رأيناه وشهدناه.","vol":"1","page":18},{"text":"ولا يخلق على كثرة الرّدّ (١)، ولا\nتنقضي عجائبه، هو الّذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتّى قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجنّ: ١ - ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (٢).\nوالتّنبيه هاهنا على أربعة أنواع للإعجاز القرآني:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>النّوع الأوّل: الإعجاز اللّغويّ:</span>\nهذا النّوع هو أبرز ما تحدّى به القرآن العرب في حياة النّبيّ ﷺ، وهو التّحدّي في أبرز خصائصهم، فمع أنّه بلسانهم، وأتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم وأساليب بيانهم، وهم يومئذ في الذّروة في ذلك نثرا ونظما،\n_________\n(١) أي لا يأتي عليه التكرار بذهاب لذّته، بل هو في كل مرّة جديد، مهما تكرّرت تلاوته، وليس كذلك سائر الكلام.\n(٢) روي هذا حديثا مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ، ولا يصحّ.\nفأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢) وأحمد (رقم: ٧٠٤) والدّارمي (رقم: ٣٢١١) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٠٦) والنّسائيّ في «مسند عليّ» - كما في «تهذيب الكمال» (٣٤/ ٢٦٧) - وغيرهم، من طريق الحارث بن عبد الله الأعور، عن عليّ بن أبي طالب، به.\nقال التّرمذيّ: «إسناده مجهول، وفي الحارث مقال».\nقلت: التّحقيق أنّ علّته ضعف الحارث، وما أشار إليه التّرمذيّ من الجهالة زائل أثرها بالمتابعة، والأشبه أن يكون هذا من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، أخطأ الحارث في رفعه.","vol":"1","page":19},{"text":"لكنّهم عجزوا عن معارضته ولو بسورة من مثله، فصاروا يتخبّطون، فتارة يقولون: (هو شعر)، وتارة: (قول كاهن)، وتارة: (أساطير الأوّلين)، لا يثبتون على شيء؛ لأنّهم يعلمون أنّه ليس كما يقولون، وما كان لهم ليغفلوا عن صفة الشّعر ولا صيغة النّثر، وهم أهل ذلك وعباقرته، وإنّما شأنهم شأن من قال الله فيهم:\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النّمل: ١٣ - ١٤].\nوهكذا قال أولئك المشركون عن القرآن: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: ٧]، وقالوا: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان: ٤ - ٥]، وقالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ [الأنبياء: ٥].\nفهو سبيل من سبق، وحجّة من لا برهان له، كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ٥٢ [الذّاريات: ٥٢]، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصّلت: ٤١ - ٤٣].\nأعيتهم الحيل، وضاقت بهم السّبل، فلجئوا إلى وصف القرآن بما لا يشكّون لو أنصفوا أنّهم فيه مبطلون، لكن أعمتهم الأهواء فأنّى يبصرون.","vol":"1","page":20},{"text":"فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ٣٤ [الطّور: ٢٩ - ٣٤].\nويبقى القرآن يتحدّى ولا يرجع الكفّار جوابا، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ١٤ [هود: ١٤]، وأنّى لهم الجواب، والله يقول وهو أعلم بهم: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤].\nقال الأديب الرّافعيّ: «فقطع أنّهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلّا من الله، ولا يقولها عربيّ في العرب أبدا، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدّهر نفيا، وتعجزهم آخر الأبد، فما فعلوا ولا طمعوا أن يفعلوا، وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم، فلمّا رأوا هممهم لا\nتسمو إلى ذلك، ولا تقارب المطمعة فيه، وقد انقطعت بهم كلّ سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السّيف، وانصرفوا عن توهّن حجّته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام، فقالوا: ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين، وإنّما يعلّمه بشر، وأمثال ذلك، ممّا أخذت به الحجّة عليهم، وكان إقرارا منهم بالعجز، إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطّباع والعادات» (١).\n_________\n(١) إعجاز القرآن، لأديب الإسلام مصطفى صادق الرّافعي (ص: ١٧٠).","vol":"1","page":21},{"text":"وإنّما حالهم كما قال الله ﷿: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان: ٩].\nثمّ إنّ هذا القرآن قد اشتمل من القاموس العربيّ على أحسن الكلمات وأفصحها، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزّمر: ٢٣]، أمّا في تركيب جمله، وتناسق عباراته، ومقاطع آياته، فهو الفرد الّذي لا نظير له.\nكِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣ [فصّلت: ٣]، وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٢٨ [الزّمر: ٢٨].\nفكم ترى يكون في الكلام من المعاني أو البيان أو البديع، فإنّ\nالقرآن في ذروة ذلك، بل به عرف كلّ ذلك، فما وضعت علوم البلاغة إلّا بسببه، طريقا إلى فهمه، وإبرازا لعظيم قدره، وتأصيلا ليبنى سائر الكلام على قاعدته ونهجه.\nوأهل التّفسير في القديم والحديث يراعون هذه الخصوصيّة للقرآن، فلم يتكلّم أحد في تفسير هذا الكتاب وبيان دلائله ومعانيه من لدن أصحاب النّبيّ ﷺ وإلى اليوم إلّا وهو يراعي الجوانب البلاغيّة فيه، وأسرار ذلك لا تنتهي، ولن تنتهي.\nوَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النّساء: ٨٢].","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>النّوع الثّاني: الإعجاز الإخباريّ:</span>\nوهذا هو الإعجاز فيما تضمّنه القرآن من الأنباء، وهو أربعة أشياء:\nأوّلها: الإخبار عن الغيب المطلق، كالخبر عن الله ﷿ وأسمائه وصفاته، والملائكة، وصفة الجنّة وصفة النّار.\nوقد أتى القرآن في هذا الأمر بما لا يدركه بشر من تلقاء نفسه، إذ طريقه لا يكون من جهة العقول، إنّما طريقه السّمع الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصّلت: ٤٢].\nوثانيها: الإخبار عن الأمور السّابقة، كالخبر عن بدء الخلق، وعن الأمم السّالفة.\nوقد قصّ علينا القرآن من ذلك عجبا، وأتى من الأنباء بما لم يملك المنصفون من أهل الكتاب والعلم إلّا تصديقه، كما قال الله ﷿: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى:\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف: ١٠]، وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ١٩٧ [الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٧].\nفجاء ما آتاه الله من ذلك تصديقا لما بين يديه، وما تعلّم من أحد من","vol":"1","page":23},{"text":"إنس ولا جنّ، وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨].\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشّورى: ٥٢].\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٢ - ٣].\nفقصّ الله سبحانه قصّة نوح، ثمّ قال لنبيّه ﷺ: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود: ٤٩].\nوفصّل قصّة يوسف، ثمّ قال: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: ١٠٢].\nوقصّ طرفا من نبأ موسى، ثمّ قال: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا\nوَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: ٤٤ - ٤٦].\nوقال بعد ذكر قصّة مريم: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ","vol":"1","page":24},{"text":"يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].\nما أعظمها من منّة يمتنّ الله ﷿ بها على نبيّه ﷺ! وما أعظمها من معجزة خرقت جميع قوانين الخلق في التّعلّم والتّلقّي! يبلغ ﷺ الأربعين من عمره وهو بين قومه، يعرفونه بالأمّيّة، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يعرفوه بمجالسة معلّم، ثمّ يظهر للنّاس بما لا طاقة لهم بمثله.\nوحين افتروا فقالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، قال الله ﷿:\nلِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النّحل: ١٠٣].\nويستمرّ التّحدّي، فيجعل الله ﷿ من الواقع المشاهد دليلا على صدق ما جاء به نبيّه ﷺ: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٤٦ [الحج: ٤٢ - ٤٦].\nوثالثها: الإخبار عمّا يكون في مستقبل الزّمان، كالإخبار عن الشّيء قبل وقوعه في عهد النّبيّ ﷺ، أو عمّا سيكون بعد ذلك.\nكما في قوله ﷿: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ","vol":"1","page":25},{"text":"مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٥ [الرّوم: ١ - ٥].\nوقد صحّت الرّواية بتحقّق ما أخبرت به هذه الآيات عن غير واحد من أصحاب النّبيّ ﷺ، فمن ذلك حديث نيار بن مكرم الأسلميّ، قال:\nلمّا نزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للرّوم، وكان المسلمون يحبّون ظهور الرّوم عليهم؛ لأنّهم وإيّاهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٥، فكانت قريش تحبّ ظهور فارس؛ لأنّهم وإيّاهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلمّا أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصّدّيق يصيح في نواحي مكّة: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ، قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أنّ الرّوم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرّهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرّهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسمّ بيننا وبينك\nوسطا تنتهي إليه، قال: فسمّوا بينهم ستّ سنين، قال: فمضت السّت سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلمّا دخلت السّنة السّابعة","vol":"1","page":26},{"text":"ظهرت الرّوم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ستّ سنين؛ لأنّ الله تعالى قال: فِي بِضْعِ سِنِينَ، قال:\nوأسلم عند ذلك ناس كثير (١).\nكذلك ما تضمّنه القرآن من الإخبار عن أشراط السّاعة، والبعث بعد الموت، والحشر والحساب، والمصير إلى الجنّة أو إلى النّار، بما لا سبيل للبشر إلى معرفته إلّا بوحي الله ﷿، جميعه برهان على أنّ القرآن كلام الله.\nورابعها: الإخبار عمّا تكنّه النّفوس وتخفيه الضّمائر، ممّا لا يمكن أن يعلمه إلّا الله، ولا يصل إلى علم النّبيّ ﷺ إلّا بوحي الله.\nكالّذي تراه في سورة التّوبة من ذكر أسرار المنافقين، حتّى خاف النّاس أن ينزل القرآن بأسمائهم يظهر حقائق ما في نفوسهم.\nكما قال سعيد بن جبير: قلت لابن عبّاس: سورة التّوبة، قال:\nالتّوبة؟، قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حتّى ظنّوا أن لا يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه التّرمذيّ (رقم: ٣١٩٤) والطّحاويّ في «شرح مشكل الآثار» (٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣) من طريق عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبي الزّناد، عن عروة بن الزّبير، عن نيار، به.\nقلت: وإسناده حسن، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٠٠) ومسلم (رقم:\n٣٠٣١).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>النّوع الثّالث: الإعجاز التّشريعيّ:</span>\nويكمن فيما أودع الله في كتابه من القوانين الّتي تشهد في استقامتها وعدلها وصلاحها لكلّ زمان أنّها من عند الله، وأن لا طاقة للخلق أن يوجدوا لها نظيرا، مهما بلغت العقول.\nذلك أنّ التّشريع مبنيّ على تحقيق مصالح العباد في الدّارين، ولا يحيط بتلك المصالح أحد من خلق الله؛ لقصور العلم، والنّقص بالطّبع، لكنّ الله سبحانه هو الخالق، فهو أعلم\nبخلقه وحاجتهم وما يكون به صلاحهم وفسادهم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].\nفلذا جاء تشريعه موصوفا بالحسن المطلق وبالحقّ المطلق، كما قال ﷿: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وقال:\nوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ٣٣ [الفرقان: ٣٣]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [الشّورى: ١٧]، وقال ﷿: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة: ١١٩]، وقال سبحانه: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [الأنعام: ٦٦]، وقال تعالى:\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥]، وقال ﷿: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٤٨].\nولو كان من عند غير الله لما صحّ في العقول أن يكون هو الحقّ المطلق،","vol":"1","page":28},{"text":"أو يكون أحسن قانون وتشريع، مهما رجحت عقول مقنّنيه، فإنّه ما من قوم إلّا ولهم من الشّرائع والقوانين ما يسيّرون به شئون حياتهم، لكنّهم لا يفتئون يغيّرون ويصلحون، ولو وصفوا قانونهم\nبالحقّ المطلق لتعذّر عليهم تبديله والاستدراك عليه، وإنّما هذه أوصاف لا تكون إلّا لما هو خارج عن قدرات المخلوقين.\nكِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].\nوَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢ [فصّلت: ٤١ - ٤٢].\nفأنزل القرآن حين أنزل، وهو إلى اليوم، وسيبقى إلى آخر الدّهر، لا يجد النّاس سبيلا إلى نقض شيء من أحكامه وشرائعه، مهما سعى الكفّار والّذين في قلوبهم مرض لإبطال ما جاء به من الحقّ والعدل والهدى، كما لا يجدون سبيلا للإتيان بما هو أحسن منه، إذ لا أحسن منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>النّوع الرّابع: الإعجاز العلميّ:</span>\nوذلك فيما بيّن الله في هذا الكتاب ودلّ عليه من الآيات في السّماوات والأرض والأنفس، ممّا لم يكن ليحيط به علم بشر في عهد النّبيّ ﷺ من تلقاء نفسه، ثمّ يبقى النّاس يكتشفون أسراره في الكون، والقرآن قد سبق به منذ دهر بعيد تصريحا وتلويحا، كان يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ، لم يدرس علوم الفضاء ولا البيئة ولا البحار ولا طبقات الأرض ولا الأجنّة، لينبئ","vol":"1","page":29},{"text":"العالم أنّه رسول ربّ العالمين، وأنّ هذا القرآن من علم الله الّذي أحاط بكلّ شيء.\nفتأمّل مثاله في الأنفس في قول الله ﷿: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا ١٤ [نوح: ١٣ - ١٤]، ثمّ تأمّل تفسير تلك الأطوار في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَ\nجَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nوتأمّل مثاله في الكون في قول الله ﷿: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ٣٠ ... الآيات [الأنبياء: ٣٠ - ٣٣]، أو في قوله سبحانه:\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٤٠ [يس: ٣٧ - ٤٠].\nألا تكفي هذه الآيات باحثا عن الحقيقة ليشهد أنّه الحقّ من ربّه؟\nأترى يكون هذا من بشر من أهل مكّة يأتي به من تلقاء نفسه قبل خمسة عشر قرنا من الزّمان؟ كلّا، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ٥ [النّجم: ٣ - ٥]، تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ","vol":"1","page":30},{"text":"وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة: ٢٥٢].\nوالعلم الحديث يظهر على النّاس بعجائب في خلق الله، فيبهر النّاس بها، وحقّ لهم، لكنّ الأعجب أن يكون القرآن قد نبّه على اعتبارها ودلّ عليها منذ دهر بعيد، ولم يكن للنّاس يومئذ من وسائل النّظر والاكتشاف ما لأهل زماننا، إنّه استمرار شهادة الحقّ، أنّ هذا القرآن من عند الله:\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصّلت: ٥٣].\nأَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٥].\nإنّ الله سبحانه أراد لهذا القرآن أن يكون حجّته على الأمم إلى قيام السّاعة، وما كان ليصحّ ذلك إلّا والدّليل على أنّه من عند الله باق مستمرّ، فتارة لغته وفصاحته وتأليفه ونظمه، وتارة عصمته من التّحريف وبقاؤه غضّا طريّا كما لو أنزل السّاعة، وتارة ما جاء به من القوانين والشّرائع العادلة الّتي استغرقت جميع مصالح العباد، وتارة ما فيه من التّنبيه على الآيات الكونيّة، والدّلائل العلميّة، وهكذا، إلى براهين لا تنقطع ولا تتناهى، كلّها تشهد أنّه كلام ربّ العالمين.\n***","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المقدمة الأولى نزول القرآن</span>\nالفصل الأول: كيفية نزول القرآن\nالفصل الثاني: أسباب نزول القرآن\nالفصل الثالث: معرفة المكي والمدني\nالفصل الرابع: أول ما نزل وآخر ما نزل\nالفصل الخامس: الأحرف السبعة\n***","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الأول: كيفية نزول القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الأول: كيف أنزل القرآن</span>؟\nالمقطوع به من دين الإسلام أنّ القرآن لم ينزل على نبيّنا محمّد ﷺ جملة واحدة كما هو الشّأن في الكتب السّالفة كالتّوراة والإنجيل، إنّما نزل بحسب الوقائع منذ البعثة حتّى آخر حياة النّبيّ ﷺ، كما يثبّت هذه الحقيقة قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]، وقوله: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ١٠٦ [الإسراء: ١٠٦] (١).\n_________\n(١) والاستدلال بهذه الآية إنّما هو في قوله: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، قال ابن عطيّة: «هذا كان بما أراد الله تعالى من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معيّنة» (المحرّر الوجيز ٩/ ٢١٦).\nواستدلّ ابن عبّاس ﵄ بهذه الآية بقوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ على قراءتها بالتّشديد: (فرّقناه).\nفأخرج أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٦٧) وابن جرير في «تفسيره» (١٥/ ١٧٨) بإسناد صحيح عنه قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر، ثمّ نزل بعد ذلك في عشرين سنة، وقرأ: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ١٠٦.\nقال أبو عبيد: «لا ينبغي أن تكون على هذا التّفسير إلّا بالتّشديد (فرّقناه»). =","vol":"1","page":35},{"text":"ولكن ما معنى الإنزال في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان: ٣]، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١ [القدر: ١]؟\nفهذه آيات متوافقة فيما بينها، أنبأت بأنّ الله تعالى أنزل القرآن في ليلة مباركة من شهر رمضان هي ليلة القدر.\nوهي خبر قد يدلّ ظاهره على نزول جميع القرآن في تلك اللّيلة.\nفكيف التّوفيق بين هذا الظّاهر والحقيقة المقطوع بها في نزوله مفرّقا؟ من علماء السّلف من ذهب إلى أنّ ابتداء النّزول كان في ليلة القدر لا جميع القرآن، وهذا القول لا يوجد ما يردّه، وهو وجه في تفسير الآيات الثّلاث المذكورة.\nلكن صحّ عن إمام المفسّرين عبد الله بن عبّاس﵄- ما أفادنا أنّ للقرآن تنزّلين:\nالأوّل: من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وكان جملة واحدة.\nوالثّاني: من السّماء الدّنيا إلى الأرض على النّبيّ ﷺ مفرّقا على الوقائع.\nفعنه قال: أنزل الله القرآن إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا\n_________\n= قلت: والقراءة بالتّشديد مذكورة عن عليّ وابن عبّاس وابن مسعود وأبيّ بن كعب، وجماعة من التّابعين، (انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٥/ ٩٦ والمحرّر الوجيز ٩/ ٢١٥).","vol":"1","page":36},{"text":"أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، فهو قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١.\nوفي لفظ: أنزل القرآن كلّه جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السّماء الدّنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه، حتّى جمعه (١).\nوهذا خبر تلقّاه أكثر العلماء بالقبول، وهو مرويّ من وجوه متعدّدة عن ابن عبّاس، ومثله إخبار عن أمر غيبيّ لا يصار إلى مثله إلّا بتوقيف، فله حكم الحديث المرفوع، والقول به أولى من القول بمجرّد النّظر.\nومن العلماء من يرى أنّ الحكمة من إنزاله جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا وهو كتاب الله تعالى إلى أهل الأرض، هي: إعلام الملإ الأعلى بالرّسالة الجديدة إلى أهل الأرض،\nوبيان فضيلة من يوحى إليه هذا الدّستور وفضيلة أتباعه، خاصّة مع حدوث ذلك في أعظم ليلة، ليلة قال الله فيها: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ٤ [الدخان: ٤]، وقال فيها: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣]، فهو تمجيد للقرآن نفسه، وللرّسول الموحى إليه به ﷺ، وللأمّة الّتي ستسعد بالاهتداء به.\nولعلّ من وراء ذلك حكما هي في علم الله أكبر ممّا ذكر وأجلّ وأعظم، والله أعلم.\n_________\n(١) أثران صحيحان. أخرجهما ابن جرير الطّبريّ في «تفسيره» (٢/ ١٤٥) بسند صحيح.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني: حكمة التنزيل مفرّقا</span>\nنزّل القرآن على نبيّنا ﷺ مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة في مكّة، وعشر سنين في المدينة، وذلك حسب ما كانت تقتضيه الحاجة، فربّما نزلت السّورة تامّة، وربّما نزل منها آيات، بل ربّما نزل بعض آية، كما في سبب نزول قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ في آية: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ من سورة النّساء [الآية: ٩٥] (١).\nولهذه الصّورة في التّنزيل حكم عظيمة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١ - تثبيت فؤاد النّبيّ ﷺ</span>.\nكما قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]، وهذه الحكمة امتازت بها السّور والآيات المكّيّة؛ وذلك لما كان يحتاج إليه ﷺ يومئذ من\n_________\n(١) عن زيد بن ثابت ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أملى عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله قال: فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يملّها عليّ، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله ﵎ على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتّى خفت أن ترضّ فخذي، ثمّ سرّي عنه، فأنزل الله ﷿: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.\nأخرجه البخاريّ (رقم: ٢٦٧٧، ٤٣١٦).\nوفي «الصّحيحين» نحوه من حديث البراء بن عازب.","vol":"1","page":38},{"text":"التّثبيت في مواجهة الكفّار واحتمال أذاهم، فجاءت\nبالتّذكير بالثّواب، والصّبر والاحتساب، وسرد قصص الأنبياء والسّابقين، كما قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٢ - إبطال اعتراضات الكفّار</span>.\nوبيانه: أنّ الكفّار كانوا يجتهدون في الطّعن على القرآن ورسول الله ﷺ ويضربون لذلك الأمثال، يقع ذلك منهم على صفة الاستمرار، فكان جبريل ﵇ ينزل بالقرآن ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ويردّ الاعتراض ويدحض الشّبه بأحسن البراهين، كما قال تعالى:\nوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ٣٣ [الفرقان: ٣٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٣ - التدرّج في التّشريع مراعاة للمكلّفين</span>.\nفعن عائشة، ﵂، قالت: إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنّار، حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزّنا أبدا، لقد نزل بمكّة على محمّد ﷺ وإنّي لجارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ٤٦ [القمر: ٤٦]، وما نزلت سورة البقرة والنّساء إلّا وأنا عنده (١).\nولا يخفى ما للتّدرّج من الأثر في التّربية وبناء الشّخصيّة، وترى كم كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٠٧).","vol":"1","page":39},{"text":"لنزول القرآن مفرّقا من الأثر في أعظم غرس غرسه رسول الله ﷺ، في أصحابه الّذين لم يوجد التّاريخ لهم نظيرا بعدهم، ﵃.\nزد على ذلك ما في التّدرّج في النّزول من تيسير أخذ القرآن حفظا وفهما كما لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٤ - توكيد صدق رسول الله ﷺ بكون ما جاء به من عند الله</span>.\nقال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النّساء: ٨٢]، فكتاب توحى مقاطعه وأجزاؤه في ثلاث وعشرين سنة لا ترى شيئا من آخره ينقض شيئا من أوّله ولا يخالفه، بل يؤكّده ويصدّقه، لهو من أعظم البراهين على أنّه من عند حكيم خبير، ما هو بقول شاعر يتيه به عقله في كلّ واد، ولا كاهن تغرّه الشّياطين بالأكاذيب، بل ولا بقول عاقل أديب قد جرى لسانه بالحكمة والبيان، فإنّ أعقل العقلاء ليدلّه عقله اليوم على خطئه بالأمس أو قصوره، ومن النّاس من يصنّف في علم أو فنّ يكون فيه\nرأس صناعته وربّما مكث فيه عقودا من الزّمن وهو يصلح ويزيد وينقّح، لا يخرج للنّاس منه حرفا في تلك السّنين الطّوال، ثمّ يخرج تصنيفه للنّاس حجّة لهم في ذلك الفنّ، فكم ترى له من متعقّب، ومستدرك عليه ومصوّب! وهذا القرآن ينزل في بضع وعشرين سنة تنزل سورة أو بعض آيات، بل آية أو بعض آية، يصبّح النّاس ويمسّون بجديده، لم يأت منه حرف بخلاف حرف ولا كلمة بخلاف كلمة، ولا معنى بخلاف معنى، يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ ما قرأ قبله وما كتب، ﷺ، وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ","vol":"1","page":40},{"text":"قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ٤٨ [العنكبوت: ٤٨]، وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشورى: ٥٢]، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢ [فصّلت: ٤١ - ٤٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثالث: من كان ينزل بالقرآن</span>؟\nقال الله ﷿: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النّحل: ١٠٢]، وقال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ [النّجم: ١ - ٦]، والرّوح الأمين هو روح القدس وهو شديد القوى، وهو جبريل ﵇، كما قال تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ٩٧].\nوقد أخبر النّبيّ ﷺ عن الصّفة الّتي كان يأتيه الوحي عليها، فقد سأله الحارث بن هشام ﵁ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ،","vol":"1","page":41},{"text":"فيفصم عنّي (١) وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» (٢).\nولم ير النّبيّ ﷺ جبريل على صورته الملكيّة إلّا مرّتين، كما ثبت به الخبر من حديث عائشة ﵂ وقد سألها مسروق بن الأجدع عن قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ٢٣ وقوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ١٣؟ فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ؟ فقال: «إنّما هو جبريل، لم أره على صورته الّتي خلق عليها غير هاتين المرّتين، رأيته منهبطا من السّماء، سادّا عظم خلقه ما بين السّماء إلى الأرض» (٣).\n...\n_________\n(١) يفصم عنّي: يقلع عنّي وينجلي ما يتغشّاني منه، قاله الخطّابيّ، وقال: «والمعنى أنّ الوحي كان إذا ورد عليه تصعّده له مشقّة ويغشاه كرب، وذلك لثقل ما يلقى عليه من القول، وشدّة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن وعيه وحفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم» (شرح البخاري للخطّابي ١/ ١٢٠).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٢، ٣٠٤٣) ومسلم (رقم:\n٢٣٣٣) من حديث عائشة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٦، ٢٤١) ومسلم (رقم: ١٧٧) والتّرمذيّ (رقم: ٣٠٧٠) من طرق عن داود بن أبي هند عن الشّعبيّ، عن مسروق، به.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفصل الثاني: أسباب نزول القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الأول: القرآن من جهة النزول قسمان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الأول: ما لا يتوقّف على سبب</span>.\nويندرج تحته أكثر نصوص القرآن، فقد كانت تنزل ابتداء بالعقائد والشّرائع من غير توقّف على سبب يتطلّب جوابا كواقعة أو سؤال، ذلك أنّ هذا القرآن إنّما أنزله الّذي يعلم الإنسان خلقا وجبلّة، ويعلم ما يحقّق نفعه ومصلحته، فيبتدئه بالعلم والشّرائع على الصّفة الّتي يعلم من حاجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الثاني: ما ينزل لحادثة مخصوصة أو سؤال</span>.\nوهذا القسم بمنزلة الفتاوى في النّوازل، والنّازلة: قضيّة معيّنة تنزل بالمسلمين أو بعضهم، فيوحي الله تعالى جوابها إلى نبيّه للفصل فيها.\nوتحت هذا تندرج (أسباب نزول القرآن) من نحو الأمثلة التّالية:\n١ - عن جندب بن سفيان، ﵁، قال:\nاشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمّد، إنّي أرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله ﷿: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ","vol":"1","page":43},{"text":"رَبُّكَ وَما قَلى ٣ [الضّحى: ١ - ٣] (١).\n٢ - وعن عائشة، ﵂، قالت:\nالحمد لله الّذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النّبيّ ﷺ تكلّمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: ١] (٢).\n٣ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄:\nأنّ عبد الله بن أبيّ لمّا توفّي جاء ابنه إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له، فأعطاه النّبيّ ﷺ قميصه، فقال: «آذنّي أصلّي عليه»، فآذنه، فلمّا أراد أن يصلّي عليه جذبه عمر ﵁، فقال: أليس الله قد نهاك أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خيرتين، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ\nإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٠٧٣، ٤٦٦٧، ٤٦٦٨، ٤٦٩٨) ومسلم (رقم: ١٧٩٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٦) والنّسائيّ (رقم: ٣٤٦٠) وفي «التّفسير» (رقم: ٥٩٠) وابن ماجة (رقم: ١٨٨، ٢٠٦٣) والحاكم (رقم: ٣٧٩١) من طريق الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة، به.\nقلت: وإسناده صحيح. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».","vol":"1","page":44},{"text":"مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: ٨٠]»، فصلّى عليه، فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا [التّوبة: ٨٤] (١).\nواعلم أنّ القسمين من التّنزيل ما كان منهما لسبب وما كان لغير سبب جمعهما النّزول للحاجة، إذ جميع القرآن لهداية المكلّفين وإرشادهم إلى خير الدّنيا والآخرة، الأمر الّذي لا سبيل لهم إليه إلّا به، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: ٥٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثاني: الطريق إلى معرفة سبب النزول</span>\nيعرف سبب نزول الآية بطريق النّقل عن رسول الله ﷺ، أو أصحابه.\nواعلم أنّ قول الصّحابي: (نزلت هذه الآية في كذا) بمنزلة الحديث المرفوع إلى النّبيّ ﷺ وإن لم يذكر فيه النّبيّ ﷺ، كحديث أبي مسعود الأنصاريّ، ﵁، قال:\nلمّا أمرنا بالصّدقة كنّا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٢١٠، ٤٣٩٣، ٤٣٩٥، ٥٤٦٠) ومسلم (رقم: ٢٤٠٠، ٢٧٧٤).","vol":"1","page":45},{"text":"الآخر إلّا رئاء، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ الآية [التّوبة: ٧٩] (١).\nلكن يلاحظ: حين يقول صحابيّ: (نزلت هذه الآية في كذا)، ويقول آخر:\n(نزلت في كذا) ويذكر أمرا آخر؛ أنّ سبب النّزول منهما أقربهما في سياقه لإفادة ذلك من غير تأويل، ويكون الثّاني قصد إلى مجرّد التّفسير في أنّ هذا الأمر الّذي ذكر مندرج حكمه تحت هذه الآية.\nمثل حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:\nسألت- أو سئل- رسول الله ﷺ: أيّ الذّنب عند الله أكبر؟\nقال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك»، قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله ﷺ: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٣٤٩، ٤٣٩١) ومسلم (رقم: ١٠١٨).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٤٨٣، ٥٦٥٥، ٦٤٦٨، ٧٠٩٤) ومسلم (رقم: ٨٦).","vol":"1","page":46},{"text":"مع حديث عبد الله بن عبّاس، ﵄:\nأنّ ناسا من أهل الشّرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمّدا ﷺ فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارة، فنزل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨]، ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزّمر: ٥٣] (١).\nفهذان الحديثان جميعا صحيحان من جهة النّقل، واختلفا في الظّاهر في بيان السّبب الّذي نزلت لأجله الآية، فطريق التّوفيق بينهما أنّك لو تأمّلت أقربهما في إفادة السّببيّة وجدتها أظهر في حديث ابن عبّاس، فإنّه صريح في نزول الآية جوابا لسؤال النّفر من أهل الشّرك عن كفّارة أعمالهم.\nأمّا حديث ابن مسعود فليس فيه من المناسبة بين سياق الحديث ونزول الآية غير ما جاء فيها من موافقة القرآن لقول رسول الله ﷺ، وليس بلازم من تلك الموافقة أن تكون الآية نزلت بخصوصها، وإنّما وجد ابن مسعود اندراج الحكم المذكور فيما حدّث به النّبيّ ﷺ في جملة الآية، ولا ريب أنّها نزلت في إفادة ذلك الحكم والدّلالة عليه، فهو استدلال بعموم الآية من قبل ابن مسعود.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٥٣٢) ومسلم (رقم: ١٢٢).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الثالث: هل يمكن تكرر النزول</span>؟\nلا مانع من أن تنزل الآية لأكثر من سبب.\nمثاله: ما وقع في نزول آيات اللّعان، فقد صحّ أنّها نزلت في قصّة قذف عويمر العجلانيّ امرأته، وفي قصّة قذف هلال بن أميّة امرأته، وفي كلّ من القصّتين ما يبيّن أنّ الآيات نزلت بسببها، وإن كانت في الثّانية منهما أظهر.\nفأمّا قصّة عويمر؛ فعن سهل بن سعد: أنّ عويمرا أتى عاصم بن عديّ- وكان سيّد بني عجلان-، فقال: كيف تقولون في رجل وجد\nمع امرأته رجلا؛ أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصم النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، فكره رسول الله ﷺ المسائل، فسأله عويمر، فقال: إنّ رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتّى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك» فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمّى الله في كتابه، فلاعنها، (وذكر سائر الحديث) (١).\nوأمّا قصّة هلال، فعن عبد الله بن عبّاس، ﵄:\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٤٦٨، ٤٤٦٩، ٤٩٥٩، ٥٠٠٢، ٥٠٠٣، ٦٨٧٤) ومسلم (رقم: ١٤٩٢).","vol":"1","page":48},{"text":"أنّ هلال بن أميّة قذف امرأته عند النّبيّ ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ ﷺ: «البيّنة أو حدّ في ظهرك»، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة! فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «البيّنة وإلّا فحدّ في ظهرك»، فقال هلال: والّذي بعثك بالحقّ إنّي لصادق، فلينزلنّ الله ما يبرّئ ظهري من الحدّ، فنزل جبريل وأنزل عليه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ فقرأ حتّى بلغ: إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النّور: ٦ - ٩]، (وذكر سائر الحديث) (١).\nفهذا وشبهه ليس من التّعارض، إنّما هو من نزول الآية أو الآيات لأكثر من سبب، ربّما توافق السّببان وقتا فنزلت الآية فيهما، وربّما تكرّر نزول الآية عند تكرّر الوقعة المقتضية لها، ولا يمنع من\nذلك كونها موجودة عند رسول الله ﷺ، فالنّزول الأوّل تناول الحدث الأوّل مع الإعلام للنّبيّ ﷺ بما تضمّنته الآية من عموم الحكم لنظائر تلك الوقعة وأشباهها، والنّزول الثّاني ليعرف أنّ الحدث الجديد مراد بتلك الآية على سبيل القطع واليقين، إذ كلّ آية تنزل لسبب فإنّ إرادة السّبب بها قطعيّة، بخلاف ما يخضع لتصرّفات الحاكم واجتهاده، فإنّ تنزيله الآية على وقعة أو حدث فإنّما يقع على سبيل الظّنّ لا القطع، وهذه فائدة جليلة في مثل هذه الصّورة من أسباب النّزول.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٤٧٠).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الرابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب</span>\nما نزل لسبب خاصّ فهل يقصر فيه الحكم على سببه؟\nتلاحظ عند مقارنة ألفاظ الآيات الّتي نزلت لسبب أنّها تأتي باللّفظ العامّ الّذي يشمل تلك الوقعة الّتي جاء الحديث بأنّها السّبب في نزولها، كما يشمل كلّ ما يندرج تحت عموم ذلك اللّفظ.\nوحين نقلت لنا أسباب نزول بعض آيات الكتاب لم يقصد النّاقلون لذلك بقولهم مثلا: (نزلت هذه الآية في فلان) أنّ حكمها لا يتعدّاه إلى غيره.\nوحمل اللّفظ العامّ على سبب خاصّ إبطال لدلالة العموم وفائدته، ولو أراد الله تعالى اختصاص الحكم بالواقعة الّتي نزل فيها لما أنزله نصّا عامّا، وإنّما أريد للنّصّ أن يكون قانونا عامّا يجري على كلّ الأشباه والنّظائر لتلك القصّة الّتي نزلت الآية لأجلها.\nولذا جاءت القاعدة هنا: (العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب).\nوخذ لها مثالا:\nعن عبد الله بن مسعود، ﵁:\nأنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له، قال: فنزلت: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]، قال: فقال الرّجل:\nألي","vol":"1","page":50},{"text":"هذه يا رسول الله؟ قال: «لمن عمل بها من أمّتي».\nوفي رواية: فقال رجل من القوم: يا نبيّ الله، هذا له خاصّة؟\nقال: «بل للنّاس كافّة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الخامس: فوائد معرفة أسباب النزول</span>\nمعرفة أسباب نزول القرآن من الأسباب الّتي لا يستغني عنها المتدبّر لكلام الله تعالى، وفيها من الفوائد شيء عظيم، فمن ذلك:\nإدراك حكم التّشريع، ومعرفة مقاصد الشّريعة، وكيف أنّ الأحكام الشّرعيّة كانت تأتي مناسبة للواقع، ومسايرة للحدث، ومحقّقة ومستوفية حاجة المكلّف.\nفتدلّك أسباب النّزول على أن القرآن لم ينزل لتلتمس بتلاوته البركة وإن كان فيه أعظم البركات، وإنّما نزل قانونا للحياة، تضبط به المعاملات من بيوع ونكاح وطلاق وأقضية وميراث، كما تضبط به العبادات من طهارة وصلاة وصيام، وغير ذلك، ليس للفرد خاصّة، بل للمجتمع والدّولة كذلك.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٥٠٣، ٤٤١٠) ومسلم (رقم: ٢٧٦٣)، والرّواية الثّانية لمسلم وحده.","vol":"1","page":51},{"text":"معرفة الوجه الّذي يكون عليه معنى الآية.\nوهذا يعني أنّ معرفة السّبب أصل في تفسير الآية، ولذلك يهتدي به المفسّرون لإدراك معاني القرآن.\nوتأمّل ذلك فيما حدّث به حميد بن عبد الرّحمن بن عوف: أنّ مروان (هو ابن الحكم) قال: اذهب يا رافع (لبوّابه) إلى ابن عبّاس فقل: لئن كان كلّ امرئ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون، فقال ابن عبّاس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنّما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثمّ تلا ابن عبّاس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ هذه الآية [آل عمران: ١٨٧]، وتلا ابن عبّاس: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: ١٨٨]، وقال ابن عبّاس:\nسألهم النّبيّ ﷺ عن شيء فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه (١).\nوأراد ابن عبّاس أنّ هذه الآية الّتي استدلّ بها مروان لما قال إنّما هي متّصلة بالآية الّتي قبلها، وهي قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ فهؤلاء أهل الكتاب، ووجه الذّمّ لهم أنّهم\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٩٢) ومسلم (رقم:\n٢٧٧٨).","vol":"1","page":52},{"text":"كتموا رسول الله ﷺ إذ سألهم وأجابوه بغيره معجبين بما صنعوا، مظهرين للنّبيّ ﷺ أنّهم أعطوه ما أراد، يرجون بذلك ثناءه عليهم ومدحه لهم.\nولم يرد ابن عبّاس أن يجعل الآية مقصورة عليهم، فإنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، وإنّما بيّن لمروان غلطه باستعماله عموم اللّفظ دون مراعاة سبب النّزول في فهم ذلك العموم، فالآية عامّة فيمن صنع صنيع أولئك اليهود، والله إنّما ذكر نبأهم للاعتبار، لكن ذلك الاعتبار يجب أن يراعى فيه مورد الآية، اتّقاء لتنزيل النصّ في غير محلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث السادس: وجوب التحقق من صحة السبب</span>\nلما تقدّم بيانه من أثر معرفة أسباب نزول القرآن على فهمه على أفضل وجه وأتمّه، فإنّه يجب التّحرّي في ثبوت ذلك، واعلم أنّ الغلط يرد في هذا من جهة تحديث الإنسان بكلّ ما يبلغه، وكفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع دون أن يتحقّق من صحّة ذلك.\nمثل ما حدّث به يوسف بن ماهك، قال: كان مروان على\nالحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرّحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا، فقال مروان: إنّ هذا الّذي أنزل الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي [الأحقاف: ١٧]، فقالت عائشة من وراء","vol":"1","page":53},{"text":"الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلّا أنّ الله أنزل عذري (١).\nفجائز أن يكون مروان بلغه مثل ذلك عن عبد الرّحمن بن أبي بكر أنّ هذه الآية نزلت فيه، وجائز أن يكون قاله من قبل نفسه، فأنكرت ذلك أمّ المؤمنين عائشة رضي الله\nعنها، تقول: نحن ذرّيّة أبي بكر ما أنزل الله في أحد منّا ذمّا، وقولها قول من عايش التّنزيل وعلم مواقعه، بخلاف قول مروان الّذي غاية أمره أن يكون بلغه ذلك فحدّث به، إذ لم يشهد التّنزيل، مع ما انضمّ إليه من العصبيّة.\nوالأشدّ من هذا الأخذ مما يرى في الكتب كتب التّفسير وغيرها من ذكر أسباب النّزول، دون تمييز للثّابت منها من غيره، بل ربّما من المؤلفين والكتّاب والوعّاظ من يذكر الشّيء من ذلك ويؤصّل على وفقه ويفصّل، ثمّ يتبيّن مجيئه من رواية كذّاب أو متروك.\nومن الأمثلة الشّائعة لذلك ما تتناقله كتب التّفسير في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ\nوَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ٧٧ [التّوبة: ٧٥ - ٧٧] أنّها نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٥٥٠).","vol":"1","page":54},{"text":"وهي قصّة كذب، وثعلبة هذا مبرّأ من النّفاق، وهو من البدريّين، وقد غفر الله تعالى لأهل بدر (١).\n_________\n(١) قصّة ثعلبة هذه أوردتها أكثر كتب التّفسير وأسباب النّزول، ويتداولها الخطباء والوعّاظ، وقلّ جدّا من نبّه على بطلانها، مع وهاء إسنادها، ونكارة متنها من وجوه عديدة، ورأيت بعض أهل العلم الفضلاء المعاصرين قد تنبّهوا لذلك فنبّهوا عليه، وكتب بعضهم أبحاثا نافعة، من أجودها، ما كتبه الشّيخ الفاضل عداب محمود الحمش في رسالته: «ثعلبة بن حاطب المفترى عليه».\nوأبيّن علّة النّقل فأقول:\nأخرجها ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (رقم: ٢٢٥٣) والطّبرانيّ في «المعجم الكبير» (٨/ ٢٦٠) وابن أبي حاتم الرّازيّ في «تفسيره» (رقم: ١٠٤٠٦، ١٠٤٠٨) وابن جرير (١٠/ ١٨٩) وأبو نعيم الأصبهانيّ في «معرفة الصّحابة» (رقم: ١٣٧٥) والبيهقيّ في «دلائل النّبوة» (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢) وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» (٢/ ٩١ - هامش: الإصابة) والواحديّ في «الوسيط» (٢/ ٥١٣) و«أسباب النّزول» (ص: ٢٥٢ - ٢٥٤) وعزّ الدّين ابن الأثير في «أسد الغابة» (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣) من طرق عن معان بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد الألهانيّ، عن القاسم أبي عبد الرّحمن، عن أبي أمامة:\nأنّ ثعلبة بن حاطب أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال: «ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدّي شكره، خير من كثير لا تطيقه»، وذكر قصّة طويلة بعضهم يختصرها، وفيها أنّ الآيات: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ .. وما بعدها نزلت فيه.\nقلت: معان هذا شاميّ ليس بالقويّ في الحديث، وشيخه عليّ بن يزيد الألهانيّ منكر الحديث متروك، حدّث بعجائب، وعليه الحمل في هذه القصّة.\nوقال الذّهبيّ في حديثه هذا: «حديث منكر بمرّة» (تجريد أسماء الصّحابة:\n١/ ٦٦).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>خلاصة وأحكام</span>\n١ - من القرآن ما نزل ابتداء، ومنه ما نزل لسبب.\n٢ - يعرف السّبب عن طريق الرّواية الثّابتة إلى النّبيّ ﷺ، أو الصّحابي.\n٣ - ما يقوله الصّحابيّ كسبب نزول آية له حكم الحديث المرفوع وإن لم يذكر فيه النّبيّ ﷺ.\n٤ - إذا روي في سبب نزول الآية أكثر من سبب اتّبعت القاعدة التّالية:\nإن كان أحدهما أصحّ من الآخر من جهة الإسناد، قدّم الأصحّ.\nإن تساويا في الثّبوت وكانا غير صريحين في السّببيّة دخلا جميعا في عموم حكم الآية.\nإن كان أحدهما صريحا في السّببيّة دون الآخر قدّم الصّريح.\nإن كانا صريحين في السّببيّة؛ سلك فيهما طريق الجمع والتّوفيق.\nإن تعذّر الجمع فلا مانع من القول بتكرّر النّزول.\n٥ - العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب.\n٦ - صورة السّبب قطعيّة الدّخول في العموم، بمعنى أنّ سبب النّزول مقصود جزما بالآية، وليست ظنّيّة الدّلالة عليه.\n٧ - معرفة أسباب النّزول من قواعد التّفسير.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفصل الثالث: معرفة المكي والمدني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الأول: المراد بالمكي والمدني</span>\nللعلماء في تفسير ذلك طرق أحسنها: مراعاة زمن النّزول، وجعل الفاصل بينهما الهجرة.\nفالمكّيّ: ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بغير مكّة، والمدنيّ: ما نزل بعد الهجرة وإن لم يكن بالمدينة.\nأمّا من ذهب من العلماء مثلا إلى اعتبار مكان النّزول فقال:\nالمكّيّ ما نزل بمكّة، والمدنيّ: ما نزل بالمدينة، فقسمته غير دقيقة، إذ من القرآن ما نزل بغير مكّة ولا المدينة، فالاقتصار حينئذ على مكّيّ ومدنيّ قصور.\nومنهم من ذهب إلى أنّ المكّيّ ما كان فيه خطاب: يا أَيُّهَا النَّاسُ والمدنيّ ما كان فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وهذا حدّ\nمضطرب، فإنّه وجد في المكّي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وفي المدنيّ: يا أَيُّهَا النَّاسُ.\nفلذا كان التّفسير المذكور أوّلا أقرب تفسيراتهم، وذلك باعتبار الهجرة فاصلا بينهما، خاصّة مع ما في مراعاته من الحكم والفوائد الّتي سيأتي التّنبيه على بعضها.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثاني: طريق معرفة المكي والمدني</span>\nيعرف المكّيّ والمدنيّ بواحد من طريقين:\nالأوّل: النّقل عن الصّحابة، فقد كانوا يشهدون التّنزيل ويعلمون وقائعه وأحواله وأزمانه.\nوالآثار المنقولة عنهم ممّا يميّز بعض المكّيّ أو بعض المدنيّ عديدة.\nفإن لم نجد الخبر عنهم بذلك ووجدنا النّقل الثّابت عن التّابعين، خاصّة من كانت له عناية بالتّفسير كمجاهد مثلا، فلا بأس من اعتماد قولهم فيه إن سلم من المعارض الأصحّ.\nأقول هذا لورود بعض الآثار في ذلك عن بعض التّابعين ورد ما هو أولى منها وأصحّ.\nوالثّاني: الاجتهاد عند عدم النّقل، وذلك بتمييز<span data-type=\"title\" id=toc-36> خصائص المكّيّ </span>والمدنيّ وإلحاق ما لم يرد النّقل به أنّه مكّيّ أو مدنيّ، بجامع تلك الخصائص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثالث: خصائص المكي والمدني</span>\nخصائص المكّي:\n١ - الدّعوة إلى التّوحيد، وإثبات الرّسالة، وإثبات اليوم الآخر، والوعد والوعيد، وجدال المشركين بالبراهين العقليّة والآيات الكونيّة.","vol":"1","page":58},{"text":"٢ - وضع القواعد العامّة للتّشريع في الحلال والحرام، والتّركيز على تثبيت مكارم الأخلاق كالعدل والإحسان، وإبطال ما ينافيها من مساوئ الأخلاق كالظّلم والفجور والأذى ممّا كان يفعله أهل الجاهليّة.\n٣ - ذكر قصص الأنبياء والأمم السّالفة للعبرة والقياس، وتثبيت النّبيّ ﷺ والمؤمنين.\n٤ - قصر الفواصل بين الآي، مع قوّة الوقع في الألفاظ والإيجاز في العبارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>خصائص المدني:</span>\n١ - تفصيل العبادات والمعاملات والحدود وقانون الدّولة الإسلاميّة وسائر شرائع الإسلام ممّا يتناسب التّكليف به مع واقع التّمكّن للمجتمع المسلم.\n٢ - التّركيز على دعوة أهل الكتاب وشرح أحوالهم وبيان ضلالهم، حيث كانوا يوجدون في مجتمع المدينة بعد الهجرة.\n٣ - الكشف عن حقيقة النّفاق وشرح صفات المنافقين وأحوالهم،\nوالنّفاق لم يظهر في عهد النّبيّ ﷺ حتّى مكّن الله لهذا الدّين، فصار بعض النّاس يستترون بالإسلام في الظّاهر خوفا من سلطان الحقّ وأهله، وهم يسرّون له العداوة والكيد والتّآمر.\n٤ - طول الآيات بما يتناسب مع الشّرح والبيان لشرائع الإسلام.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الرابع: علامات لتمييز المكي والمدني</span>\nيعرف المكّيّ والمدنيّ بعلامات مستفادة من تتبّع المأثور عن السّلف من أهل التّفسير، مع مراعاة الخصائص المتقدّمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>فمن العلامات لمعرفة المكّي ما يلي:</span>\n١ - كلّ سورة فيها سجدة فهي مكّيّة، ومنها سورة الحجّ.\n٢ - كلّ سورة فيها لفظ كُلا فهي مكّيّة، لما فيها من الدّلالة على الرّدع، وإنّما كان مع المشركين قبل التّمكين.\n٣ - كلّ سورة فيها يا أَيُّهَا النَّاسُ وليس فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهي مكّيّة.\nوكان عبد الله بن مسعود، ﵁، يقول:\nقرأنا المفصّل حججا ونحن بمكّة ليس فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (١).\n٤ - كلّ سورة فيها قصص الأنبياء وذكر الأمم الغابرة سوى أهل الكتاب فهي مكّيّة.\nقال التّابعيّ الإمام عروة بن الزّبير:\nما كان من ذكر الأمم والقرون والعذاب، فإنّه أنزل بمكّة.\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٣٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":60},{"text":"وفي رواية: إنّي لأعلم ما نزل من القرآن بمكّة، وما أنزل بالمدينة، فأمّا ما نزل بمكّة فضرب الأمثال وذكر القرون، وأمّا ما نزل بالمدينة فالفرائض والحدود والجهاد (١).\n٥ - كلّ سورة فيها قصّة آدم وإبليس فهي مكّيّة إلّا البقرة.\n٦ - كلّ سورة تفتتح بالحروف فهي مكّيّة إلّا البقرة وآل عمران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ومن العلامات لمعرفة المدني ما يلي:</span>\n١ - كلّ سورة فيها فريضة أو حدّ فهي مدنيّة.\nقال عروة بن الزّبير: ما كان من حدّ أو فريضة فإنّه أنزل بالمدينة (٢).\n٢ - كلّ سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنيّة، سوى العنكبوت فهي مكّيّة، وذلك في قوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ١١ [الآية: ١١].\n٣ - كلّ سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنيّة.\nواعلم أنّ هذه العلامات تقريبيّة، دلّ عليها الأثر والتّدبّر والنّظر.\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣٦٧) وابن أبي شيبة في «المصنّف» (رقم: ٣٠١٣١) بالرّواية الأولى، وإسناده صحيح.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٤٠) بالرّواية الثّانية، وإسناده صحيح.\n(٢) جزء من الأثر الّذي قبله بالرّواية الأولى.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الخامس: فوائد معرفة المكي والمدني</span>\n١ - تمييز النّاسخ والمنسوخ، وهو من شرط الكلام في شرائع الدّين.\n٢ - التّمكين من فهم القرآن من خلال الواقع الّذي كان ينزل فيه، ممّا يخلص منه القدرة على وضع نصوص الكتاب في مواضعها، فالخطاب المكّي مثلا يراعي حال الاستضعاف للمؤمنين والطّغيان والاستعلاء للكافرين، بخلاف الخطاب المدنيّ ففيه مراعاة القوّة والتّمكّن والعزّة للمؤمنين، والذّلّة والهزيمة للكافرين.\nوما يقتضيه كلّ وضع من تلك الأوضاع المختلفة قاعدة عظيمة لفقه شرائع الإسلام وتنزيل كلّ شيء منزلته بمراعاة أحوال المكلّفين.\n٣ - استفادة المنهج السّليم للدّعوة إلى الله ﷿، فالمكّيّ والمدنيّ يعني مراحل السّيرة النّبويّة في الدّعوة والتّبليغ، وكلّ دعوة لهذا الدّين تقوم على هدي رسول الله ﷺ فهي لا تخلو من أن تكون في مرحلة من تلك المراحل، وحيث إنّ الأمّة مأمورة بمتابعة ما جاء به الرّسول ﷺ فهي غير معذورة في مجاوزة ذلك الهدي في استعمال القرآن.\nوهذه حقيقة لا يساعد عليها مجرّد الوقوف عند حرفيّات\nالنّصوص، حتّى يتعدّاها البصير إلى التّأمّل والفقه للواقع النّبويّ، إذ كان القرآن ينزل معالجا لذلك الواقع.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث السادس: حصر<span data-type=\"title\" id=toc-43> السور المكية </span>والمدنية</span>\nما يوجد في كثير من المصاحف من وصف السّورة في صدرها بأنّها (مكّيّة) أو (مدنيّة) ليس توقيفيا عن الله تعالى أو نبيّه ﷺ، وإنّما هو بحسب المنقول عن السّلف في ذلك، ومنه ما هو متّفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه، فإليك أصحّ ما قيل في ذلك:\n\nالسّور المكّيّة:\nالأنعام، الأعراف، يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، النّحل، الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء، المؤمنون، الفرقان، الشّعراء، النّمل، القصص، العنكبوت، الرّوم، لقمان، السّجدة، سبأ، فاطر، يس، الصّافّات، ص، الزّمر، غافر، فصّلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، الأحقاف، ق، الذّاريات، الطّور، النّجم، القمر، الملك، القلم، الحاقّة، المعارج، نوح، الجنّ، المزّمّل، المدّثّر، القيامة، المرسلات، النّبأ، النّازعات، عبس، التّكوير، الانفطار، الانشقاق، البروج، الطّارق، الأعلى، الغاشية، الفجر، البلد، الشّمس، اللّيل، الضّحى، الشّرح، التّين، العلق، القدر، القارعة، الهمزة، الفيل، قريش، الكافرون، المسد.\nهذه السّور لا يكاد يختلف في شيء منها أنّها مكّيّة.\nأمّا ما اختلف فيها والرّاجح أنّها مكّيّة، فإليكها:\nالفاتحة، الرّعد، الحجّ، الرّحمن، الواقعة، التّغابن، الإنسان، الزّلزلة،","vol":"1","page":63},{"text":"العاديات، التّكاثر، العصر، الماعون، الكوثر، الإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>السّور المدنيّة:</span>\nالبقرة، آل عمران، النّساء، المائدة، الأنفال، التّوبة، النّور، الأحزاب، محمّد ﷺ، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصّفّ، الجمعة، المنافقون، الطّلاق، التّحريم، البيّنة، النّصر.\nهذه السّور لا يوجد اختلاف معتبر في كونها مدنيّة.\nأمّا ما اختلف فيها والرّاجح أنّها مدنيّة، فهي:\nالمطفّفين، الفلق، النّاس (١).\n_________\n(١) هناك اختلاف يسير في بعض ما أوردته في السّور المكّيّة والمدنيّة، لكنّه ضعيف لم يدلّ عليه أثر ثابت ولا دلّت عليه خصائص السّور، فلم أعتبره.\nومن سبب الاختلاف في تحديد المكّيّ والمدنيّ في بعض سور القرآن عدم استقامة القاعدة عند بعض المفسّرين، فربّما لوجود بعض الآيات المدنيّة في سور مكّيّة صيّر البعض تلك السّورة مدنيّة، كما وقع في سورة الحجّ مثلا، وأحيانا باستعمال المفسّر لبعض الخصائص الّتي لا تطّرد دائما، أو غير ذلك.\nواعلم أنّه نقل عن ابن عبّاس وابن الزّبير تعيين جميع المكّيّ والمدنيّ في سياق واحد، ولا يثبت شيء من ذلك من جهة الإسناد.\nوالتّرجيح الّذي ذكرته تحت (ما اختلف فيه، والرّاجح أنّه مكّيّ)، و(ما اختلف فيه والرّاجح أنّه مدنيّ) فهو باستعمال خصائص المكّيّ والمدنيّ المتقدّم ذكرها في أكثره، مع اعتضاد بعض السّور بمرجّحات أخرى، تصير إلى تأكيد كون السّورة مكّيّة أو مدنيّة، ومن ذلك:-\n١ - سورة الفاتحة مكّيّة. =","vol":"1","page":64},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والدّليل عليه ما أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٠٤، ٤٣٧٠، ٤٤٢٦، ٤٧٢٠) من حديث أبي سعيد بن المعلّى، عن النّبيّ ﷺ قال:\n«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢ هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الّذي أوتيته».\nوهذا الحديث يفسّر به النّبيّ ﷺ قوله تعالى في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ٨٧، وهذا امتنان من الله تعالى على نبيّه ﷺ، ولا خلاف أنّ سورة الحجر مكّيّة.\nحكم البغويّ بأنّ الأصحّ كون الفاتحة مكّيّة، واستدلّ بهذا، وقال: «فلم يكن يمنّ عليه بها قبل نزولها» (معالم التّنزيل: ١/ ٤٩).\n٢ - سورة الرّحمن مكّيّة.\nأخرج أحمد في «مسنده» (٦/ ٣٤٩) قال: حدّثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت:\nسمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ وهو يصلّي نحو الرّكن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ١٣.\nوأخرجه الطّبرانيّ في «المعجم الكبير» (٢٤/ ٨٦) من طريق سعيد بن أبي مريم، حدّثنا ابن لهيعة، به، لكن فيه: (بعد أن يصدع بما أمر).\nقلت: وإسناد هذا الحديث صالح.\nكما يشهد لما ذكرت، ما أخرجه ابن أبي الدّنيا في «كتاب الشّكر لله ﷿» (رقم: ٦٧) قال: حدّثني محمّد بن عبّاد بن موسى من كتابه، حدّثنا يحيى بن سليم الطّائفيّ، عن إسماعيل بن أميّة، عن نافع، عن ابن عمر:\nأنّ رسول الله ﷺ قرأ سورة الرّحمن، أو قرئت عنده، فقال: «ما لي أسمع الجنّ أحسن جوابا لردّها منكم؟ ما أتيت على قول الله ﷿: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ١٣ إلّا قالت الجنّ: ولا بشيء من نعمة ربّنا نكذّب».\nوأخرجه الخطيب البغداديّ في «تاريخه» (٤/ ٣٠١) من طريق محمّد بن عبّاد، به. =","vol":"1","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كما أخرجه ابن جرير (٢٧/ ١٢٣) قال: حدّثنا محمّد بن عبّاد بن موسى، وعمرو بن مالك البصريّ، قالا: حدّثنا يحيى بن سليم، به.\nوهو عند البزّار (رقم: ٢٢٦٩ - كشف الأستار) عن عمرو بن مالك وحده.-\nقلت: إسناد الحديث حسن، والعبرة برواية محمّد بن عبّاد، أمّا عمرو بن مالك فهو ضعيف.\nوالشّاهد من هذا الحديث هو أنّ الثّابت في اجتماع النّبيّ ﷺ بالجنّ إنّما كان بمكّة قبل الهجرة.\n٣ - سورة المطفّفين مدنيّة.\nلحديث عبد الله بن عبّاس، ﵁، قال:\nلمّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة كانوا من أخبث النّاس كيلا، فأنزل الله سبحانه: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ١، فأحسنوا الكيل بعد ذلك.\nأخرجه النّسائيّ في «التّفسير» (رقم: ٦٧٤) وابن ماجة (رقم: ٢٢٢٣) وابن جرير (٣٠/ ٩١) والطّبرانيّ في «الكبير» (١١/ ٣٧١) وابن حبّان (رقم: ٤٩١٩) والحاكم (رقم: ٢٢٤٠) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٥٢٨٦) والواحديّ في «أسباب النّزول» (ص: ٤٨٢) والبغويّ في «معالم التّنزيل» (٨/ ٣٦١) من طرق عن الحسين بن واقد، قال: حدّثني يزيد النّحويّ، أنّ عكرمة حدّثه، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده جيّد، وقال الحاكم: «حديث صحيح».\n٤ - سورتا الفلق والنّاس مدنيّتان.\nودليل ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (رقم: ٨١٤) من حديث عقبة بن عامر الجهنيّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ألم تر آيات أنزلت اللّيلة لم ير مثلهنّ؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١».\nوعقبة بن عامر إنّما أسلم أوّل مقدم النّبيّ ﷺ المدينة.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث السابع: آيات مدنية في سور مكية</span>\nالوصف للسّورة بأنّها (مكّيّة) إنّما هو بحسب الأغلب الأعمّ في سور القرآن، تكون السّورة مكّيّة بجميع آياتها، والقرآن كما بيّنا في نزوله كانت تنزل الآية فيقول النّبيّ ﷺ: «ضعوها في موضع كذا»، لذا\nجاءت بعض الآيات المدنيّة ضمن سور مكّيّة، وثبتت بذلك الرّواية، كذلك جاءت آية مكّيّة ضمن سورة مدنيّة.\nوقمت بتتبّع ذلك بأسانيده، فخلصت منه إلى أنّ الّذي ثبتت به الرّواية من المدنيّ في المكّيّ في تسع سور، هي كالتّالي:\n١ - في سورة هود: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [الآية: ١١٤].\n٢ - وفي سورة النّحل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [الآية: ١٢٦].\n٣ - وفي سورة الإسراء: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الآية: ٨٥].\n٤ - وفي سورة الحجّ ثلاثة مواضع:\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الآية: ١١].","vol":"1","page":67},{"text":"وهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ٢٢ [الآيات: ١٩ - ٢٢].\nوأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ\nبِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) [الآيتان: ٣٩ - ٤٠].\n٥ - وفي سورة يس: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [الآية: ١٢].\n٦ - وفي سورة الزّمر موضعان:\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ٥٥ [الآيات: ٥٣ - ٥٥].\nووَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ","vol":"1","page":68},{"text":"وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الآية: ٦٧].\n٧ - وفي سورة الشّورى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الآية: ٢٧].\n٨ - وفي سورة الأحقاف: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٠ [الآية: ١٠].\n٩ - وفي سورة التّغابن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الآية: ١٤].\nوموضع مجيء المكّيّ في المدنيّ، هو قوله تعالى في سورة\nالحديد: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الآية: ١٦].\n***","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصل الرابع: أول ما نزل وآخر ما نزل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الأول: أول ما نزل من القرآن</span>\nاختلف في ذلك على أقوال، الثّابت نقله منها قولان:\nالأوّل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.\nكما جاء في قصّة بدء الوحي لرسول الله ﷺ.\nقالت عائشة ﵂:\nأوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه (وهو التّعبّد) اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، قلت:\nما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّالثة، ثمّ أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ","vol":"1","page":70},{"text":"٣ [العلق: ١ - ٣]»، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: «زمّلوني، زمّلوني» الحديث (١).\nوالثّاني: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١.\nكما في حديث جابر بن عبد الله، ﵄.\nقال يحيى بن أبي كثير: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أنزل أوّل؟\nفقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١، فقلت: أنبئت أنّه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ فقلت: أنبئت أنّه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فقال: لا أخبرك إلّا بما قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «جاورت في حراء، فلمّا قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على عرش بين السّماء والأرض، فأتيت خديجة فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا، وأنزل عليّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣ [المدّثر: ١ - ٣]» (٢).\nوهذان في التّحقيق قولان غير متعارضين، فإنّ في حديث جابر نفسه\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣، ٤٦٧٠، ٤٦٧٢ - ٤٦٧٤، ٦٥٨١) ومسلم (رقم: ١٦٠).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٣٨ - ٤٦٤٠) ومسلم (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":71},{"text":"في رواية عن النّبيّ ﷺ قال وهو يحدّث عن فترة الوحي:\n«بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري، فإذا\nالملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ ٢ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ٥ [المدّثّر: ١ - ٥]، فحمي الوحي وتتابع» (١).\nفهذا صريح في أنّ الوحي سبق بالنّزول قبل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١، لكنّ جابرا لم يعلم أنّ ذلك الّذي سبق كان اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ولذلك لم ينكر هذا القول حين سأله عنه أبو سلمة بن عبد الرّحمن، وإنّما ذكر ما عنده من العلم عن رسول الله ﷺ، أمّا عائشة فكان عندها بخصوص ذلك من العلم ما لم يكن عند جابر.\nومن العلماء من يحمل حديث عائشة على نزول الوحي بالنّبوّة ب اقْرَأْ، وحديث جابر على نزوله بالرّسالة ب يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١، فكلاهما أوّل بالنّسبة للنّبوّة والرّسالة.\nلكن ليس هناك ما يلجئ إلى هذا، وما تقدّم أولى.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤، ٣٠٦٦، ٤٦٤١، ٤٦٤٢، ٤٦٧١، ٥٨٦٠) ومسلم (رقم: ١٦١).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الثاني: آخر ما نزل من القرآن</span>\nآخر آية نزلت من القرآن كلّه قوله تعالى من سورة البقرة في ختام آيات الرّبا: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١].\nفعن ابن عبّاس، ﵄، قال: آخر شيء نزل من القرآن: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (١).\nومثله ما جاء عن ابن عبّاس في رواية أخرى، قال: آخر آية نزلت على النّبيّ ﷺ آية الرّبا (٢).\nفالمقصود به الآية المذكورة، فهي تمام آيات الرّبا ومعطوفة عليها.\nوأمّا ما ثبت عن البراء بن عازب، ﵁، قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النّساء: ١٧٦] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النّسائيّ في «التّفسير» (رقم: ٧٧، ٧٨) وابن جرير (رقم:\n٦٣١١) والطّبرانيّ في «الكبير» (١١/ ٣٧١) من طريق حسين بن واقد، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس. قلت: وإسناده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٧٠).\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤١٠٦، ٤٣٢٩، ٤٣٧٧، ٦٣٦٣) ومسلم (رقم: ١٦١٨).","vol":"1","page":73},{"text":"فهذا محمول على أنّها آخر ما نزل من القرآن في أحكام الميراث.\nوحديث ابن عبّاس المتقدّم سالم في التّحقيق من معارض قائم، إذ هو إمّا معارض بما أريد به شيء مخصوص، كما في حديث البراء المذكور، وإمّا معارض بما لم يثبت من جهة الإسناد إلى قائله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>آخر سورة نزلت سورة النّصر</span>.\nلحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عبّاس:\nتعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعا؟ قلت: نعم، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ [النّصر: ١]، قال: صدقت (١).\nوحديث ابن عبّاس الآخر، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنّه دعاني يومئذ إلّا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عبّاس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ف إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم (رقم: ٣٠٢٤).","vol":"1","page":74},{"text":"وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا ٣، فقال عمر: ما أعلم منها إلّا ما تقول (١).\nوأمّا ما صحّ عن البراء بن عازب من قوله: آخر آية أنزلت آية الكلالة، وآخر سورة أنزلت براءة.\nوفي لفظ: إنّ آخر سورة أنزلت تامّة سورة التّوبة، وإنّ آخر آية أنزلت آية الكلالة (٢).\nفقد يكون قصد آخر ما نزل في الطّوال؛ وذلك أنّ سورة التّوبة ليس فيها الإشارة إلى أجل النّبيّ ﷺ كما وقع في سورة النّصر، وإنّما نزلت سورة التّوبة بعد غزوة تبوك وبعد هجر النّبيّ ﷺ للثّلاثة الّذين\nخلّفوا حيث نزل القرآن بشأنهم، وذلك في سنة تسع للهجرة، وكانت قد نزلت قبل الحجّة الّتي بعث النّبيّ ﷺ أبا بكر عليها، فقد بعث عليّا بهذه السّورة في تلك الحجّة، ومكث النّبيّ ﷺ بعدها ما يزيد على عام، وصحّ عن أنس بن مالك ﵁: إنّ الله ﷿ تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتّى توفّي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفّي رسول الله ﷺ (٣).\n...\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٤٢٨، ٤٠٤٣، ٤١٦٧، ٤٦٨٥، ٤٦٨٦) وهو في بعض هذه المواضع مختصر.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه، ولفظه الثّاني لمسلم، وتقدّم تخريجه عن البراء قريبا في آخر آية أنزلت.\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٩٧) ومسلم (رقم:\n٣٠١٦).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الخامس: الأحرف السبعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الأول: إنزال القرآن على سبعة أحرف</span>\nتواترت الأحاديث عن النّبيّ ﷺ بقوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف».\nمنها على سبيل المثال: حديث عمر بن الخطّاب، ﵁، قال:\nسمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثمّ أمهلته حتّى انصرف، ثمّ لبّبته بردائه فجئت به رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إنّي سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله ﷺ: «أرسله، اقرأ» فقرأ القراءة الّتي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: «هكذا أنزلت» ثمّ قال لي: «اقرأ» فقرأت، فقال:\n«هكذا أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسّر منه» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٢٢٨٧، ٤٧٠٦، ٤٧٥٤، ٧١١١) ومسلم (رقم: ٨١٨).\nلبّبته بردائه: جعلت ثوبه في عنقه وجررته به.","vol":"1","page":76},{"text":"هذه الأحرف السّبعة الّتي ذكرتها الأحاديث جميعها قرآن أنزله الله تعالى على نبيّه ﷺ وليست اجتهادا، قصد بها التّيسير على الأمّة في أخذ القرآن وتلاوته، يجب الإيمان بها من حيث الإجمال، كما يجب الإيمان بما علمنا صحّة نقله منها من حيث التّفصيل، ولا يحلّ الإقدام على جحدها أو جحد شيء منها إذا ثبت النّقل به، وإن لم يأت على موافقة رسم المصحف، كما سترى بعض أمثلته في المنقول عن الصّحابة، ﵃.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثاني: بيان المراد بالأحرف السبعة</span>\nاختلف العلماء في المراد بالأحرف السّبعة على أقوال، خلاصة أشهرها:\n١ - سبع لغات للمعنى الواحد.\nوهذا بمنزلة قولك: (هلمّ، تعال، أقبل) فهي وإن اختلفت في لفظها فقد اتّحدت في معناها ولم تتخالف.\n٢ - سبع لغات منثورة في القرآن يتألّف من مجموعها، أغلبه بلغة قريش، ومنه بلغة هذيل أو ثقيف أو تميم أو اليمن أو غيرهم.\n٣ - سبعة وجوه من المعاني، هي: الأمر، والنّهي، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال.\n٤ - الوجوه السّبعة للتّغاير الطّارئ على التّركيب، وهي: اختلاف الأسماء بالإفراد والتّثنية والجمع والتّذكير والتّأنيث، واختلاف وجوه","vol":"1","page":77},{"text":"الإعراب، واختلاف التّصريف، والتّقديم والتّأخير، والاختلاف بالإبدال، والزّيادة والنّقص، واختلاف اللهجات بالتّفخيم والتّرقيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>والرّاجح من هذه المذاهب المذهب الأوّل</span>.\nوذلك أنّ الأحاديث المتواترة الواردة فيه والّتي هي طريقنا لإثبات الأحرف السّبعة، بيّنت بوضوح أنّه اختلاف حروف لا اختلاف معاني، مقصود به رفع الحرج عن التّالين من أصحاب الألسنة المختلفة، والإنسان قد يجري في استعماله لفظ (هلمّ) مثلا بدل (أقبل) ويجده بالاعتياد أيسر عليه، فرفع الحرج في مثل ذلك بنزول القرآن على الحروف المختلفة الجارية في الاستعمال ما دام المعنى متّفقا غير متخالف، ومنه كذلك تقديم لفظ أو تأخيره والمعنى متّحد.\nوهذا يبيّنه بوضوح حديث أبيّ بن كعب، ﵁، قال:\nقرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النّبيّ ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى»، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: «بلى، كلاكما محسن مجمل» قال: فقلت له، فضرب صدري، فقال: «يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي\nمعي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت: (غفورا رحيما) أو قلت:","vol":"1","page":78},{"text":"(سميعا عليما) أو قلت: (عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (١).\nأراد ﷺ أنّ اختلافهما حين اختلفا في القراءة لم يكن عن تضادّ، فإنّ القرآن أنزل على هذا الوجه وعلى هذا، وما دام الوجهان متّفقين كالتّقديم والتّأخير في المثال المذكور، أو التّنويع فيه بذكر لفظ بدل لفظ، واللّفظان لشيء واحد؛ فليس في هذا من بأس.\nولم يرد ﷺ التّرخيص بأن يبدل التّالي باجتهاده لفظا بلفظ، وإنّما هذا مثل للتّقريب، وأنت تلاحظ في صدر الحديث أنّ أبيّا وابن مسعود إنّما قرآ بما أقرأهما النّبيّ ﷺ لا باجتهادهما.\nوالشّاهد في هذا الحديث لما قصدناه ظاهر، وهو عود اختلاف الأحرف السّبعة إلى هذا المعنى.\nومثاله في مجيء القراءة النّبويّة بمثل هذه الصّورة؛ ما جاء من حديث\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٤) وأبو داود (رقم: ١٤٧٧) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ١٢٤) والطّحاويّ في «مشكل الآثار» (رقم:\n٣١١٢، ٣١١٣) من طرق عن همّام بن يحيى، قال: حدّثنا قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أبيّ بن كعب، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح.\nوللحديث طرق كثيرة استوعبت شرحها وبيان درجاتها في كتاب «طرق حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف».","vol":"1","page":79},{"text":"عقبة بن عامر، ﵁، قال:\nرأيت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية في خاتمة النّور وهو جاعل إصبعيه تحت عينيه، يقول: «بكلّ شيء بصير» (١).\nوالّذي في المصحف: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النّور: ٦٤].\nويزيد هذا القول قوّة المأثور من قراءة جماعة من أصحاب النّبيّ ﷺ، فمن ذلك:\n١ - عن عبد الرّحمن بن حاطب، عن عمر:\nأنّه صلّى العشاء الآخرة، فاستفتح آل عمران، فقرأ: (الم. الله لا إله إلّا هو الحيّ القيّام) (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٠٨) والطّبرانيّ في «الكبير» (١٧/ ٢٨٢) من طرق عن عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة، به.\nقلت: وإسناده حسن، رواه عن ابن لهيعة من متثبّتي أصحابه أبو الأسود النّضر بن عبد الجبّار، وابن لهيعة إذا روى عنه متثبّت وليس في حديثه ما ينكر فحديثه حسن، وسائر الإسناد ثقات.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٢٩٦) قال: حدّثنا حجّاج، عن هارون بن موسى، عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطب، عن أبيه، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، وحجّاج هو ابن محمّد الأعور، وهارون هو النّحويّ من القرّاء، ورجال الإسناد ثقات سوى ابن علقمة، فهو صدوق حسن الحديث.\nوقد تابعه محمّد بن إسحاق، عند ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٥١ - ٥٢).\nوذكره البخاريّ في «صحيحه» (٤/ ١٨٧٢) تعليقا.","vol":"1","page":80},{"text":"والّذي في المصحف: الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].\n٢ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، قال:\nلقد توفّى الله عمر، ﵁، وما يقرأ هذه الآية الّتي\nذكر الله فيها الجمعة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلّا (فامضوا إلى ذكر الله) (١).\nوالّذي في المصحف: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩].\n٣ - وعن أبي رزين مسعود بن مالك الأسديّ، قال:\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن جرير (٢٨/ ١٠٠) قال: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أنّ عبد الله قال: فذكره.\nقلت: وهذا إسناد صحيح كالشّمس، وابن وهب هو عبد الله، وشيخه يونس بن يزيد الأيليّ.\nوأخرجه الشّافعيّ في «الأمّ» (١/ ١٩٦) أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، بالإسناد نحوه.\nوعلّقه البخاريّ في «صحيحه» (٤/ ١٨٥٨) بصيغة الجزم.","vol":"1","page":81},{"text":"في قراءة عبد الله (يعني ابن مسعود): (وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم قبله) (١).\nوالّذي في المصحف: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠].\nإلى أمثلة أخرى مرويّة عنهم، تدلّ جميعا على أنّ ذلك من تلك الأحرف الّتي قرأ عليهم بها رسول الله ﷺ، ولا ترى بين شيء منها وبين ما في المصحف مخالفة في المعنى.\nأمّا الأقوال الأخرى فضعفها بعد هذا ظاهر، فهي مع مخالفتها لما ذكرت من الأدلّة فإنّ كلّا منها لا يخلو من ضعف في نفسه:\nفالقول الثّاني يردّه أنّ عمر وهشاما اختلفا في الحروف وكلاهما قرشيّ.\nوالقول الثّالث يردّه أنّ الأحرف السّبعة بدلالة النّصوص الواردة فيها إنّما هي بقراءة الكلمة الواحدة على وجهين فأكثر، والكلمة الواحدة لا تكون أمرا ونهيا وحلالا وحراما ومحكما ومتشابها ومثلا، بل في هذا ضمّ النّقيض إلى النّقيض.\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٥٦) قال: حدّثنا شعيب بن أيّوب، حدّثنا يحيى، حدّثنا مفضّل بن مهلهل، عن الأعمش، قال:\nكان أبو رزين من القرّاء الّذين يقرأ عليهم القرآن، أظنّه قال: وتؤخذ عنهم القراءة، قال: فذكره.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات ولا علّة له، ويحيى هو ابن آدم.","vol":"1","page":82},{"text":"وروي في الحديث ما يشهد لهذا المذهب، لكنّه لا يثبت من جهة الإسناد (١).\nوالقول الرّابع يردّه وجود أكثر هذه الوجوه في المصحف العثمانيّ الّذي عليه قراءات القرّاء، مع أنّ جمع عثمان ﵁ إنّما كان في الإبقاء على حرف من السّبعة وما\nكان منها موافقا للرّسم دون سائرها، وذلك درءا للفتنة باختلاف الحروف، فإن كانت تلك الحروف لا زالت جميعا موجودة في المصحف فلا معنى إذا لما صنع عثمان.\nكما تردّه الأحاديث المفسّرة في الأحرف السّبعة، كحديث أبيّ بن كعب المتقدّم.\nوالمقصود بهذه المسألة تبيين كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأنّها جميعا قرآن أنزله الله تعالى.\nولكن اعلم أنّ هذا الأمر قبل المصحف العثمانيّ، فإنّ تلك الأحرف كانت معروفة لأصحاب النّبيّ ﷺ قبل ذلك، أمّا بعده فإنّ النّاس لم يبق لهم طريق لتمييز تلك الأحرف إلّا بالمقدار الّذي تضمّنه المصحف العثمانيّ، فما لم يكن فيه، فهو حتّى لو ثبت به الإسناد فيجوز عليه من الاحتمال ما يمنع القطع بكونه لم يزل قرآنا، لجواز أن يكون من المنسوخ تلاوة، والعلّة ورود نقله بطريق الآحاد، وما في المصحف منقول بطريق التّواتر.\n_________\n(١) روي من حديث ابن مسعود، وإسناده ضعيف، شرحت علّته في الكتاب المذكور آنفا حول هذا الحديث.","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا أبيّ بن كعب ﵁ كان له مصحف كتبه لنفسه ممّا أقرأه النّبيّ ﷺ، وكان فيه ما ليس في مصحف الجماعة من اختلاف الأحرف وزيادة المنسوخ (١)، فلو قبلنا الشّيء من ذلك وصيّرناه كالقرآن الّذي في المصاحف فقد نضيف إلى القرآن ما نسخت تلاوته.\nومجرّد اتّفاق مصحف الجماعة على عدم ذكر هذا الحرف أو ذاك دليل كاف على احتمال النّسخ لذلك الحرف.\nكما يرد عليه احتمال الوهم على الرّاوي، وإن ضعف، بخلاف نقل الجماعة، فهو مقطوع به.\nوسيأتي التّنبيه على صلة الأحرف السّبعة بالقراءات السّبع.\n...\n_________\n(١) سيأتي ذكر أمثلة لذلك في (المقدّمة الرّابعة).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المقدمة الثانية حفظ القرآن</span>\nالفصل الأول: جمع القرآن الفصل الثاني: ترتيب القرآن الفصل الثالث: الرسم العثماني***","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الأول: جمع القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول: تمكين الأمة من حفظ القرآن</span>\nحين قال المشركون فيما ذكره الله تعالى عنهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] مستهزئين متهكّمين برسول الله ﷺ، منكرين أن يكون ما جاءهم به من عند الله، ردّ الله ﷿ عليهم بقوله:\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩] يقول: نعم، إنّه تنزيلنا ووحينا، وهو محفوظ بحفظنا، ليس لأحد عليه سلطان بتغيير أو تبديل أو زيادة أو نقص.\nكما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢ [فصّلت: ٤١ - ٤٢]، فنفى ربّنا تعالى عن القرآن كلّ باطل، فحفظه من ذلك فيما تقدّمه، فما هو بقول ساحر ولا مجنون، ولا بأساطير الأوّلين، بل هو المصدّق لما قبله من وحي الله وتنزيله، والشّاهد على ما فيه من\nالحقّ، والمصوّب لما طرأ عليه من التّحريف والتّبديل، كما حفظه من الباطل بعد أن أوحاه إلى نبيّه ﷺ، فبرّأه من كتمانه، كما برّأه من الزّيادة أو النّقص فيه، كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ","vol":"1","page":87},{"text":"لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ٤٧ [الحاقّة: ٤٤ - ٤٧]، فإذا كان هذا الوعيد في حقّ نبيّ الله ومصطفاه، فكيف يمكن لأحد بعده أن يبدّل كلام الله؟ فقاتل الله أهل الأهواء!\nعن نافع مولى عبد الله بن عمر، قال:\nخطب الحجّاج (يعني الثّقفيّ) فقال: إنّ ابن الزّبير (يعني عبد الله) يبدّل كلام الله تعالى، قال: فقال ابن عمر، ﵄: كذب الحجّاج، إنّ ابن الزّبير لا يبدّل كلام الله تعالى، ولا يستطيع ذلك (١).\nوفي قوله تعالى في الآية المتقدّمة: وَلا مِنْ خَلْفِهِ مع قوله:\nوَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ دليل على سلامة القرآن ما أبقاه الله بين أيدي النّاس، محفوظ بحروفه كما أنزله الله، يقرأه النّاس في كلّ زمان وكأنّه حديث عهد بالله ربّ العالمين، كأنّما رسول الله ﷺ بين أيديهم يتلوه عليهم وعنه يأخذونه غضّا طريّا.\nوهذا مقدّمة لتمكين الأمّة من حفظ القرآن، فما يأتي بيانه من مراحل جمعه ومصيره إلى المصاحف، فهو الطّريق الّذي أراد الله تعالى به حفظ هذا القرآن ليبقى حجّته على العالمين، وفيه دليل على أنّ ما قامت به الأمّة بعد نبيّها ﷺ بخصوص ذلك كان ممّا أراده الله قدرا\nلحفظ كتابه، وسخّرهم له\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه البيهقيّ في «الأسماء والصّفات» (رقم: ٥٢٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":88},{"text":"كأسباب، ولعلّ الله تعالى أراد أن يزيد في أجورهم ويرفع في درجاتهم بمثل ذلك العمل، لعظيم بلائهم مع رسول الله ﷺ، ولتعرف الأمّة من بعدهم ما جعل الله لهم من الفضل عليهم أن كانوا سببا في حفظ دينهم بحفظ هذا القرآن، فجازى الله أبا بكر وعمر وعثمان ومن كان معهم من إخوانهم من أصحاب رسول الله ﷺ في حفظ هذا القرآن عن أمّة الإسلام أفضل ما يجازي به أولياءه الصّالحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني: مراحل جمع القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المرحلة الأولى: جمع القرآن في عهد الرّسالة:</span>\nجمع القرآن في عهد النّبيّ ﷺ حصل على صورتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الصّورة الأولى: الحفظ في الصّدور</span>.\nوقدوة النّاس فيه رسول الله ﷺ، فإنّه لم يكن يكتب، ولا يقرأ من كتاب، إنّما كان يقرأ القرآن حفظا.\nفعن عبد الله بن عبّاس، ﵄، في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ [القيامة: ١٦]، قال: كان النّبيّ ﷺ يعالج من التّنزيل شدّة، كان يحرّك شفتيه، فأنزل الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧، قال: جمعه في صدرك ثمّ تقرأه، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨ قال: فاستمع وأنصت، [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ١٩] ثمّ إنّ علينا أن","vol":"1","page":89},{"text":"تقرأه، قال: فكان\nرسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النّبيّ ﷺ كما أقرأه (١).\nوكان جبريل يأتيه في كلّ عام في رمضان يدارسه القرآن، فكان النّبيّ ﷺ يعرض عليه حفظه.\nفعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ورضي الله عنها، قالت:\nأسرّ إليّ النّبيّ ﷺ: «إنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي» (٢).\nوأمّته ﷺ أمّيّة كذلك، وإنّما كان النّاس يأخذون عنه القرآن فيجمعونه في صدورهم، وكانوا ﵃ أمّة عمل، يأخذون القرآن للعمل به، لم يكن يغرّهم كثرة الحفظ دون العمل، وهذا أحد أهمّ الأسباب في قلّة الحفّاظ الّذين جمعوا القرآن كلّه في حياة رسول الله ﷺ، وإن كان الواحد منهم لا يخلو من حفظ بعض القرآن.\nقال عبد الله بن مسعود، ﵁:\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٥، ٤٦٤٣ - ٤٦٤٥، ٤٧٥٧، ٧٠٨٦) ومسلم (رقم: ٤٤٨).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٤٢٦، ٥٩٢٨) ومسلم (رقم: ٢٤٥٠).","vol":"1","page":90},{"text":"كان الرّجل منّا إذا تعلّم عشر آيات؛ لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ، والعمل بهنّ (١).\nوالّذين عرفوا بجمع القرآن كلّه في صدورهم في عهد رسول الله ﷺ، ممّن صحّت بتسميتهم الأخبار هؤلاء السّادة الأخيار:\nأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو الدّرداء، وأبو زيد الأنصاريّ، وعبد الله بن عمرو بن العاص.\nعن عبد الله بن عمرو، ﵄، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:\n«خذوا القرآن من أربعة: من ابن أمّ عبد، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة» (٢).\nوابن أمّ عبد هو عبد الله بن مسعود، ﵁.\nوعن أنس بن مالك، ﵁، قال:\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١/ ٣٥) قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن الحسن بن شقيق المروزيّ، قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا الحسين بن واقد، قال حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود. قلت: وهذا إسناد صحيح.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٥٤٨، ٣٥٤٩، ٣٥٩٥، ٣٥٩٧، ٤٧١٣) ومسلم (رقم: ٢٤٦٤).","vol":"1","page":91},{"text":"جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلّهم من الأنصار:\nمعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١).\nوأمّا عبد الله بن عمرو؛ فهو صاحب سنّة التّوقيت في الختم (٢).\nوهؤلاء الأعيان من الصّحابة كانوا قد تفرّغوا لأخذ القرآن والاعتناء بحفظه، والّذين أمر النّبيّ ﷺ بأخذ القرآن عنهم كانوا قد عرضوا عليه قراءتهم وعلم إتقانهم؛ ولذا زكّاهم.\nوستأتي في مرحلة جمع القرآن في عهد أبي بكر الإشارة إلى كثرة من قتل من القرّاء في حرب المرتدّين ممّا يدلّ على وجود الحفظ في آخرين من الصّحابة، وجائز أن يكون عند بعضهم القرآن كلّه، مثلما وقع لهؤلاء النّفر\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٥٩٩، ٤٧١٧، ٤٧١٨) ومسلم (رقم: ٢٤٦٥).\n(٢) وسيأتي ذكر حديثه في المقدّمة السّادسة (ص: ٤٩٢).\nووقع في رواية عنه أنّه جمع القرآن على عهد النّبيّ ﷺ:\nفأخرج أحمد (رقم: ٦٥١٦، ٦٨٧٣) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٨٠٦٤) وابن ماجة (رقم: ١٣٤٦) وابن حبّان في «صحيحه» (رقم: ٧٥٦، ٧٥٧) من طرق عن ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدّث، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جمعت (وفي لفظ: حفظت) القرآن فقرأته في ليلة، فقال رسول الله ﷺ: «إنّي أخشى أن يطول عليك الزّمان وأن تملّ، اقرأ به في كلّ شهر» .. وذكر سائر الحديث.\nقلت: وإسناده صالح، والقصّة صحيحة.","vol":"1","page":92},{"text":"المذكورين هنا من أصحاب النّبيّ ﷺ، كما يجوز أن يكون عند بعضهم بعضه لا كلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الصّورة الثّانية: الحفظ في السّطور</span>.\nلم يكن الاعتماد على الصّدور وحده كافيا لحفظ القرآن الّذي أراد الله تعالى أن يبقى دستورا للبشر إلى قيام السّاعة، فإنّ حفظ الصّدور لغير رسول الله ﷺ يعتريه ما كتب الله على بني آدم من النّسيان والوهم، وبناء الثّقة في الدّين عليه مجرّدا غير ممكن، لذلك كان التّدوين والكتابة ضرورة لا بدّ منها لحفظه وإبقاء قدسيّته، والقرآن نفسه أشعر بضرورة الكتابة في مواضع كثيرة، فإنّ الله تعالى سمّاه (الكتاب)، وهذا يقتضي أن يكون مكتوبا.\nولذا كان النّبيّ ﷺ قد اتّخذ جماعة مأمونة من أصحابه ممّن كان\nيعرف الكتابة يكتبون ما كان ينزل عليه من القرآن، كما كان الإذن فيه عامّا لكلّ من شاء أن يكتب، وقد قال لهم:\n«لا تكتبوا عنّي شيئا غير القرآن، فمن كتب عنّي شيئا غير القرآن فليمحه» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في «مسنده» (رقم: ١١٠٨٥، ١١٠٨٧، ١١١٥٨، ١١٣٤٤، ١١٥٣٦) ومسلم (رقم: ٣٠٠٤) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٨٠٠٨) من طرق عن همّام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: =","vol":"1","page":93},{"text":"وعلّة ذلك مدركة، وهي الخوف من أن يختلط بالقرآن ما ليس منه.\nومن أعيان كتّاب الوحي لرسول الله ﷺ: عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ﵃.\nوكانوا جميعا من آمن النّاس على كلام الله تعالى، وهم مزكّون من رسول الله ﷺ باختياره لهم لهذه الوظيفة الثّقيلة، بل مزكّون من الله تعالى بإقرار نبيّه ﷺ على اتّخاذهم لذلك.\nومن لم يكن في موضع الثّقة فإنّ الله تعالى فضحه، كما وقع لذاك الّذي كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان يغيّر ما كان يمليه عليه النّبيّ ﷺ.\nفعن أنس بن مالك، ﵁:\nأنّ رجلا كان يكتب لرسول الله ﷺ، فكان إذا أملى عليه سَمِيعًا بَصِيرًا كتب سَمِيعًا عَلِيمًا، فإذا كان سَمِيعًا عَلِيمًا كتب\nسَمِيعًا بَصِيرًا، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنا كثيرا، قال: فتنصّر الرّجل، وقال: إنّما كنت أكتب ما شئت عن محمّد، قال: فمات فدفن فلفظته الأرض، ثمّ دفن فلفظته، قال أنس:\nقال أبو طلحة: فأنا رأيته منبوذا على ظهر الأرض (١).\n_________\nقال رسول الله ﷺ، به.\nوانظر تعليقي على كتاب «المقنع» لابن الملقّن (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩).\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطّيالسيّ (رقم: ٢٠٢٠) وأحمد (رقم: ١٣٥٧٣) وعبد بن حميد (رقم: ١٣٥٤) من طرق عن حمّاد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، به.\nقلت: وإسناده صحيح. وقوله: «ليس من النّاس» أي ما وقع له.","vol":"1","page":94},{"text":"وفي رواية لهذه القصّة، قال أنس:\nكان رجل نصرانيّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنّبيّ ﷺ، فعاد نصرانيّا، فكان يقول: ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمّد وأصحابه لمّا هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمّد\nوأصحابه نبشوا عن صاحبنا لمّا هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، فعلموا أنّه ليس من النّاس، فألقوه (١).\nوهذه العقوبة وعيد لمن يظنّ أنّه يقدر أن يبدّل كلام الله، ذلك أنّ الله تعالى قد تعهّد بحفظه، كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>فحاصل هذا المبحث:</span>\nأنّ جمع القرآن على العهد النّبويّ كان بهذين الطّريقين: جمعه في\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٤٢١) من طريق عبد العزيز بن صهيب، واللّفظ له، ومسلم (رقم: ٢٧٨١) من طريق سليمان بن المغيرة، كلاهما عن أنس.","vol":"1","page":95},{"text":"الصّدور، وكتابته في السّطور.\nوكانوا يكتبونه فيما تهيّأ لهم الكتابة فيه، من الجلود وجريد النّخل وغير ذلك، ولم يكن جمعهم له مكتوبا على صفة الكتاب الواحد تجمع أوراقه إلى بعضها لتعذّر ذلك يومئذ، حيث كان القرآن مستمرّ النّزول، وربّما نزلت الآية أو السّورة فقال لهم النّبيّ ﷺ: «ضعوها في موضع كذا وكذا»، كما كان نسخ التّلاوة واردا في حياته ﷺ، فلو كان مؤلّفا على صفة الكتاب التّامّ لشقّ معه إضافة الجديد وإزالة المنسوخ، خاصّة وأنّهم ما كان لهم من آلة الكتابة يومئذ ما تهيّأ لمن بعدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المرحلة الثّانية: جمع القرآن في عهد الصّدّيق:</span>\nوهذه يبيّنها أخبر النّاس بها كاتب الوحي الأمين زيد بن ثابت.\nقال، ﵁: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (١)، فإذا عمر بن الخطّاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إنّ عمر أتاني فقال:\nإنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك\n_________\n(١) أي في حرب المرتدّين.","vol":"1","page":96},{"text":"الّذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا\nنتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرّجال، حتّى وجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاريّ لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حتّى خاتمة براءة [التّوبة: ١٢٨ - ١٢٩]، فكانت الصّحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر، ﵁ (١).\n(العسب) جمع عسيب، وهو جريدة النّخل، و(اللّخاف) حجارة بيض رقاق.\nوقوله: (لم أجدها مع أحد غيره) إنّما أراد مكتوبة، ولم يرد محفوظة، فإنّ زيدا نفسه كان ممّن جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله ﷺ، وجمعه طائفة كانوا أحياء يومئذ.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٤٠٢، ٤٧٠١، ٤٧٠٣، ٦٧٦٨، ٦٩٨٩).\nويأتي تمام تخريجه (ص: ١٧٠).","vol":"1","page":97},{"text":"وقد روي أنّ عمر بن الخطّاب شهد مع خزيمة أو أبي خزيمة على حفظه، كما روي أنّ عثمان شهد بذلك، ولا يثبت عن عمر ولا عثمان من جهة الإسناد (١).\nوهذا الجمع الّذي حصل بأمر أبي بكر الصّدّيق، ﵁، كان للقرآن جميعا على الصّورة الّتي كان النّبيّ ﷺ أملاها على أصحابه من كتّاب الوحي، مشتملة على الأحرف السّبعة الّتي أنزل عليها القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>هل هناك جمع وقع في خلافة عمر</span>؟\nروي في ذلك من الخبر ما لا يثبت من طريق النّقل؛ إمّا من رواية ضعيف، أو من جهة انقطاع في الإسناد (٢)، والصّحيح ما تقدّم في حديث زيد بن ثابت أنّ عمر أشار على أبي بكر بجمع القرآن، وأنّ الصّحف الّتي جمعت على عهد الصّدّيق بقيت بعده عند عمر إلى أن استشهد، ﵁، ثمّ عند ابنته حفصة أمّ المؤمنين، ﵂.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المرحلة الثّالثة: جمع القرآن في عهد عثمان:</span>\nوهذه هي المرحلة الأخيرة من مراحل جمع القرآن، وهي الّتي تمّ فيها جمع النّاس على مصحف واحد منعا للفتنة، وإليك قصّة ذلك:\n_________\n(١) كما سيأتي بيان علّة ذلك تعليقا (ص: ١٢٩ - ١٣١).\n(٢) وهو نفسه المرويّ المشار إليه في التّعليق السّابق.","vol":"1","page":98},{"text":"عن أنس بن مالك، ﵁:\nأنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشّام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصّحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص\nوعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرّهط القرشيّين الثّلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن (وفي رواية: في عربيّة من عربيّة القرآن) فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتّى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق (١).\nقال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «أكثر العلماء على أنّ عثمان بن عفّان، ﵁، لمّا كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كلّ ناحية من النّواحي بواحدة منهنّ، فوجّه إلى الكوفة إحداهنّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشّام الثّالثة، وأمسك عند نفسه واحدة، وقد قيل: إنّه جعله سبع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٣١٥، ٤٦٩٩، ٤٧٠٢).","vol":"1","page":99},{"text":"نسخ، ووجّه من ذلك أيضا نسخة إلى مكّة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأوّل أصحّ، وعليه الأئمة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثالث: الفرق بين جمع الصديق وجمع عثمان</span>\nوالفرق بين الجمعين ظاهر من الرّوايات الصّحيحة في ذلك، والفارق بينهما في أمرين بارزين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الأوّل: السّبب الدّاعي للجمع</span>.\nففي عهد الصّدّيق الخوف على ذهاب القرآن بذهاب حملته، كما\nوقع في إشارة عمر على أبي بكر، حيث قال: «إنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن».\nأمّا في عهد عثمان فكان الدّاعي الخوف على الأمّة من الافتتان في دينها بسبب اختلاف الحروف الّتي يقرأ بها القرآن، كما كان في إشارة حذيفة بن اليمان على عثمان، قال له: «يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى»، وإذا كان بعض كبار الصّحابة لم يستوعب أوّل الأمر مثل ذلك الاختلاف، كأبيّ بن كعب، حتّى أزال النّبيّ ﷺ عنه الحرج، فكيف الشّأن في سائر النّاس بعد انتشار الإسلام وتوسّع رقعته وكثرة من دخل فيه من الشّعوب؟\n_________\n(١) المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار (ص: ٩).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>والثّاني: الصّفة الّتي وقع عليها الجمع</span>.\nفي عهد الصّدّيق جمع القرآن من السّطور والصّدور على الصّفة الّتي أخذها النّاس عن النّبيّ ﷺ وكتبها بأمره كتّاب الوحي، فصارت جميعا بما فيها الأحرف السّبعة في صحف، محفوظة في موضع واحد، ولم تكتب منها المصاحف يومئذ، كما أنّ ظاهر الأمر أنّ السّور لم تؤلّف يومئذ على صفة معيّنة، إنّما في قصّة ذلك ما يشعر بضمّ آيات السّورة الواحدة إلى بعضها كما سمعوها من رسول الله ﷺ وكتبوها عنه كالشّأن في آخر سورة التّوبة.\nوأمّا في عهد عثمان؛ فإنّ الجمع كان بكتابة مصحف يكون للنّاس إماما، لا يختلف في شيء من حروفه، يعصمون به من\nالضّلالة، وجعل عثمان ﵁ إمامه في ذلك الصّحف الّتي جمعت في عهد الصّدّيق، وأمر الكتّاب أن يصيروا فيما اختلفوا فيه عند الكتابة إلى لغة قريش فتكون فصلا بينهم، وكلّ حرف لا يأتي على موافقة الرّسم وإن كان من السّبعة؛ فلم يكتبوه في المصحف، ذلك أنّ الصّحابة أدركوا المعنى الّذي لأجله أنزل القرآن على سبعة أحرف، وهو التّيسير على التّالين، وأنّه ما من حرف إلّا وهو على وفاق الآخر في معناه، ورأوا بعد النّبيّ ﷺ ابتداء ظهور اختلاف الأمّة بسبب ذلك، كما رأوا العلّة في اختلاف الأحرف الّتي هي التّيسير قد زالت، وبدأ يحلّ محلّها فرقة وفتنة، فدرءوا تلك الفتنة بحفظ القرآن مجموعا على رسم واحد عمّم على جميع عواصم الدّولة الإسلاميّة، وبقي من تلك الأحرف ما يتّفق في الرّسم مع المصحف الإمام.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الرابع: موقف الصحابة من الجمع العثماني</span>\nتلقّى الصّحابة يومئذ صنيع عثمان ﵁ بالقبول، وسلّموا له ما فعل، وإن كان بعضهم قد احتفظ بمصحفه الخاصّ، كعبد الله بن مسعود، كما سيأتي في قصّته.\nعن مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، قال:\nأدركت أصحاب رسول الله ﷺ متوافرين، فما رأيت أحدا منهم عاب ما صنع عثمان ﵁ في المصاحف (١).\nوالمرويّ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، موافقة عثمان على ما فعل (٢)، لم يرو عنه غير ذلك، فطعن الغلاة فيه في عثمان ﵁ في أمر جمع المصحف وارد منهم على عليّ نفسه، فإنّه ولي الخلافة بعد عثمان، وشأن القرآن هو شأن دين الإسلام، فما كان لإمام هدى كعليّ\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ١٠٠٤) وإسناده صحيح.\n(٢) روى أبو بكر بن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٢٣) من طريق شعبة بن الحجّاج، عن علقمة بن مرثد، عمّن سمع سويد بن غفلة يقول: سمعت عليّا يقول: «رحم الله عثمان، لو وليته لفعلت ما فعل في المصاحف».\nونحوه روى أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٨٤ - ٢٨٥) من طريق شعبة.\nقلت: وإسناده منقطع، لا علّة له غير ذلك، وروي عند عمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ٩٩٤ - ٩٩٥) وابن أبي داود (ص: ٢٢، ٢٣) موصولا ضمن حديث فيه طول بسند ضعيف، فيه محمّد بن أبان بن صالح القرشيّ، وهو ضعيف الحديث.","vol":"1","page":102},{"text":"بن أبي طالب يعلم في صنيع عثمان نقصا أو عيبا ويقرّه في مصاحف المسلمين وذلك وعثمان حيّ، فضلا عن حاله من بعد حين ولي الخلافة، فسحقا لأهل البدع، كم تجني عليهم بدعهم من الضّلال؟!\nأمّا عامّة أهل الإسلام من بعد، فإنّهم رأوا ما صنع عثمان ﵁ منقبة له، كيف لا؛ وقد وقى الله به الأمّة من الاختلاف في القرآن، وحفظه به! ويكفي أن تكون الأمّة كلّها باختلاف طوائفها لا يوجد عندها قرآن غير هذا الّذي جمع عثمان ﵁، وإذا كان الله تعالى قد تعهّد بوقاية هذا الكتاب وحفظه والنّاس لا يعرفون إلّا ما جمعه عثمان، فذلك من أعظم البراهين على أنّ الله تعالى أبقاه محفوظا في الأمّة بصنيع عثمان، فرضي الله عن عثمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>عبد الله بن مسعود والجمع العثمانيّ:</span>\nلا يخفى قدر عبد الله بن مسعود ﵁ ومكانه من رسول الله ﷺ، ومنزلته في الصّحابة، بل ومكانته في القرآن خاصّة، وكان معارضا لصنيع عثمان في أمور ثلاثة:\nالأوّل: تولية زيد بن ثابت دونه.\nكان ابن مسعود في الكوفة حين شرع عثمان في جمع المصحف، وكان عثمان قد اقتدى بالشّيخين قبله أبي بكر وعمر ﵄ في اختيار زيد بن ثابت لهذه المهمّة، لكن أغضب ذلك عبد الله بن مسعود، حتّى قال:","vol":"1","page":103},{"text":"على قراءة من تأمرونّي أقرأ؟ لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة وإنّ زيدا لصاحب ذؤابتين يلعب مع الصّبيان.\nوفي رواية عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسديّ، قال:\nلمّا أمر عثمان ﵁ في المصاحف بما أمر به، قام عبد الله بن مسعود خطيبا، فقال: أتأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟ فو الّذي نفسي بيده، لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة وزيد بن ثابت عند ذلك يلعب مع الغلمان، ثمّ استحيا ممّا قال، فقال: وما أنا بخيرهم، ثمّ نزل.\nقال شقيق: فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، فما سمعت أحدا ردّ ما قال (١).\nفهذا الخبر واضح في غضب ابن مسعود من تقديم زيد بن ثابت عليه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرج الرّواية الأولى منه: النّسائيّ (رقم: ٥٠٦٣) من طريق هبيرة بن يريم، عن ابن مسعود.\nقلت: وإسناده صحيح.\nوأخرج الرّواية الثّانية: الطّحاويّ في «شرح المشكل» (رقم: ٥٥٩٥) من طريق عبد الواحد بن زياد، حدّثنا سليمان الأعمش، عن شقيق، به.\nقلت: وإسناده صحيح.\nوأصله في «الصّحيحين»: رواه البخاريّ (رقم: ٤٧١٤) ومسلم (رقم: ٢٤٦٢) من طريقين آخرين عن الأعمش، نحوه.","vol":"1","page":104},{"text":"في هذه الوظيفة، وأنا أحيل غضب ابن مسعود على أمرين مهمّين:\nأوّلهما: ما يعلمه من نفسه من العناية بالقرآن كما يدلّ عليه قوله المذكور، مع التّزكية النّبويّة له في ذلك.\nفتقدّم ذكره في الحديث فيمن أمر النّبيّ ﷺ أن يؤخذ عنهم القرآن من أصحابه، وكذلك ما ثبت عن علقمة بن قيس النّخعيّ، قال:\nجاء رجل إلى عمر، ﵁ وهو بعرفات، فقال: جئتك من الكوفة، وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، قال:\nفغضب عمر وانتفخ حتّى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل، وقال:\nويحك، من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، قال: فو الله ما زال يطفأ ويذهب عنه الغضب حتّى عاد إلى حاله الّتي كان عليها، ثمّ قال: والله ما أعلم من النّاس أحدا هو أحقّ بذلك منه، وسأخبركم عن ذلك، كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر اللّيلة كذلك في الأمر من أمور المسلمين، وأنّه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فلمّا دخل المسجد إذا رجل قائم يصلّي، فقام رسول الله ﷺ يستمع قراءته، فما كدنا نعرف\nالرّجل، قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» وذكر بقيّة الحديث (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ١٧٥) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم:\n٨٢٥٧) وابن خزيمة في «صحيحه» (رقم: ١١٥٦) ويعقوب بن سفيان في «المعرفة» (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩) والطّحاويّ في «المشكل» (رقم: ٥٥٩٢، ٥٥٩٣) والطّبراني في «الكبير» (٩/ ٦٤، ٦٥) =","vol":"1","page":105},{"text":"فهذا رسول الله ﷺ يزكّي قراءته، وهذا عمر من بعده يعدّه أولى النّاس بإقراء القرآن يومئذ.\nوقال أبو وائل شقيق بن سلمة: خطبنا عبد الله بن مسعود، فقال:\nوالله، لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النّبيّ ﷺ أنّي من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم (١).\nفهذه التّزكية والقبول عند النّبيّ ﷺ وعامّة أصحابه أعطى ابن مسعود الحقّ في الاعتراض: أن يختار زيد بن ثابت ويقدّم عليه، وقد أسلم ابن مسعود وحفظ عن النّبيّ ﷺ الكثير من القرآن وزيد يومئذ صبيّ لم يعرف الإسلام بعد فضلا عن القرآن.\nوثانيهما: شهوده العرضة الأخيرة على النّبيّ ﷺ.\nفعن ابن عبّاس، ﵄، قال: أيّ القراءتين تعدّون أوّل؟ قالوا: قراءة عبد الله، قال: لا، بل هي الآخرة (وفي رواية:\nقراءتنا القراءة\n_________\n= والحاكم (رقم: ٢٨٩٣) وأبو نعيم في «الحلية» (رقم: ٣٧٦) والبيهقيّ في «الكبرى» (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة.\nيزيد بعضهم ذكر طريق أخرى عن عمر.\nوإسناده صحيح، جاء عن عمر من غير وجه، وعن النّبيّ من طريق جماعة من الصّحابة، بعضهم يذكر القصّة، وبعضهم يكتفي بالمرفوع منها.\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧١٤) ومسلم (رقم:\n٢٤٦٢)، واللّفظ للبخاريّ.","vol":"1","page":106},{"text":"الأولى، وقراءة عبد الله قراءة الأخيرة)، كان يعرض القرآن على رسول الله ﷺ في كلّ عام مرّة، فلمّا كان العام الّذي قبض فيه عرض عليه مرّتين، فشهده عبد الله، فعلم ما نسخ منه وما بدّل (١).\nوالثّاني: موقفه من إثبات المعوّذتين في المصحف.\nوهذا الاعتراض من أشدّ ما يذكر عن عبد الله بن مسعود على الجمع العثمانيّ.\nفعن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: رأيت عبد الله يحكّ المعوّذتين، ويقول: لم تزيدون ما ليس فيه؟\nوفي رواية قال: لا تخلطوا فيه ما ليس منه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٣٤٢٢) وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٢٧٩) وابن سعد في «الطّبقات» (٢/ ٣٤٢) والبخاريّ في «خلق أفعال العباد» (رقم:\n٣٨٢) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٧٩٩٤، ٨٢٥٨) وأبو يعلى (رقم: ٢٥٦٢) والطّحاويّ في «شرح المعاني» (١/ ٣٥٦) و«شرح المشكل» (رقم: ٢٨٦، ٥٥٩٠) وابن عساكر في «تاريخه» (٣٣/ ١٤٠) من طرق عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبّاس، به.\nوالرّواية الأخرى لأبي يعلى.\nقلت: وإسناده صحيح.\nوأخرجه أحمد (رقم: ٢٤٩٤، ٢٩٩٩) والطّحاويّ في «المشكل» (رقم: ٢٨٧) من طرق عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، بنحوه.\nقلت: وهذه متابعة صالحة.","vol":"1","page":107},{"text":"وفي رواية عنه: أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف، يقول:\nليستا من كتاب الله (١).\nوالثّالث: إنكاره تحريق المصاحف الّتي لا توافق المصحف العثمانيّ.\nإنّ النّاس قبل المصحف الإمام كانت عندهم المصاحف الّتي انتسخوها لأنفسهم، وربّما كان مرجع النّاس في ذلك إلى من سمعوا منه من القرّاء من الصّحابة أو غيرهم،\nفجائز عليها الاختلاف، سواء بسبب اختلاف الحروف الّتي بلغهم القرآن عليها، أم بسبب النّسخ، وصنيع عثمان إنّما قصد إلى توحيد المسلمين على مصحف واحد.\nفحين كتبت المصاحف العثمانيّة جعلها أمير المؤمنين عثمان المرجع للمسلمين في مصاحفهم، وأمر بإزالة ما سواها ممّا كتب عن غيرها، فساء ذلك ابن مسعود، وأبى أن يسلّم مصحفه، وأفتى النّاس بالاحتفاظ بمصاحفهم، كما تدلّ على ذلك الأخبار عنه، ومنها:\n_________\n(١) أثر صحيح برواياته الثّلاث. أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير» (٩/ ٢٦٨) بالرّواية الأولى، وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٩٦) والطّبرانيّ كذلك، بالرّواية الثّانية، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (١٢٩ - ١٣٠) والطّبرانيّ، بالرواية الثّالثة، قلت: وأسانيدهم صحاح.\nوأخرجه عمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ١٠١٠ - ١٠١١) من طريق عبد الرّحمن بن يزيد، قال: رأيت ابن مسعود، ﵁، يحكّ المعوّذتين من المصحف، ويقول: «لا يحلّ قراءة ما ليس منه».\nقلت: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":108},{"text":"عن خمير بن مالك الهمدانيّ، قال: أمر بالمصاحف أن تغيّر، قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغلّ مصحفه فليغلّه، فإنّه من غلّ شيئا جاء به يوم القيامة، قال: ثمّ قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ؟ (١).\nوعن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: أتى عليّ رجل وأنا أصلّي، فقال: ثكلتك أمّك، ألا أراك تصلّي وقد أمر بكتاب الله أن يمزّق كلّ ممزّق، قال: فتجوّزت في صلاتي، وكنت أحبس، فدخلت الدّار ولم أحبس، ورقيت فلم أحبس، فإذا أنا بالأشعريّ، وحذيفة وابن مسعود يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود: ادفع إليهم هذا المصحف، قال: والله لا أدفعه إليهم، أقرأني رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة ثمّ أدفعه إليهم؟ والله لا أدفعه إليهم (٢).\n_________\n(١) حديث صالح الإسناد. أخرجه أحمد (رقم: ٣٩٢٩) وعمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ١٠٠٦) والطّبرانيّ في «الكبير» (٩/ ٧٠) وابن أبي داود (ص: ١٥) وابن عساكر (٣٣/ ١٣٩) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن خمير، به.\nوقوله: (تغيّر) أي تزال.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٢٨٥) والطّبرانيّ (٩/ ٧١) والحاكم (رقم: ٢٨٩٦) من طريق عبد الله بن عون، حدّثني عمر بن قيس، عن أبي ميسرة، به.\nقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، قلت: وهو كما قال، وعمر بن قيس هو الماصر.","vol":"1","page":109},{"text":"هذا الحصر يعود إليه جميع ما يذكر عن ابن مسعود من أسباب الاعتراض على الجمع العثمانيّ، وجوابه باختصار:\n١ - قدّم زيد عليه لأنّ النّبيّ ﷺ ائتمنه على كتابة الوحي، وهذه\nخصلة تكفي وحدها لتقديم زيد، كيف وقد جمع القرآن والنّبيّ ﷺ حيّ، وائتمنه أبو بكر الصّدّيق وعمر الفاروق على الجمع الأوّل وما اعترض ابن مسعود عليهما في ذلك.\nوما ضرّ زيدا أن يسبقه ابن مسعود بالسّنّ أو الإسلام أو التّلقّي لبعض سور القرآن تلقّاها زيد من بعد مشافهة من رسول الله ﷺ وخطّها بيده!\n٢ - ما قصد أحد من أصحاب النّبيّ ﷺ لا عثمان ولا غيره الغضّ من منزلة ابن مسعود في الإسلام، بل فضله عندهم مجمع عليه، وإن اختاروا غيره لهذه الوظيفة.\n٣ - شهوده العرضة الأخيرة لا ريب أنّه من أسباب تفضيله وتقديمه في القرآن، لكنّه نفسه لم يجعل شهوده لما ممّا يرجّحه على زيد، كذلك ابن عبّاس لم يعدل عن قراءة زيد مع قوله المذكور، وإنّما الفائدة في قول ابن عبّاس أنّ ما جاء في حرف ابن مسعود فهو غير منسوخ التّلاوة.\nعلى أنّ قول ابن عبّاس مقابل بما هو مشهور من كون قراءة النّاس الّتي في هذه المصاحف هي العرضة الأخيرة.\nومن الدّليل عليه حديث سمرة بن جندب، ﵁، قال:","vol":"1","page":110},{"text":"عرض القرآن على رسول الله ﷺ عرضات، فيقولون: إنّ قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة (١).\nوعن محمّد بن سيرين، قال: يرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءتين عهدا بالعرضة الأخيرة (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الرّوياني (رقم: ٨١٧، ٨٢٦) والبزّار (رقم: ٢٣١٥ - كشف) والحاكم (رقم: ٢٩٠٤) من طريق حجّاج بن منهال، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة،\nعن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به. قال الحاكم: «حديث صحيح، على شرط البخاريّ بعضه، وبعضه على شرط مسلم».\nقلت: إسناده صحيح، الحسن هو البصريّ، لا يصحّ وصمه بالتّدليس بالمعنى الاصطلاحيّ، إنّما كان كثير الإرسال، وثبت لقاؤه سمرة وسماعه منه، وغاية ما قيل: كان حديثه عن سمرة صحيفة، وأقول: هذا لا يضرّ وقد ثبت سماعه، وأشدّ النّاس في اشتراط السّماع ابن المدينيّ والبخاريّ؛ وقد صحّحا سماعه من سمرة.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» من طريق أيّوب السّختيانيّ، (ص: ٣٥٧) وابن شبّة في «تاريخه» (٣/ ٩٩٤) من طريق هشام بن حسّان، كلاهما عن محمّد بن سيرين، به، قلت: وإسناده صحيح.\nوروي عن عبيدة السّلمانيّ، قال: القراءة الّتي عرضت على النّبيّ ﷺ في العام الّذي قبض فيه هي القراءة الّتي يقرؤها النّاس اليوم.\nأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٢٨٢) والبيهقيّ في «الدّلائل» (٧/ ١٥٥) وفيه ضعف يسير، وعبيدة من أصحاب عليّ وابن مسعود، ومن قرّاء القرآن.","vol":"1","page":111},{"text":"ووجه الجمع بين الأخبار هنا أن نقول: حيث إنّ النّبيّ ﷺ عرض عليه القرآن في عامه الّذي توفّي فيه مرّتين باعتبار وقوع ذلك منه مع جبريل ﵇، أو مرّات باعتبار وقوع العرض من الطّرفين النّبيّ ﷺ وجبريل ﵇، فيكون زيد حضر إحداها وابن مسعود الأخرى.\n٤ - مستند زيد في الجمع إنّما كان الصّحف الّتي جمعها في عهد الصّدّيق، ولم يعتمد حفظه أو حفظ غيره مجرّدا.\nكذلك فإنّه لم ينفرد بشيء غير التّكليف بمسئوليّة وظيفة الجمع،\nوقد وافقه عثمان حيث تمّ ذلك بإشرافه، وعليّ بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وغيرهم من كبار الصّحابة ممّن تنتهي إليهم أسانيد قراءات القرّاء السّبعة وغيرهم من القراءات الّتي هي على وفاق المصحف في الرّسم، بل إجماع الصّحابة وعامّة التّابعين حاصل على ذلك، ما شذّ عنهم غير ابن مسعود.\n٥ - وأمّا شأن المعوّذتين، فإنّ ابن مسعود لم يجحد أن تكونا ممّا أنزله الله، وإنّما حسب أنّهما دعاء أوحي إلى رسول الله ﷺ.\nفعن علقمة النخعيّ، عنه: أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف، ويقول: إنّما أمر النّبيّ ﷺ أن يتعوّذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما (١).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزّار في «مسنده» (رقم: ١٥٨٦) والطّبرانيّ في «الكبير» (٩/ ٢٦٩) من طريق حسّان بن إبراهيم، عن الصّلت بن بهرام، عن إبراهيم، عن علقمة، به.\nوالسّياق المذكور للبزّار، وهو أجود من سياق الطّبرانيّ، إذ جاء نفي القراءة بهما عند الطّبرانيّ مدرجا في جملة الحديث، فأوهمت أنّ النّبيّ ﷺ لم يكن يقرأ بهما.\nقلت: وإسناده حسن، حسّان صدوق، وسائر الإسناد ثقات.","vol":"1","page":112},{"text":"وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عنه أنّه كان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنّما هما معوّذتان تعوّذ بهما النّبيّ ﷺ: (قل أعوذ بربّ الفلق) و(قل أعوذ بربّ النّاس)، وكان عبد الله يمحوها من المصحف (١).\nفابن مسعود يعلم المعوّذتين، ويقرّ بكون النّبيّ ﷺ أمر بالتّعوّذ بهما، لكنّه ينكر أن تكونا من القرآن، ولا ريب أنّ مثل هذا عظيم الخطر، لكنّه ﵁ خفيه أن تكونا قرآنا، وغيره كان أعلم بهما وأنّهما كانتا من القرآن، بل اتّفاق الجميع، وكفى به برهانا على غلط ابن مسعود، فروايته للقرآن عن النّبيّ ﷺ ناقصة، والفرد مهما بلغ في العلم والمعرفة؛ فإنّه يفوته الشّيء من ذلك، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.\nولا يردنّ في خاطرك أن يكون ما ذكره ابن عبّاس من أنّ ابن مسعود شهد العرضة الأخيرة فعلم ما نسخ، فكان المعوّذتان ممّا نسخ، فإنّهما لو كانتا كذلك في نظر ابن مسعود لكان ذلك أقوى في حجّته على نفيهما من المصحف، ولما احتاج أن يعلّل نفيهما بكونهما دعاء أوحي إلى النّبيّ ﷺ ليستا بقرآن، ثمّ إنّ المنسوخ قرآن أيضا لكنّه نسخ، وليس هكذا قول ابن\n_________\n(١) حديث صالح الإسناد. أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير» (٩/ ٢٦٨) من طريق عبد الحميد بن الحسن الهلاليّ، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرّحمن، به.\nقلت: وإسناده صالح لا بأس به لموافقته الحديث الّذي قبله.","vol":"1","page":113},{"text":"مسعود في المعوّذتين.\nفحاصل هذا أنّ ابن مسعود لم يعلم، وغيره قد علم، ومن علم حجّة على من لم يعلم، وممّا يبطل مذهب ابن مسعود في المعوّذتين إضافة إلى مخالفته إجماع عامّة الصّحابة، أدلّة أخرى، منها:\nما ثبت عن النّبيّ ﷺ في الحديث صراحة أنّهما قرآن، وأنّه كان يقرأ بهما في الصّلاة، كما جاء عن عقبة بن عامر الجهنيّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أنزل عليّ آيات لم ير مثلهنّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ إلى آخر السّورة، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ إلى آخر السّورة» (١).\nوعنه، قال: اتّبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف، فقال: «لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٤، ١٥٠، ١٥١، ١٥٢) ومسلم (رقم: ٨١٤) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٠٤، ٣٣٦٤) والنّسائيّ (رقم: ٩٥٤، ٥٤٤٠) والدّارميّ (رقم: ٣٣١٦) من طريق قيس بن أبي حازم، عن عقبة به. وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٩، ١٥٩) والنّسائيّ (رقم: ٩٥٣، ٥٤٣٩) من طرق عن اللّيث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عقبة بن عامر.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٥٥) والدّارميّ (رقم: ٣٣١٤) كلاهما عن أبي عبد الرّحمن عبد الله بن يزيد المقري، حدّثنا حيوة، وابن لهيعة، قالا: سمعنا يزيد بن أبي حبيب، يقول: حدّثني أبو عمران، أنّه سمع عقبة بن عامر.\nقلت: وهذان إسنادان صحيحان، وابن لهيعة إذا روى عنه أبو عبد الرّحمن المقري فهو ثبت، كيف وقد تابعه حافظان من حفّاظ المصريّين؟","vol":"1","page":114},{"text":"وعنه، قال: كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته في السّفر، فقال لي: «يا عقبة، ألا أعلّمك خير سورتين قرئتا؟» فعلّمني قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١، قال: فلم يرني سررت بهما جدّا، فلمّا نزل لصلاة الصّبح صلّى بهما صلاة الصّبح للنّاس، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الصّلاة التفت إليّ فقال: «يا\nعقبة، كيف رأيت؟» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٩ - ١٥٠، ١٥٣) وأبو داود (رقم: ١٤٦٢) والنّسائيّ (رقم: ٥٤٣٦) من طريق معاوية بن صالح، حدّثنا العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرّحمن، عن عقبة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٤٤) والنّسائيّ (رقم: ٥٤٣٧) من طريق الوليد بن مسلم، والطّحاويّ في «المشكل» (رقم: ١٢٥) من طريق بشر بن بكر، قالا: حدّثنا ابن جابر، عن القاسم، عن عقبة. وفي رواية بشر قول القاسم: حدّثني عقبة بن عامر.\nقلت: وهذه أسانيد صحيحة إلى القاسم، وهو صدوق جيّد الحديث، وقد سمع هذا من عقبة، وابن جابر اسمه عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر.\nوهذا الحديث الّذي أوردت هاهنا بعض سياقاته حديث متواتر عن عقبة، له عنه طرق عدّة، لا يرتاب في صحّته عنه من يفهم الحديث.","vol":"1","page":115},{"text":"وكان أبيّ بن كعب، ﵁، حدّث بموقف ابن مسعود من المعوّذتين، فردّه بما سمعوه من النّبيّ ﷺ في ذلك:\nفعن زرّ بن حبيش، قال: قلت لأبيّ بن كعب: إنّ ابن مسعود كان لا يكتب المعوّذتين في مصحفه، فقال: أشهد أنّ رسول الله ﷺ أخبرني أنّ جبريل ﵇ قال له: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ فقلتها، فقال:\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ فقلتها، فنحن نقول ما قال النّبيّ ﷺ (١).\nوأبيّ بن كعب أحد الّذين أمر النّبيّ ﷺ أن يؤخذ عنهم القرآن، وكان من المقدّمين فيه بعد رسول الله ﷺ، وإليه تنتهي بعض أسانيد\nبعض القرّاء السّبعة، كنافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو، وهي على وفاق هذا المصحف، وفيه المعوّذتان.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الشّافعي في «السّنن» (رقم: ٩٣) وأحمد (٥/ ١٣٠) والحميديّ (رقم: ٣٧٤) والبخاريّ (رقم: ٤٦٩٢، ٤٦٩٣) والطّحاويّ في «المشكل» (رقم: ١١٩) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٣٩٤) من طريق عاصم بن بهدلة، وعبدة بن أبي لبابة، سمعا زرّ بن حبيش، به.\nوأخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٦٠٤٠) والشّافعيّ كذلك (رقم: ٩٣) وأحمد (٥/ ١٢٩) وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٩٣) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ١٢٩ - ١٣٠) والطّحاويّ (رقم: ١١٨، ١٢٠، ١٢١) وابن حبّان (رقم: ٧٩٧) من طريق عاصم، والبيهقيّ (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤) من طريق عبدة، به.\nكما أخرجه أحمد (٥/ ١٢٩) من طريق الثّوريّ، عن الزّبير بن عديّ، عن أبي رزين، عن زرّ. قلت: وإسناده صحيح، واسم أبي رزين مسعود بن مالك الأسديّ.","vol":"1","page":116},{"text":"كما أنّ المأثور أنّ المعوّذتين كانتا في مصحفه (١).\nنعم؛ كان أبيّ ربّما قرأ ببعض المنسوخ من القرآن، وربّما كان ذلك في مصحفه (٢)، إلّا أنّ المعوّذتين لم تكونا من المنسوخ، بدلالة\nعدم ردّ ابن\n_________\n(١) أخرج أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣١٨) عن محمّد بن سيرين، قال:\nكتب أبيّ في مصحفه فاتحة الكتاب، والمعوّذتين، واللهمّ إنّا نستعينك، واللهمّ إيّاك نعبد، وتركهنّ ابن مسعود، وكتب عثمان منهنّ فاتحة الكتاب والمعوّذتين.\nقلت: وإسناده صحيح إلى ابن سيرين، وكذلك أخرج نحوه ابن شبّة في «تاريخه» (٣/ ١٠٠٩ - ١٠١٠) بإسناد آخر صحيح عنه.\nوالسّورتان اللّتان كانتا في مصحف أبيّ وليستا في مصاحف المسلمين من المنسوخ تلاوة، فإنّهما لو كانتا ضمن المكتوب من الوحي لكتبهما زيد ومن كان معه، ولكانتا في جملة ما أقرأه أبيّ لمن حمل عنه القراءة ممّن ترجع إليهم روايات بعض السّبعة.\n(٢) مثاله ما تقدّم في التّعليق الماضي.\nويدلّ عليه حديث عمر بن الخطّاب، ﵁، قال: عليّ أقضانا، وأبيّ أقرؤنا، وإنّا لندع كثيرا من لحن أبيّ، وأبيّ يقول: سمعت من رسول الله ﷺ فلا أدعه لشيء، والله ﵎ يقول: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: ١٠٦]، وفي رواية: وقد نزل بعد أبيّ كتاب.\nأخرجه أحمد (٥/ ١١٣) والبخاريّ (رقم: ٤٢١١، ٤٧١٩) والنّسائيّ في «التّفسير» (رقم: ١٥) وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٢٠) وابن سعد (٢/ ٣٣٩) وابن شبّة (٢/ ٧٠٦) ويعقوب بن سفيان (١/ ٤٨١) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ١١٣) والحاكم (رقم: ٥٣٢٨) وأبو نعيم في «المعرفة» (رقم: ٧٥٤) والبيهقيّ في «المدخل» (رقم: ٧٧) و«الدّلائل» (٧/ ١٥٥) وابن عساكر (٧/ ٣٢٥) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال عمر، به.\nوالرّواية الأخرى لابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد بسند صحيح.","vol":"1","page":117},{"text":"مسعود لهما بهذه الحجّة، فقام بهذا الّذي نقله القرّاء عن أبيّ وما ذكرناه عنه هاهنا من الرّواية حجّة لإبطال قول ابن مسعود بنفيهما من المصحف.\nمن المعلوم من سيرة ابن مسعود أن الله تعالى قيّض له أصحابا من بعده من سادة التّابعين قاموا بعلمه، فلم يأت عن أحد من هؤلاء موافقة ابن مسعود في رأيه هذا، ممّا يؤكّد الشّذوذ والغلط المتيقّن فيه.\nفعن إبراهيم النّخعيّ (وإليه المنتهى في علم ابن مسعود) قال:\nقلت للأسود: من القرآن هما؟ قال: نعم، يعني المعوّذتين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>وببعض ما ذكرت من الوجوه يبطل قول ابن مسعود</span>.\nواعلم أنّ بعض العلماء كذّبوا كلّ ما نقل عنه بخصوص هذه القضيّة، وما أنصفوا، فالقواعد العلمية تقطع بكونه كان يذهب إلى نفي المعوّذتين، وطائفة زعمت أنّ ابن مسعود كان لا يراهما ممّا يكتب في المصحف، ولم يكن يجحد كونهما من القرآن، وهذا زعم يخالف الآثار المنقولة عنه في ذلك، وكأنّ الفريقين قصدا من جهة إبطال التّمسّك بمثل هذا عند الملحدين للطّعن في نقل القرآن، ومن جهة أخرى تنزيه ابن مسعود مع جلالته وعلمه عن مثل هذا الغلط الشّنيع.\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٩٧) بإسناد صحيح.\nوالأسود هو ابن يزيد النّخعيّ، من أخصّ أصحاب ابن مسعود وأعلمهم.","vol":"1","page":118},{"text":"لكنّهم لم يكونوا مضطرّين إلى ذلك ليضعفوا حجّتهم بمثله، وإنّما يكفي بعض القول الّذي قدّمناه في الذّبّ عن القرآن، دون تأثّر\nبهذا الّذي قاله ابن مسعود، وأمّا غلط ابن مسعود فهو دليل على أنّ الغلط في الأصول وارد على الكبار في الاجتهاد، وليس يمنع اعتقاد فضلهم وعلوّ قدرهم من وقوعهم فيه، وإنّما العصمة لرسول الله ﷺ، ثمّ لأمّته في مجموعها من بعده، وحيث تواطأت الأمّة على اعتقاد ما في المصحف وفيه المعوّذتان أنّه كتاب الله الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فاعتقادها هذا معصوم، وهو الحقّ المبين.\n٦ - وأمّا قضيّة تحريق المصاحف غير المصحف العثمانيّ، فإنّ امتناع ابن مسعود عن تسليم مصحفه، وأمره النّاس بإخفاء مصاحفهم الّتي نسخوها لأنفسهم قبل المصحف الإمام، فهو نتيجة متصوّرة لموقفه المتقدّم شرحه من صنيع عثمان.\nوكذلك الموقف من جهة أمير المؤمنين عثمان، فإنّه قصد بالجمع أن يجمع النّاس على مصحف واحد، ولا يتأتّى ذلك وهو يدعهم يحتفظون بما عندهم من القراءات والحروف ممّا لا يأتي على وفاقه.\nوالموقف العامّ من الصّحابة كان متّفقا مع رأيه، سوى ابن مسعود، وعابوا على ابن مسعود صنيعه.\nقال مصعب بن سعد: أدركت أصحاب النّبيّ ﷺ حين شقّق عثمان","vol":"1","page":119},{"text":"﵁ المصاحف؛ فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد (١).\nوقال الزّهريّ: بلغني أنّ ذلك كره من مقالة ابن مسعود، كرهه رجال من أفاضل أصحاب النّبيّ ﷺ (٢).\nوتقدّم أمر حذيفة لابن مسعود بأن يدفع مصحفه لمن كلّفه أمير المؤمنين بإزالة المصاحف بالكوفة، وامتنع ابن مسعود.\nوهذا أبو الدّرداء، وهو سيّد أهل الشّام، وأحد من تنتهي إليهم قراءة ابن عامر، يبلغه صنيع ابن مسعود، فلا يرضاه:\nقال علقمة بن يزيد النّخعيّ: قدمت الشّام، فلقيت أبا الدّرداء، فقال: كنّا نعدّ عبد الله حنّانا، فما باله يواثب الأمراء؟ (٣).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٨٤) وابن شبّة (٣/ ١٠٠٤) قالا: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديّ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد (ص: ٢٨٣) والتّرمذيّ (رقم: ٣١٠٣) وابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ١٧) وابن عساكر (٣٣/ ١٣٩) بإسناد صحيح إلى الزّهريّ.\n(٣) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي داود (ص: ١٨) وابن عساكر (٣٣/ ١٤٠) من طريق عبد السّلام بن حرب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>ابن مسعود وموافقة الجماعة:</span>\nويبدو أنّ ابن مسعود صار في آخر أمره إلى موافقة الجماعة وإن كان قد احتفظ بالقراءة على حرفه؛ لأنّه أدرك أنّ الاختلاف الّذي وقع بينه وبينهم إنّما كان في الحرف أو في الحفظ، وليس هذا من قبيل اختلاف التّضادّ.\nنقل أبو وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود، قال:\nإنّي قد سمعت القراء؛ فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علّمتم، وإيّاكم والاختلاف والتّنطّع، فإنّما هو كقول أحدكم: هلمّ، وتعال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>ماذا عن الصّحف الّتي ردّها عثمان إلى حفصة أمّ المؤمنين</span>؟\nيجيب عن ذلك سالم بن عبد الله بن عمر، فيذكر أنّ مروان (يعني ابن الحكم) كان يرسل إلى حفصة يسألها الصّحف الّتي كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إيّاها.\nقال سالم: فلمّا توفّيت حفصة ورجعنا من دفنها؛ أرسل مروان بالعزيمة\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (رقم: ٣٤ - فضائل القرآن) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣٦١) و«غريب الحديث» (٣/ ١٦٠) وابن شبّة (٣/ ١٠٠٧) وابن جرير (١/ ٢٢) والبيهقيّ في «السّنن» (٢/ ٣٨٥) و«الشّعب» (رقم: ٢٢٦٨) والخطيب في «تاريخه» (٥/ ١٢٦) من طريق الأعمش، عن أبي وائل.\nقلت: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":121},{"text":"إلى عبد الله بن عمر: ليرسلنّ إليه بتلك الصّحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشقّقت، فقال مروان: إنّما فعلت هذا؛ لأنّ ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالنّاس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصّحف مرتاب، أو يقول: إنّه قد كان شيء منها لم يكتب (١).\n...\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٢٤ - ٢٥) وإسناده صحيح.\nكما أخرجه (ص: ٢١) هو وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ١٥٦) ببعض الاختصار، بإسناد صحيح كذلك، وفيه من الفائدة أنّ سؤال مروان لحفصة وقع حين كان أميرا على المدينة، رواه الزّهريّ عن أنس بن مالك، كما في الرّواية عن سالم بن عبد الله: أنّه فشاها وحرّقها.\nوروى نحو ذلك عمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ١٠٠٣ - ١٠٠٤) بأسانيد صحيحة.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل الثاني: ترتيب القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الأول: ترتيب الآيات في السور</span>\nترتيب الآيات كما هي في المصحف في كلّ سورة توقيفيّ، تلقّاه النّاس عن رسول الله ﷺ، ولم يجتهد أحد برأيه في وضع آية في موضع ما من القرآن من غير سماع من رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>ومن الدّليل عليه:</span>\n١ - حديث زيد بن ثابت، ﵁، قال:\nفقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣]؛ فألحقناها في سورتها من المصحف (١).\n٢ - حديث عبد الله بن الزّبير، ﵄، قال:\nقلت لعثمان بن عفّان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٢٦٥٢، ٣٨٢٣، ٤٥٠٦).\nوهذه القصّة في الجمع العثماني.","vol":"1","page":123},{"text":"[البقرة: ٢٤٠]، قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها (أو: تدعها)؟\nقال: يا ابن أخي، لا أغيّر شيئا منه من مكانه (١).\n٣ - حديث عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال:\nقلت لعثمان بن عفّان: ما حملكم على أن عمدتم إلى (الأنفال) وهي من المثاني، وإلى (براءة) وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطرا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١ ووضعتموها في السّبع الطّوال، ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إنّ رسول الله ﷺ كان ممّا يأتي عليه الزّمان ينزل عليه من السّور ذوات العدد، وكان إذا أنزل عليه الشّيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» وينزل عليه الآيات فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» وينزل عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت (الأنفال) من أوائل ما أنزل بالمدينة، و(براءة) من آخر القرآن، فكانت قصّتها شبيهة بقصّتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا أنّها منها، وظننت أنّها منها، فمن ثمّ قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطرا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١، ووضعتها في الطّوال (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٥٦، ٤٢٦٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٣٩٩، ٤٩٩) وأبو داود (رقم: ٧٨٦، ٧٨٧) والتّرمذيّ","vol":"1","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(رقم: ٣٠٨٦) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٨٠٠٧) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٢٨٠، ٢٨٥، ٣٦٩) وعمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ١٠١٥) والبزّار في «مسنده» (رقم: ٣٤٤) والطّحاويّ في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٠١ - ٢٠٢) و«شرح مشكل الآثار» (رقم: ١٣١، ١٣٧٤) وابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٣١، ٣٢) وابن جرير في «تفسيره» (رقم: ١٣١) وابن حبّان (رقم: ٤٣) والحاكم في «المستدرك» (رقم: ٢٨٧٥، ٣٢٧٢) والبيهقيّ في «السّنن الكبرى» (٢/ ٤٢) و«دلائل النّبوّة» (٧/ ١٥٢ - ١٥٣) والخطيب في «الموضّح لأوهام الجمع والتّفريق» (١/ ٣٣٨) من طرق كثيرة عن عوف بن أبي جميلة الأعرابيّ، قال: حدّثني يزيد الفارسيّ، حدّثنا ابن عبّاس، به.\nقال التّرمذيّ: «هذا حديث حسن، لا نعرفه إلّا من حديث عوف عن يزيد الفارسيّ، عن ابن عبّاس، ويزيد الفارسيّ هو من التّابعين من أهل البصرة، قد روى عن ابن عبّاس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز، ويزيد بن أبان الرّقاشيّ هو من التّابعين من أهل البصرة، وهو أصغر من يزيد الفارسيّ، ويزيد الرّقاشيّ إنّما يروي عن أنس بن مالك».\nقلت: نبّه التّرمذيّ على أمرين:\nالأوّل: وقوع الاختلاف في يزيد الفارسيّ هل هو ابن هرمز، أو غيره، وليّن التّرمذيّ التّسوية بينهما، والخلاف فيه معروف بين أهل الحديث، فقد سوّى بينهما عبد الرّحمن بن مهديّ وأحمد بن حنبل ومحمّد بن سعد وابن حبّان وغيرهم (انظر تعليقي على كتاب «الكنى» للإمام أحمد ص: ١١٩)، وفرّق بينهما يحيى القطّان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرّازيّ، وعدّهما البخاريّ واحدا في التّرجمة، لكن ببعض تردّد.\nوالأظهر- فيما أرى- التّسوية بينهما، وعليه فقد صرّحوا بتوثيق ابن هرمز.\nولو سلّمنا التّفريق بينهما فإنّ أبا حاتم الرّازيّ ممّن جزم بذلك، ومع ذلك قال: =","vol":"1","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= «وكذلك صاحب ابن عبّاس لا بأس به» (الجرح ٤/ ٢/ ٢٩٤) يعني الفارسيّ.\nوالثّاني: دفع اللّبس بين يزيد الفارسيّ ويزيد الرّقاشيّ، إذ كلاهما بصريّ تابعيّ، ومع ذلك فقد تحرّف في بعض الكتب إلى (الرّقاشي).\nوقال الحاكم في الحديث في الموضع الأوّل: «صحيح على شرط الشّيخين»، وقال في الموضع الثّاني: «صحيح الإسناد».\nوالصّواب من قوليه الثّاني، فلم يخرّج الشّيخان ليزيد الفارسيّ، إنّما روى مسلم فقط ليزيد بن هرمز.\nوأقول: لم يعرف للمتقدّمين طعن على هذا الحديث، حتّى جاء بعض المعاصرين فردّوه، حمل رايتهم الشّيخ المحدّث أحمد محمّد شاكر ﵀، فطعن على هذا الحديث من جهة الإسناد والمتن وذلك في تعليقه على «المسند» (رقم: ٣٩٩)، أمّا الإسناد فبعد أن نصر التّفريق بين اليزيدين صار للحكم بجهالة يزيد الفارسيّ، وهو الّذي علمناه في تحقيقاته من أكثر النّاس توسّعا في قبول خبر المجهول، إذ له طريقة في إجراء الرّواة على العدالة تفوق طريقة ابن حبّان في التّوسّع.\nوجواب ذلك قبل مفارقته: هو أنّا نسلّم جدلا أنّ الفارسيّ غير ابن هرمز، فإنّه قال فيه أبو حاتم الرّازيّ: «لا بأس به»، ووثّقه ابن حبّان (الثّقات ٥/ ٥٣١ - ٥٣٢)، والرّاوي إذا روى عنه ثقة، وعدّله إمام من أئمّة الشّأن ارتفعت عنه الجهالة وثبتت له العدالة، والشّيخ شاكر نقل من كلام أبي حاتم التّفريق بين اليزيدين، لكنّه أهمل ذكر التّعديل أو الإشارة إليه.\nوأمّا المتن فقال الشّيخ شاكر: «فيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثّابتة بالتّواتر القطعيّ قراءة وسماعا وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السّور، كأنّ عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك».\nوأقول: إنّما يرد التّوهّم الّذي ذكره الشّيخ شاكر عند ما نتصوّر أنّ تواتر نقل القرآن =","vol":"1","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يتناول ترتيب سوره في المصحف، وقد ثبت بأدلّة أخرى لا يردّها الشّيخ شاكر أنّ ترتيب سور القرآن كان اجتهاديّا من الصّحابة عند ما كتبوا المصحف، منها حديث عائشة الآتي ذكره في ترتيب السّور، وهو عند البخاريّ، ومنها الآثار الواردة عن أصحاب النّبيّ ﷺ باختلاف ترتيب مصاحفهم عن مصحف عثمان، كمصحف ابن مسعود وأبيّ وعليّ، وما حكاه ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وهو مدنيّ من شيوخ مالك بن أنس، وما حكى الّذي حكى في شأن المصحف إلّا عن شيء رأى النّاس عليه، ومذهب مالك الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما هو دون أمر المصحف.\nوأمّا البسملة فليس الأمر كما قال، إذ أنّ خلاف العلماء قديم مشهور في كونها آية من غير سورة النّمل أو ليست بآية، ومذهب مالك أنّها ليست بآية في أوائل السّور (قرطبي ١/ ٩٣)، فهل هذا إنكار للقطعيّ كما ذكر الشّيخ شاكر؟ نعم، البسملة قرآن، وكانت تنزل على رسول الله ﷺ علامة على فصل السّورة عن السّورة، كما سيأتي، وقد قرأ النّبيّ ﷺ سورة الكوثر فابتدأ بالبسملة (أخرجه مسلم رقم: ٤٠٠)، وقال في سورة الملك: «إنّ سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتّى غفر له، وهي سورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» (أخرجه التّرمذيّ رقم: ٢٨٩٣ وغيره- ويأتي ص: ١٣٩ - قال التّرمذيّ: حديث حسن)، وسورة الملك ثلاثون آية من غير البسملة.\nفأيّ قطعيّ إذا عارضه هذا الحديث؟ وأين كان بحور المحدّثين عن إنكار مثل هذا الحديث، وتأتي عليه القرون في كتب العلم شائعا منتشرا ما أورد الشّكّ على قلب أحد منهم حتّى يدّخر اكتشاف ذلك لأهل زماننا، لو كان حديثا قليل الشّيوع لأمكن أن يغفلوه، أمّا وهو في كتبهم، بل منهم كالتّرمذيّ من يحكم بثبوته مع وجود النّكارة الّتي ذكر الشّيخ شاكر، فهذا ما يصعب تخيّله عنهم.\nعذرا على إطالة النّفس قليلا في هذا الحديث، فلقد رأيت المقام يقتضيه، خاصّة مع جريان التّقليد عند طائفة للشّيخ شاكر في دعواه.","vol":"1","page":127},{"text":"فهذا الحديث صريح في أنّ ترتيب الآيات في كلّ سورة كان بتوقيف من النّبيّ ﷺ.\n٤ - مجيء النّاسخ قبل المنسوخ في السّورة الواحدة.\nكما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠]، فهذه منسوخة بالّتي قبلها على قول الأكثرين، وهي تالية لها في ترتيب الآي.\nفلو كان التّرتيب اجتهاديّا من الصّحابة، لأخّروا النّاسخ وقدّموا المنسوخ، على القاعدة في هذه المسألة، فحيث وقعت هذه الصّورة كذلك فقد نفت جواز القياس في مثلها.\n٥ - وقوع الإعجاز بترابط آي السّورة الواحدة، ولذا وقع التّحدّي\nبالإتيان بسورة مثله، كما قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣].\nوسمّيت السّورة (سورة) تشبيها لها بالسّور، لكونها تحيط بالآيات إحاطة السّور بالمدينة (١).\nوممّا يدلّ على أنّ الوحي كان ينزل بالسّور مؤلّفة من عند الله، آيات في\n_________\n(١) بصائر ذوي التّمييز (٣/ ٢٧٤).","vol":"1","page":128},{"text":"كتاب الله تعالى، كقوله: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [التّوبة: ٦٤]، وقوله: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [التّوبة: ٨٦]، وقوله: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا [التّوبة: ١٢٤]، وقوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ [النّور: ١]، وقوله:\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمّد: ٢٠].\n٦ - تواتر الأحاديث عن رسول الله ﷺ في تسمية السّور، كالأحاديث في قراءتها في الصّلاة أو بيان فضائلها، أو ذكر عدد آيات بعضها.\n٧ - عدم مجيء خبر واحد صريح صحيح يدلّ على أنّ أحدا من الصّحابة تصرّف في وضع آية من القرآن برأيه.\nوما روي عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت في الآيتين من آخر سورة التّوبة؛ فلا يثبت شيء منه من قبل الإسناد (١).\n_________\n(١) أخرج ذلك أبو بكر بن أبي داود في «كتاب المصاحف» (ص: ٣٠) من طريق محمّد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه عبّاد بن عبد الله بن الزّبير، قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ١٢٨ إلى قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ إلى عمر، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله، إلّا أنّي أشهد أنّي سمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ، ثمّ قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوهما فيها، فألحقتها في آخر براءة. =","vol":"1","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هذا خبر لا يصحّ، ابن إسحاق مشهور بالتّدليس ولم يقل: (سمعت)، وعبّاد لم يدرك عمر.\nوأخرج عمر بن شبّة في «تاريخه» (٣/ ٧٠٥، ٩٩٩) وابن أبي داود كذلك (ص:\n٣١) من طريق يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطب، قال: أراد عمر أن يجمع القرآن، فقام في النّاس فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في المصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتّى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك، فقام عثمان بن عفّان ﵁ فقال: من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتّى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إنّي قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قال: وما هما؟ قال: تلقّيت من رسول الله ﷺ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ١٢٨ إلى آخر السّورة، قال عثمان: وأنا أشهد أنّهما من عند الله، فأين ترى أن تجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة.\nوهذا خبر رواه عمر بن طلحة بن علقمة اللّيثيّ، وهو ضعيف.\nوأمّا الرّواية عن زيد بن ثابت؛ فأخرجها عمر بن شبّة في «تاريخه» (٣/ ١٠٠١) من طريق إسماعيل بن جعفر، واللّفظ له، وابن جرير (١/ ٢٦، ٢٧) من طريق عبد العزيز الدّراورديّ، كلاهما عن عمارة بن غزيّة، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، ﵁، قال: عرضت المصحف فلم أجد فيه هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد، ثمّ استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم، حتّى وجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ، فكتبتها، ثمّ عرضته مرّة أخرى، فلم أجد فيه هاتين الآيتين: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السّورة، قال: فاستعرضت =","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الثاني: ترتيب السور</span>\nاختلف العلماء في ترتيب سور القرآن: هل هي توقيفيّة، أو اجتهاديّة؟ على قولين:\nالأوّل: توقيفيّة، وحين جمعه أبو بكر ثمّ عثمان كان جمعه على\nالتّرتيب الّذي ترك رسول الله ﷺ عليه النّاس، وهو كما هو في مصاحف المسلمين\n_________\n= المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم، ثمّ استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم، حتّى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضا، من الأنصار، فأثبتّها في آخر براءة، قال زيد: ولو تمّت ثلاث آيات؛ لجعلتها سورة واحدة، ثمّ عرضته عرضة أخرى؛ فلم أجد فيه شيئا.\nقلت: هذه رواية لا تصحّ من أجل تفرّد عمارة بن غزيّة عن الزّهريّ بهذا السّياق، وقصّة جمع القرآن محفوظة عن الزّهريّ من طريق المتقنين من أصحابه ليس فيها هذا الّذي ذكر عمارة، وليس عمارة من أصحاب الزّهريّ الّذين يعرفون بالرّواية عنه، وأخاف أن يكون لم يسمعه منه، وإنّما حدّثه بعض الضّعفاء بذلك، وإلّا فأين المتقنون من أصحاب الزّهريّ لم يرو أحد منهم شيئا كهذا؟\nوأخرجها ابن عساكر في «تاريخه» (١٩/ ٣٠٦) من طريق أبي القاسم البغويّ الحافظ، وبعنعنة عمارة عن الزّهريّ، ولم يسق لفظه إلّا بشيء من أوّله دلّ على أنّ الرّواية في الجمع الّذي وقع في زمن الصّدّيق.\nوقال البغويّ: «وهذا عندي وهم من عمارة؛ لأنّ الثّقات رووه عن الزّهريّ عن عبيد بن السّبّاق، عن زيد».\nقلت: وهذا إبانة عن عدم حفظ عمارة للحديث على وجهه، وابن السّبّاق لم يذكر عن زيد بن ثابت هذه الكلمة: (ولو تمّت ثلاث آيات؛ لجعلتها سورة واحدة)، ممّا أكّد الحكم بنكارتها.","vol":"1","page":131},{"text":"من لدن رسول الله ﷺ (١).\nورأى بعض أصحاب هذا القول أنّ اعتقاد كون القرآن متواترا يقتضي أن يكون متواترا حتى في ترتيب سوره.\nالثّاني: اجتهاديّة، وهو قول أكثر العلماء (٢)، وعليه تدلّ أدلّة، منها:\n١ - حديث عثمان بن عفّان المتقدّم (٣)، صريح أنّه لم يكن لهم توقيف عن رسول الله ﷺ في وضع السّور، ولذا اجتهد في شأن (براءة) و(الأنفال).\n٢ - حديث عائشة، ﵂، في قصّة الرّجل العراقيّ الّذي سألها عن تأليف القرآن، قال: يا أمّ المؤمنين، أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلّي أؤلّف القرآن عليه فإنّه يقرأ غير مؤلّف، قالت:\nوما يضرّك أيّه قرأت قبل، إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنّار (وذكرت الحديث) (٤).\nوهذه القصّة وقعت بعد إرسال عثمان المصاحف إلى الأمصار، بدليل أنّ الّذي حدّث بها عن عائشة يوسف بن ماهك كان بحضرتها عند مجيء ذلك العراقيّ، ويوسف هذا تابعيّ لم يدرك زمان إرسال عثمان\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبيّ (١/ ٥٩ - ٦٠).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٤٠)، الإتقان، للسّيوطيّ (١/ ١٧٥).\n(٣) بطوله في المبحث السّابق (ص: ١٢٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٠٧).","vol":"1","page":132},{"text":"للمصاحف، إنّما كان بعدها، قال الحافظ ابن حجر: «ذكر\nالمزّيّ أنّ روايته عن أبيّ بن كعب مرسلة، وأبيّ عاش بعد إرسال المصاحف على الصّحيح» (١).\n٣ - المعروف عند أهل العلم أنّ مصاحف الصّحابة كانت تختلف في ترتيبها، فترتيب مصحف ابن مسعود غير ترتيب مصحف عليّ، وكذا مصحف أبيّ بن كعب، وجميعا غير ترتيب المصحف العثمانيّ، وفي ذلك عنهم نقول كثيرة وآثار عدّة، فلو كان عندهم عن النّبيّ ﷺ توقيف في ترتيب سور القرآن لما اختلفوا.\nوتقدّم أنّ ابن مسعود ممّن شهد العرضة الأخيرة، وكان مصحفه من أشدّ مصاحف الصّحابة اختلافا في ترتيب السّور:\nفعن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّي لأعرف النّظائر الّتي كان رسول الله ﷺ يقرأ، سورتين في ركعة.\nقال أبو وائل: ثمّ قام فدخل، فجاء علقمة فدخل عليه، قال:\nفقلنا له: سله لنا عن النّظائر الّتي كان رسول الله ﷺ يقرأ، سورتين في ركعة، قال: فدخل، فسأله، ثمّ خرج إلينا، فقال: عشرون سورة من أوّل المفصّل في تأليف عبد الله (٢).\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٣٩)، وانظر «تهذيب الكمال» للمزّيّ (٣٢/ ٤٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٣٦٠٧، ٤٣٥٠) والبخاريّ (رقم: ٤٧١٠) ومسلم (رقم: ٨٢٢) والتّرمذيّ (رقم: ٦٠٢) والنّسائيّ (رقم: ١٠٠٤) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، به، بعضهم يختصره، والسّياق هنا لأحمد ومسلم.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":133},{"text":"وروى ذلك علقمة بن قيس النّخعيّ نفسه والأسود بن يزيد النّخعيّ، فقالا: أتى ابن مسعود رجل، فقال: إنّي أقرأ المفصّل في ركعة، فقال:\nأهذّا كهذّ الشّعر، ونثرا كنثر الدّقل؟ لكنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ النّظائر السّورتين في ركعة: النّجم والرّحمن في ركعة، واقتربت والحاقّة في ركعة، والطّور والذّاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنّازعات في ركعة، وويل للمطفّفين وعبس في ركعة، والمدّثّر والمزّمّل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعمّ يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدّخان وإذا الشّمس كوّرت في ركعة (١).\nقال الإمام أبو داود السّجستانيّ: هذا تأليف ابن مسعود.\nوقصدت بذكر هذا الحديث إبطال زعم من قال: إنّ العرضة الأخيرة كانت على ترتيب السّور في المصحف كما هي اليوم في مصاحف المسلمين، فهذا ابن مسعود كان قد شهدها، ومع ذلك فقد اختلف تأليف السّور في مصحفه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه بهذه الرّواية: أبو داود (رقم: ١٣٩٦) قال: حدّثنا عبّاد بن موسى، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح.","vol":"1","page":134},{"text":"والقول بأنّ التّرتيب للسّور اجتهاديّ لا ينافي تواتر القرآن، فهو مقطوع بنقله تامّا عن رسول الله ﷺ، وذلك لا يؤثّر فيه تقديم لسورة وتأخير لأخرى، وليس اعتقاد ذلك التّرتيب من لوازم الإيمان.\nوما جاء أنّ جبريل كان يعارض النّبيّ ﷺ القرآن ليس فيه أنّه كان على هذا التّرتيب، فقد تكون تلك المعارضة على ترتيب النّزول.\nعلى أنّ الظّاهر أنّ بعض سور القرآن كان مرتّبا منذ عهد\nالنّبيّ ﷺ، كالسّبع الطّوال أو بعض سور المفصّل من سورة (ق) إلى آخر القرآن، وإن لم يكن هناك دليل يفيد القطع بالتّرتيب.\nقال الإمام مالك بن أنس: إنّما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ (١).\nورأى بعضهم أنّ ترتيبه توقيفيّ إلّا (الأنفال) و(براءة) لما جاء في حديث عثمان المتقدّم، فيكون هذا قولا ثالثا، وليست حجّته بقويّة.\nوحاصل خلافهم: ترجيح المذهب الثّاني لقوّة دليله، وهو أنّ ترتيب السّور كان باجتهاد من الصّحابة.\nقال سليمان بن بلال: سمعت ربيعة (هو ابن أبي عبد الرّحمن المعروف بربيعة الرّأي) يسأل: لم قدّمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكّة، وإنّما نزلتا بالمدينة؟ فقال: قدّمتا، وألّف القرآن على\n_________\n(١) أخرجه الدّاني في «المقنع» (ص: ٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":135},{"text":"علم ممّن ألّفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا ممّا ينتهى إليه ولا يسأل عنه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الثالث: أسماء السّور</span>\nلم يرد نصّ بتسمية كلّ سورة من سور القرآن باسم يخصّها، إنّما\nوردت أحاديث كثيرة في تسمية كثير من السّور، كالفاتحة والبقرة وآل عمران، وغيرها، ولم يحفظ ذلك في كلّ السّور، والمعتمد فيها ما اعتاده المسلمون من أسمائها.\nوعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عبّاس: سورة الحشر، قال: قل سورة النّضير (٢).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» (٣/ ١٠١٦) قال: حدّثنا أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٨٠٥، ٤٦٠١).\nقال الدّاوديّ: «كأنّ ابن عبّاس كره تسميتها سورة الحشر؛ لئلّا يظنّ أنّ المراد بالحشر يوم القيامة، أو لكونه مجملا؛ فكره النّسبة إلى غير معلوم» (فتح الباري، لابن حجر: ٧/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، والدّاوديّ اسمه أحمد بن نصر أبو جعفر، فقيه مالكيّ، له شرح على «صحيح البخاريّ».","vol":"1","page":136},{"text":"ففي هذا ما يبيّن أنّ تسمية سور القرآن لم تكن توقيفيّة عند أصحاب النّبيّ ﷺ، وإلّا لما ساغ لابن عبّاس أن يخالف ذلك.\nومن السّور ما له أكثر من اسم، وكلّ ذلك واسع، فالفاتحة ورد تسميتها ب (الفاتحة) و(أمّ الكتاب) و(أمّ القرآن)، وغير ذلك، والعامّة تسمّيها (سورة الحمد)، واسم (التّوبة) و(براءة) لسورة واحدة، و(الإسراء) و(بني إسرائيل) لسورة واحدة، وهكذا.\nوتقدّم في حديث عثمان، ﵁، في قصّة البسملة في (براءة) قوله: وينزل عليه- يعني النّبيّ ﷺ- الآيات، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا»، وينزل عليه الآية، فيقول: «ضعوا هذه الآية في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا».\nوأمّا ما تراه مذكورا في فواتح السّور في مصاحف المسلمين من أسمائها؛ فذلك ممّا زاده كتّاب المصاحف تعريفا بالسّورة، كما زادوا\nذكر المكّيّ والمدنيّ وعدد آي السّورة، ولم يكن شيء من ذلك موجودا في المصاحف العثمانيّة، فليست تلك التّسمية جزءا من المصحف.\nعلى أنّ بعض السّلف كان يحترز من فعل ذلك؛ خشية أن يعدّه النّاس من القرآن:\nفعن أبي بكر السّرّاج (الزّبرقان بن عبد الله)، قال: قلت لأبي رزين (مسعود بن مالك): أكتب في مصحفي سورة كذا وكذا؟ قال:\nلا، إنّي","vol":"1","page":137},{"text":"أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه، فيظنّوا أنّه من القرآن (١).\nوأقول: في ذكره مصلحة كذلك، لكن ينبغي أن تدفع الشّبهة الّتي أشار إليها أبو رزين بأن يبيّن ذلك في جملة الاصطلاحات الّتي تلحق بأواخر نشرات المصاحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الرابع: فواصل الآيات</span>\nهل فواصل الآيات توقيفيّة؟ اختلفوا فيها على قولين:\nالأوّل: توقيفيّة، وقوّاه بعض العلماء بحديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:\nأقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثّلاثين من آل حم ١\nيعني الأحقاف، قال: وكانت السّورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سمّيت الثّلاثين (٢).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٤١) ومن طريقه: الدّاني في «المحكم» (ص: ١٦) وإسناده صحيح.\nوانظر الآثار عن بعض السّلف في كراهة ذلك في كتاب «المصاحف» لابن أبي داود (ص: ١٣٨)، وجميعه للعلّة المذكورة.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (رقم: ٣٩٨١) من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم بن أبي النّجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود.\nقلت: وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":138},{"text":"ففيه أنّ إحصاء الآيات لكلّ سورة كان معهودا زمان النّبيّ ﷺ، كما جاء في سورة الفاتحة أنّها سبع آيات (١)، و(الملك) أنّها ثلاثون آية (٢).\n_________\n(١) كما في قوله ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢ هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الّذي أوتيته».\nأخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٠٤، ٤٣٧٠، ٤٤٢٦، ٤٧٢٠) من حديث أبي سعيد بن المعلّى، عن النّبيّ ﷺ.\nوأخرجه البخاريّ كذلك (رقم: ٤٤٢٧) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّ القرآن هي السّبع المثاني والقرآن العظيم».\nوسمّيت (الفاتحة) المثاني، لأنّها تثنّى أي تكرّر في كلّ ركعة في الصّلاة.\n(٢) كما في حديث أبي هريرة، ﵁، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال:\n«إنّ سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتّى غفر له، وهي تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ».\nأخرجه أحمد (رقم: ٧٩٧٥، ٨٢٧٦) وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (رقم:\n١٢٢ - مسند أبي هريرة) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٦٠ - ٢٦١) وأبو داود (رقم: ١٤٠٠) والتّرمذيّ (رقم: ٢٨٩٣) والنّسائيّ في «اليوم واللّيلة» (رقم:\n٧١٠) وابن ماجة (رقم: ٣٧٨٦) وابن الضّريس في «فضائل القرآن» (رقم: ٢٣٦) والفريابيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٣٣) وابن السّنّيّ في «اليوم واللّيلة» (رقم:\n٦٨٣) وابن حبّان (رقم: ٧٨٧) والحاكم (رقم: ٢٠٧٥) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٥٠٦) من طرق عن شعبة، عن قتادة، عن عبّاس الجشميّ، عن أبي هريرة، به.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن» وقال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد».\nقلت: إسناده حسن، سمعه قتادة كما في رواية أبي عبيد، وعبّاس تابعيّ لا بأس به.","vol":"1","page":139},{"text":"والثّاني: اجتهاديّة، وذلك لعدم ورود شيء صريح فيه، وعدّ آيات السّورة لا يعني تحديد موضع الفاصلة للآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الترجيح:</span>\nالقول الأوّل- فيما أرى- أشبه بالصّواب؛ لأجل ما جاء عن النّبيّ ﷺ من الوقوف على رءوس الآي، وتقطيع القراءة آية آية (١)، وأنّه كان يقرأ بالعدد من الآيات في الصّلاة، مع ملاحظة خواتم الآي وما فيها من التّناسق والجناس فيما قد علم حصره من عدد الآي كسورة الفاتحة أو الملك، والّذي يجري نظيره في جميع سور القرآن، جميع ذلك يؤكّد أنّ فواصل الآي توقيفيّة، هكذا تلقّاها النّاس عن رسول الله ﷺ.\nكما يؤكّد ذلك من جهة أخرى؛ أنّ ما يكون مرجعه لمجرّد الاجتهاد فإنّه يفتقر إلى ميزان منضبط، ورءوس الآي لا تخضع لقاعدة واحدة، ولم يرد\n_________\n(١) كما في حديث أمّ سلمة ﵂: أنّها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ؟\nفقالت: كان يقطّع قراءته آية آية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.\nأخرجه أحمد (٦/ ٣٠٢) وأبو داود (رقم: ٤٠٠١) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٢٨) وغيرهم من طريق يحيى بن سعيد الأمويّ، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أمّ سلمة، ولفظ التّرمذيّ: كان رسول الله ﷺ يقطّع قراءته يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثمّ يقف، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ثمّ يقف، وكان يقرأها:\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.\nقال الدّارقطنيّ [وقد روى الحديث في «سننه» (٣١٢ - ٣١٣)]: «إسناده صحيح، وكلّهم ثقات».","vol":"1","page":140},{"text":"عن الصّحابة اختلاف يذكر في ذلك، فلو خضع لاجتهادهم لعلم فيه الاختلاف.\nولا يعترض عليه باختلاف قليل وقع في ذلك في قراءات القرّاء السّبعة، من أجل أنّهم رووها كذلك، فيكون اختلافهم في عدّ بعض الآيات من قبيل التّنوّع في الرّواية عن رسول الله ﷺ.\nوعلى أيّ تقدير فهذه مسألة ليس فيها تنصيص، ولا يبنى عليها اعتقاد أو عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الخامس: البسملة</span>\nالبسملة (١) قرآن بالإجماع، إذ هي بعض آية من سورة (النّمل).\nوأجمعوا أنّها ليست في فاتحة سورة (التّوبة).\nوإنّما اختلفوا فيها في فواتح سائر السّور اختلافا كبيرا على مذاهب:\nالأوّل: هي آية من كلّ سورة غير (التّوبة).\n_________\n(١) قال الإمام مكّيّ بن أبي طالب القيسيّ: «البسملة مشتقّة من اسمين، من (بسم) ومن (الله)، ف (بسم) ملفوظ به واللّام من (الله) جلّ ذكره، وهي لغة للعرب، تقول: (بسمل الرّجل) إذا قال: (بسم الله الرّحمن الرّحيم)، و(حوقل الرّجل) و(حولق) إذا قال: (لا حول ولا قوّة إلّا بالله)، و(هلّل الرّجل) إذا قال: (لا إله إلّا الله)، وهو كثير» [الكشف عن وجوه القراءات السّبع: ١/ ١٤].","vol":"1","page":141},{"text":"الثّاني: ليست بآية في جميع السّور، وكتبت في المصحف للتّبرّك.\nالثّالث: هي آية مستقلّة لا تدخل في حصر آيات السّورة، وإنّما جاءت للفصل بين السّور؟\nالرّابع: هي آية من الفاتحة خاصّة، وفاصلة بين السّور فيما عداها.\nوهذا الأخير أرجحها وأقواها برهانا، إذ لا ينازع أحد أنّها مثبتة في أوائل السّور في المصحف ما عدا سورة التّوبة، وتظاهرت الأدلّة في عدم عدّها آية من تلك السّور غير الفاتحة، وأمّا الفاتحة فالأدلّة صحيحة صريحة في عدّ آياتها سبعا، والبسملة كانت تنزل فاصلة بين السّور، وأثبتت لهذه العلّة في المصحف، والفاتحة أوّل الكتاب، لم يسبقها شيء لتفصل عنه، ونحن وإن كنّا حرّرنا من قبل أنّ ترتيب السّور في القرآن كان اجتهاديّا من الصّحابة، فقد ذكرنا أنّ الظّاهر أن يكون بعضه قد علموا ترتيبه عن رسول الله ﷺ، ومن ذلك فاتحة الكتاب، فإنّ تسميتها ب (فاتحة الكتاب) ممّا ثبتت به الرّواية عن رسول الله ﷺ، وهذا يعني بالضّرورة أن تكون أوّل المصحف، ولم يخالف الصّحابة ذلك عند كتابة المصحف، فحيث أثبتوها بالبسملة في صدرها؛ فقد دلّ على أنّها آيتها السّابعة، وأنّهم هكذا تلقّوها عن رسول الله ﷺ.\nوقد أثّر اختلاف الأدلّة في شأن قراءتها في الصّلاة على مواقف كثير من العلماء، في عدّها آية من الفاتحة أو لا، وهذا ممّا لا ينبغي مع ثبوتها في","vol":"1","page":142},{"text":"المصحف بنفس خطّه.\nأمّا اختلاف القرّاء في عدّها؛ فإنّه سهل محتمل بعد ما اتّفقوا أنّها قرآن، كما اتّفقوا على ما في المصحف، وإنّما اختلافهم في عدّها آية أو بعض آية، من كلّ سورة أو من الفاتحة فقط (١).\nوأمّا الدّليل على أنّها قرآن كانت تنزل فصلا بين السّورتين وليست\nمنهما، عدا الفاتحة، فحديث عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال:\nكان النّبيّ ﷺ لا يعرف خاتمة السّورة حتّى ينزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١، فإذا نزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١ علم أنّ السّورة قد ختمت، واستقبلت أو ابتدئت سورة أخرى (٢).\n_________\n(١) انظر: النّشر في القراءات العشر، لابن الجزريّ (١/ ٢٧١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البزّار (رقم: ٢١٨٧ - كشف الأستار) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، به.\nوأخرجه بنحوه: أبو داود (رقم: ٧٨٨) والطّحاويّ في «شرح المشكل» (رقم:\n١٣٧٦) والحاكم (رقم: ٨٤٥) والبيهقيّ (٢/ ٤٢) من طريق ابن عيينة بإسناده.\nقلت: إسناده صحيح، وبعض من رواه عن سفيان لا يذكر فيه ابن عبّاس، وذكره فيه محفوظ من وجوه صحاح، ولم يتفرّد به سفيان عن عمرو، كما لم يتفرّد به عمرو عن سعيد، ممّا يطول شرحه، والمهمّ هنا أن تعلم أنّ ذلك الاختلاف لا أثر له في صحّة الحديث، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشّيخين».\nواعلم أنّ مسألة البسملة هذه مسألة طويلة الأطراف، والّذي يهمّنا هاهنا أن نبيّن أنّها قرآن كما هي في المصحف، وأنّها لم تكن من وضع الصّحابة بآرائهم، إنّما لما علموه من رسول الله ﷺ أنّها من الفاتحة، وأنّها كانت تنزل عليه ليعلم فصل السّورة، لذا أثبتوها بين كلّ سورتين غير الأنفال والتّوبة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ مات ولم يبيّن لهم أنّها والأنفال سورة واحدة أو سورتان كما دلّ عليه حديث عثمان المتقدّم في المبحث الأوّل من هذا الفصل، فلم يكتبوا سطر البسملة الّذي قد علموا بالتّوقيف أنّه للفصل بين السّورتين.\nواعلم أنّه ما زاد أحد في القرآن شيئا ولا نقص منه من جميع هؤلاء المختلفين من العلماء في شأن البسملة، خلافا لما زعمه بعض من انتصر إلى مذهب من المذاهب فيها.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث السادس: تتمة في مسائل</span>\nالمسألة الأولى: الأنفال والتّوبة سورتان في قول أكثر العلماء،\nوذهب بعضهم إلى أنّهما سورة واحدة، والأدلّة أظهر على خلافه، فقد ورد ما يبيّن الفصل بينهما وأنّهما سورتان وإن لم يفصل بينهما بالبسملة، فمن ذلك:\n١ - حديث سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس: سورة التّوبة؟\nقال: التّوبة؟ قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حتّى ظنّوا أن لا يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها، قال: قلت:\nسورة الأنفال؟ قال: تلك سورة بدر، قال: قلت: فالحشر؟ قال:\nنزلت في بني النّضير (١).\n٢ - حديث البراء بن عازب، ﵁، قال: آخر آية أنزلت آية الكلالة، وآخر سورة أنزلت (براءة).\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٠٠) ومسلم (رقم: ٣٠٣١).","vol":"1","page":144},{"text":"وفي لفظ: إنّ آخر سورة أنزلت تامّة سورة التّوبة، وإنّ آخر آية أنزلت آية الكلالة (١).\nالمسألة الثّانية: أقسام السّور باعتبار الطّول أربعة:\n١ - الطّوال، ويقال: (الطّول) وهي سبع سور: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف.\nواختلف في السّابعة، فقيل: التّوبة، وقيل: الأنفال والتّوبة كسورة واحدة، وقيل: يونس، بدلهما.\n٢ - المئين، وهي: السّور الّتي تزيد آياتها على مائة آية أو تقاربها، كالأنفال ويونس وهود والنّحل والإسراء والمؤمنون.\n٣ - المثاني، وهي: السّور الّتي تكون آياتها أقلّ من مائة، كالنّور والفرقان والقصص ويس والزّمر.\nواعلم أنّه ورد استعمال لفظ (المثاني) في النّصوص مرادا به ثلاثة معان كلّها تعود إلى القرآن:\nالأوّل: القرآن كلّه، ومنه قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤١٠٦، ٤٣٢٩، ٤٣٧٧، ٦٣٦٣) ومسلم (رقم: ١٦١٨)، واللّفظ الثّاني له وحده.","vol":"1","page":145},{"text":"مُتَشابِهًا مَثانِيَ [الزّمر: ٢٣]، وسمّي بذلك لأنّ القصص والأنباء ثنّيت فيه.\nالثّاني: ما كان دون المئين وفوق المفصّل من السّور.\nكما في حديث واثلة بن الأسقع، ﵁، قال: قال النّبيّ ﷺ:\n«أعطيت مكان التّوراة السّبع الطّوال، ومكان الزّبور المئين، ومكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل» (١).\nوالسّبب في إطلاق هذه التّسمية على هذا المقدار من السّور هو نفسه في إطلاقها على جميع القرآن؛ لكونها أكثر اختصاصا به.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطّيالسيّ (رقم: ١٠١٢) ومن طريقه: أحمد (٤/ ١٠٧) والطّحاويّ في «شرح المشكل» (رقم: ١٣٨٩) وابن جرير في «التّفسير» (رقم:\n١٢٦) والبيهقيّ في «الشّعب» (٢/ ٤٦٥).\nوالطّبرانيّ في «الكبير» (٢٢/ ٧٥) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٤٨٤) من طريق عمرو بن مرزوق، كلاهما قالا: حدّثنا عمران القطّان، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، به.\nقلت: وإسناده حسن، عمران صدوق يحسّن حديثه، وسائر الإسناد ثقات.\nتابع عمران عليه: سعيد بن بشير.\nأخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٢٥) وابن جرير (رقم: ١٢٦) والطّبرانيّ في «الكبير» (٢٢/ ٧٦) و«مسند الشّاميّين» (رقم: ٢٧٣٤) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٤٨٥) من طرق عنه.\nقلت: وهي متابعة يعتبر بها.","vol":"1","page":146},{"text":"الثّالث: سورة الفاتحة خاصّة، لحديث أبي سعيد بن المعلّى وغيره (١).\nوالسّبب في إطلاق ذلك عليها أنّها تثنّى في الصّلاة في كلّ ركعة (٢).\nفلفظ (المثاني) مشترك في هذه المعاني جميعا، يتبيّن المراد به بالقرينة.\n٤ - المفصّل، وهو: السّور من ق إلى آخر القرآن على قول قويّ، وهو ثلاثة أقسام: طوال، وهي إلى: عَمَّ، وأوساط، وهي إلى وَالضُّحى ١، وقصار وهي ما بقي إلى آخر المصحف.\nوسمّيت (المفصّل) لكثرة الفصول الّتي بين سورها بالبسملة (٣).\nواعلم أنّه ليس هناك دليل يقطع بتحديد أوّل وآخر كلّ قسم من هذه الثّلاثة، وإنّما تكلّم العلماء فيها بالاجتهاد، فهذه سورة الشّعراء مثلا (٢٢٧) آية، ومع ذلك جاءت في المصحف في سياق سور هي من المثاني.\nالمسألة الثّالثة: تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصّورة الّتي توجد في مصاحف المسلمين اجتهاديّة، ولها أصل من فعل أصحاب النّبيّ ﷺ، لكن على غير هذه القسمة، وكان السّلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبّديّا وإنّما هو لتيسير أخذ القرآن.\n_________\n(١) تقدّم ذكره في التعليق (ص: ٦٥، ١٣٩).\n(٢) انظر: غريب الحديث، لأبي عبيد (٣/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(٣) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ١٠٤ - شاكر).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الفصل الثالث: الرسم العثماني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الأول: ما هو الرسم العثماني</span>؟\nالرّسم العثماني، هو: شكل الإملاء لخطّ المصحف الإمام الّذي أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، ﵁، بأن يكتب عليه.\nككتابة: (الصّلاة، الرّبا، آيات، يا لوط): الصلاة، الرّبوا، آيات، يا لوط، وهكذا، وليس المراد به نوع الخطّ كالنّسخ والكوفيّ والرّقعة.\nولم يجر ذلك على قواعد منضبطة، وإن كان غالبه يعود إلى قاعدة، كما شرحه الإمام أبو عمرو الدّانيّ (١).\nفمثل (الصّلاة، والزّكاة) كتبوهما بالواو بدلا من الألف، وذلك على اعتبار أصلهما، وهو: (صلو، زكو).\nومثل (اللّيل) كتبت (الليل) بلام واحدة للإدغام.\nومثل (ليكونن، ولنسفعن) كتبتا وَلَيَكُونًا ولَنَسْفَعًا بالتّنوين بدلا من النّون على حكمها عند الوقف.\n_________\n(١) في كتاب «المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار».\nوانظر كذلك: الإتقان، للسّيوطيّ (٢/ ٤٧١ - ٤٨٠).","vol":"1","page":148},{"text":"أمّا ما لا يعود من ذلك إلى قاعدة فأحسن ما يقال في جوابه:\nإنّ الصّحابة كتبوه كذلك لأنّه كان اصطلاح الهجاء في ذلك الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الثاني: النقط والشكل فيه</span>\nالنّقط هو: وضع النّقطة أو النّقطتين أو النّقط فوق الحرف، والنّقطة أو النّقطتين تحت الحرف، تمييزا له عمّا يشبهه في صورته، مثل: (الباء والتّاء والثّاء والياء والزّاي والقاف).\nويسمّى (الإعجام).\nوالشّكل هو: الضّبط بالحركات.\nهذان الأمران كلاهما محدث لم يكن في المصحف العثماني، وأضيف إلى رسوم المصاحف صيانة للقرآن عن اللّحن والتّصحيف، وذلك على وفق ما نقله متقنو القرّاء من الأداء.\nوعليه فإنّ ذلك يختلف فيما بين المصاحف باختلاف القرّاء الّذين ضبط المصحف على قراءاتهم، فأنت ترى مثلا مصحفا على رواية حفص عن عاصم، وآخر على رواية\nورش عن نافع، يتفاوتان في النّقط والشّكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>فما حكم إضافة ذلك إلى المصاحف</span>؟\nجوابه: أمّا السّلف حين بدأ ظهور ذلك؛ فإنّ جماعة منهم كرهوه،","vol":"1","page":149},{"text":"والمعنى في كراهيّتهم: خوف أن يدخل على المصحف ما ليس منه، فلمّا ضبط النّقل من بعد، وصار اعتماد النّاس على المصاحف بتلاوة النّقلة المتقنين، فإنّ الإجماع وقع على جواز ذلك، وعليه كما ترى مصاحف الأمّة.\nوترى اختلاف وجوه القراءات الصّحيحة يرجع عامّته إلى النّقط والشّكل، مع اتّحاد الرّسم.\nمثل قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا [النّساء: ٩٤، والحجرات: ٦]، هكذا قرأها من السّبعة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم، وقرأها حمزة والكسائيّ: فتثبّتوا، فاختلف النّقط، والرّسم كما ترى متّحد.\nومثل قوله تعالى: إنّه عمل غير صلح [هود: ٤٦]، هكذا قرأها من السّبعة جميعهم؛ إلّا الكسائيّ، فإنّه قرأها: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فاختلف الشّكل، والرّسم متّحد.\nومثل ذلك الهمز والتّسهيل، ك هُزُوًا وهُزُوًا.\nوالتّشديد والتّخفيف، ك يُنَزِّلَ ويُنَزِّلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>علامات الوقف والسّكت وما يتّصل بأحكام التّلاوة:</span>\nكلّ ما تراه في المصحف من ذلك فهو مزيد بحسب ما علم من القرّاء في الأداء أو من أئمّة التّفسير، وليس جزءا من الرّسم العثمانيّ.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الثالث: حكم المحافظة عليه في خطوط المصاحف</span>\nرسم المصحف وقع باجتهاد الصّحابة، ولم تكن الصّفة الّتي ترسم عليها الكلمة ممّا تلقّاه النّاس عن الله أو رسوله ﷺ، إنّما سمعوها من رسول الله ﷺ، وكتبها الكتبة على الصّفة الّتي سمعوها، لم يخرجوا بكتابتهم عمّا سمعوا، وكان ما رسموا عليه حروف الكلمة بما أوتوا من المعرفة بأصول الكتابة، لا بتعليم النّبيّ ﷺ لهم ذلك.\nوغلط من ظنّ أنّ رسم الكلمة كان بتوجيه النّبيّ ﷺ، فإنّه لم ينقل ذلك في شيء من الأخبار الثّابتة أو شبه الثّابتة (١).\nوممّا يدلّ على رجوع ذلك إلى اجتهادهم؛ قول عثمان للرّهط القرشيّين الثّلاثة الّذين كانوا يكتبون المصحف مع زيد بن ثابت (عبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام):\nإذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن (وفي رواية:\nفي عربيّة\n_________\n(١) من النّاس من ذكر لذلك ما رواه السّمعانيّ في «أدب الإملاء» (ص: ١٧٠) من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، قال: قال معاوية ﵁: كنت أكتب بين يدي رسول الله ﷺ، فقال:\n«يا معاوية، ألق الدّواة، وحرّف القلم، وانصب الباء، وفرّق السّين، ولا تقوّر الميم، وحسّن اللَّهِ، ومدّ الرَّحْمنِ، وجوّد الرَّحِيمِ».\nقلت: وهذا حديث لا يصحّ عن رسول الله ﷺ، في الإسناد قبل الوليد من لم يعرف بتعديل، والوليد مدلّس تدليس التّسوية، وقبول حديث من يعرف بهذا أن يحفظ السّماع بين كلّ راويين إلى الصّحابيّ، ومكحول لم يلق معاوية.","vol":"1","page":151},{"text":"من عربيّة القرآن) فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا (١).\nوهذا هو الوجه في نسبة رسم المصحف إلى عثمان؛ لأنّه وقع بأمره وإشرافه، ثمّ أجمع عليه المسلمون، فصاروا لا ينسخون مصحفا إلّا على رسمه، ومذهب جمهور العلماء من السّلف والخلف: وجوب المحافظة على ذلك الرّسم في كتابة أو طبع المصاحف، ولا يحلّ تغييره بتغيّر طرق الإملاء والهجاء، وذلك صيانة للقرآن من تصرّفات النّسّاخ والطّابعين.\nقال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك، فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث النّاس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى (٢).\nقال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمّة» (٣).\nويزيد قول مالك المذكور بيانا ما نقله عنه أشهب كذلك، قال:\nسئل\n_________\n(١) طرف من حديث جمع القرآن، وهو حديث صحيح.\nأخرجه البخاريّ (رقم: ٣٣١٥، ٤٦٩٩، ٤٧٠٢) من حديث أنس بن مالك.\nفي بعض روايات هذا الحديث كلام للزّهريّ لم يذكر ممّن سمعه، ولهذا لم أحتجّ به، ففي رواية التّرمذيّ (رقم: ٣١٠٣) قال الزّهريّ: فاختلفوا يومئذ في التَّابُوتُ [البقرة: ٢٤٨، طه: ٣٩] و(التّابوة)، فقال\nالقرشيّون: (التّابوت)، وقال زيد: (التّابوة)، فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه (التّابوت)، فإنّه نزل بلسان قريش.\n(٢) أخرجه الدّاني في «المقنع» (ص: ٩ - ١٠) و«المحكم في نقط المصاحف» (ص: ١١) بإسناد يحتمل مثله عن أشهب.\n(٣) المقنع (ص: ١٠).","vol":"1","page":152},{"text":"مالك عن الحروف تكون في القرآن، مثل الواو والألف، أترى أن تغيّر من المصحف إذا وجدت فيه كذلك؟ قال: لا (١).\nفهذا المنع من علماء الأمّة مالك وغيره خشية أن تؤدّي الرّخصة في ذلك إلى الجرأة على القرآن، وهذا مأخذ صحيح.\nويؤكّده أنّ الرّسم يحتمل جميع وجوه القراءات الصّحيحة، وتيسير أخذ القراءة المعيّنة كرواية حفص مثلا حاصل بما زيد على ذلك الرّسم من النّقط والشّكل والعلامات، مع بقاء الرّسم نفسه بدون تلك الزّيادات محتملا القراءات الأخرى، فلو رسم على ما يتلى به على قراءة واحدة، فإنّ مصلحة احتمال الرّسم لسائر القراءات تزول، وهذه مفسدة، فإنّ الصّحابة رسموه على ما يحتمل وجوه الأحرف السّبعة المتّفقة في الرّسم، ولم يقصدوا تفويت ذلك على الأمّة، فالمسوّغ لخلاف ذلك مجوّز تفويت هذه المصلحة.\nوهناك من لا يرى بأسا في كتابة المصحف على ما جرت به قواعد الإملاء الحديثة اليوم، يحسبون ذلك أيسر لتلاوة القرآن، وهذا منهم غلط بيّن، فإنّا نرى في عامّة المسلمين من لا يحسن القراءة، بل لا يعرفها، إلّا في المصحف، ونرى ما ضبط عليه المصحف محقّقا للمقصود على أحسن وجوهه، فحيث انتفت المصلحة الرّاجحة في ذلك، واحتملت المفسدة، بل ترجّحت، فإنّ القول بمنع ذلك أظهر وأبين.\n_________\n(١) المقنع (ص: ٢٨) بنفس الإسناد المشار إليه في التّعليق قريبا عن أشهب.","vol":"1","page":153},{"text":"كذلك نرى في تميّز المصحف في خطّه ورسمه عن سائر الكتب خصوصيّة لكتاب الله، ولو كتب على نمط سائر الكتب لذهب عنه ذلك الاختصاص، وهذه مصلحة أخرى تنضمّ إلى سابقتها لا يصلح تفويتها.\nورأينا من يكتب الصّوت بالنّصّ القرآنيّ بغير الحروف العربيّة، ككتابته بحروف لاتينيّة، يقصد به تيسير أخذ القرآن لمن لغته على تلك الحروف.\nوهذا عمل إذا ضبط فهو حسن وفيه مصلحة بيّنة، لكنّه ليس بمصحف، إنّما هو بمنزلة التّسجيل الصّوتيّ لتلاوة تال للقرآن، فلا يصحّ أن يقال في ذلك (مصحف)، والنّاس وإن كانوا يفعلون ذلك اليوم، فيقولون (المصحف المرتّل) فهو من أغلاطهم الشّائعة، وإنّما المصحف هو المكتوب بين اللّوحين على الرّسم العثمانيّ، فأمّا (بين اللّوحين) فهو مقتضى اللّغة، وأمّا (على الرّسم العثمانيّ) فهو اتّفاق المسلمين بعد عثمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>هل تجب المحافظة على خطّ المصحف عند الاقتباس منه</span>؟\nما تقدّم من وجوب المحافظة على الرّسم فهو عند كتابة مصحف، أمّا اقتباس الكتّاب والمؤلّفين الآية والآيات فليس هناك ما يوجب الوقوف عند رسم المصحف في ذلك النّصّ المقتبس، إذ ليس له خصائصه، ولم يزل علماء الأمّة منذ القديم كما رأيناه في المخطوطات القديمة وإلى اليوم لا يلتزمون الثّبات في ذلك على الرّسم.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المقدمة الثالثة نقل القرآن</span>\nالفصل الأول: تواتر نقل القرآن الفصل الثاني: القراءات الفصل الثالث: أئمة القراءة***","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الفصل الأول: تواتر نقل القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الأول: تعريف التواتر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>التّواتر في اللّغة:</span>\nقال الجوهريّ: «واترت الكتب فتواترت، أي: جاءت بعضها في إثر بعض وترا وترا، من غير أن تنقطع» (١).\nوفي «شرح القاموس» (٢): «أصل هذا من الوتر، وهو الفرد، وهو أنّي جعلت كلّ واحد بعد صاحبه فردا فردا، والخبر المتواتر: أن يحدّثه واحد بعد واحد، وكذلك خبر الواحد مثل المتواتر».\nفمقتضى اللّغة أنّ التّواتر في النّقل تتابع الرّواة برواية الفرد عن الفرد يأتي الواحد في إثر الآخر دون انقطاع.\nوأمّا في الاصطلاح: فتفاوتت العبارات عند أصحاب الفنون وتباينوا في ذلك تباينا كبيرا، ولكنّهم جميعا اتّفقوا على أنّ التّواتر في الأخبار: هو ما أفاد القطع بصحّتها وأسقط الظّنّ.\n_________\n(١) الصّحاح (مادة: وتر).\n(٢) المسمّى «تاج العروس من جواهر القاموس» للزّبيديّ (١٤/ ٣٣٨).","vol":"1","page":157},{"text":"بعضهم يشترط رواية العدد عن العدد، وهذا شرط مع شدّة اضطرابهم فيه فإنّه لا يفيده الاستعمال اللّغويّ، وينبغي في باب التّعاريف أن يكون في اللّغة أصل للمعنى الاصطلاحيّ.\nأمّا إذا قلنا: التّواتر رواية الخبر بطريق يفيد العلم، واكتفينا بهذا في التّعريف، لكان أصحّ، ثمّ تراعى الأسباب الّتي يخلص بها إلى هذه النّتيجة.\nوهذه الأسباب هي المعبّر عنها بالقرائن الّتي تحتفّ بالخبر، كصدق النّاقل، أو موافقة غيره له مع امتناع الاتّفاق بينهم على الكذب والغلط.\nفالنّبيّ ﷺ روى القرآن عن جبريل ﵇، ورواه جبريل ﵇ عن الله ربّ العالمين، وهذه رواية فرد عن فرد، لكنّها أعلى طريق لإفادة العلم واليقين.\nفههنا الاعتبار بصفات النّاقل.\nومسألة من العلم تثبت في السّنّة، يجتمع النّقلة في الأمصار الإسلاميّة في زمن الرّواية على نقلها، لكلّ أهل بلد أسانيدهم وطرقهم فيها حتّى تنتهي إلى النّبيّ ﷺ، كسنّة المسح على الخفّين، فهذا ممّا لا يرتاب في إفادته القطع واليقين أنّه كان من سنّة النّبيّ ﷺ.\nوهاهنا الاعتبار بصفات النّاقل، مع العدد واختلاف البلدان المانع من التّواطؤ على الغلط.\nويقابل ذلك حديث يروى عن عدد كثير من الصّحابة إلى كلّ واحد","vol":"1","page":158},{"text":"منهم إسناد أو أسانيد، ومع ذلك لا يصحّ، فهو لا يفيد الظّنّ الرّاجح، فضلا عن اليقين، كحديث: «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا» (١).\nومثله إشاعة تظهر في النّاس، يتناقلها الجمع عن الجمع، فإذا بحثت عن مخرجها وجدتها ترجع إلى الكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثاني: نقل القرآن</span>\nلا ريب أن طريق نقل القرآن الرّواية.\nلكن ما منزلتها في الرّوايات؟ هل نقلت إلينا بطريق التّواتر الّذي يعني أنّ القرآن قطعيّ الثّبوت إلى رسول الله ﷺ؟\nالقرآن رسالة النّبيّ ﷺ، أنزله الله تعالى قانونا للحياة، فحين كان نبيّه ﷺ يتلوه على النّاس لم يحمله عنه فرد واحد، بل حملته الأمّة كلّها يومئذ.\nوقد تقدّم في المقدّمة الثّانية شرح الكيفيّة الّتي جمع بها القرآن، وأنّه كان يحفظ في الصّدور وفي السّطور، وذلك تحقيقا لوعد الله تعالى بحفظه، ليبقى حجّة على النّاس إلى أن تقوم السّاعة.\nفترى هذا القرآن قد اجتمع عامّة الصّحابة بعد رسول الله ﷺ على\n_________\n(١) وهو حديث روي عن بضعة عشر صحابيّا، وهو على طريقة من يراعي مجرّد العدد في التّواتر يعدّه متواترا، وهذا غلط كبير في العلم، فإنّ الحديث ليس بضعيف فقط، بل شديد الضّعف، كما شرحته في جزء خاصّ.","vol":"1","page":159},{"text":"الاعتناء بنقله وضبط تلاوته وأدائه وروايته، وبقي النّاس ينسخون المصاحف عن أصول الصّحابة، ويقرءون بأداء النّقلة المتقنين، في جميع البلدان، وهو كتاب واحد، برسم واحد، يتلى على أنواع من الأداء قد تلقّتها الأجيال عن الأجيال، لا يزيد فرد على فرد في تلاوته على ما في هذا المصحف، وتأتي عليه القرون بعد القرون لا يزال منه شيء عن موضعه، فهذه دور المخطوطات في العالم كلّه في بلاد الإسلام وغيرها فيها ما لا يحصيه إلّا الله من المصاحف الّتي كتبت في الأزمان والبلدان المختلفة، لا ترى مصحفا يختلف عن الآخر في شيء، وهذه بيوت المسلمين لا يكاد يخلو بيت من مصحف، انظر فيها مشرّقا أو مغرّبا، فلن ترى بينها اختلافا.\nهذا أحد طريقي نقل القرآن، وهو هذا المصحف وحمل الأمّة له جيلا عن جيل.\nأمّا إن جئت إلى قراءات القرّاء، فإنّ الأسانيد بها قد انتهت إلى الدّواوين المتواترة عن أصحابها، وهي الكتب الّتي صنّفها أئمّة القراءة في وجوه الأداء للقرآن كما تلقّوها عن أئمّته الكبار، فلمّا صار ذلك علما مضبوطا في كتب خاصّة فقد أغنى النّاس عن استمرار الإسناد إلى اليوم.\nوذلك كتدوين الحديث في الكتب، فإنّه أغنى الأمّة عن الاشتغال بالإسناد بعدها، فهذا «صحيح البخاريّ» مثلا، فهو مقطوع بصحّته إليه، وإن كانت أغلب الأسانيد منه إلى النّبيّ ﷺ غير متواترة، وهذه مفارقة بينه وبين القرآن، فالقرآن بقراءات أئمّة القراءة\nمحفوظ إلى أولئك الأئمّة","vol":"1","page":160},{"text":"المصنّفين للقراءات بالأسانيد الّتي اجتمعت فيها قرائن التّواتر (١).\nنعم، لم يزل الإسناد موجودا تعتني به طائفة من العلماء وغيرهم للقرآن والحديث، لكنّه ليس الطّريق إلى العلم، وإن كان له مصلحة للقرآن خاصّة إذا أخذ عن المشايخ الكبار، وهي أخذ القرآن عن قارئ متقن قد حمله على ذلك الوجه عن شيخ قبله.\nوكبار القرّاء الّذين يقومون على مراجعة المصاحف، وعامّتهم ممّن قرأ على الشّيوخ بأسانيدهم، يرجعون في ضبط المصاحف إلى تلك الكتب المصنّفة في الأداء، لا يعتمدون أسانيدهم الخاصّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثالث: الشبهات حول نقل القرآن</span>\nواعلم أنّه لا نزاع في تواتر نقل القرآن الّذي في المصحف عند عامّة المسلمين (٢)، وإنّما نازع بعض أصحاب الضّلالة في تواتره فيما\nبين الصّحابة\n_________\n(١) انظر: النّشر في القراءات العشر، للإمام ابن الجزريّ (١/ ٥٨) وما بعدها.\n(٢) وإن أورد أحد ما روي أنّ الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ غيّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفا، منها: لَمْ يَتَسَنَّهْ في البقرة [الآية: ٢٥٩] كانت (يتسنّ) بغير هاء، فزاد الحجّاج الهاء، إلى آخر الخبر الّذي أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٤٩ - ٥٠)، فأقول: هذا خبر كذب، فإنّ مصحف عثمان زمن الحجّاج قد طبق ديار الإسلام، وما كان الحجّاج ليغيّر حرفا من كتاب الله والمصاحف العثمانيّة قد وقعت لكلّ الأمصار، وانتسخ النّاس منها مصاحفهم، والقرّاء يومئذ من الّذين يرجع إليهم النّاس في القراءة موجودون، فإن كان الحجّاج غيّر حرفا في مصحف فوالله ما كان=","vol":"1","page":161},{"text":"الّذين جمعوا القرآن في عهد عثمان وبين عهد رسول الله ﷺ، ولا نزاع عند هؤلاء في التّواتر بعد عثمان وإلى اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>وتعلّقوا بشبهات، يرجع حاصلها إلى ما يأتي:</span>\nالشّبهة الأولى: موقف ابن مسعود من الجمع العثمانيّ عامّة، وذكر المعوّذتين فيه خاصّة.\nوهذا تقدّم ذكره وإبطال التّعلّق به في المقدّمة السّابقة.\nالشّبهة الثّانية: ما كان مذكورا في مصحف أبيّ بن كعب وليس هو في مصاحف المسلمين.\nوهذا كذلك سبق ذكره مع بعض مثاله، وأنّ مرجعه إلى أنّ أبيّا ربّما قرأ بالمنسوخ من القرآن، وما كان من ذلك فهو من هذا القبيل على أقصى تقدير، أو يكون أبيّ كتبه في مصحفه لنفسه ليحفظه أو يتعاهده، وذلك أنّ مصحفه كان يخصّه، فجائز أن يكون ذلك بمنزلة تعليقة يزيدها الكاتب في هامش كتاب، وممّا قد يؤكّده أنّه لم يؤثر عن أبيّ إنكار لصنيع عثمان ومن\n_________\n= ليقدر أن يفعله في جميع تلك المصاحف، وإن كان أرهب كثيرا من النّاس يومئذ بظلمه وطغيانه، فما كان ليقدر أن يصمّت جميع أمّة محمّد ﷺ فيحرّف القرآن على مرأى من جميع المسلمين، ثمّ هب أنّ ذلك قد وقع من الحجّاج؛ فأين النّقلة لم يجتمعوا على نقله، ولماذا لم يأت إلّا من طريق عبّاد بن صهيب رجل من المتروكين الهلكى؟\nكيف وقد ثبتت الأسانيد الدّالّة على بطلان هذه الحكاية بخصوص كتابة تلك الأحرف؟ ومثل هذا لا يستحقّ الإطالة بأكثر ممّا ذكرت لظهور فساده.","vol":"1","page":162},{"text":"معه من الصّحابة حين كتبوا المصحف، مع أنّهم كانوا يستشيرونه فيما كانوا يصنعون.\nفعن هانئ البربريّ مولى عثمان، قال:\nكنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب، فيها: (لم يتسنّ)، وفيها: (لا تبديل للخلق)، وفيها: (فأمهل الكافرين)، قال: فدعا بالدّواة، فمحا إحدى اللّامين، وكتب: لِخَلْقِ اللَّهِ [الرّوم: ٣٠]، ومحا (فأمهل) وكتب: فَمَهِّلِ [الطّارق: ١٧]، وكتب: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩] ألحق فيها الهاء (١).\nالشّبهة الثّالثة: أخبار وردت في قرآن منسوخ التّلاوة.\nوسيأتي مثاله في (المقدّمة الرّابعة).\nوبطلان الاعتراض بهذا ظاهر، فإنّ الله تعالى أنزل قرآنا نسخت تلاوته، وبقي منه شيء محفوظ في السّنن، ومنه ما أنساه الله النّاس في عهد النّبيّ ﷺ، وقد قال تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٢٨٦) - ومن طريقه: ابن جرير في «تفسيره» (٣/ ٣٨) - قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديّ، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدّثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربريّ، به.\nقلت: وهذا إسناد جيّد، ورجاله ثقات، أبو وائل اسمه عبد الله بن بحير بن ريسان، ثقة، وهانئ لا بأس به صدوق.","vol":"1","page":163},{"text":"مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].\nالشّبهة الرّابعة: أخبار وردت بزيادات في بعض آيات الكتاب.\nوذلك مثل: حديث أسماء بنت يزيد، ﵂، قالت:\nسمعت رسول الله ﷺ يقرأ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يبالي\nإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزّمر: ٥٣] (١).\nوعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: إنّ أكبر آية في القرآن فرجا آية في سورة الغرف (٢): قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ\nاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا\nإن شاء (٣).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١) وعبد بن حميد (رقم: ١٥٧٧) والتّرمذيّ (رقم: ٣٢٣٥) والطّبرانيّ في «الكبير» (٢٤/ ١٦١) والحاكم (رقم: ٢٩٨٢) من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء، به.\nقلت: وإسناده حسن، شهر بن حوشب صدوق لا بأس به، وبقيّة الإسناد ثقات.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن غريب».\n(٢) يعني سورة الزّمر، وسمّاها بذلك لقوله تعالى فيها: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الآية: ٢٠].\n(٣) أثر صحيح. أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير» (٩/ ١٤٢) من طريق معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن عامر، عن مسروق، عنه به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":164},{"text":"وعن سعد بن أبي وقّاص، ﵁:\nأنّه كان يقرأ هذه الآية: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النّساء: ١٢] لأمّ (١).\nفهذا وشبهه لا يجوز الاعتراض به على نقل الجماعة لكتاب الله، إذ لا يخرج عن احتمال أحد أمرين:\nالأوّل: أنّها زيادة تفسيريّة أدرجت في السّياق، يكون بعضها من قبيل الحديث المرفوع إلى النّبيّ ﷺ في تفسير القرآن، كزيادة (ولا يبالي) في حديث أسماء بنت يزيد، ويكون بعضها من قبيل الرّأي والاجتهاد لأحد الصّحابة في تفسير الآية، كما في زيادة ابن مسعود في آية الزّمر: (إن شاء)، وكما في زيادة سعد بن أبي وقّاص في آية المواريث: (لأمّ) (٢).\n_________\n(١) أثر صالح الإسناد. أخرجه الدّارميّ في «مسنده» (رقم: ٢٨٦٣) وأبو عبيد (ص: ٢٩٧) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (رقم: ٤٩٣٦) وابن جرير (٤/ ٢٨٧) والبيهقيّ في «الكبرى» (٦/ ٢٣١) من طرق عن يعلى بن عطاء عن القاسم بن ربيعة بن عبد الله بن قانف الثّقفيّ، عن سعد.\nرواه عنه سفيان الثّوريّ وشعبة بن الحجّاج وهشيم، ويعلى ثقة، والقاسم شيخ ليس بالمشهور، وثّقه ابن حبّان.\n(٢) في رواية شعبة ما يؤيّد القول بأنّها كانت تفسيرا من قبل سعد، قال شعبة: عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت القاسم بن ربيعة يقول: قرأت على سعد: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ قال سعد: لأمّه.","vol":"1","page":165},{"text":"وفي هذا ما يشعر بأنّ المصاحف الخاصّة ببعض الصّحابة، كابن مسعود، ربّما تضمّنت بعض العبارات التّفسيريّة، ولم تجرّد للقرآن.\nقال الإمام أبو جعفر النّحّاس بعد ذكر حديث أسماء وابن مسعود في الزّيادة في آية الزّمر: «هاتان القراءتان على التّفسير» (١).\nوالثّاني: أن تكون تلك الزّيادة قرآنا منسوخا، لم يعلم بنسخه بعض الصّحابة، فقرءوا بالمنسوخ، أو كتبوه في مصاحفهم.\nوذلك مثل ما ورد عن أبي يونس مولى عائشة أمّ المؤمنين، أنّه قال:\nأمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، ثمّ قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ٢٣٨ [البقرة: ٢٣٨]، فلمّا بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصّلوات\nوالصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين)، ثمّ قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢).\n_________\n(١) إعراب القرآن، لأبي جعفر النّحّاس (٤/ ١٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك (رقم: ٣٦٧) قال: عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس، به.\nومن طريق مالك أخرجه: أحمد (٦/ ٧٣، ١٧٨) ومسلم (رقم: ٦٢٩) وأبو داود (رقم: ٤١٠) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٨٦) والنّسائيّ (رقم: ٤٧٢). قال التّرمذيّ:\n«حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":166},{"text":"فهذا من عائشة ﵂ لعدم علمها بالنّسخ، وحفظ ذلك غيرها، فعن البراء بن عازب، ﵁، قال:\nنزلت هذه الآية: (حافظوا على الصّلوات وصلاة العصر)، فقرأناها ما شاء الله، ثمّ نسخها الله، فنزلت: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١).\nفهذان احتمالان كلاهما أو أحدهما وارد على جميع أنماط هذه الزّيادات، ولا يصحّ أن يستدرك على القرآن المحكم بما ورد عليه الشّكّ، بل رجح أنّه إمّا ليس بقرآن أو هو قرآن منسوخ.\nوالعجيب أنّ المعترض بمثل هذا على القرآن ممّن ينتسب إلى الإسلام هم الرّافضة الّذين يطعنون أصلا على جميع الصّحابة الّذين نقل عنهم مثل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٠١) ومسلم (رقم: ٦٣٠) وأبو داود في «النّاسخ والمنسوخ» (كما في «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٥٧) وأبو عوانة في «مستخرجه» (١/ ٣٥٤) وأبو نعيم الأصبهانيّ في «مستخرجه» (رقم: ١٤٠٧) من طرق عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء، به.\nزاد: فقال له رجل كان مع شقيق يقال له أزهر: وهي صلاة العصر، قال: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله تعالى، والله أعلم.\nقلت: فضيل بن مرزوق فيه كلام من قبل حفظه، وهو لا بأس به، وفي هذا الحديث ثقة، فقد تابعه الأسود بن قيس العبديّ على معناه.\nعلّقه مسلم بعد رواية فضيل، ووصله أبو عوانة (١/ ٣٥٤) وأبو نعيم في «مستخرجه» (رقم: ١٤٠٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":167},{"text":"هذا النّمط من الزّيادات، فليسوا عندهم موضع الثّقة، لكن حين ظنّوا هذه الآثار تخدم أهواءهم تشبّثوا بها!! نعوذ بالله من الهوى.\nالشّبهة الخامسة: ما قيل: كان عند القرّاء الّذين قتلوا في حرب الرّدّة قرآن لم يكن عند غيرهم، ولم يعلمه أحد بعدهم، فهذا يعني ذهاب جزء من القرآن.\nوأقول: إنّما تعلّق هؤلاء بما نقل عن ابن شهاب الزّهريّ، قال:\nبلغنا أنّه كان أنزل قرآن كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة الّذين كانوا قد وعوه، فلم يعلم بعدهم ولم يكتب، وذلك فيما بلغنا حملهم على أن يتبعوا القرآن، فجمعوه في الصّحف في خلافة أبي بكر خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن معهم كثير من القرآن، فيذهبوا بما معهم من القرآن ولا يوجد عند أحد بعدهم، فوفّق الله عثمان فنسخ تلك الصّحف في المصاحف، فبعث بها إلى الأمصار، وبثّها في المسلمين (١).\nوالاعتراض بهذا غلط من جهة الرّواية والدّراية جميعا:\n_________\n(١) أثر لا يصحّ. أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٢٣) قال: حدّثنا أبو الرّبيع، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، به.\nقلت: إسناده إلى الزّهريّ صحيح، لكنّه مرسل كما سأذكر، وأبو الرّبيع اسمه سليمان بن داود المهريّ، وابن وهب عبد الله، ويونس هو ابن يزيد الأيليّ صاحب الزّهريّ، والجميع ثقات.","vol":"1","page":168},{"text":"فأمّا الرّواية؛ فهذا بلاغ مرسل، الزّهريّ لم يشهد زمان اليمامة،\nبل لم يكن ولد يومئذ، فحرب المرتدّين كانت سنة (١٢) للهجرة، والزّهريّ ولد سنة (٥٠) أو بعدها، فبينه وبين الحدث نحو أربعين عاما أو أكثر، ولم يذكر هذا الخبر عن أحد.\nولا يثبت أهل الإنصاف شيئا بمثل هذا النّمط من الأسانيد.\nكان الإمام يحيى بن سعيد القطّان لا يرى إرسال الزّهريّ وقتادة شيئا، ويقول: «هو بمنزلة الرّيح» ويقول: «هؤلاء قوم حفّاظ؛ كانوا إذا سمعوا الشّيء علقوه» (١).\nيعني بذلك أنّ أحدهم ربّما سمع الإشاعة فثبتت في قلبه، فحدّث بها، فلا يدرى كيف جاءت، ولا من أين مخرجها، وهذا هو الّذي أسقط الاعتبار بمراسيله، وإنّما يقبل من الزّهريّ من الأخبار ما ذكر إسناده به وسلم ذلك الإسناد من الخلل.\nفإذا كان لا يقبل منه المرسل في الأمر السّالم من المعارض، فأولى أن لا يقبل منه خبر كهذا يشكّك في ضياع بعض القرآن الّذي تعهّد ربّ العالمين بحفظه.\nثمّ إنّ هذا المرسل جاء على خلاف الموصول المحفوظ عن الزّهريّ، وذلك أنّه قال:\n_________\n(١) تقدمة الجرح والتّعديل، لابن أبي حاتم الرّازيّ (ص: ٢٤٦).","vol":"1","page":169},{"text":"عن عبيد بن السّبّاق، عن زيد بن ثابت، قال:\nأرسل إليّ أبو بكر الصّدّيق، رضوان الله عليه، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر، رضوان الله عليه، جالس عنده، فقال أبو بكر: إنّ\nعمر جاءني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل في المواطن كلّها فيذهب من القرآن كثير، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، الحديث (١).\n_________\n(١) حديث صحيح، تقدّم ذكره بطوله عن «صحيح البخاريّ» (ص: ٩١ - ٩٢).\nأخرجه الطّيالسيّ (رقم: ٣) وأحمد (رقم: ٥٧، و٥/ ١٨٨ - ١٨٩) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٨١) والبخاريّ (رقم: ٤٧٠١، ٦٧٦٨، ٦٩٨٩) والتّرمذيّ (رقم: ٣١٠٣) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٧٩٩٥) وأبو يعلى في «مسنده» (رقم: ٦٣، ٦٤، ٦٥، ٩١) والبزّار (رقم: ٣١) وأبو بكر المروزيّ في «مسند أبي بكر» (رقم: ٤٥) والطّبرانيّ في «الكبير» (٥/ ١٦٤ - ١٦٥) وابن حبّان (رقم:\n٤٥٠٦) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٤١) من طرق عن إبراهيم بن سعد.\nوأخرجه أبو عبيد (ص: ٢٨٣) والبخاريّ (رقم: ٤٤٠٢) من طريق شعيب بن أبي حمزة.\nوالطّبرانيّ (٥/ ١٦٢) من طريق عبد الرّحمن بن خالد بن مسافر.\nوأحمد (رقم: ٧٦) وأبو عبيد (ص: ٢٨٤) والبخاريّ (رقم: ٤٧٠٣) وأبو يعلى (رقم: ٧١) وأبو بكر المروزيّ (رقم: ٤٦) والطّحاويّ في «شرح المشكل» (٥/ ٣٠٥) والطّبرانيّ (٥/ ١٦٣ - ١٦٤) وابن حبّان\n(رقم: ٤٥٠٧) من طرق عن يونس بن يزيد الأيليّ. جميعهم عن ابن شهاب، عن عبيد بن السّبّاق، عن زيد بن ثابت.\nيذكره بعض من أخرجه مختصرا.\nهؤلاء الأربعة عن الزّهريّ يذكرون اللّفظ الّذي أوردت في الأصل بهذا الإسناد المتّصل الّذي ذكر الزّهريّ سماعه فيه من ابن السّبّاق، وابن السّبّاق من زيد.\nوكأنّ الرّواية المنكرة المرسلة عن الزّهريّ وقع فيها اختصار وحذف أفسدها، فإنّ مخرج القصّة من هذا الوجه الّذي لا يختلف على الزّهريّ فيه من قبل حفّاظ أصحابه المذكورين هنا، ومنهم يونس الّذي روى عن الزّهريّ تلك الرّواية المرسلة.","vol":"1","page":170},{"text":"فهذا أصل رواية الزّهريّ لهذه القصّة، ليس فيها ما تضمّنه ذلك البلاغ المبتور من التّشكيك.\nوأمّا الدّراية؛ فمن وجوه، أهمّها:\nأوّلا: في الرّواية الصّحيحة لجمع القرآن على عهد أبي بكر أنّه أمر زيد بن ثابت بذلك، وجرى بينهما مراجعات حتّى اقتنع زيد، فلو كان شيء من القرآن ذهب حقيقة، لكان ذكر ذلك أقوى في حجّة أبي بكر لإقناع زيد، وإنّما دفع أبا بكر لذلك الخوف على مستقبل القرآن من عوارض الزّمن كما يستفاد بوضوح من الرّواية.\nثانيا: أكثر الصّحابة الّذين أمر النّبيّ ﷺ بأخذ القرآن عنهم أو عرفوا بحفظه في عهده، كأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبي الدّرداء وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ كانوا أحياء عند الجمع الأوّل للقرآن، بل أكثرهم بقي إلى زمان الجمع الثّاني في عهد عثمان.\nفقد كان جميع القرآن عند هؤلاء، فلم يكن لمقتل من قتل في حرب الرّدّة من أثر على شيء من القرآن.","vol":"1","page":171},{"text":"ثالثا: لم يكن مستند الصّحابة عند جمع القرآن في عهد الصّدّيق حفظ الحفّاظ، إنّما كان الحفظ شاهدا مصدّقا، وكان الاعتماد على ما كتب بأمر رسول الله ﷺ، إذ ما كان الله تعالى ليدع حجّته الباقية على خلقه لا تحملها إلّا قلوب غير معصومة من نسيان أو سهو أو غلط؛ ولذا قام رسوله المصطفى ﷺ بترتيب أمر بقاء هذا القرآن، فاتّخذ له الكتبة العارفين الأمناء، ولم يتركه لمجرّد حفظهم له في صدورهم؛ لذا لم يرد نصّ واحد يوجب على أفراد الصّحابة أو بعضهم استظهار القرآن، وإنّما ندبهم الشّرع إلى ذلك وحثّهم عليه، ولو تعيّن الاستظهار طريقا لحفظ القرآن لفرضه ولو على طائفة.\nفكيف يظنّ بعدئذ أنّ شيئا من القرآن قد فات بموت بعض حفّاظه؟\nرابعا: إن كان لهذه الرّواية أصل، فيكون القرآن الّذي لم يعلم ولم يكتب هو ممّا نسخت تلاوته، فإنّ بعض الصّحابة بقي يحفظ الشّيء من المنسوخ حتّى بعد جمع القرآن، ممّا يدلّ على إمكان حمل بعض من قتل في حرب الرّدّة لشيء من ذلك، ولذلك نقول: كان مستند الجمع المكتوب الّذي خلّفه رسول الله ﷺ، معضّدا بحفظ من شهد العرضة الأخيرة زيد بن ثابت، وإقرار عامّة الصّحابة عليه.\nالشّبهة السّادسة: ما روي عن عائشة، ﵂، قالت:\nلقد نزلت آية الرّجم، ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كان في صحيفة تحت","vol":"1","page":172},{"text":"سريري، فلمّا مات رسول الله ﷺ وتشاغلنا بموته؛ دخل داجن (١) فأكلها.\nوهذا حديث لا يصحّ، فأمّا ذكر الرّضاع فيه فغلط (٢).\n_________\n(١) الدّاجن: هي الشّاة الّتي تعلف في البيوت.\n(٢) أخرجه ابن ماجة (رقم: ١٩٤٤) وأبو يعلى (رقم: ٤٥٨٧، ٤٥٨٨) من طريق محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة.\nوعن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، به.\nقلت: ابن إسحاق صدوق، ومن كانت هذه صفته فإنّ حديثه يكون في درجة الحسن بعد السّبر والنّظر الّذي يخلص منه إلى نقائه من الخلل، كذلك هو رجل مشهور بالتّدليس مكثر منه، يدلّس عن المجروحين، وشرط قبول رواية من هذا حاله أن يذكر سماعه ممّن فوقه، فإذا قال (عن) لم يقبل منه.\nوابن إسحاق له في هذا الخبر إسنادان كما ترى، وجمعه الأسانيد بعضها إلى بعض وحمل المتن على جميعها ممّا عيب عليه، فربّما كان اللّفظ عنده بأحد الإسنادين فيحمل الآخر عليه؛ لأنّه حسبه بمعناه، وقد لا يكون كذلك.\n\n- قيل لأحمد بن حنبل: ابن إسحاق إذا تفرّد بحديث تقبله؟ قال: «لا، والله إنّي رأيته يحدّث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من ذا» (تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٢٢).\nنعم؛ ربّما كان يرويه تارة فيذكر أحد إسناديه، كذلك أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٩) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ١١٨ - ١١٩) من طريق إبراهيم بن سعد، عنه، قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، فذكره بإسناده دون إسناد ابن القاسم.\nوحين رأى بعض النّاس تصريح ابن إسحاق بالتّحديث في هذه الرّواية صحّحوها، قالوا: اندفعت شبهة تدليسه، ونقول: فماذا عن شبهة تخليطه؟\nولنجر الكلام في ظاهر الإسناد الآن، فنقول: اندفعت مظنّة التّدليس في روايته عن عبد الله بن أبي بكر، وبقيت قائمة في روايته عن ابن القاسم، هذا على جواز أن =","vol":"1","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يكون ابن إسحاق حفظه بإسناد ابن أبي بكر.\nوالتّحقيق أنّه لم يحفظه، وذلك أنّ الإمام الحجّة مالك بن أنس قال: عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرّحمن، عن عائشة، قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ\nنسخن بخمس معلومات، فتوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن.\nأخرجه في «الموطّأ» (رقم: ١٧٨٠) ومن طريقه: الشّافعيّ (٢/ ٢١ - مسنده) وإسحاق بن راهويه (رقم: ١٠٠٧) ومسلم (رقم: ١٤٥٢) وأبو داود (رقم:\n٢٠٦٢) والتّرمذيّ (بعد رقم: ١١٥٠) والنّسائيّ (رقم: ٣٣٠٧) والدّارميّ (رقم:\n٢١٧٠) والطّحاويّ في «شرح المشكل» (رقم: ٢٠٦٣، ٤٥٦٦) وابن حبّان (رقم: ٤٢٢١، ٤٢٢٢) والبيهقيّ في «الكبرى» (٧/ ٤٥٤).\nفهذا أصل قصّة الرّضعات العشر، ولم يرد ذكر رضاع الكبير أصلا في هذا الحديث في غير رواية ابن إسحاق المختلّة.\nواللّفظة الأخيرة في رواية مالك: (فتوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن) غير محفوظة، وسأبيّن علّتها بعد الفراغ من رواية ابن إسحاق.\nوهذا الحديث ممّا رواه عبد الرّحمن بن القاسم كذلك عن أبيه عن عمرة عن عائشة، كما رواه مالك عن ابن أبي بكر دون الجملة الأخيرة، كما سيأتي.\nوقصّة رضاعة الكبير كذلك ممّا رواه عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، قالت: جاءت سهلة بنت سهيل، فقالت: يا رسول الله، إنّي أرى في وجه أبي حذيفة شيئا من دخول سالم عليّ، فقال: «أرضعيه» فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فضحك رسول الله ﷺ، قال: «ألست أعلم أنّه رجل كبير؟» ثمّ جاءت فقالت: ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئا أكرهه.\nأخرجه أحمد (٦/ ٣٨ - ٣٩) ومسلم (رقم: ١٤٥٣) والنّسائيّ (رقم: ٣٣٢٠) وابن ماجة (رقم: ١٩٤٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الرّحمن بن القاسم. =","vol":"1","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهذا أصل رضاع الكبير من حديث عائشة.\nفكأنّ ابن إسحاق دخل عليه حديث في حديث، وحمل شيئا على شيء، فهو بلغه رواية عبد الله بن أبي بكر لقصّة نزول عشر رضعات، وبلغه رواية عبد الرّحمن بن القاسم لرضاع الكبير، كما بلغه قصّة الرّجم أنّها ممّا كان أنزل من القرآن، فدخل عليه بعض ذلك في بعض، وأخاف أن تكون قصّة الدّاجن كذلك ممّا علق في ذهنه من ذكرها في قصّة الإفك عن عائشة وما لها بهذا الموضع من صلة.\nويزيد في تأكيد غلطه وتخليطه في الرّواية المذكورة ما أخرجه مسلم (٢/ ١٠٧٧) وغيره من طريق زينب بنت أبي سلمة، قالت:\nسمعت أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ تقول لعائشة: والله، ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرّضاعة، فقالت: لم؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، والله إنّي لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، قالت: فقال رسول الله ﷺ: «أرضعيه» فقالت: إنّه ذو لحية، فقال: «أرضعيه؛ يذهب ما في وجه أبي حذيفة» فقالت: والله، ما عرفته في وجه أبي حذيفة.\nقلت: فهذه عائشة تحتجّ على أمّ سلمة بقصّة رخصة النّبيّ ﷺ في حقّ سالم، فلو كان عندها في ذلك قرآن؛ أتراها تعدل عنه للاستدلال لمذهبها بمجرّد هذه القصّة؟ ثمّ لو كان لديها فيه قرآن فكيف صحّ أن يخالفها في حكمه سائر نساء النّبيّ ﷺ، جميعهنّ يطبقن على ذلك؟ فهذه أمّ سلمة ﵂ كانت تقول:\nأبى سائر أزواج النّبيّ ﷺ أن يدخلن عليهنّ أحدا بتلك الرّضاعة، وقلن لعائشة:\nوالله ما نرى هذا إلّا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصّة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرّضاعة ولا رائينا. (أخرجه مسلم، رقم: ١٤٥٤).\nوببعض ما ذكرت تبطل رواية ابن إسحاق، وإذا كان جماعة من العلماء الكبار كأحمد بن حنبل والنّسائيّ نصّوا على أنّ ابن إسحاق ليس بحجّة في الأحكام، فهو أحرى أن لا يكون حجّة تستعمل للتّشكيك في نقل القرآن. =","vol":"1","page":175},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أعود لبيان الجملة الأخيرة الّتي وقعت في رواية مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة: فتوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن.\nروى هذا الحديث عن عمرة ثقتان ضابطان كبيران، كلاهما من التّابعين، الواحد منهما فوق عبد الله بن أبي بكر بدرجات، لم يذكرا في حديثهما هذه اللّفظة:\nالأوّل: القاسم بن محمّد بن أبي بكر.\nأخرجه ابن ماجة (رقم: ١٩٤٢) والطّحاويّ في «شرح المشكل» (رقم: ٢٠٦٤، ٤٥٦١ م) من طريق حمّاد بن سلمة، عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان ممّا نزل من القرآن ثمّ سقط: أن لا يحرّم من الرّضاع إلّا عشر رضاعات، ثمّ نزل بعد: أو خمس رضاعات.\nوالثّاني: يحيى بن سعيد الأنصاريّ.\nأخرجه الشّافعيّ (١/ ٢١ - مسنده) ومسلم (٢/ ١٠٧٥) والطّحاويّ (رقم: ٢٠٦٥، ٢٠٦٦، ٤٥٦٧، ٤٥٦٨) والبيهقيّ (٧/ ٤٥٤) من طرق عنه، عن عمرة، عن عائشة، ﵂، قالت: أنزل في القرآن: عشر رضاعات معلومات، ثمّ أنزل: خمس رضاعات.\nفهذان الحافظان لم يذكرا ما ذكره عبد الله بن أبي بكر، قال الإمام الطّحاويّ:\n«القاسم بن محمّد في الحفظ والإتقان فوق عبد الله بن أبي بكر، لا سيّما وقد وافقه على ما روى من ذلك يحيى بن سعيد، وهو فوق عبد الله بن أبي بكر أيضا» (شرح المشكل: ١١/ ٤٩٠). وقال: «والقاسم ويحيى أولى بالحفظ من عبد الله بن أبي بكر؛ لعلوّ مرتبتهما في العلم؛ ولأنّ اثنين أولى بالحفظ من واحد لو كان يكافئ واحدا منهما، فكيف وهو يقصر عن كلّ واحد منهما، مع أنّ حديثه محال؛ لأنّه لو كان ما روى كما روى؛ لوجب أن يلحق بالقرآن، وأن يقرأ به في الصّلوات كما يقرأ فيها سائر القرآن، وأن يكون أصحاب رسول الله ﷺ قد تركوا بعض القرآن فلم يكتبوه في مصاحفهم،\nوحاش لله أن يكون كذلك، أو يكون قد بقي من القرآن غير ما جمعه الرّاشدون =","vol":"1","page":176},{"text":"وأمّا قضيّة الرّجم؛ فقد كان شأنها معلوما عند أصحاب النّبيّ ﷺ، أنّها كانت قرآنا أنزل، فنسخه الله من القرآن وأحكمت السّنّة حكمه، فذهبت التّلاوة، وبقي الحكم، وعليه أدلّة عديدة، منها:\n١ - عن عمر بن الخطّاب، ﵁، قال:\nإنّ الله بعث محمّدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها (وفي رواية: وقد قرأتها: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة)، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، (وفي رواية: ولولا أن يقولوا: أثبت في كتاب الله ما ليس فيه لأثبتّها كما أنزلت)، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرّجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، والرّجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء؛ إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو\n_________\n= المهديّون، ولأنّه لو كان ذلك كذلك؛ جاز أن يكون ما كتبوه منسوخا، وما قصّروا عنه ناسخا، فيرتفع فرض العمل،\n- ونعوذ بالله من هذا القول ومن قائليه» (شرح المشكل: ١١/ ٤٩١ ونحوه في ٥/ ٣١٢ - ٣١٣).\nوقال: «وممّا يدلّ على فساد ما قد زاده عبد الله بن أبي بكر على القاسم بن محمّد ويحيى بن سعيد في هذا الحديث: أنّا لا نعلم أحدا من أئمّة العلم روى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر غير مالك بن أنس، ثمّ تركه مالك فلم يقل به وقال بضدّه، وذهب إلى أنّ قليل الرّضاع وكثيره يحرّم، ولو كان ما في هذا الحديث صحيحا أنّ ذلك من كتاب الله ﷿ لكان ممّا لا يخالفه ولا يقول بغيره» (المشكل: ٥/ ٣١٥).\nوكان مالك قال بعد رواية الحديث في «الموطّأ»: «ليس على هذا العمل».","vol":"1","page":177},{"text":"الاعتراف (١).\nفهذا صريح في أنّ آية الرّجم ممّا نسخ الله تعالى تلاوته على عهد رسول الله ﷺ، ولو كان بقي محكما إلى موت النّبيّ ﷺ لما تردّد عمر ولا من معه من الصّحابة في إضافته إلى المصحف، ثمّ لا يبقى المحذور الّذي خافه عمر أن يأتي أحد ينكر الرّجم يقول: ليس في كتاب الله.\n٢ - عن زرّ بن حبيش، قال:\nقال لي أبيّ بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأيّن تعدّها؟ قال: قلت له: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قطّ؟ لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: (الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، نكالا من الله، والله عليم حكيم) (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٦٤٤١، ٦٤٤٢، ٦٨٩٢) ومسلم (رقم: ١٦٩١) من طريق الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عبّاس، عن عمر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطّيالسيّ في «مسنده» (رقم: ٥٤٠) وعبد الرّزّاق في «مصنّفه» (رقم: ٥٩٩٠) =","vol":"1","page":178},{"text":"٣ - عن كثير بن الصّلت، قال:\nكان سعيد بن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف، فمرّوا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة»، فقال عمر: لمّا نزلت أتيت رسول الله ﷺ، فقلت: أكتبنيها، (قال شعبة: فكأنّه كره ذلك)، فقال عمر: ألا ترى أنّ الشّيخ إذا لم يحصن جلد، وأنّ الشّابّ إذا زنى وقد أحصن رجم؟ (١).\nهذه القصّة في زمن الجمع في عهد عثمان، وذلك بقرينة ذكر سعيد، وقد حدّث زيد عن النّبيّ ﷺ ثمّ عن عمر في شأن هذه الآية، وفي هذا الحديث\n_________\n= والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٧١٥٠) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ١٣٢) وابن حبّان (رقم: ٤٤٢٨) والحاكم (رقم: ٣٥٥٤، ٨٠٦٨) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ١١٣، ١١٦) والضّياء المقدسيّ في «المختارة» (رقم: ١١٦٤، ١١٦٥) من طرق عديدة عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، به.\nقلت: وإسناده جيّد، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».\nوأخرجه عبد الله بن أحمد (٥/ ١٣٢) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن زرّ.\nقلت: وهي متابعة صالحة، يزيد هذا لا بأس بحديثه في المتابعات، والإسناد إليه صحيح.\n- والرّواية الأخرى لابن ماجة (رقم: ٢٥٥٣) من طريق الزّهريّ بإسناد صحيح.\nوالرّواية الثّانية لأحمد (رقم: ٣٥٢) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٧١٥١، ٧١٥٤) من طريق شعبة بن الحجّاج، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، عن عبد الرّحمن بن عوف، عن عمر، بها.\nقلت: إسنادها صحيح.\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٨٣) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٧١٤٥) والحاكم (رقم: ٨٠٧١) والمزّيّ في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ١٣٠) من طريق محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن كثير بن الصّلت، به. قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، قلت: وهو كما قال.","vol":"1","page":179},{"text":"وحديث أبيّ بن كعب قبله أنّ آية الرّجم حقّ، أنزلها الله تعالى وحفظها الصّحابة، والمذكورون هاهنا هم الّذين تولّوا شأن المصاحف، وإنّما لم يكتبوها في المصحف لأنّ\nالنّبيّ ﷺ لم يأمرهم بكتابتها أصلا، كما يدلّ عليه حديث كثير، وكأنّهم حيث لم يؤمروا بكتابتها علموا أنّها ليست من المصحف، وهذا يؤيّد ما ذكرناه قبل من أنّ مستند الصّحابة في كتابة المصحف هو نفس المكتوب الّذي كتبوه على عهد رسول الله ﷺ بأمره، وحفظ الصّدور إنّما كان شاهدا ومصدّقا.\n٤ - عن إسماعيل بن أبي خالد، قال:\nسمعت الشّعبيّ وسئل: هل رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي\nطالب، ﵁؟ قال: رأيته أبيض الرّأس واللّحية، قيل: فهل تذكر عنه شيئا؟ قال: نعم، أذكر أنّه جلد شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنّة رسول الله ﷺ (١).\nفهذا إثبات لكون الرّجم ثبت حكمه بالسّنّة، وهذا مصدّق لما تقدّم من الأخبار أنّ الرّجم نسخت تلاوته وبقي حكمه، ولو مات النّبيّ ﷺ وهو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (رقم: ٨٠٨٧) من طريق أحمد بن يونس الضّبّيّ، حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا إسماعيل، به. قال الحاكم: «هذا إسناد صحيح»، قلت: وهو كما قال. وأصله عند البخاريّ (رقم: ٦٤٢٧) من طريق ثانية عن الشّعبيّ.\nوله طرق عن أمير المؤمنين عليّ، اخترت الّتي عند الحاكم لبيان الشّعبيّ أنّه شهد ذلك، وفيه ردّ على من زعم أنّ الشّعبيّ لم يسمع من عليّ شيئا.","vol":"1","page":180},{"text":"من جملة كتاب الله؛ لما فات مثله عليّ بن أبي طالب ليقول: (رجمتها بسنّة رسول الله ﷺ).\nفهذه الأخبار الصّحيحة كافية لإبطال ما جاء في تلك الرّواية عن عائشة أنّ آية الرّجم كانت مكتوبة في صحيفة أكلتها الدّابّة.\nولو جاءتنا رواية ظاهر إسنادها الصّحّة تخالف نقل الجماعة لكانت تلك الرّواية شاذّة مردودة، فكيف وهي دون ذلك، وخالفت منقول الصّحابة جميعا لأمر خطير تتوافر همم جميعهم على نقله؟\nفكيف إذا كان ذلك هو القرآن الّذي أراد الله ربّ العالمين أن يكون حجّته على النّاس أجمعين، يمكّن الله تعالى عنزة من الذّهاب ببعضه؟\nفيا للعجب من تفاهات العقول عند مدّعيها من هؤلاء الطّاعنين في القرآن!\nالشّبهة السّابعة: نصوص لا يملك صاحبها غير مجرّد الدعوى أنّها من القرآن، ولا يقدر أن يذكر ذلك بإسناد واحد ولو كان ضعيفا، وإنّما افتراها مفتر فنسبها إلى أنّها ممّا أسقطه الصّحابة من القرآن، فتبعه أصحاب الضّلالة من بعده من أشياعه على إفكه؛ لأنّهم حسبوا فيه نصر ما ينتمون إليه، كذاك الّذي سمّته الرّافضة (سورة الولاية).\nهذه جملة ما يشبّه به أصحاب الأهواء من الرّافضة أعداء أصحاب رسول الله ﷺ، ومن أشكالهم، ومن اليهود والنّصارى؛ حسدا من عند أنفسهم لما حرموه من الهدى بتحريفهم لكتابهم.","vol":"1","page":181},{"text":"فتأمّل كيف اجتمع الرّافضة وإيّاهم في هذا! تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ.\nوإنّي أحسب من خلال تتبّعي لأباطيلهم أن ليس لهم ما يشبّهون به يخرج عمّا ذكرت، إلّا أن يكون دون ما ذكرت في البطلان والسّقوط.\nومنذ سنين طويلة وأنا أتساءل عن سبب حرص المستشرقين على الكتب الّتي صنّفها بعض علماء الإسلام فيما يتّصل بنقل القرآن، ولا أجد الجواب يرجع إليّ إلّا أنّ هؤلاء حاقدون على دين الإسلام، لهم مقاصد سوء، يبحثون عن طريق للطّعن على القرآن، فتراهم أوّل من اعتنى مثلا بنشر كتاب «المصاحف» لأبي بكر بن أبي داود السّجستانيّ، وهو كتاب مفيد للمشتغلين بالعلم، مصنّفه إمام ابن إمام، فقصد هؤلاء إلى نشره وترجموه إلى بعض لغاتهم ظنّا منهم أنّهم وجدوا فيه بعض مرادهم، لما تضمّنه من حكاية قصّة جمع القرآن، والمصاحف الّتي كانت عند بعض الصّحابة ممّا فيه اختلاف حرف أو ترتيب عن\nمصاحف المسلمين، وقد شرحت أنّه ليس من ذلك شيء فيه مطعن على القرآن العظيم.\nوهؤلاء المستشرقون مساكين كإخوانهم من أهل البدع، لا يدرون ما الأسانيد، ولا يميّزون صحيح نقل من سقيمه، فجميع الأخبار المحكيّة عندهم مسلّمات، وإنّي لأعذرهم في ذلك، فإنّ اليهود والنّصارى قد حرموا الإسناد، واختصّت به هذه الأمّة الوسط، فأنّى لهم أن يفهموه؟!\n***","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الفصل الثاني: القراءات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المبحث الأول: أنواع القراءات باعتبار نقلها</span>\nالقراءات: جمع قراءة، وهي: مذهب من مذاهب النّطق في القرآن يذهب به إمام من القرّاء مذهبا يخالف غيره، مع الموافقة لرسم المصحف، وثبوت الإسناد إلى النّبيّ ﷺ.\nوأنواعها أربعة: ١ - متواترة، وهي ما اتّفق عليه القرّاء فيما صحّ نقله عنهم، وهو الغالب في القرآن، وأكثر العلماء يحصر المتواتر بالمنقول عن (السّبعة القرّاء) كعاصم ونافع، وبعضهم يقول: (العشرة القرّاء).\nومن الغلط إطلاق القول: (القراءات السّبع متواترة) يعنون كلّ شيء نسب إليها، وإنّما الواجب في التّواتر اتّفاق النّقلة إلى أولئك القرّاء على شيء واحد، ثمّ اتّفاق القرّاء السّبعة أو العشرة إلى النّبيّ ﷺ على شيء واحد (١).\nفإن انفرد الإمام من القرّاء بشيء فلا يصحّ وصفه بالتّواتر.\n٢ - مشهورة، وهي ما صحّ إسناده واشتهر عند القرّاء من غير نكير،\n_________\n(١) انظر: المرشد الوجيز، لأبي شامة المقدسي، (ص: ١٧٤ - ١٧٧).","vol":"1","page":183},{"text":"ولم يبلغ حدّ التّواتر، مع موافقة الرّسم العثمانيّ والعربيّة.\nومثالها: مواضع اختلاف القرّاء المعروفين السّبعة أو العشرة.\nوفيه مصنّفات، ك «التّيسير» لأبي عمرو الدّانيّ، و«الشّاطبيّة» لأبي القاسم بن فيرة الأندلسيّ، و«النّشر» لابن الجزريّ.\n٣ - آحاد، وهي ما صحّ سنده، لكن خالف الرّسم العثمانيّ.\nمثل كثير من القراءات المرويّة عن آحاد الصّحابة، وعلمت عنهم بالإسناد الّذي يروى به الحديث.\nكقراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدّرداء، ﵄: (واللّيل إذا يغشى. والنّهار إذا تجلّى. والذّكر والأنثى) (١).\nوالّذي في المصحف: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٣ [اللّيل: ٣].\nوربّما أطلق بعضهم على قراءة الآحاد وصف الشّذوذ؛ لأجل وقوع التّفرّد بها عن نقل الجماعة، لكن لا يصحّ أن يقصد بذلك أنّ تلك القراءات غير محفوظة إلّا أن يراد: غير محفوظة في المصحف،\nوذلك لما شرحناه من\n_________\n(١) جزء من حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٥٣٢، ٣٥٣٣، ٣٥٥٠، ٥٩٢٢) من طريق إبراهيم النّخعيّ، عن علقمة، قال: قدمت الشّام ... (فذكر لقاءه أبا الدّرداء) وفيه قول أبي الدّرداء لعلقمة: كيف يقرأ عبد الله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ١؟ قال: فقرأت عليه: (واللّيل إذا يغشى. والنّهار إذا تجلّى. والذّكر والأنثى)، قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله ﷺ من فيه إلى فيّ.\nوتقدّم لهذا النّمط من القراءات أمثلة، انظر (ص: ٨٠ وما بعدها).","vol":"1","page":184},{"text":"قبل من إسقاط المصحف العثمانيّ من الأحرف السّبعة ما لم يتوافق مع الرّسم، فإذا صحّ الإسناد بشيء من تلك الحروف، فإن سلم من النّسخ؛ فهو على حرف من تلك الحروف لا يجوز إلغاء اعتباره.\n٤ - شاذّة، وهي ما روي ولم يصحّ سنده.\nكقراءة (ملك يوم الدّين) (١).\n_________\n(١) هذا الحرف نسب إلى الإمام أبي حنيفة، وقد نسبت إليه قراءة مكذوبة عليه، قال ابن الجزريّ في معرض التّمثيل للقراءة الشّاذّة الّتي لا تصحّ أسانيدها: «كقراءة ابن السّميفع وأبي السّمّال وغيرهما في نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس: ٩٢] (ننحّيك) بالحاء المهملة، ولِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً بفتح سكون اللّام، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ﵀، الّتي جمعها أبو الفضل محمّد بن جعفر الخزاعيّ، ونقلها عنه أبو القاسم الهذليّ وغيره، فإنّها لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطيّ: إنّ الخزاعيّ وضع كتابا في الحروف نسبه إلى أبي حنيفة، فأخذت خطّ الدّارقطنيّ وجماعة: أنّ الكتاب موضوع لا أصل له» قال ابن الجزريّ: «وقد رويت الكتاب المذكور، ومنه: (إنّما يخشى الله من عباده العلماء) برفع الهاء ونصب الهمزة، وقد راج ذلك على أكثر المفسّرين ونسبها إليه وتكلّف توجيهها، وإنّ أبا حنيفة لبريء منها» (النّشر: ١/ ١٦).\nقلت: الخزاعيّ المذكور متّهم عندهم (انظر: لسان الميزان ٥/ ١١٤).\nوابن السّميفع اسمه محمّد بن عبد الرّحمن بن السّميفع، قال ابن الجزريّ: «له اختيار في القراءة شذّ فيه» وقال في قراءته: «القراءة ضعيفة، والسّند بها فيه نظر، وإن صحّ فهي قراءة شاذّة لخروجها عن المشهور» (غاية النّهاية: ٢/ ١٦١ - ١٦٢).\nوأبو السّمّال اسمه قعنب بن أبي قعنب البصريّ، قال ابن الجزريّ: «له اختيار في القراءة شاذّ عن العامّة» وأورد إسناد قراءته إلى عمر بن الخطّاب، وقال: «وهذا سند لا يصحّ» (غاية النّهاية: ٢/ ٢٧).","vol":"1","page":185},{"text":"مسألة: لا تجوز القراءة بالشّاذّ في الصّلاة، ولا إضافته إلى القرآن.\nأمّا الآحاد الصّحيحة؛ فأكثر العلماء على منع القراءة بها؛ لأنّ القرآن يطلب فيه اليقين والقطع، وما ليس في المصحف فإنّه يرد عليه من الاحتمال ما لا يمكن معه الجزم بأنّه من القرآن المحكم، كاحتمال النّسخ له تلاوة.\nلكن يستفاد من هذا النّوع من القراءات أن تجعل بمنزلة التّفسير للقرآن، أو يستهدى بها في ذلك.\nقال الإمام أبو عبيد:\n«ما جاء من هذه الحروف الّتي لم يؤخذ علمها إلّا بالإسناد والرّوايات الّتي يعرفها الخاصّة من العلماء دون عوامّ النّاس، فإنّما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللّوحين، وتكون دلائل على معرفة معانيه وعلم وجوهه».\nثمّ قال بعد أن مثّل ببعض ذلك: «فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسّرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التّابعين في التّفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمّد ﷺ ثمّ صار في نفس القراءة؟ فهو الآن أكثر من التّفسير وأقوى، وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحّة التّأويل» (١).\n_________\n(١) فضائل القرآن، لأبي عبيد الهرويّ (ص: ٣٢٦ - ٣٢٧).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الثاني: شروط صحة القراءة</span>\nلا تصحّ القراءة إلّا إذا حقّقت شروطا ثلاثة:\nالأوّل: موافقتها للعربيّة بوجه من الوجوه.\nولا يوجد في قراءات القرّاء المعروفين ما هو خارج عن العربيّة.\nقال ابن الجزريّ: «ولا يصدر مثل هذا إلّا على وجه السّهو والغلط وعدم الضّبط، ويعرفه الأئمّة المحقّقون، والحفّاظ الضّابطون، وهو قليل جدّا، بل لا يكاد يوجد» (١). كما قطع﵀- باستحالة وجود ما يصحّ نقله ويوافق رسم المصحف؛ وهو مع ذلك ممّا لا يسوغ في العربيّة (٢).\nالثّاني: موافقتها لرسم أحد المصاحف العثمانيّة ولو احتمالا.\nوالمصاحف العثمانيّة قد اختلفت في رسمها في شيء قليل، وكلّه كلام الله تعالى، كقوله ﷿: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد: ٢٤] هكذا في مصاحف مكّة والبصرة والكوفة، وبه قرأ جميع السّبعة غير نافع وابن عامر، فهذان قرآ على ما في مصاحف المدينة والشّام، وذلك بغير هُوَ.\n_________\n(١) النّشر (١/ ١٦)، وذكر عن بعضهم أمثلة لذلك وقال: «والنّظر في ذلك لا يخفى»، كما ذكر بعض المحكيّ عن حمزة الزّيّات وهو من السّبعة، وقال: «تتّبعت ذلك فلم أجده منصوصا لحمزة لا بطرق صحيحة ولا ضعيفة» (النّشر ١/ ١٧).\n(٢) النّشر (١/ ٤٢٩).","vol":"1","page":187},{"text":"وكقوله: وَلا يَخافُ عُقْباها ١٥ [الشّمس: ١٥] وفلا يخاف عقباها.\nقال الإمام أبو عبيد: «هذه الحروف الّتي اختلفت في مصاحف الأمصار كلّها منسوخة من الإمام الّذي كتبه عثمان، ﵁، ثمّ بعث إلى كلّ أفق ممّا نسخ بمصحف، ومع هذا؛ إنّها لم تختلف في\nكلمة تامّة ولا في شطرها، إنّما كان اختلافها في الحرف الواحد من حروف المعجم، كالواو والفاء والألف وما أشبه ذلك، إلّا الحرف الّذي في الحديد وحده، قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ، فإنّ أهل العراق زادوا على ذينك المصرين (يعني المدينة والشّام): هو، وأمّا سائرها ... فليس لأحد إنكار شيء منها ولا جحده، وهي كلّها عندنا كلام الله» (١).\nوجائز أن يكون الوجه في اختلاف الرّسم لهذه الحروف هو:\nأنّه حين كتبت أصولها جميعا بإشراف أمير المؤمنين عثمان، من قبل أمناء الوحي زيد بن ثابت وإخوانه، رأوا إمكان تضمين تلك المصاحف بعض الحروف المسموعة من رسول الله ﷺ ممّا تعذّر عليهم رسمه جميعا في مصحف واحد، ففرّقت فيها لتبقى محفوظة على الأمّة، كبعض صور اختلاف الأحرف السّبعة الّتي نزل عليها القرآن.\nوالمقصود هنا: أنّ من شرط صحّة القراءة أن تكون موافقة لرسم واحد من هذه المصاحف الّتي عليها قراءات الأئمّة المعتمدين.\n_________\n(١) فضائل القرآن (ص: ٣٣٣).","vol":"1","page":188},{"text":"الثّالث: صحّة الإسناد إلى النّبيّ ﷺ.\nفهذه الثّلاثة شروط صحّة القراءة، ولا بدّ من اجتماعها، وإلّا فلا تكون القراءة صحيحة معدودة من القرآن على سبيل القطع واليقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثالث: فوائد اختلاف القراءات</span>\nاختلاف القراءات من باب اختلاف التّنوّع، لا اختلاف التّضادّ، وحيث تصحّ القراءة، كقراءات القرّاء السّبعة؛ فإنّ لها من المعاني شيئا عظيم الأثر، توقن معه نفس العارف أنّ هذا القرآن بجميع وجوه قراءاته من عند الله، فمن أبرز تلك الفوائد:\n١ - التّخفيف على الأمّة ورفع الحرج عنها بالقراءة على الوجه المتيسّر لها خاصّة ما يتّصل بأحكام مخارج الحروف وصفاتها ونحو ذلك.\nولقد علمنا أنّ من حكمة إنزال القرآن على سبعة أحرف التّيسير على الأمّة، والاختلاف في القراءات الصّحيحة جزء من اختلاف الأحرف السّبعة الّتي أنزل عليها القرآن.\n٢ - الإبانة عن الإعجاز بتنوّع وجوه التّلاوة، فإنّ الاختلاف في الحرف ربّما دلّ على معان من العلم لا توجد في الحرف الآخر، فتكون الكلمة الواحدة تؤدّى على صورتين أو أكثر من النّطق تدلّ كلّ صورة منها على معنى غير الّذي دلّت عليه الأخرى.","vol":"1","page":189},{"text":"وذلك مثل:\n[١] قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] بفتح اللّام عطفا على الأيدي في الغسل في قراءة نافع وابن عامر والكسائيّ وعاصم من رواية حفص، وبكسر اللّام عطفا على الرءوس في المسح في قراءة الباقين وعاصم من رواية أبي بكر بن عيّاش.\nوهذه الثّانية دلّت على المسح على الخفّين في قول كثير من أهل العلم.\n[٢] وقراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائيّ: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ١٣٧ [الشّعراء: ١٣٦ - ١٣٧] أي: ما جئت به كذب وافتراء الأوّلين، وقرأ باقي السّبعة: خُلُقُ أي عادة، فردّوا عليه وعظه قائلين: هذا الّذي نحن عليه عادة الأوّلين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨ [الشّعراء: ١٣٨].\n٣ - تفسير الإجمال في قراءة أخرى، كما في قراءة وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] لأكثر السّبعة، ويَطْهُرْنَ لحمزة والكسائيّ ورواية عن عاصم، ففي الأولى إجمال في احتمال أن تكون طهارتهنّ بمجرّد انقطاع الدّم، وفي الثّانية إبانة عن كون ذلك باغتسالهنّ بعد انقطاع الدّم.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الفصل الثالث: أئمة القراءة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث الأول: القراءة سنة متبعة</span>\nكان جماعة من أئمّة السّلف يقولون: «القراءة سنّة متّبعة»، أي:\nيأخذها اللّاحق عن السّابق، ويقف الإنسان فيها عند المسموع، لا يقرأ كما يشاء.\nقال أبو عبيد: «وإنّما نرى القرّاء عرضوا القراءة على أهل المعرفة بها ثمّ تمسّكوا بما علموا منها؛ مخافة أن يزيغوا عمّا بين اللّوحين بزيادة أو نقصان، ولذا تركوا سائر القراءات الّتي تخالف الكتاب، ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربيّة فيها إذا خالف ذلك خطّ المصحف، وإن كانت العربيّة فيه أظهر بيانا من الخطّ، ورأوا تتبّع حروف المصاحف وحفظها كالسّنن القائمة الّتي لا يجوز لأحد أن يتعدّاها» (١).\nومن الحجّة على ذلك حديث أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال: إنّ رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علّمتم (٢).\n_________\n(١) فضائل القرآن (ص: ٣٦١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو عبيد (ص: ٣٦١) والبزّار (رقم: ٤٤٩) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (رقم: ٨٣٢) وابن جرير (١/ ١٢) والحاكم (رقم:\n٢٨٨٥، ٢٨٨٦) من طرق عن عاصم بن أبي النّجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن عليّ. قلت: وإسناده جيّد، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».","vol":"1","page":191},{"text":"وعن زيد بن ثابت، ﵁، قال: القراءة سنّة (١).\nوعن محمّد بن المنكدر، قال: القراءة سنّة، يأخذها الآخر عن الأوّل (٢).\nوعن عروة بن الزبير، قال: إنّما قراءة القرآن سنّة من السّنن، فاقرءوه كما علّمتموه (٣).\nوهذه الآثار تعني أيضا أنّ طريق ضبط قراءة القرآن هو السّماع\nوالتّلقّي من أفواه الشّيوخ، لا يكفي فيه مجرّد الأخذ عن المصحف، حتّى يكون ذلك منقولا محفوظا عن أهله (٤).\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (رقم: ٦٧ - فضائل القرآن) وأبو عبيد (ص: ٣٦١) والطّبرانيّ في «الكبير» (٥/ ١٤٥ - ١٤٦) وابن مجاهد في «السّبعة» (ص: ٥٠، ٥٢) والحاكم (رقم: ٢٨٨٧) والبيهقيّ في «السّنن» (٢/ ٣٨٥) و«الشّعب» (رقم: ٢٦٧٩) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم:\n١٥٩٦) من طريق عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: قال لي خارجة بن زيد: قال لي زيد بن ثابت، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن مجاهد في «السّبعة» (ص: ٥٠، ٥١).\n(٣) أثر حسن. أخرجه أبو عبيد (ص: ٣٦١) وابن مجاهد (ص: ٥٢) من طرق عن ابن لهيعة، قال: حدّثنا خالد بن أبي عمران، عن عروة، به.\nقلت: إسناده حسن، رواه عن ابن لهيعة عند ابن مجاهد أبو عبد الرّحمن المقرئ.\n(٤) وسيأتي لهذا مزيد بيان في (المقدّمة السّادسة) في الكلام على حكم القراءة بالتّجويد ومراعاة المنقول في التّلاوة.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الثاني: رواة السبعة</span>\nثقات النّاس الّذين اعتنوا بكتاب الله قراءة وإقراء على مرّ القرون من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا لا يحصيهم إلّا الله وحده، وأئمّة القراءة المشهورون من بينهم خلق كثير، اعتنى بجمع سيرهم وأحوالهم جماعة من كبار العارفين بهم، فمن أبرز ما صنّف فيهم على سبيل الإفراد:\n١ - معرفة القرّاء الكبار، لإمام المؤرّخين الحافظ شمس الدّين أبي عبد الله الذّهبيّ (المتوفّى سنة: ٧٤٨ هـ).\n٢ - غاية النّهاية في طبقات القرّاء، لإمام القرّاء شمس الدّين أبي الخير ابن الجزريّ (المتوفّى سنة: ٨٣٣ هـ).\nوأدنى ما ينبغي العلم به من سير هؤلاء وأحوالهم معرفة من انتهت أمّة الإسلام في الأمصار إلى نقلهم، وصارت إلى حفظهم وضبطهم، الأئمّة السّبعة الّذين تنسب إليهم القراءات السّبع، ومن عرف بالتّقدّم في حمل قراءاتهم من بعدهم من تلامذتهم أو ممّن بعدهم ممّن تنسب إليهم روايات تلك القراءات.\nوتتمّة للبحث في نقل القرآن، فهذا مختصر في التّعريف بهؤلاء\nالأعلام، إذ هم حلقة من أهمّ حلقات سلسلته، مستخلصا بيان درجاتهم في الرّواية والنّقل من كلام أئمّة الشّأن العارفين، معتمدا منهجيّة سادة أئمّة الجرح والتّعديل في علم النّقلة:","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>١ - إمام أهل المدينة نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني</span>\nقرأ على سبعين من التّابعين، وأقرأ أكثر من سبعين سنة، وكان حجّة في القراءة، صدوقا في الحديث.\nوكان جماعة من الكبار يستحبّون قراءته:\nفعن مالك بن أنس، قال: «قراءة نافع سنّة» (١).\nوقال عبد الله بن وهب المصريّ: «قراءة أهل المدينة سنّة»، قيل له: قراءة نافع؟ قال: «نعم، وعلى قراءة نافع اجتمع النّاس بالمدينة:\nالعامّة منهم والخاصّة» (٢).\nوعن اللّيث بن سعد: أنّه حجّ؛ فوجد نافعا إمام النّاس في القراءة لا ينازع (٣).\nوسأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه: أيّ القراءتين أحبّ إليك؟\nقال: «قراءة أهل المدينة» (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن مجاهد في «السّبعة» (ص: ٦٢).\n(٢) أخرجه ابن مجاهد (ص: ٦٢ - ٦٣) وإسناده لا بأس به، وفي «غاية النّهاية» لابن الجزريّ (١/ ٣٣١) نسبه لمالك.\n(٣) أخرجه ابن مجاهد (ص: ٦٣) وهو صحيح عنه.\n(٤) مسائل الإمام أحمد- رواية ابنه عبد الله (نص: ٣٨٨) ونحوه نقل ابن هانئ في «مسائله عن أحمد» (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":194},{"text":"توفّي نافع سنة (١٦٩ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>اشتهر بنقل قراءته تلميذاه:</span>\n١ - ورش، واسمه: عثمان بن سعيد القبطيّ المصريّ.\nلقّبه ب (ورش) شيخه نافع، وذلك لشدّة بياضه، والورش شيء يصنع من اللّبن، أو اسم الطّائر المعروف ب (الورشان).\nكان ثقة حجّة في القراءة، وانتهت إليه في زمانه رئاسة الإقراء بمصر (١)، توفّي سنة (١٩٧ هـ).\n٢ - قالون، واسمه: عيسى بن مينا بن وردان الزّرقيّ المدنيّ.\n(قالون) بالرّوميّة: جيّد، ولقّبه به شيخه نافع لجودة قراءته (٢).\nوكان حجّة في القراءة، صدوقا في الحديث، توفّي سنة (٢٢٠ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٢ - إمام أهل مكة عبد الله بن كثير بن عمرو الداري</span>\nكان بصيرا بالعربيّة فصيحا، حجّة في القراءة، ثقة في الحديث، وكان الشّافعيّ يختار قراءته (٣).\nتوفّي سنة (١٢٠ هـ).\n_________\n(١) معرفة القرّاء الكبار، للذّهبيّ (١/ ١٥٣).\n(٢) معرفة القرّاء (١/ ١٥٥).\n(٣) آداب الشّافعيّ لابن أبي حاتم (ص: ١٤٢)، مناقبه، للبيهقيّ (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>اشتهر بنقل قراءته:</span>\n١ - البزّيّ، واسمه: أحمد بن محمّد بن عبد الله المكّيّ.\nكان إماما ثبتا في القراءة، لكنّه ضعيف في الحديث، ولعلّه شغله الاعتناء بالقرآن عن ضبط الحديث (١)، توفّي سنة (٢٥٠ هـ).\nويروي القراءة عن عكرمة بن سليمان بن كثير، عن شبل بن عبّاد، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، كلاهما عن عبد الله بن كثير.\nوهذا إسناد جيّد.\n٢ - قنبل، واسمه: محمّد بن عبد الرّحمن بن محمّد المخزوميّ.\nكان ثقة متقنا للقراءة، توفّي سنة (٢٩١ هـ).\nأخذ القراءة عن أبي الحسن أحمد بن محمّد بن علقمة القوّاس، عن وهب بن واضح أبي الإخريط، عن ابن قسطنطين، عن معروف بن مشكان، وشبل بن عبّاد، عن عبد الله بن كثير.\nوهذا إسناد جيّد.\n_________\n(١) قال الإمام النّاقد الذّهبيّ في «سير أعلام النّبلاء» (١١/ ٥٤٣) في ترجمة (أبي عمر الدّوريّ) الآتي ذكره قريبا: «جماعة من القرّاء أثبات في القراءة دون الحديث، كنافع، والكسائيّ، وحفص، فإنّهم نهضوا بأعباء الحروف وحرّروها، ولم يصنعوا ذلك في الحديث، كما أنّ طائفة من الحفّاظ أتقنوا الحديث ولم يحكموا القراءة، وكذا شأن كلّ من برّز في فنّ ولم يعتن بما عداه».","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>٣ - إمام أهل البصرة أبو عمرو بن العلاء المازني</span>\nاختلف في اسمه، والأكثر أنّه: زبّان.\nكان من أئمّة النّاس في العربيّة والقرآن مع الأمانة والدّين والثّقة.\nقال ابن مجاهد: «كان مقدّما في عصره، عالما بالقراءة\nووجوهها، قدوة في العلم باللّغة، إمام النّاس في العربيّة، وكان مع علمه وفقهه بالعربيّة متمسّكا بالآثار، لا يكاد يخرج اختياره عمّا جاء عن الأئمّة قبله، متواضعا في علمه، قرأ على أهل الحجاز، وسلك في القراءة طريقهم، ولم تزل العلماء في زمانه تعرف له تقدّمه، وتقرّ له بفضله، وتأتمّ في القراءة بمذاهبه» (١).\nوقد قال شعبة بن الحجّاج لتلميذه عليّ بن نصر الجهضميّ:\n«انظر ما يقرأ به أبو عمرو ممّا يختار لنفسه، فإنّه سيصير للنّاس إسنادا» (٢).\nفقال ابن الجزريّ: «وقد صحّ ما قاله شعبة، ﵀، فالقراءة الّتي عليها النّاس اليوم بالشّام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو، فلا تكاد تجد أحدا يلقّن القرآن إلّا على حرفه، ... ولقد كانت الشّام تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود الخمس مائة فتركوا ذلك، ... وأنا أعدّ ذلك من كرامات شعبة» (٣).\n_________\n(١) السّبعة (ص: ٨٢).\n(٢) أخرجه ابن مجاهد في «السّبعة» (ص: ٨٢ - ٨٣) بسند لا بأس به.\n(٣) غاية النهاية في طبقات القرّاء (١/ ٢٩٢)، وإنّما عنى ابن الجزريّ زمانه.","vol":"1","page":197},{"text":"توفّي سنة (١٥٤ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108><span data-type=\"title\" id=toc-110>اشتهر بنقل قراءته:</span></span>\n١ - الدّوريّ: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز البغداديّ.\nكان ثبتا حجّة في القراءة، ليس بمتقن في الحديث، توفّي سنة (٢٤٦ هـ).\n٢ - السّوسيّ: أبو شعيب صالح بن زياد.\nكان حجّة في القراءة، ثقة في الحديث، توفّي سنة (٢٦١ هـ).\nأخذ الدّوريّ والسّوسيّ القراءة عن أبي محمّد يحيى بن المبارك اليزيديّ، عن أبي عمرو.\nوهذا إسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٤ - إمام أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي</span>\nمن أئمّة التّابعين، كان إمام الجامع بدمشق، حجّة في القراءة، ثقة في الحديث، وكانت قراءته قراءة أهل الشّام في القرون الأولى.\nتوفّي سنة (١١٨ هـ).\n\nاشتهر بنقل قراءته:\n١ - هشام بن عمّار أبو الوليد السّلميّ.\nكان ثبتا في القراءة، صدوقا في الحديث، توفّي سنة (٢٤٥ هـ).","vol":"1","page":198},{"text":"أخذ القراءة عن عراك بن خالد بن يزيد المرّيّ، وأيّوب بن تميم، وغيرهما، عن يحيى بن الحارث الذّماريّ، عن ابن عامر.\nوهذا إسناد صحيح.\n٢ - ابن ذكوان، واسمه: عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان البهرانيّ.\nكان ثقة حجّة في القراءة، صدوقا في الحديث، قال أبو زرعة الدّمشقيّ: «لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشّام ولا بمصر ولا\nبخراسان في زمان عبد الله بن ذكوان أقرأ منه عندي» (١)، توفّي سنة (٢٤٢ هـ).\nأخذ القراءة عن أيّوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث، عن ابن عامر.\nوهذا إسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٥ - إمام أهل الكوفة عاصم بن بهدلة ابن أبي النّجود الأسدي</span>\nانتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرّحمن السّلميّ، وكان فصيحا متقنا، ومن أحسن النّاس صوتا بالقرآن، صدوقا في الحديث.\nقال أبو إسحاق السّبيعيّ (وكان فصيحا لا يلحن): «ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النّجود، ما أستثني أحدا من أصحاب عبد الله» (٢) يعني: لا يقول إنّ أحدا من أصحاب ابن مسعود كان أقرأ للقرآن منه.\n_________\n(١) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٢٧/ ٨).\n(٢) أخرجه ابن مجاهد في «السّبعة» (ص: ٧٠) بإسناد صالح.","vol":"1","page":199},{"text":"وكان أحمد بن حنبل يرى قراءته في التّرتيب بعد قراءة نافع، فحين سأله ابنه عبد الله: أيّ القراءتين أحبّ إليك؟ قال: «قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن فعاصم» (١).\nتوفّي عاصم سنة (١٢٧ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>اشتهر بنقل قراءته تلميذاه:</span>\n١ - أبو بكر بن عيّاش الأسديّ الكوفيّ، قيل: اسمه شعبة.\nكان ثبتا حجّة في القراءة، ثقة صدوقا في الحديث، وكان الإمام أحمد بن حنبل يفضّل روايته عن عاصم على رواية حفص (٢)، توفّي سنة (١٩٣ هـ).\n٢ - حفص بن سليمان الأسديّ الكوفيّ.\nكان حجّة في القراءة، ليس بشيء في الحديث.\nقال الذّهبيّ: «أمّا في القراءة فثقة ثبت ضابط لها، بخلاف حاله في الحديث» (٣).\nتوفّي سنة (١٨٠ هـ).\nوعلى رواية حفص اليوم أكثر مصاحف المسلمين وقراءتهم.\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد- رواية ابنه عبد الله (نص: ٣٨٨) ونحوه نقل ابن هانئ في «مسائله عن أحمد» (١/ ١٠٢).\n(٢) الإنصاف، لأبي الحسن المرداويّ (٢/ ٥٩).\n(٣) معرفة القرّاء الكبار (١/ ١٤١).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>٦ - إمام أهل الكوفة حمزة بن حبيب الزيات</span>\nمن أئمّة القراءة والفرائض والعربيّة بالكوفة، مع الدّين والصّلاح والعبادة والثّقة.\nكان يقول: «ما قرأت حرفا قطّ إلّا بأثر» (١).\nوشهد له بذلك الإمام سفيان الثّوريّ، فقال: «ما قرأ حرفا من كتاب الله إلّا بأثر» (٢).\nوكان الثّوريّ قد عرض القرآن على حمزة أربع عرضات (٣).\nوأمّا ما ورد عن بعض العلماء من كراهة قراءة حمزة؛ فجميع من روي عنه ذلك لم يسمعوا قراءة حمزة منه، وإنّما سمعوها من النّاس، إذ كانت القراءة الشّائعة في الكوفة، وكانت العامّة ربّما بالغت في الإدغام والمدّ والإمالة والهمز، فرأى بعض العلماء ذلك تكلّفا، فعابوا تلك القراءة.\nقال محمّد بن الهيثم العكبريّ (وكان ضابطا لقراءة حمزة):\n«واحتجّ من عاب قراءة حمزة بعبد الله بن إدريس أنّه طعن فيها، وإنّما كان سبب هذا أنّ رجلا ممّن قرأ على سليم حضر مجلس ابن إدريس عبد الله، فقرأ، فسمع ابن\n_________\n(١) أخرجه ابن مجاهد في «السّبعة» (ص: ٧٦) بإسناد جيّد.\n(٢) أخرجه ابن مجاهد (ص: ٧٦) بإسناد جيّد.\n(٣) أخرجه ابن مجاهد (ص: ٧٥) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":201},{"text":"إدريس ألفاظا فيها إفراط في المدّ والهمز وغير ذلك من التّكلّف المكروه، فكره ذلك ابن إدريس وطعن فيه».\nقال ابن الهيثم: «وهذا الطّريق عندنا مكروه مذموم، وقد كان حمزة يكره هذا وينهى عنه، وكذلك من أتقن القراءة من أصحابنا» (١).\nفهذا حمزة قرأ وأقرأ بما سمع بالإسناد الصّحيح، ونهى عن التّكلّف في النّطق في التّلاوة، فما عليه بعد ذلك من بأس في قراءته،\nولذا صار النّاس من بعد إلى عدّه من الأئمّة السّبعة الّذين عليهم الاعتماد في القراءة.\nتوفّي حمزة سنة (١٥٦ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>اشتهر بنقل قراءته:</span>\n١ - خلف بن هشام أبو محمّد البزّار (٢).\nكان ثقة حجّة فاضلا، له اختيار في القراءة أقرأ به، فعدّ أحد القرّاء العشرة، توفّي سنة (٢٢٩ هـ).\n٢ - خلّاد بن خالد الشّيبانيّ الكوفيّ.\nكان صدوقا متقنا، توفّي سنة (٢٢٠ هـ).\nأخذ خلف وخلّاد القراءة عن سليم بن عيسى الحنفيّ، عن حمزة.\nوهذا إسناد صحيح.\n_________\n(١) السّبعة لابن مجاهد (ص: ٧٧).\n(٢) براء غير منقوطة في آخره.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>٧ - إمام أهل الكوفة علي بن حمزة الكسائي</span>\nكان أحد أركان العربيّة والقراءة.\nقال أبو عبيد: «كان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته، ولم نجالس أحدا كان أضبط ولا أقوم بها منه» (١).\nتوفّي سنة (١٨٩ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>اشتهر بنقل قراءته تلميذاه:</span>\n١ - أبو الحارث اللّيث بن خالد البغداديّ.\nكان ثقة ضابطا، مقدّما في قراءة الكسائيّ، توفّي سنة (٢٤٠ هـ).\n٢ - الدّوريّ: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز البغداديّ (٢).\nهؤلاء أئمّة القراءة ورواة قراءاتهم، ولكلّ منهم أسانيده في روايته إلى النّبيّ ﷺ، تستفاد من مظانّها، ككتاب «السّبعة» لابن مجاهد، و«التّيسير في القراءات السّبع» للدّاني، و«النّشر في القراءات العشر» لابن الجزريّ.\n...\n_________\n(١) معرفة القرّاء الكبار، للذّهبيّ (١/ ١٢٢).\n(٢) تقدّم في ترجمة أبي عمرو بن العلاء.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المقدمة الرابعة النسخ في القرآن</span>\nالفصل الأول: معنى النسخ وثبوته وحكمته الفصل الثاني: شروط ثبوت النسخ، وما يقع به، وطريق معرفته الفصل الثالث: أنواع النسخ في القرآن الفصل الرابع: مسائل في النسخ الفصل الخامس: شبهات حول النسخ ودحضها\n***","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفصل الأول: معنى النسخ وثبوته وحكمته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الأول: معنى النسخ</span>\nالمراد ب (النّسخ) في لسان العرب: الرّفع والإزالة، ومنه يقال:\n(نسخ الكتاب) رفع منه إلى غيره، و(نسخت الشّمس الظّلّ) أزالته.\nأمّا في استعمال أهل العلم، فقد عرّف أكثر أهل الأصول النّسخ بأنّه:\nرفع حكم شرعيّ عمليّ جزئيّ ثبت بالنّصّ بحكم شرعيّ عمليّ جزئيّ ثبت بالنّصّ ورد على خلافه، متأخّر عنه في وقت تشريعه، ليس متّصلا به.\nفالرّفع هو (النّسخ)، والحكم الشّرعيّ المرفوع هو (المنسوخ)، والحكم الشّرعيّ المتأخّر هو (النّاسخ).\nوهذا المعنى مستفاد من دلالة اللّغة مع موافقة دلالة القرآن في استعمال هذا اللّفظ، على ما سأبيّنه.\nويمكن القول: إنّ ابتداء هذا التّعريف المستقرّ اصطلاحا للنّسخ إنّما ظهر في كلام الإمام الشّافعيّ (١)، ولم يكن مطّردا قبله وإن كان موجودا،\n_________\n(١) حيث قال في «الرّسالة» (فقرة: ٣٦١): «ومعنى (نسخ) ترك فرضه»، وقال (فقرة:\n٣٢٨): «وليس ينسخ فرض أبدا إلّا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة، وكلّ منسوخ في كتاب وسنّة هكذا»، وقال (فقرة: ٦٠٨): «وإنّما يعرف النّاسخ بالآخر من الأمرين».","vol":"1","page":207},{"text":"فقد كانوا يطلقون لفظ (النّسخ) على ما هو أوسع من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>معنى النسخ عند السلف:</span>\nولمّا تكرّر استعمال السّلف قبل الشّافعيّ لعبارات النّسخ في كلامهم على وجوه مختلفة من المعاني، فإنّه ينبغي الوقوف على مرادهم بذلك، وحاصل القول فيه أنّه واقع على ما يمكن تقسيمه إلى قسمين:\nالأوّل: نسخ كلّيّ.\nوهو النّسخ بالمعنى الأصوليّ، وستأتي في هذا الباب جملة من أمثلته.\nوالثّاني: نسخ جزئيّ، وهذا على خمسة أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>١ - تخصيص العامّ:</span>\nوذلك بورود النّصّ بلفظ يدلّ على استيعاب جميع ما يتناوله ذلك اللّفظ، ثمّ يأتي التّخصيص فيخرج به بعض أفراد ذلك العامّ ويبقى ما سواه مرادا باللّفظ.\nمثاله: خبر ابن عبّاس، ﵄، قال:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا الآية [النّور: ٢٧]، ثمّ نسخ واستثنى من ذلك: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النّور: ٢٩] (١).\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» (رقم: ١٠٥٦) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ٤٠٧ - ٤٠٨) واللّفظ له، من طريق عليّ بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده حسن، عليّ بن الحسين صدوق حسن الحديث.","vol":"1","page":208},{"text":"ففي الآية الأولى نهى الله ﷿ عن دخول بيوت الآخرين قبل الاستئذان، وذلك شامل بلفظه لجميع بيوتهم، ثمّ خصّ من النّهي ما كان من تلك البيوت غير مسكون يدخله الإنسان لتحصيل حاجة، فأباح دخوله دون استئذان.\nفسمّى ابن عبّاس التّخصيص نسخا مع استمرار العمل بالنّصّ الأوّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٢ - تقييد المطلق:</span>\nوذلك بورود النّصّ بلفظ يتناول شيئا أو شخصا غير محدّد، فيأتي في موضع آخر ما يحدّده.\nمثاله: قول قتادة وغيره من السّلف في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] قالوا: نسخت بقوله تعالى:\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التّغابن: ١٦] (١).\nأمر الله تعالى بالتّقوى أمرا مطلقا في الآية الأولى، ومقيّدا بالاستطاعة في الآية الثّانية، والقاعدة في هذا بناء المطلق على المقيّد، وفي القيد تضييق\n_________\n(١) هو صحيح عن قتادة، أخرجه عبد الرّزّاق في «تفسيره» (١/ ١٢٨) وابن جرير (٤/ ٢٩ و٢٨/ ١٢٧) وابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص: ٢٤٢).\nوروي عن سعيد بن جبير والسّدّيّ وآخرين كذلك.","vol":"1","page":209},{"text":"للسّعة في الإطلاق لا إلغاء معناه، فأنت ترى أنّ الأمر بالتّقوى حاصل بالآيتين، لكن أزيح عن الآية الأولى ما قد يفهم من لفظها الواسع، فيقع للنّاس من الحرج ما لا طاقة لهم به، ففسّرت الآية الثّانية المراد وحدّدته.\nفسمّوا تقييد المطلق نسخا مع أنّ العمل بالآية الأولى محكم لم يترك، إنّما بيّن وجهه بالآية الثّانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٣ - تبيين المجمل وتفسيره:</span>\nكما وقع عند نزول قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤].\nفعن أبي هريرة، قال:\nلمّا نزلت على رسول الله ﷺ: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قال: فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثمّ بركوا على الرّكب فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصّلاة والصّيام والجهاد والصّدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم:\nسمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير»، قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير، فلمّا\nاقترأها القوم ذلّت بها ألسنتهم، فأنزل الله","vol":"1","page":210},{"text":"في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ٢٨٥، فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله ﷿:\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ قال: نعم (١).\nفهذا الّذي نزل من القرآن من بعد من وعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالمغفرة غير مناف للمحاسبة لهم عمّا أسرّوا؛ لأنّ المحاسبة لا تعني العذاب، كما قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ [الانشقاق: ٧ - ٩]، وأمّا إضمار الكفر والنّفاق وبغض المؤمنين وموالاة الكافرين، فتلك من أعمال القلوب الّتي يحاسب عليها صاحبها ويؤاخذ بها.\nكما يدلّ أنّ هذه الآية محكمة: امتناع النّسخ في الأخبار أصلا، وسيأتي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (رقم: ١٢٥) وأبو عوانة (١/ ٧٦ - ٧٧) والطّحاوي في «شرح المشكل» (رقم: ١٦٢٩) وابن حبّان (رقم: ١٣٩) من طريق روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>٤ - ترك العمل بالنّصّ مؤقّتا لتغيّر الظّرف:</span>\nوالمراد به الإزالة الوقتيّة للعمل بالنّصّ الأوّل، لا إسقاط العمل\nبه مطلقا، فاستعماله لم يزل قائما، لكنّه موقوف حتّى يكون الوقت الّذي يناسبه، وليس هكذا النّسخ بمعناه الاصطلاحيّ؛ لأنّ هذه الصّورة ليست معارضة بين نصّين نفى المتأخّر منهما المتقدّم.\nومثاله جميع الآيات الآمرة بالعفو أو الصّفح أو الإعراض عن المشركين والكفّار، مع الآيات الآمرة بقتالهم أو بأخذ الجزية منهم، فقد زعم بعض السّلف أنّ القتال أو أخذ\nالجزية قد نسخ الحكم الأوّل.\nكما قال التّابعيّ قتادة بن دعامة السّدوسيّ: «كلّ شيء في القرآن فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ منسوخ، نسخته براءة والقتال» (١).\nوهذا هو الّذي عبّرت عنه طائفة بقولهم: (منسوخ بآية السّيف)، يريدون بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التّوبة: ٥].\nوجميع ذلك ليس من باب النّسخ في شيء، إذ شروط النّسخ منتفية فيه، والعمل بالنّصّين جميعا حاصل.\nولبعض العلماء في هذا النّمط من النّصوص تفسير حسن يبقي على الإعمال للنّصّين، كلّ منهما في وقته المناسب له، ويجعل ترك العمل المؤقّت\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ٤٢٧) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":212},{"text":"بأحدهما ممّا يندرج تحت قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦] على قراءتي عبد الله بن كثير المكّيّ وأبي عمرو بن العلاء البصريّ من السّبعة، فقال الزّركشيّ: «ما أمر به لسبب ثمّ يزول السّبب، كالأمر حين الضّعف والقلّة بالصّبر وبالمغفرة للّذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثمّ نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنّما هو نسء، كما\nقال تعالى: أَوْ نُنْسِها، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضّعف يكون الحكم وجوب الصّبر على الأذى، وبهذا التّحقيق تبيّن ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين في الآيات الآمرة بالتّخفيف أنّها منسوخة بآية السّيف، وليست كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أنّ كلّ أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلّة توجب ذلك الحكم، ثمّ ينتقل بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنّما النّسخ الإزالة حتّى لا يجوز امتثاله أبدا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٥ - نقل حكم الإباحة الأصليّة:</span>\nوالمراد به ما كان مسكوتا عنه من الأشياء، كالمآكل والمشارب والملابس، وشبه ذلك، فكان حكمه قبل ورود النّاقل على الإباحة، وهي حكم مستفاد من مجرّد سكوت الشّارع عن ذلك.\nفوقع في كلام بعض السّلف إطلاق اسم النّسخ على تغيير تلك الإباحة\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن، للزّركشيّ (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":213},{"text":"إلى حكم جديد بالنّصّ.\nمثاله: ما وقع منهم في شأن تحريم الخمر، فإنّ النّصوص جاءت فيه على النّحو الّذي ورد في حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ﵁، أنّه قال:\nاللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في البقرة:\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في النّساء:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النّساء: ٤٣]، فدعي\nعمر فقرئت عليه، ثمّ قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في المائدة: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ١٩]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: انتهينا، انتهينا (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٤٢ رقم: ٣٧٨) وأبو عبيد في «النّاسخ والمنسوخ» (رقم: ٢٥٤) وأبو داود (رقم: ٣٦٧٠) والتّرمذيّ (رقم: ٣٠٤٩) والنّسائيّ (رقم: ٥٥٤٠) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩ و٣/ ٩٥٨ و٤/ ١٢٠٠) وابن جرير في «تفسيره» (٧/ ٣٣) والنّحّاس في «النّاسخ والمنسوخ» (ص: ١٤٨ - ١٤٩) والجصّاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣٢٣) والبيهقيّ (٨/ ٢٨٥) والواحديّ في «الوسيط» (٢/ ٢٢٣) والضّياء في «الأحاديث المختارة» (رقم:\n٢٥٦) من طرق عن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن أبي ميسرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن عمر، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وإدراك أبي ميسرة لعمر ثابت، وجمهور من رواه عن إسرائيل وصله، فلا يضرّه إرسال من أرسله، كما لا يضرّه خطأ من أخطأ فيه عن أبي إسحاق فجعله عنه عن حارثة بن مضرّب، عن عمر، كما رواه كذلك الحاكم (٤/ ١٤٣ رقم: ٧٢٢٤)، كذلك قال حمزة الزّيّات، وقول أصحاب أبي إسحاق عنه كما ذكرته أوّلا.","vol":"1","page":214},{"text":"وكان ابن عبّاس يطلق اسم (النّسخ) على ما أفادت الآيتان الأوليان من الإباحة المضيّقة للخمر، فكان يقول:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، نسختهما الّتي في المائدة: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ الآية (١).\nفهذا الّذي جاءت به هذه الآيات لم يكن نسخا لشيء، إنّما كانت الخمر قبل نزول هذه الآيات مباحة، لكونها ممّا كان النّاس يتعاطونه كسائر مشاربهم المباحة بأصلها، إذ لم يرد المانع، فلمّا نزلت آية البقرة دلّت النّاس على ما فيها من الضّرر وأخرجتها من دائرة الإباحة المطلقة إلى إباحة مضيّقة، فلمّا نزلت آية النّساء زادت في التّضييق ولم تحرّم تحريما مطلقا، فلمّا\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه أبو داود (رقم: ٣٦٧٢) والبيهقيّ في «الكبرى» (٨/ ٢٨٥) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ٢٧٩) من طريق عليّ بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":215},{"text":"نزلت آية المائدة أتت على ما بقي من الإباحة الّتي لم تتناولها الآيتان السّابقتان، فهي آيات مصدّقة لبعضها، وليس بينها تناسخ، إذ من شرط صحّة النّسخ- كما سيأتي- ثبوت التّعارض بين النّاسخ والمنسوخ، وهذا معدوم هاهنا فيما بين هذه الآيات، ثمّ إنّ ما دلّت عليه من الحكم لم يسبق إلّا بالإباحة الثّابتة بسكوت الشّارع، لا بنصّه.\nولو صحّ إطلاق النّسخ على نقل حكم الإباحة الأصليّة إلى حكم آخر بدليل الشّرع، لساغ أن نقول في كلّ آية تحريم: هي ناسخة لما كان عليه الحال قبل نزولها، وهذا مخالف لما دلّ عليه القرآن من معنى النّسخ، كما ستعلمه من المباحث التّالية (١).\nإذا فهذه الوجوه الخمسة الّتي وقع إطلاق (النّسخ) عليها في كلام السّلف، ليست في التّحقيق من باب النّسخ الّذي استقرّ معناه عند أهل العلم من بعد، وجميعها ممّا يجب التّنبّه له؛ وذلك خشية إبطال العمل بنصّ من نصوص القرآن بالظنّ والوهم، فإنّ أكثر ما ادّعي فيه النّسخ يرجع إلى هذه الوجوه.\nفإن قلت: فلم سمّوا ذلك نسخا؟\nقلت: يجيب عن ذلك العلّامة الشّاطبيّ بقوله: «لأنّ جميع ذلك\nمشترك في معنى واحد، وهو أنّ النّسخ في الاصطلاح المتأخّر اقتضى أنّ الأمر\n_________\n(١) وانظر: الموافقات، للشّاطبيّ (٣/ ١٠٧)، والتّلخيص، للجوينيّ (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":216},{"text":"المتقدّم غير مراد في التّكليف، وإنّما المراد ما جيء به آخرا، فالأوّل غير معمول به، والثّاني هو المعمول به.\nوهذا المعنى جار في تقييد المطلق، فإنّ المطلق متروك الظّاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيّد، فكأنّ المطلق لم يفد مع مقيّده شيئا، فصار مثل النّاسخ والمنسوخ.\nوكذلك العامّ مع الخاصّ، إذ كان ظاهر العامّ يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللّفظ، فلمّا جاء الخاصّ أخرج حكم ظاهر العامّ عن الاعتبار، فأشبه النّاسخ والمنسوخ، إلّا أنّ اللّفظ العامّ لم يهمل مدلوله جملة، وإنّما أهمل منه ما دلّ عليه الخاصّ، وبقي السّائر على الحكم الأوّل.\nوالمبيّن مع المبهم كالمقيّد مع المطلق.\nفلمّا كان كذلك استسهل إطلاق لفظ (النّسخ) في جملة هذه المعاني؛ لرجوعها إلى شيء واحد» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الثاني: ثبوت النسخ في الكتاب والسنة</span>\nالنّسخ واقع في نصوص الوحي بدلالة الكتاب والسّنّة، فمن أدلّة ذلك من كتاب الله تعالى ما يلي:\n١ - قوله ﷿: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ\n_________\n(١) الموافقات، للشّاطبيّ (٣/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"1","page":217},{"text":"مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].\nهذه الآية برهان صريح على وقوع النّسخ في القرآن، بمعنى الإزالة والتّبديل، وذلك بأن ينزل الله على نبيّه ﷺ آية على خلاف آية نزلت قبلها، تغيّر حكمها إلى حكم جديد، هو أرفق بالنّاس أو أعظم لهم ثوابا وأفضل عاقبة ممّا كان لهم قبل ذلك.\nكما في الآية دليل على إمكان نسخ الآية بوحي سواها، دون أن يكون ذلك الوحي قرآنا يتلى.\nفإن قلت: فأين توجدنا ذلك فيها؟\nقلت: في قوله ﷿: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، ولم يقل:\n(نأت بآية خير منها أو مثلها).\nفإن قلت: لكن كيف يكون شيء غير الآية خيرا منها أو مثلها؟\nقلت: التّفاضل بين الآيات ليس من جهة ألفاظها، فجميع ذلك كلام الله، وإنّما من جهة ما فيها من الشّرائع والأحكام بالنّسبة للمكلّف، فالأحكام هي الّتي تتفاضل فيكون بعضها خيرا من بعض، فإذا عادت الخيريّة إلى الأحكام دون اعتبار صيغتها ولفظها، فقد صحّ النّسخ بكلّ ما ثبت أنّ الله تعالى أوحاه لنبيّه ﷺ.\nفحاصل المعنى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بوحي خير منها أو مثلها)، وحيث صحّ نسخ الوحي بوحي خير منه للعباد، صحّ نسخه","vol":"1","page":218},{"text":"بوحي مثله في درجته.\nوهذا يدلّ على أنّ النّسخ كما يكون في القرآن، فإنّه يكون في\nالسّنّة، إذ تساويا في كونهما وحي الله وتنزيله، القرآن بلفظه ومعناه، والسّنّة بمعناها، كما يحقّق ذلك عموم قول الله تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ٢ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ٤ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ٥ [النّجم: ٢ - ٥]، وقول الله ﷿: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وعموم الآيات الآمرة بطاعة الرّسول ﷺ، والنّصوص النّبويّة تواترت في هذا المعنى، ومن صريح ذلك حديث المقدام بن معدي كرب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك شبعان على أريكته يقول:\nعليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهليّ، ولا كلّ ذي ناب من السّباع، ولا لقطة معاهد إلّا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٨/ ٤١٠ رقم: ١٧١٧٤) وأبو داود (رقم:\n٤٦٠٤) وابن نصر في «السّنّة» (رقم: ٢٤٤، ٤٠٣) والطّبراني في «الكبير» (٢٠/ رقم: ٦٦٨، و٢٠/ رقم: ٦٧٠) وغيرهم، من طرق عن حريز بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عوف، عن المقدام، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وله طرق غير هذا.","vol":"1","page":219},{"text":"وكان إمام أهل الشّام التّابعيّ حسّان بن عطيّة يقول: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسّنّة، كما ينزل عليه بالقرآن، فيعلّمه إيّاها كما يعلّمه القرآن (١).\nفكأنّه يعني قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ٥ وهو جبريل ﵇.\nأمّا معنى قوله: أَوْ نُنْسِها فهو من الإنساء، وهو رفع الله ﷿ لها من الصّدور، كما قال الله سبحانه لنبيّه ﷺ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، وقد ثبت أنّ النّبيّ ﷺ كان قد قرأ قرآنا ثمّ أنسيه، وأقرأ أصحابه قرآنا فأزاله الله من صدورهم بقدرته.\nومن الدّليل على صحّة ذلك ما حدّث به أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن رهط من الأنصار من أصحاب النّبيّ ﷺ:\nأنّه قام رجل منهم في جوف اللّيل يريد أن يفتتح سورة قد كان وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فأتى باب النّبيّ ﷺ حين أصبح، يسأل النّبيّ ﷺ عن ذلك، ثمّ جاء آخر، وآخر، حتّى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا: ما جمعهم؟ فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السّورة، ثمّ أذن لهم النّبيّ ﷺ، فأخبروه خبرهم وسألوه عن السّورة،\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه الدّارميّ في «مسنده» (رقم: ٥٩٤) وابن نصر في «السّنّة» (رقم: ١٠٢، ٤٠٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":220},{"text":"فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثمّ قال: «نسخت البارحة»، فنسخت من صدورهم ومن كلّ شيء كانت فيه (١).\nوكان الحسن البصريّ يقول في هذه الآية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها: أقرئ- يعني النّبيّ ﷺ- قرآنا ثمّ نسّاه، فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه (٢).\nفهذا أولى ما قيل في معنى هذه اللّفظة، ويأتي لهذا مزيد استدلال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطّحاويّ في «شرح المشكل» (٥/ ٢٧٢ رقم: ٢٠٣٥) والبيهقيّ في «دلائل النّبوّة» (٧/ ١٥٧) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ١١٠ - ١١١) والواحديّ في «الوسيط» (١/ ١٨٩) من طريق أبي اليمان، قال: حدّثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزّهريّ، حدّثني أبو أمامة، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح.\nتابع شعيبا: يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزّهريّ، قال: حدّثنا أبو أمامة بن سهل ونحن في مجلس سعيد بن المسيّب، لا ينكر ذلك، أنّ رجلا، فذكره ولم يذكر «الرّهط».\nأخرجه الطّحاويّ (رقم: ٢٠٣٤) وابن الجوزيّ (ص: ١١١ - ١١٢).\nوكذلك أخرجه أبو عبيد في «النّاسخ والمنسوخ» (رقم: ١٧) من طريق عقيل بن خالد ويونس الأيليّ، كرواية الطّحاويّ الأخيرة.\nوهذا لا يضرّ، من أجل أنّ شعيبا ثقة متقن، ومن جهة أخرى فإنّ أبا أمامة صحابيّ صغير، ولد في حياة النّبيّ ﷺ، ومن جهة ثالثة: إقرار سعيد بن المسيّب له على ما حدّث به.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن جرير (١/ ٤٧٥، ٤٧٦) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":221},{"text":"وعلى القراءة الأخرى: نُنْسِها من النّسء، وهو التّأخير، والمعنى على ما تقدّم ذكره في المبحث السّابق عن الزّركشيّ.\n٢ - وقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ١٠١ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢ [النّحل: ١٠١ - ١٠٢].\nقال مجاهد: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ رفعناها فأنزلنا غيرها.\nوقال قتادة: هو كقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (١).\nقلت: وهذه الآية دلّت بلا خفاء على ثبوت النّسخ في القرآن، وسكتت عن إمكانه في غيره من الوحي، لكن لك أن تستدلّ منها على وقوع النّسخ في السّنّة الّتي أوحاها الله لنبيّه ﷺ بطريق الأولى.\n٣ - وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرّعد: ٣٩].\nهذه آية عامّة فيما يشاء الله محوه وما يشاء إثباته، كمحو الذّنوب بالمغفرة، ومحو الحكم بإبداله بغيره، والآية بسواها، وعلم جميعه عنده سبحانه في كتاب، ما محا منه وما أثبت.\nوعليه فيصحّ قول من فسّر هذه الآية بإدراج النّاسخ والمنسوخ فيها، كما\n_________\n(١) صحيحان عن مجاهد وقتادة. أخرجهما ابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ١٧٦) بإسنادين صحيحين.","vol":"1","page":222},{"text":"روي عن ابن عبّاس (١).\nوصحّ عن عكرمة مولى ابن عبّاس قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال: ينسخ الآية بالآية فترفع، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ: أصل الكتاب (٢).\nوقال قتادة: قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، هي مثل قوله:\nما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها، وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي:\nجملة الكتاب وأصله (٣).\n٤ - وقوله جلّ وعلا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: ١٥].\n_________\n(١) فأخرج عنه ابن جرير (١٣/ ١٦٩) وأبو جعفر النّحّاس في «معاني القرآن» (٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ٨٥ - ٨٦) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس:\nيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ قال: من القرآن، يقول: يبدّل الله ما يشاء فينسخه، وَيُثْبِتُ ما يشاء فلا يبدّله، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يقول: وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب: النّاسخ والمنسوخ، وما يبدّل وما يثبت، كلّ ذلك في كتاب.\nقلت: وهذا الأثر ضعيف الإسناد، وإن كان معناه محتملا صحيحا.\n(٢) أخرجه ابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ٨٦ - ٨٧) بإسناد صحيح.\n(٣) أثر صحيح. أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٦٩) وإسناده صحيح.\nوروي القول بنحو ذلك عن جماعة من السّلف غير من ذكرت.","vol":"1","page":223},{"text":"ودلالة هذه الآية على المقصود في قوله: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي الآية، ففيها برهان على أنّ الله ﷿ هو الّذي يبدّل الآية بالآية، لا سبيل إلى ذلك إلّا بوحيه وتنزيله.\nفهذه المواضع الأربعة في كتاب الله أدلّة على إثبات وقوع النّسخ في بعض ما أنزل الله على نبيّه ﷺ، خاصّة الموضعين الأوّلين، فهما من أبين شيء وأظهره لإثبات ذلك.\nوقد تظافرت الرّوايات الثّابتة من جهة النّقل على أنّ النّسخ قد وقع لبعض القرآن والأحكام المنزلة، كما سيأتي التّمثيل بطائفة منه.\nوتواتر عن أصحاب النّبيّ ﷺ ذكر النّسخ والقول به.\nكما ذهب إلى القول به عامّة أئمّة الإسلام من السّلف والخلف.\nقال ابن الجوزيّ: «انعقد إجماع العلماء على هذا إلّا أنّه قد شذّ من لا يلتفت إليه» (١).\nولم يعرف إنكاره عن منتسب إلى العلم إلى القرن الرّابع، حين اشتدّ فشوّ البدع، وذلك بتأويل فاسد سآتي على ذكره في الشّبهات.\nقال أبو جعفر النّحّاس: «من المتأخّرين من قال: ليس في كتاب الله ﷿ ناسخ ولا منسوخ، وكابر العيان، واتّبع غير سبيل المؤمنين» (٢).\n_________\n(١) نواسخ القرآن، لابن الجوزيّ (ص: ٨٤).\n(٢) النّاسخ والمنسوخ، للنّحّاس (ص: ٤٠)، وانظر: «الفقيه والمتفقّه» للخطيب البغداديّ (١/ ٣٣٢)، و«إحكام الفصول» للباجي (ص: ٣٢٤) و«المسوّدة» لآل تيميّة (ص: ١٧٥).","vol":"1","page":224},{"text":"ورأى بعض العلماء أنّه لم يخالف في ثبوت النّسخ أحد من أهل الإسلام، وأنّ ما نسب إلى بعض المتأخّرين فهو على ندرته خلاف منهم في اللّفظ لا في المعنى (١).\nواعلم أنّ مبدأ النّسخ ثابت في شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ولا تأتي شريعة رسول على الوفاق التّامّ لشريعة رسول آخر، كما قال الله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨]، ونعلم أنّ الله تعالى نسخ بعض ما كان من الشّرائع في التّوراة برسالة عيسى ﵇، كما قال تعالى: وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]، ثمّ نسخ الله عن العباد ممّا كان شريعة في التّوراة والإنجيل، وذلك بما بعث به نبيّه محمّدا ﷺ من الكتاب والحكمة، كما قال ﷿:\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الآية [الأعراف: ١٥٧].\n_________\n(١) انظر ما حكاه ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ٧٠).\nوالّذي يشار إليه بذلك الرّأي من المتأخّرين، هو: أبو مسلم الأصفهانيّ، واسمه:\nمحمّد بن بحر، كاتب مفسّر معتزليّ، ولد سنة (٢٥٤ هـ) وتوفّي سنة (٣٢٢ هـ)، مترجم في «معجم الأدباء» لياقوت (١٨/ ٣٥) و«بغية الوعاة» للسّيوطيّ (١/ ٥٩).","vol":"1","page":225},{"text":"فإذا تبيّن هذا دلّ على أنّ النّسخ في نفس الشّريعة الواحدة ما دام الوحي ينزل جائز غير ممتنع.\nوقد ذكر جحد النّسخ في شرائع الله عن طائفة من اليهود، بشبهة أنّه يلزم من إثباته اعتقاد البداء (١)، وهذا من ضلالهم وجهلهم بالله وحكم أفعاله ﵎.\nوهذا الّذي فرّ منه اليهود بالجحد، وقعت فيه طائفة من باطنيّة الرّافضة الملاحدة، فنسبوا إلى ربّهم هذا الاعتقاد الفاسد (٢)، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا.\n_________\n(١) البداء: ظهور الرّأي بعد أن لم يكن (التعريفات، للجرجانيّ، ص: ٦٢).\nوانظر: «الإحكام» لابن حزم (٤/ ٦٨)، و«التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٤٦٢)، و«إحكام الفصول» للباجيّ (ص: ٣٢٦).\nوذكر هذه العقيدة عن هذه الطّائفة من اليهود جاء في مواضع عديدة، منها:\n«الفصل» لابن حزم (١/ ١٨٠ - ١٨١)، «الملل والنّحل» للشّهرستانيّ (ص: ١٧٨).\n(٢) ذكرت هذه العقيدة عن المختار بن أبي عبيد الثّقفيّ الكذّاب الّذي ادّعى النّبوّة، كما في «الملل والنّحل» للشّهرستانيّ (ص: ١١٨ - ١١٩)، وحكاها طائفة من العلماء عن الرّافضة، فانظر: «مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ (١/ ١٠٩، ٢/ ١٥٣)، «البرهان» للجوينيّ (٢/ ١٢٩٥، ١٣٠٠)، «المستصفى» للغزّاليّ (ص: ١٣١)، «شرح المنار» لابن الملك (٢/ ٧١٠)، «المسوّدة» لآل تيميّة (ص: ١٨٥).\nوفي بيان فساد هذه العقيدة انظر: «الواضح» لابن عقيل (٤/ ١٩٨ - ٢٠٣، ٢٣٩ - ٢٤٠)، «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٤٦٩)، «الإحكام» للآمديّ (٣/ ١٠٩).","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المبحث الثالث: الحكمة من النسخ</span>\nالنّسخ جار مع مقاصد الشّرع لتحقيق مصلحة المكلّف:\n١ - فتارة ينزل الوحي بالحكم الشّاقّ على المكلّفين؛ لأجل اختبارهم وامتحان صدق إيمانهم.\nكما في نزول قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤]، فقد نال المسلمين منه حرج شديد، فلمّا وقع منهم التّسليم والانقياد أنزل الله ﷿ تصديق ما في قلوبهم: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥]، ونزلت الآية بعدها بالتّخفيف (١). هذا الوجه على قول من يعدّ هذه الصّورة نسخا.\n٢ - وتارة من أجل التّدرّج في التّشريع لحداثة النّاس بالجاهلية، ولا يخفى ما فيه من تأليف قلوبهم على الإسلام، وتهيئتهم لما أريدوا له من نصر دين الله، إذ كانوا الجيل الّذي اصطفاه الله ﷿ لنصرة رسوله ﷺ، فأخذوا بالأخفّ فالأثقل تحقيقا لهذه الغاية.\nمثاله: التّدرّج في الصّلاة في قلّة الرّكعات، ثمّ نسخ ذلك بفرض الصّلاة بركعاتها المعلومة.\n_________\n(١) تقدّم ذكر الحديث فيه (ص: ٢١٠ - ٢١١).","vol":"1","page":227},{"text":"فعن أمّ المؤمنين عائشة، ﵂، قالت: فرض الله الصّلاة حين فرضها ركعتين ركعتين، في الحضر والسّفر، فأقرّت صلاة السّفر، وزيد في صلاة الحضر.\nوفي رواية، قالت: فرضت الصّلاة ركعتين، ثمّ هاجر النّبيّ ﷺ ففرضت أربعا، وتركت صلاة السّفر على الأوّل (١).\nوكالتّدرّج في الصّيام بفرض صوم يوم واحد أوّلا هو يوم عاشوراء، ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان أو بدفع الفدية لمن شاء بدلا من صومه، ثمّ نسخ بفرض صومه لمن شهده صحيحا مقيما.\nوالدّليل على صحّة ذلك حديث ابن عمر، ﵄، قال:\nصام النّبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك (٢).\nوحديث عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: حدّثنا أصحاب محمّد ﷺ: نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينا ترك الصّوم\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٤٣، ١٠٤٠، ٣٧٢٠) ومسلم (رقم: ٦٨٥)، والرّواية الأخرى للبخاريّ.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٧٩٣) ومسلم (رقم:\n١١٢٦) بمعناه.\nوبمعناه كذلك عن عائشة وابن مسعود وجابر بن سمرة، وغيرهم.","vol":"1","page":228},{"text":"ممّن يطيقه، ورخّص لهم في ذلك، فنسختها: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤]، فأمروا بالصّوم (١).\nوحديث سلمة بن الأكوع، ﵁، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤]، كان من أراد منّا أن يفطر ويفتدي فعل، حتّى نزلت هذه الآية الّتي بعدها فنسختها (٢).\n٣ - كما في النّسخ إظهار نعمة الله ﷿ بما يرفع به من الحرج والضّيق بنوع سابق من أنواع التّكليف، وخذ مثاله غير ما تقدّم في عدّة المتوفّى عنها زوجها، حيث فرض الله عليها أن تعتدّ عاما كاملا أوّل الأمر، وهذه المدّة على وفاق ما كانت تعتدّه إحداهنّ في الجاهليّة، فخفّف الله عن النّساء بأن جعلها أربعة أشهر وعشرا.\nفأمّا اعتدادها عاما، فكما في قول الله ﷿: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة:\n_________\n(١) حديث صحيح. علّقه البخاريّ (رقم: ١٨٤٧) بصيغة الجزم، ووصله البيهقيّ في «سننه» (٤/ ٢٠٠) بإسناد صحيح.\nوأخرجه كذلك أبو داود (رقم: ٥٠٦، ٥٠٧) بإسناد صحيح.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٣٧) ومسلم (رقم: ١١٤٥).","vol":"1","page":229},{"text":"٢٤٠]، فنسخ الله ذلك بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤].\nوإظهار الفضل فيه يتبيّن بما حدّث به حميد بن نافع أحد التّابعين، عن زينب بنت أمّ سلمة، قالت: سمعت أمّ سلمة تقول:\nجاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ:\n«لا»، مرّتين أو ثلاثا، كلّ ذلك يقول: «لا»، ثمّ قال رسول الله ﷺ:\n«إنّما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهليّة ترمي بالبعرة على رأس الحول».\nقال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟\nفقالت زينب: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها دخلت حفشا (١)، ولبست شرّ ثيابها، ولم تمسّ طيبا حتّى تمرّ بها سنة، ثمّ تؤتى بدابّة:\nحمار أو شاة أو طائر، فتفتضّ به (٢)، فقلّما تفتضّ بشيء إلّا مات، ثمّ تخرج فتعطى بعرة، فترمي، ثمّ تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره (٣).\n_________\n(١) الحفش: البيت الصّغير الضّيّق الذّليل.\n(٢) فسّره الإمام مالك في نفس الحديث عند البخاريّ حيث سئل: ما تفتضّ به؟ قال:\nتمسح به جلدها.\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٥٠٢٤) ومسلم (رقم:\n١٤٨٨، ١٤٨٩).","vol":"1","page":230},{"text":"وبقي النّاسخ والمنسوخ يتلى في كتاب الله تذكيرا بفضل الله، بما جاء به دينه من التّيسير.\n٤ - كما يقع في النّسخ تطييب نفس رسول الله ﷺ ونفوس أصحابه بتمييز هذه الأمّة على الأمم وإظهار فضلها.\nومثاله قصّة نسخ استقبال القبلة، حيث كانت حين فرضت الصّلاة إلى بيت المقدس، ثمّ حوّلت إلى الكعبة.\nوفي ذلك يقول الله ﷿: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الآيات [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤].\nوسوى ذلك حكم ومقاصد للنّسخ، تندرج سعتها في عموم قول الله ﷿: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢ [النّحل: ١٠٢]، حيث جاءت هذه الآية ردّا على المشركين في جحدهم النّسخ بقولهم للنّبيّ ﷺ: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ.","vol":"1","page":231},{"text":"قال الشّافعيّ: «إنّ الله خلق الخلق لما سبق في علمه ممّا أراد بخلقهم وبهم، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكلّ شيء وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها؛ رحمة لخلقه بالتّخفيف عنهم، وبالتّوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنّته والنّجاة من عذابه، فعمّتهم رحمته فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه» (١).\nوفي الجملة فإنّ حقيقة النّسخ تغيير للأحكام بتغيّر الأحوال والظّروف، وإنزال فرفع للآيات لمقتض، وذلك ممّن يعلم مصالح خلقه ﵎، وهو على كلّ شيء قدير، كما قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النّحل: ١٠١]، وكما قال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ\nمُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ١٠٧ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧].\nومن هذا يتبيّن فساد مذهب الغالطين على ربّهم، الجاهلين به ممّن ضلّ في أمر النّسخ، من المشركين واليهود وغلاة الرّافضة ومن شايعهم من أهل زماننا، وما شأنهم إلّا كما قال الله عن المشركين من قبل: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النّحل: ١٠٢].\n...\n_________\n(١) الرّسالة (ص: ١٠٦).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الفصل الثاني: شروط ثبوت النسخ، وما يقع به، وطريق معرفته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المبحث الأول: شروط ثبوت النسخ</span>\nالقول بوقوع النّسخ لآية في كتاب الله، أو حكم ثبت بوحي الله، من أشدّ ما يكون وأخطره، إلّا لمن وقف فيه عند المنقول، وانتهى فيه إلى ما جاء به الرّسول، وبنى فيه على صريح الأصول، وقد قال الله لنبيّه ﷺ: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: ١٥]، فدلّ على أنّ النّسخ لله تعالى وحده، كان ذلك في نصّ كتاب أو نصّ سنّة.\nوعليه، امتنع ادّعاه النّسخ بالاحتمال، والأصل: وجوب العمل بجميع الأحكام الثّابتة بنصوص الكتاب والسّنّة، واعتقاد أنّها محكمة، حتّى نتيقّن النّسخ؛ لقوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣].\nقال أبو جعفر النّحّاس: «لا يقال (منسوخ) لما ثبت في التّنزيل، وصحّ فيه التّأويل، إلّا بتوقيف أو دليل قاطع» (١).\n_________\n(١) النّاسخ والمنسوخ، للنّحّاس (ص: ٣٥٥).","vol":"1","page":233},{"text":"وقال ابن حزم: «لا يحلّ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسّنّة: هذا منسوخ، إلّا بيقين» (١).\nوقال ابن الجوزيّ: «وإطلاق القول برفع حكم آية لم يرفع جرأة عظيمة» (٢).\nوقال الموفّق ابن قدامة: «لا يجوز ترك كتاب الله وسنّة رسوله إلّا بنسخ، والنّسخ لا يثبت بالاحتمال» (٣).\nوقال أبو إسحاق الشّاطبيّ: «الأحكام إذا ثبتت على المكلّف، فادّعاء النّسخ فيها لا يكون إلّا بأمر محقّق؛ لأنّ ثبوتها على المكلّف أوّلا محقّق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلّا بمعلوم محقّق» (٤).\nوعليه، فالواجب أن يضبط القول بالنّسخ في نصوص الكتاب والسّنّة بشروط، يصحّ معها القول به، وهي تعود في جملتها إلى سبعة شروط، يجب اعتبار جميعها في كلّ من النّصّين: النّاسخ والمنسوخ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الشّرط الأوّل: أن يكونا ثابتين بالنّصّ</span>.\nأي: يكون كلّ منهما إمّا آية من كتاب الله وإمّا سنّة عن\nرسول الله ﷺ،\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٨٣)، ومعناه في «المحلّى» (١/ ٥٣).\n(٢) نواسخ القرآن، لابن الجوزيّ (ص: ٧٥).\n(٣) المغني في الفقه، لابن قدامة (٢/ ٦٦٦).\n(٤) الموافقات، للشّاطبيّ (٣/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":234},{"text":"فيصحّ أن تنسخ الآية الآية والسّنّة، كما يصحّ أن تنسخ السّنّة الآية والسّنّة.\nوصيغة النّصّ تأتي على وجهين:\nالأولى: صيغة طلب، كالأمر والنّهي.\nمثاله في الحكم النّاسخ قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٤]، ومثاله في المنسوخ قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [المجادلة: ١٢].\nوالثّانية: صيغة خبر معناه الطّلب.\nكقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، فهذا خبر معناه الأمر.\nفأمّا سائر نصوص الأخبار في الكتاب والسّنّة ممّا لم يقصد به الطّلب، كالإخبار عن الأمم الماضية، والإخبار عمّا سيكون كأشراط السّاعة واليوم الآخر، فهذه لا يدخلها النّسخ؛ لأنّ خبر الصّادق يستحيل الرّجوع عنه، لما يقتضي ذلك من الإخبار بخلاف الواقع في أحد الخبرين، فإنّ من قال: (جاء زيد) ثمّ قال بعده: (لم يأت) فأحد خبريه على خلاف الواقع جزما، بكذب أو وهم، وخبر الله ورسوله ﷺ منزّه عن ذلك (١).\n_________\n(١) وانظر: «فهم القرآن» للحارث المحاسبيّ (ص: ٣٣٢)، «النّاسخ والمنسوخ» للنّحّاس (ص: ٥٣١)، «الإحكام» لابن حزم (٤/ ٧٢ - ٧٣)، «إحكام الفصول» للباجيّ (ص: ٣٣٢).","vol":"1","page":235},{"text":"وزعم بعض من ينسب إلى السّنّة في مسألة (امتناع النّسخ في الأخبار) أنّ النّسخ ممتنع في الأخبار إلّا أخبار الوعيد، فإنّه يجوز فيها النّسخ.\nوهذا القول خطأ بيّن، فإنّ خبر الله تعالى ورسوله ﷺ في وعد أو وعيد حقّ كما أخبرنا به، وهو واقع كما جاء به الخبر، ولا يستشكل أنّ الله تعالى قد لا ينفذ الوعيد؛ لأنّه أخبرنا أنّ وعيده بمشيئته، فإن شاء عذّب عدلا، وإن شاء رحم فضلا، كما هو الشّأن في عصاة الموحّدين، وأخبرنا أنّ فريقا ممّن استحقّوا الوعيد لا انفكاك لهم عنه بحال، كالكفّار في نار جهنّم، فأيّ نسخ يكون فيه وهو إمّا منجّز وإمّا معلّق بنفس دلالة الخبر؟\nودلّ تحقيق هذا الشّرط على أنّ النّسخ لا يتصوّر وقوعه بعد موت النّبيّ ﷺ؛ لانقطاع الوحي، وعليه فلا نسخ بشيء من المسالك الثّلاثة التّالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>١ - مذاهب الصّحابة وأقوالهم</span>.\nفأقاويلهم كانت تصدر منهم باجتهاد، لا ينزّل منها شيء منزلة النّصّ، فلو نقل عن بعضهم الرّأي بخلاف النّصّ، فرأيه محكوم بالنّصّ، ويعتذر عن الصّحابيّ في خلافه له.\nفمثلا ما زعمته طائفة أنّ حلّ نكاح المتعة كان محكما، وإنّما حرّمه عمر بن الخطّاب، فهذا خطأ، وإنّما حرّم عمر ما ثبت تحريمه عن رسول الله ﷺ (١)، وما كان لعمر ولا لأحد بعد النّبيّ ﷺ أن يبدّل المحكمات من دين\n_________\n(١) انظر: «تحريم نكاح المتعة» للحافظ أبي الفتح نصر المقدسيّ.","vol":"1","page":236},{"text":"الإسلام، ولا تعرف مثل هذه الدّعوى عن منتسب إلى السّنّة والعلم.\nقال الموفّق ابن قدامة: «وما كان جائزا في عهد رسول الله ﷺ\nوأبي بكر، لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره، ولأنّ نسخ الأحكام إنّما يجوز في عصر النّبيّ ﷺ؛ لأنّ النّصّ إنّما ينسخ بنصّ مثله، وأمّا قول الصّحابيّ فلا ينسخ ولا ينسخ به، فإنّ أصحاب النّبيّ ﷺ كانوا يتركون أقوالهم لقول رسول الله ﷺ، ولا يتركونها بأقوالهم» (١).\nوممّا يجوز أن يرجع إلى اجتهاد الصّحابيّ قوله: (هذا النّصّ منسوخ) فليس له حكم المرفوع إلى النّبيّ ﷺ، ولا يقضى به على النّصّ، حتّى يذكر النّاسخ ويفسّر دعواه بما ينطبق ومعنى النّسخ، خاصّة مع ما تقدّم من إطلاق بعض الصّحابة النّسخ على تخصيص العامّ أو تقييد المطلق، أو شبه ذلك.\nوالقول بعدم قبول النّسخ بهذا الطّريق عليه جمهور العلماء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٢ - الإجماع</span>.\nوليس المراد به ما اتّفق عليه المسلمون من نصوص الكتاب والسّنّة، فإنّ هذا الإجماع عائد إلى النّصّ، وإنّما يراد به: القول الّذي لا يعرف له مخالف.\n_________\n(١) المغني في الفقه (٩/ ٥٣١) قاله في مسألة (أمّهات الأولاد).\n(٢) انظر: «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٥٣٢)، «المستصفى» للغزّاليّ (ص: ١٥١)، «الإحكام» للآمديّ (٣/ ١٨١)، «إحكام الفصول» للباجيّ (ص: ٣٦٠)، «المسوّدة» لآل تيمية (ص: ٢٠٧).","vol":"1","page":237},{"text":"والسّبب في عدم صحّة الاستناد إليه في النّسخ، أنّه ليس بحجّة بنفسه في التّحقيق (١)، ثمّ إنّه جاء بعد النّصّ (٢).\nوفي هذا إبطال لمذهب من قال بنسخ بعض النّصوص بالإجماع، كدعوى نسخ قتل شارب الخمر في الرّابعة (٣)، وظنّ نسخ آية الاستئذان الّتي في سورة النّور: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [الآية: ٥٨]، وذلك بترك عمل النّاس بها (٤).\nومن أفسد المقالات في هذه المسألة قول من قال: إنّ الإجماع على ترك\n_________\n(١) انظر كتابي «تيسير علم أصول الفقه» (ص: ١٦٤).\n(٢) انظر: «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٣١٧)، «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٥٣١)، «روضة النّاظر» لابن قدامة (١/ ٢٦٥)، «الإحكام» للآمديّ (٣/ ١٦١)، «إحكام الفصول» للباجيّ (ص: ٣٦١)، «المسوّدة» لآل تيمية (ص: ١٨٣)، «شرح المنار» لابن الملك (٢/ ٧١٦).\n(٣) والمراد به ما دلّ عليه قوله ﷺ: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثمّ إن شرب فاجلدوه، ثمّ إن شرب فاجلدوه، ثمّ إن شرب فاقتلوه»، وهو حديث صحيح، ودعوى نسخه بترك العمل به اشتهرت عن الإمام التّرمذيّ صاحب «السّنن»، حيث ذكر ذلك في كتاب «العلل» في آخر «جامعه». وللعلّامة الشّيخ محمّد أحمد شاكر حول الحديث وما ذكر من دعوى النّسخ، بحث مفيد، جدير بالمراجعة، وذلك في تعليقه على «المسند» للإمام أحمد (٩/ ٤٠ - ٧٠).\n(٤) وهي آية محكمة، كما شرحت ذلك وبيّنت الخطأ في ظنّ نسخها في كتابي «أحكام العورات في الكتاب والسّنّة».","vol":"1","page":238},{"text":"العمل بالنّصّ يدلّ على وجود النّاسخ، لكنّه لم يصلنا.\nوفساد هذا القول من جهة ما فيه من اعتقاد ضياع شيء من الدّين وحفظ ما يعارضه! وهذا ضلال وجهل من قائله، فإنّ الله الّذي أكمل لنا الدّين قد تعهّد بحفظه، وإن كان يخفى بعضه على الأفراد فلا يجوز أن يخفى جميعه على جميع الأمّة، فإنّ اتّفاقها على تضييع نصّ من نصوص الشّرع اتّفاق منها على الضّلال، فكيف يصحّ هذا وهي معصومة منه؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٣ - القياس</span>.\nوسبب عدم اعتبار النّسخ به أنّه دليل اجتهاديّ، شرط صحّته البناء على النّصّ، فإذا خالف نصّا آخر فاحتمال النّسخ وارد بين النّصّ الّذي استفيد منه حكم القياس والنصّ المعارض له، لا بين نصّ وقياس (١).\nعلى أنّ القياس لا يصحّ وروده بخلاف النصّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الشّرط الثّاني: أن يكونا ثابتين نقلا</span>.\nوهذا الشّرط معتبر عند ما تكون السّنّة طرفا في النّسخ، أمّا إذا كان مستند النّسخ الآية من كتاب الله فهذا شرط لا يطلب فيه.\n_________\n(١) انظر: «الفقيه والمتفقّه» للخطيب البغداديّ (١/ ٣٣٣)، «الإحكام» لابن حزم (٤/ ١٢٠)، «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٨٨، ٣١٤)، «المغني» للخبّازي الحنفي (ص: ٢٥٤)، «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٥٢٩)، «روضة النّاظر» لابن قدامة (١/ ٢٦٦)، «الإحكام» للآمديّ (٣/ ١٦٤)، «إحكام الفصول» للباجيّ (ص: ٣٦٢)، «المسوّدة» لآل تيمية (ص: ٢٠٢)، «شرح المنار» لابن الملك (٢/ ٧١٥).","vol":"1","page":239},{"text":"فالواجب أن يسلم الحديث النّاسخ أو المنسوخ من القوادح، باستيفائه جميع شروط الصّحّة.\nقال أبو بكر بن خزيمة: «لا يجوز ترك ما قد صحّ من أمره ﷺ وفعله في وقت من الأوقات إلّا بخبر صحيح عنه ينسخ أمره ذلك وفعله» (١).\nوهل يطلب فيه التّواتر؟\nاختلفوا في ذلك، والصّواب: لا؛ لأنّ النّسخ إنّما يتّصل بالأحكام العمليّة، والعمل بالظّنّ الرّاجح صحيح معتبر.\nوقد جاءت السّنّة الصّحيحة المشهورة بقبول خبر الواحد العدل في إثبات النّسخ، وذلك في حديث عبد الله بن عمر بأصحّ إسناد إليه، قال:\nبينا النّاس بقباء في صلاة الصّبح، إذ جاءهم آت (وفي رواية:\nرجل)، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قد أنزل عليه اللّيلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة (٢).\nوبهذا الشّرط يسقط الاعتداد بالحديث الضّعيف في النّسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الشّرط الثّالث: أن يكونا حكمين شرعيّين</span>.\nوالمقصود أن يكون الحكم ثابتا بخطاب الشّرع، لا بدليل العقل، مثل ما\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٥٧).\n(٢) متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٩٥ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٥٢٦).","vol":"1","page":240},{"text":"يثبت بطريق (الاستصحاب) كالإباحة الأصليّة، والبراءة الأصليّة.\nفقد ثبت في العقول أنّ ما خلقه الله في الأرض فهو مباح للإنسان حتّى يرد خطاب الشّرع بنقله عن تلك الإباحة، كما ثبت في العقول أنّ الذّمم بريئة حتّى يرد خطاب الشّرع بإيجاب الواجبات.\nفتدرّج الشّارع في تحريم الخمر بتضييق الإباحة فيها، ثمّ بنقل حكمها من بعد من الإباحة إلى التّحريم، ليس نسخا؛ لأنّ الإباحة لم يحتج إلى معرفتها بدليل الشّرع، إنّما عرفت بعدم الخطاب (١).\nوفرض الله الصّلاة والصّوم، ولم يكن من ذلك شيء، فتكليف الذّمم بذلك لم يكن على المعارضة لحكم سابق ثابت بدليل الشّرع، بل جاء هذا التّكليف ليشغل موضعا فارغا صالحا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الشّرط الرّابع: أن يكونا عمليّين</span>.\nأي يتّصلان بأحكام كسب الجوارح، كالصّلاة والصّوم.\nمثل نسخ فرض استقبال بيت المقدس في الصّلاة باستقبال الكعبة، ونسخ فرض قيام اللّيل في أوّل سورة المزّمّل بما نزل في آخرها، ونسخ التّخيير بين صوم رمضان والفدية بالطّعام بفرض الصّوم، ونسخ حبس الزّواني بالحدود (٢).\n_________\n(١) انظر ما تقدّم في هذه المقدّمة (ص: ٢١٤ - ٢١٥).\n(٢) أوردت تفاصيل النّصوص لهذه الأمثلة في مواضع من هذه المقدّمة.","vol":"1","page":241},{"text":"أمّا أعمال القلوب، كالتّوحيد والإيمان والإخلاص والخوف والرّجاء، وشبه ذلك، فلا يقع فيها نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الشّرط الخامس: أن يكونا جزئيّين</span>.\nفيمتنع النّسخ في القواعد ومقاصد التّشريع؛ لأنّها كلّيّات.\nولم يقع في جميع ما يذكر فيه النّسخ من نصوص الكتاب والسّنّة نسخ لقاعدة كلّيّة، إنّما جميع أمثلة النّسخ واردة في جزئيّات الأحكام؛ رعاية للمقاصد الكلّيّة، كما سبقت الإشارة إليه في (الحكمة من النّسخ) (١).\nوتستثنى من النّسخ كذلك أحكام جزئيّة اقترن تشريعها بما دلّ على تأبيدها (٢).\nوذلك مثل قوله تعالى في حديث فرض الصّلوات ليلة المعراج:\n«هي خمس وهي خمسون، لا يبدّل القول لديّ» (٣).\nوقوله ﷺ: «لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التّوبة، ولا تنقطع التّوبة حتّى تطلع الشّمس من مغربها» (٤).\n_________\n(١) انظر: «الموافقات» للشّاطبيّ (٣/ ١٠٥، ١٠٧).\n(٢) انظر: «البرهان» للجوينيّ (٢/ ١٢٩٨).\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٤٢، ٣١٦٤) ومسلم (رقم: ١٦٣) من حديث أنس بن مالك.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٨/ ١١١ رقم: ١٦٩٠٦) وأبو داود (رقم:\n٢٤٧٩) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٨٧١١) والدّارميّ (رقم: ٢٤١٨) وآخرون من حديث معاوية بن أبي سفيان. بإسناد صالح.\nكما أخرجه أحمد (٣/ ١٠٦ رقم: ١٦٧١) وغيره من حديث معاوية وعبد الرّحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه. وإسناده جيّد.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الشّرط السّادس: أن يكونا متعارضين في المعنى</span>.\nوالمقصود أن لا يوجد سبيل لإعمال النّصّين جميعا، وإنّما يأتي أحدهما على ضدّ الآخر في دلالته ومعناه.\nفكلّ نصّين أمكن التّوفيق بينهما فذلك مقدّم على المصير إلى النّسخ.\nمثل: أن يكون أحدهما خاصّا والآخر عامّا، فيبنى العامّ على الخاصّ، فيخرج ذلك الخاصّ من العموم، ويبقى سائر النّصّ العامّ معمولا به.\nومثل: المطلق مع المقيّد، والمجمل مع المفسّر، والتّشريعين المختلفين لاختلاف الظّرف فكلّ منهما معمول به في وقته أو معناه.\nوقد سبق المثال لذلك عند شرح معنى (النّسخ عند السّلف).\nقال ابن جرير الطّبريّ: «وإنّما يكون النّاسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة ... فأمّا ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر، فليس من النّاسخ\nوالمنسوخ في شيء» (١).\nوقال الموفّق ابن قدامة: «والعامّ لا ينسخ به الخاصّ؛ لأنّ من شروط\n_________\n(١) تفسيره (٣/ ١٢٠)، وانظر: «اختلاف الحديث» للشّافعيّ (ص: ٢١٤).","vol":"1","page":243},{"text":"النّسخ: تعذّر الجمع، والجمع بين الخاصّ والعامّ ممكن بتنزيل العامّ على ما عدا محلّ التّخصيص» (١).\nوممّا يمتنع فيه النّسخ مطلقا من نصوص التّكليف: جميع ما لا يتصوّر فيه التّضادّ بين تكليفين، كالنّصوص الآمرة بالتّوحيد وسائر العقائد، ونصوص مكارم الأخلاق والفضائل، فهذه لا تجوز أضدادها في دين الإسلام، ومن شرط صحّة النّسخ التّقابل بين التّكليفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الشّرط السّابع: أن يكون النّاسخ متأخّرا في زمن تشريعه عن المنسوخ</span>.\nوالمراد به أن يكون الحكمان قد انفصل أحدهما عن الآخر بزمان أمكن فيه امتثال الحكم المنسوخ قبل تبديله بالنّاسخ (٢).\nكما تراه مثلا في قصّة نزول قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: ١٨٧]:\nفعن البراء بن عازب، ﵁:\nأنّ أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشّى لم يحلّ له أن يأكل شيئا ولا يشرب، ليلته ويومه من الغد حتّى تغرب الشّمس، حتّى نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، قال: ونزلت في أبي قيس بن عمرو، أتى أهله وهو صائم بعد المغرب فقال: هل من شيء؟ فقالت\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة (١/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(٢) انظر: «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٥٤٣)، «المستصفى» للغزّاليّ (ص: ١٤٤).","vol":"1","page":244},{"text":"امرأته: ما عندنا شيء، ولكن أخرج ألتمس لك عشاء، فخرجت، ووضع رأسه فنام، فرجعت إليه فوجدته نائما، وأيقظته فلم يطعم شيئا، وبات وأصبح صائما حتّى انتصف النّهار، فغشي عليه، وذلك قبل أن تنزل هذه الآية، فأنزل الله فيه (١).\nواعتبار هذا الشّرط لصحّة النّسخ يبطل الخوض في مسألة تعرّضت لها طائفة من أهل الأصول، وهي: (هل ينسخ الحكم قبل امتثاله؟) وتكلّموا فيها بما لا يزيد علما ولا يبنى عليه عمل، كالّذي جاء في حديث فرض الصّلوات ليلة المعراج، أنّ الله تعالى فرض خمسين صلاة، ثمّ نسخها بخمس قبل أن يقع امتثال التّكليف الأوّل.\nفليس هذا من باب النّسخ الّذي نقصد إلى ضبطه ليستفيد المتفقّه من تأصيله.\nولا أثر لتقدّم الآية النّاسخة وتأخّر المنسوخة في ترتيب المصحف؛ لأنّه لم يراع في ذلك النّزول، وإنّما العبرة بزمن تشريع الحكم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣٠/ ٥٧٣ - ٥٧٥ رقم: ١٨٦١١، ١٨٦١٢) والبخاريّ (رقم: ١٨١٦) وأبو داود (رقم: ٢٣١٤) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٦٨) والنّسائيّ (رقم: ٢١٦٨) والدّارميّ (رقم: ١٦٤٥) من طريق أبي إسحاق السّبيعيّ، عن البراء، به.\nواللّفظ للنّسائيّ، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المبحث الثاني: ما يقع به النسخ</span>\nمن خلال شروط النّسخ المتقدّمة تبيّنّا أنّ السّنّة تشارك الكتاب في جميع ذلك، وعليه فما يقع به النّسخ واحد من الأمور الأربعة التّالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الأوّل: نسخ قرآن بقرآن</span>.\nمثل نسخ التّخيير للقادر على الصّوم بين أن يصوم أو يفتدي، بالصّوم دون الفدية.\nفالحكم المنسوخ في قول الله ﷿: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤].\nوالنّاسخ له قوله تعالى في الآية بعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥].\nفعن سلمة بن الأكوع، ﵁، قال:\nلمّا نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد منّا أن يفطر ويفتدي فعل، حتّى نزلت هذه الآية الّتي بعدها فنسختها (١).\nولا يختلف أهل العلم أنّ هذه الصّورة للنّسخ واقعة في مواضع في القرآن، تتفاوت أقوالهم في عددها، والتّحقيق أنّها قليلة.\n_________\n(١) حديث صحيح. تقدّم تخريجه (ص: ٢٢٩).","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>والثّاني: نسخ سنّة بسنّة</span>.\nمثل حكم التّطبيق في الرّكوع:\nفالمنسوخ ما حدّث به علقمة بن قيس والأسود بن يزيد: أنّهما دخلا على عبد الله (وهو ابن مسعود)، فقال: أصلّى من خلفكم؟ قالا:\nنعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثمّ ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثمّ طبّق بين يديه، ثمّ جعلهما بين فخذيه، فلمّا صلّى قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ (١).\nوالنّاسخ ما حدّث به مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، قال: صلّيت إلى جنب أبي، فلمّا ركعت شبّكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتيّ، فضرب يديّ، فلمّا صلّى قال: قد كنّا نفعل هذا، ثمّ أمرنا أن نرفع إلى الرّكب (٢).\nووقوع هذا النّوع لا يختلفون في صحّته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>والثّالث: نسخ قرآن بسنّة</span>.\nوهذا قد اختلفوا فيه على مذهبين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المذهب الأوّل: امتناع نسخ الآية بسنّة</span>.\nوهذا مذهب الأئمّة سفيان\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم (رقم: ٥٣٤).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٧٥٧) ومسلم (رقم: ٥٣٥).","vol":"1","page":247},{"text":"الثّوريّ (١)، والشّافعيّ (٢)، وأحمد بن\nحنبل في إحدى الرّوايتين عنه (٣)، وطائفة من أصحاب مالك (٤).\nومن عبارة الشّافعيّ في ذلك: «وأبان الله لهم أنّه إنّما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأنّ السّنّة لا ناسخة للكتاب، وإنّما هي تبع للكتاب» (٥).\nوسئل أحمد بن حنبل: أتنسخ السّنّة شيئا من القرآن؟ قال: «لا ينسخ القرآن إلّا القرآن» (٦).\nوممّن عزي إليه القول بأنّه لا ينسخ الآية إلّا آية مثلها من المتقدّمين:\n_________\n(١) نواسخ القرآن، لابن الجوزيّ (ص: ٩٨).\n(٢) انظر: «الرّسالة» للشّافعيّ (ص: ١٠٦ - ١٠٨)، «أحكام القرآن» له (١/ ٣٣ - ٣٦)، «السّنّة» لابن نصر المروزيّ (ص: ٦٩)، «النّاسخ والمنسوخ» للنّحّاس (ص: ٥٣)، «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرّ (٢/ ١١٩٥)، «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٥١٥)، «الاعتبار» للحازميّ (ص: ٥٧)، «الإحكام» للآمديّ (٣/ ١٥٣).\n(٣) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية أبي داود السّجستانيّ (ص: ٢٧٦)، «جامع بيان العلم» لابن عبد البرّ (٢/ ١١٩٤ - ١١٩٥)، «نواسخ القرآن» لابن الجوزيّ (ص: ٩٨، ١٠٠)، «الاعتبار» للحازميّ (ص: ٥٧)، «روضة النّاظر» لابن قدامة (١/ ٢٥٨).\n(٤) جامع بيان العلم، لابن عبد البر (٢/ ١١٩٥) وعزاه إلى جمهورهم.\n(٥) الرّسالة (ص: ١٠٦)، أحكام القرآن (١/ ٣٣).\n(٦) رواه عنه الفضل بن زياد، فيما حكاه ابن عبد البرّ في «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٩٤)، ونحوه لأبي داود في «مسائله» (ص: ٢٧٦).","vol":"1","page":248},{"text":"التّابعيّ الثّقة أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشّخّير، لما صحّ عنه من قوله: «كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه بعضا، كما ينسخ القرآن بعضه بعضا» (١).\nوالدّليل لأصحاب هذا المذهب ليس بخارج عن نفس الآيات الّتي دلّت على ثبوت النّسخ في كتاب الله، وقد تبيّن فيها الدّلالة على صحّة النّسخ بمطلق الوحي لمطلق الوحي، والسّنّة وحي كالقرآن (٢).\nوممّا تعلّق به الشّافعيّ قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي فقال: «فيه بيان ما وصفت من أنّه لا ينسخ كتاب الله إلّا كتابه، كما كان المبتدئ لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جلّ ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه» (٣).\nوهذا استدلال صحيح لو كانت السّنّة من تلقاء نفس النّبيّ ﷺ، فإنّها لا تكون ناسخة لحكم ثبت تشريعه بالكتاب، أمّا اعتقاد كونها وحيا أوحاه الله لنبيّه ﷺ مثل القرآن، فقد ساوته في معناه وإن غايرته في لفظه، وسبق\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه مسلم في «صحيحه» (رقم: ٣٤٤) وأبو داود في «المراسيل» (رقم: ٤٥٦) وأبو نعيم في «مستخرجه» (رقم: ٧٧٧) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (رقم: ٣٢٣) والحازميّ في «الاعتبار» (ص: ٥٠)، وإسناده صحيح.\n(٢) وانظر: «الواضح في أصول الفقه» لأبي الوفاء ابن عقيل (٤/ ٢٦٠ - ٢٦٥).\n(٣) الرّسالة (ص: ١٠٧).","vol":"1","page":249},{"text":"أن بيّنت وجه ذلك (١).\nوظنّ بعض العلماء أنّ مذهب الشّافعيّ ومن وافقه إنّما هو لأجل\nعدم وجود المثال له: أن تكون في كتاب الله آية قد نسخت بسنّة، وهذا الظّنّ خطأ، من جهة أنّ الشّافعيّ قد فسّر استدلاله وبيّنه، وليس فيه شيء من هذا، ثمّ إنّ مثاله سيأتي، وإن كان الشّافعيّ قد تأوّله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المذهب الثّاني: صحّة نسخ الآية بسنّة</span>.\nوهذا مذهب الحنفيّة (٢)، وطائفة من المالكيّة (٣)، واختاره بعض أعيان\n_________\n(١) انظر ما تقدّم (ص: ٢١٨ - ٢٢٠).\nوقد وضع بعض الحمقى في هذه المسألة حديثا: فأخرج ابن عديّ في «الكامل» (٢/ ٤٤٣) والدّارقطنيّ (٤/ ١٤٥) وابن الجوزيّ في «العلل المتناهية» (رقم: ١٩٠) ونصر المقدسيّ في «تحريم نكاح المتعة» (رقم: ٣٣) والحازميّ في «الاعتبار» (ص: ٥٨) من طريق محمّد بن داود القنطريّ، حدّثنا أبو عبّاد جبرون بن واقد الإفريقيّ، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزّبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله لا ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا».\nقال ابن عديّ: «منكر» ووافقه الحازميّ، وقال الذّهبيّ في «الميزان» (١/ ٣٨٨): «موضوع»، وقال في جبرون: «متّهم، فإنّه روى بقلّة حياء ...» فذكر هذا الحديث.\n(٢) انظر: «المغني في أصول الفقه» للخبّازيّ (ص: ٢٥٥)، «شرح المنار» لابن الملك (٢/ ٧١٧)، «النّاسخ والمنسوخ» للنّحّاس (ص: ٥٣)، «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٥٩).\n(٣) انظر: «الإحكام» للباجيّ (ص: ٣٥٠ - ٣٥٦، ٣٥٨ - ٣٥٩)، «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٥٩)، «المسوّدة» لآل تيميّة (ص: ١٨٢).","vol":"1","page":250},{"text":"الشّافعيّة كإمام الحرمين الجوينيّ (١) والغزّاليّ (٢)، وهو الرّواية الثّانية عن أحمد بن حنبل (٣)، واختيار ابن حزم الظّاهريّ (٤).\nواستدلال أصحاب هذا المذهب بما سبق تأصيله أنّ السّنّة وحي كالقرآن، وما فرض الله ﷿ من طاعة نبيّه ﷺ، وبالإجماع بأنّ بيان النّبيّ ﷺ للقرآن حجّة ملزمة كالقرآن، لقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النّحل: ٤٤]، والنّسخ بيان (٥).\nومثال المنسوخ حكمه من القرآن بسنّة النّبيّ ﷺ، قوله تعالى:\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى [البقرة: ١٨٠].\nففرض الوصيّة للوالدين بهذه الآية منسوخ بقوله ﷺ: «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصيّة لوارث» (٦).\n_________\n(١) انظر: «البرهان» للجوينيّ (٢/ ١٣٠٧)، «التّلخيص» له (٢/ ٥٢٠).\n(٢) انظر: «المستصفى» للغزّالي (ص: ١٤٧).\n(٣) انظر: «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٩٠).\n(٤) انظر: «الإحكام» لابن حزم (٤/ ١٠٧ - ١٠٨)، «المحلّى» له (١/ ٥٢).\n(٥) انظر: «السّنّة» لابن نصر المروزيّ (ص: ٦٩ - ٧٠)، «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص: ٢٢٩ - ٢٣٠)، وما ذكرته من المصادر في التّعليقات على هذا المذهب.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣٦/ ٦٢٨ رقم: ٢٢٢٩٤) وأبو داود (رقم:\n٢٨٧٠، ٣٥٦٥) والتّرمذيّ (رقم: ٢١٢٠) وابن ماجة (رقم: ٢٧١٣) من طرق عن إسماعيل بن عيّاش، حدّثنا شرحبيل بن مسلم الخولانيّ، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ، يقول: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته في حجّة الوداع، فذكره.\nقلت: وإسناده جيّد، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن»، وهو حديث مشهور له شواهد.","vol":"1","page":251},{"text":"وأصحاب المذهب السّابق يرون الآية منسوخة بآيات المواريث في سورة النّساء، وهذا الحديث دليل على النّسخ على طريقة الشّافعيّ، وليس هو النّاسخ للآية (١).\nلكن من تحقّق وجد أنّ آيات المواريث لا تنفي صحّة الوصيّة للوالدين مع ما فرضت لهما من الميراث، وشرط صحّة النّسخ التّقابل بين النّاسخ والمنسوخ، وهو موجود في هذا الحديث (٢).\nوهذا هو الرّاجح من المذهبين، والأوفق للأصول: أنّ السّنّة عن رسول الله ﷺ تنسخ الآية من كتاب الله؛ لأنّ الجميع من عند الله.\nولأصحاب هذا المذهب اختلاف في درجة السّنّة من جهة الثّبوت:\nإن كانت متواترة أو آحادا، وهذا تقدّم بيانه في (شروط ثبوت النّسخ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>والرّابع: نسخ سنّة بقرآن:</span>\nوجمهور أهل العلم على صحّة نسخ حكم ثبت بالسّنّة بآية من كتاب الله، وأبى ذلك الشّافعيّ، مستدلّا بكون السّنّة مبيّنة للكتاب، فكيف ينسخ\n_________\n(١) انظر: «الرّسالة» (ص: ١٣٧، ٢٢٢)، «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٩١).\n(٢) انظر: «السّنّة» لابن نصر المروزيّ (ص: ٧٢).","vol":"1","page":252},{"text":"المبيّن؟ والشّافعيّ لا يخالف أنّ السّنّة أثبتت أحكاما وشرائع ليست في كتاب الله، فإذا صحّ هذا لم يمتنع أن تأتي بحكم فيأتي القرآن بنسخه.\nثمّ إنّ صحّة نسخ الآية بالسّنّة تدلّ بطريق الأولى على صحّة نسخ السّنّة بالآية (١).\nومثال السّنّة المنسوخة: فرض استقبال بيت المقدس في الصّلاة أوّل الأمر، وذلك ما دلّ على إثباته قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣].\nوالنّاسخ له قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤].\nوبيانه في حديث عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال:\nكان رسول الله ﷺ يصلّي وهو بمكّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستّة عشر شهرا، ثمّ صرف إلى الكعبة (٢).\n_________\n(١) انظر بحث هذه المسألة في: «الرّسالة» للشّافعيّ (ص: ١٠٨ - ١١١، ٢٢٢)، «الواضح» لابن عقيل (٤/ ٢٩٨)، «المغني» للخبّازيّ (ص: ٢٥٥، ٢٥٦)، «التّلخيص» للجوينيّ (٢/ ٥٢١)، «شرح المنار» لابن الملك (٢/ ٧١٧)، «روضة النّاظر» لابن قدامة (١/ ٢٥٧)، «إحكام الفصول» للباجيّ (ص: ٣٥٦)، «الإحكام» للآمديّ (٣/ ١٥٠)، «المسوّدة» لآل تيميّة (ص: ١٨٥).\n(٢) حديث صحيح. =","vol":"1","page":253},{"text":"وفي حديث البراء بن عازب، ﵄، قال:\nكان رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستّة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحبّ أن يوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله:\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: ١٤٤] فتوجّه نحو الكعبة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المبحث الثالث: طريق معرفة النسخ</span>\nيعرف النّسخ بواحدة من طرق ثلاث، هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١ - أن يأتي في لفظ النّصّ ما يفيده صراحة</span>.\n_________\n= أخرجه أحمد (٥/ ١٣٦ رقم: ٢٩٩١) وابن سعد في «الطّبقات» (١/ ٢٤٣) والبزّار (رقم: ٤١٨ - كشف) والطّبرانيّ في «الكبير» (١١/ ٦٧ رقم: ١١٠٦٦) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٣) من طريق يحيى بن حمّاد، حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وصحّحه ابن حجر في «الفتح» (١/ ٩٦).\nوفيه دليل على أنّ القبلة كانت أوّل الأمر إلى بيت المقدس قبل الهجرة بمكّة وبعد الهجرة بضعة عشر شهرا، ثمّ نسخت إلى الكعبة، وو ما روي عن ابن عبّاس بخلاف هذا وأنّ النّبيّ ﷺ كان يستقبل الكعبة، فلمّا هاجر استقبل بيت المقدس ففرح بذلك اليهود، فذلك لم يروه عن ابن عبّاس إلّا عليّ بن أبي طلحة، ولم يسمع منه، والإسناد إليه به ضعيف.\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٩٠ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٥٢٥).","vol":"1","page":254},{"text":"فمثاله في لفظ الآية:\nنسخ الحكم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى\nالْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ٦٥ [الأنفال: ٦٥].\nبقوله بعده: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ٦٦ [الأنفال: ٦٦].\nوعن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا نزلت: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ شقّ ذلك على المسلمين، حين فرض عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التّخفيف، فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، قال:\nفلمّا خفّف الله عنهم من العدّة، نقص من الصّبر بقدر ما خفّف عنهم (١).\nومثاله في لفظ الحديث من قول النّبيّ ﷺ:\nحديث بريدة الأسلميّ قال: قال رسول الله ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٣٧٦) وأبو داود (رقم: ٢٦٤٦) من حديث عكرمة عن ابن عبّاس.\nورواه غيره عنه بنحوه.","vol":"1","page":255},{"text":"لكم، ونهيتكم\nعن النّبيذ إلّا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلّها، ولا تشربوا مسكرا» (١).\nأو مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ بلفظ الصّحابيّ راوي الحديث:\nكحديث عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثمّ جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس (٢).\nوحديث جابر بن عبد الله، ﵄، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء ممّا مسّت النّار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>٢ - أن يأتي في سياق النّصّ قرينة تدلّ عليه</span>.\nكالّذي ورد به قوله ﷺ: «خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٦، ٣٥٩) ومسلم (رقم: ٩٧٧) والنّسائيّ (رقم: ٢٠٣٢، ٢٠٣٣) عن بريدة، به.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك (رقم: ٦٢٦) وأحمد (رقم: ٦٢٣، ٦٣١، ١٠٩٤، ١١٦٧) - واللّفظ له في الموضع الأوّل- ومسلم (رقم: ٩٦٢) وأبو داود (رقم:\n٣١٧٥) والتّرمذيّ (رقم: ١٠٤٤) والنّسائيّ (رقم: ١٩٩٩، ٢٠٠٠) وابن ماجة (رقم: ١٥٤٤) من طريق مسعود بن الحكم الزّرقيّ، أنّه سمع عليّا، به.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (رقم: ١٩٢) والنّسائيّ (رقم: ١٨٥) من طريق عليّ بن عيّاش، حدّثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، به. قلت: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":256},{"text":"سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم» (١).\nفأشار ﷺ بهذا إلى نسخ حكم حبس الزّواني في البيوت الوارد\nفي قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النّساء: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>٣ - أن يعرف تاريخ المتقدّم والمتأخّر</span>.\nفالمتأخّر في تشريعه ناسخ للمتقدّم، كما هو الشّأن في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.\nوممّا يفيد في هذا تمييز المتقدّم في نزوله بمعرفة المكّيّ والمدنيّ.\nكما أنّ ممّا ينبغي أن يستفاد ممّا يتّصل بالنّسخ في السّنّة: أنّ ما وجدناه من الأحكام غير معلوم التّاريخ معارضا لأحكام جاءت في حجّة الوداع أو بعدها إلى وفاة النّبيّ ﷺ، فما جاء من تلك الأحكام في الحجّة أو بعدها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣١٣، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٠) ومسلم (رقم:\n١٦٩٠) وأبو داود (رقم: ٤٤١٥، ٤٤١٦) والتّرمذيّ (رقم: ١٤٣٤) والنّسائيّ في «الكبرى» (رقم: ٧١٤٣، ٧١٤٤) وابن ماجة (رقم: ٢٥٥٠) والدّارميّ (رقم:\n٢٢٤١) من طريق الحسن البصريّ، عن حطّان بن عبد الله، عن عبادة بن الصّامت، عن النّبيّ ﷺ، به.\nقال التّرمذيّ: «حديث صحيح». قلت: وقع في إسناده عند ابن ماجة خطأ.","vol":"1","page":257},{"text":"ناسخ لما لم يعلم تاريخه؛ لأنّا نعلم أنّ تلك الشّرائع ممّا قد ختم به الدّين.\nوإليك مثالين على ذلك:\nالأوّل: حكم الشّرب قائما.\nصحّ نهي رسول الله ﷺ عن الشّرب قائما من وجوه، منها:\nحديث أبي سعيد الخدريّ وأنس بن مالك ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ زجر عن الشّرب قائما (١).\nوجاء الفعل النّبويّ على خلافه في حجّة الوداع، فعن ابن عبّاس ﵄، قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم (٢).\nفهذا الحديث يزيل أثر النّهي عن الشّرب قائما.\nوالثّاني: صلاة المأمومين قياما والإمام قاعد.\nفعن أنس بن مالك، ﵁: أنّ رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة (٣) له\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه من حديث أبي سعيد: أحمد (١٧/ ٣٧٩ رقم: ١١٢٧٨، و١٨/ ٧٥ رقم: ١١٥٠٩) ومسلم (رقم: ٢٠٢٥). وعن أنس كذلك عند أحمد (٢٠/ ٣٥٣ رقم: ١٣٠٦٢، و٢١/ ٢٢٤، ٤٧٠ رقم: ١٣٦١٨، ١٤١٠٥) ومسلم (رقم: ٢٠٢٤).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٥٥٦، ٥٢٩٤) ومسلم (رقم: ٢٠٢٧).\n(٣) آلى من نسائه: حلف لا يأتيهنّ، والمشربة: الغرفة.","vol":"1","page":258},{"text":"درجتها من\nجذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالسا وهم قيام، فلمّا سلّم قال: «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلّى قائما فصلّوا قياما» (١).\nقال الحميديّ في هذا الحديث: هو في مرضه القديم، ثمّ صلّى بعد ذلك النّبيّ ﷺ جالسا والنّاس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنّما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النّبيّ ﷺ (٢).\nعنى صلاته ﷺ بالنّاس في مرضه الّذي مات فيه، حين صلّى\nقاعدا، وأبو بكر ﵁ يأتمّ به قائما، والنّاس يأتمّون بأبي بكر قياما (٣).\nولا ينبغي أن يكون مجرّد تأخّر إسلام الصّحابيّ راوي الحديث طريقا لتمييز التّقدّم والتّأخّر في النّسخ؛ لأنّ الصّحابة كان يحدّث بعضهم بعضا، إلّا أن يأتي في الرّوايتين دليل آخر يدلّ على ذلك.\n...\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٧١ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٤١١).\n(٢) ذكره عنه البخاريّ في «صحيحه» (١/ ٢٤٥)، والحميديّ هو أبو بكر عبد الله بن الزّبير، أحد أعيان الأئمّة، وصاحب «المسند»، ومن كبار شيوخ البخاريّ.\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٦٥٥ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٤١٨) من حديث عائشة.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الفصل الثالث: أنواع النسخ في القرآن</span>\nالنّسخ في القرآن من جهة الإبقاء على الآية في كتاب الله مع إسقاط التّكليف بالحكم الّذي دلّت عليه، أو إسقاط تلاوتها دون الحكم، أو نسخها كلّيّا فلا يبقى منها إلّا الخبر عنها، ينحصر الكلام فيه في أنواع ثلاثة، بيانها في المباحث التّالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المبحث الأول: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة</span>\nمثاله: قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥]، نسخ بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النّور: ٢] كما ثبت ذلك عن ابن عبّاس ﵄ (١).\nوعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (رقم: ٤٤١٣) من طريق يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس. وإسناده حسن.","vol":"1","page":260},{"text":"ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم» (١).\nوهذا النّوع من النّسخ فرض على الفقيه تمييزه في نصوص الكتاب والسّنّة، ذلك لما له من الأثر في الأحكام العمليّة، وهو الّذي اجتهد المصنّفون في باب النّسخ في تتبّعه وجمعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المبحث الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم</span>\nوهذا النّوع قليل الوجود في النّصوص المنقولة إلينا، وثبوت حكمه مع نسخ تلاوته إنّما عرف عن طريق النّقل الثّابت.\nومن أمثلته ما يلي:\n١ - عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال:\nإنّ الله بعث محمّدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها (وفي رواية: وقد قرأتها: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة)، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، (وفي رواية: ولولا أن يقولوا: أثبت في كتاب الله ما ليس فيه، لأثبتّها كما أنزلت)، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: والله، ما نجد آية الرّجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة\nأنزلها الله، والرّجم في كتاب الله\n_________\n(١) حديث صحيح. تقدّم تخريجه (ص: ٢٥٧).","vol":"1","page":261},{"text":"حقّ على من زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف (١).\n٢ - وعن عمر بن الخطّاب كذلك، قال:\nثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو: إنّ كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم (٢).\n٣ - وعن زيد بن أرقم، قال:\nلقد كنّا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ: لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضّة لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب (٣).\n٤ - وعن أبيّ بن كعب:\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه، والرّواية الأخرى لابن ماجة، والثّانية لأحمد والنّسائيّ. وتقدّم تخريجه (ص: ١٧٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٦٤٤٢)، وهو جزء من حديثه في قصّة الرّجم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣٢/ ٣١ رقم: ١٩٢٨٠) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٢٣) والبزّار (رقم: ٣٦٣٩ - كشف الأستار) والطّبرانيّ في «الكبير» (٥/ ٢٠٧ رقم: ٥٠٣٢) من طرق عن يوسف بن صهيب، قال: حدّثني حبيب بن يسار، عن زيد، به. قلت: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":262},{"text":"أنّ رسول الله ﷺ قال له: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك، فقرأ عليه: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، فقرأ فيها: إنّ ذات الدّين عند الله الحنيفيّة المسلمة، لا اليهوديّة ولا النّصرانيّة، من يعمل\nخيرا فلن يكفره. وقرأ عليه: ولو أنّ لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له ثانيا لابتغى إليه ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب (١).\nومن هذا القبيل ما حدّث به أنس بن مالك، ﵁، قال:\nأنزل الله ﷿ في الّذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه، حتّى نسخ بعد: أن بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربّنا، فرضي عنّا ورضينا عنه (٢).\n_________\n(١) حديث جيّد الإسناد. أخرجه الطّيالسيّ (رقم: ٥٣٩) وأحمد (٥/ ١٣١) والتّرمذيّ (رقم: ٣٨٩٨) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ١٣٢) وأبو نعيم في «الحلية» (رقم: ٥٢٧٢) والحاكم (رقم: ٢٨٨٩) والضّياء في «المختارة» (رقم:\n١١٦٢، ١١٦٣) من طرق عن شعبة بن الحجّاج، عن عاصم، قال: سمعت زرّ بن حبيش يحدّث، عن أبيّ، به.\nقلت: عاصم هذا هو ابن أبي النّجود، مقرئ صدوق جيّد الحديث. وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح»، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٢٦٤٧ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٦٧٧).\nوبئر معونة موضع بين مكّة والمدينة، قتل عنده المشركون سريّة من أصحاب النّبيّ ﷺ عدّتهم سبعون رجلا من قرّاء القرآن، كما جاء في روايات حديث أنس هذا.","vol":"1","page":263},{"text":"فهذه فضيلة لا ينسخ حكمها، إنّما النّسخ رفع تلاوتها من القرآن.\nوالأخبار المثبتة لوقوع هذا النّوع من النّسخ أكثر من هذا، وهذا الّذي ذكرت من أثبته إسنادا وأحسنه.\nواعلم أنّ تسمية هذا نسخا من جهة كونه قد رفع، فهو إطلاق لفظ (النّسخ) على مجرّد الرّفع.\nومن النّاس من ذهب إلى ردّ وجود هذا النّوع من النّسخ، وتعرّض لبعض الأحاديث الواردة بذلك بالتّضعيف، ولأخرى بالتّأويل، ولم يتعرّض لطائفة أخرى منها وهي ثابتة صريحة، كهذا الّذي ذكرت، والصّواب ما بيّنت من ثبوت هذا النّوع من النّسخ، واندراجه تحت القول بصحّة النّسخ، وهذا أبعد عن طريق ردّ الصّحيح الثّابت بغير حجّة مع إمكان حمله على معنى صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المبحث الثالث: نسخ التلاوة والحكم</span>\nوهو نوعان:\nالأوّل: ما بلغنا لفظه أو موضوعه، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن بخمس معلومات (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. تقدّم تخريجه (ص: ١٧٤).","vol":"1","page":264},{"text":"والثّاني: ما بلغنا مجرّد الخبر عنه ورفع منه كلّ شيء، كما في حديث زرّ بن حبيش قال: قال لي أبيّ بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأيّن تعدّها؟ قال: قلت له: ثلاثا وسبعين آية، فقال:\nقطّ؟ لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة (١).\nكما تقدّم في هذا المعنى حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف (٢).\nهذان النّوعان يندرجان عند أهل العلم تحت (النّسخ)؛ لأنّ ذلك قد أزيل ورفع بعد ما أنزل، وعند طائفة تحت (الإنساء)، والأمر في ذلك قريب، فهذه الآيات أنزلت ثمّ رفعت، فهي منسوخة، وهي منسأة (٣).\n...\n_________\n(١) حديث صحيح. تقدّم تخريجه (ص: ١٧٨ - ١٧٩).\n(٢) تقدّم سياقه في هذه المقدّمة (ص: ٢٢٠ - ٢٢١).\n(٣) وانظر: «الإحكام» لابن حزم (٤/ ٦١ - ٦٢).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفصل الرابع: مسائل في النسخ</span>\nوالمقصود بهذا الفصل ذكر قضايا متمّمة لهذه المقدّمة، غير ما تقدّم:\nالمسألة الأولى: لا مانع من وقوع نسخ الحكم مرّتين، وذلك بنفس الدّليل الّذي صحّ لنا به وقوع النّسخ مرّة، ولنفس المقاصد والحكم الّتي نبّهنا عليها.\nومثاله ما تقدّم ذكره في شأن الصّوم، حيث فرض أوّلا صوم يوم عاشوراء، ثمّ نسخ بفرض صوم رمضان أو الفدية، ثمّ نسخ خيار الفدية، فهذه ثلاث شرائع توالت على هذه الفريضة (١).\nالمسألة الثّانية: ما يأتي من شرائع الله تعالى مذكورا في كتابه أو سنّة رسوله ﷺ عمّن قبلنا من الأمم، فهو شرع لنا غير منسوخ، إنّما المنسوخ منه ما قام في شرعنا دليل على خلافه.\nعلى هذا قول كثير من الفقهاء، كالإمام مالك وجمهور أصحابه،\nوبعض الحنفيّة والشّافعيّة، وهو الأصحّ عن الإمام أحمد بن حنبل (٢).\nوالدّليل عليه قوله تعالى لنبيّه ﷺ بعد ذكر الأنبياء قبله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].\n_________\n(١) انظر ما تقدّم (ص: ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(٢) الإحكام، للباجي (ص: ٣٢٧ - ٣٢٨)، المسوّدة، لآل تيميّة (ص: ١٧٤).","vol":"1","page":266},{"text":"وبهذا استدلّ ابن عبّاس لسجود النّبيّ ﷺ في سورة ص:\nفعن العوّام بن حوشب، قال: سألت مجاهدا عن السّجدة الّتي في ص؟ فقال: نعم، سألت عنها ابن عبّاس؟ فقال: أتقرأ هذه الآية: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ، وفي آخرها: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ؟ قال: أمر نبيّكم ﷺ أن يقتدي بداود (١).\nواعلم أنّ الّذي يكون شرعا لنا من ذلك فليس هو ما ورد في كتب أهل الكتاب الّتي بين أيديهم وأخبارهم الّتي يروونها، وإنّما الّذي جاءنا عنهم في القرآن وصحيح السّنّة (٢)، وذلك لما طرأ على ما عندهم من التّبديل.\nالمسألة الثّالثة: معرفة النّاسخ والمنسوخ شرط للكلام في الحلال والحرام وشرائع الإسلام.\nقال الشّافعيّ ﵀: «ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحدا إلّا متى يجمع أن يكون عالما علم الكتاب، وعلم ناسخه ومنسوخه، وخاصّه\nوعامّه، وأدبه، وعالما بسنن رسول الله ﷺ، وأقاويل أهل العلم قديما وحديثا، وعالما بلسان العرب، عاقلا، يميّز بين المشتبه، ويعقل القياس، فإن عدم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٢٣٩، ٤٥٢٨، ٤٥٢٩) وآخرون، كما بيّنت ذلك في كتابي «تحرير البيان في سجود القرآن» (رقم: ٤٦).\n(٢) إحكام الفصول، للباجيّ (ص: ٣٣٠ - ٣٣١)، كشف الأسرار، لعلاء الدّين البخاريّ (٣/ ٢١٣).","vol":"1","page":267},{"text":"واحدا من هذه الخصال لم يحلّ له أن يقول قياسا» (١).\nوذكر عن القاضي يحيى بن أكثم قال: «ليس من العلوم كلّها علم هو أوجب على العلماء وعلى المتعلّمين وكافّة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ لأنّ الأخذ بناسخه واجب فرضا، والعلم به لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهى إليه، فالواجب على كلّ عالم علم ذلك؛ لئلّا يوجب على نفسه أو على عباد الله أمرا لم يوجبه الله ﷿، أو يضع عنه فرضا أوجبه الله ﷿» (٢).\nوصحّ عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ: أنّ عليّ بن أبي طالب مرّ بقاصّ يقصّ (٣)، فقال: هل علمت النّاسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال:\nهلكت وأهلكت (٤).\nوعن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: إنّما يفتي النّاس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه. قالوا: ومن ذاك؟\nقال: عمر بن\n_________\n(١) الأم، للشّافعيّ (١٥/ ١٢٩).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ (رقم: ١٤١٦).\n(٣) أي: واعظ يعظ.\n(٤) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٧٤٦) وأبو عبيد في «النّاسخ والمنسوخ» (رقم: ١) والنّحّاس في «النّاسخ والمنسوخ» (ص: ٤٨ - ٤٩) والبيهقيّ (١٠/ ١١٧) من طريق أبي حصين عثمان بن عاصم الأسديّ، عن أبي عبد الرّحمن، به.\nقلت: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":268},{"text":"الخطّاب، قال: وأمير لا يجد بدّا، أو أحمق متكلّف.\nوقد حدّث محمّد بن سيرين بهذا، ثمّ قال: فلست بواحد من هذين، وأرجو أن لا أكون الثّالث (١).\nالمسألة الرّابعة: مع ضرورة معرفة النّاسخ والمنسوخ للفقيه، إلّا أنّه لا يظنّ كثرة وجود ذلك في أدلّة التّشريع (٢).\nوقد حرّرت في جمعه كتب، من أحسنها كتاب الحافظ أبي الفرج ابن الجوزيّ المسمّى (نواسخ القرآن)، فقد أتى فيه على ما قيل هو منسوخ، وشرحه وبيّنه، وميّز ما ثبت فيه النّسخ منه وهو قليل جدّا، وأظهر فساد دعوى النّسخ في أكثر ذلك.\nوكانت طائفة من المفسّرين قد سلكت مسلكا في غاية الفساد في هذا الباب، فصاروا إلى ادّعاء النّسخ في آيات كثيرة تجاوزت عند بعضهم المائتين، أكثرها ممّا تسلّطوا عليه بسيف النّسخ ما زعموا نسخه بآية السّيف، وهو جرأة منهم مذمومة.\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه الدّارميّ في «مسنده» (رقم: ١٧٦) وابن الجوزيّ في «نواسخ القرآن» (ص: ١٠٨ - ١٠٩) من طريق أبي أسامة حمّاد بن أسامة، عن هشام بن حسّان، عن محمّد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن حذيفة، به.\nقلت: وإسناده حسن.\n(٢) انظر: «الموافقات» للشّاطبي (٣/ ١٠٥).","vol":"1","page":269},{"text":"فأتوا على كلّ آية فيها الأمر أو معناه بالإعراض عن المشركين والجاهلين والصّبر والعفو فقالوا: هذه منسوخة بآية السّيف، يعنون آية الأمر بالقتال للمشركين أو أهل الكتاب، وذلك قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية [التّوبة: ٥]، أو قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية [التّوبة: ٢٩].\nوتوسّعوا حتّى ادّعوا النّسخ على الأخبار الّتي لا ينسخ مثلها، مثل قول بعضهم: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] منسوخ بفرض الزّكاة. وهذا من أفسد شيء يكون، فهذه صفة مدح ذكرها الله للمؤمنين وأخبر بها عنهم، وهم ينفقون قبل فرض الزّكاة وبعد فرضها، والزّكاة المفروضة من ذلك وليست ضدّه ليقال: هاهنا نسخ.\nومن تلك الكتب الّتي هي أجدر بالإتلاف والإزالة منها بالتّداول والنّشر: كتاب «النّاسخ والمنسوخ» لمحمّد بن حزم، ومثله لهبة الله بن سلامة، وكتاب مرعيّ الكرميّ، فهذه وشبهها كتب بالخطإ والقول على الله بغير علم ألصق منها بالعلم والهدى.\nوبمثلها اغترّت طائفة من المتأخّرين فاستعظموا ما ذكر هؤلاء لما رأوا فيه من إبطال المحكمات، فأنكروا النّسخ أصلا بقصد حسن، هو الذّبّ عن القرآن العظيم، كما تسلّط بصنيع هؤلاء المستشرقون الحاقدون على الإسلام، فطعنوا على القرآن بذلك.","vol":"1","page":270},{"text":"فكن على حذر من التّقليد في هذا الباب دون تحقيق، ولاحظ انطباق شروط النّسخ قبل القول به توق بذلك الزّلل فيه.\nالمسألة الخامسة: الأمّة متعبّدة بجميع نصوص الكتاب والسّنّة الثّابتة، إلّا ما ثبت نسخه، ولا يجوز التّوقّف عن العمل بنصّ خوفا أن يكون منسوخا؛ فإنّ الأصل فرض العمل بجميع ما أنزل الله على رسوله ﷺ: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣]، وهذا يقين لا يحلّ تركه إلّا بيقين مثله.\nومن عمل بالمنسوخ وترك النّاسخ وهو لا يعلم فلا حرج عليه، إذ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها (١)، وإنّما يلزمه التّحوّل إلى العمل بالنّاسخ ساعة علمه به، كما وقع لأهل قباء حين نسخت القبلة (٢).\n...\n_________\n(١) الإحكام، لابن حزم (٤/ ١١٦)، التّلخيص، للجويني (٢/ ٥٣٨ - ٥٤٠).\n(٢) أخرج ذلك البخاريّ (رقم: ٣٩٥ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٥٢٦) من حديث عبد الله بن عمر.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الفصل الخامس: شبهات حول النسخ ودحضها</span>\nعلمت أنّ القول بإثبات النّسخ ووقوعه في كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ، هو الّذي كان عليه سلف الأمّة وأئمّتها، وذلك بدلالة الكتاب والسّنّة، وتقدّم من البراهين على ذلك ما فيه الكفاية، وأنّ القول بنفي وجود النّسخ مذهب شاذّ ظهر متأخّرا، ثمّ لا يكاد يذكر في أهل الإسلام على مرّ العصور إلّا عن نفر قليل.\nويعود هذا المذهب إلى شبهات تعلّق كلّ قائل بشيء منها، ولا يهمّنا ما شبّه به اليهود وأصحاب الضّلالة من الكفّار، إنّما يجدر التّنبيه على طرف تعلّق به الأفراد الّذين أنكروا النّسخ من أهل الإسلام كبعض أهل زماننا، حسبوها غيرة على القرآن؛ لأنّ طريقة المكثرين من مدّعي النّسخ قد آذتهم، ونحن نوافقهم في دفع الغلوّ في دعوى النّسخ، ولكنّنا ننكر عليهم المصير إلى جحد النّسخ؛ لأنّ ذلك إذا سلم لهم بالتّحريف لتفسير آية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو آية وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً، فإنّه لا مفرّ من صحيح السّنن المتواترة عن عهد النّبوّة، وقد سبق ذكر كثير منها في تفاريع موضوع النّسخ، وتركنا منها غيرها ممّا يتعلّق\nبوقائع النّسخ؛ لأنّه ليس من موضوع هذه المقدّمة استيعاب ما وقع فيه النّسخ من القرآن.\nفمن جحد النّسخ ممّن أشرت إليه فهو ممّن لا خبرة له بالسّنن","vol":"1","page":272},{"text":"ولا اشتغال بتمييز صحيحها من سقيمها، ففسّر القرآن بمجرّد رأيه فزلّت قدمه، وجحد معلوما.\nوخذ طرفا ممّا شبّه به هؤلاء ملحقا ببيان فساده، ومن قولهم طرف مدرك الفساد ممّا تقدّم، وطرف بيّن الضّعف أعرضت عنه:\nالشّبهة الأولى: القول بالنّسخ يوجب إبطال بعض القرآن، وهذا خلاف قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، والمعنى: أنّ نصوص القرآن وأحكامه لا تبطل أبدا.\nولعلّ هذه الشّبهة أقدم ما اعترض به على موضوع النّسخ.\nوأقول: هذا اعتراض بفهم لا بنصّ، يوجب إبطال جميع ما تقدّم ذكره من أدلّة إثبات النّسخ ووقائعه، وكان الأولى بقائله أن يفهم الآية على معنى يتلاءم مع تلك الأدلّة بدلا من العدو عليها بالإبطال، فيصير إلى ما فرّ منه.\nالآية نفت الباطل عن كتاب الله وآياته، وليس من ذلك النّاسخ والمنسوخ، فكلاهما حقّ، لا يوصفان بالباطل، إنّما الباطل ما يكون من قبل الخلق لا من قبل ربّ العالمين، تعالى وتقدّس، ولا يزعم قائل بالنّسخ أنّ النّسخ يجوز بغير ما أنزل الله.\nفالتّعلّق بهذه الآية لنفي النّسخ اعتداء على القرآن، وتنزيل له على غير مواضعه، فإنّ الله حين نفى تطرّق الباطل لكلامه من جهة من\nالجهات، علّل ذلك بكونه تنزيله ووحيه، وما النّاسخ والمنسوخ إلّا من ذلك، فهو","vol":"1","page":273},{"text":"حقّ أبدل بحقّ لحكمة، وهو قبل النّسخ وبعده كلام الله الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، كما قال: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النّحل: ١٠١ - ١٠٢].\nالشّبهة الثّانية: قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الإسراء: ٨٦ - ٨٧].\nتعلّقت بهذا طائفة أنكرت منسوخ التّلاوة، قالوا: في الآية دليل أنّ الله لم ينس نبيّه ﷺ شيئا ممّا أوحاه إليه؛ لأنّه لو وقع فهو ذهاب بما أوحى إليه.\nوأقول: هذا تعلّق أوهى من سابقه، مردود بقوله تعالى:\nسَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، وبما ثبت من الأخبار الصّحاح أنّ الله تعالى أنزل قرآنا ثمّ رفعه.\nوصحّ من حديث عبد الرّحمن بن أبزى: أنّ النّبيّ ﷺ صلّى في الفجر، فترك آية، فلمّا صلّى قال: «أفي القوم أبيّ بن كعب؟»، قال أبيّ: يا رسول الله، نسخت آية كذا وكذا أو نسّيتها؟ قال: «نسّيتها» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٤/ ٨٠ رقم: ١٥٣٦٥) والبخاريّ في «القراءة وراء الإمام» (رقم: ١٢٩) والنّسائيّ في «فضائل الصّحابة» (رقم: ١٣٦) وابن خزيمة (رقم: ١٦٤٧) من طريق سفيان الثّوريّ، حدّثنا سلمة بن كهيل، عن ذرّ، عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى، عن أبيه، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح. وروي بإسناد سفيان بزيادة (عن أبيّ) في آخره، ولا أثر لذلك، وذرّ هو ابن عبد الله المرهبيّ.","vol":"1","page":274},{"text":"ففي هذا زيادة على ما تقدّم ذكره في هذه المقدّمة تؤكّد أنّ رفع الآية بعد إنزالها كان أمرا معلوما على عهد التّنزيل، وأنّه يقع لرسول الله ﷺ.\nوأمّا المعنى في هذه الآية، فكما قال ابن جرير: «إنّه جلّ ثناؤه لم يخبر أنّه لا يذهب بشيء منه، وإنّما أخبر أنّه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنّما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أنّ ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله تعالى ذكره: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ٦ إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، فأخبر أنّه ينسي نبيّه منه ما شاء، فالّذي ذهب منه الّذي استثناه الله» (١).\nالشّبهة الثّالثة: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩]، قالت طائفة: لم ينزل على النّبيّ ﷺ قرآن إلّا ما بين اللّوحين؛ لهذه الآية،\nفأنكروا منسوخ التّلاوة.\nوأقول: إنّما يصحّ هذا لو ادّعى أحد النّسخ بغير ما أنزل الله، أو جوّزه بعد عهد التّنزيل، ولا يقول بهذا أحد، والله تعالى قد حفظ القرآن من أن يرد عليه تبديل أو تغيير حتّى من جهة نبيه ﷺ، أمّا هو سبحانه فإنّه يفعل ما يشاء، كما قال: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: ١٥].\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (١/ ٤٧٩).","vol":"1","page":275},{"text":"الشّبهة الرّابعة: أنكرت طائفة منسوخ التّلاوة بزعمهم أنّه لم يأت إلّا من طريق روايات آحاد، وهذا الفريق لا ينكر مبدأ النّسخ أصلا، إنّما ينكر هذا النّوع خاصّة بهذه الدّعوى.\nوجواب ذلك: أنّ الأحاديث المنقولة في هذا قد استفاضت بالأسانيد الصّحيحة، وكثرتها على طريقة طائفة من أهل العلم يثبت بها التّواتر، مثل آية الرّجم.\nفإذا ضممت إلى ذلك السّلامة من الدّليل المعارض لم يحلّ إلّا تصديق تلك الأخبار والإيمان بمقتضاها.\nوالعجب أنّ أصحاب هذه الدّعوى يصيرون إلى ما دون خبر الواحد الصّحيح في كثير من استدلالهم ممّا يوافق أهواءهم، فإذا جاء ما لا يأتي على مرادهم قالوا: (خبر واحد)، كما أنّ الخلق الأعظم منهم- كما أسلفت- لا خبرة له بالحديث، فيطّلع في المسألة على الحديث الفرد ويفوته سائر ما جاء فيها، بل ربّما فاته من ذلك الصّحيح الثّابت ولم يقف إلّا على الضّعيف الواهي.\nوالواجب على العالم الانتهاء إلى السّنن الثّابتة، فهو خير من رأي هؤلاء وإن شبّهوا له بالقرآن، فإنّ الآية قد يحتمل لفظها المعاني، فتأتي السّنن الثّابتة على إزالة الاشتباه وتحرير المراد.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المقدمة الخامسة تفسير القرآن</span>\nالفصل الأول: معنى التفسير وحكمه الفصل الثاني: المنهج في التفسير الفصل الثالث: تاريخ التفسير الفصل الرابع: نقد مناهج التفسير الفصل الخامس: قواعد التفسير***","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الفصل الأول: معنى التفسير وحكمه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث الأول: معنى التفسير</span>\nالتّفسير في اللّغة: تفعيل من الفسر، ومعناه: الإبانة والكشف.\nواصطلاحا: علم يفهم به القرآن؛ بمعرفة معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وعظاته وعبره.\nوكان السّلف يسمّونه (علم التأويل).\nوهو الّذي دعا به النّبيّ ﷺ لابن عمّه عبد الله بن عبّاس، ﵄، بقوله: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل» (١).\nوهو الّذي أراده الإمام المفسّر ابن جرير الطّبريّ حين سمّى كتابه في التّفسير «جامع البيان عن تأويل آي القرآن».\nوهذا غير التّأويل في عرف المتأخّرين، فهؤلاء عرّفوه بقولهم: التّأويل صرف اللّفظ عن المعنى الرّاجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.\nوالتّفسير بالنّظر إلى ما يحتاجه نصّ القرآن من البيان أنواع، يوضّحها ما روي عن ابن عبّاس، قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. يأتي تخريجه قريبا (ص: ٣١٥).","vol":"1","page":279},{"text":"التّفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلّا الله (١).\nوهذه الجملة بيانها كما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١ - التّفسير الّذي تعرفه العرب من كلامها</span>.\nهذا سبيله معرفة استعمال العرب للألفاظ والتّراكيب، قال ابن جرير: «إمّا بالشّواهد من أشعارهم السّائرة، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة» (٢).\nوهو مشروط بأن «لا يكون خارجا عن أقوال السّلف من الصّحابة والأئمّة والخلف من التّابعين وعلماء الأمّة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٢ - التّفسير الّذي لا يعذر أحد بجهالته</span>.\nوالمراد به ما هو بيّن بنفسه، يفهمه التّالي دون الحاجة إلى تفسير، وهذا هو الأصل؛ لأنّ أكثر القرآن يعود إليه.\nولأجله صحّ الأمر بالتّدبّر، كما قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ٢٩ [ص: ٢٩]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (١/ ٣٤) من طريق أبي الزّناد، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده منقطع، أبو الزّناد اسمه عبد الله بن ذكوان، تابعيّ صغير لم يدرك ابن عبّاس، لكن هذه القسمة حسنة في نفسها، وإن لم نجزم بصحّتها عن ابن عبّاس.\n(٢) تفسير ابن جرير (١/ ٤١).\n(٣) كالّذي قبله.","vol":"1","page":280},{"text":"الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ [محمّد: ٢٤]، وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧ [القمر: ١٧]، ولو كان أكثره من سائر الأقسام لما جاز معه أن يتوجّه الخطاب في هذه الآيات وشبهها إلى جميع المكلّفين، إذ لا يؤمر الجميع بتدبّر ما يتوقّف معرفة معناه على علم الخاصّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>٣ - التّفسير الّذي يعلمه العلماء</span>.\nوهو ما يتعدّى فهمه ومعرفته الدّلالة القريبة من الألفاظ ممّا يشترك فيه الخاصّة والعامّة، ويتوقّف على تحصيل مقدّمات من الدّراية والعلم والآلة، ممّا سنأتي على بيانه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>٤ - التّفسير الّذي لا يعلمه إلّا الله</span>.\nيراد به متشابه القرآن الّذي مهما أعملت فيه العقول فإنّها لا تصل إلى حقيقته، وذلك مثل ما أخبر عنه القرآن من الغيوب، كالخبر عن الله ﷿ وأسمائه وصفاته كعلمه وتقديره وتدبيره، فنحن ندرك معاني الألفاظ التي ورد بها القرآن في ذلك، كما نميّز الفرق بينها من خلال اختلاف دلالاتها في اللّسان، كالفرق بين السّمع والبصر، وندرك أثر ذلك في العبوديّة لله، فنعلم أنّ الله يسمع سرّنا ونجوانا، ولا تحول الحجب دون رؤيته، لكنّا لا ندري كيف يسمع وكيف يبصر، كما لا نعلم كيف هو ﵎، إذ لا مثال يقاس به، ولا فكر يحيط به وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، و(ما خطر ببالك، فليس الله كذلك)، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ","vol":"1","page":281},{"text":"السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١].\nفتفسيرنا لذلك لا يتجاوز معنى اللّفظ وتمييز الفرق بينه وبين سواه باستعمال العرب مع تنزيه الربّ عن مشابهة الخلق، دون تجاوز.\nومثله تفسير وقت قيام السّاعة، أو تعيين أوقات ظهور الآيات، كطلوع الشّمس من مغربها، والدّابّة.\nفالخوض في ذلك خوض فيما لا منفعة فيه، والسّعي وراءه سعي وراء سراب، بل قد يصير بصاحبه إلى الخروج عن الصّراط المستقيم، كما وقع من طوائف أخطأت في أبواب الصّفات والقدر واليوم الآخر وغيرها.\nوهذا ما يشير إليه القرآن في قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧].\nكما صحّ من حديث عائشة، ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ (فذكرت الآية إلى آخرها)، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم» (١).\n_________\n(١) متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٧٣) ومسلم (رقم: ٢٦٦٥).","vol":"1","page":282},{"text":"ويلاحظ دلالة الآية على قلّة ما فيه التّشابه من آي الكتاب ممّا لا يعلم تأويله إلّا الله، وجعل أمّ الكتاب أي معظمه محكمات تدرك معانيها، وينبني عليها عمل.\nواعلم أنّ الابتلاء بالمتشابهات إنّما هو لاختبار الإيمان والتّصديق، ولذا قال سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وهذا هو قدر التّكليف الّذي يتّصل بها.\nويتّجه أن يكون من ذلك الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور، فإنّه لم يوقف على حقيقة المراد بها، وخوض من خاض في تفسيرها تكلّف ليس وراءه كبير منفعة، غاية ما يقال كرأي كثيرين: إنّها للتّنبيه على عربيّة هذا القرآن، حيث جاء نظمه مؤتلفا من حروف كلامهم، ولذا يأتي في أكثر المواضع ذكر الكتاب بعدها.\nونفت طائفة أن يكون في القرآن ما لا سبيل إلى العلم به، قالوا:\nلأنّ الله أنزل هذا القرآن للتّدبّر، فكيف يقع فيه ما يستأثر الله بعلمه؟\nوالصّواب أنّه لا منافاة بين التّدبّر وإدراك معنى اللّفظ ودلالته بل وبناء الاعتقاد أو العمل على مقتضاه، وبين تعذّر إحاطة العلم بذلك، فإنّ الله تعالى قد عرّفنا بنفسه في كتابه وسنّة نبيّه ﷺ بما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، وما أمرنا بتدبّره من آياته وآثار أفعاله، مع احتجابه عنّا، فعرفناه وآمنّا به دون أن نحيط به علما، ولم يكن ممّا أراد منّا في خطابه أن نتتبّع ما لا","vol":"1","page":283},{"text":"ندرك من صفته، إنّما أراد أن ندرك من خطابه ما يتعلّق به التّكليف، فينبني عليه الاعتقاد أو العمل، وليس من القرآن شيء لا يرتبط به اعتقاد أو عمل، حتّى ما اشتبه ولم نحط به علما، ألم تر قول الرّاسخين في العلم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>تنبيه:</span>\n(المتشابه) وصف أطلقه الله تعالى على القرآن كلّه، وذلك في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا [الزّمر: ٢٣]، ومعناه هنا\nغير الّذي سبق، وهو ما يشبه بعضه بعضا، ويصدّق بعضه بعضا، لا اختلاف فيه ولا تضادّ.\nكما أطلق لفظ (المتشابه) على الآيات الّتي تتشابه ألفاظها في المواضع المختلفة في القرآن، واعتنت به طائفة وصنّفوا فيه، مثاله:\nوَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ في البقرة [الآية: ١٧٣]، ولِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ في سائر المواضع [المائدة: ٣، الأنعام: ١٤٥، النحل: ١١٥]، ومثل: جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ في الأنعام [الآية: ١٦٥]، وخَلائِفَ فِي الْأَرْضِ في موضعين [يونس: ١٤، فاطر: ٣٩]، ومثل: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة: ٦٠]، وفَانْبَجَسَتْ في الأعراف [الآية: ١٦٠].\nومن فائدته تمييز الفروق لملاحظة ما يقع فيها من الدّلائل، وتيسير حفظ القرآن.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الثاني: حكم التفسير</span>\nحكم تفسير القرآن على أساس قسمة الوجوه الأربعة السّابقة، كما يأتي:\nفأمّا الوجهان الأوّل والثّالث، فالاشتغال بهما فرض كفاية، لا بدّ أن يكون في الأمّة في كلّ زمان من يحقّق لها الكفاية فيه.\nأمّا الأوّل فإنّ لسان العرب في استعمالها الألفاظ أو معرفة مرادها بها، لا سبيل إليه إلّا بأن يوجد في الأمّة ما يحفظ ومن يحفظ عليها ذلك، والتّفريط فيه تضييع لأصل عظيم لفهم القرآن.\nوأمّا الثّالث، فإنّ الحاجة إلى تبيين مراد الله تعالى بأمره ونهيه في كتابه، يوجب على الأمّة أن يكون فيها متخصّصون في معرفة الكتاب، يتقنون آلة الفهم، ويحسنون استعمالها؛ وذلك للوقوف على شرائع دين الإسلام، ودلالة الخلق عليه، ووقايتهم من الخوض في القرآن بغير علم.\nوأصل هذا قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التّوبة: ١٢٢].\nكذلك ما أخذ الله على أهل العلم من الميثاق في بيان العلم، كما قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وقال ﷿: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩].","vol":"1","page":285},{"text":"وأمّا الوجه الثّاني، وهو تدبّر القرآن، فإنّ الله تعالى أمر به جميع المكلّفين، كلّا بحسب ما آتاه الله، كما سبق ذكر بعض الأدلّة فيه.\nوأمّا حكم تفسير ما استأثر الله بعلمه، فهو المنع والتّحريم، لاندراجه تحت قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، وقوله ﷿: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٢]، وسائر النّصوص المانعة من الكلام في الدّين بغير علم، كذلك أصحابه موصوفون بالزّيغ، كما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>حكم التفسير بالرأي:</span>\nالاجتهاد من قبل أهل العلم في تفسير القرآن واجب، كما تقدّم،\nوالاجتهاد إظهار للرّأي في تفسير الآية، لكن شتّان ما بين مجتهد بذل غاية وسعه، وهو أهل لذلك: قد ملك الآلة، وأتى الأمر من بابه، وبين متكلّف قد صرّفته الأهواء كيف شاءت، فاستنّ بسنّة من سبق من أهل الضّلالة في التّحريف والتّبديل، أو تكلّف متعجّلا فتكلّم في القرآن دون رويّة.\nفهذان صنفان، كلاهما تكلّم بالرّأي، لكنّ الأوّل محمود مأجور، والثّاني مذموم موزور.\nوعلى هذا الثّاني يتنزّل ما ورد من ذمّ التّفسير بالرّأي وتحريمه؛ لأنّ هواه أو عدم تثبّته وتحرّيه يوقعه في أن يقول على الله غير الحقّ.","vol":"1","page":286},{"text":"وكان أئمّة الصّحابة والتّابعين على ما آتاهم الله من المكانة في العلم في غاية الاحتراز من الكلام في القرآن، إلّا ما بدا وجهه وظهرت حجّته، ومن الأثر فيه ما يلي:\n١ - عن أنس بن مالك:\nأنّه سمع عمر بن الخطّاب، ﵁، يقول: «فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ٣١ [عبس: ٢٧ - ٣١]، قال: فكلّ هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟ ثمّ نفض عصا كانت في يده، فقال: هذا لعمر الله التّكلّف، اتّبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب» (١).\n٢ - وعن مسروق بن الأجدع، قال:\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه الحاكم (رقم: ٣٨٩٧) وعنه: البيهقيّ في «شعب الإيمان» (رقم: ٢٢٨١) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أنّ أنسا، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وصالح هو ابن كيسان. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشّيخين».\nوأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٩٦) وسعيد بن منصور في «تفسيره» (رقم:\n٤٣) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٧٥) والحاكم، والبيهقيّ، من طريق حميد الطّويل عن أنس، به ببعض الاختصار. وإسناده صحيح.\nكذلك أخرجه ابن سعد في «الطّبقات» (٣/ ٣٢٧) والبخاريّ في «صحيحه» (رقم:\n٦٨٦٣) من طريق ثابت البنانيّ، عن أنس، واقتصر البخاريّ منه على النّهي عن التّكلّف.","vol":"1","page":287},{"text":"بينما رجل يحدّث في كندة (١)، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم كهيئة الزّكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود، وكان متّكئا (٢)، فغضب فجلس، فقال: «من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإنّ الله قال لنبيّه ﷺ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦]» (٣).\n٣ - وعن عبد الله بن أبي مليكة، قال:\nسأل رجل ابن عبّاس عن يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السّجدة: ٥]؟\nفقال ابن عبّاس: فما يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤]؟\nقال الرّجل: إنّما سألتك لتحدّثني، فقال ابن عبّاس: هما يومان\nذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم (٤).\n_________\n(١) كندة: قبيلة من أهل اليمن، تفرّقوا في البلاد، والمراد هنا: منازلهم بالكوفة.\n(٢) قال مسروق في رواية صحيحة الإسناد: إنّي تركت في المسجد رجلا يفسّر القرآن برأيه. أخرجها أحمد (رقم: ٣٦١٣).\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٤٩٦، ٤٥٣١، ٤٥٤٥) ومسلم (رقم: ٢٧٩٨).\n(٤) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٧٦) وابن جرير في «تفسيره» (٢٩/ ٧٢) والحاكم (رقم: ٨٨٠٣ وهو آخر حديث في: المستدرك) من طرق عن أيّوب السّختيانيّ، عن ابن أبي مليكة، به.\nقلت: وإسناده صحيح. وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط البخاريّ».","vol":"1","page":288},{"text":"٤ - وعن عبيد الله بن عمر، قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة وإنّهم ليعظّمون القول في التّفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمّد، وسعيد بن المسيّب، ونافع» (١).\n٥ - وكان مسروق بن الأجدع يقول: «اتّقوا التّفسير، فإنّما هو الرّواية عن الله ﷿» (٢).\n٦ - وكذلك قال عامر الشّعبيّ: «والله، ما من آية إلّا قد سألت عنها، ولكنّها الرّواية عن الله» (٣).\nوروي في تحريم تفسير القرآن بمجرّد الرّأي حديثان شائعان، لم أستدلّ بهما لضعفهما من جهة الرّواية، مستغنيا بما أوردت آنفا ممّا يحقّق المقصود، وإنّما أنبّه عليهما دفعا للتّعلّق بهما.\nالأوّل: ما روي عن عبد الله بن عبّاس، عن النّبيّ ﷺ قال: «من\nقال في القرآن بغير علم (وفي رواية: برأيه)؛ فليتبوّأ مقعده من النّار» (٤).\n_________\n(١) أثر صحيح الإسناد. أخرجه ابن جرير (١/ ٣٧).\nوهؤلاء المذكورون جميعا من فقهاء المدينة الّذين عليهم مدار الفتوى فيها بعد أصحاب النّبيّ ﷺ.\n(٢) أثر صحيح الإسناد. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣٧٧).\n(٣) أثر صحيح الإسناد. أخرجه ابن جرير (١/ ٣٨).\n(٤) أخرجه أحمد (رقم: ٢٠٦٩، ٢٤٢٩، ٢٩٧٤، ٣٠٢٤) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٥٠) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ١٠٩، ١١٠) وأبو يعلى (رقم: ٢٣٣٨، ٢٥٨٥، ٢٧٢١) وابن جرير (١/ ٣٤) والطّبرانيّ في «الكبير» (١٢/ رقم: ١٢٣٩٢) وغيرهم من طريق عبد الأعلى بن عامر الثّعلبيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس.\nقلت: وعبد الأعلى هذا ضعيف الحديث، ليس بالقويّ، ولم يتابع على هذا الحديث، كما أنّه قد اختلف عليه فيه، فمرّة حدّث به مرفوعا، ومرّة موقوفا.\nولم يصب من حسّنه، وقد فصّلت القول فيه في «علل الحديث».","vol":"1","page":289},{"text":"والثّاني: ما روي عن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ» (١).\nوبيّن كثير من أهل العلم الفصل بين التّفسير بالرّأي المحمود والرّأي المذموم، فمن ذلك:\nقال البيهقيّ: «الرّأي الّذي يغلب على القلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا الرّأي لا يجوز الحكم به في النّوازل، فكذلك لا يجوز تفسير القرآن به، وأمّا الرّأي الّذي يسنده برهان، فالحكم به في النّوازل جائز، وكذلك تفسير القرآن به جائز» (٢).\nوقال ابن عطيّة: «معنى هذا أن يسأل الرّجل عن معنى في\nكتاب الله، فيتسوّر عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء واقتضته قوانين العلوم، كالنّحو\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٣٦٥٢) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٥٢) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ١١١) وأبو يعلى (رقم: ١٥٢٠) وابن جرير (١/ ٣٥) والطّبرانيّ (رقم: ١٦٧٢) وابن عديّ في «الكامل» (٤/ ٥٢٧) وغيرهم من طرق عن سهيل بن عبد الله ابن أبي حزم القطعيّ، عن أبي عمران الجونيّ، عن جندب، به.\nقلت: وإسناده ضعيف، سهيل ضعيف الحديث، وتفرّد بهذا عن أبي عمران.\n(٢) شعب الإيمان (٢/ ٤٢٣).","vol":"1","page":290},{"text":"والأصول، وليس يدخل في هذا ... أن يفسّر اللّغويّون لغته، والنّحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كلّ واحد باجتهاد المبنيّ على قوانين علم ونظر، فإنّ القائل على هذه الصّفة ليس قائلا بمجرّد رأيه» (١).\nوقال القرطبيّ: «النّهي يحمل على أحد وجهين:\nأحدهما: أن يكون له في الشّيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه؛ ليحتجّ على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرّأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.\nوهذا النّوع يكون تارة مع العلم، كالّذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه.\nوتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية في ذلك محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الّذي يوافق غرضه، ويرجّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التّفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.\nوتارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدلّ عليه بما يعلم أنّه ما أريد به ..\nوالوجه الثّاني: أن يسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة، من غير\n_________\n(١) المحرّر الوجيز (١/ ٢٩).","vol":"1","page":291},{"text":"استظهار بالسّماع والنّقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتّقديم والتّأخير، فمن لم يحكم ظاهر التّفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسّر القرآن بالرّأي، والنّقل والسّماع لا بدّ له منه في ظاهر التّفسير أوّلا؛ ليتّقي به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، والغرائب الّتي لا تفهم إلّا بالسّماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظّاهر».\nثمّ قال: «وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرّق النّهي إليه» (١).\n...\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٣ - ٣٤)، وانظر معناه للنّووي في «التّبيان في آداب حملة القرآن» (ص: ٨٥ - ٨٦)، وللمزيد: «البرهان في علوم القرآن»، للزّركشيّ (٢/ ١٦١ - ١٦٤).","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الفصل الثاني: المنهج في تفسير القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الأول: شروط المفسر</span>\nلما تقدّم ذكره من خطورة الكلام في تفسير القرآن بالهوى وبغير علم، وصيانة للكتاب العزيز عن العبث في معانيه يشترط في المتكلّم فيه (المفسّر) شروط، هي صفات لازمة لا يحلّ التّعرّض لتفسير القرآن بدونها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الشّرط الأوّل: صحّة الاعتقاد وسلامة المنهج</span>.\nوالعلّة في هذا أنّ فساد الاعتقاد والمنهج يصير بصاحبه إلى تحريف دلالة القرآن إلى ما يعتقد وينهج، وقد وقع ذلك من طوائف ممّن تصدّى للتّفسير ولم يكونوا على الاستقامة، فقالوا على الله غير الحقّ وحرّفوا الكلم عن دلالته، ككلامهم في تحريف معاني الصّفات، والوعد والوعيد، وغيرها من آيات العقائد والإيمان.\nوالمقياس: الوقوف عند ما جاء به الكتاب، وثبت به الخبر عن الصّادق المصدوق ﷺ، مع متابعة الأثر عن أصحاب النّبيّ ﷺ وأئمّة التّابعين، ثمّ من جرى على منهاجهم ممّن جعل الله لهم الإمامة في الدّين، من أمثال الأئمّة أبي حنيفة ومالك وسفيان الثّوريّ وعبد الله بن المبارك والأوزاعيّ وسفيان بن عيينة والشّافعيّ وأحمد بن حنبل والحميديّ والبخاريّ وابن","vol":"1","page":293},{"text":"جرير الطّبريّ، ومن وافق سبيلهم وجرى على هديهم في أبواب العقائد والسّلوك، فسبيل أولئك سبيل المؤمنين، وهو الأعلم والأسلم، لا سبيل من خلف، ممّن زاد واختلف، فجاء بما لم يرد به خبر، ولا جرى على أثر، متقحّما ما ليس له به علم، سالكا سنن اليهود في التّحريف والتّبديل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الشّرط الثّاني: صحّة المقصد والتجرّد للحقّ والسّلامة من الهوى</span>.\nوهذا شبيه في أثره للّذي قبله ومتمّم له، والإخلاص والصّدق قائد لصاحبه إلى الهدى.\nوصحّة المقصد من أعظم أسباب التّوفيق، وفهم القرآن توفيق ومنحة، كما قال النّبيّ ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» (١).\nأمّا الرّياء والمباهاة في العلم فممحقة لبركته في الدّنيا، ووبال على صاحبه في الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان.\nفقد جاء عن النّبيّ ﷺ قوله: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء،\nأو ليماري به السّفهاء، أو ليصرف به وجوه النّاس إليه، فهو في النّار» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٧١ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الرّويانيّ في «مسنده» (رقم: ١٣٦٤) وبحشل في «تاريخ واسط» (ص: ١٢٨) والبزّار (رقم: ١٧٨ - كشف الأستار) وغيرهم من حديث قتادة عن أنس.\nقلت: وهذا حديث حسن بطرقه، له بضعة عشر طريقا عن النّبيّ ﷺ، خمسة منها صالحة للاعتبار، يتقوّى بها الحديث، وذلك إضافة لحديث أنس: عن جابر بن عبد الله، وكعب بن مالك، وأمّ سلمة، ومكحول مرسلا، كذلك موقوفا عن ابن مسعود. وقد شرحت طرقه تفصيلا في «علل الحديث».","vol":"1","page":294},{"text":"وثبت من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلّم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه إلّا ليصيب به عرضا من الدّنيا، لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة» يعني ريحها (١).\nوالعلم النّافع المحقّق لمعرفة الله ﷿ وخشيته لا يكون إلّا مع الإخلاص والاستعانة به، والقصد إلى العمل بذلك العلم.\nكذلك من الحجب الكثيفة المانعة من إدراك حقائق التّنزيل والفهم السّليم لكلام الله: اتّباع الهوى، كان ذلك في الشّبهات أو في الشّهوات.\nوقد قال الله ﷿ لعبده داود ﵇: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ\nوَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: ٢٦]، وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٧٣١) وأحمد (١٤/ ١٦٩ رقم: ٨٤٥٧) وأبو داود (رقم: ٣٦٦٤) وابن ماجة (رقم: ٢٥٢) وأبو يعلى (رقم: ٦٣٧٣) وآخرون من حديث أبي هريرة، به.\nوله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، عند الخطيب في «الجامع لأخلاق الرّاوي» (رقم: ١٦). وهو حديث حسن بطريقيه، كما بيّنته في «علل الحديث» وغيره.","vol":"1","page":295},{"text":"قال الزّركشيّ: «واعلم أنّه لا يحصل للنّاظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، وفي قلبه بدعة، أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر أو هوى، أو حبّ الدّنيا، أو يكون غير متحقّق الإيمان، أو ضعيف التّحقيق، أو معتمدا على قول مفسّر ليس عنده إلّا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلّها حجب وموانع، وبعضها آكد من بعض» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الشّرط الثّالث: التّحرّي والتّثبّت في الفهم</span>.\nوأحسن ما يعين عليه ويرشد إليه اتّباع الطّرق الشّرعيّة لفهم القرآن، وذلك وفق المنهجيّة الآتية في المبحث التّالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الشّرط الرّابع: الدّقّة في النّقل، واعتماد القويّ الثّابت</span>.\nوذلك في نقل اللّغة، وفي كلّ ما يعتمد على الإسناد من الحديث في القراءات والتّفسير وأسباب النّزول والنّاسخ والمنسوخ، والآثار عن الصّحابة ومن بعدهم، وفي الكلام المعزوّ للعلماء، خاصّة علماء السّلف، فإنّ الحكايات الواهية وما لا أصل له كثير في ذلك.\nوإلى هذا يشير الإمام أحمد بن حنبل في عبارة جامعة، قال:\n«ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتّفسير» (٢).\n_________\n(١) البرهان، للزّركشي (٢/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٢) أخرجه ابن عديّ في «الكامل» (١/ ٢١٢)، ومن طريقه: الخطيب في «الجامع لأخلاق الرّاوي» (رقم: ١٤٩٣) بإسناد صحيح. وعلّق عليه =","vol":"1","page":296},{"text":"يشير إلى أغلب ما يذكر فيها، فهو إمّا ضعيف أو موضوع لا أصل له.\nوعن الإمام عبد الرّحمن بن مهديّ، قال: «لا يجوز أن يكون الرّجل إماما حتّى يعلم ما يصحّ ممّا لا يصحّ، وحتّى لا يحتجّ بكلّ شيء، وحتّى يعلم مخارج العلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المبحث الثاني: الطرق التي يتبعها المفسر</span>\nمن الأسباب المعينة على فهم القرآن على أحسن وجه، بعيدا عن التّكلّف والمجازفة، وفيما لا يتوقّف فهمه على دلالة اللّفظ القريب، أن تسلك المنهجيّة التّالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>أوّلا: أن يفسّر القرآن بالقرآن</span>.\nوذلك بأن يستكشف معنى الآية من نفس القرآن، وهذا على وجوه:\n_________\n= ابن حجر في مقدّمة «لسان الميزان» (١/ ١٠٦) بقوله:\n«ينبغي أن يضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضّعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقديّ، وفي التّفسير على مثل مقاتل والكلبيّ، وفي الملاحم على الإسرائيليّات، وأمّا الفضائل فلا يحصى كم وضع الرّافضة في أهل البيت، وعارضهم جهلة أهل السّنّة بفضائل معاوية بدأ وبفضائل الشّيخين».\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (رقم: ١٢٨٣٩) والبيهقي في «المدخل» (رقم: ١٨٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":297},{"text":"فتارة بملاحظة السّياق الّذي وردت فيه الآية، كفهم تقدير الجواب في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا [الرّعد: ٣١] ولم يذكر جواب (لو)، وهو مدرك بتأمّل السّياق، والمعنى: لو أنّ قرآنا سيّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتى لكان هذا القرآن.\nوتارة بملاحظة سياق الآيات، كفهم المراد بالقارعة ممّا يليها من نفس بيان القرآن، وذلك في قوله تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ٤ الآيات [القارعة: ١ - ٤]، فقد فسّرها ما بعدها.\nوتارة يكون فهم المراد من خلال تأمّل ورود التّفسير في موضع آخر في القرآن، كتفسير قوله تعالى: يَوْمِ الدِّينِ في سورة الفاتحة، بقوله في سورة الانفطار: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الآيات: ١٧ - ١٩].\nوتارة بتتبّع مواضع التّكرار، إذ ليس في القرآن تكرار بمعنى إعادة الشّيء نفسه مرّة أخرى على سبيل التّساوي من كلّ وجه، وإنّما التّكرار في كلّ موضع له من الدّلالة ما يستقلّ به عن الموضع الآخر، إمّا بزيادة تفسير أو تفصيل أو دليل، فالبحث عن معنى الآية أو الآيات من خلال جمعها والمقارنة بينها وبين مواضع تكرارها طريق عظيم الأثر في فهم القرآن، مثل الرّبط بين الأمر بالحجّ في سورة آل عمران في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ","vol":"1","page":298},{"text":"حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [الآية: ٩٧] مع الآيات في ذلك في سورتي البقرة والحجّ، وفهم حقيقة النّفاق\nبالرّبط بين الآيات في أوّل البقرة مع الآيات في ذلك من سورة النّساء، مع سورتي التّوبة والمنافقون، وفهم حقيقة اليهود من خلال ما قصّ الله من أنبائهم في المواضع المختلفة، وهكذا.\nوسيأتي ذكر طرف من القواعد المساعدة على التّوصّل إلى تفسير القرآن بالقرآن، ضمن (قواعد التّفسير).\nوهذا الطّريق في التّفسير قد سلكه النّبيّ ﷺ في تفسير القرآن، ومن الدّليل عليه حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:\nلمّا نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢] شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: «ليس هو كما تظنّون، إنّما هو كما قال لقمان لابنه:\nيا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>ثانيا: أن يفسّر القرآن بالسّنّة</span>.\nوذلك بأن ينظر في السّنن الثّابتة المنقولة عن رسول الله ﷺ في معنى الآية، فالنّبيّ ﷺ هو المبيّن للقرآن بإذن الله، كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٢ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٢٤).","vol":"1","page":299},{"text":"الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النّحل: ٤٤]، وبيانه ﷺ وحي معصوم لا يساويه بيان غيره من البشر مهما بلغ علمه، كما قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ٤ [النّجم: ٢ - ٤].\nفالسّنّة تفسّر مجمل القرآن، وتخصّص عامّه، وتقيّد مطلقه، وتبيّن ناسخه ومنسوخه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «فإن قال قائل: فما أحسن طرق التّفسير؟ فالجواب: إنّ أصحّ الطّرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنّه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسّنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضّحة له» (١).\nواعلم أنّ تفسير السّنّة يستفاد من وجوه، أهمّها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>١ - بيانها لمعاني المفردات</span>.\nمثل تفسير قوله تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ١٢ [الشّمس: ١٢]، فقال رسول الله ﷺ: «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه، مثل أبي زمعة» (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩٥)، وانظر: البرهان، للزّركشيّ (٢/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٥٨ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٢٨٥٥) من حديث عبد الله بن زمعة.\nوعارم: أي شرس شرّير. والمعنى أنّه كان رجلا له منعة في قومه مع شرّ وسوء خلق، شبيها بما كان لأبي زمعة، وهو الأسود بن المطّلب من عمومة الزّبير بن العوّام، كان في الجاهليّة. (وانظر: الفتح ٨/ ٧٠٥ - ٧٠٦).","vol":"1","page":300},{"text":"وكتفسير السّبع المثاني بقوله ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢ هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الّذي أوتيته» (١)، يفسّر بذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ٨٧ [الحجر: ٨٧].\nوهذا النّمط من التّفسير النّبويّ قليل، ولعلّ السّبب في ذلك ظهور معاني مفردات القرآن في أغلبها للمخاطبين به يومئذ؛ إذ نزل بلسانهم، بخلاف من بعدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>٢ - تفسيرها للإجمال:</span>\nوأكثر التّفسير النّبويّ للقرآن واقع على هذا الوجه، كتفسير الأحكام وشرائع الإسلام الّتي جاء ذكرها في القرآن بقدر يتعسّر أو يتعذّر معه الامتثال، كبيان صفة الصّلاة، وأحكام الزّكاة، والصّيام، والحجّ، والقصاص، والدّيات، وغيرها.\nومن ذلك تقييدها المطلق، كتقييد قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النّساء: ١١، ١٢] بالثّلث، ومنعها بما يزيد عليه (٢).\nوتخصيصها العامّ، كتخصيص عموم قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ\n_________\n(١) حديث صحيح. تقدّم تخريجه (ص: ٦٥، ١٣٩).\n(٢) كما في حديث سعد بن أبي وقّاص، وهو متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم:\n١٢٣٣ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٦٢٨).","vol":"1","page":301},{"text":"الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] بإباحته ﷺ ميتة البحر في قوله: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته» (١).\nومنه أيضا بيان الإبهام في الآية المعيّنة، كما في حديث البراء بن عازب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ\nآمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧]» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>٣ - رفعها للإشكال:</span>\nكما في حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «من حوسب عذّب»، فقلت: أليس قد قال الله ﷿: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ٨ [الانشقاق: ٨]؟ فقال: «ليس ذاك الحساب، إنّما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب» (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مالك في «الموطّأ» (رقم: ٤٥) وأحمد (رقم: ٧٢٣٣، ٨٧٣٥، ٨٩١٢، ٩٠٩٩، ٩١٠٠) وأبو داود (رقم: ٨٣) والتّرمذيّ (رقم: ٦٩) والنّسائيّ (رقم: ٥٩، ١٧٦، ٤٣٥٠) وابن ماجة (رقم: ٣٨٦، ٣٢٤٦) من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٣٠٣، ٤٤٢٢) ومسلم (رقم: ٢٨٧١).\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٠٣ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٢٨٧٦).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>٤ - توكيدها للقرآن مع زيادة البيان:</span>\nالاستعمالات النّبويّة للآية والاستشهاد بها لشيء يكشف من معاني القرآن ما لا يمكن أن يعرف من غير هذا الطّريق، فتكون السّنّة فيما جاءت به من المعنى مؤكّدة ومصدّقة لما جاء به الكتاب، وزائدة في بيانه.\nمثاله حديث عبد الله بن الشّخّير، قال:\nأتيت النّبيّ ﷺ وهو يقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ١ قال: «يقول ابن آدم: ما لي، مالي» قال: «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟» (١).\nكذلك يعرف بالسّنّة النّسخ، فإنّها تأتي به أو تدلّ عليه.\nكما ترشد إلى معرفة أسباب نزول القرآن (٢).\nوهذا الطّريق متّفق على استعماله عند أهل العلم، وهو مقدّم عندهم على ما سواه من طرق التّفسير، كيف لا وهو بيان من بيانه وحي ودين؟ بل هو القاضي على كلّ بيان سواه، لا ينازع تفسيره بتفسير من دونه، مهما كان قدر المفسّر، لكن بشرط أن تصحّ به الرّواية.\nوعلى هذا المنهج جرى الأوّلون، فعن عبيد الله بن أبي يزيد، قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (رقم: ٢٩٥٨).\n(٢) تقدّم شرح ذلك في فصوله من هذا الكتاب، ما يتّصل منه بالنّسخ أو أسباب النّزول.","vol":"1","page":303},{"text":"كان ابن عبّاس إذا سئل عن الأمر، فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>ثالثا: تفسير القرآن بآثار الصّحابة</span>.\nوهذا بالنّظر في المنقول الثّابت عنهم في التّفسير عند فقده في القرآن والسّنّة، ذلك، أنّهم قد أوتوا من الدّراية بالقرآن ما لم يؤت أحد بعدهم، ولا عجب، فهم العرب الخلّص، وبلسانهم نزل القرآن، وقد شهدوا التّنزيل، وصحبوا رسول الله ﷺ؛ فربّاهم بالقرآن، وكان\nيصبّحهم ويمسّيهم يتلوه عليهم ويبيّنه لهم بالقول والعمل، وهذه خصائص توجب بالضّرورة أن يكونوا أعلم النّاس بكتاب الله بعد رسول الله ﷺ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>حكم الاستدلال بتفسير الصّحابيّ:</span>\nكلام الصّحابيّ في التّفسير وارد على أربعة أقسام:\nأوّلها: أن يكون حكاية عمّا وقع في عهد النّبيّ ﷺ، كسبب نزول آية أو\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٢٩٨٤) والدّارميّ (رقم: ١٦٦) وابن سعد (٢/ ٣٦٦) والحاكم (رقم: ٤٣٩) والبيهقيّ في «المدخل» (رقم: ٧٣) والخطيب في «الفقيه والمتفقّه» (رقم: ٥٤٢، ٥٤٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيد الله، به.\n(٢) انظر ما سيأتي في المقدّمة السّادسة (ص: ٤٦٧) عند ذكر هدي الصّحابة في أخذ القرآن. كذلك بالنّسبة إلى دورهم في التّفسير انظر ما سيأتي في (تاريخ التّفسير).","vol":"1","page":304},{"text":"سورة، أو الإخبار عن شيء كان يومئذ.\nفأمّا المثال لسبب النّزول فقد تقدّم.\nوأمّا المثال لشيء وقع يومئذ، فكحديث عائشة، في قوله تعالى:\nإِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] قالت: «كان ذلك يوم الخندق» (١).\nفمثل هذا له حكم المرفوع، وهو حجّة (٢).\nوثانيها: أن يكون خبرا لا يقال مثله من قبل الرّأي، فله حكم المرفوع، وهو حجّة، بشرط أن لا توجد مظنّة غالبة أنّه ممّا أخذ عن علماء أهل الكتاب، كبعض قصص الأنبياء وغيرهم، وما يتّصل ببدء الخلق وذكر الجنّة والنّار (٣).\nفمثال ما له حكم الرّفع حديث ابن عبّاس في سياق قصّة إسماعيل ﵇ وأمّه وأبيه إبراهيم الخليل ﵇، وبناء البيت الحرام، فقد ذكر قصّة طويلة أكثرها لم يقل فيه: (قال النّبيّ ﷺ) (٤).\nومثل قول ابن عبّاس أيضا ممّا يدرج تحت تفسير غير آية:\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٨٧٧) ومسلم (رقم:\n٣٠٢٠).\n(٢) وانظر ما تقدّم في شأن أسباب النّزول (ص: ٤٥).\n(٣) وانظر ما سيأتي في الفصل الرّابع حول الإسرائيليّات (ص: ٣٤٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣١٨٤).","vol":"1","page":305},{"text":"«ليس في الدّنيا شيء ممّا في الجنّة إلّا الأسماء» (١).\nونقول لهذا: (له حكم الرّفع) لأنّ مثله لا يقال إلّا بتوقيف، إذ احتمال كونه مجرّد اجتهاد ضعيف، ومظنّة كونه من الإسرائيليّات ضعيفة كذلك؛ لأنّ ابن عبّاس وإن سمع من كعب الأحبار، لكنّه أقلّ جدّا مع نقده لذلك.\nأمّا إذا كان الصّحابيّ ممّن قد ثبت كثرة تحديثه بالإسرائيليّات، مثل عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، فالواجب أن لا يقال فيما نقلوا ممّا فيه مظنّة ذلك: (له حكم الرّفع).\nمثل قول أبي هريرة في تفسير قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا [القصص: ٤٦] قال: نودي أن: يا أمّة محمّد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني (٢).\nفهذا خبر لا يقال مثله من قبل الاجتهاد، إنّما يعتمد على النّقل، لكن حين ثبت أنّ أبا هريرة حمل من علوم أهل الكتاب، لم يصحّ أن يقال في هذا: (له حكم الرّفع).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه وكيع بن الجرّاح في «نسخته عن الأعمش» (رقم: ١) وهنّاد في «الزّهد» (رقم: ٣، ٨) وابن جرير (١/ ١٧٤) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (رقم:\n٢٦٠) وغيرهم من طرق عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبّاس، به.\nوإسناده صحيح.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه النّسائيّ في «التّفسير» (رقم: ٤٠٢) وابن أبي حاتم (رقم:\n١٦٩٤٦) والحاكم (رقم: ٣٥٣٥). وإسناده صحيح.","vol":"1","page":306},{"text":"وثالثها: أن يكون من قبيل تفسير اللّفظ من جهة استعمال العرب له، فذلك حجّة في نقل اللّغة، فإنّ ما يقوله ابن عبّاس في مثل ذلك أقوى ممّا يذكر عن الخليل بن أحمد أو الفرّاء أو أبي عبيدة أو غيرهم من أئمّة اللّغة.\nومثال هذا كثير جدّا في كتب التّفسير بالمأثور.\nورابعها: أن يكون باجتهاد الصّحابيّ، وهو ما سوى الأقسام الثّلاثة الماضية، فهذا موقوف عليه، وليس بحجّة ملزمة على القول الرّاجح لأهل العلم (١).\nوهذا يوجد بكثرة في كتب التّفسير بالأثر كالّذي قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>رابعا: تفسير القرآن بأقوال التّابعين ومن بعدهم</span>.\nوالمراد بهم من أتى بعد الصّحابة من أهل العلم بالقرآن، قبل انتشار التّدوين، كما سيأتي في (تاريخ التّفسير).\nفينظر في كلامهم في التّفسير عند فقد الأثر عن الصّحابة، وذلك على\n_________\n(١) وطريقة البخاريّ ومسلم أنّهما خرّجا من تفسير الصّحابة ما يقتضي شرطهما أنّه مسند، أي بمنزلة المرفوع، خاصّة البخاريّ فما خرّج من ذلك أكثر ممّا خرّج مسلم.\nواستدلّ بذلك الحاكم صاحب «المستدرك» ليستدرك آثار الصّحابة في التّفسير ممّا لم يخرّجه الشّيخان، وقال: «اتّفقا على أنّ تفسير الصّحابيّ حديث مسند» (المستدرك ١/ ٥٤٢ وأعاد نحوه ٢/ ٢٥٨) ورجّح بعض العلماء ذلك، وانظر للمسألة: «المسوّدة» لآل تيميّة (ص: ١٥٨ - ١٥٩)، «إعلام الموقّعين» لابن القيّم (٤/ ١٩٨ - ٢٠٢)، «البرهان» للزّركشيّ (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":307},{"text":"سبيل الاستحباب، فقد كان عهدهم قريبا من عصر النّبوّة، وحملوا العلم عن أصحاب النّبيّ ﷺ وتتلمذوا عليهم، وتأدّبوا بأدبهم، مع ما أوتوا وعرفوا به من الدّين، والصّدق، والأمانة، وصحّة الاعتقاد، وسلامة المنهاج، والبعد عن التّكلّف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>خامسا: اعتبار دلالة اللّغة، والقياس بالأشباه والنّظائر</span>.\nوهذا مسلك إعمال الرّأي مشروطا بمراعاة لغة القرآن، وأصول الشّريعة في الفهم والاستنباط.\nوهو يوجب تحصيل آلة تعين على استكشاف ألصق المعاني بمراد الله تعالى بكلامه، وتعود إلى أصلين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الأصل الأوّل: العلم بالعربيّة</span>.\nويتمثّل بالقدرة على استعمال المعاجم الموضوعة لشرح الحقيقة اللّغويّة، مع الدّراية بعلوم النّحو والصّرف والبلاغة، على الوجه الّذي يمكّن من فهم التّراكيب والدّلالات بحسب وضعها اللّغويّ.\nولقد كان هذا المنهج، وهو الرّجوع إلى لسان العرب لفهم الألفاظ ودلالاتها، سبيل من سبق من أئمّة التّفسير منذ عصر السّلف.\nفهذا مفسّر الصّحابة عبد الله بن عبّاس، يتفقّد لغة القرآن في كلام\n_________\n(١) يأتي في (أنواع التّفسير) تسمية أمّهات كتب التّفسير بالمأثور المشتملة على المنقول عن السّلف.","vol":"1","page":308},{"text":"العرب، ويستشهد لها بنثرهم وشعرهم:\nفعنه، قال: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ [الأنعام: ١٤] حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها (١).\nوكان إذا سئل عن الشّيء من عربيّة القرآن ينشد الشّعر (٢).\nويقول: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشّعر؛ فإنّه ديوان العرب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>الأصل الثّاني: العلم بما يتّصل بالقرآن ممّا له الأثر في فهمه</span>.\nكالمقدّمات\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٤٥) ومن طريقه: ابن الأنباري في «الوقف والابتداء» (رقم: ١٠٩) والبيهقي في «الشّعب» (رقم:\n١٦٨٢) بسند حسن.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٧٤) وعبد الله بن أحمد في «زوائد فضائل الصّحابة» (رقم: ١٩١٦) من طريق عكرمة عن ابن عبّاس، وإسناده صحيح.\nكذلك روى نحوه عن ابن عبّاس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أخرجه سعيد بن منصور في «التّفسير» (رقم: ٩١) وأحمد في «الفضائل» (رقم: ١٨٦٥) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٤٣) و«غريب الحديث» (٤/ ٣٧٣) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ١٦٨١) وإسناده صحيح.\n(٣) أثر حسن. أخرجه الحاكم (رقم: ٣٨٤٥) وقال: «صحيح الإسناد» قلت: هو حسن.\nكذلك أخرجه آخرون بنحوه.","vol":"1","page":309},{"text":"الأساسيّة في علوم القرآن، مثل أسباب النّزول، والنّاسخ والمنسوخ، وعلم القراءات، وسبق التّنبيه على أهمّيّتها لفهم القرآن (١)، وعلم أصول الفقه.\nوقد قرّبت هذه العلوم بالتّصانيف المفردة فيها: فأسباب النّزول وإن لم يكن فيها كبير شيء، لكنّ جمع السّيوطيّ حسن، وهو المسمّى ب «لباب النّقول في أسباب النّزول»، فقد أتى فيه على تصنيف الواحديّ قبله وزاد، والمأخذ عليه أنّه ليس بالمحرّر، وفيه الثّابت وغيره، وهو قد يبيّن درجة الخبر أحيانا، لكنّه كذلك معروف بتساهل شديد في الحكم على الأحاديث.\nوفي المعاصرين ألّف الشّيخ مقبل الوادعيّ فيه كتابا حسنا سمّاه:\n«الصّحيح المسند من أسباب النّزول»، اختار فيه ما ثبت لديه في الباب، وعليه تعقّبات واستدراك، وفي كتابه فوات، وفي طريقته تشدّد زائد.\nوفي النّاسخ والمنسوخ، تقدّم النّصح بكتاب أبي الفرج ابن الجوزيّ المسمّى «نواسخ القرآن» (٢) فهو نافع محقّق للغرض.\nوفي القراءات، كتب كثيرة لا تدخل تحت الحصر، ولو أقبلت في بابها على كتب إمام القرّاء أبي الخير ابن الجزريّ المتوفّى سنة (٨٣٣ هـ) لكفتك، ككتاب «النّشر في القراءات العشر».\n_________\n(١) انظر ما تقدّم (ص: ٥٢، ٥٦، ٢٦٧).\n(٢) انظر (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":310},{"text":"وفي توجيه اختلاف القراءات بعض المؤلّفات المفيدة، من أحسنها «حجّة القراءات» لأبي زرعة عبد الرّحمن بن محمّد بن زنجلة.\nكذلك، فإنّ في القراءات التّفسيريّة المنقولة عن أفراد الصّحابة، ما يعين كثيرا في تفسير القرآن، والمقصود ما ثبتت به الرّواية عنهم،\nكالمنقول من قراءة ابن مسعود وعليّ بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وعائشة وغيرهم.\nصحّ عن إمام التّابعين في التّفسير مجاهد المكّيّ قال:\nلو كنت قرأت قراءة ابن مسعود، لم أحتج إلى أن أسأل ابن عبّاس عن كثير من القرآن ممّا سألت (١).\nوعامّة من جرى على اقتفاء الأثر في التّفسير قد اعتنى بهذا الجانب من أصوله (٢).\nوأمّا علم أصول الفقه، فهو رأس هذه العلوم، لا يحلّ لمن لا يحسنه أن يتقحّم الكلام في تفسير القرآن، فبه تعرف أصول درجات الأحكام، وأدلّتها، والطّرق إلى فهمها، والكلّيّات الّتي تعود إليها.\nوالمؤلّفات فيه لا تحصر، والمختصر فيه مع الاستيعاب محقّق للغرض (٣).\n_________\n(١) أخرجه التّرمذيّ في «الجامع» (بعد رقم: ٢٩٥٢) وإسناده صحيح.\n(٢) وانظر ما تقدّم (ص: ١٨٦).\n(٣) وقد وفّقني الله بفضله ومنّه إلى تجريد مختصر نافع فيه إن شاء الله، بعيد عما لا ينبني عليه عمل منه، مع الاستدلال بالثّابت البيّن، والتّمثيل الّذي لم تجر عليه أكثر الكتب في هذا الباب، سمّيته: «تيسير علم أصول الفقه»، فالحمد لله على توفيقه.","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>خاتمة الفصل</span>\nهذا الّذي بيّنت في هذا الفصل من ذكر صفة المفسّر وشرطه، والطّرق الخمس التي عليه اتّباعها، يمثّل منهاج السّلامة للكلام في\nالقرآن، العاصم من الزّلل، والمعين على معرفة أسرار التّنزيل، وهو يمثّل القاعدة الكلّيّة لفهم القرآن.\nثمّ من تسلّح به فلا حرج عليه من بعد أن يستنبط ما لم يذكر قبله، فإنّ الله تعالى لم يحجر ذلك على سالف، إنّما هو النّظر في خطابه المباشر لكلّ أحد بعينه.\nقال الزّركشيّ: «المنقول من ظاهر التّفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنّقل، والسّماع لا بدّ منه في ظاهر التّفسير؛ ليتّقى به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط» (١).\n...\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٥٥).","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>الفصل الثالث: تاريخ التفسير</span>\nالمراد بهذا الفصل ذكر المراحل التّاريخيّة الّتي مرّ بها اعتناء الأمّة بتفسير القرآن، لنعرف من خلالها مواردنا لهذا العلم العظيم، فإنّنا في الوقت الّذي نؤكّد فيه على ذمّ\nالتّقليد، وندعو إلى التّجديد والرّجوع إلى منابع هذا الدّين الصّافية، نقوم على أسس مستقرّة في الأعماق لا نخشى معها زلزلة العواصف، بخلاف من يقدم على تفسير القرآن وهو يبذر في تربة سبخة، ويسقي بماء ملح، كشرذمة لا يكاد يخلو منهم زمان بعد خير القرون، يريدون الإبداع- زعموا- دون تاريخ، ويدّعون التّجديد دون قديم، ولا يبدع من لا تاريخ له، ولا يجدّد من لا أصل له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث الأول: التفسير في عهد الصحابة</span>\nكان الصّحابة في عهد النّبيّ ﷺ إذا جاء الوحي من السّماء انتظروا بيان رسول الله ﷺ وتفسيره فيما يحتاج إلى شرحه وبيانه، وربّما عمدوا إلى التّبيّن منه فيما يستشكل، كما ذكرت آنفا بعض الأثر فيه.\nكما أنّه ﷺ قد أباح لهم أن يفهموا القرآن؛ لأنّ الآلة كانت متحصّلة لهم، وصوّب لهم خطأهم فيما يخطئون فيه، دون أن يلوم أحدا منهم أو يؤاخذه","vol":"1","page":313},{"text":"على فهمه، كما في قصّة نزول قوله تعالى:\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢]، حين شقّ ظاهرها على النّاس حتّى كشف لهم النّبيّ ﷺ عن معناها (١)، وكما في قصّة عديّ بن حاتم عند نزول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] (٢).\nولمّا كان النّبيّ ﷺ بين أظهرهم، فقد كان مرجعهم في تبيين الكتاب، ولم يكونوا يصدرون عن سواه فيه، فقد كفاهم.\nأمّا بعده ﷺ، فقد اتّسعت البلاد، ودخل النّاس في الإسلام أفواجا، ودخلت العجمة، فاحتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصّحابة في عهد النّبيّ ﷺ بحاجة إلى شرحه من القرآن والسّنّة، ففزعوا إلى خلفاء النّبيّ ﷺ في العلم من بعده من أصحابه، والّذين صاروا أئمّة النّاس في شرائع الدّين وعنهم يصدرون، وبرز فيه منهم خلق كثير، هؤلاء رءوسهم:\nأبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان،\nوعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل، وأبو الدّرداء،\n_________\n(١) حديث صحيح. تقدّم ذكره بتمامه وتخريجه (ص: ٢٩٩).\n(٢) حيث قال عديّ: لمّا نزلت (وذكر الآية)، عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في اللّيل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنّما ذلك سواد اللّيل، وبياض النّهار». متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٨١٧، ٤٢٣٩، ٤٢٤٠) ومسلم (رقم: ١٠٩٠).","vol":"1","page":314},{"text":"وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأمّ سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ﵃.\nوسيّد المفسّرين لمن بعده من هؤلاء الأئمّة: حبر الأمّة وترجمان القرآن ابن عمّ رسول الله ﷺ عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، ﵁، فإنّه لم ينقل عن أحد من أصحاب النّبيّ ﷺ في التّفسير أكثر ممّا نقل عنه.\nوما آتاه الله من العلم بالقرآن إنّما حصل له ببركة دعاء رسول الله ﷺ له، فقد صحّ عنه أنّه قال: «اللهمّ فقّهه في الدّين، وعلّمه التّأويل» (١).\nوقد كان مقدّما على أقرانه عند أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ﵁، حتّى كان يجعله في العلم في مصافّ البدريّين مع صغر سنّه (٢).\nوكان فقيه الصّحابة عبد الله بن مسعود، ﵁، يقول:\n«نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس» (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٢٣٩٧، ٢٨٧٩، ٣٠٣٢، ٣١٠٢) وابن سعد (٢/ ٣٦٥) وابن حبّان (رقم: ٧٠٥٥) والحاكم (رقم: ٦٢٨٠) وغيرهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، به.\nتابعه داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير، عند الطّبرانيّ (رقم: ١٠٦١٤).\nوأصله في «الصّحيحين»، وقد فصّلت القول في طرقه في «علل الحديث».\n(٢) تقدّم حديث ابن عبّاس في ذلك (ص: ٧٤ - ٧٥).\n(٣) أثر صحيح. أخرجه ابن سعد (٢/ ٣٦٦) وابن أبي شيبة (١٢/ ١١١) وأحمد في «الفضائل» (رقم: ١٥٦٢، ١٨٦٣) وابن جرير (١/ ٤٠) وغيرهم بإسناد صحيح.","vol":"1","page":315},{"text":"وقال الإمام مجاهد المكّيّ تلميذ ابن عبّاس وخرّيجه: «كان ابن عبّاس إذا فسّر الشّيء رأيت عليه نورا» (١).\nكذلك فيمن تقدّم ذكره من الصّحابة إمامان يعرف لهما الرّسوخ في فهم القرآن وتفسيره، هما:\nأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، فإنّ بعض العلماء قدّمه في التّفسير على ابن عبّاس، وقال: ابن عبّاس إنّما أخذ عن عليّ (٢)، ولهذا احترزت بقولي آنفا في\nابن عبّاس: (سيّد المفسّرين لمن بعده) أن يكون سيّد المفسّرين من الصّحابة مطلقا، وإنّما العبرة بحسب ما ورثه المسلمون من تفسير ابن عبّاس وما ورثوه من تفسير عليّ في القلّة والكثرة.\nوكان عليّ يقول: «سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل» (٣).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد الفضائل» (رقم: ١٩٣٥) بإسناد صحيح.\n(٢) انظر: «البرهان» للزّركشيّ (٢/ ١٥٧). وما صحّ عن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: «كان ابن عبّاس أعلم بالقرآن من عليّ، وكان عليّ أعلم بالمبهمات من ابن عبّاس». أخرجه ابن سعد (٢/ ٣٦٧) ويعقوب بن سفيان (١/ ٤٩٥، ٥٢٧). فإنّ عكرمة صحب ابن عبّاس، ولم يدرك عليّا، وإنّما بلغه الشّيء عنه.\n(٣) أثر صحيح. أخرجه ابن سعد (٢/ ٣٣٨) من طريق معمر، عن وهب بن أبي دبّيّ، عن أبي الطّفيل، عن عليّ. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات جميعا.","vol":"1","page":316},{"text":"عبد الله بن مسعود، ﵁، وقد صحّ عنه قوله:\n«والله الّذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلّا أنا\nأعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلّا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منّي بكتاب الله تبلّغه الإبل لركبت إليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المبحث الثاني: التفسير في عهد التابعين</span>\nحمل عن الصّحابة علم التّفسير جماعة من التّابعين، من أبرزهم:\nمجاهد بن جبر المكّيّ، وسعيد بن جبير الكوفيّ، وعكرمة مولى ابن عبّاس المدنيّ، وطاوس بن كيسان اليمانيّ، وعطاء بن أبي رباح المكّيّ، وهؤلاء رءوس أصحاب ابن عبّاس، ومن أكثر التّابعين كلاما في التّفسير.\nسعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم، وأبو العالية الرّياحيّ، ومحمّد بن كعب القرظيّ، من أعيان المفسّرين من أهل المدينة.\nعلقمة بن قيس النّخعيّ، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، ومرّة الهمدانيّ، وعامر الشّعبيّ، وإسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، وإبراهيم النّخعيّ، من أعيان المفسّرين بالكوفة.\nالحسن البصريّ، ومحمّد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السّدوسيّ، والرّبيع بن أنس، من أعيانهم بالبصرة.\n_________\n(١) متّفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٧١٦) ومسلم (رقم: ٢٤٦٣).","vol":"1","page":317},{"text":"وهؤلاء ثقات أئمّة قد حفظ عنهم علم كثير في تأويل القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>وممّن يلحق بهم:</span>\nالضّحّاك بن مزاحم الهلاليّ، وهو ثقة، لكن أكثر الرّواية عنه من طريق جويبر بن سعيد، وهو متروك، وعنه طريق أخرى سيأتي ذكرها.\nوأبو صالح باذام مولى أمّ هانئ، وهو صدوق على التّحقيق، وله في التّفسير كلام كثير، أكثره ممّا يجيء من رواية محمّد بن السّائب الكلبيّ، وهو كذّاب باعترافه، فإن جاء من طريق ثابت فهو معتبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>تميز أصحاب ابن عباس:</span>\nواعلم أنّ أصحاب ابن عبّاس أكثر من حمل عنه تفسير القرآن من التّابعين، والتّقدّم فيهم لعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير.\nسئل أبو حاتم الرّازيّ عن عكرمة وسعيد بن جبير: أيّهما أعلم بالتّفسير؟ فقال: «أصحاب ابن عبّاس عيال على عكرمة» (١).\nوقال حبيب بن أبي ثابت:\n«اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان\n_________\n(١) الجرح والتّعديل، لابن أبي حاتم (٧/ ٩).","vol":"1","page":318},{"text":"على عكرمة التّفسير، فلم يسألاه عن آية إلّا فسّرها لهما، فلمّا نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا» (١).\nوقال أيّوب السّختيانيّ لسفيان بن عيينة: لو قلت لك: إنّ الحسن (يعني البصريّ) ترك كثيرا من التّفسير حين دخل علينا عكرمة البصرة حتّى خرج منها، لصدقت (٢).\nوهذه شهادة من الحسن تثبت تقدّم عكرمة في التّفسير.\nوأمّا مجاهد، فإنّه ثبت عنه قوله: «عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات، أقف عند كلّ آية أسأله: فيم أنزلت، وفيم كانت» (٣).\nوعن سفيان الثّوريّ قال: إذا جاءك التّفسير عن مجاهد فحسبك به (٤).\nكما ثبت عن سفيان قوله: «خذوا التّفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضّحّاك بن مزاحم» (٥).\nوهؤلاء سوى الضّحّاك إليهم ترجع أصحّ الرّوايات في التّفسير عن ابن عبّاس، كما سيأتي في الفصل التّالي.\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (رقم: ٤٣١٩) بإسناد حسن.\n(٢) أخرجه العقيليّ في «الضّعفاء» (٣/ ٣٧٥) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه الدّارميّ (رقم: ١١٠٨) بإسناد حسن.\n(٤) أخرجه ابن جرير (١/ ٤٠) بإسناد صحيح.\n(٥) أخرجه ابن عديّ في «الكامل» (٥/ ١٥٠) بإسناد لا بأس به.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الثالث: التدوين في التفسير</span>\nبعد التّابعين بدأ التّأليف والجمع في علم التّفسير، ولم يثبت وقوعه قبل ذلك، إنّما جمع تفسير بعض الصّحابة والتّابعين من قبل من\nحمل ذلك من أتباعهم في نسخ وروايات، كما في «تفسير مجاهد» الّذي يرويه عنه ابن أبي نجيح (١)، ولا يصحّ أنّ ابن عبّاس أو مجاهدا أو غيره من التّابعين ألّفوا في التّفسير (٢).\nومن أبرز من ألّف فيه من طبقة أتباع التّابعين:\nعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم (٣)، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان الثّوريّ (٤)، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.\n_________\n(١) خرّج هذا التّفسير ابن جرير وابن أبي حاتم في «تفسيريهما» من طرق ثابتة.\nأمّا التّفسير المطبوع المسمّى «تفسير مجاهد» فهذا مرويّ من طريق ضعيف لا يصحّ، فيه عبد الرّحمن بن الحسن بن أحمد الأسديّ، وكان غير ثقة، وأحسب أنّه لو جمع إنسان منثور تفسير مجاهد في الكتب لجاء أعظم من تلك الرّواية.\n(٢) ونسب لابن عبّاس كتاب في التّفسير لا أصل له، كذلك جمع بعضهم بعض المنقول عنه وأفرده، وهذا لا يقال فيه: ألّفه ابن عبّاس. وسيأتي في الفصل التّالي ذكر الأسانيد المشهورة بالتّفسير عن ابن عبّاس، والتّنبيه على النّسخ المجموعة عنه فيه.\n(٣) وتفسيره منثور في أمّهات كتب التّفسير، كتفسير ابن جرير، ويأتي في كثير من الأحيان (ابن زيد) منسوبا إلى أبيه، وهو رجل ضعيف.\n(٤) وعنه رواية منشورة في مجلّد، وهي من طريق أبي حذيفة النّهديّ موسى بن مسعود، وهو صدوق من أصحاب الثّوريّ على لين فيه، ويحتمل منه التّفسير.","vol":"1","page":320},{"text":"وبعد طبقة هؤلاء زاد المصنّفون فيه، فممّن تلاهم:\nروح بن عبادة المتوفّى سنة (٢٠٥ هـ)، وعبد الرّزّاق الصّنعانيّ المتوفّى سنة (٢١١ هـ) (١)، وسنيد بن داود المتوفّى سنة (٢٢٦ هـ) (٢)،\nوسعيد بن منصور المتوفّى سنة (٢٢٧ هـ) (٣)، وأبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة المتوفّى سنة (٢٣٥ هـ) (٤)، وعبد بن حميد المتوفّى سنة (٢٤٩ هـ) (٥)، وغيرهم.\nوهؤلاء اعتنوا بجمع الأحاديث والآثار المنقولة بأسانيدها في التّفسير.\nوفي طبقتهم طائفة من أعيان أئمّة العربيّة قصدوا إلى بيان عربيّة القرآن ومعاني ألفاظه في لسان العرب مستشهدين لذلك بشعرهم ونثرهم، منهم:\nأبو زكريّا يحيى بن زياد الفرّاء المتوفّى سنة (٢٠٧ هـ) (٦)، وأبو عبيدة معمر بن المثنّى المتوفّى سنة (٢٠٩ هـ) (٧)، والأخفش أبو الحسن سعيد بن\n_________\n(١) وتفسيره مطبوع متداول، وهو من رواية إسحاق بن إبراهيم الدّبريّ عنه، وهو صحيح عنه، والكلام حول إسناده في شرح يطول.\n(٢) سنيد لقب له واسمه الحسين، وهو ضعيف جدّا لا يعتمد عليه، وقد خرّج تفسيره ابن جرير الطّبريّ ضمن «جامع البيان»، ويذكره باسمه لا بلقبه.\n(٣) وتفسيره كالجزء من «سننه»، ومنه قطعة نشرت.\n(٤) وتفسيره منثور في «الدّرّ المنثور» للسّيوطيّ، ولا نعلم وجود نسخة منه.\n(٥) كالّذي قبله.\n(٦) وكتابه في ذلك «معاني القرآن» منشور.\n(٧) وفيه كتابه «مجاز القرآن»، منشور، وليست هذه التّسمية تعني (المجاز) الّذي يقابل (الحقيقة) في علم البلاغة، إنّما يراد به (غريب القرآن).","vol":"1","page":321},{"text":"مسعدة البصريّ المتوفّى سنة (٢١٠ هـ) (١)، وأبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ المتوفّى سنة (٢٧٦ هـ) (٢).\nثمّ في أواخر المائة الثّالثة بدأ ظهور المصنّفات الجوامع في التّفسير، ومنها التي تستعمل جميع آلة المفسّر، من أثر ولغة ورأي، فمن أشهر المصنّفين فيه:\nأبو جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة (٣١٠ هـ) (٣)، وأبو بكر محمّد بن إبراهيم بن المنذر النّيسابوريّ المتوفّى سنة (٣١٨ هـ) (٤)، وأبو محمّد عبد الرّحمن بن محمّد أبي حاتم الرّازيّ المتوفّى سنة (٣٢٧ هـ) (٥).\nوفي المائة الرّابعة بدأ التّفسير بالرّأي يشيع، وكان وجوده قبل ذلك قليلا، وظهرت كذلك مشاركات بعض أهل البدع فيه على طرقهم في نصر\n_________\n(١) وكتابه «معاني القرآن» منشور.\n(٢) وله في ذلك «تفسير غريب القرآن» و«تأويل مشكل القرآن»، منشوران، وهما مختصران نافعان جدّا.\n(٣) وكتابه «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» كتاب فذّ لا نظير له في مضمونه فيما وصلنا من الجوامع في هذا العلم من مؤلّفات تلك الحقبة.\n(٤) ولم نطّلع على تفسيره، لكن فيما يبدو أنّه كان شبيها بمنهجه في سائر كتبه، ككتاب «الأوسط»، فقد قال الحافظ الذّهبيّ: «ولابن المنذر تفسير كبير في بضعة عشر مجلّدا، يقضي له بالإمامة في علم التّأويل» (سير أعلام النّبلاء ١٤/ ٤٩٢).\nقلت: وقد أورد السّيوطيّ في «الدرّ المنثور» منه الكثير جدا من الحديث والأثر.\n(٥) وتفسيره مقتصر على جمع الحديث والأثر في التّفسير دون إعمال الرّأي فيه ولا التّنبيه على الجوانب اللّغويّة منه، لكنّه يعدّ من أجمع كتب التّفسير بالأثر، ومنه قطعة كبيرة منشورة.","vol":"1","page":322},{"text":"آرائهم، كالمعتزلة، والشّيعة.\nوفي هذا الوقت وبعده كثر التّصنيف في التّفسير، حتّى فاقت المصنّفات فيه الحصر، كما هو الشّأن في سائر الفنون، وتنوّعت فيه المسالك بين اختصار وتطويل، واتّباع وابتداع، وتوسّع النّاس فيه بالرّأي، بين محمود ومذموم، وإن أردت تمييز ذلك ممّا تقف عليه من تلك الكتب فحاكمها بما تقدّم شرحه من صفة المفسّر ومنهج التّفسير.\nوآت في الفصل التّالي لهذا زيادة تمييز تعين على انتخاب أقرب تلك الكتب إلى تحقيق المنفعة بالقرآن، مع الوقاية من معاطب الرّأي وزلل أهله.\nوجدير أن تعلم أنّه أفرد بالتّصنيف أبواب من التّفسير، كتفسير آيات الصّفات، وقصص القرآن، وآيات الأحكام، وغير ذلك.\nوأبرزها تفسير آيات الأحكام، فقد لقي من التّحرير والتّهذيب ما لم يكن مثله لسائر الأبواب، ولا يخفى أنّ سببه ما ينبني عليه من تفاصيل الشّرائع العمليّة، فمن أعيان من صنّف فيه من الأقدمين:\nالقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكيّ المتوفّى سنة (٢٨٢ هـ) (١)، وأبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطّحاويّ الحنفيّ المتوفّى سنة (٣٢١ هـ)، وعلى خطاه جرى أبو بكر أحمد بن عليّ الرّازيّ الجصّاص المتوفّى سنة\n_________\n(١) وكتابه «أحكام القرآن» منه اقتباس كثير في الكتب، وقد قال فيه الذّهبيّ في ترجمته: «لم يسبق إلى مثله» (سير أعلام النّبلاء ١٣/ ٣٤٠).","vol":"1","page":323},{"text":"(٣٧٠ هـ) (١)، وتلاهم في التّصنيف فيه كثيرون، وممّن ينبغي تخصيصه بالذّكر منهم: القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الله الإشبيليّ المالكيّ المعروف ب (ابن العربيّ) المتوفّى سنة (٥٤٣ هـ) (٢)، وعلى كتابه بنى أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبيّ المتوفّى سنة (٦٧١ هـ) في تفسيره الكبير المسمّى «الجامع لأحكام القرآن».\nوللإمام الشّافعيّ في ذلك كتاب مجموع، جمعه الحافظ أبو بكر البيهقيّ من منثور كلامه (٣).\n...\n_________\n(١) في كتابه «أحكام القرآن»، وهو مطبوع، أمّا كتاب الطّحاويّ فلا نعلم شيئا عن وجوده، ثمّ بلغني أنّه طبع في تركيا، ولم أطّلع عليه.\n(٢) في كتابه البديع «أحكام القرآن»، وهو منشور متداول.\n(٣) وهو منشور، ونسبة مضامينه للشّافعيّ صحيحة.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الفصل الرابع: نقد مناهج التفسير</span>\nعلم التّفسير من خلال النّظر في المؤلّفات المتنوّعة الكثيرة فيه، يلاحظ أنّ المشتغلين به سلكوا مناهج مختلفة متعدّدة، ولما تقدّم ذكره من خطورة الرّأي الّذي يحكمه الهوى والبدعة في هذا الباب، ومن أجل الاهتداء إلى أفضل ما يعين على فهم القرآن من كتب التّفسير، ينبغي للدّارس لعلوم القرآن أن يحيط دراية بمناهج تلك المصنّفات، مع ملاحظة ما يؤخذ عليها.\nفإليك تلخيصها في المباحث التّالية، ممثّلا بأبرز الكتب الّتي يمكن الوقوف عليها، ملحقة بالنّقد الّذي يقتضيه الحال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المبحث الأول: المؤلفات في التفسير بالمأثور</span>\nوهو التّفسير بالقرآن نفسه، وبالسّنّة، وبالآثار عن الصّحابة والتّابعين.\nوهذا المنهج أفضل المناهج، والزّيادة عليه يجب أن تستفاد من خلاله، ومراعاته علامة الصّواب، وقاعدة لضبط التّجديد في فهم القرآن.\nوتقدّم شرح هذا المنهج بما لا يحتاج إلى مزيد، وقد تميّزت به طائفة ممّن كتب في التّفسير وجمع فيه من السّابقين واللّاحقين، فمن أبرز الكتب فيه:","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن</span>.\nتأليف: الإمام أبي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة (٣١٠ هـ).\nهذا الكتاب أفضل كتب التّفسير بالمأثور وأجمعها، مع التّحرير والنّقد، ويمتاز بإسناد جميع الرّوايات من الحديث والآثار، كما يراعي اختلاف القراءات واللّغة، ومؤلّفه إمام مجتهد ثقة متقن كبير القدر.\nقال في بيان شرطه في مقدّمته: «ونحن في شرح تأويله وبيان ما فيه من معانيه، منشئون إن شاء الله كتابا مستوعبا لكلّ ما بالنّاس إليه الحاجة من علمه جامعا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا، ومخبرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتّفاق الحجّة فيما اتّفقت عليه الأمّة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه، ومبيّنو علل كلّ مذهب من مذاهبهم، وموضّحو الصّحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه».\nوقد وفّى بشرطه.\nولم يزل أهل العلم يثنون على هذا الكتاب ويقدّمونه:\nقال النّوويّ: «لم يصنّف مثله» (١).\nوقال ابن تيميّة: «وأمّا التّفاسير الّتي في أيدي النّاس فأصحّها تفسير محمّد بن جرير الطّبريّ، فإنّه يذكر مقالات السّلف بالأسانيد الثّابتة، وليس\n_________\n(١) تهذيب الأسماء واللّغات (١/ ٧٨).","vol":"1","page":326},{"text":"فيه بدعة، ولا ينقل عن المتّهمين، كمقاتل والكلبيّ» (١).\nوكان مختصرا لأهل زمانه حين كانت الهمم عالية، أمّا أهل زماننا فيرونه أطول المطوّلات، وقد وصلنا بتمامه بحمد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>٢ - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله ﷺ والصّحابة والتّابعين</span>.\nتأليف: الإمام عبد الرّحمن بن أبي حاتم الرّازيّ، المتوفّى سنة (٣٢٧ هـ).\nوهذا التّفسير وافق مضمونه اسمه، وهو من جمع حافظ ثقة عارف، نسبته إليه صحيحة.\nوقد قال في مقدّمته مبيّنا شرطه فيه: «سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصحّ الأسانيد، وحذف الطّرق والشّواهد والحروف والرّوايات وتنزيل السّور، وأن نقصد لإخراج التّفسير مجرّدا دون غيره، متقصّين تفسير الآي حتّى لا نترك حرفا من القرآن يوجد له\nتفسير إلّا أخرج ذلك» حتّى قال: «فتحرّيت إخراج ذلك بأصحّ الأخبار إسنادا وأشبهها متنا».\nوقد وفّى بما اشترطه، لكن لا تفهمنّ من قوله: «بأصحّ» أنّ كلّ ما في\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٨).\nقلت: لم يخرّج ابن جرير لمقاتل وهو ابن سليمان إلّا موضعا واحدا- فيما أحسب- وذلك في اسم من بعثه أصحاب الكهف بورقهم، ولكنّه خرّج للكلبيّ في مواضع قليلة، ويمكن القول: ليس فيما خرّجه منكر.","vol":"1","page":327},{"text":"هذا التّفسير صحيح إلى من عزي إليه، وإنّما هو الأصحّ في تفسير تلك الآية عند ابن أبي حاتم، أي لا شيء عنده أحسن منه، مع جواز أن يكون ضعيفا لا يصحّ بنفسه، كما يعلم من استعمال هذه الصّيغة، والواقع يثبت أنّ في الكتاب ما يثبت وما لا يثبت.\nولم يزل هذا التّفسير مرجعا لأهل العلم يصدرون عنه، ويعتمدون عليه، لكن لم يصلنا منه نسخة تامّة، وإن كان السّيوطيّ قد ضمّنه كتابه الآتي قريبا: «الدّر المنثور».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>٣ - معالم التّنزيل</span>.\nتأليف: الإمام محيي السّنّة أبي محمّد الحسين بن مسعود البغويّ المتوفّى سنة (٥١٦ هـ).\nهذا التّفسير جلّ اعتماده على المأثور عن السّلف، وهو مختصر فيما تضمّنه من الآثار من تفسير شيخه أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثّعلبيّ المتوفّى سنة (٤٢٧ هـ) والمسمّى «الكشف والبيان في تفسير القرآن»، كما بيّن ذلك البغويّ نفسه في مقدّمته، وزاد برواية نفسه كثيرا من الحديث المسند وبعض الأثر، كما اعتنى باختلاف القرّاء، ويعتمد اللّغة، ولم يخل من نفس فقيه وإن قلّ.\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة عن تفسير الزّمخشريّ والقرطبيّ والبغويّ؟ فقال: «أسلمها من البدعة والأحاديث الضّعيفة البغويّ، لكنّه","vol":"1","page":328},{"text":"مختصر من تفسير الثّعلبيّ، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع الّتي فيه، وحذف أشياء غير ذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>٤ - زاد المسير في علم التّفسير</span>.\nتأليف: الإمام أبي الفرج عبد الرّحمن بن عليّ ابن الجوزيّ، المتوفّى سنة (٥٩٧ هـ).\nهذا الكتاب يعتمد على الأثر واللّغة وبعض الرّأي، ويسوق الأقوال في ذلك بأحسن سياقة وأخصرها، كما يعتني باختلاف القراءات وتوجيهها، حتّى الشّاذّة منها، كذلك يذكر أسباب النّزول والمكّيّ والمدنيّ، والنّسخ، وتوضيح المشكل، جميع ذلك بعبارة سهلة وعرض ممتع، ويقلّ جدّا أن\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٨). وأقول: الأمر كما قال ابن تيميّة، لكن ينبغي حمل قوله أوّلا: «الأحاديث الضّعيفة» على الموضوعة، كما ذكر من بعد؛ لأنّ الكتاب فيه الضّعيف، بل المنكر، لكنّه قليل، ثمّ إنّ العبارة قد تشير إلى أنّ الثّعلبيّ كان صاحب بدعة، وليس كذلك؛ لما قاله ابن تيميّة نفسه من بعد، فإنّه ذكر الواحديّ فقال: «وأمّا الواحديّ فإنّه تلميذ الثّعلبيّ، وهو أخبر منه بالعربيّة، لكنّ الثّعلبيّ فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدا لغيره، وتفسيره وتفسير الواحديّ (البسيط، والوسيط، والوجيز) فيها فوائد جليلة، وفيها غثّ كثير من المنقولات الباطلة».\nقلت: الواحديّ هذا هو أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمّد النّيسابوريّ المتوفّى سنة (٤٦٨ هـ)، وهو صاحب «أسباب النّزول»، تفاسيره تعدّ مزيجا بين الأثر والرّأي، ويسند فيها الحديث، سوى «الوجيز» فهو مختصر كاسمه، ويعتمد اللّغة، وهو من المبرّزين فيها، والحديث الموضوع وبعض الرّأي الفاسد في العقائد موجود فيها.\nو«الوجيز» و«الوسيط» مطبوعان.","vol":"1","page":329},{"text":"يذكر شيئا غير معزوّ لأحد، وإذا علّق بشيء من قبل نفسه أتى بأتمّ معنى وأخصر عبارة.\nغير أنّه لما قصد إليه من الاختصار فإنّه لا يذكر الأسانيد، والتزم ما قاله في مقدّمته: «وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدّمة إلّا على وجه الإشارة، ولم أغادر من الأقوال الّتي أحطت بها، إلّا ما تبعد صحّته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون قد سبق، وإمّا أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير، وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التّفاسير، فأخذ منها الأصحّ والأحسن والأصون، فنظمه في عبارة الاختصار».\nويمكن القول: إنّ ابن الجوزيّ راعى في تفسيره أكثر ما يجب أن يتّصف به المفسّر.\nوهذا الكتاب مطبوع بتمامه.\nوقفة: عند المقارنة بين هذا التّفسير وتفسير شيخ الشّافعيّة أبي الحسن عليّ بن حبيب الماورديّ المتوفّى سنة (٤٥٠ هـ) والمسمّى «النّكت والعيون»، نجد توافقا شديدا في المنهج، فإنّ ما وصفت به كتاب ابن الجوزيّ يصلح وصفا لكتاب الماورديّ، وهذا أقدم، فيجوز أن يكون ابن الجوزيّ قد بنى عليه وزاد، كما أنّه جانب ما سلكه الماورديّ من الرّأي والتّرجيح.\nومع ما وقع من الماورديّ من اعتبار الأثر، إلّا أنّه فاته منه ما يعتبر،","vol":"1","page":330},{"text":"وقال من الرّأي ما كثر، حتّى جعل كتابه ألصق بكتب التّفسير بالرّأي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٥ - تفسير القرآن العظيم</span>.\nتأليف: الإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدّمشقيّ، المتوفّى سنة (٧٧٤ هـ).\nوهذا الكتاب أكثر هذه الكتب تحرّيا وتحقيقا مع الاختصار والتّهذيب، أحسن مثال لمراعاة المنهج السّليم في التّفسير، يقف عند المنقول، ويحقّق الرّواية المرفوعة، بل وكثيرا من الآثار الموقوفة والمقطوعة من كلام الصّحابة والتّابعين، ويبيّن درجات الكثير من الأخبار من جهة الثّبوت، ويلاحظ اللّغة واختلاف القرّاء، مع العناية بالأصول والعقائد والأحكام والفقه، ولهذه الخصائص كتب الله له القبول منذ زمانه وإلى اليوم، يرد منه الخاصّ والعامّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٦ - الدّرّ المنثور في التّفسير بالمأثور</span>.\nتأليف: الحافظ جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطيّ، المتوفّى سنة (٩١١ هـ).\nهذا التّفسير لا يكاد يوجد فيه غير الأحاديث والآثار، مخرّجة معزوّة إلى الأصول الّتي استفيدت منها، ومنها كتب كثيرة إمّا أنّها ليست منشورة وإمّا أنّها في حكم المفقود، وقد حذف السّيوطيّ فيه الأسانيد اختصارا، وكان قد كتبه أوّلا بالأسانيد وسمّاه «ترجمان القرآن»، ثمّ لخّص هذا الكتاب منه.","vol":"1","page":331},{"text":"ومع اختصاره إلّا أنّه يعدّ دليلا للباحث يوقفه على الكثير من الأحاديث والآثار في التّفسير، ولا ينبغي أن يعتمد على مجرّد الأخذ منه من لا خبرة له بالصّحيح من السّقيم من الرّوايات؛ لما فيه من الضّعيف والمنكر، والسّيوطيّ يسكت عن ذلك لا يبيّنه، كما يؤخذ عليه نسبة بعض الأخبار إلى بعض الكتب، وليست فيها، وذلك منه على سبيل الوهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>٧ - فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير</span>.\nتأليف: العلّامة محمّد بن عليّ الشّوكانيّ اليمانيّ، المتوفّى سنة (١٢٥٠ هـ).\nهذا كتاب قد راعى فيه مؤلّفه الأثر، ووقف على المنقول والخبر، وفيه شبه في المنهج من ابن كثير، لكنّه أظهر استعمال العربيّة، واعتنى بالبلاغة، يعتمد فيما يذكره فيه النّقل عمّن تقدّمه دون تقليد، إلّا في الصّدور عن «الدّر المنثور» للسّيوطيّ، فإنّه استفاد منه الكثير من الآثار وهو لم يقف على أسانيدها، وهو في الجملة نافع مفيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>المبحث الثاني: نقد المؤلفات على هذا المنهاج</span>\nبيّنت آنفا ما تمتاز به تلك المؤلّفات المذكورة من حيث الجملة، وهي مراجع لهذا العلم، خاصّة المتقدّمة منها، وذلك ممّا وصلنا وهو منشور متداول، وإلّا فأشباهها من كتب التّفسير كثيرة في كلّ زمان، وليس ذكر هذه الكتب يعطيها ميزة التّقدّم على ما لم يذكر ممّا يشاكلها في المنهج.","vol":"1","page":332},{"text":"ثمّ إنّ التّفسير المأثور غير المفرد بالتّأليف كثير منتشر لا يخلو منه كتاب من أمّهات كتب الحديث، وإنّما هذه الكتب المذكورة قصد بها التّفسير دون غيره.\nومن خلال الدّراسة والتّأمل لهذه المصنّفات، يلاحظ أنّها\nاشتركت في اتّباع أفضل المناهج في التّفسير، لكنّ الكمال في هذا ممتنع؛ لذا لم يخل كتاب منها من أن يؤخذ عليه، والمآخذ على كلّ منها تتفاوت في الجزئيّات قلّة وكثرة، لكنّها بالنّظر إلى غلبة الصّواب، تصير لهذه الكتب بمنزلة المحاسن، وإنّما يجب التّنبيه على مأخذين كبيرين واردين على جميعها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>المأخذ الأول: إيراد الأحاديث الضعيفة والمنكرة دون بيان:</span>\nوسبق في شرط المفسّر أن يجتنب ما لا يثبت نقله (١)، والتّساهل في ذلك لا يجوز، وجميع من ذكر من مؤلّفي هذه الكتب معدود في الأئمّة العارفين بالصّحيح والسّقيم، نعم يكون العذر لمن ذكر الإسناد أنّ عهدته برئت بسياق السّند، كابن جرير وابن أبي حاتم، أمّا الآخرون فلا يذكرون الإسناد، أو يذكرونه قليلا، فالأصل أن لا يحذف الإسناد إلّا مع بيان درجة الحديث، أو تخريجه من أصل من الأصول الصّحاح، مثل «صحيحي البخاريّ ومسلم».\nوهذه الكتب تقع لمن يميّز هذا الباب ومن لا يميّزه، وخطورة هذا\n_________\n(١) انظر (ص: ٢٩٦).","vol":"1","page":333},{"text":"المأخذ على من لا يميّزه لا تخفى.\nربّما قيل: التّساهل بقبول الضّعيف الّذي لم يشتدّ ضعفه مذهب معروف لبعض العلماء.\nوالجواب: نعم، لكن هذا مشكل، فلو سلّمنا هذا المذهب، فإنّ قدر الضّعف هنا غير متميّز، بل ما نعنيه من الحديث الضّعيف في هذا\nالباب كثير منه من قبيل الضّعيف الواهي، على أنّ راجح القولين ترك الضّعيف وإن كان يسير الضّعف، إلّا ما له عاضد يقوّيه (١).\nوالتّساهل في الآثار المنقولة عمّن دون النّبيّ ﷺ أكثر، وأكثره عن الصّحابة فيما يروى عن ابن عبّاس، وحيث إنّ الاعتماد على الرّواية عنه أصل في التّفسير؛ فإنّي مبيّن درجات أشهر الأسانيد الّتي يدور عليها تفسير ابن عبّاس في الكتب المشهورة، ممّا ذكرت ومن غيره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>١ - رواية مجاهد عن ابن عبّاس:</span>\nمن طريق شبل بن عبّاد المكّيّ، أو ورقاء بن عمر، أو عيسى بن ميمون الجرشيّ المكّيّ المعروف ب (ابن داية)، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس.\nوهذا صحيح من أيّ هذه الطّرق جاء، وهو أصحّ الأسانيد في التّفسير\n_________\n(١) كما بيّنته في كتابي «تحرير علوم الحديث»، وانظر كذلك تعليقي على كتاب «المقنع في علوم الحديث» لابن الملقّن (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣).","vol":"1","page":334},{"text":"إلى مجاهد، بشرط ملاحظة سلامة الإسناد قبلهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٢ - رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس:</span>\nنقل عنه التّفسير من طرق كثيرة، أشهرها ثلاث:\n[١] رواية أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشيّة، عنه.\nوهذه صحيحة، وأشهر طرقها: شعبة بن الحجّاج، وهشيم بن\nبشير، وأبو عوانة الوضّاح اليشكريّ، وقد خرّج منها البخاريّ في «صحيحه» في كتاب (التّفسير) شيئا.\n[٢] رواية المنهال بن عمرو، عنه.\nوهذه صحيحة أيضا، وعند البخاريّ بها موضع في (التّفسير) (٢).\n[٣] رواية عطاء بن السّائب، عنه.\nوهذه صحيحة بشرط أن يكون الرّاوي عن عطاء ممّن حمل عنه قبل اختلاطه؛ لأنّه كان ثقة فلمّا كبر تغيّر حفظه، فإن كان الرّاوي حدّث عنه بعد تغيّره أو لم يعرف متى حدّث عنه، فهذا يعدّ حسنا بشرط السّلامة من الغلط، وفي جميع الأحوال يجب أن يسلم الإسناد إلى عطاء (٣).\n_________\n(١) ذكر الحافظ الخليليّ في كتاب «الإرشاد» (١/ ٣٩٣) رواية شبل للتّفسير، وقال:\n«قريب إلى الصّحّة».\n(٢) صحيح البخاري (رقم: ٤٥٣٧ م).\n(٣) ووجدت السّيوطيّ في «الإتقان» (٢/ ٥٣٤) صحّح رواية عطاء على شرط الشّيخين، وهذا تساهل ظاهر، فإنّهما لم يخرّجا له إلّا انتقاء.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>٣ - رواية عكرمة، عن ابن عبّاس:</span>\nوجاء التّفسير عنه من طرق كثيرة، من أشهرها:\n[١] رواية سماك بن حرب، عنه.\nوهذه رواية صالحة إذا ثبت الإسناد إلى سماك، ما لم تكن في تفسير مرفوع، فإن كانت في مرفوع فهي ليّنة، وذلك لأنّ سماكا مع صدقه وحسن حديثه فقد وقع في روايته عن عكرمة اضطراب.\n[٢] رواية الحكم بن أبان، عنه.\nوهذه رواية إذا ثبت بها الإسناد إلى الحكم فهي جيّدة، لكن احذر فيها رواية حفص بن عمر العدنيّ، فإنّه ليس بثقة، فقد خرّج بها ابن جرير وابن أبي حاتم في «تفسيريهما».\n[٣] رواية يزيد بن أبي سعيد النّحويّ، عنه.\nويرويها عن يزيد: الحسين بن واقد المروزيّ، وهي رواية جيّدة إذا ثبت الإسناد إلى الحسين، وفيها نقل النّاسخ والمنسوخ عن ابن عبّاس.\n[٤] رواية محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير.\nهكذا تأتي هذه الرّواية بالشّكّ، لكنّه شك لا يضرّ لو ثبت الإسناد إليهما؛ لأنّه تردّد بين ثقتين، وهذه رواية حدّث بها سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق، حدّثه بها محمّد هذا، وهو رجل غير مشهور، تفرّد","vol":"1","page":336},{"text":"بالرّواية عنه ابن إسحاق، ولم يوثّق من أحد يعتدّ بتوثيقه، فهي لهذا رواية ليّنة، وإذا أخذتها من «تفسير الطّبري» فضعفها أشدّ؛ لأنّه خرّجها بواسطة شيخه محمّد بن حميد الرّازيّ، وهو ضعيف جدّا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>٤ - رواية أبي صالح باذام مولى أمّ هانئ، عن ابن عبّاس:</span>\nوروايته جاءت من طرق عديدة، لكنّ أشهرها عنه اثنتان:\n[١] رواية إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، عنه.\nوهي من طريق عمرو بن حمّاد القنّاد، عن أسباط بن نصر الهمدانيّ، عن السّدّيّ.\nوهذه طريق حسنة في التّفسير.\nوبنفس هذا الإسناد روى السّدّيّ عن مرّة بن شراحيل الهمدانيّ، عن عبد الله بن مسعود تفسيره.\nوالتّفسير المنقول عن السّدّيّ من أحسن التّفاسير المرويّة عن السّلف، لحسنه مع كثرة ما نقل به (٢).\n_________\n(١) فقول السّيوطيّ في «الإتقان» (٢/ ٥٣٤): «هي طريق جيّدة، وإسنادها حسن» وقلّده فيه كثير من المعاصرين، حكم غير مقبول، فمحمّد بن أبي محمّد هذا ذكره الذّهبيّ في «الميزان» (٤/ ٢٦) وقال: «لا يعرف»، وقال ابن حجر في «التّقريب» (التّرجمة: ٦٢٧٦): «مجهول»، فأنّى لروايته الحسن؟!\n(٢) قال الخليليّ في «الإرشاد» (١/ ٣٩٨): «أمثل التّفاسير تفسير السّدّيّ».","vol":"1","page":337},{"text":"وخرّج هذا التّفسير ابن جرير (١).\n[٢] رواية محمّد بن السّائب الكلبيّ، عنه.\nوهذه رواية الكذب، فالكلبيّ هذا من رءوس الكذّابين، وقد شان أبا صالح بما أتى به عنه، وروايته أكبر الرّوايات عن ابن عبّاس في التّفسير، ولذا لم يصبر عنها كثير من نقّاد المحدّثين مع علمهم بكذب الكلبيّ.\nوثبت عن سفيان الثّوريّ قال: قال لنا الكلبيّ: «ما حدّثت عن أبي صالح عن ابن عبّاس فهو كذب، فلا ترووه» (٢).\nوقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن تفسير الكلبيّ؟ فقال: «من أوّله إلى آخره كذب»، فقيل له: فيحلّ النّظر فيه؟ قال: «لا» (٣). وكان الإمام يحيى بن معين يقول: «كتاب ينبغي أن يدفن» (٤).\nوإذا جاءت الرّواية عن الكلبيّ من طريق محمّد بن مروان المعروف ب (السّدّيّ الصّغير)، فهي أشدّ وهاء، فهذا رجل متروك ليس بثقة.\n_________\n(١) زعم السّيوطيّ في «الإتقان» (٢/ ٥٣٤) أنّ ابن أبي حاتم لم يورد من تفسير السّدّيّ شيئا؛ لأنّه التزم أن يخرّج أصحّ ما ورد، وأقول: إن أراد أنّه لم يخرّج من روايته عن أبي صالح عن ابن عبّاس، فهذا يبدو صحيحا، أمّا إن أراد أنّه لم يخرّج من تفسير السّدّيّ شيئا مطلقا فغير صحيح، بل أخرج منه الكثير، يقول في ذلك:\n«حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عمرو بن حمّاد» بإسناده.\n(٢) الجرح والتّعديل، لابن أبي حاتم (٧/ ٢٧١)، تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٥٠).\n(٣) الجامع لأخلاق الرّاوي، للخطيب (٢/ ١٦٣).\n(٤) تاريخ دمشق، لابن عساكر (١٦/ ٢٩٧)، تهذيب الكمال (٨/ ١٩٧).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>٥ - رواية عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس:</span>\nوهذه من أشهر روايات التّفسير عن ابن عبّاس، خرّجها عامّة من جمع التّفسير بالمأثور، وذكر البخاريّ بعض المعلّقات في التّفسير عن ابن عبّاس، فوجدت موصولة من رواية ابن أبي طلحة عنه، فقال بعض العلماء: اعتمد البخاريّ هذه الرّواية، وفي هذا نظر.\nوهي نسخة حدّث بها أبو صالح عبد الله بن صالح المصريّ كاتب اللّيث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس.\nوهذه الرّواية مع شهرتها، فإنّها ضعيفة عن ابن عبّاس، علّتها ضعف عبد الله بن صالح، والانقطاع فيما بين ابن أبي طلحة وابن عبّاس، فإنّه لم يسمع منه، كما اتّفقت على\nذلك عبارة أئمّة الحديث، ودعوى أنّ بينهما مجاهدا دعوى ضعيفة لا دليل عليها، بل صحّ عن حافظ مصر أحمد بن صالح أنّه سئل: عليّ بن أبي طلحة ممّن سمع التّفسير؟ قال: من لا أحد (١).\nفاعتبار بعض العلماء لها من صحيح روايات التّفسير عن ابن عبّاس (٢)، غير صواب، والأكثرون جروا فيه على تقليد من ادّعى أن بينهما مجاهدا.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في «تاريخه» (١١/ ٤٢٨) بإسناد جيّد.\nوقد فصّلت بيان ضعف هذه الرّواية عن ابن عبّاس في كتابي «أحكام العورات في ضوء الكتاب والسّنّة»\n(٢) كما ذهب إليه السّيوطيّ في «الإتقان» (٢/ ٥٣٢) وغيره.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>٦ - رواية الضّحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس:</span>\nوهذه اشتهرت عنه من طريقين:\n[١] رواية أبي روق عطيّة بن الحارث الهمدانيّ، عنه.\nوهي رواية ضعيفة، علّتها الانقطاع بين الضّحّاك وابن عبّاس، فإنّه لم يسمع منه، هذا لو ثبت الإسناد إلى أبي روق.\nوقد خرّجها ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق بشر بن عمارة الخثعميّ، عن أبي روق، وبشر هذا ضعيف.\n[٢] رواية جويبر بن سعيد البلخيّ، عنه.\nوهذه طريق واهية تزيد على علّة الانقطاع أنّ جويبرا متروك ليس بثقة، وروايته للتّفسير منتشرة في الكتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٧ - رواية عطيّة بن سعد العوفيّ، عن ابن عبّاس:</span>\nعطيّة ضعيف، والطّريق بالتّفسير إليه في نسخة خرّجها ابن جرير قال فيها: (حدّثني محمّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس).\nوهذا إسناد ضعيف جدّا، شيخ ابن جرير هو محمّد بن سعد بن محمّد بن الحسن بن عطيّة العوفيّ، صويلح، وأبوه ضعيف لم يكن أهلا للرّواية في قول أحمد بن حنبل، والحسين بن الحسن العوفيّ ضعيف أيضا، وكان قاضيا","vol":"1","page":340},{"text":"ببغداد، وأبوه الحسن بن عطيّة ضعيف كذلك، وزد عليه ضعف عطيّة، فهذا إسناد مسلسل بالضّعفاء، لا يجوز الاعتماد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٨ - رواية عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن عبّاس:</span>\nوهي ضعيفة، فإنّه لم يدرك ابن عبّاس، وكان مدلّسا ربّما حمل عن المجروحين وأسقطهم من أسانيده، وقال الخليليّ عن تفسيره: «ابن جريج لم يقصد الصّحّة، وإنّما ذكر ما روي في كلّ آية من الصّحيح والسّقيم» (١).\nقلت: هذا أيضا لو سلم الإسناد إليه، فإنّ ابن جرير أخرج نسخة كبيرة من طريق الحسين بن داود، عن حجّاج بن محمّد، عن ابن جريج، والحسين هذا هو المعروف ب (سنيد) ضعيف جدّا.\nنعم جاء التفسير عن ابن جريج مفرّقا بأحسن من هذا الإسناد، لكن تبقى علّته ما تقدّم من تدليس ابن جريج والانقطاع.\nهذه أشهر روايات التّفسير عن ابن عبّاس، وعنه الكثير غيرها، لكنّه دون هذه في الكثرة، ولو تتبّع ناقد ما يثبت من الأسانيد السّابقة عن ابن عبّاس، وضمّ إليها ما يثبت من المتفرّقات، لاجتمع لديه تفسير كبير عنه.\nوأمّا قول الشّافعيّ: «لم يثبت عن ابن عبّاس في التّفسير إلّا شبيه بمائة حديث» (٢)، فهذا- إن صحّ- فهو محمول على الحديث المرفوع في التّفسير.\n_________\n(١) الإرشاد (١/ ٣٩٨).\n(٢) أورده السّيوطيّ في «الإتقان» (٢/ ٥٣٥).","vol":"1","page":341},{"text":"والمنقول عن غير ابن عبّاس من الصّحابة يأتي على سبيل الرّوايات المتفرّقة، لا النّسخ المجموعة، سوى ما ذكرته آنفا من تفسير السّدّيّ عن مرّة عن ابن مسعود.\nكذلك وردت جملة من تفسير أبيّ بن كعب من طريق أبي جعفر الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية الرّياحيّ، عن أبيّ.\nوخرّج ابن جرير منها قدرا يسيرا، وإسنادها إذا سلم من علّة إلى أبي جعفر، فهو إسناد لا بأس به، وأبو جعفر صدوق فيه لين.\nكما يجب التّنبّه إلى أنّ كتب التّفسير بالمأثور لم يحترز أكثرها من الاعتماد على تفسير مقاتل بن سليمان، وكان رجلا متّهما بالكذب وفساد الاعتقاد، وهو غير مقاتل\nبن حيّان، فهذا ثقة، وهو صاحب تفسير أيضا، لكنّه إذا ذكر قيّد بذكر أبيه.\nولا أشكّ أنّ استبعاد ما لا يثبت إسناده من التّفسير المأثور، سواء ما يعزى للصّحابة أم من دونهم من التّابعين؛ يبعد كثيرا من الخلل والاختلاف وضعف الوجه في التّفاسير المنقولة، كما تبرأ بها ساحة المفسّر، وليس يخشى من روايات الضّعفاء والمجروحين ممّا له أصل معروف، فرواياتهم لا تزيد عن أن تكون شاهدا لما هو معروف،\nوإنّما في روايات كثيرة موجودة في كتب التّفسير بالمأثور، ليس لها ما يشدّها، ربّما انتصر بها صاحب هوى لمذهبه وهواه.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المأخذ الثاني: إيراد الإسرائيليات:</span>\nالإسرائيليّات: هي الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب من غير طريق القرآن والسّنن الثّابتة عن النّبيّ ﷺ، كالّذي يحكى عن كعب الأحبار وكان من أحبار اليهود فأسلم، ووهب بن منبّه، وقد اعتنى بأخبارهم، وغيرهما.\nولم يكد يوجد كتاب في التّفسير بالمأثور يخلو من إيراد الإسرائيليّات، حتّى زعم بعضهم أنّها مصدر من مصادر التّفسير، وذلك لما رأوا من تسهّل بعض الصّحابة فيها، مثل عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، ثمّ ما وقع من اعتناء النّقلة من التّابعين فمن بعدهم بروايتها والتّحديث بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>فما أصل ذلك؟ وما معناه؟ وما حكمه</span>؟\nأصل هذه المسألة يرجع إلى الحديث الصّحيح عن عبد الله بن عمرو، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بلّغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» (١).\nوفي هذا ما يشعر أنّ نهيا كان قبل ذلك، أو ظنّوا أنّه لا يحلّ لهم، كما يدلّ عليه قوله: «ولا حرج»، فجاء هذا بالرّخصة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٦٤٨٦، ٦٨٨٨) والبخاريّ (رقم: ٣٢٧٤) والدّارميّ (رقم: ٥٤٨) والتّرمذيّ (رقم: ٢٦٦٩) وقال: «حديث حسن صحيح».\nوصحّ نحوه من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله، فهو حديث مشهور.","vol":"1","page":343},{"text":"وجائز أن يكون مورد الحرج عليهم، ممّا فهموه من قوله تعالى:\nأَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١ [العنكبوت: ٥١]، كما استدلّت عائشة ﵂ بهذه الآية حين أهدي لها شيء من كتب أهل الكتاب (١).\nوكان عبد الله بن عبّاس يقول: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الّذي أنزل الله على نبيّكم ﷺ أحدث الأخبار بالله، محضا لم يشب (٢)، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب بدّلوا من كتب الله وغيّروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنا قليلا؟ أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟\nفلا والله، ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الّذي أنزل إليكم (٣).\nوعن مرّة الهمدانيّ، قال: جاء أبو قرّة الكنديّ بكتاب من الشّام، فحمله فدفعه إلى عبد الله بن مسعود، فنظر فيه، فدعا بطست، ثمّ دعا بماء فمرسه فيه، وقال: إنّما هلك من كان قبلكم باتّباعهم الكتب وتركهم كتابهم (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (رقم: ١٧٣٨١) بإسناد حسن.\n(٢) أي: لم يخلط بغيره.\n(٣) أثر صحيح. أخرجه الشّافعيّ في «الأم» (١٢/ ٥٣٨) والبخاريّ (رقم: ٢٥٣٩، ٦٩٢٩، ٧٠٨٥) والبيهقيّ في «الكبرى» (١٠/ ١٦٢ - ١٦٣) وغيرهم من طرق عن الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، به.\n(٤) أثر صحيح. أخرجه الدّارميّ (رقم: ٤٨٣) والهرويّ في «ذمّ الكلام» (ص: ١٤٧) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":344},{"text":"أو يكون مورد الحرج جاء من نهي النّبيّ ﷺ عن ذلك، كما ورد به حديث جابر بن عبد الله، قال:\nنسخ عمر، ﵁، كتابا من التّوراة بالعربيّة، فجاء به إلى النّبيّ ﷺ، فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغيّر، فقال رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطّاب، ألا ترى وجه رسول الله ﷺ؟ فقال النّبيّ ﷺ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنّهم لن يهدوكم وقد\nضلّوا، وإنّكم إمّا أن تكذّبوا بحقّ، أو تصدّقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم، ما حلّ له إلّا أن يتّبعني» (١).\nفهذا الحديث نهي صريح عن سؤال أهل الكتاب، لعلّتين:\nالأولى: أنّ الله أغنى هذه الأمّة بما أوحى إلى نبيّه محمّد ﷺ من العلم والهدى، وأنّ شريعته نسخت ما تقدّمها، فهو المتبوع الأوّل لأمّته.\nوالثّانية: أنّ ما عند اليهود والنّصارى لا يعرف حقّه من باطله، وذلك\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (رقم: ١٤٦٣١، ١٥١٥٦) والدّارميّ (رقم: ٤٤١) وأبو يعلى (رقم: ٢١٣٥) والبزّار (رقم: ١٢٤ - كشف الأستار) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ١٠) و«الشّعب» (رقم: ١٧٦، ١٧٩) وغيرهم من طرق عن مجالد بن سعيد، عن عامر الشّعبيّ، عن جابر، به.\nوإسناده حسن لغيره، فإنّ له شواهد صالحة من حديث أبي الدّرداء، والحسن البصريّ وأبي قلابة الجرميّ ويحيى بن جعدة مرسلا، وعلّق البخاريّ في «الصّحيح» (٦/ ٢٦٧٩) طرفا منه جازما به، وقوّاه ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٣٤، ٥٢٥).","vol":"1","page":345},{"text":"لما وقع فيه من قبلهم من التّحريف والتّبديل.\nوهذا المعنى لم ينفكّ الصّحابة عن مراعاته، مع ما فهموه من الإذن في الحديث عن أهل الكتاب، كما تقدّم من صنيع عائشة وابن\nمسعود وقول ابن عبّاس، فأحاديث الإذن أزاحت عنهم شبهة المنع المطلق، لكنّهم بقوا على ملاحظة المعنى الّذي لأجله جاء النّهي.\nفترخّص الصّحابة في الحديث عن بني إسرائيل كان في حدود ضيّقة، وبالاستقراء ثبت أنّ القدر الّذي ترخّصوا فيه من ذلك يتّسم بأمور ثلاثة:\nأوّلها: القلّة، فإذا استبعدت ما لا تثبت أسانيده إليهم، فإنّه يخلص منه قدر قليل جدّا.\nثانيها: أنّه أخذ عن مسلمة أهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وليس هذا كمن يتلقّى عن الأحبار والرّهبان وهم على دينهم؛ لأنّ الأصل في هؤلاء الّذين أسلموا منهم أنّهم يتحرّون، فلا يحدّثون بما ظهر كذبه، أو عارض القرآن وأصول الإسلام، إنّما يخبرون بما يأتي على التّصديق لما جاء به الرّسول ﷺ.\nواليهود والنّصارى أوتوا العلم، وعلموا الحقّ فزاغوا عنه وضلّوا، وليسوا كسائر الكفّار، والقرآن نبّه على هذا في مواضع، كما قال تعالى:\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦]، وقال: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ","vol":"1","page":346},{"text":"وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ [المائدة: ٤٣]، بل قال الله لنبيّه محمّد ﷺ: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] (١)، واعتدّ\nبشهادتهم على صدقه وصدق ما بعثه به، كما قال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرّعد: ٤٣]، وقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف: ١٠].\nفما جاء به المسلمون منهم وحدّثوا به فالأصل أنّه مصدّق لما جاء به الرّسول ﷺ، وذلك ما أفادته نماذجه الثّابتة الأسانيد ممّا وصلنا.\nثالثها: لم يكن الصّحابة يتلقّون ما يسمعونه من ذلك بالتّسليم دون نقد وتثبّت، حتّى مع أخذه عمّن أسلم من أهل الكتاب، كما تدلّ على ذلك الآثار، ومنها:\nعن السّائب بن يزيد، قال: سمعت عمر بن الخطّاب قال لكعب: «لتتركنّ الأحاديث، أو لألحقنّك بأرض القردة» (٢).\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (رقم: ١٠٥٨٣) بإسناده صحيح عن ابن عبّاس في هذه الآية، قال: «لم يشكّ رسول الله ﷺ ولم يسأل».\nكما جاء مثله عن سعيد بن جبير من قوله.\n(٢) أخرجه أبو زرعة الدّمشقيّ في «تاريخه» (١/ ٥٤٤) بإسناد صحيح.\nومقصود عمر الزّجر عن الإكثار من ذلك؛ لأنّ كعبا ثبت تحديثه بالشّيء من ذلك بمحضر عمر، كما سيأتي مثاله.","vol":"1","page":347},{"text":"وعن حميد بن عبد الرّحمن بن عوف: سمع معاوية بن أبي سفيان يحدّث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الّذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنّا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (١).\nوعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عبّاس: إنّ نوفا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل، ليس هو موسى صاحب الخضر، فقال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعب\nيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قام موسى ﵇ خطيبا في بني إسرائيل» وذكر الحديث (٢).\nفهذا وشبهه دليل على منهاج الصّحابة فيما كانوا يسمعونه من الأخبار الإسرائيليّة، فالأصل أنّها معروضة على ما جاء به القرآن والسّنّة، فما وافق منها فهو شاهد حقّ، وما خالف ردّوه.\nفهذان قسمان، ويبقى قسم ثالث، وهو: ما لا يوجد له في الكتاب\n_________\n(١) أثر صحيح. علّقه البخاريّ في «صحيحه» (٦/ ٢٦٧٩)، ووصله في «التّاريخ الأوسط» (رقم: ٢٠١) بإسناد صحيح.\nوانظر: الفتح، لابن حجر (١٣/ ٣٣٤)، وتغليق التّعليق، له (٥/ ٣٢٨).\nوأمّا المراد بقوله: «لنبلو عليه الكذب» فقال ابن الجوزيّ: «المعنى: أنّ بعض الّذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا، لا أنّه يتعمّد الكذب».\nوانظر: فتح الباري (١٣/ ٣٣٥) وتفسير ابن كثير (٥/ ٣٣٠).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ١٢٢ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٢٣٨٠). ونوف هو ابن امرأة كعب، وكان يحدّث بالإسرائيليّات.","vol":"1","page":348},{"text":"والسّنّة تصديق أو تكذيب، فهذا وجدنا الصّحابة تسهّلوا فيه لمعنى صحيح اشتمل عليه، وإن كان لا يمكن القطع بصحّته أو كذبه من كلّ وجه.\nمثاله: ما حدّث به عبد الرّحمن بن حاطب، قال:\nجلسنا إلى كعب الأحبار في المسجد وهو يحدّث، فجاء عمر فجلس في ناحية القوم، فناداه، فقال: ويحك يا كعب، خوّفنا، فقال:\nوالّذي نفسي بيده، إنّ النّار لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتّى إذا أدنيت وقرّبت زفرت زفرة، ما خلق الله من نبيّ ولا صدّيق ولا شهيد إلّا وجثا لركبتيه ساقطا، حتّى يقول كلّ نبيّ وكلّ صدّيق وكلّ شهيد: اللهمّ لا أكلفك (١) اليوم إلّا نفسي، ولو كان لك يا ابن\nالخطّاب عمل سبعين نبيّا لظننت أن لا تنجو، قال عمر: إنّ الأمر لشديد (٢).\nفهذا يدلّ على معنى صحيح من حيث الجملة، وإن كان الإيمان بما فيه من التّفصيل يتوقّف على تصديق القرآن أو السّنّة له، فمثل هذا لا يصدّق ولا يكذّب، إذ ربّما كذّب وهو حقّ، أو صدّق وهو باطل.\nوالتّوجيه النّبويّ في هذا النّوع كان معلوما للصّحابة، فقد ثبت فيه غير ما حديث، منها: حديث أبي هريرة، قال:\nكان أهل الكتاب يقرءون التّوراة بالعبرانيّة، ويفسّرونها بالعربيّة لأهل\n_________\n(١) أي: لا أتحمّل عندك.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٥٤ - ١٥٥) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (رقم:\n٧٥٣٩) بإسناد حسن.","vol":"1","page":349},{"text":"الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا الآية [البقرة: ١٣٦]» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>فخلاصة القول في الإسرائيليّات في نظر الصّحابة أنّها ثلاثة أقسام:</span>\n١ - خبر جاء في القرآن أو السّنّة ما يصدّقه، فهو حقّ.\n٢ - خبر جاء في القرآن أو السّنّة ما يكذّبه، فهو باطل.\n٣ - خبر لم يأت ما يصدّقه أو يكذّبه، فلا يوصف بكونه حقّا أو باطلا.\nوعلى هذا جرى أكثر من جاء بعدهم من تلامذتهم من التّابعين، كأصحاب ابن عبّاس، فإذا استثنيت تفسير مجاهد، فما أقلّ تلك الأخبار عنهم، لكن وقع من آخرين توسّع في ذلك، مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وشهر بن حوشب، ونوف البكاليّ، وتبيع بن عامر الحميريّ، ثمّ محمّد بن إسحاق صاحب «السّيرة»، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.\nواتّباع منهج الصّحابة في ذلك عاصم ممّا في تلك الأخبار من الأباطيل، كالّذي يحكونه في شأن الأنبياء من النّقائص، وبدء الخليقة من الغرائب المخالفة والخرافة.\nولا ريب أنّ ما يؤخذ على كتب التّفسير بالمأثور، هو ذكر تلك الأخبار\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢١٥، ٦٩٢٨، ٧١٠٣) وابن جرير (٢١/ ٣) والبيهقيّ في «الكبرى» (١٠/ ١٦٣) و«الشّعب» (رقم: ٥٢٠٧).\nونحوه من حديث أبي نملة الأنصاريّ، ومن حديث عطاء بن يسار مرسلا.","vol":"1","page":350},{"text":"بمنزلة ما يذكر في تفسير الآية لبيان معناها من النّصوص النّبويّة والشّواهد اللّغويّة، مع السّكوت عن نقدها.\nوهذا خطأ جسيم، فتلك الأخبار إن سلمت من النّكارة فإنّها لا تثبت لذاتها، إنّما تقبل بشواهدها، كما تقدّم، فإذا لزم ذلك فقد أغنانا ذكر شاهدها عنها، وإن كانت لا شاهد لها، فمجرّد ذكرها منزّلة منزلة التّفسير للآية يقدح من المعاني في الأذهان ما يكون لبعض النّاس بمنزلة خبر الصّادق الّذي لا ينطق عن الهوى، خاصّة مع ما تمتاز به تلك الأخبار من الغرابة، والنّفس تميل بالطّبع إلى مثل ذلك.\nولم يزل نقد ذكر الإسرائيليّات في كتب التّفسير ممّا لا يغفله محقّقو العلماء على مرّ العصور، وتنبيههم على ضرورة إبعادها عن\nكتب العلوم الإسلاميّة، خاصّة التّفسير، كتأكيدهم على تنقية تلك الكتب من الأحاديث الضّعيفة والموضوعة.\nقال أبو بكر بن عيّاش: قلت للأعمش: ما لهم يتّقون تفسير مجاهد؟ قال: «كانوا يرون أنّه يسأل أهل الكتاب» (١).\nوقال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس، وسأله رجل عن زبور داود؟ فقال له مالك: ما أجهلك! ما أفرغك! أما لنا في نافع عن ابن عمر عن نبيّنا، ما شغلنا بصحيحه عمّا بيننا وبين داود ﵇؟! (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في «الطّبقات» (٥/ ٤٦٧) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه الخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: ١٤٨٩) وإسناده حسن.","vol":"1","page":351},{"text":"ومجانبة ذكر تلك الأخبار في كتب التّفسير أصحّ، فقد علمت ممّا تقدّم أنّ الفائدة منها ضعيفة، إلّا أن تذكر لبيان خلل فيها.\nقال الحافظ ابن كثير: «ليعلم أنّ أكثر ما يتحدّثون به غالبه كذب وبهتان؛ لأنّه قد دخله تحريف وتبديل، وتغيير وتأويل، وما أقلّ الصّدق فيه، ثمّ ما أقلّ فائدة كثير منه لو كان صحيحا» (١).\nوبما تقدّم تعلم بطلان دعوى المستشرقين ومن تأثّر بقولهم:\n(الرّوايات الإسرائيليّة مصدر من مصادر التّفسير عند المفسّرين من المسلمين)، وذلك أنّ الصّدور لا يكون عمّا أحسن أحواله أن يكون تصديقه موقوفا على الشّهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المبحث الثالث: التفسير بالرأي</span>\nتقدّم بيان أنّ التّفسير بدلالة لغة القرآن من خلال استعمالاتها في عرف أهلها في نثرها وشعرها، والاجتهاد في إطار قواعده، من الطّرق الّتي يسلكها المفسّر، وهما ركنا إعمال الرّأي في تفسير القرآن.\nوقبل تسمية طائفة من أمّهات كتب التّفسير ممّا يندرج تحت هذا النّوع، أقدّم بالتّنبيه على مسائل:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٣٢٩)، وانظر كذلك: مقدّمة «تفسيره» (١/ ٨ - ٩)، وكلام شيخه ابن تيمية ضمن «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٨٥).","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسألة الأولى: التّفسير باللّغة تفسير بالرّأي</span>.\nلا من جهة أنّ اللّغة تثبت بالرّأي، وإنّما من جهة تحديد كون ذلك المعنى هو المراد بالآية أو اللّفظ المعيّن من القرآن.\nواستعمال اللّغة في تفسير القرآن أخطر ما يسلكه المفسّر، فهو إذا فسّر الآية بنفس القرآن أو الحديث أو الأثر، فإنّه وإن كان يستعمل رأيه في تتبّع النّصّ والأثر والرّبط له بالآية وتوجيه ذلك، إلّا أنّه قد أحال واعتمد في غالب أمره على النّقل، بينما اللّغة بما وقع فيها من السّعة واحتمال المعاني الكثيرة المختلفة للّفظ الواحد، مع تنوّع الأساليب في تركيب الكلام، لا يسهل تنزيلها على ألفاظ القرآن وتراكيبه دون أصل يرتكز عليه المفسّر.\nثمّ إنّ الاقتصار على مجرّد اللّغة لا يعيّن المراد الشّرعيّ بالألفاظ، فلفظ الصّلاة أو الزّكاة أو الصّيام مثلا، لا تسعفك فيها اللّغة لمعرفة مراد الله تعالى بها، ولذا احتيج إلى بيان الرّسول ﷺ.\nولو تأمّلت منهج الصّحابة في التّفسير، ثمّ من تبعهم من تلامذتهم، وجدتهم يستندون إلى السّمع وينتهون إليه، لا يجاوزونه إلى اللّغة إلّا عند فقد بيان الله ورسوله ﷺ، مع أنّهم أنفسهم كانوا مصدرا للّغة، خاصّة الصّحابة، فإذا صاروا إلى التّفسير باللّغة والنّظر، فسّروا بما لا يأتي على المخالفة للنّصوص المسموعة، ولا المناقضة للأصول المعلومة.\nوهذا المنهج استعمله بعدهم خلائق من أئمّة التّفسير، فرشدوا، ولم","vol":"1","page":353},{"text":"يؤتوا في الغالب من هذا الباب، كبعض من سمّيت كتبهم في المبحث السّابق، كابن جرير، والبغويّ، وابن كثير، والشّوكانيّ، فهؤلاء اجتهدوا في التّفسير، وأبانوا من رأيهم فيه، لكنّ اجتهادهم قليل بالنّسبة إلى ما اعتمدوه أو بنوا عليه من النّقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المسألة الثّانية: صياغة كتابة التّفسير باللّغة المناسبة</span>.\nالإبداع بتجديد صيغة كتابة التّفسير، وتقريب معاني القرآن بالألفاظ المناسبة لمن قصدت مخاطبته به من عموم المسلمين، إذا كان المنشئ قد انتهى فيه عند المأثور، وجرى فيه على مراعاة المنهجيّة المعتبرة في التّفسير، على ما تقدّم بيانه، فهذا ربّما يدرجه بعضهم تحت التّفسير بالرّأي؛ وذلك لما وقع فيه من الاجتهاد في الصّيغة والتّعبير، وهذا- فيما أرى- تجوّز، فإنّه ألصق بأن يكون تفسيرا بالأثر، وعلى تسليم كونه تفسيرا بالرّأي فهو رأي محمود؛ لاستناده إلى الأصول الصّحيحة.\nوعليه: فإنّ طائفة كبيرة من المصنّفات في التّفسير على مدى\nالقرون المتعاقبة من تاريخ هذه الأمّة، سلك مؤلّفوها المنهجيّة المعتبرة في التّفسير، بل دعوا إليها وقرّروها، وأدخلوا عباراتهم في تقريب لفظ، أو توجيه إشكال، أو رفع لبس، بين تطويل واختصار.\nوهذا لا يصحّ أن يكون مأخذا بحال، فكتب التّفسير إنّما تؤلّف في الأصل- كسائر ما يكتب في علوم الإسلام- لنصح الأمّة، وربطها","vol":"1","page":354},{"text":"بدينها، وذلك يوجب أن يخاطب كلّ جيل بلغته.\nوالبقاء في إطار الاتّباع للسّلف في التّفسير، لا يعني الجمود على حكاية ألفاظهم، فهذا يرفضه منهج السّلف ذاته، فإنّهم بكلامهم أرادوا تبصير العباد بالقرآن، وإنّك لتجد\nفي كلام ابن عبّاس أو مجاهد في التّفسير ما يحتاج إلى تفسير لجمهور النّاطقين بالعربيّة في زماننا، فضلا عن عموم المسلمين، وإنّما المطلوب الاهتداء ببيانهم، والحذر من الإتيان بما يخالفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>المسألة الثّالثة: ترجمة معاني القرآن</span>.\nالمقصود بالتّرجمة: نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، كنقل كلام من العربيّة إلى الإنجليزيّة، أو العكس.\nوهي نوعان: ١ - حرفيّة، وهي ما تأتي على سبيل المطابقة، بنقل اللّفظ إلى نظيره في اللّغة الأخرى، مع الموافقة في النّظم والتّرتيب.\n٢ - تفسيريّة، وهي بيان معنى الكلام في لغة أخرى، بما يتطابق فيه المقصود في اللّغة المنقول عنها واللّغة المنقول إليها، دون تقيّد بمراعاة المقابلات اللّفظيّة.\nوترجمة القرآن واقعة على هذين المعنيين، وكلاهما تخرجان القرآن عن قرآنيّته، فعربيّته وصف لازم له، وإن كان رسالة إلى جميع النّاس.\nوالتّرجمة بأيّ نوعيها كانت هي من قبيل التّفسير للقرآن، ولأجل هذا","vol":"1","page":355},{"text":"يتفاوت المترجمون في الإبانة عن المراد، وتختلف عباراتهم في اللّغة المترجم إليها، بل تختلف المعاني وتتعدّد، بمنزلة ما يقع من الاختلاف بين المفسّرين.\nوبخصوصها ثلاثة تنبيهات: التّنبيه الأوّل: يجب أن يتّصف المترجم بصفات المفسّر، ويتقيّد بالمنهج المتقدّم شرحه في التّفسير، مع خصلة زائدة، وهي: أن يكون متمكّنا في اللّغتين جميعا تمكّن أهل كلّ منهما العارفين بهما.\nولما نعلم من القصور في الواقع المشاهد عن تحقيق الشّروط اللّازمة في الشّخص الواحد، فإنّي أرى ضرورة حفظ الدّين توجب أن لا يقتصر في ترجمة معاني القرآن على عمل شخص واحد، مهما ظنّ تمكّنه في التّرجمة، بل تؤلّف لها لجان تجمع بين من تجتمع فيه خصال المفسّر، ومقتدرين أكفاء في معرفة اللّسانين، مع الأمانة والدّين.\nوسبب ذلك: أنّ شأن التّرجمة خطير، فإنّ من ترجمت له معاني القرآن بلغته، لا سبيل لديه لمعرفة الإسلام والقرآن إلّا تلك التّرجمة، بخلاف من لسانه العربيّة، فإنّ كلام الله بين يديه دون الوسائط.\nالتّنبيه الثّاني: لا يصحّ أن يلقّن غير العربيّ أنّ هذه التّرجمة لمعاني القرآن بلغته، هي القرآن، إنّما يجب أن يبصّر أن هذه اجتهاد\nبشر في بيان معاني كلام الله، جائز عليه الوهم والغلط والقصور، وواجب أن يبيّن ذلك ضمن تلك التّرجمات؛ لأنّنا رأينا من النّاس من أهل تلك اللّغات من","vol":"1","page":356},{"text":"يحسب التّرجمة هي عين القرآن، فإذا رأى أحدهم من بعد تفاوتا بين ترجمتين في لغته ورده الشّكّ.\nالتّنبيه الثّالث: للتّرجمة من القدسيّة والحرمة والمنزلة ما لسائر كتب التّفسير، لا ما يكون من ذلك للمصحف، إلّا إذا كتب معها.\nكما يلاحظ في ذلك ما يكون من الثّواب على تلاوة القرآن، فقراءة التّرجمة بمنزلة القراءة في «تفسير ابن كثير» مثلا، يؤجر عليها القارئ أجر التّعلّم، فإذا قرأ التّرجمة يرجو بها الأجر الّذي يحصّله التّالي على تلاوة القرآن، فإنّه يرجو رحيما جوادا كريما، وإنّي أخاف أن أقول: من قرأ حروف القرآن فله بكلّ حرف عشر حسنات، ومن عجز عن ذلك لعجمته فما تمكّن أن يصل إلى القرآن إلّا من خلال ترجمة معانيه، دون الأوّل في الأجر، بل أحبّ له أن يطمع في فضل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المسألة الرّابعة: الوقاية من مزالق الرّأي في كتب التّفسير</span>.\nلا يخلو كتاب من كتب التّفسير من نقد، وقد تقدّم أنّ كتب التّفسير بالمأثور مع الحرص على النّقل لم تسلم من النّقد، فكيف بمن تكلّم في التّفسير برأيه؟ فمظنّة الخلل في ذلك أشدّ، ولست أرى حجب النّاس عن النّظر في كتاب من كتب العلم والانتفاع بما فيه من الصّواب، لخطأ لا يسلم من مثله الإنسان بخلقته، بل هذه الكتب ينتفع بما فيها من خير، إلّا من يغلب على كتابه مجانبة الصّواب، وهذا لا\nيتصوّر إلّا في طائفة من","vol":"1","page":357},{"text":"المتعرّضين للتّفسير، قصدوا إلى نصرة بدعهم وأهوائهم بتأويل القرآن، وهم طائفتان سأذكرهم في المبحث الثّامن.\nوتحقيق الوقاية عند الأخذ من تلك التّفاسير المشار إليها، يكون بمراعاة أمرين:\nأوّلهما: استصحاب حقيقة أنّ كلّ أحد من البشر يؤخذ من قوله ويترك، إلّا رسول الله ﷺ.\nوثانيهما: معرفة سيرة المفسّر: تحصيله، تخصّصه، عقيدته، مذهبه، فالمدرسة الّتي تلقّى فيها، والشّيوخ الّذين أخذ عنهم، والمذهب الّذي اعتنى به، والبيئة والزّمن الّذي كان فيه، جميع ذلك قد يترك آثارا في شخصيّته تنعكس في صوابها وخطئها على ما يؤلّفه ويكتبه.\nفمفسّر عاش في بلاد الشّام في القرن السّابع الهجريّ، شيوخه حنابلة في الفقه والاعتقاد، والفقه أغلب عليه مع دراية صالحة بالحديث والأثر، مع حظّ حسن من اللّغة، وزمانه لم يخل من جدل كلاميّ، لكنّ خوض الحنابلة فيه أقلّ من غيرهم، فهذا تركن إليه النّفس في تفسيره في جانب العقائد، مع بعض الحذر، فإنّ لبعض الحنابلة في ذلك شططا في مسائل، فإن جاء على تفسير الأحكام فمظنون أنّ حظّ مذهبه فيه أكثر، وتحريره له أظهر، وقد لا يأتي على ذكر مذهب مخالفه أصلا.\nقابله بمفسّر من أهل زمانه: شيوخه في العقائد أشعريّة، ومذهبه في","vol":"1","page":358},{"text":"الفقه شافعيّ، مع اطّلاع حسن على المأثور، وتمكّن في العربيّة\nوفنونها، فهذا يفارق الحنبليّ بالحاجة إلى مزيد احتياط فيما يقوله في تفسير نصوص العقائد، فإنّ الأشعريّة أهل كلام، ومذاهبهم في الصّفات مخالفة للأثر، خارجة عن المنهج المعتبر، لكنّك تجد من البيان بأساليب المعاني والبيان فيما يضمّنه أحدهم تفسيره للقرآن، ما لا ينقضي من حسنه العجب.\nفإذا تيقّظت لهذا فلا عليك بعده أن تنتفع بما وقع لك من تلك الكتب، فالمظنّة في أصحابها أنّهم أئمّة المسلمين، قصدوا إلى الصّواب ونصح الأمّة، فسعيهم مشكور، وخطؤهم مغفور، لا يحسن بالعاقل الإعراض عن علم أحدهم لخطأ أخطأه قد بان وظهر.\nوقد صحّ عن معاذ بن جبل، ﵁، قال: «أحذّركم زيغة الحكيم، فإنّ الشّيطان قد يقول كلمة الضّلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقّ»، فقال له رجل من أصحابه: ما يدريني- رحمك الله- أنّ الحكيم قد يقول كلمة الضّلالة، وأنّ المنافق قد يقول كلمة الحقّ؟ قال: «بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات (وفي لفظ: المشتبهات) الّتي يقال لها: ما هذه! ولا يثنينّك ذلك عنه، فإنّه لعلّه أن يراجع، وتلقّ الحقّ إذا سمعته؛ فإنّ على الحقّ نورا» (١).\nقال البيهقيّ: «فأخبر معاذ بن جبل أنّ زيغة الحكيم لا توجب\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو داود (رقم: ٤٦١١) والبيهقيّ (١٠/ ٢١٠) وغيرهما بإسناد صحيح.","vol":"1","page":359},{"text":"الإعراض عنه، ولكن يترك من قوله ما ليس عليه نور، فإنّ على الحقّ نورا، يعني- والله أعلم- دلالة من كتاب أو سنّة أو إجماع أو قياس على بعض ذلك» (١).\nواعلم أنّ هذا الّذي ذكرت قصدت به من له حظّ من الاشتغال بالعلم، ولديه القدرة على تمييز ما أشرت إليه، فإن لم يكن كذلك بأن كان مقلّدا، فهذا عليه أن يستفتي من حضره من أهل العلم فيما يختاره من كتب التّفسير يعينه على فهم القرآن، قال الله ﷿: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النّحل: ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>المبحث الرابع: تسمية بعض جوامع التفسير</span>\nوهذا مراد به التّمثيل ببعض المصنّفات الّتي صارت مرجعا للنّاس في تفسير القرآن، ممّا قصد مصنّفوها إلى بيان القرآن بالأثر واللّغة والنّظر والتّدبّر، فبرز فيها جانب التّفسير بالرّأي، لكن ممّا يغلب عليه الصّواب، وأصحابها عرفوا بقصد الخير، والحرص على إصابة الهدى والسّنّة، وذلك سوى ما تقدّم التّمثيل ببعضه عند الكلام على التّفسير بالمأثور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>١ - المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز</span>.\nتأليف: الإمام أبي محمّد عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة، الغرناطيّ\n_________\n(١) السّنن الكبرى (١٠/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"1","page":360},{"text":"الأندلسيّ، المتوفّى سنة (٥٤١ هـ).\nكان إماما مبرّزا في التّفسير والعربيّة والفقه، وتفسيره من الأمّهات المعتبرة، والتّفاسير المفيدة المحرّرة، سلك فيه مسلك التّحقيق لما تقدّمه من كلام المفسّرين، مع اقتفاء لا بأس به للأثر، واعتناء بالعربيّة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «تفسير ابن عطيّة وأمثاله أتبع للسّنّة\nوالجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزّمخشريّ» (١)، ثمّ أخذ عليه في أمرين سأذكرهما من بعد.\nوقال أيضا- وقد ذكر تفسير الثّعلبيّ والبغويّ والواحديّ والزّمخشريّ والقرطبيّ وابن عطيّة-: «وتفسير ابن عطيّة خير من تفسير الزّمخشريّ، وأصحّ نقلا وبحثا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعلّه أرجح هذه التّفاسير، لكن تفسير ابن جرير أصحّ من هذه كلّها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٢ - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل</span>.\nتأليف: القاضي الإمام ناصر الدّين عبد الله بن عمر بن محمّد البيضاويّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة (٦٨٥ هـ).\nتفسيره يتّسم بنفس فقيه لغويّ، لا محدّث ذي دراية بالأسانيد والآثار\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":361},{"text":"المرويّة، مع أنّه ذكر في مقدّمته أنّه انتخبه ممّا بلغه من الأثر، وضمّ إليه فوائد استفادها من تحريرات المتأخّرين، أو ممّا فتح عليه به، مع الاعتناء باختلاف القرّاء وذكر وجوه القراءات، والإعراب.\nوهو كتاب مع استيعابه أشبه بالمختصر، وينطوي على فوائد كثيرة، لكن ليته لم يذيّل منه السّور بالحديث الموضوع المشهور في فضائلها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٣ - البحر المحيط</span>.\nتأليف: الإمام أبي حيّان محمّد بن يوسف بن عليّ الغرناطيّ الأندلسيّ، المتوفّى سنة (٧٤٥ هـ).\nكتابه موسوعة ضخمة في التّفسير، جمع وحرّر وناقش وقرّر، وبالغ في الاعتناء بالنّحو حتّى جاوز الحدّ المطلوب للقرآن، وهو فيه سيبويه زمانه، واعتنى بالقراءات عناية فائقة، مع قدر من الاعتناء بالأثر.\nقال شيخ القرّاء ابن الجزريّ: «له التّفسير الّذي لم يسبق إلى مثله، سمّاه البحر المحيط» (٢).\nوأبو حيّان كان إماما في علوم شتّى كالحديث والفقه، وإن غلبت عليه العربيّة، وكان من ثقات القرّاء ومتقنيهم، ظاهريّا في الفقه، صالحا ديّنا.\n_________\n(١) هو الحديث المرويّ عن أبيّ بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، بيّن ابن الجوزيّ في «الموضوعات» (رقم: ٤٧٠ - ٤٧٤) أنّه موضوع، وأقرّه عامّة المحقّقين.\n(٢) غاية النّهاية في طبقات القرّاء، لابن الجزريّ (٢/ ٢٨٦).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>٤ - نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور</span>.\nتأليف: الإمام برهان الدّين أبي الحسن إبراهيم بن عمر بن الحسن البقاعيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة (٨٨٥ هـ).\nنحا في تفسيره هذا طريقة مبتكرة، بناها على اعتبار المناسبة بين الآيات والسّور، فأوقف على أسرار كثيرة، ومعان جليلة، استفادها بالتّدبّر، تجري على مقتضى اللّغة وإفادة السّياق، مع مراعاة النّقل والحديث في المواضع المختلفة.\nوالحقّ أنّه كتاب جمّ الفائدة، كثير النّفع، غير أنّ مراعاة المناسبة\nبين السّور بنيت على القول: إنّ ترتيب السّور توقيفيّ، وقد تقدّم أنّ راجح القولين أنّ ترتيب السّور دخله الاجتهاد من قبل الصّحابة، وإن كان لا يمتنع أن تكون أكثر السّور استفيد ترتيبها في المصحف كما سمعت من النّبيّ ﷺ، ويؤخذ كذلك على مسلك اعتبار المناسبة عدم السّلامة من التّكلّف في كثير من المواضع، حتّى فيما بين الآيات في السّورة الواحدة إذا كانت السّورة تتحدّث عن أمور مختلفة، وسأنبّه على ذلك في الفصل التّالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>نقد هذه الكتب:</span>\nهذه الكتب تعدّ من أفضل المؤلّفات الجوامع في التّفسير، ممّا يتيسّر الوقوف عليه، إضافة إلى ما تقدّم ذكره من كتب التّفسير بالمأثور، وعلى ما وصفت من حسنها وما يعرف من جلالة مؤلّفيها، إلّا أنّها قد اشتملت على","vol":"1","page":363},{"text":"ما لا بدّ من التّنبيه عليه وأخذ الاحتياط فيه، فلها نصيب ممّا تقدّم ذكره من المآخذ على كتب التّفسير بالمأثور، وإن تفاوتت فيها قلّة وكثرة، وذلك بالاستشهاد بما لا يثبت وذكر الإسرائيليّات وإن قلّت أو ندرت في بعضها، وزادت على ذلك مأخذين:\nالمأخذ الأوّل: القصور في ذكر مذاهب السّلف وأقوالهم في التّفسير، مع الاعتناء بذكر أقوال غيرهم، ممّا يقع به أحيانا تفويت للمعرفة بذلك القول، وقد يكون أصوب الأقوال، بينما قول من بعدهم ربّما كان ستره خيرا من كشفه، كالأقوال الّتي تذكر في مسائل العقائد.\nالمأخذ الثّاني- وقد يكون نتيجة للّذي تقدّمه-: سلوك طريقة الخلف في تفسير آيات صفات الله ﷿، ومن ينبّه منهم على طريقة\nالسّلف لا يقتصر عليها أو لا يختارها، كالشّأن في تفسير الاستواء على العرش، وتكليم الله لموسى، ويد الله، ووجه الله، وأفعاله تعالى كرضاه وحبّه وسخطه وانتقامه، ممّا أضافه ﷿ لنفسه، فمذهب السّلف فيها إمرارها كما جاءت دون خوض في تفسيرها، فكلّها مثبتة كما أخبر الله بها عن نفسه، على ما يليق به، دون تشبيه له بخلقه.\nوالمنتسبون للسّنّة في هذه القضيّة ثلاثة أصناف، كلّهم قالوا:\nنثبت لله ما أثبته لنفسه، لكنّهم افترقوا في معنى الإثبات:\n[١] فصنف قالوا: لا معنى لليد والوجه والكلام إلّا ما نفهم، فاليد","vol":"1","page":364},{"text":"والوجه عضوان في البدن معلومان، والكلام لا يكون إلّا بفم ولسان وفكّين، فتخيّل هؤلاء من هذه الصّفات لربّهم صورة هي حاصل قياس الغائب على الشّاهد، حتّى قال بعضهم: لله جسم، فشبّهه بخلقه، تعالى الله عن ذلك، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١].\nواعلم أنّه ليس المراد بأصحاب هذا الاعتقاد طائفة اعتقدوا لله جسما كجسم الإنسان، فإنّ هذا لا يكاد يوجد فيمن ينتسب إلى الإسلام، وإنّما هو ممّا يشنّع به المخالفون على بعضهم، بل لو جزمت بنفي وجوده في الواقع في المسلمين لم تلم إن شاء الله؛ لأنّ متعلّق النّاس ظواهر النّصوص، وليس فيها ما يسوّل لنفس أن تبني لله ﷿ صورة في الأذهان.\nوحين يقولون: «فلان كان مجسّما» فإن كان نعت بذلك من صاحب سنّة واتّباع، فمراده ما تقدّم ذكره من أنّ فلانا هذا أثبت لله الصّفات مع اعتقاد صورة تلك الصّفة على ما عهد في عالم الشّهادة،\nوإن كان نعت بذلك من قبل الصّنف التّالي، فربّما قصد به من يعتقد مذهب السّلف، ممّن يمرّها كما جاءت دون تفسير.\nولم يزل لهذا الصّنف الّذي يجري الصّفات على الظّاهر المعلوم في عالم الشّهادة بقيّة إلى يومنا، فرأينا من يقول: (لله عينان اثنتان) ثمّ يستدلّ لذلك بأنّ النّبيّ ﷺ نفى عن الله العور (١)، قال: (والعور في اللّغة: ذهاب حاسّة\n_________\n(١) كما في الحديث الوارد في ذكر المسيح الدّجّال، وقول النّبيّ ﷺ فيه: «إنّه أعور، وإنّ الله ليس بأعور» أخرجه البخاريّ (رقم: ٣١٥٩) ومسلم (رقم: ١٦٩).","vol":"1","page":365},{"text":"إحدى العينين، فدلّ على أنّ لله عينين)، وهذا تجوّز ظاهر، فإنّ اللّغة إنّما عرّفت ذلك في المخلوق، وتفسير صفة الخالق بصفة المخلوق تشبيه، والله تعالى لا مثل له يقاس به.\n[٢] وصنف خافوا من إثبات الظّاهر؛ لأنّهم ظنّوا بينه وبين التّشبيه تلازما، فهرعوا إلى تفسير الصّفة بشيء من لازمها، ففسّروا مثلا اليد بالنّعمة والقدرة، وقالوا: تعبير القرآن مجاز لا حقيقة، وخاضوا في ذلك خوضا عجيبا واضطربوا، وما استقرّوا فيه على قدم، وآفة ذلك دخلت عليهم من جهة ما حسبوه تشبيها بإثبات الظّاهر، ومن جهة\nالتّأثّر بإلزامات الطّوائف الخارجة عن السّنّة كالمعتزلة، مع أنّهم بطريقتهم لم ينفكّوا عن تلك الإلزامات على أيّ حال، ومن جهة ثالثة: ما تركوا به منهج الأئمّة الأوّلين، والّذين كانوا أعلم بالله ممّن بعدهم.\n[٣] والصّنف الثّالث، طائفة قالوا: نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه على الوجه الّذي أراد، لا نفسّره ولا نزيد، مع اعتقاد التّنزيه عن مشابهة الخلق، وظاهر الألفاظ عندهم مراد لكن على ما يعلم الله منها،\nقالوا: ولا فرق بين أن نؤمن أنّ الله تعالى حيّ سميع بصير، وأنّ له يدين، وأنّه استوى على العرش، وأنّه يحيي ويميت ويرضى ويغضب ويتكلّم، فهذه وغيرها ممّا نسبه الله لنفسه ونسبه إليه رسوله ﷺ ممّا حجب الله عنّا كيف يكون.\nوليس بين هذا وبين إدراك معاني هذه الألفاظ ودلالاتها في اللّسان إشكال، فنحن نجأر إلى الله بالدّعاء والتّسبيح والذّكر، ونعلم بلا ريبة أنّ","vol":"1","page":366},{"text":"الله يرانا ويسمعنا ويعلم حالنا، وما ذلك إلّا بما نفهمه من معنى السّمع والبصر والعلم ممّا أخبرنا به عن نفسه، لكن لا ندري كيف.\nوهذا الاعتقاد قد جمع بين الإثبات والتّنزيه.\nوهو الحقّ من هذه المسالك، فإنّ أصحابه لم يزيدوا في تفسير النّصوص بآرائهم، وهذا هو الموافق للسّنّة، والصّنفان الأوّلان ليسا على السّنّة ولا طريق الجماعة الأولى أئمّة الإسلام: كأبي حنيفة ومالك وسفيان الثّوريّ والشّافعيّ وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، والحميديّ، والبخاريّ، وإخوانهم، فإنّهم أدركوا البدع في هذا الباب وردّوها بالوقوف عند الخبر، وترك مجاوزته بالنّظر، وطريقهم هو الأسلم والأعلم والأحكم.\nوعليه: فأكثر المفسّرين ممّن وقعوا في التّأويل للصّفات من الأمثلة الأربعة المذكورة، ومن سواهم ممّن سلك هذا السّبيل، سلكوا منهج المتكلّمين من الأشعريّة، إذ كان هو المنهج السّائد في مدارس التّلقّي في أزمنتهم، ولم يزل إلى يومنا هذا في كثير من المدارس الإسلاميّة، ومع قصد أتباعه إلى نصر السّنّة، لكنّهم وقعوا في موافقة\nالمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في كثير من الأصول، فطريقهم في هذا ليس السّنّة، ولا منهج الجماعة، وهم يقرّون بالتّفريق بين منهج السّلف ومنهج الخلف في هذا، فالله يغفر لهم، فقد قصدوا الإحسان، والله تعالى يقول: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التّوبة: ٩١].","vol":"1","page":367},{"text":"واعلم أنّ هذا المأخذ لم تسلم منه أكثر كتب التّفسير المتأخّرة، فاحفظ ذلك، واعلم أنّه مندرج تحت التّفسير بالرّأي غير المحمود، وإن وقع من فاضل، فكلّ يؤخذ من قوله ويترك إلّا النّبيّ ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المبحث الخامس: تفاسير الفقهاء</span>\nوالمقصود به طائفة من أهل العلم قصدت إلى التّركيز على تفسير آيات الأحكام الّتي تشرح شرائع الإسلام وتبيّن الحلال والحرام، وإذا تعرّضوا لما سوى ذلك فهو مقصود بالتّبع لا بالأصالة، وتقدّم أن نبّهت على طرف ممّا صنّف في ذلك في (تاريخ التّفسير).\nوأنا ذاكر هنا وصفا موجزا لأربع من أمّهات المراجع في هذا الباب، وهي موزّعة على المذاهب الفقهيّة الثّلاثة: الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة، أذكرها مسلسلة حسب القدم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>١ - أحكام القرآن:</span>\nتأليف: أبي بكر أحمد بن عليّ الرّازيّ الجصّاص، المتوفّى سنة (٣٧٠ هـ).\nتقدّم في (تاريخ التّفسير) أنّ الجصّاص جرى فيه على خطا أبي\nجعفر الطّحاويّ في تصنيفه في هذا الباب، وهو إمام في المذهب، ثقة.\nوكتابه هذا موضوع على طريقة الحنفيّة في الفقه، والتزم فيه تفسير آيات الأحكام خاصّة، قد يجاوزها إلى غيرها قليلا، ويعتني بتقرير ذلك من جهة","vol":"1","page":368},{"text":"اللّغة والأصول، كما يعتمد على النّقل من الحديث والأثر، ويسوق كثيرا من ذلك بأسانيده، ويذكر خلاف الفقهاء، ويناقشه، لكن فيما يصير في نتيجته إلى ترجيح مذهب أبي حنيفة وأصحابه.\nوالكتاب في الجملة: مرجع ضروريّ في أدلّة مذهب الحنفيّة من الكتاب والسّنّة والأثر، وتخريج خلافهم، بل هو من المراجع المهمّة في فقه الخلاف، كما أنّه نموذج مفيد لتطبيق الأصول على الفروع.\nومن المأخذ عليه: أنّه في قلّة ما خرج به عن آيات الأحكام، فقد فسّر بعض الآيات المشتملة على ذكر صفات الباري ﷿، فجرى لسانه فيها بالتّأويل على طريقة الخلف، كتفسير ذكر اليدين في سورة المائدة، وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٢ - أحكام القرآن:</span>\nتأليف: الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ الطّبريّ، الملقّب «الكيا» الهرّاسيّ، المتوفّى سنة (٥٠٤ هـ).\nكان من رءوس الشّافعيّة، وكتابه المذكور بناه على كتاب الجصّاص، لكنّه انتصر لمذهب الشّافعيّة، وهو يأتي على كلام الجصّاص فيختصر منه ما وافقه فيه، ويستقلّ\nبتحرير قول الشّافعيّة عنه، وربّما نبّه على بعض ما أخذه عن الجصّاص في ثنايا الكتاب، لكن ليته\nشرح ذلك وبيّنه في مقدّمته، لئلّا يظنّ أنّ تلك عبارته، فإنّ من لا يخبر الكتابين لا يتبيّن له ذلك.\nوكتابه دون كتاب الجصّاص، لكنّه مفيد على طريقة مذهبه.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>٣ - أحكام القرآن:</span>\nتأليف: الإمام المحقّق القاضي أبي بكر محمّد بن عبد الله الإشبيليّ المعروف ب «ابن العربيّ»، المتوفّى سنة (٥٤٣ هـ).\nكتابه من أجلّ هذه الكتب الموضوعة في هذا الباب، سلك فيه طريقة حسنة مبتكرة، وذلك أنّه يرقم الآيات الدّالّة على الأحكام في السّورة، فإذا ذكر الآية المقصودة بالتّفسير، وكانت مشتملة على أنواع من الأحكام، قال: (وفيها كذا مسألة) ويحصرها بالعدد، ثمّ يسوقها، وفي ذلك من تقريب العلم وتيسير أخذه ما لا يخفى.\nثمّ إنّه وإن اعتنى بمذهب مالك، وحرّر من أقوال أصحابه، وجرى في الغالب على منهاجه، إلّا أنّه استقلّ باستدلال ونظر، فأتى من ذلك بدرر، وهكذا شأن من لم يحكمه التّقليد وقدّم اعتبار صحيح الأثر.\nوكان قد استقى من كتاب «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي المالكيّ، والّذي يعدّ في التّصنيف في هذا الباب أوّل مبتكر.\nوالإنصاف واجب، فكتاب ابن العربيّ زاد لا يستغني عنه الفقيه على أيّ المذاهب جرى وإلى أيّها انتصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>٤ - الجامع لأحكام القرآن</span>.\nتأليف: الإمام أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبيّ، المتوفّى سنة (٦٧١ هـ).","vol":"1","page":370},{"text":"هذا الكتاب لولا ما بقي بعده من حظّ في فهم كتاب الله، لصحّ القول: طابق في مضمونه مسمّاه، فإنّه جمع ما بلغه في التّفسير واستقصى، وزاد عليه بالتّدبّر والنّظر والوقوف على ما لم يسبق إلى ذكره في التّفسير من الأثر، فوائد كثيرة، وتحقيقات نافعة، مع دراية بالعربيّة ومذاهب أهلها، واختلاف الفقهاء، ممّا يشهد بتبحّره وسعة اطّلاعه.\nومع مالكيّته فإنّه لم يقتصر على مذهبه، ومع قصده تفسير آيات الأحكام لكنّه تعرّض لتفسير جميع القرآن.\nوقد اشترط فيه اتّباع أحسن طرق التّفسير، ممّا تقدّم بيانه، وحذّر من خطورة التّفسير بالرّأي، وحقّق ذلك في الجملة، ولكنّ الطّمع في الزّيادة سبيل قلّ من ينجو منه من المؤلّفين، فأوقعه ذلك في ذكر الحديث الموضوع والمنكر والأخبار الإسرائيليّة، وكان يغنيه ما يسوقه من ثابت الأخبار عن ذلك، كما ذكر فيه من مسائل الفقه والأحكام ما لا صلة له بالقرآن.\nكذلك يتطرّق إلى ذكر الخلاف بين أهل الكلام في بعض مسائل العقائد، وكان يكفيه الاقتصار على ذكر مذاهب السّلف، فإنّ النّاس لا يحتاجون إلى خلط المتكلّمين، غير أنّ هذه السّمة كانت جزءا من الثّقافة الشّائعة في ذلك الوقت، فلا يكاد ينفكّ أكثر العلماء عن التّأثّر بها.\nوممّا ينبّه عليه كذلك: أنّه جرى في خطّة تصنيفه على منهج القاضي أبي بكر ابن العربيّ، وكاد أن يستوعب ذكر مسائله بحروفها، كذلك اعتمد","vol":"1","page":371},{"text":"على تفسير ابن عطيّة «المحرّر الوجيز»، بل كان من أهمّ مراجعه (١)، وكثيرا ينقل كلامهما دون عزوه إليهما.\nوفي الجملة: فهو من جوامع التّفسير المعتبرة، ومرجع معتمد فيه، ومن أمّهات كتب الفقه، وحجّة فيما ينقله من مذهب أصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>المبحث السادس: التفاسير اللغوية</span>\nكما اعتنت طائفة من علماء الأمّة بجمع المأثور وتتبّعه في التّفسير، وأخرى بما يستفاد منه من الفقه والأحكام، وذلك بالإفراد بالتّأليف، فإنّ آخرين قصدوا إلى الاعتناء ببيان نحوه بالإعراب، وبلاغته بإظهار أنواع المعاني والبيان والبديع، كما أبرزت طائفة معانيه وغريبه من جهة ما عرف عن العرب.\nوهذه الوجوه قد اعتنت بها جوامع التّفسير، كالأمثلة المتقدّمة، لكنّ المقصود هنا ما أفرد فيها من الكتب.\nوأنا ذاكر من ذلك أمثلة من جوامع تلك الكتب تحقّق الغرض إن شاء الله، إضافة لما تقدّم ذكره في (تاريخ التّفسير) (٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>١ - إعراب القرآن</span>.\n_________\n(١) وانظر: مقدّمة ابن خلدون (٢/ ٥٣٣).\n(٢) انظر (ص: ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"1","page":372},{"text":"تأليف: إمام النّحو أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النّحّاس، المتوفّى سنة (٣٣٨ هـ).\nوهذا الكتاب أفرده مؤلّفه في إعراب القرآن والقراءات واختلافها، وأتى فيه على علوم من تقدّمه في النّحو، فقرّبها وأوجزها، معزوّة\nإليهم بالعبارة، وهو بحقّ من أجلّ ما يرجع إليه في هذا الباب، مطبوع بتمامه، وبمثله الغنى إن شاء الله عن كشّاف الزّمخشريّ المعتزليّ وشبهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>٢ - مشكل إعراب القرآن</span>.\nتأليف: الإمام أبي محمّد مكّيّ بن أبي طالب القيسيّ القرطبيّ، المتوفّى سنة (٤٣٧ هـ).\nهذا الكتاب كما سمّاه مؤلّفه اعتنى فيه بإعراب ما يشكل، لا جميع مفردات القرآن، كما أنّه ألّفه لمن له حظّ من علم النّحو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>٣ - إملاء ما منّ به الرّحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن </span>(١).\nتأليف: الإمام أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبريّ الحنبليّ، المتوفّى سنة (٦١٦ هـ).\n_________\n(١) هكذا أثبت اسمه في طبعته المصريّة، والّتي كانت سنة ١٣٨٩ هـ، وصوّرت في بيروت سنة ١٣٩٩ هـ، وجاء في آخر الكتاب: «وهذا آخر ما تيسّر من إملاء كتاب التّبيان في إعراب القرآن».","vol":"1","page":373},{"text":"وهذا مختصر يحقّق كثيرا ممّا يقصده من يريد معرفة إعراب القرآن.\nوفي عصرنا ألّفت كتب مفيدة في هذا الباب، وزادت بيان بلاغة القرآن كذلك، من أبرزها كتاب «إعراب القرآن وبيانه» من تأليف الأستاذ محيي الدّين الدّرويش الحمصيّ، المتوفّى سنة (١٤٠٢ هـ)، وهو كتاب فريد في أسلوبه واستيعابه وسهولة عرضه، اعتنى فيه بالإعراب أحسن عناية، فأعرب القرآن مفردة مفردة، ونبّه على الصّور البلاغيّة\nفيه، مع شرح غريبه، لكن يؤخذ عليه التّأثّر بقول المؤوّلة في صفات الله، وتارة يقف عند مذهب السّلف، فإذا استثنيت هذا فالكتاب في موضوعه كبير الفائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>المبحث السابع: تفاسير الصوفية</span>\nويسمّى (التّفسير الإشاريّ).\nوهو تفسير اللّفظ بغير المتبادر من ظاهره، أو: استخراج معاني كامنة وراء الظّاهر.\nوهو أيضا التّفسير بما يسمّيه الصّوفيّة «العلم اللّدنّي» أخذا من قول الله ﷿ في شأن الخضر ﵇: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥].\nمثل قولهم في قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النّساء: ٣٦]: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى هو القلب،","vol":"1","page":374},{"text":"وَالْجارِ الْجُنُبِ النّفس، وَابْنَ السَّبِيلِ الجوارح.\nوقول أحدهم في قوله تعالى: فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ [طه: ٤٠] قال: نجّيناك من الغمّ بقومك، وفتنّاك بنا عمّن سوانا (١).\nوقال آخر في قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥]: من لا يجتهد في معرفته لا يقبل خدمته (٢).\nوقد سئل الإمام أبو عمرو ابن الصّلاح عن هذا النّوع من التّفسير؟ فأجاب: «الظّنّ بمن يوثق به منهم أنّه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنّه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشّرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنّه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسالك الباطنيّة، وإنّما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإنّ النّظير يذكر بالنّظير» قال: «ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك؛ لما فيه من الإيهام والالتباس» (٣).\nوسلك هذا الطّريق في التّفسير طائفة، وألّفوا فيه، أبرزهم رجلان:\nالأوّل: أبو عبد الرّحمن محمّد بن الحسين السّلميّ النّيسابوريّ، المتوفّى سنة (٤١٢ هـ).\nكبير الصّوفيّة في وقته، وكان محدّثا حافظا، لكنّه ألّف كتابا في التّفسير\n_________\n(١) انظر: تلبيس إبليس، لابن الجوزيّ (ص: ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٢) طبقات الصّوفيّة، لأبي عبد الرّحمن السّلميّ (ص: ٤٣٩).\n(٣) فتاوى ابن الصّلاح (١/ ١٩٦ - ١٩٧) وذكر الزّركشيّ هذا الكلام بنصّه في «البرهان» (٢/ ١٧٠، ١٧١) عنه كذلك.","vol":"1","page":375},{"text":"سمّاه «حقائق التّفسير» ضمّنه هذا النّوع من التّفسير المسمّى ب (الإشاريّ)، وحكى فيه مقالات الصّوفيّة وعباراتهم، وفيها ما لا يحتمل، بل ينبو عنه الظّاهر، وفي الاعتذار عنه تكلّف شديد.\nوشدّد كثير من العلماء النّكير على هذا الكتاب، وعابوه على السّلميّ، حتّى بالغ الواحديّ المفسّر فقال: «صنّف أبو عبد الرّحمن السّلميّ (حقائق التّفسير)، فإن كان قد اعتقد أنّ ذلك تفسير، فقد كفر» (١).\nوقال الذّهبيّ: «في حقائق تفسيره أشياء لا تسوغ أصلا، عدّها بعض الأئمّة من زندقة الباطنيّة، وعدّها بعضهم عرفانا وحقيقة» (٢).\nوانتقده شيخ الإسلام ابن تيميّة، ولكن بعبارة أخفّ (٣).\nوظاهر الأمر أنّ السّلميّ كان ناقلا، وإن عيب فبحكايته ما لا يحتمل حتّى مع التّكلّف في تأويله، لا أنّه يؤاخذ بشيء قاله من جهة نفسه.\nوالثّاني: الشّيخ محيي الدّين محمّد بن عليّ بن محمّد الطّائيّ الحاتميّ، المعروف ب «ابن عربيّ»، المتوفّى سنة (٦٣٨ هـ).\nوهو متّهم في دينه عند جمهور أئمّة المسلمين، ومنهم من كفّره، وهو رأس القائلين بفكرة وحدة الوجود، وزعم لنفسه أنّه خاتم الأولياء،\n_________\n(١) فتاوى ابن الصّلاح (١/ ١٩٧).\n(٢) سير أعلام النّبلاء، للذّهبيّ (١٧/ ٢٥٢).\n(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٣٠).","vol":"1","page":376},{"text":"وتكلّم بالألفاظ الكفريّة، وله تفسير على طريقته، لكن ما حمل النّاس عليه في شيء من كتبه كالّذي حملوه عليه في كتابه «فصوص الحكم»، ذلك لما رأوا فيه من شنيع العبارة، وفي كلامه ما يشقّ على المسلم حكايته، نسأل الله العفو والعافية، وأمره إلى الله، وقد أغنى الله المسلمين عنه وعن كتبه، فإن كان عنده حقّ فإنّه لم يقصر عليه، والحمد لله (١).\nفتفسير هذه الطّائفة للقرآن تفسير على غير مقتضى الظّاهر، وربّما\nسمّاه بعض العلماء «تفسيرا باطنيّا»، وجعل أصحابه كالقرامطة (٢)، وهم طائفة «يدّعون أنّ للقرآن والإسلام باطنا يخالف الظّاهر»، وحقيقة أمرهم أنّ «ظاهرهم الرّفض، وباطنهم الكفر المحض» (٣).\nلكن التّحقيق أنّ مسلكهم في التّفسير وإن أشبهوا فيه الباطنيّة القرامطة، إلّا أنّه لا يبلغ مبلغهم، فأولئك ملاحدة زنادقة، ولشيخ الإسلام ابن تيميّة\n_________\n(١) انظر ترجمته في: «سير أعلام النّبلاء» للذّهبيّ (٢٣/ ٤٨)، «تاريخ الإسلام» له (وفيات سنة ٦٣١ - ٦٤٠، ص: ٣٧٤)، «الوافي بالوفيات» للصّفديّ (٤/ ١٧٣)، «البداية والنّهاية» لابن كثير (١٣/ ١٨٤)، «لسان الميزان» لابن حجر (٥/ ٣٠٧).\n(٢) هم طائفة من المارقة، ظهر أمرهم في خلافة المعتضد العبّاسيّ في سنة (٢٧٨ هـ)، وكان منهم بعد ذلك شرّ عظيم، أظهروا الكفر، واستباحوا المحرّمات، ووقعت منهم أعاجيب، وقيل في نسبتهم: إنّ (قرمط) لقب لرجل من أهل الكوفة اسمه (حمدان)، أوّل من أظهر هذه الدّعوة، وقيل غير ذلك، وانظر خبرهم في «الكامل» لابن الأثير (٦/ ٦٩) و«الأنساب» للسّمعانيّ (١٠/ ٣٨٧).\n(٣) مجموع الفتاوى، لابن تيميّة (١٣/ ١٢٧).","vol":"1","page":377},{"text":"كلام محرّر يفصل في سبيل هذين الفريقين، ويبيّن الحكم في هذا النّمط من التّفسير، قال ﵀: «وجماع القول في ذلك أنّ هذا الباب نوعان:\nأحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا؛ لكونه مخالفا لما علم، فهذا هو في نفسه باطل، فلا يكون الدّليل عليه إلّا باطلا؛ لأنّ الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنّه حقّ.\nوالثّاني: ما كان في نفسه حقّا، لكن يستدلّون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك، فهذا الّذي يسمّونه (إشارات)، و(حقائق التّفسير) لأبي عبد الرّحمن فيه من هذا الباب شيء كثير.\nوأمّا النّوع الأوّل فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين في أصول دينهم».\nقال: «وأمّا النّوع الثّاني، فهو الّذي يشتبه كثيرا على بعض النّاس، فإنّ المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسّنّة عليه، ولكنّ الشّأن في كون اللّفظ الّذي يذكرونه دلّ عليه، وهذا قسمان:\nأحدهما: أن يقال: إنّ ذلك المعنى مراد باللّفظ، فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: ٦٧] هي النّفس، وبقوله: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ* [طه: ٢٤] هو القلب، وَالَّذِينَ مَعَهُ* أبو بكر، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان، تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح: ٢٩] عليّ، فقد كذب على الله، إمّا متعمّدا، وإمّا مخطئا.","vol":"1","page":378},{"text":"والثّاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللّفظ، فهذا من نوع القياس، فالّذي تسمّيه الفقهاء (قياسا) هو الّذي تسمّيه الصّوفيّة (إشارة)، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك.\nفمن سمع قول الله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ [الواقعة: ٧٩]، وقال: إنّه اللّوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أنّ اللّوح المحفوظ الّذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسّه إلّا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلّا القلوب الطّاهرة، وهي قلوب المتّقين، كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السّلف» (١).\nقلت: فهذا يبيّن أنّ التّفسير الإشاريّ ليس جميعه مرفوضا، بل\nمنه ما هو صحيح مقبول، وقرّب هذا العلّامة ابن القيّم فذكر لقبوله أربعة شروط، هي:\n١ - أن لا يناقض معنى الآية.\n٢ - أن يكون معنى صحيحا في نفسه.\n٣ - أن يكون في اللّفظ إشعار به.\n٤ - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، لابن تيميّة (١٣/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(٢) التّبيان في أقسام القرآن، لابن القيّم (ص: ٥٠).","vol":"1","page":379},{"text":"فمن فسّر الصّلاة والزّكاة بمعناهما الشّرعيّ في الكتاب والسّنّة، ثمّ قال: الصّلاة: صلة بين العبد وربّه، والزّكاة: تطهير النّفس من أوساخ الدّنيا، فهذا التّفسير صحيح معتبر، قد جاء على تحقيق الشّروط المذكورة.\nوكان الإمام السّريّ السّقطيّ سيّد الصّوفيّة يقول: «من ادّعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط» (١).\nواعلم أنّ من الجوامع الّتي اعتنت بذكر التّفسير الإشاريّ مضافا إلى التّفسير المعهود: بالأثر والرّأي: تفسير «روح المعاني» للعلّامة شهاب الدّين أبي الثّناء محمود بن عبد الله الآلوسيّ، المتوفّى سنة (١٢٧٠ هـ)، وتفسيره جامع واسع، وجميع ما ذكرت من المآخذ على كتب التّفسير بالمأثور أو بالرّأي أو التّفسير الإشاريّ، فإنّه ضرب منه بنصيب، لكن الأشبه أنّه أراد في العقائد مذهب السّلف، وإن ترجّح منه غير ذلك في بعض المواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>المبحث الثامن: التفسير بالرأي الفاسد</span>\nالّذي قصدت التّنبيه عليه في هذا المبحث: تلك المؤلّفات في التّفسير الّتي وضعت لتأييد البدع في العقائد، أو جرت في تحقيق هذا المأرب لأهل الأهواء.\n_________\n(١) تلبيس إبليس، لابن الجوزيّ (ص: ١٦٨).\nوالسّريّ تلميذ معروف الكرخيّ، وشيخ الجنيد بن محمّد، ﵏.","vol":"1","page":380},{"text":"وذلك كالكتب الّتي نصرت مذاهب المعتزلة في التّوحيد وغيره من عقائدهم، فحرّفوا فيها معاني الكتاب، وأسقطوا اعتبار السّنن الثّابتة، وجانبوا فيها الآثار.\nوكالكتب الّتي وضعها بعض الرّافضة في الغلوّ في أهل البيت، والطّعن في سادات الأمّة من أصحاب النّبيّ ﷺ، والّتي تشتمل على الأخبار الواهية الّتي لا تقوم في ميزان النّقد.\nكقولهم: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ* [الرّحمن: ١٩]: عليّ وفاطمة، واللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرّحمن: ٢٢]: الحسن والحسين.\nوقولهم: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قالوا: أبو بكر، يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يعني محمّدا، يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا يعني عمر، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩] يعني عليّا.\nوقولهم في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التّوبة: ٤٠] لا يلزم من الصّحبة الإيمان؛ لأنّ الله يقول: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ [الكهف: ٣٧].\nوتفاسير الرّافضة ظاهرة العوار، لا يحتاج كشفها إلى كثير علم.\nوإنّما الّذي يلتبس على كثير من النّاس الكتب الّتي احتوت سموم المعتزلة والمشكّكة، والتّنبيه بالتّعيين على كتابين في ذلك:","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>الأوّل: الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل</span>.\nتأليف: أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزّمخشريّ، المتوفّى سنة (٥٣٨ هـ).\nهذا الكتاب لرأس من رءوس الاعتزال، وفحل من فحول العربيّة، جنّد معرفته باللّسان لنصر مذهبه في هذا الكتاب.\nقال ابن تيميّة: «وأمّا الزّمخشريّ فتفسيره محشوّ بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة، من إنكار الصّفات والرّؤية، والقول بخلق القرآن، وأنكر أنّ الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة، ... مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلّة النّقل عن الصّحابة والتّابعين» (١).\nوقال وقد ذكر تفاسير المعتزلة: «ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، كصاحب الكشّاف ونحوه، حتّى إنّه يروج على خلق كثير ممّن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله» (٢).\nوقد تعقّبه بالنّقد لأباطيله في العقائد كثير من العلماء، بل إنّهم تعقّبوه حتّى في العربيّة وخطّئوه في طرف منها، ومن أهل العلم من\nمنع النّظر فيه، لكن قال الحافظ ابن حجر: «من رسخت قدمه في السّنّة، وقرأ طرفا من\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩٢).","vol":"1","page":382},{"text":"اختلاف المقالات، انتفع بتفسيره، ولم يضرّه ما يخشى من دسائسه» (١).\nقلت: لقد أتى كثير من المفسّرين بعده فانتزعوا فوائد كتابه، وزادوا، فأغنى ما كتبوا عن ذلك الكتاب، ولا تحسبن أن سيفوتك بفواته ما لا تجده عند سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>والثّاني: مفاتيح الغيب، أو: التّفسير الكبير</span>.\nتأليف: العلّامة النّظّار فخر الدّين محمّد بن عمر بن الحسين الرّازيّ، المتوفّى سنة (٦٠٦ هـ).\nهذا الكتاب على كبر حجمه، فإنّك إن سلمت من تشكيكاته، فلا أحسبك تخرج منه بفائدة ينفرد بها في تفسير القرآن، وفيه ظلمة، ولعلّك ترى هذا الوصف في عامّة مصنّفات الرّازيّ.\nوذلك لما شحن به هذا الكتاب من الآراء الفلسفيّة الّتي لا تعود بنفع.\nوقد قال بعض العلماء: «فيه كلّ شيء إلّا التّفسير» (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر: «كان يعاب بإيراد الشّبه الشّديدة، ويقصّر في حلّها، حتّى قال بعض المغاربة: يورد الشّبه نقدا، ويحلّها نسيئة» (٣).\nوقد أغناك الله عن هذا الكتاب بما تقدّم ذكره من الكتب، وبما سيأتي، وبما هو على مناهج ذلك.\n_________\n(١) لسان الميزان، لابن حجر (٦/ ٤ - ٥).\n(٢) الإتقان، للسّيوطيّ (٢/ ٥٣٩).\n(٣) لسان الميزان (٤/ ٥٠٥).","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المبحث التاسع: التفاسير المعاصرة</span>\nإفرادها بالتّنبيه؛ من أجل ما تميّزت به من المنهجيّة المناسبة للعصر، في لغة الإنشاء، ولغة المضمون.\nفأمّا لغة الإنشاء، فإنّ لغة التّفسير في العصور الماضية كانت أشبه بخطاب الخاصّة، فلا يكاد ينتفع بها عموم النّاس، ولعلّ من أبرز أسباب ذلك: أنّ تداول الكتاب لم يكن ميسورا إلّا لمن تعنّى طلب العلم، بخلاف زماننا، فإنّ ما أنعم الله تعالى به على بني الإنسان من وسائل الطّباعة والنّشر ذلّل ذلك، حتّى يسّر اقتناء الكتاب لكلّ من شاء.\nوحسن أن يكتب التّفسير لعموم المسلمين باللّغة الّتي تيسّر عليهم فهم القرآن، لكن لا يصحّ أن يهبط الكاتب في التّفسير إلى لغة الإعلام المعاصر، والّتي هي في الحقيقة مزيج في التّعابير من لغات شتّى، وإن كانت بمفردات عربيّة!!\nوأمّا لغة المضمون، فإنّ العلم الحديث قد أوقف الإنسان على كثير من أسرار الخلق، ممّا يجد المفسّر ارتباطه بالقرآن ارتباطا مباشرا، بل إنّه ليوقف على حقائق لم يتهيّأ لمن سبق من المفسّرين الوقوف عليها، ولا ريبة أنّ هذا جانب مقصود مأمور به بعموم الأمر بتدبّر القرآن، وإن كنّا نرى ضرورة ضبطه ببعض الضّوابط.\nكذلك لاحظت كتب التّفسير المعاصرة مستجدّات هذا العصر، وما","vol":"1","page":384},{"text":"يلامس حاجة المسلم اليوم.\nونماذج تلك الكتب كثيرة، ولا نزال نرى فيها الجديد، لكنّي رأيت انتخاب أربعة من مشاهيرها، لأربعة من علماء العصر الحديث، اختلفت مناهجهم في صياغة التّفسير:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>١ - تفسير المنار</span>.\nتأليف: العلّامة المصلح محمّد رشيد رضا القلمونيّ، البغداديّ الأصل، المتوفّى سنة (١٣٥٤ هـ).\nهذا التّفسير مبتداه دروس الشّيخ محمّد عبده، ﵀، استفادها الشّيخ محمّد رشيد، فبنى عليها، وزاد، وهي تستند إلى النّقل والأثر، كما تمتاز بالنّظر الجريء، بعبارة عليها طابع التّجديد، مع الرّبط بمقتضيات الواقع ومتغيّراته، واعتناء بتعليل الأحكام بما يتوافق مع العلم الحديث، وله فيه من الرّأي ما يناقش كغيره، بل فيه ما يردّ عليه، خاصّة ما تضمّنه من ردّ بعض الحديث الصّحيح بالرّأي، والّذي يعدّ من أكبر المآخذ عليه.\nوهو وثيقة تاريخيّة إضافة إلى كونه تفسيرا؛ لأنّه امتدّت كتابته سنين طويلة، وكان ما يكتب فيه مراعيا للحدث.\nوالأصل أنّ الشّيخ رشيدا كان ينشر هذا التّفسير ضمن مجلّة «المنار»، ثمّ استقلّ عنها بالنّشر.\nوقد حظي في وقته بإقبال النّاس عليه، ولم يزل له اعتباره في نظر","vol":"1","page":385},{"text":"الباحثين وأهل العلم، وفيه خير كثير، مع أنّه لم يتمّه، إنّما انتهى\nفيه إلى الآية (١٠١) من سورة يوسف، فكان آخره تفسير قوله تعالى:\nتَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، فتوفّاه الله عندئذ، فهي بشارة خير له، ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٢ - في ظلال القرآن</span>.\nتأليف: الأديب العالم المفكّر سيّد بن قطب بن إبراهيم المصريّ، المقتول شهيدا إن شاء الله سنة (١٣٨٧ هـ).\nهذا الكتاب عصارة تدبّر رجل أوتي نصيبا وافرا من أدب النّثر والكتابة، ليس لغويّا برع في تحليل الألفاظ وتراكيبها، أو فقيها غاص في دقائق الشّرائع، أو نظّارا قصد\nإلى أساليب الجدل وخاض في متاهات النّظر، ولكنّه رجل أقبل على القرآن يتأمّل معانيه، مسترشدا ببعض كتب التّفسير الّتي سبقته، كتفسير الإمام ابن كثير، مع البراعة الأدبيّة الّتي أوتيها، رابطا ذلك بمحيطه وواقعه، محاكما ذلك الواقع بما فهمه من خلال تدبّره، وذلك في مقدار صلته بربّه ودينه وكتابه، مراعيا متغيّرات زمانه وتطوّرات عصره، مستشعرا ظلم المتجبّرين الخارجين عن حكم الله.\nجاء كتابه بما قرّب به من معاني القرآن بمنزلة التّفسير، وإن لم يكن يأتي على تحليل مفرداته.\nفيه اعتماد الحديث والأثر، والتّنبيه على أسباب النّزول.\nكما سلك فيه مسلكا مبتكرا، وإن لم يكن جديدا في موضوعه، لكنّه غير","vol":"1","page":386},{"text":"شائع في تطبيقه في كتب التّفسير، وهو مراعاة الوحدة الموضوعيّة للسّورة، والاعتناء بتحليل مضمونها، ثمّ تجزئته إلى مقاطع، ممّا يحصل به تقريب للبعيد، وربط للمعاني.\nوهو نمط فريد في شرح الكتاب العزيز (١)، ويقع تصنيفه ضمن كتب التّفسير بالرّأي، لكنّه الرّأي المحمود، وذلك باعتبار ما غلب عليه.\nووقعت في «الظّلال» هفوات، عظّمتها طائفة، وحقّرتها أخرى، ونحن نحبّ سيّدا، لكنّ الحقّ أحبّ إلينا منه، لا نرضى قول هؤلاء ولا أولئك، فلا نعادي أولياء الله ولا نغالي فيهم، وإنّما هم بشر ممّن خلق الله، ليسوا برسل ولا أنبياء، يؤخذ منهم ويردّ عليهم، وفي تلك الهفوات ما هو خطأ بيّن، اعتذارنا عن سيّد فيها يعود تارة إلى خلفيّته الثّقافيّة، كالّذي يؤخذ عليه في باب العقائد، وتارة إلى ما عاناه هو وإخوانه من ظلم، كالّذي يؤخذ عليه في تفسير المجتمع الجاهليّ، والله يتولّاه برحمته وعفوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٣ - التّحرير والتّنوير</span>.\nتأليف: العلّامة الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور المالكيّ، شيخ جامع الزّيتونة بتونس، المتوفّى سنة (١٣٩٣ هـ).\n_________\n(١) سلك طريقته الشّيخ سعيد حوّى المتوفّى سنة (١٤٠٨ هـ) في تفسيره المسمّى ب «الأساس في التّفسير»، بل إنّه زاد عليه اعتبار ما سمّاه بالوحدة القرآنيّة، فالقرآن مجمل في الفاتحة، ثمّ سائره مجموعات مترابطة يفصّل بعضها بعضا. وهو تفسير سهل ميسّر، يعتمد على مصادر معروفة، يؤخذ عليه ذكر الإسرائيليّات والأخبار الضّعيفة.","vol":"1","page":387},{"text":"كتاب جمّ الفوائد، كثير التّحقيقات، جرى في أسلوبه على طريقة من تقدّم من المفسّرين، واستخلص من كتبهم وزاد، يفسّر باللّغة والرّأي، ويبيّن النّزول وأسبابه، ويعتمد الحديث، ويحرّر الأحكام، ويعتني بمقاصد التّشريع، ويراعي المناسبة والارتباط بين الآيات، والبلاغة القرآنيّة، ويحدّد أغراض السّورة بين يديها، كما يبيّن طرفا من\nالتّفسير العلميّ المستفاد من اكتشافات العلم الحديث، فهو تفسير معاصر، لكن بلغة متينة.\nويؤخذ عليه: تفسير آيات الصّفات على طريقة الخلف، وذكر ما لا يثبت من الحديث والأثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن</span>.\nتأليف: العلّامة الشّيخ محمّد الأمين بن محمّد المختار الجكنيّ الشّنقيطيّ، المتوفّى سنة (١٣٩٣ هـ).\nهذا التّفسير من أجلّ التّفاسير المعاصرة وأنفعها، اجتهد مؤلّفه أن يراعي فيه مسمّاه، لكنّه إذا أتى على تفسير آيات الأحكام بالغ في بيانها، حتّى يخرج فيما يذكره إلى ما هو ألصق بكتب الفقه، غير أنّه فيما يفسّر أو يحرّر يأتي بدرر نفيسة، وتحقيقات دقيقة، مع سلامة في الاعتقاد، وحرص على الدّليل، واتّباع لأحسن مناهج التّفسير بالرّأي، وذلك بسبب ما أوتيه من تمكّن مشهود له به في اللّغة والأصول والمنطق، وله ممّا ذهب إليه باجتهاده ما يخالف فيه، ولم يكمله، إنّما انتهى به عند آخر سورة المجادلة.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث العاشر: تتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>من المباحث المهمّة في تفسير القرآن، ممّا خصّ بالبحث: تفسير مشكل القرآن</span>.\nوالمراد به رفع اللّبس ودفع الاشتباه فيما أشكل معناه، وسبق في\n(تاريخ التّفسير) أنّ ابن قتيبة اللّغويّ صنّف فيه قديما، ومن الكتب النّافعة فيه:\n١ - فوائد في مشكل القرآن، لسلطان العلماء عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام السّلميّ.\n٢ - تفسير آيات أشكلت، لشيخ الإسلام ابن تيميّة.\n٣ - فتح الرّحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لشيخ الإسلام زكريّا الأنصاريّ.\nولا ريب أنّ رفع الالتباس عن آيات الكتاب مطلوب، وهو جزء من البيان للكتاب، لكن لا يجوز أن يخرج عن الأصول المعتبرة في التّفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>من المناهج المبتكرة في التّفسير المعاصر للقرآن ثلاثة أنماط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>١ - التّفسير الموضوعيّ للقرآن:</span>\nوهو الاعتناء بدراسة الموضوعات القرآنيّة على غير الصّورة التّقليديّة في التّفسير، وإنّما بالنّظر إلى الأبواب، كدراسة: الإيمان والكفر والنّفاق في القرآن، الأخلاق في القرآن، الرّبا في القرآن، وهكذا.","vol":"1","page":389},{"text":"وهذا أسلوب عصريّ، لم يكن شائعا في تصانيف السّابقين على سبيل الإفراد بالتّأليف، إنّما كانوا يراعون تتبّع المصطلح القرآني من حيث الجملة.\nوهو مع حداثته، فإنّه لا مانع منه ولا حرج فيه، بشرط التزام المنهج المعتبر في التّفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>٢ - التّفسير العلميّ:</span>\nوالمراد به تفسير الآيات الّتي تتحدّث عن الكون وخلق الإنسان ونحو ذلك، بما توصّل إليه العلم الحديث من اكتشاف واطّلاع على حقائق لم يهتد إليها عموم النّاس من قبل.\nوهذا فنّ من التّفسير لا يغفل أثره في إعجاز القرآن، وزيادة الإيمان، لكنّي أراه لا يقبل إلّا بشروط ثلاثة:\n١ - أن لا يصادم أصلا معلوما بنفس دلالة القرآن أو صحيح السّنّة.\n٢ - أن يحتمله اللّفظ من جهة اللّغة.\n٣ - أن يكون حقيقة علميّة ثبتت بالبراهين، لا مجرّد نظريّة محتملة، خشية أن تجعل نصوص القرآن غرضا لتجارب النّاس.\nفإذا اجتمعت هذه الشّروط فلا مانع من قبول هذا النّوع من التّفسير، فإنّ الله تعالى قال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصّلت: ٥٣].","vol":"1","page":390},{"text":"ويمكن القول: فكرة هذا النّوع من التّفسير ليست حديثة، فقد نبّه الأطبّاء وغيرهم من قبل على أشياء، وربطوها بالقرآن، لكنّها لم تبلغ ما بلغه العلم الحديث اليوم.\nوفي العصر الحديث خلال القرن الماضي، ألّف الشّيخ طنطاوي بن جوهري المصريّ المتوفّى سنة (١٣٥٨ هـ) تفسيره المسمّى ب «الجواهر»، وشحنه بذكر الاكتشافات العصريّة وربطها بالقرآن، وكان\nيمثّل بالصّور في كتابه هذا، فرفضه النّاس وعابوه، لما رأوا فيه من التّكلّف والمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٣ - التّفسير العدديّ للقرآن:</span>\nكذا سمّاه بعض أهل هذا الزّمان، والمقصود به: استخراج دلائل ومعان، بناء على حساب عدد الحروف أو الكلمات، ومنه البحث عن سرّ عدد السّبعة أو السّبعين أو الأربعين، وشبه ذلك.\nفهذا تكلّم فيه بعض النّاس من قبل، كما أشار إليه الزّركشيّ (١).\nوهو من بدع التّفاسير، ولاحق بالتّفسير بالرّأي المذموم، فهو لا يتخرّج على لغة ولا على أثر، كما أنّنا لم نر من تكلّم فيه أتى بمثال صالح مقنع، بل لا تخريج له إلّا التّكلّف، والله أعلم.\n_________\n(١) البرهان، للزّركشيّ (٢/ ١٨١ - ١٨٢).","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الفصل الخامس: قواعد التفسير</span>\nهذا الفصل مختصر، معقود للتّنبيه على ما يحتاج المفسّر أو متدبّر القرآن إلى ملاحظته، وهو أصول جامعة وقواعد كلّيّة، تعين على التّدبّر الأمثل، والفهم الصّحيح للقرآن، تتمّم الأصول المتقدّمة، وتقرن بما ذكرته في طرق التّفسير، لا أعيد فيها ما نبّهت عليه من قبل في موضعه من هذا الكتاب، كمراعاة أسباب النّزول، والمكّيّ والمدنيّ، واختلاف القراءات، والنّسخ، والمأثور في التّفسير، والحذر من الرّأي الفاسد، وترك تفسير المتشابه.\nوهذا بيان تلك القواعد والأصول في ثلاثة مباحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>المبحث الأول: محتوى القرآن</span>\nفي القرآن ما ينفع النّاس في الدّنيا والآخرة، علومه لا نهاية لها، وخيره لا انقضاء له ولا انقطاع.\nصحّ عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «من أراد العلم فليثوّر القرآن، فإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين» (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزّهد» (رقم: ٨١٤) وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٠٩) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٩٦) وسعيد بن منصور (رقم: ١) ومسدّد (كما في «المطالب العالية» رقم: ٣٤٠٠) والفريابيّ في «الفضائل» (رقم: ٧٨) والنّحّاس في «القطع» (ص: ٨٤) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٨٦٦٤ - ٨٦٦٦) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ١٩٦٠) من طرق عن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن مرّة بن شراحيل، عن ابن مسعود، به. وإسناده صحيح.\nوقوله: «فليثوّر» أي: فلينقّر عنه ويفكّر في معانيه وتفسيره وقراءته (النّهاية في غريب الحديث، لابن الأثير ١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":392},{"text":"وعن مسروق بن الأجدع، قال: «ما نسأل أصحاب محمّد ﷺ عن شيء، إلّا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه» (١).\nواعلم أنّ مجموع مادّة القرآن ترجع إلى ثلاثة أشياء:\n١ - العقيدة: وتحتها: أسماء الله تعالى وصفاته، والآيات الدّالّة عليه، والإيمان باليوم الآخر، وسائر الغيّب، والرّسل، والكتب.\n٢ - التّذكير: وتحته: الأمثال، والقصص، والوعد، والوعيد.\n٣ - الشّرائع: وهي الأوامر والنّواهي، وأحكام الحلال والحرام.\nوهذه القسمة أصلها الحديث الصّحيح المتواتر عن النّبيّ ﷺ قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١ تعدل ثلث القرآن» (٢).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائله» (ص: ٩٦) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٢٨٤).\n(٢) ورد من حديث عدد كبير من الصّحابة، وهو عند البخاريّ (رقم: ٤٧٢٦ ومواضع أخرى) من حديث أبي سعيد، ومسلم (رقم: ٨١١) من حديث أبي الدّرداء، و(رقم: ٨١٢) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":393},{"text":"وفي رواية صحيحة من حديث أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال:\n«إنّ الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء: فجعل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١ جزءا من أجزاء القرآن» (١).\nوذلك من جهة أنّ هذه السّورة قد اشتملت على التّوحيد خاصّة، وهذا ثلث القرآن، باعتبار القسمة السّابقة.\nفإذا ظهر هذا فههنا تنبيه على ثلاثة أصول يحتاج إلى رعايتها المتدبّر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الأصل الأوّل: أمثال القرآن</span>.\nالقرآن مليء بضرب الأمثال، وعلّة ذلك: ما في المثل من تصوير الشّيء وتقريبه في الأذهان، إذ هو تشبيه، والتّشبيه ينزّل البعيد منزلة القريب، والمعقول منزلة المحسوس، فتعيه العقول وتقبله.\nوالمثل لا يكون إلّا والممثّل به حقيقة معلومة، لا يكون صورة وهميّة.\nوالأمثال في القرآن ثلاثة أنواع (٢): النّوع الأوّل: أمثال يصرّح فيها بلفظ (المثل) أو ما يدلّ على التّشبيه،\n_________\n(١) هذا من رواية أبي الدّرداء عند مسلم في «صحيحه».\n(٢) اعتنى بالنّوعين الأوّلين كثير من العلماء، منهم: أبو بكر ابن العربيّ في «قانون التّأويل» (ص: ٥٦٦)، والعزّ بن عبد السّلام في «الإمام في بيان أدلّة الأحكام» (ص: ١٤٣)، وابن القيّم في «إعلام الموقّعين» (١/ ١٦٣ - ٢٦٦) وأفرد بالنّشر كذلك.","vol":"1","page":394},{"text":"وتسمّى (الأمثال المصرّحة).\nفمثال التّصريح بلفظ المثل قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرّعد: ١٧].\nومثال التّصريح بالتّشبيه، قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النّور: ٣٩].\nالنّوع الثّاني: أمثال لا يصرّح فيها بلفظ التّمثيل، ولكنّها تدلّ على معان تمثيليّة بإيجاز، وهي (الأمثال الكامنة)، كقوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا [الحجرات: ١٢].\nوتشبيهات القرآن جميعها أمثال مضروبة لفهم مراد الله ﷿ بخطابه لعباده، كما قال: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٥]، وقال: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣].\nالنّوع الثّالث: قصص القرآن.\nقصّ الله ﷿ علينا من أنباء الأوّلين ما جعله أعظم مثل للاعتبار والقياس، فقال: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا","vol":"1","page":395},{"text":"مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ٣٤ [النّور: ٣٤].\nفهذا المثل هو قصّة آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وبني إسرائيل، وغير ذلك، فالمخاطبون بهذا القرآن هم الممثّلون، وأصحاب تلك القصص هم الممثّل بهم، والمثل شأنهم وما كانوا عليه وما صاروا إليه.\nوهذا المثل قضيّة قياسيّة، أصلها تلك الأمم الخالية، وفرعها هذه الأمّة ومن بلغه هذا القرآن، والمعنى الجامع لإلحاق الفرع بالأصل: إمّا استقامة تلحق بمن أنعم الله عليهم، وإمّا انحراف يلحق بمصير المغضوب عليهم والضّالّين.\nكما قال الله ﷿: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: ١٠٢ - ١٠٣].\nوكما قال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً\nوَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ","vol":"1","page":396},{"text":"اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٧٠\n[التّوبة: ٦٨ - ٧٠].\nوهذا النّوع من أعجب الأمثال، وما هو بالأساطير ولا الخيالات، بل هو كما قال الله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢]، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١].\nوتدبّر أمثال القرآن وقصصه يتجاوز الاعتبار، إلى ترسيخ معاني العقيدة، وشرح أساليب الدّعوة والحجاج، وبيان الشّرائع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>الأصل الثّاني: جدل القرآن</span>.\nالمقصود بجدل القرآن: أساليب المناظرة الّتي جاء بها لإظهار الحقّ وإقامة الحجّة على المخالفين.\nوقد تضمّن القرآن جميع ما يستعمل في المناظرات والحوار من البراهين والأدلّة العقليّة، كما قال الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ٣٣ [الفرقان: ٣٣]، وقال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* [المرسلات: ٥٠]، لكنّ ذلك موقوف على استكشافه منه\n_________\n(١) انظر: الإمام في بيان أدلّة الأحكام، للعزّ بن عبد السّلام (ص: ١٤٣).","vol":"1","page":397},{"text":"بحسن التّدبّر والفهم عن الله. ﷿.\nوفي قصص الأنبياء كثير من تلك الأدلّة، على التّوحيد وإثبات النّبوّات.\nفمن تلك الأساليب: [١] إلزام المخاطب بطريق الاستفهام عمّا هو مسلّم عنده، حتّى يعترف بما ينكره.\nكقوله تعالى في ردّ فرية اليهود: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١].\n[٢] إلزام المخاطب بما تقتضيه العقول.\nكما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]، أي: لفسد تدبير السّماوات والأرض واختلّ نظامهما، والسّماوات والأرض لم تفسدا، فنتج عنه أن ليس فيهما آلهة إلّا الله، كما قال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، وكما قال سبحانه:\nقُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ٤٢ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣].\n[٣] الاستدلال بالمبدإ على المعاد.\nكقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ","vol":"1","page":398},{"text":"مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ٨ [الطّارق: ٥ - ٨] (١).\n[٤] الاستدلال بقياس الأولى.\nكقياس إحياء الموتى على خلق السّماوات والأرض، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الأحقاف: ٣٣].\n[٥] السّبر والتّقسيم.\nوذلك بحصر الأوصاف وإبطال أن يكون واحد منها علّة للحكم (٢)، كقوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ\nاثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٤٤ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤] (٣).\n[٦] المطالبة بالبرهان على صحّة الدّعوى.\nكقول الله تعالى لأهل الكتاب: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ*\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيميّة (٩/ ١٢١).\n(٢) الكلّيّات، للكفويّ (٢/ ٢٢).\n(٣) مباحث في علوم القرآن، منّاع القطّان (ص: ٣٠٣).","vol":"1","page":399},{"text":"بعد قوله عنهم: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١].\n[٧] التّحدّي.\nكقوله تعالى في إثبات التّوحيد: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا [الإسراء: ٥٦].\nوقوله في إثبات عجز الكفّار عن الإتيان بسورة مثل هذا القرآن: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨].\nهذه بعض صور الجدل في القرآن ذكرها على سبيل التّنبيه، لا التّتبّع والاستقصاء، فهذا فنّ خاصّ من علوم القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الأصل الثّالث: أحكام القرآن</span>.\nأحكام القرآن بمعنى الأمر والنّهي يندرج تحتها جميع التّكاليف:\nكانت من أعمال القلوب، كالتّوحيد والإيمان والإخلاص.\nأو كانت موزّعة بين القلوب والجوارح، كالعبادات، مثل الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ.\nأو كانت من أعمال الجوارح، كالمعاملات لصلاح أمر الدّنيا، وحفظ","vol":"1","page":400},{"text":"الضّرورات وتحقيق الحاجات، كالبيع والشّراء والنّكاح.\nكانت مختصّة بالفرد، أو بالجماعة، أو مشتركة بينهما.\nفالقرآن قد أتى بجميع تلك الأحكام، تصريحا أو تلويحا، بالقاعدة العامّة أو بالحكم المفصّل، كما قال الله ﷿: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النّحل: ٨٩] (١).\nوالآيات الدّالّة على الأحكام في القرآن لا ينبغي أن تقيّد بعدد، فكلّ آية في القرآن جائز أن تكون مظنّة للحكم.\nكما قال عبد الله بن مسعود، ﵁: «ما من حرف أو آية، إلّا وقد عمل بها قوم، أو لها قوم سيعلمون بها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>كيف تستفاد الأحكام من القرآن</span>؟\nالآيات الدّالّة على الأحكام في القرآن نوعان:\nالأوّل: ما جاء بالحكم صراحة، كالّذي يستفاد من سور البقرة والنّساء والمائدة، من الفرائض والحلال والحرام، وهذا ظاهر.\nوالثّاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، وهذا قسمان:\nأحدهما: ما يستنبط بالتّدبّر لنفس الآية.\n_________\n(١) انظر كتابي «تيسير علم أصول الفقه» (ص: ١١٧).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٩٩) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":401},{"text":"مثاله: استنباط صحّة أنكحة الكفّار من قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ٤ [المسد: ٤]، ولو كان عقد النّكاح بينهما باطلا بسبب الكفر لما أضافها إليه.\nواستنباط صحّة صوم من أدركه الفجر وهو جنب، من قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧]، فأبقى الإذن في الجماع والأكل والشّرب حتّى يتبيّن الفجر، فإذا دخل الفجر وجب الإمساك عن كلّ ذلك، فمن حلّ له أن لا ينزع عن أهله إلّا بدخول الفجر، فقد أقرّ على أن يدركه وقت الصّوم جنبا ولا يقدح ذلك في صومه ولا يمنعه.\nوثانيهما: بضميمة آية أخرى.\nكاستنباط أقلّ مدّة الحمل من آيتين، قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥]، مع قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ١٤] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>كيف تدلّ ألفاظ القرآن على الأحكام</span>؟\nهذا مبحث موضعه بتفصيله (علم أصول الفقه)، والتّنبيه من حيث الجملة على أنّ ألفاظ القرآن تدلّ على الأحكام:\n_________\n(١) انظر: البرهان، للزّركشيّ (٢/ ٤، ٥).","vol":"1","page":402},{"text":"بصيغة الطّلب المباشرة، كالأمر أَقِيمُوا الصَّلاةَ* [البقرة: ١١٠]، والنّهي: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء: ٣٢].\nأو بالخبر المفيد للحكم، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣].\nأو بما رتّب على العمل من جزاء في العاجل والآجل، كقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨ [الزّلزلة: ٧ - ٨].\nوللإمام عزّ الدّين بن عبد السّلام في هذا تصنيف نافع، يحقّق الغاية في هذا الأصل، اسمه: «الإمام في بيان أدلّة الأحكام».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>المبحث الثاني: قواعد لغوية</span>\nالتّنبيه في هذا المبحث على أصول في التّفسير تنبني على مراعاة الجانب اللّغويّ في القرآن، فإليكها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>١ - اتّباع معنى الكلمة القرآنيّة كما جاء به لسان العرب، وما عرف من كلامهم، وملاحظة الوجوه فيه</span>.\nوالوجوه هي: اللّفظ الواحد يستعمل في المعاني المتعدّدة.\nكألفاظ (الهدى) و(الإيمان) و(الكفر) و(العفو)، استعمل كلّ منها في","vol":"1","page":403},{"text":"القرآن في أكثر من معنى.\nومن أحسن الطّرق المساعدة على ذلك ويقدّم على الرّجوع إلى المعاجم اللّغويّة: تتبّع اللّفظة في مواردها في القرآن نفسه بمختلف اشتقاقاتها، فإنّ أحسن الطّرق في التّفسير: أن يفسّر القرآن بالقرآن، وهذا منه.\nواعتنى بعض العلماء بإفراد دلالات الألفاظ والمصطلحات المتكرّرة في القرآن، بالتّأليف، ومن أجلّ الكتب فيه: «بصائر ذوي\nالتّمييز في لطائف الكتاب العزيز» للإمام مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروزآباديّ صاحب «القاموس المحيط»، المتوفّى سنة (٨١٧ هـ).\nوسبق إليه غير واحد كذلك، من أقدميهم: ابن قتيبة في «مشكل القرآن».\nوممّا يندرج تحت هذه القاعدة ملاحظة الأضداد اللّغويّة في القرآن، كاستعمال (ظنّ) لليقين والتّردّد أو الشّكّ، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ٢٠ [الحاقّة: ٢٠] في اليقين، وقوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ [القصص: ٣٩] في الشّكّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>٢ - هل في القرآن ألفاظ مترادفة</span>؟\nالتّرادف: هو توالي كلمتين فأكثر دالّة على شيء واحد باعتبار واحد، مثل: (البرّ) و(القمح) و(الحنطة)، فهذه ألفاظ مختلفة لشيء واحد.\nوعلامة صحّة التّرادف: إمكان حلول أحد اللّفظين محلّ الآخر، لو","vol":"1","page":404},{"text":"حذفت أحدهما.\nوأكثر أهل العلم على القول بصحّة وقوعه في اللّغة، ولم ينكره إلّا قليل من علماء العربيّة، أقدمهم أبو العبّاس ثعلب، وتبعه عليه تلميذه أبو الحسين بن فارس (١).\nوعلى القول بثبوته، فلا يظنّ كثرة وقوعه في كلام العرب.\nأمّا في القرآن، فطائفة على وجوده، وطائفة على عدمه، والقول بعدمه هو الصّحيح، إذ من قال بوجوده فيه لم يذكر له مثالا صالحا، إنّما ذكر مثل قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨]، ولا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ٢٨ [المدّثّر: ٢٨]، وأَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب: ٦٧]، وبَثِّي وَحُزْنِي [يوسف: ٨٦].\nوهذا ليس مترادفا، وليس اللّفظان في هذه المواضع بمعنى واحد، والأصل أنّ العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.\nنعم، يوجد في القرآن استعمال الألفاظ المتقاربة المعاني، مثل:\n(الخوف) و(الخشية)، و(الخشوع) و(الخضوع)، لا على سبيل التّرادف، وإنّما بمجيء اللّفظ مستقلّا عن الآخر.\n_________\n(١) وانظر: «المحصول» للرّازيّ (١/ ٣٤٧)، «الإبهاج في شرح المنهاج» لتقيّ الدّين السّبكيّ وابنه تاج الدّين (١/ ٢٣٨، ٢٤١)، «الإحكام» للآمديّ (١/ ٣٣)، «الكلّيّات» للكفويّ (٢/ ١٠٨)، «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة (١٣/ ١٨٣)، «روضة المحبّين» لابن القيّم (ص: ٥٤)، «إرشاد الفحول» للشّوكانيّ (ص: ١٦).","vol":"1","page":405},{"text":"وهذه الألفاظ وشبهها لو توالت فليست مترادفة على التّحقيق، وذلك لما بينها من دقيق الفارق في المعنى.\nولإمام اللّغة أبي هلال العسكريّ في هذا النّوع من المفردات كتاب «الفروق»، يثبت وجود الفرق بين هذه الألفاظ وإن تقاربت في المعنى.\nفجدير بالمتدبّر للقرآن أن يبعد عن اعتباره فكرة وجود المترادف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>٣ - الحقيقة والمجاز:</span>\nالحقيقة: هي اللّفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التّخاطب.\nوهو ما يتبادر إلى الذّهن معناه من مجرّد لفظه دون التّوقّف على قرينة.\nفإن كان ذلك الوضع لغويّا فهي (الحقيقة اللّغويّة)، مثل لفظ (أسد)، فإنّه لفظ مستعمل في لغة العرب اسما للحيوان المعروف.\nوإن كان الوضع شرعيّا، فهي (الحقيقة الشّرعيّة)، مثل لفظ (الإيمان) و(الكفر)، و(المؤمن) و(الكافر)، و(الصّلاة) و(الزّكاة) و(الصّوم)، فهذه ألفاظ استعملت في خطاب الشّارع للدّلالة على معاني مخصوصة.\nوإن كان الوضع بحسب ما اصطلح عليه النّاس من معنى اللّفظ، فهي (الحقيقة العرفيّة)، كإطلاق النّاس اليوم لفظ (طيّارة) على وسيلة النّقل الجوّيّة المعروفة.\nوالحقيقة بأنواعها الثّلاثة معتبرة لفهم القرآن.","vol":"1","page":406},{"text":"وترتيب الحقائق: الشّرعيّة، فالعرفيّة، فاللّغويّة.\nفتفسير لفظ (الصّلاة) في الكتاب والسّنّة، لا يصار إليه بدلالة اللّغة، إنّما يطلب معناه في مراد الله ورسوله ﷺ.\nقال ابن تيميّة: «القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النّبيّ ﷺ، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللّغة ولا غيرهم» (١).\nفإن قام دليل على عدم إرادة الحقيقة الشّرعيّة فيه، حملنا اللّفظ على ما قام عليه الدّليل من معناه، كقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التّوبة: ١٠٤]، فالصّلاة هنا الدّعاء لهم، وهذا تفسير باللّغة.\nفإن فقدت تفسير اللّفظ في بيان الله ورسوله ﷺ، فإن كان ممّا\nتعلّقت به التّكاليف العمليّة، فاطلبه في عرف النّاس واستعمالهم، مثل لفظ (السّفر) و(عشرة الزّوجة)، فمثل هذا لا تسعف اللّغة في توضيح معناه.\nأمّا سائر الألفاظ فالمعتبر فيها الحقيقة اللّغويّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>المجاز:</span>\nالمجاز مقابل للحقيقة، وهو: استعمال اللّفظ في غير ما وضع له، لعلاقة بينهما، مع قرينة تمنع من إرادة الحقيقة.\nوالعلاقات الّتي تكون بين المعنى المجازيّ والحقيقيّ للّفظ كثيرة، مفصّلة في (كتب البلاغة)، مثل التّعبير عن الكلّ بالجزء، كالتّعبير بالسّجود\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، لابن تيميّة (١٣/ ١٨).","vol":"1","page":407},{"text":"عن الصّلاة، والتّعبير بلفظ المحلّ عن الحالّ فيه، كما في قوله تعالى:\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢]، والمراد من حلّ فيها، وهم أهلها، وإسناد الفعل إلى الزّمان أو المكان، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣]، ولا مكر للزّمن، إنّما أسند إليه لأنّ المكر يكون فيه.\nومن المجاز الاستعارة كذلك.\nوقد اختلف النّاس في صحّة القول بإثبات المجاز في القرآن، فجمهور أهل العلم على إثباته، وطائفة منعته (١).\nوالنّزاع بينهم أشبه أن يكون لفظيّا، وكأنّ حقيقة قول المانعين ترجع إلى ما تذرّع به أهل البدع باستعمال المجاز في تأويل صفات الباري تعالى، والتّحقيق أنّ فساد قول أهل البدع لا يكون بإبطال القول بالمجاز؛ لأنّ حمل صفات الله ﷿ أو شيء منها على المجاز لا يخلو من تفسير الغيب بالشّهادة، وهو ممنوع.\n_________\n(١) مواضع شرح ذلك كثيرة، فمعظم كتب الأصول تذكر هذه المسألة، انظر منها:\n«الواضح» لابن عقيل (١/ ١٢٧ - ١٢٨، و٣٨٤ - ٣٩٦)، «التّمهيد» للكلوذانيّ (١/ ٧٧ - ٨٧)، «المحصول» للرّازيّ (١/ ٣٩٥ - ٤٨٦)، «الإحكام» للآمديّ (١/ ٤٥ - ٥٠)، «الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز» لعزّ الدّين بن عبد السّلام، «الإبهاج» للسّبكيّين (١/ ٢٧١ - ٣٢١)، «إرشاد الفحول» للشّوكانيّ (ص: ١٨)، ولابن تيميّة كلام كثير حول ذلك، وكذا لتلميذه ابن القيّم، وهما ينتصران لمنع القول بالمجاز، كذلك للشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطيّ في هذا كتاب «منع جواز المجاز في المنزّل للتّعبّد والإعجاز».","vol":"1","page":408},{"text":"فالمجاز أسلوب من أساليب العربيّة، نعم هو مبتكر في تسميته كسائر مصطلحات فنون العربيّة، ولكنّه جزء من هذه اللّغة.\nوظهور الكلام فيه قديم، حتّى نسب أبو الخطّاب وابن عقيل القول به إلى الإمام أحمد بن حنبل (١).\nوالأصل أن لا يصار إليه إلّا عند تعذّر حمل اللّفظ على حقيقته.\nومن علامة المجاز: أنّه لا يؤكّد بالمصدر ولا بالتّكرار، تقول:\n(أراد الحائط أن يسقط)، فإرادته مجاز، بدليل أنّه لا يصحّ أن يقال:\n(أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة)، وتقول: (قالت الشّجرة فمالت)، ولا تقول: (قالت الشّجرة فمالت قولا شديدا).\nفالتّكليم في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [النّساء: ١٦٤] حقيقة؛ لأنّه أكّده بالمصدر، وفي قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٠ [النّحل: ٤٠]، أكّد القول بالتّكرار، كما أكّد المعنى بإنّما، فانتفى المجاز (٢).\nكذلك فإنّ المجاز إنّما يظهر معناه بردّه إلى أصله، بخلاف الحقيقة، فمعناها ظاهر في لفظها (٣).\n_________\n(١) التّمهيد، لأبي الخطّاب (١/ ٨٠)، الواضح، لابن عقيل (٢/ ٣٨٦).\n(٢) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص: ١١١)، وذكر ابن عقيل في «الواضح» (٢/ ٣٩٥) كذلك علامات أخرى تميّزه عن الحقيقة.\n(٣) الواضح، لابن عقيل (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>٤ - الكناية:</span>\nالكناية واردة في ألفاظ القرآن، على معنى: ترك التّصريح باللّفظ المباشر لعلّة، الأشبه أن تكون تنزيها للقرآن عن الألفاظ المبتذلة، فيأتي بما يحقّق المقصود بأرفع الألفاظ.\nوذلك مثل الكناية عن الجماع بالرّفث والمباشرة والمسّ واللّمس، كما قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ حتّى قال:\nفَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧]، وقال: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٦]، وقال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ* [المائدة: ٦].\nعن ابن عبّاس، ﵄، قال: «الدّخول، والتّغشّي، والإفضاء، والمباشرة، والرّفث، واللّمس، هذا الجماع، غير أنّ الله حييّ كريم، يكني بما شاء عمّا شاء» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>٥ - دلالة المشترك اللّفظيّ:</span>\nالمشترك: هو اللّفظ المستعمل في معنيين أو أكثر بأوضاع متعدّدة.\nكلفظ (القرء) في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، مشترك بين الطّهر والحيض، ولفظ (الملامسة) في\nقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ* [المائدة: ٦]، مشترك بين الجماع واللّمس باليد.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرّزّاق في «المصنّف» (رقم: ١٠٨٢٦) بإسناد صحيح.\nوهو مرويّ عن ابن عبّاس من طرق.","vol":"1","page":410},{"text":"ومن النّاس من جعل هذا من قبيل المتشابه، وهذا ضعيف، إنّما المتشابه ما استأثر الله بعلمه.\nولا يختلف العلماء في أنّ (المشترك) من قبيل (المجمل) يحتاج تعيين المراد به إلى دليل، وذلك إذا كان المعنيان أو المعاني متضادّة لا يمكن اجتماعها، أمّا إذا أمكن حمله على جميع معانيه فاختلفوا فيه على قولين:\nأوّلهما: قول الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة: أنّه (مجمل)، ولا يصحّ حمله على جميع معانيه؛ وهو أصحّ القولين.\nوالثّاني: قول المالكيّة والشّافعيّ وجمهور أصحابه: يعمّ جميع معانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>٦ - فهم المراد باللّفظ من خلال السّياق</span>.\nوهذا مطلوب في جميع القرآن، فإنّ المفردة فيه لا يحسن أن تفسّر مستقلّة عن سياقها.\nقال العزّ بن عبد السّلام: «السّياق مرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكلّ ذلك بعرف الاستعمال، فكلّ صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحا، وكلّ صفة وقعت في سياق الذّمّ كانت ذمّا، فما كان مدحا بالوضع فوقع في سياق الذّمّ صار ذمّا واستهزاء وتهكّما بعرف الاستعمال» (١).\nفلو أردت أن تفهم قوله تعالى في وصف قوم شعيب له: إِنَّكَ لَأَنْتَ\n_________\n(١) الإمام في بيان أدلّة الأحكام، للعزّ بن عبد السّلام (ص: ١٥٩).","vol":"1","page":411},{"text":"الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] مجرّدة عن اعتبار عداوتهم له ورفضهم لدعوته، لكانت ثناء منهم عليه، وليست كذلك، إنّما أرادوا التّهكّم به والسّخرية منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٧ - ملاحظة تأثير القواعد النّحويّة:</span>\nالإعراب مفتاح لكثير من معاني القرآن، ومعرفة الإعراب توجب معرفة الأساسيّات في علم النّحو، ولا يحلّ الإقدام على تفسير القرآن ممّن لا يميّز مواقع الكلمات في الجمل.\nوهذا يوجب تمييز العمدة في الجملة من الفضلة من التّابع، والحدث وأزمنته، والمعارف من النّكرات، ومعرفة الضّمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وأدوات الشّرط، والاستفهام، والتّوكيد، والاستثناء، وحروف العطف، والجرّ، والقسم.\nكما يلاحظ فيه ما يأتي على القاعدة، وما يخرج عنها، كالذّكر، والتّقدير، والتّقديم، والتّأخير، والزّيادة، والحذف، ومجيء الاسم لفظا صريحا، أو مؤوّلا، وما يأتي مفردا ويأتي جملة كالخبر والحال.\nومن القواعد النّحويّة المهمّة في التّفسير:\n[١] أن تبحث عمّا يعود عليه ضمير الغائب، وتراعي أنّ الأصل عود الضّمير إلى أقرب مذكور.\n[٢] أن تبحث عن جواب ما يحتاج إلى الجواب، كالشّرط، والقسم،","vol":"1","page":412},{"text":"والاستفهام.\n[٣] أن تبحث عمّا يتعلّق به الجارّ والمجرور.\n[٤] أن تلاحظ صلة الموصول وعائده.\n[٥] أن تحدّد صاحب الحال، وهو الموصوف حاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>٨ - تأثير التّغيير الصّرفيّ في المعنى</span>.\nوذلك من جهة الأصالة والزّيادة والحذف، وغير ذلك.\nكالفرق بين لفظي (الضّلال) و(الإضلال) بسبب الزّيادة الصّرفيّة، والفرق بين اسطعوا واسْتَطاعُوا* [الكهف: ٩٧] في الحذف، وفائدة التّكرير في قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها [الشّعراء: ٩٤].\nوالتّغيير الطّارئ على أبنية الأفعال يكسبها كثيرا من دقيق المعاني، والقرآن مقصود أن يراعى فيه جميع ذلك، فدلالة (فعل) غير (فعّل) وكلاهما غير (أفعل)، وهكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٩ - علوم المعاني البلاغيّة في القرآن:</span>\nاشتمل القرآن من أنواع (علم المعاني) على أحسنها، ففيه:\nاستعمالات الألفاظ في حقائقها، وفي مجازاتها بقرائنها الدّالّة على ذلك، وهذا باب واسع، وهو عظيم الفائدة، ضروريّ لمتدبّر القرآن، محلّه كتب البلاغة، وجوامع التّفسير، وبعض المصنّفات الخاصّة فيه، كبعض ما كتب سلطان","vol":"1","page":413},{"text":"العلماء عزّ الدّين بن عبد السّلام، لكن لا بدّ من تنبيه على المراد على سبيل الإيجاز بالإشارة، فمن ذلك:\n[١] مجيء الخبر والإنشاء يراد بكلّ منهما أصل ما يساق له، كما يقوم أحدهما مقام الآخر مجازا بقرينة، وأمثلته كثيرة.\n[٢] مجيء صيغ الأمر والنّهي والاستفهام والتّمنّي والنّداء يراد بها حقائقها، كما تخرج للدّلالة على معان مجازيّة بالقرائن، والقرآن مليء بهذا.\n[٣] التّعبير بلفظ الماضي عمّا لم يكن بعد تأكيدا لوقوعه، كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النّحل: ١].\nولاحظ أنّ (كان) خاصّة قد تدلّ على الماضي والحال والاستقبال، واستعمالها في القرآن بهذا المعنى كثير، كقوله تعالى:\nوَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النّساء: ١٤٨].\nكذلك يأتي اللّفظ المضارع معناه الماضي لفائدة، كقوله تعالى:\nفَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: ٩١]، والمعنى: لم قتلتم.\n[٤] دلالة التّنكير أو التّعريف وفائدة كلّ في محلّه.\nدخل أبو الفرج غلام ابن شنبوذ على عضد الدّولة زائرا، فقال له: يا أبا الفرج، إنّ الله يقول: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النّحل: ٦٩]، ونرى العسل يأكله المحرور فيتأذّى به، والله الصّادق في قوله؟ قال: أصلح الله الملك، إنّ الله لم يقل: فيه الشّفاء للنّاس،","vol":"1","page":414},{"text":"بالألف واللّام الّذين يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنّما ذكره منكّرا، فمعناه: فيه شفاء لبعض النّاس دون بعض (١).\n[٥] معرفة المقيّدات اللّفظيّة، كالتّقييد بالنّعوت كقوله تعالى:\nوَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النّساء: ٩٢]، وبالعطف كقوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ [المائدة: ٩٧]، وهذا عطف بيان، وهكذا.\n[٦] دلالة القصر، كما في قوله: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ* [الصّافّات: ٣٥]،\nفقصرت الألوهيّة على الله، وقوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨]، قصرت الخشية على العلماء، وهكذا.\n[٧] تمييز الوصل والفصل بين الجمل.\nفالوصل: الرّبط بين الجملتين بحرف العطف الواو، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ١١٩ [التّوبة: ١١٩].\nوالفصل: قطع الارتباط بين الجملتين، ويكون لأسباب، منها:\nأن يكون الاتّصال تامّا بين الجملتين، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ١٣٣ [الشّعراء: ١٣٢ - ١٣٣]، فالجملة الثّانية بدل من الأولى، ولو وصلتا بالعطف لزم أن تكون إحداهما غير الأخرى.\n_________\n(١) معرفة القرّاء الكبار، للذّهبيّ (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤). وأبو الفرج هذا هو محمّد بن أحمد بن إبراهيم، من أئمّة القراءات والتّفسير، توفّي سنة (٣٨٨ هـ).","vol":"1","page":415},{"text":"ومنها: أن يكون بين الجملتين ارتباط، لكن منع من الوصل مانع، مثل قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٤ - ١٥]، فلو وصلت جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لكانت معطوفة على قول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ.\n[٨] ملاحظة الاستئناف:\nوهو الكلام المنقطع عمّا قبله في السّياق، كقوله تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ [النّساء: ١١٧ - ١١٨].\nوقد تدخل عليه الواو، كقوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ، فجملة وَنُقِرُّ مستأنفة، والواو للاستئناف.\nوقد تدخل كذلك الفاء، ويقال فيها ما يقال في الواو، كقوله تعالى: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* [البقرة: ١١٧]، فجملة فَيَكُونُ* استئنافيّة.\n[٩] رعاية مواقع الإيجاز ومواقع الإطناب:\nعن الرّبيع بن سليمان، قال: قال رجل للشّافعيّ: يا أبا عبد الله، ما البلاغة؟ قال: «البلاغة أن تبلغ إلى دقيق المعاني بجليل القول» قال:\nفما الإطناب؟ قال: «البسط ليسير المعاني في فنون الخطاب»، قال:\nفأيّما أحسن عندك: الإيجاز أم الإسهاب؟ قال: «لكلّ من المعنيين منزلة، فمنزلة الإيجاز عند التّفهّم في منزلة الإسهاب عند الموعظة، ألا ترى أنّ الله تعالى إذا احتجّ في كلامه كيف يوجز، وإذا وعظ كيف يطنب، في مثل قوله محتجّا: لَوْ","vol":"1","page":416},{"text":"كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]، وإذا جاءت الموعظة جاء بأخبار الأوّلين، وضرب الأمثال بالسّلف الماضين» (١).\n[١٠] ملاحظة أسلوب الالتفات.\nوهو العدول في الكلام من حال إلى حال، كالعدول من حال التّكلّم إلى الخطاب، مثل قوله تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ [الأنعام: ٧١ - ٧٢]، أو من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢].\n[١١] ملاحظة وقوع الحذف في الكلام.\nمثل حذف الجواب اختصارا في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرّعد: ٣١] أي:\nلكان هذا القرآن.\nومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مكانه، كقوله تعالى:\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة: ١٩٧]، أي: وقت الحجّ.\nوحذف الموصوف وإقامة الصّفة مكانه، كقوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩] أي: آية مبصرة (٢).\nوهذا باب كبير.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقّه» (رقم: ٧٠٧) بإسناد صالح.\n(٢) وفي الحذف في القرآن تأصيل للعزّ بن عبد السّلام في «الإمام» (ص: ٢٠٤).","vol":"1","page":417},{"text":"قال العزّ بن عبد السّلام: «القاعدة أن يحمل القرآن على أصحّ المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك، وكذلك لا يقدّر فيه من المحذوفات إلّا أحسنها وأشدّها موافقة وملاءمة للسّياق» (١).\n[١٢] ورود الزّيادة.\nكما في زيادة (لا) في سياق النّفي في قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] أي: أن تسجد.\nوزيادة (ما) في قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ* [النّساء: ١٥٥]، فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩].\nوفائدة الزّيادة: التّوكيد، وهو من أساليب العرب معروف في كلامها.\nوذهب بعض أهل العلم إلى منع القول: (في القرآن حروف زائدة) (٢)، وأكثرهم على صحّة ذلك، والوصف لها بالزّيادة ليس على معنى خلوّها من الفائدة، فالزّيادة في المبنى زيادة في المعنى، وإنّما هي تسمية اصطلاحيّة.\n[١٣] ملاحظة التّقديم والتّأخير.\nكقوله تعالى: أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا [الكهف: ١ - ٢] أي: أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا.\n_________\n(١) الإشارة إلى الإيجاز، للعزّ بن عبد السّلام (ص: ٢٢٠).\n(٢) انظر: «البرهان» للزّركشي (٢/ ١٧٨).","vol":"1","page":418},{"text":"وقوله ﷿: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ١٢٩ [طه: ١٢٩]، أي: ولولا كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى لكان لزاما.\n[١٤] دلالة القسم في القرآن.\nأنماط القسم في القرآن لها من الدّلالة ما خرجت به عن القسم الواقع من الخلق؛ لذا فإنّ معرفة معانيها ووجوهها جزء مهمّ في تفسير القرآن.\nوللعلّامة ابن القيّم فيها كتاب مفرد، اسمه: «التّبيان في أقسام القرآن».\n[١٥] التّوكيد والتّكرار.\nالتّوكيد: عبارة عن تقويه مدلول اللّفظ المذكور أوّلا بلفظ مذكور ثانيا مستقلّ بالإفادة (١).\nويكون بتكرار اللّفظ أو معناه، كما يكون بأدوات مخصوصة، ومحلّ بسطه كتب النّحو.\nوالمقصود هنا أن يلاحظ: أنّ التّوكيد من أساليب الكلام، وفائدته: تمكين المعنى في نفس المخاطب، وهذا لا ينبغي أن يكون محلّ نزاع.\nأمّا التّكرار، فإنّه يفيد التّوكيد، لكنّه غير مقصور عليه، فقد يأتي التّكرار لغير التّوكيد؛ لذا فعلى متدبّر القرآن أن يطلب ما وراء ذلك الأسلوب من دقيق المعاني.\n_________\n(١) الإبهاج في شرح المنهاج، للسّبكيّين (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":419},{"text":"فلو قلت في قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ٣٥ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]: هذا التّكرار لمجرّد التّوكيد، فقد حجبت نفسك عمّا هو أولى بالاعتبار في معنى الآية.\nوقال الإمام العزّ: «اتّفق الأدباء على أنّ التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتّكرار، لا يزيد على ثلاث مرّات، قال: وأمّا قوله تعالى في سورة المرسلات: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥ في جميع السّورة، فذلك ليس تأكيدا، بل كلّ آية قيل فيها: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥ في هذه السّورة، فالمراد: المكذّبون بما تقدّم ذكره قبيل هذا القول، ثمّ يذكر الله تعالى معنى آخر ويقول: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥ أي: بهذا، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد، وكذلك: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ١٣* في سورة الرّحمن» (١).\nومن هذا القبيل تكرار القصّة في القرآن، فلها في كلّ موضع من\nالدّلالة ما يختلف عن الموضع الآخر، وأدنى ما يفيده تكرارها تمكين العبرة بتلك القصّة من نفس المخاطب.\nولا تجد في القرآن إعادة مجرّدة للقصّة، وعلامة ذلك أنّك لا ترى قصّة يتّفق سياقها في الموضعين، فضلا عن الاتّفاق في الدّلالة والمقصود.\n[١٦] ذكر الشّيء على العموم، ثمّ تخصيص الأفضل منه، كقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨].\n_________\n(١) الإبهاج في شرح المنهاج، للسّبكيّين (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":420},{"text":"[١٧] ملاحظة الدّلالات اللّغويّة لحروف المعاني بحسب استعمالها.\nوالمراد بها: الحروف الّتي تدلّ على معنى في غيرها، كحروف الجرّ والتّوكيد والقسم، وغيرها.\nوفيه مؤلّفات مفيدة محقّقة للغرض، منها: «مغني اللّبيب» للإمام جمال الدّين ابن هشام، و«الجنى الدّاني في حروف المعاني» للحسن بن قاسم المراديّ، و«رصف المباني في شرح حروف المعاني» لأحمد بن عبد النّور المالقيّ، ومطوّلات الكتب المؤلّفة في علوم القرآن تناولت ذلك أيضا.\nوهاهنا مسألة جديرة بالتّنبيه، وهي تناوب حروف المعاني، خصوصا حروف الجرّ، وذلك بمجيء الحرف بمعنى الآخر، كما قيل في قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النّخل.\nفهذا ممّا اختلف فيه أئمّة العربيّة من البصريّين مع أكثر الكوفيّين ومن تبعهم من المتأخّرين، فمذهب البصريّين: أنّ حروف المعاني لا\nينوب بعضها عن بعض، ولكلّ حرف معناه، ويتأوّلون الفعل الّذي تعلّق به الحرف على تضمينه معنى فعل يتعدّى بذلك الحرف، والآخرون قالوا بصحّة ذلك.\nمثاله قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الأنبياء: ٧٧]، فعند البصريّين: ونجّيناه من القوم، وعند الكوفيّين:\nونصرناه على القوم.","vol":"1","page":421},{"text":"وتأوّل البصريّون الآية الأولى على: أنّه شبّه المصلوب لتمكّنه من الجذع بالحالّ في الشّيء (١).\nوفي الجملة، فهذه مسألة حريّة بأن يلاحظ المتدبّر فيها الخلاف، ومذهب البصريّين أعمق في المعاني، ومذهب الكوفيّين أسهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>١٠ - اشتمال القرآن على المحسّنات البديعيّة:</span>\nعلم البديع هو الجمال اللّغويّ، اشتمل القرآن على أكمله وأحسنه، ففيه: المحسّنات المعنويّة، واللّفظيّة.\nفمن ذلك: التّورية في قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ٦ [الرّحمن: ٦]، فالمعنى القريب للنّجم هو الّذي في السّماء، وإنّما المراد ما لا ساق له من النّبات.\nوالافتنان، وهو الجمع بين فنّين مختلفين، كما في قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ٢٧ [الرّحمن: ٢٦ - ٢٧]، فعزّى خلقه بالفناء، ومدح نفسه بالبقاء.\nوالطّباق، وهو الجمع بين المتقابلين في المعنى، كقوله تعالى:\nوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ٤٤ [النّجم: ٤٣ - ٤٤].\nومن المحسّنات اللّفظيّة: الجناس، وأنواعه عديدة، وفي القرآن منها\n_________\n(١) انظر: «مغني اللّبيب» لابن هشام النّحويّ (١/ ١١١)، «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة (١٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":422},{"text":"أشياء، كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الرّوم: ٥٥].\nوهكذا في أنواع كثيرة للبديع، اعتنى ببيانها بعض المفسّرين، ويحسن بالمتدبّر مراعاتها وإن كانت ليست من لوازم التّفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>المبحث الثالث: قواعد أخرى</span>\n١ - ما يروى عن السّلف في تفسير الآية الواحدة من تفسيرات مختلفة للكلمة الواحدة أو الجملة المعيّنة، فإنّ أكثرها يعود إلى اختلاف التّنوّع، لا تضادّ بينها ولا تخالف، وهناك معنى كلّيّ تجتمع فيه كلّ تلك التّفسيرات.\nمثل اختلاف ألفاظ المفسّرين في تفسير كلمة (طوبى) في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ [الرّعد: ٢٩]، فقيل:\nفعلى من الطّيب، والمعنى: العيش الطّيّب لهم، وقيل: نعمى، أو نعم ما لهم، وقيل: حسنى، وقيل: غبطة، وقيل: فرح وقرّة عين، وقيل:\nخير، ومنه قول الرّجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرا، وقيل: الجنّة، وقيل: شجرة في الجنّة، فهذه التّفسيرات وإن اختلفت إلّا أنّها تشترك جميعا في معنى واحد، هو الثّواب الحسن، وإن كان الأخير منها يحتاج إلى الخبر، والحديث فيه ضعيف.\nومثل هذا ما ثبت عن النّبيّ ﷺ في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ","vol":"1","page":423},{"text":"الْكَوْثَرَ ١ قال: «بينما أنا أسير في الجنّة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك» (١).\nمع ما صحّ عن ابن عبّاس من قوله: «الكوثر: الخير الكثير الّذي أعطاه الله إيّاه» (٢).\nفليس بين الحديث والأثر تضادّ، فإنّ نهر الكوثر في الجنّة هو الخير الكثير الّذي أعطاه الله لنبيّه ﷺ.\nوكذلك قيل لسعيد بن جبير حين حدّث بما تقدّم عن ابن عبّاس:\nفإنّ النّاس يزعمون أنّه نهر في الجنّة؟ فقال سعيد: النّهر الّذي في الجنّة من الخير الّذي أعطاه الله إيّاه (٣).\nواختلاف الألفاظ في التّعبير عن الشّيء الواحد مدرك معلوم (٤)، وقد يعبّر عن الشّيء بما يقرّب معناه وإن لم يكن يساويه من كلّ وجه (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ١٢٠٠٨ ومواضع أخرى) والبخاريّ (رقم:\n٤٦٨٠، ٦٢١٠) وأبو داود (رقم: ٤٧٤٨) والتّرمذيّ (رقم: ٣٣٥٩، ٣٣٦٠) والنّسائيّ في «التّفسير» (رقم: ٧٢٦) وغيرهم من حديث أنس بن مالك.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٨٢، ٦٢٠٧) والنّسائيّ في «التّفسير» (رقم: ٧٢٤).\n(٣) هذا في رواية البخاريّ.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيميّة (١٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، البرهان، للزّركشيّ (٢/ ١٥١).\n(٥) انظر: فتاوى ابن تيميّة (١٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":424},{"text":"ولا يكاد يوجد تعارض حقيقيّ بين أقاويل السّلف في التّفسير، فإن وجد وصحّ إسناده عن قائله، ولم يوجد مرجّح من النّصوص، فالتّرجيح لمن رسخ قدمه في التّفسير، أو من له مزيد دراية في موضوع اللّفظ المختلف فيه (١).\nوالأصل أنّ كلّ تفسير يحتمله اللّفظ من جهة اللّغة، ولا معارض له يساويه أو يرجح عليه، فهو مقبول.\n٢ - جميع نصوص القرآن متكافئة في درجة الاعتبار بها، إلّا ما ثبت نسخه.\nوهذا يعني أنّه لا يصحّ اللّجوء إلى التّرجيح بين نصّين، إنّما الواجب الاجتهاد في التّوفيق بينهما، وذلك باتّباع الأصول المعتبرة في علم أصول الفقه، كتخصيص العامّ، وتقييد المطلق.\nولا يحلّ الفزع لادّعاء النّسخ عند مظنّة التّعارض، إلّا أن توجد شروط النّسخ، على ما سبق في (المقدّمة الرّابعة).\n٣ - مراعاة دلالات: العموم والخصوص، والإطلاق والتّقييد، والأمر والنّهي، والمنطوق والمفهوم.\nوملاحظة من توجّه له الخطاب، إن كان خاصّا أو عامّا، أو خاصّا أريد به العامّ، أو عامّا أريد به الخاصّ، وهكذا.\n_________\n(١) انظر: «البرهان» للزّركشيّ (٢/ ١٥٩ - ١٦٠، ١٧٢).","vol":"1","page":425},{"text":"ومحلّ بسط ذلك كتب أصول الفقه.\n٤ - إذا وجدت النّصّ يخبر عمّا هو معلوم عادة أو حسّا أو عقلا،\nفليس المراد منه مجرّد الإعلام بذلك، إنّما يشتمل على غرض آخر، فتأمّله (١).\nوذلك كقوله تعالى: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ٢٢ [التّكوير: ٢٢]، في ردّ دعوى المبطلين، إذ شأنه معلوم في نفي الجنون عنه، وكقوله:\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠ [الزّمر: ٣٠] للوعظ والتّذكير، وإلّا فالموت حقيقة مسلّمة، وكقوله تعالى لنبيّه ﷺ: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص: ٤٤]، وذلك تمنّن على نبيّه ﷺ وأمّته، وإظهار لصدقه.\n٥ - ملاحظة الوحدة الموضوعيّة للسّورة، بالنّظر إلى ترابط أجزائها لتكوّن موضوعا واحدا.\nومن هذا ما يعبّر عنه بعض العلماء ب «المناسبة» أو «التّناسب».\nومراعاته فيما بين آيات السّورة يعني فهم الآية من خلال سياقها، وحيث إنّ ترتيب الآيات في السّورة توقيفيّ، فعلاقة الآية بالآية معتبرة، ومن خلال ذلك التّرابط يفهم موضوع السّورة.\nلكن هل يطّرد هذا التّرابط بين آيات السّورة في جميع القرآن؟\n_________\n(١) نبّه على هذا الأصل الإمام عزّ الدّين بن عبد السّلام في كتاب «الإمام» (ص: ١٦٢ - ١٦٨) وأتى على ذكر اثنتي عشرة فائدة لذلك.","vol":"1","page":426},{"text":"من المفسّرين من بالغ في استعمال هذه القاعدة، والحقّ فيها وسط.\nقال العزّ بن عبد السّلام: «من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه\nببعض، ويتشبّث بعضه ببعض؛ لئلّا يكون مقطّعا مبتّرا، وهذا بشرط أن يقع الكلام في أمر متّحد، فيرتبط أوّله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحد الكلامين بالآخر، ومن ربط ذلك فهو متكلّف لما لم يقدر عليه إلّا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث، فضلا عن أحسنه، فإنّ القرآن نزل على الرّسول ﵇ في نيّف وعشرين سنة، في أحكام مختلفة، شرعت لأسباب مختلفة غير مؤتلفة، وما كان كذلك لا يتأتّى ربط بعضه ببعض، إذ ليس يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضه ببعض، مع اختلاف العلل والأسباب» وذكر لذلك أمثلة (١).\nوبالغ الشّوكانيّ (٢) في إنكار سلوك هذه الطّريقة، واستدلّ بما لا يخرج في معناه عمّا ذكره العزّ.\nوذكرت في جوامع التّفسير كتاب البقاعيّ في ذلك (٣)، وقد زاد فيه أيضا التّناسب بين السّور، كما أفرده السّيوطيّ كذلك بكتاب (٤)، ومراعاة السّور\n_________\n(١) الإشارة إلى الإيجاز، للعزّ بن عبد السّلام (ص: ٢٢١).\n(٢) فتح القدير، للشّوكانيّ (١/ ١٧١ - ١٧٤).\n(٣) وهو المسمّى «نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور» تقدّم (ص: ٣٦٣).\n(٤) في «تناسق الدّرر في تناسب السّور» والمطبوع باسم «أسرار ترتيب القرآن».\nوانظر لهذا المبحث أيضا: «البرهان» للزّركشيّ (١/ ٣٥).","vol":"1","page":427},{"text":"مسلك فيه تكلّف ظاهر، خاصّة أنّ راجح القولين لأهل العلم أنّ ترتيب السّور في المصحف دخله الاجتهاد.\n٦ - ملاحظة دلالات خواتيم الآي، والرّبط بينها وبين ما قبلها، كتأمّل وجه الرّبط مثلا بين قوله تعالى: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بعد أن\nقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ* [الأعراف: ٢٠٠]، ومجيء قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* في خاتمة قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: ٣٨].\n٧ - رعاية أحكام الوقف والابتداء.\nوهذا سبيله التدبّر، وهو سبب عظيم المنفعة لفهم القرآن، والأصل أنّه اجتهاديّ، ولذا حين أثبتت علاماته في المصاحف اختلفت، وفيه مؤلّفات مفيدة، وتأتي له تتمّة في (المقدّمة السّادسة).\n٨ - مراعاة بيئة النّصّ الزّمانيّة والمكانيّة، وذلك بتصوّر عهد نزول القرآن وواقع النّاس يومئذ، والمكان الّذي كان ينزل فيه القرآن.\nوالطّريق إليه: معرفة أسباب النّزول، والوقائع الّتي استعمل فيها نصّ القرآن، والدّراية بسيرة النّبيّ ﷺ.\nحدّث طاوس اليمانيّ عن ابن عبّاس، أنّه سئل عن قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشّورى: ٢٣]؟ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد ﷺ، فقال ابن عبّاس:\nعجلت، إنّ النّبيّ ﷺ لم يكن بطن من قريش إلّا كان له فيهم","vol":"1","page":428},{"text":"قرابة، فقال: إلّا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة (١).\nومن ذلك ملاحظة مراحل التّنزيل، فقد تقدّم ذكر التدرّج فيه وما فيه من الحكم.\n٩ - ربط القرآن ودلالات النّصوص ممّا لا يتّصل بالجانب\nالتّوقيفيّ المحض، بما يظهر اليوم من الاكتشافات العلميّة المبيّنة لكثير من وجوه الإعجاز في القرآن.\nهذه المباحث الثّلاثة تضمّنت كلّيّات جوامع، لم أجد بدّا من الإيجاز فيها والاختصار؛ لأنّ الدّخول في تفاصيلها يخرج عن التّقعيد، ويطول به الكتاب، والإشارة بما ذكر إلى ما لم يذكر تغني اللّبيب.\n...\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٣٠٦، ٤٥٤١).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المقدمة السادسة أحكام قراءة القرآن</span>\nالفصل الأول: تجويد تلاوة القرآن الفصل الثاني: أخذ القرآن والاعتناء به الفصل الثالث: أدب تلاوة القرآن","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الفصل الأول: تجويد تلاوة القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>المبحث الأول: معنى التجويد وأصل استمداده</span>\nالتّجويد «مصدر من (جوّد تجويدا)، والاسم منه (الجودة) ضدّ الرّداءة، يقال: (جوّد فلان في كذا) إذا فعل ذلك جيّدا، فهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجوّدة الألفاظ، بريئة من الرّداءة في النّطق، ومعناه: انتهاء الغاية في التّصحيح، وبلوغ النّهاية في التّحسين» (١).\nوهو «حلية التّلاوة، وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها، وترتيبها مراتبها، وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه، وتلطيف النّطق به على حال صيغته وكمال هيئته، من غير إسراف ولا تعسّف، ولا إفراط ولا تكلّف» (٢).\nو(علم التّجويد) خصّ بالعناية من قبل أهل الإسلام؛ حرصا منهم على إتقان تلاوة القرآن على الصّفة الّتي أنزل عليها.\nوهو في التّحقيق من قراءة القرآن بالإعراب، إذ الأصل في الإعراب الإبانة والإفصاح، وذلك لا يتحقّق إلّا بالسّلامة من اللّحن بجميع صوره،\n_________\n(١) ابن الجزريّ في «النّشر في القراءات العشر» (١/ ٢١٠).\n(٢) ابن الجزري في «النّشر» (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":433},{"text":"وهو الخطأ في ضبط الحروف، أو الخطأ في ضبط الكلمة، أو الخطأ في ضبط الكلام.\nفهذه ثلاثة أنواع.\nفأمّا الخطأ في ضبط الحروف، فلأجله وضعوا (علم التّجويد).\nوأمّا الخطأ في ضبط الكلمة، فهو إمّا خطأ في ضبط بنيتها، وله وضعوا (علم الصّرف)، أو خطأ في ضبط موقعها في السّياق، وله وضعوا (علم النّحو).\nوأمّا الخطأ في ضبط الكلام، فلأجله وضعوا للقرآن (علم الوقف والابتداء).\nوالقرآن العظيم يجب أن ينفى عنه كلّ صور اللّحن، فإنّ اللّحن ميل وعوج وخروج عن الصّواب، والله تعالى يقول: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزّمر: ٢٨]، وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، فمن قرأه باللّحن فقد خرج به عن جادّته، ونسب إليه الخلل.\nإذا فهذه العلوم جميعها مرادة لضبط تلاوة القرآن، وليس فيها شيء محدث، بل هي مستمدّة من السّماع، فما اختصّ منها بالقرآن فمرجعه إلى نقل القرّاء الّذين تتّصل قراءتهم برسول الله ﷺ، وإلى\nأصحاب التّدبّر والفهم عن الله ورسوله ﷺ من أهل العلم، ك (علم الوقف والابتداء)،","vol":"1","page":434},{"text":"وما كان للقرآن وغيره من الكلام فمرجعه إلى المسموع من لسان العرب، والّذي عليه بني (علم التّجويد، والصّرف، والنّحو).\nوهذا يبيّن أنّ (علم التّجويد) من علوم لغة العرب، ومراعاته تحقيق اللّفظ العربيّ على وجهه.\nوقد رأينا الأقدمين ممّن وضعوا علوم العربيّة قد ضمّنوا كتبهم موضوعات هذا العلم، فذكروا الكلام في مخارج الحروف، وصفاتها كالجهر والهمس والشّدّة واللّين،\nوأحكامها كالإظهار والإخفاء والإدغام، كما ترى ذلك في كتاب سيبويه وغيره.\nعلى أنّه قد انضاف إلى كون (تجويد الحروف) من لسان العرب:\nأنّ نقلة القراءة أدّوا القرآن مجوّدا بهذه الأحكام، فدلّ على أنّها كانت صفة القراءة النّبويّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>فهذان طريقان عرفنا بهما صفة تجويد القرآن:</span>\nالأوّل: كون (أحكام التّجويد) من صميم لغة العرب، وقد قال الله تعالى في القرآن: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٥]، وقال:\nلِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النّحل: ١٠٣].\nوالثّاني: نقل أئمّة القراءة الثّقات الّذين وضعت تلك الأحكام على وفق المسموع منهم، وضبطت مصاحف المسلمين على صفة قراءتهم.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المبحث الثاني: حكم القراءة بالتجويد</span>\nأمر الله ﷿ بتدبّر القرآن وفهم معانيه، وحثّ نبيّه ﷺ على الإكثار من تلاوته لتحقيق هذا الغرض، كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الثّاني، وهذا الأخذ للقرآن تلاوة أو حفظا أو تدبّرا لا يتهيّأ على الوجه المأمور به لمن قرأ قراءة ملحونة مختلّة، وفاعل هذا خارج بالقرآن عن سننه.\nفضبط التّلاوة سبب للتّدبّر وفهم القرآن، كما أنّه سبب للخشوع عند تلاوته وانتفاع القلب به، وكلّ هذا مأمور به مطلوب إمّا وجوبا وإمّا ندبا، فضبط التّلاوة يأخذ حكم ما كان سببا فيه.\nوإذا كان اللّحن منفيّا في الأصل عن القرآن، فإضافته إليه من باب تحريف الكلم عن مواضعه.\nولأهل العلم وجوه من الاستدلال لوجوب القراءة بأحكام التّجويد والعربيّة على وفق المنقول عن القرّاء.\nومن أحسن ذلك ما ذكرته في المبحث السّابق، وهو تلقّي القراءة عن النّبيّ ﷺ على الصّفة الّتي أنزل عليها القرآن، وعربيّة القرآن الّتي جاءت بأفصح ما في لسانهم وأبينه.\nقال الله ﷿: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، فهذا القرآن مسند إلى الله تعالى بهذه الصّيغة العربيّة","vol":"1","page":436},{"text":"الفصيحة، الّتي لم يدخلها تصرّف النّاقل، بل تلقّاها الأمين جبريل، وعنه الأمين محمّد ﷺ،\nوعنه الأمناء من أصحابه، وهكذا من بعدهم، يتبع اللّاحق منهم السّابق، على الصّفة الّتي أنزله الله عليها، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩]، فهو محفوظ في نفسه من أن يبدّل منه شيء حتّى في النّطق بحرف منه.\nفكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنّ القراءة على تلك الصّفة لازمة بعربيّته؛ لكونه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥؟\nفقراءة القرآن بغير التّجويد أو بغير النّحو عدول به عن المسموع من رسول الله ﷺ، وخروج به عن عربيّته، وهذا لا يحلّ.\nقال الإمام أبو محمّد البغويّ: «إنّ النّاس كما أنّهم متعبّدون باتّباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبّدون بتلاوته وحفظ حروفه، على سنن خطّ المصحف الإمام الّذي اتّفقت عليه الصّحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخطّ عمّا قرأ به القرّاء المعروفون الّذين خلفوا الصّحابة والتّابعين واتّفقت الأمّة على اختيارهم» (١).\nواستدلّ بعض أهل العلم لوجوب القراءة بالتّجويد، بقوله تعالى:\nوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزّمل: ٤].\nقال أبو جعفر النّحّاس: «والقراءة بالتّرتيل والمكث واجبة بنصّ\n_________\n(١) تفسير البغويّ المسمّى ب «معالم التنزيل» (١/ ٣٧).","vol":"1","page":437},{"text":"القرآن (١)، والتّرتيل: التّبيين»، قال: «فمن التّبيين: تفصيل الحروف، والوقف على ما تمّ معناه منها» (٢).\nوثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه حثّ أن يقرأ القرآن كما أنزل، كما في الحديث الصّحيح في فضل عبد الله بن مسعود، ﵁، أن النّبيّ ﷺ سمعه يقرأ، فقال: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» (٣).\nفهذا دليل على أنّ قراءة القرآن على وجهه إنّما هو بقراءته كما أنزل، وهو قد أنزل مرتّلا بلسان عربيّ مبين، وابن مسعود من أئمّة القراءة الّذين على قراءتهم بنيت أحكام التّجويد.\nوكان ابن مسعود يقول: «أعربوا القرآن، فإنّه عربيّ» (٤).\n_________\n(١) يشير إلى آيتين: المذكورة، والثّانية: قوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦].\n(٢) القطع والائتناف، للنّحّاس (ص: ٧٣، ٧٤).\n(٣) حديث صحيح.\nأخرجه أحمد (رقم: ٣٥، ٤٢٥٥، ٤٣٤٠، ٤٣٤١) وابن ماجة (رقم: ١٣٨) من طريق عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله، به.\nقلت: وإسناده جيّد، وله طرق عدّة.\n(٤) أثر حسن. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٠٨) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٣٤٨) من طريق سفيان الثّوريّ، عن عقبة الأسديّ، عن أبي العلاء، عن عبد الله بن مسعود، به.\nقلت: وهذا إسناد صالح، عقبة وثّقه ابن حبّان (الثّقات: ٧/ ٢٤٥)، ورواية الثّوريّ عنه ترفع من أمره، وأبو العلاء هو ابن الشّخّير ولد في حياة الصّدّيق، وكان بالكوفة، فإدراكه وسماعه من ابن مسعود متّجه قويّ.\nتابعه علقمة بن قيس عن ابن مسعود، قال: «أعربوا القرآن».\nأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٠٤) وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف يعتبر به.\nوروي مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ من حديث ابن مسعود، وفي إسناده كذّاب، ومن حديث أبي هريرة، وإسناده واه، فيه متروك.","vol":"1","page":438},{"text":"وهذا لا يكون إلّا بأن تعطى الحروف حقّها ومستحقّها.\nوجرى من بعض العلماء في هذا المقام الاستدلال لوجوب القراءة بالتّجويد بحديث يروى عن عبد الله بن مسعود:\nأنّه كان يقرئ القرآن رجلا، فقرأ الرّجل: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ، قال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرّحمن؟ قال: أقرأنيها إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ فمدّها.\nذكره ابن الجزريّ في (باب المدّ) واحتجّ به، ولا يثبت إسناده (١).\n_________\n(١) أخرجه الطّبرانيّ في «المعجم الكبير» (رقم: ٨٦٧٧) قال: حدّثنا محمّد بن عليّ الصّائغ، حدّثنا سعيد بن منصور، حدّثنا شهاب بن خراش، حدّثني موسى بن يزيد الكنديّ، قال: كان ابن مسعود، فذكره.\nوأخرجه ابن الجزريّ في «النّشر» (١/ ٣١٥ - ٣١٦) من طريق الطّبرانيّ بإسناده، وفيه: (مسعود بن يزيد). وقال ابن الجزريّ: «هذا حديث جليل حجّة ونصّ في هذا الباب، رجال إسناده ثقات».\nقلت: إن كان الصّواب في اسم الرّاوي عن ابن مسعود (موسى) فإنّه لا ذكر له في الكتب، وإن كان (مسعودا) فقد جاء في «الثّقات» لابن حبّان (٥/ ٤٤١):\n«مسعود بن يزيد، يروي عن عمر بن الخطّاب، روى عنه محمّد بن الفضل»، وهذا توثيق ليس بمقنع، فابن حبّان لا يعتمد على توثيقه منفردا عند أئمّة النّقد، خاصّة لمن كان من هذه الطّبقة، ولم يتابع على تعديل هذا الرّجل، هذا لو سلّمنا أنّه نفسه المذكور في حديث ابن مسعود، فهذه علّة.\nوله علّة أخرى، الكنديّ هذا سمع منه شهاب بن خراش هذا الحديث، وأقدم من روى عنه شهاب من الشّيوخ بعض أصحاب أنس بن مالك من صغار التّابعين كقتادة وشبهه، فلو نزّلنا الكنديّ منزلة صغار التّابعين من أصحاب أنس في القدم جزمنا بكون روايته منقطعة؛ لأنّ ابن مسعود قديم الموت، وأمّا مظنّة الانقطاع فهي حاصلة، خاصّة مع عدم ذكره السّماع في هذه الرّواية.","vol":"1","page":439},{"text":"وحاصل هذا المبحث ممّا تقدّم من الاستدلال قبل: وجوب قراءة القرآن بالتّجويد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>المبحث الثالث: كيف تضبط تلاوة القرآن</span>؟\nالقراءة بالتّجويد تتمّ بمراعاة القواعد الّتي وضعت من قبل الأئمّة القرّاء، وصنّفت فيها المصنّفات، مع الاستعانة ما أمكن بأخذها عن صاحب دراية ومعرفة من القرّاء المتقنين للتّلاوة بتلك القواعد، ولا يجوز للمسلم أن يفرّط في ذلك ما وجد إليه سبيلا، فإن عجز اجتهد في الضّبط بما تيسّر له، بالسّماع من قارئ متقن بواسطة الوسائل السّمعيّة الحديثة، أو","vol":"1","page":440},{"text":"بأخذه من الكتب والرّسائل الّتي ألّفت فيه.\nقال الحافظ ابن كثير: «أمّا تلقين القرآن فمن فم الملقّن أحسن؛ لأنّ الكتابة لا تدلّ على الأداء، كما أنّ المشاهد من كثير ممّن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدّى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على ألفاظ القرآن، فأمّا عند العجز عمّا يلقّن فلا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها، فيجوز عند الضّرورة ما لا يجوز عند الرّفاهية، فإذا قرأ في المصحف والحالة هذه فلا حرج عليه، ولو فرض أن قد يحرّف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه» (١).\nيريد ابن كثير أنّه معذور إذا بذل جهده بما يمكنه فقرأ القرآن بعد ذلك وأخطأ في التّلاوة.\nوهذا القول وسط صواب، فإنّ الله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]، وصحّ عن النّبيّ ﷺ قوله:\n«الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والّذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» (٢).\nفبيّن ﷺ أنّ من بذل وسعه مجتهدا في إتقان التّلاوة ولم يساعده لسانه\n_________\n(١) فضائل القرآن لابن كثير (ص: ٤٩٠ - الملحق بآخر تفسيره).\n(٢) حديث صحيح. متّفق على أصله: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٦٥٣) ومسلم (رقم:\n٧٩٨)، واللّفظ له، وسيأتي لفظ البخاريّ في (ص: ٤٣٦).","vol":"1","page":441},{"text":"على إخراجها على وجوهها، إذ التّعتعة عسر في النّطق ومشقّة، فهذا مأجور من جهتين: على اجتهاده في طلب الصّواب، وعلى نفس تلاوته.\nوصحّ عن جابر بن عبد الله، ﵄، قال:\nخرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابيّ والأعجميّ، فقال: «اقرءوا، فكلّ حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجّلونه ولا يتأجّلونه» (١).\nفالأعجميّ ربّما لم تساعده لغته ولسانه على أن يعطي كلّ حرف حقّه ومستحقّه، ومع ذلك يثني النّبيّ ﷺ على جلوسه لقراءة القرآن، لا ينقص حسن عمله ذلك عن حسن عمل من كان معه من العرب\nالفصحاء، ويحثّه النّبيّ ﷺ على التّلاوة وإن كانت عجمته لا تساعده على الإتقان، وإنّما ذلك لصحّة المقاصد من أولئك المجتمعين، ولذا ذمّ بمقابلهم القرّاء المتكلّفين لإقامة الألفاظ حتّى إنّ أحدهم ليحرص على الدّقّة في أدائه يقيم الحرف كإقامة السّهم من القوس، لكنّهم يبتغون به الدّنيا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في «فضائل القرآن» من «سننه» (رقم:\n٣١) وأحمد (رقم: ١٥٢٧٣) وأبو داود (رقم: ٨٣٠) وجعفر الفريابيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ١٧٤) والآجرّي في «آداب حملة القرآن» (ص: ١٥٦ - ١٥٧) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٦٤٢) من طريق حميد بن قيس الأعرج، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، به.\nقلت: وإسناده صحيح، ولم ينفرد به حميد، كما سأذكره (ص: ٤٨٧)، كذلك له شواهد تزيد في صحّته، ولا يضرّه إرسال من أرسله، كما بيّنته في موضع آخر.","vol":"1","page":442},{"text":"فعليه، ومع ما بيّناه من وجوب القراءة بالتّجويد نقول: لا يجوز أن يجعل ذلك حائلا دون قراءة القرآن لمن بذل وسعه للقراءة به لكنّه لم يحقّقه على وجهه لعجزه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>المبحث الرابع: مراتب التلاوة</span>\nالمبالغة والتّكلّف لتحقيق إخراج الحروف من مخارجها قبيح مذموم، والاعتدال في كلّ شيء حسن محمود.\nوقد جرى أهل العلم بالقراءة على تقسيم صور الأداء إلى أربع مراتب جدير بالقارئ مراعاتها ليبقى في حدود المشروع، هي كالتّالي:\nالأولى: التّحقيق، وهو «عبارة عن إعطاء كلّ حرف حقّه: من إشباع المدّ، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتّشديدات، وتوفية الغنّات، وتفكيك الحروف، وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسّكت والتّرسّل واليسر والتّؤدة وملاحظة الجائز من الوقوف» (١).\nوفائدته: «رياضة الألسن، وتقويم الألفاظ، وإقامة القراءة بغاية التّرتيل، وهو الّذي يستحسن ويستحبّ الأخذ به على المتعلّمين، من غير أن يتجاوز فيه إلى حدّ الإفراط: من تحريك السّواكن، وتوليد الحروف من الحركات، وتكرير الرّاءات، وتطنين النّونات بالمبالغة في الغنّات» (٢).\n_________\n(١) ابن الجزريّ في «النّشر» (١/ ٢٠٥).\n(٢) كالّذي قبله.","vol":"1","page":443},{"text":"والثّانية: الحذر، وهو «عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها، بالقصر والتّسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمز، ونحو ذلك ممّا صحّت به الرّواية ووردت به القراءة، مع إيثار الوصل، وإقامة الإعراب، ومراعاة تقويم اللّفظ وتمكّن الحروف» (١).\nويشترط لجواز القراءة بهذا: أن لا يخرج القارئ به عن الأدنى في صفات الحروف، فلا يصيّر حروف المدّ الألف والواو والياء بمنزلة الحركات، ولا يذهب بصوت الحركة كلّيّا، ولا يغفل الغنّة، ولا يصير إلى ابتلاع حرف صحيح بعضه أو كلّه.\nوهذا النّمط في القراءة يحتاج إليه لتثبيت الحفظ، أو لتكثير التّلاوة، ولا يساعد على الفقه والتّدبّر كما ينبغي.\nوالثّالثة: التّدوير، وهو مرتبة التّوسّط بين التّحقيق والحدر.\n_________\n(١) ابن الجزريّ كذلك (١/ ٢٠٧).\nوالمراد ب (القصر) قصر المدود، و(التّسكين) المنقول مثله عن بعض أئمّة القراءة في مثل: نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النّساء: ١١٥] بتسكين الهاء في الموضعين، و(الاختلاس) عكس الإشباع، كالشّأن في إشباع الكسرة حتّى تكون ياء في قوله تعالى: تُرْزَقانِهِ [يوسف: ٣٧]، والاختلاس بترك ذلك الإشباع، و(البدل) مثل: الصِّراطَ* بالصّاد والسّين، و(الإدغام الكبير) يكون بالتقاء حرفين متماثلين أو متجانسين أو متقاربين، كلاهما متحرّكان، فيسكّن الأوّل ويدغم في الثّاني، مثل: النَّاسَ سُكارى، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ*، النُّفُوسُ زُوِّجَتْ.","vol":"1","page":444},{"text":"قال ابن الجزريّ: «وهو المختار عند أكثر أهل الأداء» (١).\nوالرّابعة: التّرتيل، وهو القراءة المبيّنة المفسّرة المستوعبة لأحكام التّلاوة، وهي قراءة التّدبّر الّتي نزل القرآن بالأمر بها، كما قال الله ﷿: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزّمّل: ٤].\nوالّذي أميل إليه: أنّ التّحقيق والتّدوير جميعا من جملة التّرتيل، إذ الأمر يرجع في جميعها إلى ترك الإسراع في القراءة، والتّفاوت في البطء لا ينضبط، خاصّة إذا لاحظنا أنّ الإتيان بأحكام التّلاوة على التّمام مراد في كلّ ذلك.\nوغاية ما يمكن أن يقال من الفرق بينها: أنّ التّحقيق أبطأ من التّرتيل، والتّرتيل أبطأ من التّدوير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>الهدي النبوي في صفة الترتيل:</span>\nعن أمّ المؤمنين حفصة، ﵂، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى في سبحته قاعدا، حتّى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلّي في سبحته قاعدا، وكان يقرأ بالسّورة فيرتّلها، حتّى تكون أطول من أطول منها (٢).\nفهذا يبيّن أنّ التّرتيل الّذي أمر الله تعالى به نبيّه ﷺ في كتابه، كان بالتّأنّي\n_________\n(١) النّشر (١/ ٢٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك (رقم: ٣٦٣) وأحمد (٦/ ٢٨٥) ومسلم (رقم: ٧٣٣) - والتّرمذيّ (رقم: ٣٧٣) والنّسائيّ (رقم: ١٦٥٨) من طريق الزّهريّ، عن السّائب بن يزيد، عن المطّلب بن أبي وداعة السّهميّ، عن حفصة، به.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح». والسّبحة: صلاة النّافلة.","vol":"1","page":445},{"text":"في أداء الحروف والوقوف، ممّا تخرج به تلاوة القرآن عن شبه التّلاوة لسائر الكلام الّذي عهد بأن يسرد سردا: موصولا ببعضه، مكتفى بالنّطق بأدنى ما يكون من صفة الحرف، أو بما هو دون ذلك.\nوأمّ المؤمنين أمّ سلمة ﵂ كانت تصف قراءة النّبيّ ﷺ بأنّها كانت قراءة مفسّرة حرفا حرفا (١)، وأنس بن مالك يذكر أنّ النّبيّ ﷺ كان يمدّ بها صوته مدّا (٢)، ويفسّر أنس ذلك في رواية،\nفيقول: كانت مدّا، ثمّ\n_________\n(١) وذلك في حديث يعلى بن مملك: أنّه سأل أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ عن قراءة النّبيّ ﷺ وصلاته؟ فقالت: ما لكم وصلاته؟ كان يصلّي، ثمّ ينام قدر ما صلّى، ثمّ يصلّي قدر ما نام، ثمّ ينام قدر ما صلّى، حتّى يصبح، ثمّ نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٩٤، ٣٠٠) والبخاريّ في «خلق أفعال العباد» (رقم: ١٧١) وأبو داود (رقم: ١٤٦٦) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٢٣) والنّسائيّ (رقم: ١٠٢٢، ١٦٢٩) وابن خزيمة (رقم: ١١٥٨) والحاكم (رقم: ١١٦٥) والبيهقيّ (٣/ ١٣) من طريق اللّيث بن سعد، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، به.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح»، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط مسلم». قلت: هو صحيح، وليس على شرط مسلم، فإنّه لم يخرّج ليعلى، وإنّما صحّحته تبعا للتّرمذيّ، فإنّه صحّحه مع حكمه بغرابته ممّا دلّ على ثقة يعلى عنده، ويعلى لم يجرح من أحد، ولم يرو منكرا.\n(٢) وسياقه عن قتادة، قال: قلت لأنس: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ؟ قال: كان يمدّ صوته مدّا. أخرجه أحمد (رقم: ١٢١٩٨ ومواضع أخرى) والبخاريّ (رقم:\n٤٧٥٨) وأبو داود (رقم: ١٤٦٥) والنّسائيّ (رقم: ١٠١٤) وابن ماجة (رقم:\n١٣٥٣) من طريق جرير بن حازم، قال سمعت قتادة، به.","vol":"1","page":446},{"text":"قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١* يمدّ ب بِسْمِ اللَّهِ*، ويمدّ ب الرَّحْمنِ* ويمدّ ب الرَّحِيمِ* (١).\nكذلك سمع عبد الله بن مغفّل النّبيّ ﷺ يقرأ قراءة ليّنة يرجّع فيها، يقول: (آآآ) (٢).\nفهذه صفة القراءة النّبويّة ترجع في جملتها إلى التّأنّي والتّرسّل في التّلاوة بإعطاء كلّ حرف حقّه ومستحقّه على أكمل وجوهه، ولا يخفى في التّطبيق ما لذلك من الأثر في تدبّر القرآن وفهم معانيه، وهو المقصود من تلاوته.\nوهذه الصّفة تفسير للأمر بالتّرتيل الّذي جاء به نصّ الكتاب، والمتأمّل يرى اندراج المراتب الاصطلاحيّة الثّلاث (التّحقيق، والتّدوير، والتّرتيل) جميعا تحت ذلك الهدي، إذ كلّها موصوف باستيفاء أحكام التّجويد وإن\n_________\n(١) رواية صحيحة، أخرجها البخاريّ (رقم: ٤٧٥٩) من طريق همّام عن قتادة.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٠٣١، ٤٥٥٥، ٤٧٤٧، ٤٧٦٠) ومسلم (رقم: ٧٩٤) من طريق أبي إياس معاوية بن قرّة، قال سمعت عبد الله بن مغفّل قال:\nرأيت النّبيّ ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح، أو من سورة الفتح، قراءة ليّنة، يقرأ وهو يرجّع.\nوللبخاريّ في رواية (رقم: ٧١٠٢):\nقال: ثمّ قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفّل، وقال: لولا أن يجتمع النّاس عليكم لرجّعت كما رجّع ابن مغفّل يحكي النّبيّ ﷺ، (قال شعبة بن الحجّاج): فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: (آآآ) ثلاث مرّات.","vol":"1","page":447},{"text":"تفاوتت في مقادير المدّ والإشباع وشبه ذلك.\nوما زاد على تلك المراتب في أداء اللّفظ فهو خروج عن صفة التّلاوة المشروعة، ودخول في جملة التّكلّف المذموم.\nقال ابن الجزريّ: «ليس التّجويد بتمضيغ اللّسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفكّ، ولا بترعيد الصّوت، ولا بتمطيط الشّدّ، ولا بتقطيع المدّ، ولا بتطنين الغنّات، ولا بحصرمة الرّاءات، قراءة تنفر عنها الطّباع، وتمجّها القلوب والأسماع، بل القراءة السّهلة العذبة الحلوة اللّطيفة، الّتي لا مضغ فيها ولا لوك، ولا تعسّف ولا تكلّف، ولا تصنّع ولا تنطّع، ولا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء، بوجه من وجوه القراءات والأداء» (١).\nوكان الإمام حمزة بن حبيب الزّيّات أحد أئمّة القراءة السّبعة وهو ممّن اشتهرت قراءته بالتّحقيق في الأداء، يقول: «إنّ لهذا التّحقيق منتهى ينتهي إليه، ثمّ يكون قبيحا، مثل البياض له منتهى ينتهي إليه، وإذا زاد صار برصا، ومثل الجعودة لها منتهى تنتهي إليه، فإذا زادت صارت قططا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>المبحث الخامس: الوقف والابتداء</span>\nهذا العلم آلة المتدبّرين لكلام ربّ العالمين، ومعرفته على وجهه تكشف للتّالي من أسرار القرآن شيئا عجبا، فتبرز له من جلاله وجماله ومعانيه\n_________\n(١) النّشر (١/ ٢١٣).\n(٢) السّبعة، لابن مجاهد (ص: ٧٧).","vol":"1","page":448},{"text":"وبيانه ما لا يدرك له حدّا ولا يحصي له عددا.\nوالمراد ب (الوقف) قطع الآية بالصّمت الّذي يرجع معه إليك النّفس، و(الابتداء) استئناف القراءة بعد ذلك القطع.\nو(الوقف) يقع من التّالي اختيارا، كما يقع منه اضطرارا.\nو(الوقف الاضطراريّ) ليس مرادا هنا، لعدم دخوله تحت إرادة التّالي، كالوقف لانقطاع النّفس.\nوأصل تشريع الوقف والابتداء سنّة النّبيّ ﷺ، فقد دلّ عليه حديثان:\nالأوّل: عن أبيّ بن كعب، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:\n«يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت: (غفورا رحيما) أو قلت: (سميعا عليما) أو قلت:\n(عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (١).\nهذا الحديث وإن كان مورده في أمر آخر، لكنّه دلّ على أنّ ما أفسد المعنى من التّلاوة فصيّر آية الرّحمة آية عذاب، وآية العذاب آية رحمة، فليس بشاف ولا كاف، وخروج بالقرآن عمّا أنزل عليه.\n_________\n(١) حديث صحيح، تقدّم تخريجه في المقدّمة الأولى (ص: ٧٩).","vol":"1","page":449},{"text":"ومثال هذا في باب الوقف والابتداء: أن يقرأ قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [فاطر: ٧] ويقف، أو يقرأ: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرّعد: ١٨] ويقف.\nفمن فعل ذلك فقد واقع المحذور المذكور في الحديث؛ لما أفسد بوقفه من المعنى.\nوأولى من هذا بالإنكار الوقف على مثل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا ثمّ البدء بقوله: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١].\nوالحديث الثّاني: عن أمّ سلمة، ﵂، قالت:\nكان رسول الله ﷺ يقطّع قراءته، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢* ثمّ يقف، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* ثمّ يقف (١).\nوهذا الحديث نصّ في الوقوف على رءوس الآي، وهو اختيار طائفة من أئمّة القراءة يستحبّون الوقف عليها؛ لمجيء الفاصلة القرآنيّة في موضع تمام المعنى.\nقال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «وممّا ينبغي له أن يقطع عليه رءوس الآي، لأنّهنّ في أنفسهنّ مقاطع، وأكثر ما يوجد التّامّ فيهنّ؛ لاقتضائهنّ تمام الجمل، واستيفاء أكثرهنّ انقضاء القصص، وقد كان جماعة من الأئمّة\n_________\n(١) تقدّم تخريجه (ص: ١٤٠).","vol":"1","page":450},{"text":"السّالفين والقرّاء الماضين يستحبّون القطع عليهنّ وإن تعلّق كلام بعضهنّ ببعض» (١).\nقلت: إذا كانت الآية لا يتمّ معناها أو لا يصحّ إلّا بوصلها بالآية التّالية وصلها بها، كقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ١٥٢ [الصّافات: ١٥١ - ١٥٢]، وقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ٥ [الماعون: ٤ - ٥].\nولو وقف على قوله: لَيَقُولُونَ* أو لِلْمُصَلِّينَ جاز لدلالة حديث أمّ سلمة، لكن بشرط أن لا يقطع تلاوته عند ذلك الموضع، أي يجوز الوقف إذا كان لمجرّد أن يترادّ إليه نفسه من غير طول فصل؛ لأنّ طول الفصل أو قطع التّلاوة ينقص المعنى أو يفسده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>تنبيهات:</span>\nالأوّل: تفاصيل مواضع الوقف في كتاب الله تعالى مشروعها وممنوعها وإن أرشدت سنّة النّبيّ ﷺ إلى اعتبارها على رءوس الآي، وما يتمّ به المعنى، إلّا أنّ سائر ذلك ممّا جرى عليه عمل القرّاء من قبل اجتهادهم امتثالا للأمر بتدبّر القرآن، وربّما دخل في ذلك شيء ممّا تلقّوه بأسانيدهم في القراءة، فقولهم: (وقف جائز، وممنوع، ولازم) وشبه ذلك تسميات لما استعملوه من ذلك وجرى عملهم عليه.\n_________\n(١) المكتفى (ص: ١٤٥).","vol":"1","page":451},{"text":"وإذا تحاشى التّالي ما أمرت السّنّة بتركه من الوقوف ممّا يفسد المعنى، وراعى الوقف النّبويّ على رءوس الآي، كان ما سوى ذلك من اختيار الوقف والابتداء راجعا إلى التّدبّر وفهم المعنى.\nلكنّي أذهب في حقّ عموم المسلمين اليوم إلى أن يأخذوا بما بيّن لهم في المصاحف من علامات الوقف، وينبغي عليهم أن يلاحظوا ما ذكر من التّعريف بتلك العلامات في أواخر المصاحف، ويستعملوها على الصّورة الّتي بيّنت لهم، فإنّ ذلك معين على تدبّر القرآن وفهمه، خاصّة ما كان منه من الوقف اللّازم، فعليهم التزام الوقف عنده، وما كان من الممنوع فلا يوقف عنده، إلّا ما كان منه عند رءوس الآي، فقد بيّنت من قبل ما يتّصل به، ويترك الوقف في موضع ليس فيه علامة وقف أصلا.\nلا أستثني من هذا إلّا من أوتي حظّا من فهم القرآن، وعدّة واقية من الخطأ في ضبط المعنى، من أهل العلم والذّكر، فهؤلاء قد يستحسنون مواضع للوقف باجتهادهم في تدبّر القرآن.\nالتّنبيه الثّاني: يراعى في الابتداء صحّة المعنى واستقامة السّياق، ولو استعمل إنسان علامات الوقف المثبتة في المصاحف في خلال الآية لا على رأسها، فوقف عند علامة من تلك العلامات غير علامة الوقف الممنوع، فلو جعل ابتداءه من الكلمة التّالية لعلامة الوقف دائما فذلك أسلم له وأبعد عن الخلل.","vol":"1","page":452},{"text":"لكن لو انقطع نفسه في غير موضع وقف، فالّذي يحسن به: أن يعود إلى شيء من الآية قبل موضع وقوفه فيصله بما بعده بشرط أن يصحّ المعنى بذلك الابتداء.\nمثل: لو قرأ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فانقطع النّفس، وليس عند هذا في المصحف وقف، إنّما الوقف على قوله: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، وهو وقف كاف، ويسمّى (الوقف الجائز)، فعليه حينئذ أن يعود ليبدأ في موضع يتّصل به الكلام المفيد، فلا يبدأ بقوله: يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ فهذا مخلّ بالسّياق، وإنّما يرجع فيقرأ: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التّوبة: ٦].\nالتّنبيه الثّالث: الوقوف الّتي في المصاحف مستفادة من مصنّفات خاصّة لأعيان أئمّة القراءة، استفادوها من النّقل والتّدبّر، من أجلّها كتاب (المكتفى في الوقف والابتداء) للإمام أبي عمرو الدّانيّ، وأمّا تفاصيل أقسام الوقوف وأحكامها ففيها كتب نافعة، من أجمعها (معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء) لشيخ القرّاء محمود خليل الحصريّ.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الفصل الثاني: أخذ القرآن والاعتناء به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>المبحث الأول: أمر الله تعالى باتّباع القرآن</span>\nأنزل الله تعالى على نبيّه محمّد ﷺ هذا الكتاب؛ ليكون للنّاس الهدى الّذي يعصمون به من الضّلالة، والنّور الّذي يضيء لهم ظلمة الطّريق، والزّاد لصلاحهم في دنياهم ونجاتهم في أخراهم.\nقال الله ﷿: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ١٧٤ [النّساء: ١٧٤]، وقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨ [يونس: ٥٧ - ٥٨]، وقال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ\nوَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشّورى: ٥٢].\nوأمر سبحانه بالإيمان بهذا القرآن، كما قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ","vol":"1","page":454},{"text":"قَبْلُ [النّساء: ١٣٦]، وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الأنعام: ٩٢].\nوأمر بتلاوته وتدبّره وفهمه، كما قال ﷿: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [النّمل: ٩١ - ٩٢]، وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ\nأُولُوا الْأَلْبابِ\n[ص: ٢٩].\nوقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ [محمّد: ٢٤]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ٨٢ [النّساء: ٨٢] وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧* [القمر: ١٧].\nوأمر باتّباعه والعمل به، كما قال سبحانه: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٢ - ٣]، وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ [الأنعام: ١٥٥]، وقال ﷿: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ١١٣ [طه: ١١٣].\nوأثنى على أهله، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا\nالصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ٣٠ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].","vol":"1","page":455},{"text":"وحذّر سبحانه من الإعراض عنه وتوعّد على ذلك، فقال: وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا ١٠١ [طه: ٩٩ - ١٠١]، وقال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ١٢٧ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].\nوفي السّنن الثّابتة عن رسول الله ﷺ في الأمر بتعلّم القرآن والحثّ على حمله وحفظه والتّمسّك به ما هو على الوفاق لما جاء به كتاب الله تعالى من ذلك، ممّا يزيد المؤمنين تشويقا إليه، وتسابقا إلى نيل الدّرجات بتحصيله، وذلك فيما يأتي من المباحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>المبحث الثاني: تعلم القرآن وتعليمه، والفضل فيه</span>\nفيه أحاديث كثيرة، منها: ١ - عن عقبة بن عامر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«تعلّموا كتاب الله، وتعاهدوه، وتغنّوا به (زاد في رواية:\nواقتنوه)، فو الّذي نفسي بيده، لهو أشدّ تفلّتا من المخاض في العقل».\nوفي رواية: «تعلّموا القرآن، وأفشوه، والّذي نفسي بيده ...»\nالحديث.","vol":"1","page":456},{"text":"وفي رواية، قال عقبة بن عامر: كنّا جلوسا في المسجد نقرأ القرآن، فدخل رسول الله ﷺ، فسلّم علينا، فرددنا ﵇، ثمّ قال: «تعلّموا كتاب الله ...» وذكر الحديث (١).\nوفي هذا الحديث من العلم:\n١ - وجوب تعلّم القرآن.\n٢ - تأكيد ندب المواظبة على تلاوته خشية التّفلّت.\n٣ - الحثّ على التّغنّي به، وهو وارد عند أهل العلم على معنيين:\nأوّلهما: الاستغناء به عمّا سواه، وهو بأن يجعل الإنسان القرآن كفايته لصلاح دينه ودنياه، وذلك باتّباعه، والعمل به، والوقوف عند حدوده\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٨٢) وأحمد (٤/ ١٤٦) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٧٠) والدّارميّ (رقم: ٣٢٢٧) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٥٩، ٧٤) وابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: ١٢٣) والفريابيّ في «الفضائل» (رقم: ١٦٢، ١٦٣) والرّويانيّ (رقم: ٢٠٩) والطّبرانيّ في «الكبير» (١٧/ ٢٩٠ - ٢٩١) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ١٩٦٧) من طريق موسى بن عليّ بن رباح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة، به، ولفظ الرّواية الثّانية لابن أبي شيبة.\nوأمّا الرّواية الأخيرة فأخرجها أحمد (٤/ ١٥٠، ١٥٣) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٦٩ - ٧٠) والنّسائيّ في «الفضائل» (رقم: ٦٠) والطّبرانيّ (١٧/ ٢٩٠، ٢٩١) من طريق قباث بن رزين اللّخميّ، قال: سمعت عليّ بن رباح اللّخميّ، يقول: سمعت عقبة، به. قلت: وإسناده من الوجهين صحيح.","vol":"1","page":457},{"text":"وشرائعه، وترك ما سواه ممّا يخالفه.\nوهذا المعنى وارد على قوله ﷺ: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (١) في قول جماعة من أئمّة السّلف كسفيان بن عيينة ووكيع بن الجرّاح وغيرهما.\nوثانيهما: تحسين الصّوت بتلاوته، فهذا مأمور به مشروع لذاته، لا يتركه التّالي ما وجد إليه سبيلا، كما تأتي الأحاديث فيه في (آداب قارئ القرآن).\n٤ - وجوب اقتنائه، أي: أن يجعله الإنسان زاده، كما يتّخذ قنيته من الطّعام والشّراب وما يصلح به حاله من شيء.\n٥ - وجوب بثّه بين النّاس وتعليمهم إيّاه، فإنّ النّبيّ ﷺ قال:\n«بلّغوا عنّي ولو آية» (٢)، فكلّ مسلم يلزمه قدر من ذلك الواجب، عليه أن يبلّغه ما وجد في النّاس إليه حاجة.\n٦ - شرعيّة الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ١٤٧٦، ١٥١٢، ١٥٤٩) وأبو داود (رقم:\n١٤٦٩، ١٤٧٠) والدّارميّ (رقم: ١٤٦١، ٣٣٦١) وابن حبّان في «صحيحه» (رقم: ١٢٠) والحاكم (رقم: ٢٠٩١ - ٢٠٩٣) والبيهقيّ (١٠/ ٢٣٠) من طرق عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقّاص، عن النّبيّ ﷺ، به.\nقال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد» وهو كما قال، فابن أبي نهيك يقال في اسمه كذلك (عبد الله) تابعيّ ثقة، سمع من سعد.\n(٢) جزء من حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٣٢٧٤) من حديث عبد الله بن عمرو. وتقدّم تخريجه (ص: ٣٤٣).","vol":"1","page":458},{"text":"٢ - وعن عثمان بن عفّان، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:\n«خيركم (وفي لفظ: إنّ أفضلكم) من تعلّم القرآن وعلّمه» (١).\nوفي هذا بيان منزلة أهل القرآن الّذين يقبلون عليه تعلّما وتعليما، فهؤلاء من أفضل النّاس عملا.\n٣ - وعن عقبة بن عامر الجهنيّ، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في الصّفّة، فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كلّ يوم بناقتين كوماوين زهراوين، فيأخذهما في غير إثم ولا قطع رحم؟» قال: قلنا: كلّنا يا رسول الله يحبّ ذلك، قال:\n«فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهنّ من الإبل» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣) والبخاريّ (رقم:\n٤٧٣٩، ٤٧٤٠) وأبو داود (رقم: ١٤٥٢) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٠٧، ٢٩٠٨) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٦١، ٦٣) وابن ماجة (رقم: ٢١٢) والدّارميّ (رقم: ٣٢١٧) من طريق أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عن عثمان، به.\nقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح». قلت: وفصّلت بيانه في «علل الحديث».\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٦٥) وأحمد (٤/ ١٥٤) وأبو عبيد (ص: ٤٤ - ٤٥) ومسلم (رقم: ٨٠٣) وأبو داود (رقم: ١٤٥٦) والفريابيّ في «الفضائل» (رقم: ٦٧، ٦٨) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ١٩٣٤) من طرق عن موسى بن عليّ بن رباح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة، به.\nقوله: (بطحان أو العقيق) واديان قريبان من المدينة، و(كوماوين) الكوماء: هي النّاقة لها سنام عال مشرف، وأراد عظيمتي السّنام، و(زهراوين) أي حسنتي المرأى.","vol":"1","page":459},{"text":"٤ - وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «إنّ هذا\nالقرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلّم منه شيئا فليفعل، فإنّ أصفر البيوت من الخير البيت الّذي ليس فيه من كتاب الله تعالى شيء، وإنّ البيت الّذي ليس فيه من كتاب الله شيء خرب كخراب البيت الّذي لا عامر له، وإنّ الشّيطان يخرج من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه» (١).\nهذا من كلام ابن مسعود، وهو من قول العارفين، وآخره لا يمكن قوله إلّا عن توقيف، إذ لا يقال مثله بمجرّد الاجتهاد.\n٥ - وعن ابن مسعود، أيضا، قال: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن هو حبل الله الّذي أمر به، وهو النّور المبين، والشّفاء النّافع، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسّك به، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزوغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن ردّ، اتلوه، فإنّ الله ﷿ يأجركم بكلّ حرف منه عشر حسنات، لم أقل لكم الم ١* حرف، ولكن (ألف) حرف، و(لام) حرف، و(ميم) حرف» (٢).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٥٩٩٨) ومن طريقه: الطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٨٦٤٢) بإسناد صحيح. وله طرق شرحتها في تذييلي على كتاب «الرّد على من يقول الم ١* حرف» لأبي القاسم بن منده (ص: ٩٣ - ٩٥).\n(٢) أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٦٠١٧) والطّبرانيّ (رقم: ٨٦٤٦) بإسناد صحيح. وبيانه في التّذييل السّابق (ص: ٩٢). ومعنى: (ولا يزوغ فيستعتب) أي لا يميل بأتباعه عن الصّواب فيطلب العفو عمّا وقع منه كشأن المخلوق، فهو صواب وعدل كلّه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.","vol":"1","page":460},{"text":"وهذا شبيه بالّذي تقدّمه، صادر ممّن خالط الإيمان والقرآن قلبه، فأدرك أثره في نفسه، ممّن كان إليهم مرجع النّاس لأخذ القرآن.\nوآخره مشهور عن النّبيّ ﷺ، لكنّه إنّما يصحّ من قول ابن مسعود، ولم يثبت مرفوعا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المبحث الثالث: أمر السنة بالتمسك بالقرآن والعمل به</span>\n١ - عن أنس بن مالك، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إنّ لله أهلين من النّاس» قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال:\n«هم أهل القرآن، أهل الله وخاصّته» (٢).\nقال ابن الأثير: «أي: حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله والمختصّون به اختصاص أهل الإنسان به» (٣).\n_________\n(١) بيّنت علّته بتفصيل في «الذّيل» المشار إليه في التّعليقين السّابقين.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطّيالسيّ (رقم: ٢١٢٤) وأحمد (رقم: ١٢٢٧٩، ١٢٢٩٢، ١٣٥٤٢) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٨٨) والنّسائيّ كذلك (رقم: ٥٦) وابن ماجة (رقم: ٢١٥) وابن الضّريس (رقم: ٧٥) والحاكم (رقم:\n٢٠٤٦) من طرق عن عبد الرّحمن بن بديل بن ميسرة العقيليّ، عن أبيه، عن أنس، به.\nقلت: وإسناده حسن، ابن بديل صدوق حسن الحديث.\nوله متابع عند الدّارميّ (رقم: ٣٢٠٦) يزيده قوّة.\n(٣) النّهاية في غريب الحديث (١/ ٨٣).","vol":"1","page":461},{"text":"٢ - وعن أبي شريح الخزاعيّ، ﵁، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: «أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله؟» قالوا: نعم، قال: «فإنّ هذا القرآن سبب\nطرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنّكم لن تضلّوا ولن تهلكوا بعده أبدا» (١).\nوفي هذا بيان أنّ الاعتصام بكتاب الله سبب العصمة من الضّلال، ولا يتمّ ذلك إلّا بالإقبال عليه تعلّما وتدبّرا وعملا.\n٣ - وعن جابر بن عبد الله، ﵄، عن النّبيّ ﷺ، قال:\n«القرآن مشفّع، وماحل مصدّق (٢)، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٩٧) وعبد بن حميد (رقم:\n٤٨٣) وابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: ١٦٢) وابن حبّان (رقم: ١٢٢) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ١٩٤٢، ٢٠١٣) من طريق أبي خالد الأحمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح، به. وإسناده صحيح.\nوقيل في هذا الإسناد: عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.\nأخرجه أحمد بن منيع (كما في «المطالب العالية» رقم: ٣٨٦٦)، والأوّل أصحّ.\nوله شاهد من حديث جبير بن مطعم مرفوعا بنحوه.\nأخرجه البزّار (رقم: ١٢٠ - كشف) والطّبرانيّ في «المعجم الصّغير» (رقم:\n١٠١٨) و«الكبير» (رقم: ١٥٣٩) من طريق أبي داود الطّيالسيّ، حدّثنا أبو عبادة الأنصاريّ، حدّثنا الزّهريّ، عن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، به.\nقلت: وإسناده لا يعتبر به، أبو عبادة هذا اسمه عيسى بن عبد الرّحمن، وهو متروك الحديث ليس بثقة، وفيما ذكرته أوّلا غنية عن هذا.\n(٢) ماحل مصدّق: خصم مصدّق القول ضدّ من ترك العمل به.","vol":"1","page":462},{"text":"جعله خلف ظهره ساقه إلى النّار» (١).\nوإنّما هذا في العمل بالقرآن، فهو يشفع لهم يوم العرض على ربّ العالمين، شاهدا لهم، ومن ثمّ قائدا إلى جنّته ورحمته، بخلاف المعرضين عنه، فسيكون خصما لهم وحجّة عليهم يوم القيامة، ومن ثمّ سائقا إلى النّار.\n٤ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، عن النّبيّ ﷺ، قال:\n«لا حسد إلّا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء اللّيل وآناء النّهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء اللّيل وآناء النّهار» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البزّار (رقم: ١٢٢ - كشف الأستار) وابن حبّان (رقم: ١٢٤) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠١٠) من طريق أبي كريب محمّد بن العلاء، حدّثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، به. قلت: وهذا إسناد جيّد، ابن الأجلح صدوق جيّد الحديث، وسائر الإسناد ثقات، وروايات الأعمش عن أبي سفيان جيّدة.\nولا يضرّ هذا الإسناد أن روي الحديث بإسناد آخر للأعمش موقوفا على ابن مسعود، فالأعمش حافظ مكثر لا ينكر له ذلك، وأبو كريب رواه عن ابن الأجلح عن الأعمش بالإسنادين. كذلك أخرجه البزّار (رقم: ١٢١) بهذا الإسناد إلى الأعمش، عن المعلّى الكنديّ، عن ابن مسعود، قوله.\nوالرّواية عن ابن مسعود في ذلك صحيحة من بعض الطّرق غير طريق الأعمش، وهي وإن كانت موقوفة اللّفظ، إلّا أنّها مرفوعة حكما، فهي شاهد قويّ لحديث جابر.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٣٧، ٧٠٩١) ومسلم (رقم: ٨١٥).","vol":"1","page":463},{"text":"فصاحب القرآن الّذي يعمل به هو القائم به ليله بالصّلاة به وتدبّره وتفهّم معانيه، ونهاره بامتثال أحكامه وشرائعه، فهذا يتمنّى من لم يحصّل مثل تحصيله أن لو كان له مثل ذلك.\nكما يفسّره حديث أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال:\n«لا حسد إلّا في اثنتين: رجل علّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء اللّيل وآناء النّهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث الرابع: الاعتناء بحفظ القرآن</span>\nحثّ النّبيّ ﷺ على حفظ القرآن إلى جنب الاعتناء بفهمه والعمل به، وبيّن أنّ الإنسان يبلغ بذلك المنازل عند الله تعالى بمقدار ما حمل من القرآن في الدّنيا وتيسّر بلسانه من قراءته.\nعن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ:\n«الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والّذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران».\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ١٠٢١٤، ١٠٢١٥) والبخاريّ (رقم:\n٤٧٣٨، ٦٨٠٥، ٧٠٩٠).","vol":"1","page":464},{"text":"وفي لفظ: «مثل الّذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السّفرة الكرام البررة، ومثل الّذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» (١).\nفهذا الحديث يبيّن فضل حفّاظ القرآن الماهرين بتلاوته، بأنّهم مع الملائكة حملة القرآن، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ ١٦ [عبس: ١١ - ١٦]، وفيه تنبيه لحامل القرآن أن يتشبّه في أحواله وأعماله بهؤلاء الملائكة، إذ المدح لا يلحقه بمجرّد الحفظ حتّى يكون كالكرام البررة في كرمهم وبرّهم.\n٢ - وعن سلمة الجرميّ، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:\n«صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطّيالسيّ (رقم: ١٤٩٩) وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٢٧) وسعيد بن منصور في «فضائل القرآن» (رقم: ١٤) وأحمد (٦/ ٤٨، ٩٤، ٩٨، ١١٠، ١٧٠، ١٩٢، ٢٣٩، ٢٦٦) والبخاريّ (رقم: ٤٦٥٣) وفي «أفعال العباد» له (رقم: ٢٩٥) ومسلم (رقم: ٧٩٨) وأبو داود (رقم: ١٤٥٤) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٠٤) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٧٠، ٧١، ٧٢) وابن ماجة (رقم: ٣٧٧٩) والدّارميّ (رقم: ٣٢٤٥) والفريابيّ في «الفضائل» (رقم: ٣، ٥) وابن الضّريس (رقم: ٢٩، ٣٠، ٣٣، ٣٥) وابن حبّان (رقم: ٧٦٧) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٣٩٥) و«الشّعب» (رقم: ١٩٧٥) من طرق عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، به، واللّفظ الثّاني لسعيد والبخاريّ في «الصّحيح» ولابن الضّريس في موضع. قال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":465},{"text":"حضرت الصّلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنا» (١).\nوهذا في بيان قدر حفّاظ القرآن في الدّنيا بأنّهم أولى النّاس بإمامة الصّلاة، وهذه إمامة في الدّين.\n٣ - وعن جابر بن عبد الله، ﵄، قال: كان النّبيّ ﷺ يجمع بين الرّجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد. (وذكر الحديث) (٢).\nوفي هذا ترتيب المنازل، فأكثر النّاس حفظا للقرآن أولاهم بالتّقديم.\n٤ - وعن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النّبيّ ﷺ، قال:\n«يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. ورد ضمن قصّة، أخرجها البخاريّ (رقم: ٤٠٥١).\n) ٢) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ١٢٧٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٤٨) وأحمد (رقم: ٦٧٩٩) وأبو داود (رقم: ١٤٦٤) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩١٤) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٨١) وابن حبّان (رقم: ٧٦٦) والحاكم (رقم: ٢٠٣٠) والبيهقيّ (٢/ ٥٣) من طريق سفيان الثّوريّ، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن عمرو، به.\nقلت: وإسناده جيّد. وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح». وله شواهد هو بها صحيح.","vol":"1","page":466},{"text":"وهذه منازل الحفّاظ في الآخرة.\nهذا الّذي أوردت هنا هو أحسن ما يستدلّ به للحثّ على حفظ القرآن واستظهاره، وهو مبين عن درجات رفيعة ومنازل عليّة يغني في هذا الباب عن أحاديث ذوات عدد تحثّ على حفظ القرآن واستظهاره، هي ضعيفة أو موضوعة، إذ لست أحلّ لنفسي الاستدلال بضعيف الحديث، فضلا عن الواهي والموضوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>هدي الصحابة في حفظ القرآن:</span>\nكان سلف الأمّة من أصحاب النّبيّ ﷺ أحرص النّاس على الاعتصام بهذا الكتاب، وأعلم النّاس به، وأعرفهم بما يجب في حقّه\nمن العناية، فحريّ بمن بعدهم أن يسلك هداهم في ذلك، وأن يعرف عنهم كيف كانوا يأخذون هذا القرآن، فإنّهم القوم الّذين كانوا يغذّون به في اللّيل والنّهار، يصبّحهم النّبيّ ﷺ ويمسّيهم بجديده، ولم تكن الكتابة شائعة، ولا المصاحف موجودة مهيّأة كما صارت لمن بعدهم، فهم إلى حفظه في الصّدور يومئذ كانوا أحوج ممّن بعدهم، فكيف كانوا يحفظون؟ هذا ما نتبيّنه فيما يأتي من صحيح الأخبار:\n١ - عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «كان الرّجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ» (١).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١/ ٣٥) وتقدّم (ص: ٩١).","vol":"1","page":467},{"text":"٢ - وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، قال: حدّثنا من كان يقرئنا من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّهم «كانوا يقترءون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتّى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل» (١).\nففي هذا أنّ الحفظ عندهم كان مقترنا بالعلم بالمحفوظ، وامتثال ما فيه من الأمر والنّهي والاعتبار وغير ذلك، فكانوا لذلك يأخذونه عشر آيات عشر آيات ليكون أيسر عليهم.\nفلم يكن همّهم كثرة الحفظ كما صار إليه حال من بعدهم، وإنّما علموا أنّ هذا القرآن إنّما أنزل للعمل، ولا عمل دون علم وفهم.\nوكانوا لا يقدمون على أخذ القرآن حتّى تستعدّ له نفوسهم بالإيمان والتّصديق وتتهيّأ للامتثال، فنفعهم الله بذلك ورفع أقدارهم.\n٣ - وعن جندب بن عبد الله، ﵁، قال: «كنّا مع النّبيّ ﷺ ونحن فتيان حزاورة (٢)، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانا» (٣).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٢٠) وأحمد (٥/ ٤١٠) عن محمّد بن فضيل، والفريابيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ١٦٩) من طريق حمّاد بن زيد، كلاهما عن عطاء بن السّائب، عن أبي عبد الرّحمن، به. قلت: وإسناده صحيح.\n(٢) حزاورة: جمع حزور وحزوّر، وهو الّذي قارب البلوغ (النّهاية: ١/ ٣٨٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (رقم: ٦١) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم:\n١٦٧٨) وابن منده في «الإيمان» (رقم: ٢٠٨) والبيهقيّ (٣/ ١٢٠) والمزّيّ في «تهذيب الكمال» (٧/ ٢٨٨) من طريق وكيع بن الجرّاح، قال: حدّثنا حمّاد بن نجيح، عن أبي عمران الجونيّ، عن جندب، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":468},{"text":"٤ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، قال:\n«لقد عشنا برهة من دهرنا وإنّ أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فنتعلّم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلّمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدّقل» (١).\nوكانوا يراعون الأيسر في الأخذ والحفظ، وعليه يربّون أبناءهم، شبيه بما جرت عليه عادة القرّاء في الكتاتيب مع الصّبيان في البدء بتعليمهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النّحّاس في «القطع والائتناف» (ص: ٨٧) وابن منده في «الإيمان» (رقم: ٢٠٧) والحاكم (رقم: ١٠١) والبيهقيّ (٣/ ١٢٠) من طرق عن عبيد الله بن عمرو الرّقّي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن القاسم بن عوف قال: سمعت عبد الله بن عمر، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، القاسم هو الشّيبانيّ صدوق حسن الحديث.\nقال ابن منده: «إسناد صحيح على رسم مسلم والجماعة إلّا البخاريّ»، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط الشّيخين، ولا أعرف له علّة».\nقلت: القاسم ليس من شرط البخاريّ.\nوقوله: (وينثره نثر الدّقل) الدّقل: رديء التّمر أو يابسه، يكون لرداءته ويبسه منثورا لا يجتمع بعضه إلى بعض. (معناه عن «النّهاية»: ٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":469},{"text":"وتحفيظهم قصار السّور من آخر المصحف، كما يدلّ عليه ما حدّث به التّابعيّ الجليل سعيد بن جبير، قال:\nإنّ الّذي تدعونه (المفصّل) هو المحكم، قال: وقال ابن عبّاس:\n«توفّي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم» (١).\nو(المفصّل) من سورة (ق) إلى آخر المصحف على ما حقّقته في كتابي (تحرير البيان في سجود القرآن).\nولسنا نقول: السّنّة أن يبدأ بحفظ قصار السّور، بل له أن يحفظ من أيّ القرآن شاء، وإنّما في هذا الهدي مراعاة الأيسر في الحفظ ليبدأ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>المبحث الخامس: الأمر بتعاهد القرآن خشية تفلّت حفظه</span>\nتعاهد القرآن حاصل بأمرين: إدمان تلاوته، والعمل به، وتقدّم في المبحث الثّاني ذكر الأمر به من حديث عقبة بن عامر، وهو مؤكّد بأحاديث صحيحة أخرى:\n١ - فعن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«تعاهدوا القرآن؛ فإنّه أشدّ تفلّتا من قلوب الرّجال من الإبل من عقله» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٢٢٨٣، ٢٦٠١، ٣١٢٥، ٣٣٥٧) والبخاريّ (رقم: ٤٧٤٨، ٤٧٤٩) من طريق أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد، به.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد وابنه عبد الله (٤/ ٤١١) عن محمّد بن الصّبّاح، قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريّا، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، وبريد هو ابن عبد الله بن أبي بردة.\nوالحديث متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٤٦) ومسلم (رقم: ٧٩١) من طريق أبي أسامة عن بريد، بنحوه، وخرّجته من «المسند» لزيادة «من قلوب الرّجال».","vol":"1","page":470},{"text":"٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال النّبيّ ﷺ: «بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نسّى، واستذكروا القرآن، فإنّه أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم» (١).\n٣ - وعن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقّلة: إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٤٤، ٤٧٤٥، ٤٧٥٢) ومسلم (رقم: ٧٩٠).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٤٣) ومسلم (رقم:\n٧٨٩).\nتنبيه: أخرج هذا الحديث مسلم، والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٦٨) والفريابيّ في «الفضائل» (رقم: ١٥٧، ١٥٨) وابن نصر في «قيام اللّيل» (ص:\n١٦١) والرامهرمزيّ في «الأمثال» (ص: ٨٩) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم:\n١٩٦٣) من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما مثل القرآن كمثل الإبل المعقّلة، إذا عاهدها صاحبها على عقلها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن فقرأه باللّيل والنّهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه».\nهذه الزّيادة لم تأت عن نافع من وجه يصحّ إلّا هذا، والحديث محفوظ من حديث نافع من رواية مالك وعبيد الله بن عمر وغيرهما من أصحاب نافع دون هذه الزّيادة، فالقلب أميل إلى كونها مدرجة ليست من أصل الحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":471},{"text":"والمعنى في هذه الأحاديث: أنّ سرعة تفلّت القرآن من صدور الحفّاظ أشدّ من سرعة انطلاق البعير حين يفكّ من قيده، ومن طبعه شدّة النّفور، فإذا انطلق شقّ إمساكه، وربّما ذهب فلا يقدر عليه؛ لذا أمر النّبيّ ﷺ الحفّاظ على المواظبة على مراجعة حفظهم للقرآن، وإلّا ذهب عليهم.\nوهذا الأمر بالمعاهدة إنّما هو على سبيل النّدب المؤكّد لا الوجوب، كما سأبيّنه في المبحث التّالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>المبحث السادس: التحذير من هجر القرآن</span>\nتقدّم في المبحث الأوّل ذكر تحذير الله تعالى عباده من الإعراض عن القرآن، وتوعّد على ذلك.\nوالإعراض عن القرآن صفة الكافرين، كما قال الله تعالى: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصّلت: ١ - ٥].\nوقال ﷿: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ٥ [الشّعراء: ٥].\nوإعراضهم إنّما كان بعدم الإيمان به، والتّسليم لما جاء به من الحقّ والهدى، فمن آمن به واتّبع هداه فليس من المعرضين عنه، لكن قد ينال","vol":"1","page":472},{"text":"المسلم نصيب من ترك العمل بالقرآن بتقصيره في الطّاعات ومواقعته المعاصي، غير أنّ هذا لا يلحقه بالمعرضين، ما دام قلبه منطويا على حسن الاعتقاد في القرآن، وأنّ خروجه عن متابعته فيما خرج به عنه ليس استباحة لخلاف حكم الله، ولا رضا بذلك، إنّما مع الإقرار بالذّنب والتّقصير، كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢]، فهؤلاء الأصناف الثّلاثة كلّهم على خير وإن تفاوتت درجاتهم، وهذا الّذي هو ظالم لنفسه منهم تارك للعمل ببعض الكتاب، لكنّه غير معرض، إنّما هو مذنب معترف توّاب، يرجو رحمة ربّه ويخاف عقابه.\nفالمؤمن لا يوصف بالإعراض عن القرآن.\nأمّا هجر القرآن فهو تركه، فيدخل فيه: ترك الإيمان به، وترك العمل به، وترك قراءته وتدبّره.\nفيندرج تحت هجره إعراض الكفّار عنه، كما قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ [فصّلت: ٢٦]، فهؤلاء هجروا القرآن هجرا تامّا، وهم القوم المرادون بقوله تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ٣٠ [الفرقان: ٣٠].\nومثل هؤلاء كما قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا","vol":"1","page":473},{"text":"فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ\nتَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ١٧٧ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧].\nأمّا حال المسلم، فإنّه قد يقع منه التّقصير بترك العمل ببعض الكتاب أو ترك التّلاوة والتّدبّر له، لكنّه لا يوصف معه بالهجر التّامّ للقرآن، إنّما يناله من ذلك الوصف بحسب ما وقع منه من التّقصير، كما وقعت الإشارة إليه في الكلام عن الإعراض عن القرآن، ففعل المعاصي وترك الواجبات من ترك العمل بالكتاب، ولصاحبه نصيب من الذّمّ بحسبه.\nومن هذا ما ورد من حديث سمرة بن جندب، ﵁، في رؤيا رآها النّبيّ ﷺ فقصّها عليهم، وفيها:\n«رأيت اللّيلة رجلين أتياني فأخذا بيدي» فساق الحديث، وفيه:\n«حتّى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر (١) أو صخرة، فيشدخ (٢) به رأسه، فإذا ضربه تدهده (٣) الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتّى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه» ثمّ فسّرا ذلك له، فقالا: «والّذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علّمه\n_________\n(١) فهر: حجر.\n(٢) يشدخ: يكسر.\n(٣) تدهده: تدحرج.","vol":"1","page":474},{"text":"الله القرآن، فنام عنه باللّيل ولم يعمل فيه بالنّهار، يفعل به إلى يوم القيامة».\nوفي لفظ: «أمّا الرّجل الأوّل الّذي أتيت عليه يثلغ (١) رأسه بالحجر، فإنّه الرّجل يأخذ القرآن فيرفضه (٢)، وينام عن الصّلاة المكتوبة» (٣).\nففي هذا دليل على أنّ من أنعم الله عليه بالعلم بالقرآن فقد قام عليه من الحجّة بمعرفة الأحكام والشّرائع ما لا تسعه مخالفته أو تركه، فإن فعل استحقّ العقوبة على ذلك، وناله نصيب من صفة الهجر للقرآن.\nأمّا مجرّد ترك التّلاوة فهل يسمّى (هجرا)؟ فيه تفصيل يرجع إلى معرفة ما ينقسم عليه حكم التّلاوة.\n_________\n(١) يثلغ: يضرب حتّى يكسر.\n(٢) يرفضه: يتركه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ١٣٢٠) من طريق أبي رجاء العطارديّ عن سمرة بن جندب، به. واللّفظ الثّاني له كذلك (رقم: ١٠٩٢، ٦٦٤٠).\nوورد الحديث بلفظ: «رجل تعلّم القرآن، فنام عنه حتّى نسيه لا يقرأ منه شيئا».\nأخرجه ابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: ١٦١ - ١٦٢) من طريق أبي خلدة خالد بن دينار، عن أبي رجاء.\nقلت: ولفظ البخاريّ أولى وأصحّ، فإنّه ربط ذلك بترك العمل بالقرآن في اللّيل والنّهار، فأمّا تركه في اللّيل فبالنّوم عن المكتوبة، وهذا كما ترشد الأدلّة إذا كان بإهمال وترك الاجتهاد للاستيقاظ للصّلاة، وتركه بالنّهار ظاهر، وذلك بفعل المعصية وترك الواجب.\nنبّهت على هذا لئلّا يظنّ أنّ تلك العقوبة في الرّؤيا النّبويّة كانت للنّوم عن قيام اللّيل، لليقين في كونه ليس فريضة، ولا تقع العقوبة على ترك ما سوى الفريضة.","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>والأقسام الّتي تكون عليها تلاوة القرآن من حيث حكمها ثلاثة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>الأوّل: فرض عين</span>.\nولم نجد في نصوص الكتاب والسّنّة ما يوجب على كلّ فرد من\nالمسلمين أن يتلو من القرآن سوى ما تصحّ به الصّلاة، وهو سورة الفاتحة وحدها على التّحقيق، ممّا محلّ بسطه في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>والثّاني: فرض كفاية</span>.\nوذلك أنّ الله تعالى أوجب إيجاد طائفة أهل الذّكر الّذين يبصّرون النّاس بشرائع ربّهم ودينه، وذلك مستلزم كونهم يتلون كلامه، قال تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التّوبة: ١٢٢].\nوأمر الله نبيّه ﷺ بتلاوة القرآن؛ لأنّه المبلّغ عن الله، كما قال تعالى:\nوَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [النّمل: ٩١ - ٩٢]، وأهل الذّكر من أمّته على أثره ﷺ، مأمورون بالتّبليغ من بعده.\nيؤيّد أنّه فرض كفاية أنّ النّاس في عهد رسول الله ﷺ لم يكونوا جميعا يقرءون، ولم يوجب النّبيّ ﷺ عليهم من القراءة أكثر ممّا تصحّ به الصّلاة، هذا مع أمر الله تعالى في كتابه بتدبّر القرآن وتلاوته، ممّا دلّ على أنّ ذلك الأمر لأجل أن تبقى في النّاس علوم هذا الكتاب، بحيث لا يزال فيهم من يبلّغهم شرائعه وأحكامه، وهذا تحقّقه طائفة من الأمّة.","vol":"1","page":476},{"text":"فما كان من هذا القسم والّذي قبله فتركه هجر محرّم للقرآن، ولو ترك النّاس في بلد إيجاد من يقرأ القرآن منهم ويتلوه ليبلّغهم إيّاه، لصدق عليهم جميعا وصف الهجر للقرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>والثّالث: تلاوة مندوبة</span>.\nوهي ما يزيد على الواجب ممّا يحرص المسلمون عليه في كلّ\nزمان، فيتلوه القارئ ويحفظه أو يحفظ منه ما شاء، ممّا يعود إلى رغبته وإرادته.\nفهذا القسم من التّلاوة يثاب فاعله ويؤجر، ولا يعاقب تاركه ولا يؤاخذ، فلا يعدّ فعله من الهجران الّذي ذمّ الله تعالى أهله، لكن لا نشكّ أنّ بفواته فوات خير عظيم.\nوربّما استشكل بعض النّاس هاهنا ما ورد في شأن التّوقيت لختم القرآن في أربعين يوما، على ما سيأتي في (آداب قارئ القرآن)، أو ستّين في قول البعض، أو غير ذلك من التّحديد، فهل إذا ترك إنسان الختم في هذه المدّة يسمّى (هاجرا) للقرآن؟\nالجواب: لا، لأسباب؛ أهمّها:\n١ - لم يأت في شيء من الأدلّة ما يوجب على أحد ختم القرآن، بل ولا ما يحضّ عليه، وإنّما غاية ما تجد إفادة استحبابه إذا كان مقرونا بالتّدبّر.\nوأمّا ما يروى عن ابن عبّاس، قال: قال رجل: يا رسول الله، أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: «الحالّ المرتحل»، قال: وما الحالّ المرتحل؟\nقال: «الّذي","vol":"1","page":477},{"text":"يضرب من أوّل القرآن إلى آخره، كلّما حلّ ارتحل».\nفهذا حديث لا يصحّ (١).\n٢ - أنّ التّلاوة إنّما أريدت في الأصل؛ لتدبّر القرآن وفهمه والعمل به، وهذا على التّأنّي أعظم نفعا؛ لذلك كان الصّحابة في عهد النّبيّ ﷺ لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن إلى أن يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل.\n_________\n(١) أخرجه التّرمذيّ (رقم: ٢٩٤٨) وابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: ٢٤٠) والحكيم في «النّوادر» (رقم: ٨٥٢ - تنقيح) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٢٧٨٣) والحاكم (رقم: ٢٠٨٨، ٢٠٨٩) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٠١، ٢٠٦٩) من طرق عن صالح بن بشير المرّيّ، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده ضعيف جدّا، صالح المرّيّ، كان صالحا، لكنّه متروك الحديث.\nقال الحاكم: «تفرّد به صالح المرّيّ، وهو من زهّاد أهل البصرة».\nوقال التّرمذيّ: «هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إلّا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقويّ».\nورواه بعضهم عن صالح المرّيّ، فلم يذكر في إسناده (عن ابن عبّاس).\nأخرجه الدّارميّ (رقم: ٣٣٥٠) والتّرمذيّ، وإسناده أوهى من المتّصل.\nوروي له شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه الحاكم (رقم: ٢٠٩٠) من طريق مقدام بن داود بن تليد الرّعينيّ، حدّثنا خالد بن نزار، حدّثني اللّيث بن سعد، حدّثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nقال الذّهبيّ في «تلخيص المستدرك»: «موضوع على سند الصّحيحين، والمقدام متكلّم فيه، والآفة منه».\nكما أخرجه ابن المبارك في «الزّهد» (رقم: ٨٠٠) بسند واه.\nفهذا حديث لا يحلّ ذكره في الكتب إلّا لبيان وهائه.","vol":"1","page":478},{"text":"٣ - ما ورد في التّوقيت لم يكن لبيان أقصى ما يختم به القرآن، بحيث لا يصلح الختم فيما زاد عليه، وإنّما كان توجيها لعبد الله بن عمرو بن العاص للتّأنّي في تلاوة القرآن وأخذ النّفس بالرّفق في ذلك، ممّا دلّ على أنّ تلك التّوجيهات أحسن ما ينبغي أن يراعى في تلاوة القرآن، كما سنبيّنه.\n٤ - وبيّنت فيما تقدّم قريبا أنّه لا يجب على المعيّن من المسلمين أن يقرأ كلّ القرآن، وإنّما يكفيه منه ما تصحّ به الصّلاة، ويغنيه لمعرفة أحكامه أهل العلم الّذين من وظيفته أن يشارك في إيجادهم.\nفهذه اعتبارات واضحة في أنّ من لم يختم القرآن في مدّة معيّنة أربعين يوما أو ستّين أو غير ذلك ليس بآثم، وليس بهاجر للقرآن ما دام عاملا به: مؤتمرا بأمره، منتهيا عن نهيه، حافظا لحدوده.\nواجعل من سبيلك أن لا تسمّي الأشياء إلّا بما سمّاها الله ورسوله ﷺ به، ولا تستعملها إلّا حيث استعملها الله ورسوله ﷺ، تسلم بذلك من خطأ كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>المبحث السابع: ما جاء في نسيان الحفظ للقرآن</span>\nبيّنت في (المبحث الرّابع) من هذا الفصل ترغيب السّنّة في حفظ القرآن، وذلك وارد على كلّه أو بعضه.\nودلالة ذلك التّرغيب إفادة أنّ حفظ القرآن مندوب إليه محبوب إلى الله","vol":"1","page":479},{"text":"تعالى ورسوله ﷺ، ولا ريب أنّ هذا كاف لأصحاب الهمم العالية أن يشمّروا لأجله عن سواعدهم، ويشغلوا به فضلة أعمارهم.\nكما بيّنت أنّ الحفظ يزول بترك معاهدته، يضعف بقلّتها، فيقتضي إبقاؤه أن يديم صاحبه تلاوته آناء اللّيل والنّهار.\nوأحسن ما يثبّت حفظ القرآن: الصّلاة به، وأحسنه صلاة اللّيل.\nواعلم أنّ حفظ القرآن وتثبيت ذلك الحفظ من جملة العمل الصّالح الّذي ينبغي للعاقل أن يقايسه بسائر الأعمال، فيقدّم عليه من الأعمال الصّالحة ما هو أولى منه، كالواجبات وما هو أجلّ منه من الطّاعات، فإنّ حفظ القرآن كما قدّمنا مندوب إليه، ليس بواجب، فلو\nشغل بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو بالجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، أو كسب الرّزق، ممّا لم يجد معه سعة من الوقت وفضلة لحفظ القرآن أو بعضه ممّا يزيد على الواجب منه، فينبغي أن يقدّم ذلك الأولى على الحفظ.\nوأولئك أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعلم بمراتب الثّواب، فمع شدّة تمسّكهم بالكتاب، إلّا أن حفظ القرآن كان في طائفة قليلة منهم (١).\n_________\n(١) عن محمّد بن سيرين، قال: «مات أبو بكر ولم يجمع القرآن». أخرجه ابن سعد (٣/ ٢١١) بإسناد صحيح إلى ابن سيرين، لكنّه لم يدرك أبا بكر.\nوأخرج كذلك (٣/ ٢٩٤) بنفس الإسناد إلى ابن سيرين، قال: «قتل عمر ولم يجمع القرآن». وهذا كالّذي قبله.\nوالمعنى فيه أنّهما ﵄ لم يحفظا القرآن كلّه إلى أن فارقا الدّنيا.","vol":"1","page":480},{"text":"قال خالد بن الوليد، ﵁: «لقد شغلني الجهاد في سبيل الله عن كثير من قراءة القرآن» (١).\nوكذلك من حفظ شيئا منه، أو حفظه، فذهب عليه شيء من حفظه لانشغاله بالأولى، فلا حرج عليه، ولو وقع فوات بعض حفظه بتفريط منه، فهذا مكروه قبيح، عليه أن يجتهد في مجانبته؛ لما تقدّم بيانه من الحثّ النّبويّ على تعاهده ومراجعته، وإن كنّا لم نجد في النّصوص الثّابتة ما نؤثّمه به.\nأمّا ما يروى من الوعيد في ذلك فلا يثبت منه شيء، وفيه حديثان:\nالأوّل: «عرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثمّ نسيها» (٢).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ١٨٩) قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال خالد، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، وابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريّا.\n(٢) حديث منكر. أخرجه أبو داود (رقم: ٤٦١) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩١٦) وابن خزيمة (رقم: ١٢٩٧) والبيهقيّ في «شعب الإيمان» (رقم: ١٩٦٦) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: ٨٣) وابن عبد البرّ في «التّمهيد» (١٤/ ١٣٥ - ١٣٦) من طريق عبد الوهّاب بن الحكم الورّاق، قال: حدّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«عرضت عليّ أجور أمّتي حتّى القذاة يخرجها الرّجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمّتي ...» وذكر باقي الحديث.\nقال التّرمذيّ: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وذاكرت به محمّد =","vol":"1","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بن إسماعيل (يعني البخاريّ) فلم يعرفه، واستغربه» ثمّ نقل عن عليّ بن المدينيّ والدّارميّ عدم سماع المطّلب من أنس، ومعناه عن البخاريّ.\nقلت: لهذا الحديث علل، أولاها: ابن جريج لم يذكر سماعا، وهو قبيح التّدليس، إنّما يدلّس عن المتروكين. وثانيها: ما أورده التّرمذيّ عن الأئمّة من عدم سماع المطّلب من أنس. وثالثها: الاختلاف فيه، فكما رأيت رواه الورّاق عن عبد المجيد، ورواه محمّد بن يزيد الأدميّ، قال: حدّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، قال حدّثنا ابن جريج، عن الزّهريّ، عن أنس، به مرفوعا.\nأخرجه أبو الشّيخ في «طبقات الأصبهانيين» (رقم: ٦٣٥) والطّبرانيّ في «الصّغير» (رقم: ٥٣٨) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ١١ - ١٢) من طريقين عن الأدميّ.\nقال الطّبرانيّ: «لم يروه عن ابن جريج عن الزّهريّ عن أنس إلّا عبد المجيد، تفرّد به محمّد بن يزيد الأدميّ، وروى هذا الحديث غير محمّد عن عبد المجيد عن ابن جريج عن المطلّب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك».\nللآدميّ موافق على هذا الإسناد، لكنّ الطّريق إليه واه.\nأخرجه الخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: ٨٤) من طريق محمّد بن إبراهيم بن زياد، قال: حدّثنا محمّد بن رباح، قال: حدّثنا عبد المجيد، به.\nابن زياد هذا هو الطّيالسيّ الرّازيّ متروك الحديث ليس بثقة.\nقلت: لا مؤاخذة فيه على الأدميّ، ولا على الورّاق، فكلاهما ثقتان، وإنّما هذا من اضطراب عبد المجيد، فإنّه كان يخطئ في حديثه. وخالفه من هو أتقن منه:\nفأخرج الحديث عبد الرّزّاق (رقم: ٥٩٧٧) - ومن طريقه: الخطيب (رقم: ٨٢) - عن ابن جريج، عن رجل، عن أنس. وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ٢٠١): حدّثنا حجّاج (هو ابن محمّد الأعور)، عن ابن جريج، قال: حدّثت عن أنس، به.\nقلت: وعبد الرّزّاق وحجّاج ثقتان حافظان، وهما أولى من عبد المجيد، وزادا الإسناد علّة. =","vol":"1","page":482},{"text":"والثّاني: «ما من امرئ يقرأ القرآن ثمّ ينساه، إلّا لقي الله ﷿ يوم القيامة أجذم» (١).\n_________\n= وزاد حجّاج في روايته: قال ابن جريج: وحدّثت عن سلمان الفارسيّ أنّه قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من أكبر ذنب توافي به أمّتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها».\nقلت: وإسناده معضل.\nورواه بعض من لا يعرف، بإسناد آخر عجيب لا يشكّ من الحديث صناعته أنّه مركّب موضوع، وذلك من طريق حاجب بن سليمان المنبجيّ، حدّثنا وكيع بن الجرّاح، حدّثنا سفيان، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، به مرفوعا.\nأخرجه أبو الفضل الرّازيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٥).\nفهذا إسناد بالقدر الّذي ذكرناه منه: حاجب ثقة، ومن فوقه شرط الصّحيح، ولكن تسلسل إسناد الرّازيّ إلى حاجب برواة لا يعرفون.\nفهذه جميع طرق هذا الحديث، وقد بدا لك منها العور.\nوقال ابن عبد البرّ بعد حديث أنس: «ليس هذا الحديث ممّا يحتجّ به لضعفه».\nوروى ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٨٩) قال: حدّثنا وكيع، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الذّنوب، فلم أر فيها شيئا أعظم من حامل القرآن وتاركه».\nقلت: وهذا معناه فيه بعض اختلاف عن الحديث السّابق، وهو ضعيف جدّا، إبراهيم بن يزيد هو المعروف ب (الخوزيّ) متروك الحديث، والوليد من أتباع التّابعين وقد رفع الحديث، وهذا إعضال.\n(١) حديث منكر. رواه يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. =","vol":"1","page":483},{"text":"وهذان الحديثان لو ثبتا لكان معنى النّسيان فيهما الإعراض عن العمل لا نسيان الحفظ؛ لما شرحناه قبل؛ ولأنّ حفظ الآية أو السّورة عن ظهر قلب ليس بواجب، فكيف يكون فواتها بالنّسيان الّذي لا ينفكّ عنه البشر أعظم الذّنوب؟ فأين النّفاق والموبقات وسائر الكبائر، وكلّها توجد في الأمّة؟ هذا ممّا لا يجري على الأصول، ولا ينضبط مع صريح المعقول.\nولم يجعل الله العصمة من نسيان بعض حفظ القرآن حتّى لرسوله ﷺ، فكيف بسائر أمّته؟ كما قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا\nما شاءَ اللَّهُ* [الأعلى: ٦ - ٧]، هذا مع ما آتاه الله من جمع القرآن له في صدره، كما قال:\n_________\n= أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٥٩٨٩) وأبو داود (رقم: ١٤٧٤) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: ٨٥) وابن عبد البرّ في «التّمهيد» (١٤/ ١٣١ - ١٣٢).\nوقال مرّة: عيسى بن فائد عن رجل عن سعد، ومرّة: عيسى عمّن سمع سعدا.\nأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٩٩٨٦) وسعيد بن منصور في «فضائل القرآن» من «سننه» (رقم: ١٨) وأحمد (٥/ ٢٨٤، ٢٨٥) والدّارميّ (رقم: ٣٢١٩) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٢٠٢) و«غريب الحديث» (٣/ ٤٨) وعبد بن حميد (رقم:\n٣٠٦) والحربيّ في «غريب الحديث» (٢/ ٤٢٨) والبزّار (رقم: ١٦٤٢ - كشف) وابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: ١٦٢) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٥٣٩٠، ٥٣٩١، ٥٣٩٢) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ١٩٦٩، ١٩٧٠) وأبو الفضل الرّازيّ في «الفضائل» (رقم: ١) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: ٨٦).\nقلت: وإسناد هذا الحديث ضعيف جدّا تسلسل بعلل ثلاث: يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث، وعيسى قيل فيه: ابن فائد، وقيل: ابن لقيط، مجهول، وواسطته إلى سعد مجهولة.","vol":"1","page":484},{"text":"لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ١٩ [القيامة: ١٦ - ١٩]، فدلّ بطريق الأولى على أنّ الواحد من أمّته ﷺ معذور بما يقع له من تفلّت الحفظ؛ لكون ذلك ممّا طبع عليه الإنسان فلا طاقة له إلى التّحرّز منه، ومن فضل الله على هذه الأمّة أن وضع عنها الإثم بالنّسيان.\nوبيّن الإمام سفيان بن عيينة المراد بالنّسيان في ذينك الحديثين أنّه التّرك، كما قال تعالى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية: ٣٤]، قال: «وليس من اشتهى حفظه وتفلّت منه بناس له، إذا كان يحلّ حلاله، ويحرّم حرامه؛ لأنّ هذا ليس بناس له، ولو كان كذلك ما نسّى النّبيّ ﵇ منه شيئا، وقد نسّى، وقال: ذكّرني هذا آية نسّيتها (١)، وقال الله ﷿: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، فلم يكن الله لينسي نبيّه ﵇ والنّاسي كما يقول هؤلاء الجهّال!» (٢).\nفإن قيل: المراد بالذّمّ والوعيد ترك تعاهد الحفظ.\nقلنا: بيّنّا أنّ ذلك التّعاهد مندوب، إذ الحفظ في أصله مندوب\nإلّا لما\n_________\n(١) يريد حديث عائشة، ﵂، قالت:\nسمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة باللّيل، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا».\nمتّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٢٥١٢، ٤٧٥٠، ٤٧٥١، ٤٧٥٥، ٥٩٧٦) ومسلم (رقم: ٧٨٨).\n(٢) أخرجه ابن عبد البرّ في «التّمهيد» (١٤/ ١٣٢ - ١٣٣).","vol":"1","page":485},{"text":"تصحّ به الصّلاة، فلا تنتقل مذاكرته إلى الوجوب، وإنّما كرهنا أن يفرّط فيما حفظ، لكثرة ما يفوته من الفضل بفواته.\nوقد وجدت طائفة من أفاضل العلماء يوردون الحرج على كثير من عامّة المسلمين بهذين الحديثين، وربّما حال ذلك دون إقبال بعض النّاس على حفظ القرآن؛ خوفا من الوعيد الوارد فيهما، ففاتهم بسببه خير عظيم.\nوالّذي نحثّ عليه كلّ مسلم أن يهتدي بهدي أصحاب النّبيّ ﷺ في حفظهم للقرآن، كمّا وكيفا، استظهارا لألفاظه وفهما لمعانيه وعملا بأحكامه وشرائعه، وأن يقدّم الاعتناء بالتّدبّر والعمل على مجرّد استظهار حفظه، فذلك الغرض الّذي لأجله أنزل القرآن، وإنّما يراد الحفظ ليستعان به على هذا الغرض، لا للاستكثار والمباهاة وأن يقول النّاس:\n(فلان حافظ)، نسأل الله العافية في الدّنيا والآخرة.\nتذييل: وتثبيت حفظ القرآن يكون بامتثال الأمر النّبويّ بتعاهده، وسؤال الله تعالى التّوفيق والعون على ذلك.\nأمّا ما يروى ممّا يسمّى ب (صلاة حفظ القرآن) فهو بدعة غير مشروعة، إذ الرّواية فيها ساقطة موضوعة، وهي أربع ركعات تؤدّى ليلة الجمعة، وتقرأ فيها سور معيّنة، ويقال فيها دعاء مخصوص، وتكرّر في أسابيع (١).\n...\n_________\n(١) وردت هذه الصّلاة في حديث طويل، روي من حديث عليّ بن أبي طالب، ﵁، بيّنت وهاءه في «علل الحديث».","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>الفصل الثالث: أدب تلاوة القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المبحث الأول: آداب قارئ القرآن</span>\nعلى قارئ القرآن أن يلتزم معه من الأحوال والآداب أمورا، منها:\nإخلاص النّيّة في قراءته لله تعالى، لا يقصد به دنيا من ذكر أو جاه أو مال، كما هو الشّأن في كلّ عمل صالح الأصل أن تبتغى به الآخرة.\nفعن جابر بن عبد الله، ﵄، قال:\nدخل النّبيّ ﷺ المسجد، فإذا فيه قوم يقرءون القرآن، قال:\n«اقرءوا القرآن وابتغوا به الله ﷿، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجّلونه ولا يتأجّلونه» (١).\nوهذا الحديث يوجب أن تكون النّيّة في قراءة القرآن لوجه الله تعالى،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (رقم: ١٤٨٥٥) وأبو يعلى (رقم: ٢١٩٧)\nوالبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٦٤٣، ٢٦٤٤) من طرق عن أسامة بن زيد اللّيثيّ، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، به.\nقلت: وإسناده حسن، أسامة بن زيد صدوق حديثه حسن، والحديث تقدّم ذكره بإسناد صحيح عن جابر، (ص: ٤٤٢).","vol":"1","page":487},{"text":"ويحذّر من حال من يجتهد في إتقان تلاوته وضبطها ولكنّه يريد بذلك أجرا عاجلا، ودنيا زائلة، وجاها فاسدا، فهذا من أخسر النّاس صفقة.\nفعن أبي هريرة، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«إنّ أوّل النّاس يقضى يوم القيامة عليه:\nرجل استشهد، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتّى استشهدت، قال: كذبت، ولكنّك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار.\nورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنّك تعلّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار.\nورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به\nفعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه ثمّ ألقي في النّار» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٨٢٧٧) ومسلم (رقم: ١٩٠٥) والنّسائيّ (رقم: ٣١٣٧) و«فضائل القرآن» (رقم: ١٠٨) من طرق عن ابن جريج، حدّثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، به. ورواه غيره عن أبي هريرة كذلك.","vol":"1","page":488},{"text":"ويتخرّج على هذا من المسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>هل يجوز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن</span>؟\nجواب ذلك: حكمها معلّق بالمقاصد، فإن كان قصد التّالي التّأكّل بالقرآن وتعجيل أجره عليه حرمت عليه الأجرة، وإن قصد التّعليم ونفع النّاس وتفرّغ له جاز أن يأخذها بدل تفرّغه لذلك، وهذا القول يجمع- إن شاء الله- بين مذاهب العلماء المختلفة.\nوالدّليل عليه من وجوه ثلاثة:\nالأوّل: ثبوت النّصّ بجواز أخذ الأجرة على منفعة القراءة.\nفعن عبد الله بن عبّاس، ﵄:\nأنّ نفرا من أصحاب النّبيّ ﷺ مرّوا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ إنّ في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشّاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت\nعلى كتاب الله أجرا! حتّى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٥٤٠٥).\nوبمعناه في «الصّحيحين» من حديث أبي سعيد الخدريّ: أخرجه البخاريّ (رقم:\n٢١٥٦، ٤٧٢١، ٥٤٠٤، ٥٤١٧) ومسلم (رقم: ٢٢٠١). والشّاء: جمع شاة.","vol":"1","page":489},{"text":"الثّاني: السّلامة من المعارض الثّابت الّذي لا يقبل التّأويل.\nوما روي: «من أخذ قوسا على تعليم القرآن قلّده الله قوسا من نار» فهو حديث ضعيف (١).\nولو ثبت فمحمول على خلوّ صاحبه من إرادة وجه الله بذلك العمل.\nالثّالث: أنّ تعليم القرآن واجب على الكفاية، فلو ترك لتطوّع من شاء لقصّر النّاس فيه؛ لانشغالهم بطلب المعاش وسعيهم في مصالح حياتهم، فلزمهم أن يوجدوا من بينهم من يكفيهم ذلك الواجب، وهذا لا يكون إلّا بتهيئة الأسباب للقيام به، وأهمّ تلك الأسباب تفريغ المعلّمين والمقرئين والقيام بأسباب معاشهم بما لا يكونون به أدنى من أمثالهم\nمن أهل مجتمعهم وبيئتهم.\nومثل ذلك سائر العلوم الدّينيّة.\nوعلى قارئ القرآن أن يقرأه قراءة متدبّر؛ لينتفع بتلاوته من جهتين: فهم القرآن، وهو أعظم الغايتين، واحتساب الأجر بالتّلاوة.\n_________\n(١) أخرجه البيهقيّ في «الكبرى» (٦/ ١٢٦) وابن عساكر في «تاريخه» (٧/ ٢٧١ و٨/ ٤٣٧، ٤٣٨) من حديث أبي الدّرداء.\nوإسناده مدلّس واه.\nوروي بمعناه من حديث عبادة بن الصّامت، وأبيّ بن كعب، والطّفيل بن عمرو الدّوسيّ، وعوف بن مالك، ولا يثبت منها شيء، بل ليس فيها ما يقوّي بعضه بعضا، كما شرحت علله في «علل الحديث».","vol":"1","page":490},{"text":"وهذا يقتضي أن تكون قراءته بتأنّ وترسّل، وهو التّرتيل، على المعنى الّذي بيّنته في الفصل الأوّل من هدي رسول الله ﷺ.\nكما يقتضي أن لا يكون همّه آخر السّورة، أو أن يكثر من الختمات، فهذا خلاف هدي السّلف من أصحاب النّبيّ ﷺ.\nجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، ﵁، فقال: إنّي لأقرأ المفصّل في ركعة، فقال عبد الله: «هذّا كهذّ الشّعر؟ إنّ أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» (١).\nوعن أبي جمرة (نصر بن عمران) الضّبعيّ قال: قلت لابن عبّاس: إنّي سريع القراءة، وإنّي أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبّرها وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول».\nوفي لفظ: «أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة» (٢).\nوفي سياق آخر، قال أبو جمرة: قلت لابن عبّاس: إنّي رجل سريع القراءة، فربّما قرأت القرآن في ليلة مرّة أو مرّتين، فقال ابن عبّاس: «لأن\n_________\n(١) أثر صحيح. متّفق عليه، واللّفظ لمسلم، سبق تخريجه (ص: ١٣٣ - ١٣٤).\n(٢) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ١٥٧، ١٥٨) و«غريب الحديث» (٤/ ٢٢٠) وابن الضّريس في «الفضائل» (رقم: ٣٢) والآجرّيّ في «أخلاق حملة القرآن» (ص: ٢٢٢) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٣٩٦) و«الشّعب» (رقم: ٢٠٤٠، ٢١٥٨) من طرق عن أبي جمرة، به. وإسناده صحيح.\nوالهذرمة: السّرعة في القراءة.","vol":"1","page":491},{"text":"أقرأ بسورة واحدة أعجب إليّ من أن أفعل مثل الّذي تفعل، فإن كنت فاعلا بعد فاقرأه قراءة تسمع أذنيك ويعيه قلبك» (١).\nوأحسن ما يصار إليه في أدنى مدّة يختم فيها القرآن وأقصاها، هو سنّة رسول الله ﷺ وبيانه.\nوأبين ما ورد في ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، أنّه كان يختم في كلّ ليلة، فقال له النّبيّ ﷺ: «اقرأ القرآن في كلّ شهر» قال: قلت: يا نبيّ الله، إنّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشرين» قال: قلت: يا نبيّ الله، إنّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشر» قال: قلت: يا نبيّ الله، إنّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ سبع، ولا تزد على ذلك» (٢).\nوفي رواية: بدأ بشهر، فخمس وعشرين، فعشرين، فخمس عشرة، فسبع (٣).\nوفي رواية أخرى: أنّ النّبيّ ﷺ أمره أن يقرأه في أربعين، ثمّ في شهر، ثمّ\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه البيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١٥٩) من طريق شبابة بن سوّار، حدّثنا أبو جمرة، به. وإسناده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه، واللّفظ لمسلم: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٦٦، ٤٧٦٧) ومسلم (رقم: ١١٥٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٦٥٤٦) من طريق همّام بن يحيى، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشّخّير، عن عبد الله بن عمرو، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":492},{"text":"في عشرين، ثمّ في خمس عشرة، ثمّ في سبع (١).\nوهذا غير متعارض، وإنّما يزيد الرّاوي على غيره ما ليس عنده من العلم، وهذه المدد المذكورة حسن اتّباعها والوقوف عندها، فينبغي للتّالي أن يجعل ورده في يومه وليلته على اختيار مدّة منها يقسم عليها ختمته.\nوكان كثير من السّلف يختارون السّبع كأدنى مدّة للختم، لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «فاقرأه في كلّ سبع، ولا تزد على ذلك».\nومعنى النّهي: لا تنزل إلى ما دون ذلك، وليس هو للتّحريم، وإنّما لبيان الأولى؛ وذلك لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو في نفس هذه القصّة: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: ١٣٨) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٩٤) من طريق محمّد بن ثور، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبّه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، به. وإسناده حسن، لحسن سلسلة (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه).\nورواه عبد الرّزّاق الصّنعانيّ عن معمر، وفي إسناده سقط، وهذا الطّريق أصحّ، فمحمّد بن ثور ثقة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٨٥٧٣) وأحمد (رقم: ٦٥٣٥، ٦٥٤٦، ٦٧٧٥، ٦٨١٠، ٦٨٤١) وأبو داود (رقم: ١٣٩٠، ١٣٩٤) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٤٩) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ٩٢) وابن ماجة (رقم:\n١٣٤٧) والدّارميّ (رقم: ١٤٦٤) وابن حبّان (رقم: ٧٥٨) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١٦٨) من طريق قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشّخّير، عن عبد الله بن عمرو، به.\nقلت: وإسناده صحيح. وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح»","vol":"1","page":493},{"text":"فهذا إذن في الختم فيما دون السّبع، لكنّه انتهى به إلى الثّلاث، ومقتضاه عدم الإذن فيما دون ذلك.\nفما يروى عن بعض السّلف أنّه كان يختم كلّ ليلة يردّ صنيعه\nهذا الحديث الصّحيح، والعذر فيه لمن فعله منهم أن يكون لم يبلغه الحديث فيه.\nوكانت عائشة، ﵂، تقول: «ولا أعلم نبيّ الله ﷺ قرأ القرآن كلّه في ليلة» (١).\nوعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «اقرءوا القرآن في سبع، ولا تقرءوه في أقلّ من ثلاث، وليحافظ الرّجل في يومه وليلته على جزئه» (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٥٣ - ٥٤) ومسلم (رقم: ٧٤٦) وأبو داود (رقم: ١٣٤٢) والنّسائيّ (رقم: ١٦٠١، ١٦٤١، ٢١٨٢، ٢٣٤٨) وابن ماجة (رقم: ١٣٤٨) والدّارميّ (رقم: ١٤٤٧) من طرق عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، به، عند أكثرهم ضمن حديث مطوّل.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٥٩٤٨) وسعيد بن منصور في «فضائل القرآن» من «سننه» (رقم: ١٤٦) وابن أبي شيبة (رقم: ٨٥٨٥) والفريابيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ١٣٠، ١٣١) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٨٧٠٧، ٨٧٠٨، ٨٧٠٩) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٣٩٦) و«الشّعب» (رقم: ٢١٧٣) من طرق عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، به.\nقلت: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":494},{"text":"كما قال ﵁: «من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث فهو راجز» (١).\nالرّجز: شعر خفيف الوزن خفيف الأداء، وقيل: يشبه الشّعر، قال ابن الأثير: «إنّما سمّاه راجزا؛ لأنّ الرّجز أخفّ على لسان المنشد، واللّسان به أسرع من القصيد» (٢).\nوترك الختم إلى ما فوق الأربعين لا ينبغي ما وجد المسلم إليه سبيلا، ولم يشغله عنه ما هو أولى في تقدير الشّرع، أقول هذا مع أنّي لا أرى الأربعين خرجت مخرج التّحديد لأكثر مدّة للختم كمّا بيّنته في الفصل السّابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>وممّا يعين قارئ القرآن على التّدبّر أمور يراعيها حال التّلاوة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>١ - أن يقرأ في موضع سكون</span>،\nويجتنب القراءة في مواضع اللّغط وارتفاع الأصوات؛ لما يقع بها من التّشويش عليه فلا يتحقّق له المقصود من التّلاوة على وجهه.\nوقد أمر الله تعالى من حضر التّلاوة بالإنصات، لتحقيق نفع المستمع والتّالي، فالمستمع لئلّا يشغل عن القرآن بغيره وهو يسمعه، والتّالي لئلّا يرد\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٥٩٤٦) - ومن طريقه: الطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٨٧٠١) - عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، أبو إسحاق هو السّبيعيّ، وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك الجشميّ.\n(٢) النّهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":495},{"text":"عليه من التّشويش ما يفوّت عليه التّدبّر، كما قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف: ٢٠٤].\nولتحقيق هذا المعنى منع المصلّي من رفع صوته بالقراءة إذا كان مع غيره، كما في حديث عبد الله بن عمر، ﵄:\nأنّ النّبيّ ﷺ اعتكف وخطب النّاس، فقال: «أما إنّ أحدكم إذا\nقام في الصّلاة فإنّه يناجي ربّه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربّه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصّلاة» (١).\nوفي مراعاة هذا الأدب من الفائدة: عدم إلجاء من لم يتهيّأ للاستماع إلى أن ينصت ويستمع، وهو مأمور بذلك إذا سمع القرآن، كما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢ - أن يتهيّأ لتلاوته بصفاء الفكر</span>،\nفلا يقرأ وهو يدافع الأخبثين، أو وهو مشغول الفكر بشيء من أمر الدّنيا، فهذا أدعى للخشوع، وآكد في الانتفاع.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٤٩٢٨) - ومن طريقه: الطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ١٣٥٧٢) - قال: حدّثنا إبراهيم بن خالد، حدّثنا رباح، عن معمر، عن صدقة المكّيّ، عن ابن عمر، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، صدقة هو ابن يسار، ومعمر هو ابن راشد، ورباح هو ابن زيد الصّنعانيّ، وإبراهيم هو الصّنعانيّ المؤذّن، وكلّهم ثقات، وكان أحمد بن حنبل ﵀ يستحسن هذا الحديث (تهذيب الكمال: ١٣/ ١٥٧).\nورواه غير معمر عن صدقة، كما رواه غير ابن عمر عن النّبيّ ﷺ.","vol":"1","page":496},{"text":"ولهذا قال النّبيّ ﷺ: «لا صلاة بحضرة الطّعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٣ - أن يبدأ قراءته بالاستعاذة بالله من الشّيطان، فإنّها مطردة له</span>.\nلقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)\nإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ١٠٠ [النّحل: ٩٨ - ١٠٠].\nويتّصل بالاستعاذة مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الأولى: حكمها:</span>\nهي مندوبة عند كلّ تلاوة داخل الصّلاة وخارجها، للأمر بها في كتاب الله تعالى، ولما ثبت أنّ النّبيّ ﷺ كان يستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم قبل قراءته في الصّلاة (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٢، ٥٤، ٧٣) ومسلم (رقم: ٥٦٠) وأبو داود (رقم: ٨٩) من طرق عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبد الله بن أبي عتيق، عن عائشة، به.\nوالأخبثان: البول والغائط.\n(٢) روي ذلك من حديث جماعة من الصّحابة، منهم أبو سعيد الخدريّ، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وأبو أمامة الباهليّ، وغيرهم، وجميع أسانيدهم معلّلة، ولكنّ مجموعها يثبت لذلك أصلا، وأدنى ما يقال معه في شأن الاستعاذة: حسن الرّواية بها عن رسول الله ﷺ.\nوتفصيل القول في ذلك في «علل الحديث».","vol":"1","page":497},{"text":"فإن قلت: كيف تكون مندوبة لا واجبة مع أمر الله تعالى بها؟\nقلت: لما علمناه من هدي النّبيّ ﷺ، وهو البيان للقرآن.\nفعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبّر في الصّلاة سكت هنيّة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، أرأيت سكوتك بين التّكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهمّ نقّني من خطاياي كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، اللهمّ اغسلني من خطاياي بالثّلج والماء والبرد» (١).\nفلم يذكر الاستعاذة، ولو كانت واجبة لبيّنها من جملة ما يقول في سرّه؛ لأنّه لم يأت في شيء من الأخبار أنّه كان يجهر بها في الصّلاة، فحيث إنّ الجهر بها في الصّلاة ليس من السّنّة، وبيّن لأبي هريرة نصّا ما يقوله بين تكبيرة الإحرام والقراءة وليس فيه ذكر للاستعاذة، فدلّ على أنّها ليست على النّاس بواجبة، وحيث إنّه ﷺ جاء عنه في غير قصّة أبي هريرة ذكر الاستعاذة قبل القراءة، فدلّ على أنّه كان يفعل ذلك أحيانا ويدعه أحيانا.\nوكذلك فإنّا نعلم أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ القرآن في الأحوال المختلفة، فلم يرد عنه التزام الاستعاذة كلّما قرأ القرآن قليلا منه أو كثيرا، فدلّ أيضا على استحبابها.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٧١١) ومسلم (رقم: ٥٩٨).","vol":"1","page":498},{"text":"والقول بذلك مذهب جمهور أهل العلم (١).\nوهي مستحبّة لكلّ قارئ، قرأ وحده، أو قرأ في جماعة، لكنّها لا تستحبّ للآية أو الآيات في ثنايا الخطب والمواعظ وأجوبة فتاوى النّاس، فإنّ السّنن قد استفاضت عن النّبيّ ﷺ لا يذكر استعاذة عند الاستدلال أو الاستشهاد بآية من القرآن، وهذا على خلاف ما يفعله بعض الوعّاظ اليوم.\nولو قطع التّالي تلاوته ثمّ عاد بعد طول فصل حسن أن يستعيذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>والثّانية: صيغتها:</span>\nالاستعاذة جائزة بكلّ ما تحقّق به امتثال الأمر، والّذي عليه اختيار\nجميع القرّاء من حيث الرّواية: (أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم) وعليه عامّة الفقهاء (٢).\nوالجهر بالاستعاذة أو الإسرار يتبع القراءة، فإن كانت سرّا أسرّ، وإن كانت جهرا جهر، إلّا في الصّلاة، لما بيّنته من دلالة السّنّة على ترك الجهر بها فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٤ - أن يحسّن صوته بقراءته ما استطاع دون تكلّف</span>.\nعلى ذلك دلّت سنّة رسول الله ﷺ:\nفعن البراء بن عازب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(١) النّشر في القراءات العشر، لابن الجزري (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(٢) النّشر (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":499},{"text":"«زيّنوا القرآن بأصواتكم» (١).\nوفي لفظ: «حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصّوت الحسن يزيد القرآن حسنا» (٢).\nوالمعنى: حسّنوا أصواتكم وأنتم تتلون القرآن، فذلك ممّا يزيد أثر القرآن في النّفس.\nوالمعنى في حسن الصّوت: التّطريب والتّغنّي.\nواختلف السّلف فيه، فذهبت طائفة منهم إلى كراهته، لما رأوا من شبه ذلك بأصوات الغناء، وذهب آخرون إلى شرعيّته واستحبابه، والفصل في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤) والبخاريّ في «أفعال العباد» (رقم: ٢٥٠ - ٢٥٤، ٢٥٦) وأبو داود (رقم: ١٤٦٨) والنّسائيّ (رقم: ١٠١٥، ١٠١٦) وفي «فضائل القرآن» (رقم: ٧٥) وابن ماجة (رقم:\n١٣٤٢) والدّارميّ (رقم: ٣٣٧٢) من طرق عن طلحة بن مصرّف، عن عبد الرّحمن بن عوسجة، عن البراء، به.\nقلت: وإسناده صحيح.\nوعلّقه البخاريّ في «الصّحيح» (٦/ ٢٧٤٣) بصيغة الجزم، وله طريقان آخران عن البراء، وله شاهد من حديث أبي هريرة، كما شرحته في «علل الحديث».\n(٢) حديث حسن. أخرجه الدّارميّ (رقم: ٣٣٧٣) والحاكم (رقم: ٢١٢٥) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١٤١) من طريق صدقة بن أبي عمران، عن علقمة بن مرثد، عن زاذان أبي عمر، عن البراء، به مرفوعا.\nقلت: وإسناده حسن، صدقة صدوق لا بأس به.","vol":"1","page":500},{"text":"ذلك لسنّة النّبيّ ﷺ، فإنّها قد بيّنت صحّة مذهب القائلين باستحباب ذلك من أهل العلم، كحديث البراء هذا.\nكذلك حديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لم يأذن الله لشيء ما أذن للنّبيّ أن يتغنّى بالقرآن» (١).\nوالمعنى: لم يستمع الله لشيء استماعه للنّبيّ ﷺ في تغنّيه بالقرآن.\nولا معنى للتّغنّي هنا إلّا تحسين الصّوت؛ لقرينة ذكر الاستماع.\nوعن أبي موسى الأشعريّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (٢).\nفشبّه صوت أبي موسى بالقرآن بأصوات المزامير، والجامع بينهما الصّوت المطرب الّذي يأخذ بمجامع القلوب.\nوفي المسألة من الأحاديث أكثر من هذا، لكنّ هذا أصحّه وأبينه، وهو كاف في إفادة المقصود.\nوحاصله: أنّ قراءة القرآن بالأصوات المطرّبة مشروع محبوب.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه، أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٣٥، ٤٧٣٦، ٧٠٤٤، ٧١٠٥) ومسلم (رقم: ٧٩٢).\n(٢) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٦١) ومسلم (١/ ٥٤٦) واللّفظ له.","vol":"1","page":501},{"text":"قال الشّافعيّ، ﵀: «لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصّوت بأيّ وجه ما كان، وأحبّ ما يقرأ إليّ حدرا وتحزينا» (١).\nوليس لحسن الصّوت حدّ ينتهى إليه، وهو بحسب ما آتى الله الإنسان من ذلك، لكن يجب على التّالي بالألحان أن لا يجاوز أحكام التّجويد وقواعد التّلاوة.\nويروى هاهنا حديث شائع «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسق، فإنّه سيجيء من بعدي قوم يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة والنّوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الّذين يعجبهم شأنهم».\nوهذا حديث لا يصحّ (٢)، ولو صحّ فوجه المنع إنّما هو من التّطريب الّذي يقع معه اللّحن والخروج عن الصّواب في القراءة، كما يوحي إليه ذكر لحون العرب، أمّا التّطريب مع المحافظة على حقّ التّلاوة، فذلك من هدي النّبيّ ﷺ وأصحابه.\nقال أبو الحسن الماورديّ: «إذا أخرجت ألفاظ القرآن عن\nصيغته،\n_________\n(١) مختصر المزنيّ (ص: ٣١١)، الأمّ (٦/ ٢١٠)، مناقب الشّافعيّ، للبيهقيّ (١/ ٢٨٠).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ١٦٥) والحكيم في «النّوادر» (رقم: ٨٥٧) والطّبرانيّ في «الأوسط» (رقم: ٧٢١٩) وغيرهم عن حذيفة، به مرفوعا.\nوإسناده ضعيف جدّا، بيّنت علّته في كتابي «الغناء والمعازف في الميزان».","vol":"1","page":502},{"text":"بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللّحن، أو مدّ مقصور، أو قصر ممدود، أو مطّط حتّى خفي اللّفظ والتبس المعنى، فهذا محظور يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنّه قد عدل به عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول:\nقُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزّمر: ٢٨]، وإذا لم يخرجه اللّحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله، كان مباحا؛ لأنّه قد زاد بألحانه في تحسينه وميل النّفس إلى سماعه» (١).\n٥ - أن يجتهد في الخشوع، ولا بأس بالبكاء، بل هو حسن لمن قدر عليه من غير تكلّف.\nقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزّمر: ٢٣].\nوقال ﷿: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٧ [الحديد: ١٦ - ١٧].\nوقال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ\n_________\n(١) الحاوي الكبير (١٧/ ١٩٨).","vol":"1","page":503},{"text":"يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ١٠٩ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].\nكما قال ﷿: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨].\nفهذه الآيات البيّنات واضحة الدّلالة على الأمر بالخشوع، وبيان ما يكون من حال الصّفوة من عباد الله من النّبيّين وأولي العلم عند سماع الآيات تتلى عليهم من الخضوع والبكاء من خشية الله.\nوعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:\nقال لي النّبيّ ﷺ: «اقرأ عليّ»، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟\nقال: «فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النّساء، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا ٤١ قال: «أمسك»، فإذا عيناه تذرفان.\nوفي لفظ: فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (١).\nوهذا معنى يشترك فيه التّالي والمستمع.\nوعلى هذه الصّفة كان أصحاب النّبيّ ﷺ.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٣٠٦، ٤٧٦٢، ٤٧٦٣، ٤٧٦٨، ٤٧٦٩) ومسلم (رقم: ٨٠٠) واللّفظ الثّاني له.","vol":"1","page":504},{"text":"فعن عائشة، ﵂، قالت: «إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء» (١).\nوعن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: سمعت نشيج عمر بن\nالخطّاب وأنا في آخر الصّفوف في صلاة الصّبح، يقرأ من سورة يوسف، يقول: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: ٨٦] (٢).\nفهذا حال إمامي الأمّة بعد نبيّها ﷺ، ورضي الله عنهما، وذلك واقع في صلاة وفي غيرها، وهو أمر يجلبه الخشوع للقرآن، لا يملك الخاشعون ردّه وهم يتلون آيات الله أو تتلى عليهم، ولذا سيق ذلك عنهم مساق المدح.\n_________\n(١) جزء من حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: ٦٥٠) من طريق الزّهريّ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به ضمن قصّة مرض النّبيّ ﷺ.\nوهو في «الصّحيحين» بمعناه من حديث عائشة نفسها.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٥٦٥) ويحيى بن معين في «تاريخه» (رقم: ٢٢١٣) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٥٧) من طريق إسماعيل بن محمّد بن سعد، سمع عبد الله بن شدّاد، به.\nقلت: علّقه البخاريّ في «صحيحه» (١/ ٢٥٢) بصيغة الجزم، وإسناده صحيح، وصحّح إسناده الحافظ ابن حجر في «تغليق التّعليق» (٢/ ٣٣٠).\nتابع ابن الهاد عليه: علقمة بن وقّاص، قال: صلّيت خلف عمر بن الخطّاب، فقرأ سورة يوسف، فكان إذا أتى على ذكر يوسف سمعت نشيجه من وراء الصّفوف.\nأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٥٦٦) وابن أبي الدّنيا في «الرّقّة والبكاء» (رقم:\n٤١٧) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٥٨) من طريق ابن جريج، قال: حدّثنا ابن أبي مليكة، عن علقمة، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":505},{"text":"وكذلك حكت أسماء بنت أبي بكر ﵄ من حال الصّحابة:\nفعن عبد الله بن عروة بن الزّبير، قال: قلت لجدّتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرءوا القرآن؟ قالت: «كانوا كما نعتهم الله ﷿: تدمع أعينهم وتقشعرّ جلودهم»، قلت: فإنّ ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، فقالت: «أعوذ بالله من الشّيطان» (١).\nوفي هذا إنكار من أسماء أن يبلغ الخشوع بصاحبه إلى الغشيان، وإنّما ذلك بالقشعريرة ودمع العين، كذلك كان حال النّبيّ ﷺ وحال أصحابه، ولا يعرف ذلك الغشيان فيهم، ولا يثبت عن أحد منهم أنّه كان يصعق عند القرآن، إنّما ذكر ذلك عمّن بعدهم، وهدي النّبيّ ﷺ وأصحابه أحسن الهدي وأكمله.\nوما يروى في تكلّف البكاء فلا يصحّ، كحديث: «إنّ هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في «فضائل القرآن» من «سننه» (رقم: ٩٥) قال: حدّثنا هشيم، قال: حدّثنا حصين، عن عبد الله بن عروة، به.\nقلت: إسناده صحيح، هشيم هو ابن بشير، وحصين هو ابن عبد الرّحمن.\n(٢) أخرجه ابن ماجة (رقم: ١٣٣٧، ٤١٩٦) وأبو يعلى (٢/ رقم: ٦٨٩) والبيهقيّ في «السّنن» (١٠/ ٢٣١) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدّثنا أبو رافع، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرّحمن بن السّائب، قال:\nقدم علينا سعد بن أبي وقّاص وقد كفّ بصره، فسلّمت عليه، فقال: من أنت؟\nفأخبرته، فقال: مرحبا بابن أخي، بلغني أنّك حسن الصّوت بالقرآن، سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره، وزاد: «وتغنّوا به، فمن لم يتغنّ به فليس منّا».\nقلت: إسناده ضعيف، أبو رافع اسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف منكر الحديث.","vol":"1","page":506},{"text":"٦ - أن يستحضر أنّه مخاطب بما يقرأ، فيتأمّل ذكر التّوحيد والإيمان، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، ويلاحظ ما يلزمه من ذلك من التّصديق والامتثال والاعتبار، ويراعي الجواب في موضع السّؤال، ولا يفوّت ما تقتضيه الآية من تسبيح أو تحميد أو تكبير أو استغفار أو دعاء، ويغتنم ذكر الجنّة بالرّغبة إلى ربّه وسؤاله الفوز بدخولها، وذكر النّار بالرّهبة وسؤاله ربّه النّجاة منها.\nعن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، قال: فافتتح البقرة، فقرأ حتّى بلغ رأس المائة، فقلت: يركع، ثمّ مضى حتّى بلغ المائتين، فقلت: يركع، ثمّ مضى حتّى ختمها، قال:\nفقلت: يركع، قال: ثمّ افتتح سورة آل عمران، حتّى ختمها، قال:\nفقلت: يركع، قال: ثمّ افتتح سورة النّساء، فقرأها، قال: ثمّ ركع، قال: فقال في ركوعه: سبحان ربّي العظيم، قال: وكان ركوعه بمنزلة قيامه، ثمّ سجد، فكان سجوده مثل ركوعه، وقال في سجوده: سبحان ربّي الأعلى، قال: وكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ (وفي لفظ: استجار)، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله ﷿ سبّح (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٢، ٣٨٤، ٣٨٩، ٣٩٤، ٣٩٧) ومسلم (رقم: ٧٧٢) وأبو داود (رقم: ٨٧١) والتّرمذيّ (رقم: ٢٦٢) والنّسائيّ (رقم:\n١٠٠٨، ١٠٠٩، ١١٣٣، ١٦٦٤) وابن ماجة (رقم: ١٣٥١) والدّارميّ (رقم:\n١٢٨١) من طرق عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن مستورد بن أحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة.\nالسّياق لأحمد واللّفظ الآخر لابن ماجة. قال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».\nوله شاهد من حديث عوف بن مالك، وآخر من حديث عائشة، بنحوه.","vol":"1","page":507},{"text":"وعن ابن عبّاس، ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ قال: «سبحان ربّي الأعلى» (١).\nوعن ابن عبّاس، قال: «إذا قرأ أحدكم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ فليقل: سبحان ربّي الأعلى، وإذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ٤٠ [القيامة: ٤٠] فليقل: اللهمّ بلى، أو: اللهمّ سبحان ربّي، بلى» (٢).\nوعن عبد الله بن السّائب، ﵁، قال:\nأخّر عمر، كرّم الله وجهه، العشاء الآخرة، فصلّيت، ودخل فكان في ظهري، فقرأت: وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا ١ حتّى أتيت على قوله:\nوَفِي السَّماءِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٢٠٦٦) وأبو داود (رقم: ٨٨٣) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ١٢٣٣٥) والبيهقيّ (٢/ ٣١٠) من طريق وكيع بن الجرّاح، قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وأورد عليه تعليل غير مؤثّر، بيّنته في «علل الحديث».\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن الضّريس في «فضائل القرآن» (رقم: ١٣) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١٠٠) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، به، والسّياق للبيهقيّ.\nقلت: إسناده صحيح، وشعبة هو ابن الحجّاج.","vol":"1","page":508},{"text":"رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ٢٢ [٢٢]، فرفع صوته حتّى ملأ المسجد: أشهد (١).\nوعن عائشة، ﵂، أنّها كانت إذا قرأت فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ٢٧ [الطّور: ٢٧] قالت: اللهمّ منّ عليّ وقني عذاب السّموم (٢).\nومن ذلك أن يجيب عند مثل قول الله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* [الأعراف: ١٨٥، المرسلات: ٥٠] فيقول مثلا: آمنت بالله وكتابه.\nوعند قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ٨ [التّين: ٨]، فيقول:\nبلى، وأنا على ذلك من الشّاهدين (٣).\nوعند قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ١٣* [الرّحمن: ١٣]، فيقول: ولا\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ١٤٩) قال: حدّثنا حجّاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن السّائب، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، ابن خثيم حسن الحديث لا بأس به، وحجّاج هو ابن محمّد، وعبد الله بن السّائب هو المخزوميّ من قرّاء الصّحابة.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه البيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٩٢) من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عائشة، به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٦٠٣٥) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (كما في «تفسير ابن كثير» ٦/ ٤٣٥) من طريق وكيع، عن الأعمش، به نحوه. وإسناده صحيح.\n(٣) روي في هذه والّتي قبلها ما لم يثبت إسناده من الحديث، ولذا أعرضت عنه.","vol":"1","page":509},{"text":"بشيء من نعمة ربّنا نكذّب (١).\nوعند قوله: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ٥٩ [الواقعة: ٥٩]، وقوله: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ٦٤ [الواقعة: ٦٤]، وقوله:\nأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ٦٩ [الواقعة: ٦٩]، وقوله:\nأَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ٧٢ [الواقعة: ٧٢]، فيقول عند جميعها: بل أنت يا ربّ (٢).\nولا يجب أن تكون صيغة الجواب توقيفيّة، بل لك أن تجتهد فيه؛ فإنّ عموم الهدي النّبويّ في ذلك يجعل للمتدبّر السّعة في أن يستعمل من الصّيغ ما بدا له ممّا يتحقّق به المقصود، كذلك فهمه السّلف، كما قدّمته عن عمر وعائشة وابن عبّاس، وذلك في صلاة وفي غيرها، غير أنّي أنبّه على أن لا يشغل بذلك عن استماع التّلاوة إذا كان يستمع لغيره ولم يجد فسحة للجواب أو السّؤال أو التّسبيح.\n٧ - وممّا يعين التّالي على التّدبّر: أن يجتنب ما يقطع تلاوته ممّا لا يتّصل بها، ككلام الآدميّين، إلّا ما لزمه بأمر الشّرع، كردّ سلام أو تشميت عاطس، أو شبه ذلك، أو دعت إليه حاجة واقتضته مصلحة.\nعن عبد الله بن عون، قال: كان ابن سيرين يكره أن يقرأ الرّجل القرآن\n_________\n(١) فيه حديث مرفوع حسن، تقدّم ذكره في الهامش (ص: ٦٥).\n(٢) روي في ذلك أثر بإسناد ليّن عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، أخرجه البيهقيّ في «السّنن» (٢/ ٣١١).","vol":"1","page":510},{"text":"إلّا كما أنزل، يكره أن يقرأ ثمّ يتكلّم ثمّ يقرأ (١).\nولو تخلّل تلاوته ما لا يخرج عن موضوعها، كالّذي ذكرته في المسألة السّابقة من إجابة سؤال القرآن، أو تقديس الله تعالى، وشبه ذلك، أو تبيين فائدة لغيره من شرح\nغريب أو ذكر سبب نزول، فالقطع لمثل ذلك حسن.\nعن نافع مولى عبد الله بن عمر، قال: كان ابن عمر، ﵄، إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما، فقرأ سورة البقرة حتّى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت:\nلا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثمّ مضى (٢).\nقال أبو عبيد الهرويّ: «إنّما رخّص ابن عمر في هذا؛ لأنّ الّذي تكلّم به من تأويل القرآن وسببه، ولو كان الكلام من أحاديث النّاس وأخبارهم كان عندي مكروها أن تقطع القراءة به» (٣).\n٨ - أن يكفّ التّثاؤب إذا ورد؛ لما ثبت أنّ التّثاؤب من الشّيطان، وأنّ الله تعالى يكرهه.\nفعن أبي هريرة، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:\n«إنّ الله يحبّ العطاس، ويكره التّثاؤب، فإذا عطس أحدكم\nوحمد الله\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ١٩٠) بإسناد صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو عبيد (ص: ١٩٠ - ١٩١) والبخاريّ (رقم: ٤٢٥٣) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١٣٣) من طريق ابن عون، عن نافع، به.\n(٣) فضائل القرآن (ص: ١٩١).","vol":"1","page":511},{"text":"كان حقّا على كلّ مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأمّا التّثاؤب فإنّما هو من الشّيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع، فإنّ أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشّيطان» (١).\nوعن مجاهد المكّيّ، قال: «إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن، فأمسك عن القراءة حتّى يذهب تثاؤبك» (٢).\nوعن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: «إذا تثاءب أحدكم وهو يقرأ القرآن فليسكت، ولا يقل: ها، ها، وهو يقرأ» (٣).\nولو استعاذ بالله من الشّيطان الرّجيم عند ورود التّثاؤب مع الاجتهاد في ردّه لكان حسنا، لقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠ [الأعراف: ٢٠٠].\n٩ - وممّا يعين على التّدبّر: أن يراعي أحكام الوقف والابتداء، على ما بيّنته في الفصل السّابق.\nوينبغي له أن يجتنب بدء تلاوته في أثناء السّياق، أو قطعها قبل تتمّته،\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٣١١٥، ٥٨٦٩، ٥٨٧٢) ومسلم (رقم: ٢٩٩٤)، واللّفظ للبخاريّ.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ١١٨) وسعيد بن منصور (رقم: ٩٨) والآجرّيّ في «أخلاق حملة القرآن» (ص: ٢٠٣) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١٢٥) بإسناد صحيح.\n(٣) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد (ص: ١١٩) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":512},{"text":"فذلك ممّا يختلّ به المعنى.\nوهذا ممّا يغفل عنه كثير من النّاس، ويسبّبه أحيانا قسمة الأجزاء والأحزاب والأرباع الموجودة في مصاحف المسلمين، فكثير منها لم\nيراع فيه هذا الّذي ذكرته، فترى القارئ يقرأ الجزء أو الحزب أو الرّبع في صلاة أو غيرها، فيقف على رأس ذلك ولم يتمّ المعنى بعد، أو يبدأ من وسط الكلام وقد ذهب عليه أوّله.\nكما ترى في جزء وَالْمُحْصَناتُ* [النّساء: ٢٤]، والحكم فيها متّصل بما قبلها، وجزء قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ [الأعراف: ١١١] وهذا قطع القصّة، وجزء إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ [التّوبة: ٩٣] وهذه تتمّة لما قبلها، وجزء وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: ٥٣] وقطعها عمّا قبلها خلل بيّن، وهكذا في أجزاء أخرى، وهو في الأحزاب والأرباع أكثر، فعلى التّالي أن يلاحظ ذلك، ولا ينهى قراءته إلّا في موضع تمّ به المعنى، كما لا يبدأ إلّا من حيث ابتدأ الموضوع.\nعن ميمون بن مهران، قال: «إنّي لأقشعرّ من قراءة أقوام، يرى أحدهم حتما عليه ألّا يقصر عن العشر، إنّما كانت القرّاء تقرأ القصص إن طالت أو قصرت، يقرأ أحدهم اليوم وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ [البقرة: ١١]، قال: ويقوم في الرّكعة الثّانية فيقرأ أَلا","vol":"1","page":513},{"text":"إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة: ١٢]» (١).\nوعلى قارئ القرآن أن يتخلّق بأخلاقه ويتأدّب بآدابه، فإنّه قد اشتمل على جميع مكارم الأخلاق ومعاليها، في السّلوك إلى الله ﷿ في عبادته في الظّاهر والباطن، والسّلوك مع الخلق في معاملتهم ومعايشتهم.\nوالمقصود أن تتحوّل توجيهات القرآن إلى عمل في حياة المسلم، فلا يتقدّم ولا يتأخّر إلّا وفق تبصيره وتعليمه، يمتثل أمره ونهيه، ويحلّ حلاله، ويحرّم حرامه، ويقف عند حدوده، ويؤمن بأخباره ووعده ووعيده، ويعتبر بأمثاله وقصصه.\nعن سعد بن هشام أنّه سأل عائشة ﵂، فقال: أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ، قالت: «ألست تقرأ القرآن؟»، قلت: بلى، قالت: «فإنّ خلق نبيّ الله ﷺ كان القرآن» (٢).\nوالّذي يفسّر هذا الحديث هو هدي رسول الله ﷺ، فإنّ ما كان عليه من السّيرة والعمل هو معنى التّخلّق بأخلاق القرآن.\n_________\n(١) أخرجه الدّاني في «المكتفى» (ص: ١٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٥٣ - ٥٤، ٩٤ - ٩٥، ١٦٣) ومسلم (رقم:\n٧٤٦) وأبو داود (رقم: ١٣٤٢) والنّسائيّ (رقم: ١٦٠١) والدّارميّ (رقم:\n١٤٤٧) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، به، ضمن قصّة.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>وعلى قارئ القرآن أن يحذر من القول في تفسيره بغير علم</span>.\nالطّريق إلى تفسير القرآن هو العلم بآلته مع القدرة على الاستدلال له بالحجج الصّحيحة نقليّة كانت أو عقليّة.\nأمّا الكلام في معاني القرآن بمجرّد الرّأي فهو ممنوع، ويقود صاحبه إلى القول على الله غير الحقّ، وهذا من أعظم الذّنوب.\nقال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ٣٦ [الإسراء: ٣٦].\nوشدّد الله تعالى في حرمته حتّى قرنها بالشّرك به، كما قال\nتعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣].\nومن لم يحصّل من آلة العلم بالتّفسير ما يؤهّله للكلام فيه، رجع إلى أهل العلم به والكتب المصنّفة فيه، على ما بيّنته في (المقدّمة الخامسة).\nوعلى قارئ القرآن أن يؤمن بمتشابهه على مراد الله منه، ولا يحمل نفسه على الكلام فيه، فإنّ الخوض في المتشابه من أعظم أسباب الضّلال.\nوما أشكل عليك معناه، فهو نوعان:","vol":"1","page":515},{"text":"أحدهما: ما اشتبه عليك، وعلمه أهل العلم، فيرجع إليهم لكشف المراد به، قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦]، وقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* [النّحل: ٤٣].\nوالثّاني: ما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه خلقه، لحكمة أرادها، وهذا هو المتشابه.\nوالعباد في هذا غير مكلّفين بأكثر من الإيمان به كما أخبر الله تعالى، وتفويض المراد به إليه.\nومن ذلك نصوص صفات الله ﷿، لا من جهة معاني ألفاظها، وإنّما من جهة إدراك كيفيّاتها في حقّ الله تعالى، فإنّه منزّه عن الشّبيه والنّظير، منزّه أن يكون ما أخبر به عن نفسه من جنس ما يخبر به عن المخلوقين، كما قال ﷾: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١].\nعن عائشة، ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [آل عمران: ٧]، قالت: قال رسول الله ﷺ: «فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين","vol":"1","page":516},{"text":"سمّى الله فاحذروهم» (١).\nوعن أبيّ بن كعب، ﵁، قال: «كتاب الله، ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه» (٢).\nويأتي حديثا أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، في هذا المعنى في الأدب التّالي (٣).\nوحاصل هذا: أن ينتهي إلى حكم الله في كتابه، وأن لا يقدّم رأيه عليه، وإن ضعف عقله عن استيعاب المراد، قابل ذلك بالتّسليم والرّضا والانقياد.\nوعلى قارئ القرآن أن لا يماري أحدا فيه، فإن نازعه في شيء منه منازع تركه، وإن خاض فيه خائض أعرض عنه.\nومعنى المراء في القرآن: الجدال والاختلاف فيه وفي نصوصه إلى أن\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٢٧٣) ومسلم (رقم:\n٢٦٦٥).\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٢٣) قال: حدّثنا أبو أسامة، حدّثني الثّوريّ، قال: حدّثنا أسلم المنقريّ، عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ، به.\nقلت: وهذا إسناد جيّد.\n(٣) وانظر ل (المتشابه) ما تقدّم (ص: ٢٨١ - ٢٨٤).","vol":"1","page":517},{"text":"يضرب بعضها ببعض، فهذا الكتاب سالم من التّناقض والتّضارب، كما قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النّساء: ٨٢]، وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، وتصوّر وجود التّضادّ في القرآن تجويز للباطل فيه، فإنّ الضّدّين لا يجتمعان في شيء واحد.\nوكتاب الله هو المفزع عند الاختلاف، وهو حقّ كلّه، فإذا اختلف النّاس فيه ضلّوا، إذ لم يبق لديهم ما يفزعون إليه عند التّنازع، كما وقع للأمم قبلنا حين اختلفوا في الكتاب.\nوهذا معنى قد شدّدت النّصوص في إنكاره غاية التّشديد:\nقال الله ﷿: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦].\nوقال تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨].\nوقال سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥].\nوعن أبي هريرة، ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال:\n«نزل القرآن على سبعة أحرف، المراء في القرآن كفر» ثلاث مرّات «فما","vol":"1","page":518},{"text":"عرفتم فاعملوا، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه» (١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، قال:\nلقد جلست أنا وأخي مجلسا، ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرّق بينهم، فجلسنا حجرة (٢)، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتّى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا قد احمرّ وجهه يرميهم بالتّراب، ويقول: «مهلا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إنّ القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه» (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٧٩٨٩) والنّسائيّ في «فضائل القرآن» (رقم: ١١٨) وابن جرير في «تفسيره» (١/ ١١) من طريق أنس بن عياض، حدّثني أبو حازم، عن أبي سلمة، لا أعلمه إلّا عن أبي هريرة، به.\nقلت: وإسناده صحيح، واسم أبي حازم سلمة بن دينار.\nتابع أبا حازم عن أبي سلمة: عمر بن أبي سلمة، ومحمّد بن عمرو، بجملة:\n«المراء في القرآن كفر». شرحت ذلك في «علل الحديث».\n(٢) حجرة: ناحية.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (رقم: ٦٧٠٢) قال: حدّثنا أنس بن عياض، حدّثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، به.\nقلت: وإسناده حسن، لحسن هذه السّلسلة: عمرو عن أبيه عن جدّه.\nوله عن عمرو طرق يطول شرحها.","vol":"1","page":519},{"text":"وفي رواية: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع آية، فكأنّما سفي في وجهه حبّ الرّمّان (١)، فقال: «ألهذا خلقتم؟ أم بهذا أمرتم؟ لا تضربوا كتاب الله\nبعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتّبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه» (٢).\nوالواجب على من جلس مجلسا وقع فيه شيء من ذلك أن يسارع إلى مفارقته، ولا يتمادى في مشاركة الخائضين في آيات الله.\nفعن جندب بن عبد الله، ﵁، قال: قال النّبيّ ﷺ:\n«اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>المبحث الثاني: أحكام يحتاج إلى معرفتها القارئ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>١ - الطّهارة لقراءة القرآن:</span>\nمسألة الطّهارة لمسّ المصحف تأتي في (أحكام المصاحف)، وإنّما\n_________\n(١) سفي: ذري، لكن فسّرته الرّواية الأخرى بأحسن من هذا مناسبة، إذ جاء فيها:\n«فقىء» والمراد: احمرّ وجهه وكأنّما رشّ بماء الرّمّان الأحمر.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (رقم: ٦٨٤٦) وابن أبي عاصم في «السّنّة» (رقم:\n٤٠٦) والهرويّ في «ذمّ الكلام» (١/ ٥٣ - ٥٤ رقم: ٤٦) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، به. وإسناده حسن.\n(٣) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٧٣، ٤٧٧٤، ٦٩٣٠، ٦٩٣١) ومسلم (رقم: ٢٦٦٧).","vol":"1","page":520},{"text":"الكلام هاهنا في الطّهارة من الحدثين: الأصغر، والأكبر، وطهارة المكان والثّوب، والسّواك، لتلاوة القرآن، فهذه أربع مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>المسألة الأولى: الطّهارة من الحدث الأصغر:</span>\nالوضوء لقراءة القرآن مستحبّ وليس بواجب، وتجوز القراءة بدونه.\nدليل الاستحباب: ما ثبت عن المهاجر بن قنفذ، ﵁:\nأنّه سلّم على رسول الله ﷺ وهو يتوضّأ، فلم يردّ عليه حتّى توضّأ، فردّ عليه، وقال: «إنّه لم يمنعني أن أردّ عليك إلّا أنّي كرهت أن أذكر الله إلّا على طهارة [وفي لفظ: وضوء]» (١).\nقال قتادة بن دعامة السّدوسيّ: فكان الحسن (يعني البصريّ) من أجل هذا الحديث يكره أن يقرأ أو يذكر الله ﷿ حتّى يتطهّر (٢).\nوأمّا ما دلّ على جواز التّلاوة على غير وضوء، فأحاديث، من أظهرها:\n١ - حديث عائشة، ﵂، قالت: كان النّبيّ ﷺ يذكر الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٥ و٥/ ٨٠) وأبو داود (رقم: ١٧) والنّسائيّ (رقم: ٣٨) وابن ماجة (رقم: ٣٥٠) وغيرهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر، به، واللّفظ الثّاني لأحمد في موضع وابن ماجة.\nقلت: إسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم، وله طرق وشواهد استوفيت شرحها في كتابي (حكم الطّهارة لغير الصّلوات).\n(٢) ثبت هذا عند أحمد في الموضع الأول من رواية حديث المهاجر المذكور.","vol":"1","page":521},{"text":"على كلّ أحيانه (١).\nفهذا عموم يندرج تحته حال الطّهارة وعدمها، كما أنّ كلّ ما يسمّى ذكرا لله تعالى فهو مراد هنا، والقرآن أعظم الذّكر، قال تعالى:\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩].\n٢ - ما حدّث به أبو سلّام الحبشيّ، قال: حدّثني من رأى النّبيّ ﷺ بال، ثمّ تلا شيئا من القرآن قبل أن يمسّ ماء (٢).\n٣ - حديث ابن عبّاس، ﵄، أنّ رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقرّب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء (٣)؟ قال:\n«إنّما أمرت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٧٠، ١٥٣، ٢٧٨) ومسلم (رقم: ٣٧٣) وأبو داود (رقم: ١٨) والتّرمذيّ (رقم: ٣٣٨٤) وابن ماجة (رقم: ٣٠٢) من طريق زكريّا بن أبي زائدة، عن خالد بن سلمة، عن البهيّ، عن عروة، عن عائشة، به.\nعلّقه البخاريّ في «الصّحيح» بصيغة الجزم في موضعين (١/ ١١٦، ٢٢٧)، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن غريب».\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٧) وأحمد بن منيع (كما في «المطالب العالية» رقم: ١٠٧) قالا: حدّثنا هشيم، أخبرنا داود بن عمرو، قال: حدّثنا أبو سلّام، به.\nقال الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢١٣): «حديث صحيح».\nقلت: إسناده حسن، داود بن عمرو شاميّ صدوق، كان عاملا على واسط، فلذا وقع حديثه لأهلها كهشيم وغيره، وأمّا إبهام الصّحابيّ فلا يضرّه.\n(٣) الوضوء- بفتح الواو-: الماء المتّخذ للوضوء- بضمّها-.","vol":"1","page":522},{"text":"بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة» (١).\nقوله: «إنّما» أداة قصر في اللّغة والأصول، فقصر الأمر الواجب على الوضوء عند القيام إلى الصّلاة، فدلّ على أنّ ما سوى الصّلاة لا يجب له الوضوء، وزعم بعضهم أنّ القصر هنا ليس حقيقيّا؛ لما ألجأه إليه القول بوجوب الوضوء للطّواف بالبيت ومسّ المصحف، وليس كذلك، فإنّه ثبت أنّ الطّواف بمنزلة الصّلاة، فيأخذ حكمها في الطّهارة، وأمّا مسّ المصحف فالوضوء له ليس بواجب على التّحقيق، على ما سيأتي ذكره (٢).\nوأمّا الآثار عن السّلف في استحباب الوضوء وعدم وجوبه، فكثيرة، عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس، وسلمان الفارسيّ، وأبي هريرة، ومن التّابعين عن عليّ بن الحسين زين العابدين، وسعيد بن جبير، ومحمّد بن سيرين، وإبراهيم النّخعيّ، وغيرهم (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٢٥٤٩، ٣٣٨١) وأبو داود (رقم: ٣٧٦٠) والتّرمذيّ في «الجامع» (رقم: ١٨٤٧) و«الشّمائل» (رقم: ١٧٦) والنّسائيّ (رقم:\n١٣٢) من طريق أيّوب السّختيانيّ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن».\n(٢) أجبت عن هذا في «الأجوبة المرضيّة عن الأسئلة النّجديّة» (ص: ٣٨ - ٣٩).\n(٣) سقت نصوصهم وبيّنت درجاتها في كتاب «حكم الطّهارة لغير الصّلوات».\nوكذلك جميع ما أذكره في مسألة الطّهارة لقراءة القرآن ومسّ المصحف، فتفصيله في الكتاب المذكور.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>المسألة الثّانية: الطّهارة من الحدث الأكبر:</span>\nوهو ما يوجب الغسل، كالجنابة، والحيض والنّفاس.\nمذهب جمهور العلماء حرمة قراءة القرآن للجنب والحائض، وأحسن ما استدلّوا به لذلك حديث يروى عن عليّ، ﵁، قال:\nكان رسول الله ﷺ يقضي حاجته، ثمّ يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللّحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة.\nوآخر يروى عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ، قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن».\nوهذان حديثان لا يصحّان عن النّبيّ ﷺ، والتّحريم لا يجوز القول به إلّا ببرهان صحيح بيّن.\nوذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز القراءة للجنب والحائض، إبقاء على الأصل في عدم ثبوت المانع، لكنّ بعضهم قصر الرّخصة على القليل من ذلك كالآية والآيتين، خاصّة للجنب.\nوكأنّ ذلك جاء من جهة أنّ النّبيّ ﷺ كره ذكر الله على غير وضوء، والجنابة أكبر من الحدث الّذي يوجب الوضوء، فحالها أولى بالكراهة، لكن هذا لا يبلغ التّحريم.\nوالّذي أراه الرّاجح في حقّ الجنب: كراهة قراءة القرآن له حتّى يتطهّر، فإذا قرأ ترك الأولى ولم يأثم.","vol":"1","page":524},{"text":"وصحّ عن عمر بن الخطّاب، ﵁، قال: «لا يقرأ الجنب القرآن»، وعن عليّ بن أبي طالب، ﵁، سئل عن الجنب: أيقرأ القرآن؟ قال: «لا، ولا حرفا» (١).\nفهذا وشبهه ممّا يحسن الانتهاء إليه ولا يجب؛ لأنّ الوجوب حكم الله ورسوله ﷺ، ولم يثبت هنا، وإنّما أقصى ما يفيده المنقول الثّابت عن النّبيّ ﷺ هو النّدب إلى ذلك.\nأمّا الحائض، فأمرها أيسر من الجنب؛ لأنّ حيضتها ليست في يدها، وهي تجلس الأيّام لا تصلّي انتهاء عند نهي الله ورسوله ﷺ، فلا يصلح أن تحجب فيها عن سائر الأعمال الصّالحة، دون أن يمنعها من ذلك الله ورسوله ﷺ، وحيث علمت عدم ثبوت مانع يمنعها من قراءة القرآن، فيبقى حالها على الأصل في الجواز.\nبل تأكّد لنا ذلك بأكثر من هذا الاستدلال، ومحلّ بيانه غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>المسألة الثّالثة: طهارة الموضع الّذي يقرأ فيه:</span>\nينبغي لقارئ القرآن أن لا يقرأ إلّا في محلّ طاهر، تعظيما للقرآن؛ فإنّه أعظم الذّكر، وقد ثبت من حديث عبد الله بن عمر، ﵄:\n_________\n(١) أمّا الرّواية عن عمر، فأخرجها ابن أبي شيبة (رقم: ١٠٨٠) بإسناد صحيح، والرّواية عن عليّ، أخرجها أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ١٩٧) بإسناد حسن، وأدرجها بعضهم في حديث مرفوع، وهو خطأ.","vol":"1","page":525},{"text":"أنّ رجلا مرّ برسول الله ﷺ وهو يهريق الماء (١)، فسلّم عليه الرّجل، فردّ عليه رسول الله ﷺ، ثمّ قال: «إذا رأيتني هكذا فلا تسلّم عليّ، فإنّك إن تفعل لا أردّ عليك السّلام» (٢).\nففي هذا دليل على كراهته ﷺ ردّ السّلام وهو يقضي حاجته، وإنّما الكراهة لكونه ذكرا لله تعالى، هذا مع أنّ ظاهر الحديث أنّه ردّ عليه تلك المرّة وهو لم يزل يقضي الحاجة، فدلّ على الجواز في الأصل، ولو كان حراما لم يردّ عليه أصلا. ثمّ علّمه ما ينبغي أن يكون عليه الأدب مستقبلا.\nفإن قيل: لكنّ هذا الحكم في حال الشّخص لا في شأن الموضع.\nقلنا: نعم، لكنّا نعلم أنّ السّبب عائد إلى الخبث والنّجس، وأنّ\nذكر الله لا يصلح في حال مواقعة ذلك، والخبث في موضع الخلاء دائم، فهو أولى بتنزيه ذكر الله أن يكون فيه.\nوفي قصّة بول الأعرابيّ في المسجد ما يؤكّد هذا المعنى:\n_________\n(١) أراد البول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (رقم: ٣٧) من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، والخطيب في «تاريخه» (٣/ ١٣٩) من طريق إبراهيم بن محمّد الفزاريّ، كلاهما عن أبي بكر\nبن عمر بن عبد الرّحمن، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به.\nقلت: إسناد ابن الجارود حسن، سعيد بن سلمة صدوق حسن الحديث، ومتابعته صالحة للاعتبار.\nوللحديث شاهد عن جابر بن عبد الله عند ابن ماجة (رقم: ٣٥٢) بإسناد صالح.","vol":"1","page":526},{"text":"فعن أنس بن مالك، ﵁، قال:\nبينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه، مه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزرموه (١)، دعوه» فتركوه حتّى بال، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنّما هي لذكر الله ﷿، والصّلاة، وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ، قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنّه عليه (٢).\nفدلّ هذا على أنّ ذكر الله ينبغي أن يتخيّر له الموضع الطّاهر.\nوجاء عن التّابعيّ الفاضل عامر الشّعبيّ: أنّه كره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: الرّحا، وبيت الخلاء، وبيت الحمّام (٣).\nوالمراد ب (الرّحا) الموضع الّذي يتّخذ لطحن الحبوب، لما ترتفع به\n_________\n(١) لا تزرموه: لا تقطعوا عليه بوله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ١٢٩٨٤) ومسلم (رقم: ٢٨٥) وأبو عوانة في «مستخرجه» (١/ ٢١٤) وابن خزيمة (رقم: ٢٩٣) والطّحاويّ في «شرح المعاني» (١/ ١٣) وابن حبّان (رقم: ١٤٠١) وأبو الشّيخ في «أخلاق النّبيّ ﷺ» (رقم: ١٥٢، ١٧٤) وأبو نعيم في «مستخرجه على مسلم» (رقم: ٦٥٤) والبيهقيّ في «الكبرى» (٢/ ٤١٢، ٤١٣) من طرق عن عكرمة بن عمّار، حدّثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدّثني أنس بن مالك، به.\nوقوله: (فشنّه عليه) أي صبّه صبّا متقطّعا.\n(٣) أخرجه ابن الضّريس في «الفضائل» (رقم: ٤١) بإسناد صالح.","vol":"1","page":527},{"text":"المطاحن من الأصوات الّتي لا تتهيّأ معها القراءة بالخشوع، والأصل في (الرّحا) آلة الطّحن، والمعنى في الخلاء والحمّام لأنّهما موضعا إزالة الأذى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>المسألة الرّابعة: السّواك لقراءة القرآن:</span>\nهو مستحبّ لأجل القرآن، لحديث جابر بن عبد الله، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا قام أحدكم يصلّي من اللّيل فليستك، فإنّ أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلّا دخل فم الملك» (١).\nفعلّل النّبيّ ﷺ الأمر بالسّواك بأنّه لأجل القرآن.\nوهذا الحديث أحسن شيء يروى في استحباب السّواك لذلك.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢١١٧) وتمّام الرّازيّ في «الفوائد» (رقم: ١٥٧ - الرّوض) من طريق عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، به.\nقلت: شريك ثقة في الأصل، لكن ساء حفظه بعد ولاية القضاء، وليس عثمان ممّن روى عنه قبل ذلك، لذا فالإسناد ليّن، لكنّه حسن بشاهده من حديث عليّ بن أبي طالب موقوفا لفظا مرفوعا حكما.\nأخرجه ابن المبارك في «الزّهد» (رقم: ١٢٢٤) والآجرّيّ في «أخلاق حملة القرآن» (ص: ٢٠٢) والبيهقيّ في «الكبرى» (١/ ٣٨) و«الشّعب» (رقم: ٢١١٦) والضّياء في «الأحاديث المختارة» (رقم: ٥٨٠) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>٢ - أحكام متفرّقة:</span>\nإذا ذهب من حفظه شيء فلا ينبغي له أن يقول: (نسيت آية كذا) وإنّما يقول: (نسّيت) أو (أنسيت) بصيغة البناء للمجهول.\nوذلك لقوله ﷺ: «بئس ما لأحدكم أن يقول (وفي لفظ: لا يقل أحدكم): نسيت آية كيت وكيت، بل نسّى» (١).\nقال ابن الأثير: «كره نسبة النّسيان إلى النّفس لمعنيين، أحدهما:\nأنّ الله تعالى هو الّذي أنساه إيّاه؛ لأنّه المقدّر للأشياء كلّها، والثّاني:\nأنّ أصل النّسيان التّرك، فكره له أن يقول: تركت القرآن، أو قصدت إلى نسيانه؛ ولأنّ ذلك لم يكن باختياره» (٢).\nويحتمل الحديث أن يكون النّهي خاصّا بزمن النّبيّ ﷺ؛ وذلك لأنّ الله تعالى كان ينسخ الآية أو الآيات فتذهب من صدور النّاس، ولكن لاحتمال أن يراد\nبذلك أحد المعنيين السّابقين فينبغي لقارئ القرآن أن يحافظ على هذا الأدب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>أن يتوقّى استعمال آيات الكتاب للشّيء يعرض من أمر الدّنيا</span>.\nقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام: «وهذا كالرّجل يريد لقاء صاحبه\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٤٧٤٤، ٤٧٤٥، ٤٧٥٢) ومسلم (رقم: ٧٩٠) واللّفظ الثّاني له.\n(٢) النّهاية في غريب الحديث (٥/ ٥٠).","vol":"1","page":529},{"text":"أو يهمّ بالحاجة فتأتيه من غير طلب، فيقول كالمازح: (جئت على قدر يا موسى) وهذا من الاستخفاف بالقرآن» (١).\nويحكي التّابعيّ الفقيه إبراهيم النّخعيّ هدي السّلف في ذلك، فيقول: «كانوا يكرهون أن يتلو الآية عند الشّيء يعرض من أمر الدّنيا» (٢).\nقلت: ومن قبيح ما يجري في استعمال بعض النّاس من ذلك أن يكتب عند مدخل مدينة: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ٤٦ [الحجر: ٤٦]، وعلى باب دكّان: لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ* [الفرقان: ١٦]، وما يستطرف به بعضهم كقوله: وَلَدَيْنا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، وشبه ذلك.\nوليس من هذا ما يقتبس من القرآن من الجمل الجوامع في حكاية حال أو وصف أمر يراد بذلك تقريبه للسّامع، كقول القائل وهو يصف حالا صعبة شديدة: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ٥٨ [النّجم: ٥٨]، فكثير من الجمل القرآنيّة جرى استعمالها عند النّاس بمنزلة الأمثال، فمثل هذا سائغ لا حرج فيه.\n_________\n(١) فضائل القرآن (ص: ١٢٣).\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠١٠٦) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ١٢٣) وسعيد بن منصور (رقم: ٩٢) والحكيم في «النّوادر» (رقم: ٨٧٦ - تنقيح) من طريق مغيرة الضّبّيّ، عن إبراهيم، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>ما يسمّى ب (التّنكيس) في القراءة وارد على معنيين:</span>\nالأوّل: قراءة السّورة معكوسة، وقد يفعل للإبانة عن تمكّن الحفظ، فيبدأ من آخر السّورة إلى أوّلها بعكس الآيات.\nوهذا الفعل مذموم قبيح، وعليه يتنزّل الذّمّ الوارد عن بعض السّلف في التّنكيس في التّلاوة.\nفعن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: قيل لعبد الله بن مسعود: إنّ فلانا يقرأ القرآن منكوسا، فقال عبد الله: «ذاك منكوس القلب» (١).\nوقبح هذا من جهة أنّ ترتيب السّورة توقيفيّ، كما بيّنّاه قبل؛ فلذا يجب التّرتيب في تلاوة الآيات كما هي في السّورة.\nقال ابن مفلح المقدسيّ: «وعند شيخنا- يعني ابن تيميّة- ترتيب الآيات واجب؛ لأنّ ترتيبها بالنّصّ» (٢).\nوالثّاني: التّنكيس في السّور، كأن يقرأ (النّاس) ثمّ (الفلق).\nفهذا جائز لا يتناوله ذمّ، إلّا فيما بين الفاتحة وغيرها في الصّلاة؛ لأنّه\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٢٩٨) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: ١١٩) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٣١٢، ٢٣١٣) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، به. وإسناده صحيح.\n(٢) الفروع (١/ ٤٢١)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢١٤)، «التّبيان» للنّوويّ (ص: ٥٠).","vol":"1","page":531},{"text":"خلاف السّنّة؛ والسّبب في أنّ التّرتيب في القراءة ليس بواجب، يعود إلى كون ترتيب السّور في المصحف إنّما وقع باجتهاد الصّحابة، لكن نبّه بعض العلماء على استحباب ترتيبها على ما هي عليه في المصحف، ولم يوجب ذلك أحد، إنّما ذهب بعضهم إلى كراهة التّنكيس فيها (١).\nينبغي لصاحب القرآن أن لا يقول: (سورة صغيرة)، إنّما\nيقول: (سورة قصيرة)، ولا يقول: (سورة خفيفة)، إنّما يقول: (سورة يسيرة)؛ تعظيما للقرآن.\nفقد كان السّلف يقولون: (قصار السّور).\nوعن عاصم بن سليمان الأحول، قال: قال خالد الحذّاء لابن سيرين: سورة خفيفة، فقال ابن سيرين: «من أين\n_________\n(١) البيان والتّحصيل، لابن رشد (١/ ٢٤١)، التّبيان، للنّوويّ (ص: ٤٩)، فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٤٠)، الفواكه الدّواني، للنّفراويّ (١/ ١٨٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٧٥)، الفروع (١/ ٤٢١)، شرح المنتهى، للبهوتيّ (١/ ١٨١).\nوالقول بالجواز والكراهة روايتان عن أحمد، وانظر: «التّمام» لابن أبي يعلى (١/ ١٦٠)، والمحقّقون من الحنابلة على الجواز، كما يفيده ما في «الفروع» (١/ ٤٢١).\nتنبيه: أمّا التّنكيس في الكلمات فهذا إن وقع بقصد؛ فهو من اللّعب بآيات الله واتّخاذها هزوا، وحرمته ممّا لا يجوز التّردّد فيه، ونصّ على التّحريم الحنابلة، ذكره ابن مفلح وغيره، ولم يقل بالحلّ أحد.","vol":"1","page":532},{"text":"تكون خفيفة والله تعالى يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ٥\n[المزّمّل: ٥]؟ ولكن قل: يسيرة، فإنّ الله تعالى يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧* [القمر: ١٧]» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>قراءة البسملة أثناء السّورة:</span>\nإذا ابتدأ قراءته أثناء السّورة لا من أوّلها، فالأصحّ من مذاهب العلماء أن لا يقرأ البسملة، وإنّما المشروع عند القراءة الاستعاذة.\nقال ابن مفلح: «وتكره البسملة أوّل بدئه، والفصل بها بين أبعاض السّور، ويحرم إن اعتقده قربة» (٢).\nوكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: «اقرأ ما في المصحف» (٣).\nوهذا يدلّ على أن يقرأ الإنسان البسملة في موضعها حيث يوافقها في المصحف.\nوالقرّاء جوّزوا ذلك، والظّاهر أنّه باجتهاد ممّن قاله وليس رواية.\nقال الدّانيّ: «فأمّا الابتداء برءوس الأجزاء الّتي في بعض السّور، فأصحابنا يخيّرون القارئ بين التّسمية وتركها في مذهب الجميع» (٤).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد (ص: ١٢٤ - ١٢٥) بإسناد صحيح.\n(٢) الفروع (١/ ٤٢١).\n(٣) مسائل أحمد، رواية أبي داود (ص: ٢٨٦).\n(٤) التّيسير (ص: ١٨)، وانظر: «النّشر» لابن الجزريّ (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>الجمع في التّلاوة الواحدة بين قراءتين فأكثر من البدع المتأخّرة</span>.\nتقدّم أن بيّنّا أنّ اختلاف القرّاء يرجع إلى نزول القرآن على سبعة أحرف تيسيرا على الأمّة في أخذه، لكنّه لم يردنا أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ يجمع لأصحابه الحرفين أو الأكثر في تلاوة واحدة في مجلس واحد؛ ولهذا كان الرّجل من الصّحابة يسمع صحابيّا آخر يقرأ على غير حرفه فيستغرب ذلك، حتّى يعودا إلى النّبيّ ﷺ فيبيّن لهما أنّه أنزل على الحرفين.\nمن أجل ذلك صرّح بعض أهل العلم بكون هذا من البدع (١).\nكما كرهه بعض العلماء، وقالوا: يستمرّ في تلاوته على الحرف الّذي بدأ عليه (٢).\nبل حتّى للتّعلّم وتلقّي القراءة عن الشّيخ، فإنّ القرّاء في الصّدر الأوّل كانوا يقرءون على الشّيخ الواحد العدّة من الرّوايات، والكثير من الختمات، كلّ ختمة برواية، لا يجمعون رواية إلى غيرها.\nوذكره ابن الجزريّ عن جماعة، وقال: «وهذا الّذي كان عليه الصّدر الأوّل ومن بعدهم إلى أثناء المائة السّادسة ... فمن ذلك الوقت\nظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستمرّ إلى زماننا، وكان بعض الأئمّة يكره\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «وأمّا جمعها في الصّلاة أو في التّلاوة فهو بدعة مكروهة» (مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢١٨).\n(٢) انظر: فتاوى ابن الصّلاح (١/ ٢٣٠ - ٢٣١)، التّبيان، للنّوويّ (ص: ٤٩).","vol":"1","page":534},{"text":"ذلك من حيث إنّه لم تكن عادة السّلف عليه، ولكنّ الّذي استقرّ عليه العمل هو الأخذ به والتّقرير عليه وتلقّيه بالقبول» (١).\nوالتّحقيق جواز فعل ذلك لأجل التّعليم وعرض القراءة على الشّيخ، على ما جرى عليه صنيع المتأخّرين، وعليه يحمل تسهّلهم الّذي حكاه ابن الجزريّ، إذ هذا مقام يتّسع فيه الاجتهاد، بخلاف مجرّد التّلاوة، فإنّما يقصد بها في الأصل التّعبّد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>القراءة بالقراءات الشّاذّة من المنكرات:</span>\nقال النّوويّ: «نقل الإمام أبو عمر بن عبد البرّ الحافظ إجماع المسلمين على أنّه لا تجوز القراءة بالشّاذّ، وأنّه لا يصلّى خلف من يقرأ بها، قال العلماء: من قرأ بالشّاذّ إن كان جاهلا به أو بتحريمه عرّف بذلك، فإن عاد إليه أو كان عالما به عزّر تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك، ويجب على كلّ متمكّن من الإنكار عليه ومنعه الإنكار والمنع» (٣).\nوقد عرف في تاريخ القرّاء ما جرى لأبي الحسن محمّد بن أحمد بن أيّوب المعروف ب (ابن شنبوذ)، وكان من كبار القرّاء في العراق، أنّه كان يقرأ في\n_________\n(١) النّشر (٢/ ١٩٥).\n(٢) قال ابن تيميّة: «وأمّا جمعها لأجل الحفظ والدّرس فهو من الاجتهاد الّذي فعله طوائف في القراءة» (مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢١٨).\n(٣) التّبيان (ص: ٤٨ - ٤٩).","vol":"1","page":535},{"text":"المحراب بحروف تخالف المصحف، ممّا\nيعزى إلى مصحف أبيّ بن كعب وابن مسعود، فنهي عن ذلك، واستتيب، فتاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>سجود التّلاوة:</span>\nهذا باب جليل ينبغي لصاحب القرآن أن يعتني بمعرفته، وهو السّجود عند تلاوة آيات مخصوصة، كان التّالي في صلاة أو خارجها.\nوتفصيل ذلك لا يحتمله هذا المقام، وقد استوعبته قدر طاقتي في كتابي «تحرير البيان في سجود القرآن»، وأكتفي هنا بذكر جمل يستفاد تفصيلها من هناك:\nالمواضع الّتي يشرع عند تلاوتها السّجود أربعة عشر، كلّها عزائم، وهي: الآية (٢٠٦) من الأعراف، و(١٥) من الرّعد، و(٤٩ - ٥٠) من النّحل عند الفراغ من الآية الثّانية، و(١٠٧ - ١٠٩) من الإسراء، و(٥٨) من مريم، و(١٨) و(٧٧) من سورة الحجّ، وهي السّورة الّتي فضّلت بسجدتين، و(٦٠) من الفرقان، و(٢٥ - ٢٦) من النّمل، عند الفراغ من الثّانية، و(١٥) من السّجدة، و(٣٧ - ٣٨) من فصّلت، عند الآية الثّانية، و(٦٢) من النّجم، و(٢١) من الانشقاق، و(١٩) من العلق.\n_________\n(١) انظر ذلك في ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب (١/ ٢٨٠)، «المنتظم» لابن الجوزيّ (١٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣)، «معرفة القرّاء» للذّهبيّ (١/ ٢٧٧ - ٢٧٩).","vol":"1","page":536},{"text":"يسجد القارئ والمستمع عند الفراغ من تلاوة الآيات المشار إليها.\nأمّا السّجود في الآية (٢٤) من سورة (ص) فسنّة، لكنّه ليس لأجل التّلاوة، إنّما هي سجدة توبة، فلا يفعل في الصّلاة.\nوحكم السّجود للتّلاوة أنّه سنّة وليس بواجب، خلافا للحنفيّة، ولو سجد المستمع ولم يسجد القارئ فلا بأس، ولا تشترط له شرائط الصّلاة على التّحقيق، ولا نصّ على إلحاقه بها، والقياس في العبادات ممتنع، ولم يشترط له النّبيّ ﷺ ما يشترط للصّلاة من طهارة واستقبال قبلة وستر عورة، ودعوى الاتّفاق على اشتراط ذلك لسجود التّلاوة منتقضة.\nوممّا جاء في فضله:\nحديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد اعتزل الشّيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسّجود فسجد فله الجنّة، وأمرت بالسّجود فأبيت فلي النّار» (١).\nوحديث معدان بن أبي طلحة، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنّة، أو قال: قلت: بأحبّ الأعمال إلى الله، فسكت، ثمّ سألته فسكت، ثمّ سألته الثّالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «عليك بكثرة السّجود لله، فإنّك لا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم وغيره، تفصيل تخريجه في «تحرير البيان» (رقم: ٢٠١).","vol":"1","page":537},{"text":"تسجد لله سجدة إلّا رفعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة».\nقال معدان: ثمّ لقيت أبا الدّرداء، فسألته؟ فقال لي مثل ما قال لي ثوبان (١).\nفقوله ﷺ: «سجدة» لفظ نكرة في سياق النّفي، مفاده العموم، فيستغرق كلّ أنواع السّجود.\nأمّا ما يقول السّاجد للتّلاوة في سجوده من الذّكر فإنّ أثبت شيء فيه ما دلّت عليه عمومات الأحاديث: (سبحان ربّي الأعلى)، فهذا يقال في كلّ سجود، في صلاة أو غيرها، كما يجوز فيه الدّعاء، لما صحّ من كون حال السّجود من مظانّ الإجابة.\nلا بأس أن يقرأ الإنسان القرآن على أيّ حال كان عليه: قائما وقاعدا ومستلقيا، راكبا وماشيا، كاسيا وعاريا، حيث لم يرد ما يمنع ذلك.\nوالقرآن أعظم الذّكر، وقد قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦، ٢٨٠) ومسلم (رقم: ٤٨٨) والتّرمذيّ (رقم: ٣٨٨، ٣٨٩) والنّسائيّ (رقم: ١١٣٩) وابن ماجة (رقم: ١٤٢٣) من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعيّ قال: حدّثني الوليد بن هشام المعيطيّ، حدّثني معدان، به. وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":538},{"text":"اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].\nكذلك يتلو التّالي دون اعتبار التّوجّه إلى جهة مخصوصة، فليس من سنّة التّلاوة أن تستقبل القبلة، ولا من محذورها أن تستدبر، والشّريعة لم تأت بخصوص ذلك بأمر ولا نهي، فهو على الإباحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>الاجتماع لقراءة القرآن:</span>\nاجتماع القوم يتلون القرآن جماعة، أو يتلو الواحد منهم ويستمع الحاضرون، مشروع محبوب إلى الله تعالى ورسوله ﷺ، دلّت عليه نصوص عديدة، منها:\nحديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله: يتلون كتاب الله،\nويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١).\nفهذا ظاهر كالنّصّ في التّرغيب في الاجتماع للقرآن، وأن يكون ذلك على سبيل الجهر، إذ لا يتمّ الاشتراك في التّلاوة مع الإخفات.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: ٧٤٢٧) ومسلم (رقم: ٢٦٩٩) وأبو داود (رقم: ١٤٥٥) والتّرمذيّ (رقم: ٢٩٤٥) وابن ماجة (رقم: ٢٢٥) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به.","vol":"1","page":539},{"text":"ومن جهة أخرى فإنّ إطلاق الحديث دلّ على تسويغ كلّ صورة تتمّ عليها القراءة: سواء كانت من جميعهم بصوت واحد، أو يقرأ شخص ويستمع الحاضرون، أو يتابعونه في التّلاوة بصوت واحد أو متفرّقين.\nوالعجب من طائفة قصدت إلى إنكار المحدثات، وذلك منها خير وعمل محمود، لكنّها بالغت فيه حتّى أنكرت المشروعات، فأنكرت بعض مقتضى هذا الحديث من الاجتماع على ذكر الله وتلاوة القرآن، ففوّتوا على أنفسهم وغيرهم ممّن يتّبعهم خيرا عظيما.\nوقد ذكر النّوويّ عن الإمام مالك أنّه قيل له: أرأيت القوم يجتمعون فيقرءون جميعا سورة واحدة حتّى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا تصنع النّاس، إنّما كان يقرأ الرّجل على الآخر، يعرضه.\nثمّ قال النّوويّ: «هذا الإنكار مخالف لما عليه السّلف والخلف ولما يقتضيه الدّليل، فهو متروك» (١).\nأقول: يحتمل جدّا أن يكون مالك، ﵀، إنّما أنكر تلقّي القرآن عن الشّيوخ بهذا الطّريق فيعتمد عليه الشّخص في رواية القراءة، كما يشعر به قوله «يعرضه»، ولم يرد اجتماع النّاس للتّلاوة (٢).\n_________\n(١) التّبيان (ص: ٥٢).\n(٢) وانظر: «البيان والتّحصيل» لابن رشد (١٨/ ٣٤٩ - ٣٥٠).","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>تكبير الختم:</span>\nالمراد به أن يقول القارئ: (الله أكبر) عقب كلّ سورة من قصار المفصّل، ابتداء بسورة الضّحى إلى أن يختم القرآن.\nوهذا التّكبير روي فيه حديث لا يصحّ عن النّبيّ ﷺ (١)، وهو معروف\n_________\n(١) رواه أحمد بن محمّد بن القاسم بن أبي بزّة البزّيّ، قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، فلمّا بلغت وَالضُّحى ١ قال: كبّر عند خاتمة كلّ سورة، فإنّي قرأت على عبد الله بن كثير، فلمّا بلغت وَالضُّحى ١ قال: كبّر حتى تختم، وأخبره ابن كثير أنّه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنّ ابن عبّاس أمره بذلك، وأخبره ابن عبّاس أنّ أبيّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبيّ أنّ النّبيّ ﷺ أمره بذلك.\nأخرجه الحاكم (رقم: ٥٣٢٥) وأبو عمرو الدّانيّ في «التّيسير» (ص: ٢٢٧) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٧٧، ٢٠٧٩، ٢٠٨٠، ٢٠٨١) والذّهبيّ في «معرفة القرّاء» (١/ ١٧٥ - ١٧٦، ١٧٧) و«ميزان الاعتدال» (١/ ١٤٤ - ١٤٥) وابن الجزريّ في «النّشر» (٢/ ٤١٢، ٤١٣، ٤١٤) من طرق عن البزّيّ، به.\nقلت: تفرّد به البزّيّ، قال الحافظ أبو العلاء الهمدانيّ: «لم يرفع التّكبير إلّا البزّيّ، فإنّ الرّوايات قد تظافرت عنه برفعه إلى النّبيّ ﷺ» قال: «ورواه النّاس فوقفوه على ابن عبّاس ومجاهد» (النّشر: ٢/ ٤١٣ - ٤١٤).\nقال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد»، فتعقّبه الذّهبيّ في «التّلخيص» بقوله:\n«البزّيّ قد تكلّم فيه».\nوقال في «الميزان»: «هذا حديث غريب، وهو ممّا أنكر على البزّيّ»، وقال في «السّير» (١٢/ ٥١): «صحّح له الحاكم حديث التّكبير، وهو منكر».\nقلت: البزّيّ إمام في القراءة، لكنّه ضعيف في الحديث، فكأنّه اشتبه عليه أمر هذا =","vol":"1","page":541},{"text":"عند القرّاء في قراءة عبد الله بن كثير أحد الأئمّة السّبعة، وكذلك عن غيره أنّهم كانوا يفعلونه.\nقال أبو عمرو الدّانيّ: «كان ابن كثير من طريق القوّاس والبزّيّ (١) وغيرهما يكبّر في الصّلاة والعرض (٢)، من آخر سورة وَالضُّحى ١، مع فراغه من كلّ سورة إلى آخر قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١، فإذا كبّر في (النّاس) قرأ فاتحة الكتاب وخمس آيات من أوّل سورة البقرة على عدد الكوفيّين، إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* (٣)، ثمّ دعا بدعاء الختمة» (٤).\n_________\n= الحديث، فوقع إليه من طريق ابن كثير موقوفا أو مقطوعا، فرفعه إلى النّبيّ ﷺ، ومن لم يكن الحديث صنعته فهذا وارد عليه، وإن كان ذكيّا في غيره.\nوممّا يقتضي التّنبيه أنّه وقع في بعض الطّرق عن البزّيّ قال: حدّثت محمّد بن إدريس الشّافعيّ، فقال لي: «إن تركت التّكبير فقد تركت سنّة من سنن نبيّك».\nونقل ابن الجزريّ عن ابن كثير المفسّر قوله: «هذا يقتضي تصحيحه لهذا الحديث» (النّشر: ٢/ ٤١٥).\nقلت: في ثبوت هذا عن الشّافعيّ الإمام نظر، فإنّ في طريق الرّواية إليه رجلا مكّيّا يقال له (موسى بن هارون) لا يعرف، ووقع في بعض الطّرق: (الشّافعيّ) بالنّسبة فقط دون ذكر الاسم، وفي رواية: (إبراهيم بن محمّد الشّافعيّ)، وإبراهيم هذا هو ابن عمّ الإمام. والمقصود أن تعلم أنّ الّذي قاله ابن كثير لا يفيد في قبول الحديث.\n(١) القوّاس هو: أبو الحسن أحمد بن محمّد بن علقمة المكّيّ، من حملة قراءة ابن كثير المعتمدين. والبزّيّ هو المذكور في التّعليق السّابق، من الضّابطين لقراءة ابن كثير.\n(٢) أراد في حال عرض القراءة عليه من قبل الطّلبة.\n(٣) هذا المذهب يستلزم عدّ البسملة آية منها.\n(٤) النّشر، لابن الجزريّ (٢/ ٤١١).","vol":"1","page":542},{"text":"وقال ابن الجزريّ: «صحّ عند أهل مكّة قرّائهم وعلمائهم وأئمّتهم ومن روي عنهم، صحّة استفاضت واشتهرت وذاعت وانتشرت حتّى بلغت حدّ التّواتر، وصحّت أيضا عن أبي عمرو من رواية السّوسيّ (١)، وعن أبي جعفر من رواية العمريّ (٢)» (٣).\nوالمقصود بيان أنّ هذا التّكبير ليس من البدع، لكن ينبغي أن لا يفعله القارئ إلّا أن يكون منقولا له في الرّواية الّتي يقرأ بها، كقراءة ابن كثير.\nوهذا إن وقع وكان سائغا لأحد في زماننا فهو لقارئ مختصّ؛ لأنّ العامّة اليوم إنّما يقرأ أكثرهم برواية حفص عن عاصم، وأهل المغرب الإسلاميّ يقرءون بقراءة نافع من روايتي ورش وقالون، وهؤلاء لم ينقل تكبير الختم في قراءتهم، فعليه فلا ينبغي العمل به.\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة عن جماعة اجتمعوا في ختمة وهم يقرءون لعاصم وأبي عمرو، فإذا وصلوا إلى سورة (الضّحى) لم يهلّلوا ولم يكبّروا إلى آخر الختمة، ففعلهم ذلك هو الأفضل أم لا؟\nفأجاب: «نعم، إذا قرءوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو\n_________\n(١) السّوسيّ: هو أبو شعيب صالح بن زياد أحد الثّقات من رواة قراءة أبي عمرو بن العلاء أحد الأئمّة السّبعة.\n(٢) العمريّ هذا هو الزّبير بن محمّد، أحد الثّقات راوي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع أحد الأئمّة القرّاء العشرة.\n(٣) النّشر (٢/ ٤١٠).","vol":"1","page":543},{"text":"الأفضل، بل المشروع المسنون، فإنّ هؤلاء الأئمّة من القرّاء لم يكونوا يكبّرون لا في أوائل السّور ولا في أواخرها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>دعاء الختم:</span>\nلا يثبت فيه عن النّبيّ ﷺ صيغة ولا فضيلة ولا شيء (٢)، وإنّما ثبت فيه من الأثر:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٢٦).\nونفيه التّكبير عن قراءة أبي عمرو مع ما تقدّم ذكره عن السّوسيّ، وجهه: المشهور المعروف من قراءة أبي عمرو، والّذي ذكره ابن الجزريّ زيادة علم وفائدة.\n(٢) أخرج البيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٨٢) - ومن طريقه: ابن الجزريّ في «النّشر» (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥) - من طريق عمرو بن شمر (تحرّف إلى: سمرة)، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر، قال: كان عليّ بن حسين يذكر عن النّبيّ ﷺ أنّه كان إذا ختم القرآن حمد الله بمحامد ... فساق حديثا طويلا.\nوقال البيهقيّ قبل إيراد هذا الحديث: «وقد روي عن النّبيّ ﷺ في دعاء الختم حديث منقطع بإسناد ضعيف، وقد تساهل أهل الحديث في قبول ما ورد من الدّعوات وفضائل الأعمال متى ما لم يكن من رواته من يعرف بوضع الحديث أو الكذب في الرّواية».\nقلت: وليس الأمر كما قال غفر الله له، فإنّ عمرو بن شمر كذّاب معروف، وجابر الجعفيّ متّهم بالكذب.\nوفي الباب خبر واه من حديث أبي هريرة، وثان معضل، ذكرهما ابن الجزريّ في «النّشر» (٢/ ٤٦٤).","vol":"1","page":544},{"text":"فعن أنس بن مالك، ﵁، أنّه كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم (١).\nوالعمل به منقول عن جماعة من السّلف، منهم: مجاهد بن جبر، وعبدة بن أبي لبابة، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل (٢).\nوذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى حسنه، واختار العمل به.\nقال حنبل بن إسحاق: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: «إذا فرغت\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه سعيد بن منصور (رقم: ٢٧ - فضائل القرآن) والدّارميّ (رقم: ٣٣٤٨) والفريابيّ في «الفضائل» (رقم: ٨٣، ٨٤) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٦٧٤) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٠٧٠) من طريقين عن ثابت، عن أنس، به. وإسناده صحيح.\nتابع ثابتا: قتادة عن أنس، بنحوه.\nأخرجه ابن المبارك في «الزّهد» (رقم: ٨٠٩) وابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٢٩) - وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ١٠٩) وابن الضّريس (رقم: ٨٤) والفريابيّ (رقم: ٨٥، ٨٦) من طريقين عن قتادة. وإسناده صحيح.\nقال البيهقيّ: «هذا هو الصّحيح موقوف، وقد روي من وجه آخر عن قتادة عن أنس مرفوعا، وليس بشيء» ثمّ أسنده (رقم: ٢٠٧١) ثمّ قال: «رفعه وهم، وفي إسناده مجاهيل، والصّحيح رواية ابن المبارك عن مسعر موقوفا على أنس بن مالك».\n(٢) أخرج ذلك عنهم: ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٣١) وأبو عبيد (ص: ١٠٧) وابن الضّريس (رقم: ٤٩، ٨١، ٨٦) والفريابيّ (رقم: ٨٨ - ٩٢) وهو صحيح.\nوأخرج ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٠٣٣) والفريابيّ (رقم: ٨٧) بإسناد صحيح عن مجاهد قال: «الرّحمة تنزل عند ختم القرآن»","vol":"1","page":545},{"text":"من قراءتك قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ فارفع يديك في الدّعاء قبل الرّكوع»، قلت: إلى أيّ شيء تذهب في هذا؟ قال: «رأيت أهل مكّة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكّة».\nقال عبّاس بن عبد العظيم: «وكذلك أدركت النّاس بالبصرة وبمكّة، وروى أهل المدينة في هذا أشياء، وذكر عن عثمان ﵁».\nوقال الفضل بن زياد: «سألت أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، فقلت: أختم القرآن، أجعله في التّراويح أو في الوتر؟ قال: اجعله في التّراويح، يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في\nالصّلاة، وأطل القيام، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال: فقلت كما أمرني وهو خلفي، يدعو قائما، ويرفع يديه» (١).\nوقال أبو داود السّجستانيّ: «فلمّا فرغ- يعني الإمام- من قراءة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ رفع الإمام يديه في الصّلاة ورفع النّاس، وأحمد معنا، فقام ساعة يدعو، ثمّ ركع» (٢).\nفحاصل هذا: أنّ الدّعاء عند ختم القرآن فعل سلفيّ قديم، لا يوصف فاعله بالإحداث؛ للمأثور الّذي ذكرت عن أنس وغيره.\n_________\n(١) النّشر، لابن الجزريّ (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، ونقل أبو داود في «المسائل» (ص: ٦٤) عن أحمد نحو الّذي حكاه حنبل عن أهل مكّة وسفيان.\n(٢) مسائل الإمام أحمد بن حنبل- رواية أبي داود (ص: ٦٣ - ٦٤).","vol":"1","page":546},{"text":"لكنّه ليس بسنّة، وإنّما يقال فيه: هو حسن جائز، وحسنه من جهة أنّ قراءة الختمة عمل صالح كثير الثّواب على التّلاوة، ومن أسباب إجابة الدّعاء أن يقدّم الإنسان بين يدي دعائه عملا صالحا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>ختم التّلاوة بالتّصديق ممّا جرت به عادة القرّاء، وليس بسنّة:</span>\nقول التّالي عند ختم التّلاوة: (صدق الله العظيم) لم يرد فيه حديث ولا أثر، وأصل ذلك في أقدم ما رأيت ما ذكره الحكيم التّرمذيّ الصّوفيّ من علماء المائة الثّالثة، فإنّه قال في جملة أشياء من الأدب مع القرآن: «وإذا انتهت قراءته أن يصدّق ربّه، ويشهد بالبلاغ للرّسل صلوات الله عليهم، ويشهد على ذلك أنّه حقّ، فيقول: صدقت ربّنا، وبلّغت رسلك، ونحن على ذلك من الشّاهدين، اللهمّ اجعلنا من شهداء الحقّ، القائمين بالقسط، ثمّ يدعو بدعواته» (١)، ثمّ رأيت جماعة\nتابعوه على ذكره، منهم الحليميّ صاحب «شعب الإيمان» (٢) وعلى أثره البيهقيّ (٣)، وممّن بعدهم أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر (٤).\nوأمّا الصّيغة المستعملة عند القرّاء اليوم (صدق الله العظيم)، فأصلها\n_________\n(١) نوادر الأصول، للحكيم (ص: ٣٣٣ - الطّبعة المختصرة).\n(٢) ذكر ذلك في «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ٢١٠).\n(٣) في كتابه «شعب الإيمان» (٢/ ٣١٩) نقلا عن الحليميّ.\n(٤) في «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٢٧ - ٢٨) والتّذكار (ص: ١٢٦).","vol":"1","page":547},{"text":"في سنّة النّبيّ ﷺ في غير ما خبر، من ذلك:\nحديث بريدة بن الحصيب، ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فأقبل الحسن والحسين، ﵄، عليهما قميصان أحمران، يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر، ثمّ قال: «صدق الله إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ* [التّغابن: ١٥]، رأيت هذين فلم أصبر» ثمّ أخذ في الخطبة (١).\nأقول: ولا يدلّ هذا الحديث وشبهه على استحسان صنيع القرّاء فيما يفعلونه عقب كلّ تلاوة، فإنّهم جعلوه كالسّنّة الثّابتة بمنزلة الاستعاذة المأمور بها عند الابتداء، وهذا غلط على الشّرع، صيّر العامّة يظنّون ذلك كالجزء الّذي لا بدّ منه لختم التّلاوة.\nلكن في الحديث دلالة على حسن ذلك لو وقع أحيانا، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ، وحيث لم يرد عنه جعله من سنّة التّلاوة،\nفالواجب الوقوف عند ذلك، فإنّه كان أشدّ الأمّة تعظيما لكلام ربّه تعالى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٤) وأبو داود (رقم: ١١٠٩) والتّرمذيّ (رقم: ٣٧٧٤) والنّسائيّ (رقم: ١٤١٣، ١٥٨٥) وابن ماجة (رقم: ٣٦٠٠) من طرق عن الحسين بن واقد، قال: حدّثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به.\nقلت: وإسناده صحيح، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن غريب».","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>استماع القرآن:</span>\nمستمع القرآن يشارك القارئ في وجوب إخلاص النيّة، والتّدبّر، والتّخلّق بأخلاق القرآن، والحذر من القول فيه بغير علم، ومن المراء فيه، كما يشاركه في الخشوع عند استماعه، وإجابة الآية، والسّجود عند استماعه آية السّجدة، وغير ذلك من الآداب والأحكام الّتي تدرك ممّا تقدّم.\nويختصّ بوجوب الإنصات، لقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف: ٢٠٤].\nوممّا يحسن التّنبيه عليه أنّ النّاس اليوم يستمعون القرآن عن طريق الوسائل السّمعيّة بصوت قارئ مسجّل، فهل لذلك حكم استماعه من القارئ بحضرته؟\nالجواب: نعم؛ لأنّ العبرة بالقراءة، وهي حاصلة، فعليه فإنّه يجب الإنصات لها، كما يسجد للتّلاوة إذا استمع آية السّجدة.\nوأمّا الأجر فيه فقد ثبت عن عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال: «من استمع آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة» (١).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٦٠١٢) - ومن طريقه: الدّارميّ (رقم:\n٣٢٤٤) - قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، وابن جريج عن عطاء متّصل، وهذا عطاء بن أبي رباح، والخبر لا يقال مثله من قبل الرّأي.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>المبحث الثالث: أحكام تتعلق بالمصاحف</span>\nتعظيم المصحف شعبة من الإيمان، ذلك لما فيه من كلام الله ربّ العالمين ﵎، وقد ترتّب على هذا التّعظيم أحكام ومسائل كثيرة، كردّة المستهين به، وانعقاد اليمين بالحلف به، وغير ذلك.\nوقصدت في هذا المبحث ذكر طرف من تلك الأحكام، وهو ما تمسّ حاجة التّالي إلى معرفته، فإليك ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>١ - مسّ المصحف مع الحدث:</span>\nتقدّم في أدب القارئ بيان جواز قراءته للقرآن مع الحدث، أصغر كان أو أكبر، ومثله القول في مسّ المصحف، مع الحثّ على الطّهارة استحبابا.\nوالوجه في الجواز: أنّه الأصل، ولم يثبت ما ينقله عن ذلك.\nوتقدّم في المبحث السّابق حديث ابن عبّاس، ﵄، أنّ رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقرّب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنّما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة».\nوفيه دليل على أنّ مسّ المصحف لم يؤمر بالوضوء له.\nوأكبر ما تعلّق به من منع المحدث من مسّ المصحف آية وحديث، فأمّا الآية فقوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، فقالوا: دلّت الآية على حرمة مسّ المصحف لمن لم يكن على طهارة.","vol":"1","page":550},{"text":"وهذا التّفسير خطأ في اللّغة، فإنّ فاعل الطّهارة لا يسمّى (مطهّرا) وإنّما يقال فيه: (مطّهّر) و(متطهّر) بصيغة اسم الفاعل، فهذا دليل على أنّ المعنى في ذلك لا يعود إلى المكلّف، ولذا قال من قال من السّلف: الْمُطَهَّرُونَ الملائكة، وهذا التّفسير هو المناسب لعود الضّمير في قوله: يَمَسُّهُ فإنّه في أصل اللّغة إنّما يعود إلى أقرب مذكور في السّياق، وهو هنا الكتاب المكنون، وهو عند الله تعالى في السّماء، كما قال سبحانه: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ ١٦ [عبس: ١٣ - ١٦].\nولو قال قائل: يحسن بالمسلم اكتساب الطّهارة ما استطاع لمسّ المصحف تشبّها بالملائكة في تلك الصّفة، فأقول: نعم، هذا معنى صحيح يستفاد من شرعيّة التّشبّه بالملائكة في صفتهم، وقد جاء النّدب إليه، كما في حديث جابر بن سمرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟» قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف تصفّ الملائكة عند ربّها؟ قال: «يتمّون الصّفوف الأول، ويتراصّون في الصّفّ» (١).\nلكن غاية ما يفيده مثل هذا الاستدلال هو استحباب التّطهّر لمسّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٠١، ١٠٦) ومسلم (رقم: ٤٣٠) وأبو داود (رقم: ٦٦١) والنّسائيّ (رقم: ٨١٦) وابن ماجة (رقم: ٩٩٢) من طرق عن الأعمش، عن المسيّب بن رافع، عن تميم بن طرفة،\nعن جابر بن سمرة، به.","vol":"1","page":551},{"text":"المصحف، أمّا الوجوب فلا ينهض دليلا عليه.\nوأمّا الحديث الّذي استدلّوا به على فرض الطّهارة لذلك، فهو حديث: «لا يمسّ القرآن إلّا طاهر».\nوهذا على لفظ النّفي ومعناه النّهي، وقد بيّنت وجهه في موضع آخر بما حاصله: أنّ وصف (طاهر) ثابت للمسلم بإسلامه، لا يزيله عنه حدث إلّا الكفر، لما جاء من حديث أبي هريرة:\nأنّه لقيه النّبيّ ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسلّ فذهب فاغتسل، فتفقّده النّبيّ ﷺ، فلمّا جاءه قال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتّى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله! إنّ المؤمن (وفي لفظ: المسلم) لا ينجس».\nوكذلك وقع لحذيفة بن اليمان نحو قصّة أبي هريرة (١).\nفهذا دليل بيّن على أنّ الطّهارة ثابتة للمسلم لا يزيلها عنه جنابة أو ما دونها. وهذا بخلاف الكافر، فإنّ الله تعالى قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التّوبة: ٢٨]، وبغضّ النّظر عن معنى النّجاسة فيه، فإنّه وصف مانع لنا من تمكينه من مسّ المصحف في الأصل، والاستثناء من ذلك على ما سيأتي واقع بقيد.\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاريّ (رقم: ٢٧٩، ٢٨١) ومسلم (رقم: ٣٧١). وانفرد به مسلم (رقم: ٣٧٢) عن حذيفة.","vol":"1","page":552},{"text":"ويتأيّد هذا الّذي ذكرته في تفسير حديث «لا يمسّ القرآن إلّا طاهر» أنّ في طرقه ما بيّن سببه، وهو أنّ النّبيّ ﷺ بعث به إلى أهل\nاليمن، وفيهم أهل كتاب، فنبّه بذلك على عدم تمكينهم من المصاحف للمعنى الّذي ذكرت (١).\nوعن الحسن البصريّ، ﵀، أنّه كان لا يرى بأسا أن يمسّ المصحف على غير وضوء، ويحمله إن شاء (٢).\nوالمذاهب المنقولة عن السّلف من الصّحابة والتّابعين ليس فيها ما يعارض هذا في التّحقيق.\nكالّذي جاء عن سعد بن أبي وقّاص، ﵁، فعن مصعب ابنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقّاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلّك مسست ذكرك؟ قال: فقلت: نعم، فقال: قم فتوضّأ، فقمت فتوضّأت، ثمّ رجعت (٣).\n_________\n(١) وتفصيل القول في الحديث بيانا لدرجته ومعناه في كتابي «حكم الطّهارة لغير الصّلوات»، وقد ترجّح لي أنّه حديث ضعيف، أحسن طرقه رواية مرسلة، وليس له طريق موصول صالح. وانظر أيضا حول معنى الحديث كتابي «الأجوبة المرضيّة عن الأسئلة النّجديّة» (ص: ٣٥ - ٣٩).\n(٢) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٤٠١) قال: حدّثنا يزيد، عن هشام، عن الحسن، به.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، يزيد هو ابن هارون، وهشام هو ابن حسّان.\n(٣) أثر صحيح. أخرجه مالك في «الموطّأ» (رقم: ١٠١) عن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص، عن مصعب بن سعد، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":553},{"text":"وعن ابن عمر، أنّه كان لا يأخذ المصحف إلّا وهو طاهر (١).\nوروي عن عطاء بن أبي رباح وطاوس اليمانيّ ومجاهد المكّيّ (٢) وغيرهم نحو ذلك.\nفهذا وشبهه منهم محمول على استحباب الطّهارة، وإنّما ظهر التّصريح بحرمة مسّ المصحف بغير طهارة فيمن بعدهم.\nفجملة القول في هذه المسألة: أنّ التّطهّر لمسّ المصحف مستحبّ وليس بواجب (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ١٢٢) قال: حدّثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به. وأعاده (ص: ٤٠٠) بنفس الإسناد، لكن فيه (عبد الله) بدل (عبيد الله)، وعبد الله ضعيف، وعبيد الله ثقة.\n(٢) قال سعيد بن منصور (رقم: ١٠١ - فضائل): حدّثنا شريك، عن ليث، عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، أنّهم قالوا: «لا يمسّ القرآن إلّا وهو طاهر، أو قالوا: المصحف». وإسناده ضعيف، شريك هو القاضي، وليث هو ابن أبي سليم، ضعيفان.\n(٣) وممّا يحسن التّنبيه عليه قبل مفارقة هذه المسألة، ما رأيت الاستدلال به عند قليل من متأخّري العلماء، وكثير من العامّة لوجوب التّطهّر لمسّ المصحف، ذلك هو قصّة إسلام عمر بن الخطّاب، ﵁، حين دخل على أخته فرأى صحيفة، قال عمر: فقلت: ما هذه الصّحيفة هاهنا؟ فقالت لي: دعنا عنك يا ابن الخطّاب، فإنّك لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهّر وهذا لا يمسّه إلّا المطهّرون، فما زلت بها حتّى أعطتنيها.\nوالعامّة يزيدون فيه: فذهب فاغتسل.\nوهذه الزّيادة كذب لا أصل لها في القصّة، ثمّ كيف تصحّ الطّهارة من مشرك؟\nفعمر ساعتها لم يكن أسلم بعد.\nأمّا الرّواية دون الزّيادة العامّيّة فأخرجها البزّار في «مسنده» (رقم: ٢٧٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنينيّ، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال عمر بن الخطّاب، فذكر ذلك في قصّة فيها طول.\nقلت: وإسناده واه جدّا، الحنينيّ هذا ضعيف الحديث، وشيخه أسامة هو ابن زيد بن أسلم ضعيف مثله.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>٢ - السّفر بالمصحف إلى أرض الكفّار:</span>\nأصل هذه المسألة حديث عبد الله بن عمر، ﵄،\nقال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسافروا بالقرآن، فإنّي لا آمن أن يناله العدوّ».\nوفي لفظ: عن رسول الله ﷺ أنّه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ، مخافة أن يناله العدوّ (١).\nفهذا الحديث صريح في النّهي عن السّفر بالمصحف أو بعض القرآن في صحيفة أو غيرها، لا يحلّ للمسلم أن يمكّن من مسّه كافرا معاديا، وذلك مخافة تعدّيهم عليه بالإهانة.\nوالتّعبير بلفظ (العدوّ) كالقيد، إذ ليس كلّ كافر معاديا للمسلمين، كما قال تعالى في آية كفّارة القتل: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى\n_________\n(١) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: ٢٨٢٨) ومسلم (رقم:\n١٨٦٩) واللّفظان له. وحول الحديث كلام في ذكر التّعليل فيه، هل هو من قول النّبيّ ﷺ، أو أدرج من بعض الرّواة؟ والصّواب أنّه مرفوع إلى النّبيّ ﷺ، كما بيّنته في كتاب «علل الحديث».","vol":"1","page":555},{"text":"أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النّساء: ٩٢].\nففرّق الله تعالى بين صنفين من الكفّار: العدوّ المحارب، والمسالم الّذي بين المسلمين وبينه عهد وميثاق، ولم يسمّه عدوّا مع كفره، لأجل الميثاق.\nوالّذي يتصوّر منه الاعتداء على القرآن إنّما هو الكافر الحربيّ، لا من بينه وبين المسلمين عهد.\nوعليه: فحمل المصحف إلى أرض الحرب هو المراد بالحديث،\nأمّا إلى أرض عهود ومواثيق يكون المسلم آمنا فيها على القرآن وعلى دينه، فلا حرج من أن يكون معه فيها مصحفه، كما يقتضيه واقع النّاس في زماننا.\nوقد صرّح فقهاء الحنفيّة أنّ المسلم إذا دخل بلاد الكفّار بأمان جاز حمل المصحف معه إذا كانوا يوفون بالعهد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>ويتفرّع عن هذه المسألة: هل يجوز أن يعطى الكافر مصحفا يقرأ فيه بغرض دعوته إلى الإسلام</span>؟\nتقدّم في المسألة السّابقة تأويل حديث «لا يمسّ القرآن إلّا طاهر» على معنى: لا يمكّن من مسّه إلّا مسلم، ولا يختلف في إرادة الكافر بالمنع بمقتضى هذا الحديث، وكلّ من منع المسلم المحدث من مسّ المصحف وهم جمهور العلماء يمنعون الكافر من مسّه، بل لم أجد في أهل العلم أحدا يرخّص للكافر في مسّ المصحف حتّى عند الأمن من تعرّضه له بالإهانة،\n_________\n(١) الدّرّ المختار مع حاشية ابن عابدين (٤/ ١٣٠).","vol":"1","page":556},{"text":"سوى بعض الأثر المنقول عن بعض السّلف، كما سيأتي ذكره.\nواستثني تمكين الكافر من بعض القرآن يكون في كتاب بغرض دعوته، استدلالا بحديث ابن عبّاس في قصّة كتابة النّبيّ ﷺ لهرقل ملك الرّوم يدعوه إلى الإسلام، وفيه آية من كتاب الله (١).\nوالّذي تحرّر لي من النّظر في هذه المسألة هو: أنّا نعلم أنّ الله تعالى أنزل هذا القرآن بلاغا لكلّ النّاس، كما قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ١٧٤ [النّساء: ١٧٤]، فكلّ بني آدم مخاطبون به: مسلمهم وكافرهم، وهو يبلّغ تلاوة، كما قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التّوبة: ٦]، ويبلّغ كتابة، كما وقع في كتاب النّبيّ ﷺ إلى هرقل، فالتّلاوة والكتابة جميعا وسيلتان للتّبليغ، ولا يذهب أحد إلى منع تمكين الكافر من استماع القرآن، بل الدّعاة إلى الله تعالى مأمورون بإسماع القرآن، فإذا صحّ هذا ساغ أن يبلّغوه كتابة كما يبلّغونه تلاوة، حيث تساويا جميعا بهذا الاعتبار.\nثمّ نحن اليوم في زمان تعيّن الكتاب فيه كطريق من أهمّ طرق التّبليغ، كما يحصل بطريق الأشرطة الصّوتيّة المسجّلة، بل الواقع يشهد لاعتبار\n_________\n(١) قصّة هرقل متّفق عليها، أخرجها: البخاريّ (رقم: ٧، ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٧٧٣).\nوهذا المعنى في الكتابة إلى الكافر بالآية والآيتين حكى النّوويّ الاتّفاق على جوازه (انظر: المجموع ٢/ ٨٤، فتح الباري ٦/ ١٣٤).","vol":"1","page":557},{"text":"تقديم الكتاب في التّبليغ، فإذا كان الكافر مقصودا برسالة الإسلام فلا ينبغي أن يحال بينه وبين الأسباب الّتي تمكّنه من الوصول إليها، والّتي تعدّ المصاحف من جملتها.\nلكنّ الإذن بذلك مشروط بشرطين:\nالأوّل: أن يغلب على الظّنّ عدم تعرّض الكافر للمصحف بالإهانة.\nوالثّاني: أن يمكّن من المصحف على سبيل الإعارة المؤقّتة بمدّة تكفيه للاطّلاع عليه، لا التّمليك بالإهداء وشبهه.\nوالعلّة في عدم التّمليك: أنّ الرّخصة إنّما وقعت لأجل مصلحة\nالتّبليغ، وهي تتمّ بذلك، ولأنّ إقامته على الكفر لا نضمن معها أن يتعرّض المصحف للإهانة منه أو من غيره.\nفإن قيل: فكيف نوفّق بين هذا وحديث: «لا يمسّ القرآن إلّا طاهر»؟\nقلت: المعنى فيه ما نخشى أن يتعدّى منه بسبب نجاسة الاعتقاد ممّا ينافي تعظيم القرآن، فحيث اشترطنا الأمن من ذلك فقد زال المحذور.\nولا يخرج عن الشّرطين المذكورين ما جاء عن علقمة بن قيس النّخعيّ: أنّه أراد أن يتّخذ مصحفا، فأعطاه نصرانيّا فكتبه له (١).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٤٠١) وابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ١٣٣) من طرق عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة.\nقلت: وهذا إسناد صحيح من أصحّ الأسانيد.","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>٣ - بيع المصحف وشراؤه:</span>\nاختلف أهل العلم من السّلف في الإذن في ذلك أو عدمه على مذاهب، تعود إجمالا إلى ثلاثة:\nالأوّل: كراهة بيعها وشرائها.\nوهو قول عبيدة السّلمانيّ، وعلقمة بن قيس النّخعيّ، ومحمّد بن سيرين، وإبراهيم النّخعيّ (١).\nوالثّاني: كراهة بيعها دون شرائها.\nوهذا روي عن عمر بن الخطّاب، ولم يصحّ (٢)، لكن صحّ عن عبد الله بن عبّاس في إحدى الرّوايتين، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ (٣).\nكما صحّ عن عبد الله بن عمر، قال: «وددت أنّ الأيدي تقطع في بيع المصاحف» (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣٩٠) عنهم سوى علقمة، وسعيد بن منصور (رقم: ١١١) عن ابن سيرين وحده، و(رقم: ١٢٣) عن عبيدة وحده، وعبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥٢٣) عن علقمة وحده، وأسانيدهم صحيحة.\n(٢) أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ١٥٩، ١٦٠).\n(٣) أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥٢١) وابن أبي داود (ص: ١٧٣) عن ابن عبّاس، وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣٨٩) عن جابر.\n(٤) أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥٢٥) وابن أبي داود (ص: ١٦١) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":559},{"text":"وعن عبد الله بن شقيق العقيليّ، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون بيع المصاحف، وتعليم الغلمان بالأجر، ويعظّمون ذلك» (١).\nكذلك صحّ القول بالكراهة عن شريح القاضي، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيّب، وعبد الله بن يزيد الخطميّ، وسعيد بن جبير، والزّهريّ (٢).\nوالثّالث: جواز بيعها وشرائها.\nرويت الرّخصة فيه عن عبد الله بن مسعود (٣).\nوصحّ عن عبد الله بن عبّاس: أنّه سئل عن بيع المصاحف؟ فقال:\nإنّما يأخذون أجور أيديهم (٤).\nوصحّ عن عامر الشّعبيّ قال: «إنّما يأخذ ثمن ورقه وأجر كتابته» (٥).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥٣٤) وسعيد بن منصور (رقم: ١٠٤).\n(٢) أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥١٩، ١٤٥٢٠) وسعيد بن منصور (رقم: ١١٠، ١١٢) عن شريح ومسروق والخطميّ، وعبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥١٧) عن ابن المسيّب وحده، و(رقم: ١٤٥١٦) عن الزّهريّ وحده، وسعيد بن منصور (رقم:\n١٢١، ١٢٢) وأبو عبيد (ص: ٣٨٩) عن سعيد بن جبير وحده.\n(٣) أخرجه البيهقيّ في «الكبرى» (٦/ ١٧) وضعّفه، وهو كذلك.\n(٤) أخرجه ابن أبي داود (ص: ١٧٥) بإسناد صحيح.\n(٥) أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥٢٧) وسعيد بن منصور (رقم: ١١٧، ١١٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":560},{"text":"وذهب إلى الجواز كذلك: الحسن البصريّ، وسعيد بن جبير في الرّواية الأخرى، وأبو الشّعثاء جابر بن زيد (١).\nوأمّا من بعدهم من أهل العلم فلم تخرج مذاهبهم عن هذه الثّلاثة.\nوالوجه في المذهب الأوّل خوف التّأكّل بالقرآن ببيع المصاحف، وعدم الإعانة على ذلك بشرائها.\nوالوجه في الثّاني في الإذن بالشّراء: مسيس الحاجة إلى المصاحف.\nوالوجه في الثّالث البناء على الأصل، إذ المنفعة في البيع حاصلة بسبب ما يبذل في كتابته من جهد، وما يحتاج إليه في إعداده من ورق ومادّة كتابة وجلد وغير ذلك، وتلك أشياء مقوّمة، يجوز بيعها وشراؤها، هذا مع ما ينضمّ إليه من حاجة النّاس إلى المصاحف.\nوهذا الثّالث هو أصحّ مذاهبهم، إذ لو صحّح أصل المنع لذهبت به على النّاس مصالح عظيمة، فذلك ممّا يقلّ به انتشار المصحف، كما أنّا إذا تركنا كلّ أحد إلى اختياره في كتابة المصاحف لعجز أكثر النّاس، كما أنّه سيكتبه من يحسن ومن لا يحسن، بخلاف أن تختصّ به طائفة تحسن كتابته وطباعته ومراجعته وتغليفه، فتجعله بين أيدي النّاس ميسور الأخذ، محكم الصّنعة،\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد (ص: ٣٩١) عن الحسن والشّعبيّ وابن جبير، وعبد الرّزّاق (رقم: ١٤٥٢٨) وسعيد بن منصور (رقم: ١١٣، ١١٥) عن أبي الشّعثاء والحسن والشّعبيّ، وسعيد (رقم: ١١٦) عن الحسن وحده بأسانيد صحيحة.","vol":"1","page":561},{"text":"سليما من التّحريف، مضبوطا واضحا في خطّه وإخراجه.\nوما علّل به ابن عبّاس والشّعبيّ هو الّذي ينبغي أن تكون عليه نيّة البائع، وهو أنّ ما يستفيده من أجر ولو بربح؛ يكون على معاناته في الكتابة والإعداد.\nوممّا يحسن التّنبيه عليه هنا: أنّ العامّة إذا جاءوا إلى بائع المصاحف قالوا: (كم هديّة هذا المصحف) احترازا من لفظ البيع أو القيمة، وهذا خطأ في صيغ العقود، فإنّ المشتري لم يقصد الاستهداء، ولا بالبائع قصد الإهداء، وإنّما هي عمليّة بيع وشراء، فلا ينبغي أن يحتال عليها بتلك الألفاظ، فذلك تكلّف مذموم، وإن حسنت معه المقاصد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٤ - تكريم المصحف:</span>\nكلّ فعل لم تنه عنه الشّريعة، ممّا يقصد به تكريم المصحف وتعظيمه، فهو حسن مقبول؛ لأنّ ما كان من الأفعال مباحا في الأصل إذا استعمل للتّوصّل به إلى مشروع فهو مشروع بهذا الاعتبار، ما لم يعتقد صاحبه أنّه سنّة لذاته، أو مطلوب لذاته؛ خشية أن يضيف لدين الإسلام ما ليس منه.\nومن هذا ما يتّصل من الأفعال بتعظيم المصحف، فإنّ ذلك من الإيمان كما قدّمناه أوّل هذا المبحث، والله تعالى يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحجّ: ٣٢]، وهذا عامّ في كلّ ما أشعر الله به","vol":"1","page":562},{"text":"عباده وأعلمهم، كلّ ذلك تعظيمه من التّقوى.\nوهذا باب مرجعنا فيه إلى عمومات النّصوص، ولا يطلب له النّصّ الخاصّ من الهدي النّبويّ؛ لأنّ المصاحف لم تكن وجدت يومئذ، فإذا صحّ ذلك كان مقتضى العموم إباحة كلّ فعل يحصل به التّعظيم، غير أنّ من النّاس من قد يصير إلى التّكلّف فيه، لذا وجب أن يضبط بضابط، وأحسن ما نراه ضابطا لذلك هو: أن يكون الفعل الّذي قصد به تعظيم المصحف ممّا أثر عن سلف الأمّة، من الصّحابة والتّابعين، ولسنا نعني بذلك التّخصيص للعامّ بأفعالهم، أو الاحتجاج بها، وإنّما قصدنا إلى منع التّكلّف، وهو مقصود شرعيّ صحيح، وهدي السّلف أبعد عن التّكلّف مع شدّة تعظيمهم للقرآن، والمصاحف كثرت في أزمانهم، فما وجدناه من الأفعال منقولا عنهم، أو وجدنا عنهم نظيره، فهو الّذي ينتهى إليه، وما لم ينقل عنهم ولم نجد له نظيرا في هديهم فيترك.\nوإنّما دعانا إلى هذا التّنبيه أن وجدنا من النّاس من يتكلّف أمورا يتديّن بها ممّا يعدّها من تعظيم المصحف، والعمل بها من التّنطّع في الدّين، والمشقّة على النّفس وعموم المسلمين، مثل:\nقيام الشّخص للمصحف إذا أحضر.\nوإذا كان المصحف في جهة فإنّه لا يستدبره، فإذا كان في موضع فأراد الخروج منه، استقبل المصحف ورجع القهقرى حتّى يفارق الموضع.","vol":"1","page":563},{"text":"ومن ذلك إنكار بعضهم أن توضع المصاحف في خزانات أو على رفوف ترتفع عن الأرض قليلا، ويرون أن يكون المصحف أعلى من هامة الإنسان.\nإلى غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>أمّا التّعظيم الّذي وجدنا له أصلا في النّصوص أو فعل السّلف، فمثل:</span>\nوضع المصحف في محلّ مرتفع عن الأرض، كحامل، أو في حجر القارئ، أو على رفّ، أو شبه ذلك.\nوممّا يدلّ عليه، حديث عبد الله بن عمر، ﵄، قال:\nأتى نفر من يهود، فدعوا رسول الله ﷺ إلى القفّ، فأتاهم في بيت المدراس (١)، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّ رجلا منّا زنى بامرأة، فاحكم بينهم، فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها، ثمّ قال بالتّوراة فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته، فوضع التّوراة عليها، ثمّ قال: «آمنت بك وبمن أنزلك» ثمّ قال: «ائتوني بأعلمكم» فأتي بفتى شابّ، فذكر قصّة الرّجم (٢).\nموضع الشّاهد منه: وضع النّبيّ ﷺ التّوراة على الوسادة تكريما.\n_________\n(١) القفّ: اسم واد من أودية المدينة، والمدراس: موضع دراستهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (رقم: ٤٤٤٩) من طريق ابن وهب، حدّثني هشام بن سعد، أنّ زيد بن أسلم حدّثه، عن ابن عمر، به.\nقلت: وهذا إسناد جيّد، هشام بن سعد صدوق حسن الحديث، لكنّه من أثبت النّاس في زيد بن أسلم خاصّة.","vol":"1","page":564},{"text":"وليس هذا وما في معناه بواجب، إنّما هو حسن جميل، فلا ينكر على تاركه، ولا يقال فيه: لم يعظّم القرآن.\nفعن عطاء بن أبي رباح: أنّ رجلا قال لابن عبّاس: أضع المصحف على فراش أجامع عليه وأحتلم فيه وأعرق عليه؟ قال:\nنعم (١).\nومن هذا الباب ما ذكره بعض العلماء: أن لا يضع فوق المصحف كتابا أو شيئا، إلّا أن تكون مصاحف فوق بعضها فلا بأس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>تقبيل المصحف:</span>\nعن ابن أبي مليكة، قال: كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف ويضعه على وجهه، ويبكي، ويقول: كتاب ربّي، كتاب ربّي (٢).\nفي هذا الأثر من الدّلالة: أنّ ما يكون من تقبيل المصحف، أو ما في معناه، فهو سائغ حسن، وليس بسنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>أن لا يقول: (مصيحف) تصغيرا، فهذا ممّا لا يناسب الاحترام</span>.\nوفيه عن سعيد بن المسيّب، قال: لا يقول أحدكم: مصيحف، ولا:\n_________\n(١) أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ١٣٣١) عن ابن جريج، عن عطاء، وإسناده صحيح.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه الدّارميّ (رقم: ٣٢٢٨) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٢٢٩) من طريق سليمان بن حرب، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن ابن أبي مليكة، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":565},{"text":"مسيجد، ما كان لله فهو عظيم حسن جميل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>٥ - ماذا يصنع بأوراق المصحف البالية</span>؟\nمما يقتضيه احترام القرآن وتعظيمه أنّ ما يبلى من أوراقه بسبب القدم، أو ما شقّ الانتفاع به منه لتشقّق أوراقه وتقطّعها، أو نحو ذلك، فيتوقّى المسلم رميه في نفايات قد تخلطه بقذر، أو تعرّضه لدوس أو شبه ذلك ممّا ينافي الاحترام، وعليه أن يزيل أثره، وأحسن ذلك:\nإمّا بتقطيعه حتّى تذهب معالمه، بحيث لا يمكن أن يقرأ منه شيء.\nوإمّا بحرقه، كالّذي أمر به أمير المؤمنين عثمان بن عفّان حين جمع المصحف الإمام، كما ذكرته في محلّه من هذا الكتاب، وأقرّه عليه جمهور الصّحابة، ومن زعم أنّه خلاف احترام القرآن فقد أخطأ على الصّحابة (٢)،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي داود (ص: ١٥٣) بإسناد حسن.\nورويت كراهة ذلك عن مجاهد. أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٣٠٢١٩) وسعيد بن منصور (رقم: ٨٥) وابن أبي داود (ص: ١٥٢، ١٥٣) بإسناد ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف الحديث.\nكما روي في النّهي عنه حديث موضوع، انظر: «السّير» للذّهبيّ (١٤/ ٥٤٦).\n(٢) وذلك من جهة أنّهم كانوا أشدّ النّاس تعظيما للقرآن، ومع ذلك فقد فعلوه، فدلّ صنيعهم على أنّ ذلك لا ينافي الاحترام.\nوما أخرجه ابن أبي داود (ص: ١٩٥) بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعريّ أنّه أتي بكتاب فقال: «لولا أنّي أخاف أن يكون فيه ذكر الله ﷿ لأحرقته»؛ فهذا رأي له في كراهة ذلك، وفعل الخليفة الرّاشد وموافقة الجماعة له أولى.","vol":"1","page":566},{"text":"وهذا أحسن الطّريقين.\nوذهبت طائفة من العلماء إلى أن يزال أثره بالغسل، أو الدّفن، والواقع أنّ الطّريقين الأخيرين لا يحقّقان المقصود اليوم؛ لأنّ مادّة الخطّ لا تذهب بالرّطوبة والماء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>٦ - فضل التّلاوة من المصحف:</span>\nورد في هذا الباب وفضله أحاديث، لكنّها بين ضعيف وموضوع، ولا يصحّ في فضل النّظر في المصحف حديث، وأحسب العلّة فيه من جهة أنّ المصاحف إنّما شاعت بعد رسول الله ﷺ (٢).\n_________\n(١) عن إبراهيم النّخعيّ، قال: كانوا يأمرون بورق المصحف إذا بلي أن يدفن.\nأخرجه أبو عبيد في «الفضائل» (ص: ٣٩٧) بإسناد رجاله ثقات، في اتّصاله نظر.\nوانظر: «البرهان» للزّركشيّ (١/ ٤٧٧).\n(٢) وأحسن شيء يروى مرفوعا في هذا الباب: حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن يحبّه الله ورسوله فليقرأ في المصحف».\nوهذا حديث ضعيف منكر.\nأخرجه ابن عديّ في «الكامل» (٣/ ٣٨٧) وابن شاهين في «التّرغيب في فضائل الأعمال» (رقم: ١٩٠) وأبو نعيم في «الحلية» (رقم: ١٠٣٦٧) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٢١٩) من طرق عن إبراهيم بن جابر، قال: حدّثنا الحرّ بن مالك أبو سهل العنبريّ، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، به.\nتفرّد به الحرّ بن مالك، صرّح بذلك ابن عديّ، وأبو نعيم، والبيهقيّ.\nوقال ابن عديّ والبيهقيّ: «منكر»، وقال الذّهبيّ في «الميزان» (١/ ٤٧١) في ترجمة (الحرّ): «أتى بخبر باطل» فذكر هذا الحديث، وزاد: «وإنّما اتّخذت المصاحف بعد النّبيّ ﷺ».\nقلت: وهذا تعليل دقيق، خلافا لابن حجر حين ردّه في «اللّسان» (٢/ ٢٢٥) فقال: «وهذا التّعليل ضعيف، ففي الصّحيحين: أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ مخافة أن يناله العدوّ، وما المانع أن يكون الله أطلع نبيّه على أنّ أصحابه سيتّخذون المصاحف؟ لكنّ الحرّ مجهول الحال» فهذا تعقّب متعقّب، والحديث الّذي ذكره عن «الصّحيحين» في أمر يمكن وقوعه للمخاطبين يومئذ، فإنّ القرآن كان يكتب في عهده ﷺ، بخلاف المصاحف صفة واسما، والمعنى في كلام الذّهبيّ أنّ لفظ المصاحف لم يكن يومئذ للقرآن الّذي بين الدّفّتين فكيف يخاطب به المكلّفون خطابا يقتضي الامتثال؟ وأمّا العلّة في الإسناد فليست جهالة الحرّ، فهو رجل معروف، وإنّما في كونه تفرّد بما لا يعرف من غير طريقه بإسناد مشهور تنشط همم النّقلة لروايته، ومن علامة المنكر أنّ يتفرّد من لم يتميّز بالإتقان برواية الحديث، والحرّ كذلك، وجائز أن يكون أصل ذلك موقوفا على ابن مسعود، فرفعه الحرّ خطأ.","vol":"1","page":567},{"text":"لكن ثبت عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «أديموا النّظر في المصاحف» (١).\nونقل فعله عن طائفة من السّلف.\n_________\n(١) أثر حسن. أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: ٥٩٧٩) وابن أبي شيبة (رقم: ٨٥٥٨، ٣٠١٦٨) وأبو عبيد (ص: ١٠٤) والفريابيّ (رقم: ١٤٩، ١٥٠) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: ٨٦٨٧، ٨٦٩٦) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: ٢٢٢٠) من طريق سفيان الثّوريّ، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله، به.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":568},{"text":"قال يونس بن عبيد (وهو من الثّقات من أصحاب الحسن البصريّ): «كان خلق الأوّلين النّظر في المصاحف» (١).\nوهذا يعود إلى ما في النّظر من الإعانة على زيادة التدبّر للقرآن؛ لاجتماع سببين: النّظر إلى المتلوّ مع النّطق به، كذلك تتحقّق به السّلامة من آفات النّسيان الّذي يعتري الحفظ عادة.\n...\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٨٥٦١) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>خاتمة</span>\nوقع الفراغ من مراجعة هذا الكتاب سرر شهر محرم الحرام من سنة ١٤٢٢ للهجرة.\nوالله وحده أسأل القبول، كما أسأله المغفرة لما زل به فكري أو قلمي، وهو المحمود أولا وآخرا.\nوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه صلاة وسلاما دائمين باقيين إلى يوم لقاه.\nسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.\n***","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>مسرد المراجع</span>\n١ - الإبهاج في شرح المنهاج، لتقي الدين السبكي وابنه تاج الدين، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٨٤ م).\n٢ - الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، نشر: دار إحياء العلوم، بيروت (١٩٨٧ م).\n٣ - الأجوبة المرضية عن الأسئلة النجدية، لعبد الله بن يوسف الجديع، نشر: دار الإمام مسلم، الإحساء (١٩٩١ م).\n٤ - الآحاد والمثاني، لأبي بكر بن أبي عاصم، تحقيق: د. باسم فيصل الجوابرة، نشر: دار الراية، الرياض (١٩٩١ م).\n٥ - الأحاديث المختارة، لضياء الدين المقدسي، تحقيق: عبد الملك بن دهيش، نشر: مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة (١٩٩٠ - ١٩٩٣ م).\n٦ - أحكام العورات في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n٧ - إحكام الفصول، لأبي الوليد الباجي، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، نشر:\nمؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٩ م).\n٨ - أحكام القرآن، عماد الدين ابن الطبري المعروف ب (الكياالهرّاسيّ)، تحقيق:\nموسى محمد علي، ود. عزت عطية، نشر: دار الكتب الحديثة، مصر (١٩٧٤ م).\n٩ - أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، مصورة: دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٠ - أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي، تحقيق: محمد علي البجاوي، مصورة:\nدار المعرفة، بيروت.\n١١ - أحكام القرآن، لأبي عبد الله الشافعي، جمع: أبي بكر البيهقي، تحقيق:\nعبد الغني عبد الخالق، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٧٥ م).\n١٢ - الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد بن حزم، نشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت (١٩٨٠ م).\n١٣ - الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، نشر: المكتب الإسلامي، دمشق- بيروت (١٤٠٢ هـ).","vol":"1","page":571},{"text":"١٤ - أخبار أصبهان، لأبي نعيم الأصبهاني، نشر: مطبعة بريل، ليدن (١٩٣٤ م).\n١٥ - اختصاص القرآن بعوده إلى الرحيم الرحمن، لضياء الدين المقدسي، تحقيق:\nعبد الله بن يوسف الجديع، نشر: مكتبة الرشد، الرياض (١٩٨٩ م).\n١٦ - اختلاف الحديث، لأبي عبد الله الشافعي، تحقيق: عامر أحمد حيدر، نشر:\nمؤسسة الكتب الثقافية، بيروت (١٩٨٥ م).\n١٧ - أخلاق النبي ﷺ، لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: د. صالح بن محمد الونيان، نشر: دار المسلم، الرياض (١٩٩٨ م).\n١٨ - أخلاق حملة القرآن، لأبي بكر الآجري، تحقيق: د. محمد النقراشي السيد علي، نشر: مكتبة انهضة، القصيم (١٩٨٧ م).\n١٩ - آداب البحث والمناظرة، لمحمد الأمين الشنقيطي، نشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة- مكتبة العلم، جدة.\n٢٠ - آداب الشافعي ومناقبه، لأبي محمد بن أبي حاتم، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، نشر: مكتبة التراث الإسلامي، حلب.\n٢١ - أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٨١ م).\n٢٢ - الأدب المفرد، لأبي عبد الله البخاري (مع شرحه: فضل الله الصمد)، نشر:\nالمطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة (١٣٨٨ هـ).\n٢٣ - إرشاد الفحول، لمحمد بن علي الشوكاني، مصور: دار المعرفة، بيروت.\n٢٤ - الإرشاد، لأبي يعلى الخليلي، تحقيق: د. محمد سعيد بن عمر إدريس، نشر: مكتبة الرشد، الرياض (١٩٨٩ م).\n٢٥ - الأسامي والكنى، لأحمد بن حنبل، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، نشر: دار الأقصى، الكويت (١٩٨٥ م).\n٢٦ - أسباب نزول القرآن، لأبي الحسن الواحدي، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر: دار القبلة، جدة- الرياض (١٩٨٤ م).\n٢٧ - الاستيعاب، لأبي عمر بن عبد البر (بهامش: الإصابة)، تحقيق: د. طه محمد الزيني، نشر: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة (١٩٦٨ م).\n٢٨ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لعز الدين ابن الأثير، تحقيق: خليل مأمون شيحا، نشر: دار المعرفة، بيروت (١٩٩٧ م).","vol":"1","page":572},{"text":"٢٩ - أسرار ترتيب القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، نشر: دار الاعتصام، القاهرة (١٩٧٦ م).\n٣٠ - الأسماء والصفات، لأبي بكر البيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، نشر: مكتبة السوادي، جدة (١٩٩٣ م).\n٣١ - الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، لعز الدين بن عبد السلام، اعتناء: رمزي دمشقية، نشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت (١٩٨٧ م).\n٣٢ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين الشنقيطي، مصورة:\nعالم الكتب، بيروت.\n٣٣ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر الحازمي، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، نشر: مكتبة عاطف، مصر.\n٣٤ - إعجاز القرآن، مصطفى صادق الرافعي، نشر: دار الكتاب العربي، بيروت.\n٣٥ - إعراب القرآن وبيانه، لمحيي الدين الدرويش، نشر: دار اليمامة- دار ابن كثير، دمشق- بيروت (١٩٩٩ م).\n٣٦ - إعراب القرآن، لأبي جعفر النحّاس، تحقيق: د. زهير غازي زاهد، نشر:\nمكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (١٩٨٥ م).\n٣٧ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، لأبي سليمان الخطابي، تحقيق:\nد. محمد بن سعد آل سعود، نشر: جامعة أم القرى، مكة المكرمة (١٩٨٨ م).\n٣٨ - إعلام الموقعين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، نشر: دار الكتب الحديثة، مصر (١٩٦٩ م).\n٣٩ - الأعلام، لخير الدين الزركلي، نشر: دار العلم للملايين، بيروت (١٩٨٤ م).\n٤٠ - إقامة البرهان على تحريم المحل المكروه، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n٤١ - الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: سيف الدين الكاتب، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٨١ م).\n٤٢ - الأم، لأبي عبد الله الشافعي، تحقيق: د. أحمد بدر الدين حسون، نشر: دار قتيبة، بيروت (١٩٩٦ م).\n٤٣ - الإمام في بيان أدلة الأحكام، لعز الدين بن عبد السلام، تحقيق: رضوان مختار بن غربيّة، نشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت (١٩٨٧ م).","vol":"1","page":573},{"text":"٤٤ - أمثال الحديث، لأبي محمد الرامهرمزي، تحقيق: أمة الكريم القرشية، نشر:\nالمكتبة الإسلامية، استانبول.\n٤٥ - الأمثال في القرآن، لابن قيم الجوزية، تحقيق: سعيد الخطيب، نشر: درا المعرفة، بيروت (١٩٨١ م).\n٤٦ - إملاء ما منّ به الرحمن، لأبي البقاء العكبري، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٧٩ م).\n٤٧ - الأنساب، لأبي سعد السمعاني، نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند (١٩٦٢ - ١٩٨٢ م).\n٤٨ - الإنصاف، لأبي الحسن المرداوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت (١٩٨٠ م).\n٤٩ - الإيمان، لأبي عبد الله بن منده، تحقيق: د. علي ناصر الفقيهي، نشر:\nالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة (١٩٨١ م).\n٥٠ - بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، مصورة عن طبعة: إدارة الطباعة المنيرية.\n٥١ - البداية والنهاية، لأبي الفداء بن كثير، تحقيق: عبد الرحمن اللادقي ومحمد غازي بيضون، نشر: دار المعرفة، بيروت (١٩٩٧ م).\n٥٢ - البرهان في أصول الفقه، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، نشر: دار الأنصار، القاهرة (١٤٠٠ هـ).\n٥٣ - البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعرفة، بيروت.\n٥٤ - بصائر ذوي التمييز، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحقيق:\nمحمد علي النجار، نشر: المكتبة العلمية، بيروت.\n٥٥ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، مصر (١٩٦٤ م).\n٥٦ - البيان والتحصيل، لأبي الوليد بن رشد، تحقيق: سعيد أعراب وآخرين، نشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت (١٩٨٨ م).\n٥٧ - تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، تحقيق: محمد محيي الدين الأصفر، نشر: المكتب الإسلامي، دار الإشراق، بيروت (١٩٨٩ م).","vol":"1","page":574},{"text":"٥٨ - تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة الدينوري، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر:\nالمكتبة العلمية، المدينة المنورة (١٩٨١ م).\n٥٩ - تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزّبيدي، تحقيق:\nعبد الستار أحمد فراج وآخرين، نشر: وزارة الإرشاد (الإعلام)، الكويت (١٩٦٥ - ١٩٨٤ م).\n٦٠ - تاريخ أبي زرعة، لأبي زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله بن نعمة الله القوجاني، نشر: مجمع اللغة العربية، دمشق.\n٦١ - تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان (الترجمة العربية)، نشر: دار المعارف، مصر (١٩٨٣ م).\n٦٢ - تاريخ الإسلام، لأبي عبد الله الذهبي، (وفيات سنة ٦٣١ - ٦٤٠)، تحقيق:\nد. عمر عبد السلام تدمري، نشر: دار الكتاب العربي، بيروت (١٩٩٨ م).\n٦٣ - التاريخ الأوسط، لأبي عبد الله البخاري، تحقيق: محمد بن إبراهيم اللحيدان، نشر: دار الصميعي، الرياض (١٩٩٨ م).\n٦٤ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، مصورة: المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n٦٥ - تاريخ دمشق، لأبي القاسم بن عساكر، تحقيق: عمر بن غرامة العمروي، نشر: دار الفكر، بيروت (١٩٩٥ - ١٩٩٨ م).\n٦٦ - تاريخ المدينة، لعمر بن شبّة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت (دون تسمية ناشر).\n٦٧ - تاريخ واسط، لبحشل الواسطي، تحقيق: كوركيس عواد، نشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (١٩٨٦ م).\n٦٨ - تاريخ يحيى بن معين، رواية: العباس بن محمد الدوري، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف، نشر: جامعة الملك عبد العزيز، كلية الشريعة، مكة المكرمة (١٩٧٩ م).\n٦٩ - التبيان في آداب حملة القرآن، لأبي زكريا النووي، نشر: مؤسسة علوم القرآن، مكتبة دار التراث (١٩٨٣ م).\n٧٠ - التبيان في أقسام القرآن، لابن قيم الجوزية، نشر: دار الطباعة المحمدية، مصر (١٩٦٨ م).\n٧١ - التبيين لطرق حديث الأربعين، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n٧٢ - تجريد أسماء الصحابة، للذهبي، نشر: دار المعرفة، بيروت.\n٧٣ - تحرير البيان في سجود القرآن، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).","vol":"1","page":575},{"text":"٧٤ - تحرير علوم الحديث، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n٧٥ - تحريم نكاح المتعة، لأبي الفتح نصر المقدسي، تحقيق: حماد الأنصاري، نشر: مكتبة دار التراث، المدينة المنورة (١٩٨٧ م).\n٧٦ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، لأبي الحجاج المزي، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، نشر: الدار القيمة، بومباي، الهند (١٩٦٥ - ١٩٨٢ م).\n٧٧ - التذكار في أفضل الأذكار، لأبي عبد الله القرطبي، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٨ - الترغيب في فضائل الأعمال، لأبي حفص بن شاهين، تحقيق: صالح أحمد الوعيل، نشر: دار ابن الجوزي، السعودية (١٩٩٥ م).\n٧٩ - التعريفات، لعلي بن محمد الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، نشر: دار الكتاب العربي، بيروت (١٩٨٥ م).\n٨٠ - تغليق التعليق، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: سعيد عبد الرحمن القزقي، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دار عمار، الأردن (١٩٨٥ م).\n* تفسير ابن جرير جامع البيان\n* تفسير ابن عطية المحرر الوجيز.\n* تفسير البغوي معالم التنزيل.\n٨١ - تفسير التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية، تونس (١٩٨٤ م).\n٨٢ - تفسير سفيان الثوري، رواية: أبي حذيفة النهدي، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٨٣ م).\n٨٣ - تفسير سفيان بن عيينة، جمع وتحقيق: أحمد صالح محايري، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت- مكتبة أسامة، الرياض (١٩٨٣ م).\n٨٤ - تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة الدينوري، تحقيق: السيد أحمد صقر، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٧٨ م).\n٨٥ - تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء ابن كثير، دار الفكر، بيروت (١٩٧٠ م).\n٨٦ - تفسير القرآن العظيم، لأبي محمد بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، نشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة (١٩٩٧ م).","vol":"1","page":576},{"text":"٨٧ - تفسير القرآن، لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، نشر:\nمكتبة الرشد، الرياض (١٩٨٩ م).\n* تفسير الماوردي النكت والعيون.\n٨٨ - تفسير مجاهد، تحقيق: د. محمد عبد السلام أبو النيل، نشر: دار الفكر الإسلامي الحديثة (١٩٨٩ م).\n٨٩ - تفسير النسائي، (جزء من السنن الكبرى)، تحقيق: سيد الجليمي، وصبري الشافعي، نشر: مكتبة السنة، القاهرة (١٩٩٠ م).\n٩٠ - تقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند (١٩٥٢ م)، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٩١ - تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، نشر: دار الرشيد، حلب (١٩٨٨ م).\n٩٢ - تلبيس إبليس، لأبي الفرج ابن الجوزي، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت، عن طبعة: إدارة الطباعة المنيرية المنشور سنة (١٣٦٨ هـ).\n٩٣ - التّلخيص في أصول الفقه، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. عبد الله النيبالي، وشبير أحمد العمري، نشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت- دار الباز، مكة (١٩٩٦ م).\n٩٤ - التمام، لابن أبي يعلى الفراء، تحقيق: د. عبد الله الطيار، ود. عبد العزيز المد الله، نشر: دار العاصمة، الرياض (١٤١٤ هـ).\n٩٥ - التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب الكلوذاني، تحقيق: د. مفيد أبو عمشة، نشر: جامعة أم القرى، مكة (١٩٨٥ م).\n٩٦ - التمهيد، لأبي عمر بن عبد البر، تحقيق: مجموعة، نشر: وزارة الأوقاف، المغرب (١٩٦٧ - ١٩٩١ م).\n٩٧ - تنقيح النقول من نوادر الأصول للحكيم الترمذي، تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n٩٨ - تهذيب الأسماء واللغات، لأبي زكريا النووي، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت، عن طبعة إدارة الطباعة المنيرية.\n٩٩ - تهذيب الكمال، لأبي الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، نشر:\nمؤسسة","vol":"1","page":577},{"text":"الرسالة، بيروت (١٩٨٠ - ١٩٩٢ م).\n١٠٠ - تيسير علم أصول الفقه، لعبد الله بن يوسف الجديع، نشر: مركز البحوث الإسلامية، ليدز- بريطانيا (١٩٩٧ م).\n١٠١ - التيسير في القراءات السبع، لأبي عمرو الداني، تحقيق: أوتو برتزل، نشر:\nجمعية المستشرقين الألمانية، استانبول (١٩٣٠ م) مصورة: مكتبة المثنى، بغداد.\n١٠٢ - ثعلبة بن حاطب المفترى عليه، لعداب محمود الحمش، نشر: دار علام الكتب، الرياض (١٩٨٥ م).\n١٠٣ - الثقات، لأبي حاتم بن حبان البستي، نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند (١٩٧٣ - ١٩٨٣ م).\n١٠٤ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر الطبري، نشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر (١٩٦٨ م).\n١٠٥ - جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، نشر: دار ابن الجوزي، السعودية (١٩٩٦ م).\n١٠٦ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله القرطبي، مصورة: دار إحياء التراث العربي، بيروت (١٩٨٥ م).\n١٠٧ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، لأبي بكر الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، نشر: مكتبة المعارف، الرياض (١٩٨٣ م).\n١٠٨ - الجامع، لأبي عيسى الترمذي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، نشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت (١٩٩٨ م).\n١٠٩ - الجرح والتعديل، لأبي محمد بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الهند (١٩٥٢ - ١٩٥٣ م) مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١١٠ - حاشية ابن عابدين، نشر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٩٦٦ م).\n١١١ - الحاوي الكبير، لأبي الحسن الماوردي، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل عبد الموجود، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٤ م).\n١١٢ - حجة القراءات، لأبي زرعة عبد الرحمن بن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٧٩ م).","vol":"1","page":578},{"text":"١١٣ - حكم الطهارة لغير الصلوات، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n١١٤ - حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٧ م).\n١١٥ - خلق أفعال العباد، لأبي عبد الله البخاري، تحقيق: بدر البدر، نشر: الدار السلفية، الكويت (١٩٨٥ م).\n١١٦ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين السيوطي، نشر: دار الفكر، بيروت (١٩٨٣ م).\n١١٧ - دلائل النبوة، لأبي بكر البيهقي، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٨٥ م).\n١١٨ - ذم الكلام، لأبي إسماعيل الهروي، تحقيق: عبد الرحمن الشبل، نشر:\nمكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (١٩٩٥ م) والعزو إليها بأرقام الأحاديث. والنشرة الأخرى بتحقيق: د. سميح دغيم، نشر: دار الفكر اللبناني، بيروت (١٩٩٤ م).\n١١٩ - الرد على من يقول: (الم) حرف، لأبي القاسم بن منده، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، نشر: دار العاصمة، الرياض (١٤٠٩ هـ).\n١٢٠ - الرسالة، لأبي عبد الله الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر (دون ناشر).\n١٢١ - الرعاية لتجويد القراءة، لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. أحمد حسن فرحات، نشر: دار عمار، الأردن (١٩٨٤ م).\n١٢٢ - الرقة والبكاء، لأبي بكر بن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، نشر: دار ابن حزم، بيروت (١٩٩٦ م).\n١٢٣ - الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام، لجاسم الفهيد الدوسري، نشر:\nدار البشائر الإسلامية، بيروت (١٩٨٧ - ١٩٩٢ م).\n١٢٤ - روضة المحبين، لابن قيم الجوزية، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٨٣ م).\n١٢٥ - روضة الناظر، لأبي محمد بن قدامة، تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل، نشر:\nمؤسسة الريان، بيروت- والمكتبة التدمرية والمكية، السعودية (١٩٩٨ م).\n١٢٦ - زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج بن الجوزي، نشر: المكتب الإسلامي، دمشق- بيروت (١٩٦٤ م).\n١٢٧ - الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر: دار","vol":"1","page":579},{"text":"الكتب العلمية، بيروت.\n١٢٨ - الزهد، لهناد بن السّري، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، نشر: دار الخلفاء، الكويت (١٩٨٥ م).\n١٢٩ - سؤالات أبي عبد الرحمن السلمي للدارقطني، تحقيق: د. سليمان آتش، نشر: دار العلوم، الرياض (١٩٨٨ م).\n١٣٠ - السبعة في القراءات، لأبي بكر بن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف، نشر: دار المعارف بمصر (١٩٧٢ م).\n١٣١ - السنة، لأبي بكر بن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق (١٩٨٠ م).\n١٣٢ - السنة، لمحمد بن نصر المروزي، تحقيق: سالم بن أحمد، نشر: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت (١٩٨٨ م).\n١٣٣ - السنن الكبرى، لأبي بكر البيهقي، مصورة: دار المعرفة ببيروت عن طبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد (١٣٥٥ هـ).\n١٣٤ - السنن الكبرى، لأبي عبد الرحمن النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري، وسيد كسروي حسن، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩١ م).\n١٣٥ - السنن، لأبي الحسن الدارقطني، تحقيق: عبد الله هاشم يماني، نشر: دار المحاسن، القاهرة (١٩٦٦ م) مصورة عنها.\n١٣٦ - السنن، لأبي داود السجستاني، تحقيق: عزت الدعاس وعادل السيد، نشر:\nدار الحديث، حمص (١٩٧٤ م).\n١٣٧ - السنن، لأبي عبد الرحمن النسائي، اعتناء: عبد الفتاح أبو غدة، نشر: مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب (١٩٨٦ م).\n١٣٨ - السنن، لأبي عبد الله الشافعي، تحقيق: د. خليل إبراهيم ملا خاطر، نشر:\nدار القبلة، جدة- مؤسسة علوم القرآن، دمشق- بيروت (١٩٨٩ م).\n١٣٩ - السنن، لأبي عبد الله بن ماجة، تحقيق: د. بشار عواد معروف، نشر: دار الجيل، بيروت (١٩٩٨ م).\n١٤٠ - السنن، لسعيد بن منصور، (فضائل القرآن والتفسير)، تحقيق: د. سعد بن عبد الله آل حميد، نشر: دار الصميعي، الرياض (١٩٩٣ م).","vol":"1","page":580},{"text":"١٤١ - سير أعلام النبلاء، لأبي عبد الله الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناءوط وآخرين، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨١ - ١٩٨٥ م).\n* شرح صحيح البخاري، للخطابي أعلام الحديث.\n١٤٢ - شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناءوط، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٩٤ م).\n١٤٣ - شرح معاني الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٧٩ م).\n١٤٤ - شرح المنار، لعز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز ابن الملك، نشر: مطبعة عثمانية (١٣١٥ هـ).\n١٤٥ - شرح منتهى الإرادات، لمنصور بن يونس البهوتي، مصورة: عالم الكتب، بيروت.\n١٤٦ - شعب الإيمان، لأبي بكر البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٠ م).\n١٤٧ - الشكر لله ﷿، لأبي بكر بن أبي الدنيا، تحقيق: ياسين السواس، نشر: دار ابن كثير، دمشق- بيروت (١٩٨٥ م).\n١٤٨ - الشمائل، لأبي عيسى الترمذي، تحقيق: محمد عفيف الزعبي، نشر (المحقق)، (١٩٨٣ م).\n١٤٩ - الصحاح، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، نشر: دار العلم للملايين، بيروت (١٩٧٩ م).\n١٥٠ - الصحيح المسند من أسباب النزول، لمقبل بن هادي الوادعي، نشر:\nالمكتب السلفي، القاهرة (١٤٠١ هـ).\n١٥١ - الصحيح، لأبي بكر بن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت (١٩٧٩ م).\n١٥٢ - الصحيح، لأبي حاتم بن حبان، بترتيبه المسمى الإحسان، لابن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناءوط، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٨ م).\n١٥٣ - الصحيح، لأبي عبد الله البخاري، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، نشر:\nدار القلم، دمشق- بيروت (١٩٨١ م).\n١٥٤ - الصحيح، لمسلم بن الحجاج، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر:\nالمكتبة","vol":"1","page":581},{"text":"الإسلامية، استانبول.\n١٥٥ - الضعفاء، لأبي جعفر العقيلي، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت- دار الباز، مكة المكرمة (١٩٨٤ م).\n١٥٦ - طبقات الأصبهانيين، لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: عبد الغفور البلوشي، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٧ م).\n١٥٧ - طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: نور الدين شريبة، نشر: مكتبة الخانجي، القاهرة (١٩٦٩ م).\n١٥٨ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد كاتب الواقدي، نشر: دار صادر، بيروت.\n١٥٩ - طبقات المفسرين، لمحمد بن علي الداودي، تحقيق: علي محمد عمر، نشر: مكتبة وهبة، مصر (١٩٧٢ م).\n١٦٠ - طرق حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n١٦١ - العقيدة السلفية في كلام رب البرية، لعبد الله بن يوسف الجديع، نشر: دار الإمام مالك- دار الصميعي، الرياض (١٩٩٥ م).\n١٦٢ - علل الحديث، لعبد الله بن يوسف الجديع (مخطوط).\n١٦٣ - العلل المتناهية، لأبي الفرج بن الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، نشر: إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد، لاهور (١٩٧٩ م).\n١٦٤ - عمل اليوم والليلة، لأبي بكر بن السني، تحقيق: بشير محمد عيون، نشر:\nمكتبة دار البيان، دمشق- مكتبة المؤيد، الطائف (١٩٨٧ م).\n١٦٥ - عمل اليوم والليلة، لأبي عبد الرحمن النسائي، تحقيق: د. فاروق حمادة، نشر: الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث في السعودية (١٩٨١ م).\n١٦٦ - غاية النهاية في طبقات القراء، لأبي الخير ابن الجزري، تحقيق: ج.\nبرجستراسر، نشر: مكتبة الخانجي، مصر (١٩٣٣ م).\n١٦٧ - غريب الحديث، لأبي إسحاق الحربي، تحقيق: د. سليمان بن إبراهيم العائد، نشر: جامعة أم القرى، مكة المكرمة (١٩٨٥ م).\n١٦٨ - غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند (١٩٦٤ - ١٩٦٧ م).\n١٦٩ - فتاوى ومسائل ابن الصلاح، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، نشر: دار المعرفة،","vol":"1","page":582},{"text":"بيروت (١٩٨٦ م).\n١٧٠ - فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، مصورة: دار المعرفة، بيروت عن طبعة محب الدين الخطيب.\n١٧١ - فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، نشر: دار الوفاء، المنصورة (١٩٩٧ م).\n١٧٢ - الفروع، لابن مفلح المقدسي، مصورة: عالم الكتب، بيروت (١٤٠٢ هـ).\n١٧٣ - الفروق في اللغة، لأبي هلال العسكري، نشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت (١٩٨٠ م).\n١٧٤ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد بن حزم، تحقيق: د.\nمحمد إبراهيم نصر، ود. عبد الرحمن عميرة، نشر: شركة مكتبات عكاظ، السعودية (١٩٨٢ م).\n١٧٥ - فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، نشر: جامعة أم القرى، مكة المكرمة (١٩٨٣ م).\n١٧٦ - فضائل الصحابة، لأبي عبد الرحمن النسائي، تحقيق: د. فاروق حمادة، نشر: دار الثقافة، الدار البيضاء (١٩٨٤ م).\n١٧٧ - فضائل القرآن، لجعفر بن محمد الفريابي، تحقيق: يوسف عثمان فضل الله، نشر: مكتبة الرشد، الرياض (١٩٨٩ م).\n١٧٨ - فضائل القرآن، لأبي عبد الرحمن النسائي، تحقيق: فاروق حمادة، نشر: دار الثقافة، الدار البيضاء (١٩٨٠ م).\n١٧٩ - فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين، نشر: دار ابن كثير، دمشق- بيروت (١٩٩٥ م).\n١٨٠ - فضائل القرآن، لابن الضريس، تحقيق: غزوة بدير، نشر: دار الفكر، دمشق (١٩٨٧ م).\n١٨١ - فضائل القرآن، لابن كثير (في آخر تفسيره)، نشر: دار الفكر، بيروت (١٩٧٠ م).\n١٨٢ - فضائل القرآن وتلاوته، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي، تحقيق:\nد. عامر حسن صبري، نشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت (١٩٩٤ م).\n١٨٣ - فقه اللغة وأسرار العربية، لأبي منصور الثعالبي، تحقيق: د. ياسين الأيوبي، نشر: المكتبة العصرية، بيروت (١٩٩٩ م).","vol":"1","page":583},{"text":"١٨٤ - الفقيه والمتفقه، لأبي بكر الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، نشر: دار ابن الجوزي، الدمام (١٩٩٦ م).\n١٨٥ - فهم القرآن، للحارث بن أسد المحاسبي، تحقيق: حسين القوتلي، نشر:\nدار الكندي- دار الفكر (١٩٧٨ م).\n١٨٦ - فوائد في مشكل القرآن، لعز الدين بن عبد السلام، تحقيق: د. سيد رضوان علي الندوي، نشر: دار الشروق، جدة (١٩٨٢ م).\n* الفوائد، لتمام الرازي الروض البسام.\n١٨٧ - الفوز الكبير في أصول التفسير، لشاه ولي الله الدهلوي، نشر: المكتبة العلمية، لاهور (١٩٧٠ م).\n١٨٨ - في ظلال القرآن، لسيد قطب، نشر: دار الشروق، القاهرة- بيروت (١٩٩٨ م).\n١٨٩ - قانون التأويل، لأبي بكر ابن العربي، تحقيق: محمد السليماني، نشر: دار القبلة، جدة- مؤسسة علوم القرآن، بيروت (١٩٨٦ م).\n١٩٠ - القراءة خلف الإمام، لأبي عبد الله البخاري، تحقيق: فضل الرحمن الثوري، نشر: المكتبة السلفية، لاهور (١٩٨٠ م).\n١٩١ - القطع والائتناف، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: د. أحمد خطاب العمر، نشر: وزارة الأوقاف، بغداد (١٩٧٨ م).\n١٩٢ - قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله ﷿، لعبد الرحمن حبنّكة الميداني، نشر: دار القلم، دمشق (١٩٨٩ م).\n١٩٣ - القول المفيد في وجوب التجويد، لمحمد موسى نصر، نشر: الأردن (١٩٨٥ م).\n١٩٤ - قيام الليل، لمحمد بن نصر (مختصره)، اختصار: أحمد بن علي المقريزي، نشر: حديث أكادمي، فيصل آباد، باكستان (١٩٨٢ م).\n١٩٥ - الكامل في التاريخ، لعز الدين ابن الأثير، نشر: دار الكتاب العربي، بيروت (١٩٨٠ م).\n١٩٦ - الكامل في ضعفاء الرجال، لأبي أحمد بن عدي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي محمد معوض، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٧ م).\n١٩٧ - الكشاف عن حقائق التنزيل، لجار الله الزمخشري، مصورة: دار المعرفة، بيروت.\n١٩٨ - كشف الأستار عن زوائد البزار، لنور الدين الهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن","vol":"1","page":584},{"text":"الأعظمي، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٧٩ - ١٩٨٥ م).\n١٩٩ - كشف الأسرار عن أصول البزدوي، لعلاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، مصورة: دار الكتاب العربي، بيروت (١٩٧٤ م).\n٢٠٠ - الكشف عن وجوه القراءات السبع، لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق:\nد. محيي الدين رمضان، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨١ م).\n٢٠١ - كشف اللثام عن طرق حديث غربة الإسلام، لعبد الله بن يوسف الجديع، نشر: مكتبة الرشد، الرياض (١٩٨٩ م).\n٢٠٢ - الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، تحقيق: د. عدنان درويش، ومحمد المصري، نشر: وزارة الثقافة، دمشق (١٩٨٢ م).\n٢٠٣ - لباب النقول في أسباب النزول، لجلال الدين السيوطي، نشر: دار إحياء العلوم، بيروت (١٩٧٩ م).\n٢٠٤ - لسان العرب، لجمال الدين ابن منظور، نشر: دار صادر، بيروت.\n٢٠٥ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل عبد الموجود وآخرين، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٦ م).\n٢٠٦ - مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨١ م).\n٢٠٧ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق: محمد فؤاد سزكين، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨١ م).\n٢٠٨ - مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم النجدي، تحقيق: عامر الجزار، وأنور الباز، نشر: دار الوفاء، المنصورة (١٩٩٧ م).\n٢٠٩ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن عطية الغرناطي، تحقيق: الرحالي الفاروقي وآخرين، نشر: دولة قطر (١٩٧٧ م).\n٢١٠ - المحصول في علم الأصول، لفخر الدين الرازي، تحقيق: د. طه جابر العلواني، نشر: جامعة محمد بن سعود الإسلامية (١٩٧٩ م).\n٢١١ - المحكم في نقط المصاحف، لأبي عمرو الداني، تحقيق: د. عزة حسن، نشر: دار الفكر المعاصر، بيروت- دار الفكر، دمشق (١٩٩٧ م).\n٢١٢ - المحلى، لأبي محمد بن حزم، نشر: دار الجيل- دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n٢١٣ - مختصر تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، تتمة وتعليق: محمد أحمد كنعان، نشر: المكتب","vol":"1","page":585},{"text":"الإسلامي، دمشق- بيروت (١٩٨٤ م).\n٢١٤ - مختصر المزني، نشر: دار المعرفة، بيروت.\n٢١٥ - المدخل إلى السنن الكبرى، لأبي بكر البيهقي، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، نشر: دار الخلفاء، الكويت.\n٢١٦ - المراسيل، لأبي داود السجستاني، تحقيق: شعيب الأرناءوط، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٨ م).\n٢١٧ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي، تحقيق: طيار آلتي قولاج، نشر: دار صادر، بيروت (١٩٧٥ م).\n٢١٨ - مسائل الإمام أحمد، رواية: أبي داود السجستاني، اعتناء: محمد رشيد رضا، مصورة: دار المعرفة، بيروت.\n٢١٩ - مسائل الإمام أحمد، رواية: إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، تحقيق: زهير الشاويش، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت (١٣٩٤ - ١٤٠٠ هـ).\n٢٢٠ - مسائل الإمام أحمد، رواية: ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، تحقيق: د.\nعلي سليمان المهنا، نشر: مكتبة الدار بالمدينة المنورة (١٩٨٦ م).\n٢٢١ - المستخرج على صحيح مسلم، لأبي عوانة الأسفراييني، نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند (١٣٦٢ هـ- ١٣٨٦ هـ).\n٢٢٢ - المستخرج على صحيح مسلم، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: محمد حسن الشافعي، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٦ م).\n٢٢٣ - المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٠ م).\n٢٢٤ - المستصفى في الأصول، لأبي حامد الغزّالي، تحقيق: محمد مصطفى أبو العلا، نشر: مكتبة الجندي، القاهرة (١٩٧١ م).\n٢٢٥ - المسك الأذفر، لمحمود شكري الآلوسي، نشر: المكتبة العربية، بغداد (١٩٣٠ م).\n٢٢٦ - المسند، لإسحاق بن راهويه، تحقيق: د. عبد الغفور البلوشي، نشر: مكتبة الإيمان، المدينة المنورة (١٩٩٠ - ١٩٩١ م).\n٢٢٧ - المسند (المسمى: البحر الزخّار)، لأبي بكر البزار، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله، نشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (١٩٨٨ - ١٩٩٦ م).","vol":"1","page":586},{"text":"٢٢٨ - مسند أبي بكر الصديق، لأبي بكر أحمد بن علي المروزي، تحقيق: شعيب الأرناءوط، نشر: المكتب الإسلامي، دمشق (١٣٩٣ هـ).\n٢٢٩ - مسند الشاميين، لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٩ - ١٩٩٦ م).\n٢٣٠ - مسند الفردوس، للديلمي، ترتيبه المسمى: زهر الفردوس (مخطوط).\n٢٣١ - المسند، لأبي بكر الحميدي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر:\nالمجلس العلمي، باكستان- الهند (١٩٦٣ م).\n٢٣٢ - المسند، لأبي بكر الروياني، تحقيق: أيمن علي أبو يماني، نشر: مؤسسة قرطبة (١٩٩٥ م).\n٢٣٣ - المسند، لأبي داود الطيالسي، نشر: دار الكتاب اللبناني- دار التوفيق، بيروت، مصورة عن نشرة: دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الهند.\n٢٣٤ - المسند، لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، مصورة المكتب الإسلامي، بيروت (١٩٧٨ م)، ونشرة الشيخ أحمد محمد شاكر (أنبه عليها في مواضعها)، ونشرة مؤسسة الرسالة بتحقيق: شعيب الأرناءوط ومجموعته، (والعزو إليها يتميز بأرقام الأحاديث).\n٢٣٥ - المسند، لأبي عبد الله الشافعي، بترتيب: محمد عابد السندي، تحقيق:\nيوسف الزواوي، وعزت العطار، مصورة: دار الكتب العلمية عن النسخة المنشورة سنة (١٩٥١ م).\n٢٣٦ - المسند، لعبد بن حميد (المنتخب منه)، تحقيق: صبحي السامرائي، ومحمود الصعيدي، نشر: عالم الكتاب، بيروت (١٩٨٨ م).\n٢٣٧ - المسند، لأبي محمد الدارمي، والمسمى خطأ في جميع نشراته (السنن)، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، نشر: دار القلم، دمشق (١٩٩١ م).\n٢٣٨ - المسند، لأبي يعلى الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، نشر: دار المأمون للتراث، دمشق (١٩٨٤ - ١٩٨٨ م).\n٢٣٩ - المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، نشر: مطبعة المدني، القاهرة (١٩٨٣ م).\n٢٤٠ - مشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: ياسين السواس، نشر: دار المأمون للتراث، دمشق.\n٢٤١ - المصاحف، لأبي بكر بن أبي داود السجستاني، تحقيق: د. آثر جفري، مصورة عن","vol":"1","page":587},{"text":"نشرة: المطبعة الرحمانية سنة (١٩٣٦ م).\n٢٤٢ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة، للبوصيري، تحقيق: موسى محمد علي، ود. عزت علي عطية، نشر: دار الكتب الحديثة، القاهرة (١٩٨٣ م).\n٢٤٣ - المصنف، لأبي بكر بن أبي شيبة، تحقيق: عبد الخالق الأفغاني وغيره، نشر: الدار السلفية، بومباي، الهند (١٩٧٩ - ١٩٨٣ م)، ونشرة: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٥ م)، والعزو للثانية يتميز بأرقام الأحاديث.\n٢٤٤ - المصنف، لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر:\nالمجلس العلمي، باكستان- الهند (١٩٧٠ - ١٩٧٢ م).\n٢٤٥ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، تحقيق:\nأيمن علي أبو يماني، وأشرف صلاح علي، نشر: مؤسسة قرطبة (١٩٩٧ م).\n٢٤٦ - مع القرآن الكريم، لد. شعبان محمد إسماعيل، نشر: دار الاتحاد العربي، مصر (١٩٧٨ م).\n٢٤٧ - معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، لمحمود خليل الحصري، مطابع شركة الشمرلي بمصر.\n٢٤٨ - معالم التنزيل، للحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد النمر وعثمان ضميرية وسليمان الحرش، نشر: دار طيبة، الرياض (١٩٩٧ م).\n٢٤٩ - معاني القرآن، للأخفش الأوسط، تحقيق: د. فائز فارس، نشر: المطبعة العصرية، الكويت (١٩٧٩ م).\n٢٥٠ - معاني القرآن، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني، نشر:\nجامعة أم القرى، مكة (١٩٨٨ م).\n٢٥١ - معاني القرآن، ليحيى بن زياد الفراء، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مصورة: عالم الكتب، بيروت (١٩٨٠ م).\n٢٥٢ - معجم الأدباء، لياقوت الحموي، مصورة: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٥٣ - المعجم الأوسط، لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: د. محمود الطحان، نشر:\nمكتبة المعارف، الرياض (١٩٨٥ - ١٩٩٥ م).\n٢٥٤ - المعجم الصغير، لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: كمال يوسف الحوت، نشر: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت (١٩٨٦ م).","vol":"1","page":588},{"text":"٢٥٥ - المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: وزارة الأوقاف، بغداد (١٩٧٨ - ١٩٨٣ م).\n٢٥٦ - معجم المصطلحات النحوية والصرفية، د. محمد سمير اللبدي، نشر:\nمؤسسة الرسالة، بيروت- دار الفرقان، عمّان (١٩٨٥ م).\n٢٥٧ - معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، نشر: مكتبة الخانجي، القاهرة (١٩٨١ م).\n٢٥٨ - معرفة الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، نشر: دار الوطن، الرياض (١٩٩٨ م).\n٢٥٩ - معرفة القراء الكبار، لأبي عبد الله الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف وغيره، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٤ م).\n٢٦٠ - المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، نشر: مكتبة الدار، المدينة المنورة (١٤١٠ هـ).\n٢٦١ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين ابن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مصورة: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٦٢ - المغني، لأبي محمد بن قدامة المقدسي، نشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n٢٦٣ - المغني في أصول الفقه، لجلال الدين عمر بن محمد الخبازي، تحقيق: د.\nمحمد مظهر بقا، نشر: جامعة أم القرى، مكة المكرمة (١٤٠٣ هـ).\n٢٦٤ - المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات، لمحمد عبد الرحمن المغراوي، نشر: دار طيبة، الرياض (١٩٨٥ م).\n٢٦٥ - مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة (١٩٥٠ م).\n٢٦٦ - المقدمة، لعبد الرحمن بن خلدون، نشر: الدار التونسية، تونس (١٩٨٩ م).\n٢٦٧ - المقنع في علوم الحديث، لابن الملقن، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، نشر: دار فواز، الإحساء (١٩٩٢ م).\n٢٦٨ - المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، مع كتاب النقط، لأبي عمرو الداني، تحقيق: محمد أحمد دهمان، نشر: مكتبة النجاح، طرابلس، ليبيا.\n٢٦٩ - المكتفى في الوقف والابتداء، لأبي عمرو الداني، تحقيق: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٨٤ م).","vol":"1","page":589},{"text":"٢٧٠ - الملل والنحل، للشهرستاني، تحقيق: محمد عبد القادر الفاضلي، نشر:\nالمكتبة العصرية، بيروت (٢٠٠٠ م).\n٢٧١ - مناقب الشافعي، لأبي بكر البيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر:\nمكتبة دار التراث، القاهرة (١٩٧١ م).\n٢٧٢ - المنتظم، لأبي الفرج بن الجوزي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٢ م).\n٢٧٣ - المنتقى، لابن الجارود، (مع: غوث المكدود)، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، نشر: دار الكتاب العربي، بيروت (١٩٨٨ م).\n٢٧٤ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، لمحمد الأمين الشنقيطي، (آخر تفسير: أضواء البيان)، مصورة: عالم الكتب، بيروت.\n٢٧٥ - المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، نشر:\nدار الفكر، بيروت (١٩٧٩ م).\n٢٧٦ - الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق: محمد عبد الله دراز، مصورة: دار الباز، عن طبعة المكتبة التجارية الكبرى، مصر.\n٢٧٧ - الموضح لأوهام الجمع والتفريق، لأبي بكر الخطيب البغدادي، تحقيق:\nعبد الرحمن المعلمي، نشر: دار الفكر الإسلامي (١٩٨٥ م).\n٢٧٨ - الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، لأبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق:\nد. نور الدين بن شكري، نشر: أضواء السلف، الرياض (١٩٩٧ م).\n٢٧٩ - الموطأ، للإمام مالك بن أنس، رواية: يحيى الليثي، تحقيق: بشار عواد معروف، نشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت (١٩٩٦ م).\n٢٨٠ - ميزان الاعتدال، لأبي عبد الله الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، مصورة: دار المعرفة، بيروت عن الطبعة المصرية سنة (١٩٦٣ م).\n٢٨١ - الناسخ والمنسوخ، لأبي جعفر النحّاس، تحقيق: د. محمد عبد السلام محمد، نشر: مكتبة الفلاح، الكويت (١٩٨٨ م).\n٢٨٢ - الناسخ والمنسوخ، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، تحقيق: محمد بن صالح المديفر، نشر: مكتبة الرشد، الرياض (١٩٩٠ م).\n٢٨٣ - نتائج الأفكار، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: مكتبة","vol":"1","page":590},{"text":"المثنى، بغداد (١٩٨٦ م).\n٢٨٤ - نسخة وكيع عن الأعمش، تحقيق: د. عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، نشر: الدار السلفية، الكويت (١٩٨٦ م).\n٢٨٥ - النشر في القراءات العشر، لأبي الخير ابن الجزري، تحقيق: علي محمد الضّباع، مصورة: دار الفكر، بيروت.\n٢٨٦ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين البقاعي، نشر: دائرة المعارف العثمانية، الهند (١٩٦٩ م).\n٢٨٧ - نقض المنطق، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، وسليمان الصنيع، نشر: مكتبة السنة المحمدية، القاهرة.\n٢٨٨ - نكت الانتصار لنقل القرآن، لأبي بكر الباقلاني، تحقيق: محمد زغلول سلام، نشر: منشأة المعارف، الإسكندرية (١٩٧١ م).\n٢٨٩ - النكت والعيون، لأبي الحسن الماوردي، تحقيق: خضر محمد خضر، نشر: وزارة الأوقاف، الكويت (١٩٨٢ م).\n٢٩٠ - النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود الطناحي، نشر: المكتبة الإسلامية، مصورة: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٩١ - نوادر الأصول، للحكيم الترمذي، مصورة: دار صادر، بيروت.\n٢٩٢ - نواسخ القرآن، لأبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق: محمد أشرف الملباري، نشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة (١٩٨٤ م).\n٢٩٣ - الواضح في أصول الفقه، لأبي الوفاء بن عقيل، تحقيق: د. عبد الله التركي، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت (١٩٩٩ م).\n٢٩٤ - الوافي بالوفيات، لصلاح الدين الصفدي، سلسلة النشرات الإسلامية، دار النشر فرانز شتايز، بفيسبادن (١٩٨١ م).\n٢٩٥ - الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي الحسن الواحدي، تحقيق: صفوت عدنان داودي، نشر: دار القلم، دمشق- الدار الشامية، بيروت (١٩٩٥ م).\n٢٩٦ - الوسيط في تفسير القرآن المجيد، لأبي الحسن الواحدي، تحقيق: عادل عبد الموجود وآخرين، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت (١٩٩٤ م).\n٢٩٧ - الوقف والابتداء، لأبي بكر بن الأنباري، تحقيق: محيي الدين رمضان، نشر: مجمع اللغة العربية، دمشق (١٩٧١ م).\n***","vol":"1","page":591}]}